You are on page 1of 16

‫‪97‬‬

‫دراسات ومقاالت‬
‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪:‬‬

‫الحالة المصرية والتونسية‬
‫مهند مصطفى‬
‫مدخل‪:‬‬
‫يهدف هذا البحث إلى تقدمي مقاربات نظرية أولية حول الثورات العربية في مصر‬
‫وتونس‪ ،‬تهدف إلى تأسيس أطر معرفية جديدة للتعاطي مع الواقع السياسي اجلديد‪،‬‬
‫الذي خلقته هذه الثورات‪ .‬قبل ذلك استعصت املنطقة العربية على موجات التحول‬
‫الدميقراطي التي ضربت األنظمة السلطوية في العالم (‪ )Huntington 1991‬فموجة‬
‫التحول الدميقراطي التي عصفت بنظم سياسية في أمريكا اجلنوبية‪ ،‬وشرق أوروبا‪،‬‬
‫حتطمت على صخرة النظام السياسي العربي‪.‬‬
‫ولّد هذا االستعصاء إنتاجا معرفيا كبيراً عن النظام العربي‪ ،‬والدميقراطية في املنطقة‬
‫العربية‪ ،‬بيد أنه ولّد‪ ،‬أيضاً‪ ،‬حركة سياسية داخل املجتمع العربي بدأت تبحث عن‬
‫السبل لفتح املجال السياسي من داخل النظام السلطوي‪ .‬وبناء على ذلك انطلقت‬
‫املشاريع السياسية العربية املطالبة بانفتاح النظام وإصالحه بالتحول الدميقراطي من‬
‫داخل النظام السلطوي‪.‬‬
‫مهند مصطفى‪ ،‬باحث فلسطيني‬

‬محمد جابر‬ ‫األنصاري (‪ .‬مبعنى أن الثورات العربية أرادت تفكيك النظام وبناء‬ ‫عما تراكم من مشاريع‬ ‫نظام سياسي دميقراطي جديد مكانه من خالل إحداث قطيعة ّ‬ ‫سياسية ودستورية إلصالحه من الداخل‪.1‬‬ ‫‪ 1‬‬ ‫للتوسع حول التيارات الفكرية العربية في بدايات القرن املاضي انظر مثال‪ :‬ألبرت حوراني‬ ‫(‪ .)1996‬الفكر العربي وصراع األضداد‪ .‬‬ ‫في املقابل جاءت الثورات العربية في تونس‪ ،‬ومصر‪ ،‬واليمن‪ ،‬وليبيا‪ ،‬وسوريا‪،‬‬ ‫بتوجه سياسي جديد‪ ،‬يعتمد على الثورية في اإلصالح السياسي‪ ،‬من خارج النظام‬ ‫السلطوي وليس من داخله‪ .‫‪ | 98‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫كما أن اإلنتاج املعرفي حول اإلصالح السياسي ركز إنتاجه التطبيقي والنظري‬ ‫حول االنتقال إلى الدميقراطية من خالل‪ ،‬ومن داخل‪ ،‬النظام السلطوي‪ .‬‬ ‫سنتطرق في هذا البحث إلى ثالث مقاربات أساسية‪ ،‬نعتقد أنها ستكون متغيرات‬ ‫أساسية في اإلنتاج املعرفي النظري في املستقبل‪ ،‬أوال ما نطلق عليه اجليل الثاني من‬ ‫األنظمة السلطوية‪ ،‬وثانيا التغييرات في دور اجليش‪ ،‬وثالثا انتقال اإلسالم السياسي‬ ‫من حالة املعارضة إلى حالة السلطة‪.‬وتبنت‬ ‫احلركات السياسية العربية‪ ،‬العلمانية منها‪ ،‬واإلسالمية‪ ،‬اإلصالح الدستوري في إطار‬ ‫النظام السلطوي كرافعة أساسية للتحول الدميقراطي‪.)1977‬الفكر العربي في عصر النهضة ‪ .1939-1798‬بيروت‪ :‬دار النهار‪ .‬‬ ‫نقاش التحول الدميقراطي في العالم العربي‪:‬‬ ‫اشتغل املفكرون‪ ،‬واملثقفون العرب‪ ،‬واملسلمون‪ ،‬في القرن األخير مبسألة النهضة‪،‬‬ ‫أو الصحوة‪ ،‬كل حسب منطقه األيديولوجي‪ ،‬ومنذ كتاب «طبائع االستبداد»‬ ‫للشيخ عبد الرحمن الكواكبي‪ ،‬الذي سلط الضوء على قضية االستبداد السياسي‬ ‫وأهمية أحياء مفهوم الشورى الدستورية في احلياة السياسية اإلسالمية‪ ،‬فانه وفي‬ ‫مقابل الكواكبي (ومن بعده حركة اجلامعة اإلسالمية لألفغاني وتالمذته)‪ ،‬استلهم‬ ‫املفكرون العرب الفكر الليبرالي الغربي كأساس للنهضة في املجتمعات العربية‪،‬‬ ‫وميكن أن نضرب لذلك مثالً‪ :‬لطفي السيد‪ ،‬وطه حسني‪ ،‬وأحمد أمني‪.‬بيروت‪ :‬املؤسسة العربية للدراسات‬ .

)176 ،2006 ،‬‬ ‫لعب وما زال يلعب مركز «دراسات الوحدة العربية» في بيروت دورا رائدا في طرح األجندة‬ ‫الدميقراطية من خالل إجراء األبحاث في دوريته «املستقبل العربي» وتأليف الكتب وعقد‬ ‫الندوات حول الدميقراطية والتحول الدميقراطي في املنطقة العربية‪ ،‬وتشير املصادر العربية في‬ ‫هذا املقال إلى ذلك بشكل واضح‪.)1978‬االجتاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة ‪-1798‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫في معرض املناقشة لنظريات التحول الدميقراطي ومدى انسجامها مع اجلغرافية‬ ‫التاريخية والسياسية والثقافية في الوطن العربي‪ ،‬فال بد من قراءة في بعض ما ُكتب‬ ‫حول املعوقات التي تعرقل التحول نحو الدميقراطية‪ ،‬حيث قدمت األدبيات العلمية‪،‬‬ ‫والغربية منها على وجه اخلصوص‪ 3‬تفسيرات متعددة ملع ّوقات التحول الدميقراطي‬ ‫في العالم العربي‪ ،‬فهنالك من يقدم تفسيرا ثقافيا استشراقياً‪ ،‬وفي جوهره اإلسالم‬ ‫كعائق للتحول الدميقراطي‪ ،‬ففي مسح للدميقراطية في الدول النامية‪ ،‬يزعم املؤلفون‪:‬‬ ‫«أن الدميقراطية هي النموذج الوحيد للحكومة الذي يتمتع بشرعية‬ ‫‪ 2‬‬ ‫‪ 3‬‬ ‫والنشر‪ .‬‬ ‫يرى غسان سالمة أننا في مرحلة «لبرلة» ثالثة‪ ،‬بعد الفترة العثمانية املصرية التي بدأت مع‬ ‫محمد علي (‪ )1848-1804‬وانتهت مع احلرب العاملية األولى‪ ،‬والفترة الثانية بني احلربني‬ ‫العامليتني‪ ،‬واملرحلة الثالثة التي رافقت أزمة النظام السلطوي العربي في العقدين األخيرين‬ ‫(عاصي‪.‬علي محافظة (‪ .‬‬ .‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪99‬‬ ‫متيزت األنظمة السلطوية العربية بأنها قامت نتيجة النقالبات عسكرية‪ ،‬وثورات‬ ‫ُمسلحة‪ ،‬مما أدى إلى إلغاء التحول الليبرالي في الدول العربية ال ُقطرية التي تشكلت‬ ‫بعد املرحلة الكولونيالية االستعمارية‪ ،‬وإلى جانب الدول السلطوية ظهرت «الدولة‬ ‫الريعية» وذلك مع ثورة النفط التي ك ّرست الواقع السياسي في تلك البلدان‪.‬‬ ‫وفي السبعينيات والثمانينيات من القرن املاضي‪ ،‬ونتيجة لعوامل محلية وإقليمية‪،‬‬ ‫ميكن اإلشارة إلى تبلور حتولني فاعلني أ ّثرا في تطور العالقة بني األنظمة السلطوية‬ ‫العربية‪ ،‬واملعارضة السياسية في العالم العربي‪ ،‬وقد جتلى ذلك بصورة أوضح في‬ ‫أواخر الثمانينيات والتسعينيات‪ ،‬األول‪ :‬إطالق حريات ليبرالية سياسية‪ ،‬أطلق عليها‬ ‫غسان سالمة مرحلة ثالثة من اللبرلة‪ ،2‬والثاني‪ :‬قبول متدرج وان كان متلعثما‬ ‫للمعارضة اإلسالمية لالنخراط في التحول الدميقراطي في النظام السلطوي العربي‪.1914‬بيروت‪ :‬األهلية للنشر‪.

)172 ،2005 ،‬‬ ‫حمل قسم آخر غياب التح ّول الدميقراطي إلى النخب العربية املتعلقة «بسيطرة‬ ‫و ُي ّ‬ ‫قوى البيروقراطية العسكرية واملدنية التي ليس لها غاية وال هدف وال منطق في‬ ‫وجودها سوى إعادة إنتاج نفسها ومراكمة امتيازاتها وتوسيع نفوذها وسيطرتها»‬ ‫(غليون‪ ،)264 ،2003 ،‬إضافة إلى أن الطبقة الوسطى العربية ال تزال تنتج وتعيد‬ ‫إنتاج نفسها من خالل الدولة وليس باستقاللية عنها‪.)Diamond.‬‬ .‫‪ | 100‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫عقائدية واسعة في العالم اليوم‪ ،‬باستثناء ذلك القسم الكبير منه املمتد من‬ ‫اندونيسيا إلى غرب إفريقيا حيث اإلسالم هو الدين الرئيسي واملهيمن»‬ ‫(‪. 1989‬‬ ‫ال ينفي بعض املفكرين العرب أهمية العامل الثقافي‪ ،‬رغم نقدهم للرؤية‬ ‫االستشراقية للثقافة اإلسالمية ودوافعها في استحضار العامل الثقافي‪ ،‬إال أنهم‬ ‫يعتقدون أن هنالك عوامل ثقافية تاريخية ال تزال حاضرة في الوعي العربي تعيق‬ ‫التحول الدميقراطي‪ ،‬مثل العصبية‪ ،‬العشائرية‪ ،‬والريفية‪ ،‬أي زحف الريف إلى املدينة‬ ‫أو «ترييف» املدينة (سالمة‪.‬‬ ‫‪ 4‬‬ ‫املقصود أن يأتي دخل الدولة‪ ،‬ليس من خالل عملية اإلنتاج داخلها‪ ،‬بل من عائدات النفط‬ ‫والعمال املهاجرين‪ ،‬والهبات والقروض وعائدات السياحة‪.‬وهنالك من يرجع غياب‬ ‫التح ّول الدميقراطي إلى غياب املجتمع املدني‪ ،‬أو سيطرة الدولة عليه وعلى تطوره‬ ‫(الصبيحي‪ ،)2000 ،‬أو كما يسميه اجلابري «املجتمع املديني» وذلك لتطويع هذا‬ ‫التعريف ليوائم األوضاع التي مت فيها «استيراد» التعبير‪ ،‬مبعنى أن املجتمع املدني‬ ‫العربي هو التضاد للمجتمع القبلي في احلالة العربية (اجلابري‪. Linz & Lipset.)2000 ،‬‬ ‫كما وتشكل طبيعة الدولة الريعية‪ )Rentier State( 4‬في املنطقة العربية تفسيراً‬ ‫أعمق لغياب التحول الدميقراطي‪ ،‬حيث أن جذور املؤسسات الدميقراطية متتد عميق ًا‬ ‫في حاجة الدولة إلى فرض الضرائب لكي تدعم فعالياتها‪ ،‬ويغيب ذلك في الدولة‬ ‫الريعية (لوتشياني‪،)2000 ،‬‬ ‫وقد وصل تأثير الدولة الريعية إلى الدول غير املنتجة للنفط‪ ،‬من خالل عائدات‬ ‫العمال العرب العاملني في اخلليج‪ ،‬كمصر واليمن‪ .

)2004‬النخب السعودية‪ :‬دراسة في‬ ‫التحوالت واإلخفاقات‪ .‬بيروت‪ :‬مركز دراسات الوحدة العربية‪ .)1996 ،‬‬ ‫اجليل الثاني من األنظمة السلطوية ‪ -‬البحث عن الشرعية‬ ‫ّ‬ ‫شكلت دراسة النخب في العالم العربي مدخال جديداً لقراءة التحوالت السياسية‬ ‫في الدول العربية‪ ،‬وزخرت املكتبة العربية‪ ،‬مؤخراً‪ ،‬بدراسات ق ّيمة حول النخب‬ ‫السياسية وعالقتها في قضايا الدولة واملجتمع‪ ،5‬وقد قدم اجلابري (‪ )1993‬قراءة‬ ‫ق ّيمة لعالقة تطور النخبة السياسية العربية‪ ،‬ومميزاتها‪ ،‬وإشكالية الدميقراطية واملجتمع‬ ‫املدني في الوطن العربي‪ ،‬وأشار إلى ثالث نخب تعاقبت على شكل «النقيض الذي‬ ‫يخرج من جوف الشيء»‪.)2003‬النخبة األردنية وقضايا‬ ‫التحديث والدميقراطية‪ .‬عمان‪ .‬محمد بن صنيتان (‪ .)1993‬النخبة السياسية في مصر‪ :‬دراسة حالة للنخبة‬ ‫الوزارية‪ .‬‬ ‫هنالك‪ ،‬أو ًال‪ ،‬النخبة التي قادت احلركة الوطنية من اجل االستقالل‪ ،‬وقد خرجت‬ ‫من جوف االرستقراطية املدينية التقليدية‪ ،‬لتجد نفسها أمام نقيض يخرج من جوفها‪،‬‬ ‫ويتمثل في نخبة ال تنتمي إلى دائرة االرستقراطية املدينية التقليدية‪ ،‬بل تنحدر‪،‬‬ ‫في الغالب‪ ،‬من فئات سكنت املدن في إطار الهجرة احلديثة من البادية والريف إلى‬ ‫املدينة‪ ،‬والتي تطالب باالنتقال‪ ،‬في النضال الوطني‪ ،‬إلى املوجهة والصدام والكفاح‬ ‫املسلح‪ ،‬وتتسلم زمام احلكم في الدول التسلطية ما بعد االستعمار‪ ،‬وتقوم بقمع‬ ‫املطالب الشعبية باحلرية والعدالة االقتصادية‪ .‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪101‬‬ ‫وتلعب املع ّوقات اخلارجية‪ ،‬عند البعض‪ ،‬عائق ًا أمام التحول الدميقراطي‪ ،‬وهي‬ ‫إما نتيجة مباشرة لتركة االستعمار الطويلة‪ ،‬التي شكلت إرث ًا تاريخي ًا تقي ً‬ ‫ال أعاق‬ ‫التحول الدميقراطي‪ ،‬أو بسبب التدخالت األجنبية في إعاقة مشاريع التحول‬ ‫الدميقراطي (شعبان‪ .‬وفي املقابل‪ ،‬ترتفع أصوات تطالب‬ ‫بالدميقراطية‪ ،‬وهي في الغالب منبعثة من صفوف النخب القدمية املزاحة عن السلطة‪،‬‬ ‫‪ 5‬‬ ‫انظر على سبيل املثال‪ :‬مايسة اجلمل (‪ .‬‬ .‬ناهض حتر (‪ .‬بيروت‪ :‬مركز دراسات الوحدة‪.)2003 ،‬وأخيرا هناك من ارجع إعاقة التحول الدميقراطي إلى‬ ‫طبيعة الدولة التسلطية في العالم العربي (النقيب‪.

‬وقام بورقيبة بتجريد جامع الزيتونة من دوره‬ ‫اإلصالحي من خالل إلغاء دوره كمؤسسة جامعية‪ ،‬في تونس ُبني النظام السلطوي‬ ‫على أنقاض املشروع اإلصالحي‪ ،‬مستندا إلى مشروع حداثوي غربي‪ ،‬أخذ كل ما‬ ‫فيه‪ ،‬ما عدا املشروع السياسي من دميقراطية وحريات سياسية‪.‬‬ .‬وفي هذا السياق‪ ،‬نعتقد أن النظام السلطوي مر بجيلني سياسيني‪.)11-9‬‬ ‫نهدف من خالل مقاربة النخب‪ ،‬إلى تقدمي منوذج جديد في دراستها‪ ،‬يركز في‬ ‫األساس على النخب السلطوية‪ ،‬أي تلك النخب التي نشأت بعد ّ‬ ‫تشكل النظام‬ ‫السلطوي‪ .‬‬ ‫اعتمد اجليل األ ّول‪ ،‬في بنائه للنظام السلطوي‪ ،‬على الشرعية الثورية‪ ،‬حيث‬ ‫حظيت عملية بناء الدولة‪ ،‬في الفترة ما بعد الكولونيالية‪ ،‬بشرعية شعبية استندت‬ ‫إلى التجربة الثورية‪ .‬في تونس قاد بورقيبة حركة التحرر التونسية‪ ،‬املتمثلة في احلزب‬ ‫الدستوري اجلديد‪ ،‬إلى االستقالل في العام ‪ ،1956‬وفي مصر قاد عبد الناصر ثورة‬ ‫الضباط األحرار‪ ،‬للتحرر من العهد امللكي‪ ،‬واحلماية البريطانية‪ ،‬والتواجد األجنبي‬ ‫في البالد‪.‬‬ ‫قام عبد الناصر بتأميم األزهر‪ .‬وقد بنى نتيجة شرعيته الثورية نظام ًا سلطوياً‪ ،‬إذ ألغى التعددية‬ ‫احلزبية‪ ،‬وحرية الصحافة‪ ،‬ومتت على يديه عملية تأميم املجتمع املدني‪ ،‬واملؤسسات‬ ‫الدينية‪.‬‬ ‫فقد مرت األنظمة السلطوية في تونس ومصر بجيلني من القيادات السلطوية‪،‬‬ ‫لعب األول الدور املركزي في تأسيس النظام السلطوي نفسه في املرحلة ما بعد‬ ‫الكولونيالية‪ .‫‪ | 102‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫إلى جانب أصوات التيار اإلسالمي‪ ،‬وهي النخب اجلديدة التي أفرزتها عملية ابرز‬ ‫سماتها االنتقال من البادية إلى املدينة ومن الهوامش إلى املراكز (اجلابري‪،1993 ،‬‬ ‫‪.‬‬ ‫لم تكن الشرعية الثورية الرافعة الوحيدة ملشروع بناء النظام السلطوي العربي‪ ،‬في‬ ‫مصر وتونس‪ ،‬بل ّ‬ ‫شكلت الفلسفة االشتراكية في االقتصاد األساس الثاني الذي قام‬ ‫عليه النظام‪ ،‬فقد عمل النظام االقتصادي االشتراكي في مصر وتونس على تفكيك‬ ‫البنى االقتصادية التقليدية‪.

.‬إذ نبع األمر من دوافع أيديولوجية أكثر مما كان عليه في تونس‪،‬‬ ‫حيث كان الدافع في الثانية اقتصادي ًا وسياسي ًا في املقام األ ّول‪.‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪103‬‬ ‫وفي هذا السياق جتدر اإلشارة إلى أن مصر عبد الناصر كانت مثابرة وأكثر تشددا‬ ‫من ناحية أيديولوجية في إسقاط ال ُبنى االقتصادية االشتراكية على املبنى االقتصادي‬ ‫واالجتماعي املصري‪ ..‬‬ ‫جاء اجليل الثاني من األنظمة السلطوية‪ ،‬فاقدا للشرعية الثورية‪ ،‬في مصر ّ‬ ‫شكلت‬ ‫مرحلة السادات فترة االنتقال من اجليل األول‪ ،‬الذي مثله عبد الناصر‪ ،‬إلى اجليل‬ ‫الثاني الذي مثله حسني مبارك‪ .‬أما بورقيبة‬ ‫فقد اهترئت شرعيته الثورية في أواخر السبعينيات‪ ،‬ووائل الثمانينيات حتت وطأة‬ .‬‬ ‫على كل حال‪ ،‬ما أدعيه أن اجليل األول من األنظمة السلطوية‪ ،‬متيز بأربع‬ ‫خصائص‪ :‬استناده إلى الشرعية الثورية‪ ،‬التي ذبحت الكثير من احلريات السياسية‪،‬‬ ‫في معبدها املقدس ‪ -‬إلى حد أن بورقيبة أدخل تعديال دستوري ًا في العام ‪1975‬‬ ‫يحمل اسمه ينصبه رئيسا لتونس مدى احلياة ـ تبنى نظم اقتصادية اشتراكية‪ ،‬إتباع‬ ‫إستراتيجية اإلقصاء للمعارضة السياسية وخصوصا اإلسالم السياسي‪ ،‬واستعمال‬ ‫خطاب سياسي معاد للدميقراطية في مفرداته‪ ،‬فمثال كان بورقيبة ُيكثر من القول إن‬ ‫الشعب التونسي غير جاهز للدميقراطية‪ ،‬وأن الدميقراطية تعادل شرذمة املجتمع‪ ،‬بل‬ ‫وذهب إلى القول‪« :‬تصير الديكتاتورية ضرورية أحيانا‪ ،‬وباألخص حني تكون الغاية‬ ‫منها تهيئة أسباب الدميقراطية احلقة‪( ».‬احلناشي‪.1987‬‬ ‫لم يشارك اجليل الثاني في حركة التحرر الوطني‪ ،‬لكنه ترعرع في أحضان النظام‬ ‫السلطوي‪ ،‬وقد جاء في ظل اهتراء الشرعية الثورية‪ ،‬فالسادات فقد شرعيته الثورية‬ ‫بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد‪ ،‬وإتباعه سياسات االنفتاح االقتصادي‪ .)42 ،2011 ،‬‬ ‫في املجمل لم يجابه اجليل األول‪ ،‬من األنظمة السلطوية‪ ،‬حتديات سياسية‪ ،‬ما‬ ‫عدا حتدي اإلسالم السياسي‪ ،‬والذي كان حتديا على الهيمنة‪ ،‬وليس على الشرعية‪،‬‬ ‫مبعنى أن اجليل األول‪ ،‬وأن واجه حاالت من االحتجاج الشعبي‪ ،‬أو السياسي‪ ،‬كانت‬ ‫تلك ممارسات عينية‪ ،‬ولم تكن ضد شرعية النظام‪.‬أما في تونس فكانت فترة الثمانينيات مبثابة الفترة‬ ‫التي مهدت للجيل الثاني املتمثل في رئاسة زين العابدين بن علي في العام ‪.

‬ورافق عملية اهتراء‬ ‫الشرعية الثورية صعود لتيار وحتديات اإلسالم السياسي بشكل متزامن في مصر‬ ‫وتونس‪.‬‬ ‫وقد جرت أ ّول انتخابات‪ ،‬في عهده‪ ،‬في العام ‪ 1988‬شاركت فيها احلركات‬ ‫السياسية في تونس‪ ،‬مبا فيها حركة النهضة‪ ،‬التي حصلت على حوالي ‪ %15‬من‬ ‫األصوات‪ ،‬كما فاز في االنتخابات الرئاسية‪ ،‬التي ألغاها بورقيبة في العام ‪ 1975‬بعد‬ .‬‬ ‫قاد اجليل الثاني استراتيجيات سياسية مختلفة عن اجليل األول في محاولة للبحث‬ ‫عن مصادر شرعية جديدة‪ ،‬غير الشرعية الثورية‪ ،‬التي ال ميكن له أن يتمتع بها‪،‬‬ ‫وقد وجدها في الشرعية الدستورية‪ .‬ولبناء الشرعية الدستورية كان ال بد للنظام‬ ‫السلطوي‪ ،‬الذي نشأ في عهد اجليل األول‪ ،‬من االنفتاح السياسي املُسيطر عليه‪،‬‬ ‫مبعنى إصالح حتت السيطرة‪.‬سن بن علي ميثاق ًا وطني ًا وقعت عليه أحزاب املعارضة في تونس‪ ،‬مبا فيها‬ ‫حركة النهضة اإلسالمية‪ ،‬وأعلن عن إلغاء البند الدستوري‪ ،‬الذي ينص على رئاسة‬ ‫مدى احلياة‪ ،‬وقصرها على فترتني‪.‬‬ ‫مع صعود اجليل الثاني في مصر وتونس‪ ،‬قام كالهما بتغيير اخلطاب السياسي نحو‬ ‫مزيد من استعمال املفردات الدميقراطية‪ ،‬فبدأ الرجالن (مبارك وبن علي) باحلديث‬ ‫عن أهمية الدميقراطية‪ ،‬واإلصالح السياسي‪ ،‬كما أفصحا بالفعل عن نية الترشح‬ ‫لفترتني رئاسيتني فقط‪ ،‬وقاما بتعديالت دستورية فتحت املجال السياسي في النظام‬ ‫السلطوي‪ .‬وبغض النظر عن املُسميات فان هذه األنظمة‪ ،‬التي هي ال‬ ‫سلطوية طاهرة وال دميقراطية حقيقية‪ ،‬تهدف إلى تعزيز سيطرة النخبة السياسية‬ ‫احلاكمة‪ ،‬ليس من خالل إتباع استراتيجيات اإلقصاء وحسب‪ ،‬بل من خالل دمجها‬ ‫الستراتيجيات االحتواء‪ ،‬احتواء املعارضة واالنفتاح السياسي املضبوط‪ ،‬أيضاً‪.‫‪ | 104‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫األزمات االقتصادية املتالحقة‪ ،‬واالحتجاجات االقتصادية والعمالية‪ ،‬التي قادتها‬ ‫النقابات العمالية وعلى رأسها االحتاد العام التونسي للشغل‪ .‬‬ ‫ثمة مسميات كثيرة في األدبيات السياسية لإلصالح حتت السيطرة السلطوية‪،‬‬ ‫هنالك من يسميها «انتخابات بدون دميقراطية»‪ ،‬أو «نظام سلطوي تنافسي» أو‬ ‫«دميقراطية هجينة»‪ .

‬‬ ‫وقد كانت عودة اجليل الثاني إلى مواقع األنظمة السلطوية القدمية‪ ،‬باالعتماد على‬ .‬وهذه اخلطوات كانت تهدف إلى حتسني املستوى املعيشي للناس‪،‬‬ ‫وحتقيق التنمية‪ ،‬وخصوصا بعد األزمات االقتصادية التي حلت بتونس ومصر‪ ،‬في‬ ‫سنوات السبعينيات وحتديدا في العام ‪ 1977‬في كال البلدين بصورة متزامنة ومثيرة‪.‬‬ ‫صحيح أن هذا اجليل تراجع عن هذا االنفتاح‪ ،‬أو ضبط إيقاعه‪ ،‬بشكل اكبر‪ ،‬في‬ ‫تونس أكثر مما كان عليه احلال في مصر‪ ،‬إال أن عودة السياسية إلى املجال العام‪ ،‬جعل‬ ‫من الصعوبة مبكان التراجع عن انعكاساتها على املجتمع‪ ،‬واملجال السياسي العام‪،‬‬ ‫وخاصة وأن الشرعية الدستورية‪ ،‬أو السياسية‪ ،‬سريعة االهتراء واالستنزاف‪ ،‬مقارنة‬ ‫بالشرعية الثورية‪.‬‬ ‫املهجن‪ ،‬في مصر وتونس‪ ،‬لنشوء وعي سياسي‬ ‫وقد ّ‬ ‫مهد بناء النظام الدميقراطي ّ‬ ‫دميقراطي ال يقبل العودة إلى املاضي السلطوي من جديد‪ .‬‬ ‫اتبع اجليل الثاني‪ ،‬وبالذات في مصر‪ ،‬ولسنوات عديدة في تونس أيضا‪،‬‬ ‫إستراتيجية االحتواء للتيار اإلسالمي‪ ،‬وليس اإلقصاء‪ ،‬كان الهدف دمج هذا التيار‬ ‫في النظام السياسي‪ ،‬وعزله عن التيار اجلهادي‪ .‬‬ ‫استهدفت تلك اخلطوات تعزيز الشرعية الدستورية والسياسية للجيل الثاني من‬ ‫األنظمة السلطوية‪ ،‬بيد أنها أسهمت في إرجاع السياسة إلى احليز العام من جديد‪.‬فقد ازدادت قوة املجتمع‬ ‫املدني في عهد اجليل الثاني‪ ،‬وقوة القوى االجتماعية اجلديدة‪ ،‬وأصبح اخلطاب‬ ‫الدميقراطي خطاب ًا حيوي ًا وديناميكي ًا في املجالني السياسي التونسي واملصري‪.‬‬ ‫في املقابل قام مبارك بإجراء أ ّول انتخابات مفتوحة في مصر في العام ‪،1984‬‬ ‫شاركت فيها األحزاب املصرية اجلديدة‪ ،‬وكذلك التاريخية منها‪ ،‬مثل حزب الوفد‪،‬‬ ‫وحركة األخوان املسلمني‪ .‬واستمر هذا االنفتاح بإجراء انتخابات مفتوحة م ّرة أخرى‬ ‫في العام ‪ 1987‬شارك فيها األخوان‪ ،‬أيضا‪ ،‬وباقي أحزاب املعارضة‪.‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪105‬‬ ‫تعديله للدستور في العام نفسه‪.‬وبالقدر نفسه انحرف هذا اجليل‬ ‫بشكل راديكالي عن السياسات االقتصادية االشتراكية‪ ،‬وتبنى سياسات رأسمالية‬ ‫اعتمدت على اخلصخصة‪ ،‬مكان االشتراكية حلت الرأسمالية‪ ،‬ومكان التأميم جاءت‬ ‫اخلصخصة‪ .

)16 ،2011-3-20 ،‬‬ ‫لقد شكلت الثورة اإلعالمية التفاف ًا على أدوات النظام التقليدية للسيطرة واملراقبة‬ ‫وحتديد احلريات‪ ،‬فلم تعد هنالك أهمية لتقييد حرية الصحافة‪ ،‬أو حرية التعبير‪،‬‬ ‫وانتقلت املعارضة السياسية إلى العالم االفتراضي خارج أسوار البرملانات‪ ،‬ومجالس‬ .‬‬ ‫بدأ العالم العربي االرتباط باالنترنت في النصف األول من عقد التسعينيات‬ ‫املاضي‪ ،‬ارتبطت تونس باالنترنت في العام ‪ ،1991‬ومصر في العام ‪ ،1993‬ووصل‬ ‫عدد مستعملي االنترنت في العالم العربي في العام ‪ 2001‬إلى حوالي ‪ 3.‬ال ميكن للنظام السياسي االنفتاح ثم االنغالق‪ ،‬وخصوصا‬ ‫في ظل الثورة اإلعالمية احلديثة‪.‬‬ ‫في مصر كانت العودة إلى مواقع النظام السلطوي‪ ،‬واالبتعاد عن الدميقراطية‬ ‫املهجنة‪ ،‬بسبب اعتناق النظام ملشروع التوريث‪ .‫‪ | 106‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫الشرعية الدستورية‪ ،‬نوع ًا من االنتحار بالنسبة لهذه األنظمة‪.2‬مليون‪ ،‬ووصل عددهم في شبكة «تويتر»‬ ‫إلى ‪ 27‬ألفا (جريدة الشروق املصرية‪.43‬مليون‬ ‫مشترك‪ .‬‬ ‫املهجن‪ :‬عدم إمكانية العودة م ّرة أخرى إلى‬ ‫اخلطأ الذي وقع فيه النظام املصري ّ‬ ‫مهجنة‪ ،‬نتيجة ما طرأ من تط ّور على الوعي‬ ‫نظام سلطوي‪ ،‬بعد تبني دميقراطية ّ‬ ‫السياسي واخلطاب الدميقراطي‪ ،‬وكالهما ُيسهم في رفع سقف التوقعات السياسية‬ ‫واالجتماعية لدى الناس‪ .‬كان مشروع التوريث ُينذر بهدم‬ ‫ّ‬ ‫كل املنجزات الدستورية والسياسية التي حتققت في مصر‪ ،‬وبالفعل ازداد النظام‬ ‫انغالق ًا وإغالق ًا للمجال السياسي‪ ،‬بعد أن الح في األفق مشروع التوريث‪ ،‬فتم تبديل‬ ‫النخبة السياسية املصرية‪ ،‬التي كانت نخبة الدولة‪ ،‬واقل من نخبة النظام‪ ،‬وذلك‬ ‫لتسهيل مشروع التوريث‪.)263 ،2005 ،‬‬ ‫عشية الثورة املصرية وصل عدد مستعملي االنترنت في مصر إلى حوالي ‪21‬‬ ‫مليون‪ ،‬ووصل معدل الولوج إلى االنترنت حوالي ‪ 900‬دقيقة في الشهر‪ ،‬ووصل عدد‬ ‫مستعملي شبكة «الفيسبوك» إلى ‪ 4.‬وازداد العدد بصورة كبيرة ووصل إلى حوالي ‪ 12‬مليون في العام ‪،2002‬‬ ‫والى حوالي ‪ 14‬مليون في العام ‪ ،2005‬كما ازداد عدد مواقع االنترنت في العالم‬ ‫العربي إلى ‪ 700‬موقع في ‪ 15‬دولة عربية (رحومة‪.

)2008-7-6‬‬ ‫إضافة إلى الشبكة االلكترونية‪ ،‬ساهمت احملطات الفضائية في فتح املجال‬ ‫السياسي قسراً في الدول العربية‪ ،‬وقد أشارت أبحاث عديدة إلى التحوالت التي‬ ‫أحدثتها اإلعالم الفضائي اإلخبارية باألساس على الوعي السياسي‪ ،‬وتعميق اخلطاب‬ ‫الدميقراطي (‪.6‬‬ ‫كما أشار بحث أجراه مركز أبحاث في مصر إلى أن ‪ %30‬من املدونات في العالم‬ ‫العربي مصرية‪ ،‬ووصل عددها إلى حوالي ‪160‬الف ُمد ّونة في العام ‪ ،2008‬وأضاف‬ ‫البحث أن اغلب املدونني هم من الفئة العمرية ‪ 30 -20‬سنة‪ ،‬كما أن ‪ %79‬من‬ ‫املدونات املصرية موجودة في مصر مقابل ‪ %21‬في اخلارج (جريدة الشرق األوسط‪،‬‬ ‫‪.‬وأما اجلندية فتفسد أخالق األمة حيث تعلمها الشراسة‪ ،‬والطاعة العمياء‪،‬‬ ‫واالتكال‪ ،‬ومتيت النشاط وفكرة االستقالل‪ ،‬وتُك ِّلف األمة اإلنفاق الذي ال يطاق‪،‬‬ ‫وكل ذلك منصرف لتأييد االستبداد املشؤوم‪ ،‬استبداد احلكومات القائدة لتلك القوة‬ ‫من جهة‪ ،‬واستبداد األمم بعضها على بعض من جهة أخرى» (الكواكبي‪،2007 ،‬‬ ‫‪..net/?p=7052&page=7‬‬ . 2005.)Auter. Hugh. 2005‬‬ ‫دور اجليش‪ :‬احلفاظ على التحول الدميقراطي‪:‬‬ ‫قبل أكثر من مائة عام تنبه الكواكبي لدور اجليش في االستبداد‪ ،‬فكتب في كتابه‬ ‫طبائع االستبداد ومصارع االستعباد‪:‬‬ ‫«‪ .‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪107‬‬ ‫الشعب‪ ،‬والنواب‪ .anhri... Arafa and Al-Jaber.‬ففي تقرير أعدته الشبكة العربية ملعلومات حقوق اإلنسان‪ ،‬إشارة‬ ‫إلى أن عدد املدونات في العالم العربي وصل في العام ‪ 2009‬إلى حوالي ‪ 600‬ألف‬ ‫ُمد ّونة‪.)25‬‬ ‫لم يخطئ الكواكبي قراءته لدور اجليوش في العالم العربي بعد أكثر من نصف‬ ‫قرن على صدور كتابه‪ ،‬وفي ظل الدولة العربية احلديثة‪ ،‬إال أننا نشهد تغيراً في دور‬ ‫‪ 6‬‬ ‫‪http://www.

‬‬ ‫بني السنوات ‪ 1987-1935‬وقع في العالم العربي نحو ‪ 78‬من االنقالبات‬ .‬‬ ‫وقبل اخلوض في التحوالت التي حدث للجيش العربي في الدولتني‪ ،‬ال بد من‬ ‫اإلشارة إلى الدور «االيجابي» الذي لعبته األنظمة السلطوية في كل من مصر وتونس‬ ‫في بناء جيش وطني مثّل بوتقة صهر وطنية للطبقات االجتماعية املختلفة‪ .)171 ،1999 ،‬وضم‬ ‫في صفوفه أبناء الطبقة الوسطى اجلديدة‪ ،‬التي تشكلت في املجتمعات العربية في‬ ‫النصف األول من القرن العشرين‪ ،‬وخرجت ضد الكولونيالية من جهة‪ ،‬وضد املبنى‬ ‫السياسي القدمي الذي قاده األعيان والقوى املدينية احملافظة من جهة أخرى‪ ،‬كما‬ ‫خرجت ضد اجلهاز السياسي الذي ساد قبل االنقالبات‪ ،‬وافسد احلياة السياسية‪،‬‬ ‫رغم التعددية التي سادت فيه‪ ،‬وحتديدا في مصر‪.‬‬ ‫ويشير سالمة إلى أن «املجتمع بعد استقالل الدولة دعا العسكر إلى تسلم األمور‬ ‫وملء الفراغ الذي تركته قوات املستعمر بعد جالئها (سالمة‪ .‫‪ | 108‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫العسكر‪ ،‬وان تفاوت دوره من مكان آلخر‪ ،‬حيث متثل الثورات العربية في تونس‬ ‫ومصر حتو ًال هام ًا في دور اجليش في التحول الدميقراطي‪ ،‬حتتاج دراسة دور اجليش‬ ‫إلى مقاربات نظرية جديدة في التعاطي مع دوره في التحول الدميقراطي‪ ،‬غير تلك‬ ‫املقاربات التي تعاطت معه في عملية بناء النظام السلطوي العربي‪.‬‬ ‫تشكلت األنظمة السلطوية في غالبها نتيجة انقالبات عسكرية‪ ،‬في النصف‬ ‫الثاني من القرن العشرين‪ ،‬كان اجليش‪ ،‬أو باألحرى العسكر‪ ،‬القوة األكثر تنظيما‬ ‫في املجتمعات العربية‪ ،‬واعتبر علماء االجتماع العسكري في العالم الثالث‪ ،‬املؤسسة‬ ‫العسكرية األكثر عصرانية وتنظيما في مجتمع منقسم على نفسه‪ ،‬فكان اجليش‬ ‫مؤسسة وطنية جامعة في مجتمع متشرذم‪.‬من‬ ‫الصعوبة التعميم النظري للحالة املصرية والتونسية على باقي الدول العربية‪ ،‬فاجليش‬ ‫لم يلعب حتى اآلن الدور في اإلصالح السياسي في سوريا مثال‪ ،‬وفي اليمن انقسم‬ ‫اجليش على نفسه بني مؤيد للثورة وبني مؤيد للرئيس‪ ،‬ولكن هذا االنقسام ساهم في‬ ‫حد ذاته في إعطاء نفس للثورة اليمنية‪ ،‬ألن انقسام قيادات اجليش منع قيادة اجليش‬ ‫املؤيدة للرئيس اليمني من اتخاذ خطوات قمعية ضد املتظاهرين‪.

‬‬ ‫أدى استتباب النظام السلطوي‪ ،‬وتبدل النخب السلطوية‪ ،‬في مصر وتونس‪ ،‬مع‬ ‫صعود اجليل الثاني‪ ،‬إلى االهتمام أكثر باألجهزة األمنية البوليسية واملخابراتية‪ ،‬لم يتم‬ .‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪109‬‬ ‫العسكرية‪ 47 ،‬منها كانت ناجحة‪ ،‬أدت إلى نشوء أنظمة سلطوية‪ ،‬أو كما يسميها‬ ‫خلدون النقيب تسلطية (النقيب‪.‬‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬متتع اجليش‪ ،‬كمؤسسة‪ ،‬بكل االمتيازات السياسية واالقتصادية‬ ‫واملكانة االجتماعية في املجتمع (عبد املالك‪ .)1974 ،‬ساهمت هذه االمتيازات‬ ‫والتداخل بني العسكر والسياسية في تغييب احلدود الفاصلة بني العسكرية واملدنية‪،‬‬ ‫في الدول العربية‪ ،‬حتى أن غسان سالمة ُيطلق على هذا التالحم مصطلح «عسكرة‬ ‫املجتمع» (سالمة‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬قام العسكر‪ ،‬بصياغة دستور يكرس أنظمة سلطوية ُمغلقة‪،‬‬ ‫وحتول إلى الذراع‪ ،‬واملؤسسة األساسية‪ ،‬احلامية للنظام السلطوي‪ ،‬وحت ّول قادته إلى‬ ‫القيادات السياسية للدولة‪ ،‬مجلس الدولة أصبح عمليا مجلس العسكر‪ ،‬أو كما كان‬ ‫ُيطلق عليه «مجلس الثورة» أو «مجلس قيادة الثورة»‪.)169 ،1999 ،‬‬ ‫تعززت شرعية النظام السلطوي‪ ،‬من اجليل األول‪ ،‬بفضل التالحم بني النخبة‬ ‫السلطوية واجليش‪ ،‬االنقالبات والثورات العسكرية في طبعها أدت إلى إمساك‬ ‫العسكر بخيوط الشرعية‪ ،‬فكان يعطيها ويسحبها‪ .)110-109 ،1996 ،‬‬ ‫لم يحصر العسكر نفوذهم في مجالهم املهني‪ ،‬اجليش‪ ،‬بل أصبحت النخبة‬ ‫العسكرية جزءا من احليز العام في كل مجاالت احلياة‪ .‬لم تكن الشرعية في فترة الثورات‬ ‫العسكرية مع الشعب‪ ،‬بل استحوذ عليها العسكر‪ ،‬ولم يعترض الناس على ذلك بل‬ ‫نظروا إلى اجليش على أنه احلامي الطبيعي للبالد‪ ،‬في فترة ما بعد الكولونيالية‪،‬‬ ‫واالستقالل الوطني‪.‬ومع جناح الثورات العسكرية‬ ‫أو االنقالبات العسكرية‪ ،‬بدأ العسكر في السيطرة على مصادر القوة والنفوذ في‬ ‫الدولة‪ ،‬مثل الوزارات‪ ،‬واحلكومات‪ ،‬ووسائل اإلعالم‪ ،‬كما قام العسكر في مصر‪،‬‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬بتقييد حرية الصحافة‪ ،‬وإلغاء األحزاب‪ ،‬املسؤولة في تصورهم عن‬ ‫إفساد احلياة السياسية في مصر قبل الثورة‪.

‫‪ | 110‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫ذلك على حساب اجليش طبعاً‪ ،‬ولكنه أعطى الفرصة للعسكر واجليش لبناء جهاز‬ ‫وطني يضم مختلف فئات الشعب‪.‬‬ ‫في الثورتني التونسية واملصرية كان اجليش املتغير األساس في جناح الثورتني‪،‬‬ ‫وإسقاط النظام السلطوي‪ ،‬فقد أدى وقوف اجليش إلى جانب املطالب الشرعية للثوار‪،‬‬ ‫في مصر وتونس‪ ،‬إلى سقوط النظامني هناك‪ .‬وقف اجليش مع الثورة دون أن ميسك‬ ‫بشرعيتها‪ ،‬مبعنى انه وقف مع الناس‪ ،‬وأبقى الشرعية بيد الشعب‪ .‬وهذه كانت‬ ‫نقطة قوة لتلك الثورات‪ ،‬حيث انتقلت الشرعية السياسية من النظام السلطوي إلى‬ ‫الشعب‪ ،‬دون أن متر إلى اجليش‪.‬‬ ‫أفرد اجليل الثاني من األنظمة السلطوية‪ ،‬في مصر وتونس‪ ،‬حيزا مستقال للجيش‬ ‫عن النظام‪( ،‬هذا احليز لم يكن قائما في سوريا مثال‪ ،‬وتتفاوت مساحته وسمك‬ ‫جدرانه من دولة ألخرى)‪ ،‬وفي الوقت نفسه منح النظام املصري امتيازات‪ ،‬ذات طابع‬ ‫اقتصادي‪ ،‬للجيش جعلته بعيداً عن املشهد السياسي املصري‪.‬واألهم من ذلك‬ ‫كله ـ وهو ما يقلب املقاربات البحثية والنظرية القدمية حول دور اجليش في األنظمة‬ ‫التسلطية ـ أن اجليش لم يقم بانقالب عسكري على النظام‪ ،‬إلنشاء شرعية جديدة‪،‬‬ ‫ونظام يقف على رأسه‪ ،‬باسم عدم االستقرار‪.‬وقوف اجليش مع الثورة حسم املوقف في تونس ومصر‪ .‬لم تغر السلطة في مصر‬ ‫وتونس العسكر لالنقضاض على الثورة والنظام معاً‪ ،‬إذ وقف اجليش مع الشرعية‬ .‬‬ ‫وقد اعتقد النظام السلطوي أن التركيز على األذرع األمنية سوف يؤدي إلى‬ ‫استقراره‪ ،‬لهذا السبب رأينا أن دخول اجليش املصري إلى ميادين وشوارع الثورة‬ ‫في مصر قوبل بترحاب شديد‪ ،‬على عكس الشرطة واألمن املركزي‪ ،‬التي ارتبطت‬ ‫بالنظام السلطوي بينما ارتبط اجليش بالشعب‪.‬‬ ‫وتؤكد األحداث التي تلت الثورة في مصر‪ ،‬من إجراء تعديالت دستورية‪،‬‬ ‫وحتديد موعد لالنتخابات‪ ،‬وحترير احليز السياسي العام من قيوده‪ ،‬على الدور الذي‬ ‫قد يلعبه اجليش في التحول الدميقراطي في مصر وتونس‪ .‬‬ ‫كما أبقى اجليش الشرعية الشعبية مع الناس‪ ،‬دون أن يطالب بها‪ ،‬أو يستحوذ‬ ‫عليها‪ .

‬‬ ‫جدول يبني التغيير في موقع اجليش املصري في ثورتي ‪ 1952‬و‪2011‬‬ ‫اجليش ‪1952‬‬ ‫اجليش ‪2011‬‬ ‫الثورة‪:‬‬ ‫عسكرية مع دعم شعبي‬ ‫شعبية مع دعم عسكري‬ ‫الدور‪:‬‬ ‫تأسيس واحلفاظ على النظام دعم االنتقال إلى الدميقراطية‬ ‫السلطوي‬ ‫مصدر الشرعية‪ :‬اجليش‬ ‫األيديولوجية‪:‬‬ ‫وطنية مصرية ووحدة عربية‬ ‫الشعب‬ ‫احلرية والدميقراطية‬ ‫اخلامتة‪:‬‬ ‫ناقشنا في هذا البحث ثالث مقاربات نظرية نعتقد أنها هامة في دراسة الثورات‬ ‫العربية‪ ،‬والشيء املؤكد أن نظريات التحول الدميقراطي‪ ،‬التي حاولت إسقاط مفرداتها‬ ‫وتشكيالتها النظرية‪،‬لم تعد تنفع في دراسة التحول الدميقراطي في العالم العربي‬ ‫اآلن‪ .‫مقاربات نظرية للثورات العربية‪ :‬الحالة المصرية والتونسية | ‪111‬‬ ‫الشعبية‪ ،‬وهي الشرعية التي ستتحول إلى شرعية دستورية من جديد تستند في‬ ‫تداول السلطة إلى االنتخابات‪.‬‬ ‫طبعا هنالك قضايا أخرى ملحة حتتاج إلى دراسة في سياق الثورات العربية غير‬ ‫املوضوعات املطروحة في هذه الورقة‪ ،‬ومنها مثال اكتمال بناء الهوية الوطنية اجلامعة‪،‬‬ ‫فمثال حتى اآلن ميكن تقسيم الثورة العربية إلى مرحلتني‪ ،‬أو موجتني‪ :‬املوجة األولى‬ ‫انتهت بنجاح الثورتني التونسية واملصرية في إسقاط النظام‪ ،‬أما املرحلة الثانية‬ ‫فتمثلت في الثورات العربية في البحرين‪ ،‬ليبيا‪ ،‬سوريا واليمن‪ ،‬ومظاهرات متفرقة‬ ‫في بلدان أخرى‪.‬‬ .‬وخصوصا النظرية الثقافية التي انطلقت من ادعاء أن عائقا ثقافيا وتراثيا لدى‬ ‫العرب مينعهم من االنتقال إلى النظام الدميقراطي‪.

‬وال شك أن‬ ‫الثورات العربية سوف تفتح املجال إلعادة النظر في مقاربات نظرية كثيرة وهذا أول‬ ‫الغيث‪ ،‬والطريق في لتأطيرها نظرياً‪ ،‬واإلحاطة بها بحثي ًا ال يزال طويالً‪.‬‬ ‫كما أن اجليش لم يقف إلى جانب املتظاهرين في هذه الدول‪ ،‬وانقسم على نفسه‬ ‫في اليمن وليبيا‪ .2011‬‬ .‬هذه األنظمة لم تستطع‬ ‫بناء هوية وطنية جامعة‪ ،‬وال ّ‬ ‫شكل اجليش فيها بوتقة النصهار الهويات‪ .‬‬ ‫في دول املرحلة الثانية كان عنف النظام أكثر قسوة‪ ،‬ووصل األمر إلى حد حرب‬ ‫أهلية في ليبيا‪ ،‬وضرب املدن السورية باملدافع والدبابات‪ ،‬كما طال أمد الثورة‪،‬‬ ‫ولم يحدث إجماع شعبي عربي عليها‪ ،‬فقد اختلف املتفقون على الثورة املصرية‬ ‫والتونسية على األحداث في البحرين‪ ،‬وسوريا‪.‬لعبت الهوية املذهبية دورا في البحرين‪ ،‬والهوية الطائفة كانت‬ ‫حاضرة في سوريا‪ ،‬مما أعاق جناح الثورات هناك حتى اآلن‪ .‬كانت مصر وتونس من أقدم الوحدات السياسية‬ ‫العربية‪ ،‬حتى قبل استقاللها كانت تونس وحدة سياسية مستقلة من الناحية اإلدارية‬ ‫والسياسية‪.‬حيفا‪ :‬جامعة حيفا‪،‬‬ ‫‪.‫‪ | 112‬الكرمل الجديد | ‪ | 1‬صيف ‪2011‬‬ ‫متيزت املرحلة األولى بسرعة إسقاط النظام‪ ،‬وباإلجماع الشعبي العربي على هذا‬ ‫الهدف‪ ،‬رد فعل النظام‪ ،‬مقارنة مع النظام الليبي أو اليمني والسوري‪ ،‬كان اقل‬ ‫قمعية وضربا للثوار (من ناحية نسبية)‪ ،‬وينبع هذا األمر في اعتقادنا من اكتمال‬ ‫مشروع بناء الهوية الوطنية في هذه الدول‪ ،‬األمر الذي انعكس أيضا على حالة بناء‬ ‫اجليش‪ ،‬الذي كان جيشا وطنيا‪ .‬‬ ‫أنهى الكاتب رسالة الدكتوراه في كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا‪ ،‬بعنوان‪ :‬اإلسالم السياسي‬ ‫والتحول الدميقراطي في األنظمة السلطوية العربية‪ :‬دراسة مقارنة بني مصر وتونس‪ .