‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬
‫املقال الأول‪ :‬حتذير‪ :‬ال�رشق الأو�سط يف مرحلة الإعمار‬
‫العنوان الأ�صلي‪Caution: Middle East under Construction :‬‬
‫الكاتب‪� :‬ألوف بن ‪Aluf Benn‬‬
‫امل�صدر‪ :‬جريدة ه�آرت�س ‪Haaretz‬‬
‫التاريخ‪2011/3/25 :‬‬
‫املقال الثاين‪ :‬العامل اجلديد‬
‫العنوان الأ�صلي‪The New World :‬‬
‫الكاتب‪ :‬فرانك جاكوب�س ‪ Frank Jacobs‬و باراج خانا ‪Parag Khanna‬‬
‫امل�صدر‪ :‬جريدة النيويورك تاميز ‪The New York Times‬‬
‫التاريخ‪2012/9/22 :‬‬
‫املقال الثالث‪ :‬االنف�صال قد يكون مفيدا ً‬
‫العنوان الأ�صلي‪Breaking Up Is Good to Do :‬‬
‫الكاتب‪ :‬باراج خانا ‪Parag Khanna‬‬
‫امل�صدر‪ :‬جملة فورين بولي�سي ‪Foreign Policy‬‬
‫التاريخ‪2011/1/13 :‬‬
‫املقال الرابع‪ :‬مقتطفات من مقال حدود الدم‪ :‬كيف �سيبدو ال�رشق الأو�سط‬
‫بحالته الأف�ضل؟‬
‫املرتجم‪ :‬علي احلار�س (�شبكة عراق امل�ستقبل)‬
‫العنوان الأ�صلي‪Blood borders: How a better Middle East would look :‬‬
‫الكاتب‪ :‬رالف بيرتز ‪Ralph Peters‬‬
‫امل�صدر‪� :‬آرمد فور�زس جورنل ‪Armed Forces Journal‬‬
‫التاريخ‪ :‬يونيو ‪2006‬‬
‫***‬

..‬‬ ‫‪3‬‬ .‬‬ ‫هذا العدد يحوي �أربع مقاالت تناق�ش كيفية �إعادة ر�سم خريطة �أجزاء من‬ ‫العامل‪.‬إذ يرى �أن اخلريطة اجلديدة �ستح ّل بع�ضا ً من‬ ‫م�سائل “احلدود الفا�سدة” و�ستع ّو�ض “املجموعات الب�رشية املخدوعة”‪...‬‬ ‫ويف املقال الثالث يقول باراج خانا �أن انق�سام جنوب ال�سودان هو جمرد‬ ‫بداية‪ ،‬و�أنه من املمكن �أن ي�شهد العامل قريبا ً ‪ 300‬دولة ُم�ستقلة ذات �سيادة‪،‬‬ ‫و�أنه ال �ضري يف ذلك!‬ ‫�أما املقال الرابع‪ ،‬فهو عبارة عن مقتطفات عن نظرية لتق�سيم املنطقة و�ضعها‬ ‫اجلرنال املتقاعد رالف بيرتز‪� .‬‬ ‫�أما املقال الثاين فلقد ا�ستعر�ض امل�ؤلف الأمريكي فرانك جاكوب�س‪ ،‬وباراج‬ ‫خانا امل�ؤلف الهندي الأمريكي واخلبري يف العالقات الدولية‪ ،‬خرائط وا�ضحة ملا‬ ‫ميكن �أن تكون �أحدث معامل احلدود الدولية حول العامل؛ دولة للعلويني‪ ،‬واحتاد‬ ‫اخلليج العربي‪ ،‬وكرد�ستان امل�ستقلة‪ ،‬و�أذربيجان الكربى‪ ،‬وبا�شتون�ستان‬ ‫وبلو�ش�ستان‪..‬‬ ‫يف املقال الأول يقول �ألوف بن وهو رئي�س حترير جريدة ه�آرت�س الإ�رسائيلية‬ ‫�أنّ االنتفا�ضات ال�شعبية املت�صاعدة‪ ،‬وال�رصاعات الداخلية الطاحنة �ست�ؤدي �إىل‬ ‫�إعادة ر�سم خرائط �إقليمية‪ ،‬والتي �ستكون بعيدة كل البعد عن اتفاقية �سايك�س‬ ‫بيكو وغريها من االتفاقات‪..‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫مقدمة املرتجم‬ ‫تق�سيم املق�سم وتفتيت املفتت هو ما تتنب�أ به �أربع مقاالت �صدرت يف الآونة‬ ‫الأخرية‪ .‬فبعد برنارد لوي�س وخريطته املقرتحة يف �سنة ‪ 1979‬لإعادة تق�سيم‬ ‫املنطقة‪ ،‬جاء رالف بيرتز ليكمل امل�سري وثم تبعه باراج خانا وتنب�أ بتق�سيمات‬ ‫�أخرى‪.

‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫�إنه من الالفت للنظر �صدور هذه املقاالت يف حقبة زمنية ت�شهد تغيريات‬ ‫جذرية يف املنطقة‪ .‬‬ ‫‪4‬‬ ..‬وبالتايل يجدر مبراكز الأبحاث �أن تتابع هكذا طروحات‪،‬‬ ‫للتح ّقق من مدى جديتها يف الفكر ال�صهيوين والغربي‪ ،‬ويف م�سارات عملها‬ ‫اال�سرتاتيجي‪.

‬‬ ‫لقد ّ‬ ‫مت حتديد حدود منطقة ال�رشق الأو�سط بني �سنتي ‪ 1916‬و‪ 1922‬يف‬ ‫خ�ضم مفاو�ضات �شملت قوى �أوروبية‪ ،‬حيث ّ‬ ‫مت �إجراء هذه املفاو�ضات يف‬ ‫�أروقة ق�صور مهيبة بني م�س�ؤولني يرتدون بدالت ر�سمية وربطات عنق‪ .‬حتى من املمكن �أن يكون هناك انق�سام داخل اململكة‬ ‫العربية ال�سعودية بني “دولة الأماكن املقد�سة” يف احلجاز‪ ،‬ودولة الرثوات‬ ‫النفطية يف املنطقة ال�رشقية‪ ،‬كما �سيكون عليه احلال يف �سورية حيث �ستتك ّون‬ ‫لل�سنّة‪ ،‬ودولة �أخرى للعلويني ودولة للدروز‪ .‬فكلما ازداد عدد الدول يف املنطقة‪ ،‬كلما‬ ‫�سهل على “�إ�رسائيل” يف املناورة بينها‪.‬غري‬ ‫‪5‬‬ .‬أما الآن‪ ،‬فبات وا�ضحا ً �أنّ اخلريطة التي ُ‬ ‫�ست َ�سم‬ ‫خالل الأعوام املقبلة �سوف تك�شف النقاب عن دول م�ستقلة جديدة �أو متجددة‪،‬‬ ‫مثل جنوب ال�سودان‪ ،‬و ُكرد�ستان‪ ،‬وفل�سطني‪ ،‬ورمبا برقة (�سريينايكا) يف‬ ‫�رشق ليبيا �أي�ضاً‪ ،‬وال�صحراء الغربية التي �ستنف�صل عن املغاربة‪ ،‬ومنطقة‬ ‫جنوب اليمن التي �أُعيد ت�شييدها‪ ،‬والدول اخلليجية التي �ستنف�صل عن دولة‬ ‫الإمارات العربية املتحدة‪ .‬كما �أنّ الوحدة العربية‬ ‫الإ�سالمية تقوم �إىل ح ّد كبري على العدائية لـ“�إ�رسائيل” التي ف�ضلت نزعة‬ ‫االنعزالية والقومية عن دول اجلوار‪ .‬‬ ‫�إن �سيا�سة “�إ�رسائيل” اخلارجية‪ ،‬حتى ما قبل قيام الدولة‪ ،‬كانت دائما ً‬ ‫قائمة على مناف�ستها للعرب وامل�سلمني يف اجلوار‪ .‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫حتذير‪ :‬ال�شرق الأو�سط يف مرحلة الإعمار‬ ‫�إنّ ن�ضال العقيد الليبي معمر القذايف‪ ،‬والرئي�س ال�سوري ّ‬ ‫ب�شار الأ�سد‪،‬‬ ‫ونظرائهم يف كل مكان للبقاء على قيد احلياة يب�رش بنهاية اتفاقية �سايك�س‬ ‫ق�سمت عمليا ً منطقة ال�رشق‬ ‫بيكو من احلرب العاملية الأوىل‪ ،‬تلك االتفاقية التي ّ‬ ‫الأو�سط �إىل دول منف�صلة‪� .‬و�ستقوم هذه التق�سيمات‬ ‫دولة ُ‬ ‫على �أ�سا�س تطبيق مبد�أ تقرير امل�صري للأمم والقبائل‪ ،‬والتي وجدت نف�سها‬ ‫حتى الآن‪ ،‬و�إن ُمكرهة وال بدائل لديها‪ ،‬يف ذات البوتقة الوطنية مع �أخ�صامها‪.

‬‬ ‫ومن املمكن اال�ستناد �إىل نف�س الأ�سباب عند تف�سري هذه التقلبات الفجائية يف‬ ‫البالد العربية‪.‬‬ ‫هذه الثورات‪ ،‬رغم �أ ّنها ما زالت يف بدايتها‪� ،‬أَ َّدت �إىل ن�شوب حرب يف ليبيا‪.‬‬ ‫يف كتابه اجلديد‪� ”How to Run the World“ ،‬أي “كيف ندير العامل”‬ ‫عن دار ن�رش راندوم هاو�س ‪ Random House‬والذي �أُ�صدر قبيل قيام‬ ‫االنتفا�ضات يف تون�س وم�رص‪ ،‬يتنبّ�أ باراج خانا ‪ ،Parag Khanna‬وهو‬ ‫باحث يف م�ؤ�س�سة �أمريكا اجلديدة ‪ ،New America Foundation‬بو�صول‬ ‫عدد الدول امل�ستقلة ال�سيادية يف العامل �إىل ‪ 300‬خالل العقود القليلة القادمة‬ ‫بدالً من ‪ 200‬دولة اليوم‪ .‬على �أ�سا�س هذا االن�شطار‪ ،‬قام خانا بت�سمية هذه‬ ‫املرحلة “�أزمة ما بعد اال�ستعمار”‪ ،‬معتربا ً �أنّ العديد من الدول ُولدت من‬ ‫رحم ُم�ستعمرات �سابقة‪ ،‬ومنذ ا�ستقاللها‪� ،‬شهدت “انفجارا ً �سكانيا ً هائالً”‬ ‫كما عانت من و�صول الديكتاتوريات بطمعها وف�سادها‪ ،‬ف�ضالً عن ُبنى‬ ‫حتتية وم�ؤ�س�ساتية متداعية‪ ،‬ناهيك عن ال�رصاعات العرقية �أو الطائفية‪.‬بد�أ هذا التوجه مع غزو القوات‬ ‫الأمريكية للعراق قبل ثمانية �أعوام‪ ،‬حيث قامت ب�سحق النظام املركزي فار�ض ًة‬ ‫�إن�شاء جيوب عرقية‪ .‬‬ ‫يف كثري من احلاالت‪ ،‬يكتب خانا ليقول �أنّ احلدود القائمة اليوم هي من‬ ‫�أهم م�سببات ال�رصاعات الداخلية‪ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫�إنّ هذه احلدود يتم �إعادة ر�سمها يف القرن الواحد والع�رشين لكن على �أ�س�س‬ ‫القوة‪ ،‬واحلروب‪ ،‬واالنتفا�ضات ال�شعبية‪ .‬إثر ذلك‪ّ ،‬‬ ‫مت الت�رسيع من وترية هذه العملية‬ ‫مع والدة الربيع العربي م�ؤخرا ً وقيام الثورات يف العديد من الدول العربية‪.‬فعلى �سبيل املثال ال احل�رص‪ ،‬ينطبق هذا‬ ‫الأمر على ما يجري يف بع�ض الدول املتخلفة كاليمن‪ ،‬وباك�ستان‪ ،‬وجمهورية‬ ‫‪6‬‬ .‬من ثم جاء اال�ستفتاء على م�س�ألة تق�سيم ال�سودان‪ ،‬وذلك على‬ ‫ركام حرب داخلية طويلة وقا�سية‪� .‬بعد ذلك‪� ،‬أتى االن�سحاب الإ�رسائيلي من قطاع غزة‪،‬‬ ‫والذي �أدى بدوره �إىل قيام حركة حما�س بفر�ض �سيطرتها وبالتايل‪� ،‬إقامة دولة‬ ‫الأمر الواقع‪ .

‬يف جوهر الأمر‪،‬‬ ‫وجزء كبري من فل�سطني لفرن�سا‪،‬‬ ‫قامت حكومتا �سايك�س وبيكو مبنح �سورية ُ‬ ‫ومنح العراق يف وقت الحق لربيطانيا‪.‬‬ ‫يف �أوائل القرن الع�رشين‪� ،‬سيطرت القوى الغربية على �آ�سيا و�أفريقيا‪ ،‬حيث‬ ‫عرثت على وفرة من الرثوات يف منطقة ال�رشق الأو�سط‪ .‬لكن وثيقة االتفاق‬ ‫وخارطته كانتا جمرد نظريات‪ ،‬بل كانت فر�ص تنفيذهما طفيفة للغاية‪:‬‬ ‫عندئ ٍذ كان الأتراك ما زالوا بعيدين كل البعد عن الهزمية‪ ،‬يف الوقت الذي كانت‬ ‫اجليو�ش الغربية تعاين على طول اجلبهة الغربية لأوروبا‪ .‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫الكونغو الدميوقراطية‪ .‬‬ ‫لي�س من العدل �أن ن�س�أل �أمريكا عن م�ؤمتر برلني �سنة ‪ ،1884‬والذي‬ ‫ق�سم �أفريقيا دون مراعاة �سكانها‪ .‬ويف �سنة ‪،1916‬‬ ‫قام امل�س�ؤول الربيطاين ال�سيد مارك �سايك�س ‪ Mark Sykes‬والدبلوما�سي‬ ‫الفرن�سي فران�سوا جورج بيكو ‪ Francois Georges-Picot‬بالتوقيع على‬ ‫اتفاق م�شرتك بالنيابة عن حكوماتهما‪ ،‬يق�ضي بتق�سيم م�ؤقت للإمرباطورية‬ ‫العثمانية التي كانت حتارب �إىل جانب �أملانيا �ض ّد احللفاء‪ .‬‬ ‫‪7‬‬ .‬وكذلك ال ن�ستطيع لوم �أمريكا جلهة قيام‬ ‫ّ‬ ‫بريطانيا بتق�سيم باك�ستان و�أفغان�ستان‪ ،‬بيْد �أنّ �أمريكا بالتعاون مع القوى‬ ‫الأخرى ت�ستطيع بل يجب �أن ت�ساعد اليوم يف ح ّل امل�شكالت التي خلقتها هذه‬ ‫التق�سيمات‪ .‬عالوة على ذلك‪ ،‬يرى خانا �أنّ احلرب يف �أفغان�ستان‬ ‫ويف العراق لي�ست حروب �أمريكا وحدها‪ ،‬بل �أنها مبثابة ذخائر غري منفجرة‬ ‫خلّفتها احلروب الأوروبية‪ ،‬ولكن يبقى فتيل هذه الذخائر عر�ض ًة لال�شتعال‬ ‫ولو ببطء‪.‬تكمن هذه احللول لي�س فقط بر�سم حدود جديدة �أو الت�صويت‬ ‫يف �أروقة الأمم املتحدة‪ ،‬بل بت�شييد بنية حتتية ت�ؤ ّمن ل�شعوب املنطقة �أ�س�س‬ ‫اقت�صادي ًة �سليمة‪ ،‬و�ستُحررها بالتايل من االعتماد على اجلريان الأقوياء مثل‬ ‫تركيا و“�إ�رسائيل”‪.

‬ثم فاج�أ هول جلي�سه ب�إدخاله عامالً جديدا ً �إىل معادلة القوة �أال وهو‬ ‫اليهود‪ ،‬الذين امتلكوا قاعدة مادية قوية‪� ،‬إىل جانب �إظهارهم مل�صلحة �سيا�سية‬ ‫قوية يف البالد‪ ،‬على ح ّد تعبري هول‪.‬‬ ‫هنا‪ ،‬اقتنع �سايك�س �أنّ االتفاق الذي اختلقه مع الفرن�سيني �سري�ضي‬ ‫ال�رشيف ح�سني‪ ،‬وريث ال�ساللة الها�شمية يف احلجاز‪ ،‬والذي كان ي�سعى‬ ‫ال�ستقالل �شعبه عن الإمرباطورية العثمانية مقابل احل�صول على الدعم‬ ‫الربيطاين‪ .‬‬ ‫‪8‬‬ .‬القوة هي �أف�ضل و�سيلة‬ ‫للتعامل مع العرب‪ ،‬هذا ما قاله �ضابط املخابرات للدبلوما�سي‪� ،‬أو باللغة املُتداولة‬ ‫يف اخلطاب الإ�رسائيلي اليوم‪ :‬ال�شيء الوحيد الذي يفهمه العرب هو القوة‪.‬يف طريقه �إىل رو�سيا‪ ،‬اجتمع �سايك�س بالقبطان وليام ريجينالد هول‬ ‫‪ ،William Reginald Hall‬قائد اال�ستخبارات البحرية املَلَكية يف لندن‪ ،‬حيث‬ ‫�أَطلَع ُه على اخلريطة‪ .‬يف املقابل‪� ،‬أخربه هول �أنّ بريطانيا يجب �أن تر�سل قواتها �إىل‬ ‫فل�سطني وعندئ ٍذ فقط �سينتقل العرب للحرب �إىل جانبنا‪ .‬ففي منظاره اخلا�ص‪ ،‬يرى �أنّ النزعة املُعادية لل�ساميّة‬ ‫التي يحملها ال�شعب اليهودي جنحت بطريقة �أو ب�أخرى بالت�أثري على هذه‬ ‫القوى‪ ،‬وحر�ضتها بالتايل على حياكة امل�ؤامرات‪ ،‬مق ّو�ضة بذلك دبلوما�سية‬ ‫الدول الغربية والتي ع ّولت بدورها على ت�سخري قوة اليهود بالنيابة عنها‪.‬‬ ‫ُبعيْد التو�صل ال ّتفاق مع بيكو‪ ،‬كان �سايك�س يهم بالتوجه �إىل �سان بطر�سبريغ‬ ‫‪ ،Petersburg‬عا�صمة الإمرباطورية القي�رصية‪ ،‬بغية تقدمي تفا�صيل االتفاق‬ ‫للرو�س الذين لَ َ‬ ‫طالا �أرادوا ال�سيطرة على مدينة �إ�سطنبول‪ ،‬والو�صول �إىل مياه‬ ‫املتو�سط‪ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫يف كتابه الرائع �سنة ‪�“ 1989‬سال ٌم ُينهي كل �سالم ‪A Peace to End‬‬ ‫‪ ”All Peace‬ي�صف امل�ؤرخ الأمريكي دايفد فرومكن ‪ David Fromkin‬كيف‬ ‫ا�ستطاعت القوى ال ُعظمى ر�سم خريطة ال�رشق الأو�سط خالل مرحلة احلرب‬ ‫العاملية الأوىل وما بعدها‪ .

‬من جانبهم‪� ،‬أخذ الفل�سطينيون‬ ‫على عاتقهم ال�سعي للح�صول على اعرتاف دويل بدولتهم بحلول ال�صيف‬ ‫القادم على الرغم من االعرتا�ضات الإ�رسائيلية �أي�ضاً‪.‬‬ ‫‪9‬‬ .‬لذا هرع �إىل عقد‬ ‫اجتماع مع الوزير اليهودي يف وزارة احلرب الربيطانية‪ ،‬هريبريت �صموئيل‬ ‫‪ ،Herbert Samuel‬طالبا ً منه املزيد من التف�سري والتو�ضيح‪.‬‬ ‫هذه كانت بداية عملية �أدت الحقا ً �إىل �إعالن وعد بلفور‪ ،‬وغزو فل�سطني‪،‬‬ ‫و�إعالن االنتداب الربيطاين‪ ،‬وتن�صيب �صموئيل ك�أول مفو�ض �سامي لديها‬ ‫هناك‪ .‬‬ ‫مع انتهاء عهد اال�ستعمار‪� ،‬شكلت م�س�ألة املحافظة على هذه احلدود‬ ‫ر�ض الكثري من ال�شعوب‬ ‫الأ�س�س للأنظمة ال�سيا�سية يف املنطقة‪ ،‬حتى ولو مل ُت ِ‬ ‫مثل الأكراد الذين مت تق�سيمهم ما بني العراق‪ ،‬وتركيا‪ ،‬و�سورية‪ ،‬و�إيران‪ .‬‬ ‫�أما احلدود النهائية لل�رشق الأو�سط‪ ،‬فقد و�ضعها وين�ستون ت�رش�شل‬ ‫‪ ،Winston Churchill‬وزير اال�ستعمار �آنذاك‪ ،‬وذلك يف م�ؤمتر القاهرة‬ ‫�سنة ‪ ،1922‬والذي ف�صل �رشق الأردن عن حدود والية فل�سطني‪ ،‬لكن �رسعان‬ ‫ما نعى اليمني الإ�رسائيلي هذا االقتطاع حتى يومنا هذا‪.‬عند هذه النقطة‪ ،‬بد�أت ُتنرث بذور النقمة يف قلوب العرب اجتاه هذه القوى‬ ‫الغربية التي قامت بتفكيك ومن ثم �إعادة �إن�شاء �أمم ودول جديدة يف ال�رشق‬ ‫الأو�سط‪ ،‬وتوجت ذلك مبنح فل�سطني لل�صهاينة‪.‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫هنا ُد ِه�ش �سايك�س‪ ،‬فهو مل ي�سمع بال�صهيونية قبل الآن‪ .‬والآن بعد مرور مائة عام على املحادثات‬ ‫بني �سايك�س وبيكو‪� ،‬سيكفل االن�سحاب الأمريكي من العراق للأكراد فر�صة‬ ‫لال�ستقالل على الرغم من املعار�ضة ُ‬ ‫التكية‪ .‬وقد‬ ‫متثلت ردة الفعل العربية جتاه اال�ستعمار مبوقف الرئي�س امل�رصي جمال عبد‬ ‫النا�رص ومبد�أ القومية العربية ال�شهري‪ ،‬لكنها بلغت ذروتها يف توحيد �سورية‬ ‫مع م�رص وما ُ�سمي الحقا ً “اجلمهورية العربية املتحدة” يف نهاية اخلم�سينيات‬ ‫على الرغم من �أنها مل تدم طويالً‪ .

‬‬ ‫يف�ضل الغرب‪ ،‬على غرار “�إ�رسائيل” �رشق �أو�سط ُم�رشذم ومت�صارع‪ ،‬لذا‬ ‫حتارب هذه القوى على عدة جبهات �ضد نزعات العروبة والإ�سالمية املت�شددة‬ ‫التي يقودها ُك ٌّل من �أ�سامة ِبن الدن‪( ،‬وبطرق خمتلفة‪ ،‬الرئي�س الإيراين حممود‬ ‫�أحمدي جناد‪ ،‬ورئي�س الوزراء الرتكي رجب طيّب �أردوجان)‪ .‬لهذا‪ ،‬ميكننا‬ ‫‪10‬‬ .‬لقد مت تق�سيم اليمن يف ال�سابق‪ ،‬ورمبا يعيد التاريخ نف�سه‪ ،‬وتنف�صل‬ ‫لت�صبح دولة يف اجلنوب‪ ،‬و�أخرى يف ال�شمال‪ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫ومن املمكن �أن نعاين تفكك داخلي يف ما ن�سميه “الدول اال�صطناعية”‬ ‫مثل ليبيا‪ ،‬والتي كانت تت�ألف من ثالث م�ستعمرات �إيطالية �سابقة‪ ،‬بالإ�ضافة‬ ‫�إىل اليمن‪ ،‬و�سورية‪ ،‬والأردن‪ ،‬والبحرين‪ ،‬و�سلطنة ُعمان‪ ،‬واململكة العربية‬ ‫ال�سعودية‪ .‬ف�إعادة ر�سم احلدود ال‬ ‫ق�سمت‬ ‫ميكنه �أن يح�صل بع�صا �ساحر‪� .‬‬ ‫�إنّ املعارك بني القوات الربيطانية وقوات اجلرنال الأملاين رومل ‪Rommel‬‬ ‫خالل احلرب العاملية الثانية دارت يف ذات الأماكن‪ ،‬و�سعت وراء نف�س‬ ‫الغاية‪ :‬حماية اجلناح ال�رشقي مل�رص وقناة ال�سوي�س‪ .‬إىل ذلك‪ ،‬فاحلرب التي تدور يف ليبيا ّ‬ ‫البالد بحكم الواقع بني برقة‪ ،‬معقل الثُ ّوار �رشقي البالد من جهة‪ ،‬وطرابل�س‬ ‫حتت �سيطرة القذايف من جهة �أخرى‪ .‬دامت معارك رومل‬ ‫ومونتجومري ‪ Montgomery‬طويالً قبل اكت�شاف حقول النفط يف ليبيا‪.‬ففي كل من هذه الدول‪ ،‬تت�صاعد التوترات الداخلية ب�شكل جدي‬ ‫بني القبائل واجلماعات‪� ،‬أو قيام حكومة �أقلية بفر�ض نف�سها على الأكرثية‬ ‫ال�شعبية‪ .‬بينما يف ال�سعودية‪ ،‬تبدو امل�سافات‬ ‫�شا�سعة‪ ،‬لكن كيف �سيتم تق�سيم الأردن؟ علما ً �أنّ قبائل البدو والفل�سطينيني‬ ‫يعي�شون يف �إطار من العي�ش املُ�شرتك واالندماج‪ .‬ودخول القوى الغربية هذه احلرب �إىل‬ ‫جانب الثوار يظهر رغبتهم اجلاحمة يف �إن�شاء ُم�ستعمرة تبقى يف جمال نفوذها‬ ‫وحماذية للحدود مع م�رص التي قد تتحول �إىل جمهورية �إ�سالمية ُمعادية‬ ‫للغرب‪� .‬أ�صبح من ال�صعب �إيجاد �أي مربر ا�سرتاتيجي ي�سوغ قرار الغرب‬ ‫بالتدخل يف ال�ش�أن الليبي‪.

‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫التقدير �أنّ الغرب لن يحاول �أن يقف حجر عرثة يف طريق عمليات التق�سيم‬ ‫القائمة يف دول املنطقة‪ ،‬بل �سي�ساهم يف ذلك‪.‬ف�سيا�سة “�إ�رسائيل” الذكية‪ ،‬والتي‬ ‫تنجح يف حتديد الفر�ص الكامنة النبثاق دول جديدة‪ ،‬وتدرك كيف ت�ستغل هذه‬ ‫الفر�ص‪� ،‬ستكون قادرة على احتواء هذه العملية احلتمية من �أجل �إعادة فر�ض‬ ‫قوتها ونفوذها يف املنطقة ب�أ�رسها‪.‬ففي �سياق مت�صل‪ ،‬لن تكون‬ ‫“�إ�رسائيل” مبن�أى عن ت�أثريات تفكك الدول املجاورة لها‪ ،‬ال �سيّما الأردن‪،‬‬ ‫و�سورية‪ ،‬واململكة العربية ال�سعودية‪ .‬‬ ‫ال ن�ستطيع جتاهل �أنّ “�إ�رسائيل” العب �أ�سا�سي يف ال�سعي نحو �إقامة‬ ‫الدولة الفل�سطينية امل�ستقلة‪ ،‬وتر�سيم حدودها‪ .‬‬ ‫‪11‬‬ .

‬لكن هذه‬ ‫املرة‪ ،‬لن يكون انبثاق دول جديدة وليد تغري �أو �رصاع �سيا�سي منفرد‬ ‫كما كان حال االنت�شار قبل انتهاء مرحلة االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬ولن يكون‬ ‫هذا االنبثاق مقت�رصا ً على منطقة حمددة‪� .‬‬ ‫لكن مع بداية القرن الواحد والع�رشين‪ ،‬تبدو اخلريطة العاملية ُمكتملة �إىل‬ ‫ح ّد كبري على الرغم من �أننا ن�شهد جمددا ً والدة دول جديدة‪ .‬‬ ‫هنا ن�ستعر�ض خريطة وا�ضحة ملا ميكن �أن تكون �أحدث معامل احلدود‬ ‫الدولية حول العامل‪:‬‬ ‫‪12‬‬ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫العامل اجلديد‬ ‫لقد م�ضى ما يناهز ع�رشين عاما ً على انهيار االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬و�آخر‬ ‫الإ�ضافات الكربى على الئحة الدول امل�ستقلة يف العامل‪ .‬إذا كان وال ب ّد‪ ،‬ف�إن هذه الأمم‬ ‫ترتبط بحقيقة واحدة ال ريب فيها؛ حيث �أنّ التاريخ ي�ستطيع �أن يطم�س‬ ‫معامل كافة احلدود بقدر ما ت�صنعه اجليولوجيا من �إ�رصار فارغ ب�ش�أن‬ ‫هذه احلدود‪ ،‬فال�شقق واملنتجعات البحرية يف طريقها لالنزالق على هذه‬ ‫املنحدرات ال�ساحلية بفعل التغريات‪.‬بالتزامن مع تر ُّنح‬ ‫اجلمهوريات اخلا�ضعة لرو�سيا على ال�ساحة العاملية‪ ،‬لي�س خمطئا ً َمن‬ ‫يعتقد �أنها نهاية التاريخ‪ ،‬والف�صل النهائي من بذل الطاقة الثابتة يف نظا ٍم‬ ‫يتجه الآن نحو التوازن‪ .‬فمنذ ذلك‪ ،‬قليلون َمن ان�ضموا �إىل هذا التحالف‪،‬‬ ‫مثل �إريرتيا‪ ،‬وتيمور‪ ،‬والدول اليوغ�سالفية ال�سابقة‪ ،‬وغريهم من الدول‪.

‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫العلويون ينعزلون‬ ‫بات من ال�صعب التنب�ؤ مبا �سيكون عليه الو�ضع يف �سورية عندما ت�ضع‬ ‫احلرب الأهلية �أوزارها‪ .‬لكن �أمرا ً واحدا ً ال يخرج عن �إطار ال�شك‪ ،‬هو �أنّ بعد‬ ‫�شهور من القتال الطائفي الدموي الدائر يف �سورية‪ ،‬لن تعود هذه الأخرية‬ ‫�إىل �سريتها الأوىل‪ .‬ولرمبا �ست�صبح �شبيهة بعميلتها ال�سابقة لبنان‪ ،‬حيث‬ ‫الديانات تتنازع حقوقا ً ملحتلي �أمالك الغري ب�سبب الفراغ احلايل للحكومة‬ ‫املركزية‪ .‬‬ ‫‪13‬‬ .‬أما الدولة العلوية‪،‬‬ ‫والتي ُتعترب موطن الطائفة املهيمنة يف نظام ب�شار الأ�سد‪� ،‬سوف ت�سيطر على‬ ‫امل�ساحات ال�ساحلية واجلبلية اخل�صبة‪ ،‬حيث يبدو �أنها الطائفة الأكرث قدر ًة‬ ‫على ك�سب معركتها يف بناء دولة منف�صلة‪.‬وقد تعود �سورية جمددا ً �إىل التق�سيم العرقي الذي و�ضعه‬ ‫الفرن�سيون؛ فقد ُت�صبح خا�ضعة للتق�سيم الآتي‪ :‬دول منف�صلة للدروز‬ ‫والعلويني‪ ،‬ودول منف�صلة يف مدينتي دم�شق وحلب‪� .

‬‬ ‫كرد�ستان امل�ستقلة‬ ‫‪14‬‬ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫احتاد اخلليج العربي‬ ‫�إنّ التدخل الع�سكري الذي قامت به ال�سعودية العام املا�ضي يف‬ ‫مملكة البحرين كان كفيالً بتحويل هذه اجلزيرة ال�صغرية �إىل املقاطعة‬ ‫ال�سعودية الـ ‪ .1990‬على �صعي ٍد �أ�شمل‪ ،‬بد�أت العائالت‬ ‫اقرتاح لتغيري ا�سم‬ ‫ال�سنيّة بداية هذا العام بالتفكري مليا ً يف‬ ‫احلاكمة العربية ُ‬ ‫ٍ‬ ‫جمل�س التعاون اخلليجي وجعله “احتاد اخلليج العربي”‪ ،‬وذلك ت�أكيدا ً‬ ‫على حاجتهم لإيجاد اندماج �إقليمي �أ�ضيق بغية الوقوف يف وجه التهديد‬ ‫الإيراين املت�صاعد‪.14‬يف الوقت نف�سه‪ ،‬كانت موجات الهجرة والنزوح التي‬ ‫قام بها اليمنيون هربا ً من بل ٍد ُمكتظ �سكانيا ً وغري فاعل �شماالً نحو اململكة‬ ‫العربية ال�سعودية قد خلقت نوعا ً من االندماج العدائي‪ ،‬الغيا ً بذلك كافة‬ ‫اخلطوط امل�صطنعة بني الدولتني‪ ،‬مما �أعادنا بالذكرى �إىل تاريخ توحيد‬ ‫اليمن ال�شمالية واجلنوبية �سنة ‪ .

‬مما ال �ش ّك فيه‪ ،‬تتمتع حكومة‬ ‫ُكرد�ستان الإقليمية يف �شمال العراق ب�أكرث املناطق �أمنا ً وا�ستقرارا ً يف البالد‪،‬‬ ‫حيث ترفع َعلَمها اخلا�ص‪ ،‬ف�ضالً عن �إبرامها �صفقات الطاقة والبنى التحتية‬ ‫بنف�سها مع ال�رشكات املحلية والرتكية كذلك‪.‬وعلى م ّر ثالثة‬ ‫�آالف �سنة من تاريخ الأكراد‪ ،‬نادرا ً ما كانت الفر�صة �سانحة مثل اليوم من �أجل‬ ‫�إقامة وطن م�ستقل خا�ص بهم يف �شمال العراق‪ .‬‬ ‫‪15‬‬ .‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫�إىل الغرب من �إيران‪ ،‬يبقى العراق على �شفري الهاوية بالتزامن مع ان�سحاب‬ ‫القوات الأمريكية‪ ،‬وبقاء احلكم املركزي يف بغداد ه�شاً‪ .‬ففي حال �أي �سقوط موجع للنظام احلايل‪ ،‬قد‬ ‫رشع ع�رشون مليون من الأذربيجانيني العرقيني �شمايل �إيران‪ ،‬املُتمركزين‬ ‫َي� َ‬ ‫حول مدينة تربيز‪ ،‬بااللتحاق بدولة �أذربيجان امل�ستقلة �أ�صالً‪ُ ،‬مك ّونني بذلك‬ ‫قو ًة �إقليمية جديدة بتحالفهم مع قوة �إقليمية �أكرب‪� ،‬أي تركيا ‪-‬الأذربيجانيون‬ ‫هم جمموعات ُتركية عرقية تتحدث لغة �أ�شبه باللغة الرتكية‪ .‬‬ ‫�أذربيجان الكربى‬ ‫قد تفلح �إيران يوما ً ما بالهيمنة على املنطقة ب�أ�رسها‪ ،‬لكنها يف الوقت نف�سه‬ ‫تبقى ُعر�ض ًة النهيار داخلي‪ .‬هذا الو�ضع‬ ‫املُفرت�ض من �ش�أنه �أن ُيق ّو�ض من قب�ضة �أرمينيا على �إقليم ناغورين ‪ -‬كاراباخ‬ ‫‪ Nagorno-Karabakh‬املُتنازع عليه‪.‬يف الوقت الذي تغرق فيه‬ ‫�سورية يف م�ستنقع احلرب الأهلية‪ ،‬بات من ال�رضوري �إعادة ر�سم اخلريطة‬ ‫الكاملة لل�رشق الأو�سط يف مرحلة ما بعد احلرب العاملية الأوىل‪ .

‬إثر ذلك‪ ،‬رمبا ن�شهد �أي�ضا ً على جتديد‬ ‫�شعب البلو�ش�ستان‪ ،‬الغني بالغاز والذي يعاين من القمع ال�سيا�سي‪ ،‬ن�ضاله‬ ‫نحو نيل اال�ستقالل والذي و�صل �إىل ذروته يف ال�سبعينيات‪.‬فبغياب �شخ�صي ٍة‬ ‫توافقية تدير �أفغان�ستان بعد الرئي�س حامد كرزاي‪ ،‬وبغرق اجلارة باك�ستان‬ ‫يف الطائفية و�ضعف الدولة‪ ،‬قد ن�شهد والدة با�شتون�ستان الكربى عرب خط‬ ‫دوراند ‪ Durand‬الذي يف�صل الدولتني‪� .‬‬ ‫‪16‬‬ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫با�شتون�ستان وبلو�ش�ستان ت�أخذان دورهما‬ ‫�إنّ االن�سحاب الأمريكي من املنطقة الأفغانية الباك�ستانية ُيخلف وراءه‬ ‫حالة من الفو�ضى العارمة تذكرنا ببداية الت�سعينيات‪ .

‬و�إذا ُعدنا بالزمن ت�سع �سنوات‪� ،‬أي �سنة ‪ ،1999‬جند‬ ‫ا�ستقالل دولة تيمور ال�رشقية من �إندوني�سيا‪.‬ورمبا ي�شهد �أي�ضا ً �إقامة “دولة فل�سطني امل�ستقلة”‪� ،‬إذ يدفع القادة‬ ‫الفل�سطينيون نحو احل�صول على اعرتاف �أحادي اجلانب ب�سيادة دولتهم‬ ‫الوطنية �ضمن حدود �سنة ‪ .1967‬ويف غ�ضون �سنوات قليلة قادمة‪ ،‬قد تتمخ�ض‬ ‫دولة العراق ّ‬ ‫اله�شة �أ�صالً دولة ُكرد�ستان ذات ال�سيادة‪.‬‬ ‫ب�سبب تعاظم موجة تقرير امل�صري‪ ،‬والتي بلغت ذروتها يف حتقيق ال�سيادة‬ ‫واال�ستقالل‪ ،‬يكرث يف �أيامنا هذه قيام املزيد من الوحدات ال�سيا�سية املُ�ستقلة‬ ‫والقائمة على مبد�أ احلكم الذاتي على نح ٍو غري م�سبوق منذ انتهاء الع�صور‬ ‫الو�سطى يف الألفية املُنق�ضية‪ .‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫االنف�صال قد يكون مفيد ًا‬ ‫من �شبه امل�ؤكد �أن ي�شهد هذا العام والدة دولة جديدة حتت ا�سم “جنوب‬ ‫ال�سودان”‪ .‬عالوة على ذلك‪ ،‬من الوا�ضح‬ ‫�أننا نعود تدريجيا ً �إىل عامل الع�صور الو�سطى �أ ّيان انت�شار �آالف املجتمعات‬ ‫الطبقية‪ ،‬بدءا ً بدول االحتاد الأوروبي املتجاوزة حلدودها امل�شرتكة‪ ،‬مرورا ً‬ ‫باخلليج العربي ودوله فائقة التنظيم وال�سيادة‪ ،‬وو�صوالً �إىل جمتمعات‬ ‫ال�سكان الأ�صليني كقبائل الإنيوت ‪( Inuit‬بع�ض �شعوب الأ�سكيمو) يف كندا‬ ‫وغرينالند ‪� .‬با�ستثناء‬ ‫‪17‬‬ .‬علما ً �أنّ هذه‬ ‫النزعة لي�ست بجديدة‪ ،‬لكنها ت�ستجمع قواها من �أجل جولة جديدة من التغيري‪.Greenland‬إنّ حالة عدم اال�ستقرار هذه هي تعبري عن ر�سم‬ ‫خرائط لظاهرة جيو‪�-‬سيا�سية حمورية �سترتك �أثرا ً �سلبيا ً على �أغلبية مناطق‬ ‫�أفريقيا‪ ،‬وال�رشق الأو�سط‪ ،‬و�آ�سيا‪� :‬أزمة ما بعد مرحلة اال�ستعمار‪ .‬‬ ‫وقد ظهر �أحدث كيان م�ستقل يف �سنة ‪ 2008‬عندما انبثق �إقليم كو�سوفو من‬ ‫جراء تفكك يوغو�سالفيا‪ .‬يف غ�ضون عقود قليلة قادمة‪ ،‬لي�س ُم�ستبعدا ً‬ ‫بتاتا ً �أن ي�صل عدد دول العامل �إىل ‪ 300‬دولة‪ .‬‬ ‫رمبا نكون دخلنا مرحلة والدة دول �شاملة‪ :‬فتخيّل ا�ستقالل دولة �أو�سيتيا‬ ‫‪ Ossetia‬اجلنوبية‪ ،‬ودولة �أر�ض ال�صومال‪ ،‬و�إقليم دارفور �أي�ضاً‪ .

‬‬ ‫ا�ستنادا ً �إىل هذا املنطق‪ ،‬لي�س �صحيحا ً اجلزم ب�أنّ النقاط ال�ساخنة اليوم‬ ‫كالعراق و�أفغان�ستان هي حرب �أمريكا وحدها‪ ،‬بل ُتعترب �إىل ح ّد كبري مبثابة‬ ‫ذخائر غري منفجرة خلفتها احلروب الأوروبية القدمية هناك‪ ،‬وك�أنّ فتيل هذه‬ ‫الذخائر ينتظر اال�شتعال ولو ببطء‪.‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫بع�ض احلاالت النادرة‪� ،‬شهدت العديد من امل�ستعمرات التي نالت ا�ستقاللها‬ ‫قبل ن�صف قرن من الآن انفجارا ً �سكانيا ً هائالً‪ ،‬ف�ضالً عن ظهور الديكتاتورية‬ ‫بطمعها وف�سادها‪ ،‬ناهيك عن ُبنى حتتية وم�ؤ�س�ساتية ُمتداعية‪ ،‬وانق�سامات‬ ‫عرقية �أو طائفية‪.‬‬ ‫‪18‬‬ .‬‬ ‫يف الواقع‪ ،‬غالبا ً ما ت�شكل م�سائل احلدود الأ�سباب الأعمق خلف �رصاعات‬ ‫ما�سة �إىل التعديل‪ .‬‬ ‫�سوا ٌء �أكانت دول اليمن‪� ،‬أو العراق‪� ،‬أو باك�ستان‪� ،‬أو جمهورية الكونغو‬ ‫الدميوقراطية م�ؤهلة �أو غري م�ؤهلة عمليا ً للت�صنيف حتت فئة “الدول املتخلفة”‪،‬‬ ‫ف�إن م�صائرها ُمرتبطة ب�إرثها اال�ستعماري‪.‬‬ ‫يف احلقيقة‪ ،‬مل تويل الواليات املتحدة الأمريكية �أدنى اهتماما ً باتفاقية‬ ‫�سايك�س بيكو وغريها من االتفاقيات التي ّ‬ ‫تقا�سم منطقة �رشق‬ ‫مت مبوجبها‬ ‫ُ‬ ‫املتو�سط بني املَلَكيتني الفرن�سية والربيطانية املتحالفتني‪ ،‬وكذلك ينطبق الأمر‬ ‫على م�ؤمتر برلني ‪ Berlin‬والذي ر�سم خطا ً م�ستقيما ً م�شبوها ً على خريطة‬ ‫�أفريقيا‪.‬‬ ‫رمبا تكون �أوروبا قد �أخط�أت �أول مرة يف تقديرها لهذه امل�س�ألة‪ ،‬غري �أنّ‬ ‫با�ستطاعة الغرب تقدمي الدعم للهيئات الإقليمية القائمة بغية الف�صل بني هذه‬ ‫احلدود اجلديدة‪ ،‬على مبد�أ م�ساعدة الآخرين من �أجل م�ساعدة �أنف�سهم يف‬ ‫�إجناز هذه العملية‪.‬لكن ينبغي �أن ُتظهر‬ ‫هذه الدول‪ ،‬حيث �أنّ هذه احلدود بحاجة ّ‬ ‫باقي دول العامل قدرا ً �أكربا ً من املرونة‪ ،‬و�إتاحة الفر�صة لل�شعوب لفعل ذلك‪.

‬‬ ‫�إنّ عملية ر�سم اخلرائط هذه‪ ،‬مبا يعرتيها من توترات‪ ،‬لي�ست حتديا ً �أمام‬ ‫الواليات املتحدة الأمريكية فح�سب‪ ،‬بل ينبغي �أن تغتنم القوى امل�ؤثرة يف‬ ‫العامل كما الدبلوما�سيون هذه الفر�صة الذهبية بوجود �أ�س�س معنوية م�ؤاتية‬ ‫من �أجل املوافقة على التطبيق احلذق لتو�صيات الرئي�س الأمريكي ودرو‬ ‫ول�سن ‪ Woodrow Wilson’s‬اخلا�صة بدعمه حلق ال�شعوب بتقرير م�صريها‬ ‫بنف�سها‪� .‬سيُم�سي هذا حت�سنا ً ملحوظا ً يف النظام املُخ�ص�ص اليوم لدعم احللفاء‬ ‫ال�سمعة ال�سيئة‪� ،‬أو اجلمع بني االئتالفات غري القابلة للتنفيذ‪� ،‬أو بب�ساطة‬ ‫ذي ُ‬ ‫التطلع �إىل ح ّل هذه التحالفات ب�شكل منظم‪.‬‬ ‫يف ال�سودان‪ ،‬جنحت الواليات املتحدة ب�شكل وا�ضح يف و�ضع نف�سها‬ ‫على اجلانب ال�صحيح من هذا التوجه القائم‪ ،‬حيث كانت من �أبرز املبتكرين‬ ‫رجح �أن ُي�سفر عن ا�ستقالل‬ ‫لال�ستفتاء املُ�صا َدق عليه دولياً‪ ،‬والذي من امل ُ ّ‬ ‫جنوب ال�سودان‪ ،‬مو�ضحا ً بذلك �أنّ االنف�صال النهائي لي�س م�ؤامر ًة تقودها‬ ‫الواليات املتحدة لتق�سيم و�رشذمة العامل العربي الإ�سالمي‪ .‬‬ ‫على املقلب الآخر‪ ،‬ذهب ال�ضابط الربيطاين هرني مورتيمر دوراند ‪Henry‬‬ ‫ق�سم خطه ال�شهري �أمة‬ ‫‪� Mortimer Durand‬إىل الوجه املعاك�س للم�س�ألة عندما ّ‬ ‫البا�شتون ما بني �أفغان�ستان وباك�ستان‪.‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫بع�ض هذه االتفاقيات الع�شوائية عمدت �إىل خلق جتمعات مت�ضخ ّمة �أو‬ ‫ا�صطناعية كال�سودان الذي جمع حتى وقتنا هذا بني جمموعات م�ستقلة‬ ‫من العرب‪ ،‬والأفارقة‪ ،‬وامل�سلمني‪ ،‬وامل�سيحيني يف بل ٍد ال يتجاوز ربع حجم‬ ‫الواليات املتحدة‪ ،‬لكنه يفتقر للروح الوطنية امل�شرتكة �أو حتى التوزيع‬ ‫املالئم للموارد من �أجل املحافظة على التزامه بالوحدة‪.‬هذه العملية‬ ‫‪19‬‬ .‬‬ ‫ال ب ّد من �إعادة الت�أكيد �أنّ مبد�أ تقرير امل�صري من �ش�أنه �إظهار نوعا ً ما من‬ ‫احلنكة ال�سيا�سية احلقيقية التي نفتقدها على ال�ساحة العاملية اليوم‪.

‬وعلى غرار ذلك‪ ،‬تبحث‬ ‫ُكرد�ستان عن م ّد �أنابيب عرب تركيا و�سورية �إىل �أوروبا والبحر املتو�سط‪� .‬أما‬ ‫فل�سطني‪ ،‬فتلهث وراء اال�ستفادة من مقرتحات م�ؤ�س�سة راند ‪ Rand‬بتطوير‬ ‫�شبكة من الطرق وال�سكك احلديدية التي تربط ال�ضفة الغربية بغزة يف وحدة‬ ‫متكاملة‪.‬واجلدير ذكره‪� ،‬أنّ �ستني باملئة من �صادرات النفط ال�سودانية تذهب‬ ‫�إىل ال�صني وحدها حالياً‪.‬إىل جانب �أنابيب النفط القائمة بني �شمال‬ ‫ال�سودان وجنوبه‪ ،‬يحتاج هذا الأخري �إىل �أنابيب جديدة متتد عرب كينيا �إىل‬ ‫املحيط الهندي‪ ،‬وبالتايل‪ ،‬فتح معابر ت�صدير �إ�ضافية‪ .‬يف حني يظل البيت الأبي�ض ُمن�شغالً بهاج�س تقدمي ال�ضمانات‬ ‫الأمنية لـ“�إ�رسائيل” التي ترتكز على �إمياءات فارغة �أو ق�صرية الأمد جلهة‬ ‫�إظهار ح�سن النية‪ ،‬يبقى �إر�ساء البنية التحتية هو ال�رشط الأ�سا�س للتعاي�ش‬ ‫ال�سلمي‪ .‬‬ ‫فالدول الثالثة هذه‪� ،‬أي جنوب ال�سودان‪ ،‬وفل�سطني‪ ،‬و ُكرد�ستان‪� ،‬ستُ�صبح‬ ‫حتما ً معزول ًة عن ال�ساحل‪ ،‬و�أكرث ح�سا�سي ًة �إالّ �إذا ّ‬ ‫مت جتهيزها ببنية حتتية‬ ‫جيدة تربطها مع الأ�سواق اخلارجية‪� .‬‬ ‫لكن هناك توجها ً �أكرب لف�سح املجال �أمام والدة دول جديدة عو�ضا ً عن منع‬ ‫خ�صوم اجلوار من غزو بع�ضها بع�ضاً‪ ،‬وهذا يبقى على ر�أ�س االهتمامات‪.‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫القانونية البحتة متنح غطاءا ً لل�صني لتعديل �سيا�ساتها ب�إيجاد توازنٍ ما بني‬ ‫�إيقاف دعمها لنظام ُعمر ح�سن الب�شري يف اخلرطوم من جهة‪ ،‬وذلك بالتزامن‬ ‫مع تقوية �أوا�رص عالقاتها مع حكومة اجلنوب يف جوبا من جهة �أخرى‪،‬‬ ‫والتي تعهدت بدورها منح الأولوية لإبرام العقود مع م�ؤ�س�سة النفط الوطنية‬ ‫ال�صينية‪ .‬‬ ‫لعل هذه الروابط مع العامل اخلارجي ُتعترب مبثابة �سيا�سات حماية‬ ‫وت�أمني بوجه اعتماد هذه الدول الثالثة �أو حتى انقيادها لهيمنة الدول‬ ‫املجاورة‪� ،‬سوا ٌء �أكانت ال�سودان‪� ،‬أو العراق‪� ،‬أو تركيا �أو “�إ�رسائيل” على‬ ‫التوايل‪ .‬فبناء �أي �أمة هو �أم ٌر مادي بقدر ما هو م�ؤ�س�ساتي‪ ،‬وا�ستقالل بال‬ ‫‪20‬‬ .

‬‬ ‫يجب �أن ُتنفذ كل االنق�سامات القادمة بالرتافق مع تطبيق مزيج من‬ ‫�سيا�سة امل�رشط والف�أ�س‪� ،‬أي باملرونة والق�سوة معاً‪ ،‬وفوق كل ذلك‪ ،‬يجب‬ ‫�أن يدرك العامل �أنّ هذه االنق�سامات ال مفر منها‪� .‬إن ردة فعلنا يف اخلوف‬ ‫من حدوث تغريات على اخلريطة العاملية بعيدا ً عن قلقنا من العنف املحتمل‪،‬‬ ‫�أو ا�ضطرارنا �إىل معرفة �أ�سماء الدول اجلديدة‪ .‬‬ ‫يف نهاية املطاف‪ ،‬ال ب ّد �أن نكون قد �سئمنا الو�ضع الراهن من املحافظة‬ ‫ومقاومة التغيري بدافع خماوف �أنانية غري ُمربرة‪ .‬لكن يف زمنٍ ت�ستطيع فيه‬ ‫�أي جماعة �أن تكت�سب �أدوات املقاومة العنفية‪ ،‬يبقى البديل الوحيد لتقرير‬ ‫امل�صري يتمثل يف ال�رصاع الدائم‪ .‬إنّ مرحلة التقهقر التي تلت زمن اال�ستعمار‬ ‫ال يبدو �أنها �ستنتهي قريباً‪ .1993‬ف ِكال الدولتني هما ع�ضوين الآن يف االحتاد‬ ‫الأوروبي‪ ،‬حيث يحرتم ك ٌّل منهما حدود الآخر حتى ولو كانت هذه احلدود‬ ‫غري �رضورية حالياً‪.‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫بنية حتتية ي�ستحيل حتقيقه‪� .‬هذا وقد عار�ضت رو�سيا‬ ‫‪21‬‬ .‬فدول كالكونغو‪ ،‬ونيجرييا‪ ،‬وباك�ستان‪ ،‬والتي‬ ‫ُتعترب مرتامية الأطراف داخلياً‪ ،‬وغالبا ً ما تعاين من تنمية غري متوازنة‬ ‫مق�صودة‪� ،‬ست�صبح قريبا ً �أكرب من �أن ت�ستطيع ا�ستيعاب نف�سها‪ .‬بعد حمالت الإبادة اجلماعية كالتي قادها‬ ‫�صدام ح�سني �ض ّد الأكراد‪ ،‬وعمليات القمع الوح�شية التي قامت بها �رصبيا‬ ‫�ض ّد �ألبان كو�سوفو ‪ ،Kosovars‬بات من امل�ستحيل ت�صور فكرة تعاي�ش‬ ‫هذه اجلماعات يف ظ ّل حكومة واحدة‪ .‬ومن‬ ‫غري املُرجح �أن تقدر بالتايل على ا�ستجماع الكفاءة‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والإرادة بغية‬ ‫التحاقها بركب الدول املتقدمة‪ ،‬بل �ستوا�صل يف �إلهام حتمل خملفات احلكم‬ ‫املركزي ال�سيئ‪.‬بدالً عن الت�أخري‪ ،‬ينبغي الت�أكيد على‬ ‫الإيجابية الدبلوما�سية يف هذا الإطار‪ ،‬فاالنق�سامات ال�رسيعة ميكنها �أن‬ ‫ت�ؤدي �إىل نتائج �أكرث ودية‪ ،‬على غرار “االنف�صال املخملي” بني جمهورية‬ ‫الت�شيك و�سلوفاكيا �سنة ‪ .

‬وبذلك‪ ،‬تكون االنق�سامات‬ ‫�أحيانا ً ال�سبل املُثلى نحو تكوين �صداقات �أف�ضل‪.‬فالحقاً‪ ،‬والحقا ً فقط‪ ،‬هل �سي�أتي الوقت الذي �ستبحث فيه هذه‬ ‫الأمم عن االنفتاح واالندماج مع باقي دول العامل‪ .‬‬ ‫‪22‬‬ .‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫وال�صني ب�شكل حا�سم ا�ستقالل �إقليم كو�سوفو‪ ،‬وذلك خدمة مل�صاحلها �شبه‬ ‫الإمربيالية‪ ،‬لكن هل حلكومة �سيادية يف بري�ستينا ‪� Pristina‬أن ُتق ّو�ض القب�ضة‬ ‫احلديدية الرو�سية على جمهورية ال�شي�شان؟! �أو حتى هيمنة ال�صني على �إقليم‬ ‫التيبت؟!‬ ‫ك ٌل من ال�رصاعات الإقليمية يحمل مزيجا ً خا�صا ً من الظروف التاريخية‪،‬‬ ‫واجلغرافية‪ ،‬والدبلوما�سية والتي من �ش�أنها �أن تولّد حلوالً فريدة‪ .‬غري �أنّ‬ ‫هناك �أمرا ً واحدا ً ميكن ت�أكيده وهو �أنّ ال�سبيل الوحيد نحو �إيجاد عامل م�سامل‬ ‫ال حتده �أي حدود يبد�أ �سخري ًة بال�سماح للمزيد من الأمم للتعريف عن وجودها‬ ‫وحدودها‪ .

‬أما احلدود اجلائرة يف ال�رشق الأو�سط‬ ‫والتي ر�سمها ت�رش�شل‪ -‬فقد �أدت �إىل ك ٍّم كبري من امل�شاكل يفوق ما تتحمله‬‫�شعوب هذه املنطقة‪.‬‬ ‫وقد قام بر�سم احلدود الأفريقية �أوروبيون انتهازيون (ال يعرفون حدود‬ ‫دولهم الأ�صلية على وجه الدقة)‪ ،‬هذه احلدود التي ما تزال م�ستمرة يف قتل‬ ‫املاليني من �شعوب الدول املتجاورة‪� .‬‬ ‫وبالطبع‪ ،‬ال ميكن لأية عملية تعديل يف احلدود ‪-‬مهما كانت قا�سية‪� -‬أن‬ ‫تر�ضي �أية �أقلية يف ال�رشق الأو�سط‪ .‬‬ ‫�أما الآن‪ ،‬ف�إن جتاهل كل هذا الكم من اجلور يف احلدود‪ ،‬وعدم مراجعتها‬ ‫ب�صورة جوهرية‪� ،‬سي�ؤدي �إىل �أن هذه املنطقة لن تنعم بحالة من ال�سالم تتفوق‬ ‫على ما ن�شهده حالياً‪.‬ففي بع�ض احلاالت‪ ،‬تعي�ش املجموعات‬ ‫العرقية والدينية جنبا ً �إىل جنب وتتزاوج يف ما بينها‪ .‬و�إذا قبلنا‬ ‫بفكرة عدم قيام الفكر ال�سيا�سي الدويل بتطوير الأدوات الفعالة غري‬ ‫احلربية لإعادة �ضبط احلدود اخلاطئة‪ ،‬ف�إن اجلهد العقلي املبذول للإحاطة‬ ‫باحلدود احلقيقة �سي�ساعدنا ‪-‬على الرغم من ذلك‪ -‬يف �إدراك مدى‬ ‫ال�صعوبات التي نواجهها –و�سنظل نواجهها‪ -‬يف هذا املجال‪� .‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫حدود الدم‬ ‫�إن �أكرث احلدود جوار وع�شوائية هي تلك التي يف �أفريقيا وال�رشق الأو�سط‪.‬إننا نتعامل‬ ‫‪23‬‬ .‬ويف �أماكن �أخرى‪ ،‬ال يبدو‬ ‫ب�أن املجموعات املتحدة على �أ�سا�س العرق �أو الدين تنعم بالبهجة التي يتوقعها‬ ‫الداعون �إىل مثل هذه االحتادات‪.‬‬ ‫وحتى �أولئك الذين ميقتون م�س�ألة تغيري احلدود‪� ،‬سينخرطون بفعالية‬ ‫يف �إعطاء ت�صور �أكرث عدالً‪� ،‬إن بقي احلل ناق�صاً‪ ،‬يف عملية تعديل احلدود‬ ‫العاملية يف املنطقة املمتدة بني م�ضيق البو�سفور ووادي ال�سند‪ .

‬‬ ‫�أما بالن�سبة للأكراد يف �سورية و�إيران‪ ،‬ف�سيهرعون لالن�ضمام �إىل كرد�ستان‬ ‫امل�ستقلة �إن ا�ستطاعوا‪.‬‬ ‫لقد �أهدرت الواليات املتحدة الأمريكية وحلفا�ؤها فر�صة ثمينة للبدء يف‬ ‫ت�صحيح هذا اجلور بعد �سقوط بغداد‪ .‬‬ ‫‪24‬‬ .‬لكن يف ما يخت�ص بق�ضية القد�س ذات‬ ‫التاريخ املخ�ضب بالدماء‪ ،‬فقد يحتاج الأمر لتحله الأجيال القادمة‪.‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫هنا مع ت�شوهات هائلة �صنعها الإن�سان بيده‪ ،‬وهذه الت�شوهات ما تزال‬ ‫م�ستمرة يف توليد احلقد والكراهية ما مل يتم ت�صحيحها‪.‬ف�إن اال�ضطهاد عاد‬ ‫لي�شتد على الأكراد حاليا ً وبدا اخلم�س ال�رشقي من تركيا وك�أنه منطقة حمتلة‪.‬ومبا �أن عدد الأكراد يتجاوز عدد ال�شعب العراقي‪،‬‬ ‫ف�إنه حتى التقدير الأقل لعدد الأكراد يجعلهم �أكرب عرقية ال تتمتع‬ ‫بدولتها اخلا�صة على م�ستوى العامل‪ .‬فامل�سخ الذي �سيتكون من خياطة �أجزاء‬ ‫غري متطابقة‪� ،‬سي�ؤدي بالعراق �إىل االنق�سام فورا ً �إىل ثالث دول‪.‬‬ ‫بينما خفت �سيطرة �أنقرة على الأكراد يف العقد املا�ضي‪ .‬و�أ�سو أ� من ذلك‪� :‬أن الأكراد تعر�ضوا‬ ‫لال�ضطهاد من كل حكومة �سيطرت على ه�ضباتهم وجبالهم منذ �أيام‬ ‫االحتالل الفار�سي للمنطقة‪.‬فهناك‬ ‫حوايل ‪ 36-27‬مليون كردي يعي�شون يف مناطق متجاورة يف ال�رشق‬ ‫الأو�سط (الأرقام غري دقيقة لأن الدول التي يعي�ش فيها الأكراد مل ت�سمح‬ ‫ب�إجراء �إح�صاء نزيه)‪ .‬‬ ‫�س�أبد�أ باحلدود التي يتح�س�س لها القارئ الأمريكي ب�شكل �أكرب‪ :‬فمن �أجل‬ ‫منح “�إ�رسائيل” �أي �أمل بحالة معقولة من ال�سالم مع جريانها‪ ،‬يجب عليها �أن‬ ‫ترجع �إىل حدود ما قبل حرب ‪ ،1967‬مع تعديالت مو�ضعية �رضورية يف ما‬ ‫يخت�ص باالحتياطات الأمنية امل�رشوعة‪ .‬‬ ‫�إن اجلور الأكرب يف الرقعة املظلومة ال�شهرية املمتدة من جبال البلقان‬ ‫�إىل جبال الهمااليا يتمثل يف غياب وجود دولة كردية م�ستقلة‪ .

‬و�ستحتفظ الأردن‬ ‫مبناطقها احلالية‪ ،‬مع بع�ض التو�سع باجتاه اجلنوب على ح�ساب اململكة‬ ‫العربية ال�سعودية‪ .‬‬ ‫‪25‬‬ .‬‬ ‫كم �سيكون مالئما ً للعامل الإ�سالمي حينما تدار �ش�ؤون مكة واملدينة من‬ ‫خالل جمل�س تداويل يتكون من ممثلني عن �أكرب املدار�س واحلركات الإ�سالمية‬ ‫العاملية �ضمن دولة مقد�سة �إ�سالمية ‪-‬منوذج �إ�سالمي �ضخم عن الفاتيكان‪-‬‬ ‫حيث �سيكون م�ستقبل دين عظيم حمل نقا�ش ال جمرد �إلزام‪� .‬و�سيقت�رص حكم �آل �سعود على البقية املتمثلة يف املنطقة‬ ‫ال�سعودية املحيطة بالريا�ض‪ ،‬وبذلك �سيكونون قادرين على �إحلاق �أذى �أقل‬ ‫بالإ�سالم والعامل‪.‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫�إن كرد�ستان احلرة‪ ،‬املمتدة من ديار بكر �إىل تربيز‪� ،‬ستكون �أكرث الدول‬ ‫دعما ً لل�سيا�سة الغربية يف الرقعة املمتدة من بلغاريا �إىل اليابان‪.‬أما اجلنوب ال�شيعي يف العراق القدمي ف�سي�شكل �أ�سا�س‬ ‫الدولة ال�شيعية العربية التي �ستحف باخلليج العربي‪ .‬إن العدل احلقيقي‬ ‫الذي رمبا لن نحبه‪� -‬سيمنح حقول النفط ال�ساحلية يف ال�سعودية �إىل ال�شيعة‬‫العرب الذين تقع هذه احلقول يف منطقتهم‪ ،‬بينما �سيذهب الربع اجلنوبي‬ ‫الغربي لليمن‪ .‬‬ ‫�إن �أحد الأ�سباب الأ�سا�سية للخيبة الإ�سالمية الوا�سعة يكمن يف تعامل العائلة‬ ‫املالكة ال�سعودية مع مكة واملدينة بو�صفهما ملكا ً خا�صا ً لهم‪� .‬ومن جانبها �ستعاين ال�سعودية ‪-‬وهي دولة م�صطنعة‪-‬‬ ‫من جتريدها من مناطقها بنف�س القدر الذي �ستعانيه باك�ستان‪.‬إن تزايد ثروة‬ ‫ال�سعوديني‪ ،‬وبالتايل‪ ،‬تزايد نفوذهم كان �أ�سو�أ �شيء حدث للعامل الإ�سالمي‬ ‫منذ وفاة النبي [ ]‪ ،‬و�أ�سو�أ �شيء حدث للعرب منذ الغزو العثماين (�إن مل‬ ‫يكن الغزو املغويل)‪.‬‬ ‫�إن تعديالً من�صفا ً يف حدود املنطقة �سيرتك املحافظات العراقية ال�سنية‬ ‫الثالث يف دولة مقتطعة قد تتحد مع مرور الوقت ب�سورية التي �ستفقد �رشيطها‬ ‫ال�ساحلي ل�صالح لبنان الكبري ذي التوجه املتو�سطي (والدة الإمرباطورية‬ ‫الفينيقية من جديد)‪� .

‬أما باك�ستان “الطبيعية” التي‬ ‫�ستتبقى يف نهاية الأمر‪ ،‬ف�ستتمو�ضع بكاملها �رشق نهر ال�سند‪ ،‬ما عدا نتوءا ً‬ ‫متجها ً للغرب بالقرب من كرات�شي‪.‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫�إيران‪ ،‬وهي دولة ذات حدود ع�شوائية‪� ،‬ستخ�رس جزءا ً كبريا ً من‬ ‫�أرا�ضيها ل�صالح �أذربيجان املوحدة‪ ،‬وكرد�ستان احلرة‪ ،‬والدولة ال�شيعية‬ ‫العربية‪ ،‬وبلو�ش�ستان احلرة‪ .‬‬ ‫‪26‬‬ .‬إن باك�ستان ‪-‬وهي دولة م�صطنعة �أخرى‪� -‬ستفقد‬ ‫منطقة البلو�ش ل�صالح بلو�ش�ستان احلرة‪� .‬ويف الواقع‪� ،‬ست�صبح �إيران دولة للعرق الفار�سي‬ ‫مرة �أخرى‪.‬لكنها �ستك�سب املحافظات املحيطة مبنطقة‬ ‫هرات يف �أفغان�ستان احلالية‪ ،‬وهي منطقة ترتبط ب�صلة وثيقة مع بالد‬ ‫فار�س تاريخيا ً ولغوياً‪ .‬‬ ‫�إن ما �ستخ�رسه �أفغان�ستان ل�صالح الدولة الفار�سية غرباً‪� ،‬ستك�سبه من‬ ‫جهة ال�رشق‪ ،‬حيث �سيعود احتاد القبائل القاطنة �شمال غرب باك�ستان مع‬ ‫�إخوانهم يف �أفغان�ستان‪� .

‬أما الكويت وعمان ف�ستحتفظان بحدودهما‬ ‫احلالية‪.‬‬ ‫يف كل حالة من احلاالت‪ ،‬تتبدى خالل العملية االفرتا�ضية لإعادة ر�سم‬ ‫احلدود �صالت عرقية �أو �شعور طائفي‪ .‬ولنتذكر‪ :‬لقد �سقطت �إمرباطورية بابل‬ ‫�أكرث من مرة‪.‬فبع�ض الإمارات قد ين�ضم للدولة ال�شيعية العربية مما يعطيها املزيد من‬ ‫ال�سيطرة على اخلليج العربي‪� .‫ال�شرق الأو�سط‪ :‬خرائط جديدة ُتر�سم‬ ‫�أما دولة الإمارات العربية املتحدة ف�سيكون لها م�صري خمتلط‪ ،‬كما هو حالها‬ ‫الآن‪ .‬‬ ‫�إن ت�صحيح احلدود ب�شكل تعك�س فيه قدرة ال�شعوب‪ ،‬هو �أمر قد يكون‬ ‫م�ستحيالً اليوم‪ .‬ولكن لأمد ما‪ ،‬وما يرافقه من دماء لن ميكن احليلولة دون‬ ‫�سفكها‪� ،‬ستنبثق حدود جديدة طبيعية‪ .‬وميكننا الآن �أن نقارن اخلريطتني‬ ‫املرفقتني (احلدود احلالية واحلدود املقرتحة) لن�شعر �شيئا ً ما بالأخطاء الكبرية‬ ‫التي حتفل بها احلدود احلالية‪.‬‬ ‫‪27‬‬ .

‫ترجمات الزيتونة ‪74‬‬ ‫و�إىل �أن يحني ذلك‪� ،‬سي�ستمر جي�شنا يف قتال الإرهاب من �أجل �أمننا‪ ،‬ومن‬ ‫�أجل ال�سعي نحو الدميوقراطية و�إيجاد ممر �إىل النفط يف منطقة كان قدرها �أن‬ ‫تتقاتل يف ما بينها‪.‬‬ ‫‪28‬‬ .‬‬ ‫�إذا مل يكن ممكنا ً تعديل حدود ال�رشق الأو�سط الكبري بحيث تعك�س‬ ‫الروابط الطبيعية امل�ستندة �إىل الدم والعقيدة‪ ،‬فيجب �أن نتقبل حقيقة تن�ص‬ ‫على �أن جزءا ً من الدم امل�سفوح يف هذه املنطقة �سيكون على ح�سابنا نحن‬ ‫الأمريكيني‪.

..‫تق�سيم املق�سم وتفتيت املفتت هو ما تتنب�أ به �أربع مقاالت‬ ‫�صدرت يف الآونة الأخرية‪ .‬وبالتايل قد تت�شكل دول جديدة حول العامل؛ دولة‬ ‫للعلويني‪ ،‬واحتاد اخلليج العربي‪ ،‬وكرد�ستان امل�ستقلة‪،‬‬ ‫و�أذربيجان الكربى‪ ،‬وبا�شتون�ستان وبلو�ش�ستان‪...‬‬ ‫�إنه من الالفت للنظر �صدور هذه املقاالت يف حقبة زمنية‬ ‫ت�شهد تغيريات جذرية يف املنطقة‪ .‬‬ ‫وقد يختلف البع�ض يف كيفية تق�سيم املنطقة‪� ،‬إال �أنه يراها‬ ‫�رضورية حل ّل بع�ضا ً من م�سائل “احلدود الفا�سدة” والتي‬ ‫�ستع ّو�ض “املجموعات الب�رشية املخدوعة”‪.‬فاالنتفا�ضات ال�شعبية املت�صاعدة‪،‬‬ ‫وال�رصاعات الداخلية الطاحنة قد ت�ؤدي �إىل �إعادة ر�سم خرائط‬ ‫�إقليمية‪ ..‬‬ .‬‬ ‫هذا العدد يحوي �أربع مقاالت تناق�ش كيفية �إعادة ر�سم‬ ‫خريطة �أجزاء من العامل‪ ..‬فبعد برنارد لوي�س وخريطته‬ ‫املقرتحة يف �سنة ‪ 1979‬لإعادة تق�سيم املنطقة‪ ،‬جاء رالف بيرتز‬ ‫ليكمل امل�سري وثم تبعه باراج خانا وتنب�أ بتق�سيمات �أخرى‪....‬وبالتايل يجدر مبراكز‬ ‫الأبحاث �أن تتابع هكذا طروحات‪ ،‬للتح ّقق من مدى جديتها يف‬ ‫الفكر ال�صهيوين والغربي‪ ،‬ويف م�سارات عملها اال�سرتاتيجي‪.