You are on page 1of 7

‫الصلح السياسى وبناء الديمقراطية فى مصر‬

‫(ورقة نقاش)‬

‫اعداد ‪ :‬د‪.‬يسري مصطفي‬


‫‪30/03/2009‬‬

‫على مدار السنوات الخيرة ومنذ نهاية التسعينيات‪ ،‬شهد المجتمع المصرى تحول على مستوى الخطاب والممارسات‬
‫ذات الصمملة بالتغييممر والصمملح السممياسى والديمقراطممى‪ .‬وقممد تممم التعممبير عممن ذلك فممى صممورة حراك سممياسى شمممل‬
‫مجموعات سمياسية وحقوقيمة ومهنيمة مختلفمة‪ .‬وقمد شهدت مياديمن ونقابات ونوادى وجامعات أصمواتا تطالب بالتغييمر‪،‬‬
‫وهى الساحات التى كان الحتجاج فيها يتعلق بالساس بالقضايا القومية‪ ،‬وقلما كانت حيزا للمطالبة بالصلح والتغيير‬
‫على المسمتوى الوطنمي‪ .‬وإلى جانمب ذلك برز النترنمت كحيمز وأداة جديدة للجدل السمياسى والتعبئة‪ ،‬وباتمت الصمحف‬
‫والعلم فاعمل رئيسمى على سماحة المطالبمة بالتغييمر والصملح وفمق مطالبات تسمتهدف تغييرا وإصملحا يتفاوت فمى‬
‫مضمونمه تبعما للخلفيات السمياسية واليديولوجيمة لممن يطالب بمه‪ .‬وحتمى على مسمتوى السملطة فقمد شهدت هذه الفترة‪،‬‬
‫ولوشكليا‪ ،‬ما سمى بالصلحات الدستورية وانتخابات رئاسية لول مرة‪ .‬وفى إطار الحراك والتعبئة شاعت كلمات‬
‫التغييمر والصملح ورفمض التوريمث‪ .‬وكشمف هذا الحراك عمن رغبمة لدى مجموعات ثقافيمة وسمياسية ومهنيمة فمى كسمر‬
‫حالة الجمود والركود السياسى بصورة تختلف عن تلك التى شهدناها خلل عقد التسعينيات فى إطار الصراع الدموى‬
‫بيمن الدولة وجماعات السملم السمياسى المسملحة‪ .‬ونزعمم أن هذا الحراك السمياسى‪ ،‬كفعمل ايجابمى بلشمك‪ ،‬خلق حالة‬
‫جديدة من التفكير حول مستقبل الحياة السياسية فى مصر‪ ،‬ولكنه يضع امامنا تساؤلت بل وشكوك أحيانا حول طبيعة‬
‫مما يحدث وهمل همو مجرد فعمل طارئ أم أن هناك مؤشرات على مسمارات جديدة قادرة على بناء كتلة ديمقراطيمة قادرة‬
‫بدورها على التأثير فى موازين القوى السياسية وتعديل علقات السلطة فى المجتمع‪.‬‬

‫وفممى هذا السممياق تأتممى ورقممة النقاش هذه بهدف السممهام فممى إثارة النقاش حول مسممالة التغييممر والصمملح السممياسى‬
‫والديمقراطى فى مصر‪ .‬وهى مجرد اجتهاد متواضع من منظور نقدى لمناقشة طبيعة هذا الحراك وخاصة فيما يتعلق‬
‫بعمليات المطالبمة بالتغييمر والصملح كمما همى قائممة على مدار السمنوات الماضيمة‪ .‬ويجمب التأكيمد على أن الرؤيمة‬
‫المتضمنمة فممى هذه الورقممة ل تنطلق مممن أيمة انحيازات بالمعنممى السممياسى المباشممر‪ ،‬وإذا كان ثمممة انحياز فهمو انحياز‬
‫مشروع للتفكير النقدى من حيث المنهج‪ ،‬وللقيم المدنية من حيث التوجه‪ .‬وفى هذه الورقة يجرى تناول قضايا التغيير‬
‫والصملح السمياسى والديمقراطمى ممن خلل أربعمة عناويمن رئيسمية وهمى‪ :‬سمياق المطالبمة بالتغييمر والصملح‪ ،‬واقمع‬
‫الحراك السمياسى فمى مصمر‪ ،‬البعمد الثقافمى لعمليات المطالبمة بالديمقراطيمة‪ ،‬واسمتراتيجية التغييمر واسمتراتيجية التغييمر‬
‫الديمقراطى‪.‬‬

‫أول‪ :‬سياق المطالبة بالتغيير والصلح‪ :‬نظرة عامة‬


‫يطرح علينما الحراك السمياسى الذى شهدتمه مصمر خلل السمنوات الماضيمة مسمألة خريطمة القوى السمياسية فمى مصمر‬
‫وأولوياتهما التمى بدت وكأنهما مسمتقرة عنمد نقطمة صمفرية بيمن نزوع نحمو التغييمر ونظام سمياسى مسمتعصى على التغييمر‪.‬‬
‫وكمما همو معروف فثممة تصمنيف شائع للقوى السمياسية فمى مصممر والمنطقمة العربيمة يرتكممز هذا على المرجعيات أو‬
‫النتماءات السياسية والفكرية‪ ،‬وأعنى بذلك تصنيف القوى إلى قومية واسلمية ويسارية وليبرالية فضل عن منظمات‬
‫المجتممع المدنمى كفاعمل جديمد على السماحة‪ .‬وتبدو السماحة السمياسية وكأنهما مسمتقرة نظريما بيمن مجموعات سمياسية‬
‫مسمتقرة فمى موقعهما المعارض وفمى تصمنيفها النظرى‪ .‬ورغمم الوضوح النظرى لهذا التصمنيف إل أن هناك آراء سمعت‬
‫لتجاوز التصمنيف المسمتقر وبيان أشكال التفاعمل والتداخمل بيمن هذه القوى وعمليات التماهمى والسمتبعاد على صمعيد‬
‫المرجعيات وعلى صعيد الممارسات‪.‬‬

‫فمنممذ الثمانينيات حدثممت مجموعممة مممن المتغيرات الدوليممة التممى أثرت على الصممعدة المحليممة‪ ،‬بدأت بإنهيار الكتلة‬
‫الشتراكيمة وبزوغ فكرة المجتممع المدنمى وصمعود السملم السمياسى ثمم مؤخرا احتلل العراق وتراجمع الفكرة القوميمة‬
‫‪1‬‬
‫والتى ظلت لسمنوات عديدة حاضنة السمياسة‪ .‬وقمد ظل التصمنيف مستقرا حتمى ممع صعود تيار السلم السمياسى والذي‬
‫احتل الساحة خلل التسعينيات‪ .‬إل أنه مع صعود هذا التيار أخذ التصنيف فى بعض جوانبه يتخذ بعدا ثقافيا أكثر منه‬
‫سممياسيا بيممن قوى دينيممة وأخرى علمانيممة‪ .‬وهكذا أخذت الخريطممة شكل محددا وهممو دولة مسممتبدة وتيار دينممى قوى‬
‫وأحزاب ضعيفمة ومنظمات مجتممع مدنمى بازغمة‪ ،‬أمما على صمعيد القضايما فكانمت القضايما القوميمة وبناء الدولة الدينيمة‬
‫وإعمال حقوق النسان هى الشغل الشاغل‪.‬‬

‫ورغممم السممتقرار الظاهرى وبفعممل المتغيرات الدوليممة‪ ،‬بدت السمماحة السممياسية وكأنهمما قلقلة‪ .‬وظلت القضايمما القوميممة‬
‫الكمبرى منطقمة تماهمى وتوحمد‪ ،‬وخاصمة فيمما يتعلق بالموقمف ممن الصمراع العربمى السمرائيلى والموقمف ممن الوليات‬
‫المتحدة وأضيممف إلى ذلك مواقممف مبعثرة بشأن مناهضممة العولمممة‪ .‬ومممع ذلك وخلل التسممعينينات فقممد دخممل السمملم‬
‫السممياسى ذاتممه فممى مأزق سممياسى إن لم يكممن ثقافممى كذلك‪ ،‬ليممس فقممط بسممبب الصممراع مممع الدولة ولكممن كذلك بسممبب‬
‫المتغيرات الدولية وممارسات الجماعات المسلحة والتى وصلت إلى طريق مسدود بعد مذبحة القصر عام ‪ .1997‬ثم‬
‫توقمف العنمف المسملح‪ .‬وحدث تراجمع نسمبى فمى فكرة الدولة الدينيمة والتمى سماد اعتقاد بأنهما قادممة ل محالة‪ .‬وممع هذا‬
‫التراجمع بدأت مصمر تشهمد تحول على مسمتوى الداخمل فيمما يتعلق بالقضايما المحليمة والتمى برزت على السمطح ومنهما‬
‫قضايما التغييمر والصملح‪ .‬وبمما أن هذا العام شكمل انعطافمة سمياسية فقمد كان كذلك بدايمة مرحلة يمكمن وصمفها بأنهما‬
‫مرحلة إفسماح المجال لقضايما محليمة وفمى مقدمتهما عمليات المطالبمة بالتغييمر والصملح على مسمتوى الدولة القطريمة‪.‬‬
‫وقممد شهدت هذه المرحلة زخممما بعممد احتلل العراق وانتعاش مبادرات الصمملح السممياسى والديمقراطممى مممن الداخممل‬
‫والخارج والتى عمت كامل المنطقة‪ .‬وخلل هذه الفترة بدا التحول الديمقراطى كأمر محتمل الحدوث‪ ،‬وعليه فقد خرج‬
‫ممن رحمم الركود حراكما سمياسيا بدأتمه مجموعات سمياسية تقليديمة واتسمعت دائرتمه نسمبيا ليضمم مهنييمن وشبابما يطالبون‬
‫بالتغيير‪.‬‬

‫وهكذا أصمبح التغييمر والصملح موضوعما تتفاوت حوله الرؤى مابيمن رؤى متشاءممة ل ترى سمبيل للتغييمر‪ ،‬ورؤى‬
‫متشككة وأخرى حماسية ونضالية ترى أن التغيير ممكن خاصة وأن النظام السياسى بلغ مرحلة من الضعف والركود‬
‫لتمكنه من الستمرار هكذا لفترة طويلة‪ .‬ولن التغيير يحتاج إلى قوى سياسية واجتماعية لحداثه‪ ،‬فثمة شكوك كذلك‬
‫حول ما إذا كانت القوى والمؤسسات الموجودة على الساحة تمتلك القدرة على تحقيق تغييرات فعلية فى مجال سياسى‬
‫يتسمممم بالركود والنغلق‪ .‬ففيمممما عدا القوى السممملمية‪ ،‬ظلت باقمممى القوى والجماعات فمممى حالة ممممن الضعمممف وأن‬
‫حضورها هو لحد كبير مجرد حضور رمزى على ساحة سياسية ليست مهيئة لستقبال الرموز‪.‬‬

‫وعلى الرغمم ممن أن هذه القضايما ذات طبيعمة محليمة إل أن الهتمام بهما تجاوز المحلى إلى الدولى‪ .‬بمل يجمب القول بأن‬
‫التفاعمل بيمن الدولى والمحلى لم يتوقمف حتمى لو حاول البعمض نفمى الداخمل أو نفمى الخارج‪ .‬وهذا أممر طمبيعى لن فكرة‬
‫الديمقراطيمة ذاتهما كانمت قمد بدأت تأخمذ بعمد أمميما منمذ انهيار الكتلة الشتراكيمة‪ ،‬وتمم التركيمز على المنطقمة العربيمة فمى‬
‫إطار مما سممى بصمراع أو حوار الحضارات‪ .‬وعلى الرغمم ممن غياب المؤشرات حول مما إذا كان المجتممع يتعاممل ممع‬
‫الديمقراطيمة وحقوق النسمان كأولويمة اجتماعيمة‪ ،‬إل أنمه يصمعب القول أن المجتممع المصمرى يفتقمر إلى الرغبمة فمى‬
‫التغييمر‪ ،‬وخاصمة فمى أوسماط الفئات الشابمة والتمى باتمت وبشكمل متزايمد تسمتخدم شبكمة النترنمت للتعمبير عمن رغبمة فمى‬
‫التغيير وإن لم تكن بالضرورة رغبة فى بناء الديمقراطية‪ .‬وهذه قضية على درجة كبيرة من الهمية‪ ،‬وربما علينا أن‬
‫نطرح سمؤال أولى بشأن التسماق بيمن مصمطلحى "التغييمر" والديمقراطيمة"‪ .‬ففمى حيمن أن بناء الديمقراطيمة ل يمكمن أن‬
‫يتمم بدون إحداث تغييرات هيكليمة فى المجالت السمياسية والثقافيمة إل ان "التغييمر" كما هو متداول ل يعنمى بالضرورة‬
‫بناء الديمقراطيمة‪ .‬وهكذا يمكمن الزعمم بأن الرغبمة فمى "التغييمر"‪ ،‬وليمس بناء الديمقراطيمة‪ ،‬همى لحمد كمبير ركيزة اللغمة‬
‫المطالبة بالتغيير السياسي لمعظم القوي والحركات السياسية والجتماعية‪.‬‬

‫ول نقول جديدا عندمما نشيمر إلى أن عدم التكافمؤ بيمن حائزى السملطة فمى مصمر والمجتممع وغياب قنوات التغييمر جعلت‬
‫ممن النظام السمياسى نظامما يفتقمر إلى قنوات للتغييمر الديمقراطمى السملمى‪ .‬والثمر السملبى لهذا الوضمع ليمس فقمط عرقلة‬
‫الصلح وإنما تغييبه وتشويهه كذلك فكان العنف هو استراتيجية التغيير التى اعتمدتها الجماعات السلمية المسلحة‪،‬‬
‫حيمث أصمبح التدميمر وليمس التغييمر همو السمبيل‪ .‬أمما الحراك الجديمد فهمو يسمتخدم ويراهمن على الطرق السملمية ممن أجمل‬
‫إحداث التغييمر ليصمبح إصملحا‪ .‬وممع ذلك يظمل هناك مما يحتاج إلى المناقشمة ذلك لن اسمتراتيجية التغييمر التمى سمادت‬
‫كانت لحد كبير فائقة التسييس وترتكز بالساس على "إدانة" مؤسسة الحكم والفئة السياسية الحاكمة ورجال العمال‬
‫‪2‬‬
‫التابعيممن لهمما مممع بعممض التشكيممك فممى أطراف اخرى موجودة على السمماحة وفممى مقدمتهمما منظمات المجتمممع المدنممى‪.‬‬
‫والمشكلة أن الدانممة هممى فممى نهايممة المممر تعممبير عممن موقممف سممياسى أو ثقافممى ولكنهمما ل ترتكممز بالضرورة على‬
‫اسممتراتيجيات واضحممة لمقتضيات ومتطلبات بناء الديمقراطيممة ودولة القانون‪ .‬وإذا كانممت الدانممة تسممتهدف تحريممك‬
‫الراكد‪ ،‬فإن بناء الديمقراطية يتطلب ما هو أكثر من ذلك‪.‬‬

‫وعلى أى حال يمكمن إجمال ماسمبق بالقول أن ثممة جماعات تبنمت التغييمر والصملح ضممن سمياق محلى عوضما عمن‬
‫السياقات الممية أو القومية‪ ،‬وهو متغير عبرت عنه عمليات المطالبة بالتغيير والصلح سواء فيما يتعلق بالصلح‬
‫السمياسى بشكمل عام أو باصملحات جزئيمة داخمل مؤسمسات محليمة مهنيمة ودينيمة‪ .‬وهنما تجدر الشارة إلى طبيعمة هذه‬
‫التحولت والتى قادت إلى بزوغ الفضاء المحلى كحيز للفعل السياسى‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬واقع الحراك السياسى فى مصر‬


‫لعممل السممؤال الذى نريممد طرحممه تحممت هذا العنوان هممو‪ :‬إذا كان المجتمممع المصممرى قممد شهممد حراكمما باتجاه المطالبممة‬
‫بالديمقراطيمة‪ ،‬فإلى أى حمد امتلك هذا الحراك العناصمر اللزممة لتشكيمل كتلة ديمقراطيمة ذات تأثيمر؟ يمكمن القول أن‬
‫الخطابات المطالبمة بالديمقراطيمة‪ ،‬وأتعممد هنما الحديمث بصميغة الجممع لن التغييمر ل يزال مصمطلح غائم فمى علقتمه‬
‫بالتحول الديمقراطمى‪ ،‬تتبنمى فمى الغالب لغمة راديكاليمة إل أن ارتكازهما على مقومات ثابتمه تمكمن ممن التأثيمر الفعلى ل‬
‫يزال أممر موضمع سمؤال‪ .‬وأعتقمد أن هذه مشكلة بنيويمة تخمص البيئة السمياسية والثقافيمة المحيطمة وكذلك المجموعات‬
‫المكونة لهذا الحراك‪.‬‬

‫فعلى مسمتوى الخطابات‪ ،‬وكمما سمبق الشارة فإن القضايما القوميمة الكمبرى قمد تحولت ممن الخطاب القوممى إلى خطاب‬
‫السملم السمياسى والذى كانمت له السميادة منمذ الثمانينيات‪ ،‬إل أن السمنوات العشمر الماضيمة شهدت حيزا جديدا للقضايما‬
‫القطريممة المحليممة‪ ،‬وفممى مقدمتهمما قضايمما التغييممر والتحول الديمقراطممى‪ .‬وعلى المسممتوى المحلى نلحممظ أن الخطابات‬
‫السمياسية حول التغييمر والصملح اتخذت مجموعمة ممن السممات تتلقمى وتتفاعمل ممع بعضهما البعمض فهمى فمى الغالب‬
‫تنطلق من فكرة الزمة‪ ،‬فقلما نجد كتابات عن الديمقراطية إل وكانت الزمة حاضرة فيها سواء كانت أزمة الدولة أو‬
‫أزمة الحزاب أو أزمة المجتمع‪ .‬وهى فى جزء كبير منها خطابات تتعايش مع الزمة وتعيش فيها ومنها‪ .‬وهى أيضا‬
‫خطابات تعبوية وتبشيرية‪ .‬وهى كذلك خطابات مربوطة بسؤال الشرعية‪ .‬فالديمقراطية فى سياقاتنا الثقافية عاجزة أن‬
‫تشرعن ذاتها‪ ،‬وعليها دائما أن تتنازل عن أجزاء منها أو تنتمى لشئ ما سياسى أو دينى حتى تحظى بالشرعية‪ .‬وعليه‬
‫فإن القوى المحركة للمطالب ل تتبنى مفهوما واحدا للديمقراطية وتتفق بصورة عامة على التغيير ولكن تبعا لما يراه‬
‫كل فريق‪ .‬ومع ذلك فخلل السنوات الماضية‪ ،‬ومع الحراك السياسى الذى شهده المجتمع المصرى تم إدخال عبارات‬
‫تحررت ولو لفترة من فكرة الزمة وإن أبقت على الطابع التعبوى التبشيرى مثل "كفاية" و"من أجل التغيير" و"ضد‬
‫الحراسممة" إلى غيممر ذلك مممن عبارات عكسممت أطرا تنظيميممة غيممر تقليديممة‪ .‬وقممد بدا الخطاب السممياسى حول التغييممر‬
‫راديكاليما ويفوق واقعمه المؤسمسى‪ .‬ورغمم هذا الحراك فلم تتحرر الديمقراطيمة بعمد ممن رباط الشرعيمة فخلل هذه الفترة‬
‫اندلع الجدل المعروف بشأن الداخمممل والخارج وخاصمممة ممممع تبنمممى إدارة بوش خطابممما ومبادرات ممممن أجمممل إدخال‬
‫الديمقراطية فى المنطقة‪ ،‬فتم استنزاف جزء كبير من الطاقات فى الجدل حول ما إذا كانت الديمقراطية نتيجة ضغوط‬
‫دوليمة أم أنهما مطلبما محليما‪ .‬وفمى الحقيقمة‪ ،‬وبدون إنكار أثمر المتغيرات الدوليمة والتمى فقدت زخمهما نتيجمة ممارسمات‬
‫الدارة المريكيممة‪ ،‬فإن مطالب التغييممر والصمملح اسممتطاعت ولحممد كممبير أن تتجاوز التهامات بالنتماء للخارج‪.‬‬
‫وخلل هذه الفترة وفى ظل ما يسمى صراع الحضارات وحواراتها برزت مطالب ل تستهدف الدولة مباشرة وخاصة‬
‫من قبل المثقفين ومنظمات المجتمع والدولة ذاتها واقترب من الدين حيث أصبح إصلح الخطاب الدينى أحد متطلبات‬
‫الصلح السياسى‪.‬‬

‫وعلى مسمتوى البنيمة المؤسمساتية‪ ،‬فقمد جاء الحراك فمى الغالب ممن خارج المؤسمسات السمياسية التقليديمة أى الحزاب‬
‫السمياسة‪ ،‬فقمد كان حاملو المطالب الديمقراطيمة همم جماعات سمياسية تقليديمة وجديدة سمعت إلى تحريمك المجتممع وجذبمه‬
‫نحمو الفعمل الحتجاجمى‪ ،‬كمما ان فئات مهنيمة صمعدت ممن مطالبهما المهنيمة وربطتهما بعبارات التغييمر وضمنتهما مطالب‬
‫ديمقراطيمة ومنهمم اسماتذة الجامعات وطلبهما والقضاة والمهندسمين‪ .‬وممن ناحيمة اخرى هناك منظمات المجتممع المدنمى‬
‫وخاصممة منظمات حقوق النسممان والتممى بدأت فممى تبنممى مطالب ديمقراطيممة مبكرا وربطهمما بحقوق النسممان‪ .‬وهذه‬
‫المنظمات ذاتهمما التممى نشطممت فممى مجالت ذات صمملة مباشرة بالمجال السممياسى مثممل مراقبممة النتخابات والدفاع عممن‬
‫‪3‬‬
‫المعتقليمن السمياسيين وحريمة الرأى والتعمبير وحريمة تأسميس الحزاب وغيمر ذلك ممن الحقوق السمياسية‪ .‬كمما شهدت‬
‫السمنوات القليلة الماضيمة تطورا ملحوظما فمى اسمتخدام النترنمت ممن أجمل التعبئة السمياسية سواء ممن خلل المدونات أو‬
‫الفيممس بوك وهممو تطور جديممد لجيال جديدة ليسممت جزء مممن بنيممة المؤسممسات السممياسية القائمممة‪ .‬وأخيرا فقممد شهدت‬
‫السمنوات الماضيمة كذلك دورا متزايدا للصمحف المسمتقلة والقنوات الفضائيمة والتمى كسمرت احتكار الصمحف ووسمائل‬
‫العلم الرسممية وباتمت منمبرا للنقمد السمياسى والمطالب الديمقراطيمة واللديمقراطيمة كذلك‪ .‬وممع ذلك يمكمن القول بأن‬
‫الخطابات المطالبممة بالتغييممر والصمملح ظلت أقوى مممن البنيممة المؤسممساتية للجماعات المنتجممة لهمما‪ ،‬فقوة الخطاب ل‬
‫ترتكز على بنية مؤسساتية قادرة على دعم الخطاب وتأسيسه فى المجتمع‪ .‬ويبقى أن القوة السياسية الكثر تنظيما فى‬
‫هذا السمياق والتمى لشمك أنهما لعبمت دورا فمى تحريمك كثيمر ممن الفعاليات السمابقة همى جماعمة الخوان المسملمين والتمى‬
‫مازالت تمتلك من الموارد والقدرة التنظيمية مما يجعلها القوة الرئيسية من بين جماعات المعارضة‪.‬‬

‫أمما على مسمتوى التوجهات الفكريمة واليديولوجيمة‪ ،‬فقمد اتسممت عمليمة المطالبمة بالديمقراطيمة بالرؤيمة قصميرة المدي‬
‫والتى ترى أن تغييرا فى رأس السلطة هو ركيزة التغيير والصلح ومن ثم افتراضا التحول الديمقراطى‪ .‬ولعل هذه‬
‫الفكرة تنطلق ممن رؤيمة مركزيمة وهمى أن إصملح النظام السمياسى يبدأ ممن التأثيمر فمى نقطمة مركزيمة فمى النظام‪ ،‬وهمو‬
‫التغيير الذى قد يشع حال حدوثه إصلحا على سائر مكونات النظام‪ .‬وهذا ما تعبر عنه أفضل تعبير استراتيجية العمل‬
‫المتمحورة حول قضيممة "التوريممث"‪ ،‬أو الرهان على عصمميان مدنمممى عام‪ .‬وهنمما يمكممن القول أن المكون الرئيسممى‬
‫لخطابات التغييممر والصملح فممى مصممر خلل السمنوات الماضيمة‪ ،‬أى تلك المتعلقمة بمناهضمة التوريمث‪ ،‬يوحمى بأن‬
‫التوريمث يشكمل العائق الرئيسمى أمام التحول الديمقراطمى‪ ،‬فهمو الغبار الذى يعكمر صمفو الديمقراطيمة المحتملة‪ .‬وهكذا‬
‫تبدو الديمقراطية وكأنها موجودة ومعدة سلفا وجاهزة‪ ،‬كل ما هنالك أن ننفض عنها غبار الستبداد الكثيف‪ .‬أتصور أن‬
‫هذه الفكرة السائدة لدى كثير من السياسيين والمثقفين‪ ،‬فى حاجة إلى مناقشة ليس من أجل التصالح مع فكرة التوريث‪،‬‬
‫ولكممن مممن منظور اتسمماق عمليات المطالبممة بالديمقراطيممة مممع مقتضيات عمليممة التحول الديمقراطممى أو الدمقرطممة‬
‫‪ Democratization‬بمعنمى بناء الديمقراطيمة سمياسا وثقافيما ومؤسمساتيا‪ .‬وممن هذا المنطلق وعلى صمعيد التوجهات‪،‬‬
‫فممن المشروع التسماؤل حول مما إذا كان مصمطلح التغييمر يسمتوعب مفهوم الديمقراطيمة أم أن كمل منهمما يحممل دللت‬
‫متباينة‪ .‬واتصور أن الولوية فى الخطاب السياسى الحركى عكست المعنى السياسى المباشر لفكرة التغيير أى التغيير‬
‫على مستوى مؤسسة الرئاسة‪ ،‬وأن هذا التغيير هو الذى يشكل مفهوم الديمقراطية ويعطيه معناه‪ .‬ولذا فقد ظل كثير من‬
‫المطالبيممن بالتغييممر على خلف جزئى أو كلى مممع قضايمما أخرى مممن المفترض أن تكون جزء ل يتجزأ مممن المعنممى‬
‫المعيارى للديمقراطية وهى قضايا المواطنة وحقوق النسان والمساواة الكاملة بين االرجال والنساء بل والقيم العلمانية‬
‫والمدنية‪ .‬وهذا ما سنتطرق إليه من خلل العنوان التالى‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬البعد الثقافى لعمليات المطالبة بالديمقراطية‬


‫ثممممة مشكلة أخرى ترتبمممط بعمليات المطالبمممة بالتغييمممر والصممملح وهمممى مشكلة الثقافمممة أو البعاد الثقافيمممة للتحول‬
‫الديمقراطمى‪ .‬فغالبما مما يجرى تجاهمل هذه البعاد ذلك لن مصمطلح التغييمر المتداول همو مصمطلح سمياسى بالسماس‪.‬‬
‫صحيح أن ثمة منازعات ثقافية بين القوى المختلفة حول قضايا مرجعية‪ ،‬إل أن الفعل السياسى قد يتغاضى عن مشكل‬
‫الثقافة طلبا للتوافق السياسى أو لن أولويات التغيير تحتم إرجاء مسالة تغيير القيم الثقافية لحين النتهاء من المعركة‬
‫السمياسية‪ .‬ومجددا فإن القوى السملمية همى الوحيدة التمى توظمف العاممل الثقافمى بفاعليمة‪ .‬صمحيح أن الفترة الماضيمة‬
‫كانمت قمد شهدت تشكمل جماعات اهتممت بقضايما نوعيمة مثمل إصملح الخطاب الدينمى ومصمريون ضمد التمييمز ومطالب‬
‫مجموعات نسائية ولكن وبشكل عام فإن الصلح الثقافى لزال مهمل‪ .‬وأهمية المسألة الثقافية ل تتعلق فقط بما يجب‬
‫فعله فممى المسممتقبل بممل إن لهمما آثارا آنيممة لنهمما تمممس مشروعيممة فكرة الديمقراطيممة ذاتهمما‪ .‬وليممس جديدا أن نقول أن‬
‫الديمقراطيمة ل تتعايمش ممع ثقافمة مغرممة بالهويمة والهويات على حسماب الحسماس بفكرة المواطنمة والتمى همى أسماس‬
‫البناء الديمقراطى بمعناه الحديث‪ .‬وبهذا المعنى تبدو فكرة الديمقراطية غريبة ومغتربة عن الواقع الثقافى والجتماعى‪.‬‬

‫ومن منظور التحول الديمقراطى‪ ،‬فإن الشرعية الثقافية لتقل خطورة عن الشرعية السياسية‪ ،‬إن لم تكن أكثر‪ .‬فمن‬
‫ناحية أولى فإن السلطة السياسية هى المحتكر الوحيد والوحد لمسألة الشرعية السياسية ول تسمح لية جهة أخرى‬
‫بأن تنازعها هذا الحتكار‪ .‬وبالتالى فإن علقة هذا النمط من الشرعية بالسلطة السياسية يتسم بقدر من الشفافية كما أن‬
‫كل من خارج السلطة يستشعر ذلك‪ ،‬سواء على مستوى الحزاب‪ ،‬المجتمع المدنى‪ ،‬العلم الخ‪ .‬أما حماية الشرعية‬
‫الثقافية فهى ل تتسم بالشفافية لنها باتت استراتيجية أوسع من نطاق الحكومة تمارسها المؤسسات الدينية والمثقفين‬
‫‪4‬‬
‫أنفسهم‪ ،‬وأطراف سياسية واجتماعية‪ .‬ونتيجة لذلك فإن حيز اللشرعية الثقافية يتحدد ليس فقط من قبل السلطة‬
‫السياسية بل من قبل المجتمع ذاته‪ .‬وقد نجحت السلطات‪ ،‬من خلل اعلمها ومؤسساتها وفى مقدمتها المؤسسات‬
‫التربوية‪ ،‬فى خلق عقل جمعى مساند للسلطة‪ .‬فالسلطة ذاتها التى نزعت المشروعية السياسية عن المجتمع‪ ،‬تسعى‬
‫لتقديم هذا المجتمع بوصفه "مصدرا" لشرعية ثقافية هى التى صنعتها وتصنعها وتعدلها كيفما تشاء‪ .‬فالمجتمع ليس‬
‫مجرد موضوعا للقهر‪ ،‬بل أداة له كذلك‪ .‬لنأخذ مثال على ذلك مسألة الديمقراطية‪ ،‬ففى حين أن علقة السلطة السياسية‬
‫والمجتمع تفتقر إلى القواعد والمبادئ الديمقراطية‪ ،‬فإن المجتمع‪ ،‬بموجب الثوابت والصالة‪ ،‬بات أداة لنزع‬
‫المشروعية الثقافية عن دعاة الديمقراطية‪ .‬وهكذا تكتمل السلطة ويصبح رفض الديمقراطية عمل ديمقراطيا لنه يعبر‬
‫عن إرادة شعب بل إرادة‪ ،‬ورفض حقوق النسان علمة على احترام حق شعب‪ ،‬ل يتمتع أفراده بالحقوق‪ ،‬فى الحفاظ‬
‫على أصالته‪.‬‬

‫والخطير فى مسألة الشرعية الثقافية أنها تشكل نوع من الرقابة الذاتية على المبدعين والمثقفين والنشطاء‪ ،‬فمن يريد‬
‫أن يحظى بالشرعية ل يجب أن يستخدم كلمة ديمقراطية لن الشعب يرفضها‪ ،‬ول يجهر بالمساواة بين الرجال‬
‫والنساء لن هذا ضد قيمنا‪ ،‬ول يفصح عن إيمانه بحقوق النسان لن الكلمة سيئة السمعة فى بلدنا‪ .‬وهكذا تصبح‬
‫مسألة الشرعية هى المطلب وليس الديمقراطية أو المساواة أو حقوق النسان‪ .‬ولكن مع السف فإن مطلب الشرعية‬
‫يظل مستحيل لسبب بسيط وهو أن معايير الشرعية تحددها السلطات‪ ،‬أما المجتمع لم يكن يوما مصدرا للشرعية بل‬
‫مجرد أداة لنزعها‪.‬‬

‫وفمى الحقيقة أنه ل يمكمن الحديث عن بناء الديمقراطية فمى السمياق المصمرى والعربى بشكمل أعم بدون إعادة العتبار‬
‫للعواممل الثقافيمة‪ .‬وهنما تأتمى القضايما وثيقمة الصملة بالديمقراطيمة وفمى مقدمتهما حقوق النسمان وحقوق النسماء على وجمه‬
‫الخصمموص‪ .‬إن إعادة تعريممف الصمملح مممن منظور هذه الحقوق يكشممف لنمما عممن الحدود الثقافيممة للعمليات المطالبممة‬
‫بالتغييمر والتمى ل تزال بعيدة عمن جوهمر فكرة الديمقراطيمة كرهما أو طوعما‪ .‬وفيمما عدا بعمض النشطمة التمى تقوم بهما‬
‫جماعات حقوقيمة ونسمائية وثقافيمة‪ ،‬فغالبما مما تكون السماحة السمياسية فقيرة ممن حيمث النشطمة التمى تسمتهدف تغييمر‬
‫منظومة القيم الجتماعية‪ .‬ويزداد المر خطورة عندما نجد أن الكثير من القوى السياسية يشاركون السلطة الرأى فى‬
‫أن حقوق النسمان همى مسمالة غربيمة‪ ،‬وبالتالى فإنهما مرفوضمة لصمالح قيمم محليمة معاديمة لبسمط قواعمد الديمقراطيمة‪،‬‬
‫وللسمف فإن هذا الموقمف يتبناه كثيمر ممن الجماعات المطالبمة بالتغييمر‪ .‬ولذا نؤكمد مجددا أن فكرة التغييمر فمى إطار عدم‬
‫اهتمامها بالبعاد الثقافية تجعل من التغيير مجرد فعل إدانة‪ ،‬وأن المسألة برمتها نسبية وتخضع لتأويلت متعددة‪.‬‬

‫وهنما يمكمن القول بأن العمليات المطالبمة بالتغييمر تتعاممل ممع فكرة الديمقراطيمة بشكمل وظيفمى بمل وانتهازى فمى بعمض‬
‫الحيان‪ ،‬فالديمقراطية هى أداة وتقتصر على إعمال عدد محدود من الحقوق ذات طبيعة سياسية وظيفية‪ ،‬أى تلك التى‬
‫تضممن للقوى المطالبمة بالتغييمر أن توجمد وتتواجمد فمى المجال السمياسى‪ ،‬ومنهما حقوق مثمل الحمق فمى تشكيمل الحزاب‬
‫والنتخاب وبعمض جوانمب حريمة الرأى والتعمبير السمياسى‪ ،‬أمما مما عدا ذلك فقمد يقمع فمى خانمة المحظورات‪ ،‬أو خانمة‬
‫التفاق الضمنمى بيمن السملطة والمعارضمة وممن ذلك قضايما حريمة الفكمر والعتقاد والبداع وجوانمب كثيرة ممن حقوق‬
‫المرأة والطفمل‪ .‬ويصمل الممر إلى حمد أن تكون الدولة ذاتهما أكثمر تقدمما ممن قوى معارضمة فيمما يتعلق ببعمض الحقوق‬
‫والتى يجرى مقاومتها سياسيا بل ثقافيا‪ .‬وبهذا المعنى فإن المطالبة بالديمقراطية ل تنطوى فقط على مجازفات سياسية‬
‫بمل ثقافيمة أيضا‪ .‬وفى هذا السمياق فإن توسيع مفهوم الديمقراطيمة لكى يشمل حقوق النسمان قد يدخل المطالبيمن بهما فمى‬
‫مأزق الشرعيممة وهممى مجازفممة قممد لتفيممد مممن يريدون تعبئة المجتمممع وليممس تغييره‪ .‬وهنمما تحديدا يممبرز مأزق بناء‬
‫الديمقراطية‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬استراتيجية التغيير واستراتيجية التغيير الديمقراطى‬


‫إن بناء الديمقراطية يعنى ببساطة تبنى استراتيجيات للبناء وهو ما قد تمهد له استراتيجيات إدانة السلطة ولكنها ل تلبى‬
‫الشروط الضروريمة لعمليمة البناء‪ .‬ول نبالغ عندمما نقول أن غالبيمة القوى المطالبمة بالتغييمر والصملح لم تنجمح حتمى‬
‫الن فمى تقديمم نماذج لفضاءات ديمقراطيمة بديلة‪ ،‬أى أن تكون سماحات للممارسمة الديمقراطيمة على المسمتوى الجزئى‬
‫من أجل شرعنة مطالبها على المستوى الكلى‪ .‬فالحزاب السياسية أو حتى منظمات المجتمع المدنى شأنها شأن القوى‬
‫الدينيمة مازال الكثيمر منهما يفتقمر إلى مقومات الديمقراطيمة ول يغيمر ممن الوضمع شيئا أن تتبنمى هذه القوى لغمة راديكاليمة‬
‫إزاء اسممتبداد الدولة‪ .‬وكممما أشار كثيرون فإن هذه المؤسممسات والمنظمات هممى انعكاس لواقعهمما وكممل ممما تقوم بممه هممو‬
‫‪5‬‬
‫محاولة تجاوز الواقع على مستوى الخطاب ليس إل‪ .‬وعليه فثمة عدم يقين يتعلق بقدرة القوى الفاعلة على الساحة فى‬
‫تغيير علقات القوى داخل بنية السلطة فى مصر بما يسمح بإضافة الطابع الديمقراطى على هذه البنية‪ .‬وبنية السلطة‬
‫المعنية هنا تعنى منظومة علقات القوى المؤسسة للسلطة وهو أمر ل يقتصر على السياسة فقط بل يتعدى ذلك ليشمل‬
‫الثقافة كذلك‪.‬‬
‫وأتصور أن استراتيجية بديلة لبناء الديمقراطية قد ل تتعارض بالضرورة مع استراتيجية الدانة ولكنها تتواصل معها‪.‬‬
‫وهنما يمكمن طرح فكرة ربمط التغييمر على مسمتوى النسمق الكلى ببناء ديمقراطيمة على مسمتوى النسماق الفرعيمة‪ .‬إن‬
‫الحزاب السممياسية ومنظمات المجتمممع المدنممى والنقابات والحركات السممياسية كممل هذه وغيرهمما تشكممل انسمماقا فرعيممة‬
‫تعانممى مممن أزمممة هيكليممة فممى قدرتهمما على أن تصممبح أنسمماقا ديمقراطيممة‪ .‬وبالتالى فإن أى تحول إيجابممى على مسممتوى‬
‫النسماق الفرعيمة يشكمل قيممة مضافمة لعمليمة تغييمر النسمق الكلى ديمقراطيما‪ .‬ويمكمن أن نلحمظ أن الحراك الذى شهدتمه‬
‫السمنوات الخيرة قمد تضممن كذلك حركيمة مما داخمل أنسماق فرعيمة وخاصمة المهنيمة‪ ،‬ولحظنما ذلك فمى حركمة القضاة‬
‫وأسماتذة الجامعات وغيرهمم‪ ،‬ولكمن لم يجمر التركيمز على إحداث تغييرات هيكليمة داخمل هذه النسماق وتمم التركيمز على‬
‫استراتيجيات الدانة‪ ،‬ومن ثم فإن التراجعات التى حدثت لم تكن فقط بسبب قمع الدولة ولكن جاءت بالساس من داخل‬
‫النساق الفرعية ذاتها‪.‬‬
‫إن تعديل النساق الفرعية أمر قد يكون حاسما فى أية مسارات تتعلق بالتتغيير والصلح‪ ،‬خاصة واننا أمام مجموعة‬
‫من النساق غير المتجانسة من زاوية رؤيتها لمعنى الديمقراطية‪ ،‬فقد يكون هناك اتفاق على قضايا معينة وتحديدا تلك‬
‫المتعلقة بالحقوق السياسية‪ ،‬ولكن هناك اختلفات تتعلق بالعتراف بحقوق أخرى وهذا ما لحظناه مثل موقف القضاة‬
‫ممن تعيين النسماء كقاضيات‪ .‬والسمؤال الذى يطرح نفسه هو إلى أى حمد يمكن لنساق فرعية غير ديمقراطيمة أن تكون‬
‫فعالة فى تغيير النسق الكلى؟‬

‫إن التفاصيل الخاصة ببناء مجتمع ديمقراطى على درجة كبيرة من الهمية‪ ،‬ولكن مع السف فإن التركيز على تغيير‬
‫بؤرة مركزيمة داخمل نظام السملطة يجعلنما نتجاهمل التفاصميل أو نلغمى أهميتهما‪ .‬وممن المؤكمد أن حالة التردى والهتراء‬
‫المؤسسى التى حدثت فى مصر على مدار عقود طويلة ل يمكن معالجتها فقط من خلل تغيير مركزى‪ ،‬فالعمل يجب‬
‫أن يكون على مسممتويات عدة‪ ،‬وأولهمما على مسممتوى الذات‪ .‬وقممد أبالغ وأقول أن مقتضيات التحول الديمقراطممى الن‬
‫تتطلب من القوى المطالبة بالتغيير أن تعمل بصورة مزدوجة أى على مستوى تغيير ذاتها ديمقراطيا والعمل من أجل‬
‫الصلح الديمقراطى على المستوى الكلى‪.‬‬
‫ختام‬
‫وفى النهاية يمكن القول أن الحراك السياسى الذى شهده المجتمع المصرى خلل السنوات الماضية هو أمر إيجابى فى‬
‫حد ذاته‪ ،‬ولكنه حراكا من أجل تغيير مركزى قد يحدث أو ليحدث فى المستقبل المنظور‪ .‬كما أن المطالبة بالتغيير كما‬
‫همى قائممة الن قمد ل تمتلك الشروط اللزممة لحداث تحول ديمقراطمى‪ .‬وممن ثمم فإن هناك ضرورة لعادة النظمر فمى‬
‫اسمتراتيجيات المطالبمة بالديمقراطيمة لتتجمه ناحيمة البناء وتعديمل علقات القوى فمى المجتممع ليمس فقمط على المسمتوى‬
‫السمياسى ولكمن على المسمتويات الجتماعيمة والثقافيمة والتمى تشكمل عناصمر حاسممة ليمة تحولت ديمقراطيمة محتملة‪.‬‬
‫ومن هنا تبرز فكرة النساق الفرعية كحيز أساسى وأولى لبناء الديمقراطية‪ .‬وربما يكون هذا هو التحدى الكبر الذى‬
‫يواجه القوى المطالبة بالديمقراطية أى تحولها هى إلى قوى ديمقراطية‪.‬‬
‫وهنما أود أن أنهمى هذه الورقمة ببعمض التسماؤلت التمى تمم طرحهما وتقديمم اجابات عاممة عمن بعضهما‪ .‬فممن ناحيمة أولى‬
‫هناك السمؤال حول مدى اتسماق عمليات المطالبمة بالتغييمر ممع مقتضيات التحول الديمقراطمى؟ وماهمى دللت التغييمر‬
‫كمما تسمتخدمها مختلف القوى؟ وهمل نحمن بصمدد مفهوم محدد للتحول الديمقراطمى أم اننما نتحدث عمن مفاهيمم متعددة‬
‫للديمقراطية تلبى احتياجات كل اتجاه؟‬
‫وممن ناحيمة ثانيمة‪ ،‬يمكمن التسماؤل عمن موقمع حقوق النسمان فمى عمليات التغييمر المنشودة؟ همل سميقتصر التغييمر على‬
‫التوظيممف الداتممى للحقوق السممياسية؟ أم أن هناك احتمالت لن تكون حقوق النسممان والمواطنممة مكون رئيسممى مممن‬
‫مكونات التحول الديمقراطى؟‬
‫ويرتبط بما سبق‪ ،‬من ناحية ثالثة‪ ،‬أثر العامل الثقافى على مسارات المطالبة بالتحول الديمقراطى؟ وهنا يأتى السؤال‬
‫عمن كيفيمة التعاممل ممع المجال الثقافمى؟ همل سميتم توظيفمه ممن أجمل مقاوممة مبادئ الديمقراطيمة وحقوق النسمان وباسمم‬
‫الديمقراطيمة؟ أم سميكون على عدد ممن القوى العممل على إرسماء مبادئ حقوق النسمان والديمقراطيمة فمى الوعمى العام‬
‫وبالتالى السهام فى بناء كتلة اجتماعية داعمة لبناء الديمقراطية؟‬

‫‪6‬‬
‫وأخيرا‪ ،‬همل لفكرة التغييمر على مسمتوى النسماق الفرعيمة مشروعيمة عمليمة؟ أم أن الرؤيمة المركزيمة للتغييمر همى التمى‬
‫ستسود؟ وكيف نجعل من التغيير على مستوى النساق الفرعية سبيل إلى مقرطة المطالبين بالديمقراطية والذين توجه‬
‫إليهم اتهامات مشروعة بانهم قوى غير ديمقراطية تطالب بالديمقراطية؟‬

‫اعداد ‪ :‬د‪.‬يسري مصطفي‬


‫‪30/03/2009‬‬

‫‪7‬‬