‫إهداء ‪...

‬‬

‫إلى مالك حداد ‪..‬‬
‫ابن قسنطينة الذي أقسم بعد استقلل الجزائر ألّ يكتب بلغة ليست لغته ‪..‬‬
‫فاغتالته الصفحة البيضاء ‪ ..‬ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة‬
‫العربية‪ ,‬وأول كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا لها ‪.‬‬
‫وإلى أبي ‪...‬‬
‫عساه يجد "هناك" من يتقن العربية ‪ ,‬فيقرأ له أخيرا هذا الكتاب ‪ ...‬كتابه ‪.‬‬

‫أحلم‬

‫الفصل الول‬

‫ما زلت أذكر قولك ذات يوم ‪:‬‬
‫"الحب هو ما حدث بيننا‪ .‬والدب هو كل ما لم يحدث"‪.‬‬
‫يمكنني اليوم‪ ,‬بعد ما انتهى كل شيء أن أقول ‪:‬‬
‫هنيئا للدب على فجيعتنا إذن فما اكبر مساحة ما لم‬
‫يحدث ‪ .‬إنها تصلح اليوم لكثر من كتاب ‪.‬‬

‫وهنيئا للحب أيضا ‪...‬‬
‫فما أجمل الذي حدث بيننا ‪ ...‬ما أجمل الذي لم‬
‫يحدث‪ ...‬ما أجمل الذي لن يحدث ‪.‬‬
‫قبل اليوم‪ ,‬كنت اعتقد أننا ل يمكن أن نكتب عن حياتنا‬
‫إل عندما نشفى منها ‪.‬‬
‫عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم ‪ ,‬دون أن‬
‫نتألم مرة أخرى ‪.‬‬
‫عندما نقدر على النظر خلفنا دون حنين‪ ,‬دون جنون‪,‬‬
‫ودون حقد أيضا ‪.‬‬
‫أيمكن هذا حقا ً ؟‬
‫نحن ل نشفى من ذاكرتنا ‪.‬‬
‫ولهذا نحن نكتب‪ ,‬ولهذا نحن نرسم‪ ,‬ولهذا يموت بعضنا‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫ أتريد قهوه ؟‬‫يأتي صوت عتيقة غائبا‪ ,‬وكأنه يطرح السؤال على‬
‫شخص غيري ‪.‬‬
‫معتذرا دون اعتذار‪ ,‬على وجه للحزن لم أخلعه منذ أيام‬
‫‪.‬‬
‫يخذلني صوتي فجأة ‪...‬‬
‫أجيب بإشارة من رأسي فقط ‪.‬‬
‫فتنسحب لتعود بعد لحظات‪ ,‬بصينية قهوة نحاسيه‬
‫ش لماء‬
‫كبيرة عليها إبريق‪ ،‬وفناجين‪ ,‬وسكريه‪ ,‬ومر ّ‬
‫الزهر‪ ,‬وصحن للحلويات ‪.‬‬
‫في مدن أخرى تقدم القهوة جاهزة في فنجان‪,‬‬
‫وضعت جواره مسبقا ً معلقه وقطعة سكر ‪.‬‬
‫ولكن قسنطينة مدينه تكره اليجاز في كل شيء ‪.‬‬
‫إنها تفرد ما عندها دائما ‪.‬تماما كما تلبس كل ما تملك‪.‬‬
‫وتقول كل ما تعرف ‪.‬‬
‫ولهذا كان حتى الحزن وليمه في هذه المدينة ‪.‬‬

‫أجمع الوراق المبعثرة أمامي ‪ ,‬لترك مكانا ً لفنجان‬
‫القهوة وكأنني أفسح مكانا لك ‪..‬‬
‫بعضها مسودات قديمة‪ ,‬وأخرى أوراق بيضاء تنتظر منذ‬
‫أيام بعض الكلمات فقط‪ ...‬كي تدب فيها الحياة‪,‬‬
‫وتتحول من ورق إلى أيام ‪.‬‬
‫كلمات فقط‪ ,‬أجتاز بها الصمت إلى الكلم‪ ,‬والذاكرة‬
‫إلى النسيان‪ ,‬ولكن ‪..‬‬
‫تركت السكر جانبا‪ ,‬وارتشفت قهوتي مره كما عودني‬
‫حبك ‪.‬‬
‫فكرت في غرابه هذا الطعم العذب للقهوة المّرة ‪.‬‬
‫ولحظتها فقط‪ ,‬شعرت أنني قادر على الكتابة عنك‬
‫فأشعلت سيجارة عصبيّة‪ ,‬ورحت أطارد دخان الكلمات‬
‫التي أحرقتني منذ سنوات‪ ,‬دون أن أطفئ حرائقها‬
‫مرة فوق صفحه ‪.‬‬
‫هل الورق مطفأة للذاكرة؟‬
‫نترك فوقه كل مرة رماد سيجارة الحنين الخيرة ‪,‬‬
‫وبقايا الخيبة الخيرة‪. .‬‬
‫من منّا يطفئ أو يشعل الخر ؟‬
‫ل ادري ‪ ...‬فقبلك لم اكتب شيئا يستحق الذكر‪ ...‬معك‬
‫فقط سأبدأ الكتابة‪.‬‬
‫ول بد أن أعثر أخيرا ً على الكلمات التي سأنكتب بها‪,‬‬
‫فمن حقي أن أختار اليوم كيف أنكتب‪ .‬أنا الذي أختر‬
‫تلك القصة ‪.‬‬
‫قصه كان يمكن أن ل تكون قصتي‪ ,‬لو لم يضعك القدر‬
‫كل مره مصادفه‪ ,‬عند منعطفات فصولها ‪.‬‬
‫من أين جاء هذا الرتباك؟‬
‫وكيف تطابقت مساحة الوراق البيضاء المستطيلة‪,‬‬
‫بتلك المساحة الشاسعة البياض للوحات لم ترسم بعد‪..‬‬
‫وما زالت مسنده جدار مرسم كان مرسمي ؟‬

‫وكيف غادرتني الحروف كما غادرتني قبلها اللوان‪.‬‬
‫وتحول العالم إلى جهاز تلفزيون عتيق‪ ,‬يبث الصور‬
‫بالسود والبيض فقط ؟‬
‫ويعرض شريطا قديما للذاكرة‪ ,‬كما تعرض أفلم‬
‫السينما الصامتة ‪.‬‬
‫كنت أحسدهم دائماً‪ ,‬أولئك الرسامين الذين كانوا‬
‫ينتقلون بين الرسم والكتابة دون جهد‪ ,‬وكأنهم‬
‫ينتقلون من غرفه إلى أخرى داخلهم‪ .‬كأنهم ينتقلون‬
‫بين امرأتين دون كلفة ‪..‬‬
‫كان ل بد أل أكون رجل لمرأة واحدة !‬
‫ها هوذا القلم إذن‪ ..‬الكثر بوحا والكثر جرحا ‪.‬‬
‫ها هو ذا الذي ل يتقن المراوغة ‪ ,‬ول يعرف كيف‬
‫توضع الظلل على الشياء ‪ .‬ول كيف ترش اللوان‬
‫على الجرح المعروض للفرحة ‪.‬‬
‫وها هي الكلمات التي حرمت منها ‪ ,‬عارية كما أردتها ‪,‬‬
‫موجعه كما أردتها ‪َ ,‬‬
‫م رعشة الخوف تش ّ‬
‫ل يدي ‪,‬‬
‫فل ِ َ‬
‫وتمنعني من الكتابة؟‬
‫تراني أعي في هذه اللحظة فقط ‪ ،‬أنني استبدلت‬
‫بفرشاتي سكيناً‪ .‬وأن الكتابة إليك قاتله‪ ..‬كحبك ‪.‬‬
‫ارتشفت قهوتك المرة‪ ,‬بمتعه مشبوهة هذه المّرة‪.‬‬
‫شعرت أنني على وشك أن اعثر على جمله أولى‪ ,‬ابدأ‬
‫بها هذا الكتاب ‪.‬‬
‫جمله قد تكون في تلقائية كلمات رسالة ‪.‬‬
‫كأن أقول مثل ‪:‬‬
‫"أكتب إليك من مدينه ما زالت تشبهك‪ ,‬وأصبحت‬
‫أشبهها‪ .‬ما زالت الطيور تعبر هذه الجسور على عجل‪,‬‬
‫وأنا أصبحت جسرا آخر معلقا ً هنا‪.‬‬
‫ل تحبي الجسور بعد اليوم‪."..‬‬

‫أو شيئا آخر مثل ‪:‬‬
‫" أمام فنجان قهوة ذكرتك ‪..‬‬
‫كان ل بد أن تضعي ولو مرة قطعة سكر في قهوتي ‪.‬‬
‫لماذا كل هذه الصينية‪ ..‬من أجل قهوة مّرة‪..‬؟"‪.‬‬
‫كان يمكن أن أقول أي شيء ‪...‬‬
‫ففي النهاية‪ ,‬ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات‪,‬‬
‫نكتبها خارج المناسبات المعلنة‪ ..‬لنعلن نشرتنا‬
‫النفسية‪ ,‬لمن يهمهم أمرنا ‪.‬‬
‫ولذا أجملها‪ ,‬تلك التي تبدأ بجمله لم يتوقعها من‬
‫عايش طقسنا وطقوسنا‪ .‬وربما كان يوما سببا في كل‬
‫تقلباتنا الجوية ‪.‬‬
‫تتزاحم الجمل في ذهني ‪ .‬كل تلك التي لم تتوقعيها ‪.‬‬
‫وتمطر الذاكرة فجأة ‪..‬‬
‫فأبتلع قهوتي على عجل‪ .‬وأشرع نافذتي لهرب منك‬
‫إلى السماء الخريفية‪ ..‬إلى الشجر والجسور والمارة‪.‬‬
‫إلى مدينة أصبحت مدينتي مرة أخرى ‪ .‬بعدما أخذت لي‬
‫موعدا معها لسبب آخر هذه المرة ‪.‬‬
‫ها هي ذي قسنطينة‪ ..‬وها هو كل شيء أنت ‪.‬‬
‫ي‪ ,‬من النافذة نفسها التي سبق أن‬
‫وها أنت تدخلين إل ّ‬
‫دخلت منها منذ سنوات‪ .‬مع صوت المآذن نفسه‪,‬‬
‫وصوت الباعة‪ ,‬وخطى النساء الملتحفات بالسواد‪,‬‬
‫والغاني القادمة من مذياع ل يتعب ‪...‬‬
‫"يا التفاحة ‪ ..‬يا التفاحة ‪ ...‬خبريني وعلش الناس‬
‫والعة بيك ‪."..‬‬
‫تستوقفني هذه الغنية بسذاجتها ‪.‬‬
‫تضعني وجها ً لوجه مع الوطن ‪ .‬تذكرني دون مجال‬
‫للشك بأنني في مدينه عربيه فتبدو السنوات التي‬
‫قضيتها في باريس حلما ً خرافيا ً ‪.‬‬

‫هل التغزل بالفواكه ظاهره عربية؟ أم وحده التفاح‬
‫ي لحدّّ‬
‫الذي ما زال يحمل نكهة خطيئتنا الولى‪ ,‬شه ّ‬
‫التغنّي به‪ ،‬في أكثر من بلد عربي ‪.‬‬
‫وماذا لو كنت تفاحه؟‬
‫ل لم تكوني تفاحه ‪.‬‬
‫كنت المرأة التي أغرتني بأكل التفاح ل أكثر‪ .‬كنت‬
‫تمارسين معي فطريا ً لعبة حواء ‪ .‬ولم يكن بإمكاني أن‬
‫أتنكر لكثر من رجل يسكنني‪ ,‬لكون معك أنت بالذات‬
‫في حماقة آدم !‬
‫أهل سي خالد‪..‬واش راك اليوم ‪..‬؟‬‫ي الجار‪ ,‬تسلّقت نظراته طوابق حزني‪.‬‬
‫يسلّم عل ّ‬
‫وفاجأه وقوفي الصباحي‪ ,‬خلف شرفة للذهول ‪.‬‬
‫أتابع في نظرة غائبة‪ ,‬خطواته المتجهة نحو المسجد‬
‫المجاور ‪ .‬وما يليها من خطوات‪ ,‬لمارة آخرين‪ ,‬بعضها‬
‫كسلى‪ ,‬وأخرى عجلى‪ ,‬متجهة جميعها نحو المكان‬
‫نفسه ‪.‬‬
‫الوطن كله ذاهب للصلة ‪.‬‬
‫والمذياع يمجد أكل التفاحة ‪.‬‬
‫وأكثر من جهاز هوائي على السطوح‪ ,‬يقف مقابل‬
‫المآذن يرصد القنوات الجنبية‪ ،‬التي تقدم لك كل ليله‬
‫على شاشة تلفزيونك‪ ,‬أكثر من طريقه _عصريه_ لكل‬
‫التفاح !‬
‫أكتفي بابتلع ريقي فقط ‪.‬‬
‫في الواقع لم أكن أحب الفواكه‪ .‬ول كان أمر التفاح‬
‫يعنيني بالتحديد ‪.‬‬
‫كنت أحبك أنت‪ .‬وما ذنبي إن جاءني حبك في شكل‬
‫خطيئة؟‬

‫كيف أنت‪ ..‬يسألني جار ويمضي للصلة ‪.‬‬
‫فيجيب لساني بكلمات مقتضبة‪ ،‬ويمضي في السؤال‬
‫عنك ‪.‬‬
‫كيف أنا؟‬
‫ت؟‬
‫أنا ما فعلته بي سيدتي‪ ..‬فكيف أن ِ‬
‫يا امرأة كساها حنيني جنوناً‪ ،‬وإذا بها تأخذ تدريجيا ‪,‬‬
‫ملمح مدينه وتضاريس وطن ‪.‬‬
‫وإذا بي اسكنها في غفلة من الزمن‪ ,‬وكأنني اسكن‬
‫غرف ذاكرتي المغلقة من سنين ‪.‬‬
‫كيف حالك؟‬
‫يا شجرة توت تلبس الحداد وراثيا كل موسم ‪.‬‬
‫يا قسنطينية الثواب ‪....‬‬
‫يا قسنطينية الحب ‪ ...‬والفراح والحزان والحباب ‪..‬‬
‫أجيبي أين تكونين الن؟ ‪.‬‬
‫ها هي ذي قسنطينه ‪...‬‬
‫باردة الطراف والقدام‪ .‬محمومة الشفاه‪ ,‬مجنونة‬
‫الطوار ‪.‬‬
‫ها هي ذي ‪ ..‬كم تشبهينها اليوم أيضا ‪ ...‬لو تدرين !‬
‫دعيني أغلق النافذة!‪.‬‬
‫كان مارسيل بانيول يقول‪:‬‬
‫ود على اعتبار الشياء العادية ‪ ..‬أشياء يمكن أن‬
‫"تع ّ‬
‫تحدث أيضا ً " ‪.‬‬
‫أليس الموت في النهاية شيئا عاديا‪ .‬تماما كالميلد‪,‬‬
‫والحب‪ ,‬والزاج‪ ,‬والمرض‪ ,‬والشيخوخة‪ ,‬والغربة‬
‫والجنون‪ ,‬وأشياء أخرى ؟‬
‫فما أطول قائمة الشياء العادية التي نتوقعها فوق‬
‫العادة‪ ,‬حتى تحدث‪ .‬والتي نعتقد أنها ل تحدث سوى‬
‫للخرين‪ ,‬وأن الحياة لسبب أو لخر ستوفر علينا كثيرا‬
‫منها‪ ,‬حتى نجد أنفسنا يوما أمامها ‪.‬‬
‫عندما ابحث في حياتي اليوم‪ ,‬أجد أن لقائي بك هو‬
‫الشيء الوحيد الخارق للعادة حقاً‪ .‬الشيء الوحيد الذي‬

..‬أم زلة قدر ؟‪. 1988‬‬ ‫عناوين كبرى‪ .‬‬ ‫ورغم ذلك ‪.‬أين أضع حبك‬ ‫اليوم ؟‬ ‫أفي خانة الشياء العادية التي قد تحدث لنا يوما كأية‬ ‫وعكه صحية أو زلة قدم‪ .‬كهدية من كوكب‪ .‬تبدو لي جرائدنا‬ ‫أل ّ‬ ‫وكأنها تستيقظ كل يوم مثلنا‪ ...‬‬ ‫هناك جرائد تبيعك نفس صور الصفحة الولى‪ .‬ببدلة‬ .‬فهنالك واحده تترك‬ ‫حبرها عليك ‪ .‬‬ ‫ما زلت أتساءل بعد كل هذه السنوات‪ ...‬أو زلزال لم تتنبأ به أية أجهزة‬ ‫للهزات الرضية ‪.‬لم يتوقع‬ ‫وجوده الفلكيون‪ .‬‬ ‫ت زلة قدم ‪ .‬‬ ‫هناك صحف يجب أن تغسل يديك إن تصفحتها وإن كان‬ ‫ليس للسبب نفسه في كل مرة‪ ..‬فيعلق الوطن‬ ‫حبرا ً أسود بيدي ‪.‬قد تجر معها أيضا‬ ‫كثيرا من الشياء العادية ‪..‬وأخرى أكثر تألقا تنقل عفونتها إليك ‪.‬أو إغرائنا بابتسامة ‪.‬أضعه حيث بدأ يوماً؟‬ ‫كشيء خارق للعادة‪ .‬أو نوبة جنون؟‬ ‫أم ‪ .‬‬ ‫‪ 25‬أكتوبر ‪..‬‬ ‫ن الجرائد تشبه دائما أصحابها‪ .‬‬ ‫أتصفح تعاستنا بعد كل هذه العوام ‪ .‬‬ ‫وقليل من الحياء ‪..‬كثير من الدم‪.‬‬ ‫هكذا دون أن تكلف نفسها مشقة تصفيف شعرها‪ .‬أو‬ ‫وضع ربطة عنق مناسبة‪ .‬‬ ‫أكن ِ‬ ‫أقلّب جريدة الصباح بحثا عن أجوبة مقنعه لحدث‬ ‫"عادي" غيّر مسار حياتي وجاء بي إلى هنا ‪.‬بملمح متعبه وبوجه‬ ‫غير صباحي غسلته على عجل‪ ،‬ونزلت به إلى الشارع‪.‬كثير من الحبر السود‪ .‫ي‪ .‬لنَّني كنت‬ ‫لم أكن لتنبأ به‪ ،‬أو أتوقع عواقبه عل ّ‬ ‫اجهل وقتها أن الشياء غير العادية‪ .

‬‬ ‫وتهجر وتعود على ورق‪ .‬‬ ‫وهنالك أخرى‪ ،‬تبيعك تذكرة للهروب من الوطن‪ .‬كنت أقرأك مرتبكاً‪،‬‬ ‫متلعثماً‪ .‫جديدة كل مره ‪.‬‬ ‫ََ‬ ‫يومها تس َّ‬ ‫مر نظري أمام ذلك الطار الذي كان يحتويك‪.‬فلغلق الجريدة إذن‪.‬كان ذلك‬ ‫منذ شهرين تقريبا‪ .‬‬ ‫فكيف ل أرتبك وأنا أقرأك‪ ..‬‬ ‫آخر مره استوقفتني فيها صحيفة جزائرية‪ .‬ل‬ ‫غير ‪.‬‬ ‫تساءلت كثيرا ً بعدها‪ ،‬وأنا أعود بين الحين والخر لتلك‬ ‫ت هكذا لتتربصي بي‪ ،‬أنا الذي‬ ‫الصورة‪ ،‬كيف عد ِ‬ ‫تحاشيت كل الطرق المؤدية إليك؟‬ .‬‬ ‫إنّه قانون الحماقات‪ ،‬أليس كذلك؟ أن أشتري مصادفة‬ ‫ود شراءها‪ ،‬فقط لقلب حياتي رأسا ً على‬ ‫مجلة لم أتع ّ‬ ‫ب‬ ‫عق ّ‬ ‫وأين العجب؟‬ ‫ألم تكوني امرأة من ورق‪ ..‬وتقتل وتحيي بجّرة قلم‪..‬وكيف ل تعود تلك الرعشة‬ ‫المكهربة لتسري في جسدي‪ ،‬وتزيد من خفقان قلبي‪،‬‬ ‫وكأنني كنت أمامك‪ ،‬ولست أمام صورة لك‪.‬وكأنني أنا الذي كنت أتحدث إليك‬ ‫عني‪ .‬في مجلة ل اقرأها عادة ‪.‬‬ ‫هنالك جرائد‪ .‬عن‬ ‫قصة ربما لم تكن قصتنا ‪.‬‬ ‫وما دام ذلك لم يعد ممكنا‪ .‬وإذا بصورتك تفاجئني على نصف صفحه‬ ‫بأكملها‪ .‬ولست أنت التي كنت تتحدثين للخرين‪ .‬‬ ‫ولذهب لغسل يدي ‪.‬تحب وتكره على ورق‪.‬‬ ‫وعبثا رحت أف ّ‬ ‫ك رموز كلمك ‪ ..‬مرفقه بحوار صحافي بمناسبة صدور كتاب‬ ‫جديد لك ‪.‬‬ ‫أي موعد عجيب كان موعدنا ذلك اليوم! كيف لم أتوقع‬ ‫بعد تلك السنوات أن تحجزي لي موعدا على ورق بين‬ ‫صفحتين‪ .‬تبيعك نفس الكاذيب بطريقة أقل ذكاء‬ ‫كل مّرة ‪.‬عندما كنت أتصفح عن طريق‬ ‫المصادفة‪ ..‬على عجل‪ ..

‫كيف عدت‪ .‬‬ ‫كما يغادر سائح مدينة جاءها في زيارة سياحية منظمة‪..‬كيف‬ ‫تصورتك تلبسين ثوبها العنابي‪ ،‬وتعجنين بهذه اليدي‬ ‫ذات الظافر المطلية الطويلة‪ ،‬تلك الكسرة التي‬ ‫افتقدت مذاقها منذ سنين؟‬ ‫ي جنون كان لك‪ .‬أن وجدت فيك شبها ً بأمي‪ .‬لم يكن أجمل من عينيك سوى عينيك‪ .‬وأية حماقة!‬ ‫أ ّ‬ ‫هل غيّر الزواج حقا ً ملمحك وضحكتك الطفولية‪ ،‬هل‬ ‫غيّر ذاكرتك أيضاً‪ ،‬ومذاق شفاهك وسمرتك الغجرية؟‬ ‫وهل أنساك ذلك "النبي المفلس" الذي سرقوا منه‬ ‫الوصايا العشر وهو في طريقه إليك‪ ...‬أبحث فيهما عن ذكرى‬ ‫هزيمتي الولى أمامك‪.‬أم أن نظرتي هي التي‬ ‫تغيرت؟ أواصل البحث في وجهك عن بصمات جنوني‬ ‫السابق‪ .‬‬ ‫تفاجئني تسريحتك الجديدة‪ ..‬‬ ‫غادرت قلبي إذن‪.‬وكاد القلب‬ ‫المؤثث بذكراك أن يفرغ منك شيئا ً فشيئا ً وأنت‬ ‫ب‪ ،‬وتمضين فجأة لتسكني قلباً‬ ‫تجمعين حقائب الح ّ‬ ‫آخر‪..‬شعرك القصير الذي كان‬ ‫شال ً يلف وحشة ليلي‪ ..‬فما‬ ‫أشقاني وما أسعدني بهما!‬ ‫هل تغيرت عيناك أيضاً‪ .‬أكاد ل أعرف شفاهك ول ابتسامتك وحمرتك‬ ‫الجديدة‪.‬فجاءك بالوصية‬ .‬بعدما كاد الجرح أن يلتئم‪ ..‬‬ ‫كيف حدث يوماً‪ .‬‬ ‫ذات يوم‪ .‬ماذا تراك فعلت به؟‬ ‫أتوقف طويل ً عند عينيك‪ .‬‬ ‫ك ّ‬ ‫ل شيء موقوت فيها مسبقاً‪ ،‬حتى ساعة الرحيل‪،‬‬ ‫ومحجوز فيها مسبقاً‪ ،‬حتى المعالم السياحية التي‬ ‫سيزورها‪ ،‬واسم المسرحية التي سيشاهدها‪ ،‬وعنوان‬ ‫المحلت التي سيشتري منها هدايا للذكرى‪.‬‬ ‫فهل كانت رحلتك مضجرة إلى هذا الحد؟‬ ‫ها أنا أمام نسخة منك‪ ،‬مدهوش مرتبك‪ ،‬وكأنني أمامك‪..

‬ل بد‬ ‫أن تسحب من أصحابها رخصة حمل القلم‪ .‬‬ ‫والروايات الفاشلة‪ ....‬وذاكرة جرحي؟‬ ‫وقد تكون آخر طريقه وجدتها لقتلي اليوم من جديد‪.‬وجهاً‬ ‫كذلك الذي نصادفه في المجلت والعلنات‪ ،‬لتلك‬ ‫النساء الواجهة‪ ،‬المعدات مسبقا ً لبيع شيء ما‪ ،‬قد‬ ‫يكون معجون أسنان‪ ،‬أو مرهما ً ضد التجاعيد‪.‬وامتلنا بهواء نظيف ‪. ".‬وربما تجاه شخص ما‪ .‬وأتخلص‬ ‫من بعض الثاث القديم ‪ ..‬على مرأى من‬ ‫الجميع بكاتم صوت‪ .‬‬ ‫إننا نكتب الروايات لنقتل البطال ل غير‪ .‬‬ ‫ها أنت ذي أمامي‪ ،‬تلبسين ثوب الردّة‪ ..‬وإذا بجوابك يدهشني ‪.‬‬ ‫وجي لبضاعة في‬ ‫أم تراك لبست هذا القناع‪ ،‬فقط لتر ّ‬ ‫شكل كتاب‪ ،‬أسميتها "منعطف النسيان" بضاعة قد‬ ‫تكون قصتي معك‪ .‬فكلما‬ ‫كتبنا عنهم فرغنا منهم‪ .‬إ َّ‬ ‫ن أعماقنا أيضا في حاجة‬ ‫ي بيت نسكنه ول يمكن أن أبقي نوافذي‬ ‫إلى نفض كأ ّ‬ ‫مغلقه هكذا على أكثر من جثة ‪.‬بحجة أنهم‬ .‬ليست سوى جرائم فاشلة‪ .‬‬ ‫وأضفت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫" في الحقيقة كل رواية ناجحة‪ ...‬‬ ‫دون أن تتركي بصماتك على عنقي ‪.‬‬ ‫اختر ِ‬ ‫قلت يومها بابتسامة لم أدرك نسبة الصدق فيها من‬ ‫نسبة التحايل‪:‬‬ ‫" كان ل بد أن أضع شيئا من الترتيب داخلي‪ .‫الحادية عشرة فقط‪.‬‬ ‫يومها تذكرت حديثا ً قديما ً لنا ‪ ..‬ووحده يدري أ َّ‬ ‫ن تلك الكلمة‬ ‫جهة إليه‬ ‫الرصاصة كانت مو ّ‬ ‫‪.‬هي جريمة ما نرتكبها‬ ‫تجاه ذاكرة ما‪ ..‬ولبست وجها ً آخر لم أعد أعرفه‪ .‬عندما سألتك مرة لماذا‬ ‫ت الرواية بالذات‪ .‬لقد اخترت‬ ‫طريقا ً آخر‪ .‬وننتهي من‬ ‫الشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا ً على حياتنا‪ .

‬إنها صفقه عادلة ‪ ..‬أما كنت مثله امرأة تحترف العشق والحرائق‬ ‫بالتساوي؟‬ ‫أكنت لحظتها تتنبّأين بنهايتي القريبة‪ ،‬وتواسينني‬ ‫مسبقا على فجيعتي‪..‬قلت ‪:‬‬ ‫_ كنت اعتقد أن الرواية طريقه الكاتب في أن يعيش‬ ‫مرة ثانيه قصه أحبها‪ .‬فنحن ل نقاوم‪ .‬والتي جربت‬ ‫فيها أسلحتك الخرى؟‬ ‫لم أكن أتوقع يومها انك قد توجهين يوما رصاصك‬ ‫نحوي ‪.‬‬ ‫وأنت‪ ..‬بعدما يكونون قد قتلوا‬ ‫القراء ‪ .‬أليس كذلك؟!‬ ‫عادله ؟‬ ‫من يناقش الطغاة في عدلهم أو ظلمهم؟ ومن يناقش‬ ‫نيرون يوم احرق روما حبا ً لها‪ .‬‬ ‫كيف لم تثر نزعتك الساديّة شكوكي يومها ‪ .‬‬ ..‬بمن في ذلك أنفسهم ‪ .‬وكيف لم‬ ‫أتوقع كل جرائمك التي تلت ذلك اليوم‪ .‬فنحن في النهاية ل نقتل‬‫سوى من أحببنا‪ .‫ي‬ ‫ل يحسنون استعمال الكلمات‪ .‬ضجرا ً !"‪..‬في هذه الحالت ‪ .‬ونمنحهم تعويضا عن ذلك خلودا أدبيا‬ ‫‪ .‬‬ ‫ولذا ضحكت لكلمك‪ .‬‬ ‫ن كلمي فاجأك فقلت وكأنك تكتشفين شيئا لم‬ ‫وكأ ّ‬ ‫تحسبي له حسابا‪:‬‬ ‫ وربما كان صحيحا أيضا‪ .‬وربما بدأ يومها انبهاري الخر‬ ‫بك‪ ...‬وطريقته في منح الخلود لمن‬ ‫أحب ‪.‬وقد يقتلون خطأ بها أ ّ‬ ‫احد ‪ .‬جنون العجاب‬ ‫بقاتلنا !‬ ‫ورغم ذلك أبديت لك دهشتي ‪ .‬وعشقا ً لشهوة اللهب ‪.

‬لشتري قصتي من بائع‬ ‫مقابل ورقه نقدية‪ ..‬دون أن أعرف‬ .‬‬ ‫وقعها عل ّ‬ ‫وانبهاري بقدرتك المذهلة‪ .‬والجثة التي حكمت‬ ‫عليها بالخلود‪ .‬وقررت أن تحنطيها بالكلمات‪.‬‬ ‫كل الحتمالت كانت ممكنه ‪.‬ودائرة مغلقه أدور فيها وحدي ‪.‬في خلق لغة على قياس‬ ‫تناقضك ‪..‬أم كتبته عنه؟ أكتبته لتقتليني به‪ .‬أم‬ ‫لتحييه هو ؟‬ ‫لم لتنتهي منّا معاً‪ ،‬وتقتلينا معا ً بكتاب واحد‪ .‬و وتتفرجين على‬ ‫ي‪ ..‬وكأن أمره ل‬ ‫يعنيني تماما ‪.‬‬ ‫فربما كنت أنا ضحية روايتك هذه‪ ...‬أم بعده؟‬ ‫أكتبته عني ‪ .‬‬ ‫كالعادة‪.‬كما‬ ‫تركتنا معا ً من أجل رجل واحد ؟‬ ‫عندما قرأت ذلك الخبر منذ شهرين‪ .‬‬ ‫ت ذلك الكتاب؟‬ ‫متى كتب ِ‬ ‫أقبل زواجك أم بعده؟ أقبل رحيل زياد ‪ .‬ليصبح كتابك‬ ‫أن تعودي فجأة بذلك الحضور المل ِ ّ‬ ‫محور تفكيري‪ ..‬‬ ‫الم أكن متحرقا إلى قراءة بقية القصة؟‬ ‫قصتك التي انتهت في غفلة مني ‪ .‬وتسعدين سّرا ً باندهاشي الدائم أمامك‪.‬‬ ‫و ربما كنت ضحية وهمي فقط‪ .‫أم كنت تتلعبين بالكلمات كعادتك‪ .‬‬ ‫فل كان ممكنا يومها بعد كل الذي حدث‪ ..‬أن اذهب‬ ‫للبحث عنه في المكتبات ‪ .‬لم أتوقع إطلقاًً‬ ‫ح‪ ..‬فوحدك تعرفين في النهاية الجواب على كل‬ ‫تلك السئلة التي ظلت تطاردني‪ .‬بعناد الذي يبحث عن‬ ‫الحقيقة دون جدوى ‪.‬ول كان ممكنا أيضا أن أتجاهله‬ ‫وأواصل حياتي وكأنني لم اسمع به ‪ ...‬ومراوغتك التي تشبه‬ ‫الصدق‪ .

‬ويزحف ليل قسنطينة‬ ‫نحوي من نافذة للوحشة‪ ..‬فهو مازال‬ ‫يقفز إلى الذاكرة قبل أن تقفز حروفه المميزة إلى‬ ‫العين ‪.‬أستعين بحضوره الصامت لتفجير‬ ‫منجم الكلمات داخلي ‪ .‬يحسم البرد الموقف‪ ..‬‬ ‫وربما كان اسمك الكثر استفزازا لي‪ .‬وانزلق‬ ‫بدوري تحت غطاء الوحدة ‪..‬أو تصمت إلى البد أيها الرجل ‪...‬حتى اسمك ‪.‬‬ ‫ها هوذا كتابك أمامي‪ .‬وكتبها قدرنا الذي تقاطع يوما؟‬ ‫يقول تعليق على ظهر كتابك إنه حدث أدبي ‪.‬ويعري في العتمة‬ .‬فأعيد للقلم غطاءه‪ ..‬وهو فصل من قصة مدهشه‬ ‫كتبتها الصدفة‪ .‬ل يُقرأ وإنما يُسمع كموسيقى تُعزف‬ ‫على آلة واحدة من أجل مستمع واحد‪.‬ل‬ ‫يعرف الكثير عنك ‪.‬أنا الذي كنت‪ .‬‬ ‫وأقول وأنا أضع عليه حزمة من الوراق التي سودتها‬ ‫في لحظة هذيان‪.‬‬ ‫" حان لك أن تكتب‪ ..‬واستفزاز الذاكرة ‪.‬‬ ‫فتركته هنا على طاولتي مغلقا كلغز‪ .‬الليل‬ ‫مذ أدركت أن لكل مدين ٍ‬ ‫الذي يشبهها والذي وحده يفضحها‪ .‬‬ ‫اسمك الذي ‪ ..‬حسب قانون‬ ‫الحماقات نفسه‪ ..‬‬ ‫ة الليل الذي تستحق‪ .‬‬ ‫كيف لي أن أقرأه بحياد‪ .‫فصولها الخيرة‪ .‬عنوانه الذي اخترته‬ ‫بمراوغه واضحة‪ .‬‬ ‫فما أعجب ما يحدث هذه اليام !"‬ ‫وفجأة‪ .‬وابتسامتك التي تتجاهل حزني ‪.‬لم يعد بإمكاني اليوم أن أقرأه‪..‬‬ ‫كل شيء فيه يستفزني اليوم ‪ .‬‬ ‫ونظرتك المحايدة التي تعاملني وكأنني قارىء‪ .‬الشاهد والشهيد دائما في قصة لم‬ ‫يكن فيها من مكان سوى لبطل واحد ‪.‬بعدما‬ ‫كنت شاهدها الول‪ .‬يتربص بي‬ ‫كقنبلة موقوتة‪ ..‬‬ ‫كل شيء‪ .‬تلك التي كنت شاهدها الغائب‪ .

‬تراني كنت‬ ‫أتوقع منذ سنين أمسيات بائسة كهذه‪ .‬وأحيانا في بضعة أسابيع‬ .que de soirs pour un seul matin‬‬ ‫‪".‬وبعتمة داخليه تجعلنا نتمهل في كل‬ ‫شيء‪ . soirs..‬‬ ‫فيخيفني اكتشافي فجأة وكأنني أكتشف معه ملمح‬ ‫وجهي الجديدة‪ .‬لن يكون لها‬ ‫سوى صباح واحد ؟‬ ‫أنقب بعض الشيء في ذاكرتي عن القصيدة التي اخذ‬ ‫منها هذا البيت‪ .‬وإذا بعنوانها "الشيخوخة" ‪..‫ما تخفيه في النهار‪ .‬‬ ‫وحتى عندما توصد أبوابها‪.‬ولكن ‪.‬ومتى تراني حفظته؟ ‪ .‬على جعلنا‬ ‫نكبر ونهرم في بضعة اشهر‪ ..‬ونسير ببطء‪ .‬‬ ‫"أمسيات ‪ .‬‬ ‫كل المدن تمارس التعري ليل دون علمها‪ .‬أم ترى الوطن بأكمله‬ ‫هو الذي يدخل اليوم سن اليأس الجماعي؟‬ ‫أليس هو الذي يملك هذه القدرة الخارقة‪ .‬دون اتجاه محدد؟‬ ‫أيكون الملل والضياع والرتابة جزءا من مواصفات‬ ‫الشيخوخة أم من مواصفات هذه المدينة ؟‬ ‫تراني أنا الذي ادخل الشخوخة‪ .‬وتفضح‬ ‫للغرباء أسرارها ‪ .‬أمسيات كم من مساء لصباح واحد "‬ ‫كيف تذكرته‪ ..‬‬ ‫"‪soirs.‬‬ ‫كيف تذكرت هذا البيت للشاعر "هنري ميشو" ورحت‬ ‫اردده على نفسي بأكثر من لغة ‪.‬‬ ‫ولن المدن كالنساء‪ ..‬حتى عندما ل تقول شيئا ‪.‬يحدث لبعضهن أن يجعلننا‬ ‫نستعجل قدوم الصباح‪ .‬قررت أن أتحاشى النظر ليل من‬ ‫هذه النافذة ‪...‬فهل تزحف الشيخوخة هكذا نحونا حقاً‬ ‫بليل طويل واحد‪ ..

‬كان حبّك‬ ‫شبابي‪ .‬‬ ‫ربما غدا ابدأ الكتابة حقا ‪.‬مجرد استعداد للكتابة‬ ‫فقط‪ .‬‬ ‫أحب دائما أن ترتبط الشياء الهامة في حياتي بتاريخ‬ ‫ما ‪ .‬‬ ‫الكتابة ما بعد الخمسين لول مرة ‪ .‬فهل يمكن لي أل أختار‬ ‫تاريخا كهذا‪ ..‬وكان مرسمي طاقتي الشمسية التي ل‬ ‫تنضب‪ .‬يكون غمزة لذاكره أخرى ‪.‬وأنا استمع إلى الخبار‬ ‫هذا المساء واكتشف‪ ،‬أنا الذي فقدت علقتي بالزمن‪.‬وجاؤوا بي‬ ‫حتى هنا ‪.‬شبيه بعلقة حب بين رجل في‬ ‫سن اليأس‪ .‬ويكون قد مر على وجودي هنا‬ .‬شيء شهواني‬ ‫وجنوني شبيه بعودة المراهقة‪.‬يخجل الواحد أن‬ ‫يهمل مظهره في حضرتها ‪ .‬الوطن نفسه أصبح ل‬ ‫يخجل أن يبدو أمامنا في وضع غير لئق !‬ ‫ل أصعب من أن تبدأ الكتابة‪ .‬والثانية عذراء ل يرويها‬ ‫حبر العالم !‬ ‫سأعتبر إذن ما كتبته حتى الن‪ ..‬اليوم ل شيء‬ ‫يستحق كل تلك الناقة واللياقة‪ .‬وننسى نارنا الصغيرة‪ ..‬‬ ‫ولم يعد في وسعنا ‪ .‬‬ ‫أغرتني هذه الفكرة من جديد‪ ...‬‬ ‫الول مرتبك وعلى عجل‪ ..‬في العمر الذي يكون فيه‬ ‫الخرون قد انتهوا من قول كل شيء‪.‬وكانت باريس مدينه أنيقة‪ .......‬‬ ‫الن نحن نقف جميعا على بركان الوطن الذي ينفجر ‪.‬وأطفأوا شعلة جنوني ‪ ..‬إل أن نتوحد مع الجمر المتطاير‬ ‫من فوهته‪ .‬وفائض شهوة ‪ ...‬لبدأ به هذا الكتاب ؟‬ ‫غدا ستكون قد مرت ‪ 34‬سنه على انطلق الرصاصة‬ ‫الولى لحرب التحرير‪ .‬‬ ‫أن غدا سيكون أول نوفمبر ‪ .‬لهذه الوراق التي حملت منذ‬ ‫سنين بملئها ‪.‬ولكنهم طاردوني حتى‬ ‫مربع غربتي‪ .‬‬ ‫شيء مثير وأحمق ‪ .‫فقط ؟‬ ‫قبل اليوم لم أكن اشعر بثقل السنين‪ .‬وريشة حبر بكر ‪.

‬هل يمكن لي أن أقاوم‬ ‫ذاكرتي هذا المساء ؟‬ ‫أغلق باب غرفتي واشرع النافذة ‪..‬مربكا‪ .‬ولكن‪ .‬وغاباتها الكثيفة‪ .‬إلى القواعد‬ ‫السرية للمجاهدين‪ .‬واشعر أنني قد اكتب أخيرا‬ ‫شيئا مدهشا‪ ..‬‬ ‫لن يكون هناك من استعراض عسكري‪ .‬‬ ‫سيكتفون بتبادل التهم ‪ .‬ول من تبادل تهاني رسميه ‪.‬‬ ‫ولذا سيكون الغد يوما للحزن مدفوع الجر مسبقا ‪.‬وإذا النافذة تطل‬ ‫علي‪..‬‬ ‫تمتد أمامي غابات الغاز والبلوط‪ .‬ومغارة بعد أخرى ‪.‬‬ ‫تغيرت الهداف ‪ ....‬وكبرياء صمته ‪.‬‬ ‫فأحاول أن أقاومه‪ .‬‬ ‫بين أول رصاصه ‪ .‬لجد جثة من أحبهم‬ ‫في انتظاري‪ ..‬تؤدي‬ ‫إ ّ‬ .‬وتغير الوطن ‪..‬‬ ‫ن كل الطرق في هذه المدينة العربية العريقة‪ .‬ونكتفي بزيارة المقابر ‪.‬‬ ‫كل شيء يستفزني الليلة‪ ..‬وآخر رصاصه‪ .‬بتوقيت الذاكرة الولى ‪.‬بعد كل هذه‬ ‫السنوات إلى هنا‪ ..‬يستدرجني‬ ‫إلى دهاليز الذاكرة ‪.‬وتزحف نحوي‬ ‫قسنطينه ملتحفه ملءتها القديمة‪ ..‬لن أمزقه كالعادة‪.‬ومثل ذلك من الزمن على سقوط آخر‬ ‫دفعه من الشهداء ‪..‬‬ ‫فما أوجع هذه الصدفة التي تعود بي ‪ .‬‬ ‫أحاول أن أرى شيئا آخر غير نفسي‪ ...‬ول من‬ ‫استقبالت‪ .‬‬ ‫يستيقظ الماضي الليلة داخلي ‪ .‬وكأنها تشرح لك شجرة بعد‬ ‫شجره‪ .‫ثلثة أسابيع‪ .‬‬ ‫أفضل تواطؤ الورق‪ .‬‬ ‫غدا لن ازور ذلك القبر ‪ .‬فتوصلك‬ ‫مسالكها المتشعبة‪ .‬للمكان نفسه ‪ .‬تغيرت الصدور‪.‬ل أريد أن أتقاسم حزني مع‬ ‫الوطن‪..‬وكل تلك الدغال‬ ‫والجروف والممرات السرية التي كنت يوما اعرفها‬ ‫والتي كانت تحيط بهذه المدينة كحزام أمان‪ .‬‬ ‫كان احدهم ذلك الذي حضرت لشيّعه بنفسي وادفنه‬ ‫هنا‪.

‬‬ ‫لماذا نسينا يومها أن نطلق على الحرية أيضا أكثر من‬ ‫اسم؟ وكيف اختصرنا منذ البدء حريتنا‪ .‬‬ ‫هنالك مدن ل تختار قدرها ‪.‬ومفجعه‬ ‫إلى ذلك الحد‪ ...‬ل تختلف عما سبقتها سوى بعدد‬ ‫شهدائها‪ .‬وكانت اليام تعود‬ ‫قاسيه دائما‪ .‬قريبه إلى ذلك الحد ‪ .‬الذين لم يكن يتوقع احد موتهم على‬ ‫الغالب‪ .‬وان قدري سيكون مختصرا بين المساحة‬ ‫الفاصلة بين الحرية ‪ .‬والموت ‪.‫إلى الصمود‪.‬في‬ ‫مفهومها الول ؟‬ ‫كان الموت يومها يمشي إلى جوارنا‪ .‬أن تكون‬ ‫نهايتهم‪ .‬وكان ذلك منطق الموت الذي لم أكن‬ ‫قد أدركته بعد ‪..‬‬ ..‬‬ ‫واخترت أن تكون تلك الجبال بيتي ومدرستي السرية‬ ‫التي أتعلم فيها المادة الوحيدة الممنوعة من‬ ‫التدريس‪ .‬‬ ‫ذلك الموت الذي اخترنا له اسما آخر أكثر إغراءً‪،‬‬ ‫لنذهب دون خوف وربما بشهوة سريه‪ .‬وينام ويأخذ‬ ‫كسرته معنا على عجل‪ ..‬‬ ‫فقد حكم عليها التاريخ‪ .‬كما حكمت عليها الجغرافيا‪.‬‬ ‫أل تستسلم ‪.‬‬ ‫ولذا ل يملك أبناؤها الخيار دائما ‪..‬تماما مثل الشوق والصبر‬ ‫واليمان ‪ ..‬والسعادة المبهمة التي ل تفارقنا ‪....‬وكأننا نذهب‬ ‫لشيء آخر غير حتفنا ‪.‬أو لم يكن يتصور لسبب أو لخر‪ ..‬‬ ‫ب أن أشبه هذه المدينة حد التطرف ؟‬ ‫فهل عج ٌ‬ ‫ذات يوم منذ أكثر من ثلثين سنه سلكت هذه الطرق‪.‬‬ ‫كان الموت يمشي ويتنفس معنا‪ ..‬‬ ‫ن كل الغابات والصخور هنا قد سبقتك في النخراط‬ ‫وإ ّ‬ ‫في صفوف الثورة ‪.‬هم بالذات‪ .‬وكنت ادري انه ليس من بين خريجيها من‬ ‫دفة ثالثه‪ .

‬‬ ‫لم يكونوا شهداء‪ ..‬‬ ‫اكتشفت هذه الحقيقة باكراً‪ ،‬شهيدا ً بعد آخر‪ ،‬وقصة‬ ‫بعد أخرى‪.‬‬ ‫ن‬ ‫في الحروب‪ .‬‬ ‫والعداد لها ‪.‬‬ ‫ق "إن الذي مات‬ ‫لقد كان ذلك المثل الشعبي على ح ّ‬ ‫أبوه لم يتيتَّم‪ ...‬‬ ‫وهناك من سقط قبل زيارته المسروقة إلى أهله بيوم‬ ‫واحد‪ .‬ومعطوبي أحلم ‪.‬وكأ َّ‬ ‫ن الجمع في هذه الحالة بالذات‪،‬‬ ‫ليس اختصارا للذاكرة ‪ ..‬‬ ‫وكنت يتيماً‪ ،‬وكنت أعي ذلك بعمق في كل لحظة‪.‬بعدما قضى عدة أسابيع في دراسة تفاصيلها‪.‬كان كل واحد منهم شهيدا على‬ ‫حده‪ .‬‬ ‫واكتشفت في المناسبة نفسها‪ ،‬أنني ربما كنت الوحيد‬ ‫ي لم ماتت مرضاً‬ ‫الذي لم يترك خلفه سوى قبر طر ّ‬ ‫ً‬ ‫خ فريد يصغرني بسنوات‪ ،‬وأب مشغول‬ ‫وقهرا‪ ،‬وأ ٍ‬ ‫بمطالب عروسه الصغيرة‪.‬وحده الذي ماتت أمه يتيم"‪.‫ما زلت اذكرهم أولئك الذين تعودنا بعد ذلك أن نتحدث‬ ‫عنهم بالجملة‪ .‬وكأنه‬ ‫جاء خصيصا للشهادة ‪.‬كان هناك من استشهد في أول معركة‪ .‬‬ ‫وهناك من كان يحلم أن يعود يوما لكي يتزوج ‪ .‬‬ ‫يتامى‪ .‬وإنما لحقهم علينا ‪.‬إ ّ‬ ‫التعس هم أولئك الذين يتركونهم خلفهم ثكالى‪.‬ليس الذين يموتون هم التعساء دائما‪ .‬‬ ‫وهناك من تزوج وعاد ‪ .‬‬ ‫فالجوع إلى الحنان‪ ،‬شعور مخيف وموجع‪ ،‬يظل ينخر‬ ‫فيك من الداخل ويلزمك حتى يأتي عليك بطريقة‬ ‫وبطريقة أو بأخرى‪..‬‬ ‫أكان التحاقي بالجبهة آنذاك محاولة غير معلنة للبحث‬ ‫عن موت أجمل خارج تلك الحاسيس المرضية التي‬ ‫كانت تملني تدريجيا ً حقدا ً على كل شيء؟‬ ‫كانت الثورة تدخل عامها الثاني‪ ،‬ويتمي يدخل شهره‬ ‫الثالث‪ ،‬ولم أعد أذكر الن بالتحديد‪ ،‬في أية لحظة‬ ..‬ليموت متزوجا ‪.‬ولم‬ ‫يعد‪.

‫بالذات أخذ الوطن ملمح المومة‪ ،‬وأعطاني ما لم‬
‫أتو ّ‬
‫رف له‪.‬‬
‫قعه من الحنان الغامض‪ ،‬والنتماء المتط ّ ِ‬
‫وربما كان لختفاء "سي الطاهر" من حينا بسيدي‬
‫المبروك منذ بضعة أشهر‪ ،‬دور في حسم القضية‪،‬‬
‫واستعجالي في أخذ ذلك القرار المفاجئ‪ .‬فلم يكن‬
‫يخفى على أحد أنه انتقل إلى مكان سري في الجبال‬
‫المحيطة بقسنطينة ليؤسس من هناك مع آخرين‬
‫إحدى الخليا الولى للكفاح المسلح‪.‬‬
‫من أين عاد اسم "سي طاهر" الليلة ليزيد من‬
‫ارتباكي‪ ،‬ومن منكما استدرجني للخر؟‪.‬‬
‫من أين عاد‪ ..‬وهل غاب حقاً‪ ،‬وعلى بعد شارعين مني‬
‫شارع مازال يحمل اسمه؟‬
‫هناك شيء اسمه "سلطة السم"‪.‬‬
‫وهناك أسماء عندما تذكرها‪ ،‬تكاد تصلح من جلستك‪،‬‬
‫وتطفئ سيجارتك‪ .‬تكاد تتحدث عنها وكأنك تتحدث‬
‫إليها بنفس تلك الهيبة وذلك النبهار الول‪.‬‬
‫ولذا ‪ ..‬ظ ّ‬
‫ل لسم (سي طاهر) هيبته عندي‪ .‬لم تقتله‬
‫العادة ول المعاشرة‪ ،‬ولم تحوله تجربة السجن‬
‫ي لصديق‬
‫المشترك‪ ،‬ول سنوات النضال‪ ،‬إلى اسم عاد ّ‬
‫أو لجار‪ .‬فالرموز تعرف دائما ً كيف تحيط نفسها بذلك‬
‫الحاجز اللمرئي‪ ،‬الذي يفصل بين العادي والستثنائي‪،‬‬
‫والممكن والمستحيل‪ ،‬في كل شيء‪.‬‬
‫ها أنذا أذكره في ليلة لم أحجزها له‪..‬‬
‫وبينما أسحب نفسا ً من سيجارة أخيرة‪ ،‬يرتفع صوت‬
‫المآذن معلنا ً صلة الفجر‪ .‬ومن غرفة بعيدة يأتي بكاء‬
‫طفل أيقظ صوته أنحاء كل البيت‪..‬‬
‫ضع‪ ،‬لنهم يملكون‬
‫فأحسد المآذن‪ ،‬وأحسد الطفال الر ّ‬
‫وحدهم حق الصراخ والقدرة عليه‪ ،‬قبل أن تروض‬
‫الحياة حبالهم الصوتية‪ ،‬وتعل ِّمهم الصمت‪.‬‬
‫ل أذكر من قال "يقضي النسان سنواته الولى في‬
‫تعلم النطق‪ ،‬وتقضي النظمة العربية بقية عمره في‬

‫تعليمه الصمت!"‪.‬‬
‫وكان يمكن للصمت أن يصبح نعمة في هذه الليلة‬
‫بالذات‪ ،‬تماما ً كالنسيان‪ .‬فالذاكرة في مناسبات كهذه‬
‫ل تأتي بالتقسيط‪ ،‬وإنما تهجم عليك شلل ً يجرفك إلى‬
‫حيث ل تدري من المنحدرات‪.‬‬
‫وكيف لك لحظتها أن توقفها دون أن تصطدم‬
‫بالصخور‪ ،‬وتتحطم في زلّة ذكرى؟‬
‫ض لم تغادره في‬
‫وها أنت ذا‪ ،‬تلهث خلفها لتلحق بما ٍ‬
‫الواقع‪ ،‬وبذاكرة تسكنها لنها جسدك‪.‬‬
‫جسدك المشوه ل غير‪.‬‬
‫ن هناك من يلهثون الن من منبر إلى آخر‪،‬‬
‫وتدري أ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بحجة أو بأخرى‪ ،‬ليدينوا تاريخا كانوا طرفا فيه‪.‬‬
‫عساهم يلحقون بالموجة الجديدة‪ ،‬قبل أن يجرفهم‬
‫الطوفان‪ .‬فل تملك إل أن تشفق عليهم‪.‬‬
‫ما أتعس أن يعيش النسان بثياب مبللة‪ ..‬خارجا ً لتوه‬
‫من مستنقع‪ ..‬وأل يصمت قليل ً في انتظار أن تجف!‬
‫صامتا ً يأتي (سي طاهر) الليلة‪.‬‬
‫صامتا ً كما يأتي الشهداء‪.‬‬
‫صامتاً‪ ..‬كعادته‪.‬‬
‫وها أنت ذا مرتبك أمامه كعادتك‪.‬‬
‫لقد كانت دائما ً الخمس عشرة سنة التي تفصلكما‪،‬‬
‫أكبر من عمر السنوات‪ .‬كانت عمرا ً بحد ذاتها‪ ،‬ورمزاً‬
‫بحد ذاتها‪ ،‬لرجل كان يجمع إلى جانب الفصاحة التي‬
‫كان يتميز بها كل من اختلط بجمعية العلماء‪ ،‬ودرس‬
‫في قسنطينة‪ ،‬فصاحة أخرى‪ ..‬هي فصاحة الحضور‪.‬‬
‫كان (سي طاهر) يعرف متى يبتسم‪ ،‬ومتى يغضب‪.‬‬
‫ويعرف كيف يتكلم‪ ،‬ويعرف أيضا ً كيف يصمت‪ .‬وكانت‬
‫الهيبة ل تفارق وجهه ول تلك البتسامة الغامضة التي‬
‫كانت تعطي تفسيرا ً مختلفا ً لملمحه كل مرة‪.‬‬
‫"إن البتسامات فواصل ونقاط انقطاع‪ ..‬وقليل من‬

‫الناس أولئك الذين ما زالوا يتقنون وضع الفواصل‬
‫والنقط في كلمهم"‪*.‬‬
‫في سجن ( الكديا) كان موعدي النضالي الول مع‬
‫(سي طاهر)‪ .‬كان موعدا ً مشحونا ً بالحاسيس‬
‫المتطرفة‪ ،‬وبدهشة العتقال الول‪ ،‬بعنفوانه‪..‬‬
‫وبخوفه‪.‬‬
‫وكان (سي طاهر) الذي استدرجني إلى الثورة يوماً‬
‫بعد آخر‪ ،‬يدري أنه مسؤول عن وجودي يومها هناك‪.‬‬
‫وربما كان يشفق سرا ً على سنواتي الست عشرة‪،‬‬
‫ما) التي كان يعرفها‬
‫على طفولتي المبتورة‪ ،‬وعلى ( أ ّ‬
‫جيداً‪ ،‬ويعرف ما يمكن أن تفعله بها تجربة اعتقالي‬
‫الول‪.‬‬
‫ولكنه كان يخفي عنّي كل شفقته تلك‪ ،‬مرددا ً لمن‬
‫يريد سماعه‪" :‬لقد خلقت السجون للرجال"‪.‬‬
‫وكان سجن (الكديا) وقتها‪ ،‬ككل سجون الشرق‬
‫الجزائري يعاني فجأة من فائض رجولة‪ ،‬إثر مظاهرات‬
‫‪ 8‬ماي ‪ 1945‬التي قدّمت فيها قسنطينة وسطيف‬
‫وضواحيها أول عربون للثورة‪ ،‬متمثل ً في دفعة أولى‬
‫من عدّة آلف من الشهداء سقطوا في مظاهرة‬
‫واحدة‪ ،‬وعشرات اللف من المساجين الذين ضاقت‬
‫بهم الزنزانات‪ ،‬مما جعل الفرنسيين يرتكبون أكبر‬
‫حماقاتهم‪ ،‬وهو يجمعون لعدة أشهر بين السجناء‬
‫السياسيين‪ ،‬وسجناء الحق العام‪ ،‬في زنزانات يجاوز‬
‫أحيانا ً عدد نزلئها العشرين معتقلً‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬جعلوا عدوى الثورة تنتقل إلى مساجين الحق‬
‫العام الذين وجدوا فرصة للوعي السياسي‪ ،‬ولغسل‬
‫شرفهم بالنضمام إلى الثورة التي استشهد بعد ذلك‬
‫من أجلها الكثير منهم‪ .‬ومازال بعضهم حتى الن على‬
‫قيد الحياة‪ ،‬يعيش بتكريم ووجاهة القادة التاريخيين‬
‫لحرب التحرير‪ ،‬بعدما تك ّ‬
‫فل التاريخ بإعادة سج ّ‬
‫ل‬
‫سوابقهم العدلية‪ ..‬لعذريته الولى‪ .‬بينما وجد بعض‬
‫السجناء السياسيين _ في تلك الحماقة الستعمارية _‬
‫فرصة للتعرف على بعض‪ ،‬ووقتا ً كافيا ً للتشاور‬

‫والتفكير في أمور الوطن‪ ..‬والتخطيط للمرحلة‬
‫القادمة‪.‬‬
‫اليوم‪ ..‬عندما أذكر تلك التجربة‪ ،‬تبدو لي لكثافتها‬
‫ودهشتها‪ ،‬وكأنها أطول مما كانت‪ .‬رغم أنها لم تدم‬
‫بالنسبة لي سوى ستة أشهر فقط‪ .‬قضيتها هناك قبل‬
‫أن يطلق سراحي أنا واثنين آخرين لصغر سننا ولنه‬
‫كان هناك من يهمهم أمرهم‪ ،‬أكثر منَّا‪.‬‬
‫وهكذا عدت إلى ثانوية قسنطينة‪ ،‬بعدما أخلفت هاماً‬
‫دراسياً‪ ،‬لجد البرنامج نفسه وكتب الفلسفة نفسها‬
‫والدب الفرنسي في انتظاري‪..‬‬
‫وحدهم بعض رفاق الدارسة كانوا ما يزالون ضمن‬
‫المتغيّبين‪ ،‬بين مساجين وشهداء‪.‬‬
‫أغلبهم طلبة في الصفوف العليا التي كان مقررا ً أن‬
‫تتخرج منها أول دفعة من المثقفين والموظفين‬
‫الجزائريين المفرنسين‪.‬‬
‫وكان ذلك شرفهم‪ ،‬أولئك الذين راهن البعض على‬
‫خيانتهم‪ ،‬فقط لنهم اختاروا الثانويات والثقافة‬
‫الفرنسية‪ ،‬في مدينة ل يمكن لحد فيها أن يتجاهل‬
‫سلطة اللغة العربية‪ ،‬وهيبتها في القلوب والذاكرة‪.‬‬
‫فهل عجب أن يكون من بين الذين سجنوا وعذّبوا بعد‬
‫تلك المظاهرات‪ ،‬الكثير منهم‪ ،‬هم الذين كانوا بحكم‬
‫ثقافتهم الغربية يتمتعون بوعي سياسي مبكر‪،‬‬
‫وبفائض وطنية‪ ..‬وفائض أحلم‪.‬‬
‫والذين أدركوا‪ ،‬والحرب العالمية تنتهي لصالح فرنسا‬
‫ن فرنسا استعملت الجزائريين‪ ،‬ليخوضوا‬
‫والحلفاء‪ ،‬أ ّ‬
‫حربا ً لم تكن حربهم‪ ،‬وأنهم دفعوا آلف الموتى في‬
‫معارك ل تعنيهم‪ ،‬ليعودوا بعد ذلك إلى عبوديتهم‪.‬‬
‫كان في مصادفة وجودي مع (سي الطاهر) في‬
‫الزنزانة نفسها شيء أسطوري بحد ذاته‪ ،‬وتجربة‬
‫نضالية ظلَت تلحقني لسنوات بكل تفاصيلها‪ ،‬وربما‬
‫كان لها بعد لك أثر في تغيّر قدري‪ .‬فهناك رجال عندما‬

‫تلتقي بهم تكون قد التقيت بقدرك‪.‬‬
‫كان (سي الطاهر) استثنائيا ً في ك ِّ‬
‫ل شيء‪ ،‬وكأنه كان‬
‫يعد نفسه منذ البدء‪ ،‬ليكون أكثر من رجل‪.‬‬
‫لقد خلق ليكون قائداً‪ .‬كان فيه شيء من سللة طارق‬
‫بن زياد‪ ،‬والمير عبد الطارق‪ ،‬وأولئك الذين يمكنهم أن‬
‫يغيروا التاريخ بخطبة واحدة‪.‬‬
‫وكان الفرنسيون الذين عذّبوه وسجنوه لمدة ثلث‬
‫ن‬
‫سنوات يعرفون ذلك جيداً‪ .‬ولكنهم كانوا يجهلون أ ّ‬
‫(سي الطاهر) سيأخذ بثأره منهم بعد ذلك بسنوات‪،‬‬
‫ويصبح الرأس المطلوب بعد كل عملية يقوم بها‬
‫المجاهدون في الشرق الجزائري‪.‬‬
‫ي صدفة‪ ..‬أن يعود القدر بعد عشر سنوات تماماً‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ليضعني مع (سي طاهر) في تجربة كفاحية مسلحة‬
‫هذه المّرة!‬
‫سنة ‪ ..1955‬وفي شهر أيلول بالذات‪ ،‬التحقت‬
‫بالجبهة‪.‬‬
‫كان رفاقي يبدأون سنة دراسية ستكون الحاسمة‪،‬‬
‫وكنت في عامي الخامس والعشرين أبدأ حياتي‬
‫الخرى‪.‬‬
‫أذكر أ َّ‬
‫ن استقبال (سي طاهر) لي فاجأني وقتها‪ .‬لم‬
‫يسألني عن أيّة تفاصيل خاصة عن حياتي أو دراستي‪.‬‬
‫لم يسألني حتى كيف أخذت قرار التحاقي بالجبهة‪ ،‬ول‬
‫أي طريق سلكت لصل إليه‪ .‬ظ َّ‬
‫ل يتأملني قبل أ‪،‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫يحتضنني بشوق وكأن ّه كان ينتظرني هناك منذ سنة‪.‬‬
‫ثم قال‪:‬‬
‫ جئت‪!..‬‬‫وأجبته بفرح وبحزن غامض معاً‪:‬‬
‫ جئت!‬‫كان ( سي الطاهر) هكذا أحياناً‪ ،‬يكون موجزا ً حتَّى في‬
‫فرحته؛ فكنت موجزا ً معه في حزني أيضاً‪.‬‬

‫ما) بالتحديد‪،‬‬
‫سألني بعدها عن أخبار الهل‪ ،‬وأخبار ( أ ّ‬
‫فأجبته أنها توفيت منذ ثلثة أشهر‪ .‬وأعتقد أنه فهم‬
‫ك ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬فقد قال وهو يربت على كتفي‪ ،‬وشيء‬
‫شبيه بالدمع يلمع في عينيه‪:‬‬
‫ رحمها الله‪ ،‬لقد تعذبت كثيراً‪.‬‬‫ثم ذهب في تفكيره بعيدا ً إلى حيث ل أدري‪..‬‬
‫بعدها حسدت تلك الدمعة المفاجئة في عينيه‪ ،‬والتي‬
‫رفع بها أمي إلى مرتبة الشهداء‪ .‬فلم يحدث لي أن‬
‫رأيت (سي الطاهر) يبكي سوى الشهداء من رجاله‪.‬‬
‫وتمنيت طويل ً بعد ذلك أن أمدد جثمانا ً بين يديه‪ ،‬لتمتع‬
‫ولو بعد موتي بدمعة مكابرة في عينيه‪.‬‬
‫ألك ّ‬
‫ل هذا تقلصت عائلتي فجأة في شخصه‪ ،‬ورحت‬
‫أتفانى في إثبات بطولتي له‪ ،‬وكأنني أريد أن أجعله‬
‫شاهدا ً على رجولتي أ‪ ,‬على موتي؛ شاهدا ً على أنني‬
‫لم أعد أنتسب إلى أحد غير هذا الوطن‪ ،‬وأنني لم أترك‬
‫خ يصغرني اختار‬
‫خلفي سوى قبر لمرأة كانت أمي‪ ،‬وأ ٍ‬
‫له أبي مسبقا ً امرأة ستصبح أمه‪.‬‬
‫كنت ألقي بنفسي على الموت في كل مّرة‪ ،‬وكأنني‬
‫أتحداه أو كأنني أريد بذلك أن يأخذني بدل رفاقي‬
‫الذين تركوا خلفهم أولدهم وأهلهم ينتظرون‬
‫عودتهم‪.‬‬
‫وكنت كل مرة أعود أنا ويسقط آخرون‪ ،‬وكأن الموت‬
‫قرر أن يرفضني‪..‬‬
‫وكان (سي طاهر) بعد أكثر من معركة ناجحة اشتركت‬
‫فيها‪ ،‬قد بدأ تدريجيا ً يعتمد عل َّ‬
‫ي في المهمات الصعبة‪،‬‬
‫ويكلفني بالمهمات الكثر خطورة‪ ،‬تلك التي تتطلب‬
‫مواجهة مباشرة مع العدو‪ .‬ورفعني بعد سنتين إلى‬
‫رتبة ملزم لتمكن من إدارة بعض المعارك وحدي‪،‬‬
‫وأخذ القرارات العسكرية التي يقتضيها كل ظرف‪.‬‬
‫بدأت وقتها فقط أتحول على يد الثورة إلى رجل‪،‬‬
‫وكأن الرتبة التي كنت أحملها قد منحتني شهادة‬
‫بالشفاء من ذاكرتي‪ ..‬وطفولتي‪.‬‬
‫وكنت آنذاك سعيدا ً وقد بلغت أخيرا ً تلك الطمأنينة‬
‫النفسية التي ل تمنحنا إياها سوى راحة الضمير‪.‬‬

‫ن‬
‫ن طموحاتي ل علقة لها بالمكتوب وأ ّ‬
‫لم أكن أعي أ ّ‬
‫القدر كان يتربص بي في ذلك الوقت الذي كنت أعتقد‬
‫فيه أن ل شيء بعد اليوم يمكن أن يعيدني إلى حزني‬
‫السابق‪.‬‬
‫وجاءت تلك المعركة الضارية التي دارت على مشارف‬
‫"باتنة" لتقلب يوما ً كل شيء‪..‬‬
‫فقد فقدنا فيها ستة مجاهدين‪ ،‬وكنت فيها أنا من‬
‫عداد الجرحى بعدما اخترقت ذراعي اليسرى‬
‫رصاصتان‪ ،‬وإذا بمجرى حياتي يتغير فجأة‪ ،‬وأنا أجد‬
‫نفسي من ضمن الجرحى الذين يجب أن ينقلوا على‬
‫وجه السرعة إلى الحدود التونسية للعلج‪ .‬ولم يكن‬
‫العلج بالنسبة لي‪ ..‬سوى بتر ذراعي اليسرى‪،‬‬
‫لستحالة استئصال الرصاصتين‪ .‬ولم يكن هناك من‬
‫مجال للنقاش أو التردد‪ .‬كان النقاش فقط‪ ،‬حول‬
‫الطرق المنة التي يمكن أن نسلكها حتى تونس‪ ،‬حيث‬
‫كانت القواعد الخلفية للمجاهدين‪.‬‬
‫وها أنذا أمام واقع آخر‪..‬‬
‫ها هو ذا القدر يطردني من ملجأي الوحيد‪ ،‬من الحياة‬
‫والمعارك الليلية‪ ،‬ويخرجني من السرية إلى الضوء‪،‬‬
‫ليضعني أمام ساحة أخرى‪ ،‬ليست للموت وليست‬
‫للحياة‪ .‬ساحة لللم فقط‪ ..‬وشرفة أتفرج منها على ما‬
‫يحدث في ساحة القتال‪ .‬فلقد بدا واضحا ً من كلم‬
‫(سي طاهر) يومها‪ ،‬أنني قد ل أعود إلى الجبهة مّرة‬
‫ثانية‪.‬‬
‫في ذلك اليوم الخير‪ ،‬حاول (سي طاهر) أن يحافظ‬
‫على نبرته الطبيعية‪ ،‬وراح كما كان يودعني كل مرة‬
‫قبل معركة جديدة‪ .‬ولكن هذه المرة كان يدري أنه‬
‫يعدّني لتحمل معركتي مع القدر‪.‬‬
‫غير أنه كان موجزا ً على غير عادته‪ ،‬ربما‪ ..‬لنه ليس‬
‫هناك من تعليمات خاصة تعطى في هذه الحالت‪..‬‬
‫وربما لنه كان يتكبد يومها أكبر خسارة بشرية ويفقد‬
‫في معركة واحدة عشرة من خيرة رجاله بين جرحى‬

‬‬ ‫كانت الحداث تجري مسرعة أمامي‪ ،‬وقدري يأخذ‬ ‫ى جديدا ً بين ساعة وأخرى‪ ،‬ووحده صوت (سي‬ ‫منح ً‬ ‫طاهر) وهو يعطي تعليماته الخيرة‪ ،‬كان يصل إل َّ‬ ‫ي‬ ‫حيث كان‪ ،‬ليصبح صلتي الوحيدة مع العالم‪.‬كنت أنزف‪ ،‬وكان‬ ‫كانت دمعتان قد تجمدتا في عين ّ‬ ‫ألم ذراعي ينتقل تدريجيا ً إلى جسدي كله‪ ،‬ويستقر‬ ‫صة الخيبة واللم‪ .‬أتمنى أن تذهب‬ ‫ما)‬ ‫لزيارتهم حين تشفى وتسلّم هذا المبلغ إلى (أ ّ‬ ‫لتشتري به هدية للصغيرة‪ ،‬وأود أيضا ً أن تقوم‬ ‫بتسجيلها في دار البلدية لو استطعت ذلك‪ ..‬لقد اخترت لها هذا لسم‪ .‬‬ .‬وسلّم كثيرا ً على (أ ّ‬ ‫كانت تلك أول مرة سمعت فيها اسمك‪ .‬غ ّ‬ ‫المجهول‪.‬‬ ‫ذلك وقبّلها عني‪ ..‬‬ ‫ولم أقل له شيئا ً ذلك اليوم‪...‬والخوف من‬ ‫في حلقي غصة‪ .‬‬ ‫وعاد بعد لحظات وكأنه نسي شيئا ً ليضيف شبه مرتبك‬ ‫وهو يلفظ ذلك السم لول مرة‪...‬‬ ‫"‪ .‬‬ ‫ي‪ ..‬‬ ‫كما يتعلق رسول بوصية يخاف أن تضيع منه‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬مازلت أذكر تماما ً حضوره الخير‪ ،‬عندما‬ ‫جاء يتفقدني قبل سفري بساعة‪ ،‬ووضع ورقة صغيرة‬ ‫في جيبي وبعض الوراق النقدية‪ ،‬وقال وهو ينحني‬ ‫ي وكأنه يودعني سراً‪:‬‬ ‫عل ّ‬ ‫"لقد ُ‬ ‫قدّر لك أن تصل إلى هناك‪ ..‬سجلها متى استطعت‬ ‫ما)‪".‫وقتلي‪ .‬وكان يدري‪ ،‬والثورة مطوقة من كل جانب‪،‬‬ ‫قيمة ك ّ‬ ‫ل مجاهد وحاجة الثورة إلى كل رجل على حدة‪.."..‬سمعته وأنا‬ ‫في لحظة نزيف بين الموت والحياة‪ ،‬فتعلقت في‬ ‫غيبوبتي بحروفه‪ ،‬كما يتعلق محموم في لحظة هذيان‬ ‫بكلمة‪...‬فقد يمر‬ ‫وقت طويل قبل أ‪ ،‬أتمكن من زيارتهم‪..‬‬ ‫كنت أشعر‪ ،‬لسبب غامض‪ ،‬أنني أصبحت يتيما ً مرة‬ ‫أخرى‪.

‬‬ ‫تشطره حاء الحرقة‪ ..‬‬ ..‬تراه لم يح ّ‬ ‫التي لم يتمتع بها غير أشهر مسروقة من العمر‬ ‫وتركها حاملً‪.‬‬ ‫ولماذا هذا الستعجال المفاجئ؟ لماذا ل ينتظر بعض‬ ‫الوقت ليرتِّب قضية غيابه ليام‪ ،‬ويقوم هو نفسه‬ ‫ك؟‬ ‫بتسجيل ِ‬ ‫لقد انتظر ستة أشهر‪ ،‬فلماذا ل ينتظر أسابيع أخرى‪.‬‬ ‫ث َّ‬ ‫م أعود وأخجل من وقار صوته‪ ،‬ومن مسحة الضعف‬ ‫النادرة التي غلّفت جملته تلك‪ ،‬هو الذي كان يريد أن‬ ‫يبدو أمامنا دائماً‪ ،‬رجل ً مهيبا ً ل هموم له سوى هموم‬ ‫الوطن‪ ،‬ول أهل له غير رجاله‪.‬وأضحك من القدر‪ ،‬وأضحك من نفسي‪،‬‬ ‫ومن غرابة المصادفات‪.‬كيف لم أحذر هذا السم المفرد‬ ‫_ الجمع كاسم هذا الوطن‪ ،‬وأدرك منذ البدء أن الجمع‬ ‫خلق دائما ً ليقتسم!‬ ‫بين البتسام والحزن‪ ،‬يحدث اليوم أن أستعيد تلك‬ ‫الوصية‪:‬‬ ‫"قبّلها عني‪ ".‬كيف لم أحذر اسما ً يحل ضده ويبدأ بـ‬ ‫"أح" اللم واللذة معاً‪ .‬فكيف لم أحذر‬ ‫اسمك الذي ولد وسط الحرائق الولى‪ ،‬شعلة صغيرة‬ ‫في تلك الحرب‪ .‬‬ ‫بين ألف اللم وميم المتعة كان اسمك‪..‬‬ ‫ولماذا أنا بالذات‪...‬فليس من‬ ‫ق الرموز أن تبكي شوقاً‪.‬ولم التحذير‪ .‬‬ ‫ن ويشتاق وقد‬ ‫لقد اعترف لي أنَّه رجل ضعيف؛ يح ّ‬ ‫يبكي ولكن‪ ،‬في حدود الحياء‪ ،‬وسرا ً دائماً‪ ..‬‬ ‫ي قدر جعلني أحضر إلى هناك بتوقيتك؟‬ ‫أ ّ‬ ‫كلما طرحت على نفسي هذا السؤال‪ ،‬دهشت له‬ ‫وآمنت بالمكتوب‪.‫كما يتعلق غريق بحبال الحلم‪.‬‬ ‫ح ّ‬ ‫ن إليها‪ ،‬هي العروس‬ ‫إنه لم يذكر أم ِ‬ ‫ك مثلً‪ .

‬ولم تكن قضية عبور‬ ‫الحدود بحراستها المشددة ودورياتها وكمائنها لتخيفه‪،‬‬ ‫ول حتى اجتياز (خط موريس) المكهرب والمفروش‬ ‫باللغام‪ ،‬والممتد بين الحدود التونسية الجزائرية من‬ ‫البحر إلى الصحراء‪ ،‬والذي اجتازه فيما بعد ثلث مرات‪،‬‬ ‫وهو رقم قياسي بالنسبة لعشرات المجاهدين الذين‬ ‫تركوا جثثهم على امتداده‪.‫فقد كان بإمكان (سي طاهر) برغم مسؤولياته أن‬ ‫يهرب ليوم أو ليومين إلى تونس‪ .‬أصبح أكثر مرونة وأكثر‬ ‫دعابة في أوقات فراغه‪.‬‬ ‫وربما فعل ذلك أيضا ً بعقلية عسكرية‪ ،‬وبهاجس وطني‬ ‫دون أن يدري‪ ..‬‬ ‫ب (سي طاهر) للنضباط‪ ،‬واحترامه للقوانين‬ ‫أكان ح ّ‬ ‫هو الذي خلق عنده ذلك الشعور بالقلق بعد ميلدك‪،‬‬ ‫وهو يكتشف عاجزا ً أنه أب منذ شهور لطفلة لم‬ ‫يمنحها اسماً‪ ،‬ولم يتمكن حتى من تسجيلها؟‬ ‫أم كان يخاف‪ ،‬هو الذي انتظرك طويلً‪ ،‬أن تضيعي منه‬ ‫إن هو لم يرسخ وجودك وانتسابك له على ورقة‬ ‫رسمية عليها ختم رسمي؟‬ ‫أكان يتشاءم من وضعك القانوني هذا‪ ،‬ويريد أن يسجل‬ ‫أحلمه في دار البلدية‪ ،‬ليتأكد من أنها تحولت إلى‬ ‫حقيقة‪ ...‬فقد كانت أحاديثه وخططه العسكرية‬ ‫ددها‬ ‫تبدأ غالبا ً بتلك الجملة التي كثيرا ً ما سمعته ير ِّ‬ ‫"لزمنا رجال يا جماعة‪".‬وأ َّ‬ ‫ن القدر لن يعود ليأخذها منه‪ ،‬هو الذي كان‬ ‫حلمه في النهاية أن يصبح أبا ً كالخرين بعد محاولة‬ ‫زواج فاشلة لم يرزق منها ذّرية؟‬ ‫ضل لو‬ ‫ول أدري إذا كان (سي الطاهر) في أعماقه يف ّ‬ ‫كان مولوده صبيّاً‪ .‬‬ .‬‬ ‫فجأة تغيّر الرجل الصلب‪ .‬أدري فقط‪ ،‬كما علمت فيما بعد‪،‬‬ ‫أنه حاول أن يتحايل على القدر وأن يترك قبل سفره‬ ‫اسما ً احتياطيا ً لصبي‪،‬متجاهل ً احتمال مجيء أنثى‪..‬‬ ‫إذن‪ ،‬لهذا كان (سي طاهر) يبدو سعيدا ً ومتفائل ً في‬ ‫ك ّ‬ ‫ل شيء في تلك الفترة‪..

..‬لقد غيّرته الب ّ‬ ‫رمزا ً جاهزا ً لمستقبل أجمل‪.‬‬ ‫ت‪.‬قصتي معك شريط‬ ‫مصور أخاف أن يحرقه الضوء ويلغيه‪ ،‬لنك امرأة نبتت‬ ‫في دهاليزي السرية‪.‫شيء ما كان يتغير تدريجيا ً داخله‪ ،‬ويجعله أقرب إلى‬ ‫الخرين‪ ،‬وأكثر تفهما ً لوضاعهم الخاصة‪.‬‬ ‫ورغم ذلك‪ .‬أكره هذا الجانب الفضولي والمحرج‬ ‫للشمس‪.‬‬ ‫لنك امرأة امتلكتها بشرعية السرية‪..‬‬ ‫معجزة صغيرة للمل‪ .‬‬ ‫أريد أن أكتب عنك في العتمة‪ .‬‬ ‫ل بد أن أكتب عنك بعد أن أسدل ك ّ‬ ‫ل الستائر‪ ،‬وأغلق‬ ‫نوافذ غرفتي‪.‬‬ ‫فقد أصبح يمنح البعض بسهولة أكثر تسريحات لزيارة‬ ‫خاطفة يقومون بها إلى أهلهم‪ ،‬هو الذي كان يبخل بها‬ ‫وة المتأخرة‪ ،‬التي جاءت‬ ‫على نفسه‪ ..‬فقد أهديتها لك مغلّفة بصورة مهذبة في‬ ..‬‬ ‫وها هو ذا النهار يفاجئني بضجيجه العتيادي‪ ،‬وبضوئه‬ ‫المباغت الذي يدخل النور إلى أعماقي غصبا ً عني‪،‬‬ ‫فأشعر أنه يختلس شيئا ً مني‪..‬يسعدني في هذه اللحظة منظر الوراق‬ ‫المكدسة أمامي‪ ،‬والتي ملتها البارحة‪ ،‬في ليلة نذرتها‬ ‫للجنون‪ .‬‬ ‫في هذه اللحظة‪ .‬‬ ‫طلع صباح آخر‪..‬كانت أن ِ‬ ‫* الجمل المكتوبة بخط مميز مأخوذة عن تواطؤ شعري من روايتي مالك حداد‬ ‫"سأهبك غزالة" و "رصيف الزهار لم يعد يجيب‪.

‬‬ ‫صفحات الكتب والمجلت‪ ،‬ول في أ ّ‬ .‬وجسدك أنت‪.‬إنه أحد‬ ‫أسمائك فقط‪ .‬‬ ‫ولكن قليل ً من الصبر سيّدتي‪...‬ثم أع ّ ِ‬ ‫ً‬ ‫صفحات أخرى ل بد منها‪ ،‬قبل أن أملك غرورا‪.‬ليس هذا اسمك على كل حال‪ ...‬وأتساءل‪ :‬أتراها حقاً‪ .‬أم عن امرأة تكاد‬ ‫تشبهك‪ ،‬أتأملها على غلف كتاب أنيق عنوانه "منعطف‬ ‫ت؟‬ ‫النسيان" ‪ .‬وأن ل شيء يعنيك في النهاية‪ ،‬خارج حدودك‬ ‫أنت‪ .‬اسمك‬ ‫جل على‬ ‫غير المتداول على اللسنة‪ ،‬وغير المس ّ‬ ‫ي سجلت رسمية‪.‬‬ ‫صفحات أخرى فقط‪ .‬‬ ‫من أين أبدأ قصتي معك؟‬ ‫ولقصتك معي عدّة بدايات‪ ،‬تبدأ مع النهايات غير‬ ‫المتوقعة ومع مقالب القدر‪..‬ل بدّ‬ ‫وشهوة‪ ..‬ع ّ‬ ‫كانت تحبو يوما ً عند قدمي‪ ..‬‬ ‫من تراني أتحدَّث؟ أعن طفلة‬ ‫وعندما أتحدث عنك‪ .‬فالكتب كوجبات الح ّ‬ ‫ن‬ ‫لها من مقدّمات أيضاً‪ ..‬وندما ً وجنوناً‪ ..‬‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫أدري أنَّك تكرهين الشياء المهذّبة جدا‪ .‬وإن كنت أعترف أ ّ‬ ‫"المقدمات" ليست مشكلتي الن بقدر ما يربكني‬ ‫البحث عن منطلق لهذه القصة‪....‫كتاب‪.....‬فلسمينَّك به إذن مادام هذا السم‬ ‫الذي عرفتك به‪ ،‬والسم الذي أنفرد بمعرفته‪ .‬‬ ‫ب‪ ...‬أم عن صبية قلبت بعد‬ ‫خمس وعشرين سنة حياتي‪ .‬وأن ّك أنانية‬ ‫جداً‪ .‬أن ِ‬ ‫وعندما أسميك فبأي اسم؟‬ ‫تُرى أدعوك بذلك السم الذي أراده والدك‪ ،‬وذهبت‬ ‫بنفسي لسجله نيابة عنه في سجلت البلدية‪ ،‬أم‬ ‫باسمك الول‪ ،‬ذلك الذي حملته خلل ستة أشهر في‬ ‫انتظار اسم شرعي آخر؟‬ ‫"حياة"‪.‬‬ ‫سأدعوك هكذا‪ .‬‬ ‫وأدري‪.‬‬ ‫ري أمامك ذاكرتي الخرى‪.

‬‬ ‫اسمك الطفولي الذي يحبو على لساني‪ ،‬وكأنك أنت‬ ‫منذ خمس وعشرين سنة‪ ..‬‬ ‫فأغفر لك لحظتها ك ّ‬ ‫ل خطاياك‪.‬‬ ‫كلما لفظته تدحرجت إلى الماضي‪ ،‬وعدت صغيرة في‬ ‫حجم دمية‪ .‬ول عن سنواتك الولى‪..‬‬ ‫هل أقرأ كتابك لعرف كيف تحولت تلك الطفلة‬ ‫الصغيرة إلى امرأة؟ ولكنَّني أعرف مسبقا ً أنك لن‬ ‫تكتبي عن طفولتك‪ .‫منحته لتعيشي وليمنحك الله الحياة والذي‬ ‫السم الذي ُ‬ ‫قتلته أنا ذات يوم‪ ،‬وأنا أمنحك اسما ً رسميا ً آخر‪ ،‬ومن‬ ‫ك رجل قبلي‬ ‫حقي أن أحييه اليوم‪ ،‬لنه لي ولم يُناِد ِ‬ ‫يه‪.‬وكلما لفظته‪ ،‬عدت طفلة‬ ‫تجلس على ركبتي وتعبث بأشيائي وتقول لي كلما ً ل‬ ‫أفهمه‪..‬وأنا الذي‬ ‫أنت التي تعلق ِ‬ ‫تعلّقت بك لنسى ما كنت أعرفه‪ ..‬‬ ‫اشتهاء!‬ .‬‬ ‫ت بي لتكتشفي ما تجهلينه‪ ...‬‬ ‫أنت تملئين ثقوب الذاكرة الفارغة بالكلمات فقط‪،‬‬ ‫وتتجاوزين الجراح بالكذب‪ ،‬وربما كان هذا سر تعلقك‬ ‫بي؛ أنا الذي أعرف الحلقة المفقودة من عمرك‪،‬‬ ‫وأعرف ذلك الب الذي لم تريه سوى مَّرات قليلة في‬ ‫حياتك‪ ،‬وتلك َ المدينة التي كنت تسكنينها ول تسكنك‪،‬‬ ‫وتعاملين أز َّ‬ ‫قتها دون عشق‪ ،‬وتمشين وتجيئين على‬ ‫ذاكرتها دون انتباه‪..‬أكان ممكنا ً لحبنا أن‬ ‫يدوم؟‬ ‫كان (سي طاهر) طرفا ً ثالثا ً في قصتنا من البدء حتى‬ ‫عندما ل نتحدث عنه‪ ،‬كان بيننا حاضرا ً بغيابه‪ ،‬فهل‬ ‫أقتله مرة ثانية لتفَّرد بك؟‬ ‫آه لو تدرين‪ .‬وإذا بك ابنتي‪..‬لو تدرين ما أثقل حمل الوصايا‪ ،‬حتَّى بعد‬ ‫ربع قرن‪ ،‬وما أوجع الشهوة التي يواجهها أكثر من‬ ‫مستحيل وأكثر من مبدأ فل يزيدها في النهاية إل ‪.

‬‬ ‫كان استثنائيا ً في حياته وفي موته‪ ..‬ما الذي سيبقى وقتها‪ ،‬لو أخرجتك من ذاكرتنا‬ ‫المشتركة وحولتك إلى فتاة عادية؟‬ ‫ً‬ ‫كان والدك رفيقا ً فوق العادة ‪ .‬فهناك علمات ل تخطئ‪.‬‬ ‫مات (سي طاهر) طاهرا ً على عتبات الستقلل‪ .‬‬ ‫دثك عن (سي طاهر)‪..‬‬ ‫ونهايتهم تغفر لهم ما يمكن أن يكونوا قد ارتكبوا من‬ ‫أخطاء‪.‬وقائدا فوق العادة‪.‬ويبقى صدى‬ ‫سؤالك مائلً‪" .‬ل شيء على أكتافه سوى وسام‬ ‫الشهادة‪.‫كان السؤال منذ البداية‪.‬‬ ‫فهل أنسى أنّه والدك‪ .‬‬ ‫الرموز تحمل قيمتها في موتها‪.‬فل أسهل من الحديث عن‬ ‫الشهداء‪ .‬وسؤالك الدائم يعيد لسمه‬ ‫هيبته حيا ً وشهيداً؟‬ ‫فيرتبك القلب الذي أحبّك حدّ الجنون‪ ...‬‬ ‫ووحدهم الذين ينوبون عنهم‪ ،‬يحملون قيمتهم في‬ ..‬تاريخهم جاهز ومعروف مسبقا ً كخاتمتهم‪...‬‬ ‫كيف لي أن ألغي (سي طاهر) م ذاكرتي‪ ،‬وألغي عمره‬ ‫من عمري‪ ،‬لمنح حبّنا فرصة ولدة طبيعية؟‬ ‫ولكن‪ ..‬وسيكتبه جيل لم يعرف الحقيقة ولكنه‬ ‫سيستنتجها تلقائياً‪ .‬ول كان من شهداء المصادفة‪ ،‬الذين فاجأهم‬ ‫الموت في قصف عشوائي‪ ،‬أو في رصاصة خاطئة‪.‬ل شيء في جيوبه غير‬ ‫أوراق ل قيمة لها‪ .‬‬ ‫سأحدثك عنه حبيبتي‪ .‬حدثني عنه‪".‬ل‬ ‫شيء في يده غير سلحه‪ ....‬‬ ‫كان من طينة ديدوش مراد‪ ،‬ومن عجينة العربي بن‬ ‫مهيدي‪ ،‬ومصطفى بن بولعيد‪ ،‬الذين كانوا يذهبون إلى‬ ‫الموت ول ينتظرون أن يأتيهم‪.‬فهل أنسى ذلك؟‬ ‫لم يكن من المجاهدين الذين ركبوا الموجة الخيرة‪،‬‬ ‫لضمنوا مستقبلهم‪ ،‬مجاهدي (‪ )62‬وأبطال المعارك‬ ‫الخيرة‪ .‬‬ ‫سأح ِّ‬ ‫فوحده تاريخ الشهداء قابل للكتابة‪ ،‬وما تله تاريخ آخر‬ ‫يصادر الحياء‪ ..

‬‬ ‫مازلت أذكر المّرات القليلة التي كان يحضر فيها إلى‬ ‫تونس لزيارتكم خلسة ليوم واحد أو ليومين‪.‬‬ ‫أو يراك أنت ربما طبيبة أو أستاذة كما كان يحلم‪..‬‬ ‫ها هو رجل أعطى الجزائر ك ّ‬ ‫ل شيء‪ ،‬ولم تعطه حتى‬ ‫فرصة أن يرى ابنه يمشي إلى جواره‪.‬وأنا أجهد نفسي في‬ ‫الوقت نفسه حتى ل أسرق منه تلك الساعات القليلة‬ ‫النادرة‪ ،‬التي كان يغامر بحياته ليقضيها برفقة عائلته‬ ‫الصغيرة‪.‬‬ ‫ست ساعات من الحصار والتطويق‪ ،‬ومنن القصف‬ ‫المركّز لدشرة بأكملها ليتمكن قتلته من نشر صورته‬ ‫على صفحات جرائد الغد كدليل على انتصاراتهم‬ ‫َ‬ ‫الساحقة على أحد المخّربين و "الف ّلقة" الذين‬ ‫أقسمت فرنسا أن تأتي عليهم‪.‬بحنان الذي كان يخفي خلف‬ ‫بجنون أب ّ‬ ‫صرامته الكثير من الحنان‪ ،‬بأحلم الذي صودرت منه‬ ‫الحلم‪ ،‬بزهو المجاهد الذي أدرك وهو يرى مولده‬ ‫الول‪ ،‬أنه لن يموت تماما ً بعد اليوم‪.‬‬ ‫رجل بثياب أخرى‪ ،‬بابتسامة وكلمات أخرى‪ ،‬وبجلسة‬ ‫يسهل له فيها إجلسك على ركبته طوال الوقت‬ .‬‬ ‫كنت أندهش وقتها‪ ،‬وأنا أكتشف فيه رجل ً آخر ل‬ ‫أعرفه‪..‬‬ ‫هفا ً لسماع آخر الخبار‪،‬‬ ‫وكنت وقتها أسرع إليه متل ِّ‬ ‫وتطورات الحداث على الجبهة‪ ..‫رتبهم وأوسمتهم الشرفيّة‪ ،‬وما ملوا به جيوبهم على‬ ‫عجل من حسابات سّرية‪.‬‬ ‫كم أحبّك ذلك الرجل!‬ ‫وة الربعين‪ .‬‬ ‫أكان حقا ً موت ذلك الرجل البسيط انتصارا ً لقوة‬ ‫عظمى‪ ،‬كانت ستخسر بعد بضعة أشهر الجزائر‬ ‫بأكملها؟!‬ ‫استشهد هكذا في صيف ‪ ،1960‬دون أن يتمتع بالنصر‬ ‫ول بقطف ثماره‪.

‬في تلك اللحظة التي ل نعود‬ ‫ننتظر فيها شيئاً؛ وإذا به يقلب فينا ك ّ‬ ‫ل شيء‪.‫لملعبتك‪...‬‬ ‫ولم يعد‪.‬وحدَّثته قليلً‪.‬‬ ‫والذي يأتي متأخراً‪ .‬‬ ‫ضلت أن أتركه لفرحته تلك‪ ،‬ولسعادته المسروقة‪.‬‬ ‫كان ناصر آنذاك ينهي شهره الثامن‪ ،‬وأنت تدخلين‬ ‫عامك الخامس‪.‬‬ ‫وبعضها يأتي متأخرا ً كما جاءت قصتي التي تقاطعت‬ ‫يومها معك‪..‬‬ ‫وف ّ‬ ‫وعندما عدت في الغد‪ ،‬قيل لي إنّه عاد إلى الجبهة‬ ‫على عجل مؤكدا ً أنه سيعود قريبا ً لمدة أطول‪.1960‬وكان‬ ‫حضر ليشهد أهم حدث في حياته؛ ليتعرف على مولوده‬ ‫الثاني "ناصر"‪ ،‬فقد كانت أمنيته السرية أن يُرزق يوماً‬ ‫بكر‪ .‬‬ ‫قصة فرعية‪ ،‬كتبت مسبقا ً وحولت مسار حياتي بعد‬ ‫عمر بأكمله‪ ،‬بحكم شيء قد يكون اسمه القدر‪ ،‬وقد‬ ‫يكون العشق الجنوني‪....‬‬ .‬‬ ‫كان يعيش كل لحظة بأكملها‪ ،‬وكأنه يعتر من الزمن‬ ‫الشحيح كل قطرات السعادة؛ وكأنه يسرق من العمر‬ ‫مسبقاً‪ ،‬ساعات يعرفها معدودة؛ ويمنحك مسبقا ً من‬ ‫الحنان زادك لعمر كامل‪.‬‬ ‫وكان الوطن في صيف ‪ 1960‬بركانا ً يموت ويولد ك ّ‬ ‫ل‬ ‫يوم‪ .‬وتتقاطع مع موته وميلده‪ ،‬أكثر من قصة‪ ،‬بعضها‬ ‫مؤلم وبعضها مدهش‪.‬‬ ‫ذاك الذي يفاجئنا من حيث ل نتوقع‪ ،‬متجاهل ً ك ّ‬ ‫ل‬ ‫مبادئنا وقيمنا السابقة‪.‬‬ ‫فهل يمكن لي اليوم‪ ،‬بعدما قطعت بيننا اليام جسور‬ ‫الكلم‪ ،‬أن أقاوم هذه الرغبة الجنونية لكتابة هاتين‬ ‫القصتين معاً‪ ،‬كما عشتهما معك ودونك‪ ،‬بعد ذلك‬ ‫بسنوات‪.‬فقد استشهد (سي‬ ‫طاهر) بعد بضعة أشهر دون أن يتمكن من رؤية ابنه‬ ‫مّرة ثانية‪.‬‬ ‫كانت آخر مرة رأيته فيها‪ ،‬في يناير سنة ‪ ..‬يومها لسبب غامض تأملته كثيراً‪ .‬‬ ‫انتهى بعد ذلك كرم القدر البخيل‪ .

‬وحقداً‪ ..‬وحلماً‪ .‬وغيرةً‪ .‬‬ ‫ي‪.‬دون جهد‪.‬‬ ‫كان "مونتيرلن" يقول‪:‬‬ .‬‬ ‫سأحدثك عن تلك المدينة التي كانت طرفا ً في حبّنا‪،‬‬ ‫والتي أصبحت بعد ذلك سببا ً في فراقنا‪ ،‬وانتهي فيها‬ ‫مشهد خرابنا الجميل‪.‬وعشقاً‪ ...‬‬ ‫ة‪ .‫ة‪..‬لقد اختار ك ّ‬ ‫ل منا‬ ‫قدره‪..‬‬ ‫كان ل بد أن أكتب من أجلك هذا الكتاب‪ ،‬لقول لك ما‬ ‫لم أجد متَّسعا ً من العمر لقوله‪.‬‬ ‫سأحدثك عن الذين أحبّوك لسباب مختلفة‪ ،‬وخنتهم‬ ‫لسباب مختلفة أخرى‪..‬وخيب ً‬ ‫رغب ً‬ ‫وفجائع حدّ الموت‪.‬أم الحب المز ّ‬ ‫أنت التي _كهذا الوطن_ تحترفين تزوير الوراق‬ ‫وقلبها‪ ..‬‬ ‫أنت التي كنت تحبّين الستماع إل ّ‬ ‫وتقلبينني كدفتر قديم للدهشة‪....‬‬ ‫م تراك ستتحدثين؟‬ ‫فع ّ‬ ‫ن منَّا أحببت؟‬ ‫م ْ‬ ‫ي رجل منَّا تراك كتبت؟ َ‬ ‫عن أ ّ‬ ‫ومن‪ .‬منّا ستقتلين؟‬ ‫ب‪،‬‬ ‫ولمن تراك أخلصت‪ ،‬أنت التي تستبدلين حبّا ً بح ّ‬ ‫وذاكرة بأخرى‪ ،‬ومستحيل ً بمستحيل؟‬ ‫وأين أنا في قائمة عشقك وضحاياك؟‬ ‫تراني أشغل المكانة الولى‪ ،‬لنني أقرب إلى النسخة‬ ‫الولى؟‬ ‫تراني النسخة المزورة لـ (سي طاهر) تلك التي لم‬ ‫ولها الستشهاد إلى نسخة طبق الصل؟‬ ‫يح ّ‬ ‫ور؟‬ ‫تراني البوة المزورة‪ .‬‬ ‫سأحدثك حتى عن زياد‪ ،‬أما كنت تحبِّين الحديث عنه‬ ‫وتراوغين؟‬ ‫لم يعد من ضرورة الن للمراوغة‪ ..

‬دعيني‬ ‫أجّرب أسلحتك‪.‬‬ ‫ل يمكن لرجل يحمل السلح بعد هذا العمر‪ ،‬أن يأخذ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل هذه الحتياطات‪.‫"إذا كنت عاجزا ً عن قتل من تدّعي كراهيته‪ ،‬فل تقل‬ ‫هر هذه الكلمة!"‪.‬‬ ‫دهشة بعد أخرى‪ ،‬وجرحا ً بعد آخر‪ ،‬فلم يحدث لدبنا‬ ‫التعيس هذا‪ ،‬أن عرف قصة أروع منها‪.‬‬ ‫فأنا أقتل معك أكثر من شخص‪ ،‬كان ل بد أن يجرؤ أحد‬ ‫على إطلق النار عليهم يوماً‪.‬‬ ‫ول شهد خرابا ً أجمل‪.‬‬ ‫أريد لموتك وقعا ً مدويا ً قدر المكان‪.‬أليس هو الذي أتى بنا من مدن أخرى‪،‬‬ ‫من زمن آخر وذاكرة أخرى‪ ،‬ليجمعنا في قاعة بباريس‪،‬‬ ‫في حفل افتتاح معرض للرسم؟‬ ‫يومها كنت أنا الرسام‪ ،‬وكنت أنت زائرة فضولية على‬ ...‬‬ ‫فربما كنت على حق‪ ...‬‬ ‫وطالعي قصتنا من جديد‪.‬‬ ‫محش ّ‬ ‫ولو كانت الكلمات رصاصا ً أيضاً؟‬ ‫ولكنَّني لن أستعمل معك مسدسا ً بكاتم صوت‪ ،‬على‬ ‫طريقتك‪.‬‬ ‫لم يكن القدر فيه هو الطرف الثاني‪ ،‬كان منذ البدء‬ ‫الطرف الول‪ .‬ماذا لو كانت الروايات مسدّسات‬ ‫وة بالكلمات القاتلة ل غير؟‪..‬‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫كان يوم لقائنا يوما ً للدهشة‪.‬‬ ‫إنَّك تكرهه‪ :‬أنت تع ّ‬ ‫دعيني أعترف لك أنني في هذه اللحظة أكرهك‪ ،‬وأنّه‬ ‫كان ل بدّ أن أكتب هذا الكتاب لقتلك به أيضاً‪ .‬‬ ‫فاقرأي هذا الكتاب حتى النهاية‪ ،‬بعدها قد تك ّ‬ ‫فين عن‬ ‫كتابة الروايات الوهمية‪..

‬‬ ‫قال البيض وهو يتأمل لوحة‪:‬‬ ‫‪!..‬‬ ‫واللون الذي يؤثّث وحده تلك القاعة الملى‪ ..‬بأكثر من‬ ‫زائر وأكثر من لون‪.‬يمكنني أن أقول إنني أحبتك‪ ،‬ما قبل‬ ‫النظرة الولى‪.‬‬ ‫كان وجهك يطاردني بين ك ّ‬ ‫ل الوجوه‪ ،‬وثوبك البيض‬ ‫المتن ّ‬ ‫قل من لوحة إلى أخرى‪ ،‬يصبح لون دهشتي‬ ‫وفضولي‪..‬‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬لست من الحماقة لقول إنني أحبتك من‬ ‫النظرة الولى‪ .‬أو كأنني كنت مستعدا ً منذ الزل لح ّ‬ ‫تشبهك تماماً‪..‬‬ ‫كان فيك شيء ما أعرفه‪ ،‬شيء ما يشدني إلى‬ ‫ً‬ ‫ي مسبقاً‪ ،‬وكأنني أحببت يوما امرأة‬ ‫ملمحك المحببة إل ّ‬ ‫َ‬ ‫ب امرأة‬ ‫تشبهك‪ .‬ول‬ ‫كنت أنا رجل ً يشعر بضعف تجاه الفتيات اللئي يصغرنه‬ ‫عمراً‪ .‬‬ ‫ربَّما لن البيض عندما يلبس شعرا ً طويل ً حالكاً‪ ،‬يكون‬ ‫َ‬ ‫قد غطّى على كل اللوان‪.‬وما‬ ‫الذي أوقف نظري طويل ً أمام وجهك؟‬ ‫كنت رجل ً تستوقفه الوجوه‪ ،‬لن وجوهنا وحدها‬ ‫ب‬ ‫تشبهنا‪ ،‬وحدها تفضحنا‪ ،‬ولذا كنت قادرا ً على أن أح ّ‬ ‫أو أكره بسبب وجه‪.‬‬ ‫لم تكوني فتاة تعشق الرسم على وجه التحديد‪ .‬‬ ‫ن لم نكن نحبّه‬ ‫ هل يولد الح ّ‬‫ب أيضا ً من لو ٍ‬ ‫بالضرورة!_‬ ‫وفجأة اقترب اللون البيض منّي‪ ،‬وراح يتحدث‬ ‫بالفرنسية مع فتاة أخرى لم ألحظها من قبل‪.Je prefere l'abstrait -‬‬ ...‫أكثر من صعيد‪.‬فما الذي قاد خطاك هناك ذلك اليوم؟‪ .

‬وليس بالضرورة ك ّ‬‫ل ما‬ ‫نفهمه!‬ ‫ي معا ً بشيء من الدهشة‪ ،‬وقبل أن تقولي‬ ‫نظرتما إل ّ‬ ‫شيئاً‪ ،‬كانت عيناك تكتشفان في نظرة خاطفة‪ ،‬ذراع‬ ‫مه بحياء في جيب‬ ‫جاكيتي الفارغة والمختبئ ك ّ‬ ‫سترتي‪.‬‬ ‫لم يكن يوما ً لوني المفضل‪ .‬فأنا أكره اللوان‬ ‫الحاسمة‪.‬تلك‬ ‫"الخلخل" التي لم يكن يخلو منها في الماضي‪ ،‬جهاز‬ .moi je prefere comprendre ce que je vois‬‬‫ولم تدهشني حماقة اللون الذي ل لون له‪ ،‬عندما‬ ‫ضل أن يفهم ك ّ‬ ‫ل ما يرى‪..‬‬ ‫ولكنني آنذاك انحزت إليك دون تفكير‪.‫وأجاب اللون الذي ل لون له‪:‬‬ ‫ ‪..‬فليس من طبعه أن‬ ‫ضل الغموض!‬ ‫يف ّ‬ ‫قبل ذلك اليوم‪ ،‬لم يحدث أن انحزت للون البيض‪..‬‬ ‫كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية‪.‬‬ ‫يف ّ‬ ‫أدهشني اللون البيض فقط‪ ..‬‬ ‫ووجدتني أقول لتلك الفتاة‪ ،‬وكأنني أواصل جملة‬ ‫ت‪:‬‬ ‫بدأتها أن ِ‬ ‫ الفن هو كل ما يهزنا‪ .‬‬‫وقبل أن تصلني كلماتك‪ .‬كان نظري قد تو َّ‬ ‫قف عند‬ ‫ذلك السوار الذي يزين معصمك العاري الممدود نحوي‪.‬‬ ‫ي القسنطينية التي تُعرف من ذهبها‬ ‫كان إحدى الحل ّ‬ ‫الصفر المضفور‪ ،‬ومن نقشتها المميزة‪ ...‬‬ ‫مددت نحوي يدك مصافحة وقلت بحرارة فاجأتني‪:‬‬ ‫ كنت أريد أن أهنّئك على هذا المعرض‪.

‬‬ ‫وكنت أعرف هذه التفاصيل‪..‬‬ ‫تقاطعت نظراتنا في نصف نظرة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كنت تتأملين ذراعي الناقصة‪ ،‬وأتأمل سوارا بيدك‪.‬‬ ‫فرحت أراهن على اكتشافك‪ .‬ولكن كنت لغزا ً ل تزيده التفاصيل إل غموضاً‪.‬ولكن كيف؟ وجاء صوتك بالفرنسية يخرجني‬ ‫من تفكيري قلت‪:‬‬ .‬‬ ‫كان كلنا يحمل ذاكرته فوقه‪..‬‬ ‫وكان يمكن لنا أن نتعرف على بعضنا بهذه الطريقة‬ ‫فقط‪ .‬‬ ‫مددت يدي إليك دون أن أرفع عيني تماما ً عنه‪ .‬‬ ‫وابتسمت لي‪.‬‬ ‫كأنني أعرفك وأتعرف عليك في آن واحد‪...‬‬ ‫(أ ّ‬ ‫وداهمني شعور غامض‪ ،‬منذ متى لم يستوقف نظري‬ ‫سوار كهذا؟‬ ‫لم أعد أذكر‪ .‬‬ ‫ر ما‬ ‫كنت فتاة عاديّة‪ ،‬ولكن بتفاصيل غير عادية‪ ،‬بس ّ ٍ‬ ‫يكمن في مكان ما من وجهك‪ .‬وربّما في ابتسامتك الغامضة وشفتيك‬ ‫المرسومتين بأحمر شفاه فاتح كدعوة سريّة لقبلة‪.‬إلى معصم‬ ‫ما) الذي لم يفارقه هذا السوار قط‪.‬‬ ‫ي‬ ‫أو ربما في عينيك الواسعتين ولونهما العسل ّ‬ ‫المتقل ِّب‪.‬‬ ‫أعرفها‪ .‬‬ ‫لم تكوني جميلة ذلك الجمال الذي يبهر‪ ،‬ذلك الجمال‬ ‫الذي يخيف ويربك‪....‬أتفحصك مأخوذا ً مرتبكاً‪.‫عروس ول معصم امرأة من الشرق الجزائري‪.‬‬ ‫رفعت عيني نحوك لول مرة‪.‬وفي‬ ‫عمر لحظة‪ ،‬عادت ذاكرتي عمرا ً إلى الوراء‪ .‬ربَّما في جبهتك العالية‬ ‫وحاجبيك السميكين والمتروكين على استدارتهما‬ ‫الطبيعية‪ .‬ربَّما منذ أكثر من ثلثين سنة!‬ ‫بكثير من اللباقة سحبت يدك التي كنت أشدّ عليها ربَّما‬ ‫دون أن أدري‪ ،‬وكأنني أمسك بشيء ما‪ ،‬استعدتِه فجأة‪.

.‬كنّا في حاجة‬ ‫إلى شيء جديد بنكهة جزائرية معاصرة كهذه‪ ..‬‬ ‫ونظرت مدهوشا ً إلى تلك الفتاة التي صافحتني‬ ‫بحرارة ل تخلو من شيء من الغرور‪...‬تلك التي حمل ُ‬ ‫اسمها وصية من الجبهة حتى تونس‪ ...‬عبد المولى‪.‬‬ ‫والخر (سي الشريف) تزوج قبل الستقلل‪ ،‬و قد‬ ‫يكون له اليوم عدة أولد وبنات‪.‬‬ ‫إنهما أخوان ل أكثر‪ ...‬أن ِ‬ ..‬‬‫انتفضت لسماع ذلك السم‪.‬لقد‬ ‫كنت أقول هذا لبنة عمي عندما فاجأتنا‪..‫ يسعدني أن يصل فنان جزائري إلى هذه القمة من‬‫البداع‪.‬إني سعيدة بلقائك‪.‬ونبت عن أبيها‬ ‫في دار البلدية‪ ،‬لتسجيلها رسميا ً في سج ِّ‬ ‫ل الولدات؟‬ ‫من منكما تلك الصغيرة التي قبّلتها نيابة عن أبيها‪ ،‬ول‬ ‫عبتها ودلّلتها نيابة عنه؟‬ ‫ت؟‬ ‫من منكما‪ .‬أنا ل أفهم كثيرا في الرسم‪ ،‬ولم أزر‬‫إل نادرا ً معارض فنية‪ ،‬ولكن يمكنني أن أحكم على‬ ‫الشياء الجميلة‪ ،‬ولوحاتك شي مميز‪ ..‬‬ ‫دم لي‬ ‫وعندما تقدمت تلك الفتاة مني لتصافحني‪ ،‬وتق ِّ‬ ‫نفسها‪ ،‬وكأنها بذلك ستصبح طرفا ً في وقفتنا‪ ،‬وذلك‬ ‫الحوار الذي وجدت نفسها خارجه بعدما تجاهلتها منذ‬ ‫البدء دون أن أدري‪...‬‬ ‫كنت أعرف عائلة عبد المولى جيداً‪.‬‬ ‫ت‬ ‫فمن منكما ابنة (سي الطاهر)‪ .‬أحدهما (سي طاهر) استشهد منذ‬ ‫اكثر من عشرين سنة‪ ،‬وترك صبيا ً وبنتا ً فقط‪..‬‬ ‫تفحصتها وكأنني أكتشف وجودها‪ ،‬ثم عدت لتأملك‬ ‫عساني أجد في ملمحك جوابا ً لدهشتي‪..‬‬ ‫وراحت الذاكرة تبحث عن جواب لتلك المصادفة‪.‬‬ ‫قالت وهي تعّرفني بنفسها‪:‬‬ ‫ النسة عبد المولى‪ .‬‬ ‫ثم أضفت بمسحة خجل‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ في الحقيقة‪ ...‬‬ ‫عبد المولى‪ ...

‬وكبرت إلى هذا‬ ‫الحد‪ .‬لقد كنت نسخة عن (سي طاهر)‪،‬‬ ‫المحبّب إل ّ‬ ‫نسخة أكثر جاذبية‪.‬‬ ‫ما الذي أوصلك إلى هذه المدينة‪ .‫وبرغم بعض الخطوط المشتركة لملمحكما‪ ،‬كنت أشعر‬ ‫ت‪ ....‬خلل عشرين سنة؟!‬ ‫رحت أتأملك مرة أخرى‪ ،‬وكأنني أرفض أن أعترف‬ ‫بعمرك‪ ،‬وربما أرفض أن أعترف بعمري وبالرجل الذي‬ ‫أصبحته منذ ذلك الزمن الذي يبدو لي اليوم غابراً‪..‬‬ ‫أنَّك أن ِ‬ ‫أو هكذا كنت أتمنى‪ ،‬وأنا أحلم قبل الوان بقرابة ما‬ ‫تكون جمعتني بك‪.‬‬ ‫كم كان عمرك وقتها؟‬ ‫أيعقل أن تكوني تغيرت إلى هذا الحدّ‪ .‬أيعقل أن تكوني أنت الطفلة التي رأيتها لخر‬ ‫مرة في تونس سنة (‪ )1962‬غداة الستقلل‪ ،‬عندما‬ ‫رحت أطمئن عليكم كالعادة‪ ،‬وأتابع بنفسي تفاصيل‬ ‫عودتكم إلى الجزائر؟ بعدما اتصل بي (سي الشريف)‬ ‫من قسنطينة‪ ،‬ليطلب مني بيع ذلك البيت الذي لم يعد‬ ‫هناك ضرورة لوجوده‪ ،‬والذي اشتراه (سي الطاهر)‬ ‫منذ عدّة سنوات ليهّرب إليه أسرته الصغيرة‪ ،‬عندما‬ ‫أبعدته فرنسا عن الجزائر في الخمسينيات‪ ،‬بعد عدة‬ ‫أشهر من السجن قضاها بتهمة التحريض السياسي‪.‬ل تلك‪.‬‬ ‫وتو َّ‬ ‫قعت فيه كل المفاجآت إل أن تكوني أنت‬ ‫مفاجأتي‪.‬‬ ‫وحسبت له ألف حساب لم تكوني ضمنه‪.‬‬ ‫فجأة أذهلني اكتشافي‪ ،‬وخفت من مواجهة عينيك‬ .‬‬ ‫كنت أنثى‪...‬‬ ‫ولكن‪ ..‬‬ ‫وأندهش لهذه المصادفة‪ ،‬وأجد فجأة تبريرا ً لوجهك‬ ‫ي مسبقاً‪ .‬وإلى هذه القاعة‬ ‫في هذا الزمن وهذا اليوم بالذات؟‬ ‫يوم انتظرته طويل ً لسبب ل علقة له بك‪.

‬‬ ‫سنة‪ ،‬وعل ّ‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫ هل لديك قرابة بسي الشريف عبد المولى؟‬‫أجابت بسعادة وكأنها تكتشف أن أمرها يعنيني‪:‬‬ ‫ إنه أبي‪ .‫اللتين كانتا تتابعان بشيء من الدهشة ارتباكي‪.‬لقد حدّثنا عنك كثيراً‪ ..‬‬ ‫كنت لحظت غيابه وتساءلت عن سببه‪ ،‬هل كان المانع‬ ‫ب ما يتحاشى‬ ‫شخصياً‪ ،‬أم سياسياً‪ .‬فقد كان‬ ‫جزءا ً من شبابي وطفولتي‪ .‬‬ ‫ولذا‪ ،‬ولسباب عاطفية محض‪ ،‬كان الشخصية‬ ‫الجزائرية الوحيدة التي دعوتها‪.‬ورغم ذلك لم يكن بإمكاني أن‬ ‫أتجاهل وجوده معي في المدينة نفسها‪ ..‬لقد تعذر عليه الحضور اليوم بسبب وصول‬‫وفد من الجزائر البارحة‪ .‬‬ ‫الول أنها لم تكن أنت‪ ،‬والثاني سبب تخلف (سي‬ ‫الشريف)‪.‬‬ ‫لم ألتق به منذ عدة سنوات‪ ،‬ولكن أخباره كانت تصلني‬ ‫عيِّن‪ ،‬قبل سنتين‪ ،‬ملحقا ً في السفارة‬ ‫دائما ً منذ ُ‬ ‫الجزائرية‪ ،‬وهو منصب ككل المناصب "الخارجية"‪،‬‬ ..‬‬ ‫من منكما‪ .‬كنت‬ ‫أعرف أنني إذا عرفتها سينحل اللغز‪ ،‬وأعرف تلقائياً‬ ‫ت‪.‬‬ ‫فقررت أن أطرح سؤالي بالمقلوب‪ ،‬وأنا أواصل‬ ‫حديثي مع الفتاة الخرى التي قدّمت لي نفسها‪ .‬وقد‬ ‫أثار فضولنا لمعرفتك لدرجة قّررنا أن نأتي مكانه اليوم‬ ‫لحضور الفتتاح!‬ ‫كان كلم تلك الفتاة على تلقائيته يحمل لي جوابين‪..‬أن ِ‬ ‫فقد كان لحداكما اسم أعرفه منذ خمس وعشرين‬ ‫ي فقط أن أتعرف على صاحبته‪..‬أم تراه كان لسب ٍ‬ ‫الظهور معي؟‬ ‫ن طرقنا تقاطعت منذ سنين عندما دخل‬ ‫كنت أدري أ ّ‬ ‫دهاليز اللعبة السياسية‪ ،‬وأصبح هدفه الوحيد الوصول‬ ‫إلى الصفوف المامية‪ .‬وكان بعض ذاكرتي‪.

..‬‬ ‫ولحظتها سرت في جسدي قشعريرة مبهمة‪.‬‬ ‫الضواء الموجهة نحو اللوحات‪ ،‬وكأنها مو ّ‬ ‫وكأنك كنت اللوحة الصلية‪.‬‬ ‫ت‪.‬‬ ‫تتأملين بعضها‪ ،‬تتوقفين عند بعضها الخر‪ ،‬وتعودين‬ ‫إلى الدليل الذي تمسكيه بيدك لتتعرفي على أسماء‬ ‫اللوحات التي تلفت نظرك الكثر؟‬ ‫ت‪.‬‬ ‫أن ِ‬ ‫أكنت أنت‪ .‬نور آخر يضيء كل لوحة تمرين بها‪ ،‬فتبدو‬ ‫جهة نحوك‪.‫يتطلب كثيرا ً من الوساطة والكتاف العريضة‪.‬‬ ‫وكان بإمكان (سي الشريف) أن يشق طريقه إلى هذا‬ ‫المنصب ولهم منه بماضيه فقط‪ ،‬وباسمه الذي خلّده‬ ‫سي الطاهر باستشهاده‪ ...‬في قاعة تتفرجين فيها على لوحاتي‪.‬لقد كان هناك أكثر من قدر‪ ،‬أكثر من مكتوب‪.‬‬ ‫خطر ببالي ك ّ‬ ‫ل ذلك‪ ،‬وأنا أحاول بدوري أن أتأقلم مع‬ ‫كل المفاجآت والنفعالت التي هزتني في بضع‬ ‫لحظات‪ ،‬والتي كانت بدايتها أنني وددت أن أسلم على‬ ‫فتاة جميلة تزور معرضي ل غير‪ .‬فإذا بي أسلّم على‬ ‫ذاكرتي!‬ ‫وعدت إلى دهشتي الولى معك‪.‬‬ ‫أكثر من مصادفة‪.‬‬ ‫أن ِ‬ ‫تراك أنت‪ ......‬ولكن يبدو أن الماضي لم‬ ‫يكن كافيا ً بمفرده لضمان الحاضر‪ ،‬وكان عليه أن‬ ‫يتأقلم مع ك ّ‬ ‫ل الرياح للوصول‪.‬‬ ‫إلى كل التفاصيل الولى التي لفتت نظري إليك منذ‬ ‫البدء‪ .‬‬ ‫أنت إذن‪.‬إلى تلك اللوحة بالذات التي توقفت طويلً‬ ‫أمامها‪ ..‬‬ ‫تتوقفين أمام لوحة صغيرة لم تستوقف أحداً‪ .‬تتأملينها‬ ‫بإمعان أكبر‪ ،‬تقتربين منها أكثر‪ ،‬وتبحثين عن اسمها‬ ‫في قائمة اللوحات‪.‬‬ .

.‬‬ ‫لم تكن محاولة للبداع ول لدخول التاريخ‪ .‬‬ ‫واستيقظ فضول الر ّ‬ ‫ي‪.‬رسمتها كما‬ ‫يرسم تلميذ في امتحان للرسم منظرا ً ليجيب على‬ ‫ورقة الستاذ‪:‬‬ ‫"ارسم أقرب منظر إلى نفسك"‪.‬وتقولين لرفيقتك‬ ‫كلما ً ل يصلني شيء منه‪.‬فمن أين يمكن لذلك الطبيب أن‬ .‬‬ ‫كان يسألني كل مرة أزوره فيها عن اهتماماتي‬ ‫الجديدة‪ ،‬وهو يلحظ إحباطي النفسي المستمر‪.‬؟‬ ‫من تكونين‪ ،‬أنت الواقفة أمام أح ّ‬ ‫ب لوحاتي ل ّ‬ ‫رحت أتأملك مرتبكا ً وأنت تتأملينها‪ ..‬‬ ‫إنها الجملة التي قالها لي ذلك الطبيب اليوغسلفي‬ ‫الذي قدم مع بعض الطباء من الدول الشتراكية إلى‬ ‫تونس‪ ،‬لمعالجة الجرحى الجزائريين‪ ،‬والذي أشرف‬ ‫على عملية بتر ذراعي وظل يتابع تطوراتي الصحية‬ ‫والنفسية فيما بعد‪.‬كنت‬ ‫كرة صوف متداخلة‪ ...‫سام المجنون داخلي‪.‬‬ ‫رسمتها منذ خمس وعشرين سنة‪ ،‬وكان مَّر على بتر‬ ‫ذراعي اليسرى أق ّ‬ ‫ل من شهر‪.‬‬ ‫كنت الرجل الذي رفضه الموت ورفضته الحياة‪ .‬‬ ‫كنت أعيش في تونس‪ ،‬ابنا ً لذلك الوطن وغريبا ً في‬ ‫الوقت نفسه؛ حرا ً ومقيدا ً في الوقت نفسه؛ سعيداً‬ ‫وتعيسا ً في الوقت نفسه‪.‬كانت‬ ‫محاولة للحياة فقط‪ ،‬والخروج من اليأس‪ ..‬‬ ‫ما الذي أوقفك أمامها؟‬ ‫لم تكن أجمل ما في القاعة من لوحات‪ ،‬كانت لوحتي‬ ‫الولى وتمريني الول في الرسم فقط‪.‬‬ ‫ولكنني أصررت هذه المرة‪ ،‬على أن تكون حاضرة في‬ ‫معرضي الهم هذا‪ ،‬لنني اعتبرتها برغم بساطتها‪،‬‬ ‫معجزتي الصغيرة‪.‬‬ ‫لم أكن مريضا ً ليحتفظ بي الطبيب في مستشفى‪ ،‬ول‬ ‫كنت معافى بمعنى الكلمة لبدأ حياتي الجديدة‪.

‬ول ته ّ‬ ‫الكتابات ول مستواها الدبي‪ .‬الرسم أيضا ً قادر‬ ‫وإذا كنت تف ّ‬ ‫على أن يصالحك مع الشياء ومع العالم الذي تغيّر في‬ ‫د‬ ‫نظرك‪ ،‬لنك أنت تغيّرت وأصبحت تشاهده وتلمسه بي ٍ‬ ‫واحدة فقط‪.‬‬ ‫ضل الرسم فارسم‪ .‫ل به ك ّ‬ ‫يجد رأس الخيط الذي يح ّ‬ ‫ل عقدي؟‬ ‫وعندما سألني ذات مّرة‪ ،‬وهو يكتشف ثقافتي‪ ،‬هل‬ ‫ب الكتابة أو الرسم‪ ،‬تمسكت بسؤاله وكأنني‬ ‫كنت أح ّ‬ ‫سك بقشه قد تنقذني من الغرق‪ ،‬وأدركت فوراً‬ ‫أتم ّ‬ ‫الوصفة الطبية التي كان يعدها لي‪.‬وخاصة حسب‬ ‫مستواه الثقافي‪ ،‬فوحده المث َّ‬ ‫قف يعيد النظر في‬ ‫نفسه ك ّ‬ ‫ل يوم‪ ،‬ويعيد النظر في علقته مع العالم ومع‬ ‫الشياء كلما تغيّر شيء في حياته‪.....‬‬ .‬‬ ‫عليك أن تختار ما هو اقرب إلى نفسك‪ ،‬وتجلس لتكتب‬ ‫دون قيود ك ّ‬ ‫م نوعية تلك‬ ‫ل ما يدور في ذهنك‪ .‬وعليكم أن تعيد‬ ‫بناء علقة جديدة مع العالم من خلل الكتابة أو‬ ‫الرسم‪..‬لقد مّرت‬ ‫بي أكثر من حالة من هذا النوع‪ ،‬ولذا أعتقد أن فقدانك‬ ‫ذراعك قد أخ ّ‬ ‫ل بعلقتك بما هو حولك‪ .‬‬ ‫ب‬ ‫وكان يمكن أن أجيبه ذلك اليوم بتلقائية‪ ..‬‬ ‫لقد أدركت هذا من تجربتي في هذا الميدان‪ .‬المهم الكتابة في حد‬ ‫ذاتها كوسيلة تفريغ‪ ،‬وأداة ترميم داخلي‪..‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ إن العملية التي أجريتها عليك‪ ،‬أجريت مثلها عشرات‬‫المّرات على جرحى كثيرين فقدوا في الحرب ساقا ً أو‬ ‫ن تأثيرها‬ ‫ذراعاً‪ ،‬وإذا كانت العملية ل تختلف‪ ،‬فإ ّ‬ ‫النفسي يختلف من شخص إلى آخر‪ ،‬حسب عمر‬ ‫المريض ووظيفته وحياته الجتماعية‪ ..‬إنني أح ّ‬ ‫الكتابة‪ ،‬وأنها القرب إلى نفسي‪ ،‬مادمت لم أفعل‬ ‫شيئا ً طوال حياتي‪ ،‬سوى القراءة التي تؤدي تلقائياً‬ ‫إلى الكتابة‪.

‬يوم‬ ‫نزل جبرائيل عليه السلم على محمد لول مرة فقال‬ ‫له "اقرأ" فسأله النبي مرتعدا ً من الرهبة‪" .‬‬‫لم تقنعه جملتي المقتضبة فسألني إن كنت رسمت‬ ‫قبل اليوم‪."..‬فتعبر قشعريرة غامضة‬ ‫جسدي وأنا أتذكر في غفوتي أول سورة للقرآن‪ .‬دثريني‪.‬‬ ‫رحت يومها أتأمل تلك الجدران على غير عادتي‪ ،‬وأنا‬ ‫أفكر في كل ما يمكن أن أعلق عليها من لوحات بعد‬ ‫ل الزقة التي أحب‪ ..‬‬ ‫عدت يومها إلى غرفتي مسرعا ً أريد أن أخلو لنفسي‬ ‫بين تلك الجداران البيضاء‪ ،‬التي كانت استمراراً‬ ‫لجدران مستشفى "الحبيب ثامر" الذي كان حتى ذلك‬ ‫الوقت‪ ،‬المكان الذي أعرفه الكثر في تونس‪.‬ك ّ‬ ‫ب‪ .‬‬ ‫نمت في تلك الليلة قلقاً‪ ،‬وربما لم أنم‪ ."...‬‬ ‫قلت‪" :‬ل‪.‬‬ ...‫كان يمكن أن أجيبه كذلك‪ ،‬فقد تنبأ لي أساتذتي دائماً‬ ‫بمستقبل ناجح‪ ..‬كنت أستعيده داخل بدلته البيضاء‪ ،‬يودعني‬ ‫وهو يشدّ على يدي "ارسم"‪ .‬‬ ‫قال‪" :‬إذن ابدأ برسم أقرب شيء إلى نفسك‪ .‬ارسم‬ ‫ب شي إليك‪.‬‬ ‫أح ّ‬ ‫وعندما ودّعني قال بسخرية الطباء عندما يعترفون‬ ‫ي‬ ‫بعجزهم بلباقة‪ " :‬ارسم‪ .....‬في الدب الفرنسي!‬ ‫ولهذا أجبته دون تفكير‪ ،‬أو ربما بموقف اكتشفت فيما‬ ‫بعد أنه كان جاهزا ً في أعماقي‪:‬‬ ‫ أفضل الرسم‪.".‬كل وجوه من أح ّ‬ ‫ما تركته خلفي هناك‪..‬ك ّ‬ ‫ل‬ ‫اليوم‪ ..‬كان صوت ذلك‬ ‫الطبيب يحضرني بفرنسيته المكسرة ليوقظني‬ ‫"ارسم"‪ .‬وما كاد‬ ‫يراها حتى صاح "دثريني‪ .‬فقد ل تكون في حاجة إل ّ‬ ‫بعد اليوم!"‪.‬وعندما انتهى عاد النبي‬ ‫إلى زوجته وجسده يرتعد من هول ما سمع‪ .‬ماذا‬ ‫أقرأ؟" فقال جبريل "اقرأ باسم ربّك الذي خلق" وراح‬ ‫يقرأ عليه أول سورة للقرآن‪ .

‬‬ ‫وها أنا ذا اليوم‪ ،‬في غربة أخرى وبحزن وبقهر آخر‪.‬‬ ‫"دثريني قسنطينة‪ .‬لوحة لشاب في السابعة‬ ‫والعشرين من عمره‪ ،‬كان أنا بغربته وبحزنه وبقهره‪.‬ووقفت كمجنون على عجل أرسم "قنطرة‬ ‫الحبال" في قسنطينة‪..‬ولكن لم أقل شيئاً‬ ‫ليلتها‪ ،‬ل لقسنطينة ول لصاحب الغرفة البائس‪.‬وكأنه أحب شيء لدي كل‬ ‫مرة‪.‬وبرعشة‬ ‫كنت ذلك المساء أشعر برجفة الح ّ‬ ‫ربما كان سببها توتري النفسي يومها‪ ،‬وقلقي بعد‬ ‫ذلك اللقاء الذي كنت أعرف أنه آخر لقاء لي مع‬ ‫الطبيب‪ ..‬صعب على رجل‬ ‫عائد لتوه من الجبهة‪ ،‬أن يعترف حتى لنفسه بالبرد‪.‬وقليل من النتصارات الستثنائية‪.‫مى الباردة‪ .‬وتلك‬ ‫"البطانية" الصوفية التي كانت غطائي في مواسم‬ ‫البرد القسنطيني‪ ،‬كدت أصرخ في ليل غربتي‪.‬‬ ‫احتفظت بح َّ‬ ‫ماي وبرودتي لنفسي‪ .‬‬ ‫خمس وعشرون سنة‪ ،‬عمر اللوحة التي أسميتها دون‬ ‫كثير من التفكير "حنين"‪ .‬‬ ‫ي حقاً‪ ،‬لقف بتلقائية‬ ‫أكان ذلك الجسر أح ّ‬ ‫ب شيء إل ّ‬ ‫لرسمه وكأنني وقفت لجتازه كالعادة؟ أم تراه كان‬ ‫أسهل شيء للرسم فقط؟‬ ‫ل أدري‪....‬‬ ‫ولكن بربع قرن إضافي‪ ،‬كان لي فيه كثير من الخيبات‬ ‫والهزائم الذاتية‪ ...‬دثريني‪ "..‬‬ ‫انتظرت فقط طلوع الصباح لشتري بما تبقى في‬ ‫جيبي من أوراق نقدية ما أحتاج إليه لرسم لوحتين أو‬ ‫ثلث‪ .‬‬ .‬‬ ‫وكدت أصرخ وأنا أتذكر فراش طفولتي‪ .‬‬ ‫أدري أنني رسمته مرات ومرات بعد ذلك‪ ،‬وكأنني‬ ‫أرسمه كل مرة لول مرة‪ .‬وربما أيضا ً بسبب ذلك الغطاء الخفيف الذي‬ ‫كان غطائي الوحيد في أوج الشتاء القارس‪ ،‬والذي لم‬ ‫يمنحني مستأجري البخيل غيره‪.

.‬‬ ‫ي صغير نزل عليه الوحي ذات خريف‬ ‫ها أنا اليوم‪ ...‫ها أنا اليوم أحد كبار الرسامين الجزائريين‪ ،‬وربما كنت‬ ‫أكبرهم على الطلق؛ كما تشهد بذلك أقوال النقاد‬ ‫الغربيين الذين نقلت شهادتهم بحروف بارزة على‬ ‫بطاقات دعوة الفتتاح‪.‬‬ .‬أين هو الدكتور‬ ‫ل ّ‬ ‫د واحدة‪.‬‬ ‫"كابوتسكي" ليرى ماذا فعلت بي ٍ‬ ‫ذلك الذي لم أسأله يوما ً ماذا فعل بيدي الخرى!‬ ‫وها هي "حنين" لوحتي الولى‪ ،‬وجوار تاريخ رسمها‬ ‫(تونس ‪ )57‬توقيعي الذي وضعته لول مرة أسفل‬ ‫لوحة‪ .‬‬ ‫لوحة في عمرك‪ ...‬‬ ‫لوحة كانت بدايتي مرتين‪ ...‬تماما ً كما وضعته أسفل اسمك‪ ،‬وتاريخ ميلدك‬ ‫جلك في‬ ‫الجديد‪ ،‬ذات خريف من سنة ‪ ،1957‬وأنا أس ِّ‬ ‫دار البلدية لول مرة‪.‬نب ّ‬ ‫في غرفة صغيرة بائسة‪ ،‬في شارع "باب سويقة"‬ ‫بتونس‪.‬‬ ‫ها أنا نبي خارج وطنه كالعادة‪ ..‬‬ ‫وتصغرك في الواقع ببضعة أشهر ل غير‪.‬وكيف ل ول كرامة‬ ‫لنبي في وطنه؟‬ ‫ها أنا "ظاهرة فنية؟‪ ،‬كيف ل وقدر ذي العاهة أن يكون‬ ‫"ظاهرة" وأن يكون جبارا ً ولو بفنه؟‬ ‫ها أنا ذا‪.‬ومرة يوم وقفت أنت‬ ‫أمامها‪ ،‬وإذا بي أدخل في مغامرة مع القدر‪..‬ومن منكما حبيبتي؟ سؤال لم‬ ‫يخطر على بالي ذلك اليوم‪ ،‬وأنا أراك تقفين أمام تلك‬ ‫اللوحة لول مرة‪...‬‬ ‫من منكما طفلتي‪ .‬مرة يوم أمسكت بفرشاة‬ ‫لبدأ معها مغامرة الرسم‪ .‬تكبرينها _ رسميا ً _ ببضعة أيام‪..‬‬ ‫فأين هو ذلك الطبيب الذي نصحني بالرسم ذات مرة؟‬ ‫والذي صدقت نبوءته ولم احتاج إليه بعد ذلك اليوم؟ إنه‬ ‫الغائب الوحيد في هذه القاعة الشاسعة التي لم يسبق‬ ‫ي عربي أن عرض فيها لوحاته قبلي‪ ...

‬فهل كان من المنطقي أن اطلب منك رقم‬ ‫هاتفك في لقائنا الول أو صدفتنا الولى تلك‪ .‬غربة كنت أحاول أن‬ ‫أختصرها بعملية حسابية كاذبة‪ ،‬تتحول فيها السنوات‬ ‫إلى ثماني مفكرات ل غير‪ ،‬مازالت مكدسة في خزانتي‬ ‫الواحدة فوق الخرى‪ ..‬‬ ‫يشهد على ذلك غياب رقمك الهاتفي وعنوانك من تلك‬ ‫الصفحة التي لم تكن تحمل في النهاية سوى تاريخ‬ ‫لقائك‪ .‬كأنني أطوقك وأطارد ذكراك‬ ‫لتدخلي دائرة ضوئي إلى البد‪.‬وكنت املها غالبا ً كي ل أتركها‬ ‫بيضاء‪ ،‬فقد كان اللون البيض يخيفني دائما ً عندما‬ ‫يكون على مساحة ورق‪.‬‬ ‫ثماني مفكرات لثماني سنوات‪ ،‬لم يكن فيها ما‬ ‫يستحق الدهشة‪ .‬قبل ذلك اليوم‪،‬‬ ‫لم أجد في سنواتي الماضية ما يستحق التميز‪..‬‬ ‫أضع دائرة حول تاريخ ذلك اليوم‪ ،‬وكأنني أغلق عليك‬ ‫داخل تلك الدائرة‪ ..‬إنما حسب أرقام سنوات هجرتي‬ ‫الختيارية‪.‬وبأي‬ ‫مبرر وبأية حجة سأفعل ذلك‪ ،‬وك ّ‬ ‫ل السباب تبدو‬ ‫مل ّ‬ ‫فقة عندما يطلب رجل من فتاة جميلة رقم هاتفها؟‬ .‬مسجلة ل حسب تواريخها‬ ‫الميلدية أو الهجرية‪ .‬وكنت أعي وقتها تماما ً أن الولدة على‬ ‫يدك كالوصول إليك أمر لن يكون سهلً‪..‬‬ ‫فقد كانت أيامي مثل أوراق مفكرتي ملى بمسودات‬ ‫ل تستحق الذكر‪ .‬جميعها صفحة واحدة لمفكرة واحدة‬ ‫ل تاريخ لها سوى الغربة‪ .‬‬ ‫كنت أتصرف عن حدس مسبق‪ ،‬وكأن هذا التاريخ‬ ‫سيكون منعطفا ً للذاكرة؛ كأنه سيكون ميلدي الخر‬ ‫على يديك‪ .‫على مفكرة ملى بمواعيد وعناوين ل أهمية لها‪،‬‬ ‫وضعت دائرة حول تاريخ ذلك اليوم‪ :‬نيسان ‪،1981‬‬ ‫وكأنني أريد أن أميزه عن بقية اليام‪ .

. je vous remercie‬‬‫وتكاد تجهش الذاكرة بالبكاء‪ .‬وما أجمل أن تكوني أنت‪ .‬هي أنت!‬ ‫أتدرين‪..‬‬ ‫ واشك‪..‫كنت أشعر برغية في الجلوس إليك‪ .‬ما أجمل أن‬ ‫مي في سوار بمعصمك؛ ويعود الوطن اليوم في‬ ‫تعود أ ّ‬ ‫مقدمك‪ .‬‬ ‫كانت الكلمات تتعثر يومها على لساني‪ ،‬وكأنني أتحدث‬ ‫لك بلغة ل أعرفها‪ ..‬تلك التي عرفتك طفلة‬ ‫تحبو‪.‬‬ ‫تكاد ترتعش ذراعي الوحيدة وهي تقاوم رغبة جامحة‬ ‫لحتضانك‪ ،‬وسؤالك بلهجة قسنطينية افتقدتها‪.‬في التحدث‬ ‫والستماع إليك‪ .‬فما‬ ‫أجمل أن يعود الشهداء هكذا في طلّتك‪ .‬عساني أتعّرف على النسخة الخرى‬ ‫لذاكرتي‪ .‬يا‬ ‫طفلة تلبس ذاكرتي‪ ،‬وتحمل في معصمها سوارا ً كان‬ ‫لمي؟‬ ‫مك ّ‬ ‫ل من أحببتهم فيك‪ .‬؟‬‫آه واشك‪ ..‬أيتها الصغيرة التي كبرت في غفلة منِّي‪...‬بلغة ل تعرف شيئا ً عنّا‪ .Bien..‬‬ .‬أتأملك وأستعيد‬ ‫دعيني أض ّ‬ ‫ملمح (سي الطاهر) في ابتسامتك ولون عينيك‪ ..‬‬ ‫ ‪?Mais comment allez-vous mademoiselle‬‬‫ي بنفس المسافة اللغوية‪:‬‬ ‫فتردين عل ّ‬ ‫ ‪.‬أيعقل بعد‬ ‫عشرين سنة أن أصافحك وأسألك بلغة فرنسية‬ ‫محايدة‪.....‬ولكن كيف أقنعك بذلك؟ كيف أشرح لك في‬ ‫لحظات أنني أعرف الكثير عنك‪ ،‬أنا الرجل الذي‬ ‫تقابلينه لول مرة‪ ،‬والي تتحدثين إليه كما نتحدث‬ ‫بالفرنسية للغرباء بضمير الجمع‪ .‬فل أملك إل أن‬ ‫أجيبك بنفس كلم الغرباء بالجمع‪..‬‬ ‫كيف أنت أيتها الزائرة الغريبة التي لم تعد تعرفني‪ ..

.‬‬ ‫كنت أريد أن أوقظ فضولك لمعرفتي أكثر‪ ،‬لكي أضمن‬ ‫عودتك لي ثانية‪ .‬‬ ‫ولنه لم يكن في الوقت متسع لسرد عليك فصول‬ ‫قصتي المتقاطعة مع قصتك‪ ،‬اكتفيت بجملتين أو ثلث‬ ‫عن علقاتي القديمة بأبيك‪ .‬تحدثت فيها أنا أكثر مما‬ ‫تحدثت أنت‪ ..‬‬ ‫رغب في البكاء‪).‬‬ ‫كيف أشرح لك ك ّ‬ ‫ل هذا مّرة واحدة‪ .‬‬ ‫ربع ساعة من الحديث أو أكثر‪ ..‬‬ ‫أنني كنت انتظرك دون أن أصدق ذلك؟‬ ‫وأنه ل بد أن نلتقي‪.‬نسيت أن أمنحك‬ ‫فرصة أكثر للحديث‪..‬‬ ‫ولكنني قلت بصوت طبيعي ل علقة له بزلزلي‬ ‫الداخلية‪:‬‬ ...‬‬ ‫وعن لوحة قلت إنك أحببتها‪ ،‬وقلت لك إنها توأمك!‬ ‫اخترت جملي بكثير من القتضاب‪ .‬‬ ‫أجمع حصيلة ذلك اللقاء الول‪.‬ونحن وقوف‬ ‫تتقاسمنا العين والسماع؟‬ ‫كيف أشرح لك أنني كنت مشتاقا ً إليك دون أن أدري‪.‬‬ ‫ن‪ .‬وحده وجودك كان يثير شهيتي‬ ‫للكلم‪..‫(إذا صادف النسان شيء جميل مفرط في الجمال‪..‬‬ ‫لم أكن أريد أن أنفق ورقتي الوحيدة معك في يوم‬ ‫واحد على عجل‪..‬كنت في‬ ‫الواقع أحاول أن أستبقيك بالكلمات‪ .‬‬ ‫تركت بين الكلمات كثيرا ً من نقط النقطاع‪ .‬وعن طفولتك الولى‪.‬وعندما سألتني "هل ستكون موجوداً‬ ‫هنا طوال فترة المعرض؟" أدركت أنني نجحت في أول‬ ‫امتحان معك‪ ،‬وأنا أجعلك تفكرين في لقائي مرة ثانية‪..‬وأ َّ‬ ‫ما أنا فكنت لحظتها ل أرغب سوى‬ ‫في الحديث عنك‪ .‬حماقة ندمت عليها فيما بعد‪ .‬كنت على‬ ‫كنت سعيدا ً وأنا أكتشف شغفك بالف ّ‬ ‫استعداد لمناقشتي طويل ً في كل لوحة‪ ،‬كان كل شيء‬ ‫معك قابل ً للجدل‪ .‬لشعارك‬ ‫بثقل الصمت الذي لم تمله الكلمات‪.‬‬ ‫ومصادفتك أجمل ما ح ّ‬ ‫ل بي منذ عمر‪.‬وكثير من الذكاء‪.

‬‬ ‫تزودت منك بآخر نظرة‪ ،‬وأنت تصافحينني قبل أن‬ ‫تنسحبي‪.‬‬ ‫كنت فقط أحاول أل أجعلك تعودين عن قرارك لسبب‬ ‫ما‪.".‬ثم أضفت‬ ‫وأنا أكتشف أن جوابي قد ل يشجعك على زيارة قد‬ ‫أكون غائبا ً عنها‪:‬‬ ‫"ومن الرجح أن أكون هنا كل يوم‪ ،‬فستكون لي‬ ‫مواعيد كثيرة مع الصحافيين والصدقاء‪..‬ثم التفت نحوي سائلة‪:‬‬ ‫"متى ينتهي المعرض؟"‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫"في ‪ 25‬نيسان‪ .‬لن‬ ‫يمكنني أن أرافقك‪ ،‬ولكن قد أعود أنا أيضا ً في يوم‬ ‫آخر‪ ".‬ويسعدني أن أتحدث إليك‬ ‫أكثر‪..‬‬ .‬‬ ‫كان في عينيك دعوة لشيء ما‪.‬‬ ‫صاحت‪:‬‬ ‫"عظيم‪ .‬‬ ‫المهم أن أراك مرة واحدة على انفراد‪ ،‬وبعدها سيصبح‬ ‫ك ّ‬ ‫ل شيء أسهل‪.‬‬ ‫تنفست الصعداء‪.‬إنه اليوم الكثر مشاغل بالنسبة لي‪ .‬ولكنني لم أكن‬ ‫في الواقع مضطرا ً للبقاء طوال الوقت في المعرض‪.".‬‬ ‫قلت وأنت تتحدثين لي فجأة بطريقة الصدقاء‬ ‫القدامى‪:‬‬ ‫"قد أعود لزيارة المعرض يوم الثنين القادم‪ ..‬سأجد فرصة للعودة مرة أخرى‪"..‬إنه‬ ‫اليوم الذي ل دروس لي فيه‪ .‬في الحقيقة أنا حضرت‬ ‫اليوم عن فضول فقط‪ .."...‬أي بعد عشرة أيام‪....‬‬ ‫كان فيهما وعد غامض بقصة ما‪.‬‬ ‫كان في ذلك الكلم شيء من الحقيقة‪ ....‫"سأكون هنا بعد الظهر في أغلب الحيان‪ ".‬‬ ‫تدخلت ابنة عمك‪ ،‬وكأنها تعتذر‪ ،‬وربما تتحسر لنها لن‬ ‫تكون طرفا ً في ذلك اللقاء‪:‬‬ ‫"خسارة‪ .

.‬‬ ‫ت‪ .‬متألقا ً في انسحابه كما في‬ ‫قدومه‪.‬لن تهربي مني‪ ،‬وتختفي في شوارع باريس‬ ‫وأزقتها المتشعبة بهذه السهولة‪ .‬أعرف على القل‬ ‫أنك تعدين شهادة ما في المدرسة العليا للدراسات‪،‬‬ ‫وأنك في السنة الخيرة للدراسة‪ ،‬وأنك في باريس منذ‬ ‫ن في باريس‬ ‫أربع سنوات‪ ،‬وتقيمين عند عمك منذ عي ّ‬ ‫أي منذ سنتين‪ ..‬وكنت بدأت في العدّ العكسي‬ ‫منذ تلك اللحظة التي غادرت فيها القاعة‪ ،‬رحت أعدّ‬ ‫اليام الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم الثنين‪ ..‬وربما‬ ‫نظرة اعتذار مسبقة عن كل ما سيحل بي من كوارث‬ ‫بعد ذلك بسببهما‪..‫كان فيهما شيء من الغرق اللذيذ المحبب‪ .‬أعدتهما على نفسي بعد ذلك عدة‬ ‫مرات‪ ،‬لقنع نفسي أنك لم تكوني "نجما ً مذنباً" عابراً‬ ‫كذاك الذي يضيء في المسيات الصيفية‪ ،‬ويختفي‬ ‫قبل أن يتمكن الفلكيون من مطاردته بمنظارهم‪،‬‬ ‫والذي يسمونه في قواميس الفلك‪" ..‬‬ ‫كانت اليام الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم الثنين تبدو‬ ‫طويلة وكأنها ل تنتهي‪ .‬‬ ‫ما الذي أعرفه عنك؟‬ ‫شيئان أو ثلثة‪ .‬‬ ‫وكنت أعي في تلك اللحظة‪ ،‬وذلك اللون البيض‬ ‫يوليني ظهره ملت ّ‬ ‫فا ً بشال شعره السود‪ .‬ضوءا ً يشق الطريق‬ ‫غادرت القاعة إذن مثلما جئ ِ‬ ‫انبهارا ً عند مروره‪ ..‬وذيل ً من مشاريع‬ ‫الحلم‪.‬‬ ‫يجر خلفه أكثر من قوس قزح‪ .‬معلومات قد تكون هزيلة‪ ،‬ولكنها تكفي‬ ‫للعثور عليك بأية طريقة‪..‬وانتهى المر‪..‬تارة‬ ‫أعدّها فتبدو لي أربعة أيام‪ ،‬ثم أعود وأختصر الجمعة‬ ‫الذي كان على وشك أن ينتهي‪ ،‬والثنين الذي سأراك‬ .‬ويبتعد عني‬ ‫تدريجيا ً ليختلط بأكثر من لون‪ ،‬أنني سواء رأيتك أم لم‬ ‫أرك بعد اليوم‪ ،‬فقط أحببتك‪ .‬النجم الهارب"!‬ ‫ل‪ ..

‬جاءت متأخرة كما كنت أتوقع‪ .‬ربما تخجل أن يراها بعض معارفها‬ ‫وهي مع رجل عربي‪ ،‬يكبرها بعشر سنوات‪ ،‬وينقصها‬ ‫بذراع!‬ ‫كانت تحب أن تلتقي بي‪ ،‬ولكن دائما ً في بيتي أو‬ ‫بيتها‪ ،‬بعيدا ً عن الضواء‪ ،‬وبعيدا ً عن العيون‪ ،‬هنالك‬ ‫فقط كانت تبدو تلقائية في مرحها وفي تصرفها‬ ‫معي‪ .‬كنت أعرف أنها تكره‬ ‫اللقاءات العامة‪ ،‬أو تكره كما استنتجت أن تظهر معي‬ ‫في الماكن العامة‪ .‬داخل فستان أصفر ناعم‪ ،‬تطير داخله كفراشه‪.‬‬ ‫قالت وهي تضع قبلة على خدي‪:‬‬ ‫ لقد وصلت متأخرة‪ ..‬ويكفي أن ننزل معا ً لنتناول وجبة غداء في‬ ‫المطعم المجاور‪ ،‬ليبدو عليها شي من الرتباك‬ .‬‬ ‫ل كاملة‪ ،‬هي‬ ‫ثم أعود فأعدّ الليالي‪ .‬‬ ‫كانت كاترين تسكن الضاحية الجنوبية لباريس‪ ..‬فتبدو لي ثلث ليا ٍ‬ ‫الجمعة والسبت والحد‪ ،‬أتساءل وأنا أتوقع مسبقاً‬ ‫طولها‪ ،‬كيف سأقضيها؟ ويحضرني ذلك البيت الشعري‬ ‫القديم الذي لم أصدّقه من قبل‪:‬‬ ‫أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت دهرا ً ل أعد‬ ‫اللياليا‬ ‫ترى أهكذا يبدأ الحب دائماً‪ ،‬عندما نبدأ في استبدال‬ ‫مقاييسنا الخاصة‪ ،‬بالمقاييس المتفق عليها‪ ،‬وإذا‬ ‫بالزمن فترة من العمر‪ ،‬ل علقة لها بالوقت؟‬ ‫في ذلك اليوم‪ ،‬سعدت وأنا أرى "كاترين" تدخل‬ ‫القاعة‪ .‬كان هناك ازدحام في الطريق‬‫كالعادة في مثل هذا الوقت‪.‬أنيقة كما كنت‬ ‫أتوقع‪ .‫فيه‪ ،‬فتبدو لي المسافة أقصر وأبدو أقدر على‬ ‫التحمل‪ ،‬إنها يومان فقط هما السبت والحد‪.‬وكانت‬ ‫المواصلت تتضاعف في نهاية السبوع‪ ،‬في تلك‬ ‫الطرقات الرابطة بين باريس وضواحيها‪ ،‬والتي لم‬ ‫يكن ذلك السبب الوحيد لتأخرها‪ .

‬‬ ‫أم أنها اكتشفت في هذا المكان‪ ،‬أنها كانت منذ سنتين‬ ‫تضاجع عبقريا ً دون أن تدري‪ ،‬وأ َّ‬ ‫ن ذراعي الناقصة التي‬ ‫كانت تضايقها في ظروف أخرى‪ ،‬تأخذ هنا بعدا ً فنياً‬ ‫فريدا ً ل علقة له بالمقاييس الجمالية؟‬ ‫اكتشفت لحظتها‪ ،‬أنني خلل الخمس والعشرين سنة‬ ‫التي عشتها بذراع واحدة‪ ،‬لم يحدث أنني نسيت عاهتي‬ ‫إل في قاعات العرض‪..‬أو ربما في‬ ‫السنوات الولى للستقلل‪ .‬لم أعد أناقشها‬ ‫ول أقترح عليها شيئاً‪ .‬‬ ‫كنت تحمل ذاكرتك على جسدك‪ ،‬ولم يكون ذلك يتطلب‬ .‬ولم تكن مطالبا ً بتقديم أي شرح ول أي‬ ‫سرد لقصتك‪.‬أيها العزيز‪..‬‬ ‫في تلك اللحظات التي كانت فيها العيون تنظر إلى‬ ‫اللوحات‪ ،‬وتنسى أن تنظر إلى ذراعي‪ ...‬‬ ‫ما الذي غيّر سلوكها فجأة‪ ،‬هل منظر ذلك الحشد من‬ ‫الشخصيات الفنية والصحافيين الذين حضروا الفتتاح‪..‬كانوا يوحون بالحترام أكثر مما يوحون‬ ‫بالشفقة‪ .‬كان ذلك أوفر وأكثر راحة لي‪،‬‬ ‫فلماذا ك ّ‬ ‫ل هذا الجدل؟‬ ‫قالت كاترين بصوت أعلى من العادة وهي تمسك‬ ‫ذراعي وتلقي نظرة على اللوحات المعلقة التي كانت‬ ‫تعرفها جميعاً‪:‬‬ ‫ برافو خالد‪ ،‬أهنئك‪ .‬رائع ك ّ‬‫ل هذا‪ .‬‬ ‫تعجبت شيئا ً ما‪ ،‬كانت تتحدث هذه المرة وكأنها تريد أن‬ ‫يعرف الخرون أنها صديقتي أو حبيبتي‪ .‬وقتها كان للمحارب‬ ‫هيبته‪ ،‬ولمعطوبي الحروب شيء من القداسة بين‬ ‫الناس‪ .‫مها الوحيد أن نعود إلى البيت‪.‬‬ ‫والتصنع‪ ،‬ويصبح ه ّ‬ ‫وهكذا تعودت عندما تحضر أن أشتري مسبقا ً ما يكفينا‬ ‫من الكل لقضاء يوم أو يومين معاً‪ .‬أو أي شيء‬ ‫من هذا القبيل‪.

..‬‬ ‫ل ليست هذه الماكن لك‪ .‬تفسد على البعض راحتهم‪..‬وتنتمي‬ ‫تعيش في بلد يحترم موهبتك ويرفض ُ‬ ‫لوطن‪ ،‬يحترم جراحك ويرفضك أنت‪ .‬‬ ‫أ ّ‬ ‫اليوم بعد ربع قرن‪ ،..‬‬ ‫للبدلت النيقة والسيارات الفخمة‪ ..‬‬ ‫ويحدث أن تحزن‪ ،‬وأنت تأخذ الميترو وتمسك بيدك‬ ‫الفريدة الذراع المعلقة للركاب‪ .‬تشعر أن الناس ينتظرون منك‬ ‫في ك ّ‬ ‫ل مّرة أن تسرد عليهم قصتك‪.‬‬ ‫وأنت الرجل والجرح في آن واحد‪ .‫ي تفسير‪.‬فأيهما تختار‪.".‬‬ ‫ليس هذا الزمن لك‪ ،‬إنه زمن لما بعد الحرب‪.‬وأنت الذاكرة‬ ‫المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى‬ ‫واجهة لها؟‬ ..‬‬ ‫ها أنت أمام جدلية عجيبة‪.‬‬ ‫يدك الناقصة تزعجهم‪ .‬‬ ‫شهامة‪ ،‬تجعلك تف ّ‬ ‫إنها أماكن محجوزة لمحاربين غيرك‪ ،‬حربهم لم تكن‬ ‫حربك‪ ،‬وجراحهم ربما كانت على يدك‪.‬ولذا كثيرا ً ما تخجل من ذراعك وهي ترافقك‬ ‫في الميترو وفي المطعم وفي المقهى وفي الطائرة‬ ‫وفي حفل تدعى إليه‪ .‬‬ ‫ل العيون المستديرة دهشة‪ ،‬تسألك سؤال ً واحداً‬ ‫ك ّ‬ ‫تخجل الشفاه من طرحه‪" :‬كيف حدث هذا؟"‪.‬شي من العّزة‪ ،‬من بقايا‬ ‫ضل البقاء واقفا ُ معلقا ً بيد واحدة‪.‬‬ ‫جروحك‪ .‬فغير معترف بها هنا‪.‬‬ ‫أما جراحك أنت‪ .‬ثم تقرأ على بعض‬ ‫الكراسي تلك العبارة‪:‬‬ ‫"أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل‪..‬أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ‬ ‫الذي تخفيه بحياء في جيب سترتك‪ ،‬وكأنك تخفي‬ ‫ذاكرتك الشخصية‪ ،‬وتعتذر عن ماضيك لكل من ل‬ ‫ماضي لهم‪.‬‬ ‫تفقدهم شهيتهم‪.‬والبطون‬ ‫المنتفخة‪ .

‬‬ ‫ها أنا ذا في هذه القاعة إذن‪ .‬ويعيد عجن‬ ‫تضاريس الشياء بيد واحدة‪.‬وها هوذا جنوني معلّق‬ ‫للفرجة على الجدران‪ ....‬‬ ‫جاء صوت كاترين خافتا ً وكأنها تتحدث لي وحدي هذه‬ ‫المرة‪:‬‬ ‫ عجيب‪ .‬مثل لوحة‬ ‫في متحف!"‪.‬إنها تماما ً مثل‬ ‫الشخاص‪ .‫أسئلة لم أكن أطرحها على نفسي في السابق‪ .‬ول أملك إل أن أبتسم‪ ،‬وبعض‬ ‫تلك التعليقات المتناقضة تصل مسمعي‪ ..‬تح ّ‬ .‬إنهم يتغيرون أول ما تضعينهم في قاعة‬ ‫تحت الضواء!"‬ ‫ولكنني لم أقل لها هذا‪.‬‬ ‫كان داخلي شيء ل ينام‪ ،‬شيء يواصل الرسم دائماً‬ ‫وكأنه يواصل الركض بي ليوصلني إلى هذه القاعة‪،‬‬ ‫حيث سأعيش ليام رجل ً عاديا ً بذراعين‪ ،‬أو بالحرى‬ ‫رجل ً فوق العادة‪...‬إنني أرى هذه اللوحات وكأنني ل أعرفها‪،‬‬‫إنها هنا تبدو مختلفة‪..‬تح ّ‬‫أن ندلّلها ونمسح الغبار عنها‪ ،‬أن نرفعها عن الرض‬ ‫ب أن نعلقها‬ ‫ونرفع عنها اللحاف الذي نغطِّيها به‪ ..‬‬ ‫رجل ً يسخر من هذا العالم بيد واحدة‪ ..‬وأتذكر قولً‬ ‫ساخرا ً لـ "كونكور"‪:‬‬ ‫"ل شي يسمع الحماقات الكثر في العالم‪ ..‬‬ ‫قلت لها فقط‪:‬‬ ‫ب الضواء وتتجمل لها‪ ،‬تحب‬ ‫ اللوحة أنثى كذلك‪ .‬‬ ‫كدت أجيبها وأنا أواصل فكرة سابقة‪:‬‬ ‫"إن للوحات مزاجها وعواطفها أيضاً‪ .‬تتفحصه العيون وتفسره‬ ‫الفواه كيفما شاءت‪ .‬كنت‬ ‫أهرب منها بالعمل فقط‪ ،‬والخلق المتواصل‪ ،‬وذلك‬ ‫الرق الداخلي الدائم‪.

‬سأسبقك‪...‬من أين تأتي بهذه الفكار؟ أتدري‬‫أنني أحب الستماع إليك؟ ل أفهم كيف ل نجد أبداً‬ ‫وقتا ً للحديث عندما نلتقي‪..‫في قاعة لتتقاسمها العين حتى ولو لم تكن معجبة‬ ‫بها‪.‬‬ ‫قالت وكأنها شعرت فجأة بالغيرة من كل تلك اللوحات‬ ‫المعلقة بعناية على الجدران‪ ،‬والتي ما زال بعض‬ ‫الزوار يتأملونها‪:‬‬ ‫ أنا متعبة بعض الشيء‪ .‬‬‫وعندما أخذت كاترين منّي مفاتيح البيت‪ ،‬وطارت‬ ‫كفراشة داخل فستانها الصفر نحو الباب‪.‬أضافت‬ ‫بنوايا أعرفها وهي تضحك‪..‬‬ ‫كنت أريد فقط أن أستعين بها لنسى‪ .‬‬ ‫إنها تكره في الواقع أن تعامل بتجاهل ل غير‪..‬‬ ‫قالت وهي تفكر‪:‬‬ ‫ صحيح ما تقوله‪ .‬ولشهيتها التي ل‬ ‫تشبع‪:‬‬ ‫ هذا المساء إذا شئت‪..‬انتظارك‬ ‫ب بعد شهر من‬ ‫أنت! وكنت في حاجة إلى ليلة ح ّ‬ ‫الوحدة‪ ،‬والركض لعداد ك ّ‬ ‫ل تفاصيل هذا المعرض‪.‬كالعادة‪،‬‬ ‫عل ّ‬ ‫لم أحاول أن أتعمق في فهمها‪.‬أم جاءتني بجوع مسبق؟‪ .‬كنت سعيدا ً أن‬ ‫أختصر معها يوما ً أو يومين من النتظار‪ ..‬‬‫أكانت حقا ً متعبة إلى هذا الحد‪ ،‬أم أصبحت فجأة تغار‬ ‫ي أو تغار منّي‪ ...‬‬ ‫ متى ستعاملني أخيرا ً كلوحة؟‬‫قلت وأنا أضحك لسرعة بداهتها‪ .‬‬ ..‬‬ ‫وقبل أن أعلّق على سؤالها بجواب مقنع جداً‪ .

‬وأعترف أنني مدين لكاترين‬ ‫بكثير من اكتشافاتي‪ ،‬فل شيء كان يجمعني بهذه‬ .‬بل إنني ربما كنت‬ ‫أحبها لنها تختلف عني حدّ التناقض أحياناً‪...‬ولذا ل‬ ‫يمكنها أن تهب رجل ً ما يلزمه من أمان‪.‬‬ ‫ليلتها‪ ،‬ادّعيت أنني لست جائعاً‪.‫لحقت بكاترين بعد ساعة‪.‬‬ ‫فل أجمل من أن تلتقي بضدك‪ ،‬فذلك وحده قادر على‬ ‫أن يجعلك تكتشف نفسك‪ .‬أن أحترم طريقتها في الحياة‪ ،‬ول‬ ‫أحاول أن أصنع منها نسخة منّي‪ ..‬بشرعية الجنون!‬ ‫ولكن شعرت لحظتها وهي جالسة في الريكة المقابلة‬ ‫لي تشاهد الخبار‪ ،‬وتلتهم (سندويتشاً) أحضرته معها‪،‬‬ ‫أنها امرأة كانت دائما ً على وشك أن تكون حبيبتي‪،‬‬ ‫وأنها هذه المّرة _ كذلك _ لن تكونها!‬ ‫إن امرأة تعيش على "السندويتشات" هي امرأة تعاني‬ ‫من عجز عاطفي‪ ،‬ومن فائض في النانية‪ .‬أحدها لقائي العجيب بك‬ ‫وك ّ‬ ‫ل ما عشته من هّزات نفسية ذلك اليوم‪.‬‬ ‫ودت منذ تعرفت على كاترين أل أبحث كثيرا ً عن‬ ‫تع ّ‬ ‫أوجه الختلف بيننا‪ .‬الوحي ل ينتظر كثيرا ً كما تعلمين!‬ ‫ضحكنا‪.‬‬ ‫كنت متعبا ً لسباب كثيرة‪ .‬فعدت مسرعا إلى‬‫البيت‪ .‬‬ ‫قالت وهي تفتح لي الباب‪:‬‬ ‫ إنك لم تتأخر كثيراً‪..‬‬‫قلت وأنا أداعبها‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ كان في ذهني مشروع لوحة‪ ..‬‬ ‫كان بيننا تواطؤ جسدي ما‪ ،‬يشيع بيننا تلك البهجة‬ ‫الثنائية‪ ،‬تلك السعادة السرية التي نمارسها دون‬ ‫قيود‪ .‬‬ ‫في الحقيقة كنت رافضا ً وربما عاجزا ً عن النتماء‬ ‫لزمن "السندويتشات"‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك‪..‬‬ ‫حاولت أل أتوقف عند تلك التفاصيل التي كانت تستفّز‬ ‫بداوتي في أول المر‪..

‬‬ ‫ن كاترين ظلّت معي حتى عشية يوم الحد‪،‬‬ ‫ورغم أ ّ‬ ‫فإن الوقت بدا لي طويلً‪ ،‬وربما بدا لي أكثر لنها‬ ‫كانت معي‪ .‬وكيف أق ّ‬ ‫صتنا؟‬ ‫ق ّ‬ ‫كيف أغريك بالعودة من جديد لسماع بقيّتها؟‬ ‫صباح الثنين‪ ،‬لبست بدلتي الجمل لموعدنا المحتمل‪.‬‬ ‫وكان كافيا ً لنكون سعيدين معاً‪.‬وعدم‬ ‫اللتزام بشيء تجاه أحد‪.‫المرأة في النهاية‪ ،‬سوى شهوتنا المشتركة وحبنا‬ ‫المشترك للفن‪..‬‬ ‫كنت في الوقع أخاف أن أبقى وحيدا ً مع ساعتي‬ ‫الجدارية في انتظار يوم الثنين‪..‬في البدء تأقلمت بصعوبة مع هذا النمط‬ ‫العاطفي الذي ل مكان فيه للغيرة ول للمتلك‪..‬ولكن كنّا نلتقي دائماً‬ ‫بشوق وبرغبة مشتركة‪.‬‬ ‫كانت كاترين تقول "ينبغي أل نقتل علقتنا بالعادة"‪،‬‬ ‫ولهذا أجهدت نفسي حتى ل أتعود عليها‪ ،‬وأن أكتفي‬ ‫بأن أكون سعيدا ً عندما تأتي‪ ،‬وأن أنسى أنها مّرت من‬ ‫هنا عندما ترحل‪.‬‬ .‬فقد بدأت فجأة أستعجل ذهابها وكأنني‬ ‫سأخلو بك عند ذلك‪..‬‬ ‫كانت أفكاري تدور حول سؤال واحد‪.‬‬ ‫كان يحدث أن نلتقي مّرة في السبوع‪ ،‬كما يحدث أن‬ ‫تمّر عدة أسابيع قبل أن نلتقي‪ .‬‬ ‫ث َّ‬ ‫م وجدت فيه حسنات كثيرة‪ ،‬أهمها الحّريّة‪ .‬‬ ‫تعودنا مع مرور الزمن أل نزعج بعضنا بالسئلة ول‬ ‫بالتساؤلت‪ ..‬‬ ‫في تلك المرة حاولت أن أستبقيها لقضاء ك ّ‬ ‫ل نهاية‬ ‫السبوع معي‪ ،‬وسعدت أن تقبل عرضي بحماس‪.‬‬ ‫ماذا أقول لك لو انفردت بك يوم الثنين؟ من أين أبدأ‬ ‫ص عليك تلك القصة العجيبة‪،‬‬ ‫معك الحديث‪ .

‬لم يكن‬ ‫ي ضوء‬ ‫هناك من أضواء موجهة نحو اللوحات‪ ،‬ول أ ّ‬ ‫كهربائي يضيء السقف‪.‬وكان صوت داخل ّ‬ ‫ليذكرني أنك ستأتين‪ ،‬ويمنعني من التركيز على أي‬ ‫شيء‪.‬‬ .‬فلم يكن يعقل أن تأتي قبل تلك‬ ‫الساعة‪ ،‬وحتى القاعة نفسها لم تكن تفتح أبوابها قبل‬ ‫العاشرة‪..‬وضعت عطري المف ّ‬ ‫واتجهت نحو قاعة المعرض نحو الساعة العاشرة‪.‬‬ ‫اتجهت نحو لوحتي الصغيرة "حنين" أتفقدها وكأنني‬ ‫أتفقدك‪.‬‬ ‫هاهي امرأة تتثاءب على الجدران بعد أمسية صاخبة‪.‬‬ ‫ها هي لوحاتي تستيقظ كامرأة‪ ،‬بتلك الحقيقة‬ ‫الصباحية العارية دون زينة ول مساحيق ول "رتوش"‪.‬‬ ‫ألقيت نظرة خاطفة على الجدران‪..‬‬ ‫يا حزني المعلّق منذ ربع قرن؟"‪.‫ضل‪،‬‬ ‫اخترت بذوق ربطة عنقي‪ ..‬‬ ‫"صباح الخير قسنطينة‪ .‬كيف أنت يا جسري المعلق‪.‬‬ ‫إننا نفهم بعضنا أنا وهذه اللوحة "البلدي يفهم من‬ ‫غمزة!"‬ ‫وكانت لوحة بلديّة مكابرة مثل صاحبها‪ ،‬عريقة مثله‪،‬‬ ‫تفهم بنصف غمزة!‬ ‫جلة‬ ‫هى ببعض المشاغل التي كانت مؤ ّ‬ ‫رحت بعدها أتل ّ‬ ‫منذ البارحة‪ .‬كان في الجو شحنة غامضة من الكآبة‪ .‬‬ ‫عندما دخلت القاعة‪ ،‬كنت أول من يطأها في ذلك‬ ‫الصباح‪ .‬‬ ‫ستأتي‪.‬‬ ‫كان أمامي متَّسع من الوقت لشرب قهوتي الصباحية‬ ‫في مقهى مجاور‪ .‬‬ ‫فابتسمت لها بتواطؤ‪.‬طريقة مثل أخرى لكسب الوقت‪ ،‬والتفّرغ‬ ‫ي يلحقني أثناء ذلك‪،‬‬ ‫لك فيما بعد‪ .‬‬ ‫ي اللوحة بصمتها المعتاد‪ ،‬ولكن بغمزة صغيرة‬ ‫ردّت عل ّ‬ ‫هذه المّرة‪.

‬‬ ‫وكلما تقدّم الوقت زاد يأسي‪.‬ز وأسأله بدوي عن أخباره وإن كنت أدري‬ ‫ن في مرافقة سي الشريف له وفي مبالغته في‬ ‫أ ّ‬ ‫تكريمه دليل ً على أنه مرشح لمنصب وزاري ما كما‬ .‬تذكَّرت‬ ‫أغنية فرنسية يقول مطلعها "أردت أن أرى أختك‪.‫ستأتي‪ .‬‬ ‫ومّر مساء ولم تأ ِ‬ ‫حاولت أن أنشغل بلقاءات وتفاصيل يومية كثيرة‪،‬‬ ‫حاولت أن أنسى أنني هنا لنتظارك‪..‬‬‫قال بمودة وهو يحتضنني بدوره‪:‬‬ ‫ واش آسيدي‪ .‬كنت أتر ّ‬ ‫قبك في كل خطوة‪...‬وأعترف‬ ‫قالها وهو يحتضنني ويسلّم عل ّ‬ ‫برغم خيبتي أنه لم يحدث أن شعرت بسعادة وأنا أسلّم‬ ‫عليه مثل تلك المرة‪.‬سي الشريف!‬ ‫نهضت إليه مسلّما ً وأنا أخفي عنه دهشتي‪ ......‬‬ ‫فرأيت أ ّ‬ ‫ ع السلمة يا سيدي‪ ..‬‬ ‫وقبل أن أسأله عن أخباره قال وهو يقدّم لي ذلك‬ ‫الصديق المشترك الذي كان يرافقه‪:‬‬ ‫ي؟‬ ‫ شفت شكون جبتلك معا َ‬‫صحت وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى‪:‬‬ ‫ أهل ً سي مصطفى واش راك‪ ..‬‬ ‫وفجأة فتح الباب ليدخل منه‪ .".‬لو كان ما نجيوكش ما نشوفوكش وإل‬‫كيفاش؟‬ ‫رحت أجامله‪.‬واش هاذ الطلة‪.‬عاش من شافك!‬‫ي بحرارة‪ .‬‬ ‫قابلت صحافيا ً وتحدثت لخر دون أن تفارق عيناي‬ ‫الباب‪ .‬ردّد الصوت ساعة وساعتين وأكثر‪ .‬‬ ‫مك كالعادة‪..‬ومّر صبح‬ ‫ت‪.

‬‬ ‫عب بنا الحديث في مواضيع أخرى تطرقنا‬ ‫ضحكنا‪ .‬هل نسيت؟‬ ‫س‪ .‬أنا هنا منذ سنتين‬ ‫وعنواني معروف عندك‪.‬وكم كنت أتمنى لحظتها لو أستطيع ذلك‪.‬لقد كنت أول من أريته لوحاتك‬ ‫وقتها‪ .‬؟‬‫أجبته بصدق‪:‬‬ ‫ ل أبداً‪ .‬أيعقل أن نسكن هذه المدينة معا ً دون أن‬‫تفكّر في زيارتي مّرة واحدة؟‪ ....‬أل تذكر أنَّك‬‫بدأت الرسم يوم كنّا معا ً في تونس؟ مازلت أذكر حتَّى‬ ‫لوحاتك الولى‪ .‬ولكن ليس من السهل على شخص سكنته‬‫الغربة أن يجمع أشياءه هكذا ويعود‪ ..‬‬ ‫وكان ل بد أن يتو ّ‬ ‫قفا بعد ذلك أمام إحدى اللوحات‬ ‫وهما يقومان بجولة لمشاهدة المعرض‪ ..‬‬ ‫كان سي مصطفى صديقا ً مشتركا ً لي ولسي الشريف‬ .‬‬ ‫عاتبني سي الشريف بودّ أحسسته صادقاً‪:‬‬ ‫ يا أخي‪ ..‬قال‪:‬‬ ‫ أريد أن أحتفظ منك بشيء للذكرى‪ ..‬‬ ‫ل لم أن َ‬ ‫شعرت بشيء من الحراج وهو يستدرجني لتلك‬ ‫الفترة‪..‬وإل كيفاش هاذا الغيبة‪.‫تقول الشاعات‪...‬لفهم سّر‬ ‫زيارة سي مصطفى لمعرضي‪ ،‬والتي تعود لكونه يريد‬ ‫أن يشتري لوحة أو لوحتين منّي‪ .‬في الحقيقة‬ ‫"المنفى عادة سيّئة يتخذها النسان" وقد أصبحت لي‬ ‫أكثر من عادة سيئة هنا‪.‬‬ ‫خل سي مصطفى ليضيف بتلميح سياسي بين‬ ‫تد ّ‬ ‫المزاح والجد‪:‬‬ ‫ واش راك مقاطعنا‪ ...‬وتش ّ‬ ‫إليها عبورا ً ومجاملة فقط‪..

‬‬ ‫لع ّ‬ ‫ل أكثر تلك التفاصيل تأثيراً‪ ،‬تلك المصادفة التي‬ ‫رضة في تونس تعطيني وأنا أغادر‬ ‫جعلت المم ّ ِ‬ ‫المستشفى ثيابه التي وصل بها‪ ،‬والتي جف عليها دمه‬ ‫منذ عدّة أيّام‪..‬كلما امتل رصيده الخر بأكثر‬ ‫من طريقة وأكثر من عملة‪ ،‬مثله مثل من سبقوه إلى‬ ‫تلك المناصب الحلوب التي تناوب عليها البعض‬ ‫بتقسيم مدروس للوليمة‪.‬فقد كان‬ ‫رفيق سلحي لسنتين كاملتين‪ .‬‬ ‫تردّدت بين أن أحتفظ بها أو أعيدها إليه‪ ،‬فقد كنت‬ ‫أدري أ َّ‬ ‫ن تلك الهوية لم تعد في الواقع هويته‪ .‬وكنت في‬ ‫الماضي أك ُّ‬ ‫ن له احتراما ً وودّا ً كبيرين‪ .‫منذ أيام التحرير‪ ..‬بل‪ ،‬وكان واحدا ً من‬ ‫الجرحى الذين نقلوا معي للعلج إلى تونس‪ ،‬حيث‬ ‫قضى ثلثة أشهر في المستشفى عاد بعدها إلى‬ ‫الجبهة‪ ،‬ليبقى حتى الستقلل في صفوف جيش‬ ‫التحرير‪ ،‬ويعود برتبة رائد‪..‬وكنت آنذاك أجمع أشيائي استعداداً‬ ‫للرحيل‪.‬ثم تلشى‬ ‫تدريجيا ً رصيده عندي‪ .‬وكان بيننا تفاصيل‬ ‫صغيرة جمعتنا في الماضي ول يمكن للذاكرة رغم ك ّ‬ ‫ل‬ ‫شيء أن تتجاهلها‪.‬‬ ‫ولكن كان أمره هو بالذات يعنيني ويحزنني‪ .‬ولكنه عاد بعد ذلك إلى الجبهة‬ ‫دون أن يدري حتى أنها كانت في حوزتي‪ ،‬وربما دون‬ ‫أن يسأل عنها‪ ..‬والتي احتفظت بها‬ ‫لعيدها إليه فيما بعد‪ .‬ولكنني‬ ..‬فقد كان ضمن المجموعة التي كانت‬ ‫تعمل تحت قيادة سي الطاهر‪ .‬‬ ‫كان في جيب سترته يومها بطاقة تعريفه التي تكاد ل‬ ‫تقرأ‪ ،‬من آثار بقع الدم عليها‪ .‬‬ ‫كان يومها بشهامة وأخلق نضالية عالية‪ .‬‬ ‫سنة ‪ 1973‬عثرت مصادفة على تلك البطاقة ضمن‬ ‫أوراقي القديمة‪ .‬فقد كان ذاهبا ً إلى مكان ل يحتاج فيه‬ ‫إلى بطاقة تعريف‪.

‬‬ ‫لقد قّرر أن يستبدل بتلك البطاقة المهترئة‪ ،‬لوحة‬ ‫(أكواريل) يفاخر بها‪ .‬دون أ ّ‬ ‫وربما كنت أريد كذلك وأنا على أبواب المنفى أن أنهي‬ ‫علقاتي بتلك البطاقة التي رافقتني منذ ‪ 1975‬من‬ ‫بلد إلى آخر‪ ،‬وكأنني أنهي علقاتي بالوطن‪ ،‬وأضعه‬ ‫أخيرا ً هو وأشياءه خارج الذاكرة‪..‬‬ ‫كنت أريد أن أواجهه بالذاكرة‪ .‬أم أنا؟‬ ‫شعرت فجأة وأنا أنفصل عنها أنني أعطيته شيئا ً كان‬ ‫ي‬ ‫ملتصقا ً بصدري؛ شيئا ً منّي‪ ،‬ربما ذراعي الخرى‪ ،‬أو أ ّ‬ ‫شيء كان لي‪.‫ي تعليق‪...‬وبهاجس النتساب للنخبة‪.‬فكيف راهنت‬ ‫يوما ً عليه؟‬ ‫في هذه اللحظة‪ ،‬ل شيء يعنيه سوى امتلك لوحة لي؛‬ ‫ي ثمن مقابلها‪ .‬ولو بعد ربع قرن!‬ .‬لقد مات فيه الرجل "الخر"‪ ..‬‬ ‫أهو الذي ارتبك لحظتها‪ .‬‬ ‫ها هو سي مصطفى بعد سنوات‪ ،‬يتأمل لوحة لي‬ ‫وأتأمله‪ .‬فهل يتساوى الدم باللوان‬ ‫المائية‪ ..‬‬ ‫يومها دهش سي مصطفى وأنا أخرج من جيب سترتي‬ ‫تلك البطاقة وأضعها أمامه‪ ،‬بعد ست عشرة سنة‪.‬وفي احتضانه‬ ‫لي بذلك العنفوان الول الذي جمعنا يوماً‪ ،‬مكافأة‬ ‫للذاكرة ووهما ً ما بإمكانية إيقاظ ذلك الرجل الخر‬ ‫داخله‪....‬‬ ‫كان أنا!‬ ‫ولكنني وجدت آنذاك في فرحته عزائي‪ .‬‬ ‫للنهب الفن ّ‬ ‫وربما كان أكثر سخاءً معي أنا بالذات‪ ،‬للسباب نفسها‬ ‫التي تجعلني اليوم أكثر رفضا ً له‪..‬فمن‬ ‫وربما كان مستعدا ً أن يدفع أ ّ‬ ‫المعروف عنه أنه ل يحسب كثيرا ً في هذه الحالت‪،‬‬ ‫مثله مثل بعض السياسيين والثرياء الجزائريين الجدد‬ ‫الذين شاعت وسطهم عدوى اقتناء اللوحات الفنية‪،‬‬ ‫ن‪ ،‬وإنما بعقلية جديدة‬ ‫لسباب ل علقة لها غالبا ً بالف ّ‬ ‫ي أيضاً‪ .

‬خشية أن تأتي في تلك اللحظة ويكونا هناك‪..‬فل يمكن لي أن آكل‬ ‫وث‪ .‬‬ ‫يك ّ‬ ‫ل تلك الكآبة بعد ذلك؟‬ ‫من أين هجمت عل ّ‬ ‫ي تقودانني بخطى مثقلة‪ ،‬محبطة‪ ،‬إلى‬ ‫وإذا بقدم ّ‬ ‫البيت‪ ،‬بعدما كانتا قد حملتاني إلى هنا‪ ،‬على أجنحة‬ ‫الشوق الجارف‪..‬‬ ‫كنت تتقدمين نحوي‪ ،‬وكان الزمن يتوقف انبهارا ً بك‪..‬‬ ‫ن الحب عندما يأتي ل يبحث له عن مبرر‪ ،‬ول يأخذ‬ ‫ولك ّ‬ ‫له موعداً‪ .‬أريد أن أنتهي منهما‬ ‫بسرعة‪ .‬وبين‬ ‫هاجس قدومك‪ ،‬الذي أرهقني انتظاره منذ أيام‪.‬‬ ‫ب الذي تجاهلني كثيرا ً قبل ذلك اليوم‪ .‬‬ .‬ودون أن أتنازل عن ذلك‬ ‫المبدأ الذي حدث أن جعت بسببه‪ .‫سعدت بعدها وأنا أتخلص منه ومن سي الشريف دون‬ ‫أن يأخذا على خاطرهما‪ ...‬لو انتهى ذلك المعرض ولم‬ ‫تعودي؟‪.‬‬ ‫ولكنك لم تأتي‪ .‬‬ ‫ماذا لو كان حديثك عن زيارتك المحتملة مجرد مجاملة‪،‬‬ ‫أخذتها أنا مأخذ الجد؟‬ ‫كيف يمكن لي وقتها أن أطارد نجمك المذنّب الهارب؟‬ ‫وحدها تلك البطاقة التي أعطاني إيّاها سي الشريف‬ ‫وهو يودّعني كانت تبعث شيئا ً من المل في نفسي‪.‬هناك من يولدون هكذا بهذه‬ ‫من الخبز المل ّ‬ ‫الحساسية التي ل شفاء منها تجاه ك ّ‬ ‫ل ما هو قذر!‬ ‫كنت في الواقع على عجل‪ ..‬‬ ‫ماذا لو لم أرك مّرة أخرى‪ .‬‬ ‫فقد كنت أعرف أخيرا ً الرقام السرية التي توصلني‬ ‫إليك‪ ،‬فنمت وأنا أخطط لمبرر هاتفي قد يجمعني بك‪..‬ل أثناء ذلك ول بعده‪.‬ولذا ما كدت في اليوم التالي أدخل القاعة‬ ‫وأجلس في الصالون لطالع جريدتي‪ ،‬حتى رأيتك‬ ‫تدخلين‪.‬‬ ‫وكنت قلقا ً ومبعثرا ً بين الحاسيس التي استدرجتني‬ ‫إليها سي مصطفى بعد ك ّ‬ ‫ل تلك السنوات‪ ..‬قد‬ ‫وكان الح ّ‬ ‫قرر أخيرا ً أن يهبني أكثر قصصه جنوناً‪..

‬آسفة‪ ،‬أتيت متأخرة عن موعدنا يوم‪...‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ مرحباً‪ ...‬‬ ‫عطرا ً أقل!‬ ‫ن للذاكرة عطرا ً أيضاً‪ .‬عطرا ً أق ّ‬ ‫ل حبيبتي‪.‬‬ ‫يا ياسمينة تفتحت على عجل‪ .‫الفصل الثالث‬ ‫التقينا إذن‪..‬قد جئت متأخرة عن العمر بعمر‪.‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ كم يلزمني إذن لتغفر لي؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ما يعادل ذلك العمر من عمر!‬‫وجلس الياسمين مقابل ً لي‪...‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل تأسفي‪ .‬هو عطر‬ ‫لم أكن أعرف أ ّ‬ .

‬فك ّ‬ ‫ك‪..‬‬ ‫عندما قلت وكأنك تريدين كسر الصمت‪ ،‬أو إثارة‬ ‫فضولي‪:‬‬ .‬‬ ‫ارتوي من ذاكرتي سيدتي‪ .‬‬ ‫ل هذا الحنين ل ِ‬ ‫ك‪..‬‬ ‫أن أؤ ّ‬ ‫أجبتك وأنا أتأملك بسعادة من يرى نجمه الهارب أخيراً‬ ‫أمامه‪:‬‬ ‫ خفت أل تأتي أبداً‪...‬وزجاجة كوكا جلسنا‪ ..‬‬ ‫قلت معتذرة‪:‬‬ ‫مي يتحدث‬ ‫ أنا لم أحضر البارحة‪ ،‬لنني سمعت ع ّ‬‫ضلت‬ ‫لشخص على الهاتف ويتفق معه على زيارتك‪ ،‬فف ّ‬ ‫جل زيارتي لك إلى اليوم حتى ل ألتقي بهما‪.‬ولكن كانت لنا الرغبة نفسها في‬ ‫الحديث‪..‫الوطن‪.‬‬‫ثم أضفت‪:‬‬ ‫ن‬ ‫ما الن فيسعدني أنني انتظرتك يوما ً آخر‪ ،‬إ ّ‬ ‫أ ّ‬‫الشياء التي نريدها تأتي متأخرة دائماً!‬ ‫تراني قلت وقتها أكثر مما يجب قوله؟‬ ‫ساد شي من الصمت بيننا وارتباك العتراف الول‪..‬لم يكن لنا‬ ‫الظمأ نفسه‪ .‬يعيشك؟‬‫وتفجرت قسنطينة ينابيع داخلي‪.‬‬ ‫ودعي لي مكانا هنا مقابل ً ل ِ‬ ‫أحتسيك كما تُحتسى‪ ،‬على مهل‪ ،‬قهوة قسنطينية‪.‬‬ ‫مرتبكا ً جلس الوطن وقال بخجل‪:‬‬ ‫ عندك كأس ماء‪ ...‬‬ ‫أمام فنجان قهوة‪ .

‬‬‫قلت لك بمسحة حزن‪:‬‬ ‫ ل أعتقد أن أكون نسيت شيئاً‪ .‬‬ ‫قلت ساخرا‪:‬‬ ‫ شكرا ً إذن لنك تذكرت موعدنا هذا!‬‫أجبت باللهجة الساخرة نفسها‪:‬‬ ‫ لم يكون موعداً‪ .‬إنها كارثة‪.‬أنسى كل شيء‪...‬‬ ‫أ ّ‬‫ور‪ ..‬كان احتمال موعد فقط‪ .‬‬ ‫سألتك‪:‬‬ ..‫ أتدري أنني أعرف الكثير عنك؟‬‫قلت سعيدا ً ومتعجباً‪:‬‬ ‫ وماذا تعرفين مثلً؟‬‫أجبت بطريقة أستاذ يريد أن يحير تلميذه‪:‬‬ ‫ أشياء كثيرة قد تكون نسيتها أنت‪.‬مشكلتي في الواقع‬‫أنني ل أنسى!‬ ‫ع ساعتها ك ّ‬ ‫ل‬ ‫أجبتني بصوت بريء‪ ،‬وباعتراف لم أ ِ‬ ‫ي‪:‬‬ ‫عواقبه القادمة عل ّ‬ ‫ما أنا فمشكلتي أنني أنسى‪ ..‬البارحة مثل ً نسيت بطاقة الميترو في حقيبة‬ ‫تص ّ‬ ‫يدي الخرى‪ .‬الشياء الجمل‪ ،‬تولد احتمالً‪..‬‬ ‫وربّما تبقى كذلك‪.‬ل بدّ أن‬‫تعلم أنني أكره اليقين في ك ّ‬ ‫ل شيء‪ .‬ومنذ أسبوع نسيت مفتاح البيت داخل‬ ‫البيت‪ ،‬وانتظرت ساعتين قبل أن يحضر أحد ليفتح لي‬ ‫الباب‪ ..‬أكره أن أجزم‬ ‫بشيء أو ألتزم به‪ ....

.‬‬ ‫ لنك قد تكون يقيني المحتمل!‬‫ضحكت لهذه الجملة التي تحمل تناقضا ً أنثويا ً صارخاً_‬ ‫متك_ وقلت وقد ملتني عيناك‬ ‫لم أكن أعرف بعد أنه ِ‬ ‫س َ‬ ‫غرورا ً وزهوا ً رجالياً‪:‬‬ ‫ما أنا فأكره الحتمالت‪ .‬ولكن اعترف‬ ‫أنني لم أكن أتوقع لنا بداية كهذه‪.‬وتبعثرت‬ ‫لغتي أمام لغتك التي لم أكن أدري من أين تأتين بها‪..‬؟‬ ‫ لماذا جئ ِ‬‫ملتني‪ .‬وكنت تملكين تلك‬ ‫القدرة الخارقة على مساواة عمري بعمرك‪ ،‬في جلسة‬ ‫ي عن‬ ‫واحدة‪ .‬‬ ‫كنت سعيدا ً وكأنني أضحك لول مرة منذ سنوات‪ .‬‬ ‫كان في حضورك شيء من المرح والشاعرية معاً‪ ..‬ولذا أجزم أنني سأكون‬ ‫أ ّ‬‫يقينك‪...‬وكأن فت ّ‬ ‫وتك وحيويّتك قد انتقلتا إل ّ‬ ‫طريق العدوى‪ ...‬‬ ‫فقد تلشى ك ّ‬ ‫ل ما أعددته ساعة قدومك‪ .‬‬ ‫قلت بإصرار أنثى على قول الكلمة الخيرة‪:‬‬ ‫ إنه افتراض‪ .‬كنت ما أزال تحت وقع تصريحاتك تلك‪،‬‬ ‫عندما فاجأني كلمك‪:‬‬ .‬وراحت عيناك تتسكعان في ملمح وجهي‪،‬‬ ‫تأ ّ‬ ‫م قلت‬ ‫وكأنهما تبحثان عن جواب لسؤال مفاجئ‪ .‬كنت‬ ‫أتوقع لنا بدايات أخرى‪ ،‬وكنت قد أعددت جمل ً ومواقف‬ ‫كثيرة لمبادرتك في هذا اللقاء الول‪ .‬كان‬ ‫هناك تلقائية وبساطة تكاد تجاور الطفولة‪ ،‬دون أن‬ ‫تلغي ذلك الحضور النثوي الدائم‪ .‬محتمل كذلك!‬‫وضحكنا كثيراً‪.‬ث ّ‬ ‫في نظرة مثقلة بالوعود والغراء‪.‫ت إذن‪.

.‬‬ ‫سألتك بلهفة‪:‬‬ ‫ما الزهرة)؟ إنني لم أرها منذ زمان‪.‬‬ ‫ وكيف هي (أ ّ‬‫قلت بمسحة حزن‪:‬‬ ‫ لقد توفيت من أربع سنوات‪ ،‬وبعد وفاتها انتقلت‬‫أمي لتعيش مع أخي ناصر في العاصمة‪ .‬لقد غيّر موتها حياتنا بعض‬ ‫الشيء‪ .‬فهي التي ربَّتنا في الواقع‪..‫ن أكثر‪ ،‬لم‬ ‫ في الواقع‪ .‬كنت أود أن أتعَّرف عليك منذ زمن بعيد‪.‬‬ .‬أفضل أن أنفرد به!‬ ‫من الناس‪ ..‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫‪ -‬رحمها الله‪ ...‬‬ ‫ت معي أخيراً‪ ،‬وكان‬ ‫ولكن الوقت لم يكن للحزن‪ .‬‬ ‫يبدو أنها كانت تحبك كثيراً‪.‬لقد كنت أنا أيضا ً أحبّها كثيراً‪..‬كان موتها شوكة أخرى‬ ‫انغرست في قلبي يومها‪ ..‬‬ ‫لر ّ‬ ‫ً‬ ‫وقبل أن أذهب بعيدا في فرحتي أو أشكرك أضفت‪:‬‬ ‫ ما عدا هذا‪ ..‬عندما أح ّ‬ ‫كانت هذه أجمل شهادة إعجاب يمكن أن تقولها زائرة‬ ‫سام‪ ..‬وجئت أنا إلى‬ ‫باريس لمتابعة دراستي‪ .‬فقد كان فيها شيء من‬ ‫ما)‪ ،‬من عطرها السري‪ ،‬من طريقتها في تعصيب‬ ‫(أ ّ‬ ‫رأسها على جنب بالمحارم الحريرية‪ ،‬وإخفاء علبة‬ ‫"الن ّ‬ ‫ضيّة في صدرها الممتلئ‪ ..‬كن ِ‬ ‫على الزمن أن يكون للفرح فقط‪.‬‬ ‫حاولت أن أنسى ذلك الخبر‪ .‬وأجمل ما يمكن أن تقوليه لي أنت ذلك اليوم‪.‬وكانت لها تلك‬ ‫فة" الف ّ‬ ‫الحرارة التلقائية التي تفيض بها المهات عندنا‪ ،‬تلك‬ ‫الكلمات التي تعطيك في جملة واحدة ما يكفيك من‬ ‫الحنان لعمر بأكمله‪.‬كنت أريد أن أرى لوحاتك بتأ ٍ ّ‬‫أكن أريد أن أتقاسمها في ذلك اليوم مع ذلك الحشد‬ ‫ب شيئاً‪ .‬‬‫لقد كانت جدتي تحدثني أحيانا ً عنك عندما تذكر أبي‪.

‬‬ ‫رحت أشرح لك بعضها والمناسبات التي رسمتها فيها‬ ‫ي‪:‬‬ ‫عندما قلت وأنت تنقلين فجأة عينيك من اللوحات إل ّ‬ ‫ أتدري أنني أحب طريقتك في الرسم؟‪ .‬‬ ‫أم فقط كنت تريدين أن تطبّقي برنامج زيارتك عندما‬ ‫نهضت فجأة وقلت‪:‬‬ ‫ أيمكنني أن ألقي نظرة على لوحاتك؟‬‫وقفت لمرافقتك‪.‬حتى‬ ‫إنها عنوان لمجلة عاطفية تصدر لمن تبقى من‬ ‫رومنطيقيين في فرنسا ( ‪.‬أشعر أننا نحن الثنين نرى‬ ‫الشياء بإحساس واحد‪ ...‬‬ ‫ما الذي أربكني الكثر لحظتها؟‪ .‬‬ ..‫تراك أردت عندئذ‪ ،‬أن تضعي نهاية لموجة الحزن التي‬ ‫فاجأتني‪ .‬توقف سمعي عند كلمة "نحن الثنين"‪ .‬أنا ل أقول‬‫لك هذا مجاملة‪ ،‬ولكن أعتقد أنني لو كنت أرسم‬ ‫لرسمت هكذا مثلك‪ .‬خشية أن تجرفنا معا ً نحو ذاكرة لم نكن‬ ‫مهيأين بعد لتصفحها‪..‬وق ّ‬ ‫ل ما أحسست بهذا تجاه‬ ‫إنتاج جزائري‪. )Nous deux‬‬ ‫أخفيت ارتباكي بسؤال ساذج‪:‬‬ ‫ وهل ترسمين؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫‪ -‬ل أنا أكتب‪.‬إنها‬ ‫بالفرنسية تأخذ بعدا ً موسيقيا ً عاطفيا ً فريداً‪ .‬أترى عيناك اللتان‬ ‫أصبح لهما فجأة لون آخر تحت الضوء‪ ،‬واللتان كانتا‬ ‫تتأملن فجأة ملمحي وكأنهما تتأملن لوحة أخرى‬ ‫لي‪ .‬أم ما قلته قبل ذلك والذي شعرت أنه تصريح‬ ‫عاطفي وليس انطباعا ً فنياً؛ أو هكذا تمنَّيت أو خيّل‬ ‫لي‪ .

‫ وماذا تكتبين؟‬‫ أكتب قصصا ً وروايات؟!‬‫ قصصا ً وروايات‪!..‬‬‫سألتك وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى‪:‬‬ ‫ وبأي لغة تكتبين؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ بالعربية‪.‬‬‫ك‬ ‫ردّدتها وكأنني ل أصدق ما أسمع‪ ..‬نحن نكتب باللغة‬ ‫س بها الشياء‪...‬فقلت وكأن ِ‬ ‫شعرت بإهانة من مسحة العجب أو الشك في صوتي‪:‬‬ ‫ لقد صدرت لي أول رواية منذ سنتين‪..‬‬‫قلتها ثم واصلت تأمل اللوحات قبل أن تضيفي‪:‬‬ ‫ المهم‪ ...‬‬‫ إنها العادة‪...‬اللغة التي نتحدث بها لنفسنا وليست تلك‬‫التي نتحدث بها للخرين!‬ .‬‬ ‫التي نح ّ‬ ‫ ولكنك ل تتحدثين بغير الفرنسية‪.‬ول يمكن أن أكتب إل بها‪ .‬‬‫ بالعربية؟!‬‫استفزتك دهشتي‪ ،‬وربما أسأت فهمها حين قلت‪:‬‬ ‫ كان يمكن أن أكتب بالفرنسية‪ ،‬ولكن العربية هي لغة‬‫قلبي‪ ..

‬إنها أكثر من مصادفة‪ ،‬إنه قدر عجيب‪،‬‬ ‫أن تتقاطع طرقنا على هذا النحو‪ ،‬بعد ربع قرن‪...‬‬ ‫أيمكن أن تجتمع ك ّ‬ ‫ل هذه المصادفات‪ ،‬في مصادفة‬ ‫واحدة؟ وك ّ‬ ‫ل هذه الشياء التي كانت قناعاتي الثابتة‪..‬‬ ‫أعادني صوتك إلى الواقع وأنت تتوقفين عند إحدى‬ ‫اللوحات‪:‬‬ ‫ أنت ق ّ‬‫ل ما ترسم وجوهاً‪ ،‬أليس كذلك؟‬ ‫وقبل أن أجيبك قلت‪:‬‬ ‫ اسمعي‪ ..‬‬‫أجبتني عندئذ بفرح سري لمرأة اكتشفت فبما بعد‬ ‫أنها تحب الوامر‪:‬‬ ‫ سأطيعك‪ ..‬‬‫ذكِّرني فقط لو حدث ونسيت‪.‬وأن تكون‬ ‫هذه المرأة هي أنت‪ .‫رحت أتأملك مدهوشاً‪ ،‬وأنا أحاول أن أضع شيئا ً من‬ ‫الترتيب في أفكاري‪....‬‬ ‫سألتني بالعربية‪:‬‬ ‫ هل ستقدر؟‬‫أجبتك‪:‬‬ ‫ سأقدر‪ ..‬لن نتحدث إلى بعض إل بالعربية‪ .‬وأحب إصرارك‪.‬‬ ‫وأحلمي الوطنية الولى‪ ،‬في امرأة واحدة‪ ...‬لنني سأغير أيضا ً عاداتي معك‪.‬ابنة سي الطاهر ل غير؟ لو‬ ‫تص َّ‬ ‫ورت لقاء مدهشا ً في حياتي‪ ،‬لما تصورت أكثر‬ ‫إدهاشا ً من هذا‪ .‬فأنا أحب هذه اللغة‪ ..‬سأغير‬‫عاداتك بعد اليوم‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ .

‬تماوج شعرها‪..‬‬ ‫أرسم فقط شيئا ً يوحي بها‪ ...‬فالرسام‬ ‫ن آلة تصويره‬ ‫ليس مصورا ً فوتوغرافيا ً يطارد الواقع‪ .....‬وبأشياء‬ ‫أخرى‪.‬طلّتها‪ .‬وأنا أجعل تلك‬ ‫اللغة التي كان لي معها أكثر من صلة عشقية‪ ،‬طرفاً‬ ‫صتنا المع ّ‬ ‫قدة‪.‬لنك لن تنسي ذلك!‬‫وكنت أرتكب لحظتها أجمل الحماقات‪ ..‬‬ ‫في الحقيقة أنا ل أرسم الوجوه التي أحبها حقاً‪.‬أل ترسم وجوهاً؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ كنت في فترة أرسم وجوها ً ثم انتقلت إلى‬‫موضوعات أخرى‪ .‬إ ّ‬ ‫توجد داخله‪ ،‬مخفية في مكان يجهله هو نفسه‪ ،‬ولهذا‬ ‫هو ل يرسم بعينيه‪ ،‬وإنما بذاكرته وخياله‪ .‬أو قطعة من حليّها‪ ..‬تلك‬ ‫التفاصيل التي تعلق في الذاكرة بعدما نفارقها‪ .‬في الرسم‪ ،‬كلما تقدم عمر الفنان‬ ‫وتجربته‪ ،‬ضاقت به المساحات الصغيرة وبحث عن‬ ‫طرق أخرى للتعبير‪.‬لماذا رسمت لها لوحة واقعية إلى‬‫هذا الحدّ؟‬ ...‬‬ ‫قلت وعيناك تنظران لمرأة يطغى شقار شعرها على‬ ‫اللوحة ول يترك مجال ً للون آخر سوى حمرة شفتيها‬ ‫غير البريئتين‪:‬‬ ‫ وهذه المرأة إذن‪ .‬‬ ‫آخر في ق ّ‬ ‫عدت لسألك بالعربية‪:‬‬ ‫م كنت تتحدثين منذ قليل؟‬ ‫ع ّ‬‫قلت‪:‬‬ ‫ كنت أعجب أل يوجد في معرضك سوى هذه اللوحة‬‫التي تمثِّل وجها ً نسائياً‪ ..‫ لن أذكرك‪ .‬تلك‬ ‫التي تؤدي إليها دون أن تفضحها تماماً‪ .‬‬ ‫طرفا ً من ثوب امرأة‪ .

‬‬ ‫فحاولت أن أتهرب من تعليقك الذي يستدرجني بحيلة‬ ‫إلى مزيد من التوضيح‪ ،‬وأتجاهل عنادك في الوقوف‬ ‫طويل ً أمام تلك اللوحة بالذات‪..‬هل يمكن أن تقاوم فضول أنثى تصّر على‬ ‫معرفة شيء؟‬ ‫أجبتك‪:‬‬ ‫ لهذه اللوحة قصة طريفة شيئا ً ما‪ ،‬تكشف عن جانب‬‫من عقدي ورواسبي القديمة‪ ،‬وهي هنا ربّما لهذا‬ ‫السبب‪.‬‬ ‫ولكن‪ .‬كنت أخاف أن يكون لتلك‬ ‫القصة تأثير سلبي على علقتنا‪ ،‬أو على نظرتك لي‪.‬‬‫قلت فجأة بلهجة فرنسية وكأن غضبك أو غيرتك‬ ‫السّريّة قد ألغت اتفاقنا السابق‪:‬‬ ‫ أتمنى أن يكون قد أقنعها هذا العتذار‪ .‬فاللوحة‬‫جميلة حقاً‪....‬‬ ‫ص لول مرة قصة تلك اللوحة التي رسمتها‬ ‫ورحت أق ّ‬ .‫ضحكت وقلت‪:‬‬ ‫ هذه امرأة ل ترسم إل بواقعية‪.‬‬‫ولماذا أسميت لوحتها "اعتذار"؟‬‫ لنني رسمتها اعتذارا ً لصاحبتها‪.‬‬ ‫ثم أضفت بشيء من الفضول النسائي‪:‬‬ ‫ ولكن هذا يعود إلى نوع الذنب الذي اقترفته في‬‫حقها!‬ ‫ص عليك قصة تلك‬ ‫لم أكن أشعر بأيّة رغبة في أن أق ّ‬ ‫اللوحة‪ ،‬في لقائنا الول‪ .

.‬‬ ‫ر‪...‬أنت أ َّ‬ ‫ول امرأة‬ ‫أشاهدها عارية هكذا تحت الضوء‪ ،‬رغم أنني رجل‬ ‫يحترف الرسم‪ .‬وعندما انتهت تلك الجلسة‪ ،‬وارتدت‬ ‫تلك الفتاة التي لم تكن سوى إحدى الطالبات ثيابها‪،‬‬ ‫وقامت بجولة كما هي العادة لترى كيف رسمها ك ّ‬ ‫ل‬ ‫واحد‪ ،‬فوجئت وهي تقف أمام لوحتي‪ ،‬بأنني لم أرسم‬ ‫سوى وجهها‪ .‬حتى‬ ‫في جلسة رسم!"‪.‬ولكن ريشتي التي‬ ‫تحمل رواسب عقد رجل من جيلي‪ ،‬رفضت أن ترسم‬ ‫ذلك الجسد‪ ،‬خجل ً أو كبرياء ل أدري‪ .‬كان في عينيك‬ .‫ذات يوم‪ ،‬بعدما حضرت مرة‪ ،‬كما أفعل بين الحين‬ ‫والخر‪ ،‬إحدى جلسات الرسم في مدرسة الفنون‬ ‫الجميلة‪ ،‬حيث يدعوني هناك بعض أصدقائي الساتذة‪،‬‬ ‫كما يفعلون عادة مع بعض الر َّ‬ ‫سامين‪ ،‬للتقي بالطلبة‬ ‫والرسامين الهواة‪..‬فقد كنت أرى‪ ،‬لول مرة‪ ،‬امرأة عارية هكذا‬ ‫تحت الضوء تغير أوضاعها‪ ،‬تعرض جسدها بتلقائية‪،‬‬ ‫ودون حرج أمام عشرات العيون؛ وربما في محاولة‬ ‫لخفاء ارتباكي رحت أرسم أيضاً‪ .‬فاعذريني‪ .‬إن فرشاتي تشبهني‪ ،‬إنها‬ ‫تكره أيضا ً أن تتقاسم مع الخرين امرأة عارية‪ .‬‬ ‫كان الموضوع ذلك اليوم هو رسم موديل نسائي عا ٍ‬ ‫وبينما كان جميع الطلبة متفرغين لرسم ذلك الجسد‬ ‫من زواياه المختلفة‪ ،‬كنت أنا أفكِّر مدهوشا ً في قدرة‬ ‫ي‪ ،‬وبنظرة‬ ‫هؤلء على رسم جسد امرأة بحياد جنس ّ‬ ‫جمالية ل غير‪ ،‬وكأنهم يرسمون منظرا ً طبيعيا ً أو‬ ‫مزهرية على طاولة‪ ،‬أو تمثال ً في ساحة‪.‬‬ ‫ي‬ ‫ي مدهوشة‪ ،‬وكأنك تكتشفين ف ّ‬ ‫كنت تستمعين إل ّ‬ ‫فجأة رجل ً آخر لم تحدثك عنه جدّتك‪ .‬‬ ‫من الواضح‪ ،‬أنني كنت الوحيد المرتبك في تلك‬ ‫الجلسة‪ .‬بل راحت ترسم‬ ‫شيا ً آخر‪ ،‬لم يكن في النهاية سوى وجه تلك الفتاة كما‬ ‫يبدو من زاويتي‪ .‬قالت بلهجة فيها شيء من العتاب‬ ‫وكأنها ترى في تلك اللوحة إهانة لنوثتها‪" :‬أهذا ك ّ‬ ‫ل ما‬ ‫ألهمتك إيّاه؟" فقلت مجاملً‪" :‬ل‪ ،‬لقد ألهمتني كثيراً‬ ‫من الدهشة‪ ،‬ولكني أنا أنتمي لمجتمع لم يدخل‬ ‫الكهرباء بعد إلى دهاليز نفسه‪ .

‬كنّا‪ ،‬عن سذاجة أو عن ذكاء‪،‬‬ ‫نمارس اللعبة نفسها معاً‪ ،‬ولذا لم أتعجب كثيرا ً عندما‬ ‫سألتني وأنت تودّعينني‪:‬‬ ‫ هل ستكون هنا غدا ً صباحاًً؟‬‫قلت لك بسعادة من ربح الرهان‪:‬‬ ‫‪ -‬طبعاً‪.‬كنت‬ ‫سعيدا ً أن تثير فيك الغيرة هذا الصمت المفاجئ‪ ،‬وهذه‬ ‫الحمرة الخفيفة التي علت وجنتيك‪ ،‬وجعلت عينيك‬ ‫تتّسعان بغضب مكبوت‪ ..‬‬ ‫رحت أتلذّذ بذلك الموقف العجيب الذي لم أتعمده‪ .‬‬ ‫عجيب هو عالم النساء حقاً! كنت أتوقع أن تقعي في‬ ‫حبي‪ ،‬وأنت تكتشفي تلك العلقة السرية التي تربطك‬ ‫بلوحتي الولى "حنين"‪ .‬‬ ‫كان عندي إحساس ما إنني سأراك مرة أخرى‪ .‬لم أخبرك أن هذه الحادثة تعود لسنتين‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ي فيما بعد‬ ‫صاحبتها ليست سوى كاترين‪ ،‬وأنه كان عل ّ‬ ‫أن أقدم لجسدها اعتذارا ً آخر‪ .‬ربما‬ ‫غداً‪ ..‬يبدو أنه كان مقنعاً‬ ‫لدرجة أنها لم تفارقني منذ ذلك الحين!‬ ‫أذكر اليوم بشيء من السخرية‪ ،‬ذلك المنعطف الذي‬ ‫أخذته علقتنا فجأة بعدما حدّثتك عن تلك اللوحة‪..‬كان هناك كثير من الشياء التي لم نقلها بعد‪،‬‬ ‫بل إننا لم نقل شيا ً في النهاية‪ .‬فاحتفظت لنفسي ببقية‬ ‫نَ‬ ‫القصة‪ ..‬لوحة في عمرك وفي هويتك‪.‬كنت أشعر أننا في بداية شيء ما‪ ،‬وأننا كلينا على‬ ‫عجل‪ .‫فجأة شي جديد‪ ،‬نظرة غامضة ما‪ ،‬شيء من الغراء‬ ‫مد‪ ،‬ربما سببه غيرة نسائية من امرأة مجهولة‪،‬‬ ‫المتع ّ‬ ‫سرقت في يوم ما اهتمام رجل لم يكن حتى الن‬ ‫مهما ً بالنسبة إليك‪.‬‬ ‫وإذا بك تتعلقين بي بسبب لوحة أخرى لمرأة أخرى‪،‬‬ ‫تعبر الذاكرة خطأ!‬ ‫انتهى موعدنا الول عند الظهر‪.‬نحن أغرينا بعضنا‬ ‫فقط بحديث محتمل‪ .‬‬ .

‬‬‫قلت متعجبة‪:‬‬ ‫ أتتقن العربية؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ طبعاً‪ .‬لقد مّر الوقت بسرعة اليوم دون‬ ‫أن ننتبه لذلك‪..‬‬ ‫مشترك سّر ّ‬ ‫أذكر أنني قلت لك يومها وأنا أوِدّعك عند باب القاعة‪:‬‬ ‫ ل تنسي كتابك غداً‪ .‬توقعت أن يتكَّرر‪.‬‬‫د نسائي محبّب‪:‬‬ ‫ثم أضفت بابتسامة ل تخلو من كي ٍ‬ ‫ مادمت تصّر على معرفتي‪ .‬أريد أن أقرأك‪.‬‬ ‫لم أعلّق على كلمك‪ ..‬ولذا فالوقت ل يركض بنا إل عندما يركض‬ ‫بنا القلب لهثا ً أيضا ً من فرحة إلى أخرى‪ ،‬ومن دهشة‬ ‫إلى أخرى‪ ...‬‬ ..‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ سأحضره إذن‪.‬كنت أدري أن ل مقياس للوقت‬ ‫سوى قلبينا‪ ..‬لن أحرمك من هذه‬‫المتعة!‬ ‫وانغلق الباب خلف ابتسامتك تلك‪ ،‬دون أن أفهم ما‬ ‫كنت تعنيه بالتحديد‪..‫قلت‪:‬‬ ‫ سأعود إذن غدا ً في الوقت نفسه تقريباً‪ ،‬سيكون لنا‬‫متَّسع أكثر للحديث‪ .‬سترين ذلك بنفسك‪.‬ولذا وجدت في كلمك اعترافا ً بفرح‬ ‫ي‪ .

‬ل يفهمون شيئا ً في قوانين‬ ‫الطبيعة‪..‬‬ ‫الجبال ل تلتقي إل في الزلزل و الهزات الرضية‬ ‫الكبرى‪ ،‬وعندما ل تتصافح‪ ،‬وإنما تتحول إلى تراب‬ ‫واحد‪.‬أخطأوا‪.‬‬ ‫وحدثت الهزة الرضية التي لم تك متو ّ‬ ‫قعة‪ ،‬فقد كان‬ ‫أحدنا بركاناً‪ ،‬وكنت أنا الضحية‪..‫ذهبت بالغموض الضبابي الذي جئت به‪ ..‬و أنا أتسال‬ ‫بشيء من الذهول‪ .‬‬ ‫والذين بنوا بينها جسوراً‪ ،‬لتتصافح دون أن تنحني أو‬ ‫تتنازل عن شموخها‪ ..‬‬ ‫الذين قالوا "الجبال وحدها ل تلتقي"‪ .‬‬ ‫كيف لم أحذر بساطتك وتواضعك الكاذب‪ ،‬وأتذكّر درساً‬ ‫قديما ً في الجغرافية‪" :‬الجبال البركانية ل قمم لها؛‬ ‫إنها جبال في تواضع هضبة‪ ".‬‬ ‫يا امرأة تحترف الحرائق‪ ..‬وبقيت‬ ‫عند عتبة ذلك الباب الزجاجي‪ ،‬أتأملك تندمجين بخطى‬ ‫المارة وتختفين مرة أخرى كنجم ٍ هارب‪ .‬نفسه‪ .‬ويا جبل ً بركانيا ً جرف ك ّ‬ ‫ل‬ ‫شيء في طريقه‪ ،‬وأحرق آخر ما تم َّ‬ ‫سكت به‪.‬‬ ‫التقينا إذن‪.‬‬ ‫من أين أتيت بكل تلك المواج المحرقة من النار؟‬ ‫ي عاشقة‬ ‫وكيف لم أحذر تربتك المحمومة‪ ،‬كشفت ْ‬ ‫غجرية‪.‬ترانا التقينا حقاً؟!‬ ‫***‬ ‫التقينا إذن‪...‬فهل يمكن للهضاب أن‬ ‫تفعل ك ّ‬ ‫ل هذا؟‬ ‫ك ّ‬ ‫ل المثلة الشعبية تحذّرنا من ذلك النهر المسالم‬ ..

‬ولكن ك ّ‬ ‫ل تحذيراتها لن تمنعنا من ارتكاب‬ ‫المزيد من الحماقات‪ ،‬فل منطق للعشق خارج‬ ‫الحماقات والجنون‪ ...‬‬ ‫ألم يقل (برنارد شو) "تعرف أنك عاشق عندما تبدأ في‬ ‫التصرف ضد مصلحتك الشخصية!"‬ ‫وكانت حماقاتي الولى‪ ،‬أنني تصرفت معك مثل سائح‬ ‫يزور صقلّية لول مرة‪ ،‬فيركض نحو بركان (إتنا)‪،‬‬ ‫ويصل ِّي ليستيقظ البركان النائم بعين واحدة من نومه‪،‬‬ ‫ويغرق الجزيرة ناراً‪ ،‬على مرأى من السواح المحملين‬ ‫باللت الفوتوغرافية‪ .‬ألم يكن جنونا ً أن‬ ‫أزايد على جنون السواح والعشاق‪ ،‬وك ّ‬ ‫ل من أحبوك‬ .‬وذلك العود‬ ‫الصغير الذي ل نحتاط له‪ .‬يحاول أن يتذكّر في‬ ‫ذهول ك ّ‬ ‫ل ما قرأه عن قيام الساعة‪ ،‬وينسى بحماقة‬ ‫عاشق‪ ،‬أنه يشهد ساعتها‪ .‬‬ ‫وأ ّ‬ ‫بشيء شبيه بشهوة اللهب‪ ،‬يشدّه لتلك السيول‬ ‫النارية‪ ،‬فيظل منبهرا ً أمامها‪ .‬‬ ‫وتشهد جثث السواح التي تحولت إلى تراب أسود أنه ل‬ ‫أجمل من بركان يتثاءب‪ ،‬ويقذف ما في جوفه من‬ ‫نيران وأحجار‪ ،‬ويبتلع المساحات الشاسعة في بضع‬ ‫لحظات‪.‬ونيسان هذه السنوات العجاف‪.‬حتى الحتراق الخير‪ .‬وراهنت على ربيع‬ ‫هذا العمر القاحل‪ ..‬وإذا به يعمينا‪.‬قيام ساعته!‬ ‫يشهد الدمار حولي اليوم‪ ،‬أنني أحببتك حتى الهلك؛‬ ‫وأشتهيك‪ .‬وصدَّقت جاك بريل‬ ‫عندما قال "هناك أراض محروقة تمنحك من القمح ما‬ ‫ل يمنحك نيسان في أوج عطائه"‪ ..‬وكلما ازددنا عشقا ً كبرت‬ ‫حماقاتنا‪..‬‬ ‫أكثر من مثل يقول لن بأكثر من لهجة "يؤخذ الحذر من‬ ‫مأمنه"‪ .‬والدهشة‪..‫الذي يخدعنا هدوؤه فنعبره‪ ،‬وإذا به يبتلعنا‪ .‬‬ ‫ن المتفرج عليه يصاب دائما ً بجاذبية مغناطيسية ما‪.‬‬ ‫يا بركانا ً جرف من حولي ك ّ‬ ‫ل شيء‪ .

.‬‬ ‫لرسمك‪.‬تحمل في لونها ك ّ‬ ‫ل الضداد‪.‬نسيت وقتها أن المنطق ينتهي‬ ‫ن ما أعرفه عنك ل علقة له‬ ‫ب‪ ،‬وأ ّ‬ ‫حيث يبدأ الح ّ‬ ‫بالمنطق ول بالمعرفة‪.‬‬ ‫كان حبك قدري‪ .‬‬ ‫ربع قرن على قبلة وضعتها على خدك الطفولي‪ ،‬نيابة‬ ‫عن والد لم يرك‪.‬‬ ‫ب ينقلنا‬ ‫كان الزمن يركض بنا من موعد إلى آخر‪ ،‬والح ّ‬ ‫من شهقة إلى أخرى‪ ،‬وكنت أستسلم لحبك دون جدل‪.‬‬ ‫ربع قرن من اليام المتشابهة التي أنفقتها في‬ ‫انتظارك‪.‬‬ ‫ألم يكن جنوناً‪ .‬فأنقل بيتي عند سفحك‪ ،‬وأضع ذاكرتي عند‬ ‫أقدام براكينك‪ ،‬وأجلس بعدها وسط الحرائق‪.‬والتقينا‪...‬‬ ‫لم أكن أتوقع أن تكوني المعركة التي سأترك عليها‬ ‫جثّتي‪ ،‬والمدينة التي سأنفق فيها ذاكرتي‪ .‬وربما كان حتفي‪ ،‬فهل من قوة‬ ‫تقف في وجه القدر؟‬ ‫كان لقاؤنا يتكرر كل يوم تقريباً‪ ،‬كنّا نلتقي في تلك‬ ‫القاعة نفسها في ساعات مختلفة من النهار‪ ،‬فقد‬ ...‬‬ ‫أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك المنسيّة‬ ‫ذراعه‪ ،‬وفي المجن المغلقة قلبه‪.‬‬ ‫ربع قرن على أ َّ‬ ‫ول لقاء بين رجل كان أنا‪ ،‬وطفلة‬ ‫تلعب على ركبتي كانت أنت‪..‬أن أرفض الستعانة بنشرات الرصاد‬ ‫الجوية‪ ،‬والكوارث الطبيعية‪ ،‬وأقنع نفسي أنني أعرف‬ ‫عنك أكثر مما يعرفون‪ ..‬‬ ‫التقت الجبال إذن‪ .‬وجبّارة مثلك‪ .‬‬ ‫كيف حدث ك ّ‬ ‫ل هذا؟ لم أعد أدري‪.‫قبلي‪ .‬واللوحة‬ ‫البيضاء التي ستستقيل أمامها فرشاتي‪ ،‬لتبقى‬ ‫عذراء‪ ..‬‬ ‫ربع قرن من الصفحات الفارغة البيضاء التي لم تمتلئ‬ ‫بك‪.

..‬تلك التي يكاد يلمس فيها‬ ‫العشق‪ ،‬في آخر المطاف‪ ،‬الجنون أو الموت‪..‬‬ ‫كان حبك يجرفني بشبابه وعنفوانه‪ ،‬وينحدر بي إلى‬ ‫أبعد نقطة في اللمنطق‪ .‬وربما لنني كنت أكبرك سنّاً‪ ،‬كنت أشعر أنني‬ ‫تحمل وحدي مسؤولية ذلك الوضع العاطفي الشاذ‬ ‫وانحدارنا السريع والمفجع نحو الحب‪.‬‬ ‫تراني كنت أخون الماضي‪ ،‬وأنا أنفرد بك في جلسة‬ .‬‬ ‫ولكن عبثا ً كنت أحاول الوقوف في طريق ذلك الشلل‬ ‫ب في الخمسين‪،‬‬ ‫الذي كان يجرفني إليك بقوة ح ّ‬ ‫ب‬ ‫ب في الخمسين‪ ،‬بشهية رجل لم يعرف الح ّ‬ ‫بجنون ح ّ‬ ‫قبل ذلك اليوم‪.‬‬ ‫ل يوم‪ .‬وكنت تملكين ما يكفي من الوقت لزيارتي‬ ‫ك ّ‬ ‫ي دوام جامعي‪.‫شاءت المصادفات أن يصادف معرضي عطلة الربيع‬ ‫المدرسية‪ .‬وكنت أعي أنني‪ ،‬معك‪ ،‬بدأت أتنكَّر‬ ‫لواحدة لقنعك بأخرى‪.‬‬ ‫وكنت أشعر وأنا أنحدر معك إلى تلك المتاهات العميقة‬ ‫داخلي‪ ،‬إلى تلك الدهاليز السرية للحب والشهوة‪ ،‬وإلى‬ ‫تلك المساحة البعيدة الغوار التي لم تطأها امرأة‬ ‫َ‬ ‫قبلك‪ ،‬أنني أنزل أيضا ً سلّم القيم تدريجياً‪ ،‬وأنني أتنك ّر‬ ‫دون أن أدري لتلك المثل التي آمنت بها بتطّرف‪،‬‬ ‫ورفضت عمرا ً بأكمله أن أساوم عليها‪.‬‬ ‫تساءلت كثيرا ً آنذاك‪.‬‬ ‫كنت أتساءل كل مرة وأنا أودعك مرددا ً تلقائياً‪" ،‬إلى‬ ‫الغد"‪ :‬ترانا نرتكب أكبر الحماقات ويزداد تعلقنا ببعض‬ ‫ك ّ‬ ‫ل يوم‪ .‬فلم يكن لك أ ّ‬ ‫كان عليك فقط أن تتحايلي على الخرين بعض‬ ‫الشيء‪ ،‬وربما على ابنة عمك أكثر‪ ،‬حتى ل ترافقك‬ ‫لسبب أو لخر‪.‬‬ ‫لقد كانت القيم بالنسبة لي شيا ً ل يتجزأ‪ ،‬ولم يكن‬ ‫هناك في قاموسي من فرق بين الخلق السياسية‪،‬‬ ‫وبقية الخلق‪ ..

‬‬ ‫كن ِ‬ ‫رحت تمتلئين بي ك ّ‬ ‫ل يوم ٍ أكثر‪..‬فأدنّس ذكراه وأسرق منه زهرة عمره‬ ‫الوحيدة‪ ..‬أن أفتح لك دفاتر الماضي المصفّرة‪ ،‬لقرأها‬ ‫أمامك صفحة‪ .‬لم يحدث هذا أبداً‪ ،‬كانت هيبة اسمه حاضرة في‬ ‫ذهني دائماً‪ .‬‬ ‫وكانت متعتي الوحيدة وقتها‪ ،‬أن أودعك مفاتيح‬ ‫ذاكرتي‪ .‫شبه بريئة‪ ،‬في قاعة تؤثثها اللوحات والذاكرة؟‬ ‫ن عرفت من رجال‪ ،‬وأكثرهم نخوة‬ ‫م ْ‬ ‫تراني أخون أعّز َ‬ ‫ومروءة‪ ،‬وأكثرهم شجاعة ووفاءً؟‬ ‫تراني سأخون سي الطاهر قائدي ورفيقي وصديق‬ ‫عمر بأكمله‪ .‬كانت تربطني بك وتفصلني عنك في‬ ‫الوقت نفسه‪ ..‬ووصيّته الخيرة؟‬ ‫أيمكن أن أفعل ك ّ‬ ‫دّثك عن‬ ‫ل ذلك باسم الماضي‪ ،‬وأنا أح ِ‬ ‫الماضي!‬ ‫ولكن‪ .‬‬ ‫التي كنت أح ِّ‬ ‫ل‪ .‬صفحة‪ .‬كانت جسرا ً وحاجزا ً في الوقت نفسه‪.‬‬ ..‬وإذا بنا نحمل ذاكرة مشتركة‪ ،‬طرقا ً وأزقة‬ ‫مشتركة‪ ،‬وأفراحا ً وأحزانا ً مشتركة كذلك‪ .‬‬ ‫كنا نكتشف بصمت أننا نتكامل بطريقة مخيفة‪ ..‬أكنت ح ّ‬ ‫قا ً أسرق منك شيئاً‪ ،‬في تلك الجلسات‬ ‫دثك فيها طويل ً عنه؟‪.‬كنت أنا‬ ‫ت أنت الحاضر الذي ل‬ ‫الماضي الذي تجهلينه‪ ،‬وكن ِ‬ ‫ملتني‬ ‫ذاكرة له‪ ،‬والذي أحاول أن أودعه بعض ما ح ّ‬ ‫السنوات من ثقل‪..‬‬ ‫ت فارغة كإسفنجة‪ ،‬وكنت أنا عميقا ً ومثقل ً كبحر‪.‬‬ ‫كنت أجهل ساعتها أنني كنت كلما فرغت امتلت بك‬ ‫ولتك إلى‬ ‫أيضاً‪ ،‬وأنني كلما وهبتك شيا ً من الماضي‪ ،‬ح ّ‬ ‫نسخة منّي‪ .‬وكأنني أكتشفها معك وأنا‬ ‫أستمع لنفسي‪ ،‬أقصها لول مرة‪.‬فقد كنَّا معاً‬ ‫معطوبي حرب‪ ،‬وضعتنا القدار في رحاها التي ل‬ ‫ترحم‪ ،‬فخرجنا ك ُّ‬ ‫ل بجرحه‪.

‬شي من المرارة التي‬ ‫اكتشفتها فيك لول مرة‪.‫كان جرحي واضحا ً و جرحك خفيا ً في العماق‪ .‬‬ ‫يهمني أن أعرف شيئا ً عن أفكاره‪ .‬وعندما يحدث أن يذكره‬ ‫ع ّ‬‫أمامي‪ ،‬يأتي كلمه وكأنه أقرب لخطبة تأبينية يتوجه‬ ‫بها لغرباء يستعرض أمامهم مآثر أخيه‪ ،‬ول يتوجه فيها‬ ‫ي ليحدثني عن رجل هو أبي قبل ك ّ‬ ‫ل شي‪..‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ ما فائدة أن يمنح اسم أبي لشارع كبير‪ ،‬وأن أحمل‬‫ثقل اسمه الذي يردده أمامي المارة والغرباء عدة‬ ‫مرات في اليوم‪ .‬‬ ‫وتمثالين محطّمين داخل أثواب أنيقة ل غير‪.‬واعترفت بشيء من الرتباك‪ ،‬أنَّك‬ ‫جئت لزيارتي من البدء‪ ..‬كنَّا أشلء حرب‪...‬‬ ‫إل ّ‬ ‫الذي أريد أن أعرفه عن أبي‪ ،‬ليس تلك الجمل الجاهزة‬ ‫لتمجيد البطال والشهداء‪ ،‬والتي تقال في ك ّ‬ ‫ل مناسبة‬ ‫عن الجميع؛ وكأ َّ‬ ‫وى فجأة بين ك ّ‬ ‫ل الشهداء‪،‬‬ ‫ن الموت س ّ‬ ‫فأصبحوا جميعا ً نسخة طبق الصل‪.‬اقتلعوا من جسدي‬ ‫عضواً‪ .‬بعض تفاصيل‬ .‬بهذه النية فقط‪ .‬كان في‬ ‫صوتك شيء من الحزن المكابر‪ .‬وأخذوا من أحضانك أبا‪ .‬‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي طلبت فيه مني لول مرة‪ ،‬أن‬ ‫أحدَّثك عن أبيك‪ ..‬لقد‬ ‫بتروا ذراعي‪ ،‬وبتروا طفولتك‪ .‬ما فائدة ذلك إذا كنت ل أعرف عنه‬ ‫أكثر مما يعرفون‪ ،‬وإذا كان ل يوجد بينهم شخص واحد‬ ‫قادر على أن يحدّثني عنه حقاً؟‬ ‫قلت لك متعجباً‪:‬‬ ‫مك مثلً؟‬ ‫ ألم يحدثك عنه ع ّ‬‫قلت‪:‬‬ ‫مي ل وقت له لهذا‪ ....

‬فرحت أستمع إليك وأنت‬ ‫ممين ما في أعماقك من دمار‪.‬ربما كان على‬ ‫حق‪ ،‬فالشهادات هي آخر ما يمكن أن يوصلك اليوم‬ ‫إلى وظيفة محترمة‪..‬ربما كان بعضها أكبر أو‬ ‫أصغر‪ ،‬ربما كتب اسم بعضها بخط أكبر أو أصغر من‬ ‫خ ّ‬ ‫ط آخر‪ ،‬ولكنها جميعا ً أرقام لمأساة ما‪.‬ورغم أنني أشاطره رأيه‪،‬‬ .‬‬ ‫تر ِّ‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ يحدث أن أشعر أنني ابنة لرقم فقط‪ ،‬رقم بين‬‫مليون ونصف مليون رقم آخر‪ .‬‬ ‫كنت أتأملك وأغوص في أعماق نفسي‪ .‬طموحاته السرية‪ .‬‬ ‫لقد رأى أصدقاءه الذين تخرجوا قبله‪ ،‬ينتقلون مباشرة‬ ‫َ‬ ‫إلى البطالة أو إلى موظّفين برواتب وأحلم محدودة‪،‬‬ ‫فقَرر أن ينتقل إلى التجارة‪ .‫حياته‪ ..‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫وأضف ِ‬ ‫ أن يكون أبي أورثني اسما ً كبيراً‪ ،‬هذا ل يعني شيئاً‪..‬أخطاءه وحسناته‪ .‬ل أريد أن أكون ابنة لسطورة‪ ،‬الساطير‬ ‫وته‬ ‫بدعة يونانية‪ .‬‬‫لقد أورثني مأساة في ثقل اسمه‪ ،‬وأورث أخي الخوف‬ ‫الدائم من السقوط‪ ،‬والعيش مسكونا ً بهاجس الفشل‪،‬‬ ‫وهو البن الوحيد للطاهر عبد المولى الذي ليس من‬ ‫حقه أن يفشل في الدراسة ول في الحياة‪ ،‬لنه ليس‬ ‫من حق الرموز أن تتحطم‪ .‬ففي حياة ك ّ‬ ‫ل رجل‬ ‫خيبة ما وهزيمة ما‪ ،‬ربما كانت سببا ً في انتصار آخر‪.‬لم أكن في‬ ‫تلك اللحظة نبيّاً‪ ،‬ول كنت أنت آلهة إغريقية‪ ..‬أريد أن أكون ابنة لرجل عادي بق ّ‬ ‫وبضعفه‪ ،‬بانتصاراته وبهزائمه‪ .‬رحت أبحث‬ ‫عن الحدّ الفاصل بين هزائمي وانتصاراتي‪ .‬هزائمه‬ ‫السرية‪ .‬‬ ‫ح ّ‬ ‫ل شيء من الصمت بيننا‪..‬كنّا فقط‬ ‫مي الطراف‪ ،‬يحاولن‬ ‫تمثالين أثريين قديمين محط َ‬ ‫ترميم أجزائهما بالكلمات‪ .‬والنتيجة‪ ،‬أنه تخلى عن‬ ‫دراسته الجامعية وهو يكتشف عبثية تكديس الشهادات‪،‬‬ ‫في زمن يكدّس فيه الخرون المليين‪ .

.‬لقد ذهبت أبعد‬‫من أحلمه؛ إنك الوريثة لك ّ‬ ‫ل طموحاته ومبادئه‪ .‬أحزنني‪،‬‬ ‫ولكنه لم يوصلني إلى حد الشفقة عليك‪ .‬ولن يأخذها منِّي أحد!‬ ‫أذهلني كلمك‪ .‬وكنت معجبا ً بك‪ ،‬بجرحك المكابر‪ ،‬بطريقتك‬ ‫الستفزازية في تحدّي هذا الوطن‪ .‬ملني بأحاسيس متناقضة‪ .‬كنت تشبهينني أنا‬ ‫ضل‬ ‫الذي كنت أرسم بيد لستعيد يدي الخرى‪ .‬كنت أف ِّ‬ ‫لو بقيت رجل ً عاديا بذراعين اثنتين‪ ،‬لقوم بأشياء‬ ‫عادية يومية‪ ،‬ول أتحول إلى عبقري بذراع واحدة‪ ،‬ل‬ ‫تتأبط غير الرسوم واللوحات‪.‬إنها دائما ً تثير العجاب حتى في‬ ‫حزنها‪ .‬إ َّ‬ ‫ن امرأة‬ ‫ذكية ل تثير الشفقة‪ .‬‬ ‫أجبت بشيء من السخرية‪:‬‬ ‫ قد أكون مدينة للجزائر بثقافتي أو بعلمي‪ ،‬ولكن‬‫ي‪ .‬إنك ل تعين أن يكون لك‬ ‫اليوم هذا الحظ الستثنائي‪ ،‬في وطن يمنحك فرصة‬ ‫أن تكوني فتاة مث َّ‬ ‫قفة‪ ،‬يمكنها الدراسة والعمل وحتى‬ ‫الكتابة‪.‬ولكن أبي أصبح ملكا ً لكل الجزائر‪ ،‬ووحدها‬ ‫الكتابة أصبحت ملكي‪ ..‬كنت أف ِ‬ ‫أن تكون لي طفولة عادية وحياة عادية‪ ،‬أن يكون لي‬ ‫أب وعائلة كالخرين؛ وليس مجموعة من الكتب وجزمة‬ ‫من الدفاتر‪ .‫إل أنه يحزنني أن يتحول أخي وهو في عّز شبابه‪ ،‬إلى‬ ‫تاجر صغير يدير محل ً تجاريا ً وشاحنة وهبتها له الجزائر‬ ‫كامتياز بصفته ابن شهيد‪ .‬ل أعتقد أن أبي كان يتو َّ‬ ‫قع‬ ‫له مستقبل ً كهذا!‬ ‫قاطعتك في محاولة لتخفيف تذمرك‪:‬‬ ‫ إنه لم يتوقع أيضا ً لك مستقبل ً كهذا‪ .‬نحن نكتب‬ ‫الكتابة شي آخر لم يم ّ‬ ‫ن به أحد عل ّ‬ ‫ضل‬ ‫لنستعيد ما أضعناه وما سرق خلسة منّا‪ ..‬‬ ‫لم يكن حلمي أن أكون عبقريا ً ول نبيا ً ول فنانا ً رافضاً‬ .‬كان‬ ‫رجل ً يقدّس العلم والمعرفة‪ ،‬ويعشق العربية‪ ،‬ويحلم‬ ‫بجزائر ل علقة لها بالخرافات والعادات البالية التي‬ ‫أرهقت جيله وقضت عليه‪ .

‬هو‬ ‫الروع‪ .‬‬ ‫يوم الستقلل بكت جدّتي كما لم تبك يوماً‪ ...‬كان حلمي أن تكون‬ ‫لي زوجة وأولد‪ ،‬ولكن القدر أراد لي حياة أخرى‪ ،‬فإذا‬ ‫بي أب لطفال آخرين وزوج للغربة والفرشاة‪ .‬لقد‬ ‫بتروا أيضا ً أحلمي‪..‬ولذا كثيرا ً ما تحدّثني عن أبي دون أن‬ ‫أطلب منها ذلك‪ ،‬فقد كان أجمل ما في ماضيها‬ ‫النثوي العابر‪ .‬إن ما في أعماقنا هو لنا‬‫ولن تطوله يد أحد‪.‬لم أجاهد من أجل هذا‪ .‬وأكثر حتى من أ ّ‬ ‫دثني عن ك ِّ‬ ‫ل شيء‪ .‬لماذا تبكين وقد استقل ّت الجزائر؟" قالت‪" :‬كنت‬ ‫"أ ّ‬ .‬كان الطاهر هو الجمل‪ .‬كانت‬ ‫تجد متسعا ً من الوقت لتح ِّ‬ ‫تعود إلى الماضي تلقائياً‪ ،‬وكأنها ترفض الخروج منه‪...‬تأكل الماضي‪ .‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ لن يأخذ أحد منك الكتابة‪ ..‬سألتها‬ ‫َ‬ ‫ما‪ ..‬ول تطرب سوى‬ ‫لسماع أغانيه‪.‬‬ ‫ثم أضفت وكأنك تودعينني سراً‪:‬‬ ‫ب جدّتي أكثر من أي شخص‬ ‫ أتدري لماذا كنت أح ّ‬‫مي؟ إنها الوحيدة التي كانت‬ ‫آخر‪ .‬هو البن الباّر الذي لم يجرحها يوما ً بكلمة‪..‬‬ ‫كانت تحلم بالماضي في زمن كان الخرون يحلمون‬ ‫فيه بالمستقبل‪ .‬‬ ‫كانت تلبس الماضي‪ .‬وكانت ل تتعب من الحديث عنه‪ ،‬كأنها‬ ‫تستعيده بالكلمات وتستحضره‪ .‫ومرفوضاً‪ .‬كانت تفعل ذلك‬ ‫بحسرة الم التي ترفض أن تنسى أنها فقدت بكرها‬ ‫إلى البد‪ .‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ ولكن ليس في أعماقي شيء سوى الفراغات‬‫المحشوة بقصاصات الجرائد‪ ....‬بنشرات الخبار‪ ،‬وبكتب‬ ‫ساذجة ليس بيني وبينها من قرابة‪.‬ولكنها لم تكن تقول لي عنه أكثر مما‬ ‫تقوله أم عن ابنها‪ .

‫في الماضي أنتظر الستقلل ليعود لي الطاهر‪ ،‬اليوم‬ ‫أدركت أنني لم أعد أنتظر شيئاً"‪.‬‬ ‫وأكثر من "تّراس"‪ .‬‬ ‫لقد كانت تنتمي لجيل من النساء نذرن حياته َّ‬ ‫ن‬ ‫ب‪،‬‬ ‫ن يعشن العياد والعراس كوليمة ح ّ‬ ‫للمطبخ‪ ،‬ولذا ك ّ‬ ‫يهبن فيها من جملة ما يهبن فائض أنوثته َّ‬ ‫ن‬ ‫ن‪ .‬وحنانه َ‬ ‫وجوع سّري لم يجد له من تعبير آخر خارج الكل‪..‬‬ ‫لقد ك َّ‬ ‫ن في الوقع يطعمن كل يوم أكثر من مائدة‪...‬وقفت في وسط الدار‬ ‫وهي تشهق بالبكاء وتنتفض عارية الرأس مرددة بحزن‬ ‫بدائي‪ " :‬يا وخيدتي‪ .....‬إنها تحبّك بالكل‪ ،‬فتعد من أجلك‬ ‫ملك‬ ‫طبقك المفضل وتلحقك بالطعمة‪ ،‬وتح ّ‬ ‫وها‬ ‫بالحلويات‪ ،‬وبالكسرة والرخسيس الذي انتهت لت ِّ‬ ‫من إعداده‪.‬وينمن كل ليلة دون أن ينتبه أحد‬ ‫ن المتوارث من عصور‪.‬آه الطاهر أحنَاني‬ ‫لمن خلّيتني‪ .‬رجل ً كان أبي‪.‬‬ ‫يوم مات أبي لم تزغرد جدّتي كما في قصص الثورة‬ ‫الخياليّة التي قرأتها فيما بعد‪ .‬‬ ‫وكانت أمي تبكي بصمت وهي تحاول تهدئتها‪ ،‬وكنت‬ ‫أنا أتفرج عليهما وأبكي دون أن أفهم تماما ً أنني أبكي‬ ‫رجل ً لم أره سوى مَّرات‪ .‬كان لتلك المرأة طريقة واحدة في‬ ‫ب‪ ،‬اكتشفت بعدها أنها طريقة مشتركة لك ّ‬ ‫ل‬ ‫الح ّ‬ ‫المهات عندنا‪ .‬نروح عليك أطراف"‪..‬‬ ‫ي تلك‬ ‫لماذا كان ذكرك لـ ( أ ّ‬ ‫ما الزهرة) يثير دائما ً ف ّ‬ ‫العواطف الغامضة‪ ،‬التي كانت جميلة ودافئة قبل ذلك‬ ‫اليوم‪ ،‬والتي أصبحت فجأة موجعة حدّ البكاء؟‬ ‫مازلت أذكر ملمح تلك العجوز الطيبة التي أحبّتني‬ ‫بقدر ما أحببتها والتي قضيت طفولتي وصباي متنقلً‬ ‫بين بيتها وبيتنا‪ .‬يا سوادي‪ .‬اكتشفت هذه‬ ‫إلى جوعه ّ‬ ‫الحقيقة مؤخرا ً فقط‪ ،‬يوم وجدت نفسي ربَّما وفاءً‬ ‫له َّ‬ ‫ب امرأة تعيش على الكل الجاهز‪،‬‬ ‫ن_ عاجزا ً عن ح ّ‬ ‫ول وليمة لها غير جسدها!‬ .

‬‬ ‫الولياء والصالحين متض ّ ِ‬ ‫تماما ّ كما كانت تزور سابقا ً يوم كانت حبلى به طالبة‬ ‫آنذاك أن يكون مولودها صبيّاً‪.‬وربما‬ ‫كانت جدتي تعرف أنه خلق ليستشهد فراحت تزور‬ ‫رعة باكية لبنها أخيرا ً ذريّة‪.‬‬ ‫كانت تعرف مسبقا ً نشاطه السياسي‪ ،‬وتدري أنه‬ ‫سيلتحق بالجبهة بعد الزواج‪ ،‬وسيدخل في الحياة‬ ‫السّريّة‪ ،‬ولن يزورها إل خلسة بين الحين والخر‪ ،‬وقد‬ ‫ل يعود إليها إل جثماناً‪ ،‬فلماذا هذا الزواج إذن؟ ولكن‬ ‫و رائحة‬ ‫كان ل بدّ لذلك الزواج أن يت ّ‬ ‫م؛ كان في الج ّ‬ ‫صفقة ما‪ .‬‬ ‫سألتك‪:‬‬ ‫ من أين تعرفين ك ّ‬‫ل هذه القصص؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ منها هي‪ .‬ولذا س َ‬ ‫مت عمي ( محمد‬ ‫مس ّ‬ ‫( محمد الطاهر) تباركا ً به‪ ...‬ث ّ‬ ‫الشريف) تباركا ً به أيضاً‪ ...‬إنك لم تحدّثيني عنها أبدا ً كيف عاشت بعد‬‫وفاة سي الطاهر؟‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ لقد كانت قليلة الحديث عنه‪ .‬بعدها عرفت أ َّ‬ ‫ن نصف رجال‬ ...‫سألتك وأنا أهرب من تلك الذكريات هربي من خدوش‬ ‫طفولتي البعيدة‪:‬‬ ‫ وأمك‪ .‬ومن أمي أيضاً‪ ..‬تصور أنها يوم كانت‬‫حبلى بأبي لم تفارق مزار (سيدي محمد الغراب)‬ ‫مته‬ ‫بقسنطينة‪ ،‬حتى إنها كادت تلده هناك‪ .‬ربّما كانت في أعماقها‬‫تعتب على الذين زوجوها منه‪ ،‬فقد كانوا يز ّ‬ ‫فونها‬ ‫لشهيد وليس لرجل‪..‬ول بأس‬ ‫أن تكون أمي زواجه الثاني أو أرملته القادمة‪ .‬فقد كان أهلها فخورين بمصاهرة الطاهر‬ ‫عبد المولى‪ ،‬صاحب السم والثروة الكبيرة‪ ..

‬‬ ‫ وهل زرته أنت؟‪.‬أل يعجبك اسمي الحقيقي‪ .‫تلك المدينة أسماؤهم هكذا‪ ..‬وأ َّ‬ ‫ن أهل تلك المدينة‬ ‫ن معظمهم يحمل‬ ‫يولون اهتماما ً كبيرا ً للسماء‪ ،‬وأ َ‬ ‫أسماء النبياء أو الولياء الصالحين‪ .‬وركضت الذاكرة إلى‬ ‫الوراء‪ .‬وهو ما جعل السلطات‬ ‫التونسية تقوم بربط قدمه إلى سلسال حديدي حتى ل‬ ‫ود أن يفعل‪ .‬وهكذا كادت‬ ‫ميني "السيدة" تباركا ً بالسيدة المنوبيّة التي كانت‬ ‫تس ِ‬ ‫تزورها في تونس ك ّ‬ ‫ل مرة محملة بالشمع والسجاد‬ ‫والدعوات‪ ،‬متنقلة بين ضريحها ومزار (سيدي عمر‬ ‫الفاياش)‪ .‬‬ ‫‪ -‬لماذا‪ ..‬‬ ‫وأخريات لمجرد اكتشاف رجولته المعروضة للفرجة‪.‬‬ ‫سألتك ضاحكاًً‪.‬ربما سمعت به‪ ،‬ذلك الولي الذي كان يعيش‬ ‫عاريا ً تماما ً من كل شيء‪ ..‬وهكذا كان‬ ‫يغادر البيت عاريا ً كما تع ّ‬ ‫يعيش مقيداً‪ ،‬يدور ويصرخ وسط غرفة فارغة‪ ،‬إل من‬ ‫النساء اللتي يتسابقن لزيارته‪ ،‬بعضهن للتبارك به‪..‬أليس أجمل؟!‬ ..‬تعثّر اللسان وهو يلفظ هذا السم بعد ربع قرن‬ ‫تماما ً وفاجأك سؤالي‪:‬‬ ‫ هل يسعدك أن أناديك "حياة"؟‬‫قلت متعجبة‪.‬‬ ‫ولفضول النساء الملتحفات بـ (السفساري)‬ ‫والمتظاهرات بالحشمة الكاذبة!‪...‬لقد زرته بعد ذلك مع ك ّ‬‫ن على‬ ‫انفراد؛ وزرت أيضا ً "السيدة المنوبية"‪ ،‬المرأة التي‬ ‫كدت أحمل اسمها‪ ،‬لول أ َّ‬ ‫ن أمي أنقذتني من تلك‬ ‫الكارثة‪ ،‬وقررت أن تسميني "حياة" في انتظار مجيء‬ ‫أبي‪ ،‬الذي يعود إليه القرار الخير في اختيار اسمي‪....‬‬ ‫تو َّ‬ ‫قف القلب عند هذا السم‪ ..‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ل واحدة منه َّ‬ ‫ طبعاً‪ .

.‬طفلتي بطريقة ما‪.‬‬ ‫تراك بدأت تعرفينني إلى هذا الحد؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ اعلمي أيتها الثوريّة المبتدئة أنه ل بدّ من أكثر من‬‫اختبار‪ .‬أيّة‬ ‫مهمة تراك تعد لي؟‬ ‫ضحكت بدوري لملحظتك التي فاجأتني بواقعيتها‪.‬‬ ‫أريد أن يكون بيننا ككلمة سّر‪ ،‬ليذكّرك بعلقتنا‬ ‫الستثنائية‪ ،‬وبأنك أيضاً‪ ...‬لنكل ِّف أحدا ً بمهمة فدائية‪ .‬وبرغم ذلك أح ّ‬ ‫أكون الوحيد مع والدتك الذي يعرف اليوم هذا السم‪..‫قلت‪:‬‬ ‫جبت وقتها كيف خطر‬ ‫ إنه حقا أجمل‪ .‬قل ِ‬ ‫ضحك ِ‬ ‫ أتدري أنك لم تخرج أبدا ً من فترة الثورة‪ ،‬ولذا أنت‬‫تشعر برغبة في أن تعطيني اسما ً حركيا ً حتى قبل أن‬ ‫تحبني‪ .‬وكأنك ستدخلني بذلك في العمل السري‪ .‬كنت أسمعه لول مرة ولم‬ ‫يكن في حياته آنذاك ما يمكن أن يوحي باسم جميل‬ ‫ميك "حياة" لنني قد‬ ‫ب أن أس ِّ‬ ‫كهذا‪ .‬ولذا سأبدأ في‬ ‫صة!‬ ‫مرحلة أولى بدراستك‪ ،‬ومعرفة استعدادتك الخا ّ‬ ‫***‬ ‫ص‬ ‫أحسست لحظتها‪ ،‬أ ّ‬ ‫ن الوقت قد أصبح مناسباً‪ ،‬لق ّ‬ ‫صة يومي الخير في الجبهة‪ ،‬ذلك اليوم‬ ‫عليك أخيرا ً ق ّ‬ .‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫ت‪ ..‬حتى إنني تع ّ‬‫اسم كهذا في بال والدك‪ .

.‬‬ ‫مازلت أذكر تلك الشهقة في نظرتها‪ ،‬كأنها كانت‬ ‫تنتظر شخصا ً آخر غيري‪.‬‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي وقفت فيه لول مرة أدق باب‬ ‫بيتكم في شارع التوفيق بتونس‪ .‬‬ ‫انحنيت أقبّلها‪ ...‬‬ ‫وتلك الليلة التي عبرت فيها الحدود الجزائرية‬ ‫التونسية‪ ،‬بجسد محموم وذراع تنزف‪ ،‬وأنا أرِدّد لنفسي‬ ‫مى‪ ،‬اسمك الذي أصبح وسط إجهادي‬ ‫بهذيان الح ّ‬ ‫ونزيفي‪ ،‬وكأنه اسم لعملية أخيرة كلفني بها سي‬ ‫الطاهر‪ ،‬كنت أريد أن أحقق طلبه الخير‪ ،‬وأطارد حلمه‬ ‫الهارب‪ ،‬فأمنحك اسما ً شرعيا ً رسمياً‪ .‬بشوق السنوات التي لم أرها فيها‪..‬‬ ‫وقبل أن أنطق بأية كلمة اغرورقت عيناها بالدموع‪،‬‬ ‫وراحت تبكي دون أن تفكِّر حتى في دعوتي إلى دخول‬ ‫البيت‪.‬‬ ‫حصت معطفي الرمادي‬ ‫توقفت مدهوشة أمامي‪ ،‬تف ّ‬ ‫الحزين ووجهي النحيل الشاحب‪ ...‫الذي لفظ فيه سي الطاهر اسمك أمامي لول مرة‪،‬‬ ‫وهو يوِدّعني ويكل ِّفني إذا ما وصلت إلى تونس على‬ ‫قيد الحياة أن أقوم بتسجيلك نيابة عنه‪.‬ل علقة له‬ ‫بالخرافات والولياء‪..‬وبشوق (أ ّ‬ ‫بالشوق الذي ح ّ‬ ‫أتع َّ‬ ‫ود بعد سنتين ونصف على فجيعتها‪.‬توقفت عند ذراعي‬ ‫الوحيدة التي تمسك علبة الحلوى‪ ،‬وذراع معطفي‬ ‫الخرى الفارغة التي تختبئ لول مرة بحياء داخل جيب‬ ‫معطفي‪.‬‬ ‫ي من شهر أيلول‪ ،‬انتظرت أمام‬ ‫في ذلك اليوم الخريف ّ‬ ‫ما الزهرة)‬ ‫ي الخضر‪ ،‬قبل أن تفتح (أ ّ‬ ‫بابكم الحديد ّ‬ ‫الباب بعد لحظات بدت لي طويلة‪.‬أذكر تلك الزيارة بكل‬ ‫تفاصيلها وكأن ذاكرتي كانت تقرأ مسبقا ً ما سيكتب‬ ‫لي معك‪ ،‬فأفرغت مساحة كافية لها‪.‬‬ .‬‬ ‫ما) التي لم‬ ‫ملني إياه ابنها‪ .

.‬‬ ‫ما الزهرة) إلى غرفة تطل على وسط الدار‬ ‫سبقتني (أ ّ‬ ‫مرددة‪:‬‬ ‫ اقعد يا ولدي‪ .‬أم فقط لن أحدا ً قد دقّ‬ ‫هذا الباب‪ ،‬ودخل حامل ً في يده البهجة‪ ،‬وشيئا ً من‬ ‫الخبار‪ ،‬لبيت ربَّما لم يدخله رجل منذ شهور؟‬ ‫ ع السلمة‪ ..‬؟‬‫أكان بكاؤها فرحا ً بلقائي‪ ،‬أم حزنا ً على حالتي‪ ،‬وعلى‬ ‫ذراعي التي تراها مبتورة لول مرة‪ ..‬بصوت عا ٍ‬ ‫كإشارة موجهة لمك التي ركضت عند سماع هذه‬ ‫الكلمات‪ ،‬ولم أَر غير ذيل ثوبها يسبقني‪ ،‬ويختفي‬ ‫خلف باب مغلق على عجل‪...‬‬‫قالتها وهي تأخذ منّي علبة الحلوى وتضعها على‬ ‫الصينية النحاسية المستديرة والموضوعة على مائدة‬ ..‬‬ ‫ورائحة الطعام التي تنبعث منه‪ ،‬فتبعث معها‬ ‫الطمأنينة‪ ،‬ودفء غامض يستبقيك هناك‪...‬بدوالي العنب التي تتسلّق جدران‬ ‫حديقته الصغيرة‪ ،‬وتمتد لتتدلى عناقيد ثريات سوداء‬ ‫على وسط الدار‪.‬‬ ‫شجرة الياسمين التي ترتمي وتط ّ‬ ‫ل من السور‬ ‫الخارجي‪ ،‬كامرأة فضولية ضاقت ذرعا ً بجدران بيتها‪،‬‬ ‫وراحت تتفرج على ما يحدث في الخارج‪ ،‬لتغري المارة‬ ‫بقطف زهرها‪ .‫ما الزهرة؟‬ ‫ واشك أ ّ‬‫زاد بكاؤها وهي تحتضنني وتسألني بدورها‪..‬أكانت تبكي لنها‬ ‫توقعت أن ترى ابنها ورأتني‪ .‬‬ ‫أحببت ذلك البيت‪ ...‬ثم‬ ‫ل‬ ‫أعادت وهي تسبقني "جوز‪.‬جوز‪ ".‬‬‫قالتها وهي تشرع باب الدار أخيرا ً وتمسح دموعها‪ .‬اقعد‪.‬جوز يا ولدي جوز‪..‬‬ ‫ واش راك يا ولدي‪..‬أو جمع ما تبعثر من الياسمين أرضاً‪.

‬وقبل أن أتدخل أنا كانت (أ ّ‬ ‫أخت منك العلبة وذهبت بها إلى مكان آخر وهي تقول‪:‬‬ ‫"يعطيك الصحة يا وليدي‪ ..‬‬ ...‬أخبرتها أنني كنت‬ ‫تحت قيادته وأنه الن في منطقة الحدود وأن صحته‬ ‫جيدة ولكنه ل يستطيع الحضور هذه اليام‪ ،‬لصعوبة‬ ‫الوضاع ولمسؤولياته الكثيرة‪.".‬‬ ‫مينة"‪:‬‬ ‫ما الزهرة) بصينية القهوة وبصحن "الط ّ‬ ‫عادت (أ ّ‬ ‫ قل لي يا خالد يا ابني وراسك‪ .‬وجهك يكفينا‪.‬فرحت أطمئنها‪ .‬‬ ‫وما كدت أجلس أرضا ً على ذلك المطرح الصوفي حتى‬ ‫ظهرت أنت في طرف الغرفة صغيرة كدمية‪ ،‬وحبوت‬ ‫مسرعة نحو العلبة البيضاء تحاولين سحبها إلى الرض‬ ‫ما الزهرة) قد‬ ‫وفتحها‪ .‫خشبية‪..‬من‬ ‫عشرة أيام ل أكثر‪!...‬وعلش عييت روحك يا خالد‬ ‫يا بني‪ ..‬‬ ‫كانت ثيابك الصغيرة البيضاء منثورة فوقها كي تج ّ‬ ‫وعندها حبوت تحوي في خطوتين مترددتين‪ ،‬ويداك‬ ‫الصغيرتان أمامك تستنجدان بي‪.‬‬ ‫أليس عجيبا ً أن يكون لقائي الول بك هو امتحاني‬ ‫الول وعقدتي الولى‪ ،‬وأن أنهزم على يدك في أصعب‬ ‫تجربة مررت بها منذ أصبحت رجل الذراع الواحدة‪ .‬وفي حلقها غ ّ‬ ‫يخاف الجواب‪ .‬لقد كنت عاجزا ً عن‬ ‫التقاطك بيدي الوحيدة المرتبكة‪ ،‬ووضعك في حجري‬ ‫لملعبتك دون أن تفلتي مني‪..‬‬ ‫ثم عادت ونهرتك‪ ،‬وأنت تتجهين نحو ال ّ‬ ‫شياحة الخشبية‪،‬‬ ‫الموضوعة على شكل قبّة صغيرة فوق كانون‪ ،‬والتي‬ ‫ف‪.‬واش راه الطاهر؟‬‫قالتها قبل أن تجلس حتى على المطرح‪ ..‬‬ ‫لحظتها شعرت بهول ما ح ّ‬ ‫ل بي‪ ،‬وأنا أمدّ نحوك يدي‬ ‫الفريدة في محاولة للمساك بك‪ .‬كان في‬ ‫صة السؤال الذي‬ ‫سؤالها مذاق الدمع‪ .

.‫لم أخبرها أن المعارك تشتد كل يوم‪ ،‬وأن العدو قرر‬ ‫أن يطرق المناطق الجبلية‪ ،‬ويحرق كل الغابات‪ ،‬حتى‬ ‫تتمكن طائراته من مراقبة تحركاتنا‪ .‬نيابة عن الرجل الذي سأتحول إليه على‬ ‫جل جوار اسمك اسمي‬ ‫يدك بعد ربع قرن‪ .‬وأعوامك القادمة‬ ‫مسبقاً‪ .‬نسيت أن أس ّ‬ ‫مسبقاً‪ ..‬ضممتك إل ّ‬ ‫م الحلم الذي أضعت من أجله ذراعي‬ ‫وكأنني أض ّ‬ ‫الثانية؛ كأنني أخاف أن يهرب مني وتهرب معه أحلم‬ ‫ذلك الرجل الذي لم يسعد بعد باحتضانك‪..‬‬ ‫نسيت يومها أن أقب ِّلك نيابة عني‪ .‬أمددتها بتلك الوراق‬ ‫النقدية التي أرسلها معي سي الطاهر‪ ،‬وطلبت منها‬ ‫حسب وصيته أن تشتري لك بها هدية‪ ،‬ووعدتها أن‬ ‫أعود قريبا ً لتسجيلك‪ ،‬بذلك السم الذي اختاره لك‪،‬‬ ‫ما الزهرة بصعوبة‪ ،‬وبشي من الدهشة‪،‬‬ ‫والذي رددته أ ّ‬ ‫ولكن دون تعليق‪ .‬وأنت تدخلين‬ .‬فقد كان لما يقوله سي الطاهر‬ ‫بالنسبة لها صفة القداسة‪.‬‬ ‫لقد قال لها منظري أكثر مما تتحمله امرأة في سنها‪،‬‬ ‫فرحت أغيّر مجرى الحديث‪ .‬‬ ‫رحت أقبلك وسط دموعي وفرحتي وألمي وك ّ‬ ‫ل‬ ‫تناقضي‪ ،‬نيابة عن سي طاهر وعن رفاق لم يروا‬ ‫أولدهم منذ التحقوا بالجبهة‪ ،‬ونيابة عن آخرين‪ ،‬ماتوا‬ ‫وهم يحلمون بلحظة بسيطة كهذه‪ ،‬يحتضنون فيها بدل‬ ‫البنادق‪ ،‬أطفالهم الذين ولدوا وكبروا في غفلة منهم‪.‬وأن أبكي أمامك‬ ‫نيابة عني‪ ..‬أن أحجز عمرك‪ ،‬وأوقف عدّاد السنوات الذي‬ ‫كان يركض بي نحو السابعة والعشرين‪ ..‬وأن أطلب ذاكرتك مسبقاً‪ ..‬وأنه تم إلقاء‬ ‫القبض على مصطفى بن بولعيد‪ ،‬ومعه مجموعة من‬ ‫كبار القادة والمجاهدين‪ ،‬وأن ثلثين منهم قد صدر في‬ ‫حقهم الحكم بالعدام‪ ،‬وأنني أتيت للعلج مع مجموعة‬ ‫من الجرحى والمشوهين الذين مات اثنان منهم قبل‬ ‫أن يصل‪....‬‬ ‫وكأنك انتبهت فجأة أن الحديث يعنيك‪ ،‬فتسلّقت ركبتي‬ ‫وجئت فجأة لتجلسي في حجري بتلقائية طفولية‪ ،‬ولم‬ ‫ي‪،‬‬ ‫أتمالك لحظتها احتضانك بيدي الوحيدة‪ .

‬كنت أودُّ لحظتها‪ ،‬لو‬ ‫احتضنتك بذراعي الوحيدة‪ ،‬كما لم أحضن امرأة‪ ،‬كما‬ ‫لم أحضن حلماً‪ .‬‬ ‫استمعت إل َّ‬ ‫ي بذهول‪ ،‬وبصمت مخيف‪ ...‬وقفت‬ ‫وقلت‪:‬‬ .‬ولكنني بقيت في مكاني‪ ،‬وبقيت في‬ ‫مكانك‪ ،‬متقابلين هكذا‪ .‬وكثير من الغيوم التي لم‬ ‫تمطر‪.‬ول‬ ‫تفهمينه‪...‬‬ ‫بإيجاز متع ّ‬ ‫توقفت فقط عند ذلك اليوم ‪ 15‬أيلول ‪ 1957‬الذي‬ ‫وقفت فيه لكتب على سج ّ‬ ‫ل رسمي اسمك النهائي‪.‬‬ ‫بكلمة واحدة‪ ،‬على ق ّ‬ ‫ربما لن ل أحد وجد في تلك القصة ما يستحق‬ ‫التوقف‪.‬وراحت غيوم‬ ‫مكابرة تحجب نظرتك عني‪ .‬‬ ‫َ‬ ‫ي سؤال توضيحي‪ ،‬ول عل ّقت يومها‬ ‫لم تسأليني أ ّ‬ ‫صة لم يقصها عليك أحد قبلي‪.‬كنت تبكين أمامي لول‬ ‫مرة‪ ،‬أنت التي ضحكت معي في ذلك المكان نفسه‬ ‫كثيراً‪.‬‬ ‫ترانا أدركنا لحظتها‪ ،‬أننا كنا نضحك لنتحايل على‬ ‫جله‬ ‫الحقيقة الموجعة‪ ،‬على شيء ما كنا نبحث عنه‪ ،‬ونؤ ّ‬ ‫في الوقت نفسه؟‬ ‫نظرت إليك خلف ضباب الدمع‪ .‫شهرك السابع!‬ ‫نسيت أن أستبقيك هكذا على حجري إلى البد‪ ،‬تلعبين‬ ‫وتعبثين وبأشيائي‪ ،‬وتقولين لي كلما ً ل أفهمه‪ ..‬جبلين مكابرين‪ ،‬بينهما جسر‬ ‫سّري من الحنين والشوق‪ .‬‬ ‫استوقفتني كلمة جسر‪ ،‬وتذكّرت تلك اللوحة‪ ،‬وكأنني‬ ‫تذكرت الفصل الهم من قصة‪ ،‬كنت أرويها لك وربما‬ ‫أرويها لنفسي أيضاً‪ ،‬عساني أصدّق غرابتها‪ .‬‬ ‫ص عليك تلك القصة‬ ‫لم تقاطعيني مرة واحدة‪ ،‬وأنا أق ّ‬ ‫مد‪ ،‬وأترك تفاصيلها المتشعبة لي‪.

.‬ولكنني كنت‬ ‫متأكدا ً منها‪ ،‬ولذا أتيت لسلّم عليك عساني أكتشف‬ ‫خطأ حدسي‪ .‬أنت تكبرين‬ ‫ت!‬ ‫هذه اللوحة بأسبوعين فقط‪ .‬يوم رأيتك تقفين أمام هذه اللوحة‪ ،‬في ذلك‬‫اليوم الول‪ ،‬سرت قشعريرة في جسدي‪ .‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫_ إنه قريب من تاريخ ميلدك الرسمي‪ .‬‬ ‫ ل‪.‬شعرت أن‬ ‫بينك وبين هذه اللوحة قرابة ما أجهلها‪ .‬أو صوابه‪..‬‬ ‫قلت متعجبة‪:‬‬ ‫ وهل كنت مصيبا ً في حدسك؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ألم تلحظي التاريخ المكتوب على هذه اللوحة؟‬‫أجبت وأنت تبحثين عنه أسفلها‪..‬عجيب كل هذا!‬‫نظرت إلى اللوحة وكأنك تبحثين فيها عن نفسك‪،‬‬ ‫فقلت‪:‬‬ .‬إنها توأمك إذا شئ ِ‬ ‫قلت مدهوشة‪:‬‬ ‫ عجيب‪ .‫ تعالي سأريك شيئاً‪.‬قلت لك وأنت تنتظرين‬ ‫مدهوشة ما سأقوله‪:‬‬ ‫ أتدرين‪ ..‬‬‫تبعتني دون سؤال‪..‬‬ ‫وقفت أمام تلك اللوحة‪ .

.‬وسرعان‬ ‫ورون‪،‬‬ ‫ما تخلعها عندما تطفأ الضواء‪ ،‬وينسحب المص ّ‬ ‫كما تخلع امرأة أثواب زينتها‪.‬في مشيتك‪ .‬في لهجتك‪ .‬إنها قسنطينة‪ .‬‬ ‫ فكرت قليل ً ثم قلت‪:‬‬‫ ‪ -‬آ‪ .‬كنت تنتمين لجيل يثقل عليه حمل أي شيء‪.‬واختصر الصيغة والحل ّ‬ ‫بحلي خفيفة تلبس وتخلع على عجل‪ .‬كان في صوتي حسرة‪ ،‬ولكن لم أقل‬ ‫لك شيئاً‪ .‬‬‫خلَت في طلّتك‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ما" عدة سنوات‬ ‫ لن الذاكرة ثقيلة دائماً‪ .‬أيسعدك‬‫هذا؟‬ ....‬‬ ‫ يوم دخلت هذه القاعة‪ ،‬دخلت قسنطينة معك‪...‬تعني "المقياس"‪ ..‬واختصر التاريخ‬ ‫والذاكرة كلها بصفحة أو صفحتين في كتب مدرسيّة‪،‬‬ ‫واسم أو اسمين في الشعر العربي‪.‬‬ ‫لن أعتب عليك‪ ،‬نحن ننتمي لوطان ل تلبس ذاكرتها‬ ‫إل في المناسبات‪ ،‬بين نشرة أخبار وأخرى‪ .‬ولكنه ثقيل يوجع معصمي‪.‬ماتت وهو في معصمها‪.‬وفي‬ ‫ دَ َ‬‫سوار كنت تلبسينه‪..‬لقد لبسته "أ ّ‬‫متتالية‪،‬ولم تشك من ثقله‪ .‫ أليست هذه قنطرة الحبال؟‬‫أجبتك‪:‬‬ ‫ إنها أكثر من قنطرة‪ .‬‬ ‫ولذا اختصر الثواب العربية القديمة بأثواب عصرية من‬ ‫ي القديمة‪،‬‬ ‫قطعة أو قطعتين‪ .‬‬ ‫إنها العادة فقط!‬ ‫لم أعتب عليك‪ ....‬وهذه هي‬‫القرابة الخرى التي تربطك بهذه اللوحة‪.‬يحدث أحيانا ً أن ألبسه في‬‫بعض المناسبات‪ .‬‬ ‫قلت وكأنك تعتذرين عن خطأ لم تتعمديه‪:‬‬ ‫ إذا شئت سألبس ذلك السوار من أجلك‪ .

‬كنت دون أن أدري‪ ،‬أوقظ داخلي‬ ‫مى‬ ‫ولك في ح ّ‬ ‫ماردا ً كان نائما ً منذ سنين‪ ..‬كان الموقف جزينا ً شيئا ً ما‪ ،‬رغم‬ ‫تلقائيته‪ ،‬وربما كان مضحكا ً بحزن‪.‬أنت الفتاة التي كان يمكن أن تكون ابنتي‪،‬‬ ‫مي!‬ ‫والتي أصبحت دون أن تدري‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ يسعدني ذلك‪ ،‬ويسعدني أيضا ً أن تلبسيه من أجلك‬‫أنت‪.‬‬ ‫هذا السوار مثلً‪ ،‬لقد أصبحت علقتي به فجأة علقة‬ ‫عاطفية‪ .‬‬ .‬وجامحة‪.‬وتظل كل تلك الحاسيس التي فجرها داخلي‬ ‫نائمة في دهاليز النسيان‪ .‬‬ ‫ل بد أن تعي أنك لن تفهمي شيئا ً من الماضي الذي‬ ‫تبحثين عنه‪ ،‬ول من ذاكرة أب لم تعرفيه‪ ،‬إذا لم‬ ‫تفهمي قسنطينة بعاداتها وتلتحمي بها‪ .‬أ ّ‬ ‫وكان يمكن أن أجيبك لحظتها بكلمة واحدة‪ ،‬أختصر‬ ‫فيها كل تناقضات موقفنا ذلك‪ ،‬وأختصر فيها كل ما‬ ‫أشعر به تجاهك من عواطف متطرفة‪ .‬‬ ‫نحن نكتشفها عندما نلمسها‪ ،‬عندما نلبسها ونعيش‬ ‫بها‪.‬وكنت أح ّ‬ ‫جنوني من فتاة إلى مدينة‪ .‬وكنت تستمعين لي بانبهار‬ ‫قين كلماتي كما يتل ّ‬ ‫تلميذة‪ ،‬وتتل ّ‬ ‫قى شخص في جلسة‬ ‫تنويم مغنطيسي‪ ،‬تعاليمه وأوامره من منوم يفعل به‬ ‫ما يشاء‪.‬اكتشفت هذا يوم رأيتك تلبسينه‪ ،‬وكان يمكن أل‬ ‫تلبسيه‪ .‬إننا ل نكتشف‬ ‫ذاكرتنا ونحن نتفرج على بطاقة بريدية‪ ....‬‬ ‫ي‬ ‫كنت هنا أعرض عليك أبوتي‪ ،‬وكنت تعرضين عل ّ‬ ‫أمومتك‪ .‬‬ ‫ولكنني قلت شيئا ً آخر‪.‫فاجأني كلمك‪ .‬لقد كان في ذاكرتي رمزا ً للمومة دون أن‬ ‫أدري‪ ..‬أن‬ ‫الذاكرة أيضا ً في حاجة إلى أن نوقظها أحياناً؟‬ ‫كم كنت أحمق‪ .‬أو لوحة زيتية‬ ‫كهذه‪.‬هل تفهمين الن‪ .

‬أو‬ ‫منافقون‪ .‬وافترقنا مثقلين‬ ‫بالهّزات النفسية‪ ،‬مشحونين بالنفعالت المتطّرفة‪،‬‬ ‫التي عشناها خلل أربع ساعات من الحديث المستمّر‪..‬يومها تذكّرت مثل ً فرنسيا ً يقوم‪:‬‬ ‫"أقصر طريق لن تربح امرأة هو أن تضحكها"‪ ،‬وقلت‬ ‫ها أنذا ربحتها دون جهد‪.‬‬ ‫كنت سعيدا ً ربما لنني رأيتك تبكين لول مرة‪ ..‫اكتشفت يومها قدرتي على ترويضك‪ ،‬وعلى السيطرة‬ ‫على نارك المحرقة‪.‬‬ ‫حكمت عليك أن تكوني قسنطينة ما‪.‬‬ ‫تذكّرت لقاءنا الول‪ ،‬الذي بدأناه دون تخطيط‬ ‫بالتعليقات الساخرة‪ ..‬‬ ‫شامخة‪ ،‬عريقة‪ .‬‬ ‫وكنت أحكم على نفسي بالجنون‪.‬‬ ‫وكان هذا أروع ما اكتشفته ذلك اليوم‪..‬وفي الحالتين هم ل يستحقون الحترام‪..‬‬ ‫***‬ ‫قضينا معا ً وقتا ً أطول ذلك اليوم‪ ..‬‬ ‫كنت المرأة التي كنت أريد أن أضحك وأبكي معها‪.‬عميقة‪ ،‬لن يطأها القزام ول‬ ‫القراصنة‪.‬‬ ‫وقَّررت في سّري أن أحولك إلى مدينة شاهقة‪.‬كنت‬ ‫أحتقر الناس الذين ل دموع لهم‪ ،‬فهم إما جبابرة‪ .‬‬ ‫جع على‬ ‫اليوم اكتشفت حماقة ذلك المثل الذي يش ّ‬ ‫م أن‬ ‫الربح السريع‪ ،‬وعلى المغامرات العابرة التي ل يه ّ‬ ‫تبكي بعدها المرأة التي قد ضحكت في البداية‪.‬‬ ‫قلنا الكثير‪ ،‬وسط دموعنا المكابرة أحياناً‪ ،‬ووسط‬ ‫صمتنا المخيف أحيانا ً أخرى‪.‬‬ .

‬ربما كنت فقط أكثر‬ ‫وشعره الفوضوي المن ّ‬ ‫وسامة منه‪.‫لم أربحك بعد نوبة ضحك‪.‬‬ ‫كانت نظراتك تتسكع فوقي‪ ،‬تتوقف أحيانا ً هنا‪.‬شيء من قامته‪ .‬وكنت ربّما على‬ ‫وشك أن تضعي قبلة على خدّي‪ ،‬أو تحضنيني في‬ ‫لحظة حنان مفاجئ‪ ...‬‬ ‫كنّا نفهم بعضنا بصمت متواطئ‪ .‬وعيناك كانت تجّردانني من سلحي حتى‬ ‫عندما تمطران حزناً‪..‬من سمرته‪.‬‬ ‫وصوتك‪ ..‬من أين جئت به؟‬ ‫ي موسيقى كانت موسيقاك‪.‬آه صوتك كم كنت أحبه‪ .‬‬ ‫ي أو زّر قميصي المفتوح‬ ‫وأحيانا ً هناك‪ ،‬لتنتهي عند عين ّ‬ ‫كالعادة‪.‬كان حضورك يوقظ‬ ‫رجولتي‪ ..‬‬ ‫ي لغة كانت لغتك؟ أ ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫كنت دهشتي الدائمة‪ ،‬وهزيمتي المؤكدة‪ ،‬فهل كان‬ ‫يمكن أن تكوني ابنتي‪ ،‬أنت التي لم يكن يمكن في‬ ‫المنطق أن تكوني شيئا ً آخر غير ذاك بالنسبة لي‪.‬‬ ‫وافترقنا مثل العادة‪ ،‬ونحن نتصافح‪ ،‬وكأننا نخاف أن‬ ‫تتحول تلك القبلة العابرة على الخدّ‪ ،‬إلى فتيلة تشعل‬ ‫البراكين النائمة‪.‬ث َّ‬ ‫م في تلك اللحظة التي‬ ‫التي كانت ق ّ‬ ‫تأملت فيها تلك اللوحة بتأثر واضح‪ .‬كنت تقفزين عليها جميعاً‬ ‫مرة واحدة‪ ،‬بنظرة واحدة‪...‬كان عطرك يستفّزني ويستدرجني إلى‬ ‫الجنون‪ .‬ولكنَّك لم تفعلي‪.‬‬‫سق‪ .‬‬ ‫قلت مرة وأنت تتأملينني أكثر‪:‬‬ ‫ فيك شيء من زوربا‪ .‬‬ ‫صتك‬ ‫ربحتك يوم بكيت أمامي وأنت تستمعين إلى ق ّ‬ ‫صتي أيضاً‪ .‬‬ ‫ورحت أقاومك بحواجز وهمية أضعها بيننا ك ّ‬ ‫ل مرة‪ ،‬كما‬ ‫توضع حواجز في ساحة سباق‪ ،‬ولكنك كنت فرساً‬ ‫خلقت للتحدي وربح الرهان‪ .‬‬ ..

.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ ل أذكر هذه القصة‪.‬وقبل أن أقول‬ ‫شيئا ً واصلت بحماسة‪:‬‬ ‫ يعجبني جنونه وتصّرفاته غير المتوقعة‪ ..‫أجبتك‪:‬‬ ‫ يمكن أن تضيفي كذلك‪ ،‬أنني في سنه‪ ،‬وفي جنونه‬‫ن في أعماقي شيئا ً من وحدته‪ .‬من حزنه‬ ‫وتطرفه‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ومن انتصاراته التي تتحول دائما ً إلى هزائم‪.‬‬ ‫قلت متعجبة‪:‬‬ ‫ أتعرف عنه كل ها‪ ...‬أتحبه؟‬‫أجبت‪:‬‬ ‫ ربما‪.‬فلسفته في الحب والزواج‪ .‬في‬ ‫الحرب والعبادة‪ ،‬وتعجبني أكثر طريقته في أن يصل‬ ‫ب‬ ‫بأحاسيسه إلى ضدّها‪ .‬علقته‬‫العجيبة بتلك المرأة‪ .‬أو لم تقرئي كثيرا ً من الكتب‪ .‬بعد ذلك أصبح يعامله كفاكهة‬ ‫عادية‪ ...‬فكَّرت إما أنك لم تعرفي كثيرا ً من‬ ‫الرجال‪ ..‬كيرا ً حتى يتقيّأه‪ .‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ أتدري أنه الرجل الذي أثّر أكثر في حياتي؟‬‫أدهشني اعترافك‪ ..‬كانت تلك طريقته في أن يشفى من الشياء‬ ‫التي يشعر أنها تستعبده‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ..‬أتذكّر قصة الكرز‪ ،‬يوم كان يح ّ‬ ‫الكرز كثيرا ً وقرر أن يُشفى من ولعه به بأن يأكل منه‬ ‫كثيراً‪ .

‬أو أكتب رواية كهذه‪،‬‬ ‫كنت أريد أن أح ّ‬ ‫ولم يكن ذلك ممكناً‪ ،‬ولهذا ستطاردني هذه القصة‬ ‫حتى أشفى منها بطريقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫تأملتني بشيء من الشيطة المحبّبة وقلت‪:‬‬ ‫ معك أريد أن أحقق إحدى المنيتين فقط‪.‬إنه تميّز في الهزائم أيضاً‪،‬‬ ‫فليست ك ّ‬ ‫ل الهزائم في متناول الجميع‪ .‬‬‫وأضفت قبل أن أسألك أيّهما‪:‬‬ ‫‪ -‬لن أكتب عنك شيئاً‪.‬‬ ‫كنت أستمع إليك بانبهار وبمتعة‪ ..‬جميل ما تقولين‪ _ ..‬‬ ‫ب رجل ً كهذا‪ .‬وبدل أن أجد في ذلك‬ ‫"الخراب الجميل" الذي كنت تصفينه لي بحماسة‪ ،‬ما‬ ‫يمكن أن يثير مخاوفي من نزعة سادية‪ ،‬أو مازوشية ما‬ ‫قد تسكنك‪ ،‬رحت أنقاد لجمال فكرتك فقط‪ ،‬وأقول‬ ‫دون كثير من التفكير‪:‬‬ ‫ صحيح‪ ...‬ثم أضفت_ لم أكن أدري‬‫أنك تحبين زوربا إلى هذا الحد!‬ ‫قلت ضاحكة‪:‬‬ ‫ سأعترف لك بشيء‪ ..‫ وهل تذكر رقصته تلك وسط ما يسميه بالخراب‬‫الجميل؟ إنه شيء مدهش أن يصل النسان بخيبته‬ ‫وفجائعه حدّ الرقص‪ .‬فل بد أن‬ ‫تكون لك أحلم فوق العادة‪ ،‬وأفراح وطموحات فوق‬ ‫العادة‪ ،‬لتصل بعواطفك تلك إلى ضدّها بهذه الطريقة‪.‬‬‫يوم قرأتها شعرت بشيء من الغبطة والحزن معاً‪.‬‬ .‬لقد أربكتني هذه القصة كثيراً‪.‬‬ ‫قلت ساخراً‪:‬‬ ‫ يسعدني إذن أن تجدي شيئا ً من الشبه بيني وبينه‪،‬‬‫فقد تحققين المنيتين معاً‪.

.‬شرط أل تتحول إلى مح ِّ‬‫ف‬ ‫قق جنائي أو طر ٍ‬ ‫صة!‬ ‫في تلك الق ّ‬ ‫ تراك كنت تتنبئين بما ينتظرني‪ ،‬وتدرين مسبقا ً أنني‬‫لن أكون معك قارا ً محايدا ً بعد الن‪.‬؟‬‫ لني ل أريد قتلك‪ ،‬أنا سعيدة بك‪ .‬فأنا أكره المقابر الجماعية!‬‫كيف نسيت هذه الجملة الخيرة‪..‬أو‬‫"جريمتك الولى"؟!‬ ‫ضحكت وأجبت‪:‬‬ ‫ طبعاً‪ ...‬وربما كان أنا‪ ..‬نحن نكتب‬‫الروايات لنقتل الشخاص الذين أصبح وجودهم عبئاً‬ ‫علينا‪ ..‬لماذا‪...‬نحن نكتب لننتهي منهم‪.‬فمن‬ ‫ترى المحظوظ منَّا بميتة كهذه؟!‬ .‬اطمئن‪ ..‬‬ ‫صتك الجديدة هذه‪ ،‬التي‬ ‫عندما أتذكرها الن‪ ،‬أقتنع أن ق ّ‬ ‫تروج لها المجلت والجرائد‪ ،‬لن تكون سوى ضريح‬ ‫فردي لبطل واحد ربَّما كان زياد‪ ....‬‬ ‫في اليوم التالي أحضرت لي تلك الرواية‪ ..‬‬‫قلت مازحاً‪:‬‬ ‫ وأتمنى أل يفسد عدد ضحاياك متعتي!‬‫أجبت باللهجة نفسها‪:‬‬ ‫ ل‪ .‫ آ‪ .‬‬ ‫يومها ناقشتك طويل ً في نظرتك "الجرامية" للدب‬ ‫وقلت لك ونحن نفترق‪:‬‬ ‫ أيمكنني أخيرا ً أن أطّلع على روايتكم الولى‪ .‬قلت وأنت‬ ‫تمدّين نحوي الكتاب‪:‬‬ ‫ أتمنى أن تجد شيئا ً من المتعة في قراءتها‪.

‬بل إنها كانت أن ِ‬ ‫وكان ذلك محض أوهام‪ ...‬وأ ّ‬ ‫فمكانهم ليس في الصفحة البيضاء الولى‪ ،‬وإنما في‬ ‫صفحات الكتاب‪..‬عن شيء ما‬ ‫قد يكون يربطنا من خلل قصة لم تكن قصتنا‪.‬رح ِ‬ ‫ت تع ّ‬ ‫حيرتي بأجوبة أكثر غموضاً‪ .‫وحده كتابك قد يحمل جوابا ً على هذا السؤال‪ ،‬وعلى‬ ‫أسئلة أخرى تطاردني‪.‬لم تخبّئي لي في كتابك ذاك‪،‬‬ ‫سوى مرارة وألم وغيرة حمقاء‪ ،‬ذقت نارها لول مّرة‪.‬لماذا يثير ك ّ‬ ‫ي أكثر من سؤال؟‬ ‫ل ما تكتبيه لد ّ‬ ‫ولماذا أشعر أنني طرف في كل قصصك الواقعية‬ ‫والوهمية‪ ،‬حتى تلك التي كتبتها قبلي؟‬ ‫ترى لنني أتوهم أن لي حقا ً تاريخيا ً عليك‪ ،‬أو لنك يوم‬ ‫ي إهداء‪،‬‬ ‫أهديتني كتابك الول ذاك‪ ،‬لم تضعي عليه أ ّ‬ ‫وقلت ذلك التعليق المدهش الذي لم أنسه‪:‬‬ ‫"إننا نخ ّ‬ ‫ما الذين نحبهم‬ ‫ط إهداءً للغرباء فقط‪ .‬وقد يكون مخلوقا ً خيالياً‪ ،‬أثَّثت به فراغ أيامك‬ ‫وبياض الصفحات فقط‪..‬‬ ‫يومها أسرعت إلى ذلك الكتاب ألتهمه في سهرتين‪.‬‬ ‫غيرة جنونية من رجل من ورق‪ ،‬قد يكون مّر بحياتك‬ ‫حقاً‪ .‬عن شيء قد تكونين‬ ‫كتبته لي مسبقا ً مثل ً حتى قبل أن نلتقي‪ ."..‬‬ ‫ولكن‪ ...‬‬ ‫أدري أ َّ‬ ‫ن ذلك كان جنوناً‪ ،‬ولكن أليس في الحياة‬ ‫مصادفات مدهشة كتلك اللوحة التي رسمتها ذات‬ ‫أيلول من سنة ‪ ،1957‬وبقيت تنتظرك ربع قرن دون‬ ‫ت؟‬ ‫أن أنها كانت لك‪ ...‬‬ ‫ولكن أين هو الحد الفاصل بين الوهم والواقع؟ لم‬ ‫مقين‬ ‫تجيبيني مرة واحدة عن ذلك السؤال‪ .‬وهي التي ستبقى‪ ،‬وأ ّ‬ .‬‬ ‫رحت أركض لهثا ً من صفحة إلى أخرى‪ ،‬وكأنني أبحث‬ ‫عن شيء ما غير الذي أقرأه‪ .‬هو ما نكتبه ل غير‪،‬‬ ‫إ ّ‬‫ن المه ّ‬ ‫ما‬ ‫فوحدها الكتابة هي الدب‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫م في كل ما نكتبه‪ ..

‫الذين كتبنا عنهم فهم حادثة سير‪ .‬وما رسمه ليونارد ديفانشي في ابتسامة‬ ‫واحدة للجوكاندا‪ ،‬أخذ قيمته ليس في ابتسامة ساذجة‬ ‫للمونوليزا‪ ،‬وإنما في قدرة ذلك الفنان المذهلة على‬ ‫نقل أحاسيس متناقضة‪ ،‬وابتسامة غامضة تجمع بين‬ ‫الحزن والفرح في آن واحد‪ ...‬إنه‬ ‫مدين له بشيء‪..‬‬ ‫ مدين له بماذا‪..‬إن في روايات "أغاتا كريستي" أكثر من ‪60‬‬‫جريمة‪ .‬أم ل؟‬‫ضحكت‪ .‬‬ ‫وما كتبه نزار قباني عن ضفائر "بلقيس" أجمل‬ ‫ض‬ ‫بالتأكيد من شعر غزير كان محكوما ً عليه أن يبي ّ‬ ‫ويتساقط‪ .‬‬ ‫قاطعتني‪..‬وقلت‪:‬‬ ‫ عجيب‪ ...‬فأعدت عليك السؤال بصيغة أكثر‬ ‫مباشرة‪:‬‬ ‫ هل مّر هذا الرجل بحياتك‪ .‬ثم واصلنا الطريق‬ ‫أمامهم ذات يوم لسب ٍ‬ ‫معهم أو بدونهم‪.‬أناس توقفنا‬ ‫ب أو لخر‪ .‬فمن هو المدين للخر‬ ‫بالمجد إذن؟‬ ‫كان حديثنا يأخذ منحى آخر ربما أردته أنت في محاولة‬ ‫للهرب من الحقيقة‪ .‬؟‪ ...‬إن ما كتبه "أراغون" عن عيون‬‫"إلزا" هو أجمل من عيون "إلزا" التي ستشيخ وتذبل‪...‬إن الكاتب ل شيء دون من يلهمه‪ .‬ولم يرفع أ ّ‬ ‫على كل تلك الجرائم‪ ،‬أو يطالب بسجنه َّ‬ ‫ن‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫سطة‬ ‫ ولكن ل يمكن أن تكون علقة الكاتب بملهمه مب ّ‬‫إلى هذا الحد‪ ..‬ويكفي‬ ‫ة أن تكتب قصة حب واحدة‪ ،‬لتتجه كل أصابع‬ ‫كاتب ً‬ ‫التهام نحوها‪ ،‬وليجد أكثر من محقق جنائي أكثر من‬ .‬وفي روايات كاتبات أخريات أكثر من هذا العدد‬ ‫ي مرة قارئ صوته ليحاكمهن‬ ‫من القتلى‪ ..

...‬من مذاق قبلته‪ .‬أم أنت التي أبدعت في‬ ‫وصفه؟ أم تراه محض اختراع نسائي‪ ،‬كسته لغتك‬ ‫رجولة وأحلماً‪ ،‬صنعت لها بعد ذلك ضريحا ً جميلً‪ ....‬وإذا بي أن ّ‬ ‫قب‬ ‫ز ّ‬ ..‬ومن اشتهائك الفاضح له‪.‬‬ ‫م بين السطور رائحة تبغه‪ .‬هل مّر هذا الرجل‬ ‫بحياتك حقاً؟‬ ‫قلت وأنت تعبثين بأعصابي‪:‬‬ ‫ المهم أنه مات بعد هذا الكتاب‪.‬‬ ‫كان في أعماقي شعور ما بأن تلك القصة كانت‬ ‫قصتك‪ ،‬وأن ذلك الرجل قد مّر بحياتك‪ ..‫دليل على أنها قصتها‪ .‬‬ ‫تراه أبدع في حبّك حقاً‪ .‬من أنفاسه‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ في انتظار أن يحسم النقاد هذه القضية‪ ،‬دعيني أكرر‬‫عليك سؤال ً لم تجيبيني عنه‪ ...‬نحن قد نكتب أيضا ً لنصنع أضرحة‬ ‫أ ّ‬‫ي ما ٍ‬ ‫لحلمنا ل غير‪.‬أكاد أكتشف‬ ‫كنت أكاد أش ّ‬ ‫أشياءه مبعثرة بين صفحات كتابك‪ .‬في ك ّ‬ ‫ل فقرة‬ ‫شيء منه‪ ...‬أعتقد أنه ل بد للنقاد من أن‬ ‫يحسموا يوما ً هذه القضية نهائياً‪ ،‬فإما أن يعترفوا أن‬ ‫للمرأة خيال ً يفوق خيال الرجال‪ ،‬وإما أن يحاكمونا‬ ‫جميعاً!‬ ‫ضحكت لحجتك التي أدهشتني ولم تقنعني‪ .‬من سمرته‪ .‬من‬ ‫ضحكته‪ ..‬لنك قادرة على أن تقتلي الماضي هكذا بجرة‬‫قلم؟‬ ‫قلت وأنت تواصلين مراوغتك‪:‬‬ ‫ض؟‪ .‬‬‫ آ‪ .‬وأنا‪ ،‬بأ ّ‬ ‫ي عاشق متنكر ببدلة شرطي أخلق‪ .‬وربما بجسدك‬ ‫أيضاً‪..‬على‬ ‫ي منطق رحت أطالع ذلك الكتاب‪ ،‬في‬ ‫مقاسه‪ .

‬الكاتب إنسان‬‫يعيش على حافة الحقيقة‪ ،‬ولكنه ل يحترفها‬ ‫بالضرورة‪ .‫بين الكلمات وأبحث بين الفواصل‪ ،‬عساني أكتشفك‬ ‫متلبسة بقبلة ما‪ .‬‬ ‫ت بعد شيء من التفكير‪ .‬أنت لن تفهم شيئا ً هكذا‪ ..‬ثم أنا ل أملك طريقة أخرى‬‫لفهمك‪..‬أي يحترف نوعا ً من الكذب‬ ‫المهذّب‪ .‬‬ ‫ت فقط وكأ َّ‬ ‫ن المر ل يعنيك تماماً‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ كان عليك أل تقرأني إذن!‬‫أجبتك بحماقة‪:‬‬ ‫ ولكنني أحب أن أقرأك‪ ..‬أعذب الكذب كان‬ ‫م أضف ِ‬ ‫ث ّ‬ ‫كذبك‪ ،‬وأكثره ألما ً كذلك‪ .‬اعترفت‬ ‫لك في ما بعد‪ ،‬أن علقتي بك قد تغيّرت منذ قرأتك‬ ‫وأنني أش ّ‬ ‫ك في أن أكون قادرا ً على الصمود بعد‬ ‫ً‬ ‫اليوم‪ .‬‬ ‫ذهب تفكيري بعيداً‪ .‬وربما لنه ليس هناك من شي‬ ‫ق العتراف‪.‬فأنا لم أكن مهيأ لسلح الكلمات‪.‬إنه في‬ ‫الحقيقة يحترف الحلم‪ .‬فماذا تراك فعلت قبل ذلك في‬ ‫ك ّ‬ ‫ل الفترة التي كنت فيها بمفردك؟‬ ‫أرهقني كتابك ذاك‪ ،‬كان ممتعا ً ومتعبا ً مثلك‪ ..‬والروائي الناجح هو رجل يكذب بصدق‬ ‫مدهش‪ ،‬أو هو كاذب يقول أشياء حقيقيّة‪.....‬هنا‪ ،‬أو أكتشف الحرف الولى من‬ ‫اسمه هناك‪.‬ذلك اختصاص المؤّرخين ل غير‪ .‬قررت يومها أل أن ّ‬ ‫قب بعد‬ ‫ذلك في ذاكرتك‪ .‬أنت لن تبوحي لي بشيء‪ ..‬‬ ‫يستح ّ‬ .‬‬ ‫أجبت‪:‬‬ ‫ مخطئ‪ .‬تذكّرت أنك في باريس من أربع‬ ‫عيّن في باريس‪،‬‬ ‫سنوات‪ ،‬وأنك تقطنين عند عمك منذ ُ‬ ‫أي منذ سنتين فقط‪ .‬ربما لنك‬ ‫أنثى تحترف المراوغة‪ ..

.‬‬ ‫تشبه ق ّ‬ ..‬في الواقع‪ .‬وإل ما سّر تعلّقك بي‪،‬‬ ‫ولماذا كنت تطاردين ذاكرتي بالسئلة‪ ،‬وتسدرجينها‬ ‫ل شيء؟ لماذا ك ّ‬ ‫للحديث عن ك ّ‬ ‫ل تلك الشراهة‬ ‫ل تلك الرغبة في مقاسمتي ذاكرتي وك ّ‬ ‫للمعرفة‪ ،‬ك ّ‬ ‫ل‬ ‫ما أحببت وما كرهت من أشياء‪ ..‬كنت فارغة‪ ،‬وكان‬ ‫كذبك في مساحة فراغك‪ .‬وكنت‬ ‫أتلذذ بوضعي الجديد ذاك وأنا أتحول من صاحب ذلك‬ ‫المعرض‪ ،‬إلى لوحة من لوحاته ل أكثر‪.‫كنت تريدين فقط أن توهميني أنك لم تعودي تلك‬ ‫الطفلة التي عرفتها‪ .‬‬ ‫كنا لوحة متقلّبة الطوار‪ ،‬متعدّدة اللوان‪ ،‬رسمتها‬ ‫المصادفة يوما ً ثم واصلت رسمها يد القدار‪ .‬بحزنه وبفرحه وبقصص أخرى ل‬ ‫صتي‪.‬وكيف يمكن لنا أن‬ ‫نغادر هذا المكان‪ ،‬الذي أصبح جزءا ً من ذاكرتنا؟‬ ‫كيف‪.‬‬ ‫لم يحدث‪ ،‬مثل تلك المرة‪ ،‬أن شعرت بحزن وأنا أرفع‬ ‫تلك اللوحات المعلّقة على الجدران‪ ،‬لوحة بعد أخرى‪،‬‬ ‫وأجمعها في الصناديق لترك القاعة فارغة لر َّ‬ ‫سام‬ ‫آخر‪ ،‬سيأتي بلوحاته‪ .‬أكانت الذاكرة‬ ‫عقدتك؟‬ ‫***‬ ‫ل بد لمعرضي أن ينتهي‪ ،‬لننتبه أننا نعرف بعضنا من‬ ‫أسبوعين فقط‪ ،‬وليس منذ أشهر كما كان يبدو لنا‪..‬؟ وهو الذي وضعنا لعدة أيام‪ ،‬خارج حدود الزمان‬ ‫والمكان‪ ،‬في قاعة شاسعة‪ ،‬يسكنها الصمت ويؤثثها‬ ‫الفن‪ ،‬وربع قرن من المعاناة والجنون؟‬ ‫كنّا لوجة وسط عدة لوحات أخرى‪..‬‬ ‫َ‬ ‫فكيف فرغنا من ذاكرتنا في بضعة أيام؟ كيف تعل ّمنا‬ ‫في بضع ساعات قضيناها معاً‪ ،‬أن نحزن ونفرح ونحلم‬ ‫بتوقيت واحد؟‬ ‫كيف أصبحنا نسخة من بعضنا‪ .

‬‬ ‫وة صخرية ضاربة في‬ ‫وتحت الرجوحة الحديدية ه ّ‬ ‫العمق تعلن تناقضها الصارخ مع المزاج الصافي لسماء‬ ‫استفزازية الهدوء والزرقة‪.‬‬ ‫ملحقان بكل العيون التي قد تسرق سرنا‪ .‬لم يكن على‬ ‫ّ‬ ‫مساحتها سوى جسر يعبرها من طرف إلى آخر‪ ،‬معلق‬ ‫نحو العلى بحبال من طرفيه كأرجوحة حزن‪.‬ولماذا أنت بالذات؟ كان مجرد احتمال‬ ‫لقائي بسي الشريف ذات يوم وأنا بصحبتك‪ ،‬يجعلني‬ ‫أعدل عن هذه الفكرة‪ ،‬وأشعر فجأة بحرج الموقف‪،‬‬ ‫وبذلك الرتباك الذي سيفضحني ل محالة‪.‬‬ ‫فجأة‪ ،‬توقفت يدي وهي على وشك أن ترفع تلك‬ ‫اللوحة التي تركتها للخر‪...‬أ ّ‬ ‫قدري معك! ولماذا وحدي تفضحني عاهتي؟ ولماذا كل‬ ‫هذا الحذر‪ .‬وأين؟‬ ‫انتهت عطلتك الجامعية مع نهاية معرضي تقريباً‪ .‬ويعرفوننا‪ .‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬لم تكن "حنين" لوحة‪ ،‬كانت رؤوس أقلم‬ ‫ومشاريع أحلم تجاوزتها الحداث بخمس عشرة سنة‬ ‫من الحنين والدهشة وليس فقط بربع قرن من الزمن‪.‬بكل أولئك‬ ‫ي قدر كان‬ ‫ي جنون‪ .‬أريد أن أجلس أمامها بعد كل تلك‬ ‫السنوات‪ ،‬محمل ً بفرشاة وألوان أخرى‪ ،‬لنفخ الحياة‬ ‫والضجيج فيها‪ ،‬وأنقل إليها أخيرا ً حجارة "قنطرة‬ ‫الحبال" حجراً‪ .‬‬ ‫لم أشعر‪ ،‬قبل تلك اللحظة‪ ،‬أن هذه اللوحة في حاجة‬ ‫إلى تفاصيل جديدة تكسر هذا التضاد‪ ،‬وتؤثث عري‬ ‫اللونين اللذين ينفردان بها‪.‬‬ ‫حملتها تحت إبطي‪ ،‬وكأنني أميّزها عن الخريات‪ .‬كنت‬ ‫فجأة على عجل‪ .‬‬ ‫تأملتها مرة أخرى‪ ،‬شعرت أنها ناقصة‪ .‬وأ ّ‬ ‫الذين ل نعرفهم‪ ...‫كنت أشعر أنني أجمع أيامي معك‪.‬ولكن كان في ذهني المبعثر‬ ‫لحظتها هاجس آخر يطغى على ك ّ‬ ‫ل شيء‪ :‬كيف يمكن‬ ‫أن نلتقي بعد الن‪ ..‬وها‬ ‫نحن محاصران بكل مستحيلت الزمان والمكان‪..‬حجراً‪ .‬‬ .

‬ربما‬ ..‬فلم يكن ممكنا ً أ‪ ،‬أزورك‬ ‫في حيّك الجامعي‪ .‬أو يعرف لوحاتك جيداً‪..‬فقد كانت ابنة عمك تتابع دراستها‬ ‫معك في الجامعة نفسها‪.‬‬ ‫***‬ ‫أطول نهاية أسبوع على الطلق‪ ،‬كانت تلك التي‬ ‫قضيتها في انتظار هاتفك صباح الثنين‪..‬‬ ‫يوم الحد دقّ الهاتف‪.‬من المؤكد أنك اطلعت عليه‪ .‬إنه بقلم‬ ‫روجيه ن َّ‬ ‫قاش‪ ،‬يبدو أنه يعرفك‪ .‬‬‫تخلّصت منها بلباقة‪.‬‬ ‫أكان يمكن لنا أن نجد ظروفا ً أكثر تعقيدا ً من هذه؟‪.‬‬ ‫أسرعت إليه وأنا أراهن أنّك أنت‪ .‬‬ ‫لم أكن أشعر بأية رغبة في لقائها ذلك اليوم‪ .‫اتفقنا على أن تطلبيني هاتفياً‪ ،‬وأن نتفق على برنامج‬ ‫جديد‪.‬أخفيت عنها خيبتي‪ .‬ولو قليلً‪ ..‬ورحت أستمع لها‬ ‫وهي تثرثر حول مشاغلها اليومية‪ ،‬ومشروع سفرها‬ ‫القادم إلى لندن‪ .‬‬ ‫لم أكن أشعر برغبة في الحديث‪ ..‬ثم سألتني عن أخبار المعرض‬ ‫وقالت وهي تنتقل من موضوع إلى آخر‪:‬‬ ‫ لقد قرأت مقال ً جيدا ً عن معرضك في مجلة‬‫أسبوعية‪ .‬فربما نجحت في‬ ‫سرقة لحظات تحدّثينني فيها‪ .‬‬ ‫كان ذلك هو الحل الوحيد‪ ..‬كانت كاترين‬ ‫على الخ ّ‬ ‫ط‪ ..‬قلت لها باقتضاب‪:‬‬ ‫ نعم‪ ،‬إنه صديق قديم‪.

‬‬ ‫ترى قرابتها الجديدة لك‪ ،‬هي التي أضفت عليها هذه‬ ‫الصبغة المربكة؟‬ ‫أم تراني كنت مرتبكا ً لنني كنت أجلس أمام الماضي‬ ‫ل غير‪ .‬‬ ‫كنت شرعت في إعداد تشكيلة من اللوان‪ ،‬لبدأ في‬ ‫وضع لمسات على تلك اللوحة‪.‬‬ ‫ولكنني ارتبكت‪ .‬تحولت أمامها إلى ذلك الرسام‬ ‫المبتدئ الذي كنته منذ خمس وعشرين سنة‪.‬ولكن هذه اللوحة أصبحت تضايقني‬ ‫فجأة هكذا‪ ..‬‬ ‫الخرى‪ ..‬لضفي على الذاكرة_ وليس على لوحة_ بعض‬ ‫"الرتوشات"؟‬ ‫كنت أشعر أنني على وشك أن أرتكب حماقة‪...‬‬ ‫كنت أدرك هذا‪ .‬‬ ‫وأدري_رغم رغبتي المضادة للمنطق_ أنه ل ينبغي أبداً‬ ‫العبث بالماضي‪ ،‬وأن أية محاولة لتجميله‪ ،‬ليست سوى‬ ‫محاولة لتشويهه‪.‬كان ك ّ‬ ‫سطا ً حدّ السذاجة‪،‬‬ ‫ل شيء فيها مب ّ‬ ‫فلماذا ل أواصل رسمها اليوم‪ ،‬ولماذا ل أعاملها‬ ‫بمنطق فنّي ل أكثر؟‬ ‫ض ( شاغال) خمس عشرة سنة في رسم إحدى‬ ‫ألم يق ِ‬ ‫لوحاته؟ كان يعود إليها دائما ً بين لوحة وأخرى ليضيف‬ ‫شيئا ً أو وجها ً جديدا ً عليها‪ ،‬بعدما أصَّر على أن يجمع‬ ‫فيها ك ّ‬ ‫ل الوجوه والشياء التي أحبها منذ طفولته؟‬ ‫أليس من حقي أيضا ً أن أعود إلى هذه اللوحة‪ ،‬أن أضع‬ ‫ش على‬ ‫على هذا الجسر بعض خطى العابرين‪ ،‬وأر ّ‬ ‫جانبيه بعض البيوت المعلّقة فوق الصخور‪ ،‬وأسفله‬ ‫شيئا ً من ذلك النهر الذي يشق المدينة‪ ،‬بخيل ً أحياناً‪،‬‬ ‫ورقراقا ً زبديّا ً أحيانا ً أخرى‪ .‬وربما كنت فقط ممتلئا ً ب ِ‬ ‫عدت إلى مرسمي مثقل الخطى‪.‫كانت حاجتي للرسم يومها‪ ،‬تفوق حاجاتي الجسدية‬ ‫ك‪.‬ألم يعد ضروريا ً أن أضع‬ ‫عليها بصمات ذاكرتي الولى‪ ،‬التي كنت عاجزا ً عن‬ ‫نقلها في السابق‪ ،‬يوم كنت رساما ً مبتدئا ً وهاويا ً ل‬ ..

‬‬ ‫ذكرت ولعه بقسنطينة‪ ،‬وتعلقه بذكراها‪ ،‬هو الذي لم‬ ‫يعد إليها أبدا ً منذ غادرها سنة ‪ 1959‬مع أهله‪ ،‬ومع‬ ‫فوج من الجالية اليهودية التي كانت تريد أن تبني لها‬ ‫مستقبل ً آمنا ً في بلد آخر‪.‬لقاتلة!‬ ‫وكان يزيد إحراجي كل ما قام به روجيه لمساعدتي‬ ‫منذ سنوات‪ ،‬عندما وصلت إلى باريس لستقر فيها‪.‬‬ ‫منذ بضعة أشهر أخبرني روجيه أن سيمن ماتت مقتولة‬ ‫على يد زوجها في إحدى نوبات غيرته‪ ،‬فقد كان‬ ‫ب رجل عربي‪.‬‬ ‫لك يحدث أن زرته مرة في بيته‪ ،‬دون أن يصّر على أن‬ ‫يسمعني شريطا ً جديدا ً للمطربة اليهودية "سيمون‬ ‫تمار" وهي تغني المالوف والمو َّ‬ ‫شحات القسنطينية‬ ‫ّ‬ ‫بأداء وبصوت مدهش‪ ،‬مرتدية ذلك الثوب القسنطيني‬ ‫الفاخر‪ ،‬الذي أهدوها إياه في أول عودة لها هناك‪.‬وكان حلمه السري أن يعود‬ ‫إليها ولو مرة واحدة‪ ،‬أو يأتيه أحد على القل بثمرة‬ ‫واحدة من شجرة التين التي كانت تطال نافذة غرفته‬ ‫والتي كانت في حديقة بيته منذ أجيال‪.‫غير؟‬ ‫ل أدري كيف تذكّرت لحظتها روجيه ن ّ‬ ‫قاش‪ ،‬صديق‬ ‫طفولتي‪ .......‬أدري أنها كانت تحب قسنطينة"‪..‬‬ ‫فقد كان له من الصداقات والوساطات‪ ،‬ما يمكن أن‬ ‫ي_دون أن أطلب منه_ كثيرا ً من المعاملت‬ ‫يس ّ‬ ‫هل عل ّ‬ .‬أجابني‪" .‬‬ ‫وكنت أشعر بمزيج من السعادة والحراج معا ً وأنا‬ ‫ي بلهجته القسنطينية المحببة‬ ‫أستمع إليه‪ ،‬يق ّ‬ ‫ص عل ّ‬ ‫ي نبرة فيها‪،‬‬ ‫التي لم يطمس ربع قرن من البعد أ ّ‬ ‫شوقه إلى تلك المدينة‪ ..‬ل أدري‪ "..‬‬ ‫يتهمها بح ّ‬ ‫سألته إن كان ذلك حقاً‪ .‬‬ ‫والذي يزيّن غلف شريطها‪.‬ثم‬ ‫أضاف بمرارة ما‪ " .‬وصديق غربتي‪.‬‬ ‫وروجيه أيضا ً كان يحبها‪ .

‬‬ ‫ذات مرة سألته "لماذا لم تعد ولو مرة واحدة لزيارة‬ ‫قسنطينة؟ أنا ل أفهم خوفك‪ ،‬إن الناس مازالوا‬ ‫ي ويذكرونها بالخير‪ "......‬‬ ‫إن أصعب شيء على الطلق هو مواجهة الذاكرة‬ ‫بواقع مناقض لها‪"..".‬‬ ‫اليوم‪ ،‬وبعد عدة سنوات‪ ،‬أذكر كلمه فجأة_ هو الذي لم‬ ‫يطرح معي ذلك الموضوع بعد ذلك أبداً_‬ ‫تراه نجح حقا ً في التحايل على ذاكرته؟‬ ‫وماذا لو كان على حق؟ يجب أن نحتفظ بذكرياتنا في‬ ‫قالبها الول وصورتها الولى ول نبحث لها عن‬ ‫مواجهة اصطدامية مع الواقع يتحطم بعدها كل شيء‬ ‫داخلنا كواجهة زجاجية‪ .‬‬ ‫أقنعني ذلك المنطق‪ ،‬وشعرت أن هاتف كاترين‬ ‫أنقذني بطريقة غير مباشرة من حماقة كنت على‬ ‫وشك ارتكابها‪.‬‬ ‫كان في عينيه يومها لمعة دموع مكابرة‪ ،‬فأضاف‬ ‫بشيء من المزاح "لو حدث وغيرت رأيي‪ ،‬سأعود إلى‬ ‫تلك المدينة معك‪ ،‬أخاف أن أواجه ذاكرتي وحدي‪.‬‬ ‫وذلك البيت الذي لم يعد بيتي منذ عشرات السنين‪.‬أتدري‪.‬وأنها تعطي تينا ً كل سنة‪ ،‬وأن ذلك الشباك‬ ‫مازال يط ّ‬ ‫ل على ناس كنت أحبهم‪ ..‬‬ ‫ثم أضاف‪" :‬دعني أتوهم أن تلك الشجرة مازالت‬ ‫هناك‪ ..‫والمشكلت التي تواجه رجل ً في وضعي‪.‬المهم في هذه الحالت إنقاذ‬ ‫الذاكرة‪.‬وهل يهم عندئ ٍ‬ ‫ستصبح لوحة لقيطة لذاكرة مز ّ‬ ‫أن نكون أجمل؟‬ .‬وذلك الزقاق‬ ‫الضيق مازال يؤدي إلى أماكن كنت أعرفها‪ .‬أذكر‬ ‫يعرفون أهلك في ذلك الح ّ‬ ‫وقتها أنه قال لي "ما يخيفني ليس أل يعرفني الناس‬ ‫هناك‪ ،‬بل أل أعرف أنا تلك المدينة‪ .....".‬‬ ‫لن يكون لتلك اللوحة أية قيمة تأريخية بعد اليوم‪ ،‬إذا‬ ‫أضفت إليها شيئا ً هنا‪ ،‬أو طمست فيها شيئا ً هناك‪..‬‬ ‫ذ‬ ‫ورة‪ .‬وتلك الز ّ‬ ‫قة‪.

‬وتلك الممرات السرية التي حفرتها‬ ‫خطى النسان وسط المسالك الصخرية‪ .‬منذ أيام‬ ‫(ماسينيسا) وحتى اليوم‪ ،‬في غفلة من الجسر العجوز‬ ‫الذي ل يمكن له في شموخه الشاهق‪ ،‬أن يرى ما‬ ‫يحدث على علو ‪ 700‬متر من أقدامه!‬ ‫أليس التحايل على الجسور هو الهدف الزلي الول‬ ‫للنسان الذي يولد بين المنحدرات‪ .‬أريد فقط أن أعيش أحلمي السرية‪ ،‬وأن‬ .‬‬ ‫رفعت تلك اللوحة عن خشبات الرسم‪ ،‬ووضعت أمامها‬ ‫لوحة بيضاء جديدة‪ ،‬ورحت أرسم دون تفكير‪ ،‬قنطرة‬ ‫أخرى‪ ،‬بسماء أخرى‪ ،‬بواٍد آخر وبيوت وعابرين‪.‬‬ ‫ترى لنني كنت في بدايتي الولى‪ ،‬محكوما ً بالخطوط‬ ‫ي مبتدئ‪ ،‬وأن طموحي آنذاك‪ ،‬لم‬ ‫العريضة للشياء كأ ّ‬ ‫يكن يتجاوز رغبتي في إدهاش ذلك الدكتور_ أو إدهاش‬ ‫د واحدة؟‬ ‫نفسي_ ورفع أثقال التحدي بي ٍ‬ ‫وإنني اليوم بعد ذلك العمر‪ .‫نظرت إلى خشبة اللوان التي كانت بيدي‪ ..‬وبهذه‬ ‫الفرشاة العصبية التي كانت تتر ّ‬ ‫قب مثلي لحظة الخلق‬ ‫الحاسمة‪.‬‬ ‫رحت هذه المرة‪ ،‬أتوقف عند كل التفاصيل وأكاد أبدأ‬ ‫بها‪ ،‬وكأن أمر الجسر لم يعد يعنيني في النهاية‪ ،‬بقدر‬ ‫ما تعنيني الحجارة والصخور التي يقف عليها‪ .‬فكّرت أنه‬ ‫رغم ذلك ل بد أن أفعل شيئا ً بهذه اللوان‪ .‬وتلك‬ ‫النباتات التي تبعثرت أسفله‪ ،‬مستفيدة من رطوبة (أو‬ ‫عفونة) العماق‪ ..‬‬ ‫وفجأة وجدت الح ّ‬ ‫ل في فكرة بسيطة ومنطقيّة لم‬ ‫تخطر ببالي‪.‬لم يعد يعنيني أن أثبت‬ ‫شيئا ً لحد‪ .‬والقمم؟‬ ‫أدهشتني هذه الفكرة التي ولدت في ذهني مصادفة؛‬ ‫وأدهشني أكثر‪ ،‬كون هذه التفاصيل التي تشغلني‬ ‫اليوم بإلحاح‪ ،‬لم تكن تلفت انتباهي منذ ربع قرن‪ ،‬يوم‬ ‫رسمت هذا الجسر نفسه لول مرة‪..

...‬‬ ‫ربما لن الوقت آنذاك لم يكن للتفاصيل‪ ،‬بل كانت‬ ‫وقتا ً جماعيا ً نعيشه بالجملة‪ ،‬وننفقه بالجملة‪.‬‬ ‫ولكن ما رسمته هذه المرة‪ ،‬لم يكن تمرينا ً في الرسم‪.‬‬ ‫كنت أشعر أنني أرسمك أن ِ‬ ‫أرسم نسخة أخرى عنك أكثر نضجاً‪ .‬أم حماقة الثورات!‬ ‫أخذت مني تلك اللوحة‪ ،‬كل أمسية الحد‪ ،‬وقسما ً كبيراً‬ ‫من الليل‪ .‬‬ ‫ذلك العمر "ارسم أح ّ‬ ‫وها أنا أطيعه وأرسم اللوحة نفسيها‪ ،‬بالرتباك نفسه‪.‬كان‬ ‫الجواب عليها في الماضي ترفاً‪ .‬والشعارات الكبرى‪.‬‬ ‫تراها حماقة الشباب‪ .‬ذلك المناضل أو المجاهد‬ ‫المعطوب الذي كُنتُه‪..‬ليس في متناول‬ ‫الشباب‪ ...‫أنفق ما بقي لي من وقت في طرح أسئلة‪ .‬‬ ‫ب‪.‬ولكنني كنت سعيدا ً وأنا أرسم‪ ،‬وكأنني كنت‬ ‫أسمع صوت الدكتور "كابوتسكي" يعود ليقول لي بعد‬ ‫ب شيء إلى نفسك"‪..‬‬ ‫كان تمرينا ً في الح ّ‬ ‫ت ل غير‪ .‬‬ ‫والتضحيات الكبرى‪ .‬‬ ‫فهل بدأت شهوتك تتسلّل يومها إلى فرشاتي‪ ،‬دون أن‬ ‫أدري؟!‬ ‫***‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬جاءني صوتك في الساعة التاسعة‬ .‬ولم يكن لحد الرغبة في مناقشة‬ ‫الهوامش أو الوقوف عند التفاصيل الصغيرة‪.‬‬ ‫كان وقتا ً للقضايا الكبرى‪ .‬أكثر تعاريج‪.‬‬ ‫نسخة أخرى من لوحة كبرت معك‪..‬ول في متناول‪ .‬أنت بكل تناقضك‪..‬بل‬ ‫وربَّما بشهوة ورغبة سرية ما‪.‬‬ ‫كنت أرسم تلك اللوحة بشهية مدهشة للرسم‪ .

.‬إن شاء الله خير‪.‬أنت منعتني البارحة من النوم‬‫ل أكثر!‬ ‫ت بلهجة جزائرية بين المزاح والجدّ‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ علش‪ .‬‬ ‫جاء شلل فرح‪ ،‬وشجرة ياسمين تساقطت أزهارها‬ ‫على وسادتي‪..‬‬ ‫كنت أكتشف صوتك على الهاتف‪ ،‬وأنا في فراشي بعد‬ ‫ليلة مرهقة من العمل‪ .‬يا لها من كارثة معك!‬‫ وأين هي الكارثة إن كنت قد رسمتك؟‬‫واصلت بصوت عصبي‪:‬‬ .. non‬‬‫ت‪:‬‬ ‫ثم أضف ِ‬ ‫ أتمنى أنك لم ترسمني‪ ...‫تماماً‪.‬يا ملهمتي!‬‫صحت فجأة بالفرنسية كعادتك عندما تفقدين‬ ‫السيطرة على أعصابك‪:‬‬ ‫ ‪!ah.‬؟‬‫ ل أنت لم توقظيني‪ .‬شعرت أنه يشرع نوافذ‬ ‫غرفتي‪ ،‬ويقبّلني قبلة صباحية‪.‬‬‫ وما ذنبي أنا؟‬‫ ل ذنب لك سوى ذنب الملهم‪ .‬‬ ‫ هل أيقظتك‪...‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ لنني رسمت حتى ساعة متأخرة من الليل‪.

‬لكنني وجدت في تلك الفرصة الصباحية‪،‬‬ ‫وفي ذلك الخيط الهاتفي الذي كان يفصلني ويقّربني‬ ‫منك في آن واحد‪ .‬‬‫كنت أنتظر وقع الكلمات عليك‪ ،‬وأتوقع عدة أجوبة‬ ‫لكلمي‪ .‬هذا معروف!‬ ‫تراك كنت تستدرجينني إلى ذلك العتراف‪ ،‬وتدورين‬ ‫حوله‪ ،‬أم كنت من الحماقة لتصدّقي زعمي بأنني ل‬ ‫أدري ذلك‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لنفترض إذن أنني أحبّك‪!..‬فإن أكون رسمتك ل يعني شياً‪،‬‬ ‫سوى أنني صادفتك يوما ً في طريقي ل غير!‬ ‫صحت‪:‬‬ ‫ت أحمق؟‪ .‫ أأنت مجنون؟ تريد أن تحولني إلى لوحة تدور بها‬‫القاعات من مدينة إلى أخرى‪ ،‬يتفّرج عليها كل من‬ ‫يعرفني؟!‬ ‫كنت أشعر برغبة صباحية في مشاكستك‪ ،‬ربما من‬ ‫فرط سعادتي‪ ،‬وربما لنني مجنون حقاً‪ ،‬ول أعرف‬ ‫كيف أكون سعيدا ً مثل الخرين‪..‬أو ما‬ ‫نحبه‪ ..‬تريد أن تقنع عمي وتقنع الخرين أنك‬ ‫ أأن َ‬‫رسمتني بعدما صادفتني مرة على رصيف‪ ،‬واقفة مثلً‬ ‫أمام ضوء أحمر‪ .‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ت مّرة‪ ..‬مناسبة لمصارحتك‪.‬إننا ل نرسم سوى ما يثيرنا‪ ..‬أنني لم أسمع!‬ .‬إن الناس الذين بلهموننا هم أناس‬ ‫ أما قل ِ‬‫توقفنا أمامهم ذات يوم لسبب أو لخر‪ ،‬وأنهم ليسوا‬ ‫سوى حادثة سير‪ ..‬ولكنك قلت بعد لحظة صمت‪:‬‬ ‫‪ -‬ولنفترض إذن‪ .

‬‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫ أين نلتقي؟‬‫كان هذا هو السؤال الهم الذي قررنا أن نجيب عليه‬ ‫بجدية‪.‬قررنا أن‬ ‫وكنت ل أرتاد غير المقاهي القريبة من حي ّ‬ ‫نلتقي في أحد المقاهي المجاورة لبيتي والتي تقدم‬ ‫وجبات غداء‪.‫أدهشتني‪.‬‬ ‫كنا نلتقي هناك في أوقات مختلفة من النهار‪ ،‬وحسب‬ ‫ساعات دراستك وبرنامج أعمالي‪..‬‬ ‫لم أكن أعرف وقتها أنني أختار عنوانا ً لذاكرتي مجاوراً‬ ‫تماما ً لعنوان بيتي‪ ،‬وأنني بذلك سأمنح الذكريات حق‬ ‫مطاردتي‪.‬‬ ‫تعودت أن تطلبيني هاتفيا ً كل صباح في الساعة‬ .‬‬ ‫وكنت أقترف إحدى حماقاتي الكبرى‪.‬إلى تساؤل آخر‪.‬‬ ‫لم أعد أذكر الن‪ ،‬كيف أصبح ذلك المقهى العنوان‬ ‫ود‬ ‫الدائم لجنوننا‪ .‬وكيف أصبح تدريجيا ً يشبهنا‪ ،‬بعدما تع ّ‬ ‫أن يختار لنا زاوية جديدة ك ّ‬ ‫ل مرة‪ ،‬تتلءم مع مزاجنا‬ ‫المتقلّب‪ ،‬خلل شهرين من السعادة المسروقة‪.‬‬ ‫ولكن باريس ضاقت بنا‪.‬‬ ‫لم أفهم تماما ً إذا كنت تجيدين ذلك "التصريح" أقل أو‬ ‫أكثر مما توقعت‪ ،‬أم أنك كعادتك تتلعبين بالكلمات‬ ‫بمتعة مدهشة‪ ،‬وأنت تدرين أنك تلعبين بأعصابي ل‬ ‫غير‪ ،‬وتقذفينني من سؤال‪ .‬‬ ‫تناقشنا طويل ً في عنوان مكان آمن يمكن أن نشرب‬ ‫فيه قهوة‪ ،‬أو نتناول فيه وجبة الغداء معاً‪...‬‬ ‫كنت ل تعرفين غير الماكن التي يرتادها الطلبة‪.

..‬أم عندما صم ِّ‬ ‫أعندما تحدَّث ِ‬ ‫ت ابنتي‪ .‬‬ ‫أم ترى يوم وقفت فيه بعد عمر من الغربة‪ ،‬لرسم‬ ‫فيه قسنطينة‪ .‬فقد كنت شبيهة بتلك‬ .‬أم لحظة تو َّ‬ ‫همت أنك أمي؟!‬ ‫أعندما أصبح ِ‬ ‫ي امرأة فيك هي التي أوقعتني؟‪.‬وكنت أواصل‬ ‫نزولي معك بسرعة مذهلة نحو أبعد نقطة في العشق‬ ‫الجنوني‪.‬‬ ‫وكنت أشعر أنني غير مذنب في حبّك‪ .‬‬ ‫كان يكفيني الحب‪.‬ولكنني كنت أحبك‪ .‬‬ ‫ترى يوم ضحك ِ‬ ‫ت‪..‬كأول مرة!‬ ‫ت أم يوم بكيت‪..‬على القل حتى‬ ‫تلك الفترة التي كنت مكتفيا ً فيها بحبك‪ ،‬بعدما أقنعت‬ ‫نفسي أنني ل أسيء إلى أحد بهذا الحب‪.‬ول أنتبه إلى آثار‬ ‫الجراح على قدمي‪ ،‬ول إلى آثار الخدوش على ضميري‬ ‫الذي كان قبلك إناء بلّور ل يقبل الخدش‪ .‬‬ ‫أ ّ‬ ‫كنت معك في دهشة دائمة‪ .‬كانت‬ ‫تكفيني تلك العاطفة الجارفة التي تعبرني لول مرة‪،‬‬ ‫بسعادتها المتطرفة أحياناً‪ .‬‬ ‫كنت أتدحرج يوما ً بعد آخر نحو هاوية حبّك‪ ،‬أصطدم‬ ‫بالحجارة والصخور‪ ،‬وكل ما في طرقي من‬ ‫مستحيلت‪ .‬‬ ‫ت‪ .‬‬ ‫وقتها لم أكن أجرؤ على أن أحلم بأكثر من هذا‪ .‫التاسعة‪ ،‬وأنت في طريقك إلى الجامعة‪ ..‬‬ ‫متى بدأ جنوني بك؟‬ ‫يحدث أن أبحث عن ذلك التاريخ وأتساءل‪ .‬ونتّفق كل‬ ‫صباح على برنامج لك اليوم الذي لم بعد لنا فيه في‬ ‫النهاية من برنامج سوانا‪.‬ترى أفي‬ ‫ذلك اليوم الذي رأيتك فيه لول مرة؟ أم في ذلك‬ ‫اليوم الذي انفردت بك فيه لول مّرة؟ أم في ذلك‬ ‫اليوم الذي قرأتك فيه لول مرة؟‪.‬وحزناه المتطرف أحياناً‬ ‫أخرى‪.

‬‬ ‫أسمع وقع خلخالك الذهبي ير ّ‬ ‫أكاد ألمح آثار الحناء على كعب قدميك المهيأتين‬ ‫للعياد‪.‬‬ ‫وكنت أنا أستعيد لهجتي القديمة معك‪ .‬مختلفات في أعماره َّ‬ ‫ن وفي‬ ‫ن؛ في خجله َّ‬ ‫ن وفي عطره َّ‬ ‫ملمحهن؛ في ثيابه َّ‬ ‫ن وفي‬ ‫جرأته َّ‬ ‫ت‪..‬‬ ‫كنت أناديك مدلّل ً "يال" كما لم يعد الرجال ينادون‬ .‬‬ ‫كنت أشهد تغيرك المفاجئ‪ ،‬وأنت تأخذين يوما ً بعد يوم‬ ‫ملمح قسنطينة‪ ،‬تلبسين تضاريسها‪ ،‬تسكنين كهوفها‬ ‫وذاكرتها ومغاراتها السرية‪ ،‬تزورين أولياءها‪ ،‬تتعطرين‬ ‫ببخورها‪ ،‬ترتدين قندورة عنّابي من القطيفة‪ ،‬في لون‬ ‫ما"‪ ،‬تمشين وتعودين على جسورها‪ ،‬فأكاد‬ ‫ثياب "أ ّ‬ ‫ن في كهوف الذاكرة‪.‫الدمية الروسية الخشبية التي تخفي داخلها دمية‬ ‫أخرى‪ .‬‬ ‫ن؛ نساء من قبل جيل أمي إلى أيامك أن ِ‬ ‫ت‪.‬وإذا ب ِ‬ ‫تأخذين في بضعة أيام ملمح كل النساء‪ .‬وهذه تخفي دمية أصغر‪ ،‬وهكذا تكون سبع دمى‬ ‫داخل واحدة!‬ ‫كنت ك ّ‬ ‫ك‬ ‫ل مرة أفاجأ بامرأة أخرى داخلك‪ .‬بعدما ابتلعتني كما تبتلع‬ ‫المدن المغلقة أولدها‪..‬كنت مدينة‪.‬‬ ‫نساء كلهن أن ِ‬ ‫عرفت ذلك بعد فوات الوان‪ .‬وإذا بي‬ ‫ي في حضورك وفي‬ ‫محاط بأكثر من امرأة‪ ،‬يتناوبن عل ّ‬ ‫غيابك‪ ،‬فأقع في حبّهن جميعاً‪.‬‬ ‫كنت أشهد تحولك التدريجي إلى مدينة تسكنني منذ‬ ‫الزل‪.‬‬ ‫مدينة بنساء متناقضات‪ .‬‬ ‫أكان يمكن لي إذن أن أحبّك بطريقة واحدة؟‬ ‫لم تكوني امرأة‪ .‬كنت ألفظ التا‬ ‫"تساء" على الطريقة القسنطينية‪.

‬مفاجئ ومخيف‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ولذا فهي تبارك مع أوليائها الصالحين‪ ..‬‬ ‫وكنت‪ ،‬كنت عندما يجّردني عشقك من سلحي الخير‪،‬‬ ‫أعترف لك مهزوما ً على طريقة عشاقنا "نِشتيك‪ .‬‬ ‫فقسنطينة مدينة منافقة‪ ،‬ل تعترف بالشهوة ول تجيز‬ ‫الشوق؛ إنما تأخذ خلسة كل شيء‪ ،‬حرصا ً على صيتها‪،‬‬ ‫كما تفعل المدن العريقة‪..‬ل يشبه في‬ ‫إ ّ‬ ‫شيء ما يُقال عن الشعراء مثل ً أو عن الموسيقيين‪.‬إنهم الكثر جنونا ً بين ك ّ‬ ‫ل المبدعين‪.‬‬ ‫لقد قرأت حياة فان غوغ‪ ..‬‬ ‫تلك الكلمة التي كان أصلها "أشتهيك" والتي‬ ‫اختصروها منذ زمان لتخفي معناها الصلي‪ ،‬وتتحول‬ ‫إلى كلمة ودّ ل غير‪.‬‬ ‫سام؛ بتطرف‬ ‫كنت فقط‪ ،‬رجل ً عاشقاً‪ ،‬أحبك بجنون ر ّ‬ ‫وحماقة رسام‪ ،‬خلقك هكذا كما يخلق الجاهليون‬ ‫آلهتهم بيدهم‪ ،‬ثم يجلسون لعبادتها‪ ،‬وتقديم القرابين‬ ‫لها‪...‬‬ ‫وربما كان هذا‪ ،‬أكثر ما كنت تحبّينه في حبّي!‬ ‫ذات يوم قلت لي‪:‬‬ ‫سام‪ ..‬‬ ‫الشهرة‪ .‬‬ ‫كنت أناديك بحنين "يا أميمة" بذلك النداء الذي ورثته‬ ‫قسنطينة دون غيرها‪ ،‬عن أهل قريش من عصور‪...‬‬ ‫والسّراق!‬ ‫ولم أكن سارقاً‪ ،‬ول كنت وليّاً‪ ،‬ول شيخا ً يدّعي‬ ‫البركات‪ ،‬لتباركني قسنطينة‪..‬دالي‪.‬غوغان‪ .‬قرأت عن الرسامين‬ ‫كنت أحلم أن يحبّني ر ّ‬ ‫قصصا ً مدهشة‪ .‫النساء في قسنطينة‪.‬‬ ‫ن جنونهم متطرف‪ .‬أنا ل أتعب من قراءة سيرة الر ّ‬ ..‬‬ ‫سيزان‪ .‬يعن‬ ‫بُو َزيْنِك!"‪.‬الزانين أيضا‪.‬دولكروا‪ .‬بيكاسو وآخرين كثيرين لم يبلغوا هذه‬ ‫سامين‪.

‬‬ ...‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫أجب ِ‬ ‫ ل‪ .‬‬ ‫هنالك مبدعون‪ ،‬يكتفون بوضع عبقريَّتهم في إنتاجهم‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ُ‬ ‫ إن ما يعجبك في النهاية‪ ،‬هو قدرة الرسامين الخارقة‬‫على تعذيب أنفسهم‪ ،‬أو على التمثيل بها‪ .‬‬ ‫حد معها على طريقته‪ ..‬تهمني تلك اللحظة الفاصلة بين البداع‬ ‫والجنون‪ ..‬حتى إن‬ ‫موتهم يوصلها إلى أسعار خيالية‪ ،‬وكأن عليهم أن‬ ‫ينسحبوا لتح ّ‬ ‫ل هي مكانهم‪.‬‬ ‫أعتقد أن مثل هذا الجنون ينفرد به الرسامون‪ .‬وو ّ‬ ‫قع لوحته وحياته‬ ‫وهكذا تو ّ‬ ‫معا ً مرة واحدة‪.‬أليس‬ ‫كذلك؟‪.‬ولكن هنالك لعنة ما تلحق الرسامين دون‬‫غيرهم؛ وهنالك جدلية ل تنطبق إل عليهم‪ .‬فكلّما زاد‬ ‫عذابهم وجوعهم وجنونهم‪ ،‬زاد ثمن لوحاتهم‪ ..‬عندما يعلنون فجأة خروجهم عن المنطق‬ ‫ق التأمل‬ ‫واحتقارهم له‪ .‬ول‬ ‫أظن أن شاعرا ً يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه فان‬ ‫غوغ مثل ً في لحظة يأس واحتقار للعالم‪ ،‬عندما قطع‬ ‫أذنه ليهديها إلى غانية‪.‬وحدها تلك اللحظة تستح ّ‬ ‫والنبهار أحياناً‪ ،‬فهم يفعلون ذلك لمجرد تحدّينا‬ ‫وتعجيزنا بلوحة ليست سوى حياتهم‪.‬‬ ‫أو ما فعله ذلك الرسام المجهول الذي لم أعد أذكر‬ ‫َ‬ ‫اسمه‪ ،‬والي شنق نفسه‪ ،‬بعدما عل ّق في سقف غرفته‪،‬‬ ‫لوحة المرأة التي أحبها والتي قضى أياما ً في رسمها‪.‬‬ ‫وهنالك آخرون‪ ،‬يصّرون على توقيع حياتهم أيضاً‪،‬‬ ‫بنفس العبقرية‪ ،‬فيتركون لنا سيرة فريدة‪ ،‬غير قابلة‬ ‫للتكرار أو التزوير‪.‫في الواقع شهرتهم ل تعنيني بقدر ما يعنيني تقلّبهم‬ ‫وتطّرفهم‪ .

‬‬ ‫صته قد تبكينا‪،‬‬ ‫عذابه يحزننا و يسعدنا في آن واحد‪ .‫لم أناقشك في رأيك‪.‬‬ ‫هل سيزيد عذابي حقاً‪ ،‬من قيمة أية لوحة سأرسمها‬ ‫كيفما كان‪ ،‬تحت تأثير جوعي أو نوبة جنوني؟‬ ‫ن ترى؟‪ .‬أين يبدأ الف ّ‬ ‫النزعة السادية عند الخرين؟‬ ‫كنت أعتقد أن هذه الجدلية ل علقة لها بالبداع ول‬ ‫بالفن‪ ،‬وإنما بطبع النسان ل أكثر‪..‬ق ّ‬ ‫ولكنها لن تمنعنا من النوم‪ ،‬ولن تدفعنا إلى إطعام‬ ‫فنان آخر‪ ،‬يموت جوعا ً أو قهرا ً أمامنا‪ .‬‬ ‫إنسانا ً عادياً‪ ،‬بأطوار عادية وبحزن وفرح عاد ّ‬ ‫بمقاييس عادية للكسب والخسارة‪ .‬للسعادة‬ ‫والتعاسة‪.‬‬ ‫رحت أستمع إليك وأنت ترددّين كلما ً أعرفه‪ ،‬ولكن‬ ‫فاجأني منك‪..‬ول أن تكون نيّتك اللشعورية تحويلي إلى‬ ‫لوحة ثمينة أدفع ثمنها من حطامي‪.‬يحلو لنا أن نسمع عذابات‬ ‫الخرين‪ ،‬ونعتقد‪ ،‬عن أنانية‪ ،‬أن الفنان مسيح آخر جاء‬ ‫ليصلب مكاننا‪.‬وأين تبدأ‬ ‫اكتفيت بالتساؤل‪ .‬‬ ‫نحن ساديون بفطرتنا‪ .‬‬ ‫لم أتساءل يومها‪ ،‬إن كنت تحبينني لحتمال جنوني‪ ،‬أو‬ ‫لشيء آخر‪ .‬بل إننا نجد من‬ ‫الطبيعي أن تتحول جراح الخرين إلى قصيدة نغنيها‪،‬‬ ‫أو لوحة نحتفظ بها‪ ،‬وقد نتاجر بها‪ ،‬للسبب نفسه‪.‬‬ ‫فهل الجنون ُ‬ ‫قصر حقا ً على الرسامين دون غيرهم؟‬ ‫أليس هو قاسما ً مشتركا ً بين ك ِّ‬ ‫ل المبدعين‪ ،‬وكل‬ ‫المسكونين بهذه الرغبة المرضيّة في الخلق؟‬ ‫فالذي ل يمكن بحكم منطق البداع نفسه‪ ،‬أن يكون‬ ‫ي‪..‬‬ ‫إنه إنسان متقلّب‪ ،‬مفاجئ‪ ،‬لن يفهمه أحد ولن يجد أحد‬ .

‬‬ ‫أذكر أنه قال لي يومها بشيء من السخرية‪ ،‬وكأنه‬ ‫يعطيني درسا ً في الحياة‪:‬‬ ‫"هناك عظمة ما‪ ،‬في أن نغادر المكان ونحن في قمة‬ ..‬‬ ‫وكانت الفتاة التي أحبّته تزورني راجية أن أقنعه‬ ‫بالبقاء‪ ،‬وأنه مجنون ذاهب إلى الموت وإلى حتفه‬ ‫المؤكد‪ .‬ولكن عبثاً‪ ،‬لم تكن هناك حجة واحدة لغرائه‬ ‫بالبقاء‪ .‬لم أكن أفهم حماقته تلك‪،‬‬ ‫وإصراره على الرحيل عندما أوشك أخيرا ً أن يحقق‬ ‫ي أحلم‪ .‬‬ ‫كان ذلك أول يوم حدّثتك فيه عن زياد‪.‬أو إذا شئت ل أريد أن أقيم فيها‪ ..‬فعندها لن‬ ‫ي شيء أمتلكه من قيمة‪..‬‬ ‫عندما قّرر فجأة أن يتخلى عن كل شيء‪ ،‬ويعود إلى‬ ‫بيروت ليلتحق بالعمل الفدائي‪..‫مبررا ً لسلوكه‪.‬أخاف‬ ‫السعادة عندما تصبح جبرية‪ .".‬بل إنه في تطرفه المفاجئ‪ ،‬أصبح يجد في‬ ‫حججي ما يزيده إغراءً بالرحيل‪..‬أنا ل أريد أن‬ ‫أحلمه‪ .‬‬ ‫يكون ل ّ‬ ‫ويضيف وهو ينفث دخانه على مهل وكأنه يختفي‬ ‫ر‪" :‬ثم‪ .‬هنالك سجون لم تخلق‬ ‫للشعراء‪..‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لقد عرفت شاعرا ً فلسطينيا ً كان يدرس في الجزائر‪.‬‬‫كان سعيدا ً بحزنه وبوحدته؛ مكتفيا ً بدخله البسيط‬ ‫كأستاذ للدب العربي‪ ،‬وبغرفته الجامعية الصغيرة‪،‬‬ ‫سنت‬ ‫وبديوانين شعريّين‪ ...‬ل أريد أن أنتمي‬ ‫خلفه كي يبوح لي بس ّ ٍ‬ ‫لمرأة‪ .‬وكان يجيب ساخرا ً "أ ّ‬ ‫أقتل داخلي ذلك الفلسطيني المشّرد‪ ..‬‬ ‫عبثا ً حاولت إقناعه بالبقاء‪ .‬حتى ذلك اليوم الذي تح ّ‬ ‫أحواله المادية‪ ،‬وحصل على شقة وكان على وشك‬ ‫الزواج من إحدى طالباته التي أحبّها بجنون‪ ،‬والتي‬ ‫قبل أهلها أخيرا ً تزويجها منه‪.".

‬‬ ‫ساد بيننا شيء من الصمت‪ ،‬وكأن أفكارنا معا ً ذهبت‬ ‫إليه‪...‬والرجال‬ ‫الستثنائيين!"‪.‬‬ ‫سألتني بلهفة‪:‬‬ ‫ هل مات؟‬‫قلت لك‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬وأمام هذا الختبار فقط نكتشف طينتنا‬ ‫الولى‪ ،‬لننا ننحاز تلقائيا ً إلى ما نعتقد أنه الهم‪.‬أو على القل مازال على قيد‬‫ي بها‬ ‫الحياة حتى تاريخ بطاقته الخيرة التي بعث إل ّ‬ ‫في رأس السنة‪ ،‬أي منذ ستة أشهر تقريباً‪..‬‬ ‫ل جنوناً‬ ‫ن شاعرا ً كهذا‪ ،‬هو أق ّ‬ ‫سألتك إن كنت تعتقدين أ ّ‬ ‫من رسام قطع أذنه؟‬ ‫لقد استبدل براحته شقاءً لم يكن مرغما ً عليه‪.‬إنه لم يمت‪ ..‬نسيت أن أسألك لماذا جئت إلى فرنسا؟‬ .‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ أتدرين أنه كان سببا ً غير مباشر في مغادرتي‬‫الجزائر؟ معه تعلّمت أنه ل يمكن أن نتصالح مع كل‬ ‫ضحي بأحدهم‬ ‫الشخاص الذين يسكنوننا‪ ،‬وأنه ل بد أن ن ّ‬ ‫ليعيش الخر‪ .‬‬ ‫واستبدل بحياته موتاً‪ ،‬دون أن يكون مجبرا ً عليه‪.‬إنها طريقته في أن يهزم مسبقا ً شيئا ً ل‬ ‫يُهزم‪ ،‬وهو الموت‪.‬‬ ‫قلت وأنت تقاطعينني‪:‬‬ ‫‪ -‬صحيح‪ ..‬‬ ‫وأنه نحن ل غير‪.‬‬ ‫لقد أراد أن يذهب إلى الموت مكابرا ً وليس مهزوماً‬ ‫ومكرهاً‪ .‫نجاحنا‪ .‬إنه الفرق بين عامة الناس‪ ..

‬فقد قضيت ك ّ‬ ‫ل سنوات إقامتي في تونس‬ ‫في تعلّم العربية والتعمق فيها‪ ،‬وتجاوز عقدتي‬ ‫القديمة كجزائري ل يتقن بالدرجة الولى سوى‬ ‫الفرنسية‪ .‬‬ ‫ولم يكن الوقت مناسبا ً لحلمي الكبير الذي ل أريد أن‬ .‬‬ ‫عندما عدت إلى الجزائر بعدها‪ ،‬كنت ممتلئا ً بالكلمات‪.‬حتى إنني كدت في‬ ‫فترة ما أنتقل من الرسم إلى الكتابة‪ ،‬خاصة أن‬ ‫الرسم‪ ،‬كان في نظر البعض آنذاك‪ ،‬شبيها ً بالشذوذ‬ ‫الثقافي‪ ،‬وعلمة من علمات الترف الفني‪ ،‬التي ل‬ ‫علقة لها بظروف التحرير‪.‬‬ ‫ولن الكلمات ليست محايدة‪ ،‬فقد كنت ممتلئا ً كذلك‬ ‫بالمثل والقيم‪ ،‬ورغبة في تغيّر العقليات والقيام‬ ‫بثورة داخل العقل الجزائري الذي لم تغير فيه الهزات‬ ‫التاريخية شيئاً‪.‬‬ ‫كنت أعيش بالكتب ومع الكتب‪ .‬‬ ‫وأكره خاصة أن يحولني مجرد كرسي أجلس عليه إلى‬ ‫شخص آخر ل يشبهني‪.‬وأصبحت‪ ،‬في بضع سنوات‪ ،‬مزدوج الثقافة‪،‬‬ ‫ل أنام قبل أن أبتلع وجبتي من القراءة بإحدى‬ ‫اللغتين‪.‬‬ ‫لقد كنت بعد الستقلل أهرب من المناصب السياسية‬ ‫ي‪ ،‬والتي كان الجميع يلهثون للوصول‬ ‫التي عرضت عل ّ‬ ‫إليها‪.‬ولكنني مثل ذلك الصديق‪،‬‬‫أكره الجلوس على القمم التي يسهل السقوط منها‪.‫أجبتك وتنهيدة تسبقني‪ ،‬وكأنها تفتح أبواب صدر‬ ‫أوصدته الخيبات‪:‬‬ ‫ قد ل تقنعك أسبابي‪ .‬ولذا عندما عيّنت كمسؤول عن النشر‬ ‫والمطبوعات في الجزائر‪ ،‬شعرت أنني خلقت لذلك‬ ‫المنصب‪ ..‬‬ ‫كنت أحلم بمنصب في الظل يمكن أن أقوم فيه بشيء‬ ‫من التغيرات دون كثير من الضجيج ودون كثير من‬ ‫المتاعب‪ .

.‬فلقد‬ ‫بدأت التغيرات بالمصانع‪ ،‬والقرى الفلحية والمباني‬ ‫والمنشآت الضخمة‪ ،‬وترك النسان إلى الخير‪.‬‬ ‫فكيف يمكن لنسان بائس فارغ‪ ،‬وغارق في مشكلت‬ ‫يومية تافهة‪ ،‬ذي عقلية متخلفة عن العالم بعشرات‬ ‫السنين‪ ،‬أن يبني وطناً‪ ،‬أو يقوم بأية ثورة صناعية أو‬ ‫زراعية‪ ،‬أو أية ثورة أخرى؟‬ ‫لقد بدأت ك ّ‬ ‫ل الثورات الصناعية في العالم من النسان‬ ‫نفسه‪ ،‬ولذا أصبح اليابان (ياباناً) وأصبحت أوربا ما هي‬ ‫عليه اليوم‪.‬وكنت‬ ‫ي بشيء من الدهشة وربما من العجاب‬ ‫تنظرين إل ّ‬ ‫الصامت‪ ،‬وأنا أحدثك لول مرة عن شجوني السياسية‪.‬‬ ‫سألتني‪:‬‬ ‫ ألهذا جئت إلى فرنسا إذن؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ء‬ ‫ ل‪ .‬بعدها لم تعد هاتان الكلمتان‬ ‫أس ّ‬ ‫مجتمعتين أو متفرقتين تعنيان شيئا ً عندنا‪..‬الثورة عندما يصل المواطن إلى‬ ‫مستوى اللة التي يسيّرها‪.‬‬ ‫كانت هناك أخطاء كبرى تُرتكب عن حسن نية‪ .‫ميه "الثورة الثقافية"‪ .‬ويأخذون الرض من هذا ويعطونها لذاك‪،‬‬ ‫مون هذا ثورة‪.‬‬ ‫مون الجدران‬ ‫وحدهم العرب راحوا يبنون المباني ويس ّ‬ ‫ثورة‪ .‬‬ ‫كان صوتي يأخذ فجأة نبرة جديدة‪ ،‬فيها كثير من‬ ‫المرارة والخيبة التي تراكمت منذ سنين‪ .‬‬ ‫ويس ّ‬ ‫الثورة عندما ل نكون في حاجة إلى أن نستورد حتى‬ ‫أكلنا من الخارج‪ .‬ولكنني جئت ربما بسبب أوضاع هي نتيجة أخطا ٍ‬‫كهذه‪ ،‬لنني ذات يوم قّررت أن أخرج من الرداءة‪ ،‬من‬ ‫تلك الكتب الساذجة التي كنت مضطرا ً إلى قراءتها‬ .

‬‬ ‫ذات يوم‪ ،‬زارني زياد‪ .‬‬ ‫كنت أشعر أنني أبيعه معلّبات فاسدة مّر وقت‬ ‫استهلكها‪ .‬ثم هدأت من‬ ‫روعي‪ ،‬وحاولت أن أتجاهل نظرته وكلماته‬ ‫الستفزازية‪...‬‬ ‫س أبدا ً نظرته ذلك اليوم‪.‬ذلك الشاعر الفلسطيني الذي‬ ‫حدّثتك عنه‪ ،‬والذي لم أكن التقيت به من قبل‪.‫ونشرها باسم الدب والثقافة‪ ،‬ليلتهمها شعب جائع‬ ‫إلى العلم‪.‬‬ ‫كنت أشعر بالخجل وأنا أدعو أحدهم إلى مكتبي‬ ‫لقناعه بحذف فكرة أو رأي كنت أشاركه فيه‪.‬ردّ لي ديواني‪ ،‬سأنشره في‬ ‫بيروت"‪.‬كنت أشعر أنني مسؤول بطريقة أو بأخرى‬ ‫عن تدهور صحته الفكرية‪ ،‬وأنا أل ّ‬ ‫قنه الكاذيب بعدما‬ ‫سس على‬ ‫ولت من مثقف إلى شرطي حقير‪ ،‬يتج ّ‬ ‫تح ّ‬ ‫الحروف والنقاط‪ ،‬ليحذف كلمة هنا وأخرى هناك‪ .‬وبعض الحكام العرب‬ ‫بالذات‪ ،‬والذين كان يشير إليهم بتلميح واضح‪ ،‬ناعتاً‬ ‫إياهم بكل اللقاب‪.‬فقد‬ ‫كنت أتحمل وحدي مسؤولية ما يكتبه الخرون‪.‬‬ ‫وكنت اتصلت به لطلب منه حذف أو تغيير بعض‬ ‫الكلمات التي جاءت في ديوانه‪ ،‬والتي كانت تبدو لي‬ ‫قاسية تجاه بعض النظمة‪ .‬‬ ‫لم أن َ‬ ‫تو ّ‬ ‫قفت عيناه عند ذراعي المبتورة لحظة‪ ،‬ثم رفع‬ ‫عينيه نحوي في نظرة مهينة وقال‪:‬‬ ‫" ل تبتر قصائدي سيّدي‪ ..‬‬ ‫ما الذي شفع له عندي في تلك اللحظة؟‬ ‫ترى هويّته الفلسطينية‪ ،‬أو تلك الشجاعة التي لم‬ ‫يواجهني بها كاتب قبله‪ ،‬أم ترى عبقريّته الشعرية؟‬ ‫فقد كان ديوانه أروع ما قرأت من الشعر في ذلك‬ ..‬‬ ‫شعرت أن الدم الجزائري يستيقظ في عروقي‪ ،‬وأنني‬ ‫على وشك أن أنهض من مكاني لصفعه‪ .

‬‬ .‬‬ ‫ويتأقلم مع كل كرسي‪.‬شعرت أن‬ ‫مله‪.‬‬ ‫تل َّ‬ ‫قيت كلماته كصفعة أعادتني إلى الواقع‪ ،‬وأيقظتني‬ ‫بخجل‪ .‬وكنت أؤمن في أعماقي أن الشعراء‬ ‫كالنبياء هم دائما ً على حق‪.‬‬ ‫هناك شيئا ً من الزيف الذي لم أتح ّ‬ ‫ما الذي يمنعني من فضح أنظمة دموية قذرة‪ ،‬مازلنا‬ ‫ف‪ ،‬نصمت على جرائمها؟‬ ‫باسم الصمود ووحدة الص ّ‬ ‫ولماذا من ح ّ‬ ‫قنا أن ننتقد أنظمة دون أخرى حسب‬ ‫النشرات الجوية‪ ،‬والرياح التي يركبها قبطان بواخرنا؟‬ ‫بدأ شيء من اليأس والمرارة يملني تدريجياً‪ .‬هل أغير‬ ‫وظيفتي لستبدل بمشكلتي مشاكل أخرى‪ ،‬وأصبح‬ ‫هذه المرة طرفا ً في لعبة أخرى؟‬ ‫ماذا أفعل بكل ما كدّست وجمعت من أحلم طوال‬ ‫سنوات غربتي ونضالي‪ ،‬وماذا أفعل بسنواتي‬ ‫الربعين‪ ،‬وبذراعي المبتورة‪ ،‬وبذراعي الخرى؟‬ ‫ماذا أفعل بهذا الرجل المكابر العنيد الذي يسكنني‪،‬‬ ‫ويرفض أن يساوم على حريته‪ ،‬وبذلك الرجل الخر‬ ‫الذي ل بد أن يعيش ويتعلم الجلوس على المبادئ‪..‫الزمن الرديء‪ .‬لقد كان ذلك الشاعر على حق‪ ،‬كيف لم أكتشف‬ ‫أنني لم أكن أفعل شيئا ً من سنوات سوى تحويل ما‬ ‫وهة‬ ‫يوضع أمامي من إنتاج إلى نسخة مبتورة مش ّ‬ ‫مثلي؟‬ ‫قلت له متحدياً‪ ،‬وأنا ألقي نظرة غائبة على غلف تلك‬ ‫المخطوطة‪" :‬سأنشره لك حرفياً"‪.‬‬ ‫كان في موقفي شيء من "الرجولة"‪ ،‬تلك الرجولة أو‬ ‫الشجاعة التي كان ل يمكن لموظف مهما كان منصبه‬ ‫أن يتحلى بها‪ ،‬دون أن يغامر بوظيفته‪ ،‬لن الموظّف‬ ‫في النهاية هو رجل استبدل برجولته كرسيّاً!‬ ‫سبب لي ديوانه عند صدوره بعض المتاعب‪ .

‬‬ ‫وبمذاق غامض للمرارة‪.‬وذلك التحدي‬ ‫المتبادل لنفهم أننا من طينة واحدة‪.‬‬ ‫وكان عمري بعض اللوحات‪ ،‬قليل ً من الفرح وكثيرا ً من‬ ‫الخيبات‪ ،‬وكرسيين أو ثلثاً‪ ،‬تن ّ‬ ‫قلت بينها منذ‬ ‫الستقلل‪ ،‬بشيء من الوجاهة‪ ،‬بسائق وسيارة‪.‬‬ ‫كان نلتقي عدة مرات في السبوع‪ ،‬نسهر ونسكر معاً‪،‬‬ ‫ن‪ ،‬نشتم‬ ‫نتحدث طويل ً عن السياسة‪ ،‬وكثيرا ً عن الف ّ‬ ‫الجميع ونفترق سعيدين بجنوننا‪...‬‬ ‫اكتشفت بعدها أن قصص الصداقة القوية‪ ،‬كقصص‬ ‫الحب العنيفة‪ ،‬كثيرا ً ما تبدأ بالمواجهة والستفزاز‬ ‫واختبار القوى‪.‬وقد اخترت‪.‬‬ ‫وكان ل بد لنا من ذلك الصطدام الول‪ .‬‬ ‫بعدها أصبح زياد تدريجيا ً صديقي الوحيد الذي أرتاح‬ ‫إليه حقاً‪.‬‬ ‫كان لقائي بزياد منعطفا ً في حياتي‪.‬ترك لي فلسفته في الحياة‪ ،‬وشيئا ً من‬ ‫الذكريات‪ ،‬وتلك الصديقة التي كانت تزورني أحياناً‬ ..‬وتعودّا على لغة العنف والمواجهة‪ ،‬أن يلتقيا‬ ‫دون تصادم‪..‬‬ ‫م إلى الجبهة الشعبية التي كان‬ ‫عاد إلى بيروت لينض ّ‬ ‫منخرطا ً فيها قبل قدومه إلى الجزائر‪.‬‬ ‫ذات يوم‪ ،‬رحل زياد بعد حرب أكتوبر بشهرين أو ثلثة‪.‬‬ ‫ترك لي ك ّ‬ ‫ضلة والتي كان ينقلها من بلد‬ ‫ل كتبه المف ّ‬ ‫إلى آخر‪ .‬‬ ‫كنا في سنة ‪ .‬‬ ‫فل يمكن لرجلين يتمتع كلهما بشخصية قوية وبذكاء‬ ‫وحساسية مفرطة‪ ،‬رجلين حمل السلح في فترات من‬ ‫حياتهما‪ .‫كان ل بد أن أقتل أحدهما ليحيا الخر‪ ..1973‬كان عمره ثلثين سنة‪ ،‬وديوانين‪،‬‬ ‫ما يقارب الستِّين قصيدة‪ ،‬وما يعادلها من الحلم‬ ‫المبعثرة‪.

‬‬ ‫شعرت في تلك اللحظة‪ ،‬أنك ذهبت بعيدا ً في أفكارك‪..‬لقد كانت على قدر كبير من‬ ‫الجمال‪ .‫لتسأل عن أخباره‪ ،‬تلك التي كان يرفض أن يكتب لها‪،‬‬ ‫وكانت ترفض أن تنساه‪.‬وربما كان‬‫يريد أن تنساه وتتزوج بسرعة‪ ،‬كان يريد لها قدرا ً آخر‬ ‫غير قدره‪.‬‬ ‫كان هو يشيّع صديقا ً قديما ً اسمه الشعر‪ ،‬ويقسم أنه‬ ‫لن يكتب بعد اليوم سوى بسلحه‪.‬‬ ‫قلت وأنت تخرجين من صمتك الطويل‪:‬‬ ‫ ولماذا لم يكتب لها؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ربما لنه كان يكره التحرش بالماضي‪ .‬‬ ..‬‬ ‫تراك كنت قد بدأت تحلمين به؟‬ ‫تراني قد بدأت يومها باقتراف حماقاتي‪ ،‬الواحدة تلو‬ ‫الخرى‪ ،‬وأنا أردّ بعد ذلك على أسئلتك الكثيرة حوله‪،‬‬ ‫بأجوبة تثير فيك فضول النثى والكاتبة في آن واحد؟‬ ‫حدّثتك عن قصائده كثيراً‪ ،‬وعن ديوانه الخير‪ ،‬الذي‬ ‫كتب قصائده كما يطلق بعضهم الرصاص في العراس‬ ‫والمآتم ليشيّعوا حبيبا ً أو قريباً‪.‬‬ ‫سألتني‪:‬‬ ‫ وهل تزوجت؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل أدري‪ ..‬لقد فقدت أخبارها منذ عدة سنوات‪ ،‬ومن‬‫الرجح أن تكون تزوجت‪ .‬ولكن ل أعتقد أن تكون قد نسيته‪ ،‬من الصعب‬ ‫على امرأة عرفت رجل ً مثل زياد أن تنساه‪.

.‫في الواقع‪ ،‬لم يكن ذلك الرجل يكتب‪ .‬‬ ‫كنت أريد أيضاً‪ ،‬أن تكتشفي العروبة في رجال‬ ‫استثنائيين‪ ،‬كما لم تنجب هذه المة‪.‬‬ ‫رجال ولدوا في مدن عربية مختلفة‪ ،‬ينتمون إلى أجيال‬ ‫مختلفة‪ ،‬واتجاهات سياسية مختلفة‪ ،‬ولكنهم جميعاً‬ ‫لهم قرابة ما بأبيك‪ .‬كم كان زياد مدهشاً!‬ ‫ل بد أن أعترف اليوم أنه كان مدهشا ً حقاً‪ ،‬وأنني كنت‬ ‫أحمق‪ .‬‬ ‫ربما كان كل هذا حقاً‪ ..‬كان فقط يفرغ‬ ‫رشاشه المحشو غضبا ً وثورة في وجه الكلمات‪.‬بوفائه وشهامته‪ ،‬بكبريائه‬ ‫وعروبته‪.‬‬ ‫لماذا كنت أحدثك عنه بتلك الحماسة‪ ،‬وبتلك الشاعرية؟‬ ‫أكنت أريد التقرب إليك به‪ ،‬وأقنعك من خلله أن لي‬ ‫قرابة سابقة بالكتاب والشعراء‪ ،‬فأكبر بذلك في‬ ‫عينيك؟‬ ‫أم كنت أصفه لك في صورته الجمل‪ ،‬لنني كنت‬ ‫أعتقد حتى ذلك اليوم أنني أشبهه‪ ،‬وأنني كنت أصف‬ ‫لك نفسي ل غير‪.‬‬ ‫جميعهم ماتوا أو سيموتون من أجل هذه المة‪..‬كان ل بد أن أحدثك عنه وأنا أتوهم أن الجبال ل‬ ‫تلتقي‪..‬‬ ‫كنت ل أريد أن تنغلقي في قوقعة الوطن الصغير‪ ،‬وأن‬ ‫تتحولي إلى من ّ‬ ‫قبة للثار والذكريات‪ ،‬في مساحة مدينة‬ ‫واحدة‪.‬‬ .‬بعدما لم‬ ‫يعد يثق في شيء!‬ ‫آخ‪ ....‬ولكن‪.‬‬ ‫كان يطلق الرصاص على كل شيء حوله‪ ..

‬‬ ‫توقف كل شيء لحظتها حولي‪ ،‬وتوقف عمري على‬ ‫شفتيك‪ .‬وكل عربي ترك‬ ‫خلفه كل شيء وذهب ليموت من أجل قضية‪ ،‬كان‬ ‫يمكن أن يكون اسمه الطاهر‪.‬‬ ‫ت رجال ً مثل‬ ‫ألم أقل لك ذلك اليوم _بحماقة_ "لو عرف ِ‬ ‫زياد‪ .‬‬ ‫ولكنني جلست من دهشتي‪ ،‬وطلبت من النادل قهوة‬ ‫أخرى‪ ،‬وقلت لك أول جملة خطرت آنذاك في ذهني‪:‬‬ ‫" لماذا اليوم بالذات؟"‬ ‫أجبتني بصوت خافت‪:‬‬ ‫‪ -‬لنني اليوم أحترمك أكثر‪ .‬هنالك في هذه المة أبطال‬ ‫جاهزون بفوقون خيال الكتّاب‪.‬‬ ‫كنت أريد أن تملي رواياتك بأبطال آخرين أكثر‬ ‫واقعية‪ ،‬أبطال تخرجين معهم من مراهقتك السياسية‪،‬‬ ‫ومراهقتك العاطفية‪.‬‬ ‫وكان يمكن أن تكون لك قرابة به‪...‬أو‬ ‫أردّ عليك بألف‪ ....‬إنها أول مرة منذ ثلثة‬ .‬‬ ‫لم أكن أتوقع يومها أن يحصل كل الذي حصل‪ ،‬وأن‬ ‫ول ذات يوم إلى منقب يبحث بين‬ ‫أكون أنا الذي سيتح ّ‬ ‫سطورك عن آثار زياد‪ ،‬ويتساءل من منّا أحببت أكثر‪،‬‬ ‫ولمن بنيت ضريحك الخير‪ ،‬وروايتك الخيرة‪.‬‬ ‫ألي‪ ..‬انحبك‪".‬لما أحببت بعد اليوم "زوربا" ولما كنت في حاجة‬ ‫إلى خلق أبطال وهميين‪ ..‬وقلت‬ ‫في ذلك اليوم‪ ،‬وضع ِ‬ ‫بلهجة جزائرية ونحن على وشك أن ننهض للذهاب‪:‬‬ ‫" خالد‪ .‬وكان يمكن وقتها أن أحتضنك‪ ،‬أو أقبّلك‪ .‬ألف أحبك أخرى‪.‬أم له؟‬ ‫ت فجأة قبلة على خدّي‪ ..".‫فكل مدينة عربية اسمها قسنطينة‪ ..

‬‬ ‫وكنت سعيدا ً أن تقبلي عرضي دون تردد أو خوف‪ .‬‬ ‫عرض عليها‬ ‫ولكنك فاجأتني وأنت تصيحين بفرح طفلة ُ‬ ..‬‬ ‫ت أن ِ‬ ‫وكن ِ‬ ‫كنت ملمحي القادمة‪ ،‬ومدينتي القادمة‪ .‬كنت أريدك‬ ‫الجمل‪ ،‬أريدك الروع‪.‬فقد‬ ‫ن بي‪ .‬‬ ‫يومها عرضت عليك بعد شيء من التردّد‪ ،‬أن تزوري‬ ‫ذات يوم مرسمي‪ ،‬لريك ما رسمته في اليام الخيرة‪.‬‬ ‫ت مشروعي القادم‪.‫أشهر تحدثني فيها عن نفسك‪ ..‬نحن ل نبدأ من الصفر أبدا ً عندما‬‫نسلك طريقا ً جديداً‪ .‬عادة يأتي الفنانون هنا بحثا ً عن الشهرة أو‬ ‫الكسب ل أكثر‪ .‬وكنت قررت أن‬ ‫كنت أحرص على أل تسيئي الظ ّ‬ ‫ألغي ذلك العرض نهائيا ً إذا ما ضايقك‪.‬لم أتوقع أن تكون تخليت عن كل شيء‬ ‫هناك‪ ،‬لكي تبدأ من الصفر هنا‪.‬إنه يقدم لنا فقط مشروعا ً عن نفسه‬ ‫ويكشف لنا الخطوط العريضة لملمحه القادمة"‪.‬‬ ‫تذكّرت جملة قرأتها يوما ً في كتاب عن الرسم لحد‬ ‫الن ّ‬ ‫قاد تقول‪:‬‬ ‫ن الرسام ل يقدم لنا من خلل لوحته صورة شخصيّة‬ ‫"إ ّ‬ ‫عن نفسه‪ .‬‬ ‫كنت أريد لك وجها ً آخر‪ ،‬ليس وجهي تماماً‪ ،‬وقلبا ً آخر‪،‬‬ ‫ليس قلبي‪ ،‬وبصمات أخرى‪ ،‬ل علقة لها بما تركه‬ ‫الزمن على جسدي وروحي من بصمات زرقاء‪.‬أنا‬ ‫بدأت من قناعاتي‪.‬لم أكن أتصور أنك حضرت إلى باريس لهذه‬ ‫السباب‪ .‬‬ ‫شعرت يومها أننا ندخل مرحلة أخرى من علقتنا‪ ،‬وأنك‬ ‫عجينة تأخذ فجأة كل قناعاتي‪ ،‬وشكل طموحاتي‬ ‫وأحلمي القادمة‪.‬‬ ‫ححا ً لكلمك‪:‬‬ ‫ك مص ِّ‬ ‫قاطعت ِ‬ ‫ لم أبدأ من الصفر‪ .‬اكتشفت اليوم أشياء‬ ‫مدهشة‪ .‬إننا نبدأ من أنفسنا فقط‪ .

‬ورحت أحلم‪ ،‬أسبق الساعات‪،‬‬ ‫وأسبق الزمن‪.‬‬ .‬‬ ‫السر ّ‬ ‫ي الخر‪ ،‬أن أح ّ‬ ‫هذا البيت الذي أصبح جنّتي في انتظارك‪ ،‬والذي قد‬ ‫يصبح جحيمي بعدك‪.‬‬ ‫رحت من فرحي أشرع الباب لك مسبقاً‪ ،‬وأنا أجهل‬ ‫أنني أشرع قلبي للعواطف والزوابع‪.‬أخيرا ً لن‬ ‫واد‬ ‫يلحقنا نادل بطلباته وخدماته‪ .‬وعلى حديقتي السّريّة للجنون‪..‬‬ ‫وضعت السماعة‪ .‬أخيرا ً أن ِ‬ ‫أن ِ‬ ‫أخيرا ً سأجلس إلى جوارك‪ ،‬وليس مقابل ً لك‪ .‬‬ ‫ت؟‬ ‫ت‪ .......‬لن تلحقنا عيون ر ّ‬ ‫المقهى‪ ،‬ول عيون الغرباء من المارة‪.‬أحقا ً سيحدث هذا؟‬ ‫أحقا ً ستد ّ‬ ‫قين جرس هذا الباب‪ ،‬ستجلسين على هذه‬ ‫الريكة‪ ،‬ستمشين هنا أمامي‪.‬إن كنت حقا ً ل أريد غير إطلعك على‬ ‫لوحتي الخيرة‪ .‫زيارة مدينة لللعاب‪:‬‬ ‫ أو‪ .‬أن آتي بك إلى هنا‪ ،‬أن أفتح لك عالمي‬ ‫أ ّ‬ ‫ولك إلى جزء من هذا البيت‪.‬‬ ‫أخيرا ً يمكننا أن نتحدث‪ ،‬أن نحزن ونفرح‪ ،‬دون أن يكون‬ ‫من شاهد على تقلباتنا النفسية‪.‬‬ ‫ي جنون كان‪ .‬رائع يسعدني حقا ً أن أزوره!‬‫في اليوم التالي‪ ،‬طلبتني هاتفيا ً لتخبريني أن عندك‬ ‫ساعتين وقت الظهر‪ ،‬يمكنك أن تزوريني خللهما‪.‬‬ ‫أنت في بيتي‪ ..‬‬ ‫ذ أعي ك ّّ‬ ‫ي‬ ‫أكنت عندئ ٍ‬ ‫ل هذا؟ أم كنت سعيدا ً وأحمق كأ ّ‬ ‫ق ل يرى أبعد من موعده القادم؟‬ ‫عاش ٍ‬ ‫تساءلت بعدها‪ .

.‬‬ ‫أليس في دعوتي لك لزيارة مرسمي‪ ،‬شيء من قلّة‬ ‫التع ّ‬ ‫قل‪ ،‬ورغبة سرية لستدراج الظروف لشياء أخرى؟‬ ‫تراني كنت أفعل ذلك‪ ،‬وأنا أستعيد جملة كاترين‪ ،‬وهي‬ ‫تستسلم لي في ذلك المرسم‪ ،‬وسط فوضى اللوحات‬ ‫المرسومة‪ ،‬واللوحات البيضاء المتّكئة على الجدران‪،‬‬ ‫وتقول لي بإشارة متعمدة‪:‬‬ ‫ هذا مكان يغري بالحب‪..‬‬ ‫تذكّرت يوم عرضت عليها أن تزورني لريها تلك‬ ‫اللوحة‪.‬‬ .‬‬‫فأجبتها بشيء من الواقعية‪:‬‬ ‫ لم أكن أعرف هذا قبل اليوم‪..‬‬ ‫لم أتوقع أن تكون تلك اللوحة البريئة‪ ،‬سببا ً بعد ذلك‬ ‫في علقة غير بريئة دامت سنين‪.‫تذكّرت كاترين‪ ،‬وتلك اللوحة التي رسمتها لها اعتذارا‬ ‫لنني ذات يوم‪ ،‬كنت عاجزا ً عن أن أرسم شيئا ً آخر غير‬ ‫وجهها‪ ،‬بينما كان الخرون يتسابقون في رسم‬ ‫جسدها العاري‪ ،‬المعروض للوحي في قاعة للفنون‬ ‫الجميلة‪..‬فبيننا من الحواجز ما لن يحطمه أ ّ‬ ‫جنون‪.‬‬ ‫ي‬ ‫ولن تكونيها‪ .‬‬‫فهل كان مرسمي يغري بالحب؟ أم أن في كل مكان‬ ‫للخلق جاذبية ما تغري بالجنون؟‬ ‫ولكن‪ ،‬ورغم هذا كنت أدري أنك لم تكوني كاترين‪..‬‬ ‫ت سنوات على تلك الزيارة‪ ،‬أستعيد ذلك‬ ‫اليوم‪ ،‬بعد س ّ‬ ‫اليوم‪ ،‬وكأنني أعيشه مرة أخرى‪ ،‬بكل هّزاته النفسية‬ ‫المتقلبة‪.

‬إنه رائع ومؤثث بكثير من‬‫الذوق!‬ ‫سألتك‪:‬‬ ‫ كيف كنت تتصورينه إذن؟‬‫أجبتني‪:‬‬ ‫ بفوضى‪ .‬وإذا بي أصافحك‬ ‫(لماذا أصافحك؟)‪.‬إنها فكرة أخرى خاطئة عن‬ ‫سامين‪ .‬وبأشياء أكثر‪.‬‬ ‫على تلك الريكة جلس ِ‬ ‫قلت وأنت تلقين نظرة عامة على غرفة الجلوس‪:‬‬ ‫ لم أكن أتصور بيتك هكذا‪ .‬‬ ‫أسألك هل وجدت البيت بسهولة فتأتي الكلمات‬ ‫بالفرنسية (لماذا أيضا ً بالفرنسية؟) تراني كنت أبحث‬ ‫عن حّريّة أو جرأة أكثر‪ ،‬داخل تلك اللغة الغريبة عن‬ ‫تقاليدي وحواجزي النفسية؟‬ ‫ت‪.‬‬ ‫لقد اخترت هذه الشقة الشاهقة‪ ،‬لن الضوء يؤثثها‬ ‫وهو كل ما يلزم للرسام‪ ،‬فاللوحة مساحة ل تؤثث‬ ‫بالفوضى وإنما بالضوء ولعبة الظل واللوان‪..‬‬‫قلت لك ضاحكاً‪:‬‬ ‫ لست في حاجة إلى أن أسكن شقة مغبّرة‪ ،‬بأشياء‬‫كثيرة مبعثرة لكون فنّاناً‪ ..‬يسبقك القلب إلى‬ ‫المصعد ويهرول أمامك‪.‬‬ .‬‬ ‫ها أنا أكاد أضع قبلة على خدك‪ .‫ها أنت تدخلين في فستان أبيض (لماذا أبيض؟)‪،‬‬ ‫يسبقك عطرك إلى الطابق العاشر‪ .‬إنها طريقتي الوحيدة‪ ،‬في وضع شيء من‬ ‫الترتيب داخلي‪.‬أنا مسكون بالفوضى‪ ،‬ولكنني ل أسكنها‬ ‫الر ّ‬ ‫بالضرورة‪ .

‬‬ ‫يحدث كثيرا ً أن أرسم أمام هذه النافذة‪ ،‬ويحدث أن‬ ‫أجلس في الخارج لتفرج على نهر السين‪ ،‬وهو يتحول‬ ‫إلى إناء يطفح بدموع مدينة تحترف البكاء‪.‬‬ .‬‬ ‫كان زرقتها تضايقني فجأة‪ ،‬ربما لنني تعودت أن‬ ‫أراها رمادية‪.‬‬ ‫نظرت طويل ً إلى السماء‪ .‬كانت صافية زرقاء كسماء‬ ‫حزيران‪.‬‬ ‫فة المطر قريبا ً ومحمياً‬ ‫يحلو لي الجلوس هنا على حا ّ‬ ‫منه في آن واحد‪ .‬منظر المطر يستدرجني لحاسيس‬ ‫متطرفة‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ انظري هذه النافذة‪ ،‬إنها الجسر الذي يربطني بهذه‬‫المدينة‪ ..‬‬ ‫" إن النسان ليشعر أنه في عنفوان الشباب عند نزول‬ ‫المطر"‬ ‫ذ‪ ،‬نظرت إلى السماء وكأنك تصلين لتمطر‪ ،‬وقلت‬ ‫عندئ ٍ‬ ‫بالعربية‪:‬‬ ‫ إن المطر يغريني بالكتابة‪ .‬‬ ‫كل صباح تقدم لي باريس نشرتها النفسية‪ ،‬فأجلس‬ ‫هنا في الشرفة لتفرج عليها وهي تنقلب من طور‬ ‫إلى آخر‪.‬وأنت؟‬‫وكنت على وشك أن أجيبك " وأنا يغريني بالحب"‪.‫فتحت نافذتي الزجاجية الكبيرة‪ ،‬ودعوتك للخروج إلى‬ ‫الشرفة‪.‬من هنا‪ ،‬من شرفتي أتعامل مع سماء باريس‬ ‫المتقلّبة‪.

‬كانتا أفتح من العادة‪،‬‬ ‫وربما أجمل من العادة‪.‬‬ ‫وجدت الجواب في قصيدة‪ ،‬حفظت مطلعها ذات يوم‪:‬‬ ‫عيناك غابتا نخيل ساعة السحر‬ ‫أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر‬ ‫سألتني مدهوشة‪:‬‬ ‫ أتعرف شعر السياب أيضاً؟‪ .‬عجيب!‬‫قلت في جواب مزدوج‪:‬‬ ‫ أعرف "أنشودة المطر"‪.‬‬ ‫نقلت نظرتي من السماء إلى عينيك‪.‬‬ ‫ارتبكت أمامهما كأول مرة‪ .‫وربما لنني تمنيت في سّري‪ ،‬لو أمطرت لحظتها؛ لو‬ ‫تواطأت معي ورمتك إلى صدري عصفورة مبللة‪..‬‬ ‫كان فيهما شيء من العمق والسكون في آن واحد‪.‬‬‫عرت أنك ربما أحببتني أكثر تلك اللحظة بالذات‪،‬‬ ‫وكأنني أصبحت في نظرك السيّاب أيضاً‪.‬‬ ‫شيء من البراءة‪ ،‬والمؤامرة العشقية‪.‬‬ ‫ولم أقل لك شيئا ً من كل هذا‪.‬‬ .‬‬ ‫كنت أراهما لول مرة في الضوء‪ .‬‬ ‫تراني أطلت النظر إليك؟ سألتني بطريقة من يعرف‬ ‫الجواب مسبقاً‪:‬‬ ‫ي هكذا؟‬ ‫ لماذا تنظر إل ّ‬‫كان صوتك بالعربية يأتي كموسيقى عزف منفرد‪.‬شعرت أنني أتعرف‬ ‫عليهما‪.

‬تماما ً كما نهبوا كل ما وقعت عليه يدهم!‪.‬إن الشعراء‬ ‫مثل الرسامين لهم عادة ل تقاوم في تخليد كل مكان‬ ‫سكنوه أو عبروه بحب‪ ..‬قرأت ك ّ‬ ‫ل ما وقعت عليه‬ ‫يدي‪ .‬ثروة‬‫الخرين تعدّ بالوراق النقدية‪ ،‬وثروتي بعناوين الكتب‪.‬بعضهم خلّد ضيعة مجهولة‪،‬‬ ‫وآخر مقهى كتب فيه يوماً‪ ،‬وثالث مدينة عبرها‬ ‫مصادفة‪ ،‬وإذا به يقع في حبها إلى البد‪.‬يبدو أنه كان مولعا ً به‪ ..‬‬ ‫أنا رجل ثري كما ترين‪ .‬‬ ‫بعدها قلت وأنت تحدقين في ذلك الجسر الحجري‬ ‫الرمادي‪ ،‬الذي يجري تحته نهر السين بزرقة صيفية‬ ‫استثنائية‪:‬‬ ‫ أنت محظوظ بهذا المنظر‪ ،‬جميل أن تط ّ‬‫ل شرفتك‬ ‫على نهر السين‪ ،‬ما اسم هذا الجسر؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ إنه جسر ميرابو‪ .‬وهكذا قضى‬ .‬وإنما ما رأيناه‬‫يوما ً ونخاف أل نراه بعد ذلك أبداً‪ ..‬لننا ل نرسم بالضرورة ما نرى‪ ..‬اكتشفت أخيرا ً أن " أبولينير" قد‬‫خلّد هذا الجسر في قصائده‪ ،‬عثرت على بعضها منذ‬ ‫أيام في ديوان له‪ .‫وككل مرة أفاجئك فيها ببيت شعر‪ ،‬أو بمقولة ما‬ ‫باللغة العربية‪ ،‬سألتني‪:‬‬ ‫ متى قرأت هذا؟‬‫أجبتك هذه المرة‪:‬‬ ‫ أنا لم أفعل شيئا ً عزيزتي سوى القراءة‪ .‬‬ ‫سألتني‪:‬‬ ‫ وهل رسمت أنت هذا الجسر؟‬‫ أجبتك متنهداً‪:‬‬‫ ل‪ .

‬‬ ‫كانت عيناي تريان جسر ميرابو ونهر السين‪ .‬أتدري؟ لم يحدث أن زرت‬ ‫مرسما ً قبل اليوم‪..‬‬ ‫سألتني بلهفة‪:‬‬ ‫ هل يمكن أن أرى هذه اللوحة؟‬‫قلت وأنا أقودك إلى مرسمي‪:‬‬ ‫ طبعاً‪.‬‬ ‫وعندما انتهيت‪ ،‬كنت رسمت قنطرة سيدي راشد‬ ‫ووادي الرمال‪ ..‬وأدركت أننا في النهاية ل‬ ‫نرسم ما نسكنه‪ ..‬‬ ‫كنت أودّ أن أقول لك " ولم يحدث أن زارته امرأة‬ ‫قبلك‪ ،‬قبل اليوم"‪.‬‬‫وقفت أمام تلك الغرفة الشاسعة الملى باللوحات‪.‬‬ ‫ولكن لوحة كاترين المستندة على الجدار ذكّرتني‬ ‫بمرور امرأة أخرى من هنا‪ .‬‬ ‫رحت تنظرين إلى الجدران‪ ،‬وإلى ما اتكأ من اللوحات‬ ‫أرضا ً بدهشة طفل في مدينة سحرية‪ .‬وإنما ما يسكننا‪..‬ويدي‬ ‫ترسم جسرا ً آخر وواديا ً آخر لمدينة أخرى‪.‬ذهب فكري عندها بعض‬ ‫ت فجأة‪:‬‬ ‫الوقت عندما قل ِ‬ ‫‪ -‬وأين هي اللوحة التي حدّثتني عنها؟‬ .‬‬ ‫لم أكن أعي هذه الحقيقة قبل أن أقف منذ شهرين‬ ‫في هذه الغرفة مقابل ً لهذه النافذة‪ ،‬لرسم بشيء من‬ ‫التوتر الستثنائي لوحتي الخيرة‪.‬هي قسنطينة‪..‫(دولكروا) عمره في رسم مدن مغربية لم يسكنها‬ ‫سوى أيام‪ ،‬وقضى (أطلن) عمره في رسم مدينة‬ ‫واحدة‪ .‬ل غير‪ .‬ثم قلت‬ ‫بالنبهار نفسه‪:‬‬ ‫ كم هو رائع ك ّ‬‫ل هذا‪ .

...‬لنه لم يحدث قبلها أن مارست الحب رسماً‪ .‬‬ ‫أيمكن ذلك‪ .‬‬ ‫هنالك علقة عشقية ما بين أ ّ‬ ‫هنالك تواطؤ عاطفي صامت‪ ،‬لن يكسره سوى دخول‬ ‫لوحة عذرا أخرى إلى دائرة الضوء‪.‬‬ ‫وحياة أكثر‪.‬‬ ‫كيف إذن‪ ،‬ما زلت أقاوم منذ شهرين تحدي اللون‬ ‫البيض وإغراء كل اللوحات التي أشهرت في وجهي‬ ‫بياضها؟‬ ‫ولماذا‪ ،‬رفضت أن أرسم شيئا ً بعد لوحتي هذه‪،‬‬ ‫ضلت أن أبقيها هكذا على الخشبات نفسها‪ ،‬لشهد‬ ‫وف ّ‬ ‫لها أنها كانت سيدتي‪ ،‬وسيدة كل ما حولي من لوحات‪،‬‬ ‫وكأنني أرفض أن أحيلها إلى ركن أو جدار كما تحال‬ ‫عشيقة عابرة‪...‬‬ ‫قلت وأنا أنقل نظري منها إليك‪:‬‬ .‬وهي التي أعطتني من النشوة‪ ،‬ما لم‬ ‫تعطنيه حتى النساء؟‬ ‫ربما‪ .‬وخاصة في اللوان‬ ‫الترابية الخام التي استعملتها‪ ،‬إنها تعطيها نضجاً‪.‫أخذتك إلى الطرف الخر للقاعة‪ ،‬كانت اللوحة ما تزال‬ ‫منتصبة على خشبات الرسم‪ ،‬وكأنها تلغي بوضعها‬ ‫المميز ذاك‪ ،‬كل اللوحات الخرى المبعثرة حولها‪.‬مع‬ ‫الوطن!‬ ‫قلت وأنت تتأملينها‪:‬‬ ‫ إنها مشابهة للوحتك الولى "حنين" ولكنها تختلف‬‫عنها‪ ،‬في الكثير من التفاصيل‪ .‬‬ ‫فالرسام مثل الكاتب ل يعرف كيف يقاوم النداء‬ ‫الموجع للّون البيض‪ ،‬واستدراجه إياه للجنون البداعي‬ ‫كلما وقف أمام مساحة بيضاء‪.‬‬ ‫ي رسام ولوحته الخيرة‪.

..‬ل تخافي‪ ،‬لن أرسمك أبدا ً ولن يعرف أحد أنك‬ ‫عبرت حياتي ذات يوم‪ ..‬‬‫صحت‪:‬‬ .‬‬‫واصلت وأنا أشعر أنني قادر في تلك اللحظة على أن‬ ‫أرتكب أي جنون‪:‬‬ ‫ إذا شئت سأتلفها أمامك‪.‬‬ ‫وأضفت‪:‬‬ ‫أنت مدينة‪ .‬‬ ‫ لقد بعثت فيها الحياة‪ .‬‬ ‫قلت فجأة وأنت تشيرين بنظرة من عينيك إلى لوحة‬ ‫كاترين‪:‬‬ ‫ وهي؟‬‫كان في سؤالك شيء من عناد الطفال وأنانيتهم‪،‬‬ ‫ن‪.‬إن للفرشاة شهامة أيضاً‪..‬‬ ‫وشيء من عناد النساء وغيرته ّ‬ ‫قلت وأنا أرفع تلك اللوحة من الرض‪:‬‬ ‫ هل تزعجك هذه اللوحة حقاً؟‪.‬‬‫أجبت بشيء من الكذب الواضح‪:‬‬ ‫ ل‪.‫ت‪.‬‬ ‫اتّهمتني يومها بالجنون وخفت أن أكون قد فضحت‬ ‫ملمحك‪ ..‬ولست امرأة‪ ،‬وكلما رسمت قسنطينة‬ ‫رسمتك أنت‪ ،‬ووحدك ستعرفين هذا‪.‬إنها أن ِ‬‫ أنا؟‬‫ أتذكرين يوم قلت لك على الهاتف‪ ،‬لقد سهرت‬‫البارحة حتى ساعة متأخرة من الليل لرسمك‪.

‬إنها امرأة عابرة‪ ،‬في مدينة عابرة‪..‬وهذه اللوحة ل تعني شيئا ً بالنسبة‬‫لي‪ .‬هنالك امرأة واحدة تستحق‬‫أن تغاري منها في هذا البيت‪ ،‬هي هذه‪.‬‬ ‫ثم تمتمت بهدوء وكأنك تتحدثين إلى نفسك‪:‬‬ ‫‪ .‬ل يهم!‬‫قلت لك وأنا أمسكك من ذراعك‪:‬‬ ‫ ل تغاري من هذه اللوحة‪ ..‫ ل‪ ،‬أأنت مجنون!‬‫قلت بهدوء‪:‬‬ ‫ لست مجنوناً‪ .‬أليس كذلك؟‬‫من أين جئت بتلك الرصاصة الخيرة‪ ،‬لتطلقيها على‬ ‫تلك اللوحة؟‬ ‫اعترفت لك بتلميح واضح‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬ليست مدينتي‪ ،‬إنها وسادتي الخرى‪ .‬أو إذا‬‫شئت سريري الخر فقط!‬ ‫شعرت أن شيئا ً من الحمرة قد عل وجنتيك‪ ،‬وأن‬ ‫عواطف وأحاسيس متناقضة قد عبرتك‪ ،‬وتركت آثارها‬ ‫على ملمحك التي تغيّرت في لحظات‪.....‬‬ ‫جب‪:‬‬ ‫قلت بتع ّ‬ .‬‬ ‫ت بابتسامة مربكة وأنت تتأملينها‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ إنها مدينتك الخرى‪ .‬‬ ‫مة تمثال‬ ‫نظرت نحو المكان الذي أشرت إليه‪ ..‬كان ث ّ‬ ‫ينتصب على الرض في حجم امرأة‪.

‬‬ ‫لم تعلّقي على كلمي‪.‬لماذا هذه؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ لنها المرأة الوحيدة التي ارتحت لها حتى الن‪،‬‬‫والتي قاسمتني معظم سنوات غربتي‪ .‬‬ ‫ولذا كلما أردت أن أعطيك دليل ً على جنوني‪ ،‬لم تكوني‬ ‫تصدقيني تماماً‪..‬‬ ‫ما الذي كان يزعجك في تلك اللوحة؟ هل وجودها في‬ ‫تلك اللحظة بيننا بحضورها الصامت الذي يذكّرك بمرور‬ ‫امرأة أخرى في حياتي؟ أم شقرة تلك المرأة‪ ،‬والغراء‬ ‫الستفزازي لشفتيها وعينيها المختفيتين خلف‬ ‫خصلت شعر فوضوي؟‬ ‫أكنت تغارين من اللوحة أم من صاحبتها؟ وكيف يكون‬ ‫من حقك أن تعاتبيني على لوحة واحدة رسمتها‬ .‬أنا بذراع واحدة وهي بل‬ ‫ذراعين‪ .‬ولكنني لم أندم على‬ ‫اقتنائها‪ ،‬إنها تشبهني كثيراً‪ .‬‬ ‫ت فقط بحماقة أنثى‪ ،‬تسترقين النظر إلى لوحة‬ ‫رح ِ‬ ‫كاترين‪ ،‬وكأنها وحدها تعنيك‪ .‬أنك كنت مأخوذة بالعبقرية التي‬ ‫تلمس الجنون‪ .‬‬ ‫كانت تلك إحدى نوبات جنوني‪ .‬كنت في‬ ‫السابق أملك منها نسخة مصغرة‪ ..‬ولكنك كنت أعقل من أن تكشفيها‪.‬وقررت منذ سنتين‬ ‫أن أهدي نفسي تمثالها في حجمه الكبر‪.‬أن يعيش رجل مع تمثال‬ ‫لمرأة‪ ،‬ضرب من الجنون أليس كذلك؟ حتى لو كان‬ ‫ساماً‪ ،‬وكانت المرأة فينوس ل غير!‬ ‫الرجل ر ّ‬ ‫المشكلة معك‪ .‬ولكننا صامدان معاً‪ ،‬لن تمنعنا عاهتنا من‬ ‫الخلود‪.‬ورحت أنا أحاول فهمك‪.‫ هذه‪ .‬‬ ‫يبدو أنك لم تصدقي ذلك‪ .‬لقد فقدنا أطرافنا في أزمنة مختلفة‪ ،‬لسباب‬ ‫مختلفة‪ .

.‬أنا!‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ربما لم تكوني أنت‪ ،‬ولكن هكذا أراك‪ ،‬فيك شيء من‬‫تعاريج هذه المدينة؛ من استدارة جسورها‪ ،‬من‬ ‫شموخها‪ ،‬من مخاطرها‪ ،‬من مغارات وديانها‪ ،‬من هذا‬ ‫ي الذي يشطر جسدها‪ ،‬من أنوثتها وإغرائها‬ ‫النهر الزبد ّ‬ ‫السري ودوارها‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ ولكن الدوار هو العشق؛ هو الوقوف على حافة‬‫السقوط الذي ل يقاوم؛ هو التفرج على العالم من‬ ‫نقطة شاهقة للخوف؛ هو شحنة من النفعالت‬ ‫والحاسيس المتناقضة‪ ،‬التي تجذبك للسفل والعلى‬ ‫في وقت واحد‪ ،‬لن السقوط دائما ً أسهل من الوقوف‬ ‫على قدمين خائفتين! أن أرسم لك جسرا ً شامخا ً كهذا‪،‬‬ ‫يعني أن أعترف لك أنك دواري‪ ...‬وأما جسور قسنطينة الجديدة‬ ‫المعلّقة في الفضاء‪ ،‬فهي جسور مخيفة‪ .‬إنه ما لم يقله لك‬ .‬حزينة‪ .‬‬ ‫قاطعتني مبتسمة‪:‬‬ ‫ أنت تحلم‪ .‫لمرأة‪ ،‬دون أن يكون لي الحق في أن أحاسبك على‬ ‫كل ما كتبته قبلي‪ ،‬وعلى ذلك الرجل الذي عذّبتني به‬ ‫صدقا ً أم كذباً؟‬ ‫عادت عيناك إلى اللوحة الخيرة‪ .‬كيف يمكن لك أن تجد قرابة بيني وبين‬‫هذا الجسر؟‬ ‫كيف خطرت فكرة كهذه بذهنك؟! أتدري أنني ل أحب‬ ‫سوى الجسور الخشبية الصغيرة تلك التي نراها في‬ ‫بطاقات نهاية السنة‪ ،‬مرشوشة بالثلج والفضة‪ ،‬تعبرها‬ ‫العربات الخرافية‪ .‬إل شعرت بالفزع‬ ‫والدوار‪.‬تأملتها قليل ً ثم قلت‪:‬‬ ‫ إذن هذه‪ .‬ل‬ ‫أكر أنني عبرتها مرة واحدة راجلة‪ ،‬أو حاولت مرة‬ ‫واحدة النظر منها إلى أسفل‪ ..

‬‬ ‫ق أنه ليس بينك‬ ‫ورة عنك إذن؟ أح ّ‬ ‫هل رسمت نسخة مز ّ‬ ‫وبين هذا الجسر من قرابة؟ أكانت هذه اللوحة نسخة‬ ‫طبق الصل عن ذاكرتي‪ .‫رج ٌ‬ ‫ل قبلي‪..‬‬ ‫أنا ل أفهم أن تحبّي قسنطينة وتكرهي الجسور؛‬ ‫وتبحثي عن البداع‪ ،‬وأنت تخافين الداور‪ .‬إنها النرجسية‪ ..‬شعرت بشيء من الخيبة‪.‬إن أي امرأة تتعرف‬ ‫على رسام‪ ،‬تحلم في سّرها أن يخلّدها‪ ،‬أن يرسمها‬ ‫ي رجل‬ ‫هي‪ .‬لول الجسور‬ ‫ب‬ ‫لما كانت هذه المدينة‪ .‬ل أن يرسم مدينتها؛ تماما ً كما أ ّ‬ ‫نأ ّ‬ ‫يتعرف على كاتبة‪ ،‬يتمنى أن تكتب عنه شيئاً‪ ،‬وليس‬ ‫عن شيء آخر له علقة به‪ ..‬أو الغرور‬ ‫أو أشياء أخرى ل تفسير لها‪.‬‬ ‫غير أنك قلت‪:‬‬ ‫ ربما كنت في النهاية على حق‪ ،‬ولكنني كنت أفضل‬‫لو رسمتني أنا وليس هذا الجسر‪ ..‬‬ ‫ي‪ ،‬وكأنك تكتشفين شيئا ً لم تنتبهي‬ ‫كنت تستمعين إل ّ‬ ‫له من قبل برغم بساطته‪..‬ولول شهقة الدوار‪ ،‬لما أح ّ‬ ‫أحد‪ .‬‬‫أجبتني بصوت فيه خجل ما‪:‬‬ .‬‬ ‫فاجأني اعترافك‪ .‬سأرسمك‪.‬وأن حلمك في النهاية‪ ،‬أن‬ ‫تصبحي نسخة أخرى عن كاترين ل غير‪ ،‬أن تتحولي‬ ‫إلى لوحة عادية‪ ،‬مفضوحة المزاج‪ ،‬ووجه بكثير من‬ ‫المساحيق‪ ،‬يشبه وجهه؟‬ ‫ترانا لم ن َ ْ‬ ‫ف من هذه العقدة؟‬ ‫ش َ‬ ‫قلت لك بشيء من اليأس‪:‬‬ ‫ إذا كان هذا ما تريدين‪ .‬أو أبدع‪.

‬قلت شبه معتذرة‪:‬‬ ‫ هل يزعجك أن ترسمني؟‬‫قلت ساخراً‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬‬ ‫كان من حقي إذن أن أوقع الرموز واللوحات التي‬ ‫ليس بينها وبينك من شبه‪ .‬يمكن أن تتبنّاها‬ ‫أية ريشة وأي رسام‪...‫ أعترف أنني منذ البداية‪ ،‬كنت أحلم أن ترسمني أنا‪.‬وهناك أنت التي تريدين لوحتي دون توقيع‪..‬أنت المرأة الوحيدة‬ ‫التي أحببتها‪ ،‬لن يقترن اسمي بك ولو مرة واحدة‪،‬‬ ‫حتى في أسفل لوحة؟‬ ‫هناك إذن الذين يشترون توقيعي فقط‪ ،‬وليس‬ ‫لوحاتي‪ .‬‬ ‫شعرت برغبة في الضحك‪ ،‬أو على الرجح برغبة في‬ ‫الحزن‪ ،‬وأنا أكتشف ذلك المنطق العجيب للشياء‪.‬كنت أكتشف فقط مرة أخرى‪ ،‬أنك نسخة طبق‬‫الصل عن وطن ما‪ ،‬وطن رسمت ملمحه ذات يوم‪.‬‬ ‫تراك فهمت كل ما قلته لك لحظتها؟‬ ‫بدأت أش ّ‬ ‫ك فجأة في وعيك السياسي‪ .‬هنالك‬ ‫إمضاءات جاهزة دائما ً لمثل هذه المناسبات‪ ..‬‬ ‫وهنالك أنا‪ ..‬فمن‬ ‫الزل‪ ،‬كان هنالك دائما ً من يكتب التاريخ‪ ،‬وهنالك من‬ ‫يو ّ‬ ‫قعه‪ ،‬ولذا أنا أكره اللوحات الجاهزة للتزوير‪.‬لقد كان ك ّ‬ ‫ل ما‬ .‬المجنون العنيد الذي يرفض هذا المنطق‬ ‫ب أن يحولك إلى‬ ‫الجديد للشياء‪ ،‬ويرفض باسم الح ّ‬ ‫لوحة لقيطة‪ ،‬ل نسب لها ول صاحب‪ .‬وأما أنت فليس في وسعي‬ ‫أن أضع أسفل رسمك توقيعي‪ .‬‬ ‫حيّرك صمتي‪ .‬‬ ‫ولكن آخرين وضعوا إمضائهم أسفل انتصاراتي‪ .‬‬‫وأن أحتفظ بهذه اللوحة عندي كذكرى‪ ،‬شرط أل تضع‬ ‫عليها توقيك إذا أمكن‪.

.‬سأشتاق إليك كثيراً‪ .‬أمسكت بذراعك‬ ‫وكأنني أمنعك من الرحيل‪ ،‬وسألتك بحزن‪:‬‬ ‫ وأنا‪..‬‬ ‫ت بلهجة من يريد أن يحل مشكلة‪ ،‬أو ينتهي‬ ‫ثم أضف ِ‬ ‫منها بسرعة‪:‬‬ ‫ ل تحزن‪ ..‬وكأن عذابي يغريك بشيء ما‪..‬ول بدّ أن أعود السبوع القادم مع عمي‬ ‫وعائلته‪ .‬‬ ‫كطفل أخبرته أمه أنها ستسافر دونه‪ .‬‬ ‫صحت وأنا أستوقفك في الممر‪:‬‬ ‫ق ما تقولين؟‬ ‫ أح ٌ‬‫قلت‪:‬‬ ‫ طبعا ً أنا أقضي دائما ً عطلتي الصيفية مع والدتي في‬‫الجزائر‪ .‬‬ .‬‬ ‫يه ّ‬ ‫قلت وأنت تغادرين المرسم‪:‬‬ ‫ أتدري أننا لن نلتقي لمدة شهرين؟ سأسافر السبوع‬‫القادم إلى الجزائر‪.‬إنه فراقنا الول‪ .‬لن يبقى أحد هنا في باريس‪.‬يمكنك أن تكتب لي أو تطلبني هاتفياً‪..‬وكنت أنت‬ ‫تز ّ‬ ‫فين لي ذلك الخبر‪ ،‬بشي من السادية التي‬ ‫أدهشتني‪ ...‬‬‫سنبقى على اتصال‪.‬؟‬‫ أنت‪ .‫مك في النهاية‪ ،‬هو موضوع لوحتك ل غير‪.‬أعتقد أننا سنتعذّب بعض‬‫الشيء‪ .‬ولكن سنحتال على الوقت‬ ‫ليمّر بسرعة‪.‬‬ ‫وقفت مذهول ً وسط الممشى‪ .‬‬ ‫كنت على حافة البكاء‪.

‬‬ ‫كنت أريد أن أقول لك شيئا ً لم أعد أذكره‪ .‬‬ ‫ثم استسلمت إل ّ‬ ‫كان شعرك الطويل الحالك‪ ،‬ينفرط فجأة على كتفيك‬ ‫شال ً غجريا ً أسود‪ ،‬ويوقظ رغبة قديمة لمساكك منه‪،‬‬ ‫بشراسة العشق الممنوع‪ .‬عبدٌ لمدينة أصبحت أنت‪ ،‬لذاكرة أصبحت أنت‪،‬‬ ‫لكل شي لمسته أو عبرته يوماً‪.‬‬ ‫وكنت قريبة مني حد اللتصاق‪ ،‬كما لم يحدث أن كنته‬ ‫يوماً‪ .‬ولكن قبل‬ ‫أن أقول أيّة كلمة‪ ،‬كانت شفتاي قد سبقتاني وراحتا‬ ‫تلتهمان شفتيك في قبلة محمومة مفاجئة‪ .‬‬ .‫هل أمسك بأطراف ثوبك كطفل وأجهش بالبكاء؟‬ ‫هل أتحدث إليك ساعات‪ ،‬لقنعك أنني لن أقدر بعد‬ ‫اليوم على العيش بدونك‪ ،‬وأن الزمن بعدك ل يقاس‬ ‫بالساعات ول باليام‪ ،‬وأنني أدمنتك؟‬ ‫كيف أقنعك أنني أصبحت عبدا ً لصوتك عندما يأتي على‬ ‫الهاتف؟ عبدا ً لضحكتك‪ ،‬لطلتك‪ ،‬لحضورك النثوي‬ ‫ي في كل شي وفي كل‬ ‫ي‪ ،‬لتناقضك التلقائ ّ‬ ‫الشه ّ‬ ‫لحظة‪ .‬بحثت في ملمحك عن شيء يفضح لي في تلك‬ ‫اللحظة عواطفك؛ لكنني لم أفهم شيئاً‪.‬‬ ‫رفعت وجهك نحوي‪.‬بينما راحت شفتاي تبحثان‬ ‫عن طريقة تتركان بها توقيعي على شفتيك‬ ‫المرسومتين مسبقا ً للحب‪.‬‬ ‫أتراه عطرك الذي كان يخترق حواسي ويش ّ‬ ‫ل عقلي‪،‬‬ ‫مق في البحث؟ كنت أعي‬ ‫هو الذي جعلني عندئ ٍ‬ ‫ذ ل أتع ّ‬ ‫فقط أنك بعد لحظات ستكونين بعيدة‪ ،‬بقدر ما كنت‬ ‫ساعتها قريبة‪.‬‬ ‫وها من البحر‪،‬‬ ‫انتفضت قليل ً بين يدي كسمكة خرجت لت ّ‬ ‫ي‪.‬‬ ‫ي فجأة‪ ،‬وأنا واقف هكذا في ذلك‬ ‫كان الحزن يهجم عل ّ‬ ‫الممر أتأملك بذهول من ل يصدق‪.‬وكانت‬ ‫ذراعي الوحيدة تحيط بك كحزام‪ ،‬وتحولك في ضمة‬ ‫واحدة إلى قطعة مني‪.

‬عمر من الرغبة ومن‬ ‫الخجل‪ ،‬من القيم الموروثة‪ ،‬ومن الرغبات المكبوتة‪.‬‬ ‫ت وم ُّ‬ ‫ت واحد‪ .‬لي‪.‬‬ ‫ك ّ‬ ‫ل الذي كنت أدريه‪ ،‬أنك كنت لي‪ ،‬وأنني كنت أريد أن‬ .‬‬ ‫رج ٌ‬ ‫ل كاد يكون أباك‪.‬‬ ‫أنت التي تضعين الظلل على عينيك‪ ،‬والحمى على‬ ‫شفتيك بدل أحمر الشفاه‪ ،‬أكان يمكن أن أصمد طويلً‬ ‫في وجه أنوثتك؟ ها هي سنواتي الخمسون تلتهم‬ ‫ي‪ ،‬وها أنا أذوب‬ ‫شفتيك‪ ،‬وها هي الح ّ‬ ‫مى تنتقل إل ّ‬ ‫أخيرا ً في قبلة قسنطينية المذاق‪ ،‬جزائرية الرتباك‪.‬أختبئ طفل ً حزينا ً في حضنك‪.‬دعيني أخبّئ رأسي‬ ‫في عنقك‪ .‬‬ ‫هل تو ّ‬ ‫قف الزمن لحظتها؟‬ ‫وى أخيرا ً بين عمرينا‪ ،‬هل ألغى ذاكرتنا بعض‬ ‫هل س ّ‬ ‫الوقت؟‬ ‫ل أدري‪.‬‬ ‫جائع أنا إليك‪ .‬‬ ‫عبقا ً جسدك كان‪ ،‬كشجرة ياسمين تفتحت على عجل‪.‬‬ ‫ل أجمل من حرائقك‪ .‬بار ٌ‬ ‫ذلك السرير الذي ل ذاكرة له‪.‫كان ل بدّ أن يحدث هذا‪..‬باردةٌ ُ‬ ‫قبل الغربة لو تدرين‪.‬‬ ‫على شفتيك رحت ألملم شتات عمري‪.‬‬ ‫واستيقظ الرجل الذي قتلته طويل ً مراعاة لرجل آخر‪،‬‬ ‫كان يوما ً رفيق أبيك‪.‬عمر من‬ ‫العقد والحواجز والتناقضات‪ .‬‬ ‫د‬ ‫باردةٌ تلك الشفاه الكثيرة الحمرة والقليلة الدفء‪ ..‬‬ ‫فاحرقيني عشقاً‪ ،‬قسنطينة!‬ ‫شهيّتين شفتاك كانتا‪ ،‬كحبّات توت نضجت على مهل‪.‬‬ ‫دعيني أتزود منك لسنوات الصقيع‪ .‬‬ ‫دعيني أسرق من العمر الهارب لحظة واحدة‪ ،‬وأحلم‬ ‫أن كل هذه المساحات المحرقة‪ .‬‬ ‫عمر من الرتباك والنفاق‪.‬‬ ‫في قبلة منك اجتمعت ك ّ‬ ‫ل أضدادي وتناقضاتي‪.‬قتلت رجلً‬ ‫ت في وق ٍ‬ ‫ولد ُ‬ ‫على شفتيك ُ‬ ‫وأحييت آخر‪....‬عمر من الظمأ والنتظار‪ .

.‬كان يتربص بي كالعادة‪ .‫أصرخ لحظتها كما في إحدى صرخات "غوته" على‬ ‫لسان فاوست "قف أيها الزمن‪ .‬‬ ‫قلت وأنت أمام المرآة تضعين شيئا ً من الترتيب في‬ ‫مظهرك‪ ،‬وتصففين شعرك وتعيدين جمعه‪:‬‬ ‫ أفضل شيئا ً باردا ًً إذا أمكن‪.‬‬ ‫وعندما عدت بعدها‪ ،‬كنت أمام المكتبة تلقين نظرة‬ ‫على عناوين الكتب‪ ،‬وتقلّبين بعضها‪ .‬‬ ‫ولكن الزمن لم يتوقف‪ .‬ما أجملك!"‪.‬يتآمر‬ ‫ي كالعادة‪ .‬‬ ‫عرضت عليك فنجان قهوة في محاولة أخيرة‬ ‫لستبقاك‪.‬ثم سحبت من‬ ‫أحد الرفوف كتابا ً صغيراً‪ ،‬سألتني وأنت تنظرين إلى‬ ‫غلفه‪:‬‬ ‫ أليس هذا الديوان لصديقك الشاعر الذي حدّثتني‬‫عنه؟‬ ‫أجبتك بسعادة وأنا أجد أخيرا ً في ذلك الموضوع مخرجاً‬ ‫لرتباكي‪:‬‬ ‫ف‬ ‫ نعم‪ .‬تعمدت أل‬ ‫أستعجل في العودة‪ ،‬وكأنني فجأة أخجل من آثار قبلي‬ ‫على شفتيك‪.‬‬‫تركتك في الصالون وذهبت إلى المطبخ‪ ..‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ هل اسمه زياد الخليل؟ لقد سمعت هذا السم قبل‬‫اليوم‪.‬‬ .‬وكنت بعد لحظات تتأملين ساعتك في‬ ‫عل ّ‬ ‫محاولة لخفاء ارتباكك‪ ،‬وتذكيري بضرورة عودتك إلى‬ ‫الجامعة‪.‬هناك ديوان آخر له أيضا ً تجدينه على الر ّ‬‫نفسه‪..

.‬‬ ‫رحت بسعادة تخفين الكتابين في حقيبة يدك‪ .‬تقرئين بعض السطور‪ .‬‬ ‫كنت تستعيدين تدريجيا ً وجهك العادي وملمحك‬ ‫الطبيعية‪.‬‬ ‫وقتها في سعادة طفلة تعود إلى بيتها بلع ٍ‬ ‫طبعاً‪ ،‬لم أكن أعي في ذلك الحين‪ ،‬أنني سأكون بعد‬ ‫ذلك لعبتك الخرى‪ ،‬وأن هذين الكتابين سيتركان‬ ‫تأثيرهما أيضا ً على مجرى قصتنا‪.‬كنت‬ ‫ب أحبّتها‪.‬ثم قلت‪:‬‬ ‫ضل‬ ‫ أيمكن لي أن أستعير منك هذين الديوانين؟‪ .‬إنه‬ ‫خاصة في الديوان الخير "مشاريع للح ّ‬ ‫أجمل ما كتب زياد‪.‬أنا واثق أن هذين الديوانين‬‫سيتركان تأثيرهما على كتاباتك‪ .‬رأيتك تتأملين طويل ً صورته على ظهر‬ ‫قلب ِ‬ ‫الكتاب‪ .‬‬ ‫وكأن زوبعة حبّي لم تمّر بك‪ ..‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ سأرسمك‪ ،‬ستكون لوحتك تسليتي في هذا الصيف‪..‬حاولت أيضا ً أن أخ ّ‬ ‫فف‬ ‫من خيبتك‪.‬‬‫ثم أضفت دون أية نية خاصة‪:‬‬ ‫‪ -‬يجب أن تزوريني مرة أخرى لتجلسي أمامي‪ ،‬حتى‬ .‬ستجدين أشياء رائعة‬ ‫ب القادم"‪ .‬فهل كان ذلك تمثيل ً أم‬ ‫حقيقة؟‬ ‫حاولت أن أنسى خيبتي معك‪ ،‬أمام تلك اللوحة التي‬ ‫كانت السبب الول في زيارتك‪ .‬أف ّ‬‫أن أقرأهما على مهل هذا الصيف‪ ،‬فليس لي ما‬ ‫أطالعه‪.‫ت الكتاب‪ .‬‬ ‫أجبتك بحماسة‪ ،‬أو بحماقة‪:‬‬ ‫ طبعا‪ ،‬إنها فكرة جيدة‪ .

‬‬ ‫أعترف أنني لم أفهم في ذلك الحين أيضاً‪ ،‬إذا كان في‬ ‫جوابك شيء من التلميح لي بأنك لن تعودي إلى هذا‬ ‫البيت‪ ،‬أم أنك كنت تجيبيني بتلقائية بريئة ل أكثر؟‬ ‫ي أن أرسمك؟‬ ‫ألست أنت التي كنت تل ّ‬ ‫حين عل ّ‬ ‫ولت هذه اللوحة إلى قضية شخصية أنا وحدي‬ ‫فلماذا ح ّ‬ ‫ي بها؟‬ ‫معن ّ‬ ‫لم أناقشك كثيرا‪ .‫أتمكن من رسمك‪ .‬أو تعطيني صورة لك أنقل عنها‬ ‫ملمحك‪.‬‬ ‫كنت أعي أنني أنتقل معك في بضع لحظات من الحب‬ ‫إلى العشق‪ .‬‬ ‫ذهبت ذلك اليوم بعدما وضعت قبلتين على خدّي‪،‬‬ ‫ووعدتني بلقاء قريب‪ .‬‬ ‫ت وكأن الجواب كان جاهزا ً لديك‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ق أمامي متّسع من الوقت لعود إليك هذه‬ ‫ لم يب َ‬‫اليام‪ ،‬وليس في حوزتي أية صورة‪ .‬كنت أدري أنني في جميع الحالت‬ ‫سأرسمك‪ .‬من العاطفة البريئة إلى الشهوة‪ ،‬وأنه‬ ‫سيكون من الصعب‪ ،‬بعد اليوم‪ ،‬أن أنسى مذاق قبلتك‪،‬‬ ‫وحرارة جسدك الملتصق بي للحظات‪.‬يمكنك أن تستعين‬ ‫بصورتي الموجودة على ظهر كتابي‪ ،‬في انتظار أن‬ ‫أعود‪.‬لم يعد ممكنا ً بعد قبلتنا أن‬ ‫نتصافح‪.‬‬ .‬‬ ‫ن شيئا ً ما قد تغيّر في علقتنا‪ ،‬ولم يعد‬ ‫كنت أعي أ ّ‬ ‫ممكنا ً بعد اليوم لذلك المارد الذي انطلق فجأة من‬ ‫أعماقنا‪ ،‬أن يعود إلى قلب الزجاجة التي أغلقناها عليه‬ ‫لسابيع كاملة‪..‬ربما لنني ل أعرف كيف أرفض لك طلباً‪،‬‬ ‫وربما لنني ل أعرف كيف سأقضي الصيف دون‬ ‫استحضارك ولو رسماً‪.

‬‬ ‫كيف سمحت لنفسي أن أكون سعيدا ً إلى ذلك الحدّ‪،‬‬ ‫وأنا أدري أنني لم أمتلك منك شيئا ً في النهاية‪ ،‬سوى‬ ‫بضع دقائق للفرح المسروق‪ ،‬وأن أمامي متسعا ً من‬ ‫العمر‪ ..‬‬ ‫كنت ممتلئا ً بالعشق‪ ،‬بالشهوة‪ ،‬بالجنون‪ .‬والوحدة التي‬ ‫أحالتني في أيام إلى مرتبة لوحة يتيمة على جدار‪،‬‬ ‫تحضرني جملة تبدأ بها رواية أحببتها يوماً‪...‬دقيقتين؟ ثلثاً؟ أم خمس دقائق‬ ‫للجنون ل غير؟‬ ‫أيمكن أن تفعل تلك الدقائق القليلة كل الذي ح ّ‬ ‫ل بي‬ ‫بعد ذلك؟‬ ‫أيمكن أن تلغي خمس دقائق‪ ،‬خمسين سنة من عمري؟‬ ‫ي خجل‬ ‫ي إحساس بالندم‪ ،‬بأ ّ‬ ‫وكيف لم أشعر بعدها بأ ّ‬ ‫تجاه ذكرى سي الطاهر؟ أنا الذي كنت أقترف يومها‬ ‫أول خيانة بالمفهوم الخلقي للخيانة‪..‬للعذاب؟‬ ‫الفصل الرابع‬ ‫كان لرحيلك مذاق الفجيعة الولى‪ .‬ولم يكن في القلب مساحة أخرى ولو‬ ‫ب‪.‬فلماذا أفسد سعادتي بالندم‪ ،‬بالتساؤلت التي‬ ‫ستوصلني إلى التعاسة؟‬ ‫ل أذكر من قال " الندم هو الخطأ الثاني الذي‬ ‫نقترفه‪ ".‫كم دامت قبلتنا تلك‪ .‬‬ .‬لم يكن في قلبي سوى الحب‪.‬‬ ‫ل‪ ..‬‬ ‫صغيرة‪ ،‬يمكن أن يتسلل منها شيء آخر غير؟ الح ّ‬ ‫ألم يكن ك ّ‬ ‫ل ذلك جنوناً‪.‬كنت أخيراً‬ ‫سعيداً‪ .

‬القارئ الجزائري‪.‬‬ ‫وحدها الصحافة الجزائرية تجاهلته‪ ،‬عن إهمال ل غير‪،‬‬ ‫كالعادة‪ .‬‬ ‫عبد القادر طلبني ليخبرني أنه اضطر للبقاء في‬ ‫الجزائر‪ ،‬لتغطية مهرجان ما من أحد المهرجانات التي‬ ‫ازدهرت هذه اليام‪ ،‬لسباب غامضة يعلمها الله‪.‬‬ ‫بينما لم يحضر ذلك الصديق الصحافي‪ ،‬الذي وعدني‬ ‫بالحضور إلى باريس لقضايا شخصية‪ ،‬ولجراء مقابلة‬ ‫ولة معي بالمناسبة نفسها‪ .‬لم تهتم به غير صحافة فرنسية‬ ‫صة كالعادة‪ .‬ليس هناك من مقارنة بين مهرجان‬ ‫أو ملتقى رسمي‪ ،‬يتم إعداده والنفاق عليه بالعملة‬ .‬وكنت أقوم تلقائياً‬ ‫بجردة لفراحي وخيباتي‪.‬وأعيش ذلك القلق الغامض‪ ،‬الذي‬ ‫يسبق ويلي دائما ً كل معرض لي‪ .‬إني لرى‬ ‫المؤلف فيبدو لي كلوحة‪".‬وكأنهما تعانيان فعل ً من قلة‬ ‫الصفحات‪ ،‬وليس من قلة المواد الصحافية‪...‬جريدة ومجلة أسبوعية واحدة‪ ،‬كتبتا عنه‬ ‫بطريقة مقتضبة‪ .‬وبعض المجلت العربية المهاجرة‪.‬فما أكبر وأبرد ذلك الكون الذي كنت معلّقاً‬ ‫على جداره‪ ،‬في انتظارك!‬ ‫كنت أدخل بعدك منحدرات الخيبات النفسية والعاطفية‬ ‫في الوقت نفسه‪ .‬‬ ‫انتهى معرضي إذاً‪ .‬‬ ‫وآخرون‪.‬‬ ‫مخت ّ‬ ‫ولكن يمكن أن أقول إنه حصل على تغطية إعلمية‬ ‫كافية‪ ،‬وأن الذين كتبوا عنه أجمعوا على أنه حدث فني‬ ‫عربي في باريس‪.‬ورغم أنني رجل غير‬ ‫مط ّ‬ ‫مولع بالضواء‪ ،‬والجلوس لعدة ساعات إلى صحافي‬ ‫للحديث عن نفسي‪ ،‬فإنني كنت أتمنى أن تتم تلك‬ ‫ول ً إلى الشخص‬ ‫المقابلة‪ ،‬لتمكن أخيرا ً من الحديث مط ّ‬ ‫الوحيد الذي كان يعنيني حقاً‪ ..‬‬ ‫وكنت أنا في عزلتي ووحدتي‪ ،‬ذلك المؤلف وتلك‬ ‫اللوحة معاً‪ ..‫"ما أعظم الله! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد‪ .‬‬ ‫ولم أعتب عليه‪ .

‫الصعبة وبين أي معرض مهما كان اسم صاحبه‪،‬‬ ‫والسنوات التي أخذتها منه تلك اللوحات‪.‬‬ ‫في النهاية ل يمكن حتى أن أعتب على الصحافة‬ ‫الجزائرية‪.‬‬ ‫ماذا يمكن أن يقدم معرض للوحات الفنية من متعة أو‬ ‫ترفيه للمواطن الجزائري الذي يعيش على وشك‬ ‫النفجار‪ ،‬بل النتحار‪ ،‬ول وقت له للتأمل أو التذوق‪،‬‬ ‫ضل على ذلك مهرجانا ً لغنية (الراي)‪ .‬‬ ‫للبؤس‪...‬إنها دائما ً تخفي‬ .‬باسم الثورة نفسها‪.‬ويصرخ‪ ..‬‬ ‫ودون أن تكون لي صداقة ما بذلك القائد‪ ،‬الذي كان‬ ‫ي عداء خاص لذلك الحاكم‬ ‫اسمه الطاهر أيضاً‪ ،‬ول أ ّ‬ ‫الذي كان يوما ً مجاهدا ً وقائدا ً أيضاً‪ ،‬بدأت أعي لعبة‬ ‫السلطة‪ ،‬وشراهة الحكم‪ .‬يمكن‬ ‫والذي يف ّ‬ ‫أن يرقص‪ .‬وأصبحت أحذر النظمة التي‬ ‫تكثر من المهرجانات والمؤتمرات‪ .‬وكانت أهم إنجازاته التعتيم على‬ ‫محاكمة قائد تاريخي كان أثناء ذلك‪ ،‬يستجوب ويعذّب‬ ‫رجاله في الجلسات المغلقة‪ ..‬‬ ‫سنة ‪ ،1969‬وفي عّز الفراغ والبؤس الثقافي الذي‬ ‫كان يعيشه الوطن‪ ،‬اخترع أحدهم في بضعة أيام‪ ،‬أكبر‬ ‫مهرجان عرفته الجزائر وإفريقيا‪ ،‬كان اسمه‬ ‫"المهرجان الفريقي الول"‪ ،‬دعيت إليه قارة وقبائل‬ ‫إفريقية بأكملها لتغني وترقص _عارية أحياناً_ في‬ ‫شوارع الجزائر لمدة أسبوع كامل على شرف الثورة!‬ ‫كم من مليين أنفقت وقتها‪ ،‬على مهرجان للفرح ظ ّ‬ ‫ل‬ ‫الول والخير‪ .‬ويغني فيها حتى الفجر‪ ،‬منفقاً‬ ‫مع في‬ ‫على تلك الغاني الشعبية المشبوهة‪ ،‬ما تج ّ‬ ‫جيبه من دينارات‪ ،‬وما تراكم في جسده من "ليبيدو"؟‬ ‫تلك "الثروة" الوحيدة التي يملكها شبابنا حقاً‪ ،‬والتي‬ ‫كعملتنا يدري أين ينفقها خارج السواق السوداء‪.‬‬ ‫بعضهم أدرك هذا قبل غيره‪..

‬‬ ‫فهل هي مصادفة أن تبدأ مشكلتي من ذلك الحين‪،‬‬ ‫ويولد أول مذاق للمرارة في حلقي يومها؟‬ ‫عندما التقيت بذلك الصديق بعد أشهر‪ ،‬اعتذر لي‬ ‫وت معرضي القادم‪.‬‬ ‫بأسف صادق‪ ،‬ووعدني أل يف ّ‬ ‫ت على كتفه ضاحكا ً وقلت‪:‬‬ ‫رب ّ ّ‬ ‫ ل يهم‪ .‬‬ .‫شيئا ً ما!‪.‬‬‫ولكن التاريخ سيذكر اسمي ل محالة ولو بعد قرن!‬ ‫ح ل يخلو من الجد‪:‬‬ ‫قال لي بمزا ٍ‬ ‫ أتدري أنك مغرور؟‬‫أجبته‪:‬‬ ‫ أنا مغرور لكي ل أكون "محقوراً" فنحن ل نملك‬‫الخيار يا صاحبي‪ ...‬‬ ‫ض‬ ‫كم بلزمني من الغرور لحظتها لهزم بياضها وأف ّ‬ ‫بكارتها‪ ،‬وأتحايل على ارتباكي بفائض رجولتي‪،‬‬ ‫وعنفوان فرشاتي؟‬ ‫ولكن‪.‬إننا ننتمي إلى أمة ل تحترم مبدعيها‬ ‫وإذا فقدنا غرورنا وكبريائنا‪ ،‬ستدوسنا أقدام الميين‬ ‫والجهلة!‬ ‫تساءلت بعدها أأكون مغرورا ً حقاً؟‬ ‫اكتشفت بعد شيء من التفكير‪ ،‬أنني ل أكون مغروراً‬ ‫إل لحظة أقف أمام لوحة بيضاء وأنا ممسك بفرشاة‪.‬‬ ‫ما أكاد أنتهي منها‪ ،‬وأمسح يدي من كل ما علق بها‬ ‫من ألوان حتى أرتمي على الريكة المجاورة‪ ،‬وأتأملها‬ ‫مدهوشاً‪ ،‬وأنا أكتشف أنني الوحيد الذي كان يعرق‬ ‫وينزف أمامها‪..‬بعد أيام لن يذكر أحد اسم ذلك المهرجان‪.

‬وليس فقط عقدة إبداع!‬ ‫ورغم ذلك‪ ،‬لن يعرف أحد هذا‪ .‬ول شي سوى رقم هاتفي‬ ‫ف لها الفرشاة‪.‬‬ ‫مستحيل‪ .‬وكنت كلما رسمت امتلت بها أكثر‪،‬‬ ‫وكأنني أبعث الحياة في تفاصيلها المنسية‪ .‬وربما لن يتوقع ضعفي‬ ‫وهزائمي السرية أحدٌ‪.‬وأما سلل المهملت‪،‬‬ ‫فستبقى دائما ً في ركن من مرسمي وقلبي‪ ،‬بعيدة‬ ‫عن الضواء‪.‬وإذا بي‬ ‫أزداد تعلقا ً بها‪ ،‬وأنا أعلقها من جديد على جدران‬ .‬‬ ‫ت عنها‪ ،‬وكأنك‬ ‫كنت تفرغين من الشياء كلما كتب ِ‬ ‫تقتلينها بالكلمات‪ ..‬‬ ‫فالخرون لن يروا غير انتصاراتي‪ ،‬معلّقة على‬ ‫الجدران في إطار جميل‪ ..‬‬ ‫كنت أدرى جدلية الرسم والكتابة كما أردتها أنت‪.‬وكلمات تركتها لي تج ّ‬ ‫وإذا بالصمت يصبح لوني المفضل‪..‬‬ ‫إلها ً أو عليه أن ي ّ‬ ‫أأكون إلهاً؟ أنا الذي حولني حبك إلى مدينة إغريقية‪،‬‬ ‫لم يبق منها قائما ً غير العمدة الشاهقة المتآكلة‬ ‫الطراف؟‬ ‫هل يفيد شموخي‪ ،‬وملح حبك يفتت أجزائي من‬ ‫الداخل كل يوم؟ شهران‪ .‬ولذا‪ ،‬حدث في لحظات انهياراتي وخيباتي الكبرى‬ ‫ن وألقيت بها في سلة المهملت‪،‬‬ ‫أن مّزقت إحداه ّ‬ ‫بعدما أصبح وجودها يضايقني‪.‫وأنها أنثى عربية تتلقى ثورتي ببرود وراثي مخيف!‬ ‫‪ ..‬‬ ‫فالذي يجلس أمام مساحة بيضاء للخلق‪ ،‬ل بدّ أن يكون‬ ‫غير مهنته‪.‬‬ ‫هنالك لوحات هي من السذاجة والبرودة بحيث تخلق‬ ‫عندك عقدة رجولة‪ .

‬وأزرعك وأقطفك‪ ....‬‬ ‫د واحدة أغير‬ ‫امنحيني فرصة بطولة أخرى‪ ..‬ومقاييسك للذّة!‬ ‫كم من اليدي احتضنتك دون دفء! كم من اليدي‬ ‫تتالت عليك‪ .‬ولم‬ ‫تقطع أيديهم‪..‬‬ ‫يا امرأة على شاكلة وطن‪.‬‬ ‫ووحدهم الذين أحبوك دون مقابل‪ ،‬أصبحوا ذوي‬ .‬‬ ‫كنت أقترفك‪.‬‬ ‫بيد واحدة كنت أحتضنك‪ ..‬وأحبتك خطأ‪ .‬‬ ‫أرسم بأصابعي كل ما ل تصله الفرشاة‪..‬‬ ‫لماذا كان الليل هزيمتي؟‬ ‫ألنني كلما خلوت بنفسي خلوت بك‪ ،‬أم لن للفن‬ ‫طقوس الشهوة السرية التي تولد غالبا ً ليل ً في ذلك‬ ‫الزمان الخارج عن الزمن‪.‬‬ ‫أن أرسمك‪ ،‬أليس يعني أن أسكنك غرف بيتي أيضاً‪،‬‬ ‫بعدما أسكنتك قلبي؟‬ ‫حماقة قّررت في البدء أل أرتكبها‪ .‬دعيني بي ِ‬ ‫مقاييسك للرجولة ومقاييسك للحب‪ .‬وأعّريك‬ ‫وألبسك وأغيّر تضاريس جسدك لتصبح على مقاييسي‪.‬وقاطعوا الطرق‪ .‬وآلمتك خطأ‪..‬‬ ‫أحبك السراق والقراصنة‪ .‫الذاكرة‪..‬‬ ‫كنت أرسم بشفتي حدود جسدك‪.‬في ذلك الحد الذي تلغيه‬ ‫العتمة والفاصل بين الممكن والمستحيل‪.‬‬ ‫والخارج عن القانون؟‬ ‫على حافة العقل والجنون‪ .‬‬ ‫أرسم برجولتي حدود أنوثتك‪.‬وتركت أظافرها على عنقك‪ ،‬وإمضاءها‬ ‫أسفل جرحك‪ ....‬ولكنني اكتشفت‬ ‫ليل بعد آخر عبثية قراري‪.

‬‬ ‫ي قصصا ً يصدّقها الطفال‪ .‬فيعيدني إلى الطفولة دون استشارتي‪.‬ثم يستجيب‬ ‫جسدك النائم لي‪..‬‬ ‫لهم كل شيء‪ ،‬ول شيء غيرك لي‪.‬وما الذي أوصلني إلى هذا الجنون؟‬ ‫ترى صوتك الذي تعودت عليه حد الدمان‪ ،‬صوتك الذي‬ ‫ب وموسيقى‪ ،‬فيتدحرج قطرات لذة‬ ‫كان يأتي شلل ح ّ‬ ‫ي؟‬ ‫عل ّ‬ ‫حبك هاتف يسأل "واشك؟"‬ ‫يدثرني ليل ً بلحاف من القبل‪ .‬‬ ‫ك ّ‬ ‫ل ليلة تسقط قلعك في يدي‪ ،‬ويستسلم حراسك‬ ‫لي‪ ،‬وتأتين في ثياب نومك لتتمددي إلى جواري‪،‬‬ ‫فأمرر يدي على شعرك السود الطويل المبعثر على‬ ‫وسادتي‪ ،‬فترتعشين كطائر بلّله القطر‪ .‬‬ ‫كيف حدث هذا‪ .‬‬ ‫ي من وحدتي ومن‬ ‫ي من العتمة‪ ،‬يخاف عل ّ‬ ‫يخاف عل ّ‬ ‫شيخوختي‪ .‬يغنّي لي أغنيات‬ ‫يق ّ‬ ‫ص عل ّ‬ ‫ينام لسماعها الطفال‪.‫عاهات‪.‬‬ ‫أنت لي الليلة ككل ليلة‪ .‬فمن سيأخذ طيفك مني؟ من‬ ‫سيصادر جسدك من سريري؟ من سيسرق عطرك من‬ ‫حواسي؟ ومن سيمنعني من استعادتك بيدي الثانية؟‬ ‫أنت لذّتي السرية‪ ،‬وجنوني السري‪ ،‬ومحاولتي السرية‬ ‫للنقلب على المنطق‪.‬‬ ‫تُرى أكان يكذب؟ هل تكذب المهات أيضاً؟‬ ‫هذا ما ل يصدقه الطفال!‬ ‫ما الذي أوصلني إلى جنوني؟‬ .‬يترك جواري عينيه‬ ‫قنديل شوق‪ ،‬عندما تنطفئ الضواء‪.

.‬وهل تفعل‬ ‫القبل ك ّ‬ ‫ل هذا؟‪.‬حتى إن أمه قالت يوما ً "لم تترك‬ ‫هذه المرأة أمام ابني سوى اختيار من بين ثلثة‪ :‬إما‬ ‫أن يتزوجها‪ .‬أو يصبح مجنوناً!"‪.‬‬ ‫أذكر أنني قرأت عن ُ‬ ‫قبل غيرت عمرا ً ولم أصدّق‪.‬‬ ‫كان هذا حال "نيتشه" يوم أحب‪ .‬فهل أخجل من‬ ‫ضعفي معك‪ ،‬وأنا لست فيلسوفا ً للقوة‪ ،‬ولست‬ ‫شمشون الذي فقد شعره وقوته السطورية بسبب‬ ‫قبلة؟‬ ‫هل أخجل من قبلتك‪ ،‬وهل أندم عليها‪ ،‬أنا الذي بدأ‬ ‫عمري على شفتيك؟‬ ‫ل أدري كيف شفي "نيتشه" من امرأة لم يتزوجها‪ .‬كان أحدهم " أبولينير" الذي تغّزل فيها طويلً‬ ‫وبكاها أمام هذا الجسر نفسه‪ ،‬واجدا ً في اسمها‬ ‫المطابق بالفرنسية تماما ً لسم الذئب " ‪ "Loup‬دليلً‬ ‫قاطعا على قدره معها؟‬ ‫أما (نيتشه) القائل "عندما تزور امرأة ل تنس أن‬ ‫تصحب معك العصا" فقد كان أمامها رجل ً محطما‪،‬‬ ‫ضعيفاً‪ ،‬وبدون إرادة‪ .‬‬ .‬هل‬ ‫انتحر أم أصبح مجنوناً؟‬ ‫أدري فقط‪ ،‬أنني قضيت شهرين وسط تقلّبات نفسية‬ ‫متناقضة‪ ،‬كدت ألمس فيها شيئا ً يشبه الجنون‪ ،‬ذلك‬ ‫الجنون الذي كان يغريك‪ ،‬وكنت تتغّزلين لي به كثيراً‪،‬‬ ‫وتعتبرينه الصك الوحيد الذي يشهد للفنان بالعبقرية‪.‬أو ينتحر‪ ...‬‬ ‫كيف يمكن لنيتشه فبلسوف القوة والرجل الذي نظر‬ ‫طويل ً للجبروت والتفوق أن يقع صريع قبلة واحدة‪،‬‬ ‫سرقها مصادفة في زيارة سياحية إلى معبد‪ ،‬صحبة "‬ ‫‪ "Lou‬المرأة التي أحبها أكثر من كاتب وشاعر في‬ ‫عصرها‪ .‫ترى قبلتك المسروقة من المستحيل‪ .

‫فليكن‪ .‬‬ ‫آنذاك‪ ،‬كنت أقرر العتذار منك‪ .‬أجلس طويل ً أمام لوحتك البيضاء‬ ‫وأتساءل‪ :‬من أين أبدأك؟‬ ‫أتأمل طويل ً صورتك‪ ،‬على ظهر روايتك التي أهديتنيها‬ ‫دون إهداء‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أكان عشقا فقط‪ ،‬أم لهديك ل شعوريا اللعبة التي لم‬ ‫تكوني قد حصلت عليها بعد‪ :‬ذلك الرجل المجنون الذي‬ ‫تحلمين به‪.‬‬ ‫فكيف أضع عمرا ً لوجهك الجديد والقديم معاً‪ .‬كانت قسنطينة‬ ‫مدينة تدعى (سيرتا)‪.‬وأستيقظ من نومي‬ ‫وأتجه إلى مرسمي‪ ..‬شيئا ً ربما‬ ‫كان مقدرا ً مسبقا ً منذ قرون‪ ،‬منذ‪ .‬أكتشف أن وجهك ل علقة له بالصورة‪.‬‬ ‫كنت كل مرة أقع على استنتاجات متناقضة‪ .‬مرة يبدو‬ ‫لي حبك قصة أسطورية أكبر منك ومني‪ .‬سأعترف لك اليوم‪ ،‬بعد كل تلك السنوات‪،‬‬ ‫أنني وصلت معك يوما ً إلى ذلك الحد المخيف من‬ ‫اللعقل‪.‬‬ ‫ومرة أتساءل‪ ،‬ماذا لو كنت رجل ً استوقفتك ذاكرته‬ ‫وأغراك جنونه بقصة ما؟‬ ‫ماذا لو كنت مجرد ضحية لجريمة أدبية ما‪ ،‬تحلمين‬ ‫بارتكابها في كتاب قادم؟‬ ‫ثم فجأة تطغى طفولتك على الجانب "الجرامي"‬ ‫فيك‪ ،‬فأذكر أنني كنت أيضا ً نسخة عن والدك‪ ..‬كيف‬ ‫أنقل عنك نسخة دون أن أخونك؟‬ ‫أتذكر وسط ارتباكي ( ليوناردو دافنشي)‪ ،‬ذلك الرسام‬ ‫العجيب الذي كان قادرا ً على أن يرسم بيده اليمنى‬ .‬‬ ‫حدث كثيرا ً وقتها‪ ،‬أن استعدت قصتي معك فصل‬ ‫فصل‪.‬وأنني‬ ‫بسبب قبلة حمقاء نسفت إلى البد ذاك الجسر السري‬ ‫الذي كان يجمعنا‪.

‬ولكنك أجبتني‬ ‫بضحكة أعرف مراوغتها‪:‬‬ ‫‪ -‬حاول أن تحزر!‬ .‬بأي يد تراه رسم‬ ‫(الجوكندا) ليمنحها الخلود والشهرة؟ وبأي يد يجب أن‬ ‫أرسمك أنا؟‬ ‫ماذا لو كنت المرأة التي ل ترسم إل باليد اليسرى‪ ،‬تلك‬ ‫التي لم تعد يدي؟‬ ‫خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب‪ .‬سيكون اسمها "أنت"‪.‬‬ ‫فكرت حتى في إمكانية عرض تلك للوحة مقلوبة في‬ ‫معرض‪ .‬وقد يعجبون بها‪ ،‬دون أن‬ ‫يتعرف أحدهم تماما عليك‪.‬فربما كانت هذه‬ ‫الطريقة الوحيدة لفهمك‪.‫ويده اليسرى بالتقان نفسه‪ .‬‬ ‫سيتوقف أمامها الكثيرون‪ .‬‬ ‫وارتبك الكلم‪:‬‬ ‫ وينك؟‬‫كان صوتك يبدو قريبا ً أو هكذا خيّل لي‪ .‬‬ ‫أليس هذا ما تريدين في النهاية؟!‬ ‫***‬ ‫مّر أكثر من أسبوع‪ ،‬وأكثر من نشرة جوية قبل أن يأتي‬ ‫صوتك ذات صباح دون مقدمات‪:‬‬ ‫ كيف أنت؟‬‫اندهش القلب الذي لم يتوقع هدية صباحية كتلك‪.‬وأجلس لتفرج‬ ‫عليك عساني أكتشف أخيرا ً سرك‪ .

‬يجب أن‬‫تعذرني‪ .‬والله سأكتب لك قريباً‪ ..‬وقلت ل بد أن أطلبك‬ ‫مني عنك ماذا تفعل في هذا الصيف‪ ..‬حتى المدينة لم أتجول فيها على قدمي‪ ،‬لقد‬ ‫عبرتها بالسيارة فقط‪.‬أنا في قسنطينة‪ .‬إن أجمل ما في قسنطينة‪،‬‬‫جسورها ل غير‪ ..‬‬ ‫ وماذا تفعلين؟‬‫ ل شيء‪ .‬‬ ‫ثم أضفت وكأنك تذكرت فجأة شيئا ً هاماً‪:‬‬ ‫ أتدري‪ ...‬أنت ل تدري كم الحياة هنا مزعجة وصعبة‪ .‬كيف لم تتصلي بي حتى‬‫الن؟‬ ‫فقلت وكأنك طبيب سيكتب وصفة لمريض‪ ،‬أو شيخ‬ ‫يطلب منه كتابة حجاب أو تعاويذ سحرية‪:‬‬ ‫ سأكتب لك‪ .‬إن‬ ‫الواحد ل يخلو لنفسه في هذه المدينة ولو لحظة‪ ...‬أنت على حق‪ ..‬أنتقل من بيت إلى آخر‪ ،‬ومن دعوة إلى‬‫أخرى‪ ...‬حتى‬ ‫الكلم على الهاتف مغامرة بوليسية‪.‬‬ ‫كنت أود تلك اللحظة لو سألتك "هل تحبينني؟" ولكنني‬ .‬لقد ذكرتك وأنا أعبرها‪.‫أجبتك كمن يحلم‪:‬‬ ‫ت إلى باريس؟‬ ‫ هل عد ِ‬‫ضحكت وقلت‪:‬‬ ‫ أي باريس‪ ..‬ط ّ‬ ‫ي مكان؟‬ ‫تسافر إلى أ ّ‬ ‫اختصرت عذابي في بضع كلمات قلت‪:‬‬ ‫ إنني متعب‪ .‬جئت هنا منذ أسبوع‬‫لحضر زواج إحدى القريبات‪ .‬جدّ متعب‪ .‬ألم‬ ‫من هنا‪ ..

‬لن تتغير!‬‫***‬ ‫المرء يفتح شباكه لينظر إلى الخارج‪ .‬‬‫ضحكت‪ .‬‬ ‫كانت زرقته الصيفية الجميلة‪ ،‬تستفّزني ذلك الصباح‬ ‫دون مبرر‪ ..‬وجلست على شرفتي أمام فنجان قهوة‪،‬‬ ‫أتأمل نهر السين‪ ،‬وهو يتحرك ببطء تحت جسر ميرابو‪..‬‬ .‬ويفتح عينيه‬ ‫لينظر إلى الباطن‪ .".‬وما النظر سوى تسلقك الجدار‬ ‫الفاصل بينك وبين الحرية‪..‫سألتك بحمافة‪:‬‬ ‫ هل تحبينها؟‪.‬تذكرني فجأة بالعيون الزرق التي ل أحبها‪.‬‬ ‫أترى لنه ل نهر في قسنطينة‪ ...‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ شكراً‪.‬قلت وأنت تنهين المكالمة‪:‬‬ ‫ أيها الحمق‪ ...‬كنت فجأة على عجل‪.‬‬‫أجبتني بعد شيء من الصمت‪ ،‬وكأنني طرحت عليك‬ ‫سؤال ً يستدعي التفكير‪:‬‬ ‫ ربما بدأت أحبها‪..‬‬ ‫في ذلك الصباح‪ ،‬أشعلت سيجارة صباحية على غير‬ ‫عادتي‪ .‬أعلنت العداء على هذا‬ ‫النهر؟‬ ‫نهضت دون أن أكمل سيجارتي‪ .

‬‬ ‫وكان ل بد أن أرسم لرتاح أخيراً‪.‬‬ ‫لم أكن أتوقع يومها وأنا أبدأها‪ ،‬أنني أبدأ أغرب تجربة‬ ‫رسم في حياتي‪ ،‬وأنها ستكون البداية لعشر لوحات‬ ‫أخرى‪ ،‬سأرسمها في شهر ونصف دون توقف‪ ،‬إل‬ ‫لسرقة ساعات قليلة من النوم‪ ،‬أنهض منها غالباً‬ ‫مخطوفا ً بشهية جنونية للرسم‪.‬‬ ‫كنت أريد أن أرضي قسنطينة حجراً‪ .‬أرسم بيدي الموجودة‬ ‫وبتلك المفقودة‪ ..‬‬ ‫ألم أكن قد لمست الفرشاة من ثلثة أشهر‪ .‬أرسم بكل تقلباتي‪ ،‬بتناقضي‬ ‫وجنوني وعقلي‪ ،‬بذاكرتي ونسياني‪ .‬كل تلك الحاسيس والعواطف المتضاربة‪ ،‬التي‬ ‫عشتها قبل رحيلك وبعده‪ ،‬والتي تراكمت داخلي‬ ‫كقنبلة موقوتة‪..‬وكان‬ ‫داخلي شيء ما على وشك أن ينفجر بطريقة أو‬ ‫بأخرى‪ .‬حجراً‪ ،‬جسراً‪.‫فليكن‪ .‬عفوك أيها الجسر‬ ‫التاريخي‪ ..‬حتى ل أموت‬ ‫قهرا ذات صيف‪ ،‬في مدينة فارغة إل من السواح‬ ‫والحمام‪.‬عفوك صديقي (أبولينير)‪ .‬‬ ‫أرسم ملء يدي‪ .‬‬ ‫ما كنت أنتهي من لوحة حتى تولد أخرى‪ ،‬وما أنتهي‬ ‫ي حتى يستيقظ آخر‪ ،‬وما أكاد أنتهي من‬ ‫من ح ّ‬ ‫قنطرة‪ ،‬حتى تصعد من داخلي أخرى‪...‬ملء أصابعي‪ .‬عفوك أيها النهر الحضاري‪ .‬‬ ‫وهكذا بدأت ذلك الصباح لوحة لقنطرة جديدة‪ ،‬قنطرة‬ ‫سيدي راشد‪.‬هذه المرة أيضاً‬ ‫سأرسم جسرا ً آخر غير هذا‪.‬‬ ‫كنت هذه المرة ممتلئا ً بك‪ ،‬بصوتك القادم من هناك‪،‬‬ ‫ليوقظ من جديد تلك المدينة داخلي‪.‬‬ .‬‬ ‫كانت اللوان تأخذ فجأة لون ذاكرتي‪ ،‬وتصبح نزيفاً‬ ‫يصعب إيقافه‪.

‬‬ ‫كنت أتساءل كل مرة‪ ،‬كيف وصلت هذه الرسالة إلى‬ ‫هنا؟ من أي مخيم أو من أية جبهة‪ ،‬تحت أي سقف‬ ‫مدمر يكون قد كتبها؟ أي صندوق أودعها‪ ،‬وكم من‬ ‫ساعي بريد تناوب عليها حتى تصل هنا‪ ،‬داخل صندوق‬ ‫بريدي‪ .‬‬ ‫في ذلك الشهر الخير من الصيف‪ ،‬كنت ما أزال أتوقع‬ ‫رسالة منك‪ ،‬تعطيني شيئا ً من القوة والحماسة اللتين‬ ‫افتقدتهما خلل الشهرين الماضيين لغيابك‪ .‬الجسد يختار لمن يعرق‪.‬عندما‬ ‫فاجأتني رسالة من زياد‪.‬وأحجارها وأشجارها ووديانها‪.‬هنالك قصص تصلح‬ ‫لكثر من رواية‪.‬‬ ‫وكنت أسعد وذلك القميص يلتصق بي‪ ،‬بعد ساعات من‬ ‫اللتحام بها‪.‬‬ ‫العرق دموع الجسد‪ ..‬بالحي السادس عشر بباريس؟‬ ‫كنت أعاملها دائما ً بحب خاص‪ .‬ونحن في ممارسة الحب كما في‬ ‫ممارسة الرسم‪ ،‬ل نبكي جسدنا من أجل أية امرأة‪ .‬كانت تذكرني بزمن‬ ‫حرب التحرير‪ ،‬يوم كنا نبعث الرسائل لهلنا مهربة‬ ‫تحت الثياب‪.‬أرشها بها‬ ‫شوقاً‪ ..‬وحبا ً حتى العرق‪...‬‬ .‬أقبّل ترابها‪ .‬وجنوناً‪ .‬‬ ‫كانت رسائله القادمة من بيروت تدهشني دائما ً حتى‬ ‫قبل أن أفتحها‪.‬‬ ‫كم من الرسائل لم تصل‪ ،‬وماتت مع أصحابها! وكم من‬ ‫الرسائل وصلت بعد فوات الوان‪ .‬ول‬ ‫من أجل أية لوحة‪ .‫جسراً‪ .‬‬ ‫أوّزع عشقي على مساحتها ُ‬ ‫قبل ً ملونة‪ .‬حياً‪ ،‬كما يرضي عاشق جسد امرأة لم تعد‬ ‫له‪.‬حياً‪ .‬‬ ‫وكنت سعيدا ً أن تكون قسنطينة‪ ،‬هي اللوحة التي بكى‬ ‫لها جسدي‪...‬‬ ‫كنت أعبرها ذهابا ً وإيابا ً بفرشاتي‪ ،‬وكأنني أعبرها‬ ‫بشفاهي‪ .

.‬‬ ‫فاجأتني رسالته‪ .‬أو ربما لم أكن وقتها لنتبه له‪ ،‬بعدما أصبحت‬ ‫أنظر إلى اللوحات‪ ،‬وأنسى أن أنظر إلى نفسي في‬ ‫مرآة‪.‬وأنه ينتظر جوابا ً سريعا ً مني‬ ‫ليتأكد من وجودي في باريس في هذه الفترة‪.‬‬ ‫هذه المرة‪ ،‬كان يريد أن يخبرني أنه قد يحضر إلى‬ ‫باريس في بداية أيلول‪ .‬ولكن لم يكن ذلك‬ ‫يعنيني‪ .‬‬ ‫كان يحدث أن يكتب لي هكذا دون مناسبة‪ ،‬رسائل‬ ‫ميها‬ ‫ولة أحياناً‪ ،‬وموجزة أحيانا ً أخرى‪ ،‬كان يس ّ‬ ‫مط ّ‬ ‫"إشعار بالحياة"‪.‬‬ ‫لقد أنقذتني تلك اللوحات من النهيار‪ .‬‬ ‫ذهب تفكيري إليك وقلت "طويل عمر هذا الرجل‪ ..‬‬ ‫عليها قدم ّ‬ ‫كنت قد فقدت كثيرا ً من وزني‪ .‬وأسعدتني وأدهشتني‪.‬‬ ‫فقد كان يحمل لي احتمال إشعار بشيء آخر‪.‬كان ل بد أن‬ ‫أرسمها لخرج من تلك المطبات الجنونية التي وضعت‬ ‫ي معك‪.‬وكنت أستعيد توازني‬ ‫تدريجيا ً كذلك‪.‬‬ ‫في البدء ضحكت لهذه التسمية التي يريد أن يخبرني‬ ‫بها فقط أنه مازال على قيد الحياة‪.‬‬ ‫بعدها أصبحت أخاف صمته الطويل‪ ،‬وانقطاع رسائله‪.‬ما‬ ‫ك حتى حضر"‪ .‬ثم تساءلت تراك قرأت‬ ‫كدت أذكره مع ِ‬ ‫أشعاره؟ وهل أعجبتك؟ وماذا سيكون رد فعلك إذا‬ ‫قلت لك إنه سيحضر إلى باريس‪ ،‬أنت التي خفت أن‬ ‫يكون قد مات‪ ،‬وأبديت اهتماما َ بقصته؟‬ ‫كان الصيف ينسحب تدريجياً‪ .‬‬ .‫آخر رسالة لزياد كانت تعود لما يقارب السنة‪.

.‬ولذا كان يحلو لي أن‬ ‫أتأمل نزيفي وجنوني معلّقا ً أمامي‪ :‬إحدى عشرة لوحة‬ ‫لم تعد تكفيها جدران البيت‪..‬‬ ‫مع الطفال العائدين إلى المدارس‪ ،‬مع زحمة‬ ‫السيارات‪ ،‬مع مواسم الضرابات‪ ،‬مع عودة باريس إلى‬ ‫ضوضائها‪.‬يا طمأنينة العمر‬ .‬مع المطر‪..‬‬ ‫مع الحزن الغامض‪ .‬كانت الثياب الشتوية المعروضة في‬ ‫الواجهات تعلن عودتك‪ .‬يا معطفي الشتوي‪ .‬‬ ‫والريح‪ ،‬والسماء البرتقالية‪ .‫كنت أعتقد أن الذي خسرته من وزن في أيام‪ ،‬هو‬ ‫الذي ربحته من مجد إلى البد‪ .‬كلها‬ ‫كانت تحمل حقائبك‪.‬اللوازم المدرسية التي تمل‬ ‫رفوف المحلت‪ ،‬تعلن عودتك‪.‬‬ ‫ستعودين‪..‬‬ ‫وربما جاء تعلّقي بها‪ ،‬كذلك‪ ،‬لكوني كنت أدري وأنا‬ ‫أضع فرشاتي لخر مرة وأنا أنتهي منها‪ ،‬أنه قد تمر‬ ‫عدة أشهر قبل أن أشعر برغبة جديدة في الرسم‪...‬‬ ‫مع النوء الخريفي‪ ،‬مع الشجار المحمرة‪ ،‬مع المحافظ‬ ‫المدرسية‪..‬مع نهايات الجنون‪..‬‬ ‫مع بدايات الشتاء‪ .‬وارتحت‪.‬والتقلبات الجوية‪ .‬‬ ‫ستعودين لي‪ ..‬‬ ‫كنا على أبواب أيلول‪ ..‬وكنت سعيدا أو ربما في حالة‬ ‫تر ّ‬ ‫قب للسعادة‪.‬‬ ‫فقد كنت فرغت مرة واحدة من ذاكرتي‪ .‬‬ ‫ستعودين‪.‬كنت أنتظر الخريف كما لم أنتظره‬ ‫من قبل‪ .‬‬ ‫ستعودين أخيراً‪ .

..‬‬ ‫كنت أن ِ‬ ‫وكنت أنتظر أيلول إذن‪.‬تأتي وترحل وسط‬ ‫كن ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ت معطفا لغيري وبردا لي‪.‬وجئت‪ ،‬زوبعة صادفت زوبعة أخرى‪،‬‬ ‫اسمها زياد‪.‬‬ ‫العاصير والدمار‪ .‬كن ِ‬ ‫ت الحطاب التي أحرقتني بدل أن تدفئني‪.‬‬ ‫لم يتغير زياد منذ آخر مرة رأيته فيها‪ ،‬منذ خمس‬ ‫سنوات بباريس‪ ..‬وما اسم‬ ‫قصتنا هذه؟‬ ‫أخطأت مرة أخرى‪.‬‬ ‫أكنت أحلم؟‪ .‬ماذا تريدين‬ ‫مني بالتحديد‪ .‬ومن أكون أنا بالنسبة إليك‪ .‬‬ ‫لم يكن الوقت للسؤال ول للجواب‪ .‬يا أحطاب الليالي الثلجية‪..‬‬ ‫وكانت العاصير‪.‫المتعب‪ .‬كيف نسيت تلك المقولة الرائعة لندريه‬ ‫جيد "ل تهيئ أفراحك!" كيف نسيت نصيحة كهذه؟‬ ‫ت في الواقع امرأة زوبعة‪ .‬‬ ‫كن ِ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫أنتظر عودتك لنتحدث أخيرا ً بصدق مطلق‪ .‬كان وقتا لجنون‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫كنت أنتظر المان‪ .‬ربما أصبح فقط أكثر امتلءً‪ ،‬أكثر‬ ‫رجولة مع العمر‪ ،‬من ذلك الوقت الذي زارني فيه لول‬ .

‫مرة في الجزائر سنة ‪ 1972‬في مكتبي‪ .‬وصوته المميز دفئا ً وحزناً‪ ،‬يوهمك أنه يقرأ‬ ‫شعراً‪ ،‬حتى عندما يقول أشياء عادية‪ .‬ومن بيروت وموسكو‪ ...‬ومن الجزائر وأثينا‪.‬يوم كان شاباً‬ ‫فارعا ً بوزن أقل‪ ،‬وربما بهموم أقل أيضاً‪..‬فيبدو وكأنه‬ ‫شاعر أضاع طريقه وأنه يوجد خطأ حيث هو‪..‬فيه شيء من غّزة‪،‬‬ ‫من عمان‪ .‬‬ ‫شعرت وأنا أستقبله‪ ،‬أنني افتقدته طوال هذه‬ ‫ص‬ ‫ق بشخ ٍ‬ ‫السنوات دون أن أدري‪ ،‬وأنني بعده لم ألت ِ‬ ‫يمكن أن أدعوه صديقاً‪.‬‬ ‫في كل مدينة قابلته فيها‪ ،‬شعرت أنه لم يصل بعد إلى‬ ‫وجهته النهائية‪ ،‬وأنه يعيش على أهبة سفر‪.‬‬ ‫ولنني كثيرا ً ما قاسمت زياد ذاكرته‪ ،‬حدث أن أحببت‬ ‫كل ما أحب ومن أحب‪ ،‬دون أن أدري‪.‬‬ ..‬‬ ‫كان حتى عندما يجلس على كرسي يبدو جالسا ً على‬ ‫حقائبه‪ .‬من غسان‬ ‫كنفاني‪ .‬وقميصه المتمرد‬ ‫ر‬ ‫الذي لم يتعود يوما ً على ربطة عنق‪ ،‬مفتوحا ً دائما ً بز ٍ‬ ‫أو زرين‪ .‬‬ ‫كان زياد يشبه المدن التي مر بها‪ .‬لم يكن يوما ً مرتاحا ً حيث كان‪ ،‬وكأن المدن‬ ‫التي يسكنها محطات ينتظر فيها قطارا ً ل يدري متى‬ ‫يأتي‪.‬كما تركته‪ ،‬محاطا ً بأشيائه الصغيرة ومحملً‬ ‫بالذاكرة‪ ،‬ومرتديا ً سروال الجينز نفسه‪ ،‬كأنه هويته‬ ‫الخرى‪..‬ومن لوركا وتيودوراكيس‪.‬فيه شيء من بوشكين‪ ،‬من‬ ‫السيّاب‪ .‬‬ ‫كنت في حاجة إليه في تلك اليام‪.‬‬ ‫كان يشبه ك ّ‬ ‫ل من أحب‪ .‬من الحلج‪ ،‬من ميشيما‪ .‬‬ ‫مازال شعره مرتبا ً بفوضوية مهذبة‪ .‬‬ ‫ها هوذا‪ .

‬فلم يحدث‬ ‫لزياد أن فقد احترامي لسبب أو لخر خلل كل هذه‬ ‫السنوات‪.‬‬ ‫رحنا من جديد إلى المطاعم نفسها تقريباً‪ .‫ها هو زياد‪ .‬‬ ‫عدنا تلقائيا ً إلى عاداتنا القديمة التي تعود إلى خمس‬ ‫ُ‬ ‫سنوات‪ ،‬عندما زارني لول مرة في باريس‪.‬‬ ‫واستيقظ البيت الذي ظ ّ‬ ‫ل مغلقا ً لشهرين في وجه‬ ‫الخرين‪،‬حتى في وجه كاترين نفسها‪.‬جلسنا‬ ‫وتحدثنا في الموضوعات نفسها تقريباً‪ ،‬فل شي تغيّر‬ ‫م عربي واحد من تلك‬ ‫منذ ذلك الحين‪ .‬‬ ‫ولذلك لم تزل في القلب مكانته الولى‪ .‬وكان النقاش يص ّ‬ ‫القضية الفلسطينية‪ ،‬وفي خلفات فصائلها‪ ،‬والمعارك‬ ‫التي حدثت بين عناصرها في لبنان‪ ،‬والتصفيات‬ ‫الجسدية التي راح ضحيتها أكثر من اسم فلسطيني‬ .‬باعدتنا اليام وباعدتنا القارات‪ .‬لم يحدث أ ّ‬ ‫خريطة هذه المة‪.‬‬ ‫أليس هذا أمرا ً نادرا ً هذه اليام؟‬ ‫جاء زياد‪.‬لم يسقط نظا ٌ‬ ‫النظمة التي كان زياد يراهن على سقوطها منذ‬ ‫ي زلزال سياسي هنا أو هناك‪ ،‬ليغيّر‬ ‫عرفته‪ ..‬‬ ‫ولكن من تراه سيبتلع في النهاية؟‬ ‫كان هذا هو السؤال الذي حاولنا أن نتنبأ به بأكثر من‬ ‫ب في النهاية دائما ً في‬ ‫جواب‪ ..‬فأكاد‬ ‫أشكره فقط‪ ،‬لنه أشرع نوافذ هذا البيت‪ ،‬واحتل غرفة‬ ‫من غرفه‪ .‬‬ ‫وحده لبنان أصبح وطنا ً للزلزل والرمال المتحركة‪.‬ووحدها‬ ‫قناعاتنا القديمة ظلّت تجمعنا‪.‬وربما احتلّه كله‪.‬‬ ‫راح زياد يمله بحضوره‪ ،‬بأشيائه وفوضاه‪ ،‬بضحكته‬ ‫العالية أحياناً‪ ،‬وبحضوره السري الغامض دائماً‪ .

.‬والمواجهة‪ .‬‬ ‫له قلت‪" :‬سنتغدّى غدا مع صديقة كاتبة‪ ..‫في الخارج‪.‬فأنا ل صبر لي على هذا النوع من‬ ‫النساء!"‬ ‫لم أجبه‪ .‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ .‬‬ ‫مفردات أخرى لزم ٍ‬ ‫ربما كان هذا السبوع هو أجمل اليام التي قضيتها مع‬ ‫زياد‪ ،‬والتي حاولت بعد ذلك ولعدة سنوات أل أذكر‬ ‫غيرها‪ ،‬حتى ل أشعر بالمرارة ول بالحسرة على كل ما‬ ‫عشته بعدها عن خطأ أو عن صواب‪..‬‬ ‫كان حديث زياد ينتهي كالعادة بشتم تلك النظمة التي‬ ‫تشتري مجدها بالدم الفلسطيني‪ ،‬تحت أسماء‬ ‫مستعارة كالرفض والصمود‪ .‬رحت أتعمق في فكرته‪ ..‬أتمنى أل تكون صديقتك هذه عانساً‪ ،‬أو امرأة‬ ‫في سن اليأس‪ .‬فينعتها في‬ ‫فورة غضبه بكل النعوت الشرقية البذيئة‪ ،‬التي أضحك‬ ‫لها وأنا أكتشف بعضها لول مرة‪.‬ل بد أن‬ ‫أعرفك عليها‪.‬وأبتسم!‬ ‫على الهاتف قلت لك‪" :‬تعالي غدا ً للغداء في ذلك‬ ‫المطعم نفسه‪ .‬‬ ‫كل ما مّر بي من ألم‪ ..‬قال على طريقته‬ ‫الخاصة وهو يعود لقراءة جريدته‪ " :‬أنا أكره النساء‬ ‫عندما يحاولن ممارسة الدب تعويضا ً عن ممارسات‬ ‫أخرى‪ ..‬فأنا أحمل لك مفاجأة ل تتوقعينها‪"...‬‬ ‫وار قاموسهم الخاص‪ ،‬الذي‬ ‫وأكتشف أيضا ً أن لكل ث ّ‬ ‫تفرزه ثورتهم ومعايشتهم الخاصة‪ ،‬فأستعيد بحنين‪،‬‬ ‫ن آخر وثورة أخرى‪."...‬من غيرة ومن صدمات‪ ،‬وأنا‬ ‫أضعكما ذات يوم هكذا وجها ً لوجه‪ ،‬دون أية مقدمات أو‬ ‫توضيحات خاصة‪.‬‬ ‫لم يبد عليه اهتمام خاص بكلمي‪ .

‬‬ ‫التقيتما إذن‪ .‫"إنها لوحتي‪ .‬‬ ‫ويمكن أن أقول هذه المرة أيضاً‪:‬‬ ‫"الذين قالوا وحدها الجبال ل تلتقي أخطأوا‪ ..‬‬ ‫ت متأخرة بعض الشيء‪ ،‬وكنت مع زياد قد طلبنا‬ ‫وصل ِ‬ ‫مشروبا ً في انتظارك‪.‬إنها شاعر!"‬ ‫***‬ ‫التقيتما إذن‪.‬كان من الواضح أنه لم يتو ّ‬ ‫قعك‬ ‫هكذا‪..‬والذين‬ ‫بنوا بينها جسورا ً لتتصافح دون أن تنحني‪ ،‬ل يفهمون‬ ‫شيئا ً في قوانين الطبيعة‪...‬وبقيت أنا‬ ‫من دهشتي جالساً‪ ..‬‬ ‫الجبال ل تلتقي إل في الزلزل والهزات الرضية‬ ‫الكبرى‪ .‬‬ ‫ودخل ِ‬ ‫كان زياد يحدّثني عن شيء ما عندما صمت فجأة‪،‬‬ ‫وتوقفت عيناه عليك وهو يراك تجتازين باب المطعم‪..‬‬ .‬أليس كذلك؟"‬ ‫أجبتك بعد شيء من التردد‪" :‬ل‪ .‬أنيقة‪ ،‬مغرية‪ ،‬كما لم تكوني يوماً‪...‬‬ ‫في ثو ٍ‬ ‫وقف زياد ليسلّم عليك وأنت تقتربين منّا‪ .‬وكان كلكما بركاناً‪ ...‬وعندها ل تتصافح‪ ،‬بل تتحول إلى تراب واحد"‪.‬ورأيتك تتقدّمين نحونا‬ ‫ب أخضر‪ .‬فأين العجب‪ ،‬إذا‬ ‫كنت هذه المرة أيضا ً أنا الضحية!‬ ‫مازلت أذكر ذلك اليوم‪.‬‬ ‫ت‪.‬‬ ‫فاستدرت بدوري نحو الباب‪ .

.‬‬ ‫مرني إلى ذلك الكرسي‪ ،‬وكأن‬ ‫أحسست أن شيئا ً ما يس ّ‬ ‫ل السابيع الماضية‪ ،‬وك ّ‬ ‫تعب ك ّ‬ ‫ل عذابي بعدك قد نزل‬ ‫ي من الوقوف‪..‬إنه‬‫لم يفعل شيئا ً غير هذا‪ .‬كما لم‬ ‫يعد الرسامون يموتون اليوم!‬ .‬أهذه أنت حقاً!؟‬ ‫ت قد قدّمت‬ ‫وقبل أن أفكر في تعريفكما ببعض‪ ،‬كن ِ‬ ‫نفسك لزياد‪ ،‬وكان هو بدوره على وشك أن يعّرفك‬ ‫بنفسه عندما قاطعته قائلة‪:‬‬ ‫ دعني أحزر‪ .‬ألست زياد خليل؟‬‫ووقف زياد مدهوشا ً قبل أن يسألك‪:‬‬ ‫ت؟‬ ‫ كيف عرف ِ‬‫ذ وكأنك تكتشفين وجودي هناك‪،‬‬ ‫ت نحوي عندئ ٍ‬ ‫استدر ِ‬ ‫جهين‬ ‫فوضعت قبلتين على خدّي وقلت وأنت تو ّ‬ ‫الحديث إليه‪:‬‬ ‫ أنت تملك شبكة إعلن قوية في شخص هذا الرجل‪.‬‬ ‫ي فجأة‪ ،‬ومنع رجل ّ‬ ‫عل ّ‬ ‫ها أنت ذي أخيراً‪ ..‫ها أنت ذي أخيراً‪.‬نسي حتى أن يأكل ونسي أن‬ ‫ينام‪ ....‬ما الذي حدث لك في هذه‬‫العطلة؟‬ ‫خل زياد ليقول ساخراً‪:‬‬ ‫تد ّ‬ ‫ لقد رسم إحدى عشرة لوحة في شهر ونصف‪ .‬‬‫حصين ملمحي‪:‬‬ ‫ثم سألتني وأنت تتف ّ‬ ‫ لقد تغيرت بعض الشيء‪ ...‬أعتقد أنني لو لم أحضر إلى باريس لمات هذا‬ ‫الرجل الذي أمامك جوعا ً وإعياءً وسط لوحاته‪ .

.‬ولهذا يموت بعضنا أيضاً‪..‬ويحب ويكره دون جهد‪.‬إنها الوصفة‬ ‫المثالية لكي ينتحر المرء أو يصبح مجنوناً!‬ ‫ي‪:‬‬ ‫جه ِ‬ ‫ثم و ّ‬ ‫ت كلمك إل ّ‬ ‫ متى تشفى أنت من هذه المدينة؟‬‫كان يمكن أن أقول لك لو كنا على انفراد "يوم أشفى‬ ‫منك!"‬ ‫ولكن زياد أجاب ربما نيابة عني‪:‬‬ ‫ نحن ل نشفى من ذاكرتنا يا آنستي‪ .....‬أرجوكم ل تحدثوني عن قسنطينة مرة أخرى‪.‬‬ ‫ويغري دون جهد‪.‬إنها مدينة ل تطاق‪ .‬ل شيء سوى قسنطينة‪.‬‬ ‫كان يقول شعرا ً دون جهد‪ .‬‬ ‫ت جزائرية إذن؟"‪ .‫وبدل أن تسأليني سألت زياد بشيء من الذعر‪ ،‬وكأنك‬ ‫كنت تخافين أن أكون قد رسمت إحدى عشرة نسخة‬ ‫من صورتك‪:‬‬ ‫ ماذا رسم؟‬‫ي‪:‬‬ ‫أجابك زياد بابتسامة و ّ‬ ‫جهها إل ّ‬ ‫ لقد رسم قسنطينة‪ .‬ول‬ ‫كنت أنظر إليه وهو يسألك "أن ِ‬ ‫أستمع لما تقولينه له‪.‬كان مدهشا ً وشاعرا ً في كل شيء‪.‬‬ ‫ت وأنت تسحبين كرسيا ً وتجلسين‪:‬‬ ‫صح ِ‬ ‫ ل‪ .‬‬‫إنني عائدة توا ً منها‪ ..‬‬‫وكثيرا ً من الجسور‪.‬‬ .‬‬ ‫رائع زياد‪ ...‬ولهذا نحن نكتب‪ ...‬ولهذا نحن‬‫نرسم‪ .

‬‬ ‫اكتشفت ذلك مع مرور اليام‪ ،‬وأنا أنظر إليكما وأنتما‬ ‫تتحدثان أمامي ك ّ‬ ‫ل مرة‪.‬‬ ‫كنت أنظر إليك‪ .‬‬ ‫قليل ً إل ّ‬ ‫ت له‪:‬‬ ‫قل ِ‬ .‬وكانت فكرة تشابهكما أو‬ ‫تطابقكما هذه تزعجني‪ .‬عندما نبّهتني إلى تدهور صحتي‬ ‫حة‬ ‫وشحوب لوني‪ ،‬بينما كنت أراكما أمامي في ص ّ‬ ‫وتألق مثير للغيرة‪.‬‬ ‫ترى بدأت الغيرة تتسلل إلي اللحظة‪ ..‬‬ ‫ولذا لم تعتذري لي‪ ،‬بل وأكثر من ذلك كنت تتحدثين‬ ‫ي‪ .‫بدا لي في تلك اللحظة أن الحديث كان يدور بينكما‬ ‫فقط‪ ،‬وأنني لم أقل كلمة واحدة منذ قدومك‪.‬وأبحث في تفاصيلك عن شرح لما‬ ‫ح ّ‬ ‫ل بي‪.‬وأنا أكتشف‬ ‫أنني لست سوى شبح بينكما‪ ،‬ووجه حشر خطأ في‬ ‫لوحتكما الثنائية؟‬ ‫لم تَتَنَبّهي يومها أنني وصلت إلى تلك الحالة بسببك‪.‬‬ ‫كنت طرفا ً فقط في تلك الجلسة الغريبة للقدر‪...‬‬ ‫سألتك يوماً‪" :‬ما هو أجمل شيء فيك؟"‬ ‫ابتسمت بإيماء غامض ولم تجيبي‪.‬بل وأزعجتني ربما من‬ ‫اللحظة الولى‪ .‬من الجاذبية‬ ‫التي ل علقة لها بالجمال‪ ..‬وكثيرا ً إليه‪..‬‬ ‫كان أيضا ً شي من السحر الغامض فيه‪ .‬فهل هناك من‬ ‫ر للرغبة!‬ ‫تفسي ٍ‬ ‫ربما كان زياد يشبهك أيضاً‪.‬‬ ‫لم تكوني الجمل‪ ،‬كنت الشهى‪ ..

‬‬ ‫كان في صوتك موسيقى للة لم تخلق بعد أتعرف‬ ‫عليها لول مرة في حزن نبرتك التي خلقت في البدء‬ ‫للفرح‪ .‬لعمر قصير!"‬ ‫مشاريع ح ّ‬ ‫في تلك اللحظة‪ .‬كنت مبهورا ً به‪ .‬‬ ‫كأنه أخيرا ً قرر أن يجلس على شيء آخر غير حقائبه‬ ‫ليستمع إليك‪.‬راح يقرأ بقية تلك القصيدة وكأنه يقرأ‬ ‫وعندما سك ِّ‬ ‫لك طالعه ل غير‪:‬‬ ‫ك وطن‬ ‫"ومالي سوا ِ‬ ‫وتذكرة للتراب‪ .‬‬ ‫كنت أحب زياد‪ .‫ لقد أحببت ديوانك الخير "مشاريع للحب القادم"؛‬‫لقد ساعدني شيئا ً ما على تحمل هذه العطلة البائسة‪.‬‬ ‫كنت أستمع إليك تقرئين شعرا ً لول مرة‪.‬‬ ‫هنالك مقاطع منه حفظتها لفرط ما أعدت قراءتها‪....‬كنت أشعر أنه يسرق‬ ..‬شعرت أن شحنة من الحزن‬ ‫المكهرب وربما الحب المكهرب أيضا ً قد سرت بيننا‪،‬‬ ‫واخترقتنا نحن الثلثة‪.‬رصاصة عشق بلون كفن‬ ‫ول شيء غيرك عندي‬ ‫ب‪ .‬‬ ‫وكان زياد يستمع إليك بشيء من الذهول‪ ،‬وكأنه فجأة‬ ‫يجلس خارج الزمن وخارج الذاكرة‪....‬‬ ‫ت‪ ..‬فإذا بها عزف لشيء آخر‪..‬‬ ‫ورحت تقرأين أمام دهشة زياد‪:‬‬ ‫"تربّص بي الحزن ل تتركيني لحزن المساء‬ ‫سأرحل سيدتي‬ ‫أشرعي اليوم بابك قبل البكاء‬ ‫فهذي المنافي تغّرر بي للبقاء‬ ‫وهذي المطارات عاهرة في انتظار‬ ‫تراودني للرحيل الخير‪".

...‬‬ ‫فهل كان يمكن أن أوقف انجرافكما بعد ذلك؟‬ ‫كنت شبيها ً بذلك العالم الفيزيائي الذي يخترع وحشاً‪،‬‬ ‫ثم يصبح عاجزا ً عن السيطرة عليه‪.‬وكيف أتيت بكما لضعكما أمام‬ ‫قدركما‪ .‬الذي كان أيضا ً قدري!‬ .‬أنك أصبحت قلبنا‪ .‬‬ ‫كيف يمكن أن أضع أمامك رجل ً يصغرني باثنتي عشرة‬ ‫سنة‪ ،‬ويفوقني حضورا ً وإغراءً‪ ،‬وأحاول أن أقيس‬ ‫نفسي به أمامك؟‬ ‫كيف يمكن أن أف ّ‬ ‫ك صلة الكلمة التي كانت تجمعكما‬ ‫ب شاعرا ً تحفظ أشعاره عن‬ ‫بتواطؤ‪ ،‬وأمنع كاتبة أن تح ّ‬ ‫ظهر قلب؟‬ ‫ف بعد من حبه‬ ‫وكيف أقنعه هو الذي ربما لم يش َ‬ ‫الجزائري السابق‪ ،‬أل يحبك أنت التي جئت لتوقظي‬ ‫الذاكرة‪ ،‬وتشرعي نوافذ النسيان؟‬ ‫كيف حدث هذا‪ ..‬معاً!‬ ‫***‬ ‫كان يجب أن أتوقع كل الذي حدث‪..‬بل‬ ‫وكتبتها فصل ً فصل ً بغباء مثالي‪ ،‬وأنني عاجز عن‬ ‫التحكم في أبطالي‪.‬‬ ‫كان زياد لساني‪ ،‬وكنت أنا يده كما كان يحلو له أن‬ ‫يقول‪.‬‬ ‫وكنت أشعر في تلك اللحظة‪ .‫مني كلمات الحزن‪ ،‬وكلمات الوطن‪ ،‬وكلمات الحب‬ ‫أيضاً‪.‬‬ ‫كنت أكتشف بحماقة أنني صنعت قصتكما بيدي‪ .

‬‬ ‫تراه بدأ أيضا ً يكشف كل الهوامش المثيرة للقائكما‬ ‫في تلك الظروف‪ .‬‬ ‫وسبب تدهور صحتي وجنوني الخير‪.‬‬ ..‬‬ ‫صم ُّ‬ ‫ت لحتفظ بسّرك لي كما نحتفظ بسر كبير نتلذّذ‬ ‫أ َ‬ ‫بحمله وحدنا؟ أكان لحبك نكهة العمل السري ومتعته‬ ‫القاتلة؟‪.‫قال لي ذلك المساء‪:‬‬ ‫ إنها رائعة هذه الفتاة‪ ..‬ولكنني أعرف هذا السم‪ ..‬كدت أخبره‬ ‫صتي‬ ‫ص عليه حتى ق ّ‬ ‫أنك ابنة قائدي وصديقي‪ .‬ل أذكر أنني قرأت لها شيئاً‪،‬‬‫فربما بدأت الكتابة بعدما غادرت الجزائر حسب ما‬ ‫فهمت‪ ..‬‬ ‫في مكان ما‪ .‬وكل التفاصيل العجيبة التي ل‬ ‫يمكن أن يبقى محايدا ً أمامها؟‬ ‫شعرت برغبة في الكلم عنك أكثر‪.‬وقصة لوحاتي الخيرة وعلقتها بك‪.‬أنت التي كان يمكن أن تكوني ابنتي‪،‬‬ ‫قبل أن تصبحي فجأة بعد ربع قرن حبيبتي!‬ ‫كدت أحكي له قصة لوحتي الولى (حنين) وتصادفها‬ ‫مع ميلدك‪ .‬‬ ‫كنت على وشك أن أحدثه عن سي الطاهر‪ .‬‬ ‫كدت أشرح له سر قسنطينة‪..‬إنه اسم‬‫لشارع في الجزائر يحمل اسم أبيها (الطاهر عبد‬ ‫المولى) الذي استشهد أثناء الثورة‪.‬‬ ‫ي دون أن يقول شيئاً‪.‬‬ ‫وضع زياد جريدته ونظر إل ّ‬ ‫أحسسته ذهب بعيدا ً في تفكيره‪..‬لقد سبق أن قرأته‬ ‫ي‪.‬إنه ليس غريبا ً عل ّ‬ ‫قلت له وقتها‪:‬‬ ‫ أنت لم تقرأ هذا السم وإنما سمعته فقط‪ .‬كدت أق ّ‬ ‫العجيبة معك‪ .

‬يتحدث إليك‬ ..‬‬ ‫كنت أحترم سره‪ ،‬وكان يحترم صمتي‪ ..‬ولهذا نقلنا‬ ‫سرنا وصمتنا حتى قصتنا المشتركة معك‪.‬‬ ‫أكان بحدسه المفرط يتوقع شيئا ً ما بيني وبينك؟‬ ‫ب‬ ‫أم تراه أمام تظاهري باللمبالة‪ ،‬لم يتوقع وجود ح ّ‬ ‫ملتهب كهذا في أحشائي‪.‫أنم تراني كنت أخجل أن أعترف له دون أن أدري أنك‬ ‫حبيبتي‪ ،‬هو الذي لم أخجل منه يوما ً والذي تقاسمت‬ ‫معه كل شيء؟‬ ‫ب لم يُخلق ليُقتسم‪ ،‬قررت منذ البدء أن تكوني‬ ‫ألنك ح ّ‬ ‫لحدنا‪ .‬يتلقى أو يعطي‬ ‫تعليمات ل أدري‪.‬‬ ‫ولكنه كان قلقا ً شيئا ً ما‪ .‬فقط؟‬ ‫أعن صداقة أو حماقة‪ ،‬كنت أريد أن أمنحه فرصة حبك‬ ‫الذي قد يكون حبّه الخير‪ ،‬وأياما ً من السعادة‬ ‫المسروقة من الموت المحتمل الذي كان يتربص به‬ ‫في كل حين‪ .‬‬ ‫وكيف يمكن أن يتوقع ذلك‪ ،‬وأنا أنسحب تدريجيا ً على‬ ‫رؤوس الصابع‪ ،‬لترك له المجال تدريجيا ً لمزيد من‬ ‫سع؟‬ ‫التو ّ‬ ‫كنت أدعه يجيب على الهاتف نيابة عني‪ .‬ربما جاء ليقوم ببعض التصالت‬ ‫السرية‪ ،‬يلتقي ببعض الجهات‪ ..‬كان يتحاشى أخذ مواعيده‬ ‫على الهاتف‪ ،‬وكان ل يغادر البيت بمفرده إل نادراً‪..‬‬ ‫ولم أطرح عليه يوما ً أي سؤال حول سبب زيارته‬ ‫لباريس‪ .‬وفي كل مدينة؟‬ ‫ماذا جاء زياد يفعل في باريس؟ من الواضح أنه لم يأت‬ ‫في زيارة سياحية‪ .‬كان هناك شيء من بقايا فترة كفاحية في‬ ‫حياتي‪ ،‬تجعلني أحترم أسرار الخرين عندما يتعلق ذلك‬ ‫بقضايا نضالية‪.

‬كان يكفي لوحة أو اثنتان‪..‬‬ ‫قلت وأنت تعودين إلى الصالون وتجلسين على تلك‬ ‫الريكة نفسها‪:‬‬ ‫ ل أفهم أن تكون رسمت كل هذه الجسور‪ .‬‬ ‫أعن قناعة أم عن لياقة تطوع زياد ليجيبك نيابة عني‪،‬‬ ‫ي‪ ،‬ولحظ تلك الخيبة التي‬ ‫بعدما لحظ وقع كلماتك عل ّ‬ ‫أفقدتني صوتي‪:‬‬ ‫ أنت لم تتأملي هذه اللوحات‪ .‬هنالك أرقام سرية تفتح لغز كل لوحة‪ .‬‬ ‫لو مررت بنفس هذه السرعة أمام لوحة (لعبي‬ ‫الورق) الشهيرة‪ ،‬لما لحظت سوى لعبين جالسين‬ ‫أمام طاولة‪ ،‬ولما انتبهت إلى كونهما يمسكان بأوراق‬ ..‬‬ ‫(خطأ؟) باباً‪ ،‬فقلت لك مو ّ‬ ‫فوقفت أمام ذلك الباب نصف المفتوح‪ ،‬لحظات بدت‬ ‫لي أطول مما قضيته من وقت أمام كل لوحاتي‬ ‫مجتمعة‪.‬جنون‬‫هذا‪ .‫ويدعوك إلى البيت نيابة عني‪.‬‬ ‫ت؟‬ ‫مل ِ‬ ‫ولمن تراك تج ّ‬ ‫ربما كان أكثر اليام وجعا ً يوم زرت البيت بعد ذلك‬ ‫لول مرة‪....‬شيء‬ ‫شبيه بـ (الكود) ل بد من البحث عنه للوصول إلى ذلك‬ ‫الشعار بشيء ما يريد أن يوصله إلينا صاحبها‪.‬وفي الرسم‪ ،‬اللوحات ل تتطابق وإن‬ ‫تشابهت‪ ...‬‬ ‫لم يستوقفك ذلك الممر‪ ،‬ول ذكرى قبلة قلَبت حياتي‬ ‫رأسا ً على عقب‪..‬لقد حكمت عليها من‬‫النظرة الولى‪ .‬‬ ‫أكانت تلك اللحظة هي الكثر ألماً‪ ،‬أم عندما فتحت‬ ‫ضحا ً "هذه غرفة زياد"‪.‬‬ ‫كان ل بد أن ينبهك زياد للوحاتي لتنتبهي إليها‪ .‬رحت‬ ‫تنتقلين من غرفة إلى أخرى وكأنك تعبرين غرف بيتك‪.‬‬ ‫وكنت تأتين‪ ،‬وأحاول أل أسأل نفسي لمن جئت‪.

‬إن ما أراد أن ينقله لنا‬ ‫"سيزان" ليس مشهدا ً للعبة الورق بل مشهد من‬ ‫التزوير المتّفق عليه‪ .‬كل شيء حوله‬ ‫يختفي تحت الباب فيبدو الجسر مضيئاً‪ ،‬علمة‬ ‫استفهام معلّقة إلى السماء‪ .‬هل أنت خبير أيضا ً في‬‫الرسم‪ .‫بيضاء يخفيانها على بعض‪ .‬إنه ترف ليس‬‫في متناول رجل مثلي‪ .‬ل ركائز تشدّ أعمدته إلى‬ ‫أسفل‪ ،‬ل شيء يحدّه على يمينه ول على يساره‪ ،‬وكأنه‬ ‫فقد فجأة وظيفته الولى كجسر!‬ ‫أترى بداية الصبح عندئذ أم بداية الليل؟ أتراه يحتضر أم‬ ‫يولد مع خيط الفجر؟ إنه السؤال الذي يبقى معلّقاً‬ .‬‬ ‫أحب الفن الذي يضعني في مواجهة وجودية مع‬ ‫نفسي‪ ،‬ولهذا أعجبت بلوحات خالد الخيرة‪ .‬ولكنني أحب بعض المدارس الحديثة‬ ‫التي تطرح أسئلة من خلل أعمالها‪...‬بل إن جهلي في الفن‬ ‫سبفاجئك‪ ...‬أم أن عدوى خالد انتقلت إليك؟‬ ‫ضحك زياد واقترب منك بعض الشيء وقال‪:‬‬ ‫ ليس هذا ميدان خبرتي على الطلق‪ ..‬‬ ‫ح ثم‬ ‫لقد تو ّ‬ ‫حد مع هذا الجسر لوحة بعد أخرى في فر ٍ‬ ‫في حزن متدرج حتى العتمة‪ ،‬وكأنه عاش يتوقيته يوماً‬ ‫أو عمرا ً كاملً‪.‬وربما المتوارث مادام أحد‬ ‫اللعبين أكبر من الثاني سناً‪.‬‬ ‫وقبل أن يواصل زياد كلمه قاطعته قائلة‪:‬‬ ‫ من أين تعرف كل هذا‪ ..‬‬ ‫في اللوحة الخيرة ل يظل باديا ً من الجسر سوى‬ ‫شبحه البعيد تحت خيط من الضوء‪ .‬وفي الكتب‬ ‫المختصة غالباً‪ ....‬‬ ‫الفن للفن ل يقنعني‪ ،‬والجوكندة المحترمة ل تهّزني‪.‬إنها أول‬ ‫مرة يدهشني فيها حقاً‪..‬أنا ل أعرف غير قلة قليلة من الرسامين‬ ‫اكتشفت أعمالهم عن طريق المصادفة‪ .

‫كالجسر لوحة بعد أخرى‪ ،‬مطاردا ً بلعبة الظ ّ‬ ‫ل والضوء‬ ‫المستمر‪ ،‬بالموت والبعث المستمر‪ ،‬لن أي شيء‬ ‫معلّق بين السماء والرض هو شيء يحمل موته معه‪.‬‬ ‫وقد كان يمكن لزياد أن يفلسف أيضا ً رمز الجسر بأكثر‬ ‫من طريقة‪ .‬‬ ‫لقد كنت أعتقد وأنا أرسم تلك الجسور أنني أرسمك‪،‬‬ ‫ولم أكن في الواقع أرسم سوى نفسي‪ .‬ولكن ليس هذا كل شيء‪.‬‬ ‫ولهذا ربما كان الجسر هو أول ما رسمت يوم فقدت‬ ‫ذراعي‪.‬‬ ‫كنت أسمتع إلى زياد مدهوشاً‪ ،‬وربما اكتشفت شيئا ً لم‬ ‫يخطر ببالي لحظة رسم كل هذه اللوحات‪.‬كان الجسر‬ ‫تعبيرا ً عن وضعي المعلّق دائما ً ومنذ الزل‪ .‬كنت‬ ‫أعكس عليه قلقي ومخاوفي ودواري دون أن أدري‪.‬وقد‬ ‫ته ّ‬ ‫يملونك غرورا ً وجنوناً‪ ،‬إذا كنت مثل الكثيرين الذين‬ ‫ذ بالتنظير‬ ‫يأخذون أنفسهم مأخذ الجد‪ ،‬ويبدأون عندئ ٍ‬ ‫بمدرسة فنية جديدة!‬ ‫كان في تحليل زياد حقيقة هامة أدهشتني ولم أنتبه‬ ‫لها من قبل‪.‬‬ ‫أح ٌّ‬ ‫ق ما قاله؟‬ ‫من المؤكد أن زياد كان يتحدث عن لوحاتي خيرا ً مني‪.‬‬ ‫فهل تعني كل هذه الجسور‪ ،‬أن ل شيء تغيّر في‬ ‫حياتي منذ ذلك الحين؟‬ ‫ربما كان هذا هو الصح‪ ..‬ولكن من المؤكد أنه لن يذهب أبعد من‬ ‫الرموز المعروفة‪ ،‬لن رموزنا تأخذ بعدها من حياتنا‬ ‫فقط‪ ،‬وزياد في النهاية لم يكن يعرف ك ّ‬ ‫ل ثنايا‬ ..‬‬ ‫مثل كل النقاد الذين يعطونك شروحا ً مدهشة لعمال‬ ‫فنية قمت بها أنت بكل بساطة‪ ،‬دون أية تساؤلت‬ ‫ً‬ ‫فلسفية‪ ،‬فيضحكونك إذا كنت فنانا ً صادقا ً وبسيطا ل‬ ‫مك الرموز والنظريات المع ّ‬ ‫قدة في الفن‪ .

‬وألبرتو مورافيا‬ ‫يوم فهم الرغبة‪ ،‬والحلج يوم فهم الله‪ ،‬وهنري ميلر‬ ‫يوم فهم الجنس‪ ،‬وبودلير يوم فهم اللعنة والخطيئة‪."..‬‬ ‫ل مفتاحه الذي يفتح به لغز العالم‪..‬ثمن حياتي"‪.‬‬ ‫ولم يكن زار تلك المدينة التي تعرف وحدها سّر‬ ‫الجسور!‬ ‫تذكّرت حين ذاك رساما ً يابانيا معاصراً‪ ،‬قرأت عنه أنه‬ ‫قضى عدة سنوات وهو ل يرسم سوى العشاب‪...‬ويوم فهمت الحقل‬ ‫أدركت سر العالم‪..‫ذاكرتي‪.‬‬ ‫تساءلت وأنا أصل إلى هذه الفكرة‪ :‬هل الرسامون‬ ‫أنبياء أيضاً؟‪.‬كان يواصل الرسم برغم ذلك‪ ،‬ل ليعيش من‬ ‫لوحاته وإنما لينتقم لها ولو بعد قرن‪.‬‬ ‫همنغواي فهم العالم يوم فهم البحر‪ .‬لك ٍ‬ ‫عالمه‪.‬‬ ‫وكان على حق‪ .....‬‬ ‫سئل مرة لماذا العشاب دائماً‪ .‬غير حقول عبّاد الشمس‬ ‫الشاسعة فل يملك أمام إرهاقه إل أن يرسم أكثر من‬ ‫لوحة للمنظر نفسه؟‬ ‫لن يده المحمومة لم تكن تقدر على رسم أكثر من‬ ‫تلك الزهور البسيطة الساذجة‪.‬تراه فهم حقارة العالم وساديّته‪ ،‬عندما‬ ‫كان يجلس محموما ً معصوب الرأس أمام تلك النافذة‬ ‫التي لم يكن يرى منها‪ .‬‬ ‫ثم رحت أربط هذه الفكرة بتعليق زياد "كل شيء‬ ‫معلّق يحمل موته معه‪".‬‬ ‫ولكنه‪ .‬‬ .‬قال‪" :‬يوم‬ ‫وعندما ُ‬ ‫رسمت العشب فهمت الحقل‪ .‬‬ ‫ألم يقل لخيه تلك النبوءة التي حطّمت بعدها ك ّ‬ ‫ل‬ ‫الرقام القياسية في ثمن لوحة (عباد الشمس)‪:‬‬ ‫"سيأتي يوم يفوق فيه ثمن لوحاتي‪ .‬‬ ‫وفان غوغ‪ .

..‬غفلة التاريخ!‬ ‫كنت تحت تأثير تلك الرؤية المذهلة‪ ،‬عندما جاء صوتك‬ ‫لينتزعني من هواجسي‪.‬ما هو حلمك؟‬‫قال‪:‬‬ ..‬‬ ‫قال بشيء من العتاب المهذّب‪:‬‬ ‫ لماذا تصرين على قتل حلم هذا الرجل؟‪ .‬هنالك أحلم‬‫نموت على يدها‪ ،‬دعيه سعيدا ً ولو بوهمه‪.‫وإذا بي أسأل نفسي‪ ،‬أيّة نبوءة تحمل ك ّ‬ ‫ل اللوحات‬ ‫التي رسمتها في درجة متقدمة من اللوعي والجنون؟‬ ‫وت أم ميلد تلك المدينة؟ أصمود جسورها المعلقة‬ ‫أ َ‬ ‫م ْ‬ ‫منذ قرون في وجه أكثر من نشرة جوية وأكثر من ريح‬ ‫مضادّة؟ أم سقوطها جميعا ً في دمار هائل مفاجئ‪،‬‬ ‫في تلك اللحظة التي ل يفصل فيها بين الليل والنهار‬ ‫سوى خيط باهت للغفلة‪ .‬‬ ‫ي‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ت وأنت تو ّ‬ ‫جهين حديثك إل ّ‬ ‫ أتدري خالد‪ ..‬إن من حسن حظك أنك لم تزر‬‫قسنطينة منذ عدة سنوات‪ .‬‬ ‫لم تعلّقي على كلمه‪ ،‬وكأن أحلمي لم تعد تهمك‬ ‫بالدرجة الولى‪ .‬سألته فقط‪:‬‬ ‫ وأنت‪ .‬وإل لما رسمت من وحيها‬ ‫أشياء جميلة كهذه‪ ..‬يوم تريد أن تشفى منها عليك أن‬ ‫ف عن الحلم!‬ ‫تزورها فقط‪ .‬‬ ‫خل زياد ليقول كلما ً جاء هذه المرة أيضا ً سابقاً‬ ‫تد ّ‬ ‫لوقته‪ ..‬كالنبوءة‪..‬ستك ّ‬ ‫طبعاً‪ ،‬لم أكن أدري آنذاك‪ ،‬أنك ذات يوم ستتكلّفين‬ ‫شخصيا ً بقتل ذلك الحلم‪ ،‬وتوصليني في ما بعد حتى‬ ‫أعتاب قسنطينة مكرهاً‪.

‬لم يكن يفهم أن تطاردني تلك المدينة إلى‬ ‫درجة إخراجي من كل المدن‪ .‬‬ ‫العجيب أنه لم يحدّثني عنها أي مرة‪ .‬‬‫ثم أضاف‪:‬‬ ‫ يضحكني الذي يحدث لخالد اليوم‪ ،‬كان يقنعني في‬‫الماضي يوم كنّا في الجزائر بالزواج والعيش هناك‬ ‫نهائياً‪ .‬نحن ل نحمل دائما ً أسماء أحلمنا‪ ...‬وها هو الن يصل إلى‬ ‫كلمي من تلقاء نفسه‪ ،‬ويصبح بدوره مسكونا ً بمدينة‪،‬‬ ‫مطاردا ً بها‪.‬وقبل أن يتحول حبنا من عشق‬ ‫ثنائي عنيف إلى حب مثلث الطراف كل زواياه‬ ‫متساوية‪ ،‬ومن لعبة شطرنج يحكمها لعبان متقابلن‪،‬‬ ‫ويمل الحب فيها كل المربعات السوداء والبيضاء‪،‬‬ ‫بقانون المد والجزر العشقي‪ ،‬إلى لعبة طاولة‪ ،‬نجلس‬ ‫حولها نحن الثلثة‪ ،‬بأوراقنا المقلوبة‪ ،‬وأحزاننا‬ ‫المقلوبة‪ ،‬بنبضات قلبنا المشتركة‪ ،‬بذاكرتنا المشتركة‪،‬‬ ‫ور‬ ‫نتربّص ببعضنا ونخلق قوانين جديدة للحب‪ .‬‬‫ هل اسمها الخليل؟‬‫قال مبتسماً‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬ول ننتسب‬‫لها‬ ‫اسمي الخليل ومدينتي اسمها غزة‪.‬أي منذ خمس عشرة سنة تماماً‪..‬فقد كنت أعي تدريجياً‬ ‫أنني كنت سعيدا ً معك قبل تلك العطلة الصيفية‪..‬‬ ‫وقبل مجيء زياد‪ ..‬‬ ‫ ومنذ متى لم تزرها؟‬‫ منذ حرب حزيران‪ ...‬هنالك أشياء شبيهة بالسعادة‬ ‫ل ننتبه لوجودها إل بعدما نفتقدها!‬ ‫ربما كان ذلك ما حدث لي‪ ..‬وكأنه لم يكن‬ ‫يوليها اهتماما ً من قبل‪ ..‬نز ّ‬ .‫ ربما مدينة ما أيضاً‪..

.‬‬ ‫شعبين كنا لرض واحدة‪.‬حتى تصل مركز‬ ‫سوداء تصغر تدريجيا ً كالد ّ‬ ‫الموت‪.‬‬ .‬أطلقوها على مربع أحمر‪،‬‬ ‫يتدرب فيه القدر على إطلق الرصاص على دوائر‬ ‫وار‪ .‬ولذا‬ ‫كان ينساق إلى حبك دون تفكير ودون شعور بالذنب‪..‬‬ ‫كان واضحا ً أن زياد كان يشعر أنني أحبك بطريقة أو‬ ‫بأخرى‪ ..‬ولكنه لم يكن يعي جذور ذلك الحب ومداه‪ .‬‬ ‫كل شيء كان معدّا ً لللم‪( .‫الوراق التي نملك النسخ نفسها منها‪ ،‬نحتال على‬ ‫منطق الشياء ل ليربح أحدنا الجولة‪ ،‬وإنما لكي ل‬ ‫ل وجعاً‬ ‫يكون بيننا من خاسر‪ ،‬وحتى تكون نهايتنا أق ّ‬ ‫من البداية‪.‬‬ ‫ونبيين لمدينة واحدة‪.‬هل يسعنا العالم معاً؟)‪.‬‬ ‫لم يكن لحدنا وعي كامل لينتبه إلى أن العشق اسم‬ ‫ولناه إلى‬ ‫ثنائي ل مكان فيه لطرف ثالث‪ .‬‬ ‫ي ريح حملتنا إلى هذه الديار الغريبة عن طقوسنا؟‬ ‫أ ّ‬ ‫ي قدر بعثرنا ثم أعاد جمع أقدارنا المتناقضة‬ ‫أ ّ‬ ‫المبعثرة‪ ،‬وأعمارنا وتواريخنا المتفاوتة‪ ،‬ومعاركنا‬ ‫وأحلمنا المتباعدة‪ ،‬وأوقفنا هنا‪ ،‬أطرافا ً في معركة‬ ‫نخوضها مع بعضنا ضد بعضنا دون وعي؟‬ ‫بعد أشهر قرأت بين أوراق زياد خاطرة‪ ،‬أدهشتني‬ ‫بتطابقها مع أحاسيسي هذه‪ ،‬كتب فيها‪:‬‬ ‫"عشقنا جولة أخرى خسرناها في زمن المعارك‬ ‫ي الهزائم أكثر إيلما ً إذن؟‬ ‫الفاشلة‪ ،‬فأ ّ‬ ‫مقدرا ً كان ك ّ‬ ‫ل الذي حصل‪.‬ولذا عندما ح ّ‬ ‫مثلث‪ ،‬ابتلعنا كما يبتلع مثلث "برمودا" كل البواخر‬ ‫التي تعبره خطأ؟‬ ‫كيف وصلنا إلى هنا‪.‬‬ ‫رصاصة مستديرة الرأس‪ .‬‬ ‫وها نحن قلبان لمرأة واحدة‪.‬‬ ‫ها نحن نتقاسم كبرياءنا رغيفا ً عربيا ً مستديرا ً كجرحنا‪.

‬وشريط لفيفالدي‬ ‫وآخر لتيودوراكيس‪..‬‬ ‫فهل انتهى جنوني حقاً؟‬ .‬‬ ‫كان زياد في تلك المسيات الشتائية‪ ،‬يسهر أحيانا ً في‬ ‫غرفته ليكتب‪ .‬كيف يمكن لي أن أعرف درجات جنونه هذا؟‬ ‫من أين آتي بمقياس للزلزال‪ ،‬أعرف منه ما يحدث في‬ ‫أعماقه بالتحديد؟‬ ‫كيف يمكن ذلك‪ ،‬ونوباته كتابات سرية ل يدري بها غير‬ ‫الورق‪ .‬ويخاف إن هو نام أن تسرق منه‬ ‫شياً‪.‬‬ ‫وحيث سيكون قلب أحدنا‪".‬‬ ‫حيث الرصاصة ل ترحم‪....‬‬ ‫وكنت أقول لنفسي وأنا أقضي أحيانا ً سهرة كاملة‬ ‫بمفردي أمام التلفزيون‪:‬‬ ‫" إنه يعيش جنونه أيضاً‪ .‬‬ ‫ولكن‪ .‬‬ ‫كان يستمع دائما ً إلى الشرطة نفسها التي ل أدري‬ ‫من أين أحضرها‪ ،‬والتي لم أكن مولعا ً بها أنا على وجه‬ ‫التحديد‪ ،‬كالموسيقى الكلسيكية‪ .‬وكنت أرى في ذلك علمة ل تخطئ‪.‬‬ ‫ل بد أن يكون عاشقا ً ليعود إلى الكتابة بهذه الشراهة‪،‬‬ ‫هو الذي لم يكتب شيئا ً منذ عدة سنوات‪.‫حيث الرصاصة ل تخطئ‪.‬هنالك جنون الصيف‪ .‬وتفضحني‪.‬انتهى جنوني وبدأ جنونه!"‪.‬وهنالك‬ ‫جنون الشتاء‪ .‬بينما يعلّق جنوني على الجدران إحدى عشرة‬ ‫لوحة تشهد ضدي‪ ..‬‬ ‫كأن زياد كان يريد أن يمل رئتيه بالحياة‪ ،‬أو كأنه لم‬ ‫يكن يثق بها تماماً‪ .‬‬ ‫كنت أبتسم أحياناً‪ ،‬وصوت موسيقى خافتة ينبعث من‬ ‫غرفته حتى ساعة متأخرة من الليل‪..

‬نظراً‬ ‫ً‬ ‫واحدة‪ ..‬‬ ‫طبعاً‪ ،‬لم أكن مقتنعا ً في أعماقي بهذا المنطق‪ ،‬أو‬ ‫على القل بهذا القدر العنيد الذي جعل القرعة تقع‬ ‫ي‪.‬وربما غالبا في بي ٍ‬ ‫لصعوبة لقائكما خارج البيت‪.‬ولكن ما الذي كان أشدّ إيلما ً لي‪:‬‬ ‫أن أدري أنك مع رجل آخر‪ ،‬أم أن يكون ذلك الرجل هو‬ ‫زياد ل سواه‪ ،‬أم أن تتم خيانتي في بيتي في غرف لم‬ ‫أتمتع بك فيها؟‬ ‫ي حدّ ستذهبين معه‪ ..‬‬ ‫نسيت في زحمة غيرتي‪ ،‬حتى السباب التي جاء من‬ ‫أجلها زياد إلى باريس‪ ،‬ولقاءاته‪ .‫ل‪ ..‬وكان ذلك‬ ‫يؤلمني كثيراً‪ .‬‬ ‫ربما كانت تلك أكثر تجاربي ألما ً على الطلق‪ .‬فقد‬ ‫ي أن أترككما عشرة أيام كاملة معا ً في مدينة‬ ‫كان عل ّ‬ ‫ت واحد هو بيتي‪ ..‬‬ ‫كان إذا غيّر زياد بدلته‪ ،‬شعرت أنه يتوقع قدومك‪ ،‬وإذا‬ ‫جلس ليكتب فهو يكتب لك‪ ،‬وإذا ترك البيت فهو على‬ ‫موعد معك‪.‬أصبح فقط جنونا ً داخليا ً ل علقة له بالبداع‪ ..‬وهواجسه الخرى‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫سافرت يومها وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنها فرصة‬ ‫لنا جميعاً‪ ،‬لنضع شيئا ً من الترتيب في علقتنا‪ ،‬وأنه‬ ‫كان لبد لحدنا أن يتغيّب لتحسم هذه المور الغامضة‬ ‫بيننا نهائياً‪.‬وإلى أي حدّ سيذهب هو‬ ‫إلى أ ّ‬ ‫معك؟ وهل ستوقفه ذاكرتنا المشتركة‪ .‬‬ ‫عل ّ‬ ‫فمن الواضح أن القدر كان منحازا ً لكما‪ .‬أصبح‬ ‫أحاسيس مرضيّة أبذّرها هباءً في الغيرة واليأس‪.‬ثم جاء ذلك السفر الذي كدت أنساه‪.‬وكل ما جمعنا‬ ‫يوما ً من قيم؟‬ ...

.‬لم تخلق لتزورها بمفردك‪ .‬وتتناول فطور الصباح وحيداً‪.‬‬ ‫هنالك مدن جميلة كذكرى‪ ،‬قريبة كدمعة‪ ،‬موجعة‬ ‫كحسرة‪...‬‬ ‫هنالك مدن‪ .‬‬ ‫نسيت في جنون غيرتي‪ ،‬أنني لم أفعل شيئا ً غير ذلك‬ ‫ل كان‬ ‫معك‪ ،‬أنا الذي تنكّرت أيضا ً لسي الطاهر‪ ،‬لرج ٍ‬ ‫يوما ً قائدي‪ ،‬وكان يوما ً صديقي‪ .‬فهل سيخونني زياد؟‬ ‫سّريا ً لعم ٍ‬ ‫كنت قد بدأت أعتب عليه‪ ،‬وربما أحقد عليه مسبقاً‪.‬أم هو الذي ستكونين له بإرادتك؟‬ ‫هنالك مدن كالنساء‪ ،‬تهزمك أسماؤها مسبقاً‪ .‬‬ .‬‬ ‫من منا الكثر خيانة إذن؟‬ ‫هو الذي قد يضع أحلمه ورغباته حيّز التنفيذ‪ .‬تغريك‬ ‫وتربكك‪ ،‬تملك وتفرغك‪ ،‬وتجّردك ذاكرتها من كل‬ ‫مشاريعك‪ ،‬ليصبح الحب كل برنامجك‪.‬‬ ‫قلت ل ِ‬ ‫كان زياد يوما ً خليّتي السرية‪ ،‬أوراق انتمائي السرية‪.‫ك الكثير عن زياد‪ .‬ولم أقل لك الهم‪.....‬لتتجول وتنام‬ ‫وتقوم فيها‪ .‬لرجل أودعك عندي‬ ‫وصيّة ذات يوم ومات شهيداً‪.‬‬ ‫كان هزائمي وانتصاراتي‪ ،‬حججي وقناعاتي‪ ،‬كان عمراً‬ ‫ر آخر‪ .‬أم أنا‬ ‫الذي لم أن ّ‬ ‫فذها لنني لم أجد فرصة لذلك؟‬ ‫أنا الذي أنام وأصحو معك من شهور‪ ،‬وأغتصبك حتّى‬ ‫في غفوتي‪ .

‬مع عرائش العنب‪ .‬‬ ‫مع فساتين الفرح‪ ...‬مع قيثارة محمومة كجسدك‪ ..‬مع‬ ‫قصائد لوركا الذي تحبينه‪ .‬مع الجداول التي تعبر غرناطة‪ .‬مع‬ ‫المياه‪ .‬غرناطة؟‬ ‫كان حبّك يأتي مع المنازل البيضاء الواطئة‪ ،‬بسقوفها‬ ‫القرميدية الحمراء‪ ..‬مع ذاكرة العرب‪.‬وكان آخر عاشق عربي‬ ‫قبّلها!‬ ‫تراني كنت ذلك الملك الذي لم يعرف كيف يحافظ‬ ‫على عرشه؟‬ ‫تراني أضعتك بحماقة أبي عبد الله‪ ،‬وسأبكيك يوماً‬ ‫مثله؟‬ ‫كانت أمه قد قالت له يوما ً وغرناظة تسقط في غفلة‬ ‫مضاعاً‪ ،‬لم تحافظ عليه‬ ‫ملكا ً ُ‬ ‫منه‪" :‬ابك مثل النساء ُ‬ ...‬فهل كل‬ ‫المدن العربية أنت‪ .‬‬ ‫كان حبك يأتي مع العطور والصوات والوجوه‪ ،‬مع‬ ‫سمرة الندلسيات وشعرهن الحالك‪..‬تحملين طعما ً مميزا ً ل علقة له بالمياه‬ ‫القادمة من النابيب والحنفيات‪.‬مع الشمس‪ ..‬‬ ‫كنت أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضاً‪ ...‬كم تشبهك!‬ ‫فهل يمكن أن أنساك في مدينة اسمها‪ ...‬‬ ‫كان اسمه "أبا عبد الله"‪ ..‬وكل ذاكرة عربية أنت؟‬ ‫مر الزمان وأنت مازلت كمياه غرناطة‪ ،‬رقراقة‬ ‫الحنين‪ ..‬مع حزن أبي فراس‬ ‫الحمداني الذي أحبه‪..‫هنالك مدن‪ .‬مع أشجار‬ ‫الياسمين الثقيلة‪ .‬‬ ‫مر الزمن‪ ،‬وصوتك مازال يأتي كصدى نوافير المياه‬ ‫سحر‪ ،‬في ذاكرة القصور العربية المهجورة‪،‬‬ ‫وقت ال ّ‬ ‫عندما يفاجئ المساء غرناطة‪ ،‬وتفاجئ غرناطة نفسها‬ ‫عاشقة لملك عربي غادرها لتوه‪.

‬في بي ٍ‬ ‫طراز أندلسي‪..‬‬ ‫ي جنون كان أن تزيد المسافات من حبّك‪ ،‬وأن‬ ‫فأ ّ‬ ‫تأخذي ملمح تلك المدينة أيضاً‪ ..‬‬ ‫فهل حقا ً لم أحافظ عليك؟‪ .‬حاكم عربي واحد‪ ،‬لم يب ِ‬ ‫منذ أبي عبد الله مدينة ما؟‬ ‫فاسقطي قسنطينة‪ ...‬هذا ما لن أعرفه أبداً‪.‬‬ ‫م ْ‬ ‫على َ‬ ‫م الخجل؟‬ ‫فل ِ َ‬ ‫ك‬ ‫هل هناك ملك عربي واحد‪ .‬‬ ‫م ْ‬ ‫على َ‬ ‫ن‪ .‫مثل الرجال‪".‬وأنتما ذاكرتي وأحبّتي‪.‬‬ ...‬‬ ‫أسألك؟‬ ‫ن‪ .‬‬ ‫كتبت لك مرة‪:‬‬ ‫ت كجسدك‪ ،‬مرسوم على‬ ‫"أريد أن أحبك هنا‪ .‬‬ ‫بيتا ً تختفي وراء أقواسه ونقوشه واستداراته ذاكرتي‬ ‫الولى‪ .‬كنت أق ّ‬ ‫تفاصيل يومي وانطباعاتي في مدينة تشبهك حد‬ ‫الدهشة‪.‬هذا زمن السقوط السريع!‬ ‫هل سقطت حقا ً يومها‪ .‬وعلى من أُعلن الحرب‪.‬تظلّل حديقة شجرة ليمون كبيرة‪ ،‬كتلك التي‬ ‫يزرعها العرب في حدائق بيوتهم بالندلس‪.‬وأنت مدينتي وقلعتي‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫أريد أن أهرب بك من المدن المعلّبة‪ ،‬وأسكن حبّك بيتاً‬ ‫يشبهك في تعاريج أنوثتك العربية‪.‬وإذا بي كمجنون‬ ‫أجلس ك ّ‬ ‫ل ليلة لكتب لك رسائل كانت تولد من‬ ‫ص لك فيها‬ ‫دهشتي وشوقي وغيرتي عليك‪ ..‬‬ ‫ولكن أعرف فقط تاريخ سقوطك الخير‪ ،‬سقوطك‬ ‫النهائي الذي كنت شاهدا ً عليه بعد ذلك‪.

..‬لهاء النشوة‪ .....‬للف الكبرياء‪ ..‬أتعلم التحايل‬ ‫على هيبتها‪ ،‬أستسلم لغرائها السري‪ ،‬ليحاءاتها‪..‬‬ ‫أيتها الفاكهة المحّرمة‪ .‬وعندما‬ ‫تهجرنا نشعر بالبرد وباليتم دونها؟‬ .‬لحاء‬ ‫الحرقة‪ .‬ول خجل‪.‬للنقاط‬ ‫المبعثرة على جسدها خال أسمر‪.‬والحب على طريقتها‪ .‬‬ ‫كانت اللغة الفرنسية تستدرجني تلقائيا ً بحريتها للقول‬ ‫دون عقد‪ .‬لتاء النوثة‪ ..‬أمام ك ّ‬ ‫ل شجرة أمّر بها‪،‬‬ ‫أشتهيك‪".‬‬ ‫معك رحت أكتشف العربية من جديد‪ .‬رسائل انفجرت في ذهني فجأة‬ ‫بعد خمسين سنة من الصمت‪.‬‬ ‫كم من الرسائل كتبت لك‪ .‬هل يمكن لكاتبة أن تقاوم‬ ‫الكلمات؟ كنت أريد أن أطوقك بالحروف‪ ،‬أن أستعيدك‬ ‫بها‪ ،‬أن أدخل معكما حلقة الكلمات المغلقة في وجهي‬ ‫بتهمة الرسم فقط‪ ،‬فرحت أخترع من أجلك رسائل لم‬ ‫تكتب قبلك لمرأة‪ .‬‬ ‫أستنشق جسدك‪ ،‬كما أستنشق رائحة الليمون البلدي‬ ‫الخضر قبل أن ينضج‪..‫أريد أن أجلس إلى جوارك‪ ،‬كما أجلس هنا على حافة‬ ‫بركة ماء تسبح فيها سمكات حمراء‪ ،‬وأتأملك مدهوشاً‪..‬‬ ‫رحت أنحاز للحروف التي تشبهك‪ .‬‬ ‫لم أكن أجهد نفسي آنذاك في البحث عن الكلمات‪.‬قبلك كتبت لنساء عبرن حياتي‬ ‫أيام الشباب والمراهقة‪.‬‬ ‫هل اللغة أنثى أيضاً؟ امرأة ننحاز إليها دون غيرها‪،‬‬ ‫نتعلم البكاء والضحك‪ .‬‬ ‫تراني بدأت يومها أكتب كتابي هذا دون أن أدري‪ ،‬بعد‬ ‫أن انتقل عشقي لك إلى هذه اللغة التي كنت أكتب‬ ‫بها رسائل لول مرة‪ .

‬‬ ‫كان هناك شيء داخلي ينزف دون تو ّ‬ ‫قف‪ .‬على‬ ‫ولكنها ف ّ‬ ‫ّ‬ ‫قوافي بول إيلوار‪ .‬‬ ‫ضلت جنون دالي المجهول آنذاك‪ .‬ليستعيدها من دالي الذي خطفها منه‪..‬واللقاءات الجميلة أو المفيدة التي ت ّ‬ ‫لي أثناءه‪.‬‬ ‫الواقع أن الحب ل يكرر نفسه كل مرة‪ ،‬وأن الرسامين‬ ‫ل يهزمون الشعراء دائماً‪ ..‬أكان حقا ً سعيدا ً بعودتي؟)‪.‬‬ ‫جل‬ ‫أمدّني بالبريد الذي وصل أثناء غيابي وبورقة س ّ‬ .‬وأروع‬ ‫الشعار‪ .‫تراك قرأت تلك الرسائل؟‪ .‬‬ ‫فهل تفيد رسائل الحب عندما تأتي متأخرة عن الحب؟‬ ‫ألم يحب سلفادور دالي وبول إيلوار المرأة نفسها؟‬ ‫وعبثا ً راح بول إيلوار يكتب لها أجمل الرسائل‪ .‬حتى عندما يحاولون التنكّر‬ ‫في ثياب الكلمات‪.‬‬ ‫استقبلني زياد بشوق‪( .‬هل شعرت بعقدة يتمي‬ ‫وخوفي من مواسم الصقيع؟‬ ‫أأدهشتك أم تراها جاءت في غير وقتها؟‬ ‫كان ل بد أن أكتبها لك قبل أن يتسلل زياد إليك من‬ ‫كل المسام‪ ،‬ويصبح لغتك‪.‬وظلت حتى موتها منحازة لريشة‬ ‫دالي فقط الذي تزوجها أكثر من مرة بأكثر من‬ ‫طقس‪ ،‬ولم يرسم امرأة غيرها طوال حياته‪..‬عاطفة‬ ‫جديدة للغيرة والحقد الغامض الذي ل يفارقني‬ ‫ويذكّرني ك ّ‬ ‫ل لحظة أن شيئا ً ما يحدث هناك‪.‬‬ ‫***‬ ‫صة‬ ‫عندما عدت بعد ذلك إلى باريس‪ ،‬كان في الحلق غ ّ‬ ‫ي متعة نجاح‬ ‫لزمتني طوال تلك اليام‪ ،‬وأفسدت عل ّ‬ ‫مت‬ ‫ذلك المعرض‪ ..

‬أنت‬ ‫المرأة التي يحلم الرجال أن يحترقوا بها ولو وهماً؟‬ ‫ة ما‬ ‫ح ما‪ ،‬عن سعاد ٍ‬ ‫رحت أبحث في ملمح زياد عن فر ٍ‬ ‫أجد فيها الحجة القاطعة على أنك كنت له‪..‬عن سفرتي وأخباري‬ ‫العامة‪ ،‬ويحدثني عن آخر التطورات السياسية بشيء‬ ‫سرته بارتباكه لحظتها أمامي لسبب‬ ‫من القلق‪ ،‬الذي ف ّ‬ ‫أو لخر‪.‬إحساس غامض كان‬ ‫يؤكد لي ذلك‪ ،‬دون أن أجد في الواقع حجة تثبت لي‬ ‫شكوكي‪.‬‬ ‫أمسكتها دون أن ألقي عليها نظرة‪ .‬‬ ‫كنت أستمع إليه وأنا أتفقد بحواسي ذلك البيت كما‬ ‫في خرافة الغول الذي كان كلما عاد إلى بيته‪ ،‬راح‬ ‫مم الجواء بحثا ً عن إنسان قد يكون تسلّل إلى‬ ‫يتش ّ‬ ‫مغارته أثناء غيابه‪.‬‬ ‫فجأة حدثني عنك قال‪:‬‬ ‫ لقد طلبت منها أن تأتي غدا ً لنتناول معا ً غداءنا‬‫الخير‪.‬‬ ‫ثم راح يسألني عن المعرض‪ .‬‬ ‫كنت أشعر أنك مررت بهذا البيت‪ ..‬وكان زياد عاشقا ً مجوسيا ً يعبد‬ ‫كن ِ‬ ‫اللّهب!‬ ‫فهل كان يمكن أن يصمد طويل ً في وجه نيرانك‪ ..‬وأين يمكن أن تلتقيا في مكان غير‬ ‫هذا؟ وإذا التقيتما هل ستكتفيان بالحديث؟‬ ‫ت منجما ً للكبريت‪ .‫عليها أسماء الذين طلبوني هاتفيا ً خلل تلك اليام‪.‬‬ ‫ولكن هل تهم الح ّّ‬ ‫جة؟‪ ..‬كنت أدري أنني‬ ‫لن أجد اسمك فيها‪..‬‬ .‬هل يعقل أن تمر عشرة أيام‬ ‫دون أن تلتقيا‪ ...‬‬ ‫ولكن لم يبدُ على وجهه أي شعور خاص‪ ،‬غير القلق‪.

‫صحت بشيء من الدهشة‪:‬‬ ‫ لماذا الخير؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ لنني سأسافر الحد‪.‬ولكن‬ ‫كان يوم الحد يتربص بنا ويضعنا أخيرا ً وجها ً لوجه نحن‬ ‫الثلثة في ذلك الغداء الحاسم‪..‬‬ ‫حاولت أن أتحاشى الجلوس إليه ذلك المساء‪ .‬‬ ‫سرتها على‬ ‫يومها قابلتني بحرارة لم أتوقعها‪ ..‬‬‫ت الحياة الباريسية التي كان يخاف أن يتعود‬ ‫تراك أن ِ‬ ‫ب آخر أم أن‬ ‫عليها؟ تراه كان يهرب مرة أخرى من ح ٍ‬ ‫مهمته قد انتهت أخيرا ً فلم يعد أمامه غير الرحيل؟‬ ‫مر يوم السبت وسط مشاغل عودتي‪ ،‬وانشغال زياد‬ ‫بترتيب تفاصيل سفره‪.‬لم يكن مقررا ً أن أبقى هنا أكثر من‬ ‫أسبوعين‪ ..‬ف ّ‬ ‫طريقتي بأنها شعور بالذنب‪( ،‬أو ربما بالمتنان)‪ ..‬‬ ‫ثم أضاف بشيء من السخرية‪:‬‬ ‫ قبل أن أتعود على الحياة الباريسية‪.‬لقد قضيت شهرا ً كامل ً ول بدّ أن أعود‪.‬‬ .‬كنت أنتظر فقط عودتك‬‫لسافر‪ .‬‬‫ ولماذا الحد؟‬‫قلتها وأنا أشعر بشيء من الحزن والفرح معاً‪.‬‬ ‫أجاب زياد‪:‬‬ ‫ لنني يجب أن أعود‪ .‬ألم‬ ‫أقدم لك حبا ً على طبق من شعر على طاولة هي‪.

..‬‬ ..‬‬ ‫أهذا كل ما وجدت قوله بعد كل الزوابع التي مّرت بنا‪،‬‬ ‫وبعد عشرة أيام من الجحيم الذي عشته وحدي؟‬ ‫ذ في ذهني شهد لفيلم‬ ‫ل أدري كيف خطر عندئ ٍ‬ ‫شاهدته يوما ً عن حياة لوركا‪..‬‬ ‫صا ً إنشائياً‪.‫بيتي؟!‬ ‫ثم شكرتني على رسائلي‪ ،‬وأبديت إعجابك بأسلوبي‪..‬‬ ‫كنت على وشك أن أقول شيئا ً عندما واصلت‪:‬‬ ‫ تمنيت لو كنت معك هناك‪ .‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ أتدرين كيف مات لوركا؟‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫بالعدام‪.‬هل غرناطة جميلة حقاً‬‫إلى هذا الحد؟ وهل زرت حقا ً بيت غارسيا لوركا في‬ ‫(خوانتا فاكيروس)‪ ..‬‬ ‫وجدت في طريقتك في بدء الحديث معي من‬ ‫الهوامش‪ ،‬شيئا ً مثيرا ً للدهشة‪ ،‬وربما للتفكير أيضاً‪..‬أليس هذا اسم ضيعته كما قلت؟‬ ‫حدّثني عنه‪.‬‬ ‫وكأنك أستاذة قدم لها تلميذ ن ّ‬ ‫أزعجني شكرك العلني‪ ،‬وشعرت أنك حدّثت زياد عنها‬ ‫وربما أريته إياها أيضاً‪.‬وضعوه أمام سهل شاسع وقالوا له ام ِ‬‫يمشي عندما أطلقوا خلفه الرصاص‪ ،‬فسقط ميتا ً دون‬ ‫أن يفهم تماما ً ما الذي حدث له‪.‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ش‪ ..‬وكان‬ ‫ ل‪ .

‬‬ ‫تحول غداؤنا فجأة إلى وجبة صمت مربك تتخلله أحيانا‬ ‫ة نسائية‬ ‫ت بفطر ٍ‬ ‫ت تخترعينها أن ِ‬ ‫أحاديث مفتعلة‪ ،‬كن ِ‬ ‫لترطيب الجو‪ ..‬وربما للمراوغة‪ .‬ولم يعد‬ ‫هناك من أمل لترميمه‪.‬‬ ‫كنا نفهم بعضنا دون كثير من الكلم‪..‬وليس للحبة‪.‬فلم يكن لوركا يخاف الموت‪،‬‬ ‫كان يتو ّ‬ ‫قعه‪ ،‬ويذهب إليه مشيا ً على القدام كما نذهب‬ ‫د مع صديق‪ .‬‬ ‫ك بعدها‪:‬‬ ‫سألت ِ‬ ‫ هل ستأتين معي لنرافق زياد إلى المطار؟‬‫ت‪:‬‬ ‫أجب ِ‬ ‫ل‪ .‬وأكره مراسيم‬ ‫الوداع‪ .‬‬ .‬ولكن كان يكره فقط أن تأتيه‬ ‫لموع ٍ‬ ‫الرصاصة من الظهر!‬ ‫شعرت آنذاك أن زياد تلقي كلماتي كرصاصة في‬ ‫الصدر‪ ..‫إنه أحزن ما في موته‪ .‬فقد كان إيلمه‬ ‫ي أكثر من ألمك‪ .‬‬ ‫كان هناك شيء من البلّور قد انكسر بيننا‪ .‬رفع عينيه نحوي‪ ،‬أحسسته على وشك أن‬ ‫يقول شيئا ً ولكنه صمت‪.‬قد ألتقي بعمي‬‫هناك‪ ،‬إذ أنه يحدث أن يمر بمكتب الخطوط الجوية‬ ‫الجزائرية‪ .‬‬ ‫وربما كان أكثره أيضاً‪..‬الذين نحبهم ل نودعهم‪ ،‬لننا في الحقيقة ل‬ ‫نفارقهم‪ ..‬لقد خلق الوداع للغرباء‪ .‬‬ ‫ندمت بعدها على إيلمي المتعمد له‪ ..‬ولكن كان هذا أقل ما يمكن‬ ‫يعّز عل ّ‬ ‫أن أقوله له بعد كل ما عشته من عذاب بسببه‪.‬ولكن عبثاً‪.‬ثم إنني أكره المطارات‪ .‬ل يمكن أن أذهب إلى المطار‪ .

‬ولكنني كنت أثق بمنطق اليام‪ ..‫كانت تلك إحدى طلعاتك العجيبة المدهشة كقولك‬ ‫السابق مثل ً "نحن ل نكتب إهداءً سوى للغرباء وأما‬ ‫الذين نحبهم فهم جزء من الكتاب وليسوا في حاجة‬ ‫إلى توقيع في الصفحة الولى‪"..‬‬ ‫كانت عيناك تودّعان جسده قطعة قطعة‪ .‬‬ ‫ولماذا الوداع؟‬ ‫هل هناك من ضرورة لوداع آخر؟‬ ‫كنت أراك طوال وجبة الغداء تلتهمينه بنظراتك ول‬ ‫تأكلين شيا ً سواه‪.‬وجعلته يح ّ‬ ‫ما بعد السفر‪.‬لزمن لن يبقى لك فيه سوى الصور‪.‬ورغبة الكل‬ ‫ول نظراته الحزينة إلى أعماقه وإلى‬ ‫كذلك‪ ..‬تتو ّ‬ ‫قفان‬ ‫ل شيء فيه‪ ،‬وكأنك تختزنين منه صوراً‬ ‫طويل ً عند ك ّ‬ ‫عدة‪ .‬‬ .‬وأعتقد أنك في‬ ‫ي‪ ،‬لنه لن يكون هناك سواي‪.‬‬ ‫ق ّ‬ ‫وربما زاده رفضك مرافقتي إلى المطار توتراً‪ ..‬وربما جسدك‬ ‫أيضاً‪ .‬‬ ‫وكان هو يتحاشى نظراتك‪ ،‬ربما مراعاة لي‪ ،‬أو لن‬ ‫كلماتي الموجعة أفقدته رغبة الحب‪ .‬لفهم منك دون كثير من السئلة‪ ،‬إلى أ ّ‬ ‫كنت قادرة على محو تلك اليام من ذاكرتك‪ ،‬والعودة‬ ‫ي دون جروح أو خدوش‪.‬‬ ‫فرحت أراهن على المنطق وأنتظرك‪..‬وحنينك الول لبوة كنت أنا‬ ‫نسخة أخرى عنها‪..‬متش ّ‬ ‫صتكما العجيبة‪.‬فقد‬ ‫كنت أطمع في عودتك معي على انفراد لخلو أخيراً‬ ‫ي مدى‬ ‫بك‪ .‬‬ ‫النهاية ستعودين إل ّ‬ ‫ولنني ذاكرتك الولى‪ .‬‬ ‫وكنت أنا ل أقل حزنا ً عنكما‪ ،‬ولكن حزني كان فريداً‬ ‫عب السباب غامضا ً كموقفي من‬ ‫وفرديّا ً كخيبتي‪ .‬‬ ‫إل ّ‬ ‫كنت أدري أن قلبك قد أصبح منحازا ً إليه‪ .

‬منظر نهر السين‬ ‫الذي يط ّ‬ ‫ل عليه؟‬ ‫أن ترى كنت تحبين فقط زياد‪ ،‬وحضوره الذي كان‬ ‫يؤثث كل شيء‪ ...‬‬ ‫ولكن لبد أن أعترف أن سعادتي كانت تفوق حزني‪،‬‬ ‫وأنني كنت أشعر أنني أستعيدك وأنا أستعيد ذلك البيت‬ ‫الفارغ منه‪.‬‬ ‫لم يبق سوى تلك الحقيبة التي قد تشهد على مروره‬ ‫من هنا‪ ،‬والتي تركها أسفل الخزانة بعدما جمع فيها‬ ‫أوراقه وأشياءه‪ ،‬والتي رأيت في بقائها عندي مشروع‬ ‫عودة محتملة‪ ،‬قد تكونين أنت أحد أسبابها‪..‬‬ ‫ودت‬ ‫كنت سعيدا ً ولكن بمرارة غامضة‪ .‬ويجعل الشياء أحلى!‬ .‬‬ ‫كنت أشعر أن هذا البيت سيمتلئ أخيرا ً بحضورك‬ ‫بطريقة أو بأخرى‪ ،‬وأنني سأخلو فيه بك وأنا أخلو‬ ‫لنفسي‪..‬ألم تعترفي مرارا ً أنك تحبينه‪.‬‬ ‫ورحت أستعيد تدريجيا ً بيتي وعاداتي الولى قبله‪...‬‬ ‫سأعيدك إليه تدريجياً‪ .‬وفرغ البيت منه فجأة كما امتل به‪.‬‬ ‫رحل زياد‪ .‬‬ ‫تحبين طريقة ترتيبه‪ .‬تحبين ضوءه‪ .‬فقد كنت تع ّ‬ ‫على وجوده معي‪ ،‬وكنت أشعر بشيء من الوحدة‬ ‫المفاجئة وهو يتركني وحدي لموسم الشتاء؛ لتلك‬ ‫اليام الرمادية‪ ،‬والسهرات الطويلة المدهشة‪.‫رحل زياد‪.

.‬فإما أن يحب ويتخلى‬ ‫ذ عن كل شيء ليبقى مع من يحب‪ ،‬أو يرحل لن‬ ‫عندئ ٍ‬ ‫الذي ينتظره هناك أهم‪ .‬‬ ‫العقوبة عل ّ‬ ‫كان زياد يكره أنصاف الحلول في كل شيء‪.‬وعندها لن يكون من مبرر‬ ‫لتعذيب النفس بالشواق والذكرى‪.‬وكنت أشعر أحياناً‬ ‫أنك تطلبينني مجاملة فقط‪ ،‬أو عن ضجر‪ ،‬أو ربما بنية‬ ‫غير معلنة لمعرفة أخبار زياد‪.‬كنت أتوقع هاتفك‪ .‬‬ ‫كان هاتفك يأتي مرة كل أسبوع‪ ،‬ثم ك ّ‬ ‫ل أسبوعين‪ ،‬ثم‬ ‫نادراً‪ ،‬قبل أن ينقطع نهائياً‪.‫في البدء‪ .‬ولذا كان يكره‬ ‫ميه سابقا ً "أنصاف الملذات" أو‬ ‫أيضا ً ما كان يس ّ‬ ‫"أنصاف العقوبات"!‬ ‫كان رجل الختيارات الحاسمة‪ .‬‬ ..‬كنت أتمسك به‪ ،‬أستنجد‬ ‫به‪ ،‬ولكن صوتك كان ينسحب أيضا ً تدريجيا ً أمام‬ ‫دهشتي‪.‬‬ ‫كان يأتي شحيحا ً كقطرات الدواء‪ .‬‬ ‫كان متطرفا ً كأي رجل يحمل بندقية‪ .‬فرحت تطبّقين تلك‬ ‫ي أيضاً!‪.‬‬ ‫وكنت أنا أثناء ذلك‪ ،‬أتساءل "تراه كان يكتب إليك‬ ‫مباشرة بعنوان البيت‪ ،‬ولهذا لم تكوني في حاجة إلى‬ ‫أن تسأليني مرة عن أخباره؟‬ ‫أم أنه كعادته أخبرك مسبقا ً أنه لن يكتب إليك‪ ،‬وأن‬ ‫عليك مثله أن تتعلمي النسيان‪ .‬‬ ‫تساءلت طويل ً بعد ذلك‪ ،‬ماذا عساه اختار؟‬ ‫تراه تصّرف هذه المرة أيضا ً كما تصرف منذ سنوات‬ ‫في الجزائر مع تلك الفتاة التي كان على وشك الزواج‬ ‫منها‪.

.‫أم أنه تغيّر هذه المرة‪ ،‬ربما بحكم العمر‪ .‬‬ ‫لعلني وقتها بدأت أكتشف تدريجيا ً تلك العلقة‬ ‫الغامضة التي بدأت تربطك في ذاكرتي بذلك اللون‬ ‫البيض‪.‬وربما فقط‬ ‫لنك أنت‪ ،‬ولن الذي حدث بينكما لم يكن قصة عادية‬ ‫تحدث بين شخصين عاديين‪.‬منذ ذلك اليوم الذي رأيتك فيه‬ .‬والتأقلم معها‪.‬‬ ‫وكنت تراوغينني كعادتك‪ .‬‬ ‫كنت أحاول أحيانا ً استدراجك للحديث عنه‪ ،‬عساني‬ ‫أصل إلى نتيجة تساعدني على تحديد القواعد الجديدة‬ ‫للعبة‪ .‬‬ ‫تعودت أن أجمع حصيلة ما قلته لي‪ ،‬وأصنع منها حواراً‬ ‫لرسوم متتالية على ورق‪ ،‬أضع عليها أنا التعليقات‬ ‫المناسبة لحوار آخر وكلم لم نقله‪.‬‬ ‫والرمادي‪ ،‬بالقلق الذي يخيم على كل ما تقولينه‪.‬‬ ‫تعودت أن أكسو ما تقولينه لي بالبنفسجي‪ ،‬بالزرق‪.‬أو لعلني وقتها أيضاً‬ ‫بدأت دون أن أدري وبحدس غامض أخرج هذا اللون‬ ‫نهائيا ً من ألوان لوحاتي‪ ،‬وأحاول الستغناء عنه‪ ،‬في‬ ‫محاولة مجنونة للغائك‪.‬‬ ‫كان لونا ً متواطئا ً معك‪ .‬تمزجين بين الجد‬ ‫والمزاح‪ ،‬وبين الحقيقة والكذب‪ ،‬في محاولة للهروب‬ ‫من شيء ما‪..‬‬ ‫ون‬ ‫كان كلمك كذبا ً أبيض أستمع إليه بفرشاتي‪ ،‬وأل ّ‬ ‫جمله بألوان أكثر تناسبا ً مع كل ما أعرفه عنك‪..‬كان من الواضح أنك تحبّين‬ ‫أن أحدثك عنه‪ ،‬ولكن دون أن تبوحي لي بشيء‪..‬‬ ‫كنت تناقضين نفسك كل لحظة‪ .‬‬ ‫كنت امرأة تملك قدرة خارقة على استحضار ذلك‬ ‫اللون في كل أشكاله وأضداده‪ .‬‬ ‫لم يكن كلمك وحده كذبا ً أبيض‪.

‬‬ ‫ولكني كنت في الحقيقة أزداد توّرطا ً في حبك‪.‬غمزة مسبقة للقدر الذي‬ ‫ر باردة‪ ،‬أكثر من ثوب أبيض‪.‬كيف ل‬ ‫تعرف هذا؟!‬ ‫يومها كان ل بد أن أحزن‪ .‬‬ ‫وكنت أشعر آنذاك أنني ذلك الطائر المكابر الذي‬ ‫ينتسب إلى سللة الصقور والنسور التي ل يسهل‬ ‫اصطيادها‪ ،‬والتي عندما تُصطاد‪ ،‬تصبح شهامتها في أن‬ .‬فكل محاولة‬‫للخلص في هذه الحالت‪ ،‬ستجعل الرمال تسحبك أكثر‬ ‫نحو العمق‪ ..‬‬ ‫كان يُهيّأ لي معك على نا ٍ‬ ‫كان البيض لونا ً مثلك يدخل في تركيب ك ّ‬ ‫ل اللوان‬ ‫مر قبل أن‬ ‫وكل الشياء‪ .‬‬ ‫ت تز ّ‬ ‫فين لي احتمال موت كنت أراه‬ ‫وربما لنك كن ِ‬ ‫جميل ً بقدر ما هو حتمي‪.‬المهم أل تتحرك‪ ..‬‬ ‫تذكّرت مثل ً شعبيا ً رائعاً‪ ،‬لم أكن قد تنبّهت له من قبل"‬ ‫"الطير الحر ما ينحكمش‪ ،‬وإذا انحكم‪ .‬في لحظة يأس‪:‬‬ ‫أتدرين‪ .‬ولكنني ضحكت‪ .‫ف فوق‬ ‫طفلة تحبو بينما أثوابها الطفولية البيضاء تج ّ‬ ‫خشبات منصوبة فوق كانون‪ .‬‬ ‫ك الموجعة‪:‬‬ ‫أجبتني بسخريت ِ‬ ‫ قف حيث أنت‪ ...‬إنها النصيحة التي يوجهها أهل الصحراء‬ ‫لكل من يقع في بالوعة الرمال المتحركة‪ .‬فكم من الشياء يجب أن أد ّ‬ ‫أنتهي منه! وكم من اللوحات سألغي إن أنا قاطعته!‬ ‫كنت أحاول بكل الشكال (واللوان‪ ) ...‬ربما لنني‬ ‫أحب سخريتك الذكية حتى عندما تكون موجعة‪ ،‬فنحن‬ ‫قلما نلتقي بامرأة تعذّبنا بذكاء‪.‬ما يتخبّطش!"‪.‬حبك صحراء من الرمال المتحركة‪ ،‬لم أعد‬ ‫أدري أين أقف فيها‪..‬أن أنتهي منك‪...‬‬ ‫اعترفت لك مرة على الهاتف‪ .

‬‬ .‬وسط العاصير المتأخرة يأتي كتابك ليثير‬ ‫داخلي زوبعة من الحاسيس المتطّرفة والمتناقضة‬ ‫معاً‪..‬لم أكن أعرفه!‬‫أجبتك وسط تنهيدة‪:‬‬ ‫ لنك لم تعرفي الرجال‪ .‬‬ ‫كنت أجهل أن زوابعك ستعود كل مرة‪ ،‬وحتى بعد‬ ‫غيابك بسنوات لتغتالني‪..‬‬ ‫واليوم‪ ..‫تستسلم بكبرياء‪ ،‬دون أن تقاوم أو تتخبّط كما يفعل‬ ‫طائر صغير وقع في ف ّ‬ ‫خ‪.‬وتحّرضين القدر عل ّ‬ ‫قدم ّ‬ ‫لم أتحرك أنا‪.‬‬ ‫ي من‬ ‫كيف صدّقت يومها أنك كنت تخافين عل ّ‬ ‫العواصف والزوابع‪ .‬‬ ‫ي‪ .‬المهم أل تتحرك!"‪.‬ليس هذا زمنا ً للصقور ول‬‫جنة التي تنتظر في‬ ‫للنسور‪ .‬أنت التي‬ ‫أوقفتني هنا في مهب الجرح عدة سنوات‪ ،‬ورحت‬ ‫تنفخين حولي العواصف وتحركين أمواج الرمال تحت‬ ‫ي‪.‬والرمال المتحركة‪ .‬‬ ‫كنت اجهل أنك تبتلعينني بصمت‪ ،‬أنك تسحبين الرض‬ ‫من تحت قدمي وأنني أنزلق نحو العمق‪..‬‬ ‫ظللت واقفا ً بحماقة عند عتبات قلبك لسنوات عدة‪...‬وها أنا أذكره‬ ‫اليوم مصادفة‪ ،‬وأستعيد نصيحتك الخيرة‪:‬‬ ‫"قف حيث أنت‪ .‬‬ ‫ت دهشة‪:‬‬ ‫عندما أجبتك يومها بذلك المثل الشعبي‪ ،‬صح ِ‬ ‫ ما أجمله‪ .‬إنه زمن للطيور المد ّ‬ ‫الحدائق العمومية!‬ ‫ست سنوات مّرت على ذلك الحديث‪ ...

‬‬ ‫"منعطف النسيان" قل ِ‬ ‫من أين يأتي النسيان‪..‫ت‪.‬أسألك؟‬ ‫***‬ ‫مازلت أذكر ذلك اليوم من فبراير‪ ،‬عندما جاء صوت‬ ‫سي الشريف على الهاتف‪ ،‬ليدعوني إلى العشاء في‬ ‫منزله‪.‬فهمت‬ ‫منه فقط أنه دعا آخرين للعشاء‪ ،‬وأننا لن نكون‬ ‫بمفردنا‪..‬‬ ‫فوجئت بدعوته‪ ،‬ولم أسأله حتى عن مناسبتها‪ .‬‬ ‫خجلت من نفسي لنني منذ لقائنا الخير لم أطلبه‬ ‫ي أن‬ ‫سوى مرة واحدة بمناسبة العيد‪ ،‬برغم إلحاحه عل ّ‬ ‫أزوره ولو مرة في المكتب‪ ،‬لنأخذ قهوة معاً‪.‬‬ .‬‬ ‫فجأة‪ ،‬أخذت قرارا ً ربما كان أحمق‪.‬‬ ‫أعترف أنني كنت سعيدا ً ومرتبكا ً بفرحي‪.‬‬ ‫قررت أن آخذ إحدى لوحاتي لهديها إياه‪.‬‬ ‫ألم يهدني اليوم تلك الفرحة التي لم أعد أتوقعها؟‬ ‫سأثبت له دون كلم‪ ،‬أن لوحاتي ل تتداول إل بعملة‬ ‫القلب وليس بالعملت المشبوهة‪.

.‬إنها هدية لك‪"..‬‬ ‫ب بي بعناق‬ ‫استقبلني سي الشريف عند الباب‪ .‬تعيش!‬ ...‬حتى أنني لم أعد أذكر من اهتدى‬ ‫إلى بيتك أولً‪ :‬عيناي‪ .‬رح ّ‬ ‫حار‪ ،‬زادت حرارته رؤية تلك اللوحة الكبيرة التي كنت‬ ‫أحملها بصعوبة‪..‬تعيش آ حبيبي‪ .‬‬ ‫رأيت فجأة على وجهه فرحا ً وغبطة نادرة‪ .‬‬ ‫ثم صاح وهو يرى منظر تلك القنطرة معلّقة وسط‬ ‫الضباب إلى السماء‪:‬‬ ‫ هذي قنطرة الجبال!‬‫وقبل أن أقول شيئا ً عانقني وقال وهو يربت على‬ ‫كتفي‪:‬‬ ‫‪ -‬يعطيك الصحة‪ .‬وأنك كنت هنا تقودين وجهتي‬ ‫بعطرك فقط‪.‬‬ ‫كان القلب يركض بي‪ ،‬يسبقني في ذلك الحي الراقي‬ ‫بحثا ً عن تلك البناية‪ .‬وفي المصعد‪ .‬‬ ‫سأكون حاضرا ً في ذلك البيت الذي تسكنينه ولو معلّقاً‬ ‫على جدار‪..‬‬ ‫عندما دخلتها شعرت أن عطرك كان يتربص بي عند‬ ‫المدخل‪.‬تردد قبل أن يأخذها مني‪ ،‬لكنني استوقفته‬ ‫لقول له‪" :‬هذه لوحة مني‪ .‬وراح ينزع‬ ‫عنها الغلف على عجل‪ ،‬بفضول من ربح شيئا ً في‬ ‫اليانصيب‪.‬أم قلبي‪.‫بعد ذلك وجدت لهذه الفكرة حسنة أخرى‪..‬‬ ‫بدا لي في تلك اللحظة أنه لم يصدق تماما ً أن تكون‬ ‫هدية له‪ .‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬حملت لوحتي وذهبت إلى ذلك‬ ‫العشاء‪.

‫لم أتمالك نفسي من تقبيله بالحرارة نفسها‪ ،‬لنه‬ ‫أهداني شيئا ً ربما لم ينتبه لثمنه عندي‪.‬‬ ‫رافقني سي الشريف إلى الصالون وهو يمسك ذراعي‬ ‫بيد‪ ،‬ويمسك لوحتي باليد الخرى‪ .‬أو ربما على علقتنا وصداقتنا‬ ‫الوطيدة‪ ،‬التي كان شائعا ً عني أنني ل أجود بها في‬ ‫هذا الزمن المبتذل‪ ..‬‬ ‫ل أدري لماذا كنت دائما ً أملك الحاسة القوية التي‬ ‫تجعلني أتعّرف على هذا النوع من المخلوقات أينما‬ ‫كانوا‪ .‬أو "النبتات‬ ‫فكانوا ما أس ّ‬ ‫السيئة"‪ .‬وبذلك القاموس المشترك في‬ ‫الحديث الذي يوهمك أنهم أهم مما تتوقع‪..‬‬ ‫لم أكن أعرف منهم غير واحد أو اثنين‪ ،‬وأما البقية‬ ‫ميه النبتات الطفيلية‪ .‬والصفقات السرية‪.‬كما يسمي الفرنسيون تلك النبتة التي تنمو‬ ‫من اللشيء‪ ،‬في أي حوض أو أية تربة‪ ،‬وإذا بها تمد‬ ‫جذورها فجأة وتضاعف أوراقها وفروعها‪ ،‬حتى تطغى‬ ‫وحدها ذات يوم على كل التربة‪..‬فهم على اختلف أشكالهم وهيآتهم ومناصبهم‬ ‫يمتلكون مظهرا ً مشتركا ً يفضحهم‪ ،‬بذلك الزيف والرياء‬ ‫المفرط وبمظاهر الغنى والوجاهة الحديثة التي‬ ‫لبسوها على عجل‪ .‬واتجه بي نحو ذلك‬ ‫المجلس ليقدّمني إلى ضيوفه‪ ،‬كأنه يريد أن يشهد‬ ‫الجميع على امتنانه لي‪ .‬‬ ‫من الواضح أنني كنت في كوكب ليس كوكبي‪..‬إل على القلّة‪.‬‬ ‫لفظ أمامي عدة أسماء لعدة وجوه‪ ،‬صافحت أصحابها‬ ‫وأنا أتساءل من يكون معظمهم‪.‬‬ ‫نظرة خاطفة واحدة‪ ،‬وبعض الجمل المتبادلة فقط‪،‬‬ ‫كانت كافية لستنتج نوعية ذلك المجلس "الراقي"‬ ‫الذي يضم نخبة من وجهاء المهجر‪ ،‬الذين يحترفون‬ ‫الشعارات العلنية‪ ..‬‬ ‫راح سي الشريف يطلع ضيوفه على تلك اللوحة بشيء‬ .

.‬‬ ‫قال جاري النيق خلف سيجاره الكوبي‪:‬‬ ‫ لقد كنت دائما ً معجبا ً برسومك‪ .‬كان فيه شي من هيبة‬ ‫قسنطينة وحضورها‪ ،‬شيء من الجزائر العريقة‬ ‫وذاكرتها‪ ،‬شيء من سي الطاهر‪ ،‬من صوته وطلّته‪..‬ل تنس‬ ‫أنك صديق طفولتي وابن حيّي "كوشة الزيات"‪ .‬‬ ‫ترى أكان شعوري ذلك حدساً‪ ،‬أم استنتاجا ً منطقياً‬ ‫لذلك الواقع الموجع الذي كنت أراه محاطا ً به؟‬ ‫فهل سينجو سي الشريف من هذه العدوى؟ وماذا‬ ‫عساه أن يختار؟ في أية بحيرة سيسبح‪ .‫من الفخر والمودة معاً‪.‬‬ ‫أخاف عليه‪ ،‬وقد أخاف على ذلك السم الكبير الذي‬ ‫يحمله إرثا ً من سي الطاهر من التدنيس‪.‬وطلبت أن يتصلوا‬‫بك لتساهم في بعض مشاريعنا‪ ..‬ولكنني ل أذكر أنني‬ .‬‬ ‫كنت أشعر أنه محاط بالذباب وبقذارة المرحلة‪ ...‬لقد حققت لي اليوم أمنية عزيزة عل ّ‬ ‫كنت للذكرى أريد أن يكون في بيتي شيء لك‪ .‬ولكن حتى متى‪..‬‬ ‫ي ليقول لي‪:‬‬ ‫والتفت إل ّ‬ ‫ي‪.‬وكنت‬ ‫أخاف أن يتسلل إليه العفن حتى العمق ذات يوم‪..‬‬ ‫وث بعد برغم كل‬ ‫ي لم يل ّ‬ ‫وكان في أعماقه شيء نق ّ‬ ‫شيء‪ .‬‬ ‫_ أتدري خالد‪ .‬مع أي تيار‬ ‫وضد أي تيار‪ ...‬أتذكر‬ ‫ي؟‬ ‫ذلك الح ّ‬ ‫كنت أحب سي الشريف‪ .‬ول حياة للسماك الصغيرة المعزولة‬ ‫في هذه المياه العكرة التي تحكمها أسماك القرش؟‬ ‫ن سي‬ ‫كان الجواب أمامي ولم أنتبه في تلك السهرة‪ ،‬أ ّ‬ ‫الشريف قد اختار بحيرته العكرة وانتهى المر‪.

.‬‬ ‫ثم أضاف وكأنه تنبّه إلى شيء‪:‬‬ ‫ ‪ .‬ولكنك لم تزر الجزائر منذ عدة سنوات‪ ..‬المنشآت" وكل ما جاورها من معالم وطنية‬ ‫بُنيت حجرا ًً حجرا ً على العمولت والصفقات‪ ،‬وتناوب‬ ‫عليها السّراق كبارا ً وصغاراً‪ .....‬على مرأى من الشهداء‬ ‫الذين شاء لهم حظهم أن يكون مقامهم مقابلً‪ .‬صحيح أنك‬‫لم تَر بعد تلك المركّبات الثقافية والتجارية الجديدة‪ .‬‬ ‫ها هو إذن (سي‪ ).‬لتلك‬ ‫الخيانة‪...‬تراه ظاهرة ثقافية في عالم العسكر‪ .‬وحديثه الذي ل يتوقف عن‬ ‫مشاريعه القريبة والبعيدة‪ ،‬التي تمر جميعها بباريس‬ ‫وبأسماء أجنبية مشبوهة‪ ،‬تبدو مخجلة في فم ضابط‬ ‫سابق‪..‬فاحتفظت لنفسي بما سمعته عن‬ ‫تلك‪" .‬ولكن كان يكفي أن يتحدث عن‬ ‫نفسه بصيغة الجمع‪ ،‬لفهم أنه شخصية فوق العادة‪.‬ول عن أية‬ ‫مشاريع كان يحدثني‪ .‬ل‬ ‫بد أن تتعرف عليها‪...‫شاهدت لك أي لوحات عندنا‪..‬‬ ‫ها هو إذن‪ .‬يبدو طيبا ً و رجل ً شبه بسيط‪ ،‬لول‬ ‫بدلته النيقة جداً‪ .‬‬ ‫ولم أجبه‪.‬مولع بالفن‪ ،‬وهو مشرف على مشاريع‬‫كبرى ستغيّر الوجه الثقافي للجزائر‪..‬‬ ..‬‬ ‫كنت أراه يتدحرج أمامي من سلّم القيم‪ ،‬غباءً أو‬ ‫تواطؤا ً ل أدري‪ ..‬‬ ‫لم أكن أدري آنذاك من هو محدثي‪ ..‬‬ ‫وكأن سي الشريف تنبّه إلى أنني أجهل هوية محدّثي‬ ‫فتدخل موضحاً‪:‬‬ ‫ إن (سي‪ ).‬أم‬ ‫ظاهرة عسكرية في عالم الثقافة‪.

....‬وذوقه غير‬ ‫العسكري!‬ ..‬عن‬ ‫مشاريع سيتم معظمها عن طريق جهات أجنبية‪...‬نتحدث فيها بالفرنسية‪ ..‬فقط كان‬ ‫(سي‪ ).‬‬ ‫كانت سهرة في فرنسا‪ .‬‬ ‫وكان يمكن أن أكون سعيدا ً ذلك المساء‪ ..‬‬ ‫ولكن الوطن كان غائبا ً من تلك السهرة‪ .‬ناب عنه‬ ‫جرحه‪ ،‬ووجهه الجديد المشوه‪..‬‬ ‫بل ربما كنت النجم الثاني في تلك السهرة مع‬ ‫(سي‪ ).‬‬ ‫جل في فتح شهيتنا لكثر‬ ‫إن المال السريع الكسب‪ ،‬يع ّ‬ ‫من ملذّات‪.‬فهل حصلنا على استقللنا حقاً؟!‬ ‫انتهت تلك السهرة في حدود منتصف الليل‪ .‬متعبا ً وله ارتباطات ومواعيد صباحية‪ .‬وربما‬ ‫ليلية أيضاً‪.‬‬ ‫وكنت أتساءل طوال تلك السهرة‪ ،‬ماذا كنت أفعل‬ ‫وسط ذلك المجلس العجيب؟‬ ‫كنت أتوقع أن تكون تلك الدعوة‪ ،‬أو على القل موعداً‬ ‫نادرا ً لي مع الوطن‪ ،‬أستعيد فيه مع سي الشريف‬ ‫ذكرياتنا البعيدة‪..‫أم أن "الزواج المنافي للطبيعة" أصبح رمزا ً طبيعيا ً مذ‬ ‫شاع وباؤه "رسمياً" في أكثر من قيادة أركان عربية!‬ ‫كان الجميع يتملقونه‪ ،‬ويجاملونه‪ ،‬عساهم يلحسون‬ ‫شيئا ً من ذلك العسل الذي كان يتدفق بين يديه نهراً‬ ‫من العملة الصعبة‪ ،‬في زمن القحط والجفاف‪..‬‬ ‫بتمويل من الجزائر‪ .‬لقد كنت في‬ ‫الواقع مح ّ‬ ‫ط اهتمام الجميع لسباب لم أشأ التعمق‬ ‫فيها‪.‬الذي فهمت أن الدعوة كانت على شرفه‪،‬‬ ‫وأنني دعيت لها‪ ،‬لنه كان يحب أن يكون محاطا ً في‬ ‫سهراته بالفنانين دليل ً على ولعه بالبداع‪ .

‬توقعتك أنت‪،‬‬ ‫وكانت كاترين‪ .‬وأجمل الماني لك‪.....‬اليوم عيد (السان فالنتان) القديس الذي يبارك‬‫العشاق‪..‬‬ ‫كدت أقول لها أطلب شيئا ً من النسيان فقط‪ .‬‬‫وقبل أن أسأل عن المناسبة أضافت‪:‬‬ ‫ ‪ .‬‬ ‫في صباح اليوم التالي‪ ،‬دقّ الهاتف‪ .‫والواقع أنه كان لطيفا ً ومجاملً‪ ...‬وأنه حدثني يومها‬ ‫عن آرائه الفنية في مجالت مختلفة‪ ،‬وحبه لبعض‬ ‫الرسامين الجزائريين بالذات‪ .‬قالت‪:‬‬ ‫ قبلت صباحية‪ .‬عن عالمك‪.‬ولكنني‬ ‫قلت شيئا ً مشابها ً لذلك‪:‬‬ .‬فالدعوات تستجاب اليوم!‬‫ضحكت‪.‬ماذا تريد‬ ‫أن أتمنى لك في عيد الحب؟‬ ‫وأمام دهشتي‪ .‬أو تردّدي أضافت بلهجة ساخرة أحبها‪:‬‬ ‫ اطلب أيها الحمق‪ ..‬‬ ‫فكّرت أن أطلبك بدل أن أبعث إليك بطاقة‪ .‬‬ ‫ولكنني كنت حزينا ً بما فيه الكفاية بعد ذلك لكون على‬ ‫حافة البكاء‪ ،‬وأنا أنفرد بنفسي ذلك المساء في‬ ‫سريري‪ ،‬وأتساءل أي حماقة أوصلتني إلى ذلك البيت؟‬ ‫بيت كنت أتوقعه بيتك‪ ،‬وإذا بي أدخله وأغادره دون أن‬ ‫ألمح حتى طرف ثوبك‪ ،‬وهو يعبر ذلك الممر الذي كان‬ ‫يفصلني‪ .‬‬ ‫ضحكت من مزاحه‪....‬بل وقال مازحاً‪ ،‬إنه‬ ‫يحسد سي الشريف على تلك اللوحة‪ ،‬وأنني إذا كنت‬ ‫آخذ معي لوحة حيث أذهب‪ ،‬فسيدعوني إلى بيته عند‬ ‫زيارتي للجزائر‪.

.‬‬ ‫جاء عيد الحب إذن‪..‬‬ ‫قديس واحد يصلح للنسيان؟‬ ‫مادام الفراق هو الوجه الخر للحب‪ ،‬والخيبة هي الوجه‬ ‫الخر للعشق‪ ،‬لماذا ل يكون هناك عيد للنسيان يضرب‬ ‫سعاة البريد عن العمل‪ ،‬وتتوقف فيه الخطوط‬ ‫فيه ُ‬ .‬‬ ‫كنت أكتشف لول مرة ألم ذلك العيد الذي لم أكن‬ ‫سمعت به من قبل‪.‬‬ ‫للحب عيد إذن‪ ..‬‬ ‫فيا عيدي وفجيعتي‪ ،‬وحبي وكراهيتي‪ ،‬ونسياني‬ ‫ل عيد وأنت ك ّ‬ ‫وذاكرتي‪ ،‬ك ّ‬ ‫ل هذا‪.‬هل أتعبك موعدنا الخير إلى هذا‬ ‫الحد؟‬ ‫يومها ضحكت مع كاترين‪ ...‬أتمنى أل يسمعك فيحرمك من‬‫بركاته إلى البد‪ ..‬‬ ‫لم يأت هاتفك حتى ليشكرني على تلك اللوحة‪ ،‬أو‬ ‫حتى على تلك الزيارة‪ ،‬وذلك الموعد المتعمد الذي‬ ‫حضرته وتغيّبت عنه‪.‬يحتفل به المحبّون والع ّ‬ ‫شاق‪،‬‬ ‫ويتبادلون فيه البطاقات والشواق‪ ،‬فأين عيد النسيان‬ ‫سيّدتي؟‬ ‫هم الذين أعدّوا لنا مسبقا ً تقويما ً بأعياد السنة‪ ،‬في‬ ‫بلد يحتفل ك ّ‬ ‫ل يوم بقديس جديد على مدار السنة‪..‬ثم وضعت تلك السماعة‬ ‫لبكي معك‪.‬‬ ‫أليس بين قدّيسيهم الثلثمائة والخمسة والستين‪.‬أيمكنك أن‬‫تبلّغي قديسك طلبي هذا!‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ با لك من مجنون‪ .‫ أريد أن أحال إلى التقاعد العاطفي‪ ..

‬وإذا بيدي تصطدم بشعيراتها‬ ‫القصيرة الشقراء‪ ،‬فأفقد فجأة شهيّة حبّي وأنا أتذكر‬ .‬‬ ‫ب‪.‬بشيء من الح ّ‬ ‫تراني بدأت أكرهك يومها؟‬ ‫ومتى ولدت داخلي تلك العاطفة بالتحديد‪ ،‬وراحت تنمو‬ ‫بسرعة مدهشة‪ ،‬وأصبحت تجاور الحب بعنفه؟‬ ‫ترى إثر خيباتي المتكررة معك‪ ،‬بعد كل تلك العياد‬ ‫التي أخلفتها مرورا ً بذكرى لقائنا‪ ،‬أم بسبب ذلك التوتر‬ ‫الغامض الذي كان يسكنني‪ ،‬ذلك الجوع الدائم إليك‪،‬‬ ‫الذي كان يجعلني ل أشتهي امرأة سواك‪...‬ونك ّ‬ ‫منذ قرنين كتب "فيكتور هوغو" لحبيبته جوليات دروي‬ ‫يقول‪" :‬كم هو الحب عقيم‪ ،‬إنه ل يكف عن تكرار كلمة‬ ‫واحدة "أحبك" وكم هو خصب ل ينضب‪ :‬هنالك ألف‬ ‫طريقة يمكنه أن يقول بها الكلمة نفسها"‪.‬‬ ‫ت شهوته‬ ‫عبثا ً كنت أقدّم له امرأة أخرى غيرك‪ ..‬كن ِ‬ ‫الفريدة‪ .‬‬ ‫عبة اللف‪ ،‬وأعشقك‬ ‫دعيني أسلك إليك الطرق المتش ّ‬ ‫بالعواطف المتناقضة اللف‪ ،‬وأنساك وأذكرك‪ ،‬بتطّرف‬ ‫النسيان والذاكرة‪...‬‬ ‫دعيني أدهشك في عيد الحب‪ .‬‬ ‫بتناقض العشق والكراهية‪..‬‬ ‫ب أمرر يدي‬ ‫الكثر إيلما ً ربما‪ ،‬عندما كنت في لحظة ح ّ‬ ‫على شعر كاترين‪ .‬‬ ‫وأخضع لك وأتبرأ منك‪ ،‬بتطّرف الحرية والعبودية‪.‬أكرهك‪ ..‬ومطلبه الوحيد‪.‬‬ ‫دعيني في عيد الحب‪ .‬وأجّرب معك ألف‬ ‫طريقة لقول الكلمة الواحدة نفسها في الحب‪.‫ث الغاني‬ ‫الهاتفية‪ ،‬وتُمنع فيه الذاعات من ب ّ‬ ‫ف فيه عن كتابة شعر الحب!‬ ‫العاطفية‪ ..‬‬ ‫كنت أريدك أنت ل غير‪ ،‬وعبثا ً كنت أتحايل على جسدي‪.

‬أو منطق الكبرياء الرجالي‪ .‬‬ ‫كان نحولها يذكّرني بامتلئك‪ ،‬وخطوط جسدها‬ ‫المستقيمة المسطّحة تذكرني بتعاريجك وتضاريس‬ ‫جسدك‪.‬‬ ‫يوم اكتشفت وأنا أذرف دمعة رجالية مكابرة‪ :‬أنه يحدث‬ ‫للرجولة أيضا ً أن تنكّس أعلمها‪ ،‬وترفض حتى لعبة‬ ‫المجاملة‪ .‬‬ ‫وكان عطرك يأتي بغيابه حتى حواسي ليلغي عطرها‪،‬‬ ‫ل يتصرف بحواسه الولى‪ ،‬أن ذلك‬ ‫ويذكّرني كطف ٍ‬ ‫العطر لم يكن العطر السري لمي!‬ ‫كنت تتسللين إلى جسدي ك ّ‬ ‫ل صباح وتطردينها من‬ ‫سريري‪.‬‬ ‫قنبلة موقوتة‪ ،‬ورغبة ليلية مؤ ّ‬ ‫هل تستيقظ الرجولة باكرا ً حقاً‪ ،‬أم الشوق هو الذي ل‬ ‫ينام؟‬ ‫أجيبيني أيتها النثى التي تنام ملء جفونها كل ليلة‪.‬‬ ‫يوقظني ألمك السري‪ ،‬وشهوتك المتراكمة في الجسد‬ ‫جلة يوما ً بعد آخر‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وحدهم الرجال ل ينامون؟‬ ‫أ َ‬ ‫ولماذا يرتبك الجسد‪ ،‬وأكاد أجهش على صدر غيرك‬ ‫بالبكاء‪ ،‬أكاد أعترف لها أنني عاشق امرأة أخرى‪ ،‬وأنني‬ ‫عاجز أمامها لن رجولتي لم تعد ملكي‪ ،‬وإنما تتلقى‬ ‫أوامرها منك فقط!‬ ‫متى بدأت أكرهك!‬ ‫ترى في ذلك اليوم الذي لبست فيه كاترين ثيابها‪،‬‬ ‫مدّعية بمجاملة كاذبة موعدا ً ما لتتركني وحدي في ذلك‬ ‫السرير الذي لم يعد يشبع نهمها‪..‫شعرك الغجري الطويل الحالك‪ ،‬الذي كان يمكن أن‬ ‫يفرش بمفرده سريري‪..‬وأننا في‬ ..

‬‬ ‫تع ّ‬ ‫كان في مظهرك شيء ما يوهم بتحررك من كل‬ ..‬أنا الذي لم أبك حتى يوم‬ ‫بترت ذراعي‪ ،‬كان يمكن أن أبكي يومها وأنت تسرقين‬ ‫منّي آخر ما أملك‪..‬‬‫في التواصل مع الوطن‪ .‬‬ ‫يومها أضفت بسذاجة عاشق‪:‬‬ ‫ت مؤمنة؟‬ ‫ وهل أن ِ‬‫ت‪:‬‬ ‫صح ِ‬ ‫ طبعاً‪ ..‬وح ّ‬ ‫أذكر أنني لعنتك‪ ...‬‬ ‫تسرقين رجولتي!‬ ‫ذات يوم سألتك "هل تحبينني؟‪.‬وفرائضه‬‫ وهل تصومين؟‬‫ طبعا ً أصوم‪ .‬وحقدت عليك آنذاك‪ ،‬وشعرت بشيء‬ ‫من المرارة المجاورة للبكاء‪ ..‬ومع الذاكرة‪..‫النهاية لسنا أسياد أجسادنا كما نعتقد‪.‬‬ ‫جبت لكلمك‪ ..‬أنا أمارس كل شعائر السلم‪ .‬ل أدري لماذا لم أكن أتو ّ‬ ‫قعك هكذا‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ ل أدري‪ .‬إنها طريقتي في تحدّي هذه المدينة‪..‬حبك يزيد وينقص كاليمان!‬‫يمكن أن أقول اليوم‪ ،‬إن حقدي عليك كان يزيد‬ ‫وينقص أيضا ً كإيمانك‪."...‬‬ ‫يومها تساءلت بشيء من السخرية المرة‪ ،‬إن كان ذلك‬ ‫القديس (السان فالنتان) قد استجاب لدعوتي بهذه‬ ‫ولني حقا ً إلى عاشق متقاعد!‬ ‫السرعة‪ .

‬‬ ‫كان يصالحني مع الوطن‪ ،‬ويحّرضني ضد هذه المدينة‬ ‫التي تسرق منّي ك ّ‬ ‫ل يوم مساحة صغيرة من اليمان‪.‬‬ ‫أما الذين يبدو عليهم فائض من اليمان‪ ،‬فهم غالبا ً ما‬ ‫يكونون قد أفرغوا أنفسهم من الداخل ليعرضوا كل‬ ‫إيمانهم في الواجهة‪ ،‬لسباب ل علقة لها بالله!‬ ‫ما كان أجمل كلمك يومها!‬ ‫كان يأتي ليقلب ثنايا الذاكرة‪ ،‬ويوقظ داخلي صوت‬ ‫المآذن في صباحات قسنطينة‪.‬فأعود إلى‬ ‫الحصير نفسه أجلس عليه بالرتباك الطفولي نفسه‪،‬‬ ‫أردّد مع أولد آخرين تلك اليات التي لم نكن نفهمها‬ ‫بعد‪ ،‬ولكننا كنّا ننسخها على ذلك اللوح ونحفظها كيف‬ ‫ما كان‪ ،‬خوفا ً من "الفالقة"‪ .‬اليمان‬ ‫كالحب عاطفة سرية نعيشها وحدنا في خلوتنا الدائمة‬ ‫إلى أنفسنا‪ .‬وتلك العصا الطويلة التي‬ ‫كانت تتربص بأقدامنا لتدميها عند أول غلطة‪.‬‬ ‫قناعاتنا قضية ل تخ ّ‬ ‫ل تصدق المظاهر أبدا ً في هذه القضايا‪ .‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫عندما أبديت لك دهشتي قل ِ‬ ‫مي الدين رواسب‪ ،‬إنه قناعة؛ وهو ككل‬ ‫ كيف تس ّ‬‫ص سوانا‪.‬‬ ‫كان يأتي مع الصلوات‪ ،‬مع التراتيل‪ ،‬مع صوت‬ ‫(المؤدّب) في كتاتيب قسنطينة القديمة‪ .‬‬ .‬إنها طمأنينتنا السرية‪ ،‬درعنا السرية‪.‫الرواسب‪.‬‬ ‫وهروبنا السري إلى العمق لتجديد بطرياتنا عند‬ ‫الحاجة‪..‬‬ ‫كان يأتي ليصالحني مع الله‪ ،‬أنا الذي لم أصم من‬ ‫سنين‪...‬‬ ‫ومن الذاكرة‪.

.‬‬ ‫أن أر ّ‬ ‫كنت أريد أن أستعيد سلطتي على حواسي التي‬ ‫تسللت إليها‪ ،‬وأصبحت تتلقي أوامرها منك وحدك‪.‬‬ ‫كنت أقع في ف ّ‬ ‫خ آخر لحبك‪ ..‫ت يومها المرأة التي أيقظت ملئكتي وشياطيني‬ ‫كن ِ‬ ‫في الوقت نفسه‪.‬‬ ‫رحت أحاول أن أنساك وأنسى قطيعتك‪ .‬‬ ‫كم من اليام قضيتها في تلك الغيبوبة الدينية‪ .‬وقيمه‬ ‫التي أعلنت عليها الحرب‪.‬دون رحمة!‬ ‫***‬ ‫في ذلك العام‪ .‬‬ .‬‬ ‫أعترف أنني نجحت في ذلك بعض الشيء ولكنني لم‬ ‫أنجح في نسيانك أبداً‪.‬‬ ‫كنت أريد أن أعيد لذلك الرجل الذي كان يوما ً أنا‪،‬‬ ‫مكانته الولى قبلك‪ .‬‬ ‫ولتني إلى ساحة يتصارع‬ ‫ي بعدما ح ّ‬ ‫ثم راحت تتفرج عل ّ‬ ‫الخير والشر فيها‪ .‬وأنسى حتى‬ ‫وجودك معي في المدينة نفسها‪...‬‬ ‫قلت سأحتمي من سهامك باليمان إذن‪...‬بين‬ ‫الرهبة والذهول‪ .‬وأنا أكتشف أنني كنت‬ ‫أثناء ذلك أعيش بتوقيتك ل غير‪..‬حرمته‪ ..‬مبادئه‪ .‬أحاول بترويض جسدي على الجوع‬ ‫وضه على الحرمان منك أيضاً‪.‬‬ ‫قررت أن أصوم وقتها ربما بتأثير كلمك‪ ،‬وربما أيضا‬ ‫للهروب منك إلى الله‪ .‬كان النصر للملئكة‪.‬هيبته‪ .‬أما قلت "العبادة درعنا‬ ‫السرية"‪.

‬‬ ‫كنت في النهاية كالوطن‪ .‬‬ ‫أما أول ذكرى مؤلمة ارتبطت بهذا الشهر فكانت تعود‬ ‫إلى سجن (الكدية) الذي دخلته يوما ً في قسنطينة مع‬ ‫مت‬ ‫مئات المساجين إثر مظاهرات ماي ‪ 1945‬حيث ت ّ‬ ‫محاكمتنا في بداية حزيران أمام محكمة عسكرية‪.‬ل غير‪.‬‬ ‫الرمضانية‪ ،‬وأتس ّ‬ ‫حد معك في ك ّ‬ ‫ل شي دون‬ ‫لم أكن أفعل شيئا ً سوى التو ّ‬ ‫علمي‪.‬‬ ‫فقد كان في ذاكرتي ما عدا حزيران ‪ ،67‬ذكريات‬ ‫موجعة أخرى ارتبطت بهذا الشهر‪ ،‬آخرها حزيران ‪71‬‬ ‫الذي قضيت بعضه في سجن للتحقيق والتأديب‪،‬‬ ‫يستضاف فيه بعض الذين لم يبتلعوا ألسنتهم بعد‪.‬وأصوم وأفطر‬ ‫معك‪.‫كنت أجلس إلى طاولة الفطار معك‪ .‬ذلك الشهر الذي كنت‬ ‫أملك أكثر من مبرر للتشاؤم منه‪.‬وها أنا أنزل من طوابق سم ّ‬ ‫وأتدحرج فجأة نحو حزيران‪ ..‬‬ ‫حر وأمسك عن الكل معك‪ ،‬أتناول نفس أطباقك‬ ‫أتس ّ‬ ‫حر بك‪ ..‬‬ ‫مثله كان حبك حاضرا ً بإيمانه وبفكره‪.‬‬ ‫ي حزيران كان الكثر ظلماً‪ ،‬وأية تجربة كانت الكثر‬ ‫أ ّ‬ ‫ألماً؟‬ .‬كان ك ّ‬ ‫ل شيء يؤدي إليك‬ ‫إذن‪.‬‬ ‫فهل العبادة تواصل أيضاً؟‬ ‫***‬ ‫وي العابر‪،‬‬ ‫انتهى رمضان‪ ..‬‬ ‫مثله كان حبّك متواصل ً حتى بصدّه وبصمته‪.

‬‬ ‫كانت تلك عبثيّة الحياة‪ ،‬التي يكفي لمصادفة رفيعة‬ ‫كشعرة أن تأتيك بالسعادة والحب والح ّ‬ ‫ظ الذي لم تكن‬ ‫تتو ّ‬ ‫قعه‪.‬وحتى من‬ ‫ج بي في زنزانة (فردية هذه‬ ‫ساعتي وأشيائي‪ ،‬ليز ّ‬ ‫المرة) زنزانة أدخلها باسم الثورة هذه المّرة‪.‫أصبحت أتحاشى طرح هذه السئلة‪ ،‬منذ اليوم الذي‬ ‫أوصلتني أجوبتي إلى جمع حقائبي ومغادرة الوطن‪.‬شرف‬ ‫ليس في متناول حتى كبار المجرمين عندنا‪.‬‬ ‫تراني في ذلك العام تحّرشت بالقدر أكثر‪ ،‬ليردّ على‬ ‫تشاؤمي بكل تلك الفجائع المذهلة التي حلّت بي في‬ ‫شهر واحد؟‬ ‫أم فقط‪ ،‬كان ذلك هو قانون الفجائع والكوارث التي ل‬ ‫جي تيجبها شعرة‪ .‬‬ ‫هل توقعت يوم كنت شابا ً بحماسه وعنفوانه وتطرف‬ ‫أحلمه أنه سيأتي بعد ربع قرن‪ ،‬يوم عجيب كهذا‪،‬‬ ‫يجّردني فيه جزائري مثلي من ثيابي‪ .‬‬ ‫الوطن الذي أصبح سجنا ً ل عنوان معروفا ً لزنزانته؛ ل‬ ‫اسم رسميا ً لسجنه؛ ول تهمة واضحة لمساجينه‪ ،‬والذي‬ ‫أصبحت أُقاد إليه فجراً‪ ،‬معصوب العينين محاطاً‬ ‫بمجهولين‪ ،‬يقودانني إلى وجهة مجهولة أيضاً‪ ..‬‬ ‫الثورة التي سبق أن جّردتني من ذراعي!‬ ‫أكثر من سبب وأكثر من ذكرى كانت تجعلني أتطيّر من‬ ‫ذلك الشهر الذي قضم الكثير من سعادتي على مّر‬ ‫السنوات‪.‬عندما تنقطع تلك الشعرة الرفيعة‪ ،‬فهي تكسر‬ ‫ل السلسل التي كنت مشدودا ً إليها‪ ،‬معتقداً‬ ‫معها ك ّ‬ ‫أنها أقوى من أن تكسرها شعرة!‬ ..‬وكي‬ ‫تأتي سوى دفعة واحدة "كي ت ِ‬ ‫تروح تقطّع السلسل"‪.‬‬ ‫ولكن‪ ...

‬‬ ‫أذكر أن خبرا ً صغيرا ً انفرد بي وقتها وغطّى على بقية‬ .‬فقد‬ ‫جاء اجتياح إسرائيل المفاجئ لبيروت في ذلك الصيف‪،‬‬ ‫وإقامتها في عاصمة عربية لعدة أسابيع‪ ...‬‬ ‫كنت أجهل حين ذاك المادة الولى في قانون الحياة‪:‬‬ ‫"إن مصير النسان إنما هو خلصة تسلسلت حمقاء‪..‬‬ ‫ت سنوات‪ ،‬تعود‬ ‫تلك الشعرة التي ها هي ذي وبعد س ّ‬ ‫ي‪،‬‬ ‫اليوم لتكسر آخر أعمدة بيتي‪ ،‬وتهدّ السقف عل ّ‬ ‫بعدما اعتقدت أنني في حزيران ‪ 82‬دفعت ما يكفي‬ ‫من الضريبة لينساني القدر بعض الوقت‪ ،‬بعدما لم يبق‬ ‫شيء واحد قائم في حياتي‪ ،‬يمكن أن أخاف عليه من‬ ‫السقوط‪.‬‬ ‫***‬ ‫كان لبداية صيف ‪ 82‬طعم المرارة الغامضة‪ ،‬ومذاق‬ ‫اليأس القاتل‪ ،‬عندما يجمع بين الخيبات الذاتية القومية‬ ‫مّرة واحدة‪.‫قبلها لم أنتبه إلى أن لقاءك ذات يوم‪ ،‬بعد ربع قرن‬ ‫من النسيان‪ ،‬كان تلك المصادفة الرفيعة كشعرة التي‬ ‫عندما جاءت جرت معها سعادة العالم بأكمله‪ ،‬وعندما‬ ‫رحلت قطعت كل سلسل الحلم‪ ،‬وسحبت من تحتي‬ ‫سجاد المان‪.‬‬ ‫ل غير"‪.‬‬ ‫وكنت أعيش بين خبريْن‪ :‬خبر صمتك المتواصل‪ ،‬وخبر‬ ‫الفجائع العربية‪.‬على مرأى‬ ‫من أكثر من حاكم‪ .‬جاء ينزل‬ ‫بي عدّة طوابق في سلّم اليأس‪.‬وأكثر من مليون عربي‪ ...‬‬ ‫كان قدري يتربّص بي هذه المرة من طريق آخر‪ .

‬فقد مات الشاعر اللبناني خليل حاوي منتحراً‬ ‫بطلقات ناريّة‪ ،‬احتجاجا ً على اجتياح إسرائيل للجنوب‬ ‫الذي كان جنوبه وحده‪ ،‬والذي رفض أن يتقاسم هواءه‬ ‫مع إسرائيل‪.‬ول يجد‬ ‫فعندما ل يجد شاعر شيئا ً يحت ّ‬ ‫ورقا ً يكتب عليه سوى جسده‪ .‬هناك أيضا ً من يموتون بين‬ ‫ن! " فل أملك إل أن أجيبه‪" :‬يا لعناد الشعراء‪.‬‬ ‫كان قديما ً يقول‪" :‬الشعراء فراشات تموت في‬ ‫الصيف"‪ ..‬‬ ‫عاد زياد إلى الذاكرة‪ .‬‬ ‫ذهب قلبي طوال تلك اليام عند زياد‪.‬‬ ‫صيفي ْ‬ ‫وحماقتهم!"‪..‬في أية جبهة‪ ..‬‬ ‫كان لموت ذلك الرجل الذي لم أكن قد سمعت به من‬ ‫قبل‪ ،‬ألم مميّز فريد المرارة‪.‬في أي شارع‪ ،‬وكل‬ ..‬ورحت أتساءل فجأة أين يمكن‬ ‫أن يكون في هذه اليام؟‬ ‫في أية مدينة‪ .‬‬ ‫تراه قالها يومها من وحي أحد عناوين ميشيما‪:‬‬ ‫"الموت في الصيف"‪ ،‬أم أنها فكرة مسبقة مادام‬ ‫يدافع عنها بسرد قائمة بأسماء الشعراء الذين اختاروا‬ ‫هذا الموسم ليرحلوا؟‬ ‫كنت أستمع إليه آنذاك‪ ،‬وأحاول أن أقابل نظرته‬ ‫التشاؤمية للصيف بشيء من السخرية‪ ،‬خشية أن ينقل‬ ‫ي‪ .‬‬ ‫ج به سوى موته‪ .....‬‬ ‫فيضحك ويردّ‪" :‬طبعاً‪ .‫الخبار‪ .‬عندها يكون قد أطلق‬ ‫النار أيضا ً علينا‪.‬كان وقتها مولعا ً بالروائي الياباني "ميشيما"‬ ‫الذي مات منتحرا ً أيضا ً بطريقة أخرى احتجاجا ً على‬ ‫خيبة أخرى‪..‬فأقول له مازحاً‪" :‬يمكنني أن أسرد عليك‬ ‫عدواه إل ّ‬ ‫أيضا ً عشرات السماء لشعراء لم يموتوا في الصيف!"‪.

‬وموت‬ ‫ذلك الشاعر منتحراً‪..‬فقد عاش دائما ً وسط‬ ‫المعارك والكمائن‪ ،‬والقصف العشوائي‪ .‬كان رجلً‬ ‫يخافه الموت أو يحترمه‪ ،‬فلم يشأ أن يأخذه بالجملة‪.‫الشوارع مطوقة‪ ،‬وكل المدن مقابر جاهزة للموت؟‬ ‫منذ رحل لم تصلني منه سوى رسالة واحدة قصيرة‪،‬‬ ‫يشكرني فيها على ضيافتي‪ .‬منذ‬ ‫ثمانية أشهر‪ .‬‬ ‫ورحت أتشاءم وأنا أتذكّر كلمه عن الصيف‪ .‬‬ ‫***‬ ‫مات زياد‪..‬‬ ‫ماذا لو كان الشعراء يقلّدون بعضهم في الموت أيضاً؟‬ ‫ماذا لو لم يكونوا فراشات فقط؟ لو كانوا مثل حيتان‬ ‫البالين الضخمة يحبّون الموت جماعيا ً في المواسم‬ ‫نفسها‪ .‬على الشطآن ذاتها؟‬ ‫لقد انتحر (همنغواي) أيضا ً صيف ‪ 1961‬تاركا ً خلفه‬ ‫مسودّة روايته الخيرة "الصيف الخطر"‪..‬‬ ‫فأية علقة بين الصيف وبين ك ّ‬ ‫ل هؤلء الروائيين‬ ‫والشعراء الذين لم يتلقوا؟‬ ‫مق كثيرا ً في تلك الفكرة‪ ،‬وكأنني‬ ‫كان ل بد أل أتع ّ‬ ‫أستدرج بها القدر أو أتحداه‪ ،‬فيعطيني في ذلك الصيف‬ ‫تلك الصفعة التي لم أنهض منها بعد‪ ،‬برغم مرور‬ ‫السنوات‪..‬‬ ‫وها هو خبر نعيه يقفز مصادفة من مربع صغير في‬ .‬فماذا تراه أصبح منذ ذلك الحين؟‬ ‫لم أكن قلقا ً عليه حتى الن‪ .‬‬ ‫وبرغم ذلك كانت عاطفة غامضة ما توقظ مخاوفي‪.‬كان ذلك منذ رحيله‪ .

‬‬ ‫لقد عاد هناك دون أمتعة‪ ..‬وكيف لم أتوقع موته ونظراته‬ ‫الخيرة لي كانت تحمل أكثر من وداع؟‬ ‫مازالت حقيبته هنا‪ ،‬في خزانة غرفتي تفاجئني عدة‬ ‫مرات في اليوم وأنا أبحث عن أشيائي‪.‬ثم إلى القلب‪ .‬باسم كل الثورات وباسم ك ّ‬ ‫ل الكتب‪".‬على‬ ‫يد الجميع متنا‪ .‬وكأنني أخاف أن يعترف لي بأمر أخشاه أو بقرار‬ ‫أتوقعه‪..‬‬ ‫ولم تقتله قناعاته هذه المرة‪ .‬‬ ‫لم يخطئ حدسه إذن‪ .‬‬ ‫ور النبأ غ ّ‬ ‫يتك ّ‬ ‫أصاب بشلل الذهول فقط‪ ،‬وصاعقة الفجيعة‪..‬‬ ‫كيف حدث هذا؟‪ .‬‬ ‫مل ً بحقيبة يد صغيرة‪ .‬أكان يعرف أنه لن يحتاج إلى‬ ‫كثير من الزاد لرحلته الخيرة‪ ،‬أم كان يفكر في العودة‬ ‫ليستقّر هنا ويعيش إلى جوارك كما كنت أتوهم تحت‬ ‫تأثير غيرتي؟‬ ‫لم أسأله يومها عن قراره الخير‪ .‬‬ ‫مازلت أذكر قوله مرة‪" :‬لنا في كل وطن مقبرة‪ .‬فيتو ّ‬ ‫قف الزمن‪.‬‬ ‫صة في حلقي‪ ،‬فل أصرخ‪ .‬وأصبحت أتحاشى الجلوس‬ ‫إليه‪ ..‬لقد سكن الصمت‬ ‫بيننا في اليام الخيرة‪ .‬‬ ‫ثم أضاف بما يشبه السخرية‪" :‬خاصة أن ل شيء‬ ‫ينتظرني في المطار الخير!"‪..‫جريدة إلى العين‪ ..‬ول أبكي‪..‬أنت تدري أن مضايقات المطارات‬ ‫كثيرة هذه اليام‪ ،‬ول أريد أن أنقل أشيائي مرة أخرى‬ ‫من مطار إلى آخر‪"..‬قال‬ ‫لم يقل شيئا ً وهو يسافر مح ّ‬ ‫لي معتذرا ً فقط‪" :‬أل يزعجك أن أترك هذه اليام‬ ‫الحقيبة عندك‪ .‬قتلته هويته فقط!‬ ..‬لم يكن في انتظاره سوى‬ ‫رصاصة الموت‪..

‬مقاتلً‬ ‫في معركة ما كما أراد أيضاً‪.‬تظاهروا فقط بالبكاء‪ .‬‬ ‫وتساءلت أي رجل فيه كنت أبكي الكثر‪.‬‬ ‫م البكاء؟‬ ‫ول ِ َ‬ ‫لقد مات شاعرا ً كما أراد‪ ..‬فالشعراء ل‬ ‫يموتون‪ ...‬‬ ‫ذلك البكاء الموجع المكابر الذي نسرقه سرا ً من‬ ‫رجولتنا‪.‬‬ ‫لقد هزمني حتى بموته‪....‬‬ ‫نخب رحيله الجميل‪ .‬ذات صيف كما أراد‪ .‫نخب ضحكته سكرت ذلك المساء‪..‬‬ ‫نخب حزنه المكابر أيضاً‪ .‬‬ ‫تذكّرت وقتها تلك المقولة الرائعة للشاعر والرسام‬ ‫"جان كوكتو" الذي كتب يوما ً سيناريو فيلم يتصور فيه‬ ‫موته مسبقاً‪ ،‬فتوجه إلى بيكاسو وإلى أصدقائه‬ ‫القلئل الذين وقفوا يبكونه‪ ،‬ليقول لهم بتلك السخرية‬ ‫الموجعة التي كان يتقنها‪:‬‬ ‫"ل تبكوا هكذا‪ .‬نخب رحيله الخير‪.‬إنهم يتظاهرون بالموت فقط!"‪.‬ليقنعني أن الشعراء يموتون حقا ً في‬ ‫الصيف ويبعثون في كل الفصول؟‬ ‫ت‪.‬‬ ‫بكيته ذلك المساء‪.‬ذلك الذي ل يعادله حزن‪..‬‬ ‫وماذا لو كان زياد يتظاهر بالموت فقط؟ لو فعل ذلك‬ ‫عن عناد‪ .‬‬ ‫وأن ِ‬ ‫تراك تدرين؟ هل أتاك خبر موته؟ أم سيأتيك ذات يوم‬ ‫وسط قصة أخرى وأبطال آخرين؟‬ .

.‬وها أنت ذا تواصل بموتك منطق الشياء‪.‬لقد هزمك زياد كما هزمني‪.‬‬ ‫ولحظتها فقط كان يبدو لي أنه يبكي‪.‬‬ ‫وإنهم أخذوا صورا ً تذكارية‪ ،‬ورفعوا علمات النصر‬ ‫ووقفوا بأحذيتهم على جثث‪ .‬‬ ‫هنالك من أخذ قطار ت ّ‬ ‫ل الزعتر‪ ،‬وهنالك من أخذ قطار‬ ‫(بيروت ‪ )82‬أو قطار صبرا وشاتيل‪.‬‬ ‫َ‬ ‫م البكاء زياد؟‬ ‫فل ِ َ‬ ‫في كل معركة كانت لك جثّة‪ .‬‬ ‫مه‪ ..‬قد تكون بينها جثّتها‪.‬‬ ‫وضعك أمام الحد الفاصل بين لعبة الموت‪ .‬ول يمكننا قتلهم‬ ‫لمجرد رواية‪.‬‬ .‬والموت‪.‬كبطل جاهز لرواية‪.‬‬ ‫فل شي كان في انتظارك غير قطار الموت‪.‬‬ ‫وكان يكذب‪ .‬‬ ‫هنالك من يختارون موتهم وحدهم‪ ..‫وماذا ستفعلين يومها؟ أستبكينه‪ .‬أم تجلسين لتبني له‬ ‫ضريحا ً من الكلمات‪ ،‬وتدفنيه بين د ّ‬ ‫فتي كتاب‪ ،‬كما‬ ‫تعودت أن تدفني على عجل ك ّ‬ ‫ل من أحببت وقررت‬ ‫قتلهم يوماً؟‬ ‫هو الذي كان يكره الرثاء‪ ،‬كراهيته لربطات العنق‬ ‫والبدلت الفاخرة‪ ،‬بأية لغة سترثينه؟‬ ‫في الواقع‪ ..‬ويعترف‬ ‫كان يكابر ويدّعي أن فلسطين وحدها أ ّ‬ ‫أحيانا ً فقط بعد أكثر من كأس‪ ،‬أن ل قبر لمه‪ ،‬تلك‬ ‫التي دفنت في مقابر جماعية لمذبحة أولى كان اسمها‬ ‫(ت ّ‬ ‫ل الزعتر)‪...‬في ك ّ‬ ‫ل مذبحة تركت‬ ‫قبرا ً مجهولً‪ .‬‬ ‫فليس كل البطال قابلين للموت على الورق‪..

‬‬ ‫بعدهم أصبح الوطن مجرد محطة‪ .‬‬ ‫مأ) إلى‬ ‫بثيابهم مثل ً وحاجاتهم الخاصة‪ .‬‬ ‫بين ك ّ‬ ‫ل موت وموت‪ .‬ويحزننا أن يسافر دوننا‪.‫وهناك من هنا أو هناك‪ ،‬مازال ينتظر رحلته الخيرة‪،‬‬ ‫في مخيّم أو في بقايا بيت‪ ،‬أو في بلد عربي ما‪.‬أشعر أنها تنتظرني وأنني على‬ ‫موعد معه‪ .‬‬ ‫عندما أعود إلى البيت‪ .‬وأصبحت في أعماق‬ ‫ك ّ‬ ‫ل منّا سكّة حديدية تنتظر قطارا ً ما‪ ..‬‬ ‫فما أسعد الذين أخذوا القطار صديقي‪ .‬‬ ‫وماذا أفعل بها؟‬ ‫أحاول أن أتذكّر ماذا يفعل الناس عادة بأشياء الموتى‪.‬قطار‪.‬‬ ‫ولكن كيف الهروب منها وهي تتربص بي كل مساء‪،‬‬ ‫عندما أطفئ جهاز التلفزيون‪ ،‬وأجلس وحيدا ً لدخن‬ ‫سيجارة قبل النوم فيبدأ العذاب‪...‬موت‪.‬‬ ‫وأعود إلى السؤال نفسه‪ :‬ماذا داخل هذه الحقيبة‪...‬‬ ‫وإذا بحقيبته السوداء المنسيّة في ركن خزانته‪ ،‬منذ‬ ‫عدة شهور‪ ،‬تغطّي فجأة على كل أثاث البيت‪ ،‬وتصبح‬ ‫أثاثي الوحيد‪ ،‬حتى أنني ل أرى غيرها‪.‬يحزننا أن‬ ‫نأخذه‪ ..‬‬ ‫وبين ك ّ‬ ‫ل قطار وقطار‪ .‬أصبحت ظاهرة عربية يحترفها ك ّ‬ ‫ل نظام‬ ‫على طريقته‪...‬ما أسعدهم‬ ‫وما أتعسنا أمام ك ّ‬ ‫ل نشرة أخبار!‬ ‫بعدهم كثرت "وكالت السفريات" و "الرحلت‬ ‫الجماعية"‪ .‬فتعود (أ ّ‬ ..‬عندما أترك بيتي‪ ،‬أشعر أنني أهرب منها‬ ‫وأنها كانت بلغزها جاثمة على صدري‪ ،‬دون أن أدري‪.‬‬ ‫رحل زياد إذن‪.

‫الذاكرة ومعها تلك اليام المؤلمة التي سبقت وتلت‬ ‫وفاتها‪..‬ولكن خالتي الكبرى‬ ‫قالت‪" :‬إن أشياء الميت يجب أن تخرج من البيت قبل‬ ‫خروجه منه‪ .‬ذلك السوار الذي لم يفارق معصمها‬ ‫ومقياس (أ ّ‬ ‫يوما ً وكأنها ولدت به‪ ،‬ماذا تراهم فعلوا به؟‬ ‫لم أجرؤ على السؤال‪.‬‬ ‫لم تكن أجمل أثوابها‪ ،‬ولكنها كانت أحب أثوابها إل ّ‬ ‫فقد تعودت أن أراها تلبسها في كل المناسبات‪..‬‬ ‫أتذكّر ثيابها وأشياءها‪ ،‬أتذكر (كندورتها) العنابي التي‬ ‫ي‪.‬‬ .‬‬ ‫صرخت‪" :‬إنها لي‪ ..‬‬ ‫وكنت محاطا ً بحشد من النساء اللتي كن يقّررن كل‬ ‫شيء‪ .‬كأن ذلك البيت أصبح فجأة لهن‪:‬‬ ‫ما؟ من الرجح أن يكون قد أصبح من‬ ‫أين (مقياس) أ ّ‬ ‫نصيب إحدى الخالت‪ ،‬أو ربما استحوذ عليه أبي مع‬ ‫بقية صيغتها ليقدّمها هدية لعروسه الجديدة‪.‬مزيج من‬ ‫عطور طبيعية بدائية‪ ،‬كنت أستنشق معها المومة‪.‬‬ ‫ما)‪ ..‬‬ ‫كانت الثوب الذي يحمل الكثر عطرها ورائحتها‬ ‫المميزة‪ ،‬رائحة فيها شيء من العنبر‪ ،‬شيء من‬ ‫عرقها‪ ،‬وشيء شبيه بالياسمين المعتّق‪ .‬كنت أريدها‪ ".‬‬ ‫سان الذي لم يكن يتجاوز السنوات العشر‪،‬‬ ‫كان أخي ح ّ‬ ‫ما) وغيابها‬ ‫ل يعي شيئا ً مما يحدث حوله سوى وفاة (أ ّ‬ ‫النهائي‪.‬‬ ‫ما)‬ ‫سألت عن تلك (الكندورة) بعد أيام من وفاة (أ ّ‬ ‫فقيل لي بشيء من الستغراب إنها أعطيت مع أشياء‬ ‫أخرى للنساء الفقيرات‪ ،‬اللتي حضرن لعداد الطعام‬ ‫في ذلك اليوم‪.‬ما عدا بعض الشياء الثمينة التي يحتفظ‬ ‫بها للذكرى أو للبركة"‪.

‬‬ ‫ترى أكان موت زياد هو الذي أضفى عليها ذلك الطابع‬ ‫المربك‪ ،‬أم أنني في الحقيقة‪ ،‬كنت أخاف أن تحمل لي‬ ‫سّرك‪ ،‬تحمل شيئا عنك كنت أخاف أن أعرفه؟‬ ‫***‬ ‫كان ل بد أن أفتح تلك الحقيبة‪ .‫كلما عدت إلى هذه الذكرى وتفاصيلها‪ ،‬ازدادت علقتي‬ ‫بهذه الحقيبة تعقيداً‪..‬ولذا بدأت أخافها فجأة‪،‬‬ ‫أنا الذي لم أكن أعيرها اهتماما ً من قبل‪.‬لماذا أخذتها منه دون مناقشة‪ ،‬لماذا‬ ‫لم أقنعه بحملها معه‪ ،‬بحجة أنني قد أترك باريس مثلً؟‬ ‫وإذا كانت أمانة‪ .‬فماذا أفعل‬ ‫بحقيبة تركها صاحبها منذ ثمانية أشهر دون أية وصية‬ ‫أو توضيح خاص‪ .‬ألم تتحول بموت صاحبها إلى وصية‪.‬هل نضعها عند بابنا‬ ‫هدية لول عابر سبيل؟‬ ‫وكنت أدري خلل تلك اليام التي عشتها مسكوناً‬ ‫بهاجس تلك الحقيبة أنني أرهق نفسي هباءً‪ ،‬وأن‬ ‫محتواها وحده يمكن أن يحدد قيمتها وصفتها‪ ،‬ويحدد‬ ‫بالتالي ما يمكن أن أفعله بها‪ ..‬‬ ‫فهل نتصدّق بوصايا الشهداء‪ ...‬ومات؟‬ ‫هل أتصدق بها على الفقراء‪ ،‬مادامت أشياء الموتى‬ ‫يجب أن تلحق بهم‪ ،‬أم أحتفظ بها كذكرى من صديق‬ ‫مادمنا ل نحتفظ إل بالشياء الثمينة؟‬ ‫أهي عبء‪ .‬أم أمانة؟‬ ‫وإذا كانت عبئا‪ ..‬‬ ‫فقد كان لبعض الشياء على بساطتها‪ ،‬قيمة ل علقة‬ ‫لها بمقاييس الخرين للتركة والمخلفات‪ ..‬‬ ‫أخذت ذلك القرار ذات ليلة سبت‪ ،‬بعد مرور أسبوع‬ .‬لغلق أبواب الش ّ‬ ‫ك‪.

‬أم على يد المجرمين‬ ‫ولوا "القضية" إلى‬ ‫العداء؟ أما كان يقول‪" :‬لقد ح ّ‬ ‫قضايا‪ .‬‬ ‫كان هناك احتمال آخر فقط‪ ،‬ل يخلو من الحماقة‪ ،‬كأن‬ ‫آخذها إلى مقر المنظمة وأسلّمها لحدهم هناك‪،‬‬ ‫ليتك ّ‬ ‫فل بإرسالها إلى أقرباء زياد في لبنان أو في‬ ‫مكان آخر‪...‬أو عربي ل غير؟‬ ‫في ذلك المساء‪ .‬وهنالك أكثر من "أبو" يعتقد أنه‬ ‫وة القضية الفلسطينية‪ ،‬وأنه الوريث‬ ‫ينفرد وحده بأب ّ‬ ‫الشرعي الوحيد للشهداء‪ .‫على قراءتي خبر استشهاد زياد‪.‬‬ ‫شعرت بشيء من الرتياح لهذه "اللتفاتة"‪ ،‬ولهذا‬ ‫الذن السابق أو المتأخر عن أوانه‪ ،‬الذي منحه لي زياد‬ ‫لدخول عالمه الخاص دون إحراج‪.‬ارتجفت يدي وأنا أفك أقفال تلك‬ ‫الحقيبة‪.‬‬ ‫شيء ما جعلني أتذكّر أنني أملك يدا ّ واحدة‪.‬‬ ‫ولكنني عدلت عن هذه الفكرة الساذجة وأنا أتذكّر أنه‬ ‫لم يعد لزياد من أهل في لبنان‪ ..‬‬ ‫لم تكن الحقيبة مغلقة بمفتاح ول بأقفال جانبية‪.‬وأن الخرين خونة؟‬ ‫ومن أدراني على يد من مات زياد؟‬ ‫على يد المجرمين "الخوة"‪ ...‬حتى يمكنهم قتلنا تحت تسمية أخرى غير‬ ‫الجريمة‪".‬‬ ...‬‬ ‫فبأية رصاصة مات زياد‪ .‬‬ ‫مد أن يتركها لي شبه مفتوحة كما يترك أحد‬ ‫وكأنه تع ّ‬ ‫الباب موارباً‪ ،‬في دعوة صامتة للدخول‪..‬وخيرة الشباب الفلسطيني‬ ‫قتل برصاص فلسطيني‪ ...‬وعند أية قبيلة وأية فصيلة سينتهي مصيرها؟‬ ‫من سيكون "أبوها"‪ .‬فلمن سيسلّمها‬ ‫هؤلء‪ ..

‫تراه فعل ذلك لنه كان يكره القفال المخلوعة‪،‬‬
‫والبواب المفتوحة عنوة كراهيته للمخبرين ولقدام‬
‫العسكر؟‬
‫أم لنه كان يتو ّ‬
‫قع يوما ً كهذا؟‬
‫كل هذه الفتراضات لم تمنع قشعريرة من أن تسري‬
‫في جسدي‪ ،‬وفكرة أخرى تعبرني‪..‬‬
‫لقد كان يعرف مسبقا ً أنه ذاهب إلى الموت‪ .‬وهذه‬
‫الحقيبة كانت معدّة لي منذ البداية‪ .‬وكان بإمكاني أن‬
‫أفتحها منذ عدة شهور‪ .‬فهي لم تعد موجودة بالنسبة‬
‫إليه منذ أن غادر هذا البيت‪.‬‬
‫إنها طريقته في قطع جذور الذاكرة‪ ..‬كالعادة‪.‬‬
‫رفعت النصف الفوقي للحقيبة‪ ،‬بعد أن وضعتها على‬
‫طرف السرير‪ ..‬وألقيت نظرة أولى على ما فيها‪.‬‬
‫ي معاً‪ ،‬وأنا أرى ثيابه‬
‫وإذا بالموت والحياة يهجمان عل ّ‬
‫أمامي‪ ،‬ألمس كنزته الصوفية الرمادية‪ ،‬وجاكيته‬
‫ودت أن أراه به‪..‬‬
‫الجلدي السود الذي تع ّ‬
‫ها أنا أملك حجة حضوره‪ ،‬وحجة موته‪ ..‬وحجة حياته‪.‬‬
‫وها هي رائحة الحياة والموت تنبعثان معا ً وبالقوة‬
‫نفسها من ثنايا تلك الحقيبة‪.‬‬
‫ها أنا معه ودونه‪ ..‬أمام بقاياه‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ثياب‪ ..‬ثياب‪ ..‬أغلفه خارجية لكتاب بشر ّ‬
‫واجهة قماشية لمسكن من زجاج‪.‬‬
‫انكسر المسكن وظلّت الواجهة‪ ،‬ذاكرة مثنية في‬
‫حقيبة‪ ،‬فلماذا ترك لي الواجهة؟‪.‬‬
‫بين الثياب قميص حريري سماوي اللون‪ ،‬مازال في‬
‫غلفه اللمع الشفاف‪ ..‬لم يفتح بعد‪ .‬أستنتج دون جهد‬

‫أنه هدية منك‪.‬‬
‫ثم ثلثة أشرطة موسيقية‪ ،‬أحدها لتيودوركيس‪،‬‬
‫والخرى مقطوعات كلسيكية أضعها جانبا ً وأنا أتذكر‬
‫أن زياد كلما سافر ترك لي أشرطة وكتباً‪ ..‬وثياباً‪..‬‬
‫وحبّا ً معلّقا ً أيضاً‪.‬‬
‫ولكن هذه هي المرة الولى التي يترك أشياءه‬
‫مجموعة في حقيبة‪ ،‬مرتبة بعناية وكأنه أعدها لنفسه‬
‫وجمع فيها مل ما يحب استعدادا ً لسفر ما‪ .‬كأنه أراد‬
‫أن يأخذها معه حيث سيذهب وحيث كان يريد أن يرتدي‬
‫ضل‪ ..‬ويستمع إلى موسيقى‬
‫جاكيته السود المف ّ‬
‫تيودوركيس!‬
‫وفجأة تقع يدي على روايتك أسفل الحقيبة‪ .‬فأصاب‬
‫بهّزة أولى‪ .‬ترتعش يدي‪ ،‬تتوقف لحظات قبل أن‬
‫تمسك بالكتاب‪ .‬أجلس على طرف السرير قبل أن‬
‫أفتحه‪ .‬وكأنني سأفتح طردا ً ملغوماً‪.‬‬
‫أتصفح الكتاب بسرعة‪ .‬وكأنني ل أعرفه‪.‬‬
‫ثم أتذكّر شيئاً‪ ..‬وأركض إلى الصفحة الولى بحثا ً عن‬
‫الهداء‪ ،‬فتقابلني ورقة بيضاء‪ ..‬دون كلمة واحدة‪ .‬دون‬
‫توقيع أو إهداء‪ .‬فأشعر بنوبة حزن تش ّ‬
‫ل يدي‪ ،‬وبرغبة‬
‫غامضة للبكاء‪.‬‬
‫ورة؟ وكلنا يملك نسخة‬
‫لمن منّا أهديت نسختك المز ّ‬
‫دون توقيع؟‬
‫من منا أوهمته أنه يسكن الصفحات الداخلية للكتاب_‬
‫كما يسكن قلبك_ وأنه ليس في حاجة إلى إهداء؟‬
‫وهل صدّقك زياد‪ ..‬هل صدّقك _هو أيضاً_ لدرجة أنه‬
‫قّرر أن يأخذ معه هذه الرواية ليعيد قراءتها‪ ،‬حيث‬
‫سيذهب‪ ..‬هناك!‬
‫كانت تلك الصفحة البيضاء كافية لدانتك‪ .‬كانت تقول‬

‫بالكلمات التي لم تكتب‪ ،‬أكثر مما كان يمكن أن‬
‫تكتبي‪ ..‬فهل كان مهما ً بعد ذلك أل أجد أية رسالة لك‬
‫في تلك الحقيبة؟‬
‫ت امرأة تتقن الكتابة على بياض‪ ..‬ووحدي كنت‬
‫لقد كن ِ‬
‫أعرف ذلك‪.‬‬
‫ما عدا روايتك لم أجد سوى مفكرة سوداء متوسطة‬
‫الحجم موضوعة أسفل الحقيبة_أيضاً_ كسّر عميق‪.‬‬
‫ما كدت أرفعها حتى وقعت منها "البطاقة البرتقالية"‬
‫التي كان يستعملها زياد للتنق ّ‬
‫ل بالميترو‪ .‬داخلها‬
‫قصاصة بتاريخ (أكتوبر) الشهر الخير الذي رحل فيه‪.‬‬
‫أنظر على تلك البطاقة على عجل‪ ،‬وأنا ل أفكر إل في‬
‫الطلع على تلك المفكرة‪ .‬ولكن صورته تستوقفني‪..‬‬
‫مربكة صور الموتى‪..‬‬
‫ومربكة أكثر صور الشهداء‪ .‬موجعة دائماً‪ .‬فجأة‬
‫يصبحون أكثر حزنا ً وأكثر غموضا ً من صورتهم‪.‬‬
‫فجأة‪ ..‬يصبحون أجمل بلغزهم‪ ،‬ونصبح أبشع منهم‪.‬‬
‫فجأة‪ ..‬نخاف أن نطيل النظر إليهم‪.‬‬
‫ملهم!‬
‫فجأة‪ ..‬نخاف من صورنا القادمة ونحن نتأ ّ‬
‫م كان وسيما ً ذاك الرجل‪.‬‬
‫كَ ْ‬
‫تلك الوسامة الغامضة المخفيّة التي ل تفسير لها‪ .‬ها‬
‫هو حتى في صورة سريعة تلتقط له في ثلث دقائق‪،‬‬
‫بخمسة فرنكات‪ ،‬يمكنه أن يكون مميزا‪.‬‬
‫يمكنه أن يكون حتى بعد موته مغرياً‪ ،‬بذلك الحزن‬
‫الغامض الساخر‪ .‬وكأنه يسخر من لحظة كهذه‪.‬‬
‫وأفهم مرة أخرى أن تكوني أحببته‪ .‬لقد أحببته قبلك‬
‫بطريقة أخرى‪ .‬كما نحب شخصا ً نعجب به ونريد أن‬
‫نشبهه‪ ،‬لسبب أو لخر‪ .‬فنكثر من الجلوس إليه‬

‫والخروج برفقته والظهور معه‪ .‬وكأننا نعتقد في‬
‫أعماقنا أن الجمال والجنون والموهبة والصفات التي‬
‫تبهرنا فيه قد تكون قابلة للعدوى والنتقال إلينا عن‬
‫طريق المعاشرة‪.‬‬
‫أية فكرة حمقاء كانت تلك! لم أكتف أنها كانت سبب‬
‫كارثتي إل مؤخراً‪ .‬عندما قرأت قول ً رائعا ً لكاتب‬
‫فرنسي (رسام أيضاً‪" )..‬ل تبحث عن الجمال‪..‬لنك‬
‫وهت نفسك!"‬
‫عندما تجده‪ ،‬تكون قد ش ّ‬
‫ولم أكن فعلت شيئا ً غير هذه الحماقة‪.‬‬
‫أعدت بطاقته وصورته إلى الحقيبة‪ ،‬ورحت أقلّب تلك‬
‫المفكرة‪..‬‬
‫كنت أشعر أنها تحمل شيئا ً قد يفاجئني‪ ،‬قد يعكر‬
‫مزاجي ويشرع الباب للعواصف المتأخرة عن‬
‫مواسمها‪ .‬فماذا تراه كتب في هذا الدفتر؟‬
‫كنت أدري أن الحقيقة تولد صغيرة دائماً‪ .‬وكنت أشعر‬
‫أن الحقيقة هنا كانت صغيرة في حجم مفكرة جيب‪.‬‬
‫فخفت المفكرة‪..‬‬
‫بحثت عن سيجارة أشعلها‪ .‬واستلقيت على ذلك‬
‫السرير لتصفح جرحي على مهل‪..‬‬
‫كانت الصفحات تتالى مليئة بالمقاطع الشعرية‬
‫المبعثرة بين تاريخ وآخر‪ .‬بالكتابات الهامشية‪ ..‬ثم‬
‫بقصائد أخرى تشغل وحدها أحيانا ً صفحتين أو ثلثاً‪ .‬ثم‬
‫خواطر قصيرة من بضعة سطور مكتوبة وسط الصفحة‬
‫بلون أحمر دائماً‪ ..‬وكأنه كان يريد أن يميزها عن بقية‬
‫ما كتب‪.‬‬
‫ربما لنها لم تكن شعرا ً وربما لنها كانت أهم من‬
‫الشعر‪.‬‬
‫من أين أبدأ هذه المفكرة؟‪ ..‬من أي مدخل أدخل هذه‬

‫الدهاليز السرية لزياد‪ ،‬التي حلمت دائما ً بالتسلل إليها‬
‫عساني أكتشفك فيها؟‬
‫كانت العناوين تستوقفني‪ ،‬فأبدأ في قراءة قصيدة‪.‬‬
‫أحاول فك لغز الكلمات المتقاطعة‪ ..‬أبحث عنك وسط‬
‫الرموز تارة‪ ،‬ووسط التفاصيل الكثر اعترافا ً أحياناً‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ثم ل ألبث أن أتركها وألهث مسرعا ً إلى صفحة أخرى‪،‬‬
‫بحثا ً عن حجج أخرى‪ ،‬عن إيضاحات أكثر‪ ،‬عن كلمات‬
‫تقول لي بالسود والبيض‪ ..‬ما الذي حدث‪.‬‬
‫ولكنني كنت في الواقع على درجة من النفعال‬
‫والحاسيس المتطرفة المتناقضة التي كانت تكاد تش ّ‬
‫ل‬
‫تفكيري‪ ،‬وتجعلني عاجزا عن التمييز بين ما أقرأ وما‬
‫أتوهم قراءته‪.‬‬
‫كان منظر تلك الحقيبة المفتوحة أمامي بأشيائها‬
‫المبعثرة‪ ،‬وبذلك الدفتر السود الصغير الذي كنت‬
‫ممسكا ً به تجعلني أخجل من نفسي في تلك اللحظة‪.‬‬
‫وكأنني بفتحها لم أفعل شيئا ً غير تشريح جثّة زياد‬
‫المبعثرة بأشيائها وأشلئها على سريري‪ ،‬لخرج منها‬
‫هذا الدفتر الذي هو قلبه ل غير‪.‬‬
‫قلب زياد الذي نبض يوما ً لك‪ ،‬والذي هاهو اليوم حتى‬
‫ي على وقع الكلمات‬
‫بعد موته بواصل نبضه بين يد ّ‬
‫المشحونة حسرة وخوفاً‪ ..‬حزناً‪ ..‬وشهوة‪..‬‬
‫"على جسدي مرّري شفتيك‬
‫ي‬
‫فما مّرروا غير تلك السيوف عل ّ‬
‫أشعليني أيا امرأة من لهب‬
‫يقّربنا الحب يوماً‬
‫يباعدنا الموت يوماً‬
‫ويحكمنا حفنة من تراب‪..‬‬
‫تقّربنا شهوة للجسد‬
‫ثم يوماً‬
‫ما يصير بحجم جسد‬
‫يباعدنا الجرح ل ّ‬

‫توحدت فيك‬
‫أيا امرأة من تراب ومرمر‬
‫سقيتك ثم بكيت وقلت‪..‬‬
‫أميرة عشقي‪..‬‬
‫أميرة موتي‬
‫تعالي!؟‬
‫كم من مرة قرأت هذا المقطع‪ .‬بأحاسيس جديدة كل‬
‫مرة‪ ،‬بش ٍ ّ‬
‫ك جديد كل مرة‪ ،‬وتساءلت بعجز من ل يحترف‬
‫الشعر‪ ..‬أين ينتهي الخيال‪ ..‬وأين يبدأ الواقع؟‬
‫أين يقع الحد الفاصل بين الرمز والحقيقة؟‬
‫كانت كل جملة تلغي التي سبقتها‪ .‬وكانت المرأة هنا‬
‫جسدا ً ملتحما ً بالرض إلى حد لم يعد فيه الفصل أو‬
‫التمييز بينهما ممكناً‪.‬‬
‫ولكن كانت هناك كلمات ل تخطئ بواقعيتها وبشهوتها‬
‫المفضوحة‪:‬‬
‫"مرري على جسدي شفتيك"‬
‫"أشعليني أيا امرأة من لهب"‬
‫"تقربنا شهوة للجسد"‬
‫"توحدت فيك"‬
‫أكانت الثورة إذن حشوا ً من الكلمات ل أكثر بّرأ بها‬
‫زياد نفسه؟‬
‫ضل أن يهزمه الموت ول تهزمه امرأة‪ .‬قضيّة‬
‫كان يف ّ‬
‫كبرياء‪ ..‬مراوغة شخصية‪" ..‬أميرة موتي‪ ..‬تعالي‪."..‬‬
‫ها هو الموت جاء أخيراً‪ .‬وأنت تراك جئت في ذلك‬
‫اليوم؟‬
‫هل انفرد بك حقاً‪ ..‬أمّررت على جسده شفتيك‪..‬‬
‫حد فيك‪ ..‬وهل‪..‬؟‬
‫أأشعلته‪ ..‬أتو ّ‬

‫من الرجح أن يكون ذلك قد حصل‪ .‬فتاريخ هذه‬
‫القصيدة يصادف تاريخ سفري إلى إسبانيا‪.‬‬
‫كان القلب قد بدأ يطفح بعاطفة غريبة ل علقة لها‬
‫بالغيرة‪.‬‬
‫نحن ل نشعر بالغيرة من الموات‪ ..‬ولكننا ل يمكن أن‬
‫نغيّر طعم المرارة في هذه الحالت‪.‬‬
‫فهل أمنع عيني اللتين يستوقفهما اللون الحمر‪ ،‬من‬
‫أن تقرأ هذه الخاطرة‪ ..‬دون دموع‪.‬‬
‫"لم يبق من العمر الكثير‬
‫أيتها الواقفة في مفترق الضداد‬
‫أدري‪..‬‬
‫ستكونين خطيئتي الخيرة‬
‫أسألك‪.‬‬
‫حتى متى سأبقى خطيئتك الولى‬
‫لك متّسع لكثر من بداية‬
‫وقصيرة كل النهايات‪.‬‬
‫إني أنتهي الن فيك‬
‫فمن يعطي للعمر عمرا ً يصلح لكثر من نهاية!"‬
‫تستوقفني بعض الكلمات‪ ،‬وتستدرجني إلى الذهول‪..‬‬
‫ويأخذ الحبر الحمر فجأة لونا ً شبيها ً بدم وردي خجول‬
‫يتدحرج على ورق‪ ..‬ليصبح لون "خطيئتك الولى‪."..‬‬
‫فأسرع بإغلق تلك المفكرة وكأنني أخاف إن أنا‬
‫ع لم‬
‫واصلت قلب الصفحات‪ ،‬أن أفاجئكما في وض ٍ‬
‫أتوقعه!‬
‫يحضرني كلم قاله زياد مرة في زمن بعيد‪ ..‬بعيد‪.‬‬
‫ن احترما ً كبيرا ً لدم‪ ،‬لنه يوم قرر أن‬
‫قال‪" :‬أنا أك ّ‬
‫يذوق التفاحة لم يكتف بقضمها‪ ،‬وإنما أكلها كلّها‪ .‬ربما‬
‫كان يدري أنه ليس هناك من أنصاف خطايا ول أنصاف‬
‫ملذّات‪ ..‬ولذلك ل يوجد مكان ثالث بين الجنة والنار‪.‬‬
‫وعلينا _تفاديا ً للحسابات الخاطئة_ أن ندخل إحداهما‬

‫بجدارة!"‬
‫كنت آنذاك معجبا ً بفلسفة زياد في الحياة‪ .‬فما الذي‬
‫يؤلمني اليوم في أفكار شاطرته إياها؟‬
‫ترى كونه سرق تفاحته هذه المرة من حديقتي‬
‫السرية؟ أم كونه راح يقضمها أمامي‪ ..‬بشهية من‬
‫حسم اختياره وارتاح؟‬
‫"ل تملك الشجار إل‬
‫أن تمارس الحب واقفة أيضاً‬
‫يا نخلة عشقي‪ ..‬قفي‬
‫وحدي حملت حداد الغابات التي‬
‫أحرقوها‬
‫ليرغموا الشجر على الركوع‬
‫"واقفة تموت الشجار"‬
‫تعالي للوقوف معي‬
‫أريد أن أشيّع فيك رجولتي‬
‫إلى مثواها الخير‪"..‬‬
‫فجأة بدأت أشعر بحماقة فتح تلك المفكرة‪.‬‬
‫أتعبتني تأويلتي الشخصية لكل كلمة أصادفها‪.‬‬
‫وبدأت أشعر بالندم‪ .‬فأنا برغم كل شيء ل أريد أن‬
‫أكره زياد اليوم‪ .‬ل أستطيع ذلك‪.‬‬
‫لقد منحه الموت حصانة ضد كراهيتي وغيرتي‪ .‬وها أنا‬
‫صغير أمامه وأمام موته‪.‬‬
‫ها أنا ل أملك شيئا ً لدانته‪ ،‬سوى كلماته القابلة لكثر‬
‫من تأويل‪ .‬فلماذا أصّر على تأويلها السوأ؟‬
‫لماذا أطارده بكل هذه الشبهات‪ ،‬وأنا أدري أنه شاعر‬
‫يحترف الغتصاب اللغوي‪ ،‬نكاية في العالم الذي لم‬
‫يخلق على قياسه‪ ،‬بل ربما خلق على حسابه‪ .‬فهل‬
‫أطلق النار عليه بتهمة الكلمات؟‬

‫لقد ولد هكذا واقفاً‪ ..‬ول قدر له سوى قدر الشجار‪.‬‬
‫فهل أحاسبه حتى على طريقة موته‪ ..‬وعلى طريقة‬
‫حبّه؟‬
‫وأذكر الن أنني عرفته واقفاً‪.‬‬
‫أذكر ذلك اليوم الذي زارني فيه في مكتبي لول مرة‪،‬‬
‫عندما أبديت له بعض ملحظاتي عن ديوانه‪ ،‬وطلبت‬
‫منه أن يحذف بعض القصائد‪.‬‬
‫أذكر صمته‪ ،‬ثم نظرته التي توقفت بعض الوقت عند‬
‫ذراعي المبتورة‪ ،‬قبل أن يقول تلك الجملة التي كانت‬
‫بعد ذلك سببا ً في تغيير مجرى حياتي‪ .‬قال لي‪" :‬ل‬
‫تبتر قصائدي‪..‬سيدي‪ ،‬ردّ لي ديواني‪ .‬سأطبعه في‬
‫بيروت‪"..‬‬
‫لماذا قبلت إهانته يومها‪ ،‬دون رد؟ لماذا لم أصفعه‬
‫بيدي الثانية غير المبتورة وأرمي له بمخطوطه؟‬
‫ألنني احترمت فيه شجاعة الشجار ووحدتها‪ ،‬في‬
‫زمن كانت فيه القلم سنابل تنحني أمام أول ريح؟‬
‫واقفا ً عرفت زياد‪ ..‬وواقفا ً غادرني‪.‬‬
‫ي تعليق‬
‫أما مخطوط تركني كأول مرة‪ .‬ولكن دون أ ّ‬
‫هذه المرة‪.‬‬
‫لقد أصبح بيننا _منذ ذلك الحين_ تواطؤ الغابات‪...‬‬
‫واليوم صمتها‪.‬‬
‫فجأة استيقظت داخلي بقايا مهنة سابقة‪ .‬ورحت‬
‫أقلّب ذلك الدفتر وأعدّ صفحاته وأتصفحها بعيني‬
‫ب في قلبي ويغطّي على‬
‫ناشر‪ .‬وإذ بحماس مفاجئ يد ّ‬
‫بقية الحاسيس‪ .‬وقرار جنوني يسكنني‪.‬‬
‫ميها‬
‫سأنشر هذه الكتابات في مجموعة شعرية‪ ،‬قد أس ّ‬
‫"الشجار" أو "مسودات رجل أحبك"‪ ..‬أو عنوانا ً آخر قد‬
‫أعثر عليه أثناء ذلك‪.‬‬

‫المهم‪ ..‬أن تصدر هذه الخواطر الخيرة لزياد‪ .‬أن أمنحه‬
‫عمرا ً آخر ل صيف فيه‪ ..‬فهكذا ينتقم الشعراء دائماً‬
‫من القدر الذي يطاردهم كما يطارد الصيف‬
‫الفراشات‪..‬‬
‫ولون إلى دواوين شعر‪ .‬فمن يقتل الكلمات؟‬
‫إنهم يتح ّ‬
‫***‬
‫أنقذني دفتر زياد من اليأس دون أن أدري‪..‬‬
‫منحني مشاريع ليام كانت فارغة من أي مشروع‪ .‬فقد‬
‫حدث في تلك اليام أن قضيت ساعات بأكملها وأنا‬
‫أنسخ قصيدة‪ ،‬أو أبحث عن عنوان لخرى‪ ،‬وأحاول‬
‫ترتيب فوضى تلك الخواطر والمقاطع المبعثرة‪،‬‬
‫ح للنشر‪.‬‬
‫لوضعها في سياق صال ٍ‬
‫كنت أشعر بلذّة ومرارة معاً‪..‬‬
‫ت وحدي‬
‫لذّة النحياز للفراشات‪ ،‬وبعث الحياة في كلما ٍ‬
‫أملك حق وأدها في مفكرة‪ ،‬أو منحها الخلود في كتاب‪.‬‬
‫ومرارة أخرى‪..‬‬
‫مرارة التنقيب في أوراق شاعر مات‪ ،‬والتجول في‬
‫دورته الدموية‪ ،‬في نبضه وحزنه ونشوته‪ ،‬ودخول‬
‫عالمه المغلق السري دون تصريح ول رخصة منه‪،‬‬
‫والتصرف نيابة عنه في الختيار وفي الضافة‬
‫والحذف‪.‬‬
‫أحقا ً كنت أملك صلحية كهذه‪..‬؟ ومن يمكن أن يدّعي‬
‫أنه لسبب أو لخر موكّل بمهمة كهذه؟‬
‫ولكن من يجرؤ أيضا ً على الحكم بالموت على كلمات‬

‬‬ ‫ولذا فإن موتهم يحرجنا‪ ..‬‬ ‫أما الناس العاديون‪ ،‬فهم يحملون أحلمهم وهمومهم‬ ‫ومشاعرهم فوقهم‪ .‬ربما‬ ‫لنه كان يجهل النصف الخر للقصة‪ ،‬تلك التي كنت‬ ‫أعرفها وحدي‪.‬رؤوس‬ ‫أحلم‪ ،‬ومسودات أشياء لم تكتمل‪...‬‬ .‬‬ ‫متى ولدت فكرة هذا الكتاب؟‬ ‫ترى في تلك الفترة التي قضيتها محاصرا ً بإرث زياد‬ ‫ي‪ ،‬في ذلك اللقاء غير المتوقع لي مع الدب‬ ‫الشعر ّ‬ ‫والمخطوطات التي انفصلت عنها منذ انفصالي عن‬ ‫وظيفتي‪ .‫الخرين‪ ،‬ويقرر الستحواذ عليها وحده؟‬ ‫كنت أدري في أعماقي‪ ،‬أنه إذا كان لموت الشعراء‬ ‫والكتّاب نكهة حزن إضافية‪ ،‬تميزهم عن موت الخرين‪،‬‬ ‫فربما تُعزى لكونهم وحدهم عندما يموتون يتركون‬ ‫على طاولتهم ككل المبدعين‪ ،‬رؤوس أقلم‪ .‬بقدر ما يحزننا‪.‬‬ ‫في البدء‪ ،‬كان سر زياد يحرجني‪ ،‬قبل أن يستدرجني‬ ‫إلى البوح‪ ،‬وإذا بكتاباته تخلق عندي رغبة ل تقاوم‬ ‫للكتابة‪.‬إنهم يلبسونها كل يوم مع‬ ‫ابتسامتهم‪ ،‬وكآبتهم‪ ،‬وضحكتهم‪ ،‬وأحاديثهم‪ ،‬فتموت‬ ‫أسرارهم معهم‪..‬منذ عدة سنوات في الجزائر؟‬ ‫أم في لقائي غير المتوقع الخر‪ ،‬مع مدينة حجز لي‬ ‫القدر نفسه موعدا ً متأخرا ً معها؟‬ ‫أكان يمكن لي أن أجد نفسي وجها ً لوجه مع‬ ‫قسنطينة‪ ،‬دون سابق إنذار‪ ،‬دون أن تنفجر داخلي‬ ‫الدهشة‪ ،‬شللت شوق وجنون وخيبة‪.‬‬ ‫رغبة كانت تزداد في تلك المرات التي كنت أشعر أن‬ ‫كلماته ل تطال أعماقي‪ ،‬وأنها أقصر من جرحي‪ .

‬إلى حيث أنا!‬ ‫الفصل الخامس‬ ‫مازلت‬ ‫أذكر ذلك السبت العجيب‪ .‬‬ ‫كان صوته عندي عيدا ً بحد ذاته والصلة الوحيدة التي‬ ‫ظلت تربطني بك‪ ،‬بعدما سدّت كل الطرق الموصلة‬ ‫إليك‪.‬عندما رن الهاتف ذلك‬ ‫المساء بتوقيت نشرة الخبار‪.‬أتدري‪،‬‬ ‫لقد تركت التفاتتك تلك أثرا ً كبيرا ً في نفسي‪ ،‬وخلقت‬ ‫لي أكثر من حاسد‪ .‬‬ ‫كان سي الشريف على الخط بحرارة وشوق أسعداني‬ ‫في البداية‪ ،‬وأخرجاني من رتابة صمتي الليلي‬ ‫ووحدته‪.‬إنه يحمل دائما ً احتمال لقا ٍ‬ ‫بك بطريقة أو بأخرى‪.‫فتجرفني الكلمات‪ ..‬‬ ‫راح سي الشريف يعتذر أول ً عن انقطاعه عني منذ‬ ‫سهرتنا الخيرة‪ ،‬بسبب مشاغله الكثيرة‪ ،‬وزيارات‬ ‫المسؤولين التي ل تتوقف إلى باريس‪ .‬لقد علّقت لوحتك‬ ‫في الصالون وأصبحت أتقاسم معك البيت‪ .‬قبل أن‬ ‫يضيف‪:‬‬ ‫"إنني لم أنسك طوال هذه الفترة‪ ....‬‬ .‬‬ ‫ولكنه هذه المرة كان يحمل لي أكثر من هذا‪.‬‬ ‫ء‬ ‫وكنت أستبشر خيرا ً به‪ ..‬وكل مرة ل بد أن أشرح للخرين‬ ‫صداقتنا وعلقتنا التي تعود إلى أيام الشباب"‪...

‬ربما تذكرها‪ .‬‬ .‬لقد أهديتني لوحة عن قسنطينة‬ ‫وأنا سأهديك سفرة إليها‪..‬‬ ‫شعرت فجأة أن صوتي انفصل عن جسدي‪ ،‬وأنني‬ ‫عاجز عن أن أجيب بكلمة واحدة‪.‬لقد حضرت افتتاح معرضك منذ‬‫شهور مع ابنتي ناديا‪...‬‬ ‫سحبت بقدمي كرسيا ً مجاورا ً وحلست عليه‪....‬‬ ‫ ‪ ..‬‬ ‫ت‬ ‫كان يكفي أن أعرف أن تلك المكالمة تأتي من بي ٍ‬ ‫ت فيه‪ ،‬لعود عاشقا ً مبتدئا ً بكل انفعالت الع ّ‬ ‫شاق‬ ‫أن ِ‬ ‫وحماقاتهم‪..‬‬ ‫ولكن صوته أعادني إلى الواقع عندما سألني‪:‬‬ ‫ أتدري لماذا طلبتك الليلة؟ إنني قررت أن أصحبك‬‫معي إلى قسنطينة‪ .‫كنت أستمع له وكان القلب قد ذهب بحماقة على عجل‬ ‫إليك‪.‬‬‫ثم أضاف بعد شيء من التفكير‪.‬‬ ‫أيمكن للكلمات أن تنزل صاعقة على شخص بهذه‬ ‫الطريقة؟‬ ‫أيمكن للجسد أن يصبح إثر كلمة‪ ،‬عاجزا ً عن المساك‬ ‫بسماعة؟‬ ‫يحدث في لحظات كهذه‪ ،‬أن أتذكر فجأة أنني أملك يداً‬ ‫واحدة‪.‬لماذا قسنطينة؟‬‫ف لي بشرى‪:‬‬ ‫قال وكأنه يز ّ‬ ‫ لحضور عرس ابنة أخي الطاهر‪.‬‬ ‫جباً‪:‬‬ ‫صحت متع ّ‬ ‫ قسنطينة‪ .

‬‬ ‫كان سي الشريف يعرف نقطة ضعفي‪ ،‬ويدري مكانة‬ ‫سي الطاهر عندي‪ .‬فراح يحّرك ما تب ّ‬ ‫قى داخلي من‬ ‫وفاء لماضينا وذاكرتنا المشتركة‪.....‬أنا واثق‬‫من أنني إذا لم أجّرك هكذا من يدك هذه المرة‪ ،‬فقد‬ ‫تمضي عدة سنوات أخرى قبل أن تعود إليها‪ ..‬‬ ‫كان في ذلك الموقف شيء من السريالية‬ ‫واللمعقول‪..‬‬ .‬‬ ‫وأف ّ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ أنت لن تجد ظروفا ً أحسن من هذه للعودة‪ .‬افعل‬ ‫هذا لوجه أبيها‪ ،‬يجب أن تقف معي في ذلك اليوم‬ ‫مكان سي الطاهر‪.‬إنني أتحمل مسؤولية عودتك‪.‬هل‬ ‫ستقضي عمرك في رسم قسنطينة؟ ثم أل يسعدك‬ ‫حضور زواج ابنة سي الطاهر؟ إنها ابنتك أيضاً‪ ،‬لقد‬ ‫عرفتها طفلة ويجب أن تحضر عرسها للبركة‪ ....‬لقد تغيرت‬ ‫المور كثيرا ً منذ مجيئك‪ ،‬ول بد أن تعود إلى الجزائر‬ ‫ولو في زيارة خاطفة‪ .‬‬ ‫ستسافر معي وعلى حسابي‪ .‬‬ ‫كنت أقف على الحد الفاصل بين العقل والجنون‪ ،‬بين‬ ‫الضحك والبكاء‪..‬فما الذي يقلقك إلى‬ ‫هذا الحد؟‬ ‫أجبته وأنا أبحث عن مخرج لتوتري‪:‬‬ ‫ الحقيقة أنني لست مستعدا ً نفسيا ً بعد لزيارة كهذه‪.‬‬ ‫فقطع ذهولي قائلً‪:‬‬ ‫ر كهذا؟ لقد جاء‬ ‫ يا خويا‪ .‫وربما لحظ سي الشريف صمتي وحدوث شيء ما‪.‬‬‫ضل أن تكون في ظروف أخرى‪..‬ما الذي يخيفك في سف ٍ‬‫ذكرك منذ أيام في جلسة مع بعض الصدقاء في‬ ‫المن‪ ،‬وأكدوا لي أنه ل توجد أية تعليمات في شأنك‪،‬‬ ‫وأن بإمكانك أن تزور الجزائر متى شئت‪ .

‬‬ ‫كان في جملته الخيرة جواب مسبق على رٍد كان‬ ‫يتوقعه‪....‬كان رجل العسكر‪ .‬إذن ول أحد غيره!‬ ‫"رجل طيب‪ "...‬فهل مهم بعد هذا أن يكون طيبا ً أو ل‬ ‫يكون؟‬ ‫تجمعت في الحلق أكثر من غصة‪ ،‬منعتني من أن أبدي‬ ‫رأيي فعل ً في ذلك الشخص‪ ،‬وأسأل سي الشريف‬ ‫سؤال ً واحدا ً فقط‪ :‬تراه يعتقد حقا ً أن بإمكان رجل ل‬ ‫أخلق له‪ ..‬‬ ‫ولكن (سي‪ ).‬كان يمكن‬ ‫أن تكون لي‪.‬لقد سهرت معه المرة‬‫الماضية‪ .‬ل أدري ما رأيك فيه‪ ،‬ولكنني أعتقد أنه رجل‬ ‫طيب برغم ما يُقال عنه‪.‬أن يكون طيباً؟‬ ‫ت لنني كنت بدأت ل أفرق كثيرا بينه‬ ‫أم تراني صم ّ‬ .‬ل لم تكن‬ ‫ابنتي‪ ،‬كان يمكن فقط أن تكون زوجتي‪ ...‬ل يا صديقي! عرفتها أنثى أيضاً‬ ‫وهذه هي المشكلة‪" ....‬ورجل‬ ‫المستقبل‪ ..‬هل الطيبة هي حقا ً صفته المميزة‬ ‫الولى؟ أعرف أنا أكثر من رجل طيب كان يمكن إذن‬ ‫أن يصبح زوجها‪.‬كان أكثر من ذلك‪ .‬كان رجل الصفقات‬ ‫السرية والواجهات المامية‪ .‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ لمن ستكون؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ أعطيتها لـ (سي‪ ).‫"لقد عرفتها طفلة‪ ".‬كان رجل العملة الصعبة‬ ‫والمهمات الصعبة‪ ...‬إنها ابنتك أيضاً‪ "..‬‬ ‫(سي‪ )..

.‬‬ ‫ولكن‪ .‬بي ٍ‬ ‫فهل كنت الرابح أم الخاسر الوحيد‪ .....‬أن يكون نظيفا ً حقاً؟‬ ‫فقدت فجأة شهية الكلم‪ ..‬‬ ‫انتهت المكالمة‪ ،‬وبدأت مرحلة جديدة من حياتي‪.‬‬‫رد سي الشريف حسب التقاليد‪:‬‬ ‫ الله يهنيك‪ .‬راني نع ّ‬‫أيام تقريبا ً فالزواج سيكون في ‪ 15‬يوليو‪ .‬سنسافر بعد عشرة‬ ‫إذن سنراك‪.‬‬‫ثم أضاف بسعادة من نجح في امتحان‪:‬‬ ‫ول عليك‪ ....‬فاختصرت كل الكلم في‬ ‫جملة واحدة قابلة لكثر من تفسير‪:‬‬ ‫ كل شيء مبروك‪.‬بلذّة غامضة وبفضول رجل‬ ‫يريد أن يعرف ك ّ‬ ‫ل مرة‪ ،‬إلى أي حد يمكن لها القدر أن‬ ‫يكون أحمق‪ ،‬ولهذه الحياة أن تكون غير عادلة‪ ،‬وأن‬ ‫تكون عاهرة ل تهب نفسها سوى لذوي الثروات‬ .‬هل يمكن‬ ‫لشخص يتصاهر مع رجل قذر‪ .‬‬ ‫بدأ عمري الخر الذي أعلنت يومها رسميا ً خروجك منه‪.‬أطلبني‬ ‫هاتفيا ً كي نتّفق على تفاصيل سفرك‪..‬كيف لي أن‬ ‫أعرف ذلك؟ لقد تقلصت الرقعة‪ ،‬ومعها مساحة المل‬ ‫والترقب‪ ،‬حسمها طرف آخر‪ ،‬كنا نلعب جميعا ً منذ البدء‬ ‫نيابة عنه‪ :‬إنه القدر!‬ ‫كنت أحقد على ذلك القدر أحياناً‪ ،‬ولكن كنت كثيرا ً ما‬ ‫أستسلم له دون مقاومة‪ ..‬أخرستني الصدمات‬ ‫المتتالية في مكالمة واحدة‪ .‬‬ ‫كانت كل المربعات بلون واحد ل غير‪ .‬هل خرجت حقاً؟‬ ‫أحسست أن رقعة الشطرنج أصبحت فارغة إل مني‪.‬ويبارك فيك‪..‫وبين "صهره" وأنا أسأل نفسي سؤال ً آخر‪ .‬وكل القطع‬ ‫د واحدة!‬ ‫أصبحت قطعة واحدة أمسكها وحدي‪ .

‬‬ ..‬‬ ‫وبضعف ما تجاه البدلت العسكرية‪ ...‫السريعة‪ ،‬ولصحاب السلوك المشبوه الذين يغتصبونها‬ ‫على عجل‪..‬‬ ‫ل شيء‪ ،‬استغلل ً للذاكرة واستعمالً‬ ‫ولكن كانت قبل ك ّ‬ ‫سيئا ً لسم من السماء القليلة التي ظلّت نظيفة في‬ ‫زمن انتشر فيه وباء القذارة‪.‬‬ ‫ما الذي أوصلك هنا؟‬ ‫وهل النساء حقا ً مثل الشعوب‪ ،‬يشعرن دائما ً بإغراء‪.‬‬ ‫تراني في لحظة جنون كهذه قبلت أن أحضر عرسك‪،‬‬ ‫وأن أكون شاهدا ً على مأتمي‪ ،‬وعلى الحقارة التي‬ ‫يمكن أن يصلها البعض دون خجل؟‬ ‫أم تراني ككل المبدعين‪ ،‬كنت مازوشيّا ً بتفوق‪ ،‬وأصّر‬ ‫في غياب السعادة المطلقة‪ ،‬أن أعيش حزني المطلق‪،‬‬ ‫وأن أذهب معك إلى أبعد نقطة في تعذيب النفس‪،‬‬ ‫ي هذا القلب بنفسي ليشفى منك؟‬ ‫فأمارس ك ّ‬ ‫كرهتك ذلك اليوم بشراسة لم أكن عرفتها من قبل‪.‬‬ ‫وعندها كنت أجد سعادتي النادرة في مقارنة نفسي‬ ‫بتفاهة الخرين‪ .‬وربما الحتقار‬ ‫أيضاً‪.‬‬ ‫انقلبت عواطفي مرة واحدة إلى عاطفة جديدة‪ ،‬فيها‬ ‫مزيج من المرارة والغيرة والحقد‪ .‬كيف قبلت يومها أن‬ ‫أذهب إلى قسنطينة لحضور عرسك؟‬ ‫كنت أعرف مسبقا ً أن دعوتي لم تكن مجرد نية حسنة‪،‬‬ ‫والتفاتة ود وصداقة لرجل تجمعني به أكثر من قرابة‪.‬وأجد في هزائمي الذاتية‪ ،‬دليل ً على‬ ‫انتصارات أخرى ليست في متناول الجميع‪..‬حتى الباهتة منه؟!‬ ‫ما زلت حتى اليوم أتساءل‪ .

‬آخر من السادة الجدد‪.....‬‬ ‫وأنه يتصرف باسمه‪ ،‬بطريقة لم يكن ليقبلها لو كان‬ ‫حياً‪.‬لكنت‬ ‫تؤخر في شيء‪ ،‬وأنه لو لم يز ّ‬ ‫من نصيب (سي‪ ).‬ول أحد غيري لبارك اغتصابك‪ ،‬أنا‬ ‫صديق سي الطاهر الوحيد ورفيق سلحه‪.‬‬ ‫كانت تلزمه مباركتي‪ ،‬ليُسكت بحضوري ضميره ويعتقد‬ ‫أن سي الطاهر سيغفر له‪ ،‬هو الذي عاش من اسمه‬ ‫طويلً‪....‬‬ ‫أم تراني كنت عاجزا ً عن أن أخلف موعدا ً معك‪ ،‬حتى‬ ‫ولو كان ذلك مناسبة زواجك؟‬ ‫هنالك قرارات وليدة ضدها‪ ،‬فكيف يمكن لي اليوم أن‬ ...‬‬ ‫فماذا يهم في النهاية‪ ،‬أي اسم من أسماء الربعين‬ ‫لصا ً ستحملين!‬ ‫لماذا قبلت السفر‪ .‬‬ ‫أنا الهيكل المفتت الطراف الخير‪ ،‬الذي بقي من ذلك‬ ‫الزمن الغابر‪.‫كان سي الشريف يدري أنه يسقوم بصفقة قذرة‪ ،‬وأنه‬ ‫يبيع بزواجه اسم أخيه‪ ،‬وأحد كبار شهدائنا مقابل‬ ‫منصب وصفقات أخرى‪..‬‬ ‫وكان يلزمه أنا‪ .‬‬ ‫فلماذا قبلت الدخول في تلك اللعبة؟ لماذا قبلت دون‬ ‫نقاش أن أسلمك لظافرهم؟‬ ‫ألنني أدري أن مباركتي قضية شكلية‪ ،‬لن تقدم ولن‬ ‫وجك من (سي‪ ).‬ألكل هذا أم لنني استسلمت‬ ‫لغراء قسنطينة‪ ،‬ولندائها السّري الذي كان يلحقني‬ ‫ويطاردني من الزل‪ ،‬كما يطارد نداء الحوريات في‬ ‫الجزر المسحورة أولئك البحارة الذين نزلت على‬ ‫بواخرهم لعنة اللهة‪.

....‬‬ ‫وقدرة خارقة على إشعال الحرائق‪.‬دون ارتباك ول أي خجل‬ ‫واضح‪.‬يدمرني وحدي‪ .‬‬ ..‬وأخرج بعده من وسط‬ ‫الحرائق والدمار‪ ،‬إما رجل ً آخر‪ .‬‬ ‫ي‪ ،‬وكأنك تواصلين حديثا ً بدأناه‬ ‫ورحت تتحدّثين إل ّ‬ ‫البارحة‪ ،‬كأن صوتك لم يعبر هذا الخط الهاتفي منذ‬ ‫أكثر من ستّة أشهر‪.‬أليس كذلك؟‬ ‫***‬ ‫جاء صوتك يوم الثنين هكذا دون مقدمات‪ .‬‬ ‫يهّزني وحدي‪ ..‬ونفاق‬ ‫بنات العائلت‪ .‫سر قرارا ً أخذته خارج المنطق؟‬ ‫أف ّ‬ ‫كنت كعالم فيزيائي مجنون‪ ،‬يريد أن يجمع بين صيغتين‬ ‫جرتين في الوقت نفسه‪ :‬أنت‪ .‬إنه زيف المدن العريقة المحترمة‪ .‬‬ ‫كان فيكما معاً‪ ،‬شيء من اللهيب الذي لم ينطفئ‪.‬دون أية‬ ‫نبرة حزن أو فرح مميزة‪ ...‬‬ ‫أردت أن أعيشهما معا ً في انفجار داخلي واحد‪.‬‬ ‫ألم تقولي مرة إن هناك رغبة سرية تسكننا جميعاً‬ ‫اسمها "شهوة اللهب"؟‬ ‫اكتشفت بعدها بنفسي التطابق بينك وبين تلك‬ ‫المدينة‪.‬‬ ‫ولكنكما معاً‪ ،‬كنتما تتظاهران بإعلن الحرب على‬ ‫المجوس‪ ...‬وقسنطينة‪،‬‬ ‫متف ّ‬ ‫صيغتين صنعتهما بنفسي في نوبة شوق وعشق‬ ‫وجنون‪ ،‬قست قدرتهما التدميرية كل على انفراد‪،‬‬ ‫وأردت أن أجربهما معا ً كما تجّرب قنبلة ذرية في‬ ‫صحراء‪.‬وأشلء رجل‪.

‬عجيب كذاكرتك‪ .‬‬‫ تصمد في وجه من‪..‬‬ ‫ولكنني قلت بصوت من يخرج من غيبوبة عشق‪:‬‬ ‫ت‪..‫ما أغرب علقتك بالزمن‪ .‬هل أيقظتك؟‬‫كان يمكن أن أقول ل‪ ،‬وكان من الصح أن أقول نعم‪..‬كعلقتك بمن تحبّين!‬ ‫قلت‪:‬‬ ..‬‬‫ب ما‪:‬‬ ‫قلت بعد شيء من الصمت‪ .‬وما أغرب ذاكرتك!‬ ‫ أهل ً خالد‪ ..‬؟!‬ ‫ أن ِ‬‫ضحكت‪ .‬هل نسيت صورتي؟!‬‫ثم أضفت أمام صمتي‪:‬‬ ‫ كيف أنت؟‬‫ أحاول أن أصمد‪.‬؟‬‫ في وجه اليام‪..‬وكأنك شعرت بذن ٍ‬ ‫ كلنا نحاول ذلك‪..‬‬‫ت‪:‬‬ ‫ثم أضف ِ‬ ‫ هل أخباري هي التي أزعجتك؟‬‫عجيب سؤالك‪ .‬تلك الضحكة الطفولية التي أسرتني يوماً‬ ‫وقلت‪:‬‬ ‫ أعتقد أنني أنا‪ ...

..‬استنجت أنك لم تعد عاتبا ً عل ّ‬ ‫تحضر إلى هذا العرس‪ .‬من الضروري أن تحضر‪.‬‬ ‫سألتك بشيء من المرارة الساخرة‪:‬‬ ‫ أتمنى أن أفهم سر إصراركم جميعا ً على حضوري‪..‬‬‫أجبتك بتلك الطريقة نفسها التي أجبتني بها يوماً‪ ،‬وأنا‬ .‬‬ ‫ل أدري لماذا أعادتني كلماتك إلى مكالمتي السابقة‬ ‫مع سي الشريف‪ ،‬وإلى ذلك الموقف العجيب‪ ،‬عندما‬ ‫كان يقنعني أنك ابنتي‪...‬‬ ‫أجبتك بتهكم‪:‬‬ ‫ هل السادية ‪ .‬آخر هواياتك؟‬‫ت بنبرة فاجأتني‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ لقد أحببت هذه المدينة من أجلك‪.‬‬‫أجبت ببراءة كاذبة‪:‬‬ ‫ كنت أتوقع أن تستقبل خبر زواجي بطريقة أخرى‪.‬‬ ‫شعرت مرة أخرى أنني أقف على الحد الفاصل بين‬ ‫العقل واللعقل‪ ،‬بين البكاء والضحك‪.‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ سبب إصرار عمي على حضورك ل يهمني إطلقاً‪.‫ أخبارك ليست سوى جزء من تقلّبات اليام‪.‬لقد أسعدني ذلك كثيراً‪ ،‬وقررت أن‬ ‫ي‪ ....‬‬‫لقد سمعت عمي يتحدث إليك أمس على الهاتف‪،‬‬ ‫وتعجبت أن تكون قبلت المجيء إلى قسنطينة دون‬ ‫مناقشة أو تردد‪ .‬فأنا أريد أن‬ ‫أطلبك‪ .‬‬‫ولكنني أدري أنني سأكون تعيسة لو تغيّبت عن‬ ‫المجيء‪.

‬أنا أهرب إليه فقط من ذاكرة لم تعد‬‫تصلح للسكن‪ ،‬بعدما أثثتها بالحلم المستحيلة‬ ‫والخيبات المتتالية‪..‬‬ ‫ولماذا ك ّ‬ ‫ل هذا العذاب إذن؟‬ ‫سألتك فقط‪:‬‬ ‫ وهو؟‬‫أجبتني وكأنك تتحدّثين عن شيء ل يعنيك تماماً‪:‬‬ ‫ إنه قدر جاهز‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ُ‬ ‫ كان ينبغي أل تحبّيها إذن‪.‬ويب ّ‬ ‫كهربائية في جسدي‪.‬‬‫قاطعتك‪:‬‬ ‫قه‪ ...".‬ولكنني أحببتك!‬‫ها هي الكلمة التي انتظرتها عاما ً دون جدوى‪ ..‬أنت لست امرأة فقط‪ ،‬أنت وطن‪،‬‬ ...‬كيف يمكن أن تمّرغي اسم والدك‬‫في مزبلة كهذه‪ ...‫ت "كان ينبغي‬ ‫أعترف لك "لقد أحببتك يوم قرأتك" فقل ِ‬ ‫أل تقرأني‪.‬‬‫ث شحنة‬ ‫وإذا بجوابك يدهشني‪ .‬‬ ‫ ‪ .‬فهل‬ ‫أشكرك أم أبكي‪ .‬يوقظني‪ ...‬كيف قبلت أن ترتبطي به؟‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ أنا ل أرتبط به‪ .‬كنت أتوقع قدراً‬ ‫ لكل شخص القدر الذي يستح ّ‬‫غير هذا‪ ...‬لماذا الن‪..‬‬ ‫ ولكن لماذا هو‪ ..‬أم أسألك لماذا اليوم‪ .

.‬‬ ‫ك‪:‬‬ ‫سألت ِ‬ ‫ لماذا عدت اليوم إذن؟‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ...‬وأصبحا اليوم أنا‪ .‬‬ ‫سألتك‪:‬‬ ‫ ما الذي تريدينه مني على التحديد؟‬‫ي حلوى تريد‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ت كأنك طفلة يسألونها عن أ ّ‬ ‫ أريدك‪.‬‬‫خطر بذهني لحظتها أنك ربما كنت امرأة عاجزة عن‬ ‫حب رجل واحد‪ ،‬وأنه يلزمك دائما ً رجلن‪ .‬والخر‪.....‬كانا في‬ ‫الماضي زياد وأنا‪ .‬ولم أناقشك‬ ‫في نظرتك الخاطئة للقيم‪.‬‬ ‫التاريخ لم يعد يكتب شيئاً‪ .‬إنه يمحو فقط!‬ ‫لم أسألك ما الذي تريدين محوه بالضبط‪ .‬شيء فيك جّردني من عقلي‬ ‫يوماً‪ .‬ولكنني قررت أن أشفى منك‪ .‬أو كبواتنا وسقوطنا المفاجئ نحو السفل‪.‬إنه حدث أن أردتك‬‫واشتهيتك حدّ الجنون‪ ..‬كانت علقة حبّنا‬ ‫علقة مرضيّة‪ ،‬أنت نفسك قلت هذا‪...‬‬ ‫عاد صوتك يقول‪:‬‬ ‫ خالد‪ .‫مك ما سيكتبه التاريخ يوماً؟‬ ‫أفل يه ّ‬ ‫ت بشيء من السخرية المرة‪:‬‬ ‫أجب ِ‬ ‫ وحدك تعتقد أن التاريخ جالس مثل ملئكة الشر‬‫جل انتصاراتنا الصغيرة‬ ‫والخير على جانبينا‪ ،‬ليس ّ‬ ‫المجهولة‪ .‬أتدري أنني أحببتك‪ .

.‬‬ ‫ووحدها ستعرف أنني أمنحك ليلتي الولى‪ ...".‬وقد ل نتصافح‪ .‬‬ ‫لمن ستكونين بعد كل ليلة وهمية؟ ومع من بدأت‬ ‫كذبتك الولى؟ لمن أهديت هديّتك الملغومة الولى؟‬ ‫عندما أذكر كلمك اليوم‪ ،‬أضحك وأنا أشبّه نفسي‬ ‫آنذاك بأثيوبي جائع يسردون عليه قائمة من الطباق‬ ‫الشهية التي لن يذوقها‪ ،‬ويسألونه بعدها كيف وجدها‪..‫ عدت لقنعك بالمجيء إلى قسنطينة‪ .‬أريد أن تباركنا‬‫تلك المدينة ولو مرة واحدة‪ ..‬كثيراً‬ .‬سنتحداهم على مرأى منها‪.‬ولكن‬ ‫سأكون لك ما دمنا فيها‪ ..‬ندعوه في‬ ‫المناسبات ليتك ّ‬ ‫فل بفتات الموائد‪.‬‬ ‫ي أن‬ ‫لم أنتبه إلى أنك كنت تمنحينني ليل ً‬ ‫ة وهمية‪ ،‬عل ّ‬ ‫أتنازل عنها مباشرة لرجل آخر‪ ،‬سيستفيد منها فعلياً!‬ ‫ولكن هل يهم ذلك‪ .‬قد ل نتحدث‪ ...‬يسعدني‪.‬‬ ‫وإذا كان ذلك يسعده‪.‬‬ ‫روايتك الولى‪ ...‬مادمت أتنازل عن شيء ليس في‬ ‫جميع الحالت لي؟‬ ‫هكذا التاريخ دائما ً عزيزتي وهكذا الماضي‪ ...‬نسختين مز ّ‬ ‫مو ّ‬ ‫قعتين على بياض‪..‬‬ ‫وهكذا الشعوب أيضاً‪ ،‬نهبها كثيرا ً من الوهام‪ .‬تباركنا ولو كذباً‪ ،‬لقد‬ ‫تواطأت معنا وأوصلتنا إلى جنوننا هذا‪ .‬أيسعدك‬ ‫هذا؟‬ ‫كم من ليلة أولى كنت تملكين؟ كم من ليلة وهمية‬ ‫ت‬ ‫أولى كنت قادرة على أن تهبي على بياض‪ ،‬كما وهب ِ‬ ‫ورتين لي ولزياد‪..‬أدري أننا لن‬ ‫نلتقي فيها‪ .‬‬ ‫ولكن وقتها لم أضحك‪ ،‬بل ربما بكيت وأنا أجيبك‬ ‫بحماقة عاشق‪" .‬‬ ‫نتحايل على الذاكرة‪ ،‬نرمي لها عظمة تتلهى بها‪ ،‬بينما‬ ‫تُنصب الموائد للخرين‪..

.‬أمام فتات‬ ‫الذاكرة‪..‬‬ ‫ع كل هذا إل بعد فوات الوان‪ ..‬في لقا ٍ‬ ‫ء وفرا ٍ‬ ‫بي‪ .‬‬ ‫ أريد أن أرا ِ‬‫ت‪:‬‬ ‫صح ِ‬ ‫ ل‪ .‬فما أرأفك‬ ‫واحدة‪ ،‬ذهابا ً وإياباً‪ ..‬لم يعد لقاؤنا ممكنا ً الن‪ .‬‬ ‫هكذا إذن‪ .‬‬ ‫ولكن هاتفك انتهى كما جاء خارج الزمان‪ ،‬وأنا بين‬ ‫الصحوة واليقظة ممدد بذهول في فراشي‪.‬‬ ‫حتى أنني تساءلت بعدها‪ :‬هل طلبتني حقا ً في ذلك‬ ‫الصباح أم أنني حلمت‪ .‬فقط؟‬ ...‬فل داعي لمزيد من‬ ‫العذاب‪.‬أكثر من عتاب‪ ..‬‬ ‫أكثر من لوم‪ .‬‬‫صتنا‪ .‬لتكن‬ ‫يجب أن نبحث عن نهاية أقل وجعا ً لق ّ‬ ‫قسنطينة لقاءنا وفراقنا معاً‪ ...‫ض‬ ‫من الحلم المعلّبة‪ ،‬من السعادة المؤجلة‪ ،‬فتغ ّ‬ ‫النظر عن الولئم التي لن تدعى إليها‪..‬وربما كان هذا أفضل‪..‬وما أغباني!‬ ‫أكثر من سؤال ظ ّ‬ ‫ل معلّقا ً في الحلق‪ ،‬لم أطرحه عليك‬ ‫يومها‪.‬بعدما رفعت‬ ‫ولكن لم أ ِ‬ ‫الموائد‪ ،‬وانسحب الجميع لبقى وحدي‪ .‬أكثر من رغبة‪...‬قررت قتلي حسب الصول‪ ،‬بجّرة سكّين‬ ‫ق واحد‪ .‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ُ‬ ‫ك‪.

.‬‬ ‫فلنعترف أننا تحطّمنا معاً‪.‬نسينا في هذه اللعبة َ‬ ‫ن‪..‬‬ ‫نتحايل على كل شيء لنربح كل شيء‪ .‬أنت مشروع ق ّ‬ .‬‬ ‫جل‬ ‫ر ْ‬ ‫كان ل بد أن نعترف أننا تجاوزنا عمر النط على ِ‬ ‫واحدة‪ ،‬والقفز على الحبال‪ ،‬والقامة في مربعات‬ ‫الطباشير الوهيمة‪.‬‬ ‫والعشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن والمستحيل‪.‬‬ ‫أخطأنا حبيبتي‪.‬‬ ‫كل مربع ف ّ‬ ‫خ نصب لنا‪ ،‬وفي كل مربع وقفنا وتركنا‬ ‫أرضا ً شيئا ً من الحلم‪..‬‬ ‫ت حبيبتي‪.‬فتتّسخ ثيابنا‬ ‫جل واحدة من مربع‬ ‫ر ْ‬ ‫ونصاب بخدوش ونحن نقفز على ِ‬ ‫مستحيل إلى آخر‪...‬‬ ‫دعينا نتوقف لحظة عن اللعب‪ .‬‬ ‫نمحو كل مرة آثار الطباشير على الرض لنرسم‬ ‫قوانين لعبة جديدة‪.‬ل شيء أمامنا سوى هذا‬ ‫المنعطف الخير‪ .‬ل شيء تحتنا غير هاوية الدمار‪.‬‬ ‫م ْ‬ ‫من الفأر‪ .‬‬ ‫أخطأنا‪ .‬التاريخ ل يكتب على سبورة‪ ،‬بيد تمسك‬ ‫طباشير وأخرى تمسك ممحاة‪..‬‬ ‫لم يعد أمامنا متّسع للكذب‪ .‬ومن منا سيلتهم َ‬ ‫و َ‬ ‫نسينا أنهم سيلتهموننا معاً‪.‬لحظة عن الجري في‬ ‫منّا القط‪،‬‬ ‫ن ِ‬ ‫م ْ‬ ‫كل التجاهات‪ .‬‬ ‫لس ِ‬ ‫صتي‬ ‫أن ِ‬ ‫ت مشروع حبي للزمن القادم‪ .‬‬ ‫الوطن ل يرسم بالطباشير‪ ،‬والحب ل يكتب بطلء‬ ‫الظافر‪.‫ها نحن مثل أطفال إذن‪.

‬‬ ‫القادمة وفرحي القادم‪ .‬‬ ‫وحدي أعرف طريقتك الشاذة في الحب‪ ،‬طريقتك‬ ‫الفريدة في قتل من تحبين‪ .‬لتؤثثي كتبك فقط‪..‬‬ ‫ولك من امرأة إلى مدينة‪ ،‬وحولته من‬ ‫أنا الرجل الذي ح ّ‬ ‫حجارة كريمة إلى حصى‪.‬‬ ‫أعرف اليوم أنك لن تكوني لي‪.‫ت مشروع عمري الخر‪.‬‬ ‫ل تتطاولي على حطامي كثيراً‪.‬‬ ‫دعيني إذن‪ ،‬أنحشر معك يوم الحشر حيث تكونين‪،‬‬ ‫لكون نصفك الخر‪..‬‬ ‫يا امرأة على شاكلة وطن‪..‬‬ ‫أنا الذي قتلتني لعدة أسباب غامضة‪ ،‬وأحببتك لسباب‬ ‫غامضة أخرى‪..‬‬ ‫دعينا نتوقف لحظة عن اللعب‪ ..‬أن ِ‬ ‫ت من الرجال‪ ،‬واكتبي‬ ‫في انتظار ذلك‪ .‬أحبّي من شئ ِ‬ ‫ت من القصص‪.‬كفاك كل ما قلته من‬ ‫كذب‪..‬‬ ‫وحدي أعرف ق ّ‬ ‫وحدي أعرف أبطالك المنسيين وآخرين صنعتهم من‬ ‫ورق‪.‬‬ ‫لم ينته زمن الزلزل‪ ،‬وما زال في عمق هذا الوطن‬ ‫حجارة لم تقذفها البراكين بعد‪.‬‬ ‫دعيني أحجز مسبقا ً مكانا ً لي إلى جوارك‪ ،‬ما دامت كل‬ ‫الماكن محجوزة حولك هنا‪ ،‬وما دامت مفكّرتك ملى‬ ‫بالمواعيد حتى آخر أيامك‪.‬‬ ‫ما شئ ِ‬ ‫صتك التي لن تصدر يوما ً في كتاب‪.‬‬ ..

.‬ما في أدراجنا من أوراق‪.‬‬ ‫فلعد إليه كما جئت منه إذن‪ ،‬على كرسي جانبي‬ ‫للحزن‪.‬‬ ‫ول شي سوى بدلة سوداء لحضور حفل زفافك‪.‬‬ ‫كنت أتوقع لقاءً غير هذا‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬ل يهم سيدتي‪ ..‬‬ .‬قمصان‪ .‬‬ ‫ي وسكي‪ .‬وشفرات حلقة‪.‬‬ ‫عشر سنوات من الغياب‪ ،‬وها هوذا الرجوع المفاجئ‪...‬‬ ‫زجاجت ْ‬ ‫هنالك أوطان تنتج كل مبّررات الموت‪ ،‬وتنسى أن تنتج‬ ‫شفرات حلقة!‬ ‫على أصابع الجرح أعود إلى الوطن‪.‬كانت كل الكراسي المامية‬ ‫محجوزة مسبقاً‪ ،‬لولئك الذين حجزوا كراسي الوطن‬ ‫أيضا ً بأمر‪.‬‬ ‫وحدها الذاكرة أصبحت أثقل حملً‪ ،‬ولكن من سيحاسبنا‬ ‫على ذاكرة نحملها بمفردنا؟‬ ‫مشيا ً على جرحي الخير أعود إليه على عجل‪.‫م بعد اليوم أن نبقى معاً؟‬ ‫أيه ّ‬ ‫حقيبة صغيرة فقط لملقاة الوطن‪.‬‬ ‫كنت سأحجز لي مكانا ً في الدرجة الولى مثلً‪ .‬‬ ‫دون أمتعة شخصية‪ ،‬دون زيادة في الوزن ول زيادة‬ ‫في حساب‪..‬‬ ‫ملين بحقائب نحشر فيها ما في‬ ‫نغادر الوطن‪ ،‬مح ّ‬ ‫خزائننا من عمر‪ .‬فيحدث‬ ‫للذاكرة في مثل هذه المناسبات‪ ،‬أن ترفض الجلوس‬ ‫في الكراسي الخلفية‪.

‬وأتساءل رغم فوات‬ ‫الوان‪ :‬تراني أرتكب آخر حماقات عمري‪ ،‬وأهرب منك‬ ‫إلى الوطن؟ أحاول أن أشفى منك به‪ .‬‬ ‫أحلّق على تضاريس حبّك‪ .‬‬ ‫نحمل الوطن أثاثا ً لغربتنا‪ ،‬ننسى عندما يضعنا الوطن‬ ‫عند بابه‪ ،‬عندما يغلق قلبه في وجهنا‪ ،‬دون أن يلقي‬ ‫نظرة على حقائبنا‪ ،‬دون أن يستوقفه دمعنا‪ .‬‬ ‫نحشر وجوه من أحببنا‪ .‬‬ ‫عاٌر أن نشتري الوطن ونبيعه حلما ً في السوق‬ ‫السوداء‪ ..‬على ارتفاع تصعب معه‬ ‫الرؤية‪ ،‬ويصعب معه النسيان‪ .‬‬ ‫ها أنذا‪ .‬‬ ‫آخر نظرة لجارة عجوز قد ل نراها‪ ،‬قبلة على خد صغير‬ ‫سيكبر بعدنا‪ ،‬دمعة على وطن قد ل نعود إليه‪.‬ل "بأكياس وردية"‪ ،‬فالحلم ل‬ ‫يستودر من محلت "تاتي" الرخيصة الثمن‪.‬ننسى‬ ‫أن نسأله من سيؤثثه بعدنا‪..‬هنالك إهانات أصعب على الشهداء من ألف‬ ‫عملة صعبة!‬ ‫د صغيرة‪ ،‬هنا في اللمكان‪.‬‬ ‫نعود بأحلم وردية‪ .‬‬ ‫والهاربة بي من ذاكرة إلى أخرى‪ .‬وحفنة أحلم‬ ‫فقط‪..‬‬ ....‬نعود بحقائب الحنين‪ .‬أجلس على مقعد‬ ‫في الدرجة الثانية للنسيان‪.‬وأخرى كنّا كتبناها‪.‬أنا الذي لم‬ ‫أشف بك منه؟‬ ‫ها هي اللوحة التي أحضرتها هدية لعرسك تشغل‬ ‫مكانك الفارغ إلى جواري‪..‬بحقيبة ي ٍ‬ ‫في هذه النقطة المعلقة بين الرض والسماء‪.‬رسائل‬ ‫كتبت لنا‪ .‬عيون من أحبّونا‪ ..‬‬ ‫وعندما نعود إليه‪ ..‫نحشر أبوم صورنا‪ ،‬كتبا ً أحببناها‪ ،‬وهدايا لها ذكرى‪.

‬وكل هذه الوجوه المغلقة‪ ،‬وكل هذه‬ ‫الجدران الرمادية الباهتة‪..‬‬ ‫ها هي قسنطينة إذن‪..‬‬ ‫وها أنذا أحمل بيدي الوحيدة حقيبة يد‪ ،‬ولوحة تسافر‬ ‫معي سفرها الخير‪ ،‬بعد خمس وعشرين سنة من‬ ‫الحياة المشتركة‪.‬وينظر إلى عينها دون بكاء‪.‬‬ ‫فهل هذا هو الوطن؟‬ ‫قسنطينة‪....‬‬ ‫وارتباكاً‪.‬‬ ‫لقاء ليل ّ‬ ‫تكاد مثلي تقع من على سلّم الطائرة تعباً‪ ..‬ولكن ليس للرحلة‬ ‫نفسها‪ ..‫ها نحن نسافر _ أخيرا ً معا ً _ أنا وأنت‪.‬‬ ‫ة باب الطائرة‪ ،‬ول تتنبّه إلى أنها تشرع‬ ‫تشرع مضيف ٌ‬ ‫معه القلب على مصراعيه‪ ..‬‬ ‫ها هي قسنطينة‪.‬‬ ‫نأخذ طائرة واحدة لول مرة‪ .‬‬ ...‬‬ ‫تتقاذفنا النظرات الباردة المغلقة‪ ،‬تتقاذفنا العبارات‬ ‫التي تنهى وتأمر‪ .‬ول للتجاه نفسه‪.‬‬ ‫ها هي "حنين"‪ ،‬النسخة الناقصة عن قسنطينة‪ ،‬في‬ ‫ي مع اللوحة الصل‪.‬ودهشة‪.‬فمن يوقف نزيف الذاكرة‬ ‫الن؟‬ ‫من سيقدر على إغلق شبّاك الحنين‪ ،‬من سيقف في‬ ‫وجه الرياح المضادة‪ ،‬ليرفع الخمار عن وجه هذه‬ ‫المدينة‪ .‬‬ ‫ساعتان فقط ليعود القلب عمرا ً إلى الوراء‪.

‬وتشعرني‬ ‫بغربة من نوع آخر تنفرد بها المطارات العربية‪..‬‬ ‫باردٌ مطارك الذي لم أعد أذكره‪ .‬مع ذلك المطار‪.‬‬ ‫جات تر ّ‬ ‫وهل كان حسان غير تلك المدينة نفسها‪ .‬وجسورها ومدارسها‪ ..‬؟" ثم أضاف "آ‬ ‫سيدي‪ .‬مازلت تن ّ‬ ‫قل في الطابلوهات‪.‬موجعة‬ ‫هذه العودة‪.‫ت يا اميمة‪ .‬قرميدها‪ .‬هذا نهار مبروك من هو اللي قال نشوفك‬ ‫هنا‪.‬واشك؟‬ ‫كيف أن ِ‬ ‫أشرعي بابك واحضنيني‪ ....‬موجعة تلك الغربة‪ .‬باردٌ ليلك الجبلي الذي‬ ‫لم يعد يذكرني‪.‬‬ ‫فل تتركيني واقفا ًً في مهب الجرح‪.‬أ ّ‬ ‫م إليك أنا من سنوات الصقيع والخيبة‪ ،‬من مدن‬ ‫قاد ٌ‬ ‫الثلج والوحدة‪..‬‬ ‫جلي خيبتي قليلً‪.‬وأز ّ‬ ‫قتها‬ .‬‬ ‫شعرت أن قسنطينة أخذت فجأة ملمحه‪ ،‬وأنها أخيرا‬ ‫حب بي‪.."!.‬‬ ‫أجلي بردك قليلً‪ ...‬‬ ‫كانت الشارات المكتوبة بالعربية‪ ،‬وبعض الصور‬ ‫الرسمية‪ ،‬وكل تلك الوجوه المتشابهة السمراء‪ ،‬تؤكد‬ ‫لي أنني أخيرا ً أقف وجها ً لوجه مع الوطن‪ .‬‬ ‫دثّريني يا سيدة الدفء والبرد معاً‪.‬‬ ‫سان ملني دفئا ً مفاجئا ً عندما أط ّ‬ ‫ل‪،‬‬ ‫وحده وجه ح ّ‬ ‫وأذاب جليد اللقاء الول‪ ..‬غير‬ ‫حجارتها‪ ..‬‬ ‫وعندما احتضنني‪ ،‬وأخذ عني حمولة يدي‪ ،‬وقال بلهجة‬ ‫جزائرية مازحة وهو يحمل عني تلك اللوحة‪:‬‬ ‫"واش‪ ...

.‬‬ ‫ت‬ ‫وكنت أشعر آنذاك أنني أقوم بواجب عائلي لس ُ‬ ‫ملزما ُ به‪ ،‬ولكن كنت أحرص عليه‪ .‬لم‬ ‫يغادرها إل نادرا ً في زيارات قصيرة إلى تونس أو إلى‬ ‫باريس‪.‬فقد كانت تلك إحدى‬ ‫فرصي القليلة للعب دور "الخ الكبير" بكل مسؤولياته‬ ‫وواجباته‪ .‬كان هو القادم‪ ....‬‬ ‫سان‪ ،‬حسان‬ ‫فقد عشت في الواقع دائما ً بعيدا ً عن ح ّ‬ ‫الذي كنت أدرك جوعه للحنان ويتمه المبكّر‪ .‬ما عدا تلك اللوحات التي‬ ‫تنفرد بحمل اسمي‪.‬حدث خللها في بعض المّرات أن‬ ‫انتظرته أنا في مطار (أورلي الدولي)‪..‫وذاكرتها؟‬ ‫هنا ولد‪ ،‬وهنا تربّى ودرس‪ ،‬وهنا أصبح مدّرسا‪ .‬وكأن حسان قرر أن يتحمل‬ ‫بمفرده مسؤولية عدم اندثار اسم العائلة‪ ،‬بعدما يئس‬ ‫من تزويجي وأدرك بعد محاولت إغراء فاشلة‪ ،‬أنه لن‬ ‫يكون لي بنات و ل بنون‪ .‬‬ ‫عشر سنوات‪ .‬وأنا المنتظر‪.‬وتعلقه‬ ..‬‬ ‫والفرحة! أشعر أن قرابته بي تصبح الرض الصلبة‬ ‫الوحيدة التي يمكن أن أقف عليها وسط زلزلي‬ ‫الداخلية‪ ،‬والصدر الوحيد الذي كنت لول الكبرياء‪ ،‬بكيت‬ ‫عليه في تلك اللحظة‪.‬ل غير‪.‬‬ ‫كانت الدوار معكوسة‪ .‬‬ ‫أكنت أجهل هذا؟ ل!‬ ‫ولكن في هذا اليوم الستثنائي اللم والخيبة‪.‬‬ ‫ن‬ ‫كان يحضر لزيارتي من سنة إلى أخرى‪ ،‬لكي يطمئ ّ‬ ‫ي وليشتري بالمناسبة بعض لوازم عائلته التي ما‬ ‫عل ّ‬ ‫فتئت تكبر وتتضاعف‪ .‬ذلك الدور الذي لم أو ّ‬ ‫فق دائما ً في أدائه‪.‬‬ ‫أكتشف اليوم‪ ،‬أن هذا الرجل الفارع القامة‪ ،‬المهذّب‬ ‫المظهر‪ ،‬والذي يتحدث دائما ً بحماسة الساتذة‬ ‫وعنادهم وتكرارهم‪ ،‬وكأنه يواصل حديثه لتلميذه‬ ‫وليس للخرين‪ ،‬هو أخي‪ .

‬‬ ‫جار الشنطة‪ .‬‬ ‫أم تراها قسنطينة‪ .‬‬ ‫ترى لنه هو الذي يحمل حقيبتي ويمشي أمامي‪،‬‬ ‫ويسألني عن تفاصيل سفري‪ .‫العاطفي بي‪..‬هي التي تتأمل جوازي بإمعان‪ .‬‬ ‫وتدخلني مع طوابير الغرباء وت ّ‬ ‫أتعرفني‪ ..‬والبؤساء‪....‬أم أن هذا المطار الذي‬ ‫يستفّز رجولتي وكبريائي يجّردني من وقار عمري‪.‬وتنسى أن‬ ‫تتأملني؟‬ ..‬‬ ‫فلماذا يقلب لقائي بحسان اليوم كل مقاييسي‬ ‫السابقة‪ ،‬ويشعرني برغم فارق العمر‪ ،‬وبرغم أولده‬ ‫الستة‪ ،‬أنني الخ الصغر وأنه في هذه اللحظة يكبرني‬ ‫بسبع سنوات‪ ،‬وربما بأكثر‪....‬حنانا وقسوة‪ ،‬هي التي ح ّ‬ ‫واحدة على ترابها‪ ،‬إلى ذلك الشاب المرتبك الخجول‬ ‫الذي كنته قبل ثلثين سنة؟‬ ‫نظرت إليها من زجاج سيارة كانت تنقلني من المطار‬ ‫إلى البيت‪ ،‬وتساءلت‪ :‬أتراها تعرفني؟‬ ‫هذه المدينة الوطن‪ ،‬التي تُدخل المخبرين وأصحاب‬ ‫الكتاف العريضة واليدي القذرة من أبوابها الشرفيّة‪.‬وغيابي المتن ّ‬ ‫قل من منفى إلى‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫فأترك حسان يتصرف فيه نيابة عني‪ ،‬وكأن تجربته مع‬ ‫هذه المدينة ومعايشته لطباعها المتقلّبة‪ ،‬جعلته اليوم‬ ‫يبدو أكبر‪..‬‬ ‫وج باكرا على عجل‪ ،‬وراح يكثر من‬ ‫تُراه لهذا أيضا ً تز ّ‬ ‫الولد ليحيط نفسه أخيرا ً بتلك العائلة التي حرم منها‬ ‫دائما ً في طفولته‪ ،‬والتي كنت عاجزا ً عن أن أعوضها‬ ‫له بحضوري العابر‪ .‬تلك الم المتطرفة العواطف‪ ،‬حباً‬ ‫ولتني بوطأة قدم‬ ‫وكراهية‪ .

.‫ب أولدك إليك؟" قالت‪:‬‬ ‫سئلت أعرابية يوماً‪" :‬من أح ّ‬ ‫ُ‬ ‫"غائبهم حتى يعود‪ .‬‬ ‫ولكن قسنطينة لم تكن قد سمعت بقول تلك‬ ‫العرابية‪ .‬ومريضها الذي لم يشف‬ ‫وصغيرها الذي لم يكبر‪.‬‬ ‫ما) العنابي يمر هنا‪ ،‬ويروح‬ ‫أكاد أرى ذيل كندورة (أ ّ‬ ‫ويجيء بذلك الحضور السري للمومة‪ .‬وصوت أبي‬ ‫يطالب بالماء للوضوء‪ ،‬أو يصيح من أسفل الدرج‬ ‫"الطريق‪ ..‬عتبت على ما قرأت من‬ ‫كتب التراث العربي!‬ ‫لم أنم تلك الليلة‪.‬‬ ‫أكاد أرى خلف الجدران الجديدة البياض آثار المسمار‬ ‫الذي علق عليه أبي يوما ً شهادتي البتدائية منذ أربعين‬ ..‬الطريق" لينبّه النساء في البيت أنه قادم‬ ‫صحبة رجل غريب‪ ،‬وأن عليهن أن يفسحن الطريق‬ ‫ويذهبن للختباء في الغرف البعيدة‪.‬كذكريات فوق‬ ‫العادة تلغي كل شيء عداها؟‬ ‫ها أنا أسكن ذاكرتي وأنا أسكن هذا البيت‪ ،‬فكيف ينام‬ ‫سد ذاكرته؟‬ ‫من يتو ّ‬ ‫مازال طيف الذين غادروه يعبر هذه الغرف أمامي‪....‬فلم أعتب عليها‪ .‬ومريضهم حتى يشفى‪...‬‬ ‫وصغيرهم حتى يكبر"‪.‬‬ ‫وكنت أنا غائبها الذي لم يعد‪ .‬وأيام عادية أخرى‪ ،‬تراكمت‬ ‫ذكراها في أعماقي لتطفو الن فجأة‪ .‬‬ ‫أكان ذلك العشاء الذي أعدته عتيقة زوجة حسان‪،‬‬ ‫وكأنها تعدّ وليمة‪ ،‬والذي استسلمت له بشهية أكاد‬ ‫أقول تاريخية‪ ،‬هو الذي كان سبب قلقي‪ ،‬بعدما تناولت‬ ‫الكثير من أطباقه التي لم أذق معظمها من سنين؟‬ ‫أم أن السبب هو صدمة لقائي العاطفي الخر مع ذلك‬ ‫البيت‪ ،‬الذي ولدت فيه وتربّيت‪ ،‬والذي على جدرانه‬ ‫وأدراجه ونوافذه وغرفه وممراته‪ ،‬كثير من ذاكرتي‪،‬‬ ‫من أفراح ومآتم وأعياد‪ .

‬‬ ‫سألني‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬‬ ‫لم يسألني ليلتها إلى أين كنت ذاهباً‪ .‬كان حسان وهو‬ ‫في عامه الخامس عشر‪ ،‬قد سبق عمره بسنوات‪.‬ونساء يحترفن‬ ‫البكاء في المآتم‪.‬وعلّمه ذلّه أن‬ ‫يصمت ويحتفظ لنفسه بالسئلة‪..‬‬ ‫أكاد أرى موكبا ً آخر يعود بعد أسابيع‪ ،‬بعروس صغيرة‬ ‫هذه المرة‪ .‫سنة‪ .‬‬ ‫تو ّ‬ ‫قف اهتمامه بي ليبدأ اهتمامه بأشياء أخرى‪،‬‬ ‫ومشاريع أخرى‪ ،‬انتهت بموت (أما) وزواجه الذي كان‬ ‫جاهزا ً للستهلك‪ ،‬ومعدا ً في ذهنه منذ مدة‪..‬آ خالد‪...‬‬ ‫كان مثلي جعله اليتم يكبر على عجل‪ ....‬‬‫وأجهش بالبكاء‪.‬‬ .‬‬ ‫ثم تلك الليلة التي قبّلت فيها حسان وودعته قبل أن‬ ‫ألتحق بالجبهة‪.‬وأنا؟‬‫وأجبته بالذهول نفسه‪:‬‬ ‫ مازلت صغيرا ً يا حسان‪ .‬انتظرني‪.‬‬‫مص فجأة صوت (أما) وخوفها‬ ‫فقال وكأنه يتق ّ‬ ‫ي‪:‬‬ ‫ي عل ّ‬ ‫المرض ّ‬ ‫ عندك على روحك‪ ..‬‬ ‫أكاد أرى جثمان (أما) يخرج مرة أخرى من ها الباب‬ ‫الضيق يليه حشد من قراء القرآن‪ .‬ثم جوارها بعد سنوات شهادة أخرى‪.‬ونساء يحترفن الزغاريد والمواويل‪..‬‬ ‫وبعدها ل شيء‪.

‬أن هناك يُتم الوطان أيضاً‪ .‬‬ ‫شعرت أن قسنطينة هزمتني حتى قبل أن نلتقي‪،‬‬ ‫وأنها جاءت بي إلى هنا‪ ،‬لتقنعني بذلك ل غير!‬ ‫ولم أشعر برغبة في مقاومة قدري‪.‬‬ ‫هنالك أوطان ل أمومة لها‪ .‬بعد كل هذا العمر‪ ،‬بعد أكثر من صدمة وأكثر‬ ‫من جرح‪ ،‬أدري‪ .‬‬ ‫في ذلك الصباح‪ ،‬وفي أول لقاء لي مع تلك المدينة‪،‬‬ ‫فقدت لغتي‪.‬أوطان شبيهة بالباء‪..‬وقدرته على قول ما‬ ‫يريد دون كلم‪.‬‬ ‫كان للقائي الليلي مع تلك المدينة مذاق مسبق لمرارة‬ ‫ما‪ .‬‬ ‫اليوم‪ .‬هنالك‬ ‫مذلّة الوطان‪ ،‬ظلمها قسوتها‪ ،‬هنالك جبروتها‬ ‫وأنانيتها‪..‬‬ ‫حسدت براءته وجرأته الطفولية‪ ..‫ها هو الوطن الذي استبدلته بأمي يوماً‪.‬‬ ‫لقد هزمت من مّروا قبلي‪ ،‬وصنعت من جنونهم بها‬ .‬‬ ‫***‬ ‫لم أنم ليلتها حتى ساعة متقدمة من الصباح‪..‬وما كدت أغفو حتى أيقظني من غفوتي أصغر‬ ‫أولد حسان‪ ،‬الذي استيقظ باكرا ً وراح يبكي بكاء رضيع‬ ‫يطالب بحضن أمه‪ ،‬ووجبته الصباحية‪.‬‬ ‫كنت أعتقد أنه وحده قادر على شفائي من عقدة‬ ‫الطفولة‪ ،‬من يتمي ومن ذلّي‪.

‬ويوغررطة‪..‬في غرور العسكر!‬ ‫سينيسا‪ ..‬ما ّ‬ ‫وقبلهم آخرون‪.......‬‬ ‫أنا ذا العاهة الخر الذي أحبها‪ ،‬أنا"أحدب نوتردام"‬ ‫الخر‪ ،‬وأحمق قسنطينة الخر‪ .‬‬ .‬وآخر للتذكار‪..‬‬ ‫وكانوا رجالً‪ .‬‬ ‫تركوا تماثيلهم وأدواتهم‪ ،‬وصكوكهم النقدية‪ ،‬أقواس‬ ‫نصرهم وجسورا ً رومانية‪.‬‬ ‫أحسد ذلك المبراطور الروماني المغرور‪ ،‬الذي منح‬ ‫اسمه لمدينة لم تكن حبيبته بالدرجة الولى‪ .‬‬ ‫من هنا مّر صيفاكس‪ .‬قاهرة كانت‪ .‬‬ ‫كان اسمها يوما ً "سيرتا"‪ .‬وإنما‬ ‫اقترن بها لسباب تاريخية محض‪.‬‬ ‫‪ .‬ما الذي أوصلني إلى‬ ‫جنون كهذا؟ ما الذي أوقفني عند أبواب قلبها عمراً؟‬ ‫وكانت تشبهك‪.‬نقشوا حبّهم وخوفهم‬ ‫وآلهتهم‪.‬‬ ‫لم يصمد من الجسور سوى واحد‪ .‬‬ ‫تركوا في كهوفها ذاكرتهم‪ .‬‬ ‫وحدي منحتك اسما لم يكن اسمي‪..‬‬ ‫وها‬ ‫تحمل اسمين مثلك‪ ،‬وعدة تواريخ للميلد‪ .‬خارجة لت ّ‬ ‫من التاريخ‪ ،‬باسمين‪ :‬واحد للتداول‪ ..‬ولم يبق من‬ ‫أسمائها سوى اسم "قسنطينة" الذي منحه لها من‬ ‫ستة عشرة قرنا ً "قسطنطن"‪.‬كمدينة أنثى‪.‬‬ ‫وأنا آخر عشاقه المجانين‪.‬و رحلوا‪..‫أضرحة للعبرة‪.

‬‬ ‫والفاطميين‪ .‬كما أناديك "حياة"‪.‬‬ ‫المدن كالنساء‪ ..‬والعثمانيين‪ ...‬‬ ‫لقد كانت "سيرتا" مدينة نذرت للحب والحروب‪،‬‬ ‫تمارس إغراء التاريخ‪ ،‬وتتربّص بكل فاتح سبق أن‬ ‫و صخرتها‪.‬‬ ‫منذ ذلك اليوم‪ ،‬ولد أكثر من جسر حول تلك المدينة‪،‬‬ ‫وكثرت الطرقات المؤدية إليها‪.‬نحن ل نمتلكها لمجرد أننا منحناها‬ ‫اسمنا‪..‬والحفصيين‪ ..‬أخطأ قسطنطين‪.‬‬ ‫فرنسا التي دخلت الجزائر سنة ‪ ،1830‬لم تفتح هذه‬ ‫المدينة الجالسة على صخرة‪ ،‬إل سنة ‪ ،1837‬سالكة‬ ‫ممرا ً جبليا تركت فيه نصف جيشها‪ ،‬وتركت فيه‬ ‫قسنطينة خيرة رجالها‪...‬‬ ‫هنا وقفت جيوش فرنسا سبع سنوات بأكملها على‬ ‫أبواب قسنطينة‪..‬‬ ‫ولكن‪ ،‬كانت الصخرة دائما ً أكبر من الجسور‪ ،‬لنها‬ ‫تدري أن ل شيء تحت الجسور سوى الهاوية!‬ ..‬‬ ‫كك ّ‬ ‫ل الغزاة‪ .‬‬ ‫وأنادي تلك المدينة "سيرتا" لعيدها إلى شرعيّتها‬ ‫الولى‪.‬‬ ‫تماما‪ .‬‬ ‫ابتسمت له يوما ً من عل ّ‬ ‫كنسائها كانت تغري بالفتوحات الوهمية‪.‬والبيزنطيين‪..‫وربما لذلك‪ ،‬يحدث أن أعاكس قانون الحماقات هذا‪.‬والوندال‪ .‬وواحد‬ ‫وأربعين بايا ً تناوبوا علها قبل أن تسقط في يد‬ ‫الفرنسيين‪.‬‬ ‫ولكن لم يعتبر من مقابرها أحد!‬ ‫هنا أضرحة الرومان‪ .

‬‬ ‫تحرسها الوهاد العميقة من كل جانب‪ ،‬تحرسها‬ ‫ي صالح‪ ،‬تبعثرت‬ ‫كهوفها السرية وأكثر من ول ّ‬ ‫أضرحتهم على المنعرجات الخضراء تحت الجسور‪.‬السيارات‬ ‫والعابرون وحتى الطيور‪ ،‬وكأن شيئا ً ما كان ينتظرهم‬ ‫على الطرف الخر‪.‬‬ ‫هنا القنطرة‪ .‬الفرق الوحيد هو ما في فوقه‪ ..‬تلف نفسها بملءتها‬ ‫السوداء وتخفي سّرها عن كل سائح‪.‬وما‬ ‫تحته‪.‬أقرب جسر لبيتي ولذاكرتي‪ .‬‬ ‫كل شيء كان يبدو مسرعا ً على هذا الجسر‪ .‬‬ ‫وحدي تستوقفني هذه الهاوية الموغلة في العمق‪.‬كثيرا‪..‬‬ ‫ترى لنني أتيتها بأفكار مسبقة وذاكرة متوارثة؟ أم‬ ‫سلكت هذا الطريق‪ ،‬لنفرد بهذه المدينة على جسر؟‬ ‫***‬ ‫هنالك حماقات يجب عدم ارتكابها‪ ،‬كأن تأخذ موعدا ً مع‬ .‬‬ ‫ربما كان بعضهم يجهل آنذاك أن الذي يبحث عنه‪ ،‬قد‬ ‫يكون تركه خلفه‪ ،‬وأنه في الحقيقة‪ ،‬ل فرق بين‬ ‫طرفي الجسر‪ ..‬أعبرها‬ ‫تلقائيا وكأنني أرسمها‪ ،‬مشيا ً على القدام‪ ،‬بين الدوار‬ ‫المبهم والتذكار وكأنني أعبر حياتي‪ ،‬أجتاز العمر من‬ ‫طرف إلى آخر‪..‫ها هي مدينة تتربص بكل فاتح‪ .‬‬ ‫تلك الهاوية المخيفة التي يفصلك عنها حاجز حديدي ل‬ ‫أكثر‪ ،‬والتي ل يتوقف أحد لبنظر إليها‪ ،‬ربما لن‬ ‫النسان بطبعه ل يحب أن يتأمل الموت‪ .

‬‬ ‫كان جدّي يومها أضعف من أن يقف بمفرده في وجه‬ ‫ذلك المر القاطع بالقتل‪ ..‬‬ ‫مدينة ل يهمها غير نظرة الخرين لها‪ ،‬تحرص على‬ .‬‬ ‫ماذا تراني جئت أبحث هنا‪ ،‬في هذا الجسر المعلّق‬ ‫على ارتفاع مئة وسبعين مترا ً من جوف الرض‪ ،‬والذي‬ ‫تعبره أسراب الغربان على عجل؟‬ ‫تراني أبحث عن بقايا جدّ ما‪ ،‬كان اسمه أحمد‪ .‬‬ ‫ولذا عندما أرسل الباي من يحضره إليه‪ .‬‬ ‫يبدو أنه كان ل يحب رواية هذه الحادثة‪ .‬عندما‬ ‫جاءه خبر خيانته وتآمره عليه مع بعض وجهاء قسنطينة‬ ‫للطاحة به‪ ..‬كان جدي‬ ‫جثة في هوة سحيقة كهذه‪ ،‬أسفل وادي الرمال‪ ،‬فقد‬ ‫رفض أن يمنح الباي شرف قتله‪.‫ذاكرتك على جسر‪.‬‬ ‫سمعت هذه القصة مرة واحدة من فم أبي‪ ،‬يوم سألته‬ ‫عن سر هذا السم الذي نحمله‪.‬‬ ‫أعيد نظري إلى أسفل‪..‬‬ ‫هذه هي قسنطينة‪...‬ولم تعد إلى‬ ‫قسنطينة إل بعد جيل وأكثر‪ ،‬باسم ٍ لمدينة أخرى‪.‬ليترك حزنه وجرحه إرثا ً لتلك العائلة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫قصة جدك البعيد الذي رمى بنفسه يوما من جسر ربما‬ ‫كان هذا‪ .‬‬ ‫ورجل ثقته‪....‬هو الذي كان مبعوثه ورسوله الخاص‪.‬‬ ‫خاصة عندما تتذكر فجأة‪ ،‬تلك القصة التي نسيتها تماماً‬ ‫منذ سنين‪.‬يقال‬ ‫ل وعلم كبير‪ ،‬وأنه رمى يوما ً كل‬ ‫إنه كان وسيما ً وذا ما ٍ‬ ‫شيء من هنا‪ .‬بعدما توعده أحد البايات بالقتل‪ .‬وكان أيضا ً أكبر من أن يُقاد‬ ‫ليقف بين يدي ذلك الباي ذليلً‪..‬فقد كان‬ ‫النتحار في حدّ ذاته عارا ً وكفرا ً في مجتمع قسنطيني‬ ‫متدين‪ .‬ولهذا هاجرت عائلتنا بعد ذلك إلى غرب الجزائر‬ ‫مستبدلة باسم نكرة اسمها الول‪ .

‬ما الذي جئت أفعل هنا فوق هذا‬ ‫الجسر؟‬ ‫تراني على موعد مع ذاكرتي‪ ،‬أم فقط مع لوحتي في‬ ‫هذا الصباح؟‬ ‫ها أنا أقف أمامها اليوم دون فرشاة ول ألوان‪ ،‬وبل‬ ‫قلق أو خوف من مربّع القماش البيض‪.‬على لوح ٍ‬ ‫قطرة للو ٍ‬ ‫أرسمه‪ ...‬كأنني أخترقها‬ ‫لسكنها إلى البد‪...‬‬ .‬‬ ‫سام‪ ،‬أن يتوحد مع لوحته‬ ‫أليست هذه أجمل نهاية لر ّ‬ ‫في مشهد واحد؟‬ ‫كنت أدري في تلك اللحظة وأنا أنظر إلى الوهاد‬ ‫العميقة تحتي‪ ،‬إلى تلك النفاق الصخرية التي‬ ‫ي‪ ،‬أن "الهاوية النثى"‬ ‫يشطرها نهر الرمال ببطء زبد ّ‬ ‫ي أخير‪،‬‬ ‫كانت تستدرجني إلى العمق‪ ،‬في موت شبق ّ‬ ‫ي مع‬ ‫ربما كان فرصتي الخيرة للتوحد الجسد ّ‬ ‫قسنطينة‪ ،‬ومع ذاكرة جدّ بدأت أشعر بتواطؤ غامض‬ ‫معه‪.‬لست ر ّ‬ ‫مبدعها‪ .‬‬ ‫وتشتري شرفها بالدم تارة‪ .‬‬ ‫يمكنني أن أجتاز هذا الحاجز الحديدي الذي يفصلني‬ ‫عنها‪ ،‬وكأنني أجتاز إطار لوحة‪ .‬‬ ‫سامها ول‬ ‫أنا لست خالقها في هذه اللحظة‪ .‬‬ ‫تراها تغيّرت؟‬ ‫أذكر أنني سمعت وأنا شاب بعائلة غادرت قسنطينة‬ ‫فجأة إلى مدينة أخرى‪ ،‬بعدما شاع أن إحدى الغاني‬ ‫التي ما يزال يغنّيها "الفرقاني" اليوم‪ ،‬قد نظمها‬ ‫أحدهم تغّزل ً في إحدى بناتها!‬ ‫ويظل السؤال‪ .‬فرسمني‪.‬ويمكنني أن أصبح حتى جزءا ً من‬ ‫تفاصيلها وتضاريسها‪.‬أنا جزء منها‪ .‬‬ ‫أتدحرج نحو هذا الوادي الصخري العميق نقطة بشرية‪،‬‬ ‫ة أبدية‪ ،‬لمنظر أردت أن‬ ‫ن ما‪ .‫صيتها خوفا ً من القيل والقال الذي تمارسه بتفوق‪..‬والبُعد والهجرة تارة‬ ‫أخرى‪.

‬‬ ‫ر جنوني‪ ،‬ربما بحثا ً عن الجنون في‬ ‫ألم آت هنا إثر قرا ٍ‬ ‫مدينة تكاد تحترفه! ولذا بدأت أتلذّذ سرا ً بهذه اللعبة‬ ‫الموجعة‪ ،‬وأحرص على أن أعيش صدماتي بمازوشيّة‬ ‫مدة‪ .‬فمتى‬ ‫بالتحديد وضعتني قسنطينة في خانتهم؟‬ ‫ورغم ذلك أعترف‪ ،‬أنني لم أكن يومها مستعدا ً للموت‪..‬مح ّ‬ ‫النساء لتلك المناسبة من "براج" وحلويات وقهوة‪.‬‬ ..‬‬ ‫لقد وصلت بمرارتي وخيبتي حد الطمأنينة والسعادة‬ ‫المبهمة‪.‬وأزهار النرجس المنثور بين‬ ‫الممرات الخضراء‪ ،‬والتي كان أهل قسنطينة يأتون‬ ‫ملين بما أعدّته‬ ‫إليها كل سنة لستقبال الربيع‪ .‬‬ ‫فلقد تعلّمت أن أسخر من استفزاز الشياء لي‪،‬‬ ‫وأقابل تلك المواجهة مع الذاكرة بشيء من التهكم‬ ‫المّر‪.‬‬ ‫أيكون ذلك الحساس جاءني‪ ،‬وأنا ألمح من حيث كنت‬ ‫تلك السفوح الجبلية التي كانت يوما ً مرشوشة‬ ‫بشقائق النعمان‪ ..‬‬ ‫فجأة تطيّرت منه‪ ،‬أن الذي أولعت به طويل ً وحولته‬ ‫إلى ديكور لحياتي‪ ،‬بعدما أحطت نفسي بأكثر من‬ ‫نسخة منه‪..‬ولكن لنني وصلت بذلك‬ ‫ليس تمسكا ً من ّ‬ ‫الحزن الجارف العميق الذي اجتاحني منذ وطئت هذه‬ ‫المدينة‪ ،‬إلى عاطفة غامضة متطرفة أخرى‪.‬‬ ‫ي بالحياة‪ .‬وحدهم الغرباء هنا يشعرون بالدوار‪ .‬فربما كانت خيبتي اليوم مع هذه المدينة‪ ،‬هي‬ ‫متع ّ‬ ‫منجم جنوني وعبقريتي القادمة‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك قررت فجأة أن أهرب من ذلك الجسر الذي‬ ‫كان بداية جنوني يوماً‪.‫ترى شهوة السقوط والتحطم هي التي أشعرتني‬ ‫ذ بالدوار‪ ،‬وأنا معلّق على ذلك الجسر وحدي؟‬ ‫عندئ ٍ‬ ‫وإذا بي أشعر فجأة بالخجل من هذه المدينة‪ .‬وأكاد‬ ‫أعتذر لها‪ .

‫والتي تبدو اليوم حزينة‪ ،‬وكأن أزهارها غادرتها لسبب‬ ‫غامض؟‬ ‫أم تراه منظر مزار (سيدي محمد الغراب) الذي يعود‬ ‫فجأة إلى الذاكرة‪ .‬ولعنه واعدا ً إياه بنهاية ل تقل قسوة ول‬ ‫ظلما ً عن نهاية الولي الذي قتله‪.‬‬ ‫ماذا لو لحقتني دون أن أدري اللعنة التي لحقت‬ ‫صالح باي أكبر بايات قسنطينة على الطلق بسبب‬ ‫هذا الجسر؟ هو الذي كان يريد أن يختم إنجازاته‬ ‫المعمارية الهائلة‪ ،‬وإصلحاته المختلفة التي وهبها‬ ‫لتلك المدينة‪ ،‬بإصلح جسر القنطرة‪ ،‬اللسان الترابي‬ ‫الوحيد الذي كان يربط المدينة بالخارج‪ ،‬والجسر‬ ‫الوحيد الذي صمد من بين خمسة جسور رومانية‪.‬‬ ‫فما كان من صالح باي إل أن غادر بيته وأراضيه إلى‬ ‫البد‪ ،‬تطيّرا ً من ذلك الغراب‪ ،‬واكتفى بداره في‬ ‫المدينة‪.‬وعندما سقط رأس الرجل‬ ‫الولي على الرض‪ ،‬تحول جسمه إلى غراب‪ ،‬وطار‬ ‫متوجها ً نحو دار صالح باي الريفية التي كانت على تلك‬ ‫السفوح‪ .‬فتعبرني قشعريرة‬ ‫غامضة‪.‬‬ ‫هكذا أطلق الناس على ذلك المكان اسم "سيدي محمد‬ ‫الغراب"‪ ،‬ليبقى بعد قرنين مزار المسلمين واليهود‬ ‫في قسنطينة‪ ،‬يأتونه في نهايات السبوع وفي‬ ‫المواسم‪ ،‬لقضاء أسبوع كامل يرتدون خلله ثياباً‬ ‫وردية‪ ،‬يؤدون بها طقوسا ً متوارثة جيل ً عن جيل‪،‬‬ ‫مون في المياه‬ ‫فيقدّمون له ذبائح الحمام‪ ،‬ويستح ّ‬ ‫م السلحف‪،‬‬ ‫الدافئة لبركته الصخرية حيث كانت تستح ّ‬ ‫ويعيشون على شرب "العروق" ل غير‪ ،‬والستسلم‬ .‬‬ ‫تقول أسطورة شعبية‪ ،‬إن هذا الجسر كان أحد أسباب‬ ‫هلك (صالح باي) ونهايته المفجعة‪..‬وإذا بي أستعيد ما قرأته عنه مؤخراً‬ ‫في كتاب تاريخي عن قسنطينة‪ .‬‬ ‫فقد قتل فوقه (سيدي محمد)‪ ،‬أحد الولياء الذين كانوا‬ ‫يتمتّعون بشعبية كبيرة‪ .

‬‬ ‫فمن عساه يحاسبها على جنونها‪ ،‬ومن عساه يحسم‬ ‫موقفه منها‪ ،‬حبا ً أو كراهية‪ .‬‬ ‫أبحث في ذلك الجو العائلي الذي افتقدته طويل ً عن‬ ‫طمأنينة أخرى خارج فضائها‪.‬‬ ‫تمنح الخلود لمن تشاء‪ ،‬وتنزل العقاب بمن تشاء‪.‬‬ ‫ل فرق بين لعنتها ورحمتها‪ ،‬ل حاجز بين حبّها‬ ‫وكراهيّتها‪ ،‬ل مقاييس معروفة لمنطقها‪.‬‬ ‫فيها اسم ول ّ‬ ‫وخلّدت من بين واحد وأربعين بايا ً حكمها‪ ،‬اسم صالح‬ ‫باي وحده‪ ،‬فكتبت فيه أجمل أشعارها‪ ،‬وغنّت فجيعة‬ ‫موته في أجمل أغنية رثاء‪ .‬بين القاتل والقتيل‪.‬وربما‬ .‬عن وصفة أخرى‬ ‫للنسيان‪...‬‬ ‫ولكن قسنطينة‪ ،‬لم تحقد على بايها الذي وهبها الكثير‬ ‫من الوجاهة والرفاهية‪.‬ومازالت تلبس حداده حتى‬ ‫اليوم مع ملءات نسائها السوداء‪ .‫لنوبات رقص بدائية‪ ،‬في حلقات جماعية يؤدونها في‬ ‫الهواء الطلق‪ .‬‬ ‫س ّ‬ ‫ي‬ ‫صنعت من (سيدي محمد الغراب) أشهر مزار ول ّ‬ ‫قسنطيني على الطلق‪ ،‬في مدينة يحمل كل شارع‬ ‫ي‪.‬على وقع بندير "الفقيرات"‪.‬دون أن‬ ‫يعترف أنها تحمل في كل الحالت ضدّها؟‬ ‫***‬ ‫في كل يوم كنت أقضيه في تلك المدينة‪ ،‬كنت أتورط‬ ‫أكثر في ذاكرتها‪ ،‬فرحت أبحث في سهراتي مع‬ ‫حسان‪ ،‬وأحاديثنا الجانبية الطويلة‪ ،‬التي تمتد بنا أحياناً‬ ‫حتى ساعة متأخرة من الليل‪ ..‬‬ ‫كان لوجودي في ذلك البيت العائلي الذي أعرفه‬ ‫ويعرفني‪ ،‬تأثير على نفسيّتي في تلك اليام‪ ..‬‬ ‫وت فقط بطيبة أو بجنون‪ ..‬دون أن تدري!‬ ‫هذه هي قسنطينة‪..‬إجراما ً أو براءةً‪ ..

.‬أم تخيّلته‪.‫ي الذي لم أتو ّ‬ ‫قعه‪ .‬‬ ‫تمنّيت لو طلبت من عتيقة أن تضع لي في المستقبل‬ ‫فراشا ً على الرض‪ ،‬تماما ً كما تفعل مع أولدها الذين‬ ‫ينامون في الغرف الخرى‪ ،‬على فراش أرضي مشترك‬ ‫يوحي بالدفء والرغبة بالنزلق تحت أغطيته الصوفية‬ ‫ن لم أعد أدري‬ ‫الجميلة التي تثير غيرتي وحنيني لزم ٍ‬ ‫لبعده‪ ،‬إن كنت عشته حقاً‪ .‬‬ ‫وكنت أوكّد له كل مرة‪ ،‬أنني اكتشفت بفضله أنني‬ ‫أسعد أكثر بالنوم على الرض‪ .‬فقد كانت عتيقة تشارك أحيانا ً في‬ .‬‬ ‫وكان زياد يحتج ويشعر بشيء من الحراج‪ ،‬معتقداً‬ ‫أنني أفعل ذلك مجاملة له‪.‬‬ ‫ودت وقتها أن أترك له سريري‪ ،‬وأنام على فراش‬ ‫تع ّ‬ ‫آخر وضعته على الرض في غرفة أخرى‪.‬‬ ‫أختبئ في جوف أم وهمية‪ ،‬مازال مكانها هنا فارغاً‬ ‫ٍ‬ ‫منذ ثلثين سنة‪.‬‬ ‫ولكن أيعقل أن أطلب هذا الطلب من عتيقة؟ هي‬ ‫التي أعطتني أجمل غرف بيتها‪ ،‬غرفة نومها العصرية‬ ‫ل‬ ‫المعدّة لستقبال الضيوف‪ ،‬أكثر منها لقضاء ليا ٍ‬ ‫زوجية‪ ..‬بل وتلك اليام التي كانت تخ ّ‬ ‫كل خريف‪ ،‬لغسل الصوف وتجديد تلك المطارح‬ ‫الصوفية التي كانت الثاث الساسي لغرفة نومي‪..‬‬ ‫يحدث في تلك الليالي أن أذكر زياد‪ ،‬يوم أقام عندي‬ ‫لبضعة أشهر في الجزائر‪ ،‬عندما رفض مستأجره أن‬ ‫يجدّد له عقد إيجار البيت‪.‬فقد كان ذلك الفراش‬ ‫الرضي يذكّرني بطفولتي وبنومي إلى جوار أمي لعدة‬ ‫سنوات‪ ،‬على ذلك المطرح الصوفي الذي ما زلت أذكر‬ ‫ما)‬ ‫صصها (أ ّ‬ ‫لونه الزرق‪ .‬لقد كنت أعود إليه‬ ‫كان سندي السر ّ‬ ‫كل ليلة‪ ،‬وكأنني أصعد نحو دهاليز طفولتي البعيدة‪،‬‬ ‫لصبح جنينا ً من جديد‪.‬للحب؟‬ ‫لو فعلت هذا فلربما أحرجتها‪ ،‬ولما وجدت تفسيراً‬ ‫لجنوني هذا‪ .

.".‬‬ ‫كان يقول‪" :‬لكي تكون سعيدا ً عليك أن تنظر إلى من‬ ‫تحتك‪ .‬‬ ‫بل كثيرا ً ما يتقاسمون مع أهلهم وأقاربهم‪ ،‬الشقة‬ ‫الضيقة التي تكون بيتا ً لعائلتين لعدة سنوات‪.‫ضراً‬ ‫سهرتنا‪ ،‬وتحاول أن تستنجد بي‪ ،‬بصفتي رجل ً متح ّ‬ ‫قادما ً من باريس‪ ،‬لقنع أخي بالتخلي عن هذا البيت‬ ‫العربي القديم‪ ،‬وهذه الطريقة المتخلّفة في العيش‪...‬‬ ‫ولنني لم أكن أملك القدرة على إقناعها برأيي‪ ،‬ول‬ ‫الجرأة على معاكسة رأيها‪ ،‬كنت أكتفي بالستماع إلى‬ ‫نقاشها مع حسان‪ ،‬ذلك النقاش الذي يكاد يتحول‬ ‫أحيانا ً إلى شجار قبل أن تنسحب هي إلى النوم‪،‬‬ ‫ويعلّق حسان شبه معتذر‪:‬‬ ‫"ل يمكن أن تقنع امرأة تشاهد مسلسل (دالس) على‬ ‫التلفزيون‪ ،‬أن تسكن بيتا ً كهذا وتحمد الله‪ .".‬وأما إذا‬ ‫رفعت رأسك كثيرا ً ونظرت لمن في يدهم قطعة‬ ‫"كعك" فأنت لن تشبع‪ ،‬بل ستموت قهرا ً فقط‪.‬‬ ‫وتكاد تعتذر لي عن كل الشياء التي كانت تبدو في‬ ‫نظري جميلة‪ .‬ونادرة‪..‬‬ ‫وتتعس باكتشافك!"‪..‬‬ ‫هكذا كان حسان‪.‬وأعجب بفلسفته في الحياة‪.‬‬ .‬‬ ‫"لقد كانت نظرته إلى الشياء نظرة عمودية‪ ،‬فقد تعلم‬ ‫كل ما تعلمه في صباه على سبورة بالحائط‪.‬فإذا كان في يدك قطعة رغيف‪ ،‬ونظرت لمن‬ ‫ليس في يده شيء‪ ،‬ستسعد وتحمد الله‪ ..‬بل وعشرات اللف الذين لم يجدوا بيتاً‬ ‫واسعا ً كهذا يسكنونه بمفردهم مع أولدهم وزوجتهم‪.‬ل بد أن‬ ‫يوقفوا هذا المسلسل‪ ،‬ماداموا عاجزين عن منح الناس‬ ‫سكنا ً محترماً‪ .‬وحياة أفضل‪.‬‬ ‫كنت أحسد قناعة حسان‪ ..‬‬ ‫وهكذا ففي نظر حسان أن العيش في بيت كهذا برغم‬ ‫كل سلبياته التي تبدو أحيانا ً مزعجة‪ ،‬بتفاصيلها‬ ‫الصغيرة التي تجاوزها العصر‪ ،‬يظل أفضل مما يعانيه‬ ‫آلف الناس‪ .

‬ل غير!‬ ‫عندما عرفت أمنيته البسيطة الصعبة‪ ،‬حزنت وأنا‬ ‫أكتشف أننا لم نكن متخلّفين عن أوربا وفرنسا فقط‪،‬‬ ‫كما كنت اعتقد‪ ،‬وإل لهان المر‪ .‬لقد كنا‬ ‫متخلّفين عما كنّا عليه منذ نصف قرن وأكثر‪ .‬وأحلمنا أكبر‪.‬ولكنه كان يحتفظ بها لنفسه‪.‬وأما هو فلم يكن يجرؤ على الحلم‪،‬‬ ‫أو بالحرى كان يحلم آنذاك بالعثور على شخص‬ ‫يتوسط له ليحصل على ثلجة جديدة‪ .‬ومحدود الحلم!‬ ‫َ‬ ‫م يمكن أن يحلم أستاذ للعربية يقضي يومه في‬ ‫فب ِ َ‬ ‫شرح النصوص الدبية‪ ،‬وسرد سيرة الكتّاب والشعراء‬ ‫القدامى على تلميذه‪ ..‬يوم كنّا‬ ‫تحت الستعمار‪.‬‬ ‫يومها كنّا وطنا ً يصدّر الحلم‪ .‬وبدا منطقياً‪ .‬ول عداً‪...‬‬ ‫يومها كان لنا من المفكرين والعلماء‪ .‬وتصحيح أخطائهم النحوية‬ ‫والنشائية‪ ،‬ول يجد متسعا ً من الوقت _أو الجرأة_‬ ‫لشرح ما كان يحدث أمامه‪ ،‬وتصحيح أخطاء أكبر ترتكب‬ ‫على مرأى منه باسم كلمات خرجت فجأة من اللغة‪،‬‬ ‫لتدخل قاموس الشعارات والمزايدات؟‪...‬‬ ‫وكانت هذه المدينة بمفردها تصدّر من الجرائد‬ ‫والمجلت والكتب ما ل تصدّره اليوم المؤسسات‬ ‫الوطنية ل نوعاً‪ .‫وكان سعيدا ً بتلك النظرة التي قد تعود أيضا ً إلى‬ ‫عقليته كموظف محدود الدخل‪ .‬‬ ‫يكفي أن تتأمل وجوه الناس اليوم وأن تسمع‬ ‫أحاديثهم وأن تلقي نظرة على واجهات المكتبات‬ ‫لتفهم ذلك‪.‬‬ ‫يومها كانت أمنياتنا أجمل‪ .‬مع كل نشرة أخبار إلى‬ ‫كل شعوب العالم‪...‬والشعراء‬ ..‬‬ ‫كان في أعماق حسان مرارة غامضة تبدو على كل‬ ‫تفاصيل حياته‪ .‬‬ ‫من الواضح أنه كان متعبا ً وغارقا ً في مشكلت أولده‬ ‫الستّة وزوجته الشابة التي تحلم بحياة أخرى غير حياة‬ ‫قسنطينة المغلقة‪ .

‬لقد تحولنا إلى أمة من النمل‪ ،‬تبحث عن قوتها‬ ‫وجحر تختبئ فيه مع أولدها ل أكثر‪....‬أو حتى دواليبها فقط! ول‬ ‫أحد عنده متسع من الوقت والعصاب ليذهب أكثر من‬ ‫هذا‪ ،‬ويطالب بأكثر من هذا‪..‬ثم‬ ‫قال بشيء من الحسرة‪:‬‬ ‫ صحيح‪ .‬‬ ‫ي حياة‬ ‫فكيف تريد أن نفكّر في أشياء أخرى‪ ،‬عن أ ّ‬ ‫منا الحياة ل غير‪ ..‬وانتصارات فردية وهمية‪ ،‬قد تكون‬ ‫بالنسبة للبعض الحصول على شقة صغيرة بعد سنوات‬ ‫من النتظار‪ .‬أو قد تكون الحصول على ثلجة‪ ،‬أو‬ ‫التمكن من شراء سيارة‪ .‬أهلكتنا هموم الحياة اليومية المع ّ‬ ‫قدة‬ ‫التي تحتاج دائما ً إلى وساطة لحل تفاصيلها العادية‪.‬لقد كانت الكتب دائماً‬ ‫تنتقل إليك وأنت تتص ّ‬ ‫على صواب في ذلك العهد‪ ،‬وكان الواحد منّا فصيحاً‬ ‫يتكلم كما تتكلم الكتب‪..‬لقد خلقوا لنا أهدافا ً صغيرة ل علقة لها‬‫بقضايا العصر‪ .‬وما عدا هذا‬ ‫ثقافية تتحدث؟ نحن ه ّ‬ ‫ترف‪ .‬‬ ‫ولذا تقلّص صدقنا‪ .‬مثلها مثل الجرائد‪.‫والظرفاء والكتاب‪ ،‬ما يملنا زهوا ً وغرورا ً بعروبتنا‪.‬‬ ‫ولم يعد أحد يجلس إلى كتاب ليتعلّم منه شيئاً‪ ."..‬وماتت فصاحتنا‪ ،‬منذ أصبح حديثنا‬ ‫يدور فقط حول المواد الستهلكية المفقودة!‬ ‫عندما قلت يومها هذا الكلم لحسان‪ ،‬ظل يتأملني‬ ‫بذهول وكأنه اكتشف شيئا ً لم ينتبه له من قبل‪ .‬لقد‬ ‫أصبح البؤس الثقافي ظاهرة جماعية‪ ،‬وعدوى قد‬ ‫فح كتاباً‪ " ..‬‬ ‫اليوم‪ .‬‬ ‫واليوم أصبحت الكتب تكذب أيضاً‪ ....‬‬ ‫سألته بسذاجة‪:‬‬ ‫‪ -‬وماذا يفعل الناس؟‬ ..‬‬ ‫نحن متعبون‪ .‬لم يعد أحد يشتري الجرائد ليحتفظ بها في‬ ‫خزانة‪ ،‬إذ لم يعد في الجرائد ما يستحق الحفظ‪..

.‬جاء معظمهم من القرى و المدن الصغيرة‬ ‫المجاورة‪..‬أو في المآتم!‬ ‫وقبل أن أعلّق على كلمه‪ ،‬أضاف وكأنه تذكّر شيئاً‪:‬‬ ‫‪ -‬سأعرفك على ناصر ابن سي الطاهر‪ .‬ما‬‫عدا هذا ليس لي أحد‪ .....‬والحجة نفسها!‬ ‫يومها خفت على حسان من تلك المدينة‪ .‬البعض ينتظر‪ .‬والبعض يسرق‪.‬‬ ‫ي أسماء عائلت كبيرة هاجرت أو راحت‬ ‫وراح يسرد عل ّ‬ ‫تستقر في العاصمة أو في الخارج‪ ،‬لتترك تلك المدينة‬ ‫لخرين‪ .‫قال مازحاً‪:‬‬ ‫ الناس‪.‬لقد فرغت قسنطينة من أهلها‪،‬‬ ‫ورحلت كل العائلت القديمة التي عرفناها‪.‬وكأنني أسأله أي الوصفات الثلثة‬ ‫أختار‪:‬‬ ‫ وهل لك أصدقاء هنا تلتقي بهم‪ ...‬‬ ‫قبل أن يضيف تلك الجملة التي لم تستوقفني‬ ‫ساعتها‪ ،‬والتي أخذت بعد ست سنوات كل أبعاد القدر‬ ‫الحمق‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ لقد أصبح سكان هذه المدينة الصليون‪ ،‬ل يزورونها‬‫سوى في العراس‪ .‬‬ ‫سألته دون تفكير‪ ....‬وانتابتني‬ ‫فجأة قشعريرة مبهمة‪..‬من المؤكد‬ .‬وتخرج معهم؟‬‫أجابني وكأنه يعجب لسؤالي‪ ،‬أو يسعد لهتمامي‬ ‫المفاجئ بكل تفاصيل حياته‪:‬‬ ‫ لي أصدقاء معظمهم مدرسون معي في الثانوية‪ .‬‬‫والبعض الخر ينتحر‪ ،‬هذه مدينة تقدم لك الختيارات‬ ‫الثلثة بالمبررات نفسها‪ ..‬؟ ل شيء‪ .

.‬إنه‬ ‫الوحيد الذي قام بهجرة معاكسة‪ .‬والحقيقة أنني عاجز عن نصحه‪ ...‬أم المعرفة‬ ‫وتوازنه الداخلي؟‬ ...‬وشعرت برغبة في إطالة ذلك‬ ‫الحديث الذي كان يؤدي إليك بطريقة‪ .‬إنه‬ ‫زمن ال ّ‬ ‫شطارة‪ .‬ولكنه مازال ضائعا ً متردداً‪،‬‬ ‫يفكر أحيانا ً في مواصلة دراسته‪ ،‬ثم أحيانا ً أخرى في‬ ‫التفّرغ للتجارة‪ .‬لقد رفض حتى منحة‬ ‫إلى الخارج‪ ..‬ومن ناحية‬ ‫أخرى‪ ،‬لم تعد تفيد الشهادات اليوم في شيء حسب‬ ‫قوله‪ ،‬وهو يرى شبابا ً بشهادات عليا عاطلين عن‬ ‫العمل‪ ،‬وآخرين جهلة يتن ّ‬ ‫قلون في سيارات مرسيدس‬ ‫ويسكنون فيلت فخمة‪ ..‬‬ ‫ضحكت وأنا أكتشف هذا التطرف الذي يذكّرني بك‪،‬‬ ‫وكأنه سمة عائلية‪ ."..‬فكيف يمكن أن تقنع اليوم صديقك أو‬ ‫حتى تلميذك بالتفاني في المعرفة؟‪ .‬عندما سألته‬ ‫لماذا لم يسافر مثل الخرين ويهرب من هذا البلد‪،‬‬ ‫قال لي‪" :‬أخاف إن سافرت أل أعود أبداً‪ ..‬فمن‬ ‫المؤسف أن ينقطع إنسان عن دراسته العليا‪ ،‬لنه‬ ‫سيظل يشعر بذلك النقص طوال حياته‪ .‬سترى‪ .‬‬ ‫قلت لحسان‪:‬‬ ‫المهم أن يعرف النسان ما هو هدفه الحقيقي في‬ ‫الحياة‪ .‬لقد اختلت‬ ‫المقاييس نهائياً‪.‬هل المال هو مشكلته الولى‪ ..‬أو بأخرى‪..‬تصور! ل أحد يصدّق هذا‪ .‫د لحضور زواج أخته‪ .‬ليس هذا زمنا ً للعلم‪ .‬لقد‬ ‫أنه سيأتي بعد غ ٍ‬ ‫ي منذ‬ ‫أصبح رجل ً بطولك وبضخامتك‪ ،‬وهو يتردد عل ّ‬ ‫بضعة أشهر‪ ،‬منذ قّرر أن يستقر في قسنطينة‪ ...‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ وماذا يفعل الن؟‬‫ لقد أعطوه بصفته ابن شهيد محل ً تجاريا ً وشاحنة‬‫يعودان عليه بدخل كبير‪ ..‬كل أصحابي‬ ‫الذين سافروا لم يعودوا‪.

.‬أو تقيم عرسا ً بها يغنّي‬ ‫فيه "الفرقاني"؟ أما إذا كان كل ما تملكه ل يتجاوز‬ ‫العشرين ألف دينار‪ .‬وهكذا يمكنك أن تؤدي‬ ‫ليبيع جوازات سفر إلى الح ّ‬ ‫فريضتك وتحجز لك غرفة صغيرة في الخرة‪ .‬‬ ‫سوى أن تدفعها عمولة لتحصل على شقة غير صالحة‬ ‫للسكن في معظم الحيان‪ .‫ردّ حسان مازحاً‪:‬‬ ‫ توازن‪.‬أحقا ً تقول‪ ...‬بعدما‬ ‫ضاقت بك الدنيا!‬ ‫صحت عجباً‪:‬‬ ‫ واش‪ ..‬ول الجاهلون ول‬ ‫البسطاء ول الغنياء‪ ...‬‬ ‫وماذا يمكن أن تفعل بأموالك في قسنطينة مثلً‪.‬لن الحكومة حددت عدد الحجاج كل عام‬‫بسبب تكاليفهم الباهظة بالعملة الصعبة‪ ،‬بعدما‬ ‫اكتشفت أن معظمهم يسافر عدة مرات لسباب ل‬ ‫علقة لها بالحج‪ ،‬وإنما لغراض تجارية محض‪ .‬لكثرة معارفه وعرض أكتافه‪!.‬هؤلء مازالوا‬ ‫يسافرون كل عام للحج‪ ...‬إن المشكل الحقيقي هو هذا الجو‬ ‫ب بأكمله‪......‬قل لي يرحم والديك‪ .‬نحن شعب نصف‬‫مخت ّ‬ ‫ل‪ ..‬وتغيير‬ ‫العملة الصعبة في السواق السوداء‪ .‬ول ماذا‬ ‫ينتظر بالتحديد‪ .‬هل يبيعون جوازات سفر إلى‬‫الحج بمليونين!؟‬ ‫ طبعاً‪ .‬فل المثقفون سعداء‪ ...‬ماذا يمكن‬ ‫أن تفعل بعلمك إذا كنت ستنتهي موظفا ً يعمل تحت‬ ‫جد في منصبه مصادفة ليس‬ ‫و ِ‬ ‫إشراف مدير جاهل‪ُ ،‬‬ ‫لسعة معرفته‪ ،‬وإنما‪ .‬ل أحد فينا يدري ما يريد بالضبط‪ .‬‬ ‫الذي يعيشه الناس‪ ،‬وهذا الحباط العام لشع ٍ‬ ‫إنه يفقدك شهية المبادرة والحلم والتخطيط لي‬ ‫مشروع‪ .‬يمكنهم أن يحصلوا على‬ .‬فيبقى أمامك أن تدفعها "شراب‬ ‫ي موظّف آخر‪،‬‬ ‫ي يختبئ خلف أ ّ‬ ‫قهوة" لمسؤول محل ّ‬ ‫ج‪ .‬؟ عن أي توازن تتحدث‪ .‬وإل‬ ‫كيف تفسر أن يكون بعضهم قد حج ست مرات أو‬ ‫سبعا ً دون أن يكون ذلك واضحا ً على سلوكه وأخلقه؟‬ ‫أنا أعرف حاجا ً "سوكارجي" ل تفارق الخمرة بيته‪،‬‬ ‫وأعرف آخر متفرغا ً للترافيك و"البزنيس"‪ .

.‬كيف يمكن‬ ‫أن تصمد أمام كل هذا المنكر وهذا الظلم دون إيمان؟‬ ‫وحدها التقوى تعطيك القدرة على الصمود‪ .‬وتفيض بهم الشوارع‪ ..‬لوقفت معهم تصلي‬ ‫دون أن تتساءل لماذا!‬ ‫لم أجد شيئا أعلّق به على كلم حسان في تلك السهرة‬ ‫العجيبة‪ ،‬التي طالت بنا حتى الثانية صباحاً‪ ...‬وأما أنا فمن أين لي هذا‬ ‫المبلغ لقوم بتأدية فريضتي‪ ،‬ودخلي ل يتجاوز الربعة‬ ‫آلف دينار في الشهر؟‬ ‫قلت له وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى‪:‬‬ ‫ علش‪ ..‬‬ ‫أهذا هو حسان؟‪.‬ويعري أمامي هذا الوطن الذي كنت‬ ‫كسوته حنينا ً وعشقا ً وجنوناً‪..‫عشرين ألف دينار بسهولة‪ .‬‬ ‫ي من خيبتي‪،‬ويخشى أن يفقد فرحة‬ ‫أكان يخاف عل ّ‬ ‫عودتي إليه وإلى هذا الوطن مرة أخرى‪ ،‬عندما كان‬ ‫يتوقف أحيانا ً عن الحديث لينتقل بي إلى موضوع آخر؟‬ ‫كأن يستدرجني مثل ً بطريقة غير مباشرة إلى الدين‬ ‫وإلى التقوى واليمان‪ .‬‬ ‫عدوى أيضاً! والله يا خالد‪ .‬انظر‬ ‫صل جميع الناس إلى هذه النتيجة وربما‬ ‫حولك‪ :‬لقد تو ّ‬ ‫الشباب أكثر من غيرهم لنهم الضحية الولى في هذا‬ ‫الوطن‪ .‬‬ ‫فتركته يتحدث‪ .‬هل تنوي الحج؟‬‫ طبعاً‪ ..‬ويغريني بالتوبة‪ ،‬وكأن وجودي‬ ‫في فرنسا بحد ذاته قد أصبح ذنبا وكفراً‪..‬ألست مسلماً؟ لقد عدت إلى الصلة‬‫منذ سنتين ولول إيماني لصبحت مجنوناً‪ ..‬فقد كان‬ ‫حسان سعيدا ً بوجودي‪ ،‬وسعيدا ً ببدء العطلة الصيفية‬ ‫ي طويل ً بعد كل هذه‬ ‫التي تسمح له بالسهر والتحدث إل ّ‬ ‫السنوات التي باعدتنا‪.‬وحتى ناصر نفسه أصبح يصلّي منذ عاد إلى‬ ‫قسنطينة‪ ،‬ربما لهذا السبب وربما لن الدين كالكفر‪.‬ولم ل‪ ..‬‬ .‬لو رأيتهم يوم الجمعة‬ ‫يتجهون إلى المساجد باللف حتى تضيق بهم‬ ‫جدرانها‪ .

‬المرأة الوحيدة‬ ‫أكبر ذنوبي على الطلق كنت أن ِ‬ ‫التي لم أمتلكها‪ ،‬والذنب الوحيد الذي لم أقترفه حقاً‪.‬ول كاذباً‪ .‬‬ ‫واحدة‪ ،‬مش ّ‬ ‫كم أحببت من النساء؟‪ .‫لم أمنع نفسي ساعتها من البتسام وأنا أتذكر أنني‬ ‫ي ويسكي كالعادة‪..‬منذ حبّي الول‬ ‫لتلك الجارة اليهودية التي أغريتها‪ ..‬إلى نساء أخريات‪ .‬‬ ‫خمسون سنة من الوحدة‪ .‬واغتصبتك بها‪ ...‬‬ ‫لقد كانت ذنوبي معك‪ ،‬هي ما يمكن أن أسميه "ذنوب‬ ‫اليد اليمنى"‪ ..‬حاولت أن‬ ‫ألخصها‪ ،‬أن أحصرها‪ .‬‬ ‫واستحضرتك بها‪ .‬‬ ‫ت أن ِ‬ ‫وجئ ِ‬ ‫ت‪ .‬‬ ‫فقد كان ل بد أل أشتهيك أن ِ‬ .‬إلى تلك الممرضة‬ ‫التونسية التي أغرتني‪ ..‬‬ ‫لم أكن مجرماً‪ ..‬ول خائناً‪..‬لم أعد أذكر‬ ‫أسماءهن ول ملمحهن‪ ،‬تناوبن على سريري لسباب‬ ‫جسدية محض‪ ،‬وذهبن محملت بي لبقى فارغاًً‬ ‫منهن‪..‬‬ ‫لم تكن لي زوجة ول سرير شرعي استبدلت به آخر‪..‬ول كافرا‪ .‬وهما!‬ ‫د لم يترك لي‬ ‫فهل سيعاقبني الله على ذنوب ي ٍ‬ ‫سواها!؟‬ ‫ل أذكر من قال‪" :‬ليس الفضيلة تجنّب الرذيلة‪،‬‬ ‫الفضيلة في أل تشتهيها!‬ ‫وأعتقد أنني بهذا المفهوم فقط‪ .‬وأل أبدأ رذيلتي معك‪.‬ول‬ ‫سكّيراً‪ ..‬‬ ‫ت‪ ..‬ول مقامراً‪ ..‬فلم أجدها أكبر من ذنوب غيري‪،‬‬ ‫بل وربما وجدتها أقل بدرجات‪.‬اليد الوحيدة التي رسمتك بها‪..‬‬ ‫أحضرت له معي زجاجت ْ‬ ‫تساءلت ليلتها وأنا في فراشي عن ذنوبي‪ .‬لم أعد أذكر‪ .‬‬ ‫ت‪....‬نصفها تماما ً ما يمكن أن‬ ‫ع‬ ‫أس ّ‬ ‫ميه "السنوات المعطوبة" تلك التي قضيتها بذرا ٍ‬ ‫وه الجسد والحلم‪.‬لم أكن رجل ً فاضلً‪..

‬‬ ‫كانت زوجة حسان في تلك السهرة منهمكة في إعداد‬ ‫نفسها للحدث الهام‪ ،‬ولمرافقة الموكب النسائي في‬ ‫الغد إلى الحمام‪ ،‬ثم إلى ليلة الحنة‪.‬‬ ‫د‬ ‫وأنا ل أفعل شيئا ً في النهاية هنا‪ ،‬سوى البحث عن ح ٍ‬ ‫لهذا المدّ والجزر العاطفي الذي أعيشه معك كل‬ ‫لحظة‪.‬أو ليقنعن أنفسهن فقط‪ ،‬أنهن مازلن‬ ‫برغم كل شيء قادرات على إغراء رجل‪ ،‬تماما ً مثل‬ ‫ملنها بحسد‬ ‫تلك العروس التي يرافقنها‪ ...‬‬ ‫وكانت كثيرة الحركة ومشغولة عنا وعن أولدها‬ ‫بهمومها النسائية‪ ،‬وبما ستأخذه في حقيبتها من ثياب‬ ‫للحمام‪ ،‬حيث ستستعرض النساء مثل العادة كل شيء‬ ‫ن الكاذب في‬ ‫حتى ثيابهن الداخلية‪ .‬ولهذا ربما كنت أحبك وأعدل‬ ‫عن حبك‪ .‬‬ ‫لقد كان المر المدهش حقا ً في قصتي معك‪ ،‬أن تكون‬ ‫المبررات التي جعلتني أحبك‪ ،‬هي التي كان يجب أن‬ ‫تجعلني أعدل عن حبك‪ .‬‬ ‫تلك السعادة الغامضة المرة‪ ،‬لنني كنت أدري أن كل‬ ‫شي سوف يحسم في اليومين القادمين‪ ،‬وأنني‬ ‫بطريقة أو بأخرى سأنتهي منك‪.‫كان لحبك طعم المحرمات والمقدسات التي يجب‬ ‫تجنّبها‪ ،‬والتي كنت أنزلق نحوها دون تفكير‪..‬والتي يتأ ّ‬ ‫ي‪.‬‬ ‫كنت أدري أن العاشق مثل المدمن‪ ،‬ل يمكن أن يقرر‬ ‫بمفرده الشفاء من دائه‪ ،‬وأنه مثله يشعر أنه ينزل‬ ‫تدريجيا ً كل يوم أكثر نحو الهاوية‪ ..‬‬ ‫سر ّ‬ .‬‬ ‫وكنت سعيدا ً في تلك الليلة‪..‬أكثر من مرة في اليوم‪ .‬ولكنه ل يمكن أن‬ ‫يقف على رجليه ويهرب‪ ،‬مادام لم يصل إلى أبعد‬ ‫نقطة في الجحيم‪ ،‬ويلمس بنفسه قعر الخيبة‬ ‫والمرارة القصوى‪.‬وبالتطرف نفسه‬ ‫كل مرة‪.‬ليتظاهرن بغناه ّ‬ ‫معظم الحيان‪ .

‬‬ ‫ولكنها لحقت بي حتى الباب لتواصل حديثها‪:‬‬ ‫ على بالك‪ .‬‬ ‫ويرمي بي في الشوارع‪.‬‬ ‫قررت حال استيقاظي أن أهرب من البيت‪ ،‬ومن‬ ‫حديث عتيقة الذي ل ينقطع عن مراسيم الحفل‪ ،‬وعن‬ ‫أسماء الشخصيات والعائلت الكبيرة التي جاءت‬ ‫خصيصا ً لتحضر ذلك الحدث الذي لم تشهد قسنطينة‬ ‫مثله منذ سنوات‪..‬‬‫منذ شهر والطائرة تنقل لوازم العرس‪ .‬يقال إنهم حضروا كل شيء من فرنسا‪..‬ويمكنهم أن‬‫يجلبوا إليه كما أخذوا منه ما شاؤوا!‬ ‫أين أهرب؟‬ ‫ها أنا أوصدت الباب خلفي‪ ،‬وإذا ل شي أمامي‪.‬لو رأيت جهاز‬ ‫العروس وما لبسته البارحة‪ ...‬غدا ً تبدأ طقوس أفراحك‪ ..‬وواحد يوانس فيه‪"!..‬أيها الحزن!‬ ‫***‬ ‫يوقظني الحب المضاد في هذا الصباح الصيفي‪.‬البلد لهم والطائرات أيضاً‪ .‬‬ ....‬‬ ‫ولتصبح على خير‪ .‬وينتهي ذلك الزمن‬ ‫الذي سرقناه من الزمن‪..‫فليكن‪ .‬‬ ‫أجمل الحلم إذن سيدتي في انتظار غدك‪..‬قال لك "واحد‬ ‫عايش في الدنيا‪ .‬‬ ‫أجبتها وأنا أغلق خلفي الباب‪ ،‬وكأنني أغلق بعنف‬ ‫أبواب قلبي‪:‬‬ ‫ ما عليهش‪ ...‬يا حسرة‪ .

.‬أنت تملك الخيار بين أن تمشي‪ ،‬أو تتكئ على‬ ‫جدار‪ ،‬أو تجلس في مقهى لتتأمل الذين يمشون أو‬ ‫يتكئون أمامك‪ .‬‬ ‫هنا‪ .‬الصفار‬ ‫تدور حول نفسها"‪...‬‬ ‫تمنيت لو أنني قرأتها‪ ،‬عساني أجد تفسيرا ً لكل هذه‬ ‫الدوائر التي تحولنا إليها‪.‬على حائط الرصيف المقابل‪.‬‬ ‫رميت بخطاي دون تفكير وسط أفواج المارة الذين‬ ‫يجوبون الشوارع هكذا كل يوم دون جهة محددة‪...‬‬ ‫شعرت في لحظة ما‪ ،‬أننا نطوف جميعا ً حول هذه‬ ‫المدينة الصخرة‪ ،‬دون أن ندري تماماً‪ .‫سواي‪..‬‬ ‫ولى بالّرجم في هذا الوطن؟ من؟ ذلك الجالس‬ ‫من ال ْ‬ ‫فوق الجميع‪ .‬وعلى من‬ ‫نرمي هذا الحصى الذي امتلت به جيوبنا الفارغة‪.‬‬ ‫استوقفني يومها عيناه اللتان وضعوا عليهما غمامة‬ ‫ليتوهم أنه يمشي إلى المام دائماً‪ ،‬ويموت دون أن‬ ‫يكتشف أنه كان يدور في حلقة مفرغة‪ .‬‬ ‫رحت أمشي‪.‬وأنه قضى‬ ‫عمره دائرا ً حول نفسه!‬ ‫ترانا أصبحنا ذلك الجمل الذي ل يكاد ينتهي من دورة‬ ‫حتى يبدأ أخرى تدور به بطريقة أو بأخرى حول همومه‬ ..‬أم أولئك الجالسون فوقنا؟‬ ‫حضرني لحظتها عنوان رواية لمالك حداد‪" ...‬ماذا يجب أن‬ ‫نفعل بغضبنا‪ ،‬ماذا يجب أن نفعل ببؤسنا‪ .‬‬ ‫ثم قادتني أفكاري إلى مشهد شاهدته يوما ً في تونس‬ ‫لجمل مغمض العينين‪ ،‬يدور دون توقف في ساحة‬ ‫(سيدي بوسعيد)‪ ،‬ليستخرج الماء من بئر أمام متعة‬ ‫السواح ودهشتهم‪.

‬كان يكفيه شرف وجودك عنده‪.‬ويخجل نادل أن‬ ‫يلحقك بطلباته‪ .‬أبحث عن‬ ‫المقاهي القديمة تلك التي كان لكل عالم أو وجيه‬ ‫مجلسه الخاص فيها‪ ،‬حيث كانت تعد القهوة على‬ ‫الوجاق الحجري وتقدم بالجزوة‪ .‬في هذا الزمن الذي كبرت فيه‬ .‬‬ ‫أين ذلك المقهى لحتسي فيه هذا الصباح فنجان قهوة‬ ‫نخب ذكراه؟‬ ‫كيف أعثر على مقهى لم يكن كبيرا ً سوى بأسماء‬ ‫رواده؟ كيف أجده‪ .‬تراني لم أعد أعرف المشي إلى المام في خط‬ ‫مستقيم ل يعود بي تلقائيا ً إلى الوراء‪ .‬وفي كل‬ ‫تط ّ‬ ‫اتجاه أسلكه تمشي إلى جواري الذكريات البعيدة‪.‬كان‬ ‫اسمه (مقهى بن بامينة)‪.‬‬ ‫في ذلك الزمن كان لبن باديس المقهى الذي كان‬ ‫يتوقف عنده‪ ،‬وهو في طريقه إلى المدرسة‪ ...‬من أين له هذه القدرة الخارقة على ل َ ّ‬ ‫المستقيمات‪ ،‬وتحويلها إلى دائرة‪ .‬‬ ‫فأمشي نحو الماضي مغمض العينين‪ ...‬وأصفار!‬ ‫ها هي الذاكرة سياج دائري يحيط بي من كل جانب‪..‬إلى هذا‬ ‫الوطن الذاكرة؟‬ ‫ي‬ ‫وهذا الوطن‪ .‫الصغيرة اليومية؟‬ ‫د‬ ‫تُرى هذه الجرائد التي تحمل لنا أكياسا ً من الوعود بغ ٍ‬ ‫أفضل‪ ،‬ليست سوى رباط عينين‪ ،‬يخفي عنا صدمة‬ ‫الواقع وفجيعة الفقر والبؤس الحتمي الذي أصبح‬ ‫لول مرة يتربص بنصف هذا الشعب؟‬ ‫وأنا‪ .‬‬ ‫وكان هنالك (مقهى بو عرعور) حيث كان مجلس‬ ‫بلعطّار وباشتارزي وحيث كنت ألمح أبي أحيانا ً وأنا أمر‬ ‫بهذا الطريق‪...‬‬ ‫وقني أول ما أضع قدمي خارج البيت‪ ..

‬‬ ‫والرجال في بدلتهم الرمادية أو البنية التي ل تختلف‬ ‫عن لون بشرتهم‪ .‬ول لون شعرهم‪ .‬والتي يبدون‬ ‫وكأنهم اشتروها جميعا ً عند خياط واحد‪.‬ولكن هل‬ .‬ذلك اللون القاتم المتدرج والمشترك بين‬ ‫الجنسين‪..‬أم تراني كنت أراها فقط بعيون‬ ‫الماضي وخيبة الحاضر؟‬ ‫رميت بنفسي وسط أمواج الرجال الضائعين مثلي في‬ ‫تلك المدينة‪ ..‬‬ ‫وقلما كان يبدو من بين الحشود نقطة ضوء‪ ،‬أو لون‬ ‫ة صيفية‪.‬‬ ‫نتشابه في كل شيء‪ ،‬وأنفرد وحدي بك‪ .‬فل‬ ‫أملك إل أن أمشي ساعات في الشوارع كما يمشون‪..‬حتى تلك الهيبة التي كانت سمة‬ ‫أهل قسنطينة‪ ،‬وذلك الشاش والبرنس المتألق بياضاً‪،‬‬ ‫أصبح نادرا ًً وباهتا ً اليوم‪.‬‬ ‫النساء ملفوفات بملءاتهن السوداء التي ل يبدو منها‬ ‫شيء سوى عيونهن‪.‬وإذا بها‬ ‫متشابهة وحزينة كوجوه الناس؟‬ ‫لم يعد يميزها شيء‪ .‬‬ ‫ها نحن نتشابه فجأة في كل شيء‪ .‬‬ ‫ي‬ ‫ربما كان أول ما لفت نظري ذلك الصباح‪ ،‬ذلك الز ّ‬ ‫حد لتلك المدينة التي تستيقظ كما تنام بحزن‬ ‫المو ّ‬ ‫غامض‪ .‬‬ ‫مثلهم أملك وقتا ً ورجولة ل أدري ماذا أفعل بها‪ .‬وبؤسي الجنسي الخر‪.‫المقاهي وكثرت‪ ،‬لتسع بؤس المدينة‪ .‬شعرت لول مرة أنني بدأت أشبههم‪.‬‬ ‫ن أو لبدل ٍ‬ ‫زا ٍ‬ ‫ه لفستا ٍ‬ ‫تراني كنت أنظر ذلك الصباح إلى تلك المدينة‪ ،‬بعيون‬ ‫رسام ل تلفت نظره سوى اللوان‪ ،‬ويكاد ل يرى‬ ‫سواها في كل شيء‪ .‬في لون شعرنا‬ ‫ولون بدلتنا وجّر أحذيتنا وخطانا الضائعة على‬ ‫الرصفة‪.‬‬ ‫محمل ً ببؤسي الحضاري‪ .

‬في الملذات الفردية‪.‬‬ ‫هنا كانت أكبر "دار مغلقة" يرتادها الرجال‪ .‬‬ ‫هنا أنفق أبي ثروته ورجولته‪!..‬‬ ‫تتوقف فجأة خطواتي أمام جدران بيت ل يشبه بيوتاً‬ ‫أخرى‪.‬رمى بي وسط هذه الجموع‬ ‫الرجالية‪ ،‬التي تسير ببطء تحت الشمس الصيفية‪ ،‬دون‬ ‫وجهة محددة‪ ،‬ودون أن تدري ماذا تفعل بتلك الشعة‬ ‫التي تختزنها الجساد المحمومة في النهار‪ ،‬وتنفقها‬ ‫اليدي البائسة سّرا ً في الليل‪ .‬‬ ‫وكانت النساء الجميلت والبائسات‪ ،‬يأتين أيضا ً من كل‬ ‫المدن المجاورة ليختفين خلف هذه الجدران المصفرة‪،‬‬ ‫التي ل يخرجن منها إل عجائز لينفقن ثروتهن في‬ ‫الصدقات والحسنات‪ ،‬وتطهير اليتام في موسم‬ ‫توبتهن الخيرة‪.‬‬ ‫أحاول أل أتوقف عند ذلك البيت الستثنائي‪ ،‬الذي كان‬ ‫لعدة سنوات سبب حزن أمي السري‪ ،‬وربما موتها‬ ‫قهراً‪..‫يغير ذلك شيئاً؟‬ ‫حبك الذي استدرجني حتى هذه المدينة‪ ،‬أعادني إلى‬ ‫تخلّفي دون علمي‪ .‬‬ ‫كان الرجال يؤمونها من كل صوب‪ ،‬هربا ً من المدن‬ ‫والقرى المجاورة‪ ،‬التي ل ملّذات فيها ول نساء‪.‬وكان لها‬ ‫ثلثة أبواب تؤدي إلى شوارع وأسواق مختلفة‪.‬‬ ‫لقد كانت في الواقع دارا ً مغلقة مشرعة‪ ،‬مدروسة‬ ‫ليتسلل إليها الرجال من أية جهة‪ ،‬ويخرجوا منها من‬ ‫أية جهة أخرى‪.‬‬ ‫وكان لعدة سنوات أيضا ً سّر نشوتي السرية‪ ،‬وأحلمي‬ ‫المكبوتة أيام صباي‪ ،‬يوم كنت أحلم به ول أجرؤ على‬ ‫دخوله‪ ،‬ربما خوفا ً من أن ألتقي بأبي هناك‪ ،‬وربما أيضاً‬ ‫لنني كنت مكتفيا ً بمغامراتي العابرة المسروقة فوق‬ .

‬ومدن فاجرة‪.‬‬ ‫طّرز على أكتافهم!"‪.‬‬ ‫وكنت في تلك اللحظة‪ ،‬كمعظم رجال هذه المدينة‪،‬‬ ‫أقف في الحد الفاصل بين شهوة الجسد وعفة الروح‪.‬حيث تحلو الخطايا‪ ..‬‬ ‫اليوم لم يعد أبي هناك ليمنعني احتمال وجوده في‬ ‫هذا "البيت" من الدخول‪..‬‬ ‫يتجاذبني إلى أسفل النداء السري لتلك الغرف‬ ‫المظلمة الشبقية‪ .‬‬ ‫لقد أصبحت في بضعة أيام رجل ً مزدوجا ً كهذه المدينة‪،‬‬ ‫وبدأت أعي أن ليس في هذا العالم المسكون بالضداد‬ ‫من مدن بريئة‪ ..‬‬ ‫بعدما أغلقت أبوابه الخرى‪ ،‬في إطار سياسة تقليص‬ ‫الملذات في هذه المدينة‪ ،‬أو احتراما ً لعشرات المساجد‬ ‫التي نبتت على صدر هذه الصخرة‪ ،‬والتي يرتفع صوتها‬ ‫مجتمعة مرات في اليوم‪ ،‬ليذكّر الناس بمزايا اليمان‬ ‫والتوبة‪.‬‬ ‫(أ ّ‬ ‫ماذا أصبح هذا "البيت" لست أدري‪.‬‬ ...‬‬ ‫يُقال إنهم أغلقوه وربما ظل له باب واحد فقط‪.‬ويسمو بي‬ ‫إلى أعلى ذلك النداء الخر‪ ،‬لتلك المآذن التي افتقدت‬ ‫طويل ً تكبيرها‪ ،‬ورهبة آذانها الذي كان يدعو إلى‬ ‫الصلة‪ ،‬فيخترق بقوته دهاليز نفسي‪ ،‬ويهزني لول‬ ‫مرة منذ سنوات‪.‬‬ ‫ألم تكن جدتي تقول وقتها لتعلم أمي الصبر‪ ،‬وتعودها‬ ‫على تقبّل تلك الخيانة بفخر‪" :‬إن ما يفعله الرجال‪...‬‬ ‫لقد رحل بعدما ترك تاريخه بامتياز خلف هذه الجدران‪،‬‬ ‫ي فلسطيني ثري ومحترم على‬ ‫تماما ً كما يفعل أ ّ‬ ‫أيامه‪.‫السطح تارة‪ ،‬أو في غرف المؤونة التي قلما يفتحها‬ ‫أحد‪.‬‬ ‫وكان أبي يطّرز مغامراته جرحا ً ووشما ً على جسد‬ ‫ما) دون أن يدري‪.

‬فتستيقظ أنوثتهن المخنوقة‬ ‫تحت ثقل ثيابهن وصيغتهن‪.‬‬ ‫كل شيء هنا دعوة مكشوفة للجنس‪ .‬وترتبك!‬ ‫فالجميع هنا يعرفون أن خلف شوارعها الواسعة تختبئ‬ ‫الز ّ‬ ‫قة الضيقة الملتوية‪ ،‬وقصص الحب غير الشرعية‪،‬‬ ‫واللذة التي تسرق على عجل خلف باب‪ ..‬الرغبة التي تعطي نساءها تلك المشية‬ ‫القسنطينية المنفردة‪ ،‬وتمنح عيونهن تحت (العجار)‪،‬‬ ‫ذلك البريق النادر‪.‬أنفاقها‬ ‫السرية الموبوءة الرطوبة‪ .‬وكل‬ ‫حوله من ممرات متش ّ‬ ‫تلك المغارات والنفاق المختبئة‪.‬‬ ‫ولكن‪ .‬وحرفة واحدة‪.‬طرقاتها المعلّقة بين الصخور‪ ..‬‬ ‫ها هي مدينة تستدرجك إلى الخطيئة‪ .‬وتحت‬ ‫ملءتها السوداء الوقور‪ ،‬تنام الرغبة المكبوتة من‬ ‫قرون‪ .‬وتناقضاً‪....‬شيء ما في‬ ‫هذه المدينة يغري بالحب المسروق‪ :‬قيلولتها التي ل‬ ‫تنتهي‪ .‬‬ .‬ثم تردعك‬ ‫بالقوة نفسها التي تستدرجك بها‪.‫هنالك مدن منافقة‪ ..‬منظر جبل الوحش وما‬ ‫عبة‪ .‬‬ ‫وليس هناك من مدن بوجه واحد‪ .‬عليك أن تكتفي بالتفرج على عادات النفاق‬ ‫المتوارثة هنا من أجيال‪ ،‬وتتحاشى النظر إلى هذه‬ ‫المدينة في عينيها حتى ل تربكها‪ .‬‬ ‫يصبحن أجمل في إغرائهن المتوارث‪..‬ل تنطلق من‬ ‫كبتها إل في العراس‪ ،‬عندما تستسلم النساء لوقع‬ ‫البندير‪ ،‬فيبدأن الرقص وكأنهن يستسلمن للحب‪،‬‬ ‫بخجل ودلل في البداية‪ ...‬وليليها الموحش‬ ‫المفاجئ‪ .‬‬ ‫تهتز الصدور وتتمايل الرداف‪ ،‬ويدفأ فجأة الجسد‬ ‫الفارغ من الحب‪.‬غابات الغار والبلّوط‪ ..‬يحركن المحارم يمنة ويسرة‬ ‫على وقع "الزندالي"‪ .‬صباحاتها الدافئة الكسلى‪ ...‬‬ ‫وقسنطينة أكثر المدن وجوهاً‪ ..‬وأخرى أقل نفاقا ً فقط‪...‬‬ ‫ن‬ ‫ودت النساء هنا منذ قرون‪ ،‬على حمل رغبته ّ‬ ‫تع ّ‬ ‫كقنبلة موقوتة‪ ،‬مدفونة في اللوعي‪ .

‬‬ ‫أنت مزيج من تناقضي‪ ،‬من اتّزاني وجنوني‪ ،‬من‬ .....‬‬ ‫تراني تجاوزت معك جرعة الشوق المسموح بها في‬ ‫هذه الحالت؟‬ ‫ك في صيدلية جاهزة في طريق‪ ،‬لرفع دعوى‬ ‫لم أشتر ِ‬ ‫على بائع القدار الذي وضعك في طريقي‪.‬ويتواطأ‬ ‫تش ّ‬ ‫البندير الذي تسخنه النساء مسبقا ً مع الجسد المحموم‪،‬‬ ‫فتزيد الضربات فجأة قوة وسرعة‪ .‬‬ ‫لقد صنعتك أنا بنفسي‪ ،‬وقست كل تفاصيلك على‬ ‫مقاييسي‪.‬‬ ‫وكما في طقوس اللذة‪ ..‬‬ ‫هما ً في قسنطينة!‬ ‫و ْ‬ ‫هكذا تمارس النساء الحب‪َ .‬وطقوس العذاب‪ ،‬يدري‬ ‫الجميع أنه ل يجب وقف ضربات البندير‪ ،‬ول قطع‬ ‫وقعها المتزايد‪ ،‬قبل أن تصل النساء إلى ذروة ل‬ ‫شعورهن ولذتهن‪ ،‬ويقعن على الرض مغمى عليهن‪،‬‬ ‫تمسكهن نساء من خصورهن‪ ،‬وترشهن أخريات‬ ‫بالريحة والعطر الجاهز لهذه المناسبات‪ .‬حتى يعدن‬ ‫تدريجيا ً إلى وعيهن‪.‬وتنفك ضفائر‬ ‫النساء‪ ،‬وتتطاير خصلت شعرهن‪ ،‬وينطلقن في حلبات‬ ‫الرقص كمخلوقات بدائية تتلوى وجعا ً ولذة في حفلة‬ ‫جذب وتهويل‪ ،‬يفقدن خللها كل علقة بما حولهن‪،‬‬ ‫وكأنهن خرجن فجأة من أجسادهن‪ ،‬من ذاكرتهن‬ ‫وأعمارهن‪ ،‬ولم يعد يمكن أحدا أن يعيدهن إلى‬ ‫هدوئهن السابق‪.‬وفي كل منعطف يتربص بي‬ ‫جرح؟‬ ‫هل الحنين وعكة صحية؟‬ ‫مريض أنا بك قسنطينة‪..‫ب فيه فجأة الحمى التي لم يطفئها رجل‪ .‬‬ ‫كان موعدنا وصفة جّربتها للشفاء‪ ،‬فقتلتني الوصفة‪.‬‬ ‫فأين النسيان قسنطينة‪ .‬بليلة حب وهمية‪ ،‬وقبلت‬ ‫صفقتها السرية‪ ،‬مقابل شيء من النسيان‪.‬‬ ‫قسنطينة التي أغرتني‪ .

‬‬ ‫مازال يتأملنا في صورته الشهيرة تلك‪ ..‬وها أنذا‬ ‫أتوحد بخطاه وأواصل طريقا ً لم نكمله معاً‪.‬‬ ‫الفرق بينك وبين مدينة أخرى‪ .‬الذي نحفظه جميعاً‪..‬‬ ‫ل يمكن أن تنتمي لهذه المدينة‪ ،‬دون أن تحمل‬ ‫عروبتها‪..‬‬ ‫لعلك كنت فقط المدينة التي قتلتني أكثر من مرة‬ ‫لسبب مناقض للول‪ .‬‬ ‫ومازالت صرخته التاريخية تلك بعد نصف قرن‪ .‬وكل عقد عمري‪.‬ل شيء‪..‬‬ ‫ب‬ ‫شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتس ْ‬ ‫ب‬ ‫من قال حاد عن أصله *** أو قال مات فقد كذ ْ‬ ‫ب‬ ‫أو رام إدماجا ً له *** رام المحال من الطل ْ‬ .‬‬ ‫فأين الحد الفاصل بين جرعة الشفاء وجرعة الموت‬ ‫هذه المرة؟ وفي مواسم الخيبة‪ ،‬تصبح الذاكرة مشروباً‬ ‫مرا ً يُبتلع دفعة واحدة‪ ،‬بعدما كان حلما ً مشتركا ً يُحتسى‬ ‫على مهل؟‬ ‫هنا تبدأ الذاكرة المشتركة‪ ،‬وشوارع يسكنها التاريخ‬ ‫وينفرد بها‪.‬كل مرة‪.‬‬ ‫أنت طهارتي وخطيئتي‪ .‬‬ ‫ي إلى آخر‪ ..‬النشيد‬ ‫غير الرسمي الوحيد‪ .‬ملتحيا ً وقاره‪،‬‬ ‫متّكئا ً على يده‪ ،‬يفكر في ما أُلنا إليه بعده‪.‬وشوارع تذكر عبوره‪ .‬زهو ووجاهة وقرون من التحدّي‬ ‫والعنفوان‪.‬‬ ‫العروبة هنا‪ .‬ويملؤني فجأة‬ ‫تمشي العروبة معي من ح ّ‬ ‫شعور غامض بالغرور‪.‬‬ ‫هنا شارع يحمل اسمه‪ .‫عبادتي وكفري‪.‬‬ ‫مازالت لحية (ابن باديس) وكلمته تحكم هذه المدينة‬ ‫حتى بعد موته‪.‬‬ ‫بعضها مشيتها مع سي الطاهر وأخرى مع آخرين‪..

‬إنه يترقب‬ ‫البواخر والطائرات‪ .‬‬ ‫فقط ماتت شهيّتنا للحياة‪ .‬‬ ‫كنا شعبا ً واحدا ً ترتعد الجدران لصوته‪ .‬‬ ‫ح صوتنا اليوم‪ .‬متنا قهراً‪ .‬‬ ‫كان يكفي أن ينطلق من زنزانة واحدة‪ ،‬لتردده زنزانات‬ ‫أخرى‪ ،‬لم يكن مساجينها سياسيين‪.‬فوحدها الهانات تقتل‬ ‫الشعوب‪...‬لم يعد يترقب الصباح‪ ،‬مذ‬ ‫حجز الجالسون فوقنا‪ .‬مذ أصبح هذا الوطن لبعضنا فقط؟‬ ‫***‬ .‬‬ ‫كان لكلماته قدرة خارقة على توحيدنا‪ .‬أصبحت فرنسا هي التي‬ ‫ترفضنا‪ ،‬وأصبح الحصول على "فيزا" إليها ولو ليام‪..‬الشمس أيضاً‪ .‬اكتشفنا‬ ‫مصادفة هناك صوتنا الواحد‪.‬ول يفكر سوى بالهرب‪..‬أم أصبح هناك صوت يعلو على‬ ‫هل ب ّ‬ ‫الجميع‪ ..‬فماذا نفعل أيها العالم‬ ‫الفاضل؟‬ ‫ل أحد تو ّ‬ ‫قع لنا الموت يأساً‪ .‬‬ ‫أمام كل القنصليات الجنبية تقف طوابير موتانا‪،‬‬ ‫تطالب بتأشيرة حياة خارج الوطن‪.‬‬ ‫في زمن ما كنا نردد هذا النشيد في سجن قسنطينة‪.‫صدقت نبوءتك لنا يا ابن باديس‪ ...‬كيف يموت شعب‬ ‫يتضاعف كل عام؟‬ ‫ب‬ ‫يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصباح قد اقتر ْ‬ ‫ذلك النشء الذي تغنيت به‪ .‬لم نمت‪.‬قبل أن ترتعد‬ ‫أجسادنا تحت التعذيب‪.‬‬ ‫دار التاريخ وانقلبت الدوار‪ .‬‬ ‫هو "المحال من الطلب"!‬ ‫لم نمت ظلماً‪ .

‬‬ ‫وكانوا أول دفعة رسمية لشهداء الجزائر‪ .‬‬ ‫وكانت له مهمة حفظ وثائق "حزب الشعب" وأرشيفه‬ ‫السري‪ .‬جاء‬ ‫استشهادهم سابقا ً لحرب التحرير بسنوات‪.‬‬ ‫هل أنساهم؟‬ ‫أأنسى أولئك الذين دخلوه ولم يخرجوا منه‪ ،‬وظلّت‬ ‫جثثهم في غرف التعذيب؟ وأولئك الذين ماتوا بأكثر‬ ‫من طريقة للموت‪ ،‬رفاقنا الذين اختاروا موتهم‬ ‫وحدهم؟‬ ‫هنالك إسماعيل شعلل‪ .‬وكان أول من تل ّ‬ ‫قى زيارة الستخبارات العامة‬ ‫الذين د ّ‬ ‫قوا باب غرفته الصغيرة الشاهقة صارخين‬ .‬كان مجرد عامل في البناء‪.‬‬ ‫وكنت أكثر حظاً‪ ،‬قياسا ً إلى الذين لم يدخلوه يومها‪.‫ولدت كل هذه الفكار في ذهني وأنا أعبر ذلك‬ ‫الشارع‪ ،‬وألتقي بعد ‪ 37‬سنة مع جدران سجن كنت‬ ‫يوما ً أراها من الداخل‪.‬‬ ‫ي على‬ ‫وها هي الذاكرة تتوقف أمامه وترغم قدم ّ‬ ‫الوقوف‪ ،‬فأدخله من جديد كما دخلته ذات يوم من سنة‬ ‫ي عليهم القبض بعد‬ ‫‪ 1945‬مع خمسين ألف سجين ألق ّ‬ ‫مظاهرات ‪ 8‬ماي الحزينة الذكر‪.‬‬ ‫خمسة وأربعون ألف شهيد سقطوا في مظاهرة هّزت‬ ‫الشرق الجزائري كله بين قسنطينة وسطيف وقالمة‬ ‫وخّراطة‪.‬‬ ‫ولكن هل يصبح السجن شيئا ً آخر لمجرد أننا ننظر إليه‬ ‫من الخارج‪ ،‬وهل يمكن للعين أن تلغي الذاكرة اليوم‪،‬‬ ‫وهل يمكن لذاكرة أن تلغي أخرى؟‬ ‫كان سجن "الكديا" جزءا ً من ذاكرتي الولى التي لن‬ ‫تمحوها اليام‪.

..‬ويبدأ نشاطه في إحدى‬ . nazis‬‬ ‫فيرد عليه صوتنا بالناشيد الحماسية والهتاف‪.‬‬ ‫وصوته يشتم بالفرنسية معذّبيه ويصفهم بالكلب‬ ‫والنازيّيين والقتلة‪ .‫"البوليس‪.‬ويضعني أمام أكثر من امتحان‬ ‫ميداني‪ ،‬كان ل بد لكل عضو أن يمر به قبل أن يؤدي‬ ‫قسم النخراط في الحزب‪ ..‬‬ ‫ويصمت صوت بن وطاف‪..‬فيأتي متقطّعا ً بين صرخة وأخرى‪. assassins.‬فتح نافذته‬ ‫الوحيدة‪ .‬افتح"‪.‬‬ ‫وبدل أن يفتح إسماعيل شعلل الباب‪ .‬‬ ‫جاراً‪ .‬‬ ‫أيمكن اليوم‪ ،‬وحتى بعد نصف قرن‪ ،‬أن أذكر إسماعيل‬ ‫دون دموع‪ ،‬هو الذي مات حتى ل يبوح بأسمائنا تحت‬ ‫التعذيب؟‬ ‫وهنالك صوت (عبد الكريم بن وطاف) الذي كانت‬ ‫صرخات تعذيبه تصل حتى زنزانتنا‪ ،‬خنجرا ً يخترق‬ ‫جسدنا أيضا ً ويبعث فيه الشحنات الكهربائية نفسها‪. salauds.‬‬ ‫وكان خلل سنتين يهيؤني سياسيا ً للنخراط في‬ ‫"حزب الشعب"‪ .‬لم يكن رجل علم ولكن على يده تعلّم‬ ‫كان بلل ن ّ‬ ‫جيل بأكمل الوطنية‪ .‬‬ ‫"‪"criminels...‬‬ ‫وهنالك (بلل حسين) أقرب صديق إلى سي الطاهر‪،‬‬ ‫أحد رجال التاريخ المجهولين‪ ،‬وأحد ضحاياه‪.‬فقد كان محلّه القائم تحت جسر‬ ‫(سيجي راشد) مقّر الجتماعات السرية‪.‬‬ ‫أذكر أنه كان يستوقفني وأنا أمّر بمحلّه متجها ً إلى‬ ‫ي قراءة جريدة "المة" أو‬ ‫ثانوية قسنطينة‪ ،‬فيعرض عل ّ‬ ‫منشورا ً سرياً‪.‬ورمى بنفسه على وادي الرمال‪ ،‬ليموت هو‬ ‫وسّره في وديان قسنطينة العميقة‪.

‫الخليا التي كان يحددها بلل‪.‬أدهشت القوات الفرنسية بدقتها‬ ‫ونظامها غير المتوقع‪ .‬‬ ‫في ذلك المحل الذي ل أثر له اليوم‪ ،‬كان يلتقي القادة‬ ‫السياسيون‪ .‬‬ ‫ولم يمت بلل حسين كغيره‪ ..‬‬ ‫ثم خرج محكوما ً عليه بالنفي والرقابة المشددة‪.‬‬ ‫وعندما انطلقت تلك المظاهرة من فوق جسر (سيدي‬ ‫راشد) كما خطط لها بلل لسباب تكتيكية‪ ،‬يسهل‬ ‫معها تجمع المتظاهرين ثم تبعثرهم من كل الطرقات‬ ‫المؤدية للجسر‪ .‬ويعطي (مصالح الحاج) تعليماته الخيرة‪.‬‬ ‫يوم وفاته‪ ،‬جاء حفنة من أنصاف المسؤولين لمرافقته‬ ..‬قضى سنتين في السجن‬ ‫والتعذيب‪ .‬‬ ‫وعاش بلل حسين مناضل ً في المعارك المجهولة‪،‬‬ ‫ملحقا ً مطاردا ً حتى الستقلل‪ .‬‬ ‫وأنه في الواقع مات منذ أربعين سنة‪.‬وكان بلل أول من أُلقي‬ ‫القبض عليه يومها‪ .‬ترك فيهما جلده على آلت التعذيب‪.‬ولم يمت إل مؤخراً‬ ‫في عامه الواحد والثمانين في ‪ 27‬ماي ‪ ،1988‬في‬ ‫الشهر نفسه الذي مات فيه لول مرة‪.‬‬ ‫مات بائساً‪ ،‬وأعمى‪ ،‬ومحروما ً من المال والبنين‪.‬‬ ‫وفيه نوقشت الشعارات التي رفعها المتظاهرون‪،‬‬ ‫وكُتبت ليل ً على اللفتات لتكون مفاجأة فرنسا‪.‬‬ ‫اعترف قبل موته ببضعة أشهر لصديقه الوحيد‪ ،‬أنهم‬ ‫عندما عذّبوه تعمدوا تشويه رجولته‪ ،‬وقضوا عليها إلى‬ ‫البد‪.‬ومن عذّب للعبرة‪.‬‬ ‫أذكر أنه ظ ّ‬ ‫ل لعدة أيام عاري الصدر‪ ،‬عاجزا ً حتى أن‬ ‫يضع قميصا ً على جلده‪ ،‬حتى ل يلتصق بجراحه‬ ‫المفتوحة‪ ،‬بعدما رفض طبيب المستشفى تحمل‬ ‫مسؤولية علجه‪.

‬كم من قصص مؤلمة‪ ،‬وأخرى‬ ‫مدهشة عرفها هذا السجن‪ ،‬الذي تناوب عليه أكثر من‬ ‫ثائر‪ ،‬لكثر من ثورة‪..‬‬ ‫وكان المبصر في زمن عميت فيه البصائر‪.1955‬أي عشر سنوات بالضبط بعد أحداث ‪8‬‬ .‬‬ ‫فهل أنسى بلل حسين؟‬ ‫***‬ ‫ها هوذا سجن (الكديا)‪.‬أولئك الذين لم يسألوه يوما ً بماذا‬ ‫كان يعيش‪ ،‬ول لماذا ل أهل له‪..‬‬ ‫لم يكن أحد يعرف سره الذي احتفظ به أربعين سنة‬ ‫كاملة‪ ،‬بحياء رجل من جيله ومن طينته‪...‬‬ ‫مشوا خلفه خطوات‪ .‫إلى مثواه الخير‪ ..‬ولم يكن له من‬ ‫ي فيأتيني‬ ‫عنوان معروف‪ ،‬ليعرف طيف (أ ّ‬ ‫ما) طريقه إل ّ‬ ‫كما كانت تأتي لزيارتي هنا في الماضي‪ ،‬باكية‬ ‫متضّرعة لكل حارس‪.‬‬ ‫سنة ‪ ..‬‬ ‫أتأمله كما نتأمل جدران سجن أول‪ ،‬دخلناه كما ندخل‬ ‫حلما ً مزعجا ً لم نكن مهيأين له‪.‬‬ ‫مرت سنوات كثيرة‪ ،‬قبل أن أدخل سجنا ًً آخر‪ ،‬كان‬ ‫جلدوه هذه المرة جزائريين ل غير‪ .‬‬ ‫ها هوذا سجن (الكديا)‪ ..‬‬ ‫فهل كان يستحق ذلك السر‪ ،‬كل ذلك الكتمان؟‬ ‫كان بلل حسين آخر الرجال في زمن الخصيان‪.‬ثم عادوا إلى سياراتهم‬ ‫الرسمية‪ ،‬دون أدنى شعور بالذنب‪.

‬‬ ‫ولم يبق اليوم من السجناء الحد عشر الذين هربوا من‬ ‫الكديا‪ ،‬سوى اثنين على قيد الحياة‪ .‬وكان شرع مع رفاقه منذ عدة أيام‪ ،‬في حفر‬ ‫ممر سري تحت الرض‪ ،‬أوصلهم في المرة الولى إلى‬ ‫ساحة مغلقة داخل السجن‪ ..‫ماي ‪ ..‬‬ ‫وكانت هذه الكلمة تحمل معنييْن بالنسبة لمصطفى بن‬ ‫بولعيد‪ ،‬الذي كان يعدّ منذ أيام خطة للهرب من‬ ‫(الكديا)‪ .‬‬ ‫كان كل شيء معدا ً للموت يومها‪ ،‬حتى أن حلق‬ ‫مساجين الحق العام‪ ،‬أخبر الشهيد القائد مصطفى‬ ‫بولعيد في الصباح‪ ،‬أنهم غسلوا المقصلة بالمس‪ ،‬وأنه‬ ‫حلم أنهم "نفذوا"‪.‬‬ ‫في الزنزانة رقم ‪ .‬كان‬ ‫ثلثون من قادة الثورة ورجالها الوائل‪ ،‬ينتظرون‬ ‫موثقين‪ ،‬تنفيذ الحكم بالعدام عليهم‪ ،‬بينهم مصطفى‬ ‫بن بولعيد والطاهر الزبيري ومحمد ليفا وإبراهيم‬ ‫الطيب رفيق ديدوش مراد وباجي مختار وآخرون‪.‬‬ ‫بينما ن ُ ِّ‬ ‫فذ حكم العدام‪ ،‬في من ظلّوا بالزنزانة‪ ،‬دون‬ ‫أن يتمكنوا من الهروب‪.‬سوى إلى المقصلة‪..1945‬عاد هذا السجن للصدارة‪ ،‬بدفعة جديدة‬ ‫لسجناء استثنائيين كانت فرنسا تعدّ لهم عقاباً‬ ‫استثنائياً‪.‬ومات الرجال‬ .‬فأعادوا الحفر من جديد‪،‬‬ ‫ليصلوا بعد ذلك إلى خارج السجن‪.‬‬ ‫يوم ‪ 10‬نوفمبر ‪ ،1955‬بعد صلة المغرب‪ ،‬وبين الساعة‬ ‫السابعة والثامنة مساءً بالتحديد‪ ،‬كان نصطفى بولعيد‬ ‫ومعه عشرة آخرون من رفاقه‪ ،‬قد هربوا من (الكديا)‪،‬‬ ‫وقاموا بأغرب عملية هروب من زنزانة لم يغادرها أحد‬ ‫ذلك اليوم‪ .8‬المعدة لنتظار الموت‪ .‬‬ ‫بعد ذلك سقط القائد مصطفى بولعيد وبعض من فّروا‬ ‫معه‪ ،‬شهداء في معارك أخرى ل تقل شجاعة عن‬ ‫عملية فرارهم‪ ،‬فتصدّروا برحيلهم كتب التاريخ‬ ‫الجزائري‪ ،‬وأهم الشوارع والمنشآت الجزائرية‪.

‫الثمانية والعشرون الذين جمعتهم الزنزانة رقم ثمانية‬ ‫ر كان مقررا ً أن يكون‪ .‬‬ ‫أذكر أن ياسين كان مدهشا ً دائماً‪ .‬وبامرأة تكبره بعشر‬ ‫سنوات‪ ،‬كانت في السادسة والعشرين من عمرها‪.‬‬ ‫وكان اسمها "نجمة"!‬ ‫وبينما عدت أنا بعد ستة أشهر من السجن إلى‬ ‫الدراسة‪ ،‬راح ياسين يكتب بعد عدة سنوات رائعته‬ ‫"نجمة"‪.‬‬ ‫ورغم أنهم أطلقوا سراحي لصغر سنّي‪ ،‬فقد رفضوا‬ ‫أن يطلقوا سراح ياسين‪ .‬واحداً‪.‬‬ ‫يوماً‪ ،‬لقد ٍ‬ ‫كلما وقفت أمام الجدران العالية لهذا السجن تبعثرت‬ ‫ذاكرتي‪ ،‬وذهبت لكثر من وجه‪ ،‬لكثر من اسم‪ ،‬ولكثر‬ ‫من جلد‪ .‬يحلم بالحرية‪ .‬‬ ‫كان عمره ستة عشر عاما ً فقط‪..‬وكنا نستمع‬ ‫إليه‪ ،‬ونجهل وقتها أننا أمام (لوركا) الجزائر‪ ،‬وأننا‬ ‫نشهد ميلد شاعر سيكون يوماً‪ ،‬اكبر ما أنجب هذا‬ ‫الوطن من مواهب‪.‬‬ ‫ن‪ .‬‬ ‫ولذا كان ينقل عدواه من سجين إلى آخر‪ .‬وشعرت برغبة في فتح أبواب سجون أخرى‬ ‫مازالت مغلقة على أسرارها‪ ،‬دون أن تجد كاتبا ً واحداً‬ ‫يردّ دين من مّروا بها‪...‬وبقي في سجن (الكديا)‬ ‫أربعة عشر شهراً‪ .‬‬ ‫وقتها كنت أحسد ذلك الرفيق الذي جمعتني به زنزانة‬ ‫هنا لبضعة أسابيع‪.‬أنا وهو‪ ،‬أصغر معتقلي ْ‬ ‫كان ياسين يصغرني ببضعة أشهر‪.‬كان مسكوناً‬ ‫بالرفض وبرغبة في التحريض والمواجهة‪.‬‬ ‫في ذلك الليل الطويل‪ ،‬وفي مخاض المرارة والخيبة‬ ‫والحلم الوطنية الكبرى‪..‬‬ ‫تلك الرواية الفجيعة‪ ،‬التي ولدت فكرتها الولى هنا‪.‬‬ .‬وربما‬ ‫ن سياسيي ْ‬ ‫كنا آنذاك‪ .

‬‬ ‫لم ينتبه أحد وقتها إلى وجوه من ص ّ‬ ‫فقوا‪ .‬‬ ‫عاجز عن التصفيق!‬ ‫احتضنته بعدها وقلت‪" :‬ياسين‪ ..‬‬ ‫فقد ظل يخطب ويشتم حتى بعدما قطعوا عليه صوت‬ ‫الميكروفون‪ ،‬وأطفأوا الضواء ليرغموا الناس على‬ ‫مغادرة القاعة‪.‬‬ ‫مازال يتحدث بذلك الحماس نفسه‪ ،‬وبلغته الهجومية‬ ‫م فيهم رائحة‬ ‫نفسها‪ ،‬معلنا ً الحرب على كل من يشت ّ‬ ‫الخضوع لفرنسا أو لغيرها‪.‬وإعجاباً‪.‬‬ ‫لقد كانت له حساسية ضد الهانات المهذبة‪ ،‬وضد‬ ‫قابلية البعض للنحناء‪ .‬آ ياسين‪.‬‬ ‫يومها دفعت في جلسة تحقيق مع البوليس ثمن‬ ‫حضوري في الصف المامي وهتافي على ياسين‬ ‫"تعيش‪ .‬‬ ‫وشعرت بشيء من العنفوان والمتعة‪ ،‬كأنني أقول له‬ ‫أجمل ما يمكن أن نقوله لصديق أو لكاتب‪.‬فقدر صاحبها‬ ‫أن يكون معارضا ً ورافضاً‪ ،‬لنه في جميع الحالت‪...‬لو رزقت ولداً‬ ‫سأسميه ياسين‪".‬‬ ‫د عصبية كعادته‬ ‫فضحك ياسين وهو يربت على كتفي بي ٍ‬ ...".‬ولكن بعض‬ ‫من كان يعنيهم المر انتبهوا إلى يدي الوحيدة‬ ‫المرفوعة تأييداً‪ ...‬‬ ‫ولم يستطع أحد يومها إسكات ياسين‪.‬‬ ‫اكتشفت بفرح ل يخلو من الدهشة أنه لم يتغير‪.‬‬ ‫يومها اكتشفت البعد الخر لليد الواحدة‪ .‫مرت عدة سنوات‪ ،‬قبل أن ألتقي بكاتب ياسين في‬ ‫منفاي الجباري الخر بتونس‪.‬الفطري!‬ ‫كان يومها يلقي محاضرة في قاعة كبرى بتونس‪،‬‬ ‫عندما راح فجأة يهاجم السياسيين العرب‪ ،‬والسلطات‬ ‫التونسية بالتحديد‪.

‬مازلت‬ ‫مجنوناً!"‬ ‫وضحكنا لنفترق لعدة سنوات أخرى‪...‬‬ ‫تراني ل أفعل شيئا ً بكتابة هذا الكتاب‪ ،‬سوى محاولة‬ ‫الهروب من صنف المرضى إلى صنف المبدعين؟‬ ‫آه ياسين‪ ...‬حتى يأتيني بين‬ ‫الحين والخر بق ّ‬ ‫ما) التي‬ ‫فة الكل الذي تعدّه لي‪( .‬‬ ‫تراني كنت أريد أن أكون وفيّا ً لذاكرتنا المشتركة‪ ،‬أم‬ ‫وض بذلك عن عقدتي تجاه‬ ‫فقط‪ ،‬كنت أريد أن أع ّ‬ ‫"نجمة"‪ ،‬الرواية التي لن أكتبها‪ ،‬والتي كنت أشعر أنها‬ ‫صتي أيضاً‪ ..‬‬ ‫أنت الذي أنهيت روايتك قائل ً على لسان ذلك البطل‪:‬‬ ‫ي شباب عجيب ذاك الذي‬ ‫"وداعا ً أيها الرفاق‪ .‬أ ّ‬ ‫كدت ل أعرفها عندما غادرت السجن بعد ستة أشهر‪،‬‬ ‫والتي أمام انشغال أبي عني وعنها‪ ،‬بتجارته‬ ‫وعشيقاته‪ ،‬أصبحت ل تطلب من الله إل عودتي لها‪..‬كم تغير العالم منذ ذلك اللقاء‪ .‬أ ّ‬ ‫عشناه!‪".‬‬ ‫وكأنني الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبرر وجودها‪،‬‬ ‫والشاهد الوحيد على أمومتها وأنوثتها المسلوبة‪.‬‬ ‫نعم كنا في النهاية جيل ً بقصة واحدة‪ ،‬بجنون المهات‬ ‫المتطرفات في الحب‪ ،‬بخيانة الباء المتطرفين في‬ ‫القسوة‪ ،‬وبقصص حب وهمية‪ ،‬وخيبات عاطفية‪ ،‬يصنع‬ ‫منها البعض روائع عالمية في الدب‪ ،‬ويتحول آخرون‬ ‫على يدها إلى مرضى نفسانيين‪.‫عندما يربكه اعتراف ما‪.‬بأحلمي‬ ‫بطريقة أو بأخرى‪ ،‬كانت ق ّ‬ ‫ما) الواقفة على حافة اليأس‬ ‫وخيباتي‪ ،‬بملمح (أ ّ‬ ‫والجنون‪ ،‬الراكضة بين السجن والولياء الصالحين‪،‬‬ ‫تقدّم الذبائح لسيدي محمد الغراب‪ ،‬والعمولت لحارس‬ ‫السجن اليهودي‪ ،‬الذي كان جارنا‪ .‬‬ ‫وقال بالفرنسية‪" :‬أنت أيضا ً لم تتغير‪ .‬منذ ذلك‬ ‫الوداع‪.‬‬ .

‬‬ ‫منذ زمان أخذ ك ّ‬ ‫ل واحد منا طريقا ً مخالفا ً للخر‪ .‬وها‬ ‫نحن نعيش بم ّ‬ ‫ن‪ ،‬إحداهما للفرح‬ ‫فكرتين متناقضتي ْ‬ ‫وأخرى للحزن‪ ..‬كل المآذن‪ .‬فكيف أنسى ذلك؟‬ ‫كانت كل الطرق تؤدي إليك‪ ،‬حتى تلك التي سلكتها‬ ‫للنسيان‪ ،‬والتي كنت تتربّصين لي فيها‪..‬يعدّون‬ ‫جسدك لرجل آخر ليس أنا‪ ..‬‬ ‫ل المدارس والكتاتيب العتيقة‪ .‬‬ ‫لس ِ‬ ‫أدري أنهم يعدّونك الن لليلة حبك القادمة‪ ..‬ك ّ‬ ‫ل السجون‪ .‬ك ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫ل‬ ‫"البيوت المغلقة"‪ .‬‬ ‫ت إنك لي مادمنا في هذه المدينة؟‬ ‫أما قل ِ‬ ‫أين تكونين الن إذن؟ في أي شارع‪ ...‬‬ ‫مليئا ً كان يومك‪ ،‬كيوم عروس‪ ،‬وفارغا ً كان يومي‪،‬‬ ‫كيوم موظّف متقاعد‪.‬وذاكرة إلى أخرى‪.‬كل‬ ‫الحمامات التي كانت تخرج منها النساء أمامي جاهزات‬ ‫للحب‪ ،‬كل الواجهات التي تعرض الصيغة والثياب‬ .‬كل المقاهي‪ ...‬بينما أهيم أنا على جرحي‬ ‫لنسى الذي يحدث هناك‪..‫لم تكن تتوقع وقتها‪ ،‬أن عمرنا سيكون أعجب من‬ ‫سنوات شبابنا بكثير!‬ ‫ك إذن‪.‬في أي زقاق من‬ ‫عبة الطرقات والزقة كقلبك‪ ،‬والتي‬ ‫هذه المدينة المتش ّ‬ ‫تذكّرني بحضورك وغيابك الدائم‪ ،‬وتشبهك حد‬ ‫الرتباك؟‬ ‫ت لي‪.‬‬ ‫غدا ً سيكون عرس ِ‬ ‫وعبثا ً أحاول أن أنسى ذلك‪ ،‬وأمشي في شوارع‬ ‫قسنطينة‪ ،‬يسلّمني زقاق إلى آخر‪ .

".‬طلّتها‪ .‬خصلت شعرها المحنّاة‪ .‬‬ ‫حزنها‪ .‬أوصلتني إليك ل‬ ‫غير‪.‬‬ ‫ورت أنك امرأة طبق الصل‬ ‫فلماذا في لحظة جنون تص ّ‬ ‫عنها؟ لماذا رحت أطالبك بأشياء ل تفهمينها‪ ،‬وبدور‬ ‫لن تطاليه؟‬ ‫ي الذي أقف عنده أرحم بي منك‪.‬لوحة غير قابلة للتقليد‬ ‫ول للتزوير‪..‬ولم أرت ِ‬ ‫حبها بأكثر من قصة حب‪ .‬أم رحت‬ ‫متها يوما ً أمي؟‬ ‫أدفن جوارها امرأة أخرى توه ّ‬ ‫عند قبرها الرخامي البسيط مثلها‪ ،‬البارد كقدرها‪....‬‬ ‫وضتها بألف امرأة أخرى‪ ..‬ع ّ‬ ‫ع ّ‬ ‫وضت صدرها بألف صدر أجمل‪ .‬وحتى‪ ..‬‬ ‫سدت حجره البارد‪ ،‬لصعد من تحته ما يكفي من‬ ‫لو تو ّ‬ ‫الدفء لمواساتي‪.‬صدر المومة الممتلئ‪...‬ضحكتها‪..‬لجهش بدوره بالبكاء‪.‬‬ ‫مدت تلك‬ ‫مرت قدماي‪ ،‬وتج ّ‬ ‫والكثير الغبار كقلبي‪ ،‬تس ّ‬ ‫الدموع التي خبأتها لها منذ سنوات الصقيع والخيبة‪.‬‬ ‫ما)‪ .‬شبر من التراب‪ ،‬لوحة رخامية تخفي‬ ‫ها هي ذي (أ ّ‬ ‫كل ما كنت أملك من كنوز‪ ..‬تلك المقبرة التي ألقيت‬ ‫نفسي في سيارة أجرة‪ ،‬ورحت أبحث فيها عن قبر‬ ‫ما)‪ ،‬وأستعين بسجلت حارسها لتعرف على أرقام‬ ‫(أ ّ‬ ‫الممرات التي كانت توصل إليها‪ ...‬ولم أشف‪..‬‬ ‫(أ ّ‬ ‫مأ) ع ّ‬ ‫وضت‬ ‫و‪ .‬‬ ‫رائحتها‪ ....‬لجابني ترابه مفجوعا ً "واش بيك آ‬ ‫لو ناديته (يا أ ّ‬ ‫ميمة‪.‬ووصاياها الدائمة‪" .‬‬ ‫هذا الحجر الرخام ّ‬ ‫لو بكيت الن أمامه‪ .‫الجاهزة للعرائس‪ .‬‬ ‫ما‪ )....‬؟"‪.‬‬ ‫ما) من العذاب‪ ،‬هي‬ ‫ولكن كنت أخاف حتى على تراب (أ ّ‬ .‬لماذا قادتني قدماي إليها ذلك اليوم بالذات‪،‬‬ ‫(أ ّ‬ ‫في ليلة عرسك بالذات؟ أرحت أزورها فقط‪ .‬عندك يا خالد يا ابني‪.‬‬ ‫كانت عطرا ً غير قابل للتكرار‪ .‬ولم أكبر‪..‬‬ ‫ما)‪ .

‬‬ ‫مّررت فقط يدي على ذلك الرخام‪ ،‬وكأنني أحاول أن‬ ‫أنزع عنه غبار السنين وأعتذر له عن كل ذلك الهمال‪.‫التي كانت حياتها مواسم للفجائع ل غير‪..‬‬ ‫كنت أخاف عليها حتى بعد موتها من اللم‪ ،‬وأحاول‬ ‫كلّما زرتها أن اخفي عنها ذراعي المبتورة‪...‬وأخفيت يدي‪.‬‬ ‫فتن ّ‬ ‫ألقيتها داخل جيب سترتي‪ .‬والرخام‪.‬‬ ‫ثم رفعت يدي الوحيدة لقرأ فاتحة على ذلك القبر‪..‬‬ ‫***‬ ‫كان ترقب حسان وزوجته للعرس‪ ،‬واستعداداتهما‬ ‫الدائمة له‪ ،‬للقاء كل الذين سيحضرونه من شخصيات‬ ‫وعائلت كبيرة‪ ،‬يجعلني أستمع لهما أحياناً‪ ،‬وكأنني‬ ‫أستمع إلى أطفال يتحدثون عن "سيرك"‪ ،‬سيح ّ‬ ‫ل‬ ‫بمدينة لم يزرها سيرك ول مهّرجون من قبل‪.‬‬ ‫وبدت يدي الوحيدة الممدودة للفاتحة وكأنها تطلب‬ ‫الرحمة بدل أن تعطيها‪.‬‬ .‬‬ ‫ماذا لو كان للموتى عيون أيضاً؟‬ ‫ماذا لو كانت المقابر ل تنام‪ ...‬‬ ‫بدا لي وقتها ذلك الموقف‪ ،‬وكأنه موقف سريالي‪.‬كم كان يلزمني من‬ ‫الكلم وقتها لشرح لها كل ما ح ّ‬ ‫ل بي بعدها؟‬ ‫لم أجهش ساعتها بالبكاء‪ ،‬وأنا أقف أمامها بعد ك ّ‬ ‫ل‬ ‫ذلك العمر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫نحن نبكي دائما فيما بعد‪.‬‬ ‫هدت‪ .‬وألقيت بخطاي خارج‬ ‫مدينة التراب‪ .

‬‬ ‫كان كل شيء استثنائيا ً في ذلك اليوم‪ .‬‬ ‫سيذهب حسان لقضاء حاجاته في الصباح‪ ،‬ثم يصلّي‬ ‫صلة الظهر في المسجد‪ ،‬وبعدها سيمر بي صحبة‬ ‫(ناصر) لنذهب جميعا ً إلى حضور العرس‪.‬وأعذرهما‪.‬‬ ‫ت تختبئين لي فيها خلف كل منعطف‪.‬‬ ‫ة في البقاء في سريري في ذلك‬ ‫كنت أشعر برغب ٍ‬ ‫الصباح‪ ،‬وعدم مغادرته قبل الظهر‪ ،‬ربما بسبب متاعب‬ ‫البارحة‪ ،‬وربما استعدادا ً للسهر والمتاعب الخرى التي‬ ‫تنتظرني في ذلك اليوم‪..‬وكنت أعرف‬ ‫مسبقا ً برنامجه من أحاديث السهرة‪..‬في هذه‬ ‫ملين فيها استعداداً‬ ‫اللحظة التي كنت أدري أنك تتج ّ‬ ‫لرجل آخر؟‬ .‬أو على القل ألتقي‬ ‫فيه معك بلذّة وليس بألم‪..‬‬ ‫وربما فقط لنني لم أعد أدري أين يمكنني أن أذهب‪،‬‬ ‫بعدما قضيت أسبوعا ً وأنا أهيم على وجهي في تلك‬ ‫المدينة التي كانت تتربّص بذاكرتي في كل شارع‪.‬‬ ‫أما عتيقة فقد تأخذ الولد وتذهب منذ الصباح لترافق‬ ‫العروس إلى الحلق‪ .‬‬ ‫وكن ِ‬ ‫وجدت بعد تفكير قصير‪ ،‬أن السرير هو المكان الوحيد‬ ‫الذي يمكن أن أهرب منك إليه‪ .‫وكنت لذلك أشفق عليهما‪ .‬‬ ‫ولكن‪.‬‬ ‫هل سأجرؤ حقا ً على استحضارك اليوم‪ ..‬فتركتهما لفرحتهما ينتظران‬ ‫"السيرك ع َّ‬ ‫مار"‪ ،‬واحتفظت لنفسي بخيبتي‪..‬ثم تبقى هناك لتقوم مع نساء‬ ‫أخريات بخدمة الضيوف وإعداد الطاولت‪.‬‬ ‫لقد كانت قسنطينة في النهاية‪ ،‬مدينة ل يحدث فيها‬ ‫شيء ما عدا العراس‪ .

‬إلى مواد أولية‪ .‬‬ ‫كنت أشعر برغبة في امتلكك في ذلك الصباح‪...‬أق ّ‬ ‫أق ّ‬ ‫ل ظلما ً وجبروتا ً منك‪.‬‬ ‫ت لي‪.‬‬ ‫وكأنني أريد أن أسرق منك كل شيء‪ ،‬قبل أن أفتقدك‬ ‫إلى البد‪ ..‬إلى عجينة‬ ‫تصلح لصنع امرأة‪ ...‬‬ ‫لو كنت لي‪ ..‬وهل‬ ‫سيغفر لك جسدي حقا ً في لحظة نزوة ك ّ‬ ‫ل خياناتك‬ ‫السابقة واللحقة؟ كان ذلك جنونا ً في جنون!!‬ ‫ولكن أليس هذا الذي كنت تريدينه في النهاية‪ ،‬عندما‬ ‫قلت‪" :‬سأكون لك في تلك الليلة‪.‬‬ ‫موجعا ً كان لقائي معك ذلك الصباح‪.‬‬ ‫فيه كثير من الحقد والشهوة الجنونية‪..‬فبعد اليوم لن تكوني لي‪ ،‬وستنتهي هذه‬ ‫اللعبة الموجعة الحمقاء التي لم تكن هوايتي قبلك‪.‬‬ ‫أنا الذي لم أرفع يدي الوحيدة في وجه امرأة‪ ،‬ربما‬ ‫كنت ضربتك ذلك اليوم حدّ اللم‪ ،‬ثم أحببتك حد الم‪،‬‬ ‫ثم جلست إلى جوار جسدك أعتذر له‪.".‬‬ ‫ولتك إلى‬ ‫لعتصرتك بيدي الوحيدة في لحظة جنون‪ .‬‬ ‫لو كن ِ‬ ‫ت لي ذلك الصباح‪ .‬في ذلك السرير الكبير‬ ‫آه لو كن ِ‬ ‫الفارغ البارد دونك‪ .‬إلى أي شيء غيرك أنت‪ ،‬أي شيء‬ ‫ل غرورا ً وكبرياءً‪ .‫هل سأجرؤ على استحضارك في هذا الصباح‪ ..‬في ذلك البيت الشاسع بذكريات‬ ‫الطفولة المبتورة‪ .‬‬ ‫ي حمرة أطرافك‬ ‫أقبّل كل شيء فيك‪ ،‬أمحو بشفت ّ‬ ‫شمك بشراسة ال ُ‬ ‫ضبة بالحناء‪ ،‬لو ّ‬ ‫قبَل‪ ،‬عساك‬ ‫المخ ّ‬ ‫عندما تستيقظين تكتشفينني مرسوما ً على جسدك‬ ‫كالوشم‪ ،‬بذلك اللون الخضر الوحيد الذي ل يرسم إل‬ ‫على الجسد!‬ .‬لح ّ‬ ‫قطع‪ ...‬وشهوة الشباب المكبوت الذي مر‬ ‫على عجل‪..‬إلى بقايا امرأة‪ .‬لمتلكتك كما لم أمتلك امرأة هنا‪.‬‬ ‫فيه كثير من الشراسة والمرارة الغامضة‪..

‬‬ ‫ولكنني كنت أتجاهل نظرتهن ودعوتهن الصامتة إلى‬ ‫الخطيئة‪.‬إن كنت أتصرف كذلك عن مبدأ‪.‬‬ ‫أم عن حماقة وشعور غامض بالغثيان؟‬ ‫كنت في الواقع أشفق عليهن‪ .‬‬ ‫ن مرارا ً في هذه‬ ‫هناك جارات تتقاطع خطواتي به ّ‬ ‫البيوت العربية المشتركة‪ ،‬وأدري رغبتهن السرية في‬ ‫الحب‪.‬وأحتقر أزواجهن‬ ‫الذين يسيرون كالديوك المغرورة دون مبرر‪...‬‬ ‫تعلمت مع الزمن‪ ،‬أن أف ّ‬ ‫ك رموز نظرات النساء‬ ‫المحتشمات‪ .‬لو كانت لحسمتها‬ ‫يومها بطريقة أو بأخرى‪.‬مازال يمارسان‬ ‫صاحبها أ ّ‬ ‫القفز‪ .‬والمبالغات في اللياقة والمفردات‬ ‫المؤدبة‪.‫من أين جاءني ك ّ‬ ‫ل ذلك الجنون؟ أكنت أريد أن أنفرد‬ ‫ر‬ ‫س أو بقرا ٍ‬ ‫بك وأمتلكك قبله‪ ،‬أم كنت أدري يومها بحد ٍ‬ ‫مسبق أنني أنفق معك آخر رعشات اللذّة‪ ،‬وأنني‬ ‫سأضعك خارج هذا السرير بعد اليوم إلى البد؟‬ ‫لم تكن مشكلتي معك مجرد شهوة‪ ..‬‬ ‫هنالك أكثر من باب نصف مفتوح ينتظر أن يفتحه‬ ‫رجل‪..‬‬ ‫حمة‬ ‫سوى أنهم يمتلكون في البيت دجاجة ممتلئة متش ّ‬ ‫لم يقربها أحد ربما عن قرف!‬ ‫جنة حسب التقاليد ول يتوقع‬ ‫أو أخرى شهيّة ومد ّ‬ ‫ن جناحيها القصيرين‪ .‬‬ ‫لم أعد أدري اليوم‪ ..‬فطرياً!‬ ..‬‬ ‫هنالك أكثر من امرأة هنا يمكن أن يمتلكها رجل دون‬ ‫جهد‪..

.‫يا لحماقة الديوك!‬ ‫إذا كانت كل النساء عفيفات هنا‪ ،‬وشرف كل الرجال‬ ‫مصوناً‪ ،‬فمع من يزني هؤلء إذن؟ وكلهم دون استثناء‬ ‫جح في المجالس الرجالية بمغامراته؟‬ ‫يتب ّ‬ ‫أليس كل واحد منهم يضحك على الخر‪ .‬أبحث عن القذارة حيث ل يوجد الدب!"‬ ‫وكانت القذارة المتوارثة أمامي في كل مكان‪ ،‬في‬ ‫عيون معظم النساء الجائعات لي رجل كان‪.‬بنزاهة!‬ ‫ن‪ ،‬أن أستعيد قولك‬ ‫يحدث عندما تتقاطع نظراتي به ّ‬ ‫مرة‪ ،‬عندما أبديت لك دهشتي مما جاء في روايتك‬ ‫الولى‪ .‬‬ ‫ي أن أقاوم رغبتي الحيوانية ذلك اليوم‪...‬أمام أول أنثى‪.‬فقد كنت أدري أن‬ ‫مستحيل ً آخر قد أضيف إلى مستحيلت أخرى يومها‪،‬‬ ‫وأنك لن تكوني لي أبدا ً بعد اليوم‪.‬‬ .‬‬ ‫وربما كان هذا سر حزني الخر‪ .‬‬ ‫فهنالك مبادئ ل يمكنني التخلّي عنها مهما حدث‪ ...‬إن امرأة‬ ‫تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات‪ .‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫"ل تبحث كثيراً‪ .‬ورحت أستجوبك بحثا ً عن ذاكرة مشبوهة‪.‬‬ ‫ولكن كان عل ّ‬ ‫وأل أترك تلك المدينة تستدرجني إلى الحضيض‪.‬إن الكتابة تط ّ‬ ‫الولدة‪ .‬ل يوجد شيء تحت الكلمات‪ .‬ول يدري أن‬ ‫هناك من يضحك عليه؟!‬ ‫كم أكره ذلك الجو الموبوء بالنفاق‪ ..‬‬ ‫في عصبية الرجال الذين يحملون شهوتهم تراكما ً قابلً‬ ‫للنفجار‪ .‬كأن‬ ‫أعاشر امرأة متزوجة‪ ،‬تحت أي مبرر كان‪..‬وتلك القذارة‬ ‫المتوارثة‪ ..‬لنها شفافة‬ ‫هر مما يعلق بنا منذ لحظة‬ ‫بطبعها‪ .

‬‬ ‫شعرت بشيء من الرتياح‪ ،‬وأنا أكتشف أنني برغم كل‬ ‫ما ح ّ‬ ‫ل بي مازلت أحترم جسدي‪.‬‬ ‫فأين يمكن أن نسكن بعد ذلك إن نحن أهنّاه‪ .‬مأخوذا ً بهمومه‬ ‫حركة دائمة كامرأة تستعد لحد ٍ‬ ‫اليومية‪ ،‬وبحماس نهايات السبوع‪.‬وهرب من تلك النافذة؟ ل أدري!‬ ‫أدري فقط أن قسنطينة‪ ،‬دخلت من تلك النافذة‬ ‫نفسها‪ ،‬التي قلّما فتحتها‪.‬ثم تختفي مع أول شعاع وتتركني‬ ‫لهواجسي وظنّي؟‬ ‫هل خرج طيفك حقا ً يومها من سريري‪ ..‬وإن‬ ‫رفض أن ينسى ذلك؟‬ ‫رميت فجأة بالغطاء‪ ،‬واتّجهت نحو النافذة وأشرعتها‬ ‫وكأنني أفتحها ليخرج طيفك منها إلى البد‪ ،‬ويدخل‬ ‫النور إلى تلك الغرفة‪.‬‬ ‫وكان جسر (سيدي راشد) يبدو بدوره منهمكا ً في‬ ‫ث ما‪ .‬‬ ‫وجدت في انشغاله عن حزني ذلك الصباح بالذات شيئاً‬ ‫شبيها ً بالخيانة‪ .‫لم أكن خجول ً من يدي اليمنى ذلك اليوم‪..‬من غرفتي‬ ‫وذاكرتي‪ .‬‬ ‫المهم في هذه الحالت‪ ،‬أل نفقد احترام جسدنا ونحن‬ ‫نمنحه لول عابر سبيل‪..‬‬ ‫ن والسحرة‪ ،‬ماذا لو‬ ‫في هذه المدينة المسكونة بالج ّ‬ ‫ي مع العتمة‪ ،‬تنام إلى جواري‪،‬‬ ‫كنت جنّية تتسلل إل ّ‬ ‫ي قصصا ً عجيبة‪ ،‬تعدني بألف ح ّ‬ ‫ل سحري‬ ‫تق ّ‬ ‫ص عل ّ‬ ‫لمأساتي‪ ..‬‬ ‫وإذا بالذان يفاجئني من أكثر من مئذنة في آن واحد‪،‬‬ ‫مرني في مكاني أمام القدام المسرعة في كل‬ ‫ويس ّ‬ ‫التجاهات‪..‬‬ .‬وعدم العرفان بالجميل‪.

‬‬ ‫لم أعد في حاجة إلى امرأة‪ .....‬‬ ‫سلما ً أيها المثلث المستحيل‪ .‬فأغلقت في وجهه وجهي‪..‬انتابتني رغبة جارفة للرسم‪ ..‬‬ ‫كانت الفكار الرمادية تتوالد في ذهني في ذلك‬ ‫الصباح‪ .‬سلما ً أيتها المدينة‬ ‫التي تعيش مغلقة وسط ثالوثها المحرم ( الدين –‬ ‫الجنس – السياسة)‪.‬شفيت من جسدي‬ ‫وانتقل اللم إلى أطراف أصابعي‪..‬‬ ‫في النهاية لم يكن السرير مساحة للذّتي ول لطقوس‬ ‫جنوني‪ .‬تكاد توازي رغبتي الجنسية السابقة‬ ‫وتساويها عنفا ً وتطّرفاً‪..‬زوبعة شهوة‬ ‫اللوان‪ .‬‬ ‫ر من‬ ‫فيها أريد أن أص ّ‬ ‫ب الن لعنتي‪ ،‬أبصق مرارة عم ٍ‬ ‫الخيبات‪.‬‬ ‫أفرغ ذاكرة انحازت للون السود‪ ..‬‬ ‫وكان غيظي وخيبتي قد شل يدي ومنعاني حتى من أن‬ ‫أحلق ذقني أو أستعد لذلك الفرح المأتم‪..‬ابتلعت من رجال‪ .‬وحدها تلك المساحة البيضاء المشدودة إلى‬ ‫الخشب كانت قادرة على إفراغي من ذاتي‪.‬‬ ‫وَردَدْت النافذة‪.‬‬ ‫كم تحت عباءتك السوداء‪ .‬والغيظ يملؤني تدريجيا ً كلما تقدّمت الساعة‬ ‫واقترب وقت قدوم حسان وناصر لمرافقتي إلى ذلك‬ ‫البيت‪ ،‬لحضر عرسك‪.‬مذ انحزت لهذه‬ ‫المدينة الملتحفة _حماقة_ بالسواد منذ قرون‪ ،‬والتي‬ ‫تخفي وجهها _تناقضاً_ تحت مثلث أبيض للغراء‪.‬‬ ‫كيف لم أتوقع أن أشعر بهذه الحاجة المرضيّة اليوم‬ .‬‬ ‫وفجأة‪ .‫قررت بدوري أل أجامله‪ .‬فلم يكن‬ ‫أحد يتو ّ‬ ‫قع أن تكون لك طقوس مثلث (برمودا)‬ ‫وشهيته للغراق‪..‬‬ ‫كنت أذهب وأجيء فجأة في تلك الغرفة بعصبية مدمن‬ ‫تنقصه رشفة أفيونه‪.

‬وعيون كاذبات‪ ،‬واعدات بفرح ما‪ .‫لمساك فرشاة‪ ،‬وبهذه الرغبة الجارفة للرسم؟ تلك‬ ‫الرغبة التي ل تقاوم‪ ،‬والتي تصبح ألما ً في أطراف‬ ‫الصابع‪ ،‬وتوترا ً جسديا ً ينتقل من عضو إلى آخر؟‬ ‫كنت أريد أن أرسم‪ .‬‬ ‫وقد ل أرسم شيئاً‪ ،‬وأموت هكذا واقفاً‪ ،‬عاجزا ً أمام‬ ‫لوحة بيضاء‪.‬تماما ً مثل‬ ‫اللون البيض‪...‬إذا كان هناك دائما ً من سيضع‬ ‫أ ّ‬ ‫توقيعه نيابة عني كالعادة؟‬ ‫***‬ ‫في تلك اللحظة المتقدمة من اليأس‪ ،‬دقّ فجأة‬ ...‬ومثلثات‬ ‫بيضاء‪ .‬لماذا المراوغة؟‬ ‫ت لوحتي؟ ما فائدة أن أكون رسمتك ألف مرة‪،‬‬ ‫أما كن ِ‬ ‫مادام آخر سيضع توقيعه عليك اليوم‪ ،‬سيضع بصماته‬ ‫على جسدك‪ ،‬واسمه جوار أوراقك الثبوتية؟‬ ‫وماذا تفيد عشرات المساحات التي غطيتها بك‪ ،‬أمام‬ ‫سرير سيحتوي جسدك‪ .‬فاللون‬ ‫السود لون كاذب في معظم الحيان‪ .‬حتى أفرغ من كل‬ ‫ي إرهاقا ً ونشوة‪...‬وأرسم‪ ..‬ويخلّد أنوثتك البدية؟‬ ‫ي جدوى لما أرسمه‪ .‬‬ ‫فهل أروع من أن نو ّ‬ ‫قع مساحة بيضاء ببياض‪ ،‬وننسحب‬ ‫على رؤوس الصابع‪ ،‬مادمنا لم نو ّ‬ ‫قع شيئا ً في النهاية‪،‬‬ ‫ووحدها القدار تو ّ‬ ‫قع حياتنا‪ ،‬وتفعل بنا ما تشاء؟‬ ‫لماذا التحايل على الشياء إذن‪ ...‬أو مغمى عل ّ‬ ‫من الرجح أنني هذه المرة لن أرسم جسورا ً ول‬ ‫قناطر‪ .‬‬ ‫شيء‪ .‬وأقع ميتاً‪ .‬ربما رسمت نساءً بملءات سوداء‪ .

‬‬ ‫كان حسان على الخط‪ .‬توقعت أن تكون جاهزا ً وتنتظرني منذ‬‫مدة‪ .‬؟‬‫أجبته بشيء من الصدق‪:‬‬ ‫ كنت غافيا ً شيئا ً ما‪.‬ولكنني سألته‪:‬‬ .‬‬ ‫هنالك مشكل صغير يجب أن أحلّه‪.‬كنت أريد أن أخبرك أنني قد أتأخر بعض الوقت‪.‬ول حتى بع ّ‬ ‫كدت أقاطعه "معه حق"‪ .....‫الهاتف‪ ،‬وأخرجني للحظة من وحدتي وهواجسي‪.‬‬ ‫سألته متعجباً‪:‬‬ ‫ي مشكل؟‬ ‫أ ّ‬‫قال‪:‬‬ ‫ تصور بماذا طلع لي ناصر اليوم؟ إنه ل يريد أن يحضر‬‫عرس أخته‪.‬‬‫قال‪:‬‬ ‫ حسنا ً إذن‪ ..‬ول يريد أن يلتقي بالضيوف ول‬‫مه!‬ ‫بالعريس‪ .‬سألني دون مقدمات‪:‬‬ ‫ واش راك تعمل‪...‬‬ ‫فرحت أسرع نحو الغرف البعيدة الخرى‪ ،‬لردّ عليه‪.‬‬ ‫قلت وأنا أزداد فضولً‪:‬‬ ‫ لماذا؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ إنه ضد هذا الزواج‪ .

‬‬ ‫لم أكن في حاجة إلى أكل‪ .‬وعدت إلى غرفتي‪.‬سأمر عليم حال ما انتهي‪...‬شفت واحد ما‬‫وحش لعرس أختو‪ .‬خلينا يا راجل‬‫يرحم والديك‪.‬كنت فقط أشعر بشيء من‬ ‫الظمأ الصباحي‪ ،‬وبشيء من المرارة التي صار لها‬ ‫فجأة بعد ذلك الهاتف‪ ،‬مذاق السعادة الغامضة‪....‬والله "نستعرف بيه"‪!.‬واش يقولوا الناس‪.‬ولم أستطع أن أمنع‬ ‫ل‪:‬‬ ‫نفسي من التعليق بصوت عا ٍ‬ ‫ رائع ناصر‪ ..‬‬ ‫ثم أضاف‪:‬‬ ‫ ستجد في المطبخ أكل ً أعدّته لك عتيقة‪.)!.‬عيب‪ .‬‬‫سنتحدث في هذا الموضع فيما بعد‪ ،‬فأنا أحدثك من‬ ‫مقهى‪ ،‬وحولي كثير من الناس (‪ ..‫ وأين هو الن؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ضل أن يقضي‬ ‫ لقد تركته في المسجد‪ ..‬يقولوا واش يحبوا‪ ..‬‬ ‫وقبل أن أقول له شيئا ً قال‪:‬‬ ‫ ابق في البيت إذن‪ .‬‬ ‫يومه هناك بدل أن يقضيه مع هؤلء "الق ّ‬ ‫ولول مرة ضحكت من قلبي‪ .‬‬ ‫ير ّ‬ ‫ الناس‪ .‬‬‫ت فيه شيء من العتاب‬ ‫ولكن حسان قاطعني بصو ٍ‬ ‫والعجب‪:‬‬ ‫ واش بيك هبلت إنت تاني‪ ...‬قال لي إنه يف ّ‬‫وا‪!".‬على بالك‪..‬الناس‪ ....‬‬ .‬‬‫وضعت السماعة‪ ..

...‫لقد ملني موقف ناصر غبطة‪ .‬ثم مع الزمن‪ ،‬أدركت أنه‬ ‫ل مثل سي‬ ‫كان ل بد للثورة في أيامها الولى من رجا ٍ‬ ‫الطاهر‪ ،‬بذلك العناد‪ ،‬وتلك الثقة المطلقة بالنفس‪،‬‬ ‫حتى يفرضوا رأيهم وسلطتهم على الخرين‪ ،‬ليس حباً‬ ‫م شمل الثورة وعدم ترك‬ ‫بالجاه والسلطة‪ ،‬إنما لل ّ‬ ‫مجال للخلفات والعتبارات الشخصية‪ ،‬وحتى ل تموت‬ ‫تلك الشعلة الولى وتبعثرها الرياح‪.‬‬ ‫ق به بعد‪ .‬شعرت أن هناك شخصاً‬ ‫آخر يشاركني حزني دون علمه‪ ،‬ويقف معي ضدّ هذا‬ ‫الزواج‪ ،‬ولكن على طريقته‪.‬أن يكون عنيدا ً ومباشرا ً مثله‪.‬كنت أعي بشيء من المرارة‪ ،‬أن ك ّ‬ ‫ل‬ ‫ك لن يحضروا عرسك هذا‪.‬‬ ‫وعادت طلّته‪ ،‬موجعة كتلك الرصاصات التي أفرغوها‬ ‫في جسده يوماً‪ ،‬وأودت به قبل أن يشهد استقلل‬ ‫الجزائر بأشهر‪.‬‬ ‫وقتها كنت أجد في تلك المواقف شيئا ً من‬ ‫الدكتاتورية‪ ،‬وغرور القائد‪ .‬‬ ‫وإذا كان فعل ً مثله فلن ينجح حسان أبدا ً في تغيير‬ ‫رأيه‪.‬‬ ‫الذين أحبّو ِ‬ .‬‬ ‫لم ألت ِ‬ ‫مثل أبيه‪ .‬في لحظة لم أحجزها‬ ‫له‪.‬ولكن أتوقع أن يكون (راسو خشين‪).‬‬ ‫أين هو ليحضر هذا اليوم الستثنائي الذي سيخلف‬ ‫موعده أيضاَ؟‬ ‫أكان قدره أن يخلف فرحتين؟‬ ‫رحل كما جاء‪ ،‬سابقا ً لزمنه‪ ،‬وكأنه أدرك أنه لم يخلق‬ ‫للزمن التي‪ .‬‬ ‫مازلت أذكر عناد سي الطاهر وقراراته النهائية دائماً‪،‬‬ ‫التي ل يمكن لحد أن يزيحه عنها‪.‬‬ ‫عادت ذكرى سي الطاهر فجأة‪ ..‬‬ ‫فح ٌ‬ ‫ل ناصر‪ ،‬جدير بأن يكون ابن سي الطاهر‪.

‬صحيح أنها تصلح لرواية!‬ ...‬‬ ‫لصيف طويل‪ ...‬من يقاوم مطر الكذب الجميل؟‬ ‫هنالك أكاذيب نحاول أن نصدّقها حتى نحرج النشرات‬ ‫الجوية‪ .‬‬ ‫اكتبيها إذن ذات يوم‪ .‬ضحكت‪ ..‬‬ ‫في الواقع كن ِ‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي قلت لك فيه‪" :‬لو خلّف هتلر ابنة‬ ‫ت ابنته الشرعية!"‪.‬سأكتب يوما ً هذه الفكرة‪.‫ت فرحتهم‪ ..".‬‬ ‫وذلك الحب الجنوني المستحيل‪ ،‬وقلت تلك الجملة‬ ‫التي ملت جيوب الحلم وهماً‪" .‬ثم قلت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫ي أكثر من موضوع‬ ‫"مدهش أنت عندما تتحدث‪ ،‬تف ّ‬ ‫جر ف ّ‬ ‫للكتابة‪ .‬من يجفف‬ ‫دمع السماء؟‬ ‫ت امرأة ساديّة‪ ،‬وكنت أعرف ذلك‪.‬‬ ‫في هذا العالم‪ ..‬سي‬ ‫سيتغيب عن فرحك كل الذين كن ِ‬ ‫الطاهر وزياد‪ .‬سأكون لك مادمنا‬ ‫في قسنطينة‪.‬ولكن‪ ...‬وجئت؟‬ ‫وكنت أدري انك تكذبين‪ ،‬وتهدينني الغيوم البيضاء‪.‬وعلّقت أنا بسذاجة الضحية‪" :‬ل أدري ما الذي‬ ‫ق ّ‬ ‫أوصلني إلى حبك‪ ،‬أنا الهارب من حكم الجبابرة‪.‬ضحكة حاكم جبّار واثق من‬ ‫ضحك ِ‬ ‫وته‪ ...‬لكن ِ‬ ‫ت يومها‪ .....‬‬ ‫ي تلك القرعة‪ ،‬وقادتني القدار‬ ‫لماذا وحدي وقعت عل ّ‬ ‫إليك؟‬ ‫ولماذا استدرجتني حتى هنا‪ ،‬باسم الذاكرة والحنين‪.".‬‬ ‫كيف صدّقتك‪ .‬‬ ‫ب امرأة طاغية‪.‬‬ ‫أيمكن بعد هذا العمر أن أقع في ح ّ‬ ‫ابتسمت فجأة‪ ."!.‬وناصر أيضاً‪.‬لكن عندما تنهطل المطار داخلنا‪ ..

.‫في ذلك الصباح‪ ،‬كانت الخمرة ملجئي الوحيد‪ ،‬لنسى‬ ‫خيبتي معك‪.‬‬ ‫كانت بي رغبة لتحديك وتحدّي هذه المدينة‪ .‬وهذا‬ ‫الوطن الكاذب‪..‬من أكثرنا كفرا ً يا ترى!‬ ‫في الواقع‪ ،‬لم تكن الخمرة هوايتي‪ ..‬‬ ‫ها أنت تخونينني ليلة جمعة‪ .‬‬ ‫لم أكن أدري وقتها‪ ،‬أنني كنت أخ ّ‬ ‫ط خلصة خيبتي‬ ‫كلمتين قد تصلحان عنوانا ً لهذا الكتاب‪ ،‬الذي ربما‬ ‫ولدت فكرته يومها‪.‬‬ ‫تذكّرت مسرحية أعجبت بها يوماً‪ .‬تحلّين دمي‪ ،‬وتطلقين‬ ‫ي رصاص الغدر‪.‬فكتبت أعلى‬ ‫الصفحة‪ ،‬دون كثير من التفكير "كأسك يا قسنطينة"‪.‬نخب عينيك اللتين خلقتا لتكذبا‪..‬‬ ‫في تلك الغرفة التي يؤثثها سرير فارغ‪ ،‬ونافذة تطل‬ ‫على المآذن والجسور‪ ،‬وطاولة فارغة من لوازم‬ ‫الرسم‪ ،‬لم أجد لي من طوق نجاة سوى بضع أوراق‬ ‫وأقلم فقط‪ ،‬وزجاجة ويسكي أحضرتها لحسان قبل‬ ‫أن يتوب‪ ،‬ومازالت في حقيبتي تنتظر‪ .‬نخب بكائي العاجز عن‬ ‫الدموع‪..‬‬ ‫عل ّ‬ ‫فلماذا ل أسكر اليوم‪ .‬‬ ‫وضحكت لهذا الدور الذي كان جاهزا ً لي في هذه‬ ‫المدينة التي تمنع عنك الخمرة‪ ،‬وتوفر لك كل أسباب‬ ‫شربها‪.‬‬ ‫نخب فرح الليلة الجاهز للبكاء‪ .‬‬ ‫رفعت كأسي الملى بك‪ .‬فأحضرتها‬ ‫ورحت أشرب ذلك الصباح نخب زياد وسي الطاهر‪..‬‬ ‫أنت التي صالحتني مع الله‪ ،‬وأعدتني يوما ً إلى العبادة‪.‬ففي كل مرة شربت فيها كنت أؤرخ لحد ٍ‬ .‬كانت مشروب‬ ‫فرحي وحزني التطرف‪ .‬ولذا ارتبطت بك وبتقلباتك‬ ‫ث‬ ‫الجنونية‪ ..‬نخب ذاكرتك التي تحترف‬ ‫مثله النسيان‪ .‬‬ ‫ونخب قسنطينة‪.

‬نبحث عن قدرنا بين الحانات‬ ‫والمساجد‪...‬فل أعتقد أنني قد أسكر بعد اليوم‪.‬ل غير!‬ ‫إيه ناصر‪..‬وإل الله ل يجعلكم تفكِّروا‪ ".‬‬ ‫ووضعتنا كما تضع سلحفاة بحرية أولدها عند شاطئ‬ ‫وتمضي دون اكتراث‪ ،‬لتسلمهم لرحمة المواج‬ ‫والطيور البحرية‪.‬وأن هناك‬ ‫ة منا‪.‬وأرتكب‬ ‫جنوني الخير‪ .‬وهذه المدينة‪.‬‬ ‫أنا‪ .‬‬ ‫مدينة تواطأت معنا في التطرف والجنون‪ .‬قلبوها حتى ل‬ ‫تهرب‪ ،‬قلبوها في محاولة انقلب على المنطق‪..‬يقول‬ ‫"الفكرون" في ذلك المثل الشعبي وهو يتخلى عن‬ ‫أولده‪.‬‬ ‫لنني سأغسل يدي منك اليوم‪ .‫ما في قصتنا التي ل تنتهي‪.‬‬ ‫من سيتمتع بك في غفل ٍ‬ ‫في الواقع‪ .‬وأنت‪ ..‬‬ ‫ها نحن سلحفاة تنام على ظهرها‪ ...‬‬ ‫وحده أمر ناصر يعنيني الن‪ ،‬أخيك الذي يصلي في‬ ‫هذه اللحظة في أحد مساجد هذه المدينة‪ ،‬لينسى‬ ‫مثلي‪ ،‬أنهم سيتناوبون على وليمتك الليلة‪ .‬مدينة‬ ‫"سادية" تتلذذ بتعذيب أولدها‪ .‬‬ ‫وها نحن بل أفكار‪ .‬كنت أسكر نخبه‪ ...‬‬ ‫فكم يشبه الميلد الموت في المدن العريقة‪ ،‬حيث نولد‬ ‫ونموت وسط مجرى الهواء والرياح المضادة!‬ ..‬حبلت بنا دون جهد‪...‬‬ ‫"إفكروا‪ .‬‬ ‫وها أنا أفتح على شرفك زجاجتي الخيرة‪ ..‬وأشيّعك على‬ ‫طريقتي‪..

‬والبعض‬‫يسكر‪ .‬وواحد لتي يسكر‪ ..‬وظل ينظر إلي مدهوشا ً وكأنني‬ ‫بفتح تلك الزجاجة أخرجت له مارداً‪ ،‬أو جنّا ً أطلقته في‬ ‫البيت‪...‬كيفاش نعمل معاكم؟‬ ‫توقف سمعي عند ذلك التعبير الذي لم أسمعه منذ عدة‬ ‫سنوات "البلد متّخذة" والذي يعني أن البلد قائمة‬ ‫قاعدة‪ ..‬‬ ‫ابتسمت وأن أكتشف مرة أخرى قدرة هذه المدينة‬ ‫ج الصور الجنسية في كل شيء‪ .‬‬ ‫رفعت عيني نحوه وقلت له بشيء من السخرية المرة‪:‬‬ ‫ هذه هي الجزائر يا حسان‪ ...‬البلد متّخذة وأنتما واحد لتي‬‫يصلي‪ .‬وذلك ببراءة‬ ‫على ز ّ‬ ‫مدهشة‪.‬البعض يصلّي‪ .‬‬ ‫حاولت أن أمازحه فسألته بسخرية‪:‬‬ ‫ي هكذا‪ ..‬أو تشهد حدثا ً استثنائياً‪ ،‬والذي هو في الواقع‬ ‫تعبير جنسي محض‪.‬ألم تَر زجاجة كهذه قبل‬ ‫ لماذا تنظر إل ّ‬‫اليوم؟‬ ‫ولكنه دون أي رغبة في المزاح أخذ الزجاجة من‬ ‫ب ويتحدث‬ ‫أمامي‪ ،‬وذهب بها إلى المطبخ‪ ،‬وهو يس ّ‬ ‫لنفسه كلما ً لم يكن يصلني‪.‬‬ ‫وعندما عاد قال لي بنبرة فيها شيء من اليأس وبقايا‬ ‫من متاعب ناصر‪:‬‬ ‫ يا أخي واش بيكم‪ .‬والخرون أثناء ذلك "ياخذوا في البلد‪!".‫وما أكبر يتم السلحف في هذه المدينة!‬ ‫عندما جاء حسان بعد ذلك‪ ،‬وفاجأني جالسا ً أكتب أمام‬ ‫تلك الطاولة وأمامي زجاجة ويسكي نصف فارغة‪ ،‬كاد‬ ‫يشهق من العجب‪ ...‬‬ ..

‬ول يمكن أل يقف‬ ‫في عرسها أمام الناس‪.‬ل أفهم عناده هذا‪ ..‬‬ ‫ربما لنه بعد ذلك الوقت الذي قضاه في إقناع ناصر‬ ‫لم يعد قادرا ً على المزيد من المناقشة‪ ..‬إن الناس ينتظروننا هناك‬ ‫وبعضهم لم يَرك منذ سنوات‪ .‬‬ ‫كتلك اللحظة التي سألته فيها عن سبب مقاطعة ناصر‬ ‫لهذا العرس‪ ،‬وإذا بالحديث يجّرنا إلى أكثر من موضوع‪.‬فهو يعتقد أنه استفاد كثيراً‬‫من اسم سي الطاهر‪ ،‬وأنه قلّما اهتم بمصير زوجة‬ .‫ولكن حسان لم يبدُ على استعداد للتمادي معي في‬ ‫النقاش‪.‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ إنه على خلف مع عمه‪ .‬يجب أل تذهب إليهم في‬ ‫هذه الحالة!‬ ‫عندما عاد بعد لحظات بالقهوة سألته‪:‬‬ ‫ ماذا فعلت مع ناصر؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ء‬ ‫ لقد وعدني أنه سيمر هناك وقت العشاء إرضا ً‬‫لخاطري فقط‪ ،‬ولكنه لن يمكث طويلً‪ .‬وبرغم ذلك‬ ‫أشك في أن يحضر فعلً‪ .‬ولكن كنت أشعر في الواقع أنني أزداد‬ ‫سكرا ً أو جنوناً‪ ،‬وأنا أستمع إليه‪..‬فقال وهو‬ ‫يقاطعني‪:‬‬ ‫ سأذهب لحضر لك القهوة‪ ،‬حتى تفيق وتطير عنك‬‫هذه السكرة‪ .‬ثم نتحدث‪ .‬إنه ل‬ ‫يملك سوى أخت واحدة في النهاية‪ .‬‬ ‫جنون!‬ ‫كنت أحتسي تلك القهوة حتى يطير سكري‪ ،‬حسب‬ ‫تعبير حسان‪ .

‬إن لمعظم‬ ‫مين هنا أكثر من عشيقة‪ .‫أخيه وأولده‪ .‬إنك ل تستطيع أن تمنع رجل ً عندنا زادوا له‬ ‫نجمة على أكتافه‪ ،‬من أن يزيد امرأة في بيته‪ ،‬أو تمنع‬ ‫رجل ً حصل على منصب جديد لم يحلم به‪ ،‬من أن يبدأ‬ ‫في البحث عن فتاة أحلمه‪.‬وعن حساباته في الخارج‪ .....‬وكلهم تخلّوا‬ ‫الرجال المه ّ‬ ‫بطريقة أو بأخرى عن زوجاتهم وأولدهم‪ ،‬ليتزوجوا‬ ‫من عروس جديدة أصغر عمرا ً وأكثر جمال ً وثقافة من‬ ‫الولى‪ ..‬من المؤكد‬‫أنه بمنطق الشياء عندنا زواج طبيعي‪ ..‬إنه ليس أول‬ ‫زواج من هذا النوع‪ ،‬ولن يكون الخير‪ .‬فهو ضد اختيار عمه‬ ‫لهذا العريس السيئ الصيت سياسيا ً وأخلقياً‪ .‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ وهل تجد أنت هذا الزواج طبيعياً؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ ل أدري بأي منطق تريد أن أحكم عليه‪ .‬‬ ‫وأضاف‪:‬‬ ‫ أنا حاولت فقط أن أقنع ناصر أن عمه لم يقصد‬‫بالضرورة القضاء على مستقبل أخته بهذا الزواج‪ ..‬‬ ‫سألته‪:‬‬ .‬وعن عشيقاته‬ ‫الجزائريات‪ .‬إضافة إلى كون هذا الزواج‬ ‫زواجه الثاني‪ ،‬وأن له أولدا ً يقارب عمرهم عمر‬ ‫عروسه الجديدة‪..‬وهذا العرس ل هدف له غير أسباب‬ ‫وصوليّة ومطامع سياسية محض‪ .‬‬ ‫إن أي شخص سواه كان سير ّ‬ ‫ويسعى إليها لهثاً‪ ..‬بل‬ ‫حب بهذه المصاهرة‪.‬إنها الطريقة الوحيدة ليحل‬ ‫مشكلته ومشكلت ابنته مرة واحدة‪ ،‬ويوفر عليها‬ ‫كثيرا ً من المتاعب‪.‬والجنبيات‪ .‬فالجميع‬ ‫يتحدّث عن العمولت التي يتقاضاها في صفقاته‬ ‫المختلفة‪ ..

‬لقد خلق البسطاء‬ ‫بأنفسهم عملة أخرى للتداول ويقضون بها حاجاتهم‪.‬الحرام هو ما‬‫ق عصرية‪ ..‬‬ ‫هات امرأة‪ .‬وفي العاصمة‬‫بالذات‪ .‬كأن يرسل أحدهم ابنته‬ ‫يمارسه بعضهم بطر ٍ‬ ‫أو زوجته‪ .‬حيث يمكن لي فتاة تمّر بمكتب ما في الحزب‬ ‫أن تحصل على شقة أو خدمة أخرى‪ .‬يكفي‬ ‫أن ترى منظر الفتيات اللتي يدخلن هناك لتفهم كل‬ ‫شيء‪...‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ ومن أدراك بها؟‬‫قال متذمراً‪:‬‬ ‫ من؟ لقد سمعته بأذني وشاهدته بعيني يوم ذهبت‬‫هناك منذ بضعة أشهر لقابل صديقا ً موظّفا ً في‬ ‫الحزب‪ .‬والجميع يعرف‬ ‫العنوان طبعاً‪ ،‬ويعرف اسم من يوّزع الشقق والخدمات‬ ‫على النساء والشعارات على الشعب بالتساوي‪ .‬أو أخته لتحضر له ورقة من إدارة‪ ،‬أو تطلب‬ ‫ش ّ‬ ‫قة أو رخصة لمحل تجاري نيابة عنه‪ ،‬وهو يعلم أن ل‬ ‫أحد هنا يعطيك شيئا ً بل مقابل‪ .‫ لو كانت لك بنت وخطبها منك هذا الرجل‪ ،‬أكنت‬‫وجته منها؟‬ ‫ز ّ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ طبعاً‪ .......‬وخذ ما تشاء!‬ ‫تمتمت بذهول‪:‬‬ ‫ أحق ما تقول؟‬‫أجاب‪:‬‬ ‫ إنه ما يحدث الن في أكثر من مدينة‪ .‬‬ ‫تصور‪ ..‬عساه يساعدني في الخروج من سلك التعليم‪...‬ولم ل؟ إن الزواج حلل‪ .‬حتى البواب لم يكلف نفسه مشقة الحديث‬ .

.‬هنالك من‬ ‫انفضحت أموره‪ ،‬وهنالك من عرف كيف يحافظ على‬ ...‬وهؤلء يعرفون ذلك فيزيدون من‬ ‫شروطهم كل مرة‪ .‬كل شي أصبح يمر بالنساء اليوم‪.‬فمن المؤكد أنه لن يقبل بها‪ ..‬ويضمنوا لنفسهم‬ ‫التنقل من كرسي سلطة إلى آخر‪ ،‬فكيف تريد في هذا‬ ‫الجو أن يستطيع شا ٌّ‬ ‫ب بسيط أن يبني حياته؟ كل‬ ‫البنات يبحثن عن المسؤولين والمديرين والرجال‬ ‫الجاهزين‪ ..‬وعندما أبديت تذ ّ‬ ‫بشيء من العصبية‪ ،‬و"التشناف" أن معظم الزائرات‬ ‫موظفات في التحادات الحزبية‪ ....‬بينما عدد العوانس يزيد كل يوم‪.‬؟" ولكنني سك ّ‬ ‫إيه‪ .‬‬ ‫بالسهرات‪ ..‬وحدهن النساء كن جديرات بالعناية‬ ‫مري "للخ الفّراش" أجابني‬ ‫هناك‪ .‬ويبعثها تدقّ على مئة باب؟‬ ‫ربما لحظ وقتها آثار الصدمة المدهشة على ملمحي‪...‬حتى لو عرضت ابنتي‬‫على (سي‪ ).‬إنهم ل‬ ‫يتزوجون إل من بعضهم‪ .‬‬ ‫على التحديد‪..‬يا ولدي روح‪ .‬أو مناضلت‪ .‬وكدت‬ ‫أسأله وأنا أرى إحداهن تمر أمامي "بأي "عضو" ناضلن‬ ‫ت‪.‬المجالس الخاصة‪ ..‬ففلن ل يريد إل بنت فلن‪،‬‬ ‫حتى "يبقى زيتنا في دقيقنا‪ "!.‬‬ ‫إذا رأيت المور بهذه العين‪ ،‬فإنك حتما ً تعذر سي‬ ‫الشريف‪ ..‬‬ ‫وتلك المرارة التي أسكتتني من الهول‪ ،‬عندما أضاف‬ ‫وكأنه يستدرك ليخفف من خيبتي‪:‬‬ ‫ على كل حال‪ .‬أو يدخل في هذه الحلقة‬ ‫القذرة‪ .‫ي‪ .‬‬ ‫إنه قانون العرض والطلب‪.‬المهم أن يستر بنت أخيه‪ ،‬ويضمن لها‬ ‫ولنفسه مستقبل ً سعيدا ً قدر المكان‪.‬فماذا‬ ‫تريد أن تفعل؟ كلهم سّراق ومحتالون‪ ..‬ولذا لو كنت أملك‬ ‫وجت ابنتي من واحد يمكنه بهاتف أن يأتيها‬ ‫الخيار لز ّ‬ ‫بكل شيء‪ .‬لن يحدث هذا‪ .‬وعبثا ً رحت أشرح له أنني قادم من قسنطينة‬ ‫إل ّ‬ ‫لهذا الغرض‪ ..‬‬ ‫أما كون العريس سارقا ً وناهبا ً لملك الدولة‪ ...‬على أن أعطيها لواحد مثلي يعيش معها‬ ‫في البؤس كما أعيش أنا‪ .

.‬‬ ‫الفصل السادس‬ ‫لعرسك لبست بدلتي السوداء‪..‬‬ ‫وربما كنت أريد أن أضع حاجزا ً بيني وبينك أيضا‪ً.‬يمكن أن يلبس للفراح‪ .‬‬ ‫الشريف أيضا ً على ح ّ‬ ‫ولكن كان هناك شيء ما في هذا الزواج‪ ،‬يرفض أن‬ ‫يدخل عقلي وأقتنع به‪.‬ولكني‬ ‫سأكتفي بقول مصمم الزياء هذا‪.‬وربما كان سي‬ ‫ق‪ .‬‬ ‫لبست طقمي السود‪ ،‬لواجه بصمت ثوبك البيض‪،‬‬ ‫المرشوش بالللئ والزهور‪ ،‬والذي يقال إنه أعدّ لك‬ ‫خصيصا ً في دار أزياء فرنسية‪..‬ثم سمعت مرة‬ ‫مصمم أزياء شهيراً‪ ،‬يجيب عن سر لبسه الدائم للسود‬ ‫قال‪:‬‬ ‫"إنه لون يضع حاجزا ً بيني وبين الخرين"‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فقد كنت في ذلك اليوم أريد أن أضع حاجزا بيني وبين‬ ‫كل الذين سألتقي بهم‪ ،‬كل ذلك الذباب الذي جاء‬ ‫ليحط على مائدة فرحك‪.‬‬ ‫قرأت أيضا ً أنه لون يحمل نقيضه‪ .‬‬ ‫كدت أقول له إنه في النهاية على حق‪ .‬قرأت يوما أن السود صدمة للصبر‪.‫مظهر محترم‪ .‬‬ ‫لكل لون لغته‪ .‬‬ .‬‬ ‫مدهش هذا اللون‪ .‬وللمآتم!‬ ‫لماذا اخترت اللون السود؟‬ ‫ت‬ ‫ت أن ِ‬ ‫ربما لنني يوم أحببتك أصبحت صوفياً‪ ،‬وأصبح ِ‬ ‫مذهبي وطريقتي‪ ..‬فقط!‬ ‫أصبت بذهول وأنا أستمع إليه‪.‬وربما لنه لون صمتي‪.‬ل أدري‪.‬‬ ‫ويمكن أن أقول لك اليوم الكثير عن ذلك اللون‪ .

..‬إهلكهم‪.‬حتى ل أفاجئك داخلي‪ .‬‬ ‫يمتلئ البيت زغاريد‪ .....‬‬‫وضعت قناع الفرح على وجهي‪ .‬ويمتلئ صدري بدخان السجائر‬ ‫التي أحرقها وتحرقني‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ كل شيء مبروك‪.‬‬ ‫نظرت إليه‪ ..‬يمتلئ قلبي حزناً‪ ...‬راك فرحتني اليوم‪.‬أجالس من أعرف ومن ل أعرف‪ .‬‬ ‫اختصرت ذلك الموقف العجيب مرة أخرى في كلمة‪.‬زارتنا البركة‪ .‬فأنهار‪.‫هل يمكن لرسام أن يختار لونه بحياد؟‬ ‫وكنت أنيقاً‪ ..‬‬‫ما كناش شفناك!‬ ‫ي‬ ‫أحاول أن أنسى أنني أتحدث لزوجك‪ ،‬لرجل يتحدث إل ّ‬ ‫مجاملة على عجل‪ ،‬وهو يفكر ربما في اللحظة التي‬ .‬‬ ‫أسلّم على العريس الذي يقبّلني بشوق صديق قديم لم‬ ‫يلتق به منذ مدة‪:‬‬ ‫ هاك جيت للجزائر آ سيدي‪ .‬ويتعلم‬ ‫وجهي تلقائيا ً البتسامات الكاذبة‪ .‬وحاولت أن أحتفظ به‬ ‫طوال تلك السهرة‪.‬فأضحك مع‬ ‫الخرين‪ .‬حتى ل أخلو بك لحظة‬ ‫واحدة‪ .‬أكّدت لي المرآة‬ ‫ذلك‪ ."!.‬أهلً‪ .‬كان موش هاذا العرس‪.‬‬ ‫ أهل ً سي خالد‪ ...‬كدت أقول له شياً‪ ..‬ولكني صم ّ‬ ‫عند الباب المشرع للسيارات‪ ،‬وأفواج القادمين‪،‬‬ ‫استقبلني سي الشريف بالحضان‪.‬فللحزن أناقته أيضاً‪ ..‬‬ ‫ت‪.‬ونظرة حسان‪ ،‬الذي استعاد فجأة ثقته بي‪ ،‬وقال‬ ‫بلهجة جزائرية أحبها‪ ،‬وهو يتأملني‪" :‬هكذا نحبك آ‬ ‫خالد‪ .‬أتحدث في‬ ‫الذي أدري والذي ل أدري‪ .‬يعطيك الصحة‬‫اللي جيت‪ .

‬في مواكب نسائية أخرى‪ .‬‬ ....‬‬ ‫أراك لول مرة‪ ،‬بعد كل أشهر الغيبة تلك‪ ،‬تمرين قريبة‬ ‫وبعيدة‪ ،‬كنجمة هاربة‪ .‬أتل ّ‬ ‫وتطلّين‪.‬وإذا‬ ‫بها اليوم تبكيني!‬ ‫"شّرعي الباب يا أم العروس‪ ".‬‬ ‫اكتفيت بتأ ّ‬ ‫ها أنت ذي تتقدّمين كأميرة أسطورية‪ ،‬مغرية شهية‪،‬‬ ‫محاطة بنظرات النبهار والعجاب‪ .‬تسيرين‪ .‬مثقلة الثواب‬ ‫والخطى‪ ،‬وسط الزغاريد ود ّ‬ ‫قات البندير‪ .‬‬ ‫ملك‪ ،‬في دورك الخير‪.‬مكابرة‪.‬بدلته‬ ‫الزرقاء الحريرية التي يلبسها _أو تلبسه_ بأناقة من‬ ‫ود على الحرير‪ ..‬‬ ‫تدخلين في موكب نسائي‪ ،‬يحترف البهجة والفرح‪ ،‬كما‬ ‫أحترف أنا الرسم والحزن‪..‬‬ ‫أتأمل سيجاره الذي اختاره أطول للمناسبة‪ ..‬خلف‬ ‫عروس أخرى‪ ..‬لم أكن أعرف عنها شيئا ً يومذاك‪..‬مربكة‪،‬‬ ‫بسيطة‪ .‬فعدلت عن السؤال‪.‫سينفرد فيها بك في آخر الليل‪..‬وأغنية‬ ‫تستفّز ذاكرتي‪ ،‬وتعود بي طفل ً أركض في بيوت‬ ‫قسنطينة القديمة‪ .‬‬ ‫أل أتذكر‪ .‬أحاول أل أتوقف عند جسده‪ ..‬يفصلني عنهما ضباب دمعي‬ ‫وحشد الحضور‪ ..‬‬ ‫ف بها‬ ‫آه كم كنت أحب تلك الغاني التي كانت تز ّ‬ ‫العرائس‪ ،‬والتي كانت تطربني دون أن أفهمها‪ .‬يقال إن العرائس‬ ‫يبكين دائما ً عند سماع هذه الغنية‪.‬أحاول‬ ‫تع ّ‬ ‫هى بالنظر إلى وجوه الحاضرين‪.‬‬ ‫تراك بكيت يومها؟‬ ‫كانت عيناك بعيدتين‪ .‬مرتبكة‪ .

.‬كالعادة‪ .‬‬ ‫"يا ديني ما أحللي ِ‬ ‫الله ل يقطعلو عادة‪.‬أصحاب الحقائب‬ ‫الدبلوماسية‪ ،‬أصحاب المهمات المشبوهة‪ ،‬أصحاب‬ ‫السعادة وأصحاب التعاسة‪ ،‬وأصحاب الماضي‬ ‫المجهول‪.‬‬ ‫ما أقوى الحناجر المشتراة‪ .‬‬ ‫والبدلت التي تلبس على أكثر من وجه‪...‬‬ ‫وزراء سابقون‪ .‬والسجائر الكوبية‪.‬ويرتفع غناء الجوقة‬ ‫ت واحد لترحب بالعريس‪:‬‬ ‫في صو ٍ‬ ‫عرسو‪ ..‬‬ ‫أصحاب البطون المنتفخة‪ .‬كالعادة‪.‬مديرون وصوليون‪ .‬ومشاريع وزراء‪ .‬‬ ‫تعلو أصوات اللت الموسيقية‪ ...‬‬ ‫وها هوذا "الفرقاني"‪ ..‬خمسة‪ .‫ها أنت ذي‪ ،‬يشتهيك كل رجل في سّره كالعادة‪....‬‬ ‫ها هم هنا‪.‬وتتساقط الوراق النقدية‪..‬والخميس عليه"‬ ‫تعلو الزغاريد‪ .‬وما أكرم اليدي التي تدفع‬ ‫كما تقبض على عجل!‬ ‫ها هم هنا‪..‬‬ ‫ف الوجهاء‬ ‫يصبح صوته أجمل‪ ،‬وكمنجته أقوى عندما يز ّ‬ ‫وأصحاب القرار والنجوم الكثيرة‪....‬ووصوليون‬ ..‬‬ ‫وانخاف عليه‪ ..‬يغنّي لصحاب النجوم‬ ‫والكراسي المامية‪.‬‬ ‫كانوا هنا جميعهم‪ .‬‬ ‫ومشاريع سّراق‪ ..‬بالعوادة‪..‬سّراق سابقون‪.‬‬ ‫وها أنذا _ كالعادة_ أواصل ذهولي أمامك‪.‬‬ ‫أصحاب كل عهد وكل زمن‪ .‬‬ ‫تحسدك كل النساء حولك كالعادة‪.

..‬ملتفون‬ ‫دائما ً حول الولئم المشبوهة‪.‬‬ ‫ها هم هنا‪ .‬‬ ‫تلك التي مازالت منذ قرنين تُغنّى للعبرة‪ ،‬لتذكّر أهل‬ ‫هذه المدينة بفجيعة (صالح باي) وخدعة الحكم والجاه‬ ‫الذي ل يدوم لحد‪..‬‬ ‫أعرفهم وأتجاهل معظمهم "ما تقول أنا‪ ..‬أصحاب‬ ‫العقول الفارغة‪ ،‬والفيلت الشاهقة‪ ،‬والمجالس التي‬ ‫يتحدث فيها المفرد بصيغة الجمع‪.‬‬ ‫في انتظار ذلك‪ .‬مجتمعون دائما ً كأسماك القرش‪ ..‬فليأكلوا‬ ‫وليطربوا‪ ..‬‬ ‫والتي أصبحت تُغنّى اليوم بحكم العادة للطرب دون أن‬ ‫تستوقف كلماتها أحداً‪.‬في صعودهم السريع‪ ..‫يبحثون عن إدارة‪ ..‬‬ ‫ما أتعسهم في غناهم وفي فقرهم‪ .‬وعسكر‬ ‫متنكّرون في ثياب وزارية‪...‬وليستمعوا‬ ‫للفرقاني يردد كما في كل عرس قسنطيني أغنية‬ ‫"صالح باي"‪.‬‬ ‫م‬ ‫كانوا سلطين ووزراء *** ماتوا وقبلنا عزاه ْ‬ ‫م‬ ‫نالوا من المال كُثرةْ *** ل عّزهم‪ .‬وفي انحدارهم‬ ‫المفجع!‬ ‫ما أتعسهم‪ ،‬في ذلك اليوم الذي لن يمدّ فيه أحد يده‬ ‫حتى لمصافحتهم‪.‬هذا العرس عرسهم‪ .‬حتى يموت‬ ‫كبار الحارة!"‬ ‫أعرفهم وأشفق عليهم‪.‬مخبرون سابقون‪ .‬ل غنا ُ‬ ‫ه ْ‬ .‬‬ ‫ها هم هنا‪.‬في علمهم وفي‬ ‫جهلهم‪ .‬وليرشقوا الوراق النقدية‪ .‬‬ ‫أصحاب النظريات الثورية‪ ،‬والكسب السريع‪ .

‬‬ ‫إيه يا قسنطينة‪ ،‬لكل زمن "صالحه"‪ ..‬يا صالح‪ .‬‬ ‫هنات (سي الشريف) إذن‪ ،‬فقد راهن‬ ‫لقد نجحت تك ّ‬ ‫على حصان رابح‪..‬وليس كل حاكم صالحاً!‬ ‫ها هوذا الوطن الخر أخيرا ً أمامي‪ .‬فأجلس‬ ‫مرون‪.‬وعينيك عجبوني‪.‬‬ ‫أسأله مجاملة‪:‬‬ ‫‪ -‬واش راك سي مصطفى؟‬ .‬‬ ‫قالوا العرب قالوا *** ما نعطي ْ‬ ‫أتذكر وأنا أستمع لهذه الكلمات‪ ،‬أغنية عصرية أخرى‬ ‫وصلتني كلماتها من مذياع بموسيقى راقصة‪ .‬‬ ‫أسل ِّم على (سي مصطفى)‪ .‫و صالح ول مالُو‪".‬ولكن ليس كل‬ ‫"صالح" باياً‪ ....‬كأنهم ليسوا جزءا ً من قذارة الوطن‪ ..‬‬ ‫ملهم‪ ،‬وأستمع لهم يشكون ويتذ ّ‬ ‫أتأ ّ‬ ‫ل أحد سعيد منهم حسب ما يبدو‪.‬‬ ‫عجيبة هذه الظاهرة!‬ ‫كأنهم لم يركضوا جميعا ً خلف مناصبهم زحفا ً على كل‬ ‫شيء‪ ...‬كأنهم‬ ‫ليسوا سببا ً في ما ح ّ‬ ‫ل به من كوارث‪.‬‬ ‫المدهش أنهم هم دائما ً الذين يبادرونك بالشكوى‪،‬‬ ‫وبنقد الوضاع‪ .‬لقد أصبح وزيرا ً منذ ذلك‬ ‫اليوم الذي زارني فيه ليشتري مني لوحة‪ ."....‬أهذا هو الوطن‬ ‫حقاً؟‬ ‫في كل مجلس وجه أعرف عنه الكثير‪ .‬تتغّزل‬ ‫بصالح آخر "صالح‪ .‬ورفضت أن‬ ‫أبيعه إياها‪.‬وشتم الوطن‪.

‬وقضية "تركة" وصداقة قديمة تجمع‬ ‫ذلك الستاذ بوالد إحدى الشخصيات‪ ..‬‬ ‫بعدما طلعت رائحته في الداخل‪ ...‬ولكنني كنت أخجل أن أقول‬ ‫له ذلك‪ ،‬لنني أدري أن الذين سبقوه إلى ذلك‬ ‫المنصب‪ .‬على بالي‪...‬كان أستاذا ً للعربية‪ .‬لم يفعلوا أحسن منه‪.‬‬ ‫أحتفظ بها لنفسي وأقول له فقط‪.‬‬ ‫سفيرا ً في دولة عربية!‬ ‫كيف حدث ذلك؟‬ ‫يقال إنه ردّ دين‪ .‬فتكفلوا بل ّ‬ ‫فه بضعة‬ ‫أشهر وبعثه إلى الخارج مع كل التشريفات‬ ‫الدبلوماسية خلف علم الجزائر!‬ .‬‬ ‫اكتفيت فقط بالستماع إليه وهو يشكو‪ ،‬بطريقة تثير‬ ‫شفقة أي مواطن مسكين‪..‬على بالك‪!.‬وأنها ليست‬ ‫"الحالة الدبلوماسية" الوحيدة!‬ ‫مثل (سي حسين) الذي أعرفه جيدا ً والذي كان مدير‬ ‫إحدى المؤسسات الثقافية‪ ،‬يوم كنت أنا مديرا ً للنشر‪..‬‬ ‫ إيه‪ ...‬‬ ‫بينما كان حسان مشغول ً عني بالحديث مع صديق‬ ‫قديم‪ ....‬كنت (على بالي‪ ).‬‬‫نعم‪ .‬‬ ‫وإذا به بين ليلة وضحاها يعيّن سفيرا ً في الخارج‪..‫فيبدأ دون مقدمات بالشكوى‪:‬‬ ‫ رانا غارقين في المشاكل‪ .‬‬‫تحضرني وقتها‪ ،‬مصادفة‪ ،‬مقولة لديغول‪" :‬ليس من‬ ‫حق وزير أن يشكو‪ ...‬فل أحد أجبره على أن يكون‬ ‫وزيراً!"‪.‬بتلك المبالغ الهائلة التي‬ ‫تقاضاها في كندا كعمولة لتجديد معدّات إحدى‬ ‫الشركات الوطنية الكبرى‪ ..‬قبل أن يصبح فجأة‪.

..‬سيرك ل مكان فيه إل للمهّرجين‪ ،‬ولمن‬ ‫ع ّ‬ ‫يحترفون اللعاب البهلوانية‪ .‬‬ ‫وها هو عرسك الذي دعوتني إليه‪ .‬إنه "السيرك‬ ‫مار"‪ .‬؟‬ ‫تراه مازال يصلي في ذلك المسجد‪ .‬والقفز على ال ِ‬ ‫وض‬ ‫سيرك يضحك فيه حفنة على ذقون الناس‪ ،‬وير ّ‬ ‫فيه شعب بأكمله على الغباء‪.‬وهل تغيّر صلته‪ ..‬ولكن أين هو‬ ‫كنت أدري بحد ٍ‬ ‫الن‪.‬في ج ّ‬ ‫لقد استدعي إثر قضية احتيال وتلعب بأموال الدولة‬ ‫في الخارج‪ ،‬ليعاد دون ضجيج إلى وظيفة حزبية‪.‬‬ ‫هنالك دائما ً في هذه الحالت‪ ...‬سلة مهملت شرفيّة!‬ ‫في مجلس آخر‪ ،‬مازال أحدهم ينظّر ويتحدث وكأنه‬ ‫مفكّر الثورة وكل ما سيليها من ثورات‪ ...‬أنه وصل إلى الصفوف المامية في‬ ‫ظروف مشبوهة‪ ،‬بعدما تفّرغ لتقديم طالباته إلى‬ ‫مسؤول عجوز مولع بالفتيات الصغيرات‪.‫وه الطبيعي‪.‬والقفز على المراحل‪.‬وإحدى ثورات‬ ‫هذا الشخص‪ ..‬ك ّ‬ ‫وتعال نفكّر قليلً‪ .‬لكي ل يلتقي‬ ‫بهم‪ .‬‬ ‫فكم كان ناصر محقا ً عندما لم يحضر هذا الكرنفال!‬ ‫س ما أنه لن يحضر‪ .‬أو يغيّر سكري شيئاً؟‬ ‫ف عن الصلة يا ابني‪ ..‬‬ ‫هذا هو الوطن‪.‬‬ ‫ولكن على كرسي جانبي هذه المرة‪...‬فأثناء ذلك ها هوذا الذباب يح ّ‬ ‫ط على‬ ‫كل شيء‪ ،‬والجراد يلتهم هذه الوليمة‪.‬‬ ‫يصلّون أيضا ً ويلبسون ثياب التقوى‪ .‬لقد أصبحوا‬ ‫آه يا ناصر! ك ّ‬ ‫ف عن الصلة‪.‬‬ ‫ها هوذا اليوم هنا‪ .‬‬ .‬‬ ‫والقفز على الرقاب‪ ....‬‬ ‫قيَم‪.

‬ول لزياد‪.‬‬ ‫ليست للشهداء ول للعشاق‪ .‬‬ ‫ويْن انباتُو *** فوق فراش حرير‬ ‫"إذا صاح الليل َ‬ ‫مخدّاتُو‪"....‬أمان‪.‬‬ ‫أمان‪ ..‫كلما تقدم الليل‪ ،‬تقدم الحزن بي‪ ،‬وتقدم بهم الطرب‪.‬إنها فقط تمجيد لليالي الحمراء‬ ‫والسّرة الحريرية التي ليست في متناول الجميع‪..‬‬ ‫لن أبكي‪ .‬أمان‪.‬‬ ‫وعندما تمّرين بي‪ ،‬عندما تمرين‪ ..‬‬ ‫و َ‬ ‫أمان‪ ..‬‬ ‫"ع اللي ماتوا‪ .‬يا عين ما تبكيش ع اللي ماتوا‪".‬تؤكد ذلك الغنيات‪ ،‬وذلك الموكب الذي‬ ‫ولس ِ‬ ‫يهرب بك‪ ،‬ويرافقك بالزغاريد إلى ليلة حبّك الشرعية‪.‬‬ ‫وانهطل مطر الوراق النقدية عند أقدام نساء الذوات‪،‬‬ ‫المستسلمات لنشوة الرق‪ ،‬على وقع موسيقى أشهر‬ ‫أغنية شعبية‪.‬وأنت تمشين مشية‬ ‫ك تمشين على جسدي‪ ،‬ليس‬ ‫العرائس تلك‪ ،‬أشعر أن ِ‬ .‬إنها ليلة الصفقات التي‬ ‫يحتفل بها علنا ً بالموسيقى والزغاريد‪...‬أمان‪..‬‬ ‫ك للغير‬ ‫لن أطرح على نفسي هذا السؤال‪ .‬‬ ‫غ ِّ‬ ‫ل علقة لهذه الغنية بأزمة السكن‪ ،‬كما قد يبدو من‬ ‫الوهلة الولى‪ .‬‬ ‫إيه آ الفرقاني َ‬ ‫ن‪..‬ليست هذه ليلة لسي الطاهر‪ ..‬‬ ‫ش للغير وإل‬ ‫م بالريحي ّ ْ‬ ‫ما ْ‬ ‫"خارجة من الح ّ‬ ‫ة *** يا لِندرا ْ‬ ‫ي‪"..‬الن أعي أن ِ‬ ‫ت لي‪ .‬‬ ‫ل ّ‬ ‫أمان‪ .

‬وحدهم جلسوا إلى‬ ‫طاولتي دون سبب واضح‪ .‬‬ ‫قسنطينة الثواب مهلً! ما هكذا تمّر القصائد على‬ ‫عجل!‬ ‫ثوبك المطّرز بخيوط الذهب‪ ،‬والمرشوش بالصكوك‬ ‫الذهبية‪ ،‬معلّقة شعر كتبتها قسنطينة جيل ً بعد آخر‬ ‫على القطيفة العنابي‪ .‬وخطفتك منهم‪..‬قسنطينة!‬ ‫ما أتعس أولياءها الصالحين‪ ..‬‬ ‫كم أتمنى اليوم لو سرقت كل هذه الحناجر النسائية‪،‬‬ ‫لتبارك امتلكي لك!‬ ‫لو كنت "خطّاف العرائس" ذلك البطل الخرافي الذي‬ ‫ن‪ ،‬لجئتك أمتطي‬ ‫يهرب بالعرائس الجميلت ليلة عرسه ّ‬ ‫الريح وفرسا ً بيضاء‪ .‬يا‬ ‫سيدي سليمان‪ ..‬‬ ‫فتم ّ‬ ‫دعيني أحلم أن الزمن تو ّ‬ ‫قف‪ .‬أنا الذي قد‬ ‫أموت دون أن يكون لي عرس‪ ،‬ودون أن تنطلق‬ ‫الزغاريد يوما ً من أجلي‪..‬يا سيدي بوعنّابة‪ .‬‬ ‫وإذا بي أقضي سهرتي في السلم عليهم واحدا‬ ‫واحدا‪.‬وحجزوا لذاكرتي الخرى‬ ‫كرسيّا ً أمامياً‪..‬وأن‬ ‫"بالريحيّة" وإنما بقدميك المخ ّ‬ ‫خلخالك الذهبي يدّق داخلي‪ ،‬ويعبرني جرسا ً يوقظ‬ ‫الذاكرة‪...‬‬ ‫ت لي‪ .‬‬ ‫ي‪.‫ضبتين بالحناء‪ ....‬‬ ‫ر عرب ّ‬ ‫هو الصدر والعجز في كل ما قد قيل من شع ٍ‬ ‫هلي‪.‬وحزام الذهب الذي يشد‬ ‫خصرك‪ ،‬لتتد ّ‬ ‫فقي أنوثة وإغراءً‪ ،‬هو مطلع دهشتي‪.‬لباركتنا هذه المدينة‪ ،‬ولخرج من كل‬ ‫لو كن ِ‬ ‫ي يحرق البخور على طريقنا‪ ..‬يا سيدي عبد‬ ..‬‬ ‫سلما ً يا سيدي مبروك‪ ..‬‬ ‫سلما ً يا سيدي راشد‪.‬وأنك لي‪ .‬ولكن ما‬ ‫شارع عبرناه ول ّ‬ ‫أحزن الليلة‪ .‬‬ ‫قفي‪..‬يا سيدي محمد الغراب‪ ......

‬‬ ‫أتحدّى أصحاب البطون المنتفخة‪ .‬يا سيدي مسيد‪ .‬يجرح ويداوي‪".‬من؟‬ ‫وأحبها‪.‬‬ ‫قفوا معي يا أولياء الله‪ .‬وذلك صاحب الصلعة‪ ..‬وذلك صاحب‬ ‫اللحية‪ .‬أز ّ‬ ‫قتها‬ ‫وذاكرتها‪......‬‬ ‫أتحداهم بنقصي فقط‪...‫المؤمن‪ .‬وكل الذين منحتهم الكثير‪ .‬‬ ‫سلما ً يا من تحكمون شوارع هذه المدينة‪ .‬أما كان منكم أبي؟‬ ‫جد؟‬ ‫أبي يا "عيساوي" أبا ً عن َ‬ ‫أنت الذي كنت في تلك الحلقات المغلقة‪ ،‬في تلك‬ ‫الطقوس الطُرقيّة العجيبة‪ ،‬تغرس في جسدك ذلك‬ ‫السفود الحمر الملتهب ناراً‪ .‬يا سيدي‬ ‫جليس‪.....‬‬ ‫علّمني كيف أذكر اسمها دون أن يحترق لساني‪..‬‬ ‫علّمني الليلة كيف أتعذّب دون أن أنزف‪.‬متعب أنا هذه الليلة‪ .‬فل‬ ‫تتخلوا عني‪ ...‬‬ ‫علّمني كيف أشفى منها‪ ،‬أنت الذي كنت تردد مع‬ ‫جماعة "عيساوة" في حلقات الجذب والتهويل‪ ،‬وأنت‬ ‫ترقص مأخوذا ً باللهب‪:‬‬ ‫"أنا سيدي عيساوي‪ .‬‬ ‫من يداويني يا أبي‪ .‬فيتخرق جسدك من‬ ‫ف إلى آخر‪ ،‬ثم تخرجه دون أن تكون عليه قطرة‬ ‫طر ٍ‬ ‫دم؟‬ ‫مر كقطعة‬ ‫أنت الذي كنت تمّرر حديده الملتهب والمح ّ‬ ‫جمر‪ ،‬فينطفئ جمره من لعابك‪ ،‬ول تحترق‪.‬يا سيدي بومعزة‪ ....‬وأولئك أصحاب النجوم‬ ‫التي ل تعدّ‪ .‬‬ ‫في هذه الساعة المتأخرة من اللم‪ ،‬أعترف أنني‬ ‫مازلت أحبها‪ .‬واغتصبوها‬ ‫في حضرتي اليوم‪.‬وأنها لي‪.‬‬ ..

.‬‬ .‬أم البعد عنه‪ ،‬هو الذي أعطى‬ ‫أتراه ُ‬ ‫الشياء العادية قداسة ل يشعر بها غير الذي حرم منه؟‬ ‫ألن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة‬ ‫الشياء كان أحد الصحابة ينصح المسلمين بأن يغادروا‬ ‫مكة‪ ،‬حال انتهائهم من مراسيم الحج‪ ،‬حتى تبقى لتلك‬ ‫المدينة رهبتها وقداستها في قلوبهم‪ ،‬وحتى ل تتحول‬ ‫د أن يسرق‬ ‫بحكم العادة إلى مدينة عادية يمكن لي واح ٍ‬ ‫ويزني ويجور فيها دون رهبة؟‬ ‫إنه ما يحدث لي منذ وطئت قدماي هذه المدينة‪ .‬لماذا وحدي تستوقفني كل هذه‬ ‫التفاصيل‪ .‬رجل يلقي به على‬ ‫كرسي كيفما كان‪ ،‬وكأنه ليس ذاكرتنا‪ ،‬كأنه ليس‬ ‫الوطن‪.‬‬ ‫كم من اليدي طّرزته‪ ،‬وكم من النساء تناوبن عليه‪،‬‬ ‫ليتمتع اليوم برفعه رجل واحد‪ ..‬وحدي‬ ‫أعاملها كمدينة فوق العادة‪.‬‬ ‫أتحداهم أن يحبوها مثلي‪ ..‬‬ ‫وأدري أنه في هذه اللحظة‪ ،‬هناك من يرفع عنها ثوبها‬ ‫ذاك على عجل‪ .‬‬ ‫فهل قدر الوطان أن تعدّها أجيال بأكملها‪ ،‬لينعم بها‬ ‫رجل واحد؟‬ ‫أتساءل الليلة‪ .‫بالذراع التي لم تعد ذراعي‪ ،‬بالذاكرة التي سرقوها‬ ‫منّي‪ ،‬بكل ما أخذوه منّا‪.‬وكيف اكتشفت الن فقط‪ ،‬معنى كل‬ ‫الشياء التي لم يكن لها معنى من قبل؟‬ ‫عشق هذا الوطن‪ .‬حزني عليه‪.‬يخلع عنها صيغتها دون كثير من‬ ‫الهتمام ويركض نحو جسدها بلهفة رجل في‬ ‫الخمسين يضاجع صبية‪.‬‬ ‫حزني على ذلك الثوب‪ .‬لنني وحدي أحبها دون‬ ‫مقابل‪.

‬‬ ‫هل أعتب عليهم؟‬ ‫هل يشعر سكان أثينا أنهم يمشون ويجيئون على‬ ‫ذاكرة التاريخ‪ .‬وعلى تراب مشت عليه اللهة‪ ،‬وأكثر‬ ‫من بطل أسطوري؟‬ ‫هل يشعر سكان الجيزة في بؤسهم وفقرهم‪ ،‬أنهم‬ ‫يعيشون عند أقدم معجزة‪ ،‬وأن الفراعنة مازالو بينهم‪،‬‬ ‫يحكمون مصر بحجرهم وقبورهم؟‬ ‫وحدهم الغرباء الذين قرأوا تاريخ اليونان والفراعنة‪،‬‬ ‫في كتب التاريخ‪ ،‬يعاملون تلك الحجارة بقداسة‪،‬‬ ‫ويأتون من أطراف العالم لمجردّ القتراب منها‪.‬أسلم على جسورها جسراً‬ ‫جسراً‪ ..‬مذهول النظرات كجثة‪ ،‬بينما أرى حولي من‬ ‫يتسابق للمس قميصك المعروض للفرجة‪..‬واحداً‪.‬‬ ‫ها هم يقدمونك لي‪ ،‬لوحة ملطّخة بالدم‪ ،‬دليل ً على‬ .‬ولكن ليس دون الم؟‬ ‫في هذه اللحظة‪ ،‬ل أريد لهذه المدينة أن تكون أكثر‬ ‫من رصاصة رحمة‪..‫أعامل كل حجر فيها بعشق‪ .‬‬ ‫تراني أطلت المكوث هنا‪ ،‬واقترفت حماقة القتراب‬ ‫من الحلم حتى الحتراق‪ ،‬وإذا بي يوما ً بعد آخر‪،‬‬ ‫ي‪،‬‬ ‫وخيبة بعد أخرى‪ ،‬أشفى من سلطة اسمها عل ّ‬ ‫وأفرغ من وهمي الجميل‪ .‬‬ ‫أتأملها وهي تمشي‪ ،‬أتألها وهي تصلي‪ ،‬وتزني‬ ‫وتمارس جنونها ول أحد يفهم جنوني وسّر تعلّقي‬ ‫بمدينة يحلم الجميع بالهرب منها‪..‬أسأل عن أخبار أهلها‪ ،‬عن أوليائها وعن‬ ‫رجالها‪ ،‬واحداً‪ ...‬‬ ‫ولذا أتقبّل تلك الزغاريد التي انطلقت في ساعة‬ ‫متقدّمة من الفجر‪ ،‬لتبارك قميصك الملطّخ ببراءتك‪،‬‬ ‫كآخر طلقة نارية تطلقها في وجهي هذه المدينة‪،‬‬ ‫ولكن دون كاتم صوت‪ .‬ول كاتم ضمير‪ .‬فأتلقاها‬ ‫جامداً‪ .

‬‬ ‫صنة‪ ،‬وأذللت أبراجك‬ ‫تراك فتحت له قلعك المح ّ‬ ‫العالية‪ ،‬واستسلمت لغراء رجولته؟‬ ‫تراك تركت طفولتك لي‪ ،‬وأنوثتك له؟‬ ‫ها هو الجواب يأتيني بعد عام من العذاب‪ ..‬لون دمك؟‬ ‫ثور يدور في حلبة حبّك‪ ،‬بكبرياء حيوان ل يهزم إل‬ ‫خدعة‪ ،‬ويدري أنه محكوم عليه بالموت المسبق‪.‬ووضعتك أمام‬ ‫قدرك الخر‪.‬وبأناقة قاتله!‬ ‫مصاب بعمى اللوان‪ ،‬والذي‬ ‫من منّا الثور؟ أن ِ‬ ‫ت أم أنا ال ُ‬ ‫ل يرى الن غير اللون الحمر‪ ....‬‬ ‫ي‪ .‬ورد ّ‬ ‫لزج‪ .‬ها هو أخيراً‬ ‫ي‪ .‬والهتافات أمام ثوب مو ّ‬ ‫قع‬ ‫بالدم‪ ،‬يذكّرني بطقوس الكوريدا‪ .‬طر ّ‬ ‫ها هو الجواب كما لم أتو ّ‬ ‫م‬ ‫قعه‪ ،‬مقحماً‪ ،‬محرجاً‪ ،‬فل ِ َ‬ ‫الحزن؟‬ ..‫عجزي الخر‪ .‬‬ ‫ِ‬ ‫الواقع أن دمك هذا يربكني‪ ،‬يحرجني‪ ،‬ويملني تناقضاً‪.‬دليل ً على جريمتهم الخرى‪.‬وإل كان عليه أن يبقى في بيته ول يحضر‬ ‫"كوريدا" خلقت أساسا ً لتمجيد "الموتادور"!‬ ‫شيء ما في هذا الجو المشحون بالزغاريد والزينة‬ ‫وموسيقى "الدخلة"‪ .‬‬ ‫ج‪ .‬وذلك الثور الذي‬ ‫يعدّون له موتا ً جميل ً على وقع موسيقى راقصة يدخل‬ ‫ف مزيّنة للقتل‪،‬‬ ‫بها الساحة‪ ،‬ويموت على نغمها بسيو ٍ‬ ‫مأخوذا ً باللون الحمر‪ .‬عمره لحظات‪.‬‬ ‫أما كنت أتحرق دائما ً لمعرفة نهاية قصتك معه‪ ،‬هو‬ ‫الذي أخذك مني‪ ،‬تراه أخذ منك كل شيء؟‬ ‫سؤال كان يشغلني ويسكنني حد الجنون‪ ،‬منذ ذاك‬ ‫اليوم الذي وضعت فيه (زياد) أمامك‪ ...‬أحمر‪ .‬ليس من حق مشاهد‬ ‫ولكنني ل أتحرك ول أحت ّ‬ ‫لمصارعة الثيران‪ ،‬أن يغير منطق الشياء‪ ،‬وينحاز‬ ‫للثور‪ .

.‬وأن أغتصبك على ورق!‬ ‫فليكن‪.‬‬ ‫***‬ ‫يسألني حسان‪ :‬لماذا أنت حزين هذا الصباح؟‬ ‫أحاول أل أسأله‪ :‬ولماذا هو سعيد اليوم؟‬ ‫أدري أن غياب ناصر ومقاطعته البارحة للعرس‪ ،‬قد‬ ‫عكّر نوعا ً ما مزاجه‪ .‬أن أدري أنني‬ ‫ظلمت زيادا ً بظني‪ ،‬وأنه مات دون أن يتمتع بك‪ ،‬وأنه‬ ‫في النهاية كان هو الجدر بك الليلة؟‬ ‫أم أن تكوني فقط‪ ،‬مدينة فتحت اليوم عنوة بأقدام‬ ‫العسكر‪ ،‬ككل مدينة عربية؟‬ ‫ما الذي يزعجني أكثر الليلة؟ أن أكون قد عرفت لغزك‬ ‫أخيراً‪ ،‬أم كوني أدري أنني لن أعرف عنك شيئا ً بعد‬ ‫اليوم‪ ،‬ولو تحدّثت إليك عمراً‪ ،‬ولو قرأتك ألف مرة؟‬ ‫ت عذراء إذن‪ ،‬وخطاياك حبر على ورق؟‬ ‫أكن ِ‬ ‫فلماذا أوهمتني إذن بكل تلك الشياء؟ لماذا أهديتني‬ ‫كتابك وكأنك تهدينني خنجرا ً للغيرة؟‬ ‫ك سطرا ً بعد سطر‪ .‬ولكنه لم يمنعه من أن ينسجم مع‬ ‫أغاني "الفرقاني"‪ ،‬وأن يضحك‪ ...‬‬ ‫عزائي اليوم‪ ،‬أنك من بين كل الخيبات‪ .‬‬ .‬وكذبة بعد‬ ‫لماذا علّمتني أن أحب ِ‬ ‫أخرى‪ ..‫ما الذي يؤلمني الكثر هذه الليلة‪ .‬كنت خيبتي‬ ‫الجمل‪..‬ويحادث كثيرا ً من‬ ‫الناس الذين لم يلتق بهم من قبل‪.‬‬ ‫كنت ألحظه‪ ..‬وكنت سعيدا ً شيئا ً ما‪ ،‬لسعادته الساذجة‬ ‫تلك‪.

..‬‬ ‫أجبته بلهجة قاطعة لم يفهم سببها‪:‬‬ ..‬ل تن َ‬‫تكون في البيت وقت الظهر لنذهب معاً‪.‬اب َ‬‫الذي ينتظرك هناك؟‬ ‫حاولت أن أوهمه أن لي بعض اللتزامات‪ ،‬وأنني بدأت‬ ‫أتعب من إقامتي في قسنطينة‪.‫كان حسان سعيدا ً أن تُفتح له أخيرا ً تلك البواب التي‬ ‫قلما تفتح للعامة‪ ،‬وأن يدعى لحضور ذلك العرس الذي‬ ‫يمكنه الن أن يتحدث عنه في المجالس ليام؛ ويصفه‬ ‫للخرين الذين سيلحقونه بالسئلة‪ ،‬عن أسماء من‬ ‫حضروا وما ُ‬ ‫دّم من أطباقي‪ .‬‬ ‫ح‪:‬‬ ‫ولكنه راح يل ّ‬ ‫ يا أخي عيب‪ .‬وما لبست العروس‪.‬‬‫صاح‪:‬‬ ‫ق معنا أسبوعا ً آخر على الق ّ‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫قال فجأة‪:‬‬ ‫س أن‬ ‫ إن سي الشريف يدعونا غدا ً للغداء عنده‪ ...‬‬ ‫ق ِ‬ ‫ويمكن لزوجته أيضا ً أن تنسى أنها استعارت صيغتها‬ ‫والثياب التي حضرت بها العرس من الجيران‬ ‫والقارب‪ ،‬وتبدأ بدورها في التفاخر على الجميع بما‬ ‫خ في ذلك العرس‪ ،‬وكأنها أصبحت فجأة‬ ‫رأته من بذ ٍ‬ ‫طرفا ً فيه‪ ،‬فقط لنها دعيت للتفّرج على خيرات‬ ‫الخرين‪.‬ما‬ ‫ كيف تعود غداً‪ .‬على القل احضر غداء سي الشريف‬‫غدا ً ثم سافر‪.‬‬ ‫قلت له بصوت غائب‪:‬‬ ‫ غدا ً سأعود إلى باريس‪...

‬غدوة نر ّ‬‫كان يحلو لي أن أحدّثه بلهجة قسنطينية‪ .‬أتدري أن البعض يقول هنا إنه‬ ‫قد يصبح وزيراً‪ ..‬‬ ‫قال حسان هذه الجملة الخيرة بصوت شبه خافت‪،‬‬ ‫وكأنه يقولها لنفسه‪.‫وح‪.‬‬ ‫ فرات‪ .‬‬ ‫المؤمن يبدأ بنفسه‪ ،‬وقد تمر سنوات قبل أن يصل دور‬ ‫حسان‪ .‬كنت أشعر‬ ‫مع كل كلمة ألفظها‪ ،‬أنه قد يمر وقت طويل قبل أن‬ ‫ألفظها مرة أخرى‪....‬وينال بعض ما يطمح إليه من فتات‪.‬‬ ‫سألته مازحاً‪:‬‬ ‫ هل بدأت تحلم أن تصبح أنت أيضا ً سفيرا؟‬‫قال وكأن السؤال قد جرحه نوعا ً ما‪:‬‬ .‬دون نوايا‬ ‫مسبقة‪.‬فمجرد أوهام‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لما يمكن أن يربح حسان من وراء منصب‬ ‫سي الشريف المحتمل‪ .‬أكان‬ ‫من السذاجة بحيث يجهل أن ذلك العرس هو صفقة ل‬ ‫غير‪ ،‬وأن سي الشريف ل بدّ أن يتل ّ‬ ‫قى شيئا ً ما مقابله‪...‬ربما يفرجها الله علينا في ذلك اليوم‬ ‫على يده‪.‬‬ ‫مسكين حسان!‬ ‫مسكين أخي الذي لم يفرجها الله عليه بعد ذلك‪ .‬‬ ‫قال حسان وكأنه يقنعني بضرورة عدم رفض تلك‬ ‫الدعوة‪:‬‬ ‫ والله سي الشريف ناس ملح‪ .‬‬ ‫نحن ل نصاهر ضبّاطا ً من الدرجة الولى‪ ..‬مازال برغم منصبه‬‫وفيّا ً لصداقتنا القديمة‪ .

‬و "يدّز" و "يطبّع" مثلهم‪ .‬‬ ‫كان يمكن أن أساعدك أكثر‪ ،‬صحيح‪.‬كيف‬ ‫تريد أن نعيش نحن الثمانية بهذا الدخل؟‪ .‬ما على بالكش واش صاير‬ ‫في الدنيا‪!.‬ثم يعود مثل زميلي هذا‪ ،‬ليعدّ دروسه ويص ّ‬ ‫المتحانات في ش ّ‬ ‫قة بغرفتين‪ ،‬يسكنها ثمانية أشخاص‬ ‫وأكثر‪.‬يمكنه أن يستقبل فيها عشقياته أو يعير‬ ‫مفاتيجها لمن سيفتح له أبوابا ً أخرى‪...‬أنا‬‫ل أريد أكثر من أن أهرب من التعليم‪ ،‬وأن أستلم‬ ‫وظيفة محترمة في أيّة مؤسسة ثقافية أو إعلمية‪ ،‬أية‬ ‫وظيفة أعيش منها أنا وعائلتي حياة شبه عادية‪ .‬عندما أتذكّر تلك السيارات الفخمة التي‬ ‫كانت مصط ّ‬ ‫فة أمس في ذلك العرس‪ ،‬أمرض وأفقد‬ ‫شهية التعليم‪ .‬‬ ‫آه حسان‪ .‬من أين آتي بالمليين‬ ‫لشتريها؟‪ .‬أنا عاجز‬ ‫حتى عن أن أشتري سيارة‪ ..‬لقد تعبت من هذه المهنة‪ ،‬أنت ل تشعر‬ ‫بأية مكافأة مادية أو معنوية فيها‪ .‬اللي خطف‪ .‬فالستاذ يركب الحافلة‬ ‫مع تلميذه‪ .‬‬ ‫بينما هناك من يملك ش ّ‬ ‫قتين وثلثا ً بحكم وظيفته أو‬ ‫واسطاته‪ .‬اطلب قطعة أرض‪ .‬عندما أذكر حديثنا ذلك اليوم‪ ،‬تصبح المرارة‬ ‫صة في الحلق‪ ،‬تصبح جرحاً‪ ،‬تصبح دمعا‪ ،‬تصبح ندماً‬ ‫غ ّ‬ ‫وحسرة‪.‬أنت تعيش بعيدا عن هذه الهموم‪،‬‬ ‫ص ّ‬ ‫في حيّك الراقي بباريس‪ ...‬أو شاحنة‪ ،‬إنهم لن‬ ..‬خطف بكري‪ "..‬ويشتمه الناس‬ ‫حح‬ ‫أمامهم‪ ..‫ يا حسرة يا رجل‪" .‬‬ ‫كنت تقول‪" :‬اطلب شيئا ً يا خالد مادمت هنا‪ ،‬ألست‬ ‫مجاهداً؟ ألم تفقد ذراعك في هذه الحرب؟ اطلب محل‬ ‫تجارياً‪ ..‬‬ ‫لقد أصبحنا ممسحة للجميع‪ .‬اليوم حسب تعبير‬ ‫زميل لي "كاد المعلم أن يكون (شيفوناً) وخرقة ل‬ ‫أكثر‪.‬لقد تغيّر الزمن الذي‬ ‫"كاد فيه المعلم أن يكون رسولً"‪ ..‬‬ ‫حة عليك يا خالد‪ ..

‬لم يبق من العمر الكثير‪،‬‬ ‫لطأطئ رأسي قبل الموت‪..‬إنهم ل يتصدّقون عليك بشيء‪.‬‬ ‫أكثر من واحد يحمل شهادة مجاهد وهو لم يقم بشيء‬ ‫في الثورة‪ .‬ولو مقابل أية هبة وطنية‪.‬وإذا شئت دعه لي‬ ‫لستفيد منه وأعيش عليه أنا وأولدي‪ .‬وكان يعبرها في موكب من السيارات الرسمية‪.‬ل أريد أن تعيش هكذا‬ ‫في هذه الحالة بعد اليوم‪.‬‬ ‫آه لو تدري حسان!‬ ‫لو تدري لذّة أن تمشي في شارع مرفوع الرأس‪ ،‬أن‬ ‫م جداً‪ ،‬دون أن تشعر‬ ‫ي شخص بسيط أو ها ّ‬ ‫تقابل أ ّ‬ ‫بالخجل‪.‬لم تكن تفهم أنه لم يعد ممكنا ً اليوم‪ ،‬بعد‬ ‫كل هذه السنوات‪ ،‬وكل هذا العذاب‪ ،‬أن أطأطئ رأسي‬ ‫لحد‪ .‬‬ ‫لم يبق من العمر الكثير أخي‪ .‬‬ ‫إيه حسان‪ ..‬‬ ‫أريد أن أبقى هكذا أمامهم‪ ،‬مغروسا ً كشوكة في‬ ‫ضميرهم‪ .‬تأخذها معك من فرنسا‪ .‬وعدته فقط كمرحلة أولى أن‬ ‫أشتري له سيارة‪ .‬هذا حقك‪ ..‬أريد أن يخجلوا عندما يلتقوا بي‪ ،‬أن‬ ‫يطأطئوا هم رؤوسهم ويسألوني عن أخباري‪ ،‬وهم‬ ‫يعرفون أنني أعرف كل أخبارهم‪ ،‬وأنني شاهد على‬ ‫حقارتهم‪.‫يرفضوا لك شيئاً‪ ...‬قلت له‪" :‬تعال معي‪ ،‬واختر سيارة‬ ‫تناسبك‪ .‬أنت يحترمونك‬ ‫ويعرفونك‪ ،‬وأما أنا فل يعرفني أحد‪ .‬‬ .‬إنه جنون أل تأخذ‬ ‫حقك من هذا الوطن‪ .‬‬ ‫لم أقل شيئا ً لحسان‪ .‬لم تكن تفهم أن هذا هو الفرق الوحيد‬ ‫بيني وبينهم‪ .‬‬ ‫هناك من ل يستطيع اليوم أن يمشي خطوتين على‬ ‫قدميه في الشارع‪ ،‬بعدما كانت كل الشوارع محجوزة‬ ‫له‪ .‬أنت تحمل شهادتك على جسدك‪".".‬ولكن اليوم مع‬ ‫مرور الزمن‪ ،‬أصبح ذلك مستحيل‪.‬‬ ‫ربما كنت فعلت هذا بعد الستقلل‪ .

.‬ويأخذ على خاطره‪..‬ولكن كيف لي أن أعرف ذلك وأنا لم أزره منذ‬ ‫سنوات؟‬ ‫عندما أذكر حسان اليوم‪ ،‬وحدها تلك اللتفاتة تبعث‬ ‫في قلبي شيئا ً من السعادة‪ ،‬لنني أسعدته بعض‬ ‫الوقت‪ ،‬ومنحته راحة لبضع سنوات‪..‬‬‫قال‪:‬‬ ‫ إذن ل بد أن تطلب سي الشريف اليوم‪ ،‬لتعتذر منه‪.‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ تعال إذن وتغدّ معنا اليوم‪ .‬‬‫كنت أتوقع أن تتوقف المور هناك‪ ..‬‬ ‫ق‪ .‬المهم أن نراك قبل أن‬‫تسافر‪ ...‬قلت لحسان‪:‬‬ ‫فكرت قليل ً فوجدته على ح ّ‬ ‫ اطلب لي رقم سي الشريف لعتذر إليه‪.‬‬‫فقد يسيء تفسير موقفك‪ .‬ويحرجني بلطفه‪ ،‬ويل ّ‬ ‫الشريف راح ير ّ‬ ‫لحضر لزيارته ولو في ذلك الحين‪...‬‬ ‫عاد حسان إلى موضوعه قال‪:‬‬ ‫ هل أنت مصر حقا ً على السفر غداً؟‬‫قلت له‪:‬‬ ‫ نعم‪ .‫فرح حسان يومها كطفل‪ .‬‬ .‬ثم يمكنك أن تقدم هديتك بنفسك للعروسين‬ ‫قبل أن يسافرا أيضا ً هذا المساء‪..‬‬ ‫سنوات‪ .‬لم أكن أتوقع أن تكون الخيرة‪.‬ولكن سي‬ ‫ح‬ ‫حب بي‪ ...‬من الرجح أن أسافر غداً‪.‬شعرت أن ذلك كان حلمه‬ ‫الكبير الذي كان عاجزا ً عن تحقيقه‪ ،‬وعاجزا ً عن طلبه‬ ‫مني‪ .

.‬كنت أخاف حبك‪ .‬‬ ‫ها هما قدماي تقودانني مرة أخرى نحوك‪ .‬‬ ‫كم كان يلزمني من القوة‪ ،‬من الصبر ومن التمثيل‪،‬‬ ‫ق بك قبل اليوم‪ ،‬سوى مّرة‬ ‫لوهم الخرين أنني لم ألت ِ‬ ‫ك لم تكوني المرأة التي قلبت حياتي رأساً‬ ‫عابرة‪ ،‬وأن ِ‬ .‬وأن أنتهي‬ ‫منك في الوقت نفسه!‬ ‫ولكن‪ .‬‬ ‫وجئت‪..‬يظ ّ‬ ‫ل خطرا ً حتى وهو يحتضر‪...‬لم أعد أذكر‪.‬‬ ‫أكثر اللحظات وجعاً‪ ،‬أكثر اللحظات جنوناً‪ ،‬أكثر‬ ‫اللحظات سخرية‪ ،‬كانت تلك التي وقفت فيها لسلم‬ ‫ك‪ ،‬وأضع على وجنتيك قبلتين بريئتين‪ ،‬وأنا أهنئك‬ ‫علي ِ‬ ‫بالزواج‪ ،‬مستعمل ً كل المفردات اللئقة بذلك الموقف‬ ‫العجيب‪.‬وجدت نفسي مرة أخرى‪،‬‬ ‫أواجه قدري معك‪ .‬كنت أدري‬ ‫ك هذه المرة‪ ..‬كنت أخاف أن يشتعل حبك‬ ‫من رماده مرة أخرى‪ .‬‬ ‫ما الذي قاله سي الشريف ذلك اليوم؟ ما الذي قلته‬ ‫ومن قابلت من الناس؟ وماذا قدم لنا من أطباق على‬ ‫تلك السفرة‪ .‬أنا الذي قررت السفر على عجل‪،‬‬ ‫حتى أنتهي من العيش في هذه الجواء التي كانت‬ ‫تدور كلها بطريقة أو بأخرى حولك‪.‬وأذهب مع حسان إلى الغداء‪.‬فالحب الكبير‪ ،‬يظ ّ‬ ‫ل مخيفا ً حتى‬ ‫في لحظات موته‪ .‬ولم يكن يهمني‬ ‫شيء في تلك اللحظة‪ ،‬سوى أن أراك‪ .‫لم يكن هناك من مخرج‪ ..‬‬ ‫ها أنا مرة أخرى ألبس بدلتي السوداء نفسها‪ ،‬أحمل‬ ‫لوحة تو ّ‬ ‫قفت أمامها يوما ً وكانت سبب كل ما ح ّ‬ ‫ل بي‬ ‫بعد ذلك‪ .‬‬ ‫كنت أعيش لحظات حبك الخيرة‪ .‬كان هناك حدس مسبق‬ ‫أنني سألتقي ب ِ‬ ‫يشعرني أننا لن نخلف هذا الموعد اليوم‪.

‬‬ ‫ولكن‪ .‬أكنت حبيبتي حقاً؟ في تلك اللحظة التي كان‬ ‫رجل آخر فيها إلى جوارك‪ .‬‬ ‫شعرت أنك تبعثين لي آخر إشارة ح ّ‬ ‫شعرت أنك تهديني أكثر من مشروع لوحة قادمة‪ .‫على عقب؟‬ ‫المرأة التي تقاسمني سريري الفارغ منذ عدة أشهر‪،‬‬ ‫والتي كانت حتى البارحة‪ ..‬‬ .‬أكثر‬ ‫من ليلة وهمية‪ ..‬يلتهمك بعينين لم تشبعهما‬ ‫ليلة حب كاملة‪ ،‬في تلك اللحظة التي كان فيها‬ ‫الحديث يدور حول المدن التي ستزورينها في شهر‬ ‫العسل‪ ،‬وكنت أنا أشيّعك بصمت‪ ،‬لسفرك الخير عن‬ ‫قلبي‪....‬وأنك رغم كل شيء ستظلّين وفيّة‬ ‫لذاكرتنا المشتركة‪ ..‬أو العفو‪.‬‬ ‫ت تفتحينها‬ ‫ت في تمثيلك‪ ،‬وأن ِ‬ ‫ت مدهشة أن ِ‬ ‫وكم كن ِ‬ ‫وتلقين نظرة معجبة عليها‪ ،‬وكأنك ترينها لول مرة!‬ ‫فل أستطيع إل أن أسألك يتواطؤ سري جمعنا يوماً‪:‬‬ ‫هل تحبين الجسور؟‬ ‫ويخيم بيننا فجأة صمت قصير‪ ،‬يبدو لي طويل ً كلحظة‬ ‫تسبق حكما ً بالعدام‪ .‬‬ ‫ي‪:‬‬ ‫قبل أن ترفعي عينيك نحوي وينزل حكم ِ‬ ‫ك عل ّ‬ ‫ نعم أحبها!‬‫كم من السعادة منحتني لحظتها في كلمتين!‬ ‫ب‪.‬لتجمعنا‪.‬لي!‬ ‫كم كان يلزمني من التمثيل‪ ،‬لهديك تلك اللوحة‪ ،‬دون‬ ‫أي تعليق إضافي‪ ،‬دون أية إشارة توضيحية‪ ،‬وكأنها لم‬ ‫تكن اللوحة التي بدأت بها قصتي معك منذ خمس‬ ‫وعشرين سنة‪..‬ولمدينة تواطأت معنا‪ ،‬ومدّت كل‬ ‫هذه الجسور‪ .

‬نظرتان‪ .‬وقراره المسبق‪.‬موجع بحضورك!‬ ‫أكانت نصف النظرة التي تبادلناها بين نظرتين‪،‬‬ ‫تستحق كل ذلك الوجع‪ ،‬كل ذلك الشوق والجنون؟‬ ‫تريدين أن تقولي لي شياً‪ ،‬وتتلعثم الكلمات‪ .‬‬ ‫عندما عدت إلى البيت بعد ذلك‪ ،‬نظرت طويل ً إلى تلك‬ ‫سسها طوال الطريق بشيء من‬ ‫البطاقة التي كنت أتح ّ‬ ‫الذهول‪ ..‬ولم أعد أعرف ف ّ‬ ‫ك‬ ‫لقد نسيت عيناك الحديث إل ّ‬ ‫رموزك الهيروغليفية‪..‬انتهى كل شيء‬ ‫إذن‪ .‬ها أنا قابلتك أخيراً‪ ،‬أكان هذا اللقاء يستحق كل‬ ‫ذلك النتظار‪ ،‬كل ذلك اللم؟‬ ‫كم كان حلمي به جميلً! وكم هو اليوم مدهش‬ ‫ومسطّح في واقعه! كم كان مليئا ً بانتظارك‪ ،‬وكم هو‬ ‫فارغ‪ ..‬نظرة‪ ...‬تتلعثم‬ ‫النظرات‪.‬‬ ‫مق في التفكير‪ ،‬قّررت‬ ‫ودون كثير من التردد‪ ..‬أو التع ّ‬ .‬‬ ‫ي‪ .‬ومذاق ساخر للمرارة‪ .‫لقد كانت تلك هزيمتك الولى معي‪ .‬‬ ‫تبادلنا عناويننا‪ ،‬بعدما أصّر زوجك على أن يعطيني‬ ‫رقم هاتفه في البيت وفي المكتب في حالة ما احتجت‬ ‫إلى شيء‪.‬‬ ‫تبادلنا جميعا ً كلمات المجاملة والتهاني والشكر الخير‪.‬وكثير‬ ‫من التمثيل‪ ،‬وألم سري صامت‪..‬‬ ‫قبلتان أخيرتان على وجنتيك‪ .‬‬ ‫وانصرفنا كل بوهمه‪ ...‬‬ ‫فهل عدنا يومها إلى مرتبة الغرباء‪ ،‬دون أن ندري؟‬ ‫افترقنا‪..‬وكأنك انتقلت معها‬ ‫من قلبي إلى جيبي تحت اسم ورقم هاتفي جديد‪.

....‫أن أمّزقها فوراً‪ ،‬مادمت أملك القدرة على ذلك‪،‬‬ ‫ومادمت مصمما ً على أن ينتهي كل شيء هنا في‬ ‫ت يوماً‪ ،‬وكما أصبحت أريد أنا‬ ‫قسنطينة‪ .‬‬‫لقد وهبتني سعادة لم أتو ّ‬ ‫قعها‪.‬كما أرد ِ‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫***‬ ‫ما الذي كنت تريدينه ذلك المساء؟ عندما جاء هاتفك‬ ‫فجأة ليخرجني من دوامة أفكاري وأحاسيسي‬ ‫المتناقضة؟‬ ‫حين مدّ حسان نحوي الهاتف وقال‪" :‬هناك امرأة تريد‬ ‫أن تتحدث إليك‪ ".‬إنها هدية قدرنا الذي‬ ‫ل ِ‬ ‫تقاطع يوماً‪ ..‬أردت أن أشكرك على اللوحة‪.‬لقد أعدت ل ِ‬‫ك منذ خمس وعشرين سنة‪ .‬‬ ‫ك‪:‬‬ ‫قلت ل ِ‬ ‫ك لوحة كانت جاهزة‬ ‫ أنا لم أهبك شيئاً‪ .‬وأما أنا فلي هدية أخرى أتوقع أن تعجبك‪،‬‬ ‫سأقدمها لك ذات يوم فيما بعد‪...‬‬ ‫قعت كل شيء إل أن تكوني أن ِ‬ ‫ك بدهشة‪:‬‬ ‫سألت ِ‬ ‫ ألم تسافري بعد؟‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ سنسافر بعد ساعة‪ ..‬‬ ‫ت بصوت خافت وكأنك تخافين أن يسترق أحد‬ ‫قل ِ‬ ‫ك تلك الهدية‪:‬‬ ‫السمع إليك أو يسرق من ِ‬ ‫‪ -‬ماذا ستهديني؟‬ .‬تو ّ‬ ‫ت‪.

‬‬‫ت مدهوشة‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ إنه عنوان كتاب!‬‫قلت‪:‬‬ ‫ أدري‪ .‬‬‫ هل تعني أنك لم تعد تحبني؟‬‫أجبتك بصوت غائب‪:‬‬ ‫ أنا ل أعني شيئا ً بالتحديد‪ .‬نهبها كتاباً‪ .‬سأكتب من أجلك رواية‪.‬لماذا ل تجيب؟‬‫قلت لك بشي من السخرية المرة‪:‬‬ ‫ لن رصيف الزهار لم يعد يجيب‪..‬قبل أن تضيفي بشيء من‬ ‫الرجاء‪:‬‬ ‫ خالد‪ .‫قلت‪:‬‬ ‫ إنها مفاجأة‪ .‬إنه عنوان لرواية أخرى‬‫للكاتب نفسه!‬ .‬‬ ‫أحسست في صوتك بشيء من الفرح والرتباك‪..‬عندما نحب فتاة نهبها‬‫اسمنا‪ ..‬وعندما نحب‬ ‫كاتبة‪ .‬عندما نحب امرأة نهبها طفلً‪ ....‬ثم قل ِ‬ ‫بنبرة عشقية لم أعهدها منك‪:‬‬ ‫ خالد‪ .‬لنني سأهبك كتاباً‪ ...‬‬ ‫ت فجأة‬ ‫شيء من الدهشة والحزن الغامض‪ .‬لنفترض أنني سأهبك غزالة‪...‬أحبك‪ .‬أتدري هذا؟‬‫وانقطع صوتك فجأة‪ ،‬ليتوحد بصمتي وحزني‪ ،‬ونبقى‬ ‫هكذا لحظات دون كلم‪ .‬قل شيئاً‪ .

‬‬ ‫هاتفك يدقّ في كهوف الذاكرة الفارغة دونك‪ ،‬ويأتي‬ ..‬ذاكرة يحمل كل منا نسخة منها حتى‬ ‫قبل أن نلتقي‪..‬فلم يعد لي‬ ‫باب‪.‬‬ ‫ل تحاولي‪.‬من الرجح أن يكون هذا‬ ‫ماعة‪ ،‬ونفترق لعدة‬ ‫آخر ما قلته لك قبل أن أضع الس ّ‬ ‫سنوات‪.‬فم أعد هنا"‪.‬‬ ‫ي من البواب الخلفية‪ ،‬ومن‬ ‫ل تحاولي أن تعودي إل ّ‬ ‫ثقوب الذاكرة‪ ،‬وثنايا الحلم المطويّة‪ ،‬ومن الشبابيك‬ ‫التي أشرعتها العواصف‪..‬‬ ‫ل تبحثي عن نافذة تدخلين منها كسارقة‪ .‬‬ ‫لقد تخلّت عني الجدران يوم تخلّيت عنك‪ ،‬وانهار‬ ‫ي وأنا أحاول أن أهّرب أشيائي المبعثرة‬ ‫السقف عل ّ‬ ‫بعدك‪.‬يوم وقعت على اكتشاف مذهل‪:‬‬ ‫لم تكن تلك الذاكرة لي‪ ،‬وإنما كانت ذاكرة مشتركة‬ ‫أتقاسمها معك‪ .‬‬ ‫***‬ ‫"ل تطرقي الباب كل هذا الطرق‪ ..‬‬ ‫ل تطرقي الباب كل هذا الطرق سيدتي‪ .‬‬ ‫ل تطرقي الباب ك ّ‬ ‫ل هذا الطرق الموجع‪.‬‬ ‫فل تدوري هكذا حول بيت كان بيتي‪.‬‬ ‫فأنا غادرت ذاكرتي‪ .‬لقد سرقت‬ ‫ك ّ‬ ‫ق‬ ‫ل شيء منّي‪ ،‬ولم يعد هناك من شيء يستح ّ‬ ‫المغامرة‪.‫ماذا قلت لك بعدها‪ ،‬ل أذكر‪ .

‬‬ ‫تم ّ‬ ‫هلي وأنت تمّرين على جسور قسنطينة‪ .‫الصدى موجعا ً ومخيفاً‪...‬أنا ل‬ ‫أسكن هذه المدينة‪ ...‬كان آخر بايات قسنطينة‪ ..‬‬ ‫أل تدرين أنني أسكن هذا الوادي بعدك‪ ،‬كما يسكن‬ ‫الحصى جوف "وادي الرمال"؟‬ ‫هلي سيدتي إذن‪.‬كجسور قسنطينة‪ .‬‬ ‫وحدي أنا حملتها‪.‬‬ ‫ل تبحثي عني فوق جسورها‪ ،‬هي لم تحملني مرة‪...‬أكذب المهات أنت‪،‬‬ ‫وأحمق العشاق أنا؟‬ ‫ل تطرقي أبواب قسنطينة الواحد بعد الخر‪ .‬‬ ‫و صالح ول مالُو‬ ‫"قالوا العرب قالوا *** ما نعطي ْ‬ ‫و صالح باي البايات‪".‬معلّق أنا مثلها بين‬ ‫صخرتين وبين رصيفين‪....‬؟ ولماذا‪ .‬‬ ‫ر قديم _جديد‪،‬‬ ‫ل تسألي أغانيها عنّي‪ ،‬وتأتني لهثة بخب ٍ‬ ‫وأغنية كانت تغنّى للحزن فصارت تغنّى للفراح‪.‬كان "صالح" ثوب حدادك الول حتى قبل أن‬ ‫تولدي‪ .‬‬ ‫قالوا العرب هيهات *** ما نعطي ْ‬ ‫أعرف عن ظهر قلب ما قاله العرب‪ ،‬وما لم يجرؤوا‬ ‫اليوم على قوله‪....‬في عطر أمي وفي‬ ‫ي‪.‬إنها هي التي تسكنني‪.‬وأي سهو منك‬ ‫قدم سترميني بسي ٍ‬ ‫سيرميك هنا عندي لتتحطمي معي‪.‬فأية زلة‬ ‫تم ّ‬ ‫ل من الحجارة‪ .‬‬ ‫خوف أمي عل ّ‬ ‫متعب أنا‪ .‬‬ ‫فلماذا كل هذا اللم‪.‬وكنت أنا وصيّته‬ .‬‬ ‫يا امرأة متنكّرة في ثياب أمي‪ .‬‬ ‫وأدري‪ .

‬‬ ‫خّربوا ممراتها وعبثوا بنقوشها‪ .....‬آه‪ ...‬‬ ‫إنهم لم يكتبوا حباً‪ ،‬كتبوا لنا أدبا ً فقط‬ ‫العشق ل يولد إل في وسط حقول اللغام‪ ،‬وفي‬ ‫المناطق المحظورة‪ .‬‬ .‬آه‪.‬أي دار توصيني بها؟‬ ‫لقد زرت (سوق العصر) وشاهدت دارك فارغة من‬ ‫ذاكرتها‪ ..".‬ول أنا‪.‬‬ ‫افترقنا إذن‪.‬‬ ‫أي دار يا صالح‪ .‬وارفعي عن وجهك‬ ‫الخمار‪ ،‬ول تطرقي الباب كل هذا الطرق‪..‬آخ يا وليدي تها الله لي في‬ ‫الدار‪ .‬‬ ‫الذين قالوا الحب وحده ل يموت‪ ،‬أخطأوا‪.‬‬ ‫فلم يعد صالح هنا‪ .‬سرقوا حتى أحجارها‪ ،‬وشبابيكها الحديدية‪.‬ولذا ليس انتصاره دائما ً في‬ ‫النهايات الرصينة الجميلة‪.‬‬ ‫فانزعي "مليتك" بعد اليوم‪ ....‬وظلّت واقفة‪ ،‬هيكلً‬ ‫مصفّرا ً يبول الصعاليك والسكارى على جدرانه‪.‬‬ ‫وها أنت ذي طفلة ل أحد يعرف قرابتها بهذه الجسور‪.‬‬ ‫والذين كتبوا لنا قصص حب بنهايات جميلة‪ ،‬ليوهمونا‬ ‫أن مجنون ليلى محض استثناء عاطفي‪ ..‬‬ ‫ي وطن هذا الذي يبول على ذكرته يا صالح؟‬ ‫أ ّ‬ ‫أي وطن هذا؟‬ ‫ها هي ذي مدينة تلبس حداد رجل لم تعد تذكر اسمه‪.‬ل يفهمون‬ ‫شيئا ً في قوانين القلب‪...‫الخيرة‪" :‬يا حمودة‪ .

‬من أين أتيت بكل ما تل ذلك اليوم‬ ‫من دمار؟‬ ‫افترقنا إذن‪...‬‬ ‫أتذكرين؟‬ ‫في ذلك الزمن البعيد‪ ،‬في ذلك الزمن الول‪ ،‬يوم كنت‬ ‫ي عن نسخة أخرى لبيك‪.‬‬ ‫يا ابنة الزلزل والشروخ الرضية! لقد كان خرابك‬ ‫الجمل سيدتي‪ ،‬لقد كان خرابك الفظع‪.‬في الخراب الجميل فقط!‬ ‫افترقنا إذن‪.‬يحمل مع كل شيء ضده‪...‬‬ ‫كنت فقط كهذا الوطن‪ .‬ول كن ِ‬ ‫ت‬ ‫ت ابنتي‪ .‬‬ ‫فيا خرابي الجميل سلماً‪ ..‬كما ننتظر النبياء‪ .‬‬ ‫قتلت وطنا ً بأكمله داخلي‪ ،‬تسللت حتى دهاليز ذاكرتي‪،‬‬ ‫نسفت كل شيء بعود ثقاب واحد فقط‪.‬‬ ‫ك اللعب بشظايا الذاكرة؟ أجيبي!‬ ‫من علّم ِ‬ ‫من أين أتيت هذه المرة _أيضاً_ بكل هذه المواج‬ ‫المحرقة من النار‪ ..‬ول كن ِ‬ ‫أمي حقاً‪..‬‬ ‫تحبينني وتبحثين ف ّ‬ ‫قلت مرة‪:‬‬ ‫ انتظرتك طويلً‪ .‫إنه يموت كما يولد‪ ..‬ل كن ِ‬ ‫لم تكوني كاذبة معي‪ ..‬‬ ‫ت‬ ‫ت صادقة حقاً‪ .‬انتظرتك كثيراً‪ ،‬كما ننتظر الولياء‬‫الصالحين‪ ...‬يا وردة البراكين‪ ،‬ويا‬ ‫ياسمينة نبتت على حرائقي سلماً‪..‬ل تكن نبيا ً مزيفا ً يا‬ .‬ل كن ِ‬ ‫عاشقة‪ .‬ول كن ِ‬ ‫ت خائنة حقاً‪ .

‫خالد‪ ..‬أنا في حاجة إليك!‬
‫ت فقط "أنا‬
‫ك لم تقولي أنا أحبك‪ .‬قل ِ‬
‫لحظت وقتها أن ِ‬
‫في حاجة إليك"‪..‬‬
‫نحن ل نحب بالضرورة النبياء‪ .‬نحن في حاجة إليهم‬
‫فقط‪ ..‬في كل الزمنة‪.‬‬
‫أجبتك‪:‬‬
‫ أنا لم أختر أن أكون نبياً‪..‬‬‫قلت مازحة‪:‬‬
‫ النبياء ل يختارون رسالتهم‪ ،‬إنهم يؤدّونها فقط!‬‫ك‪:‬‬
‫أجبت ِ‬
‫ت‬
‫ ول يختارون رعيّتهم أيضاً‪ .‬ولذا لو حدث واكتشف ِ‬‫ي مزيّف‪ ..‬قد يكون ذلك لنني بعثت لرعية‬
‫أنني نب ّ‬
‫تحترف الردّة!‬
‫ضحكت‪ ..‬وبعناد أنثى يغريها التحدّي قلت‪:‬‬
‫ أنت تبحث عن مخرج لفشلك المحتمل معي‪ ،‬أليس‬‫كذلك؟‪..‬‬
‫لن أمنحك مبررا ً كهذا‪ .‬هات وصاياك العشر وأنا‬
‫أطبقها‪.‬‬
‫نظرت إليك طويل ً يومها‪ .‬كنت أجمل من أن تطبّقي‬
‫وصايا نبي‪ ،‬أضعف من أن تحملي ثقل التعاليم‬
‫السماوية‪ .‬ولكن كان فيك نور داخلي لم أشهده في‬
‫امرأة قبلك‪ ..‬بذرة نقاء لم أكن أريد أن أتجاهلها‪..‬‬
‫أليس دور النبياء البحث عن بذور الخير فينا؟‬
‫قلت‪:‬‬

‫ دعي الوصايا العشر جانبا ً واسمعيني‪ ..‬لقد جئتك‬‫بالوصية الحادية عشرة فقط‪..‬‬
‫ضحكت وقلت بشيء من الصدق‪:‬‬
‫ هات ما عندك أيها النبي المفلس‪ ..‬أقسم أنني‬‫سأتبعك!‬
‫لحظتها شعرت برغبة في أن أستغ ّ‬
‫ل قسمك‪ .‬وأقول‬
‫لك‪" :‬كوني لي فقط‪ "..‬ولكن لم يكن ذلك كلم نبي‪.‬‬
‫وكنت دون أن أدري قد بدأت أمثّل أمامك الدور الذي‬
‫اخترته لي‪ ..‬فرحت أبحث في ذهني عن شيء يمكن‬
‫أن يقوله نبي يباشر وظيفته لول مرة‪ ..‬قلت‪:‬‬
‫ احملي هذا السم بكبرياء أكبر‪ ..‬ليس بالضرورة‬‫بغرور‪ ،‬ولكن بوعي عميق أنك أكثر من امرأة‪ .‬أنت‬
‫وطن بأكمله‪ ..‬هل تعين هذا؟ ليس من حق الرموز أن‬
‫تته ّ‬
‫شم‪ ..‬هذا زمن حقير‪ ،‬إذا لم ننحز فيه إلى القيم‬
‫سنجد أنفسنا في خانة القاذورات والمزابل‪ .‬ل تنحازي‬
‫لشيء سوى المبادئ‪ ..‬ل تجاملي أحدا ً سوى ضميرك‪..‬‬
‫لنك في النهاية ل تعيشين مع سواه!‬
‫قلت‪:‬‬
‫ أهذه وصيتك لي‪ ..‬فقط؟!‬‫قلت‪:‬‬
‫ ل تستهيني بها‪ ..‬إن تطبيقها ليس سهل ً كما‬‫همين‪ ..‬ستكتشفين ذلك بنفسك ذات يوم‪..‬‬
‫تتو ّ‬
‫كان ل بد أل تسخري يومها من وصية ذلك النبي‬
‫المفلس‪ ..‬وتستسهليها إلى هذا الحد‪!..‬‬

‫ت سنوات على ذلك السفر‪ .‬على ذلك اللقاء‪،‬‬
‫مّرت س ّ‬
‫ذلك الوداع‪.‬‬
‫حاولت خللها أن ألملم جرحي وأنسى‪ .‬حاولت منذ‬
‫عودتي‪ ،‬أن أضع شيئا ً من الترتيب في قلبي‪ .‬أن أعيد‬
‫مر‪ ،‬دون‬
‫الشياء على مكانها الول‪ ،‬دون ضجيج ول تذ ّ‬
‫أن أكسر مزهرية‪ ،‬دون أن أغيّر مكان لوحة‪ ،‬ول مكان‬
‫القيم القديمة التي تكدّس الغبار عليها داخلي منذ‬
‫زمن‪.‬‬
‫حاولت أن أعيد الزمان إلى الوراء‪ ،‬دون حقد ول‬
‫غفران أيضاً‪.‬‬
‫ل‪ ..‬نحن ل نغفر بهذه السهولة لمن يجعلنا بسعادة‬
‫عابرة‪ ،‬نكتشف كم كنا تعساء قبله‪ .‬ونغفر أقل‪ ،‬لمن‬
‫يقتل أحلمنا أمامنا دون أدنى شعور بالجريمة‪.‬‬
‫ولذا لم أغفر لك‪ ..‬ول لهم‪.‬‬
‫حاولت فقط أن أتعامل معك ومع الوطن بعشق أقل‪.‬‬
‫واخترت اللمبالة عاطفة واحدة نحوكما‪.‬‬
‫كان يحدث لخبارك أن تصلني عن طريق المصادفة‪،‬‬
‫وأنا أستمع إلى من يتحدث عن زوجك‪ ،‬عن صعوده‬
‫المستمر‪ ..‬وعن صفقاته وشؤونه السرية والعلنية‬
‫التي تشغل أحاديث المجالس‪.‬‬
‫وكان يحدث لخبار الوطن أن تأتيني أيضا ً تارة في‬
‫جريدة‪ ،‬وتارة في مجالس أخرى‪ .‬وتارة عندما زارني‬
‫حسان بعد ذلك لخر مرة ليشتري تلك السيارة التي‬
‫وعدته بها‪..‬‬
‫وكل مرة‪ ،‬كنت أواجه كل ما أسمعه باللمبالة نفسها‬
‫التي ل يمكن أن يولّدها سوى اليأس الخير‪.‬‬
‫بدأت أتعلّق بحسان فقط‪ ،‬وكأنني اكتشفت فجأة‬

‫وجوده‪ .‬أصبح أمره وحده يهمني بعدما وعيت أنه كل ما‬
‫تب ّ‬
‫قى لي في هذا العالم‪ ،‬وبعدما اكتشفت تلك الحياة‬
‫البائسة التي كان يعيشها‪ ،‬والتي كنت أجهل كل شيء‬
‫عنها قبل زيارتي إلى قسنطينة‪.‬‬
‫أصبحت أطلبه هاتفيا ً بانتظام‪ .‬أسأله عن أخباره وعن‬
‫الولد‪ ،‬وعن البيت الذي كان ينوي أن يقوم فيه ببعض‬
‫الصلحات‪ ،‬والذي وعدته أن أتك ّ‬
‫فل بمصاريف ترميمه‬
‫وتجديده‪.‬‬
‫كانت معنوياته تنخفض وترتفع من هاتف إلى آخر‪ .‬كان‬
‫يحدثني تارة عن بعض مشاريعه‪ ،‬وعن بعض التصالت‬
‫التي يقوم بها ليتم نقله إلى العاصمة‪ ..‬ثم يعود ويفقد‬
‫فجأة حماسه‪.‬‬
‫كنت أعرف ذلك عندما يسألني في آخر مكالمته‪:‬‬
‫ متى ستأتي يا خالد؟‬‫ذ أنه باخرة تغرق‪ ،‬وتبعث إشارة ضوئية‬
‫أشعر عندئ ٍ‬
‫تطلب النجدة مني‪.‬‬
‫وبرغم ذلك‪ ،‬كنت أسايره فقط‪ ،‬وأعده كل مرة أنني‬
‫قد أزوره في الصيف القادم‪ .‬وكنت أعرف في‬
‫أعماقي أنني أكذب‪ ،‬وأنني قطعت الجسور مع الوطن‬
‫حتى إشعار آخر‪.‬‬
‫في الواقع‪ ،‬أصبحت عندي قناعة بانعدام المل‪ .‬كان‬
‫القطار يسير في التجاه المعاكس‪ ،‬وبسرعة لم يكن‬
‫ممكنا ً معها أن نفعل شيئاً‪ ..‬أي شيء‪ ،‬غير الذهول‬
‫وانتظار كارثة الصطدام‪.‬‬
‫وكنت أحزم حقائب القلب‪ ..‬وأمضي دون أن أدري في‬
‫ه آخر أيضاً‪ ،‬في التجاه المعاكس للوطن‪.‬‬
‫اتجا ٍ‬
‫رحت أؤثث غربتي بالنسيان‪ .‬أصنع من المنفى وطناً‬
‫ي أن أتعود العيش فيه‪.‬‬
‫آخر لي‪ ،‬وطنا ً ربما أبدياً‪ ،‬عل ّ‬

‫بدأت أتصالح مع الشياء‪ .‬أقمت علقات طبيعية مع نهر‬
‫السين‪ ..‬مع جسر ميرابو‪ ..‬مع كل المعالم التي كانت‬
‫تقابلني من تلك النافذة‪ ،‬والتي كنت أعيش في معاداة‬
‫لها دون سبب‪.‬‬
‫اخترت لي أكثر من عشيقة عابرة‪ .‬أثثت سريري‬
‫بالملذّات الجنونية‪ ..‬بنساء كنت أدهشهن كل مرة أكثر‪،‬‬
‫ك في‬
‫وأقتلك بهن كل مرة أكثر‪ ،‬حتى لم يبق شيء من ِ‬
‫النهاية‪.‬‬
‫نسي هذا الجسد شوقه لك‪ ،‬نسي تطّرفه وحماقاته‬
‫وإضرابه عن كل لذة ما عدا لذّتك الوهمية‪.‬‬
‫تعمدت أن أفرغ النساء من رموزهن الولى‪.‬‬
‫من قال إن هناك امرأة منفى‪ ،‬وامرأة وطناً‪ ،‬فقد‬
‫كذب‪..‬‬
‫ل مساحة للنساء خارج الجسد‪ .‬والذاكرة ليست الطريق‬
‫الذي يؤدي إليهن‪ .‬في الواقع هنالك طريق واحد ل‬
‫أكثر‪ ..‬يمكنني أن أجزم اليوم بهذا!‬
‫اكتشفت شيئا ًً ل بد أن أقوله لك اليوم‪..‬‬
‫الرغبة محض قضية ذهنية‪ .‬ممارسة خيالية ل أكثر‪.‬‬
‫وهم نخلقه لحظة جنون نقع فيها عبيدا ً لشخص واحد‪،‬‬
‫ونحكم عليه بالروعة المطلقة لسبب غامض ل علقة‬
‫له بالمنطق‪.‬‬
‫رغبة تولد هكذا من شيء مجهول‪ ،‬قد يعيدنا إلى ذكرى‬
‫أخرى‪ ..‬لعطر رائحة أخرى‪ ..‬لكلمة‪ ،‬لوجه آخر‪..‬‬
‫رغبة جنونية تولد في مكان آخر خارج الجسد‪ ،‬من‬
‫الذاكرة أو ربما من اللشعور‪ ،‬من أشياء غامضة‬
‫ت ذات يوم‪ ،‬وإذا بك الروع‪ ،‬وإذا بك‬
‫تسللت إليها أن ِ‬
‫ت‪.‬‬
‫الشهى‪ ،‬وإذا كل النساء أن ِ‬

‫أفهمت لماذا قتلتك تلقائيا ً يوم قتلت قسنطينة في‬
‫داخلي؟‬
‫ولم أعجب يومها وأنا أرى جثتك ممدة في سريري‪.‬‬
‫لم تكونا في النهاية سوى امرأة واحدة‪.‬‬
‫ستقولين‪ :‬لماذا كتبت لي هذا الكتاب إذن؟ وسأجيبك‬
‫أنني أستعير طقوسك في القتل فقط‪ ،‬وأنني قررت‬
‫أن أدفنك في كتاب ل غير‪.‬‬
‫فهناك جثث يجب أل نحتفظ بها في قلبنا‪ .‬فللحب بعد‬
‫عد‬
‫الموت‪ ،‬رائحة كريهة أيضاً‪ ،‬خاصة عندما يأخذ ب ُ ْ‬
‫الجريمة‪.‬‬
‫لحظي أنني لم أذكر اسمك مرة واحدة في هذا‬
‫الكتاب‪ .‬قررت هكذا أن أتركك بل اسم‪ .‬هنالك أسماء ل‬
‫تستحق الذكر‪.‬‬
‫لنفترض أنك امرأة كان اسمها "حياة"‪ ،‬وربما كان لها‬
‫اسم آخر‪ ..‬فهل مهم اسمك حقاً؟‬
‫وحدها أسماء الشهداء غير قابلة للتزوير‪ ،‬لن من‬
‫حقهم علينا أن نذكرهم بأسمائهم كاملة‪ .‬كما من حق‬
‫هذا الوطن علينا أن نفضح من خانوه‪ ،‬وبنوا مجدهم‬
‫على دماره‪ ،‬وثروتهم على بؤسه‪ ،‬مادام ل يوجد هناك‬
‫من يحاسبهم‪.‬‬
‫وأدري‪ ..‬ستقول إشاعة ما إن هذا الكتاب لك‪ .‬أؤكد لك‬
‫سيدتي تلك الشاعة‪.‬‬
‫سيقول ن ّ‬
‫قاد يمارسون النقد تعويضا ً عن أشياء أخرى‪،‬‬
‫إن هذا الكتاب ليس رواية‪ ،‬وإنما هذيان رجل ل علم له‬
‫بمقاييس الدب‪.‬‬
‫أؤكد لهم مسبقا ً جهلي‪ ،‬واحتقاري لمقاييسهم‪ .‬فل‬

‫مقياس عندي سوى مقياس اللم‪ ،‬ول طموح لي سوى‬
‫ت‪ ،‬وأن أبكيك أنت‪ ،‬لحظة تنتهين من‬
‫أن أدهشك أن ِ‬
‫قراءة هذا الكتاب‪..‬‬
‫فهناك أشياء لم أقلها لك بعد‪.‬‬
‫ب‬
‫اقرئي هذا الكتاب‪ ..‬وأحرقي ما في خزانتك من كت ٍ‬
‫لنصاف الكتاب‪ ،‬وأنصاف الرجال‪ ،‬وأنصاف العشاق‪.‬‬
‫من الجرح وحده يولد الدب‪ .‬فليذهب إلى الجحيم كل‬
‫الذين أحبوك بتع ّ‬
‫قل‪ ،‬دون أن ينزفوا‪ ..‬دون أن يفقدوا‬
‫وزنهم ول اتزانهم‪..‬‬
‫فحيني بشيء من الخجل‪ ..‬كما تتص ّ‬
‫تص ّ‬
‫فحين ألبوم‬
‫ت‪.‬‬
‫صور مصفّرة‪ ،‬لطفلة كانت أن ِ‬
‫كما تطالعين قاموسا ً لمفردات قديمة معّرضة‬
‫للنقراض والموت‪.‬‬
‫كما تقرأين منشورا ً سرياً‪ ،‬عثرت عليه يوما ً في‬
‫صندوق بريدك‪.‬‬
‫افتحي قلبك‪ ..‬واقرأيني‪.‬‬
‫كنت يوما ً أريد أن أحدثك عن سي الطاهر وعن زياد‬
‫وعن آخرين‪ ..‬عن كل ما كنت تجهلين‪.‬‬
‫ولكن مات حسان‪ ..‬ولم يعد اليوم وقت للحديث عن‬
‫الشهداء‪ ..‬أصبح كل واحد منا مشروع شهيد‪.‬‬
‫يحزنني أل أهبك غزالة‪" .‬الغزلن ل تكون غزلنا ً إل‬
‫ك‬
‫عندما تكون حيّة"‪ .‬ولم يبق لي ما يمكن أن أهدي ِ‬
‫اليوم‪.‬‬
‫لقد أخذت مني كل من أحببت‪ ،‬الواحد بعد الخر‪،‬‬
‫بطريقة أو بأخرى‪ .‬وتحول القلب إلى مقبرة جماعية‬
‫ما)‬
‫ينام فيها دون ترتيب كل من أحببت‪ .‬وكأن قبر (أ ّ‬

‬ل كان في جبهة‪ ،‬ول كان في‬ ‫ساحة قتال ليموت ميتة سي الطاهر‪ ،‬وميتة زياد‪ ،‬رمياً‬ ‫بالرصاص‪ .‬؟"‬‫كنت على علم بتلك الحداث التي هّزت البلد‪ ،‬والتي‬ ‫كانت الجرائد ونشرات الخبار الفرنسية تتسابق بنقلها‬ ‫ولة‪ ،‬باهتمام ل يخلو من الشماتة‪....‬‬ ‫كنت أدري الكثير عن حماقة القدر‪ ،‬الكثير عن ظلمه‬ ‫وعن عناده‪ ،‬عندما يصّر على ملحقة أحد‪.‬‬ ‫ولم أعد أنا سوى شاهد قبر لسي الطاهر‪ .‬‬ ‫***‬ ‫ذات يوم من أكتوبر ‪ ،88‬جاء خبر موته هكذا صاعقة‬ ‫يحملها خط هاتفي مشوش‪ ،‬وصوت عتيقة الذي تخفيه‬ ‫الدموع‪.‫قد اتسع ليضمهم جميعاً‪.‬شاهد قبر للذاكرة‪.‬أيضاً‪.‬‬ ‫فكيف عاد القدر اليوم ليأخذ مني أخي‪ ،‬أخي الذي لم‬ ‫يكن لموته من منطق‪ .‬‬ ‫مصور‪ ،‬مفصلة‪ ،‬مط ّ‬ ‫كنت أعرف تفاصيلها‪ ،‬وأدري أنها مازالت وهي في‬ ‫يومها الثاني مقتصرة على العاصمة‪ .‬‬ ‫ظلت تجهش بالبكاء وتردد اسمي‪ ،‬وأنا أسألها‬ ‫مفجوعاً‪:‬‬ ‫ "واش صار‪.‬لزياد‬ ‫ولحسان‪ .‬‬ ‫ولكن أكان يمكن لي أن أتوقع أن شيئا ً كذلك يمكن أن‬ ‫يحدث؟‬ ‫كنت اعتقد أنني دفعت لهذا القدر الحمق ما فيه‬ ‫الكفاية‪ ،‬وأنه حان لي بعد هذا العمر‪ ،‬وتلك السنوات‬ ‫التي تلت فجيعة زياد‪ ،‬وفجيعة زواجك‪ ،‬أن أرتاح أخيرا‪ً.‬فمن أين لي أن‬ .

‬ليبحث عن نهايته‪.‬ستوصلك‬ ‫الطرق القصيرة هناك‪ .‬‬ ‫وكان مقررا ً أن تحل قضيته أخيرا ً هذه المرة‪ ،‬بعد عدة‬ ‫سنوات من الوساطات والتدخلت‪ ،‬ويغادر نهائيا ً سلك‬ ‫التعليم‪ ،‬لينتقل إلى العاصمة ويعيّن موظفا ً في‬ ‫مؤسسة إعلمية‪.....‬‬‫وصوتي يردد مذهولً‪:‬‬ ‫ كيفاش‪ .‬‬ ‫ما الذي ذهب به إلى العاصمة ليقابل "جماعة" هناك‪،‬‬ ‫هو الذي لم يزر العاصمة إل نادراً‪.‬‬ ‫ذهب هكذا في نهاية أسبوع‪ ..‬‬ .‬كيفاش قتلوه؟‬‫كيف مات حسان؟‬ ‫هل مهم السؤال‪ ،‬وموته كان أحمق كحياته‪ ،‬ساذجاً‬ ‫كأحلمه‪.‬‬ ‫ضاقت به قسنطينة‪ ،‬ولم توصله جسورها الكثيرة إلى‬ ‫شيء‪.‬‬ ‫أقرأ كل الجرائد لفهم كيف مات أخي‪ ،‬بين الحلم‬ ‫والحلم‪ .‬ولن توصلك الجسور هنا!"‪...‬بين الوهم والوهم‪.‬آ خالد‪ ..‫أتو ّ‬ ‫قع الذي حدث؟‬ ‫كان صوت عتيقة يردد مقطّعاً‪:‬‬ ‫ قتلوه‪ .‬‬ ‫صدّق حسان‪ ،‬وذهب إلى العاصمة ليقابل "فلناً" من‬ ‫قبل "فلن" آخر‪.‬يا وخيدتي قتلوه‪.‬‬ ‫قالوا له‪" :‬في العاصمة ستكون لك "خيوط"‪ .

‬‬ ‫فالحلم ليس في متناول الجميع أخي‪ ..‬‬ ‫أنا الذي لم أكن أحلم سوى بأن أهبك غزالة‪.‬‬ ‫بين "فلن" و "فلن" مات حسان‪ ،‬خطأ برصاصة‬ ‫خاطئة‪ ،‬على رصيف الحلم‪.‬‬ ‫كل هذا الخراب؟‬ ‫***‬ ‫ويعود فجأة‪ ،‬حديث قديم بيننا إلى البال‪...‬‬ ‫كيف لي أن أفعل ذلك‪ ..‬‬ ‫جعلتني أعشق الخراب الجميل‪ ،‬وأتعلم كطائر يذبح أن‬ ‫أرقص من ألمي‪.‬‬ ‫ترى لنك كنت عاجزة عن كتابة رواية كتلك‪ ،‬اكتفيت‬ ‫بتحويلي إلى نسخة منه‪ ،‬وجعلتني مثله أتعلم أن‬ ‫أشفى من الشياء التي أحبها بأكلها حتى التقيؤ‪...‫ولكن القدر هو الذي حسم "ملفه" هذه المرة‪.‬في ذلك الزمن‬ ‫الذي كنت تجدين فيه شبها ً بيني وبين "زوربا"‪ .‬كان عليك أل‬ ‫تحلم!‬ ‫أحقا ً "إن الشقاء يعرف كيف يختار صفاته" ولهذا‬ ‫اختارني أنا‪ ،‬واختار لي كل هذه الفجائع المذهلة‪،‬‬ ‫لنفرد بها وحدي‪.‬وأنت تهبينني كل هذا الدمار‪.‬‬ ‫ها هوذا الخراب الجميل‪ ،‬الذي حدّثتني عنه يوماً‬ ‫ت‪:‬‬ ‫س مدهش لم يثر شكوكي‪ ،‬يوم قل ِ‬ ‫بحما ٍ‬ .‬الرجل‬ ‫ت تحلمين‬ ‫الذي أحببته الكثر حسب تعبيرك‪ ،‬والذي كن ِ‬ ‫بكتابة رواية كروايته‪ ،‬أو حب رجل مثله‪.‬‬ ‫حديث مّرت عليه اليوم ست سنوات‪ .

‫"مدهش أن يصل النسان بفجائعه حد الرقص‪ .‬‬ ‫ها هي ذي قسنطينة مرة أخرى‪...‬وما أفظع هذا الخراب الذي‬ ‫تتسابق قنوات التلفزيون على نقله اليوم!‬ ‫ما أفظع هذا الدمار‪ ،‬وما أحزن جثة أخي الملقاة على‬ ‫رصيف‪ ،‬يخترقها رصاص طائش!‬ ‫ما أحزن جثته‪ ،‬وهي تنتظرني الن في ثلجة الموتى‬ ‫لتعرف عليه‪ ،‬وأرافقه جثمانا ً إلى قسنطينة‪.‬فليست كل الهزائم في‬ ‫متناول الجميع‪ .‬سآتيك بأخي‪ .‬في تلك اللحظة‬ ‫التي اعتقدنا فيها أننا شفينا منها‪ ،‬وقطعنا معها صلة‬ ‫الرحم‪.‬ول أنا سأقدر على‬ ‫الهرب منها بعد اليوم‪.‬‬ ‫أحدنا في تابوت‪ .‬‬ ‫وقع حكمك عل ّ‬ ‫فأشرعي مقابرك‪ ،‬وانتظريني‪ .‬‬ ‫ها نحن نعود إليها معاً‪...‬‬ ‫ل حسان سيغادرها إلى العاصمة‪ ..‬أيتها الم الصخرة‪.‬والخر أشلء رجل‪..‬‬ ‫ها هي قد هزمتنا‪ ،‬وأعادتنا إليها معاً‪ ..‬افسحي‬ ‫له مكانا ً صغيرا ً جوار أوليائك الصالحين‪ ،‬وشهدائك‪،‬‬ .".‬ل بد أن تكون لك أحلم فوق العادة‪،‬‬ ‫وأفراح وطموحات فوق العادة‪ ،‬لتصل بعواطفك تلك‬ ‫إلى ضدها بهذه الطريقة‪.‬‬ ‫آه سيدتي لو تدرين!‬ ‫كم كانت أحلمي كبيرة‪ ..‬إنه تميز‬ ‫في الخيبات والهزائم أيضاً‪ ..‬‬ ‫تلك الم الطاغية التي تتربص بأولدها‪ ،‬والتي أقسمت‬ ‫أن تعيدنا إليها ولو جثة‪.‬‬ ‫ي أيتها الصخرة‪ .

.‬‬ ‫في حفل جذبه ورقصه الجنوني‪ ،‬وغرسه ذلك السفود‬ ‫في جسده من طرف إلى آخر‪ .‫وباياتك‪ .‬‬ ‫كان غزالً‪...‬الرقص‬ ‫عبادة أيضاً‪.‬تعالي سيدتي وتفّرجي على كل هذا‬ ‫الخراب الجميل!‬ ‫فبعد قليل سيحضر زوربا ليمسك بكتفي ولنبدأ الرقص‬ ‫معاً‪.‬‬ ‫ن قد التصقا بقدمي فجأة‪ ،‬وكأن‬ ‫سأقفز وكأن جناحي ْ‬ ‫ذراعي المفقودة قد نبتت من جديد لتصبح ذراعي‪....‬‬ ‫للحزن أكثر من طقس‪ ،‬وليس لللم وطن على‬ ‫التحديد‪ .‬‬ ‫تعالي‪ ..‬‬ ‫ل بد أل تخلفي هذا المشهد‪ ،‬سترين كيف يرقص‬ ‫النبياء عندما يفلسون حقاً‪.‬‬ ‫تعالي‪.‬ل أدري ماذا يفعل النبياء بالتحديد‬ ‫عندما يحزنون‪ ،‬ماذا يفعلون في زمن الردّة؟‬ ‫هل يبكون أم يصلون؟‬ ‫أنا قررت أن أرقص‪ .‬كان حسان كل هذا على طريقته‪.‬وليعذرني أبي الذي لم أشاركه يوما ً في‬ ‫طقوس "عيساوة"‪.‬الرقص تواصل أيضاً‪ ...‬‬ ‫تعالي‪ .‬‬ ‫في انتظار ذلك‪ .‬‬ .‬سأرقص اليوم كما لم أرقص يوماً‪ ،‬كما‬ ‫اشتهيت أن أرقص في عرسك ولم أفعل‪.‬فليعذرني النبياء والولياء الصالحون!‬ ‫ليعذروني جميعا‪ .‬بنشوة اللم الذي‬ ‫يجاور اللذة‪.

‬‬ ‫بذرا ٍ‬ ‫ستعذرني أنت الذي أخذت ذراعي الخرى‪.‬‬ ‫شكرا ً لك أيها العظم‪ ،‬أنت الذي ل يُحمد على مكروه‬ ‫سواه‪.‬دربني على الرقص‪.‬‬ ‫فأنتفض فجأة من أريكتي وهو يفاجئني‪ ،‬وأصرخ كما‬ ‫في تلك القصة "هيا زوربا‪ ..‬أن ترى تلك مقولة خلقت‬ ‫لتعلمنا الصبر فقط‪ ،‬لتبيعنا بدل مصائبنا فرح امتلك‬ ‫شهادة بالتقوى؟‬ ‫فليكن‪.‬‬ ‫ع واحدة يا ربي! ما أبشع الرقص‬ ‫ما أصعب الرقص بذرا ٍ‬ ‫ع واحدة يا ربي! ولكن‪.‬‬ ‫اعترف أنني لم أكن احلم بشهادة حسن سلوك كهذه!‬ ‫أفرغ منك سيدتي وأمتلئ لحنا ً يونانياً‪.‬‬ ‫تتقدم موسيقى "زوربا" نحوي‪ ،‬دعوة للجنون‬ ‫المتطرف‪....‬بذراع واحدة سأرقص لك‪.‬‬ ‫ستعذرني‪ .‬‬ ‫ص بمصابك سوى المؤمنين من عبادك‪.‬‬ ‫ستعذرني‪ ...‬‬ ‫تأتي على شريط تعودت الستماع إليه بمتعة غامضة‪.‬أنت الذي أخذتهم جميعاً‪.‬‬ ..".‬‬ ‫أنت الذي ل تخ ّ‬ ‫والتقياء منهم‪.‫فانظر أيها العظم‪ .‬لنك ستأخذني أيضاً!‬ ‫هل المؤمن مصاب حقاً؟‪ ..‬‬ ‫وإذا بذلك اللحن القادم اليوم وسط الخراب والجثث‪،‬‬ ‫يأخذ فجأة بُعده الول الحقيقي‪..

‬‬ ‫حزينة‪ .‬‬ ‫إيه زوربا!‬ ‫تزوجت تلك المرأة التي كنت أحبها‪ ،‬وكانت تحبك أنت‪.‬‬ ‫وربما يكون تل ّ‬ ‫قاه هدية منها‪ .‬‬ ‫وكنت أريد أن أجعلها نسخة مني‪ ،‬فجعلتني نسخة‬ ‫منك‪.‬وتخترقني نغمة‪.‬ثم جريئة كلحظة رجاء‪.‬ثم سريعة كنوبة بكاء‪..‬‬ ‫نغمة‪ ...‬‬ .‬ذلك الصديق الذي اشترى هذا الشريط‬ ‫لنه ربما كان يحبك أيضا من اجلها‪ ،‬وربما لنه كان‬ ‫يتوقع لي يوما ً كهذا‪ ،‬ويعد لي على طريقته كل‬ ‫تفاصيل حزني القادم‪.‬‬ ‫بطيئة‪ .‬لم أكن‬ ‫أعتقد أن يكون بشعا ً إلى هذا الحد‪ .‬جرحاً‪..‬‬ ‫ومات زياد‪ ..‬موجعا ً إلى هذا‬ ‫الجد!‬ ‫تزحف موسيقى تيودراكيس نحوي‪ .‬‬ ‫خجولة‪ .‬جرحاً‪ .‫ها هوذا "الخراب الجميل" الذي جعلتنا نشتهيه‪ .‬‬ ‫مترددة‪ .‬ثم واثقة كأقدام عسكر‪...‬‬ ‫فأستسلم لها‪ .‬وورثته أنا في جملة ما‬ ‫أورثني من أحزان‪.‬‬ ‫وأقف أنا وسطها وكأنني أقف على تلك الصخرة‬ ‫الشاهقة‪ ،‬لرقص وسط الخراب‪ ،‬بينما جسور قسنطينة‬ ‫الخمسة تتحطم وتتدحرج أمامي حجارة نحو الوديان‪..‬ثم نشوى كتقلبات شاعر أمام كأس‪.‬أرقص كمجنون في غرفة شاسعة‪،‬‬ ‫تؤثثها اللوحات والجسور‪..

‬‬ ‫كان له إله واحد فقط‪ ،‬وبعض السطورات القديمة‪.‬القتلة‪ .‬بهما‬ ‫مر هذا الوطن‪ .‬وأم كلثوم‪ .‬لشتمهم كما لم يشتم‬ ‫أحداً‪ ،‬لرفض أن يصافحهم في ذلك العرس‪ ،‬لقال‪:‬‬ ‫وادون‪ .‬سيبقى لنا الدم‬ ‫والذاكرة‪ .‬‬ ‫وحساباتكم بأية عملة شئتم‪ ...‬آه كان يشبهك بعض الشيء‪ .‬‬ ‫لو عرفك‪ ،‬ربما لم يكن ليموت تلك الميتة الحمقاء‪.‬لقد أهداه الوطن‬ ‫ثلجة ينتظرني فيها بهدوء كعادته‪ ،‬لشيعه هذه المرة‬ ‫إلى مثواه الخير‪.‬‬ ‫آه لو تدري يا صديقي‪ ،‬لم يكن أحدهما ليستحق الموت‪.‬‬ ‫لبصق في وجه قاتليه مسبقاً‪ ..‬بهما سنحاسبكم‪ .‬‬ ‫عن‪ ،‬لما نظر إلى قاتليه بكل النبهار‪ ،‬لما‬ ‫لو قرأك بتم ّ‬ ‫حلم بمنصب في العاصمة‪ ،‬بسيارة وبيت أجمل‪.....‬لو رأيت‬ ..‬كان يخاف‬ ‫حتى أن يحلم‪ ،‬وعندما بدأ يحلم قتلوه‪..‬‬ ‫ول حلم له سوى الحصول على جواز سفر للحج‪..‬من جديد"‪.‬‬ ‫لقد تحققت نصف أحلمه أخيراً‪ .‬وصوت‬ ‫عبد الباسط عبد الصمد‪.‬‬ ‫وكان زياد‪ ..‬‬ ‫وثلجة‪..‫ومات حسان‪ ..‬بهما سنطاردكم‪ ..‬‬ ‫سنع ّ‬ ‫آه زوربا‪ .‬املوا جيوبكم بما شئتم‪ .‬أخي الذي لم يكن يهتم كثيرا ً بالغريق‪،‬‬ ‫وباللهة اليونانية‪.‬مات زياد وها هوذا حسان يموت غدرا ً أيضاً‪.‬أثثوا بيوتكم بما شئتم‪.‬لن تسرقوا دمنا‬ ‫ "أيها الق ّ‬‫أيضاً‪ ..‬السراقون‪ .‬‬ ‫كان حسان نقيا ً كزئبق‪ ،‬وطيبا ً حد السذاجة‪ .‬‬ ‫مات ول حب له سوى الفرقاني‪ .

...‬‬ ‫ولكن ل يهم‪ .‬لنك‬ ‫بطل خرافي لزمن كان الناس يبحثون فيه عن خرافة‬ ‫كهذه‪ .‬أنت الذي قتلت من التراك‪،‬‬ ‫وقتلوا من رفاقك الكثيرين‪ .‬‬ ‫فهل مهم أن تتغيب الليلة‪ ،‬كما تغيبوا جميعاً؟‬ ‫لن أعتب عليك يا صديقي‪ .‬هل هناك من فرق بين‬ ‫القتلة؟‬ ‫على يد الفرنسيين مات سي الطاهر‪ ..‬يلعن‪ .‬لو عرفتهما‪ ،‬لرقصت‪ ..‬حزنا ً عليهما الليلة كما‬ ‫لم ترقص من قبل‪..‫ضحكته‪ ،‬لو سمعته يتحدث‪ ...‬وها هو حسان يموت على يد‬ ‫الجزائريين اليوم‪..‬يكفر‪ ..‬عن آلهة إغريقية جديدة‪ ،‬تعلّمهم الجنون‬ ‫والتحدي‪ .‬وعبثية الحياة‪..‬أدري بأنك أنت أيضا ً لن تحضر الليلة‪..‬وعلى يد‬ ‫السرائيليين مات زياد‪ .‬في خانة ضحايا التاريخ‪ ،‬أم في‬ ...‬‬ ‫أو ربما لنك لم توجد يوما ً أبدا ً على هذه الرض‪ .‬يبكي‪.‬قبل أن‬ ‫يصبحوا مواطنين!‬ ‫فأين تضع كل هؤلء‪ .‬‬ ‫فهل هناك درجات في الستشهاد؟ وماذا لو كان‬ ‫الوطن هو القاتل والشهيد معاً؟‬ ‫فكم من مدينة عربية دخلت التاريخ بمذابحها الجماعية‪،‬‬ ‫ومازالت مغلقة على مقابرها السرية!‬ ‫كم من مدينة عربية أصبح سكانها شهداء‪ .‬‬ ‫يسكر‪ .‬أنت لست مسؤول ً في‬ ‫النهاية عن كل ما يمكن أن يرتكب من حماقات بسبب‬ ‫رواية!‬ ‫ولكن أجبني فقط‪ .‬‬ ‫ت‪ ،‬كما في تلك الرواية‪ ،‬بعد أن لعنت‬ ‫ربما لنك م ّ‬ ‫الكاهن الذي جاء ليناولك القربان المقدس قبل‬ ‫الموت‪.

‬ربما لم أنم فقط!‬‫قالت وهي تلقي نظرة على الصالون‪ ،‬وتبحث بفضول‬ ‫امرأة عن آثار تدلها على نوعية من قضيت معهم‬ ‫السهرة‪:‬‬ ‫ هل استقبلت أصدقاء أمس؟‬‫ابتسمت لسؤالها‪ ،‬شعرت برغبة في أن أجيبها‪ :‬نعم‪.‬‬ ‫واصل َ ْْ‬ ‫ت‪:‬‬ ‫ وهل قضوا الليلة هنا؟‬‫قلت‪:‬‬ ..‫خانة الشهداء؟‬ ‫وما اسم الموت عندما يكون بخنجر عربي!‬ ‫***‬ ‫ما كادت كاترين تراني في ذلك الصباح حتى صاحت‪:‬‬ ‫ إن لك وجه رجل يستيقظ من ليلة سكر!‬‫ثم أضافت بشيء من السخرية والتلميح الواضح‪:‬‬ ‫ ماذا فعلت أمس أيها الشقي‪ ،‬لتكون في هذه الحالة؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل شيء‪ ..‬‬ ‫يحدث للحزن عندما يجاور الجنون‪ ،‬أن يبدأ هكذا في‬ ‫السخرية من نفسه‪.

‬في ذلك البيت‪..‬‬ ‫ول ربما اقتنعت دون كثير من الكلم أنني أستيقظ من‬ ‫ليلة حب‪.‫ ل‪ ....‬‬‫ت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫أضف ُ‬ ‫ أصدقائي يرحلون دائماً!‬‫وربما لم يقنعها كلمي‪ ،‬أو زاد في فضولها فقط‪.‬‬ ‫فراحت تواصل بعينيها البحث وسط فوضى الغرفة‪،‬‬ ‫والحقيبتين المفتوحتين في الصالون عن شيء ما‪.‬رحلوا‪.‬‬ ‫في الحقيقة‪ .‬‬‫ثم أضفت فجأة‪:‬‬ ‫ كاترين‪ .‬‬ ‫النساء هكذا دائما‪ :‬ل يرين أبعد من أجسادهن‪ ،‬ولذا لم‬ ‫يكن في إمكان كاترين أن تكتشف آثار زياد وحسان‬ ‫وزوربا‪ .‬لقد كانت كاترين دائما ً تعيش على‬ ‫هامش حزني‪.‬‬ ‫سألتني وكأنها ل تجد فجأة مبررا ً لوجودها عندي في‬ ‫تلك اللحظة‪:‬‬ ‫ لماذا طلبتني على عجل؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ لسباب كثيرة‪.‬هل تحبين الجسور؟‬‫قالت بنبرة ل تخلو من التعجب‪:‬‬ ‫ ل تقل لي إنك أحضرتني في هذا الصباح لتطرح علي‬‫هذا السؤال!‬ ...

‬كل هذه اللوحات لك‪.‬أهبها لك‪ ،‬لنني أدري أنك تقدّرين الفن‪ ،‬وأنها‬ ‫معك لن تضيع‪...‬أنا لم أسأل نفسي سؤال ً كهذا قبل اليوم‪..‬ولكن أود لو أجبتني عليه‪.‬قد تح ّ‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لم يعد هناك من ضرورة للحنين بعد اليوم‪ ،‬أنا عائد‬‫إليها‪ ..‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ضل في النهاية أل تحبيها‪ .‬‬‫صاحت‪:‬‬ ‫ أأنت مجنون؟ كيف تهبني كل هذه اللوحات؟ إنها‬‫ن إليها يوماً‪.‬ما عدا باريس‬ ‫ربما‪.‬‬‫لقد عشت دائما ً في مدن ل جسور فيها‪ .‬‬ ‫قالت كاترين وصوتها يأخذ نبرة جديدة لحزن وفرح‬ ‫غامض‪:‬‬ ....‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ فليكن إذن‪ .‬لقد راهنت دائما ً على انك‬‫رسام استثنائي‪..‫قلت‪:‬‬ ‫ ل‪ .‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ ل أدري‪ .‬‬ ‫مدينتك‪ .‬فأنا أف ّ‬‫تحبي رسمي‪.‬‬ ‫أجابت‪:‬‬ ‫ طبعا ً أحب ما ترسمه‪ .‬يكفي أن‬ ‫ ل يهم‪ ...

‬لقد حكم علينا‬ ‫أ ُ‬‫التاريخ أل نشبع من بعض تماماً‪ .‬يطالب دائما ً بالمزيد‪ .‬‬ ‫قلت وأنا ألقي نظرة أخيرة على جسدها المختبئ داماً‬ ‫تحت الثواب الخفيفة الفضفاضة‪:‬‬ ‫ ولم يحدث لمرأة قبلك أن منحتني غربة أشهى‪.‬فلم يحدث لرجل أن أهداني‬‫يوما ً شيئا ً كهذا‪.‬‬ ‫جسدها يخرج عن الموضوع دائماً‪ ...‬لكثر من سبب‪ .‬لقد كنت أيضا ً طرفا ً فيها!‬ ‫ل تفهم كاترين لماذا كل هذه الرموز اليوم‪.‫ سأحتفظ بها جميعاً‪ ..‬فنحن في جميع الحالت نندم‬‫على شيء ما‪. Mais ce n'est pas possible‬ل يمكن أن نفترق‬‫هكذا!‬ ‫و كاترين‪ .‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ أخاف أن تندم يوما ً وتشتاق إلى إحدى هذه اللوحات‪..‬إنك تملكين اليوم أكثر من‬ ‫نسخة مني‪ .‬دعينا نفترق على جوع‪ ....‬‬‫اعلم أنك ستجدها دائما ً عندي‪..‬علّقي على جدرانك ذاكرتي‪ ،‬حتى ولو‬ ‫كانت ذاكرة مضادة‪ ..‬‬ ‫ودها عليه؟‬ ‫ولماذا هذا الحديث الغامض الذي لم أع ّ‬ ‫وربما فهمت‪ ،‬ولكن جسدها كان يرفض أن يفهم‪.‬‬ ‫تقاطعني وكأنها اكتشفت جدية الموقف‪:‬‬ ‫ ‪ .‬يفرط في‬ .‬ول نحب بعضنا‬ ‫تماما‪ .‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ ربما سيحدث ذلك‪ ..‬جسدها موظف‬ ‫فرنسي يحتج دائما‪ ....

.‬‬ ‫ ولماذا تقول لي هذا اليوم‪..‬‬ .‬‬ ‫من أين سآتي بالكلمات التي ستشرح لها حزني؟‬ ‫من أين سآتي بالصمت الذي سيقول لها دون أن أقول‬ ‫شيئاً‪ ،‬إن حسان هناك في مدينة أخرى‪ ،‬ينتظرني في‬ ‫ثلجة‪ ،‬وأن أولده الستة لم يعد لهم غيري‪..‬ليس لي شهية للحب‪ ،‬اعذريني‪.‬فقد كنت في حاجة إلى‬ ‫أن أبكي أمام أحد يومها‪.‬‬ ‫ سأذهب‪ ،‬وأنتظر في المطار أول طائرة تقلع‪ .‬أخي الوحي‬ ‫يا كاترين‪ ".‬بحكم العادة‪..‬‬ ‫ كاترين‪ ..‬هناك من ينتظرني‪..‬؟‬‫ لنني متعب‪ .‬ولنني سأرحل بعد ساعات‪..‬فالحزن قضية شخصية‪ ،‬قضية أحيانا ً وطنية‪.‬‬ ‫كان يمكن أن أقول لها‪" :‬لقد مات أخي‪ .‬‬ ‫ولكن لم أكن قادرا ً على ذلك معها‪ .‬‬ ‫ي الباردتين‪ ،‬والصقيع الذي‬ ‫كيف أشرح لها سر قدم ّ‬ ‫يزحف نحوي كلما تقدمت بي الساعات‪ ،‬وكلما راحت‬ ‫يداها تفتحان أزرار قميصي دون انتباه‪ ..‬‬ ‫ولكن‪.‬لعلني في يوم آخر سأخبرها بذلك‪.‬حزني مؤجل فقط‬‫كالعادة‪.‬‬‫ وأنت؟‬‫ وأنا سأنتظر أن تذهبي لحزن‪ ....‬‬‫ وماذا تريد إذن؟‬‫ أريد أن تضحكي كالعادة‪.‫حرية التعبير‪ ،‬في حرية الضراب‪.‬‬‫ لماذا أضحك؟‬‫ لنك عاجزة عن الحزن‪..‬وقررت أن أواصل‬ ‫حديثي كالعادة‪ .‬‬ ‫ولذا احتفظت بجرحي داخلي‪ .‬‬‫ ولكن ل يمكنك أن تسافر‪ .‬وأجهش بالبكاء‪ ..‬لقد ألغوا كل الرحلت إلى‬‫الجزار‪.‬ل بد‬‫أن أسافر اليوم أو غدا‪ .‬لعلها عقدة‬ ‫قديمة‪ .

‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ كاترين‪ .‬ل بد أن أتعلم الن الوجه‬‫م أيضا ً ليس سهل ً أن نجتاز‬ ‫الخر للنسيان‪ .‬اكتشفت أنني ل أحب الجسور‪.‬جاؤوا إلى العالم‬ ‫ولِدوا وسط مجرى‬ ‫ن وقاّرتي ْ‬ ‫ن وطريقي ْ‬ ‫بين وصيفي ْ‬ ‫ن‪ُ .‬ولكنها جميلة برغم ذلك‪ ..‬‬ ‫كنت أود إحراقها‪ ،‬راودتني هذه الفكرة‪ .‬ول بد لي بعد‬ ‫اليوم أن أغيّر عاداتي‪.‬‬ ‫وأكرهها كراهيتي لكل شيء له طرفان‪ ،‬ووجهتان‪،‬‬ ‫واحتمالن‪ ،‬وضدان‪ ..‬ربما لن إحراق ب ّ‬ .‬هناك‬‫أناس ولدوا هكذا على جسر معلّق‪ .‬ولكن لست‬ ‫حار‬ ‫في شجاعة طارق بن زياد‪ .‬وربما سينجح الفراق في تحقيق ما عجزت‬ ‫كل سنوات القرب هذه من تحقيقه‪.‬من المؤكد أنني سأفتقدك كثيراً‪ .‬الغربة أ ّ‬ ‫الجسر الذي سيفصلنا عنها‪.‬لقد‬ ‫كنت المرأة التي كانت دائماً‪ ،‬على وشك أن تكون‬ ‫حبيبتي‪ .‬لقد كانت قصتنا جميلة‪ ،‬أليس كذلك؟ كانت‬‫معقدة بعض الشيء‪ .‬لماذا تحيط نفسك بكل هذه الجسور؟‬‫ أنا ل أحيط نفسي بها‪ .‬‬ ‫الرياح المضادة‪ ،‬وكبروا وهم يحاولون أن يصالحوا بين‬ ‫الضداد داخلهم‪ .‬‬ ‫ وهل ستعود؟‬‫ ليس قبل مدة طويلة‪ ...‬ولهذا تركت لك كل هذه اللوحات‪.‬ربما كنت من هؤلء‪ .‬في الحقيقة‬ ‫دعيني أبوح لك بسّر‪ ..‫ولكن ليس اليوم‪ .‬‬ ‫ خالد‪ .‬الصمت اليوم أكبر‪..‬أنا أحملها داخلي‪ ..‬‬ ‫شعرت فجأة أنني أسأت للفراشات‪..‬إنه منطق‬‫الشياء‪ .‬لقد كان لي معك أكثر من عادة‪ ...‬‬ ‫ هل ستحبني عندما نفترق؟‬‫ ل أدري‪ .

.‬‬ ‫أريد أن أختار لقلبي مسقطه الخير‪.‬‬ ‫أريد أن أعود إلى تلك المدينة الجالسة فوق صخرة‪،‬‬ ‫وكأنني أفتحها من جديد‪ .‬ولكن دائماً‬ ‫بتلك الجاذبية الغامضة نفسها‪..‬ووقفت سنوات على نقطة استفهام‪،‬‬ ‫خارج خطوط الطول والعرض‪.‬ول شيء أمامي‬ ‫سوى زورق الغربة‪ .‬‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬أريد أن أحرقها حتى أقطع على قلبي‬ ‫طريق العودة إلى الخلف‪.‬دون أن نحب بعضنا تماماً‪ .‬‬ ‫و؟ أيهما أمامي وأيهما‬ ‫أين يقع البحر وأين يقف العد ّ‬ ‫ورائي؟‬ ‫ول شيء وراء البحر سوى الوطن‪ .‬قطعت علقتي بالتاريخ‬ ‫وبالجغرافية‪ ..‬‬ ‫فافترقنا كما التقينا منذ أكثر من قرن‪ ،‬دون أن نعرف‬ ‫بعضنا حقاً‪ .‬منذ غادرتها أضعت بوصلتي‪ .‬‬ ‫‪ .‬ول شي بينهما سواي‪.‬‬ ‫على من أعلن الحرب ول شيء حولي سوى الحدود‬ ‫القليمية للذاكرة؟‬ ‫ي كاترين‪ ،‬ولم تفهم شيئاً‪...‬والدب هو كل ما لم يحدث"‪..‬‬ ‫ل أريد أن أقضي حياتي‪ ،‬وأنا أسلك هذا الجسر في‬ ‫التجاهين‪..‬‬ ‫نظرت إل ّ‬ ‫لقد كانت علقتنا دائما ًً ضحية سوء فهم وقصر نظر‪.‬كما فتح طارق بن زياد ذلك‬ ‫الجيل‪ ،‬ومنحه اسمه‪.‬‬ ‫***‬ ‫ت‪:‬‬ ‫وقل ِ‬ ‫"الحب هو ما حدث بيننا‪ ...‫لباخرته في معركة حربية‪ ،‬يظ ّ‬ ‫ل أسهل من إحراق‬ ‫رسام للوحاته في لحظة جنون‪...‬‬ .

‬‬ ‫فنحن في النتيجة‪ ،‬ل نصنع في الحالتين سوى‬ ‫الكلمات‪ ..‬فراح يصرخ‬ ‫في وجهي‪ ،‬بلهجة من أقنعوه أننا نغترب فقط لنغنى‪،‬‬ ‫وأننا نهّرب دائما ً شيئا ً ما في حقائب غربتنا‪.‬‬ ‫وأنا لنني غادرت وهمي‪ .‬ووحده الوطن يصنع الحداث‪ .‬ومرة لدفن أخي‪ ..‬لقد‬ ‫أصبحوا ل يأتونها سوى في العراس و في المآتم"‪.‫نعم ولكن‪.‬‬ ‫أتذكر وأنا أواجه وحدي هذه المرة مطار تلك المدينة‬ ‫الملتحفة بالحداد كلما ً قاله حسان منذ ست سنوات‬ ‫واستوقفتني كلماته دون سبب واضح‪.‬ها أنا أصبحت إذن البن الشرعي‬ ‫لهذه المدينة التي جاءت بي مكرها ً مرتين‪..‬‬ .‬‬ ‫قال‪" :‬إن قسنطينة فرغت من أهلها الصليين‪ ..‬‬ ‫ي عصبي في عمر الستقلل لم‬ ‫يسألني جمرك ّ‬ ‫يستوقفه حزني ول استوقفته ذراعي‪ .‬وها أنا أعود‬ ‫إليه مذهول ً في زمن آخر لحظر التجول‪.‬‬ ‫قتلتنا أحلمنا‪..‬‬ ‫هو لنه أصيب بعدوى الحلم الفارغة الكبيرة‪..‬‬ ‫غادرت الوطن في زمن لحظر التنفس‪ .‬‬ ‫بين ما حدث وما لم يحدث‪ ،‬حدثت أشياء أخرى‪ ،‬ل‬ ‫علقة لها بالحب ول بالدب‪..‬ولبست نهائيا ً حداد أحلمي‪..‬فما الفرق بين‬ ‫ت أنا منذ‬ ‫الثنين؟ لقد مات أخي في الواقع مثلما م ّ‬ ‫ذلك العرس‪.‬‬ ‫مرة لحضر عرسك‪ ..‬مادمنا حبره‪.‬ويكتبنا كيفما‬ ‫شاء‪ .‬‬ ‫يذهلني اكتشافي‪ .

‬‬ ‫باريس _ تموز ‪1988‬‬ ‫على غلف الكتاب‪:‬‬ ..‬وأجمع مسودّات هذا الكتاب المبعثرة‬ ‫في حقيبة‪ ،‬رؤوس أقلم‪ .‬‬ ‫وكانت يداه تنبشان في حقيبة زياد المتواضعة‪ ،‬وتقعان‬ ‫على حزمة من الوراق‪ .‬فتكاد دمعة مكابرة بعيني‬ ‫تجيبه لحظتها‪:‬‬ ‫ أصّرح بالذاكرة‪ .‫ بماذا تصّرح أنت؟‬‫كان جسدي ينتصب ذاكرة أمامه‪ .‬يا ابني‪..‬‬ ‫يحدث للوطن أن يصبح أميّاً‪..‬‬‫ولكنني أصمت‪ ...‬‬ ‫كان آخرون لحظتها يدخلون من البواب الشرفيّة‬ ‫بحقائب أنيقة دبلوماسية‪.‬ورؤوس أحلم‪..‬ولكن لم يقرأني‪.

.. . ) ( .. ...) ( .. . ... . . .. . ..

.. !! 1995 / 8 / 20 __________________ : ... : . . ... .. ..

alsakher.com‬‬ .‫مع تحيات موقع ‪ :‬الســاخر‬ ‫‪www.

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful