‫شيخ العربية وإمام الحققي‬

‫أبو فهر‬
‫ممود ممد شاكر‬

‫((ممود ممد شاكر)) ظاهرة فريدة ف الدب والثقافة العربية الديثة ؛ فهو كاتب له طريقته‬
‫الاصة الت ل تبارى أو تاكى ‪ ،‬وشاعر مبدع حقق ف البداع الشعري ما بلغ ذروته ف‬
‫قصيدته (( القوس العذراء )) ‪ ،‬ومقق بارع لكتب التراث قادر على فك رموزها وقراءة‬

‫طلسها ‪ ،‬ومفكر متوهج العقل ينقض أعت السلمات ‪ ،‬ومثقف واسع الطلع جع ف صدره‬
‫أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا‬
‫غي أن العلمة الشيخ (( ممود ممد شاكر )) ظل سنوات طويلة ف عزلة اختارها لنفسه ‪ ،‬يقرأ‬
‫ويدرس ويصدح ف واحته الظليلة ‪ ،‬ل يسمع غناءه إل القربون منه من تلمذته ومبيه ‪ ،‬تاركا‬
‫الدنيا ببيقها وأضوائها وراء ظهره ‪ ،‬ول يرج من واحته إل شاكي السلح مستجيبا لدعوة‬
‫الق حي يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الطر ‪ ،‬فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل ‪ ،‬ويكشف‬

‫عورات الهلء الستترين وراء اللقاب الادعة ‪ ،‬ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة‬
‫لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية‬

‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫السية الذاتية ‪ ،‬والنشأة العلمية‬
‫ينتمي الستاذ العلمة ((ممود ممد شاكر)) إل أسرة ((أب علياء)) من أشراف ((جرجا))‬
‫بصعيد مصر ‪ ،‬وينتهي نسبه إل ((السي بن علي)) رضي ال عنهما‬

‫ولد ف السكندرية سنة ‪1327‬هـ ‪1909 -‬م ‪ ،‬ورحل مع أبيه إل القاهرة ‪ ،‬وتعلم فيها‬
‫وقد نشأ ف بيت علم ؛ فأبوه كان شيخا لعلماء السكندرية ‪ ،‬وتول منصب وكيل الزهر لدة‬
‫خس سنوات (‪1909‬م – ‪1913‬م) ‪ ،‬واشتغل بالعمل الوطن ‪ ،‬وكان من خطباء ثورة سنة‬

‫‪1919‬م ‪ ،‬وأخوه العلمة المام مدث وادي النيل (( أبو الشبال أحد ممد شاكر )) ‪ ،‬وهو‬
‫واحد من أكابر مدثي العصر ‪ ،‬وله مؤلفات وتقيقات مشهورة ومتداولة‬
‫انصرف ((ممود ممد شاكر)) (وهو أصغر إخوته) إل التعليم الدن ‪ ،‬فالتحق بالدارس‬
‫البتدائية والثانوية ‪ ،‬وكان شغوفا بتعلم النليزية والرياضيات ‪ ،‬ث تعلق بدراسة الدب وقراءة‬
‫عيونه ‪ ،‬وحفظ وهو فت صغي ديوان التنب كاملً ‪ ،‬وحضر دروس الدب الت كان يلقيها‬

‫الشيخ ((سيد بن علي الرصفي)) ف جامع السلطان برقوق ‪ ،‬وقرأ عليه ف بيته ‪ (( :‬الكامل ))‬
‫للمبد ‪ ،‬و (( الماسة )) لب تام‬

‫ــــــــــــــــــــــــ‬

‫الرأة ف الق ومواجهة الباطل‬
‫ربا كان ف وسع الستاذ ((ممود شاكر)) أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة‬
‫بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة ‪1925‬م ‪ ،‬لكنه‬

‫فضل أن يدرس العربية ف كلية الداب ‪ ،‬وكاد قانون الامعة أن يول بينه وبي اللتحاق بقسم‬
‫اللغة العربية ‪ ،‬لول تدخل ((طه حسي)) لدى ((أحد لطفي السيد)) مدير الامعة آنذاك وإقناعه‬
‫بأن يلتحق ((شاكر)) بكلية الداب ‪ ،‬فأصدر قرارا بذلك‬

‫وف الامعة ‪ :‬استمع ((ممود ممد شاكر)) لحاضرات ((طه حسي)) عن الشعر الاهلي ‪،‬‬

‫وهي الت عرفت بكتاب (( ف الشعر الاهلي )) ذلك الكتاب الذي صب فيه (( طه حسي ))‬
‫أحقاده وأضغانه وما تلقاه عن أسياده ف الغرب على الفكر العرب وعلى التراث العرب ‪ ،‬وكم‬

‫كانت صدمة ((شاكر)) حي ادعى ((طه حسي)) أن الشعر الاهلي منتحل !! وأنه كذب ملفق‬
‫ل يقله أمثال ((امرئ القيس)) و ((زهي بن أب سلمى)) ‪ ،‬وإنا ابتدعه الرواة ف العصر‬

‫السلمي !!!! وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سعه من الحاضر الكبي سبق له أن قرأه‬
‫بذافيه ف ملة استشراقية بقلم الستشرق النليزي ((مرجليوث))‬
‫وتتابعت الحاضرات حول هذا الوضوع ‪ ،‬و ((ممود شاكر)) عاجز عن مواجهة ((طه حسي))‬
‫با ف صدره ‪ ،‬وتنعه اليبة والدب أن يقف مناقشا أستاذه ‪ ،‬وظل على ذلك زمنا ل يستطيع‬
‫أن يتكلم ‪ ،‬حت إذا ل يعد ف الصب والتحمل بقية ‪ :‬وقف يرد على ((طه حسي)) ف صراحة‬

‫وبغي مداراة ‪ ،‬لكنه ل يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنا هو سطو على أفكار ((مرجليوث))‬

‫بل حياء أو اكتراث ‪ ،‬وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي ‪ :‬خيبة أمل كبية ‪ ،‬فترك‬
‫الامعة غي آسفٍ عليها وهو ف السنة الثانية ‪ ،‬ول تفلح الحاولت الت بذلا أساتذته وأهله ف‬

‫إقناعه بالرجوع ‪ ،‬وسافر إل الجاز سنة ‪1928‬م مهاجرا ‪ ،‬وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل‬
‫مديرا لا ‪ ،‬حت استدعاه والده الشيخ ((ممد شاكر)) فعاد إل القاهرة‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫عبقريته ف اكتشاف (( التنب )) شاعر العربية الكب مالئ الدنيا وشاغل الناس‬
‫وبعد عودته سنة ‪1929‬م ‪ ،‬انصرف إل قراءة الدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على‬

‫اختلف عصورهم ف رحلة مثية تكلم عنها ف رائعته (( رسالة ف الطريق إل ثقافتنا )) ‪ ،‬حت‬
‫صارت له ملكة ف تذوق الشعر والنثر والتفرقة بي نظمه وأساليبه ‪ ،‬وبدأ ينشر بعض قصائده‬
‫الرومانسية ف ملت (( الفتح )) و (( الزهراء )) للعلمة الستاذ ((مب الدين الطيب)) ‪،‬‬
‫واتصل بأعلم عصره ‪ ،‬من أمثال ‪(( :‬أحد تيمور)) ‪ ،‬و ((أحد زكي باشا)) ‪ ،‬و ((الضر‬
‫حسي)) ‪ ،‬و((مصطفى صادق الرافعي)) الذي ارتبط بصداقة خاصة معه‬

‫ول يكن ((ممود شاكر)) معروفا بي الناس قبل تأليفه كتابه (( التنب )) الذي أثار ضجة كبية‬
‫بنهجه البتكر وأسلوبه الديد ف البحث ‪ ،‬وهو يعد علمة فارقة ف الدرس الدب نقلته من‬
‫الثرثرة السترخية إل البحث الاد‬
‫والعجيب أن ((ممود شاكر)) الذي ألف هذا الكتاب سنة ‪1936‬م ول يتجاوز السادسة‬
‫والعشرين من عمره ل يكن يقصد تأليف كتاب عن التنب ‪ ،‬إنا كان مكلفا من قبل ((فؤاد‬

‫صروف)) رئيس ترير ملة (( القتطف )) بأن يكتب دراسة عن التنب مسهبة بعض السهاب ‪،‬‬
‫ما بي عشرين إل ثلثي صفحة ‪ ،‬لكن هذا التكليف تول على يد العلمة ((ممود ممد‬
‫ل عن (( التنب )) أنزه ف فترة زمنية قصية على نو غي مسبوق ‪،‬‬
‫شاكر)) كتابا مستق ً‬

‫ونشرته ملة (( القتطف )) ف عددها الصادر ف السادس من شوال سنة ‪1354‬هـ ‪ -‬الول‬

‫من يناير سنة ‪1936‬م ‪ ،‬واستهل ((فؤاد صروف)) ملته بقوله ‪ (( :‬هذا العدد من القتطف‬

‫يتلف عن كل عدد صادر منذ سنتي إل يومنا هذا ؛ فهو ف موضوع واحد ولكاتب واحد ))‬
‫وقد اهتدى ((شاكر)) ف كتابه إل أشياء كثية ل يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلل‬

‫تذوقه لشعر التنب ‪ ..‬فقال بعلوية التنب وأنه ليس ولد أحد السقائي بالكوفة كما قيل ‪ ،‬بل‬
‫كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الشراف ف مكاتب العلم ‪ ،‬وقال بأن التنب كان يب‬
‫((خولة)) أخت سيف الدين المدان ‪ ،‬واستشهد على ذلك من شعر التنب نفسه‬

‫وت استقبال الكتاب بترحاب شديد ‪ ،‬وكتب عنه الديب الكبي ((مصطفى صادق الرافعي))‬

‫مقالة رائعة أثن با عليه وعلى مؤلفه ‪ ..‬وكان هذا الكتاب فتحا جديدا ف الدرس الدب وتديا‬
‫كبيا لدباء العصر ‪ ،‬فكتب بعده ((عبد الوهاب عزام)) كتابه ((التنب ف ألف عام)) ‪ ،‬وكتب‬

‫((طه حسي)) كتابه ((مع التنب)) ‪ ،‬وقد اتمهما الستاذ ((ممود شاكر)) بأنما احتذيا منهجه‬
‫احتذاءً تاما حذوة القذة للقذة ‪ ،‬وقد سطيا بوضوح تام على بعض آرائه دون استحياء ول‬

‫خجل ‪ ..‬وهاجم الستاذ العلمة ((ممود شاكر)) ما كتبه ((طه حسي)) ف سلسلة مقالت‬
‫بلغت ‪ 12‬مقالً ف جريدة (( البلغ )) تت عنوان (( بين وبي طه حسي ))‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫العلمة (( ممود شاكر )) أصبح قبلة للدباء والعلماء ‪ ،‬وبيته أصبح قبلة للمسلمي شرقا‬
‫وغربا يجون إليه طلبا للبحث والعرفة‬

‫كانت فترة المسينيات فترة مشهودة ف حياة ((ممود ممد شاكر)) ؛ فقد ترسخت مكانته‬

‫العلمية ‪ ،‬وعرف الناس قدره ‪ ،‬وبدأت أجيال من الدارسي للدب والتراث العرب والسلمي‬
‫من أماكن متلفة من العال العرب والسلمي يفدون إل بيته ؛ يأخذون عنه ويفيدون من علمه‬

‫ومكتبته الغنية الافلة ‪ ،‬من أمثال ‪(( :‬ناصر الدين السد)) و ((إحسان عباس)) و ((أحد راتب‬
‫النفاخ)) و ((شاكر الفحام)) و ((إبراهيم شبوح)) وغيهم كثي ل يصون عدا ‪ ،‬فضلً عن‬

‫كثي من أعلم الفكر الذين كانوا يرصون أشد الرص على حضور ندوته السبوعية كل يوم‬
‫جعة عقب صلة الغرب ‪ ،‬مثل ‪(( :‬فتحي رضوان)) و ((يي حقي)) و ((ممود حسن‬

‫إساعيل)) و ((مالك بن نب)) و ((أحد حسن الباقوري)) و ((علل الفاسي)) و ((عبد الرحن‬
‫بدوي)) و ((عبد ال الطيب)) وغيهم‬

‫وشهدت هذه الندوة ‪ :‬الدروس السبوعية الت كان يلقيها ((ممود ممد شاكر)) على‬

‫الاضرين ف شرح القصائد الشعرية الت تضمنها كتاب الصمعيات (وهو اختيارات شعرية‬
‫مطولة لعبد اللك بن قريب الصمعي) ‪ ،‬وقد انتفع بذه الدروس كثيون‬
‫وكان الديب الكبي ((يي حقي)) يعلن ف كل مناسبة أن ((ممود شاكر)) هو أستاذه الذي‬
‫علمه العربية وأوقفه على بلغتها ‪ ،‬وأن ترجات كتب ((مالك بن نب)) خرجت من بيت‬

‫((شاكر)) ‪ ،‬فقد قام أحد أفراد ندوته وترجها إل العربية ‪ ،‬وهو الستاذ الدكتور ((عبد الصبور‬
‫شاهي)) وكان آنذاك شابا صغيا ف بداية مشواره العلمي‬
‫وف ندواته الفكرية ف بيته كان ((ممود شاكر)) يعارض رئيس المهورية ((جال عبد الناصر))‬
‫علنية ‪ ،‬ويسخر من رجالت الثورة ‪ ،‬ويستنكر ما يدث للبرياء ف السجون من تعذيب‬

‫وإيذاء ‪ ،‬وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة كالشيخ ((أحد‬
‫حسن الباقوري)) وزير الوقاف آنذاك ‪ ،‬ونتيجة لذلك ل يسلم ((شاكر)) من بطش السلطة ‪،‬‬
‫فألقي القبض عليه سنة ‪1959‬م ‪ ،‬وبقي رهن السجن تسعة أشهر ‪ ،‬حت تدخلت شخصيات‬

‫عربية فأفرج عنه ‪ ،‬وعاد لواصلة نشاطه ف تقيق كتاب (( تفسي الطبي )) الذي بدأ ف نشره‬
‫من قبل ‪ ،‬وانتظمت ندوته مرة أخرى‬

‫وما هو جدير بالذكر أن (( تفسي الطبي )) من أهم التفاسي ف الكتبة العربية والسلمية ؛‬
‫لن ((ممد بن جرير الطبي)) التوف سنة ‪310‬هـ يعد شيخ الحققي والفسرين ‪ ..‬وما‬

‫يؤسف له أن العلمة ((ممود ممد شاكر)) ل يتم هذا التفسي ؛ حيث توقف فيه عند الزء‬

‫السادس عشر ‪ ،‬وهو الطبوع منه حت الن ‪ ،‬ولو ت هذا الكتاب لعد معلمة هامة ف التفسي‬
‫وعلوم القرآن‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫بركانه (( كتاب أباطيل وأسار )) ودفاعه عن العروبة والسلم أمام الصليبية والتبشي‬
‫ظل الستاذ ((ممود شاكر)) ف عزلته الختيارية بي كتبه وتلميذه ومبيه ‪ ،‬ل يشارك ف‬
‫الساحة الفكرية بقالته وآرائه ‪ ،‬حت بدأ ((لويس عوض)) ف نشر سلسلة مقالت له ف جريدة‬
‫الهرام سنة ‪1964‬م تت عنوان (( على هامش الغفران )) ‪ ،‬ويقصد بذلك كتاب (( رسالة‬
‫الغفران )) لب العلء العري ‪ ،‬الشاعر العباسي الشامي رهي الحبسي ‪ ،‬شاعر الفلسفة ‪،‬‬
‫وفيلسوف العلماء‬

‫وكان ((لويس عوض)) قد لع نمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لريدة الهرام ‪ ،‬وأصبح مهيمنا‬
‫على أمور الثقافة ف مصر ‪ ،‬وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه‬

‫وقد أثارت مقالت ((لويس عوض)) موجة من الشغب بي أوساط كثي من الثقفي ؛ لا فيها‬
‫من تامل على الشاعر أب العلء العري ‪ ،‬ول يرؤ أحد على الرد على هذا الدعي سوى‬

‫الستاذ ((ممود شاكر)) الذي خرج من عزلته وانبى لـ ((لويس عوض)) ف سلسلة من‬

‫القالت البهرة ف (( ملة الرسالة )) كشفت عما ف مقالت ((لويس عوض)) من الوهم ‪،‬‬

‫واللط التاريي ‪ ،‬والتحريف ف الستشهاد بشعر أب العلء العري ‪ ،‬وعدم تحيص الروايات‬
‫التاريية ‪ ،‬والدعاء بتلقي العري علوم اليونان على يد أحد الرهبان‬

‫وكانت مقالت ((شاكر)) الت ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا ‪ ،‬كشفت عن علمٍ غزي ٍر ومعرفةٍ‬
‫واسعةٍ بالشعرِ وغيهِ من الثقافة العربية ‪ ،‬وقدرة باهرة على الحاجاة والبهان ‪ ..‬ول تقف هذه‬
‫القالت الت بلغت ثلثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على سفاهات ((لويس عوض)) بل‬
‫انتقلت إل الديث عن الثقافة والفكر ف العال العرب والسلمي ‪ ،‬وما طرأ عليها من غزو‬

‫فكري ‪ ،‬لسيما حركة التبشي الت غزت العال السلمي ‪ ،‬وقد تكلم ((شاكر)) عن هذا المر‬
‫بالتفصيل ف رائعته (( رسالة ف الطريق إل ثقافتنا ))‬

‫وتدخل الناقد الكبي الستاذ ((ممد مندور)) عند الستاذ العلمة ((ممود شاكر)) ليوقف‬

‫مقالته هذه ‪ ،‬لكن دون جدوى ‪ ،‬وأصاب ((لويس عوض)) الذعر واللع من مقالت الستاذ‬
‫((ممود شاكر)) الت فضحته بي أوساط الثقفي ‪ ،‬وكشفت عن ضعف ثقافته حت ف تصصه‬
‫ف الدب النليزي ؛ حيث كشف الستاذ ((ممود شاكر)) عن فساد ترجته العربية لسرحية‬
‫(( الضفادع )) لرسطوفان ‪ ..‬وراح ((لويس عوض)) يطوف على الجلت والصحف ؛‬

‫يستنصرهم ويستصرخهم بصليبيته القذرة ضد الستاذ ((ممود شاكر)) ويزعم أن العركة‬
‫بينهما معركة دينية !!‬
‫ول يتوقف ((ممود شاكر)) عن كتابة مقالته حت أغلقت ملة الرسالة نفسها ‪ ،‬وألقي به ف‬
‫غياهب السجن سنتي وأربعة أشهر ‪ :‬من آخر شهر أغسطس سنة ‪1965‬م حت آخر شهر‬
‫ديسمب سنة ‪1967‬م‬

‫وقد جع هذه القالت ف كتابه (( أباطيل وأسار )) الذي يعد من أهم الكتب الت ظهرت ف‬
‫الكتبة العربية ف النصف الخي من القرن العشرين‬

‫وما هو جدير بالذكر أن كتابات الستاذ ((ممود ممد شاكر)) يب (نعم ‪ ،‬أقول ‪ :‬يب) على‬
‫كل غيور على العروبة والسلم أن يقرأها ‪ ،‬وهي ليست كتابات أدبية وثقافية فقط ‪ ،‬بل هي‬
‫كتابات إسلمية بكل معن الكلمة‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫معارك فكرية أخرى‬
‫بعد خروجه من السجن هذه الرة ‪ :‬عاد ((ممود شاكر)) إل ما كان عليه من قبل ‪ ،‬فكتب ف‬
‫ملة (( الجلة )) سبع مقالت إضافية تت عنوان (( نط صعب ‪ ،‬نط ميف )) استجابةً‬

‫لصديقه الديب ((يي حقي)) حي أشاد بترجة الشاعر اللان ((جوته)) لقصيدة من قصائد‬
‫الشاعر الاهلي (( تأبط شرا )) ‪ ،‬وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر اللان حي‬

‫ترجم القصيدة إل اللانية ‪ ،‬وحول الشعر القدي وروايته ‪ ،‬وافتقاد القصيدة العربية إل الوحدة‬
‫‪ ..‬وقد اقتضت الجابة حول هذه السئلة تشعبا ف الكلم وامتدادا ف أطرافه بلغ ‪400‬‬

‫صفحة حي جع القالت ف كتاب ‪ ،‬وقد تلل ذلك نقد مكم للدكتور ((عبد الغفار مكاوي))‬
‫حي أعاد ترجة قصيدة ((جوته)) إل العربية ‪ ،‬ودارت بينهما معركة قصية حول هذه الترجة‬
‫الت اتمها الستاذ العلمة ((ممود شاكر)) بالركاكة والسقم‬

‫ث دارت معركة أخرى بينه وبي الباحث العراقي الدكتور ((علي جواد الطاهر)) حول تقيقه‬
‫لكتاب (( طبقات فحول الشعراء )) لبن سلم المحي ‪ ،‬وتولد عن ذلك كتاب ((شاكر))‬
‫الرائع (( برنامج طبقات فحول الشعراء ))‬

‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫تقيق كتب التراث‬
‫يعد الستاذ ((ممود ممد شاكر)) على رأس قائمة مققي كتب التراث العرب ‪ ،‬وأطلق عليه‬
‫((عباس ممود العقاد)) لقب (( الحقق الفنان )) ‪ ..‬وإنازاته ف هذا الجال كثية ‪ ،‬وهي‬
‫عنوان على الدقة والتقان ‪ ،‬ومن أشهر الكتب الت حققها ‪:‬‬
‫ تفسي الطبي ‪ 16 ..‬جزءا ‪ ،‬ول يتم ‪ ،‬وكان من النتظر أن يتم ف ثلثي ملدا‬‫ طبقات فحول الشعراء ‪ ،‬لبن سلم المحي (ملدان)‬‫ تذيب الثار ‪ ،‬لبن جرير الطبي ( ‪ 6‬ملدات)‬‫ جهرة أنساب قريش ‪ ،‬للزبي بن بكار‬‫ إمتاع الساع ‪ ،‬للمقريزي‬‫ أسرار البلغة ‪ ،‬لعبد القاهر الرجان‬‫ دلئل العجاز ‪ ،‬لعبد القاهر الرجان‬‫ الكافئة وحسن العقب ‪ ،‬لبن الداية‬‫ فضل العطاء على اليسر ‪ ،‬لب هلل العسكري‬‫ومن أشهر الكتب الت ألفها ‪:‬‬

‫ التنب‬‫ أباطيل وأسار‬‫ رسالة ف الطريق إل ثقافتنا ‪( ..‬وهي مطبوعة مستقلة ‪ ،‬ومطبوعة ف مقدمة كتاب التنب)‬‫ برنامج طبقات فحول الشعراء‬‫ القوس العذراء (وهي قصيدة طويلة رائعة) ‪ ،‬راجعها على هذا الرابط ‪:‬‬‫‪http://www.salafishare.com/22K0796F7VCL/TO3KPRE.doc‬‬
‫ نط صعب ‪ ،‬نط ميف‬‫ قضية الشعر الاهلي ف كتاب ابن سلم المحي‬‫وقد جع الدكتور ((عادل سليمان جال)) مموع مقالت الستاذ ((ممود ممد شاكر)) ف‬
‫ملدين تت اسم (( جهرة مقالت الستاذ ممود ممد شاكر )) وجاءت ف ‪ 1274‬صفحة‬

‫من الجم الكبي ‪ ،‬وهو كتاب جدير بالقراءة ‪ ،‬وهي القالت الت ل يتضمنها كتابه (( أباطيل‬
‫وأسار )) ‪ ،‬وفيه مقدمة عن الستاذ الكبي نو ‪ 40‬صفحة عبارة عن مذكرات للمؤلف عن‬
‫أستاذه الشيخ العلمة‬

‫ول يب الستاذ ((ممود شاكر)) أن يوصف بأنه مقق لنصوص التراث العرب ‪ ،‬وإنا يب أن‬
‫يوصف بأنه قارئ وشارح لا ‪ ،‬وهو يكتب على أغلفة الكتب الت يقوم بتحقيقها عبارة ‪(( :‬‬

‫قرأه وشرحه )) أو (( قراءة )) ‪ ،‬وهذه العبارة كما يقول الدكتور ((ممود الربيعي)) ‪ (( :‬هي‬
‫الد الفاصل بي طبيعة عمله وطبيعة عمل غيه من شيوخ الحققي ‪ ،‬إنه يوجه النص ويبي‬

‫معناه بنوع من التوجيه أو القراءة الت تعله مررا ؛ لنا قراءة ترفدها خبة نوعية عميقة‬

‫بطريقة الكتابة العربية ‪ ،‬وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا وضبطه مقنعا وأفق‬
‫فهمه واسعا ‪ ،‬فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه ))‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬
‫صاحب رسالة‬
‫ل يكن ((ممود ممد شاكر)) ف يوم من اليام موظفا يد يده ناية كل شهر إل مرتب ينتظره‬
‫فتكون للحكومة كلمة نافذة ف رزقه ومكانته ‪ ،‬بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته العامرة وبثه‬
‫ودرسه وزملئه وتلميذه ‪ ،‬كالراهب الذي انقطع للعبادة ف صومعته ‪ ،‬وعاش رحه ال على‬

‫أقل القليل الذي يكفيه ويسد حاجته ‪ ،‬ومرت عليه سنوات عجاف لكنه ل ينحنِ أو يل ‪ ،‬وكان‬
‫بيته مفتوحا دائما لتلميذه وأصدقائه وعارف فضله‬

‫ل يكن له رحه ال من موردٍ سوى عائده من كتبه الت كان يقوم بتحقيقها ‪ ،‬وكان اسه على‬

‫صدرها يضمن لا النجاح والرواج ‪ ،‬ول يكن يأخذ شيئا على مقالته الت يكتبها ‪ ،‬وقد أعاد‬
‫لجلة (( العرب )) الكويتية سنة ‪1982‬م مائة وخسي دولرا نظي مقالة كتبها ردا على‬

‫الكاتب اليمن ((عبد العزيز القال)) حول ((طه حسي)) ‪ ،‬ورفض أن يتسلم من (( دار‬
‫اللل )) مكافأته عن تأليفه رسالته الهمة (( رسالة ف الطريق إل ثقافتنا ))‬
‫ولنه كان يشعر أنه صاحب رسالة ‪ :‬فإنه كان ينتفض حي يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة‬
‫العربية ‪ ،‬فيقف مدافعا عنها بكل ما يلك من أدوات علمية وفكرية تعل الصم يسلم با يقول‬
‫أو يول هاربا ‪ ..‬ومعاركه كلها جعت ف كتب وصارت وثائق ف تارينا الفكري الديث ‪،‬‬

‫كتبها هو من موقع الدافع والارس لثقافة المة ‪ ،‬ولول خصومه لا ظهرت معظم مؤلفاته ؛ لنا‬

‫كانت استجابة لتحديات عظيمة ‪ ،‬وهي تظهر عظمة ((شاكر)) ؛ لنه ل يتشد لا مثلما يتشد‬

‫الؤلفون عند تأليف كتبهم ‪ ،‬وإنا دخلها كارها مستندا إل ثقافة واسعة وعلم غزير وفكر ثاقب‬
‫وروح وثابة ‪ ،‬فأتى بالعجب العجاب‬
‫وف أخريات عمره رحه ال ‪ُ :‬ر ّد له بعض العتبار ‪ ،‬فنال جائزة الدولة التقديرية ف الدب سنة‬
‫‪1981‬م ‪ ،‬ث جائزة اللك فيصل ف الدب العرب عام ‪1984‬م ‪ ..‬وف أثناء ذلك اختي عضوا‬
‫ف ممع اللغة العربية بدمشق ‪ ،‬ث بالقاهرة‬

‫وبعد رحلة حياة عريضة رحل العملق ((أبو فهر)) شيخ العربية وإمام الحققي ف الساعة‬

‫الامسة من عصر الميس الوافق ‪ 3‬من ربيع الخر ‪1418‬هـ ‪ 6 -‬من (آب) أغسطس‬
‫‪1997‬م ‪ ،‬ولب نداء ربه ‪ ..‬رحه ال ‪ ،‬وأسكنه فسيح جناته لا قدمه من خي للغةِ كتابهِ ‪،‬‬
‫ودفاعا عن حياضِ السلمِ أما َم العتدين من الاقدين‬

‫ــــــــــــــــــــــــ‬

‫وهذه روابط لبعض كتب الستاذ العلمة ‪:‬‬
‫القوس العذراء‬
‫‪http://www.salafishare.com/22K0796F7VCL/TO3KPRE.doc‬‬
‫رسالة ف الطريق إل ثقافتنا‬

‫‪http://www.waqfeya.com/book.php?bid=186‬‬
‫أباطيل وأسار‬

‫‪http://www.waqfeya.com/book.php?bid=256‬‬
‫جهرة مقالت الستاذ ممود شاكر‬

‫‪http://www.waqfeya.com/book.php?bid=298‬‬
‫قضية الشعر الاهلي ف كتاب ابن سلم‬

‫‪http://www.waqfeya.com/book.php?bid=195‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬

‫بي (( ممود شاكر )) و (( طه حسي ))‬
‫((طه حسي)) اسمٌ لمعٌ ف ساءِ الدبِ العرب العاصر ‪ ،‬فاقت شهرته الوطن العرب إل العال‬
‫بأسره بعدما صدر كتابه ((ف الشعر الاهلي))‬
‫لكن عميدنا أخذ حقا ل يستحقه ‪ ،‬وإذا عرف السبب بطل العجب ؛ فنحن العرب خي من‬
‫يتدح وأسرع من يذم دون أن نعرف لاذا مدحنا ولا ذمنا ‪ ،‬الهم أن ند المدوح مدوحا‬

‫لنمدحه أو مذموما لنذمه ‪ ،‬ول زلنا على هذا الال حت كتابة هذه السطر ‪ ،‬ولعلنا ف نقل‬
‫حقائق تاريية عن هذه الشخصية نساهم ف تعرية أمتنا العربية البجلة قبل أن نعري شخوصها‬
‫وما يز ف النفس أن يتم اختيار ((نيب مفوظ)) لائزة نوبل حت نصفق له ولدبه النسي‬
‫الاجن ‪ ،‬بينما يرحل الدكتور ((نيب الكيلن)) ول ند من يتحدث عنه ‪ ،‬وللحق وجدت ف‬

‫إحدى الصحف السعودية وف إحدى صفحاتا الداخلية سطرا واحدا يبنا برحيل هذا الديب‬
‫العملق ل لشيء إل لنه يعد أديبا إسلميا حسب تصنيفاتم‬
‫لنعد إل عميدنا العرب !!! طه حسي‬
‫قدم فضيلة الشيخ ((خليل حسني)) الطالب بالقسم العال بالزهر بلغا إل النيابة بتاريخ ‪30‬‬
‫مايو لسنة ‪1926‬م ضد الدكتور ((طه حسي)) الستاذ بالامعة الصرية ‪ ،‬وتله البلغ الثان‬
‫تقدم به ((شيخ الامع الزهر)) بتاريخ ‪ 5‬يونيو لسنة ‪1926‬م ‪ ،‬ث البلغ الثالث مقدم من‬
‫عضو ملس النواب ((عبد الميد البنان)) بتاريخ ‪ 14‬سبتمب ‪1926‬م‬

‫التهم القدمة ضد الدكتور ((طه حسي)) حول نشره كتاب أساه ((ف الشعر الاهلي)) والذي‬
‫يتوي على طعن صريح ف القرآن الكري وف الرسول صلى ال عليه وسلم ونسبه الشريف‬
‫والطعن ف الدين السلمي ‪ ،‬والذي هيج به التديني وأخل بالنظم العامة بدعوته للفوضى‬
‫حيث ذكر ف كتابه ((ف الشعر الاهلي)) الصفحة ‪ 26‬ما نصه ‪ (( :‬للتوراة أن تدثنا عن‬
‫إبراهيم وإساعيل ‪ ،‬وللقرآن أن يدثنا عنهما أيضا ‪ ،‬ولكن ورود هذين السي ف التوراة‬
‫والقرآن ل يكفي لثبات وجودها التاريي فضلً عن إثبات هذه القصة الت تدثنا بجرة‬

‫إساعيل بن إبراهيم إل مكة ونشأة العرب الستعربة فيها ‪ ،‬ونن مضطرون إل أن نرى ف هذه‬
‫القصة نوعا من اليلة ف إثبات الصلة بي اليهود والعرب من جهة وبي السلم واليهود‬
‫والقرآن والتوراة من جهة أخرى )) انتهى النص من الكتاب الذكور‬
‫وف نفس الكتاب تكلم عن القراءات السبع للقرآن والثابتة لدى السلمي ‪ ،‬وزعم أنا قراءات‬
‫للعرب استحدثوها لتسهيل قراءة القرآن‬
‫وف الصفحة ‪ 27‬من الكتاب طعن ف نسب النب صلى ال عليه وسلم با نصه ‪ (( :‬ونوع آخر‬
‫من تأثي الدين ف انتحال الشعر وإضافته إل الاهليي ‪ :‬وهو ما يتصل بتعظيم شأن النب من‬
‫ناحية أسرته ونسبه إل قريش ‪ ،‬فلمر ما اقتنع الناس بأن النب صلى ال عليه وسلم يب أن‬

‫يكون صفوة بن هاشم ‪ ،‬وأن يكون بنو هاشم صفوة بن عبد مناف ‪ ،‬وأن يكون بنو عبد مناف‬

‫صفوة بن قصي ‪ ،‬وأن تكون قصي صفوة قريش ‪ ،‬وقريش صفوة مضر ‪ ،‬ومضر صفوة عدنان ‪،‬‬
‫وعدنان صفوة العرب ‪ ،‬والعرب صفوة النسانية كلها )) انتهى النص من ذات الكتاب‬
‫كذلك أنكر أن للسلم أولية ف بلد العرب وأنه دين إبراهيم ‪ ،‬وهذا نص قوله ف الصفحة‬
‫‪ (( : 80‬أما السلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للسلم أولية ف بلد العرب كانت قبل أن‬

‫يبعث النب ‪ ،‬وأن خلصة الدين السلمي وصفوته هي خلصة الدين الق الذي أوحاه ال إل‬
‫النبياء من قبل )) ‪ ،‬وف الصفحة ‪ 81‬قال ‪ (( :‬وشاعت ف العرب أثناء ظهور السلم وبعده‬

‫فكرة أنه يدد دين إبراهيم ‪ ،‬ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب‬

‫ف عصر من العصور ث أعرضت عنه لا أضلها به الضلون وانصرفت إل عبادة الوثان )) انتهى‬
‫النص‬
‫وما يثي العجب كذلك أن كتاب الدكتور ((طه حسي)) الذكور ل يكن من بنات أفكار ((طه‬
‫حسي)) ‪ ،‬ويعود الفضل ف انكشاف أمر هذه السرقة التاريية إل تلميذه الستاذ العلمة‬
‫((ممود ممد شاكر)) رحه ال‬

‫وهنا يدثنا الستاذ الكبي ((ممود شاكر)) بلسانه‬
‫يقول الستاذ المام ((ممود شاكر)) رحه ال ‪ ((( :‬قال ل وهو يبتسم (أي الرحوم أحد تيمور‬
‫باشا) ‪ (( :‬اقرأ هذه )) ‪ ،‬فإذا فيها مقالة للعجمي الستشرق ((مرجليوث)) تستغرق ف نو‬

‫اثنتي وثلثي صفحة من هذه الجلة [ الجلة السيوية الناطقة باللغة النليزية ] ف عدد يوليو‬
‫‪1925‬م بعنوان (( نشأة الشعر العرب )) ‪ ،‬وكنت خبيا بذا العجمي التكوين (التكوين‬

‫البدن والعقلي) منذ قرأت كتابه عن ممد رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ..‬أخذت الجلة‬
‫وانصرفت ‪ ،‬وقرأت القالة ‪ ،‬وزاد العجمي سقوطا على سقوطه ‪ ..‬كان كل ما أراد أن يقوله‬
‫أنه يشك ف صحة الشعر الاهلي ‪ ،‬ل بل أن هذا الشعر الاهلي الذي نعرفه هو ف القيقة‬

‫شعر إسلمي وضعه الرواة السلمون ف السلم ونسبوه إل أهل الاهلية ‪ ،‬وسخفا ف خلل‬

‫ذلك كثي ‪ ..‬ولن عرفت حقيقة الستشراق ‪ :‬ل ألقِ بالً إل هذا الذي قرأت ‪ ،‬وعندي الذي‬
‫عندي من هذا الفرق الواضح بي الشعر الاهلي والشعر السلمي ))) انتهى النص‬

‫ث يضيف الستاذ ((شاكر)) رحه ال ‪ ((( :‬كان ما كان ‪ ،‬ودخلنا الامعة ‪ ،‬وبدأ الدكتور ((طه‬
‫حسي)) يلقي ماضراته الت عرفت بكتاب ((ف الشعر الاهلي)) ‪ ،‬وماضرة بعد ماضرة وف‬
‫ت نفسي ‪،‬‬
‫كل مر ٍة يرتدُ إلّ رجعُ هذا الكلمِ العجمي الذي غاصَ ف َيمّ النسيان ‪ ،‬وثار ْ‬

‫وعندي الذي عندي منَ العرفة ببيئةِ هذا الذي يقوله الدكتور ((طه حسي)) ‪ ،‬وعندي الذي‬
‫عندي من هذا الحساس التوهج بذاق الشعر الاهلي كما وصفته آنفا ‪ ،‬والذي استخرجته‬
‫بالتذوقِ وبالقارنةِ بينه وبي الشعر الموي والعباسي ‪ ،‬وأخذن ما أخذن من الغيظ ‪ ،‬وما هو‬
‫أكب من الغيظ ‪ ،‬وما هو أكب وأشنع من الغيظ ‪ ،‬ولكن بقيتُ زمنا ل أستطيع أن أتكلم ؛‬

‫والسبب ف ذلك ‪ :‬الدب الذي كان يؤدب به الباءُ البناءَ ‪ ،‬فكان التلميذ يهاب أن يكلم‬
‫أستاذه ))) انتهى النص‬
‫وهنا يصف الستاذ ((ممود ممد شاكر)) اليوم الذي واجه فيه أستاذه الدكتور ((طه حسي))‬
‫ع الغيظَ بتا وأنا أصغي إل الدكتور ((طه حسي)) ف ماضراته ‪،‬‬
‫فيقول ‪ ((( :‬ظللتُ أتر ُ‬

‫ولكن ل أستطيع أن أتكلم ‪ ،‬ل أستطيع أن أناظرهُ ِكفَاحَا وجها لوجه ‪ ،‬وكل ما أقوله فإنا‬
‫أقوله ف غيبته ل ف مشهده‬
‫تتابعت الحاضرات ‪ ،‬وكُلّ يو ٍم يزداد وضوحا هذا السطو العريان على مقالة ((مرجليوث))‬
‫ويزداد ف نفسي وضوح الفرق بي طريقت ف الحساس بالشعر الاهلي وبي هذه الطريق الت‬
‫يسلكها الدكتور ((طه حسي)) ف تزييف هذا الشعر ‪ ..‬وف اليوم التال ‪ :‬جاءت اللحظة‬

‫الفاصلة ف حيات ؛ فبعد الحاضرة طلبت من الدكتور ((طه حسي)) أن يأذن ل ف الديث ‪،‬‬

‫ت حديثي عن هذا السلوب الذي أساه منهجا ‪ ،‬وعن‬
‫فأذن ل مبتهجا ‪ ،‬أو هكذا ظننت ‪ ،‬وبدأ ُ‬
‫تطبيقه لذا النهج ف ماضراته ‪ ،‬وعن هذا الشك الذي اصطنعه ‪ :‬ما هو ؟!!! وكيف هو ؟!!!‬

‫وبدأتُ أدللُ أن الذي يقوله عن النهج وعن الشك غامض ‪ ،‬وأنه مالف لا يقوله ((ديكارت)) ‪،‬‬

‫وأن تطبي َق منهجه هذا قائ ٌم على التسليمِ تسليما ل يدخله الشك برواياتٍ ف الكتبِ هي بذاتا‬
‫مفوفةٌ بالشك ‪ ..‬وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية با ذكرتُ ‪ ،‬ولا كدتُ أفرغ من كلمي‬

‫انتهرن الدكتور ((طه)) ‪ ،‬وقام ‪ ،‬وقمنا لنخرج ‪ ،‬وانصرف عن كل زملئي الذين استنكروا‬

‫غضابا ما واجهتُ به الدكتور ((طه)) ‪ ،‬ول يبقَ معي إل ((ممود ممد الضيي)) ‪ ..‬وبعد قليلٍ‬
‫أرسلَ الدكتور ينادين ‪ ،‬فدخلتُ عليه ‪ ،‬فجعلَ يعاتبن ‪ :‬يقسو حينا ويرفقُ أحيانا ‪ ،‬وأنا صامتٌ‬
‫ل أستطيع أن أرد ‪ ،‬ل أستطع أن أكاشفهُ بأ ّن ماضرته الت نسمعها كلها مسلوخة من مقالة‬

‫ت أعلم أنه يعلم من خلل‬
‫((مرجليوث)) ؛ لنا مكاشفة جارحة من صغيٍ إل كبي ‪ ،‬ولكن كن ُ‬
‫ما أسع من حديثه ومن صوته ومن كلماته ومن حركاته أيضا ‪ ،‬وكتمان هذه القيقة ف نفسي‬
‫يزيدن عجزا عن الرد عن العتذار إليه أيضا ‪ ،‬وهو ما كان يرمي إليه ‪ ،‬ول أول صامتا مطرقا‬
‫ي مودعٍ ول مبالٍ‬
‫حت وجدت نفسي كأن أبكي من ذل العجز ‪ ،‬فقمتُ فجأة وخرجتُ غ َ‬

‫بشيء ‪ ..‬ومن يومئذٍ ل أكف عن مناقشة الدكتور ف الحاضرات أحيانا بغيِ هيبة ‪ ،‬ول يكف هو‬
‫عن استدعائي بعد الحاضرات فيأخذن يينا وشالً ف الحاورة ‪ ،‬وأنا ملتزمٌ بالعراضِ عن ذكر‬
‫سطوهِ على مقالة ((مرجليوث)) صارفا هي كله إل موضوع النهج والشك ‪ ،‬وإل ضرورة‬
‫ق بي الشعر‬
‫قراءة الشعر الاهلي والموي والعباسي قراء ًة متذوقة مستوعبة ليستبيَ الفر ُ‬

‫الاهلي والسلمي ‪ ،‬أو التماس الشبه لتقريرِ أنه باط ُل النسبةِ وأنه موضوعٌ ف السلمِ ومن‬

‫خللِ رواياتٍ ف الكتب هي ذاتا متاجة إل النظر والتفسي ‪ ..‬ولكن من يومئذٍ أيضا ل أكف‬
‫عن إذاعة القيقة الت أكتمها ف حديثي مع الدكتور ((طه)) ‪ ،‬وهي أنه سطا سطوا كريها على‬
‫مقالة الستشرق العجمي ‪ ،‬فكان بل شكٍ يبلغهُ ما أذيعهُ بي زملئي‬

‫وطا َل الصراعُ غي التكافئ بين وبي الدكتور ((طه)) زمانا ‪ ،‬إل أن جاء الذي عزمتُ فيه على‬
‫أن أفارق مِصرَ كلها ل الامعة وحدها ‪ ،‬غي مبالٍ بإتامِ دراست الامعية ؛ طالبا للعزلة ؛ حت‬

‫أستبي لنفسي وجه الق ف قضيةِ الشعرِ الاهلي بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل‬

‫شرَ كتابهُ ((ف الدب الاهلي)) حذفَ‬
‫التشعب ‪ ..‬ث زادَ المرُ عندي بشاعةً فُظعتُ با حيَ َن َ‬
‫منهُ فصل وأضيف إليه فصول وغي عنوانهُ بعض التغيي ‪ ..‬كان أبشع ما ف الكتاب ‪ :‬الفصل‬
‫الول الذي زاده بعنوان ((الكتاب الول ‪ :‬الدب وتاريه)) ؛ لنهُ جاءَ تسويغا لذا السطو‬

‫وزيادة ف هذا الدعاء بأنهُ قد امتلك ما سطا عليه امتلكا ل ريبة فيه ! واستعلءً أيضا ودللة‬

‫صرية على أنه ل يبال أقل مبالة بكل ما سعه من أنه سطا على مقالة ((مرجليوث)) بي أسوار‬
‫الامعة ول بالكتب الت ألفت وطبعت ف نقد كتابه والت كشفت هذا السطو بالدليل والبهان‬
‫مع أن المر ل يتاج إل برهان أو دليل ‪ ،‬وجيعها كتب يقرأها الناس ‪ ،‬كيف يكون هذا ؟!!!‬
‫وبأي جراءةٍ يستطيع ((طه)) أن يلقى الناس ؟!!! أي احتقارٍ هذا للناس وأي استهزاءٍ بم‬
‫وبقولم هو أبشع من هذا ؟!!!!! ل أدري ))) انتهى النص‬

‫ول يقف الدكتور ((طه حسي)) عند هذا الد من استحقار الغي ‪ ،‬بل تدرج به المر حت‬

‫وصل إل أبعد من ((مرجليوث)) ‪ ،‬فقد وصل هذه الرة إل السطو على كتاب ممود ممد‬
‫ص من ملة ((القتطف)) بناسبة مرور ألف عام على‬
‫شاكر ((التنب)) والذي كتبه ف عددٍ خا ٍ‬

‫رحيل ((التنب)) ‪ ،‬حيث نشر ف عام ‪1936‬م ‪ ،‬وبعد أقل من عام نشر الدكتور ((طه حسي))‬
‫كتابه ((مع التنب)) الذي يعده الستاذ ((ممود شاكر)) حاشية على ثلثة كتب هي ‪ :‬كتاب‬
‫((التنب)) لحمود شاكر ‪ ،‬وكتاب للدكتور ((عبد الوهاب عزام)) ‪ ،‬وكتاب للمستشرق‬
‫((بلشي))‬
‫ويدثنا الستاذ ((ممود شاكر)) عن هذه الواقعة بلسانه فيقول ‪ ((( :‬ف سنة ‪1935‬م كان‬
‫الدكتور ((طه حسي)) ف قمة مده الذي حازه بالضجة الت ثارت حول كتابه ((ف الشعر‬

‫الاهلي)) ‪ ،‬وكان يروح ويغدو على ذراها يله الزهو واليلء وييد به العجب ))) انتهى‬
‫النص‬

‫وف هذا العام كتب الدكتور ((طه حسي)) مقالت عن جيل ((ممود ممد شاكر)) ووصفه‬
‫بأنه جي ٌل مفرغٌ من ثقافةِ أمته‬

‫يقول الستاذ العلمة ((ممود شاكر)) رحه ال ‪ ((( :‬حي قرأتُ شهادة الدكتور ((طه حسي))‬
‫على جيلنا الفرغ من ثقافة أمته ف سنة ‪1935‬م ‪ :‬توهتُ بسن الظن أنه سوف يبدأ عهدا‬

‫جديدا ف تفكيه ‪ ،‬وأنه سيفارق السُنة الت سنها هو والساتذة الكبار ‪ ،‬أعن سُنة السطو وسُنة‬
‫التلخيص ‪ ،‬ولا فرغتُ من قراءة آخر مقالته سنة ‪1935‬م وجدتُ أنه ياول أن يسلك طريق‬
‫تذوق الشعر ‪ ..‬وجاء أسبوع الحتفال برور ألف سنة على وفاة ((أب الطيب التنب)) بدار‬

‫المعية الغرافية سنة ‪1936‬م ‪ ،‬وقبل ذلك بأيام كان قارئ الدكتور ((طه حسي)) الصاحب‬
‫له قد لقين ف الطريق فأخبن أن صاحبه (يعن طه حسي) يرى أن التنب [لقيط لغية] ‪،‬‬
‫فاستكبتُ ذلك واستنكرتهُ مستعيذا بال من سوء ما أسع ‪ ..‬كنتُ ل ألقَ الدكتور ((طه‬

‫حسي)) منذ فارقتُ الامعة سنة ‪1928‬م ‪ ،‬حت كان أسبوع هذا الحتفال ‪ ،‬وف أول يوم من‬

‫السبوع بدأ الدكتور ماضرته واستفتحها قائلً ‪ (( :‬لقد شكّ بعضُ الناسِ ف نسب التنب ‪ ،‬وأنا‬
‫أوافقه على هذا الشك )) ‪ ،‬ففكرتُ أن أقومَ من فوري ؛ لرد عليه ولعلمهُ أن حاضرٌ غيُ‬

‫ل ليجمعَ أنظارَ الناسِ إل‬
‫غائب ؛ فقد غاظن زهو ُه وخيلئهُ وعنجهيتهُ وهو يرتلُ ألفاظهُ ترتي ً‬
‫مرج كلماته كعادتهِ ف الزهو ‪ ،‬وكان ف جواري أحد الساتذة القربي إليه ‪ ،‬فأحس با همتُ‬

‫بهِ فأمسكن وقال ‪ (( :‬ل تعجل )) ‪ ،‬فقلتُ له ‪ (( :‬إذا فأبلغ طه حسي أن موافقته أو مالفته ل‬
‫تعن عندي قرشا ماسحا تتلفظه اليدي ف السواق ؛ لنه لفاظة ل تصلح للتداول )) ‪،‬‬
‫وانتهت الحاضرة‬

‫وعند انصراف رآن أستاذنا ((عبد الميد العبادي)) رحه ال ‪ ،‬فأقبل وأخذ بيدي وخرجنا من‬
‫القاعة ‪ ،‬وإذا نن فجأة خلف الباب خلف الدكتور ((طه حسي)) حي انصرافه ‪ ،‬فعزم علي‬

‫أستاذنا ((العبادي)) أن أسلم على الدكتور ‪ ،‬فاستعلن غضب وأبيتُ ‪ ،‬ولكن ل أكد حت سعته‬
‫يقول للدكتور ((طه حسي)) ‪ (( :‬هذا ممود شاكر يا دكتور )) ‪ ،‬فوقفتُ والتفتّ التفاتة‬

‫يسيه ومددتُ يدي فسلمتُ ‪ ،‬وغلبن الياء والجل ما لقين به من فرطِ البشاشةِ والفاوة ‪،‬‬
‫ث أخبن أنه قرأ كتاب كله ‪ ،‬وجاءَ بثناءٍ ل أكن أتوقعه ‪ ،‬وطال وأفاض ‪ ،‬وغمرن ثناؤه حت‬

‫ساخت ب الرض ‪ ،‬فماتَ لسان ف فمي ‪ ،‬فلم أستطع أن أنبس برف حت فرغ ‪ ،‬وهو آخذٌ‬

‫بيدي ل يرسلها إل أن ركب وافترقنا ‪ ..‬ل أرتح إل هذه الفاوة الفرطة ول إل حديثه السهب‬
‫الذي يرشح ثناءً وإطراءً ‪ ،‬ورابن من أمره ؛ لن أعرفه ‪ ،‬فلما لقيتُ الشيخ ((مصطفى عبد‬
‫الرزاق)) ف داره بعد أيام وكان قد ذكرن بكلمته الت ألقاها ف أسبوع ((التنب)) ‪ :‬بثثتُ‬

‫الشيخَ ما ف نفسي من الرتياب ف أمر الدكتور وأن مقبلً على ترع أحد فعلته ‪ ،‬فاستنكر‬
‫خ حديثي استنكارا شديدا وغضبَ ُمزْوّرا عن كلمي وقال ‪ (( :‬ل تكن سيء الظن‬
‫الشي ُ‬

‫بأستاذك ‪ ،‬وأمسك عليك لسانك وأوهامك )) ‪ ،‬وكل ما سعه الشيخ من سرعان ما تقق على‬

‫الوجه الذي فصلتهُ تفصيلً صريا ‪ ،‬وكان ما كان ‪ ،‬ورجعت حليمة إل عادتا القدية كما يقال‬
‫ف الثل ‪ ،‬بل هي ل تفارق عادتا قط ‪ ،‬ول تلك أن تفارقها ‪ ،‬ففي يناير سنة ‪1937‬م (أي بعد‬
‫أقل من عام منذ ظهور كتاب) كان ما توقعته كالذي حدثتُ بهِ الشيخ ‪ ،‬حيث نشرت لنة‬

‫التأليف والترجة والنشر كتاب الدكتور ((طه حسي)) ((مع التنب)) ف جزأين كبيين ‪ ،‬وهذا‬
‫الكتاب هو حاشية كبى على ثلثة كتب ‪ :‬أولا كتاب ‪ ،‬ث كتاب الستاذ ((عبد الوهاب‬
‫عزام)) ‪ ،‬ث كتاب ((بلشي)) عن ((التنب))‬

‫وننُ هنا ل نفخر بأننا أول من كتب تاريخ ((التنب)) على هذا الوضع الذي تراه ف كتابنا ‪،‬‬

‫ولكنا نقر ذلك إقرارا للحقِ وبيانا للذي فعله الدكتور ((طه حسي)) ‪ :‬أخذ آراءنا فأفسدها ‪،‬‬
‫ووضعها ف غي موضعها ‪ ،‬واستغلها بغي حقها ‪ ،‬وأخرج كتابه على غرار كتابنا غي متهيب ول‬
‫متورع من مذمة أو إث ‪ ،‬أغراه ف ذلك ما يعلم من عظيمِ شهرتهِ وبعيدِ صيتهِ ‪ ،‬وما يعلم ما ننُ‬
‫فيه من الفا ِء والصمتِ وقلةِ الكتراثِ بالدعاي ِة اللفقةِ لنفسنا ))) انتهى النص‬
‫وف ردة فعل الستاذ ((ممود ممد شاكر)) على سرقة ((طه حسي)) لكتابه كتب اثنت عشرة‬
‫مقالة نشرها ف صحيفة ((البلغ)) ‪ ،‬ونترك الستاذ ((ممود شاكر)) يدثنا بلسانه ‪:‬‬
‫((( ف ‪ 13‬فباير سنة ‪1937‬م كتبتُ القالة الول من القالت الت جعلتُ عنوانا ((بين وبي‬
‫طه)) ‪ ،‬وحي بدأتُ أكتب كنتُ حددتُ طريقي تديدا كاملً ‪ ،‬وهو أن أواجه الدكتور ((طه))‬
‫بثلثة حقائق ‪:‬‬

‫القيقة الول ‪ :‬أنه ف أكثر أعماله يسطو على أعمال الناس سطوا عريانا أحيانا أو متلفعا‬

‫بالتذاكي والستعلء والعجب أحيانا أخرى ‪ ..‬القيقة الثانية ‪ :‬أنه ل بصر له ف الشعر ول‬
‫يسن تذوقه على الوجه الذي يتيح للكاتب أن يستخرج دفائنه وبواطنه دون أن يقع ف‬

‫التدليس والتلفيق ‪ ..‬القيقة الثالثة ‪ :‬أن منطقه ف كلمه كله متل وأنه يستره بالتكرار والترداد‬
‫والثرثرة ))) انتهى النص‬
‫ويكمل الستاذ ((ممود ممد شاكر)) حديثه قائلً ‪ ((( :‬وإذا كان غيي قد قَبِلَ راضيا با‬
‫يفعله الدكتور بهدهِ ونصبهِ ومعاناتهِ ‪ ،‬أو قَبِلَ ذلك صامتا على مضضٍ ؛ اتقاءً لعرةِ لسانهِ ‪ ،‬أو‬

‫هيبةً لا حازهُ من الجدِ والذكرِ والصيتِ ‪ ،‬أو مافةً من سوءِ ظن الناسِ بهِ ‪ ،‬أو رجاءً ليٍ يتوقعهُ‬
‫على يديه ‪ :‬فإن أبيتُ ‪ ،‬أبيتُ ف سنة ‪1937‬م أن أستخذي لذا السطو والرهاب الثقاف ‪،‬‬

‫وأخذتُ هذه القالة الول وذهبتُ إل دار صحيفة ((البلغ)) إل أستاذنا ((إبراهيم عبد القادر‬

‫الازن)) وسألتهُ أن يقدمن إل صاحب ((البلغ)) ((عبد القادر حزة باشا)) ‪ ،‬ول أذكر له شيئا‬

‫ث قصيٍ عرفتهُ بنفسي ‪ ،‬وأخرجتُ القالة ومددتُ‬
‫ما أريده ‪ ،‬فقدمن إليه وانصرف ‪ ،‬وبعد حدي ٍ‬

‫يدي با إليه ‪ ،‬وقرأ العنوان ((بين وبي طه)) والسطر الول ‪ ،‬ث نَ َظرَ إلّ وقال بدوئه الركي ‪:‬‬
‫ت عدد القتطف ‪ ،‬ولكن ل أرَ كتاب الدكتور طه )) ‪ ،‬ث عادَ يقرأ حت فرغ ‪ ،‬ث‬
‫(( قد قرأ ُ‬

‫ت أحدثه عن أولية‬
‫وضعَ القال أمامهُ على الكتب وقال ‪ (( :‬لاذا كل هذا العنف ؟! )) ‪ ،‬فبدأ ُ‬
‫أمري مع الدكتور ((طه)) ف الامعة حت بلغتُ ما كان منه يوم ((دار المعية الغرافية)) ‪ ،‬وما‬
‫أفضيتُ بهِ من شكوكي إل الشيخ ((مصطفى عبد الرزاق)) ‪ ،‬وما تققَ من هذه الشكوك‬

‫بتأليفه كتاب ((مع التنب)) ‪ ،‬وكا َن حسنُ استماعهِ ل وإصغائهُ يزيدن عنفا ف الديث ‪ ،‬فلما‬

‫بلغتُ الغاية وسكتُ قال ل ‪ (( :‬أل تاف الدكتور طه ؟!! )) ‪ ،‬فقلتُ ‪ (( :‬إن ل أهابه ‪ ،‬بل أنا‬
‫أعرفه ‪ ،‬وأعرف أنه إذا ما قرأ القالة الول وما بعدها سوف يعرف ما عندي ‪ ،‬والذي عندي‬
‫من أدلة سطوه على آخرين سوف ينعه أن يتكلم ‪ ،‬ولو تكلم فما كل بيضاء شحمة ول كل‬

‫سوداء ثرة )) ‪ ،‬فضحك وقال ‪ (( :‬يا لك من ماصمٍ عنيد !! )) ‪ ،‬ث قال ‪ (( :‬سأنشرُ كل ما‬
‫كتبته ‪ ،‬ولكن أحب كذا وكذا )) نصيحة ضمنت بعضها أول القالة الثانية ‪ ،‬وكنتُ حريصا‬

‫منذ أول ما كتبتُ أن أكشفَ ف مقالت الول عن أساليب ِه التنوعةِ الاهرةِ ف السط ِو العريان ‪،‬‬

‫وعن أساليبهِ أيضا ف السطوِ الفي الذي ياولُ بالثرثرةِ البارعةِ أن يعلَ ما سطا عليهِ يبدو كأنهُ‬
‫رأيٌ ما ارتآهُ ُه َو بعدَ بثٍ ودرسٍ وتنقيبٍ وتقيقٍ إل آخرِ ألفاظهِ الت يغري الناسَ با عن‬

‫القيقة ‪ ،‬ومع ذلك فأنا أستطيع أن أقول ‪ :‬إن الذي ذكرتهُ منها بل تفصيلٍ ف مقالت هو جاعُ‬
‫أساليبهِ الت دربَ عليها من قبلُ ف كتابيه ‪ :‬كتاب ((ف الشعر الاهلي)) وهو الاشية الصغرى‬
‫على مقالة ((مرجليوث)) ‪ ،‬وف توأمه العدل بعد أن علت بهِ السِن وهو كتاب ((ف الدب‬

‫ب أسبوعا بعد أسبوعٍ ف ((البلغ))‬
‫الاهلي)) وهو الاشية الكبى على القالة ‪ ..‬ومضيتُ أكت ُ‬

‫بعنوانٍ واحدٍ هو ((بين وبي طه)) من بلغِ يومِ السبت ‪ 2‬من ذي الجة سنة ‪1355‬هـ‬

‫الوافق ‪ 3‬فباير سنة ‪1937‬م إل أن كان اليوم الخي من صفر سنة ‪1356‬هـ الوافق ‪10‬‬
‫مايو ‪1937‬م ‪ ،‬ول أكد أفرغ من كتابة القالة الثانية عشرة حت جاءن نعي أستاذي وصديقي‬

‫((مصطفى صادق الرافعي)) رحه ال ‪ ،‬فاندمَ ف نفسي كل ما كان قائما ‪ ،‬وذهبَ الدكتور طه‬
‫وكتابه جيعا من نفسي تت الدم ‪ ..‬وكذلك ل يكن مقدرا ل أن أتم هذه القالت على الوجه‬
‫الامع ؛ لن ل أتاوز ف نقدي كتاب الدكتور ((طه)) الصفحة الثانية والتسعي من ‪711‬‬
‫صفحة ))) انتهى النص‬
‫كتب الستاذ ((ممود ممد شاكر)) قصته مع الدكتور ((طه حسي)) بعنوان ‪ (( :‬لحة من‬
‫فساد حياتنا الدبية ))‬
‫يقول الستاذ ((ممود شاكر)) رحه ال ‪ ((( :‬فاقرأ غي مأمورٍ ما كتبتهُ ف القالت الثلث‬
‫فستعلم علم اليقي أن حياتنا الدبية والثقافية والفكرية عامةً والسفه الؤدي إل انتقاص عُرى‬
‫العقلِ عروةً عروة حت أثرت هذه الثمرة اليانعة النضية الت تتحلى با حياتنا الدبية اليوم (‬

‫‪1977‬م) وتتميز تيزا ظاهرا ف كتابةِ الكُتاب وبثِ الباحثي ل يكاد واحدنا يستثن نفسهُ ‪،‬‬
‫فهو جليسُ صاحب الكي (الداد) ‪ :‬إن ل ترقه ناره ناله من شره ‪ ..‬أما الن فإن أتلفت إل‬
‫اليام الغابرة البعيدة ‪ ،‬حي كنت أشفق من مغبة السنن الت سنها الساتذة الكبار ‪ :‬تلخيصُ‬
‫أفكار عالٍ آخر ‪ ،‬ويقضي أحدهم عمره كله ف هذا التلخيص دون أن يشعر بأن ُه مفوفٌ‬

‫بالخطارِ ‪ ،‬ودونَ أن يستنكفَ أن ينسبَ إل نفسهِ نسبةً تعل ُه عندَ الناسِ ‪ :‬كاتبا ومؤلفا‬

‫وصاحبَ فكرٍ ‪ ،‬هذا ضربٌ من التدليسِ كريه ‪ ،‬ومع ذلك فهو أهون من السطو الجرد ‪ ،‬حي‬
‫يعمدُ الساطي إل ما سطا عليه فيمزقه ث يغرقه ويغرق ف ثرثرةٍ طاغي ٍة ليخفي معال ما سطا عليه‬
‫وليصبحَ عندَ الناسِ صاحبَ فكرٍ ورأيٍ ومذهبٍ يُعرفُ بهِ وينسب كل فضله له ‪ ،‬ومع ذلك‬

‫فهذا أيضا أهون من الستخفاف بتراثٍ متكامل بل سببٍ وبل بثٍ وبل نظرٍ ‪ ،‬ث دعوة من‬
‫يعلمون علما جازما أنهُ غي مطيقا لا أطاقوا دعوته إل الستخفاف بهِ كما استخفوا ‪ ،‬ومع‬

‫ذلك فهذا أهون ما فعلوهُ وسنو ُه من سُنةِ الرهابِ الثقاف الذي جعلَ ألفاظَ ‪ :‬القدي والديد‬

‫والتقليد والتجديد والتخلف والتقدم والمود والتحرر وثقافة الاضي وثقافة العصر = سياطا‬
‫ملهبة ‪ :‬بعضها سياط حثٍ وتويف لن أطاعَ وأتى ‪ ،‬وبعضها سياط عذاب لن خافَ وأب ‪..‬‬

‫ت منهُ قديا من فعلِ الساتذةِ الكبار ‪ ،‬لقد ذهبوا بعد أن تركوا من‬
‫أتلفتُ اليومَ فأجدُ ما أشفق ُ‬
‫حيث أرادوا أو ل يريدوا ‪ :‬حياةً أدبيةً وثقافيةً قد فسدت فسادا وبيلً على مدى نصف قرن ‪،‬‬

‫وتددت الساليب وتنوعت ‪ ،‬وصارَ السطو على أعمال الناس أمرا مألوفا غي مستنكر ‪ ،‬يعيشُ‬
‫ف الناس طليقا ‪ ،‬عليه طيلسان البحث العلمي وعالية الثقافة والثقافة النسانية ‪ ،‬وإن ل يكن‬

‫مصوله إل ترديدا لقضايا غريبة صاغها غرباء صياغة مطابقة لناهجهم ومنابتهم ونظراتم ف كل‬
‫قضية ‪ ،‬واختلط الابل بالنابل ‪ ،‬قل ذلك ف الدب ‪ ،‬والفلسفة ‪ ،‬والتاريخ ‪ ،‬والفن ‪ ،‬أو ما‬

‫ق صدقا ل يتخلف ؛ فالديبُ مصو ٌر بقلمِ غيه ‪ ،‬والفيلسوفُ مفكرٌ بعقلِ‬
‫شئت ‪ ،‬فإنه صاد ٌ‬
‫سواه ‪ ،‬والؤرخُ ناقدٌ للحداثِ بنظ ٍر غريبٍ عن تاريهِ ‪ ،‬والفنانُ نابضٌ قلبهُ بنبضٍ أجنبٍ عن‬
‫ث فنهِ ))) انتهى النص‬
‫ترا ِ‬

‫من وجهة نظري بعد أن قرأنا شهادة الستاذ العلمة ((ممود ممد شاكر)) فإن أعتقد رغم كل‬
‫ما فعله أستاذنا الكبي أنه ل يكن إيابيا بالشكلِ الطلوب ‪ ،‬ولعل لهُ بعض العذرِ عندما كان‬

‫تلميذا يلس ف مدرجِ الامعة لينه َل من علمِ أستاذهِ الدكتور ((طه حسي)) ؛ حيث ينعهُ من‬
‫التصريحِ ‪ :‬التأدب مع أستاذهِ والذي ذكره ف قولهِ السابق ‪ ،‬وكذلكَ أن الدكتور ((طه‬

‫حسي)) صاحب فضلٍ على الستاذ ((ممود شاكر)) بساعدتهِ ليلتحق بالكلياتِ الدبية ‪..‬‬

‫يقول الستاذ ((ممود شاكر)) ‪ ((( :‬وللدكتور ((طه حسي)) عليّ يدا ل أنساها ‪ :‬كان مدير‬

‫الامعة يومئذٍ ((أحد لطفي السيد)) يرى أن ل حقَ لامل بكلوريا القسم العلمي ف اللتحاق‬
‫بالكليات الدبية ‪ ،‬ملتزما ف ذلك بظاهر اللفاظ ‪ ،‬فاستطاعَ الدكتور ((طه)) أن يطم هذا‬

‫العائق بشهادته ل وبإصراره أيضا ‪ ،‬فدخلتُ يومئذٍ بفضلهِ قسم اللغة العربية ‪ ،‬وحفظُ الميلِ‬
‫أدبٌ ل ينبغي التهاون فيه ))) انتهى النص‬

‫وحت ل نمل الستاذ ((ممود شاكر)) أكثر ‪ :‬فليس هو الوحيد الذي تصدى للدكتور ((طه‬

‫حسي)) ‪ ،‬بل تصدت له كثي من القلم الت لا وزنا ‪ ،‬من أمثال ‪(( :‬فريد وجدي)) و ((ممد‬
‫عرفة)) و ((الرافعي)) و ((الغمراوي)) و ((لطفي جعة)) و ((رشيد رضا)) و ((مب الدين‬
‫الطيب)) ‪ ،‬وكذلك الدكتور ((ممد ممد حسي)) أستاذ الدب العرب الديث بامعة‬

‫السكندرية ‪ ،‬وهو باحث أكاديي متخصص له باع طويل ‪ ،‬وهذا ما يعل رأيه له قيمة كبية‬
‫ولول أن موضوعنا عن العلمة ((ممود شاكر)) وليس عن ((طه حسي)) لنقلنا شهادات هؤلء‬
‫العلم ف حق ((طه حسي)) لتعرية ذلك الارد الذي كان يتحصن بقمقم مكانته ف الشارع‬

‫الصري ‪ ،‬وسطوته ‪ ،‬وخشية الكتاب من تسلط لسانه ما يقلل من مكانتهم ويدخلهم ف صراع‬
‫ل يرون داعيا له ‪ ..‬وهذا كلمٌ له مقامٌ آخر‬
‫ــــــــــــــــــــــــ‬

‫ممود شاكر ‪ ..‬شيخ العربية‬
‫بقلم ‪ /‬د‪ .‬عبد القدوس صال‬
‫عرفتُ العلمة الكبي الستاذ ممود شاكر (رحه ال) منذ أكثر من ثلثي سنة ف مستهل‬
‫دراست ف كلية آداب القاهرة لنيل درجة "الاجستي" ‪ ،‬وامتدت هذه الصلة إل مرحلة‬

‫ت أترددُ خللا على منلهِ العامر ف‬
‫"الدكتوراه" حي أقمتُ ف القاهرة متفرغا سنة كاملة ‪ ،‬كن ُ‬
‫معظم أيام السبوع ‪ ،‬أمكثُ فيهِ من العصر إل جنح من الليل ‪ ،‬أفيدُ من مكتبتهِ العامرة وعلمهِ‬

‫الغزير ‪ ،‬وربا قصدته ف الضحى والساء ‪ ،‬حت كأن أصبحتُ فردا ف أسرته ‪ ،‬دون أن أجد منه‬
‫ل أو إعراضا ‪ ،‬بل كان (رحه ال) ل يتردد ف مناولت أي كتاب أطلبه ‪ ،‬إذا ل يكن ف غرفة‬
‫تثاق ً‬
‫مكتبه فهو يأت به من إحدى الغرف الداخلية الت امتلت برفوف الكتب‬

‫واستمرت صلت بشيخي الليل إل ما بعد مرحلة "الدكتوراه" ‪ ،‬إذ قلما زرتُ القاهرة دون أن‬
‫أقصد شيخ العربية ؛ برا بهِ ووفاءً لهُ واستزادةً من علمهِ وفضله ‪ ..‬وهو الذي أفتخر بتخرجي‬
‫عليه ف منهج التحقيق الذي تفرد به ‪ ،‬وقد أشرتُ إل ذلك ف مقدمة رسالت للدكتوراه عن‬
‫تقيق "شرح ديوان ذي الرمة" لب نصر الباهلي صاحب الصمعي‬

‫كان الشيخ أقرب إل الطول ‪ ،‬شديد السمرة ف شعره الذي خالطه الشيب مع جعودة يسية ‪،‬‬
‫تغطي عينيه اللتي أضنتهما الكتب الطبوعة والخطوطة نظارة مضاعفة العدسة ‪ ..‬وكانت‬

‫أسارير وجهه توحي بالدِ والرصانة ‪ ،‬ومع ذلك فقد أوت روحا مرحة تطرب للنادرة حت تس‬
‫أنه يضحك لا من قلبه وجوارحه كلها وكأنه طفل غرير ل يمل ها ول يعرف غما ‪ ،‬وهو‬

‫كثيا ما يداعب تلميذه ويازح خواص جلسائه ‪ ،‬حت إذا جد الد فهو الليث عاديا ‪ ،‬كما‬

‫يقول ابن القفع ‪ ،‬وويل كل الويل لن يتعرض إل عاصفة من غضبه العاصف الدمر ‪ ،‬أو لسانه‬

‫العضب الذي ل يعرف الهادنة ول يبال بصغيٍ أو كبي ‪ ،‬حت قيل إن زلة لسانه ف ثورة غضبه‬
‫على عبد الناصر هي الت أودت بهِ إل السجن دون أن تقبل فيه شفاعة الشافعي‬

‫وكان من بواعث غضبه الذي ل يكاد يهدأ حت يثور ‪ ،‬ومن عوامل حساسيته الشديدة الت‬

‫كانت تؤرقه وتتلف أعصابه ‪ :‬ما نره لدى عدد كبي من كبار العلماء الذي يتبحرون ف العلم‬
‫وينقطعون إليه حت ل يكاد الواحد منهم يغادر بيته ليختلط بالناس ويعرف أحوال الجتمع عن‬
‫كثب ‪ ،‬وهذا ما يوقعهم ف حالة من عدم التلؤم مع غيهم ومن عدم الرضا عن الظروف‬

‫الحيطة بم وبأمتهم ‪ ،‬وباصة أنم قد يصابون بالحباط واليأس ؛ إذ يطمحون أن يغيوا من‬

‫حولم وأن يرفعوهم إل مستوى مطامهم وأمانيهم ف نوض المة من كبوتا وف عودتا خي‬
‫أمة أخرجت للناس ‪ ،‬وهم يريدون لن حولم أن يكونوا على ما هم عليه من الد والثابرة‬
‫والخلص والستقامة والوعي بطريق اللص وأسس النهضة ‪ ،‬ولكن هيهات هيهات !!‬

‫كان البنامج اليومي للشيخ فيما رأيته خلل سنة ونيف ‪ :‬يبدأ بالكتابة ف فترة الصباح إل‬

‫الغداء ‪ ،‬ث تأت فترة القراءة ‪ ،‬حيث يستلقي الشيخ على أريكة طويلة بعد أن يتار أحد الكتب‬
‫من منضدة طويلة تتوسط قاعة اللوس ‪ ،‬وقد اختلطت فيها أنواع الكتب ‪ :‬ما بي تراثي قدي‬

‫ومعاصر جديد ‪ ،‬وما بي كتب لغوية وفكرية ‪ ،‬وما بي دراسات أدبية أو دواوين شعرية ‪ ..‬فإذا‬
‫أدى الشيخ صلة الغرب جاء وقت الراحة ‪ ،‬يستقبل فيه اللص من أصحابه ‪ ،‬أو يسامر ولديه‬
‫الصغيين آنذاك ‪ :‬فهرا وزلفى ‪ ،‬أو يلس أمام شاشة "التلفزيون" غي متحرج من ذلك ‪ ..‬أما‬

‫مساء يوم المعة فإن بيت الشيخ ينقلب من بعد صلة الغرب إل ندوة أدبية وفكرية وسياسية‬

‫يلتقي فيها أصحابه من الدباء والشعراء والفكرين وطلب الدارسات العليا ‪ ،‬وتدور الحاديث‬
‫ف هذه الندوة ف شت الوضوعات الت يثيها خب من الخبار أو حدث من الحداث الهمة‬

‫الحلية أو العالية أو سؤال يطرحه أحد الضور ‪ ..‬وما يكاد الشيخ يرج من بيته إل لضرورة‬

‫ماسة ‪ :‬من زيارةٍ لطبيب ‪ ،‬أو مرورٍ على خياط ‪ ،‬أو مناسب ٍة ملحةٍ ل يستطيع دفعها ‪ ،‬وما أندر‬
‫مثل هذه الناسبات ف حياته‬

‫وقد تعرفت ف منل الشيخ على عددٍ من كبار الشخصيات ‪ ،‬منهم الدكتور ((عبد الليم‬

‫ممود)) شيخ الزهر ‪ ،‬والشيخ ((عبد الالق عضيمة)) إمام النحو ‪ ،‬والديب الكبي الستاذ‬
‫((يي حقي)) ‪ ،‬والشاعر الكبي الستاذ ((ممود حسن إساعيل)) ‪ ،‬والدكتور ((حسي نصار))‬
‫الستاذ بكلية آداب القاهرة ‪ ،‬والدكتور ((ناصر الدين السد)) الذي كان آنئذٍ ف جامعة‬

‫الدول العربية ‪ ،‬والدكتور ((ممود الطناحي)) الذي كان من أصحاب الشيخ اللص وأقربم‬

‫إل قلبه ‪ ..‬وكان من صحبتهم إل منل الشيخ وعرفتهم إليه معال الدكتور ((عبد ال التركي))‬
‫عندما كان عميدا لكلية اللغة العربية بامعة المام ‪ ،‬وقد امتدت علقته به حت دعاه إل إلقاءِ‬
‫عددٍ من الحاضرات العامة عندما أصبح من اللزمي للشيخ ومن الهتمي برعايته إل آخر‬
‫عمره‬
‫على أن ما أشرتُ إليه من البنامج اليومي للشيخ لبد أنه كان ف الشطر الخي من كهولته ‪،‬‬
‫وإل فكيف أتيحَ لهُ أن ييطَ بالتراثِ إحاط ًة ل يدانيهِ فيها أحد من العاصرين ؟!‬
‫ومن العروف أن الشيخ ((ممود شاكر)) أخذ يثقف نفسه وفق برنامج شامل اختطه لنفسهِ بعد‬
‫صدامهِ مع الدكتور ((طه حسي)) وتركه الامعة وهو ف السنة الثانية من سن الدراسة ‪،‬‬

‫ومضى يأخذ نفسهُ بالدِ والثابرة على تصيل العلم والتضلع بالتراث ‪ :‬قراءةً للكتب وحفظا‬
‫لدواوين الشعر وهو ما يزال ف ريعان الشباب ‪ ،‬يرى إل أترابه يهزلون ويدون ويلهون‬

‫ويرتعون ‪ ،‬وهو ماضٍ إل غايتهِ كما يضي أولوا العزمِ من الرجال ‪ ،‬واستطاع بذلك أن يمع‬
‫بي الثقافة العربية والسلمية ‪ ،‬وبي الثقافة الغربية ؛ إذ كان ييد النليزية إجادةً تامة‬

‫وقد أعانه على تلك الثقافة الواسعة الشاملة أمورٌ عدة ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬نشأته ف بيت علمٍ متوارث ‪ ،‬إذ كان والده (رحه ال) شيخ علماء السكندرية ‪ ،‬ث صارَ‬
‫وكيلً للجامع الزهر‬
‫ومنها ‪ :‬ذلك التحدي الذي كان من جرا ِء صدامهِ مع الدكتور ((طه حسي)) وتركه للجامعة‬
‫ومنها ‪ :‬تعهد أخيه الشيخ أحد (رحه ال) له‬
‫ومنها (وهو أعظمها) ‪ :‬تلك الذاكرة العجيبة الت شهدت عجائبها بنفسي ‪ ،‬والت أسوق طرفا‬
‫ما أذكره منها خلل ملزمت ل ُه ف منلهِ سنة ‪ ،‬بل أكثر من سنة ‪ ..‬فمن ذلك أن كنتُ أنظر ف‬
‫ت تشبهُ إشارةَ الضربِ ف السابِ (‬
‫ض الصفحاتِ إشارا ٍ‬
‫لسان العرب ف مكتبته فرأيتُ ف بع ِ‬
‫ت البهمة‬
‫‪ )x‬وليسَ بانبها أي تعليق كان ‪ ،‬وقد دفعن الفضولُ إل أن أسأل ُه عن هذه الشارا ِ‬
‫فقال ل ‪(( :‬غفر ال لخي الشيخ أحد ؛ فقد كان يطلبُ إلّ أن أحفظَ ما بي كل إشارةٍ‬

‫وتاليتها ف زمنٍ يدده ل)) ‪ ،‬وكان الشيخ أحد يكبُ أخاهُ بنحوٍ من سبعةَ عش َر عاما ‪ ..‬ومن‬
‫شواهد حفظه للشعرِ القديِ ما رأيتهُ من ماورةٍ تت أمامي بي الصديق الدكتور ((ممد علي‬
‫الاشي)) وبي الستاذ الدكتور ((حسي نصار)) ‪ ،‬وكان الدكتور ((الاشي)) يقق ((جهرة‬

‫أشعار العرب)) ‪ ،‬فسأل الدكتور ((حسي نصار)) عن بعض البيات ف الشعر الاهلي ل يهتدِ‬
‫إل قائلها ‪ ،‬وما كان من الدكتور ((نصار)) إل أن قال له دون تردد ‪(( :‬اسأل شيخك ممود‬
‫شاكر ؛ فهو يفظ الشعر الاهلي)) ‪ ..‬وكنتُ ف أثناء تقيقي لشرحِ ديوان ((ذي الرمة))‬

‫وقفتُ حائرا أمام نو أربعي شاهدا من شواهدِ الشرحِ ل أستطع الهتداء إليها ف مظانا على ما‬
‫بذلتُ من جهد ‪ ،‬ولا سألتُ الشيخ ((ممود شاكر)) عنها إذا بهِ يرشدن فورا إل نو نصفها‬
‫ذاكرا اسم القائل واسم الصدر الذي يتوي الشاهد ‪ ،‬أما النصف الخر فقد أراد أن يُسهل‬

‫عليّ متابعة البحث عنها فقال ل عن كل شاهدٍ منها ‪(( :‬ليسَ هذا البيت معروف القائل ‪ ،‬ول‬
‫هو من شعرِ فلن وفلن وفلن)) ‪ ..‬وقد وقفت عاجزا عن تريج عبارة وردت ف أثناء شرح‬

‫ديوان ((ذي الرمة)) وهي قولم ‪(( :‬إن ابن آدم ومتاعه على قَلْت إل ما وقى ال)) أي ‪" :‬على‬
‫هلك" ‪ ،‬ولا سألتُ عنها الشيخ ((ممود)) ل يتلبث ف الجابة بأكثر ما يتلبث الشتغل على‬

‫الاسوب (الكمبيوتر) ف الضغط على أزرار الهاز ‪ ،‬ث قال ل ‪(( :‬أظن أن قرأتُ هذه العبارة‬
‫ف الطبعة القدية لكتاب "البيان والتبيي" للجاحظ ‪ ،‬ومادامت الطبعة الت حققها الستاذ‬

‫((عبدالسلم هارون)) تتوي على فهرس لغوي فانظر فيها لعلك تد هذه العبارة)) ‪ ،‬وقمتُ من‬
‫فوري لنظر ف ((البيان والتبيي)) حيث وجدتُ العبارة بنصها ‪ ،‬وأخذ من العجب مأخذهُ حي‬
‫قرأتُ ف مقدمة التحقيق الت كتبها الستاذ ((عبد السلم هارون)) أن الطبعة القدية الت قرأها‬
‫الشيخ ((ممود شاكر)) ورأى فيها تلك العبارة مضى على صدورها نوا من ستي عاما‬

‫على أن أطرف ما حدث بين وبي الشيخ ((ممود شاكر)) أن سألته عن معن بيت عويص من‬
‫شواهد شرح ديوان ((الرمة)) ولا أخذ ينظر ف البيت رآن قد عزوته إل كتاب ((معان‬

‫الشعر)) للشناندان ‪ ،‬فأنكر عليّ ذلك ومضى على عادت ِه يسلقن بلسانهِ الاد قائلً ‪(( :‬ل‬
‫أدري كيف تدرس ف الامعة وأنت تطئ ف عزو بيتٍ من الشعر إل مصدر ل يرد فيه)) ‪،‬‬

‫وأجبتُ قائلً ‪(( :‬إنن تلميذك يا أستاذ ممود ‪ ،‬وقد درستُ ف الامعة نوا من ثان سنوات ‪،‬‬

‫ومن الحال أن أقع ف مثل هذا الطأ الذي ل يقع فيه طالب مبتدئ)) ‪ ،‬وهنا ثارت ثائرة الشيخ‬
‫وقال بالرف الواحد ‪(( :‬انتظر ‪ ،‬وسأريك مدى جهلك ومكابرتك)) ‪ ،‬وأسرع الشيخُ إل‬

‫إحدى الغرف الداخلية (وغرف البيت كلها ملوءة بأرفف الكتب كما قدمنا) وجاءَ بكتاب‬
‫((معان الشعر)) للشناندان ‪ ،‬وفتح الكتاب على الصفحة الت عزوتُ إليها الشاهد العويص ‪،‬‬

‫خ خجلً وظهرت عليهِ‬
‫فإذا بالشاهد مثبت ف الكتاب كما عزوته بالضبط ‪ ،‬وهنا احرّ وجهُ الشي ِ‬

‫ت الضيقِ والتبم ‪ ،‬وكانَ يتلفت ينةً ويسر ًة ويعيدُ النظرَ ف الكتاب وكأنهُ ل يصدق ما‬
‫أمارا ُ‬

‫خ مهدئا روعه بعد‬
‫يرى بأ ِم عينه ول يصدق أن ذاكرت ُه العجيبة قد خانتهُ هذه الرة ‪ ،‬وقلتُ للشي ِ‬
‫أن أخذتُ الكتابَ من يديه ونظرتُ ف غلفهِ وعرفتُ اسم الحقق ‪(( :‬هون عليك يا أستاذ‬

‫ممود ؛ فأنتَ قرأتَ كتاب ((معان الشعر)) ف طبعته الت حققها الستاذ "عز الدين التنوخي" ‪،‬‬
‫ت ف عزوِ هذا البيت إل الطبعة الت حققها الدكتور "صلح الدين النجد" الذي عثرَ‬
‫وأنا رجع ُ‬
‫على مطوطةٍ للكتابِ ل تصل إل الستاذ التنوخي ‪ ،‬وف هذه الخطوطات زيادات منها هذا‬

‫البيت دون شك)) ‪ ،‬وسارع الشيخ ((ممود شاكر)) مرة أخرى ليأت من إحدى الغرف بطبعة‬

‫س الصعداء قائلً ‪:‬‬
‫الستاذ ((عز الدين التنوخي)) ‪ ،‬وتأكد أن الشاهد ل يَرد فيها ‪ ،‬وعندئذٍ تنف َ‬
‫((ال يرضى عليك ‪ ،‬لقد خفت أشد الوف وقلت ‪ :‬ممود شاكر قد خرف))‬
‫وكم وقفتُ أمام ما كان يفعله الشيخ ف شرح الغريب فيما حقق من كتب التراث ؛ إذ ل يكن‬
‫يكتفي با ف العجمات من إيا ٍز مبهم أو ملبس حت يأت بالشرحِ الواف من عنده ‪ ،‬ومن ذلك‬

‫تفسي كلمة ((القَلْت)) إذ ذهبت معظم العجمات إل أن من معانيها ((النقرة ف البل)) ولكن‬
‫الشيخ ((ممود)) شرح ((القلت)) بقوله (على ما أذكر) ‪(( :‬القلت ‪ :‬نقرة ف الصخر يتمع‬
‫فيها ماء الطر فتضربه الريح فيكون أعذب ماء يُشرب))‬

‫ويبدو أن أدركتُ الشيخ ((ممود شاكر)) بعد أن دخل ف مرحلة غلب عليهِ فيها الصمت‬

‫والكتئاب وداخلهُ شيءٌ غي قليل من اليأس ‪ ،‬وقد تركَ الكتابة ف الصحف والجلت واكتفى‬
‫ت أستمع إليهِ‬
‫ي عن آرائهِ مع الاصة من زائريهِ أو ف ندوة المعة السائية ف بيته ‪ ،‬وكن ُ‬
‫بالتعب ِ‬
‫عندما يرى العرب يتلفون ويقتتلون ويهزلون ويعبثون ‪ ،‬فيدد ف حرقةٍ بالغة ‪(( :‬إيه يا بن‬

‫إساعيل !! أنتم ف تيهٍ دونهِ تيه بن إسرائيل)) ‪ ..‬وقد بلغ رغبته ف السكوت والعزلة عن الياة‬

‫العامة أن ف اليوم الذي قصدته مع معال الدكتور ((عبد ال التركي)) ليتعرف إليه = رأينا كلً‬

‫من الستاذ ((مالك بن نب)) رحه ال والدكتور ((ناصر الدين السد)) وقد سبقانا إل زيارته ‪،‬‬
‫وقد تساءل الدكتور ((ناصر الدين السد)) عما يب على النسان الثقف أن يقوم بهِ أمام‬
‫الضطراب الفكري والسياسي والصراع العقائدي الذي يكاد يشمل العال العرب كله ؟!!‬

‫وسارع الشيخ ((ممود شاكر)) يقول ‪(( :‬يكفي أن يعب النسان عن آرائه وموقفه أما َم الذين‬
‫ييئونه ف منله))‬
‫وعندما أقيمت ندوة عالية عن الدب السلمي ف جامعة "عي شس" بالتعاون بينها وبي رابطة‬
‫الامعات السلمية ورابطة الدب السلمي العالية = قصدتُ منل الشيخ ((ممود شاكر))‬

‫ف يوم المعة حيثُ يلتقي ف بيته عددٌ كبيٌ من الدباءِ والفكرين مع نفرٍ غي قليل من مريديه‬
‫ومبيه ‪ ،‬وظننتُ أن أحلُ لشيخنا ما يفرحه عن قيام رابطة الدب السلمي بكاتبها النتشرة ف‬
‫أناء العال العرب والسلمي ‪ ،‬وملتا الت تصدر بأكثر من لغة ‪ ،‬ومضيتُ أحدث الضور عن‬

‫الدب السلمي وأهية الدعوة إليه ليقف أمام الذاهب الدبية الستغربة من الواقعية الشتراكية‬
‫إل الدب الوجودي إل البنيوية وغيها من الذاهب الشكلنية ‪ ،‬إل الداثة الت كانت دعوة‬
‫إل التحديث ف ظاهرها وإل التدمي ف حقيقتها ومقاصدها ‪ ،‬وكان الاضرون يستزيدونن‬

‫ب فرحا بذا التجاوب‬
‫الديث ويطرحون السئلة عن الدب السلمي ورابطته ‪ ،‬وكنتُ أجي ُ‬
‫مع الدب السلمي من نب ٍة مثقفةٍ واعية ‪ ،‬وكان الشيخ صامتا على عادته ‪ ،‬ول يكن يبدو عليهِ‬
‫الضيق ما كنتُ أقول ‪ ،‬حت إذا فرغتُ من الكلم قال ‪(( :‬لقد تركتك تتكلم "من الصبح" ‪،‬‬

‫فاسع الن ما أقول لك ولشيخك أب السن الندوي)) ومضى الشيخ يصب جام غضبه على‬
‫هذه الدعوة وعلى من دعا ويدعو إليها ‪ ،‬ويؤكد أنه ل شيء إل الدب العرب فقط ‪ ،‬وأطالَ‬
‫الشيخُ ف هجومهِ العنيف ‪ ،‬وكان كلما أمعن ف الكلم ازداد غضبه وانفعاله ‪ ،‬حت خشيتُ‬
‫والِ أن تصيبهُ نوبة قلبية ‪ ،‬وكان بانب الصديق العال الحقق الدكتور ((ممود الطناحي))‬

‫فناشدته ال هامسا أن ي َد طريقة لسكات الشيخ خشية أن يصيبهُ سوء ‪ ،‬ولكن من الذي‬

‫يستطيع أن يقف أمام الشيخ ف ثورتهِ العارمة وغضبه الشبوب إل من سولت ل ُه نفسهُ أن يرفهُ‬
‫ض الشيخُ إل‬
‫ت النصراف ن َ‬
‫تياره الذي ربا يتاحه ف طريقه ‪ ،‬ومع ذلك كله ‪ :‬عندما أرد ُ‬
‫الباب ليودعن ‪ ،‬والتزمن معانقا برارةٍ ومودةٍ وكأنهُ يودع ولد ُه فهرا ‪ ..‬ول أعجب لوقف‬
‫شيخي من الدب السلمي ومن تعصبه للدب العرب بيه وشره ؛ فقد سألهُ مرة أحد‬

‫السائلي عن أب نواس ‪(( :‬أهو شاعر إسلمي ؟!)) ‪ ،‬فقال للسائل ‪(( :‬نعم ‪ ،‬هو شاعر إسلمي‬
‫رغم أنفك)) ؛ ذلك أن شيخنا وغيه من يقاربونه ف نشأتهِ وعمرهِ كانوا يافونَ أن تكونَ دعوة‬
‫الدب السلمي دعوة شعوبية تنمو على حساب الدب العرب وتعمل على تزئة الدب إل‬

‫أدبٍ عرب وإسلمي ‪ ،‬ول يكونوا يقبلون من دعاة الدب السلمي قولم ‪ :‬إن الدب العرب‬

‫أدب منسوب إل اللغة العربية كما يُنسب الدب النليزي إل اللغة النليزية والدب اليابان‬
‫إل اللغة اليابانية ‪ ،‬وهذه النسبة اللغوية للدب ل تعن ما ف مضمونه من مذاهب أدبية‬

‫متصارعة ‪ ،‬وأن هذه الذاهب انتقلت من الداب الغربية والشرقية إل أدبنا العرب فجزأتهُ‬
‫وجعلتهُ أدبا مقلدا ومزورا ‪ ،‬وقسمت أدباءه إل أتباع للواقعية الشتراكية ‪ ،‬أو للوجودية ‪ ،‬أو‬

‫للشكلنية ‪ ،‬أو مذهب الفن للفن ‪ ،‬وأخيا للحداثة الت وصفها الدكتور ممد مصطفى هدارة‬
‫(رحه ال) ف ماضرةٍ ألقاها ف ((مركز اللك فيصل للدراسات السلمية)) بالرياض قائلً ‪:‬‬
‫((إنا ف القيقة أشد خطورة من الليبالية والعلمانية والاركسية وكل ما عرفته البشرية من‬

‫مذاهب واتاهات هدامة ؛ ذلك أنا تتضمن كل الذاهب والتاهات ‪ ،‬وهي ل تص مالت‬

‫البداع الفن أو النقد الدب ‪ ،‬ولكنها تعم الياة النسانية ف كل مالتا الادية والفكرية على‬
‫السواء)) ‪ ..‬وما كان للدب السلمي أن يضاد الدب العرب ؛ وهو الذي نشأ ونا وترعرع‬

‫ف مضن الدب العرب ‪ ،‬وما كان للدب السلمي أن يزيد ف تزئة الدب العرب ؛ فهو مزأ‬
‫ف الساحة الدبية من قبل أن تقوم الدعوة إل الدب السلمي ‪ ،‬ولكنه سوف يعمل على إلغاء‬

‫تلك التجزئة حي يكون (إن شاء ال) وريثا لتلك الذاهب الدخيلة الت بدأت موجتها تنحسر‬
‫وبدأ عوارها يظهر منذ سقوط الشيوعية ومنذ انسار تيار التغريب أمام الصحوة السلمية‬

‫ولقد بلغ من كرم الشيخ ومروءته وإنسانيته ورغبته ف إحيا ِء مآثر السلف الصال أنه فتح بيته‬

‫لطلب العلم على متلف أجناسهم وأديانم ‪ ،‬وكان يعينهم على ما يعترضهم ف إعداد رسائلهم‬
‫الامعية ‪ ،‬ومعظمهم من طلب العلم وتقيق التراث ‪ ،‬ول يضن عليهم بهدٍ أو وقت ‪ ،‬بل ل‬
‫يتردد ف تقدي الكتب إليهم بنفسه والتيان با من غرف النل الداخلية‬

‫ب الشيخَ ((ممود شاكر)) كل من عرفه عن قرب حق العرفة ‪ ،‬وكل من أدرك أن‬
‫ولقد أح َ‬
‫وراء بعض السلبيات لديه ظروفا قاهرة ‪ ،‬ومنها ما هو شخصي خاص من ضيقِ ذات اليد ‪،‬‬
‫ومن غمطِ الكام والتسلطي على مقاليد المور لكانتهِ وحرمانهِ من حقهِ ف الياةِ الكريةِ‬

‫ب اللئقةِ سواء ف التدريسِ الامعي (حيثُ يتخرج على يديهِ أساتذتا ويُحرّم عليهِ أن‬
‫والناص ِ‬
‫يدرسَ فيها) أو ف ممع اللغة العربية (الذي ل يداني ِه أحدٌ من أعضائهِ ف جدارتهِ بالعضويةِ فيه)‬
‫أو ف الوائز الدولية (الت كانت تغدق على الفناني والفنانات وعلى من يستحق ومن ل‬

‫يستحق من غيهم ويُحرم منها الشيخ ممود شاكر) ‪ ،‬وإذا كانت عضوية الجمع وجوائز‬

‫الدولة قد جاءتهُ فإنا جاءت بعد فوات الوان ‪ ،‬ولعلها ل تغسل الرارة الت أحسها طوال حياتهِ‬
‫فكانت من أسباب اكتئاب ِه وعزلتهِ ف بيته ‪ ،‬أضف إل ذلك حرقة قلبه ومدى يأسه حي يرى‬

‫العال العرب والسلمي تكتنفه فتٌ كقطع الليل ‪ ،‬وتتداعى عليه أمم الرض تداعي الكلة إل‬
‫قصعة الطعام ‪ ،‬ويتسلط عليه الستعمرون ينهبون خياته ‪ ،‬ويذله اليهود إذللً دونهُ إذللُ‬
‫الصليبيي بالمس ليجعلوهم مطية لتحقيق مطامعهم وغلبة دولتهم‬

‫وتزدادُ كآبة الشيخِ مع اليام ويزداد يأسه حي ل يرى بارقة أمل ول بارقة فجر ‪ ،‬وحي يرى‬
‫العرب الذين يُفترض فيهم أن يقودوا العال السلمي وقد فقدوا هويتهم بعد أن تنكروا للغةِ‬

‫القرآن ‪ ،‬وبعد أن جعلوا الدب أدبا فاسدا بقدار فساد الياة الدبية ‪ ،‬وبعد أن غَرّبوا حياتم‬

‫بدءا من مناهج التعليم وانتهاءً بفص ِل الدينِ عن الدولة ‪ ،‬والنظر إل الدين الذي هو ِسرّ بقائهم‬
‫وشريان حياتم على أنه سبب التأخر والمود !‬
‫ومع ذلك كله فقد غالب الشيخ كآبته ويأسه وظروفه الشخصية ليكونَ بقٍ فارس التراث‬
‫وشيخ العربية وأديبها الكبي ‪ ،‬وعلى الرغم من قلة ما ترك الشيخ لمته من الؤلفات فإنهُ كان‬

‫ف مواقفه ومقالته وكتبه يثل صورة الفارس الخي الذي حل راية القرآن من الرافعي (كاتب‬
‫جرَ تيار التغريب ف هذه المة‬
‫السلم الكب) واستطاع أن يقف أمام ((طه حسي)) الذي َف ّ‬
‫حي مضى يدعو إل انسلخ مصر (قلب العال العرب) عن هذا العال ‪ ،‬بل عن الشرق كله ‪،‬‬

‫ويدعو ف كتابه ((مستقبل الثقافة ف مصر)) إل أن يأخذ الصريون حضارة الغرب بيها وشرها‬
‫وحلوها ومرها وما ُيحَبّ منها وما يُستَكرَه ‪ ..‬وكذلك استطاع أن يتصدى ف ((أباطيل‬

‫وأسار)) إل ((لويس عوض)) الذي ُيمَثّل اليل الذي خلف ((طه حسي)) وزا َد عليهِ ف التنكر‬
‫للتراث وف دفع المة إل مهاوي العلمانية واليسار والشتراكية‬

‫وقد أنكر بعضُ الناس أن يتصدى الشيخ ((ممود شاكر)) وهو العملق الكبي لقزمٍ ل يطاوله ‪،‬‬
‫ولكن أقول ‪ :‬لقد أرادَ الشيخ أن يعل ((لويس عوض)) مثالً لتحطيم الصنام الت أخذت‬

‫أجيال من هذه المة السكينة يعدونم دعاة التنوير ودعاة التقدم بعد أن تسنم الكثيون منهم‬
‫مقاليد المور وسيطروا على وسائل العلم الختلفة وعلى دور النشر الرسية‬

‫وإذا كانت المة قد بدأت صحوتا السلمية لتعود إل السلم من جديد ‪ ،‬فلقد كان ممود‬
‫شاكر من مهدوا لقيامِ هذه الصحوة على أساسٍ مكيٍ من التمسك بالقرآن ولغته الفصحى ‪،‬‬
‫ج يعيدُ المة كما‬
‫والعتماد على تراث المة ‪ ،‬والوقوف أمام تيار التغريب ؛ سعيا وراءَ منه ٍ‬
‫أرادها ال ‪ :‬خي أمةٍ أخرجت للناس‬

‫اللهم ارحم شيخنا كفاء ما َقدّمَ ف سبيلِ نصرةِ دينك وكتابك ‪ ،‬وتاوز عن سيئاتهِ كفاء صدقه‬
‫ث العربية وعن أصالة هذه المة وهويتها السلمية‬
‫وجهاده ف الذودِ عن لغةِ القرآنِ وترا ِ‬

‫ــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪http://www.salafishare.com/23FXIMQ6M5GL/M379PR8.doc‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــ‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful