You are on page 1of 5

‫الرواية الخالدة‪:‬‬

‫]زوربــــا اليونانــي[‬
‫الدكتور‬
‫حسـن علـي مجلـي‬
‫فيس بوك‪:‬‬
‫بريد إلكتروني‪:‬‬

‫‪http://www.facebook.com/drhasan.megalli‬‬
‫‪drhasan.megalli@yahoo.com‬‬

‫الموقع اللكتروني‪:‬‬

‫‪http://hasanmegalli.com//ar/index.php‬‬

‫حينما كنت أدرس القانون والشريعة في جامعة القاهرة )كلية‬
‫الحقوق(‪ ،‬في ‪1970 - 1967‬م شاهدت أثناءها فيلم )زوربا(‬
‫اليوناني لمؤلفه الروائي الذائع الصيت )نيكوس كازانتزاكيس(‪ ،‬ثم قرأت‬
‫فيما بعد الرواية مترجمة إلى العربية‪ ،‬وقد أثرت في نفسي تأثيرًا شديدًا‪،‬‬
‫كما فعلت بمئات بالمليين في كافة أنحاء العالم‪ ،‬ثم لما قرأت مذكرات‬
‫المؤلف تحت عنوان‪) :‬تقرير إلى غريكو()‪ ،(1‬تأثرت كثيرًا عندما سمعت‬
‫جع في مرارة أليمة‪:‬‬
‫)كازانتزاكيس( من خلل الكتاب يتو ّ‬
‫أنا وأنت أيها القلب دعنا نعطيه َدَمًا لعله يعود إلى الحياة ‪ ..‬دعنا نبذل‬
‫شّغيل‪ ،‬عاشق النساء‪،‬‬
‫قصارى جهودنا لكي نجعل هذا الكل والشارب ال ّ‬
‫المتشرد‪ ،‬يعيش لحظة أخرى زيادة‪.‬‬
‫والذي قرأ أو شاهد في السينما رواية )زوربا( الشهيرة يستطيع أن‬
‫يتأكد من خلل مذكرات المؤلف‪ ،‬أن شخصية البطل فيها لم تكن من نسج‬
‫الخيال بل حقيقة واقعة عايشها الكاتب فترة من الزمان وأثرت تأثيرًا عميقًا‬
‫في نفسه لدرجة أنه من مذكراته التي أشرت إليها‪ ،‬قال محدثًا عن أثر‬
‫زوربا فيه‪:‬‬
‫)لم يساعدني في كفاحي إل القلة من الناس(‪.‬‬
‫وإذا سألت من الذي ترك آثارًا عميقة في نفسي ‪ ..‬لحددت‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ )غريكو( في اليونان هو )عزرائيل( أو ملك الموت عند العرب‪ ،‬وفي هذا )التقرير( يروي‬‫المؤلف كافة تفاصيل حياته الهامة على هيئة )تقرير( أعّده قبل موته‪) .‬إنه يقدم دفتر حسناته‬
‫وسيئاته أثناء حياته؟!(‪.‬‬

‫‪var/www/apps/conversion/tmp/scratch_5/131064460.doc/‬‬

‫‪1‬‬

‫)هوميروس( و )بوذا( و )نيتشه( و )بيرغسون( و )زوربا(‪.‬‬
‫وهؤلء هم من أكبر المفكرين والفلسفة المشاهير في العالم باستثناء‬
‫)زوربا(‪.‬‬
‫ويتحدث المؤلف عن تأثير كل واحد من هؤلء في حياته حتى يصل‬
‫إلى )زوربا( فيؤكد أن أهم ما تعلمه منه هو حب الحياة وعدم الخوف من‬
‫الموت‪.‬‬
‫لقد كان )زوربا( من ذلك النوع الذي يتجدد كل صباح ويمنح العذرية‬
‫إلى العناصر اليومية البدية‪ ،‬الهواء والبحر والنار والمرأة والخبز فض ً‬
‫ل‬
‫عن تلك الضحكة الهمجية المفرقعة التي تنبع من أعماقه وتنفجر محطمة‬
‫جميع القيود ومتجاوزة الحواجز كلها ‪ ...‬الخلق والمعتقدات البالية‬
‫والوطن ‪ ..‬تلك الحواجز التي نصبها النسان حول نفسه لكي تحيطه‬
‫بالمان الكامل عبر حياته البائسة‪.‬‬
‫ل عن مدى‬
‫ويتحدث المؤلف عن بعض ذكرياته مع )زوربا( متسائ ً‬
‫إمكانية تمكنه من تجنب الثارة التي تفعم القلب كلما تذكر الكلمات التي‬
‫قالها له )زوربا(‪ ،‬أو آلة الطرب اليونانية )السانتوري( التي كان يعزف‬
‫عليها وهما على شواطئ )كريت( في اليونان حيث قضيا وبعض العمال‬
‫ستة اشهر وهم يحفرون الرض بحجة استخراج )الغرانيت(‪ .‬وكان‬
‫صاحب المشروع هو )كازانتزاكيس( نفسه‪:‬‬
‫]كنا ننتظر بقلق أن تغرب الشمس وأن يتوقف العمال عن العمل لكي‬
‫نستطيع أنا وزوربا أن نذهب معًا‪ ،‬فنضع طعامنا على الشاطئ ونلتهم‬
‫وجبتنا الريفية اللذيذة ونحتسي خمرتنا الكريتية ثم نبدأ الحديث‪.‬‬
‫نادرًا ما كنت افتح فمي للحديث ‪ ..‬إذًا ما الذي يستطيع أن يقوله‬
‫مثقف لغول؟!‬
‫كنت أصغي إليه وهو يحدثني عن قريته الواقعة إلى جانب جبل‬
‫)الولمب(‪ .‬عن الثلج والذئاب والقديسة )صوفيا( والفحم والنساء والرب‬
‫والوطنية والموت‪.‬‬
‫وحين تضيق الكلمات عليه ويقترب من الختناق كان يقفز على قدميه‬
‫ويبدأ الرقص على حصى الشاطئ ممشوقًا بجسد طويل‪ ،‬قويًا‪ ،‬منتصبًا‬

‫‪var/www/apps/conversion/tmp/scratch_5/131064460.doc/‬‬

‫‪2‬‬

‫حِني ثم يرتعش‬
‫بعينيين مدورتين كعيني الطائر ‪ ..‬كان يرقص برأس َم ْ‬
‫ويضرب قدمه الغليظة على الماء فيبلل وجهي بمياه البحر‪!..‬‬
‫وفي أقل ما يمكن من الوقت استطعنا تبديد ما زودني به عمي لكي‬
‫أفتح به مكتبنا )كما كان مفترضًا(‪.[.‬‬
‫ثم يستطرد المؤلف ‪:‬‬
‫ل صغيرًا بالنبيذ ‪ ..‬وبعد‬
‫]طردنا العمال وشوينا خروفًا ثم عبأنا برمي ً‬
‫ذلك مددنا مائدتنا قرب الماء‪.‬‬
‫وتناول )زوربا( آلة الطرب وبحنجرته العجوز التي أعطاها مداها بدأ‬
‫الغناء بـ )أمان أمان(‪.‬‬
‫أكلنا وشربنا وهتفنا معًا‪:‬‬
‫)غفر ال للعزاء الراحلين‪ ،‬غفر ال لمشروعنا المرحوم‪ .‬ولتعش‬
‫أنفسنا‪ ،‬وليذهب الغرانيت إلى الشيطان(‪.‬‬
‫وافترقنا عند الفجر‪.[.‬‬
‫ولم يلتق الكاتب بزوربا بعد ذلك اليوم ‪ ..‬فقد رحل هذا بعيدًا ‪..‬‬
‫بينما رجع )كازانتزاكيس( إلى الورق والحبر مرة أخرى‪ ،‬وفي أعماقه‪،‬‬
‫شفى وفي مكان ل يعرفه ولكنه يسميه )الروح(‪!..‬‬
‫كما يقول‪َ ،‬نْدبة ل ُت ْ‬
‫])ولو إنني استمعت إلى صوته "لم يكن صوتًا بل نداًء"( لكتسبت‬
‫حياتي قيمة فعلية ‪ ..‬لكنت تعرفت لدمي ولحمي وعظمي على ما أتخيله الن‬
‫شاش ثم أسكبه حبرًا على ورق ‪ ..‬لكنني لم أجرؤ ‪ ..‬كنت أرقب زوربا‬
‫كالح ّ‬
‫وهو يرقص ويصهل في أعماق الليل ‪ ..‬اسمه يدعوني أن أقفز بدوري خارجًا‬
‫سَفر عظيم ل عودة منه ‪..‬‬
‫من ملجئ التعقل والتعود وأن أرحل معه عبر َ‬
‫لكنني كنت أبقى مكاني جالسًا مرتجفًا‪.‬‬
‫كم أحسست بالخجل فيما بعد لنني منعت نفسي فلم أجرؤ على القيام بما‬
‫كان يدعوني إليه‪.[.‬‬

‫ومرت السنوات طويلة‪ ،‬وكان اتصال المؤلف بـ )زوربا( يحدث‬
‫أحيانًا وينقطع أحيانًا أخرى ولكن عبر الرسائل والخبار‪.‬‬
‫وذات يوم عاد الكاتب إلى بيته ليجد في انتظاره رسالة وعليها إشارة‬
‫عزاء‪ ،‬كانت الرسالة تحمل ختم المنطقة التي يعيش )زوربا( فيها‪.‬‬

‫‪var/www/apps/conversion/tmp/scratch_5/131064460.doc/‬‬

‫‪3‬‬

‫فهم الكاتب محتوى الرسالة وأمسكها بين يديه المرتعشتين حيث لم‬
‫يجرؤ حينها على فتحها ‪ ..‬لقد أدرك النبأ الليم فورًا وأظلم العالم في‬
‫وجهه وتمتم لنفسه بمرارة )لقد مات ‪ ..‬لقد مات(‪.‬‬
‫]رحت أحدق فترة طويلة عبر النافذة وأنا أرقب هبوط الليل ‪ ..‬كان‬
‫يجب أن أسقي أصص الحديقة هذا المساء فالتربة مشققة ‪ ..‬وأظهر نجم‬
‫المساء نفسه من بين الغصان الشائكة لشجرة )ألكاسيا( كقطرة من‬
‫الندى ‪..‬كان المساء لطيفا وبدت الحياة حلوة ‪ ..‬ونسيت لوهلة‪ ،‬الرسالة‬
‫المؤلمة التي أمسك بها بين يدي‪.[.‬‬
‫ويدرك المؤلف بغتة أنه في محاولته لتأمل جمال العالم إنما يحاول‬
‫أن ينسى الموت ‪ ..‬وأحس بالخجل ففتح المظروف بحركة عنيفة ‪..‬‬
‫وتراقصت الحروف أمام عينيه في البدء ولكنه استطاع أخيرًا أن يقرأ‪:‬‬
‫] أنا أستاذ القرية ‪..‬‬
‫وإنني لكتب لخبرك بالنبأ المؤسف وهو أن )ألكسي زوربا( الذي‬
‫كان يدير منجم منجنيز هنا قد توفي يوم الحد الماضي في السادسة مساًء‪.‬‬
‫دعاني في نزعه الخير وقال لي‪:‬‬
‫تعال ُقربي يا أستاذ ‪..‬‬
‫لدي صديق في اليونان‪ ،‬حين أموت أكتب إليه وأخبره بموتي ‪..‬‬
‫وأنني ظللت مالكًا لقواي العقلية حتى النهاية‪.‬‬
‫وإنني كنت أفكر فيه ‪ ..‬وإنني مهما كان ما فعلته لست آسفًا على‬
‫شيء ‪ ..‬قل له أنني أرجو له الخير وأنه قد آن الوان له أن يضع عقله في‬
‫رأسه ‪ ..‬وإذا جاء أي )ِقس( ليستمع إلى اعترافي وليمنحني الغفران قل‬
‫لذاك القس أنه يستطيع أن يكون فريد زمانه وأنه يستطيع أن يمنحني لعنته‪.‬‬
‫ولقد فعلت هذا الشيء أو ذاك وأشياء أخرى في حياتي ‪ ..‬ولكنني لم أفعل‬
‫عْمت‬
‫إل القليل ‪ ..‬الناس الذين يشبهونني يجب أن يعيشوا ألف سنة‪ِ ،‬‬
‫مساءً ‪.[..‬‬
‫لقد مات )زوربا( ‪ ..‬راح إلى البد‪ ،‬ماتت الضحكة المدّوية ‪..‬‬
‫وانقطعت الغنية وتحطم )السانتوري( آلة الطرب وتوقفت الرقصة على‬
‫حصا الشاطئ‪ ،‬والفم الذي كان ل يهدأ من طرح السئلة أصبح مليئًا‬
‫بالتراب‪.‬‬
‫‪var/www/apps/conversion/tmp/scratch_5/131064460.doc/‬‬

‫‪4‬‬

‫]لن توجد أبدًا بعد اليوم يد تلطف الحجارة والبحر والخبز‬
‫والنساء ‪ ..‬واستطردت بعيدًا ‪ ..‬ل بفعل الحزن بل بتأثير الغضب )ظلم ‪..‬‬
‫ظلم( ورحت أصرخ ‪ ..‬أرواح كهذه يجب أل تموت ‪ ..‬هل في وسع‬
‫الرض والماء والنار والحظ أن تعيد تشكيل زوربا آخر‪..‬؟[‪.‬‬
‫ولم يستطع المؤلف أن يغمض عينيه طوال الليل ‪ ...‬وراحت‬
‫الذكريات تتلحق كل واحدة تزحم الخرى فيتصاعد القلق والعياء إلى‬
‫رأسه‪.‬‬
‫وظل طوال الليل ساهرًا يفكر فيما ينبغي عليه فعله كي يطرد موت‬
‫صديقه زوربا منه ‪ ..‬على حد تعبيره!‬
‫وانفتح الباب في أعماقه وتقافزت الذكريات تدعو صاحبها لن يعيد‬
‫زوربا للحياة ‪ ..‬ويحافظ عليه من الضياع‪.‬‬
‫ولم ينبلج الصباح إل وقد قرر )كازانتزاكيس( أن يكتب رواية‬
‫)زوربا( باعثًا صاحبه على نحو نادر مثيله في العالم بأسره‪) !..‬إنه‬
‫البعث الثقافي في الحياة!!(‪.‬‬

‫‪var/www/apps/conversion/tmp/scratch_5/131064460.doc/‬‬

‫‪5‬‬