You are on page 1of 15

‫الج ُدر‬

‫اق‬
‫ر‬
‫اخت‬
‫و‬
‫الصالة‬
‫قيم‬
‫ُ‬

‫بكر أبوبكر‬
‫‪1‬‬

‫الصالة جيد ومشقة وصبر لذلؾ فيي مفروضة‪ ،‬أـ أف الصالة متعة وراحة وسكينة (أرحنا بيا يا بالؿ)‬

‫حقيقة تجعؿ تأديتيا تحقيقا لعوامؿ االقتراب في مقابؿ دعاوي العزلة لممصمي عف اآلخريف؟!‬

‫الصالة تحتمؿ المعنييف فيي مشقة وجيد وتحتاج لصبر ولكنيا تمقي لصاحبيا بجائزة –أي تحقؽ الرضا‬
‫والراحة‪ -‬تماما مثؿ الرياضي الذي يجيد نفسو في التماريف ليصؿ الى مرتبة متقدمة أو الطالب الذي يصؿ ليمو‬
‫بنياره في الجامعة ليتفوؽ‪ ،‬أو العامؿ الذي يتقف عممو رغبة في التطوير وكممة ثناء وتحقيؽ مكانة وربح‪.‬‬

‫في القرآف الكريـ يخاطب النبي إبراىيـ عميو السالـ ربو قائال‪(:‬رب اجعمني مقيـ الصالة ومف ذريتي‪ ،‬ربنا‬
‫وتقبؿ دعاء) (ابراىيـ ‪ ،)04‬حيث الصالة مطرقة تحطـ جدراف العزلة بقيميا الممتدة والمتواصمة في الذرية عبر‬

‫الزمف والتاريخ‪ ،‬فتفتح أبواب المسجد وقموب المصميف لممجتمع‪ ،‬فال يصبح ىناؾ احتكار لمقمة لعبادة الكؿ‪ ،‬إنيا‬

‫تحطـ الجدار المضروب بيف قيـ الصالة في المكاف وبيف ذات المسمـ أو المسيحي أو المصمي خارج المكاف فتعمف‬

‫عالقة ثنائية شديدة الخصوصية بيف العبد وربو‪ ،‬وتحطـ الجدار الثاني‬

‫الذي يتصور الصالة مرتبطة بإعالف‬

‫وقتيا ومكانيا فقط وتتبخر بعدىا كماء سطح المحيطات‪ ،‬فتسمح الجدراف الميشمة لمشمس بالدخوؿ إلى فضاء عقؿ‬

‫وأدوار الجماعة أو الفريؽ ‪ ،‬أما الجدار الثالث‬

‫الذي تخرقو فيو التصور المغموط الذي يعتقد أف قيـ الصالة‬

‫منحصرة في حدود الدقائؽ القميمة التي تؤدى فييا الصالة‪ ،‬وال يعمـ أف السر أو المغزى الكبير ىو ضرورة انتقاؿ‬

‫األثر في الشخص و عمى المجتمع عامة بكافة شرائحو وتعامالتو كما سنرى‪.‬‬

‫عمى مدار أكثر مف شيريف قمنا بإطالؽ برنامج تدريبي تضمف تفعيؿ عقمية العمؿ مف خالؿ (الفريؽ) كإطار‬

‫عمؿ جماعي يشتمؿ عمى خمسة مستويات في كؿ مستوى خمسة بنود عمى األقؿ ‪ ،‬وفي بند قيـ اإلنجاز أو اتقاف‬
‫عمؿ الفريؽ قمنا بربط الممارسات اليومية بقيـ الجماعة ومنيا تحقيؽ ربط بيف العبادات وبيف القيـ الفردية‬
‫والجماعية وفي المجتمع ‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫لـ يكف مستغربا لممشاركيف أف يتـ التعرض لفكرة بسياؽ ديني في إطار تدريبي ‪،‬واف بشكؿ جديد‪ ،‬لماذا ؟ ألف‬
‫كؿ الشعب الفمسطيني عامة شعب مؤمف بطبعو ‪ ،‬ومحافظ بطبعو ما يجعمو يتقبؿ األفكار والقيـ والحوارات المرتبطة‬
‫باإليماف أو الديف‪ ،‬وفي المقابؿ لـ يكف ليحتاج أحداً (أكاف شخصا أو فصيال أو جماعة) ليظير لو معمّما في‬

‫مقدار اقترابو أو ابتعاده عف الديف أو في مقدار تقواه وصالتو وايمانو ما ىو أصال عالقة خصوصية ‪.‬‬

‫انقطاع عن تأجير العقل‬
‫بعد ىذه المقدمة الموجزة أود القوؿ أف الصالة ‪ ،‬أي صالة كانت لممسمميف أو المسيحييف أو غيرىـ لـ‬

‫تفرض عبثا ولـ تقرر لتحقيؽ إظيار الخضوع لمرب فقط ما ىو‪-‬أي إظيار الخضوع هلل‪ -‬عظيـ األىمية بالطبع‪،‬‬
‫وىو شأف مطموب ألنو يعفى اإلنساف مف الخضوع لإلنساف ‪ ،‬ويجعؿ مف استسالمو شأنا عمويا أي مرتبط باهلل وحده‬

‫دوف سائر البشر ‪ ،‬فالخضوع هلل واالعتراؼ بربوبيتو وعبادتو عبر الصالة احتراـ لمذات وانقطاع عف تأجير العقؿ‬

‫ألي كاف بؿ ‪ ،‬واعتزاز بالكرامة والحرية االنسانية وىما بالعقؿ أعز ما أعطانا إياه الخالؽ عز وجؿ‪ ،‬فال خميفة وال‬

‫ميدي وال أماـ وال زعيـ وال قائد يمتمؾ حؽ تطويع العقوؿ أو سمب حرية المؤمف أو المصمي الذي يركع ويسجد هلل‬

‫فقط‪.‬‬

‫إف الخضوع لمرب مما ىو متيسر فيمو باإليماف والعبادات لـ يكف الربط الذي ذكرتو في المحاضرة‪ ،‬وما‬

‫كاف األثر المعروؼ و المتوخى مف الصالة ىو ما سعيت إليو وما خاض فيو العمماء األجالء ‪ ،‬بمعنى أف الصالة‬
‫ليست حركات فقط وتمتمات وأدعية وانما ىي صالة بمقدار ما تحقؽ مف نتائج ألنيا تنيى عف الفحشاء والمنكر‬

‫كما قاؿ هللا تعالى في محكـ التنزيؿ ( أتؿ ما أوحي إليؾ مف الكتاب وأقـ الصالة إف الصالة تنيى عف الفحشاء‬

‫والمنكر ولذكر هللا اكبر وهللا يعمـ ما تصنعوف) (العنكبوت ‪ )04‬وفي ىذه القاعدة الربانية قد ال نجد إال مف رحـ‬

‫ربي‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫إف ما سعيت إليو ومف وحي اآليات ىو تممس الرابط ‪-‬ربما بشكؿ أو رؤية جديدة أو تأمؿ‪ -‬بيف العبد‬
‫وخالقو مف حيث العالقة الخاصة‪ ،‬وبيف الصالة والفريؽ كعالقة جمعية‪ ،‬وثالثا بيف الصالة والمجتمع‪.‬‬

‫لقد ربط هللا تعالى في آيات الصالة في القرآف الكريـ بينيا وبيف أفعاؿ أخرى فمـ يحض عمييا لوحدىا وانما‬
‫مرتبطة أو مقرونة بالزكاة أو الصبر أو الرزؽ أواألمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر أو االعتصاـ بأمر هللا أو عدـ‬
‫الميو أو الخشية أو الطاعة أوااليماف أواالنفاؽ أو الشورى أو الخير أو االخالص أوالتقوى أو النشاط أو البشارة‬

‫أوقمع الشيوات (تراجع آيات الصالة) ما يدلؿ عمى أف الصالة يجب أف تؤدى ليدفيف كبيريف‪ :‬لذاتيا‪ ،‬وألثرىا في‬

‫فكر وسموؾ الشخص والجماعة والمجتمع‪.‬‬

‫ىؿ الصالة بالطرؽ واألشكاؿ (أي الطقوس ) المرتبطة بيا فعؿ جسدي مقصود ؟ كما يقوؿ بعض‬

‫المتأمميف‪ .‬بمعنى أف القياـ والركوع والسجود تمثيؿ لحاالت الشباب والشيخوخة ‪ ،‬والموت أو الوالدة ممثمة بالسجود ‪،‬‬
‫أـ أف السجود ارتباط باألرض وتفريغ لمطاقة السمبية أو‪ /‬و اكتساب لمطاقة االيجابية ما يحقؽ االسترخاء والصفاء‬
‫النفسي الذي نرغب بتحققو فينا واآلخريف؟ وىؿ الصالة بطقوسيا رياضة ؟ واف كاف معظـ المسمميف ال يقولوف‬

‫بذلؾ‪ ،‬فاف األطباء الغربييف الذيف ينصحوف مرضاىـ مف ذوي الظيور الموجوعة يقولوف ليـ في درجة مف عشر‬

‫درجات إلزالة الـ الظير اتبعوا حركات صالة المسمميف‪ ،‬ورغـ ذلؾ فاف الربط بيف الفرد وهللا ‪ ،‬وبيف الجماعة‬
‫والصالة ‪ ،‬وبيف المجتمع والمسجد وجد في حديثنا أفكا ار أخرى غير ىذه ‪.‬‬

‫الشهيق والزفير قاعدة التأمل‬

‫استطاع المشاركوف في ورشاتنا أف يستدلوا عمى العالقة الفردية في الصالة التي ىي صمة خاصة وحميمية‬
‫بيف العبد وربو ألنو أقرب إليو مف حبؿ الوريد ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إنيا تعطى معنى الصفاء أو التقوى أو النور أو الخالص‬
‫‪4‬‬

‫أو المعرفة أو الراحة النفسية أو الصبر أو االتصاؿ الروحي‪ ،‬وقالوا أف الصالة طاعة هلل (وما خمقت الجف واالنس‬
‫اال ليعبدوف) ومحبة هلل وتقربا لو‪ ،‬وقالوا أننا نصمي شك ار هلل‪ ،‬وخوفا مف النار وطمبا لألجر والثواب (األجر مضاعؼ‬

‫في صالة الجماعة ‪ 72‬مرة) ‪ ،‬وصدقوا فيما قالوا ما يمكف أف يكوف مبحثا ىاما ‪ ،‬وكما يقوؿ الرسوؿ صمى هللا عميو‬
‫وسمـ (أفال أكوف عبداً شكو ار) ردا عمى السؤاؿ أنو قد غفر لو ما تقدـ مف ذنبو وما تأخر ومع ذلؾ يقوـ الميؿ حتى‬

‫تتفطر (تتشقؽ) قدماه ‪ ،‬إال أننا ركزنا عمى محاولة تممس العالقة بيف العبد وربو في الصالة بثالثة محاور رئيسة ‪:‬‬

‫األوؿ ىو التفكر والثاني ىو التأمؿ والثالث ىو االتصاؿ‪. ..‬‬

‫أف التف ّكر في مخموقات هللا وآياتو فعؿ صالة ‪ ،‬والتف ّكر جمؿ مترابطة‪ ،‬وصنعة ذات جيد عقمي يعنى‬
‫بالدالالت واالستنتاج ‪ ،‬كما يعني بالغاية واإلقرار ‪ ،‬لذلؾ كاف التفكر فعؿ عبادة ىو مف مشموالت طقوس الصالة ‪،‬‬
‫أي صالة ‪.‬أف التفكر فعؿ فردي خاص ومختمؼ مف شخص الى آخر يقوـ بو العبد مستني ار بفعؿ الصالة ذاتو‬

‫فدرجات الحفظ والقراءة واالسترجاع والتذكر والصمت كميا ذات طبيعة عقمية‪-‬متميزة لكؿ مصؿ‪ -‬تربط المصمي‬
‫بخالقو ‪ ،‬كما تربطو بالمحيط وجميع الكائنات‪ ،‬لذلؾ كاف التفكر عالقة حميمية وعالقة راشدة وعالقة خاصة ال‬

‫يستطيع أحد أف يدخؿ فييا ويحزر أو يفصؿ أو يرسـ درجات إال منفذىا فقط‪ ،‬وبالطبع ذو الجاللة هللا جؿ وعال ‪.‬‬

‫أما التأمؿ في الصالة فيو استدعاء لمصور ‪ ،‬إنو تخيؿ ‪ ،‬إنو القدرة عمى محو الجمؿ واألرقاـ والعبارات‬

‫وما تثيره مف شحنات طاغية ‪ ،‬لتضع بدالً منيا شاشة بيضاء نقية ‪ ،‬ترسـ فييا أو عمييا ما لذ وطاب أو ما جمب‬

‫الراحة والسعادة أو ما يحقؽ غاية عموية في الجناف ‪.‬‬

‫وفي التأمؿ مستويات أثيره وممتمئة مف الطاقة الحيوية ‪ ،‬حيث أف استدعاء الصور الجميمة أو المريحة‬

‫عممية لطيفة وسيمة ‪-‬ال سيما أف ثمثي ما يدخؿ دماغ االنساف ىو صور‪ -‬ىذه العممية متى ما أتقنيا العبد في‬

‫الصالة بالتفكر والػتأمؿ في اآليات حيف يقرأىا في الصالة أو في حركات الصالة ‪ ،‬ثـ خارجيا مع كؿ نقمة رجؿ‬
‫ومع كؿ عبارة تقاؿ ومع كؿ معاممة بيف الناس ومع كؿ شييؽ وزفير ‪ ،‬ومع كؿ نظرة أو بسمة أو كممة يصبح قاد ار‬

‫أف يعيش حياة مف إبداعو ىو وانتاجو ىو ‪ ،‬حياة مميئة بالغبطة والراحة والصفاء‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫إف قاعدة التأمؿ قدرة التركيز حتى في أبسط األمور –أو ىكذا يظف الكثير بيذه األمور أنيا بسيطة‪-‬‬
‫ومنيا ىذه األمور التي يظنيا البعض بسيطة مراقبة الشييؽ والزفير لالنساف ونفسو ‪ ،‬وممارستيا بإرادة التركيز فييا‬

‫واستخداميا كآلية تبعد الوساوس وتبعد األفكار السمبية وتجعؿ مف االتجاه نحو هللا وآياتو محققا‪.‬‬

‫االتصال باهلل وركوب الطائرة‬
‫أما المحور الثالث في العالقة بيف العبد وربو عبر الصالة فيو تحقيؽ االتصاؿ باهلل سبحانو وتعالى ‪ ،‬وىذه‬

‫قدرة تخالؼ التسرع والتصنع والتعجؿ في أفعاؿ الصالة ‪ ،‬الف االتصاؿ قدرة عمى االستحضار لمييبة العظيمة ‪،‬‬

‫وقدرة عمي النفاذ مف الجدار الذي يفصؿ الحيز الضيؽ الذي يعيش فيو اإلنساف إلى الفضاء الواسع خمؼ الجدار‬

‫حيث إمكانية التواصؿ مع مختمؼ اآليات والكائنات مف حجر وشجر وبشر ‪ ،‬وبالتالي النفاذ إلى سر الصالة‬

‫الحقيقي حيث يصبح اإلنساف في الحياة ركف يشد ركنا آخر ‪ ،‬وقطرة في محيط لكنيا تشعر بكيانيا وتحس بحجميا‬
‫كؿ ألنيا جزء مف الكؿ ‪.‬‬
‫وتقبؿ بوجودىا وتتماىى مع المحيط‪ ،‬فيي ّ‬

‫إف االتصاؿ مع الذات اإلليية قدرة تحتاج لجيد وتواصؿ وتحتاج لتعب وتكامؿ يجعؿ مف األرجؿ تتفطر‪،‬‬

‫فكؿ أفعاؿ الصالة والمعامالت اليومية ال تنفصالف مطمقا‪ ،‬فاالتصاؿ ال يتـ لسارؽ متعبد وال لكاذب متعبد‪ ،‬وال‬

‫لسياسي متزلؼ متعبد وال لرياضي متكبر وال لتاجر غشاش أو متيرب مف الضريبة‪ ،‬وال لشيخ يحمّؿ لو أو لجماعتو‬

‫ما يحرـ عمى اآلخريف ويدعى التقوى‪ ،‬وال لطالب يطمؽ ذقنو ويمقي بالشارع بعمبة كوال‪ ،‬لماذا ؟! إلف االتصاؿ حتى‬
‫يقع يحتاج االنساف بكميتو‪ ،‬فيو ال يقبؿ الجزء وال يقبؿ االختصار‪ ،‬وال يقبؿ مف االنساف جسدا وقيما وفك ار وروحا‬

‫متناقضة أو متفتتة كقطع الغيوـ المتناثرة تمؾ التي تظير ثـ تمر سراعا‪.‬‬

‫إف االتصاؿ مع الذات العموية خشوع وخضوع وتواضع وحسف معاممة واتقاف عمؿ وخدمة الناس واحتراـ‬

‫اآلخريف ‪،‬ال ينفع مع ىذا االتصاؿ ظاىر العبادات أو ظاىر المعامالت بؿ يتحقؽ –إف حصؿ االتصاؿ‪ -‬في كؿ‬
‫آف بدء مف الصالة‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫عندما يركب المسافر الطائرة فإنو يمر بثالث مراحؿ‪ :‬األولى ىي مرحمة االنقطاع عف المكاف والزماف‬

‫واألشخاص واألحداث واألفكار السابقة عمى االقالع ‪ ،‬وحيف استواء الطائرة في الجو وفؾ األحزمة يمر المسافر‬
‫بالمرحمة الثانية وىي مرحمة التييوء أو التوقؼ المؤقت حيث العقؿ يبحث ويستكشؼ ويقارف ‪ ،‬والروح ترسؿ‬

‫إشعاعاتيا في اتجاىات مختمفة لمبحث ومحاولة التواصؿ مع القادـ‪.‬‬

‫أما المرحمة الثالثة فيي عند ىبوط الطائرة حيث يتحقؽ االتصاؿ الجديد مع المكاف والزماف واألشخاص‬
‫والمواقؼ واألفكار‪ ،‬تماما كما ىي حاؿ المصمي أو المتمكف مف صالتو حينما ينقطع ثـ يتوقؼ ويتييأ ثـ يتواصؿ‬

‫مع اآليات ومع الخالؽ‪.‬‬

‫إف الصالة بالعالقة الثنائية ىذه بذؿ لمجيد مطموب وصبر عمى الطاعة مرغوب وطمب حثيث لممغفرة‬

‫ونواؿ األجر واتقاء النار يحث عميو ‪ ،‬ولكنيا الى ذلؾ ‪،‬بتحقؽ التفكر والتأمؿ واالتصاؿ‪ ،‬متعة وراحة وطمأنينة نفس‬
‫(النفس المطمئنة) الراضية المرضية‪.‬‬

‫االنضباط مع احترام اختالف اآلخرين‬

‫لـ يكف الخميفة المعجزة عمر بف الخطاب رضي هللا عنو ليستدؿ عمى الرجؿ الصادؽ والموثوؽ والمؤىؿ‬
‫مف خالؿ صالتو أبدا ‪ ،‬ولـ يكف ليعتد بكثرة ركعاتو في المسجد فتمؾ عالقة ىامة وضرورية ولكنيا مقصورة التقدير‬
‫بيف طرفيف أي العبد والخالؽ ‪ ،‬وعميو فمف يمتمؾ الحكـ عمى الصالح مف الصالة؟! هللا أـ البشر‪ ،‬بالطبع هللا‬

‫سبحانو وتعالى فقط‪ ،‬لذا فإف مقياس عمر بف الخطاب رضي هللا عنو مقياس بشري مدني بحت حيث اعتبر التجربة‬

‫لمرجؿ في السفر أو التجارة أو التعامؿ مع الجماعة محددا حقيقيا لسموكو وقدراتو ما يؤىمو أو ال يؤىمو لمثقة‬
‫والمواقع‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫أف قيم الصالة في الفريق‬

‫أو الجماعة أكثر وقعاً ‪ ،‬فصالة الجماعة خاصة ليا مف التأثير عمى‬

‫مفيوـ الجماعة أو الفريؽ ما يجعؿ مف طقوس الصالة ذات أبعاد في اتجاهات أو أركان ثالث‬

‫ىي ‪:‬‬

‫‪-1‬االنضباط لمقائد حتى لو خالفتو‪ ،‬ومف حقؾ أف تخالفو‬
‫‪ -7‬احتراـ االختالؼ مع اآلخريف‬

‫‪ -3‬المساواة في الحقوؽ والواجبات‪.‬‬

‫الجمعية‪ ،‬فيؿ كنتـ‬
‫نعـ‪ ،‬فإف ىذه القيـ الثالثة ىي إنعكاس لفعؿ الصالة عمى الفيـ الواعي لمعالقات‬
‫ّ‬
‫تتصوروف خطيبا يتكمـ وعشرة مصميف يخالفونو فيما يقوؿ ‪ ،‬أو ىؿ كنتـ تتصوروف إماما يسجد ويرفض خمسيف‬
‫مصمي أف يسجدوا معو أو يركعوا لركوعو‪ ،‬وىؿ كنتـ تتصوروف اإلماـ وىو يق أر سورة الفاتحة بصوت عالي ويحتج‬
‫عميو الصؼ األوؿ رافضا قراءة الفاتحة ؟!‬

‫أـ ىؿ كنتـ تتصوروف أال ينضبط المصموف في صؼ أفقي متجاور‪ ،‬ويطالبوف بصؼ رأسي خمؼ اإلماـ‬

‫مثال‪ ،‬إنيا الفوضى بعينيا‪ ،‬كما كانت فوضى المخالفيف لإلماـ عمي بف أبي طالب عميو السالـ في حربو‪ ،‬ولكف‬
‫االنضباط الجماعي ألوامر هللا ورسولو في الصالة ىو مدخؿ تكريس االحتراـ ‪ .‬وانضباط األفراد الواعي لمقائد‪،‬‬
‫ونقوؿ االنضباط الواعي أو الطاعة الواعية لنحدد تمؾ التي ترتبط إنسانيا بمفيوـ المشاركة في وضع األىداؼ‬

‫والخطط ثـ بالتنفيذ‪ ،‬أو تمؾ التي ترتبط باإلقناع واالقتناع ال بالترىيب والسطوة واالستبداد‪.‬‬

‫إف هللا سبحانو وتعالى لـ يفرض الصالة كمدخؿ لالنضباط قس ار ‪ ،‬إنما جعؿ فرضيا مسبوقا باإليماف‪،‬‬

‫وفرضيا ألسباب عدة مقنعة عقميا وروحيا ‪ ،‬ولتحقيؽ أىداؼ عدة وضحيا في آيات كريمة‪ ،‬وعبر أحاديث الرسوؿ‬
‫صمى هللا عميو وسمـ ‪.‬‬
‫فكيؼ ننضبط أو نمتزـ ُعميا لما ال نعرؼ أو نفيـ أو نقتنع بو مف الذيف يظنوف بأنفسيـ ظؿ هللا عمى‬
‫األرض ؟! أو مف يظنوف في أنفسيـ العصمة والتقى إلى حد استئجار عقوؿ اآلخريف أو سمبيا؟! وهللا سبحانو‬
‫وتعالى أرسؿ الرسؿ وفرض الفرائض ألىداؼ سامية واضحة‪ ،‬وما زاد منيا جعؿ مف العقؿ يتفكر بيا ويتبصر‬

‫ليستدؿ عمييا‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫أف االنضباط لمقائد ال يعني الطاعة بال شروط مطمقا‪ ،‬كما تحاوؿ بعض التنظيمات االسالموية الحزبية أف‬
‫تفرض عمى أعضائيا زو ار وبيتانا ‪ ،‬فالعقؿ ىو رابط االنضباط ‪ ،‬واالنضباط في الصؼ أثناء الصالة وسيمة تعمـ‬

‫لعكس الممارسة في الحياة اليومية خاصة داخؿ الجماعة التي تحترـ عقوؿ وآراء أعضائيا فال ترىبيـ بالبيعة‬
‫أوالطاعة أو العصمة‪.‬‬

‫مقياس هللا ومسطرة البشر‬
‫احتراـ االختالؼ وىو القيمة الثانية المنعكسة مف الصالة في الجماعة‪ ،‬ما قد يراه البعض غريبا عف‬

‫المقارنة وما قد يراه بعيدا عف األدياف ذات الطابع الكمي الشمولي‪ ،‬وذات الطابع المطمؽ في معظـ األمور‪ ،‬فيو‬

‫حقيقة واقعة تضج بالحيوية يوميا خمس مرات ‪ ،‬فالصالة ليا أركاف ال جداؿ فييا مف وقوؼ وركوع وسجود ّبينيا‬

‫الرسوؿ صمى هللا عميو وسمـ‪ ،‬ولكف فييا أيضا مف اختالفات بسيطة ما يجعؿ مف تقبميا بنفس منطؽ تقبؿ اختالؼ‬

‫الشكؿ والموف والصوت والممبس وشكؿ العيوف لممصميف‪.‬‬

‫أف احتراـ االختالفات في الفروع ىو مما ينعكس عمينا عندما نجد شخصا يضع يده اليمنى عمى‬

‫اليسرى بطريقة تختمؼ عف زميمو أو يسبؿ يديو إلى جنبيو‪ ،‬أو يتشيد بسبابتو بطريقة مختمفة أو يجمس بطريقة‬
‫مغايرة‪ ،‬أو غيرىا مف طقوس االختالؼ المقبولة التي بينيا المجتيدوف‪.‬‬

‫أف االختالؼ في الفروع في الصالة مقبوؿ‪ ،‬الف الناس نقموا عف الرسوؿ األعظـ طريقة الصالة ( صموا‬
‫كما رأيتموني أصمي ) وبالتالي خضع النقؿ لعوامؿ الفيـ والتغير عبر الزمف ما لـ يؤثر في المضموف الرئيسي‬
‫وعميو فاف االختالؼ أصؿ نتفؽ عميو ‪.‬‬

‫نقر أنناء بشر متساويف في‬
‫وعمى صعيد الجماعة وانعكاسا لممفيوـ مف الصالة عمى الجماعة‪ ،‬إذا لـ ّ‬
‫الحقوؽ والواجبات نعـ ‪ ،‬ولكننا مختمفوف بالشكؿ والخمفية الثقافية والحضارية وطرؽ التفكير والتعبير وفي قدراتنا‪ ،‬إذا‬

‫لـ نقر بذلؾ فإننا ندخؿ في باب الجمود العقالني حيث نطمب ممف نحف نقودىـ أف يعطونا مفاتيح عقوليـ ويتركوا‬
‫لنا الباقي ما لـ نراه في الصالة طقسا أو نقال‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫أف االتفاؽ مرتبط بالنص فما ىو منصوص عميو مف هللا عز وجؿ ال جداؿ فيو ‪ ،‬ووضوحو مرتبط‬
‫المفسر بمتغيرات حياة البشر بما ال يضيع النص وال يعقد الحياة ‪ ،‬بأف يتـ االجتياد‬
‫بحكمة المفسريف ورغبتيـ بربط‬
‫َّ‬
‫كؿ جامع لتناقضات‬
‫والقياس والرأي ما يحقؽ المصالح العامة‪ .‬وفي السياسة وىي إدارة شؤوف الناس ألنيا ّ‬
‫واختالفات عدة فإنيا تحتاج لمرونة الفيـ والوعي والتفسير والتطبيؽ ما يجعؿ الوسطية سمة األمة بعيدا عف التشدد‬
‫والتعصب واإلرىاب الفكري ‪.‬‬

‫أما عف المساواة وىي الركف الثالث أو القيمة الثالثة لمعالقة بيف المصمي والجماعة فيي واضحة في كؿ‬

‫العبادات مف صوـ وصالة وحج ‪ ،‬سواء في الشكؿ أو المبس أو متطمبات العبادة أو مقدار األجر والثواب بحسب‬
‫تنفيذ المعطيات أو عدـ تنفيذىا ما ىو ( أي الثواب ) وبعشرة أمثالو مرتبط باهلل سبحانو وتعالى الذي يضاعؼ‬

‫األجر ‪ -‬ال العبد أي كاف ‪ -‬ويزيد في البركة كالسنبمة التي أنبتت سبع سنابؿ في كؿ سنبمة مائة حبة‪.‬‬

‫أف األعضاء في الجماعة أو التنظيـ متساووف أماـ هللا ال يفرؽ بينيـ إال عبر مقياسو الخاص ىو فقط أي‬

‫بالتقوى‪ ،‬واألعضاء متساووف أماـ النظاـ أو الموائح أو الدستور ال فضؿ ألمير أو قائد أو أماـ عمى احد إال بالعمـ‬
‫والقدرة وااللتزاـ بالنظاـ فقط ‪ ،‬بذلؾ فالحقوؽ والواجبات متساوية لمجميع في الصالة وفي إطار الجماعة معا‪ ،‬فكؿ‬

‫لو حرية التفكير وحرية التعبد ‪ ،‬دوف خوؼ و دوف قسر أو إجبار ما نراه في التنظيمات الدينية والفكرانية‬
‫(=األيديولوجية)‪.‬‬

‫أف الوقوؼ صفا واحدا في الصالة الكتؼ لمكتؼ والقدـ لمقدـ‪ ،‬لمصغير والكبير ‪ ،‬األبيض واألصفر واألسود‬
‫ىو فعؿ مساواة بيف البشر فيـ أماـ هللا متساووف يفصؿ بينيـ بالتقوى‪-‬كما سبؽ ‪ ،‬وىـ أماـ القانوف أو الالئحة‬

‫الداخمية لمجماعة أو النادي أو الحزب متساووف في الحرية والكرامة والحقوؽ والواجبات ال فضؿ لعربي عمى‬

‫أعجمي إال بمقدار التزامة بالنظاـ أو الالئحة ىذا بيف البشر ‪ ،‬وبمقدار تقاه ىذا عند هللا الواحد األحد ولكؿ قانونو‬
‫ومقياسو ‪ ،‬فمقياس الخالؽ ال يشابيو مقياس البشر‪ ،‬وكما فعؿ الرسوؿ األعظـ والخارؽ عمر بف الخطاب‪،‬‬
‫والصحابة الكراـ في تعامالتيـ الدنيوية‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫الحكـ عمييـ مف صالتيـ‬
‫فمف يجروء أف يضع نفسو فوؽ البشر ليقيس أفعاؿ الناس بما في قموبيـ عبر ُ‬
‫أوصياميـ أو دعواتيـ وفؽ مسطرة مصطنعة‪ ،‬وكأنو احتؿ مقعد الرب في الدنيا؟! مف يجروء عمى ذلؾ إال مضمؿ‬
‫أو سفيو أو إماـ يزىو بعممو عمى الناس أو مدعي ألوىية‪.‬‬

‫إف مف يقؼ صفا واحدا في الصالة وىو سارؽ أويضمر القتؿ أو الكذب ! كيؼ لي أف أراه بعيف هللا العالـ‬
‫بالسرائر الذي يقبمة متساويا في الصؼ ويميزه يوـ العرض ‪ ،‬بينما المطموب مني أف أقيس وفقا لمدستور اإلنساني‬

‫الذي يحكمنا ألننا متساووف ولسنا في معركة بيف إنساف مالؾ وانساف إنساف أو إنساف إلو وانساف انساف‪.‬‬

‫إشارات المرور داخل المسجد‬

‫فقط أوليا‬

‫أما عف قيـ الصالة لممجتمع فيي واف كاف ليا دالالت كثيرة مف الصالة فإننا سنقصرىا أيضا عمى ثالثة‬
‫‪-1‬النظاـ‬

‫و‪ -7‬النظافة‬
‫و‪ -3‬الوقت ‪.‬‬
‫أف الصالة نظاـ بال شؾ ‪ ،‬فكؿ حركاتيا قياماً وقعودا لممسمميف أو لممسيحييف (واألدياف) مرتبطة بأوقات‬

‫محددة وبترتيب محدد وشكؿ محدد ‪ ،‬بمعنى أف النظاـ صفة لزومية لتسمسؿ حركات الصالة ‪ ،‬وىو ما يعطييا‬

‫الشكؿ المنسجـ حينما تؤدي جماعة ‪ ،‬ولوال ىذا النظاـ لما كاف لمصالة متعة التأثير الكمي عمى األمة فتربط عقميا‬
‫وثقافتيا بمفيوـ االنتماء الجماعي واالنضباط والنظاـ المجتمعي ‪.‬‬
‫تصوروا لو أف المصميف تدافعوا لموقوؼ في الصؼ األوؿ كسبا لألجر المضاعؼ ‪ ،‬ماذا ستكوف حاؿ‬
‫المسجد؟! بالطبع أما سيتحوؿ لسوؽ يكثر فيو المغط ‪ ،‬أو سيضطر المسمموف أف يبنوا مسجدا طويال مف صؼ‬
‫واحد فقط منعا لالشتباؾ‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫ولكف مفيوـ النظاـ بالوقوؼ صفا أو صفوفا متراصة خمؼ األماـ‪ ،‬ىو بنفس قدسية الوقوؼ عمى إشارة‬
‫المرور واحتراـ الشرطي (دنيويا) ‪ ،‬وبنفس قدسية عدـ التزاحـ بالسيارات أماـ الحاجز اإلحتاللي حتى ال يجد مف ىو‬
‫قادـ مف الجية األخرى مسربا ‪ ،‬وىو بنفس قدسية الوقوؼ صفا واحدا خمؼ بعضنا البعض انتظا ار لمحافمة أوانتظا ار‬

‫لدور في المصرؼ (البنؾ) أو السوؽ التجاري ‪ ،‬أف ىذا وذلؾ ال ينفصالف بمعنى انعكاس السموؾ في المسجد‬

‫وأثناء الصالة عمى السموؾ اليومي ‪ ،‬واال ما معنى أف تفرض خمس مرات يوميا ‪ ،‬وكاف يكفييا مرة واحدة وكفى هللا‬

‫المؤمنيف تعب الركوع والسجود؟! أليس معنى ذلؾ أف تتحوؿ كافة القيـ التي نذكرىا إلى جزء ال يتج أز مف الشخصية‬
‫وفي المجتمع‪.‬‬

‫إف احتراـ السائؽ إلشارة المرور التي تنظـ حركة السير ىي في الصالة كممة هللا أكبر التي تؤذف باالنتقاؿ‬

‫مف حالة الى حالة مف حركة الى حركة مف حركات الصالة ‪ ،‬كما أف احتراـ المرافؽ العامة والمؤسسات عامة وعدـ‬
‫تخريبيا أو الشخبطة عمى جدرانيا أوتكسيرىا ىو انتقاؿ لحرمة المسجد الى حرمة المشترؾ بيف المؤمنيف عامة‪ ،‬ما‬
‫يعني أف احتراـ القوانيف في الصالة تأىيؿ لممجتمع وتدريب لو الحتراـ قوانينو الوضعية التي رسميا ىو‪ ،‬تمؾ التي‬
‫تنظـ معاشو وأمنو برحابة وانتماء ونظاـ ومحبة وتسامح عبر الدستور والقانوف ال عبر اجتيادات المخرصيف‬

‫والموتوريف والمتعصبيف الذيف ينقموف قمة فيميـ وتقوقعيـ في ذاتيـ وعقدىـ الى اآلخريف ما يجعؿ المسمـ أو المؤمف‬

‫أو المواطف عامة يرى الديف عبئا ثقيال‪ ،‬أو ضيقا جدا ال ينفد مف خرـ إبرة‪.‬‬

‫المصمى و نظافة الطريق‬
‫ُ‬
‫أما عف قيمة النظافة فيي ال ترتبط بنظافة الجسد فقط‪ ،‬التي تحس وتشـ وتممس وىو درس الوضوء الياـ‬
‫المصمى ‪ ،‬فمو أف الخالؽ سمح باألكؿ والشرب‬
‫ال الصالة‪ ،‬وانما ترتبط بذات الصالة نفسيا‪ ،‬في مكاف أدائيا أي‬
‫َّ‬
‫المصمى ستتحوؿ إلى شارع ؟! كما ىو حاؿ شوارعنا اليوـ تمؾ المميئة بأوراؽ‬
‫أثناء الصالة لكدت أجزـ أف قاعة‬
‫َّ‬

‫الحماـ واألكياس وعمب الكوال الحديدية أو البالستيكية أوالزجاجية وذات الروائح النتنة ‪ ،‬ولتفنف المصموف في ظؿ‬
‫نقض قيـ الصالة بالتحوؿ إلى أساتذة في القذارة ‪ ،‬يتعامموف بقمة اىتماـ واىماؿ مع بيت الخالء في ذات المسجد‪،‬‬

‫وكأنو ال يعنييـ مطمقا‪ ،‬أو عمى درجاتو التي تمتمئ باألوراؽ والمخمفات والسجائر‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫أف نظافة مكاف الصالة وطيارتو واجب عمى كؿ مسمـ ومسممة وعمى كؿ مصمي في األدياف كافة ‪ ،‬كما‬
‫المصمى الذي يركع ويسجد فيو‬
‫ىي نظافة البيت والمؤسسة والشارع والحقؿ واألزقة تماما‪ ،‬ال فرؽ مطمقا‪ .‬فكما أف‬
‫َّ‬
‫المؤمنوف يخمو مف المخمفات فمف المستوجب لتنعكس قيـ الصالة في ذات اإلنساف أف يخمو المحيط كمو مف‬
‫المخمفات والميمالت فتوضع في مكانيا حيث الحاويات في كؿ مكاف ‪.‬‬

‫فال يتعمـ الطفؿ أف يمقي بورؽ المثمجات (البوظة) مف السيارة ‪ ،‬وال تتعمـ األـ أف تمقى بحفاظات طفميا مف‬

‫شباؾ السيارة دوف إحساس بذنب أو ال انتماء‪ ،‬وال يتعمـ صاحب السيارة األرعف أف يخشى اإلسرائيمييف ويحمؿ‬

‫قاذوراتو ليمقى بيا في شوارع راـ هللا وبيت لحـ ‪ ،‬وال يتعمـ المواطف العادي أف يمقي بما بيف يديو مف عمب كوال‬

‫أوزجاجات ماء في الشارع وبيف الورود الجميمة في الجزيرة منتصؼ الطريؽ وكأنو يحقد عمى بمده أو يعاقب ذاتو‪.‬‬
‫فالشارع تجوز فيو الصالة ُحكما ألنو طاىر‪ ،‬لذا وجب أف يكوف نظيفا كالمصمّى تماما ‪ ،‬فنظافة الجسد‬
‫ونظافة الروح ونظافة المسجد ونظافة البيئة كؿ واحد ال انفصاؿ بينيا واال فقدت الصالة كثير مف قيمتيا وتأثيرىا‪،‬‬
‫وىذا مما تنيى عف فعمو الصالة مف منكر‪.‬‬

‫لقد تميز المسمموف الذيف بقوا في األندلس بعد اندحار دولتيـ بالنظافة ‪ ،‬وكاف يعرؼ مف تبقى منيـ مف‬

‫قبؿ محاكـ التفتيش اإلرىابية بكمية الماء التي تخرج مف بيتو فيتعرض لمتعذيب والقتؿ‪ ،‬أو تغيير دينو مرتبطا‬
‫بالقذارة ‪ .‬أما اآلف واآلية انعكست ففي أوربا رأى اإلماـ محمد عبده اإلسالـ ولـ يرى المسمميف‪.‬‬

‫الوقت تحول من حالة‪ ،‬واستحضار‬
‫ال اعتقد أف أحدا ينكر ما لمصالة مف قيمة أساسية مرتبطة بالوقت ‪ ،‬وىي مقصودة بذلؾ أف ال تكوف‬

‫مقتصرة عمى وقت أداء الصالة أبدا ‪ ،‬بؿ اف تصبح سمة في المصميف في شؤوف حياتيـ كافة‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫مصؿ يتأخر عف موعد صالة الظير أربع ساعات مثال‪ ،‬أو ثالث ساعات عف موعد صالة المغرب‬
‫تصوروا‬
‫ّ‬
‫ويصر أنو سيصمييا بعد صالة العشاء معتقدا أنو سيكسب نفس األجر ‪ ،‬وتصوروا أف ال يعترؼ مصمي بالصالة‬
‫الالحقة إال متى أدى الصالة السابقة بأي موعد شاء؟!‬
‫فأنو يفقد الصموات لوقتيا كما فرضت أىميتيا وال يعود في ربقة المؤمنيف الممتزميف‪.‬‬

‫إف األوقات في العبادات عامة وفي الصالة خاصة ألنيا ‪ 4‬مرات يوميا لممسمميف و‪ 3‬مرات يوميا‬

‫لممسيحييف ىذه األوقات محددة بال جداؿ وبكؿ دقة مف المفترض أف تعكس نفسيا ‪-‬ىذه الدقة وااللتزاـ بالمواعيد ‪-‬‬
‫المنكر يظؿ قائما فتفقد الصالة نسبة كبيرة مف تأثيرىا في حياة الناس وتصبح تعبي ار‬
‫عمى حياة الشخص ‪ ،‬واال فاف‬
‫َ‬
‫عف حركات بال معنى ال تحترـ وقت الناس كما ال تحترـ وقت هللا‪.‬‬

‫النجار يعطيؾ موعدا إلنجاز خزانة أسبوعا فيتحوؿ األسبوع لشيريف ‪ ،‬والحداد يعطيؾ موعدا إلصالح‬
‫الشباؾ بعد صالة المغرب فال يأتي بعد ‪ 74‬مغرباً ‪ ،‬والساعة الخامسة موعد (المواسرجي) ال يعني شيئا ‪ ،‬ومواعيد‬
‫االجتماعات أو الزيارات أو حتى الدورات والندوات ال تكتمؿ إال بالتأخر عنيا بالدقائؽ وأحيانا بالساعات واألعذار‬

‫دوما جاىزة فيؿ ىؤالء مؤمنوف !! أو ىـ ممف جعمت الصالة حياتيـ مرتبطة بالجدية وثيقة الصمة باحتراـ الوقت؟!‬

‫إف احتراـ الوقت ىو تعبيرعف احتراـ لمذات أوال‪ ،‬وتطوير قدرة متميزة عمى بمورة األولويات وتحديد مساحات‬

‫عمؿ مشتبكة ضمف ساعات ال تذىب ىد ار تذروىا رياح العبث ‪ ،‬بؿ تتابع وفؽ جدوؿ مرتبط بناموس الكوف الذي‬
‫يحكمو النظاـ والزمف والحركة‪.‬‬

‫إف وقت الصالة تحوؿ مف حالة إلى حالة وتحديده مسبقا إيذاف باالنتقاؿ مف حالة إلى حالة‪ ،‬وخروج مف‬
‫حالة ودخوؿ في حالة أخرى ‪ ،‬إنيا عممية نفض آلثار مواقؼ مرت عبر زمف‪ ،‬واستعداد لتمقي مؤثرات زمف قادـ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫وكذلؾ انعكاس احتراـ الوقت في حياة الناس‪ ،‬حيث أف هللا جعؿ مف احتراـ العبد لو وألوامره‪ ،‬عبر االلتزاـ‬

‫بوقت الصالة ىو مدخؿ لتحقيؽ ذات االحتراـ بيف البشر بانجاز التحوؿ بيف الحاالت وتعمـ تحديد األولويات‪ ،‬وتعمـ‬
‫االستحضار لكؿ موعد واالستعداد لكؿ عمؿ‪.‬‬
‫أف الصالة بالقيـ التسعة التي تحدثنا عنيا وانعكاساتيا عمى الذات ‪ ،‬والجماعة أو الفريؽ ‪ ،‬والمجتمع إنما‬
‫تزيؿ الجدر الوىمية بيف العبادة والفرد والمحيط‪ ،‬وتحقؽ االنتماء الواسع وترسـ مساحة مشتركة لممفاىيـ تحيط‬
‫بالذات وتطاؿ الجماعة والمجتمع واال ال فيؾ وال في صالتؾ‪.‬‬

‫إف الصالة ليست وقتا مستقطعا أو استراحة بيف شوطي المباراة الدنيوية ‪ ،‬إنيا وقت أصيؿ محدد سمفا‪ ،‬وقيـ‬

‫منعكسة تتجاوز المكاف والزمف في كافة شؤوف الفرد والمحيط ‪ ،‬حيث القيـ تؤصؿ بالنظاـ وااللتزاـ وأثرىا في الفرد‬
‫والجماعة والمجتمع‪ ،‬وعبر الزمف والتاريخ‪.‬‬

‫‪www.bakerabubaker.info‬‬
‫‪baker.abubaker@yahoo.com‬‬

‫‪15‬‬