‫الدين في المجال العام‬

‫يورغن هابرماس‬
‫ترجمة هشام عمر النور‬
‫‪1‬‬
‫اكتسبت التقاليد الدينية وجماعات العقيدة أىمية سياسية جديدة منذ التغيرات التي غيرت العصر في‬
‫‪ 1989‬ػ ‪1990‬ـ‪ 1‬وىي أىمية لـ تكف متوقعة مف قبؿ‪ .‬ولسنا في حاجة إلى القوؿ‪ ،‬أف أوؿ ما يتبادر إلى الذىف‬
‫ىو مختمؼ األصوليات الدينية التي نواجييا ليس فقط في الشرؽ األوسط وانما أيضاً في أفريقيا وجنوب شرؽ‬
‫آسيا وفي شبو القارة اليندية‪ .‬وىي ترتبط أحياناً بالصراعات القومية واألثنية‪ ،‬ولكنيا أصبحت في عصرنا الراىف‬
‫الحاضنة لئلرىاب غير المركزي الذي يعمؿ عولمياً ويتـ توجييو ضد اإلىانات والجراحات المعروفة التي سببتيا‬
‫الحضارة الغربية المتفوقة‪ .‬وىنالؾ أيضاً أعراض أخرى‪.‬‬
‫مثبلً‪ ،‬االحتجاج في إيراف ضد النظاـ الفاسد ىيأ المكاف وبدعـ مف الغرب إلى حكـ حقيقي لرجاؿ الديف‬
‫يخدـ الحركات األخرى كنموذج تتبعو‪ .‬وفي بمداف مسممة عديدة‪ ،‬كما في إسرائيؿ‪ ،‬قانوف األسرة الديني إما بديؿ‬
‫لمقانوف العمماني المدني أو ممحؽ لو‪ .‬وفي أفغانستاف (وقريباً في العراؽ)‪ ،‬فإف تطبيؽ دستور ليبرالي عمى ٍ‬
‫نحو ما‬
‫يجب أف يكوف متوافقاً مع الشريعة‪ .‬وبالمثؿ‪ ،‬تشؽ الصراعات الدينية طريقيا إلى المجاؿ الدولي‪ .‬واآلماؿ التي‬
‫ارتبطت باألجندة السياسية لحداثات متعددة‪ ،‬زودتيا بالطاقة الثقة الذاتية لتمؾ العوالـ الدينية والتي ىي بدوف شؾ‬
‫تشكؿ وجو الحضارات الكبرى‪ .‬وفي الجانب الغربي مف السياج‪ ،‬تغير الوعي بالعبلقات الدولية في ضوء الخوؼ‬
‫مف "صداـ الحضارات" ػ ػ "محور الشر" ىو فقط أحد األمثمة البارزة لذلؾ‪ .‬وحتى المثقفوف الغربيوف‪ ،‬ولنبدأ نقداً‬
‫‪2‬‬

‫ذاتياً في ىذا الخصوص‪ ،‬بدأوا في االستجابة بعداء لصورة الحضارة الغربية التي يمتمكيا اآلخروف عف الغرب‪.‬‬

‫األصولية في أركاف الدنيا األخرى يمكف أف تقرأ‪ ،‬ضمف أشياء أخرى‪ ،‬في ضوء تأثير االستعمار‬
‫العنيؼ لفترات طويمة والفشؿ في تفكيكو‪ .‬ففي ظروؼ غير مؤاتية‪ ،‬اخترؽ التحديث الرأسمالي ىذه المجتمعات‬
‫مف الخارج فقدح زناد عدـ األماف االجتماعي والفوضى الثقافية‪ .‬في ىذه القراءة‪ ،‬فإف الحركات الدينية تقوـ‬
‫بتغييرات جذرية في البنية االجتماعية وتتسبب في عدـ التوافؽ الثقافي‪ ،‬والتي يعيشيا الفرد تحت شروط تحديث‬
‫متسارعة أو فاشمة كأحساس باالنخبلع مف الجذور‪ .‬وما ىو أكثر إثارة لمدىشة ىو البعث السياسي لمديف في قمب‬
‫الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬حيث تتجمى دينامية التحديث بأكثر طرقيا نجاحاً‪ .‬وبالتأكيد‪ ،‬نحف ندرؾ في أوروبا‪،‬‬
‫ومنذ أياـ الثورة الفرنسية‪ ،‬قوة الشكؿ الديني مف التقميدية والتي كانت ترى نفسيا كثورة مضادة‪ .‬عمى أية حاؿ‪ ،‬إف‬
‫استدعاء الديف كقوة لمتقاليد يكشؼ ضمنياً عف شؾ مقمؽ بشأف إمكاف انييار صحة ما اعتبرناه تقاليد‪ .‬وفي‬

‫‪1‬‬

‫المقابؿ‪ ،‬فإف الصحوة السياسية المستمرة لوعي ديني قوي في الواليات المتحدة األمريكية لـ تتأثر وبشكؿ واضح‬
‫بيذه الشكوؾ‪.‬‬
‫ىنالؾ دليؿ إحصائ ي عمى موجة العممانية في معظـ الدوؿ األوروبية منذ نياية الحرب العالمية الثانية ػ ػ‬
‫بالترافؽ يداً بيد مع التحديث االجتماعي‪ .‬وفي المقابؿ‪ ،‬فإف المعمومات تشير في الواليات المتحدة األمريكية إلى‬
‫أف الجزء األكبر بالمقارنة مف السكاف يتكوف مف مواطنيف مخمصيف ونشطاء دينياً وظموا كذلؾ خبلؿ الستة عقود‬
‫األخيرة‪ 3.‬واألكثر أىمية‪ :‬أف اليميف الديني ليس تقميدياً‪ .‬ألنو‪ ،‬وعمى وجو الدقة‪ ،‬يطمؽ طاقة تمقائية مف إعادة‬
‫الحيوية التي تسبب حنقاً مثبطاً وسط المعادييف مف العممانييف‪.‬‬
‫حركات التجديد الديني في قمب الحضارة الغربية عززت‪ ،‬عمى المستوى الثقافي‪ ،‬مف اإلنقساـ السياسي‬
‫في الغرب الذي أثارتو حرب العراؽ‪ 4.‬وتشمؿ قضايا اإلنقساـ‪ ،‬ضمف قضايا أخرى‪ ،‬إزالة أحكاـ األعداـ‪ ،‬قواعد‬
‫ونظـ ليبرالية لئلجياض‪ ،‬وضع العبلقات المثمية عمى قدـ المساواة مع عبلقات الزواج بيف الجنسيف؛ الرفض‬
‫غير المشروط لمتعذيب‪ ،‬وبشكؿ عاـ تحقيؽ أولوية الحقوؽ عمى المنافع الجمعية؛ مثبلً‪ ،‬األمف القومي‪ .‬ويبدو أف‬
‫الدوؿ األوروبية تحافظ عمى التقدـ في ذلؾ الطريؽ الذي شقتو‪ ،‬منذ الثورتيف الدستوريتيف في أواخر القرف الثامف‬
‫عشر‪ ،‬جنباً إلى جنب مع الواليات المتحدة األمريكية‪ .‬وفي ىذه األثناء‪ ،‬تزايد تأثير استخداـ الديف لغايات سياسية‬
‫في كؿ أنحاء العالـ‪ .‬وعمى ىذه الخمفية‪ ،‬فإف اإلنقساـ في الغرب تـ فيمو في الواقع وكأنما أوروبا كانت تعزؿ‬
‫نفسيا عف بقية العالـ‪ .‬وتبدو اآلف ما سماىا ماكس فيبر بػ"العقبلنية الغربية" ىي االنحراؼ الحقيقي في ضوء‬
‫تاريخ العالـ‪.‬‬
‫ومف وجية النظر الرجعية ىذه‪ ،‬فإف التقاليد الدينية تبدو مستمرة دوف أف تضعؼ قوتيا مزيمةً العقبات‬
‫المفترض مف قبؿ أنيا قائمة بيف المجتمعات التقميدية والمجتمعات الحديثة‪ .‬وبيذه الطريقة‪ ،‬فإف صورة الغرب‬
‫نفسو عف الحداثة يبدو‪ ،‬كما في التجارب النفسية‪ ،‬أنيا تخضع لتحويؿ‪ :‬فالنموذج المعياري لكؿ الثقافات األخرى‬
‫فجأة يصبح سيناريو لحالة خاصة‪ .‬وحتى إذا كاف ىذا التحوؿ الجشتالطي المقترح ال يصمد تماماً أماـ الفحص‬
‫السوسيولوجي واذا كاف الدليؿ المقابؿ يمكف أف يصبح متسقاً مع التفسيرات المتفؽ عمييا لمعممنة‪ 5،‬فميس ىنالؾ‬
‫شؾ أف الدليؿ نفسو وفوؽ كؿ ذلؾ حقيقة األساليب السياسية المنقسمة كعرض‪ ،‬كميا تتبمور حولو‪.‬‬
‫ظيرت مقالة في يوميف بعد االنتخابات الرئاسية‪ ،‬كتبيا مؤرخ وعنونيا "اليوـ الذي انتيى فيو التنوير"‪.‬‬
‫وقد سأؿ سؤاالً تحذيرياً‪" :‬ىؿ ال يزاؿ مف الممكف أف ندعوا الناس الذيف يؤمنوف بوالدة العذراء بحماسة أكبر مف‬
‫إيمانيـ بالتطور بأنيـ أمة مستنيرة؟ أمريكا‪ ،‬الديمقراطية الحقيقية األولى في التاريخ‪ ،‬نتاج لقيـ التنوير ‪ ...‬وعمى‬
‫الرغـ مف أف المؤسسيف قد إختمفوا عمى أشياء كثيرة إالّ أنيـ تشاركوا قيـ ما ُعرؼ بعد ذلؾ بالحداثة ‪ ...‬إحتراـ‬

‫الدليؿ لـ يعد قائماً بعد اآلف‪ ،‬حيف يشير استطبلع أجري قبؿ االنتخابات بأف ‪ %75‬مف الداعميف لمسيد بوش‬

‫‪2‬‬

‫يعتقدوف أف العراؽ أما أف يكوف قد عمؿ بصورة لصيقة مع القاعدة أو أنو متورط بطريقة مباشرة في ىجمات‬
‫‪6‬‬

‫الحادي عشر مف سبتمبر"‪.‬‬

‫بغض النظر عف الكيفية التي نقييـ بيا الوقائع فإف تحميؿ االنتخابات يؤكد أف االنقساـ الثقافي لمغرب‬
‫يجري تماماً في األمة األمريكية نفسيا‪ :‬التوجيات القيمية المتصارعة ػ ػ اإللو والشواذ والسبلح ػ ػ تغطي عمى‬
‫مصالح متباينة أكثر ممموسية‪ .‬واذا كاف األمر كذلؾ‪ ،‬فإف لمرئيس بوش تحالؼ ناخبيف دوافعيـ األساسية دينية‬
‫عميو أف يشكرىـ النتصاره‪ 7.‬ىذا التحوؿ في السمطة يشير إلى تحوؿ ذىني في المجتمع المدني الذي يشكؿ‬
‫أيضاً خمفية المناقشات األكاديمية عف الدور السياسي لمديف في الدولة والمجاؿ العاـ‪.‬‬
‫مرة أخرى‪ ،‬الصراع حوؿ مادة الجممة األولى مف اإلصبلح [الدستوري] األوؿ‪" :‬يجب عمى الكونغرس‬
‫أالّ يضع قانوناً ينصب ديناً‪ ،‬أو مف ثـ يمنع حرية ممارستو"‪ .‬الواليات المتحدة كانت الرائدة في طريؽ تأسيس‬
‫حرية التديف التي تعتمد عمى االحتراـ المتبادؿ لمحرية الدينية لآلخريف‪ 8.‬المادة ‪ 16‬الرائعة مف إعبلف الحقوؽ‬
‫الذي ُح ّدد في فرجينيا عاـ ‪1776‬ـ ىي الوثيقة األولى لحرية التديف التي ضمنتو كحؽ أساسي يمنحو المواطنوف‬
‫الديمقراطيوف لبعضيـ البعض عبر انقسامات مجتمعاتيـ الدينية المختمفة‪ .‬وعمى عكس ما تـ في فرنسا‪ ،‬فإف‬

‫ابتدار حرية التديف في الواليات المتحدة األمريكية لـ يكف يعني انتصار العممانية عمى سمطة ىي في أفضؿ‬
‫حاالتيا تتسامح مع األقميات الدينية وفقاً لمعاييرىا التي تفرضيا‪ .‬ىنا‪ ،‬عممنة سمطات الدولة ال تخدـ بطريقة‬
‫أساسية الغرض السمبي لحماية المواطنيف مف إرغاميـ عمى تبني عقيدة ضد إرادتيـ‪ .‬وانما‪ ،‬بدالً عف ذلؾ‪ ،‬تمت‬
‫صياغتيا لضماف الحرية اإليجابية لممستوطنيف الذيف أداروا ظيرىـ ألوروبا القديمة لبلستمرار في ممارسة كؿ‬
‫منيـ لدينو دوف عائؽ‪ .‬وليذا السبب‪ ،‬فإف كؿ األطراؼ في الحوار األمريكي الحالي عف الدور السياسي لمديف‬
‫تدعي وفاءىا لمدستور‪ .‬وسنرى ألي حد ىذا الزعـ صحيح‪.‬‬
‫وفيما يمي سأعنى بالحوار الذي ثار مع إحياء نظرية جوف رولز السياسية‪ ،‬خاصةً مفيومو عف‬
‫"االستخداـ العمومي لمعقؿ"‪ .‬كيؼ يؤثر االنفصاؿ الدستوري لمدولة عف الكنيسة عمى الدور الذي ُسمح لمتقاليد‬
‫والمجتمعات والمنظمات الدينية أف تمعبو في المجتمع المدني والمجاؿ العاـ السياسي‪ ،‬وفوؽ كؿ ذلؾ في صياغة‬
‫الرأي واإلرادة السياسية لممواطنيف أنفسيـ؟ أيف يجب أف نضع الحد الفاصؿ مف وجية نظر الرجعييف؟ ىؿ‬
‫المعارضوف الذيف ىـ حالياً في طريقيـ لمحرب ضد النسخة الميبرالية مف معايير أخبلؽ المواطنة يعظموف فقط‬
‫مف معنى الدولة العمماني الذي ينحاز إلى الديف وىو الذي ظؿ يعني الحياد‪ ،‬في مقابؿ فكرة العممانية الضيقة‬
‫عف المجتمع التعددي؟ أـ أنيـ يغيروف بطر ٍ‬
‫يقة ما غير ممحوظة األجندة الميبرالية مف قاعدتيا إلى قمتيا ػ ػ ومف ثـ‬
‫ىـ يجادلوف أصبلً عمى أساس خمفية فيـ ذاتي مختمؼ لمحداثة؟‬
‫وأود أوالً أف استحضر لمذىف المقدمات الميبرالية لمدولة الدستورية والمستتبعات التي تمزـ عف فيـ جوف‬
‫رولز لبلستخداـ العمومي لمعقؿ عمى أخبلؽ المواطنة (‪ .)2‬ومف ثـ سأذىب لمعالجة أكثر االعتراضات أىمية‬

‫‪3‬‬

‫عمى ىذه الفكرة التي ىي باألحرى مقيدة لمدور السياسي لمديف (‪ .)3‬ومف خبلؿ المناقشة النقدية لممقترحات‬
‫الرجعية التي تمس بالتأكيد أسس الفيـ الذاتي لميبرالية سأطور فيماً خاصاً بي (‪ .)4‬عمى أية حاؿ‪ ،‬يستطيع‬
‫المواطنوف العممانيوف والدينيوف فقط أف يمبوا التوقعات المعيارية لمدور الميبرالي لممواطنيف إذا ما استطاعوا بالمثؿ‬
‫تمبية شروط معرفية محددة ونسبوا إلى المقابؿ النقيض السموؾ المعرفي نفسو‪ .‬وسأشرح ماذا يعني ىذا بمناقشة‬
‫التغير في شكؿ الوعي الديني الذي حدث كاستجابة لتحديات الحداثة (‪ .)5‬وبالتبايف‪ ،‬فإف الوعي العمماني الذي‬
‫يعيش في مجتمع ما بعد عمماني يأخذ شكؿ التفكير ما بعد الميتافيزيقي في المستوى الفمسفي (‪ .)6‬وفي‬
‫االعتباريف معاً‪ ،‬تواجو الدولة الميبرالية مشكمة أف المواطنيف العممانييف والدينييف يستطيعوف أف يكتسبوا ىذا‬
‫السموؾ فقط مف خبلؿ عمميات التعمـ المكممة لبعضيا البعض‪ ،‬بينما تظؿ نقطةً خبلفية إذا ما كانت ىذه‬
‫"العمميات التعميمية" ال يمكف لمدولة مطمقاً وبأية طريقة التأثير عمييا بوسائميا في القانوف والسياسة (‪.)7‬‬

‫‪2‬‬
‫تطور الفيـ الذاتي لمدولة الدستورية ضمف إطار التقميد التعاقدي الذي يعتمد عمى العقؿ "الطبيعي"‪،‬‬
‫بكممات أخرى الذي يعتمد فقط عمى الحجج العمومية التي ىي‪ ،‬افتراضاً‪ ،‬متاحة لجميع األشخاص عمى قدـ‬
‫المساواة‪ .‬ويشكؿ افتراض العقؿ اإلنساني العاـ قاعدة تبرير الدولة العممانية تمؾ التي لـ تعد تعتمد عمى‬
‫المشروعية الدينية‪ .‬وىذا بدوره يجعؿ الفصؿ بيف الدولة والكنيسة ممكناً عمى المستوى الدستوري في المكاف‬
‫األوؿ‪ .‬وكاف السقوط التاريخي الذي ظير الفيـ الميبرالي بالتضاد معو ىو الحروب الدينية ونزاعات الوحي في‬
‫عصور الحداثة المبكرة‪ .‬ولقد استجابت الدولة الدستورية أوالً بالعممنة ثـ الحقاً بدمقرطة السمطة السياسية‪ .‬ىذه‬
‫‪9‬‬

‫األصوؿ تشكؿ أيضاً الخمفية لنظرية جوف رولز الميبرالية السياسية‪.‬‬

‫الحرية الدستورية لمتديف ىي اإلجابة السياسية المناسبة لتحديات التعددية الدينية‪ .‬بيذه الطريقة‪ ،‬يمكف‬
‫السيطرة عمى إمكاف النزاع عمى مستوى التفاعؿ االجتماعي لممواطنيف‪ ،‬بينما عمى المستوى المعرفي يمكف‬
‫لمصراعات العميقة الجذور أف تستمر في الوجود بيف المعتقدات ذات الصمة وجودياً‪ ،‬لممؤمنيف‪ ،‬ولممؤمنيف‬
‫بمعتقدات أخرى‪ ،‬ولغير المؤمنيف‪ .‬ومع ذلؾ فإف الطابع العمماني لمدولة ضروري عمى الرغـ مف أنو ليس شرطاً‬
‫كافياً لضماف حريات دينية متساوية لمجميع‪ .‬فميس كافياً االعتماد عمى العطؼ العظيـ لمسمطة المعممنة التي‬
‫أصبحت متسامحة مع األقميات التي كاف يتـ التمييز ضدىا مف قبؿ‪ .‬إف األطراؼ المختمفة نفسيا يجب أف تصؿ‬
‫إلى اتفاؽ عمى الحدود المتصارع عمييا دائماً بيف الحرية اإليجابية لممارسة ديف ما لمفرد نفسو والحرية السمبية‬
‫ألف تظؿ سالماً مف الممارسات الدينية لآلخريف‪ .‬واذا كاف مبدأ التسامح أف تكوف فوؽ أي نوع مف الشعور بالقير‬
‫فإننا يجب أف نجد أسباباً ممزمة لتعريؼ ما يمكف أف نتسامح بشأنو وما اليمكف‪ ،‬أسباب يمكف لجميع األطراؼ‬
‫‪10‬‬

‫قبوليا بالتساوي‪.‬‬

‫وال يمكف أف نجد ترتيبات عادلة إالّ إذا تعممت األطراؼ المشاركة أف تنظر مف منظورات‬

‫اآلخريف‪ .‬وأفضؿ إجراء يمكف أف يناسب ىذا الغرض ىو األسموب التدبري لتكويف اإلرادة الديمقراطية‪ .‬في الدولة‬
‫العممانية‪ ،‬يجب أف توضع الحكومة وبأية طريقة عمى أسس غير دينية‪ .‬الدستور الميبرالي يجب أف يمؤل فجوة‬
‫‪4‬‬

‫فقداف المشروعية بسبب العممنة التي جردت الدولة مف استخبلص سمطتيا مف اإللو‪ .‬ومف ممارسة صياغة‬
‫الدساتير‪ ،‬ظيرت تمؾ الحقوؽ األساسية التي يجب أف يوفرىا المواطنوف األحرار والمتساوييف لبعضيـ البعض‬
‫‪11‬‬

‫اإلجراء الديمقراطي قادر عمى‬

‫إذا أرادوا أف يرتبوا تعايشيـ عقبلنياً عمى أساس وبواسطة قوانينيـ الوضعية‪.‬‬

‫توفير المشروعية بفضؿ عنصريف ػ ػ أوالً المشاركة السياسية المتساوية لكؿ المواطنيف‪ ،‬التي تضمف أف يفيـ الذيف‬
‫تخاطبيـ القوانيف أنيـ ىـ أيضاً الذيف وضعوىا؛ ػ ػ ثانياً البعد المعرفي لمتدبر الذي يؤسس لمنتائج المقبولة‬
‫‪12‬‬

‫عقبلنياً‪.‬‬

‫ىذاف العنصراف لممشروعية يفسراف نوع القيـ السياسية التي تتوقعيا الدولة الميبرالية مف مواطنييا‪ .‬وعمى‬
‫وجو الدقة فإف شروط المشاركة الناجحة لمممارسة المشتركة لمتقرير الذاتي الديمقراطي تمؾ التي تحدد أخبلؽ‬
‫المواطنة‪ :‬لكؿ إختبلفيـ المستمر بشأف مسائؿ رؤية العالـ والمذاىب الدينية‪ ،‬فإف المواطنيف معنييف بإحتراـ‬
‫أحدىما اآلخر كأعضاء متساوييف وأحرار في مجتمعيـ السياسي‪ .‬وعمى أساس ىذا التضامف المدني فإف المتوقع‬
‫مف المواطنيف ىو النظر بطر ٍ‬
‫يقة ما لموصوؿ إلى إتفاؽ عمى أسس عقبلنية حينما نأتي إلى المسائؿ السياسية‬
‫الخبلفية ػ ػ فيـ يدينوف أ حدىـ لآلخر بالحجج العقبلنية الجيدة‪ .‬يتحدث رولز في ىذا السياؽ عف "واجب المدنية"‬
‫و"االستخداـ العمومي لمعقؿ"‪" :‬مثاؿ المواطنة يفرض واجباً أخبلقياً ػ ػ واجب المدنية ػ ػ ال واجباً قانونياً‪ ،‬لكي يكوف‬
‫قاد اًر عمى التفسير ألحدىما اآلخر وعمى أساس ىذه األسئمة الجوىرية كيؼ يمكف أف يتـ دعـ المبادئ والسياسات‬
‫التي يدافعوف عنيا ويصوتوف ليا بواسطة قيـ العقؿ العمومي‪ .‬ويشمؿ ىذا الواجب أيضاً الرغبة في سماع‬
‫‪13‬‬

‫اآلخريف والذىنية العادلة لتقرير متى يجب عقبلنياً أف يتـ استيعاب وجية نظرىـ"‪.‬‬

‫فقط مع إطار قانوني التحاد ذاتي الحكـ لمواطنيف متساوييف وأحرار ُيطرح سؤاؿ المرجع الستخداـ‬

‫العقؿ العمومي الذي يتطمب مف المواطنيف تبرير مقوالتيـ السياسية وسموكيـ السياسي ألحدىما اآلخر في ضوء‬
‫‪14‬‬

‫(تأويؿ معقوؿ)‬

‫لمبادئ دستورية صحيحة‪ .‬وىنا يشير رولز إلى "قيـ العقؿ العمومي" أو في مكاف آخر إلى‬
‫‪15‬‬

‫"المقدمات التي نقبميا ونظف أف اآلخريف يمكف أف يقبموىا عقبلنياً"‪.‬‬

‫في الدولة العممانية تكوف الق اررات السياسية‬

‫المشروعة ىي فقط تمؾ التي يمكف تبريرىا تبري اًر محايداً في ضوء األسباب المتاحة عموماً‪ ،‬بكممات أخرى أف‬
‫تكوف مبررة بالنسبة لممواطنيف الدينييف والمواطنيف غير الدينييف والمواطنيف مف المعتقدات األخرى‪ .‬القاعدة التي‬
‫ال يمكف تبريرىا تبري اًر محايداً ىي قاعدة غير مشروعة بسبب أنيا تعكس حقيقة أف طرفاً يفرض إرادتو عمى‬
‫اآلخر‪ .‬مواطنو المجتمع الديمقراطي ممزموف بتوفير حجج ألحدىما اآلخر‪ ،‬قوة الحجج السياسية وحدىا ىي‬
‫القادرة عمى خمع سطوتيا القامعة‪ .‬ىذا االعتبار يفسر "الشرط" الجدالي الستخداـ الحجج غير العمومية‪.‬‬
‫مبدأ الفصؿ بيف الدولة والكنيسة يمزـ السياسييف والموظفيف داخؿ المؤسسات السياسية بصياغة وتبرير‬
‫‪16‬‬

‫القوانيف‪ ،‬وقواعد القضاء‪ ،‬والق اررات والمقاييس فقط بالمغة التي تكوف متاحة بالتساوي لكؿ المواطنيف‪.‬‬

‫ولكف‬

‫الشرط الذي يخضع لو المواطنيف واألحزاب السياسية ومرشحييا والمنظمات االجتماعية والكنائس والجمعيات‬

‫الدينية األخرى ليس شرطاً محدداً تحديداً تاماً في المجاؿ العمومي السياسي‪ .‬يكتب رولز‪" :‬الو هو ن‬
‫‪5‬‬

‫المذاهب الشاممة المعقولة‪ ،‬دينية نو غير دينية‪ ،‬يمك ن يتم تقديمها في المناقشة السياسية العامة في ني‬
‫وقت‪ ،‬بشرط ن يتم في الوقت المناسب تقديم الحجج السياسية ـــ ال تمك الحجج التي توفرها المذاهب الشاممة‬
‫‪17‬‬

‫وحدها ـــ والتي تكو كافية لدعم ك ما تقو المذاهب الشاممة ننه يدعمه"‪.‬‬

‫وىذا يعني أف الحجج السياسية‬

‫يمكف ببساطة أالّ يتـ وضعيا مقدماً كنص قبمي‪ ،‬ولكنيا يجب أف "تحاسب" بغض النظر عف السياؽ الديني الذي‬
‫‪18‬‬

‫يتـ تضمينيا فيو‪.‬‬

‫مف وجية النظر الميبرالية‪ ،‬تضمف الدولة حرية التديف لممواطنيف بشرط أف تقبؿ المجتمعات الدينية‪ٌّ ،‬‬
‫كؿ‬
‫مف منظور تقاليدىا المذىبية‪ ،‬ليس فقط فصؿ الكنيسة عف الدولة وانما أيضاً تعريؼ محدد لبلستخداـ العمومي‬
‫لمعقؿ‪ .‬يصر رولز عمى ىذا المطمب حتى عندما يواجو االعتراض‪ ،‬الذي يثيره ىو نفسو‪" :‬كيؼ يكوف ممكناً ‪...‬‬
‫ألصحاب معتقد ما ‪ ...‬أف يصادقوا عمى نظاـ دستوري حتى لو أدى ذلؾ إلى عدـ ازدىار مذىبيـ الشامؿ في‬
‫‪19‬‬

‫ظؿ ذلؾ النظاـ‪ ،‬أو تراجعو في الواقع؟"‬

‫قابؿ مفيوـ رولز عف العقؿ العمومي نقد صارـ‪ .‬لـ يتوجو النقد عمى مقدماتو الميبرالية تحديداً‪ ،‬وانما‬
‫توجو ضد تعريفو العمماني المفترض الزائد الضيؽ لمدور السياسي لمديف في اإلطار الميبرالي‪ .‬وىذا ليس لمتقميؿ‬
‫مف شأف حقيقة أف االعتراض أيضاً يممس في النياية الجوىر الحقيقي لمدولة الميبرالية‪ .‬ما ييمني (ىنا) ىو ما‬
‫ىو الحد الذي يجب أف يرسـ لممطالب التي تصؿ إلى ما بعد الدستور الميبرالي‪ .‬الحجج التي تدعـ دو اًر سياسياً‬
‫واسع األبعاد ال ينسجـ مع الطبيعة العممانية لمدولة‪ ،‬يجب أالّ ُيخمط مع اإلعتراضات المبررة عمى الفيـ العمماني‬
‫لمديمقراطية وحكـ القانوف‪.‬‬

‫يتطمب مبدأ فصؿ الكنيسة عف الدولة أف تعمؿ مؤسسة الدولة بحياد صارـ مع كؿ المجتمعات الدينية؛‬
‫يجب عمى البرلمانات والمحاكـ واإلدارة أالّ تنتيؾ الوصفة القائمة بعدـ تمييز جانب عمى حساب الجانب اآلخر‪.‬‬
‫ولكف ىذا المبدأ يجب أف يتـ تمييزه عف المطمب العمماني بإبتعاد الدولة عف تبني أي موقؼ سياسي يدعـ أو‬
‫يمنع ديناً ما بما ىو كذلؾ‪ ،‬حتى إذا أثر ذلؾ عمى كؿ المجتعات الدينية بالتساوي‪ .‬ىذا يمكف أف يصير فيماً زائد‬
‫‪20‬‬

‫الضيؽ لفصؿ الدولة عف الكنيسة‪.‬‬

‫وفي نفس الوقت‪ ،‬رفض العممانية يجب أالّ يؤدي إلى االستسبلـ لفتح الباب‬

‫واسعاً أماـ المراجعات التي تضعؼ المبدأ نفسو‪ .‬التسامح مع التبريرات الدينية ضمف العممية القانونية يمثؿ حالة‬
‫جديرة باإلعتبار‪ ،‬كما سنرى‪ .‬وىي التي تقوؿ‪ ،‬أف موقؼ رولز الميبرالي حاوؿ لفت انتباه النقاد إلى أخبلؽ‬
‫المواطنة أكثر مف لفت انتباىيـ إلى حيادية مؤسسات الدولة‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫معارضو رولز ضربوا أمثمة تاريخية لتأثيرات سياسية جيدة كانت لمكنائس والحركات الدينية في الواقع‬
‫بالتأكيد عمى الديمقراطية وحقوؽ اإلنساف‪ .‬ويوضح مارتف لوثر كنج وحركة الحقوؽ المدنية األمريكية النضاؿ‬
‫‪6‬‬

‫الناجح مف أجؿ استيعاب أوسع لؤلقميات والمجموعات الميمشة في العممية السياسية‪ .‬وفي ىذا السياؽ‪ ،‬فإف‬
‫أمر‬
‫الجذور الدينية لدوافع معظـ الحركات االجتماعية واالشتراكية في الواليات المتحدة والدوؿ األوروبية معاً ىي ٌ‬

‫بالغ اإلثارة‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫ىنالؾ أمثمة تاريخية واضحة عمى النقيض مف ذلؾ‪ ،‬وتحديداً لمدور القمعي والسمطوي لمكنائس‬

‫والحركات األصولية؛ وعمى أية حاؿ‪ ،‬وفي الدوؿ الدستورية جيدة التأسيس فإف الكنائس والمجتمعات الدينية بشكؿ‬
‫عاـ تؤدي وظائؼ ليست قميمة األىمية الستقرار وتقدـ ثقافة سياسية ليبرالية‪ .‬وىذا صحيح صحة خاصة بالنسبة‬
‫‪22‬‬

‫لشكؿ الديف المدني الذي نشأ في المجتمع األمريكي‪.‬‬

‫استخدـ بوؿ ج‪ .‬ويثماف االكتشافات السوسيولوجية لمتحميؿ المعياري ألخبلؽ المواطنة الديمقراطية‪ .‬وىو‬
‫يصؼ الكنائس والمجتمعات الدينية كفاعميف في المجتمع المدني الذي يمبي الضرورات الوظيفية إلنتاج‬
‫الديمقراطية األمريكية‪ .‬فيي تنتج الحجج لمحوار العمومي في القضايا الحرجة ذات الحموالت األخبلقية وتعالج‬
‫ميمات التنشئة السياسية بتنوير أعضائيا وتشجيعيـ عمى المشاركة في العممية السياسية‪ .‬وعمى أية حاؿ‪،‬‬
‫سيزوي إلتزاـ الكنائس بالمجتمع المدني‪ ،‬ىكذا تمضي الحجة‪ ،‬إذا كاف عمييـ في كؿ مرة التمييز بيف القيـ الدينية‬
‫والسياسية لمحفاظ عمى معايير شرط رولز ػ ػ في كممات أخرى‪ ،‬إذا كاف لزاماً عمييـ أف يجدوا مكافئاً لكؿ مقولة‬
‫دينية ينطقوف بيا في لغة كمية متاحة لمكؿ‪ .‬ومف ثـ يجب عمى الدولة الميبرالية‪ ،‬إذا كاف ألسباب وظيفية فقط‪ ،‬أف‬
‫تمتنع عف إلزاـ الكنائس والمجتمعات الدينية بمثؿ ىذه المعايير في الرقابة الذاتية‪ .‬ومف ثـ يجب عمييا أف تتجنب‬
‫‪23‬‬

‫كؿ ما يزيد فرض تحديدات مشابية عمى مواطنييا‪.‬‬

‫وىذا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ليس اإلعتراض المركزي عمى نظرية رولز‪ .‬فبغض النظر عف الطريقة التي توزف بيا‬
‫المصالح في العبلقة بيف الدولة والمنظمات الدينية فإف الدولة غير قادرة عمى تحميؿ مواطنييا‪ ،‬الذيف تضمف ليـ‬
‫حرية التعبير الديني‪ ،‬عبء واجبات ال تنسجـ مع متابعتيـ لحياة مخمصة دينياً ػ ػ فيي ال تستطيع أف تتوقع منيـ‬
‫ٍ‬
‫فحص دقيؽ‪.‬‬
‫يعبر عف‬
‫شيئاً مستحيبلً‪ .‬ىذا اإلعتارض ّ‬
‫ويمبس روبرت أودي واجب المدنية الذي إفترضو رولز مبداً خاصاً ىو "مبدأ التبرير العمماني" عندما‬
‫يكتب‪" :‬يجب أف يكوف لمشخص إلتزاماً منذ البداية بأالّ يدافع أو يدعـ أي قانوف أو سياسة عامة ‪ ...‬إالّ إذا كاف‬
‫‪24‬‬

‫يممؾ‪ ،‬أو يرغب في توفير‪ ،‬حجج مدنية كافية ليذا الدفاع أو الدعـ"‪.‬‬

‫ويضيؼ أودي ليذا المبدأ مطمباً يذىب‬

‫أبعد مف ىذا‪ ،‬تحديداً المطالبة بأف تكوف الحجج العممانية عمى درجة كافية مف القوة بحيث توجو سموؾ المواطف‬
‫‪25‬‬

‫نفسو‪ ،‬مثبلً في التصويت في االنتخابات‪ ،‬بإستقبلؿ تاـ عف الدوافع الدينية التمقائية‪.‬‬

‫ومع إعتبار الحكـ‬

‫األخبلقي لممواطف الفرد‪ ،‬فإف العبلقة بيف الدافع الحقيقي ألفعالو وتمؾ الحجج التي يصوغيا في المجاؿ العاـ‬
‫يمكف أف تكوف ذات صمة‪ .‬ولكف الفارؽ بيف الحجة والفعؿ ال يحمؿ أية تبعات مف منظور ما ىو ضروري‬
‫لمحفاظ عمى النظاـ الديمقراطي ككؿ‪ ،‬تحديداً مف حيث مساىمة المواطنيف التي يجب أف يقوموا بيا لمحفاظ عمى‬
‫الثقافة السياسية الميبرالية‪ .‬وفي النياية فإف الحجج الواضحة فقط‪ ،‬وفقط تمؾ الحجج التي ليا تأثير عمى النظاـ‬
‫السياسي‪ ،‬تستطيع في الواقع التأثير عمى تشكيؿ األغمبية وق ارراتيا ضمف المؤسسات السياسية‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫وبخصوص التوابع السياسية‪ ،‬فإننا "نحسب" فقط كؿ تمؾ القضايا والمقوالت والحجج التي تجد طريقيا‬
‫إلى التيار غير الشخصي لمتواصؿ العمومي وتساىـ في الدافع المعرفي ألي قرار (تدعمو سمطة الدولة وتنفذه) ػ ػ‬
‫إذا كاف مباش اًر في دعـ ق اررات الناخبيف أو غير مباشر في دعـ الق اررات التي يتخذىا قادة األحزاب السياسية‬
‫وأعضاء البرلماف أو األشخاص الذيف يحتموف مناصب (مثؿ القضاة والوزراء والموظفيف المرتبطيف باإلدارة)‪.‬‬
‫وليذا السبب لف أعير إىتماماً لمطمب أودي اإلضافي بشأف الدافع ولتمييزه بيف الحجج المعبر عنيا في المجاؿ‬
‫‪26‬‬

‫العاـ أو تمؾ التي تشكؿ دافعاً لسموكو داخؿ غرفة التصويت‪.‬‬

‫ما ىو ذو أىمية ممموسة لمنسخة المعيارية مف‬

‫الميبرالية السياسية ىو ببساطة متطمب "التبرير العمماني"‪ :‬فإذا كاف المعطى ىو أف الدولة الميبرالية تحسب فقط‬
‫ٍ‬
‫بمعتقد ما ممزميف بإقامة توازف بيف قناعاتيـ الدينية وقناعاتيـ‬
‫الحجج العممانية‪ ،‬فإف المواطنيف المرتبطيف‬
‫‪27‬‬

‫العممانية ػ ػ وبكممات أودي توازف الىوتي ػ أخبلقي‪.‬‬

‫ىذا المطمب يقابمو إعتراض بأف العديد مف المواطنيف المتدينيف لف يكوف في مقدورىـ أف يشرعوا في‬
‫ىذا اإلنقساـ المصطنع في ذىنيـ دوف أف يخاطروا بوجودىـ كأشخاص منحازيف‪ .‬ىذا اإلعتراض يجب أف يتـ‬
‫تمييزه عف المبلحظة التجريبية بأف العديد مف المواطنيف الذيف يتخذوف موقفاً في قضايا سياسية مف وجية نظر‬
‫دينية‪ ،‬ال يممكوف المعرفة أو الخياؿ الكافي إليجاد تبريرات عممانية ألنفسيـ تكوف مستقمة عف معتقداتيـ األصمية‪.‬‬
‫ىذه الحقيقة مقنعة بدرجة كافية خاصةً أف أية "يجب" تتضمف "يستطيع"‪ .‬ومع ذلؾ يمكننا أف نخطو خطوةً‬

‫لؤلماـ‪ .‬ىنالؾ وزف معياري ليذا االعتراض المركزي‪ ،‬بسبب ارتباطو بالدور التكاممي الذي يمعبو الديف في حياة‬

‫الشخص المعتقد‪ ،‬بكممات أخرى الرتباطو بػ"مقعد" الديف في الحياة اليومية‪ .‬فالشخصية المخمصة تتابع نشاطيا‬
‫اليومي بالرسـ عمى إعتقادىا‪ .‬لنضعيا بطريقة مختمفة‪ ،‬المعتقد الحقيقي ليس فقط مذىباً‪ ،‬محتوى نعتقد فيو‪ ،‬ولكنو‬
‫‪28‬‬

‫مصدر لمطاقة يصب لمشخص ذي اإلعتقاد في ممارستو ومف ثـ يغذي كؿ حياتيا أو حياتو‪.‬‬

‫ىذه النوعية الشاممة مف أسموب اإلعتقاد التي تنتشر في كؿ مساـ حياتنا اليومية تجري عمى الضد‪،‬‬
‫يمضي اإلعتراض‪ ،‬مف أي تبديؿ ىش لمجذور الدينية لممعتقدات السياسية بأساس معرفي مختمف‪" :‬فيو أمر‬
‫ينتمي إلى المعتقدات الدينية لمعديد مف األشخاص المتدينيف الجيديف في مجتمعنا أنو يجب عمييـ تأسيس كؿ‬
‫ق ارراتيـ المتعمقة بالقضايا الجوىرية لمعدالة عمى معتقداتيـ الدينية‪ .‬فيـ ال يرونو كخيار يمكف أف يقوموا بو أو ال‬
‫يقوموا بو‪ .‬فإعتقادىـ ىو أنو يجب عمييـ الكفاح مف أجؿ الشموؿ واإلنساؽ والتكامؿ في حياتيـ‪ :‬أي أف عمييـ‬
‫أف يسمحوا لكممات الرب‪ ،‬وتعاليـ التوراة‪ ،‬وأمر يسوع ومثالو‪ ،‬أو ميما يكف‪ ،‬لتشكيؿ وجودىـ ككؿ‪ ،‬بما في ذلؾ‪،‬‬
‫مف ثـ‪ ،‬وجودىـ االجتماعي والسياسي‪ .‬فدينيـ‪ ،‬بالنسبة إلييـ‪ ،‬ليس عف ش ٍئ آخر غير وجودىـ السياسي‬
‫واالجتماعي"‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫فيميـ لمعدالة المتأسس دينياً يخبرىـ ما ىو الصحيح سياسياً أو غير صحيح‪ ،‬وىذا يعني أنيـ‬
‫‪30‬‬

‫غير قادريف عمى تمييز أي حجج مستخمصة مف الحجج العممانية‪.‬‬

‫إذا قبمنا ىذا كإعتراض مقنع لذىني‪ ،‬فإف الدولة الميبرالية التي تحمي بطريقة خاصة مثؿ ىذه األشكاؿ‬
‫مف الحياة مف حيث أنيا حقوؽ أساسية‪ ،‬ال تستطيع في نفس الوقت أف تتوقع مف كؿ المواطنيف أف يبرروا‬
‫‪8‬‬

‫مقوالتيـ السياسية بإستقبلؿ مف معتقداتيـ الدينية أو رؤيتيـ لمعالـ‪ .‬ىذا المطمب المحدد يمكف فقط أف يوضع‬
‫عمى باب السياسييف‪ ،‬الذيف ىـ ضمف مؤسسات الدولة يكونوا خاضعيف لئللتزاـ بأف يظموا محايديف في وجو‬
‫‪31‬‬

‫رؤيات العالـ المتنافسة؛ بكممات أخرى يمكف فقط أف يقوـ بيا كؿ مف يشغؿ وظيفةً عامة أو مرشح ليا‪.‬‬

‫الشرط القبمي المؤسس لضماف الحريات المتساوية لمجميع في التديف ىو أف تظؿ الدولة محايدة تجاه‬
‫رؤيات العالـ المتنافسة‪ .‬اإلجماع عمى مبادئ دستورية يجب عمى كؿ المواطنيف افتراض أنيـ يتقاسمونيا مع‬
‫زمبلئيـ المواطنيف اآلخريف وترتبط أيضاً بمبدأ الفصؿ بيف الكنيسة والدولة‪ .‬وعمى أية حاؿ‪ ،‬وفي ضوء‬
‫اإلعتراض سابؽ الذكر سيكوف مف التعميـ الزائد لمعممنة أف نمد ىذا المبدأ مف المستوى المؤسسي لنطبقو عمى‬
‫المقوالت التي تقدميا المؤسسات والمواطنيف في المجاؿ العاـ السياسي‪ .‬ال يمكننا أف نستخمص مف السمة‬
‫إلتزـ شخصي مباشر مف كؿ المواطينيف بأف يمحقوا مقوالتيـ العمومية لمعتقداتيـ الدينية بما‬
‫العممانية لمدولة ا‬
‫يكافئيا في لغة عامة متاحة لمجميع‪ .‬وبالتأكيد فإف التوقع المعياري بأف كؿ المواطنيف المتدينيف عندما يمارسوف‬
‫حقيـ في التصويت فأنو يجب عمييـ في الموقؼ األخير أف يدعوا أنفسيـ ينقادوف لئلعتبارات العممانية ىو أف‬
‫يتجاىموا واقع حياتيـ المخمصة‪ ،‬الوجود الموجو في ضوء اإلعتقاد‪ .‬ىذا اإلفتراض تـ اإلعتراض عميو‪ ،‬عمى أية‬
‫‪32‬‬

‫حاؿ‪ ،‬باإلشارة إلى الوضع الواقعي لممواطنيف المتدينيف في البيئة العممانية لممجتمعات الحديثة‪.‬‬

‫النزاع بيف المعتقدات الدينية لمشخص والسياسات واإلعبلنات المبررة عممانياً يمكف أف ينشأ فقط بسبب‬
‫حقيقة أف المواطف المتديف يجب عميو أف يقبؿ أيضاً دستور الدولة العممانية ألسباب وجيية‪ .‬فيو لـ يعد يعش في‬
‫مجموعة سكانية منسجمة دينياً ضمف دولة مشروعيتيا مشروعية دينية‪ .‬ومف ثـ فإف يقينيات اإليماف كانت دائماً‬
‫ومنذ البداية متشابكة مع معتقدات قابمة لمتخطئة مف طبيعة عممانية؛ فمقد فقدت ومنذ زمف بعيد ػ ػ في صيغة‬
‫المحرؾ الذي ال يتحرؾ ولكنو ليس غير قابؿ لمحركة ػ ػ حصانتيا المزعومة ضد مضايقات التفكير المتأمؿ‬
‫‪33‬‬

‫الحديث‪.‬‬

‫في التركيب المتمايز لممجتمعات الحديثة فإف اليقينيات الدينية معرضة لضغط متزايد مف التأمؿ‪ .‬ىذا‬

‫اإلعتراض اإلبستمولوجي يقابؿ بدوره حجة مضادة‪ :‬بسبب إمكانية تأسيسيا عمى مرجعية يمكف الدفاع عنيا حتى‬
‫عقبلنياً‪ ،‬مرجعية سمطة دوغمائية ألساس صمد مف حقائؽ الوحي التي ال تقبؿ الخطأ‪ ،‬فإف المعتقدات الوجودية‬
‫المتجذرة دينياً تتحاشى ذلؾ النوع مف التفكير الجدالي غير المتحفظ الذي تخضع لو التوجيات األخبلقية ورؤيات‬
‫‪34‬‬

‫العالـ األخرى ‪ ،‬أي أف المفاىيـ العممانية لمفضيمة تكشؼ نفسيا‪.‬‬

‫‪4‬‬
‫تحوؿ الدولة الميبرالية المطمب المؤسسي بفصؿ الديف عف السياسة إلى عبء نفسي وذىني‬
‫يجب أالّ ّ‬
‫غير مشروط عمى مواطنييا الذيف يتبعوف عقيدةً ما‪ .‬ويجب‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أف نتوقع منيـ اإلعتراؼ بمبدأ أف تتـ‬

‫ممارسة السمطة السياسية بحياد تجاه رؤيات العالـ المتنافسة‪ .‬أي مواطف يجب أف يعرؼ ويقبؿ أف الحجج‬
‫‪9‬‬

‫العممانية فقط ىي التي يتـ اعتبارىا فيما وراء الفاصؿ الذي يفصؿ بيف المجاؿ العاـ غير الرسمي مف جية‬
‫والبرلمانات والمحاكـ والو ازرات واإلدارات مف جية أخرى‪ .‬ولكف كؿ ما ىو مطموب ىنا ىو القدرة المعرفية عمى‬
‫النظر لمعتقدنا تأممي ًا مف خارجو وعمى ربطو بوجيات النظر العممانية‪ .‬المواطنوف المتدينوف يمكف أف يدركوا‬
‫تماماً "شرط الترجمة المؤسسية" ىذا بدوف أف تنقسـ ىويتيـ إلى قسـ عمومي وآخر خاص في المحظة التي‬
‫يشاركوف في الخطابات العمومية‪ .‬ومف ثـ يجب أف يتـ السماح ليـ بالتعبير عف معتقداتيـ وتبريرىا بمغة دينية إذا‬
‫لـ يكف ليـ القدرة عمى إيجاد "ترجمة" عممانية ليا‪.‬‬
‫التغرب بأي وسيمة مواطنيف مف العممية السياسية‪ ،‬فيـ يتخذوف موقعاً بقصد سياسي حتى‬
‫ىذه الحاجة‬
‫ّ‬

‫إذا قدموا حججاً دينية‪ .‬وحتى إذا كانت المغة الدينية ىي المغة الوحيدة التي يستطيعوف تكمميا في المجاؿ العاـ‪،‬‬
‫واذا كانت اآلراء المبررة دينياً ىي الوحيدة التي يستطيعوف أو يرغبوف في وضعيا في المناقشات السياسية‪ ،‬فيـ‬
‫عمى أية حاؿ يفيموف أنفسيـ كأعضاء في مجتمع مدني‪ ،‬يمكنيـ مف أف يكونوا مؤلفي القوانيف التي يخضعوف‬
‫ليا كمخاطَبيف بيا‪ .‬واذا كانوا يدركوف أنيـ يستطيعوف فقط التعبير عف أنفسيـ في تعبيرات دينية وتحت شرط‬
‫الترجمة المؤسسية الذي يدركونو فإنيـ يمكف أف يدركوا أنفسيـ كمشاركيف في عممية التشريع عمى الرغـ مف أف‬
‫الحجج العممانية وحدىا ىي التي يتـ اعتبارىا في ىذه العممية إذا وثقوا أف زمبلءىـ المواطنيف سيتعاونوف معيـ‬
‫إلنجاز الترجمة المطموبة‪.‬‬
‫السماح بمقوالت دينية غير مترجمة في المجاؿ العاـ السياسي يمكف أف يتـ تبريره ليس فقط في ضوء‬
‫حقيقة أننا ال يجب أف نتوقع تطبيؽ شرط رولز عمى أولئؾ المؤمنيف الذيف ال يستطيعوف االمتناع مف االستخداـ‬
‫السياسي لحججيـ الخاصة بدوف تعريض أساليبيـ في الحياة لمخطر‪ .‬وال يجب أيضاً‪ ،‬وألسباب وظيفية‪ ،‬التقميؿ‬
‫الزائد التسرع مف التركيب المتعدد ألصوات المجاؿ العاـ‪ .‬ألف الدولة الميبرالية ليا مصمحة في تحرير األصوات‬
‫الدينية في المجاؿ العاـ السياسي كما ليا مصمحة في المشاركة السياسية لممنظمات الدينية‪ .‬وىي يجب أالّ تثبط‬
‫األشخاص الدينييف والمجتمعات الدينية مف التعبير عف نفسيا سياسياً كمجتمعات وأشخاص دينييف‪ ،‬ألنيا ال‬
‫تستطيع أف تعمـ إذا ما كاف المجتمع المدني مف ثـ سيعزؿ نفسو عف مصادر مفتاحية في خمؽ المعنى واليوية‪.‬‬
‫المواطنوف العممانيوف أو أولئؾ الذيف ليـ قناعات دينية أخرى يمكف أف يتعمموا تحت ظروؼ بعينيا شيئاً ما مف‬
‫المساىمات الدينية؛ وسيكوف ىذا ىو الحاؿ‪ ،‬مثبلً‪ ،‬إذا أدركوا في محتوى الحقيقة المعياري لمقوالتيـ الدينية حدس‬
‫موارب بحقيقتيـ‪.‬‬
‫التقاليد الدينية ليا قوة خاصة في التعبير عف الحدس األخبلقي‪ ،‬خاصةً فيما يخص األشكاؿ الضعيفة‬
‫مف الحياة الجماعية‪ .‬وفي مناسبات الحوار السياسي المبلئـ‪ ،‬تجعؿ ىذه القدرة الكبلـ الديني مرشحاً جاداً لنقؿ‬
‫محتويات الحقيقة الممكنة والتي يمكف حينيا ترجمتيا مف قاموس مجتمع ديني معيف إلى لغة متاحة بشكؿ عاـ‪.‬‬
‫وعمى أية حاؿ‪ ،‬فإف الفاصؿ المؤسسي بيف "الحياة البرية" لممجاؿ العاـ السياسي واإلجراءات الرسمية داخؿ‬
‫المؤسسات السياسية يشكؿ أيضاً مصفاة تسمح بالمرور فقط لممساىمات العممانية مف األصوات المتعددة في‬
‫‪10‬‬

‫المجرى غير الرسمي لمتواصؿ العمومي‪ .‬في البرلماف‪ ،‬مثبلً‪ ،‬القواعد القائمة في إجراءات البرلماف يجب أف تم ّكف‬
‫رئيس البرلماف مف شطب المقوالت والتبريرات الدينية مف المحضر‪ .‬محتوى الحقيقة لممساىمات الدينية يمكف أف‬
‫يدخؿ فقط إلى الممارسات المؤسسية لمتدبر وصناعة القرار إذا حدثت منذ البداية الترجمة الضرورية في المجاؿ‬
‫السابؽ عمى البرلماف‪ ،‬أي في المجاؿ العاـ السياسي نفسو‪.‬‬
‫ومطمب الترجمة ىذا يجب أف ُيدرؾ كواجب تعاوني يجب أف يساىـ فيو وبنفس القدر المواطنوف غير‬

‫المتدينيف‪ ،‬إذا لـ يكف عمى زمبلئيـ المواطنييف المتدينيف أف يتحمموا عبئاً زائداً‪ .‬فبينما يمكف لممواطنيف المؤمنيف‬
‫أف يقدموا مساىمتيـ العمومية في لغتيـ الدينية التي تخصيـ بحيث تخضع فقط لشرط الترجمة‪ ،‬فإف المواطنيف‬
‫العممانييف يجب أف يفتحوا أذىانيـ لمحتوى الحقيقة المحتمؿ في ىذه التمثبلت الدينية والدخوؿ معيا في حوار‬
‫‪35‬‬

‫يمكف أف تخرج منو الحجج الدينية بحيث تتحوؿ إلى حجج متاحة عمى نحو عاـ‪.‬‬

‫إف مواطني المجتمعات‬

‫الديمقراطية يدينوف ألحدىـ اآلخر بحجج جيدة تدعـ مقوالتيـ السياسية وسموكيـ السياسي‪ .‬وحتى إذا لـ تخضع‬
‫المساىمات الدينية لمرقابة الذاتية‪ ،‬فيي تعتمد عمى أفعاؿ الترجمة التعاونية‪ .‬فبدوف الترجمة الناجحة لف تؤخذ‬
‫وجية نظر المضموف الجوىري لؤلصوات الدينية ضمف أجندة ومفاوضات الييئات السياسية وفي العممية‬
‫السياسية بشكؿ أوسع‪ .‬وبالتبايف‪ ،‬فإف نيكوالس ولترستورؼ وبوؿ ويثماف يرغباف في التخمي عف ىذا الشرط‪ .‬وىـ‬
‫بذلؾ‪ ،‬وعمى النقيض مف زعميما في البقاء متسقيف مع مقدمات الحجة الميبرالية‪ ،‬فإنيـ ينتيكوف مبدأ أف تظؿ‬
‫الدولة محايدة تجاه رؤى العالـ المتنافسة‪.‬‬
‫وفي رأي ويثماف أف المواطنيف ليـ الحؽ في تبرير مقوالتيـ السياسية العمومية في سياؽ رؤية شاممة‬
‫لمعالـ أو في سياؽ مذىب ديني‪ .‬وفي ىذه العممية يجب أف يمبوا شرطيف‪ .‬أوالً‪ ،‬يجب أف يكونوا مقتنعيف بأف‬
‫لحكومتيـ الحؽ في تنفيذ القوانيف والسياسات التي يدعمونيا بالحجج الدينية‪ .‬ثانياً‪ ،‬يجب أف تكوف لدييـ الرغبة‬
‫‪36‬‬

‫في الكشؼ عف أسباب إعتقادىـ ىذا‪.‬وىذه نسخة مخففة مف الشرط‬

‫الذي يطالب بالخضوع الختبار تعميـ‬

‫يجري مف منظور ضمير المتكمـ‪ .‬بيذه الطريقة‪ ،‬يرغب ويثماف في أف يجعؿ المواطنيف يصدروف أحكاميـ عف‬
‫وجية نظر تصدر مف فيـ لمعدالة حتى إذا أدركوا ىذه العدالة مف وجية نظر دينية أو أي رؤية جوىرية أخرى‬
‫لمعالـ‪ .‬يجب عمى المواطنيف أف يقدروا‪ ،‬ولو مف منظور مذىبيـ الخاص‪ ،‬ما الذي يمكف أف يكوف فاضبلً بالنسبة‬
‫لمجميع وبالتساوي‪ .‬وعمى أية حاؿ‪ ،‬فإف القاعدة الذىبية ليست ىي األمر المطمؽ؛ فيي ال تمزـ كؿ فرد مف بيف‬
‫‪37‬‬

‫كؿ الناس المعنييف أف يفترض بالتبادؿ منظور الشخص اآلخر‪.‬‬

‫وبيذا األسموب‪ ،‬يشكؿ أي منظور خاص‬

‫بالشخص يعايف منو العالـ أفقاً ال يمكف تجاوزه لتدبره في العالـ‪" :‬فالشخص الذي يجادؿ في المجاؿ العاـ في‬

‫المعايير يجب أف يكوف عمى استعداد لمتصريح بما يفكر أنو يبرر تفعيؿ الحكومة ليذه المعايير‪ ،‬ولك التبرير‬
‫الذي هو مستعد لتقديمه يمك ن يكو معتمداً عمى مزاعم‪ ،‬بما في ذلك المزاعم الدينية‪ ،‬يرى المدافعو ع‬
‫‪38‬‬

‫المنهج المعياري ننها غير متاحة لمجميع"‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫وبما أنو ليس ىنالؾ مصفاة مؤسسية منظورة بيف الدولة والمجاؿ العاـ‪ ،‬فإف ىذه النسخة ال تستبعد‬
‫إمكانية تنفيذ السياسات والبرامج القانونية فقط عمى أساس العقيدة الدينية لؤلغمبية الحاكمة‪ .‬وىذه النتيجة توصؿ‬
‫إلييا بوضوح نيكوالس ولترستورؼ‪ ،‬الذي لـ يكف يرغب في إخضاع االستخداـ السياسي لمحجج الدينية ألية قيود‬
‫ميما كانت‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫إذا فتحنا البرلمانات عمى معارؾ العقائد الدينية‪ ،‬فإف السمطة الحكومية يمكف أف تصبح وبطريقة‬

‫قاطعة أداة بيد األغمبية الدينية التي تؤكد إرادتيا ومف ثـ تنتيؾ العممية الديمقراطية‪.‬‬
‫وبالطبع فإف ما ىو غير مشروع ليس تصويت األغمبية‪ ،‬بإفتراض أنو تـ عمى وجيو الصحيح‪ ،‬وانما ىو‬
‫انتياؾ المكوف الجوىري اآلخر لمعممية‪ ،‬وبالتحديد طبيعة المناقشة التي جرى تدبرىا قبؿ التصويت‪ .‬ما ىو غير‬
‫مشروع ىو انتياؾ مبدأ الحيادية إذ طبقاً ليذا المبدأ يجب ن تصاغ كؿ الق اررات السياسية اإلدارية في لغة متاحة‬
‫لجميع المواطنيف عمى قدـ المساواة‪ ،‬كما يجب ن يكو ممكناً تبريرها في ىذه المغة أيضاً‪ .‬ينقمب حكـ األغمبية‬
‫إلى قمع إذا استخدمت ىذه األغمبية الحجج الدينية في مجرى عممية تكويف اإلرادة السياسية والرأي السياسي‬
‫ورفضت أف توفر تمؾ الحجج المتاحة في العموـ والتي تستطيع األقمية الخاسرة‪ ،‬إذا كانت عممانية أو صاحبة‬
‫معتقد مختمؼ‪ ،‬أف تتابعيا وتقييميا في ضوء المعايير المشتركة‪ .‬العممية الديمقراطية ليا القدرة عمى توفير‬
‫المشروعية وبطريقة مضبوطة لسببيف معاً كونيا شاممة لكؿ المشاركيف ولطابعيا التدبري‪ ،‬ألف وجية النظر‬
‫المبرَرة لمحصيمة العقبلنية يمكف تأسيسيا فقط عمى ىذا األساس عمى المدى الطويؿ‪.‬‬
‫َّ‬
‫ولقد حجب ولترستورؼ ىذه الحجة برفضو لكامؿ حجة خمفية اإلجماع المعقوؿ عمى األسس الدستورية‪.‬‬
‫مف وجية النظر الميبرالية‪ ،‬تفقد السمطة السياسية عنفيا المبلزـ ليا فقط بفضؿ التيدئة القانونية التي توفر إجماعاً‬
‫‪40‬‬

‫ويسجؿ ىنا ولترستورؼ إعتراضات تجريبية لمعارضة ىذا الفيـ‪ .‬فيو يسخر مف‬

‫يقوـ عمى مبادئ متفؽ عمييا‪.‬‬

‫"وفاء بروتستانياً بالمثاؿ" (عمى‬
‫االفتراضات المثالية المتجسدة في الممارسة الخالصة لمدولة الدستورية‪ ،‬باعتبارىا‬
‫ً‬

‫الرغـ مف أف مبدأ التوحيد البروتستانتي ال يتطابؽ والعممية الديمقراطية)‪ .‬وىو يرى أف المحاججة بيف المفيومات‬

‫المختمفة لمعدالة التي تتأسس عمى ديانات أو رؤيات مختمفة لمعالـ ال يمكف أف تحؿ باالفتراض العاـ لخمفية‬
‫إجماع شكمي ميما يكف‪ .‬وعمى الرغـ مف أنو يريد أف يستدعي مبدأ األغمبية مف اإلجماع الميبرالي‪ ،‬فإف‬
‫ولترستورؼ يتخيؿ أف ق اررات األغمبية في مجتمع منقسـ أيديولوجياً يمكف أف تؤدي في أفضؿ حاالتيا إلى تبلءـ‬
‫ممانع مع طريقة حياة ‪ .modus vivendi‬وستشعر األقمية الميزومة وكأنيا تقوؿ‪" :‬أنا ال أوافؽ‪ ،‬أنا أخضع ػ ػ إالّ‬
‫‪41‬‬

‫إذا وجدت أف القرار مخيؼ حقاً"‪.‬‬

‫وليس واضحاً مف ىذه المقدمة لماذا ال يتعرض المجتمع السياسي في أي وقت ببساطة لخطر التفكؾ‬
‫إلى صراعات دينية‪ .‬بالتأكيد‪ ،‬إف القراءة التجريبية المعتادة لمديمقراطية الميبرالية تعتبر دائماً ق اررات األغمبية‬
‫كخضوع مؤقت لؤلقمية لمقوة الفعمية لمحزب السائد عددياً‪ .‬ولكف ىذه النظرية النفعية تفسر قبوؿ عممية التصويت‬
‫بسبب رغبة الذيف اختاروا عقبلنياً المساومة؛ فيي تحسب مع أحزاب تطمح وفقاً لتفضيبلتيا إلى أكبر نصيب‬
‫ممكف مف المنافع األساسية‪ ،‬مثؿ الماؿ واألمف ووقت الرفاه‪ .‬األحزاب يمكف أف تصؿ إلى مساومات ألنيا كميا‬
‫‪12‬‬

‫تطمح إلى نفس األنواع مف المنافع القابمة لمتقسيـ‪ .‬ومع ذلؾ فإف ىذا الشرط ال يمكف الوفاء بو عمى نحو دقيؽ‬
‫بمجرد خمود الصراعات عمى النصيب مف ذات المنافع المادية‪ ،‬وانما يحؿ عمى أساس القيـ المتنافسة و"منافع‬
‫الخبلص" المستبعدة لبعضيا البعض‪ .‬الصراع عمى القيـ الوجودية بيف جماعات اإليماف ال يمكف حمو‬
‫بالمساومة‪ .‬وانما يمكف أف يتـ إحتوائو‪ ،‬عمى أية حاؿ‪ ،‬بنفي أية حدة سياسية في وجود خمفية اإلجماع المفترض‬
‫عمى مبادئ دستورية‪.‬‬

‫‪5‬‬
‫الصراع بيف رؤيات العالـ والمذاىب الدينية التي تطرح زعماً بتفسير موقع اإلنساف مف العالـ ككؿ ال‬
‫يمكف أف تطرح عمى اآلخريف عمى المستوى المعرفي‪ .‬وبمجرد ما يخترؽ أختبلؼ الرأي المعرفي عميقاً إلى أسس‬
‫التكامؿ المعياري بيف المواطنيف‪ ،‬يتفكؾ المجتمع السياسي إلى طوائؼ غير قابمة لمتصالح ولذلؾ فيي تستطيع‬
‫فقط العيش عمى أساس طريقة حياة غير مستقرة‪ .‬في غياب الرابط التوحيدي لمتضامف المدني‪ ،‬الذي ال يمكف أف‬
‫يفرض بالقانوف‪ ،‬ال يدرؾ المواطنوف أنفسيـ كمشاركيف أحرار ومتساوييف في الممارسات المشتركة لتكويف الرأي‬

‫السياسي واإلرادة السياسية حيف يدينو‬

‫لحدهما اآلخر بالحجج لمقوالتيـ السياسية وسموكيـ السياسي‪ .‬ىذه‬

‫تميز المجتمع المتكامؿ بالقيـ الدستورية مف المجتمع المنقسـ عبر‬
‫التوقعات المتبادلة بيف المواطنيف ىي التي ّ‬
‫خطوط انقساـ رؤيات العالـ المتنافسة‪ .‬واألخيرة تحرر المواطنيف العممانييف والدينييف في تعامميـ الواحد مع‬
‫اآلخر مف أي إلتزامات متبادلة لتبرير أنفسيـ في الحوار السياسي نحدهما نمام اآلخر‪ .‬في مثؿ ىذا المجتمع فإف‬
‫خمفية المعتقدات المتنازعة والروابط الثقافية الثانوية تيزـ اإلجماع الدستوري المفترض والتضامف المدني المتوقع؛‬
‫وفي حالة النزاعات التي تتجذر عميقاً‪ ،‬ال يحتاج المواطنوف إلى التبلءـ مع أو مواجية أحدىـ اآلخر كأشخاص‬
‫آخريف‪.‬‬
‫افتراض التبادلية السابؽ ذكره وعدـ اإلىتماـ المتبادؿ السابؽ ذكره أيضاً؛ اإلثناف معاً يجداف التبرير‬
‫بحقيقة أف نسخة المعيار الميبرالية داخمياً متناقضة ذاتياً إذا كانت تنسب إلى كؿ المواطنيف سموكاً سياسياً يوزع‬
‫أعباء معرفية غير متساوية بيف المواطنيف المتدينيف والمواطنيف العممانييف‪ .‬مطمب الترجمة لمحجج‬
‫في الحقيقة‬
‫ً‬

‫الدينية وما يتبعو مف أسبقية مؤسسية لمحجج العممانية يتطمب مف المواطنيف المتدينيف جيداً لمتعمـ والتبلءـ غير‬
‫مطموب مف المواطنيف العممانييف القياـ بو‪ .‬وىذا سيتطابؽ بأي درجة مع المبلحظة التجريبية بأنو حتى في‬
‫الكنائس فإف ىناؾ مقدار معيف مف الكراىية قد تواجد لمدة طويمة تجاه الدولة العممانية‪ .‬إف واجب القياـ‬
‫باالستخداـ العمومي لمعقؿ يمكف أف يتـ فقط تحت شروط أولية معرفية معينة‪ .‬ومع ذلؾ فإف السموؾ المعرفي‬
‫المطموب ىو تعبير عف ذىنية معطاة وال يمكف أف تصير‪ ،‬كالدوافع‪ ،‬مادة لمتوقعات المعيارية والمطالب السياسية‪.‬‬
‫أف أية "يجب" تفترض "يمكف"‪ .‬والتوقعات المعيارية ألخبلؽ المواطنة ليس ليا مطمقاً تأثير إالّ إذا وقع التغيير‬

‫‪13‬‬

‫المطموب في الذىنية أوالً؛ وفي غياب ىذا التغيير فإف ىذه األخبلؽ لف تخدـ سوى إشعاؿ الكراىية في جانب‬
‫أولئؾ الذيف يشعروف أنيـ تمت إساءة فيميـ واستنزفت قدراتيـ‪.‬‬
‫في الثقافة الغربية‪ ،‬عمى أية حاؿ‪ ،‬نبلحظ في الحقيقة تغيي اًر في شكؿ الوعي الديني منذ حركة اإلصبلح‬
‫الديني والتنوير‪ .‬ويصؼ السوسيولوجيوف ىذا "التحديث لموعي الديني" كاستجابة لمتحدي الذي واجيتو التقاليد‬
‫الدينية في نظرتيا لحقيقة التعددية‪ ،‬ولظيور العمـ الحديث‪ ،‬وانتشار القانوف الوضعي واألخبلؽ الدنيوية معاً‪ .‬في‬
‫ىذه الجوانب الثبلثة‪ ،‬يجب أف تطور المجتمعات التقميدية لئليماف إختبلفاً معرفياً لـ ينشأ عند المواطنيف‬
‫العممانييف‪ ،‬أو ينشأ عندىـ فقط عندما يرتبطوف بمذاىب تقوـ عمى ذات طريقة الدوغمائية‪:‬‬
‫يجب أف يطور المواطنوف الدينيوف سموكاً معرفياً تجاه األدياف األخرى‬
‫ورؤيات العالـ األخرى التي يواجيونيا في عالـ الخطاب الذي كاف يحتمو مف قبؿ دينيـ‬
‫فقط‪ .‬وىـ سينجحوف بقدر ما سيربطوف معنقداتيـ الدينية تأممياً بمقوالت مذاىب‬
‫الخبلص المنافسة بطريقة ال تجعميـ ييددوف زعميـ الخاص الحصري بالحقيقة‪.‬‬
‫أكثر مف ذلؾ‪ ،‬يجب أف يطور المواطنوف الدينيوف موقفاً معرفياً تجاه إستقبلؿ‬
‫المعرفة العممانية عف المعرفة المقدسة وتجاه االحتكار المؤسسي لمخبراء العممييف‬
‫الحديثيف‪ .‬وىـ سينجحوف فقط إذا ما أدركوا مف وجية نظرىـ الدينية العبلقة بيف‬
‫المعتقدات الدوغمائية والمعتقدات العممانية بطريقة ال تجعؿ التقدـ التمقائي لممعرفة‬
‫العممانية يتناقض مع إيمانيـ‪.‬‬
‫وأخي اًر‪ ،‬يجب أف يطور المواطنوف الدينيوف موقفاً معرفياً تجاه األولوية التي‬
‫تتمتع بيا الحجج العممانية في المجاؿ السياسي‪ .‬وىذا يمكف أف ينجح فقط إلى المدى‬
‫الذي يربطوف فيو وبقناعتيـ بيف الفردية المساواتية وكمية القوانيف واألخبلؽ الحديثتيف‬
‫بمقدمات مذاىبيـ الشاممة‪.‬‬
‫ىذه الميمة الشاقة لمتأمؿ الذاتي التأويمي يجب أف يتـ إنجازىا مف داخؿ التقاليد الدينية‪ .‬وفي ثقافتنا‪،‬‬
‫أنجز البلىوت جوىرياً ىذه الميمة‪ ،‬وفي الجانب الكاثوليكي تـ انجاز ىذه الميمة أيضاً بواسطة فمسفة األدياف‬
‫‪42‬‬

‫التي تقدمت بطريقة محزنة في تفسير معقولية اإليماف‪.‬‬

‫ومع ذلؾ فإف اإليماف والممارسة في المجتمع الديني‬

‫ىما المذاف يقرراف في المحظة األخيرة إذا ما كانت المعالجة اإلعتقادية لتحديات الحداثة المعرفية "ناجحة" أـ ال؛‬
‫وحينيا فقط سيقبميا المؤمف الحقيقي كنتيجة لػ"عممية تعمـ"‪ .‬ويمكف أف نصؼ السموؾ المعرفي الجديد كسموؾ‬
‫"مكتسب بالتعمـ" فقط إذا نشأ مف إعادة بناء‪ ،‬مقنعة بالتأكيد لممؤمنيف‪ ،‬لمحقائؽ المقدسة في ضوء شروط حياة‬
‫حديثة لـ تعد توجد بدائؿ ليا‪ .‬أما إذا كاف ىذا السموؾ محض نتيجة عارضة لتأقمـ سموكي وأضطراري‪ ،‬فإننا‬

‫‪14‬‬

‫يجب أف نجيب عمى سؤاؿ فوكو المتعمؽ بالكيفية التي تـ بيا الوفاء بالشروط المعرفية إلقامة األخبلؽ الميبرالية‬
‫لممواطنة ػ بالتحديد‪ ،‬بسبب يقظة ذلؾ النوع مف "السمطة الخطابية" التي تؤكد نفسيا في الشفافية المزعومة لممعرفة‬
‫المستنيرة‪ .‬وبالطبع‪ ،‬فإ ف ىذه اإلجابة ستتناقض مع الفيـ الذاتي المعياري لمدولة الدستورية‪ .‬بؿ أف إجابة مثؿ‬
‫ىذه‪ ،‬بالطبع‪ ،‬تتناقض مع الفيـ الذاتي المعياري ألية دولة دستورية‪.‬‬
‫ما ييمني‪ ،‬ضمف ىذا اإلطار الميبرالي‪ ،‬ىو السؤاؿ الذي لـ تتـ اإلجابة عميو ىؿ بعد كؿ ذلؾ يمقي‬
‫مفيوـ المواطنة بعد مراجعتو كما اقترحت أعباء غير متساوية عمى التقاليد الدينية والمجتمعات الدينية‪ .‬مف‬
‫الناحية التاريخية‪ ،‬كاف عمى المواطنيف المتدينيف أف يتعمموا تبني السموؾ المعرفي تجاه بيئتيـ العممانية‪ ،‬وىو‬
‫سموؾ يتمتع بو أصبلً المواطنوف العممانيوف مما يعني أنيـ بالدرجة األولى ال يتعرضوف لنزاع معرفي مشابو‪.‬‬
‫وعمى أية حاؿ فإف المواطنيف العممانييف‪ ،‬بالمثؿ‪ ،‬ال يوفرىـ العبء المعرفي ألف السموؾ العمماني ال يكفي‬
‫لمتعاوف المتوقع مع زمبلئيـ المواطنيف المتدينيف‪ .‬ويحتاج فعؿ التبلءـ المعرفي ىذا ألف يتـ تمييزه مف محض‬
‫فضيمة التسامح السياسي‪ .‬فما ىو عمى المحؾ ليس شعور ما باالحتراـ لؤلىمية الوجودية المحتممة لمديف بالنسبة‬
‫لمشخص اآلخر‪ .‬فما يجب أف نتوقعو أيضاً مف المواطنيف العممانييف أكثر مف ذلؾ‪ ،‬نتوقع منيـ تجاو اًز تأممي ًا‬
‫لفيميـ الذاتي العمماني لمحداثة‪.‬‬
‫طالما أف المواطنيف العممانييف مقتنعيف بأف التقاليد الدينية والمجتمعات الدينية ىي إلى حدما بقايا أثرية‬
‫مف المجتمعات ما قبؿ الحديثة تستمر في الوجود في حاضرنا‪ ،‬فإنيـ سيفيموف حرية التديف كنسخة ثقافية مف‬
‫مبرر داخمي لموجود‪ .‬ومبدأ فصؿ‬
‫الحفاظ عمى نوٍع يتيدده خطر اإلنقراض‪ .‬فمف وجية نظرىـ‪ ،‬لـ يعد لمديف أي ّ‬

‫الدولة عف الكنيسة يكوف بالنسبة إلييـ لو فقط المعنى الدنيوي لتوفير البل مباالة‪ .‬في القراءة العممانية‪ ،‬نستطيع أف‬
‫نتصور‪ ،‬في المدى الطويؿ‪ ،‬أف الرؤى الدينية ستذوب حتماً تحت شمس النقد العممي وأف المجتمعات الدينية لف‬
‫تتمكف مف مقاومة الضغوط الكاسحة لمتحديث الثقافي واالجتماعي‪ .‬المواطنوف الذيف يتبنوف مثؿ ىذا الموقؼ‬
‫المعرفي تجاه الديف ال يمكف‪ ،‬وبطريقة واضحة‪ ،‬أف يأخذوا بجدية المساىمة الدينية في الجداؿ في القضايا‬
‫السياسية أو حتى المساعدة في تقييميا إذا ما كاف فييا مادة ما يمكف أف تحتمؿ التعبير عنيا في لغة عممانية‬
‫وتبريرىا بحجج عممانية‪.‬‬
‫تحت المقدمات المعيارية لمدولة الدستورية‪ ،‬يكوف لقبوؿ المقوالت الدينية في المجاؿ العاـ السياسي‬
‫معنى فقط إذا كاف في إمكاننا أف نتوقع عدـ رفض كؿ المواطنيف ألي مادة معرفية محتممة في ىذه المساىمات‬
‫منذ البداية ػ بينما في نفس الوقت نحترـ أولوية الحجج العممانية وشرط الترجمة المؤسسية‪ .‬ىذا ما يفترضو‬
‫المواطنوف المتدينوف عمى أية حاؿ‪ .‬ولكنيا في جانب المواطنيف العممانييف تفترض عقمية ىي أي شئ إالّ كونيا‬
‫حالة طبيعية في المجتمعات العممانية في الغرب‪ .‬وعمى العكس‪ ،‬فإف رؤية المواطنيف العممانييف ألنفسيـ‬
‫كمواطنيف يعيشوف في مجتمع ما بعد عمماني يتـ ضبطو معرفياً عمى الوجود المستمر لممجتمعات الدينية يتطمب‬
‫أوالً تغيي اًر في الذىنية ليس أقؿ تدقيقاً معرفياً مف موائمة الوعي الديني ببيئة متزايدة العممانية بإستمرار‪ .‬وباإلتفاؽ‬
‫‪15‬‬

‫مع التغير في ىذا المبدأ األساسي‪ ،‬فإف المواطنيف العممانييف يجب أف يمسكوا بخبلفيـ مع اآلراء الدينية كخبلؼ‬
‫متوقع ومقبوؿ عقبلنياً‪.‬‬
‫وفي غياب ىذا الشرط المعرفي‪ ،‬فإف االستخداـ العمومي لمعقؿ ال يمكف أف يمزـ المواطنيف‪ ،‬عمى األقؿ‬
‫ليس بمعنى أنو يجب عمى المواطنيف العممانييف أف يرغبوا في الدخوؿ واالنخراط في مناقشة محتوى المساىمات‬
‫الدينية بقصد ترجمتيا‪ ،‬إذا كاف ىنالؾ مثؿ ىذا المحتوى‪ ،‬إذا كانت بداىات وحجج مقنعة أخبلقي ًا إلى لغة متاحة‬
‫‪43‬‬

‫عمى نحو عاـ‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫وىنا نفترض ذىنية معرفية يجب أف تنشأ مف التقييـ النقدي الذاتي لحدود العقؿ العمماني‪.‬‬

‫عمى أية حاؿ‪ ،‬ىذا الشرط المعرفي يشير إلى أف نسخة أخبلؽ المواطنة التي أقترحيا فقط يمكف أف نتوقعيا مف‬
‫كؿ المواطنيف بالتساوي إذا خضع المواطنوف العممانيوف والمتدينوف معاً لعمميات تعمـ متكاممة‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫إف ما يبدو أنو تخطي نقدي لما ىو بالنسبة إلى عقمي وعياً عممانياً ضيقاً ىو نفسو بالضرورة مسألة‬
‫جدالية ػ عمى األقؿ إلى نفس المدى الذي تكوف عميو االستجابة لمتحديات المعرفية لمحداثة التي تنزع عنيا‬
‫أسطوريتيا‪ .‬فبينما نحف نبلحظ فعمياً تحديث الوعي الديني بنظرة رجعية ونعتبره موضوعاً لبلىوت‪ ،‬فإف الخمفية‬
‫الطبيعية لمعممانية ما تزاؿ موضوعاً لحوار فمسفي مستمر ومفتوح النيايات‪ .‬الوعي الديني الذي نعيشو في مجتمع‬
‫ما بعد عمماني ينعكس فمسفياً في شكؿ فكر ما بعد ميتافيزيقي‪ .‬ىذا األسموب مف التفكير ال يستنفذه التأكيد عمى‬
‫محدودية العقؿ وال المزاوجة بيف السموؾ القابؿ لمتخطئة والسموؾ المعادي لمشؾ التي تميز العمـ الحديث منذ كانط‬
‫وبيرس‪ .‬والنظير العمماني لمتحديث الديني ىو الموقؼ غير الديني‪ ،‬ولكنو موقؼ فمسفي غير إختزالي‪ .‬فيو‬
‫ٍ‬
‫فاصؿ‬
‫يمتنع‪ ،‬مف جية‪ ،‬عف إصدار األحكاـ عمى الحقائؽ الدينية بينما يصر (بطريقة غير نزاعية) عمى رسـ‬
‫ٍ‬
‫محدد بيف اإليماف والمعرفة‪ .‬وىو يرفض‪ ،‬مف الجية األخرى‪ ،‬الفيـ العمموي المحدود لمعقؿ واقصاء المذاىب‬
‫الدينية مف أصوؿ العقؿ‪.‬‬
‫الفكر ما بعد الميتافيزيقي يمتنع راضياً عف إصدار مقوالت أنطولوجية عف تأسيس كؿ الموجودات؛‬
‫ولكف ىذا ال يعني أف نختزؿ معرفتنا عمى حاصؿ مجموع المقوالت التي تمثؿ "حالة العمـ" الراىنة في كؿ وقت‪.‬‬
‫العمموية تغرينا بطمس الحدود بيف المعرفة العممية الصحيحة‪ ،‬التي تكسب ارتباطيا بالنسبة إلى الكيفية التي يفيـ‬
‫بيا اإلنساف نفسو وموقعو في الطبيعة ككؿ‪ ،‬مف جية‪ ،‬والرؤية الطبيعية لمعالـ الي نستخمصيا تركيبياً مف ىذه‬
‫‪45‬‬

‫المعرفة‪ ،‬مف الجية األخرى‪.‬‬

‫ىذا الشكؿ الراديكالي مف المذىب الطبيعي يحط بقيمة كؿ أنواع المقوالت التي ال‬

‫يمكف ردىا إلى مبلحظات مضبوطة أو افتراضات قانونية أو تفسيرات سببية؛ بكممات أخرى‪ ،‬األحكاـ األخبلقية‬
‫والقانونية والتقييمية ال تقؿ استبعاداً عف األحكاـ الدينية‪ .‬كما يرينا النقاش المتجدد في الحرية والحتمية‪ ،‬وكما‬
‫يوفر التقدـ في عمـ الجينات الحيوية‪ ،‬وبحوث الدماغ والروبوتات محفزات لنوع مف طبعنة العقؿ اإلنساني تضع‬
‫‪16‬‬

‫‪46‬‬

‫محؿ التساؤؿ فيمنا العممي ألنفسنا كأشخاص مسئوليف عما نفعمو ويشجع الدعوة لمراجعة القانوف الجنائي‪.‬‬

‫الموضعة الذاتية الطبيعية لؤلشخاص التي تخترؽ حياتنا اليومية ال تنسجـ مع فكرة التكامؿ السياسي التي تنسب‬
‫لكؿ المواطنيف إفتراض خمفية اإلجماع المعياري‪.‬‬
‫أحد الدروب الواعدة إلى مفيوـ لمعقؿ متعدد األبعاد لـ يعد مثبتاً حصرياً عمى مرجعية العالـ‬
‫الموضوعي وانما أصبح واعياً بالنقد الذاتي بحدوده ىو إعادة بناء تاريخ تكوينو ىو نفسو‪ .‬وفي ىذا الخصوص‬
‫فإف الفكر ما بعد الميتافيزيقي ال يحصر نفسو في تراث الغرب الميتافيزيقي‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬ىو أيضاً يتأكد‬
‫مف عبلقتو الداخمية بديانات العالـ تمؾ التي تعود أصوليا‪ ،‬مثميا مثؿ أصوؿ الفمسفة اليونانية الكبلسيكية‪ ،‬إلى‬
‫أواسط األلفية األولى قبؿ ميبلد المسيح ػ بكممات أخرى تعود إلى ما يسميو يسبرز "العصر المحوري"‪ .‬األدياف‬
‫التي تجد جذورىا في ىذه الفترة أنجزت طفرتيا المعرفية مف السرديات األسطورية إلى العقؿ الذي يميز بيف‬
‫الجوىر والعرض بطريقة تشبو تماماً ما فعمتو الفمسفة اليونانية‪ .‬وفي مجرى "التحويؿ الييممنستي لممسيحية"‪ ،‬ركبت‬
‫‪47‬‬

‫الفمسفة بدورىا الموجة وتمثمت عدد مف الدوافع والمفاىيـ الدينية‪ ،‬خاصةً تمؾ التي توجد في تاريخ الخبلص‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫ال يمكف فيـ الشبكة المعقدة لمتراث فقط بما ينسجـ مع تاريخ الوجود‪ ،‬كما زعـ ىيدجر‪.‬‬

‫المفاىيـ‬

‫اإلغريقية مثؿ "االستقبلؿ" و"الفردية" أو المفاىيـ الرومانية مثؿ "التحرر" و"التضامف" مضى عمييا زمف طويؿ‬
‫‪49‬‬

‫منذ أف تـ تزويدىا بمعاني مف أصؿ ييودي ػ مسيحي‪.‬‬

‫ولقد وجدت الفمسفة بطريقة متكررة في مواجياتيا مع‬

‫التقاليد الدينية محفزات تجديدية‪ ،‬بما في ذلؾ التقاليد اإلسبلمية‪ ،‬إذا نجحت في تحرير المادة المعرفية مف غبلفيا‬
‫الدوغمائي في مصير الخطاب العقبلني‪ .‬وأفضؿ مثاليف عمى ذلؾ ىما كانط وىبجؿ‪ .‬وتوفر لنا مواجية أبرز‬
‫فبلسفة القرف العشريف مع كاتب ديني مثؿ كيركجارد دليبلً إضافياَ‪ ،‬كيركجارد الذي يفكر بطريقة ما بعد‬
‫ميتافيزيقية ولكف ليست ما بعد مسيحية‪.‬‬
‫بعض التقاليد الدينية ستبدو‪ ،‬حتى ولو كانت تحتؿ المسرح في زمنيا كآخر العقؿ الغامض‪ ،‬باقية في‬
‫الحاضر بطريقة أكثر حيوية مف الميتافيزيقيا‪ .‬لف يكوف معقوالً أف نرفض بدوف سبب فكرة أف أدياف العالـ ػ األثر‬
‫الوحيد الباقي مف الثقافات البعيدة لئلمبراطوريات القديمة ػ قد ضمنت لنفسيا مكاناً في المعمار المتمايز لمحداثة‬
‫إذ أف مادتيا المعرفية لـ تتضاءؿ بعد‪ .‬ال يمكننا عمى أي نحو استبعاد فكرة أنيا ما تزاؿ تحمؿ إمكاناً سيمانطيقياً‬
‫يحرر طاقة مميمة لكؿ المجتمع بمجرد أف تطمؽ محتواىا مف الحقيقة الدنيوية‪.‬‬
‫باختصار‪ ،‬الفكر ما بعد الميتافيزيقي مييأ ألف يتعمـ مف الديف‪ ،‬ولكف يظؿ غير ديني في ىذه العممية‪.‬‬
‫فيو يصر عمى اإلختبلؼ بيف يقينيات اإليماف‪ ،‬مف جية‪ ،‬وصبلحية المزاعـ التي يمكف أف يتـ انتقادىا في‬
‫المجاؿ العاـ‪ ،‬مف جية أخرى؛ ولكنيا تمتنع عف اإلفتراض العقبلني بأنيا يمكنيا بنفسيا أف تقرر الجزء العقبلني‬
‫مف المذاىب الدينية والجزء غير العقبلني منيا‪ .‬المحتويات التي يمتمكيا العقؿ بواسطة الترجمة يجب أالّ يفقدىا‬
‫اإليماف‪ .‬وعمى أية حاؿ‪ ،‬فإف الدفاع عف اإليماف بوسائؿ فمسفية ليس ىو ميمة الفمسفة الحقة‪ .‬وفي أفضؿ‬

‫‪17‬‬

‫األحواؿ‪ ،‬تحدد الفمسفة المب الغامض لمتجربة الدينية عندما تتأمؿ في المعنى الداخمي لئليماف‪ .‬ىذا المب يجب‬
‫أف يظؿ غريباً إلى أقصى حد عف الفكر الخطابي كما ىو لب التجربة الجمالية‪ ،‬التي وبطريقة مماثمة يمكف فقط‬
‫أف يتـ تحديدىا ال النفاذ إلييا عف طريؽ التأمؿ الفمسفي‪.‬‬
‫السموؾ المتناقض لمفكر ما بعد الميتافيزيقي تجاه الديف يتطابؽ مع السموؾ المعرفي الذي يجب أف‬
‫يتبناه المواطف العمماني‪ ،‬إذا كاف عميو أف يتييأ لتعمـ شئ ما مف المساىمات الدينية لممواطنيف المتدينيف في‬
‫المناقشات العامة‪ ،‬شئ ما يمكف أيضاً أف يتـ التعبير عنو بمغة متاحة بطريقة عامة‪ .‬اإلمتبلؾ الفمسفي ألصوؿ‬
‫العقؿ يبدو أنو يمعب دور التأمؿ الذاتي لمعممانية كما تمعب أعماؿ إعادة بناء البلىوت دور التأمؿ الذاتي لئليماف‬
‫الديني‪ .‬العمؿ المطموب إلعادة البناء الفمسفية تمضي لترينا أف أخبلؽ المواطنة الديمقراطية تفترض أف المواطنيف‬
‫العممانييف يعكسوف ذىنية أقؿ تطمباً مف الذىنية المطابقة لزمبلئيـ المتدينيف‪ .‬وليذا السبب فإف العبء المعرفي‬
‫الممقى عمى الجانبيف الكتساب السموؾ المعرفي المناسب‪ ،‬عمى أي نحو ىو موزع بطريقة غير متساوية‪.‬‬
‫إف حقيقة "االستخداـ العاـ لمعقؿ" (في الفيـ الذي قدمتو لو) الذي يعتمد عمى الشروط المعرفية التي‬
‫تتطمب عمميات تعمـ ليا نتائج الفتة ولكنيا غامضة‪ .‬فيي تذكرنا أوالً‪ ،‬أف الدولة الديمقراطية الدستورية‪ ،‬تمؾ التي‬
‫تعتمد عمى شكؿ تدبري مف السياسات‪ ،‬ىي شكؿ متمايز معرفياً مف الحكومة‪ ،‬وكما كانت‪ ،‬حساسة تجاه الحقيقة‪.‬‬
‫"ديمقراطية ما بعد الحقيقة"‪ ،‬مثؿ تمؾ التي رأتيا النيويورؾ تايمز في األفؽ أثناء اإلنتخابات الرئاسية األخيرة‪ ،‬لف‬
‫تكوف أبداً ديمقراطية‪ .‬أضؼ إلى ذلؾ‪ ،‬يجذب شرط الذىنيات المركبة انتباىنا إلى ضرورة وظيفية مشكوؾ في أف‬
‫الدولة الميبرالية تستطيع أف تقابميا بصعوبة بتوظيؼ وسائميا‪ .‬االستقطاب بيف رؤيات العالـ في مجتمع منقسـ‬
‫ٍ‬
‫كاؼ مف المواطنيف ينسجموف مع المبدأ‬
‫بيف معسكريف عمماني وأصولي‪ ،‬يرينا‪ ،‬مثبلً‪ ،‬أف ىنالؾ عدد غير‬
‫األساسي لبلستخداـ العمومي لمعقؿ ومف ثـ ييدد التكامؿ السياسي‪ .‬مثؿ ىذه الذىنيات ىي ذىنيات سابقة عمى‬
‫السياسي في األصؿ‪ ،‬عمى أية حاؿ‪ .‬وىي تتغير تدريجياً وبطريقة غير مرئية استجابةً لمشروط المتغيرة لمحياة‪.‬‬
‫عممية طويمة األجؿ مف مثؿ ىذا النوع تتسارع في أفضؿ حاالتيا في وسط الخطابات العامة بيف المواطنيف‬
‫أنفسيـ‪ .‬ىؿ ىذه عممية معرفية تراكمية في جميع األحواؿ‪ ،‬عممية يمكف أف نصفيا كعممية تعمـ في المقاـ األوؿ؟‬

‫‪7‬‬
‫النتيجة الثالثة أكثر إقبلقاً مف الجميع‪ .‬لقد إفترضنا‪ ،‬إلى اآلف‪ ،‬أف مواطني الدولة الدستورية يستطيعوا‬
‫أف يكتسبوا الذىنيات المطموبة بالشروع في "عمميات تعمـ متكاممة"‪ .‬االعتبار التالي يرينا أف ىذا اإلفتراض ليس‬
‫غير إشكالي‪ :‬فمف أي منظور يمكف أف نزعـ أف تجزء المجتمع السياسي‪ ،‬إذا سببو اصطداـ المعسكريف العمماني‬
‫واألصولي‪ ،‬يمكننا أف نرده إلى "عجز تعميمي"؟ دعنا نستحضر في عقمنا ىنا التغير في المنظور الذي أحدثناه‬
‫حيف تحركنا مف التفسير المعياري ألخبلقيات المواطنة إلى البحث اإلبستمولوجي في الشروط المعرفية لمتوقعات‬
‫‪18‬‬

‫العقبلنية بأف المواطنيف قادريف عمى الوفاء باإللتزامات التي تخص كؿ منيـ‪ .‬وىو تغيير في السموؾ المعرفي‬
‫يجب أف يقع في الوعي الديني ليصبح تأممياً ولموعي العمماني ليتجاوز محدداتو‪ .‬ولكننا نستطيع أف نبرر ىذه‬
‫التغيرات في الذىنيات كػ"عمميات تعمـ" متكاممة فقط مف وجية نظر فيـ ذاتي لمحداثة خاصة وممتمئة بالمعيارية‪.‬‬
‫اآلف‪ ،‬وجية النظر ىذه يمكف الدفاع عنيا في إطار نظرية اجتماعية تطورية‪ .‬وبعيد تماماً مف الموقؼ‬
‫الجدلي الذي تتخذه ىذه النظريات داخؿ أنظمتيا األكاديمية ذاتيا‪ ،‬ومف وجية نظر النظرية السياسية المعيارية ال‬
‫يجوز لنا في أية لحظة أف نفرض عمى المواطنيف توقعنا بأف يصفوا أنفسيـ طبقاً‪ ،‬مثبلً‪ ،‬لنظرية التطور الديني‪،‬‬
‫أو حتى يقيموف أنفسيـ كرجعييف معرفياً‪ .‬المشاركوف فقط ومنظماتيـ الدينية ىـ الذيف يستطيعوف أف يحموا مسألة‬
‫إذا ما كاف إيمانيـ "الذي تـ تحديثو" ما يزاؿ ىو اإليماف الحقيقي أو ال‪ .‬واذا ما سينتصر أو لف ينتصر في‬
‫ال لمعقؿ والمدرؾ‬
‫النياية‪ ،‬مف الجية األخرى‪ ،‬ذلؾ الشكؿ مف العممانية المبرر عمموياً عمى المفيوـ األكثر شمو ً‬
‫عمى أساس بعض الفكر ما بعد الميتافيزيقي وىو‪ ،‬في الوقت الراىف‪ ،‬نقطة خبلفية بيف الفبلسفة أنفسيـ‪ .‬عمى أية‬
‫حاؿ‪ ،‬إذا كاف عمى النظرية السياسية أف تترؾ بدوف إجابة مسألة إمكانية أف يتـ اكتساب الذىنيات المطموبة‬
‫وظيفياً مف خبلؿ عممية التعمـ‪ ،‬فإف عمى المنظريف السياسييف أف يقبموا بإمكاف أف يظؿ المفيوـ المبرر معياري ًا‬
‫مثؿ "االستخداـ العمومي لمعقؿ" وألسباب جيدة ممتحناً بالضرورة بيف المواطنيف أنفسيـ‪ .‬ألف الدولة الميبرالية‬
‫مسموح ليا أف تواجو مواطنييا فقط بالواجبات التي يمكف أف يدركوىا كتوقعات معقولة؛ وىذه ستكوف الحالة فقط‬
‫إذا اكتسبنا بدورنا السموؾ المعرفي الضروري عمى بصيرة‪ ،‬أي مف خبلؿ "التعمـ"‪.‬‬
‫يجب أالّ يتـ تضميمنا بأف نصؿ إلى االستنتاجات الخاطئة مف ىذه النظرية السياسية المحددة لنفسيا‪.‬‬
‫نحف‪ ،‬كفبلسفة وكمواطنيف‪ ،‬نستطيع أف نقتنع تماماً بأف القراءة القوية لؤلسس الميبرالية والجميورية لمدولة‬
‫الدستورية يجب أف ونستطيع أف ندافع عنيا بنجاح في المجاؿ الخاص وفي المجاؿ السياسي‪ .‬عمى أية حاؿ‪ ،‬ىذا‬
‫الخطاب فيما إذا كاف الدستور الميبرالي وأخبلؽ المواطنة الديمقراطية صحيحة واذا ما كنا نفيميا فيماً صحيحاً‬
‫يقودنا حتماً إلى المجاؿ الذي لف تكوف فيو الحجج المعيارية كافية‪ .‬ويمتد الجداؿ أيضاً إلى السؤاؿ المعرفي عف‬
‫العبلقة بي ف اإليماف والمعرفة‪ ،‬الذي يممس ىو نفسو العناصر المفتاحية لفيـ الحداثة األساسي لنفسيا‪ .‬ومف المثير‬
‫لئلىتماـ بدرجة كافية أف الجيود البلىوتية والفمسفية لتعريؼ العبلقة بيف اإليماف والمعرفة تولد أسئمة عميقة عف‬
‫أصوؿ الحداثة‪.‬‬
‫دعونا نعود لسؤاؿ رولز‪" :‬كيؼ يكوف ممكناً ألىؿ اإليماف‪ ،‬وكذلؾ البل دينييف‪ ،‬أف يصادقوا عمى نظاـ‬
‫‪50‬‬

‫عمماني يمكف أف ال تزدىر مذاىبيـ الشاممة تحت ظمو أو حتى تنحسر؟"‬

‫في التحميؿ النيائي‪ ،‬السؤاؿ ال يمكف‬
‫‪51‬‬

‫اإلجابة عميو بالرجوع إلى التفسيرات المعيارية لمنظرية السياسية‪ .‬دعونا نأخذ مثاؿ "األرثوذكسية الراديكالية"‪،‬‬

‫ذلؾ المذىب الذي يأخذ المقاصد واألفكار األساسية لبلىوت السياسي لكارؿ شميث ويطورىا بأدوات التفكيكية‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫فإذا كاف الىوتيي ىذا التقميد ينكروف عمى الحداثة أي حؽ داخمي‬

‫بقصد أف يوفروا مرة أخرى تجذي اًر وجودياً‬

‫وفؽ قواعد معينة لمعالـ الحديث في "واقع الرب"‪ ،‬فإف الحوار يجب أف يتـ في ميداف الخصـ المقابؿ‪ .‬بكممات‬
‫‪19‬‬

‫أخرى‪ ،‬االفتراضات البلىوتية ال يمكف مواجيتيا بحجج الىوتية‪ ،‬واالفتراضات التاريخية واالبستمولوجية ال يمكف‬
‫‪53‬‬

‫مواجيتيا بحجج تاريخية وابستمولوجية‪.‬‬

‫ونفس الشئ ينطبؽ عمى الجانب االخر‪ .‬سؤاؿ رولز يطرح بالتساوي عمى الجانبيف معاً‪ ،‬الجانب الديني‬
‫والجانب العمماني‪ .‬والحوار المتمايز لمقضايا الفمسفية األساسية ىو بالتأكيد ضرورة ال محيد عنيا إذا كانت رؤية‬
‫العالـ الطبيعية تكشؼ رصيد المعرفة العممية الصحيحة‪ .‬ال يمكف أف يكوف ىناؾ اشتقاؽ لممطمب العمومي بأف‬
‫التنحي المجتمعات الدينية جانباً بعد طوؿ انتظار المقوالت التقميدية عف وجود الرب و‪ ،‬أو‪ ،‬الحياة األبدبة مف‬
‫وجية نظر عمـ األعصاب الحديث في إعتماد كؿ العمميات العقمية عمى العمميات الدماغية‪ ،‬وبدوف أف ننتظر‬
‫حتى تتضح األمور‪ ،‬مف وجية النظر الفمسفية‪ ،‬المعنى التداولي لمقوالت اإلنجيؿ التي يتـ افتراضيا في سياؽ‬
‫‪54‬‬

‫مذىب المجتمعات الدينية وممارستيا‪.‬‬

‫وسؤاؿ الكيفية التي يرتبط بيا العمـ مف ىذه الزاوبة بالمذىب الديني‬

‫يممس مرة أخرى أصوؿ فيـ الحداثة لنفسيا‪ .‬ىؿ العمـ الحديث ممارسة يمكف فيميا فيماً كامبلً وفقاً ألسسيا ىي‬
‫نفسيا‪ ،‬بحيث تستطيع أف تقيـ مقاييس كؿ حقائقيا وأخطائيا؟ أو يجب أف نفسر العمـ الحديث كنتيجة لتاريخ‬
‫العقؿ الذي يشمؿ أدياف العالـ؟‬
‫طور رولز "نظريتو في العدالة" إلى "ليبرالية سياسية" ألنو أدرؾ بطريقة متزايدة األىمية التي ال تقاس‬
‫لػ"حقيقة التعددية"‪ .‬لقد أدى خدمة عظيمة لؤلجياؿ القادمة بالتفكير منذ وقت مبكر في الدور السياسي لمديف‪ .‬ومع‬
‫ذلؾ فإف ىذه الظواىر وعمى نحو دقيؽ يجب أف تكوف سبباً في نظرية سياسية مفترضة ليا موقؼ حر وواعية‬
‫بحدود الحجج المعيارية‪ .‬بعد كؿ ذلؾ‪ ،‬فإف أمر قبوؿ االستجابة الميبرالية لمتعددية الدينية بواسطة المواطنيف‬
‫أنفسيـ كإجابة وحيدة صحيحة يعتمد ليس أخي اًر عمى ما إذا كاف المواطنيف المتدينيف والعممانييف‪ ،‬كؿ مف زاوية‬
‫منظوره‪ ،‬مستعديف لمشروع في فيـ العبلقة بيف اإليماف والمعرفة تمكنيـ أوالً مف السموؾ بطريقة متأممة ذاتياً تجاه‬
‫‪55‬‬

‫بعضيما البعض في المجاؿ العاـ السياسي‪.‬‬

‫‪Jürgen Habermas‬‬
‫‪Johann-Wolfgang-Goethe Universität‬‬
‫‪Grüneburgplatz 1‬‬

‫‪D 60629 Frankfurt/M‬‬
‫‪Germany‬‬
‫ىذا المقاؿ مترجـ عف الترجمة اإلنجميزية التي قاـ بيا جيرمي قاينس ‪ Jeremy Gaines‬التي تـ‬
‫نشرىا أوالً كفصؿ خامس مف الكتاب "بيف المذىب الطبيعي والديف" الذي ىو أصبلً ترجمة عف األلمانية لنفس‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫‪First published in English as chapter 5 of Between Naturalism and Religion‬‬
‫‪(Cambridge: Polity Press, 2006). Originally published in‬‬
‫‪20‬‬

‫‪Zurischen Naturalismus und Religion (Frankfurt: Suhrkamp Verlag, 2005).‬‬

‫الهوامش‬
‫‪Cf. Berger (ed.) 1999.‬‬

‫‪Cf. Buruma and Margalit 2004.‬‬

‫‪Cf Norris and Inglehart 2004: Ch.4.‬‬
‫‪Cf. Habermas 2004.‬‬

‫‪Norris and Inglehart 2004: Ch. 10‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫يدافعاف عف النظرية الكبلسيكية التي تقوؿ بانتصار العممانية بقدر تحسف شروط الحياة االجتماعية واالقتصادية وىي تنشر‬

‫أيضاً الشعور بػ"األمف الوجودي"‪ .‬إلى جانب االفتراض السكاني بأنخفاض معدالت الخصوبة في الدوؿ المتقدمة‪ ،‬تفسر ىذه‬

‫استثناء‪ ،‬بشكؿ أساسي بسبب حقيقتيف‪ .‬أوالً‪،‬‬
‫النظرية أولياً لماذا تمسؾ العممانية كمياً بجذور الغرب‪ .‬الواليات المتحدة تشكؿ‬
‫ً‬
‫الرأسمالية المتوحشة ليا آثار ال تخففيا دولة رفاه اجتماعي ومف ثـ تعرض السكاف في المتوسط لدرجة عالية مف عدـ‬
‫اليقيف الوجودي‪ .‬وثانياً‪ ،‬معدالت اليجرة العالية مف المجتمعات التقميدية حيث معدالت الخصوبة العالية تفسر استقرار‬

‫النسب العالية نسبياً مف المواطنيف المتدينيف‪.‬‬

‫‪Wills 2004.‬‬

‫‪Goodstein and Yardley 2004.‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ %60‬مف الناخبيف األمريكاف الذيف يتحدثوف األسبانية صوتوا لجورج بوش اإلبف و‪ %67‬مف البيض البروتستانت و‪%78‬‬
‫مف األنجميكانييف أو الذيف ولدوا مرة أخرى مسيحييف‪ .‬وحتى وسط الكاثوليؾ الذيف كانوا يميموا إلى التصويت لمديمقراطييف‬

‫قمب بوش األغمبية التقميدية عمى عقبييا‪ .‬وحقيقة أف رجاؿ الديف الكاثوليؾ قد دعموا بوش ىي حقيقة مدىشة إذ ارتبطت‬
‫فقط بكؿ ما وقع في مسألة اإلجياض‪ ،‬خاصةً إذا وضعنا في اعتبارنا موقؼ اإلدارة األمريكية الذي ال يتفؽ مع موقؼ‬

‫الكنيسة في الدفاع عف عقوبة اإلعداـ ووضع عشرات اآلالؼ مف حياة الجنود األمريكاف والمدنييف العراقييف تحت الخطر‬

‫بسبب الحرب العدوانية التي انتيكت القوانيف الدولية وقدمت أسباب مشكوؾ فييا لتبريرىا‪.‬‬

‫‪Forst 2003.‬‬

‫في "مفيوـ االحتراـ" أنظر إلى تمؾ الدراسة التي تغطي مدى تاريخياً واسعاً ومع ذلؾ ىي مقنعة بنظاميتيا في‬
‫‪Rawls 1971: §§ 33f.‬‬
‫‪Forst 2003.‬‬

‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫‪10‬‬

‫في مفيوـ التسامح كإحتراـ متبادؿ أنظر‬

‫‪See Habermas 1996: Ch. 3.‬‬
‫‪See Rawls 1997: 769:‬‬

‫‪11‬‬
‫‪12‬‬

‫"مثالياً يجب أف ينظر المواطنوف إلى أنفسيـ وكأنيـ ىـ المشرعيف ويسألوا أنفسيـ أي المواد الدستورية‪ ،‬مدعومة بأي حجج‬

‫مف تمؾ التي تمبي مبدأ التبادلية‪ ،‬يعتقدوف أنيا أكثر معقولية ليصادقوا عمييا‪".‬‬

‫‪Rawls 1993: 217.‬‬

‫‪see Rawls 1997: 773f.‬‬

‫‪13‬‬
‫‪14‬‬

‫يتحدث رولز عف "أسرة مف المفاىيـ الميبرالية لمعدالة" يمكف أف يرجع إلييا االستخداـ العمومي لمعقؿ عندما يفسر المبادئ‬

‫الدستورية‪.‬‬

‫‪Rawls 1997: 786.‬‬

‫‪21‬‬

‫‪15‬‬

‫‪See Forst 1994: 199–209.‬‬

‫في تخصيص المطالبة بالحجج في لغة متاحة عمى نحو عاـ‪.‬‬

‫‪Rawls 1997: 783f.‬‬

‫‪16‬‬

‫‪17‬‬

‫ىذا يرتقي إلى مراجعة المبدأ المصاغ عمى نحو ضيؽ في ‪ Rawls 1994: p. 224f.‬رولز يحدد شروط القضايا‬

‫المفتاحية التي ترتبط بػ"األسس الدستورية"؛ أنا أعتبر ىذا التحفظ غير واقعي بالنسبة إلى األنظمة القانونية الحديثة التي‬

‫تطبؽ فييا الحقوؽ األساسية في التشريع والقضاء معاً مباشرةً عمى مواد دستورية بعينيا ومف ثـ يمكف إعادة تعريؼ كؿ‬
‫القضايا القانونية الجدالية تقريباً بحيث تصبح قضايا مبدأ‪.‬‬
‫"إنيـ ليسوا عرائس يتـ تحريكيا مف وراء المشيد بواسطة المذاىب الشمولية"‬
‫سأعود إلى ىذا االعتراض الحقاً‬

‫‪Rawls 1997: 777:‬‬
‫‪Rawls 1997: 781.‬‬

‫‪in Audi and Wolterstorff 1997: 3f., 76f. and 167f.‬‬

‫أنظر إلى النقاش بيف روبرت أودي ونيكوالس ولترستورؼ‬

‫‪Cf. Birnbaum 2002.‬‬

‫‪See the influential study by Bellah, Madsen, Sullivan, Swidler and Tipton 1985. On‬‬

‫‪18‬‬

‫‪19‬‬

‫‪20‬‬

‫‪21‬‬
‫‪22‬‬

‫‪Bellah’s decisive publications in this field see the festschrift: Madson, Sullivan, Swindler and‬‬
‫‪Tipton (eds.) 2003.‬‬

‫‪On this empirical argument see Weithman 2002: 91:‬‬

‫‪23‬‬

‫"أحاجج بأف الكنيسة ساىمت في الديمقراطية في الواليات المتحدة برعايتيا لممواطنة الديمقراطية المتحققة‪ .‬فيي تشجع‬

‫أعضائيا لقبوؿ القيـ الديمقراطية كقاعدة لمق اررات السياسية اليامة ولقبوؿ المؤسسات الديمقراطية كمؤسسات مشروعة‪.‬‬

‫ومساىمتيا تتـ بوسائؿ‪ ،‬تشمؿ تدخميا في الحجج المدنية والمناقشة السياسية العامة‪ ،‬تؤثر عمى الحجج السياسية التي قد‬
‫يميؿ أعضاؤىا إلى استخداميا‪ ،‬األساس الذي عميو يصوتوف‪ ،‬وتخصيص مواطنيتيـ التي تتحدد بيا ىويتيـ‪ .‬وىي تشجع‬

‫أعضاءىا عمى أف يفكروا في أنفسيـ باعتبار أنيـ مقيديف بقيـ أخبلقية معطاة قبمياً يجب أف تتسؽ معيا النتائج السياسية‪.‬‬

‫إف تحقيؽ المواطنة بواسطة أولئؾ المؤىميف قانونياً لممشاركة في اتخاذ القرار إنجاز ضخـ لمديمقراطية الميبرالية‪ ،‬إنجاز‬
‫ضخـ لعبت فيو مؤسسات المجتمع المدني دو اًر حاسماً"‪.‬‬

‫‪Audi and Wolterstorff 1997: 25‬‬
‫‪Audi and Wolterstorff 1997: 29‬‬

‫‪This distinction also prompts Paul Weithman to differentiate the argument in line with his‬‬
‫‪27‬‬

‫‪24‬‬
‫‪25‬‬
‫‪26‬‬

‫‪modified proviso; see Weithman 2002: 3.‬‬

‫بينما روبرت أودي يقدـ النظير المقابؿ لمبدأ التبرير العمماني‪" :‬في الديمقراطيات الميبرالية‪ ،‬المواطنوف المتدينوف لدييـ‬

‫إلتزاـ مف الدرجة األولى بأف ال يدافعوا عف أو يدعموا أي قانوف أو سياسة عامة تحدد السموؾ اإلنساني‪ ،‬إالّ إذا كاف لدييـ‪،‬‬

‫أو يرغبوف في توفير‪ ،‬أسباب مقبولة دينياً بدرجة كافية ليذا الدفاع أو الدعـ" )‪ .(Audi 2005: 217‬ىذا المبدأ لمتبرير‬
‫الديني يقصد بو بطريقة واضحة فرض فحص ذاتي نقدي عمى المواطنيف الذيف تتزود معارؼ تفكيرىـ بأسباب دينية‪.‬‬

‫‪On the Augustinian distinction of fides quae creditur and fides qua creditur see R.‬‬

‫‪28‬‬

‫‪Bultmann 1984: 185 ff.‬‬

‫‪Wolterstorff in Audi and Wolterstorff 1997: 105.‬‬
‫‪Weithmann 2002: 157.‬‬

‫‪22‬‬

‫‪29‬‬
‫‪30‬‬

‫‪31‬‬

‫ىذا يؤدي بنا إلى السؤاؿ المثير عف المدى الذي يمكف أف يصؿ إليو المرشحوف في االنتخابات في االعتراؼ أو اإلشارة‬

‫إلى كونيـ أشخاص متدينوف‪ .‬مبدأ الفصؿ بيف الكنيسة والدولة يمتد بالتأكيد إلى المنصة أو البياف أو الخطوط التي يوعد‬

‫الحزب السياسي ومرشحوه بتحقيقيا‪ .‬إذا نظرنا إلى ىذا األمر معياريا‪ ،‬فإف الق اررات االنتخابية التي تنحدر إلى أسئمة‬

‫شخصية بدالً مف قضايا البرنامج تثير إشكاالت عمى أية حاؿ‪ .‬واألكثر إثارة لئلشكاالت ىو أف يأخذ الناخبوف ق اررات‬
‫تصويتيـ مف التمثيؿ الذاتي الديني لممرشحيف‪ .‬أنظر في ىذه النقطة إلى األفكار التي وضحيا ويثماف ‪Weithman‬‬

‫‪" : 2002: 117-20‬سيكوف أم اًر جيداً أف يكوف لدينا مبادئ تقوؿ لنا ما ىو الدور الذي يمكف أف يمعبو الديف عندما يتـ‬

‫تقييـ المرشحيف وفقاً لما يمكف أف نسميو ‘قيميـ التعبيرية‘ ػ قدرتيـ عمى التعبير عف القيـ التي كونتيـ ‪ ...‬واألكثر أىمية‬
‫لتذكره بخصوص ىذه الحاالت‪ ،‬عمى أية حاؿ‪ ،‬ىو أف االنتخابات ال يجب أف يتـ التقرير بشأنيا أو التصويت فييا كمياً أو‬
‫أولياً عمى أساس القيـ التعبيرية المختمفة لممرشحيف"‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫‪Schmidt 2001.‬‬

‫‪Schmidt bases his objection on Gaus 1966.‬‬

‫‪32‬‬
‫‪33‬‬

‫بالمناسبة‪ ،‬ىذه الحالة الخاصة تمنع تمثؿ المعتقدات الدينية في المفاىيـ الدينية‪ ،‬كما يقترح فورست ‪Forst (1994:‬‬

‫)‪ 152-61‬الذي يعطي‪ ،‬مف منظور النظرية السياسية المعيارية‪ ،‬الفرؽ بيف الحجج الدينية والحجج العممانية مقعداً خمفي ًا‬

‫ألولوية الخصائص اإلجرائية عمى الخصائص الجوىرية لمتبرير‪ .‬أننا نعمـ فقط مف المعتقدات الدينية المتنافسة أنو مف باب‬

‫أولى أف اإلجماع المبرر ال يمكف الوصوؿ إليو‪ .‬وفي كتابو األخير )‪ Forst (2002: 644-47‬يتعرؼ فوستر عمى‬

‫الحالة الخاصة ليذه الفئة مف المعتقدات‪.‬‬

‫‪Habermas 2003: 256ff.‬‬
‫‪Weithman 2002: 3:‬‬

‫‪35‬‬
‫‪36‬‬

‫"مواطنو الديمقراطية الميبرالية يمكف أف يقدموا حججاً في المناقشة العامة السياسية التي تعتمد عمى حجج مستقاة مف رؤيتيـ‬

‫األخبلقية الشاممة‪ ،‬بما يشمؿ رؤيتيـ الدينية‪ ،‬بدوف أف يجعموىا صالحة بتقريبيا مف الحجج األخرى ػ بشرط إعتقادىـ في أف‬

‫حكومتيـ ليا الحؽ في تبني اإلجراات التي يفضمونيا ومع استعدادىـ لئلشارة إلى ما يفكروف فيو كتبرير لتبني ىذه‬

‫اإلجراءات"‪.‬‬

‫‪Habermas 1991.‬‬

‫‪Weithman 2002: 121 (my italics).‬‬

‫‪Audi and Wolterstorff 1997: 117f.‬‬
‫‪Rawls 1994: 137:‬‬

‫‪37‬‬
‫‪38‬‬
‫‪39‬‬
‫‪40‬‬

‫"ممارستنا لمسمطة السياسية تكوف صحيحة بالكامؿ فقط حيف نمارسيا بالتوافؽ مع األسس الدستورية التي يتوقع أف يصادؽ‬

‫عمييا بطريقة عقبلنية كؿ المواطنيف األحرار والمتساوييف في ضوء المبادئ والنماذج المقبولة مف عقميـ اإلنساني العاـ"‪.‬‬
‫‪42‬‬

‫‪Wolterstorff 1997: 160.‬‬

‫‪41‬‬

‫أف لي مراسبلتي مع توماس ـ شميث ألشكره عمى تمييز فمسفة لمدبف ال تتـ متابعتيا مف الجانب اإللحادي‪ :‬فيي تيدؼ‬

‫إلى تنوير ذاتي لمديف‪ ،‬ولكنيا ال تتكمـ‪ ،‬مثؿ البلىوت‪ ،‬باسـ وحي ديني‪ ،‬وال كػ"مبلحظيا" فقط‪ .‬أنظر أيضاً ‪Lutz-‬‬

‫‪ .Bachmann 2000‬في الجانب البروتستانتي لعب فردريؾ شميرماخر دو اًر نموذجياً‪ .‬فيو يميز بحرص بيف دور‬
‫البلىوتي ودور فيمسوؼ الديف النادـ (الذي لـ يعتمد عمى التقميد األكويني وانما بدالً عف ذلؾ اعتمد عمى مثالية كانط‬

‫الترانسندنتالية) ومف ثـ ركبيما األثنيف معاً في شخصو ىو نفسو‪ .‬أنظر إلى مقدمتو في شرح المذىب المسيحي في‬
‫‪Schleiermacher 1830-1: §§ 1–10.‬‬

‫‪43‬‬

‫بيذا المعنى‪ ،‬يتكمـ فورست )‪ Forst (1994: 158‬بالمثؿ عف "الترجمة" حينما يطالب بػ"أف الشخص يجب أف يكوف‬

‫قاد اًر عمى ترجمة (تدريجية) [التأكيد منو] لحججو ‪ /‬حججيا إلى حجج مقبولة عمى أساس قيـ ومبادئ العقؿ العاـ"‪ .‬عمى‬
‫‪23‬‬

‫أية حاؿ‪ ،‬ىو يعتبر الترجمة ليس كمشروع مفصمي في البحث عف الحقيقة‪ ،‬التي يجب أف يشارؾ فييا المواطنوف العممانيوف‬

‫حتى إذا حصر الجانب اآلخر نفسو في المقوالت الدينية‪ .‬صاغ فورست المطمب بنفس الطريقة التي صاغو بيا رولز‬

‫وأودي‪ ،‬كواجب ديني لمشخص المتديف‪ ،‬أيضاً‪ .‬بالمناسبة التعريؼ اإلجرائي الخالص لفعؿ الترجمة برؤية "لمتبرير المتبادؿ‬

‫غير المحدد" ال يكوف عادالً بالنسبة إلى المشكمة السيمانطيقية لنقؿ محتوبات الكبلـ الديني إلى أشكاؿ تمثيؿ ما بعد دينية‬

‫وما بعد ميتافيزيقية‪ .‬ونتيجة لذلؾ‪ ،‬يضيع االختبلؼ بيف الخطاب الديني والخطاب األخبلقي‪ .‬أنظر‪ ،‬كمثاؿ لذلؾ‪ ،‬أرينز‬

‫‪ ،Arens 1982‬الذي يؤوؿ االستعارات االنجيمية كأفعاؿ كبلـ تجديدية‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫في دراستو المتمكنة لتاريخ فكرة التسامح‪ ،‬أطمؽ راينر فورست عمى بيير بايؿ اسـ "المفكر األعظـ في التسامح" ألف باير‬

‫وفر بطريقة مثالية تحديداً ذاتياً تأممياً لمعقؿ في العبلقة بالديف‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫‪On Bayle see Forst 2003: § 18 as well as §§ 29 and 33 on the systematic argument.‬‬

‫لفت ولترستورؼ انتباىنا إلى كؿ التمييز المشوش في أغمب األحياف بيف الحجج الدينية التي يعنى بيا التفسير‪ ،‬والرؤية‬

‫العممانية لمعالـ والتي لـ يقصد بيا التفسير‪" See Audi and Wolterstorff 1997: 105: .‬في أكثر األوقات إف لـ‬

‫نقؿ في أغمب األوقات نستطيع أف نميز الحجج الدينية مف عمى بعد ميؿ ‪ ...‬وبكيفية ما‪ ،‬تمر المنظورات العممانية‬
‫الشاممة‪ ،‬المطابقة‪ ،‬بدوف أف نمحظيا"‪.‬‬

‫‪Geyer (ed.) 2004; Pauen 2004.‬‬
‫‪Lutz-Bachmann 1992.‬‬

‫‪See the sketches to a history of Being in Heidegger 1989.‬‬

‫‪See the interesting discussions in Brunkhorst 2002: 40–78.‬‬
‫‪See footnote 19.‬‬

‫‪Milbank 1990; Milbank, Pickstock, and Ward (eds.) 1999.‬‬

‫‪On the opposite position see the early work of Hans Blumenberg (1985).‬‬
‫‪Schmidt 2005.‬‬

‫‪55‬‬

‫‪See the final comment by W. Detel in his marvelously informed article Detel 2004.‬‬

‫‪46‬‬
‫‪47‬‬
‫‪48‬‬
‫‪49‬‬
‫‪50‬‬
‫‪51‬‬
‫‪52‬‬
‫‪53‬‬
‫‪54‬‬

‫شكري لراينر فورست وتوماس ـ‪ .‬شميث لتعميقاتيما البصيرة‪ ،‬وكبلىما قد أصدر العديد مف األعماؿ المستنيرة في ىذا‬

‫الموضوع‪ .‬وأنا أيضاً ممتف لمميسا ييتس لممراجع المفيدة والنقاشات المحفزة‪.‬‬

‫المراجع‬
‫‪Arens, E. (1982), Kommunikative Handlungen. Düsseldorf: Patmos Verlag.‬‬
‫‪Audi, R. and Wolterstorff, N. (1997), Religion in the Public Sphere. New York:‬‬
‫‪Rowman and Littlefield.‬‬
‫‪Audi, R. (2005), ‘Moral Foundations of Liberal Democracy, Secular Reasons,‬‬
‫‪and Liberal Neutrality Toward the Good’, Notre Dame Journal of Law, Ethics,‬‬
‫‪& Public Policy, 19: 197–218.‬‬
‫‪Bellah, R., Madsen, R., Sullivan, W. M., Swidler, A. and Tipton, S. M. (1985).‬‬
‫‪Habits of the Heart. Berkeley. First published in English as chapter 5 of‬‬
‫‪Between Naturalism and Religion (Cambridge: Polity Press, 2006). Originally‬‬
‫‪published in Zurischen Naturalismus and Religion (Frankfurt: Suhrkamp‬‬
‫‪Verlag, 2005): University of California Press.‬‬
‫‪24‬‬

‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬























Berger, P. L. (ed.) (1999), The Desecularization of the World. Washington, DC:
Ethics and Public Policy Center.
Birnbaum, N. (2002), After Progress. Oxford: Oxford University Press.
Blumenberg, H. (1985), Legitimacy of the Modern Age, tr.Wallace R. M.
Cambridge, MA: MIT Press.
Brunkhorst, H. (2002), Solidarität. Frankfurt/Main: Suhrkamp.
Bultmann, R. (1984). Theologische Enzyklopädie, Annex 3: Wahrheit und
Gewissheit. Tübingen: Mohr Siebeck.
Buruma, I. and Margalit, A. (2004), Occidentalism. The West in the Eyes of its
Enemies. Harmondsworth: Penguin.
Detel, W. (2004), ‘Forschungen über Hirn und Geist’, Deutsche Zeitschrift für
Philosophie, 6: 891–920.
Forst, R. (1994), Kontexte der Gerechtigkeit. Frankfurt/Main: Suhrkamp.
----------- (2003), Toleranz im Konflikt. Frankfurt/Main: Suhrkamp.
Gaus, G. F. (1966), Justificatory Liberalism. New York: Oxford University Press.
Geyer, C. (ed.) (2004), Hirnforschung und Willensfreiheit. Frankfurt/Main:
Suhrkamp.
Goodstein, L. and Yardley, W. (2004). ‘President Bush Benefits from Efforts to
Build a Coalition of Religious Voters’, New York Times, Nov. 5, 2004, A 19.
Habermas, J. (1996), Between Facts and Norms, tr. Rehg William. Cambridge,
MA: MIT.
----------------- (1991), ‘Vom pragmatischen, ethischen und moralischen
Gebrauch der praktischen Vernunft, Abschnitt IV’, in his Erla¨uterungen zur
Diskursethik. Frankfurt/Main: Suhrkamp, 112–5.
----------------- (2003), ‘Glauben und Wissen, in his Zeitdiagnosen.
Frankfurt/Main: Suhrkamp, 249–263.
----------------- (2004), Der gespaltene Westen. Frankfurt/Main: Suhrkamp.
Heidegger, M. (1989), Beiträge zur Philosophie (Vom Ereignis).
Frankfurt/Main: Klostermann.
Lutz-Bachmann, M. (1992), ‘Hellenisierung des Christentums?’, in C. Colpe, L.
Honnefelder and M. Lutz-Bachmann (eds.), Spätantike und Christentum.
Berlin: Wiley, pp. 77–98.
------------------------- (2002), ‘Religion-Philosophie-Religionsphilosophie’, in M.
Jung, M. Moxter and T. M. Schmit (eds.), Religionsphilosophie. Würzburg:
Echter, 19–26.
Madson, R., Sullivan, W. M., Swindler, A. and Tipton, S. M. (eds.), Meaning
and Modernity: Religion, Polity, and Self. Berkeley, CA: University of
California Press.
Milbank, J. (1990), Theology and Social Theory: Beyond Secular Reason.
Oxford: Oxford University Press.
Milbank, J., Pickstock, C and Ward, G. (eds.) (1999), Radical Orthodoxy.
London and New York: Routledge.
Norris, P. and Inglehart, R. (2004), Sacred and Secular, Religion and Politics
Worldwide. Cambridge: Cambridge University Press.
Pauen, M. (2004), Illusion Freiheit? Frankfurt/Main: Fischer Verlag.
25







Rawls, J. (1971), A Theory of Justice. Cambridge, Mass: Harvard University
Press.
----------- (1993), Political Liberalism. New York: Columbia University Press.
----------- (1997), ‘The Idea of Public Reason Revisited’, The University of
Chicago Law Review, 64: 765–807.
Schleiermacher, F. (1830–1). Der christliche Glaube; reprinted Berlin: De
Gruyter, 1999.
Schmidt, T. M. (2001), ‘Glaubensu¨ berzeugungen und säkulare Grunde’,
Zeitschrift für Evangelische Ethik, 4: 248–61.
------------------- (2005), ‘Postsäkulare Theologie des Rechts. Eine Kritik der
radikalen Orthodoxie’, in M. Frühauf and W. Löser (eds.), Biblische
Aufklärung—die Entdeckung einer Tradition. Frankfurt/Main: Knecht, 91–
108.
Weithman, P. J. (2002), Religion and the Obligations of Citizenship.
Cambridge: Cambridge University Press.
Wills, G. (2004). ‘The Day the Enlightenment Went Out’, New York Times,
Nov. 4/2004, A 31.

26

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful