‫مشروع تأسيس نظري لحركة القوى االجتماعية‬

‫الجديدة‬

‫الحاجة إلى أساس نظري جدٌد‪:‬‬
‫انيارت دول شرق أوروبا واالتحاد السوفيتي وانيارت تجربتيم االشتراكية‪ ،‬تداعت الماركسية واتضح‬

‫زيفيا‪ ،‬عمى األقل في صورتيا الكالسيكية‪ .‬أصاب الذىول قوى التغيير في العالم التي حممت آمال الجنس‬
‫البشرى في الحرية والمساواة واإلخاء والعدالة‪ ،‬آمال أقامتيا عمى ما ظنتو تفكي اًر عممياً‪ ،‬فانتيت إلى قيامة لم ييدأ‬

‫بعدىا خاطر‪ .‬وظن البعض – وان بعض الظن إثم‪ -‬إن األمر ىين ويمكن اقتصاره عمى ترميم بعض المفاىيم‬
‫والحفاظ عمى اآلخر ضمن ذات الموقف من الطبيعة والمجتمع والفكر‪ .‬وبدأت عمميات جرد ساذجة‪ ،‬ىذا مفيوم‬

‫استخدمو الحزب جيداً ولم يكن ىنالك مشكمة أما ىذا فيجب مراجعتو ألن وقائع الحياة كذبتو‪ .‬ولم يستطيعوا ىضم‬

‫فكرة أن األمر يتجاوز عمميات الجرد ىذه إلى تصفية الحساب مع الماركسية‪ ،‬تصفية شبيية بما قام بو ماركس‬
‫وانجمز مع الفمسفة األلمانية‪.‬‬
‫لقد كان االنييار من الضخامة بحيث أن العالم لم يعد كما كان ويستحيل أن يعود كما كان عميو‬
‫وتجاوز التغيير حدود المجال السياسي واأليديولوجي ليشمل مجال الحياة كميا‪ .‬وتياوت مفاىيم أساسية في‬
‫الماركسية واستطاع كل من أعادت لو اليزة بصيرتو وحررتو من العمى األيديولوجي أن يرى أن االنييار من‬
‫الضخامة بحيث يستحيل تبريره بخمل بسيط في الجياز المفاىيمى لمماركسية يمكن تداركو وترميمو وأن األمر‬

‫يتعمق بكامل الجياز المفاىيمى لمماركسية وىو ما ال يمكن معالجتو إالً بتصفية الحساب مع الماركسية كميا‪،‬‬

‫ومن خارجيا ألن محاوالت الترميم من داخل الماركسية يحوليا إلى سمفية تحاول االنسجام مع التغييرات الكبيرة‬
‫والجذرية التي حدثت في العالم وفشمت في التنبؤ بيا بل كان حدوثيا ىزيمة كبيرة وقاتمة ليا‪.‬‬
‫ونحن بحاجة إلى النظر مجدداً إلى تاريخ الجنس البشرى بحيث نستطيع أن نفيم التغييرات التي حدثت‬

‫ضمن صيرورة ىذا التاريخ وفى مجراه‪ ،‬ال أن نفيم ىذه التغييرات كتناقض مع ىذا المجرى كما تضطرنا‬

‫الماركسية السمفية أن نفعل ونحن بحاجة إلى أن نموضع الماركسية نفسيا ضمن مجرى التفكير النظري‬
‫وصيرورتو باعتبار أنيا حمقة في سمسمة تطور التفكير النظري وليست التعميم النيائي لو الذي يحتاج فقط إلى‬
‫تدقيق بين كل فينة تاريخية وأخرى‪ .‬بمعنى آخر إننا بحاجة إلى أساس نظري جديد إلى جياز مفاىيمي جديد‬

‫يستوعب االنييار الذي تم والتغييرات التي حدثت بحيث تتبناه قوى التغيير في العالم لتؤسس بو مشروعيا ىل‬

‫ىذا أمر ممكن؟ ونقدم إجابة حاسمة وقاطعة عمى ىذا السؤال رغم أن ىذا يتناقض مع طبيعة التفكير النظري‪:‬‬
‫نعم‪ .‬إجابة حاسمة وقاطعة ألنيا اإلجابة الوحيدة التي تبرر كتابة ىذا المقال‪ .‬نعم‪ ،‬إذا جعمنا مصادر تفكيرنا‬
‫النظري ىي‪ :‬الحداثة ومشروع التنوير الذي تبنتو ونظرنا إلى الماركسية داخل ىذا السياق واذا جعمنا من مصادرنا‬

‫المستقبميات (ألفين توفمر ومدرستو) وبالذات معالجتيا لتاريخ الجنس البشرى ولثورة االتصال والمعمومات والتقنية‬
‫‪1‬‬

..‫واإلنتاج وكذلك جعمنا من مصادرنا نقد ما بعد الحداثة واذا استفدنا من تجاوز النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)‬ ‫ليذا النقد واعادة بناءىا لمشروع التنوير عمى أسس نظرية جديدة بحيث يمكننا أن نميز بين حداثة سمفية تضع‬ ‫نفسيا في تناقض مع تغييرات ما بعد الحداثة وبين حداثة جديدة تتجاوز ما بعد الحداثة‪ .‬ودافعت الحداثة عن القيم الكمية كما مثمتيا قيم عصر التنوير‪ ،‬قيم العقالنية والتجريبية‬ ‫واالعتقاد في العمم ومنيجو وتحرير اإلنسانية بالعمم التطبيقي والفردية والشك في مذاىب الكنيسة واالعتقاد في‬ ‫التربية والتعميم باعتبارىما عاممين أساسيين في التغيير االجتماعي والتمثيل السياسي‪ ،‬قيم الديمقراطية وتوسيع‬ ‫حكميا وحقوق اإلنسان األساسية‪ .‬وىذا كان يعنى افتقار اإلنسان لمحرية فاإلنسان ال يختار وفقاً إلرادتو وانما يختار لعوامل بيولوجية‬ ‫وكيميائية وفيزيائية واجتماعية‪.‬وبتطبيقنا ليذه النتائج عمى مجال السموك اإلنساني نحصل عمى حتمية‬ ‫قاطعة يمكننا فييا أن نتعرف عمى خيارات أي إنسان إذا تعرفنا عمى العوامل المؤثرة عمى حياتو والشروط التي‬ ‫عاش فييا‪ .‬وكان النصف الثاني من القرن الثامن العشر ذروة عصر التنوير وجاءت الثورة‬ ‫الفرنسية كأعمى تعبير عن ىذا العصر وشكمت شعاراتيا األساسية "الحرية‪ ،‬المساواة‪ ،‬اإلخاء" القيم الجوىرية‬ ‫لمحياة الحديثة وانبنى حوليا النشاط السياسي والنظري‪.‬واذا استفدنا أيضاً من‬ ‫فمسفة العموم وتصوراتيا حول العقالنية وتقدم العمم وصيرورتو‪ . ،‬الخ وىو‬ ‫أيضاً موقف يجعل الحقيقة في جانب والكذب في الجانب اآلخر‪ .‬لقد جاءت الحداثة في أعقاب العصر الوسيط الذي كانت‬ ‫تشكل فيو الكنيسة موقفاً دوغمائياً اطالقياً يتأسس عمى الدين وينبني عمى ثنائية ناجزة (مانوية) تجعل الظالم في‬ ‫جانب والنور في جانب آخر‪ ،‬الشر والخير‪ ،‬الباطل والحق‪ ،‬الكفر واإليمان‪.‬‬ ‫وانبنى موقف عقالني عمى أساس من العمم والتجربة والعقالنية انتيى بييمنة الحتمية عمى مجال الفكر‬ ‫العممي وآلت القضية البسيطة القائمة بأن لكل أثر سبب إلى أن الطبيعة يمكن قراءتيا بالكامل قراءة رياضية‬ ‫تحكميا قوانين نيوتن الفيزيائية اآللية‪ ..‬ومن قمم الفكر الديمقراطي القائمة اآلن فيما‬ ‫يسمى بالمجتمعية ‪ .‬الخ ولذلك يمكننا التنبؤ باختياراتو أو قراءتيا كما نق أر الطبيعة‪.‬‬ ‫‪2‬‬ . ،‬الخ موقف يجعل الحقيقة‬ ‫والصواب دائماً في جانبو بينما الكذب والخطأ دائماً في الجانب اآلخر المختمف أياً كانت درجة اختالفو‪ ،‬فمم يكن‬ ‫غريباً أن تشكل الحداثة موقفاً اطالقياً دوغمائياً مضاداً يتأسس عمى العمم وينبني عمى ثنائية ناجزة مغايرة تجعل‬ ‫العقل في جانب والحواس في جانب آخر أو العقل والحدس‪ ،‬التجريبي والمتعالي‪ ،‬الكمى والعيني‪.‬‬ ‫الحداثة والتنوٌر والماركسٍة‪:‬‬ ‫تباينت اآلراء حول الحداثة والتأريخ لبدايتيا وطالب الكثيرون بدراسة تاريخ مصطمح "الحداثة" ولكن‬ ‫يظل الرأي الغالب مع اختالفات طفيفة ىنا وىناك‪ ،‬أن الحداثة تميز انتقال الحضارة اإلنسانية من مجتمعاتيا‬ ‫الزراعية إلى مجتمعاتيا الصناعية ويمكن أن نحدد عصر كبداية لمحداثة مرتبطة بظيور المدينة متخذين من‬ ‫الشارع العريض المضاء رم اًز ليا‪ ،‬كما فعل بودلير‪ .communitarianism‬وسنتناول في ىذا المقال جزءاً من ىذه المصادر عمى أمل أن نتابع‬ ‫الكتابة عن البقية في مقاالت أخرى كمما أتيحت الفرصة‪....‬وارتبطت الحداثة بصعود العمم وىيمنتو عمى‬ ‫التفكير النظري وبانفصال الالىوت عن الفمسفة وبشكل عام ارتبطت الحداثة بالتحدي الذي شكمتو الحياة الحديثة‬ ‫في وجو االعتقاد الديني‪ .

‬‬ ‫نقد الحداثة (ما بعد الحداثة)‪:‬‬ ‫ابتداء من ىذه الثنائية التي ميزت الحداثة كميا بدأ نقد ما بعد الحداثة‪ ،‬ويعود الفضل في الكشف عن‬ ‫ً‬ ‫الثنائية التي تعرضنا ليا فيما سبق لمنقد الذي مارستو ما بعد الحداثة‪ .‫وىكذا يمكننا النظر إلى الماركسية باعتبارىا امتدادا لمشروع التنوير وعقالنيتو وحتميتو فالقيم الجوىرية‬ ‫لمحياة الحديثة كما عبر عنيا عصر التنوير في الثورة الفرنسية‪ ،‬قيم "الحرية‪ ،‬المساواة‪ ،‬اإلخاء" حولتيا الماركسية‬ ‫إلى نتائج لتطور المجتمعات طبقاً لقوانين موضوعية تعمل وفقاً لمنطق الحتمية التاريخية وانسجاماً مع المنيج‬ ‫العممي لعصر التنوير اكتسبت الماركسية طابعيا العممي بأن جعمت قوانينيا الموضوعية تعمل في مجال النشاط‬ ‫المادي لإلنسان (النشاط االقتصادي الذي يحدد النشاط االجتماعي والسياسي) دون أفكاره ومعرفتو‪ ،‬مما جعل‬ ‫األخيرة دائماُ ممحقة باألولى ومحددة بيا‪ .‬لقد انتقمت ما بعد الحداثة إلى تفكير ال ثنائى ولكن العالقة بين تصوراتيم عن الحداثة وما‬ ‫بعدىا تبدو – ويا لمغرابة‪ -‬أيضاً ثنائية‪ .‬وتماماً كما عصر التنوير انبنت الماركسية عمى دوغمائية تميزت بثنائيات مطمقة‪:‬‬ ‫البرجوازية والطبقة العاممة‪ ،‬الرأسمالية والشيوعية‪ ،‬الديالكتيكى والميتافيزيقى‪ ،‬المثالية والمادية‪ ،‬عالقات اإلنتاج‬ ‫والقوى المنتجة‪..‬ولذلك فإن تيار ما بعد الحداثة يعطينا الكثير ولكن انحيازه إلى النسبية األخالقية والمعرفية الذي‬ ‫ُيضعف متعمداً العقالنية الكمية لمحداثة ُيضعف في ذات الوقت التماسك النظري لما بعد الحداثة كما ُيضعف‬ ‫القيم السياسية لعصر التنوير والحداثة‪ ،‬قيم الديمقراطية والمساواة والتحرر التي تتبناىا ما بعد الحداثة ذاتيا‪ .self decentered‬‬ ‫إن الجدل بين الحداثة وما بين الحداثة ييدف إلى توسيع الديمقراطية والحرية الفردية بنقد كوابحيما في‬ ‫كل من التيارين‪ .‬أما المشروع الديمقراطي لعصر التنوير فقد تم إلحاقو بالقوانين‬ ‫الموضوعية اكتسب بذلك أىمية ثانوية بديالً لألىمية األولية التي كانت لو في بدايات عصر الحداثة كما عبرت‬ ‫عنيا الثورة الفرنسية‪ ...‬وفى مقابل األنا أو الذات طرحت ما بعد الحداثة نقداً لألنا وقدمت مفيوم‬ ‫الذات غير المتمركزة ‪.‬ألنو‬ ‫إذا كانت الحقيقة نسبية كما تدعى ما بعد الحداثة فيذا يعنى أن المشروع الديمقراطي لعصر التنوير ىو مجرد‬ ‫أكذوبة كبيرة‪( .‬إنيا ذات الثنائية التي تجعل الحقيقة في جانب والكذب في الجانب‬ ‫اآلخر‪ ،‬الخير والشر‪ ،‬الحق والباطل‪.‬ولكن أال يعنى ىذا أن ما بعد الحداثة تقع فريسة تناقضاتيا الخاصة؟)‪.‬وبالتالي فإن المعرفة بيذه القوانين تكفل السيطرة عمى التطور‬ ‫الموضوعي لممجتمع بما في ذلك األفكار والمعرفة‪ .‬ففي مقابل الحقيقة المطمقة في الحداثة اعتبرت ما بعد الحداثة الحقيقة‬ ‫نسبية فإذا كانت الحقيقة المطمقة تدعى الوصول إلى المعرفة الكاممة فإن النسبية ال تصل إلى أية معرفة فيي‬ ‫تقول بصحة أية حقيقة أو حكم أو قول‪ .‬‬ ‫إن رفض ما بعد الحداثة لعقل الحداثة والتنوير ُيضعف أي احتمال لألخالق والعدالة ألنو يرد الفرد‬ ‫واالعتقادات والعالقات االجتماعية إلى محض عمميات السمطة‪ ،‬وكذلك اختفاء األنا والقول بالذات غير المتمركزة‬ ‫‪3‬‬ .‬الخ‪ ،‬واألىم من كل ذلك تمك الثنائية التي تجعل الماركسية التفكير العممي الوحيد في مقابل كل‬ ‫األفكار األخرى التي ىي الفكر البرجوازي‪ .‬الخ‪ .‬لقد كشف ىذا النقد عن أن الثنائية تتخمل‬ ‫نسيج التدين في أوروبا والتقاليد الفمسفية لمميتافيزيقيا واالبستمولوجيا‪ ..‬وىى ثنائية يتم التعبير عنيا بطرق عدة‪:‬‬ ‫األنا ضد اآلخ ر‪ ،‬العقل ضد الشعر‪ ،‬العقل ضد الحدس‪ ،‬إمكان الحقيقة ضد السيالن النسبي‬ ‫واالبستمولوجى‪.

‬ويمثل فوكو ىنا رم اًز‬ ‫أساسياً‪ .‬‬ ‫‪4‬‬ .‬وىى كذلك إما أن‬ ‫تكون مطمقة وكمية أي دوغمائية أو نسبية تنتسب إلى فرد ما وسياقو الثقافي‪ .‬التفكير الثنائي يمكن أن يكون‬ ‫مضاء أو منطفئاً‪ .‬‬ ‫وينبني موقف التفكير الثنائي من الحقيقة عمى نظرية التطابق ‪correspondence theory of truth‬‬ ‫فالقضية تكون حقيقية وصحيحة عندما تنطبق تماماً مع موضوعيا في الواقع وتكون كاذبة وخاطئة عندما ال‬ ‫تنطبق مع موضوعيا في الواقع‪ .‫يؤدى إلى ذات النتيجة بأن يكون المحدد األساسي لمعالقات ىو محض عمميات السمطة‪ .‬إن الرفض الرومانسي لعقالنية الحداثة يفتح‬ ‫الطريق لمفاشية ما دام يفتحيا باألساس لمقوة‪.‬وىذا‬ ‫يعنى أن الشخص إما أن ينسجم مع الحقائق الكمية والمطمقة (بما فييا القيم السياسية واألخالقية) الصالحة كل‬ ‫زمان ومكان أو يكون دائماً عمى خطأ وينتيي األمر بالمعرفة إما أن تكون موضوعية أو تكون ذاتية‪.‬واذا‬ ‫كان لدينا عدد من الحقائق متعمقة بذات الموضوع فإن واحد فقط من ىذه الحقائق يكون صحيحاً ألن واحداً منيا‬ ‫فقط ينطبق عمى الموضوع الخارجي‪ .‬وبالتالي فإن التفكير الثنائي ال يقبل تعدد الحقائق فاالدعاءات المختمفة‬ ‫حول موضوع واحد ال بد أن تكون خاطئة ما عدا واحداً منيا‪ .‬الخ إلى التعبير عن ىيمنة إرادة النظام‬ ‫‪ will to discipline‬وكان يمكن أن يتحاشى ذلك لو أنو ميز – كما فعل كانط – بين نظام الييمنة ‪discipline‬‬ ‫‪ domination of‬ونظام المقاومة ‪ discipline of resistance‬ولو فعل ذلك لما رأى في مفاىيم الحداثة‬ ‫الييمنة والسمطة والقسر بل كان سيرى فييا التحرر والمقاومة‪ .‬وعمى حد‬ ‫تعبير ليوتار فإن الحداثة قد تأسست عمى حكايات كبرى ونظن أن كبرى ىذه الحكايات كانت الماركسية‪ .‬فالتطابق يكون بين موضوع (واقع خارجي) وصورة (وصف أو تمثيل)‪ ...‬ولكن في أغمب األحيان فإن ىذه‬ ‫صحيحاً في بعض الحاالت كقولنا إن المصباح إما أن يكون‬ ‫ً‬ ‫الثنائيات ليست صحيحة فيي ال تعطينا كل االحتماالت الممكنة‪.‬‬ ‫الحقيقة بالنسبة ليذا التفكير إما أن تكون مطمقة وكمية وواحدة وغير متغيرة كالقيم األخالقية والسياسية‬ ‫التي تكون صالحة لكل الناس في كل األوقات وفى كل الظروف واألمكنة أو تكون ليست ىناك قيم كمية مطمق ًا‬ ‫بحيث تكون اختيارات الفرد األخالقية والسياسية قائمة عمى المزاج الشخصي أو نماذج مفروضة اجتماعياً‪ .‬‬ ‫ولكن مع ذلك يظل نقد ما بعد الحداثة لدوغمائية الحداثة القائمة عمى الثنائية نقداً جائ اًز‪ .‬فقد رد فوكو كل مفاىيم الحداثة ‪ :‬العقل‪ ،‬األخالق‪ ،‬العدالة‪ .‬وىذا يعنى أن ىذا التفكير إطالقي (دوغمائى)‬ ‫يعبر عن المطمق وبالنسبة لو فإن الحقيقة واحدة بالنسبة لموضوع محدد واذا عرفناىا فإننا نكون عمى يقين من‬ ‫خطأ وكذب بقية الحقائق‪.‬وما‬ ‫وقعت فيو ما بعد الحداثة ىي أنيا قد ألغت الحكايات تماماً وبذلك وقعت في شراك ما قامت لتجاوزه وأنشأت‬ ‫ثنائية في عالقتيا بالحداثة‪.‬وتكون القضية نفسيا إما موضوعية أو ذاتية‪ .‬‬ ‫أزمة المنطق الثنائً "الدوغمائٍة"‪:‬‬ ‫إن المنطق الثنائي والتفكير القائم عميو ينتيي إلى عدد من االفتراضات العامة‪ ،‬مثالً‪ ،‬نحن مجبرين‬ ‫تجاه قضية ما أن نحكم إما بصوابيا أو خطأىا‪ .

‬‬ ‫أما المعرفة الذاتية فيي معرفة فردية واعتباطية وليست مفروضة من الخارج‪ .‬‬ ‫ولمواجية ىذه األزمة تم تأسيس موقف جديد يسمح بإعادة بناء الحداثة وعقالنية التنوير وديمقراطيتو وعدالتو‬ ‫ويشكل أساساً نظرياً ليذا المشروع‪ .‬وىى معرفة نسبية تنسب‬ ‫إلى األفراد والثقافات المختمفة وتكون صحيحة بالنسبة لمفرد الذي يعتقد فييا أو بالنسبة لمجموعة من األفراد الذين‬ ‫ينتمون إلى سياق ثقافي واحد‪ .‬‬ ‫ىذه الثنائية بين الموضوعي والذاتي تعود إلى القرن السابع عشر‪ ،‬إلى مادية نيوتن التي تقرر أن العالم‬ ‫المادي ىو العالم الحقيقي وىو عالم نعرفو عن طريق الحواس وبمناىج العموم الطبيعية‪ ،‬وىو مفيوم ما زال سائداً‬ ‫في الوضعية ‪.‬والنموذج‬ ‫األعمى ليذه المعرفة ىو الرياضيات والعموم الطبيعية وىى معرفة لدينا اعتقاد جازم بأنو يمكننا التحقق منيا‬ ‫تجريبياً وبالتالي فيي قابمة لإلثبات ويقينية‪ .‫المعرفة الموضوعية معرفة كمية وضرورية ألن الطبيعة والواقع الخارجي تفرضيا عمينا وىى أيضاً‬ ‫مطمقة بمعنى أنيا صالحة لكل الكائنات العاقمة ولكل زمان ومكان بغض النظر عن الثقافة والسياق‪ .‬‬ ‫التعددٌة العقالنٍة النقدٌة‪:‬‬ ‫تتبنى التعددية العقالنية النقدية النظرية التخطيطية في الحقيقة ‪ figurative theory of truth‬وىى‬ ‫ترى أن الحقيقة تتكون في القدرة التي يمتمكيا تخطيط ما ليمنحنا عمى األقل تمثيل جزئي لموضوع ما بحيث‬ ‫نستطيع استناداً عميو التعامل بنجاح مع العالم الخارجي‪ .‬وىى معرفة ليا معايير واحدة لمتأكد من صحتيا الكمية ولذلك فإن‬ ‫القضايا المتعددة االختالف حول الذات الموضوع ىي بالضرورة قضايا خاطئة‪.‬والمعرفة الذاتية معرفة نسبية تقبل أية أحكام‬ ‫فميست ليا معايير أو خصائص تميز الصادق من الكاذب أو الصحيح من الخاطئ‪.Positivism‬‬ ‫ىذه ىي أزمة المنطق والتفكير الثنائي التي أوقعت الحداثة وما بعدىا في أسر الدوغمائية وطبعت‬ ‫الحياة اإلنسانية المعاصرة وممارستيا السياسية واألخالقية والمعرفية باإلقصاء المتبادل وبالنفي والنفي المضاد‪.‬إن التعددية‬ ‫العقالنية النقدية ىي تفكير تعددي وليس نسبى ألن بعض الحقائق ما زال يمكن أن يكون خاطئاً وكاذباً وىى‬ ‫كذلك ال تستبعد احتمال أن تنطبق حقيقة ما انطباقاً تاماً مع موضوعيا‪.‬وىذا يعنى أن الحقائق المتعددة والمختمفة والجزئية يمكن‬ ‫أن تكون كميا صحيحة في ذات الوقت بالنسبة لذات الموضوع‪ ،‬بل إن ىذه الحقائق تكون مكممة لبعضيا البعض‬ ‫وتعطينا صورة أكثر كماالً عن الموضوع بحيث أن كل منيا يمثل معمومات ال توجد في األخرى‪ .‬ىذه المعرفة وألنيا تفتقر إلى المعايير الموضوعية فإن معيارىا ىو الذوق ولذلك‬ ‫فإن أحكاميا ىي أحكام ذوق جمالي وىى ذاتية بيذا المعنى (وطبعاً ىذه فكرة خاطئة فاألحكام الجمالية ليست‬ ‫ذاتية) وىى أحكام ليست ليا أسباب وعمل ألن لكل شخص ذوقو‪ .‬ىذا الموقف النظري الجديد تمت تسميتو بالتعددية العقالنية النقدية‪ .‬وىو‬ ‫موقف يفترض أن االستخدام الحذر لمعقل دائماً ما يتجاوز الدوغمائية والنسبية معاً مكتشفاً ما يمكن تسميتو بشبو‬ ‫الكمى ‪ quasi-universal‬أو المطمق النسبي من القيم التي يمكن أن نطبقيا ونؤوليا ونفيميا بطرق متعددة طبقاً‬ ‫لمسياق الفردي والثقافي‪.‬‬ ‫‪5‬‬ .

‬أما في المعتقدات الدينية فإن األدلة والعمل‬ ‫ذات طابع نسبى وفردي وعمى النقيض من أي ادعاءات ألصولية القرن التاسع عشر أو القرن العشرين حول‬ ‫األيمان الديني فإن في التاريخ الديني ما يقر بالشك باعتباره مفيوماً مركزياً لأليمان الديني ويقر التاريخ الديني‬ ‫أيضاً بالتعدد‪ ،‬أي االعتراف بوجود أكثر من وجية نظر واحدة عن الحقائق اليامة‪ ،‬وأن فيم الحقيقة يتم بصورة‬ ‫أفضل بالبحث في وجيات النظر المتعددة عن الحقيقة أكثر من اإلصرار عمى وجية نظر واحدة يتم التأكيد عمى‬ ‫يقينيتيا وصحتيا المطمقة‪ .‬إذا قرأنا ىذا التأسيس‬ ‫النظري لمديمقراطية مع انييار دول شرق أوروبا واالتحاد السوفيتي مع التحوالت الديمقراطية في العالم وصعود‬ ‫قضايا حقوق اإلنسان األساسية إلى قمة أولويات المجتمع الدولي فإننا نستطيع االستنتاج أن التناقض السياسي‬ ‫ىو التناقض الم سيطر عمى التطور البنى االجتماعية وأن المعرفة ىي التي تحدد ىذه البنى بكل مستوياتيا بما‬ ‫في ذلك المستوى السياسي واالقتصادي (صحيح أن التناقض االقتصادي يحدد البنية االجتماعية من جية قواىا‬ ‫وطبقاتيا االجتماعية ولكن الذي لم يعد فيو شك أن التناقض االقتصادي يتحدد كمياً بالمعرفة)‪ .‬فالموقف التعددى العقالني النقدي يقول بصحة بعض الحقائق وليس‬ ‫كميا‪ ،‬بينما النسبية ىي التي تقول بصحة أية حقيقة أو حكم أو قول ولذلك فيي ال تصل إلى أية معرفة‪ .‬الخ) وىى شبو كمية وال تنكر أن ىنالك بعض الحقائق الضرورية ليس فقط ألنيا مفروضة عمينا من‬ ‫الوقائع الخارجية بل ألنيا أيضاً مفروضة عمينا بوقائع داخمية ولكن معظم الحقائق ىي شبو كمية بمعنى أنيا‬ ‫عبارة عن بنيات معرفية مشتركة (مثل إطار المكان والزمان) والنظريات العممية اآلن تضع في اعتبارىا موقف‬ ‫المراقب في صياغة ادعاءاتيا (النظرية النسبية‪ ،‬وميكانيكا الكوانتم) أما في الفمسفة فيمكن أن نصل إلى معايير‬ ‫شبو كمية عن طريق الحوار واالىتمام البالغ باألدلة والحجج ‪.‬وىذا ما يفسر‬ ‫لنا انتصار الرأسمالية في مباراتيا مع االشتراكية (باإلضافة إلى جممة عوامل أخرى ليس ىنا مجال تناوليا)‪.‫والحقيقة في التعددية العقالنية النقدية ىي نتيجة لتالقى عدد من العناصر‪ :‬الذاتية (وجيات النظر‬ ‫واالعتقادات واإلطارات المعرفية التي تستقبل تجاربنا الحسية الخارجية) وكذلك الموضوعية (موضوعات الحس‬ ‫الخارجي ‪ .‬ىذه التعددية ثابتة في التاريخ اإلسالمي والمسيحي والييودي وفى كل األديان وفى كل‬ ‫مرة تتم محاولة لنفييا تنزل بالناس النكبات والمحن‪.‬الخ‪ ..‬‬ ‫إن التعددية العقالنية النقدية تعنى أن ىنالك حقائق متعددة ومختمفة وكميا يمكن أن تكون صحيحة عن‬ ‫ذات الموضوع‪ ،‬تأويالت مختمفة وتطبيقات مختمفة وفيم مختمف لممجموعة شبو الكمية لمحقائق والقيم‪ ..‬واستناداً عمى ذلك‬ ‫نستطيع القول أن الديمقراطية أصبحت العامل الحاسم في تطور المجتمعات وبفضميا تتطور المعارف مما يعنى‬ ‫تطور االقتصاد والسياسة وبالتالي المزيد من الديمقراطية يؤدى إلى تعميق تطور المعرفة وىكذا‪ .‬ولكن ىذا‬ ‫ال يعنى أنيا تتبنى موقفاً نسبياً‪ ،‬أي أنيا ال تدعى أن كل ما يقال صحيحاً أو أن كل االدعاءات المختمفة حول‬ ‫قضية ما ىي كميا ادعاءات صحيحة‪ .‬أما‬ ‫المعرفة الموضوعية فيي تدعى الوصول إلى المعرفة الكاممة (أو عمى األقل إن ىذا الوصول – منطقياً‪ -‬أم اًر‬ ‫ممكناً بحسب تعريف المعرفة الموضوعية)‪ .‬التعددية العقالنية النقدية تمكننا من رفض األخطاء وفى ذات الوقت‬ ‫االختبار والتمييز بين الحجج الجيدة والحجج السيئة مما يجعمنا نحقق أحكاماً إجماعية مفتوحة لمزيد من المراجعة‬ ‫والفيم الجديد في ضوء دليل جديد أو سياق جديد‪.‬‬ ‫ولذلك فإن قوى التغيير في العالم اآلن مدعوة لتبنى موقف نظري يسمح بتأسيس أىم عوامل تطور البناء‬ ‫‪6‬‬ .‬‬ ‫أال نستطيع القول‪ ،‬اآلن‪ ،‬أن التعددية العقالنية النقدية ىي أول تأسيس نظري لمديمقراطية؟ مع التعددية‬ ‫العقالنية النقدية لم تعد الديمقراطية مجرد التزام أخالقي وانما ىي موقف نظري عميق‪ ...

‬غياب ىذا التمييز ىو الذي أدى بالماركسية إلى سمفيتيا‬ ‫وحضوره ىو الذي يجعمنا نقترح التعددية العقالنية النقدية كأساس نظري جديد لقوى التغيير في العالم بما فييا‬ ‫السودان‪ ،‬وىو أساس يسمح بالتعدد في المواقف النظرية حتى بين قوى اليسار الجديد نفسيا‪.‬‬ ‫إن عقالنية الحداثة الجديدة – كما ىي عند ىابرماس‪ -‬تميز بين شكمين من الفعل يقوم عمييما البناء‬ ‫االجتماعي‪ :‬العمل (الفعل األداتى) ‪ instrumental action‬والتفاعل االجتماعي (الفعل االتصالى)‬ ‫‪ ، communicative action‬األول يؤسس العقل األداتى الذي يشتغل في البحث التجريبي‪ -‬التحميمي وييدف‬ ‫إلى التنبؤ والسيطرة عمى العمميات الموضوعية والطبيعية بينما الثاني يؤسس لمعقل االتصالى الذي يشتغل في‬ ‫البحث التأويمى والنقدي وييدف إلى فيم اآلخرين والكشف عن اإلكراه والقسر الالشعوري الذي ينشأ من فعل‬ ‫االتصال وىو ما ال يمكن رده كما ىو واضح إلى البحث التجريبي‪ -‬التحميمي‪.‬وفى اعتقادي أن ىذا ىو السبب الذي جعل الماركسية تجعل من التناقض‬ ‫االقتصادي األساسي المحدد لمبناء االجتماعي إذ أن ذلك يتيح ليا فيماً لممجتمع يقترب كثي اًر من نموذج العالقة‬ ‫بين الذات والموضوع وبالتالي يتيح قراءة تتشبو بقراءة العموم الطبيعية بحيث تتحرر من إرادة الناس وخياراتيم‬ ‫وتكون بذلك معرفة موضوعية‪ ،‬أي عممية‪.‬‬ ‫إن ىنالك ضرورة لمتمييز كما ىو واضح بين مناىج العموم الطبيعية ومناىج العموم اإلنسانية وىو ما‬ ‫صار أم اًر بدييياً بعد التطور اليائل في العموم الطبيعية الذي أدى إلى إنتاج مناىج مختمفة حتى بين فروع العمم‬ ‫الواحد من العموم الطبيعية فما بالك بالعموم اإلنسانية‪ .‬‬ ‫الحداثة السلفٍة والحداثة الجدٌدة‪:‬‬ ‫إن عقالنية الحداثة السمفية بتصوراتيا الدوغمائية أدت إلى ىيمنة العقل األداتى ‪instrumental‬‬ ‫‪ reason‬في المجتمعات الصناعية وىو عقل يتعامل فقط مع العالقة بين الوسائل والغايات ويترك الغايات ذاتيا‬ ‫خارج إطار اىتمامو كما حصر اىتمام الفمسفة في العالقة بين الذات والموضوع ولوقت طويل كان ىذا ىو العقل‬ ‫الوحيد الممكن لمكثير من الفالسفة‪ ...‬الخ عمى‬ ‫ضوء ىذا الموقف النظري‪ .‫االجتماعي أال وىو الديمقراطية ومن ثم إعادة بناء كل مفاىيم الحداثة‪ :‬العقالنية‪ ،‬األخالق‪ ،‬العدالة ‪.‬‬ ‫‪7‬‬ .‬ىذا الموقف النظري نعتقد أنو‪ :‬التعددية العقالنية النقدية والقوى التي تتبنى ىذا‬ ‫الموقف ىي قوى اليسار الجديد‪.‬ولذلك فإن عقالنية الحداثة السمفية جعمت نموذجيا األعمى في المعرفة ىو‬ ‫العموم الطبيعية والرياضيات‪ .