‫تاريــــخ الخـــوان المسلمين في مصـر‬

‫(نمو مبكر)‬
‫في عام ‪ ،1928‬قام ستة من العمال المصريين العاملين في معسكرات‬
‫النجليز في السماعيلية في منطقة قنال السويس بزيارة لحسن البنا‪ ،‬وهو مدرس‬
‫شاب‪ ،‬كانوا قد استمعوا لمواعظه في المساجد والمقاهي‪ ،‬التي تتركز في الحاجة‬
‫لتجديد السلم‪ .‬وقالوا إن العرب والمسلمين ليس لهم حيثية ول كرامة‪ .‬فهم ليسوا‬
‫أكثر من مجرد مأجورين أو مرتزقة يتبعون الجانب‪ ،‬ونحن لسنا لدينا القدرة على‬
‫إقناع الشارع بما ينبغي عمله مثلما تستطيع أنت‪ ،‬وطلبوا منه بناء على ذلك أن‬
‫يتقابل مع المسئولين منهم‪ ،‬فوافق وتأسست آنذاك جماعة الخوان المسلمين‪.‬‬
‫بدأ البنا وأتباعه بفتح مدارس ليلية‪ ،‬وكان المجتمع في ذاك الوقت مركًزا على‬
‫التعليم السلمي مع التأكيد على تعليم الطلب كيف يسخرون سلوكياتهم من‬
‫التكافل واليثار في حياتهم اليومية‪ ،‬وليس في القضايا النظرية‪ ...‬وكان المفتش‬
‫العام للتعليم متأثًرا جدًا بذلك‪ ،‬وخاصة بالحاديث البليغة لعضاء طبقة العاملين من‬
‫الخوان المسلمين‪ ،‬وكان نائب البنا يعمل نجاًرا‪ ،‬وأصبح وضع الفراد من الطبقة‬
‫الدنيا في مراكز قيادية إحدى سمات الخوان‪.‬‬
‫كان أول مشروع اجتماعي كبير هو إنشاء المسجد الذي اكتمل عام ‪،1931‬‬
‫ومن أجله نجحت الجماعة في جمع قدر كبير من المال‪ ،‬مع الحرص على الحتفاظ‬
‫باستقللها عن المانحين المحتمل تطلعهم لجني فائدة من وراء تبرعهم‪.‬‬
‫في نفس العام بدأت الجماعة تحظى بانتباه الصحافة وأنشأت فروعًا لها في‬
‫القاهرة‪.‬‬
‫في عام ‪ ،1932‬انتقل البنا إلى القاهرة بناء على طلبه‪ ،‬وانتقل مركز إدارة‬
‫الجماعة إلى القاهرة معه‪ ،‬وبالضافة إلى معالجة إدارة المجتمع‪ ،‬كان البنا يلقي‬
‫محاضرات مسائية في القرآن الكريم للفقراء في الحياء المحبطة بالمراكز‪ ،‬وكان‬
‫رواد هذه الدروس من غير الراغبين في التعليم‪.‬‬

‫عبر العقد التالي‪ ،‬نمت الجماعة بسرعة‪ ،‬من ثلث فروع عام ‪1931‬‬
‫‪ 300‬فرع في مصر عام ‪ ،1938‬وذلك يرجع إلى الفكر غير المتطرف الذي كان له‬
‫أصبح لها‬

‫جدُد‪،‬‬
‫قبول لدى الجماهير‪ .‬ونظًرا لتمتع الجماعة بسياسات تؤثر في جذب أعضاء ُ‬
‫أصبحت أكبر مجموعة معارضة سياسية ينتمي إليها أعضاء من شتى الفئات‪.‬‬

‫إبداعات فكرية‬
‫َ‬
‫حا عاديًا‪ ،‬وفي أوائل الثلثينات‪،‬‬
‫شك ّلت جماعة الخوان مجتمعًا إسلميًا صال ً‬
‫تضمنت أنشطتها الخيرية العمل الجتماعي على نطاق صغير بين الفقراء‪ ،‬من بناء‬
‫وإصلح المساجد‪ ،‬وإنشاء عددًا من مدارس القرآن (كان دور هذه المدارس تعليم‬

‫‪1‬‬

‫الطفال القراءة والكتابة في بلد يشكل ‪ %80‬من سكانه الميين)‪ .‬وكذلك فتح‬
‫الورش والمصانع‪ ،‬وتنظيم جمع وتوزيع الزكاة‪ .‬ومع نمو الجماعة‪ ،‬أنشأت عددًا كبيًرا‬
‫من المؤسسات الخيرية مثل الصيدليات‪ ،‬والمستشفيات‪ ،‬والعيادات لعموم الشعب‪،‬‬
‫جا لتعليم الكبار القراءة والكتابة بتقديم مقررات لذلك في المقاهي‬
‫وبدأت برنام ً‬
‫والندية‪.‬‬
‫على أي حال‪ ،‬كانت رؤية البنا عن نوع جديد من التنظيم قادرة على تجديد‬
‫الوصلت المكسورة بين التقليد والعصرنة‪ ،‬مما مكَّن الخوان من الحصول على‬
‫درجة من الشعبية والنفوذ‪ ،‬لم يتمتع بها أي مجتمع خيري آخر‪ ،‬كما لحظ البنا أنه‬
‫في غمرة ازدهار المجتمع المدني المصري‪ ،‬والبيئة الثقافية المتميزة بالبداعات في‬
‫َ‬
‫الدب والعلوم والتعليم‪ ،‬تخل ّف التعليم الديني‪ :‬حيث أن أفكار الصلحيين الدينيين‬
‫السلميين لم تكن قابلة للدخول لجمهور الشعب‪ ،‬ولم يكن هناك جهد جاد لجعل‬
‫تاريخ السلم وتعاليمه مفهومة للشباب‪ ،‬وكان البنا مصًرا على ملء ذلك الفراغ‬
‫بتدريب مجموعة من الشباب ليكونوا وعاظًا متحمسين مجهزين بطرق التعليم‬
‫الحديثة‪ ،‬وتكون مستقلة عن الحكومة‪ ،‬والمؤسسة الدينية‪ ،‬ومدعومة بالستفادة‬
‫المؤثرة من وسائل العلم الجديد‪.‬‬
‫انعقد المؤتمر العام الثاني للخوان عام ‪ ،1933‬والذي أوصى بإنشاء شركة‬
‫للنشر‪ ،‬وشراء آلة طباعة‪ ،‬استخدمت لطباعة العديد من الصحف خلل العقد‬
‫التالي‪ ،‬وكانت الموال تجمع لشراء أسهم لنشاء شركة مساهمة مسموح لعضاء‬
‫الجماعة فقط بشراء السهم فيها‪.‬‬
‫هذا المدخل الذي صان استقلل الجماعة عن الحكومة وعن الثرياء وبتأكيد أن‬
‫مؤسسات الجماعة مملوكة لعضائها‪ ،‬ومنها كانت تموَّل المشاريع الجديدة‪.‬‬
‫خلل الثلثينات‪ ،‬استطاع البنا أن يصوغ فكر إسلمي بدأت الجماعة في تطبيقه‪،‬‬
‫وكان هذا الفكر غير عادي في كثير من جوانبه‪ ،‬فقد كان يلبي احتياجات الطبقات‬
‫المحرومة‪ ،‬في بلد فيه معظم الحركات السياسية‪ ،‬بما في ذلك الليبرالية‪،‬‬
‫والعصرانية‪ ،‬كانوا نتاج القطاعيين‪ ،‬والصفوة من سكان المدن‪ ،‬وأصبح الخوان‬
‫يمثلون صوت الطبقات الوسطى المتعلمة‪ ،‬والقل من الوسطى (وإلى حد ما صوتًا‬
‫للعمال والفلحين)‪ .‬وكان ذلك مبرًرا لطلب المشاركة السياسية‪.‬‬
‫وعلى مدار العقد‪ ،‬ركزت الجماعة على العدالة الجتماعية‪ ،‬لردم الفجوة بين‬
‫الطبقات (وبذلك يحيون المساواة التي كانت بين المسلمين الوائل) وأصبح ذلك‬
‫واحدًا من أهدافها الرئيسية‪ ،‬وكان البنا يتحدث بانتقاد كبير للطبقات العليا‪ ،‬والنظام‬
‫الطبقي ككل‪.‬‬
‫السلم يسوي بين جميع الناس‪ ،‬ول يفضل أحد على أحد على أساس الدم أو‬
‫الجنس‪ ،‬أو أجداده أو سللته‪ ،‬فقير أو غني‪ ،‬وطبقًا للسلم‪ ،‬فالناس متساوون في‬
‫الحتياجات‪ ،‬والهبات الطبيعية‪ ،‬والمتعلم فوق الجاهل وهكذا فنحن نرى أن السلم‬
‫ل يقر النظام الطبقي‪.‬‬
‫مع وجود هذا الفكر في العقدين التاليين‪ ،‬وفي غياب حزب اشتراكي قوي‪ ،‬فقد‬
‫طالب الخوان بتأميم الصناعات‪ ،‬وتدخل الدولة الرئيسي في القتصاد‪ ،‬وتخفيض‬

‫‪1‬‬

‫الحد العلى من أجور كبار الموظفين المدنيين‪ ،‬واستصدار قوانين لحماية العمال‬
‫ضا بدون فوائد‪ ،‬وبرامج رفاهية‬
‫ضد الستقلل‪ ،‬ونظام بنكي إسلمي يوفر قرو ً‬
‫اجتماعية سخية‪ ،‬تشمل تأمينات ضد البطالة‪ ،‬وإسكان شعبي‪ ،‬وبرامج صحية‬
‫وتعليمية طموحة‪ ،‬تمولها الضرائب العالية على الثرياء‪ ،‬وبحلول عام ‪ ،1948‬كان‬
‫الخوان يؤيدون قانون الصلح الزراعي ليمكنوا صغار المزارعين من تملك الرض‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬كانت أفكار البنا محاولة لحداث تجديد اجتماعي من خلل تفسير جديد‬
‫للقرآن‪ ،‬ومن وجهة نظره‪ ،‬كانت مصر ممزقة بين نظامين للقيم الفاسشتية‪ :‬من‬
‫جهة تراث ديني نظري ممثل ً في الزهر‪ ،‬الذي يراه البنا أنه ينطوي على مفارقة‬
‫تاريخية ول علقة له بالدين‪ ،‬وغير مناسب للزمان ول علقة له بالمشاكل الملحة‬
‫التي يواجهها الشعب العادي‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فيه هجر لكل القيم مع اقتصاد‬
‫مطلق للجميع مما أفقر الجماهير ومكن الستثمارات الجنبية من السيطرة على‬
‫القتصاد‪ ،‬وناقش البنا أن السلم يجب أل يكون محدودًا بالمجال الضيق للحياة‬
‫الخاصة‪ ،‬ولكن يجب أن يطبق على مشاكل العالم الحديث‪ ،‬ويُستخدم كمؤسسة‬
‫أخلقية للنهضة الوطنية‪ ،‬إصلح كامل للنظمة السياسية والقتصادية والجتماعية‪.‬‬
‫أصبح الخوان يوصفون أحيانًا وبشكل غير صحيح أنهم يرفضون كل شيء غربي‪،‬‬
‫إل أنه في الواقع لم يتردد البنا في مدح الفكر الغربي وكذلك الفكر السلمي‪ ،‬في‬
‫ما اقتباسات من مؤلفين مثل رينيه‬
‫ممارسة هذا المدخل الحديث للسلم‪ ،‬مستخد ً‬
‫ديكارت‪ ،‬وإسحق نيوتن‪ ،‬وهربرت سبنسر‪ ،‬ليدعم مناقشاته الخاصة‪ ،‬واقترح أن‬
‫يرسل صحفيين من الخوان ليدرسوا الصحافة في الجامعة المريكية بالقاهرة‪،‬‬
‫واقترح ذهاب مجموعة أخرى إلى مدرسة الخدمة الجتماعية‪ ،‬وهي مدرسة غربية‬
‫أخرى برنامجها العلمي والعملي سوف يسهل كثيًرا تدريب الخوان على العمال‬
‫الجتماعية الخيرية‪ .‬وكان يفضل تعليم اللغات الجنبية في المدارس ويقول‪" :‬نحن‬
‫في حاجة للشرب من ينابيع الثقافة الجنبية لنستخلص ما هو ضروري لنهضتنا"‬
‫وكان تشكيله لمفهوم الوطنية الذي كان أساسيًا ليقدم الخوان للشباب‪ ،‬أن‬
‫جمع المفاهيم السياسية الوربية الحديثة مع المفاهيم السلمية‪ ،‬في نفس الوقت‪،‬‬
‫شجب الخوان ما رأوه من تقديس كل شيء غربي‪ ،‬وفقدانهم للحترام لثقافتهم‬
‫الخاصة وتاريخهم الخاص‪.‬‬
‫مفهم البنا عن الوطنية كان إسلميًا بالتأكيد وكان هدفه البعيد أن يرى البشرية‬
‫جمعاء موحدة بالقيدة السلمية‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬لم يكن لدى المجتمع تعريف واضح لنوع‬
‫النظام السياسي الذي كانت ترغبه الجماعة‪.‬‬
‫فكرة إحياء الخلفة السلمية (التي ألغاها كمال أتاتورك عام ‪ )1924‬كانت‬
‫تذكر أحيانًا في منشورات الخوان‪ ،‬ولكن البنا لم يكن يفضلها‪ ،‬وناقشت بعض‬
‫النتقادات أن طموحات الجماعة ارتفعت إلى نوع من الفاشية‪ ،‬ولكن البنا رفض‬
‫بوضوح العسكرية القمعية التي ظهرت في ألمانيا وإيطاليا في الثلثينات‪ ،‬وكذلك‬
‫كل القوميات العلمانية (سواء كانت عربية أم أوربية) وأوان التفرقة العنصرية‬
‫باعتبارها غير ملئمة ول تتفق مع الدين السلمي‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫وكانت النتيجة العملية الرئيسية المترتبة على القومية السلمية للخوان‪ ،‬حملة‬
‫حية ضد الحتلل في مصر والدول السلمية الخرى‪ ،‬وكان ذلك أحد السباب‬
‫الرئيسية لشعبية الجماعة‪.‬‬
‫ما رئيسيًا في مفردات الخوان‪ :‬فهو يشير ليس فقط‬
‫كان مصطلح الجهاد مفهو ً‬
‫ضا‬
‫إلى الصراع المسلح لتحرير الراضي المسلمة من الحتلل الستعماري‪ ،‬ولكن أي ً‬
‫يشير إلى المجهود الداخلي الذي يحتاجه المسلمون لتحرير أنفسهم من عقدة‬
‫الدونية المتأصلة ومن الجبرية والستسلم لظروفهم‪ ،‬وقد شملت الشجاعة في‬
‫المعارضة المعبر عنها في مبدأ "الجهاد الكبر هو كلمة حق عند سلطان جائر"‪.‬‬
‫(رواه أبو سعيد الخدري) وكذلك أي نشاط إنتاجي يباشره المسلمون في مبادرتهم‬
‫لثبات حسن نية المجتمع المسلم‪.‬‬
‫للمحافظة على دعوته للوحدة بين المسلمين‪ ،‬دعا البنا إلى التسامح وإلى‬
‫العمل الصالح بين الشكال المختلفة للسلم‪ ،‬رغم أن الخوان رفضوا فساد بعض‬
‫الوضاع الصوفية وتعظيمهم المبالغ فيه لقياداتهم‪ ،‬إل أنه في كيان الجماعة نوعًا‬
‫من الممارسة الصوفية المعدلة‪ ،‬وبذلك حاولت الجماعة عبور الفجوة بين الحركة‬
‫السلفية والصوفية‪ ،‬وفي الربعينات حاولت الجماعة التقريب بين السلم السني‬
‫والسلم الشيعي‪.‬‬
‫وقد أكدت الجماعة على أعضائها أل يحاولوا فرض رؤيتهم عن السلم على‬
‫ما الود‬
‫الخرين‪ ،‬وقرر قانونهم العام لعام ‪ ،1934‬أن تصرفاتهم يجب أن تعكس دائ ً‬
‫واللطف وأن عليهم تجنب الخلف‪ ،‬والفظاظة في القوال والتلميحات‪ ،‬وكان‬
‫العضاء الذين يهتكون هذه المبادئ يفصلون من الجماعة (مثل الضغط على النساء‬
‫غير المحجبات أن يتحجبن)‪.‬‬
‫لقد قدم انفتاح الخوان على تنوع من العتقاد والممارسة السلمية‪ ،‬قدموا‬
‫جزءًا من جاذبيتهم للشباب‪ ،‬وقد حزن البنا على النهماك الصارم لبعض الجمعيات‬
‫السلفية في نقاط صغيرة من التعاليم الدينية‪ ،‬وشعر أنه يجب الترحيب بالصوفية‬
‫والممارسات التقليدية الخرى‪ ،‬وأنه على الخوان التركيز على القضايا السياسية‬
‫والجتماعية الرئيسية‪ ،‬بدل ً من التركيز على الشكليات‪.‬‬

‫تنظيم سياسي‬
‫بدأ الخوان في أوائل الثلثينات برنامج الجوالة‪ ،‬وفيه كان الشباب يتدربون على‬
‫أسلوب الحياة الرياضي الزاهد‪ ،‬والقيام بالعمال الخيرية‪ ،‬وتبادل الزيارات بين‬
‫فروع الخوان لتوطيد الروابط بينهم‪ ،‬وأصبح برنامج الجوالة الذين جذب زيهم‬
‫وشعاراتهم وأناشيدهم‪ ،‬استحوذ على قدر كبير من النتباه‪ ،‬وأصبحوا من أهم‬
‫جدُد‪ ،‬ورأى فيهم البنا أنه أسلوب جيد يقدم الشباب‬
‫الوسائل في تجنيد أعضاء ُ‬
‫تدريجيًا إلى التدين‪.‬‬
‫في عامي ‪ 1932-1930‬تحمل الخوان مآزق داخلية‪ ،‬فقد تحدى كثير من‬
‫العضاء سيطرة البنا على خزينة الجماعة‪ ،‬وكذلك إصراره على أن يكون له نائبًا‬
‫من طبقة اجتماعية منخفضة حيث كان النائب يعمل نجاًرا‪ ،‬وكان المرشح ليكون‬
‫ما بشكل ساحق في الجمعية العامة للتنظيم‪ ،‬ومستعد لسداد ديون‬
‫نائبًا‪ ،‬مدعو ً‬

‫‪1‬‬

‫الجماعة الكبيرة مما عزز موقفه‪ ،‬ولكن الزمة استمرت حتى هدد بفصل معارضيه‬
‫من الخوان‪ ،‬وعندئذ استقالوا‪.‬‬
‫وبينما كانت بعض شكاواهم منه مبررة‪ ،‬إل أن الزمة عكست مزيدًا من عدم‬
‫الموافقة على مفهومه من رسالة الخوان وشعر النفصاليون أن الجماعة يجب أن‬
‫تكون جمعية خيرية إسلمية تقليدية‪ ،‬يمكن أن يساندها ذوي المراكز‪ ،‬ويجب بناء‬
‫على ذلك فتح حسابات لها‪ ،‬وأن يكون لها قادة من ذوي الشأن اجتماعيًا‪.‬‬
‫على أثر هذه الزمة‪ ،‬بحث البنا في تصفية قواعد القيادة في الجماعة‪ ،‬مؤكدًا‬
‫على أن الصفات الخلقية والتضحيات الشخصية‪ ،‬أكثر أهمية من اللقاب والوضع‬
‫الجتماعي‪ ،‬والمؤهلت الرسمية‪ ،‬وفي صياغة قانون الجمعية العام عام ‪ ،1934‬زاد‬
‫من سلطاته الشخصية على الخوان‪ ،‬مؤكدًا أن السلطة داخل التنظيم يمكن أن‬
‫ضا الدعوات للشورى المتزايدة‪،‬‬
‫تكون على أساس الثقة الكاملة في القيادة‪ ،‬راف ً‬
‫معبًرا عن شك عميق تجاه النتخابات‪ ،‬التي شعر أنها أظهرت فشلتهم خلل أزمات‬
‫‪ ،1932-1930‬كما أسس لجان تسوية للمساعدة في نزع فتيل الزمات عند‬
‫ظهورها‪.‬‬

‫بدأ البنا في وضع مزيد من التأكيد على مسئوليات الجماعة السياسية فيما‬
‫يتعلق بمختلف القضايا مثل الزنا‪ ،‬وشرب الخمر‪ ،‬والقمار‪ ،‬والتعليم الديني غير‬
‫الكافي في المدارس‪ ،‬ونفوذ البعثات المسيحية‪ ،‬والكثر أهمية الصراع ضد‬
‫الستعمار‪.‬‬
‫وفي استجابة لنتقادات من اتهموا الخوان بكونهم جماعة سياسية‪ ،‬أجاب البنا‬
‫بأن النشغال بالسياسة كان جزءًا من السلم‪ ،‬فالسلم لديه سياسة احتضان لهذا‬
‫العالم‪.‬‬
‫كل ذلك‪ ،‬بينما استمرت الجمعيات السلمية الخرى‪ ،‬ليس لها أي اهتمام‬
‫بالسياسة خلل الفورانات التي ميزت العشرينات والثلثينات في مصر‪ .‬واجتذبت‬
‫الجماعة أعدادًا ضخمة من الشباب المثقفين المصريين خاصة الطلب بتشجيعهم‬
‫ودعمهم في التظاهر من أجل القضايا السياسية‪.‬‬
‫تضمن أول هجوم نشط من الخوان في السياسة‪ ،‬ما يتعلق بالصراع العربي في‬
‫فلسطين بين الصهيونية‪ ،‬والقومية العربية‪ ،‬والحكم البريطاني‪ ،‬ومثل جمعيات‬
‫مصرية أخرى‪ ،‬جمعت الجماعة أموال ً لدعم العاملين الفلسطينيين للضراب في‬
‫انتفاضتهم الفلسطينية عام ‪ ،1939-1936‬ونظموا مظاهرات وخطب لصالحهم‪.‬‬
‫ضا إلى مقاطعة محلت اليهود في القاهرة‪ ،‬على أرضية أن‬
‫كما دعت الجماعة أي ً‬
‫اليهود كانوا يمولون الجماعات الصهيونية في فلسطين وظهرت في صحف الخوان‬
‫مقالت عدوانية ضد اليهود (وليس مجرد ضد الصهاينة‪ ،‬إل أنه في مقالت أخرى‬
‫أيدت التمييز بين اليهود والصهاينة)‪.‬‬
‫طوَّر الخوان في منتصف الثلثينات بناء هرميًا رسميًا‪ ،‬على رأسه المرشد العام‬
‫(البنا)‪ ،‬ويساعده مكتب إرشاد ومساعد ونائب‪ ،‬وكانت الفروع المحلية منظمة إلى‬
‫مناطق‪ ،‬وكان لدارتها قدر كبير من الستقلل‪ ،‬وكان للعضوية طبقات عديدة‪،‬‬
‫بمسئوليات متزايدة‪ ،‬فهناك المساعد‪ ،‬والزميل‪ ،‬والعامل‪ ،‬والناشط‪ ،‬وكانت رسوم‬

‫‪1‬‬

‫العضوية تعتمد على إمكانيات كل فرد‪ ،‬وكان العضاء الفقراء معفون من الرسوم‪،‬‬
‫وكانت الترقية في السلم الهرمي تعتمد إلى إنجاز الواجبات السلمية‪ ،‬وعلى‬
‫المعرفة المحصلة من المجموعات الدراسية للجماعة‪ ،‬هذا النظام القائم على‬
‫الجدارة كان فيه مغادرة جذرية للهرمية القائمة على الوضع الجتماعي التي ميزت‬
‫المجتمع المصري في ذاك الوقت‪.‬‬
‫في عام ‪ ،1938‬استنتج البنا أن كبار الموظفين المحليين حققوا مزيدًا من‬
‫النفوذ في الجماعة‪ ،‬وأنه كان هناك أعضاء كثيرين جدًا لديهم ألقاب فارغة‪ ،‬ولديهم‬
‫واجبات عملية قليلة‪ ،‬وكل هذه المشاكل‪ ،‬أدخل تعديلت تنظيمية رئيسية في‬
‫السنوات القليلة التالية‪ ،‬ومنذ ذلك الحين‪ ،‬كانت اللجان التنفيذية للفروع يتم‬
‫اختيارها بواسطة مكتب الرشاد العام بدل ً من انتخابهم‪ ،‬وفي عام ‪،1941‬‬
‫استُبدلت الجمعية العامة المنتخبة بهيئة معينة أصغر تسمى الجمعية الستشارية‪،‬‬
‫وبقي بناء الجماعة غير مركزي ولذلك استمرت الفروع في العمل في حال اعتقال‬
‫أعضاء قياديين‪.‬‬
‫رغم تشكك البنا فيما يتعلق بالنتخابات‪ ،‬والظاهر في دور المنتخبين المنخفض‬
‫في الخوان‪ ،‬طالب بنوع من الديمقراطية عندما وضع وجهة نظره في المبادئ التي‬
‫تحدد السلم السياسي عام ‪.1938‬‬
‫عندما ينظر المرء إلى المبادئ التي ترشد النظام الدستوري للحكومة‪ ،‬يجد أن‬
‫هذه المبادئ تهدف إلى حفظ حرية المواطنين في شتى أشكالها‪ ،‬لجعل الحكام‬
‫مسئولين عن تصرفاتهم أمام الشعب‪ ،‬وأخيًرا‪ ،‬لتحديد أي امتيازات لي شخص‬
‫ما مع تعاليم‬
‫موثوق به‪ .‬ولكي أكون واض ً‬
‫حا فإن هذه المبادئ الرئيسية تتسق تما ً‬
‫السلم فيما يتعلق بنظام الحكم‪ ،‬ولهذا السبب يعتبر الخوان المسلمين أن من بين‬
‫جميع النظمة الموجودة للحكومة‪ ،‬فإن النظام الدستوري هو أفضل صيغة توافق‬
‫السلم والمسلمين‪.‬‬
‫هذا النظام ينبغي أن يتضمن انتخابات‪ ،‬ولكن ليس أحزابًا سياسية‪ ،‬فقد رفض‬
‫البنا سياسة الحزاب‪ ،‬مشيًرا إلى أن الحزاب السياسية المصرية في ذاك الوقت‬
‫كانت مغلقة عن الكل ما عدا الصفوة‪ ،‬وأصبحت أدوات للحكم البريطاني‬
‫الستعماري‪.‬‬

‫الحرب العالمية الثانية‬
‫في أواخر الثلثينات‪ ،‬مع استمرار تأكيد الخوان على التصرفات بدل ً من القوال‪،‬‬
‫دفع بعض العضاء التنظيم لتشكيل جناح عسكري للقيام بالكفاح المسلح ضد‬
‫الحكم النجليزي الستعماري‪ ،‬ورفض البعض طاعة قيادة الخوان المسلمين‪،‬‬
‫والمساهمة في صدامات منعزلة مع البوليس‪ ،‬وشعر المرشد العام للخوان حسن‬
‫البنا‪ ،‬شعر أن التنظيم ليس مستعدًا للتورط في حملت عسكرية‪ ،‬وأن أولئك الذين‬
‫رغبوا في فعل ذلك إنما سلكوا الطريق الخطأ وفقدوا الهدف‪ .‬ووضع خطة بعيدة‬
‫المدى‪ ،‬أكثر حذًرا لتكوين مجموعات من العضاء يسمون الكتيبة تلقوا تدريبًا روحيًا‬
‫ما‪ ،‬وبمجرد أن أصبح هؤلء العضاء كافين‪ ،‬شعر البنا أنه يجب إعداد‬
‫وبدنيًا صار ً‬
‫ً‬
‫الكتيبة للنخراط في شئون الحرب‪ ،‬وذلك ينبغي أل يشمل الرهاب أو تصرفا ثوريًا‬

‫‪1‬‬

‫ما (وفقط كملجأ أخير إذا فشلت جميع الوسائل السلمية)‪،‬‬
‫الذي رفضه البنا تما ً‬
‫أعلن بوضوح الحرب على الحتلل‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬فقد فشل نظام الكتائب في تطوير‬
‫النمط الذي تمناه البنا‪ ،‬وازداد الصراع المسلح ضد النجليز‪ ،‬وفي عام ‪،1939‬‬
‫تطورت الزمة الداخلية في التنظيم إلى أزمة كبيرة‪ ،‬ترك خللها معظم الكوادر‬
‫الكثر نشاطًا تركوا الجماعة ليكونوا منظمة ثورية تسمى شباب محمد‪ .‬وفي العام‬
‫حا عسكريًا يسمى الجهاز السري‪،‬‬
‫التالي‪ ،‬ونتيجة لهذا الصراع‪ ،‬كون التنظيم جنا ً‬
‫الذي استمر غير نشط خلل سنوات الحرب‪.‬‬
‫كان رأي الجماعة أن تمتنع مصر عن المشاركة في الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وفي‬
‫عام ‪ ،1940‬ومن أجل تأكيد تدعيم مصر لجهود الحرب‪ ،‬والتي بدأت بإرسال جنود‬
‫للحلفاء‪ ،‬بدلت بريطانيا الحكومة المصرية بحكومة أخرى يكون تعاونها أكيدًا‪.‬‬
‫وفرض الحكم العسكري‪ ،‬وفي عام ‪ ،1941‬تم اعتقال بعض الشخصيات العامة‬
‫سجن حسن البنا مرتين (وكان يطلق سراحه بعد‬
‫اعتبرتهم بريطانيا هدامين‪ ،‬و ُ‬
‫أسابيع)‪ ،‬وصودرت صحافة الخوان‪ ،‬وحظرت اجتماعات الجماعة‪ ،‬ومنع أي إشارة‬
‫لها في الصحافة‪.‬‬

‫كانت قيادة الخوان حريصة على تجنب المواجهات التي يمكن أن تعطي‬
‫الحكومة ذريعة لقمع الجماعة كليًا‪ ،‬وأثناء سنوات الحرب تغيرت الجماعة لتتجنب‬
‫القضايا الحساسة حماية لكيانها‪ ،‬وركزت الجماعة على الحفاظ على‪/‬وتوسعة قاعدة‬
‫أعضائها‪ ،‬وتوسعة برامجها الجتماعية الخيرية‪ ،‬التي تضمنت المساعدة النسانية‬
‫لضحايا حزب الحلفاء للمدن المصرية‪ ،‬وفي عام ‪ ،1943‬بدلت الجماعة نظام‬
‫الكتائب بشكل من تنظيم داخلي يسمى "السر" وهو نسيج مغلق من خمسة‬
‫أعضاء لكل أسرة يلتقون بشكل منتظم في منازلهم‪ ،‬وفرضوا مسئوليات لخير‬
‫الجميع‪.‬‬
‫ساهم العجز والتفجيرات في خلق وضع سياسي‪ ،‬وبعد مظاهرات ضخمة من‬
‫الطلبة في فبراير ‪ ،1942‬استقالت الحكومة وحاصرت القوات النجليزية قصر‬
‫الملك‪ ،‬وأجبرته على قبول حكومة يرأسها حزب الوفد (مما دمر مصداقية حزب‬
‫الوفد في عيون المصريين) واستمر الوفد مواليًا كلية للنجليز أثناء الحرب‪ ،‬كما‬
‫فعلت ذلك حكومة السعديين التي تبعته في فبراير عام ‪.1945‬‬

‫كان أول تصرف لحكومة الوفد التي نصبها النجليز عام ‪ 1942‬هو حل‬
‫البرلمان‪ ،‬والدعوة إلى النتخابات‪ ،‬وعندما أعلن البنا ترشحه‪ ،‬ضغط عليه النحاس‬
‫باشا لينسحب‪ ،‬ووافق ولكن في المقابل حصل على وعد من رئيس الوزراء بأن‬
‫تستأنف الخوان أنشطتها المعتادة‪ ،‬وأن تأخذ الحكومة موقفًا لمنع الزنا‪ ،‬وبيع‬
‫المشروبات الكحولية‪ ،‬وبعد ذلك بقليل جعلت الحكومة الزنا غير قانوني‪ ،‬وقيدت بيع‬
‫سمح للخوان بمتابعة بعض‬
‫المشروبات الكحولية‪ ،‬خاصة في العطلت الدينية‪ ،‬و ُ‬
‫أنشطتهم‪ ،‬ولكن على مدى السنوات العديدة التالية تراوحت الحكومة بين القمع‬
‫والمصاحبة تجاه الجماعة‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫خلل الربعينات أخذت العضوية في الجماعة تتزايد‪ ،‬وبحلول عام ‪ ،1948‬كان‬
‫للجماعة ألفي (‪ )2000‬فرع‪ ،‬ويعتقد أن أعضاءها قد وصلوا إلى أكثر من مليون‬
‫عضو‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫الوطنية بعد الحرب‬
‫في النتخابات عام ‪ ،1945‬هُزم الخوان حتى في أقوى معاقلهم في‬
‫السماعيلية نتيجة التزوير‪ ،‬وأدى إقصاء الجماعة من السياسة‪ ،‬أدى إلى تقوية أولئك‬
‫العضاء الذين أيدوا مواجهة أكثر أصولية مع الدولة‪ ،‬وجعلتهم غير راغبين بشكل‬
‫متزايد الخضوع لصرار البنا على السلوك الغير عنيف‪.‬‬
‫تواجد قوات الحلفاء خلق العديد من الوظائف‪ ،‬وأدى إلى إنشاء التحادات‬
‫التجارية بعد الحرب‪ ،‬وأدى مغادرة معظم هذه القوات إلى خلق طبقة من غير‬
‫العاملين‪ ،‬وارتفع التضخم واتسعت الفجوة بين الغنياء والفقراء‪ ،‬وتدنت الرواتب‪،‬‬
‫وفي أثناء الحرب‪ ،‬تدفقت الدعاية في مصر من كافة الجوانب‪.‬‬
‫وكان الصراع يتشكل في‪ :‬الدعاية البريطانية والمريكية عن الديمقراطية‬
‫والستقلل الوطني من النازية‪ ،‬والقمع السوفيتي‪ ،‬والدعاية اللمانية حول تحرر‬
‫مصر والعرب من الستعمار الغربي‪ ،‬والدعاية الروسية حول قوة القتصاد‬
‫السوفيتي‪ ،‬والعدالة الجتماعية‪ .‬واحتلل بريطانيا لمصر‪ ،‬والصراع في فلسطين‪،‬‬
‫والحباط المستوطن مع الوضع السياسي والقتصادي‪ ،‬والفكار الشيوعية كل ذلك‬
‫جدُد‪.‬‬
‫وجد أنه من السهل أن يجذب أعضاء ُ‬
‫في سبتمبر من عام ‪ ،1945‬تبنت الجماعة دستوًرا جديدًا‪ .‬اعترف رسميًا‬
‫بالكيانات التي قامت خلل إعادة تنظيم الجماعة عام ‪ ،1938‬كما أنها أخضعت‬
‫سجلتها لشراف وزارة الشئون الجتماعية‪ ،‬كما يطالب بذلك القانون‪ ،‬وتم تصنيف‬
‫الجماعة كمؤسسة اجتماعية سياسية دينية‪ ،‬وكان ذلك يعني أن المساعدة‬
‫الحكومية التي تعطي للجمعيات الخيرية يمكن أن تتاح فقط لبعض أنشطتها‪ ،‬وكانت‬
‫أنشطة الجمعية الخيرية قد انفصلت بمديرها الخاص وهيكلها الهرمي الخاص‪ ،‬من‬
‫أجل توفير حماية أفضل لهم من التداخل السياسي‪.‬‬
‫خلل سنوات ما بعد الحرب نمت جماعة الخوان بسرعة‪ ،‬واستمرت في توسيع‬
‫أنشطتها الخيرية‪ ،‬وذلك بإقامة المستشفيات والعيادات والصيدليات‪ ،‬والمدارس‬
‫التي تقدم مقررات فنية وعلمية للصبية‪ ،‬والبنات والكبار‪ ،‬وإقامة المصانع الصغيرة‬
‫للمساعدة في علج البطالة التي حدثت بعد الحرب‪.‬‬
‫كانت الصفوة الحاكمة في مصر رافضة بشدة للشيوعية‪ ،‬وبذلك تتفق مع‬
‫الخوان كلية‪ ،‬وقامت الحكومة بناء على ذلك بمحاولت لستخدام الخوان كأداة‬
‫ضد خصومها الشيوعيين‪ ،‬ومع ذلك كانت الزمة بين الصفوة والخوان حتمية‪ ،‬لن‬
‫الخوان شأنهم شأن الشيوعيين‪ ،‬فهم ناشطون‪ ،‬وقادرون على توسعة رقعة عدم‬
‫الرضا عن الوضع الجتماعي الموجود‪ ،‬وكانوا تواقين للقيام بتغييرات كبيرة لعلج‬
‫ظلم المجتمع المصري‪.‬‬
‫عبرت منشورات الخوان عن عداء شديد تجاه الحكومة وسياساتها‪ ،‬وكان‬
‫الخوان يشكلون قوة رئيسية كبيرة في الضرابات والمظاهرات الوطنية‪ ،‬وفي‬
‫أكتوبر عام ‪ ،1945‬نظمت الجماعة مسيرات في القاهرة ومدن أخرى من أجل‬
‫الحرية الوطنية‪ ،‬وكان الخوان والوفد الحزبان المعارضان الرئيسيان‪ ،‬وكان الوفد‬

‫‪1‬‬

‫ما في هذه القضية‬
‫خارج السلطة وكان متشوقًا لنصرة قضية الوطنية‪ ،‬وكان مدعو ً‬
‫بالشيوعيين‪ ،‬ووجد الخوان أنفسهم في منافسة مباشرة مع الوفد لقيادة الحركة‬
‫الوطنية ورغم عدم الثقة العميق المتبادل‪ ،‬إل أن المجموعتين اشتركتا في نفس‬
‫المظاهرات الكبيرة‪ ،‬وقد رفض الخوان التعاون مع الشيوعيين‪ ،‬مما أدى إلى انهيار‬
‫الجهة الموحدة‪ ،‬ورفضت الجماعة بشدة هذه التحديات‪ ،‬ونظمت إضرابات بمفردها‬
‫مما أصل علقاتها السيئة مع الحكومة‪ ،‬وأصبح الخوان هدفًا لزعاج البوليس‬
‫وللعتقالت‪ ،‬وتعرض شباب الخوان والوفد للصدامات عام ‪ ،1946‬وكاد البنا أن‬
‫يُقتل بهجوم بقنبلة‪ ،‬وبعد هذه الصدامات عقد ممثلين من الخوان والوفد اجتماعات‬
‫سرية على أمل الوصول إلى تفاهم مما خفَّض بشكل كبير التوترات بين الجانبين‪.‬‬
‫في نفس العام‪ ،‬رجع صدقي باشا من محادثات في لندن بمسودة معاهدة لم‬
‫تقبلها المجموعات الوطنية مطلقًا‪ ،‬وانفجرت مشاغبات الطلب العنيفة‪ ،‬وبدأ أعضاء‬
‫من إخوان الجهاز السري في تنفيذ هجمات على البريطانيين‪ ،‬وعلى مراكز البوليس‬
‫المصري‪ ،‬واستمروا في عمل ذلك عبر السنوات القليلة التالية‪.‬‬
‫واستجابت الحكومة لذلك العنف المتصاعد بمعايير قمعية قاسية‪ ،‬بما في ذلك‬
‫موجة من العتقالت بين صفوف الخوان والمجموعات الوطنية الخرى‪ ،‬واستمرت‬
‫المشاغبات خلل عام ‪ ،1946‬ثم استقالت الحكومة في ديسمبر‪.‬‬
‫في يوليو عام ‪ ،1947‬كونه صاحب رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا‬
‫إلى المم المتحدة ممثل ً عن الخوان‪ ،‬قاطع مصطفى مؤمن مناقشات مجلس‬
‫ضا جميع المناقشات‬
‫المم المتحدة عن مصر لعمل حديث عن بهو المتفرجين راف ً‬
‫مع البريطانيين‪ ،‬وداعيًا إلى انسحاب كامل وفوري للبريطانيين من مصر‪ ،‬ومع ذلك‬
‫لم يفعل مجلس المن شيئًا‪.‬‬
‫في مصر‪ ،‬وبين العرب والمسلمين‪ ،‬استمرت القضية الفلسطينية في استلهام‬
‫تعاطفات قوية‪ ،‬وأعطى حل عام ‪ 1947‬من المم المتحدة بتقسيم فلسطين‪،‬‬
‫أعطى القضية تسارع ًا أكبر‪ ،‬وأرسلت جماعة الخوان متطوعين للحرب في‬
‫فلسطين عام ‪ ،1948‬وأثناء الحرب كان هناك العديد من الهجمات بالقنابل على‬
‫اليهود في القاهرة‪ ،‬وفي قضية الجيش التي سوف تناقش فيما بعد‪ ،‬ظهر أن أعضاء‬
‫من الجهاز السري للجماعة كانوا مسئولين عن بعض تلك العمال‪.‬‬
‫في مارس عام ‪ ،1948‬اغتال أعضاء من الجهاز السري قاضيًا مصريًا هو أحمد‬
‫الخازندار بك‪ ،‬الذي حكم بعقوبة السجن على أخ مسلم لمهاجمة أحد العساكر‬
‫البريطانيين‪ ،‬وأعرب البنا عن اشمئزازه من الغتيال‪.‬‬
‫ما يأمر بإعادة حل الجماعة‪،‬‬
‫في ديسمبر عام ‪ ،1948‬أصدرت الحكومة مرسو ً‬
‫واكتشف البوليس مخابئ للقنابل وأسلحة أخرى مجمعة بواسطة الجهاز السري‪،‬‬
‫ورغم أن الخوان أصروا على أن هذه السلحة كانت للستخدام في الحرب العربية‬
‫َ‬
‫ضا‬
‫السرائيلية‪ ،‬إل أن الحكومة شك ّت بأن الخوان كانوا يخططون لثورة‪ ،‬وكانت أي ً‬
‫حريصة على إزاحة ما يعتبر أحد السباب الرئيسية للقلق السياسي العام‪ ،‬الذي أخذ‬
‫شكل العنف‪ ،‬ويهدد سلطتها بشكل متزايد ضد نهاية الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وكذلك‬

‫‪1‬‬

‫فإن وجود جيش في شكل جهاز سري‪ ،‬اعتبرته الحكومة كدولة موازية محتملة‪،‬‬
‫ربما يراها المصريون حكومة أكثر شرعية من الحكومة الرسمية‪.‬‬
‫وغير التهام بالهجمات العنيفة ضد البوليس والجانب‪ ،‬اتهمت الحكومة النظام‬
‫بتشجيع العمال على القيام بإضراب للمطالبة برفع الجور‪ ،‬وامتلك الراضي‬
‫الزراعية‪ ،‬وتم اعتقال العديد من أعضاء الخوان‪ ،‬وبقي البنا تحت المراقبة التامة‬
‫من البوليس‪ ،‬بعد ذلك بأسابيع‪ ،‬ومع تمزق التسلسل في كوادر الخوان واتصالتها‪،‬‬
‫اغتال أحد أعضاء الخوان رئيس الوزراء النقراشي‪.‬‬
‫أدان البنا الغتيال‪ ،‬وحاول دون نجاح أن يتحاور مع الحكومة الجديدة‪ ،‬في يناير‬
‫‪ ،1949‬أفشل البوليس محاولة من أحد أعضاء الجهاز السري لتفجير قاعة‬
‫حا يتنصل من هذا التصرف مقرًرا أن المقترفون‬
‫محكمة‪ ،‬وكتب البنا خطابًا مفتو ً‬
‫ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين‪ ،‬ودعا أعضاء الخوان للتبرؤ من العنف واليذاء‪ ،‬حاول‬
‫رئيس الوزراء الجديد عبد الهادي‪ ،‬حاول قمع أي معارضة بإرهاب الشعب بتصرفات‬
‫قاسية قمعية‪ ،‬بما في ذلك الستخدام النمطي للتعذيب في السجون‪.‬‬
‫كتب البنا بيانًا رفض فيه الهجوم ضد الخوان وأدان مرة أخرى تصرفات العنف‬
‫المرتكبة على يد أعضاء من الجماعة‪ ،‬بما في ذلك الهجمات على اليهود‪ ،‬وقال إن‬
‫قادة الجماعة يدينوا هذا العنف‪ ،‬وأنهم قد أصبحوا غير قادرين على منعه بسبب‬
‫العتقالت والتر ُّ‬
‫صد الذي جعل ذلك مستحيل ً بالنسبة لهم ليمارسوا سلطتهم‪ ،‬ومع‬
‫ذلك‪ ،‬فقد ناقش أن تلك الحداث كانت في جزء منها نتيجة لسلوك الحكومة‪،‬‬
‫والحرب في فلسطين‪ ،‬وأنكر قيام الجماعة بالتخطيط للقيام بثورة‪ ،‬مؤكدًا أسلحة‬
‫الخوان للستخدام في فلسطين فقط‪ ،‬في مشاركتها المشروعة للجامعة العربية‪،‬‬
‫وفي فبراير عام ‪ ،1949‬تم اغتيال البنا بيد البوليس السياسي‪ ،‬وعلى الرجح‬
‫بأوامر من رئيس الوزراء والقصر‪.‬‬
‫في مايو من عام ‪ ،1949‬بعد موجة من العتقالت قامت مجموعة من الخوان‬
‫بمحاولة غير ناجحة لغتيال رئيس الوزراء عبد الهادي‪ ،‬مما أدى إلى مزيد من‬

‫العتقالت‪ ،‬وبحلول يوليو كان عدد المعتقلين من الخوان قد وصل إلى ‪4000‬‬

‫(أربعة آلف) حيث استمروا في البقاء على منظمتهم‪ ،‬وتبع ذلك عدة محاكمات في‬
‫إحداها أدين قاتل النقراشي الذي حكم عليه بالعدام‪ ،‬وحاولت المقاضاة إظهار أن‬
‫البنا كان مسئول ً عن الغتيال‪ ،‬بينما ناقش الدفاع أنه لم يصبح قادًرا على السيطرة‬
‫على المتطرفين من الجهاز السري‪ ،‬وقد بدا أن المحكمة قد اقتنعت بوجهة نظر‬
‫الدفاع‪.‬‬
‫في المحاولة الخرى‪ ،‬فقط للوصول إلى نتيجة‪ ،‬فهناك قضية الجيب حيث اتهم‬
‫‪ 32‬من الخوة بالتآمر للطاحة بالحكومة بوسائل إرهابية‪ ،‬مستخدمين المخزون‬
‫الحتياطي من السلحة‪ ،‬وتنظيم اغتيالت القاضي الخازندار‪ ،‬ورئيس الوزراء‬
‫النقراشي ومحاولة المحاكمة إظهار أن الثورة كانت الهدف الحقيقي للجماعة‪،‬‬
‫يخفيها المظهر الكاذب لنشطتها الخرى‪.‬‬
‫ما إرهابيًا‪ ،‬وقد خالفوا بذلك‬
‫اعترف بأن أعضاء من الجهاز السري شكلوا تنظي ً‬
‫قادة الخوان وانتهكوا مبادئهم‪ ،‬وناقش أن أنشطة التنظيم وأهدافه كانت سلمية‬

‫‪1‬‬

‫بالدرجة الولى‪ ،‬وأن أسلحته والتدريب العسكري كانا موجهين فقط للدفاع‬
‫المشروع عن العرب والمسلمين ضد الحتلل البريطاني لمصر‪ ،‬وضد الصهيونية‬
‫في فلسطين وحكمت المحكمة لصالح الدفاع‪ ،‬وحصل معظم المدعى عليهم على‬
‫البراءة وحكم على الخرين بأحكام رفيقة‪.‬‬
‫بعد عودة الوفد إلى السلطة‪ ،‬حاول الخوان التحاور مع الحكومة الجديدة‬
‫ليحصلوا على التصريح للجماعة بالعمل مرة أخرى‪ ،‬ولكنهم لم يصلوا إلى اتفاق‪.‬‬
‫وانتهى الحكم العسكري‪ ،‬وألغيت جميع تدابيره‪ .‬عدا تلك المطبقة على الخوان‪،‬‬
‫ومرر البرلمان قانون الجمعيات‪ ،‬وهدف بصفة خاصة إلى الخوان دون ذكر اسمهم‪،‬‬
‫متطلبًا وصفًا وصورة فوتوغرافية لكل عضو يقدم للسلطات‪ ،‬وأعلن وزير الداخلية‬
‫أن الوزارة اعتزمت شراء مراكز الجماعة‪ ،‬واستخدام المباني كنقاط للبوليس‪،‬‬
‫وتمكن الخوان عن طريق القضاء من حل كل هذه القضايا حاصلين على الحق في‬
‫العمل قانونًا‪ ،‬وعودة ملكياتها المصادرة‪.‬‬

‫الثورة وآثارها‬
‫بينما كان الخوان غير مصرح لهم قانونًا‪ ،‬أصبحت المنافسة لخلفة حسن البنا‬
‫شديدة‪ ،‬وأخيًرا في عام ‪ 1951‬في حركة انتهكت دستور الجماعة‪ ،‬اختير شخص‬
‫من خارج الجماعة‪ :‬حسن إسماعيل الهضيبي‪ ،‬قاضي ذو خبرة معروف بكراهيته‬
‫ما أكثر رغم أنه لم يكن عضوًا‬
‫للعنف‪ ،‬استشعر أنه قد يضفي على الجماعة احترا ً‬
‫فيها‪ ،‬إل أن الهضيبي عُرف عنه أنه كان معجبًا بالبنا‪ ،‬واستقال من القضاء ليصبح‬
‫المرشد العام للجماعة‪ ،‬ولكنه سرعان ما تحقق أنه كان مقصودًا به أن يكون مجرد‬
‫رئيس صوري‪ ،‬وأن العضاء القدامى ممتعضين من محاولته لممارسة السلطة‪،‬‬
‫وتحدث صراحة عن الجهاز السري‪ ،‬وحاول حله‪ ،‬إل أنه لم يفلح إل في تحييد‬
‫أعضائه‪ ،‬الذين اعتبروا أنفسهم محاربين في قضية نبيلة‪.‬‬

‫في ‪ 8‬أكتوبر ‪1951‬‬
‫النجليزية لعام ‪ ،1936‬وأثار ذلك مظاهرات ضخمة لدعم استقلل مصر‪ ،‬وبدأت‬
‫ألغى رئيس الوزراء النحاس باشا المعاهدة المصرية –‬

‫أعداد ضخمة من الناشطين الوطنيين بما في ذلك أعضاء من الخوان‪ ،‬وبمساعدة‬
‫الجيش‪ ،‬بدأوا في العداد للصراع المسلح مع البريطانيين في منطقة قنال‬
‫السويس‪ ،‬ومع استمرار الهضيبي في معارضته للعنف تنصل علنية من هذه‬
‫الترتيبات‪ ،‬وظهر أنه يؤيد نوايا القصر في كبح الحركة الوطنية‪ ،‬وعمق ذلك الصراع‬
‫بين الهضيبي ومعارضوه في التنظيم خاصة أولئك في الجهاز السري‪.‬‬
‫عبر الشهور القليلة التالية‪ ،‬أضرب المعارضون للحكومة معبرين عن إحباط‬
‫الحركة الوطنية من فشل الحكومة في متابعة إلغاء المعاهدة بتصرف قاطع‪ ،‬وفي‬
‫يناير عام ‪ ،1952‬هاجمت القوات البريطانية نقطة بوليس في منطقة القنال ونتج‬
‫عن ذلك معركة مدوية‪ ،‬في اليوم التالي‪ ،‬في القاهرة‪ ،‬سار الطلب والبوليس‬
‫والضباط‪ ،‬ساروا معًا إلى البرلمان مطالبين بإعلن الحرب على إنجلترا‪ ،‬أثناء ذلك‬
‫أشعل آلف من المشاغبين النار في المدينة ودمروا معظم وسط المدينة وأحالوه‬
‫أطللً‪ ،‬لم يشارك الخوان كتنظيم‪ ،‬وأصدر الهضيبي بيانًا تنصل فيه من أعمال‬

‫‪1‬‬

‫الشعب‪ ،‬في ‪ 23‬يوليو استولى الضباط الحرار بقيادة محمد نجيب على السلطة‬
‫وأطاحوا بالملكية‪ ،‬وتم الترحيب بالنقلب الجديد بحماس شديد في أنحاء مصر‪.‬‬
‫جا في الثورة‪ ،‬وكان أعضاء من‬
‫لعب الخوان دوًرا مساندًا ولكن ليس حر ً‬
‫الضباط الحرار بما فيهم جمال عبد الناصر (الذي أصبح قائدًا للنظام الجديد)‪ ،‬وأنور‬
‫السادات كانوا قد قطعوا صلتهم بالخوان المسلمين منذ الربعينات‪ .‬وبعضهم كانوا‬
‫أعضاء في الجماعة (ربما يكون ناصر واحدًا من هؤلء) وكان أعضاء من الخوان قد‬
‫حاربوا جنبًا إلى جنب مع الضباط في فلسطين‪ ،‬وتسلحوا وتدربوا على أيديهم‬
‫للنتشار في منطقة القنال في العام الذي سبق الثورة‪ .‬ورغم ازدواجية الهضيبي‪،‬‬
‫إل أن الخوان قد وافقوا على مساعدة الثورة‪ ،‬غالبًا بالحفاظ على النظام‪ ،‬وحماية‬
‫الجانب والقليات‪ ،‬وتشجيع الدعم الشعبي للنقلب العسكري‪.‬‬
‫بعد الثورة‪ ،‬كانت العلقات بين الخوان ومجلس الثورة هادئة ولكن سرعان ما‬
‫تعكَّرت ومن بين أسباب ذلك عدم رغبة الجيش مشاركته في السلطة‪ ،‬وإصرار‬
‫الخوان على إعلن دستور إسلمي‪ ،‬وعدم ثقة الهضيبي العميقة في ناصر‪ ،‬وحلت‬
‫الحكومة جميع الحزاب والجماعات السياسية ما عدا الخوان المسلمين‪.‬‬
‫كونت الثورة حزبًا جديدًا‪ ،‬وهو هيئة التحرير‪ ،‬وقصدت كسب أولئك المصريين‬
‫الذين ظلوا على شكَّهم في الثورة‪ ،‬واقترح النظام الخوان إلى هيئة التحرير‪ ،‬وكون‬
‫النظام قد حيد جميع المجموعات السياسية‪ ،‬لم يستطع النظام أن يتجاهل الخوان‬
‫إل أنه كان غير راغب في إعطائهم دوًرا أكبر في الحكومة‪.‬‬
‫كان الهضيبي عرضة للنقد القاسي في التنظيم‪ ،‬جزئيًا بسبب جهود الحكومة في‬
‫إذلله‪ ،‬وشعور ناقديه بأنه قد حوَّل الجماعة إلى حزب أرستوقراط‪ ،‬وحركة أقوال‬
‫وليس أفعال‪ ،‬وأدى ذلك إلى نقاش حول السلوك الفاشستي لمؤسسات الجماعة‪.‬‬
‫ما على الطاعة والولء للقائد كان مقبول ً في ظل البنا‬
‫ما قائ ً‬
‫فالبعض شعر أن نظا ً‬
‫لنه كسب ثقة العضاء‪ ،‬وحيث أن الهضيبي أصبح غير قادر على فعل ذلك‪ ،‬بدأ‬
‫الهضيبي في الضغط من أجل مزيد من الهياكل الديمقراطية‪ ،‬ورغم هذه النتقادات‬
‫ما قويًا من قادة الخوان وكذلك من صفوف الخوان وتم‬
‫إل أن الهضيبي جمع دع ً‬
‫ُ‬
‫حل الجهاز السري رسميًا وفصل قادته من التنظيم‪.‬‬
‫في يناير ‪ ،1954‬أرسل النظام أعضاءً من هيئة التحرير ليفرق تجمع لطلب‬
‫ما مكبرات الصوت‪ ،‬وتحولت المواجهة إلى معركة‪،‬‬
‫الخوان المسلمين مستخد ً‬
‫أصدرت الثورة قراًرا بحل جماعة الخوان المسلمين على أرضية أن الهضيبي‬
‫ومعاونوه كانوا يخططون لقلب نظام الحكم‪ .‬واعتقل الهضيبي مع مئات آخرين‪،‬‬
‫واستخدمت مجلس قيادة الثورة معايير قمعية ليحمي نفسه‪ ،‬وقد رؤي أنها سياسة‬
‫ناصر بصفة خاصة‪ .‬بسبب تهاوي شعبيته‪ ،‬مما أدى إلى مظاهرات ضد ناصر وصراع‬
‫على السلطة بينه وبين محمد نجيب‪ ،‬وظهر أنه يهدد بإنهاء الثورة ويستعيد الوضع‬
‫السياسي السابق‪ ،‬ووقف الهضيبي مع ناصر ومع الثورة مكتسبًا إطلق سراح‬
‫معظم الخوة السجناء‪ ،‬وإبقاء تخويل النظام بالعمل بشكل قانوني‪ ،‬ومع ذلك أثارت‬
‫أحداث يناير العديد من العضاء الذين شعروا الن بأن الجهاز السري يجب عدم‬
‫إلغاؤه‪ ،‬وبناء على ذلك أعيد بناؤه تحت قيادة جديدة دون معرفة الهضيبي‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫فشل النظام في الوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه للجماعة (مثال‪ :‬فيما‬
‫يتعلق بإطلق سراح السجناء)‪ ،‬مما أدى بالعلقات أن تفسد مرة أخرى‪ ،‬وفي‬
‫خطاب موجه للحكومة‪ ،‬دعا الهضيبي إلى رفع القانون العسكري‪ ،‬والعودة إلى‬
‫ديمقراطية برلمانية‪ ،‬وإنهاء مراقبة الصحف‪ ،‬أثناء ذلك‪ .‬استأنفت بريطانيا مصر‬
‫محادثات تتعلق بقناة السويس‪ ،‬وأُعلنت اتفاقية على أساس بنود المعاهدة الجديدة‬
‫انتقدها الهضيبي فوًرا على أنها كريمة جدًا تجاه النجليز‪ ،‬وتهدد سيادة مصر‪ ،‬بدأت‬
‫الحكومة بعد ذلك في استخدام البوليس لثارة المواجهات العنيفة مع الخوان في‬
‫التجمعات السلمية في المساجد وأماكن أخرى‪ ،‬وغزو عيادات الخوان ودمروها‪،‬‬
‫وفي كل حالة كانت الحكومة تلقي باللوم على الخوان في التحريض على‬
‫المصادمات‪ ،‬واختفى الهضيبي‪ ،‬وبدأت الصحافة في حملة لذعة‪ ،‬وأعلنت أن إخوانًا‬
‫عديدين كانوا يسافرون إلى الخارج مدانون بالخيانة وسحبت عنهم الجنسية‬
‫المصرية‪.‬‬
‫وصلت عدم موافقة الجماعة على انتقالت الهضيبي للحكومة إلى ذروتها‪ ،‬وبذل‬
‫ناصر شخصيًا جهودًا نشطة ليقنع قادة الخوان بإزاحة الهضيبي عن موقعه‪ ،‬وكان‬
‫ضا من بقية القيادة‪.‬‬
‫لهذا النزاع أثره في نزع الثقة ليس فقط من الهضيبي ولكن أي ً‬
‫وقعت المعاهدة مع بريطانيا في ‪ 19/10/1954‬وشعر قادة آخرون من‬
‫الخوان أنها أفضل بكثير من التي أُعلن عنها من قبل‪ ،‬إل أن الجهاز السري الغير‬
‫ظاهر الن ومسئولين آخرين رأوا المعاهدة كخيانة لمصر‪ ،‬وصمم الجهاز من جانبه‬

‫على التصرف‪ ،‬وأطلق عضو في الجهاز السري النار علىناصر في يوم ‪26‬‬
‫‪ ،1954‬عندما كان يلقي حديث ًا إل أنه لم يُصب‪ ،‬ووقف ناصر ثابتًا وأنهى حديثه‪،‬‬

‫أكتوبر‬

‫معلنًا أنه كان مستعدًا للموت من أجل بلده‪ .‬إل أنه توجد مؤشرات على أن ناصر‬
‫والمقربين إليه مثلوا محاولة الغتيال‪.‬‬

‫المحاولة التي استهدفت حياة ناصر أعطته شعبية كان في حاجة إليها‪ ،‬ومكنته‬
‫أن يسود في معركة السلطة مع نجيب وزودته بالفرصة المحكمة للقضاء على‬
‫الخوان‪ ،‬وكان التنظيم رسميًا محلول‪ ،‬وأحرقت الحكومة مراكز عمل الجماعة‪،‬‬
‫واعتقلت اللف من أعضائها‪ ،‬ونظمت محاكمات صورية مع قليل من العتبار‬
‫لعمال القانون‪ ،‬بينما اتهمت الصحافة الرسمية الهضيبي ونظامه بكل نوع ممكن‬
‫تصوره من التآمر‪ ،‬وتم شنق ستة إخوة‪ ،‬وحكم على ستة آخرين بما فيهم الهضيبي‬
‫بالسجن مدى الحياة مع الشغال الشاقة‪.‬‬

‫الخوان في ظل ناصر (‪)1970-1954‬‬
‫خلل حكم جمال عبد الناصر في مصر‪ ،‬كثير من أعضاء الخوان المسلمين كانوا‬
‫معتقلين في معسكرات مكثفة‪ ،‬حيث كانوا يعذبون وبعضهم مات في الحبس بما‬
‫فيهم ‪ 21‬قُتلوا في زنازينهم في يونيو ‪ ،1957‬وكان سيد قطب أحد هؤلء‬
‫المعذبين‪ ،‬وكان قطب محرر سابق لمجلة التنظيم‪ ،‬وكاتب واسع الخيال‪ ،‬وكان‬
‫يكتب في النقد الدبي‪ ،‬وفي القضايا السياسية والجتماعية‪ ،‬وهو مؤلف (كتاب‬
‫العدالة الجتماعية في السلم) الذي سجل أحسن المبيعات‪ .‬وأرسى دعائم‬
‫الشتراكية السلمية‪ ،‬وأصبح قطب لفترة من الوقت أعظم مفكر في الخوان‪،‬‬

‫‪1‬‬

‫وفي عام ‪ 1959‬أعطاه المرشد العام للخوان حسن إسماعيل الهضيبي‪ ،‬أعطاه‬
‫المسئولية عن الخوان المحتجزين في السجون والمعسكرات المكثفة‪ ،‬وحاول‬
‫سر الوضع في المعسكرات على ضوء السلم‪ ،‬هذه النعكاسات التي‬
‫قطب أن يف ِّ‬
‫تداولها كتعليقات على فقرات من القرآن‪ ،‬شملت تحليل ً للنظام‪.‬‬
‫بدأ الخوان الذين انسحبوا للعمل تحت الرض خارج السجون بدأوا في إعادة‬
‫سجنوا ولم يحاكموا‪ ،‬ونظمت زينب‬
‫التنظيم‪ ،‬وفي عام ‪ 1956‬أطلق سراح الذين ُ‬
‫الغزالي رئيس جمعية المرأة المسلمة نظمت عمل ً خيريًا لمواجهة الحتياجات‬
‫الساسية للخوة الذين أفقروا‪ ،‬ومع عبد الفتاح إسماعيل أحد قيادي الخوان‪ ،‬ذهبت‬
‫لتلعب دوًرا أساسيًا في إعادة بناء التنظيم‪ .‬وبينما كان تركيز زينب الغزالي على‬
‫ضا مجموعات أخرى من الخوان‪ ،‬وكانوا تواقين للثأر‬
‫التعليم السلمي‪ ،‬ظهرت أي ً‬

‫من قمع الخوان عام ‪ ،1954‬ووجدوا الطار التحليلي‪ ،‬والبرنامج السياسي الذي‬
‫كانوا يبحثون عنه في كتابات قطب‪ ،‬التي كانت تنشرها زينب الغزالي وكان فيها‬
‫تقييم لنظام ناصر وللطريقة التي يمكن هزيمته بها‪.‬‬

‫في عام ‪ ،1964‬أطلق سراح قطب لعدة أشهر‪ ،‬ونشر كتابه (معالم في‬
‫الطريق) وأعيد طباعته خمس مرات‪ ،‬ناقش فيها أن النسانية كانت في غمار أزمة‬
‫ضا لهذا‬
‫عميقة سببها الفشل في تبني نظام القيمة‪ .‬وكان تهديد الحرب النووية عر ً‬
‫المرض‪ ،‬نُظُم القيمة التي هيمنت على العالم فشلت في تحقيق عيش البشرية في‬
‫انسجام وحتى في الوفاء بما وعدت به‪ ،‬مفهوم العالم الغربي للديمقراطية القائم‬
‫على اليديولوجية الفردية‪ ،‬أدى إلى ظلم اجتماعي ضخم وأدى إلى هيمنة البشرية‬
‫برأس المال‪.‬‬
‫في الكتلة الشرقية‪ ،‬فشلت اليديولوجية الجماعية كذلك‪ ،‬ورأى قطب أن‬
‫السلم هو الحل للزمة البشرية‪ ،‬وكان العالم بأكمله بما فيهم مصر‪ ،‬يعيش في‬
‫حالة من الجاهلية‪ ،‬التي يمكن ترجمتها كأسلوب حياة متميز بالعداء الجاهل تجاه‬
‫إرادة الله‪ ،‬وبصفة خاصة خطأ البشر في السماح لنفسهم بإقامة أنظمتهم القيمية‬
‫الخاصة‪ ،‬بدل ً من قبول هيمنة إرادة الله‪.‬‬
‫رغم أن مسألة فشل كل من الرأسمالية والشيوعية لم يكن جديدًا في حديث‬
‫الخوان‪ ،‬إل أن تطبيق مفهوم الجاهلية على المجتمع المصري قدم ابتكاًرا تحركه‬
‫تجربة قطب الشخصية في جزء منه من القسوة التي أصبحت حالة ديكتاتورية‪.‬‬
‫سا في المة‪،‬‬
‫من أجل القيام بدوره الصحيح‪ ،‬احتاج السلم أن يجد تعبيًرا ملمو ً‬
‫مجتمع من البشر تمتلئ حياتهم بالخلقيات السلمية‪ ،‬وكان مطلوب طليعة من‬
‫المؤمنين لبدء خلق هذه المة‪ ،‬التي يمكن أن تنمو بعد ذلك حتى تشمل العالم‬
‫بأسره‪ ،‬وكان قطب يعني بكتابه تقديم معالم تحدد الطريق الذي يجب أن تتبعه هذه‬
‫الطليعة‪ .‬وكون هذه الطليعة مواجهون بدولة ديكتاتورية‪ ،‬نصحهم أن يُعدُّوا للجهاد‪،‬‬
‫الذي ذهب جانبه العسكري إلى ما بعد الدفاع‪ ،‬وهدف إلى الطاحة بأولئك الذين‬
‫استولوا على السيادة التي ينبغي أن تكون لله وحده‪ ،‬كانت وجهة نظر قطب أن‬
‫ما‪.‬‬
‫هذا العداد قد يستغرق خمسة عشر عا ً‬

‫‪1‬‬

‫أشعل كتاب (معالم في الطريق) النقاش بين الخوان بين شباب ناشطين‬
‫فضلوا النقلب العسكري‪ ،‬والعضاء الكثر خبرة مثل زينب الغزالي التي أخذت‬
‫وجهة نظر أن على النظام أن يجدد نفسه في العمل التعليمي لعقود حتى يكسب‬
‫‪ %75‬من الشعب إلى جانبه‪ ،‬في أغسطس ‪ ،1965‬ادعت الحكومة أنها اكتشفت‬

‫أن الخوان كانوا ينظمون مؤامرة انقلبية ضخمة‪ ،‬واعتقل حوالي ‪18.000‬‬
‫سجن منهم ‪ ،200-100‬وقُتل منهم ‪ 38‬في الحبس‪ ،‬وأثناء التحقيقات‪ ،‬واستخدم‬

‫شخص‪،‬‬

‫البوليس التعذيب خلل التحقيقات‪ ،‬والعديد ثم تعذيبهم لشهور منهم زينب الغزالي‬
‫وسيد قطب‪ ،‬ودمر البوليس قرية كرداسة حيث اعتقد اختبار أحد المشتبه بهم فيها‪،‬‬
‫ما من الصحافة على الخوان‪ ،‬وعلى‬
‫واعتقل وعذب جميع سكانها‪ ،‬صاحب ذلك هجو ً‬
‫أساس العترافات التي حصلوا عليها تحت التعذيب ثم إعدام قطب وأخوان آخران‬
‫في أغسطس ‪ ،1966‬وظهر أن المؤامرة تم فبركتها على الرجح بواسطة رجال‬
‫المن كجزء من الصراع بين مختلف الزمر داخل النظام‪.‬‬
‫بعد موت قطب‪ ،‬بقيت أفكاره مؤثرة إل أنها ظلت خلفية بين الخوان‪ ،‬بعض‬
‫الخوة الشباب فسروا تحليل قطب ليعني أن أي شخص فشل في الثورة ضد‬
‫النظام الستبدادي الذي كانت حكومته ليست قائمة على القانون السلمي‪ ،‬يجب‬
‫اعتباره كافًرا‪ ،‬ورأوا في ذلك تبريًرا لسياسة ثورية‪ .‬لم توافق قيادة الخوان التي‬
‫فضلت المدخل الصلحي‪ ،‬لم توافق على هذا التفسير مشيرة إلى أنه يكفي النطق‬
‫ما‪ ،‬وأنه رغم وجود مسلمين مخطئين فل يعتبر ذلك‬
‫بالشهادتين ليصبح المرء مسل ً‬
‫ذريعة للتكفير‪.‬‬
‫وعلى النقيض من هؤلء الشباب الذين أيدوا الثورة‪ ،‬احتفظت القيادة بوجهة‬
‫نظر أن التنظيم يجب أن يعتمد على العمل التعليمي من أجل إصلح المجتمع‬
‫المصري‪ ،‬وهذه السياسة ميزت الخوان منذ ذلك الحين‪ ،‬وأكسبتها احتقار‬
‫المجموعات السلمية المسلحة الثورية الخرى‪.‬‬

‫الخوان في ظل السادات ‪1981-1970‬‬
‫خليفة ناصر‪ ،‬أنور السادات‪ ،‬أدخل سياسة تحرير القتصاد‪ ،‬وأدخل الحرية‬
‫السياسية إلى مدى أقل بكثير‪ ،‬وفي عام ‪ ،1971‬أغلقت المعتقلت المزدحمة‪ ،‬وبدأ‬
‫النظام تدريجيًا في إطلق سراح السجناء رغم بقاء الجماعة غير قانونية‪ ،‬واستعاد‬

‫ما‬
‫الباقون حريتهم في العفو العام لسنة ‪ ،1975‬لم تعين الجماعة رسميًا مرشدًا عا ً‬
‫جديدًا بعد موت الهضيبي عام ‪ ،1973‬وأصبح عمر التلمساني هو المتحدث البارز‬
‫باسم النظام‪ ،‬ورغم أن التنظيم رفض إعطاء ولءه للسادات‪ ،‬إل أن انتقادات‬
‫السادات على اليسار المصري‪ ،‬منعتهم من اتخاذ موقف واضح ضد النظام وضد‬
‫عدم المساواة القتصادية‪ ،‬وشمل بعد ذلك النظام رجال أعمال ناجحين استفادوا‬
‫من سياسات اقتصاد السوق الحر الذي أحدثه السادات‪.‬‬
‫كان المطلب السياسي الرئيسي للخوان خلل تلك الفترة هو تطبيق الشريعة‪،‬‬
‫واستجابت الحكومة ببدء مراجعة طويلة للقوانين المصرية لتقرر أفضلية انسجام‬

‫‪1‬‬

‫تلك القوانين مع الشريعة‪ ،‬وفي عام ‪1980‬‬
‫مصدًرا رئيسيًا للتشريع‪.‬‬

‫عُدِّل الدستور ليقرر أن الشريعة‬

‫هناك هدف آخر هام للخوان‪ ،‬كان إقناع الحكومة لتسمح لهم بالعمل قانونًا‪ ،‬وأن‬
‫يعملوا كحزب سياسي‪ ،‬يستطيع ممثلوه الترشيح للبرلمان‪ ،‬إل أن هذا الطلب لم‬
‫يستجاب له‪ ،‬وقانون الحزاب السياسية لعام ‪ 1977‬حظر قيام الحزاب على‬
‫حا للخوان إلى حد ما بالعمل‪ ،‬وفي عام‬
‫أسس دينية‪ ،‬ومع ذلك فقد كان مسمو ً‬

‫سمح لهم بنشر جريدتهم الشهرية الدعوة‪ ،‬حيث وصل توزيعها إلى حوالي‬
‫‪ُ ،1976‬‬
‫‪ 100.000‬نسخة‪ ،‬قبل إغلقها عام ‪.1981‬‬
‫ركزت الدعوة على مشكلة فلسطين‪ ،‬ولم يوافق محرروها على معاهدات كامب‬
‫ديفيد لعام ‪ ،1978‬واتفاق السلم الموقع بين مصر وإسرائيل عام ‪،1979‬‬
‫مناقشين أن إسرائيل ل تقبل مطلقًا بحل سلمي وعادي للمشكلة‪ ،‬وكانت مقالت‬
‫في الدعوة ترسم كل يهودي سواء كان إسرائيليًا أم ل أنه غير جدير بالثقة ومذنب‬
‫فيما تحمله الفلسطينيون من ظلم‪ ،‬وكرروا الساطير المناهضة للسامية‪ ،‬كما أدان‬
‫ضا المسيحية النجيلية والشيوعية والعلمانية‪.‬‬
‫المحررون أي ً‬
‫اختلف العلماء في تأثير الخوان على السياسة المصرية في السبعينات‪ ،‬ولكن‬
‫من الواضح أن هناك حركات إسلمية أخرى جاءت لتعلب دوًرا أكثر أهمية‪ ،‬فبعد‬

‫هزيمة مصر عام ‪ ،1967‬في حربها مع إسرائيل‪ ،‬اعترض الطلب والعمال لفشل‬
‫النظام في تحمل المسئولية عن الهزيمة‪ ،‬وبدءوا للدعوة إلى إقامة نظام سياسي‬
‫أكثر ديمقراطية‪.‬‬
‫كانت حركة الطلب العريضة التي تشكلت في البداية علمانية في طبيعتها‪،‬‬
‫ولكن الطلب المسلمون قفزوا تدريجيًا إلى الطليعة‪ ،‬نظًرا لقدرتهم على توظيف‬
‫شعارات عملية للمشاكل التي يواجهونها في حياتهم اليومية‪ ،‬وذلك عن طريق اتحاد‬
‫الطلب الذي كانوا ينتخبون في أماكن المسئولية فيه بشكل متزايد‪ ،‬وعندما تسببت‬
‫سياسات السادات القتصادية في زيادات هائلة في السعار خاصة أسعار‬
‫الحتياجات الرئيسية الضرورية للمواطن‪ ،‬وتفشي الذل في الخدمات العامة (مما‬

‫أدى إلى ثورات ضخمة في يناير ‪ ،)1977‬حصلت تلك المجموعات على النفوذ‬
‫خارج الجامعات كذلك‪ ،‬ودُعي قادة من الخوان للحديث في التجمعات الهائجة التي‬
‫كان ينظمها مجموعات من الطلب في العياد الدينية‪ ،‬وعندما بدأت الحكومة في‬
‫قمع حركة الطلب‪ ،‬ومهاجمتها باستخدام بوليس الشغب‪ ،‬تحمضت علقات الخوان‬
‫بالحكومة‪.‬‬
‫رفض المتحدثون باسم الخوان بشكل ثابت العنف الثوري والرهاب الذي تقوم‬
‫به الجماعات السلمية المسلحة التي ظهرت في مصر خلل السبعينات (مثل‬
‫الجهاد التي اغتالت السادات في أكتوبر ‪ )1981‬في نفس الوقت أدانوا اضطهاد‬
‫حا لهم‬
‫البوليس القاسي مما أدى إلى ظهور التطرف‪ ،‬وأنه إذا كان الخوان مسمو ً‬
‫بالعمل قانونًا‪ ،‬فقد تكون قادرة على المساعدة في منع التطرف بتوفير التعليم‬
‫السلمي للشباب‪ ،‬إل أن هذا الحديث وقع على آذان صماء‪ ،‬وفي الشهور التي‬

‫‪1‬‬

‫سبقت اغتيال السادات‪ ،‬بينما كانت شعبيته تهوي أمر السادات باعتقالت واسعة‬
‫بين القوى المعارضة‪ ،‬بما في ذلك الخوان‪ ،‬إل أنه قد تم إطلق سراح الخوة‬

‫المعتقلين في يناير ‪1982‬‬

‫بعد تبرئتهم من أي تصرف خطأ‪.‬‬

‫الخوان في ظل مبارك ‪ 1981‬حتى الن‬
‫خلل رئاسة حسني مبارك‪ ،‬الذي خلف السادات عام ‪ ،1981‬واستمر في‬
‫السلطة منذ ذلك الحين وحتى الن‪ ،‬فإن علقة الخوان بالحكومة مازالت كما كانت‬
‫عليه أيام السادات‪ ،‬مسموح للخوان إلى درجة ما إل أنها محظورة رسميًا‪ ،‬وغير‬
‫مسموح لهم بتوزيع منشورات أو التجمع والتجمهر علنًا‪ .‬وعرضة لعتقالت دورية‪،‬‬
‫ومع ذلك فقد كانوا ينشرون صحيفتين (لواء السلم‪ ،‬والعتصام) واحتفظوا بمكاتب‬
‫إقليمية‪ ،‬وأصدروا تصريحات‪ ،‬وبيعت كتب لبعض الخوة البارزين في المكتبات‪،‬‬
‫جا طويل المدى لقامة‬
‫وتمسك الخوان بنظرتهم الصلحية‪ ،‬متبعين مدخل ً متدر ً‬
‫دولة إسلمية بموافقة شعبية‪ ،‬بإصلح المجتمع من القاع إلى القمة‪ ،‬باستخدام‬
‫القناع ووسائل أخرى غير العنف‪.‬‬
‫رغم كون الجماعة غير مقننة‪ ،‬إل أنهم كانوا قادرين على أخذ ميزة التطورات‬
‫الجتماعية والسياسية في مصر مما زاد في عضوية الجماعة ونفوذها وبفرض‬
‫قانون الطوارئ في مصر وتقييد المعارضة السياسية المقننة‪ ،‬والقطع بأن‬
‫النتخابات تزور بشكل روتيني لصالح الحكومة‪ ،‬مع ذلك فالجمعيات الخيرية‬
‫السلمية‪ ،‬والمساجد الخاصة ازدهرت‪ ،‬رغم أن العديد من هذه الجمعيات غير‬
‫سياسية‪ ،‬إل أن هذه الشبكة اللمركزية من الجمعيات التي تتبع أجندات مختلفة‪،‬‬
‫وتتمتع بدرجات مختلفة من الستقللية عن الدولة‪ ،‬مما أتاح للمعارضة التعبير‪ ،‬كما‬
‫أن هناك ما يثبت أن الناشطين السلميين قد حققوا بعض النفوذ خلل بيروقراطية‬
‫الدولة‪ ،‬وأن هناك مؤيدون كُث ُر منهم الطباء والمدرسين والمديرين‪ ،‬واستفاد‬
‫الخوان من هذه التطورات أكثر من أي مجموعة أخرى سياسية إسلمية‪ ،‬ويرجع‬
‫ذلك لطبقة من النشطين في عمر الثلثين والربعين الذين شحذوا مهاراتهم في‬
‫الحركة الطلبية في ظل السادات والتحقوا بالخوان بعد التخرج‪.‬‬
‫لقد أصبح الخوان ناجحين في تجنيد الشباب بصفة خاصة‪ ،‬بما فيهم شباب‬
‫الجامعات والخريجين الجدد‪ ،‬وأصبح من الصعب الوصول إلى العمال‪ ،‬والسلع‬
‫التموينية‪ ،‬وتكاليف الزواج التقليدي‪ ،‬كل ذلك أصبح الوصول إليه صعبًا‪ ،‬أضف إلى‬
‫َ‬
‫ذلك الفساد المستشري‪ ،‬والنظام البوليسي الستبدادي المغلق‪ ،‬مما ول ّد اغترابًا‬
‫سا‪ ،‬ويقدم إحياء السلم طريقة في الحياة يحترم فيها الشباب إيمانه وتقواه‬
‫ويأ ً‬
‫ويقدر أن التعليم السلمي أفضل من اللقاب والثروات‪ ،‬ومما يثير العجاب فيه أن‬
‫يعيش النسان ببساطة‪ ،‬كما تعمل وجهة النظر التي تقول أنه واجب على كل‬
‫مسلم أن ينشغل بالصلح السياسي والجتماعي (هذا ما يؤكد عليه الخوان) يعمل‬
‫كترياق للغتراب السياسي والنهزامية‪ ،‬والنساء من الطبقات الدنيا والوسطى‬
‫وجدن أن المراقبة الدينية المقيدة تعطيهن مزيدًا من الحترام‪ ،‬وتساعدهم على‬
‫عدم اعتبار المعايير الجتماعية الخرى التي قد تحدد اختياراتهن في مجال مثل‬
‫التعليم والوظيفة والزواج‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ويشمل عمل الشباب في الخوان تنظيم ندوات وألعابًا إسلمية‪ ،‬ومساندة‬
‫مرشحي الخوان في التحادات الطلبية‪ ،‬والنقابات المهنية وفي البرلمان‪،‬‬
‫والمشاركة في المظاهرات‪.‬‬
‫في الثمانينات وأوائل التسعينات‪ ،‬كان المزيد والمزيد من أعضاء النقابات‬
‫المهنية القيادية من خريجي الجامعات‪ ،‬كانوا معوقين اقتصاديًا‪ ،‬وساعدت أصواتهم‬
‫النتخابية مرشحي الخوان في الحصول على أغلبية كبيرة في المجالس التنفيذية‬
‫للعديد من هذه النقابات‪ ،‬مثل نقابة المحامين والطباء والصيادلة‪ ،‬والمعلمين‬
‫والمهندسين‪ ،‬هازمين الحكومة والعلمانيين‪ ،‬ومرشحي الجماعات السلمية‬
‫المسلحة في انتخابات تنافسية مفتوحة‪ ،‬ووضعت العديد من النقابات تحت قيادة‬
‫الخوان وضعت برامج للمساعدة في علج الصعاب العملية التي يواجهها الخريجين‬
‫ضا منخفضة الفائدة‪ ،‬وتدريبًا لملء الفجوات‬
‫الشباب مقدمين تأمينًا صحيًا‪ ،‬وقرو ً‬
‫التي خلفتها المقررات الجامعية الغير كافية‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬فهذه البرامج يرجع نجاحها‬
‫إلى فطنة الناخبين لمرشحيهم كأمناء ومتحركين بشعور الواجب المدني‪ ،‬على‬
‫النقيض من الفساد الذي تميزت به غالبًا النقابات المهنية‪ ،‬وقد أعطت هذه النقابات‬
‫للخوان منبًرا تنتقد منه حرمان مصر من البرلمان الحر‪ ،‬والنتخابات الرئاسية‪،‬‬
‫واستخدام التعذيب في السجون‪ ،‬والدعوة إلى إنهاء قانون الطوارئ‪.‬‬
‫أعطت النتخابات البرلمانية‪ ،‬رغم انغلقها بدرجة كبيرة أمام المعارضة‪ ،‬أعطت‬
‫بعض المؤشرات عن شعبية الخوان المسلمين في ظل حكم مبارك‪ ،‬ففي انتخابات‬
‫حا للخوان تقديم مرشحين من خلل حزب الوفد‪ ،‬وفي‬
‫عام ‪ ،1984‬كان مسمو ً‬
‫عام ‪ ،1987‬كان مسموح إعادة التجربة من خلل حزب الحرار‪ ،‬في كلتا الحالتين‬
‫تلقى الحزب المنحاز للخوان مزيدًا من الصوات أكثر من أحزاب المعارضة الخرى‬
‫مجتمعة‪.‬‬
‫بدءًا من عام ‪ ،1992‬لجأت الحكومة مرة أخرى إلى المعايير القمعية لوقف‬

‫نفوذ الخوان المتزايد‪ ،‬وفي عام ‪1993‬‬
‫المباشرة للدولة‪ ،‬وفي عامي ‪ 1996 ،95‬تم اعتقال أكثر من ‪ 1000‬أخ‪ ،‬العديد‬

‫وضعت التحادات المهنية تحت السيطرة‬

‫منهم حكم عليهم بواسطة محاكم عسكرية لعدة سنوات من الشغال الشاقة‪،‬‬
‫وكانت التهمة الرئيسية أن المتهمين كانوا أعضاء في تنظيم غير قانوني‪ .‬خطط‬
‫لقلب نظام الحكم‪ ،‬في نفس الوقت‪ ،‬وجهت الدولة حملة إعلمية ضخمة ضد‬
‫الخوان‪ ،‬متهمة إياهم بأنها جماعة إرهابية‪ ،‬وكان المقصود منع الخوان المشاركة‬
‫في النتخابات‪.‬‬
‫وشبيه بذلك حدث في عام ‪ ،1998‬حيث تم اعتقال المئات من الطلب‬
‫الناشطين إسلميًا قبيل انتخابات اتحاد الطلب‪ ،‬وكان الخوان بصفة خاصة عرضة‬
‫لهذه الهجمات بسبب نقص الدعم بين الطبقات المتوسطة العليا‪ ،‬والعمال‬
‫ما من المجتمع المصري‪.‬‬
‫الصناعيين والقطاعات الفقر والقل تعلي ً‬
‫المزيد من القمع الحكومي أدى إلى أزمة بين الحرس القديم من الخوان الذين‬
‫هيمنوا على مكتب الرشاد وبين قادتها من الجيل المتوسط‪ ،‬الذين فضلوا التعاون‬
‫حا على القضايا‬
‫مع التيارات السياسية الخرى وثار نقاش داخلي أكثر انفتا ً‬

‫‪1‬‬

‫السياسية‪ ،‬وبذل مجهود أكثر تنسيقًا من أجل تقنين التنظيم ومزيد من التفسير‬
‫الليبرالي للسلم‪.‬‬
‫في عام ‪ ،1996‬ترك مجموعة من القادة البارزين من جيل الوسط – تركوا‬
‫الخوان وانضموا إلى العديد من القباط ليكونوا حزبًا سياسيًا جديدًا يسمى حزب‬
‫الوسط‪ ،‬ويقصد إلى تمثيل منبر مدني قائم على العقيدة السلمية‪ ،‬يؤمن بالتعددية‬
‫وتبادل السلطة وكسب حزب الوسط دعم المثقفين العلمانيين المعروفين جيدًا‪ ،‬إل‬
‫أن طلباته المتكررة لتقنينه رفضت‪.‬‬
‫بعد فترة من البحث عن الذات‪ ،‬أصبح الجيل الوسط من الخوان أكثر نفوذ ًا في‬
‫حا في البرلمان‬
‫صفوف النظام‪ ،‬وفي عام ‪ ،2000‬قدم الخوان ‪ 76‬مرش ً‬
‫كمستقلين (منهم امرأة واحدة – جيهان الحلفاوي‪ -‬التي لم يعترف بانتصارها في‬
‫دائرتها عندما ألغت الحكومة النتخابات هناك) وربح الخوان ‪ 17‬مقعدًا (مقدار ما‬
‫حصلته أحزاب المعارضة الخرى مجتمعة)‪ .‬رغم حملة العلم النشطة ضد الخوان‪،‬‬
‫واعتقال العديد من مرشحيهم قبيل القتراع‪.‬‬
‫في عام ‪ 2001‬عقدت نقابة المحامين انتخابات مفتوحة لمجلس إدارتها‬
‫التنفيذي للمرة الولى منذ خمس سنوات‪ ،‬ومن أجل تجنب إحراج النظام اختار‬
‫الخوان الفوز بثلث المقاعد‪ ،‬وكسبوها‪.‬‬
‫في تصريحاتهم العامة‪ ،‬حرص الخوان على التسامح الديني‪ ،‬ومناهضة السامية‪،‬‬
‫معبرين عن ذلك في صحفهم في السبعينات‪ ،‬وفي السنوات الخيرة قال المتحدث‬
‫باسمهم أن القباط مرحب بهم ليلتحقوا بالتنظيم (يلحظ أن حسن البنا كان له‬
‫مساعدان من القباط وكان معروفًا عنه عدم الجحاف تجاه القباط) وأصبح محمد‬

‫مهدي عاكف مرشدًا عاًما للخوان عام ‪ 2004‬في عمر يناهز الـ ‪75‬‬

‫ما‪.‬‬
‫عا ً‬

‫وقال عاكف‪ :‬إن السلم يبجل المسيحيين واليهود‪ ،‬ونحن نأمل أن يعاملوننا‬
‫بنفس الطريقة‪ ،‬فجهل الناس هو ما يسبب الضغينة بينهم وليس ديانتهم‪.‬‬
‫في السنوات الخيرة‪ ،‬دعا الخوان كثيًرا إلى مزيد من الديمقراطية‪ ،‬في الشرق‬
‫الوسط‪ ،‬وصرح عبد المنعم أبو الفتوح أحد قادة جيل الوسط ومحل احترام بين‬
‫الخوان وحزب الوسط‪ ،‬صرح لمجموعة الزمات الدولية عام ‪.2004‬‬
‫إن غياب الديموقراطية هي أحد السباب الرئيسية للزمات هنا في مصر وفي‬
‫الشرق الوسط‪ ،‬والخوان المسلمون يعتقدون أن الحكومات الغربية أحد السباب‬
‫الرئيسية لنقص الديمقراطية في القليم‪ ،‬لنهم يساندون الدكتاتورية في القليم‬
‫العربي والسلمي بصفة عامة‪ ،‬رغم حقيقة أنه ثبت أن غياب الديمقراطية والحرية‬
‫هو سبب الرهاب والعنف‪.‬‬
‫في عام ‪ ،2005‬بدأ الخوان في المشاركة في المظاهرات المؤيدة‬
‫للديمقراطية مع الحركة المصرية للتغيير (كفاية)‪ ،‬وتم اعتقال العديد منهم‪ ،‬والن‬

‫يوجد أكثر من ‪ 700‬معتقل في مايو ‪2005‬‬

‫فقط‪.‬‬

‫‪1‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful