You are on page 1of 139

‫صفحة ‪ 1‬من ‪139‬‬ ‫‪1‬‬

‫سبّوح‪ ،‬ربّ الملئكةِ والروح‪ ،‬والصلةُ والسلمُ الفضلنِ الَدْوَمان على من‬
‫س ال ُ‬
‫الحمد ال القُدّو ِ‬
‫كان المسكُ مِن فيه يفوح‪ ،‬مَن فيه تشفى الجروح‪ ،‬ما تحرّك القمران‪ ،‬وما شوقُ صبّ إلى حماهُ‬
‫يروح‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فإني رأيتُ شرحَ حديثِ الجاريةِ كتابَ شيخِنا صاحبِ الفضلِ أبي عليّ محمود بن منصور‬
‫قرطام ذي الهمةِ العاليةِ في تحصيل العلمِ ونشرِه‪ ،‬وقد جادَنا الكثي َر الكثيرَ من نشرِه‪ ،‬كتابًا جامعًا‬
‫للدلّة‪ ،‬كالسماءِ سطعت فيها أنوارُ النجومِ وتواترت فيها الهلّة‪ ،‬كشفَ فيه النقاب‪ ،‬عمّا كان في‬
‫حبّ التشبيه والتكييفِ‬
‫هذا الحديث كالحجاب‪ ،‬وقطع بسيفِ بيانِه العظيم‪ ،‬شُ َبهًا أُرضِعت ُ‬
‫والتجسيم‪ ،‬نفعَ الُ به وبصاحبِهِ إنه قريبٌ مجيبُ الدعَوَات‪ ،‬وحسبي أن قلتُ في هذا الشرحِ‬
‫نظمًا‪:‬‬
‫صفحة ‪ 2‬من ‪139‬‬ ‫‪2‬‬
‫ـ‬

‫ةٌ‬

‫وكتبها الفقير إلى ربّه الكريم الكرم‬
‫أبو العلء الشعري النقشبندي‬
‫عفا ال عنه ومَن أحب‬
‫ءامين ءامين‬
‫ءامين‬

‫صفحة ‪ 3‬من ‪139‬‬ ‫‪3‬‬
‫الحمـد ل القدوس المتعال‪ ،‬المنــزه عـن الشـبيه والنظيـر والمثال‪ ،‬وتعالت عظمتـه عـن‬
‫الحا طة والشمول وهو المحيط بكل شيئ عل ما وقدرة وقهرا وتدبيرا‪ ،‬ل تحده الحدود والجهات‪،‬‬
‫ق بقدرته وهدى لتوحيده من شاء من‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحـده ل شريـك لـه خلق الخلـ َ‬
‫خلقه‪ ،‬ل راد لقضائه ول معقب لحكمه‪ .‬والصلة والسلم على صفيه من خيرة خلقه وخليله بلّغ‬
‫الرسالة وأدى المانة ونصح المة وجاهد في سبيله حق جهاده وبعد‪:‬‬
‫لقد وصلنا إلى زمن تطلع فيه الجهل برأسه وقويت شوكته وتطاول بعنقه وسيفه وتكثر بخيله‬
‫ورجله وشياطينه وأطبق بظلماته المرجفة حتى غرقت في أدرانه قلوب ميتـة فاستحسنَت القبيح‬
‫ورغبت في الفاسد وأقبلت على منكر القول وراج عندها الكاسد من بضاعة الباطل فاشتغلت‬
‫بنشره ونصرته وتقويته وتـزيـينه وتلوينه وأيدت باطلها بالشبه الملبسات والفرى المختلَقات‬
‫حتى انطلى تزييفها على بعض ضـعفاء العقول من العوام وأدعياء العلم وبعض أهل العلم ‪.‬‬
‫واعلم رحمك ال ورزقني واياكم الرشد والسداد أنه لما انتشر الجهل وقويت بعض الفرق‬
‫المنحرفة كالوهابية وتكلمت في ايات وأحاديث الصفات والتزمت طريقة ومنهج أبي العباس أحمد‬
‫بن تيمية وتلميذه ابن القيم وأخذت بظاهر ذلك على حقيقته المعهودة من لفظه المتبادر والتزمته‬
‫فمنهم من صرح بالستقرار والجلوس على العرش والنـزول على حقيقته أي النتقال كأبي‬
‫يعلى وشيخه ابن حامد‪ ،‬والهرولة على حقيقتها ل تعالى كابن باز واللباني والمعية على الحقيقة‬
‫والتيان بالتيان على الحقيقة وانه ينزل نزول حقيقيا يريدون بانتقال وتحول ‪ .‬واختلفت المشبهة‬
‫صفحة ‪ 4‬من ‪139‬‬ ‫‪4‬‬
‫فيما بينهم على قولين فاسدين فقالوا ‪ :‬هل يخلو منه العرش أم ل يخلو على خلف بينهم مع‬
‫اعتقاد الفرقتين بالعلو الحقيقي بالذات والفوقية فوق العرش بالذات ـ ومنهم من يقول هو فوق‬
‫العرش بائن من خلقه وهؤلء يريدون بالبينونة النفصال والبعد بالمسافة والعياذ بال تعالى ـ‬
‫كما قال ابن القيم وشيخه ابن تيمية‪ ،‬وقد رد ذلك شيخ الحنابلة في وقته أبو الوفاء ابن عقيل‬
‫والتميمييون من قدماء الحنابلة مثل رزق ال التميمي أبو محمد رزق ال بن عبد الوهاب التميمي‬
‫المتوفى سنة ‪ 448‬هجرية وأبو الحسن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث التميمي الفقيه‬
‫الحنبلي توفي سنة ‪371‬هجرية وأبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد الفقيه‬
‫الحنبلي المتوفى سنة ‪ 410‬هجرية وعلى منوالهم الشريف أبي علي بن أبي موسى وهو صاحب‬
‫أبي الحسن التميمي ‪ ،‬وتبعهما أي لبن تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي ‪ ،‬قال أبو عبد ال محمد‬
‫بن أحمد بن عبد الهادي ‪ :‬في كتاب " الصارم المنكى فى الرد على السبكى "( وقد اختلف‬
‫) ‪ .‬وهذا الباطل من القول‬ ‫‪304‬‬ ‫المثبتون للنـزول هل يلزم منه خلو العرش من أم ل ؟ ) ( ص‬
‫ل تجده فى نصوص الكتاب والسنة ‪ ،‬ولم يتكلم به أحد من أئمة السلف ولفاه به أحد من علماء‬
‫السلف وفى كتاب القتصاد فى العتقاد للحافظ عبد الغني االمقدسي الحنبلي صاحب الكمال‬
‫) ‪ :‬ومن قال ‪ :‬يخلو العرش عند النزول أو ل يخلو فقد أتى بقول مبتدع ‪ ،‬ورأى‬ ‫‪112‬‬ ‫(ص‬
‫مخترع ‪ .‬اهـ ‪ .‬ومن الفات المردية والمزرية وسخافة العقل السقيمة انتصار النسان لشيخه‬
‫فى خطأ َبيّنٍ وعقيدة فاسدة فى الصول أصول الدين كما فعل هنا ابن القيم وابن عبد الهادي ‪.‬‬
‫ولشيخنا العلمة المحدث السيد عبد العزيز بن الصدّيق الغماري رحمه ال تعالى كلمة جامعة‬
‫ومحقة فى بيان حال الصارم المنكي ذكرها فى كتابه (( التهاني فى التعقيب على موضوعات‬
‫صفحة ‪ 5‬من ‪139‬‬ ‫‪5‬‬
‫الصغاني )) فقال ‪ ( :‬وابن عبد الهادي‪ ،‬سلك فى ذلك الكتاب مسلك الفراط الخارج عن قواعد‬
‫أهل الحديث‪ ،‬فيجب الحذر منه‪ ،‬زيادة على سوء الدب في التعبير مع التقي السبكي الحافظ‬
‫الفاقه‪ ،‬وإتيانه في حقه بما ل يليق بأهل العلم سلوكه‪ ،‬يضاف إلى ذلك ما أتى به من القول الفاسد‬
‫والرأي الباطل والخروج عن سبيل السلف فى ذلك‪ ،‬وإن زعم أنه ينصر عقيدتهم ‪ ،‬ويكفيك من‬
‫ذلك أنه ذكر الخلف فى مسألة النزول هل يخلو العرش من الرحمن عند نزوله في ثلث الليل‬
‫أول ؟ وهذا مما ل ينبغي أن يذكره فى كتاب إل مُشبّه بليد ل يفقه ول يدري ما يخرجه من‬
‫رأسه ‪ ،‬وأين وجد عن السلف هذا التشبيه حتى يبني عليه الخلف فى خلو العرش أو عدم‬
‫خلوه )اهـ‪( .‬التهاني ص ‪ .)49‬فكان ل بد من بيان فساد مذهب المشبهة والمجسمة‪ ،‬والرد عليهم‬
‫ودحض شبههم‪ .‬وخالفت المجسمة والمشبهة فوصفوا ال بالنتقال والتحول والزوال والحد‬
‫والجهة والتحيز وزلت أقدامهم وضلوا وأضلوا فوصفوا ال بصفات الخلق‪ ،‬وكما قال ابن‬
‫الجوزي الحنبلي الحافظ وقد أخذوا بالظاهر في السماء والصفات فسموها بالصفات تسمية‬
‫مبتدعة ل دليل لهم في ذلك من النقل ول من العقل ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن‬
‫الظواهر إلى المعاني الواجبة ل تعالى ول إلى إلـغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ولم‬
‫يقنعوا بأن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات‪ ،‬ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا‪ :‬ل نحملها‬
‫على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف وساق على‬
‫شدة ‪ ,‬بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفة‪ ،‬والظاهر هو المعهود من نعوت الدميين ‪.‬‬
‫انتهى من دفع شبه التشبيه‪ .‬فرأيـت أن أجمعَ رسالة أبين فيها ما قاله أهل السنة والجماعة في‬
‫معنى حديث الجارية أسميتها‪:‬‬
‫صفحة ‪ 6‬من ‪139‬‬ ‫‪6‬‬
‫القوافل الجارية بشرح حديث الجارية‬

‫فأقول طالبًا من ال التوفيقَ فيما هنالك‪:‬‬

‫فصل في ألفاظ الحديث والكلم على أسانيده‬

‫قلت وأما تمسك أتباع محمد بن عبد الوهاب والمشبهة عموما ومن يتكلم باسم أهل السنة كابن تيمية وابن القيم ومن رؤوس‬
‫الوهابية أمثال محمد صالح عثيمين ومحمد خليل الهراس ومحمد ناصر الدين اللباني وعبد الرزاق عفيفي وغيرهم في إثباتهم‬
‫المكان والجهة والتحيز والحد والفوقية الحقيقية الذاتية أو في السماء حقيقة والمباينة بالنفصال ل تعالى بحديث الجارية فهو تمسك‬
‫باطل لن الحديث إذا حكم بصحته فهو مؤول على أنه سؤال عن المكانة والرفعة والمنـزلة ل عن المكان والجهة وهو الموافق‬
‫للية المحكمة {ليس كمثله شىء}‪ .‬ثم إن حديث الجارية روي بعدة ألفاظ مختلفة منها ما رواه المام ابن حبان في صـحيحـه عن‬
‫الشريد بن سويد الثقفي قال قلت يا رسول ال إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال‪ :‬ادع بها فجاءت فقال‪:‬‬
‫من ربك؟ قالت‪ :‬ال‪ ،‬قال‪ :‬من أنا؟ قالت‪ :‬أنت رسول ال‪ ،‬قال‪ :‬أعتقها فإنها مؤمنة‪ .‬ورواه أيضا بهذا اللفظ النسائي في الصغرى وفي‬
‫الكـبرى والمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي ورواه أيضا بهذا اللفظ ابـن خزيمة في كتابه الذي سماه كتاب التوحيد من‬
‫طريق زياد بن الربيع عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد‪ .‬ومنها ما رواه المام مسلم في صحيحه باب تحريم‬
‫الكلم في الصلة دون كتاب اليمان من طريق هلل بن أبي ميمونة عن عطاء ابـن يسار عن معاوية بن الحكم السّلَمي قال‪:‬‬
‫وكانت لي جارية ترعى غنما لي قِ َبلَ أُحد والجوّانية فاطّلَعتُ ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني ءادمَ‬
‫ف كما يأسفون لكني صككتـها صكّـةً فأتيتُ رسول ال صلى ال عليه وسلم فعظّمَ ذلك علي قُلتُ يا رسول ال أفل أُعتقُها؟‬
‫ءاسـ ُ‬
‫قال‪ :‬إئتني بها‪ ،‬فأتيته بها‪ ،‬فقال لها‪ :‬أين ال؟ قالت في السماء‪ ،‬قال‪ :‬من أنا؟قالت أنت رسول ال‪ ،‬قال‪ :‬أعتقها فإنها مؤمنةٌ‪ .‬وجاء من‬
‫وجه ءاخر عند المام مالك في الموطأ‪ :‬باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة بلفظ‪ :‬أين ال وبلفظ‪ :‬أتشهدين أن ل إله إل ال‬
‫بزيادة‪ :‬أتوقنين بالبعث بعد الموت دون لفظ‪ :‬فإنها مؤمنة من طريق ابن شهاب في الثانية‪ .‬وفي رواية لبن الجارود بلفظ‪ :‬أتشهدين‬
‫أن ل إله إل ال؟ قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أتشهدين أني رسول ال؟ قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬اتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم‪ ،‬قال‪ :‬اعتقها فإنها‬
‫مؤمنة‪ .‬وهي رواية صحيحة‪ .‬وفي رواية لبى داود في سننه‪ :‬باب تشميت العاطس في الصلة‪ ،‬وباب‪ :‬في الرقبة المؤمنة‪ ،‬من‬
‫صفحة ‪ 7‬من ‪139‬‬ ‫‪7‬‬
‫طريق يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد ال عن عبد ال بن عتبة عن أبي هريرة أن رجل أتى النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم بجارية سوداء فقال‪ :‬يا رسول ال إن عليّ رقبة مؤمنة‪ ،‬فقال لها‪ :‬أين ال؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها‪ ،‬فقال لها‪ :‬من‬
‫أنا؟ فأشارت إلى النبي صلى ال عليه وسلم وإلى السماء‪ ،‬يعني أنت رسول ال‪ .‬وفي لفظ من طريق الحجاج بن الصواف قالت في‬
‫السماء‪ .‬وفي رواية لحمد أنها أشارت إلى السماء بإصبعها السبابة‪ ،‬وفي رواية لعبد الرزاق في مصنفه باب ما يجوز من الرقاب‬
‫بلفظ‪ :‬أين ربك؟ فأشارت إلى السماء‪ .‬وبلفظ‪ :‬أتشهدين أن ل إله إل ل؟ قالت نعم‪ .‬كذا روى الدارمي في السنن بلفظ‪ :‬أتشهدين من‬
‫حديث الشريد قال أتيت النبي صلى ال عليه وسلم فقلت إن على أمي رقبة وإن عندي جارية سوداء‪...‬الحديث‪ .‬وقد جاءت رواية‪:‬‬
‫أيـن ال التي رواها عطاء بن يسار بلفظ ءاخر من طريق سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار قال حدثني صاحب‬
‫الجارية وهي بلفظ‪ :‬فمد النبي يده إليها مستفهما من في السمـاء؟ قالت ال‪ ...‬الحديث‪ .‬وذكر سنده المزي في تحفة الشراف أي‬
‫دون أن يقول لها لفظ "أين ال" الذي يتشبث به القائلون بالجهة التائهون مـن وهابية وغيرهم تبعا لشيخهم ابن تيمية في إثباتهم قدم‬
‫الحيز والجهة ل ثم يقولون في السماء أي من فوقها في العلو‪ ،‬وهذا الذي التزموه هو تأويل للكلم أيضا وعليه جرى أبو بكر ابن‬
‫فورك في كتابه مشكل الحديث ونقله الحافظ البيهقي عنه كذلك على معنى من في السماء أي من فوقها‪ ،‬يعني بالقهر والتدبير‪ .‬وفي‬
‫كتاب صحيح مسلم حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة ) وتقاربا في لفظ الحديث ) قال حدثنا إسماعيل بن‬
‫إبراهيم عن حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن هلل بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال‬
‫بينا أنا أصلي مع رسول ال صلى ال عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك ال فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل‬
‫أمياه ما شأنكم ؟ تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ول بعده أحسن تعليما منه فوال ما كهرني ول ضربني ول شتمني قال إن هذه‬
‫الصلة ل يصلح فيها شيء من كلم الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم قلت‬
‫يا رسول ال إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء ال بالسلم وإن منا رجال يأتون الكهان قال فل تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال‬
‫ذاك شيء يجدونه في صدورهم فل يصدنهم ( قال ابن الصباح فل يصدنكم ) قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من النبياء‬
‫يخط فمن وافق خطه فذاك قال وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب [ الذئب ؟ ؟ ] قد‬
‫ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول ال صلى ال عليه وسلم فعظم ذلك‬
‫علي قلت يا رسول ال أفل أعتقها ؟ قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها أين ال ؟ قالت في السماء قال من أنا ؟ قالت أنت رسول ال‬
‫قال أعتقها فإنها مؤمنة ‪.‬‬

‫صفحة ‪ 8‬من ‪139‬‬ ‫‪8‬‬
‫وروى مالك في " الموطأ " من حديث هلل بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم ‪،‬‬
‫ولفظه‪ ( :‬فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم أين ال فقالت في السماء فقال من أنا فقالت‬
‫أنت رسول ال فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم أعتقها ) هكذا قال المام مالك ‪ :‬عمر بن‬
‫الحكم ‪ ،‬وهو وهم ورواه المام أحمد من حديث يزيد أخبرنا المسعودي عن عون عن أخيه عبيد‬
‫ال بن عبد ال بن عتبة عن أبي هريرة أن رجل أتى النبي صلى ال عليه وسلم بجارية سوداء‬
‫أعجمية فقال يا رسول ال إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫أين ال فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة فقال لها من أنا فأشارت بإصبعها إلى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول ال فقال أعتقها ‪ .‬ورواه أبو داود الطيالسي من‬
‫حديث يحي عن هلل عن عطاء عن معاوية به ولفظه ‪ ( :‬فقال لها ‪ :‬أين ال ؟ ‪ ،‬قالت‪ :‬في‬
‫السماء‪ ،‬قال‪ :‬ومن أنا؟‪ ،‬قالت‪:‬أنت رسول ال) ورواه مسلم في" صحيحه " من حديث يحيى بن‬
‫أبي كثير عن هلل بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ‪ ،‬ولفظه ‪:‬‬
‫( فقال لها أين ال قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول ال قال أعتقها فإنها مؤمنة)‬
‫ورواه أبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلل بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن‬
‫معاوية بن الحكم السلمي ‪ ،‬ولفظه ‪ ( :‬فقال أين ال قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول‬
‫ال قال أعتقها فإنها مؤمنة) ورواه أبو داود ‪ :‬من حديث يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي‬
‫عن عون بن عبد ال عن عبد ال بن عتبة عن أبي هريرة ‪ ،‬ولفظه ‪ :‬أن رجل أتى النبي صلى‬

‫صفحة ‪ 9‬من ‪139‬‬ ‫‪9‬‬
‫ال عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول ال إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أين ال فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة فقال لها من أنا‬
‫فأشارت بإصبعها إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول ال فقال‬
‫أعتقها ‪ .‬ورواه النسائي من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلل بن أبي ميمونة قال حدثني‬
‫عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي‪ ،‬ولفظه‪(:‬فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫أين ال عز وجل قالت في السماء قال فمن أنا قالت أنت رسول ال صلى ال عليه وسلم قال إنها‬
‫مؤمنة فاعتقها‪ .‬ورواه في " الكبرى " في كتاب ( النعوت) بمثل ذلك ‪ .‬وكذلك رواه سائر من‬
‫أخرجه من الئمة كالبخاري في " خلق أفعال العباد " وغيره‪.‬‬

‫قال ابن قدامة في " كتابه اثبات صفة العلو " ص ‪ :47‬هذا حديث صحيح ‪ ،‬رواه مسلم في "‬
‫صحيحه " ومالك في " موطئه " وأبو داود والنسائي وأبو داود الطيالسي وقال بعض الوهابية ‪.‬‬
‫فأما الراويات فالولى ‪ ،‬وهي قوله ‪( :‬من ربكِ فلم يرد هذا اللفظ في حديث الجارية مطلقًا‪ ،‬وإنما‬
‫جاء في حديث ءاخر رواه النسائي قال ‪ :‬أخبرنا موسى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عبد الملك‬
‫قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال‬
‫أتيت رسول ال صلى ال عليه وسلم فقلت إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة وإن عندي جارية‬
‫نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫من ربك قالت ال قال من أنا قالت أنت رسول ال قال فأعتقها فإنها مؤمنة‪ .‬وفي رواية المام‬
‫أحمد ‪ :‬عن الشريد أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فسأل رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم عن ذلك فقال عندي جارية سوداء أو نوبية فأعتقها فقال ائت بها فدعوتها فجاءت فقال لها‬
‫‪ 10‬صفحة ‪ 10‬من ‪139‬‬
‫من ربك قالت ال قال من أنا فقالت أنت رسول ال صلى ال عليه وسلم قال أعتقها فإنها مؤمنة‪.‬‬
‫ومثله في الرواية الثانية من قوله ‪( :‬أتشهدين أن ل إله إل ال)‪ ،‬وهي عند المام مالك في "‬
‫الموطأ " عن ابن شهاب عن عبيد ال بن عبد ال بن عتبة بن مسعود أن رجل من النصار جاء‬
‫إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم بجارية له سوداء فقال يا رسول ال إن علي رقبة مؤمنة فإن‬
‫كنت تراها مؤمنة أعتقها فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم أتشهدين أن ل إله إل ال قالت‬
‫نعم قال أتشهدين أن محمدا رسول ال قالت نعم قال أتوقنين بالبعث بعد الموت قالت نعم فقال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أعتقها‪.‬‬

‫وهذه قصة مغايرة لقصة معاوية بن الحكم السابقة‪ ،‬رواها المام أحمد في "المسند" والدارمي في‬
‫"السنن" وسمى الصحابي وهو الشريد بن سويد‪ ،‬إضافة إلى أن في القصة هنا ما يدل على‬
‫المغايرة‪ ،‬ففيها بيان السبب وهو أن عليه كفارة عتق رقبة ! ‪ ،‬أما في حديث معاوية ‪ ،‬فليس عليه‬
‫كفارة‪ ،‬وإنما أراد أن يعتقها مقابل ضربه لها وبقية الروايات معناها واحد‪ ،‬فالثالثة‪ :‬هي‬
‫المشهورة الواضحة ‪ ،‬والرابعة في ذكر العجمية – وإن كان سندها ضعيف – إل أنها ل‬
‫تخالف رواية الئمة ‪ ،‬ففيها‪( :‬فقال لها أين ال فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها فمن أنا‬
‫فأشارت إلى النبي صلى ال عليه وسلم وإلى السماء يعني أنت رسول ال فقال أعتقها فإنها‬
‫مؤمنة) فسألها ‪ :‬أين ال ‪ ،‬فأشارت بأصبعها إلى السماء‪ .‬وسألها من أنا؟ فأشارت بإشارتين‬
‫الولى إلى الرسول ‪ :‬لتحقيق معنى الرسالة ‪ ،‬والثانية ‪ :‬إلى السماء ‪ ،‬لتحقيق معنا ‪ :‬أنه مرسل‬
‫من ال الذي في السماء – أي العلو والفوقية‪.‬‬

‫‪ 11‬صفحة ‪ 11‬من ‪139‬‬
‫وكما تقدمت الشارة إليه أن هذه الرواية ضعيفة لضعف المسعودي في هذه الطريق خاصة‪،‬‬
‫وللختلف عليه في إسناده‪ ،‬وللمخالفة في متنه‪ ،‬فالرواية الصحيحة في " الموطأ " و " صحيح‬
‫مسلم " وغيرهما ‪ ،‬أنها ‪ :‬تكلمت ‪ ،‬ولم تشر بأصبعها ‪ ،‬وقالت ‪ :‬أنت رسول ال ‪ ،‬فتنفي صفة‬
‫العجمة انتهى‪.‬‬

‫والجواب‪ :‬باختصار ما قاله الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل في الرد‬
‫على ابن زفيل عند ذكر حديث الجارية ما نصه‪ :‬وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء‬
‫ابن يسار وقد اختلفت ألفاظه فيه‪ ،‬ففي لفظ له‪ (( :‬فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهما مَن في‬
‫السماء)) ‪ ...‬الحديث‪ ،‬فتكون المحادثة بالشارة على أن اللفظ يكون ضائعا مع الخرساء الصماء‪،‬‬
‫فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه ل لفظ الرسول‬
‫ومثل هذا الحديث يصح الخذ به فيما يتعلق بالعمل دون العتقاد‪ ،‬ولذا أخرجه مسلم في باب‬
‫تحريم الكلم في الصلة دون كتاب اليمان حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلة ومنع‬
‫النبي عن ذلك ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الفعال ما يتعلق بتشميت‬
‫العاطس من هذا الحديث مقتصرا عليه دون ما يتعلق بكون ال في السماء بدون أي إشارة إلى‬
‫أنه اختصر الحديث‪.‬اهـ ‪ .‬كما أن من روى حديث الجارية وهو عطاء بن يسار وهو الذي روى‬
‫الحديث عن معاوية بن الحكم السلمي بلفظ " أين ال " كما عند مسلم وغيره فقد روي عنه بلفظ‬
‫آخر أصح منه وبسند صحيح لو قلنا بصحة حديث الجارية فقد روي بلفظ أتشهدين أن ل إله إل‬
‫ال ‪ ,‬كما في مصنف عبد الرزاق ‪ ،175-9‬وتقدم عنه بلفظ أين ال ‪ ,‬وبلفظ الستفهام ‪ ,‬وقد‬
‫ورد عنه بلفظين من طريقين صحيحين‪ ،‬وطريق آخر وهو شاهد قوي من طريق ابن جريج أحد‬
‫‪ 12‬صفحة ‪ 12‬من ‪139‬‬
‫وهذان النصان الشاهدان هما ‪ :‬أول‪ :‬خالف سعيد‬ ‫رجال الشيخين عن عطاء ابن أبي رباح أن رجل الخ ‪،‬‬
‫بن زيد عن توبة العنبري هللً في روايته عن عطاء بن يسار قال‪( :‬حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية‬
‫ترعى‪..‬الحديث‪ ،‬وفيه فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهما من في السماء ؟ قالت ال‪ .‬قال فمن أنا؟ قالت‪ :‬أنت رسول ال‬
‫قال أعتقها فإنها مسلمة) ثانيا‪ :‬خالفه أيضا ابن جريج أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أن رجلً كانت‬
‫له جارية في غنم ترعاها وكانت شاةَ صفيٍ يعني غزيرة في غنمه تلك فأراد أن يعطيها نبيَ ال صلى ال عليه وسلم فجاء‬
‫السبع فانتزع ضرعها فغضب الرجل فصكّ وجهَ جاريته فجاء نبيَ ال صلى ال عليه وسلم فذكر ذلك له وذكر أنه كانت عليه‬
‫رقبة مؤمنة وافية قد همّ أن يجعلها إياها حين صكها فقال له النبي صلى ال عليه وسلم ايتني بها فسألها النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم أتشهدين أن ل إله إل ال؟ قالت‪ :‬نعم وأن محمدا عبد ال ورسوله؟ قالت‪ :‬نعم‪ .‬وأن الموت والبعث حق؟ قالت‬
‫نعم‪ .‬وأن الجنة والنار حق؟ قالت نعم فلما فرغ قال أعتق أو أمسك وللفظ سعيد بن زيد ولفظ ابن جريج شواهد صحيحة‬

‫الروايات التي تشهد لمن خالف هلل في روايته وهذا ما يقرر أن الضطراب واقع فيه أي المتن‪ ،‬وأنه من‬
‫تصرف الرواة وقد فعلت الرواية بالمعنى وهذا الجواب بالنسبة لختلف ألفاظ حديث الجارية‬
‫فمبني على اتحاد الحادثة ‪ ،‬وبالتالي عدم التعويل على لفظ أين ال من باب القاعدة الصولية ما‬
‫طرقه الحتمال سقط به الستدلل ‪ ،‬أقول هذه طريقة المام البيهقي والبزار وآخرون ‪ ،‬وقد‬
‫أشار الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه تلخيص الحبير‪ :‬بعد أن ذكر روايات الحديث إلى‬
‫وهذا نصه‬ ‫اضطرابه بقوله‪ :‬وفي اللفظ مخالفة كثيرة‪.‬اهـ وفي فتح الباري خلفُه حيث صححه‪.‬‬
‫في تلخيص الحبير ‪ - :‬قوله روي أن رجل جاء إلى النبي صلى ال عليه وسلم ومعه أعجمية أو خرساء فقال يا رسول ال‬
‫علي عتق رقبة فهل يجزي عني فقال النبي صلى ال عليه وسلم لها أين ال فأشارت إلى السماء ثم قال لها من أنا فأشارت‬
‫إلى أنه رسول ال فقال اعتقها فإنها مؤمنة مالك في الموطأ من حديث معاوية بن الحكم وأكثر الرواة عن مالك يقولون عمر‬
‫بن الحكم وهو من أوهام مالك في اسمه قال أتيت رسول ال فقلت إن جارية لي كانت ترعى لي غنما فجئتها وقد أكل الذئب‬
‫منها شاة فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها فقال لها رسول ال أين ال قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول ال‬
‫قال فاعتقها وروى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد ال عن رجل من النصار أنه جاء بأمة له سوداء‬
‫فقال يا رسول ال إن علي عتق رقبة مؤمنة فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها فقال لها أتشهدين أن ل إله إل ال قالت نعم‬
‫‪ 13‬صفحة ‪ 13‬من ‪139‬‬
‫قال أتشهدين أني رسول ال قالت نعم قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت نعم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم فاعتقها‬
‫وهذه الرواية تدل على استحباب امتحان الكافر عند إسلمه بالقرار بالبعث كما قال الشافعي ورواه أبو داود من حديث عون‬
‫بن عبد ال بن عتبة عن أبي هريرة أن رجل أتى النبي صلى ال عليه وسلم بجارية سوداء فقال يا رسول ال إن علي رقبة‬
‫مؤمنة فقال لها أين ال فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى ال عليه وسلم وإلى السماء‬
‫يعني أنت رسول ال فقال اعتقها فإنها مؤمنة ورواه الحاكم في المستدرك من حديث عون بن عبد ال بن عتبة حدثني أبي‬
‫عن جدي فذكره وفي اللفظ مخالفة كثيرة وسياق أبي داود أقرب إلى ما ذكره المصنف إل أنه ليس في شيء من طرقه أنها‬
‫خرساء وفي كتاب السنة لبي أحمد العسال من طريق أسامة بن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال جاء حاطب إلى‬
‫رسول ال بجارية له فقال يا رسول ال إن علي رقبة فهل يجزي هذه عني قال أين ربك فأشارت إلى السماء فقال اعتقها‬
‫فإنها مؤمنة وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان من حديث الشريد بن سويد قال قلت يا رسول ال إن أمي أوصت أن‬
‫يعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها الحديث وفي الطبراني الوسط من طريق بن أبي ليلى عن المنهال والحكم‬
‫عن سعيد عن بن عباس أن رجل أتى النبي صلى ال عليه وسلم فقال إن علي رقبة وعندي جارية سوداء أعجمية فذكر‬
‫الحديث وهو عند أحمد من حديث أبي هريرة نحوه انتهى ‪ .‬كتاب تلخيص الحبير الجزء ‪ 3‬صفحة ‪.223 -222‬‬

‫وكذلك أشار المام البزار إلى اضطراب الحديث أيضا في مسنده فقال بعد أن روى الحديث‪:‬‬
‫وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة‪.‬اهـ وقد قال المحدث الكوثري في تعليقه على السماء‬
‫والصفات ما نصه‪ :‬وقد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما تراه من الضطراب‪.‬انتهى‬

‫وكذا فعل المام السرخسي في المبسوط فقال‪ :‬فأما الحديث فقد ذكر في بعض الروايات أن‬
‫الرجل قال علي عتق رقبة مؤمنة أو عرف رسول ال صلى ال عليه وسلم بطريق الوحي أن‬
‫عليه رقبة مؤمنة فلهذا امتحنها باليمان‪ ،‬مع أن في صحة ذلك الحديث كلما فقد روي أن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬أين ال فأشارت إلى السماء ول نظن برسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.:‬‬ ‫أنه يطلب من أحد أن يثبت ل تعالى جهة ول مكانا‪.‬انتهى ‪ .‬تنبيه‬

‫‪ 14‬صفحة ‪ 14‬من ‪139‬‬
‫والسرخسي الحنفي صاحب اطلع واسع في الحديث‪ ،‬ومن الدلة على سعة اطلعه ما قاله الحافظ‬
‫ابن حجر في الفتح شارحا‪( :‬أن سائل سأل) لم أقف على اسمه‪ ،‬لكن ذكر شمس الئمة السرخسي‬
‫ثوبان‪.‬انتهى‪ :‬تنبيه ‪ :‬في تفسير القرآن الكريم للحافظ ابن كثير (ت ‪774‬‬ ‫الحنفي في كتابه " المبسوط " أن السائل‬
‫ن}‬
‫س َتجِيبُواْ لِي َولْ ُيؤْمِنُواْ بِي لَعَلّ ُهمْ يَرْشُدُو َ‬
‫ن فَلْيَ ْ‬
‫ع َوةَ ٱلدّاعِ إِذَا َدعَا ِ‬
‫عنّي َفِإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ َد ْ‬
‫عبَادِي َ‬
‫سأََلكَ ِ‬
‫هـ) ‪َ { :‬وإِذَا َ‬

‫قال ابن أبي حاتم‪ :‬حدثنا أبي‪ ،‬حدثنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن عبدة بن أبي برزة السجستاني‪ ،‬عن الصلت بن حكيم بن‬
‫معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده‪ ،‬أن أعرابيا قال‪ :‬يا رسول ال صلى ال عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه‪ ،‬أم بعيد فنناديه؟‬
‫عوَ َة ٱلدّاعِ إِذَا َدعَانِ فَ ْليَسْتَجِيبُواْ لِي َولُْيؤْمِنُواْ‬
‫عنّي َفإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ َد ْ‬
‫سأََلكَ عِبَادِي َ‬
‫فسكت النبي صلى ال عليه وسلم فأنزل ال‪َ { :‬وِإذَا َ‬
‫بِي } إذا أمرتهم أن يدعوني‪ ،‬فدعوني‪ ،‬استجبت‪ ،‬ورواه ابن جرير عن محمد بن حميد الرازي‪ ،‬عن جرير به‪ ،‬ورواه ابن مردويه‬
‫وأبو الشيخ الصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به‪ ،‬وقال عبد الرزاق‪ :‬أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف عن‬
‫عنّي َفِإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ‬
‫عبَادِي َ‬
‫سأََلكَ ِ‬
‫الحسن قال‪ :‬سأل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل ال عز وجل‪َ { :‬وإِذَا َ‬
‫س َتجِبْ لَكُمْ } ‪.‬‬
‫ع َوةَ ٱلدّاعِ ِإذَا َدعَانِ } الية وقال ابن جريج عن عطاء‪ :‬إنه بلغه لما نزلت‪ { :‬وَقَالَ َربّكُـمْ ٱدْعُو ِنىۤ أَ ْ‬
‫َد ْ‬
‫ع َوةَ ٱلدّاعِ إِذَا َدعَانِ } وقال المام‬
‫عنّي َفِإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ َد ْ‬
‫عبَادِي َ‬
‫سَأَلكَ ِ‬
‫[غافر‪ ]60 :‬قال الناس‪ :‬لو نعلم أي ساعة؟ فنزلت‪َ { :‬وإِذَا َ‬
‫أحمد‪ :‬حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي‪ ،‬حدثنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي‪ ،‬عن أبي موسى الشعري‪ ،‬قال‪ :‬كنا مع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم في غزوة‪ ،‬فجعلنا ل نصعد شرفا‪ ،‬ول نعلو شرفا‪ ،‬ول نهبط واديا‪ ،‬إل رفعنا أصواتنا بالتكبير‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فدنا منا‪ ،‬فقال‪ " :‬يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم‪ ،‬فإنكم ل تدعون أصم ول غائبا‪ ،‬إنما تدعون سميعا بصيرا‪ ،‬إن الذي تدعون‬
‫أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‪ ،‬يا عبد ال بن قيس أل أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ ل حول ول قوة إل بال " أخرجاه في‬
‫الصحيحين وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي‪ ،‬واسمه عبد الرحمن بن ُملَ عنه بنحوه‪ ،‬وقال المام أحمد‪ :‬حدثنا سليمان بن‬
‫داود‪ ،‬حدثنا شعبة‪ ،‬حدثنا قتادة عن أنس رضي ال عنه‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬يقول ال تعالى‪ :‬أنا عند ظن عبدي‬
‫بي‪ ،‬وأنا معه إذا دعاني " وقال المام أحمد‪ :‬حدثنا علي بن إسحاق‪ ،‬أنبأنا عبد ال‪ ،‬أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر‪ ،‬حدثنا‬
‫إسماعيل بن عبيد ال عن كريمة بنت الحَسْحاس المزنية‪ ،‬قالت‪ :‬حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬‬
‫قال ال تعالى‪ :‬أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " (قلت)‪ :‬وهذا كقوله تعالى‪ { :‬إِنّ ٱللّهَ َم َع ٱلّذِينَ ٱتّقَواْ وّٱلّذِينَ هُم‬
‫مّحْسِنُونَ } ‪ .‬قلت ابن حميد الرازي ‪ ،‬وثقه بعضهم وحسن حديثه بعضهم ‪ ،‬وضعفه بعضهم ‪ ،‬وكذبه بعضهم ‪ ، .‬وقوله ‪ :‬وقال عبد‬

‫‪ 15‬صفحة ‪ 15‬من ‪139‬‬
‫الرزاق‪ :‬أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال‪ :‬سأل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل ال عز‬
‫عوَ َة ٱلدّاعِ إِذَا َدعَانِ } الية وقال ابن جريج عن عطاء‪ :‬إنه بلغه لما نزلت‪:‬‬
‫عنّي َفإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ َد ْ‬
‫سأََلكَ عِبَادِي َ‬
‫وجل‪َ { :‬وِإذَا َ‬
‫س َتجِبْ لَكُمْ } ‪.‬قلت هذا على شرط مسلم ‪.‬‬
‫{ وَقَالَ َربّكُـمْ ٱدْعُو ِنىۤ أَ ْ‬
‫وجعفر بن سليمان من رجال مسلم ‪ ،‬وعوف بن أبي جميلة العرابي من رجال مسلم ‪ ،‬وعبد الرزاق من رجال مسلم ‪ .‬والحسن‬
‫البصري كذلك ‪ .‬وقال أحمد بن حنبل ‪ :‬مرسلت سعيد بن المسيب أصلح المرسلت ‪ ،‬ومرسلت إبراهيم النخعي ل بأس بها ‪،‬‬
‫وليس في المرسلت أضعف من مرسلت الحسن ‪ ،‬وعطاء بن أبى رباح ‪ ،‬فإنهما كان يأخذان عن كل واحد وقال ابن المديني ‪:‬‬
‫مرسلت الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ‪ ،‬ما أقل ما يسقط منها ‪ .‬وقال أبو زرعة ‪ :‬كل شيء قال الحسن قال‬
‫رسول ال وجدت له أصلً ثابتا ‪ ،‬ما خل أربعة أحاديث ‪ .‬وقال يحيى بن سعيد القطان ‪ :‬قال الحسن في حديثه قال رسول ال إل‬
‫وجدنا له أصلً إل حديثا أو حديثين ‪.‬‬

‫قال ابن تيمية ‪ :‬ولعله أراد ما جزم به الحسن ‪ .‬وقال رجل للحسن ‪ ،‬يا أبا سعيد إنك تحدثنا فتقول ‪ :‬قال رسول ال ‪ ،‬فلو كنت‬
‫تسنده لنا إلى من حدثك؟ فقال ثلث مائة من أصحاب محمد ‪ ،‬فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك ؟ فقال الحسن ‪ :‬أيها الرجل ما‬
‫كذبنا ول كُذّبنا ‪ ،‬ولقد غزونا إلى خراسان ومعنا فيها ثلث مائة من أصحاب محمد‪ .‬وقال يونس بن عبيد ‪ :‬سألت الحسن قلت ‪:‬‬
‫يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول ال ‪ r‬وإنك لم تدركه ؟ فقال يا ابن أخى ‪ :‬لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ‪ ،‬ولول‬
‫منزلتك منى ما أخبرتك ‪ ،‬إنى في زمان كما ترى ‪ - ،‬وكان في زمن الحجاج – كل شيء سمعتني أقوله قال رسوله ال ‪ ،‬فهو عن‬
‫على بن أبى طالب ‪ ،‬غير أنى في زمان ل أستطيع أن أذكر عليا‪ .‬وقال محمد بن سعيد ‪ :‬كل ما أسند من حديثه ‪ ،‬أو روى عمن‬
‫سمع منه ‪ ،‬فهو حسن حجة‪ ،‬وما أرسل من الحديث فليس أن أذكر عليا ‪ .‬وقال محمد بن سعيد ‪ :‬كل ما أسند من حديثه ‪ ،‬أو‬
‫روى عمن سمع منه فهو حسن حجة ‪ ،‬وما أرسل من الحديث فليس بحجة ‪ .‬وقال العراقي ‪ :‬مراسيل الحسن عندهم شبه الريح ‪،‬‬
‫وأما مراسيل النخعي ‪ ،‬فقال ابن معين ‪ :‬مراسيل إبراهيم أحب إلى من مراسيل الشعبي ‪ ،‬وعنه أيضا أعجب إلى من مرسلت سالم‬
‫بن عبد ال ‪ ،‬والقاسم ‪ ،‬وسعيد بن المسيب ‪.‬‬

‫مراتب المراسيل ‪:‬‬

‫قال السخاوى في فتح المغيث ‪ " :‬المرسل مراتب ‪ ،‬أعلها ما أرسله صحابى ‪ ،‬ثبت سماعه ‪ ،‬ثم صحابى له رؤية فقط ولم يثبت‬
‫سماعه ‪ ،‬ثم المخضرم ‪ ،‬ثم المتقن كسعيد بن المسيب‪ ،‬ويليها من كان يتحرى في شيوخه ‪ ،‬كالشعبى ومجاهد ودونها مراسيل من‬
‫كان يأخذ عن كل أحد‪ ،‬كالحسن "‬

‫‪ 16‬صفحة ‪ 16‬من ‪139‬‬
‫حكم الحتجاج بالحديث المرسل ‪:‬‬
‫اختلف الئمة في ذلك على أقوال كثيرة ‪ ،‬أوصلها الحافظ السيوطي إلى عشرة أقوال ‪ ،‬منها‪ :‬القول الول ‪ :‬ل يحتج بالحديث‬
‫المرسل ‪ ،‬وهو قول جماهير المحدثين ‪ ،‬وحجتهم في ذلك ‪ :‬الجهل بحال الساقط ‪ ،‬قالوا ‪ :‬فقد يكون غير صحابي ‪ ،‬فإذا كان كذلك‬
‫فقد يكون ثقة وقد يكون ضعيفا ‪ ،‬وقد يروي التابعي عن تابعي مثله وهكذا ‪ .‬القول الثاني ‪ :‬يحتج بالحديث المرسل ‪ ،‬وهو مذهب‬
‫المام مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد ‪ ،‬وحجتهم في ذلك قالوا ‪ :‬احتمال الضعف في الواسطة إذا كان المرسل تابعيا بعيد جدا ‪،‬‬
‫ل سيما الكذب ‪ ،‬فإن النبي أثنى على عصر التابعين ‪ ،‬وشهد له بعض الصحابة بالخيرية ‪ ،‬وهذا تعديل لهل القرون الثلثة وإن‬
‫تفاوتت منازلهم في الفضل ‪ ،‬وبالغ بعض أصحاب هذا القول فقدموا المرسل على المسند ؛ فقالوا ‪ :‬لن من أسندك فقد أحالك ‪ ،‬ومن‬
‫أرسل فقد تكفل لك ‪ .‬القول الثالث ‪ /‬التفصيل في ذلك ‪ ،‬وأصحاب هذا القول على ثلث طرائق ‪:‬‬
‫‪ -1‬التفريق بين من عرف من عادته أنه ل يرسل إل عن ثقة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬فيقبل مرسله ‪ ،‬وبين من عرف أنه يرسل عن كل أحد‬
‫سواء كان ثقة أو ضعيف ‪ ،‬قالوا ‪ :‬فل يقبل مرسله ‪.‬‬

‫إن كان المرسل من الئمة الذين يرجع إلى قولهم في الجرح والتعديل فيقبل ما أرسله إذا جزم به ‪ ،‬وإن لم يكن كذلك فل‬ ‫‪-2‬‬

‫‪ -‬مذهب المام الشافعي في المرسل ‪ :‬حيث يقبل مراسيل كبار التابعين بشروط ‪:‬‬

‫أ ‪ /‬أن يرووا المرسل من وجه آخر مسندا ‪.‬‬

‫ب ‪ /‬أن يجئ المرسل من وجه آخر مرسل من غير طريق رجال السناد الول ‪.‬‬

‫ت ‪ /‬أن يكون المرسِل إذا سمى ل يسمي إل ثقة ‪.‬‬

‫ث ‪ /‬أن يكون المرسِل إذا شاركه الحفاظ الثقات لم يخالفوه ‪.‬‬

‫ج ‪ /‬أن يوافق المرسل قول صحابي ‪.‬‬

‫ح ‪ /‬أو يفتي به أكثر العلماء ‪.‬‬

‫وقال المام الشافعي‪ :‬وأما مراسيل غير كبار التابعين؛ فل أعلم أحدًَا قبلها‪ .‬قال أبو داود في رسالته لهل مكة‪ ":‬أما المراسيل فقد‬
‫كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد‬

‫‪ 17‬صفحة ‪ 17‬من ‪139‬‬
‫بن حنبل وغيره‪ .‬وقال ابن رجب الحنبلي في شرح العلل‪ ":‬وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلق القول بأن المرسل ليس بحجة من‬
‫غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين "[‪ .]91‬ويفهم من كلم ابن جرير أن قبول المرسل بالقيود كان قول مشهورا قبل المائتين‪،‬ثم‬
‫نشأ قول برد المرسل مطلقا‪ .‬ذهب الئمة الثلثة مالك ‪ ،‬وأبو حنيفه ‪ ،‬وأحمد في أشهر الروايتين عنهم ‪ ،‬وجماهير المعتزلة كأبى‬
‫هاشم ‪ ،‬وتبعهم المام المدى في الحكام ومنتهى السول إلى قبول مرسل العدل مطلقا ‪ ،‬سواء أكان من أئمة النقل أم ل ‪ ،‬وسواء‬
‫أكان في القرون الثلثة الولى أم بعدها ‪ ،‬وغالى بعض القائلين به حتى قدمه على المسند كصاحب التنقيح وغيره ‪ ،‬تبعا لبن‬
‫أبان‪.‬‬
‫‪ -2‬ذهب المام الشافعي – رضي ال عنه – وأحمد في أحد قوليه ‪ ،‬والظاهرية ‪ ،‬وجمهور الئمة من حفاظ الحديث ونقاد الثر‬
‫– كما قاله الخطيب بل كلهم – كما قال ابن عبد البر في التمهيد – والقاضي أبو بكر ‪ ،‬وأبو زرعة الرازى ‪ ،‬وأبو حاتم ‪ ،‬وابنه‬
‫عبد الرحمن ‪ ،‬ويحيى بن سعيد القطان – علما بأن وفاته قبل وفاة الشافعي – واختاره المام الرازى وأتباعه ‪ ،‬ذهبوا إلى أنه غير‬
‫مقبول مطلقا ‪ .‬قال السرخسى في أصوله (‪ " : )1/363‬فأما مراسيل القرن الثانى والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم ال"‪-.‬‬
‫التدليس‪ :‬هو أن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه‪ ،‬قال أبو الحسن القطان‪ :‬والفرق بينه‬
‫ويستخدم الراوي المدلس لفظا ل يقتضي التصريح بالسماع نحو‪:‬‬ ‫وبين الرسال الخفي أن الرسال روايته عمن لم يسمع منه‪.‬‬
‫"عن" أو" أن فلنا قال"‪-3 .‬الضطراب‪ :‬وهو الذي يروي على أوجه مختلفة من راو واحد مرتين أو أكثر أو من راويين أو رواة مع‬
‫التساوي حيث ل مرجح‪ .‬فإن رجحت إحدى الروايات بحفظ راويها أو كثرة صحبته أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالحكم‬
‫للرواية الراجحة ول يكون الحديث مضطربا‪ .‬وسبيل معرفة ذلك أيضا هو جمع الطرق والموازنة بينها ‪.‬‬

‫‪ 18‬صفحة ‪ 18‬من ‪139‬‬
‫وقوله أي الوهابي ‪ ،‬أما في حديث معاوية ‪ ،‬فليس عليه كفارة‪ ،‬وإنما أراد أن يعتقها مقابل ضربه‬
‫لها‪ .‬قلت يرد عليه ما قاله الطيبي في الكاشف عن حقائق السنن وهو شرح مشكاة المصابيح‬
‫في رواية المام مالك "فأسفت عليها وكنت من بني ءادم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها‪.‬‬
‫قال الطيبي فإن قلت‪ :‬كيف التوفيق بين الروايتين ؟ قلت الرواية الولى متضمنة لسؤالين‬
‫صريحا لن التقدير كان علي عتق رقبة كفارة وقد لزمني من هذه اللطمة إعتاقها‪ ،‬أفيكفيني‬
‫إعتاقها للمرين جميعا؟ والرواية الثانية مطلقة ( يريد رواية مسلم ) يحتمل المرين‪ ،‬والمطلق‬
‫محمول على المقيد‪ ،‬ومما يدل على أن السؤال ليس عن مجرد اللطمة‪ ،‬لسؤال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم عن إيمانها ‪ .‬انتهى وقال الشيخ علي القاري بعد ذكر رواية معاوية بن الحكم التي‬
‫في موطأ المام مالك "وعلي رقبة "‪ :‬أي إعتاق رقبة من وجه ءاخر غير هذا السبب ( أفأعتقها )‬
‫أي عنه أو عنهما ‪ ,‬ثم قال قال الطيبي فان قلت ‪ :‬كيف التوفيق بين الروايتين؟ قلت الرواية‬
‫الولى متضمنة لسؤالين صريحا لن التقدير كان علي عتق رقبة كفارة وقد لزمني من هذه‬
‫اللطمة إعتاقها ‪ ,‬أفيكفيني إعتاقها للمرين جميعا ؟ والرواية الثانية مطلقة يحتمل المرين ‪,‬‬
‫والمطلق محمول على المقيد ‪ ,‬ومما يدل على أن السؤال ليس عن مجرد اللطمة ‪ ,‬لسؤال النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم عن إيمانها ‪ .‬انتهى ‪ .‬قلت وبهذا الجواب الصريح يندفع هذا التشكيك‬
‫الذي ألقاه بعض الوهابية ‪ .‬وقد قال المام أحمد كما رواه الخلل عنه قال فيه ليس كل أحد‬
‫يقول إنها مؤمنة ‪ ،‬وهذه الطريقة مرجعها إلى اختلف اللفاظ ودخول الحتمال ‪ .‬وقال المام‬
‫أبو عبد ال القرطبي المفسر في كتاب التذكار في أفضل الذكار‪ :‬لن كل من في السموات‬
‫والرض وما فيهما خلق ال تعالى وملك له‪ ،‬وإذا كان كذلك يستحيل على ال أن يكون في‬
‫‪ 19‬صفحة ‪ 19‬من ‪139‬‬
‫السماء أو في الرض إذ لو كان في شىء لكان محصورا أو محدودا ولو كان كذلك لكان محدثا‬
‫وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق ‪،‬وعلى هذه القاعدة قوله تعالى‪ {:‬ءأمنتم من في السماء} وقوله‬
‫عليه السلم للجارية‪ (( :‬أين ال؟ قالت‪ :‬في السماء‪ ،‬ولم يُنكر عليها وما كان مثله ليس على‬
‫ظاهره بل هو مؤول تأويلت صحيحة قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم‪.‬اهـ وقال قاضي‬
‫القضاة المام بدر الدين بن جماعة في إيضاح الدليل (ما نصه‪ :‬يجوز أن يراد بـ ( أين)‬
‫المنـزلة والرتبة في صدرها‪ ،‬كما يقال‪ :‬أين فلن من فلن؟ وأين زيد منك؟ توسعا في الكلم‪،‬‬
‫ول يراد بذلك إل الرتبة والمنـزلة‪ .‬ويقول النسان لصاحبه‪ :‬أين محلي منك؟ فيقول‪ :‬في‬
‫السماء‪ .‬يريد أعلى محل‪.‬انتهى‪.‬‬

‫وقال الحافظ أبو بكر بن فورك في مشكل الحديث وبيانه ‪ :‬بعد أن ذكر استعمالت ( أين) في‬
‫الرتبة والمنـزلة والدرجة وفي التقريب والتبعيد والكرام والهانة ما نصه‪ :‬فإذا كان ذلك‬
‫مشهورا في اللغة احتمل أن يقال‪ :‬إن معنى قوله ‪ (( :‬أين ال)) استعلم لمنـزلته وقدره عندها‬
‫وفي قلبها‪ ،‬وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل‪ :‬إذا‬
‫أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منـزلة فلن في السماء‪ .‬أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار‪.‬اهـ‬
‫وفي كتاب الغريب للخطابي‪ ،‬وقال أبو سليمان في حديث أبي الدرداء أنه قال في كلم له أين‬
‫أنت من يوم ليس لك من الرض إل عرض ذراعين في طول أربع أتقنوا عليك البنيان وتركوك‬
‫لمتلك ‪ .‬وقال أبو زرعة الدمشقي عن احمد بن حنبل رأيت كتب شعيب بن أبي حمزة فرأيت‬
‫كتبا مضبوطة مقيدة ورفع من ذكره قلت أين هو من يونس قال فوقه قلت فأين هو من‬
‫الزبيدي قال مثله ‪ .‬قلت وهنا استعملت أين للستعلم والمنـزلة والمكانة‪.‬‬
‫‪ 20‬صفحة ‪ 20‬من ‪139‬‬
‫وفي صحيح البخاري حدثنا يحيى حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق‬
‫قال ثم قلت لعائشة رضي ال عنها يا أمتاه هل رأى محمد صلى ال عليه وسلم ربه فقالت لقد‬
‫قف شعري مما قلت أين أنت من ثلث‪ .‬وفي مسند أبي عوانه‪ :‬أين أنتم من أسامة‪ .‬قلت‬
‫الينيّة هنا للرتبة والدرجة والمنـزلة‪ .‬وفي المعجم الوسط أين أنتم من عبد الرحمن بن عوف‪.‬‬
‫قلت وهذا صريح أنه بيان للمنـزلة والدرجة‪.‬‬

‫أما زعمهم بأن "أين" مفردة غير مقرونة بـ"مِن" ل تأتي إل للمكان‪ ،‬فزعم باطل ففي القرءان‬
‫العظيم‪( :‬أين شركائيَ الذين كنتم تزعمون) وكذا الية‪( :‬أين ما كنتم تدعون من دون ال) وهذا‬
‫واضح في أنه ليس سؤال عن المكان قطعا‪ ،‬وقد أتت غيرَ مقرونة بمِن‪ ،‬فبطل زعمهم بنص‬
‫الكتاب العزيز‪.‬‬

‫وأورد الذهبي رواية سعيد بن زيد في كتاب العلو وذكر سندها المزي في تحفة الشراف أي‬
‫دون أن يقول لها أين ال‪ ،‬وهذا اللفظ غير مذكور في هذه الرواية الثانية ‪ ,‬وقد سعى اللباني‬
‫سعيا مكشوفا حيث ضعف هذه الروايةَ روايةَ سعيد بن زيد الذي هو من رجال مسلم‪ ،‬وذلك‬
‫لينفي الضطراب عن رواية أين ال‪ ،‬فقد قال اللباني وهو من زعماء الوهابية ومحدثهم في‬
‫معرض رده على المحدث العلمة محمد زاهد الكوثري صديق شيخنا الحافظ عبد ال بن محمد‬
‫بن الصديق ال ُغمَاري‪ ،‬قال وأنت إذا تذكرت ما بيناه لك من صحة الحديث ‪ ,‬وإذا علمت أن‬
‫حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه ل يصح من قبل إسناده لنه من رواية سعيد بن زيد‪،‬‬

‫‪ 21‬صفحة ‪ 21‬من ‪139‬‬
‫فهو وإن في نفسه صدوقا فليس قوي الحفظ‪ ،‬ولذلك ضعفه جمع‪ ،‬بل كان يحيى بن سعيد يضعفه‬
‫جدا وقد أشار الحافظ في التقريب إلى هذا فقال ‪ :‬صدوق له أوهام‪ ،‬زد على هذا أن ما جاء في‬
‫روايته من ذكر اليد والستفهام هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ‬
‫ومن دونهم فتفرده بذلك يعده أهل العلم بالحديث منكرا بل ريب انتهى من تعليقه على مختصر‬
‫العلو‪ .‬والجواب في رده هو أن سعيد بن زيد من رجال مسلم وهو ثقة وما قيل فيه ل يخرجه‬
‫عن كونه ثقة محتج به هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى فقد حسن هذا المتناقض حديثا فيه سعيد‬
‫قال " قلت وهذا إسناد حسن ‪ ,‬رجاله كلهم ثقات ‪ ,‬وفي‬ ‫‪338-5‬‬ ‫بن زيد ‪ ,‬كما في إرواء الغليل له‪،‬‬
‫سعيد بن زيد ‪-‬وهو أخو حماد – كلم ل ينـزل به حديثُه عن رتبة الحسن إن شاء ال تعالى‪،‬‬
‫وهو حديث جيد السناد " انتهى‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وقال ابن القيم في الفروسية‬

‫قلت‪ :‬وعبارة "جيّد" يستعملها علماء الحديث للصحيح ويسوون بينهما غالبا‪ ،‬وهي أعلى من‬
‫الحسن لذاته ول تنـزل عن هذه الرتبة‪ ،‬قال السيوطي في تدريب الراوي‪ :‬فأما الجيد فقال شيخ‬
‫السلم في الكلم على أصح السانيد لما حكى ابن الصلح عن أحمد بن حنبل أن أصحها الزهري عن‬
‫سالم عن أبيه عبارة أحمد‪" :‬أجود السانيد" كذا أخرجه الحاكم قال هذا يدل على أن ابن الصلح يرى‬
‫التسوية بين الجيد والصحيح ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك من ذلك‪ :‬يعلم أن الجودة يعبر بها عن‬
‫الصحة وفي جامع الترمذي في الطب هذا حديث جيد حسن وكذا قال غيره ل مغايرة بين جيد وصحيح‬
‫عندهم إل أن الجهبذ منهم ل يعدل عن صحيح إلى جيد إل لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن‬
‫لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح وكذا القوي‪.‬انتهى‬

‫‪ 22‬صفحة ‪ 22‬من ‪139‬‬
‫وبهذا الكلم يعلم مبلغ تناقض هذا المحدث المزعوم وتلعبه تماشيا مع أهوائه‪ ،‬وسعيد بن زيد‬
‫بن درهم الزدي هذا قال عباس الدوري عن يحيى بن معين ثقة‪ ،‬وعن ابن سعد والعجلي ثقة‪،‬‬
‫ووثقه سليمان بن حرب كما قال أبو زرعة عنه‪ ،‬وقال عنه البخاري والدارمي صدوق حافظ‬
‫وهو ثقة وكذلك وثقه مسلم أيضا‪ ،‬وقال عبد ال بن أحمد بن حنبل عن أبيه ليس به بأس‪ ،‬وقال‬
‫ابن عدي هو عندي من جملة من ينسب إلى الصدق وقال النسائي ليس بالقوي‪ ،‬قلت فهو عند‬
‫التحقيق حسن الحديث ‪ .‬ثم اعلم أن من روى حديث الجارية وهو عطاء بن يسار وهو الذي‬
‫روى الحديث عن معاوية بن الحكم السلمي بلفظ " أين ال " كما عند مسلم وغيره فقد روي‬
‫عنه بلفظ ءاخر أصح منه وبسند صحيح لو قلنا بصحة حديث الجارية فقد روي بلفظ أتشهدين أن‬
‫ل إله إل ال‪ ،‬كما في مصنف عبد الرزاق ‪ ،175-9‬وتقدم عنه بلفظ "أين ال"‪ ،‬وبلفظ الستفهام‪،‬‬
‫وقد ورد عنه بثلثة ألفاظ‪ ،‬وهذا ما يقرر أن الضطراب واقع فيه أي المتن‪ ،‬وأنه من تصرف‬
‫الرواة وقد فعلت الرواية بالمعنى هذا‪ ،‬وقد نبه على ذلك العلمة الكوثري أيضا في تعليقه على‬
‫السماء والصفات للبيهقي رحمه ال تبعا للبيهقي وغيره وهذا التنبيه في محله على ما هو مقرر‬
‫في قواعد المصطلح‪ .‬وقد قدمنا أن المام مالك رواه بسند عال عن ابن شهاب عن عبيد ال بن‬
‫عبد ال بن عتبة أن رجل من النصار جاء إلى رسول ال بجارية له سوداء الحديث بلفظ‬
‫أتشهدين أن ل إله إل ال ؟ قالت نعم قال أتشهدين أن محمدا رسول ال ؟ قالت نعم ‪ .‬قال‬
‫أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم فقال رسول ال صلى ال ‪ " :‬أعتقها " ‪ .‬ورواه عبد‬
‫الرزاق في المصنف قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد ال عن رجل من النصار به ومن‬

‫‪ 23‬صفحة ‪ 23‬من ‪139‬‬
‫طريق رواه المام أحمد في المسند كما رواه غيرهم كذلك ‪ .‬قال الحافظ ابن حجر في التقريب‬
‫عبيد ال بن عبد ال بن عتبة بن مسعود " ثقة فقيه ثبت " ول يعرف بتدليس‪ ،‬وعنعنته محمولة‬
‫إسناد‬ ‫‪547-1‬‬ ‫على السماع وقد قال ‪" :‬عن رجل من النصار " ‪ .‬قال الحافظ ابن كثير في تفسيره‬
‫صحيح وجهالة الصحابي ل تضره" وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد " ظاهره الرسال‬
‫لكنه محمول على التصال للقاء عبيد ال جماعة من الصحابة‪ ،‬وقال الحافظ الهيثمي في مجمع‬
‫رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح‪.‬انتهى‪ ،‬ونزيد في البيان واليضاح فنقول بأن‬ ‫‪23-1‬‬ ‫الزوائد‬
‫للفظ أتشهدين شواهد كثيرة‪ ،‬منها ما رواه الدارمي في السنن قال أخبرنا أبو الوليد الطيالسي ثنا‬
‫حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد‪ 1‬قال الحديث وفيه أتشهدين أن ل‬
‫إله إل ال ؟ فقالت نعم قال " أعتقها فإنها مؤمنة"‪ .‬وعند البزار كما في كشف الستار وعند‬
‫الطبراني من طريق سيدنا ابن عباس بلفظ أتشهدين أن ل إله إل ال وأني رسول ال ؟ قالت نعم‬
‫قال‪ :‬فأعتقها‪ .‬وقد مر‪.‬‬
‫كما أن الحديث ورد بلفظ من ربك وهي رواية صحيحة السناد أيضا من طريق الشريد بن‬
‫سويد وهي عند ابن حبان وعند النسائي في الكبرى والصغرى من السنن وعند أحمد والطبراني‬
‫والبيهقي كلهم من طريق حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد‪ ،‬ورواه من طريق‬
‫زياد بن الربيع عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد‪ ،‬رواه ابن خزيمة في‬
‫كتابه التوحيد وعند الطبراني في الوسط من حديث أبي هريرة بلفظ من ربك‪ ،‬قال الحافظ‬
‫ورجاله موثقون‪.‬‬ ‫‪24-1‬‬ ‫الهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين‬

‫‪.‬‬‫وهذا السناد بعينه حكم عليه اللباني في صحيح أبي داود بالصحة‪ ،‬وقال "حسن صحيح " فتنبه‬ ‫‪1‬‬

‫‪ 24‬صفحة ‪ 24‬من ‪139‬‬
‫فائدة‪ :‬وقد وقعت للطبراني في الكبير رواية جمعت بين اللفظين لتزيد ألفاظ الحديث اضطرابا‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫حدثنا عبدان بن أحمد ثـنا الجراح بن مخلد ثنا محمد بن عثمان الجزري ثنا سعيد ابن عنبسة‬
‫القطان ثنا أبو معدان قال سمعت عون بن أبي جحيفة يحدث عن أبيه قال‪ :‬أتت رسول ال صلى‬
‫ال عليه و سلم امرأة ومعها جارية سوداء فقالت المرأة‪ :‬يا رسول ال إن علي رقبة مؤمنة‬
‫أفتجزي عني هذه ؟ فقال لها رسول ال صلى ال عليه و سلم‪ :‬أين ال ؟ قالت‪ :‬في السماء قال‪:‬‬
‫فمن أنا ؟ قالت‪ :‬أنت رسوله‪ ،‬قال‪ :‬أتشهدين أن ل إله إل ال وأني رسول ال ؟ قالت‪ :‬نعم قال‪:‬‬
‫أتؤمنين بما جاء من عند ال ؟ قالت ‪ :‬نعم قال‪ :‬أعتقها فإنها مؤمنة‪.‬‬
‫قال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬فيه سعيد بن عنبسة فإن كان الرازي فهو ضعيف وإن كان غيره‬
‫فل أعرفه‪.‬انتهى‬
‫قلت‪ :‬سعيد بن عنبسة اثنان‪ ،‬أحدهما كذاب والخر مجهول كما في الجرح والتعديل لبن أبي حاتم‬
‫وغيره‪ .‬قال الذهبي في " العلو " ‪ :‬هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الئمة في‬ ‫الرازي‬
‫تصانيفهم ‪ ،‬يمرونه كما جاء ول يتعرضون له بتأويل ول تحريف ‪ ،‬وهكذا رأينا كل من يسأل ‪ :‬أين ال ؟ ‪ ،‬يبادر بفطرته ويقول ‪:‬‬
‫في السماء ‪ ،‬ففي الخبر مسالتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬شرعية قول المسلم ‪ :‬أين ال ‪ .‬الثانية ‪ :‬قول المسؤول ‪ :‬في السماء ‪.‬‬
‫فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى‪ .‬انتهى كلمه ‪ .‬قلت والعجب أن كلهم متفقون على أن ال غير محصور في‬
‫السماء وأنه تعالى ل مكان له ‪ ،‬فل بد من التأويل كي يسلم المرء من التناقض ‪ .‬قال ابن حجر العسقلني ‪ :‬ولو قال من ينسب إلى‬
‫التجسيم من اليهود ل إله إل الذي في السماء لم يكن مؤمنا كذلك‪ ،‬إل إن كان عاميا ل يفقه معنى التجسيم فيكتفي منه بذلك كما في‬
‫قصة الجارية التي سألها النبي صلى ال عليه وسلم أنت مؤمنة‪ ،‬قالت نعم‪ ،‬قال فأين ال؟ قالت في السماء‪ ،‬فقال أعتقها فإنها مؤمنة‪.‬‬
‫ي ِمنَ ال ْن ِبيَاءِ يَخُطّ فَ َمنْ وَافَقَ خَطّ ُه فَذَاك) ‪ ،‬وهذا قد يستغله البعض لباحة العرافة والتكهن ‪ ،‬وهل‬
‫في الحديث نفسه ورد ‪( :‬كَانَ نَبِ ّ‬
‫‪ 25‬صفحة ‪ 25‬من ‪139‬‬
‫يفعل ذلك النبياء ‪..‬؟ فهل ورد عن غير معاوية هذا شيء شبيه بهذه الرواية ‪ ،‬أم تفرد بها ‪ ،‬؟؟‬
‫وقد أجمع العلماء على عدم جواز الخط ‪ ،‬خلفا لظاهر الرواية ‪ !..‬قال النووي‪ :‬قد اتفقوا على النهي عنه الَن‬
‫في حديثه أيضا أنه تكلم أثناء الصلة ‪ ،‬مما يدل على عدم علمه بأحكام الصلة ‪ ،‬قال النووي ‪:‬‬
‫أما كلم الجاهل إذا كان قريب عهد بالسلم فهو ككلم الناسي فل تبطل الصلة بقليله لحديث معاوية بن الحكم‬
‫انظر كيف وصفه ‪ :‬جاهل قريب عهد بالسلم !!! كما أن عبد الرزاق رواه في الجامع بلفظ ‪:‬‬
‫عن زيد بن أسلم قال‪ :‬عطس رجل في الصلة فقال له ( أعرابي ) إلى جنبه‪ :‬رحمك ال‪ ،‬قال العرابي‪ :‬فنظر إلي القوم‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫واثكله قال بعضهم ‪ :‬وأما رواية الخط فقد قدح فيها أبو الوليد بن رشد الجد الفقيه المالكي في رسالة له طبعت باسم ( الرد على من‬
‫ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط لما روي في ذلك من أحاديث ووجه تاويلها) وقال في هذه الرسالة طبع دار ابن حزم‬
‫ص ‪ ( : 42‬وأما ما ذكرت أنه روي عن النبي صلى ال عليه وسلم في الخط فل يصح عنه من طريق صحيح ‪ ،‬وإن صح فل بد من‬
‫تأويل على ما يطابق القرآن ول يخرج عما انعقد عليه بين أهل السنة الجماع ‪ ،‬فنقول إن معنى قول النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫فمن وافق خطه علم ‪ ،‬النكار ل الخبار )) اهـ ‪ .‬كما يفهم القدح أيضا من إطلق ابن العربي في أحكام القرآن عدم صحة شيء‬
‫في الخط ‪ 4/696‬وقد تعقبه القرطبي في التفسير ‪ 16/179‬بتصحيح حديث معاوية بن الحكم ‪ ..‬لكن الشذوذ ل ينافي صحة السند‪.‬‬
‫قال المام أبو حيان الندلسي في كتابه الذي سماه “تفسير البحر المحيط“‪ .‬هذا المام أبو حيان توفي سنة ‪745‬هـ‪ .‬في هذا المجلد‪،‬‬
‫المجلد السادس طبع دار الكتب العلمية الطبعة الولى سنة ‪1422‬هـ‪ .‬يقول في الصحيفة ‪“ : 282‬حديث المة التي قال لها رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أين ربك‪ ،‬فأشارت إلى السماء‪ ،‬فقال إنها مؤمنة‪ ،‬لنه فهم منها أن مرادها نفي اللهة الرضية التي‬
‫هي الصنام ل إثبات السماء مكانا ل تعالى”‪ .‬انتهى كلمه تنبيه ‪ :‬قال ابن قيم الجوزية في كتابه بدائع الفوائد ‪ :‬فإن قلت فلم جمعوا‬
‫السماء فقالوا سماوات وهل راعوا فيها ما راعوا في الرض فإنها مقابلة فما الفرق بينهما‬

‫قيل بينهما فرقان فرق لفظي وفرق معنوي‬
‫أما اللفظي فإن الرض على وزن ألفاظ المصادر الثلثة وهو فعل كضرب وأما السماوات كان نظيرها في المصادر التلء والجلء‬
‫فهي بأبنية السماء أشبه‬
‫وإنما الذي يماثل الرض في معناها ووزنها السفل والتحت وهما ل يثنيان ول يجمعان وفي مقابلتهما الفوق والعلو وهما كذلك ل‬
‫يجمعان على أنه قد قيل إن السماوات ليس جمع سماء وإنما هي جمع سماوة وسماوة كل شيء أعله وأما جمع سماء فقياسه‬
‫أسمية كأكسية وأغطية أو سموات وليس هذا بشيء فإن السماوة هي أعلى الشيء خاصة ليست باسم لشيء عال وإنما هي اسم‬
‫لجزئه العالي وأما السماء فاسم لهذا السقف الرفيع بجملته فالسماوات جمعه ل جمع أجزاء عالية منه على أنه كل عال وأما‬
‫‪ 26‬صفحة ‪ 26‬من ‪139‬‬
‫السماوات فليست من الدنيا هذا على أحد القولين في الدنيا فإنه اسم للمكان فإن السماوات مقر ملئكة الرب تعالى ومحل دار‬
‫جزائه ومهبط ملئكته ووحيه فإذا اعتمد التعبير عبر عنها بلفظ الجمع إذ المقصود ذواتها ل مجرد العلو والفوق وأما إذا أريد‬
‫الوصف الشامل للسماوات وهو معنى العلو والفوق أفردوا ذلك بحسب ما يتصل به من الكلم والسياق فتأمل قوله أأمنتم من في‬
‫السماء أن يخسف بكم الرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا الملك ‪ 17 16‬كيف أفردت هنا لما‬
‫كان المراد الوصف الشامل والفوق المطلق ولم يرد سماء معينة مخصوصة ولما لم تفهم الجهمية هذا المعنى أخذوا في تحريف‬
‫الية عن مواضعها ‪ .‬قلت وكثير من النحاة قال باشتقاق الفعل من المصدر ‪ ،‬والفعل سما يسمو سماءا ً‪ ،‬قال في لسان العرب‬
‫علَيْت وسََلوْت وسَلَيْت؛ عن ثعلب ‪ ،‬وسما الشيء يَسْمُو سُ ُموّا‪،‬‬
‫علَوْت و َ‬
‫سما السّمُوّ‪ :‬ال ْرتِفاعُ والعُُلوّ‪ ،‬تقول منه‪ :‬سَمَوتُ وسَمَيْتُ مثل َ‬
‫فهو سامٍ‪ :‬ارتفع وسما به وأسماه ‪ :‬أعله ‪ .‬ويقال للحَسيب وللشريف‪ :‬قد سما ‪ .‬وفي حديث أُمّ مَعْ َبدٍ‪ :‬وإن صمت سما وعله البَهاءُ‬
‫أَي ارْ َتفَع وعل على جُلَسائه‪ .‬وفي حديث ابن زِ ْملٍ‪ :‬رَجُل طُوال إذا تكلم يَسْمُو أَي يَعْلُو برأْسِه ويديه إذا تكلمَ‪ .‬وفلن َيسْمُو إلى‬
‫المَعالِي إذا تَطا َولَ إليها‪ .‬وفي حديث عائشة الذي رُوِيَ في أَهلِ ال ْفكِ‪ :‬إنه لم يكن في نِساءِ النبيّ‪ ،‬صلى ال عليه وسلم‪ ،‬امرأَةٌ‬
‫تُسامِيها غيرُ زَيْنَبَ فَ َعصَمها ال تعالى‪ ،‬ومعنى تُسامِيها أَي تُبارِيها وتُفاخِرُها‪ .‬وقال أَبو عمرو‪ :‬المُساما ُة المُفاخَرَةُ‪ .‬وفي الحديث‪:‬‬
‫قالت زينبُ يا رسولَ ال أَحْمِي سَمْعي و َبصَري وهي التي كانت تُسامِينِي منهنّ أَي تُعاليني وتفاخِرُني‪ ،‬وهي مُفاعَلة من السّم ّو أَي‬
‫تُطاوُِلنِي في الحُظْوة عنده؛ ومنه حديث أَهلِ أُحُدٍ‪ :‬أَنهم خرَجُوا بسيُوفِهم يَتسامَوْنَ كأَنه ُم الفُحول أي يَتبا َر ْونَ ويَتفاخَرُون ‪ ،‬وسماء كل‬
‫شيء‪ :‬أَعلهُ‪ ،‬مذكر والسماء سقف كلّ شيء وكلّ بيتٍ‪.‬والسمواتُ السبع سماء ‪ ،‬والسموات السبْع‪ :‬أَطباقُ الَ َرضِينَ‪ ،‬وتجمع سماء‬
‫‪.‬وقال الزجاج السماء في اللغة يقال لكلّ ما ارتَفع وعَل قد سما يسمو وكلّ سقفٍ فهو سماء ومن هذا قيل للسحاب السماء ‪ ،‬لنها‬
‫ض أُنثى عند العرب لنها جمع‬
‫ظلّ الَر َ‬
‫عاليةٌ ‪ ،‬والسماء ‪ :‬كل ما علك فأَظَّلكَ؛ ومنه قيل لسَقْفِ البيت سماء ‪ .‬والسماءُ التي تُ ِ‬
‫سماءة ‪ ،‬وسبق الجمعُ الوُحْدانَ فيها ‪ .‬والسماء أصلها سماوة ‪ ،‬وإذا ذكرت السماء عنوا به السقف ‪ .‬ومنه قول ال تعالى ‪ :‬السماء‬
‫منفطر به ‪ .‬ولم يقل منفطرة ‪ .‬الجوهري السماء تذكر وتؤنث أَيضا؛ وأَنشد ابن بري في التذكير‪ :‬فلو رفع السماء َقوْما‪ ،‬لحقنا بالسماء‬
‫مع السحاب والجمع أَسْمِيةٌ وسُمِيّ وسموات وسماء ‪ ،‬وقوله عز وجل‪ :‬ثم استوى إلى السماء ‪ ،‬قال أَبو إسحق‪ :‬لفظُه لفظُ الواحد‬
‫سوّاهُنّ سبْعَ سَمَواتٍ‪ ،‬فيجب أَن تكون السماء جمعا كالسموات كأَن الواحد‬
‫ومعناهُ مَعنى الجمع‪ ،‬قال‪ :‬والدليل على ذلك قوله‪ :‬ف َ‬
‫سماءة وسماوة ‪ ،‬وزعم الخفش أن السماء جائز أن يكون واحدا كما تقولُ كثُر الدينارُ والدرهم بأَيْدي الناس‪ .‬والسماء السحاب انتهى‬
‫‪.‬‬

‫‪ 27‬صفحة ‪ 27‬من ‪139‬‬
‫فصل في بيان ما يصح به السلم وما يقبل به ‪:‬‬

‫اعلم أن الكافر الذي يريد الدخول في السلم ل بد له من التيان بلفظ الشهادتين‪ ،‬بلفظ (ل إله‬
‫إل ال محم ٌد رسول ال) أو ما يعطي معناهما ولو بغير اللغة العربية‪ ،‬ولفظة "أشهد" أفضل من‬
‫غيرها لتضمنها معنى العلم والعتقاد والعتراف‪ ،‬فيقول‪ :‬ل إله إل ال محمد رسول ال‪ ،‬أو ل‬
‫رب إل ال محمد نبي ال أو أبو القاسم نبي ال أو رسول ال‪.‬‬
‫أما مجرد أن يقول الكافر المريد الدخول في السلم " ال في السماء فل يكفي ول يكون مسلما"‬
‫‪ .‬فقد روى البخاري في صحيحه ‪ :‬في باب كيف يعرض السلم على الصبي من حديث ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما أن النبي صلى ال عليه وسلم قال لبن صياد " أتشهد أني رسول ال" ؟‪.‬‬
‫وروى البخاري عن أن أنس بن مالك عن أبي هريرة وكذلك المام مسلم في الصحيح عن أبي‬
‫هريرة وجابر وعبد ال بن عمر وعبادة بن الصامت رضي ال عنهم أجمعين ‪ ,‬قالوا قال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأن محمدا‬
‫رسول ال " الحديث قال الحافظ السيوطي في الجامع الصغير بعد ذكره للحديث " وهو متواتر‪.‬‬
‫وزاد المناوي في شرح الجامع فقال " وهو متواتر لنه رواه خمسة عشر صحابيا " وفي كتاب‬
‫نظم المتناثر للعلمة الكتاني ما نصه ‪ " :‬وفي شرح الحياء – للمحدث الحافظ الزبيدي – رواه‬
‫ستة عشر من الصحابة كما قاله العراقي ‪ .‬انتهى المراد منه ‪ .‬وفي صحيح المام مسلم من‬
‫حديث ابن عباس أن معاذا قال ‪ :‬بعثني رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬إنك تأتي قوما من‬

‫‪ 28‬صفحة ‪ 28‬من ‪139‬‬
‫أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن ل إله إل ال وأني رسول ال الحديث‪ ،‬وفي صحيح مسلم أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أعطى أبا هريرة نعليه وقال " إذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من‬
‫وراء هذا الحائط يشهد أن ل إله إل ال مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة الحديث‪ ،‬وفي الباب‬
‫قال العلمة المحدث الشيخ عبد ال الهرري ‪ :‬وأمّا ما في‬ ‫أحاديث كثيرة تقرر هذا الذي بينّاه‪ ،‬ول الحمد‪.‬‬
‫مسلم من أن رجلً جاءَ إلى رسو ِل ال صلّى ال عليه وسلّم فسأل ُه عن جارية لهُ قال‪ :‬قلتُ‪ :‬يا رسولَ ال أفل‬
‫ن ال‪ ،‬قالت‪ :‬في السماءِ‪ ،‬قال‪ :‬مَن أنا‪ ،‬قالت‪ :‬أنتَ رسو ُل ال‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أعتِقُها‪ ،‬قال ‪ :‬ائتني بِها‪ ،‬فأتا ُه بِها فقالَ لَها‪ :‬أي َ‬
‫ي بِهذا اللفظ وبلفظِ ‪ :‬مَن رَبّك‪ ،‬فقالت‪ :‬ال‪ ،‬وبلفظ‬
‫أعتِقْها فإنّها مؤمنةٌ‪ .‬فليسَ بصحيحٍ لمرينِ‪ :‬للضطرابِ لنه رُو َ‬
‫‪ :‬أين ال‪ ،‬فأشارت إلى السّماءِ‪ ،‬وبلفظ ‪ :‬أتشهَدينَ أن ل إله إل ال‪ ،‬قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أتشهدينَ أنّي رسو ُل ال‪،‬‬
‫قالت ‪ :‬نعم‪ .‬والم ُر الثاني ‪ :‬أن رواية أين ال مخالفةٌ للصو ِل لنّ من أصو ِل الشريع ِة أن الشخصَ ل يُحكَمُ له‬
‫ف في‬
‫ك بين اليهو ِد والنّصارى وغيرِهم وإنّما الصلُ المعرو ُ‬
‫ن هذا القو َل مشتَر ٌ‬
‫بقو ِل "ال في السماءِ" بالسلمِ ل ّ‬
‫شريع ِة ال ما جَاءَ في الحديثِ المتواتر‪ " :‬أمرتُ أن أقاتلَ النّاسَ حتّى يش َهدُوا أن ل إلهَ إل ال وأنّي رسولُ ال‬
‫ظ روايةِ مالكٍ ‪ :‬أتشهدينَ‪ ،‬موافقٌ للصول‪ .‬فإن قيلَ ‪ :‬كيف تكونُ روايةُ مسلم‪ :‬أين ال‪ ،‬فقالت‪ :‬في السماءِ‪،‬‬
‫"‪.‬ولف ُ‬
‫حةِ‪ ،‬فالجوابُ ‪ :‬أن ع َددًا من‬
‫صّ‬‫إلى ءاخره مردودةً مع إخراج مسلم لهُ في كتاب ِه وك ّل ما رواهُ مسلمٌ موسومٌ بال ّ‬
‫ك في‬
‫جلٍ ‪ :‬إنّ أبي وأبَا َ‬
‫ن في كتبهم كحديث أن الرسو َل قال لر ُ‬
‫ث وذكرَها المحدّثو َ‬
‫أحاديثِ مسلمٍ ردّها علماءُ الحدي ِ‬
‫ف‬
‫النّار‪ ،‬وحديث إنه يُعطى كل مسلم يومَ القيا َمةِ فِدا ًء لهُ ِمنَ اليهودِ والنصارَى‪ ،‬وكذلكَ حديث أنسٍ‪ :‬صَليتُ خل َ‬
‫ظ السيوطيّ‪ ،‬والثاني‬
‫رسو ِل ال وأبي بكرٍ وعمرَ فكانوا ل يذكرونَ بسم ال الرحمنِ الرحيم‪ .‬فأمّا الولُ ضَعّ َفهُ الحاف ُ‬
‫ث المتواترَ‬
‫ث ضَعّ َفهُ الشافعيّ وعدد من الحفاظ‪ .‬فهذا الحديثُ على ظاه ِرهِ باطلٌ لمعارضَ ِتهِ الحدي َ‬
‫َر ّدهُ البخاريّ‪ ،‬والثال ُ‬
‫ن لكن بعض العلماءِ‬
‫المذكورَ وما خالفَ المتواترَ فهو باطلٌ إن لم يقبل التأويلَ‪ .‬اتفقَ على ذلك المحدّثونَ والصوليّو َ‬
‫أوّلُو ُه على هذا الوجهِ قالوا معنى أينَ ال سؤال عن تعظيمِها ل وقولـها في السماءِ عالي القد ِر جدّا أما أخذه‬
‫ن ما خالفَ المتواتر‬
‫على ظاهره من أن ال ساكن السماء فهو باطلٌ مردو ٌد وقد تقررَ في عِل ِم مصطلح الحديثِ أ ّ‬
‫ن الكاف َر إذا قا َل ال في السماءِ يُحكم ل ُه باليمانِ‪.‬‬
‫باطلٌ إن لم يقبل التأويل فإن ظاهرَه ظاهرُ الفساد فإن ظاهرَه أ ّ‬
‫‪ 29‬صفحة ‪ 29‬من ‪139‬‬
‫ن الضللِ قولُهم إننا نحم ُل كلم َة في السما ِء بمعنى‬
‫ضلّوا ول يُنجيهم م َ‬
‫وحمل المُشبهة رواية مسلم على ظاهرهَا فَ َ‬
‫ب الذي َكتَبَ ال فيه إن رَحمَتي سَبَقَت غَضبي فوقَ‬
‫ل وهوَ الكتا ُ‬
‫ك أثبتوا لهُ مِث ً‬
‫ق العرشِ لنهم يكونونَ بذل َ‬
‫إنهُ فو َ‬
‫ك الكتاب مستقرّينِ فوقَ العرش‬
‫ك الكتاب لنهم جعلوا ال وذل َ‬
‫ن ذل َ‬
‫ن أثبتوا ال ُممَاثََلةَ بينَ ال وبي َ‬
‫العرشِ فيكونو َ‬
‫ق العرشِ"‪،‬‬
‫ى ٌء ﴾ وهذا الحديث رواهُ ابن حبانَ بلفظ "مرفوع فو َ‬
‫شْ‬‫فيكونونَ كذبوا قولَ ال تعالى ‪َ﴿ :‬ليْسَ َكمِ ْثِلهِ َ‬
‫س فوقَ بمعنى تحت وهو مردو ٌد برواي ِة ابنِ‬
‫ض النا ِ‬
‫وأما روايةُ البخاري فهي "موضوع فوقَ العرشِ"‪ ،‬وقد حَملَ بع ُ‬
‫ن ال‬
‫ح تأوي ُل فوقَ فيه بتحت‪ .‬ثم على اعتقادِهم هذا يلز ُم أن يكو َ‬
‫حبانَ بلفظ "مرفوع فوق العرش" فإنه ل يَص ّ‬
‫ج َعَل ُه على‬
‫جرَى عليهِ التقديرُ حا ِدثٌ محتاجٌ إلى من َ‬
‫ش بقد ِر العرشِ أو أوسَعَ من ُه أو أصغرَ‪ ،‬وكلّ ما َ‬
‫محاذيًا للعر ِ‬
‫ن ال كما أنه ل مناسبةَ بين ُه وبينَ شىءٍ من خَل ِقهِ‪ ،‬ول يتشرّفُ ال‬
‫ذلكَ المقدارِ‪ ،‬والعرشُ ل مناسب َة بينهُ وبي َ‬
‫بشى ٍء من خل ِقهِ ول ينتفعُ بشىءٍ من خل ِقهِ‪ .‬وقو ُل المشبه ِة ال قاع ٌد على العرشِ شَت ٌم ل لن القعود من صفةِ‬
‫ظ الفقيهُ اللغويّ‬
‫ف ال به شَت ٌم لهُ‪ ،‬قالَ الحاف ُ‬
‫ص َ‬
‫ق ُو ِ‬
‫ت المخلو ِ‬
‫ف من صفا ِ‬
‫جنّ والحشرات وك ّل وَص ٍ‬
‫البشرِ والبهائ ِم وال ِ‬
‫مرتضى الزبيديّ‪" :‬مَن جَعَ َل ال تعالى ُم َقدّرًا بِمقدارٍ كَ َفرَ" أي لن ُه جعَلهُ ذا كميةٍ وحجم والحجمُ والكميةًُ من موجبَاتِ‬
‫ن ل تعالى حجمٌ لكانَ مِثلً‬
‫الحُدوثِ‪ ،‬وهل عرفنا أن الشمس حادثةٌ مخلوق ٌة من جه ِة العقلِ إل لن لَها حَجمًا‪ ،‬ولو كا َ‬
‫ق اللوهية‪ .‬فلو طَا َلبَ هؤلءِ‬
‫ق اللوهي َة كَما أن الشمسَ ل تستح ّ‬
‫حّ‬‫ك ما كانَ يست ُ‬
‫ن كذل َ‬
‫للشمسِ في الحجميّةِ ولو كا َ‬
‫ي على استحقاقِ ال اللوهية وعدم استحقاقِ الشمسِ اللوهية لم يكن عندَهم‬
‫المشبه َة عابدُ الشمسِ بدلي ٍل عقل ّ‬
‫ك لعاب ِد الشمسِ يقولُ لهم‬
‫دليلٌ‪ ،‬وغَايَةُ ما يستطيعونَ أن يقولوا قالَ ال تعالى ‪﴿ :‬ل خالق ُكلّ شَىْءٍ ﴾ فإن قالوا ذل َ‬
‫ق اللوهيةَ فهنا ينقطعونَ‪.‬‬
‫س ل تستح ّ‬
‫عابدُ الشمس ‪ :‬أنا ل أؤمنُ بكتابكم أعطوني دليلً عقليّا على أن الشم َ‬

‫ق العرشِ مكتوبٌ فيه‪ " :‬إنّ رحمتي سَبَقَت غَضبي" أي‬
‫ي يسكنه إنما يوجدُ كتابٌ فو َ‬
‫ق العرش شىءٌ ح ّ‬
‫فل يوجدُ فو َ‬
‫أن مظاهر الرحمة أكثر من مظاهر الغضب‪ ،‬الملئكة من مظاهر الرحمة وهم أكثرُ عددًا من قطرات المطار‬
‫ق العرشِ‬
‫وأوراق الشجار‪ ،‬والجنة من مظاهر الرحمة وهي أكبر من جهنم بآلف المرات‪ .‬وكونُ ذلك الكتابِ فو َ‬
‫ق ال الخلقَ‬
‫ي في السننِ الكبرى وغيرهُما‪ ،‬ولفظ روايةِ ابن حبّانَ ‪َ " :‬لمّا خل َ‬
‫ت أخرجَ حديثهُ البخاريّ والنسائ ّ‬
‫ثاب ٌ‬
‫غضَبي"‪ .‬فإن حا َو َل محا ِولٌ أن يؤ ّولَ‬
‫ب َ‬
‫كتبَ في كتابٍ يكتبُهُ على نفسِ ِه وهو مرفوعٌ فوق العرشِ إن رحمتي تَغل ُ‬
‫‪ 30‬صفحة ‪ 30‬من ‪139‬‬
‫ت أو عقليّ قاطِعٍ وليس عندهم شىءٌ من‬
‫ي ثاب ٍ‬
‫"فوق" بمعنى دون قيلَ لهُ‪ :‬تأويلُ النصوصِ ل يجو ُز إل بدلي ٍل نقل ّ‬
‫ظ فوقَ العرشِ لنه‬
‫هذينِ‪ ،‬ول دليلَ على لزو ِم التأويلِ في هذا الحديث‪ ،‬كيفَ وقد قالَ بعضُ العلمَا ِء إن اللوحَ المحفو َ‬
‫ت العرشِ فبقي المرُ على الحتما ِل أي احتمالِ أن اللوحَ المحفوظَ‬
‫ح بأنه فوق العرشِ ول بأنه تح َ‬
‫ص صري ٌ‬
‫لم يَرد ن ّ‬
‫ح المحفوظَ معادِل ل أي أن‬
‫ت العرشِ‪ ،‬فعلى قولهِ إن ُه فوقَ العرشِ يكون جع َل اللو َ‬
‫فوقَ العرشِ واحتما ِل أنه تح َ‬
‫ش وهذا تشبي ٌه لهُ بخل ِقهِ لن محاذاةَ شى ٍء لشىءٍ‬
‫ح بمحاذاةِ قسمٍ ِمنَ العر ِ‬
‫يكونَ ال بمحاذا ِة قسم منَ العرشِ واللو ُ‬
‫ت المخلوقِ‪ .‬ومما يدل على أن ذلك الكتاب فوق العرش فوقي ًة حقيقي ًة ل تحتمل التأويل الحديث الذي رواه‬
‫مِن صفا ِ‬
‫ت والرض بألفي سنة فهوَ عن َدهُ على العرشِ‬
‫ق السموا ِ‬
‫ن ال كتَب كتابًا قبل أن يخُل َ‬
‫ي في السنن الكبرى‪" :‬إ ّ‬
‫النسائ ّ‬
‫ح في‬
‫ع عندهُ" فهذا صري ٌ‬
‫وإنه أنزلَ من ذلك الكتاب ءايتين ختم بِهما سورة البقرةِ"‪ ،‬وفي لفظ لمسلم ‪" :‬فهو موضو ٌ‬
‫ت تحيز ال فوقَ‬
‫س لثبا ِ‬
‫ف لي َ‬
‫ق العرشِ فوقيةً حقيقي ًة ل تحتَ ِملُ التأويلَ‪ .‬وكلم ُة "عندَ" للتشري ِ‬
‫ك الكتاب فو َ‬
‫أنّ ذل َ‬
‫سوّ َمةً عِندَ رَ ّبكَ‬
‫سجّيلٍ مّنضُو ٍد ّم َ‬
‫حجَا َرةً مّن ِ‬
‫علَ ْيهَا ِ‬
‫ن "عندَ" تُستع َملُ لغيرِ المكانِ قالَ ال تعالى‪َ ﴿ :‬وَأ ْمطَرْنَا َ‬
‫العرشِ ل ّ‬
‫ن تلكَ الحجارة مجاورةٌ ل تعالى في‬
‫س المعنى أ ّ‬
‫ك بعلمِ ال ولي َ‬
‫ن ذل َ‬
‫﴾ [سورة هود‪ )84-83/‬إنّما تدلّ "عندَ" هنا أ ّ‬
‫ن ال وبينَ خل ِق ِه فه َو من أجهَل الجاهلينَ‪ ،‬وهل‬
‫المكَان‪ .‬فمَن يحتجّ بمج ّردِ كلمةِ عند لثباتِ المكانِ والتّقارُبِ بي َ‬
‫ش إليهم وكانت مك ّو َم ًة بمكان في جنبِ‬
‫يقو ُل عاق ٌل إنّ تلكَ الحجارةَ التي أنزلَها ال على أولئكَ الكفرةِ نَزَلَت ِمنَ العر ِ‬
‫ش على زعمِهم‪.‬‬
‫ال فوقَ العر ِ‬

‫الشرح‪ :‬حديثُ الجاريةِ مضطربٌ سندا ومتنا ل يصح عن رسول ال‪ ،‬ول يليق برسول ال أن يقال عنه إنه حكَم‬
‫على الجارية السّوداء بالسلم لِمجر ِد قولها ال في السماء‪ ،‬فإن من أراد الدخول في السلم يدخل فيه بالنّطق‬
‫بالشهادتين وليس بقول ال في السماء‪ .‬أما المشبهة فقد حملوا حديث الجارية على غير مراد الرسول‪ .‬والمعنى‬
‫ي لِهذا الحديث عند من اعتبره صحيحًا ل يخالفُ تنزيهَ ال عن المكان والحدّ والعضاء‪ .‬وقد ورَد هذا‬
‫الحقيق ّ‬
‫ت يوم ذئبٌ فأكلَ‬
‫الحديث بعدّة ألفاظ منها أن رجل جاء فقال‪ :‬يا رسول ال إن لي جارية ترعى لي غنما فجاء ذا َ‬
‫شاة فغضبت فَصككتها – أي ضربتها على وجههَا – قال ‪ :‬أري ُد أن أُعتقها إن كانت مؤمنة فقال ‪ " :‬ائتني بِها "‪،‬‬
‫فَأتى بها فقال لها الرسول ‪ " :‬أين ال "‪ ،‬ومعناه ما اعتقادك في ال من التّعظيم ومن العلوّ ورفعَة القدر‪ ،‬لن أين‬
‫‪ 31‬صفحة ‪ 31‬من ‪139‬‬
‫تأتي للسؤال عن المكان وهو الكثر وتأتي للسّؤال عن القدْر‪.‬‬

‫وأما قول الجارية‪ " :‬في السماء"‪ ،‬وفي رواية ‪" :‬فأشارت إلى السماء"‪ ،‬أرادت به أنه رفيع القدر جدّا‪ ،‬وقد َفهِم‬
‫الرسول ذلك من كلمها أي على تقدير صحة تلك الرواية‪ .‬أي هذا عند من صحح هذا الحديث من أهل السنة‪.‬‬
‫علَى العرش استوى﴾[سورة طه‪ ]62/‬على‬
‫ح َمنُ َ‬
‫ونقو ُل للمشبهة‪ :‬لو كانَ المر كما تدّعون من حمل ءاية ﴿ الرّ ْ‬
‫ظاهرها وحمل حديث الجارية على ظاهر ِه لتناقَض القرءان بعضه مع بعض والحديث بعضه مع بعضٍ‪ ،‬فما تقولون‬
‫ض‬
‫ن مناقضًا بعضُه لبع ٍ‬
‫في قوله تعالى ﴿ َفَأيْنَمَا ُت َولّواْ َفثَ ّم وجه ال ﴾[سورة البقرة‪ ]115/‬فإما أن تجعلوا القرءا َ‬
‫والحديثُ مناقضًا بعضه لبعض فهذا اعتراف بكفركم لن القرءان يُنَزهُ عن المناقضة وحديث الرسول كذلك‪ ،‬وإن‬
‫أوّلتم ءاية ﴿ َفَأيْنَمَا ُت َولّواْ َفثَ ّم وجه ال ﴾ ولم تأوّلوا ءايةَ الستواء فهذا تحكّمٌ أي قولٌ بل دليل‪ .‬ومن حديث‬
‫صدَ أنه عالي القد ِر جدّا ل يكفّرُ لن هذا حاُلهُ‬
‫الجارية الذي مرّ ذكر ُه يُعلَم أن الشخصَ إذا قالَ ‪" :‬ال في السماء" وقَ َ‬
‫مث ُل حا ِل الجارية السّوداء أي على تقدير صحة تلك الرواية‪ ،‬أما إذا قا َل ال موجود بذاته في السماء هذا فيه إثباتُ‬
‫ت أن أُقَا ِتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن ل إله إل‬
‫التحيز وهو كفر‪ .‬وحديث الجارية فيه معارضة للحديث المتواتر‪ " :‬أمر ُ‬
‫ضةِ أن حديث الجارية فيه الكتفا ُء بقول " ال‬
‫ال وأن محمدا رسول ال "‪ .‬وهو من أصحّ الصحيح‪ ،‬ووجهُ المعار َ‬
‫في السماء" للحكم على قائله بالسلم‪ ،‬وحديث ابن عمر رضي ال عنه‪ " :‬حتى يشهدوا أن ل إله إل ال وأن‬
‫ح بأنه ل ُبدّ للدخول في السلم من النطقِ بالشهادتين‪ ،‬فحديث الجارية ل يقوى‬
‫محمدا رسول ال " فيه التصري ُ‬
‫لمقاومة هذا الحديث لن فيه اضطرابًا في روايته ولنه مما انفرد مسلم به‪ .‬وكذلك هناكَ عدة أحاديث صحاح ل‬
‫اختلفَ فيها ول علة تناقضُ حديث الجارية فكيف يؤخذ بظاه ِرهِ ويُعرضُ عن تلك الحاديثِ الصّحاح‪ ،‬فلول أن‬
‫المشبهة لَها هوًى في تجسيم ال وتحييزه في السماء كما هو معتقد اليهود والنصارى لما تشبّثوا به ولذلك يَرَونَهُ‬
‫أقوى شبهة يجتذبونَ به ضعفا َء الفَهم إلى عقيدتهم عقيدة التجسيم‪ ،‬فكيف يَخفى على ذي لبّ أن عقيدة تحيز ال‬
‫شىْءٌ ﴾ ‪ ،‬فإنه على ذلك يلز ُم أن يكون ل أمثالٌ كثيرٌ فالسمواتُ‬
‫س َكمِثِْلهِ َ‬
‫في السماء منافيةٌ لقوله تعالى‪َ ﴿ :‬ليْ َ‬
‫ش ذلك‬
‫السبعُ مشحونةٌ بالملئكة وما فوقها فيها ملئكةٌ حافون من حول العرش ل يعل ُم عددَهم إل ال وفوقَ العر ِ‬
‫ب فيه‪ " :‬إن رحمتي سبقت غضبي "‪ ،‬فباعتقادهم هذا أثبتوا ل أمثال ل تُحصى فتبينَ بذلك أنهم‬
‫الكتابُ الذي كُتِ َ‬
‫‪ 32‬صفحة ‪ 32‬من ‪139‬‬
‫مخالفون لهذه الية ول يَسلم من إثباتِ المثال ل إل من نَزّهَ ال عن التحيّز في المكان والجهة مطلقا‪ .‬انتهى ‪.‬‬

‫فصلٌ فيما يعارض من الحديثِ ما يتمسكون به‬

‫ويقال لمن يستدل ويحتج بحديث الجارية بأن ال في السماء حقيقة بذاته‪ ،‬يقال له ماذا تقول بمن‬
‫أورد واستدل عليكم بحديث أحمد في المسند والترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه والطبراني‬
‫في الكبير‪ ،‬من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن أبي رزين‬
‫العقيلي قال‪ :‬قلت يا رسول ال أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والرض ؟‪ .2‬فالجواب من‬
‫الخصم والمعارض‪ ،‬إما أن يقول كان ول شىء معه‪ ،‬ولم يكن شىء غيره كما قال رسول ال‬
‫كما في صحيح البخاري وغيره‪ ،‬وهذه الموجودات من العرش والسموات والماء لم تكن موجودة‬
‫فخلقها وكان ال قبل هذه الموجودات‪ ،‬ولم يتغير ويتبدل عما كان فل يجري عليه زمان ولمكان‬
‫وإما أن يقول إن ال كان في الزل وكانت السموات و الرض والعرش أو شىء من‬
‫المخلوقات‪ ،‬كالسحاب الرقيق أو الغليظ أو الماء‪ ،‬وهو إلحاد وكفر والرد عليه واضح‪ ،‬وإما أن‬
‫يقول‪ :‬كان وحده في الزل ثم انتقل وتحول وتبدل من ل مكان ول زمان أي من الزل إلى‬
‫وقد قال الذهبي في العلو‪ :‬رواه شعبة وغيره عن يعلى فقالوا‪ ،‬بدل عدس‪ ،‬حدس وقال الذهبي في العلو وإسناده حسن‪ ،‬على‬ ‫‪2‬‬

‫فرض صحته أو حسنه كما قال بعض الحفاظ‪ ،‬قلت بل الحديث ضعيف وفيه وكيع بن عدس ولم يوثقه إل ابن حبان ولم يرو‬
‫عنه إل يعلى بن عطاء وضعفه المتناقض اللباني في ضعيف الترمذي وفي ضعيف ابن ماجه وفي تخريجه لسنة ابن أبي‬
‫عاصم‪ ،‬أما ما قاله في مختصر العلو ص ‪ ،186‬وما رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي إسناده حسن‪ ،‬فليس بحسن ‪،‬‬
‫لكن الشاهد في الحديث عليهم‪ ،‬وصححه ابن العربي كما في العارضة وحسنه ابن كثير في تفسيره‪.‬‬
‫‪ 33‬صفحة ‪ 33‬من ‪139‬‬
‫المكان كالسموات والعرش وهو الحدوث حتى صار في السماء حقيقة بظاهر حديث الجارية‪ ،‬أو‬
‫جلس واستقر بظاهر آية الستواء كما تقول المشبهة‪ ،‬وهذا فيه نسبة الحدوث والمكان ل تعالى‬
‫والتنقل والتحول والتصرف في نفسه‪ ،‬وهذا التحول والتنقل بزعمهم يكون تجدد عليه شىء لم‬
‫ت ذلك ل في كتاب ول سنة ول عن أحد من السلف فوصفوا ال بما لم‬
‫يكن‪ ،‬أضف أنه لم يأ ِ‬
‫يصف به نفسه ول وصفه به رسوله‪ ،‬بل رسول ال صلى ال عليه وسلم قال كان ال ولم يكن‬
‫شىء غيره‪ ،‬ونقل على ذلك ابن حزم الجماع‪ ،‬ومن قال بخلف ذلك كفر كما في مراتب‬
‫الجماع‪ ،‬وقال أبو حنيفة في الفقه الكبر "وصفاته في الزل غير محدثة ول مخلوقة‪ :‬فمن قال‬
‫إنها مخلوقة أو محدثة‪ ،‬أو وقف فيها أو شك فيها فهو كافر بال تعالى‪ ،‬وقال لم يزل ول يزال‬
‫بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ول صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الزل قادرا‬
‫بقدرته والقدرة صفة في الزل‪ ...‬الخ ما قاله فارجع اليه ‪.‬‬
‫قال مل علي القاري أي موصوفا بنعوت الكمال‪ ،‬وأن صفات ال وأسمائه كلها أزلية ل بداية‬
‫لها وأبدية ل نهاية لها‪ ،‬لم يتجدد له تعالى صفة من صفاته ول إسم من أسمائه لنه سبحانه‬
‫واجب الوجود لذاته الكامل في ذاته وصفاته‪ ،‬فلو حدث له صفة أو زال عنه نعت لكان قبل‬
‫حدوث تلك الصفة وبعد زوال ذلك النعت ناقصا عن مقام الكمال وهو في حقه سبحانه من‬
‫المحال فصفاته تعالى كلها أزلية أبدية‪ .‬انتهى‪ ،‬ويقال لهم كما قال الذهبي في ترجمة الحافظ أبي‬
‫نعيم قال‪ :‬الحافظ الكبير قال في كتاب العتقاد له طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة‬
‫وإجماع المة‪ ،‬ومما اعتقدوه‪ :‬أن ال لم يزل كامل بجميع صفاته القديمة ل يزول ول يحول‬
‫بصيرا ببصر وسميعا بسمع متكلما بكلم‪ ،‬ثم أحدث الشياء من غير شيء " انتهى المراد منه‪،‬‬
‫‪ 34‬صفحة ‪ 34‬من ‪139‬‬
‫وقال ابن القيم في اجتماع جيوشه نقل عن المزني‪ :‬إن صفات ال تعالى قديمات موصوف‬
‫بالكمالت ول تزداد ول تنقص‪ ،‬ونقل ذلك أيضا عن الطحاوي‪.‬‬

‫وقال المام الحافظ أبو بكر السماعيلي في كتابه "اعتقاد أئمة الحديث" ص ‪:16‬‬

‫ويعتقدون جواز الرؤية ل – في الخرة – من غير تجسيم ول تحديد‪.‬انتهى ثم قال في مسئلة‬
‫النـزول‪ :‬وأنه عز وجل ينـزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم بل اعتقاد كيف فيه‪.‬انتهى بحروفه‪ ،‬قلت‪ :‬فالمنفي هو الكيف واعتقاد الكيف‪ ،‬وهذا‬
‫اعتقاد أئمة الحديث‪ ،‬ل كما زعموا وجودَ الكيف مع جهلنا به‪.‬‬

‫معنى حديث‪( :‬كان في عماء ما فوقه هواء‪ ،‬وما تحته هواء)‬
‫وفي صحيح البخاري كان ال غفورا رحيما قال ابن عباس أي لم يزل ‪ .‬وقال المام أحمد بن‬
‫حنبل‪ :‬حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة‪ ،‬حدثنا أبو يعلى بن عطاء‪ ،‬عن وكيع بن حدس‪ ،‬عن عمه‬
‫أبى رزين لقيط بن عامر العقيلى‪ ،‬أنه قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات‬
‫والرض؟ قال‪( :‬كان فى عماء ما فوقه هواء‪ ،‬وما تحته هواء‪ ،‬ثم خلق عرشه على الماء)‪.‬‬
‫ورواه عن يزيد بن هارون‪ ،‬عن حماد بن سلمة‪ ،‬به‪ ،‬ولفظه‪( :‬أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟)‬
‫وباقيه سواء ‪ .‬وأخرجه الترمذى عن أحمد بن منيع‪ ،‬وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة‪،‬‬
‫ومحمد بن الصباح‪ ،‬ثلثتهم عن يزيد بن هارون‪ .‬وقال الترمذى‪ :‬حسن‪ .‬قال الترمذي في جامعه‬
‫بعدما رواه ‪ :‬قال يزيد بن هارون ‪ :‬العماء أي ليس معه شيء وأقره وبذلك يكون مؤول‬ ‫‪228-5‬‬

‫‪ 35‬صفحة ‪ 35‬من ‪139‬‬
‫عند يزيد بن هارون والترمذي‪ ،‬وأقر بهذا التأويل ابن تيمية كما في كتابه "بيان تلبيس الجهمية"‬
‫ولم يقدر على دفعه كما سيأتي‪.‬‬

‫عقب روايته له ‪ :‬وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة ‪ :‬يريد به‬ ‫‪4-8‬‬ ‫وقال ابن حبان في صحيحه‬
‫أن الخلق ل يعرفون خالقهم من حيث هم إذ كان ول زمان ول مكان ومن لم يُعرف له زمان‬
‫ول مكان ول شىء معه لنه خالقها كان معرفة الخلق إياه كانه كان في عماء عن علم الخلق ل‬
‫أن ال كان في عماء‪ ،‬إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين انتهى‪ .‬وقال ابن تيمية في بيان‬
‫تلبيس الجهمية‪ :‬وحديث أبي رزين رواه أحمد والترمذي وغيره قال الترمذي في كتاب التفسير‬
‫في تفسير سورة هود لجل قوله تعالى هو الذي خلق السموات والرض في ستة أيام وكان‬
‫عرشه على الماء ثنا أحمد بن منيع قال ثنا يزيد ابن هرون أنا حماد بن سلمة عن يعلى بن‬
‫عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين قال قلت يا رسول ال أين كان ربنا قبل أن يخلق‬
‫خلقه قال كان في عماء ما تحته هو وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء قال أحمد بن منيع‬
‫قال يزيد بن هارون العماء أي ليس معه شىء فهذا الحديث فيه بيان أنه خلق العرش المخلوق‬
‫قبل السموات والرض وأما قوله في عماء فعلى ما ذكره يزيد بن هارون ورواه عنه أحمد بن‬
‫منيع وقرره الترمذي في أن معناه ليس معه شىء فيكون فيه دللة على أن ال تعالى كان وليس‬
‫معه شيء انتهى قلت وهذا الحديث يعارض بالظاهر حديث الجارية وقد قدمنا الجواب على ذلك‬
‫فتعين التأويل عندنا وعند الخصم فافهم‪.‬‬

‫‪ 36‬صفحة ‪ 36‬من ‪139‬‬
‫معنى حديث‪( :‬ارحموا من في الرض يرحمْكم من في السماء) وألفاظه‬

‫قال الحافظ محمد بن علي بن طولون في "الربعين في فضل الرحمة والراحمين " بسنده إلى‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم انه قال‪" :‬الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الرض يرحمكم‬
‫أهل السماء" وفي رواية ارحموا من في الرض يرحمكم من في السماء "‪ ،‬ورواه بلفظ يرحمكم‬
‫أهل السماء ‪ ,‬المام عبد ال ابن المبارك في مسنده والحافظ والحميدي في مسنده والحافظ‬
‫العراقي في اماليّهِ بلفظ "يرحمكم أهل السماء ‪.‬واعلم أنه ل يجوز ان يقال عن ال أهل السماء‬
‫فتحمل رواية الترمذي في جامعه "يرحمكم من في السماء "على معنى الملئكة بدليل ما رواه أبو‬
‫داود عن عبد ال بن مسعود مرفوعا‪" :‬إذا تكلّم ال بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة‬
‫كجرّ السلسلة على الصفا"‪ .‬وعند الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا‪" :‬إذا تكلم ال‬
‫بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف ال فإذا سمع بذلك أهل السماء‪....‬الحديث وعند ابن‬
‫مردويه من حديث ابن مسعود‪" :‬إذا تكلم ال بالوحي يسمع أهل السموات صلصلة كصلصلة‬
‫السلسلة على الصفوان‪....‬الحديث‪ .‬وهو في السماء والصفات للبيهقي وخلق أفعال العباد‬
‫للبخاري ‪.‬‬

‫ومما هو معروف في النحو إفراد ضمير الجمع قال ال تعالى ومنهم من يستمع اليك "سورة‬
‫النعام وقوله تعالى ومنهم من يستمعون اليك "سورة يونس وقوله تعالى ومنهم من ينظر اليك‬
‫"سورة يونس ‪ .43‬وكذلك يحمل قوله تعالى " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الرض "على‬
‫‪ 37‬صفحة ‪ 37‬من ‪139‬‬
‫الملئكة أو جبريل كما قال ابن عطية في تفسيره والرازي في تفسيره وابن حيان في تفسيره‬
‫البحر والقرطبي في تفسيره الجامع والنسفي في تفسيره وغيرهم‪ .‬وفي قوله تعالى‪ :‬ونفخ في‬
‫الصور فصعق من في السموات ومن في الرض إل ما شاء ال "وقوله تعالى‪{ :‬يوم نطوي‬
‫السماء كطي السجل للكتب} رد على مزاعمهم باثبات ان ال متحيز في السماء أو انه مستقر فيها‬
‫‪ .‬قلت وفي سند رواية " أين ال " هلل بن أبي ميمونة ‪ ,‬قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال "‬
‫قال أبو حاتم ‪ :‬شيخ يكتب حديثه ‪ .‬وقال النسائي ‪ :‬ليس به بأس ‪ .‬قلت وهذا اللفظ ليس به بأس‬
‫من أدنى مراتب التعديل‪ ،‬وقول أبي حاتم شيخ يكتب حديثه في اصطلحه لمن كان فيه ضعف‬
‫كما قال الذهبي ذلك‪ ،‬وعليه يكون حديث هلل هذا حسنا وليس صحيحا‪ ،‬فرواية هلل ابن أبي‬
‫ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي إسنادها حسن إل أن المتن مضطرب‬
‫من هذا الطريق أيضا ‪ .‬وفي حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يدل دللة واضحة في‬
‫نفي المكان والجهة عن ال تعالى وذلك فيما رواه البخاري في صحيحه وابن الجارود في‬
‫المنتقى والبيهقي من حديث عمران بن الحصين رضي ال عنه قال‪ :‬اتى اناس من أهل اليمن‬
‫إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقالوا يا رسول ال جئناك لنتفقه في الدين فأنبئنا عن بدء هذا‬
‫المر ما كان قال‪ :‬كان ال ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء "‪ .‬وفي رواية ابن‬
‫الجارود وأخرى للبخاري "عن أول هذا المر ما كان "انظر فتح الباري ج ‪ /13‬ص ‪ ،420‬فقوله‬
‫صلى ال عليه وسلم "كان ال "اي لم يزل موجودا في الزل ليس معه غيره وقوله عليه الصلة‬
‫والسلم "وكان عرشه على الماء "اي حدث عرشه على الماء وفي الحديث ان الماء والعرش‬
‫أول خلق ال وأولهما وجودا الماء‪ ،‬فالماء اصل لكل شيء والماء خلق من غير اصل‪ ،‬قال‬
‫‪ 38‬صفحة ‪ 38‬من ‪139‬‬
‫الطيبي‪ :‬لفظة "كان "في الموضعين بحسب حال مدخولها‪ ،‬فالمراد بالولى الزلية والقدم وبالثاني‬
‫الحدوث بعد العدم وقاله الحافظ ايضا وقال الراغب‪" :‬كان "عبارة عما مضى من الزمان لكنها‬
‫في كثير من وصف ال تعالى تنبىء عن معنى الزلية كقوله تعالى‪( :‬وكان ال بكل شيء‬
‫عليما)‪ .‬قال الحافظ السيوطي في معترك القران وتأتي "أي كان"بمعنى الدوام والستمرار نحو‬
‫{وكان ال غفورا رحيما}‪{ .‬وكنا بكل شيء عالمين} أي لم نزل كذلك‪ .‬وعلى هذا المعنى تتخرج‬
‫جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان‪ .‬قال أبو بكر الرازي‪ :‬كان في القرآن على خمسة أوجه‪:‬‬
‫بمعنى الزل والبد‪ ،‬كقوله‪{:‬وكان ال عليما حكيما}‪.‬اهـ‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر في الفتح ‪ ،13/421‬واستدل به على ان العالم حادث لن قوله "ولم يكن‬
‫شيء غيره "ظاهر في ذلك فان كل شيء سوى ال وجد بعد ان لم يكن موجودا‪ .‬وقال الحافظ‬
‫قوله "باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم " كذا ذكر‬ ‫‪13/416‬‬ ‫ابن حجر‬
‫قطعتين من آيتين‪ ،‬وتلطف في ذكر الثانية عقب الولى برد من توهم من قوله في الحديث "كان‬
‫ال ولم يكن شيء قبله‪ ،‬وكان عرشه على الماء "ان العرش لم يزل مع ال تعالى وهو مذهب‬
‫باطل "اهـ وقد روى ابن حبان وابن ماجه من حديث أبي هريرة ان النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪ " :‬كل شيء خلق من الماء " وعند ابن حبان قال‪ :‬ان ال تعالى خلق كل شيء من الماء وفي‬
‫هذه الحاديث أبين البيان وأوضح برهان بأن الماء اصل كل شيء ولم يكن للعرش العظيم وجود‬
‫قبل الماء ل بالجنس ول بالنوع كما زعم في الثاني ابن تيمية الحراني وهو قول باطل وما ورد‬
‫في تفسير الحافظ ابن الجوزي والمام ابن جرير الطبري وما نقله الحافظ السيوطي في الدر‬
‫المنثور والقرطبي عند تفسير قوله تعالى (أأمنتم من في السماء) ففي زاد المسير عن ابن عباس‬
‫‪ 39‬صفحة ‪ 39‬من ‪139‬‬
‫قال‪ :‬أأمنتم عذاب من في السماء وهو ال عزوجل‪ .‬وعند السيوطي عن مجاهد قال "ال‬
‫تعالى"فليعلم ان ال عزوجل منزه عن الستقرار والتحيز وأن يكون في جهة وان السماء تحيط‬
‫به‪ .‬وهذا ل خلف فيه حتى ان ابن تيمية والوهابية متفقون معنا على أن السموات ل تحيط بال‬
‫سبحانه وأن العرش ل يقله سبحانه كما قال ابن تيمية ومحمد صالح عثيمين ومحمد خليل‬
‫الهراس وغيرهم‪.‬‬

‫والعجب منهم بعد ذلك يقولون استوى استقر‪ ،‬فان كان العرش ليقله فكيف يستقر عليه كما‬
‫‪311‬‬ ‫يزعمون فمن استقر على شيء يكون أقله وحمله هذا الشيء كذلك‪ .‬قال الزجاج المتوفى‬
‫هجري والعلمة اللغوي أبو القاسم الزجاجي في كتابه اشتقاق أسماء ال قال والعلي والعالي‬
‫ايضا القاهر الغالب للشياء فقول العرب عل فلن فلنا أي غلبه وقهره كما قال الشاعر‪:‬‬

‫فلما علونا واستوينا عليهمُ ‪ .....‬تركناهم صرعى لنسر وكاسر‬

‫يعني غلبناهم وقهرناهم واستولينا عليهم انتهى ‪ ،‬وفي صحيح البخاري تأويل أبي العاليه الستواء‬
‫بالرتفاع وتعقب ذلك ابن بطال فقال‪ :‬ففيه نظر لنه لم يصف به نفسه‪ .‬قال العلمة الكوثري‬
‫رحمه ال تعالى في تعليقه على السيف الصقيل وأبو العاليه رفيع الرياحي فسر الستواء‬
‫بالرتفاع كما ذكره ابن جرير بطريق أبي جعفر الرازي وهو متكلم فيه حتى عند الناظم‪ .‬واعلم‬
‫أن علماء الجرح والتعديل‪ ،‬قالوا إن من قيل فيه صدوق مأمون‪ ،‬ل بأس به يلحق بهذه المرتبة‬
‫كل ما يدل على صدق الراوي وعدم ضبطه‪ ،‬ومحله الصدق‪ ،‬وصالح الحديث وهي المرتبة‬
‫‪ 40‬صفحة ‪ 40‬من ‪139‬‬
‫الخامسة من أصل ستة مراتب من مراتب التعديل‪ ،‬والسادسة قولهم شيخ ‪ ،‬ليس ببعيد عن‬
‫الصواب صويلح صدوق إن شاء ال ‪ ،‬هاتان المرتبتان اللتان تدلن على عدم ضبط الرواة فإنه‬
‫يكتب حديثهم ويعتبر بحديث غيرهم ‪ .‬وقالوا في مراتب الجرح‪ :‬ول يحتج بمن ذكر من المراتب‬
‫الربعة الولى أي من قيل فيه ركن الكذب أو أكذب الناس من المرتبة الولى أوكذاب أو‬
‫وضاع من المرتبة الثانية أو متهم بالكذب أو الوضع أو يسرق الحديث وما يلحق بذلك نحو‪:‬‬
‫هالك متروك أو ليس بثقة‪ ،‬والمرتبة الرابعة‪ ،‬نحو قولهم رد حديثه‪ ،‬طرح حديثه‪ ،‬ضعيف جدا‪،‬‬
‫وليس بشىء‪ ،‬ل يكتب حديثه‪ ،‬فهذه المراتب الربعة ل يحتج بمن ذكر من أصحابها‪ ،‬أما‬
‫المرتبة الخامسة نحو قولهم مضطرب الحديث‪ ،‬أو ل يحتج به‪ ،‬وضعفوه‪ ،‬أو ضعيف‪ ،‬أو له‬
‫مناكير‪ ،‬وكذلك المرتبة السادسة‪ ،‬فلن ليس بالقوي‪ ،‬فيه مقال ليس بحجة‪ ،‬فيه ضعف‪ ،‬غيره‬
‫أوثق منه‪ ،‬ونحو ذلك فهؤلء يخرج حديثهم للعتبار‪ ،‬كما قال صاحب كتاب أصول الحديث نقل‬
‫( وقالوا في‬ ‫‪162 -1‬‬ ‫عن الحافظ العراقي في فتح المغيث ‪ 42-2‬له‪ ،‬وفتح المغيث للسخاوي أيضا‬
‫أبي جعفر الرازي قال عبد ال بن أحمد بن حنبل عن أبيه ليس بقوي في الحديث‪ ،‬وعن يحي بن‬
‫معين يكتب حديثه ولكنه يخطئ‪ .‬وقال عمرو بن علي فيه ضعف وهو من أهل الصدق سيء‬
‫الحفظ‪ ،‬وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيرا وقال النسائي ليس بالقوي وقال ابن خراش سيء الحفظ‬
‫صدوق‪ ،‬كما في تهذيب الكمال‪ .‬وقال في تهذيب التهذيب وقال العجلي ليس بالقوي)‪ .‬وروى‬
‫الفريابي عن مجاهد تفسير استوى بقوله عل بطريق ورقاء ( قال أبو عبد ال وهو يصحف في‬
‫غير حرف وكأن أبا عبد ال ضعفه في التفسير‪ ،‬وقال يحيى بن معين سمعت معاذ بن معاذ يقول‬
‫ليحي القطان سمعت حديث منصور فقال يحيى‪ :‬ممن؟ قال من ورقاء قال ل يساوي شيئا‪ ،‬وقال‬
‫‪ 41‬صفحة ‪ 41‬من ‪139‬‬
‫وكيع لما قرأ التفسير‪ ،‬قال للناس خذوه فليس فيه عن الكلبي ول ورقاء شيء عن ابن أبي نجيح‬
‫عنه والكلم فيهما مشهور ولذا ذكر هذا وذاك البخاري من غير سند ومع ذلك أين الدللة في‬
‫هذا وذاك على الفوقية المكانية ؟ أهـ قلت ورقاء هذا واسمه ورقاء بن عمر بن كليب قال يحي‬
‫بن معين في رواية منصور‪ ،‬ل يساوي شيئا وذكره في الكامل‪ ،‬وضعفه المام أحمد في التفسير‪،‬‬
‫قال في تهذيب الكمال للمزي وقال حجاج كان يقول لي كيف هذا الحرف عندك ؟ فأقول له كذا‬
‫وكذا قال أبو عبد ال‪ :‬وهو يصحف في غير حرف‪ ،‬وكأن أبا عبد ال ضعفه في التفسير وقال‬
‫ابراهيم الحربي لما قرأ وكيع التفسير قال للناس خذوه فليس فيه عن الكلبي ول ورقاء شيء‬
‫وقال شعبة ل يكتب عن مثل ورقاء حتى يرجع كما في تاريخ بغداد للحافظ الخطيب البغدادي‪.‬‬
‫وكما قي تهذيب الكمال للمزي‪ .‬ووثقه يحي بن معين وابن حبان وقال أبو زرعة صالح الحديث‬
‫روى له الجماعة‪ ،‬وقال في تهذيب التهذيب‪ ،‬وقال ابن عدي روى أحاديث غلط في أسانيدها‬
‫وباقي حديثه ل بأس به‪ ،‬وقال وكيع ثقة‪.‬‬
‫قال الحافظ السيوطي في مُع َت َركِ الَقران‪ :‬وكذا استواؤه على العرش بالعدل والقهر كقوله‬
‫{قائمابالقسط} فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه‪.‬‬
‫وقال أحمد ابن يحيى في قوله عزوجل‪ ( :‬الرحمن على العرش استوى ) قال الستواء القبال‬
‫على الشىء وقال الخفش‪ :‬استوى أي عل‪( .‬قلنا أي علو قهر وتدبير واستعلء)‪ .‬ونحوه في‬
‫كتاب القاموس المحيط للفيروزابادي وشرحه تاج العروس للمحدث اللغوي مرتضى الزبيدي‬
‫الحنفي‪ .‬ويؤيد هذا ما قاله الفراء فيما رواه البيهقي في كتابه السماء والصفات ‪ :‬قال اخبرنا أبو‬
‫سعيد عن أبي عمرو ثنا أبو العباس الصم ثنا محمد بن الجهم ثنا الفراء في قوله عز وجل‪:‬‬
‫‪ 42‬صفحة ‪ 42‬من ‪139‬‬
‫(وهو القاهر فوق عباده) قال كل شيء قهر شيئا فهو مستعل عليه‪ .‬ذكره في السماء والصفات‬
‫ويذكر عن أبي العاليه في هذه الية انه قال استوى يعني‬ ‫‪:413‬‬ ‫ص ‪ ،420‬ثم قال ايضا في ص‬
‫ارتفع ومراده بذلك وال أعلم إرتفاع أمره‪ .‬وهو بخار الماء الذي منه وقع خلق السماء‪ .‬وقال‬
‫هـ في كتابه تفسير أسماء ال الحسنى ص ‪ 60‬في تفسير‬ ‫‪311‬‬ ‫المام أبو اسحق الزجاج المتوفى‬
‫اسم ال الظاهر "وان اخذته من قول العرب ظهر فلن فوق السطح إذا عل‪ ،‬ومن قول الشاعر‪،‬‬
‫وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " فهو من العلو وال تعالى عال على كل شيء وليس المراد بالعلو‬
‫ارتفاع المحل لن ال تعالى يجل عن المحل والمكان وإنما العلو علو الشأن وارتفاع السلطان‬
‫أهـ‪ .‬وفي كتاب عمدة الحفاظ في تفسير اشرف اللفاظ للشيخ أحمد بن يوسف المعروف‬
‫وقوله‪( :‬وهو القاهر فوق عباده) فالفوقية هنا ليست‬ ‫‪3/304‬‬ ‫هـ‬ ‫‪756‬‬ ‫بالسمين الحلبي المتوفى‬
‫حقيقتها مرادة‪ ،‬تعالى ال عن الجهة وانما المراد ان قهره وسلطانه وقدرته استعلت على عباده‬
‫فهم تحت قهره وسلطانه وقال ايضا قال بعضهم فوق تستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد‬
‫والمنزلةوذلك أضرب إلى أن قال السادس بإعتبار القهر والغلبة كقوله تعالى‪( :‬وهو القاهر فوق‬
‫عباده) أهـ‬
‫قلت‪ :‬وفي قوله تعالى‪( :‬وإنّا فوقهم قاهرون) أبين البيان على فوقية القهر‪ ،‬وهذا واضح ل إشكال‬
‫فيه‪ ،‬لن فرعون لم يُخرج من كان فوقه في الجبل من عموم قوله (قاهرون) وهذه الية حجة‬
‫قوية‪.‬‬

‫الكلم على الية‪( :‬أأمنم من في السماء أن يخسف بكم الرض)‬
‫‪ 43‬صفحة ‪ 43‬من ‪139‬‬
‫قال المفسر العلمة أبو حيان في البحر المحيط‪ " :‬وفي قوله " فأينما تولوا فثم وجه ال " رد‬
‫على من يقول إنه في حيز وجهة ‪ ،‬لنه لما خير في استقبال جميع الجهات ‪ ،‬دل على أنه ليس‬
‫في جهة ول حيز‪ ،‬ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الماكن‪ ،‬فحيث لم‬
‫يخصص مكانا علم أنه ل في جهة ولحيز بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه ‪.‬فأي جهة‬
‫توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لمره‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫قال محمد صالح العثيمين المجسم في شرح العقيدة الواسطية ص ‪ :286‬ولكن الصحيح أن المراد‬
‫بالوجه هنا وجه ال الحقيقي أي إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه ال سبحانه وتعالى لن ال‬
‫محيط بكل شىء‪ .‬ولنه ثبت عن النبي صلى ال عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي فإن ال‬
‫قبل وجهه‪ ،‬ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه‪ ،‬لن ال ِقبَل وجهه‪ .‬وقال قبل ذلك وهو وجه قائم‬
‫به تبارك وتعالى موصوف بالجلل والكرام‪ ،‬وهو من الصفات الذاتية الخبرية‪ ،‬ونقل عن ابن‬
‫تيمية أن معية ال حقيقية تليق به انتهى‪.‬‬
‫وقال أبو حيان في كلمه عن التيان والمجيء ‪ ،‬فروى أبو صالح عن ابن عباس ‪ :‬أن هذا من‬
‫المكتوم الذي ل يفسر ‪ ،‬ولم يزل السلف في هذا وأمثاله يؤمنون ويكلون فهم معناه الى علم‬
‫المتكلم به وهو ال تعالى‪ .‬وقال عند ذكر اليد ‪ :‬وقال قوم منهم الشعبي وابن المسيب والثوري‬
‫نؤمن بها ونقر كما نصت ول تعين تفسيرها ‪ .‬قال القرطبي في تفسيره ‪ :‬قوله تعالى‪" :‬أأمنتم من‬
‫في السماء أن يخسف بكم الرض" قال ابن عباس‪ :‬أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه‪.‬‬
‫‪ 44‬صفحة ‪ 44‬من ‪139‬‬
‫وقيل‪ :‬تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته‪ .‬وخص السماء وإن عم ملكه‬
‫تنبيها على أن الله الذي تنفذ قدرته في السماء ل من يعظمونه في الرض‪ .‬وقيل‪ :‬هو إشارة‬
‫إلى الملئكة‪ .‬وقيل‪ :‬إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب‪.‬قلت‪ :‬ويحتمل أن يكون المعنى‪:‬‬
‫أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الرض كما خسفها بقارون‪" .‬فإذا هي تمور" أي تذهب‬
‫وتجيء‪ .‬والمور‪ :‬الضطراب بالذهاب والمجيء‪ .‬قال الشاعر‪ :‬رمين فأقصدن القلوب ولن ترى‬
‫دما مائرا إل جرى في الحيازم جمع حيزوم وهو وسط الصدر‪ .‬وإذا خسف بإنسان دارت به‬
‫[التوبة‪:‬‬ ‫الرض فهو المور ‪ .‬وقال المحققون‪ :‬أمنتم من فوق السماء؛ كقول‪" :‬فسيحوا في الرض"‬
‫أي فوقها ل بالمماسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير‪ .‬وقيل‪ :‬معناه أمنتم من على السماء؛ كقوله‬ ‫‪]2‬‬

‫أي عليها‪ .‬ومعناه أنه مديرها ومالكها ؛ كما يقال‪:‬‬ ‫[طه‪]71 :‬‬ ‫تعالى‪" :‬ولصلبنكم في جذوع النخل"‬
‫فلن على العراق والحجاز؛ أي وإليها وأميرها‪ .‬والخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة‬
‫منـتشرة‪ ،‬مشيرة إلى العلو؛ ل يدفعها إل ملحد أو جاهل معاند‪ .‬والمراد بها توقيره وتنزيهه عن‬
‫السفل والتحت ‪ .‬ووصفه بالعلو والعظمة ل بالماكن والجهات والحدود لنها صفات الجسام ‪.‬‬
‫وإنما ترفع اليدي بالدعاء إلى السماء لن السماء مهبط الوحي‪ ،‬ومنزل القطر‪ ،‬ومحل القدس‪،‬‬
‫ومعدن المطهرين من الملئكة‪ ،‬وإليها ترفع أعمال العباد‪ ،‬وفوقها عرشه وجنته؛ كما جعل ال‬
‫الكعبة قبلة للدعاء والصلة‪ ،‬ولنه خلق المكنة وهو غير محتاج إليها‪ ،‬وكان في أزله قبل خلق‬
‫المكان والزمان‪ .‬ول مكان له ول زمان‪ .‬وهو الن على ما عليه كان‪. .‬قوله تعالى‪" :‬أم أمنتم من‬
‫في السماء أن يرسل عليكم حاصبا" أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب‬
‫الفيل‪ .‬وقيل‪ :‬ريح فيها حجارة وحصباء ‪ .‬وقيل‪ :‬سحاب فيه حجارة‪ .‬انتهى‪ .‬وقال البغوي في‬
‫‪ 45‬صفحة ‪ 45‬من ‪139‬‬
‫"أأمنتم من في السماء"‪ ،‬قال ابن عباس‪ :‬أي‪ :‬عذاب من في السماء إن‬ ‫‪-16‬‬ ‫تفسيره ‪ :‬فقال‪:‬‬
‫عصيتموه‪" ،‬أن يخسف بكم الرض فإذا هي تمور"‪ ،‬قال الحسن‪ :‬تتحرك بأهلها‪ .‬وقيل‪ :‬تهوي‬
‫بهم‪ .‬والمعنى‪ :‬أن ال تعالى يحرك الرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل‪ ،‬تعلو عليهم‬
‫وتمر فوقهم‪ .‬يقال‪ :‬مار يمور‪ ،‬أي‪ :‬جاء وذهب‪" - .‬أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم‬
‫حاصبا"‪ ،‬ريحا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط‪" .‬فستعلمون"‪ ،‬في الخرة وعند الموت‪" ،‬كيف‬
‫نذير"‪ ،‬أي إنذاري إذا عاينتم العذاب‪" -18 .‬ولقد كذب الذين من قبلهم"‪ ،‬يعني كفار المم الماضية‪،‬‬
‫"فكيف كان نكير"‪ ،‬أي إنكاري عليهم بالعذاب‪ .‬وقال ابن جرير في تفسير ‪ :‬القول فـي تأويـل‬
‫خسِفَ ِبكُمُ الرْضَ فَإِذَا ِهيَ َتمُورُ * أَمْ َأمِنتُمْ مّن فِي‬
‫سمَآءِ أَن َي ْ‬
‫قوله تعالى‪{:‬أََأمِنتُمْ مّن فِي ال ّ‬
‫السّمَآءِ أَن ُي ْرسِلَ عََل ْيكُمْ حَاصِبا َفسَ َتعْلَمُونَ َك ْيفَ نَذِيرِ }‪.‬يقول تعالى ذكره‪ :‬أأَم ْنتُمْ مَنْ فِي السّماءِ‬
‫سفَ ِبكُمُ الرْضَ فإذا ِهيَ َتمُورُ يقول‪ :‬فإذا الرض تذهب بكم وتجيء‬
‫خِ‬‫أيها الكافرون أنْ يَ ْ‬
‫وتضطرب أمْ أ ِم ْنتُمْ مَنْ فِي السّماءِ وهو ال أنْ ُي ْرسِلَ عَلَ ْيكُمْ حاصِبا وهو التراب فيه الحصباء‬
‫الصغار َفسَ َتعَْلمُونَ َك ْيفَ نَذِيرِ يقول‪ :‬فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبة نذيري لكم‪ ،‬إذ كذبتم به‪،‬‬
‫ورددتموه على رسولي ‪..‬‬
‫قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في عارضة الحوذي‪ :‬قوله في السماء إخبار كما تقدم‬
‫عن غاية الرفعة ومنتهى الجللة ل عن محل استقر فيه قال‪ :‬بلغنا السماء مجدنا وحدودنا وإنا‬
‫لنرجو فوق ذلك مظهرا ‪.‬‬

‫‪ 46‬صفحة ‪ 46‬من ‪139‬‬
‫‪2‬ص ‪453‬‬ ‫ولم يحل بالسماء ولكنه اراد ما ذكرناه أ‪.‬هـ وفي الحاوي للفتاوي للحافظ السيوطي‬
‫عن الشيخ عز الدين عند حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه قال السيوطي‪ ( :‬إن هذا الحديث‬
‫ليس بصحيح وقد سئل عنه النووي في فتاويه فقال‪:‬إنه ليس بثابت‪ ،‬قال وتنـزه عن المكان‬
‫والزمان‪ ،‬علمنا أنه أقرب إلى كل شىء ليس شىء أقرب إليه من شىء ول شىء أبعد إليه من‬
‫شىء ل بمعنى قرب المسافة لنه منـزه عن ذلك‪ ،‬علمنا أنه منـزه عن الكيفية والينية فل‬
‫يوصف بأين ول كيف‪ .‬علمنا أنه منـزه عن الحس والجسم واللمس والمس‪ ،‬وقال الحافظ‬
‫السيوطي‪ :‬فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين وهو مقدس عن الكيف والين‪.‬‬
‫وفي الفتح قال الحاكم الحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين‬
‫وليس لمعارضها في الصحيح ذكر انتهى وقيل المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش‬
‫ويؤيده حديث‪ :‬إن جبريل قال من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها‬
‫أخرجه الحاكم إلى أن قال‪ :‬قال أبو الوليد بن رشد في شرح العتبية إنما نهى مالك لئل يسبق إلى‬
‫وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك ال بحركته كما يقع للجالس منا على كرسيه وليس‬
‫العرش بموضع استقرار ال تبارك ال وتنـزه عن مشابهة خلقه‪ .‬انتهى ملخصا‬
‫والذي يظهر أن مالكا ما نهى عنه لهذا إذ لو خشي من هذا لما أسند في الموطأ حديث ينـزل‬
‫ال إلى سماء الدنيا لنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش ومع ذلك فمعتقد سلف الئمة‬
‫وعلماء السنة من الخلف ان ال منـزه عن الحركة والتحول والحلول ليس كمثله شىء‪ ،‬ويحتمل‬
‫الفرق بأن حديث سعد ما ثبت عنده فأمر بالكف عن التحدث به بخلف حديث النـزول فإنه‬
‫ثابت فرواه ووكل أمره إلى فهم أولي العلم الذين يسمعون في القرءان استوى على العرش ونحو‬
‫‪ 47‬صفحة ‪ 47‬من ‪139‬‬
‫ذلك وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو اكثر وثبت في‬
‫الصحيحين فل معنى لنكاره‪.‬اهـ قال ابن عبد البر في التمهيد‪ :‬روى حرملة بن يحيى قال‬
‫سمعت عبدال بن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول من وصف شيئا من ذات ال مثل قوله‬
‫وقالت اليهود يد ال مغلولة وأشار بيده إلى عنقه ومثل قوله وهو السميع البصير فأشار إلى‬
‫عينيه أو أذنه أو شيئا من بدنه قطع ذلك منه لنه شبه ال بنفسه ‪ .‬وقال الحافظ ابن الجوزي في‬
‫دفع شبه التشبيه ما نصه‪ :‬روى أبو هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه‬
‫قرأ " إن ال كان سميعا بصيرا" النساء ‪ ،58‬فوضع إصبع الدعاء وإبهامه على عينيه وأذنيه‬
‫"‪.‬قال العلماء ‪ :‬أراد بهذا تحقيق السمع والبصر ل تعالى‪ ،‬فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل‬
‫السمع والبصر‪ ،‬ل أن ل سبحانه جارحة‪ .‬انتهى‪ .‬وقال البيهقي في السماء والصفات‪ " :‬وليس‬
‫في الخبر إثبات الجارحة تعالى ال عن شبه المخلوقين علوا كبيرا "‪ .‬والحديث رواه أبو داود في‬
‫سننه والبيهقي في السماء والصفات‪ .‬وقد ورد في طبقات الحنابلة في ذكر عقيدة المام أحمد بن‬
‫حنبل "كان المام أحمد رحمه ال تعالى يقول‪ :‬ال تعالى له يدان وهما صفة له‪ ،‬ليستا بجارحتين‬
‫وليستا مركبتين ول جسم ول من جنس الجسام ول من جنس المحدود والتركيب والبعاض‬
‫والجوارح ول يقاس على ذلك ول له مرفق ول عضلة ول فيما يقتضي ذلك من إطلق قولهم يد‬
‫إل ما نطق به القرآن الكريم‪ ،‬طبقات الحنابلة ‪ ،391-2‬ويقويه ما ذكره الحافظ البيهقي في مناقب‬
‫أحمد قال‪ :‬وقال أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد‪ ،‬و أنكر أحمد على من قال بالجسم‪،‬‬
‫وقال إن السماء مأخوذة من الشريعة واللغة‪ ،‬وأهل اللغة وضعوا هذا السم على ذي طول‬
‫وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف وال سبحانه وتعالى خارج عن ذلك ولم يجيء في‬
‫‪ 48‬صفحة ‪ 48‬من ‪139‬‬
‫الشريعة ذلك‪ .‬انتهى وفي طبقات الحنابلة للقاضي ابن أبي يعلى الحنبلي أن المام أحمد كان‬
‫يقول "وال تعالى لم يلحقه تغير ول تبدل ول يلحقه الحدود قبل العرش ول بعد خلق العرش‪ .‬وقد‬
‫قال صلى ال عليه وسلم "إنما نزل كتاب ال عز وجل يصدق بعضه بعضا‪ ،‬فل تكذبوا بعضه‬
‫ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم فكلوه إلى عالمه "رواه المام عبد الرزاق في مصنفه‬
‫وأحمد في المسند وابن ماجه‪ ،‬وقال أبو حنيفة في الفقه الكبر "وصفاته في الزل غير محدثة‬
‫ول مخلوقة‪ :‬فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة‪ ،‬أو وقف فيها أو شك فيهما فهو كافر بال تعالى‪،‬‬
‫وقال لم يزل ول يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ول صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم‬
‫صفة في الزل قادرا بقدرته والقدرة صفة في الزل الخ ما قاله ارجع اليه‪ ،‬وقد قال ابن تيمية‬
‫في كتابه نقض المنطق ص ‪ :5‬وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال‪ :‬سألت الشافعي رحمه ال‬
‫تعالى عن صفات ال تعالى؟ فقال‪:‬حرام على العقول ان تمثل ال تعالى وعلى الوهام أن تحدّه‬
‫وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن‬
‫تحيط‪ .‬انتهى‬

‫وقال أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابه إبطال التأويلت قال المام أحمد كلم ال ل يجيء ول‬
‫يتغير من حال إلى حال‪ ،‬وقال في رواية حنبل احتجوا علي يومئذ "تجيء البقرة يوم القيامة‬
‫""وتجيء تبارك "فقلت لهم هذا الثواب‪ ،‬قال فقد نص أحمد على المعنى الذي ذكرنا‪.‬انتهى‪ .‬ونقله‬
‫(دار الحديث القاهرة) وقال‬ ‫‪448‬‬ ‫عن القاضي أبي يعلى ابن القيم في مختصر الصواعق ص‬
‫الذهبي في كتابه العلو‪ :‬وقال حنبل بن إسحاق‪ :‬قيل لبي عبد ال ما معنى " وهو معكم " قال‪:‬‬

‫‪ 49‬صفحة ‪ 49‬من ‪139‬‬
‫علمه محيط بالكل وربنا على العرش بل حد ول صفة‪ .‬ونقل أبو يعلى عن المام أحمد في‬
‫صفات ال ل تحديد ول تكييف‪ ،‬قال المام الترمذي في جامعه "والمذهب في هذا عند أهلم العلم‬
‫من الئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس‪ ،‬وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم‬
‫رووا هذه الشياء ثم قالوا‪ :‬تروى هذه الحاديث ونؤمن بها ول يقال كيف‪ ،‬وهذا الذي اختاره‬
‫أهل الحديث أن تروى هذه الشياء كما جاءت‪ ،‬ويُؤمَنُ بها ول تُفسرُ ول ُت َتوَهم ول يقال كيف‪،‬‬
‫وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه‪.‬‬

‫هذا هو الحق على خلف ما قاله شارح الطحاوية ابن أبي العز المجسم‪ :‬فإن قال إنه على‬
‫العرش ولكن ل أدري العرش في السماء ام في الرض قال هو كافر لنه أنكر كونه في السماء‬
‫فمن أنكر انه في السماء فقد كفر لن ال تعالى في أعلى عليين وهو يدعى من أعلى ل من‬
‫أسفل‪ .‬اهـ وكلمه مردود وهو من القائلين بالجهة أي جهة العلو والفوقية بالذات‪ .‬فاجاب الشيخ‬
‫بقوله‪ :‬و الجواب انه ذكر الشيخ المام‬ ‫‪171‬‬ ‫مل علي القاري الحنفي في شرح الفقه الكبر ص‬
‫ابن عبد السلم في كتاب "حل الرموز "انه قال أي المام أبو حنيفة رحمه ال "من قال ل أعرف‬
‫ال تعالى في السماء هو‪ ،‬أم في الرض كفر‪ ،‬لن هذا القول يوهم ان للحق مكانا ومن توهم ان‬
‫للحق مكانا فهو مشبه اهـ‪ .‬ول شك ان ابن عبد السلم من أجل العلماء وأوثقهم فيجب العتماد‬
‫على نقله ل على ما نقله الشارح ا هـ‪".‬أي على ما نقله ابن أبي العز"وهو رجل فاسد ضال‬
‫ومشربه مشرب ابن تيمية من حيث المعتقد‪ .‬قال الذهبي في كتابه العلو‪ :‬وبلغنا عن أبي مطيع‬
‫الحكم بن عبد ال البلخي صاحب الفقه الكبر قال ‪ :‬سألت أبا حنيفة عمن يقول ‪ :‬ل أعرف ربي‬

‫‪ 50‬صفحة ‪ 50‬من ‪139‬‬
‫في السماء أو في الرض‪ ،‬فقال ‪ :‬قد كفر لن ال يقول " الرحمن على العرش استوى " وعرشه‬
‫فوق سماواته ‪ .‬فقلت إنه يقول ‪ :‬أقول على العرش استوى ولكن قال ‪ :‬ل يدري العرش في‬
‫السماء أو في الرض ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ‪ .‬رواها صاحب الفاروق بإسناد‬
‫عن أبي بكر نصير بن يحيى عن الحكم‪ .‬انتهى ‪ .‬قلت في السند الحكم بن عبد ال بن مسلم أبو‬
‫مطيع البلخي كان وضاعا ففي لسان الميزان قال أحمد ‪ :‬ل ينبغي أن يروى عنه شيء وقال أبو‬
‫داود‪ :‬تركوا حديثه‪ ،‬وقال ابن عدي‪ :‬هو َبيّنُ الضعفِ عامة ما يرويه ل يتابع عليه‪ ،‬وقال أبو‬
‫من طريق‬ ‫‪75-74‬‬ ‫حاتم الرازي كان مرجئا كذابا انتهى‪ .‬ونقله ابن القيم في اجتماع جيوشه ص‬
‫أبي مطيع البلخي‪ ،‬ثم قال‪ :‬قال شيخ السلم أبو العباس أحمد ابن تيمية‪ :‬ففي هذا الكلم المشهور‬
‫عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول ل أعرف ربي في السماء أم في الرض‬
‫فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ول في الرض؟ واحتج على كفره بقوله‬
‫تعالى "الرحمن على العرش استوى" قال‪ :‬عرشه فوق سبع سموات‪ ،‬الخ قوله‪ .‬قلت ولم يبينوا‬
‫كذب هذه الرواية ول التي قبلها التي ذكرها ابن القيم من طريق نعيم بن حماد يقول سمعت نوح‬
‫بن أبي مريم أبا عصمة يقول‪ :‬كنا عند أبي حنيفة‪ ،‬الخ ما نقله هناك‪ ،‬ولم يبين حال نوح هذا‪،‬‬
‫بل ساقها ابن القيم وأوهم ثبوتها كعادته في التدليس‪ ،‬وحاله معروف عند علماء الجرح‪ .‬قال فيه‬
‫الحافظ ابن حجر‪ :‬كذبوه في الحديث‪ ،‬وقال ابن المبارك‪ :‬كان يضع‪ .‬وقال الذهبي‪ :‬فقيه واسع‬
‫العلم تركوه‪ ،‬وقال البخاري‪ :‬قال ابن المبارك لوكيع‪ ،‬حدثنا شيخ يقال له أبو عصمة كان يضع‬
‫كما يضع المعلى بن هلل‪ ،‬وقال أحمد‪ :‬كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير‪ ،‬وقال أبو زرعة‬
‫ضعيف الحديث‪ ،‬وقال أبو حاتم ومسلم بن الحجاج وأبو بشر الدولبي والدارقطني‪ :‬متروك‬
‫‪ 51‬صفحة ‪ 51‬من ‪139‬‬
‫الحديث‪ ،‬وقال النسائي‪ :‬سقط حديثه‪ ،‬وذكر أبو عبد ال النيسابوري الحافظ‪ :‬أنه وضع حديث‬
‫فضائل القرءان‪ ،‬وقال فيه ابن حبان‪ :‬نوح الجامع جمع كل شىء إل الصدق‪ ،‬وقال ل يجوز‬
‫الحتجاج به بحال‪ ،‬كما في تهذيب الكمال للمزي‪.‬‬
‫س ِتوَاء ; وَلِ ْلعُلَمَا ِء فِيهَا كَلم‬
‫ما نصه‪ :‬هَذِهِ َمسْأَلَة ال ْ‬ ‫‪54‬‬ ‫قال القرطبي في تفسيره العراف‬
‫حسْنَى َوصِفَاته‬
‫سمَاء اللّه الْ ُ‬
‫شرْح َأ ْ‬
‫وَإِجْرَاء ‪َ .‬وقَدْ َبيّنّا أَقْوَال ا ْلعَُلمَاء فِيهَا فِي ( الْ ِكتَاب السْنَى فِي َ‬
‫جبَ‬
‫خرِينَ أَنّهُ إِذَا وَ َ‬
‫ل ْكثَر مِنْ ا ْل ُمتَقَ ّدمِينَ وَالْ ُمتَأَ ّ‬
‫الْعُلَى ) وَ َذ َكرْنَا فِيهَا ُهنَاكَ َأرْ َبعَة عَشَر قَوْل‪ .‬وَا َ‬
‫حيّز فَمِنْ ضَرُورَة ذَِلكَ وَلَوَاحِقِهِ اللزِمَة عََليْهِ عِنْد عَامّة‬
‫سبْحَانه عَنْ الْجِهَة وَالتّ َ‬
‫َت ْنزِيه الْبَارِي ُ‬
‫جهَةِ فَوْق‬
‫خرِينَ َت ْنزِيهه َتبَا َركَ َو َتعَالَى عَنْ الْجِهَة‪ ،‬فََل ْيسَ ِب ِ‬
‫الْعُلَمَاء ا ْل ُم َتقَدّمِينَ َوقَادَتهمْ مِنْ الْ ُمتَأَ ّ‬
‫حيّز ‪َ ,‬ويَ ْلزَم عَلَى‬
‫جهَةٍ أَنْ َيكُون فِي َمكَان أَوْ َ‬
‫ص بِ ِ‬
‫عِنْدهمْ ; لِأَنّهُ يَ ْلزَم مِنْ ذَِلكَ عِنْدهمْ َمتَى اِخْتَ ّ‬
‫حرَكَة وَالسّكُون لِ ْل ُمتَحيزِ‪ ،‬وَالتّ َغيّر وَالْحُدُوث‪ .‬هَذَا َقوْل ا ْل ُم َتكَلّمِينَ‪َ .‬وقَدْ كَانَ السّلَف‬
‫حيّز الْ َ‬
‫الْ َمكَان وَالْ َ‬
‫ع ْنهُمْ (هذه زيادة على كلمه أدرجت فيه " ل") َيقُولُونَ ِبنَ ْفيِ الْجِهَة وَل َينْطِقُونَ‬
‫لوّل رَضِيَ اللّه َ‬
‫اَ‬
‫طقُوا هُمْ وَالْكَافّة ( بعدم اثباتها ‪ ،‬ولعل تلك دست فقد تتبعت كلمه فهو قوي التنزيه‬
‫بِذَِلكَ ‪ ,‬بَلْ َن َ‬
‫عن الجهة ونفيها وعدم اثباتها) بِِإ ْثبَا ِتهَا لِلّهِ َتعَالَى ( وفي بعض النسخ باثباته بدل باثباتها ) َكمَا‬
‫حقِيقَة ‪.‬‬
‫س َتوَى عَلَى عَرْشه َ‬
‫خ َب َرتْ ُرسُله‪ .‬وَلَمْ ُي ْنكِر أَحَد مِنْ السّلَف الصّالِح َأنّهُ ِا ْ‬
‫طقَ ِكتَابه وَأَ ْ‬
‫َن َ‬
‫جهِلُوا َكيْ ِفيّة الِاسْ ِتوَاء فَِإنّهُ لَا ُتعْلَم حَقِيقَته ‪ .‬قَالَ‬
‫وَخُصّ الْ َعرْش بِذَِلكَ لِأَنّهُ أَعْظَم مَخْلُوقَاته ‪ ,‬وَِإنّمَا َ‬
‫جهُول‪ ,‬وَالسّؤَال عَنْ هَذَا بِدْعَة ‪.‬‬
‫س ِتوَاء َمعْلُوم ‪َ -‬ي ْعنِي فِي اللّغَة ‪ -‬وَالْ َك ْيفَ َم ْ‬
‫مَالِك رَحِمَهُ اللّه ‪ :‬الِا ْ‬
‫ع ْنهَا ‪َ .‬وهَذَا الْقَدْر كَافٍ ‪َ ,‬ومَنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَيْهِ فَ ْل َي ِقفْ عََليْهِ فِي‬
‫َوكَذَا قَاَلتْ أُمّ سََلمَة رَضِيَ اللّه َ‬
‫س ِت ْقرَار‪.‬‬
‫س ِتوَاء فِي كَلم الْ َعرَب ُهوَ الْعُلُوّ وَال ْ‬
‫َم ْوضِعه مِنْ ُكتُب الْعَُلمَاء‪ .‬وَال ْ‬
‫‪ 52‬صفحة ‪ 52‬من ‪139‬‬
‫س َتوَى إِلَى السّمَاء‬
‫س َت َقرّ‪ .‬وَا ْ‬
‫ظهْر دَابّته‪َ ،‬أيْ ِا ْ‬
‫س َتوَى عَلَى َ‬
‫قَالَ الْجَوْ َهرِيّ ‪ :‬وَاسْتَوَى مِنْ اِعْوِجَاج ‪ ,‬وَا ْ‬
‫س ْيفٍ وَدَمٍ‬
‫غ ْيرِ َ‬
‫شرٌ عَلَى ا ْل ِعرَاق مِنْ َ‬
‫ظ َهرَ ‪ .‬قَالَ ‪ :‬قَدْ ِاسْ َتوَى ِب ْ‬
‫س َتوَى أَيِ اسْتَوْلَى َو َ‬
‫َأيْ قَصَدَ ‪ .‬وَا ْ‬
‫عبْد ا ْل َبرّ‬
‫عمَر بْن َ‬
‫حكَى أَبُو ُ‬
‫شيْء إِذَا اِعْتَدَلَ ‪ .‬وَ َ‬
‫س َتوَى ال ّ‬
‫شبَابه ‪ .‬وَا ْ‬
‫ِم ْهرَاق وَاسْتَوَى الرّجُل َأيْ ِا ْن َتهَى َ‬
‫س َتوَى" [ طَه ‪ ] 5 :‬قَالَ ‪ :‬عَل‪َ .‬وقَالَ الشّاعِر‪:‬‬
‫حمَن عَلَى الْ َعرْش ِا ْ‬
‫ع َبيْدَة فِي قَوْلِهِ َتعَالَى‪" :‬الرّ ْ‬
‫عَنْ َأبِي ُ‬
‫س َتوَى َأيْ عَل وَارْتَفَعَ‪ .‬قُلْت‪َ :‬فعُُلوّ اللّه َتعَالَى‬
‫فَأَ ْورَدْتهمْ مَاء ِب َفيْفَاء قَ ْفرَة َوقَدْ حَلّقَ النّجْم الْ َيمَا ِنيّ فَا ْ‬
‫عبَارَة عَنْ عُلُوّ مَجْده َوصِفَاته َومََلكُوته ‪َ .‬أيْ َل ْيسَ فَوْقه فِيمَا يَجِب لَهُ مِنْ َمعَانِي الْجَلَال‬
‫وَارْ ِتفَاعه ِ‬
‫سبْحَانه‪ ".‬عَلَى ا ْل َعرْش " لَفْظ‬
‫ش َترَكًا َبيْنه َو َبيْنه ; لَ ِكنّهُ الْعَلِيّ بِالْإِطْلَاقِ ُ‬
‫أَحَد ‪ ،‬وَلَا َمعَهُ مَنْ َيكُون الْعُُلوّ ُم ْ‬
‫ش َترَك ُيطْلَق عَلَى َأ ْكثَر مِنْ وَاحِد ‪ .‬قَالَ الْجَوْ َه ِريّ وَغَيْره ‪ :‬الْ َعرْش سَرِير الْمُلْك ‪َ .‬وفِي التّ ْنزِيل"‬
‫ُم ْ‬
‫سقْف‬
‫]‪ .‬وَا ْل َعرْش‪َ :‬‬ ‫‪100‬‬ ‫]‪َ " ،‬و َرفَعَ َأ َب َويْهِ عَلَى ا ْل َعرْش " [ يُوسُف ‪:‬‬ ‫‪41‬‬ ‫َن ّكرُوا َلهَا عَ ْرشَهَا" [ النّمْل ‪:‬‬
‫سمَاك ‪ :‬أَ ْر َبعَة َكوَاكِب صِغَار‬
‫ظ ْهرِهَا َوفِيهِ الْأَصَابِع ‪ .‬وَعَرْش ال ِ‬
‫عرْش الْقَدَم‪ :‬مَا َن َتأَ فِي َ‬
‫الْ َبيْت‪ .‬وَ َ‬
‫طوَى َأسْفَلهَا‬
‫شبِ ‪َ ,‬بعْد أَنْ ُي ْ‬
‫خَ‬‫طيّهَا بِالْ َ‬
‫َأسْفَل مِنْ ا ْل ُعوَاء ‪ُ ,‬يقَال ‪ِ :‬إنّهَا عَجُز الْأَسَد ‪ .‬وَعَ ّرشَ الْ ِبئْر ‪َ :‬‬
‫بِالْحِجَا َرةِ قَدْر قَامَة ; فَذَِلكَ الْخَشَب هُ َو ا ْل َعرْش‪ ،‬وَالْجَمْع عُرُوش ‪ .‬وَالْ َعرْش ِاسْم لِ َمكّة ‪ .‬وَالْ َعرْش‬
‫عزّه ‪ .‬قَالَ زُ َهيْر ‪ :‬تَدَا َر ْكُتمَا‬
‫الْمُلْك وَالسّلْطَان ‪ُ .‬يقَال ‪ :‬ثُلّ عَرْش فُلَان إِذَا ذَ َهبَ مُلْكه َوسُ ْلطَانه وَ ِ‬
‫عَ ْبسًا َوقَدْ ثُلّ عَ ْرشُهَا وَ ُذ ْبيَان إِذْ ذَّلتْ بَِأقْدَا ِمهَا النّعْلُ َوقَدْ ُي َؤوّل ا ْل َعرْش فِي الْآيَة ِب َم ْعنَى ا ْلمُلْك‪َ ،‬أيْ مَا‬
‫جمْلَة الَ ْقوَال فِي ِكتَا ِبنَا‪،‬‬
‫حسَن َوفِيهِ َنظَر‪َ ،‬وقَدْ َبّينّاهُ فِي ُ‬
‫عزّ ‪َ .‬وهُ َو َقوْل َ‬
‫س َتوَى ا ْلمُلْك إِلّا لَهُ جَلّ وَ َ‬
‫ِا ْ‬
‫وَالْحَمْد لِلّهِ ‪ .‬قلت ‪ :‬هذا الكلم المنسوب للقرطبي مخالف للنصوص الواردة في تنزيه ال عن‬
‫القرطبي نفسه وهي كثيرة جدا ‪ ،‬ينفي عن ال تعالى الجهة والحيز والعندية المكانية والفوقية‬
‫‪ .‬وليعلم ان المام القرطبي من جملة من دس المشبهة في كتبهم ترى ذلك جليا في تفسيره‬ ‫المكانية في تفسيره وعامة كتبه‬
‫‪ 53‬صفحة ‪ 53‬من ‪139‬‬
‫في بعض المواضع وقد قال العلمة محمد العربي التبان في كتابه براءة الشعريين وقد دسوا التشبيه على كتب العلماء ومنها تفسير‬
‫القرطبي أهـ‪ .‬فقد نسب إليه القول بالجهة وهو بريء من ذلك وهذا من جملة الدس عليه‪،‬وقد تتبعت مواضع التنزيه في تفسيره‬
‫فوجدتها كثيرة اكثر من خمسة عشر موضعا مصرحا بتنزيهه تعالى عن المكان والجهة والحيز ومن هذه المواضع قول القرطبي في‬
‫تفسيره عند قوله تعالى‪( :‬وهو القاهر فوق عباده) يعني فوقية المكانة والرتبة ل فوقية المكان والجهة‪ .‬وقال القرطبي ج ‪ 1‬ص‬
‫‪ :311‬لن استواء ال تعالى على العرش ليس بمعنى النتقال والزوال وتحويل الحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل‬
‫العرش‪ ،‬بل هو مستوى على عرشه كما اخبر عن نفسه بل كيف‪.‬‬
‫ويقول القرطبي في تفسير قوله تعالى‪( :‬رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) ‪( -‬ان الذين عند ربك) ونحو ذلك‪ ،‬كل ذلك عائد إلى‬
‫الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة‪ ،‬ل إلى المكان‪.‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬وال جل ثناءه ل يوصف بالتحول من مكان إلى مكان وانى له التحول والنتقال‪ ،‬ول مكان له ول اوان‪ ،‬ول يجري‬
‫عليه وقت ول زمان لن في جريان الوقت على الشيء فوت الوقات ومن فاته شيء فهو عاجز‪.20/55 .‬‬
‫وقال القرطبي في كتابه التذكار في افضل الذكار ص ‪ :13‬لن كل من في السموات و الرض وما فيهما وما بينهما خلق ال‬
‫تعالى وملك له‪ ،‬واذا كان ذلك كذلك يستحيل على ال ان يكون في السماء أو في الرض‪ ،‬اذ لو كان في شيء لكان محصورا أو‬
‫محدودا ولو كان ذلك لكان محدثا‪ ،‬وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق وعلى هذه القاعدة قوله تعالى‪( :‬ءأمنتم من في السماء) وقوله‬
‫عليه السلم للجارية ""اين ال "قالت في السماء ولم ينكر عليها وما كان مثله ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلت صحيحة قد‬
‫ابداها كثير من أهل العلم في كتبهم‪ .‬ا وقال القرطبي المفسر في كتابه الجامع لحكام القرءان‪ :‬عند قوله تعالى { عند مليك‬
‫مقتدر} و "عند"ها هنا عندية القربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة‪.‬اهـ‬

‫وقال المام أبو حنيفة رحمه ال في الفقه الكبر ‪ :‬ل جسم ول عرض ول حد له ول ضد ول‬
‫ند ول مثيل ‪ ،‬وثبت عن المام احمد نفي الحد فقد قال ول تلحقه الحدود قبل خلق العرش ول‬
‫هـ‬ ‫‪245‬‬ ‫بعده كما ذكره ابو الفضل التميمي في اعتقاد احمد وعن ذي النون المصري المتوفى‬
‫قال ل الين والحيث والتكييف يدركه ول يحد بمقدار ول أمد ‪.‬‬

‫‪ 54‬صفحة ‪ 54‬من ‪139‬‬
‫ما نصه قوله ‪ {:‬في‬ ‫صحيفة‪53:‬‬ ‫قال ابن عطية المالكي في تفسيره المحرر الوجيز المجلد الرابع‬
‫جذوع النخل} اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قوله ركبت على الفرس ‪.‬‬
‫ما نصه‪ :‬ولما كان الجذع‬ ‫‪242‬‬ ‫وفي البحر المحيط لبي حيان الندلسي الجزء السادس صحيفة‬
‫مقرا للمصلوب واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عدي الفعل بفي التي للوعاء وقيل‬
‫في بمعنى على؛ وقيل نقر فرعون الخشب وصلبهم في داخله فصار ظرفا لهم حقيقة حتى يموتوا‬
‫فيه جوعا وعطشا ومن نعدية صلب بفي قول ‪.‬وفي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون‬
‫ما نصه‪ :‬قوله‪{:‬في جذوع النخل} يحتمل ان يكون‬ ‫‪41‬‬ ‫للسمين الحلبي الجزء الخامس صحيفة‬
‫حقيقة وفي التفسير أنه نقرَ جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا ؛ وأن‬
‫يكون مجازا وله وجهان‪ :‬أحدهما أنه وضع حرفا مكان ءاخر والصل على جذوعل النخل‬
‫كقوله‪ :‬بطلٌ كأن ثيابه في سَرحِه يُحذى نِعا السبت ليس بتوأم والثاني‪ :‬فإنه شبه تمكنهم بتمكن‬
‫مَن حواه الجذع ومن تعدى صلب بفي قول الشاعر‪ :‬وقد صلبوا العبديّ في جذع نخلة فل‬
‫طسَت شيبان إل بأجدَعا انتهى ‪ .‬قال الشوكاني في تفسيره‪" .‬ولصلبنكم في جذوع النخل" أي‬
‫عَ ِ‬
‫على جذوعها كقوله‪" :‬أم لهم سلم يستمعون فيه" أي عليه‪ ،‬ومنه قول سويد بن أبي كاهل‪ :‬هم‬
‫صلبوا العبدي في جذع نخلة فل عطست شيبان إل بأجدعا وإنما آثر كلمة في للدللة على‬
‫لصَّل َبّنكُمْ‬
‫استقرارهم عليها كاستقرار المظروف في الظرف قال ابن جرير في تفسيره ‪:‬وقوله‪َ :‬و ُ‬
‫فِـي جُذُوعِ النّـخْـلِ يقول‪ :‬ولصلبنكم علـى جذوع النـخـل‪ ,‬كما قال الشاعر‪ :‬هُمْ صََلبُوا‬
‫شيْبـانُ إلّ بأجْدَعا يعنـي علـى جذع نـخـلة‪،‬‬
‫ستْ َ‬
‫طَ‬‫ال َعبْ ِديّ فِـي جِ ْذعِ نَـخْـلَةٍ فَل عَ َ‬
‫وإنـما قـيـل‪ :‬فـي جذوع‪ ،‬لن الـمصلوب علـى الـخشبة يرفع فـي طولها‪،‬ثم يصير‬
‫‪ 55‬صفحة ‪ 55‬من ‪139‬‬
‫علـيها‪ ،‬فـيقال‪ :‬صلب علـيها‪ .‬قال ابن الجوزي في زاد المسير ‪ :‬تقول‪ :‬سماء عليا‪،‬‬
‫وسماوات على‪ . ،‬واعلم أن حرف " في " لها عشرة معاني ‪ ،‬أشهرها ‪ -1‬الظرفية الحقيقية‬
‫مكانية كانت أو زمانية نحو " غلبت الروم في أدنى الرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في‬
‫– السببية نحو "‬ ‫‪179‬‬ ‫بضع سنين " الروم ‪ - ،‬والمجازية نحو " ولكم في القصاص حياة " البقرة‬
‫النور‪ - ،‬المصاحبة نحو " قال‬ ‫‪14‬‬ ‫لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم " أي بسبب ما خضتم فيه‬
‫– طه ‪،‬‬ ‫‪71‬‬ ‫العراف ‪ – .‬الستعلء نحو " ولصلبنكم في جذوع النخل "‬ ‫‪38‬‬ ‫ادخلوا في أمم "‬
‫على الستعارة التبعية ‪ -‬المقايسة وهي الواقعة بين مفضول سابق وفاضل لحق نحو " فما‬
‫‪ .‬أي بالقياس للخرة ‪ – .‬أن تكون بمعنى الباء‬ ‫‪38‬‬ ‫متاع الحياة الدنيا في الخرة إل قليل " التوبة‬
‫كقول زيد الخيل ‪ .‬بصيرون في طعن األباهر والكُلى ‪ .‬وحرف " على " من حروف الجر وتجر‬
‫الظاهر والمضمر نحو " وعليها وعلى الفلك تحملون " ولها نحو تسعة معان ‪ .‬أشهرها ‪:‬‬
‫الستعلء وهو الصل فيها نحو " وعليها وعلى الفلك تحملون " المؤمنون ‪ – .‬الظرفية ‪ -‬نحو‬
‫" ودخل المدينة على حين غفلة " أي في حين غفلة القصص ‪ -‬المصاحبة نحو " وإن ربك لذو‬
‫– موافقة من " نحو " إذا اكتالوا على الناس‬ ‫‪6‬‬ ‫مغفرة للناس على ظلمهم " أي مع ظلمهم ‪ ,‬الرعد‬
‫" المطففين – الستدراك ‪ .‬قال الحافظ السيوطي في عقود الزبرجد حديث < ربنا ال الذي في‬
‫السماء " قال الطيبي ربنا مبتدأ وال خبره الذي صفة مادحة عبارة عن مجرد علو شأنه ورفعته‬
‫ل عن المكان ‪ .‬قلت قال اهل اللغة والستفهام هو طلب يوجه إلى المخاطب يستفهم به عن‬
‫حقيقة أمر أو شيء معين ‪ ,‬بواسطة أداة من أدوات الستفهام ‪،‬منها ‪ :‬أين ‪ .‬تقول ‪ :‬أين بيتك ؟‬
‫أين اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم أو اسم استفهام مبني على الفتح في‬
‫‪ 56‬صفحة ‪ 56‬من ‪139‬‬
‫محل نصب على الظرفية متعلق بخبر مقدم محذوف تقديره موجود بيتك مبتدأ مؤخر مرفوع‬
‫وعلمة رفعه الضمة وهو مضاف والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر‬
‫بالضافة ‪ .‬أين كنت ؟ أين اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية ‪ ،‬متعلق‬
‫بخبر كان المقدم ‪ ،‬المحذوف تقديره ‪ ،‬موجودا كنت فعل ماض ناقص يرفع السم وينصب الخبر‬
‫والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع اسم كان ‪ .‬ويستفهم بأين عن المكانة‬
‫والمنزلة أيضا كما قال المام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث ص ‪ ،159-158‬وقال الرازي‬
‫في أساس التقديس أن لفظ أين كما يجعل سؤال عن المكان فقد يجعل سؤال عن المنزلة‬
‫والدرجة ‪ ،‬يقال أين فلن من فلن فلعل السؤال كان عن المنزلة وأشار بها الى السماء ‪ ،‬أي هو‬
‫رفيع القدر جدا ‪ .‬وقال القاضي أبو بكر بن العربي في القبس ونحوه في عارضة الحوذي ‪:‬‬
‫وأما السؤال عن ال بأين فنقول بها لنها سؤال عن المكان وعن المكانة والنبي قد أطلق اللفظ‬
‫وقصد به الواجب ل وهو شرف المكانة الذي يسأل عنها بأين ولم يجز أن يريد المكان لنه‬
‫‪ :‬قوله‬ ‫‪44‬‬ ‫محال عليه ‪ .‬وقال ابن عثيمين من رؤوس الوهابية في شرح العقيدة الواسطية ص‬
‫أين ال ( أين ) يستفهم بها عن المكان ‪ ،‬واستفهام النبي صلى ال عليه وسلم ب ( أين ) يدل‬
‫على أن ل مكانا ‪ ،‬ولكن يجب أن نعلم أن ال تعالى ل تحيط به المكنة ‪ ،‬لنه أكبر من كل‬
‫شيء وأن ما فوق الكون عدم ‪ ،‬ما ثم إل ال ‪ ،‬فهو فوق كل شيء ‪ . .‬وماذا يقولون هؤلء‬
‫المجسمة والمشبهة الذين يتمسكون بالظواهر بقول ال تعالى " فلما أتاها نودي من شاطئ الواد‬
‫اليمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني انا ال رب العالمين الى قوله تعالى يا‬
‫" وفي قوله تعالى " فأينما تولوا فثم وجه ال‬ ‫‪30‬‬ ‫موسى أقبل ول تخف إنك من المنين القصص‬
‫‪ 57‬صفحة ‪ 57‬من ‪139‬‬
‫‪ .‬وقوله تعالى إخبارًا عن ءاسية {ربي ابن لي عندك بيتا في الجنة}‪ ،‬وقوله صلى‬ ‫‪115‬‬ ‫" البقرة‬
‫ال عليه وسلم في صحيح البخاري ‪ ،‬عن عبد ال بن عمر مرفوعا ‪ " :‬إذا كان أحدكم يصلي فل‬
‫يبصق قِبَلَ وجهه فإن ال قبل وجهه إذا صلى " وفي رواية أخرى للبخاري من حديث سيدنا‬
‫أنس مرفوعا ‪ " :‬إن أحدكم إذا قام في صلته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فل‬
‫يبزقُن أحدكم ِقبَلَ قبلته " الحديث ‪ .‬وفي حديث البخاري ومسلم واللفظ لمسلم "الذي تدعونه اقرب‬
‫إلى احدكم من عنق راحلة احدكم "و كما روي عنه صلى ال عليه وسلم فيما رواه الترمذي‬
‫"وال لو دليتم بحبل إلى الرض السابعة لهبط على ال"وقوله تعالى إخبارا عن آسية { ربي ابن‬
‫لي عندك بيتا في الجنة} وقوله صلى ال عليه وسلم الذي رواه المام مسلم "اللهم انت الصاحب‬
‫في السفر والخليفة في الهل "وبقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم}‬
‫وحديث اني لست كأحدكم اني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وهو في الصيحين ‪ ،‬وفي‬
‫الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال يقول ال‬
‫تعالى أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان‬
‫ذكرني في مل ذكرته في مل خير منه وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي‬
‫ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر في الفتح والتقدير‬
‫ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب ل أطلع عليه أحدا‪ ،‬وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه‬
‫المل العلى وقال الحافظ ايضا قال ابن بطال وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده‬
‫ووصف العبد بالتقرب اليه ووصفه بالتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز‪ ،‬فحملها‬
‫على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الجسام وذلك في حقه تعالى محال‪ ،‬فلما استحالت‬
‫‪ 58‬صفحة ‪ 58‬من ‪139‬‬
‫الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلم العرب فيكون وصف العبد بالتقرب اليه شبرا وذراعا‬
‫واتيانه ومشيه معناه التقرب اليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله‪ ،‬ويكون تقربه سبحانه من عبده‬
‫واتيانه والمشي عبارة عن اثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه‬
‫ثوابي مسرعا‪ ،‬ونقل عن الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من‬
‫الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليل على مبلغ كرامته لمن ادمن على طاعته‪ ،‬أن ثواب‬
‫عمله له على عمله الضعف وان الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه ال تعالى‪ ،‬وقال ابن التين‬
‫القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى‪ ،‬فان المراد به قرب الرتبة‬
‫وتوفير الكرامة‪ ،‬والهرولة كناية عن سرعة الرحمة اليه ورضا ال عن العبد وتضعيف الجر‬
‫انتهى ‪ ،‬وقال الحافظ ابن الجوزي والتقرب والهرولة توسع في الكلم كقوله تعالى‪،‬سعوا في‬
‫أياتنا‪ ،‬وقول محمد صالح عثيمين والوهابية وهو منهم أن الهرولة على الححقيقة وان معنى‬
‫الهرولة معلوم لكن كيفية الهرولة مجهولة لنا ‪ ،‬فهو جهل وضلل ‪ .‬وقوله تعالى في سورة‬
‫ظنَنتُمْ أَن‬
‫شرِ مَا َ‬
‫الحشر ‪ :3‬هُوَ الّذِيَ أَخْ َرجَ الّذِينَ كَ َفرُواْ مِنْ أَهْلِ ا ْل ِكتَابِ مِن ِديَارِهِمْ لوّلِ الْحَ ْ‬
‫سبُواْ َوقَذَفَ فِي قُلُو ِبهِمُ‬
‫ح َت ِ‬
‫ح ْيثُ لَمْ يَ ْ‬
‫حصُوُنهُم مّنَ اللّهِ فَأَتَاهُمُ اللّهُ مِنْ َ‬
‫ظّنوَاْ أَّنهُمْ مّا ِن َعُتهُمْ ُ‬
‫خرُجُواْ وَ َ‬
‫يَ ْ‬
‫ع َت ِبرُواْ يَأُوْلِي ال ْبصَارِ }‪ .‬قال ابن جرير في‬
‫خرِبُونَ ُبيُو َتهُمْ بَِأيْدِيهِمْ وََأيْدِي ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ فَا ْ‬
‫عبَ ُي ْ‬
‫الرّ ْ‬
‫تفسيره ‪ :‬يعني تعالى ذكره بقوله‪ :‬هُ َو الّذِي أخْرَجَ الّذِينَ َكفَروا مِنْ أهْلِ الكِتابِ مِنْ ِديَارِهِمْ لوّلِ‬
‫حشْرِ ال الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد صلى ال عليه وسلم من أهل الكتاب‪ ،‬وهم يهود‬
‫الْ َ‬
‫بني النضير من ديارهم‪ ،‬وذلك خروجهم عن منازلهم ودورهم ‪ .‬وقال ابن جرير ‪:‬وقوله‪ :‬فأتاهُمُ‬
‫سبُوا يقول تعالى ذكره‪ :‬فأتاهم أمر ال من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم‪ ،‬وذلك‬
‫ح َت ِ‬
‫ح ْيثُ لَمْ يَ ْ‬
‫اللّهُ مِنْ َ‬
‫‪ 59‬صفحة ‪ 59‬من ‪139‬‬
‫المر الذي أتاهم من ال حيث لم يحتسبوا‪ ،‬قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول ال صلى ال‬
‫عبَ‪ .‬وقال ابن جرير في‬
‫عليه وسلم بهم في أصحابه‪ ,‬يقول جلّ ثناؤه‪َ :‬وقَ َذفَ في قُلُو ِبهِمُ الرّ ُ‬
‫{إذ قال موسى لهله إني آنست نارا سآتيكم منها‬ ‫‪14 - 7‬‬ ‫اليات‪:‬‬ ‫‪8‬‬ ‫تفسيره في سورة النمل‪ ،‬ءاية‬
‫بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون‪ ،‬فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها‬
‫وسبحان ال رب العالمين‪ ،‬يا موسى إنه أنا ال العزيز الحكيم‪ ،‬وألق عصاك فلما رآها تهتز‬
‫كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى ل تخف إني ل يخاف لدي المرسلون‪ ،‬وفي الحديث‬
‫عن أبي هريرة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال "ل تسبوا الدهر فإن ال هو الدهر‬
‫"أخرجه أحمد ومسلم واخرجه البخاري بلفظ فان ال هو الدهر‪ ،‬ولفظ لمسلم فاني أنا الدهر‬
‫واخرجه البخاري ومسلم عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال ال تعالى يؤذيني ابن ادم يسب الدهر وانا الدهر بيدي‬
‫المر أقلب الليل والنهار "قال أبو يعلى الفراء المجسم في كتابه إبطال التاويلت‪ ،‬فقد بين ابراهيم‬
‫الحربي ان الخبر ليس على ظاهره وانه ورد على سبب وقال وقد ذكر شيخنا أبو عبد ال رحمه‬
‫ال هذا الحديث في كتابه وقال ل يجوز أن يسمى ال دهرا والمر على ما قاله لنه قد روي في‬
‫بعض الفاظ هذا الحديث ما منع من حمله على ظاهره انتهى وكتاب أبي يعلى هذا المتوفى سنة‬
‫هـ وكر ومشحون في التشبيه والتجسيم ‪.‬‬ ‫‪458‬‬

‫واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله مَنْ فِـي النّارِ فقال بعضهم‪ :‬عنـي جلّ جلله‬
‫بذلك نفسه‪ ،‬وهو الذي كان فـي النار‪ ،‬وكانت النار نوره تعالـى ذكره فـي قول جماعة من‬
‫أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ،‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ،‬قال‪ :‬ثنـي‬
‫‪ 60‬صفحة ‪ 60‬من ‪139‬‬
‫عمي‪ ،‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ،‬عن أبـيه‪ ،‬عن ابن عبـاس‪ ،‬فـي قوله‪ :‬فَلَـمّا جاءَها نُو ِديَ أنْ‬
‫بُو ِركَ مَنْ فـي النّارِ يعنـي نفسه قال‪ :‬كان نور ربّ العالـمين فـي الشجرة‪.‬‬
‫حدثنـي إسماعيـل بن الهيثم أبو العالـية العبدي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو ُقتَـيبة‪ ،‬عن ورقاء‪ ،‬عن‬
‫عطاء بن السائب‪ ،‬عن سعيد بن جُبـير‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬بُو ِركَ مَنْ فـي النّارِ قال‪ :‬ناداه وهو‬
‫فـي النار‪ .‬حدثنا مـحمد بن سنان القزاز‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا مكي بن إبراهيـم‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا موسى‪،‬‬
‫عن مـحمد بن كعب‪ ،‬فـي قوله‪ :‬أنْ بو ِركَ مَنْ فِـي النّارِ نور الرحمن‪ ،‬والنور هو ال‬
‫سبْحَانَ اللّهِ َربّ الْعَالَـمِينَ اهـ ‪ .‬وقال البغوي في معالم التنزيل ‪ :‬وروي عن ابن عباس‬
‫َو ُ‬
‫وسعيد بن جبير والحسن في قوله‪" :‬بورك من في النار"‪ ،‬يعني قدس من في النار‪ ،‬وهو ال‪،‬‬
‫عنى به نفسه‪ ،‬على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلمه من جهتها‪ ،‬قوله تعالـى‪{ :‬فَلَمّآ‬
‫سىَ إِ ّنيَ َأنَا اللّهُ‬
‫جرَةِ أَن َيمُو َ‬
‫َأتَاهَا نُو ِديَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِي ال ْيمَنِ فِي ا ْلُب ْقعَةِ الْ ُمبَارَكَةِ مِنَ الشّ َ‬
‫قال ابن جرير الطبري في تفسيره ‪ :‬حدثنا القاسم‪،‬قال‪ :‬حدثنا‬ ‫‪30‬‬ ‫َربّ ا ْلعَالَمِينَ }‪ .‬القصص‬
‫جرَيج‪ ،‬عن مـجاهد فَلَـمّا أتاها نُو ِديَ مِنْ شاطِىءِ الوَادِ‬
‫الـحسين‪ ،‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ،‬عن ابن ُ‬
‫شقّ الوادي عن يـمين موسى عند الطور‪ .‬حدثنا بشر‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ،‬قال‪:‬‬
‫اليـمَنِ قال‪ِ :‬‬
‫حدثنا سعيد‪ ،‬عن قَتادة‪ ،‬قوله فَلَـمّا أتاها نُو ِديَ مِنْ شاطى ِء الوَادِ اليـمَنِ فِـي البُ ْقعَةِ‬
‫جرَةِ قال‪ :‬نودي من عند الشجرة أنْ يا مُوسَى إنـي أنا اللّهُ َربّ العالَـمِينَ‪.‬‬
‫الـمُبـارَكَةِ مِنَ الشّ َ‬
‫خفْ يقول تعالـى ذكره‪ :‬فنودي موسى‪ :‬يا موسى أقبل إلـيّ ول‬
‫وقوله‪ :‬يا مُوسَى أ ْقبِلْ وَل تَـ َ‬
‫ل ِمنِـينَ من أن يضرّك‪ ،‬إنـما هو عصاك وقال ابن كثير‬
‫تـخف من الذي تهرب منه إّنكَ مِنَ ا َ‬
‫في تفسيره ‪ .:‬وقوله تعالى‪{ :‬أن يا موسى إني أنا ال رب العالمين} أي الذي يخاطبك ويكلمك‬
‫‪ 61‬صفحة ‪ 61‬من ‪139‬‬
‫هو رب العالمين الفعال لما يشاء ل إله غيره ول رب سواه‪ ،‬تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة‬
‫المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه ‪ .‬انتهى ‪ ,‬فماذا يقولون المشبهة هل كان ال‬
‫في الشجرة لما كلم موسى اخذا في ظاهر الخبر وانه ترك وأخلى العرش كما يزعمون بانه‬
‫مستقر وجالس عليه‪ ،‬وهذا نص قراني ذكرناه‪ ،‬ظاهره المتبادر أن ال كان في تلك البقعة من‬
‫شاطئ الوادي اليمن وأنه في الشجرة أو عند الشجرة ‪ ،‬اليس ظاهر الية التحديد والحصر من‬
‫شاطئ الوادي اليمن ‪ ،‬وزيد على حسب الظاهر الحصر والتحديد من الشجرة‪ ،‬تعالى ال عما‬
‫طبعة دار‬ ‫‪470 2‬‬ ‫يقول الظالمون علوا كبيرا ‪ ،‬وقال ابن القيم كما في مختصر الصواعق‪:‬‬
‫الحديث القاهرة\ما نصه‪ :‬وروى عبد ال بن أحمد عن نوف قال‪ :‬نودي موسى من شاطئ‬
‫الوادي‪ .‬قال من أنت الذي تناديني ؟ قال أنا ربك العلى‪.‬انتهى ‪ .‬قال القرطبي في تفسيره ‪{:‬فلما‬
‫أتاها نودي من شاطئ الواد اليمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا ال رب‬
‫العالمين} قوله تعالى‪" :‬فلما أتاها" يعني الشجرة قدم ضميرها عليها "نودي من شاطئ الواد" "من"‬
‫الولى والثانية لبتداء الغاية‪ ،‬أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و"من الشجرة"‬
‫بدل من قوله‪" :‬من شاطئ الواد" بدل الشتمال‪ ،‬لن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ‪ ،‬وشاطئ‬
‫الوادي وشطه جانبه‪" ،‬اليمن" أي عن يمين موسى وقيل‪ :‬عن يمين الجبل "في البقعة المباركة‬
‫من الشجرة" "ومن الشجرة" أي من ناحية الشجرة ‪ ، .‬قال القرطبي في تفسيره ‪ :‬وقول ثالث قاله‬
‫ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير‪ :‬قدس من في النار وهو ال سبحانه وتعالى‪ ،‬عنى به نفسه‬
‫تقدس وتعالى‪ .‬قال ابن عباس ومحمد بن كعب‪ :‬النار نور ال عز وجل؛ نادى ال موسى وهو‬
‫في النور؛ وتأويل هذا أن موسى عليه السلم رأى نورا عظيما فظنه نارا؛ وهذا لن ال تعالى‬
‫‪ 62‬صفحة ‪ 62‬من ‪139‬‬
‫ظهر لموسى بآياته وكلمه من النار ل أنه يتحيز في جهة "وهو الذي في السماء إله وفي‬
‫ل أنه يتحيز فيهما‪ ،‬ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل‪.‬‬ ‫[الزخرف‪]84 :‬‬ ‫الرض إله"‬
‫وقيل على هذا‪ :‬أي بورك من في النار سلطانه وقدرته‪ .‬وقيل‪ :‬أي بورك ما في النار من أمر ال‬
‫تعالى الذي جعله علمة‪ , : .‬وقال الذهبي في كتاب العلو ‪:‬شريك عن عطاء عن سعيد عن ابن‬
‫عباس " أن بورك من في النار " النمل ‪ ,‬قال ‪ :‬ال عز وجل " ومن حولها " قال الملئكة إسناده‬
‫صالح ‪ ,‬انتهى ‪ .‬هل يقولون ان ال عز وجل كان في تلك البقعة على الحقيقة وفي قوله تعالى‬
‫أقبل ‪ ،‬على الحقيقة هل يقولون إقبال مسافة الى مسافة بينه وبين الباري ؟ وهذا هو عين‬
‫التشبيه لمن اخذ بظاهر اللفظ وحقيقته ‪ .‬وماذا يقولون في حديث البخاري " اذا كان احدكم‬
‫يصلي فل يبصق قبل وجهه فان ال قبل وجهه اذا صلى " وفي رواية إخرى للبخاري " إن‬
‫احدكم إذا قام في صلته فانه يناجي ربه أو ان ربه بينه وبين القبلة فل يبصق احدكم قبل قبلته "‬
‫فهل يقولون ان ال بين العبد وبين القبلة بالمسافة والجهة على ظاهر الخبر أو ان ال أمام العبد‬
‫بالمسافة قريب منه متمسكا بالظاهر من هذا الحديث وغيره من الحاديث التي يدل ظاهرها على‬
‫اثبات الجهة والمكان ل تعالى ويعبرون المشبهة عن ذلك بينه وبين القبلة على الحقيقة ‪ .‬بماذا‬
‫يجيبون هؤلء المجسمة وماذا يصنعون بحديث مسلم "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"‬
‫فهل يأخذون بهذه الظواهر فيثبتون الجهة وقرب المسافة ل تعالى والمكان ام ياخذون بظواهر‬
‫بعض اليات والحاديث ويتركون البعض فما هذا التحكم ؟ وماذا يفعلون بقوله تعالى " وهو‬
‫معكم اينما كنتم " وبقوله تعالى حكاية عن سيدنا ابراهيم عليه ال‍سلم " إني ذاهب إلى ربي " مع‬
‫إتفاق المفسرين انه كان ذاهب إلى بر الشام‪ .‬وكذلك قوله تعالى " وهو ال في السموات والرض‬
‫‪ 63‬صفحة ‪ 63‬من ‪139‬‬
‫" وقوله تعالى "انني معكما اسمع وأرى " قال ابن جرير في تفسيره‪ :‬القول فـي تأويـل قوله‬
‫ل هُمْ فِي َل ْبسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَ ْقنَا الِنسَانَ َو َنعْلَمُ مَا‬
‫تعالى‪َ{ :‬أفَ َعيِينَا بِالْخَ ْلقِ الول بَ ْ‬
‫س ِوسُ بِهِ نَ ْفسُهُ َونَحْنُ أَقْ َربُ إَِليْهِ مِنْ حَبْلِ ا ْل َورِيدِ وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله‪ :‬ونَحْنُ‬
‫ُت َو ْ‬
‫حبْلٍ ال َورِيدِ فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬نحن أملك به‪ ،‬وأقرب إليه في المقدرة عليه‪.‬‬
‫أقْ َربُ إلَيْهِ مِنْ َ‬
‫حبْلِ ال َورِيد بالعلم بما ُت َوسْوس به نفسه‪ .‬وقال‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل معنى ذلك‪ :‬ونَحْنُ َأقْ َربُ إَليْهِ مِنْ َ‬
‫البغوي في تفسير‪" .:‬ولقد خلقنا النسان ونعلم ما توسوس به نفسه "‪ ،‬يحدث به قلبه ول يخفى‬
‫علينا سرائره وضمائره‪" ،‬ونحن أقرب إليه "‪ ،‬أعلم به‪" ،‬من حبل الوريد "‪ ،‬لن أبعاضه وأجزاءه‬
‫يحجب بعضها بعضا‪ ،‬ول يحجب علم ال شيء‪ ،‬وقوله " والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة‬
‫يحسبه الظمان ماءً حتى اذا جاءه لم يجده شيئاووجد ال عنده "الية وقوله تعالى في الظل " ثم‬
‫قبضناه الينا قبضا يسيرا" وقوله " ونحن اقرب اليه منكم ولكن ل تبصرون " وقوله تعالى " فاينما‬
‫تولوا فثم وجه ال " وفي حديث البخاري ومسلم واللفظ لمسلم " الذي تدعونه اقرب الى احدكم‬
‫من عنق راحلة احدكم " و كما روي عنه صلى ال عليه وسلم فيما رواه الترمذي " وال لو دليتم‬
‫بحبل الى الرض السابعة لهبط على ال" وكلنا يعلم أن الرض في السفل ‪ ,‬وقوله تعالى‬
‫إخبارا عن آسية { ربي ابن لي عندك بيتًا في الجنة} وكلنا يعلم أن الجنة غير العرش بل العرش‬
‫سقف الجنة‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم الذي رواه المام مسلم " اللهم أنت الصاحب في السفر‬
‫والخليفة في الهل " وبقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم} وحديث‪:‬‬
‫(إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) وهو في مسند أحمد وأصله في‬
‫الصحيحين‪.‬‬
‫‪ 64‬صفحة ‪ 64‬من ‪139‬‬
‫فبعض هذه اليات والحاديث لو حمل على ظاهرها لكان فيه اثبات التحيز والجهة وشغل المكان‬
‫في جهة العلو والنتقال من علو الى سفل ‪،‬في السموات وفي الجنة وفوق العرش‪ ،‬وتحت‬
‫الرض وفي بعضها اثبات المسافة بين العبد وربه في الرض ‪ ،‬وفي بعضها في كل الجهات‬
‫وكل ذلك باطل عقلً وشرعا وسبيل التوفيق في ذلك الرجوع الى اليات المحكمة ‪ ،‬وصريح‬
‫العقل ‪ ،‬إذ العقل شاهد الشرع ول يأتي الشرع ال بما يتوافق مع العقل‪ ،‬ول يأتي الشرع بما‬
‫يحيله العقل‪ ،‬والعقل قاض بان ال عز وجل ل يشبه شيئا ول ِمثْلَ له وانه منزه عن سمات‬
‫الحدث والتبدل والنتقال والتحول وفي قوله تعالى " ليس كمثله شىء " كفاية لتنـزيه ال عز‬
‫وجل عن مشابهة المخلوقين ‪ .‬وما اجمل عبارة الحافظ ابن الجوزي فان علم المعقولت يصرف‬
‫ظواهر المنقولت عن التشبيه فاذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس ‪ ،‬فالمجسمة‬
‫والمشبهة يقولون فوق العرش بذاته وفي السماء بذاته وبيننا وبين القبلة على الحقيقة وينزل على‬
‫الحقيقة ‪ ،‬وحقيقة النزول النتقال‪ ،‬وهل يخلو منه العرش فيه قولن ومحيط بالعالم على الحقيقة‬
‫وفي الجنة على الحقيقة نعوذ بال من فساد المعتقد وقالوا ويضع قدمه ورجله في النار وياتي‬
‫هروله على الحقيقة وكيف توجه العبد فيقابل وجه ال على الحقيقة ول يمتنع عليه ذلك‪ .‬سبحان‬
‫واهب العقول فاحذرهم ايها العاقل وحذر منهم ‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر عند قوله صلى ال عليه وسلم " إن أحدكم اذا قام في صلته فانه يناجي‬
‫ربه او ان ربه بينه وبين القبلة " الحديث ‪ .‬فيه الرد على من أثبت انه على العرش بذاته ‪ .‬وقال‬
‫‪ " ،‬وقيل أقرب ما يكون العبد من ال تعالى أي من‬ ‫ج ‪/3‬ص ‪18‬‬ ‫المحدث الزبيدي في التحاف‬
‫رحمته (ان يكون ساجدا اي حالة سجوده وهو معنى قوله عز وجل في اخر سورة العلق "‬
‫‪ 65‬صفحة ‪ 65‬من ‪139‬‬
‫واسجد واقترب" اي دم على سجودك اي صلتك واقترب من ال تعالى " وهذا قول مجاهد‬
‫اخرجه عبد الرزاق في مصنفه وسعيد بن منصور في سننه عنه قال "اقرب ما يكون العبد من‬
‫ربه وهو ساجد أل تسمعونه يقول واسجد واقترب وقال الزبيدي عند حديث " ان احدكم اذا قام‬
‫في صلته فانما يناجي ربه أو ربه بينه وبين قبلته فل يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت‬
‫قدمه الحديث ‪ ،‬رواه البخاري ومسلم والترمذي وابو داود والنسائي ‪ ،‬قال الثانية قوله‪ :‬أن ربه‬
‫بينه وبين القبلة ظاهره محال لتنـزيه الرب تعالى عن المكان فيجب على المصلي إكرام قبلته‬
‫بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه ومن أعظم الجفاء وسوء الدب أن‬
‫تتنخم في توجهك إلى رب الرباب وقد أعلمنا ال بإقباله على من توجه إليه‪ .‬وقال الكرماني في‬
‫شرح البخاري ‪ :70\ 4‬فإن قلت ما معنى كون الرب بينه وبين القبلة إذ ل يصح على ظاهره لن‬
‫ال تعالى منـزّه عن الحلول في المكان تعالى عنه‪ .‬قال الحافظ البيهقي في كتابه السماء‬
‫والصفات وقال أبو الحسن ابن مهدي فيما كتب لي أبو نصر بن قتادة من كتابه معنى قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ان ال قبل وجهه اي ان ثواب ال لهذا المصلي ينزل عليه من قبل وجهه ومثله‬
‫قوله " يجيء القرءان بين يدي صاحبه يوم القيامة " ‪ :‬اي يجيء ثواب قراءته القرءان ‪ .‬وقال‬
‫ابن كثير في تفسيره وقال عكرمة عن ابن عباس " فأينما تولوا فثم وجه ال " قال قبلة ال ‪،‬‬
‫وقال ابن جرير حدثنا ابو كريب أخبرنا ابن إدريس حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان عن‬
‫سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته‪ .‬ويذكر أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الية "فأينما تولوا فثم وجه ال" رواه مسلم والترمذي‬
‫والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرقٍ عن عبد الملك بن أبي سليمان به‪ ..‬وأصله في‬
‫‪ 66‬صفحة ‪ 66‬من ‪139‬‬
‫الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة من غير ذكر الية اهـ بتصرف" ما يكون من‬
‫نجوى ثلثة إل هو رابعهم ول خمسة إل هو سادسهم ول أدنى من ذلك ول أكثر إل هو معهم‬
‫أينما كانوا " أي مطلع عليهم يسمع كلمهم وسرهم ونجواهم قاله ابن كثير ‪ .‬وفي الصحيحين من‬
‫حديث ابي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال يقول ال تعالى أنا عند‬
‫ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في مل‬
‫ذكرته في مل خير منه وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا اقتربت‬
‫اليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة‪.‬‬

‫قال الحافظ ابن حجر في الفتح‪( :‬والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب ل أطلع عليه أحدا‪،‬‬
‫وإن ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه المل العلى) ‪ .‬قال محمد صالح عثيمين من زعماء‬
‫الوهابية‪ :‬وفي (الجواب المختار لهداية المحتار) (ص ‪ )24‬قولـه‪(( :‬صفة ال َهرْوَلَة ثابتة ل‬
‫تعالى كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم ؛ قال ‪( :‬يقول ال تعالى‪ :‬أنا عند ظن عبدي به (فذكرالحديث وفيه‪( :‬وإن أتاني‬
‫يمشي أتيته َهرْوَلَة) ‪ ،‬وهذه ال َه ْروَلَةُ صفةمن صفات أفعاله التي يجب علينا اليمان بها من غير‬
‫تكييف ول تمثيل ؛ لنه أخبر بها عن نفسه ‪ ،‬فوجب علينا قبولها بدون تكييف ‪ ،‬لنّ التكييف قول‬
‫على ال بغير علم ‪ ،‬وهو حرام وبدون تمثيل ؛ لنّ ال يقول ‪َ( :‬ل ْيسَ َك ِمثْلِهِ شَىءٌ وَ ُهوَ السّمِيعُ‬
‫" فان ظاهره ثبوت اتيان ال‬ ‫‪114‬‬ ‫البَصِيرُ ‪ .‬وقال محمد عثيمين في كتابه " فتاوى العقيدة " ص‬
‫هرولة وهذا الظاهر ليس ممتنعا على ال فيثبت ل حقيقة " ‪ .‬كما أثبت الهرولة صفة ل الدارمي‬
‫‪ 67‬صفحة ‪ 67‬من ‪139‬‬
‫ج ‪3‬ص‬ ‫في كتابه في الرد على بشر المريسي‪ .‬وفي فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والفتاء‬
‫‪ ( :‬س ‪ :‬هل ل صفة الهرولة؟ ج‪ :‬نعم‪ ،‬على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على‬ ‫‪196‬‬

‫ما يليق به قال تعالى ‪ :‬إذا تقرب إليّ العبد شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إليّ ذراعا تقربت‬
‫منه باعا وإذا أتاني ماشيا أتيته هرولة ‪ .‬رواه البخاري وسلم )‪.‬و قال الدارمي في رده على‬
‫‪ ( :‬ل نسلم أن مطلق المفعولت مخلوقة ‪،‬‬ ‫ص ‪479‬‬ ‫المريسي ‪ ،‬كما نقلت في كتاب عقائد السلف‬
‫وقد أجمعنا واتفقنا على أن الحركة والنزول والمشي والهرولة على العرش ‪ ،‬وإلى السماء قديم ‪،‬‬
‫والرضى والفرح والغضب والحب والمقت كلها أفعال في الذات للذات وهي قديمة ) وفي فتاوى‬
‫اللباني ‪ :‬سؤال ‪ :‬حول الهرولة ‪ ،‬وهل انكم تثبتون صفة الهرولة للّه تعالى ؟‪.‬جواب‪ :‬الهرولة‬
‫‪ .‬ومن ذلك‬ ‫ج ‪ 5‬ص ‪374‬‬ ‫كالمجي والنزول صفات ليس يوجد عندنا ما ينفيها ‪.‬وفي فتاوي ابن باز‬
‫الحديث القدسي وهو قول اللّه سبحانه ‪ :‬من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا‪ ،‬ومن تقرب‬
‫الـى ذراعا تقربت اليه باعا‪ ،‬ومن اتاني يمشي اتيته هرولة اماالتاويل للصفات وصرفها عن‬
‫ظاهرها فهو مذهب اهل البدع من الجهمية والمعتزلة انتهى ‪ ،‬وقال أبو إسماعيل النصاري في‬
‫كتابه المسمى الربعين في دلئل التوحيد ‪ :‬باب الهرولة ل عز وجل ‪ .‬ثم ذكر الروايات التي‬
‫استفاد منها إثبات صفة الهرولة تعالى ال عما يقولون علوا كبير وقال أبو عبد ال بن بطة‬
‫العكبري الحنبلي وهو من الحنابلة وينسب الى الوضع وقد عد الهرولة من الصفات الخبرية‬
‫الثابتة التي يجب العتقاد بها‪ .‬قلت وقد قال المام الشافعي‪ :‬في الرسالة خلل كلمه عن الفاظ‬
‫القرءان وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره "قلت والحافظ البيهقي ذكره في‬
‫السماء والصفات‪ ،‬بعد ذكر حديث يا ابن ادم مرضت‪ ،‬كما سيأتي‪ ،‬يعني يراد باللفظ المعنى‬
‫‪ 68‬صفحة ‪ 68‬من ‪139‬‬
‫المرجوح بدللة السياق وما قد يكون فيه من القرائن ويطلق على هذا اللفظ في هذه الحالة مؤول‬
‫أي يؤوول إلى كذا بمعنى رجع إلى كذا‪ ،‬قال الحافظ البيهقي في السماء والصفات ص ‪ :286‬بعد‬
‫ذكره حديث مسلم عن أبي هريرة رضي ال عنه قال إن رسول ال صلى ال عليه وسلم "قال‬
‫يقول ال عزوجل‪ ،‬يا ابن ادم مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك وأنت رب‬
‫العالمين ؟ الحديث قال البيهقي‪ ،‬وفيه دليل على أن اللفظ قد يرد مطلقا والمراد به غير ما يدل‬
‫عليه ظاهره‪ ،‬فانه اطلق المرض والستسقاء والستطعام على نفسه والمراد به ولي من أوليائه‪،‬‬
‫وهو كما قال ال عز وجل "إنما جزاء الذين يحاربون ال ورسوله "وقوله "إن الذين يؤذون ال‬
‫ورسوله‪" ،‬وقوله "إن تنصروا ال ينصركم "فالمراد بجميع ذلك أولياؤه‪ ،‬وقوله "لوجدتني عند "أي‬
‫وجدت رحمتي وثوابي عنده‪ ،‬ومثله قوله عز وجل "ووجد ال عنده "فوفاه حسابه "أي وجد‬
‫حسابه وعقابه انتهى وابن قتيبة مع أنه له طامات فقد أنكر صفة الهرولة وأولها إلى معنى آخر‬
‫‪ ،‬وتبعه على ذلك بعض علماء الحنابلة ‪ ،‬فقد أورد الحديث المروزي الذي ورد فيه ( ومن أتاني‬
‫يمشي أتيته هرولة ) ثم قال ‪ :‬ونحن نقول إن هذا تمثيل وتشبيه‪ ،‬وإنما أراد من أتاني مسرعا‬
‫بالطاعة أتيته بالثواب أسرع من إتيانه فكنى عن ذلك بالمشي كما يقال فلن موضع في الضلل‬
‫واليضاع سير سريع ل يراد به أنه يسير ذلك السير وإنما يراد أنه يسرع إلى الضلل فكنى‬
‫جزِينَ) والسعي السراع في‬
‫س َعوْا فِي ءايَا ِتنَا ُمعَا ِ‬
‫بالوضع عن السـراع وكذلـك قـولـه ( َ‬
‫المشي وليس يراد أنهم مشوا دائما وإنما يراد أنهم أسرعوا بنياتهم وأعمالهم وال أعلم‪.‬‬

‫‪ 69‬صفحة ‪ 69‬من ‪139‬‬
‫الكلم على حديث‪( :‬وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولة) وغيرِه مما يوهم ظاهره‬

‫قال القرطبي محمد بن أحمد المتوفى سنة ‪ 671‬هجرية في كتابه صفات ال تعالى وما ورد فيها‬
‫من الي والحاديث ص ‪ 137‬ما نصه ‪ :‬قال الخطابي في شعار الدين ‪ :‬الكلم في الصفات‬
‫ينقسم إلى ثلثة أقسام ‪ :‬قسم منها يحقق كالعلم والقدرة ونحوهما ‪ .‬وقسم يتأول ول يجري على‬
‫ظاهره كقوله عليه السلم إخبارا عن ال عز وجل " من تقرب إلي شبرا ‪ ....‬الحديث إلى آخره‬
‫‪ .‬وما أشبهه ل أعلم أحدا من العلماء أجراه على ظاهره بل كل منهم تأوله على القبول من ال‬
‫تعالى لعبده وحسن القبال عليه والرضا بفعله ومضاعفة الجزاء له على صنعه ‪ .‬انتهى ‪ .‬ذكر‬
‫النووي في شرحه على صحيح مسلم الحديث الذي أخرجه مسلم والذي جاء فيه‪( :‬وإنْ أتاني‬
‫يمشي أتيته هرولة) ثم قال هذا الحديث من أحاديث الصفات ‪ ،‬ويستحيل إرادة ظاهره ‪ ،‬وقد سبق‬
‫الكلم في أحاديث الصفات مرات ‪ ،‬ومعناه ‪ :‬من تقرب إليّ بطاعتي تقربت إليه برحمتي‬
‫والتوفيق والعانة ‪ ،‬وإنْ زاد زدت ‪ ،‬فإنْ أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة ‪ ،‬أي‬
‫صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود ‪ .‬وقال‬
‫الحافظ جلل الدين السيوطي قال في شرح الحديث المتقدم ( أتيته هرول) أي صببت عليه‬
‫الرحمة وسبقته بها ‪ .‬وقال الحافظ البيهقي في السماء والصفات ‪ :‬فتقرب العبد بالحسان‬
‫وتقرب الحق بالمتنان ‪ ،‬يريد أنه الذي أدناه ‪ ،‬وتقرب العبد بالتوبة والنابة وتقرب الباري‬
‫بالرحمة والمغفرة ‪ ،‬وتقرب العبد إليه بالسؤال ‪ ،‬وتقربه إليه بالنوال ‪ ،‬وتقرب العبد إليه بالسر‪،‬‬

‫‪ 70‬صفحة ‪ 70‬من ‪139‬‬
‫وتقربه إليه بالبشر‪ ،‬ل من حيث توهمته الفرقة المضلة بالعمال والمتغابية بالعثار‪ ،‬وقد قيل في‬
‫معناه ‪ :‬إذا تقرب العبد إليّ بما تعبدته‪ ،‬تقربت إليه بما له عليه وعدته‪ .‬إلى أنْ قال‪ :‬هكذا القول‬
‫في الهرولة‪ ،‬إنما يخبر عن سرعة القبول وحقيقة القبال ودرجة الوصول ‪ ،‬والوصف الذي‬
‫يرجع إلى المخلوق مصروف على ما هو لئق ‪ ،‬وبكونه متحقق ‪ ،‬والوصف الذي يرجع إلى ال‬
‫سبحانه وتعالى يصرفه لسان التوحيد وبيان التجـريد ‪ ،‬إلى نعـوتـه المتعـالية‪ ،‬وأسمائه‬
‫الحسنى‪.‬‬

‫قال الحافظ ابن حجر في الفتح والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب ل أطلع عليه أحدا‪،‬‬
‫وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه المل العلى وقال الحافظ ايضا قال ابن بطال‬
‫المالكي كما في فتح الباري للحافظ ابن حجر ناقل مقرا وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى‬
‫عبده ووصف العبد بالتقرب اليه ووصفه بالتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز‪،‬‬
‫فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الجسام وذلك في حقه تعالى محال‪ ،‬فلما‬
‫استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلم العرب فيكون وصف العبد بالتقرب اليه شبرا‬
‫وذراعا واتيانه ومشيه معناه التقرب اليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله‪ ،‬ويكون تقربه سبحانه‬
‫من عبده واتيانه والمشي عبارة عن اثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته‬
‫هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا‪ ،‬ونقل عن الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه‬
‫والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليل على مبلغ كرامته لمن ادمن على‬
‫طاعته‪ ،‬أن ثواب عمله له على عمله الضعف وان الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه ال تعالى‪،‬‬
‫‪ 71‬صفحة ‪ 71‬من ‪139‬‬
‫وقال ابن التين القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى‪ ،‬فان المراد به‬
‫قرب الرتبة وتوفير الكرامة‪ ،‬والهرولة كناية عن سرعة الرحمة اليه ورضا ال عن العبد‬
‫وتضعيف الجر اه‪ ،‬وقال ابن الجوزي والتقرب والهرولة توسع في الكلم كقوله تعالى‪ ,،‬سعوا‬
‫ص ‪225‬‬ ‫في أياتنا‪ ,،‬ول يراد به المشي ‪ ،‬قال القاضي أبو يعلى الحنبلي في ابطال التاويلت‬
‫وجدت رحمتي وفضلي وثوابي وكرامتي في عيادتك له‪ ،‬يبين صحة هذا ما حدثناه أبو القاسم‬
‫باسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم "أنا عند ظن عبدي‪ ،‬وأنا معه‪ ،‬إن تقرب‬
‫إلي ذراعا تقرب ال اليه باعا ومن جاء يمشي أقبل ال اليه بالخير يهرول "فبين في هذا الحديث‬
‫معناه‬ ‫‪39‬‬ ‫أن قربه من عبده بالثواب كذلك ها هنا وعلى هذا يتأول قوله "ووجد ال عنده "النور‬
‫وجد عقابه وحسابه‪ ،‬انتهى و حديث أبي هريرة ذكره أبو يعلى مختصرا‪ ،‬وهو صحيح أخرجه‬
‫أحمد والبخاري ومسلم‪ ،‬قال أحمد حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال‬
‫‪78-10‬‬ ‫رسول ال ‪ :‬يا ابن ادم الحديث " قال قتادة ‪ :‬فال عز وجل أسرع بالمغفرة ذكره الهيثمي‬
‫وقال رجاله رجال الصحيح ‪ .‬والحديث في صحيح مسلم عن المعرور بن سويد عن ابي ذر‬
‫قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ال عز وجل ‪ :‬من جاء بالحسنة فله عشر‬
‫أمثالها وأزيد‪ ،‬ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو اغفر‪ ،‬ومن تقرب مني شبرا تقربت منه‬
‫ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ‪ ،‬ومن أتاني يمشي أتيته هرولة‪ ،‬ومن لقيني‬
‫بقراب الرض خطيئة ل يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة " وقد روى الترمذي في جامعه‬
‫الحديث المشهور "أنا عند ظن عبدي بي "وإن أتاني يمشي أتيته هرولة‪ ،‬ثم قال بعده هذا حديث‬
‫حسن صحيح‪ ،‬ويروى عن العمش في تفسير هذا الحديث من تقرب مني شبرا تقربت منه‬
‫‪ 72‬صفحة ‪ 72‬من ‪139‬‬
‫ذراعا يعني بالمغفرة والرحمة‪ ،‬وهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث قالوا إنما معناه يقول إذا‬
‫تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت تسارع إليه مغفرتي ورحمتي انتهى كلم الترمذي‪ ،‬قلت‬
‫وبهذا التاويل التفصيلي المفصل ‪ ،‬قال جمع من العلماء كالطيبي والعيني وابن بطال وابن التين‬
‫والنووي والخطابي والعز بن عبد السلم والمام البيهقي وغيرهم‪ ،‬والعمش قبل البخاري‬
‫ومسلم وأحمد ومن تلمذته سفيان بن عيينة وسفيان الثوري ومن شيوخه عطاء ابن أبي رباح‬
‫وعكرمة قال فيه الحافظ ابن حجر حافظ ثقة ورع لكنه يدلس‪ ،‬قال يحي بن معين والعجلي‬
‫والنسائي ثقة ثبت ‪ ,‬وهذا التأويل التفصيلي ثابت عن السلف كما هو مقرر ول ينكره ال جاهل‬
‫بكلم السلف أو متكبر مغرور جعل على قلبه وبصيرته وبصره غشاوة وبهذا تعلم مبلغ‬
‫تناقضهم واضطرابهم وانهم مخالفون للسلف الصالح ‪ ،‬ومنهجهم منهج منحرف ومغاير للسلف ‪.‬‬
‫قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل عند ذكر‬
‫حديث الجارية ما نصه‪ :‬وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقـد اختلفت‬
‫ألفاظه فيه ففي لفظ له‪ :‬فمد النبي صلى ال عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهما مَن في‬
‫السماء ‪ ...‬الحديث‪ ،‬فتكون المحادثة بالشارة على أن اللفظ يكون ضائعا مع الخرساء الصماء‬
‫فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه ل لفظ الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم ومثل هذا الحديث يصح الخذ به فيما يتعلق بالعمل دون العتقاد حيث‬
‫اشتمل على تشميت العاطس في الصلة ومنع النـبي صـلى ال عليه وسلم عن ذلك ولم‬
‫يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا‬
‫الحديث مقتصرا عليه دون ما يتعلق بكون ال في السماء وبدون أي إشارة إلى أنه اختصر‬
‫‪ 73‬صفحة ‪ 73‬من ‪139‬‬
‫الحديث‪.‬اهـ وقال المام النووي في شرحه على مسلم ما نصه‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬أين‬
‫ال؟ قالـت في السماء‪ ،‬قال‪ :‬من أنا قالت‪ :‬أنت رسول ال‪ ،‬قال‪ :‬أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث‬
‫من أحاديث الصفات وفيها مذهبان‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬اليمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن ال تعالى ليس كمثله شئ وتنـزيهه‬
‫عن سمات المخلوقات‪.‬والثاني‪ :‬تأويله بما يليق به‪ ،‬فمن قال بهذا قال‪ :‬كان المراد امتحانها هل‬
‫هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو ال وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل‬
‫السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة‪ ،‬وليس ذلك لنه منحصر في السماء كما أنه ليس‬
‫منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين‪.‬اهـ وقال‬
‫العلمة أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص‬
‫كتاب مسلم ما نصه‪ :‬وقوله صلى ال عليه وسلم للجارية أين ال هذا السؤال من النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم أراد أن يُظهر منها ما يدلُ على أنها ليست ممن يعبُدُ الصنام ول الحجارة التي في‬
‫الرض‪ ،‬فأجابت بذلك وكأنها قالت إن ال ليس من جنس ما يكون في الرض‪ .‬وأين ظرف‬
‫يسأل به عن المكان كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان وهو مبنيٌ لما تضمنه من حرف‬
‫حرّك للتقاء الساكنين وخُصّ بالفتح تخفيفا وهو خبرُ المبتدأ الواقع بعده وهو ل يصحّ‬
‫الستفهام و ُ‬
‫إطلقه على ال تعالى بالحقيقة إذ ال تعالى منـزه عن المكان كما هو منـزه عن الزمان بل‬
‫هو خالق الزمان والمكان ولم يـزل موجودا ول زمان ول مكان وهو الن على ما عليه كان‪.‬‬
‫ولو كان قابل للمكان لكان مُختصا به ويحتاج إلى مخصص ولكان فيه إما متحركا وإما ساكنا‬

‫‪ 74‬صفحة ‪ 74‬من ‪139‬‬
‫وهما أمران حادثان وما يتصف بالحوادث حادث على ما يُبسط القول فيه في علم الكلم وَلمَا‬
‫صَدَقَ قوله تعالى‪{ :‬ليس كمثله شئ} إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها والممكنات في إمكانها‬
‫وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى ال عليه وسلم إنما أطلقه على ال بالتوسّع والمجاز‪ .‬وقال‬
‫أيضا‪ :‬وقيل في تأويل هذا الحديث‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم سألها بأين عن الرتبة المعنوية‬
‫التي هي راجعة إلى جلله تعالى وعظمته التي بها باين كلّ مَن نُسبت إليه اللهية وهذا كما‬
‫يقال‪ :‬أين الثريا من الثرى ؟! والبصر من العمى؟! أي بعُدَ ما بينهما واختصت الثريا والبصر‬
‫بالشرف والرفعة على هذا يكون قولها في السماء أي في غاية العلو والرفعة وهذا كما يقال‪:‬‬
‫فلن في السماء ومناط الثريا‪ .‬وهذا كما قال‪:‬‬
‫مناطُ الثُريّا قد تعالت نُجومها‬ ‫وإن بني عَوفٍ كما قد علمتم‬

‫أقول هذا وال ورسوله أعلم؛ والتسليم أسلم‪.‬اهـ‬
‫وقال الرازي أيضا في كتابه أساس التقديس‪ :‬إن لفظ أين كما يجعل سؤال عن المكان فقد يجعل‬
‫سؤال عن المنـزلة والدرجة يقال أين فلن من فلن فلعل السؤال كان عن المنـزلة وأشار بها‬
‫إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا‪.‬اهـ ثم يقال لمن يستدل بحديث الجارية بأن ال في السماء‬
‫حقيقة بذاته‪ ،‬يقال له ماذا تقول بمن أورد عليكم حديث أحمد في المسند الترمذي في جامعه وابن‬
‫ماجه في سننه والطبراني في الكبير‪ ،‬من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن‬
‫حدس (وقد قال الذهبي في العلو‪ :‬رواه شعبة وغيره عن يعلى فقالوا‪ ،‬بدل عدس بدل حدس وقال‬
‫الذهبي في العلو وإسناده حسن‪ ،‬قلت بل الحديث ضعيف وفيه وكيع بن عدس ولم يوثقه إل ابن‬
‫‪ 75‬صفحة ‪ 75‬من ‪139‬‬
‫حبان ولم يرو عنه إل يعلى بن عطاء وضعفه المتناقض اللباني في ضعيف الترمذي وفي‬
‫‪186‬‬ ‫ضعيف ابن ماجه وفي تخريجه لسنة ابن أبي عاصم‪ ،‬أما ما قاله في مختصر العلو ص‬
‫"وقال رواه الترمذي وابن ماجه وإسناده حسن‪ ،‬فليس بحسن‪ ،‬فافهم) عن أبي رزين العقيلي قال‪:‬‬
‫قلت يا رسول ال أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الرض ؟‪ .‬فالجواب من الخصم‬
‫والمعارض‪ ،‬إما أن يقول كان ول شيء معه‪ ،‬ولم يكن شيء غيره كما قال رسول ال كما في‬
‫صحيح البخاري وغيره‪ ،‬وهذه الموجودات من العرش والسموات والماء لم تكن موجودة وكان‬
‫ال قبل هذه الموجودات‪ ،‬وإما أن يقول إن ال كان في الزل وكانت السموات و الرض‬
‫والعرش أو شيء من ذلك ‪ ,‬وهو الحاد وكفر والرد عليه واضح‪ ،‬فل يجوز وصف ال تعالى‬
‫بالتحول والنتقال والتحول من الصغر الى الكبر‪ ،‬ول يصغر حتى يدخل السموات ول يكبر حتى‬
‫يرجع الى العرش تعالى ال عن ذلك‪ ،‬وإما أن يقول‪ :‬كان وحده في الزل ثم انتقل وتحول من ل‬
‫مكان ول زمان أي من الزل إلى المكان وهو الحدوث حتى صار في السماء حقيقة بظاهر‬
‫حديث الجارية‪ ،‬أو جلس واستقر بظاهر آية الستواء كما تقول المشبهة‪ ،‬وهذا فيه نسبة الحدوث‬
‫والمكان ل تعالى والتنقل والتحول والتصرف في نفسه‪ ،‬وهذا التحول والتنقل بزعمهم يكون‬
‫تجدد عليه شيء لم يكن‪ ،‬أضف أنه لم يجيء ذلك ل في كتاب ول سنة ول عن أحد من السلف‬
‫فوصفوا ال بما لم يصف به نفسه ول وصفه به رسوله‪ ،‬بل رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‬
‫كان ال ولم يكن شيء غيره‪ ،‬ونقل على ذلك ابن حزم الجماع‪ ،‬ومن قال بخلف ذلك كفر كما‬
‫في مراتب الجماع‪ ،‬وقال أبو حنيفة في الفقه الكبر "وصفاته في الزل غير محدثة ول مخلوقة‪:‬‬
‫فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة‪ ،‬أو وقف فيها أو شك فيهما فهو كافر بال تعالى‪ ،‬وقال لم يزل‬
‫‪ 76‬صفحة ‪ 76‬من ‪139‬‬
‫ول يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ول صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الزل‬
‫قادرا بقدرته والقدرة صفة في الزل الخ ما قاله ارجع اليه‪ ،‬قال مل علي القاري أي موصوفا‬
‫بنعوت الكمال‪ ،‬وأن صفات ال وأسمائه كلها أزلية ل بداية لها وأبدية ل نهاية لها‪ ،‬لم يتجدد له‬
‫تعالى صفة من صفاته ول إسم من أسمائه لنه سبحانه واجب الوجود لذاته الكامل في ذاته‬
‫وصفاته‪ ،‬فلو حدث له صفة أو زال عنه نعت لكان قبل حدوث تلك الصفة وبعد زوال ذلك النعت‬
‫ناقصا عن مقام الكمال وهو في حقه سبحانه من المحال فصفاته تعالى كلها أزلية أبدية‪ .‬انتهى‬
‫واما الحديث الثاني حديث أبي رزين فقد قال فيه يزيد بن هارون‪ :‬قوله في عماء أي ليس معه‬
‫شيء وقيل‪ :‬إن هذا بالقصر‪ .‬وقال ابن الجوزي‪ :‬العماء السحاب‪ .‬واعلم ان الفــوق والتحت‬
‫يرجعان إلى السحاب ل إلى ال تعالى‪ .‬و (في) بمعنى فوق‪ .‬والمعنى‪ :‬كان فوق السحاب بالتدبير‬
‫والقهر ولما كان القوم يأنسون بالمخلوقات سألوا عنها‪ .‬والسحاب من جملة خلقه‪ .‬ولو سئل عما‬
‫قبل السحاب لخبر ان ال تعالى كان ول شيء معه‪ .‬كما روي في الحديث‪ :‬كان ال تعالى ول‬
‫شيء معه‪ .‬ولسنا نختلف ان الجبار تعالى ل يعلوه شيء من خلقه بحال‪ ،‬وانه ل يحل في الشياء‬
‫بنفسه‪ ،‬ول يزول عنها لنه لو حل بها كان منها‪ ،‬ولو زال عنها لنأى عنها‪ .‬اهـ‪ .‬وقال المام‬
‫أحمد بن حنبل‪ :‬حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة‪ ،‬حدثنا أبو يعلى بن عطاء‪ ،‬عن وكيع بن حدس‪،‬‬
‫عن عمه أبى رزين لقيط بن عامر العقيلى‪ ،‬أنه قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أين كان ربنا قبل أن يخلق‬
‫السماوات والرض؟ قال‪( :‬كان فى عماء ما فوقه هواء‪ ،‬وما تحته هواء‪ ،‬ثم خلق عرشه على‬
‫الماء)‪ .‬ورواه عن يزيد بن هارون‪ ،‬عن حماد بن سلمة‪ ،‬به‪ ،‬ولفظه‪( :‬أين كان ربنا قبل أن يخلق‬
‫خلقه؟) وباقيه سواء‪ .‬وأخرجه الترمذى عن أحمد بن منيع‪ ،‬وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى‬
‫‪ 77‬صفحة ‪ 77‬من ‪139‬‬
‫شيبة‪ ،‬ومحمد بن الصباح‪ ،‬ثلثتهم عن يزيد بن هارون‪ .‬وقال الترمذى‪ :‬حسن‪ .‬قال الترمذي في‬
‫بعدما رواه ‪ :‬قال يزيد بن هارون ‪ :‬العماء أي ليس معه شيء وأقره وبذلك يكون‬ ‫‪228-5‬‬ ‫جامعه‬
‫مؤول عند يزيد بن هارون والترمذي ‪.‬‬
‫وقال ابن حبان في صحيحه ‪ 4-8‬عقب روايته له ‪ :‬وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة ‪ :‬يريد به‬
‫أن الخلق ل يعرفون خالقهم من حيث هم إذ كان ول زمان ول مكان ومن لم يعرف له زمان‬
‫ول مكان ول شيء معه لنه خالقها كان معرفة الخلق إياه كانه كان في عماء عن علم الخلق ل‬
‫أن ال كان في عماء ‪ ،‬إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين أنتهى ‪ .‬وقال ابن تيمية ‪ :‬في‬
‫‪ :154‬عن وكيع بن عدس ‪ ،‬عن عمه أبي رزين قال ‪ :‬قلت يا رسول‬ ‫ص‬ ‫بيان تلبيس الجهمية‬
‫ال ‪ :‬أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال ‪ :‬كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ‪ ،‬ثم‬
‫خلق عرشه على الماء ‪ .‬قال يزيد بن هارون ‪ :‬العماء أي ليس معه شئ !! فهذا الحديث فيه‬
‫بيان أنه خلق العرش المخلوق قبل السموات والرض وأما قوله في عماء ‪ ،‬فعلى ما ذكره يزيد‬
‫بن هارون ‪ ،‬ورواه عنه أحمد بن منيع وقرره الترمذي في أن معناه ‪ :‬ليس معه شئ ‪ ،‬فيكون‬
‫فيه دللة على أن ال تعالى كان وليس معه شئ ‪ ،‬وسيأتي الكلم على ذلك ‪ ،‬إن شاء ال تعالى (‬
‫وما ذكره ابن تيمية عن يزيد بن هارون تأويل للحديث‪ ،‬وهو المطلوب فلماذا يعيبون علينا نحن‬
‫معاشر الشاعرة أهل السنة والجماعة التأويل وترك الظاهر المتبادرالذي قد يتوهم من ظاهر‬
‫اللفظ ‪ .‬قال المام الترمذي في حديث ‪ :‬لو أنكم دليتم بحبل إلى الرض السفلى لهبط على ال ‪،‬‬
‫ثم قرأ ( هو الول والخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) [ قال المام الترمذي ] ‪:‬‬
‫هذا حديث غريب من هذا الوجه ‪ ..‬وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا ‪ :‬إنما هبط على‬
‫‪ 78‬صفحة ‪ 78‬من ‪139‬‬
‫علم ال وقدرته وسلطانه ‪ ،‬وعلم ال وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف‬
‫في كتابه )) اهـ كلم المام الترمذي المام الترمذي من السلف الصالح ‪ ،‬وصاحب السنن التي‬
‫هي أحد الكتب الستة ‪ ،‬وهو يفسر هذا الحديث كما ترون ‪ ،‬بل وينقله عن غيره من أهل العلم‬
‫بعد أن نقل‬ ‫‪47‬‬ ‫قال ابن تيمية معترضا في الرسالة العرشية ـ طبعة دار الفتح الشارقة ـ صفحة‬
‫تأويل الترمذي السابق ونقله الترمذي عمن تقدمه من أهل العلم ‪ ،‬قال ابن تيمية‪ :‬وكذلك تأويله‬
‫بالعلم تأويل ظاهر الفساد !! من جنس تأويلت الجهمية اهـ وهذا الكلم نقله ابن القيم في‬
‫ونقله الحافظ‬ ‫ص ‪61‬‬ ‫مقرا لشيخه روى المام البخاري في خلق أفعال العباد‬ ‫‪2/275‬‬ ‫الصواعق‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد أنا عبدال أنا محمد بن بشار عن قتادة عن‬ ‫‪13/477‬‬ ‫أيضا في فتح الباري‬
‫صفوان بن محرز عن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬بينما أنا أمشي معه إذ جاء رجل فقال ‪:‬‬
‫يا ابن عمر ‪ ،‬كيف سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يذكر في النجوي ؟ قال ‪ :‬سمعته‬
‫يقول ‪ :‬يدنو من ربه حتى يضع عليه كنفه (ثم قال البخاري) قال ابن المبارك‪ :‬كنفه يعني‬
‫ستره‪.‬انتهى باختصار‪ .‬فهذا الحافظ عبدال بن المبارك يؤول ( الكنف ) يقول ‪ :‬يعني الستر قال‬
‫محقق كتاب (النقض على بشر المريسي) الدكتور‪ :‬رشيد بن حسن اللمعي والذي قدم له‬
‫بعد أن ذكر تأويل ابن المبارك ‪ :‬والصواب في‬ ‫‪748‬‬ ‫عبدالعزيز بن عبدال الراجحي في ص‬
‫هذه المسألة وال أعلم ـ أن الكنف صفة من صفات ال كسائر صفاته ل يعلم كيفيته إل هو‪،‬‬
‫فهو على ظاهره دون تأويل كما نقل ذلك ابن حامد عن المام أحمد) انتهى كلمه‪.‬‬
‫وقد روى المام الترمذي حديث إتيان البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان قال ‪:‬هذا حديث حسن‬
‫غريب ‪ ،‬ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته‪ ،‬كذا فسر بعض أهل العلم‬
‫‪ 79‬صفحة ‪ 79‬من ‪139‬‬
‫هذا الحديث وما يشبه هذا من الحاديث أنه يجيء ثواب قراءة القرآن‪ ،‬وفي حديث النوانس بن‬
‫سمعان عن النبي صلى ال عليه وسلم ما يدل على ما فسروا إذ قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫وأهله الذين يعملون به في الدنيا ‪ ،‬ففي هذا دللة أنه يجيء ثواب العمل وأخبرني محمد بن‬
‫إسماعيل أخبرنا الحميدي قال ‪ :‬قال سفيان بن عيينة في تفسير حديث عبدال بن مسعود‪ :‬ما خلق‬
‫ال من سماء ول أرض أعظم من ءاية الكرسي‪ ،‬قال سفيان‪ :‬لن ءاية الكرسي هو كلم ال‪،‬‬
‫وهذا التأويل بمجيء‬ ‫‪193 / 8‬‬ ‫وكلم ال أعظم من خلق ال من السماء والرض‪ .‬تحفة الحوذي‬
‫الثواب لم ينفرد به المام الترمذي‪ ،‬بل هو نقله عن غير واحد من أهل العلم‪ ،‬وممن نقل عنه‬
‫ذلك المام أحمد‪ ،‬وأبي عبيد القاسم بن سلم وممن ثبت عنهم التأويل النضر بن شميل والزجاج‬
‫والزجاجي والزهري من علماء اللغة وغيرهم‪.‬‬

‫فهل استسلم الوهابية وأذعنوا لتأويل السلف وأقروهم على التأويل؟؟ ل‪ ،‬لم يسلموا ا بهذا‪ ،‬فهذا‬
‫على سبيل المثال المباركفوري في شرحه لجامع الترمذي يعلق معقبا على كلم هذين المامين‬
‫من أئمة السلف ابن عيينة والترمذي فيقول ردّا على المام الترمذي ما نصه‪ :‬في هذه الدللة‬
‫خفاء كما ل يخفى‪ .‬وقال متعقبا سفيان بن عيينة بما نصه‪ :‬وفي قول سفيان هذا نظر فإنه يلزم‬
‫على هذا أل تكون هذه الفضيلة مختصة بآية الكرسي بل تعم كل ءاية من ءاي القرءان لن كل‬
‫منها كلم ال تعالى ) اهـ‬

‫‪ 80‬صفحة ‪ 80‬من ‪139‬‬
‫وروى المام الترمذي في جامعه الحديث المشهور‪ ( :‬أنا عند ظن عبدي بي وفيه وإن أتاني‬
‫يمشي أتيته هرولة ) ثم قال بعده ‪ :‬هذا حديث حسن صحيح ‪ ،‬ويروى عن العمش في تفسير‬
‫هذا الحديث ‪ ( :‬من تقرب مني شبرا تقربت منه ذارعا ) ‪ :‬يعني بالمغفرة والرحمة ‪ ،‬وهكذا فسر‬
‫بعض أهل العلم هذا الحديث قالوا إنما معناه يقول ‪ :‬إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت‬
‫‪.‬فالترمذي وهو‬ ‫‪10/64‬‬ ‫تسارع إليه مغفرتي ورحمتي ) اهـ كلم المام الترمذي ‪ .‬تحفة الحوذي‬
‫إمام من أئمة السلف يؤول الهرولة والتيان والتقرب في هذا الخبر بأنه بالمغفرة والرحمة‪ ،‬هذا‬
‫قوله رحمه ال وتأويله وهو يذكره عن بعض أهل العلم ممن تقدمه منهم المام سليمان بن‬
‫مهران العمش وهؤلء من أئمة السلف بل شك‪ ،‬وقد تبع المام الترمذي والعمش من أهل‬
‫العلم ثلة كبيرة من العلماء المحققين ‪:‬يقول المباركفوري في تحفةالحوذي في ذكرهؤلء ‪ :‬وكذا‬
‫قال الطيبي ‪ ،‬والحافظ العيني ‪ ،‬وابن بطال ‪ ،‬وابن التين ‪ ،‬وصاحب المشارق ‪ ،‬والراغب‬
‫وغيرهم من العلماء‪ ..‬وكذا فسره النووي وغيره كما عرف اهـ قال المباركفوري معلقا على‬
‫هذا التأويل الذي قال به السلف على الحقيقة ‪:‬قال‪ :‬قلت ‪ :‬ل حاجة إلى هذا التأويل‪ .‬فعلم بذلك‬
‫من هم أهل التباع من أهل البتداع ول الحمد نحن نتبع السلف ونقتدي بهم ‪ .‬وقد روى الحافظ‬
‫البيهقي في السماء والصفات وابن الجوزي في دفع شبه التشبيه ‪ ،‬عن المام النضر بن شميل‬
‫بمرو‪ ،‬قال فيه الحافظ ابن حجر "ثقة ثبت‪،‬‬ ‫‪204‬‬ ‫هـ وتوفي‬ ‫‪122‬‬ ‫من رجال الستة ومولده سنة‬
‫وقال الحافظ الذهبي شيخ مرو ومحدثها ثقة إمام صاحب سنة "‪ ،‬وقال أبو حاتم ثقة صاحب سنة‬
‫وقال يحي بن معين وعلي بن المديني والنسائي ثقة‪ ،‬قال العباس بن مصعب‪ :‬كان النضر بن‬
‫شميل إماما في العربية والحديث وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان‪ ،‬كما في‬
‫‪ 81‬صفحة ‪ 81‬من ‪139‬‬
‫تهذيب الكمال‪ ،‬تأول "حتى يضع الجبار فيها قدمه "أي من سبق في علمه أنه من أهل النار‪ ،‬وقال‬
‫الحافظ ابن الجوزي "وقد حكى أبو عبيد الهروي (صاحب كتاب غريب القرآن والحديث) عن‬
‫الحسن البصري قال‪ :‬القدم هم الذين قدمهم ال تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها‪ .‬انتهى قال‬
‫البيهقي في السماء والصفات وأخبرنا أبو عبد ال الحافظ وأبو بكر القاضي قال‪ :‬ثنا أبو العباس‬
‫محمد بن يعقوب‪ ،‬حدثنا الحسن بن علي بن عفان‪ ،‬ثنا أبو أسامة عن النضر عن مجاهد في قوله‬
‫عز وجل‪" :‬فأينما تولوا فثم وجه ال "البقرة ‪ ،115‬قال قبلة ال‪ ،‬فأينما كنت في شرق أو غرب‬
‫فل توجهن إل إليها انتهى‪ .‬وقال ابن كثير في تفسيره‪{ :‬فأينما تولوا فثم وجه ال} وقال عكرمة‬
‫عن ابن عباس {فأينما تولوا فثم وجه ال} قال‪ :‬قبلة ال أينما توجهت شرقا أو غربا‪ ،‬وقال مجاهد‬
‫{فأينما تولوا فثم وجه ال} حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة‪ ،‬وقال ابن أبي حاتم بعد رواية‬
‫الثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه‪ ،‬وروي عن أبي العالية والحسن‬
‫وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك‪ ،‬وقال ابن جرير وقال‬
‫آخرون‪ :‬بل أنزل ال هذه الَية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة‪ ،‬وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى‬
‫ال عليه وسلم وأصحابه‪ ،‬أن لهم التوجه بوجوههم للصلة حيث شاؤوا من نواحي المشرق‬
‫والمغرب‪ ،‬لنهم ل يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية‪ ،‬إل كان جل ثناؤه في ذلك الوجه‬
‫وتلك الناحية‪ ،‬لن له تعالى المشارق والمغارب وأنه ل يخلو منه مكان كما قال تعالى‪{ :‬ول‬
‫أدنى من ذلك ول أكثر إل هو معهم أينما كانوا}‪ ،‬قالوا‪ :‬ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم‬
‫التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال‪ .‬وفي قوله وأنه تعالى ل يخلو منه مكان‪ ،‬إن أراد علمه‬
‫تعالى فصحيح‪ ,‬فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات‪ ,‬وأما ذاته تعالى فل تكون محصورة‬
‫‪ 82‬صفحة ‪ 82‬من ‪139‬‬
‫في شيء من خلقه‪ ،‬تعالى ال عن ذلك علوا كبيرا‪ .‬قال ابن جرير وقال آخرون‪ :‬بل نزلت هذه‬
‫الَية على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إذنا من ال أن يصلي المتطوع‪ ،‬حيث توجه من‬
‫شرق أو غرب‪ ،‬في مسيره في سفره‪ ،‬وفي حال المسايفة وشدة الخوف‪ .‬حدثنا أبو كريب‪ ،‬أخبرنا‬
‫ابن إدريس‪ ،‬حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان‪ ،‬عن سعيد بن جبير عن ابن عمر‪ ،‬أنه كان‬
‫يصلي حيث توجهت به راحلته‪ ،‬ويذكر أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان يفعل ذلك‬
‫ويتأول هذه الَية {فأينما تولوا فثم وجه ال}‪ ،‬ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم‬
‫وابن مردويه‪ ،‬من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان به‪ ،‬وأصله في الصحيحين‪ ،‬من حديث‬
‫ابن عمر وعامر بن ربيعة‪ ،‬من غير ذكر الَية‪ .‬وفي صحيح البخاري من حديث نافع عن ابن‬
‫عمر‪ ،‬وأنه كان إذا سئل عن صلة الخوف وصفها‪ ،‬ثم قال‪ :‬فإن كان خوف أشد من ذلك‪ ،‬صلوا‬
‫رجالً قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع‪ :‬ول أرى ابن عمر‬
‫ص‬ ‫ذكر ذلك إل عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية‪:‬‬
‫‪ :289‬لكن هناك كلمة اختلف المفسرون فيها‪(،‬قلت لقد علمت من قول ابن جرير وهو من‬
‫السلف‪ ،‬ان كلم محمد عثيمين‪ ،‬ليس صحيحا بما تقدم‪ ،‬فقد تأول السلف في عدة مواضع وقد‬
‫ذكرتها هنا) وهي قوله تعالى "ول المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ال "البقرة ‪" ،115‬فثم‬
‫"أي فهناك وجه ال‪ ،‬فمنهم من قال إن الوجه بمعنى الجهة لقوله تعالى "ولكل وجهة هو موليها‬
‫فالمراد بالوجه الجهة أي فثم جهة ال‪ :‬أي فثم الجهة التي يقبل ال صلتكم إليها‪ .‬ثم‬ ‫‪148‬‬ ‫"البقرة‬
‫قال ولكن الصحيح أن المراد بالوجه هنا وجه ال الحقيقي‪ ،‬أي إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ ،‬لن ال محيط بكل شيء انتهى المراد منه‪ .‬قلت هذا تلبيس وتمويه مكشوف‬
‫‪ 83‬صفحة ‪ 83‬من ‪139‬‬
‫بما قدمناه وابن تيمية يذكر انه لم يجد الصحابة اختلفوا في تأويل اية ال الساق كما في دقائق‬
‫التفسير ‪ ،‬وهذا كله تلبيس وتمويه وقد قدمنا ما يرد على هؤلء المشوشين ‪ .‬ولو دققت النظر‬
‫واعملت الفكر المتوافق مع الحق لعلمت أن رسول ال كان يتأول كما قال ابن عمر الصحابي‬
‫الصالح أنه كان يتأول الية ( فثم وجه ال ) وهذا رد صريح لتلبيسات ابن تيمية كما قرره في‬
‫‪-1‬‬ ‫الساق‪ .‬وقال محمد صالح عثيمين وقد قال محمد صالح عثيمين في شرح العقيدة الواسطية‬
‫طبعة دار ابن الجوزي‪ :‬وقوله "إل وجهه "توزاي قوله‪" :‬ويبقى وجه ربك ذو الجلل‬ ‫‪286‬‬

‫والكرام "فالمعنى كل شيء فان وزائل إل وجه ال عز وجل‪ ،‬فإنه باق‪ ،‬وقيل في معنى الية‪:‬‬
‫كل شيء هالك إل وجهه "أي إل ما أريد به وجهه‪ ،‬قالوا لن سياق الية تدل على ذلك "ول تدع‬
‫مع ال إلها ءاخر ل إله إل هو كل شيء هالك إل وجهه "القصص ‪ ،88‬كأنه يقول‪ :‬ل تدع مع‬
‫ال إلها آخر فتشرك به‪ ،‬لن عملك وإشراكك هالك‪ ،‬إل ما أخلصته لوجه ال فانه يبقى‪ ،‬لن‬
‫العمل الصالح له ثوب باق ل يفنى في جنات النعيم ولكن المعنى الول أسد وأقوى‪ .‬ثم قال‬
‫وعلى أي التقديرين ففي الية دليل على ثبوت الوجه ل عزوجل‪ ،‬وقال هذا وقد فسر أهل‬
‫التحريف وجه ال بثوابه فقالوا المراد بالوجه في الية الثواب‪ ،‬كل شيء يفنى إل ثواب ال‪ ،‬وأنه‬
‫مخالف لجماع السلف فما من السلف أحد قال إن المراد بالوجه الثواب‪ ،‬وقال وبهذا عرفنا‬
‫بطلن قولهم وأن الواجب علينا أن نفسر هذا الوجه بما أراده ال به وهو وجه قائم به تبارك‬
‫وتعالى موصوف بالجلل والكرام‪ .‬ثم قال لكن هناك كلمة اختلف المفسرون فيها‪ ،‬وهي قوله‬
‫فمنهم من قال إن الوجه‬ ‫‪115‬‬ ‫تعالى "ول المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ال "البقرة‬
‫فالمراد بالوجه الجهة أي فثم جهة‬ ‫‪148‬‬ ‫بمعنى الجهة لقوله تعالى "ولكل وجهة هو موليها "البقرة‬
‫‪ 84‬صفحة ‪ 84‬من ‪139‬‬
‫ال‪ ،‬أي‪ :‬فثم الجهة التي يقبل ال صلتكم إليها‪ ،‬ولكن الصحيح أن المراد بالوجه هنا وجه ال‬
‫الحقيقي‪ ،‬أي إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه ال سبحانه وتعالى لن ال محيط بكل شيء‪ ،‬ولنه‬
‫ثبت عن النبي صلى ال عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي فان ال قبل وجهه‪ ،‬ولهذا نهى أن‬
‫يبصق أمام وجهه لن ال قبل وجهه‪ .‬انتهى‬
‫ل شيء‬
‫جهَهُ فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬ك ّ‬
‫قال ابن جرير في تفسيره‪ :‬واختلف فـي معنى قوله‪ :‬إل وَ ْ‬
‫هالك إل هو‪ .‬وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬إل ما أريد به وجهه‪ ,‬واستشهدوا لتأويـلهم ذلك كذلك‬
‫صيَهُ َربّ العِبـادِ إلَـيْهِ الوَجْهُ وال َعمَلُ‪ .‬قال البغوي‬
‫ستُ مُـحْ ِ‬
‫س َت ْغ ِفرُ اللّهَ َذنْبـا َل ْ‬
‫بقول الشاعر‪ :‬أ ْ‬
‫في تفسيره‪" :‬ول تدع مع ال إلها آخر ل إله إل هو كل شيء هالك إل وجهه"‪ ،‬أي‪ :‬إل هو‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬إل ملكه‪ ،‬قال أبو العالية‪ :‬إل ما أريد به وجهه‪ ،‬وقال ابن كثير في تفسيره‪:‬كل شيء هالك‬
‫إل وجهه} إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم‪ ،‬الذي تموت الخلئق ول يموت‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫{كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلل والكرام} فعبر بالوجه عن الذات‪ ،‬وهكذا قوله‬
‫ههنا‪{ :‬كل شيء هالك إل وجهه} أي إل إياه‪ .‬وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن‬
‫أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪« :‬أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد ـ إل كل‬
‫شيء ما خل ال باطل ـ»‪ .‬وقال مجاهد والثوري في قوله {كل شيء هالك إل وجهه} أي إل ما‬
‫أريد به وجهه‪ ,‬وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له‪ ،‬قال ابن جرير‪ :‬ويستشهد من قال ذلك‬
‫بقول الشاعر‪:‬‬

‫أستغفر ال ذنبًا لستُ مُحصِيَه ‪ ...‬ربّ العباد إليه الوجهُ والعملُ‬
‫‪ 85‬صفحة ‪ 85‬من ‪139‬‬
‫وهذا القول ل ينافي القول الول‪ ،‬فإن هذا إخبار عن كل العمال بأنها باطلة إل ما أريد به وجه‬
‫ال تعالى من العمال الصالحة المطابقة للشريعة‪ ،‬والقول الول مقتضاه أن كل الذوات فانية‬
‫وزائلة إل ذاته تعالى وتقدس‪ ،‬فإنه الول الَخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء‪ .‬قال‬
‫القرطبي في تفسيره‪ :‬كل شيء هالك إل وجهه"قال مجاهد‪ :‬معناه إل هو وقال الصادق‪ :‬دينه‬
‫وقال أبو العالية وسفيان‪ :‬أي إل ما أريد به وجهه؛ أي ما يقصد إليه بالقربة قال‪ :‬أستغفر ال ذنبا‬
‫لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقال محمد بن يزيد‪ :‬حدثني الثوري قال سألت أبا‬
‫عبيدة عن قوله تعالى‪" :‬كل شيء هالك إل وجهه"فقال‪ :‬إل جاهه‪،‬كما تقول لفلن وجه في الناس‬
‫أي جاه‪" .‬له الحكم"في الولى والخرة "وإليه ترجعون"‪ ( .‬قلت ونقل كل هذه التأويلت التي‬
‫ذكرها القرطبي ابن تيمية في كتابه في الرد على المام الرازي بيان تلبيس الجهمية مستدل في‬
‫معنى الية مقرا لهذه التأويلت وبه وبكلم أهل السنة نهدم كلم ابن عثيمين والهراس وابن باز‬
‫وغيرهم في اقرار و اثبات التأويل ) قال الزجاج‪" :‬وجهه"منصوب على الستثناء‪ ،‬ولو كان في‬
‫غير القرآن كان إل وجهه بالرفع‪ ،‬بمعنى كل شيء غير وجهه هالك كما قال‪ :‬وكل أخ مفارقة‬
‫أخوه لعمر أبيك إل الفرقدان‪ .‬وقال الشوكاني في تفسيره‪ :‬فقال‪" :‬ل إله إل هو كل شيء"من‬
‫الشياء كائنا ما كان "هالك إل وجهه"أي إل ذاته‪ .‬قلت وقد أقر بهذه التأويلت المتناقض ابن‬
‫تيمية في كتابه بيان تلبيس الجهمية ومن المعلوم عنه أنه يحارب التاويل ويصف المتأولة بأنهم‬
‫جهمية ‪ ,‬وهو قد أقر بالتأويل في قوله تعالى " كل شيء هالك ال وجهه " فقد نقل أقوال السلف‬
‫في تأويل الية عن جعفر الصادق ال دينه وعن أبي العالية ال ما أريد به وجهه وعن ابن‬

‫‪ 86‬صفحة ‪ 86‬من ‪139‬‬
‫كيسان ال ملكه فعلم يعيبون على أهل السنة بعد ذلك ؟ وهذا السعدي في تفسيره‪ ،‬قال كل شي‬
‫من نفس المصدر‪ :‬فإن قيل‪ :‬ما المراد بالوجه‬ ‫‪290‬‬ ‫هالك إل سواه‪،‬قال ¨محمد صالح عثيمين ص‬
‫في قوله‪" :‬كل شيء هالك إل وجهه "القصص ‪ ،88‬إن قلت‪ :‬المراد بالوجه الذات فيخشى أن‬
‫تكون حرفت‪ ،‬وإن أردت بالوجه نفس الصفة أيضا وقعت في محظور وهو ما ذهب اليه بعض‬
‫من ل يقدرون ال حق قدره‪ ،‬حيث قالوا‪ :‬إن ال يفنى إل وجهه فماذا تصنع ؟ فالجواب‪ :‬إن‬
‫أردت بقولك إل ذاته يعني أن ال تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه ل فهذا صحيح ويكون‬
‫هنا عبر بالوجه عن الذات لمن له وجه‪( ،‬قلت وهذا الجمع المبتدع مطالب هو ومن على شاكلته‬
‫بإقراره عن السلف ومن قاله من السلف الذين يوهموا الناس أنهم من أتباعهم ‪ ،‬ولم ينقل عن‬
‫واحد من السلف هذا الجمع المبتدع وال كان نقل الينا والوهابية يقولون إن ل ساقا ويدين يمنى‬
‫وشمال وقدما ورجل ومنهم من يقول تبعا لبعض متقدميهم أن ل جنبا والوجه عندهم غير الساق‬
‫والرجل والقدم والجنب واليدين اليمنى والشمال والكف والصبع فان أخذوا بظاهر الية ( كل‬
‫شيء هالك ال وجهه ) لزمهم التعطيل على قاعدتهم وأن الهلك حاصل لما دون الوجه وهذا‬
‫اللزام يفرون منه فلزمهم حينئذ الخروج عن الظاهر الذي يحرمونه ويصفونه تعطيل الى‬
‫التأويل الذي يقول به أهل السنة والجماعة ولذلك أقر ابن تيمية بتأويل الية والخروج عن‬
‫يقولُ من ما‬ ‫ص‪159/‬‬ ‫الظاهر المتبادر كما قدمنا عنه‪ ،‬وفي كتابِ ردّ الدارميّ على بشرٍ المريسيّ‬
‫نصه‪" :‬كلُ شىءٍ هالكٌ إل وجه نفسِهِ الذي هو أحسن الوجوهِ وأجملُ الوجوهِ وأنورُ الوجوهِ وإن‬
‫الوجهَ منهُ غيرُ اليدينِ‪ ،‬واليدينِ منهُ غيرُ الوجهِ"‪ .‬قلت وهذا شيخهم أيضا في التجسيم والتشبيه ‪.‬‬
‫وقال الدارمي في رده على بشرٍ المريسي والذي هو أحد مراجعهم ص‪" :82/‬بل هو على عرشِهِ‬
‫‪ 87‬صفحة ‪ 87‬من ‪139‬‬
‫ص‪96/‬‬ ‫فوقَ جميعِ الخلئقِ في أعلى مكانٍ وأطه ِر مكانٍ‪" .‬وفي كتاب رد الدرامي على بشر‬
‫يقولُ‪" :‬لنا قد أيّنا لهُ مكانًا واحدًا‪ ،‬أعلى مكان وأطهر مكان وأشرف مكان‪ ،‬عرشُه العظيم‬
‫ق السما ِء السابعةِ العليا حيثُ ليسَ معهُ هناكَ إنسٌ ول جانٌ ول بجنبِهِ وحشّ‬
‫المقدسُ المجيدُ فو َ‬
‫ول مرحاضٌ ول شيطانٌ"‪ .‬انتهى ) وإن أردت بقولك‪ :‬الذات أن الوجه عبارة عن الذات بدون‬
‫إثبات الوجه‪ ،‬فهذا تحريف وغير مقبول‪ ،‬وعليه فنقول "إل وجهه "أي إل ذاته المتصفة بالوجه‪،‬‬
‫وهذا ليس فيه شيء‪ ،‬لن الفرق بين هذا وبين قول أهل التحريف أن هؤلء يقولون‪ :‬إن المراد‬
‫بالوجه الذات ول وجه له‪ ،‬ونحن نقول المراد بالوجه الذات‪ ،‬لن له وجها‪ .،‬انتهى وقال ابن القيم‬
‫في مختصر الصواعق ص ‪ ،386‬المثال الخامس‪ :‬وجه الرب جل جلله حيث ورد في الكتاب‬
‫والسنة فليس بمجاز بل على حقيقته‪ ،‬واختلف المعطلون في جهة التجوز في هذا فقالت طائفة‪:‬‬
‫لفظ الوجه زائدا والتقدير ويبقى ربك‪ ،‬قلت من سميتهم معطله‪ ،‬تأولوا الية "إل وجهه "إل هو‪،‬‬
‫وهو قول مجاهد وابن جرير الطبري والبغوي وابن كثير وغيرهم‪ ،‬وتأولها البخاري إل ملكه‪ ،‬ثم‬
‫قال ابن القيم‪ :‬وقالت فرقة أخرى منهم‪ :‬الوجه بمعنى الذات‪ ،‬وهذا قول أولئك وإن اختلفوا في‬
‫التعبير عنه‪ ،‬وقالت فرقة ثوابه وجزاؤه‪ ،‬فجعله هؤلء مخلوقا منفصل‪ ،‬ثم قال عثمان بن سعيد‬
‫الدارمي‪ ،‬وقد حكى قول بشر المريسي‪ ،‬أنه قال في قول النبي صلى ال عليه وسلم "إذا قام العبد‬
‫يصلي أقبل ال عليه بوجهه "يحتمل أن يقبل ال عليه بنعمته واحسانه وأفعاله وما أوجب للمصلي‬
‫من الثواب فقوله‪ ،‬ويبقى وجه ربك أي ما توجه به إلى ربك من العمال الصالحة‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫"فأينما تولوا فثم وجه ال "أي قبلة ال ثم ساق الكلم في الرد عليه‪ .‬قلت وما رددنا به على محمد‬
‫عثيمين نرد به على هذين المجسمين من أقوال رؤوس أهل السلف‪ ،‬فالذي أنكره لتأويل الية‬
‫‪ 88‬صفحة ‪ 88‬من ‪139‬‬
‫بقبلة ال به قال مجاهد وقتادة والشافعي وغيرهم وبالية الخرى تأول المام البخاري وسفيان‬
‫وأبو العالية وغيرهم‪ .‬وهذا مما يدل على جهله بأقوال السلف‪ ،‬وعلى جرئته المزرية بوصف‬
‫ائمة السنة بالمعطلة هو واسلفه من المشبهة‪ .‬مع العلم أن ابن القيم عاد وأقر في استحياء كما‬
‫قال‪ :‬ان تفسير وجه ال بقبلة ال وان قاله بعض السلف كمجاهد‬ ‫ص ‪392‬‬ ‫في مختصر الصواعق‬
‫وتبعه الشافعي‪ ،‬فإنما قالوه في موضع واحد ل غير وهو قوله تعالى "ول المشرق والمغرب‬
‫فهب ان هذا كذلك في هذا الموضع فهل يصح ان يقال ذلك‬ ‫‪115‬‬ ‫فأينما تولوا فثم وجه ال "البقرة‬
‫في غيره في المواضع التي ذكر ال تعالى فيها الوجه‪( .‬قلت هذا تهويل وتلبيس وقد قدمنا تأويل‬
‫سفيان والبخاري وجعفر الصادق وغيرهم‪ ،‬وذكرنا تأويل الطبري وغيره إنما نطعمكم لوجه ال‬
‫أي لرضائه وطلب ثوابه‪ ،‬وإقرارك كاف بثبوت التاويل عن السلف الذي تنفيه ويكفينا ثبوت‬
‫التاويل الذي تحرمونه عن السلف ) ثم قال على أن الصحيح في قوله "فثم وجه ال "انه كقوله‬
‫في سائر اليات التي ذكر فيها الوجه‪ ،‬وقال وهذا ل يتعين حمله على القبلة والجهة‪ ( ،‬قلت بل‬
‫تعين حمله كما قال مجاهد وقتادة والشافعي وغيرهم على القبلة أليس هؤلء من السلف الذين‬
‫تتشدقون وتزعمون بالرجوع اليهم وباتباعهم‪ ،‬ام هو الهوى والبتداع كما يحلو لكم) وقال ول‬
‫يمتنع ان يراد به وجه الرب حقيقة‪(،‬أين قال الرب أو رسوله هو جه على الحقيقة عظيم كما‬
‫تدعون مع ما تقدم من التأويل) فحمله على غير القبلة كنظائرها كلها أولى يوضحه‪ :‬انه ل‬
‫يعرف اطلق وجه ال على القبلة لغة ول شرعا ول عرفا بل القبلة لها اسم يخصها والوجه له‬
‫اسم يخصه فل يدخل أحدهما على الخر ول يستعار اسمه له نعم القبلة تسمى وجهة وقد تسمى‬
‫جهة وأصلها وجهة الخ ما قاله (قلت وهل علمت ما لم يعلمه السلف ومنهم التابعون وتجهلهم‬
‫‪ 89‬صفحة ‪ 89‬من ‪139‬‬
‫وهم أهل العربية وما تقدم عن مجاهد وقتادة والشافعي وابن جرير يدحض ترهاته وتلونه وقاصم‬
‫لظهور الطاعنين في صحة هذا التأويل‪ .‬وهل تنسب اليهم انهم غشوا الناس بتأويلهم ولبسوا‬
‫عليهم ما ليس من العربية أنه من العربية وهم من سادات السلف الصالح من غير نكير) ‪ .‬قال‬
‫القرطبي في تفسيره‪" :‬ويبقى وجه ربك"أي ويبقى ال‪ ،‬فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه‪،‬‬
‫قال الشاعر‪ :‬قضى على خلقه المنايا فكل شيء سواه فاني وهذا الذي ارتضاه المحققون من‬
‫علمائنا‪ :‬ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم‪ .‬وقال ابن عباس‪ :‬الوجه عبارة عنه كما قال‪" :‬ويبقى‬
‫وجه ربك ذو الجلل والكرام"وقال أبو المعالي‪ :‬وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود‬
‫الباري تعالى‪ ،‬وهو الذي ارتضاه شيخنا‪ .‬ومن الدليل على ذلك قوله تعالى‪" :‬ويبقى وجه‬
‫ربك"والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى‪ .‬وقد مضى في‬
‫"البقرة"القول في هذا عند قوله تعالى‪" :‬فأينما تولوا فثم وجه ال"[البقرة‪ ]115 :‬وقد ذكرناه في‬
‫الكتاب السنى مستوفى‪ .‬قال القشيري‪ :‬قال قوم هو صفة زائدة على الذات ل تكيف‪ ،‬يحصل بها‬
‫القبال على من أراد الرب تخصيصه بالكرام‪ .‬والصحيح أن يقال‪ :‬وجهه وجوده وذاته‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫هذا وجه الم ووجه الصواب وعين الصواب وقال الطبري‪ .:‬حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ،‬قال‪:‬‬
‫جزَى إل ا ْبتِغاءَ وَجْهِ َربّهِ العْلَى وََلسَ ْوفَ‬
‫عنْدَهُ مِنْ ِن ْعمَةٍ تُ ْ‬
‫لءَحَدٍ ِ‬
‫حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة وَما ِ‬
‫َي ْرضَى يقول‪ :‬ليس به مثابة الناس ول مجازاتهم‪ ,‬إنما عطيته ل‪ .‬قال ابن كثير في تفسيره‪( :‬إنما‬
‫نطعمكم لوجه ال) أي رجاء ثواب ال ورضاه‪ .‬وقال ابن جرير الطبري‪ :‬في تفسيره‪ :‬وقوله‪:‬‬
‫ط ِع ُمكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ يقول تعالى ذكره‪ :‬يقولون‪ :‬إنما نطعمكم إذا هم أطعموهم لوجه ال‪ ،‬يعنون‬
‫إنمَا نُ ْ‬
‫شكُورَا يقولون للذين يطعمونهم ذلك الطعام‪:‬‬
‫جزَاءً وَل ُ‬
‫طلب رضا ال‪ ،‬والقُربة إليه ل ُنرِيدُ ِم ْنكُمْ َ‬
‫‪ 90‬صفحة ‪ 90‬من ‪139‬‬
‫ل نريد منكم أيها الناس على إطعامنالكم ثوابا ول شكورا‪ .‬وقال السيوطي في تفسيره‪( :‬إنما‬
‫نطعمكم لوجه ال) لطلب ثوابه‪ .‬قال ابن جرير في تفسيره أيضا‪ :‬حدثت عن الـحسن قال‪:‬‬
‫أخبرنا عبد الرزاق‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ،‬عن قتادة فـي قوله‪ :‬فأ ْينَـمَا ُتوَلّوا َفثَمّ وَجْهُ اللّهِ قال‪:‬‬
‫هي القبلة‪،‬ثم نسختها القبلة إلى الـمسجد الـحرام‪.‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ،‬قال‪:‬حدثنا الـحجاج بن‬
‫الـمنهال‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا همام‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يحيى‪ ،‬قال‪ :‬سمعت قتادة فـي قول ال‪ :‬فأ ْينَـمَا تُولّوا‬
‫فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ قال‪:‬كانوا يصلون نـحو بـيت الـمقدس ورسول ال صلى ال عليه وسلم بـمكة‬
‫قبل الهجرة‪ ،‬وبعد ما هاجر رسول ال صلى ال عليه وسلم صلـى نـحو بـيت الـمقدس ستة‬
‫عشر شهرا‪ ،‬ثم وجه بعد ذلك نـحو الكعبة البـيت الـحرام‪،‬فنسخها ال فـي آية أخرى‪:‬‬
‫طرَهُ قال‪ :‬فنسخت هذه الية ما‬
‫ش ْ‬
‫ح ْيُثمَا ُك ْنتُـمُ فَولّوا وُجُو َهكُمْ َ‬
‫فَلْ ُنوَلّـ َيّنكَ قِبْلَةَ َت ْرضَاها إلـى‪ :‬وَ َ‬
‫فتبين إذا أن القديم بارئ الشياء‬ ‫‪26-1‬‬ ‫كان قبلها من أمر القبلة‪ .‬وقال الطبري في تاريخه‬
‫وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شىء‪ ،‬وهو الكائن بعد كل شيء‪ ،‬والول قبل كل شيء‪،‬‬
‫والخر بعد كل شيء‪ ،‬وأنه كان ول وقت ول زمان ول ليل ول نهار ول ظلمة ول نور ول‬
‫سماء ول أرض ول شمس ول قمر ول نجوم‪ .‬ويقال لهم كما قال الذهبي في ترجمة الحافظ أبي‬
‫نعيم قال فيه الحافظ الكبير قال في كتاب العتقاد له طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب‬
‫والسنة وإجماع المة‪ ،‬ومما اعتقدوه‪ :‬أن ال لم يزل كامل بجميع صفاته القديمة ل يزول ول‬
‫يحول بصيرا ببصر وسميعا بسمع متكلما بكلم‪ ،‬ثم أحدث ال شياء من غير شيء " انتهى المراد‬
‫منه‪ ،‬وقال ابن القيم في اجتماع جيوشه نقل عن المزني ان صفات ال تعالى قديمات موصوف‬
‫بالكمالت ول تزداد ول تنقص‪ ،‬ونقل ذلك ايضا عن الطحاوي‪ .‬وفي صحيح البخاري كان ال‬
‫‪ 91‬صفحة ‪ 91‬من ‪139‬‬
‫غفورا رحيما قال ابن عباس أي لم يزل ‪ .‬وصفوة القول أن المتشابهات ل تؤخذ على ظواهرها‪،‬‬
‫وللعلماء فيها مسلكان فالسلف منهم يؤولونها تأويل إجماليا باليمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق‬
‫بجلل ال وعظمته ولم يعينوا ذلك المعنى بل فوضوه إلى ال تعالى وتبارك‪ .‬والخلف يؤولونها‬
‫تفصيل بتعيين معانيها بما تفهمه لغة العرب ويصرفونها عن ظاهرها أيضا كالسلف‪ ،‬ومذهب‬
‫السلف أسلم وأعلم وأحكم ول يُصار إلى مذهب الخلف إل عند الخوف من َتزَ ْلزُلِ العقيدة وخشية‬
‫التشبيه كهذه الزمنة ‪ ,‬مع العلم أنه يتعين تأويل بعض المتشابه كما قال ابن الجوزي وابن كثير‬
‫وابن عطية وابو حيان والقاضي أبو يعلى وغيرهم ‪ .‬ثم إن حديث الجارية قد حكم غير واحد‬
‫بضعفه قال الحافظ البيهقي في كتابه السماء والصفات بعد أن ذكر الحديث بلفظ‪ :‬أين ال؟‬
‫وهـذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى ابن أبي‬
‫كثير دون قصة الجارية وأظنه إنما تركها من الحديث لختلف الرواة في لفظه وقد ذكرت في‬
‫كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث‪.‬اهـ وكلم‬
‫البيهقي هذا فيه الرد الشافي على ما ادعاه المـشبه ناصر الدين اللباني حيث بتر كلم البيهقي‬
‫وقلبه رأسا على عقب في تعليقه على كتاب مختصر العلو للذهبي حيث قال‪ :‬والبيهقي في‬
‫السماء والصفات قال عقبه وهذا صحيح قد أخرجه مسلم‪ .‬ليوهم القارئ أن البيهقي صحح‬
‫حديث الجارية بلفظ أين ال‪ ،‬والبيهقي كما ترون من كلمه يُصرح بأن قصة الجارية اختلف‬
‫الرواة في ألفاظها وهذا إشارة منه إلى اضطراب الحديث بقولـه‪ :‬وأظنه إنما تركها من الحديث‬
‫لختلف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن‬
‫الحكم في لفظ الحديث‪ .‬وقال الشيخ محمـد زاهـد الكوثري في تعليقه على السماء والصفات‪:‬‬
‫‪ 92‬صفحة ‪ 92‬من ‪139‬‬
‫وقصة الجارية مذكورة فيما بأيدينا من نسخ مسلم لعلها زيدت فيما بعد إتماما للحديث أو كانت‬
‫نسخة المصنف ناقصة وقد أشار المصنف ـ أي البيهقي ـ إلى اضطراب الحديث بقوله‪ :‬وقد‬
‫ذكرت في كتاب الظهار مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث‪.‬اهـ وقد أشار‬
‫الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه التلخيص الحبير بعد أن ذكر روايات الـحديـث إلى اضطرابه‬
‫بقوله‪ :‬وفي اللفظ مخالفة كثيرة‪ .‬وكذلك أشار المام البزار إلى اضطراب الـحديث أيضا في‬
‫مسنده فقال بعد أن روى الحديث‪ :‬وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة‪ .‬وقد قال المحدث عبد ال‬
‫بن محمد بن الصديق الغماري في تعليقه على كتاب التمهيد لبن عبد البر عن لفظ‪ :‬أين ال ما‬
‫نصه‪ :‬رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد تصرف الرواة في ألفاظه فروي بهذا اللفظ كما هنا‬
‫وبلفظ‪ :‬من ربك؟ قالت‪ :‬ال ربي‪ ،‬وبلفظ‪ :‬أتشهدين أن ل إله إل ال؟ قالت نعم‪ ،‬وقد استوعب تلك‬
‫اللفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بـحيـث يجزم الواقف عليها أن اللفظ‬
‫المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي‪.‬اهـ‬
‫وأما الحديـث المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة فقد قال الحافظ النووي في التقريب‬
‫معرفا للحديث المضطرب ما نصه‪ :‬المضطرب هو الذي يُروى على أوجه مختلفة متقاربة فإن‬
‫رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته للمروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة‬
‫ول يكون مضطربا والضطراب يوجب ضعف الحديث لشعاره بعدم الضبط ويقع في السناد‬
‫تارة وفي المتن أخرى وفيهما من راو أو جماعة‪ .‬اهـ وقال الحافظ ابن دقيق العيد في‬
‫القتراح‪ :‬المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة وهو أحد أسباب التعليل عندهم وموجبات‬
‫الضعف للحديث‪.‬اهـ وقال ابن الصلح في علوم الحديث‪ :‬المضطرب من الحديث هو الذي‬
‫‪ 93‬صفحة ‪ 93‬من ‪139‬‬
‫تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه ءاخر مخالف له وإنما نسميه‬
‫مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث ل تقاومها الخرى بأن يكون‬
‫راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم‬
‫للراجحة ول يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ول له حكمه‪ ،‬ثم قد يقع الضطراب في متن‬
‫الحديث وقد يقع في السناد وقد يقع من راو واحد وقد يقع بين رواة له جماعة‪ .‬والضطراب‬
‫موجب ضعف الحديث لشعاره بأنه لم يضبط‪.‬اهـ فقد ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث‬
‫وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ‪ :‬أين‬
‫ال وهي رواية ضعيفة وأن الرواية الصحيحة رواية ابن الجارود التي جاء فيها‪ :‬أتشهدين أن ل‬
‫إله إل ال قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أتشـهدين أني رسول ال قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أتؤمنين بالبعث بعد‬
‫الموت قالت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أعتقها‪ .‬وهذا معناه أنها كانت تشهد وتعترف بالشهادتين بدليل القرار‬
‫وكانت بين قوم مسلمين ويدل على ما تقدم الجماع على أنه ل يحكم لمن قال ال في السماء‬
‫بالدخول في السلم والحديث المتواتر‪ :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل ال‬
‫وأني رسول ال‪ .‬وأما من قال بصحة حديث الجارية فإنهم حملوا لفظة‪ :‬أين ال على أنه سؤال‬
‫عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة ال عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي‬
‫رفيع القدر والمنـزلة‪ .‬فحديث الجارية عند المؤولين من المتشابه ففيه التشابه من وجهين‬
‫أحدهما قولها في السماء وهذا تأويله كما في قوله تعالى‪{ :‬ءأمنتم من في السماء} فمعنى قولها‬
‫في السماء العلو والرتفاع وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث‪،‬والوجه الثاني‪ :‬قولـه صلى‬
‫ال عليه وسلم لها‪ :‬أين ال؟ فإن ال سبحانه وتعالى ل يُسأل عنه بأين فقد قال الحافظ ابن حجر‬
‫‪ 94‬صفحة ‪ 94‬من ‪139‬‬
‫العسقلني في الفتح‪ :‬فإن إدراك العقول لسرار الربوبية قاصر فل يتوجه على حكمه لِمَ ول‬
‫كيف كما ل يتوجه عليه في وجوده أين وحيث‪ .‬قال الحافظ أبو سليمان الخطابي في شرحه على‬
‫أبي داود ما نصه‪ :‬وأما قول النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬أعتقها فإنها مؤمنة ولم يكن ظهر لـه‬
‫من إيمانها أكثر من قولـه حين سألها أيـن ال فقالت‪ :‬في السماء وسألها من أنا فقالت رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فإن هذا السؤال عن أمارة اليمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل‬
‫اليمان وصفة حقيقته ولو أن كافرا يريد النتقال من الكفر إلى دين السلم فوصف من اليمان‬
‫هذا القدر الذي تكلمت به الجارية لم يصر به مسلما حتى يشهد أن ل إلـه إل ال وأن محمدا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ويـتـبرى من دينه الذي كان يعتقده‪ ،‬وإنما هذا كرجل وامرأة‬
‫يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه منك فيقول زوجتي وتصدقه المرأة فإنا نصدقهما في‬
‫قولهما ول نكشف عن أمرهما ول نطالبهما بشرائط عقد الزوجية حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان‬
‫يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فإنا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي‬
‫والشهود وتسمية المهر كذلك الكافر إذا عرض عليه السلم لم يقتصر منه على أن يقول إني‬
‫مسلم حتى يصف اليمان بكماله وشرائطه وإذا جاءنا من نجهل حاله بالكفر واليمان فقال إني‬
‫مسلم قبلناه وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وشارة ونحوهما حكمنا بإسلمه إلى أن‬
‫يظهر لنا منه خلف ذلك‪.‬اهـ‬
‫ولبي القاسم السهيلي على هذا الحديث كلم نفيس ومن كلمه فيما نقله الشيخ محمد الشنقيطي‬
‫في كتابه استحالة المعية بالذات ما نصه‪ :‬السؤال بأين ينقسم إلى ثلثة أقسام اثنان جائزان وواحد‬
‫ل يجوز‪:‬ـ الول‪ :‬على جهة الختبار للمسؤول ليعرف مكانه من العلم واليمان كسؤاله عليه‬
‫‪ 95‬صفحة ‪ 95‬من ‪139‬‬
‫الصلة والسلم للمة‪ .‬والثاني‪ :‬السؤال عن مستقر ملكوت ال تعالى وموضع سلطانه كعرشه‬
‫وكرسيه وملئكته‪ .‬والثالث‪ :‬السؤال بأين عن ذات الرب سبحانه وتعالى وهذا سؤال فاسد ل‬
‫يجوز ول يجاب عنه سائله‪ ،‬وإنما سبيل المسؤول عنه أن يبين له فساد سؤاله كما قال سيدنا‬
‫علي كرم ال تعالى وجهه ورضي عنه حين سئل‪ :‬أين ال؟ فقال‪ :‬الذي أين الين ل يقال فيه‬
‫أيـن‪ .‬فبين للسائل فساد سؤاله بأن الينية مخلوقة والذي خلقها ل محالة قد كان قبل أن يخلقها‬
‫ول أينية له وصفات نفسه ل تتغير فهو بعد أن خلق الينية على ما كان قبل أن يخلقها‪ ،‬وإنما‬
‫مثل هذا السائل كمن سأل عن لون العلم أو طعم الظن أو الشك فيقال له من عرف حقيقة العلم‬
‫أو الظن ثم سأل هذا السؤال فهو متناقض لن اللون والطعم من صفات الجسام وقد سألت عن‬
‫غير جسم فسؤالك فاسد محال لتناقضه‪.‬اهـ وفي كتاب إشارات المرام للمام البياضي الحنفي‬
‫ممزوجا بالمتن‪ :‬ول يتطرق إليه سمات الـحدوث والفناء كما أشار إليه بقوله فيه [وعليه] أي‬
‫يُخرّج على أنه يدعى من أعلى ويوصف بنعوت الجلل وصفات الكبرياء [ما روي في الحديث‬
‫أن رجل] وهو عمرو بن الشريد كما رواه أبو هريرة وعبد ال بن رواحة كما بيّنه المام في‬
‫مسنده بتخريج الحارثي وطلحة والبلخي والخوارزمي [أتى إلى النبي صلى ال عليه وسلم بأمة‬
‫سوداء فقال‪ :‬وجب علي عتق رقبة مؤمنة] قال‪ :‬إن أمي هلكت وأمرت أن أعتق عنها رقبة‬
‫مؤمنة ول أملك إل هذه وهي جارية سوداء أعجمية ل تدري ما الصلة أفتجزيني هذه؟ عما لزم‬
‫بالوصية كما في مصنف الحافظ عبد الرزاق وليس في الروايات الصحيحة أنها كانت خرساء‬
‫كما قيل [فقال لها النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬أمؤمنة أنت؟ قالت نعم‪ ،‬فقال النبي عليه الصلة‬
‫والسلم‪ :‬أين ال؟] سائل عن المنزلة والعلو على العباد علوّ القهر والغلبة‪ ،‬ومشيرا أنه إذا دعاه‬
‫‪ 96‬صفحة ‪ 96‬من ‪139‬‬
‫العباد استقبلوا السماء دون ظاهره من الجهة‪ ،‬لكن لما كان التنـزيه عن الجهة مما يقصر عنه‬
‫عقول العامة فضل عن النساء حتى يكاد يجزم بنفي ما ليس في الجهة‪ ،‬كان القرب إلى‬
‫إصلحهم والليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في الجهة كما في شرح المقاصد‪[ ،‬فأشارت‬
‫إلى السماء] إشارة إلى أعلى المنازل كما يقال فلن في السماء أي رفيع القدر جدا كما في‬
‫التقديس للرازي [فقال‪ :‬أعتقها فإنها مؤمنة]‪ .‬ثم قال‪[ :‬فأشار إلى الجواب بأن السؤال والتقرير ل‬
‫يدلن على المكان بالجهة لمنع البراهين اليقينية عن حقيقة الينية]‪ .‬ثم قال البياضي‪ :‬الرابعة‪ :‬أنه‬
‫عليه الصلة والسلم أراد امتحانها هل تُقرّ بأن الخالق الفعال المتعالي هو ال الذي إذا دعاه‬
‫الداعي استقبل السماء كما دل السؤال والتقرير كما في شرح مسلم للنووي‪ ،‬وإليه أشار بترتيب‬
‫التخريج أنه يدعى من أعلى ل من أسفل‪ .‬الخامسة‪ :‬أنها كانت أعجمية ل تقدر أن تفصح عما‬
‫في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالشارة أن معبودها إله السماء فإنهم كانوا‬
‫يسمون ال إله السماء كما دل السؤال‪ ،‬والكتفاء بتلك الشارة كما في الكفاية لنور الدين‬
‫البخاري‪.‬اهـ وفي كتاب إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للمام محمد بن خليفة الُبي ما نصه‪:‬‬
‫وقيل إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة ال تعالى‪ ،‬وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلله في‬
‫نفسها‪ ،‬فقد قال القاضي عياض لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء‬
‫كقوله تعالى‪{ :‬ءأمنتم من في السماء}‪.‬اهـ ومثله في كتاب مكمل إكمال الكمال شرح صحيح‬
‫مسلم للمام محمد السنوسي الحسني المالكي ‪ .‬وفي كتاب استحالة المعية بالذات وما يضاهيها‬
‫من متشابه الصفات للشيخ المحدث محمد الشنقيطي ما نصه‪ :‬وقال المام المازري المالكي‪:‬‬
‫وقيل وقع السؤال لها بأين لجل أنه صلى ال عليه وسلم أراد السؤال عما تعتقده من جللة‬
‫‪ 97‬صفحة ‪ 97‬من ‪139‬‬
‫البارئ وعظمته جل وعل‪ ،‬فأشارت إلى السمـاء إخبارا عن جللته سبحانه وتعالى في نفسها‪،‬‬
‫لنها قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين‪.‬اهـ وقال المام أبو بكر بن فورك‪ :‬إن معنى‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬أين ال؟ استعلم لمنـزلته وقدره عندها وفي قلبها وأشارت إلى‬
‫السماء فدلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة‬
‫وعلو منـزلة فلن في السماء أي هو رفيع الشأن عظيم القدر كذلك قولها في السماء على‬
‫طريق الشارة إليها تنبيها عـن مكانته في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لنها‬
‫كانت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دللة العبارة على نحو هذا المعنى وإذا كان كذلك لم يجز‬
‫أن يحمل على غيره مما يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف‪.‬اهـ وقد ترجم‬
‫للقاضي عياض الحافظ السيوطي في طبقات الحفاظ في الطبقة السادسة عشرة فقال‪ :‬وكان إمام‬
‫أهل الحديث في وقته وأعلم الناس بعلومه‪ ،‬وبالنحو واللغة وكلم العرب وأيامهم وأنسابهم‪.‬اهـ‬
‫وقد ترجمه النووي في تهذيب السماء واللغات ‪ :‬فقال ما نصه‪ :‬وهو إمام بارع متفنن متمكن في‬
‫علم الحديث والصولين والفقه والعربية وله مصنفات في كل نوع من العلوم المهمة‪ ،‬وكان من‬
‫أصحاب الفهام الثاقبة‪.‬اهـ فانظر إلى هذين المامين الذين ينقلن إجماع المسلمين على أن هذه‬
‫اليات ليست على ظاهرها بل هي مأولة عند جميع المسلمين‪.‬وكذلك قال الحافظ جلل الدين‬
‫السيوطي في شرحه على سنن النسائي ‪ :‬عندما تكلم على شرح حديث الجارية وبيان معناه حيث‬
‫نقل كلم المام النووي السابق وكلم القاضي عياض رحمهما ال وأقرهما على ذلك‪ .‬وكذلك‬
‫قال الحافظ أبو العباس القرطبي شيخ المام القرطبي المفسر في المفهم شرح صحيح مسلم ‪ :‬ما‬
‫نصه‪:‬تنبيه‪ :‬ثم اعلم أنه ل خلف بين المسلمين قاطبة‪ ،‬محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم‬
‫‪ 98‬صفحة ‪ 98‬من ‪139‬‬
‫ونظارهم‪ ،‬أن الظواهر الواردة بذكر ال تعالى في السماء كقوله‪ {:‬ءأمنتم من في السماء}‬
‫( الملك‪ )16/‬ليست على ظاهرها‪ ،‬وأنها متأولة عند جميعهم…‪..‬إلى أن قال‪ :‬ويكون العلو بمعنى‬
‫الغلبة‪ ،‬وأما من يعتقد نفي الجهة في حق ال تعالى فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر‪ ،‬وإجلل ال‬
‫تعالى عنه‪ ،‬وأولى الفرق بالتأويل‪ .‬وقد حصل من هذا الصل المحقق‪ :‬أن قول الجارية‪ (( :‬في‬
‫السماء)) ليس على ظاهره باتفاق المسلمين‪ ،‬فيتعين أن يعتقد فيه أنه معرض لتأويل‬
‫المتأولين‪،‬وأن من حمله على ظاهره فهو ضال من الضالين‪.‬اهـ وقال الحافظ ابن الجوزي في‬
‫دفع شبه التشبيه عند كلمه على قوله تعالى‪ { :‬ءأمنتم من في السماء} ما نصه‪ :‬قلت‪ :‬وقد ثبت‬
‫قطعا أنها ليست على ظاهرها‪ ،‬لن لفظة { في} للظرفية والحق غير مظروف‪ ،‬وإذا امتنع الحس‬
‫أن يتصرف في مثل هذا‪ ،‬بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق‪.‬اهـ وقال القاضي أبو‬
‫بكر بن العربي المالكي في شرح سنن الترمذي‪ :‬أين ال؟ والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة‬
‫فإن المكان يستحيل عليه‪.‬اهـ وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في دفع شبه التشبيه بعد رواية‬
‫حديث معاوية بن الحكم‪ :‬قلت قد ثبت عند العلماء أن ال تعالى ل يحويه السماء والرض ول‬
‫تضمه القطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها‪.‬اهـ وقال الحافظ الباجي المالكي‪:‬‬
‫لعلها تريد وصفه بالعلو وبذلك يوصف كل من شأنه العلو فيقال فلن في السماء بمعنى علو‬
‫حاله ورفعته وشرفه‪.‬اهـ وقال البيضاوي‪ :‬لم يرد به السؤال عن مكانه فإنه منزه عنه والرسول‬
‫أعلى من أن يسأل ذلك‪.‬اهـ وقال المام تقي الدين السبكي الشافعي في رده على نونية ابن القيم‬
‫الجوزية الحنبلي المجسم المسمى بالسيف الصقيل‪ :‬أما القول فقوله صلى ال عليه وسلم للجارية‪:‬‬
‫أين ال؟ قالت في السماء وقد تكلم الناس عليه قديما وحديثا والكلم عليه معروف ول يقبله ذهن‬
‫‪ 99‬صفحة ‪ 99‬من ‪139‬‬
‫هذا الرجل لنه مشّاء على بدعة ل يقبل غيرها‪.‬اهـ قال الفخر الرازي الشافعي‪ :‬وأما عدم‬
‫صحة الحتجاج بحديث الجارية في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنـزه ال‬
‫سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬قل لمن ما في السموات‬
‫والرض قل ل} [النعام‪ ]12:‬وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك ل تعالى‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫{وله ما سكن في الليل والنهار} [النعام‪ ]13:‬وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك ل تعالى‬
‫فهاتان اليتان تدلن على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك ل تعالى وذلك‬
‫يدل على تنـزيه ال سبحانه عن المكان والزمان‪.‬اهـ‬
‫وقال المام أبو عبد ال محمد بن أحمد بن أبي بكر النصاري الخزرجي الندلسي القرطبي‬
‫المالكي المفسر في كتاب التذكار في أفضل الذكار‪ :‬لن كل من في السموات والرض وما‬
‫فيهما خلق ال تعالى وملك له وإذا كان كذلك يستحيل على ال أن يكون في السماء أو في‬
‫الرض إذ لو كان في شىء لكان محصورا أو محدودا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا مذهب‬
‫أهل الحق والتحقيق وعلى هذه القاعدة قوله تعالى‪{ :‬ءأمنتم من في السماء} وقوله عليه السلم‬
‫للجارية‪ :‬أين ال؟ قالت في السماء‪ ،‬ولم يُنكر عليها وما كان مثله ليس على ظاهره بل هو مؤول‬
‫تأويلت صحيحة قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم‪.‬اهـ قال ابن الجوزي في كتابه‬
‫المجالس ثم يقال للمشبهة الذين ينكرون التأويل ما تقولون في قول سيد الولين والخرين‬
‫"الحجر السود يمين ال في الرض "هل تتأول الحديث أم ل ؟ فإن قلت ل أتأوله‪ ،‬وأحمل اللفظ‬
‫على ظاهره‪ ،‬فقد خرقت الجماع والحقت معبودك بالجمادات ووصفته بها وهذا شيء يتقدس‬
‫عنه العبد المخلوق فكيف بالمولى الخالق ؟ ولهذا اجمعت المة على تأويل هذا الحديث من قال‬
‫‪ 100‬صفحة ‪ 100‬من ‪139‬‬
‫بالتأويل ومن أنكره وكذلك أجمعوا على تأويل قول النبي "أخذ نفس الرحمن من قبل اليمن‬
‫"لستحالة أن يكون الحجر السود صفة من صفات ال أو يكون له نفس كتصاعد نفس الدمي ‪.‬‬
‫وفي مدارج السالكين لبن القيم ‪ :‬والعصمة النافعة في هذا الباب ‪ :‬أن يوصف ال بما وصف به‬
‫نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ول تعطيل ومن غير تكييف ول تمثيل بل تثبت له‬
‫السماء والصفات وتنفى عنه مشابهة المخلوقات فيكون إثباتك منزها عن التشبيه ونفيك منزها‬
‫عن التعطيل فمن نفى حقيقة الستواء فهو معطل ومن شبهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو‬
‫ممثل ومن قال ‪ :‬استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه وهكذا الكلم في السمع والبصر‬
‫والحياة والرادة والقدرة واليد والوجه والرضى والغضب والنزول والضحك وسائر ما وصف‬
‫ال به نفسه " قلت وما معنى حقيقة الستواء في اللغة فان كان مرادكم الستقرار والجلوس‬
‫وهذا الذي تعنون فهو تشبيه وضلل‪ ،‬وقد بين القاضي ابو بكر وغيره معاني الستواء والئق به‬
‫سبحانه وتعالى معنى القهر والغلبة " فقد صرح بعض متقدمي الحنابلة من أشياخ هؤلء ‪ ,‬كما‬
‫قال القاضي أبو يعلى عن شيخه النزول هو النتقال‪ ،‬قال ما نصه في كتابه المسائل العقدية من‬
‫ص ‪60‬‬ ‫كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي ‪:‬‬
‫قال واختلفوا في صفته فذهب شيخنا أبو عبد ال الى أنه نزول انتقال قال لن هذا حقيقة النزول‬
‫عند العرب وهذا نظير قوله في الستواء يعني قعد ‪ .‬قال وذلك أن اطلق الستواء في لغة‬
‫العرب هو ما ذكرنا قال شيخنا أبو عبد ال الستواء بمعنى المماسة وأنه قاعد على عرشه وقال‬
‫وماذكره أبو الحسن التميمي أصح وهو أشبه بكلم أحمد لن كل من نقل عن أحمد نقل الستواء‬
‫مطلقا من غير ذكر مماسة ولن هذا مذهبه في الصفات وأنها تمر كما جاءت والذي ورد في‬
‫‪ 101‬صفحة ‪ 101‬من ‪139‬‬
‫القرءان والخبار الستواء مطلقا فيجب أن يحمل على ذلك ولن المماسة والمباينة تستحيل عليه‬
‫لنها من صفات الحدث فلم يجز إثباتها عليه قال نقل حنبل عنه أنه قال ربنا على العرش بل‬
‫حد ول صفة فقد نص على نفي الحد وأومأ اليه في رواية يعقوب بن العباس الهاشمي وقد سئل‬
‫عن قول ابن المبارك ربنا على العرش بحد ما معنى الحد ؟ قال ل أعرفه والحاديث بغير‬
‫تحديد ول تكييف انتهى وذكره عنهم أيضا الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه ‪ .‬فتبين ان‬
‫هؤلء يموهون ويتلعبون على اللفاظ كي ل يظهروا انهم مشبهة ومجسمة ‪ ,‬وتبين أن قولهم‬
‫على الحقيقة أي حقيقة اللفظ المتبادر في اللغة كالنزول بمعنى النتقال كما صرح بعض متقدمي‬
‫الحنابلة‪ ،‬والستواء الستقرار والجلوس والقعود هذا مرادهم هنا فقد خصصوا المجمل في اية‬
‫الستواء لعتقادهم التشبيه في ال ولما كان أمثال ابن تيمية وابن القيم غالبا ل يتجرأن أن‬
‫يصرحا بلفظ النتقال والقعود والجلوس على العرش بنصهما ال نقل وسكوتا واقرارا فقال على‬
‫الحقيقة ومن قبلهما من بعض مجسمة ومشبهة الحنابلة صرحوا بذلك وفسروا معنى الحقيقة‬
‫عندهم التي هي من لوازم المحدث المخلوق فقالوا النزول ل يكون ال بانتقال والستواء ل يكون‬
‫ال بالجلوس والستقرار والقعود‪ ،‬اما هذان فسلكا طريق التلبيس والتمويه ‪ .‬أما ابو الحسن‬
‫التميمي وابن أبي الفضل وابن رزق وابن عقيل وأبو يعلى في المعتمد وابن الجوزي من الحنابلة‬
‫وافقوا أهل السنة فقد كانوا يقولون الستواء ل بمعنى المماسة ول المباينة فهؤلء نفوا عن ال‬
‫المماسة والتصال والنفصال وهو قول القاضي أبي يعلى في المعتمد قال ابن تيمية في‬
‫مجموع الفتاوى وفي بيان تلبيس الجهمية وأما التميميون كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن‬
‫رزق ال فهم أبعد عن الثبات يعني في الصفات وأقرب إلى موافقة غيرهم وألين لهم‪ ،‬ولهذا‬
‫‪ 102‬صفحة ‪ 102‬من ‪139‬‬
‫اتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلء الشعرية كالباقلني والبيهقي انتهى‬

‫قلت وعبد ال بن بطة العكبري الحنبلي قال في حديث النـزول في البانة له‪ :‬ل نصف نزوله‬
‫ول نحده ول نقول إن نزوله زواله‪.‬‬

‫قلت وهو ممن يصرحون بلفظ التفويض أيضا وأنت ترى أن قسما كبيرا من متقدمي الحنابلة‬
‫طريقتهم طريقة الشاعرة‪ .‬ومن قال من أهل السنة نجري اللفظ أو نمره على ظاهره من غير‬
‫تكييف ول تشبيه كالخطابي وغيره فمرادهم نجري هذا اللفظ الوارد ونمره كما جاء عن ال أو‬
‫رسول ال مع رد العلم بالمراد الى ال تعالى كلفظ استوى أو ينـزل ربنا‪ ،‬وقد ورد مثل ذلك‬
‫عن أبي عثمان النيسابوري قال ابن تيمية في العقيدة الصفهانية وقال أبو عثمان النيسابوري‬
‫الملقب بشيخ السلم في رسالته المشهورة في السنة‪ :‬ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه‬
‫في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنـزول المخلوقين ول تمثيل ول تكييف بل‬
‫يثبتون له ما أثبته له رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح‬
‫الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى ال‪.‬انتهى‪ ،‬وقد مر هذا النقل عن أهل الحديث من‬
‫كتاب المام الحافظ أبي بكر السماعيلي‪ ،‬كذلك ورد عن موفق الدين ابن قدامة المقدسي في‬
‫لمعة العتقاد‪.‬‬

‫‪ 103‬صفحة ‪ 103‬من ‪139‬‬
‫وقال صالح آل الشيخ من رؤوس الوهابية في تعليقه على لمعة العتقاد لبن قدامة الحنبلي‪:‬‬
‫النتقاد الول على ابن قدامة الحنبلي قال المؤلف ابن قدامة ‪( :‬وما أشكل من ذلك‪ ،‬وجب إثباته‬
‫لفظا‪ ،‬وترك التعرض لمعناه‪ ،‬قال صالح آل الشيخ‪ :‬انتقد على المصنف هذه العبارة لنه‬
‫المفروض أن يقول اليمان به لفظًا ومعنى‪ ،‬وأما اليمان به لفظا هذا من قول أهل البدع‪ .‬أ‪.‬هـ‬
‫النتقاد الثاني ‪ :‬قال المؤلف‪( :‬نؤمن بها‪ ،‬ونصدق بها‪ ،‬ل كيف‪ ،‬ول معنى‪ ،‬ول نرد شيئا منها‪( ،‬‬
‫قلت وهو قول صاحب المذهب المام أحمد ) قال صالح آل الشيخ ‪ :‬أخذ على المؤلف هذه‬
‫العبارة لنه لم يوضح قصد المام أحمد ‪ .‬أ‪.‬هـ قلت كلم المام أحمد مفهوم وواضح فقد نقلنا‬
‫عنه من طريق حنبل ذكر ذلك الخلل والقاضي أبو يعلى وغيرهما ‪ ،‬امرارها من غير تحديد‬
‫ول تكييف مع نفي الحد والغاية عن ال سبحانه ‪ .‬قال القاضي أبو يعلى من كتاب الروايتين‬
‫طبعة ما يسمى أضواء السنة تحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف قال وحكى‬ ‫ص ‪60‬‬ ‫والوجهين‬
‫شيخنا عن طائفة من أصحابنا أنهم قالوا ‪ :‬ينزل معناه قدرته ولعل هذا القائل ذهب الى ظاهر‬
‫كلم أحمد في رواية حنبل أنه قال ‪ :‬احتجوا علي يومئذ بقوله تجيء البقرة يوم القيامة ويجيء‬
‫انما تأتي قدرته‬ ‫‪22‬‬ ‫تبارك وقلت لهم ‪ :‬الثواب قال ال تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر‬
‫وانما القرءان أمثال ومواعظ وزجر وذكر أيضا فيما خرجه من الحبس كلم ال ل يجيء ول‬
‫يتغير من حال الى حال ووجه هذا القائل ‪ :‬أن النزول هو الزوال والنتقال وهذا من صفات‬
‫الحدث ولهذا قلنا في الستواء ‪ :‬ل بمعنى المماسة ول المباينة لن ذلك من صفات الحدث انتهى‬
‫‪ .‬قال ابن القيم ‪ :‬والمنحرفون في هذا الباب قد أشار الشيخ إليهم بقوله ‪ :‬ل يتحمل البحث عنها‬

‫‪ 104‬صفحة ‪ 104‬من ‪139‬‬
‫تعسفا أي ل يتكلف التعسف عن البحث عن كيفياتها و التعسف سلوك غير الطريق يقال ‪ :‬ركب‬
‫فلن التعاسيف في سيره إذا كان يسير يمينا وشمال جائرا عن الطريق‪.‬‬

‫ول يتكلف لها تأويل أراد بالتأويل ههنا ‪ :‬التأويل الصطلحي وهو صرف اللفظ عن ظاهره‬
‫عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح وقد حكى غير واحد من العلماء ‪ :‬إجماع السلف على‬
‫تركه وممن حكاه البغوى وأبو المعالي الجويني في رسالته النظامية بخلف ما سلكه في شامله و‬
‫إرشاده وممن حكاه ‪ :‬سعد بن علي الزنجاني وقبل هؤلء خلئق من العلماء ل يحصيهم إل ال "‬
‫قلت وهذا كلم شيخه ابن تيمية ‪ ،‬بل ثبت عن السلف التاويل فمن اين هذا الجماع المزعوم ‪,‬‬
‫فقد ثبت عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري وعبد ال بن المبارك والعمش‬
‫والبخاري واحمد ويزيد بن هارون والترمذي وابن جرير الطبري بل وابن تيمية ذكر بعض‬
‫تأويلت السلف عند ذكره الوجه وذلك في كتابه بيان تلبيس الجهمية‪ ،‬وبشهادته وشهادة شيخه في‬
‫حديث الدلء كما بينته " عن الترمذي وغيره‪ .‬ول يتجاوز ظاهرها تمثيل أي ل يمثلها بصفات‬
‫المخلوقين وفي قوله ‪ :‬ل يتجاوز ظاهرها إشارة لطيفة وهي أن ظواهرها ل تقتضي التمثيل كما‬
‫تظنه المعطلة النفاة وأن التمثيل تجاوز لظواهرها إلى ما ل تقتضيه كما أن تأويلها تكلف وحمل‬
‫لها على ما ل تقتضيه فهي ل تقتضي ظواهرها تمثيل ول تحتمل تأويل بل إجراء على‬
‫ظواهرها بل تأويل ول تمثيل فهذه طريقة السالكين بها سواء السبيل " قلت بل كتبكم تصرح‬
‫بانكم تأخذون بالظاهر الحقيقي ول تكتفون بذلك وتسمونه حقيقة لغة على العموم وتصفون ال‬
‫بالنتقال والتحول والستقرار وانه يطوف بالرض ويجلس وهل هذه ال صفات وحقيقة المخلوق‬
‫"وأما قوله ‪ :‬ول يدعى عليها إدراكا أي ل يدعى عليها استدراكا ول فهما ول معنى غير فهم‬
‫‪ 105‬صفحة ‪ 105‬من ‪139‬‬
‫العامة كما يدعيه أرباب الكلم الباطل المذموم بإجماع السلف‪ .‬قلت انتم من جعلتم الستدراك‬
‫مذهبكم قلتم ينزل ينتقل واستوى استقر وقعد ويهرول حقيقة ومعية حقيقية ذاتية وغير ذلك وهذه‬
‫اللفاظ لم تأت ل في كتاب ول سنة ول عن أحد من الصحابة ول من التابعين ول من الئمة ‪.‬‬
‫وقوله ‪ :‬ول توهما أي ل يعدل عن ظواهرها إلى التوهم‪( .‬قلت لو قلتم نجريها على ما جاءت‬
‫كما قال بعض السلف أي نؤمن بهذا الظاهر ظاهر اللفظ الوارد نصه لما عاب أحد عليكم لكن‬
‫قلتم وهل ظاهر نزل ال انتقل واستوى ال استقر وقعد والمعية حقيقية وغير ذلك من أين اتيتم‬
‫وقد حكى‬ ‫‪23‬‬ ‫بهذا التحريف ) انتهى ‪ .‬وقال ابن قيم الجوزية في كتابه مختصر الصواعق ص‬
‫غير واحد اجماع السلف على عدم القول به‪ ،‬بعد أن قال وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من‬
‫المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وقال وهذا التاويل هو الذي صنف في‬
‫تسويغه وابطاله من الجانبين فمن صنف في ابطال التاويل على رأي المتكلمين القاضي أبو يعلى‬
‫والشيخ موفق الدين ابن قدامة وحكى غير واحد اجماع السلف على عدم القول به‪ .‬قلت كتاب‬
‫القاضي أبي يعلى ابطال التأويلت مشحون بالضعيف والباطل والموضوع من الحاديث‬
‫والثار‪ ،‬ومع ذلك فقد ثبت عنه التأويل وحكى ابن القيم في نفس الكتاب ص ‪ ،462‬قال فحكى‬
‫الترمذي عن بعض أهل العلم ان المعنى يهبط على علم ال وقدرته وسلطانه ومراده على معلوم‬
‫ال ومقدوره وملكه‪ ،‬ثم قال وأما تأويل الترمذي وغيره له بالعلم فقال شيخنا‪ ،‬هو ظاهر الفساد‬
‫من جنس تأويلت الجهمية‪ ،‬وقال عند ذكره حديث النزول‪ ،‬قال وحكى شيخنا عن طائفة من‬
‫أصحابنا أنهم قالوا‪ ،‬ينزل معناه قدرته ولعل هذا القائل ذاهب إلى ظاهر كلم أحمد في رواية‬
‫حنبل أنه قال يوم احتجوا علي‪ ،‬يومئذ تجيء البقرة يوم القيامة ويجيء تبارك وتعالى قلت لهم‪،‬‬
‫‪ 106‬صفحة ‪ 106‬من ‪139‬‬
‫هذا الثواب‪ ،‬قال ال تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) إنما يأتي قدرته‪ ،‬وانما القران أمثال‬
‫ومواعظ وزجر‪ .‬وذكر أحمد أيضا فيما خرجه في الحبس كلم ال ل يجيء ول يتغير من حال‬
‫و ‪ ." .448‬وقد نقل الجماع غير واحد بلزوم التاويل لبعض اليات‬ ‫‪447‬‬ ‫إلى حال‪ .‬اه ص‬
‫والحاديث‪ ،‬كما نقل ابن عطية والرازي وابن كثير وابن عبد البر وأبو حيان وابن الجوزي‬
‫والقرطبي وابن حجر الهيتمي والقاضي بدر الدين بن جماعة والعيني والمازري والنووي‬
‫والقاضي عياض وابن رشد كما بينا ذلك فليعلم‪ .‬قلت دعواه الجماع على منع التأويل نقل عن‬
‫البغوي والجويني باطل معلوم بطلنه فقد تأول التأويل التفصيلي البغوي في تفسيره معالم‬
‫التنزيل كما بينته عند قوله تعالى وجاء ربك قال البغوي عن الحسن جاء أمره وقال في قوله‬
‫تعالى فاتاهم ال قال أي أمر ال وغير ذلك من التأويل التفصيلي وقال البغوي في معالم التنزيل‪:‬‬
‫وقال مجاهد والحسن‪ :‬لما نزلت "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم "(‪-60‬غافر) قالوا‪ :‬أين ندعوه‬
‫فأنزل ال عز وجل "ول المشرق والمغرب "ملكا وخلقا "فأينما تولوا فثم وجه ال "يعني أينما‬
‫تحولوا وجوهكم فثم أي‪ :‬هناك (رحمة) ال‪ ،‬قال الكلبي فثم ال يعلم ويرى والوجه صلة كقوله‬
‫تعالى‪" :‬كل شيء هالك إل وجهه "(‪-88‬القصص) أي إل هو‪ ،‬وقال الحسن و مجاهد و قتادة و‬
‫مقاتل بن حيان‪ :‬فثم قبلة ال‪ ،‬والوجه والوجهة والجهة القبلة‪ ،‬وقيل‪ :‬رضا ال تعالى ‪ .‬والجويني‬
‫أشهر مما يدعي هذا المدلس‪ ،‬والذي يمتدحه صاحب منازل السائرين ترجمته معروفة فهوحلولي‬
‫غارق في التجسيم ‪ ,‬ومن أهل الحلول‪ .‬ومع ذلك فقد صرح بلفظ التفويض عن السلف الذي‬
‫يعتبره هؤلء من شر أقوال أهل البدعة ‪ .‬وقد قال ابن عثيمين أحد أبرز زعماء الوهابية سئل‬
‫هل سبق أحد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أن المعية حقيقية تليق بال ينزه فيها الباري عن أن‬
‫‪ 107‬صفحة ‪ 107‬من ‪139‬‬
‫يكون مختلطا بالخلق أو حالً في أمكنتهم؟ وعن الحديث القدسي‪( :‬وما يزال عبدي يتقرب إلي‬
‫بالنوافل ‪)..‬؟ وعن قول ابن القيم في الصواعق مختصرها ‪ " :‬فهو قريب من المحسنين بذاته‬
‫ورحمته " هل هو صحيح وهل سبقه أحد في ذلك؟ فأجاب بقوله‪ :‬ل أعلم أحدا صرح بذلك‪،‬‬
‫( قلت أنا مصنف هذه الرسالة وهل علم هؤلء ما لم يعلمه السلف في موضوع الصفات‬
‫ويزعمون اتباعهم للسلف‪ ،‬وكلمه صريح في اثبات بدعتهم في أهم أصول الدين العقيدة ‪،‬‬
‫والسلف نفوا الجسمية والحركة والحد والنقلة وغير ذلك من صفات الحدث ) ‪ .‬لكن الذي يظهر‬
‫أن الكلم فيها كغيرها من الصفات‪ ،‬تفهم على حقيقتها مع تنزيه ال عما ل يليق به‪ ،‬كما يفهم‬
‫الستواء والنزول وغيرهما‪ ،‬ولهذا لم يتكلم الصحابة فيما أعلم بلفظ الذات في الستواء والنزول‪،‬‬
‫أي لم يقولوا ‪ :‬استوى على العرش بذاته‪ ،‬أو ينزل إلى السماء الدنيا بذاته‪ ،‬لن ذلك مفهوم من‬
‫اللفظ‪ ،‬فإن الفعل أضيف إلى ال تعالى‪ ،‬إما إلى السم الظاهر‪ ،‬أو الضمير‪ ،‬فإذا أضيف إليه كان‬
‫الصل أن يراد به ذات ال عز وجل لكن لما حدث تحريف معنى الستواء والنزول احتاجوا إلى‬
‫توكيد الحقيقة بذكر الذات‪ ،‬وكذلك لما حدث القول بالحلول وشبه القائلون به بآيات المعية بين‬
‫السلف بطلن تلبيسهم‪ ،‬وأنه ل يراد بها أنه معهم بذاته مختلطا بهم‪ ،‬كما فهم أولئك الحلولية‪ ،‬وأن‬
‫المراد بها بيان إحاطته بالخلق علما‪ ،‬وذكروا العلم لنه أعم الصفات متعلقا‪ ،‬ولنها جاءت في‬
‫سياقه‪ .‬والمهم أن هذه المسألة كغيرها من مسائل الصفات تجري على ظاهرها على ما يليق بال‬
‫عز وجل وما ورد عن السلف فإنه داخل في معناها‪ ،‬لنه من لوازمه‪ ،‬واقتصروا عليه خوف‬
‫المحذور‪ ،‬وإل فل يخفى أن حقيقة المعية أوسع من العلم وأبلغ‪ ،‬ولظهور هذه المسألة وأنها لم‬
‫تخرج عن نظائرها لم يكن فيها كلم عن الصحابة رضي ال عنهم اللهم إل ما ذكر عن ابن‬
‫‪ 108‬صفحة ‪ 108‬من ‪139‬‬
‫عباس رضي ال عنهما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره عنه‪ ،‬قال‪ " :‬هو على العرش‪ ،‬وعلمه‬
‫معهم"‪ ،‬ثم اشتهر ذلك بين السلف حين انتشر تفسير الجهمية لها بالحلول‪ .‬وأما سؤالكم عن قول‬
‫ابن القيم في الصواعق (مختصرها) ‪ :‬فهو قريب من المحسنين بذاته‪ ،‬ورحمته‪ ،‬فهل يصح؟‬
‫عنّي‬
‫عبَادِي َ‬
‫وهل سبقه أحد في ذلك؟ فإن ابن القيم قاله أخذا بظاهر قوله تعالى ‪{ :‬وَإِذَا سَأََلكَ ِ‬
‫ستَجِيبُواْ لِي وَلْيُ ْؤ ِمنُواْ بِي َلعَلّهُمْ َي ْرشُدُونَ}‪.‬‬
‫عوَ َة الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْ َي ْ‬
‫فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَ ْ‬
‫عبَادِي} ‪{ ،‬عَنّي} ‪{ ،‬فَإِنّي} ‪َ {،‬قرِيبٌ} ‪{ ،‬أُجِيبُ} ‪{ ،‬دَعَانِ} ‪{ ،‬لِي} ‪{ ،‬بِي} ‪ ،‬كلها‬
‫فهذه الضمائر‪ِ { :‬‬
‫تعود إلى ال عز وجل فكما أنه نفسه المعبود المسؤول عنه المجيب لدعوة الداعي الواجب‬
‫اليمان به فهو القريب كذلك‪ ،‬ول يلزم من ذلك الحلول‪ ،‬لن ال تعالى ليس كمثله شيء في‬
‫جميع صفاته‪ ،‬فهو قريب في علوه‪ .‬انتهى وأين قولهم ل نصف ال ال بما وصف به نفسه أو‬
‫وصفه به رسوله وقد قدمنا الرد عليهم وبيان مبلغ اضطرابهم وتناقضهم‪ ،‬وهل معنى قريب بذاته‬
‫ال الحلول والممازجة ‪ ,‬وأين قال السلف هذه العبارة ول ينفعهم بعد ذلك قولهم ليس كمثله شيء‬
‫فقد كانت الكرامية وفرق الضلل يشبهون ويمثلون ويقولون ليس كمثله شيء لنها اية صريحة‬
‫ويخالفون معنى الية كابن القيم وشيخه والوهابية درجوا على ذلك أيضا ‪ .‬وأين قولهم من أقوال‬
‫الحفاظ المحققين أمثال الحافظ البيهقي والحافظ أبي سليمان الخطابي والمام الحافظ النووي‬
‫والحافظ ابن الجوزي والمام الحافظ أبي عبد ال المازري والمام الحافظ القاضي عياض‬
‫والقاضي الحافظ أبي بكر ابن العربي والمام المفسر القرطبي والحافظ ابن حجر العسقلني‬
‫والحافظ العيني الحنفي وغيرهم في تنزيه ال عن الجهة والمكان والحد والجسمية واتباعهم‬
‫للسلف‪ .‬قال البيهقي في السماء والصفات‪ :‬أخبرنا أبو عبد ال الحافظ ثنا أبو بكر محمد بن‬
‫‪ 109‬صفحة ‪ 109‬من ‪139‬‬
‫أحمـد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا الهيثم بن خارجة ثنا الوليد بن مسلم قال سئل‬
‫الوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الحاديث فقالوا‪ :‬أمروها كما جاءت‬
‫بل كيفية‪.‬اهـ وقال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في العارضة في شرحه على الترمذي‬
‫على حديث النزول ‪ :‬واختلف الناس في هذا الحديـث وأمثاله على ثلثة أقوال فمنهم من رده‬
‫لنه خبر واحد ورد بما ل يجوز ظاهره على ال وهم المبتدعة ومنهم من قبله وأمرّه كما جاء‬
‫ولم يتأوّلـه ول تكلم فيه مع اعتقاده أن ال ليس كمثله شئ ومنهم من تأولـه وفسره وبه أقول‬
‫لنه معنى قريب عربي فصيح‪ ،‬أما إنه قد تعدى إليه قوم ليسوا من أهل العلم بالتفسير فـتـعدوا‬
‫عليه بالقول بالتكثير قالوا في هذا الحديث دليل على أن ال في السماء على العرش من فوق سبع‬
‫سموات قلنا هذا جهل عظيم وإنما قال ينـزل إلى السماء ولم يقل في هذا الحديث من أين‬
‫ينـزل ول كيف ينـزل فأما قوله ينـزل فهو راجع إلى أفعاله ل إلى ذاته بل ذلك عبارة عن‬
‫مَلَكه الذي ينـزل بأمره ونهيه‪ ،‬والنـزول كما يكون في الجسام يكون في المعاني فإن حـملته‬
‫في الحديث على الحسي فتلك صفة المَلَك المبعوث بذلك وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم‬
‫يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نـزول عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة‪.‬اهـ وقال البيهقي‬
‫في السنن الكبرى ما نصه‪ :‬أخبرنا أبو عبد ال الحافظ قال‪ :‬سمعت أبا محمد أحمد بن عبد ال‬
‫المزني يقول‪ :‬حديث النـزول قد ثبت عن رسول ال صلى ال عليه وسلم من وجوه صحيحة‬
‫وورد في التنـزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى‪{ :‬وجآء ربك والملك صفا صفا} [سورة الفجر‪]2/‬‬
‫والـنـزول والمجيء صفتان منفيتان عن ال تعالى من طريق الحركة والنـتـقال من حال‬
‫إلى حال بل هما صفتان من صفات ال تعالى بل تشبيه جل ال تعالى عما تـقول المعطلة‬
‫‪ 110‬صفحة ‪ 110‬من ‪139‬‬
‫لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا‪ .‬قلت‪ :‬وكان أبو سليمان الخطابي رحمه ال يقول‪ :‬إنما ينكر هذا‬
‫وما أشبهه من الحديث من يقيس المور في ذلك بما يشاهده من النـزول الذي هو تدلّ من أعلى‬
‫إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الجسام والشباح فأما نـزول من ل تستولي‬
‫عليه صفات الجسام فإن هـذه المعاني غير متوهمة فيه وإنما هو خبر عن قدرتـه ورأفـته‬
‫بعباده وعطفه عليهم واستـجابته دعاءهم ومغفرتـه لهم يفعل ما يشاء ل يتوجه على صفاته‬
‫كيفية ول على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير‪ .‬اهـ وقال الحافظ أبو‬
‫سليمان الخطابي‪ :‬إن الحركة والنتقال من نعوت الحدث وتعالى ال عن ذلك علوا كبيرا‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا في شرحه على سنن أبي داود ردا على من وصف ال بالحركة‪ :‬وال سبحانه ل‬
‫يوصـف بالحركة لن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يـجوز أن يوصـف‬
‫بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكِلهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين وال‬
‫عز وجل مُـتـعالٍ عنهما ليس كمثله شىء‪.‬اهـ قال الحافظ البيهقي أيضا في السماء‬
‫ث الُ‬
‫والصفات‪ :‬وأما التيان والمجيء فعلى قول أبي الحسن الشعري رضـي ال عنه يُحْ ِد ُ‬
‫تعالى يوم القيامة فعل يسميه إتيانا ومجيئا ل بأن يـتـحرك أو ينـتـقـل فإن الحركة‬
‫والسكون والستقرار من صفات الجسام وال تعالى أحد صمد ليس كمثله شئ وهذا كقوله عز‬
‫وجل‪{ :‬فأتى ال بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث ل‬
‫يشعرون} ولم يُرد به إتيانا من حيث النقلة وإنما أراد إحداث الفعل الذي به خرب بنيانهم وخرّ‬
‫عليهم السقف من فوقهم فسمى ذلك الفعل إتيانا وهكذا قال في أخبار النـزول إن المراد به فعل‬
‫يُحدثه ال عز وجل في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نـزول بل حركة ول نقلة تعالى ال عن‬
‫‪ 111‬صفحة ‪ 111‬من ‪139‬‬
‫صفات المخلوقين‪.‬اهـ قال الحافظ المام النووي في شرحه على مسلم عند قوله‪ :‬ينـزل‬
‫ربنا‪ ...‬الحديث‪ ،‬هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق‬
‫إيضاحهما في كتاب اليمان ومختصرهما أن أحدهما‪ :‬وهو مذهب جمهور السلف وبعض‬
‫المتكلمين أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بال تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد‬
‫ول يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تـنـزيه ال تعالى عن صفات المخلوق وعن النـتـقـال‬
‫والحركات وسائر سمات الخلق‪ .‬والثاني‪ :‬مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو‬
‫محكي هنا عن مالك والوزاعي أنها تـتـأول على ما يليق بها بحسب مواطنها فعلى هذا تأولوا‬
‫هذا الـحديـث تأويلين أحدهما‪ :‬تأويل مالك بن أنس وغيره معناه تـنـزل رحمته وأمره‬
‫وملئكته كما يقال‪ :‬فعل السلطان كذا إذا فعله بأمره والثاني‪ :‬أنه على الستـعارة ومعناه القبال‬
‫على الداعين بالجابة واللطف‪ .‬اهـ قاعدة مهمة متفق عليها دائرة بين التفويض والتأويل ‪ :‬قال‬
‫السيوطي في معترك القران أيضا‪[ :‬فصل] من المتشابه ءايات الصفات‪ .‬ولبن اللبان فيها‬
‫تصنيف مفرد نحو‪{ :‬الرحمن على العرش استوى} {كل شئ هالك إل وجهه} {يد ال فوق‬
‫أيديهم}‪.‬ونحوها‪ .‬وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على اليمان بها‪ ،‬وتفويض‬
‫معناها المراد إلى ال تعالى‪ ،‬ول نفسرها مع تنـزيهنا له عن حقيقتها‪ .‬وأخرج أبو القاسم‬
‫اللّلكائي عن محمد بن الحسن قال‪ :‬اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على اليمان‬
‫بالصفات من غير تفسير ول تشبيه‪ .‬وقال الترمذي في الكلم على حديث الرؤية‪ :‬المذهب في‬
‫هذا عند أهل العلم من الئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم‬
‫أنهم قالوا‪ :‬نروي هذه الحاديث كما جاءت ونؤمن بها ول يقال كيف؟ ول نفسر ول نتوهم ‪.‬‬
‫‪ 112‬صفحة ‪ 112‬من ‪139‬‬
‫وذهبت طائفة من أهل السنّة إلى أننا نؤولها على ما يليق بجلله تعالى؛ وهذا مذهـب الخلف‬
‫وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية‪ :‬الذي نرتضيه دينا وندين‬
‫ال به عقدا اتباع سلف المة فإنهم درجوا على ترك التـعرض لمعانيها‪.‬وقال ابن الصلح‪ :‬على‬
‫هذه الطريقة مضى صدر المة وساداتها‪ ،‬وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها‪ ،‬وإليها دعا أئمة‬
‫الحديث وأعلمه‪ ،‬ول أحد من المتكلمين من أصحابنا َيصْدف عنها ويأباها‪ .‬واختار ابن برهان‬
‫مذهب التأويل‪ .‬وتوسط ابن دقيق العيد فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكَر‪ ،‬أو‬
‫بعيدا توقفنا عنه‪ ،‬وءامنا بمعناه على الوجه الذي أُريد به مع التـنـزيه‪ ،‬وما كان معناه من هذه‬
‫اللفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف كما في قوله‪{ :‬يا حسرتي على‬
‫ما فرّطت في جنب ال} فنحمله على حق ال وما يجب له‪ .‬وكذا استواؤه على العرش بالعدل‬
‫والقهر كقوله‪{ :‬قائما بالقسط} فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه‪ ،‬ويرجع معناه إلى أنه أعطى كل‬
‫شىء خلقه موزونا بحكمته البالغة‪ .‬انتهى كلم السيوطي ‪ .‬وقال إمام الحرمين فيما نقله الحافظ‬
‫ابن حجر‪ :‬اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتـزم ذلك في ءاي‬
‫الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى النكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على‬
‫مواردها وتفويض معانيها إلى ال تعالى‪.‬اهـ وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة‪ :‬وقد أصّلَ‬
‫الشيخ ابن فورك رحمة ال تعالى عليه أصلً فقال‪ :‬إذا تعارضت الدلة العقلية مع الظواهر‬
‫النقلية فإن صدقناهما لزم الجمع بين النقيضين وإن كذبناهما لزم رفعهما وإن صدقنا الظواهر‬
‫النقلية وكذبنا الدلة العقلية لزم الطعن في الظواهر النقلية وتصديق الفرع مع تكذيب أصله‬
‫يفضي إلى تكذيـبـهما معا فلم يبق إل أن نقول بالدلة العقلية ونؤول الظواهر النقلية أو نفوض‬
‫‪ 113‬صفحة ‪ 113‬من ‪139‬‬
‫أمرهما إلى ال‪ ،‬ولهل السنة قولن فعلى القول بالتأويل إن وجدنا لها محلً يسوغه العقل‬
‫حملناها عليه وإل فوضنا أمرها إلى ال قال وهذا القانون في هذا الباب وال الموفق‬
‫للصواب‪.‬اهـ قال المام بـدر الديـن الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرءان‪ :‬حكم‬
‫اليات المتشابهات الواردة في الصفات‪ :‬قد اختلف الناس في الوارد منها في اليات والحاديث‬
‫على ثلث فرق‪:‬ـ أحدهما‪ :‬أنه ل مدخـل للتأويل فيها؛ بل تجرى على ظاهرها‪ ،‬ول تـؤول‬
‫شيئا منها‪ ،‬وهم المشبهة‪ .‬والثاني‪ .‬أن لها تأويل‪ ،‬ولكنا نمسك عنه‪ ،‬مع تـنـزيه اعتقادنا عن‬
‫الشّبه والتعطيل‪ ،‬ونقول‪ :‬ل يعلمه إل ال؛ وهو قول السلف‪ .‬والثالث‪ .‬أنها مؤولة‪ ،‬وأوّلوها على‬
‫ما يليق به‪ .‬والول باطل‪ ،‬والخيران منقولن عن الصحابة‪ ،‬فنقل عن سفيان الثوري أنه قال‪:‬‬
‫أفهم من قولـه‪{ :‬الرحمن على العرش استوى} ما أفهم من قوله‪{ :‬ثم استوى إلى السماء}‪ .‬وسئل‬
‫الوزاعي عـن تفسير هذه الية فقال‪{ :‬الرحمن على العرش استوى} كما قال وإني لراك‬
‫ضال‪ .‬وممن نقل عنهم التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم‪ .‬وقال المام الغزالي في‬
‫كتاب التفرقة بين السلم والزندقة‪ :‬إن المام أحمد أوّل في ثلث مواضع‪ .‬قال الزركشي ونحن‬
‫نجري في هذا الباب على طريق المؤولين‪.‬اهـ وقال القرطبي في تفسيره‪ :‬السادسة قوله تعالى‪:‬‬
‫{فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} قال شيخنا أبو العباس رحمة ال عليه‪:‬‬
‫مُـتـبـعوا المتشابه ل يخلو أن يتبعوه ويجمعـوه طلبا للتشكيك في القرءان وإضلل العوام‪،‬‬
‫كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرءان‪ ،‬أو طلبا لعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته‬
‫المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى‬
‫جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى ال عن ذلك !؛‬
‫‪ 114‬صفحة ‪ 114‬من ‪139‬‬
‫أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلتها وإيضاح معانيها‪ ،‬أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه‬
‫السؤال فهذه أربعة أقسام‪:‬ـ ألول‪ :‬ل شك في كفرهم وأن حكم ال فيهم القتل من غير استتابة‪.‬‬
‫ألثاني‪ :‬الصحيح القول بتكفيرهم إذ ل فرق بينهم وبين عباد الصنام والصور ويستتابون فإن‬
‫تابوا وإل قتلوا كما يُـفعل بمن ارتد‪ .‬الثالث‪ :‬اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلف في جواز‬
‫تأويلها‪ .‬وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها‬
‫فيقولون أمروها كما جاءت وذهـب بعضهم إلى إبداء تأويلتها وحمْلِها على ما يصح حمله في‬
‫اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها‪ .‬الرابع‪ :‬الحكم فيه الدب البليغ كما فعله عمر‬
‫بصبيغ وقال أبو بكر النباري‪ :‬وقد كان الئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف‬
‫المشكلت في القرءان لن السائل إن كان يبتـغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق‬
‫بالنكير وأعظم التـعزير وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استـحق العتب‪ .‬إلى أن قال القرطبي‪:‬‬
‫ومعنى {ابتغاء الفتنة} طلب الشبـهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ويردوا‬
‫الناس إلى زيغهم‪.‬اهـ وقال المام القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل‪ :‬وقد‬
‫ذكرت في هذا المختصر معاني ما تمسكوا به من اليات الكريمة والخبار الصحيحة والحسنة‬
‫والسقيمة وما يجب رد معانيها إليه ويتـعين حملها عليه مما يليق بجلل ال وعظمته وكمال‬
‫صفاته وقديـم عزتـه على ما تقتضيه لغة العرب التي نزل بها القرءان ومفهوم ذلك بـيّـنٌ‬
‫عند أهل اللسان قال ال تعالى‪ { :‬وما أرسلنا من رسول إل بلسان قومه ليبين لهم} فأرسل سيدنا‬
‫محمـدا صلى ال عليه وسلم سيد المرسلين بلسان قومه العربي المبين ونزل به القرءان‬
‫ونـيـط به عقود اليمان وبه وردت أدلة الحكام وبيان الحلل والحرام وخوطبوا على ما‬
‫‪ 115‬صفحة ‪ 115‬من ‪139‬‬
‫يعرفونه من لغاتـهم ويفهمونه من مخاطباتـهم في حقائـقها ومجازاتـها ومفصلتـها‬
‫ومضمراتـها واشاراتـها واستعاراتـها وكناياتـها ونصوصها وظواهرها وعمومها‬
‫وخصوصها ومطلقها ومقيدها فلم يحتاجوا عند نـزول الكتاب إليهم وورود السنة عليهم إلى‬
‫سؤال عن مدلول اللفاظ لمعرفتـهم بمعناها ول بحث عن محلها لفهم مقتضاها ولذلك لما نزل‬
‫{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} لم يشكوا أنه الجماع‪.‬و {ول تجعل يدك مغلولة إلى‬
‫عنقك ول تبسطها كل البسط} لم يشكوا أنه البخل والجود و {وأنـزلنا الحديد} لم يشكوا أن‬
‫معنى النـزال فيه الخلق وكذا {أنـزل لكم من النعام ثمانية أزواج}‪ ،‬فكذلك لم يشكوا أن ما ل‬
‫يليق بجلل ال تعالى لم ُيرَد في قوله تعالى‪{ :‬استوى على العرش} {وهو معكم أينما كنتم}‬
‫ونحوه من اليات‪ ،‬ومن السنة‪ :‬ينـزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا‪ ،‬الحجر السود يمين ال في‬
‫الرض‪ " ،‬وهو غير ثابت " القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن‪ ،‬فإن ال قِبَلَ وجهه كل ذلك‬
‫ونحوه لم يشكّوا أن ما ل يليق بجلل الرب تبارك وتعالى غير مُراد وأن المراد بذلك المعاني‬
‫اللئقة بجلله تعالى من مجازات اللفاظ وتأويلها لما فهموا منه لم يسألوا عنه ولو لم يفهموا منه‬
‫ما يليق بجلل الرب تعالى لسألوا عنه وبحثوا وكيف ل وقد سألوا عن المحيض وأموال اليتامى‬
‫والهلة والنفاق وصلة المصلين إلى بيت المقدس من المتوفين قبل تحويل القبلة فكيف يتركون‬
‫السـؤال عـن صفات الرب العلية عند عدم فَهم ما ورد فيها مع أن معرفة ال تعالى أصل‬
‫اليمان ومنبع العرفان!!‍ ولكن لما انتشر السلم في الرض ودخل فيه من ل يعرف تصاريف‬
‫لسان العرب من العاجم والنباط والتبس عليهم اللسان العربي بالعرفي لعدم علمهم تصاريفه‬
‫من حقيقةٍ ومجاز وكناية واستعارة وحذف وإضمار وغير ذلك وقع من وقع في التجسيم وطائفة‬
‫‪ 116‬صفحة ‪ 116‬من ‪139‬‬
‫في التعطيل وتفرقت الراء في الكلم على الذات والصفات كما أخبر الصادق صلى ال عليه‬
‫وسلم عن فِرَق المة الكائنة بعده فاحتاج أهل الحق إلى الرد على ما ابتدعوه وإقامة الحجج على‬
‫ما تَـقَـوّلوه وانقسموا قسمين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أهل التأويل وهم الذين تجردوا للرد على المبتدعة من المجسمة والمعطلة ونحوهم‬
‫من المعتـزلة والمشبهة والخوارج لما أظهر كل منـهم بدعته ودعا إليها فقام أهل الحق‬
‫بنصرته ودفع عنه الدافـع بإبطال بدعته وردوا تلك اليات المحتملة والحاديث إلى ما يليق‬
‫حقَ ال الحق بكلماته ويُـبطل الباطل‬
‫بجلل ال من المعاني بلسان العرب وأدلة العقل والنقل ليُ ِ‬
‫بحججه ودللته‪.‬‬
‫والقسـم الثاني‪ :‬القائلون بالقول المعروف بقول السلف وهو القطع بأن ما ل يليق بجلل ال‬
‫تعالى غيرُ مُراد والسكوت عن تعيين المراد من المعاني اللئقة بجلل ال تعالى إذا كان اللفظ‬
‫محتمل لمعاني تليق بجلل ال تعالى‪ .‬فالصنفان قاطعان بأن ما ل يليق بجلل ال تعالى من‬
‫صفات المُحدَثينَ غيرُ مُراد وكلٌ منهما على الحق وقد رجّـحَ قومٌ من الكابر العلم قول‬
‫السلف لنه أسلم وقومٌ منهم قول أهل التأويل للحاجة إليه وال أعلم‪ ،‬ومن انتحل قول السلف‬
‫وقال بتشبيه أو تكييف أو حمل اللفظ على ظاهره مما يتعالى ال عنه من صفات الـمُحـدَثين‬
‫فهو كاذب في انتحاله بريء من قول السلف واعتداله‪ ،‬وإذا ثبت أن ال تعالى خاطبنا بلغة‬
‫العرب وأن ما ل يليق بجلله غير مراد فنقول إن اللفظ العربي المتعلق بالذات المقدس أو‬
‫الصفات العلية إما أن يحتمل معاني عدة أو ل يحتمل إل معنى واحدا فإن لم يحتمل إل معنى‬

‫‪ 117‬صفحة ‪ 117‬من ‪139‬‬
‫حمْلَهُ عليه وإن احتمل معاني تليق بجلله تعالى فهذا محل‬
‫واحدا يليق بجلله تعالى كالعلم تعيّن َ‬
‫الكلم بين قول السلف والتأويل كما تقدم وقد رجح قوم التأويل لوجوه‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنا إذا كمعنا ـ كمع أي قطع ـ اللسنة عن الخوض فيه ولم نتبين معناه فكيف بكفّ‬
‫القلوب عن عروض الوساوس والشك وسبق الوهم إلى ما ل يليق به تعالى ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن انبلج الصدور بظهور المعنى والعلم به أولى من تركه بصدد عروض الوساوس‬
‫والشك ومن ذا الذي يملك القلب مع كثرة تقلبه‪.‬؟‬
‫الثالث‪ :‬أن الشتغال بالنظر المؤدي إلى الصواب والعلم أولى من الوقوف مع الجهل مع القدرة‬
‫على نفيه‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن السكوت عن الجواب إن اكـتُـفي به في حق المؤمن المسلم الموفق والعامي فل‬
‫يُكتفى به في جواب المنازع من مبتدع أو كافر ومصمم على التشبيه والتجسيم‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن السكوت مناقض لقوله تعالى‪{ :‬هذا بيان للناس} {وقد جاءكم برهان من ربكـم}‬
‫{وشفاء لِما في الصدور} و{بلسان عربي مبين} {وليدبروا ءاياته وليتذكر ألو اللباب} و {جاءكم‬
‫من ال نور وكتاب مبين} و{ لتبين للناس ما نزل إليهم } ونحو ذلك وال أعلم‪ .‬ولذلك ل تكاد‬
‫تجد ءاية من اليات المشتملة على ما يُـتوهم منه صفة المخلوقين إل مقرونة بما يُـشعر‬
‫بالتـنـزيه أو تفسير المراد به إما متقدما أو متأخرا كقوله تعالى‪{ :‬ليس كمثله شئ وهو السميع‬
‫البصير} وكقوله تعالى‪{ :‬مطويات بيمينه} و { ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي}‬
‫و {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} و {يد ال فوق أيديهم فمن نكث} ونحو ذلك من اليات‬
‫الكريمة ولو خاطب ال تعالى الخلق فيما يتعلق بذاته المقدّس وصفاته الكريمة بما ل يفهم له‬
‫‪ 118‬صفحة ‪ 118‬من ‪139‬‬
‫معنى لكان منافيا لقوله تعالى‪{ :‬بلسان عربي مبين} {هذا بيان للناس وهدى} و {لتبين للناس ما‬
‫نزل اليهم} و {تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين} وبهذا ُيرَدّ قول من قال أن الوجه عبارة عن‬
‫صفة ل ندري ما هي وكذلك اليد والضـحك والحياء وغير ذلك من الصفات وكذلك قول من‬
‫يقول وجه ل كوجوهنا ويد ل كيدنا ونـزول ل كنـزولنا وشبه ذلك‪ .‬فيقال لهم هذه المعاني‬
‫المسماة إن لم تكن معلومة ول معقولة للخلق ول لها موضع في اللغة استحال خطاب ال الخلق‬
‫بها لنه يكون خطابا بلفظ مهمل ل معنى لـه وفي ذلك ما يتـعالى ال عنه أو كخطاب عربي‬
‫بلفظ تركي ل يعقل معناه بل هذا أبعد منه لن سامع اللفظ التركي يمكن مراجعتـهم في معناه‬
‫عندهم وهذا على قول هؤلء ل يمكن أن يعلم معناه إل ال فيكون خطابا بما يـحـير السامع‬
‫ول يفيده شيئا ويلزم منه ما ل يخفى على العقلء ما يتقدس خطاب ال عنه‪ ،‬فإذا حملناه على‬
‫معنى صحيح يليق بجلله لغة وعقل ونقـل انشرح الصدر واستقر على علم وسَلِمَ من عروض‬
‫الوسواس والشكوك كما تقدم ولذلك نقول لو أنه تعالى لو لم يخلق لنا سمعا وبصرا وعلما وقدرة‬
‫لما فهمنا خطابه لقولـه تعالى‪ :‬سميع‪ ،‬بصير‪ ،‬عليم‪ ،‬قدير فخاطبنا بما نفهم معناه من إدراك‬
‫المسموعات والمبصرات والمعلومات ونحو ذلك مع قيام الدليل على تنـزيهه من التشبيه‬
‫بالمخلوقين فقد بان بما ذكرنا أن حقيقة مذهب السلف السكوت عن تعيين المراد من المعاني‬
‫اللئقة بجلله من ذلك اللفظ المحتمل‪.‬اهـ وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى‪{ :‬ثم‬
‫استوى على العرش} فللناس في هذا المقام مقالت كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك‬
‫في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد‬
‫وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير‬
‫‪ 119‬صفحة ‪ 119‬من ‪139‬‬
‫تكييف ول تشبيه ول تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن ال فإن ال ل‬
‫يشبهه شئ من خلقه و {ليس كمثله شئ} ‪ .‬وقال القرطبي في قوله تعالى ‪{ :‬ثم استوى على‬
‫العرش} هذه مسألة الستواء وللعلماء فيها كلم وإجراء وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب‬
‫السنى في شرح أسماء ال الحسنى وصفاته العلى وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قول والكثر‬
‫من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنـزيه البارئ سبحانه عن الجهة والحيز فمن ضرورة‬
‫ذلك ولواحقه اللزمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنـزيهه تبارك‬
‫وتعالى عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم ـ أي أهل السنة والجماعة ـ لنه يلزم من ذلك‬
‫عندهم متى ما اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز الحركة‬
‫والسكون للمتحيز والتغير والحدوث‪ .‬وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى‪:‬‬
‫{الرحمن على العرش استوى} قال عل وقال الشاعر‪:‬‬

‫وقد حلق النجم اليماني فاستوى‬ ‫فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة‬

‫أي عل وارتفع‪ .‬قلت‪ :‬فعلو ال تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته أي ليس‬
‫فوقه فيما يجب لـه من معاني الجلل أحد ول معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه لكنه العلي‬
‫بالطلق سبحانه‪.‬اهـ قال ابن تيمية في الفتاوى ‪ :‬ايضا فمن زعم أن ال مفتقر إلى عرش يقله‬
‫أو أنه محصور في سماء تظله أو أنه محصور في شيء من مخلوقاته أو أنه يحيط به جهة من‬
‫جهات مصنوعاته فهو مخطىء ضال وأهل السنة وسلف المة متفقون على أن من تأول استوى‬

‫‪ 120‬صفحة ‪ 120‬من ‪139‬‬
‫بمعنى استولى أو بمعنى آخر ينفي أن يكون ال فوق سمواته فهو جهمي ضال ‪ .‬وقوله وأهل‬
‫السنة الخ ل دليل له عليه ‪ .‬بل ثبت خلفه كما بسطناه في رسالتنا هذه ‪ .‬وقد قال المام أبو‬
‫سليمان الخطابي إن الذي علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ول هيئة فإن‬
‫الصورة تقتضي الكيفية و الكيفية منفية عن ال وعن صفاته‪.‬اهـ ورأيت كلما لبن تيمية في‬
‫تفسيره للظاهر يحتمل وجهين قال ابن تيمية قلت ‪ :‬وأما سؤاله عن اجراء القرآن على ظاهره‬
‫فإنه إذا آمن بما وصف ال به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ول تكييف فقد اتبع‬
‫سبيل المؤمنين ولفظ الظاهر في عرف المستأخرين قد صار فيه اشتراك فإن أراد بإجرائه على‬
‫الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يشبه ال بخلقه فهذا ضلل بل يجب القطع بأن‬
‫ال تعالى ليس كمثله شيء ل في ذاته ول في صفاته ول في أفعاله وقد قال ابن عباس رضي‬
‫ال عنهما ‪ :‬ليس في الدنيا مما في الجنة إل السماء يعني أن موعود ال في الجنة من الذهب‬
‫والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق هذه المور الموجودة في الدنيا فال تعالى أبعد عن‬
‫مشابهة مخلوقاته بما ل يدركه العباد ليس حقيقته كحقيقة شيء منها وأما إن أراد باجزائه على‬
‫الظاهر هو الظاهر في عرف سلف المة بحيث ل يحرف الكلم عن مواضعه ول يلحد في أسماء‬
‫ال تعالى ول يفسر القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف المة وأهل السنة بل يجري ذلك‬
‫على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلئل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف المة فهذا‬
‫مصيب في ذلك وهو الحق وهذا جملة ل يسع هذا الموضع وقال ابن تيمية في الفتاوى ‪ :‬وأما‬
‫السلفية فعلى ما حكاه الخطابي وأبو بكر الخطيب وغيرهما قالوا ‪ :‬مذهب السلف إجراء آيات‬
‫الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها فل تقول إن معنى اليد‬
‫‪ 121‬صفحة ‪ 121‬من ‪139‬‬
‫القدرة ول إن معنى السمع العلم وذلك أن الكلم في الصفات فرع على الكلم في الذات يحتذى‬
‫فيه حذوة ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود ل إثبات كيفية ( قلت في كلم‬
‫الخطيب ل اثبات كيفية ول تحديد ) فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود ل إثبات كيفية فقد أخبرك‬
‫الخطابي والخطيب وهما إمامان من أصحاب الشافعي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬متفق على علمهما‬
‫بالنقل وعلم الخطابي بالمعاني أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه‬
‫عنها وال تعالى يعلم أني قد بالغت في البحث عن مذاهب السلف فما علمت أحدا منهم خالف‬
‫ذلك ومن قال من المتأخرين أن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد فيجب لمن أحسن به الظن‬
‫أن يعرف أن معنى قوله الظاهر الذي يليق بالمخلوق ل بالخالق ول شك أن هذا غير مراد ومن‬
‫قال إنه مراد فهو بعد قيام الحجة عليه كافر ( قلت ومن المعلوم أن الخطابي يكثر التأويل ويميل‬
‫أحيانا الى التفويض وابن تيمية نفسه نقل عنه في بيان تلبيس الجهمية عن الناصحة له نفيه للحد‬
‫والجسمية والمكان والحيز والتأويل ول الحمد أننا من أتباع هؤلء العلماء ) وقال قد زاغ قلبه‬
‫حتى صار يظهر له من الية معنى فاسد مما يقتضي حدوثا أو نقصا فل شك أن الظاهر لهذا‬
‫الواقع غير مراد وإذا رأينا رجل يفهم من الية هذا الظاهر الفاسد قررنا عنده أول أن هذا‬
‫المعنى ليس مفهوما من ظاهر الية ثم قررنا عنده ثانيا أنه في نفسه معنى فاسد حتى لو فرض‬
‫أنه ظاهر الية وإن كان هذا فرض ما ل حقيقة له لوجب صرف الية عن ظاهرها كسائر‬
‫الظواهر التي عارضها ما أوجب أن المراد بها غير الظاهر‪ .‬انتهى وأسند البيهقي في كتابه‬
‫العتقاد والهداية بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال‪[ :‬كل ما‬
‫وصف ال به نفسه في كتابه فتفسيره تلوته والسكوت عليه] قال الشيخ‪ :‬وإنما أراد وال أعلم‬
‫‪ 122‬صفحة ‪ 122‬من ‪139‬‬
‫فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف‪ ،‬وتكييفه يقتضي تشبيها لـه بخلقه في أوصاف الحدث‪.‬اهـ وقال‬
‫الحافظ ابن حجر في الفتح ومن طريق أبي بكر الضبعي قال‪ :‬مذهب أهل السنة في قوله‪:‬‬
‫{الرحمن على العرش استوى} قال بل كيف والثار فيه عن السلف كثيرة وهذه طريقة الشافعي‬
‫وأحمد ابن حنبل‪.‬اهـ والظاهر المنفي مثل كما في اية الستواء ما قاله الحافظ المام البيهقي في‬
‫العتقاد‪ :‬ويجب أن يعلم أن استواء ال سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ول‬
‫استقرار في مكان ول مماثلة لشىء من خلقه‪ ،‬لكنه مستو على عرشه كما أخبر بل كيف بل‬
‫أين‪ ،‬بائن من جميع خلقه‪ ،‬وأن اتيانه ليس باتيان من مكان الى مكان‪ ،‬وأن مجيئه ليس بحركة‬
‫وأن نـزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يـده ليست بجارحة‬
‫وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها‪ ،‬ونفينا عنها التكييف فقد‬
‫قال‪{ :‬ليس كمثله شىء} وقال‪{ :‬ولم يكن له كفوا أحد} وقال‪{ :‬هل تعلم له سميا}‪.‬اهـ قال الحافظ‬
‫السيوطي في كتاب معترك القران ما نصه‪ :‬وقد قال العلماء‪ :‬كل صفة يستحيل حقيقتها على ال‬
‫تفسر بلزمها ومن ذلك لفظة‪[ :‬عند] في قوله‪{ :‬عند ربك} و{من عنده} ومعناها الشارة إلى‬
‫التمكين والزلفى والرفعة‪ .‬اهـ وقال شهاب الدين القسطلني في إرشاد الساري شرح صحيح‬
‫البخاري عند قوله‪ :‬وهو وضْعٌ عنده على العرش قوله‪[ :‬عنده] أي علم ذلك عنده [على العرش]‬
‫مكنونا عن سائر الخلـق مرفوعا عن حيز الدراك وال تعالى منـزه عن الحلول في المكان‬
‫لن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث ل يليق به تعالى‪.‬اهـ وقال العلمة العيني في‬
‫شرح صحيح البخاري‪ :‬والعندية ليست مكانية بل هو إشارة إلى الكمال كونه مكنونا عن الخلق‬
‫مرفوعا عن حيز إدراكهم‪.‬اهـ وقال الحافظ ابن حجر في الفتح‪[ :‬عند ال] فإن العندية عندية‬
‫‪ 123‬صفحة ‪ 123‬من ‪139‬‬
‫اختصاص وتشريف ل عندية مكان‪.‬وقال ابن بطال‪[ :‬عند] في اللغة للمكان وال منـزه عن‬
‫الحلول في المواضع لن الحلول عرَضٌ يفنى وهو حادث والحادث ل يليق بال فعلى هذا قيل‬
‫معناه أنه سبق علمه بإثابة من يعمل بطاعته وعقوبة من يعمل بمعصيته ويؤيده قوله في الحديث‬
‫الذي بعده أنا عند ظن عبدي بي‪ .‬اهـ تنبيه هذا الحديث أول من استدل به في العقائد‬
‫(المرجئة) ليثبتوا أن اليمان هو القرار فقط‪ ،‬وكانت حجتهم منه لفظ (فإنها مؤمنة) فشهد لها‬
‫باليمان لمجرد القرار‪ ،‬لكن المام أحمد رد احتاجهم بهذا اللفظ وتمسك برواية مالك وليس فيها‬
‫فإنها مؤمنة‪ ،‬والدليل على ذلك ما أورده الخلل في السنة له قال ‪ :‬ومن حجة المرجئة بالجارية‬
‫التي قال النبي صلى ال عليه وسلم اعتقها فإنها مؤمنة والحجة عليهم في ذلك لن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم قد سألها عن بعض شرائع اليمان كتب إلي يوسف بن عبدال أن الحسن بن‬
‫علي بن الحسين حدثهم أن أبا عبدال قال في الحديث اعتقها فإنها مؤمنة قال مالك ل يقول إنها‬
‫مؤمنة قال أبو عبدال يمكن أن يكون هذا قبل أن تنزل الفرائض وأخبرني محمد بن علي قال ثنا‬
‫أبو بكر الثرم إنه قال لبي عبدال في الحديث الذي يروى اعتقها فإنها مؤمنة قال ليس كل أحد‬
‫يقول فيه إنها مؤمنة يقولون اعتقها قال ومالك سمعه من هذا الشيخ هلل بن علي ل يقول فإنها‬
‫مؤمنة قال وقد قال بعضهم فإنها مؤمنة فهي حين تقر بذلك فحكمها حكم المؤمنة هذا معناه ‪،‬‬
‫وأخبرني عبدالملك بن عبدالحميد الميموني قال سمعت أحمد بن حنبل يوما وذكر هذا الحديث‬
‫يعني حديث الجارية التي أتي بها رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال هم يحتجون به يعني‬
‫المرجئة وهو حجة عليهم يعني المرجئة يقولون اليمان قول النبي عليه السلم لم يرض منها‬
‫حتى قال تؤمنين بكذا تؤمنين بكذا ‪ ،‬أخبرني الحسين بن الحسن قال ثنا إبراهيم بن الحارث أنه‬
‫‪ 124‬صفحة ‪ 124‬من ‪139‬‬
‫سأل أبا عبدال عن قول النبي صلى ال عليه وسلم اعتقها فإنها مؤمنة فقال أبو عبدال ليس كل‬
‫أحد يقول فيه اعتقها فإنها مؤمنة يقولون اعتقها وأما من قال فإنها مؤمنة حين تقر بذلك فحكمها‬
‫حكم المؤمنة))اهـ‪ .‬فل يتم للمجسمة الحتجاج بهذا الخبر حتى يصح أنه شهد لها باليمان وإل‬
‫لم يلزم أن تكون الجارية مؤمنة بمجرد قولها هذا‪ ،‬لكن لفظ الشهادة لها باليمان مختلف فيه كما‬
‫مر عن المام أحمد الذي عول على رواية مالك‪ ،‬فل يجوز أن يتمسك به أحد ليبني عليه عقيدة‬
‫بناءا على ظاهره ‪.‬وهذا ذكر ما ورد في سنة الخلل ‪ :‬قلت وقد نقل أبو القاسم الللكائي في‬
‫شرح اعتقاد أهل السنة وغيره عن بعض السلف ومنهم المام أحمد ‪ :‬قولهم اليمان قول وعمل‬
‫يزيد وينقص ‪ ،‬وهذا الحديث الذي فيه نص أنها مؤمنة تعقبه المام أحمد وذكر رواية مالك‬
‫وليس فيها مؤمنة ‪ .‬قال الشيخ علي القاري في مرقاة المفاتيح‪ ،‬وهذا يدل على قبول اليمان‬
‫الجمالي ونفي التكليف الستدللي ‪ .‬وأهل السنة وغيرهم ل يعتقدون ظاهره بأن ال في السماء‬
‫موجود بذاته ‪ ،‬وقسم من المشبهة والمجسمة يؤولون حديث الجارية أي من فوقها على العرش ‪،‬‬
‫ومن قال من أهل السنة كما نقل البيهقي الحافظ في كتابه السماء والصفات عن أبي بكر بن‬
‫فورك ‪ ،‬قال ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه ‪ :‬بعد أن قال في الحديث " أين ال "‬
‫استعلم لمنزلته وقدره عندها وفي قلبها ‪ ،‬وأشارت الى السماء ودلت باشارتها على أنه في‬
‫السماء عندها على قول القائل اذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة فلن في السماء أي هو‬
‫رفيع الشأن عظيم القدر ‪ ،‬وكذلك قولها في السماء على طريق الشارة اليها ‪ ،‬تنبيها عن محله‬
‫في قلبها ومعرفتها به ‪.‬وإنما أشارت الى السماء لنها كانت خرساء ‪ ،‬فدلت باشارتها على مثل‬
‫دللة العبارة ‪ ،‬على نحو هذا المعنى ‪ ،‬واذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما يقتضي‬
‫‪ 125‬صفحة ‪ 125‬من ‪139‬‬
‫الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف ‪ ،‬ومن أصحابنا من قال‪ :‬إن القائل إذا قال ‪ :‬إن ال‬
‫في السماء ويريد بذلك أنه فوقها من طريق الصفة ل من طريق الجهة على نحو قوله سبحانه "‬
‫طبعة عالم الكتب ‪ .‬ومن جهل المجسمة‬ ‫‪160‬‬ ‫أأمنتم من في السماء " ؟ لم ينكر ذلك ‪ .‬انتهى ص‬
‫أنهم تركوا جواب ال الصريح الجلي وتمسكوا بلفظ مختلف في ألفاظه‪ ،‬فجواب ال صريح أنه‬
‫لم يكن في السماء بل أنه قريب من عباده فهذا كلم ال ‪ ،‬وهذا نص قرءاني صريح وليس‬
‫القرب قرب مكاني وحسي تعالى ال عن ذلك‪ .‬فمن الحجة والدليل في ذلك ‪ :‬رواية (الصلت بن‬
‫حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أن إعرابيا قال يا رسول ال صلى ال‬
‫عليك وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فسكت النبي صلى ال عليه وسلم فأنزل ال وإذا‬
‫سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي إذا‬
‫أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت) أخرجها ابن أبي حاتم والطبري وأبو الشيخ وغيرهم ‪.‬‬
‫ومن الحجة على المجسمة والمشبهة أيضا ما رواه عبد الرزاق أخبرنا جعفر بن سليمان عن‬
‫عوف عن الحسن قال سأل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬أين ربنا فأنزل ال عز‬
‫وجل وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني الية ) هذا على شرط‬
‫مسلم‪ .‬وقد روى الطبراني في الوسط بسنده عن أنس بن مالك رضي ال عنه أن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم مر بأعرابي وهو يدعو في صلته وهو يقول ‪ ( :‬يا من ل تراه العيون ‪،‬‬
‫ول تخالطه الظنون ‪ ،‬ول يصفه الواصفون [ ول تغيره الحوادث ] ول يخشى الدوائر ‪ ،‬يعلم‬
‫مثاقيل الجبال ‪ ،‬ومكاييل البحار ‪ ،‬وعدد قطر المطار ‪ ،‬وعدد ورق الشجار ‪ ،‬وعدد ما أظلم‬
‫عليه الليل ‪ ،‬وأشرق عليه النهار ‪ ،‬ل تواري منه سماء سماء ‪ ،‬ول أرض أرضا ‪ ،‬ول بحر ما‬
‫‪ 126‬صفحة ‪ 126‬من ‪139‬‬
‫في قعره ‪ ،‬ول جبل ما في وعره ‪ ،‬اجعل خير عمري آخره ‪ ،‬وخير عملي خواتمه ‪ ،‬وخير‬
‫أيامي يوم ألقاك فيه ) فوكل رسول ال صلى ال عليه وسلم بالعرابي رجل فقال ‪ :‬إذا صلى‬
‫فأتني به ‪ ،‬فلما صلى أتاه ـ وقد اهدي إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم أسماء ذهب من‬
‫بعض المعادن ـ فلما أتاه العرابي وهب له الذهب وقال ‪ :‬ممن أنت يا أعرابي ؟ قال من بني‬
‫عامر بن صعصعة يا رسول ال ‪ ،‬قال هل تدري لم وهبت لك الذهب ؟ قال للرحم بيننا وبينك يا‬
‫رسول ال ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن للرحم حقا ‪ ،‬ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على ال عز وجل )‬
‫اهـ ‪ .‬قال الحافظ نور الدين الهيثمي ورجاله رجال الصحيح غير عبدال بن محمد أبو‬
‫عبدالرحمن الذرمي وهو ثقة ‪ .‬قال القرطبي في المقصد السنى ‪ :‬فلم يفهموا عظمة إل‬
‫بالمساحة ول علوا إل بالمكان ول فوقية إل به فإذا فهمت هذا فقد فهمت معنى كونه فوق العرش‬
‫لن العرش أعظم الجسام وهو فوق جميع الجسام والموجود المنزه عن التحديد والتقدر بحدود‬
‫الجسام ومقاديرها فوق الجسام كلها في الرتبة ولكن خص العرش بالذكر لنه فوق جميع‬
‫الجسام فلما كان فوقها كان فوق جميعها وهو كقول القائل الخليفة فوق السلطان تنبيها به على‬
‫أنه إذا كان فوقه كان فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان‪ .‬والعجب من الحشوي الذي ل‬
‫يفهم من فوق إل المكان ومع ذلك إذا سئل عن شخصين من الكابر وقيل له كيف يجلسان في‬
‫الصدر والمحافل فيقول هذا يجلس فوق ذاك وهو يعلم أنه ليس يجلس إل بجنبه وإنما يكون‬
‫جالسا فوقه لو جلس على رأسه أو مكان مبني فوق رأسه ولو قيل له كذبت ما جلس فوقه ول‬
‫تحته ولكنه جلس بجنبه اشمأزت نفسه من هذا النكار وقال إنما أعني به فوقية الرتبة والقرب‬
‫من الصدر فإن القرب إلى الصدر الذي هو المنتهى فوق بالضافة إلى البعد ‪ .‬وقال القرطبي‬
‫‪ 127‬صفحة ‪ 127‬من ‪139‬‬
‫في نفس المصدر هو الموجود الواجب وجوده بذاته ولكنه إذا أضيف في الذهن إلى الستقبال‬
‫سمي باقيا وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديما والباقي المطلق هو الذي ل ينتهي تقدير وجوده‬
‫في الستقبال إلى ءاخر ويعبر عنه بأنه أبدي والقديم المطلق هو الذي ل ينتهي تمادي وجوده في‬
‫الماضي إلى أول ويعبر عنه بأنه أزلي ( قلت منبها كي ل يفهم بأن ال يقدر بالوقت أو الزمن‬
‫بل التقدير عليه محال وجريان الزمان عليه سبحانه وتعالى مستحيل ) وقولك واجب الوجود‬
‫بذاته متضمن لجميع ذلك وإنما هذه السامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن إلى الماضي‬
‫والمستقبل وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات لنهما عبارتان عن الزمان ول يدخل‬
‫في الزمان إل التغير والحركة إذ الحركة إنما تنقسم إلى ماض ومستقبل والمتغير يدخل في‬
‫الزمان بواسطة التغير فما جل عن التغير والحركة فليس في زمان فليس فيه ماض ومستقبل فل‬
‫ينفصل فيه القدم عن البقاء بل الماضي والمستقبل إنما يكون لنا إذ مضى علينا وفينا أمور‬
‫وستتجدد أمور ول بد من أمور تحدث شيئا بعد شيء حتى تنقسم إلى ماض قد انعدم وانقطع‬
‫وإلى راهن حاضر وإلى ما يتوقع تجدده من بعد فحيث ل تجدد ول انقضاء فل زمان وكيف ل‬
‫والحق سبحانه وتعالى قبل الزمان وحيث خلق الزمان لم يتغير من ذاته شيء وقبل خلق الزمان‬
‫لم يكن للزمان عليه جريان وبقي بعد خلق الزمان على ما عليه كان ‪.‬‬
‫وقد قال الحافظ السيوطي في شرح سنن النسائي" فقال لها أين ال ؟ قالت في السماء " قال‬
‫النووي ‪ :‬هذا من أحاديث الصفات وفيها مذهبان الخ ‪ .‬قلت وقد تقدم نقل المام النووي ‪ .‬وقال‬
‫السندي الحنفي والمطلوب معرفة أن تعترف بوجوده تعالى ل إثبات الجهة وقيل التفويض أسلم ‪.‬‬
‫وفي شرح الطيبي على مشكاة المصابيح واسمه شرف الدين حسين بن محمد بن عبد ال الطيبي‬
‫‪ 128‬صفحة ‪ 128‬من ‪139‬‬
‫للهجرة " وقوله لها " أين ال " ؟ وفي رواية أين ربك ؟ لم يرد السؤال عن مكانه‪ ،‬فانه‬ ‫‪743‬‬

‫منـزه عنه والرسول صلوات ال عليه أعلى من أن يسأل أمثال ذلك ‪ ،‬بل أراد أن يتعرف أنها‬
‫موحدة أو مشركة ‪ ,‬لن كفار العرب كانوا يعبدون الصنام ‪ ,‬فكان لكل قوم منهم صنم‬
‫مخصوص يكون فيمها بينهم يعبدونه ويعظمونه ‪ ،‬ولعل سفهاءهم وجهّالهم كانوا ل يعرفون‬
‫معبودا غيره ‪ ،‬فأراد ان يتعرف انها ما تعبد ‪ ،‬فلما قالت ‪) :‬في السماء( وفي رواية " أشارت الى‬
‫السماء فهم منها أنها موحدة ‪ ،‬تريد بذلك نفي اللهة الرضية التي هي الصنام ‪ ،‬ل إثبات‬
‫السماء مكانا له تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ‪ .‬انتهى وقال العلمة مل علي القاري‬
‫علي ابن سلطان محمد القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ‪ ( :‬فقال لها )‬
‫أي للجارية ( رسول ال صلى ال عليه وسلم أين ال ؟) وفي رواية ‪ :‬أين ربك "؟ أي ‪ :‬أين‬
‫مكان حكمه وأمره وظهور ملكه وقدرته ( فقالت ‪ :‬في السماء ) ‪ .‬قال القاضي ‪ :‬هو على معنى‬
‫الذي جاء أمره ونهيه من قبل السماء لم يرد به السؤال عن المكان‪ ،‬فإنه منـزه عنه كما هو‬
‫منـزه عن الزمان ‪ ،‬بل مراده صلى ال عليه وسلم من سؤاله إياها أن يعلم أنها موحدة أو‬
‫مشركة ‪ ,‬لن كفار العرب كانوا يعبدون الصنام‪ ،‬وكان لكل قوم منهم صنم مخصوص يكون‬
‫فيمها بينهم يعبدونه ويعظمونه‪ ،‬ولعل سفهاءهم وجهّالهم كانوا ل يعرفون معبودا غيره‪ ،‬فأراد أن‬
‫يتعرف أنها ما تعبد‪ ،‬فلما قالت‪) :‬في السماء( وفي رواية " أشارت إلى السماء َفهِم منها أنها‬
‫موحدة‪ ،‬تريد بذلك نفي اللهة الرضية التي هي الصنام‪ ،‬ل إثبات السماء مكانا له تعالى عما‬
‫يقول الظالمون علوا كبيرا‪ ،‬وقال وقيل معناه أن أمره ونهيه ورحمته ووحيه جاءت من السماء‬
‫فهو كقوله تعالى ( أأمنتم من في السماء ) قيل وقد جاء في بعض الحاديث أن هذه الجارية‬
‫‪ 129‬صفحة ‪ 129‬من ‪139‬‬
‫كانت خرساء وقال ( فأتيته بها فقال لها " أين ال ؟ " أي ‪ :‬أين المعبود المستحق الموصوف‬
‫بصفات الكمال ؟ ( قالت في السماء ) أي كما في الرض والقتصار من باب الكتفاء قال تعالى‬
‫جل جلله ‪ " :‬وهو الذي في السماء إله وفي الرض إله " وقال ال عز وجل " وهو ال في‬
‫السموات وفي الرض"‪.‬انتهى وإني لعجب من نقل بعض الئمة هذا الكلم كما نقل المام‬
‫النووي عن القاضي عياض من أن الية‪( :‬ءأمنتم من في السماء) ليست على ظاهرها بل متأولة‬
‫جميعهم) “سنن النسائي بشرح الحافظ جلل الدين السيوطي“‪ ،‬المجلد الثاني‪ ،‬دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان‪،‬‬ ‫عند‬
‫الجزء الثالث الصحيفة ‪ ،18‬المام السيوطي يشرح حديث الجارية يقول ‪“ :‬فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أين ال‪،‬‬
‫قالت‪ :‬في السماء‪.‬‬

‫قال النووي هذا من أحاديث الصفات وفيه مذهبان‪ ،‬أحدهما اليمان من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن ال تعالى ليس‬
‫كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقين‪ ،‬والثاني تأويله بما يليق به‪ ،‬فمن قال بهذا قال ‪ :‬كان المراد بهذا امتحانها هل هي‬
‫موحدة تقر أن الخالق المدبر الفعال هو ال وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلّى له المصلي استقبل‬
‫الكعبة وليس ذلك لنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لن السماء قبلة الداعين كما أن‬
‫الكعبة قبلة المصلين‬

‫قلت وهذا صريح في حجة أهل السنة في إثبات التأويل الجمالي والتفصيلي‪ ،‬أما قوله‪" :‬فمن قال‬
‫بإثبات جهة فوق من غير تحديد ول تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي‬
‫على السماء" انتهى‪ ،‬ولعلها بدون كلمة جهة في الصل‪ ،‬ولكن هذا النقل عن القاضي عياض هو في‬
‫شرح صحيح مسلم وعمدة القاري وإرشاد الساري وغيرها‪ ،‬وكلهم ينفون الجهة والتحيز والنتقال‬
‫والجسمية والجهة عن ال تعالى‪ .‬أو لعله أراد اللفاظ التي هي مستعملة في حقيقتها للجهة ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫‪ 130‬صفحة ‪ 130‬من ‪139‬‬
‫‪ .‬تمسكوا برفع اليدي إلى السماء قالوا وهذا شيء يفعله أرباب النحل فدل على أنه تقرر في جميع‬ ‫عند ‪ ،‬وفوق ونحو ذلك‬
‫عقول الخلق كون الله في جهة فوق‪.‬‬
‫وقد أجيب عن هذه الشبهة بأجوبة أجودها ما جاد به الحجة الغزالي وقرره بما ل يسعنا التفريط بنقل حرف منه فقال رحمه ال‪( :‬فإن‬
‫قيل فإن لم يكن مخصوصا بجهة فوق فما بال الوجوه واليدى ترفع إلى السماء فى الدعية شرعا وطبعا؟ وما باله صلى ال عليه‬
‫وسلم قال للجارية التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين ال ؟ فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة؟‬
‫(‪)3‬‬

‫ل القائل إن لم يكن ال تعالى فى الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوه؟ وما بالنا نستقبله فى‬
‫فالجواب عن الول أن هذا يضاهي قو َ‬
‫الصلة؟ وإن لم يكن فى الرض فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الرض في السجود؟ وهذا هذيان‪ .‬بل يقال قصد الشرع من تعبد‬
‫الخلق بالكعبة فى الصلة ملزمةَ الثبوت فى جهة واحدة فإن ذلك ل محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب من التردد على‬
‫الجهات‪ .‬ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الستقبال خصص ال بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالضافه‬
‫إلى نفسه واستمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها‪ .‬فكذلك السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلة‪.‬والمعبود بالصلة‬
‫والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول فى البيت والسماء‪.‬‬
‫ثم في الشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعز من ينتبه لمثاله‪ .‬وهو أن نجاة العبد وفوزه فى الخره بأن يتواضع ل تعالى‬
‫ويعتقد التعظيم لربه‪ .‬والتواضع والتعظيم عمل القلب وآلته العقل‪ ،‬والجوارح إنما استعملت لتطهير القلب وتزكيته‪ ،‬فإن القلب خُلِق‬
‫خِلْق ًة يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح كما خُلقت الجوارح متأثرة بمعتقدات القلوب‪ .‬ولما كان المقصود أن يتواضع فى نفسه‬
‫بعقله وقلبه بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته فى الوجود لجلل ال تعالى وعلوه‪ ،‬وكان من أعظم الدلة على خسته الموجبة‬
‫لتواضعه أنه مخلوق من تراب كلف أن يضع على التراب الذي هو أذل الشياء وجهه الذي هو أعز العضاء ليستشعر قلبه‬
‫التواضعَ بفعل الجبهة في مماستها الرض فيكون البدن متواضعا فى جسمه وشخصه وصورته بالوجه الممكن فيه وهو معانقة‬
‫التراب الوضيع الخسيس ويكون العقل متواضعا لربه بما يليق به وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبه وخسة المنزلة عند اللتفات إلى‬
‫ما خلق منه‪.‬‬
‫فكذلك التعظيم ل تعالى وظيفة على القلب فيها نجاته‪ .‬وذلك أيضا ينبغى أن تشترك فيه الجوارح وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل‬
‫الجوارح‪ .‬وتعظيم القلب بالشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والعتقاد وتعظيم الجوارح بالشارة إلى جهة العلو الذي هو‬
‫أعلى الجهات وأرفعها فى العتقادات‪ ،‬فإن غايةَ تعظيم الجارحة استعمالها فى الجهات‪ .‬حتى أن من المعتاد المفهوم فى المحاورات‬
‫أن يفصح النسان عن علو رتبه غيره وعظيم وليته فيقول أمره فى السماء السابعة‪ .‬وهو إنما ينبه على علو الرتبه ولكن يستعير له‬
‫‪3‬‬

‫‪ 131‬صفحة ‪ 131‬من ‪139‬‬
‫علو المكان‪ .‬وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظي َم أمره أن أمرَه فى السماء أي فى العلو وتكون السماء عبارة عن‬
‫العلو‪ .‬فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم ال‪ ،‬وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إل إلى‬
‫ظواهر الجوارح والجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها فى التعظيم عن تقدير الجهات‪ ،‬وظن أن الصل ما يشار إليه‬
‫بالجوارح‪ ،‬ولم يعرف أن المظنة الولى لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبه ل باعتقاد علو المكان وأن الجوارح فى ذلك‬
‫خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة فى التعظيم بقدر الممكن فيها‪ .‬ول يمكن فى الجوارح إل الشارة إلى الجهات فهذا هو السر‬
‫فى رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم)(‪ )( )4‬القتصاد في العتقاد ‪ 33-31‬وقال الرازي ‪ :‬الفخر الرازي في المطالب‪( :‬أهل‬
‫كل بلد يرفعون يرفعون أيديهم إلى الجانب الذي هو فوقهم فإن كان إله العالم كائنا فى الموضع الذي هو فوق هذه البلدة لزم أن يكون‬
‫إله العالم كائنا ل فوق البلدة الثانية بل إما عن يمينها أو على يسارها أو جهة أخرى وحينئذ ل يلزم من رفع اليدى إلى السماء كون‬
‫الله فوق ذلك الموضع وأما إن قلنا إن إله العالم كائن فوق جميع البلد فهذا القول إنما يتم لو كان إله العالم كرة محيطة بجميع‬
‫(‪)5‬‬
‫الرض وحينئذ يرجع حاصل هذا القول إلى أن إله العالم فلكٌ من الفلك المحيطه بالرض ومعلوم أن العاقل ل يقول ذلك)‬

‫فصل ‪ :‬في ذكر تراجمم بعض الرجال ‪.‬‬
‫ترجمة ‪ :‬السم ‪ :‬جعفر بن سليمان الضبعى ‪ ،‬أبو سليمان البصرى ‪ ،‬مولى بنى الحريش‬

‫الطبقة ‪ :‬من الوسطى من أتباع التابعين روى له ‪ :‬بخ م د ت س ق الجرح والتعديل ‪:‬‬
‫قال المزي في تهذيب الكمال ‪ ( :‬بخ م د ت س ق ) ‪ :‬جعفر بن سليمان الضبعى ‪ ،‬أبو سليمان البصرى مولى بنى الحريش كان‬
‫ينزل فى بنى ضبيعة ‪ ،‬فنسب إليهم ‪ .‬اهـ ‪ .‬و قال المزى ‪ :‬قال أبو طالب أحمد بن حميد عن أحمد بن حنبل ‪ :‬ل بأس به ‪ ،‬قيل‬
‫له ‪ :‬إن سليمان ابن حرب يقول ‪ :‬ل يكتب حديثه ؟ فقال ‪ :‬حماد بن زيد لم يكن ينهى عنه ‪ ،‬كان ينهى عن عبد الوارث و ل ينهى‬
‫عن جعفر ‪ ،‬إنما كان يتشيع و قال الفضل بن زياد عن أحمد بن حنبل ‪ :‬قدم جعفر بن سليمان عليهم بصنعاء فحدثهم و قال أبو‬
‫بكر بن أبى خيثمة ‪ ،‬و الليث بن عبدة عن يحيى بن معين ‪ :‬ثقة ‪ .‬و قال عباس الدورى عن يحيى بن معين ‪ :‬ثقة ‪ ،‬كان يحيى‬
‫بن سعيد ل يكتب حديثه ‪ .‬و قال فى موضع آخر ‪ :‬كان يحيى بن سعيد ل يروى عنه ‪ ،‬و كان يستضعفه ‪ .‬و قال أبو الحسن بن‬
‫البراء عن على ابن المدينى ‪ :‬أكثر عن ثابت ‪ ،‬و كتب مراسيل و فيها أحاديث مناكير ‪ ،‬عن ثابت عن النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ )(4‬القتصاد في العتقاد ‪33-31‬‬
‫‪2/47 )(5‬‬
‫‪ 132‬صفحة ‪ 132‬من ‪139‬‬
‫‪ .‬و قال أحمد بن سنان القطان ‪ :‬رأيت عبد الرحمن بن مهدى ل ينبسط لحديث جعفر بن سليمان ‪ .‬قال أحمد بن سنان ‪ :‬و أنا‬
‫أستثقل حديثه ‪ .‬و قال البخارى ‪ :‬يقال ‪ :‬كان أميا ‪ .‬و قال محمد بن سعد ‪ :‬كان ثقة ‪ ،‬و به ضعف ‪ ،‬و كان يتشيع ‪ .‬قال أبو‬
‫أحمد ‪ :‬و لجعفر حديث صالح ‪ ،‬و روايات كثيرة ‪ ،‬و هو حسن الحديث ‪ ،‬و هو معروف بالتشيع ‪ ،‬و جمع الرقائق ‪ ،‬و جالس زهاد‬
‫البصرة فحفظ عنهم الكلم الرقيق فى الزهد ‪ ،‬يروى ذلك عنه سيار بن حاتم و أرجو أنه ل بأس به ‪ ،‬و الذى ذكر فيه من التشيع‬
‫و الروايات التى رواها التى يستدل بها على أنه شيعى ‪ ،‬فقد روى أيضا فى فضل الشيخين ‪ ،‬و أحاديثه ليست بالمنكرة ‪ ،‬و ما كان‬
‫فيه منكر ‪ ،‬فلعل البلء فيه من الراوى عنه ‪ ،‬و هو عندى ممن يجب أن يقبل حديثه ‪.‬‬
‫قال أبو بكر بن أبى السود و محمد بن سعد ‪ :‬مات سنة ثمان و سبعين و مئة ‪ ،‬زاد ابن سعد ‪ :‬فى رجب ‪ .‬روى له البخارى‬
‫فى " الدب " و الباقون ‪ .‬اهـ ‪ .‬قال الحافظ في تهذيب التهذيب ‪ 97 / 2‬قال ابن حبان ‪ :‬كان جعفر من الثقات فى الروايات غير‬
‫أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت ‪ ،‬و لم يكن بداعية إلى مذهبه ‪ ،‬و ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلف أن الصدوق المتقن‬
‫إذا كانت فيه بدعة ‪ ،‬و لم يكن يدعو إليه ‪ ،‬الحتجاج بخبره جائز ‪ .‬و قال الزدى ‪ :‬كان فيه تحامل على بعض السلف ‪ ،‬و كان ل‬
‫يكذب فى الحديث ‪ ،‬و قال ابن المدينى ‪ :‬هو ثقة عندنا و قال البزار ‪ :‬لم نسمع أحدا يطعن عليه فى الحديث ‪ ،‬و ل فى خطأ فيه ‪،‬‬
‫إنما ذكرت عنه شيعيته ‪ ،‬و أما حديثه فمستقيم ‪ .‬اهـ ‪ .‬السم ‪ :‬عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى ‪ ،‬أبو سهل البصرى ‪،‬‬
‫المعروف بالعرابى ( و لم يكن أعرابيا )‬

‫الطبقة ‪ :‬الطبقة ‪ 6‬من الذين عاصروا صغار التابعين روى له ‪ :‬خ م د ت س ق الجرح والتعديل ‪ :‬قال المزي في تهذيب الكمال‬
‫‪:‬‬
‫( خ م د ت س ق ) ‪ :‬عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى ‪ ،‬أبو سهل البصرى المعروف بالعرابى ‪ ،‬و لم يكن أعرابيا ‪ ،‬و اسم‬
‫أبى جميلة بندويه ‪ ،‬و يقال ‪ :‬رزينة ‪ .‬و يقال ‪ :‬اسم أبيه أبى جميلة رزينة ‪ ،‬و اسم أمه بندويه ‪ .‬اهـ ‪ .‬و قال المزى ‪ :‬قال عبد‬
‫ال بن أحمد بن حنبل ‪ ،‬عن أبيه ‪ :‬ثقة ‪ ،‬صالح الحديث ‪.‬‬
‫و قال إسحاق بن منصور ‪ ،‬عن يحيى بن معين ‪ :‬ثقة ‪ .‬و قال أبو حاتم ‪ :‬صدوق ‪ ،‬صالح ‪ .‬و قال النسائى ‪ :‬ثقة ‪ ،‬ثبت ‪ .‬و‬
‫قال الوليد بن عتبة عن مروان بن معاوية ‪ :‬كان يسمى الصدوق ‪ .‬و قال محمد بن عبد ال النصارى ‪ :‬حدثنى عوف بن أبى‬
‫جميلة ‪ ،‬و كان يقال له ‪ :‬عوف الصدوق ‪.‬‬
‫و قال محمد بن سعد ‪ :‬يكنى أبا سهل مولى لطىء ‪ ،‬و كان ثقة ‪ ،‬كثير الحديث ‪ .‬قال ‪ :‬و قال بعضهم يرفع أمره ‪ :‬إنه ليجىء عن‬
‫الحسن بشىء ما يجىء به أحد ‪ .‬قال ‪ :‬و كان يتشيع ‪ ،‬و مات سنة ست و أربعين و مئة ‪ .‬و قال أبو داود ‪ :‬مات سنة سبع و‬

‫‪ 133‬صفحة ‪ 133‬من ‪139‬‬
‫أربعين و مئة ‪ .‬و قال أبو عاصم ‪ :‬دخلنا على عوف العرابى سنة ست و أربعين فقلنا ‪ :‬كم أتى لك ؟ قال ‪ :‬ست و ثمانون سنة‬
‫‪ .‬روى له الجماعة ‪ .‬اهـ ‪ .‬قال الحافظ في تهذيب التهذيب ‪ : 167 / 8‬ذكره ابن حبان فى " الثقات " ‪ ،‬و قال ‪ :‬كان مولده سنة‬
‫تسع و خمسين ‪ .‬و حكى العقيلى عن ابن المبارك قال ‪ ( :‬وال ما رضى عوف ببدعة واحدة ) حتى كانت فيه بدعتان ‪ :‬قدرى‬
‫شيعى ‪.‬‬
‫و قال النصارى ‪ :‬رأيت داود بن أبى هند يضرب عوفا و يقول ‪ :‬ويلك يا قدرى ‪ .‬و قال فى " الميزان " ‪ :‬قال بندار و هو يقرأ‬
‫لهم حديث عوف ‪ :‬لقد كان قدريا رافضيا شيطانا ‪ .‬و قال مسلم فى مقدمة " صحيحه " ‪ :‬و إذا وازنت بين القران كابن عون و‬
‫أيوب مع عوف و أشعث الحمرانى ‪ ،‬و هما صاحبا الحسن و ابن سيرين كما أن ابن عون و أيوب صاحباهما وجدت البون بينهما‬
‫و بين هذين بعيدا ‪ ،‬فى كمال الفضل ‪ ،‬و صحة النقل ‪ ،‬و إن كان عوف و أشعث غير مدفوعين عن صدق و أمانة ‪ .‬اهـ ‪ .‬رتبته‬
‫عند ابن حجر ‪ :‬ثقة رمى بالقدر و بالتشيع رتبته عند الذهبي ‪ :‬قال النسائى ‪ :‬ثقة ثبت السم ‪ :‬الحسن بن أبى الحسن ‪ :‬يسار‬
‫البصرى ‪ ،‬النصارى مولهم أبو سعيد ‪ ،‬مولى زيد بن ثابت ‪ ،‬و يقال مولى جابر بن عبد ال الطبقة ‪ :‬الطبقة ‪ 3‬من الوسطى من‬
‫التابعين روى له ‪ :‬خ م د ت س ق الجرح والتعديل ‪ :‬قال المزي في تهذيب الكمال ‪ ( :‬خ م د ت س ق ) ‪ :‬الحسن بن أبى‬
‫الحسن ‪ ،‬و اسمه يسار ‪ ،‬البصرى ‪ ،‬أبو سعيد ‪ ،‬مولى زيد بن ثابت ‪ ،‬و يقال ‪ :‬مولى جابر بن عبد ال ‪ ،‬و يقال ‪ :‬مولى جميل بن‬
‫قطبة بن عامر بن حديدة ‪ ،‬و يقال ‪ :‬مولى أبى اليسر ‪ ،‬و أمه خيرة مولة أم سلمة ‪ ،‬زوج النبى صلى ال عليه وسلم ‪ .‬قال‬
‫محمد بن سعد ‪ :‬و اسم أبى الحسن يسار ‪ ،‬يقال ‪ :‬إنه من سبى ميسان ‪ ،‬وقع إلى المدينة ‪ ،‬فاشترته الربيع بنت النضر ‪ ،‬عمة‬
‫أنس بن مالك ‪ ،‬فأعتقته ‪ ،‬و ذكر عن الحسن أنه قال ‪ :‬كان أبواى لرجل من بنى النجار فتزوج امرأة من بنى سلمة ‪ ،‬فساقهما‬
‫إليها من صداقها فأعتقتهما ‪ ،‬و ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلفة عمر ابن الخطاب ‪ ،‬فيذكرون أن أمه كانت ربما غابت فيبكى ‪،‬‬
‫فتعطيه أم سلمة ثديها ‪ ،‬تعلله به إلى أن تجىء أمه ‪ ،‬فدر عليه ثديها فشربه فيرون أن تلك الحكمة و الفصاحة من بركة ذلك ‪.‬‬
‫و نشأ الحسن بوادى القرى ‪ ،‬و كان فصيحا ‪.‬‬
‫رأى على بن أبى طالب ‪ ،‬و طلحة بن عبيد ال ‪ ،‬و عائشة ‪ ،‬و لم يصح له سماع من أحد منهم ‪ ،‬و حضر يوم الدار ‪ ،‬و له أربع‬
‫عشرة سنة و كان كاتبا للربيع بن زياد الحارثى ‪ ،‬والى خراسان من جهة عبد ال بن عامر ‪ ،‬فى عهد معاوية بن أبى سفيان ‪ ،‬و‬
‫كان له من الخوة ‪ :‬سعيد بن أبى الحسن ‪ ،‬و عمار بن أبى الحسن ‪ ،‬و كان عمار من البكائين ‪ ،‬حتى صار فى وجهه جحران من‬
‫البكاء فيما ذكر عمرو بن على ‪ .‬اهـ ‪ .‬و قال حماد بن زيد ‪ ،‬عن عقبة بن أبى ثبيت الراسبى ‪ :‬كنت عند بلل بن أبى بردة ‪،‬‬
‫فذكروا الحسن ‪ ،‬فقال بلل ‪ :‬سمعت أبى يقول ‪ :‬و ال لقد أدركت أصحاب محمد صلى ال عليه و سلم ‪ ،‬فما رأيت أحدا أشبه‬
‫بأصحاب محمد من هذا الشيخ ‪ ،‬يعنى ‪ :‬الحسن ‪ .‬و قال جرير بن حازم ‪ ،‬عن حميد بن هلل ‪ :‬قال لنا أبو قتادة ‪ :‬الزموا هذا‬

‫‪ 134‬صفحة ‪ 134‬من ‪139‬‬
‫الشيخ ‪ ،‬فما رأيت أحدا أشبه رأيا بعمر بن الخطاب منه يعنى ‪ :‬الحسن ‪ .‬و قال أبو هلل الراسبى ‪ ،‬عن خالد بن رباح الهذلى ‪:‬‬
‫سئل أنس بن مالك عن مسألة ‪ ،‬فقال ‪ :‬سلوا مولنا الحسن ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا أبا حمزة نسألك ‪ ،‬تقول ‪ :‬سلوا الحسن مولنا ؟ ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سلوا مولنا الحسن ‪ ،‬فإنه سمع و سمعنا ‪ ،‬فحفظ و نسينا ‪.‬‬
‫و قال القاسم بن الفضل الحدانى ‪ ،‬عن عمرو بن مرة ‪ :‬إنى لغبط أهل البصرة بهذين الشيخين ‪ :‬الحسن و محمد بن سيرين ‪.‬‬
‫و قال موسى بن إسماعيل ‪ ،‬عن المعتمر بن سليمان ‪ :‬كان أبى يقول ‪ :‬الحسن شيخ أهل البصرة ‪ .‬و قال عبد الرحمن بن أبى‬
‫حاتم ‪ ،‬عن صالح بن أحمد بن حنبل ‪ ،‬عن أبيه ‪ :‬سمع الحسن من ابن عمر ‪ ،‬و أنس ‪ ،‬و ابن مغفل ‪ ،‬وعمرو بن تغلب ‪ ،‬قال عبد‬
‫الرحمن ‪ :‬ذكرت قول أحمد لبى فقال ‪ :‬قد سمع من هؤلء الربعة ‪ ،‬و يصح له السماع من أبى برزة ‪ ،‬و من غيرهم ‪ ،‬و ل‬
‫يصح له السماع من جندب و ل من معقل بن يسار ‪ ،‬و ل من عمران ابن حصين ‪ ،‬و ل من أبى هريرة ‪ .‬و قال أبو قلبة الرقاشى‬
‫‪ ،‬عن قريش بن أنس ‪ ،‬عن حبيب بن الشهيد ‪ :‬قال لى محمد ابن سيرين ‪ :‬سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة ؟ فسألته ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫من سمرة بن جندب ‪ ،‬قال ‪ :‬فقلت ‪ :‬حدثنا قريش بن أنس ‪ ،‬قال حدثنا حبيب بن الشهيد ‪ ،‬فذكر هذا الحديث ‪ ،‬فقال لى ‪ :‬لم يسمع‬
‫الحسن من سمرة ‪ ،‬قال ‪ :‬فقلت ‪ :‬على من يطعن ‪ ،‬على قريش بن أنس ؟ على حبيب بن الشهيد ! ؟ فسكت ‪ .‬و قال محمد بن‬
‫أحمد بن محمد بن أبى بكر المقدمى ‪ :‬سمعت على ابن المدينى ‪ ،‬يقول ‪ :‬مرسلت يحيى بن أبى كثير ‪ ،‬شبه الريح ‪ ،‬و مرسلت‬
‫الحسن البصرى التى رواها عنه الثقات ‪ .‬صحاح ما أقل ما يسقط منها ‪ .‬و قال أبو أحمد بن عدى ‪ :‬سمعت الحسن بن عثمان‬
‫يقول ‪ :‬سمعت أبا زرعة يقول ‪ :‬كل شىء قال الحسن ‪ " :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم " ‪ ،‬وجدت له أصل ثابتا ‪ ،‬ما خل‬
‫أربعة أحاديث ‪.‬‬
‫و قال أبو موسى محمد بن المثنى ‪ :‬حدثنا الهيثم بن عبيد ‪ " :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم " ‪ ،‬فلو كنت تسنده إلى من‬
‫حدثك ‪ ،‬قال ‪ :‬يقول الحسن ‪ :‬أيها الرجل ما كذبنا و ل كذبنا ‪ ،‬و لقد غزونا غزوة إلى خراسان ‪ ،‬و معنا فيها ثلث مئة من‬
‫أصحاب محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬و كان الرجل منهم يصلى بنا ‪ ،‬و كان يقرأ اليات من السورة ثم يركع ‪ .‬و قال محمد بن‬
‫موسى الحرشى ‪ :‬حدثنا ثمامة بن عبيدة قال ‪ :‬حدثنا عطية بن محارب ‪ ،‬عن يونس بن عبيد ‪ ،‬قال ‪ :‬سألت الحسن ‪ ،‬قلت ‪ :‬يا أبا‬
‫سعيد إنك تقول ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم و إنك لم تدركه ؟ قال ‪ :‬يا ابن أخى لقد سألتنى عن شىء ما سألنى عنه‬
‫أحد قبلك ‪ ،‬و لول منزلتك منى ما أخبرتك ‪ ،‬إنى فى زمان كما ترى ـ و كان فى عمل الحجاج ـ كل شىء سمعتنى أقول ‪ :‬قال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فهو عن على بن أبى طالب ‪ ،‬غير أنى فى زمان ل أستطيع أن أذكر عليا ‪ .‬أخبرنا بذلك أبو‬
‫إسحاق ابن الدرجى ‪ ،‬عن أبى جعفر الصيدلنى إذنا ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا أبو على الحداد ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرنا أبو نعيم ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو‬
‫القاسم عبد الرحمن ابن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا الطروش ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطى ‪ ،‬قال ‪:‬‬

‫‪ 135‬صفحة ‪ 135‬من ‪139‬‬
‫حدثنا محمد بن موسى الحرشى ‪ ،‬فذكره ‪ .‬و قال محمد بن سعد ‪ :‬قالوا ‪ :‬و كان الحسن جامعا عالما ‪ ،‬رفيعا ‪ ،‬فقيها ‪ ،‬ثقة ‪،‬‬
‫مأمونا ‪ ،‬عابدا ‪ ،‬ناسكا ‪ ،‬كثير العلم ‪ ،‬فصيحا ‪ ،‬جميل ‪ ،‬و سيما ‪ ،‬و كان ما أسند من حديثه و روى عن من سمع منه ‪ ،‬فحسن‬
‫حجة ‪ ،‬و ما أرسل من الحديث فليس بحجة ‪ ،‬و قال أحمد بن حنبل ‪ ،‬عن إسماعيل ابن علية ‪ :‬مات الحسن فى رجب سنة عشر و‬
‫مئة ‪ .‬و قال سفيان بن عيينة ‪ ،‬عن عبد ال بن الحسن بن أبى الحسن البصرى ‪ :‬هلك الحسن البصرى ‪ ،‬و هو ابن نحو من ثمان‬
‫و ثمانين سنة ‪ .‬و قال أبو نصر الكلباذى ‪ :‬بلغ تسعا و ثمانين سنة ‪ .‬و مناقبه و فضائله كثيرة جدا ‪ ،‬اقتصرنا منها على هذا‬
‫القدر طلبا للتخفيف ‪ ،‬و بال التوفيق ‪ .‬روى له الجماعة ‪ .‬اهـ ‪ .‬و أما رواية الحسن عن سمرة بن جندب ففى " صحيح‬
‫البخارى " سماعا منه لحديث العقيقة و قد روى عنه نسخة كبيرة ‪ ،‬غالبها فى السنن الربعة ‪ ،‬و عند على ابن المدينى أن كلها‬
‫سماع ‪ ،‬و كذا حكى الترمذى عن البخارى ‪ ،‬و قال يحيى القطان و آخرون ‪ :‬هى كتاب ‪ .‬و ذلك ل يقتضى النقطاع ‪ .‬و فى " مسند‬
‫أحمد " ‪ :‬حدثنا هشيم عن حميد الطويل و قال ‪ :‬جاء رجل إلى الحسن فقال ‪ :‬إن عبدا له أبق ‪ ،‬و إنه نذر أن يقدر عليه أن يقطع‬
‫يده ‪ .‬فقال الحسن ‪ :‬حدثنا سمرة قال ‪ :‬قل ما خطبنا رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم خطبة إل أمر فيها بالصدقة ‪ ،‬و نهى‬
‫عن المثلة ‪.‬‬
‫و هذا يقتضى سماعه منه لغير حديث العقيقة ‪ .‬و قال أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة عن أبيه فى الصلة ‪ :‬دلت هذه‬
‫الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة ‪ .‬و قال البزار فى " مسنده " فى آخر ترجمة سعيد بن المسيب عن أبى هريرة ‪ :‬سمع‬
‫الحسن البصرى من جماعة ‪ ،‬و روى عن آخرين لم يدركهم ‪ ،‬و كان يتأول فيقول ‪ :‬حدثنا ‪ ،‬و خطبنا ‪ .‬يعنى قومه الذين حدثوا و‬
‫خطبوا بالبصرة ‪ .‬قال ‪ :‬و لم يسمع من ابن عباس ‪ ،‬و ل السود بن سريع ‪ ،‬و ل عبادة ‪ ،‬و ل سلمة ابن المحبق ‪ ،‬و ل عثمان ‪،‬‬
‫و ل أحسبه سمع من أبى موسى ‪ ،‬و ل من النعمان بن بشير ‪ ،‬و ل من عقبة بن عامر ‪ ،‬و ل سمع من أسامة ‪ ،‬و ل من أبى‬
‫هريرة ‪ ،‬و ل من ثوبان ‪ ،‬و ل من العباس ‪ .‬و وقع فى " سنن النسائى " من طريق أيوب عن الحسن عن أبى هريرة فى‬
‫المختلعات ‪ ،‬قال الحسن ‪ :‬لم أسمع من أبى هريرة غير هذا الحديث ‪ .‬أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن‬
‫وهيب عن أيوب ‪ ،‬و هذا إسناد ل مطعن من أحد فى رواته ‪ ،‬و هو يؤيد أنه سمع من أبى هريرة فى الجملة ‪ ،‬و قصته فى هذا‬
‫شبيهة بقصته فى سمرة سواء ‪ .‬و قال سليمان ابن كثير عن يونس بن عبيد قال ‪ :‬و وله على بن أرطأة قضاء البصرة ـ يعنى‬
‫الحسن ـ فى أيام عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬ثم استعفى ‪ .‬قال يونس بن عبيد ‪ :‬ما رأيت رجل أصدق بما يقول منه ‪ ،‬و ل أطول حزنا‬
‫‪ .‬و قال ابن عون ‪ :‬كنت أشبه لهجة الحسن بلهجة روبة ـ يعنى فى الفصاحة ـ ‪ .‬و قال العجلى ‪ :‬تابعى ثقة ‪ ،‬رجل صالح ‪،‬‬
‫صاحب سنة ‪ .‬و قال الدارقطنى ‪ :‬مراسيله فيها ضعف ‪ .‬قال ابن عون ‪ :‬قلت له عمن تحدث هذه الحاديث ‪ :‬قال عنك ‪ ،‬و عن‬
‫ذا ‪ ،‬و عن ذا ‪ .‬و قال ابن حبان فى " الثقات " ‪ :‬احتلم سنة سبع و ثلثين ‪ ،‬و أدرك بعض صفين ‪ ،‬و رأى مئة و عشرين‬

‫‪ 136‬صفحة ‪ 136‬من ‪139‬‬
‫صحابيا ‪ ،‬و كان يدلس ‪ ،‬و كان من أفصح أهل البصرة و أجملهم ‪ ،‬و أعبدهم ‪ ،‬و أفقههم رتبته عند ابن حجر ‪ :‬ثقة فقيه فاضل‬
‫مشهور ‪ ،‬و كان يرسل كثيرا و يدلس رتبته عند الذهبي ‪ :‬المام ‪ ،‬كان كبير الشأن ‪ ،‬رفيع الذكر ‪ ،‬رأسا فى العلم و العمل شيوخه‬
‫‪ :‬قال المزي في تهذيب الكمال ‪ :‬روى عن أبى بن كعب ( خ م د ت س ق ) ‪ ،‬و لم يدركه أحمر بن جزء السدوسى ( د ق )‬
‫الحنف بن قيس ( خ م ق ) أسامة بن زيد الكلبى ( س ) ‪ ،‬على خلف فيه السود بن سريع ( س ) أسيد بن المشمس ( ق )‬
‫أنس بن حكيم الضبى ( د ق ) أنس بن مالك ( خ م د ت س ق ) ثوبان ( س ) ‪ ،‬و لم يلقه جابر بن عبد ال النصارى ( خ م‬
‫د ت س ق ) جارية بن قدامة التميمى ( عس ) جندب بن عبد ال البجلى ( خ م ت س ق ) جندب الخير الزدى قاتل الساحر (‬
‫ت)‬
‫حريث بن قبيصة ( ت س ) ( و يقال ‪ ) :‬قبيصة بن حريث ( د س ق ) أبى ساسان حضين بن المنذر الرقاشى ( د س ق )‬
‫حطان بن عبد ال الرقاشى ( م د ت س ) حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان ( ت ) دغفل بن حنظلة النسابة ( تم ) الزبير‬
‫بن العوام ( س ) زياد بن رياح ( م ) سعد بن عبادة ‪ ،‬مرسل ( د س ) سعد بن هشام بن عامر النصارى ( م د س ) سعد‬
‫مولى أبى بكر الصديق ( ق ) سلمة بن المحبق ( د س ق ) سمرة بن جندب الفزارى ( خ د ت س ق ) صعصعة بن معاوية‬
‫التميمى ( بخ س ق ) ‪ ،‬عم الحنف بن قيس ضبة بن محصن العنزى ( م د ت ) عائذ بن عمرو المزنى ( م ) عبد ال بن‬
‫عباس ( د ت س ) عبد ال بن عثمان الثقفى ( د س ) عبد ال بن عمر بن الخطاب ( س ق ) عبد ال بن عمرو بن العاص (‬
‫س ) أبى موسى عبد ال بن قيس الشعرى ( س ق ) عبد ال بن مغفل المزنى ( خ م د ت س ق ) عبد الرحمن بن سمرة‬
‫القرشى ( خ م د ت س ق ) عتبة بن غزوان ( ت ) عتى بن ضمرة السعدى ( بخ ت س ق ) عثمان بن أبى العاص الثقفى‬
‫( د ت ق ) ‪ ،‬و قيل ‪ :‬لم يسمع منه عثمان بن عفان ( بخ ق ) عقبة بن عامر الجهنى ( د س ق ) عقيل بن أبى طالب ( س‬
‫ق ) ( و أخيه ‪ ) :‬على بن أبى طالب ( ت س ) عمار بن ياسر ( د ) ‪ ،‬و لم يسمع منه عمر بن الخطاب ( د ) ‪ ،‬و لم يدركه‬
‫عمرو بن تغلب ( خ س ق )‬
‫عمرو بن العاص ( س ) عمران بن الحصين ( د ت س ) قيس بن عاصم المنقرى ( بخ ) قيس بن عباد ( د س ) مطرف بن‬
‫عبد ال بن الشخير ( س ق ) معاوية بن أبى سفيان ( س ) معقل بن سنان الشجعى ( س ) ‪ ،‬و قيل ‪ :‬لم يسمع منه معقل بن‬
‫يسار المزنى ( خ م د ت س ق ) المغيرة بن شعبة ( د ) أبى برزة نضلة بن عبيد السلمى النعمان بن بشير ( س ) أبى بكرة‬
‫نفيع بن الحارث الثقفى ( خ د ت س ق ) نفيع أبى رافع الصائغ ( خ م د س ق ) الهياج بن عمران البرجمى ( د ) أبى هريرة‬
‫( خ د ت س ق ) ‪ ،‬و ‪ :‬قيل لم يسمع منه ابن المغيرة بن شعبة ( م ) أم الحسن خيرة ( أمه ) ( م د ت س ق )‬

‫‪ 137‬صفحة ‪ 137‬من ‪139‬‬
‫انتهى مختصرا ‪ .‬ترجمة ‪ :‬في تهذيب التهذيب ‪ :‬السم ‪ :‬هلل بن على بن أسامة ‪ ،‬و يقال هلل بن أبى ميمونة ‪ ،‬و هلل بن أبى‬
‫هلل القرشى العامرى ‪ ،‬المدنى ‪ ،‬مولى بنى عامر بن لؤى الطبقة ‪ :‬من الخامسة من صغار التابعين روى له ‪ :‬خ م د ت س ق‬
‫الجرح والتعديل ‪ :‬قال المزي في تهذيب الكمال ‪ :‬خ م د ت س ق ) ‪ :‬هلل بن على بن أسامة ‪ ،‬و يقال ‪ :‬هلل بن أبى ميمونة ‪،‬‬
‫و هلل بن أبى هلل ‪ ،‬القرشى العامرى المدنى ‪ ،‬مولى بنى عامر بن لؤى ‪ .‬اهـ ‪ .‬و قال المزى ‪ :‬قال أبو حاتم ‪ :‬شيخ يكتب‬
‫حديثه ‪ .‬و قال النسائى ‪ :‬ليس به بأس ‪ .‬و ذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات " ‪ .‬قال الواقدى ‪ :‬مات فى آخر خلفة هشام بن‬
‫فى حاشية نسخة المؤلف تعليق‬ ‫عبد الملك ‪ .‬روى له الجماعة ‪ .‬و قال بعضهم فيه ‪ :‬هلل بن أسامة نسبه إلى جده ‪ .‬اهـ ‪.‬‬
‫بخطه على صاحب " الكمال " نصه ‪ :‬ذكر فى الرواة عنه محمد بن حمران ‪ ،‬و هو خطأ ‪ ،‬فإنه لم يدركه ‪ ،‬إنما ذلك هلل بن أبى‬
‫زينب المتقدم‬
‫المام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه [الجرح والتعديل] قال‪( :‬وجدت اللفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى‪:‬‬
‫‪ - 1‬فإذا قيل للواحد‪ :‬إنه ثقة‪ ،‬أو متقن ثبت‪ ،‬فهو ممن يحتج بحديثه‪.‬‬
‫‪ - 2‬وإذا قيل له‪ :‬صدوق‪ ،‬أو محله الصدق‪ ،‬أو ل بأس به فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه) ا هـ‪.‬‬
‫وأما المام الحافظ أبو عمرو بن الصلح فقد وافق ابن أبي حاتم في شأن حديث الصدوق من حيث إنه يكتب حديثه وينظر فيه‪.‬‬
‫قال ابن الصلح في مقدمته‪( :‬بيان اللفاظ المستعملة من أهل هذا الشأن في الجرح والتعديل‪ ،‬وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن بن‬
‫أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل فأجاد وأحسن‪ ،‬ونحن نرتبها كذلك)‪.‬‬
‫ثم أورد ما تقدم ذكره عن ابن أبي حا تم‪ ،‬ثم قال في تعليل عدم الحتجاج بحد يث ال صدوق و من في حكمه‪( :‬لن هذه العبارات ل‬
‫تشعر بشريطة الضبط‪ ،‬فينظر في حديثه‪ ,‬ويختبر حتى يعرف ضبطه) ا‪ .‬هـ‪ .‬و قد تا بع ا بن ال صلح في ما ذ هب إل يه طائ فة من الحفاظ‬
‫المصنفين في علوم الحديث مثل‪ :‬النووي وزين الدين العراقي والسخاوي والسيوطي [‪.]13‬‬
‫‪6‬‬

‫وذهب طائفة من الئمة الحفاظ كالذهبي وابن حجر إلى الحتجاج بحديث الصدوق ومن كان في حكمه‪.‬‬
‫ففي خطبة كتاب [ميزان العتدال] قال الحافظ الذهبي ‪( :‬أعلى الرواة المقبولين‪ :‬ثقة حجة‪ ,‬وثبت حافظ‪ ,‬ثم ثقة‪ ,‬ثم صدوق‪ ،‬ول بأس به‪ ،‬وليس به‬
‫بأسا‪ .‬هـ‬

‫‪6‬‬

‫‪ 138‬صفحة ‪ 138‬من ‪139‬‬
‫وهنا أكون قد أتممت ما تيسر لي قوله وجمعه وترتيـبه في حديث الجارية وبيان أقوال‬
‫المحققين وأهل العلم‪ ،‬وأسأل ال العلي القدير أن ينفع بهذه الرسالة كل من كان قلبه غافلً عن‬
‫الحق ومائلً إلى الباطل ومن كان على التشبيه أو الحيرة‪ ،‬وهو حسبي وعليه التوكل ومنه‬
‫الهداية والتوفيق‪.‬‬

‫وكتبه أبو علي محمود بن منصور قرطام الشافعي مذهبًا الشعري اعتقادًا الرفاعي الشاذلي‬
‫طريقةً‪ .‬غفر ال له ولوالديه ولمشايخه ءامين‪ ،‬وإني أسمح بطباعة هذا الكتاب مع المحافظة على‬
‫الصل‪.‬‬

‫‪ 139‬صفحة ‪ 139‬من ‪139‬‬