You are on page 1of 5

‫]المامة‬

‫إن هذه المسألة من المسائل الكبيرة التي بحثها علماء أصول الدين في كتبهم على اختلف مذاهبهم‪ ،‬نعم بحثوها‬
‫باهتمام بالغ‪ ،‬على اختلفهم في اعتبارها أصل من أصول الدين أو فرعا‪ ،‬أي هل يكتمل إيمان النسان بدونها‪ ،‬أو‬
‫إنها جزء أصيل ل يصح اليمان إل بها‪ .‬وبحثوا في فائدتها للجنس البشري‪ ،‬وغايتها‪ ،‬وطريق الوصول إليها‪.‬‬
‫ومع اختلفاتهم في تلك المباحث‪ ،‬إل إننا ل نشك في اتفاقهم على أهميتها بغض النظر عن اعتبار موقعها‪.‬‬
‫وسوف نبحث في هذا الفصل بعض أهم المفاصل في هذه المسألة الخطيرة‪.‬‬
‫تعريف المامة‪:‬‬
‫ل بد أول من تعريف المامة لنستطيع بعد ذلك الشروع في مباحثها‪ ،‬لننا ل يمكن الخوض في الحكام إل بعد‬
‫تصور الموضوع‪.‬‬
‫وسوف نهتم بذكر تعريف المامة عند عند أهل السنة‪ ،‬والشيعة المامية الثني عشرية‪ ،‬لن فهم حقيقة الختلف‬
‫الحاصل بين المسلمين يصبح أسهل عند توضيح المر عند الفريقين‪.‬‬
‫ول بّد لنا أن ننبه أن هناك اصطلحان يستعملن في هذا المقام‪ ،‬الول الخلفة‪ ،‬والثاني المامة‪ ،‬فأهل السنة ل‬
‫ل الخر‪ ،‬وأما الشيعة فيفرقون بينهما‪ ،‬كما سنذكره‪.‬‬
‫يرون اختلفا بينهما‪ ،‬ويستعملون أحدهما مح ّ‬
‫عّرف المام التفتازاني في شرح العقائد النسفية الخلفة‪ ،‬فقال‪":‬نيابة عن الرسول في إقامة الدين بحيث يجب على‬
‫كافة المم التباع"‪.‬‬
‫فالخلفة إذن محصورة في كونها نيابة لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬في إقامة الدين‪ ،‬وليست استئنافا للنبوة‪،‬‬
‫ول هي من جنس النبوة‪ ،‬كما هي عند الشيعة‪ .‬فالخليفة مهمته تطبيق الشريعة السلمية التي أنزلها ال تعالى على‬
‫رسوله الكريم‪ .‬ومن هنا بما أنها تطبيه للشريعة‪ ،‬فل حاجة إذن لكون الخليفة معصوما‪ ،‬كما يدعي الشيعة‪ ،‬لن‬
‫تطبيق الشريعة ممكن بحسب الطاقة البشرية‪،‬ول يشترط في الطاقة البشرية كونها معصومة‪ ،‬بل الصل كونها‬
‫ليست معصومة‪.‬‬
‫ويلحظ في التعريف أيضا‪ ،‬أن الصل في الخليفة أن يكون واحدا‪ ،‬فل يصح تعدد الخلفاء‪ ،‬لما يحدثه هذا من‬
‫اضطراب كما سنبينه‪ ،‬وهذا هو المفهوم من قول المام التفتازاني "بحيث يجب على كافة المم التباع"‪.‬‬
‫عّم من الخليفة‪ ،‬بناء على ما ورد في الحديث من أن الخلفة ثلثون‬
‫وقد احتمل المام التفتازاني أن يكون المام أ َ‬
‫سنة‪ ،‬فما بعدها ل يكون خلفة‪ ،‬فاحتمل أن يكون ما وراء الثلثين إمامة ل خلفة‪ ،‬بناء على أن المامة أعم‪،‬‬
‫ولكنه أبطل هذا الحتمال بأن هذا الصطلح لم يجده في استعمال القوم‪ ،‬أي أهل السنة‪ ،‬ثم اختار في حل الشكال‬
‫السابق‪ ،‬بأن المقصود الخلفة الكاملة‪ ،‬أي ما بعد الثلثين سنة خلفة ولكنها ليست كاملة ككمال الخلفة المتقدمة‪.‬‬
‫ثم ذكر المام التفتازاني قول الشيعة فقال‪":‬بل من الشيعة من يزعم أن الخليفة أعم‪ ،‬ولهذا يقولون بخلفة الئمة‬
‫الثلثة دون إمامتهم‪".‬اهـ‪ .‬ونفهم نحن تماما لم يزعم الشيعة الفرق بين المامة والخلفة‪ ،‬فهم ل يعترفون للخلفاء‬
‫الثلثة الوائل‪ ،‬وهم أبو بكر الصديق‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬وعثمان بن عفان‪ ،‬رضي ال تعالى عنهم‪ ،‬ل يعترفون‬
‫لهؤلء بالمامة‪ ،‬بل ربما ينسبون لهم الخلفة فقط‪ .‬وذلك لنهم يقولون بأن المام خليفة عن النبي من حيث هو‬
‫نبي‪ ،‬فالمامةمن جنس النبيوة عندهم‪ ،‬ل فرق بين النبي والمام إل من جهة أن المام غير النبي ل يوحى إليه‪ ،‬أو‬
‫ل تنزل إليه رسالة وشريعة جديدة‪ ،‬ويشترك مع النبوة فيما سوى ذلك‪ ،‬ولذلك يشترطون في المام ما يشترطون‬
‫ص وغير ذلك‪ .‬فمفهوم المام عند الشيعة غاير تماما لمفهوم المام عند أهل السنة‪.‬‬
‫في النبي من العصمة والن ّ‬
‫وسوف نذكر الن مفهوم المام عند الشيعة‪.‬‬
‫قال السيد محسن الخرازي في شرحه على عقائد المظفر ص ‪":275‬ول يذهب عليك أن جمهور العامة فسروها‬
‫بما اعتقدوها في المامة من الخلفة الظاهرية والمارة‪ ،‬وقالوا إن المامة عند الشاعرة هي خلفة الرسول في‬
‫إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة المة‪ ،‬ومن المعلوم أن مرادهم منها هي الخلفة‬
‫الظاهرية التي هي إقامة غير النبي مكانه في إقامة العدل وحفظ المجتمع السلمي‪ ،‬ولو لم ينصبه النبي ‪‬‬
‫للخلفة بإذنه تعالى‪".‬اهـ‬
‫فهو كما ترى يشير إلى الفرق الذي نسبه المام التفتازاني إلى الشيعة‪ ،‬من تفريقهم بين الخلفة والمامة‪ ،‬وينسب‬
‫ل بالترادف إلى العمة‪ ،‬وهو السم الذي يسمي الشيعة به أهل السنة‪ .‬فيتبين لنا أن ما انسبه العلمة‬
‫الخرازي القو َ‬
‫السعد إليهم صحيح‪.‬‬
‫هذا عن مفهوم مصطلح المامة عند الشيعة‪ ،‬وأما عن تعريفها‪ ،‬فقد قال الخرازي في ص ‪":276‬المامة عند‬
‫الشيعة هي الخلفة الكلية اللهية التي من آثارها وليتهم التشريعية التي منها المارة والخلفة الظاهرية لن‬
‫ارتقاء المام إلى المقامات اللهية المعنوية يوجب أن يكون زعيمًا سياسيًا لدارة المجتمع السلمي أيضا‪ ،‬فالمام‬
‫هو النسان الكامل اللهي العالم بجميع ما يحتاج إليه الناس في تعيين مصالحهم ومضارهم‪ ،‬المين على أحكام‬
‫ال تعالى وأسراره‪ ،‬المعصوم من الذنوب والخطايا‪ ،‬المرتبط بالمبدأ العلى‪ ،‬الصراط المستقيم‪ ،‬الحجة على‬
‫عباده‪ ،‬المفترض طاعته اللئق لقتداء العام به والتبعية عنه الحافظ لدين ال‪ ،‬المرجع العلمي لحل المعضلت‬

‬‬ ‫المامة عند أهل السنة‬ ‫سوف نبين مذهب أهل السنة في المامة‪ ،‬وذلك بالعتماد على الدلة الجمالية الموجزة‪ ،‬فالتفصيل في هذا‬ ‫المبحث يحتاج لكتاب خاص‪.‬‬ ‫سّلٌم‪ ،‬أو يجب أن يكون كذلك‪.‬‬ ‫فكان بحثهم فيها من هذين الجانبين‪.‬‬ ‫وتأمل في قول الخرازي ‪ ":‬الخلفة الكلية اللهية التي من آثارها وليتهم التشريعية" لتعرف بعد ذلك حقيقة قولنا‬ ‫بأن الشيعة يعتبرون المامة تكوينية وتشريعية‪ ،‬بل التشريع تابع ولزم عن التكوين‪ ،‬ونقصد بالتكوين التدبير‬ ‫للعالم إيجادا وإعداما‪ ،‬أو تصريفا تكوينيا له‪ ،‬ل تشريعيا فقط‪ .‬‬ ‫والمام يقوم مقام النبي في كل صفاته ما عدا الكونه نبيا‪ ،‬قال الخرازي في ص ‪":278‬وهكذا فالمام يقوم مقام‬ ‫النبي في جميع صفاته عدا كونه نبيًا‪ ،‬وبالجملة فالئمة هم ولة أمر ال وخزنة علم ال وعيبة وحي ال من بعد‬ ‫ل التي يؤتى‬ ‫النبي‪ ،‬وتراجمة وحي ال والحجج البالغة على الخلق وخلفاء ال في أرضه وأبواب ال عّز وج ّ‬ ‫منها‪.‬اهـ‪ .‬فالمامة إذن‪ ،‬يشترط فيها جهاز كامل‪ ،‬ل شخص واحد‪ ،‬ولكن ل بد أن يكون لهذا‬ ‫الجهاز رئيس مسؤول‪ ،‬لضمان عدم اختلل الحوال وتنازع الطراف‪.‬اهـ‬ ‫صَفها بأنها إلهّية‪ ،‬عبثا‪ ،‬وقال في ص ‪":282‬وقد‬ ‫ولذلك قلنا لك إنه لم يقل في تعريف المامة‪":‬الخلفة اللهية" فَو َ‬ ‫عرفت مما ذكرنا أن المامة هي الخلفة اللهية التي تكون متممة لوظائف النبي وإدامتها عدا الوحي‪"..‫والختلفات وتفسير المجملت‪ ،‬الزعيم السياسي والجتماعي‪ ،‬الهادي للنفوس إلى درجاتها اللئقة بهم من‬ ‫الكمالت المعنوية الوسيط في نيل الفيض من المبدأ العلى إلى الخلق‪ ،‬وغير ذلك من شؤون المامة‪".‬و‪..‬‬ ‫ي يملك قطعًا أ ْ‬ ‫ف الكوِن ّ‬ ‫صر َ‬ ‫لن من يملك الت ّ‬ ‫وكما ترى فإن المام عندهم معصوم أيضا‪ ،‬وعالم بالعلم الشامل‪ ،‬والتحقيق أنه عندهم عالم بالكليات والجزئيات‪،‬‬ ‫كما سترى‪ ،‬لن المام خليفة ال تعالى ولذك يصفونه باللهي‪.‬فهذه منزلة عظيمة ل ينالها الناس بعقولهم أو آرائهم‪".‬فهي إذن من ناحية العقل العملي وسيلة للوصول إلى الغاية المحمودة من التعايش بين‬ ‫الناس‪.‬وهم يقولون إن الولية التشريعية تابعة للتكوينية‪،‬‬ ‫ن َيْأُمَر َوَيْنَهى‪.‬‬ ‫وهذا قول ُم َ‬ ‫عْنَد الَعْقلِ‬ ‫حْكُم الماَمِة ِ‬ ‫ُ‬ ‫ل َأْمٍر يجب تقريره والتسليم به‪ ،‬هو أن المامة ضرورية للجنس البشري‪ ،‬أي إنها لزمة لوصول الجنس‬ ‫ن أّو َ‬ ‫إّ‬ ‫البشري إلى غايته من الستقرار والحصول على المان والسعادة بحسب المكان البشري‪ .‬ونستطيع أن نبني نحن بقية‬ ‫المباحث المتعلقة بالمامة على هذا القدر من المفاهيم‪.‬وهذا الخلف‬ ‫الجوهري قد يتجاهله بعض المنتسبين إلى أهل السنة بهدف التقريب بين المذاهب‪ ،‬وهؤلء يظنون أن التقريب ل‬ ‫يكون إل بالتجاهل للحقائق‪ ،‬ونفي المور الثابتة‪ ،‬بل إن التقريب ل يكون أبدًا إل بعد التقرير الواقعي والصحيح‬ ‫المطابق‪ ،‬والبيان الواضح لحقيقة الخلفات بين المذهبين‪ ،‬فالتقريب متصور فقط بترجيح أحد الطرفين‪ ،‬أو بتعيين‬ ‫ل آخر ممكن‪ ،‬إل في أوهام بعض أنصار هذه الدعوة‪.‬فالحتياج إلى المامة‬ ‫أمر واضح‪ ،‬لن المنازعات تتكاثر بين الناس‪ ،‬والوسيلة الكبر لحل هذه الشكالت والحد من التعديات الواقعة‬ ‫بين الناس‪ ،‬هو المامة‪ .‬‬ ‫طريقة تعامل صحيح مع وجود الخلفات المتقررة‪ ،‬ول ح ّ‬ ‫وما أكثر المحبين للمغالطات والتجاوزات الفكرية‪ ،‬ولكننا لسنا ممن ينتمون إليهم‪.‬‬ ‫جّوُزُه‪ ،‬ويهمنا هنا أن نعرف أحكام العقول‪ ،‬ل ّ‬ ‫ن‬ ‫مدار البحث سيكون عن ما تقطع به العقول في هذا الباب‪ ،‬وما ُت َ‬ ‫ما تقوله الشريعة يجب أن ل تخالف أحكام العقول‪ ،‬فيستحيل أن تحكم العقول بأن المر الفلني مستحيل أو‬ ‫واجب‪ ،‬وتأتي الشريعة بتجويزه‪ ،‬ولكن قد يمكن أن تأتي الشريعة بإيجاب ماتجوزه العقول‪ ،‬فل تناقض عندذاك‪.‬‬ ‫أمام من حيث هي فعل إنساني‪ ،‬فالمامة هي عبارة عن إدارة شؤون الخلق العامة‪ ،‬بالستناد على الحكام‬ ‫الشرعية المتعلقة بتلك المور‪ .‬‬ ‫ولكن هل يلزم عن أنها ضرورية ولزمة‪ ،‬أن الناس ل يمكن أن يستمروا في الحياة إل بها؟‬ .‬‬ ‫وما أوردناه كاف لمتلك فكرة جيدة عن مفهوم المامة عند الشيعة وعند أهل السنة‪ .‬‬ ‫بما أن المامة لها طرفان‪ ،‬فهي من جانب فعل من أفعال النسان‪ ،‬له غاية من وحكمة معينة‪ ،‬وله حكم شرعي‪.‬اهـ‬ ‫هذا هو تعريف المامة عند الشيعة‪ ،‬وهو يخالف خلفا جوهريا التعريف الذي وضحناه عند أهل السنة‪ ،‬ولسنا‬ ‫نحن الذين نقول إن هذا التعريف مخالف لتعريف أهل السنة فقط‪ ،‬بل إن الخرازي نفسه قرر ذلك‪ ،‬وصرح به‪،‬‬ ‫فقال ص ‪":277‬فالختلف بيننا وبين العامة اختلف جوهري ل في بعض الشرائط‪".‬اهـ وبناء على ذلك فل إسلم لمن لم يعرف المامة‪..‬اهـ‬ ‫وبناء على هذا التصور فيستحيل أن ل تكون المامة عندهم من أصول الدين‪ ،‬ولذلك قال الخرازي في ص‬ ‫‪":282‬فما أوجب إدراج النبوة في أصول الدين أوجب إدراج المامة بالمعنى المذكور فيها‪ ،‬وإل فل وجه لدراج‬ ‫النبوة فيها أيضا‪".

‬وبذلك يظهر بطلن ما قالوه‪.‬‬ ‫وقد فصل العلماء في الصفات التي يجب تحققها في المام‪ ،‬ولكنهم ما اهتموا بذلك إل لخطورة هذا‬ ‫المنصب وعظيم أثره‪ ،‬فالذي يقوم عليه يجب أن يكون متميزا ومناسبا له‪ ،‬وإل ترتبت العديد من المفاسد‬ ‫على الناس في دينهم ودنياهم‪.‬‬ ‫نقول إنها تشكل جانبا مهما جدا في حياة وتاريخ أ ّ‬ ‫وطريق تعين المام يجب أن تكون تابعة لوظيفته كما ل يخفى‪ ،‬والوظيفة إنما تتحدد بحسب ما هو الموجود الذي‬ ‫له قيمة يحرص الناس على الحفاظ عليه‪ ،‬ويعجز كل واحد منفردا عن القيام بحقه‪.‬‬ ‫تنبني على الِعّلّيِة والمعلولّية الُمْب ِ‬ ‫ن الجوَد والكرم هو فعل ما ليس بواجب ول حتميا‪ ،‬وأما صدور فعل على سبيل اللزوم والحتم‪ ،‬فكيف يسمى‬ ‫ثم إ ّ‬ ‫هذا جودا وكرما‪ ،‬والكرم ل يصدر على جهة الضطرار والحتم‪.‫من الواضح أن الجواب الصحيح هو النفي‪ .‬أما الواجب‬ ‫على الناس‪ ،‬فلو قلنا ثبوت الحكام على الناس بالعقل‪ ،‬فل مانع من إيجابها ترجيحا‪ ،‬ولكن مع القول بأن ل حكم‬ ‫إل بالشرع فل يثبت واجب إل بالشريعة‪.‬‬ ‫ولكن يمكن أن يقول قائل‪ ،‬إن المامة واجبة عقل لنها مصلحة للناس‪ ،‬وال تعالى يجب عليه فعل المصالح‪ ،‬وقد‬ ‫يقولون‪ :‬إنها واجبة‪ ،‬لنها لطف من ال‪ ،‬ويجب على ال تعالى فعل ما فيه لطف للناس؟‬ ‫والجواب على ذلك‪ ،‬إن هذا متفرع على أنه يجب عقل على ال تعالى شيء‪ ،‬والتحقيق أنه ل يجب شيء على ال‬ ‫سَتَنُد السؤال‪.‬فحكم الرئيس للناس في العقل هو الجواز ل الوجوب‪ ،‬إذن‪.‬‬ ‫ل هذا التوضيح‪ ،‬هل يمكن أن نقول إن وجود المام ضروري عقل‪ ،‬بمعنى إنه ل يمكن أن تستمر حياة‬ ‫ففي ظ ّ‬ ‫الناس إل به‪ ،‬أي هل ل يوجد بدائل وإن كانت ل تقوم بنفس قدر المهمة التي يقوم بها المام؟‬ ‫من الواضح أن العقل ل يحكم بالضرورة العقلية هنا‪ ،‬كما أنه ل يحكم بالضرورة في إرسال الرسل والنبياء إلى‬ ‫الناس‪ .‬أما على الناس‪ ،‬فإما أن تكون‬ ‫واجبة بالعقل‪ ،‬وهذا متوقف على اليجاب العقلي‪ ،‬أو تكون واجبة بالشرع‪ ،‬وهو الحق‪.‬‬ ‫وكل ما مضى كان في أن المامة هل تجب على ال تعالى‪ ،‬وقد أثبتنا أنها ل تجب‪ .‬بل غاية ما يمكن أن يلزم إنما هو ازدياد الضطراب بينهم‪ .‬‬ ‫فالنسان واقع بحسب التصور السلمي بين طرفين‪ ،‬الول‪ :‬الدنيا‪ ،‬والثاني‪ :‬الخرة‪ ،‬ومصيره يتحدد بحسب‬ ‫عمله ‪ ،‬وعمله يجب أن يكون متقيدا فيه بالحكام الشرعية‪ ،‬والعمل الواقع في الدنيا إما أن يكون مقصودا فيه‬ ‫صلح الدنيا أو صلح الخرة‪ ،‬أي صلح أحوال النسان في آخرته‪.‬‬ ‫فيتبين لنا إذن أن الحكم العقلي على المامة هو الجواز‪ ،‬ل الوجوب‪.‬‬ ‫ن له وجودا مؤثرا‪ ،‬وليس هو مجرد وهم أو خيال أو تقديرات افتراضية‬ ‫فالدين في النظرة السلمية معتبٌر ل ّ‬ ‫معينة لبعض الناس بحيث يمكن معارضتها بمجرد تقديرات أخرى‪ ،‬ولذلك فإن النتيجة الطبيعية هنا تفرض علينا‬ ‫أن نقول بلزوم اعتبار وملحظة الناحية الدينية في تعين المام‪ ،‬لن وظيفة المام لها تعلق بالدين ولها تعلق‬ ‫بالدنيا‪ ،‬فليست مرتبته دنيوية محضة‪.‬وأيضا‪،‬‬ ‫فإنه مع عدم وجود المام الواحد‪ ،‬يمكن وجود أكصر من رئيس للناس‪ ،‬فيمكن وجود رئيس لكل مجموعة من‬ ‫الناس‪ ،‬ومع هذا المر‪ ،‬قد يحصل بعض النظام‪ ،‬ولكنه ل يكون موازيا للنظام الذي يمكن تحصيله مع كون‬ ‫الرئيس واحدًا‪.‬‬ ‫والقاعدة المطردة في هذا الباب هي أنه ل يجب على ال تعالى شيء مطلقا‪ .‬‬ ‫طريق تعيين المام‬ ‫ح على عدمه‪ ،‬فالسؤال الن الذي بحث فيه الناس ول يزالون يبحثون‪،‬‬ ‫إذا أوصلنا بحثنا إلى أن وجود إمام راج ٌ‬ ‫هو‪ :‬كيف السبيل إلى معرفة َمن هو المام الذي يجب التسليم بالقياد والطاعة؟!‬ ‫ي تأثير! بل نستطيع أن‬ ‫وهذه المسألة ليست عقلية مجردة ل واقع لها‪ ،‬بل لها واقع ولها تأثير في هذا الواقع وأ ّ‬ ‫ي أمة من المم في العصور القديمة والحديثة حتى هذا الزمان‪.‬‬ ‫ي على كون ال تعالى علة وأفعاله معلولة لذاته‪ ،‬أو هو يؤول إلى‬ ‫والجواب‪ ،‬إن الوجوب العقلي على ال تعالى مبن ّ‬ ‫جبا‪ ،‬فكل علقة بين ال تعالى وبين مفعولته‪،‬‬ ‫ذلك‪ ،‬وهذا أمر باطل‪ ،‬لن ال تعالى فاعل مختار‪ ،‬وليس فاعل مو َ‬ ‫طَلة لكون ال تعالى فاعل مختارا‪ ،‬فهي باطلة‪ .‬‬ ‫فالسلم إذن ل يفرق في هذا المنصب بين الدين والدنيا‪ ،‬وذلك متفرع كما هو ظاهر على النظرة الكلية للدين في‬ ‫أصل الوجود وغايته‪ ،‬والجامعة بين الدين والدنيا‪ ،‬وكونهما مرحلة معينة إلى الحياة الخرة‪ .‬‬ ‫وأما إن أريد بأن الرئاسة واجبة عقل‪ ،‬بمعنى إنا راجحة عمليا على نفيها وعدمها أو ضدها‪ ،‬بالمعنى السابق‪ ،‬فإننا‬ ‫نقول نعم‪ ،‬إن العقل العملي يحكم بترجيح وجود المام على عدم وجوده‪ ،‬ولكن ل يخفى إن الحكم العقلي بالوجوب‬ ‫العملي‪ ،‬ل ينافي ما قلناه سابقا من الحكم عليها بالجواز العقلي‪ ،‬من الناحية المحضة‪.‬‬ ‫تعالى‪ ،‬فبطل ُم ْ‬ ‫وقد يقول قائل‪ ،‬إن المامة واجبة عقل على ال تعالى‪ ،‬لنها خير‪ ،‬وال تعالى جواد‪ ،‬والجواد ل يمنع الخير‪.‬وهذا هو محل الكلم‪ .‬وذلك خلفا لكثير من‬ .‬‬ ‫ول أعتقد أن مسلما ملتزما بهذا الدين بعارض هذا القدر الذي قررناه‪ ،‬وإذا سلم لنا ذلك‪ ،‬فيمكن أن نقول‪:‬‬ ‫يجب أن تتوفر في المام صفات ملئمة لخرة‪ ،‬ويجمعها أن يكون صالحا في الدين صلحا كافيا لموقع وظيفته‪،‬‬ ‫وصفات تنفع في الدنيا تجمعها عبارة أن يكون حاذقا بأحوالها وبمسالك أبنائها‪.

‬‬ ‫فقالت الزيدية‪ :‬إ ّ‬ ‫وقال أصحابنا والمعتزلة‪ :‬عقُد البيعة سبب لحصول المامة‪.‬‬ ‫ونحن نرى أن ما قاله الزيدية من وجوب كون المام من نسل فاطمة الزهراء رضي ال تعالى عنها ليس لهم هليه‬ ‫أي دليل‪ ،‬فتمسكهم به مجرد تحكم‪ .‬‬ ‫وأما قول الشيعة المامية الثني عشرية من أنه ل يعتبر الواحد إماما إل إذا كان منصوصا على اسمه في الشريعة‬ ‫فهو إغلق منهم لباب عظيم من المنافع للبشر في الدين والدنيا‪ ،‬وتحكم منهم بالشريعة‪ ،‬وادعاء لما لم يثبت لهم‬ ‫ص على إمامة علي كرم ال تعالى‬ ‫عليه دليل‪ .‬‬ ‫وعلماءهم ينزهون أنفسهم من أن يفعلوا الفعل الذي ينسبه الشيعة إلى عل ّ‬ ‫ن المام مطلقا يجب أن‬ ‫إنهم يدعون أن عليا سكت عن أصل عظيم من أصول الدين وهو أنه هو المام‪ ،‬وأ ّ‬ ‫تنصيصه بالنص ل غير‪ ،‬وأنه رضي أن يدخل مع المسلمين بالبيعة لغيره وأن يتساوى هو مع غيره من‬ ‫المرشحين للمامة‪ ،‬رضي بكل ذلك والشيعة يدعون أن ذلك كله مخالف لصل الدين من أنكره كفَر‪ ،‬ولكنهم‬ ‫ي تقية هذه التي يترتب عليها كل هذه المفاسد‪.‬‬ ‫وقد لخص المام الرازي الطرق التي يمكن أن يصير بها المام إماما‪ ،‬وذلك بحسب ما افترقت عليه الفرق‬ ‫السلمية فقال) (‪:‬‬ ‫ب مستقل لصيرورته إماما‪ ،‬لكنهم‬ ‫ن ال تعالى ورسوله على شخص بالمامة سب ٌ‬ ‫صمَ‬ ‫ن الن ّ‬ ‫"اتفقت المة على أ ّ‬ ‫اختلفوا في أنه هل يصير إماما بطريق آخر سوى هذا التنصيص أم ل؟‬ ‫ن الفاطمي إذا كان عالما زاهدا وخرج بالسيف ودعا إلى نفسه بالمامة صار إماما‪.‬وقياساتهم التي يعتمدون عليها يمكن معارضتها بغيرها مما يقابلها‪ ،‬وهذا كاف‬ ‫لسقاطها‪.‬‬ ‫ولو كان أبو بكر وعمر خائنين للرسول عليه السلم ويبيتون ذلك من قبل موته كما يدعي الشيعة‪ ،‬فما بال النبي‬ ‫شْر مطلقا إلى خلف ذلك أثناء حياته‪ ،‬هل كان النبي جاهل‬ ‫ظٌم لشأنهم‪ ،‬وما باله لم ُي ِ‬ ‫ض عنه‪ ،‬وهو ُمَع ّ‬ ‫مات وهو را ٍ‬ ‫بأمرهم وعلمه الشيعة المتأخرون بعد مئات السنين؟ ولو كان عالما بشأنهم فميف جاز له السكوت عليهم خاصة‬ ‫في أمر عظيم يدعي الشيعة أنه من أصول الدين التي يكفر من يخالفها؟‬ ‫عُد الشيعَة التجاُؤُهم إلى قانون اخترعوه بعد ذلك‪ ،‬وبرروا به جميع هذه التناقضات وسّموه بالتقية‪ ،‬وادعوا‬ ‫ول ُيسا ِ‬ ‫أن النبي كان يتقي هؤلء‪ ،‬أي يخاف شّرهم‪ ،‬وادعوا أيضا أن علّيا كرم ال وجهه إنما سكت تقّيًة‪ ،‬وحرصا على‬ ‫ل عظيم‬ ‫ن مصلحة المسلمين وأنتم تدعون أنه سكت على تغيير أص ٍ‬ ‫نفسه وحرصا على مصلحة المسلمين‪ ،‬فأي َ‬ ‫ن خان الرسول بزعمكم ومشى معهم وساعدهم‪،‬‬ ‫وركن كبير في الدين‪ ،‬وأيم مصلحة الدين وأنتم تدعون أنه أّيَد َم ْ‬ ‫ترى هل يمكن لعاقل أن يدعي دعواهم؟ هل يمكن لنسان أن يقبل بما يقولون؟ ونحن نرى أن عامة المسلمين‬ ‫ي أحد أعظم الصحابة على الطلق‪.‬ويوافقها في‬ ‫هذا المبدأ الشيوعي القائم على إنكار الديان حتى على المستوى الفردي‪ ،‬فهذا النظام ل يجيز للفراد التمسك‬ ‫بالدين حتى وإن لم يتدخلوا في السياسات العامة‪.‬‬ ‫والثنا عشرية أنكروا ذلك‪".‬‬ ‫يعللون ذلك بالتقية‪ ،‬وأ ّ‬ ‫هل يستطيعون أن ينكروا أن عليا لو قاتل غيره من المسلمين وجاهرهم بأنه هو المام وقاومهم على ذلك ودعا‬ ‫إلى نفسه كما فعل عبد ال بن الزبير والحسين ابنه رضي ال عنهم‪ ،‬وكما فعل غيرهم ممن ل يلحق بهم ول‬ ‫بأدناهم‪ ،‬لو فعل ذلك لعرفنا على القل أنه يعتقد في نفسه أولوية المامة كما علمنا من غيره‪ ،‬ولو أبرز تلك‬ .‬اهـ‬ ‫ص من الشارع يقول فيه‪ :‬إن فلنا من الناس هو المام‪ ،‬لكان‬ ‫فيفهم من ذلك أن المة أجمعت على أنه إذا وجد ن ّ‬ ‫هذا الطريق سائغا ومقبول‪ ،‬وتثبت به إمامة المنصوص عليه‪ ،‬ول يمكن الخلف بين المسلمين في هذا الطريق‪.‬‬ ‫فالدين السلمي‪ ،‬ومبدأ المامة فيه مغاير لنظرة تلك المبادئ في منصب المامة‪ ،‬ولذلك ل يجوز أن تستورد‬ ‫المة المسلمة نظام الرياسة من تلك المبادئ وتطبقه على الشعوب السلمية‪ ،‬وهي إن فعلت ذلك تكون قد‬ ‫اعترفت بأنها تخلت عن أساس حكم صريح في الدين السلمي‪.‫المبادئ المعاصرة التي تقيم هذا المنصب على أساس دنيوي فقط‪ ،‬وتهمل الدين لنها ل تؤمن به بل تعتبره مجرد‬ ‫نظرة فردية يختارها الفرد‪ ،‬ول علقة لها بالنظم الكلية والدارة الجماعية‪ ،‬وذلك مثل الديمقراطية الرأسمالية‪،‬‬ ‫وما يسمى الن بالعلمانية أو العولمة‪ ،‬وأساسها كلها هو الحداثة التي قامت على فصل الدين عن الدولة‪ ،‬بل تعدت‬ ‫هذه النظرة إلى أن اعتبرت ما يأتي به الدين ليس بالضرورة أن يكون حقا مطابقا لما هو بالخارج‪ .‬فلم يسلم لهم غيرهم صحة ما ادعوه من أن النبي عليه السلم قد ن ّ‬ ‫وجهه‪ ،‬وقد بين علماء السنة أن جميع ما اعتمد عليه هؤلء مجرد توهمات وتحكمات منهم‪ ،‬ولو كان نص الرسول‬ ‫بينا واضحا بالدرجة التي ادعاها الشيعة‪ ،‬لما خفي في زمان الصحابة‪ ،‬ولما استطاع أحد ل أبو بكر ول عمر‬ ‫ي رضي ال مقطوعا من قومع ولم يكن‬ ‫رضي ال عنهما أن يخفيه ول أن يخالفه كما ادعى الشيعة‪ ،‬فلم يكن عل ّ‬ ‫مجهول بينهم‪ ،‬ولم يكن الرسول عليه السلم منبوذا من الصاحبة ول من قومه‪ ،‬ولو قال مثل هذا النص الذي‬ ‫يدعيه الشيعة لما خفي على أحد منهم‪ ،‬ولو أراد بعد ذلك بعضهم خيانته في ذلك المر كما يزعم الشيعة‪ ،‬لما‬ ‫استطاع إلى ذلك سبيل‪ ،‬ولما وافقه على ذلك أغلب الصحابة‪ ،‬وفوق ذلك كله فإنه يستحيل أن يسكت على ذلك‬ ‫صاحب الشأن الول في ذلك وهو علي رضي ال عنه‪ ،‬ولكنن اعرفنا أنه لم يعارضهم ولم يقاتلهم بل مشى معهم‬ ‫عُهم إليه ويقاومهم‬ ‫وعاونهم وأيدهم‪ ،‬ولو كان يعلم مثل ذلك النص وسكت عليه ولم يعلنه بين الصحابة ولد يد ُ‬ ‫عليه‪ ،‬لكان –حاشاه‪ -‬أول الخائنين‪.

‬‬ ‫شِ‬ ‫طريق حصل به التيقن بهذا الرضا‪ ،‬كفى بعد تحصيل المر ّ‬ ‫وعلى كل الحوال‪ ،‬فإن المسلمين ل إمام لهم في هذه اليام بل ل دولة لهم‪ ،‬وعدم وجود دولة لهم‪ ،‬ل يستلزم‬ ‫سقوط الواجب المتعلق بهم جميعا لقامة الدولة السلمية‪.‬‬ ‫ص إنما هو البيعة للمام‪،‬‬ ‫إذن يتحصل لنا أن الطريق الشرعي الواضح والصحيح الذي يثبت لتعيين المام عدا الن ّ‬ ‫ك أن‬ ‫كما قال به الشاعرة والمعتزلة‪ ،‬ومن وافقهم في ذلك‪ .‬‬ ‫إننا نستطيع أن نقلب على الشيعة جميع ما يدعون بهذا السلوب‪ ،‬ولعمر ال إن قولنا ومنطقنا يكون أقوى وأقرب‬ ‫قبول وأكثر توافقا مع سياق التاريخ ومكانة الصحابة الثابتة بالنصوص الصريحة الواضحة المشهورة غير الخفية‬ ‫كالنصوص التي يدعونها‪.‫النصوص التي يدعيها الشيعة حتى لو قتل دونها‪ ،‬فهو ل محالة مقتول‪ ،‬لما ترتب على ذلك خفاء هذه النصوص‬ ‫على معظم المسلمين في أغلب الزمان‪ ،‬ولصار الشيعة إذا عارضوا غيرهم استدلوا بنصوص مشهورة معلومة‬ ‫بدل من أن يستدلوا بنصوص وأحاديث وروايات ينكرها عليهم غيرهم‪.‬‬ ‫وال الموفق‬ .‬والبيعة قد تحصل بالتغلب وقد تحصل بالرضا‪ ،‬ول ش ّ‬ ‫حصول البيعة بالرضا من سائر المسلمين هي الصل‪ ،‬وهي القانون‪ ،‬ويكفي عن جماهير المسلمين أعيانهم‪ ،‬وهم‬ ‫ن بأهل الحل والعقد إذا تعذر الجماهير‪ ،‬فإن المقصود إنما هو تحصيل رضا المة بهذا المام‪ ،‬فأي‬ ‫سّمْو َ‬ ‫من ُي َ‬ ‫ح لشروط المام وصفاته‪.‬‬ ‫ي كرم ال وجهه وإثبات أنه هو المام بالنص بعد النبي ‪ ،‬ل يتّم لهؤلء الشيعة‪ ،‬فل يتم‬ ‫وإذا كان النزاع في عل ّ‬ ‫عْوُهم‪ ،‬وخاصة المام الثاني عشر الذي لو أردنا أن نبين فساد مذهبهم فيه‬ ‫لهم إثبات الئمة الحد عشر الذين اّد َ‬ ‫لطال كلمنا وخرجنا عن مقصودنا في هذا الكتاب‪.