‫عبقرية )الفاروق( عمر بن الخطاب‬

‫لعباس العقاد‬
‫في ‪ 300‬صفحة يتحدث الكاتب والمفكر الكبير عباس محمود‬
‫العقاد عن شخصية عمر بن الخطاب رضى ال عنه‪ ،‬وذلك في‬
‫كتابه »عبقرية عمر«‪ ..‬ويبدأ العقاد كتابه بماذا يعنيه من وصف‬
‫عبقري ويقول‪» :‬لم أر عبقريا يفري فرية« وهي كلمة قالها النبي‬
‫عليه السل م في عمر رضي ال عنه‪ ،‬وهي كلمة ل يقولها إل عظيم‬
‫عظماء‪ ،‬خلق لسياسة المم وقيادة الرجال‪.‬‬
‫فمن علمات العظمة التي تحيي أموات المم أن تختص بقدرتين ل‬
‫تعهدان في غيرها‪ ،‬أولهما أن تبتعث كوامن الحياة ودوافع العمل في‬
‫المة بأسرها وفي رجالها الصالحين لخدمتها‪ ،‬والخرى أن تنفذ‬
‫ببصيرتها إلى أعماق النفوس فتعرف بالبديهة الصائبة والوحي‬
‫الصادق فيم تكون عظمة العظيم‪ ،‬ولي المواقف يصلح‪ ،‬وبأي‬
‫العمال يضطلع‪ ،‬ومتى يحين أوانه وتجب نديته ومتى ينبغي‬
‫التريث في أمره إلى حين‪.‬‬
‫يقول العقاد كلتا القدرتين كان لهما الحظ الوافر في سيرة عمر بن‬
‫الخطاب فأين ـ لول الدعوة المحمدية التي بعثت كوامن العظمة في‬
‫أمة العرب ـ كنا نسمع بابن الخطاب؟ وأي موضع له كان من‬
‫مواضع هذا التاريخ العالمي الذي يزخر بكبار السماء؟‬
‫إنه الن اسم يقترن بدولة السل م ودولة الفرس ودولة الرو م وكل‬
‫دولة لها نصيب في التاريخ‪ .‬فأين كنا نسمع باسم عمر لول البعثة‬
‫المحمدية؟ لقد كان ول ريب خليقا أن يستوي على مكان الزعامة‬
‫بين بني عدي آله القربين‪ ،‬أو بين قريش قبيلته الكبرى‪ ،‬ثم ينتهي‬
‫شأنه هناك كما انتهى شأن زعماء آخرين لم نسمع لهم بخير لنهم‬
‫عظموا أو لم يعظموا‪ ،‬يعطون البيئة كفاء ما تطلب من جهد‬
‫ودراية‪ ،‬وهي تطلب منهم ما يذكرون به في بيئتهم‪ ،‬ولكنها ل تطلب‬
‫منهم ما يذكرون به في أقطار العالم البعيد‪.‬‬

‫وقد كان عمر قوي النفس بالغا في القوة النفسية‪ ،‬ولكنه على قوته‬
‫البالغة لم يكن من أصحاب الطمع والقتحا م‪ ،‬ولم يكن ممن يندفعون‬
‫إلى الغلبة والتوسع في الجاه والسلطان بغير دافع يحفزه إليه وهو‬
‫كاره‪ .‬لنه كان مفطورا على العدل وإعطاء الحقوق والتزا م‬
‫الحرمات ما التزمها الناس من حوله‪.‬‬
‫وفي فصل بعنوان »رجل ممتاز« يقول العقاد‪ :‬يوصف عمر‬
‫بالعبقرية إذا نظرنا إلى أعماله‪ ،‬ويوصف بها إذا نظرنا إلى تكوينه‬
‫الذي جعله مستعدا لتلك العمال مضطلعا بتلك القدرة بالعمل الذي‬
‫تستطيعه‪ ،‬لما يتفق أحيانا من وقوف العوائق بينه‬
‫وبين النجاز أو التجاه إلى ذلك العمل‪.‬‬
‫إل أن عمر كان رجل ممتازا بعمله‪ ،‬ممتازا بتكوينه‪ ،‬وكان وفاء‬
‫شرط المتياز والتفرد في عرف القدمين والمحدثين‪ ،‬من المؤمنين‬
‫بدينه وغير المؤمنين‪.‬‬
‫وأكثر كل م العقاد تشويقا في هذا الكتاب هو مايتعلق بهيبة عمر‬
‫رضي ال عنه‪ ..‬يقول العقاد‪ :‬كان مهيبا رائع المحضر حتى في‬
‫حضرة النبي الذي تتطامن عنده الجباه‪ ،‬وأولها جبهة عمر‪.‬‬
‫اذن النبي يوما لجارية سوداء‪ ،‬أن تفي بنذرها »لتضربن بدفها‬
‫فرحا إن رده ال سالما« فأذن لها عليه السل م أن تضرب بالدف‬
‫بين يديه‪ .‬ودخل أبو بكر وهي تضرب‪ ،‬ثم دخل علي وهي تضرب‪،‬‬
‫ثم دخل عثمان وهي تضرب‪ ،‬والصحابة مجتمعون‪.‬‬
‫فما هو إل أن دخل عمر حتى وجمت الجارية وأسرعت إلى دفها‬
‫تخفيه‪ ،‬والنبي عليه السل م يقول‪» :‬إن الشيطان ليخاف منك يا‬
‫عمر» !‬
‫وروت السيدة عائشة رضى ال عنها أنها طبخت له عليه السل م‬
‫حريرة ودعت سودة أن تأكل منها فأبت‪ ،‬فعزمت عليها لتأكلن أو‬
‫لتلطخن وجهها‪ ،‬فلم تأكل‪ ،‬فوضعت يدها في الحريرة ولطختها بها‪.‬‬
‫وضحك النبي عليه السل م وهو يضع الحريرة بيده لسودة ويقول‬
‫لها‪ :‬لطخى أنت وجهها ففعلت‪.‬‬
‫ومر عمر فناداه النبي‪ :‬يا عبد ال؟ وقد ظن أنه سيدخل فقال لهما‪:‬‬

‫قوما فاغسل وجهيكما!‬
‫قالت السيدة عائشة‪ :‬فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫ومن تلك الهيبة أنها كانت رضى ال عنها تتحفظ في زيارة قبره‬
‫بعد موته‪ ،‬وحكت ذلك فقالت‪» :‬مازلت أضع خماري وأتفضل في‬
‫ثيابي وأقول‪ :‬إنما زوجي وأبي‪ ،‬حتى دفن عمر بن الخطاب‪ ،‬فلم‬
‫أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا فتفضلت‬
‫بعد‪.‬‬
‫وإن من أدب الرسول عليه السل م أنه كان يرعى تلك الهيبة رضى‬
‫عنها واغتباطا بأثرها في نصرة الحق وهزيمة الباطل وتأمين الخير‬
‫والصدق وإخافة أهل البغي والبهتان‪.‬‬
‫وقد كان الذين يعرفون عمر أهيب له من الذين يجهلونه‪ ..‬وتلك‬
‫علمة على أن هيبته كانت قوة نفس تمل الفئدة قبل أن تمل‬
‫النظار فربما اجترأ عليه من لم يعرفه ومن لم يختبره لتجافيه عن‬
‫الخيلء وقلة اكتراثه للمظهر والثياب‪ .‬أما الذين عرفوه واختبروه‬
‫فقد كان يروعهم على المفاجأة روعة ل تذهبها اللفة وطول‬
‫المعاشرة‪،‬ومن ذاك أنه كان يمشى ذات يو م وخلفه عدة من أصحاب‬
‫رسول ال إذ بدا له فالتفت‪ ،‬فلم يبق منهم أحد إل وحبل ركبتيه‬
‫ساقط! وتنحنح عمر والحجا م يقص له شعره فذهل الحجا م عن نفسه‬
‫وكاد أن يغشي عليه‪ ،‬فأمر له بأربعين درهما‪.‬‬
‫فهي هيبة من قوة النفس قبل أن تكون من قوة الجسد‪ .‬إل أنه من‬
‫هذا كان في منظر الجسد رائعا يهول من يراه‪ ،‬ول يذهب الخوف‬
‫منه إل الثقة بعدله وتقواه‪.‬‬
‫ويقول العقاد أشار عمر في قول صريح حين قال لمن هابوه‬
‫وتحدثوا بخوف الناس منه‪ :‬بلغني أن الناس هابوا شدتي وخافوا‬
‫غلظتي وقالوا‪ :‬قد كان عمر يشتد علينا ورسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم بين أظهرنا‪ ،‬ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه‪ ،‬فكيف وقد‬
‫صارت المور إليه‪ .‬ومن قال ذلك فقد صدق‪ ،‬فقد كنت مع رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم عبده وخادمه‪ .‬وكان من ل يبلغ أحد صفته‬

‫من اللين والرحمة‪،‬‬
‫وكان كما قال ال‪» :‬بالمؤمنين رؤوف رحيم«‪ ،‬فكنت بين يديه‬
‫سيفا مسلول حتى يغمدني أو يدعن فأمضي‪.‬‬
‫فلم أزل مع رسول ال صلى ال عليه وسلم على ذلك حتى توفاه ال‬
‫وهو عني راض‪ ،‬والحمد ل على ذلك كثيرا وأنا به أسعد‪ .‬ثم ولي‬
‫أمر المسلمين أبو بكر فكان ممن ل ينكرون دعته وكرمه ولينه‪،‬‬
‫فكنت خادمه وعونه‪ ،‬اخلط شدتي بلينه‪ ،‬فأكون سيفا مسلول حتى‬
‫يغمدني أو يدعني فأمضي‪ ،‬فلم أزل معه كذلك حتى قبضه ال عز‬
‫وجل وهو عنى راض‪ ،‬والحمد ل على ذلك كثيرا وأنا به أسعد‪ .‬ثم‬
‫إني قد وليت أموركم أيها الناس فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت‬
‫ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين‪ :‬فأما أهل‬
‫السلمة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعض البعض )رضي ال‬
‫عنه(‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful