‫الدعوة لتجديد الدين‪,‬د‪ .

‬محمد سلمه أبو المكارم‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫تجديد الدين‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫‬‫‬‫•‬
‫•‬

‫مفهوم التجديد‬
‫إننا سنذكر بعض ما نحسب أنها حقائق و نرى أنها منطقية ولعلها تكون بداية لوضع‬
‫أسس تجديد السلم ‪:‬‬
‫إن السلم هو الدين الذي أوحاه ال إلى محمد بن عبد ال)ص(‪,‬وهو يقتصر على‬
‫الوحي أو ما أوحى ال به إلى نبيه)ص(‪.‬‬
‫إن للسلم أصل واحد يمثل الوحي)منبع أو مصدر التشريع(‪,‬وهذا الصل يتمثل في‬
‫أمرين هما القرآن وما كان في السنة من وحي‪.‬‬
‫إن السلم هو الدين الذي يجب على المسلمين أن يؤمنوا به‪,‬وما لم يؤمروا أن يؤمنوا‬
‫به فليس من أصل الدين‪.‬‬
‫إن كل ما عدا الوحي ل يعد من السلم بل يكون من إضافات البشر بدًء من‬
‫النبي)ص( إلى الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء والمجتهدين‪.‬‬
‫إن كل ما عدا الصل ثم ينسب نفسه للسلم يجب أن يتقيد بالصل ول يخرج‬
‫عنه‪,‬ول يجوز أن يكون هناك أمر من صنع البشر ينسخ أو يعدل أو يبطل الصل‬
‫)الوحي(‪.‬‬
‫إن العقيدة ل تؤخذ إل من القرآن ومن يقين السنة‪,‬ول شيء غير ذلك‪.‬‬
‫إن النسك والشعائر ل يشرعها إل ال‪,‬ويأخذها المسلمون من أمر الرسول بها‪ ,‬وأدائه‬
‫لها‪,‬وليس بصفته مشرعًا لها‪,‬فالنسك والشعائر ل تكون إل بوحي‪.‬‬
‫إن المعاملت تفهم من خلل منظورين‬
‫الول هو‪:‬القواعد والسس التي جعلها ال من سنن الحياة‪,‬كالعدل والمساواة والرحمة‬
‫والصدق والوفاء والستقامة‪,‬والعمار وهذه ل تتغير ول تتبدل مع الزمان ول المكان‬
‫ول الشخاص‪.‬‬
‫الثاني هو‪:‬تطبيق ذلك في الحكام‪,‬فيؤخذ الحكم كتطبيق أو صورة أو مثال وليس‬
‫كأصل‪,‬فإذا طبقنا الحكم )النص(على الواقع فأدى ذلك لمخالفة الصل غيرنا في الحكم‬
‫حتى يتطابق مع الصل والقاعدة الفقهية المنطقية تقول‪):‬المور بمقاصدها(‪.‬‬
‫ل في ذاتها‪,‬ولهذا‬
‫إن نصوص الوحي الخاصة بالحكام هي تطبيق لصل وليست أص ً‬
‫فيمكن تعديلها بالزيادة او النقص أو تجميد العمل بها طبقًا للصل)المرجعية‬
‫الحاكمة‪:‬العقل والفطرة والغريزة وإعمار الكون(‪.‬‬
‫إن فهم صفة ال بأنه متصف بكل كمال ومنزه عن كل نقص يجب أن تكون حاكمة‬
‫في فهم روح الدين‪,‬فل شيء يمكن قبوله منتسبًا للدين يستشعر فيه أهل الصدق‬
‫والحكمة والستقامة أنه ينقص من قدر ال‪,‬كما ل يرفض أمر يستشعرون منه أنه يدل‬
‫على كمال عظمة ال‪.‬‬

‫•‬
‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫إن التاريخ والحداث والشخصيات‪,‬والقوال والفعال‪,‬ل تنسب للسلم مهما كان‬
‫صاحبها‪,‬ول يترتب عليها اعتقاد أو نسك وشعائر أو تأصيل للمعاملت‪.‬‬
‫إن المم السابقة قد خلطت بين ما هو صناعة إلهية)الوحي(‪,‬وبين ما هو صناعة‬
‫بشرية)أقوال وأفعال المنتمين للدين(‪,‬فرفعت قدر الوحي بداية‪,‬ثم ساوت بين‬
‫الثنين‪,‬ثم عظمت ما صنعه البشر على ما صنعه ال‪,‬وما كان للمسلمين أن ينزلقوا‬
‫إلى هذا المستنقع وقد تعهد ال بحفظ كتابه‪.‬‬
‫إن المذاهب والفرق يجب أن تفترق بسبب اختلفها على قواعد وأسس فهم‬
‫المور‪,‬وليس على أساس اختلف مصادر الدين‪,‬فيصبح التاريخ والشخاص‬
‫ل من الدين كالوحي سواء بسواء‪.‬‬
‫والحداث عند ذلك أص ً‬
‫إن من يعرض السلم على الناس يجب أن يقتصر عرضه على الوحي‪,‬فمن يكفر‬
‫بالوحي يكفر بالسلم‪ ,‬ومن يؤمن بالوحي يؤمن بالسلم‪,‬وما دون ذلك فليس مما‬
‫يجب أن يؤمن به‪,‬سواء قبله أم رفضه‪.‬‬
‫إن رفض السلم لتباع"ما ألفينا عليه آباءنا" هو أمر منطقي‪,‬فليس من المنطق أن‬
‫ل أمام ال بما من عليه من‬
‫يعبد أحد ربه بفهم غيره‪ ,‬بل كل إنسان سيكون مسئو ً‬
‫فهم‪,‬والحد الدنى الذي يمكن قبوله من الناس أن يكونوا قد راجعوا فهم الخرين‬
‫وقبلوه ولم يجدوا لديهم أو في أنفسهم ما هو أفضل منه‪,‬أما أن يكون فهم الخرين‬
‫ل وأساسًا يمنع الخروج عليه أو مناقشته فهذا ما ل يقبل من أسوياء وما نحسب أن‬
‫أص ً‬
‫ال يعذر مثل هؤلء يوم القيامة‪.‬‬
‫إن شيئًا مما يجتهد به البشر ويبدعون من فكر ومشاريع وتحضر ويحكم عليه أهل‬
‫الحكمة والعدل بالصواب والستقامة فهو من السلم وإن لم يوجد به نص معروف‬
‫من الوحي‪,‬وإن كل ما يحكم به أهل الحكمة والعدل بالخطأ والنحراف فإنه ليس من‬
‫السلم حتى وإن فهم من فهم من المسلمين كائنًا من كان أن ذلك من السلم ‪ ,‬فل‬
‫صواب ول خير يفتقد في السلم‪,‬ول انحراف ول فساد ول زيغ يمكن أن يجده أحد‬
‫في السلم‪.‬‬
‫إن الهدف الساسي من الدين هو إعمار الكون‪,‬أي إقامة الحضارة بشقيها المادي‬
‫والقيمي‪,‬وإن المر بعبادة ال وبيان أن كل حياة البشر هي ابتلء واختبار‬
‫وامتحان)العقيدة والنسك( إنما يصب ذلك في خانة الدعم والمساندة النفسية لمساعدة‬
‫البشر على تحقيق الهدف وليس هدفًا أوليًا في ذاته‪.‬‬
‫إن الدين الصحيح ل يتناقض فيه شيء داخله أو مع الواقع‪,‬فل تتناقض العقيدة مع‬
‫النسك)الشعائر(‪,‬أو مع المعاملت‪,‬كما ل يتناقض شيء من الدين مع طبيعة البشر‬
‫السوية أو مع طبيعة الكون‪,‬أو مع الهدف والغاية )الحضارة(‪.‬‬
‫إن كثيرًا من المدافعين عن الدين ومن المهاجمين له يتنكرون أو يفتقدون للية الفهم‬
‫الصحيحة للمور )المنطق(‪,‬أو للية سير وأداء المور)الفلسفة( ‪,‬أو لفهم تكوين‬
‫النسان)علم النفس(‪,‬أو لستيعاب بواعث السلوك الجماعي للبشر)علم الجتماع(‪.‬‬
‫إن التجديد يبدأ بتجريد الدين من كل ما هو دخيل عنه والبقاء على الوحي‬
‫فقط)الكتاب والسنة اليقينية(‪,‬ثم بتصحيح ألية فهم المور)المنطق(‪,‬ثم بالفهم الصحيح‬
‫للتكوين النفسي للبشر)علم النفس(‪,‬والفهم الصحيح للواقع)العلم المادي( وتصحيح فهم‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫آلية سير المور)الفلسفة(‪,‬ثم بالفهم الصحيح للسلوك الجماعي للبشر في تعاملهم مع‬
‫الواقع كله‪,‬أحياء وجمادات)علم الجتماع(‪.‬‬
‫إن تجديد فندق معروف يمكن أن يقتصر على إعادة دهان حوائطه‪,‬أو تغيير جميع‬
‫أبوابه وشبابيكه‪,‬أو هدم الجدران الداخلية وإعادة ترتيب الحجرات‪,‬أو هدمه كله وإعادة‬
‫بنائه على أساس جديد من التصميم المعماري والنظام الداري ‪,‬ولكنه على الرض‬
‫نفسها ويحمل السم نفسه‪,‬إن الوضع الخير هو فقط ما نريد أن يكون مع‬
‫السلم‪,‬فالرض والسم موجودان ‪,‬وهما النصوص التي تمثل الوحي)القرآن‬
‫والسنة(‪,‬أما أن يشترط أحد أن يبنى البناء الجديد على الشكل أو التصميم أو مساحة‬
‫ل لفضلية ذلك‬
‫الحجرات أو تنظيم الواجهة كما في الشكل القديم دون أن يقدم تعلي ً‬
‫على ما يعرض أمامه من تغيير فهذا ما يجب أن نحذر منه كما نحذر من إعادة البناء‬
‫على أسس أو تصميم أو شكل أو تشطيب غير معلل‪,‬أي ل يتطابق مع المرجعية‬
‫الموضوعة الممثلة في العقل والعلم والمنطق والفطرة والغريزة ومنهج إعمار‬
‫الكون‪,‬أو أن يكون مجرد مخالفة السابقين هدفًا في ذاته‪.‬‬
‫إن ما ورثته المة هو منظومة متكاملة مترابطة تكونت على مدار قرون‪,‬وضعت لها‬
‫أسس ودعائم وأركان وستائر ومصدات لتضمن بقاءها‪,‬ولن يحدث تجديد مع بقاء هذه‬
‫المنظومة بهيكلها الفكري والبشري‪,‬إنما التجديد سيحدث حين نستطيع تكوين منظومة‬
‫جديدة بأسس وقواعد وأركان ودعائم مختلفة عمن سبقتها أو متشابهة‪,‬ولكنها‬
‫المنظومة التي سنفهم بها الدين بأنفسنا والتي سنسأل عن هذا الفهم بها يوم القيامة‪,‬أما‬
‫أن نسأل عن فهم الدين بمنظومة وضعها لنا السابقون وقيدت التفكير والمرونة‬
‫الواجبة مع اختلف الزمان والمكان والتحضر فهذا ما ل يمكن تقبله‪.‬‬
‫إن أي تمسك بالبقاء على شيء من صنع السابقين يعد قيدًا وعائقًا على إبداع البشر‬
‫الحاليين‪,‬ولهذا فيجب تنحية كل ما هو صناعة بشرية‪,‬والبقاء على ما يتوافق مع‬
‫منهج من يجدد الدين فيصبح أمرًا ضمن التجديد لتوافقه مع المنظومة الجديدة‪.‬وإن‬
‫المنطق والفطرة والعلم والغريزة هي ضمن ما يوضع على أنه من صنع ال وليس‬
‫البشر‪.‬‬
‫إن التجديد سيشمل إعادة تعريف جميع اللفاظ والمصطلحات‪,‬ثم بيان وظيفة ودور‬
‫كل شيء في الحياة‪,‬ثم قيمته بالنسبة لباقي المور‪.‬‬
‫إذا وحدنا المصدر)القرآن والسنة(‪,‬ووضعنا النصوص الموحدة في مجتمعات‬
‫مختلفة‪,‬في التحضر والتخصص والشخاص‪,‬ثم عدنا إليهم بعد مائة عام‪,‬فهل يمكن أن‬
‫نجد توافقًا في التراث الذي بناه كل مجتمع على أساس تلك النصوص الموحدة؟‪,‬هل‬
‫سيتفق مجتمع الشعراء مع مجتمع علماء الطبيعة مع مجتمع البدو مع مجتمع أهل‬
‫سَب ْ‬
‫ت‬
‫ت َلَها َما َك َ‬
‫خَل ْ‬
‫ك ُأّمٌة َقْد َ‬
‫التجارة والترحال مع مجتمع أهل المنطق والفلسفة؟‪ِ},‬تْل َ‬
‫ن{ )‪ (134‬سورة البقرة‪.‬‬
‫عّما َكاُنوا َيْعَمُلو َ‬
‫ن َ‬
‫سَأُلو َ‬
‫ل ُت ْ‬
‫سْبُتْم َو َ‬
‫َوَلُكم ّما َك َ‬
‫إن التجديد يعني أن نبدأ من حيث بدأ الناس وليس بعد ذلك‪,‬أي أن نبدأ من حيث ل‬
‫يمكن أن تكون هناك بداية قبل ذلك‪,‬من هنا لبد أن نبدأ بالنص )الوحي(‪,‬ثم نفهمه كما‬
‫يجب أن يكون الفهم بمقياسنا نحن وليس بمقياس أحد قبلنا‪,‬إننا يمكن أن نقبل ما نوقن‬

‫•‬
‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫•‬

‫•‬

‫أنه صواب ممن كان قبلنا‪,‬ولكن المرفوض أن يكون منهجهم مفروضًا علينا دون أن‬
‫ندري لماذا وكيف تم وضع ذلك المنهج أو قبوله وإقراره‪.‬‬
‫إن تلقي الخطاب وفهمه يكون من خلل‪:‬‬
‫اللغة ‪:‬حيث تمثل الوسيلة لبلغنا ما يقال بوضوح‪,‬دون أن تحدد اللغة المقصد أو‬
‫الحكم على القول بالصواب و الخطأ أو الستقامة والنحراف‪,‬أو الجد والهزل‪.‬‬
‫العقل‪:‬حيث يحكم على المور من خلل الواقع المدرك بالحواس الخمس‪.‬‬
‫الفطرة‪:‬حيث يحكم على المور من خلل مرجعية القيم والخلق والمثل العل‪.‬‬
‫الغريزة‪:‬حيث يجب أن تكون المور جميعها في وعاء تلبية الغريزة‪,‬وما كان خارج‬
‫هذا الوعاء فهو من العبث‪.‬‬
‫العلم‪:‬حيث سيفهم الناس المور بقدر ما أحاطوا بالعلم‪,‬ولن يفهموا أمرًا ليس لهم به‬
‫علم فهمًا صحيحًا‪.‬‬
‫الهدف والغاية ‪:‬حيث سنفرق بين الجد والهزل‪,‬وبين الفساد والصلح‪,‬والبناء‬
‫والهدم‪ ,‬وما يثمر والعبث‪ ,‬إن الهدف والغاية هو العامل الذي سيحدد الولويات‬
‫ويعطي القيمة النسبية للمور‪.‬‬
‫إن تجديد الدين لبد أن يسبقه تجديد منظومة الحياة‪,‬لن أصحاب المنظومة البالية لن‬
‫يتقبلوا ولن يتوافقوا مع دين تجدد من خلل أسس وقيم غريبة عليهم‪,‬وإذا لم تتجدد‬
‫المنظومة فسيقوم أهل المنظومة البالية بتسخير الدين المجدد لمنظومتهم فيعودون به‬
‫إلى سابق عهده أو أسوأ مما كان عليه‪.‬إن التجديد يبدأ من النفس‪,‬فإذا تجدد ما بداخلها‬
‫وتغير جددت دينها ودستورها وقوانينها وعاداتها وتقاليدها‪,‬أما أن يتجدد الدين في‬
‫صورة مؤلفات ومراجع فسوف يعود به أصحاب النفس البالية إلى سابق عهده‪.‬إن‬
‫القرآن هو الكتاب المقدس لدى أهل السنة والجماعة‪,‬ولدى الشيعة‪,‬ولدى كل الفرق‬
‫السلمية‪,‬فلماذا يختلفون؟‪,‬إن الختلف في منهج النفوس هو الذي يخلق التباين في‬
‫ن{ )‬
‫ل اْلُمْفسِِدي َ‬
‫عَم َ‬
‫ح َ‬
‫صِل ُ‬
‫ل ُي ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫التطبيق‪,‬فإذا توحد المنهج تقارب الشكل والتطبيق‪}.‬إِ ّ‬
‫‪ (81‬سورة يونس‬
‫إن الحضارة الغربية الحديثة بدأت بتغيير السس والقيم والمفاهيم‪,‬ثم وجدت من يتبنى‬
‫ذلك ويحمله‪,‬ثم أزاحت الدين أو غيرته أو هذبته حتى يتسنى لها الستمرار في‬
‫التقدم‪,‬فكان الدين آخر ما تغير‪,‬والسلم كأصل يسبق الحضارة والفكر ويسمو على‬
‫كل شيء‪,‬ولكن المشكلة فيمن يتعامل مع السلم وليس في السلم ذاته‪.‬‬

‫•‬
‫• إن تجديد المنظومة يعني أن نبدأ منذ ولدة الطفل‪,‬ونراجع كل شيء‪,‬ونلغي ما يعرف‬
‫بالمسلمات والثوابت‪,‬فل مسلمات إل ما نرى أنها مسلمات‪,‬ول ثوابت إل ما نقبل أن‬
‫تكون ثوابت‪,‬بالدليل والبرهان‪,‬وليس بالوراثة والتبعية‪.‬‬
‫• إن الذين سيحكمون على المور فيقبلون ويرفضون هم أهل الحكمة والعلم‬
‫والستقامة‪,‬ولن يكون لهل الهواء والعصبية والعاطفة مكان بينهم‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful