‫ل تحزن‬

‫‪1‬‬

‫ل تحزن‬
‫للشيخ ‪ /‬عائض القرني‬

‫هذا الكتاب‬
‫دراسة ٌ جادةٌ أخّاذ ٌة مسؤولةٌ‪ ،‬تعن بعالةِ الانبِ الأسوي من حياةِ البشريةِ جانب‬
‫ب والقلق ِ ‪ ،‬وفقدِ الثقةِ ‪ ،‬والية ‪ ،‬والكآب ِة والتشاؤمِ ‪ ،‬والمّ والغمّ ‪ ،‬والزنِ ‪،‬‬
‫الضطرا ِ‬
‫والكدرِ ‪ ،‬واليأس والقنوطِ والحباطِ‪.‬‬
‫ت العصر على نورٍ من الوحي ‪ ،‬وهدي من الرسالة ‪ ،‬وموافقةٍ مع الفطرةِ‬
‫وهو حلّ الشكل ِ‬
‫السويّةِ ‪ ،‬والتجاربِ الراشدةِ ‪ ،‬والمثالِ اليّةِ ‪ ،‬والقصصِ الذّابِ ‪ ،‬والدبِ اللّبِ ‪ ،‬وفيه‬

‫ل تحزن‬
‫‪2‬‬

‫نقولتٌ عن الصحابة البرار ‪ ،‬والتابعي الخيارِ ‪ ،‬وفيه نفحاتٌ من قصِيدِ كبارِ الشعراء ‪،‬‬
‫ووصايا جهابذةِ الطباءِ ‪ ،‬ونصائحِ الكماءِ ‪ ،‬وتوجيهاتِ العلماء‪.‬‬
‫وف ثناياه أُطروحاتٌ للشرقيي والغربيي ‪ ،‬والقدامى والحدثي‪ .‬كلّ ذلك مع ما يوافقُ القّ‬
‫ما قدّمَتْه وسائلُ العلم ‪ ،‬من صحفٍ وملت ‪ ،‬ودورياتٍ وملحق ونشرات‪.‬‬
‫إن هذا الكتاب مزيجٌ مرّتبٌ ‪ ،‬وجه ٌد مهذّبٌ مشذّبٌ‪ .‬وهو يقولُ لك باختصار ‪:‬‬
‫(( اسع ْد واطمئنّ وأبشرْ وتفاءلْ ول تزن ))‬
‫*************************************‬

‫القدمة‬

‫المدُ ل ‪ ،‬والصلةُ والسلمُ على رسولِ ال ِ ‪ ،‬وعلى آله وصحب ِه وبعدُ ‪:‬‬
‫فهذا الكتاب ( ل تزن ) ‪ ،‬عسى أن تسعد بقراءتهِ والستفادةِ منه ‪ ،‬ولك قبل أن تقرأ هذا‬
‫الكتابٍ أن تاكمه إل النطقِ السليمِ والعقلِ الصحيحِ ‪ ،‬وفوق هذا وذاك النقْل العصوم‪.‬‬
‫إنّ من اليْفِ الكمَ الُسبق على الشيءِ قبلَ تصوّرهِ وذوق ِه وشّهِ ‪ ،‬وإن من ظلمِ العرفةِ إصدار‬
‫ع الدعوى ورؤيةِ الجةِ ‪ ،‬وقراءةِ البهان‪.‬‬
‫فتوى مسبقةٍ قبلَ الطلعِ والتأمّلِ ‪ ،‬وسا ِ‬
‫كتبتُ هذا الديث لن عاش ضائقةً أو ألّ بهِ همّ أو حزنٌ ‪ ،‬أو طاف به طائفٌ من مصيبةٍ ‪ ،‬أو‬
‫ض مضجعة أرقٌ ‪ ،‬وشرّدَ نومَه قلقٌ‪ .‬وأيّنا يلو من ذلك ؟!‬
‫أق ّ‬

‫ل تحزن‬
‫‪3‬‬

‫ت فيها عصارة ما‬
‫هنا آياتٌ وأبياتٌ ‪ ،‬وصورٌ و ِعبٌ ‪ ،‬وفوائدُ وشواردُ ‪ ،‬وأمثا ٌل وقصصٌ ‪ ،‬سكب ُ‬
‫وصل إليه اللمعون ؛ من دواءٍ للقلبِ الفجوعِ ‪ ،‬والروحِ النهكةِ ‪ ،‬والنفسِ الزينةِ البائسةِ‪.‬‬
‫هذا الكتابُ يقولُ لك ‪ :‬أبشِر واسعدْ ‪ ،‬وتفاءَلْ واهدأ‪ .‬بل يقولُ ‪ِ :‬عشِ الياة كما هي ‪ ،‬طيبةً‬
‫رضيّة بيجةً‪.‬‬
‫ب يصحّحُ لك أخطاء مالفةِ الفطرة ‪ ،‬ف التعاملِ مع السننِ والناسِ ‪ ،‬والشياءِ ‪،‬‬
‫هذا الكتا ٌ‬
‫والزمانِ والكانِ‪.‬‬
‫إنه ينهاك نيا جازما عن الصرارِ على مصادمةِ الياةِ ومعاكسةِ القضاءِ ‪ ،‬وماصمةِ النهجِ‬
‫ف رُوحِك أن‬
‫ورفضِ الدليل ‪ ،‬بل يُناديك من مكا ٍن قريبٍ من أقطارِ نفسِك ‪ ،‬ومن أطرا ِ‬
‫لسْ ِن مصيِك ‪ ،‬وتثق بعطياتِك وتستثمر مواهبك ‪ ،‬وتنسى منغّصاتِ العيشِ ‪،‬‬
‫تطمئنّ ُ‬
‫وغصص العمرِ وأتعاب السيةِ‪.‬‬
‫وأريدُ التنبيه على مسائل هامّة ف أوله ‪:‬‬
‫الول ‪:‬أنّ القصد من الكتاب ج ْلبُ السعادةِ والدوءِ والسكينة وانشراح ِ الصدرِ ‪ ،‬وفتحُ بابِ‬
‫الملِ والتفاؤلِ والفرج والستقبلِ الزاهرِ‪.‬‬
‫وهو تذكيٌ برحة الِ وغفرانِهِ ‪ ،‬والتوكّلِ عليه ‪ ،‬وحسنِ الظنّ بهِ ‪ ،‬واليانِ بالقضاءِ والقدرِ ‪،‬‬
‫والعيشِ ف حدو ِد اليومِ ‪ ،‬وتركِ القلقِ على الستقبل ِ ‪ ،‬وتذكّرِ نِ َع ِم ال ِ‪.‬‬
‫الثّانية ‪:‬وهو ماولةٌ لطر ِد المّ والغمّ ‪ ،‬والزن والسى ‪ ،‬والقل ِق والضْطرابِ ‪ ،‬وضيقِ الصدرِ‬
‫والنيارِ واليأسِ ‪ ،‬والقنوطِ والحباطِ‪.‬‬
‫الثالثة ‪:‬جعتُ فيه ما يدورُ ف فلكِ الوضوعِ منْ التنيلِ ‪ ،‬ومن كلم العصومِ‬

‫‪ ،‬ومن‬

‫المثلةِ الشاردة ِ ‪ ،‬والقصصِ العبةِ ‪ ،‬والبياتِ الؤثّرةِ ‪ ،‬وما قالهُ الكماءُ والطباءُ والدباءُ ‪،‬‬
‫ي الساطعة ‪ ،‬والكلمةِ الادّةِ وليس وعظا مردا ‪ ،‬ول‬
‫وفيه قبسٌ من التجاربِ الاثِلة والباه ِ‬
‫ترفا فكريّا ‪ ،‬ول طرحا سياسيا ؛ بل هو دعوةٌ مُِلحّةٌ من أجلِ سعادتِك‪.‬‬

‫س النسانيةِ ؛ آخذا ف‬
‫الرابعة ‪:‬هذا الكتابُ للمسلم وغيه ‪ ،‬فراعيتُ فيه الشاعر ومنافذ النف ِ‬
‫العتبار النهج الربانّ الصحيح ‪ ،‬وهو دينُ الفطرِة‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪4‬‬

‫الامسةِ ‪ :‬سوف تدُ ف الكتاب نُقولتٍ عن شرقيي وغربيّي ‪ ،‬ولعلّه ل تثريب علىّ ف ذلك‬
‫؛ فالكمة ضالةُ الؤمنِ ‪ ،‬أنّى وجدها فهو أحقّ با‪.‬‬

‫السادسة ‪ :‬ل أجعلْ للكتاب حواشي ‪ ،‬تفيفا للقارئ وتسهيلً له ‪ ،‬لتكون قراءاته مستمرّةً‬
‫وفكرُه متصلً‪ .‬وجعلتُ الرجع مع النقلِ ف أصلِ الكتاب ِ‪.‬‬
‫السابعةِ ‪ :‬ل أنقلْ رقم الصفحةِ ول الزءِ ‪ ،‬مقتديا بنْ سبق ف ذلك ؛ ورأيتُه أنفع وأسهل ‪،‬‬
‫فحينا أنقلُ بتصرّفٍ ‪ ،‬وحينا بالنصّ ‪ ،‬أو با فهمتُه من الكتابِ أو القالةِ‪.‬‬

‫الثامنةِ‪:‬ل أرتبْ هذا الكتاب على البوابِ ول على الفصولِ ‪ ،‬وإنا نوعتُ فيه الطّرح ‪ ،‬فربّما‬
‫أداخلُ بي الفِقراتِ ‪ ،‬وأنتقلُ منْ حديثٍ إل آخر وأعو ُد للحديثِ بعد صفحاتٍ ‪ ،‬ليكون‬
‫أمتع للقارئ وألذّ لهُ وأطرف لنظرهِ‪.‬‬
‫التاسعةِ ‪:‬ل أُ ِط ْل بأرقامِ الياتِ أو تريجِ الحاديث ؛ فإنْ كان الديثُ فيه ضعفٌ بيّنتُهُ ‪ ،‬وإن‬
‫كان صحيحا أو حسنا ذكرتُ ذلك أو سكتّ‪ .‬وهذا كلّه طلبا للختصار ‪ ،‬وبُعدا عن‬
‫التكرارِ والكثا ِر والمللِ ‪ (( ،‬والتشبّعُ با ل يُعط كلبسِ ثوبْ زُورٍ ))‪.‬‬

‫العاشرة ‪:‬ربا يلْحظُ القارئُ تكرارا لبعض العان ف قوالب شتّى ‪ ،‬وأساليب متنوعةٍ ‪ ،‬وأنا‬
‫ت هذا الصنيع لتثبت الفكرةُ بأكثر من طرحٍ ‪ ،‬وترسخ العلومةُ بغزارةِ‬
‫قصدتُ ذلك وتعمد ُ‬
‫النقلِ ‪ ،‬ومن يتدبّرِ القرآن يدْ ذلك‪.‬‬
‫تلك عشرةٌ كاملةٌ ‪ ،‬أقدّمها لن أراد أن يقرأ هذا الكتاب ‪ ،‬وعسى أن يم ّل هذا الكتاب‬
‫صدْقا ف البِ ‪ ،‬وعدلً ف الكم ِ ‪ ،‬وإنصافا ف القولِ ‪ ،‬ويقينا ف العرفةِ ‪ ،‬وسدادا ف‬
‫الرأيِ ‪ ،‬ونورا ف البصية‪.‬‬
‫صدْ به طائفةً خاصّةً ‪ ،‬أو جيلً بعينهِ ‪،‬‬
‫إنن أخاطبُ فيه الميع ‪ ،‬وأتكلم ‪ ،‬فيه للكلّ ‪ ،‬ول أق ِ‬
‫أو فئةً متحيّزةً ‪ ،‬أو بلدا بذاتهِ ‪ ،‬بل هو لكلّ من أراد أنْ ييا حياة سعيدةً‪.‬‬
‫ت فيهِ الدّرّ حت تركُتهُ‬
‫ورصع ُ‬

‫يُضيءُ بل شسٍ ويسرْي بل قمرْ‬

‫فعينا ُه سحرٌ والبيُ مهّندٌ‬

‫ول درّ الرّمشِ واليدِ والورْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪5‬‬

‫*****************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪6‬‬

‫يــا ال‬
‫سمَاوَاتِ وَاْلأَ ْرضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ‪ :‬إذا اضطرب البحرُ ‪ ،‬وهاج‬
‫﴿ َيسْأَُلهُ مَن فِي ال ّ‬
‫الوجُ ‪ ،‬وهّبتِ الريحُ ‪ ،‬نادى أصحابُ السفينةِ ‪ :‬يا ال‪.‬‬

‫إذا ضلّ الادي ف الصحراءِ ومال الركبُ عن الطريقِ ‪ ،‬وحارتِ القافل ُة ف السيِ ‪ ،‬نادوا ‪ :‬يا‬

‫ال‪.‬‬

‫إذا وقعت الصيبةُ ‪ ،‬وحّلتِ النكب ُة وجثمتِ الكارثةُ ‪ ،‬نادى الصابُ النكوبُ ‪ :‬يا ال‪.‬‬
‫ت البوابُ أمام الطالبي ‪ ،‬وأُسدِلتِ الستورُ ف وجوهِ السائلي ‪ ،‬صاحوا ‪ :‬يا ال‪.‬‬
‫إذا أُوصد ِ‬

‫إذا بارتِ الي ُل وضاقتِ السّبُ ُل وانتهتِ المالُ وتقطّعتِ البالُ ‪ ،‬نادوا ‪ :‬يا ال‪.‬‬

‫إذا ضاقتْ عليك الرضُ با رحُبتْ وضاقتْ عليك نفسُك با حلتْ ‪ ،‬فاهتفْ‪ :‬يا ال‪.‬‬
‫إليه يصعدُ الكِلمُ الطيبُ ‪ ،‬والدعاءُ الالصُ ‪ ،‬والاتفُ الصّادقُ ‪ ،‬والدّمعُ البيءُ ‪ ،‬والتفجّع‬
‫الوالِهُ‪.‬‬
‫ف ف السْحارِ ‪ ،‬واليادي ف الاجات ‪ ،‬والعيُ ف اللمّاتِ ‪ ،‬والسئلةُ ف‬
‫إليه تُمدّ الكُ ّ‬
‫الوادث‪.‬‬
‫باس ِه تشدو اللس ُن وتستغيثُ وتلهجُ وتنادي‪،‬وبذكرهِ تطمئنّ القلوبُ وتسكنُ الرواحُ ‪،‬‬

‫وتدأُ الشاعر وتبدُ العصابُ ‪ ،‬ويثوبُ الرّ ْشدُ ‪ ،‬ويستقرّ اليقيُ‪ ﴿ ،‬ال ّلهُ َلطِيفٌ ِبعِبَادِهِ ﴾‬

‫ال ‪ :‬أحسنُ الساءِ وأجلُ الروفِ ‪ ،‬وأصدقُ العباراتِ ‪ ،‬وأثنُ الكلماتِ‪ ﴿ ،‬هَلْ َتعْ َلمُ َلهُ‬

‫َسمِيّا ﴾ ؟!‪.‬‬

‫الُ ‪ :‬فإذا الغن والبقاءُ ‪ ،‬والقو ُة والنّصرةُ ‪ ،‬والعزّ والقدرةُ والِ ْكمَةُ ‪ّ ﴿ ،‬ل َمنِ اْلمُلْكُ الْيَوْمَ‬

‫لِ ّلهِ الْوَا ِحدِ اْل َقهّارِ ﴾ ‪.‬‬

‫ال ‪ :‬فإذا اللطفُ والعنايةُ ‪ ،‬والغوْثُ والددُ ‪ ،‬والوُدّ والحسان‪َ ﴿ ،‬ومَا بِكُم مّن ّنعْ َمةٍ َفمِنَ‬
‫ال ّلهِ ﴾ ‪.‬‬

‫ال ‪ :‬ذو الللِ والعظمةِ ‪ ،‬واليبةِ والبوتِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪7‬‬

‫اللهم فاجعلْ مكان اللوعة سلْوة ‪ ،‬وجزاء الزنِ سرورا ‪ ،‬وعند الوفِ أمنْا‪ .‬اللهم أبردْ لعِج‬
‫القلبِ بثلجِ اليقيِ ‪ ،‬وأطفئْ جْر الرواحِ باءِ اليانِ‪.‬‬
‫يا ربّ ‪ ،‬ألق على العيونِ السّاهرةِ نُعاسا أمنةً منك ‪ ،‬وعلى النفوسِ الضْطربةِ سكينة ‪ ،‬وأثبْها‬
‫ب اهدِ حيارى البصائرْ إل نورِكْ‪ ،‬وضُلّل الناهجِ إل صراطكْ ‪ ،‬والزائغي‬
‫فتحا قريبا‪ .‬يا ر ّ‬
‫عن السبيل إل هداك‪.‬‬
‫اللهم أزل الوساوس بفجْر صادقٍ من النور‪ ،‬وأزهقْ باطل الضّمائرِ بفيْلقٍ من القّ ‪ ،‬وردّ كيد‬
‫الشيطانِ بددٍ من جنودِ عوْنِك مُسوّمي‪.‬‬
‫اللهم أذهبْ عنّا الزن ‪ ،‬وأز ْل عنا المّ ‪ ،‬واطردْ من نفوسنِا القلق‪.‬‬
‫نعوذُ بك من الوْفِ إل منْك ‪ ،‬والركونِ إل إليك ‪ ،‬والتوكلِ إل عليك ‪ ،‬والسؤالِ إل منك ‪،‬‬
‫والستعانِة إل بك ‪ ،‬أنت وليّنا ‪ ،‬نعم الول ونعم النصي‪.‬‬
‫***************************************‬

‫كن سعيدا‬
‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫اليان والعمل الصال ها سر حياتك الطيبة ‪ ،‬فاحرص عليهما‪.‬‬
‫اطلب العلم والعرفة ‪ ،‬وعليك بالقراءة فإنا تذهب الم‪.‬‬
‫جدد التوبة واهجر العاصي ؛ لنا تنغص عليك الياة‪.‬‬
‫عليك بقراءة القرآن متدبرا ‪،‬وأكثر من ذكر ال دائما‪.‬‬
‫أحسن إل الناس بأنواع الحسان ينشرح صدرك‪.‬‬
‫كن شجاعا ل وجلً خائفا ‪ ،‬فالشجاع منشرح الصدر‪.‬‬
‫طهر قلبك من السد والقد والدغل والغش وكل مرض‪.‬‬
‫اترك فضول النظر والكلم والستماع والخالطة والكل والنوم‪.‬‬
‫انمك ف عمل مثمر تنسَ هومك وأحزانك‪.‬‬
‫عش ف حدود يومك وانس الاضي والستقبل‪.‬‬
‫انظر إل من هو دونك ف الصورة والرزق والعافية ونوها‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪8‬‬

‫ قدّر أسوأ الحتمال ث تعامل معه لو وقع‪.‬‬‫ ل تطاوع ذهنك ف الذهاب وراء اليالت الخيفة والفكار السيئة‪.‬‬‫ ل تغضب ‪ ،‬واصب واكظم واحلم وسامح ؛ فالعمر قصي‪.‬‬‫ ل تتوقع زوال النعم وحلول النقم ‪ ،‬بل على ال توكل‪.‬‬‫ أعطِ الشكلة حجمها الطبيعي ول تضخم الوادث‪.‬‬‫ تلص من عقدة الؤامرة وانتظار الكاره‪.‬‬‫ بسّط الياة واهجر الترف ‪ ،‬ففضول العيش شغل ‪ ،‬ورفاهية السم عذاب للروح‪.‬‬‫ قارن بي النعم الت عندك والصائب الت حلت بك لتجد الرباح أعظم من السائر‪.‬‬‫ القوال السيئة الت قيلت فيك لن تضرك ‪ ،‬بل تضر صاحبها فل تفكر فيها‪.‬‬‫ صحح تفكيك ‪ ،‬ففكر ف النعم والنجاح والفضيلة‪.‬‬‫ ل تنتظر شكرا من أحد ‪ ،‬فليس لك على أحد حق ‪ ،‬وافعل الحسان لوجه ال فحسب‪.‬‬‫ حدد مشروعا نافعا لك ‪ ،‬وفكر فيه وتشاغل به لتنسى هومك‪.‬‬‫ احسم عملك ف الال ول تؤخر عمل اليوم إل غد‪.‬‬‫ تعلم العمل النافع الذي يناسبك ‪ ،‬واعمل العمل الفيد الذي ترتاح إليه‪.‬‬‫ فكر ف نعم ال عليك ‪ ،‬وتدث با واشكر ال عليها‪.‬‬‫ اقنع با آتاك ال من صحة ومال وأهل وعمل‪.‬‬‫ تعامل مع القريب والبعيد برؤية الحاسن وغض الطرف عن العائب‪.‬‬‫ تغافل عن الزلت والشائعات وتتبع السقطات وأخبار الناس‪.‬‬‫ عليك بالشي والرياضة والهتمام بصحتك ؛ فالعقل السليم ف السم السليم‪.‬‬‫ ادع ال دائما بالعفو والعافية وصال الال والسلمة‪.‬‬‫*****************************‬

‫فكر واشكر‬

‫ل تحزن‬
‫‪9‬‬

‫العن ‪ :‬أن تذكر نِعم الِ عليك فإذا هي ت ْغمُرُك م ْن فوقِك ومن تتِ قدميْك ﴿ وَإِن َتعُدّواْ‬

‫صحّ ٌة ف بدنٍ ‪ ،‬أمنٌ ف وطن ‪ ،‬غذاءٌ وكساءٌ ‪ ،‬وهواءٌ وماءٌ ‪ ،‬لديك‬
‫حصُوهَا ﴾ ِ‬
‫ِن ْعمَةَ ال ّلهِ لَ ُت ْ‬
‫الدنيا وأنت ما تشعرُ ‪ ،‬تلكُ الياةً وأنت ل تعلمُ ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ ِن َع َمهُ ظَا ِهرَةً وَبَاطَِنةً﴾‬

‫عندك عينان ‪ ،‬ولسانٌ وشفتانِ ‪ ،‬ويدانِ ورجلنِ ﴿ فَبَِأيّ آلَاء رَبّ ُكمَا تُ َكذّبَانِ ﴾ هلْ هي‬
‫مسألةٌ سهلةٌ أنْ تشي على قدميْك ‪ ،‬وقد بُتِرتْ أقدامٌ؟! وأنْ تعتمِد على ساقيْك ‪ ،‬وقد قُطِعتْ‬
‫سوقٌ؟! أحقيقٌ أن تنام ملء عينيك وقدْ أطار اللُ نوم الكثيِ؟! وأنْ تل معدتك من الطعامِ‬
‫الشهيّ وأن تكرع من الاءِ الباردِ وهناك من عُكّر عليه الطعامُ ‪ ،‬ونُغّص عليه الشّرابُ بأمراضٍ‬
‫وأسْقامٍ ؟! تفكّر ف سْعِك وقدْ عُوفيت من الصّمم ‪ ،‬وتأملْ ف نظرِك وقدْ سلمت من العمى ‪،‬‬
‫وانظر إل جِ ْلدِك وقد نوْت من البصِ والُذامِ ‪ ،‬والحْ عقلك وقدْ أنعم عليك بضورهِ ول‬
‫تُفجعْ بالنو ِن والذهولِ‪.‬‬
‫أتريدُ ف بصرِك وحدهُ كجبلِ أُ ُحدٍ ذهبا ؟! أتبّ بيع سعِك وزن ثهلن فضةّ ؟! هل تشتري‬
‫قصور الزهراءِ بلسانِك فتكون أبكم؟! هلْ تقايضُ بيديك مقابل عقو ِد اللؤلؤ والياقوتِ لتكون‬
‫ش مهموما مغموما‬
‫أقطع؟! إنك ف نِعمٍ عميمةٍ وأفضالٍ جسيمةٍ ‪ ،‬ولكنك ل تدريْ ‪ ،‬تعي ُ‬
‫حزينا كئيبا ‪ ،‬وعندك الب ُز الدافئُ ‪ ،‬والا ُء الباردُ ‪ ،‬والنومُ الانئُ ‪ ،‬والعافيةُ الوارفةُ ‪ ،‬تتفكرُ ف‬
‫الفقودِ ول تشكرُ الوجود‪ ،‬تنعجُ من خسارةٍ ماليّةٍ وعندك مفتاحُ السعادة‪ ،‬وقناطيُ مقنطرةٌ‬
‫صرُونَ ﴾ فكّرْ ف‬
‫من اليِ والواهبِ والنعمِ والشياءِ ‪ ،‬فكّرْ واشكرْ ﴿ وَفِي أَنفُسِ ُكمْ أَفَلَا تُ ْب ِ‬

‫نفسك ‪ ،‬وأهلِك ‪ ،‬وبيتك ‪ ،‬وعملِك ‪ ،‬وعافيتِك ‪ ،‬وأصدقائِك ‪ ،‬والدنيا من حولِك ﴿َي ْعرِفُونَ‬

‫ِن ْعمَتَ ال ّلهِ ُثمّ يُن ِكرُوَنهَا ﴾ ‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫ما مضى فات‬

‫ل تحزن‬
‫‪10‬‬

‫تذكّرُ الاضي والتفاعلُ معه واستحضارُه ‪ ،‬والزنُ لآسيه حقٌ وجنونٌ ‪ ،‬وقتلٌ للراد ِة وتبديدٌ‬
‫للحياةِ الاضرةِ‪ .‬إن ملفّ الاضي عند العقلء يُ ْطوَى ول يُرْوى ‪ ،‬يُ ْغلَقُ عليه أبدا ف زنزانةِ‬
‫النسيانِ ‪ ،‬يُقّيدُ ببا ٍل قوّيةٍ ف سجنِ الهالِ فل يرجُ أبدا ‪ ،‬وُي ْوصَدُ عليه فل يرى النورَ ؛ لنه‬
‫ححُهُ ‪ ،‬ل الكدرُ يييهِ ‪ ،‬لنُه‬
‫مضى وانتهى ‪ ،‬ل الز ُن يعيدُهَ ‪ ،‬ول المّ يصلحهُ ‪ ،‬ول الغ ّم يص ّ‬
‫عدمٌ ‪ ،‬ل تعشْ ف كابوس الاضي وتت مظلةِ الفائتِ ‪ ،‬أنقذْ نفسك من شبحِ الاضي ‪ ،‬أتريدُ‬
‫أن ت ُردّ النهر إل َمصِبّهِ ‪ ،‬والشمس إل مطلعِها ‪ ،‬والطفل إل بطن أمّهِ ‪ ،‬واللب إل الثدي ‪،‬‬
‫والدمعة إل العيِ ‪ ،‬إنّ تفاعلك مع الاضي ‪ ،‬وقلقك منهُ واحتراقك بنارهِ ‪ ،‬وانطراحك على‬
‫ي رهيبٌ ميفٌ مفزعٌ‪.‬‬
‫أعتابهِ وضعٌ مأساو ّ‬
‫القراءةُ ف دفتر الاضي ضياعٌ للحاضرِ ‪ ،‬وتزي ٌق للجهدِ ‪ ،‬ونسْفٌ للساعةِ الراهنةِ ‪ ،‬ذكر الُ‬
‫المم وما فعلتْ ث قال ‪ ﴿ :‬تِ ْلكَ ُأ ّمةٌ َقدْ خَلَتْ ﴾ انتهى الم ُر وُقضِي ‪ ،‬ول طائل من تشريحِ‬
‫جثة الزمانِ ‪ ،‬وإعادةِ عجلةِ التاريخ‪.‬‬
‫إن الذي يعودُ للماضي ‪ ،‬كالذي يطحنُ الطحي وهو مطحونٌ أصلً ‪ ،‬وكالذي ينشرُ نشارةُ‬
‫الشبِ‪ .‬وقديا قالوا لن يبكي على الاضي ‪ :‬ل ترج الموات من قبورهم ‪ ،‬وقد ذكر من‬
‫يتحدثُ على ألسن ِة البهائمِ أنمْ قالوا للحمارِ ‪ :‬لَ ل تترّ؟ قال ‪ :‬أكرهُ الكذِب‪.‬‬
‫إن بلءنا أننا نعْجزُ عن حاضِرنا ونشتغلُ باضينا ‪ ،‬نملُ قصورنا الميلة ‪ ،‬ونندبُ الطلل‬
‫البالية ‪ ،‬ولئ ِن اجتمعتِ النسُ والنّ على إعادةِ ما مضى لا استطاعوا ؛ لن هذا هو الحالُ‬
‫بعينه‪.‬‬
‫إن الناس ل ينظرون إل الوراءِ ول يلتفتون إل اللفِ ؛ لنّ الرّيح تتجهُ إل المامِ والاءُ‬
‫ينحدرُ إل المامِ ‪ ،‬والقافل ُة تسيُ إل المامِ ‪ ،‬فل تالفْ سُنّة الياة‪.‬‬
‫****************************************‬

‫يومك يومكَ‬

‫ل تحزن‬
‫‪11‬‬

‫إذا أصبحتَ فل تنتظر الساءُ ‪ ،‬اليوم فحسْبُ ستعيشُ ‪ ،‬فل أمسُ الذي ذهب بيِهِ وشرِهِ ‪،‬‬
‫ك شسُه ‪ ،‬وأدركك نارُهُ هو يومُك فحسْبُ‬
‫ول الغدُ الذي ل يأتِ إل الن‪ .‬اليومُ الذي أظلّْت َ‬
‫‪ ،‬عمرُك يو ٌم واحدٌ ‪ ،‬فاجعلْ ف خلدِك العيش لذا اليومِ وكأنك ولدت فيهِ وتوتُ فيهِ ‪ ،‬حينها‬
‫ل تتعثرُ حياتُك بي هاجسِ الاضي وهّ ِه وغمّهِ ‪ ،‬وبي توقعِ الستقبلِ وشبحِهِ الخيفِ وزحفِهِ‬
‫الرعبِ ‪ ،‬لليو ِم فقطْ اصرفْ تركيزك واهتمامك وإبداعك وكدّك وجدّك ‪ ،‬فلهذا اليومِ لبد‬
‫أن تقدم صلةً خاشعةً وتلوةً بتدبرٍ واطلعا بتأملٍ ‪ ،‬و ِذكْرا بضورٍ ‪ ،‬واتزانا ف المور ‪،‬‬
‫و ُحسْنا ف خلقِ ‪ ،‬ورضا بالقسومِ ‪ ،‬واهتماما بالظهرِ ‪ ،‬واعتناءً بالسمِ ‪ ،‬ونفعا للخرين‪.‬‬
‫لليوم هذا الذي أنت فيه فتقُسّم ساعاتِه وتعل من دقائقه سنواتٍ ‪ ،‬ومن ثوانيهِ شهورا ‪ ،‬تزرعُ‬
‫فيه اليْر ‪ ،‬تُسدي فيه الميل ‪ ،‬تستغفرُ فيه من الذنب ‪ ،‬تذكرُ فيه الربّ ‪ ،‬تتهيأ للرحيلِ ‪،‬‬
‫تعيشُ هذا اليوم فرحا وسرورا ‪ ،‬وأمنا وسكينةً ‪ ،‬ترضى فيه برزقِك ‪ ،‬بزوجتِك‪ ،‬بأطفالِك‬
‫ش هذا‬
‫خذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن ّمنَ الشّا ِكرِينَ ﴾ تعي ُ‬
‫بوظيفتك ‪ ،‬ببيتِك ‪ ،‬بعلمِك ‪ُ ،‬بسْتواك ﴿ َف ُ‬
‫اليوم بل حُزْ ٍن ول انزعاجٍ ‪ ،‬ول سخطٍ ول حقدٍ ‪ ،‬ول حسدٍ‪.‬‬
‫إن عليك أن تكتب على لوحِ قلبك عبارةً واحدة تعلُها أيضا على مكتبك تقول العبارة ‪:‬‬

‫(يومك يومُك)‪ .‬إذا أكلت خبزا حارّا شهيّا هذا اليوم فهل يضُرّك خبزُ المسِ الافّ الرديء‬

‫‪ ،‬أو خبزُ غ ٍد الغائبِ النتظرِ‪.‬‬
‫إذا شربت ماءً عذبا زللً هذا اليوْم ‪ ،‬فلماذا تزنُ من ماءِ أمس اللحِ الجاجِ ‪ ،‬أو تتمّ لاءِ‬
‫غدٍ السنِ الارّ‪.‬‬
‫إنك لو صدقت مع نفسِك بإرادةٍ فولذي ٍة صارمةٍ عارمةٍ لخضعتها لنظرية‪( :‬لن أعيش إل‬

‫هذا اليوْم )‪ .‬حينها تستغلّ كلّ لظة ف هذا اليوم ف بناءِ كيانِك وتنميةِ مواهبك ‪ ،‬وتزكيةِ‬
‫عملكُ ‪ ،‬فتقول ‪ :‬لليوم فقطْ أُهذّبُ ألفاظي فل أنطقُ هُجرا أو ُفحْشا ‪ ،‬أو سبّا ‪ ،‬أو غيبةً ‪،‬‬
‫لليوم فقطْ سوف أرتبُ بيت ومكتبت ‪ ،‬فل ارتباكٌ ول بعثرةٌ ‪ ،‬وإنا نظامٌ ورتابةٌ‪ .‬لليوم فقط‬
‫سوف أعيشُ فأعتن بنظافةِ جسمي ‪ ،‬وتسي مظهري والهتمامِ بندامي ‪ ،‬والتزا ِن ف مشيت‬
‫وكلمي وحركات‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪12‬‬

‫لليوم فقطْ سأعيشُ فأجتهدُ ف طاع ِة ربّي ‪ ،‬وتأديةِ صلت على أكملِ وجهِ ‪ ،‬والتزودِ‬
‫بالنوافلِ ‪ ،‬وتعاه ِد مصحفي ‪ ،‬والنظرِ ف كتب ‪ ،‬وحفظِ فائدةٍ ‪ ،‬ومطالعةِ كتابٍ نافعٍ‪.‬‬
‫س ف قلب الفضيلةً وأجتثّ منه شجرة الش ّر بغصونِها الشائكةِ من كِبْرٍ‬
‫لليومِ فقطْ سأعيشُ فأغر ُ‬
‫وعُجبٍ وريا ٍء وحسدٍ وحقدٍ و ِغلّ وسوءِ ظنّ‪.‬‬
‫ش فأنفعُ الخرين ‪ ،‬وأسدي الميلَ إل الغي ‪ ،‬أعودُ مريضا ‪ ،‬أشّيعُ‬
‫لليوم فقط سوف أعي ُ‬
‫جنازةً ‪ ،‬أ ُدلّ حيان ‪ ،‬أُطعمُ جائعا ‪ ،‬أف ّرجُ عن مكروبٍ ‪ ،‬أقفٌ مع مظلومٍ ‪ ،‬أشفعُ لضعيفٍ ‪،‬‬
‫أواسي منكوبا‪ ،‬أكرمُ عالا ‪ ،‬أرحمُ صغيا ‪ ،‬أجِلّ كبيا‪.‬‬
‫لليوم فقط سأعيشُ ؛ فيا ماضٍ ذهب وانتهى اغربْ كشمِسك ‪ ،‬فلن أبكي عليك ولن تران‬
‫ف لتذكرك لظة ؛ لنك تركتنا وهجرتنا وارتلْت عنّا ولن تعود إلينا أبد البدين‪.‬‬
‫أق ُ‬
‫ويا مستقبلُ أنْت ف عا ِل الغيبِ فلنْ أتعامل مع الحلمِ ‪ ،‬ولن أبيع نفسي مع الوهام ولن‬
‫أتعجّلَ ميلد مفقودٍ ‪ ،‬لنّ غدا ل شيء ؛ لنه ل يلق ولنه ل يكن مذكورا‪.‬‬
‫يومك يومُك أيها النسانُ أروعُ كلمةٍ ف قاموسِ السعادةِ لن أراد الياة ف أبى صورِها‬
‫وأجلِ حُلِلها‪.‬‬
‫****************************************‬

‫اتركِ الستقبلَ حت يأتَ‬
‫﴿ أَتَى َأ ْمرُ ال ّلهِ َفلَ َتسَْت ْعجِلُوهُ ﴾ ل تستبقِ الحداث ‪ ،‬أتريدُ إجهاض الم ِل قبْل تا ِمهِ؟!‬
‫وقطف الثمرةِ قبل النضج ؟! إنّ غدا مفقودٌ ل حقيقة لهُ ‪ ،‬ليس له وجودٌ ‪ ،‬ول طعمٌ ‪ ،‬ول‬
‫لونٌ ‪ ،‬فلماذا نشغلُ أنفسنا بهِ ‪ ،‬ونتوجّسُ من مصائِبِهِ ‪ ،‬ونتمّ لوادثهِ ‪ ،‬نتوقعُ كوارثهُ ‪ ،‬ول‬
‫ندري هلْ يُحالُ بيننا وبينهُ ‪ ،‬أو نلقاهُ ‪ ،‬فإذا هو سرو ٌر وحبورٌ ؟! الهمّ أنه ف عالِ الغيبِ ل‬
‫يصلْ إل الرضِ ب ْعدَ ‪ ،‬إن علينا أنْ ل نعب جسرا حت نأتيه ‪ ،‬ومن يدري؟ لعلّنا نقِف قبل‬
‫وصولِ السرِ ‪ ،‬أو لعلّ الس َر ينها ُر قبْل وصولِنا ‪ ،‬وربّما وصلنا السر ومررنا عليه بسلمٍ‪.‬‬
‫ب الغيبِ ث الكتواءِ بالزعجاتِ‬
‫إن إعطاء الذهنِ مساحةً أوسع للتفكيِ ف الستقبلِ وفتحِ كتا ِ‬
‫التوقعةِ مقوتٌ شرعا ؛ لنه طولُ أملٍ ‪ ،‬وهو مذمومٌ عقلً ؛ لنه مصارعةُ للظلّ‪ .‬إن كثيا من‬

‫ل تحزن‬
‫‪13‬‬

‫هذا العال يتوقُع ف مُستقبلهِ الوعَ العري والرضَ والفق َر والصائبَ ‪ ،‬وهذا كلّه من مُقرراتِ‬
‫مدارسِ الشيطانِ ﴿ الشّيْطَانُ َي ِعدُ ُكمُ اْل َفقْرَ وََي ْأ ُمرُكُم بِاْل َفحْشَاء وَال ّلهُ َي ِعدُكُم ّم ْغ ِفرَةً مّ ْنهُ‬
‫وَ َفضْلً‬

‫﴾‪.‬‬

‫كث ٌي همْ الذين يبكون ؛ لنم سوف يوعون غدا‪ ،‬وسوف يرضون بعد سنةٍ‪ ،‬وسوف ينتهي‬
‫العالُ بعد مائةِ عام‪ .‬إ ّن الذي عمرُه ف يد غيه ل ينبغي لهُ أن يراهن على العدمٍ ‪ ،‬والذي ل‬
‫ت ل يوزُ لهُ الشتغالُ بشيءٍ مفقودٍ ل حقيقة له‪.‬‬
‫يدرِي مت يو ُ‬
‫اترك غدا حت يأتيك ‪ ،‬ل تسأل عن أخبارِه ‪ ،‬ل تنتظر زحوفه ‪ ،‬لنك مشغولٌ باليوم‪.‬‬
‫وإن تعجبْ فعجبٌ هؤلء يقترضون المّ نقدا ليقضوه نسيئةً ف يومٍ ل تُشرق شسُه ول ير‬
‫النور ‪ ،‬فحذار من طو ِل الملِ‪.‬‬
‫****************************************‬

‫كيف تواجه النقد الث ؟‬
‫الرّقعاءُ السّخفاءُ سبّوا الالق الرّازق جلّ ف عله ‪ ،‬وشتموا الواحد الحد ل إله إل هو ‪،‬‬
‫فماذا أتوقعُ أنا وأنت وننُ أهل اليف والطأ ‪ ،‬إنك سوف تواجهُ ف حياتِك حرْبا! ضرُوساُ‬
‫ل هوادة فيها من النّقدِ الثِ الرّ ‪ ،‬ومن التحطيم الدروسِ القصودِ ‪ ،‬ومن الهانةِ التعمّدةِ‬
‫مادام أنك تُعطي وتبن وتؤثرُ وتسط ُع وتلمعُ ‪ ،‬ولن يسكت هؤلءِ عنك حت تتخذ نفقا ف‬
‫الرضِ أو سلما ف السماءِ فتفرّ منهم ‪ ،‬أما وأنت بي أظهرِ ِهمْ فانتظ ْر منهمْ ما يسوؤك ويُبكي‬
‫عينك ‪ ،‬ويُدمي مقلتك ‪ ،‬ويقضّ مضجعك‪.‬‬
‫إن الالس على الرضِ ل يسقطُ ‪ ،‬والناسُ ل يرفسون كلبا ميتا ‪ ،‬لكنهم يغضبون عليك‬
‫لنك فُقْتَهمْ صلحا ‪ ،‬أو علما ‪ ،‬أو أدبا ‪ ،‬أو مالً ‪ ،‬فأنت عندهُم مُذنبٌ ل توبة لك حت‬
‫تترك مواهبك ونِ َعمَ الِ عليك ‪ ،‬وتنخلع من كلّ صفاتِ المدِ ‪ ،‬وتنسلخ من كلّ معان‬
‫النبلِ ‪ ،‬وتبقى بليدا ! غبيّا ‪ ،‬صفرا مطّما ‪ ،‬مكدودا ‪ ،‬هذا ما يريدونهُ بالضبطِ‪ .‬إذا فاصمد‬
‫لكلمِ هؤلءِ ونقده ْم وتشوي ِه ِهمْ وتقيِهمْ (( أثبتْ أُ ُحدٌ )) وكنْ كالصخرةِ الصامتةِ الهيبةِ‬
‫تتكسرُ عليها حبّاتُ البدِ لتثبت وجودها وقُدرتا على البقاءِ‪ .‬إنك إنْ أصغيت لكلمِ هؤلءِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪14‬‬

‫وتفاعلت به حققت أمنيتهُم الغالية ف تعكيِ حياتِك وتكديرِ عمرك ‪ ،‬أل فاصفح الصّفْح‬
‫الميل ‪ ،‬أل فأعرضْ عنهمْ ول تكُ ف ضيقٍ ما يكرون‪ .‬إن نقدهمُ السخيف ترجةٌ مترمةٌ‬
‫لك ‪ ،‬وبقدرِ وزنِك يكُون النق ُد الثُ الفتعلُ‪.‬‬
‫إنك لنْ تستطيع أن تغلق أفواه هؤلءِ ‪ ،‬ولنْ تستطيع أن تعتقل ألسنتهم لكنك تستطيعُ أن‬
‫تدفن نقدهُم وتنّيهم بتجافيك لم ‪ ،‬وإهالك لشأنمْ ‪ ،‬واطّراحك لقوا ِلمِ!‪ُ ﴿ .‬قلْ مُوتُواْ‬

‫ِبغَيْظِ ُكمْ ﴾ بل تستطيعُ أ ْن تصبّ ف أفوا ِههِمُ الرْ َدلَ بزيادةِ فضائلك وتربيةِ ماسنِك وتقوي‬
‫اعوجاجِك‪ .‬إنْ كنت تُريد أن تكون مقبولً عند الميع ‪ ،‬مبوبا لدى الكلّ ‪ ،‬سليما من‬
‫العيوبِ عند العالِ ‪ ،‬فقدْ طلبت مستحيلً وأمّلت أملً بعيدا‪.‬‬
‫************************************************‬

‫ل تنتظرْ شكرا من أحدٍ‬
‫خلق الُ العباد ليذكرو ُه ورزق الُ الليقة ليشكروهُ ‪ ،‬فعبد الكثيُ غيه ‪ ،‬وشك َر الغال ُ‬
‫ب‬
‫سواه ‪ ،‬لنّ طبيعة الحو ِد والنكرانِ والفا ِء وكُفْرانِ النّعم غالبةٌ على النفوس ‪ ،‬فل ُتصْدمْ إذا‬
‫وجدت هؤل ِء قد كفروا جيلك ‪ ،‬وأحرقوا إحسانك ‪ ،‬ونسوا معروفك ‪ ،‬بل ربا ناصبوك‬

‫العِداءَ ‪ ،‬ورموك بنجنيق القدِ الدفي ‪ ،‬ل لشيءٍ إل لنك أحسنت إليهمْ ﴿ َومَا َن َقمُواْ إِلّ أَنْ‬

‫َأغْنَا ُهمُ ال ّلهُ وَرَسُوُلهُ مِن َفضْ ِلهِ ﴾ وطالعْ سجلّ العالِ الشهود ‪ ،‬فإذا ف فصولِهِ قصةُ أبٍ ربّى‬
‫ابن ُه وغذّاهُ وكساهُ وأطعمهُ وسقاهُ ‪ ،‬وأدّبهُ ‪ ،‬وعلّمهُ ‪ ،‬سهر لينام ‪ ،‬وجاع ليشبع ‪ ،‬وتعِب‬
‫ليتاح ‪ ،‬فلمّا طرّ شاربُ هذا البن وقوي ساعده ‪ ،‬أصبح لوالدهِ كالكلبِ العقورِ ‪ ،‬استخفافا‬
‫‪ ،‬ازدراءً ‪ ،‬مقتا ‪ ،‬عقوقا صارخا ‪ ،‬عذابا وبيلً‪.‬‬
‫أل فليهدأ الذين احترقت أوراقُ جيلِهمْ عند منكوسي الفِطرِ ‪ ،‬ومطّمي الراداتِ ‪ ،‬وليهنؤوا‬
‫بعوضِ الثوبةِ عند من ل تنفدُ خزائنُه‪.‬‬
‫إن هذا الطاب الارّ ل يدعوك لتركِ الميلِ ‪ ،‬وعدمِ الحسانِ للغي ‪ ،‬وإنا يوطّنُك على‬
‫انتظار الحودِ ‪ ،‬والتنك ِر لذا المي ِل والحسانِ ‪ ،‬فل تبتئس با كانوا يصنعون‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪15‬‬

‫اعمل الي لِو ْج ِه الِ ؛ لنك الفائزُ على كل حالٍ ‪ ،‬ثّ ل يضرك غ ْمطُ من غمطك ‪ ،‬ول‬
‫جحودُ من جحدك ‪ ،‬واحدِ ال لنك الحسنُ ‪ ،‬واليدُ العليا خيٌ من اليدِ السفلى ﴿ إِّنمَا‬

‫نُ ْط ِعمُكُمْ لِوَ ْجهِ ال ّلهِ لَا ُنرِيدُ مِن ُكمْ َجزَاء وَلَا شُكُورا ﴾ ‪.‬‬

‫وقد ذُهِل كثيٌ من العقلءِ من جبلّةِ الحودِ عند الغوْغاءِ ‪ ،‬وكأنمْ ما سعوا الوحي الليل‬
‫سهُ َكذَلِكَ زُّينَ‬
‫ضرّ ّم ّ‬
‫وهو ينعي على الصنف عتوّه وتردهُ ﴿ َمرّ َكأَن ّلمْ َي ْدعُنَا إِلَى ُ‬

‫لِ ْل ُمسْرِ ِفيَ مَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ ﴾ ل تُفاجأ إذا أهديت بليدا قلما فكتب به هجاءك ‪ ،‬أو منحت‬
‫جافيا عصا يتوكأ عليها ويهشّ با على غنمهِ ‪ ،‬فشجّ با رأسك ‪ ،‬هذا هو الصلُ عند هذهِ‬
‫البشريةِ الحنّطةِ ف كفنِ الحودِ مع باريها جلّ ف عله ‪ ،‬فكيف با معي ومعك ؟!‪.‬‬
‫****************************************‬

‫الحسانُ إل الخرين انشراحٌ للصدر‬
‫المي ُل كاسِهِ ‪ ،‬والعروفُ كرسِهِ ‪ ،‬واليُ كطعمِهِ‪ .‬أولُ الستفيدين من إسعادِ النّاسِ همُ‬
‫التفضّلون بذا السعادِ ‪ ،‬ينون ثرتهُ عاجلً ف نفوسهِمْ ‪ ،‬وأخلقِهم ‪ ،‬وضمائِرِهِم ‪،‬‬
‫فيجدون النشراح والنبساط ‪ ،‬والدوء والسكينة‪.‬‬
‫ل تدِ الفرج‬
‫فإذا طاف بك طائفٌ من همّ أو ألّ بك غمّ فامنحْ غيك معروفا وأسدِ لهُ جي ً‬
‫والرّاحة‪ .‬أعطِ مروما ‪ ،‬انصر مظلوما ‪ ،‬أن ِقذْ مكروبا ‪ ،‬أطعمْ جائعا ‪ِ ،‬عدْ مريضا ‪ ،‬أعنْ‬
‫منكوبا ‪ ،‬تدِ السعادة تغمرُك من بي يديْك ومنْ خلفِك‪.‬‬
‫إنّ فعلَ اليِ كالطيب ينفعُ حاملهُ وبائعه ومشتريهُ ‪ ،‬وعوائدُ اليِ النفسيّة عقاقيُ مباركةٌ‬
‫ف ف صيدلي ِة الذي ُعمِرتْ قلوبُهم بالبّر والحسان‪.‬‬
‫تصر ُ‬

‫ق صدقةٌ جاريةٌ ف عالِ القيمِ (( ولو أن تلقى‬
‫إن توزيع البسماتِ الشرقةِ على فقراءِ الخل ِ‬
‫أخاك بوجهِ ط ْلقِ )) وإن عبوس الوجهِ إعلنُ حربٍ ضروسٍ على الخرين ل يعل ُم قيامها إل‬

‫علّمٌ الغيوبِ‪.‬‬
‫شربةُ ماءِ من كفّ بغي لكلب عقورٍ أثرتْ دخول جنة عرضُها السمواتُ والرضُ ؛ لنّ‬
‫صاحب الثوابِ غفورٌ شكورٌ جيلٌ ‪ ،‬يبّ الميل ‪ ،‬غنٌ حيدٌ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪16‬‬

‫س الشقاءِ والفزع والوفِ هلموا إل بستانِ العروفِ وتشاغلوا‬
‫يا منْ تُهدّد ُهمْ كوابي ُ‬
‫بالخرين‪ ،‬عطا ًء وضيافةً ومواساةً وإعانةً وخدم ًة وستجدون السعادة طعما ولونا وذوقا ﴿ َومَا‬

‫جزَى{‪ }19‬إِلّا ابِْتغَاء وَ ْجهِ رَّبهِ اْلَأعْلَى{‪ }20‬وََلسَوْفَ َيرْضَى ﴾‪.‬‬
‫لِأَ َح ٍد عِندَهُ مِن ّن ْع َمةٍ ُت ْ‬
‫*****************************************‬

‫اطردِ الفراغ بالعملِ‬
‫ف والشائعات لنّ أذهانم موزّعةٌ ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ‬
‫الفارغون ف الياةِ هم أه ُل الراجي ِ‬
‫مَعَ اْلخَوَالِفِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫إنّ أخطر حالت الذهنِ يوم يفرغُ صاحبُه من العملِ ‪ ،‬فيبقى كالسيارةِ السرع ِة ف اندارِ بل‬
‫سائقٍ تنحُ ذات اليمي وذات الشمالِ‪.‬‬
‫يوم تدُ ف حياتك فراغا فتهيّأ حينها للهمّ والغ ّم والفزعِ ‪ ،‬لن هذا الفراغ يسحبُ لك كلّ‬
‫ملفّاتِ الاضي والاضرِ والستقبلِ من أدراج الياةِ فيجعلك ف أمرٍ مريجٍ ‪ ،‬ونصيحت لك‬
‫ولنفسي أن تقوم بأعمالٍ مثمرةٍ بدلً من هذا السترخاءِ القاتلِ لنهُ وأدٌ خفيّ ‪ ،‬وانتحارٌ‬
‫بكبسولٍ مسكّنٍ‪.‬‬
‫إن الفراغً أشبهُ بالتعذيب البطيءِ الذي يارسُ ف سجونِ الصيِ بوضعِ السجيِ تت أنبوبٍ‬
‫يقطُرُ كلّ دقيقةٍ قطرةً ‪ ،‬وف فتراتِ انتظارِ هذه القطراتِ يُصابُ السجيُ بالنونِ‪.‬‬
‫الراحةُ غفلةٌ ‪ ،‬والفراغُ لِصّ مترِفٌ ‪ ،‬وعقلك هو فريسةٌ مزّقةٌ لذه الروبِ الوهيّة‪.‬‬
‫إذا قم الن صلّ أو اقرأ ‪ ،‬أو سبّحْ ‪ ،‬أو طالعْ ‪ ،‬أو اكتبْ ‪ ،‬أو رتّب مكتبك ‪ ،‬أو أصلح‬
‫بيتك ‪ ،‬أو انفعْ غيك حت تقضي على الفراغِ ‪ ،‬وإن لك من الناصحيْ‪.‬‬
‫اذب ْح الفراغ بسكيِ العملِ ‪ ،‬ويضمن لك أطباءُ العال ‪ %50‬من السعادة مقابل هذا الجراءِ‬
‫ئ فحسب ‪ ،‬انظر إل الفلحي والبازين والبنائي يغردون بالناشيد كالعصافيِ ف‬
‫الطار ِ‬
‫سعادةٍ وراحةٍ وأنت على فراشك تسحُ دموعك وتضطرُب لنك ملدوغٌ‪.‬‬
‫****************************************‬

‫ل تكن إمعة‬

‫ل تحزن‬
‫‪17‬‬

‫ل تتقمص شخصية غيك ول تذُب ف الخرين‪ .‬إن هذا هو العذاب الدائم ‪ ،‬وكثيٌ هم الذين‬
‫ينسون أنفسهم وأصواتِهم وحركاتِهم ‪ ،‬وكلمَهم ‪ ،‬ومواهبهم ‪ ،‬وظروفهم ‪ ،‬لينصْهرُوا ف‬
‫ف والصّلفُ ‪ ،‬والحتراقُ ‪ ،‬والعدامُ للكيان وللذّات‪.‬‬
‫شخصيّات الخرين ‪ ،‬فإذا التكلّ ُ‬
‫من آدم إل آخر الليقة ل يتفق اثنانِ ف صورةٍ واحدةٍ ‪ ،‬فلماذا يتفقون ف الواهبِ والخلق‪.‬‬
‫أنت شيءٌ آخرُ ل يسبق لك ف التاريخِ مثيلٌ ولن يأت مثُلك ف الدنيا شبيه‪.‬‬
‫أنت متلف تاما عن زيد وعمرو فل تشرْ نفسك ف سرداب التقليد والحاكاة والذوبان‪.‬‬
‫شرَبَ ُهمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَلِكُلّ وِ ْج َهةٌ هُوَ مُوَلّيهَا‬
‫انطلق على هيئتك وسجيّتك ﴿ َق ْد عَ ِلمَ كُلّ أُنَاسٍ ّم ْ‬

‫فَاسْتَِبقُواْ اْلخَ ْيرَاتِ ﴾ عشْ كما خلقت ل تغي صوتك ‪ ،‬ل تبدل نبتك ‪ ،‬ل تالف مشيتك‬
‫‪ ،‬هذب نفسك بالوحي ‪ ،‬ولكن ل تلغِ وجودك وتقتل استقللك‪.‬‬
‫أنت لك طعم خاص ولون خاص ونريدك أنت بلونك هذا وطعمك هذا ؛ لنك خلقت‬
‫هكذا وعرفناك هكذا ((ل يكن أحدكم إمّعة))‪.‬‬
‫إنّ الناس ف طبائعهمْ أشبهُ بعالِ الشجارِ ‪ :‬حلوٌ وحامضٌ ‪ ،‬وطويلٌ وقصيٌ ‪ ،‬وهكذا‬
‫فليكونوا‪ .‬فإن كنت كالوزِ فل تتحولْ إل سفرجل ؛ لن جالك وقيمتك أن تكون موزا ‪،‬‬
‫ت الباري فل تحد آياته‪.‬‬
‫إن اختلف ألوانِنا وألسنتِنا ومواهبِنا وقدراتِنا آيةٌ منْ آيا ِ‬
‫******************************‬

‫قضاء وقدر‬
‫﴿مَا أَصَابَ مِن ّمصِيبَةٍ فِي الَْأ ْرضِ وَلَا فِي أَنفُسِ ُكمْ إِلّا فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نّ ْبرَأَهَا﴾ ‪ ،‬جفّ‬

‫ت الصحفُ ‪ ،‬قضي المرُ ‪ ،‬كتبت القادير ‪ ﴿ ،‬قُل لّن ُيصِيبَنَا إِلّ مَا كَتَبَ ال ّلهُ لَنَا‬
‫القلمُ ‪ ،‬رُفع ِ‬

‫﴾ ‪ ،‬ما أصابك ل يكنْ لِيُخطئِك ‪ ،‬وما أخطأكَ ل يكنْ لِيُصيِبك‬

‫‪.‬‬

‫إن هذه العقيدة إذا رسختْ ف نفسك وقرّت ف ضميِك صارتْ البليةُ عطيةً ‪ ،‬وا ِلحْنةُ مِنْحةً ‪،‬‬

‫وكلّ الوقائع جوائز وأوسةً ((ومن ُي ِردِ الُ به خيا ُيصِبْ منه)) فل يصيبُك قلقٌ من مرضٍ أو‬
‫ق بيتٍ ‪ ،‬فإنّ الباري قد قدّر والقضاءُ قد حلّ ‪،‬‬
‫ت قريبٍ ‪ ،‬أو خسارةٍ ماليةٍ ‪ ،‬أو احترا ِ‬
‫مو ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪18‬‬

‫والختيارُ هكذا ‪ ،‬واليةُ لِ ‪ ،‬والجرُ حصل ‪ ،‬والذنبُ كُفّر‪.‬هنيئا لهلِ الصائب صبهم‬
‫ورضاهم عن الخذِ ‪ ،‬العطي ‪ ،‬القابضِ ‪ ،‬الباسط ‪ ﴿ ،‬لَا ُيسْأَ ُل عَمّا َي ْفعَلُ وَ ُهمْ ُيسْأَلُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫س صدْرِك حت تؤمن بالقضا ِء‬
‫ولن تدأ أعصابُك وتسكن بلبلُ نفسِك ‪ ،‬وتذْهب وساو ُ‬
‫ق فل تذهبْ نفسُك حسراتٍ ‪ ،‬ل تظنّ أنه كان بوسعِك‬
‫ف القلمُ با أنت ل ٍ‬
‫والقدرِ ‪ ،‬ج ّ‬
‫إيقافُ الدار أن ينهار ‪ ،‬وحْبسُ الاءِ أنْ ينْس ِكبُ ‪ ،‬ومَْنعُ الريحِ أن تبّ ‪ ،‬وحفظُ الزجاج أن‬
‫ينكسر ‪ ،‬هذا ليس بصحيحٍ على رغمي ورغمك ‪ ،‬وسوف يقعُ القدورُ ‪ ،‬وينْفُ ُذ القضاءُ ‪،‬‬
‫ويِلّ الكتوبُ ﴿ َفمَن شَاء فَلْيُ ْؤمِن َومَن شَاء فَلْيَ ْك ُفرْ ﴾ ‪.‬‬

‫سخْط والتذمّر والعويل ‪ ،‬اعترفْ بالقضا ِء قبْل أن يدهك‬
‫استسلمْ للقدر قبْل أن تطوّق بيش ال ّ‬
‫سيْ ُل النّدمِ ‪ ،‬إذا فليهدأ بالُك إذا فعلت السباب ‪ ،‬وبذلت الِيل ‪ ،‬ث وقع ما كنت تذرُ ‪،‬‬
‫فهذا هو الذي كان ينبغي أن يقع ‪ ،‬ول تقُلْ ((لو أن فعلت كذا لكان كذا وكذا ‪ ،‬ولكن‬
‫قُلْ ‪ :‬قدّر الُ وما شاء فعلْ))‪.‬‬
‫***************************************‬

‫سرِ يُسْرا ﴾‬
‫﴿ ِإنّ مَ َع الْعُ ْ‬
‫يا إنسانُ بعد الوع شبعٌ ‪ ،‬وبعْدَ الظّمأ ريّ ‪ ،‬وب ْعدَ السّهرِ نوْمٌ ‪ ،‬وب ْعدَ الرض عافيةٌ ‪ ،‬سوف‬

‫يص ُل الغائبُ ‪ ،‬ويهتدي الضالّ ‪ ،‬ويُفكّ العان ‪ ،‬وينقشعُ الظلمُ ﴿ َف َعسَى ال ّلهُ أَن يَأْتِيَ بِاْلفَ ْتحِ‬
‫أَوْ َأ ْمرٍ مّ ْن عِندِهِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫بشّر الليل بصبح صادق يطاردُهُ على رؤِوسِ البال ‪ ،‬ومسارب الوديةِ ‪ ،‬بشّر الهمومَ بِفرجٍ‬
‫مفاجئ يصِلُ ف سرع ِة الضّوْءِ ‪ ،‬و ُلحِ البصرِ ‪ ،‬بشّرِ النكوب بلطف خفيّ ‪ ،‬وكفٍ حانيةٍ‬
‫وادعةٍ‪.‬‬
‫إذا رأيت الصحراء تتدّ وتتدّ ‪ ،‬فاعلم أنّ وراءها رياضا خضراء وارفةّ الظّللِ‪.‬‬
‫إذا رأيت الِبْل يشت ّد ويشتدّ ‪ ،‬فاعلمْ أنه سوف يَنْق ُطعِ‪.‬‬
‫مع الدمعةِ بسمةٌ ‪ ،‬ومع الوفِ أ ْمنٌ ‪ ،‬ومع الفَ َزعِ سكينةٌ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪19‬‬

‫النارُ ل ترقُ إبراهيم الليلِ ‪ ،‬لنّ الرعايةَ الربانيّة فَتَحتْ نَاِفذَةَ ﴿ َبرْدا وَسَلَاما عَلَى إِْبرَاهِيمَ‬
‫﴾‪.‬‬

‫ت القويّ الصادق نَ َطقَ بـ ﴿ كَلّا إِنّ َمعِيَ رَبّي‬
‫البحرُ ل يُغْرِقُ كَلِيمَ الرّ ْحمَنِ ‪ ،‬ل ّن الصّوْ َ‬

‫سََيهْدِينِ ﴾ ‪.‬‬

‫العصو ُم ف الغارِ بشّرَ صاحِبهُ بأنه و ْحدَهْ جلّ ف عُلهُ معنا ؛ فنل المْ ُن والفتُح والسكينة‪.‬‬
‫إن عبيد ساعاتِهم الراهنةِ ‪ ،‬وأ ِرقّاءَ ظروِفهِمُ القاتةِ ل ي َروْنَ إلّ النّ َكدَ والضّيقَ والتّعاسةَ ‪ ،‬لنم‬
‫لجُبِ‬
‫سبُ‪ .‬أل فلَْيمُدّوا أبصارَهُمْ وراء ا ُ‬
‫حْ‬
‫ل ينظرون إلّ إل جدار الغرف ِة وباب الدّارِ َف َ‬
‫وليُطْلِقُوا أعنة أفكارِ ِهمْ إل ما وراء السوارِ‪.‬‬
‫إذا فل تضِقْ ذرعا فمن الُحالِ دوامُ الالِ ‪ ،‬وأفضلُ العبادِة انتظارُ الفرجِ ‪ ،‬اليامُ دُولٌ ‪،‬‬
‫والده ُر قُّلبٌ ‪ ،‬والليال حُبَال ‪ ،‬والغيبُ مستورٌ ‪ ،‬والكيمُ كلّ يوم هو ف شأنٍ ‪ ،‬ولع ّل ال‬
‫حدِثُ بعد ذلك أمرا ‪ ،‬وإن مع ال ُعسْرِ ُيسْرا ‪ ،‬إن مع ال ُعسْرِ ُيسْرا‪.‬‬
‫ُي ْ‬
‫*******************************‬

‫اصنع من الليمون شرابا حلوا‬
‫ب يوّلُ السائر إل أرباحٍ ‪ ،‬والاهلُ الرّعْديِدُ يعلُ الصيبة مصيبتيِ‪‍ ‍.‬‬
‫الذكيّ الري ُ‬
‫طُرِدَ الرسولُ من مكةَ فأقامَ ف الدينةِ دولةً ملتْ سْع التاريخِ وبصرهُ‪.‬‬
‫سُجن أحدُ بنُ حَنْبَلَ وجلد ‪ ،‬فصار إمام السنة ‪ ،‬وحُبس ابنُ تيمية فُأخْرِج من حبسهِ علما‬
‫جا ‪ ،‬ووُضع السرخسيّ ف قعْرِ بئْرٍ معطل ٍة فأخرج عشرين ملدا ف الفِقْهِ ‪ ،‬وأقعد ابن الثيِ‬
‫ب الديثِ ‪ ،‬ونُفي ابنُ الوزي من بغداد ‪،‬‬
‫فصنّفَ جامع الصول والنهاية من أشهرِ وأنفعِ كت ِ‬
‫ت السبعِ ‪ ،‬وأصابتْ حى الوتِ مالك بن الريبِ فأرسل للعالي قصيدتهُ الرائعة‬
‫فجوّد القراءا ِ‬
‫الذائعة الت تعدِلُ دواوين شعراءِ الدولةِ العباسيةِ ‪ ،‬ومات أبناءُ أب ذؤيب الذل فرثاهمْ بإلياذة‬
‫أنْصت لا الدهرُ ‪ ،‬وذُهِل منها المهورُ ‪ ،‬وصفّق لا التاريخُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪20‬‬

‫إذا داهتك داهيةٌ فانظرْ ف الانبِ الشرِقِ منها ‪ ،‬وإذا ناولك أحدُهمْ كوب ليمونٍ فأضفْ‬
‫إليهِ حِفْنَةً من سُكّر ‪ ،‬وإذا أهدى لك ثعبانا فخذْ ج ْلدَهُ الثمي واتركْ باقيه ‪ ،‬وإذا لدغتْك‬
‫ب فاعلم أنه مصلٌ واقٍ ومناعةٌ حصينة ضد ُسمّ الياتِ‪.‬‬
‫عقر ٌ‬
‫تكيّف ف ظرفكِ القاسي ‪ ،‬لتخرج لنا منهُ زهْرا وورْدا وياسينا ﴿ َوعَسَى أَن تَ ْكرَهُواْ شَيْئا‬
‫وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ ﴾ ‪.‬‬

‫ل ومتشائما فأخرجا رأسيْهما من‬
‫سجنتْ فرنسا قبل ثورتِها العارمةِ شاعرْين ميديْنِ متفائ ً‬
‫نافذةِ السجنِ‪ .‬فأما التفائلُ فنظر نظرةٌ ف النجومِ فضحك‪ .‬وأما التشائمٌ فنظر إل الطيِ ف‬
‫الشارعِ الجاور فبكى‪ .‬انظرْ إل الوجه الخر للمأساةِ ‪ ،‬لن الشرّ الحْض ليس موجودا ؛ بل‬
‫هناك خيٌ ومَكْسبٌ وفَتْحٌ وأجْرٌ‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫ض َطرّ ِإذَا دَعَاهُ ﴾‬
‫﴿ أَمّن يُجِيبُ الْ ُم ْ‬
‫ب ‪ ،‬وتصمدُ إليه الكائناتُ ‪ ،‬وتسألهُ‬
‫من الذي يفْزعُ إليه الكروبُ ‪ ،‬ويستغيثُ به النكو ً‬
‫الخلوقاتُ ‪ ،‬وتلهجُ بذكِرِه اللسُنُ وُتؤَّلهُهُ القلوب ؟ إنه الُ ل إله إلّ هو‪.‬‬
‫وحقٌ عليّ وعليك أن ندعوهُ ف الشدةِ والرّخاءِ والسّراءِ والضّراءِ ‪ ،‬ونفزعُ إليه ف الُِلمّاتِ‬
‫ونتوسّلُ إليه ف الكرباتِ وننطرحُ على عتباتِ بابهِ سائلي باكي ضارعي منيبي ‪ ،‬حينها يأت‬
‫مددُ ْه ويصِلُ عوْنُه ‪ ،‬وُيسْرعٌ فر ُجهُ وَيحُ ّل فْتحُهُ ﴿ َأمّن ُيجِيبُ اْل ُمضْ َطرّ ِإذَا َدعَاهُ﴾ فينجي‬
‫الغريق ويردّ الغائب ويعاف البتلي وينصرُ الظلوم ويهْدِي الضا ّل ويشفي الريض ويف ّرجُ عن‬
‫الكروبِ ﴿ َفِإذَا رَكِبُوا فِي اْلفُلْكِ َدعَوُا ال ّلهَ ُمخْ ِلصِيَ َل ُه الدّينَ ﴾ ‪.‬‬
‫ولن أسْرُد عليك هنا أدعية إزاح ِة المِ والغمِ والزنِ والكربِ ‪ ،‬ولكن أُحيلُك إل كُتُبِ السّنّةِ‬
‫لتتعلم شريف الطابِ معه ؛ فتناجيهِ وتناديهِ وتدعوهُ وترجوه‪ ،‬فإن وجدْت ُه وجدْت كلّ‬
‫شيءٍ ‪ ،‬وإن فقدت اليان به فقدت كلّ شيء ‪ ،‬إن دعاءك ربّك عبادةٌ أخرى ‪ ،‬وطاعةٌ‬
‫عظمى ثانيةٌ فوق حصولِ الطلوبِ ‪ ،‬وإن عبدا ييدُ فنّ الدعاءِ حريّ أن ل يهتمّ ول يغتمّ ول‬
‫ب سيعٌ ميبٌ ‪ ،‬ييب‬
‫يقلق كل البال تتصرّم إلّ حبلُه كلّ البوابِ توصدُ إلّ بابهُ وهو قري ٌ‬

‫ل تحزن‬
‫‪21‬‬

‫الضطرّ إذا دعاه يأمُرُك‪ -‬وأنت الفقيُ الضعيفُ الحتاجُ ‪ ،‬وهو الغنّ القويّ الواحدُ الاجدُ ‪-‬‬
‫ب فالْهجْ‬
‫بأن تدعوه ﴿ ا ْدعُونِي أَسَْتجِبْ لَ ُكمْ ﴾ إذا نزلتْ بك النوازلُ ‪ ،‬وأَلمَّتْ بك الطو ُ‬
‫س اسِهِ ‪،‬‬
‫ف باسِهِ ‪ ،‬واطلبْ مددهُ واسألْه فتْحهُ ونصْرَهُ ‪ ،‬مرّغِ البي لتقدي ِ‬
‫بذكرِهِ ‪ ،‬واهت ْ‬
‫لتحصل على تاج الريّةِ ‪ ،‬وأرغم النْف ف طي عبوديتِهِ لتحوز وِسام النجاةِ ‪ ،‬م ّد يديْك ‪،‬‬
‫ارفع كفّيْكَ ‪ ،‬أطلقْ لسانك ‪ ،‬أكثرْ من طلبِهِ ‪ ،‬بال ْغ ف سؤالِهِ ‪ ،‬ألّ عليه ‪ ،‬الزمْ بابهُ ‪ ،‬انتظرْ‬
‫لُطْفُه ‪ ،‬ترقبْ فتْحهُ ‪ ،‬أ ْش ُد باسِهِ ‪ ،‬أحسنْ ظنّك فيه ‪ ،‬انقطعْ إليه ‪ ،‬تبتّلْ إليه تبتيلً حت تسعد‬
‫وتُفْلِحَ‪.‬‬
‫**************************************‬

‫وليسعك بيتك‬
‫العُزْلةُ الشرعيّةُ السنيّةُ ‪ :‬بُعْدُك عن الشرّ وأهلِهِ ‪ ،‬والفارغي َواللهي والفوضويي ‪ ،‬فيجتمعُ‬
‫عليك شلُك ‪ ،‬ويهدأ بالُك ‪ ،‬ويرتاحُ خاطرُك ‪ ،‬ويودُ ذهنُك ِبدُررِ الِكم ‪ ،‬ويسرحُ طرفُكَ‬
‫ف بستانِ ا لعارفِ‪.‬‬
‫إن العزلة عن كلّ ما يشغلُ عن اليِ والطاعةِ دواءٌ عزيزٌ جرّبهٌ أطباءُ القلوبِ فنجح أيّما‬
‫ناحٍ ‪ ،‬وأنا أدّلك عليهِ ‪ ،‬ف العزلةِ عن الشرّ واللّغوِ وعن الدهاءِ تلقيحٌ للفِكْر ‪ ،‬وإقامةٌ لناموسِ‬
‫الشيةِ ‪ ،‬واحتفالٌ بولدِ النابةِ والتذكرِ ‪ ،‬وإنا كان الجتماعُ الحمودُ والختلطُ المدوحُ ف‬
‫س العِ ْلمِ والتعاونِ على اليْرِ ‪ ،‬أما مالسُ البطالةِ والعطال ِة فحذا ِر حذارِ‬
‫لمَ ِع ومال ِ‬
‫الصلواتِ وا ُ‬
‫ب بلدِك ‪ ،‬ابكِ على خطيئتك ‪ ،‬وأمسكْ عليك لسانك ‪ ،‬وليسعك بيتك ‪ ،‬الختلط‬
‫‪ ،‬اهر ْ‬
‫المجي حرب شعواء على النفس ‪ ،‬وتديد خطي لدنيا الم ِن والستقرارِ ف نفسك ‪ ،‬لنك‬
‫تالسُ أساطي الشائعاتِ ‪ ،‬وأبطال الراجيفِ‪ ،‬وأساتذة التبشي بالفت والكوارث والحن‪،‬‬
‫حت توت كلّ يومٍ سَْبعَ مراتٍ قبل أن يصلك الوتُ ﴿ لَوْ َخرَجُواْ فِيكُم مّا زَادُو ُكمْ إِلّ‬

‫خَبَالً﴾‪.‬‬

‫إذا فرجائي الوحيدُ إقبالك على شانِك والنزواءُ ف غرفتِك إلّ من قولِ خيٍ أو فعلِ خيٍ ‪،‬‬
‫حينها تدُ قلبك عاد إليك ‪ ،‬فسل َم وقتُك من الضياعٍ ‪ ،‬وعمرُك من الهدارِ ‪ ،‬ولسانُك من‬

‫ل تحزن‬
‫‪22‬‬

‫الغيبةِ ‪ ،‬وقلبُك من القلقِ ‪ ،‬وأذنُك من النا ونفسُك من سوءِ الظنِ ‪ ،‬ومن جرّب َعرَفَ ‪ ،‬ومن‬
‫أركب نفسه مطايا الوهامِ ‪ ،‬واسترسل مع العوامِ فقلْ عليه السلمُ‪.‬‬
‫*************************************‬

‫العوض من ال‬
‫ل يسلبك ال شيئا إلّ عوّضك خيا منه ‪ ،‬إذا صبْتَ واحَْتسَْبتَ ((منْ أخذتُ حبيبتيه فصب‬
‫عوّضتُه منهما النة)) يعن عينيه ((من سلبتُ صفّيهُ من أهل الدنيا ث احتسب عوّضُْتهُ من‬
‫ل ْلدِ ‪ ،‬وقِسْ على هذا النوالِ فإن هذا مردُ‬
‫ت المدِ ف ا ُ‬
‫النّة)) من فقد ابنه وصب بُن له بَْي ُ‬
‫مثال‪.‬‬
‫فل تأسفْ على مصيبة فان الذي قدّرها عنده جنةٌ وثوابٌ وعِوضٌ وأجرٌ عظيمٌ‪.‬‬
‫إن أولياء ال الصابي البتلي ينوّهُ بم ف الفِرْدوْسِ ﴿ َسلَمٌ عَلَيْكُم ِبمَا صََبرُْتمْ فَِنعْ َم ُعقْبَى‬

‫الدّارِ ﴾ ‪.‬‬

‫ك عَلَ ْيهِمْ صَلَوَاتٌ‬
‫وحق علينا أن ننظر ف عِوض الصيب ِة وف ثوابا وف خلفها اليّر ﴿ أُولَـئِ َ‬

‫مّن رّّبهِمْ َورَ ْحمَةٌ وَأُولَـئِكَ ُهمُ اْلمُهَْتدُونَ ﴾ هنيئا للمصابي ‪ ،‬بشرى للمنكوبي‪.‬‬

‫إن ُعمْر الدنيا قصيٌ وكنُها حقيٌ ‪ ،‬والخرةُ خيٌ وأبقى فمن أُصيب هنا كُوفِئ هناك ‪ ،‬ومن‬
‫تعب هنا ارتاح هناك ‪ ،‬أما التعلقون بالدّنيا العاشقون لا الراكنون إليها ‪ ،‬فأشدّ ما على قلوبم‬
‫ص راحتهم فيها لنم يريدونا وحدها فلذلك تع ُظمً عليهمُ‬
‫فوت حظوظُهم منها وتنغي ُ‬
‫الصائبُ وتك ُب عندهمُ النكباتُ ؛ لنمْ ينظرون تت أقدامِهم فل يرون إلّ الدّنيا الفانية‬
‫الزهيدة الرخيصة‪.‬‬
‫أيها الصابون ما فات شيءٌ وأنتمُ الرابون ‪ ،‬فقد بعث لكمْ برسالةٍ بي أسطرها لُطْفٌ وعطْفٌ‬
‫وثوابٌ وحُسنُ اختيار‪ .‬إن على الصابِ الذي ضرب عليه سرادقُ الصيبة أن ينظر ليى أن‬
‫ضرِبَ بَيَْنهُم ِبسُورٍ ّلهُ بَابٌ بَاطُِنهُ فِيهِ الرّ ْح َمةُ وَظَا ِهرُهُ مِن قِبَ ِلهِ اْلعَذَابُ﴾ ‪ ،‬وما‬
‫النتيجة ﴿ َف ُ‬
‫عند الِ خيٌ وأبقى وأهنأ وأمرأُ وأجلّ وأعلى‪.‬‬
‫**************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪23‬‬

‫اليان هو الياة‬
‫الشقياءُ بكلّ معان الشقاءِ همُ الفلسون من كنوزِ اليانِ ‪ ،‬ومن رصيدِ اليقيِ ‪ ،‬فهمْ أبدا ف‬

‫شةً ضَنكا‬
‫ض عَن ذِ ْكرِي َفإِنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫تعاس ٍة وغضبٍ ومهانةٍ وذلّةٍ ﴿ َومَنْ َأ ْعرَ َ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل يُسعدُ النفس ويزكّيها ويطهرُها ويفرحُها ويذهبُ غمّها وهّها وقلقها إلّ اليانُ بال ربّ‬
‫العالي ‪ ،‬ل طعم للحياةِ أصلً إلّ باليانِ‪.‬‬
‫إنّ الطريقة الثلى للملحدةِ إن ل يؤمنوا أن ينتحرُوا لييُوا أنفسهم من هذه الصارِ والغللِ‬
‫والظلماتِ والدواهي ‪ ،‬يا لا منْ حياةِ تاعِسة بل إيان ‪ ،‬يا لا منْ لعنةٍ أبدي ٍة حاقتْ بالارجي‬
‫على منهج ال ف الرض ﴿ وَُنقَلّبُ أَفِْئدََت ُهمْ وَأَْبصَارَ ُهمْ َكمَا َلمْ يُ ْؤمِنُواْ ِبهِ َأوّلَ َمرّةٍ وََنذَرُ ُهمْ‬

‫فِي ُطغْيَاِن ِهمْ َي ْع َمهُونَ ﴾ وقد آن الوانُ للعالِ أن يقتنع كلّ القناعة ‪ ،‬وأن يؤمن كلّ اليانِ‬
‫بأنّ ل إله إل ال ب ْعدَ تربةٍ طويلةٍ شاقةٍ عبْ َر قُرونٍ غابرةٍ توصّل بعدها العقْلُ إل أن الصنم‬
‫خرافةٌ والكفر لعنةٌ ‪ ،‬واللاد ِكذْبةٌ وأنّ الرّسُ َل صادقون ‪ ،‬وأنّ ال حقّ له اللكُ ول ُه المدُ‬
‫وهو على كلّ شيء قديرٌ‪.‬‬
‫وبقدرِ إيانِك قوةً وضعفا ‪ ،‬حرارةً وبرودةً ‪ ،‬تكون سعادتُك وراحتُك وطمأنينتُك‪.‬‬
‫جزِيَّنهُمْ أَ ْجرَهُم‬
‫﴿ َمنْ َعمِلَ صَالِحا مّن ذَ َكرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُ ْؤ ِمنٌ َفلَُنحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيَّبةً وَلََن ْ‬

‫حسْنِ موعو ِد ربّهم ‪،‬‬
‫سنِ مَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ ﴾ وهذه الياةُ الطيبةُ هي استقرارُ نفوسِهم لَ ُ‬
‫بِأَ ْح َ‬
‫ب باريهم ‪ ،‬وطهار ُة ضمائرِهم من أوضا ِر النرافِ ‪ ،‬وبرودُ أعصاِبهِم أمام‬
‫وثباتُ قلوبِهم ب ّ‬
‫الوادثِ ‪ ،‬وسكينةُ قلوبِهم عن ْد وقْعِ القضاءِ ‪ ،‬ورضاهم ف مواطن القدر ‪ ،‬لنم رضُوا بالِ‬
‫ربّا وبالسلم ديِنا ‪ ،‬وبحمّدٍ نبيا ورسولً‪.‬‬
‫*************************************‬

‫اجنِ العسل ول تكسرِ الليّة‬
‫الرفقُ ما كان ف شيءٍ إلّ زانهُ ‪ ،‬وما نُزع من شيءٍ إلّ شانُه ‪ ،‬الليُ ف الطاب ‪ ،‬البسمةُ‬
‫الرائقةُ على الحيا ‪ ،‬الكلمةُ الطيبةُ عند اللقاءِ ‪ ،‬هذه حُُللٌ منسوجةٌ يرتديها السعداءُ ‪ ،‬وهي‬

‫ل تحزن‬
‫‪24‬‬

‫صفاتُ الؤمِ ِن كالنحلة تأكلُ طيّبا وتصنعُ طيّبا ‪ ،‬وإذا وقعتْ على زهرةٍ ل تكسرُها ؛ ل ّن ال‬
‫يعطي على الرفقِ ما ل يعطي على العنفِ‪ .‬إنّ من الناسِ من تشْرَِئبّ لقدو ِمهِمُ العناقُ ‪،‬‬
‫وتشخصُ إل طلعاتِه ُم البصارُ ‪ ،‬وتييه ُم الفئد ُة وتشيّعهُمُ الرواحُ ‪ ،‬لنم مبون ف كلمهِم‬
‫‪ ،‬ف أخذهم وعطائِهم ‪ ،‬ف بيعهِم وشرائِهم ‪ ،‬ف لقائِهم ووداعِهِم‪.‬‬
‫إن اكتساب الصدقاءِ ف ّن مدروسٌ ييدُهُ النبلءُ البرارُ ‪ ،‬فهمْ مفوفون دائما وأبدا بالةٍ من‬
‫الناسِ ‪ ،‬إنْ حضروا فالِبشْرُ والنسُ ‪ ،‬وإن غابوا فالسؤا ُل والدعاءُ‪.‬‬
‫سنُ فَِإذَا اّلذِي بَيَْنكَ‬
‫إنّ هؤل ِء السعداء لمْ دستور أخلقٍ عنوانُه ‪ ﴿ :‬ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَ ْح َ‬

‫وَبَيَْن ُه عَدَاوَةٌ كَأَّنهُ وَلِيّ َحمِيمٌ ﴾ فهمْ يتصون الحقاد بعاطِفِت ِهمُ اليّاشةِ ‪ ،‬وحل ِم ِهمُ الدافِئ ‪،‬‬
‫وص ْفحِهم البيءِ ‪ ،‬يتناسون الساءة ويفظون الحسان ‪ ،‬تُرّ بمُ الكلماتُ النابيةُ فل تلجُ‬
‫س منهمُ ف أمنٍ ‪،‬‬
‫آذانم ‪ ،‬بل تذهبُ بعيدا هناك إل غيِ رجْعةٍ‪ .‬همْ ف راحةٍ ‪ ،‬والنا ُ‬
‫والسلمون منهمُ ف سلم (( السلمُ من سلِم السلمو ُن من لِساِنهِ وَيدِهِ ‪ ،‬والؤمنُ من أمَِنهُ‬

‫الناسُ على دمائِهم وأموالِهم )) (( إن ال أمرن أنْ أصل منْ قطعن وأن أعْفُ َو عمّن ظلمن‬

‫وأن أُعطي منْ ح َرمَنِي )) ﴿ وَالْكَا ِظ ِميَ اْلغَ ْيظَ وَاْلعَا ِفيَ عَنِ النّاسِ ﴾ بشّرْ هؤلء بثوابٍ‬
‫عاجلٍ من الطمأنين ِة والسكين ِة والدوءِ‪.‬‬

‫ص ْدقٍ عِندَ‬
‫وبشرهم بثوابٍ أخرويّ كب ٍي ف جوارِ ربّ غفورٍ ف جناتٍ وَنهَرٍ ﴿ فِي َم ْقعَدِ ِ‬
‫مَلِيكٍ ّمقَْتدِرٍ ﴾ ‪.‬‬
‫**********************************‬

‫ب﴾‬
‫﴿ أَلَ بِ ِذ ْكرِ اللّهِ َتطْ َمِئنّ الْقُلُو ُ‬
‫ب الِ ‪ ،‬والصراح ُة صابونُ القلوبِ ‪ ،‬والتجربةُ برهانٌ ‪ ،‬والرائدُ ل يكذبُ أهله ‪،‬‬
‫الصدقُ حبي ُ‬
‫ول يوجدْ عملٌ أشرحُ للصدرِ وأعظمُ للج ِر كالذكر ﴿ فَاذْ ُكرُونِي َأذْ ُكرْ ُكمْ ﴾ وذكرُهُ‬
‫سبحانهُ جنّتُهُ ف أرضِهِ ‪ ،‬من لْ يدخلْها ل يدخل جنة الخرةِ ‪ ،‬وهو إنقاذٌ للنفس من أوصابِها‬
‫وأتعابِها واضطرابِها ‪ ،‬بلْ هو طريقٌ ميسّرٌ متصرٌ إل كلّ فو ٍز وفلحٍ‪ .‬طالعْ دواوين الوحي‬
‫لترى فوائدَ الذكرِ ‪ ،‬و َجرّبْ مع اليامِ بلْسمهُ لتنا َل الشفاءَ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪25‬‬

‫ف والفَزَعِ والمّ والزنِ‪ .‬بذكره تُزاحُ جبالُ الكَ ْربِ والغمِ‬
‫بذكره سبحان ُه تنقشعُ ُسحُبُ الو ِ‬
‫والسى‪.‬‬
‫ول عجبَ أنْ يرتاح الذاكرون ‪ ،‬فهذا هو الص ُل الصيلُ ‪ ،‬لكن ال َعجَبَ العُجابَ كيف يعيشُ‬
‫ش ُعرُونَ أَيّانَ يُ ْبعَثُونَ ﴾ ‪.‬‬
‫ت غَ ْيرُ أَحْيَاء َومَا َي ْ‬
‫الغافلون عن ذكِ ِرهِ ﴿ َأمْوا ٌ‬
‫يا منْ شكى الرق ‪ ،‬وبكى من الل ‪ ،‬وتفجّع من الوادثِ ‪ ،‬ورمتْهُ الطوبُ ‪ ،‬هيا اهتفْ‬
‫باسه القدس ‪ ﴿ ،‬هَلْ َتعْ َلمُ َلهُ َسمِيّا‬

‫﴾‪.‬‬

‫ح ضميك ‪ ،‬لن‬
‫بقدرِ إكثارك من ذكرِه ينبسطُ خاطرُك ‪ ،‬يهدأُ قلبُك ‪ ،‬تسعدُ ن ْفسُك ‪ ،‬يرتا ُ‬
‫ف ذكره جلّ ف عُله معان التوكلِ عليه ‪ ،‬والثقةِ به والعتمادِ عليه ‪ ،‬والرجوعِ إليه ‪ ،‬وحسنِ‬
‫الظنّ فيه ‪ ،‬وانتظار الفرجِ منُه ‪ ،‬فهو قريبٌ إذا ُدعِي ‪ ،‬سيعٌ إذا نُودِي ‪ ،‬ميبٌ إذا سُئلَ ‪،‬‬
‫فاضرعْ واخضعْ واخشعْ ‪ ،‬ورَدّدِ اسهُ الطيب البارك على لسانِك توحيدا وثناءً ومدحا ودعاءً‬
‫وسؤالً واستغفارا ‪ ،‬وسوف ت ُد – بولِهِ وقوتِهِ – السعادة والم َن والسرور والنور والبورَ‬
‫سنَ ثَوَابِ ال ِخرَةِ ﴾ ‪.‬‬
‫﴿ فَآتَا ُهمُ ال ّلهُ ثَوَابَ الدّنْيَا وَ ُح ْ‬
‫*****************************‬

‫ضلِهِ ﴾‬
‫س َعلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن َف ْ‬
‫﴿ أَمْ َيحْسُدُونَ النّا َ‬
‫الس َد كالكلةِ الِلحَةِ تنخرُ العظمَ نْرا ‪ ،‬إنّ السد مرضٌ مزم ٌن يعيثُ ف السم فسادا ‪ ،‬وقد‬
‫قيل ‪ :‬ل راحة لسود فهو ظالٌ ف ثوبِ مظلوم ‪ ،‬وعدوّ ف ِجلْبابِ صديقٍ‪ .‬وقد قالوا ‪ :‬ل درّ‬
‫السدِ ما أ ْعدَلَهْ ‪ ،‬بدأ بصاحب ِه فقتَلَهَ‪.‬‬
‫إنن أنى نفسي ونفسك عن السدِ رحةً ب وبك ‪ ،‬قبل أنْ نرحم الخرين ؛ لننا بسدِنا لمْ‬
‫نطع ُم المّ لومنا ‪ ،‬ونسقي الغمّ دماءَنا ‪ ،‬ونوزّعُ نوم جفوننا على الخرين‪.‬‬
‫إنّ الاسد ُيشْعِلُ فرنا ساخنا ث يقتحمُ فيه‪ .‬التنغيصُ والكد ُر والمّ الاضرُ أمراضٌ يولّدها‬
‫الس ُد لتقضي على الراحةِ والياةِ الطيبةِ الميلةِ‪ .‬بلِيّةُ الا ِسدِ أن ُه خاصمَ القضاءَ ‪ ،‬واتم‬
‫الباري ف العدْلِ ‪ ،‬وأساء الدب مع الشّرعْ ‪ ،‬وخالف صاحبَ النْهجِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪26‬‬

‫يا للحسد من مرضٍ ل يُؤجرُ عليهِ صاحبُه ‪ ،‬ومن بلءٍ ل يُثابُ عليه الُبَْتلَى به ‪ ،‬وسوف يبقى‬
‫هذا الاسدُ ف حرقةٍ دائمةٍ حت يوت أو تذْ َهبَ نِعمُ الناسِ عنهم‪ .‬كلّ يُصالُ إلّ الاسد‬
‫فالصلحُ معه أن تتخلّى عن نع ٍم الِ وتتنازل عن مواهِبِك ‪ ،‬وتُلْغِي خصائِصك ‪ ،‬ومناقِبك ‪ ،‬فإن‬
‫فعلت ذلك فلَعَلّهُ يرضى على مضضٍ ‪ ،‬نعو ُذ بالِ من شرّ حاسد إذا حسدْ ‪ ،‬فإنه يصبحُ‬
‫كالثعبا ِن السو ِد السّام ل يقر قراره حت يُفرِغَ سّهُ ف جسم بريءٍ‪.‬‬
‫فأناك أناك عن السد واستعذ بالِ من الا ِسدِ فإنه لك بالرصادِ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫اقبلِ الياة كما هي‬
‫حالُ الدنيا منغصةُ اللذاتِ ‪ ،‬كثيةُ التبعاتِ ‪ ،‬جاهةُ الحيّا ‪ ،‬كثيةُ التلوّنِ ‪ ،‬مُزِجتْ بالكدرِ ‪،‬‬
‫وخُلِطتْ بالنّكدِ ‪ ،‬وأنت منها ف كَبَد‪.‬‬
‫ولن تد والدا أو زوجةً ‪ ،‬أو صديقا ‪ ،‬أو نبيلً ‪ ،‬ول مسكنا ول وظيفةً إلّ وفيه ما يك ّدرُ ‪،‬‬
‫ح قصاصٌ‪.‬‬
‫جوَ رأسا برأس ‪ ،‬والرو ُ‬
‫وعنده ما يسوءُ أحيانا ‪ ،‬فأطفئ حرّ شرّهِ ببدِ خيْ ِرهِ ‪ ،‬لتْن ُ‬
‫أراد الُ لذه الدنيا أن تكون جامعةً للضدينِ ‪ ،‬والنوعي ‪ ،‬والفريقي ‪ ،‬والرأيي خْيرٍ وشرٍ ‪،‬‬
‫صلحٍ وفسادٍ ‪ ،‬سرورٍ وحُزْنٍ ‪ ،‬ث يصفو الَيْرُ كلّهُ ‪ ،‬والصلحُ والسرورُ ف النةِ ‪ ،‬وُيجْ َمعُ‬
‫الشرّ كله والفسادُ والز ُن ف النارِ‪ .‬ف الديث ‪ (( :‬الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إل ذكرُ الِ‬
‫وما والهُ وعا ٌل ومتعلمٌ )) فعشْ واقعكَ ول تسرحْ من اليالِ ‪ ،‬وحلّقْ ف عالِ الثالياتِ ‪،‬‬

‫اقبلْ دنياكَ كما هي ‪ ،‬وطوّع نفسك لعايشتها ومواطنتِها ‪ ،‬فسوف ل يصفو لك فيها صاحبٌ‬
‫‪ ،‬ول يكملُ لك فيها أمرٌ ‪ ،‬لنّ الصّ ْفوَ والكمال والتمام ليس من شأنا ول م ْن صفاتِها‪.‬‬
‫لن تكمل لك زوجةٌ ‪ ،‬وف الديث ‪ (( :‬ل يفركُ مؤم ٌن مؤمنةً إن كره منها خلقا رضي منها‬

‫آخر ))‪.‬‬

‫فينبغي أ ْن نسدد ونقارب ‪ ،‬ونعْفُ َو ونصْفحَ ‪ ،‬ونأخُذ ما تيسّرَ ‪ ،‬ونذر ما تعسّر ونغضّ الطّرْف‬
‫أحيانا ‪ ،‬ونسددُ الطى ‪ ،‬ونتغافلُ عن أمورٍ‪.‬‬
‫******************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪27‬‬

‫تعزّ بأهلِ البلءِ‬
‫تَلَ ّفتْ َيمْنَةً وَيسْرَةً ‪ ،‬فهل ترى إلّ مُبتلى ؟ وهل تشاهدُ إلّ منكوبا ف كل دارٍ نائحةٌ ‪ ،‬وعلى‬
‫كل خدّ د ْمعٌ ‪ ،‬وف كل وادٍ بنو سعد‪.‬‬
‫كمْ م َن الصائبِ ‪ ،‬وكمْ من الصابرين ‪ ،‬فلست أنت وحدك الصاب ‪ ،‬بل مصابُكَ أنت‬
‫بالنسب ِة لغيِك قليلٌ ‪ ،‬كمْ من مريضٍ على سريره من أعوامٍ ‪ ،‬يتقلبُ ذات اليميِ وذات‬
‫الشّمالِ ‪ ،‬يَِئنّ من اللِ ‪ ،‬ويصيحُ من السّقم‪.‬‬
‫كم من مبوس مرت به سنوات ما رأى الشمس بعينه ‪ ،‬وما عرف غي زنزانته‪.‬‬
‫ب وريْعانِ ال ُعمْرِ‪.‬‬
‫كمْ من رجلٍ وامرأ ٍة فقدا فلذاتِ أكبادهِما ف ميْعَةِ الشبا ِ‬
‫كمْ من مكروبٍ ومدِينٍ ومُصابٍ ومنكوبٍ‪.‬‬
‫آن لك أن تتعزّ بؤلءِ ‪ ،‬وأنْ تعلم عِ ْلمَ اليقي أنّ هذه الياة سجْنٌ للمؤمنِ ‪ ،‬ودارٌ للحزانِ‬
‫شمْلُ مت ِمعٌ ‪،‬‬
‫والنكباتِ ‪ ،‬تصب ُح القصورُ حافلةً بأهلها وتسي خاويةً على عروشها ‪ ،‬بينها ال ّ‬
‫والبدانُ ف عافية ‪ ،‬والموالُ وافرةً ‪ ،‬والولدُ كُثرٌ ‪ ،‬ثّ ما هي إلّ أيامٌ فإذا الفقرُ والوْتُ‬

‫ضرَبْنَا لَ ُكمُ ا َلمْثَالَ ﴾ فعليك أن توطّن‬
‫والفراقُ والمراضُ ﴿ وَتَبَّينَ لَ ُكمْ كَيْفَ َفعَلْنَا ِب ِهمْ وَ َ‬

‫ف بالنسبة لؤلءِ ‪،‬‬
‫مصابك بنْ حولك ‪ ،‬وبن سبقك ف مسيةِ الدهرِ ‪ ،‬ليظهر لك أنك معا ً‬
‫سبْ ما‬
‫وأنه ل يأتك إل وخزاتٌ سهلةٌ ‪ ،‬فاحدِ ال على لُطْفهِ ‪ ،‬واشكره على ما أبقى ‪ ،‬واحت ِ‬
‫أخذ ‪ ،‬وتعزّ بنْ حولك‪.‬‬
‫ولك ف الرسول قدوٌة وقدْ وُضعِ السّلى على رأسِهِ ‪ ،‬وأدمِيتْ قدماه و ُشجّ وجهُه ‪،‬‬
‫وحوصِر ف الشّعبِ حت أكل ورق الشجرِ ‪ ،‬وطُرِد من مكّة ‪ ،‬وكُسِرتْ ثنيتُه ‪ ،‬ورُمِي عِ ْرضُ‬
‫زوجتِهِ الشريفُ ‪ ،‬وقُتِل سبعون من أصحابهِ ‪ ،‬وفقد ابنه ‪ ،‬وأكثر بناتِه ف حياتهِ ‪ ،‬وربط الجر‬
‫على بطنِه من الوعِ ‪ ،‬واتّهِم بأنهُ شاعِرٌ ساحِرُ كاهن منونٌ كاذبٌ ‪ ،‬صانُ ُه الُ من ذلك ‪،‬‬
‫وهذا بل ٌء لبدّ منهُ وتحيصٌ ل أعظم منهُ ‪ ،‬وق ْد قُتِل زكريّا ‪ ،‬وذُبِح يي ‪ ،‬و ُهجّرَ موسى‬
‫ووضع اللي ُل ف النارِ ‪ ،‬وسار الئمةُ على هذا الطريق فضُرّج ُعمَ ُر بدمِهِ ‪ ،‬واغتيل عثمانُ ‪،‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪28‬‬

‫وطٌعِن عليٌ ‪ ،‬و ُجِلدَتْ ظهو ُر الئمةِ و ُسجِن الخيارُ‪ ،‬ونكل بالبرار ﴿أَمْ َحسِبُْتمْ أَن َتدْخُلُواْ‬

‫ضرّاء‬
‫اْلجَّنةَ وََلمّا يَأْتِكُم مّثَلُ اّلذِينَ خَ َلوْاْ مِن قَبْلِكُم ّمسّتْ ُهمُ الْبَأْسَاء وَال ّ‬
‫********************************‬

‫وَزُْلزِلُواْ﴾‪.‬‬

‫الصلة‪ ..‬الصلة‬
‫لةِ‬
‫صبْرِ وَالصّ َ‬
‫﴿ يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُواْ ا ْستَعِينُواْ بِال ّ‬

‫﴾‬

‫لوْفُ وطوّقك الزنُ ‪ ،‬وأخذ المّ بتلبيبك ‪ ،‬فقمْ حالً إل الصلةِ ‪ ،‬تُثبْ لك‬
‫إذا داهك ا َ‬
‫روحُك ‪ ،‬وتطمئنّ نفسُك ‪ ،‬إن الصلة كفيلةٌ – بأذ ِن الِ باجتياحِ مستعمراتِ الحزانِ‬
‫والغمومِ ‪ ،‬ومطاردةِ فلو ِل الكتئابِ‪.‬‬
‫كان‬

‫إذا حزبَهُ أمرٌ قال ‪ (( :‬أرحنا بالصلةِ يا بللُ )) فكانتْ قُرّةَ عينِهِ وسعادتهُ وبجتَهُ‪.‬‬

‫ت ف وجوههمُ الطوبُ ‪،‬‬
‫وقد طالعتُ ِس ُي قومٍ أفذا ٍذ كانتْ إذا ضاقتْ بم الضوائقُ ‪ ،‬وكشّر ْ‬
‫فزعوا إل صلةٍ خاشعةٍ ‪ ،‬فتعودُ لم قُوا ُهمْ وإراداتُهم و ِه َممُ ُهمْ‪.‬‬
‫ف فُرِضتْ لِتُودّى ف ساعةِ الرعبِ ‪ ،‬يوم تتطاي ُر الماجمُ‪ ،‬وتسي ُل النفوسُ على‬
‫إنّ صلة الو ِ‬
‫شفراتِ السيوفِ ‪ ،‬فإذا أعظ ُم تثبيتٍ وأجلّ سكينةٍ صلةٌ خاشعةٌ‪.‬‬
‫إنّ على اليلِ الذي عصفت به المراضُ النفسيةُ أن يتع ّرفَ على السجدِ ‪ ،‬وأن ي ّرغَ جبيَنهُ‬
‫صبِ ‪ ،‬وإلّ فإنّ الدمع سوف يرقُ‬
‫لِيُ ْرضِي ربّه أ ّولً ‪ ،‬ولينقذ نفسهُ من هذا العذابِ الوا ِ‬
‫جفْنهُ ‪ ،‬والزن سوف يطمُ أعصابهُ ‪ ،‬وليس لديهِ طاقةٌ تدّهُ بالسكينةِ والمنِ إل الصلةُ‪.‬‬
‫ت المْسُ كلّ يومٍ وليلةٍ كفارةٌ لذنوبِنا ‪ ،‬رفعةٌ‬
‫من أعظ ِم النعمِ – لو كنّا نعقلُ – هذهِ الصلوا ُ‬
‫لدرجاتِنا عند ربّنا ‪ ،‬ث هي علجٌ عظيمٌ لآسينا ‪ ،‬ودواءٌ نا ِجعٌ لمراضِنا ‪ ،‬تسكبُ ف ضمائرِنا‬
‫مقادير زاكيةً من اليقي ‪ ،‬وتلُ جواننا بالرّضا أما أولئك الذين جانبوا السجد ‪ ،‬وتركوا‬
‫الصلة ‪ ،‬فمنْ نكدٍ إل نكدٍ ‪ ،‬ومن حزنٍ إل حزنٍ ‪ ،‬ومن شقاءٍ إل شقاءٍ ﴿ فََتعْسا ّلهُمْ‬

‫وَأَضَلّ َأ ْعمَاَل ُهمْ ﴾ ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪29‬‬

‫*****************************‬

‫حسبنا ال ونعم الوكيل‬
‫تفويضُ المرِ إل الِ ‪ ،‬والتوكلُ عليهِ ‪ ،‬والثقة بوعدِهِ ‪ ،‬والرضا بصنيعهِ وحُسنُ الظنّ بهِ ‪،‬‬
‫وانتظارُ الفرجِ منهُ ؛ من أعظمِ ثراتِ اليانِ ‪ ،‬وأجلّ صفاتِ الؤمني ‪ ،‬وحينما يطمئ ّن العبدُ‬
‫إل حسنٍ العاقبةِ ‪ ،‬ويعتمدُ على ربّهِ ف كلّ شأنِه ‪ ،‬يد الرعاية ‪ ،‬والولية ‪ ،‬والكفاية ‪ ،‬والتأييدَ‬
‫‪ ،‬والنصرةَ‪.‬‬
‫لا ألقي إبراهيمُ عليه السلمُ ف النارِ قال ‪ :‬حسبنا الُ ونِ ْعمَ الوكيلُ ‪ ،‬فجعلها الُ عليه برْدا‬
‫وسلما ‪ ،‬ورسولُنا‬

‫وأصحابُه لا ُهدّدُوا بيوشِ الكفار ‪ ،‬وكتائبِ الوثني ِة قالوا ‪َ ﴿ :‬حسْبُنَا‬

‫سسْ ُهمْ سُوءٌ وَاتَّبعُواْ رِضْوَانَ‬
‫ال ّلهُ وَِن ْعمَ اْلوَكِيلُ{‪ }173‬فَانقَلَبُواْ بِِن ْعمَةٍ ّمنَ ال ّلهِ وَ َفضْلٍ ّلمْ َي ْم َ‬
‫ال ّلهِ وَال ّلهُ ذُو َفضْ ٍل عَظِيمٍ‬

‫﴾‪.‬‬

‫إ ّن النسان وحده ل يستطيعُ أنْ يصارع الحداث ‪ ،‬ول يقاوم اللمّاتِ ‪ ،‬ول ينازل‬
‫الطوبَ ؛ لنه خُلِقَ ضعيفا عاجزا ‪ ،‬إل حينما يتوكلُ على ربّه ويثقُ بوله ‪ ،‬ويف ّوضُ المرَ‬
‫إليه ‪ ،‬وإل فما حيل ُة هذا العبدِ الفقيِ القيِ إذا احتوشتْهُ الصائب ‪ ،‬وأحاطتْ به النكباتُ ﴿‬

‫َوعَلَى ال ّلهِ فَتَوَكّلُواْ إِن كُنتُم مّ ْؤمِِنيَ ﴾ ‪.‬‬

‫فيا من أرادَ أن ينصح نفسه ‪ :‬توكلْ على القويّ الغنّ ذي ال ُقوّةِ التي ‪ ،‬لينقذك من الويلتِ ‪،‬‬
‫ويرجك من الكُرُباتِ ‪ ،‬واجعلْ شعِارَك ودثارَكَ حسبنا الُ وِن ْعمَ الوكيلُ ‪ ،‬فإن قلّ مالُك ‪،‬‬

‫حتْ مصادِرُك ‪ ،‬فنادِ ‪ :‬حسبُنا الِ وِن ْعمَ الوكيلُ‪.‬‬
‫وكثُرَ ديْنُك ‪ ،‬وج ّفتْ موارِدك ‪ ،‬وش ّ‬

‫وإذا خفتَ من عدوّ ‪ ،‬أو رُعْبتَ من ظالِمٍ ‪ ،‬أو فزعت من َخ ْطبٍ فاهتفْ ‪ :‬حسبنا الُ وِن ْعمَ‬
‫الوكيل‪.‬‬

‫﴿ وَ َكفَى ِبرَبّكَ هَادِيا وََنصِيا ﴾‪.‬‬
‫**********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪30‬‬

‫﴿ قُلْ سِيُوْا فِي ا َلرْضِ ﴾‬
‫ما يشرحُ الصّ ْدرَ ‪ ،‬ويزيحُ ُسحُب المّ والغمّ ‪ ،‬السّفَرُ ف الديارِ ‪ ،‬وقَ ْط ُع القفارِ ‪ ،‬والتقلبُ ف‬
‫الرضِ الواسعةِ ‪ ،‬والنظرُ ف كتابِ الكونِ الفتوحِ لتشاهد أقلم القدرةِ وهي تكتبُ على‬
‫صفحاتِ الوجودِ آياتِ المالِ ‪ ،‬لترى حدائق ذات بجةٍ ‪ ،‬ورياضا أنيقةً وجناتٍ ألفا ‪،‬‬
‫ط الودية ‪،‬‬
‫اخرجْ من بيتكَ وتأملْ ما حولك وما بي يديك وما خلفك ‪ ،‬اصْعَدِ البال ‪ ،‬اهب ِ‬
‫تسلّ ِق الشجارَ ‪ُ ،‬عبّ من الاءِ النميِ ‪ ،‬ضعْ أنفك على أغصا ِن الياسي ‪ ،‬حينها تدُ روحك‬
‫حرةً طليقةً ‪ ،‬كالطائرِ الغرّيدِ تسبحّ ف فضاءِ السعادةِ ‪ ،‬اخرجْ من بيتِك ‪ ،‬ألقِ الغطاء السودَ‬
‫ل الواسعةِ ذاكرا مسبحا‪.‬‬
‫عن عينيك ‪ ،‬ث س ْر ف فجاجِ ا ِ‬
‫إنّ النزواء ف الغرفةِ الضيّقةِ مع الفراغِ القاتل طريقٌ ناج ٌح للنتحارِ ‪ ،‬وليستْ غرفتك هي‬
‫العالُ ‪ ،‬ولست أنت كلّ الناسِ فَِلمَ الستسلمُ أمام كتائبِ الحزان ؟ أل فاهتفْ ببصرِك‬
‫وسعِك وقلِبكَ ‪ ﴿ :‬اْن ِفرُواْ ِخفَافا وَِثقَالً ﴾ ‪ ،‬تعال لتقرأ القرآن هنا بي الداو ِل والمائِل ‪،‬‬

‫بَيْ َن الطيورِ وهي تتلو ُخ َطبَ البّ ‪ ،‬وبَيْنَ الاءِ وهو يروي قصة وصولهِ من التلّ‪.‬‬
‫ب الرض متع ٌة يوصِي با الطباءُ لن ثَ ُقَلتْ عليه نفسُهُ ‪ ،‬وأظلمتْ عليهِ‬
‫إن التّرحْالَ ف مسار ِ‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫غرفت ُه الضيقةُ ‪ ،‬فهيّا بنا نسافْر لنسعد ونفرح ونفكر ونتدبّر ﴿ وَيََتفَ ّكرُونَ فِي خَ ْل ِق ال ّ‬

‫وَالَ ْرضِ رَبّنَا مَا خَ َلقْتَ هَذا بَا ِطلً سُ ْبحَانَكَ ﴾ ‪.‬‬
‫************************************‬

‫فصبٌ جيلٌ‬
‫ص ْدرٍ وبقوةِ إرادةٍ ‪ ،‬ومناعةٍ أبيّة‪.‬‬
‫التحلّي بالصب من شيمِ الفذاذِ الذين يتلقون الكاره برحاب ِة َ‬
‫وإنْ ل أصبْ أنا وأنت فماذا نصنعُ ؟!‪.‬‬
‫هل عندك حلّ لنا غيُ الصبِ ؟ هل تعلم لنا زادا غيَهُ ؟‬
‫كان أحدُ العظماءِ مسرحا تركضُ فيه الصائبُ ‪ ،‬وميدانا تتسابقُ فيهِ النكباتُ كلما خرج من‬
‫س بالصبِ ‪ ،‬متدرّعٌ بالثقةِ بالِ‪.‬‬
‫كرب ٍة زارتهُ كربةٌ أخرى ‪ ،‬وهو متتر ٌ‬

‫ل تحزن‬
‫‪31‬‬

‫هكذا يفعلُ النبلءُ ‪ ،‬يُصارعون اللمّاتِ ويطرحون النكباتِ أرضا‪.‬‬
‫دخلوا على أب بكر ‪-‬رضي الُ عنهُ‪ -‬وهو مريضٌ ‪ ،‬قالوا ‪ :‬أل ندعو لك طبيبا ؟ قال ‪:‬‬
‫ب قد رآن‪ .‬قالوا ‪ :‬فماذا قال ؟ قال ‪ :‬يقولُ ‪ :‬إن فعّالٌ لا أريدُ‪.‬‬
‫الطبي ُ‬
‫واصبْ وما صبُك إلّ بالِ ‪ ،‬اص ْب صَبْرَ واثقٍ بالفرجِ ‪ ،‬عال بُسْنِ الصيِ ‪ ،‬طالبٍ للجرِ ‪،‬‬
‫راغبٍ ف تفكيِ السيئاتِ ‪ ،‬اصبْ مهما ادلمّت الطوبُ ‪ ،‬وأظلمتِ أمامك الدروبُ ‪ ،‬فإنّ‬
‫النصر مع الصّبْرِ ‪ ،‬وأنّ الفرج مع الكَرْبِ ‪ ،‬وإن مع ال ُعسْرِ ُيسْرا‪.‬‬
‫قرأتُ سي عظماءٍ مرّوا ف هذه الدنيا ‪ ،‬وذهلتُ لعظي ِم صبِ ِهمْ وقو ِة احتمالِهم ‪ ،‬كانت‬
‫الصائبُ تقعُ على رؤوسِهم كأنّها قطراتُ ماءٍ باردةٍ ‪ ،‬وهم ف ثباتِ البالِ ‪ ،‬وف رسوخِ‬
‫القِ ‪ ،‬فما هو إ ّل وقت قصيٌ فتشرقُ وجوهُهم على طلئع فجرِ الفرجِ ‪ ،‬وفرحةِ الفتحِ ‪،‬‬
‫وعصرِ النصرِ‪ .‬وأحدُهم ما اكتفى بالصبِ وَ ْحدَهُ ‪ ،‬بل نازَلَ الكوارِث ‪ ،‬وصاحَ ف وجهِ‬
‫الصائبِ مُتحدّيا‪.‬‬
‫***************************************‬

‫ل تم ِل الكرة الرضية على رأسِكَ‬
‫س تدورُ ف نفوسِهم حرْبٌ عاليّةٌ ‪ ،‬وهم على فُرُش النوم ‪ ،‬فإذا وضعتِ ال ْر ُ‬
‫ب‬
‫نفرٌ من النا ِ‬
‫أوزارها غَِنمُوا قُرْحَة العدةِ ‪ ،‬وضَ ْغطَ الدمّ والسكّريّ‪ .‬يترقون مع الحداثِ ‪ ،‬يغضبون من‬
‫غلءِ السعارِ ‪ ،‬يثورون لتأخر المطارِ ‪ ،‬يضجّون لنفاضِ سعْرِ العملةِ ‪ ،‬فهم ف انزعاجٍ دائمٍ‬
‫حسَبُونَ كُلّ‬
‫صبٍ﴿ َي ْ‬
‫‪ ،‬وقلقٍ وا ِ‬

‫حةٍ عَلَ ْيهِمْ ﴾‪.‬‬
‫صَ ْي َ‬

‫ونصيحت لكَ أنْ ل تملِ الكرة الرضية على رأسِكَ ‪ ،‬دعِ الحداث على الرضِ ول‬
‫ت والراجيفَ ‪،‬‬
‫ب الشائعا ِ‬
‫تضعْها ف أمعائِك‪ .‬إن بعض الناس عنده قلبٌ كالسفنجة يتشر ُ‬
‫ينعجُ للتوافِهِ ‪ ،‬يهتزِ للوارداتِ ‪ ،‬يضطربُ لكلّ شيءٍ ‪ ،‬وهذا القلبُ كفيلٌ أن يطم صاحبهُ ‪،‬‬
‫وأن يهدم كيان حامِلِهِ‪.‬‬
‫أهلُ البدأ القّ تزيدُهم العِبُ والعظاتُ إيانا إل إيانِهم ‪ ،‬وأهْ ُل الورِ تزيدُهم الزلزلُ خوفا‬
‫إل خوِفهِم ‪ ،‬وليس أنفع أمام الزوابع والدواهي من قلبٍ شجاعٍ ‪ ،‬فإن الِقْدام الباس َل واسعُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪32‬‬

‫البطانِ ‪ ،‬ثابتُ الأشِ ‪ ،‬راسخُ اليقيِ ‪ ،‬باردُ العصابِ ‪ ،‬منشرحُ الصدر ‪ ،‬أما البا ُن فهو يذبح‬
‫فهو يذبح نفسه كلّ يوم مرات بسيف التوقّعات والراجيفِ والوهامِ والحلمِ ‪ ،‬فإن كنت‬
‫تريدُ الياة الستقرّ َة فواجِ ِه المور بشجاعةٍ وجلدٍ ‪ ،‬ول يستخفنّك الذين ل يوقنون ‪ ،‬ول تك‬
‫ف ضيْقٍ مّا يكرون ‪ ،‬كنْ أصلب من الحداثِ ‪ ،‬وأعْت من رياحِ الزماتِ ‪ ،‬وأقوى من‬
‫جدَّنهُمْ أَ ْحرَصَ‬
‫العاصيِ ‪ ،‬وارحتاه لصحابِ القلوبِ الضعيفةِ ‪ ،‬كم تزّهم اليامُ هزّا ﴿وَلََت ِ‬

‫النّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ ‪ ،‬وأما الُبا ُة فهم من الِ ف َمدَدٍ ‪ ،‬وعلى الوعدِ ف ثقةٍ ﴿ َفأَنزَلَ السّكِيَنةَ‬
‫عَلَ ْيهِمْ‬
‫****************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫ل تطمك التوافهُ‬
‫كم من مهمومٍ سببُ هّهِ أمرٌ حقيٌ تافهٌ ل ُيذْكَرُ !!‪.‬‬
‫حرّ‬
‫ه َمهُم ‪،‬وما أبْردَ عزاِئمَ ُهمْ‪ .‬هذه أقوالُهم ‪ ﴿ :‬لَ تَن ِفرُواْ فِي اْل َ‬
‫انظر إل النافقي ‪ ،‬ما أسقط َ‬

‫خشَى أَن ُتصِيبَنَا دَآِئرَةٌ ﴾ ‪ ﴿ ،‬مّا‬
‫﴾ ‪ ﴿ ،‬اْئذَن لّي وَلَ َتفْتِنّي ﴾ ‪ ﴿ ،‬بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ن ْ‬
‫َو َعدَنَا ال ّلهُ وَرَسُوُلهُ إِلّا ُغرُورا‬

‫﴾‪.‬‬

‫يا ليبةِ هذِهِ العاطس يا لتعاسةِ هذ ِه النفوسِ‪.‬‬
‫ههم البطو ُن والصحونُ والدورُ والقصورُ ‪ ،‬ل يرفعوا أبصارهم إل ساء الُثُلِ ‪ ،‬ل ينظروا أبدا‬
‫إل نوم الفضائل‪ .‬همّ أحدِ ِهمْ ومبلغُ ِع ْلمِهِ ‪ :‬دابّتهُ وثوبُهُ ونعلُهُ ومأدبُتهُ ‪ ،‬وانظرْ لقطّاعٍ هائلٍ‬
‫ب هومهمْ خلفٌ مع الزوجةِ ‪ ،‬أو البنِ ‪ ،‬أو القريبِ ‪ ،‬أو‬
‫منَ الناسِ تراهم صباح مساء سب ُ‬
‫ساعُ كلمةٍ نابيةٍ ‪ ،‬أو موقفٌ تافهٌ‪ .‬هذه مصائبُ هؤلءِ البشَرِ ‪ ،‬ليس عندهم من القاصدِ العليا‬
‫ل وقتهم ‪ ،‬وقدْ قالوا ‪ :‬إذا خرج الاءُ‬
‫ما يشغلُهم ‪ ،‬ليس عندهم من الهتماماتِ الليلةِ ما ي ُ‬
‫من الناءِ مل ُه الواءُ ‪ ،‬إذا ففكرْ ف المرِ الذي تتمّ له وتغتمّ ‪ ،‬هلْ يستحقُ هذا الهد وهذا‬
‫العناءَ ‪ ،‬لنك أعطيته من عقلِك وَلحْمِك ودَمِك وراحتِك ووقتِك ‪ ،‬وهذا غُْبنٌ ف الصفقةِ ‪،‬‬
‫وخسارةٌ هائلةٌ ثنُها بسٌ ‪ ،‬وعلما ُء النفسِ يقولون ‪ :‬اجعلْ لكلِ شيء حدا معقولً ‪ ،‬وأصدق‬

‫ل تحزن‬
‫‪33‬‬

‫ط القضية حجْمها ووزنا وقدْرها‬
‫من هذا قولهُ تعال ‪َ ﴿ :‬قدْ َجعَلَ ال ّلهُ لِكُلّ شَيْءٍ َقدْرا ﴾ فأع ِ‬
‫وإياكَ والظلم والغُُلوّ‪.‬‬
‫هؤلءِ الصحاب ُة البرارُ ههم تت الشجر ِة الوفاءُ بالبيع ِة فنالوا رِضوان الِ ‪ ،‬ور ُجلٌ معهم أهّه‬
‫جُلهُ حت فات ُه البيعُ فكان جزاءهُ الرمانُ والقتُ‪,‬‬
‫فاطرحِ التوافِه والشتغال با تدْ أنّ أكثر هومِك ذهبتْ عنك و ُعدْتَ فَرِحا مسرورا‪.‬‬
‫*******************************‬

‫ل لكَ‬
‫ارض با قسمَ ا ُ‬
‫تكنْ أغن الناسِ‬

‫م ّر فيما سبق بعضُ معان هذا السبب ؛ لكنن أبس ُطهُ هنا ليُفهم أكثرَ وهو ‪ :‬أنّ عليكَ أن تقْنع‬

‫خذْ مَا آتَيُْتكَ‬
‫با ُقسِمَ لك من جسمٍ ومالٍ وولدٍ وسكنٍ وموهبةٍ ‪ ،‬وهذا منطقُ القرآن ﴿ َف ُ‬
‫وَكُن ّمنَ‬

‫كرِينَ ﴾‬
‫الشّا ِ‬

‫إنّ غالبَ علماءِ السلفِ وأكثر الي ِل الولِ كانوا فقراء ل يكنْ لديهم‬

‫ت ول مساكنُ بيةٌ ‪ ،‬ول مراكبُ ‪ ،‬ول حشمٌ ‪ ،‬ومع ذلك أثْروُا الياة وأسعدوا أنفسهم‬
‫أُعطيا ٌ‬
‫والنسانية ‪ ،‬لنم وجّهوا ما آتاهمُ الُ من خيٍ ف سبيلِهِ الصحيحِ ‪ ،‬فَبُورِكَ لم ف أعمارِهم‬
‫وأوقاتِهم ومواهبهم ‪ ،‬ويقابلُ هذا الصنفُ الباركُ مَلٌ أُعطوا من الموالِ والولدِ والنعمِ ‪،‬‬
‫فكانتْ سببَ شقائِهم وتعاستِهم ‪ ،‬لنم انرفوا عن الفطرةِ السويّةِ والنهجِ القّ وهذا برهانٌ‬
‫ساطعٌ على أن الشياءَ ليستْ كلّ شيءٍ ‪ ،‬انظرْ إل من حل شهاداتٍ عاليّةً لكنهُ نكرةٌ من‬
‫النكراتِ ف عطائ ِه وفهمهِ وأثرهِ ‪ ،‬بينما آخرون عندهم علمٌ مدودٌ ‪ ،‬وقدْ جعلوا منه نرا دافقا‬
‫بالنفعِ والصلحِ والعمارِ‪.‬‬
‫ل فيها ‪ ،‬وارض بوضعكِ السري ‪،‬‬
‫إن كنت تريدُ السعاد ُة فارضَ بصورتِك الت ركبّك ا ُ‬
‫وصوتِك ‪ ،‬ومستوى فهمِك ‪ ،‬ودخلِك ‪ ،‬بل إنّ بعض الربّي الزهادِ يذهبون إل أبعدِ من ذلك‬
‫فيقولون لك ‪ :‬ارض بأقلّ مّا أنت فيهِ ودون ما أنت عليهِ‪.‬‬
‫هاك قائمةً رائعةً مليئةً باللمعي الذين بسوا حظوظهُمُ الدنيوية ‪:‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪34‬‬

‫عطا ُء بنُ رباح عالُ الدنيا ف عهدهِ ‪ ،‬مول أسودُ أفطسُ أ َشلّ مفلفلُ الشعرِ‪.‬‬

‫سمِ ‪ ،‬أ ْحدَبُ الظهرِ ‪ ،‬أحن الساقي ‪،‬‬
‫لْ‬
‫ف بنُ قيس ‪ ،‬حليمُ العربِ قاطبةً ‪ ،‬نيفُ ا ِ‬
‫الحن ُ‬
‫ضعيفُ البنيةِ‪.‬‬
‫ت اليدِ ‪ ،‬مزقُ الثيابِ ‪ ،‬رثُ‬
‫ف البصرِ ‪ ،‬فقيُ ذا ِ‬
‫العمش مدّثُ الدنيا ‪ ،‬من الوال ‪ ،‬ضعي ُ‬
‫اليئةِ والنلِ‪.‬‬

‫ت الِ وسلمُهُ عليهم ‪ ،‬كلّ منهم رعى الغَنمَ ‪ ،‬وكان داودُ َحدّادا ‪،‬‬
‫بل النبياء الكرامُ صلوا ُ‬

‫وزكريا نارا ‪ ،‬وإدريس خياطا ‪ ،‬وهم صفوةُ الناسِ وخَيْ ُر البشرِ‪.‬‬
‫إذا فقيمتُك مواهبُك ‪ ،‬وعملُك الصالُ ‪ ،‬ونفعُك ‪ ،‬وخلقك ‪ ،‬فل تأس على ما فات من جالٍ‬
‫اْلحَيَاةِ الدّنْيَا ﴾‪.‬‬

‫سمْنَا بَيَْنهُم ّمعِيشََتهُمْ فِي‬
‫أو مالٍ أو عيالٍ ‪ ،‬وارض بقسمِة الِ ﴿ َنحْنُ َق َ‬
‫****************************************‬

‫ت والرضُ‬
‫ذكّر نفسك بنةٍ عرضُها السماوا ُ‬

‫إنْ جعتَ ف هذه الدارِ أو افتقرتَ أو حزنتَ أو مرضتَ أو بستَ حقا أو ذقت ظلما فذكّر‬
‫نفسك بالنعيمِ ‪ ،‬إنك إن اعتقدت هذه العقيدة َ وعملتَ لذا الصيِ ‪ ،‬تولتْ خسائرُك إل‬
‫أرباحِ ‪ ،‬وبلياك إل عطايا‪ .‬إن أعقلَ الناسِ هم ُ الذين يعملون للخرةِ لنا خيٌ وأبقى ‪ ،‬وإنّ‬
‫أحق هذه الليقة هم الذين يرون أنّ هذه الدنيا هي قرارُهم ودارُهم ومنتهى أمانيهم ‪،‬‬
‫فتجدَهم أجزعَ الناسِ عند الصائبِ ‪ ،‬وأندهم عندَ الوادثِ ‪ ،‬لنمْ ل يرون إلّ حياتمْ‬
‫الزهيدة القية ‪ ،‬ل ينظرون إلّ إل هذهِ الفانيةِ ‪ ،‬ل يتفكرون ف غيِها ول يعملون لسواها ‪،‬‬
‫فل يريدون أن يعكّر لم سرورُهم ول يكدّر عليهم فرحُهم ‪ ،‬ولو أنمْ خلعوا حجاب الرانِ‬
‫عن قلو ِبمْ ‪ ،‬وغطاء الهلِ عن عيو ِنمْ لدثوا أنفسهم بدارِ اللدِ ونعيمِها ودورِها وقصورِها ‪،‬‬
‫ولسمعوا وأنصتوا لطابِ الوح ِي ف وصفِها ‪ ،‬إنا والِ الدارُ الت تستحقّ الهتمام والكدّ‬
‫والهْدَ‪.‬‬
‫هل تأملنا طويلً وصف أهلِ النة بأنم ل يرضون ول يزنون ول يوتون ‪ ،‬ول يفن‬
‫شبابُهم ‪ ،‬ول تبلى ثيابُهم ‪ ،‬ف غرفٍ يُرى ظاهرُها من باطنِها ‪ ،‬وباطِنُها من ظاهرهِا ‪ ،‬فيها ما‬

‫ل تحزن‬
‫‪35‬‬

‫ل عيٌ رأتْ ‪ ،‬ول أُذُ ٌن سعتْ ‪ ،‬ول َخطَرَ على قلبِ َبشَرٍ ‪ ،‬يسيُ الراكبُ ف شجرةٍ من‬
‫أشجارهِا مائة عامٍ ل يقطعُها ‪ ،‬طول اليمّةِ فيها ستون ميلً ‪ ،‬أنارُها ُمطّرِدٌة قصورُها منيفةٌ ‪،‬‬
‫قطوفُها دانيةٌ ‪ ،‬عيونُها جاريةٌ ‪ ،‬سُ ُررُها مرفوعةٌ ‪ ،‬أكوابُها موضوعةٌ ‪ ،‬نارقُها مصفوفَةٌ ‪،‬‬
‫زرابيّها مبثوثةٌ ‪ ،‬تّ سروَرها ‪ ،‬عظُم حبورُها ‪ ،‬فاح ع ْرفُها ‪ ،‬عظُم وصْفُها ‪ ،‬منتهى المان فيها‬
‫‪ ،‬فأين عقولُنا ل تفكرْ ؟! ما لنا ل نتدبّرْ ؟!‬
‫ف الصائبُ على الصابي ‪ ،‬ولتَقَرّ عيونْ النكوبي ‪،‬‬
‫إذا كان الصيُ إل هذه الدارِ ؛ فلتخ ّ‬
‫ولتفرح قلوبُ العدمي‪.‬‬
‫فيها أيها السحوقون بالفقرِ ‪ ،‬النهكون بالفاقةِ ‪ ،‬البتلون بالصائب ‪ ،‬اعملوا صالا ؛ لتسكنوا‬
‫ل وتاورو ُه تقدستْ أساؤُه ﴿ َسلَمٌ عَلَيْكُم ِبمَا صََبرُْتمْ فَِنعْ َم ُعقْبَى الدّارِ ﴾ ‪.‬‬
‫جنة ا ِ‬
‫****************************************‬

‫﴿ َوكَ َذلِكَ جَ َع ْلنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا ﴾‬
‫العدلُ مطَْلبٌ عقليّ وشرعيّ ‪ ،‬ل غُُل ّو ول جفاءٌ ‪ ،‬ل إفراطٌ ول تفريطٌ ‪ ،‬ومنْ أراد السعادة‬
‫فعليهِ أنْ يضبطَ عواطفهُ ‪ ،‬واندفاعاتِهِ ‪ ،‬وليكنْ عادلً ف رضاهُ وغضبِهِ ‪ ،‬وسرورِهِ وحُزِْنهِ ؛ لن‬
‫الشّ َططَ والبالغةَ ف التعامل مع الحداثِ ظلمٌ للنفسِ ‪ ،‬وما أحْسنَ الوسطيّةَ ‪ ،‬فإنّ الشرع نزل‬
‫باليزان واليا ُة قامتْ على القِسط ‪ ،‬ومنْ أتعبِ الناسِ منْ طاوعَ هواه ‪ ،‬واستسلم لعواطفِهِ‬
‫خمُ عنده الوادثُ ‪ ،‬وتظِلمُ لديه الزوايا ‪ ،‬وتقومُ ف قلبِه معار ُك ضاربةٌ‬
‫وميولتِه ‪ ،‬حينها تتض ّ‬
‫من الحقادِ والدخائ ِل والضغائنِ ‪ ،‬لنه يعيشُ ف أوهامٍ وخيالتٍ ‪ ،‬حت إن بعضه ْم يتصوّرُ أنّ‬
‫ضدّهُ ‪ ،‬وأنّ الخرينَ يبكون مؤامرةً لبادتهِ ‪ ،‬وُتمْلِي عليه وساوسُه أنّ الدنيا له‬
‫الميع ِ‬
‫ش ف سحبٍ سودٍ من الوفِ وا ّلمِ وال ّغمِ‪.‬‬
‫بالرصادِ فلذلك يعي ُ‬
‫إن الرجافُ منوعٌ شرعا ‪ ،‬رخيصٌ طبعا ‪ ،‬ول يارسُه إلّ أناسٌ مفلسون من القيمِ اليّةِ‬
‫حةٍ عَلَ ْيهِمْ ُهمُ‬
‫حسَبُونَ كُلّ صَ ْي َ‬
‫والبادئِ الربانيّةِ﴿ َي ْ‬

‫اْل َعدُوّ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪36‬‬

‫أجلِسْ قلَبكَ على كرسيّه ‪ ،‬فأكثرُ ما يافُ ل يكونُ ‪ ،‬ولك قبْ َل وقوع ما تافُ وقوعه أن‬
‫تقدّرَ أسوأ الحتمالتِ ‪ ،‬ث توطّن نفسكِ على تقبّل هذا السوأ ‪ ،‬حينها تنجو من التكهّناتِ‬
‫ث فَيَبْقَى‪.‬‬
‫لدَ ُ‬
‫الائرةِ الت تزّقُ القلب قبلَ أنْ يَ َقعَ ا َ‬
‫فيا أيّها العاق ُل النّابهُ ‪ :‬أعطِ كلّ شيء حجمَهُ ‪ ،‬ول تضخّم الحداث والواقفَ والقضايا ‪ ،‬بل‬
‫ض ف الديث ‪ (( :‬أحبب حبيبَك هوْنا ما ‪ ،‬فعسى أن يكون بغيضَكَ‬
‫اقتصدْ واعدلْ والبغ ِ‬

‫يوما ما ‪ ،‬وأبغض بغيضك هوْنا ما ‪ ،‬فعسى أن يكون حبيبكَ يوما ما )) ﴿ َعسَى ال ّلهُ أَن‬
‫جعَلَ بَيْنَ ُكمْ وَبَ ْينَ اّلذِينَ عَادَيْتُم مّ ْنهُم مّ َودّةً وَال ّلهُ َقدِيرٌ وَال ّل ُه َغفُورٌ رّحِيمٌ﴾‪.‬‬
‫َي ْ‬
‫إنّ كثيا من التخويفات والراجيف ل حقيقة لا‪.‬‬
‫*********************************‬

‫الزنُ ليس مطلوبا شرعا ‪ ،‬ول مقصودا أصلً‬
‫حزَ ْن‬
‫حزَنُوا ﴾‪ .‬وقولِه ‪ ﴿ :‬وَلَ َت ْ‬
‫فالزنُ منهيّ عنهُ قوله تعال ‪ ﴿ :‬وَلَ َتهِنُوا وَلَ َت ْ‬

‫عَلَ ْيهِمْ ﴾‬

‫ف‬

‫حزَنْ إِنّ ال ّلهَ َمعَنَا ﴾‪ .‬والنفيّ كقوله ‪َ ﴿ :‬فلَ َخوْفٌ عَلَيْ ِهمْ وَلَ ُهمْ‬
‫غيْرِ موضعٍ‪ .‬وقوله ‪ ﴿ :‬لَ َت ْ‬
‫حزَنُونَ ﴾‪ .‬فالزنُ خودٌ ل ْذوَةِ الطلبِ ‪ ،‬وهُمودٌ لروحِ المّةِ ‪ ،‬وبرودٌ ف النفسِ ‪ ،‬وهو ُحمّى‬
‫َي ْ‬
‫سمَ الياةِ‪.‬‬
‫تشلّ ج ْ‬
‫وسرّ ذلك ‪ :‬أن الزن ُموَقّفٌ غي ُمسَيّر ‪ ،‬ول مصلحة فيه للقلب ‪ ،‬وأحبّ شيءٍ إل الشيطان‬
‫‪ :‬أن ُيحْزِن العبد ليقطعهُ عن سيِه ‪ ،‬ويوقفه عن سلوكِه ‪ ،‬قال ال تعال ‪ ﴿:‬إِّنمَا الّنجْوَى ِمنَ‬

‫حزُنَ اّلذِينَ آمَنُوا ﴾‪ .‬ونى النبّ‬
‫الشّيْطَانِ لَِي ْ‬

‫‪ (( :‬أن يَتَناجَى اثنانِ منهم دون الثالثِ ‪،‬‬

‫ب ول مرغوبٍ فيه لنّهُ من الذى الذي يصيبُ‬
‫حزِنُه ))‪ .‬وحُزْنُ الؤمنِ غيْرُ مطلو ٍ‬
‫لن ذلك ُي ْ‬

‫النفس ‪ ،‬وقد ومغالبتُه بالوسائلِ الشروعةِ‪.‬‬
‫فالزنُ ليس بطلوبٍ ‪ ،‬ول مقصودٍ ‪ ،‬ول فيه فائدةٌ ‪ ،‬وقدِ استعاذ منه النبّ‬

‫فقال ‪:‬‬

‫(( اللهمّ إن أعوذُ بك من المّ والزنِ )) فهو قري ُن المّ ‪ ،‬والفرْقُ ‪ ،‬وإنّ كان لا مضى أورثه‬
‫الُزْنَ ‪ ،‬وكلها مضعِفٌ للقلبِ عن السيِ ‪ ،‬مُفتّرٌ للعزمِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪37‬‬

‫والزنُ تكديرٌ للحياةِ وتنغيصٌ للعيشِ ‪ ،‬وهو مصلٌ سامّ للروحِ ‪ ،‬يورثُها الفتور والن ّكدَ واليْرَة‬
‫لسْنِ ‪ ،‬وتنطفئُ عند مباهج الياةِ ‪،‬‬
‫‪ ،‬ويصيبُها بوجومٍ قاتٍ متذبّلٍ أمام المالِ ‪ ،‬فتهوي عند ا ُ‬
‫فتحتسي كأسَ الشؤم والسرةِ واللِ‪.‬‬
‫ولكنّ نزول منلتِهِ ضروريٌ بسبِ الواقعِ ‪ ،‬ولذا يقولُ أهلُ النةِ إذا دخلوها ‪﴿ :‬اْلحَ ْمدُ لِ ّلهِ‬

‫حزَنَ‬
‫ب عَنّا اْل َ‬
‫اّلذِي َأذْهَ َ‬

‫﴾‬

‫فهذا يدلّ على أن ْم كان يصيبُهم ف الدنيا الزنُ ‪ ،‬كما يصيبهُم‬

‫لزْ ُن وليس للنفسِ فيه حيلةٌ ‪ ،‬وليس‬
‫سائ ُر الصائبِ الت تري عليهم بغيِ اختيارِهم‪ .‬فإذا حلّ ا ُ‬
‫لا ف استجلبهِ سبي ٌل فهي مأجورةٌ على ما أصابا ؛ لنه ن ْوعٌ من الصائبِ فعلى العبدِ أنْ‬
‫يدافعه إذا نزل بالدعيةِ والوسائلِ اليّةِ الكفيلةِ بطردِه‪.‬‬
‫حمِ َلهُمْ قُلْتَ لَ أَ ِجدُ مَا أَ ْحمِلُ ُكمْ عَلَ ْيهِ‬
‫وأما قوله تعال ‪ ﴿ :‬وَ َل عَلَى اّلذِينَ ِإذَا مَا أَتَ ْوكَ لَِت ْ‬

‫تَوَلّواْ وَّأعْيُُن ُهمْ َتفِيضُ ِم َن ال ّدمْعِ َحزَنا أَلّ َيجِدُواْ‬

‫مَا يُن ِفقُونَ ﴾‪.‬‬

‫فلمْ يُمدحوا على نفسِ الزنِ ‪ ،‬وإنا مُدحوا على ما دلّ عليه الزنُ من قوةِ إيانِهم ‪ ،‬حيث‬
‫تلّفوا عن رسو ِل الِ لِعجزِهم عن النفقِة ففيهِ تعريضٌ بالنافقي الذين ل يزنوا على‬
‫تلّفهم ‪ ،‬بل غََبطُوا نفوسهم به‪.‬‬
‫لزْن الحمود إنْ ُح ِمدَ بَعْ َد وقوعِهِ – وهو ما كان سببُه فوْت طاعةٍ ‪ ،‬أو وقوع معصيةٍ‬
‫فإن ا ُ‬
‫– فإنّ حُزْ َن العبدِ على تقصيِهِ مع ربّه وتفري ِطهِ ف جَْنبِ موله ‪ :‬دليلٌ على حيات ِه وقبُولِهِ‬
‫الدايةَ ‪ ،‬ونورِهِ واهتدائِهِ‪.‬‬
‫أما قولُه‬

‫ف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬ما يصيبُ الؤمن من همّ ول نصب ول حزن ‪ ،‬إلّ‬

‫كفر الُ به من خطاياه ))‪ .‬فهذا يدلّ على أنه مصيبةٌ من الِ يصيبُ با العبْدَ ‪ ،‬يكفّرُ با من‬
‫سيئاتِه ‪ ،‬ول يدلّ على أنه مقامٌ ينبغي طلبُه واستيطانُه ‪ ،‬فليس للعبدِ أن يطلب الزن ويستدعيّه‬
‫ويظنّ أنهُ عبادة ‪ ،‬وأ ّن الشارعَ حثّ عليه ‪ ،‬أو أَمَرَ به ‪ ،‬أو رَضِيَهُ ‪ ،‬أو َشرَعَهُ لعبادِهِ ‪ ،‬ولو كان‬
‫هذا صحيحا لَقَ َطعَ حياتَ ُه بالحزانِ ‪ ،‬وصَرََفهَا بالمومِ ‪ ،‬كيفَ وصدرُه مُْنشَ ِرحٌ ووجهُه‬
‫باسمٌ ‪ ،‬وقلبُه راضٍ ‪ ،‬وهو متواصلُ السرورِ ؟!‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪38‬‬

‫وأما حديثُ هْندِ بن أب هالة ‪ ،‬ف صف ِة النبّ‬

‫‪ (( :‬أنهُ كان متواصلَ الحزانِ )) ‪،‬‬

‫فحديثٌ ل يثُبتُ ‪ ،‬وف إسنادهِ من ل يُعرَفُ ‪ ،‬وهو خلف واقعِهِ وحالِهِ ‪.‬‬
‫وكيف يكونُ متواصلَ الحزانِ ‪ ،‬وقد صانَ ُه الُ عن الزنِ على الدنيا وأسبابا ‪ ،‬وناهُ عن‬
‫الزنِ على الكفارِ ‪ ،‬وغَفَرَ له ما تقدّم من ذنِبهِ وما تأخّرَ ؟! فمن أين يأتيهِ الزنُ ؟! وكيفَ‬
‫يَصلُ إل قلِبهِ ؟! ومن أي الطرق ينسابُ إل فؤادِهِ ‪ ،‬وهو معمورٌ بالذّكرِ ‪ ،‬ريّانٌ بالستقامةِ ‪،‬‬
‫فيّاضٌ بالداية الربانيةِ ‪ ،‬مطمئ ّن بوع ِد الِ ‪ ،‬راض بأحكامه وأفعالِه ؟! بلْ كانَ دائمَ الِبشْرِ ‪،‬‬
‫ضحوك السّنّ ‪ ،‬كما ف صفته (( الضّحوك القتّال )) ‪ ،‬صلوات ال وسلمه عليه‪ .‬ومَن غاصَ‬
‫ف أخبارهِ ودقّقَ ف أعماقِ حياتِهِ واسَْتجْلَى أيامَهْ ‪ ،‬عَرَفَ أنه جاءَ لزهاقِ الباطلِ ودحْضِ‬
‫القَلَقِ والمّ والغمّ والُزْنِ ‪ ،‬وتريرِ النفوسِ من استعمارِ الشّبَ ِه والشكوكِ والشّرْكِ والَيْرَةِ‬
‫والضطرابِ ‪ ،‬وإنقاذهِا من مهاوي الهالكِ ‪ ،‬فلل ِه كمْ له على البَشَرِ من مِنَنٍ‪.‬‬
‫وأما البُ الرويّ ‪ (( :‬إن ال يبّ كلّ قلب حزين )) فل يُعرف إسنادُه ‪ ،‬ول مَن رواه ول‬

‫نعلم صِحّتَهُ‪ .‬وكيف يكونُ هذا صحيحا ‪ ،‬وقد جاءت اللّةُ بلفِهِ ‪ ،‬والشرعُ بن ْقضِهِ؟! وعلى‬
‫تقديرِ صحتِهِ ‪ :‬فالزنُ مصيبةٌ من الصائبِ الت يبتلي الُ با عَْبدَهُ ‪ ،‬فإذا ابتُلي به العبدُ فصيَ‬
‫ب صبَه على بلِئهِ‪ .‬والذين مدحوا الزنَ وأشادوا بهِ ونسبُوا إل الشرعِ المر به‬
‫عليهِ أح ّ‬
‫وتبيذهُ ؛ أخطؤوا ف ذلك ؛ ب ْل ما ورد إلّ النهيّ عنهُ ‪ ،‬والم ُر بضدّه ‪ ،‬من الفرحِ برح ِة الِ‬
‫تعال وبفضلهِ ‪ ،‬وبا أنزل على رسو ِل الِ ‪ ،‬والسرورِ بداي ِة الِ ‪ ،‬والنشراحِ بذا اليِ‬
‫ب الولياءِ‪.‬‬
‫الباركِ الذي نَ َزلَ من السماءِ على قلو ِ‬
‫ل عبدا َنصَبَ ف قلِْبهِ نائحةً ‪ ،‬وإذا أبغض عبدا جعلَ ف‬
‫وأما الثَرُ الخَرُ ‪ (( :‬إذا أحبّ ا ُ‬

‫قلبه ِمزْمارا ))‪ .‬فأثر إسرائيليّ ‪ ،‬قيل ‪ :‬إنه ف التوراة‪ .‬وله معن صحيحٌ ‪ ،‬فإنّ الؤمنَ حزينٌ‬

‫ص َل كسْرٌ ف قلوبِ الصاليَ فإنا هو‬
‫على ذنوبهِ ‪ ،‬والفاجرُ ل ٍه لعبٌ ‪ ،‬مترّن ٌم فَ ِرحٌ‪ .‬وإذا ح َ‬
‫لِا فاَتهُم من الياتِ ‪ ،‬وقصّروا فيهِ من بلوغِ الدرجاتِ ‪ ،‬وارتكبوهُ من السيئاتِ‪ .‬خلف‬
‫حز ِن العُصاةِ ‪ ،‬فإنّهُ على فوتِ الدنيا وشهواتِها وملذّها ومكاسبِها وأغراضِها ‪ ،‬فهمّ ُهمْ‬
‫وغمّ ُهمْ وحزُن ُهمْ لا ‪ ،‬ومن أجلِها وف سبيلِها‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪39‬‬

‫حزْنِ َفهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ‪ :‬فهو‬
‫ت عَيْنَاهُ ِمنَ اْل ُ‬
‫وأما قولُه تعال عن نبيّهِ إسرائيل ‪ ﴿ :‬وَابَْيضّ ْ‬
‫((‬

‫))‬

‫إخبارٌ عن حالهِ بصابِه بف ْقدِ وِلدِهِ وحبيِبهِ ‪ ،‬وأنه ابتلهُ بذلك كما ابتلهُ بالتفريق بينَهُ وبينَهُ‪.‬‬
‫ومرد الخبارِ عن الشيءِ ل يدلّ على استحسانِ ه ول على المرِ به ول الثّ عليه ‪ ،‬بل‬
‫أمرنا أنْ نستعي َذ بالِ من الزنِ ‪ ،‬فإنّهُ َسحَابَةٌ ثقيلةٌ وليل جاِثٌ طويلٌ ‪ ،‬وعائقٌ ف طريقِ السائرِ‬
‫إل معال المور‪.‬‬
‫وأجع أربابُ السلوكِ على أنّ حُزْنَ الدنيا غَيْرُ ممودٍ ‪ ،‬إل أبا عثمان البيّ ‪ ،‬فإنهُ قالَ ‪:‬‬
‫الزنُ بكلّ وجهٍ فضيلةٌ ‪ ،‬وزيادةٌ للمؤمنِ ‪ ،‬ما لْ يكنْ بسببِ معصيةٍ‪ .‬قال ‪ :‬لنهُ إن ل يُوجبْ‬
‫تصيصا ‪ ،‬فإنه يُوجبُ تحيصا‪.‬‬
‫فيُقالُ ‪ :‬ل رَْيبَ أنهُ منةٌ وبلءٌ من الِ ‪ ،‬بنلةِ الرضِ والمّ والغَمّ وأمّا أنهُ من منازِلِ الطريقِ ‪،‬‬
‫فل‪.‬‬
‫فعليكَ بلب السرورِ واستدعا ِء النشراحِ ‪ ،‬وسؤا ِل الِ الياةَ الطيب َة والعيش َة الرضيّة ‪ ،‬وصفاءَ‬
‫الاطرِ ‪ ،‬ورحابة البالِ ‪ ،‬فإنا نِعمٌ عاجلة ‪ ،‬حت قالَ بعضُهم ‪ :‬إ ّن ف الدنيا جنةً ‪ ،‬منْ ل‬
‫يدخلها ل يدخلْ جنةَ الخرةِ‪.‬‬
‫وال السؤولُ وَ ْحدَهْ أن يشرح صدورَنا بنورِ اليقيِ ‪ ،‬ويهدي قلوبنا لصراطِهِ الستقيمِ ‪ ،‬وأنْ‬
‫ك والضيّقِ‪.‬‬
‫ينقذنا من حياةِ الضّنْ ِ‬
‫********************************‬

‫وقفــة‬
‫ب والمّ والزنِ ‪ (( :‬ل إلهَ‬
‫هيّا نتفْ ننُ وإياكَ بذا الدعا ِء الارّ الصّادقِ‪ .‬فإنهُ لِكشفِ الكُرَ ِ‬

‫إل الُ العظيمُ الليم ‪ ،‬ل إله إل الُ ربّ العرشِ العظيمِ ‪ ،‬ل إله إل الُ ربّ السمواتِ‬

‫وربّ الرضِ وربّ العرشِ الكريِ ‪ ،‬يا حيّ يا قيومُ ل إله إل أنتَ برحتك أستغيثُ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪40‬‬

‫(( اللهمّ رحتكَ أرجو ‪ ،‬فل تكِلْن إل نفسي طرْ َف َة عَيْنِ ‪ ،‬وأصلحْ ل شأنَ كلّه ‪ ،‬ل إله إل‬

‫أنتَ ))‪.‬‬

‫(( استغفرُ ال الذي ل إله إل هو اليّ القيومَ وأتوبَ إليه ))‪.‬‬
‫((ل إله إل أنت سبحانك إن كنتُ من الظالي ))‪.‬‬

‫ف حكمُكَ ‪ ،‬عدْلٌ فّ‬
‫(( اللهمّ إن عبدُكً ‪ ،‬ابنُ عبدِك ‪ ،‬ابنُ أمتِك ‪ ،‬ناصيت بيدِك ‪ ،‬ماضٍ ّ‬

‫قضاؤُك ‪ ،‬أسألك بك ّل اسمٍ هو لك سّيت به نفسك ‪ ،‬أو أنزلتهُ ف كتابكَ ‪ ،‬أو علّمتهُ أحدا‬
‫ب عندكَ ‪ ،‬أنْ تعل القرآن ربيع قلب ‪ ،‬ونور‬
‫من خلقك ‪ ،‬أو استأثرت به ف علمِ الغي ِ‬
‫صدري ‪ ،‬وذهاب هّي ‪ ،‬وجلء حزن ))‪.‬‬

‫(( اللهمّ إن أعوذُ بك من المّ والزنِ ‪ ،‬وال َعجْز وال َكسَلِ ‪ ،‬والُبخْلِ والُ ْبنِ ‪ ،‬وضل ِع الدْينِ‬

‫وغلبةِ الرّجالِ ))‪.‬‬

‫(( حسبنا الُ ونعم الوكيلُ ))‪.‬‬
‫************************************‬

‫ابتسمْ‬

‫سمٌ للهمومِ ومر َهمٌ للحزانِ ‪ ،‬وله قوةٌ عجيبةٌ ف فرحِ الروحِ ‪ ،‬وجَذ ِل‬
‫ضحِكُ العتدلُ ب ْل َ‬
‫ال ّ‬
‫الق ْلبِ ‪ ،‬حت قال أبو الدرداء – رضي الُ عنه ‪ : -‬إن لضحك حت يكونَ إجاما لقلب‪.‬‬
‫وكان أكرمُ الناس يضحكُ أحيانا حت تبدو نواجذُه ‪ ،‬وهذا ضحكُ العقلءِ البصراءِ بداءِ‬
‫النفسِ ودوائِها‪.‬‬
‫والضحك ذِروةُ النشراحِ وِقمّةُ الراحةِ وناي ُة النبساطِ‪ .‬ولكنه ضحكٌ بل إسرافٍ ‪ (( :‬ل‬
‫تُكثرِ الضحك ‪ ،‬فإنّ كثرةَ الضحكِ تُميتُ القلبَ ))‪ .‬ولكنه التوسّط ‪ (( :‬وتبسّمك ف وجهِ‬
‫أخيك صدقةٌ )) ‪ ﴿ ،‬فَتََبسّمَ ضَاحِكا مّن قَوِْلهَا ﴾‪ .‬ومن نعيمِ أهلِ النةِ الضحكُ ‪ ﴿ :‬فَالْيَوْمَ‬

‫اّلذِينَ آمَنُواْ ِمنَ الْ ُكفّارِ َيضْحَكُونَ ﴾‪.‬‬

‫وكانتِ العربُ تدحُ ضحوكَ السّنّ ‪ ،‬وتعلُه دليلً على سعةِ النفسِ وجودةِ الكفّ ‪ ،‬وسخاوةِ‬
‫الطبعِ ‪ ،‬وكرمِ السجايا ‪ ،‬ونداوةِ الاطرِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪41‬‬

‫وقالَ زهيٌ ف (( هَرِم )) ‪:‬‬
‫كأنكَ تعطيهِ الذي أنت سائلهُ‬
‫تراهُ إذا ما جئَتهُ متهلّلً‬
‫ق والسلوكِ ‪،‬‬
‫والقيقةُ أنّ السلمَ ُبنَ على الوسطيةِ والعتدا ِل ف العقائدِ والعبادات والخل ِ‬
‫ف قاتٌ ‪ ،‬ول قهقهةٌ مستمرةٌ عابثةٌ لكنه ج ّد وقورٌ ‪ ،‬وخفّ ُة روحٍ واثقةٍ‪.‬‬
‫فل عبوسٌ مي ٌ‬
‫يقول أبو تام ‪:‬‬
‫صبحُ الؤمّلِ كوكبُ التأمّلِ‬
‫نفسي فداءُ أب عليّ إنهُ‬
‫فَكِ ٌه يمّ الدّ أحيانا وقدْ‬

‫ينضُو ويهزلُ عيشُ من ل يهزلِ‬

‫إن انقباضَ الوج ِه والعبوس علمةٌ على تذمّرِ النفسِ ‪ ،‬وغليانِ الاطرِ ‪ ،‬وتعكّرِ الزاجِ ﴿ُثمّ‬
‫سرَ ﴾‪.‬‬
‫عَبَسَ وََب َ‬

‫* « ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلْق »‪.‬‬

‫يقولُ أحد أمي ف « فيْضِ الاطرِ » ‪(( :‬ليس البتسمون للحياة أسعدَ حا ًل لنفسِ ِهمْ فقط ‪،‬‬
‫بلْ هم كذلك أقدرُ على العملِ ‪ ،‬وأكث ُر احتمالً للمسؤوليةِ ‪ ،‬وأصلحُ لواجهةِ الشدائدِ‬
‫ومعالةِ الصعابِ ‪ ،‬والتيانِ بعظائ ِم المورِ الت تنفعهُمْ وتنفعُ الناس‪.‬‬
‫س راضيةٍ باسةٍ ‪ ،‬لخترتُ الثانيةَ ‪ ،‬فما‬
‫لو خُيّرتُ بي ما ٍل كثيٍ أو منصبٍ خطيٍ ‪ ،‬وبي نف ٍ‬
‫الا ُل مع العبوسِ ؟! وما النصبُ مع انقباضِ النفسِ ؟! وما كلّ ما ف الياةِ إذا كان صاحبُه‬
‫ت بيتها جحيما‬
‫ضيّقا حرجا كأنه عائدٌ من جنازة حبيبٍ؟! وما جالُ الزوجة إذا عبستْ وقلب ْ‬
‫؟! ليٌ منها – ألفَ مرةٍ – زوجةٌ ل تبلغْ مبلغها ف المالِ وجعلتْ بيتها جنّةً‪.‬‬
‫ول قيمةَ للبسمةَ الظاهرةِ إل إذا كانتْ منبعثةً ما يعتري طبيعة النسانِ من شذوذ ‪ ،‬فالزهرُ‬
‫با ِسمٌ والغاباتُ باسةٌ ‪ ،‬والبحارُ والنارُ والسماءُ والنجومُ والطيورُ كلّها باسةٌ‪ .‬وكان النسانُ‬
‫بطبعهِ باسا لول ما يعرضُ له من طمعٍ وشرّ وأنانيةٍ تعلُهُ عابسا ‪ ،‬فكان بذلك نشازا ف‬
‫نغماتِ الطبيعةِ النسجعةِ ‪ ،‬ومنْ اجلِ هذا ل يرى المال من عبستْ نفسُه ‪ ،‬ول يرى القيقةَ‬
‫من تدنّس قلبُه ‪ ،‬فكلّ إنسانٍ يرى الدنيا من خلل عمِله وفكْرِه وبواعِثه ‪ ،‬فإذا كان العملُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪42‬‬

‫طيبا والفكرُ نظيفا والبواعثُ طاهرةً ‪ ،‬كان منظارُه الذي يرى به الدنيا نقيا ‪ ،‬فرأى الدنيا‬
‫جيلةً كما خُلقتْ ‪ ،‬وإلّ تغبّشَ منظارُه‪ ،‬واسودّ زجاجُه ‪ ،‬فرأى كلّ شيء أسود مغبشا‪.‬‬
‫هناك نفوسٌ تستطيعُ أن تصنع من كلّ شيء شقاء ‪ ،‬ونفوسٌ تستطيع أن تصنع من كلّ شيءٍ‬
‫سعادةً ‪ ،‬هناك الرأةُ ف البيتِ ل تقعُ عينُها إل على الطأ ‪ ،‬فاليومُ أسودُ ‪ ،‬لنّ طبقا كُسِر ‪،‬‬
‫ولن نوعا من الطعا ِم زاد الطاهي ف مِ ْلحِه ‪ ،‬أو لنا عثرتْ على قطعةٍ من الورقِ ف الجرةِ ‪،‬‬
‫فتهيجُ وتسبّ ‪ ،‬ويتعدّى السبابُ إل كلّ منْ ف البيتِ ‪ ،‬وإذا هو شعلةٌ من نارِ ‪ ،‬وهناك رجلٌ‬
‫ينغّصُ على نفسِه وعلى مَنْ حوله ‪ ،‬مِن كلمةٍ يسمعُها أو يؤوّلا تأويلً سيّئا ‪ ،‬أو مِنْ عملٍ‬
‫تافِهٍ حدثَ له ‪ ،‬أو حدثَ منه ‪ ،‬أو من رِبْحٍ خسِرهُ ‪ ،‬أو م ْن رِبْحٍ كان ينتظرُه فلم يدثُ ‪ ،‬أو‬
‫نو ذلك ‪ ،‬فإذا الدنيا كلّها سوداءُ ف نظرِه ‪ ،‬ث هو يسوّدُها على منْ حوله‪ .‬هؤلء عندهمْ‬
‫قدرةٌ على البالغةِ ف الشرّ ‪ ،‬فيجعلون من البّةِ قُبّةً ‪ ،‬ومن البذرةِ شجرةً ‪ ،‬وليس عندهمْ قدرةٌ‬
‫على اليِ ‪ ،‬فل يفرحون با أُوتوا ولو كثيا ‪ ،‬ول ينعمون با نالوا ولو عظيما‪.‬‬
‫لبّ ف حياتهِ ‪،‬‬
‫جدّ ف وضعِ الزهارِ والرياحيِ وا ُ‬
‫الياةُ فنّ ‪ ،‬وفنّ يُتَعّلمُ ‪ ،‬وليٌ للنسانِ أن َي ِ‬
‫من أن يدّ ف تكديسِ الالِ ف جيبهِ أو ف مصرفِه‪ .‬ما الياةُ إذا وُجّهتْ كلّ الهو ِد فيها لمعِ‬
‫ب فيها والمالِ ؟!‬
‫الالِ ‪ ،‬ول يُوجّهْ أيّ جهدٍ لترقيةِ جانب الرح ِة وال ّ‬
‫أكثرُ الناسِ ل يفتحون أعين ُهمْ لباهجِ الياةِ ‪ ،‬وإنا يفتحونا للدرهمِ والدينارِ ‪ ،‬يرّون على‬
‫الديقةِ الغنّاءِ ‪ ،‬والزهارِ الميلةِ ‪ ،‬والاءِ التدفّقِ ‪ ،‬والطيورِ الغرّدةِ ‪ ،‬فل يأبون لا ‪ ،‬وإنا‬
‫يأبون لدينارٍ يدخلُ ودينارٍ يرجُ‪ .‬قدْ كان الدينارُ وسيلةً للعيشةِ السعيدةِ ‪ ،‬فقلبوا الوضع‬
‫وباعوا العيشة السعيدة من أجلِ الدينارِ ‪ ،‬وقد ُركّبتْ فينا العيونُ لنظرِ المالِ ‪ ،‬فعوّدناها أل‬
‫تنظر إلّ إل الدينارِ‪.‬‬
‫ليس يعبّسُ النفس والوجه كاليأسِ ‪ ،‬فإنْ أردت البتسامُ فحارب اليأس‪ .‬إن الفرصة سانةً لك‬
‫ح مفتوحٌ بابُه لك وللناسِ ‪ ،‬فعوّدْ عقلك تفتّح المل ‪ ،‬وتوقّع اليِ ف‬
‫وللناسِ ‪ ،‬والنجا ُ‬
‫الستقبلِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪43‬‬

‫إذا اعتقدت أنك ملوقٌ للصغيِ من المورِ لْ تبلغْ ف الياةِ إل الصغي ‪ ،‬وإذا اعتقدت أنك‬
‫ملوقٌ لعظائمِ المورِ شعرت بمّةٍ تكسرُ الدود والواجز ‪ ،‬وتنفذُ منها إل الساح ِة الفسيحةِ‬
‫والغرضِ السى ‪ ،‬و ِمصْداقُ ذلك حادثٌ ف الياةِ الاديةِ ‪ ،‬فمنْ دخل مسابقة مائةِ مترٍ شعر‬
‫بالتعبِ إذا هو قطعها ‪ ،‬ومن دخل مسابقة أربعمائِةِ مترٍ لْ يشع ْر بالتعبِ من الائةِ والائتيِ‪.‬‬
‫فالنفسُ تعطيك من المّةِ بقد ِر ما تدّدُ من الغرضِ‪ .‬حدّدْ غرضك ‪ ،‬وليكنْ ساميا صعْب النالِ‬
‫‪ ،‬ولكنْ ل عليك ف ذلك ما دمت كلّ يومٍ تطو إليه خطوا جديدا‪ .‬إنا يصدّ النفس ويعبّسَها‬
‫س وفقدانُ الملِ ‪ ،‬والعيشةُ السيئةُ برؤيةِ الشرورِ ‪ ،‬والبحثِ عن‬
‫ويعلُها ف سجنٍ مظلمٍ ‪ :‬اليأ ُ‬
‫ق بالديثِ عن سيئاتِ العالِ ل غي‪.‬‬
‫معايبِ الناسِ ‪ ،‬والتشدّ ِ‬
‫ب ينمّي ملكاتهِ الطبيعيةِ ‪ ،‬ويعادلُ بينها ويوسّعُ‬
‫وليس يُوفّقُ النسانُ ف شيء كما يُوفّقُ إل مُرَ ّ‬
‫أفقه ‪ ،‬ويعوّدهُ السماحةَ وسَع َة الصدرِ ‪ ،‬ويعلّمهُ أن خَيْرَ غرضٍ يسعى إليهِ أن يكونَ مصدرَ خيٍ‬
‫للناس بقدرِ ما يستطيعُ ‪ ،‬وأنْ تكون نفسُه شسا مشعّةً للضو ِء والبّ واليِ ‪ ،‬وأنْ يكون قلبُه‬
‫ملوءا عطفا وبرا وإنسانية ‪ ،‬وحبا ليصالٍ اليِ لكلّمن اتصل به‪.‬‬
‫ب فيلذّها التغّلبُ عليها ‪ ،‬تنظرُها فتبسّم ‪ ،‬وتعالها فتبسمْ ‪ ،‬وتتغلبْ‬
‫س الباسةُ ترى الصعا َ‬
‫النف ُ‬
‫س العابس ُة ل ترى صعابا فتخلفها ‪ ،‬وإذا رأتْها أكبتْها واستصغرتْ هّتها‬
‫عليها فتبسمْ ‪ ،‬والنف ُ‬
‫وتعلّلتْ بلو وإذا وإنْ‪ .‬وما الدهرُ الذي يلعنُه إل مزاجُه وتربيتُه ‪ ،‬إنه يؤ ّد النجاح ف اليا ِة ول‬
‫يريدُ أن يدفع ثََنهُ ‪ ،‬إنه يرى ف كلّ طريق أسدا رابضا ‪ ،‬إنه ينتظرُ حت تط َر السماءُ ذهبا أو‬
‫تنش ّق الرضُ عن كَنْزٍ‪.‬‬
‫إن الصعابَ ف الياةِ أمورٌ نسبيةٌ ‪ ،‬فكلّ شيءٍ صَ ْعبٌ جدا عند النفسِ الصغيةِ جدا ‪ ،‬ول‬
‫صعوبة عظيم ًة عند النفسِ العظيمةِ ‪ ،‬وبينما النفسُ العظيمةُ تزداد عظمةً بغالب ِة الصّعابِ إذا‬
‫بالنفوس الزيلةِ تزدا ُد سقما بالفرارِ منها ‪ ،‬وإنا الصعابُ كالكلبِ العقورِ ‪ ،‬إذا رآك خفت منهُ‬
‫حكَ وعدا وراءك ‪ ،‬وإذا رءاك تزأُ به ول تعيه اهتماما وتبقُ له عينك ‪ ،‬أفسح‬
‫وجرْيتَ ‪ ،‬نََب َ‬
‫الطريق لك ‪ ،‬وانكمش ف جلدِه منك‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪44‬‬

‫ثّ ل شيء أقتلُ للنفسِ من شعورِها بضَعَتِها وصِغَرِ شأنِها وقلّ ِة قيمتهِا ‪ ،‬وأنا ل يكنُ أن‬
‫يصدر عنها عملٌ عظيمٌ ‪ ،‬ول يُنتظرُ منها خ ٌي كبيٌ‪ .‬هذا الشعو ُر بالضّعةِ يُف ِقدُ النسان الثقة‬
‫بنفسِه واليان بقوتِها ‪ ،‬فإذا أقدم على عملٍ ارتاب ف مقدرتِه وف إمكانِ ناحِه ‪ ،‬وعاله‬
‫بفتو ٍر ففشِلَ فيهِ‪ .‬الثقةُ بالنفس فضيل ٌة كبى عليها عما ُد النجاحِ ف الياةِ ‪ ،‬وشتّان بينها وبي‬
‫الغرورِ الذي يُعدّ رذيلةً ‪ ،‬والفرقُ بينهما أنّ الغرور اعتمادُ النفسِ على اليالِ وعلى الكِبْرِ‬
‫الزائفِ ‪ ،‬والثقةُ بالنفس اعتمادُها على مقدرتِها على تمّلِ السؤوليةِ ‪ ،‬وعلى تقويةِ ملكاتِها‬
‫وتسيِ استعدادِها ))‪.‬‬
‫يقول إيليا أبو ماضي ‪:‬‬
‫قلتُ‪ :‬ابتسمْ يكفي التج ّهمُ ف السما !‬
‫قالَ ‪ « :‬السماءُ كئيبةٌ ! » وتهّما‬
‫لن يُرجعَ السفُ الصبّا التصرّما !‬
‫قالَ ‪ :‬الصّبا ولّى ! فقلتُ لهُ ‪ :‬ابتسمْ‬
‫ت لنفسي ف الغرامِ جهنّما‬
‫صار ْ‬
‫قالً ‪ :‬الت كانتْ سائي ف الوى‬
‫قلب ‪ ،‬فكيف أُطيقُ أن أتبسّما !‬
‫خانتْ عهودي بعدما ملّكتُها‬
‫قضّْيتَ عمركَ كلّه متألّا !‬
‫قلتُ ‪ :‬ابتسمْ واطربْ فلوْ قارنْتَها‬
‫مثلُ السافرِ كاد يقتلهُ الظّما‬
‫قالَ ‪ :‬التّجارةُ ف صراعٍ هائلٍ‬
‫لدمٍ ‪ ،‬وتن ُفثُ كلمّا لثتْ دَمَا !‬
‫أو غادةٍ مسْلولةٍ متاجةٍ‬
‫وشِفائها ‪ ،‬فإذا ابتسمت فربّما‪..‬‬
‫قلتُ ‪ :‬ابتسمْ ‪ ،‬ما أنت جالبَ دائها‬
‫وجلٍ كأنك أنت صرت ا ُلجْرما ؟‬
‫أيكونُ غيُك مرما ‪ ،‬وتبيتُ ف‬
‫لمَى ؟‬
‫أَأُسَرّ والعداءُ حول ف ا ِ‬
‫ت صيحاتُ ُهمْ‬
‫قال ‪ :‬العِدى حول عل ْ‬
‫لو ل تَ ُك ْن منهمْ أجلّ وأعظما !‬
‫قلتُ ‪ :‬ابتسمْ ل يطلبوك بذمّهمْ‬
‫س والدّمى‬
‫وتعرّضتْ ل ف اللب ِ‬
‫قال ‪ :‬الواسمُ قد بدتْ أعلمُها‬
‫لكنّ كفّي ليسَ تلكُ درها‬
‫ض لزمٌ‬
‫وعليّ للحبابِ فر ٌ‬
‫حيا ‪ ،‬ولستَ من الحبّةِ مُعدما !‬
‫قلتُ ‪ :‬ابتسمْ يكفيك أنّك ل تزلْ‬
‫قلتُ ‪ :‬ابتسمْ ‪ ،‬ولئنْ ُجرّعتَ العلقما‬
‫قال ‪ :‬الليال جرّعتن علقما‬
‫طَ َرحَ الكآبة جانبا وترنّما‬
‫فلعلّ غيكَ إن رآك مرنّما‬

‫ل تحزن‬
‫‪45‬‬

‫أم أنت تسرُ بالبشاشةِ مغنما ؟‬
‫أتُراك تغن ُم بالتبّمِ درها‬
‫تتثلّما ‪ ،‬والوجهِ أنْ يتحطّما‬
‫يا صاحِ ل خطرٌ على شفتيك أنْ‬
‫جى متل ِطمٌ ‪ ،‬ولذا نبّ النُما !‬
‫شهْبَ تضحكُ والدّ‬
‫ك فإنّ ال ّ‬
‫فاضح ْ‬
‫يأت إل الدنيا ويذهبُ مُرْغَما‬
‫قال ‪ :‬البشاشةُ ليس تُسعِ ُد كائنا‬
‫شبٌ ‪ ،‬فإنّك بعدُ لنْ تتبسّما‬
‫قلت ‪ :‬ابتسم مادام بينك والردّى‬
‫ف الروحِ ول ِ‬
‫ي‬
‫صدْرِ وأرييّةِ الُلُقِ ‪ ،‬ولط ِ‬
‫ما أحوجنا إل البسمةِ وطلقةِ الوجهِ ‪ ،‬وانشراحِ ال ّ‬

‫الانبِ ‪(( ،‬إنّ ال أوحى إلّ تواضعوا ‪ ،‬حت ل يبغي أح ٌد على أحدٍ ول يفخر أحدٌ على‬
‫أحدٍ ))‪.‬‬
‫******************************************‬

‫وقفــــة‬
‫جحَ؟!‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنك جرّبتَ الزن بالمسِ فما نَفَعَكَ شيئا ‪ ،‬رَ َسبَ ابنُك فحزنتَ ‪ ،‬فهل َن َ‬
‫مات والدُك فحزنت فهل عادَ حيّاَ ؟! خسِرت تارتُك فحزنت‪ ،‬فهل عادتْ السائرُ أرباحا؟!‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنك حزنت من الصيب ِة فصارتْ مصائبَ ‪ ،‬وحزنتَ من الفق ِر فازْددْتَ نَكَدا ‪،‬‬

‫وحزنتَ من كلم أعدائك فأعنتهمْ عليك ‪ ،‬وحزنْت من توقّع مكروهٍ فما وقع‪.‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فإنهُ لنْ ينفعك مع الُزْن دارٌ واسعةٌ ‪ ،‬ول زوجةٌ حسناءُ ‪ ،‬ول ما ٌل وفيٌ ‪ ،‬ول‬
‫منصبٌ سامٍ ‪ ،‬ول أولدٌ نُجباءُ‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الُزْنَ يُريك الاءَ الزللَ علْقما ‪ ،‬والوردةَ حَنْظََلةً ‪ ،‬والديقةَ صحراءَ قاحلةً ‪،‬‬
‫والياة سجنا ل يُطاقُ‪.‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬وأنت عندك عينانِ وأذنانِ وشفتانِ ويدانِ ورجلنِ ولسانٌ ‪ ،‬وجَنَانٌ وأمنٌ وأمانٌ‬

‫وعافيةٌ ف البدانِ ‪ ﴿ :‬فَبَِأيّ آلَاء رَبّ ُكمَا تُ َكذّبَانِ ﴾ ‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬ولك دينٌ تَعْتَقِدُهُ ‪ ،‬وبيتٌ تسكُُنهُ ‪ ،‬وخبزٌ تأكلُه ‪ ،‬وماءٌ تشرُبهُ ‪ ،‬وثوبٌ َتلَْبسُهُ ‪،‬‬
‫وزوجةٌ تأوي إليها ‪ ،‬فلماذا تزنْ ؟!‬
‫**********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪46‬‬

‫نعمة الل‬
‫اللُ ليس مذموما دائما ‪ ،‬ول مكروها أبدا ‪ ،‬فقدْ يكونُ خيا للعبدِ أنْ يتَأّلمَ‪.‬‬
‫ب زَمَنَ‬
‫إنّ الدعاء الارّ يأت مع اللِ ‪ ،‬والتسبيحَ الصادقَ يصاحبُ اللَمَ ‪ ،‬وتألّم الطال ِ‬
‫التحصيلِ وحْله لعباءِ الطلبِ يُثمرُ عالا َجهْبَذا ‪ ،‬لنهُ احترق ف البدايةِ فأشرق ف النهايةِ‪.‬‬
‫وتألّم الشاعرِ ومعاناتُه لا يقولُ تُنتجُ أدبا مؤثرا خلّبا ‪ ،‬لنه انقدحَ مع اللِ من القلبِ‬
‫والعصبِ والدمِ فهزّ الشاعرَ وحرّكَ الفئدةَ‪ .‬ومعاناة الكاتبِ تُخرجُ نِتاجا حيّا جذّابا يورُ‬
‫بالعِبِ والصورِ والذكرياتِ‪.‬‬
‫إ ّن الطالبَ الذي عاشَ حياةَ الدّعةِ والراحةِ ول تلْذعْ ُه الَزَمَاتُ ‪ ،‬ولْ ت ْكوِهِ الُِلمّاتُ ‪ ،‬إ ّن هذا‬
‫الطالبَ يبقى كسولً مترهّلً فاترا‪.‬‬
‫وإنّ الشاعر الذي ما عرفَ اللَ ول ذاقَ الر ول ترّع ال ُغصَصَ ‪ ،‬تبقى قصائدهُ رُكاما من‬
‫ص الديثِ ‪ ،‬وكُتلً من زبدِ القولِ ‪ ،‬ل ّن قصائدَهُ خر َجتْ من لسانِهِ ول ت ُرجْ من‬
‫رخي ِ‬
‫وجدانِهِ ‪ ،‬وتلفّظ با فهمه ول ي ِعشْها قلبُه وجواِنحُهُ‪.‬‬
‫وأسى من هذهِ المثلةِ وأرفعُ ‪ :‬حياةُ الؤمني الوّلي الذين عاشوا فجْرَ الرسالةِ ومَولِدَ اللّةِ ‪،‬‬
‫وبداي َة البَعْثِ ‪ ،‬فإنُم أعظمُ إيانا ‪ ،‬وأبرّ قلوبا ‪ ،‬وأصدقُ لْجةً ‪ ،‬وأعْمقُ عِلمْا ‪ ،‬لنم عاشوا‬
‫ا َلَلمَ والعاناةَ ‪ :‬ألَ الوع والفَقْ ِر والتشريدِ ‪ ،‬والذى والطردِ والبعادِ‪ ،‬وفراقَ الألوفاتِ ‪،‬‬
‫و َهجْرَ الرغوباتِ ‪ ،‬وألَ الراحِ ‪ ،‬والقت ِل والتعذيبِ ‪ ،‬فكانوا ب ّق الصفوة الصافيةَ ‪ ،‬والثلّةَ‬
‫ا ُلجْتَبَاةَ ‪ ،‬آياتٍ ف الطهرِ ‪ ،‬وأعلما ف النبل ‪ ،‬ورموزا ف التضحية ‪ ﴿ ،‬ذَلِكَ ِبأَّنهُمْ لَ‬

‫صةٌ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ وَلَ يَطَؤُونَ مَوْطِئا َيغِيظُ الْ ُكفّارَ وَلَ‬
‫ُيصِيبُ ُهمْ َظمَأٌ وَلَ َنصَبٌ وَلَ َمخْ َم َ‬
‫حسِنِيَ‬
‫يَنَالُونَ ِمنْ َعدُوّ نّ ْيلً إِلّ كُتِبَ َلهُم ِب ِه َعمَلٌ صَاِلحٌ ِإنّ ال ّلهَ لَ ُيضِيعُ أَ ْجرَ اْل ُم ْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫لمّى فأنش َد رائعته ‪:‬‬
‫س قدّموا أروعَ نتِا َج ُهمْ ‪ ،‬لنم تألّوا ‪ ،‬فالتنب وعَكَتْه ا ُ‬
‫وف عال الدنيا أنا ٌ‬
‫فليسَ تزورُ إلّ ف الظلمِ‬
‫وزائرت كأنّ با حياءَ‬
‫والنابغةُ خ ّوفَ ُه النعمانُ بنُ النذرِ بالقتلِ ‪ ،‬فقدّم للناس ‪:‬‬
‫إذا طلعتْ ل يْبدُ منهنّ كَوكبُ‬
‫فإنكَ شسٌ واللو ُك كواكبٌ‬

‫ل تحزن‬
‫‪47‬‬

‫وكثيٌ أولئك الذين أَثْرَوا الياةَ ‪ ،‬لنم تألّوا‪.‬‬
‫إذنْ فل تزعْ من الل ول َتخَفَ من العاناةِ ‪ ،‬فربا كانتْ قوةً لك ومتاعا إل حي ‪ ،‬فإن َ‬
‫ك‬
‫ع النفسِ ؛ أرقّ وأصفى من أن تعيشَ باردَ‬
‫لوَى ملذو َ‬
‫إنْ تعشْ مشبوبَ الفؤادِ مروقَ ا َ‬
‫الشاعرِ فات َر الِمّةِ خامدَ النّفْسِ ‪ ﴿ ،‬وَلَـكِن َكرِهَ ال ّلهُ انِبعَاَث ُهمْ فَثَبّ َط ُهمْ وَقِيلَ ا ْق ُعدُواْ مَعَ‬

‫اْلقَا ِعدِينَ ﴾‬

‫ذكرتُ بذا شاعرا عاش العانا َة والسى وألَ الفراقِ وهو يلفظُ أنفاسَه الخي َة ف قصيد ٍة‬
‫لسْنِ ‪ ،‬ذائعةِ الشّهرةِ بعيدةٍ عن التكلّف والتزويق ‪ :‬إنه مالك بن الرّيب ‪ ،‬يَرثي نفسه ‪:‬‬
‫بديعةِ ا ُ‬
‫وأصبحتُ ف جيش ابنِ عفّانَ غازيَا‬
‫َألَمْ تَرَن بِ ْعتُ الضّلَلةَ با ُلدَى‬
‫بَنِيّ بأعلى الرقمتيْن وماليا‬
‫فللهِ َدرّي يومَ أُتْرَكُ طائعا‬
‫برابيةٍ إنّي مقي ٌم لياليا‬
‫فيا صاحِبَيْ رحلي دنا الوتُ فانزل‬
‫ول تُعجِلن قد تبيّن ما بيا‬
‫أقيما عليّ اليومَ أوْ بَعْضَ ليلةٍ‬
‫ورُدّا على عَيْنَيّ فضلَ ردائيا‬
‫وخُطا بأطرافِ السنةِ مضجعي‬
‫مِن الرضِ ذاتِ العَرْض أنْ تُوسِعَا ليا‬
‫ول تسُدان بارَك الُ فيكما‬
‫إل آخرِ ذاكَ الصوتِ الته ّدجِ ‪ ،‬والعوي ِل الثاكل ‪ ،‬والصرخةِ الفجوعةِ الت ثارتْ حما منْ‬
‫قلبِ هذا الشاعرِ الفجوعِ بنفسهِ الصابِ ف حياتهِ‪.‬‬
‫إن الوعظَ الحترقَ َتصِ ُل كلماتُه إل شِغافِ القلوبِ ‪ ،‬وتغوصُ ف أعماقِ الرّوحِ لنه يعيشُ‬
‫اللَ والعاناةَ ﴿ َفعَ ِلمَ مَا فِي قُلُوِب ِهمْ َفأَنزَلَ السّكِينَ َة عَلَ ْي ِهمْ وَأَثَاَب ُهمْ فَتْحا َقرِيبا ﴾ ‪.‬‬
‫حت يكونَ حشاكَ ف أحشائِه‬
‫ل تعذلِ الشتاقَ ف أشواقِه‬
‫لقد رأيتُ دواوينَ لشعراءَ ولكنها باردةً ل حياةَ فيها‪ ،‬ول روح لنمْ قالوها بل عَناء ‪،‬‬
‫ونظموها ف رخاء ‪ ،‬فجاءتْ قطعا من الثلجِ وكتلً من الطيِ‪.‬‬
‫صتِ ذرّةً ‪ ،‬لنم‬
‫ت ف الوعظِ ل ت ّز ف السامعِ شعرةً ‪ ،‬ول ترّكُ ف الُْن ِ‬
‫ورأيتُ مصنّفا ٍ‬
‫يقولونَها بل حُرْق ٍة ول لوعةٍ ‪ ،‬ول ألٍ ول معاناةٍ‪َ﴿ ،‬يقُولُونَ ِبأَفْوَا ِههِم مّا لَ ْيسَ فِي‬

‫قُلُوِب ِهمْ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪48‬‬

‫فإذا أردتَ أن تؤثّر بكلمِك أو بشعْرِك ‪ ،‬فاحترقْ به أنت قَبْلُ ‪ ،‬وتأثّرْ به وذقْه وتفاعلْ مَعَهُ ‪،‬‬
‫وسوفَ ترى أنك تؤثّر ف الناس ‪َ ﴿،‬فِإذَا أَنزَلْنَا عَلَ ْيهَا اْلمَاء اهَْتزّتْ َورَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن ُكلّ‬

‫زَوْجٍ َبهِيجٍ ﴾‪.‬‬
‫************************************‬

‫نعمة العرفة‬
‫ك عَظِيما ﴾‪.‬‬
‫﴿ َوعَ ّلمَكَ مَا َلمْ تَ ُكنْ َتعْ َلمُ وَكَانَ َفضْلُ ال ّل ِه عَلَيْ َ‬
‫ت للضميِ وذَْبحٌ للحياةِ ‪ ،‬ومَحْقٌ للعمرِ ﴿ إِنّي َأعِ ُظكَ أَن تَكُونَ ِمنَ اْلجَاهِ ِليَ ﴾‪.‬‬
‫الهلُ مو ٌ‬

‫والعلمُ نو ٌر البصية ‪ ،‬وحياةٌ للروحِ ‪ ،‬ووَقُودٌ للطبعِ ‪ ﴿ ،‬أَوَ مَن كَانَ مَيْتا َفأَحْيَيْنَاهُ وَ َجعَلْنَا َلهُ‬
‫نُورا َي ْمشِي ِبهِ فِي النّاسِ َكمَن مّثَ ُلهُ فِي الظّ ُلمَاتِ لَ ْيسَ ِبخَارِجٍ مّ ْنهَا‬

‫﴾‪.‬‬

‫إنّ السرورَ والنشراحَ يأت معَ العلم ‪ ،‬ل ّن العلمَ عثورٌ على الغامضِ ‪ ،‬وحصولٌ على الضّالّة ‪،‬‬
‫ف للمستورِ ‪ ،‬والنفسُ مُولَعةٌ بعرف ِة الديدِ والطلعِ على ا ُلسْتَطْ َرفِ‪.‬‬
‫واكتشا ٌ‬
‫أمّا اله ُل فهوَ مَلَلٌ وحُزْنٌ ‪ ،‬لنه حياةٌ ل جدي َد فيها ول طريفَ ‪ ،‬و ل مستعذَبا ‪ ،‬أمسِ‬
‫كاليومِ ‪ ،‬واليو َم كالغدِ‪.‬‬
‫ك الغمومُ‬
‫فإنْ كنتَ تريدُ السعاد َة فاطلبِ العلمَ وابثْ عن العرفةِ وحصّل الفوائدَ ‪ ،‬لتذهبَ عن َ‬
‫والمومُ والحزانُ ‪ ﴿ ،‬وَقُل رّبّ ِزدْنِي عِلْما ﴾ ‪ ﴿ ،‬ا ْقرَأْ بِا ْسمِ رَبّكَ اّلذِي َخ َلقَ ﴾‪(( .‬من‬

‫ل به خيا يفقّه ُه ف الدينِ ))‪ .‬ول يفخرْ أحدٌ بالِهِ أو باهِهِ ‪ ،‬وهو جاه ٌل صفْرٌ من‬
‫يردِ ا ُ‬

‫العرفةِ ‪ ،‬فإنّ حياتَه ليستْ تامّةً وعمرُه ليس كاملً ‪ ﴿ :‬أَ َفمَن َيعْ َلمُ أَّنمَا أُنزِلَ إِلَ ْيكَ مِن رَبّكَ‬

‫اْلحَقّ َك َمنْ هُوَ َأ ْعمَى‬

‫﴾‪.‬‬

‫قال الزمشريّ ‪:‬‬
‫سهري لتنقيحِ العلومِ ألذّ ل‬
‫وتايُلي طرَبا للّ عويصةٍ‬
‫وصريرُ أقلمي على أوراقها‬
‫وألذّ من نقرِ الفتا ِة لدُفّها‬

‫مِنَ َوصْلِ غانيةٍ وطِيبِ عنِا ِ‬
‫ق‬
‫أشهى وأحلى من مُدامةِ ساقي‬
‫أحلى من الدّوْكا ِء والعشّاقِ‬
‫نقري لُلقي الرملَ عن أوراقي‬

‫ل تحزن‬
‫‪49‬‬

‫كمْ بي ُمسْتَغْلٍ وآخ َر راقي‬
‫يا مَ ْن ياول بالمان رُتْبت‬
‫نوما وتبغي بعدَ ذاكَ لِاقي‬
‫أأبيتُ سهران الدّجى وتبيتهُ‬
‫ما أشرفَ العرفة ‪ ،‬وما أفرحَ النفسَ با ‪ ،‬وما أثل َج الصدرَ ببْدها ‪ ،‬وما أرحبَ الاطرَ‬
‫بنولا ‪ ﴿ ،‬أَ َفمَن كَا َن عَلَى بَيَّنةٍ مّن رّّبهِ َكمَن زُّينَ َلهُ سُو ُء عَمَ ِلهِ وَاتَّبعُوا أَ ْهوَاء ُهمْ ﴾ ‪.‬‬
‫***************************************‬

‫فن السرور‬
‫من أعظ ِم النعمِ سرورُ القلبِ ‪ ،‬واستقرارُه وهدوؤُهُ ‪ ،‬فإنّ ف سرورهِ ثباتُ الذهنِ وجود ِة‬
‫ج وابتهاجِ النفسِ ‪ ،‬وقالوا‪ .‬إنّ السرورَ فنّ يُدرّسُ ‪ ،‬فمنْ عرفَ كيفَ يلبُه ويصلُ‬
‫النتا ِ‬
‫ي يديْه ومن خلفِه‪.‬‬
‫عليه ‪ ،‬ويظى به استفادَ من مباهجِ اليا ِة ومسارِ العيشِ ‪ ،‬والنعمِ الت من ب ِ‬
‫والصلُ الصيلُ ف طلبِ السرورِ قوةُ الحتمالِ ‪ ،‬فل يهتزّ من الزواب ِع ول يتحرّكُ للحوادثِ ‪،‬‬
‫ق النّفْسُ‪.‬‬
‫ب وصفائِهِ ‪ ،‬تُشر ُ‬
‫ول ينعجُ للتوافِهِ‪ .‬وبسبِ قو ِة القل ِ‬
‫إن َخ َورَ الطبيع ِة وضَعْفَ القاومةِ وجَ َزعَ النفسِ ‪ ،‬رواحلُ للهمومِ والغمومِ والحزانِ ‪ ،‬فمنْ‬
‫عوّد نفسَه التصبّر والتجّلدَ هانتْ عليه الزعجاتُ ‪ ،‬وخ ّفتْ علي ِه الزماتُ‪.‬‬
‫فأهونُ ما ترّ به الوحولُ‬
‫إذا اعتاد الفت خوضَ النايا‬
‫سبُ ‪ ،‬ونسيانُ العالِ‬
‫حْ‬
‫ومن أعدا ِء السرو ِر ضيِ ُق الُفُقِ ‪ ،‬وضحالَةَ النظرةِ ‪ ،‬والهتمامُ بالنفس فَ َ‬
‫سهُمْ ﴾ ‪ ،‬فكأن هؤل ِء القاصرينَ يَ َروْن‬
‫وما فيه ‪ ،‬والُ قدْ وصفَ أعداءَهُ بأنمْ ﴿ أَ َهمّ ْتهُمْ أَن ُف ُ‬
‫ال َكوْنَ ف داخلِهم ‪ ،‬فل يفكّرونَ ف غيِ ِهمْ ‪ ،‬ول يعيشوَن لسواهُمْ ‪ ،‬ول يهتمّونَ للخرينَ‪.‬‬
‫إنّ عليّ وعليكَ أنْ نََتشَا َغلَ عن أنفسِنَا أحيانا ‪ ،‬ونبتعد عن ذواتِنا أزمانا لِنَْنسَى جراحَنا‬
‫وغمومَنا وأحزانَنا ‪ ،‬فنكسبَ أمرْين ‪ :‬إسعادَ أنفسنِا ‪ ،‬وإسعادَ الخرين‪.‬‬
‫من الصو ِل ف فنّ السرورِ ‪ :‬أن تُلجمَ تفكيَكَ وتعصمهَ ‪ ،‬فل يتفّلتُ ول يهربُ ول يطيشُ ‪،‬‬
‫فإنك إنْ تركتَ تفكيَكَ وشأنَهُ َجمَحَ وطَفَحَ ‪ ،‬وأعادَ عليكَ مَلفّ الحزانِ وقرأَ عليكَ كتابَ‬
‫الآسي منذُ ولدتْكَ أمّكَ‪ .‬إنّ التفكيَ إذا شردَ أعادَ لك الاضي الريحَ وجرجَرَ الستقبلَ‬

‫ل تحزن‬
‫‪50‬‬

‫الخيفَ ‪ ،‬فزلزلَ أركانَك ‪ ،‬وهزّ كيانَك وأحرقَ مشاعرَك ‪ ،‬فاخطمْه بطامِ التوجّهِ الادّ‬
‫الركّزِ على العملِ الثمرِ الفيدِ ‪ ﴿ ،‬وَتَوَكّ ْل عَلَى اْلحَيّ اّلذِي لَا َيمُوتُ ﴾ ‪.‬‬

‫ومن الصول أيضا ف دراسةِ السرورِ ‪ :‬أنْ تُعطيَ اليا َة قيمتَها ‪ ،‬وأنْ تُنلَهَا منلتها ‪ ،‬فهي‬
‫ْلوٌ ‪ ،‬ول تستحقّ منكَ إل العراضَ والصدودَ ‪ ،‬لنا أ ّم الجْرِ ومُرضِع ُة الفجائعِ ‪ ،‬وجالبةُ‬
‫الكوارثِ ‪ ،‬فمَنْ هذه صفتُها كيف يُهتمّ با ‪ ،‬ويُحزنُ على ما فات منها‪ .‬صفُوها َك َدرٌ ‪،‬‬
‫وبرقُها خُّلبٌ ‪ ،‬ومواعيدُها سرابٌ بقيِعةٍ ‪ ،‬مولودُها مفقودٌ ‪ ،‬وسيدُها مسودٌ ‪ ،‬ومنعّمُها‬
‫مهدّدٌ ‪ ،‬وعاشقُها مقتولٌ بسيفِ َغ ْدرِها‪.‬‬
‫ب البَيْ ِن فيها يَنْ ِعقُ‬
‫أبدا غُرا ُ‬
‫أًبَن أَبِينا ننُ أهلُ منازلِ‬
‫جعْت ُهمُ الدنيا فلمْ يتفرّقوا‬
‫نبكي على الدنيا وما مِنْ معشرٍ‬
‫كَنَزْوا الكنوزَ فل بقيَ ول بَقُوا‬
‫أينَ الَبَابِرَةُ الكاسر ُة الُل‬
‫حوَاه لدٌ ضَيّقُ‬
‫حت ثَوى ف َ‬
‫مِن كلّ مَنْ ضاقَ ال َفضَاءُ‬
‫أنّ الكلمَ لم َحلَلٌ مُطلَقُ‬
‫خُرْسٌ إذا نُودوا كأنْ لْ يعلمُوا‬
‫ل ْلمُ بالتحّلمِ ))‪.‬‬
‫وف الديثِ ‪ (( :‬إنا العلمُ بالتعّلمِ وا ِ‬
‫سمَتِهِ ‪ ،‬واقتناصِ أسبابِهِ ‪ ،‬وتكلّفِ‬
‫وف فنّ الدابِ ‪ :‬وإنا السرورُ باصطناعِه واجتلبِ َب ْ‬

‫بوادرِه ‪ ،‬حت يكونَ طبْعا‪.‬‬
‫إن الياةَ الدّنيا ل تستحقّ منا العبوسَ والتذمّرَ والتبّمَ‪.‬‬
‫ما هذهِ الدنيا بدارِ قرارِ‬
‫حُ ْكمُ النيّةِ ف البيةِ جارِي‬
‫ألفيْتَهُ خَبَرا مِن الخبارِ‬
‫بينا تَرَى النسان فيها ُمخْبِرا‬
‫صَفْوا من القذارِ والكدارِ‬
‫طُبِ َعتْ على َكدَرٍ‪ ،‬وأنتَ‬
‫مُتطّلبٌ ف الاء ُج ْذوَ َة نارِ‬
‫ضدّ طباعِها‬
‫ومكلّفُ اليّا ِم ِ‬
‫ب فيها أنكَ ل تستطيعُ أنْ تنعَ من حياِتكَ كلّ آثارِ الزنِ ‪ ،‬لنّ الياة َ‬
‫والقيقةُ الت ل ري َ‬
‫خُلقتْ هكذا ﴿ َل َقدْ خَ َلقْنَا الْإِنسَانَ فِي كََبدٍ ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِنّا خَ َلقْنَا اْلإِنسَانَ مِن نّ ْط َفةٍ َأ ْمشَاجٍ‬

‫نّبْتَلِيهِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬لِيَبْلُوَ ُكمْ أَيّ ُكمْ أَ ْحسَ ُن َعمَلً ﴾ ‪ ،‬ولكنّ القصودَ أن تفّفُ من حزنِك وهّك‬

‫ل تحزن‬
‫‪51‬‬

‫ت النعيمِ ؛ ولذلك يقولُ النعمون ف النة ‪﴿ :‬‬
‫وغمّك ‪ ،‬أما قَ ْطعُ الُزْنِ بالكليّ ِة فهذا ف جنا ِ‬

‫حزَنَ ﴾‪ .‬وهذا دليلٌ على أنهُ ل يذهبْ عنهُ إل هناكَ ‪ ،‬كما أنّ‬
‫ب عَنّا اْل َ‬
‫اْلحَ ْمدُ لِ ّلهِ اّلذِي َأذْهَ َ‬
‫صدُورِهِم مّ ْن غِلّ ﴾ ‪ ،‬فمنْ عَرَفَ حالةَ‬
‫كلّ الغِ ّل ل يذهبُ إل ف النةِ ‪ ﴿ ،‬وََن َزعْنَا مَا فِي ُ‬

‫الدنيا وصفتها ‪َ ،‬ع َذرَها على صدودِها وجفائِها و َغ ْدرِها ‪ ،‬وعَِلمَ ان هذا طبعُها وخلُقُها‬
‫ووصفُها‪.‬‬
‫فكأّنا َحلَ َفتْ لنا أنْ ل تَفِي‬
‫حلفتْ لنا أ ْن ل تون عهودَنا‬
‫فإذا كان الالُ ما وصفْنا ‪ ،‬والمرُ ما ذكرنا ‪ ،‬فح ِريّ بالريبِ النابِهِ أنْ ل يُعينَها على نفسِه ‪،‬‬
‫بالستسلمِ للكدرِ والمّ والغمّ والزنِ ‪ ،‬بل يدافعُ هذه النغصاتِ بكلّ ما أوتَ من قوةٍ ‪﴿ ،‬‬
‫وََأ ِعدّواْ َلهُم مّا اسْتَ َطعْتُم مّن قُوّةٍ َومِن رّبَاطِ اْلخَيْلِ ُترْهِبُونَ ِبهِ عَدْوّ ال ّلهِ َو َعدُوّ ُكمْ﴾ ‪﴿ ،‬‬
‫ض ُعفُواْ َومَا اسْتَكَانُواْ ﴾‪.‬‬
‫َفمَا وَهَنُواْ ِلمَا أَصَاَب ُهمْ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ َومَا َ‬
‫**********************************‬

‫وقفـــة‬
‫ت فقيا فغيُك مبوسٌ ف دَْينٍ ‪ ،‬وإن كنت ل تلكُ وسيلةَ نَقْلٍ ‪ ،‬فسواك‬
‫ل تزَنْ ‪ :‬إن كن َ‬
‫مبتو ُر القدمي ‪ ،‬وإن كنت تشكو من آلمٍ فالخرون يرقدون على السِرّة البيضاءِ ومنذ‬
‫ث واحدٍ‪.‬‬
‫سنواتٍ ‪ ،‬وإن فقدتَ ولدا فسواك فقد عددا من الولدِ ف حاد ٍ‬

‫ل تزَنْ ‪ :‬لنك مسلمٌ آمنتَ بالِ وبرسلِهِ وملئكِتهِ واليومِ الجِرِ وبالقضاءِ خيِهِ وشرّه ‪،‬‬

‫ب وكذّبوا الرسلَ واختلفوا ف الكتابِ ‪ ،‬و َجحَدُوا اليومَ الخرَ ‪ ،‬وألدوا‬
‫وأولئكَ كفروا بالر ّ‬
‫ف القضاءِ وال َقدَرِ‪.‬‬
‫ت فتُبْ ‪ ،‬وإن أسأت فاستغفرْ ‪ ،‬وإن أخطأت فأصلِحْ ‪ ،‬فالرحةُ واسعةٌ ‪،‬‬
‫ل تزَنْ ‪ :‬إن أذنب َ‬
‫ب مفتوحٌ ‪ ،‬والغفران جمّ ‪ ،‬والتوبةُ مقبولةٌ‪.‬‬
‫والبا ُ‬

‫سهِرْ‬
‫ض مضجعَك ‪ ،‬وُت ْ‬
‫ل تزَنْ ‪ :‬لنك تُقلقُ أعصابَك ‪ ،‬وتزّ كيانك وتُتعبُ قلبَك ‪ ،‬وتُق ّ‬

‫ليلَك‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪52‬‬

‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫َولَرُبّ نازلةٍ يضيقُ با الفت‬
‫ت فلمّا استحكمتْ حلقاتُها‬
‫ضاق ْ‬

‫َذرْعا وعندَ الِ منها الخ َرجُ‬
‫فُرِ َجتْ وكانَ يظنّها ل تُفرجُ‬

‫************************************‬

‫ط العواطف‬
‫ضبْ ُ‬
‫تتأجّجُ العواطفُ وتعصفُ الشاعرُ عند سببي ‪ :‬عند الفرح ِة الغامرةِ ‪ ،‬والصيبةِ الدّاهةِ ‪ ،‬وف‬

‫ت عندَ‬
‫الديثِ ‪ (( :‬إن ُنهِيْتُ عن صوتيْن أحقيْن فاجريْن ‪ :‬صوتٍ عند نعمةٍ ‪ ،‬وصو ٍ‬
‫مصيبةٍ )) ﴿ لِكَيْلَا َتأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَ ُكمْ وَلَا َت ْفرَحُوا ِبمَا آتَا ُكمْ﴾‪ .‬ولذلك قال‬

‫‪ (( :‬إنا‬

‫الصبِ عند الصدمِة الول ))‪ .‬فمَنِ مََلكَ مشاعره عن َد الدَث الاث وعند الفرَح الغامرِ ‪،‬‬

‫ت ومنلةَ الرسوخِ ‪ ،‬ونالَ سعادة الراحةِ ‪ ،‬ولذَ َة النتصارِ على النفسِ ‪ ،‬وا ُ‬
‫ل‬
‫استحقّ مرتبةَ الثبا ِ‬
‫جلّ ف عُله وصف النسان بأنهُ ف ِرحٌ فخورٌ ‪ ،‬وإذا مسّه الشرّ جزوعا وإذا مسّهُ اليُ منوعا ‪،‬‬
‫إلّ الصلّي‪َ .‬فهُم على وسطيةٍ ف الفرحِ والزعِ ‪ ،‬يشكرونَ ف الرخاءِ ‪ ،‬ويصبون ف البلءِ‪.‬‬
‫إ ّن العواطف الائجةَ تُتْ ِعبُ صاحبها أيّما تَ َعبٍ ‪ ،‬وتضنيهِ وتؤلُ َه وتؤرّقُهُ ‪ ،‬فإذا غضب احتدّ‬
‫وأزبد ‪ ،‬وأرعد وتوعّد ‪ ،‬وثارتْ مكامنُ نفسِهِ ‪ ،‬والتهبتْ حُشاشَتُهُ ‪ ،‬فيتجاوزُ ال َعدْلَ ‪ ،‬وإن‬
‫فرحَ طرِبَ وطاشَ ‪ ،‬ونسيَ نفسَه ف غمرةِ السرورِ وتعدّى قدره ‪ ،‬وإذا َهجَرَ أحدا ذمّه ‪،‬‬
‫ونسِي ماسنَهُ ‪ ،‬وطمس فضائِلَهُ ‪ ،‬وإذا أحبّ آخر خلع عليه أوسة التبجيلِ ‪ ،‬وأوصله إل ذورةِ‬
‫الكمالِ‪ .‬وف الثر ‪ (( :‬أحببْ حبيبك هوْنا ما ‪ ،‬فعسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغضْ‬

‫بغيضك هونا ما ‪ ،‬فعسى أن يكون حبيبك يوما ما ))‪ .‬وف الديث ‪ (( :‬وأسألك العدل ف‬
‫الغضب والرضا ))‪.‬‬
‫فمَن ملك عاطفته وحَكّم عقلَه ‪ ،‬ووزنَ الشياء وجعل لكلّ شيء قدرا ‪ ،‬أبصر القّ ‪ ،‬وعَ َرفَ‬
‫الرشدَ ‪ ،‬ووقع على القيقةِ ‪َ ﴿ ،‬ل َقدْ َأرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ الْكِتَابَ وَاْلمِيزَانَ‬

‫سطِ ﴾‪.‬‬
‫لَِيقُومَ النّاسُ بِاْل ِق ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪53‬‬

‫ق والسلوكِ ‪ ،‬مثلما جاء بالِْنهَ ِج السّويّ ‪ ،‬والشرعِ‬
‫إنّ السلم جاءَ بيزان القيمَ والخل ِ‬
‫الرضيّ ‪ ،‬والّلةِ القدسةِ ‪ ﴿ ،‬وَ َكذَلِكَ َجعَلْنَا ُكمْ ُأ ّمةً وَسَطا﴾ ‪ ،‬فالعدلِ ‪ ،‬الصدقِ ف الحبارِ ‪،‬‬

‫صدْقا َوعَدْلً﴾‪.‬‬
‫والعدلِ ف الحكا ِم والقوال والفعالِ والخلقِ ‪ ﴿ ،‬وََتمّتْ كَ ِلمَتُ رَبّكَ ِ‬
‫*********************************‬

‫سعادةُ الصحابةِ بحمدِ‬
‫لقدْ جاءَ رسولُنا إل الناسِ بالدعوةِ الربانيةِ ‪ ،‬ول يكنْ له دعايةٌ منَ دنيا ‪ ،‬فلمْ يُلقَ إليه كَنْزٌ‬
‫‪ ،‬وما كانتْ له جنّة يأكلُ منها ‪ ،‬ول يسكنْ قصرا ‪ ،‬فأقبلَ الحبّون يبايعون على شظفٍ من‬
‫ل مستضعفي ف الرضِ يافونَ أنْ يتخطفهمُ الناسُ‬
‫العيشِ ‪ ،‬وذروةٍ من الشقّةِ ‪ ،‬يوم كانوا قلي ً‬
‫من حولِهمْ ‪ ،‬ومع ذلك أحبّهُ أتباعُه ك ّل البِ‪.‬‬
‫حُوصروا ف الشّ ْعبِ ‪ ،‬وضُيّق عليه ْم ف الرزقِ ‪ ،‬وابتُلوا ف السمعةِ ‪ ،‬وحُوربوا من القرابةِ ‪،‬‬
‫وأُوذُوا من الناسِ ‪ ،‬ومع هذا أحبّوه ك ّل البّ‪.‬‬
‫حبَ بعضُهم على الرمْضاءِ ‪ ،‬وحُبسَ آخرونَ ف العراءِ ‪ ،‬ومنهمْ منْ تفنّ َن الكفارُ ف تعذيبهِ ‪،‬‬
‫ُس ِ‬
‫وتأنّقوا ف النكالِ بهِ ‪ ،‬ومعَ هذا أحبّوه ك ّل البّ‪.‬‬
‫سُلبوا أوطانم ودورهم وأهليهم وأموالم ‪ ،‬طُردوا من مرات ِع صباهمْ ‪ ،‬وملعبِ شباب ْم ومغان‬
‫أهلهِمْ ‪ ،‬ومع أحبوهُ ك ّل البّ‪.‬‬
‫ابُتلي الؤمنون بسببِ دعوتِه ‪ ،‬وزُلْزِلوا زلزالً شديدا ‪ ،‬وبلغتْ منهمْ القلوبُ الناجرَ وظنّوا‬
‫بالِ الظنونا ‪ ،‬ومعَ أحبوه ك ّل البّ‪.‬‬
‫ض صفوةُ شبابمْ للسيوفِ ا ُلصْلَتَةِ ‪ ،‬فكانتْ على رؤو ِسهِم كأغصا ِن الشجرةِ الوارفةِ‪.‬‬
‫عُ ّر َ‬
‫خضراء تُنِْبتُ حولنا الزهارا‬
‫وكأنّ ظلّ السيفِ ِظلّ حديقةِ‬
‫وقُدّمَ رجالُهم للمعرك ِة فكانوا يأتونَ الوتَ كأنمْ ف نزهةٍ ‪ ،‬او ف ليلة عيدٍ ؛ لنمْ أحبوه كلّ‬
‫البّ‪.‬‬
‫يُرْسَلُ أحدُهمْ برسالةٍ ويَعْلمُ أنه لنْ يعودَ بعدها إل الدنيا ‪ ،‬فيؤدّي رسالتَه ‪ ،‬ويُبعَثُ الواحدُ‬
‫منه ْم ف مهمّةٍ ويعلمُ أنا النهاي ُة فيذهبُ راضيا ؛ لنمْ أحبوه كلّ البّ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪54‬‬

‫ولكنْ لاذا أحبّوه وس ِعدُوا برسالتِه ‪ ،‬واطمأنّوا النهجهِ ‪ ،‬واستبشرُوا بقدومهِ ‪ ،‬ونسوا كلّ ألٍ‬
‫وكلّ مشقةٍ وجُهدٍ ومعاناةٍ من أجلِ اتباعِهِ ؟!‬
‫إنمْ رأوا فيهِ كلّ معان ال ِي والفرحِ ‪ ،‬وكلّ علماتِ البّ والقّ ‪ ،‬لقدْ كانَ آيةً للسائلي ف‬
‫معال المورِ ‪ ،‬لقدْ أَبردَ غليلَ قلوبِ ِهمْ بنانِهِ ‪ ،‬وأثلجَ صدورَهمْ بديثهِ ‪ ،‬وأفْ َعمَ أروا َح ُهمْ‬
‫برسالتِه‪.‬‬
‫ب ف قلوبمُ الرضا ‪ ،‬فما حسبوا لللم ف سبيلِ دعوتهِ حسابا ‪ ،‬وأفاضَ على‬
‫لقدْ سك َ‬
‫نفو ِسهِمْ منَ اليقيِ ما أنساهمْ كلّ ُج ْرحٍ و َكدَرٍ وتنغيصٍ‪.‬‬
‫صَقَلَ ضمائرَهم بداهُ ‪ ،‬وأنارَ بصائرَهم بسناهُ ‪ ،‬ألقى عن كواهِله ْم آصارَ الاهليةِ ‪ ،‬وحطّ عن‬
‫ظهورِهم أوزارَ الوثنيةِ ‪ ،‬وخلعَ من رقابِهمْ تبعاتِ الشركِ والضللِ ‪ ،‬وأطفأ من أرواحِه ْم نارَ‬
‫القدِ والعداوةِ ‪ ،‬وصبّ على الشاعرِ ماءَ اليقي ‪ ،‬فهدأتْ نفوسُهمْ ‪ ،‬وسكَنتْ أبداُنهُمْ ‪،‬‬
‫واطمأنتْ قلوبُهم ‪ ،‬وبردتْ أعصابُهم‪.‬‬
‫وجدوا لذّةُ العيشِ معهُ ‪ ،‬والنسَ ف قربهِ ‪ ،‬والرضا ف رحاِبهِ ‪ ،‬والمنَ ف اتباعهِ ‪ ،‬والنجاة ف‬
‫امتثالِ أم ِرهِ ‪ ،‬والغِن ف القتداء به‪.‬‬
‫صرَاطٍ ّمسَْتقِيمٍ ﴾ ‪﴿ ،‬‬
‫﴿ َومَا َأرْسَلْنَاكَ إِلّا رَ ْح َمةً لّ ْلعَاَل ِميَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَإِنّكَ لََت ْهدِي إِلَى ِ‬

‫خرِجُهُم مّنِ الظّ ُلمَاتِ إِلَى النّورِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬هُوَ اّلذِي َبعَثَ فِي اْلُأمّّييَ رَسُولً مّ ْن ُهمْ يَتْلُو‬
‫وَُي ْ‬
‫عَلَ ْيهِمْ آيَاِتهِ وَُيزَكّي ِهمْ وَُيعَ ّل ُم ُهمُ الْكِتَابَ وَاْلحِكْ َمةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ َلفِي ضَلَالٍ مِّبيٍ ﴾‪،‬‬
‫صرَ ُهمْ وَا َل ْغلَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَ ْيهِمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬اسَْتجِيبُواْ لِ ّلهِ وَلِلرّسُولِ ِإذَا‬
‫﴿ وََيضَعُ عَنْ ُهمْ إِ ْ‬

‫دَعَاكُم ِلمَا ُيحْيِيكُمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَكُنُت ْم عَلَىَ َشفَا ُح ْفرَةٍ ّمنَ النّارِ فَأَن َقذَكُم مّنْهَا ﴾‪.‬‬
‫لقدْ كانوا سعداء حقّا مع إمامِهمْ وقدوتِهمْ ‪ ،‬وحُقّ لمْ أنْ يسعدُوا ويبتهجُوا‪.‬‬
‫ت الغوايِةِ ‪،‬‬
‫اللهمّ صلّ وسّلمْ على مرّ ِر العقولِ من أغل ِل النرافِ ‪ ،‬ومنق ِذ النفوسِ من ويل ِ‬
‫ب والمادِ ‪ ،‬جزا َء ما بذلُوا وقدّمُوا‪.‬‬
‫وارضَ عن الصحا ِ‬
‫**************************************‬

‫اطردِ الَلَلَ ِمنْ حياتِكَ‬

‫ل تحزن‬
‫‪55‬‬

‫إن َمنْ يعِشْ عمرَهُ على وتيةٍ واحدة جديرٌ أن يصيَبهُ الللُ ؛ لن النفس ملولةٌ ‪ ،‬فإنّ النسانَ‬
‫بطبعهِ َيمَلّ الالةَ الواحدةَ ؛ ولذلكَ غايَرَ سبحانَهُ وتعال بي الزمنةِ والمكنةِ ‪ ،‬والطعوماتِ‬
‫والشروباتِ ‪ ،‬والخلوقاتِ ‪ ،‬لي ٌل ونارٌ ‪ ،‬وسهلٌ وجََبلٌ ‪ ،‬وأبيضُ وأسودُ ‪ ،‬وحارّ وباردٌ ‪ ،‬وظلّ‬
‫خرُجُ مِن‬
‫وحَرُور ‪ ،‬و ُح ْلوٌ وحامضٌ ‪ ،‬وقدْ ذكر الُ هذا التنّوعَ والختلفَ ف كتابِهِ ‪َ﴿ :‬ي ْ‬

‫بُطُوِنهَا َشرَابٌ ّمخْتَلِفٌ أَلْوَاُنهُ﴾ ﴿صِنْوَانٌ َوغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ ﴿مَُتشَابِها َوغَ ْيرَ مُتَشَاِبهٍ﴾ ﴿‬
‫َو ِمنَ اْلجِبَالِ ُجدَدٌ بِيضٌ وَ ُح ْمرٌ ّمخْتَلِفٌ أَلْوَاُنهَا﴾ ﴿ وَتِ ْلكَ اليّامُ ُندَاوِلُهَا بَ ْينَ النّاسِ﴾‪.‬‬

‫وقد ملّ بنو إسرائيل أجود الطعامِ ؛ لنمْ أداموا أكْله ‪﴿ :‬لَن ّنصِْبرَ عَلَىَ َطعَامٍ وَا ِحدٍ﴾‪.‬‬

‫وكان الأمونُ يقرأُ مرةً جالسا ‪ ،‬ومر ًة قائما ‪ ،‬ومرةً وهو يشي ‪ ،‬ث قال ‪ :‬النفسُ ملولةٌ ‪﴿ ،‬‬
‫اّلذِينَ َيذْ ُكرُونَ ال ّلهَ قِيَاما وَ ُقعُودا َوعَلَىَ جُنُوِب ِهمْ﴾‪.‬‬

‫ع والدّةَ ‪ ،‬فأعمالٌ قلبيّةٌ وقوليةٌ وعمليةٌ وماليةٌ ‪ ،‬صلةٌ وزكاةٌ‬
‫ج ْد التنوّ َ‬
‫ومن يتأمّلِ العباداتِ ‪َ ،‬ي ِ‬
‫وصومٌ وحجّ وجهادٌ ‪ ،‬والصل ُة قيامٌ وركوعٌ وسجودٌ وجلوسٌ ‪ ،‬فمنْ أراد الرتياح والنشاط‬
‫ومواصلةَ العطاءِ فعلي ِه بالتنويعِ ف عمِلهِ ‪ ،‬واطلعِهِ وحياِت ِه اليوميّةِ ‪ ،‬فعندَ القراءةِ مثلً ينوّعُ‬
‫الفنونَ ‪ ،‬ما بي قرآنٍ وتفسيٍ وسي ٍة وحديثٍ وفقهٍ وتاريخٍ وأدبٍ وثقافةٍ عامّةٍ ‪ ،‬وهكذا ‪،‬‬
‫يوزّع وقته ما بي عبادةٍ وتناولِ مباحٍ ‪ ،‬وزيادةٍ واستقبالِ ضيوفٍ ‪ ،‬ورياضةٍ ونزهةٍ ‪ ،‬فسوفَ‬
‫يدُ نفسَهُ متوثّبةً مشرقةً ؛ لنا تبّ التنويعَ وتستمل ُح الديدَ‪.‬‬
‫*************************************‬

‫دعِ ال َق َلقَ‬
‫ل تزنْ ‪ ،‬فإنّ ربك يقولُ ‪:‬‬

‫ك الُدَى‪.‬‬
‫صدْرَكَ ﴾ ‪ :‬وهذا عامّ لكلّ من حَلَ القّ وأبص َر النورَ ‪ ،‬وسَل َ‬
‫﴿ أََلمْ َنشْرَحْ َلكَ َ‬
‫صدْرَهُ ِللْإِسْلَامِ َفهُ َو عَلَى نُورٍ مّن رّّبهِ فَوَْيلٌ لّ ْلقَاسَِيةِ قُلُوُبهُم مّن ذِ ْكرِ ال ّلهِ‬
‫﴿أَ َفمَن َشرَحَ ال ّلهُ َ‬
‫﴾ ‪ :‬إذا فهناك حقّ يشرحُ الصدور ‪ ،‬وباطلٌ يقسّيها‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪56‬‬

‫صدْرَهُ ِللِ ْسلَمِ﴾ ‪ :‬فهذا الدينُ غايةٌ ل يصلُ إليها إل‬
‫شرَحْ َ‬
‫﴿ َفمَن ُي ِردِ ال ّلهُ أَن َي ْهدِيَهُ َي ْ‬
‫السدّد‪.‬‬

‫حزَنْ إِنّ ال ّلهَ َمعَنَا ﴾ ‪ :‬يقولُها كلّ منْ يتيقّنَ رعاية الِ ‪ ،‬ووليته ولطفه ونصرَه‪.‬‬
‫﴿ لَ َت ْ‬
‫﴿اّلذِينَ قَالَ َل ُهمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ َقدْ َج َمعُواْ لَ ُكمْ فَا ْخشَوْ ُهمْ َفزَادَ ُهمْ ِإيَانا وَقَالُواْ َحسْبُنَا‬
‫ال ّلهُ وَِن ْعمَ اْلوَكِيلُ ﴾ ‪ :‬كفايتُه تكفيك ‪ ،‬ووليتُه تميك‪.‬‬

‫﴿يَا أَّيهَا النّبِيّ َحسْبُكَ ال ّلهُ َو َمنِ اتَّبعَكَ ِمنَ اْلمُ ْؤمِنِيَ ﴾ ‪ :‬وكلّ منْ سلك هذهِ الادّة حصل‬
‫على هذا الفوزِ‪.‬‬

‫﴿ وَتَ َوكّ ْل عَلَى اْلحَيّ اّلذِي لَا َيمُوتُ﴾ ‪ :‬وما سوا ُه فميّتٌ غَيْرُ حيّ ‪ ،‬زائلٌ غَيْرُ باقٍ ‪ ،‬ذليلٌ‬
‫وليس بعزيزٍ‪.‬‬
‫حزَنْ عَلَيْ ِهمْ وَلَ تَكُ فِي ضَ ْيقٍ ّممّا َيمْ ُكرُونَ{‪ }127‬إِنّ‬
‫﴿ وَاصِْبرْ َومَا صَ ْبرُكَ إِلّ بِال ّلهِ وَلَ َت ْ‬

‫حسِنُونَ﴾ ‪ :‬فهذهِ معيتهُ الاص ُة لوليائِهِ بالفظِ والرعايةِ‬
‫ال ّلهَ مَعَ اّلذِينَ اّتقَواْ وّاّلذِينَ هُم ّم ْ‬
‫ب تقواهمْ وجهادِهمْ‪.‬‬
‫والتأييدِ والوليةِ ‪ ،‬بس ِ‬
‫حزَنُوا وَأَنُتمُ ا َلعْلَوْنَ إِن كُنتُم مّ ْؤمِِنيَ﴾‪ :‬علوّا ف العبوديةِ والكانةِ‪.‬‬
‫﴿وَلَ َتهِنُوا وَلَ َت ْ‬
‫﴿ لَن َيضُرّو ُكمْ إِلّ َأذًى وَإِن ُيقَاتِلُو ُكمْ يُوَلّو ُكمُ ا َلدُبَارَ ُثمّ‬
‫ي َعزِيزٌ‬
‫﴿كَتَبَ ال ّلهُ َلَأغْلِبَنّ أَنَا وَرُسُلِي إِنّ ال ّلهَ قَ ِو ّ‬

‫﴾‪.‬‬

‫لَ يُنصَرُونَ ﴾‪.‬‬

‫﴿ إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَاّلذِينَ آمَنُوا فِي اْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ َيقُومُ‬

‫شهَادُ ﴾‪.‬‬
‫الْأَ ْ‬

‫وهذا عهدٌ لنْ يْلَفَ ‪ ،‬ووعدٌ لنْ يتأخّرَ‪.‬‬
‫﴿ وَأُفَ ّوضُ َأ ْمرِي إِلَى ال ّلهِ إِنّ ال ّلهَ َبصِيٌ بِاْلعِبَادِ{‪}44‬فَوَقَاهُ ال ّلهُ سَيّئَاتِ مَا‬
‫﴿ َوعَلَى ال ّلهِ فَلْيَتَ َوكّلِ اْلمُ ْؤمِنُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫كرُوا﴾‪.‬‬
‫مَ َ‬

‫سبُ ‪ ،‬فلماذا تزنُ ف هذا اليومِ ‪ ،‬وتغضبُ‬
‫حْ‬
‫ل تز ْن وقدّرْ أنكَ ل تعيشُ إل يوما واحدا فَ َ‬
‫وتثورُ ؟!‬
‫ف الثرِ ‪ (( :‬إذا أصبحتَ فل تنتظر الساءَ ‪ ،‬وإذا أمسيتَ فل تنتظرِ الصباحَ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪57‬‬

‫حسْبُ ‪ ،‬فل تذكرِ الاضي ‪ ،‬ول تقلقْ من الستقبلِ‪ .‬قال‬
‫والعن ‪ :‬أن تعيشَ ف حدودِ يومِك َف َ‬
‫الشاعرُ ‪:‬‬
‫ولك الساع ُة الت أنت فيها‬
‫ما مضى فاتَ والؤمّل غَْيبٌ‬
‫ب الت حدثتْ ومضتْ ‪ ،‬والكوارثَ‬
‫إنّ الشتغالَ بالاضي ‪ ،‬وتذكّرَ الاضي ‪ ،‬واجترار الصائ ِ‬
‫لمْقِ والنونِ‪.‬‬
‫الت انتهتْ ‪ ،‬إنا هو ضَرْبٌ من ا ُ‬
‫يقول الَثَ ُل الصينّ ‪ :‬ل تعبْ ِجسْرا حت تأتيَه‪.‬‬
‫ومعن ذلك ‪ :‬ل تستعجلِ الوادثَ وهومَها وغمومَها حت تعيشَها وتدركَها‪.‬‬
‫ك وقدْ ولّى ‪ ،‬وغدُكَ ولْ يأتِ ‪،‬‬
‫يقولُ َأ َحدُ السلفِ ‪ :‬يا ابن آدمَ ‪ ،‬إنا أنتَ ثلثةُ أيامٍ ‪ :‬أمسُ َ‬
‫ويومُك فات ّق الَ فيه‪.‬‬
‫كيف يعيشُ منْ يملُ هومَ الاضي واليومِ والستقبلِ ؟! كيف يرتاحُ منْ يتذكرُ ما صار وما‬
‫جرى ؟! فيعيدهُ على ذاكرتِهِ ‪ ،‬ويتألُ لهُ ‪ ،‬وألُه ل ينفعُه !‪.‬‬
‫ومعن ‪ (( :‬إذا أصبحتَ فل تنتظر الساءَ ‪ ،‬وإذا أمسيتَ فل تنتظرِ الصباحَ ))‪ :‬أيْ ‪ :‬أن‬
‫حسِ ُن العَمَلَ ‪ ،‬فل تطمحْ بمومك لغيِ هذا اليومِ الذي‬
‫تكونُ قصيَ الملِ ‪ ،‬تنتظرُ ال َجلَ ‪ ،‬وُت ْ‬
‫تعيشُ فيه ‪ ،‬فتركّزَ جهودكَ عليه ‪ ،‬وتُرّتبَ أعمالَكَ ‪ ،‬وتصبّ اهتمامَك فيهِ ‪ ،‬مسّنا خُلقَكَ‬
‫مهتمّا بصحتِك ‪ ،‬مصلحا أخلقَكَ مع الخرين‪.‬‬
‫*************************************‬

‫وقفــةٌ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ القضاءَ مفروغٌ منهُ ‪ ،‬والقدورُ واقعٌ ‪ ،‬والقلمُ جَ ّفتْ ‪ ،‬والصحفُ طُويتْ ‪،‬‬
‫وكلّ أمرٍ مستقرّ ‪ ،‬فحزنُك ل يقدّمُ ف الواقعِ شيئا ول يؤخّرُ ‪ ،‬ول يزيدُ ول يُنقِصُ‪.‬‬

‫س الشمسِ ‪ ،‬وإعادةَ عقاربِ الساعةِ ‪،‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنك بزنِك تريدُ إيقافَ الزمنِ ‪ ،‬وحب َ‬

‫والشيَ إل اللفِ ‪ ،‬وردّ النهرِ إل منبعِهِ‪.‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزَنَ كالري ِح الوْجاءِ تُفسدُ الواءَ ‪ ،‬وتُبعثرُ الاءَ ‪ ،‬وتغيّرُ السماءَ ‪ ،‬وتكسرُ‬
‫الورودَ اليانعة ف الديقةِ الغنّاءِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪58‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الحزون كالنهرِ الحقِ ينحدرُ من البحرِ ويصبّ ف البحرِ ‪ ،‬وكالت نقضتْ‬
‫غزلا من بعدِ قوةٍ أنكاثا ‪ ،‬وكالنافِخِ ف قربةٍ مثقوبةٍ ‪ ،‬والكاتبِ بإصبعهِ على الاءِ‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ عمركَ القيقيّ سعادتُك وراحةُ بالِك ‪ ،‬فل تُنفقْ أيامكَ ف الزْنِ ‪ ،‬وتب ّذرْ‬
‫لياليَك ف المّ ‪ ،‬وتوزّع ساعاتِك على الغمومِ ول تسرفْ ف إضاعةِ حياتِك ‪ ،‬فإنّ ال ل يبّ‬
‫السرفي‪.‬‬
‫******************************‬

‫لفرح بتوبة ال عليك‬
‫أل يشرحُ صدركَ ‪ ،‬ويزيلُ هّك وغمّك ‪ ،‬ويلبُ سعادتك قو ُل ربّك جلّ ف عله ‪ُ ﴿ :‬قلْ يَا‬
‫سهِمْ لَا َتقَْنطُوا مِن رّ ْح َمةِ ال ّلهِ ِإنّ ال ّلهَ َي ْغ ِفرُ الذّنُوبَ َجمِيعا إِّنهُ‬
‫عِبَادِيَ اّلذِينَ أَ ْسرَفُوا عَلَى أَن ُف ِ‬
‫هُوَ اْل َغفُورُ الرّحِيمُ ﴾ ؟ فخاطََبهُمْ بـ «يا عبادي» تأليفا لقلوِب ِهمْ ‪ ،‬وتأنيسا لروا ِحهِمْ ‪،‬‬

‫وخصّ الذين أسرفُوا ‪ ،‬لنمُ الكثرون من الذنوبِ والطايا فكيف بغيِهم ؟! وناهْم ع ِن‬
‫القنوطِ واليأسِ من الغفرةِ وأخب أنه يغفرُ الذنوب كلّها لنْ تاب ‪ ،‬كبيها وصغيَها ‪ ،‬دقيقها‬
‫وجليلَها‪ .‬ث وصفَ نفسه بالضمائرِ الؤكدةِ ‪ ،‬و «الـ » التعريفِ الت تقتضي كمال الصفةِ ‪،‬‬
‫فقال ‪ ﴿ :‬إِّنهُ هُوَ اْل َغفُورُ‬

‫الرّحِيمُ ﴾‪.‬‬

‫شةً أَوْ ظَ َلمُواْ أَْن ُفسَ ُهمْ ذَ َكرُواْ‬
‫أل تسعدُ وتفرحُ بقولِهِ جلّ ف عله ‪ ﴿ :‬وَاّلذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَا ِح َ‬
‫صرّوْا عَلَى مَا َفعَلُواْ وَ ُهمْ َيعْ َلمُونَ‬
‫ال ّلهَ فَاسَْت ْغ َفرُواْ ِلذُنُوِبهِمْ َومَن َي ْغ ِف ُر الذّنُوبَ إِلّ ال ّلهُ وََلمْ ُي ِ‬
‫﴾ ؟!‬

‫جدِ ال ّل َه َغفُورا‬
‫وقولِهِ جلّ ف عله ‪َ ﴿ :‬ومَن َي ْعمَلْ سُوءا أَوْ َيظْ ِلمْ َن ْفسَهُ ُثمّ َيسَْتغْ ِفرِ ال ّلهَ َي ِ‬
‫رّحِيما ﴾ ؟!‬

‫وقولِهِ ‪ ﴿ :‬إِن َتجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُ ْنهَوْنَ عَنْهُ نُ َك ّفرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِ ُكمْ وَُندْخِلْكُم ّمدْ َخلً‬
‫؟!‬

‫كرِيا ﴾‬
‫َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪59‬‬

‫س ُهمْ جَآؤُوكَ فَاسَْت ْغ َفرُواْ ال ّلهَ وَاسَْت ْغفَرَ َل ُهمُ‬
‫وقولِهِ عزّ من قائلٍ ‪ ﴿ :‬وَلَوْ أَّن ُهمْ إِذ ظّ َلمُواْ أَن ُف َ‬

‫الرّسُولُ لَوَ َجدُواْ ال ّلهَ تَوّابا رّحِيما ﴾ ؟!‬

‫وقولِهِ تعال ‪ ﴿ :‬وَإِنّي َل َغفّارٌ ّلمَن تَابَ وَآ َمنَ َوعَمِلَ صَالِحا ُثمّ اهَْتدَى ﴾ ؟!‬
‫ولا قَتَلَ موسى عليه السلمُ نفسا قال ‪َ ﴿ :‬ربّ إِنّي ظَ َلمْتُ َن ْفسِي فَاغْ ِفرْ لِي‬

‫َف َغفَرَ َلهُ﴾‪.‬‬

‫وقال عن داو َد بعدما تاب وأناب ‪َ ﴿ :‬ف َغفَرْنَا َلهُ ذَِلكَ وَإِنّ َل ُه عِندَنَا َلزُْلفَى وَ ُحسْنَ‬

‫مَآبٍ ﴾‪.‬‬

‫سبحانَهُ ما أرحَمهُ وأكرمَهُ !! حت إنه عرض رحته ومغفرته لنْ قالَ يلبتثليثِ ‪ ،‬فقال عنهم ‪:‬‬

‫﴿ ّل َقدْ َكفَرَ اّلذِينَ قَالُواْ إِنّ ال ّلهَ ثَالِثُ َثلََثةٍ َومَا ِمنْ إِلَـهٍ إِلّ إِلَـهٌ وَا ِحدٌ وَإِن ّلمْ يَنَتهُوْا َعمّا‬

‫سنّ اّلذِينَ َك َفرُواْ مِنْ ُه ْم عَذَابٌ أَلِيمٌ{‪ }73‬أَ َفلَ يَتُوبُونَ إِلَى ال ّلهِ وََيسَْت ْغفِرُوَنهُ‬
‫َيقُولُونَ لََي َم ّ‬
‫وَال ّل ُه َغفُورٌ‬

‫ويقولُ‬

‫رّحِيمٌ ﴾‪.‬‬

‫فيما صحّ عنهُ ‪ (( :‬يقولُ الُ تباركَ وتعال ‪ :‬يا ابن آدم ‪ ،‬إنك ما دعوتن‬

‫ورجوتن إل غفرْتُ لك على ما كان منك ول أبال ‪ ،‬يا ابن آدم ‪ ،‬لوْ بلغتْ ذنوبُك عَنَانَ‬
‫السماءِ ‪ّ ،‬ث استغفرتن غفرتُ لك ول أُبال ‪ ،‬يا ابن آدم ‪ ،‬لو أتيتن بقُرابِ الرضِ خطايا‬
‫ث لقيتن ل تشركُ ب شيئا ‪ ،‬لتيتُك بقرابِها مغفرةً ))‪.‬‬

‫وف الصحيح عنهُ‬

‫سطُ‬
‫سطُ يدهُ بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهارِ ‪ ،‬ويب ُ‬
‫أنه قال ‪ (( :‬إنّ ال يب ُ‬

‫يدهُ بالنهار ليتوب مسيءُ الليلِ ‪ ،‬حت تطلعَ الشمسُ من مغربِها ))‪.‬‬

‫وف الديث القدسيّ ‪ (( :‬يا عبادي ‪ ،‬إنكمْ تُذنبون بالليلِ والنهارِ ‪ ،‬وأنا أغفرُ الذنوبَ جيعا‬
‫‪ ،‬فاستغفرون أغفرْ لكم ))‪.‬‬

‫ل بكمْ ولاءَ بقومٍ‬
‫وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬والذي نفسي بيدهِ ‪ ،‬لو لْ تذنبُوا لذهبَ ا ُ‬
‫آخرين يذنبون ‪ ،‬فيستغفرون ال ‪ ،‬فيغفرُ لم ))‪.‬‬

‫خفْتُ عليكم ما هو أشدّ من‬
‫وف حديثٍ صحيحٍ ‪ (( :‬والذي نفسي بيدهِ لو لْ تذنبوا َل ِ‬
‫الذنبِ ‪ ،‬وهو ال ُعجْبُ ))‪.‬‬

‫وف الديثِ الصحيح ‪ (( :‬كلّكمْ خطّاءٌ ‪ ،‬وخيُ الطّائي التوابون ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪60‬‬

‫وصحّ عنه‬

‫أنه قالَ ‪ (( :‬لُ أفرحُ بتوب ِة عبدِه من أحدكم كان على راحلِتهِ ‪ ،‬عليها طعا ُمهُ‬

‫وشرابه ‪ ،‬فضلّت من ُه ف الصحراء ‪ ،‬فبحث عنها حت أِيسَ ‪ ،‬فنام ث استيقظ فإذا هي عند‬
‫رأسِه ‪ ،‬فقال ‪ :‬الله ّم أنت عبدي ‪ ،‬وأنا ربّكَ‪ .‬أخطأ من شّدةِ الفرحِ ))‪.‬‬
‫وصحّ عنه‬

‫أنه قالَ ‪ (( :‬إ ّن عبدا أذنب ذنبا فقال ‪ :‬اللهم اغفرْ ل ذنب فإن ُه ل يغفرُ‬

‫الذنوبَ إل أنت ‪ ،‬ث أذنب ذنبا ‪ ،‬فقال ‪ :‬الله ّم اغفرْ ل ذنب فإنه ل يغفرُ الذنوبَ إل أنت‬
‫ل عزّ‬
‫‪ ،‬ث أذنب ذنبا ‪ ،‬فقال ‪ :‬اللهمّ اغفرْ ل ذنب فإنه ل يغفرُ الذنوبَ إل أنت‪ .‬فقال ا ُ‬

‫وجلّ ع ِل َم عبدي أنّ له ربّا يأخذُ بالذنبِ‪ ،‬ويعفو عن الذنبِ ‪ ،‬فليفعلْ عبدي ما شاء))‪.‬‬

‫والعن ‪ :‬ما دام أنهُ يتوبُ ويستغفرُ ويندمُ ‪ ،‬فإن أغفرُ له‪.‬‬
‫***************************************‬

‫كلّ شيءٍ بقضاءٍ وقدَر‬
‫كلّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ ‪ ،‬وهذا معتقدُ أهلِ السلمِ ‪ ،‬أتباعِ رسو ِل الدى‬
‫شيءٌ ف الكونِ إل بعلمِ الِ وبإذنِه وبتقديرِه‪.‬‬

‫؛ أن ُه ل يقعُ‬

‫﴿ مَا أَصَابَ مِن ّمصِيبَةٍ فِي الَْأ ْرضِ وَلَا فِي أَنفُسِ ُكمْ إِلّا فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نّ ْبرَأَهَا إِنّ ذَلِكَ‬

‫عَلَى‬

‫ال ّلهِ َيسِيٌ ﴾‪.‬‬

‫﴿ إِنّا كُلّ شَيْءٍ‬

‫خَ َلقْنَاهُ ِب َقدَرٍ ﴾‪.‬‬

‫شرِ‬
‫﴿ وَلَنَبْلُوَنّ ُكمْ ِبشَيْءٍ مّنَ اْلخَوفْ وَاْلجُوعِ وََنقْصٍ ّمنَ ا َلمَوَالِ وَالن ُفسِ وَالّث َمرَاتِ وََب ّ‬
‫الصّاِبرِينَ ﴾‪.‬‬

‫وف الديثِ ‪ (( :‬عجبا لمرِ الؤمنِ !! إنّ أمرهَ كلّه له خي ‪ ،‬إنْ أصابْتهُ سرّاءُ شكر فكان‬
‫خيا له ‪ ،‬وإنْ أصابتْه ضرّاءُ صب فكان خيا له ‪ ،‬وليسَ ذلك إل للمؤمن ))‪.‬‬
‫وصحّ عنه‬

‫أنه قال ‪ (( :‬إذا سألتَ فاسألِ الَ ‪ ،‬وإذا استعنت فاستعنْ بالِ ‪ ،‬واعلمْ أنّ‬

‫المةَ لو اجتمعُوا على أنْ ينفعوك بشيءٍ ل ينفعوكَ إل بشيءٍ قد كتبهُ الُ لك ِ ‪ ،‬وإن‬

‫ل تحزن‬
‫‪61‬‬

‫اجتمعوا على أن يضرّوكَ بشيءٍ ل يضرّوك إل بشي ٍء قدْ كتبهُ الُ عليكَ ‪ ،‬رُفعتِ القلمُ ‪،‬‬
‫وجفّتِ الصحفُ ))‪.‬‬

‫وف الديثِ الصحيح أيضا ‪ (( :‬واعلمْ أن ما أصابك ل يكنع لِيخطئَك ‪ ،‬وما أخطأكَ لْ يكن‬

‫ليصيبَك ))‪.‬‬
‫وصحّ عنه‬
‫وصحّ عنه‬

‫ف القلمُ يا أبا هريرة با أنت لقٍ ))‪.‬‬
‫أنه قالَ ‪ (( :‬ج ّ‬

‫أنهُ قالَ ‪ (( :‬احرصْ على ما ينفعُك ‪ ،‬واستعنُ بالِ ول تعجزْ ‪ ،‬ول تقلْ ‪ :‬لو‬

‫أن فعلتُ كذا لكان كذا وكذا ‪ ،‬ولكنْ قلْ ‪ :‬قدّر الُ وما شاءَ َفعَلَ ))‪.‬‬
‫وف حديثٍ صحيحٍ عنه‬

‫‪ (( :‬ل يقضي الُ قضا ًء للعبدِ إل كان خيا له ))‪.‬‬

‫سُئل شيخُ السلمِ ابنُ تيميةَ عن العصيةِ ‪ :‬هلْ هيَ خَيْرٌ للعبدِ ؟ قالَ ‪ :‬نعمْ بشرطِها من الندمِ‬
‫والتوبةِ ‪ ،‬والستغفارِ والنكسارِ‪.‬‬
‫وقولُه سبحانه ‪َ ﴿ :‬و َعسَى أَن تَ ْكرَهُواْ شَيْئا وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ َو َعسَى أَن ُتحِبّواْ شَيْئا وَهُوَ َشرّ‬

‫لّ ُكمْ وَال ّلهُ َيعْ َلمُ وَأَنُتمْ لَ َتعْ َلمُونَ ﴾ ‪.‬‬

‫تري القاديرُ على غ ْرزِ الِبَ ْر‬
‫هيَ القاديرُ فلُمن أو َفذَرْ‬
‫*****************************************‬

‫انتظرِ الف َرجَ‬
‫س‬
‫ف الديثِ عند الترمذيّ ‪ « :‬أفضلُ العبادةِ ‪ :‬انتظارُ ال َفرَجِ »‪ ﴿ .‬أَلَ ْي َ‬

‫الصّ ْبحُ ِب َقرِيبٍ ﴾‪.‬‬

‫ب الفَتْحَ من الفتّاحِ‪.‬‬
‫صُبْحُ الهمومي والغمومي لحَ ‪ ،‬فانظرْ إل الصباحِ ‪ ،‬وارتق ِ‬
‫تقو ُل العربُ ‪ « :‬إذا اشتدّ البلُ انقطع »‪.‬‬
‫والعن ‪ :‬إذا تأزّمتِ المورُ ‪ ،‬فانتظرْ فرجا ومرجا‪.‬‬

‫خرَجا ﴾‪ .‬وقالَ جلّ شأنُه‪َ ﴿ :‬ومَن يَّتقِ ال ّلهَ‬
‫وقالَ سبحانَهُ وتعال ‪َ ﴿ :‬ومَن يَّتقِ ال ّلهَ َيجْعَل ّلهُ َم ْ‬

‫يُ َك ّفرْ عَ ْنهُ سَيّئَاِتهِ وَُيعْ ِظمْ َلهُ أَجْرا ﴾‪َ ﴿ .‬ومَن يَّتقِ ال ّلهَ َيجْعَل ّلهُ‬
‫وقالت العَرَبُ ‪:‬‬
‫ال َغمَراتُ ثّ يَنْجلِينّهْ‬

‫ِمنْ َأ ْمرِهِ ُيسْرا ﴾‪.‬‬

‫ث يذهبْ َن ول ينّهْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪62‬‬

‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫كمْ فرجٍ بَ ْعدَ إياسٍ قد أتى‬
‫من يسنِ الظنّ بذي العرشِ جن‬

‫وكمْ سرورٍ قد أتى بَعْدَ السى‬
‫حُ ْلوَ النَى الرائقَ من َشوْكِ السّفا‬

‫وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬أنا عند ظنّ عبدي ب ‪ ،‬فلْيظنّ ب ما شاءَ ))‪.‬‬

‫﴿ حَتّى ِإذَا اسْتَيْأَسَ الرّسُلُ وَظَنّواْ أَّن ُهمْ َقدْ ُكذِبُواْ جَاء ُهمْ َنصْرُنَا فَُنجّيَ مَن ّنشَاء‬

‫وقولهُ سبحانَهُ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫سرِ ُيسْرا{‪ِ }5‬إنّ مَعَ‬
‫َفإِنّ مَعَ اْل ُع ْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫سرِ ُيسْرا ﴾‪.‬‬
‫اْلعُ ْ‬

‫سرَيْن ))‪.‬‬
‫سرٌ ُي ْ‬
‫ب ُع ْ‬
‫ضهُم يعلُهُ حديثا ‪ (( : -‬لنْ يغل َ‬
‫قال بعضُ الفسرين – وبع ُ‬
‫حدِثُ َب ْعدَ‬
‫وقال سبحانهُ ‪َ ﴿ :‬لعَلّ ال ّلهَ ُي ْ‬

‫ذَِلكَ َأمْرا ﴾‪.‬‬

‫صرَ ال ّلهِ َقرِيبٌ﴾‪ ﴿.‬إِنّ رَ ْحمَتَ ال ّلهِ َقرِيبٌ ّمنَ‬
‫وقالَ جلّ اسُه‪﴿ :‬أَل إِنّ َن ْ‬

‫حسِنِيَ﴾‪.‬‬
‫اْل ُم ْ‬

‫وف الديثِ الصحيح ‪ (( :‬واعلمْ أ ّن النصْ َر مع الصّ ْبرِ ‪ ،‬وأن ال َفرَجَ مَعَ ال ُكرْبِ ))‪.‬‬
‫وقال الشاعرُ ‪:‬‬
‫ب المرِ أدناهُ إل الفَرجِ‬
‫فأقر ُ‬
‫إذا تضايقَ أمرٌ فانتظ ْر فَرَحا‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫ف شؤونٍ تكونُ أو ل تكونُ‬
‫ي ونامتْ عيونُ‬
‫سهرتْ أع ٌ‬
‫ـلنُك المومَ جُنونُ‬
‫ت فحِمْـ‬
‫ع المّ ما استطع َ‬
‫فد ِ‬
‫ـسِ سيكفيكَ ف غدٍ ما يكونُ‬
‫إن ربّا كفاكَ ما كانَ بالمـ‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫ول تنامنّ إل خال البالِ‬
‫دعِ القاديرَ تري ف أعنّتِها‬
‫يغيّ ُر الُ مِن حالٍ إل حالِ‬
‫ما بيَ غمضةِ عْينٍ وانتباهتِها‬
‫************************************‬

‫وقفــة‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ أموالك الت ف خزانتِك وقصورَك السامقةَ ‪ ،‬وبساتينَك الضراءَ ‪ ،‬مع الزنِ‬
‫ك وغمّكَ‪.‬‬
‫والسى واليأسِ ‪ :‬زيادةٌ ف أسَفِكَ وهّ َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪63‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ عقاقي الطباء ‪ ،‬ودواء الصيادلةِ ‪ ،‬ووصفةَ الطبيبِ ل تسعدُكَ ‪ ،‬وقدْ أسكنت‬
‫الزن قلبَك ‪ ،‬وفرشتَ له عينك ‪ ،‬وبسطتَ له جوانَك ‪ ،‬وألفتَه جلدَك‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬وأنت تلكُ الدعاءَ ‪ ،‬وتُجيدُ النطراح على عتباتِ الربوبيةِ ‪ ،‬وتُحسنُ السكنة على‬
‫ث الخيُ من الليلِ ‪ ،‬ولديكَ ساعةُ تريغ البيِ ف السجودِ‪.‬‬
‫أبواب مِلكِ اللوكِ ‪ ،‬ومعكَ الثل ُ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ ال خَلَقَ لكَ الرض وما فيها ‪ ،‬وأنبت لك حدائقَ ذاتَ بجةٍ ‪ ،‬وبساتي فيها‬
‫من ك ّل زوجٍ بيجٍ ‪ ،‬ونلً باسقاتٍ له طلعٌ نضيدٌ ‪ ،‬ونوما لمعاتٍ ‪ ،‬وخائل وجداول ‪،‬‬
‫ولكنّك تزن !!‬

‫ل تزنْ ‪ :‬فأنت تشربُ الاء الزلل ‪ ،‬وتستنش ُق الواء الطّلْق ‪ ،‬وتشي على قدميْك معاف ‪،‬‬

‫وتنام ليلكَ آمنا‪.‬‬
‫***************************************‬

‫أكثِرْ من الستغفارِ‬
‫سمَاء عَلَيْكُم مّدْرَارا{‪}11‬‬
‫﴿ َفقُلْتُ اسَْتغْ ِفرُوا رَبّ ُكمْ إِّنهُ كَا َن َغفّارا{‪ُ }10‬يرْسِلِ ال ّ‬

‫جعَل لّ ُكمْ أَْنهَارا﴾‪.‬‬
‫جعَل لّ ُكمْ جَنّاتٍ وََي ْ‬
‫وَُي ْمدِدْ ُكمْ بَِأمْوَالٍ وَبَِنيَ وََي ْ‬

‫فأكثر من الستغفارِ ‪ ،‬لترى الف َرحَ وراحةَ البالِ ‪ ،‬والرزق الللِ ‪ ،‬والذرية الصالةَ ‪ ،‬والغيثَ‬
‫الغزيرَ‪.‬‬
‫سمّى وَيُؤْتِ كُلّ ذِي‬
‫﴿ وَأَنِ اسَْتغْ ِفرُواْ رَبّ ُكمْ ُثمّ تُوبُواْ إِلَ ْيهِ ُيمَّتعْكُم مّتَاعا َحسَنا إِلَى أَجَلٍ ّم َ‬

‫َفضْلٍ فَضْ َلهُ ﴾‪.‬‬

‫وف الديثِ ‪ (( :‬من أكثر منَ الستغفارِ جعلَ الُ ل ُه منْ كلّ همّ َفرَجا ‪ ،‬ومن كلّ ضيقٍ‬
‫مرجا ))‪.‬‬

‫وعليكَ بسيّدِ الستغفار ‪ ،‬الديثُ الذي ف البخاري ‪ (( :‬اللهمّ أنت رب ل إلهَ إل أنت ‪،‬‬

‫خلقتن وأنا عبدُك ‪ ،‬وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ ‪ ،‬أعوذُ بك من شرّ ما صنعتُ ‪،‬‬
‫ك بنعمتِك عليّ ‪ ،‬وأبو ُء بذنب فاغ ِفرْ ل ‪ ،‬فإن ُه ل يغفرُ الذنوب إل أنت))‪.‬‬
‫أبوءُ ل َ‬
‫**********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪64‬‬

‫ل دائما‬
‫عليكَ بذكرِ ا ِ‬
‫قال َ سبحانه ‪ ﴿ :‬أَلَ ِبذِ ْكرِ ال ّلهِ َت ْطمَئِنّ اْلقُلُوبُ ﴾‪ .‬وقال ‪﴿ :‬فَاذْ ُكرُونِي َأذْ ُكرْ ُكمْ﴾‪ .‬وقال‬
‫‪ ﴿ :‬يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُوا اذْ ُكرُوا ال ّلهَ ذِكْرا كَثِيا{‪ }41‬وَسَّبحُوهُ بُ ْكرَةً وَأَصِيلً ﴾‪ .‬وقال‬

‫سبحانه ‪ ﴿ :‬يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُوا لَا تُ ْلهِ ُكمْ َأمْوَالُ ُكمْ وَلَا أَوْلَادُ ُكمْ عَن ذِ ْكرِ ال ّلهِ ﴾‪ .‬وقال ‪:‬‬

‫﴿‬

‫ح ْمدِ رَبّكَ ِحيَ َتقُومُ{‪َ }48‬و ِمنَ اللّيْلِ‬
‫وَاذْكُر رّبّكَ ِإذَا َنسِيتَ ﴾‪ .‬وقال ‪ ﴿ :‬وَسَّبحْ ِب َ‬
‫حهُ وَِإدْبَارَ الّنجُومِ ﴾‪ .‬وقال سبحانه ‪ ﴿ :‬يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُواْ ِإذَا َلقِيُتمْ فَِئةً فَاثْبُتُواْ‬
‫َفسَبّ ْ‬
‫وَاذْ ُكرُواْ ال ّلهَ كَثِيا ّلعَلّ ُكمْ ُتفْ َلحُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬مَثَلُ الذي يذكرُ ربّه والذي ل يذكرُ ربّه ‪ ،‬مَثَلُ اليّ واليتِ ))‪.‬‬
‫وقوله‬

‫‪ (( :‬سَبَ َق الفرّدون ))‪ .‬قالوا ‪ :‬ما الفّردون يا رسو َل الِ ؟ قال (( الذاكرون ال‬

‫كثيا والذاكرات ))‪.‬‬

‫وف حديثٍ صحيحٍ ‪ (( :‬أل أخبُكم بأفضلِ أعمالِكِم ‪ ،‬وأزكاها عند مليكِكُمْ وخ ْي ٍر لكمْ‬
‫ي لكمْ من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناق ُهمْ ويضربوا‬
‫من إنفاقِ الذهبِ والو ِرقِ ‪ ،‬وخ ٍ‬

‫أعناقُ ُكمْ )) ؟ قالوا ‪ :‬بلى يا رسول الِ‪ .‬قال ‪ (( :‬ذِ ْكرُ الِ ))‪.‬‬

‫فقال ‪ :‬يا رسول الِ إنّ شرائع السلم قدْ‬

‫وف حديث صحيح ‪ :‬أ ّن رجلً أتى إل رسول‬

‫كُثرَتْ عليّ ‪ ،‬وأنا كَبِرْتُ فأخبْن بشيءٍ أتشّبثُ بهِ‪ .‬قال ‪ (( :‬ل يزالُ لسانُكَ رطْبا بذكرِ‬

‫الِ ))‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫س منْ رَ ْوحِ الِ‬
‫ل تيأ ْ‬
‫﴿ إِّنهُ لَ يَيْأَسُ مِن رّوْحِ ال ّلهِ إِلّ اْلقَوْمُ الْكَا ِفرُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫﴿ حَتّى ِإذَا اسْتَيْأَسَ الرّسُلُ وَظَنّواْ أَّن ُهمْ َقدْ ُكذِبُواْ‬

‫جَاء ُهمْ َنصْرُنَا ﴾‪.‬‬

‫﴿ وََنجّيْنَاهُ مِنَ اْل َغمّ وَ َكذَلِكَ نُنجِي اْلمُ ْؤمِِنيَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫﴿ وَتَظُنّونَ بِال ّلهِ الظّنُونَا{‪ }10‬هُنَالِكَ ابْتُلِيَ اْلمُ ْؤمِنُونَ َوزُْلزِلُوا زِْلزَالً‬

‫شدِيدا﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪65‬‬

‫******************************************‬

‫اعفُ عمّن أساء إليكَ‬
‫ص الباهظِ ‪ ،‬وهو الذي يدفعُه النتقمُ من الناسِ ‪ ،‬الاقدُ عليهمْ ‪ :‬يدفعُه من قلبِه ‪،‬‬
‫ث ُن ال َقصَا ِ‬
‫ومن لمِهِ ود ِمهِ ‪ ،‬من أعصابِه ومن راحتِهِ ‪ ،‬وسعادتِه وسرورِهِ ‪ ،‬إذا أراد أنْ يتشفّى ‪ ،‬أو‬
‫غضبَ علي ِهمْ أو حَ َقدَ‪ .‬إنه الاسرُ بل شكّ‪.‬‬

‫وقدْ أخبَنا الُ سبحانه وتعال بدواءِ ذلك وعل ِجهِ ‪ ،‬فقالَ ‪ ﴿ :‬وَالْكَا ِظ ِميَ اْلغَ ْيظَ وَاْلعَا ِفيَ‬

‫عَنِ النّاسِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ض عَنِ اْلجَاهِ ِليَ‬
‫وقالَ ‪ُ ﴿ :‬خذِ اْل َعفْوَ وَْأ ُمرْ بِاْل ُعرْفِ وََأعْ ِر ْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫وقالَ ‪ ﴿ :‬ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَ ْحسَنُ َفِإذَا اّلذِي بَيْنَكَ وَبَيَْن ُه َعدَاوَةٌ َكأَّنهُ وَلِيّ َحمِيمٌ ﴾‪.‬‬
‫*************************************‬

‫عندك نعم كثية‬
‫فكّرْ ف نِعَ ِم الِ الليل ِة وف أعطياِتهِ الزيلةِ ‪ ،‬واشكُ ْرهُ على هذ ِه النعمِ ‪ ،‬واعلمْ أنكَ مغمورٌ‬
‫بأعطياتِهِ‪.‬‬
‫قال سبحانه وتعال ‪ ﴿ :‬وَإِن َت ُعدّواْ ِنعْ َمةَ ال ّلهِ‬

‫وقال ‪ ﴿ :‬وَأَسْبَ َغ عَلَيْ ُكمْ ِن َعمَهُ ظَا ِهرَةً وَبَاطَِنةً‬
‫وقال سبحانه ‪َ ﴿ :‬ومَا بِكُم مّن ّن ْع َمةٍ َفمِنَ‬

‫حصُوهَا ﴾‪.‬‬
‫لَ ُت ْ‬
‫﴾‪.‬‬

‫ال ّلهِ ﴾‪.‬‬

‫جعَل ّل ُه عَيْنَيْنِ{‪ }8‬وَِلسَانا وَ َشفَتَ ْينِ{‪}9‬‬
‫وقال سبحانه وهو يقررُ العبدُ بنعمِهِ عليهِ ‪ ﴿ :‬أََلمْ َن ْ‬
‫وَ َهدَيْنَاهُ‬

‫الّنجْدَْينِ ﴾‪.‬‬

‫ِن َعمٌ تَ ْترَى ‪ :‬نعمةُ الياةِ ‪ ،‬ونعمةُ العافيةِ ‪ ،‬ونعمةُ السمعِ ‪ ،‬ونعمةُ البصرِ ‪ ،‬واليدينِ والرجليْن ‪،‬‬
‫والا ِء والواءِ ‪ ،‬والغذاءِ ‪ ،‬ومن أجلّها نعم ُة الدايةِ الربانية‪ ( :‬السلَمُ )‪ .‬يقولُ أحدُ الناسِ ‪:‬‬
‫أتريدُ بليون دولر ف عينيك ؟ أتريُد بليون دولرٍ ف أذنيك ؟ أتريدُ بليون دولر ف رجليك ؟‬

‫ل تحزن‬
‫‪66‬‬

‫أتريدُ بليون دولرٍ ف يديك ؟ أتريدُ بليون دولرٍ ف قلبك ؟ كمْ من الموالِ الطائلةِ عندك وما‬
‫أديتَ شُكْرَها !!‪.‬‬
‫****************************************‬

‫الدنيا ل تستحق الزن عليها‬
‫إ ّن ما يثبتُ السعادة وينمّيها ويعمقُها ‪ :‬أنْ ل تتمّ بتواف ِه المورِ ‪ ،‬فصاحبُ المةِ العاليةِ هّه‬
‫الخرةُ‪.‬‬
‫قال أحدُ السلفِ وهو يُوصِي أحد إخوانِه ‪ :‬اجع ْل المّ هّا واحدا ‪ ،‬همّ لقاءِ الِ عز وجل ‪،‬‬

‫خفَى مِن ُكمْ خَافَِيةٌ‬
‫همّ الخرة ‪ ،‬همّ الوقوفِ بي يديْهِ ‪ ﴿ ،‬يَ ْومَِئذٍ ُت ْعرَضُونَ لَا َت ْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫فليس‬

‫هناك هومٌ إل وهي أقلّ من هذا المّ ‪ ،‬أيّ همّ هذه الياةُ ؟ مناصبِها ووظائِفها ‪ ،‬وذهبِها‬
‫وفضتِها وأولدِها ‪ ،‬وأموالِها وجاهِها وشهرتِها وقصورِها ودورِها ‪ ،‬ل شيء !!‬
‫والُ جلّ وعل قد وصف أعداءَهُ النافقي فقال ‪ ﴿ :‬أَ َهمّ ْتهُمْ أَن ُفسُ ُهمْ يَظُنّونَ بِال ّل ِه غَ ْيرَ اْلحَقّ‬
‫﴾ ‪ ،‬فهمّهم ‪ :‬أنفسُهْم وبطونُهم وشهواتُهم ‪ ،‬وليست لمْ ِهمَمٌ عاليةٌ أبدا !‬
‫ولّا بايع الناس نَحتَ الشجرةِ انفلت أحدُ النافقي يبحثُ عن َجمَلٍ لهُ أحر ‪ ،‬وقالَ ‪:‬‬
‫لُصول على جلي هذا أحبّ إلّ من بيْعتِ ُكمْ‪ .‬فورَدَ ‪ « :‬كلّكمْ مغفورٌ له إلّ صاحبَ الملِ‬
‫الح ِر »‪.‬‬
‫إنّ أحد النافقي أهتْهُ نفسهُ ‪ ،‬وقال لصحابهِ ‪ :‬ل تنفروا ف الرّ‪ .‬فقال سبحانه ‪﴿ :‬قُلْ نَارُ‬
‫َجهَنّمَ أَ َشدّ‬

‫حرّا ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫وقال آخرُ ‪ ﴿ :‬اْئذَن لّي وَلَ َتفْتِنّي ﴾‪ .‬وهّه نفسُه ‪ ،‬فقال سبحانه ‪ ﴿ :‬أَلَ فِي اْلفِتَْنةِ‬

‫سقَطُواْ ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫وآخرون أهْت ُهمْ أمواُل ُهمْ وأهلوهْم ‪َ ﴿ :‬شغَلَتْنَا َأمْوَالُنَا وََأهْلُونَا فَاسَْت ْغ ِفرْ لَنَا ﴾‪ .‬إنِا المومُ‬
‫التافهةُ الرخيصةُ ‪ ،‬الت يملُها التافهون الرخيصون ‪ ،‬أما الصحابة الجلّ ُء فإنمْ يبتغون فضلً‬
‫من الِ ورضوانا‪.‬‬
‫**********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪67‬‬

‫ل تزنْ واطردِ المّ‬
‫راحةُ الؤمن غَفَْلةٌ ‪ ،‬والفراغُ قاتلٌ ‪ ،‬والعطالَةُ بطالَةٌ ‪ ،‬وأكثرُ الناسِ هوما وغموما وكدرا‬
‫ف والواجسُ رأسُ مالِ الفاليسِ من العملِ الادّ الثمرِ‪.‬‬
‫العاطلونَ الفارغونَ‪ .‬والراجي ُ‬
‫فتحرّك واعملْ ‪ ،‬وزاولْ وطالعْ ‪ ،‬واتْلُ وسبّحْ ‪ ،‬واكتبْ و ُزرْ ‪ ،‬واستفدْ م ْن وقتِك ‪ ،‬ول تعلْ‬
‫دقيقةً للفراغِ ‪ ،‬إنك يوم تفرغُ يدخلُ عليك المّ والغمّ ‪ ،‬والاجسُ والوساوسُ ‪ ،‬وتصب ُح ميدانا‬
‫للعيبِ الشيطانِ‪.‬‬
‫*************************************‬

‫اطلب ثوابك من ربك‬
‫اجعلْ عملك خالصا لوج ِه الِ ‪ ،‬ول تنتظرْ شكرا من أحدٍ ‪ ،‬ول تت ّم ول تغتمّ إذا أحسنت‬
‫لحدٍ من الناسِ ‪ ،‬ووجدته لئيما ‪ ،‬ل يق ّدرْ هذ ِه اليد البيضاء ‪ ،‬ول السنة الت أسديتها إليه ‪،‬‬
‫فاطلبْ أجرك من الِ‪.‬‬
‫يقول سبحانه عن أوليائِه ‪ ﴿ :‬يَبَْتغُونَ َفضْلً ّمنَ ال ّلهِ وَرِضْوَانا ﴾‪ .‬وقال سبحانه عن أنبيائِه ‪:‬‬

‫﴿‬

‫َومَا أَ ْسأَلُ ُكمْ عَلَ ْيهِ ِمنْ أَ ْجرٍ ﴾‪ ﴿ .‬قُلْ مَا َسأَلْتُكُم مّنْ أَ ْجرٍ َفهُوَ لَ ُكمْ﴾‪َ ﴿.‬ومَا ِلأَ َحدٍ عِندَهُ مِن‬

‫جزَى﴾‪ ﴿ .‬إِّنمَا نُ ْط ِعمُ ُكمْ لِوَ ْجهِ ال ّلهِ لَا ُنرِيدُ مِن ُكمْ َجزَاء وَلَا‬
‫ّن ْعمَةٍ ُت ْ‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫مَنْ يفعلِ اليَ ل يعد ْم جوازِيَهُ‬

‫شُكُورا﴾‪.‬‬

‫ل يذهبُ العُرفُ بي الِ والناسِ‬

‫فعاملِ الواحدَ الحد وحد ُه فهو الذي يُثيبُ ويعطي وينحُ ‪ ،‬ويعاقبُ وياسبُ ‪ ،‬ويرضى‬
‫ويغضبُ ‪ ،‬سبحان ُه وتعال‪.‬‬
‫قُتلَ شهداءُ بقندهار ‪ ،‬فقال عمرُ للصحابةِ ‪ :‬من القتلى ؟ فذكروا ل ُه الساء ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬وأناسٌ‬
‫ل تعرفُهم‪ .‬فدمعتْ عينا عمرَ ‪ ،‬وقال ‪ :‬ولك ّن ال يعَلمُهم‪.‬‬
‫وأطعمَ أحدُ الصالي رجلً أعمى فالوْذَجا ( من أفخرِ الكلتِ ) ‪ ،‬فقال أهلُه ‪ :‬هذا العمى‬
‫ل يدري ماذا يأكلُ ! فقالَ ‪ :‬لك ّن ال يدري !‬

‫ل تحزن‬
‫‪68‬‬

‫ما دام أ ّن الَ مُطِّلعٌ عليك ويعلمُ ما قدّمته من خيٍ ‪ ،‬وما عملته من بِرّ وما أسديتهُ منْ فضلٍ ‪،‬‬
‫فما عليك من الناسِ‪.‬‬
‫********************************‬

‫لوم اللئميَ وعذْل العُذّالِ‬
‫ضرّو ُكمْ إِلّ َأذًى ﴾ ﴿ وَلَ َتكُ فِي ضَ ْيقٍ ّممّا َيمْ ُكرُونَ ﴾‪َ ﴿ .‬و َدعْ َأذَا ُهمْ وَتَوَكّلْ عَلَى‬
‫﴿ لَن َي ُ‬

‫ال ّلهِ وَ َكفَى بِال ّلهِ وَكِيلً ﴾‪ ﴿ .‬فََبرّأَهُ ال ّلهُ ِممّا‬

‫قَالُوا ﴾‪.‬‬

‫حجَرْ‬
‫أنْ رمى فيهِ غلمٌ ِب َ‬
‫ل يضرّ البحرَ أمسى زاخرا‬
‫وف حديثٍ حسن أنّ الرسول قال ‪ (( : :‬ل تبلّغون عن أصحاب سوءا ‪ ،‬فإن أُحِبّ أنْ‬
‫أخرجَ إليكمَ وأنا سلي ُم الصّدرِ ))‪.‬‬
‫***********************************‬

‫ت اليدِ ‪ ،‬فإن ال ِقلّةُ معها السّلمةُ‬
‫ل تزنْ منْ قلّةِ ذا ِ‬
‫كلّما ترفّهَ السمُ تعقدتِ الروحُ ‪ ،‬والقلّ ُة فيها السلمةُ ‪ ،‬والزهدُ ف الدنيا راحةٌ عاجل ٌة يقدّمها‬

‫حنُ َنرِثُ اْلأَ ْرضَ َو َمنْ‬
‫الُ لن شاءَ من عبادهِ ‪ ﴿ :‬إِنّا َن ْ‬

‫عَلَ ْيهَا ﴾‪.‬‬

‫قال أحدُهم ‪:‬‬
‫ذاك النعيمُ الجَلّ‬
‫ماءٌ وخبزٌ وظِلّ‬
‫إ ْن قلتُ إن مُقلّ‬
‫كفرتُ نعم َة ربّي‬
‫ما هيَ الدنيا إل ماءٌ باردٌ وخبزٌ دافئٌ ‪ ،‬وظلٌ وارفٌ !!‬
‫وقال الشافعي ‪:‬‬
‫ب وفيِضي آبارَ تكْرُور تبِِرا‬
‫ـ َ‬
‫أمطري لؤلؤا ساء سرنْديـ‬
‫وإذا متّ لستُ أعدمُ قبا‬
‫أنا إ ْن عشتُ لستُ أعدمُ قوتا‬
‫نفسُ حرّ ترى الذلّةَ كُفْرا‬
‫هّت ِهمّةُ اللوكِ ونفسي‬
‫إنا عزّ ُة الواثقي ببادئِهمْ ‪ ،‬الصّادقي ف دعوِتهِمْ ‪ ،‬الادّين ف رسالِت ِهمْ‪.‬‬
‫*********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪69‬‬

‫ل تزنْ مّا ُيتَ َوقّع‬
‫وُجدَ ف التوراةِ مكتوبا ‪ :‬أكثرُ ما يُخاف ل يكونُ !‬
‫ومعناهُ ‪ :‬إنّ كثيا ما يتخ ّوفُهُ الناسُ ل يقعُ ‪ ،‬فإنّ الوهامَ ف الذهانِ ‪ ،‬أكثُر من الوادثِ ف‬
‫العيانِ‪.‬‬
‫إذا جاءك حدثٌ ‪ ،‬وسعتَ بصيبةٍ ‪ ،‬فتمهّلْ وتأ ّن ول تزنْ ‪ ،‬فإنّ كثيا من الخبارِ والتوقّعات‬
‫ل صحّة لا ‪ ،‬إذا كان هناك صارفٌ للقد ٍر فيُبحثُ عنهُ‪ ،‬وإذا ل يكنْ فأين يكونُ؟!‬
‫﴿ َأُفَ ّوضُ َأ ْمرِي إِلَى ال ّلهِ إِنّ ال ّلهَ َبصِيٌ بِاْلعِبَادِ{‪}44‬فَوَقَاهُ ال ّلهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَرُوا ﴾‪.‬‬
‫***********************************‬

‫نقْد أهلِ الباط ِل والُسّادِ‬
‫فإنك مأجورٌ – من نقدهمْ وحسدهِمْ – على صبِك ‪ ،‬ثّ إنّ نقدهُ ْم يساوي قيمتك ‪ ،‬ث إنّ‬
‫الناس ل ترفسُ كلبا ميتا ‪ ،‬والتافهي ل ُحسّاد لم‪.‬‬
‫قال أحدُهمْ ‪:‬‬
‫ول ترى لِلِئَامِ الناسِ ُحسّادا‬
‫حسّدةً‬
‫إن العراني تلقاها ُم َ‬
‫وقال الخر ‪:‬‬
‫سدُوا الفت إذْ ل ينالوا سعَيهُ‬
‫َح َ‬
‫كضرائرِ السنا ِء قُلْن لوج ِههَا‬

‫فالناسُ أعداءٌ ل ُه وخصومُ‬
‫حسدا ومقتا إن ُه لذميمُ‬

‫وقال زهيٌ ‪:‬‬
‫سدُون على ما كان من نِ َعمٍ‬
‫مُح ّ‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫همْ يسدون على موت فوا أسفا‬

‫حت على الوتِ ل أخلو مِ َن السدِ‬

‫وقالُ الشاعرُ ‪:‬‬
‫وشكوتَ مِن ظلمِ الوشاةِ ولنْ تدْ‬

‫سدِ‬
‫ذا سؤددٍ إل أُصيب ُب ّ‬

‫ل ينعُ ال منهمْ ما له ُحسِدوا‬

‫ل تحزن‬
‫‪70‬‬

‫سدِ‬
‫والتافهُ السكيُ غ ُي م ّ‬
‫ل زلت ياسِبط الكرا ِم مسّدا‬
‫سألَ موسى ربّ أنْ يكفّ ألسنةَ الناسِ عنهُ ‪ ،‬فقال الُ عزّ وجلّ ‪ (( :‬يا موسى ‪ ،‬ما اتذ ُ‬
‫ت‬
‫ذلك لنفسي ‪ ،‬إن أخلقُهم وأرز ُق ُهمْ ‪ ،‬وإنم يسبّونَنِي ويشتُموننِي )) !!‬
‫وصحّ عنهُ‬

‫أنهُ قال ‪ (( :‬يقولُ الُ عزّ وجلّ ‪ :‬يسبّن ابنُ آدمَ ‪ ،‬ويشتمن ابنُ آدم ‪ ،‬وما‬

‫ينبغي له ذلك ‪ ،‬أمّ سبّه إياي فإنهُ يسبّ الدهر ‪ ،‬وأنا الدهرُ ‪ ،‬أقلّبُ الليلَ والنهارَ كيف‬
‫أشاءُ ‪ ،‬وأما شتمُه إياي ‪ ،‬فيقولُ ‪ :‬إنّ ل صاحبةً وولدا‪ ،‬وليسَ ل صاحبةٌ ول ولدٌ))‪.‬‬

‫إنكَ لنْ تستطيع أن تعتقل ألسنةَ البشرِ عن فرْي ِع ْرضِك ‪ ،‬ولكنك تستطيعُ أن تفعلَ اليَ ‪،‬‬
‫وتتنب كلمهم ونقدهم‪.‬‬
‫قال حاتٌ ‪:‬‬
‫سعتُ فقلتُ مٌرّي فانفذين‬
‫وكلمةِ حاسدٍ منْ غيِ جرْمِ‬
‫ول يند لا أبدا جبين‬
‫وعابوها عليّ ول تعِبْن‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫فمضيتُ َثمّة قلتُ ل يعنين‬
‫ولقدْ أمرّ على السفيهِ يسُبّن‬
‫وقال ثالثٌ ‪:‬‬
‫فخيٌ مِنْ إجابِتِه السكوتُ‬
‫إذا نَ َطقَ السّفيهُ فل ُتجِْبهُ‬
‫إ ّن التافهي والخوسي يدون تدّيا سافرا من النبلءِ واللمعي والهابذةِ‪.‬‬
‫كانتْ ذنوب فَقُلْ ل كيف أعتذرُ؟!‬
‫إذا ماسن اللئي ُأدِلّ با‬
‫أه ُل الثرا ِء ف الغالبِ يعيشون اضطرابا ‪ ،‬إذا ارتفعتْ أسهمُهم انفضَ ضغطُ الدمِ عندهم ‪،‬‬

‫حسَبُ أَنّ مَاَلهُ أَخْ َلدَهُ{‪ }3‬كَلّا‬
‫وَيْلٌ لّكُلّ ُه َمزَةٍ ّلمَزَةٍ{‪ }1‬اّلذِي َجمَعَ مَالً َو َعدّدَهُ{‪َ }2‬ي ْ‬
‫لَيُنَبذَنّ فِي‬

‫ط َمةِ ﴾‪.‬‬
‫اْلحُ َ‬

‫يقولُ أحدُ أدباءِ الغَرْبِ ‪ :‬افعلْ ما هو صحيحٌ ‪ ،‬ث أدرْ ظهرك لك ّل نقدٍ سخيفٍ !‬

‫ومن الفوائدِ والتجاربِ ‪ :‬ل تردّ على كلمةٍ جارحةٍ فيك ‪ ،‬أو مقولةٍ أو قصيدةٍ ‪ ،‬فإنّ‬
‫الحتمالَ دفنُ العايبِ ‪ ،‬واللم عزّ ‪ ،‬والصمت يقهرُ العداء ‪ ،‬والعفو مثوبةٌ وشرفٌ ‪،‬‬

‫﴿‬

‫ل تحزن‬
‫‪71‬‬

‫ونصفُ الذين يقرؤون الشتم فيك نسوهُ ‪ ،‬والنصفُ الخرُ ما قرؤوه ‪ ،‬وغيهم ل يدرون ما‬
‫السببُ وما القضيةُ ! فل تُرسّخْ ذلك أنت وتعمّقهُ بالردّ على ما قيل‪.‬‬
‫يقولُ أحدُ الكماءِ ‪ :‬الناسُ مشغولون عن وعنك بنقصِ خبزِهم ‪ ،‬وإنّ ظمأ أحدِهم ينُسيهم‬
‫موت وموتك‪.‬‬
‫بيتٌ فيه سكينةٌ مع خبز الشعيِ ‪ ،‬خيٌ من بيتٍ مليء بأعدادٍ شهيةٍ من الطعمةِ ‪ ،‬ولكنه روضة‬
‫للمشاغبة والضجيج‪.‬‬
‫***********************************‬

‫وقفــة‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ الرضَ يزولُ ‪ ،‬والصابَ يولُ ‪ ،‬والذنبَ يُغفرُ ‪ ،‬والدّيْنَ يُقضى ‪ ،‬والحبوسَ‬
‫يُفكّ ‪ ،‬والغائبَ يقدمُ ‪ ،‬والعاصي يتوبُ ‪ ،‬والفقيَ يغتن‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬أما ترى السحاب السود كيف ينقشعُ ‪ ،‬والليل البهيم كيف ينجلي ‪ ،‬والريح‬

‫الصّ ْرصَرَ كيف تسكنُ ‪ ،‬والعاصفة كيف تدأ ؟! إذا فشدائدُك إل رخاء ‪ ،‬وعيشُك إل هناء ‪،‬‬
‫ومستقبلُك إل نَعْماءِ‪.‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬ليبُ الشمس يطفئُهُ وارفُ الظلّ ‪ ،‬وظمأُ الاجرةِ يُبدُه الاءُ النميُ ‪ ،‬و َعضّةٌ الوعِ‬
‫يُسكّنُها الُبْزُ الدافِئُ ‪ ،‬ومعانا ُة السهرِ يعقبُهُ نو ٌم لذيذٌ ‪ ،‬وآلمُ الرضِ يُزَيُلها لذيذُ العافيةِ ‪ ،‬فما‬
‫ل والنتظارُ لظةً‪.‬‬
‫عليك إل الصبُ قلي ً‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فقدْ حارِ الطباءُ ‪ ،‬و َعجَزَ الكماءُ ‪ ،‬ووقفَ العلماءُ ‪ ،‬وتساء َل الشعراء ‪ ،‬وبارت‬

‫اليل أُمام نفاذِ القدرةِ ‪ ،‬ووقوعِ القضاءِ ‪ ،‬وحتميةِ القدورِ قال عليّ بنُ جبلةَ ‪:‬‬
‫نعلّلُ نفسنا بعسى‬
‫عسى فرجٌ يكونُ عسى‬
‫ض النّفسَا‬
‫ـت هّا يقب ُ‬
‫فل تقنط وإن لقيْـ‬
‫ءُ ِمنْ فرجٍ إذا يئسِا‬
‫فأقربُ ما يكونُ الرْ‬
‫***************************************‬

‫ل لك‬
‫اخترْ لنفسك ما اختاره ا ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪72‬‬

‫قمْ إن أقامك ‪ ،‬واقعدْ إنْ أقعدك ‪ ،‬واصبْ إذا أفقرَك ‪ ،‬واشكرْ إذا أغناك‪.‬‬
‫فهذه من لوازم ‪ (( :‬رضيتُ بالِ ربا ‪ ،‬وبالسلمِ دينا ‪ ،‬وبحمد نبيا ))‪.‬‬
‫قال أحدُ ُهمْ ‪:‬‬
‫فأولوا التدبيِ هلْكى‬
‫ل تُدبّرْ لك أمرا‬
‫ننُ أول بِك مِنكا‬
‫وارضَ عنّا إن حَكمْنا‬
‫***************************************‬

‫ل تراقبْ تصرّفات الناس‬
‫فإنّهم ل يلكون ضرّا ول نفعا ‪ ،‬ول موتا ول حياة ول نشورا ‪ ،‬ول ثوابا ول عقابا‪.‬‬
‫قال أحدُهم ‪:‬‬
‫وفاز باللذةِ السورُ‬
‫مَ ْن راقب الناسَ ماتَ هّا‬
‫وقال بشّار ‪:‬‬
‫ت الفاتِكُ الّلهِجُ‬
‫وفاز بالطيبا ِ‬
‫من راقب الناس ل يظفرْ باجتهِ‬
‫ش لوْ علم بهِ اللو ُك لالدونا عليهِ بالسيوفِ‪.‬‬
‫قالَ إبراهيمُ بن أدهم ‪ :‬نن ف عيْ ٍ‬
‫وقال ابنُ تيمية ‪ :‬إنه ليمرّ بالقلبِ حالٌ ‪ ،‬أقولُ ‪ :‬إن كان أهلُ النةِ ف مثلِ حالِنا إنم ف عيشٍ‬
‫طيبٍ‪.‬‬
‫قال أيضا ‪ :‬إنه ليمرّ بالقلبِ حالتٌ يرقصُ طربا ‪ ،‬من الفرحِ بذكرهِ سبحانه وتعال والنس‬
‫به‪.‬‬
‫وقال ابنُ تيمية أيضا عندما أُدخِل السجنَ ‪ ،‬وقدْ أغلق السجّانُ الباب ‪ ،‬قال ﴿ َفضُرِبَ بَيَْنهُم‬

‫ِبسُورٍ ّلهُ بَابٌ بَاطُِنهُ فِيهِ الرّ ْح َمةُ وَظَا ِهرُهُ مِن قِبَ ِلهِ‬

‫اْل َعذَابُ ﴾‪.‬‬

‫ت فهي‬
‫وقال وهو ف سجنِه ‪ :‬ماذا يفعلُ أعدائي ب ؟! أنا جنت وبستان ف صدري ‪ ،‬أنّى س ْر ُ‬
‫معي ‪ ،‬إنّ قتلي شهادةٌ ‪ ،‬وإخراجي من بلدي سياحةٌ وسجن خلوةٌ‪.‬‬
‫يقولون ‪ :‬أيّ شيء َو َجدَ من فق َد ال ؟! وأيّ شي ٍء فقدَ من وجد ال ؟! ل يستويان أبدا ‪ ،‬منْ‬
‫وجد ال وجد كلّ شيء ‪ ،‬وم ْن فقد ال فقد كلّ شيءٍ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪73‬‬

‫يقول‬

‫‪ (( :‬لن أقولُ ‪ :‬سبحان الِ ‪ ،‬والمدُ لِ ‪ ،‬ول إله إل الُ ‪ ،‬والُ أكبُ ‪ ،‬أحبّ إلّ‬

‫ما طلعتْ عليه الشمسُ ))‪.‬‬

‫قال أحدُ السلفِ عنِ الثرياءِ وقصورِهمْ ودورِهمْ وأموالمْ ‪ :‬نأكلُ ويأكلون ‪ ،‬ونشربُ ‪،‬‬
‫ويشربون ‪ ،‬وننظرُ وينظرون ‪ ،‬ول نُحاسبُ ويُحاسبون‪.‬‬
‫﴿ وََل َقدْ جِئُْتمُونَا ُفرَادَى َكمَا خَ َلقْنَا ُكمْ أَوّلَ َمرّةٍ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ص َدقَ ال ّلهُ رَسُوَلهُ ﴾‪ .‬والنافقون يقولون ‪ ﴿ :‬مّا َو َعدَنَا ال ّلهُ َورَسُوُلهُ إِلّا‬
‫الؤمنون يقولون ‪َ ﴿ :‬‬
‫غُرُورا‬

‫﴾‪.‬‬

‫حياتُك م ْن صنع أفكارِك فالفكارُ الت تستثمرُها وتفكرُ فيها وتعيشُها هي الت تؤثرُ ف حياتِك‬
‫‪ ،‬سوا ٌء كانتْ ف سعادةٍ أو شقاوةٍ‪.‬‬
‫يقولُ أحدُهم ‪ :‬إذا كنت حافيا ‪ ،‬فانظرْ لنْ بُتِ َرتْ ساقاه ‪ ،‬تمّ ْد ربّك على نعمةِ الر ْجلَيْن‪.‬‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫ول أضيقُ به ذرعا إذا وقعا‬
‫ل يلُ الولُ قلب قبل وقعتِهِ‬
‫************************************‬

‫أحسن إل الناس‬
‫فإنّ الحسانَ على الناسِ طريقٌ واسعةٌ من طرقِ السعادةِ‪ .‬وف حديثٍ صحيح ‪ (( :‬إنّ ال‬

‫يقولُ لعبدهِ وهو ياسُبهُ يوم القيامةِ ‪ :‬يا ابنّ آدم ‪ ،‬جعتُ ول تطعمْن‪ .‬قال ‪ :‬كيف أطعمُك‬
‫وأنت ربّ العالي ؟! قال ‪ :‬أما علمت أ ّن عبدي فلن ابن فلنٍ جاع فما أطعمْتهُ ‪ ،‬أما‬

‫إنكَ لو أطعمَْتهُ وجدتَ ذلك عندي‪ .‬يا ابن آدم ‪ ،‬ظمئتُ فل ْم تسقن‪ .‬قال ‪ :‬كيف أسقيك‬
‫وأنت ربّ العاليَ! قال ‪ :‬أما علمت أنّ عبدي فلن ابن فل ٍن ظمِئَ فما أسقيته ‪ ،‬أما إنّك‬

‫ل ْو أسقيته وجدْت ذلك عندي‪ .‬يا ابن آدم ‪ ،‬مرضْتُ فلم تعُدن‪ .‬قال ‪ :‬كيف أعودُك وأنت‬
‫ربّ العالي ؟! قال ‪ :‬أما علمْت أ ّن عبدي فلن ابن فل ٍن مرض فما عدَْتهُ ‪ ،‬أما إنك لوْ‬

‫عدت ْه وجدتن عندهُ ؟! ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪74‬‬

‫هنا لفتةٌ وهي وجدتن عندهُ ‪ ،‬ول يق ْل كالسابقتي ‪ :‬وجدته عندي ؛ لنّ ال عند النكسِرة‬
‫قلوبُهم ‪ ،‬كالريض‪ .‬وف الديثِ ‪ (( :‬ف كلّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ ))‪ .‬واعلمْ أنّ أدخل امرأةً بغِيّا‬
‫منْ بن إسرائيل النة ‪ ،‬لنا سقتْ كلبا على ظمأ‪ .‬فكيف بنْ أطعمَ وسقى ‪ ،‬ورفع الضائقة‬
‫وكشف الكُرْبَةَ ؟!‬
‫وقدْ صحّ عنهُ‬

‫أنهُ قال ‪َ (( :‬منْ كان لهُ فضلُ زادٍ فلَيعُد بهِ على َمنْ ل زاد لهُ ‪ ،‬ومنْ كان‬

‫له فضلُ ظ ْه ٍر فليعدْ ب ِه على منْ ل ظهر لهُ ))‪ .‬أي ليس لهُ مركوبٌ‪.‬‬
‫وقدْ قال حاتٌ ف أبياتٍ لهُ جيلةٍ ‪ ،‬وهو يُوصِي خادمهُ أنْ يلتمس ضيفا يقولُ‬
‫إذا أتى ضيفٌ فأنت حُرّ‬
‫أوقدْ فإنّ الليل ليلٌ قرّ‬
‫ويقول لمرأته ‪:‬‬
‫ل فإن لستُ آكلُهُ وحدي‬
‫أكي ً‬
‫إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫ويبقى من الالِ الحاديثُ وال ّذكْرُ‬
‫أماويّ إنّ الال غادٍ ورائحٌ‬
‫ت يوما وضاق با الصدرُ‬
‫إذا حشرج ْ‬
‫أماويّ ما يُغن الثراءُ ع ِن الفت‬
‫ويقول ‪:‬‬
‫فما زادنا فخرا على ذي قرابةٍ‬

‫غِنانا ول أزرى بأحسابنا الفقْرُ‬

‫وقال عروةُ بنُ حزامٍ‬
‫بوجهي شحوب القّ والقّ جاهدُ‬
‫أتزأُ من أن سنِت وأن ترى‬
‫وأحسو قراح الاءِ والاءُ باردُ‬
‫أوزّعُ جسمي ف جسومٍ كثيةٍ‬
‫وكان ابنُ الباركِ لهُ جارٌ يهوديٌ ‪ ،‬فكان يبدأ فيُطعم اليهوديّ قبل أبنائهِ ‪ ،‬ويكسوه قبل‬
‫أبنائِه ‪ ،‬فقالوا لليهوديّ ‪ :‬بعنا دارك‪ .‬قال ‪ :‬داري بألفيْ دينارٍ ‪ ،‬ألفٌ قيمتُها ‪ ،‬وألفٌ جوارُ ابن‬
‫الباركِ !‪ .‬فسمع ابن الباركِ بذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬الله ّم اهدِهِ إل السلمِ‪ .‬فأسلم بإذ ِن الِ !‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪75‬‬

‫ومرّ ابنُ البارك حاجّا بقافلةٍ ‪ ،‬فرأى امرأةً أخذتْ غُرابا مْيتا من مزبلةٍ ‪ ،‬فأرسلَ ف أثرِها‬
‫غلمه فسألا ‪ ،‬فقالتْ ‪ :‬ما لنا منذُ ثلثةِ أيامٍ إل ما يُلقى با‪ .‬فدمعتْ عيناهُ ‪ ،‬وأمر بتوزيعِ‬
‫القافلةِ ف القريةِ ‪ ،‬وعاد وترك حجّته تلك السنةِ ‪ ،‬فرأى ف منامِهِ قائلً يقولُ ‪ :‬ح ّج مبورٌ ‪،‬‬
‫وسعيٌ مشكورٌ ‪ ،‬وذنبٌ مغفورٌ‪.‬‬
‫صةٌ‬
‫سهِمْ وَلَوْ كَانَ ِب ِهمْ َخصَا َ‬
‫ويقولُ الُ عزّ وجلّ ‪ ﴿ :‬وَيُؤِْثرُو َن عَلَى أَن ُف ِ‬
‫وقالَ أحدُ ُهمْ ‪:‬‬
‫إن وأ ْن كنتُ امرأً متباعدا‬
‫لفيدهُ نصري وكاشفُ كَرْبهِ‬
‫وإذا ارتدى ثوبا جيلً لْ أقلْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫عن صاحب ف أرض ِه وسائِ ِه‬
‫ت ندائِه‬
‫وميبُ دعوتِه وصو ُ‬
‫يا ليت أنّ علىّ فض َل كسائِهِ‬

‫يا لِ ما أجلَ الُلقَ ! وما أجلّ الواهبَ ! وما أحسن السجايا !‬
‫ل يندمُ على فعْلِ الميلِ احدٌ ولو أسرف ‪ ،‬وإنا الندمُ على فعلِ الطأ وإنْ قلّ‪.‬‬
‫وقال أحدُ ُهمْ ف هذا العن ‪:‬‬
‫والشرّ أخبثُ ما أوْعَْيتَ مِ ْن زَادِ‬
‫اليُ أبقى وإنْ طال الزمانُ بهِ‬
‫*****************************************‬

‫إذا صكّتْ أذانك كلم ٌة نابيةٌ‬
‫اح ِرصْ على جعِ الفضائلِ‬
‫واعلمْ بأ ّن العمرَ موْسمُ طاعةٍ‬

‫سدْ‬
‫واهجرْ ملمةَ َمنْ تشفّى أو َح َ‬
‫قُبِلتْ وبعد الوتِ ينقطعُ السدْ‬

‫يقولُ أحدُ علما ِء العصرِ ‪ :‬إنّ على أهلِ الساسيةِ الرهفة من النقدِ أنْ يسكبوا ف أعصابِهم‬
‫مقادير من البودِ أمام النقدِ الظالِ الائرِ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ « :‬لِ دَوّ السدِ ما أ ْعدََلهُ ‪ ،‬بدأ بصاحِبهِ فقتلهُ »‬
‫وقال التنب ‪:‬‬
‫ِذكْ ُر الفت عمرهُ الثان وحاجتُه‬

‫‪.‬‬

‫ما فاته وفضولُ العيْشِ أشغالُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪76‬‬

‫وقال عل ّي رضي الُ عنهُ ‪ :‬الجلُ جنةٌ حصينةٌ‪.‬‬
‫وقال أحدُ الكماء ‪ :‬البانُ يوتُ مرّاتٍ ‪ ،‬والشجاعُ يوتُ مرةً واحدةً‪.‬‬
‫وإذا أراد ال بعبادهِ خيا ف وقت الزمات ألقى عليهم النعاس أَمَنَةً منه‪ ،‬كما وقع النعاس على‬
‫طلحة رضي ال عنه ف ُأحُد ‪ ،‬حت سقط سيفُه مراتٍ م ْن يدِه ‪ ،‬أَمْنا وراحة بالٍ‪.‬‬
‫وهناك نعاسٌ له ِل البدعِة ‪ ،‬فقدْ نعس شبيبُ بنُ يزيدٍ وهو على بغلتِهِ ‪ ،‬وكان منْ أشجعِ‬
‫الناسِ ‪ ،‬وامرأتُهُ غزالةُ هي الشجاعةٌ الت طردتِ الجّاج ‪ ،‬فقال الشاعرُ ‪:‬‬
‫أسدٌ عل ّي وف الروبِ نعام ٌة‬
‫هلّ برزتَ إل غزال َة ف الوغى‬

‫فتخاءُ تَنْفِرُ مِن صفيِ الصافرِ‬
‫أم كان قلبُك ف جناحيْ طائرِ‬

‫حنُ نََترَبّصُ بِ ُكمْ‬
‫حسْنَيَ ْينِ وََن ْ‬
‫وقال الُ تعال عزّ وجلّ ‪ ﴿ :‬قُلْ هَلْ َترَبّصُونَ بِنَا إِلّ إِ ْحدَى اْل ُ‬

‫أَن ُيصِيبَ ُكمُ ال ّلهُ ِب َعذَابٍ ّم ْن عِندِهِ أَوْ بِأَْيدِينَا فََترَبّصُواْ إِنّا َمعَكُم‬

‫مَّترَبّصُونَ ﴾‪.‬‬

‫ب الدّنْيَا‬
‫وقال سبحانه ‪َ ﴿ :‬ومَا كَانَ لَِن ْفسٍ َأنْ َتمُوتَ إِلّ ِبِإذْنِ ال كِتَابا مّؤَ ّجلً َومَن ُي ِردْ ثَوَا َ‬

‫جزِي‬
‫نُؤِْتهِ مِ ْنهَا َومَن ُي ِردْ ثَوَابَ ال ِخرَةِ نُؤِْتهِ مِ ْنهَا وَسََن ْ‬
‫وقال الشاعرُ ‪:‬‬
‫أقولُ لا وقدْ طارتْ شعاعا‬
‫فإنكِ لو سألتِ بقاء يومٍ‬
‫ت صبْرا‬
‫فصبا ف مالِ الو ِ‬
‫وما ثوبُ الياة بثوبِ ِعزّ‬

‫كرِينَ ﴾‪.‬‬
‫الشّا ِ‬

‫مِن البطالِ ويْحكِ لَنْ تُراعِي‬
‫عن الجلِ الذي لكِ ل تُطاعي‬
‫فما نيلُ اللودِ بستطاعِ‬
‫فيُخلعُ عن أخِ النعِ الياعِ‬

‫إي وال ‪ ،‬فإذا جاء أجلُهم ل يستأخرون عنه ساع ًة ول يستقدمون‪.‬‬
‫قال عليّ رضي الُ عنه ‪:‬‬
‫يوم ل ُقدّر أمْ يوم ُق ِدرْ‬
‫أيّ يوميّ مِن الوتِ افرّ‬
‫ل ِذرْ‬
‫ومِن القدورِ ل ينجو ا َ‬
‫يوم ل ُقدّر ل أرهبُهُ‬
‫ب لكمُ الياةُ‪.‬‬
‫وقال أبو بك ٍر رضي الُ عنه ‪ :‬اطلبوا الوت تُو َه ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪77‬‬

‫*********************************‬

‫وقفــة‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ ال يدافعُ عنك‪ ،‬واللئكةُ تستغفرُ لك‪ ،‬والؤمنون يشركونك ف دعائِهمْ كلّ‬
‫صلةٍ ‪ ،‬والنبّ‬

‫يشفعُ ‪ ،‬والقرآنُ يِعدُك وعدا حسنا ‪ ،‬وفوق هذا رحةُ أرحم الراحي‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ السنة بعشر أمثالِها إل سبعمائ ِة ضِعْفٍ إل أضعافٍ كثيةٍ ‪ ،‬والسيئةُ بثلها إل‬
‫أنْ يعف َو ربّك ويتجاوز ‪ ،‬فكمْ لِ مِن كرمٍ ما سُمع مثله ! ومن جودٍ ل يقاربُه جُودٌ!‬
‫ب الِ وحبّ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فأنت من روّا ِد التوحيدِ وحَملةِ اللّةِ وأهلِ القبلةِ ‪ ،‬وعندك أصلُ ح ّ‬

‫رسوله‬

‫‪ ،‬وتندمُ إذا أذنبت ‪ ،‬وتفرحُ إذا أحسنت ‪ ،‬فعندك خيٌ وأنت ل تدري‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬فأنت على خ ٍي ف ضرائِك وسرائِك ‪ ،‬وغناك وفقرِك ‪ ،‬وشدّتِك ورخائِك ‪،‬‬
‫(( عجبا لم ِر الؤمنِ ‪ ،‬إنّ أمرهَ كلّه له خيٌ ‪ ،‬وليسَ ذلك إل للمؤمنِ ‪،‬نْ أصابْته سرّاءَ‬

‫فشكر كان خيا له ‪ ،‬وإنْ أصابتْه ضرّاءُ فصب فكان خيا له )) ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫الصب على الكا ِرهِ وتمّ ُل الشدائدِ‬
‫طريقُ الفوزِ والنجاحِ والسعادةِ‬
‫﴿ وَاصِْبرْ َومَا صَ ْبرُكَ إِلّ بِال ّلهِ ﴾‪َ ﴿ .‬فصَبْرٌ َجمِيلٌ وَال ّلهُ اْل ُمسَْتعَا ُن عَلَى‬

‫صفُونَ ﴾‪﴿ .‬‬
‫مَا َت ِ‬

‫فَاصِْبرْ صَبْرا َجمِيلً ﴾‪َ ﴿ .‬سلَ ٌم عَلَيْكُم ِبمَا صََبرُْتمْ ﴾‪ ﴿ .‬وَاصِْب ْر عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾ ﴿اصِْبرُواْ‬
‫وَصَاِبرُواْ‬

‫وَرَابِطُواْ ﴾‪.‬‬

‫قال عم ُر رضي الُ عنهُ ‪ « :‬بالصبِ أدركنا حسْن العيشِ »‪.‬‬
‫لهلِ السنةِ عند الصائبِ ثلث ُة فنونٍ ‪ :‬الصبُ ‪ ،‬والدّعاءُ ‪ ،‬وانتظارُ الفَ َرجِ‪.‬‬
‫وقال الشاعرُ ‪:‬‬
‫ولكنّنا كُنا على الوتِ أصب‬
‫سقينا ُهمُو كأسا سقوْنا بثلِها‬

‫ل تحزن‬
‫‪78‬‬

‫وف حديث صحيح ‪ (( :‬ل أحد أصبُ على أذى سِعه من الِ ‪ :‬إنم يزعمون أنّ له ولدا‬
‫وصاحبةً ‪ ،‬وإنهُ يعافيهم ويرزقُهم ))‪ .‬وقال‬

‫فصبَ ))‪.‬‬
‫وقال‬

‫‪ (( :‬رحِم الُ موسى ‪ ،‬ابتُلي باكثر من هذا‬

‫‪ (( :‬من يتصّبرْ يُصبّرهْ الُ ))‪.‬‬
‫دببتَ للمجدِ والساعون قد‬
‫وكابدوا الجد حت ملّ‬
‫ل تسبِ الجد ترا أنتَ آكلُهُ‬

‫جهد النفوسِ وألقوا دون ُه‬
‫وعانق الجد مَنْ أوف ومنْ‬
‫لنْ تبلغ الجد حت تلْعق الصّبِرا‬

‫إن العال ل تُنا ُل بالحلمِ ‪ ،‬ول بالرؤيا ف النامِ ‪ ،‬وإنّما بالزمِ والعَزْمِ‪.‬‬
‫************************************‬

‫ل ْلقِ مَعَكَ‬
‫ل تزنْ من فِعلِ ا َ‬
‫وانظرْ إل فعْلِهم مع الالقِ‬
‫عندَ أحد ف كتابِ الزهدِ ‪ ،‬أن ال يقولُ ‪ (( :‬عجبا لك يا ابن آدم ! خلقتُك وتعبدُ غيي ‪،‬‬
‫ورزقتُك وتشكرُ سواي ‪ ،‬أتبّبُ إليك بالنعمِ وأنا غنّ عنك ‪ ،‬وتتبغّضُ إلّ بالعاصي وأنت‬

‫فقيٌ إلّ ‪ ،‬خيي إليك نازلٌ ‪ ،‬وشرّك إلّ صاعدٌ )) !!‪.‬‬
‫وقد ذكروا ف سية عيسى عليه السلمُ أنه داوى ثلثي مريضا ‪ ،‬وأبرأ عميان كثيين ‪ ،‬ث‬
‫انقلبوا ضدّه أعداءً‪.‬‬
‫************************************‬

‫ل تزنْ منْ تعسّر الرزقِ‬
‫سمَاء‬
‫فإنّ الرزّاق هو الواحدُ الحدُ ‪ ،‬فعنده رِزْقُ العبادِ ‪ ،‬وقدْ تكفّلَ بذلك ‪ ﴿ ،‬وَفِي ال ّ‬
‫ِرزْقُ ُكمْ َومَا تُو َعدُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪79‬‬

‫فإذا كان الُ هو الرزاقُ فلِم يتملّقُ البشرُ ‪ ،‬ولِم تُهانُ النفسُ ف سبيلِ الرزقِ لجل البشرِ ؟!‬
‫قال سبحانه ‪َ ﴿ :‬ومَا مِن دَآّبةٍ فِي الَ ْرضِ إِ ّل عَلَى ال ّلهِ ِرزْ ُقهَا ﴾‪ .‬وقال ج ّل اسُه ‪ ﴿ :‬مَا َيفَْتحِ‬

‫ال ّلهُ لِلنّاسِ مِن رّ ْح َمةٍ فَلَا ُممْسِكَ َلهَا َومَا ُيمْسِكْ َفلَا ُمرْسِلَ َلهُ مِن َب ْعدِهِ‬
‫*********************************‬

‫﴾‪.‬‬

‫أسبابٌ ت ّو ُن الصائب‬
‫‪ .1‬انتظارُ الجرِ والثوبةِ من عند الِ عزّ وجلّ ‪ ﴿ :‬إِّنمَا يُوَفّى الصّاِبرُونَ أَ ْجرَهُم ِبغَ ْيرِ‬
‫ِحسَابٍ ﴾‪.‬‬
‫‪ .2‬رؤيةُ الصابي ‪:‬‬
‫على إخوانِهمْ لَقَتَ ْلتُ نفسي‬
‫ولول كثر ُة الباكِي حول‬
‫فالت ِفتْ َيمْنَةً والتفتْ َيسْرَةً ‪ ،‬هل ترى غل مصابا أو متحنا ؟ وكما قيل ‪ :‬ف كلّ وادٍ بنو‬
‫سعدٍ‪.‬‬
‫‪ .3‬وأنا أسهلُ منْ غيِها‪.‬‬
‫‪ .4‬وأنا ليستْ ف ديِ ِن العبدِ ‪ ،‬وإنا ف دنياه‪.‬‬
‫‪ .5‬وأنّ العبودية ف التسليم عند الكارهِ أعظمُ منها أحيانا ف الحابّ‪.‬‬
‫‪ .6‬وأنه ل حيلة ‪:‬‬
‫إنا اليلةُ ف تَرْكِ اليَلْ‬
‫فاتركِ اليلة ف تويِلها‬
‫‪ .7‬وأنّ البة لِ ربّ العالي ‪َ ﴿ :‬و َعسَى أَن تَ ْكرَهُواْ شَيْئا وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ‬
‫*******************************‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تتقمص شخصية غيِك‬
‫﴿ وَلِكُلّ وِ ْج َهةٌ هُوَ مُوَلّيهَا فَاسْتَِبقُواْ اْلخَ ْيرَاتِ ﴾ ﴿ وَهُوَ اّلذِي َجعَلَكُمْ َخلَئِفَ الَ ْرضِ َورَفَعَ‬

‫شرََبهُمْ‬
‫َبعْضَ ُكمْ فَ ْوقَ َبعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ ﴿ َقدْ عَ ِلمَ كُلّ أُنَاسٍ مّ ْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪80‬‬

‫الناسُ مواهبُ وقدراتٌ وطاقاتٌ وصنعاتٌ ‪ ،‬ومن عظم ِة رسولِنا أنه وظّف أصحابه حسب‬
‫قُدراتِهمْ واستعداداتِهم ‪ ،‬فعليّ للقضاءِ ‪ ،‬ومعاذٌ للعِ ْلمِ ‪ ،‬وُأبّ للقرآنِ ‪ ،‬وزيدٌ للفرائضِ ‪ ،‬وخالد‬
‫للجهادِ ‪ ،‬وحسّانُ للشعِر ‪ ،‬وقيسُ ب ُن ثابتٍ للخطابةِ‪.‬‬
‫ُمضِرّ كوضعِ السيفِ ف موضعِ الندى‬
‫فوضْ ُع الندى ف موضعِ السيف بالعُل‬
‫جهِزٌ‪.‬‬
‫الذوبانُ ف الغ ِي انتحا ٌر تقمّصُ صفاتِ الخرين قتلٌ ُم ْ‬
‫ت الِ عزّ وجلّ ‪ :‬اختلفُ صفاتِ الناسِ ومواهبِهمْ ‪ ،‬واختلفِ ألسنتِهمْ وألوانِهمْ ‪،‬‬
‫ومنْ آيا ِ‬
‫فأبو بكر برحِتهِ ورفقِ ِه نفعَ المةَ واللّة ‪ ،‬وعم ُر بشدّتِهِ وصلبتِهِ نصر السلمَ وأهله ‪ ،‬فالرضا‬
‫با عندك من عطاءٍ موهبةٌ ‪ ،‬فاستثمرها ونّها وقدّمها وانفع با ‪ ﴿ ،‬لَ يُكَلّفُ ال ّلهُ َنفْسا إِلّ‬

‫وُ ْس َعهَا ﴾ ‪.‬‬
‫إنّ التقليد العمى والنصهار السرف ف شخصياتِ الخرين وأدٌ للموهبةِ ‪ ،‬وقَتْلٌ للرادةِ‬
‫وإلغا ٌء متعمّ ٌد التميّزِ والتفرّدِ القصودِ من الليقةِ‪.‬‬
‫**********************************‬

‫عـزّ العزلةِ‬
‫وأقصدُ با العزلة عن الشرّ وفضولِ الباحِ ‪ ،‬وهي مّا يشرحُ الاطر ويُذهبُ الزن‪.‬‬
‫قال ابن تيمية ‪ :‬ل لبدّ للعبدِ من عزلةٍ لعبادتِه وذكرِه وتلوتِه ‪ ،‬وماسبتِه لنفسِه ‪ ،‬ودعائِه‬
‫واستغفارِه ‪ ،‬وبُعدِه عن الشرّ ‪ ،‬ونوِ ذلك‪.‬‬
‫ولقد عقد ابنُ الوزي ثلثة فصولٍ ف ( صيْدِ الاطرِ ) ‪ ،‬ملخّصها أنه قال ‪ :‬ما سعتُ ول‬
‫رأيتُ كالعزلة ‪ ،‬راحةً وعزّا وشرفا ‪ ،‬وبُعدا عن السوءِ وعن الشرّ ‪ ،‬وصوْنا للجاهِ والوقتِ ‪،‬‬
‫وحِفظا للعمرِ ‪ ،‬وبعدا عن السّادِ والثقل ِء والشامتي ‪ ،‬وتفكّرا ف الخرةِ ‪ ،‬واستعدادا للقاءِ‬
‫الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬واغتناما ف الطاعةِ ‪ ،‬وجولن الفكر فيما ينفعُ ‪ ،‬وإخراج كنوزِ الِ َكمِ ‪،‬‬
‫والستنباط من النصوصِ‪.‬‬
‫ونو ذلك من كلمِهِ ذكرهُ ف العزلةِ هذا معناه بتصرّف‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪81‬‬

‫وف العزلةِ استثمارُ العقلِ ‪ ،‬وقطْفُ جَنَى الفكرِ ‪ ،‬وراح ُة القلبِ ‪ ،‬وسلمةُ العرْض ‪ ،‬وموفورُ‬
‫الجرِ ‪ ،‬والنهيُ عن النكر ‪ ،‬واغتنامُ النفاسِ ف الطاعةِ ‪ ،‬وتذكّرُ الرحيمِ ‪ ،‬وهجرُ اللهياتِ‬
‫والشغلتِ ‪ ،‬والفرارُ من الفتِ ‪ ،‬والبعدُ عن مدارا ِة العدوّ ‪ ،‬وشات ِة الاقدِ ‪ ،‬ونظراتِ الاسدِ ‪،‬‬
‫وماطلةِ الثقيلِ ‪ ،‬والعتذارِ على العاِتبِ ‪ ،‬ومطالبةِ القوقِ ‪ ،‬ومداجاةِ التكبّرِ ‪ ،‬والصبِ على‬
‫الحقِ‪.‬‬
‫وف العزلةِ سَتْرٌ للعوراتِ ‪ :‬عوراتِ اللسانِ ‪ ،‬وعثراتِ الركاتِ ‪ ،‬وفلتاتِ الذهنِ ‪ ،‬ورعونةِ‬
‫النفسِ‪.‬‬
‫فالعزلةُ حجابٌ لوجهِ الحاسنِ ‪ ،‬وصدَفٌ ل ُدرّ الفضلِ ‪ ،‬وأكمامٌ لطلْع الناقبِ ‪ ،‬وما أحسن‬
‫العزلةَ مع الكتابِ ‪ ،‬وفرةً للعمرِ ‪ ،‬وفسحةً للجلِ ‪ ،‬وببوحةً ف اللوةِ ‪ ،‬وسفرا ف طاعةِ ‪،‬‬
‫وسياحةً ف تأمّلٍ‪.‬‬
‫وف العزلةِ ترصُ على العان ‪ ،‬وتوزُ على اللطائفِ ‪ ،‬وتتأم ُل ف القاصدِ ‪ ،‬وتبن صرح‬
‫الرأيِ ‪ ،‬وتشيدُ هيْكلَ العقلِ‪.‬‬
‫والروحُ ف العزلةِ ف جَذلٍ ‪ ،‬والقلبُ ف فَ َرحٍ اكبَ ‪ ،‬والاطرُ ف اصطيادِ الفوائدِ‪.‬‬
‫ول تٌرائي ف العزلةِ ‪ :‬لنهُ ل يراك إل الُ ‪ ،‬ول تُسمعِ بكلمِك بشرا فل يسمعك إل السميعُ‬
‫البصيُ‪.‬‬
‫كلّ اللمعي والنافعي ‪ ،‬والعباقرِة والهابذةِ وأساطي الزمنِ ‪ ،‬وروّادِ التاريخِ ‪ ،‬وشُداةِ‬
‫الفضائلِ ‪ ،‬وعيونِ الدهرِ ‪ ،‬وكواكبِ الحافلِ ‪ ،‬كلّهم سَ َقوْا غَرْسَ نُبْلهم من ما ِء العزلةِ حت‬
‫استوى على سُوقِهِ ‪ ،‬فنبتتْ شجرةُ عظمتِهم ‪ ،‬فآتتْ ُأكُلَها كلّ حيٍ بإذ ِن ربّها‪.‬‬
‫قال عليّ عبدِالعزيز الُرْجانّ ‪:‬‬
‫رأوا رجلً عن موقفِ الذّلّ أ ْحجَما‬
‫يقولون ل فيك انقباضُ وإنا‬
‫ولكنّ نفس الُرّ تتملُ الظّما‬
‫ت قدْ َأرَى‬
‫إذا قيلَ هذا مور ٌد قل ُ‬
‫بدا طم ٌع صيّرتُهُ لِيَ سُلّما‬
‫ول أقضِ ح ّق العلمِ إن كنتُ كلّما‬
‫إذن فاتّباعُ اله ِل قدْ كان أحزما‬
‫أأشقى به َغرْسا وأجنيهِ ذلّةً‬

‫ل تحزن‬
‫‪82‬‬

‫ولو أنّ أهل العل ِم صانوه صانمْ‬
‫ولكنْ أهانُوهُ فهانوا ودنّسوا‬
‫وقال أحدُ بنُ خليلٍ النبليّ ‪:‬‬
‫مَنْ أراد العزّ والرا‬
‫ليكُنْ فردا من النا‬
‫كيف يصفو لمرئٍ ما‬
‫بي غمزٍ مِنْ ختولٍ‬
‫ومداراةِ حسودٍ‬
‫آهِ منْ معرف ِة النا‬
‫وقال القاضي عليّ بن عبدالعزيزِ الرجانّي ‪:‬‬
‫ما تطعّمتُ لذةَ العيشِ حتّى‬
‫ليس شيءٌ أعزّ من العلـ‬
‫إنّما الذّل ف مالط ِة النا‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫ستُ بوحدت ولزِمتُ بيت‬
‫أِن ْ‬
‫وقاطعتُ النامَ فما أبال‬
‫وقال الميدي الحدّث ‪:‬‬
‫لقاءُ الناسِ ليس يُفيدُ شيئا‬
‫فأقْلِلْ منْ لقاءِ الناسِ إلّ‬
‫وقال اب ُن فارس ‪:‬‬
‫وقالوا كيف حالُك قلتُ خيا‬
‫إذا ازدحتْ هومُ الصد ِر قُلْنا‬
‫نديي هِرّت وأنيسُ نفسي‬

‫ولو عظّموه ف النفوسِ لَعُظّما‬
‫ُمحَيّاهُ بالطماعِ حت تجّما‬
‫حةَ مِن همّ طوي ِل‬
‫سِ ويرضى بالقليلِ‬
‫عاش مِنْ عيشٍ وبِيلِ‬
‫ومداجاةِ ثقيل ِ‬
‫ومعاناةِ بيلِ‬
‫سِ على كلّ سبيلِ‬
‫صرتُ للبيتِ والكتابِ جليسا‬
‫ـم فما أبتغي سواهُ أنيسا‬
‫س فد ْعهُم وعِشْ عزيزا رئيسا‬
‫ِ‬
‫فدام لِي النا وَنمَا السرو ُر‬
‫ب الميُ‬
‫أسارَ اليشُ أم ركِ َ‬
‫سوى الكثارِ منْ قيلٍ وقا ِل‬
‫لكسبِ العلمِ أو إصلحِ حالِ‬
‫تًقضّى حاجةٌ وتفوتُ حا ُ‬
‫ج‬
‫عسى يوما يكونُ لهُ انفراجُ‬
‫دفاترُ ل ومعشوقي السراجُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪83‬‬

‫ب العزلة فهي عِزّ لهُ‪ .‬ولك أن تراجع كتاب (( العزلةِ)) للخطّاب‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬كلّ من أح ّ‬
‫**********************************‬

‫فوائد الشدائد‬
‫جبَ ‪ ،‬وتنسفُ الكِبْرَ ‪ ،‬وهي ذوبانٌ‬
‫فإنّ الشدائد تقوّي القلب ‪ ،‬وتحو الذنب ‪ ،‬وتقصِ ُم العُ ْ‬
‫للغفلةِ ‪ ،‬وإشعا ٌل للتذكّرِ ‪ ،‬وج ْلبُ عطفِ الخلوقي ‪ ،‬ودعاءٌ من الصالي ‪ ،‬وخضوعٌ‬
‫للجبوتِ ‪ ،‬واستسلمٌ للواحد القهارِ ‪ ،‬وزجْرٌ حاضرٌ ‪ ،‬ونذيرٌ مقدمٌ ‪ ،‬وإحياءٌ للذكرِ ‪،‬‬
‫وتضرّع بالصبِ ‪ ،‬واحتسابٌ للغصصِ ‪ ،‬وتيئ ٌة للقدومِ على الول ‪ ،‬وإزعاجٌ عن الركونِ على‬
‫الدنيا والرضا با والطمئنان إليها ‪ ،‬وما خفي من اللطفِ أعظمُ ‪ ،‬وما سُتِرَ من الذنبِ أكبُ ‪،‬‬
‫وما عُفي من الطأ أجلّ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫وقفـةٌ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزن يضعفُك ف العبادةِ ‪ ،‬ويعطّلك عن الهادِ ‪ ،‬ويُورثُك الحباط ‪ ،‬ويدعوك‬
‫إل سوء الظنّ ‪ ،‬ويُوقعُك ف التشاؤمِ‪.‬‬

‫ض النفسيةِ ‪ ،‬ومصدرُ الل ِم العصيبةِ ‪ ،‬وماد ُة النيارِ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬فإنّ الزن والقلق أساسُ المرا ِ‬
‫س والضطرابِ‪.‬‬
‫والوسوا ِ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬ومعك القرآنُ ‪ ،‬والذكرُ ‪ ،‬والدعاءُ ‪ ،‬والصلةُ ‪ ،‬والصدقةُ ‪ ،‬وفعْلُ العروفِ ‪،‬‬
‫والعملُ النافعُ الثمِرُ‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬ول تستسلمْ للحزن عن طريقِ الفراغِ والعطالةِ ‪ ،‬صلّ‪ ..‬سبّحْ اقرأْ‪ ..‬اكتبْ‪..‬‬

‫اعملْ‪ ..‬استقبلْ‪ُ ..‬زرْ‪ ..‬تأمّلْ‪.‬‬
‫ضرّعا وَ ُخفَْيةً إِّنهُ لَ ُيحِبّ اْل ُمعَْتدِينَ ﴾ ﴿فَا ْدعُوا‬
‫﴿ ا ْدعُونِي أَسَْتجِبْ لَ ُكمْ ﴾ ﴿ ادْعُواْ رَبّ ُكمْ َت َ‬

‫صيَ َلهُ الدّينَ ﴾ ﴿ قُلِ ا ْدعُواْ ال ّلهَ أَوِ ا ْدعُواْ الرّحْمَـنَ أَيّا مّا َت ْدعُواْ فَ َلهُ الَسْمَاء‬
‫ال ّلهَ ُمخْلِ ِ‬
‫حسْنَى‬
‫اْل ُ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪84‬‬

‫*******************************‬

‫قواعد ف السعادة‬
‫‪.1‬اعلمْ أنك إذا ل ت ِعشْ ف حدودِ يومِك تشتّت ذهنُك ‪ ،‬واضطربتْ عليك أمورُك ‪،‬‬
‫وكثرتْ هومُك وغمومُك ‪ ،‬وهذا معن ‪ (( :‬إذا أصبحت فل تنتظرِ الساء ‪ ،‬وإذا‬

‫أمسيت فل تنتظرِ الصباح ))‪.‬‬

‫‪.2‬انْس الاضي با فيه ‪ ،‬فالهتمامُ با مضى وانتهى ُحمْقٌ وجنونٌ‪.‬‬
‫‪.3‬ل تشتغلْ بالستقبلِ ‪ ،‬فهو ف عالِ الغيبِ ‪ ،‬ودعِ التفكرَ فيه حت يأت‪.‬‬
‫‪.4‬ل تتزّ من النقدِ ‪ ،‬واثبتْ ‪ ،‬واعلمْ أنّ النقد يساوي قيمَتَكَ‪.‬‬
‫‪.5‬اليا ُن بالِ ‪ ،‬والعملُ الصالُ هو الياةُ الطيبةُ السعيدةُ‪.‬‬
‫‪.6‬من أراد الطمئنان والدوء والراحةَ ‪ ،‬فعليه بذك ِر الِ تعال‪.‬‬
‫‪.7‬على العبدِ أن يعلم أنّ شيءٍ بقضاء وقدرٍ‪.‬‬
‫‪.8‬ل تنتظرْ شكرا من أحدٍ‪.‬‬
‫‪.9‬وطَِنْ نفسك على تلقّي أسوأ الفروضِ‪.‬‬
‫‪.10‬لع ّل فيما حصل خيا لك‪.‬‬
‫‪.11‬كلّ قضاءٍ للمسلمِ خيٌ له‪.‬‬
‫‪.12‬فكّرْ ف النعمِ واشكرْ‪.‬‬
‫‪.13‬أنت با عندك فوق كثيٍ من الناسِ‪.‬‬
‫‪.14‬من ساعةٍ إل ساع ٍة فَ َرجٌ‪.‬‬
‫‪.15‬بالبلءِ ُيسَْتخْ َرجُ الدعاءُ‪.‬‬
‫‪.16‬الصائبُ مراهمُ للبصائرِ وقوّةٌ للقلبِ‪.‬‬
‫‪.17‬إ ّن مع ال ُعسْرِ ُيسْرا‪.‬‬
‫‪.18‬ل تقضِ عليك التوافِهُ‪.‬‬
‫‪.19‬إن رّبك واسعُ الغفرةِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪85‬‬

‫‪.20‬ل تغضبْ ‪ ،‬ل تغضبْ ‪ ،‬ل تغضبْ‪.‬‬
‫‪.21‬الياةُ خبزٌ وماءٌ وظلّ ‪ ،‬فل تكترثْ بغي ذلك‪.‬‬
‫سمَاء ِرزْقُ ُكمْ َومَا تُو َعدُونَ ﴾‪.‬‬
‫‪ ﴿.22‬وَفِي ال ّ‬
‫‪.23‬أكثر ما يٌخافْ ل يكونُ‪.‬‬
‫‪.24‬لك ف الصابي أُسوةٌ‪.‬‬
‫ب قوما ابتل ُهمْ‪.‬‬
‫‪.25‬إنّ ال إذا أح ّ‬
‫‪.26‬كَ ّررْ أدعيةَ الكَرْبِ‪.‬‬
‫‪.27‬عليك بالعملِ الادّ الثمرِ ‪ ،‬واهجرِ الفراغ‪.‬‬
‫‪.28‬اتركِ الراجيف ‪ ،‬ول تصدقْ الشائعاتِ‪.‬‬
‫صمُ‪.‬‬
‫صحّتِكَ أكثر ما َيضُرّ ال ّ‬
‫‪.29‬حقدُكَ وحرصُك على النتقامِ يضُرّ ب ِ‬
‫‪.30‬كلّ ما يصيبك فهو كفّارةٌ للذنوبِ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫ولِم الزنُ وعندك ستّةُ أخلطٍ ؟‬
‫ذكر صاحبُ ( الفرجِ بعد الشدةِ ) ‪ :‬أنّ احدَ الكماءِ ابتُليَ بصيبةٍ ‪ ،‬فدخلَ عليه إخوانُه‬
‫يعزّونَهُ ف الصابِ ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن عملتُ دواءً من ستةِ أخلطٍ‪ .‬قالوا ‪ :‬ما هي ؟ قال ‪ :‬اللطُ‬
‫الولُ ‪ :‬الثق ُة بالِ‪ .‬والثان ‪ :‬علمي بأنّ كلّ مقدور كائنٌ‪ .‬والثالثُ ‪ :‬الصبُ خيٌ ما استعملهُ‬
‫المتحنُون‪ .‬والرابعُ ‪ :‬إنْ ل أصبْ أنا فأيّ شيء أعمل ؟! ول أكنْ أُعي على نفسي بالزع‪.‬‬
‫والامسُ ‪ :‬قد يكنُ أن أكون ف شرّ ما أنا فيه‪ .‬والسادسُ ‪ :‬من ساعةٍ إل ساع ٍة فَ َرجٌ‪.‬‬
‫**********************************‬

‫ح َزنْ إذا واجهتْكَ الصعابُ وداهتْك الشاكلُ واعترضتك العوائق‬
‫ل َت ْ‬
‫‪ ،‬واصب وتمّلُ‬

‫إنْ كانَ عندك يا زمانُ بقيّةٌ‬

‫ما تُهيُ بهِ الكرامَ فهاتِها‬

‫ل تحزن‬
‫‪86‬‬

‫إ ّن الصب أرفقُ من الزعِ ‪ ،‬وإ ّن التحمل أشرفُ من الورِ ‪ ،‬وإن الذي ل يصبُ اختيارا سوف‬
‫يصبُ اضطرارا‪.‬‬
‫وقال التنب ‪:‬‬
‫فؤادي ف غشاءٍ من نبالِ‬
‫رمان الده ُر بالرزاءِ حت‬
‫تكسّرتِ النصالُ على النصالِ‬
‫فصرتُ إذا أصابتن سهامٌ‬
‫لن ما انتفعتُ بأنْ أُبال‬
‫فعشتُ ول أُبال بالرزايا‬
‫وقال أبو الظفر البيوردي ‪:‬‬
‫تنكّرَ ل دهري ول يدرِ أنن‬
‫فبات يُرين الدهرُ كيف اعتداؤُهُ‬

‫أَعِ ّز وأحداثُ الزمانِ تُو ُن‬
‫وِبتّ أُري ِه الصب كيف يكونُ‬

‫إن الكوخ الشبّ ‪ ،‬وخيمةَ الشّعْرِ ‪ ،‬وخبز الشعيِ ‪ ،‬أعزّ وأشرفُ – مع حفظِ ماءِ الوجهِ‬
‫ض وصوْنَ النفسِ – من َقصْرٍ منيفٍ وحديقةٍ غنّا َء مع التعكيِ وال َكدَرِ‪.‬‬
‫وكرام ِة العِرْ ِ‬
‫الحنةُ كالرض ‪ ،‬لبدّ له من زمن حت يزول ‪ ،‬ومن استعجل ف زوالهِ أوشك أن يتضاعف‬
‫ويستفحل ‪ ،‬فكذلك الصيبةُ وا ِلحْنَ ُة لبدّ لا من وقتٍ ‪ ،‬حت تزول آثارُها ‪ ،‬وواجبُ البتلي ‪:‬‬
‫الصبُ وانتظارُ الفرجِ ومداومةُ الدّعاءِ‪.‬‬
‫*******************************‬

‫وقفـــة‬
‫﴿ وَلَ تَيْأَسُواْ مِن رّوْحِ ال ّلهِ إِّنهُ لَ يَ ْيأَسُ مِن رّوْحِ ال ّلهِ إِلّ اْلقَوْمُ الْكَا ِفرُونَ ﴾‪َ ﴿ .‬ومَن َيقَْنطُ‬
‫حسِنِيَ ﴾‪ ﴿ .‬لَا َتدْرِي َلعَلّ‬
‫مِن رّ ْحمَةِ رَّبهِ إِلّ الضّآلّونَ ﴾‪ ﴿ .‬إِنّ رَ ْحمَتَ ال ّلهِ َقرِيبٌ ّمنَ اْل ُم ْ‬

‫حدِثُ َب ْعدَ ذَلِكَ َأمْرا ﴾‪َ ﴿ .‬و َعسَى أَن تَ ْكرَهُواْ شَيْئا وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ َو َعسَى أَن ُتحِبّواْ‬
‫ال ّلهَ ُي ْ‬

‫شَيْئا َوهُوَ َشرّ لّ ُكمْ وَال ّلهُ َيعْ َلمُ وَأَنُتمْ لَ َتعْ َلمُونَ ﴾‪ ﴿ .‬ال ّلهُ لَطِيفٌ ِبعِبَادِهِ ﴾‪َ ﴿ .‬ورَ ْحمَتِي‬

‫حزَنْ إِنّ ال ّلهَ َمعَنَا ﴾‪ِ ﴿ .‬إذْ َتسْتَغِيثُونَ رَبّ ُكمْ فَاسَْتجَابَ لَ ُكمْ‬
‫وَ ِسعَتْ كُلّ شَيْءٍ ﴾‪ ﴿ .‬لَ َت ْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪87‬‬

‫شرُ رَ ْحمََتهُ ﴾‪﴿ .‬وََي ْدعُونَنَا َرغَبا وَرَهَبا‬
‫﴿ وَهُوَ اّلذِي يَُنزّلُ اْلغَيْثَ مِن َب ْعدِ مَا قََنطُوا وَيَن ُ‬

‫وَكَانُوا لَنَا‬

‫ش ِعيَ ﴾‪.‬‬
‫خَا ِ‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫إذا ل ترض منها بالزاجِ‬
‫مت تصفُو لك الدنيا بيٍ‬
‫ومرجهُ من البح ِر الُجاجِ‬
‫أل تر جوهر الدنيا الصفّى‬
‫جرتْ بسرّةٍ لك وابتهاجِ‬
‫ورُبّ مُخيفةٍ فجأتْ بِهوْلٍ‬
‫وربّ إقامةٍ بَ ْعدَ اعوِجاجِ‬
‫ورُبّ سلمةٍ بَعْدَ امتناعٍ‬
‫*************************************‬

‫ي جليسٍ ف النا ِم كتابُ‬
‫وخ ُ‬
‫إنّ من أسباب السعادة ‪ :‬النقطاع إل مطالعة الكتاب ‪ ،‬والهتمام بالقراءة ‪ ،‬وتنمية العقلِ‬
‫بالفوائدِ‪.‬‬
‫والاحظ يُوصِك بالكتاب والطالعة ‪ ،‬لتطرد الزن عنك فيقول ‪:‬‬
‫والكتاب هو الليسُ الذي ل يُطرِيك ‪ ،‬والصديقُ الذي ل يُغرِيك ‪ ،‬والرفيقُ الذي ل َيمَلّك ‪،‬‬
‫والستمي ُح الذي ل يستريثك ‪ ،‬والارُ الذي ل يستبطيك ‪ ،‬والصاحب الذي ل يريد استخراج‬
‫ما عندك باللقِ ‪ ،‬ول يعاملُك بالكْر ‪ ،‬ول يدعُك بالنفاق ‪ ،‬ول يتالُ لك بالكذِبِ‪.‬‬
‫والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك ‪ ،‬وشحذ طباعك ‪ ،‬وبسط لسانك ‪ ،‬وجوّ‬
‫بنانك ‪ ،‬وفخّم ألفاظك ‪ ،‬وببح نفسك ‪ ،‬وعمّ َر صدرك ‪ ،‬ومنحك تعظيم العوامّ ‪ ،‬وصداقة‬
‫اللوك ‪ ،‬وعرفت به شهرٍ ما ل تعرفه من أفواهِ الرجال ف دهْرٍ ‪ ،‬مع السلمة من الغُرْمِ ‪ ،‬ومن‬
‫كدّ الطلب ‪ ،‬ومن الوقوفِ ببابِ الكتسب بالتعليم ‪ ،‬ومن اللوس بي يدي مَن أنت أفضلُ‬
‫منه خُلُقاُ ‪ ،‬وأكرمُ منه عِرقا ‪ ،‬ومع السلمة من مالسة البغضاء ‪ ،‬ومقارنة الغنياء‪.‬‬
‫والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار ‪ ،‬ويطيعك ف السفر كطاعته ف الضَرِ ‪،‬‬
‫ول يعتلّ بنومٍ ‪ ،‬ول يعتريهِ كَلَلُ السهرِ ‪ ،‬وهو العّلمُ الذي إن افتقرت إليه ل يْفِرْك ‪ ،‬وإن‬

‫ل تحزن‬
‫‪88‬‬

‫قطعت عنه الادة ل يقطعْ عنك الفائِدةَ ‪ ،‬وإن عزلته ل يدعْ طاعتك ‪ ،‬وإن هبّت ريحُ أعاديك‬
‫ل ينقلبْ عليك ‪ ،‬ومت كنت معه متعلّقا بسبب أو معتصما بأدن حبْل كان لك فيه غنً من‬
‫غيه ‪ ،‬ول تضرّك معه وحشةُ الوحدة إل جليسِ السوءِ ‪ ،‬ولو ل يكن من فضله عليك‬
‫وإحسانه إليك إلّ منْعُه لك من اللوس على بابِك ‪ ،‬والنظرُ إل الارة بك‪ .‬مع ما ف ذلك من‬
‫التعرّض للحقوق الت تلزم ‪ ،‬ومن فضولِ النظرِ ‪ ،‬ومن عادةِ ال ْوضِ فيما ل يعنيك ‪ ،‬ومن‬
‫ملبس ِة صغارِ الناسِ ‪ ،‬وحضورِ ألفاظهم الساقطة ‪ ،‬ومعانيهم الفاسدة ‪ ،‬وأخلقِهم الرديئة ‪،‬‬
‫وجهالتم الذمومة‪ .‬لكان ف ذلك السلمةُ ث الغنيمةُ ‪ ،‬وإحرازُ الصل مع استفادةِ الفرْعِ ‪،‬‬
‫ولو ل يكن ف ذلك إل أنه يشغلك عن سخف الُن ‪ ،‬وعن اعتياد الراحةِ وعن اللّعبِ ‪ ،‬وكل‬
‫ما أشبه اللعب ‪ ،‬لقد كان على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم الِنّةَ‪.‬‬
‫وقد علمنا أن أفضل ما يقطع به الفُرّاغُ نارهم ‪ ،‬وأصحاب الفكاهات ساعاتِ ليلهم ‪:‬‬
‫الكتابُ ‪ ،‬وهو الشيء الذي ل يُرى لم فيه مع النيل أثر ف ازدياد تربة ول عقل ول مروءة ‪،‬‬
‫ول ف صوْن عِرض ‪ ،‬ول ف إصلح دينٍ ‪ ،‬ول ف تثمي مال ‪ ،‬ول ف رب صنيعةٍ ول ف‬
‫ابتداءِ إنعامٍ‪.‬‬
‫* أقوالٌ ف فضل الكتاب ‪:‬‬
‫وقال أبو عبيدة ‪ :‬قال الهلّب لبنيه ف وصيته ‪ :‬يا بَنِيّ ‪ ،‬ل تقوموا ف السواق إل على زرّاد أو‬
‫ورّاق‪.‬‬
‫وحدّثن صديق ل قال ‪ :‬قرأتُ على شيخ شامي كتابا فيه من مآثرِ غطفان ‪ ،‬فقال ‪ :‬ذهبتِ‬
‫ت ول بتُ‬
‫الكارم إل من الكتب‪ .‬وسعتُ السن اللؤلؤي يقول‪ :‬غبتُ أربعي عاما ما قِل ُ‬
‫ول اتكأتُ ‪ ،‬إل والكتاب موضوع على صدري‪.‬‬
‫وقال ابن الهم ‪ :‬إذا غشين النعاس ف غي وقت نوم‪ .‬وبئس الشيء النوم الفاضل عن الاجة‪.‬‬
‫ت كتابا من كتب الِكم ‪ ،‬فأجدُ اهتزازي للفوائد ‪ ،‬والريية الت تعترين عند الظفر‬
‫تناول ُ‬
‫ببعض الاجة ‪ ،‬والذي يغشى قلب من سرور الستبانة ‪ ،‬وعزّ التبي أشدّ إيقاظا من نيقِ‬
‫الميِ ‪ ،‬وهدّ ِة الَدْمِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪89‬‬

‫وقال ابنُ الهم ‪ :‬إذا استحسنتُ الكتاب واستجدتُه ‪ ،‬ورجوتُ منه الفائدة ‪ ،‬ورأيتُ ذلك فيه‬
‫‪ ،‬فلو تران وأنا ساعة بعد ساعة أنظرُ كم بقي من ورقة مافة استنفاده ‪ ،‬وانقطاع الادة من‬
‫ق كثي العددِ فقد تّ عيشي وكمل سروري‪.‬‬
‫قلبه ‪ ،‬وإن كان الصحفُ عظيم الجمِ كثي الور ِ‬
‫وذكر العتب كتابا لبعض القدماء فقال ‪ :‬لول طولُه وكثر ُة ورقِهِ لنسختُه‪ .‬فقال ابن الهم ‪:‬‬
‫ط كتابا كبيا فأخلن من فائدة ‪ ،‬وما‬
‫لكن ما رغّبن فيه إل الذي زهّدك فيه ‪ ،‬وما قرأتُ ق ّ‬
‫أحصي كم قرأتُ من صغار الكتب فخرجتُ منها كما دخلتُ !‪.‬‬
‫صدْرِكَ َحرَجٌ مّ ْنهُ لِتُنذِرَ‬
‫وأجلّ الكتب وأشرفها وأرفعها ‪ ﴿ :‬كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَ ْيكَ َفلَ يَكُن فِي َ‬

‫ِبهِ‬

‫كرَى لِ ْلمُ ْؤمِِنيَ ﴾ ‪.‬‬
‫َوذِ ْ‬

‫* فوائد القراءة والطالعة ‪:‬‬
‫‪.1‬طردً الوسواسِ والمّ والزنِ‪.‬‬
‫ب الوضِ ف الباطلِ‪.‬‬
‫‪.2‬اجتنا ُ‬
‫‪.3‬الشتغالُ عن البطّالي وأهلِ العطالةِ‪.‬‬
‫‪.4‬فتْقُ اللسان وتدريبٌ على الكلم‪ ،‬والبعدُ عن الّلحْنِ‪ ،‬والتحلّي بالبلغ ِة والفصاحةِ‪.‬‬
‫‪.5‬تنمي ُة العَقْلِ ‪ ،‬وتويدُ الذّهْنِ ‪ ،‬وتصفيةُ الاطِرِ‪.‬‬
‫‪.6‬غزار ُة العلمِ ‪ ،‬وكثرةُ الحفوظِ والفهومِ‪.‬‬
‫‪.7‬الستفادةُ من تاربِ الناسِ وحكمِ الكماءِ واستنباطِ العلماءِ‪.‬‬
‫‪.8‬إيادُ الَلَكَ ِة الاضمةِ للعلومِ ‪ ،‬والطالعةُ على الثقافات الواعية لدورها ف الياة‪.‬‬
‫‪.9‬زيادةُ اليانِ خاصّةً ف قراءة كتبِ أهلِ السلمِ ‪ ،‬فإن الكتاب من أعظم الوعّاظ ‪،‬‬
‫ومن أجلّ الزاجرين ‪ ،‬ومن أكب الناهي ‪ ،‬ومن أحكمِ المرين‪.‬‬
‫‪.10‬راحةٌ للذّهن من التشّتتِ ‪ ،‬وللقلب من التشرذُمِ ‪ ،‬وللوقتِ من الضياعِ‪.‬‬
‫‪.11‬الرسوخُ ف َف ْهمِ الكلمةِ ‪ ،‬وصياغةِ الادةِ ‪ ،‬ومقصو ِد العبارةِ ‪ ،‬ومدلولِ الملةِ ‪،‬‬
‫ومعرفةِ أسرارِ الكمةِ‪.‬‬
‫وليس بأنْ طعمت ول شربتا‬
‫ح أرواحُ العان‬
‫فروحُ الرو ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪90‬‬

‫***********************************‬

‫وقفــة‬
‫مرض أبو بك ٍر رضي ال عنه فعادوه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أل ندعو لك الطبيب ؟ فقال ‪ :‬قد رآن‬
‫الطبيب‪ .‬قالوا ‪ :‬فأيّ شيء قال لك ؟ قال ‪ :‬إن فعّالٌ لا أريدُ‪.‬‬
‫قال عمرُ بنُ الطابِ رضي ال عنه ‪ :‬وجدنا خَيْرَ عيشنِا بالصبِ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬أفضلُ عيشٍ أدركناه بالصب ‪ ،‬ولو أ ّن الصب كان من الرجالِ كان كريا‪.‬‬
‫وقال عليّ بن أب طالب رضي ال عنه ‪ :‬أل إن الصّبْرَ من اليان بنلة الرأسِ من السدِ ‪ ،‬فإذا‬
‫قُطع الرأسُ بار السمُ ‪ ،‬ث رََفعَ صوتَه فقال ‪ :‬إنه ل إيان لن ل صَبْرَ له‪ .‬وقال ‪ :‬الصبُ مطيّةٌ ل‬
‫تَكْبُو‪.‬‬
‫وقال السن ‪ :‬الصب كَنْزٌ من كنوزِ اليِ ‪ ،‬ل يعطيه الُ إل لعبدٍ كريٍ عنده‪.‬‬
‫وقال عمرُ بنُ عبدالعزيز ‪ :‬ما أنعم الُ على عبدٍ نعمةً ‪ ،‬فانتزعَها منه ‪ ،‬فعاضه مكانا الصب ‪،‬‬
‫إلّ كان ما عوّضه خيا ما انتزعهُ‪.‬‬
‫وقال ميمون بنُ مهران ‪ :‬ما نال أحد شيئا من ختمِ ال ِي فيما دونه إل الصب‪.‬‬
‫وقال سليمان بنُ القاسم ‪ :‬كلّ عمل يُعرف ثوابه إل الصبّ ‪ ،‬قال تعال ‪ ﴿ :‬إِّنمَا يُوَفّى‬
‫الصّاِبرُونَ أَ ْجرَهُم ِبغَيْرِ ِحسَابٍ ﴾ قال ‪ :‬كالال النهمر‪.‬‬
‫*****************************‬

‫ل تزنْ لنّ هناك مشهدا آخر وحياةً أخرى ‪ ،‬ويوما ثانيا‬
‫يمع ال فيه الوّلي والخرين ‪ ،‬وهذا يعلك تطمئنّ لعدلِ الِ ‪ ،‬فَمَنْ سُِلبَ مالُه هنا وجده‬
‫هناك ‪ ،‬ومن ظُلم هنا أُنصف هناك ‪ ،‬ومن جار هنا عُوقِب هناك !!‬
‫نُقل عن « كانت » الفيلسوف اللان أنه قال ‪ (( :‬إن مسرحيّة الياة الدنيا ل تكتملْ بَ ْعدُ ‪،‬‬
‫ولبدّ من مشهدٍ ثانٍ ؛ لننا نرى هنا ظالا ومظلوما ول ن ْد النصاف ‪ ،‬وغالبا ومغلوبا ول‬
‫ند النتقام ‪ ،‬فلبدّ إذن من عالٍ آخر يتمّ فيه العَدْلُ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪91‬‬

‫قال الشيخ علي الطنطاوي معلّقا ‪ :‬وهذا الكلم اعتراف ضمن باليوم الخر والقيامة ‪ ،‬من‬
‫هذا الجنب‪.‬‬
‫وقاضي الرضِ أجحف ف القضاءِ‬
‫إذا جارَ الوزيرُ وكاتبِاهُ‬
‫لقاضي الرضِ من قاضي السماءِ‬

‫َفوَيْلٌ ث وَيْلٌ ُثمّ وْيلٌ‬
‫حسَابِ ﴾‪.‬‬
‫اْل ِ‬

‫﴿ لَا ظُ ْلمَ الَْيوْمَ إِنّ ال ّلهَ َسرِيعُ‬
‫*********************************‬

‫ب القومِ‬
‫أقوالٌ عاليةٌ ونُقولتٌ من تار ِ‬
‫كتب « روبرت لويس ستيفنسون » ‪ (( :‬فكل إنسان يستطيع القيام بعمله مهما كان شاقّا‬
‫ف يوم واحد ‪ ،‬وكل إنسانٍ يستطيعُ العيش بسعادة حت تغيب الشمسُ‪ .‬وهذا ما تعنيه‬
‫الياة ))‪.‬‬
‫قال أحدهم ‪ (( :‬ليس لك من حياتِك إل يومٌ واحد ‪ ،‬أمس ذهب ‪ ،‬و َغدٌ ل يأتِ ))‪.‬‬
‫كتب « ستيفن ليكوك » ‪ :‬فالطفل يقول ‪ :‬حي أصبح صبيّا ‪ ،‬والصبّ يقول ‪ :‬حي أُصبح‬
‫شابّا‪ .‬وحي أُصبح شابّا أتزوج‪ .‬ولكن ماذا بعد الزواج؟ وماذا بَ ْعدَ كل هذه الراحل؟ تتغيُ‬
‫الفكرة نو ‪ :‬حي أكون قادرا على التقاعُد‪ .‬ينظر خلفه ‪ ،‬وتلفحه رياح باردة ‪ ،‬لقد فقد‬
‫ت الوانِ أنّ الياة تقعُ‬
‫حياته الت ولّت دون أن يعيش دقيقةً واحدة منها ‪ ،‬ونن نتعلّم بعد فوا ِ‬
‫ف كل دقيقة وكلّ ساعة من يومنا الاضرِ ))‪.‬‬
‫وكذلك السوّفُون بالتوبة‪.‬‬
‫قال أحد السلف ‪ (( :‬أنذرتُكم ( سوف ) ‪ ،‬فغنها كلمةٌ كم منعت من خي وأخّرت من‬
‫صلح ))‪.‬‬
‫﴿ ذَرْ ُهمْ يَ ْأكُلُواْ وَيََتمَّتعُواْ وَيُ ْل ِه ِهمُ ا َلمَلُ َفسَوْفَ َيعْ َلمُونَ ﴾ ‪.‬‬

‫يقول الفيلسوف الفرنسي « مونتي » ‪ (( :‬كانت حيات مليئة بالظّ السيئ الذي ل يرحمْ‬
‫أبدا ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪92‬‬

‫قلتُ ‪ :‬هؤلء ل يعرفوا الكمة من خلْقهم ‪ ،‬على الرغم من ذكائهم ومعارفهم ‪ ،‬لكن ل‬
‫يهتدوا بدي ال الذي بعث به رسوله‬

‫‪َ ﴿ ،‬ومَن ّلمْ َيجْعَلِ ال ّلهُ َلهُ نُورا َفمَا َلهُ مِن‬

‫نّورٍ﴾‪ ﴿ .‬إِنّا َهدَيْنَاهُ السّبِيلَ ِإمّا شَاكِرا وَِإمّا‬

‫كفُورا ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫يقول ‪ « :‬دانسي » ‪ (( :‬فكّرْ إن هذا اليوم لن ينبثق ثانيةً ))‪.‬‬
‫قلتُ ‪ :‬وأجلُ منه وأكملُ حديث ‪ (( :‬صلّ صلةَ مو ّدعٍ ))‬
‫ومن جعل ف خلدِهِ أن هذا اليوم الذي يعيشُ فيه آخرُ أيامِهِ ‪ ،‬جدّدَ توبته ‪ ،‬وأحسن عمله ‪،‬‬
‫واجتهد ف طاعِة ربّهِ واتباعِ رسولِهِ ‪.‬‬
‫كتب الثل السرحي الندي الشهي « كاليداسا » ‪:‬‬
‫تيةً للفجر‬
‫انظرْ إل هذا النهار‬
‫لنه هو الياة ‪ ،‬حياة الياة‬
‫ف فترتِهِ ‪ ،‬تُوجد متلفُ حقائقِ وجودِك‬
‫نعمةُ الّن ُموّ‬
‫العملُ الجيدُ‬
‫وبا ُء النتصارِ‬
‫ولن المس ليس سوى حُُلمٍ‬
‫وال َغدُ ليس إل رُؤًى‬
‫لك ّن اليوم الذي تعيشه بأكمله يعل المس حُلْما جيلً‬
‫وكل غد رؤيةً للملِ‬
‫فانظر جيّدا إل هذا النهار‬
‫هذه هي تية الفجر‬
‫*********************************‬

‫اسألْ نفسك هذه السئلة‬

‫ل تحزن‬
‫‪93‬‬

‫أغلق البواب الديديّة على الاضي والستقبل ‪ ،‬وعشْ دقائقَ يومِك ‪:‬‬
‫‪.1‬هل أقصد أن أؤجّل حيات الاضرة من أجل القلقِ بشأنِ الستقبلِ ‪ ،‬أو النيِ‬
‫إل (( حديقة سحرية وراء الُفُقِ )) ؟‬
‫‪.2‬هل أجعل حاضري مريرا بالتطّلعِ إل أشياء َحدَيَثْ ف الاضي ‪َ ،‬حدَثَتْ‬
‫وانقضتْ مع مرورِ الزمنِ ؟‬
‫‪.3‬هل أستيقظُ ف الصباحِ ‪ ،‬وقد ص ّممْتُ على استغل ِل النهارِ ‪ ،‬والفادةِ القصوى‬
‫من الساعات الربعِ والعشرين القبلة ؟‬
‫‪.4‬هل أستفيد من الياة إذا ما عشتُ دقائق يومي ؟‬
‫‪.5‬مت سأبدأُ ف القيام بذلك ؟ السبوع القبل ؟‪ ..‬ف الغدِ ؟‪ ..‬أو اليومَ ؟‬
‫حدُث ؟ ث ‪:‬‬
‫‪.6‬اسألْ نفسك ‪ :‬ما اسوأُ احتمالٍ يكنُ أنْ َي ْ‬
‫ جهّزْ نفسك لقبول ِه وتمّلِهِ‪.‬‬‫‪ -‬باشْرِ بدوءٍ لتحسي ذلك الحتمالِ‪ ﴿ .‬اّلذِينَ قَالَ َل ُهمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ َقدْ َج َمعُواْ لَ ُكمْ‬

‫فَا ْخشَوْ ُهمْ َفزَادَهُمْ إِيَانا وَقَالُواْ َحسْبُنَا ال ّلهُ وَِن ْعمَ الْوَكِيلُ ﴾ ‪.‬‬
‫********************************‬

‫وقفــــة‬
‫جعَل ّلهُ َمخْرَجا{‪ }2‬وََي ْرزُ ْقهُ ِمنْ حَيْثُ لَا َيحَْتسِبُ َومَن يَتَ َوكّ ْل عَلَى ال ّلهِ‬
‫﴿ َومَن يَّتقِ ال ّلهَ َي ْ‬

‫جعَلُ ال ّلهُ َبعْ َد‬
‫َفهُوَ َحسْبُهُ ﴾‪ ﴿ .‬سََي ْ‬

‫ُعسْرٍ ُيسْرا ﴾‪.‬‬

‫سرِ ُيسْرا ))‪.‬‬
‫(( واعلم أن النصر مع الصبِ ‪ ،‬وأن الفرج مع الكرْبِ ‪ ،‬وأنّ مع العُ ْ‬

‫(( أنا عند ظنّ عبدي ب فلَْي ُظنّ ب ما شاء ))‪.‬‬
‫سمِيعُ اْلعَلِيمُ ﴾ ‪.‬‬
‫﴿ َفسَيَكْفِي َك ُهمُ ال ّلهُ وَهُوَ ال ّ‬
‫﴿ وَتَوَكّ ْل عَلَى اْلحَيّ‬

‫اّلذِي لَا َيمُوتُ ﴾‪.‬‬

‫﴿ َف َعسَى ال ّلهُ أَن يَأْتِيَ بِاْلفَ ْتحِ َأوْ َأ ْمرٍ ّم ْن عِندِهِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪94‬‬

‫﴿ لَ ْيسَ َلهَا مِن دُونِ ال ّلهِ كَا ِشفَةٌ‬
‫**************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫الزنُ يطّمُ القوّة ويهدّ السم‬
‫قال الدكتور « ألكسيس كاريل » الائز على جائزة نوبل ف الطبّ ‪ (( :‬إن رجال العمالِ‬
‫الذين ل يعرفون مابة القلقِ ‪ ،‬ويوتون باكرا ))‪.‬‬
‫قلتُ ‪ :‬كلّ شيء بقضاءٍ وقدرٍ ‪ ،‬لكن قد يكون العن ‪ :‬أن من السباب التلفة للجسم‬
‫الحطّمة للكيان ‪ ،‬هو القلقُ‪ .‬وهذا صحيح‪.‬‬
‫(( والزنُ أيضا يثيُ القُرْحة! )) ‪:‬‬
‫يقول الدكتور « جوزيف ف‪ .‬مونتاغيو » مؤلف كتاب (( مشكلة العصبية )) ‪ ،‬يقول فيه‪:‬‬
‫(( أنت ل تُصاب بالقُرْحَ ِة بسببِ ما تتناولُ من طعامٍ ‪ ،‬بل بسببِ ما يَ ْأكُلُك )) !!‪.‬‬
‫قال التنب ‪:‬‬
‫ويُشيبُ ناصية الغلمِ ويُهرِمُ‬
‫والمّ يترمُ السيم نافةً‬
‫وطبقا لجلة « ليف » تأت القُرْحَ ُة ف الدرجة العاشرةِ من المراض الفتّاكة‪.‬‬
‫لزْنِ ‪:‬‬
‫وإليك بعض آثارِ ا ُ‬
‫تُرجت ل قطعة من كتاب الدكتور إدوار بودولسكي ‪ ،‬وعنوانه ‪ (( :‬دعِ القلق وانطلق نو‬
‫الفضلِ )) إليك بعضا من عناوين فصولِ هذا الكتاب ‪:‬‬
‫•ماذا يفعلُ القلقُ بالقلبِ‪.‬‬
‫•ضغطُ الدمِ الرتفع يغذّيه القلقُ‪.‬‬
‫•القَلَقُ يكن أن يتسبب ف أمراضِ الروماتيزم‪.‬‬
‫•خفّفْ من قلقِك إكراما لعدتِك‪.‬‬
‫•كيف يكن أن يكون القلقُ سببا للبدِ‪.‬‬
‫•القلق والغدّةُ الدرقيةُ‪.‬‬
‫•مصابُ السكري والقلقُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪95‬‬

‫وف ترجة لكتاب د‪ .‬كارل مانينغر ‪ ،‬أحد الطباء التخصصي ف الطبِ النفسي ‪ ،‬وعنوانه ‪:‬‬
‫(( النسان ضدّ نفسه )) ‪ ،‬يقول ‪ (( :‬ل يعطيك الدكتور مانينغر قواعدَ حولَ كيفيةِ اجتنابِ‬
‫القلقِ ‪ ،‬بل تقريرا مذهلً عن كيف نطمُ أجسادنا وعقولنا بالقلقِ والكْبتِ ‪ ،‬والقدِ والزدراءِ‬
‫‪ ،‬والثورةِ والوْفِ ))‪.‬‬
‫إن من أعظم منافع قوله تعال ‪ ﴿ :‬وَاْلعَا ِفيَ َعنِ النّاسِ ﴾ ‪ :‬راحة القلب ‪ ،‬وهدوءَ الاطِرِ ‪،‬‬
‫وسعَةَ البالِ والسعادة‪.‬‬
‫وف مدينة « بوردو » الفرنسية ‪ ،‬يقول حاكمها الفيلسوف الفرنسي « مونتي » ‪ (( :‬أرغ ُ‬
‫ب‬
‫ف معالة مشاكلكم بيدي وليس بكبدي ورئتّ ))‪.‬‬
‫لقْدُ ؟‬
‫ماذا يفعل الزنُ ‪ ،‬والمّ وا ِ‬

‫وضع الكتور راسل سيسيل – من جامعة « كورنيل » ‪ ،‬معهد الطب – أربعة أسبابٍ شائعة‬
‫تسبب ف التهابِ الفاصلِ ‪:‬‬
‫‪.1‬انيارُ الزواجِ‪.‬‬
‫‪.2‬الكوارثُ الاديةُ والزنُ‪.‬‬
‫‪.3‬الوحد ُة والقلقُ‪.‬‬
‫‪.4‬الحتقارُ والِ ْقدُ‪.‬‬
‫وقال الدكتور وليم مالك غوينغل ‪ ،‬ف خطاب لتاد أطباء السنان المريكيي ‪ (( :‬إن‬
‫الشاعر غَيْ ِر السارّةِ مِثْل القلقِ والوفِ‪ ..‬يكن أن تؤثر ف توزيع الكالسيوم ف السم ‪،‬‬
‫وبالتال تؤدي إل تََلفِ السنانِ ))‪.‬‬
‫وتناول أمورك بدوء ‪:‬‬
‫يقول دايل كارنيجي ‪ (( :‬إن الزنوج الذين يعيشون ف جنوبِ البلدِ والصينيي نادرا ما‬
‫ب الناتةِ عن القلقِ ؛ لنم يتناولون المور بدوء ))‪.‬‬
‫يُصابون بأمراض القل ِ‬
‫ويقول ‪ (( :‬إن عدد المريكيي الذين يُقبلون على النتحار هو أكثر بكثي من الذين يوتون‬
‫نتيجة للمراض المسة الفتّاكة ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪96‬‬

‫وهذه حقيقة مذهلة تكا ُد ل تصدّقُ !‬
‫حسّنْ ظنّك بربّك ‪:‬‬
‫قال وليم جايس‪(( :‬إن ال يغفرُ لنا خطايانا‪ ،‬لكن جهازنا العصب ل يفعل ذلك أبدا))!‬
‫ذكر ابن الوزير ف كتابه «العواصم والقواصم» ‪(( :‬إن الرجاء ف رحة ال ‪ -‬عزّ وجلّ ‪-‬‬
‫يفتح المل للعبدِ‪ ،‬ويقوّيه على الطاعةِ ‪ ،‬ويعلُه نشيطا ف النوافلِ سابقا إل الياتِ))‪.‬‬
‫قلتُ ‪ :‬وهذا صحيح ‪ ،‬فإن بعض النفوس ل يصلحها إل تذكّر رحة ال وعفوه وتوبته وحلمه‬
‫‪ ،‬فتدنو منه ‪ ،‬وتتهدُ وتثابرُ‪.‬‬
‫إذا هامَ بِك اليالُ ‪:‬‬

‫يقول توماس أدسون ‪ (( :‬ل توجد وسيلةٌ يلجأُ إليها النسانُ هَرَبا من التفكي ))‪.‬‬
‫وهذا صحيح بالتجربة ‪ ،‬فإن النسان قد يقرأُ أو يكتبُ وهو يفكرُ ‪ ،‬ولكن من أحسن ما يدّ‬
‫التفكي ويضبطه العملُ الادّ الثم ُر النافعُ ‪ ،‬فإن أهل الفراغ أهلُ خيالٍ وجنوحٍ وأراجيف‪.‬‬
‫****************************‬

‫رحّبْ بالنّق ِد البنّاءِ‬
‫يقولُ أندريه مورو ‪ (( :‬إنّ كلّ ما يتفقُ مع رغباتِنا الشخصيةِ يبدو حقيقيّا ‪ ،‬وكلّ ما هو غيُ‬
‫ذلك يُثي غضبنا‪.‬‬
‫قلتْ وكذلك النصائح والنقدُ ‪ ،‬فالغالبُ أننا نبّ الدح ونَطْ َربُ لهُ ‪ ،‬ولو كان باطلً ‪ ،‬ونكرهُ‬
‫النقد والذّ ّم ولو كان حقّا وهذا عيبٌ وخطأٌ خطيٌ‪.‬‬
‫﴿ وَِإذَا دُعُوا إِلَى ال ّلهِ وَرَسُوِلهِ لَِيحْ ُكمَ بَيَْن ُهمْ ِإذَا َفرِيقٌ مّ ْنهُم ّم ْعرِضُونَ{‪ }48‬وَإِن يَكُن ّل ُهمُ‬

‫اْلحَقّ َيأْتُوا إِلَ ْيهِ‬

‫ُمذْعِِنيَ ﴾‪.‬‬

‫يقو ُل وليمُ جايس ‪ (( :‬عندما يت ّم التوصلّ إل قرارٍ يُن ّفذُ ف نفسِ اليومِ ‪ ،‬فإنك ستتخلّص كليّا‬
‫من المو ِم لبت ستسيطرُ عليك فيما أنت تفكرُ بنتائجِ الشكلةِ ‪ ،‬وهو يعن أنك إذا اتذت‬
‫ض ف تنفيذِهِ ول تتوقّف متردّدا أو قلِقاُ أو تتراجعٌ ف‬
‫قرارا حكيما يركزُ على الوقائعِ ‪ ،‬فام ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪97‬‬

‫خطواتِك ‪ ،‬ول تضيّعْ نفسك بالشكوكِ الت ل تلدُ غلّ الشكوك ‪ ،‬ول تستمرّ ف النظرِ إل ما‬
‫وراءِ ظهرك ))‪.‬‬
‫واشدوا ف ذلك ‪:‬‬
‫حيان ل ظفرٌ ول إخفاقُ‬
‫ومٌشّتتُ العزماتِ يُنفقُ عمرهُ‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫فإنّ فساد الرأي أة تتردّدا‬
‫إذا كنت ذا رأي فكنُ ذا عزيةٍ‬
‫صدَقُوا‬
‫إن الشجاعة ف اتاذِ القرارِ إنقاذ لك من القلقِ والضطرابِ‪َ ﴿ .‬فِإذَا َعزَمَ الَْأ ْمرُ فَلَوْ َ‬
‫خَيْرا ّل ُهمْ ﴾‪.‬‬

‫ال ّلهَ لَكَانَ‬
‫**************************************‬

‫ل تتوقفْ متفكّرا أو متردّدا‬
‫بل اعملْ وابذُلْ واهجرِ الفراغ‬
‫يقو ُل الدكتو ُر ريتشاردز كابوت ‪ :‬أستاذُ الطبّ ف جامعةِ ( هارفرد ) ‪ ،‬ف كتاب ِة بعنوان ( ب‬
‫ش النسانُ ) ‪ (( :‬بصفت طبيبا ‪ ،‬أنصحُ بعلجِ ( العملِ ) للمرضى الذين يعانون من‬
‫يعي ُ‬
‫الرتعاشِ الناتجِ عن الشكوكِ والتردّدِ والوفِ‪ ..‬فالشجاعةُ الت ينحُها العملُ لنا هي مثلُ‬
‫العتمادِ على النّفسِ الذي جعله ( أمرسونُ ) دائم الرّوعةِ ))‪.‬‬
‫شرُوا فِي اْلأَ ْرضِ وَابَْتغُوا مِن فَضْلِ ال ّلهِ ﴾ ‪.‬‬
‫﴿ فَِإذَا ُقضِيَتِ الصّلَاةُ فَانَت ِ‬

‫يقولُ جورج برناردشو ‪ (( :‬يكنُ سرّ التعاسةِ ف أن يتاح لك وقتٌ لرفاهيةِ التفكيِ ‪ ،‬فيما إذا‬
‫كنت سعيدا أو ل ‪ ،‬فل تتمّ بالتفكيِ ف ذلك بل ابق منهمكا ف العمل ‪ ،‬عندئذ يبدأُ دمُك ف‬
‫الدورانِ ‪ ،‬وعقُلك بالتفكيِ ‪ ،‬وسرعان ما تُذ ِهبُ الياةُ الديدة القلق من عقلِك ! عملْ وابق‬
‫منهمكا ف العملِ ‪ ،‬فإنّ أرخص دواءٍ موجودٍ على وج ِه الرضِ وأفضلُه ))‪.‬‬
‫﴿ وَقُ ِل ا ْعمَلُواْ َفسََيرَى ال ّل ُه عَمَلَ ُكمْ وَرَسُوُلهُ‬

‫وَاْلمُ ْؤمِنُونَ ﴾‪.‬‬

‫يقولُ دزرائيلي ‪ « :‬الياةُ قصيةٌ جدا ‪ ،‬لتكون تافه ًة »‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪98‬‬

‫وقال بعض حكماءِ العربِ ‪ « :‬الياةُ أقصرُ من أن نقصّرها بالشحناءِ »‪.‬‬
‫ض عَ َددَ سِِنيَ{‪ }112‬قَالُوا لَبِثْنَا يَوْما أَوْ َبعْضَ يَوْمٍ فَا ْسأَلْ‬
‫﴿ قَالَ َكمْ لَبِثُْتمْ فِي اْلأَ ْر ِ‬

‫اْلعَادّينَ{‪ }113‬قَالَ إِن لّبِثُْتمْ إِلّا قَلِيلً لّوْ أَنّ ُكمْ‬

‫كُنُتمْ َتعْ َلمُونَ ﴾‪.‬‬

‫أكثرُ الشائعاتِ ل صحّة لا ‪:‬‬
‫ب هنديّ ف التاريخ المريكيّ – ف‬
‫يقولُ النرالُ جورج كروك – وهو ربا أعظ ُم مار ٍ‬
‫صفحة ‪ 77‬من مذكراته ‪ « :‬إنّ ك ّل قلقِ وتعاسةِ النودِ تقريبا تصدرُ من ميلتِهمْ وليس من‬
‫الواقعِ »‪.‬‬
‫حةٍ عَلَ ْيهِمْ ﴾ ﴿ لَوْ َخرَجُواْ فِيكُم مّا زَادُو ُكمْ إِلّ‬
‫حسَبُونَ كُلّ صَ ْي َ‬
‫قال سبحانهُ وتعال‪َ ﴿ :‬ي ْ‬

‫خَبَالً‬

‫خلَلَكُمْ ﴾‪.‬‬
‫ضعُواْ ِ‬
‫ولَ ْو َ‬

‫يقولُ الستاذُ هوكسْ – من جامعة « كولومبيا » ‪ -‬إنه اتذ هذهِ الترنيمة واحدا من شعاراتِ ِه‬
‫‪ « :‬لكلّ علّةٍ تت الشمس يُوجدُ علجٌ ‪ ،‬أو ل يوجدُ أبدا ‪ ،‬فإنْ كان يوجدُ علجٌ حاول أن‬
‫تدهُ ‪ ،‬وإن ل يكنْ موجودا ل تتمّ بهِ »‪.‬‬

‫وف حديثٍ صحيحٍ ‪ (( :‬ما أنزل الُ من داءٍ إل أنزل له دواء علِمهُ من عَ ِل َمهُ وجهِ َلهُ َمنْ‬
‫جهِ َلهُ ))‪.‬‬

‫الرفقُ ينبُك الزالق ‪:‬‬
‫قال أستا ٌذ يابانّ لتلميذهِ ‪ « :‬النناءُ مثلُ الصّفصاصِ ‪ ،‬وعدمُ القاومةِ مثلُ البلّوط »‪.‬‬
‫سرَةً ))‪.‬‬
‫وف الديث ‪ (( :‬الؤمنُ كالامةِ من الزرعِ ‪ ،‬تفيئُها الريحُ َيمَْنةً وَي ْ‬
‫والكيمُ كالاءِ‪ ،‬ل يصطدمُ ف الصخرةِ‪ ،‬لكنه يأتيها َيمْنَ ًة ويسْرَةُ ومِ ْن فوقِها ومِنْ تِتها‪.‬‬

‫وف الديثِ ‪ (( :‬الؤمنُ كالملِ النِفِ ‪ ،‬لو أُنيخ على صخرةٍ لناخ عليها ))‪.‬‬
‫ما فات لن يعود ‪:‬‬

‫﴿ لِكَيْلَا َتأْسَوْا عَلَى مَا‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫فَاتَ ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪99‬‬

‫وقف الدكتورُ بول براندون ‪ ،‬وألقى بزجاجةِ حليبٍ إل الرضِ ‪ ،‬وهتف قائلً ‪ « :‬ل تبكِ‬
‫على الليب الُراق »‪.‬‬
‫وقالتِ العامّة ‪ :‬الذي ل يُكَْتبْ لك عسيٌ عليك‪.‬‬
‫وقال آدمُ لوسى عليهما السلمُ ‪ :‬أتلومن على شيءٍ كتب ُه الُ عليّ قبل أن يلقن بأربعي عاما‬
‫؟ قال رسو ُل الِ‬

‫‪ (( :‬فحجّ آدمُ موسى ‪ ،‬فحجّ آدمُ موسى ‪ ،‬فحجّ آدم موسى ))‪.‬‬

‫وابث عن السعادةِ ف نفسك وداخلكِ ل من حولِك وخارجِك‪.‬‬

‫سهِ يستطيعُ أن يعل النة جحيما‬
‫قال الشاع ُر النليزيّ ميلتون ‪ (( :‬إنّ العقل ف مكانهِ وبِنف ِ‬
‫‪ ،‬والحيم جنةً )) !‬
‫قال التنب ‪:‬‬
‫ذو العقْلِ يشقى ف النعيمِ بعقلِهِ‬

‫وأخو الهالةِ ف الشقاو ِة ينعمُ‬

‫فاليا ُة ل تستحقّ الزن ‪:‬‬
‫قال نابليو ُن ف « سانت هيلينا » ‪ « :‬ل أعرفْ ستة أيامٍ سعيدةِ ف حيات » !!‬
‫قال هشامُ بنُ عبدِاللكِ ‪-‬الليفةُ‪ « .:-‬عددتُ أيام سعادت فوجدتُها ثلثة َعشَرَ يوما »‬
‫وكان أبوه عبدُاللكِ يتأوّه ويقولُ ‪ « :‬يا ليتن لْ أتولّ اللفة »‪.‬‬
‫قال سعيدُ بنُ السيبِ ‪ :‬المدُ لِ الذي جعلهُمْ يفرّرون إلينا ول نفرّ إليهم‪.‬‬
‫ودخل ابن السماكِ الواعظُ على هارون الرشيدِ ‪ ،‬فظمئ هارونُ وطلب شرْبة ماءٍ ‪ ،‬فقال ابنُ‬
‫السماكِ ‪ :‬لو مُنعتَ هذهِ الشربة يا أمي الؤمني ‪ ،‬أتفتديها بنصفِ ملكك ؟ قال ‪ :‬نعم‪ .‬فلمّا‬
‫شربا ‪ ،‬قال ‪ :‬لو مُنعت إخراجها ‪ ،‬أتدفعُ نصف ملكك لتخرُج ؟ قال ‪ :‬نعم‪ .‬قال اب ُن السماكِ‬
‫ك ل يساوي شربة ماءٍ‪.‬‬
‫‪ :‬فل خي ف مل ٍ‬
‫إ ّن الدنيا إذا خلتْ من اليا ِن فل قيمة لا ول وزن ول معن‪.‬‬
‫يقولُ إقبالُ ‪:‬‬
‫ول دنيا لِمنْ ل يُحيي دينا‬
‫إذا اليانُ ضاع فل أمانٌ‬
‫فقدْ جعل الفناء لا قرينا‬
‫ومن رضي الياة بغيِ دينٍ‬

‫ل تحزن‬
‫‪100‬‬

‫قال أمرسونُ ف نايةِ مقالتهِ عن ( العتمادِ على النفسِ ) ‪ « :‬إنّ النصر السياسيّ ‪ ،‬وارتفاع‬
‫الجورِ ‪ ،‬وشفاءك من الرضِ ‪ ،‬أو عودة اليامِ السعيدةِ تنفتحُ أمامك ‪ ،‬فل تصدّقُ ذلك ؛ لنّ‬
‫المر لن يكون كذلك‪ .‬ول شيء يلبُ لك الطمأنينة إل نفسُك »‪.‬‬
‫﴿ يَا أَيُّتهَا الّن ْفسُ اْلمُ ْطمَئِّنةُ{‪ }27‬ارْ ِجعِي إِلَى رَبّكِ رَاضَِيةً‬

‫ّمرْضِيّةً ﴾‪.‬‬

‫حذّر الفيلسوفُ الروائيّ أبيكتويتوس ‪ « :‬بوجوب الهتمامِ بإزال ِة الفكارِ الاطئةِ من‬
‫تفكيِنا ‪ ،‬أكثر من الهتمامِ بإزالةِ الورمِ والرضِ منْ أجسادِنا »‪.‬‬
‫والعجبُ أنّ التحذير من الرض الفكريّ والعقائديّ ف القرآن أعظمُ من الرضِ السمانّ ‪،‬‬

‫قال سبحانه ‪ ﴿ :‬فِي قُلُوِبهِم ّم َرضٌ َفزَادَ ُهمُ ال ّلهُ َمرَضا وََلهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ِبمَا كَانُوا يَ ْكذِبُونَ‬

‫﴾ ﴿ فَ َلمّا زَاغُوا َأزَاغَ ال ّلهُ قُلُوَب ُهمْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫تبنّى الفيلسوفُ الفرنسيّ مونتي هذه الكلماتِ شعارا ف حياتِهِ ‪ « :‬ل يتأثرُ النسانُ با يدثُ‬
‫مثلما يتأثرُ برأيِهِ حول ما يدثُ »‪.‬‬

‫وف الثر ‪ (( :‬اللهم رضّن بقضائك حت أعلم أن ما أصابن ل يكنْ ليخطئن ‪ ،‬وما أخطأن‬
‫ل يكن ليصيبن ))‪.‬‬
‫****************************************‬

‫وقفـــةٌ‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزن يُزعجُك من الاضي ‪ ،‬ويوّفك من الستقبلِ ‪ ،‬ويُذهبُ عليك يومك‪.‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزن ينقبضُ له القلبُ ‪ ،‬ويعبسُ له الوجهُ ‪ ،‬وتنطفئُ منهُ الروحُ ‪ ،‬ويتلشى معه‬
‫الملُ‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزن يسرّ العدوّ ‪ ،‬ويغيظُ الصديق ‪ ،‬وُيشْمِت بك الاسد ‪ ،‬ويغيّرُ عليك‬
‫القائق‪.‬‬
‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزن ماصمةٌ للقضاءِ ‪ ،‬وتبّمٌ بالحتومِ ‪ ،‬وخروجٌ على النسِ ‪ ،‬ونقمةٌ على‬
‫النعمةِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪101‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬لنّ الزن ل يردّ مفقودا وذاهبا ‪ ،‬ول يبعثُ ميّتا ‪ ،‬ول يردّ قدرا ‪ ،‬ول يلبُ‬
‫نفعا‪.‬‬

‫ل تزنْ ‪ :‬فالزنُ من الشيطانِ والزنُ يأسٌ جاثٌ ‪ ،‬وفقرٌ حاضرٌ ‪ ،‬وقنوطٌ دائمٌ ‪ ،‬وإحباطٌ مقّقٌ‬

‫ق ذريعٌ‪.‬‬
‫‪ ،‬وإخفا ٌ‬
‫ضعْنَا عَنكَ ِوزْ َركَ{‪ }2‬اّلذِي أَنقَضَ َظ ْهرَكَ{‪َ }3‬ورَ َفعْنَا‬
‫صدْرَكَ{‪َ }1‬ووَ َ‬
‫شرَحْ َلكَ َ‬
‫﴿ أََلمْ َن ْ‬

‫سرِ ُيسْرا{‪ }6‬فَِإذَا َف َرغْتَ فَانصَبْ{‪}7‬‬
‫سرِ ُيسْرا{‪ِ }5‬إنّ مَعَ اْلعُ ْ‬
‫لَكَ ذِ ْكرَكَ{‪َ }4‬فإِنّ مَعَ اْل ُع ْ‬
‫فَا ْرغَبْ ﴾‪.‬‬

‫وَإِلَى رَبّكَ‬
‫************************************‬

‫ل تزنْ ما د ْمتَ مؤمنا بال‬
‫إنّ هذا اليان هو س ّر الرضا والدوءِ والمنِ ‪ ،‬وإنّ الَيْ َرةَ والشقاءَ مع اللا ِد والشكّ‪ .‬ولق ْد‬
‫رأيتُ أذكياء – بل عباقرةً – خلتْ أفئدتُهمْ من نورِ الرسالِة ‪ ،‬فطفحتْ ألسنتُهمْ عنِ الشريعةِ‪.‬‬
‫يقولُ أبو العلءِ الع ّريّ عنِ الشريعةِ ‪ :‬تناقضٌ ما لنا إل السكوتُ له !!‬
‫ويقولُ الرازيّ ‪ :‬ناية إقدامِ العقولِ عِقالُ‪.‬‬
‫ويقولُ الوين ‪ ،‬وهو ل يدري أين الُ ‪ :‬حيّرن المدانّ ‪ ،‬حين المدانّ‪.‬‬
‫ويقولُ ابنُ سينا ‪ :‬إنّ العقل الفعّال هو الؤثّرُ ف الكونِ‪.‬‬
‫ويقولُ إيليا أبو ماضي ‪:‬‬
‫ت ُقدّامي طريقا‬
‫ولقد أبصر ُ‬
‫جئتُ ل أعلمُ مِن أين ولكنّ أتيتُ‬
‫فمشيقّ‪.‬تُ‬
‫ت قُربا وبُعدا عن ال‬
‫إل ير ذلك من القوالِ الت تتفاو ُ‬
‫فعلمتُ أنه بسبِ إيان العبدِ يسعدُ ‪ ،‬وبسبِ حيْرِِتهِ وشكّه يشقى ‪ ،‬وهذهِ الطروحاتُ‬
‫ف الثيمُ فرعون قال ‪:‬‬
‫التأخرةُ بناتٌ لتلك الكلماتِ العاتي ِة منذُ القِدم ‪ ،‬والنحر ُ‬
‫لَكُم ّمنْ إَِل ٍه غَيْرِي ﴾‪ .‬وقال ‪ ﴿ :‬أَنَا رَبّ ُكمُ‬
‫ويا لا من كفريّاتٍ دمّ َرتِ العال‪.‬‬

‫الَْأعْلَى ﴾‪.‬‬

‫﴿‬

‫مَا عَ ِلمْتُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪102‬‬

‫ف النسانُ أنهُ كلما‬
‫يقولُ جايس ألي ‪ ،‬مؤلفُ كتاب « مثلما يفكرُ النسانُ » ‪ « :‬سيكتش ُ‬
‫غيّر أفكاره إزاء الشيا ِء والشخاصِ الخرين ‪ ،‬ستتغيُ الشياءُ والشخاصُ الخرون‬
‫بدورِ ِهمْ‪ ..‬دعْ شخصا ما يغيّرُ أفكارهُ ‪ ،‬وسندهشُ للسرع ِة الت ستتغيُ با ظروفُ حياِتهِ الاديةِ‬
‫‪ ،‬فالشيءُ القدّسُ الذي يشكّل أهدافنا هو نفسنا‪.» ..‬‬
‫وعن الفكارِ الاطئةِ وتأثيِها ‪ ،‬يقولُ سبحانه‪﴿ :‬بَلْ ظَنَنُتمْ أَن لّن يَنقَلِبَ الرّسُولُ وَاْلمُ ْؤمِنُونَ‬

‫إِلَى أَهْلِي ِهمْ أَبَدا َوزُّينَ ذَِلكَ فِي قُلُوبِ ُكمْ وَظَنَنُتمْ َظنّ السّوْءِ َوكُنُتمْ قَوْما بُورا ﴾‪ ﴿ .‬يَظُنّونَ‬
‫بِال ّل ِه غَ ْيرَ اْلحَقّ َظنّ اْلجَاهِلِّيةِ َيقُولُونَ هَل لّنَا ِمنَ ا َل ْمرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنّ ا َل ْمرَ‬

‫كُ ّلهُ لِ ّلهِ ﴾‪.‬‬

‫ويقولُ جايس ألي أيضا ‪ « :‬وكلّ ما يُحقّقه النسانُ هو نتيجةٌ مباشرةٌ لفكارهِ الاصّةِ‪..‬‬
‫والنسانُ يستطيعُ النهوض فقطْ والنتصارَ وتقيق أهدافِهِ منْ خللِ أفكارِهِ ‪ ،‬وسيبقى ضعيفا‬
‫وتعِسا إذا ما رفض ذلك »‪.‬‬
‫خرُوجَ َل َعدّواْ َل ُه ُعدّةً‬
‫قال سبحانه عن العزيةِ الصادق ِة والفك ِر الصائبِ ‪ ﴿ :‬وََلوْ أَرَادُواْ اْل ُ‬

‫وَلَـكِن َكرِهَ ال ّلهُ انِبعَاَث ُهمْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫وقال تعال ‪ ﴿ :‬وَلَ ْو عَ ِلمَ ال ّلهُ فِيهِمْ‬

‫س َم َعهُمْ ﴾‪.‬‬
‫خَيْرا لّأ ْ‬

‫وقال ‪َ ﴿ :‬فعَ ِلمَ مَا فِي قُلُوِب ِهمْ فَأَنزَلَ السّكِيَنةَ عَلَيْ ِهمْ‬
‫*****************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫ل تزنْ للتوافِهِ فإنّ الدنيا بأسْرها تافهةٌ‬

‫رُمي أحدُ الصالي الكبارُ بي براثِ ِن السدِ ‪ ،‬فأناه الُ منه ‪ ،‬فقالوا له ‪ :‬فيم كنت تفكّر ؟‬
‫قال ‪ :‬أفكّر ف لعابِ السدِ ‪ ،‬هلْ هو طاهرٌ أم ل !!‪ .‬وماذا قال العلماءُ فيهِ‪.‬‬
‫للباسلي مع القنا الطّارِ‬
‫ولقد ذكرتُ ال ساعة خوفِهِ‬
‫يوم الوغى للواح ِد القهارِ‬
‫فنسيتُ كلّ لذائذٍ جيّاشةٍ‬
‫إنّ ال – جلّ ف عله – مايز بي الصحابةِ بسبِ مقاصد ِهمْ ‪ ،‬فقال ‪ ﴿ :‬مِنكُم مّن ُيرِيدُ‬

‫الدّنْيَا َومِنكُم مّن ُيرِيدُ ال ِخرَةَ ﴾ ‪.‬‬

‫ذكر ابنُ القيم أ ّن قيمة النسانِ هتُه ‪ ،‬وماذا يريدُ ؟!‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪103‬‬

‫وقال أحدُ الكماءِ ‪ :‬أخبْن عن اهتمامِ الرجلِ أُخبْكَ أيّ رجلٍ هو‪.‬‬
‫وبلّغ أكناف الِمى من يريدُها‬
‫أل بلّغ الُ المى من يريدُهُ‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫وعدْنا باللوكِ مصفّدينا‬
‫فعادوا باللّباسِ وبالطايا‬
‫ب ف البحرِ ‪ ،‬فوقع عابدٌ ف الاءِ ‪ ،‬فأخذ يوضّئ أعضاءه عضوا عضوا ‪،‬‬
‫انقلب قار ٌ‬
‫ويتمضمضُ ويستنشقُ ‪ ،‬فأخرجهُ البحرُ ونا ‪ ،‬فسئل عنْ ذلك ؟ فقال ‪ :‬أردتُ أن أتوضأ قبل‬
‫الوتِ لكون على طهارةٍ‪.‬‬
‫قدسيةً ويداك ف الكُلّبِ‬
‫لِ َدرّك ما نسيت رسالةً‬
‫ك ما رمشتْ عيونُك رمشةُ‬
‫أفدي َ‬

‫ف ساعةُ والوتُ ف الهدابِ‬

‫ت يشيُ إل تليلِ ليتِهِ بالا ِء وه ُم يوضّئونه !!‬
‫المامُ أحدُ ف سكراتِ الو ِ‬
‫خرَةِ ﴾‪.‬‬
‫ال ِ‬

‫ب الدّنْيَا وَ ُحسْنَ ثَوَابِ‬
‫﴿ فَآتَا ُهمُ ال ّلهُ ثَوَا َ‬
‫***********************************‬

‫العفو العفوَ‬
‫فإنك إنْ عفوت وصفحتَ نلت عزّ الدنيا وشرفَ الخرةِ ‪َ ﴿ :‬فمَ ْن َعفَا وَأَصْ َلحَ َفأَ ْجرُهُ عَلَى‬
‫ال ّلهِ ﴾ ‪.‬‬

‫يقولُ شكسبيُ ‪ « :‬ل توقدِ الفرن كثيا لعدّوك ‪ ،‬لئلّ ترق به نفسك »‪.‬‬
‫تراها ب ّق ف مغيبٍ ومطْلعِ‬
‫فقلْ للعيونِ الرّمدِ للشمسِ أعيٌ‬
‫بأبصارِها ل تستفي ُق ول تعي‬
‫وسامحْ عيونا أطفأ الُ نورها‬
‫وقال أحدُهم لسالِ بنِ عبدِال بنِ عمر العا ِل التابعيّ ‪ :‬إنك رجلُ سوء! فقال ‪ :‬ما عَ َرفَن إلّ‬
‫أنت‪.‬‬
‫قال أديبٌ أمريكيٌ ‪ « :‬يكنُ أن تطّم العِصيّ والجارةُ عظامي ‪ ،‬لكنلنْ تستطيع الكلماتُ‬
‫النيْل من »‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪104‬‬

‫قال رجل لب بكر ‪ :‬والِ لسبنّك سبّا يدخلُ معك قبك ! فقال أبو بكر ‪ :‬ب ْل يدخلُ معك‬
‫قبك أنت !!‪.‬‬
‫وقال رج ٌل لعمروِ بن العاصِ ‪ :‬لتفرغنّ لربِك‪ .‬قال عمر ٌو الن وقعت ف الشغلِ الشاغِلِ‪.‬‬
‫يقولُ النرالُ أيزناور‪« :‬دعونا ل نضّيعُ دقيقةً من التفكيِ بالشخاصِ الذين ل نبّهم»‬
‫ت النخلةُ ‪ :‬والِ ما شعرتُ‬
‫قالتِ البعوضةُ للنخلةِ ‪ :‬تاسكي ‪ ،‬فإن أريدُ أنْ أطي وأدَ َعكِ‪ .‬قال ِ‬
‫بكِ حي هبطتِ عليّ ‪ ،‬فكيف أشعرُ بكِ إذا طرتِ ؟!‬
‫قال حاتٌ ‪:‬‬
‫وأُعرضُ عن شتْم اللئيمِ تكرّما‬
‫وأغفرُ عوراء الكري ادّخارهُ‬
‫قال تعال ‪ ﴿:‬وَِإذَا َمرّوا بِال ّلغْوِ َمرّوا ِكرَاما ﴾‪ .‬وقال تعال ‪ ﴿ :‬وَِإذَا خَاطََبهُمُ اْلجَاهِلُونَ قَالُوا‬

‫سَلَاما‬

‫﴾‪.‬‬

‫قال كونفوشيوس ‪ « :‬إنّ الرجل الغاضب يتلئ دائما ُسمّا »‪.‬‬
‫وف الديثِ ‪ (( :‬ل تغضبْ ‪ ،‬ل تغضبْ ‪ ،‬ل تغضبْ ))‪.‬‬

‫وفيه ‪ (( :‬الغضبٌ جرةٌ من النار ))‪.‬‬

‫ع العبدَ عند ثلثٍ ‪ :‬الغضبِ ‪ ،‬والشّهوةِ ‪ ،‬والغَفْلَةِ‪.‬‬
‫إنّ الشيطان يصر ُ‬
‫*****************************‬

‫العال ُخلِق هكذا‬
‫يقولُ ماركوس أويليوس – وهو من أكثر الرجالِ حكمةً من حكموا المباطورية الرومانية –‬
‫ذات يوم ‪ « :‬سأقابلُ اليوم أشخاصا يتكلّمون كثيا ‪ ،‬أشخاصا أنانيّي جاحدين ‪ ،‬يبّون‬
‫أنفسهم‪ ،‬لكن لن أكون مندهشا أو منعجا من ذلك‪ ،‬لنن ل أتيلُ العال من دونِ أمثالم‬
‫»!‬

‫ل تحزن‬
‫‪105‬‬

‫يقولُ أرسطو ‪ « :‬إنّ الرجل الثالّ يفرحُ بالعما ِل الت يؤديها للخرين ‪ ،‬وبجلُ إن أدى‬
‫الخرون العمال لهُ ‪ ،‬لن تقدي العطفِ هو من التفوقِ ‪ ،‬لكنْ تلقّي العطفِ هو دلي ُل الفشل‬
‫»‪.‬‬
‫وف الديث ‪ (( :‬اليدُ العليا خيٌ من اليدِ السفلى ))‪.‬‬
‫والعليا هي العطيةُ ‪ ،‬والسفلى هي الخذةُ‪.‬‬
‫******************************************‬

‫ح َزنْ إذا كان معك كِسْرةُ ُخ ْبزٍ‬
‫ل َت ْ‬

‫سُترُكَ‬
‫وغرفةُ ماءٍ وث ْوبٌ يَ ْ‬

‫ضلّ أح ُد البحارةِ ف الحيطِ الادي وبقي واحدا وعشرين يوما ‪ ،‬ولا نا سألهُ الناسُ عن أكبِ‬
‫درسٍ تعلّمه ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّ أكب درسٍ تعلمتُه منْ تلك التجربةِ هو ‪ :‬إذا كان لديك الال‬
‫الصاف ‪ ،‬والطعامُ الكاف ‪ ،‬يبُ أ ْن ل تتذمّر أبدا !‬
‫قال أحدُهم ‪ :‬الياةُ كلّها لقمةٌ وشَرْبَةٌ ‪ ،‬وما بقي فضلٌ‪.‬‬
‫وقال ابنُ الوردي ‪:‬‬
‫وعنِ البحرِ اجتزاءٌ بالوشلْ‬
‫مُلْكُ كِسرى عنهُ تُغن كِسرةٌ‬
‫يقولُ جوناثان سويفت ‪ « :‬إنّ أفضل الطباءِ ف العالِ همْ ‪ :‬الدكتورُ رييم‪ ،‬والدكتورُ‬
‫هادئ ‪ ،‬والدكتورُ مرِح ‪ ،‬وإنّ تقليل الطعامِ مع الدوءِ والسرورِ علجٌ ناجعٌ ل يسألُ عنه »‪.‬‬
‫قلتُ ‪ :‬لنّ السمنة مرضٌ مزمنٌ ‪ ،‬والبطنةُ تُذهبُ الفِطنةَ والدوُء متعةٌ للقلبِ وعيدٌ للروحِ ‪،‬‬
‫والرحُ سرورٌ عاجلٌ وغذا ٌء نافعٌ‪.‬‬
‫*************************************‬

‫ل ت َزنْ من منةٍ فقدْ تكونُ منْحة‬

‫ول تزنْ من بليّةٍ فقد تكونُ عطية‬

‫ل تحزن‬
‫‪106‬‬

‫قال الدكتورُ صموئيل جونسون ‪ « :‬إن عادة النظر إل الانبِ الصالِ من كلّ حادثةٍ ‪ ،‬لو‬
‫أثنُ من الصول على ألفِ جنيهٍ ف السنةِ »‪.‬‬
‫﴿أَوَلَ َيرَوْنَ أَّن ُهمْ ُيفْتَنُونَ فِي ُك ّل عَامٍ ّمرّةً أَوْ َمرّتَ ْينِ ُثمّ لَ يَتُوبُونَ وَلَ ُهمْ َيذّ ّكرُونَ﴾‪.‬‬
‫وعلى الضدّ يقولُ التنب ‪:‬‬
‫من بلمي الذي أعطتْ وتريب‬
‫ليت الوادث باعتن الت أخذتْ‬
‫وقال معاوية ‪ :‬ل حليم إل ذو تربة‪.‬‬
‫قال أبو تا ٍم ف الفشي ‪:‬‬
‫فكأنا ف غُربةٍ وإسارِ‬
‫كمْ نعم ٍة ل كانتْ عندهُ‬
‫قال أح ُد السّلفِ لرجلٍ من الترفي ‪ :‬إن أرى عليك نعمةً ‪ ،‬فقيّدْها بالشكرِ‪.‬‬
‫قال تعال ‪:‬‬

‫﴿‬

‫ضرَبَ ال ّلهُ‬
‫شدِيدٌ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَ َ‬
‫لَئِن شَ َكرُْتمْ َلزِيدَنّكُمْ وَلَئِن َك َفرُْتمْ ِإ ّن عَذَابِي َل َ‬

‫مََثلً َقرَْيةً كَانَتْ آمَِنةً مّ ْطمَئِّنةً َيأْتِيهَا رِزْ ُقهَا َرغَدا مّن كُلّ مَكَانٍ فَ َكفَرَتْ بِأَْن ُعمِ ال ّلهِ فََأذَا َقهَا‬
‫كَانُواْ َيصَْنعُونَ ﴾‪.‬‬

‫ال ّلهُ لِبَاسَ اْلجُوعِ وَاْلخَوْفِ ِبمَا‬
‫***********************************‬

‫كن نفسك‬
‫يقولُ الدكتور جايس غوردون غليلكي ‪ « :‬إنّ مشكلة الرغبةِ ف أنْ تكون نفسك ‪ ،‬هي‬
‫قديةٌ قِدَمَ التاريخ ‪ ،‬وهي عامّةٌ كالياةِ البشريةِ‪ .‬كما أنّ مشكلة عدمِ الرغبةِ هي ف أن تكون‬
‫نَفسك هي مصدرُ الكثيِ من التوترِ والعُق ِد النفسيةِ »‪.‬‬
‫وقال آخر ‪ « :‬أنت ف الليقةِ شيءٌ آخرُ ل يشبهك أحدٌ ‪ ،‬ول تشبهُ أحدا ‪ ،‬لنّ الالق –‬
‫جلّ ف عله – مايز بي الخلوقي »‪ .‬قال تعال ‪ِ ﴿ :‬إنّ‬

‫سعْيَكُمْ َلشَتّى ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫ع «تدريبِ الطفلِ» ‪ ،‬وهو‬
‫كتب إنيلو باتري ثلثة عشَرَ كتابا‪ ،‬وآلف القالتِ حول موضو ِ‬
‫يقولُ ‪ « :‬ليس من أحدٍ ت ِعسٍ كالذي يصبو إل أنْ يكون غيْر نفسهِ ‪ ،‬وغَيْرَ جسدهِ وتفكيِه‬
‫»‪.‬‬
‫سمَاء مَاء‬
‫قال سبحانه وتعال ‪ ﴿ :‬أَنزَلَ ِمنَ ال ّ‬

‫َفسَالَتْ أَ ْودَِيةٌ ِب َقدَرِهَا ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪107‬‬

‫لكلّ صفاتٌ ومواهبُ وقدراتٌ فل يذوبُ أحدٌ ف أحدٍ‪.‬‬
‫ما هكذا تُورَدُ يا س ْعدُ البِلْ‬
‫َأ ْورَدَهَا سع ٌد وسعدٌ مُشَتمِلْ‬
‫ل مدّدا ‪ ،‬وكما قالوا ‪ :‬اقرأ نفسكَ ‪ ،‬واعرف ماذا‬
‫إنكَ خُلقت بواهب مدّدةٍ لتودي عم ً‬
‫تقدّمُ‪.‬‬
‫قال أمرسونُ ف مقالتِهِ حول « العتمادِ على النفسِ » ‪ « :‬سيأت الوقتُ الذي يصلُ فيه علمُ‬
‫ل ْهلُ ‪ ،‬والتقليدَ هو النتحارُ ‪ ،‬وأن يعتب نفسه كما هي‬
‫سدَ هو ا َ‬
‫لَ‬
‫النسانِ إل اليانِ بأنّ ا َ‬
‫مهما تكنِ الظروفُ ؛ لنّ ذاك هو نصيبُه‪ .‬وأنهُ رغم امتل ِء الكون بالشياءِ الصالةِ ‪ ،‬لنْ‬
‫يصل على حبّةِ ذُرةٍ إل بعد زراعةِ ورعايةِ الرضِ العطاةِ لهُ ‪ ،‬فالقوى الكامنةُ ف داخِلهِ ‪ ،‬هي‬
‫ف مدى قدرتِه ‪ ،‬حت هو ل يعرفُ ‪ ،‬حت يرّب »‪.‬‬
‫جديدةٌ ف الطبيعةِ ‪ ،‬ول أحد يعر ُ‬
‫وَاْلمُ ْؤمِنُونَ ﴾‪.‬‬

‫﴿ وَقُ ِل ا ْعمَلُواْ َفسََيرَى ال ّل ُه عَمَلَ ُكمْ وَرَسُوُلهُ‬
‫*********************************‬

‫وقفــة‬
‫ضدَك ‪ ،‬وتسّنُ ظنّك بريّك‪.‬‬
‫هذه آياتٌ تقوّي من رجائِك ‪ ،‬وتشدّ َع ُ‬

‫سهِمْ لَا َتقَْنطُوا مِن رّ ْح َمةِ ال ّلهِ ِإنّ ال ّلهَ َي ْغ ِفرُ الذّنُوبَ‬
‫﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ اّلذِينَ أَ ْسرَفُوا عَلَى أَن ُف ِ‬
‫َجمِيعا إِّنهُ هُوَ اْل َغفُورُ الرّحِيمُ‬

‫﴾‪.‬‬

‫س ُهمْ ذَ َكرُواْ ال ّلهَ فَاسَْت ْغفَرُواْ ِلذُنُوِب ِهمْ َومَن َي ْغ ِفرُ‬
‫﴿ وَاّلذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَا ِحشَةً أَوْ ظَ َلمُواْ أَْن ُف َ‬

‫صرّوْا عَلَى مَا َفعَلُواْ وَ ُهمْ َيعْ َلمُونَ‬
‫الذّنُوبَ إِلّ ال ّلهُ وََلمْ ُي ِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫جدِ ال ّل َه َغفُورا رّحِيما‬
‫﴿ َومَن َي ْعمَلْ سُوءا أَوْ َيظْ ِلمْ َن ْفسَهُ ُثمّ َيسَْتغْ ِفرِ ال ّلهَ َي ِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ك عِبَادِي عَنّي فَإِنّي َقرِيبٌ أُجِيبُ َدعْوَ َة الدّاعِ ِإذَا َدعَانِ فَلَْيسَْتجِيبُواْ لِي‬
‫﴿ وَِإذَا سَأََل َ‬

‫وَلْيُ ْؤمِنُواْ بِي َلعَ ّل ُهمْ َيرْشُدُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫﴿ َأمّن ُيجِيبُ اْلمُضْ َطرّ ِإذَا َدعَاهُ وَيَ ْكشِفُ السّوءَ وََيجْعَلُ ُكمْ خُ َلفَاء اْلأَ ْرضِ أَإَِلهٌ مّعَ ال ّلهِ قَلِيلً‬

‫كرُونَ ﴾‪.‬‬
‫مّا َتذَ ّ‬

‫ل تحزن‬
‫‪108‬‬

‫﴿ اّلذِينَ قَالَ َل ُهمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ َقدْ َج َمعُواْ لَ ُكمْ فَا ْخشَوْ ُهمْ َفزَادَ ُهمْ ِإيَانا وَقَالُواْ َحسْبُنَا‬

‫سسْ ُهمْ سُوءٌ وَاتَّبعُواْ رِضْوَانَ‬
‫ال ّلهُ وَِن ْعمَ اْلوَكِيلُ{‪ }173‬فَانقَلَبُواْ بِِن ْعمَةٍ ّمنَ ال ّلهِ وَ َفضْلٍ ّلمْ َي ْم َ‬
‫ال ّلهِ وَال ّلهُ ذُو َفضْ ٍل‬

‫عَظِيمٍ ﴾‪.‬‬

‫كرُوا﴾‪.‬‬
‫مَ َ‬

‫﴿ وَأُفَ ّوضُ َأ ْمرِي إِلَى ال ّلهِ إِنّ ال ّلهَ َبصِيٌ بِاْلعِبَادِ{‪ }44‬فَوَقَاهُ ال ّلهُ سَيّئَاتِ مَا‬
‫*****************************************‬

‫رُبّ ضارةِ نافعةٌ‬
‫يقو ُل وليم جايس ‪ « :‬عاهاتُنا تساعدُنا إل حدّ غَيْرِ متوّقعٍ ‪ ،‬ولو لْ يعشْ دوستيوفسكي‬
‫وتولستوي حياةً أليمةً لا استطاعا أنْ يكتبا رواياتِهما الالدةَ ‪ ،‬فاليُتمُ ‪ ،‬والعمى ‪ ،‬والغربةُ ‪،‬‬
‫غ والنازِ ‪ ،‬والتقدمِ والعطاءِ »‪.‬‬
‫والفقرُ ‪ ،‬قد تكونُ أسبابا للنبو ِ‬
‫ويبتلي الُ بعض القومِ بالنعمِ‬
‫قد ينُع ُم الُ بالبلوى وإنْ عظمتْ‬
‫إنّ البناء والثراءَ ‪ ،‬قد يكونون سببا ف الشقاءِ ‪َ ﴿ :‬فلَ ُت ْعجِبْكَ َأمْوَاُلهُمْ وَلَ أَوْ َلدُ ُهمْ إِّنمَا‬
‫ُيرِيدُ ال ّلهُ لُِي َعذَّبهُم ِبهَا فِي اْلحَيَا ِة‬

‫الدّنْيَا ﴾‪.‬‬

‫ألّف اب ُن الثيِ كُتبهُ الرائعة ‪ ،‬كـ ‪« :‬جام ِع الصولِ»‪ ،‬و «النهايةِ»‪ ،‬بسببِ أنهُ مُقْ َعدٌ‪.‬‬
‫لبّ!‬
‫وألّف السرخسي كتابه الشهي « البسوط » خسة عشر ملّدا ؛ لنهُ مبوسٌ ف ا ُ‬
‫وكتب ابنُ القيم ( زاد العاد ) وهو مسافرٌ !‬
‫وشرح القرطبّ ( صحيح مسلم ) وهو على ظهرِ السفينةِ !‬
‫وجُ ّل فتاوى ابنِ تيمية كتبها وهو مبوسٌ !‬
‫ت اللفِ من الحاديثِ لنمْ فقراءُ غرباءُ‪.‬‬
‫وجع الحدّثون مئا ِ‬
‫وأخبن أحدُ الصالي أنه سُجن فحفظ ف سجنِهِ القرآن كلّه ‪ ،‬وقرأ أربعي ملّدا !‬
‫وأملى أبو العلء العري دواوينه وكُتُبه وهو أعمى !‬
‫وعمي طه حسي فكتب مذكّراته ومصنّفاتِه !‬
‫وكم من لمعٍ عُزِل من منصبِه ‪ ،‬فقدّم للمةِ العلم والرأي أضفاف ما قدّم مع النصبِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪109‬‬

‫يقولُ فرانسيسُ بايكون ‪ « :‬قليلٌ من الفلسفةِ يع ُل النسان ييلُ إل اللادِ ‪ ،‬لكنّ التعمّق ف‬
‫الفلسفةِ يقرّب عقل النسان من الدّينِ »‪.‬‬
‫خشَى ال ّلهَ ِم ْن عِبَادِهِ‬
‫﴿ َومَا َي ْعقِ ُلهَا إِلّا اْلعَاِلمُونَ ﴾‪ ﴿ .‬إِّنمَا َي ْ‬

‫ا ْلعُ َلمَاء ﴾‪.‬‬

‫﴿ وَقَالَ اّلذِينَ أُوتُوا اْلعِ ْلمَ وَالِْإيَانَ َل َقدْ لَبِثُْتمْ فِي كِتَابِ ال ّلهِ إِلَى يَوْمِ الَْبعْثِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫﴿ قُلْ إِّنمَا َأعِظُكُم بِوَا ِحدَةٍ أَن َتقُومُوا لِ ّلهِ مَثْنَى وَ ُفرَادَى ُثمّ تََتفَ ّكرُوا مَا ِبصَاحِبِكُم مّن جِّنةٍ‬
‫﴾‪.‬‬

‫يقولُ الدكتورُ أ‪ .‬أ‪ .‬بريل ‪ « :‬إنّ أيّ مؤمنٍ حقيقي لنْ يُصاب برضٍ نفسيّ »‪.‬‬
‫﴿ إِنّ اّلذِينَ آمَنُوا َو َعمِلُوا الصّاِلحَاتِ سََيجْعَلُ َل ُهمُ الرّحْ َمنُ ُودّا‬

‫﴾‪.‬‬

‫﴿ مَ ْن َعمِلَ صَالِحا مّن ذَ َكرٍ أَوْ أُنثَى َوهُوَ مُ ْؤ ِمنٌ فَلَُنحْيِيَّنهُ حَيَاةً طَيَّبةً‬

‫﴾‪.‬‬

‫صرَاطٍ مّسَْتقِيمٍ‬
‫﴿ وَإِنّ ال ّلهَ َلهَادِ اّلذِينَ آمَنُوا إِلَى ِ‬
‫**********************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫اليانُ أعظمُ دواء‬
‫يقول أبرزُ أطباءِ النفسِ الدكتورُ كارل جائغ ف الصفحة (‪ )264‬من كتابِهِ « النسانُ‬
‫الديثُ ف بثهِ ع ِن الروحِ » ‪ « :‬خلل السنواتِ الثلثي الاضيةِ ‪ ،‬جاء أشخاصٌ من جيعِ‬
‫أقطارِ العا ِل لستشارت ‪ ،‬وقد عالتُ مئاتِ الرضى ‪ ،‬ومعظمُهم ف منتصفِ مرحلةِ الياةِ ‪،‬‬
‫أيْ فوق الامسةِ والثلثي من العمرِ ‪ ،‬ولْ يك ْن بينهمْ من ل تعودُ مشكلتُه إل إيادِ ملجأ دين‬
‫يتطلّع من خللِهِ إل الياةِ ‪ ،‬وباستطاعت أنْ أقول ‪ :‬إن كلّ منهم مرِض لّن ُه فقد ما مَنحهُ‬
‫الدينُ للمؤمني ‪ ،‬ول ُيشْف من لْ يستعِد إيانه القيقيّ »‪.‬‬
‫شةً‬
‫﴿ َو َمنْ َأ ْع َرضَ عَن ذِ ْكرِي فَِإنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫﴿ سَنُ ْلقِي فِي قُلُوبِ اّلذِينَ َك َفرُواْ‬

‫ضَنكا ﴾‪.‬‬

‫شرَكُواْ بِال ّلهِ ﴾‪.‬‬
‫ال ّرعْبَ ِبمَا أَ ْ‬

‫جعَلِ ال ّلهُ َلهُ نُورا َفمَا َلهُ‬
‫ضهَا فَ ْوقَ َبعْضٍ ِإذَا أَ ْخرَجَ َيدَهُ َلمْ يَ َكدْ َيرَاهَا َومَن ّلمْ َي ْ‬
‫﴿ ظُ ُلمَاتٌ َبعْ ُ‬
‫مِن نّورٍ ﴾‪.‬‬

‫**************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪110‬‬

‫ل ييبُ ا ُلضْطرّ‬
‫اُ‬
‫كاد الهاتا غاندي – الزعي ُم النديّ بعد بوذا – ينهارُ لول أنه استمدّ اللام من القو ِة الت‬
‫تنحُها الصلةُ ‪ ،‬وكيف ل أنْ أعلم ذلك ؟ لنّ غاندي نفسهُ قال ‪ :‬لو لْ أصلّ لصبحتُ‬
‫منونا منذُ زمنٍ طويلٍ‪.‬‬
‫هذا وغاندي ليس مسلما ‪ ،‬وإنا هو على ضللةٍ ‪ ،‬لكنهُ على مذهبِ ‪َ ﴿ :‬فِإذَا رَكِبُوا فِي‬

‫اْلفُلْكِ َدعَوُا ال ّلهَ ُمخْ ِلصِيَ َل ُه الدّينَ ﴾‪َ ﴿ .‬أمّن ُيجِيبُ اْل ُمضْ َطرّ ِإذَا دَعَاهُ﴾‪ ﴿ .‬وَظَنّواْ أَّنهُمْ‬

‫صيَ َل ُه‬
‫أُحِيطَ ِب ِهمْ َدعَوُاْ ال ّلهَ مُخْ ِل ِ‬

‫الدّينَ ﴾ ‪.‬‬

‫سبتُ أقوال علماءِ السل ِم ومؤرخيهم وأدبائِهمْ ف الملةِ ‪ ،‬فلمْ أجدْ ذاك الكلم عن القلقِ‬
‫والضطرابِ والمراضِ النفسيةِ ‪ ،‬والسببُ أنم عاشوا من دينِهمْ ف أمن وهدوءٍ ‪ ،‬وكانتْ‬
‫حياتُهم بعيدةً عن التعقيدِ والتكلّفِ ‪ ﴿ :‬وَاّلذِينَ آمَنُوا َو َعمِلُوا الصّاِلحَاتِ وَآمَنُوا ِبمَا ُنزّلَ‬

‫حقّ مِن رّّب ِهمْ َك ّفرَ عَنْ ُهمْ سَيّئَاِت ِهمْ وَأَصْ َلحَ بَاَل ُهمْ ﴾ ‪.‬‬
‫ح ّمدٍ َوهُوَ اْل َ‬
‫عَلَى مُ َ‬
‫س فل يدون‬
‫اسعْ قول أب حازمٍ ‪ ،‬إذْ يقولُ ‪ « :‬إنا بين وبي اللوكِ يو ٌم واحدٌ ‪ ،‬أما أم ِ‬
‫لذّته ‪ ،‬وأنا و ُهمْ منْ غدٍ على وَ َجلٍ ‪ ،‬وإنا هو اليومُ ‪ ،‬فما عسى أن يكون اليومُ ؟! »‪.‬‬

‫وف الديثِ‪ (( :‬اللهمّ إن أسالُك خَ ْيرَ هذا اليومٍ ‪ :‬بركته وَنصْرَهُ ونُو َرهُ وهدايَتهُ ))‪.‬‬
‫﴿ يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُواْ ُخذُواْ ِحذْ َر ُكمْ ﴾ وقولٌه تعال ‪ ﴿ :‬وَلْيَتَلَطّفْ‬

‫كمْ أَحَدا ﴾‪.‬‬
‫شعِرَنّ بِ ُ‬
‫وَلَا ُي ْ‬

‫وقال الشاعر ‪:‬‬
‫بِبُؤسى ونُ ْعمَى والوداثُ تفعلُ‬
‫فإنْ تك ِن اليامُ فينا تبدّلتْ‬
‫ول ذللتنا للت ليس تملُ‬
‫فما ليّنتْ منّا قناةً صليبة‬
‫ع فتحملُ‬
‫تُحمّلُ مال يُستطا ُ‬
‫ولكنْ رحلناها نفوسا كريةً‬
‫وصحّتْ لنا العراضُ والناسُ هُزّلُ‬
‫وقيْنا بسنِ الصب منّا نفوسنا‬
‫﴿ َومَا كَانَ قَوَْلهُمْ إِلّ أَن قَالُواْ ربّنَا اغْ ِفرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِ ْسرَافَنَا فِي َأ ْمرِنَا وَثَبّتْ أَ ْقدَامَنَا وانصُرْنَا‬
‫سنَ ثَوَابِ ال ِخرَةِ‬
‫ب الدّنْيَا وَ ُح ْ‬
‫عَلَى اْلقَوْمِ الْكَا ِفرِينَ{‪ }147‬فَآتَا ُهمُ ال ّلهُ ثَوَا َ‬
‫****************************************‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪111‬‬

‫ل تزنْ فالياةُ أقصرُ مّا تتص ّورُ‬
‫ذكر داي ْل كارنيجي قصَةَ رجل أصابَتْه قُرْحةٌ ف أمعائه ‪ ،‬بلغ منْ خطورتِها أنّ الطباء حدّدوا‬
‫لهُ أوان وفاتِهِ ‪ ،‬وأوعزُوا إليه أ ْن يهّزَ كَفَنَهُ‪ .‬قال ‪ :‬وفجأة اتذ « هان » ‪ -‬اسم الريضِ –‬
‫قرارا مدهشا إنهُ فكّرَ ف نفسِهِ ‪ :‬إذا ل يبق ل ف هذهِ الياةِ سوى أم ٍد قصيٍ ‪ ،‬فلماذا ل‬
‫أستمتعُ بذا المدِ على كلّ وجه ؟ لطالا تنيتُ أنْ أطوف حول العالِ قبل أنْ يدركن الوتُ ‪،‬‬
‫ها هو ذا الوقتُ الذي أحقّق فيه أمنيت‪ .‬وابتاع تذكرة السفر ‪ ،‬فارتاع أطباؤه ‪ ،‬وقالوا له ‪:‬‬
‫إننا ِن ّذرُك ‪ ،‬إنك إن أقدمت على هذهِ الرحل ِة فستدفنُ ف قاعِ البحرِ !! لكنه أجاب ‪ :‬كل لنْ‬
‫ت أقارب أل يدفن جثمان إل ف مقابرِ السرةِ‪ .‬وركب «‬
‫يدث شيءٌ من هذا ‪ ،‬لقدْ وعِد ُ‬
‫هان » السفينة ‪ ،‬وهو يتمثّل بقولِ اليامِ ‪:‬‬
‫ونقطعُ العمرَ بُ ْل ِو السّمَرْ‬
‫تعال نروي قصةً للبشرْ‬
‫قصّرَ ف العمارِ طو ُل السّهرْ‬
‫فما أطال النومُ عمرا وما‬
‫وهذه أبيات يقولا وثنّي غي مسلم‪.‬‬
‫ح والسرورِ ‪ ،‬وأرسل خطابا لزوجِتهِ يقولُ فيه ‪ :‬لقد شربتُ‬
‫وبدأ الرجلُ رحلةً مُشبعةً بالر ِ‬
‫وأكلتُ ما لذّ وطاب على ظهرِ السفينِة ‪ ،‬وأنشدتُ القصائد ‪ ،‬وأكلتُ ألوان الطعامِ كلّها حت‬
‫الدّسِم الحظور منها‪ ،‬وتتعتُ ف هذه الفترةِ با ل أتتعْ به ف ماضي حيات‪ .‬ث ماذا؟!‬
‫ث يزعمُ دايل كارنيجي أنّ الرجل صحّ من علِّتهِ ‪ ،‬وأنّ السلوب الذي سار عليه أسلوبٌ‬
‫ناج ٌع ف قهْرِ المراضِ ومغالب ِة اللمِ !!‬
‫إنن ل أوافقُ على أبياتِ اليّامِ ‪ ،‬ل ّن فيها انرافا عن النهج الرّبانّ ‪ ،‬ولكنّ القصود من القصةِ‬
‫‪ :‬أن السرور والفرح والرتياح أعظمُ بكثيٍ من العقاقيِ الطبيّة‪.‬‬
‫****************************************‬

‫اقنع واهدأ‬
‫قالَ ابنُ الروميّ ‪:‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪112‬‬

‫ل ْرصُ مركبُ الشقياءِ‬
‫إنا ا ِ‬
‫قرّب الِ ْرصُ مركبا لِشقيّ‬
‫وعلى الُتعباتِ ذيلُ العفاءِ‬
‫مرحبا بالكفافِ يأت هنيئا‬
‫﴿ َومَا َأمْوَالُ ُكمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالّتِي ُت َقرّبُكُ ْم عِندَنَا زُْلفَى إِلّا مَنْ آ َمنَ َو َعمِلَ صَالِحا َفأُوْلَِئ َ‬
‫ك‬

‫ضعْفِ ِبمَا َعمِلُوا وَ ُهمْ فِي اْل ُغرُفَاتِ‬
‫َلهُمْ َجزَاء ال ّ‬

‫آمِنُونَ ﴾‪.‬‬

‫يقول دايل كارنيجي ‪ « :‬لقدْ أثبت الحصاءُ أ ّن القَلَقَ هو القائلُ ( رقم ‪ )1‬ف أمريكا ‪ ،‬ففي‬
‫خللِ سنّي الربِ العاليةِ الخيةِ ‪ ،‬قُتِلَ من أبنائِنا نو ثُُلثِ مليون مقاتلٍ ‪ ،‬وف خللِ هذه‬
‫الفترةِ نفسِها قضى داءُ القلبِ على مليونْ نسمةٍ‪ .‬ومن هؤلءِ الخيين مليونُ نسمةٍ كان‬
‫مرضهُمْ ناشئا عنِ القلقِ وتوتّرِ العصابِ »‪.‬‬
‫نعمْ إنّ مرض القلبِ من السباب الرئيسيةِ الت حدتْ بالدكتورِ « ألكسيس كاريل » على أن‬
‫يقول‪« :‬إن رجال العمالِ الذين ل يعرفون كيف يكافحون القلق ‪ ،‬يوتون مبكّرين»‬
‫والسببُ معقولٌ ‪ ،‬والجلُ مفروغٌ منه ‪َ ﴿ :‬ومَا كَانَ لَِن ْفسٍ َأنْ َتمُوتَ إِلّ ِبِإذْنِ ال كِتَابا‬
‫جلً ﴾‪.‬‬
‫مّؤَ ّ‬

‫ض الزنوجُ ف أمريكا أو الصينيون بأمراضِ القلبِ ‪ ،‬فهؤلءِ أقوامٌ يأخذون الياة‬
‫وقلّما ير ُ‬
‫مأخذا سهلً ليّنا ‪ ،‬وإنك لترى أن عدد الطباءِ الذين يوتون بالسكتةِ القلبيةِ يزيدُ عشرين‬
‫ضِعْفا على عددِ الفلحي الذين يوتون بالعلّة نفسِها ‪ ،‬فإنّ الطباء ييوْن حياةً متوترةً عنيفةً ‪،‬‬
‫يدفعون الثمن غاليا‪ « .‬طبيبٌ يداوي الناس وهو عليلُ » !!‬
‫*******************************‬

‫لزْن‬
‫الرضا با حصل يُذهبُ ا ُ‬
‫وف الديث ‪ (( :‬ول نقولُ إل ما يُرضي ربّنا ))‪.‬‬
‫إنّ عليك واجبا مقدّسا ‪ ،‬وهو النقيا ُد والتسليمُ إذا داهك القدورُ‪ ،‬لتكون النتيجةُ ف صالِك‬
‫‪ ،‬والعاقبةُ لك ؛ لنك بذا تنجو من كارثةِ الحباطِ العاج ِل والفلسِ الجلِ‪.‬‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫ق رأسي قلتُ للشّيب مرحبا‬
‫ومَفْرِ ِ‬
‫ولا رأيتُ الشّيْب لح بعارضي‬

‫ل تحزن‬
‫‪113‬‬

‫تنكّب عن رُ ْمتُ أنْ يتنكبا‬
‫ت تيت‬
‫ولو خِ ْفتُ أن إنْ كَفَفْ ُ‬
‫س يوما كان للكُرْهِ أذهبا‬
‫به النف ُ‬
‫ولكن إذا ما حلّ كُرٌْه فسامتْ‬
‫ل مفرّ إل أن تؤمن بالقدرِ ‪ ،‬فإنهُ سوف ين ُفذُ ‪ ،‬ولو انسلخت من جلدِك وخرجت من‬
‫ثيابِك !!‬
‫نُقِلَ عن إيرسون ف كتابه « القدرةُ على النازِ » حيث تساءل ‪ « :‬منْ أين أَتَتْنا الفكرةُ‬
‫القائلةُ ‪ :‬إن الياة الرغدة الستقرةَ الادئة الالية من الصعابِ والعقباتِ تلقُ سعداء الرجالِ أو‬
‫عظماءهم ؟ إ ّن المر على العكسِ ‪ ،‬فالذين اعتادوا الرثاء لنفس ِهمْ سيواصلون الرثاءَ لنفسهم‬
‫ولو ناموا على الريرِ ‪ ،‬وتقلّبُوا ف الدّمقسِ‪ .‬والتاريخُ يشهدُ بأنّ العظمة والسعادة البيثُ ‪،‬‬
‫وبيئاتٌ ل يتمي ُز فيها بي طيبٍ وخبيثٍ ‪ ،‬ف هذه البيئاتِ نََبتَ رجالٌ حلوا السؤولياتِ على‬
‫أكتافِهم ‪ ،‬ول يطرحوها وراء ظهورِهم »‪.‬‬
‫إ ّن الذين رفعوا علم الدايةِ الربانيّ ِة ف اليامِ الول للدعو ِة الحمدية هم الوال والفقراءُ‬
‫والبؤساءُ ‪ ،‬وإنّ ُجلّ الذين صادمُوا الزحف اليانّ القدّس همْ أولئك الرموقون والوجهاءِ‬
‫والترفون ‪ ﴿ :‬وَِإذَا تُتْلَى عَلَ ْيهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ اّلذِينَ َك َفرُوا لِ ّلذِينَ آمَنُوا َأيّ اْل َفرِيقَيْنِ خَ ْيرٌ‬

‫حنُ َأكَْثرُ َأمْوَالً وَأَوْلَادا َومَا َنحْنُ ِب ُمعَذِّبيَ ﴾‪﴿ .‬أَهَـؤُلء‬
‫سنُ َندِيّا ﴾‪ ﴿ .‬وَقَالُوا َن ْ‬
‫ّمقَاما وَأَ ْح َ‬
‫مَنّ ال ّل ُه عَلَ ْيهِم مّن بَيْنِنَا أَلَ ْيسَ ال ّلهُ ِبَأعْ َلمَ بِالشّا ِكرِينَ ﴾‪ ﴿ .‬وَقَالَ اّلذِينَ َك َفرُوا لِ ّلذِينَ آمَنُوا‬

‫لَوْ كَانَ خَيْرا مّا سََبقُونَا إِلَ ْيهِ ﴾‪ ﴿ .‬قَالَ اّلذِينَ اسْتَكَْبرُواْ إِنّا بِاّلذِيَ آمَنُتمْ ِبهِ كَا ِفرُونَ‬

‫﴾‪﴿ .‬‬

‫وَقَالُوا لَوْلَا ُنزّلَ َهذَا اْل ُقرْآ ُن عَلَى رَجُلٍ ّمنَ اْل َقرْيَتَ ْينِ عَظِيمٍ{‪ }31‬أَ ُهمْ َي ْقسِمُونَ رَ ْح َمةَ رَبّكَ‬
‫﴾‪.‬‬

‫وإن لذكرُ بيتا لعنترة ‪ ،‬وهو يبُنا أ ّن قيمته ف سجاياه ومآثِرِهِ ونُبِْلهِ ل ف أصلِهِ وعنص ِرهِ ‪،‬‬
‫يقولُ ‪:‬‬
‫أوْ أسود اللونِ إن أبيضُ الُلُقِ‬
‫إن كنتُ فإن سيدٌ كَرَما‬
‫*****************************************‬

‫إنْ فقدت جارحةً من جوارحك‬

‫ل تحزن‬
‫‪114‬‬

‫فقدْ بقيتْ لك جوارحُ‬
‫يقولُ ابنُ عباس ‪:‬‬
‫ففي لسان وسعي منهما نورُ‬
‫إنْ يأخ ِذ الُ من عينّ نورها‬
‫وف فمي صارمٌ كالسيفِ مأثورُ‬
‫قلب ذكيّ وعقلي غيُ ذي عِوجٍ‬
‫ولع ّل الي فيما َحصَلَ لك من الصابِ ‪َ ﴿ ،‬و َعسَى أَن تَ ْكرَهُواْ شَيْئا وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ﴾‪.‬‬
‫يقولُ بشّارُ بنُ بُرْدٍ ‪:‬‬
‫فليس بعارٍ أن يُقال ضريرُ‬
‫وعيّرن العداءُ والعيبُ فيهمو‬
‫فإنّ عمى العينيِ ليس يضيُ‬
‫إذا أبصر الرءُ الروءة والتّقى‬
‫ث فقيُ‬
‫وإن إل تلك الثل ِ‬
‫رأيتُ العمى أجرا وذُخرا و ِعصْمةً‬
‫س وبشّارِ ‪ ،‬وبي ما قاله صالُ بن عبدالقدوسِ لّا عَمي ‪:‬‬
‫انظرْ إل الفرقِ بي كلمِ ابنِ عبا ٍ‬
‫ضريرِ العيِ ف الدنيا نصيبُ‬
‫على الدنيا السلمُ فما لشيخٍ‬
‫ويُخلِفُ ظنّهُ الملُ الكذوبُ‬
‫يوتُ الرءُ وهو يُ َعدّ حيّا‬
‫ض قريبُ‬
‫فإنّ البعض مِن بع ٍ‬
‫يُمنّين الطبيبُ شفاء عين‬
‫إن القضاء سوف ينفذُ ل مالة ‪ ،‬على القابِل ل ُه والرافضِ لهُ ‪ ،‬لكنّ ذاك يُؤجَ ُر ويسْعَدُ ‪ ،‬وهذا‬
‫يأ ُث ويشقى‪.‬‬
‫كتب عمرُ بن عبدالعزيزِ إل ميمون بن مهران ‪ :‬كتبت تعزّين على عبداللكِ ‪ ،‬وهذا أمرٌ ل‬
‫أزل أنتظرهُ ‪ ،‬فلمّا وقع ل أُنكِ ْرهُ‪.‬‬
‫*********************************‬

‫اليامُ دُولٌ‬
‫يُروى أنّ أحد بن حنبل – رحه ال‪ -‬زار بقيّ بن ملدٍ ف مرضٍ له فقال له ‪ « :‬يا أبا‬
‫صحّةِ ل سُق َم فيها ‪ ،‬وأيامُ السقمِ ل صحّة فيها‪.» ..‬‬
‫عبدالرحن ‪ ،‬أبشرْ بثوابِ الِ ‪ ،‬أيامُ ال ّ‬
‫والعن ‪ :‬أن أيام الصحةِ ل يعرضُ الرضُ فيها بالبالِ ‪ ،‬فتقوى عزائمُ النسانِ ‪ ،‬وتكثر آمالُه ‪،‬‬
‫ويشتدّ طموحُه‪ .‬وأيامُ الرضِ الشديدِ ل تعرضُ الصحةُ بالبالِ ‪ ،‬فيخيّم على النفسِ ضعف‬

‫ل تحزن‬
‫‪115‬‬

‫الملِ ‪ ،‬وانقباض المّةِ وسلطان اليأس‪ .‬وقو ُل المامِ أحد مأخوذٌ من قولهِ تعال ‪﴿ :‬وَلَِئنْ‬

‫ضرّاء‬
‫َأذَقْنَا الِْنسَانَ مِنّا رَ ْح َمةً ُثمّ َنزَعْنَاهَا مِ ْنهُ إِّنهُ لَيَؤُوسٌ َكفُورٌ{‪ }9‬وَلَِئنْ َأذَقْنَاهُ َنعْمَاء َب ْعدَ َ‬
‫ت عَنّي إِّنهُ َل َفرِحٌ َفخُورٌ{‪ }10‬إِلّ اّلذِينَ صََبرُواْ َو َعمِلُواْ‬
‫َمسّتْهُ لََيقُوَلنّ ذَهَبَ السّيّئَا ُ‬

‫جرٌ كَبِيٌ ﴾ ‪.‬‬
‫الصّاِلحَاتِ أُوْلَـئِكَ َلهُم ّم ْغ ِفرَةٌ وَأَ ْ‬

‫قال الافظُ اب ُن كثيٍ – رح ُه الُ ‪ « : -‬يبُ الُ تعال عن النسانِ وما فيهِ من الصفا ِ‬
‫ت‬
‫الذميمةِ ‪ ،‬إل منْ رحم الُ من عبادِهِ الؤمني ‪ ،‬أنه إذا أصابتْه شدّةٌ بعد نعمةٍ ‪ ،‬حصل له يأسٌ‬
‫وقنوطٌ من اليِ بالنسبةِ إل الستقبلِ ‪ ،‬وكفرٌ وجحودٌ لاضي الالِ ‪ ،‬كأنه ل ير خيا ول‬
‫يرجُ فرجا »‪.‬‬
‫ت عَنّي ﴾ ‪.‬‬
‫وهكذا إن أصابتهُ نعمةٌ بعد نقمةٍ ‪ ﴿ :‬لََيقُوَلنّ ذَهَبَ السّيّئَا ُ‬
‫أي يقولُ ‪ :‬ما ينالن بعد هذا ضيمٌ ول سوءٌ ‪،‬‬

‫﴿‬

‫إِّنهُ َل َفرِحٌ‬

‫َفخُورٌ ﴾‪.‬‬

‫أي فرح با ف يدِهِ ‪ ،‬بط ٌر فخورٌ على غيه‪ .‬قال الُ تعال ‪ ﴿ :‬إِلّ اّلذِينَ صََبرُواْ َوعَمِلُواْ‬
‫كَبِيٌ ﴾‪.‬‬

‫الصّاِلحَاتِ أُوْلَـئِكَ َلهُم ّم ْغ ِفرَةٌ وَأَ ْجرٌ‬
‫***************************************‬

‫سيوا ف الرض‬
‫قال أحدُ ُهمْ ‪ :‬السف ُر يذهبُ الموم‪.‬‬
‫ب العلمِ‬
‫ث الفاضلُ » ‪ ،‬ف بيا ِن فوائدِ الرحلةِ ف طل ِ‬
‫ي ف كتابِهِ « الحدّ ُ‬
‫قال الافظُ الرامهرمز ّ‬
‫والتعِ الاصلةِ با ‪ ،‬ردّا على من كرِه الرحلة وعابا ما يلي ‪:‬‬
‫« ولو عَرَفَ الطاعنُ على أهلِ الرّحل ِة مقدار لذّةِ الرّاحلِ ف رحلتِهِ ونشاطِهِ عند فصولِهِ منْ‬
‫ف القطارِ وغياضِها ‪ ،‬وحدائِقِها ‪ ،‬ورياضِها ‪،‬‬
‫وطنهِ ‪ ،‬واستلذاذِ جيعِ جوارحِهِ ‪ ،‬عند تصرّ ِ‬
‫وتصفّح الوجوهِ ‪ ،‬ومشاهدةِ ما لْ ير م ْن عجائبِ البلدانِ ‪ ،‬واختلفِ اللسنةِ واللوانِ ‪،‬‬
‫والستراحةِ ف أفياءِ اليطانِ ‪ ،‬وظللِ الغيطانِ ‪ ،‬والكلِ ف الساجدِ ‪ ،‬والشربِ من الوديةِ ‪،‬‬
‫ت الِ بسقوطِ الشمةِ ‪ ،‬وتر ِك التصنّعِ‬
‫والنومِ حيثُ يدركهُ الليلُ ‪ ،‬واستصحابِ منْ يبّهُ ف ذا ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪116‬‬

‫‪ ،‬وكلّ ما يصلُ إل قلبهِ من السرورِ عنْ ظفرِهِ ببغيتِهِ ‪ ،‬ووصولِهِ إل مقصدِهِ ‪ ،‬وهجومِهِ على‬
‫س الذي شّرَ لهُ ‪ ،‬وقطع الشّقّةَ إليه – لعّلمَهُ أنّ لذّاتِ الدنيا مموعةٌ ف ماسن تلك‬
‫الجل ِ‬
‫الشاهدِ ‪ ،‬وحلوةِ تلك الناظرِ ‪ ،‬واقتناصِ تلك الفوائدِ ‪ ،‬الت هي عند أهلِها أبى منْ زهرِ‬
‫الربيعِ ‪ ،‬وأنفسُ من ذخائ ِر العِقيانِ ‪ ،‬من حيثُ حُرِمها الطاعنُ وأشباهُ ُه »‪.‬‬
‫وجاِنبِ الذّلّ إنّ الذّلّ يُجتََنبُ‬
‫قوّضْ خيامك ع ْن ربْهٍ أُهِنْت بهِ‬
‫*******************************************‬

‫وقفـــةٌ‬
‫خطُ))‪.‬‬
‫سْ‬
‫((إنّ ال إذا أحبّ قوما ابتلهم‪ ،‬فمنْ رضي فله الرّضا‪ ،‬وم ْن سخطَ َف َلهُ ال ّ‬

‫(( أشدّ الناسِ بلء النبياءُ ‪ ،‬ثّ المثلُ فالمثلُ يُبتلى الرجلُ على قدرِ دينهِ ‪ ،‬فإنْ كان ف‬

‫دينهِ صلب ٌة أشتدّ بلؤه ‪ ،‬وإن كان ف دينه ر ّقةٌ ابتُلي على قدرِ دينه ‪ ،‬فما يبحُ البلءُ‬
‫بالعبدِ ‪ ،‬حت يتركهُ يشي على الرضِ وما عليه خطيئةٌ ))‪.‬‬

‫(( عجبا لم ِر الؤمنِ إ ّن أمرّهُ كلّه خيٌ !! وليس ذاك لح ِد إل للمؤمنِ ‪ ،‬إن أصابتْه سرّاء‬

‫شكر فكان خيا له ‪ ،‬وإنْ أصابتهُ ضرّاء صب فكان خيا له ))‪.‬‬

‫(( واعلمْ أنّ المة لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوك بشيءٍ ل ينفعوك إل بشيءٍ قد كتبُ الُ‬

‫لك ‪ ،‬وإنِ اجتمعوا على أ ْن يضرّوك بشيءٍ ل يضروك إل بشي ٍء قدْ كتبهُ الُ عليك ))‪.‬‬
‫(( يُبتلى الصالون المثلُ فالمثلُ ))‪.‬‬

‫(( الؤمنُ كالامةِ من الزرعِ تُفيّئُها الريحُ يَم ْنةً وَيسْرةً ))‪.‬‬
‫********************************************‬

‫ت تبسّمْ‬
‫ت الو ِ‬
‫حتّى ف سكرا ِ‬
‫فهذا أبو الريانِ البيونّ ( ت ‪ ، ) 440‬مع الفسح ِة ف التعميِ فقدْ عاش ‪ 78‬سنةً مُكِبّا على‬
‫ف الكتبِ ‪ ،‬يفتحُ أبوابا وييطُ بشواكلِها وأقرابِها – يعن ‪:‬‬
‫تصيلِ العلومِ ‪ ،‬مُْنصَبّا إل تصني ِ‬
‫بغوامضِها وجليّاتِها – ول يكادُ يفارقُ يده القلمُ ‪ ،‬وعينه النظرُ ‪ ،‬وقلبه الفكرُ ‪ ،‬إل فيما تسّ‬

‫ل تحزن‬
‫‪117‬‬

‫إليه الاجةُ ف العاشِ منْ بُلْغة الطعامِ وعلقةِ الرياشِ ‪ ،‬ث ِهجّياهُ – أي دَْيدَنُهُ – ف سائ ِر اليامِ‬
‫من السنةِ ‪ :‬علمٌ يُسفرُ عن وجههِ قناع الشكالِ ‪ ،‬ويسرُ عن ذراعيْةِ أكمالُ الغلقِ‪.‬‬
‫حدّث الفقيهُ أبو السنِ عليّ بنُ عيسى ‪ ،‬قال ‪ :‬دخلتُ على أب الريانِ وهو يودُ بِن ْفسِهِ –‬
‫ع الروحِ قارب الوتَ – قد حشرجتْ نفسُهُ ‪ ،‬وضاق با صدرُهُ ‪ ،‬فقال ل ف‬
‫أيْ وهو ف نزْ ِ‬
‫ب الدّاتِ الفاسدةِ ؟ أيْ الياثُ ‪ ،‬وهي الت تكونُ من‬
‫تلك الالِ ‪ :‬كيف قلت ل يوما حسا ُ‬
‫قِبل المّ ‪ ،‬فقلتُ له إشفاقا عليه ‪ :‬أف هذهِ الالةِ ؟ قال ل ‪ :‬يا هذا ‪ ،‬أودّعُ الدنيا وأنا عالٌ‬
‫بذهِ السألة ‪ ،‬أل يكون خيا من أنْ أخلّيها وأنا جاهلٌ با ؟! فأعدتُ ذلك عليهِ ‪ ،‬وح ِفظَ‬
‫وعلّمن ما وعد ‪ ،‬وخرجتُ من عندِ ِه فسمعتُ الصراخ!! إنا الممُ الت تتاحُ ركام‬
‫الخاوفِ‪.‬‬
‫والفاروقُ عمرُ ف سكراتِ الوتِ ‪ ،‬يثعبُ جرحُه دما ‪ ،‬ويسألُ الصحابة ‪ :‬هلْ أكمل صلتهُ‬
‫أمْ ل ؟!‪.‬‬
‫وسعدُ بنُ الربيع ف (( أُحدٍ)) مضرّج بدمائِهِ ‪ ،‬وهو يسألُ ف آخ ِر رَمَقٍ عن الرسولِ ‪ ،‬إنا‬
‫ثباتةُ الأشِ وعمارُ القلبِ !‬
‫كأنك ف جفنِ الردى وهو نائمُ‬
‫ك لواقفِ‬
‫وقفتَ ما ف الوتِ ش ّ‬
‫ووجهُك وضاحٌ وثغرُك باسمُ‬
‫ترّ بكَ البطالُ كلمى هزيةً‬
‫قال إبراهيمُ بنُ الراحِ ‪ :‬مرض أبو يوسف فأتيتُه أعودُه ‪ ،‬فوجدتُه مُغْمىً عليهِ ‪ ،‬فلمّا أفاق قال‬
‫ل ‪ :‬ما تقولُ ف مسألةٍ ؟ قلتُ ‪ :‬ف مثلِ هذه الالِ ؟! قال ‪ :‬ل بأس ندرسُ بذلك لعلّه ينجو‬
‫به ناجٍ‪.‬‬
‫ث قال ‪ :‬يا إبراهيمُ ‪ ،‬أيّما أفض ُل ف رمي المارِ ‪ :‬أن يرميها الرجلُ ماشيا أو راكبا ؟ قلتُ ‪:‬‬
‫راكبا‪ .‬قال ‪ :‬أخطأت‪ .‬قلتُ ‪ :‬ماشيا‪ .‬قال ‪ :‬أخطأت‪ .‬قلتُ ‪ :‬أيّهما أفضلُ ؟ قال ‪ :‬ما كان‬
‫يُوقفُ عند ُه فالفضلُ أنْ يرميه ماشيا ‪ ،‬وأما ما كان ل يُوقفُ عنده ‪ ،‬فالفضلُ أن يرميه راكبا‬
‫‪ ،‬ث قمتُ من عند ِه فما بلغتُ باب دارِهِ حت سعتُ الصراخ عليه وإذا هو قدْ مات‪ .‬رح ُة ال‬
‫عليه‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪118‬‬

‫صصِهِ ‪،‬‬
‫قال احدُ الكُتّابِ العاصرين ‪ :‬هكذا كانوا !! الوتُ جاثٌ على رأسِ أحدِ ِهمْ بكُرِبهِ و ُغ َ‬
‫والشرج ُة تشتدّ ف نفسِهِ وصدرِهِ ‪ ،‬والغماءُ والغشيا ُن ميطٌ بهِ ‪ ،‬فإذا صحا أو أفاق من‬
‫غشيتِهِ لظاتٍ ‪ ،‬تساءل عنْ بعضِ مسائلِ العلمِ الفرعيّةِ أو الندوبةِ ‪ ،‬ليتعلّمها أو ليعلّمها ‪،‬‬
‫وهو ف تلك الالِ الت أخذ فيها الوتُ منه النفاس والتلبيب‪.‬‬
‫ويطيشُ فيه النابِ ُه البيْطارُ‬
‫ف موقفٍ نسي الليمُ سدادهُ‬
‫يا لِ ما أغلى العلم على قلوبِهمْ !! وما أشغلَ خواطر ُهمْ وعقوَلهُمْ به !! حت ف ساعةِ النعِ‬
‫والوتِ ‪ ،‬ل يتذكروا فيها زوجةً أو ولدا قريبا عزيزا ‪ ،‬وإنا تذكروا العلم !! فرح ُة الِ تعال‬
‫عليهمْ‪ .‬فبهذا صاروا أئمة ف العل ِم والدّينِ‪.‬‬
‫*********************************‬

‫أسرارُ الشدائدِ‬
‫أورد الؤرخُ الديبُ أحدُ بنُ يوسف الكاتبُ الصريّ ف كتابِهِ العجبُ الفريدُ (الكافأ ُة‬
‫وحس ُن العُقب ) فقال ‪ :‬وقدْ علم النسانُ أن سُفورَ الالةِ – أي انكشاف ال ُغمّةِ والشدّةِ –‬
‫عن ضدّه ‪ ،‬حَْت ٌم لبدّ منه ‪ ،‬كما علم أنّ انلء الليلُ يسفرُ عن النهار ‪ ،‬ولكنّ خور الطبيعةِ‬
‫أشدّ ما يلز ُم النفس عندَ نزو ِل الكوارثِ ‪ ،‬فإذا ل تُعالْ بالدواءِ ‪ ،‬اشتدّتِ العلةُ ‪ ،‬وازدادتِ‬
‫الحنةُ ‪ ،‬لن النفس إذا ل تُعَنْ عند الشدائدِ با يدّ ُد قُواها ‪ ،‬تولّى عليها اليأسُ فأهلكها‪.‬‬
‫والتفكّرُ ف أخبارِ هذا البابِ – بابِ أخبارِ من ابتلي فصب ‪ ،‬فكان ثرةُ صبِه حسن العقب –‬
‫مّا يُشجّع النفْس ‪ ،‬ويبعثُها عن ملزم ِة الصبِ وحسنِ الدبِ مع الربّ عزّ وجلّ ‪ ،‬بسنِ الظنّ‬
‫ف موافاةِ الحسانِ عند ناي ِة المتحانِ‪.‬‬
‫جهَرُ ‪ :‬الشدائدُ قبل الواهبِ ‪ ،‬تشبهُ‬
‫وقال أيضا – ف آخر الكتابِ ‪ « : -‬خاتةٌ ‪ :‬قال بُ ُزرْ ْ‬
‫الوع قبل الطعامِ ‪ ،‬يسّ ب ِه موقُعُهُ ‪ ،‬ويلذّ معه تناولهُ »‪.‬‬
‫وقال أفلطونُ ‪ « :‬الشدائدُ تُصِلحُ من النفسِ بقدارِ ما تفسدُ من العيشِ ‪ ،‬والتّترّف – أي‬
‫س بقدارِ ما يصلحُ من العيشِ »‪.‬‬
‫الترفُ والترفّه – يفسدُ من النف ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪119‬‬

‫وقال أيضا ‪ « :‬حافظ على كلّ صديقٍ أهدتْه إليك الشدائدُ ‪ ،‬والْه عنْ كلّ صديقٍ أهدتْه إليك‬
‫النعمةُ »‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ « :‬الترفّفهُ كالليلِ ‪ ،‬ل تتأم ْل فيه ما تصدرُه أو تتناولُه ‪ ،‬والشدة كالنهارِ ‪ ،‬ترى‬
‫فيها سعيك وسعي غيِك »‪.‬‬
‫وقالُ أزدشي ‪ « :‬الشدّةُ ُكحْلٌ ترى به ما ل تراه بالنعمة »‪.‬‬
‫ويقول أيضا ‪ « :‬ومِلكُ مصلحةِ المرِ ف الشدّةِ شيئان ‪ :‬أصغرُها قو ُة قلبِ صاحبِها على ما‬
‫ينوبُه ‪ ،‬وأعظمُها ُحسْنُ تفويضِهِ إل مالكِهِ ورازقِهِ »‪.‬‬
‫حوَ خالقِهِ ‪ ،‬علم أنهُ لْ يتحِنْه إل با يوجبُ له مثوبةً ‪ ،‬أو يحّصُ‬
‫وإذا صَ َمدَ الرجلُ بفكرِهِ َن ْ‬
‫عنه كبيةً ‪ ،‬وهو مع هذا من الِ ف أرباحٍ متصلةٍ ‪ ،‬وفوائد متتابعةٍ‪.‬‬
‫فأما إذا اشتدّ فك ُرهُ تلقاء الليقةِ ‪ ،‬كثرتْ رذائلُه ‪ ،‬وزاد تصنّعه ‪ ،‬وبرِم بقامِه فيما قصُر عن‬
‫تأمّلهِ ‪ ،‬واستطال من الِحنِ ما عسى أن ينقضي ف يومِهِ ‪ ،‬وخاف من الكروهِ ما لعلّه أنْ‬
‫يطئهُ‪.‬‬
‫وإنا تصدقُ الناجاةِ بي الرجلِ وبي ربّهِ ‪ ،‬لعلمِهِ با ف السرائرِ وتأييدِ ِه البصائر ‪ ،‬وهي بي‬
‫الرجلِ وبي أشباهِهِ كثيةُ الذيةِ ‪ ،‬خارجةٌ عن الصلحةِ‪.‬‬
‫ولِ تعال َر ْوحٌ يأت عند اليأسِ منهُ ‪ ،‬يُصيبُ به منْ يشاءُ من خلقِهِ ‪ ،‬وإليهِ الرغبةُ ف تقريبِ‬
‫سؤْلُ ‪ ،‬وهو حسب ونِعْم‬
‫الفرجِ ‪ ،‬وتسهيلِ المرِ ‪ ،‬والرجوعِ إل أفضلِ ما تطاول إليه ال ّ‬
‫الوكيلُ‪.‬‬
‫ث فوائدَ ‪:‬‬
‫طالعتُ كتاب ( الفرجُ بعد الشدةِ ) للتنوخيّ ‪ ،‬وكرّرتُ قراءته فخرجتُ منه بثل ِ‬
‫الول ‪:‬أنّ الفرج بعد الكربِ سنّةٌ ماضي ٌة وقضيةٌ مُسلّمةٌ ‪ ،‬كاليحِ بعد الليلِ ‪ ،‬ل شكّ فيه ول‬
‫ريب‪.‬‬

‫الثانيةُ ‪:‬أنّ الكاره مع الغالبِ أجلُ عائدةً ‪ ،‬وأرفعُ فائدةً للعبدِ ف دينِهِ ودنياهُ من الحابّ‪.‬‬
‫الثالةُ ‪:‬أنّ جالب النفعِ ودافع الضرّ حقيقةٌ إنا هو ال جلّ ف عله ‪ ،‬واعلمْ أنّ ما أصابك ل‬
‫يكنْ لِيخطِئك وما أخطأك لْ يكنْ ليصيبك‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪120‬‬

‫**************************************‬

‫حقارةُ الدنيا‬
‫يقولُ ابنُ الباركِ العا ُل الشهي ‪ :‬قصيد ُة عديّ ب ِن زيدٍ أحبّ غليّ من قصرِ الميِ طاهرِ بنِ‬
‫السيِ لو كان ل‪.‬‬
‫وهي القصيدةُ الذائعةُ الرائعةُ ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫ـرِ أأنت ال ّبؤُ الوفورُ‬
‫أيّها الشامتُ الُعيّ ُر بالدّهْـ‬
‫ـامِ بلْ أنت جاه ٌل مغرورُ‬
‫أمْ لديك العهدُ الوثيقُ من اليّـ‬
‫أيْ ‪ :‬يا من شِت بصائبِ الخرين‪ ،‬هل عندك عهدٌ أنْ ل تصيبك أنت مصيبةٌ مثلُهم؟! أم هلْ‬
‫منحتْك اليا ُم ميثاقا لسلمتِك من الكوارثِ والحنِ ؟! فلماذا الشماتةُ إذنْ ؟‬
‫وف الديثِ الصّحيِحِ ‪ (( :‬لوْ أنّ الدنيا تساوي عند الِ جناح بعوضةِ ‪ ،‬ما سقى كافرا منها‬
‫شربة ماءٍ ))‪ .‬إ ّن الدنيا عند الِ تعال أهونُ من جناحِ البعوضةِ ‪ ،‬وهذه حقيق ُة قيمتِها‬
‫ووزنِها ‪ ،‬فلِم الزعُ واللعُ عليها ومن أجلهِا ؟!‬
‫السعادةُ ‪ :‬أنْ تشعر بالمنِ على نفسِك ومستقبلك وأهلِك ومعيشتِك ‪ ،‬وهي مموعةٌ ف‬
‫اليا ِن والرضا الِ وقضائ ِه وقدرهِ ‪ ،‬والقناعةُ ‪ :‬الصبُ‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫قيم ُة اليانِ‬
‫﴿ بَلِ ال ّلهُ َي ُمنّ عَلَيْ ُكمْ أَنْ‬

‫كمْ لِ ْلإِيَانِ ﴾‪.‬‬
‫َهدَا ُ‬

‫من النعيمِ الذي ل يدركُهُ إلّ الفطناءُ ‪ :‬نظرُ السلمِ إل الكافرِ ‪ ،‬وتذكّرُ نعم ِة الِ ف الدايةِ إل‬
‫دين السلمِ ‪ ،‬وأنّ ال عزّ وجلّ ل يق ّدرْ لك أنْ تكون كهذا الكافرِ ف كفرِه بربّه وترّدهِ عليهِ‬
‫‪ ،‬وإلادِه ف آياتِه ‪ ،‬وجحو ِد صفاتِه ‪ ،‬وماربتِه لولهُ وخالقِه ورازقِه ‪ ،‬وتكذيبِه لرسلِه وكتبه ‪،‬‬
‫ل ورسول ِه واليومِ الخرِ ‪،‬‬
‫وعصيانِهِ أوامرهُ ‪ ،‬ث تذكّرْ أنت أنّك مسلمٌ مو ّحدٌ ‪ ،‬تؤمنُ با ِ‬
‫وتؤدّي الفرائض ولو على تقصيٍ ‪ ،‬فإنّ هذا ف حدّ ذاته نعمةٌ ل تُقدّر بثمن ول تُباعُ بالٍ ‪،‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪121‬‬

‫ول تدورُ ف السبانِ ‪ ،‬وليس لا شبيهٌ ف العيانِ ‪ ﴿ :‬أَ َفمَن كَانَ مُ ْؤمِنا َكمَن كَانَ فَاسِقا لّا‬

‫َيسْتَوُونَ ﴾‪.‬‬

‫حت ذكر بعضُ الفسرين أنّ مِ ْن نعيمِ أهلِ النّةِ نظُرهم إل أهِل النارِ ‪ ،‬فيشكرون ربّهم على‬
‫هذا النعيمِ ‪ « :‬وبضدّها تتميزُ الشياءُ »‪.‬‬
‫*************************************‬

‫وقفـــةٌ‬
‫ت اللوهيّةِ ‪ ،‬وهي‬
‫ل إله إل الُ ‪ :‬أيْ ل معبود بقّ إل الُ سبحانهُ وتعال ‪ ،‬لتفرّ ِدهِ بصفا ِ‬
‫صفاتُ الكمالِ‪.‬‬
‫روحُ هذه الكلمةِ وسرّها ‪ :‬إفرادُ الربّ – جلّ ثناؤه وتقدّستْ أساؤُه ‪ ،‬وتبارك اسُه ‪ ،‬وتعال‬
‫جدّه ‪ ،‬ول إله غيُهُ – بالحبةِ والجل ِل والتعظيمِ ‪ ،‬والوفِ والرجاءِ ‪ ،‬وتوابعِ ذلك من‬
‫التوكّلِ والنابةِ والرغبةِ والرهبةِ ‪ ،‬فل يُحبّ سواهُ ‪ ،‬وكلّ ما يُحبّ غيُه فإنا يُحبّ تبعا لحبتِه‬
‫‪ ،‬وكونِه وسيلةً إل زيادةِ مبتِه ‪ ،‬ول يُخافُ سواهُ ول يُرجى سواهُ ‪ ،‬ول يُتوكّل إل عليهِ ‪،‬‬
‫ول يُرغبُ إل إليهِ ‪ ،‬ول يُرهبُ إل منهُ ‪ ،‬ول يُحلفُ إل باسِهِ ‪ ،‬ول يُنذرُ إل لهُ ‪ ،‬ول يُتابُ إل‬
‫إليهِ ‪ ،‬ول يُطاعُ إل أمرُه ‪ ،‬ول يتحسّبُ إل بهِ ‪ ،‬ول يُستغاثُ ف الشدائدِ إل به ‪ ،‬ول يُلتجأ‬
‫ف واحدٍ ‪ ،‬وهو ‪:‬‬
‫إل إليهِ ‪ ،‬ول يُسجدُ إل لهُ ‪ ،‬ول يُذبحُ إل له وباسِهِ ‪ ،‬ويتمعُ ذلك ف حر ٍ‬
‫أنْ ل يُعبد إل إياهُ بميعِ أنواعِ العبادةِ‪.‬‬
‫******************************************‬

‫معاقون متفوقون‬
‫ف ملحقِ عُكاظٍ العددُ ‪ 10262‬ف ‪ 1415 / 4 / 7‬هـ ‪ ،‬مقابلةٌ مع كفيف يُدعى ‪:‬‬
‫ممود بن ممدٍ الدنّ ‪ ،‬درس كتب الدبِ بعيونِ الخرين ‪ ،‬وسع كتب التاريخِ والجلتِ‬
‫ت والصحف ‪ ،‬وربا قرأ بالسماعِ على أح ِد أصدقائِه حت الثالثةِ صباحا حت صار‬
‫والدوريا ِ‬
‫مرجعا ف الدب والطّرفِ والخبار‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪122‬‬

‫ق الوسطِ كلما ‪ ،‬منه ‪ :‬اصبْ على كيد‬
‫كتب مصطفى أمي ف زاويةِ ( فكرة ) ف الشر ِ‬
‫الكائدين ‪ ،‬وظلمِ الظالي ‪ ،‬وسطوةِ البابرةِ ‪ ،‬فإ ّن السوط سوف يسقطُ ‪ ،‬والقيد سوف‬
‫ينكسرُ ‪ ،‬والحبوس سوف يرجُ ‪ ،‬والظلم سوف ينقشعُ ‪ ،‬لكن عليك أن تصب وتنتظر‪.‬‬
‫ذرْعا وعِند ال منها الخرجُ‬
‫َولَرُبّ نازلةٍ يضيقُ با الفت‬
‫قابلتُ ف الرياضِ مفت ألبانيا ‪ ،‬وقد سُجن عشرين سنةً مِن قبل الشيوعيي ف ألبانيا مع‬
‫العما ِل الشاقّةِ ‪ ،‬والبسِ والكيدِ ‪ ،‬والنكّالِ والظلمِ ‪ ،‬والظلمِ وجوعِ ‪ ،‬وكان يصلّى‬
‫الصلواتِ المس ف ناحيةٍ من دورةِ الياه خوفا منهمْ ‪ ،‬ومع هذا صَبَرَ واحتسب حت جاءهُ‬
‫الفرجُ ‪ ﴿ ،‬فَانقَلَبُواْ بِِن ْعمَةٍ ّمنَ ال ّلهِ‬

‫وَ َفضْلٍ ﴾‪.‬‬

‫هذا ( نلسون مانديل ) رئيس جنوبِ أفريقيّة ‪ ،‬سُجن سبعا وعشرين سنةً ‪ ،‬وهو ينادي بريّةِ‬
‫أمّتهِ ‪ ،‬وخلوصِ شعبهِ من القه ِر والكبتِ والستبدادِ والظلمِ ‪ ،‬وهو ُمصِ ّر صامدٌ مواصلٌ‬
‫مستميتٌ ‪ ،‬حت نال مدهُ الدنيويّ‪ ﴿ .‬نُوَفّ إِلَ ْي ِهمْ َأ ْعمَاَل ُهمْ فِيهَا ﴾ ﴿ إِن تَكُونُواْ َتأَْلمُونَ‬
‫فَإِّن ُهمْ يَأَْلمُونَ َكمَا تَأْلَمونَ وََترْجُونَ ِمنَ ال ّلهِ مَا‬

‫لَ َيرْجُونَ ﴾‪.‬‬

‫وما ثبتتْ إل وف نفسِها أَمْرُ‬

‫وأشجعُ من كُلّ يومٍ سلمت‬
‫سسْكُمْ َقرْحٌ َفقَدْ َمسّ اْلقَوْمَ َقرْحٌ مّثْ ُلهُ ﴾‪.‬‬
‫﴿ إِن َي ْم َ‬
‫**********************************‬

‫ل تزن إذا عرفت السلم‬
‫ما أشقى النفوس الت ل تعرفُ السلم ‪ ،‬ول تتدِ إليه ‪ ،‬إنّ السلم يتاجُ إل دعايةٍ م ْن‬
‫أصحابهِ و َحمَلِتهِ ‪ ،‬وإعلن عاليّ هائل ‪ ،‬لنهُ نبأ عظيمٌ ‪ ،‬والدعايةُ له يبُ أن تكون راقيةً‬
‫مهذبةً جذابةً ‪ ،‬لنّ سعادة البشريةِ ل تكونُ إل ف هذا الدينِ ال ّق الالدِ ‪َ ﴿ ،‬ومَن يَبْتَ ِغ غَ ْيرَ‬

‫الِ ْسلَمِ دِينا فَلَن ُيقْبَلَ‬

‫مِ ْنهُ ﴾‪.‬‬

‫سكن داعيةٌ مسلمٌ شهيٌ مدينة ميونخ اللانية ‪ ،‬وعند مدخلِ الدينةِ تُوجدُ لوحةٌ إعلنيةٌ كبى‬
‫ت يوكوهاما »‪ .‬فنصب هذا الداعيةُ لوحةً‬
‫مكتوبٌ عليها باللانيةِ ‪ « :‬أنت ل تعرفُ كفرا ِ‬
‫كبى بانب هذه اللوحةِ كتب عليها ‪ « :‬أنت ل تعرفُ السلم ‪ ،‬إنْ أردت معرفتهُ ‪ ،‬فاتصل‬

‫ل تحزن‬
‫‪123‬‬

‫ف كذا وكذا »‪ .‬وانالتْ عليه التصالتْ من اللانِ منْ كلّ َحدَبٍ وصوب ‪،‬‬
‫بنا على هات ِ‬
‫حت أسلم على يدهِ ف سنةِ واحدة قرابة مائة ألفِ ألانّ ما بي رجلٍ وامرأةٍ وأقام مسجدا‬
‫ومركزا إسلميا ‪ ،‬ودارا للتعليمِ‪.‬‬
‫إن البشرية حائرٌ باجةٍ ماسّةِ إل هذا الدينِ العظيمِ ‪ ،‬ليدّ إليها أمنها وسكينتها وطمأنينتها ‪﴿ ،‬‬
‫خرِجُهُم ّمنِ الظّ ُلمَاتِ إِلَى النّورِ ِبِإذْنِهِ‬
‫سلَمِ وَُي ْ‬
‫َيهْدِي ِبهِ ال ّلهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَاَنهُ سُبُلَ ال ّ‬
‫صرَاطٍ ّمسَْتقِيمٍ ﴾ ‪.‬‬
‫وََي ْهدِي ِهمْ إِلَى ِ‬

‫يقول أح ُد العُبّادِ الكبارِ ‪ :‬ما ظننتُ أنّ ف العالِ أحدا يعبدُ غي ال‪.‬‬
‫لكنْ ﴿ وَقَلِيلٌ مّ ْن عِبَادِيَ الشّكُورُ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَإِن تُطِعْ َأكَْثرَ مَن فِي الَ ْرضِ ُيضِلّو َك عَن سَبِيلِ‬

‫خرُصُونَ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَا َأكَْثرُ النّاسِ وَلَوْ َحرَصْتَ ِبمُ ْؤمِنِيَ‬
‫ال ّلهِ إِن يَتِّبعُونَ إِلّ ال ّظنّ وَإِنْ ُهمْ إِلّ َي ْ‬
‫﴾‪.‬‬

‫وقد أخبن أحدُ العلماءِ أن سودانيّا مسلما قدم من البادية إل العاصمةِ الرطومِ ف أثنا ِء‬
‫الستعمارِ النكليزيّ ‪ ،‬فرأى رجل مرورٍ بريطانيّا ف وسطِ الدينةِ ‪ ،‬فسأل هذا السلمُ ‪ :‬منْ‬
‫هذا ؟ قالوا ‪ :‬كافرٌ‪ .‬قال ‪ :‬كافرٌ باذا ؟ قالوا ‪ :‬بالِ‪ .‬قال ‪ :‬وهلْ أحدٌ يكفرُ بال ؟! فأمسك‬
‫على بطنِهِ ثّ تقيّأ مّا سع ورأى ‪ ،‬ث عاد إل الباديةِ‪َ ﴿ .‬فمَا َل ُهمْ لَا يُ ْؤمِنُونَ ﴾‪!.‬‬

‫سمَاء وَاْلأَ ْرضِ إِّنهُ َلحَقّ مّثْلَ مَا أَنّ ُكمْ تَن ِطقُونَ‬
‫يقو ُل الصمعيّ ‪ :‬سع أعرابّ يقرأُ ‪ ﴿ :‬فَوَ َربّ ال ّ‬
‫﴾ ‪ ،‬قال العرابّ ‪ :‬سبحان الِ ‪ ،‬ومن أحوج العظيم حت يقسم ؟!‬
‫إنه حسنُ الظنّ والتطّلعُ إل كرمِ الول وإحسانِه ولطفه ورحته‪.‬‬
‫وقد ص ّح ف الديثِ أنّ الرسول‬

‫قال ‪ (( :‬يضحك ربّنا ))‪ .‬فقال أعرابّ ‪ :‬لنعدامُ منْ‬

‫ربّ يضحكُ خيا‪.‬‬
‫﴿ وَهُوَ اّلذِي يَُنزّلُ اْلغَيْثَ مِن َب ْعدِ مَا قََنطُوا ﴾ ‪ِ ﴿ ،‬إنّ رَ ْحمَتَ ال ّلهِ َقرِيبٌ ّمنَ اْل ُمحْسِِنيَ‬
‫﴿‬

‫صرَ ال ّلهِ‬
‫أَل إِنّ َن ْ‬

‫َقرِيبٌ ﴾‪.‬‬

‫منْ يقرأُ كتب سيِ الناسِ وتراجم الرجالِ يستفيدُ منها مسائل مطّرِدةً ثابتةً منها ‪:‬‬

‫﴾‬

‫ل تحزن‬
‫‪124‬‬

‫‪.1‬أ ّن قيمة النسانِ ما يُحسنُ ‪ ،‬وهي كلمةٌ لعليّ بن أب طالبٍ ‪ ،‬ومعناها ‪ :‬أ ّن‬
‫علم النسانِ أو أدبهُ أو عبادتهُ أو كرمهُ أو خلقهُ هي ف القيق ِة قيمتُهُ ‪ ،‬وليستْ‬
‫صورتُه أو هندامُ ُه ومنصبُهُ ‪ ﴿ :‬عَبَسَ وَتَوَلّى{‪ }1‬أَن جَاءهُ الَْأ ْعمَى ﴾‪ ﴿ .‬وََلعَ ْبدٌ‬
‫شرِكٍ‬
‫مّ ْؤمِنٌ خَ ْيرٌ مّن ّم ْ‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫وَلَوْ َأ ْعجَبَ ُ‬

‫‪.2‬بقدرِ هّةِ النسانِ واهتمامِ ِه وبذلِ ِه وتضحيِتَه تكونُ مكانُتُه ‪ ،‬ول يعطى لهُ الجْدُ‬
‫جُزافا‪.‬‬
‫ل تسبِ الجد ترا أنت آك ُلهُ‪..‬‬

‫خرُوجَ َل َعدّواْ َل ُه عُدّةً ﴾‪ ﴿ .‬وَجَا ِهدُوا فِي ال ّلهِ َحقّ‬
‫﴿ وَلَوْ َأرَادُواْ اْل ُ‬

‫جهَادِهِ ﴾‪.‬‬
‫ِ‬

‫‪.3‬أ ّن النسان هو الذي يصنعُ تاريه بنفسِهِ بإذنِ ال ‪ ،‬وهو الذي يكتبُ سيتهُ‬
‫بأفعالِهِ الميلةِ أو القبيحةِ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫وَنَكْتُبُ مَا َق ّدمُوا وَآثَارَ ُهمْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫‪.4‬وإنّ عمر العب ِد قصيٌ ينصرمُ سريعا ‪ ،‬ويذهبُ عاجلً ‪ ،‬فل يقصره بالذنوبِ‬
‫والمو ِم والغمومِ والحزانِ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫ضحَاهَا ﴾‪ ﴿ .‬قَالُوا لَبِثْنَا‬
‫َلمْ يَلْبَثُوا إِلّا َعشِّيةً َأوْ ُ‬

‫يَوْما أَوْ َبعْضَ يَوْمٍ فَا ْسأَلْ اْلعَادّينَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫كفى حزنا أنّ الياة مريرةٌ‬

‫ول عملٌ يرضى ب ِه الُ صالُ‬

‫•منْ أسبابِ السعادةِ ‪:‬‬
‫‪)1‬العملُ الصالُ ‪َ ﴿ :‬منْ عَمِلَ صَالِحا مّن ذَ َكرٍ َأوْ أُنثَى وَهُوَ مُ ْؤ ِمنٌ فَلَُنحْيِيَّنهُ حَيَاةً طَيَّبةً ﴾‪.‬‬
‫‪)2‬الزوجةُ الصالةُ ‪ ﴿ :‬رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ َأزْوَاجِنَا َوذُرّيّاتِنَا ُقرّةَ َأعُْينٍ‬

‫﴾‪.‬‬

‫‪)3‬البيتُ الواسعُ ‪ :‬وف الديثِ ‪ (( :‬اللهمّ وسّعْ ل ف داري ))‪.‬‬

‫‪)4‬الكسْبُ الطيبُ ‪ :‬وف الديثِ ‪ (( :‬إنّ ال طيّبٌ ل يقبلُ إل طيّبا ))‪.‬‬
‫سنُ الُلقُ والتو ّددُ للناسِ ‪ ﴿ :‬وَ َجعَلَنِي مُبَارَكا أَْينَ مَا‬
‫‪ُ )5‬ح ْ‬
‫‪)6‬السلمةُ من الدّيْنِ ‪ ،‬ومن السرافِ ف النفقةِ ‪:‬‬
‫سطِ‬
‫َيدَكَ َمغْلُوَلةً إِلَى عُُنقِكَ وَلَ تَ ْبسُ ْطهَا كُلّ الَْب ْ‬

‫﴿‬
‫﴾‪.‬‬

‫كُنتُ ﴾‪.‬‬

‫جعَلْ‬
‫سرِفُوا وََلمْ َيقُْترُوا ﴾‪ ﴿ .‬وَلَ َت ْ‬
‫َلمْ ُي ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪125‬‬

‫•مقومات السعادةِ ‪:‬‬
‫قلبٌ شاكرٌ ‪ ،‬ولسانٌ ذاكرٌ ‪ ،‬وجسمٌ صابرٌ‪.‬‬
‫وعليك بالشكر عن النعم والصب عند النقم والستغفار من الذنوب‪.‬‬
‫لوْ جعتُ لك علْم العلماءِ ‪ ،‬وحكمة الكماءِ ‪ ،‬وقصائد الشعراءِ عنِ السعادةِ ‪ ،‬لا وجدتا‬
‫حت تعزم عزيةً صادقة على تذ ّوقِها وجَلْبِها ‪ ،‬والبحثِ عنها وطرْدِ ما يضادّها ‪ « :‬منْ أتان‬
‫يشي أتيتهُ هرولةً »‪.‬‬
‫ومن سعادةِ العبدِ ‪ :‬كتمُ أسرارِ ِه وتدبيِه أمورهُ‪.‬‬

‫ذكروا أنّ أعربيّا استُؤمن على سرّ مقابل عشرةِ دناني ‪ ،‬فضاق ذرعا بالسرّ ‪ ،‬وذهب إل‬
‫ت وصبٍ‬
‫صاحبِ الدنلنيِ ‪ ،‬وردّها عليهِ مقابل أنْ يُفشي السرّ ‪ ،‬لنّ الكتمان يتاجُ إل ثبا ٍ‬
‫ف أوراقِهِ‬
‫وعزيةٍ ‪ ﴿ :‬لَ َت ْقصُصْ رُؤْيَا َك عَلَى إِخْوَِتكَ ﴾ ‪ ،‬لنّ نِقاط الضعفِ عند النسانِ كش ُ‬
‫للناسِ ‪ ،‬وإفشاءُ أسرارِه لمْ ‪ ،‬وهو مرضٌ قديٌ ‪ ،‬وداءٌ متأصّ ٌل ف البشريةِ ‪ ،‬والنفسُ مُولع ٌة‬
‫بإفشاءِ السرارِ ‪ ،‬ونقْلِ الخبار‪ .‬وعلقةُ هذا بوضوعِ السعادةِ أنّ منْ أفشى أسراره فالغالبُ‬
‫عليه أن يندم ويزن ويغْتمّ‪.‬‬
‫وللجاحظِ ف الكتمانِ كلمٌ خلّبٌ ف رسائلِهِ الدبيةِ ‪ ،‬فليعُدْ إليها منْ أراد‪ .‬وف القرآن ‪﴿ :‬‬
‫شعِرَنّ بِ ُكمْ أَحَدا ﴾ ‪ ،‬وهذا أصلٌ ف كتمانِ السرّ ‪ ،‬والعرابّ يقول ‪ :‬وأكتمُ‬
‫وَلْيَتَلَطّفْ وَلَا ُي ْ‬

‫السرّ فيه ضربةُ العنقِ‪.‬‬
‫***************************************‬

‫لن توت قبل أجلِك‬
‫﴿‬

‫فَِإذَا جَاء أَجَ ُل ُهمْ لَ َيسَْتأْ ِخرُونَ سَا َعةً‬

‫دمُونَ ﴾‪.‬‬
‫وَلَ َيسَْتقْ ِ‬

‫هذه اليةُ عزاءٌ للجبناءِ الذين يوتون مراتٍ كثيةً قبل الوتِ ‪ ،‬فلْيعلموا أنّ هناك أج ً‬
‫ل‬
‫مسمى ‪ ،‬ل تقدي ول تأخي ‪ ،‬ل يعجّلُ هذا الوت أحدٌ ‪ ،‬ول يؤجّله بشرٌ ‪ ،‬ولو اجتمع أهل‬

‫ل تحزن‬
‫‪126‬‬

‫الافقيْن ‪ ،‬وهذا ف حدّ ذات ِه يلبُ للعبدِ الطمأنينة والسكينة والثبات ‪ ﴿ :‬وَجَاءتْ سَ ْكرَةُ‬
‫اْلمَوْتِ بِاْلحَقّ ﴾‪.‬‬

‫واعلمْ أ ّن التعلّق بغيِ الِ شقاءٌ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫الُنَتصِرِينَ ﴾‪.‬‬

‫صرُوَنهُ مِن دُونِ ال ّلهِ َومَا كَانَ ِمنَ‬
‫َفمَا كَانَ َلهُ مِن فَِئةٍ يَن ُ‬

‫( سَِيرُ أعلمِ النبلءِ ) للذهبّ ثلثةٌ وعشرون ملدا ‪ ،‬ترجم فيها للمشاهيِ من العلماءِ واللفا ِء‬
‫ب تدُ حقيقتي مهمتي ‪:‬‬
‫واللوكِ والمراءِ والوزراءِ والثريا ِء والشعراءِ ‪ ،‬وباستقراءِ هذا الكتا ِ‬
‫الول ‪ :‬أنّ منْ تعلّق بغيِ الِ منْ مالٍ أو ولدٍ أو منصبٍ أو حرفةٍ ‪ ،‬وكل ُه الُ إل هذا الشيءِ ‪،‬‬

‫حسَبُونَ أَّنهُم‬
‫صدّوَنهُ ْم َعنِ السّبِيلِ وََي ْ‬
‫وكان سبب شقاِئهِ وعذابِ ِه ومْقِهِ وسحقِهِ ‪ ﴿ :‬وَإِّن ُهمْ لََي ُ‬
‫ف والتجارةُ ‪ ،‬والوليدُ والولدُ ‪:‬‬
‫ب قارونُ والالُ ‪ ،‬وأُميّةُ بنُ خل ٍ‬
‫ص ُ‬
‫ّمهْتَدُونَ ﴾‪ .‬فرعونُ والن ِ‬

‫ذَرْنِي َو َمنْ خَ َلقْتُ‬

‫﴿‬

‫وَحِيدا ﴾ ‪.‬‬

‫أبو جهل والاهُ ‪ ،‬أبو لبٍ والنسبُ ‪ ،‬أبو مسلم والسلطةُ ‪ ،‬التنبئ والشهرةُ ‪ ،‬والجّاج والعلوّ‬
‫ت والوزارةُ‪.‬‬
‫ف الرضِ ‪ ،‬ابنُ الفرا ِ‬
‫ب ول‬
‫ب ول منص ٍ‬
‫الثانيةُ ‪ :‬أنّ منِ اعت ّز بالِ وعمل له وتقرّب منه ‪ ،‬أعزّه ورفعه وشرّفه بل نس ٍ‬
‫أه ٍل ول ما ٍل ول عشيةٍ ‪ :‬بللُ والذانُ ‪ ،‬سلمانُ والخرةُ ‪ ،‬صُهيبٌ والتضحيةُ ‪ ،‬عطاءٌ والعِ ْلمُ‬
‫ا ْلعُلْيَا ﴾‪.‬‬

‫سفْلَى وَكَ ِل َمةُ ال ّلهِ هِيَ‬
‫‪ ﴿ ،‬وَ َجعَلَ كَ ِل َمةَ اّلذِينَ َك َفرُواْ ال ّ‬
‫***************************************‬

‫« يا ذا الل ِل والكرامِ »‬
‫صحّ عنه أنهُ قال ‪ « :‬ألظّوا بيا ذا الللِ والكرامِ »‪ .‬أي الزموها ‪ ،‬وأكثرُوا منها ‪،‬‬
‫وداوموا عليها ‪ ،‬ومثلُها وأعظمْ ‪ :‬يا ح ّي يا قيومْ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه السمُ العظمُ لربّ العالي الذين‬
‫إذا دُعي به أجاب ‪ ،‬وإذا سئل به أعطى‪ .‬فما للعبدِ إل أنْ يهتف با وينادي ويستغيث ويدمن‬
‫عليها ‪ ،‬ليى الف َرجَ والظف َر والفلحَ ‪ِ ﴿ :‬إذْ َتسْتَغِيثُونَ رَبّ ُكمْ‬
‫ف حياةِ السلمِ ثلثةُ أيامٍ كأنا أعيادٌ ‪:‬‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫فَاسَْتجَابَ لَ ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪127‬‬

‫يومٌ يؤدّي فيه الفرائض جاعةً ‪ ،‬ويسْلمُ من العاصي‪ ﴿ :‬اسَْتجِيبُواْ لِ ّلهِ وَلِلرّسُولِ ِإذَا َدعَاكُم‬
‫﴾‪.‬‬

‫ويومٌ يتوبُ فيه من ذنِبهِ ‪ ،‬وينخلعُ من معصيتِهِ ‪ ،‬ويعودُ إل ربِهِ ‪ُ ﴿ :‬ثمّ تَابَ عَلَ ْيهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾‪.‬‬
‫ويومٌ يلقى فيه ربّه على خاتةٍ حسنةٍ وعم ٍل مبورٍ ‪َ (( :‬منْ أحبّ لقاء ال أحبّ الُ لقاءهُ ))‪.‬‬
‫وبشّرتُ آمال بشخصٍ هو الورى‬

‫ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هو الدهرُ‬

‫قرأتُ سِي الصحابة – رضوانُ الِ عليهم ‪ ، -‬فوجدتُ ف حياتِهمْ خس مسائل تيزُهم عنْ‬
‫غيِهمْ ‪:‬‬

‫الول ‪ :‬اليُسْرُ ف حياِت ِهمْ ‪ ،‬والسهولةُ وعدم التكلّف ‪ ،‬وأخذ المور ببساطة ‪ ،‬وترك التنطع‬

‫والتعمّق والتشديد ‪:‬‬

‫سرَى ﴾‪.‬‬
‫سرُكَ لِلُْي ْ‬
‫﴿ وَنَُي ّ‬

‫الثانيةَ ‪ :‬أن عِلْمهم غزيرٌ مباركٌ متصلٌ بالعملِ ‪ ،‬ل فضولَ فيه ول حواشي ‪ ،‬ول كثرة كلمٍ ‪،‬‬
‫خشَى ال ّلهَ ِم ْن عِبَادِهِ اْلعُ َلمَاء ﴾‪.‬‬
‫ول رغوة أو تعقيد ‪ ﴿ :‬إِّنمَا َي ْ‬

‫ب لديهمْ أعظمُ من أعما ِل البدانِ ‪ ،‬فعندهُمُ الخلصُ والنابُةُ‬
‫الثالثةَ ‪ :‬أنّ أعمال القلو ِ‬

‫والتوكلُ والحبةُ والرغبةُ والرهبةُ والشْي ُة ونوُها ‪ ،‬بينما أمورُهم ميسّرةٌ ف نوافلِ الصلةِ‬
‫والصيامِ ‪ ،‬حت إن بعض التابعي أكثرُ اجتهادا منهمْ ف النوافلِ الظاهرةِ ‪َ ﴿ :‬فعَ ِلمَ مَا فِي‬
‫قُلُوِب ِهمْ ﴾‪.‬‬

‫الرابعة ‪ :‬تقلّلهمْ من الدنيا ومتاعِها ‪ ،‬وتفّفُهم منها ‪ ،‬والعراضُ عن بارجها وزخارفِها ‪ ،‬ما‬

‫أكسبهم راحةً وسعادةً وطمأنينةً وسكينةً ‪َ ﴿ :‬و َمنْ َأرَادَ ال ِخرَةَ وَ َسعَى َلهَا َسعَْيهَا وَهُوَ مُ ْؤمِنٌ‬
‫﴾‪.‬‬

‫الامسة ‪ :‬تغليبُ الهادِ على غيِه من العمالِ الصالةِ ‪ ،‬حت صار سِمةً لمْ ‪ ،‬ومعْلما‬
‫ل وبذلً‬
‫وشعارا‪ .‬وبالها ِد قضوْا على هومِهم وغمومِهم وأحزانِهمْ ‪ ،‬لنّ فيه ذكرا وعم ً‬
‫وحركةً‪.‬‬
‫فالجاهدُ ف سبيل الِ منْ أسعدِ الناسِ حالً ‪ ،‬وأشرحِهم صدْرا وأطيبهِم نفسا ‪﴿ :‬وَاّلذِينَ‬
‫حسِِنيَ ﴾ ‪.‬‬
‫جَا َهدُوا فِينَا لََن ْهدِيَنّ ُهمْ سُُبلَنَا وَِإنّ ال ّلهَ َلمَعَ اْلمُ ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪128‬‬

‫ف القرآن حقائقُ وسُننٌ ل تزو ُل ول تولُ ‪ ،‬أذكرُ ما يتعلقُ منها بسعاد ِة العبدِ وراحةِ بالِهِ ‪،‬‬
‫منْ هذِ ِه السّننِ الثابتةِ ‪:‬‬
‫صرُوا ال ّلهَ يَنصُرْ ُكمْ وَيُثَبّتْ أَ ْقدَامَكُمْ ﴾‪ .‬ومنْ سألهُ أجابهُ‬
‫أنّ منِ استنصر بالِ َنصَ َرهُ ‪ ﴿ :‬إِن تَن ُ‬
‫‪ ﴿ :‬ا ْدعُونِي أَسَْتجِبْ لَ ُكمْ ﴾‪ .‬ومن استغفره غَفَرَ له ‪ ﴿ :‬فَا ْغفِرْ لِي َف َغ َفرَ َلهُ ﴾‪ .‬ومنْ تاب‬
‫إليه قبل منه ‪َ ﴿ :‬وهُوَ اّلذِي َيقْبَلُ التّوَْب َة َعنْ عِبَادِهِ ﴾‪ .‬وم ْن توكّل عليهِ كفاهُ ‪َ ﴿ :‬ومَن‬

‫يَتَوَكّلْ عَلَى ال ّلهِ َفهُوَ َحسُْبهُ ﴾‪.‬‬

‫وأنّ ثلثةً يعجّلُها الُ لهلِها بنكالِها وجزائها ‪ :‬البغيُ ‪:‬‬
‫والنكثُ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫﴿‬

‫إِّنمَا َبغْيُ ُكمْ عَلَى أَن ُفسِكُم ﴾ ‪،‬‬

‫سهِ ﴾ ‪ ،‬والكرُ ‪ ﴿ :‬وَلَا َيحِيقُ اْلمَ ْكرُ السّيّئُ‬
‫َفمَن نّكَثَ فَإِّنمَا يَنكُثُ عَلَى َن ْف ِ‬

‫إِلّا ِبأَهْ ِلهِ ﴾‪ .‬وأنّ الظال لنْ يفلت من قبضةِ الِ ‪ ﴿ :‬فَتِلْكَ بُيُوُتهُمْ خَاوَِيةً ِبمَا ظَ َلمُوا ﴾‪ .‬وأنّ‬

‫ب الدّنْيَا وَ ُحسْنَ‬
‫ثرة العملِ الصالِ عاجلةٌ وآجلةٌ ‪ ،‬لنّ ال غفورٌ شكورٌ ‪ ﴿ :‬فَآتَا ُهمُ ال ّلهُ ثَوَا َ‬

‫ثَوَابِ ال ِخرَةِ ﴾ ‪ ،‬وأن من أطاعه أحبّه ‪ ﴿ :‬فَاتِّبعُونِي ُيحْبِبْكُمُ ال ّلهُ ﴾‪ .‬فإذا عَرَفَ العبدُ ذلك‬

‫صرُ إِلّ‬
‫سعد و ُسرّ ‪ ،‬لنه يتعاملُ مع ربّ يرزقُ ويَْنصُرُ ‪ِ ﴿ :‬إنّ ال ّلهَ هُوَ الرّزّاقُ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَا الّن ْ‬

‫مِ ْن عِندِ ال ّلهِ ﴾ ‪ ،‬ويغفرُ ‪ ﴿ :‬وَإِنّي َل َغفّارٌ ّلمَن تَابَ ﴾ ‪ ،‬ويتوبُ ‪:‬‬
‫‪ ،‬وينتقمُ لوليائه منْ أعدائِهِ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫﴿‬

‫إِّنهُ ُهوَ التّوّابُ الرّحِيمُ‬

‫﴾‬

‫إِنّا مُنَت ِقمُونَ ﴾ ‪ ،‬فسبحانه ما أكملهُ وأجلّهُ ‪ ﴿ :‬هَلْ َتعْ َلمُ َلهُ‬

‫َسمِيّا ﴾ ؟!‪.‬‬
‫للشيخِ عبدِالرحنِ ب ِن سعديّ – رح ُه الُ – رسال ٌة قيّمةٌ اسُها ( الوسائلُ الفيدةُ ف اليا ِة‬
‫السعيدةِ ) ‪ ،‬ذكر فيها ‪ « :‬إنّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ ينظر العبدُ إل نعمِ الِ عليه ‪ ،‬فسوف‬
‫يرى أنهُ يفوقُ با أما من الناسِ ل ُتحْصى ‪ ،‬حينها يستشع ُر العبدُ فضل الِ عليه »‪.‬‬
‫أقولُ ‪ :‬حت ف المورِ الدينيّةِ مع تقصيٍ العبدِ ‪ ،‬يُد انه أعلى م ْن فئامٍ من الناسِ ف الحافظةِ‬
‫على الصلةِ جاعةً ‪ ،‬وقراءةِ القرآن والذك ِر ونْو ذلك ‪ ،‬وهذه نعمةٌ جليلةٌ ل تُق ّدرُ بثمنٍ ‪﴿ :‬‬

‫وَأَسْبَ َغ عَلَيْ ُكمْ ِن َع َمهُ ظَا ِهرَةً وَبَاطَِنةً‬

‫﴾‪.‬‬

‫ث الكبيِ ابنِ عبدِ الباقي انه ‪ :‬استعرض الناس بعد خروجِهم من‬
‫وقدْ ذكر الذهبّ عن الحدّ ِ‬
‫جامعِ ( دارِ السلمِ ) ببغداد ‪ ،‬فما وَ َجدَ أحدا منه ُم يتمنّى أنه مكانه وف مسلخه‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪129‬‬

‫ولذِهِ الكلمةِ جانبٌ إيابّ وسلبّ ‪ ﴿ :‬وَ َفضّلْنَا ُه ْم عَلَى كَثِيٍ ّم ّمنْ‬
‫كلّ هذا اللْقِ ِغرّ وأنا‬

‫خَ َلقْنَا َت ْفضِيلً ﴾‪.‬‬

‫لمَلْ‬
‫منهمُ فاتركْ تفاصيل ا ُ‬

‫****************************************‬

‫وقفـــةٌ‬
‫س – رضي الُ عنها – قالتْ ‪ :‬قال ل رسولُ ال‬
‫عن أساء بنتِ عُميْ ٍ‬

‫‪:‬‬

‫(( أل أُعلّمكِ كلماتٍ تقولِينهُن عند الك ْربِ‪ .‬أو ف الكرْبِ‪ .‬؟ ‪ :‬الُ الُ ربّي ل أُشركُ به‬

‫شيئا ))‪.‬‬

‫وف لفظٍ ‪ (( :‬منْ أصابهُ ه ّم أو غمّ أو سقمٌ أو ِشدّةٌ ‪ ،‬فقال ‪ :‬الُ رب ‪ ،‬ل شريك له‪.‬‬
‫ُكشِف ذلك عنه ))‪.‬‬

‫« هناك أمورٌ مظلم ٌة تورِدُ على القلبِ سحائب متراكماتٍ مظلمةً ‪ ،‬فإذا فرّ إل ربّهِ ‪ ،‬وسلّم‬
‫أمره إليهِ ‪ ،‬وألقى نفسهُ بي يديهِ ِمنْ غيِ شرِكةِ أحدٍ من اللقِ ‪ ،‬كشَفَ عنه ذلك ‪ ،‬فأمّا منْ‬
‫قال ذلك بقلبٍ غافلٍ لهٍ ‪ ،‬فهيهات »‪.‬‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫با فقدناهُ مِنْ مالٍ ومِنْ َنشَبِ‬
‫وما نبال إذا أرواحٌنا سلِمتْ‬
‫س وقاها الُ ِمنْ عَ َطبِ‬
‫إذا النفو ُ‬
‫فالا ُل مكتسبٌ والعِزّ مُرْتعٌ‬
‫**********************************‬

‫مَن خاف حاسدا‬
‫سدَ‬
‫‪.1‬العوّذاتُ مع الذكارِ والدعا ِء عموما ‪َ ﴿ :‬ومِن َشرّ حَا ِسدٍ ِإذَا َح َ‬

‫﴾‪.‬‬

‫‪.2‬كِتمانُ أمرِك عنِ الا ِسدِ ‪ ﴿ :‬لَ َتدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَا ِحدٍ وَادْخُلُواْ ِمنْ أَبْوَابٍ‬
‫مَّتفَرّ َقةٍ ﴾‪.‬‬

‫‪.3‬البتعادُ عنه ‪ ﴿ :‬وَِإنْ ّلمْ تُ ْؤمِنُوا لِي فَاعَْتزِلُونِ‬
‫‪.4‬الحسانُ إليه لِكفّ أذاهُ ‪ ﴿ :‬ادْفَعْ بِالّتِي‬

‫﴾‪.‬‬

‫حسَنُ ﴾‪.‬‬
‫هِيَ أَ ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪130‬‬

‫************************************‬

‫سنْ خلُقكَ‬
‫حّ‬
‫للُقِ ُيمْنٌ وسعادةٌ ‪ ،‬وسُوءُ الُُلقِ شُؤمٌ وشقاءٌ‪.‬‬
‫ُحسْنُ ا ُ‬
‫(( إن الرء لَيبْلغ بسنِ خ ُل ِقهِ درجةَ الصائمِ القائمِ))‪(( .‬أل أُنبّئُكم بأحبّكمُ وأقربِ ُكمْ منّي‬

‫ملسا يوم القيامةِ ؟! أحاسنُكمْ أخلقاُ))‪ ﴿ .‬وَإِنّكَ َلعَلى خُ ُلقٍ عَظِيمٍ ﴾‪ ﴿ .‬فَِبمَا رَ ْح َمةٍ ّمنَ‬
‫ال ّلهِ لِنتَ َل ُهمْ وََلوْ كُنتَ فَظّا غَلِيظَ اْلقَلْبِ لَن َفضّواْ ِمنْ حَوِْلكَ ﴾‪ ﴿ .‬وَقُولُواْ لِلنّاسِ ُحسْنا‬
‫﴾‪.‬‬

‫ت الصديق – رضي ال عنهما – ف وصفها العصوم عليه صلةُ‬
‫وتقولُ أمّ الؤمني عائش ُة بن ُ‬
‫رب وسلمُه ‪ (( :‬كان خُ ُل ُقهُ القُران ))‪.‬‬
‫إن سَ َعةَ الُلُق وَبسْطَهَ الاطرِ ‪ :‬نعيمٌ عاجلٌ وسرورٌ حاضرٌ لن أراد به الُ خيْرا ‪ ،‬وإنّ سرعة‬
‫لدّةِ وثورة الغضبِ ‪ :‬نَ َكدٌ مستمرّ وعذابٌ مقيمٌ‪.‬‬
‫النفعالِ وا ِ‬
‫*************************************‬

‫دواءُ الرقِ‬
‫ماذا يفعلُ منْ أُصيب بالرقِ ؟‬
‫الرقُ تعسّ ُر النومِ ‪ ،‬والتململُ على الفراشِ‪.‬‬

‫‪.1‬الذكارُ الشرعيّةُ ‪ ﴿ :‬أَلَ ِبذِ ْكرِ ال ّلهِ تَ ْطمَِئنّ اْلقُلُوبُ ﴾‪.‬‬
‫‪َ .2‬هجْ ُر النو ِم بالنهارِ إل لاجةٍ ماسّةٍ ‪ ﴿:‬وَ َجعَلْنَا الّنهَارَ‬

‫َمعَاشا ﴾‪.‬‬

‫‪.3‬القراءةُ والكتابةُ حت النومِ ‪ ﴿ :‬وَقُل رّبّ ِزدْنِي عِلْما ﴾ ‪.‬‬
‫‪.4‬إتعابُ السمِ بالعملِ النافعِ نارا ‪ ﴿ :‬وَ َجعَلَ‬

‫الّنهَارَ ُنشُورا ﴾‪.‬‬

‫ت كالقهو ِة والشايِ‪.‬‬
‫‪.5‬التقليلُ منْ شربِ النبّها ِ‬
‫فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا‬
‫شكوْنا إل أحبابِنا طول ليلِنا‬
‫يقينا ول يُغشِي لنا النومُ أعْينا‬
‫وذاك بأنّ النوم يُغشِي عيونم‬

‫ل تحزن‬
‫‪131‬‬

‫مرار ُة الذنبِ تناف حلوة الطاعةِ ‪ ،‬وبشاشة اليانِ ‪ ،‬ومذاق السعادةِ‪.‬‬
‫يقولُ ابنُ تيمية ‪ :‬العاصي تن ُع القلبَ منَ الولنِ ف فضا ِء التوحيدِ ‪ ﴿ :‬قُلِ ان ُظرُواْ مَاذَا فِي‬
‫ل ْرضِ ﴾‪.‬‬
‫وَا َ‬

‫السّمَاوَاتِ‬
‫************************************‬

‫عواقب العاصي‬
‫‪.1‬حجابٌ بي العبدِ وربّه ‪ ﴿ :‬كَلّا إِّن ُه ْم عَن‬

‫حجُوبُونَ ﴾‪.‬‬
‫رّّبهِمْ يَ ْومَِئذٍ ّلمَ ْ‬

‫‪.2‬يُوحشُ الخلوق من الالقِ ‪ :‬إذا ساء فعلُ الرءِ ساءتْ ظنونُه‪.‬‬

‫‪.3‬كآبةٌ دائمةٌ ‪ ﴿ :‬لَ َيزَالُ بُنْيَاُن ُهمُ اّلذِي بَنَوْاْ رِيَبةً فِي قُلُوِبهِمْ ﴾ ‪.‬‬
‫ف ف القلبِ واضطرابٌ ‪ ﴿ :‬سَنُ ْلقِي فِي قُلُوبِ اّلذِينَ َك َفرُواْ ال ّرعْبَ ِبمَا‬
‫‪.4‬خو ٌ‬
‫شرَكُواْ بِال ّلهِ ﴾‪.‬‬
‫أَ ْ‬

‫شةً ضَنكا ﴾‪.‬‬
‫‪.5‬نكدٌ ف العيشةِ ‪ ﴿ :‬فَِإنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫‪.6‬قسوٌة ف القلبِ وظلمةٌ ‪ ﴿ :‬وَ َجعَلْنَا قُلُوَب ُهمْ‬

‫قَاسَِيةً ﴾‪.‬‬

‫‪.7‬سوادٌ ف الوجهِ وعبوسٌ ‪َ ﴿ :‬فَأمّا اّلذِينَ اسْ َودّتْ وُجُو ُه ُهمْ أَ ْك َفرْتُم‬

‫﴾‪.‬‬

‫‪.8‬بغضٌ ف قلوبِ ال ْلقِ ‪ (( :‬أنتم شهدا ُء الِ ف أرضِهِ ))‪.‬‬

‫‪.9‬ضيقٌ ف الرزقِ ‪ ﴿ :‬وَلَوْ أَّن ُهمْ أَقَامُواْ التّ ْورَاةَ وَا ِلنِيلَ َومَا أُنزِلَ إِلَيهِم مّن رّّب ِهمْ‬
‫لكَلُواْ مِن فَوْ ِق ِهمْ َومِن َتحْتِ أَرْجُ ِلهِم‬

‫﴾‪.‬‬

‫‪.10‬غضبُ الرحنِ ‪ ،‬ونقْصُ اليانِ ‪ ،‬وحلو ُل الصائبِ والحزانِ ‪ ﴿ :‬فَبَآؤُواْ ِب َغضَبٍ‬
‫عَلَى غَضَبٍ ﴾‪ ﴿.‬بَلْ رَا َن عَلَى قُلُوِبهِم مّا كَانُوا يَ ْكسِبُونَ ﴾‪﴿ .‬وَقَالُواْ قُلُوبُنَا‬

‫غُلْفٌ‬
‫**************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫اطلبِ الرزق ول ت ِرصْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪132‬‬

‫ي يرزقُها ربّ العالي‪َ ﴿ :‬ومَا مِن دَآّبةٍ فِي الَ ْرضِ إِ ّل عَلَى ال ّلهِ ِرزْ ُقهَا﴾‪.‬‬
‫الدودةُ ف الطّ ِ‬

‫الطيورُ ف الوكورِ يطعمُها الغفورُ الشكورُ ‪ (( :‬كما يرزقُ الطيَ ‪ ،‬تغدو خِماصا وتروحُ‬
‫بِطانا ))‪.‬‬

‫ب الرضِ والسماء ‪ُ ﴿ :‬ي ْطعِمُ‬
‫السمكُ ف الا ِء يرزقُه ر ّ‬

‫طعَمُ ﴾‪.‬‬
‫وَلَ ُي ْ‬

‫وأنت أزكى من الدودةِ والط ِي والسمكِ ‪ ،‬فل تزنْ على رزقِك‪.‬‬
‫عرفتُ أناسا ما أصاُب ُهمُ الفقرَ والكدرُ وضيقُ الصدر إل بسببِ بعدِهم عن الِ عزّ وجلّ ‪،‬‬
‫فتجدُ أحدهم كان غنيّا ‪ ،‬ورزقُه واسعٌ وهو ف عافيةٍ م ْن ربّهِ وف خيٍ منْ موله ‪ ،‬فأعرض‬
‫عن طاع ِة الِ ‪ ،‬وتاون بالصلةِ ‪ ،‬واقترف كبائر الذنوبِ ‪ ،‬فسلبَ َه ربّه عافية بدنِهِ وسعة رزقِهِ ‪،‬‬
‫وابتلهُ بالفقْرِ والمّ والغمّ ‪ ،‬فأصبح منْ نكدٍ إل نكدٍ ‪ ،‬ومنْ بلءٍ إل بلءٍ ‪َ ﴿ :‬ومَنْ َأ ْعرَضَ‬

‫عَن ذِ ْكرِي َفإِنّ َلهُ َمعِيشَةً ضَنكا ﴾‪ ﴿ .‬ذَلِكَ بِأَنّ ال ّلهَ َلمْ َيكُ ُمغَيّرا ّن ْع َمةً أَْن َع َمهَا عَلَى قَوْمٍ‬

‫س ِهمْ ﴾‪َ ﴿ .‬ومَا أَصَابَكُم مّن ّمصِيبَةٍ فَِبمَا َكسَبَتْ أَْيدِي ُكمْ وََي ْعفُو عَن كَثِيٍ‬
‫حَتّى ُيغَّيرُواْ مَا بِأَن ُف ِ‬
‫﴾‪ ﴿ .‬وَأَلّوِ اسَْتقَامُوا عَلَى ال ّطرِي َقةِ َلأَ ْسقَيْنَاهُم‬

‫مّاء غَدَقا ﴾‪.‬‬

‫صبّ‬
‫هنيئا مريئا أيّها القاتلُ ال ّ‬
‫أتبكي على ليلى وأنت قتلتها‬
‫**************************************‬

‫﴿ اه ِدنَــــا الصّرَاطَ الُستَقِيمَ ﴾‬

‫سرّ الدايةِ‬

‫ولنْ يهتدي للسعادةِ ول ْن يدها ولنْ ينعم با ‪ ،‬إل م ِن اتبع الصراط الستقيم الذي تركنا ممدٌ‬
‫صرَاطا ّمسَْتقِيما﴾‪.‬‬
‫ت النعيمِ ‪﴿ :‬وََل َهدَيْنَا ُهمْ ِ‬
‫على طرفِهِ ن وطرفُه الخرُ ف جنا ِ‬
‫فسعادةُ من لزم الصراط الستقيم أنهُ مطمئنّ لسْ ِن العاقبةِ ‪ ،‬واثقٌ منْ طيبِ الصيِ ‪ ،‬ساكنٌ إل‬
‫موعودِ ربّهِ ‪ ،‬راضٍ بقضاءِ مولهُ ‪ ،‬مبتٌ ف سلوكِ ِه هذا السبيلُ ‪ ،‬يعلمُ انّ له هاديا يهديهِ على‬
‫هذا الصراطِ ‪ ،‬وهو معصومٌ ل ينطقُ عن الوى ‪ ،‬ول يتبعُ منْ غوى ‪َ ،‬قوْلُهُ حجّةٌ على‬

‫ل تحزن‬
‫‪133‬‬

‫ت النسانِ ‪َ ﴿ :‬لهُ ُمعَقّبَاتٌ‬
‫الورى ‪ ،‬مفوظٌ منْ نزغاتِ الشيطانِ ‪ ،‬وعثراتِ القرانِ ‪ ،‬وسقطا ِ‬

‫حفَظُوَنهُ ِمنْ َأ ْمرِ‬
‫مّن بَ ْينِ َيدَْيهِ َو ِمنْ خَ ْل ِفهِ َي ْ‬

‫ال ّلهِ ﴾‪.‬‬

‫وهذا العبدُ يدُ السعادة ف سلوكِهِ هذا الصراط ؛ لنهُ يعلمُ أنّ له إلا ‪ ،‬وأمامهُ أسوةً ‪ ،‬وبيدِ ِه‬
‫كتابا ‪ ،‬وف قلبِه نورا ‪ ،‬وف خلدِه ‪ ،‬واعظا ‪ ،‬وهو ذاهبٌ إل نعيمٍ ‪ ،‬وعاملٌ ف طاعةٍ ‪ ،‬وساعٍ‬
‫إل خيٍ ‪ ﴿ :‬ذَلِكَ ُهدَى ال ّلهِ َي ْهدِي ِبهِ‬

‫مَن َيشَاءُ ﴾‪.‬‬

‫إنّ نور الِ ف قلب وهذا ما أراهُ‬
‫أين ما يُدعى ظلما يا رفيق الدربِ أينْا‬
‫وها صراطان ‪ :‬معنويّ و ِحسّيّ ‪ ،‬فالعنويّ ‪ :‬صراطُ الدايةِ واليانِ ‪ ،‬والسيّ ‪ :‬الصراطُ على‬
‫ت الدنيا الفانيةِ له كلليبٌ من الشهواتِ ‪ ،‬والصراطُ‬
‫متْنِ جهنم ‪ ،‬فصراطُ اليانِ على م ِ‬
‫الخرويّ على متْنِ جهنم له كلليبُ كشوكِ السعدانِ ‪ ،‬فمنْ تاوز هذا الصراط بإيانِ ِه تاوز‬
‫سبِ إيقانهِ ‪ ،‬وإذا اهتدى العبدُ إل الصراطِ الستقي ِم زالتْ هومُه وغمومُه‬
‫ذاك الصراط على ح ْ‬
‫وأحزانُه‪.‬‬
‫*******************************************‬

‫عشرُ زهِراتٍ يقطفُها منْ أراد الياة الطيبة‬
‫‪.1‬جلسةٌ ف السّحر للستغفارِ ‪:‬‬

‫سحَارِ ﴾‪.‬‬
‫﴿ وَاْل ُمسْتَ ْغ ِفرِينَ بِالَ ْ‬

‫سمَاوَاتِ‬
‫‪.2‬وخلوةٌ للتفكّرِ ‪ ﴿ :‬وَيََتفَ ّكرُونَ فِي خَ ْلقِ ال ّ‬

‫وَالَ ْرضِ ﴾‪.‬‬

‫‪.3‬ومالسةُ الصالي ‪ ﴿ :‬وَاصِْبرْ َن ْفسَكَ مَعَ اّلذِينَ َي ْدعُونَ‬
‫‪.4‬والذّكْر ‪ ﴿ :‬اذْ ُكرُوا ال ّلهَ ذِكْرا‬

‫كَثِيا ﴾‪.‬‬

‫‪.6‬وتلو ٌة بتدبّرٍ ‪ ﴿ :‬أَ َفلَ يََتدَّبرُونَ‬

‫اْل ُقرْآنَ ﴾‪.‬‬

‫‪.5‬وركعتانِ بشوعٍ ‪ ﴿ :‬اّلذِينَ ُهمْ فِي صَلَاِتهِمْ‬

‫رَّبهُم ﴾‪.‬‬

‫شعُونَ ﴾‪.‬‬
‫خَا ِ‬

‫‪.7‬وصيامُ يو ٍم شديدِ الرّ ‪ (( :‬يدع طعامه وشرابه وشهواته منْ أجلي ))‪.‬‬
‫‪.8‬وصدقةٌ ف خفاءٍ ‪ (( :‬حت ل تعلم شالهُ ما تنفقُ يينُه ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪134‬‬

‫‪.9‬وكشْفُ كربةٍ عنْ مسلمٍ ‪ (( :‬منْ فرّج عنْ مسلمِ كرب ًة منْ كُربِ الدنيا فرّج‬
‫الُ عنه كرب ًة منْ كربِ يومِ القيامةِ ))‪.‬‬

‫‪.10‬وزهْ ٌد ف الفانيةِ ‪ ﴿ :‬وَالْآخِرَةُ خَ ْيرٌ‬

‫وَأَْبقَى ﴾‪.‬‬

‫تلك عشرةٌ كاملةٌ‪.‬‬

‫ب الرضِ‬
‫صمُنِي ِمنَ اْلمَاء ﴾‪ .‬ولو أوى إل ر ّ‬
‫منْ شقاءِ اب ِن نوحٍ قولُه ‪ ﴿ :‬سَآوِي إِلَى جَبَلٍ َي ْع ِ‬
‫والسماءِ لكان أجلّ وأعزّ وأمنع‪.‬‬
‫ومن شقاءِ النمرودِ قولهُ ‪ :‬أنا أُحيي وأُميتُ‪ .‬فتقمّص ثوبا ليس له ‪ ،‬واغتصب صفةً ل تلّ له ‪،‬‬
‫فُِبهِت وخسأ وخاب‪.‬‬
‫﴿ فَأَ َخذَهُ ال ّلهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ‬

‫وَاْلأُولَى ﴾‪.‬‬

‫مفتاحُ السعادةِ كلمةٌ ‪ ،‬ومياثُ اللّةِ عبارةٌ ‪ ،‬ورايةُ الفلحِ جلةٌ ‪ ،‬فالكلم ُة والعبارةُ والملةُ هي‬
‫‪ :‬ل إله إل الُ‪ .‬ممدٌ رسو ُل الِ ‪.‬‬
‫صدْقِ‬
‫سعادةُ منْ نطقها ف الرضِ ‪ :‬أن يُقال ل ُه ف السماءِ ‪ :‬صد ْقتَ ‪ ﴿ :‬وَاّلذِي جَاء بِال ّ‬

‫دقَ ِبهِ ﴾‪.‬‬
‫صّ‬
‫وَ َ‬

‫وسعادةُ منْ عمل با ‪ :‬أنْ ينجو من الدمارِ والشّنارِ والعارِ والنارِ ‪ ﴿ :‬وَيَُنجّي ال ّلهُ اّلذِينَ اّتقَوا‬

‫ِب َمفَازَِت ِهمْ ﴾‪.‬‬

‫وسعادةُ منْ دعا إليها ‪ :‬أنْ يٌعان ويُْنصَرَ وُيشْكَرَ ‪ ﴿ :‬وَِإنّ جُندَنَا َل ُهمُ‬
‫وسعادةُ منْ أحبّها ‪ :‬أنْ يُرفع ويُكرَمَ ويُعزّ ‪ ﴿ :‬وَِل ّلهِ اْل ِعزّةُ وَِلرَسُوِلهِ‬

‫خرِ ُجهُم ّمنَ الظّ ُلمَاتِ إِلَى‬
‫هتف با بللٌ الرقيقُ فأصبح حرّا ‪ُ ﴿ :‬ي ْ‬

‫ا ْلغَالِبُونَ ﴾‪.‬‬

‫وَِل ْلمُ ْؤمِنِيَ ﴾‪.‬‬

‫النّ ُورِ ﴾‪.‬‬

‫وتلعثم ف نطقهاِ أبو لبٍ الاشيّ ‪ ،‬فمات عبدا ذليلً حقيا ‪َ ﴿ :‬ومَن ُيهِنِ ال ّلهُ َفمَا َلهُ مِن‬

‫كرِمٍ ﴾‪.‬‬
‫مّ ْ‬

‫إنا الكسيِرُ الذي يولّ الركام البشريّ الفان إل قممٍ ليانيةٍ ربانيةٍ طاهرةٍ ‪ ﴿ :‬وَلَكِن َجعَلْنَاهُ‬

‫نُورا ّن ْهدِي ِبهِ َمنْ ّنشَاء ِمنْ‬

‫عِبَادِنَا ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪135‬‬

‫ل تفرحْ بالدنيا إذا أعرضْت عنِ الخرةِ ‪ ،‬فإنّ العذاب الواصب ف طريقِك ‪ ،‬والغلّ والنّكالُ‬
‫ك عَنّي سُ ْلطَانِيهْ ﴾‪ ﴿ .‬إِنّ‬
‫ينتظرُك ‪ ﴿ :‬مَا َأغْنَى عَنّي مَالِيهْ{‪ }28‬هَ َل َ‬

‫رَبّكَ لَبِاْل ِمرْصَادِ ﴾‪.‬‬

‫ح بالولدِ إذا أعرضت عن الواحدِ الصمدِ ‪ ،‬فإنّ العراض عنه كلّ الذلنِ ‪ ،‬وغايةُ‬
‫ول تفر ْ‬
‫ضرِبَتْ عَلَ ْيهِ ُم الذّّلةُ‬
‫السرانِ ‪ ،‬وناي ُة الوانِ ‪ ﴿ :‬وَ ُ‬

‫وَاْل َمسْكََنةُ ﴾‪.‬‬

‫ول تفرحْ بالموالِ إذا أسأت العمال ‪ ،‬فإنّ إساءة العمل مقٌ للخاتةِ وتبابٌ ف الصيِ ‪ ،‬ولعنةٌ‬
‫ف الخرةِ ‪ ﴿ :‬وََل َعذَابُ الْآخِرَةِ أَ ْخزَى ﴾ ﴿ َومَا َأمْوَالُ ُكمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالّتِي ُت َقرّبُ ُكمْ عِندَنَا‬
‫صَالِحا ﴾‪.‬‬

‫زُْلفَى إِلّا مَنْ آ َمنَ َو َعمِلَ‬
‫*************************************‬

‫وقفــةٌ‬
‫(( يا حيّ يا قيومُ برحتِك أستغيثُ )) ‪ :‬ف رفع هذا الدعاءِ مناسبةٌ بديعةٌ ‪ ،‬فإنّ صفة الياةِ‬
‫ت الكمالِ ‪ ،‬مستلزمةٌ لا ‪ ،‬وصفةُ القيّوميةُ متضمّنةٌ لميعِ صفا ِ‬
‫ت‬
‫متضمّنةً لميع صفا ِ‬
‫الفعالِ ‪ ،‬ولذا كان اسمُ الِ العظمُ الذي إذا دُعِيَ به أجاب ‪ ،‬وإذا سُئل به أعطى ‪ :‬هو اسمُ‬
‫اليّ القيومُ‪ .‬واليا ُة التامّة تضادّ جيع السقا ِم واللم ؛ ولذا لا كمُلتْ حياةُ أهلِ النةِ ‪ ،‬لْ‬
‫يلح ْقهُمْ ه ّم ول غمّ ول َحزَ ٌن ول شيءٌ من الفاتِ‪ .‬ونقصانُ الياةِ تضرّ بالفعالِ ‪ ،‬وتناف‬
‫القيومية ‪ ،‬فكما ُل القيوميةِ لكمالِ الياةِ ‪ ،‬فاليّ الطلقُ التامّ الياةِ ل تفوتُه صف ُة الكمالِ‬
‫ألبتة ‪ ،‬والقيومُ ل يتع ّذرُ عليه فعْل مكن ألبتة ‪ ،‬فالتوسلُ بصفةِ الياةِ والقوميةِ له تأثيٌ ف إزالةِ‬
‫ما يُضادّ الياةَ ويضرّ بالفعالِ‪.‬‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫وتشى ول الحبوبُ من حيثُ‬
‫لعمْرُك ما الكروهُ منْ حيث تتّقي‬
‫فما درْ ُك المّ الذي ليس ينفعُ‬
‫وأكثرُ خوفِ الناسِ ليس بكائنِ‬
‫*************************************‬

‫تعامَلْ م َع المرِ الواقعِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪136‬‬

‫إذا هوّنت ما قدْ عزّ هان ‪ ،‬وإذا أيسْت من الشيءِ سلتْ عنهُ نفسُك ‪ ﴿ :‬سَيُؤْتِينَا ال ّلهُ مِن‬

‫َفضْ ِلهِ َورَسُوُلهُ إِنّا إِلَى ال ّلهِ‬

‫رَاغِبُونَ ﴾‪.‬‬

‫قرأتُ أنّ رجلً قفز منْ نافذةٍ وكان بأصبعِه اليسرى خات ‪ ،‬فنشب الاتُ بسمارِ ف النافذةِ ‪،‬‬
‫ومع سقوطِ الرجلِ اقتلع السارُ أصبعه من أصلها ‪ ،‬وبقي بأربعُ أصابع ‪ ،‬يقولُ عنْ نفسِهِ ‪ :‬ل‬
‫أكادُ أتذكّرُ أن ل أرب ُع أصابع ف يدٍ فحسبُ ‪ ،‬أو أنن فقدتُ أصبُعا من أصابعِي إل حينما‬
‫أتذكرُ تلك الواقعةَ ‪ ،‬وإل فعلمي على ما يرامُ ‪ ،‬ونفسي راضيةٌ با حدث ‪ (( :‬قدّر الُ وما‬
‫شاء فعل ))‪.‬‬
‫ت يدُه اليسرى من الكتِفِ لرضٍ أصابهُ ‪ ،‬فعاش طويلً وتزوّج ‪ ،‬ورُزق بني‬
‫وأعرفُ رجلً بُتِر ْ‬
‫‪ ،‬وهو يقودُ سيارتهُ بطلقةٍ ‪ ،‬ويؤدي عمله بارتياحٍ ‪ ،‬وكأ ّن الِ ل يلقْ له إل يدا واحدةً ‪(( :‬‬
‫ارض با قسم الُ لك ‪ ،‬تكنْ أغن الناس ))‪.‬‬
‫ما أسرع ما نتكيّف مع واقعِنا ‪ ،‬وما أعجب ما نتأقلمُ مع وضعِنا وحياتِنا ‪ ،‬قبل خسي سنةً‬
‫كان قاعُ البيتِ بساطا منْ حصيٍ النخلِ ‪ ،‬وقربة ماءٍ ‪ ،‬وقدرا م ْن فخارٍ ‪ ،‬وقصعةً ‪ ،‬وجفنةً‪،‬‬
‫وإبريقا ‪ ،‬وقامتْ حياتُنا واستمرتْ معيشتُنا ‪ ،‬لننا رضينا وسلّمنا وتاكمْنا إل واقعِنا‪.‬‬
‫وإذا تُردّ إل قليلٍ تقْنعُ‬
‫والنفسُ راغبةٌ إذا رغّبْتها‬
‫وقعتْ قتنةٌ بي قبيلتيِ ف الكوف ِة ف السجدِ الامعِ ‪ ،‬فسلّوا سيوفهم ‪ ،‬وامتشقوا رماحهم ‪،‬‬
‫وهاجتْ الدائرةُ ‪ ،‬وكادتِ الماجمُ تفارقُ الجسادَ ‪ ،‬وانسلّ أحدُ الناسِ من السج ِد ليبحث‬
‫عن ا ُلصْلحِ الكبيِ والرجلِ الليمِ ‪ ،‬الحنفِ بنِ قيسٍ ‪ ،‬فوجدهُ ف بيتِه يِحلبُ غنمه ‪ ،‬عليه‬
‫كساءٌ ل يساوي عشرة دراهم ‪ ،‬ني ُل السمِ ‪ ،‬نيفُ البنيةِ ‪ ،‬أحنفُ الرجلي ‪ ،‬فأخبوه البَ‬
‫فما اهتزتْ ف جسمِهِ شعرةٌ ول اضطرب ؛ لنه قدِ اعتاد الكوارث ‪ ،‬وعاش الوادث ‪ ،‬وقال‬
‫لم ‪ :‬خيا إنْ شاء الُ ‪ ،‬ث قُدّم له إفطارُه وكأنْ ل يدثْ شيءٌ ‪ ،‬فإذا إفطارهٌ ِكسْرةٌ من البزِ‬
‫اليابسِ ‪ ،‬وزيتٌ وملحٌ ‪ ،‬وكأسٌ من الاءِ ‪ ،‬فسمّى وأكل ‪ ،‬ثّ ح َد الَ ‪ ،‬وقال ‪ُ :‬برّ منْ بُرّ‬
‫العراق ‪ ،‬وزيتٌ من الشامِ ‪ ،‬مع ماءِ دجلة ‪ ،‬وملح مرو ‪ ،‬إنا لنعمٌ جليلةٌ‪ .‬ث لبس ثوبَهَ ‪ ،‬وأخذ‬
‫عصاهُ ‪ ،‬ث دلف على الموعِ ‪ ،‬فلمّا رآه الناسُ اشرأّبتْ إليه أعناقُهم ‪ ،‬وطفحتْ غليه‬

‫ل تحزن‬
‫‪137‬‬

‫عيونُهم ‪ ،‬وأنصتوا لا يقولُ ‪ ،‬فارتل كلمة صُلْحٍ ‪ ،‬ثّ طلب من الناسِ التفرّق ‪ ،‬فذهب كلّ‬
‫واحدا منهمْ ل يلوي على شيءٍ ‪ ،‬وهدأت الثائرةُ ‪ ،‬وماتتِ الفتنةُ‪.‬‬
‫ب قميصِه مَرْقوعُ‬
‫خََلقٌ وجْي ُ‬
‫ق ْد يدركُ الشرف الفت ورداؤُهُ‬

‫•ف القصةِ دروسٌ ‪ ،‬منها ‪:‬‬

‫أنّ العظمة ليستْ بالبةِ والظهرِ ‪ ،‬وأنّ قلّة الشيءِ ليستْ دليلً على الشقاءِ ‪ ،‬وكذلك السعادةُ‬
‫ليستْ بكثرةِ الشيا ِء والترفّهِ ‪َ ﴿ :‬فَأمّا اْلإِنسَانُ ِإذَا مَا ابَْتلَاهُ رَّبهُ فََأ ْك َرمَهُ وََن ّع َمهُ فََيقُولُ رَبّي‬

‫أَ ْك َرمَنِ{‪ }15‬وََأمّا ِإذَا مَا ابْتَلَاهُ َفقَدَرَ عَلَ ْيهِ رِزْ َقهُ فََيقُولُ‬

‫رَبّي أَهَاَننِ ﴾‪.‬‬

‫وأنّ الواهب والصفاتِ الساميةِ هي قيمةُ النسان ‪ ،‬ل ثوْبُهُ ول نعلُ ُه ول َقصْرُهُ ول دارُهُ ‪ ،‬إنا‬
‫وزنهُ ف علمهِ وكرمهِ وحلمهِ وعقلهِ ‪ِ ﴿ :‬إنّ أَ ْك َرمَكُ ْم عِندَ ال ّلهِ أَْتقَا ُكمْ ﴾‪ .‬وعلقةُ هذا‬
‫بوضوعِنا أن السعادة ليستْ ف الثراءِ الفاحشِ ‪ ،‬ول ف القصْرِ النيفِ ‪ ،‬ول ف الذهبِ والفضّةِ‬
‫‪ ،‬ولك ّن السعادةَ ف القلبِ بإيانهِ ‪ ،‬برضاهُ ‪ ،‬بأنسهِ ‪ ،‬بإشراقهِ ‪َ ﴿ :‬فلَ ُت ْعجِبْكَ َأمْوَاُلهُمْ وَلَ‬

‫لدُ ُهمْ ﴾‬
‫أَوْ َ‬

‫﴿ قُلْ ِبفَضْلِ ال ّلهِ وَِبرَ ْحمَِتهِ فَِبذَلِكَ فَلَْي ْفرَحُواْ هُوَ خَ ْيرٌ‬

‫ّممّا َيجْ َمعُونَ ﴾‪.‬‬

‫عوّدْ نفسك على التسليمِ بالقضا ِء والقدرِ ‪ ،‬ماذا تفعلُ إذا لْ تؤمنْ بالقضاءِ والقدرِ ‪ ،‬ه ْل تتخذُ‬
‫ف الرضِ نفقا أو ُسلّما ف السماءِ ‪ ،‬لنْ ينفعك ذلك ‪ ،‬ول ْن ينقذك من القضا ِء والقدرِ‪ .‬إذنْ‬
‫فما اللّ ؟‬
‫اللّ ‪ :‬رضينا وسلّمنا‪﴿ :‬أَيَْنمَا تَكُونُواْ ُيدْرِك ّكمُ اْلمَ ْوتُ وَلَوْ كُنُتمْ فِي ُبرُوجٍ مّشَّيدَةٍ﴾‪.‬‬

‫ف اليام ف حيات ‪ ،‬ومن أفظعِ الوقاتِ ف عمري ‪ :‬تلك الساع ُة الت أخبن فيها‬
‫منْ أعن ِ‬
‫الطبيبُ الختصّ ببترِ يد أخي ممدٍ – رحه الُ – من الكتفِ ‪ ،‬ونزل البُ على سعي‬
‫كالقذيفةِ ‪ ،‬وغالبتُ نفسي ‪ ،‬وثابتْ روحي إل قولِ الول ‪َ ﴿ :‬ا أَصَابَ مِن مّصِيَبةٍ إِلّا بِِإذْنِ‬
‫ش ِر الصّاِبرِينَ{‪ }155‬اّلذِينَ ِإذَا أَصَابَ ْتهُم‬
‫ال ّلهِ َومَن ُي ْؤمِن بِال ّلهِ َيهْدِ قَلَْبهُ ﴾ ‪ ،‬وقولهِ ‪ ﴿ :‬وََب ّ‬

‫مّصِيَبةٌ قَالُواْ إِنّا لِ ّلهِ وَإِنّـا إِلَ ْيهِ‬

‫رَاجِعونَ ﴾‪.‬‬

‫كانتْ هذه الياتُ برْدا وسلما وروْحا وريْحانا‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪138‬‬

‫حسْبُ ‪ ﴿ ،‬أَمْ أَْب َرمُوا َأمْرا فَإِنّا‬
‫وليس لنا من حيلةٍ فنحتالُ ‪ ،‬إنا اليلةُ ف اليانِ والتسليمِ َف َ‬
‫مُ ْبرِمُونَ ﴾ ﴿ وَال ّلهُ غَالِبٌ عَلَى َأ ْمرِهِ ﴾ ﴿ وَِإذَا َقضَى َأمْرا فَإِّنمَا َيقُولُ َلهُ‬

‫كُن فَيَكُونُ ﴾‪.‬‬

‫إن النساء النخعيةَ تُخبُ ف لظةٍ واحدةِ بقتلِ أربعةِ أبناءٍ لا ف سبي ِل الِ بالقادسيةِ ‪ ،‬فما كان‬
‫منها إل أنْ حدتِ ربّها ‪ ،‬وشكرتْ مولها على ُحسْن الصنيعِ ‪ ،‬ولطفِ الختيارِ ‪ ،‬وحلولِ‬
‫القضاءِ ؛ لنّ هناك معينا من اليانِ ‪ ،‬ورافدا من اليقيِ ل ينقطعُ ‪ ،‬فمثلُها تشكرُ وتُؤجرُ‬
‫خطُ والتضجّرُ‬
‫وتسعدُ ف الدنيا والخرةِ ‪ ،‬وإذا لْ تفعلْ هذا فما هو البديلُ إذنْ ؟! التس ّ‬
‫والعتراضُ والرفضُ ‪ ،‬ث خسارةُ الدنيا والخرةِ ! (( فمنْ رضي فلهُ الرّضا ‪ ،‬ومنْ سخط فله‬

‫السخطُ ))‪.‬‬

‫إن بلسم الصائبِ وعلج الزماتِ ‪ ،‬قولُنا ‪ :‬إنّا لِ وإنّا إليه راجعون‪.‬‬
‫والعن ‪ :‬كلّنا لِ ‪ ،‬فنحنُ خَلْقُه وف مل ِكهِ ‪ ،‬وننُ نعودُ إليهِ ‪ ،‬فالبدأُ منه ‪ ،‬والعادُ إليه ‪ ،‬والمرُ‬
‫بيدهِ ‪ ،‬فليس لنا من المرِ شيءٌ‪.‬‬
‫فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا‬
‫نفسي الت تلكُ الشياء ذاهبةٌ‬
‫ن عَلَ ْيهَا فَانٍ﴾ ‪﴿،‬إِنّكَ مَيّتٌ وَإِّنهُم مّيّتُونَ﴾‪.‬‬
‫﴿كُلّ شَيْءٍ هَاِلكٌ إِلّا وَ ْج َههُ ﴾ ‪﴿ ،‬كُلّ َم ْ‬
‫لو فوجئت ببٍ صاعقِ باحتراقِ بيتِك ‪ ،‬أو موتِ ابنك ‪ ،‬أو ذهابِ مالك فماذا عساك أنْ‬
‫تفعل ؟ من النِ وطّنْ نفسك ‪ ،‬ل ينفعُ الربُ ‪ ،‬ل يدي الفرارُ والتملّصُ من القضاء‬
‫ف بالواقعِ ‪ ،‬واكتسبِ الجر ‪ ،‬لنه ليس أمامك‬
‫والقدر ‪ ،‬سّلمْ بالمرِ ‪ ،‬وارض بالقدرِ ‪ ،‬واعتر ْ‬
‫إل هذا‪ .‬نعمْ هناك خيارٌ آخرُ ‪ ،‬ولكنه رديءٌ أحذّرك منُه ‪ ،‬إنه ‪ :‬التبّمُ با َحصَلَ والتضجّرُ ما‬
‫صار ‪ ،‬والثور ُة والغضبُ واليجان ‪ ،‬ولكنْ تصلُ على ماذا منْ هذا كلّه ؟! إنك سوف تنالُ‬
‫غضب الربّ جلّ ف عليائِه ‪ ،‬ومقْت الناسِ ‪ ،‬وذهاب الجْرِ ‪ ،‬وفادح الوزرِ ‪ ،‬ثّ ل يعودُ‬
‫عليك الصاب ‪ ،‬ول ترتفعُ عنك الصيبةُ ‪ ،‬ول ينصرفُ عنك المرُ الحتومُ ‪﴿ :‬فَلَْيمْ ُددْ ِبسَبَبٍ‬
‫مَا َيغِيظُ ﴾‪.‬‬

‫سمَاء ُثمّ لَِيقْطَعْ فَلْيَن ُظرْ هَلْ ُيذْهِبَنّ كَ ْيدُ ُه‬
‫إِلَى ال ّ‬
‫**************************************‬

‫ما تزنُ لجلِهِ سينتهي‬

‫ل تحزن‬
‫‪139‬‬

‫فإنّ الوتَ مقدمٌ على الكلّ ‪ :‬الظالِ والظلومِ ‪ ،‬والقويّ والضعيفِ ‪ ،‬والغنّ والفقيِ ‪ ،‬فلست‬
‫بِدعا من الناسِ أنْ توت ‪ ،‬فقبلك ماتتْ أم ٌم وبعدك توتُ أممٌ‪.‬‬
‫ذكر ابنُ بطوطة أ ّن ف الشمالِ مقبةً دُفن ألفُ ملِكٍ عليها لوحةٌ مكتوبٌ فيها ‪:‬‬
‫والرؤوسُ العظا ُم صارتْ‬
‫وسلطينُهم سلِ الطي عنهمُ‬
‫إنّ المرَ الذهل ف هذا ‪ :‬غفلةُ النسانِ عنْ هذا الفناءِ الداهمِ له صباح مساء ‪ ،‬وظنّه أنهُ خالدٌ‬
‫مّلدٌ من ّعمٌ ‪ ،‬وتغافلُه عن الصيِ الحترمِ وتراخيه عن النهايةِ القّةِ لكلّ حيّ ‪ ﴿ :‬يَا أَّيهَا النّاسُ‬

‫اّتقُوا رَبّ ُكمْ إِنّ زَْلزََلةَ السّا َعةِ شَيْ ٌء عَظِيمٌ ﴾ ‪ ﴿ ،‬اقَْترَبَ لِلنّاسِ ِحسَاُبهُمْ وَ ُهمْ فِي َغفْ َلةٍ‬

‫ّمعْرِضُونَ ﴾‪.‬‬

‫لا أهلك الُ المم ‪ ،‬وأباد الشعوب ‪ ،‬ودمّرَ القُرى الظالةَ وأهلها ‪ ،‬قال–عزّ مِنْ قائل‪ ﴿ :-‬هَلْ‬

‫سمَعُ َل ُهمْ رِكْزا ﴾ ؟! انتهى كلّ شي ٍء عنهمْ إل البَ والديث‪.‬‬
‫حسّ مِ ْنهُم ّمنْ أَ َحدٍ َأوْ َت ْ‬
‫ُت ِ‬
‫هل عندكمْ خبٌ منْ أهلِ أندلسٍ‬

‫فقدْ مضى بديثِ القومِ ركبانُ‬

‫************************************‬

‫وقفــةٌ‬
‫دعاء الكربِ ‪ :‬مشتمِلٌ على توحيدِ الليةِ والربوبيةِ ‪ ،‬ووصفِ الربّ سبحانهُ بالعظمةِ‬
‫والِلمِ ‪ ،‬وهاتا ِن الصفتانِ مستلزمتانِ لكمالِ القدرةِ والرحةِ ‪ ،‬والحسا ِن والتجاوزِ ‪ ،‬ووصْفهِ‬
‫بكما ِل ربوبيتِه للعالِ العلويّ والسّفليّ والعرشِ الذي هو سقفُ الخلوقاتِ وأعظمُها‪.‬‬
‫والربوبي ُة التامّةُ تستلزمُ توحيده ‪ ،‬وأن ُه الذي ل تنبغي العباد ُة والبّ والوفُ والرجاءُ‬
‫والجللُ والطاعةُ إل لهُ‪ .‬وعظمتُه الطلقةُ تستلزمُ إثبات كلّ كمالٍ لهُ ‪ ،‬وسلب كلّ نقصٍ‬
‫وتثيلٍ عنهُ ؛ وحِلمُهُ يستلزمُ كمال رحتِهِ وإحسانِهِ إل خل ِقهِ‪.‬‬
‫فع ْلمُ القلبِ ومعرفتُهُ بذلك تُوجبُ مبتُهُ وإجللُ ُه وتوحيدُهُ ‪ ،‬فيحصلُ له من البتهاجِ واللذةِ‬
‫والسرورِ ما يدفعُ عنهُ أل الكْربِ والمّ والغمّ ‪ ،‬وأنت تدُ الريض إذا ورد عليهِ ما يسُرّهُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪140‬‬

‫ويُفرحُه ‪ ،‬ويُقوّي نفسهُ ‪ ،‬كيف تقوى الطبيعةُ على دفعِ الرضِ السيّ ‪ ،‬فحصولُ هذا الشفاءِ‬
‫للقلبِ أول وأحرى‪.‬‬
‫***************************************‬

‫ب طريقُ الشقاءِ‬
‫الكتئا ُ‬
‫ذكرتْ جريدةُ ( السلمون ) عدد ‪ 240‬ف شهرِ صفر سنة ‪1410‬هـ ‪ ،‬أنّ هناك ‪200‬‬
‫مليون مكتئبٍ على وجهِ الرضِ !‬
‫ض يصيبُ‬
‫ن وفقيٍ‪ .‬إنه مر ٌ‬
‫الكتئابُ العال!! ل يفرّقُ بي دولةٍ غربيةٍ وأخرى شرقية ! أو غ ّ‬
‫الميع‪ ..‬ونايتُه ف الغالبِ النتحارُ !!‬
‫ض الرقامِ تؤكدُ‬
‫النتحارُ ل يعترفُ بالساءِ والناصبِ والدولِ ‪ ،‬لكنّه يافُ من الؤمني ‪ ،‬بع ُ‬
‫أنّ ضحايا ُه وصلوا إل ‪ 200‬مليون مريضٍ ف كلّ أناءِ العالِ‪ ..‬إلّ أنّ آخر الحصاءاتِ‬
‫تؤكّدُ أنّ واحدا على القلّ بي كل عشرةِ أفرادٍ على وجهِ الرضِ مصابٌ بذا الرضِ‬
‫الطي !!‬
‫وقد وصلتْ خطورةُ هذا الرضِ أنه ل يصيبُ الكبار فقط ‪ ،‬بل يصِلُ إل حدّ مداهةِ النيِ ف‬
‫بطنِ أمّه !!‬
‫•الكتئابُ بواب ُة النتحار ‪:‬‬

‫﴿ َلَ َتقْتُلُواْ أَن ُفسَ ُكمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَلَ تُ ْلقُواْ ِبأَْيدِيكُمْ إِلَى‬

‫كةِ ﴾‪.‬‬
‫الّتهْلُ َ‬

‫تذكر الخبارُ الت تناقلتْها وِكالتُ النباءِ أنّ مرض الكتئابِ قد تكّن من الرئيسِ السابق‬
‫للولياتِ التحدة المريكية (رونالدْ ريان)‪ .‬وتعودُ إصابةُ الرئيس المريكي بذا الرضِ‬
‫لتجاوزِه سنّ السبعي ف الوقتِ الذي ل يزالُ يتع ّرضُ فيه لضغوطٍ عصبيةٍ كبيةٍ‪ ..‬بالضافةِ‬
‫للعملياتِ الراحيةِ الت أُجريتْ له على فتراتٍ متلحقةٍ ‪﴿،‬وَلَوْ كُنُتمْ فِي ُبرُوجٍ ّمشَّيدَةٍ ﴾‪.‬‬
‫وهناك الكثيُ من الشاهيِ وخاصّةً مَنْ يعملون بالفنّ ‪ ،‬يداهُهمْ هذا الرضُ ‪ ،‬وقد كان‬
‫ب سببا رئيسا – إنْ ل يكنْ الوحيد – ف موتِ الشاعرِ صلح جاهي ‪ ،‬وكذلك يُقال‬
‫الكتئا ُ‬
‫س ُهمْ َو ُهمْ‬
‫‪ :‬إنّ نابليون بونابرت مات مكتئبا ف منفاهُ ﴿ وََتزْ َهقَ أَن ُف ُ‬

‫كَا ِفرُونَ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪141‬‬

‫ت الول ف‬
‫وما زلنا نذكرُ أيضا الب الذي طيّرتْه وكِالت النباءِ ‪ ،‬احت ّل صدر الصفحا ِ‬
‫أغلبِ صحفِ العالِ ‪ ،‬عن الريةِ الروّعةِ الت ارتكبتْها أمّ ألانيةٌ بقتلِ ثلثةٍ منْ أطفالا‪ ،‬واتضح‬
‫أ ّن السبب هو مرضُها بالكتئابِ ‪ ،‬ولبّها الشديدِ لطفالا خافتْ أ ْن تورثهم العذاب والضيق‬
‫ت نفسها !!‪.‬‬
‫الذي تشعرُ بهِ ‪ ،‬فقرّرتْ « إراحتهم» !! منْ هذا العذابِ بقتِلهم الثلثةِ‪ ..‬ث قتل ْ‬
‫وأرقامُ (منظمةِ الصحةِ العاليةِ) تشيُ إل خطورةِ المرِ‪ ..‬ففي عام ‪ 1973‬م كان عددُ‬
‫الصابي بالكتئابِ ف العالِ ‪ ، %3‬وارتفعتْ هذه النسبةُ لتصل إل ‪ %5‬ف عام ‪ 1978‬م ‪،‬‬
‫ب بالكتئاب منْ كلّ أربعةٍ !! ف‬
‫كما أشارتْ بعضُ الدراساتِ إل وجودِ فردٍ أمريكيّ مصا ٍ‬
‫حي أعلن رئيسُ مؤترِ الضطرابِ النفسيّ الذي عُقد ف شيكاغو عام ‪ 1981‬م أنّ هناك‬
‫ص ف العالِ يعانون من الكتئابِ ‪ ،‬أغلبُهمْ منْ دولِ العالِ التقدم ‪ ،‬وقالتْ‬
‫‪ 100‬مليونِ شخ ٍ‬
‫أرقامٌ أخرى أنم مائتا مليون مكتئبٍ!! ﴿أَوَلَ َيرَوْنَ أَّن ُهمْ ُيفْتَنُونَ فِي ُك ّل عَامٍ ّمرّةً أَوْ‬

‫َمرّتَ ْينِ﴾‬

‫قال أحدُ الكماءِ ‪ :‬اصنعْ من الليمونِ شرابا حُلوا‪ .‬وقال أحدُهم ‪ :‬ليس الذكيّ الفطِنُ الذي‬

‫ك عَلَ ْي ِهمْ‬
‫يستطيعُ أنْ يزيد أرباحهُ‪ ،‬لكنّ الذكيّ الذي يوّلُ خسائره إل أرباحٍ ﴿أُولَـئِ َ‬
‫صَلَوَاتٌ مّن رّّبهِمْ َورَ ْح َمةٌ وَأُولَـئِكَ ُهمُ اْلمُهَْتدُونَ ﴾‪.‬‬
‫وف الثلِ ‪ :‬ل تنطحِ الائط !!‬

‫والعن ‪ :‬ل تعاِندْ منْ ل تستفيدُ منْ عنا ِدهِ فائدةً تعودُ عليك بيْرٍ‪.‬‬

‫وجا ِوزْه إل ما تستطي ُع‬
‫إذا ل تستطعْ شيئا فدَعْهُ‬
‫كمْ﴾‪.‬‬
‫حزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَ ُ‬
‫وقالوا ‪ :‬ول تطحنِ الدقيق ‪َ ﴿ ،‬فأَثَابَ ُك ْم غُمّا ِبغَمّ لّكَ ْيلَ َت ْ‬
‫والعن ‪ :‬أ ّن المور الت فُرغ منها وانتهتْ ل ينبغي أن تُعاد وتُكرّر ؛ لنّ ف ذلك قلقا‬
‫واضطرابا وتضييعا للوقت‪.‬‬
‫وقالوا أيضا – وهو مثلٌ إنكليزيٌ ‪ : -‬ل تنش ِر النشارة‪.‬‬

‫والعن ‪ :‬أي نشار َة الشبِ ‪ ،‬ل تأت وتنشرْها مرةً ثانيةُ ‪ ،‬فقدْ فرغ منها‪.‬‬
‫يقولون ذلك لنْ يشتغ ُل بالتوافهِ ‪ ،‬واجترار المومِ ‪ ،‬وإعادةِ الاضي ‪ ﴿ ،‬اّلذِينَ قَالُواْ لِخْوَاِنهِمْ‬
‫وَ َق َعدُواْ َلوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ُقلْ فَادْ َرؤُوا عَنْ أَن ُفسِ ُكمُ اْلمَوْتَ إِن كُنُتمْ صَادِ ِقيَ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪142‬‬

‫هناك مالتٌ للفارغي من العمالِ يكنُ سدّها ‪ ،‬كالتزودِ بالصالاتِ ‪ ،‬ون ْفعِ الناسِ ‪ ،‬وعيادةِ‬
‫الرضى ‪ ،‬وزيارةِ القابرِ ‪ ،‬والعنايةِ بالساجدِ ‪ ،‬والشاركةِ ف المعياتِ الييةِ ‪ ،‬ومالسِ‬
‫الحيّاءِ ‪ ،‬وترتيبِ النلِ والكتبةِ والرياضةِ النافعةِ ‪ ،‬وإيصا ِل النفع للفقراءِ والعجزةِ والراملِ ‪،‬‬
‫﴿ إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ َكدْحا‬

‫َفمُلَاقِيهِ ﴾‪.‬‬

‫فحلوٌ وأماّ وجهُ ُه فجميلُ‬

‫ول أر كالعروفِ أمّا مذاقُ ُه‬
‫اقرأِ التاريخ لتجد النكوبي والسلوبي والصابي‪.‬‬
‫وبعد فصولٍ منْ هذا البحثِ سوف أطلعك على لوحةٍ من الزنِ للمنكوبي بعنوان ‪ :‬تعزّ‬
‫بالنكوبي‪.‬‬
‫ض ّل قومٌ ليس يدرون البْ‬
‫اقرأ التاريخ إذْ فيه ال ِعبْ‬
‫ص ِهمْ‬
‫ص عَلَيْكَ ِمنْ أَنبَاء الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ ِبهِ ُفؤَادَكَ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ل َقدْ كَانَ فِي َقصَ ِ‬
‫﴿ وَكُـلّ ّنقُ ّ‬
‫عِبْرَةٌ‬

‫﴾‬

‫‪ ﴿ ،‬فَا ْقصُصِ اْل َقصَصَ َلعَ ّل ُهمْ يََتفَكّرُونَ ﴾ ‪.‬‬

‫قال عمرُ ‪ :‬أصبحتُ وما ل مطلبٌ إل التمّتعُ بواطنِ القضاءِ‪.‬‬
‫ل وقدرهِ ‪ ،‬سوا ٌء كان فيما يلو له أو فيما كان مرّا‪.‬‬
‫ومعن ذلك ‪ :‬أنه مرتاحٌ لقضاءِ ا ِ‬
‫وقال بعضُهمْ ‪ :‬ما أبال على أيّ الراحلتْينِ ركبتُ ‪ ،‬إنْ كان الفقرُ لم الصبُ ‪ ،‬وإنْ كان الغن‬
‫لو الشكرُ‪.‬‬
‫ومات لب ذؤيب الذلّ ثانيةٌ من البناءِ بالطاعونِ ف عا ٍم واحدٍ فماذا عسى أنْ يقول؟ إنه‬
‫آمن وسلّم وأذعن لقضاءِ ربهِ ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫أن لريبِ الدهرِ ل أتضعضعُ‬
‫وتلّدي للشامتي أُريهمُ‬
‫ألفيت كلّ تيمةٍ ل تنفعُ‬
‫وإذا النيةُ أنشبت أظفارها‬
‫﴿ مَا أَصَابَ مِن ّمصِيبَةٍ إِلّا بِِإذْنِ ال ّلهِ ﴾‪.‬‬
‫وفقد ابنُ عباسٍ بصره فقال – معزّيا نفسه ‪: -‬‬
‫ن نورها‬
‫إنْ يأخ ِذ الُ منْ عي ّ‬
‫قلب ذكيّ غيُ ذي عِوجٍ‬

‫ففي فؤادي وقلب منهما نورُ‬
‫ف مشهورُ‬
‫وف فمي صارمٌ كالسي ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪143‬‬

‫وهو التسلّي با عنده م َن النّعِم الكثيةِ إذا فقد القليل منها‪.‬‬
‫ت رِ ْجلُ عروة بن الزبيِ ‪ ،‬ومات ابنُه ف يومٍ واحدا ‪ ،‬فقال ‪ :‬اللهمّ لِك المْد ‪ ،‬إنْ كنت‬
‫وبُتر ْ‬
‫أخذت فقدْ أعطيْت ‪ ،‬وإنْ كنت ابتلْيتَ فقدْ عافيْت ‪ ،‬منحتن أربعة أعضاءِ ‪ ،‬وأخذت عضوا‬
‫واحدا ‪ ،‬ومنحتن أربعة أبناءٍ وأخذت ابنا واحدا‪ ﴿ .‬وَ َجزَاهُم ِبمَا صََبرُوا جَّنةً‬

‫َسلَمٌ عَلَيْكُم ِبمَا صََبرُْتمْ ﴾‪.‬‬

‫حرِيرا﴾ ‪﴿ ،‬‬
‫وَ َ‬

‫وقُتل عبدُالِ ب ُن الصّمّةِ أخو دريدٍ ‪ ،‬فعزّى دريدٌ نفسه بعد أن ذكر أنه دافع عنْ أخيهِ قدْر‬
‫الستطاعِ ‪ ،‬ولكنْ ل حيلة ف القضاءِ ‪ ،‬مات أخوه عبدُال فقال دريدٌ ‪:‬‬
‫وحت علن حالِكُ اللونِ أسودِ‬
‫وطاعنتُ عنه اليل حت تبدّدتْ‬
‫ويعلمُ أنّ الرء غيُ مّلدِ‬
‫طعان امرئِ آسى أخاهُ بنفسهِ‬
‫ت يدِي‬
‫كذبت ول أبلْ با ملك ْ‬
‫وخفّفتُ وجدي أنن ل أقلْ لهُ‬
‫ويروى عنِ الشافعيّ – واعظا ومعزّيا للمصابي ‪: -‬‬
‫و ِطبْ نفسا إذا حكم القضاءُ‬
‫ع اليام تفعلْ ما تشاءُ‬
‫دِ‬
‫فل أرضٌ تقي ِة ول ساءُ‬
‫ض قومٍ‬
‫إذا نزل القضا ُء بأر ِ‬
‫وقال أبو العتاهيةِ ‪:‬‬
‫خار لك الُ وأنت كارِهْ ؟‬
‫كمْ مرةِ ح ّفتْ بك الكارِه‬
‫كمْ مرةٍ خفنا من الوتِ فما متْنا ؟!‬
‫كمْ مرةٍ ظننا انا القاضيةُ وأنا النهايةُ ‪ ،‬فإذا هي العودةُ الديد ُة والقو ُة والستمرارُ ؟!‬
‫كم مرةٍ ضاقتْ بنا السّبُلُ ‪ ،‬وتقطّعتْ بنا البالُ ‪ ،‬وأظلمتْ ف وجوهِنا الفاقُ ‪ ،‬وإذا هو الفتحُ‬
‫والنص ُر واليُ والبِشارةُ ؟! ﴿ قُلِ ال ّلهُ يَُنجّيكُم مّ ْنهَا َومِن ُكلّ‬

‫كرْبٍ ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫كمْ مرةٍ أظلمتْ أمامنا دنيانا ‪ ،‬وضاقتْ علينا أنفسُنا والرضُ با رحُبتْ ‪ ،‬فإذا هو اليُ‬
‫ضرّ َفلَ كَاشِفَ َلهُ إِلّ‬
‫سسْكَ ال ّلهُ ِب ُ‬
‫العميمُ واليسرُ والتأييدُ ؟! ﴿ وَإِن َي ْم َ‬

‫ُهوَ ﴾‪.‬‬

‫منْ علم أ ّن ال غالبٌ على أمرِه ‪ ،‬كيف يافُ أمر غيِه ؟! منْ علم أنّ كلّ شيءٍ دون الِ ‪،‬‬

‫فكيف يوّفونك بالذين منْ دونِه ؟! منْ خاف ال كيف يافُ منْ غيِه ‪ ،‬وهو يقولُ ‪َ ﴿ :‬فلَ‬
‫َتخَافُو ُهمْ‬

‫وَخَافُونِ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪144‬‬

‫معهُ سبحانُهُ العزةُ ‪ ،‬والعزةُ لِ ولرسولهِ وللمؤمني‪.‬‬
‫صرُ رُسُلَنَا وَاّلذِينَ آمَنُوا فِي اْلحَيَا ِة الدّنْيَا‬
‫معه الغَلََبةُ ﴿ وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ اْلغَالِبُونَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِنّا لَنَن ُ‬

‫وَيَوْمَ َيقُومُ اْلأَ ْشهَادُ ﴾‪.‬‬

‫ذكر اب ُن كثيٍ ف تفسيِه أثرا قدسيّا ‪ (( :‬وعزت وجلل ما اعتصم ب عبدٌ ‪ ،‬فكادتْ له‬

‫ت له منْ بينِها فرجا ومرجا‪ .‬وعزّت وجلل ما اعتصم‬
‫السماواتُ والرضُ ‪ ،‬إل جعل ُ‬
‫ت قدم ْيهِ ))‪.‬‬
‫عبدي بغيي إل أسخْتُ الرض من ت ِ‬

‫قال المامُ ابنُ تيمية ‪ :‬بـ (( ل حول ول قوة إل بال ِ )) تُحمل الثقالُ ‪ ،‬وتُكابدُ الهوالُ ‪،‬‬

‫ويُنالُ شريفُ الحوالِ‪.‬‬
‫ت الراحةِ ‪،‬‬
‫ي العبدُ ! فإنا كنٌ منْ كنوزِ النةِ‪ .‬وهي منْ بنودِ السعادةِ ‪ ،‬ومنْ مسارا ِ‬
‫فالزمْها أ ّ‬
‫وانشراحِ الصدرِ‪.‬‬
‫***************************************‬

‫ح القفال‬
‫الستغفارُ يفت ُ‬
‫يقول ابنُ تيمية ‪ :‬إنّ السألة لتغلقُ عليّ ‪ ،‬فأستغف ُر ال ألف مرةٍ أو أكثر أو أقلّ ‪ ،‬فيفتحُها الُ‬
‫عليّ‪.‬‬

‫﴿ َفقُلْتُ اسَْتغْ ِفرُوا رَبّ ُكمْ إِّنهُ كَا َن َغفّارا ﴾‪.‬‬

‫إنّ منْ أسبابِ راحةِ البالِ ‪ ،‬استغفار ذي اللل‪.‬‬
‫رُبّ ضارةٍ نافعةٌ ‪ ،‬وكلُ قضاءٍ خيٌ حت العصيةُ بشرطِها‪.‬‬
‫ل للعبدِ قضاء إل كان خيا له))‪ .‬قيل لبن تيمية‪ :‬حت‬
‫فق ْد ورد ف السندِ ‪(( :‬ل يقضي ا ُ‬
‫العصية ؟ قال ‪ :‬نعمْ ‪ ،‬إذا كان معها التوب ُة والندمُ ‪ ،‬والستغفارُ والنكسارُ‪﴿ .‬وََلوْ أَّنهُمْ إِذ‬

‫ظّ َلمُواْ أَن ُفسَ ُهمْ جَآؤُوكَ فَاسَْت ْغ َفرُواْ ال ّلهَ وَاسَْت ْغفَرَ َل ُهمُ الرّسُولُ َلوَ َجدُواْ ال ّلهَ َتوّابا رّحِيما﴾‬
‫قال أبو تامٍ ف أيامِ السعودِ وأيامِ النحسِ ‪:‬‬
‫مرّتْ سنونُ بالسعودِ وبالنا‬
‫ثّ انْثنتْ أيامُ هجرٍ بعدها‬

‫فكأنَها ِم ْن ِقصْرِها أيّامُ‬
‫فكأنا منْ طولِها أعوامُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪145‬‬

‫فكأنّها وكأّن ُهمْ أحل ُم‬
‫ثّ انقضت تلك السنونُ وأهلُها‬
‫ضحَاهَا‬
‫﴿ وَتِ ْلكَ اليّامُ ُندَاوِلُهَا بَ ْينَ النّاسِ﴾ ‪َ ﴿ ،‬كأَّنهُمْ يَوْمَ َيرَوَْنهَا َلمْ يَلْبَثُوا إِلّا َعشِّيةً أَوْ ُ‬
‫﴾‪.‬‬

‫ت الغيثِ ‪ ،‬أو هفيفُ‬
‫عجبتُ لعظماء عَ َرَفهُمُ التاريخُ ‪ ،‬كانوا يستقبلون الصائب كأنّها قطرا ُ‬
‫س الميع سيدُ ال ْلقِ ممدٌ‬
‫النسيمُ ‪ ،‬وعلى رأ ِ‬

‫حزَنْ‬
‫‪ ،‬وهو ف الغارِ ‪ ،‬يقولُ لصاحبِه ‪﴿ :‬لَ َت ْ‬

‫إِنّ ال ّلهَ َمعَنَا ﴾‪ .‬وف طريقِ الجرةِ ‪ ،‬وهو مطاردٌ مشرّدٌ يبشّرُ سراقة بأنه يُس ّورُ سواريْ كسرى‬
‫!‬
‫وحْيا وأفضت إل الدنيا‬
‫ت ف فمِ‬
‫بُشرى مِن الغيبِ ألق ْ‬
‫ن الدُّبرَ ﴾‪.‬‬
‫وف بدر يثبُ ف الدرعِ وهو يقولُ ‪ ﴿ :‬سَُي ْهزَمُ اْلجَمْعُ وَيُوَلّو َ‬
‫أدّبْت ف هوْلِ الردى أبطالا‬
‫أنت الشجاعُ إذا لقِيت كتيبةً‬
‫وف أُحدٍ – بعد القتلِ والراحِ – يقولُ للصحابةِ ‪ (( :‬صُفّوا خلفي ‪ ،‬لُثن على رب ))‪ .‬إنا‬
‫هِممٌ نبويّةٌ تنطحُ الثريّا ‪ ،‬وعزْمٌ نبويٌ يهزّ البال‪.‬‬
‫قيسُ بنُ عاصم النْق ِريّ منْ حلماءِ العربِ ‪ ،‬كان مُحتبيا يكلّم قومهُ بقصةٍ ‪ ،‬فأتاه رجلٌ فقال ‪:‬‬
‫قُتِل ابنُك الن ‪ ،‬قَتَلَهُ ابنُ فلنة‪ .‬فما حلّ حَْبوَتَهُ ‪ ،‬ول أنى قصّتهُ ‪ ،‬حت انتهى منْ كلمِه ‪ ،‬ث‬
‫قال ‪ :‬غسّلوا ابن وكفّنوه ‪ ،‬ثّ آذنِون بالصلةِ عليه ! ﴿ وَالصّاِبرِينَ فِي الَْبأْسَاء والضّرّاء‬

‫وَ ِحيَ‬

‫الْبَأْسِ ﴾‪.‬‬

‫وعِكرِمةُ بنُ أب جهلٍ يُعطى الاء ف سكراتِ الوتِ ‪ ،‬فيقولُ ‪ :‬أعطوه فلنا‪ .‬لارثِ بنِ هشامِ‬
‫ت الميعُ‪.‬‬
‫‪ ،‬فيتناولونه واحدا بعد واحدا ‪ ،‬حت يو ُ‬
‫**************************************‬

‫الناسُ عليك ل لك‬
‫إ ّن العاقل الصيف يعلُ الناس عليهِ ل لهُ ‪ ،‬فل يبن موقفا ‪ ،‬أو يتخذ قرارا يعتمدُ فيهِ على‬
‫الناسِ ‪ ،‬إن الناس لمْ حدودٌ ف التضامنِ مع الغيِ ‪ ،‬ول ْم مدىً يصلون إليهِ ف البذ ِل والتضحيةِ‬
‫ل يتجاوزونهُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪146‬‬

‫انظرْ إل السيِ بنِ عل ّي – رضي الُ عنهُ وأرضاهُ – وهو ابنُ بنتِ الرسولِ ‪ ،‬يُقتلُ فل‬
‫س المّ ُة ببنتِ شفةٍ ‪ ،‬بل الذين قتلوهُ يكبّرون ويهلّلون على هذا النتصارِ الضخمِ بِذبِهِ‬
‫تنب ُ‬
‫!! ‪ ،‬رضي الُ عنه‪ .‬يقولُ الشاعرُ ‪:‬‬
‫مُتزمّلً بدمائِهِ تزميل‬
‫جاؤوا برأسِك يا ابن بنتِ ممدٍ‬
‫قتلوا بك التكبي والتهليل‬
‫ويُكبّرون بأ ْن قُتلت وإنا‬
‫ويُساق أحدُ بنُ حنبلٍ إل البسِ ‪ ،‬ويُجلدُ جلدا رهيبا ‪ ،‬ويشرفُ على الوتِ ‪ ،‬فل يتحرّكُ‬
‫معهُ أحدٌ‪.‬‬
‫ع الادر ُة الت‬
‫ويُؤخذُ ابنُ تيمية مأسورا ‪ ،‬ويركبُ البغل إل مصر ‪ ،‬فل توجُ تلك المو ُ‬
‫حسْبُ ‪،‬‬
‫حضرتْ جنازتهُ ‪ ،‬لنّ لمْ حدودا يصلون إليها َف َ‬

‫﴿‬

‫ضرّا وَلَا‬
‫س ِهمْ َ‬
‫وَلَا َيمْلِكُونَ ِلأَنفُ ِ‬

‫َنفْعا وَلَا َيمْلِكُونَ مَوْتا وَلَا حَيَاةً وَلَا ُنشُورا ﴾ ‪ ﴿ ،‬يَا أَّيهَا النّبِيّ َحسْبُكَ ال ّلهُ َو َمنِ اتَّبعَكَ ِمنَ‬

‫اْلمُ ْؤمِنِيَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَتَوَكّ ْل عَلَى اْلحَيّ اّلذِي لَا َيمُوتُ ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِّنهُمْ لَن ُيغْنُوا عَنكَ ِمنَ ال ّلهِ شَيئا‬
‫﴾‪.‬‬

‫فإنّ ُه الركنُ إنْ خانَتْك أركا ُن‬
‫فالز ْم يديْك بب ِل الِ معتصما‬
‫***********************************************‬

‫رفقا بالالِ « ما عال منِ ا ْقَتصَدَ »‬
‫قال أحد ُهمْ ‪:‬‬
‫اجعْ نقودك إ ّن العِزّ ف الالِ‬

‫واستغنِ ما شئت عنْ عمّ وعنْ خالِ‬

‫إنّ الفلسفة الت تدعو إل تبذيرِ الا ِل وتبديدهِ وإنفاقِه ف غيِ و ْجهِهِ أو عدمِ جعِه أصلً ليستْ‬
‫بصحيحةٍ ‪ ،‬وإنا هي منقولةٌ منْ عُبّادِ النودِ ‪ ،‬ومنْ جهلةِ التصوفةِ‪.‬‬
‫إنّ السلم يدعو إل الكسبِ الشريفِ ‪ ،‬وإل جعِ الالِ الشريفِ ‪ ،‬وإنفاقهِ ف الوجهِ‬
‫الشريفِ ‪ ،‬ليكون العبدُ عزيزا باله‪ ،‬وقدْ قال‬
‫الصالِ))‪ .‬وهو حديثٌ حسنٌ‪.‬‬

‫ل ف يدِ الرجلِ‬
‫‪(( :‬نِعم الالُ الصا ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪147‬‬

‫وإنّ ما يلبُ الموم والغموم كثرةُ الديونِ ‪ ،‬أو الفقرُ الضن الهلك ‪ (( :‬فهلْ تنتظرون إلّ‬

‫غن مطغيا أو فقرا منسيا ))‪ .‬ولذا استعاذ‬

‫فقال ‪ (( :‬اللهم إن أعوذُ بك منَ الكفرِ‬

‫والف ْقرِ ))‪ .‬و (( كاد الفقْرُ أنْ يكون كفرا ))‪.‬‬

‫وهذا ل يتعارضُ مع الديثِ الذي يرويه ابنُ ماجة ‪ (( :‬ازهدْ ف الدنيا يبّك الُ ‪ ،‬وازهدْ‬
‫فيما عند الناسِ يبّك الناسُ ))‪ .‬على أنّ في ِه ضعيفا‪.‬‬

‫لكنّ العن ‪ :‬أن يكون لك الكفافُ ‪ ،‬وما يكفيك عن استجداءِ الناسِ وطلبِ ما عندهم من‬
‫ك عنهمْ ‪ (( ،‬ومن يستغنِ يُغنِه الُ ))‪.‬‬
‫الالِ ‪ ،‬بلْ تكونُ شريفا نزيها ‪ ،‬عندك ما يكفّ وجه َ‬

‫ي منْ أن َتذَرَ ُهمْ عالةً يتكفّفونُ الناس ))‪.‬‬
‫وف الصحيحِ ‪ (( :‬إنك إنْ َتذَرُ ورثََتكَ أغنياء ‪ ،‬خ ٌ‬
‫أَ ُسدّ به ما قدْ أضاعوا وفرّطوا‬

‫حقوق أناسٍ ما استطاعوا لا سدّا‬

‫يقولُ أحدُهم ف عِزّةِ النفسِ ‪:‬‬
‫أقب ُح القوالِ كلّ ولعلْ‬
‫أحسنُ القوالِ قول لك خذْ‬
‫وف الصحيح ‪ (( :‬اليدُ العليا خيٌ من اليدِ السّفلى ))‪ .‬اليدُ العليا العطيةُ ‪ ،‬واليدُ السّفلى‬
‫حسَُبهُمُ اْلجَا ِهلُ َأغْنِيَاء ِمنَ الّت َعفّفِ ﴾ ‪.‬‬
‫الخذةُ أو السائلةُ ‪َ ﴿ ،‬ي ْ‬

‫والعن ‪ :‬ل تتملّق البش َر فتطلب منهمْ رزقا أو مكسبا ‪ ،‬فإنّ ال عزّ وج ّل ضمِ َن الرزق‬
‫والجلَ واللْقَ لنّ عزّةَ اليانِ قعساءُ ‪ ،‬وأهلُه شرفاءُ ‪ ،‬والعزةُ لم ‪ ،‬ورؤوسُهم دائما‬

‫مرتفعةٌ ‪ ،‬وأنوفُهم دائما شامةٌ ‪ ﴿ :‬أَيَبَْتغُو َن عِندَ ُهمُ اْل ِعزّةَ َفإِنّ ال ِعزّةَ لِ ّلهِ َجمِيعا ﴾‪ .‬قال ابنُ‬
‫الورديّ ‪:‬‬
‫قطْعُها أحسنُ منْ تلك القُبلْ‬
‫أنا ل أرغبُ تقبيل يدٍ‬
‫رِقّها أو ل فيكفين الجلْ‬
‫إنْ جزتْن عنْ صني ِع كنتُ ف‬
‫*******************************************‬

‫ل تتعلقْ بغيِ الِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪148‬‬

‫إذا كان الحيي واليتُ والرزاقُ هو الُ ‪ ،‬فلماذا الوفُ من الناس والقلقُ منهمُ ؟! ورأيتُ أنّ‬
‫ب منهمُ ‪ ،‬والرصُ‬
‫ب الموم والغموم التعلّقُ بالناسِ ‪ ،‬وطلبُ رضاهمْ ‪ ،‬والتقر ُ‬
‫أكثر ما يل ُ‬
‫ف التوحيدِ‪.‬‬
‫على ثنائِهم ‪ ،‬والتضرّر بذمّهمْ ‪ ،‬وهذا من ضع ِ‬
‫وليتك ترْضى والنامُ غضابُ‬
‫فليتك تلو والياةُ مريرةٌ‬
‫وكلّ الذي فوق الترابِ ترابُ‬
‫إذا صحّ منك الو ّد فالكُلّ هيّنٌ‬
‫***************************************‬

‫أسبابُ انشرحِ الصّ ْدرِ‬
‫ب صفائِهِ ونقائِه يوسعُ الصدرَ ‪ ،‬حت يكون أوسع من الدنيا وما‬
‫أهّها ‪ :‬التوحيدُ ‪ :‬فإنهُ بِحس ِ‬
‫فيها‪.‬‬
‫شةً‬
‫ض عَن ذِ ْكرِي َفإِنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫ول حياة لُشركٍ وملحِدٍ ‪ ،‬يقولُ سبحانه وتعال ‪َ ﴿ :‬و َمنْ َأ ْعرَ َ‬
‫شرَحْ‬
‫شرُهُ يَوْمَ اْلقِيَا َمةِ َأ ْعمَى ﴾‪ .‬وقال سبحانه ‪َ ﴿ :‬فمَن ُي ِردِ ال ّلهُ أَن َي ْهدِيَهُ َي ْ‬
‫ضَنكا وََنحْ ُ‬

‫صدْ َرهُ لِ ْلإِسْلَامِ َفهُ َو عَلَى نُورٍ مّن رّّبهِ‬
‫صدْرَهُ ِللِ ْسلَمِ ﴾‪ .‬وقال سبحانه ‪ ﴿ :‬أَ َفمَن َشرَحَ ال ّلهُ َ‬
‫َ‬
‫﴾‪.‬‬

‫وتوعّد الُ أعداءه بضيقِ الصّدرِ والرهبةِ والوفِ والقل ِق والضطرابِ ‪ ﴿ ،‬سَنُ ْلقِي فِي قُلُوبِ‬
‫اّلذِينَ َك َفرُواْ ال ّرعْبَ ِبمَا أَ ْشرَكُواْ بِال ّلهِ مَا َلمْ يَُنزّلْ ِبهِ سُ ْلطَانا ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَوَْيلٌ لّ ْلقَاسَِيةِ قُلُوُبهُم‬

‫جعَلْ‬
‫صدْرَهُ ِللِ ْسلَمِ َومَن ُي ِردْ أَن ُيضِ ّلهُ َي ْ‬
‫شرَحْ َ‬
‫مّن ذِ ْكرِ ال ّلهِ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬فمَن ُي ِردِ ال ّلهُ أَن َي ْهدِيَهُ َي ْ‬
‫صعّدُ فِي‬
‫صدْرَهُ ضَيّقا َحرَجا َكأَّنمَا َي ّ‬
‫َ‬

‫سمَاء ﴾‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫س صدورا ‪ ،‬وأكثرُهم حُبورا ‪،‬‬
‫ح الصّ ْدرَ ‪ :‬العل ُم النافعُ ‪ ،‬فالعلماءُ أشرحُ النا ِ‬
‫وما يشر ُ‬

‫وأعظمُهمْ سرورا ‪ ،‬لا عندهمْ من الياثِ الحمديّ النبويّ ‪َ ﴿ :‬وعَ ّلمَكَ مَا َلمْ تَ ُكنْ َتعْ َلمُ‬

‫﴾ ‪ ﴿ ،‬فَاعْلَمْ أَّنهُ لَا إَِلهَ إِلّا‬

‫ال ّلهُ ﴾‪.‬‬

‫ومنها ‪ :‬العم ُل الصالُ ‪ :‬فإنّ للحسنةِ نورا ف القلبِ ‪ ،‬وضياءً ف الوجهِ ‪ ،‬وسَ َعةَ ف الرزقِ ‪،‬‬

‫ومبةً ف قلوبِ اللْقِ ‪َ ﴿ ،‬لأَ ْسقَيْنَاهُم مّاء َغدَقا ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪149‬‬

‫ومنها ‪ :‬الشجاعةُ ‪ :‬فالشجاعُ واسعُ البطانِ ‪ ،‬ثابتُ الَنَانِ ‪ ،‬قويّ الركانِ ‪ ،‬لنه يؤولُ على‬
‫الرحنِ ‪ ،‬فل تمّه الوادثُ ‪ ،‬ول تزّ ُه الراجيفُ ‪ ،‬ول تزعزِ ُعهُ التوجساتُ‪.‬‬
‫لا الليلُ إل وهي ِمنْ سندسٍ ُخضْرُ‬
‫تردّى ثبات الوتِ ُحمْرا فما أتى‬
‫سمْرُ‬
‫مِن الضربِ واعتلتْ عليه القنا ال ّ‬
‫وما مات حت مات مضرِبُ سيفِهِ‬
‫ومنها ‪ :‬اجتنابُ العاصي ‪ :‬فإنا كدرٌ حاضرٌ ‪ ،‬ووحشةٌ جاثةٌ ‪ ،‬وظلمٌ قاتٌ‪.‬‬
‫رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب‬

‫وقدْ يُورثُ الذّلّ إدمانُها‬

‫ومنها ‪ :‬اجتنابُ كثرةِ الباحاتِ ‪ :‬من الكلمِ والطعامِ والنام واللطةِ ‪ ﴿ ،‬وَاّلذِينَ ُهمْ عَنِ‬
‫ال ّلغْوِ ُم ْعرِضُونَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬مَا يَ ْل ِفظُ مِن قَوْلٍ إِلّا َلدَيْهِ‬

‫رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫وكُلُواْ وَا ْشرَبُواْ وَلَ‬

‫سرِفُواْ ﴾‪.‬‬
‫ُت ْ‬
‫*************************************‬

‫فُرِغ من القضاءِ‬
‫س والمومِ طبيب القل ِق والضطرابِ ‪ ،‬فقال له الطبيبُ السلمُ ‪:‬‬
‫سألَ أحدُ الرضى بالواج ِ‬
‫اعلمْ أنّ العال قدْ فرغَ منْ خل ِق ِه وتدبيِه ‪ ،‬ول يقعُ فيهِ حرك ٌة ول َهمْسٌ إل بإذن الِ ‪ ،‬فلِم‬

‫المّ والغمّ؟! ((إنّ ال كتب مقادير اللئقِ قبل أنْ َيخْ ُلقَ اللْق بمسي ألف سنةٍ))‪.‬‬
‫قال التنب على هذا ‪:‬‬
‫وتصغرُ ف عيِ العظيمِ العظاِئمُ‬
‫وتعْ ُظمُ ف عيِ الصغيِ صغارُها‬
‫*********************************‬

‫طَعْ ُم الريّةِ اللذيذُ‬
‫يقو ُل الراشدُ ف كتابِ ( السار ) ‪ :‬منْ عندَهُ ثلثائةٍ وستون رغيفا وجرّة زيتٍ وألفٌ‬
‫وستمائة ترة ‪ ،‬ل يستعبدْه أحدٌ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪150‬‬

‫وقال أحدُ السلفِ ‪ :‬م ِن اكتفى بالبزِ اليابسِ والاءِ ‪ ،‬سلِم من الرّقّ غل لِ تعال ﴿ َومَا ِلأَ َحدٍ‬
‫عِندَهُ‬

‫جزَى ﴾‪.‬‬
‫مِن ّن ْعمَةٍ ُت ْ‬

‫قال أحدُهم ‪:‬‬
‫ولوْ أن قِنِ ْعتُ لكنتُ حرا‬
‫أطعتُ مطامعي فاستعبدتن‬
‫وقال آخرُ ‪:‬‬
‫على أنّهمْ فيها عُراةٌ و ُجوّعُ‬
‫أرى أشقياء الناسِ ل يسأمونا‬
‫سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشّعُ‬
‫أراها وإ ْن كانتْ تسُ ّر فإنا‬
‫إ ّن الذين يسعوْن على السعادةِ بمع الالِ أو النصبِ أو الوظيفةِ ‪ ،‬سوف يعلمون أنمْ همُ‬

‫الاسرون حقّا ‪ ،‬وأنمْ ما جلبوا إل الموم والغموم ‪ ﴿ ،‬وََل َقدْ جِئُْتمُونَا ُفرَادَى َكمَا خَ َلقْنَا ُكمْ‬

‫أَوّلَ َمرّةٍ وََترَكْتُم مّا خَوّلْنَا ُكمْ َورَاء ُظهُورِ ُكمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬بَلْ تُؤِْثرُونَ اْلحَيَا َة الدّنْيَا{‪}16‬‬
‫وَالْآخِرَةُ خَ ْيرٌ وَأَْبقَى ﴾ ‪.‬‬
‫************************************‬

‫سفيانُ الثوريّ م ّدتُ ُه الترابُ‬
‫ي كومْةً م ْن الترابِ ف مزدلفة وهو حاجّ ‪ ،‬فقال له الناسُ ‪ :‬أف مث ِل هذا‬
‫توسّد سفيانُ الثور ّ‬
‫الوطنِ تتو ّسدُ الترابَ وأنت مُحدّثُ الدنيا ؟ قال ‪ :‬لخدّت هذهِ أعظمُ منْ مدةِ أب جعفرٍ‬
‫النصورِ الليفةِ‪.‬‬
‫ال ّلهُ ﴾‪.‬‬

‫﴿ قُل لّن ُيصِيبَنَا إِلّ مَا كَتَبَ‬
‫*********************************‬

‫ل تركنْ إل الُرجِفِيَ‬
‫الوعودُ الكاذبةُ ‪ ،‬والرهاصاتُ الاطئةُ الغلوبةُ ‪ ،‬الت يافُ منها أكثرُ الناسِ ‪ ،‬إنا هي أوهامٌ ‪،‬‬

‫حشَاء وَال ّلهُ َي ِعدُكُم ّمغْ ِفرَةً مّ ْنهُ وَ َفضْلً وَال ّلهُ وَاسِعٌ‬
‫﴿ الشّيْطَانُ َي ِعدُكُمُ اْل َف ْقرَ وَيَ ْأ ُمرُكُم بِاْل َف ْ‬
‫عَلِيمٌ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪151‬‬

‫ق وقُرْحةُ العدةِ ‪ :‬ثراتُ اليأسِ والشعورِ بالحباطِ والخفاق‪.‬‬
‫والقل ُق والر ُ‬
‫***********************************‬

‫شتْمُ‬
‫لنْ يضرّك السبّ وال ّ‬
‫كان الرئيسُ المريكيّ ( إبراهام لينكولن ) يقولُ ‪ :‬أنا ل أقرأُ رسائل الشتمِ الت تُوجّه إلّ ‪،‬‬
‫ول أفتحُ مظروفها فضلً عن الردّ عليها ؛ لنن لو اشتغلتُ با لَا قدّمت شيئا لشعب ﴿‬
‫ح عَ ْنهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ﴾‪.‬‬
‫ص َف ْ‬
‫جمِيلَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَا ْ‬
‫ص ْفحَ اْل َ‬
‫ص َفحِ ال ّ‬
‫ض عَ ْنهُمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَا ْ‬
‫فََأ ْعرِ ْ‬

‫قال حسّانُ ‪:‬‬
‫أو لان بظهرِ غَْيبٍ لئيمُ‬
‫ما أبال أنبّ بالزْنِ تَيْسٌ‬
‫العن ‪ :‬أنّ كلماتِ اللؤما ِء والسخفاءِ والقراءِ الشتّامي التسلقي على أعراضِ الناسِ ‪ ،‬ل‬
‫تض ّر ول ُت ُهمّ ‪ ،‬ول يكنُ أنْ يتلفت لا مسلمٌ ‪ ،‬أو أن يتحرك منها شجاعٌ‪.‬‬
‫كان قائدُ البحريةِ المريكيةِ ف الربِ العاليةِ الثاني ِة رجلً لمعا ‪ ،‬يرصُ على الشهرةِ ‪،‬‬
‫فتعاملَ مع مرؤوسي ِة الذين كالوا له الشتائم والسباب والهاناتِ ‪ ،‬حت قال ‪ :‬أصبح اليوم‬
‫جمَ عودي ‪ ،‬وكبتْ سن ‪ ،‬وعلمتُ أنّ الكلم ل يهد ُم ول‬
‫عندي من النقدِ مناعةٌ ‪ ،‬لقدْ َع َ‬
‫ينسِفُ سُورا حصينا‪.‬‬
‫وقدْ جاوزتُ ح ّد الربعينا‬
‫وماذا تبتغي الشعراءُ منّي‬
‫يُذكرُ عن عيسى – عليه السلمُ – أنهُ قال ‪ :‬أحبوا أعداءكم‪.‬‬

‫والعن ‪ :‬أنْ تُصدروا ف أعدائِكمْ عفوا عامّا ‪ ،‬حت تسلموا من التشفّي والنتقامِ والقدِ الذي‬

‫حسِِنيَ ﴾‪(( .‬اذهبوا فأنتمُ الطلقاءُ)) ‪،‬‬
‫ينهي حياتَ ُكمْ‪﴿ ،‬وَاْلعَا ِفيَ َعنِ النّاسِ وَال ّلهُ ُيحِبّ اْل ُم ْ‬
‫عَمّا سَلَف ﴾‪.‬‬

‫﴿ لَ تَ ْثرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬عفَا ال ّل ُه‬
‫*************************************‬

‫اقرأ المال ف الك ْونِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪152‬‬

‫ما يشرحُ الصدر قراءةُ المالِ ف خلْقِ ذي الل ِل والكرامِ‪ ،‬والتمّتعُ بالنظرِ ف الكونِ‪ ،‬هذا‬
‫الكتابُ الفتوحُ ‪ ،‬إنّ ال يقولُ ف خل ِقهِ ‪َ ﴿ :‬فأَنبَتْنَا ِبهِ َحدَاِئقَ ذَاتَ َب ْهجَةٍ ﴾ ﴿ َهذَا خَ ْلقُ ال ّلهِ‬

‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ﴾‪.‬‬
‫فََأرُونِي مَاذَا خَ َلقَ اّلذِينَ مِن دُوِنهِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬قُلِ ان ُظرُواْ مَاذَا فِي ال ّ‬

‫وسوف أنقلُ لك ‪ ،‬بعد صفحاتِ ‪ ،‬من أخبارِ الكونِ ما يدلّك على حكمةٍ وعظمةٍ ﴿اّلذِي‬

‫َأعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ‬

‫َهدَى ﴾‪.‬‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫وكتاب الفضاءُ أَقرأُ فيهِ‬

‫صورا ما قرأتُها ف كتاب‬

‫قراء ٌة ف الشمسِ اللمعةِ ‪ ،‬والنجومِ الساطعةِ ‪ ،‬ف النهرِ‪ ..‬ف الدولِ‪ ..‬ف التلّ‪ ..‬ف الشجرةِ‪..‬‬
‫ف الثمرةِ‪ ..‬ف الضياءِ‪ ..‬ف الواءِ‪ ..‬ف الاءِ ‪،‬‬
‫تدلّ على أنّه الواحدُ‬
‫وف كلّ شيءٍ لهُ آيةٌ‬
‫يقول إيليا أبو ماضي ‪:‬‬
‫كيف تغدو إذا غدوت عليلَ‬
‫أيّها الشاكي وما بك داءٌ‬
‫أن ترى فوقهُ النّدى إكليلَ‬
‫أترى الشوك ف الورودِ وتَ ْعمَى‬
‫ل يرى ف الوجودِ شيئا جيل‬
‫والذي نفسُه بغيِ جالٍ‬
‫*******************************************‬

‫﴿ َأفَلَا يَن ُظرُونَ ِإلَى الِْإبِلِ َكيْفَ ُخلِقَتْ ﴾‬
‫يقولُ أيْنشتاين ‪ :‬مَنْ ينظرْ إل الكونِ يعلمْ أنّ البدع حكيمٌ ل يلعبُ بالنّردِ‪ ﴿ .‬اّلذِي أَ ْحسَنَ‬
‫حقّ ﴾ ‪ ﴿ ،‬أَ َفحَسِبُْتمْ أَّنمَا خَ َلقْنَا ُكمْ عَبَثا ﴾‪.‬‬
‫كُلّ شَيْءٍ خَ َل َقهُ ﴾ ‪ ﴿ ،‬مَا خَ َلقْنَا ُهمَا إِلّا بِاْل َ‬

‫حسْبا ٍن وبكمةٍ ‪ ،‬وبترتيبٍ وبنظامٍ ‪ ،‬يعلمُ منْ يرى هذا الكون أنّ‬
‫والعنِ ‪ :‬أنّ كلّ شيءٍ ِب ُ‬
‫هناك إلا قديرا ل يُجري المور مازفةً ‪ ،‬جلّ ف علهُ‪.‬‬

‫ش ْمسُ يَنَبغِي َلهَا أَن ُتدْ ِركَ‬
‫حسْبَانٍ ﴾ ‪ ﴿ ،‬لَا ال ّ‬
‫ثّ يقولُ سبحانهُ وتعال ‪ ﴿ :‬الشّ ْمسُ وَاْل َقمَرُ ِب ُ‬
‫اْل َقمَرَ وَلَا اللّيْلُ سَاِبقُ الّنهَارِ َوكُلّ فِي‬

‫فَ َلكٍ َيسَْبحُونَ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪153‬‬

‫**********************************‬

‫لرْصُ‬
‫ل يدي ا ِ‬
‫قال‬

‫س حت تستكمل رزْقها وأجلَها ))‪ .‬فلِم الَ َزعُ ؟!ولِم الََلعُ ؟! ولِم‬
‫‪ (( :‬لنْ توتَ نف ٌ‬

‫الِ ْرصُ إذنْ ‪ ،‬إذا انتهى م ْن هذا وفَرَغَ ؟! ﴿ وَكُلّ شَيْ ٍء عِندَهُ ِب ِم ْقدَارٍ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬وكَانَ َأ ْمرُ ال ّلهِ‬

‫َقدَرا ّمقْدُورا ﴾‪.‬‬
‫**************************************‬

‫الزماتُ تك ّفرُ عنك السيئاتِ‬
‫يُذكَرُ عن الشاعرِ ابن العتزّ أنهُ قال ‪ :‬آلُ ما أوطأ راحلةً التوكل على الِ ‪ ،‬وما أسرع أوْبةَ‬
‫الواث ِق بالِ !! وقد صحّ عنهُ‬

‫ب الؤمنَ منْ همّ ‪ ،‬ول غمّ ‪ ،‬ول‬
‫أنهُ قال ‪ (( :‬ما يصي ُ‬

‫وصبٍ ‪ ،‬ول نصبٍ ‪ ،‬ول مرضٍ ‪ ،‬حت الشوكةُ يُشاكُها ‪ ،‬إل كفّر الُ با منْ خطاياهُ ))‪.‬‬
‫فهذا لن صب واحتسب وأناب ‪ ،‬وعَ َرفَ أنهُ يتعاملُ مع الواحدِ الوهابِ‪.‬‬
‫قال التنب ف أبياتٍ حكيمةٍ تضفي على العبدِ قوةً وانشراحا ‪:‬‬
‫ما دام يصحبُ في ِه رُوحك البدنُ‬
‫ل تلق دهرك إل غيْرَ مكترثٍ‬
‫ول يردّ عليك الغائب الزنُ‬
‫فما يُديُ سُرورا ما سُ ِررْت بهِ‬
‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫﴿ لِكَيْلَا َتأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَ ُكمْ وَلَا َت ْفرَحُوا ِبمَا آتَا ُ‬
‫**********************************‬

‫سبُنَا اللّهُ َونِعْ َم الْ َوكِيلُ »‬
‫« َح ْ‬
‫« َحسْبُنَا ال ّلهُ وَِن ْعمَ اْلوَكِي ُل » ‪ :‬قالا إبراهيمُ لا أُلقي ف النارِ ‪ ،‬فصارتْ بردْا وسلما‪ .‬وقال‬
‫ممدٌ ف أُ ُحدٍ ‪ ،‬فنصره الُ‪.‬‬
‫لا ُوضِع إبراهيمُ ف النجنيقِ قال له جبيلُ ‪ :‬ألك إلّ حاجةٌ ؟ فقال له إبراهيمُ ‪ :‬أمّا إليك‬
‫فل ‪ ،‬وأمّا إل الِ فَنَ َعمْ !‬

‫ل تحزن‬
‫‪154‬‬

‫البحرُ يُغْرقُ ‪ ،‬والنارُ َتحْرِقُ ‪ ،‬ولكن جفّ هذا ‪ ،‬وخدتْ تلك ‪ ،‬بسبب ‪َ « :‬حسْبُنَا ال ّلهُ وَِن ْعمَ‬

‫الْوَكِيلُ »‪.‬‬

‫رأى موسى البحرَ أمامه والعدّ خلفه ‪ ،‬فقال ‪ ﴿ :‬قَالَ كَلّا إِنّ َمعِيَ رَبّي سََيهْدِينِ ﴾‪ .‬فنجا بإذنِ‬
‫الِ‪.‬‬
‫ُذكِر ف السيةِ أنّ الرسول لا دخل الغار ‪ ،‬س ّخ ال المام فبنتْ عشّها ‪ ،‬والعنكبوت‬
‫فبنت بيتها بفمِ الغارِ ‪ ،‬فقال الشركون ‪ :‬ما دخل هنا ممدٌ‪.‬‬
‫حمِ‬
‫خيِ البيةِ ل تنسِخْ ول َت ُ‬
‫ظنّوا المام وظنّوا العنكبوت على‬
‫عناي ُة الِ أغنيتْ عنْ مضاعفةٍ‬

‫من الدروعِ وعنْ عالٍ من الُطمُِ‬

‫إنا العنايةُ الربانيةُ إذا تلمّحها العبدُ ‪ ،‬ونظر أنّ هناك ربّا قديرا ناصرا وليّا راحا ‪ ،‬حينها‬
‫يرك ُن العبدُ إليه‪.‬‬
‫يقو ُل شوقي ‪:‬‬
‫نْ فالوادثُ كُلّهن أمانُ‬
‫وإذا العنايةُ لحظتْكَ عيونُها‬
‫حمِيَ ﴾‪.‬‬
‫﴿ فَإِنّكَ بَِأعْيُنِنَا ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَال ّلهُ خَ ْيرٌ حَافِظا َوهُوَ أَرْ َحمُ الرّا ِ‬
‫*************************************‬

‫ت السّعادةِ‬
‫مكوّنا ُ‬
‫وعند الترمذيّ عنهُ‬

‫‪ (( :‬منْ بات آمنا ف ِسرْبهِ ‪ ،‬معافً ف بدنه ‪ ،‬عندهُ قوتُ يو ِمهِ ‪،‬‬

‫فكأنا حِيزَتْ له الدنيا بذافِيِها ))‪.‬‬

‫والعن ‪ :‬إذا حصل على غذاءٍ ‪ ،‬وعلى مأوًى وكان آمنا ‪ ،‬فقدْ حصل على أحس ِن‬
‫السعاداتِ ‪ ،‬وأفضلِ الياتِ ‪ ،‬وهذا يصلُ عليه كثيٌ من الناسِ ‪ ،‬لكنهمْ ل يذكرونه ‪ ،‬ول‬
‫ينظرون إليه ول يلمسونه‪.‬‬
‫يقولُ سبحانه وتعال لرسوله ‪ ﴿ :‬وَأَْت َممْتُ عَلَيْكُمْ ِن ْعمَتِي ﴾‪ .‬فأيّ نعمةٍ ّتتْ على الرسولِ‬
‫؟‬
‫أهي الادةُ ؟ أهو الغذاءُ ؟ أهي القصو ُر والدو ُر والذهبُ وال ِفضّةُ ‪ ،‬ول يلكْ من ذلك شيئا ؟‬

‫ل تحزن‬
‫‪155‬‬

‫إنّ هذا الرسول العظيم كان ينامُ ف غرفةٍ منْ طيٍ ‪ ،‬سقفُها منْ جريدِ النخلِ ‪ ،‬ويرب ُ‬
‫ط‬
‫َحجَريْنِ على بطنِهِ ‪ ،‬ويتو ّسدُ على مدّةٍ منْ سَعَف النخلِ تؤثّر ف جنبهِ ‪ ،‬ورهن ِدرْعهُ عند‬
‫يهوديّ ف ثلثي صاعا منْ شعيٍ‪ ،‬ويدورُ ثلثة أيا ٍم ل يدُ رديء التمرِ ليأكله ويشبع منه‪.‬‬
‫من الشّعيِ وأبقى رهَكَ الجلُ‬
‫مِت ودرعُك مرهونٌ على شظفٍ‬
‫لنّ فيك معان اليُْتمِ أعذبُهُ‬
‫ت ف قصيدةٍ أخرى ‪:‬‬
‫وقل ُ‬
‫كفاك عنْ كلّ قصرٍ شاه ٍق عمدٍ‬
‫تبن الفضائل أبراجا مشيّدةً‬

‫حت دُعيت أبا اليتامِ يا بَطَلُ‬
‫بيتٌ من الطيِ أو كهفٌ من العلمِ‬
‫ُنصْيَ اليا ِم الت منْ أروعِ اليمِ‬

‫﴿ وَلَلْآ ِخرَةُ خَ ْيرٌ لّكَ ِمنَ اْلأُولَى{‪ }4‬وََلسَوْفَ ُيعْطِيكَ رَبّكَ فََترْضَى ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِنّا َأعْطَيْنَاكَ‬

‫الْكَوَْثرَ ﴾‪.‬‬

‫***************************************‬

‫َنصَب ا َل ْنصِب‬
‫منْ متاعبِ الياةِ النصبُ ‪ ،‬قال ابنُ الورديّ ‪:‬‬
‫يا عنائي منْ مدارا ِة السفَلْ‬
‫نصبُ النصبِ أوهي جَلَدي‬
‫صحّة والراحةَ ‪ ،‬وقليلٌ مَنْ ينجو‬
‫والعن ‪ :‬انّ ضريبةَ النصبِ غاليةٌ ‪ ،‬إنا تأخذُ ماء الوَجْهِ ‪ ،‬وال ّ‬
‫منْ تلك الضرائبِ الت يدفعُها يوميّا ‪ ،‬منْ عرقِهِ ‪ ،‬من دِمِ ‪ ،‬منْ سعتِه ‪ ،‬من راحتِه ‪ ،‬منْ عزتِه ‪،‬‬
‫منْ شرفِه ‪ ،‬منْ كرامتِه ‪(( ،‬ل تسألِ المارةَ))‪ِ(( .‬ن ْعمَتِ الرضعةُ وبِئست الفاطمةُ)) ﴿ َهلَكَ‬

‫عَنّي‬

‫سُ ْلطَانِيهْ ﴾‪.‬‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫أليس مصيُ ذلك للزوالِ ؟!‬
‫هبِ الدنيا تصيُ غليك عفوا‬
‫ق ّدرْ أنّ الدنيا أتتْ بكل شيءٍ ‪ ،‬فإل أي شيء تذهبُ ؟ إل الفناءِ ‪ ﴿ ،‬وَيَ ْبقَى وَ ْجهُ رَبّكَ ذُو‬
‫اْلجَلَالِ وَاْلإِ ْكرَامِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪156‬‬

‫ن رأسا ‪ ،‬فإنّ الرأس كثيُ الوجاعِ‪.‬‬
‫قال أحدُ الصالي لبنه ‪ :‬ل تكنْ يا ُب ّ‬
‫ت والشتائمِ والحراجاتِ والضرائبِ‬
‫ب التص ّدرَ دائما والتّرؤّس ‪ ،‬فإ ّن النتقادا ِ‬
‫والعن ‪ :‬ل ُتحِ ّ‬
‫ل تصلُ إل إل هؤلء القدّمي‪.‬‬
‫ول السلْطة هذا إنْ عدلْ‬
‫إنّ نصف الناسِ أعداءٌ لِنْ‬
‫*****************************************‬

‫هيا إل الصلة‬
‫﴿ يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُواْ اسَْتعِينُواْ بِالصّ ْبرِ‬
‫كان‬

‫صلَةِ ﴾‪.‬‬
‫وَال ّ‬

‫إذا حزبه أم ٌر فَزِع إل الصلةِ‪.‬‬

‫وكان يقولُ ‪ (( :‬أرِحنْا با يا بللُ ))‪.‬‬

‫ويقولُ ‪ (( :‬جُعلت قرّ ُة عين ف الصلةِ ))‪.‬‬
‫إذا ضاق الصدرُ ‪ ،‬وصعُب المرُ ‪ ،‬وكثر الكْرُ ‪ ،‬فاهرعْ إل الصلّى فصلّ‪.‬‬
‫ت الليال ‪ ،‬وتغيّ َر الصحابُ ‪ ،‬فعليك بالصلةِ‪.‬‬
‫إذا أظلمتْ ف وجهِك اليامُ ‪ ،‬واختلف ْ‬
‫كان النبّ ف الهمّاتِ العظيمةِ يشرحُ صدره بالصلةِ ‪ ،‬كيو ِم ي ْدرٍ والحزابِ وغيِها من‬
‫الواطنِ‪ .‬وذكروا ع ِن الافظِ ابن حج ٍر صاحبِ ( الفتحِ ) أنه ذهب إل القلعةِ بصر فأحط به‬
‫اللصوصُ ‪ ،‬فقام يصلي ‪ ،‬ففرّج الُ عنهُ‪.‬‬
‫وذكر اب ُن عساكر واب ُن القيمِ ‪ :‬أ ّن رجلً من الصالي لقيه لصّ ف إحدى طرقِ الشامِ ‪،‬‬
‫فأجهز عليه ليقتله ‪ ،‬فطلب منه مهلةٍ ليصلي ركعتي ‪ ،‬فقام فافتتح الصلة ‪ ،‬وتذكّ َر قول الِ‬

‫تعال ‪َ ﴿ :‬أمّن ُيجِيبُ اْلمُضْ َطرّ ِإذَا دَعَاهُ ﴾‪ .‬فردّدها ثلثا ‪ ،‬فنل ملكٌ من السماءِ برب ٍة فَقَتَلَ‬
‫صطَِبرْ عَلَيْهَا‬
‫الجرم ‪ ،‬وقال ‪ :‬أنا رسولُ منْ ييبُ الضطرّ إذا دعاهُ‪ ﴿ .‬وَْأ ُمرْ أَهْ َلكَ بِالصّلَاةِ وَا ْ‬

‫ت عَلَى اْلمُ ْؤمِِنيَ كِتَابا‬
‫حشَاء وَاْلمُن َكرِ ﴾ ‪ِ ﴿ ،‬إ ّن الصّلَةَ كَانَ ْ‬
‫﴾ ‪ِ ﴿ ،‬إ ّن الصّلَاةَ تَ ْنهَى َعنِ اْل َف ْ‬
‫مّوْقُوتا ﴾‪.‬‬
‫وإن مّا يشرحُ الصدر ‪ ،‬ويزي ُل ال ّم والغمّ ‪ ،‬الصلةُ على الرسول‬
‫صَلّوا عَلَ ْيهِ‬

‫وَسَ ّلمُوا َتسْلِيما ﴾‪.‬‬

‫‪:‬‬

‫﴿‬

‫يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُوا‬

‫ل تحزن‬
‫‪157‬‬

‫صحّ ذلك عند الترمذيّ ‪ :‬أنّ أُبَيّ بن كعب – رضي الُ عنهُ – قال ‪ :‬يا رسول الِ ‪ ،‬كمْ‬
‫أجعلُ لك من صلت ؟ قال ‪ (( :‬ما شئت ))‪ .‬قال ‪ :‬الربع ؟ قال ‪ (( :‬ما شئت ‪ ،‬وإنْ زدت‬

‫فخيْرٌ ))‪ .‬قال ‪ :‬الثّلُثيْن ؟ قال ‪ (( :‬ما شئت ‪ ،‬وإنْ زدت فخيٌ ))‪ .‬قال ‪ :‬أجعلُ لك صلت‬
‫كلهّا ؟ قال ‪ (( :‬إذنْ يُغفرُ ذنبُك ‪ ،‬وتُكْفى هّك ))‪.‬‬

‫وهنا الشاهدُ ‪ ،‬أ ْن المّ يزولُ بالصلةِ والسلمِ على سيدِ اللْقِ ‪ (( :‬منْ صلّى عليّ صلةً‬
‫ل عليهِ با عَشْرا ))‪ (( .‬أكِثروا من الصلةِ عليّ ليلة المعةِ ويوم المعةِ ‪،‬‬
‫واحدةً صلّى ا ُ‬
‫فإنّ صلتك ْم معروضةٌ عليّ))‪ .‬قالوا ‪ :‬كيف تُعرضُ عليك صلتُنا وقدْ أرمْت ؟! ‪-‬أي‬

‫بليت‪ -‬قال‪(( :‬إنّ ال حرمّ على الرضِ أنْ تأكل أجساد النبياءِ))‪ .‬إنّ للذين يقتدون به‬
‫ح صدرِه وعُل ّو قدرِه ورفعةِ ذكرهِ‪.‬‬
‫ويتّبعون النور الذي أُنْزِلَ معهُ نصيبا من انشرا ِ‬
‫يقولُ ابنُ تيمية ‪ :‬أكملُ الصلةِ على الرسولِ هي الصلةُ البراهيميةُ ‪ :‬اللهم صلّ على‬
‫ممدِ وعلى آل ممّدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ‪ ،‬وباركْ على ممدٍ وعلى آلِ‬
‫ممدٍ كما باركْت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم ف العالي‪ .‬إنك حي ٌد ميدٌ‪.‬‬
‫فأنت اليومَ أغلى ما َلدَيْنَا‬
‫نسينا ف ودادِك كُلّ غالِ‬
‫لنا شرفا نلمُ وما علينا‬
‫نُلمُ على مبّتِكمْ ويكفي‬
‫****************************************‬

‫الصّدَقةُ سَع ٌة ف الصّ ْدرِ‬
‫ويدخ ُل ف عمومِ ما يلبُ السعادة ويزي ُل ال ّم والكدر ‪ :‬فعلُ الحسانِ ‪ ،‬من الصدقةِ والبِرّ‬
‫صدْرُ ‪ ﴿ ،‬أَن ِفقُواْ ِممّا‬
‫ولسداءِ اليِ للناسِ ‪ ،‬فإنّ هذا منْ أحسنِ ما يُو ّسعُ بهِ ال ّ‬
‫صدّقَاتِ ﴾‪.‬‬
‫صدّ ِقيَ وَاْلمَُت َ‬
‫وَاْلمُتَ َ‬

‫رَزَقْنَاكُم﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫وقدْ وصف البخيلُ والكريُ برجليْن عليهما جُبّتانِ ‪ ،‬فل يزالُ الكريُ يُعطي ويبذلُ ‪،‬‬
‫فتتوسّعُ عليه البّةُ والدّرْعُ من الديدِ حت يع ُفوَ وأثرُه ‪ ،‬ول يزالُ البخيلُ يسكُ وينعُ ‪،‬‬
‫فتتقلّص عليهِ ‪ ،‬فتخنقهُ حت تضيق عليهِ روحهُ ! ﴿ َومَثَلُ اّلذِينَ يُن ِفقُونَ َأمْوَاَل ُهمُ ابِْتغَاء‬

‫ل تحزن‬
‫‪158‬‬

‫ض ْعفَيْنِ فَإِن ّلمْ‬
‫َمرْضَاتِ ال ّلهِ وَتَثْبِيتا ّمنْ أَن ُفسِ ِهمْ َكمَثَلِ جَّنةٍ ِبرَبْوَةٍ أَصَاَبهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُ َلهَا ِ‬

‫جعَلْ َيدَكَ َمغْلُوَلةً إِلَى عُُنقِكَ ﴾‪.‬‬
‫ُيصِبْهَا وَابِلٌ فَ َطلّ ﴾‪ .‬وقال سبحانه وتعال ‪ ﴿ :‬وَلَ َت ْ‬

‫س صدورا وأخلقا ؛ لنم بلُوا‬
‫إنّ غلّ الروحِ جزءٌ منْ غ ّل اليدِ ‪ ،‬وإنّ البخلء أضيقُ النا ِ‬
‫بفض ِل الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬ولو عملوا أنّ ما يعطونه الناس إنا هو جلبٌ للسعادةِ ‪ ،‬لسارعوا إل‬
‫هذا الفعلِ اليّرِ ‪ ﴿ ،‬إِن ُت ْقرِضُوا ال ّلهَ َقرْضا َحسَنا ُيضَا ِعفْهُ لَ ُكمْ‬
‫وقال سبحانه وتعال ‪:‬‬

‫﴿‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫وََي ْغفِرْ لَ ُ‬

‫َومَن يُوقَ ُشحّ َن ْفسِهِ فَُأوْلَئِكَ ُهمُ اْل ُمفْ ِلحُونَ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬و ِممّا رَزَقْنَا ُهمْ‬

‫يُن ِفقُونَ ﴾‬

‫فالالُ عاريةٌ والعمرُ رحّالُ‬
‫يأسنْ يرِ يعذُبْ منه سلسالُ‬

‫الُ أعطاك فابذلْ مِنْ عطيت ِه‬
‫الالُ كالاءِ إنْ تبسْ سواقِيهُ‬
‫يقولُ حاتُ ‪:‬‬
‫ويُحيي العظام البيض وهي رميمُ‬
‫أما والذي ل يعل ُم الغيب غيهُ‬
‫مافة يومٍ أنْ يُقال لئيمُ‬
‫لق ْد كنتُ أطوي البطن والزادُ يُشتهى‬
‫إنّ هذا الكري يأمرُ امرأته أنْ تستضيف له ضيوفا ‪ ،‬وأن تنتظر روّاده ليأكلوا معه ‪ ،‬ويؤانسوهُ‬
‫ليشرح صدرهُ ‪ ،‬يقولُ ‪:‬‬
‫أكولً فإن لستُ آكلُه وحدي‬
‫إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ‬
‫ثّ يقولُ لا وهو يعلنُ فلسفته الواضحة ‪ ،‬وهي معادلةٌ حسابيةٌ سافرةٌ ‪:‬‬
‫فيضى فؤادي أو بيلً ملدّا‬
‫أرين كريا مات مِنْ قبلِ حِينهِ‬
‫جعُ الالِ يزيدُ ف عمرِ صاحبِه ؟ هلْ إنفاقُهُ يُنقصُ من أجلِه ؟ ليس بصحيحٍ‪.‬‬
‫هلْ ْ‬
‫***************************************‬

‫ل تغضبْ‬
‫نغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ َن ْزغٌ فَاسَْت ِعذْ بِال ّلهِ إِّنهُ َسمِيعٌ‬
‫﴿ وَِإمّا يَ َ‬
‫أوصى‬

‫عَلِيمٌ ﴾‪.‬‬

‫أحد أصحابه فقال ‪ (( :‬ل تغضبْ ‪ ،‬ل تغضبْ ‪ ،‬ل تغضبْ ))‪.‬‬

‫وغضب رجلٌ عنده فأمرهُ‬

‫أ ْن يستعيذ بالِ من الشيطانِ الرجيمِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪159‬‬

‫س ُهمْ طَائِفٌ ّمنَ‬
‫ضرُونِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِنّ اّلذِينَ اّتقَواْ ِإذَا َم ّ‬
‫وقال تعال ‪ ﴿ :‬وََأعُوذُ ِبكَ رَبّ أَن َيحْ ُ‬
‫الشّيْطَانِ َتذَ ّكرُواْ فَِإذَا هُم مّ ْبصِرُونَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫لدّةُ والغضبُ ‪ ،‬وله أدواءٌ عند الصطفى‬
‫إنّ مّا يورِثُ الكَ َدرَ والمّ والزن ا ِ‬
‫منها ‪ :‬ماهدةُ الطبعِ على تركِ ال َغضَبِ ‪ ﴿ ،‬وَالْكَا ِظ ِميَ‬

‫َي ْغفِرُونَ ﴾ ‪.‬‬

‫ا ْلغَ ْيظَ ﴾‬

‫‪.‬‬

‫‪ ﴿ ،‬وَِإذَا مَا َغضِبُوا ُهمْ‬

‫ومنها ‪ :‬الوضوءُ ‪ ،‬فإنّ ال َغضَبَ جرةٌ من النارِ ‪ ،‬والنارُ يطفئُها الاءُ ‪ (( ،‬الطهورُ ش ْطرُ‬

‫ح الؤمنِ ))‪.‬‬
‫اليانِ )) ‪ (( ،‬الوضوءُ سل ُ‬

‫ومنها ‪ :‬إذا كان واقفا أن يلس ‪ ،‬وإذا كان جالسا أن يضطجع‪.‬‬

‫منها ‪ :‬أنْ يسكت فل يتكلمُ إذا غضِب‪.‬‬

‫ومنها أيضا ‪ :‬أن يتذكر ثواب الكاظمي لغيظِهم ‪ ،‬والعافي عن الناسِ السامي‪.‬‬
‫***************************************‬

‫ِورْدٌ صباحيّ‬
‫وسوف أخبُك بورْد من الذكارِ تداومُ عليه ك ّل صباحٍ ‪ ،‬ليجلب لك السعادة ‪ ،‬ويفظك منْ‬
‫شرّ شياطيِ النسِ والنّ ‪ ،‬ويكون لك عاصِما طِيلة يومِك حت تُمسي‪.‬‬

‫منْ هذهِ الدعيةِ ‪ ،‬وهي الت صحّتْ عنه‬

‫‪:‬‬

‫‪.1‬أصبحنا وأصبح اللكُ لِ ‪ ،‬والمدُ لِ ‪ ،‬ول إله إل الُ وَ ْحدَهُ ل شريك لهُ ‪،‬‬
‫لهُ اللكُ وله المدُ ‪ ،‬وهو على كلّ شي ٍء قديرٌ‪ .‬ربّ أسألُك خَ ْيرَ ما ف هذه‬

‫الليلةِ ‪ ،‬وخَ ْيرَ ما بعدها ‪ ،‬وأعوذُ بك منْ شرّ هذه الليلةِ وشرّ ما بعدها ‪ ،‬ربّ‬

‫ب أعوذُ بك منْ عذابٍ ف النارِ‬
‫أعوذُ بك من الكسلِ وسُوءِ الكِبرِ ‪ ،‬ر ّ‬
‫وعذابٍ ف القبِ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪160‬‬

‫‪.2‬وحديثُ ‪ (( :‬اللهمّ عال الغيبِ والشهادةِ ‪ ،‬فاطر السماواتِ والرضِ ‪ ،‬ربّ‬
‫كلّ شيء ومليِكه ‪ ،‬أشهدُ أنْ ل إله إل أنت ‪ ،‬أعوذُ بك منْ ش ّر نفسي ‪،‬‬

‫وشرّ الشيطانِ وشركهِ ‪ ،‬وأنْ أقترف على نفسي سوءا أو أجرّه إل مسلمٍ ))‪.‬‬

‫‪.3‬وحديثُ ‪ (( :‬بسمِ الِ الذي ل يضرّ مع اسِه شيءٌ ف الرضِ ول ف‬
‫السماءِ ‪ ،‬وهو السميعُ العليمُ ))‪ .‬ثلث مراتٍ‪.‬‬

‫‪ ((.4‬اللهمّ إن أصبحتُ أشهدُك وأشهدُ حلة عرشِك وملئكتك وجيع خلقِك‬
‫أنك أنت الُ ل إله إلّ أنت ‪ ،‬وحدك ل شريك لك ‪ ،‬وأ ّن ممدا عبدُك‬
‫))‪ .‬أربع مرات‪.‬‬

‫ورسولُك‬

‫‪((.5‬اللهمّ إن أعوذُ بك أنْ أشرك بك شيئا وأنا أعلمُ ‪ ،‬وأستغفرُك لا ل‬
‫أعلمُ))‪.‬‬

‫‪ ((.6‬أصبحنا على فِطْرةِ السلمِ ‪ ،‬وعلى كلمةِ الخلصِ ‪ ،‬وعلى دينِ نبيّنا‬
‫ممدٍ‬

‫‪ ،‬وعلى م ّلةِ أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من الشركي ))‪.‬‬

‫سهِ ‪ ،‬وزِنه عر ِشهِ ‪ ،‬ومِداد‬
‫‪ ((.7‬سبحان الِ وبمدهِ ‪ :‬عَ َددَ خَ ْل ِقهِ ‪ ،‬ورضا نف ِ‬
‫كلماِتهِ ))‪ .‬ثلث مراتٍ‪.‬‬

‫‪ ((.8‬رضيتُ بالِ رَبّا ‪ ،‬وبالسلم دينا ‪ ،‬وبحمدٍ‬

‫نبيا ))‪ .‬ثلث مراتٍ‪.‬‬

‫ت منْ شرُ ما خَ َلقَ ))‪ .‬ثلثا ف الساء‪.‬‬
‫‪ ((.9‬أعوذُ بكلماتِ الِ التامّا ِ‬

‫‪ ((.10‬اللهمّ بك أصبحْنا ‪ ،‬وبك أمسنا ‪ ،‬وبك نْيا ‪ ،‬وبك نوتُ ‪ ،‬وإليك‬
‫النشورُ ))‪.‬‬

‫‪ ((.11‬ل إله إل الُ وحده ل شريك لهُ ‪ ،‬لهُ الُ ْلكُ ولهُ ال ْمدُ ‪ ،‬وهو على كلّ‬

‫شي ٍء قديرٌ ))‪ .‬مائة مرة‪.‬‬
‫*********************************‬

‫وقفـــة‬

‫ل تحزن‬
‫‪161‬‬

‫لذْلن ‪ :‬أنْ يكلك الُ على نفسِك ‪،‬‬
‫يقولُ اب ُن القيّم ‪ (( :‬أجع العارفون بال على أنّ ا ِ‬
‫ويُخلّي بينك وبينها‪ .‬والتوفيقُ أنْ ل يكِلك الُ إل نفسِك‪.‬‬
‫فالعبيدُ متقلّبون بي توفيقهِ وخذلنِهِ ‪ ،‬بلِ العبدُ ف الساعةِ الواحدةِ ينالُ نصيبه منْ هذا وهذا ‪،‬‬
‫سخِطُه ويغفلُ عنه‬
‫فيطيعهِ ويُرضيهِ ‪ ،‬ويذكرُه ويشكرُه بتوفيقِه له ‪ ،‬ث يعصي ِه ويالفُه ‪ ،‬وُي ْ‬
‫بذلنِهِ له ‪ ،‬فهو دائرٌ بي توفيقِه و ِخذْلنِهِ‪.‬‬
‫فمت شهِد العبدُ هذا الشهد وأعطاهُ حقّه ‪ ،‬علِم ِشدّة ضرورتِه وحاجتِه إل التوفيق ف كلّ‬
‫نَفَسٍ وكلّ لظةٍ وطرْفةِ عيْنٍ ‪ ،‬وأنّ إيانه وتوحيده بيدِهِ تعال ‪ ،‬لو تلّى عنه طرفة عيٍ لَثُلّ‬
‫عَرْشُ توحيدِه ‪ ،‬ولَرّتْ ساءُ إيانِهِ على الرضِ ‪ ،‬وأنّ المسك له ‪ :‬هو منْ يسك السماء أنْ‬
‫تقع على الرضِ إل بإذنِهِ ))‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫القرآنُ‪ ..‬الكتابُ الباركُ‬
‫ب الِ بتدبّرٍ وتعّنٍ وتأمّلٍ ‪ ،‬فإنّ ال َوصَفَ‬
‫ح الصدرِ قراءةُ كتا ِ‬
‫ومنْ أسبابِ السعادةِ وانشرا ِ‬

‫كتابه بأنه هدىً ونورٌ وشفاءٌ لا ف الصدورِ‪ ،‬ووصفه بأنه رحةٌ‪َ ﴿ ،‬قدْ جَاءتْكُم مّ ْوعِ َظةٌ مّن‬

‫رّبّ ُكمْ وَ ِشفَاء ّلمَا فِي الصّدُورِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬أَفَلَا يََتدَّبرُونَ اْل ُقرْآنَ أَ ْم عَلَى قُلُوبٍ أَ ْقفَاُلهَا﴾ ‪﴿ ،‬أَ َفلَ‬

‫يََتدَبّرُونَ اْل ُقرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِ ْن عِندِ غَ ْيرِ ال ّلهِ لَوَ َجدُواْ فِيهِ اخِْتلَفا كَثِيا ﴾ ‪ ﴿ ،‬كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ‬
‫ك مُبَارَكٌ لَّيدّبّرُوا‬
‫إِلَيْ َ‬

‫آيَاِتهِ ﴾‪.‬‬

‫قال بعضُ أه ِل العِلْمِ ‪ :‬مباركٌ ف تلوتِهِ ‪ ،‬والعملِ به ‪ ،‬وتكيمِه والستنباطِ منه‪.‬‬
‫ستُ بغمّ ل يعلمهُ إل الُ ‪ ،‬وب ّم مقيمٍ ‪ ،‬فأخذتُ الصحف وبقيتُ‬
‫وقال أحدُ الصالي ‪ :‬أحس ْ‬
‫أتلو ‪ ،‬فزال عن – وال – فجأةً هذا الغمّ ‪ ،‬وأبدلن الُ سرورا وحبورا مكان ذلك الكدرِ‪﴿ .‬‬

‫إِنّ هَـذَا اْل ُقرْآنَ ِي ْهدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ي ْهدِي ِبهِ ال ّلهُ َمنِ اتّبَعَ رِضْوَاَنهُ‬

‫‪َ ﴿ ،‬و َكذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحا مّنْ َأ ْمرِنَا ﴾ ‪.‬‬
‫****************************************‬

‫سُبُلَ السّلَمِ ﴾‬

‫ل تحزن‬
‫‪162‬‬

‫ل ترصْ على الشهرةِ‬
‫فإنّ لا ضريبةً من الكدرِ والمّ والغمّ‬
‫ت القلب ويك ّدرُ صفاءه واستقراره وهدوءه ‪ :‬الرصُ على الظهو ِر والشهرةِ ‪ ،‬وطلبِ‬
‫ما يشت ُ‬
‫رضا الناسِ ‪ ﴿ ،‬لَا ُيرِيدُو َن عُلُوّا فِي الَْأ ْرضِ وَلَا‬
‫ولذلك قال أحدُهم بالقابلِ ‪:‬‬
‫مَنْ أخل النفس أحياها وروّحها‬
‫ت عواصفُها‬
‫إنّ الرياح إذا اشتدّ ْ‬

‫َفسَادا ﴾‪.‬‬

‫ول يبتْ طاويا منها على ضجرِ‬
‫فليس ترمي سوى العال م َن الشجرِ‬

‫((منْ راءى راءى الُ بهِ ‪ ،‬ومنْ سّع سّع الُ بهِ))‪.‬‬

‫﴿‬

‫ُيرَآؤُونَ النّاسَ ﴾ ‪﴿ ،‬وُّيحِبّونَ أَن‬

‫ُيحْ َمدُواْ ِبمَا َلمْ َي ْفعَلُواْ ﴾ ‪﴿ ،‬وَلَ تَكُونُواْ كَاّلذِينَ َخرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرا وَرِئَاء‬

‫النّاسِ﴾‪.‬‬

‫فإذا التْحفْت ب ِه فإنّك عاري‬
‫ثوبُ الرياءِ يشِفّ عمّا تتهُ‬
‫***********************************‬

‫الياةُ الطيبةُ‬
‫ب الت أكتبُها هنا ف جلبِ السعادةِ هو‬
‫من القضايا الكبى السلّمةِ أنّ أعظم هذه السبا ِ‬
‫ت والفوائد الت جعتْ إذا أُهديتْ‬
‫اليا ُن بالِ ربّ العالي ‪ ،‬وأنّ السباب الخرى والعلوما ِ‬
‫لشخصٍ ول يصلْ على اليا ِن بالِ ‪ ،‬ول يُزْ ذلك الكنْز ‪ ،‬فلنْ تنفعه أبدا ‪ ،‬ول تفيده ‪ ،‬ول‬
‫يتعبْ نفسه ف البحثِ عنها‪.‬‬
‫ل ربّا ‪ ،‬وبحمدٍ نبيّا ‪ ،‬وبالسلمِ دينا‪.‬‬
‫إ ّن الصل اليا ُن با ِ‬
‫يقولُ إقبالُ الشاعرُ ‪:‬‬
‫ق فيِه‬
‫وأرى الؤمن كونا تاهتِ الفا ُ‬
‫إنا الكافرُ حيانُ له الفاقُ تِيهْ‬
‫وأعظمُ منْ ذلك و أصدقُ ‪ ،‬قولُ ربّنا سبحانه ‪َ ﴿ :‬منْ عَمِلَ صَالِحا مّن ذَ َكرٍ َأوْ أُنثَى وَهُوَ‬

‫سنِ مَا‬
‫مُ ْؤمِنٌ فَلَُنحْيِيَّنهُ حَيَاةً طَيَّبةً وَلََنجْزِيَّن ُهمْ أَ ْجرَهُم بِأَ ْح َ‬

‫كَانُواْ َي ْعمَلُونَ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪163‬‬

‫وهناك شرطان ‪:‬‬
‫جعَلُ َل ُهمُ الرّ ْحمَنُ‬
‫اليا ُن بالِ ‪ ،‬ثّ العملُ الصالُ ‪ِ ﴿ ،‬إنّ اّلذِينَ آمَنُوا َوعَمِلُوا الصّاِلحَاتِ سََي ْ‬
‫ُودّا ﴾‪.‬‬

‫وهناك فائدتان ‪:‬‬
‫الياةُ الطيب ُة ف الدنيا والخرةِ ‪ ،‬والجرُ العظيمُ عند الِ سبحانهُ وتعال ﴿ َل ُهمُ الُْبشْرَى فِي‬
‫خرَةِ ﴾‪.‬‬
‫ال ِ‬

‫اْلحَيا ِة الدّنْيَا وَفِي‬
‫********************************‬

‫البلءُ ف صالِك‬
‫ل تزعْ من الصائبِ ‪ ،‬ول تكترثْ بالكوارثِ ‪ ،‬ففي الديثِ ‪ (( :‬إن ال إذا أحبّ قوما‬
‫ابتلهم ‪ ،‬فمنُ رضي فلهُ الرضا ‪ ،‬وم ْن سخط فَ َلهُ السخطُ ))‪.‬‬
‫**************************************‬

‫عبوديةُ الذعانِ والتسليمِ‬
‫ومنْ لوازمِ اليانِ أنْ ترضى بالقدرِ خيهِ وشرّهِ ‪ ﴿ ،‬وَلَنَبْلُوَنّ ُكمْ ِبشَيْءٍ مّنَ اْلخَوفْ وَاْلجُوعِ‬

‫شرِ الصّاِبرِينَ ﴾‪ .‬إنّ القدار ليستْ على رغباتِنا‬
‫وََنقْصٍ ّمنَ ا َلمَوَالِ وَالن ُفسِ وَالّث َمرَاتِ وََب ّ‬

‫دائما وإنا بقصورِنا ل نعرفُ الختيار ف القضا ِء والقدرِ ‪ ،‬فلسْنا ف مقامِ القتراحِ ‪ ،‬ولكننا ف‬
‫مقامِ العبوديّةِ والتسليمِ‪.‬‬
‫يُبتلى العبدُ على قدرِ إيانه ‪ (( ،‬أُوعكُ كما يُوعَكُ رجلن منكمْ )) ‪ (( ،‬أشدّ الناسِ بلءً‬

‫النبياءُ ‪ّ ،‬ث الصالون )) ‪ ﴿ ،‬فَاصِْبرْ َكمَا صََبرَ أُوْلُوا اْل َعزْمِ مِنَ الرّسُلِ ﴾ ‪ (( ،‬مَن يردِ الُ بهِ‬

‫ب منهُ )) ‪ ﴿ ،‬وَلَنَ ْبلُوَنّ ُكمْ حَتّى َنعْ َلمَ اْل ُمجَا ِهدِينَ مِن ُكمْ وَالصّاِبرِينَ وَنَبْ ُلوَ أَخْبَارَ ُكمْ‬
‫خيا يص ْ‬
‫﴾ ‪ ﴿ ،‬وََل َقدْ فَتَنّا اّلذِينَ مِن قَبْ ِل ِهمْ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪164‬‬

‫****************************************‬

‫مِن المارة إل النجارة‬
‫عليّ بنُ الأمون العباسي – أميٌ وابنُ خليفة – كان يسكنُ قصرا فخما ‪ ،‬وعندهُ الدنيا مبذولةٌ‬
‫ل يكدحُ طِيل َة النهارِ ‪ ،‬فإذا أضحى‬
‫ميسّرةٌ ‪ ،‬فأطلّ ذات يومٍ منْ شرفةِ القصرِ ‪ ،‬فرأى عام ً‬
‫النهارُ توضّأ وصلّى ركعتي على شاطئ دِجلة ‪ ،‬فإذا اقترب الغروبُ ذهب إل أهلِه ‪ ،‬فدعاهُ‬
‫يوما من اليا ِم فسأل ُه فأخبه أن له زوجةً وأختي وأُمّا يكدحُ عليهنّ ‪ ،‬وأنه ل قوت ل ُه ول‬
‫دخل إل ما يتكسبُه من السوقِ ‪ ،‬وأنه يصومُ كلّ يومٍ ويُفطرُ مع الغروبِ على ما يصلُ ‪ ،‬قال‬
‫‪ :‬فهلْ تشكو منْ شيءٍ ؟ قال ‪ :‬ل والمدُ لِ ربّ العالي‪ .‬فترك القصر ‪ ،‬وترك المارة ‪،‬‬
‫وهام على وجههِ ‪ ،‬ووُجد ميتا بعد سنواتٍ عديدةٍ وكان يعملُ ف الشب جهة خرسان ؛‬
‫لنهُ وجد السعادة ف عملِه هذا ‪ ،‬ول يدْها ف القصرِ ‪ ﴿ ،‬وَاّلذِينَ اهَْتدَوْا زَادَ ُهمْ ُهدًى‬

‫وَآتَا ُهمْ َتقْوا ُهمْ ﴾ ‪.‬‬
‫يذكّرن هذه بقصةِ أصحاب الكهفِ ‪ ،‬الذين كانوا ف القصور مع اللكِ ‪ ،‬فوجدُوا الضيقَ ‪،‬‬
‫ووجدوا التشّتتَ ‪ ،‬ووجدوا الضطرابَ ؛ لنّ الكفر يسك ُن القصر ‪ ،‬فذهبوا ‪ ،‬وقال قائلُهم ‪:‬‬
‫شرْ لَ ُكمْ رَبّكُم مّن رّحته وُيهَيّئْ لَكُم‬
‫﴿ فَأْوُوا إِلَى الْ َكهْفِ يَن ُ‬

‫لبيتٌ تف ُق الرياحُ فيهِ‬
‫َسمّ الِياطِ مع الحبابِ ميدانُ‪...‬‬

‫مّنْ َأ ْمرِكُم ّمرْفَقا ﴾‪.‬‬

‫أحبّ إلّ مِ ْن قصْرٍ منيفِ‬

‫والعن ‪ :‬أن الحلّ الضيّق مع البّ واليانِ ‪ ،‬ومع الودّةِ يتّسعُ ويتحمّ ُل الكثي ‪(( ،‬جفانُنا‬
‫لضيوفِ الدار أجفانُ ))‪.‬‬
‫****************************************‬

‫منْ أسبابِ الكد ِر والنكدِ مالسةُ الثقلءِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪165‬‬

‫قال أحدُ ‪ :‬الثقلءُ أه ُل البدعِ‪ .‬وقيلَ ‪ :‬المقى‪ .‬وقيل الثقيلُ ‪ :‬هو ثخيُ الطبعِ ‪ ،‬الخالفُ ف‬
‫الشربِ ‪ ،‬الباردُ ف تصرفاتِه ‪،‬‬

‫﴿‬

‫كَأَّن ُهمْ ُخشُبٌ ّمسَّندَةٌ ﴾ ‪ ﴿ ،‬لَ يَكَادُونَ َي ْف َقهُونَ َحدِيثا‬

‫﴾‪.‬‬
‫قال الشافعيّ عنهمْ ‪ :‬إنّ الثقيل ليجلسُ إلّ فأظنّ أ ّن الرض تيلُ ف الهةِ الت هو فيها‪.‬‬

‫ف عَنّا اْلعَذَابَ إِنّا‬
‫وكان العمشُ إذا رأى ثقيلً ‪ ،‬قال ‪ ﴿ :‬رَبّنَا ا ْكشِ ْ‬
‫ل بأس بالقومِ ِمنْ طُولٍ ومِ ْن قِصرٍ‬

‫مُ ْؤمِنُونَ ﴾‪.‬‬

‫سمُ البِغالِ وأحل ُم العصافيِ‬
‫ِج ْ‬

‫وكان ابنُ تيمية إذا جالس ثقيلً ‪ ،‬قال ‪ :‬مالسةُ الثقلءِ حّى الربْعِ‪﴿ ،‬وَِإذَا رَأَيْتَ اّلذِينَ‬
‫َيخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فََأ ْع ِرضْ عَ ْن ُهمْ ﴾‪َ ﴿ .‬فلَ َت ْق ُعدُواْ َم َعهُمْ﴾‪(( .‬مثلُ الليسِ السيّئِ كنافخ‬
‫الكيِ))‪ .‬إنّ مِن اثقلِ الناسِ على القلوبِ الع ِريّ من الفضائ ِل الصغي ف الُثُلِ‪ ،‬الواقف على‬

‫شهواتِه ‪ ،‬الستسلم لرغباتِه‪َ ﴿ ،‬فلَ َت ْق ُعدُواْ َمعَ ُهمْ حَتّى َيخُوضُواْ فِي َحدِيثٍ غَ ْيرِهِ إِنّ ُكمْ إِذا‬

‫مّثْ ُلهُمْ ﴾‪.‬‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫أنت ف النظرِ إنسانٌ وف اليزان فِيلْ‬
‫أنت يا هذا ثقيلٌ وثقيلٌ وثقيلْ‬
‫قال اب ُن القيمِ ‪ :‬إذا ابتُليت بثقيلٍ ‪ ،‬فسلّم له جسمك ‪ ،‬وهاجرْ بروحِك ‪ ،‬وانتقلْ عنهُ وسافرْ ‪،‬‬
‫وملّكْه أذنا صمّاء ‪ ،‬وعيْنا عمياءَ ‪ ،‬حت يفتح الُ بينك وبينه‪.‬‬
‫ُفرُطا ﴾‪.‬‬

‫﴿‬

‫وَلَا ُتطِعْ مَنْ َأ ْغفَلْنَا قَلَْب ُه عَن‬

‫ذِ ْكرِنَا وَاتّبَعَ َهوَاهُ َوكَانَ َأ ْمرُهُ‬
‫**********************************‬

‫إل أه ِل الصائبِ‬
‫ف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬م ْن قبضتُ صفّيهُ من أه ِل الدُنْيا ثّ احَْتسََبهُ عوضتهُ منه النة ))‪.‬‬
‫رواه البخاري‪.‬‬
‫وكانتْ ف حياتِك ل عظاتٌ‬

‫فأنت اليوم أوعظُ منك حيّا‬

‫ل تحزن‬
‫‪166‬‬

‫وف الديثِ الصحيح ‪ (( :‬من ابتليتُه ببيبت ْيهِ ( أي عين ْيهِ ) عوضتُه منهما النة ))‪َ ﴿ .‬فإِّنهَا‬

‫لَا َت ْعمَى الْأَْبصَارُ وَلَكِن َت ْعمَى اْلقُلُوبُ الّتِي فِي‬

‫صدُورِ ﴾‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫وف حديثٍ صحيحٍ ‪ (( :‬إ ّن ال – عزّ وجلّ – إذا قبض ابن العبدِ الؤمنِ قال للملئكةِ ‪:‬‬

‫قبضتُم ابن عبدي الؤمنِ ؟ قالُوا ‪ :‬نعمْ‪ .‬قال ‪ :‬قبضتُهمْ ثرة فؤادِه ؟ قالوا ‪ :‬نعم‪ .‬قال ‪ :‬ماذا‬
‫ل ْمدِ‬
‫قال عبدي ؟ قالوا ‪َ :‬ح َمدَكَ واسترجَعَ‪ .‬قال ‪ :‬ابْنُوا لعبدي بيتا ف النةِ ‪ ،‬وسّوه بَيْتَ ا َ‬

‫))‪ .‬رواه الترمذي‪.‬‬

‫وف الثرِ ‪ :‬يتمنّى أناسٌ يوم القيامةِ أنّه ْم قُرِضوا بالقارضِ ‪ ،‬لِا يروْن منْ ُحسْنِ عُقب وثوابِ‬
‫الصابي‪ ﴿ .‬إِّنمَا ُيوَفّى الصّاِبرُونَ أَ ْجرَهُم ِبغَ ْيرِ ِحسَابٍ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬سلَ ٌم عَلَيْكُم ِبمَا صََبرُْتمْ‬

‫﴾ ‪ ﴿ ،‬رَبّنَا أَ ْف ِرغْ عَلَيْنَا صَبْرا ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَاصِْبرْ َومَا صَ ْبرُكَ إِلّ بِال ّلهِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَاصِْبرْ إِنّ َو ْعدَ ال ّلهِ‬
‫َحقّ ﴾‪.‬‬
‫ب قوما ابتلهمْ ‪ ،‬فمنْ‬
‫وف الديثِ ‪ (( :‬إنّ عِ َظمَ الزاءِ منْ عِظمِ البلءِ ‪ ،‬وإنّ ال إذا أح ّ‬
‫رضي فلهُ الرّضا ‪ ،‬ومنْ سخِط فلُه السخطُ ))‪ .‬رواه الترمذي‪.‬‬
‫إ ّن ف الصائبِ مسائلَ ‪ :‬الصبَ والقدرَ والجرَ ‪ ،‬وليعلمِ العبدُ انّ الذي أخذ هو الذي أعطى ‪،‬‬
‫وأنّ الذي سلب هو الذي منح‪ِ ﴿ ،‬إنّ ال ّلهَ يَ ْأ ُمرُ ُكمْ أَن تُؤدّواْ‬

‫لمَانَاتِ إِلَى أَهْ ِلهَا ﴾‪.‬‬
‫اَ‬

‫ولب ّد يوما أنْ تُر ّد الودائعُ‬
‫وما الالُ والهلون إل ودِيعةٌ‬
‫************************************‬

‫مشاهد التوحيد‬
‫إنّ منْ مشاه ِد التوحيدِ عند الذيّةِ ( استقبالِ الذى من الناسِ ) أمورا ‪:‬‬
‫أولُها مشهدُ ال َعفْوِ ‪ :‬وهو مشهدُ سلم ِة القلبِ ‪ ،‬وصفائهِ ونقائِه لنْ آذاك ‪ ،‬وحبّ اليِ وهي‬
‫درج ٌة زائدةٌ‪ .‬وإيصالُ الَيْرِ والنّفعِ له ‪ ،‬وهي درجة أعلى وأعظمُ ‪ ،‬فهي تبدأ بك ْظمِ الغَْيظِ ‪،‬‬
‫وهو ‪ :‬أنْ ل تُؤذي منْ آذاك ‪ ،‬ثّ العفو ‪ ،‬وهو أنْ تسامهُ ‪ ،‬وأنْ تغفرَ له زلّتهُ‪ .‬والحسانِ ‪،‬‬

‫ي عَنِ النّاسِ‬
‫وهو ‪ :‬أنْ تبادله مكان الساءةِ منه إحسانا منك ‪ ﴿ ،‬وَالْكَا ِظمِيَ اْلغَ ْيظَ وَاْلعَا ِف َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪167‬‬

‫صفَحُوا‬
‫حسِِنيَ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬فمَ ْن َعفَا وَأَصْ َلحَ َفأَ ْجرُهُ عَلَى ال ّلهِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَلَْي ْعفُوا وَلَْي ْ‬
‫وَال ّلهُ ُيحِبّ اْلمُ ْ‬
‫﴾‪.‬‬

‫وف الثرِ ‪ (( :‬إنّ ال أمرن أنْ أصِ َل منْ قطعن ‪ ،‬وأنْ أعفو عمّنْ ظلمنِي وأنْ أُعطي منْ‬
‫َح َرمَنِي ))‪.‬‬

‫ومشهدُ القضاءِ ‪ :‬وهي أنْ تعلم أنه ما آذاك إل بقضاءٍ من الِ وَقدَرٍ ‪ ،‬فإنّ العبد سببٌ من‬
‫السبابِ ‪ ،‬وأنّ القدر والقاضي هو الُ ‪ ،‬فتسّلمَ وُتذْعن لولك‪.‬‬

‫ومشهدُ الكفارةِ ‪ :‬وهي أنّ هذا الذى كفارةٌ منْ ذنوبك وحطّ منْ سيئاتِك ‪ ،‬وموٌ لزلّتِك ‪،‬‬
‫ورفعةٌ لدرجاتِك ‪،‬‬

‫﴿‬

‫وَقُتِلُواْ ُل َكفّرَ ّن عَ ْن ُهمْ‬

‫فَاّلذِينَ هَا َجرُواْ وَأُ ْخرِجُواْ مِن دِيَارِ ِهمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ‬

‫سَيّئَاِت ِهمْ ﴾‪.‬‬

‫من الكم ِة الت يؤتاها كثيٌ من الؤمني ‪ ،‬نَزْعُ فتيلِ العداوةِ ‪،‬‬

‫﴿‬

‫سنُ فَِإذَا‬
‫ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَ ْح َ‬

‫اّلذِي بَيْنَكَ وَبَيَْنهُ عَدَاوَةٌ كَأَّنهُ وَلِيّ َحمِيمٌ ﴾ ‪ (( ،‬السلمُ منْ سلِم السلمون منْ لسانِه ويدهِ‬
‫))‪.‬‬
‫أيْ ‪ :‬أن تَلْقَى منْ آذاك بِبِشر وبكلمةٍ لينةٍ ‪ ،‬وبوجهٍ طليقٍ ‪ ،‬لتنع منهُ أتون العداوةِ ‪ ،‬وتطفئ‬

‫نار الصومِة ﴿ وَقُل ّلعِبَادِي َيقُولُواْ الّتِي‬

‫نغُ بَيَْن ُهمْ ﴾‪.‬‬
‫هِيَ أَ ْحسَنُ إِنّ الشّيْطَانَ يَ َ‬

‫صحيفةٌ وعليها الِبشْرُ عنوانُ‬

‫كٌن ريّق البِشْرِ إنّ الُرّ شيمتُ ُه‬
‫وم ْن مشاهدِ التوحيدِ ف أذى منْ يؤذيك ‪:‬‬

‫مشهدُ معرفةِ تقص ِي النفسِ ‪ :‬وهو انّ هذا ل يُسّلطِ عليك إل بذنوبٍ منك أنت ‪﴿ ،‬أَوََلمّا‬
‫أَصَابَتْكُم ّمصِيبَةٌ َقدْ أَصَبْتُم مّثْلَ ْيهَا قُلُْتمْ أَنّى هَـذَا قُلْ هُوَ ِمنْ عِندِ أَْن ُفسِكُمْ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَا‬
‫أَصَابَكُم مّن ّمصِيَبةٍ فَِبمَا َكسَبَتْ أَْيدِيكُمْ‬

‫﴾‬

‫وهناك مشهدٌ عظيمٌ ‪ ،‬وهو مشهدٌ تمدُ ال عليهِ وتشكرُه ‪ ،‬وهو ‪ :‬أنْ جعلك مظلوما ل‬
‫ظالا‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪168‬‬

‫وبعضُ السلفِ كان يقولُ ‪ :‬اللهمّ اجعلْن مظلوما ل ظالا‪ .‬وهذا كابنْيْ آدم ‪ ،‬إذ قال خيُها‬
‫‪ ﴿ :‬لَئِن َبسَطتَ إِلَيّ َيدَكَ لَِتقْتُلَنِي مَا أََناْ بِبَا ِسطٍ َيدِيَ إِلَيْكَ َلأَقْتُلَكَ إِنّي أَخَافُ ال ّلهَ رَبّ‬

‫ا ْلعَاَل ِميَ ﴾‪.‬‬

‫وهناك مشهدٌ لطيفٌ آخرُ ‪ ،‬وهو ‪ :‬مشهدُ الرحةِ وهو ‪ :‬إن ترْ َحمَ منْ آذاك ‪ ،‬فإنهُ يستح ّق‬
‫الرحةَ ‪ ،‬فإنّ إصراره على الذى ‪ ،‬وجرأته على ماهر ِة الِ بأذيةِ مسلمٍ ‪ :‬يستحقّ أن ترقّ لهُ ‪،‬‬
‫وأنْ تر َحمَهُ ‪ ،‬وأنْ تنقذه من هذا ‪ (( ،‬انصرْ أخاك ظالا أو مظلوما ))‪.‬‬
‫ولّا آذى ِمسْ َطحٌ أبا بكرٍ ف عِ ْرضِ ِه وف ابنتِهِ عائشة ‪ ،‬حلف أبو بكرٍ ل ينفقُ على مسطحٍ ‪،‬‬

‫سعَةِ أَن يُؤْتُوا‬
‫وكان فقيا ينفقُ عليه أبو بكرٍ ‪ ،‬فأنزل الُ ‪ ﴿ :‬وَلَا َيأْتَلِ أُوْلُوا اْل َفضْلِ مِن ُكمْ وَال ّ‬
‫ص َفحُوا أَلَا ُتحِبّونَ أَن َي ْغ ِفرَ‬
‫أُوْلِي اْل ُقرْبَى وَاْلمَسَا ِكيَ وَاْلمُهَا ِجرِينَ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ وَلَْي ْعفُوا وَلَْي ْ‬
‫ال ّلهُ لَ ُكمْ ﴾‪ .‬قال أبو بكرٍ ‪ :‬بلى أُ ِحبّ أن يغف َر الُ ل‪ .‬فأعاد له النفقة وعفا عنهُ‪.‬‬

‫صنٍ لعمر ‪ :‬هيهِ يا عمرُ ؟ وال ما تعطينا الَزْلَ ‪ ،‬ول تك ُم فينا بالعدْلِ‪ .‬فهمّ‬
‫وقال عيينهُ بنُ ِح ْ‬
‫به عمرُ ‪ ،‬فقال الرّ بنُ قيس ‪ :‬يا أمي الؤمني ‪ ،‬إ ّن ال يقول ‪ُ ﴿ :‬خذِ اْل َعفْوَ وَْأ ُمرْ بِاْل ُعرْفِ‬

‫ب الِ‪.‬‬
‫ض عَنِ اْلجَا ِه ِليَ ﴾ ‪ ،‬قال ‪ :‬فوالِ ما جاوزها عمرُ ‪ ،‬وكان وقّفا عند كتا ِ‬
‫وََأ ْعرِ ْ‬

‫ب عَلَيْ ُكمُ الَْيوْمَ َي ْغفِرُ ال ّلهُ لَ ُكمْ وَهُوَ أَرْ َحمُ الرّاحِ ِميَ ﴾ ‪.‬‬
‫وقال يوسُفُ إخوتِهِ ‪ ﴿ :‬قَالَ لَ تَ ْثرَي َ‬
‫وأعلنها‬

‫ف اللِ فيمنْ آذاهُ وطرده وحاربه م ْن كفارِ قريش ‪ ،‬قال ‪ (( :‬اذهبُوا فأنتمُ‬

‫ص َرعَةِ ‪ ،‬إنّما الشديدُ الذي‬
‫الطلقاءُ )) قالا يوم الفتحِ ‪ ،‬وفِ الديثِ ‪ (( :‬ليس الشديدُ بال ّ‬
‫ك نفسه عندَ الغضبِ ))‪.‬‬
‫يل ُ‬

‫قال ابنُ الباركِ ‪:‬‬
‫إذا صاحبت قوما أهل وُدّ‬
‫ول تأخذْ بزلّةِ ك ّل قومٍ‬

‫فكْن لمُ كذي الرّ ِحمِ الشفيقِ‬
‫فتبقى ف الزمانِ بل رفيقِ‬

‫ص َلحَ‬
‫قال بعضُهم ‪ :‬موجودٌ ف النيل ‪ :‬اغفرْ لنْ أخطأ عليك مرةً سبع مراتٍ ﴿ مَ ْن َعفَا وَأَ ْ‬

‫فَأَ ْجرُ ُه عَلَى‬

‫ال ّلهِ ﴾‬

‫ل تحزن‬
‫‪169‬‬

‫أيْ ‪ :‬منْ أخطأ عليك مرةً فك ّررْ عليه العَ ْفوَ سبع مراتٍ ‪ ،‬ليسلم لك دينُك وعِ ْرضُك ‪ ،‬ويرتاح‬
‫قلبُك ‪ ،‬فإنّ ال َقصَاصَ منْ أعصابِك ومنْ دمِك ‪ ،‬ومنْ نومِك ومنْ راحتِك ومنْ عِرضِك ‪،‬‬
‫وليس من الخرين‪.‬‬
‫قال النودُ ف مثلٍ لم ‪ « :‬الذي يقهرُ نفسه ‪ :‬أشجعُ من الذي يفتحُ مدين ًة »‪ِ ﴿ .‬إنّ الّن ْفسَ‬
‫رَبّيَ ﴾‪.‬‬

‫َلمّا َرةٌ بِالسّوءِ إِلّ مَا رَ ِحمَ‬
‫**********************************‬

‫وقفـــةٌ‬
‫« أما دعوةُ ذي النونِ ‪ ،‬فإ ّن فيها منْ كمالِ التوحيدِ والتنيهِ للربّ تعال ‪ ،‬واعترافِ العبدِ‬
‫ب والمّ والغمّ ‪ ،‬وأبلغ الوسائلِ إل الِ سبحانه ف‬
‫بظلمهِ وذنبه ‪ ،‬ما هو منْ أبلغ أدويةِ الكر ِ‬
‫ص وعيبٍ‬
‫قضاءِ الوائجِ فإنّ التوحيد والتني َه وتضمّنانِ إثبات كلّ كمالٍ لِ ‪ ،‬وسلب كلّ نق ٍ‬
‫ب والعقابِ ‪ ،‬ويُوجبُ‬
‫ع والثوا ِ‬
‫وتثيلٍ عنه‪ .‬والعترافُ بالظل ِم يتضمّنُ إيان العبدِ بالشر ِ‬
‫انكساره ورجوعهُ إل الِ ‪ ،‬واستقالته عثرته ‪ ،‬والعتراف بعبوديتهِ وافتقارِه إل ربّه فهاهنا‬
‫ف »‪.‬‬
‫أربعة أمورٍ ق ْد وقع التوسّلُ با ‪ :‬التوحيدُ ‪ ،‬والتنيهُ ‪ ،‬والعبوديةُ ‪ ،‬والعترا ُ‬
‫شرِ الصّاِبرِينَ{‪ }155‬اّلذِينَ ِإذَا أَصَابَ ْتهُم ّمصِيَبةٌ قَالُواْ إِنّا لِ ّلهِ وَإِنّـا إِلَ ْيهِ رَاجِعونَ{‬
‫﴿ وََب ّ‬
‫اْل ُمهْتَدُونَ ﴾‪.‬‬

‫ك عَلَ ْي ِهمْ صَ َلوَاتٌ مّن رّّب ِهمْ وَرَ ْح َمةٌ وَأُولَـئِكَ ُهمُ‬
‫‪ }156‬أُولَـئِ َ‬
‫**************************************‬

‫ت بالظاهرِ والباطنِ‬
‫اع ِ‬
‫صفاءُ النفسِ بصفاءِ الثوبِ ‪ ،‬وهنا أمرٌ لطيفٌ وشيءٌ شريف ‪ ،‬وهو أنّ بعض الكماءِ يقولُ ‪:‬‬
‫منِ اتسخ ثوبُه ‪ ،‬تكدّرتْ نفسُه‪ .‬وهذا أمرٌ ظاهرٌ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪170‬‬

‫وكثيٌ من الناسِ يأتيهِ ال َكدَ ُر بسببِ اتساخ ثوْبِهِ ‪ ،‬أو تغيّرِ هِندامِهِ ‪ ،‬أو عدمِ ترتيبِ مكتبِتهِ ‪ ،‬أو‬
‫ب مواعيدِه وبرنا ِمجِه اليوميّ ‪ ،‬والكونُ بُن على النظامِ ‪،‬‬
‫ط الوراقِ عنده ‪ ،‬أو اضطرا ِ‬
‫اختل ِ‬
‫فمنْ عَرَفَ حقيقة هذا الدّينِ ‪ ،‬علم أنه جاء لتنظيمِ حيا ِة العبدِ ‪ ،‬قليلِها وكثيِها ‪ ،‬صغيِها‬
‫وجليلِها ‪ ،‬وكلّ شيءٍ عنده ُبسْبانٍ‬

‫﴿‬

‫مّا َفرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾‪ .‬وف حديثٍ عند‬

‫الترمذيّ ‪ (( :‬إنّ ال نظيفٌ يبّ النظافة ))‪.‬‬

‫وعند مسل ٍم ف الصحيحِ ‪ (( :‬إنّ ال جيلٌ يبّ المال ))‪.‬‬

‫وف حديثٍ حسنٍ ‪ (( :‬تمّلُوا حت تكونوا كأنكمْ شامةٌ ف عيونِ الناسِ ))‪.‬‬
‫سجُها‬
‫يشون ف الُللِ الضاعفِ ن ْ‬

‫مشي المالِ إل الِمالِ البُزّلِ‬

‫زأولُ المالِ ‪ :‬الهتمامُ بالغسلِ‪ .‬وعند البخاري ‪ (( :‬حقّ على السلمِ أنْ يغتسل ف كلّ‬
‫سبعةِ أيامٍ يوما ‪ ،‬يغسلُ فيه رأسه وجسمهُ ))‪.‬‬
‫هذا على أقلّ تقديرٍ‪ .‬وكان بعضُ الصالي يغتسلُ كلّ يومٍ مر ًة كعثمان ب ِن عفان فيما ورد‬
‫عنهُ ‪َ ﴿ ،‬هذَا ُمغَْتسَلٌ بَا ِردٌ‬

‫شرَابٌ ﴾‪.‬‬
‫وَ َ‬

‫ومنها خصالُ الفطرةِ ‪ :‬كإعفاءِ اللحيِة وقصّ الشاربِ ‪ ،‬وتقليمِ الظافرِ ‪ ،‬وأخذِ الشعرِ الزائ ِد‬
‫من السمِ ‪ ،‬والسواكِ ‪ ،‬والطّيبِ ‪ ،‬وتليلِ السنانِ ‪ ،‬وتنظيفِ اللبسِ ‪ ،‬والعتناءِ بالظهرِ ‪،‬‬
‫س البياضِ ‪ (( ،‬البسوا البياض ‪ ،‬وكفّنوا‬
‫فإنّ هذا ما يو ّسعُ الصدر ويفسحُ الاطر‪ .‬ومنها لُب ُ‬
‫فيه موتاكمْ ))‪.‬‬

‫يُحيّون بالرّيْحانِ يوم السبا ِسبِ‬
‫رقاقُ النعالِ طيّبا ُحجُزاتُهم‬
‫س البياضِ ‪ (( :‬إنّ اللئكة تنلُ بثيابٍ بيضٍ عليه ْم عمائمُ‬
‫وقد عقد البخاريّ باب ‪ :‬لب ِ‬
‫بِيضٌ ))‪.‬‬
‫ومنها ترتيبُ الواعيدِ ف دفت ٍر صغيٍ ‪ ،‬وتنظيمُ الوقتِ ‪ ،‬فوقتٌ للقراءةِ ‪ ،‬ووقتٌ للعبادةِ ‪،‬‬

‫ووقتٌ للمطالعةِ ‪ ،‬ووقتٌ للراحة ‪ ﴿ ،‬لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَإِن مّن شَيْءٍ إِ ّل عِندَنَا َخزَائُِنهُ‬
‫َومَا نَُنزُّلهُ إِلّ ِب َقدَرٍ ّمعْلُومٍ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪171‬‬

‫ف مكتب ِة الكونرسِ لوحةٌ مكتوبٌ عليها ‪ :‬الكونُ بُن على النظامِ‪ .‬وهذا صحيحٌ ‪ ،‬ففي‬
‫الشرائعِ السماويةِ الدعوةُ إل التنظيمِ والتنسيقِ والترتيبِ ‪ ،‬وأخب – سبحانه وتعال – أنّ‬
‫الكون ليس لْوا ول عبثا ‪ ،‬وأنه بقضاءٍ وقدرٍ ‪ ،‬وأنه بترتيب وبُسبانٍ ‪ ﴿ :‬الشّ ْمسُ وَاْل َقمَرُ‬

‫شمْسُ يَنَبغِي َلهَا أَن ُتدْرِكَ اْل َق َمرَ وَلَا اللّ ْيلُ سَاِبقُ الّنهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ‬
‫حسْبَانٍ ﴾‪ ﴿ .‬لَا ال ّ‬
‫ِب ُ‬
‫َيسَْبحُونَ ﴾‪ ﴿ .‬وَاْل َق َمرَ َقدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّى عَادَ كَاْل ُعرْجُونِ اْل َقدِيِ ﴾‪ ﴿ .‬وَ َجعَلْنَا اللّيْلَ‬

‫صرَةً لِتَبَْتغُواْ َفضْلً مّن رّبّ ُكمْ وَلَِتعْ َلمُواْ‬
‫وَالّنهَارَ آيَتَ ْينِ َفمَحَوْنَا آَيةَ اللّيْلِ وَ َجعَلْنَا آَيةَ الّنهَارِ مُ ْب ِ‬

‫حسَابَ وَ ُكلّ شَيْءٍ َفصّلْنَاهُ َت ْفصِيلً ﴾‪ ﴿.‬رَبّنَا مَا خَ َلقْتَ هَذا بَا ِطلً ﴾‪َ ﴿ .‬ومَا‬
‫عَ َددَ السِّنيَ وَاْل ِ‬

‫خذَ َلهْوا لّاّتخَذْنَاهُ مِن ّلدُنّا إِن‬
‫سمَاء وَاْلأَ ْرضَ َومَا بَيَْنهُمَا لَاعِِبيَ{‪ }16‬لَوْ أَ َردْنَا أَن نّّت ِ‬
‫خَ َلقْنَا ال ّ‬
‫كُنّا فَاعِ ِليَ ﴾‪.‬‬

‫﴿ وَ ُقلِ ا ْعمَلُواْ ﴾ ‪:‬‬
‫ض النفسيةِ ‪ :‬يبون ُه‬
‫كان حكما ُء اليونانِ إذا أرادُوا معالة الصابِ بالوها ِم والقلق والمرا ِ‬
‫على العملِ ف الفلحة والبساتي ‪ ،‬فما ي ّر وقتٌ قصي إل وقد عادت إليه عافيته وطمأنينته ‪،‬‬
‫﴿‬

‫فَا ْمشُوا فِي مَنَاكِِبهَا ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَ ُق ِل اعْمَلُواْ ﴾‪.‬‬

‫إنّ أهل العما ِل اليدويِة همْ أكثُر الناسِ راحةً وسعاد ًة وبسْطة بالٍ‪ ،‬وانظرْ إل هؤل ِء العمّالِ‬
‫كيف يلكون منْ البالِ وقوةِ الجسامِ ‪ ،‬بسببِ حركتِهمْ ونشاطِهمْ ومزاولتِهمْ ‪(( ،‬وأعوذُ‬

‫بك من العجْزِ والكسلِ ))‪.‬‬
‫*********************************************‬

‫التْجِئ إل ال‬
‫الُ ‪ :‬هو السم الليلُ العظيمُ ‪ ،‬هو أعرفُ العارفِ ‪ ،‬فيه معنً لطيفٌ ‪ ،‬قيل ‪ :‬هو ِمنْ أَلهَ ‪،‬‬
‫وهو الذي تأ ُلهُ القلوبُ ‪ ،‬وتبّه ‪ ،‬وتسكنُ إليه ‪ ،‬وترضى بهِ وتركنُ إليهِ ‪ ،‬ول يكنُ للقلبِ‬
‫أبدا أن يسكن أو يرتاح أو يطمئنّ لغيهِ سبحانه ‪ ،‬ولذلك علّم فاطمة ابنتهُ دعاء الكرْبِ ‪:‬‬
‫(( الُ ‪ ،‬الُ رب ل أشر ُك به شيئا ))‪ .‬وهو حديثٌ صحيحٌ ‪ ﴿ ،‬قُلِ ال ّلهُ ُثمّ َذرْ ُهمْ فِي‬

‫ل تحزن‬
‫‪172‬‬

‫ض ِهمْ يَ ْلعَبُونَ‬
‫خَوْ ِ‬

‫﴾‬

‫ق‬
‫‪َ ﴿ ،‬وهُوَ اْلقَا ِهرُ فَ ْو َ‬

‫عِبَادِهِ ﴾‬

‫‪ ﴿ ،‬ال ّلهُ لَطِيفٌ ِبعِبَادِ ِه﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَا‬

‫َقدَرُوا ال ّلهَ َحقّ َقدْرِهِ وَاْلأَ ْرضُ َجمِيعا قَ ْبضَُتهُ َيوْمَ اْلقِيَا َمةِ وَالسّماوَاتُ َمطْوِيّاتٌ بَِيمِيِنهِ‬
‫شرِكُونَ‬
‫سُ ْبحَاَنهُ وََتعَالَى َعمّا ُي ْ‬

‫﴾‬

‫سمَاء كَطَيّ‬
‫‪ ﴿ ،‬وْمَ نَ ْطوِي ال ّ‬

‫سجِلّ لِلْكُتُبِ ﴾‬
‫ال ّ‬

‫ال ّلهَ ُي ْمسِكُ السّمَاوَاتِ وَاْلأَ ْرضَ أَن َتزُولَا ﴾ ‪.‬‬
‫***************************************‬

‫‪ِ ﴿ ،‬إنّ‬

‫عليهِ توكّ ْلتُ‬
‫ومنْ أعظمِ ما يُضفي السعادة على العبدِ ركونُهُ إل ربّه ‪ ،‬وتوكّلُه عليهِ ‪ ،‬واكتفاؤه بوليتهِ‬

‫ورعايتهِ وحراستهِ ‪َ ﴿ ،‬هلْ َتعْ َلمُ َلهُ َسمِيّا ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِنّ وَلِيّـيَ ال ّلهُ اّلذِي َنزّلَ الْكِتَابَ وَ ُهوَ‬
‫حزَنُونَ ﴾‪.‬‬
‫ُهمْ َي ْ‬

‫ف عَلَ ْي ِهمْ وَلَ‬
‫حيَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬أَل إِنّ أَوْلِيَاء ال ّلهِ لَ خَوْ ٌ‬
‫يَتَوَلّى الصّاِل ِ‬
‫**********************************‬

‫أجعُوا على ثلثةٍ‬
‫طالعتُ الكتب الت تعتن بسألةِ القلقِ والضطرابِ ‪ ،‬سواءٌ كانتْ لسلفِنا من مدّثي وأدباء‬
‫ومربّي ومؤرّخي أو لغيِهمْ مع النشراتِ والكتبِ الشرقيةِ والغربيةِ والترجةِ ‪ ،‬والدورياتِ‬
‫ت الميع ممعي على ثلثةِ أسسِ لنْ أراد الشفاء والعافية وانشراح الصدرِ‬
‫والجلّتِ ‪ ،‬فوجد ُ‬
‫‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫الولُ ‪ :‬التصا ُل بالِ عزّ وجلّ ‪ ،‬وعبوديتُه ‪ ،‬وطاعتُه واللجوءُ إليه ‪ ،‬وهي مسألةُ اليانِ‬
‫الكبى ‪ ﴿ ،‬فَاعُْبدْهُ وَاصْطَِبرْ ِلعِبَادَِتهِ ﴾ ‪.‬‬

‫الثان ‪ :‬إغلقُ ملفّ الاضي ‪ ،‬بآسيهِ ودموعِه ‪ ،‬وأحزانِه ومصائِبِه ‪ ،‬وآلمِه وهومِه ‪ ،‬والبدءِ‬
‫بياةٍ جديدةٍ مع يومٍ جديدٍ‪.‬‬

‫الثالثُ ‪ :‬ترْكُ الستقب ِل الغائبِ ‪ ،‬وعدمُ الشتغالِ ب ِه والنماكُ فيهِ ‪ ،‬وتر ُك التوقعاتِ‬

‫حسْبُ‪.‬‬
‫والنتظاراتِ والتوجّساتِ ‪ ،‬وإنّما العيشُ ف حدو ِد اليو ِم َف َ‬
‫قال عليّ ‪ :‬إيّاكمْ وطول الملِ ‪ ،‬فإنّه يُْنسِي ‪،‬‬

‫جعُونَ ﴾‪.‬‬
‫﴿ وَظَنّوا أَّن ُهمْ إِلَيْنَا لَا ُيرْ َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪173‬‬

‫ف والشائعاتِ ‪ ،‬فإنّ ال قال عنْ أعدائِه ‪:‬‬
‫إيّاك وتصديق الراجي ِ‬
‫عَلَ ْيهِمْ ﴾‪.‬‬

‫﴿‬

‫حةٍ‬
‫حسَبُونَ كُلّ صَ ْي َ‬
‫َي ْ‬

‫وعرفتُ أناسا منْ سنواتٍ عديدةٍ ‪ ،‬وهمْ ينتظرون أمورا ومصائب وحوادث وكوارث ْل‬
‫تقعْ ‪ ،‬ول يزالون يُخوّفون أنفسهم وغيهم منها‪ ،‬فسبحان ال ما أنكدُ عَْيشَهمْ !! ومَثَلُ هؤلءِ‬
‫كالسجيِ العذّبِ عند الصينيي ‪ ،‬فإنمْ يعلونه تت أنبوبٍ يق ُطرُ على رأسِهِ قطرةً من الاءِ ف‬
‫الدقيق ِة الواحدةِ ‪ ،‬فيبقى هذا السجيُ ينتظرُ كلّ قطرةٍ ثّ يصيبُه النونُ ‪ ،‬ويفقدُ عقله‪ .‬وقدْ‬
‫خفّفُ عَنْهُم مّ ْن‬
‫وصف الُ أهل النارِ فقال ‪ ﴿ :‬لَا ُي ْقضَى عَلَ ْيهِمْ فََيمُوتُوا وَلَا ُي َ‬

‫لَا َيمُوتُ فِيهَا وَلَا َيحْي ﴾ ‪ ﴿ ،‬كُ ّلمَا َنضِجَتْ جُلُودُ ُهمْ َبدّلْنَا ُهمْ جُلُودا‬
‫****************************************‬

‫َعذَابِهَا ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫غَ ْيرَهَا ﴾‪.‬‬

‫أحِلْ ظالك على ال‬
‫وعند الِ تتمعُ الصومُ‬
‫إل الدّيانِ يوم الشْرِ نضي‬
‫ويكفي العبد إنصافا وعدْلً أنهُ ينتظ ُر يوما يمعُ الُ في ِه الولي والخرين ‪ ،‬ل ظلم ف ذلك‬
‫اليومِ ‪ ،‬والكمُ هو الُ عزّ وجلّ ‪ ،‬والشهودُ اللئكةُ ‪ ﴿ ،‬وََنضَعُ اْلمَوَازِينَ اْل ِقسْطَ لِيَوْمِ اْلقِيَا َمةِ‬

‫فَلَا ُتظْ َلمُ َن ْفسٌ شَيْئا وَإِن كَانَ مِ ْثقَالَ حَّبةٍ ّمنْ َخ ْردَلٍ أَتَيْنَا ِبهَا وَ َكفَى بِنَا‬
‫*****************************‬

‫حَاسِِبيَ ﴾‪.‬‬

‫كسرى وعجوزٍ‬
‫ذكر بُزر جهرُ حكيمُ فارس ‪ :‬أ ّن عجوزا فارسيةً كان عندها دجاجٌ ف كوخٍ ماورٍ لقصرِ‬
‫كسرى الاكمِ ‪ ،‬فسافرتْ إل قريةٍ أخرى ‪ ،‬فقالتْ ‪ :‬يا ربّ أستودعُك الدجاج‪ .‬فلمّا‬
‫غابتْ ‪ ،‬عدا كسرى على كوخِها ليوسع قصْره وبستانهُ ‪ ،‬فذبح جنودُه الدجاج ‪ ،‬وهدمُوا‬
‫ت العجوزُ فالتفتتْ إل السماءِ وقالتْ ‪ :‬يا ربّ ‪ ،‬غبتُ أنا فأين أنت ! فأنصفها‬
‫الكوخ ‪ ،‬فعاد ِ‬

‫ي فَقَتَلهُ على فراشِهِ‪ ﴿ .‬أَلَ ْيسَ ال ّلهُ بِكَافٍ‬
‫الُ وانتقم لا ‪ ،‬فعدا ابنُ كسرى على أبيه بالسك ِ‬
‫عَبْدَهُ وَُيخَوّفُونَكَ بِاّلذِينَ مِن‬

‫دُوِنهِ ﴾‬

‫‪ ،‬ليتنا جيعا نكو ُن كخيْرَي ابن آدم القائلِ ‪ ﴿ :‬لَئِن‬

‫ل تحزن‬
‫‪174‬‬

‫َبسَطتَ إِلَيّ َيدَكَ لَِتقْتُلَنِي مَا أََناْ بِبَا ِسطٍ َيدِيَ إِلَ ْيكَ َلأَقْتُلَكَ ﴾‪ (( .‬كنْ عبد الِ القتول ‪ ،‬ول‬
‫تكنْ عبد ال القاتل )) ‪ ،‬إنّ عند السلمِ مبدأ ورسال ًة وقضيةً أعظمُ من النتقامِ والتشفي‬
‫والِقْدِ والكراهيةِ‪.‬‬
‫******************************************‬

‫ُمرَ ّكبُ النقْصِ قد يكونُ ُم َر ّكبَ كمالٍ‬
‫﴿‬

‫ض العباقرةِ شقّوا طريقهم بصمودٍ‬
‫لَا َتحْسَبُوهُ َشرّا لّكُم بَلْ هُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ ﴾‪ .‬بع ُ‬

‫ص عارضٍ ‪ ،‬فكثيٌ من العلما ِء كانوا موال ‪ ،‬كعطاءٍ ‪ ،‬وسعيدِ بن جُبيْرٍ ‪،‬‬
‫لحساسِهم بنق ٍ‬
‫وقَتَادَةَ ‪ ،‬والبخاريّ ‪ ،‬والترمذيّ ‪ ،‬وأب حنيفة‪.‬‬
‫وكثيٌ منْ أذكياءِ العالِ وبورِ الشريعةِ أصابُم العمى ‪ ،‬كابن عباسٍ ‪ ،‬وقتادة ‪ ،‬وابنِ أمّ‬
‫مكتوم ‪ ،‬والعمشِ ‪ ،‬ويزيدِ بنِ هارون‪.‬‬
‫ومن العلماء التأخرين ‪ :‬الشيخُ ممدُ بنُ إبراهيم آل الشيخ ‪ ،‬والشيخُ عبدُالِ بنُ حيد ‪،‬‬
‫والشيخُ عبدُالعزيزِ ب ُن بازٍ‪ .‬وقرأتُ عن أذكياء ومترعي وعباقرةٍ َعرَبٍ كان بمْ عاهاتٌ ‪ ،‬فهذا‬
‫أعمى ‪ ،‬وذاك أصمّ وآخرُ أعوجُ ‪ ،‬وثانٍ مُقْعدٌ ‪ ،‬ومع ذلك أثّروا ف التاريخ ‪ ،‬وأثّروا ف حياةِ‬
‫البشريةِ بالعلومِ والختراعاتِ والكشوفِ‪.‬‬

‫كمْ نُورا َت ْمشُونَ ِبهِ ﴾‪.‬‬
‫جعَل لّ ُ‬
‫﴿ وََي ْ‬

‫ليستِ الشهاد ُة العلميةُ الراقيةُ كلّ شيءٍ ‪ ،‬ل تتمّ ول تغت ّم ول تضِقْ ذرْعا لنك ل تنلِ‬
‫الشهادة الامعية ‪ ،‬أو الاجستي ‪ ،‬أو الدكتوراه ‪ ،‬فإنا ليستْ كلّ شيء ‪ ،‬بإمكانِك أنْ تؤثّرَ‬
‫وأنْ تلمع وأ ْن تقدّم للمةِ خيا كثيا ‪ ،‬ولوْ لْ تكنْ صاحب شهادةٍ علميةٍ‪ .‬كمْ منْ رجلٍ‬
‫شهيٍ خط ٍي نافعٍ ل يملُ شهادةً ‪ ،‬إنا شقّ طريقه بعصاميّتِ ِه وطموحِه وهّتِه وصمودِه‪ .‬نظرتُ‬
‫ف عصرِنا الاضرِ فرأيتُ كثيا من الؤثّرين ف العالِ الشرعي والدعوةِ والوعي والتربيةِ والفكرِ‬
‫والدبِ ‪ ،‬ل يك ْن عندهمْ شهاداتٌ عاليةٌ ‪ ،‬مثلُ الشيخ ابن بازِ ‪ ،‬ومالكِ بنِ نبّ ‪ ،‬والعقادِ ‪،‬‬
‫والطنطاوي ‪ ،‬وأب زهرة ‪ ،‬والودوديّ والندويّ ‪ ،‬وجعٍ كثيٍ‪.‬‬
‫ودونك علماء السلفِ ‪ ،‬والعباقرة الذين مرّوا ف القرونِ الفضّلةِ‪.‬‬
‫وعلّمتْهُ الكرّ والقداما‬
‫نفسُ عصامٍ سوّدتْ عِصاما‬

‫ل تحزن‬
‫‪175‬‬

‫حسّ مِ ْنهُم ّمنْ أَ َحدٍ أَوْ‬
‫وعلى الضدّ منْ ذلك آلفُ الدكاتر ِة ف العالِ طولً وعرضا ‪َ ﴿ ،‬هلْ ُت ِ‬

‫َتسْمَعُ َل ُهمْ رِكْزا ﴾‪ .‬القناعةُ كَنْزٌ عظيمٌ ‪ ،‬وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬ارض با قسم الُ لك‬
‫تَ ُكنْ أغن الناسِ ))‪.‬‬
‫ارضْ بأهلِك ‪ ،‬بدخْلِك ‪ ،‬برْكبِك ‪ ،‬بأبنائِك ‪ ،‬بوظيفتِك ‪ ،‬تدِ السعادة والطمأنينة‪.‬‬

‫وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬الغِن غِن النفسِ ))‪.‬‬

‫سمَ ال‪.‬‬
‫وليس بكثر ِة العرضِ ول بالموالِ وبالنصبِ‪ ،‬لكنّ راحة النفسِ ‪ ،‬ورضاها با َق َ‬
‫ن التقيّ الفيّ))‪ .‬وحديثِ ‪(( :‬اللهمّ اجعلْ‬
‫وف الديثِ الصحيحِ ‪(( :‬إنّ ال يبّ العبد الغ ّ‬
‫غناه ف قلِبهِ ))‪.‬‬

‫قال أحدُهم ‪ :‬ركبتُ مع صاحبِ سيارةٍ من الطارِ ‪ ،‬متوجّها إل مدينةٍ من الدنِ ‪ ،‬فرأيتُ هذا‬
‫السائق مسرورا ج ِذلً ‪ ،‬حامدا لِ وشاكرا ‪ ،‬وذاكرا لولهُ ‪ ،‬فسألُه عن أهلِه فأخبن أنّ‬
‫سبُ ‪ ،‬وعنده غُرفٌ‬
‫حْ‬
‫عنده أسرتي ‪ ،‬وأكثر منْ عشرةِ أبناءٍ ‪ ،‬ودخُلهُ ف الشهرِ ثانائةِ ريالٍ فَ َ‬
‫سمَ الُ لهُ‪.‬‬
‫قديةٌ يسكنُها هو وأهلُه ‪ ،‬وهو مرتاح البالِ ‪ ،‬لن ُه راضٍ با قَ َ‬
‫قال ‪ :‬فعجبتُ حينما قارنتُ بي هذا وبي أناسٍ يلكونُ ملياراتٍ من الموالِ والقصورِ والدورِ‬
‫‪ ،‬وه ْم يعيشون ضنْكا من العيشةِ ‪ ،‬فعرفتُ أن السعادة ليستْ ف الالِ‪.‬‬
‫عرفتُ خَبَرَ تاج ٍر كبيٍ ‪ ،‬وثريّ شهيٍ عندهُ آلفُ الليي وعشراتُ القصورِ والدورِ ‪ ،‬وكانَ‬
‫ضيّق الُُلقِ ‪ ،‬شرس التعاملِ ثائر الطبع ‪ ،‬كاسف البالِ ‪ ،‬مات ف غربةٍ عنْ أهلِه ‪ ،‬لنهُ ل يَ ْرضَ‬
‫با أعطاهُ الُ إياه ‪ُ ﴿ ،‬ثمّ َي ْطمَعُ َأنْ أَزِيدَ{‪ }15‬كَلّا إِّنهُ كَانَ لِآيَاتِنَا‬

‫عَنِيدا ﴾‪.‬‬

‫منْ معالِ راحةِ البالِ عند العربّ القديِ أنْ َيخْلُو بنفسِه ف الصحراءِ ‪ ،‬وينفرد عنِ الحياءِ ‪،‬‬
‫يقولُ أحدُهم ‪:‬‬
‫وصوّت إنسانٌ ف ِكدْتُ أ ِطيُ‬
‫ب فاستأنستُ بالذئبِ إذْ عوى‬
‫عوى الذئ ُ‬
‫وقد خرج أبوّ ذر إل الربذةِ‪ .‬وقال سفيا ُن الثوريّ ‪ :‬ودِدْتُ أن ف شِ ْعبٍ من الشّعابِ ل‬
‫يعرفُن أحدٌ ! وف الديثِ ‪ (( :‬يُوشِكُ أنْ يكون خَ ْيرَ ما ِل السلمِ ‪ :‬غََنمٌ يتبعُ با مواقع‬

‫القطرِ وشعف البالِ ‪ ،‬ويف ّر بدينِه من ال ِفتِ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪176‬‬

‫ت كان السلمُ للعبدِ الفرار منها ‪ ،‬كما فعل ابنُ عُمرَ وأسامةُ ب ُن زيدٍ وممدُ‬
‫فإذا حصلتِ الف ُ‬
‫بنُ مسلمة لا قُتِل عثمانُ‪.‬‬
‫عَر ْفتُ أناسا ما أصابمُ الفقْرُ والكدرُ وضيِ ُق الصّ ْدرِ إل بسببِ بُ ْعدِهم ع ِن الِ عزّ وجلّ ‪،‬‬
‫فتجدُ أحدهم كان غنيّا ورزقُ ُه واسعا ‪ ،‬وهو ف عافيةٍ م ْن ربّه ‪ ،‬وف خيٍ منْ موله ‪ ،‬فأعرض‬
‫عنْ طاعِة الِ ‪ ،‬وتاون بالصلةِ ‪ ،‬واقترف كبائر الذنوبِ ‪ ،‬فسلبَه ربّه عافية بدنِه ‪ ،‬وَسَعَ َة رِ ْزقِهِ‬
‫‪ ،‬وابتلهُ بالفقْ ِر والمّ والغمّ ‪ ،‬فأصبح منْ نكدٍ إل نَ َكدٍ ‪ ،‬ومنْ بلءٍ إل بلءٍ ‪َ ﴿ ،‬و َمنْ َأ ْعرَضَ‬

‫عَن ذِ ْكرِي َفإِنّ َلهُ َمعِيشَةً ضَنكا ﴾ ‪ ﴿ ،‬ذَلِكَ بِأَنّ ال ّلهَ َلمْ َيكُ ُمغَيّرا ّن ْع َمةً أَْن َع َمهَا عَلَى قَوْمٍ‬

‫س ِهمْ ﴾ ‪ ،‬وقوله تعال ‪َ ﴿ :‬ومَا أَصَابَكُم مّن ّمصِيَبةٍ فَِبمَا َكسَبَتْ أَْيدِيكُمْ‬
‫حَتّى ُيغَّيرُواْ مَا بِأَن ُف ِ‬
‫وََي ْعفُو عَن كَثِيٍ﴾ ‪﴿ ،‬وَأَن أَلّوِ اسَْتقَامُوا عَلَى ال ّطرِي َقةِ َلأَ ْسقَيْنَاهُم مّاء غَدَقا﴾‪.‬‬

‫ودِدتُ أنّ عندي وصفةً سحريّة ألقيها على هومك وغمومِك وأحزانِك ‪ ،‬فإذا هي تلْقفُ ما‬
‫يأفِكون ‪ ،‬لكنْ مِنْ أين ل ؟! ولكنْ سوف أخبُك بوصفةٍ طبيّةٍ منْ عيادةِ علماءِ اللّ ِة وروّاد‬
‫الشّريعةِ ‪ ،‬وهي ‪ :‬اعبدِ الالق ‪ ،‬وارض بالرزقِ ‪ ،‬وسّلمْ بالقضاءِ ‪ ،‬وازهدْ ف الدّنيا ‪ ،‬وقصّرِ‬
‫المل‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫عجبتُ العالِم نفسانّي شهيٍ أمريكيّ ‪ ،‬اسُهُ ( وليم جايس ) ‪ ،‬هو أبو علِم النفسِ عندهم ‪،‬‬
‫يقولُ ‪ :‬إننا ننُ البشرُ نفكّرُ فيما ل نلكُ ‪ ،‬ول نشك ُر ال على ما نلكُ ‪ ،‬وننظرُ إل الانبِ‬
‫ق فيها ‪ ،‬ونتحسّرُ على ما ينقصُنا ‪ ،‬ول‬
‫الأسويّ الظلمِ ف حياتِنا ‪ ،‬ول ننظرُ إل الانب الشْر ِ‬
‫نسعدُ با عندنا ‪،‬‬

‫﴿‬

‫لَئِن شَ َكرْتُمْ لَزِيدَنّ ُكمْ ﴾ ‪ (( ،‬وأعوذُ بالِ م ْن نفسٍ ل َتشْبَعُ ))‪.‬‬

‫وف الديثِ ‪ (( :‬منْ أصبح والخرةُ هّه ‪ ،‬جع الُ شله ‪ ،‬و َجعَ َل غناه ف قلبِه ‪ ،‬وأتتْه الدنيا‬
‫وهي راغمةٌ ‪ ،‬ومنْ أصبح والدنيا هّه ‪ ،‬فرّق الُ عليهِ شله ‪ ،‬وجعلَ َف ْقرَهُ بي عيْنَيْه ‪ ،‬ول‬

‫خرَ‬
‫يأتِه من الدنيا إلّ ما كٌتِب له ))‪ ﴿ .‬وَلَئِن سَأَلَْتهُم ّمنْ خَ َلقَ السّمَاوَاتِ وَاْلأَ ْرضَ وَ َس ّ‬
‫فَأَنّى يُؤْفَكُونَ ﴾‪.‬‬

‫الشّ ْمسَ وَاْل َقمَرَ لََيقُوُلنّ ال ّلهُ‬
‫******************************************‬

‫وأخيا اعترفُوا‬

‫ل تحزن‬
‫‪177‬‬

‫( سخروف ) عالٌ روسيٌ ‪ ،‬نُفِي إل جزيرةِ سيبييا ‪ ،‬لفكارِه الخالفةٍ لللادِ ‪ ،‬والكفرِ بالِ ‪،‬‬
‫فكان يُنادي أنّ هناك قوةً فاعلةً مؤثرةً ف العالِ خلف ما يقولُه الشيوعيّون ‪ :‬ل إله ‪ ،‬والياةُ‬
‫س‬
‫مادةٌ‪ .‬ومعن هذا ‪ :‬أنّ النفوس مفطورةٌ على التوحيدِ‪ ﴿ .‬فِ ْطرَةَ ال ّلهِ الّتِي فَ َطرَ النّا َ‬

‫عَلَ ْيهَا ﴾‪.‬‬

‫س الفِطْرةِ ‪ ،‬خاوي الضميِ مبتورُ الرادةِ ‪،‬‬
‫إنّ اللحد ل مكان له هنا وهناك ؛ لنه منكو ُ‬
‫مالفٌ لنه ِج الِ ف الرضِ‪.‬‬
‫قابلتُ أستاذا مسلما ف معهدِ الفكرِ السلميّ بواشنطن قبل سقوطِ الشيوعيةِ – أو التادِ‬

‫السوفيتّ – بسنتي ‪ ،‬فذكر ل هذه الية ‪َُ ﴿ :‬نقَلّبُ أَفِْئدََت ُهمْ وَأَْبصَارَ ُهمْ َكمَا َلمْ يُ ْؤمِنُواْ ِبهِ‬

‫أَوّلَ َمرّةٍ وََنذَرُ ُهمْ فِي ُطغْيَاِن ِهمْ َيعْ َمهُونَ ﴾ وقال‪ :‬سوف تتمّ هذه الي ُة فيهمْ‪َ ﴿ :‬فأَتَى ال ّلهُ‬

‫سقْفُ مِن فَوْ ِق ِهمْ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬فَأعْرَضُوا َفأَرْسَلْنَا عَلَ ْيهِمْ سَيْلَ‬
‫خ ّر عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫بُنْيَاَنهُم مّنَ اْلقَوَا ِعدِ َف َ‬
‫ش ُعرُونَ‬
‫اْل َعرِمِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَكُلّا أَ َخذْنَا ِبذَنِبهِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فََيأْتَِيهُم َبغَْتةً وَ ُهمْ لَا َي ْ‬
‫****************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫لظاتٌ مع المقى‬
‫ف الشيوعيةِ ‪ ،‬حينما أرسلوا‬
‫ت ف ملةِ ( الرسالة) كل ٌم عجيبٌ ‪ ،‬ومقالةٌ رائعةٌ ف وص ِ‬
‫للزيّا ِ‬
‫سفينة الفضاءِ إل القمرِ وعادتْ ‪ ،‬فكتبَ أَ َح ُد روّادِها مقا ًل ف صحيفةِ ( البافدا) الروسيةِ ‪،‬‬
‫يقو ُل فيها ‪ :‬صعِدْنا إل السما ِء فل ْم ندْ هناك إلا ول جن ًة ول نارا ول ملئكةً‪.‬‬
‫لمُ ُر المْقى !! أتظنون أنكمْ سوف تَ َروْنَ‬
‫فكتب الزيّاتْ مقال ًة فيها ‪ « :‬عجبا لكم أيّها ا ُ‬
‫ربّكُم على عر ِشهِ بارزا ‪ ،‬وسوف ترون الُور العِي ف الناتِ يشي ف الريرِ ‪ ،‬وسوف‬
‫تسمعون رقرقة الكوْثرِ ‪ ،‬وسوف تشمّون رائحة العذّبي ف النارِ ‪ ،‬إنكمْ إنْ ظننتم ذلك‬
‫لمْق إل‬
‫خسرتُم خسرانكم الذي تعيشونه ‪ ،‬ولكنْ ل أفسرُ ذلك التيه والضلل والنراف وا ُ‬
‫بالشيوعيةِ واللادِ الذي ف رؤوسِكمْ‪ .‬إنّ الشيوعية يومٌ بل غدٍ ‪ ،‬وأرضٌ بل ساءٍ ‪ ،‬وعملٌ بل‬
‫حسَبُ َأنّ أَكَْثرَ ُهمْ َيسْ َمعُونَ َأوْ‬
‫خاتةٍ ‪ ،‬وسعيٌ بل نتيجةٍ‪ » ..‬إل آخرِ ما قال ‪ ﴿ ،‬أَمْ َت ْ‬

‫ضلّ سَبِيلً‬
‫َي ْعقِلُونَ إِنْ ُهمْ إِلّا كَالْأَْنعَامِ بَلْ ُهمْ أَ َ‬

‫﴾‬

‫‪،‬‬

‫﴿‬

‫َل ُهمْ قُلُوبٌ لّ َي ْفقَهُونَ ِبهَا وََل ُهمْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪178‬‬

‫س َمعُونَ ِبهَا ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَن ُي ِهنِ ال ّلهُ َفمَا َلهُ مِن مّ ْكرِمٍ ﴾ ‪،‬‬
‫صرُونَ ِبهَا وََل ُهمْ آذَانٌ لّ َي ْ‬
‫َأعْيُنٌ لّ يُ ْب ِ‬
‫سرَابٍ ِبقِي َعةٍ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬أ ْعمَاُل ُهمْ َك َرمَادٍ اشَْتدّتْ ِبهِ الرّيحُ فِي يَوْ ٍم‬
‫﴿ َأعْمَاُل ُهمْ َك َ‬

‫عَاصِفٍ ﴾‪.‬‬

‫ومن كلمِ العقادِ ف كتابِ ( مذاهبُ ذوي العاهاتِ ) ‪ ،‬وهو ينهدُ غاضبا على هذ ِه الشيوعيةِ‬
‫ف الذي وقع ف العالِ ‪ ،‬كلمٌ ما معناه ‪ :‬إنّ الفطرة السويّة تقبلُ‬
‫‪ ،‬وعلى هذا اللادِ السخي ِ‬
‫هذا الدين القّ ‪ ،‬دين السلمِ ‪ ،‬أما العاقون عقليا والختلفون وأه ُل الفكارِ العفِن ِة القاصرةِ ‪،‬‬
‫فإنا يكنُ أنْ ترتكب اللاد‪ ﴿ .‬وَطُبِ َع عَلَى قُلُوِب ِهمْ َف ُهمْ‬

‫لَ َي ْف َقهُونَ ﴾‪.‬‬

‫إنّ اللاد ضرب ٌة قاصمةٌ للفكرِ ‪ ،‬وهو أشبهُ با يُحدّثُه الطفالُ ف عالِهم ‪ ،‬وهو خطيئةٌ ما‬

‫عَرَفَ الدهرُ أكب منها خطيئةً‪ .‬ولذلك قال الُ سبحانه وتعال‪ ﴿ :‬أَفِي ال ّلهِ َشكّ‪!! ﴾....‬‬
‫يعن ‪ :‬أنّ المر ل شكّ فيه ‪ ،‬وهو ظاهرٌ‪ .‬بلْ ذكر ابنُ تيمية ‪ :‬أن الصانع ‪ -‬يعن ‪ :‬ال سبحانه‬
‫وتعال – ل ينكرْه أحدٌ ف الظاهِرِ إل فرعونُ ‪ ،‬مع العلمٍ أنهُ معترفٌ به ف باطنِه ‪ ،‬وف‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫داخلهِ ‪ ،‬ولذلك يقولُ موسى ‪ ﴿ :‬قَالَ َل َقدْ عَ ِلمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلء إِلّ َربّ ال ّ‬

‫وَالَ ْرضِ َبصَآئِرَ وَإِنّي َلأَظُنّكَ يَا ِف ْرعَونُ مَثْبُورا ﴾ ‪ ،‬ولكنّ فرعون ف آخر الطافِ صرخ با ف‬
‫قلبِه ‪ ﴿ :‬آمَنتُ أَّنهُ ل إِلِـهَ إِلّ اّلذِي آمَنَتْ ِبهِ بَنُو إِ ْسرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ اْل ُمسْ ِلمِيَ ﴾‪.‬‬
‫**************************************‬

‫اليانُ طريقُ النجاةِ‬
‫ف كتابِ ( الُ يتجلّى ف عص ِر العلمِ ) ‪ ،‬وكتاب ( الطبّ ِمحْرابُ اليانِ ) حقيقةٌ وهي ‪:‬‬
‫وجدتُ أنّ أكثر مُعي للعبدِ ف التخلّص منْ هومِه وغمومِه ‪ ،‬هو اليانُ بالِ عزّ وجلّ‪،‬‬
‫وتفويضُ المرِ إليه ‪،‬‬

‫﴿‬

‫وَأُفَ ّوضُ َأ ْمرِي إِلَى‬

‫َومَن يُ ْؤمِن بِال ّلهِ َي ْهدِ قَلَْبهُ ﴾‪.‬‬

‫ال ّلهِ ﴾‬

‫‪ ﴿ ،‬مَا أَصَابَ مِن ّمصِيَبةٍ إِلّا ِبِإذْنِ ال ّلهِ‬

‫منْ يعلمْ أنّ هذا بقضا ٍء وقدرٍ ‪ ،‬يهدِ قلبه للرضا والتسليمِ أو نو ذلك ‪ ﴿ ،‬وََيضَعُ عَ ْن ُهمْ‬

‫ت عَلَ ْيهِمْ‬
‫صرَ ُهمْ وَا َلغْلَلَ الّتِي كَانَ ْ‬
‫إِ ْ‬

‫وأعلمُ أن ل ُتصِبْن مصيبةٌ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ت فتً قبلي‬
‫مِن ال إل قدْ أصاب ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪179‬‬

‫إن كُتّاب الغربِ اللمعِي ‪ ،‬مثل ( كرسي مريسون ) ‪ ،‬و ( ألكس كاريل ) ‪ ،‬و ( دايل‬
‫ي التدهورِ ف حياتم إنا هو اليانُ بالِ عزّ وجلّ‬
‫كارنيجي ) ‪ ،‬يعترفون أنّ النقذ للغربِ الاد ّ‬
‫ث النتحاراتِ الت أصبحتْ ظاهرةً ف‬
‫‪ ،‬وذكروا أنّ السبب الكبي والسرّ العظم ف حواد ِ‬
‫الغربِ ‪ ،‬إنّما هو اللادُ والعراضُ عنِ ال – عزّ وجلّ – ربّ العالي ‪،‬‬

‫﴿‬

‫َل ُه ْم عَذَابٌ‬

‫سمَاء فََتخْ َط ُفهُ الطّ ْيرُ‬
‫شرِكْ بِال ّلهِ فَ َكأَّنمَا َخرّ مِنَ ال ّ‬
‫َشدِيدٌ ِبمَا َنسُوا يَوْمَ اْلحِسَابِ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَن ُي ْ‬
‫أَوْ َتهْوِي ِبهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ َسحِيقٍ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ذكرتْ جريدةُ ( الشرق الوسط ) ف عددها بتاريخ ‪ 1415 /4 /21‬هـ ‪ ،‬نقلً ع ْن‬
‫مذكراتِ عقيلةِ الرئيسِ المريكيّ السابقِ ( جورج بوش ) ‪ :‬أنّها حاولتِ النتحار أكثر منْ‬
‫مرةٍ ‪ ،‬وقادتِ السيارة إل الاويةِ تطلبُ الوت مظانّهُ ‪ ،‬وحاولتْ أنْ تتنق‪.‬‬
‫لقدْ حضر قزمانُ معركة أُحدٍ يقات ُل فيها مع السلمي فقات ُل قتالً شديدا‪ .‬قال الناسُ ‪ :‬هنيئا له‬
‫النةُ‪ .‬فقال‬

‫‪(( :‬إن ُه منْ أهلِ النارِ))!! فاشتدتْ به جراحُه فلم يصبْ ‪ ،‬فَقَتَلَ نفسه بالسيفِ‬

‫حسِنُونَ صُنْعا﴾‪.‬‬
‫فمات‪﴿ ،‬اّلذِينَ ضَلّ َسعُْي ُهمْ فِي اْلحَيَا ِة الدّنْيَا وَ ُهمْ َيحْسَبُونَ أَّنهُمْ ُي ْ‬

‫شةً ضَنكا ﴾‪.‬‬
‫ض عَن ذِ ْكرِي َفإِنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫وهذا معن قولِهِ سبحانه وتعال‪َ ﴿ :‬ومَنْ َأ ْعرَ َ‬
‫إنّ السلم ل يقدمُ على مثلِ هذهِ المورِ ‪ ،‬مهما بلغتْ الالُ‪ .‬إنّ ركعتي بوضوءٍ وخشوعٍ‬
‫وخضوعٍ كفيلتان أنْ تُنهيا كلّ هذا الغمّ والكد ِر والمّ والحباطِ ‪َ ﴿ ،‬و ِمنْ آنَاء اللّيْلِ َفسَّبحْ‬

‫وَأَ ْطرَافَ‬

‫الّنهَارِ َلعَلّكَ َترْضَى ﴾‪.‬‬

‫إنّ القرآن يتساءلُ عنْ هذا العالِ ‪ ،‬وعنِ انرافِه وضللِه فيقولُ ‪َ ﴿ :‬فمَا َل ُهمْ لَا يُ ْؤمِنُونَ﴾ ؟! ما‬
‫هو الذي يردّهمْ عنِ اليانِ‪ ،‬وقدْ وضُحتِ الحجةُ ‪ ،‬وقامتِ الجةُ‪ ،‬وبان الدليلُ ‪ ،‬وظهر القّ‬
‫حقّ﴾ ‪ ،‬يتبيُ‬
‫سهِمْ حَتّى يَتَبَّينَ َلهُمْ أَّنهُ اْل َ‬
‫‪ ،‬وسطع البهانُ‪﴿ .‬سَُنرِي ِهمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَن ُف ِ‬

‫لمْ أنّ ممدا‬

‫صادقٌ ‪ ،‬وأ ّن ال إلهٌ يستحقّ العبادة ‪ ،‬وأنّ السلم دينٌ كاملٌ يستحقّ أنْ‬

‫سنٌ َفقَدِ اسَْت ْمسَكَ بِاْل ُعرْوَةِ اْلوُْثقَى﴾‪.‬‬
‫يعتنقه العالُ ‪َ ﴿ ،‬ومَن ُيسْ ِلمْ وَ ْجهَهُ إِلَى ال ّلهِ َوهُوَ ُمحْ ِ‬
‫******************************‬

‫حت الكُفّارُ درجاتٌ‬

‫ل تحزن‬
‫‪180‬‬

‫ف مذكراتِ الرئيسِ ( جورج بوش ) بعنوان ( سيةٌ إل المامِ ) ‪ :‬ذكر أنّه حضر جنازة‬
‫س التا ِد السوفيتّ ف موسكو ‪ ،‬قال فوجدتُها جنازةً مظلمةً قاتةً ‪ ،‬ليس فيها‬
‫برجنيف ) ‪ ،‬رئي ِ‬
‫جدَنّ أَ ْقرَبَ ُهمْ مّ َودّةً لّ ّلذِينَ آمَنُواْ‬
‫إيا ٌن ول روحٌ‪ .‬لنّ (بوش ) نصرانّ وأولئك ملحدةٌ ﴿ وَلََت ِ‬

‫اّلذِينَ قَاُلوَاْ إِنّا َنصَارَى ﴾‪ .‬فانظرْ كيف أدرك هذا مع ضللِ ِه انراف أولئك ‪ ،‬ل ّن المر أصبح‬

‫نسبيّا فكيف لو عَرَف بوش السلم ‪ ،‬دين الِ القّ ؟! ﴿ َومَن يَبْتَ ِغ غَ ْيرَ الِ ْسلَمِ دِينا فَلَن‬
‫ُيقْبَلَ مِ ْنهُ وَهُوَ فِي ال ِخرَةِ ِمنَ‬

‫سرِينَ ﴾‪.‬‬
‫اْلخَا ِ‬

‫وذكّرن هذا بقالةٍ لشيخِ السلمِ ابنِ تيمية ‪ ،‬وهو يتحدّثُ عن أحدِ البطائحيةِ ( الفرقِ الضالّةِ‬
‫الصوفيةِ النحرفةِ )‪ .‬يقولُ هذا البطائحيّ لبنِ تيمية ‪ :‬ما لكمْ يا ابن تيمية إذا جئْنا إليكمْ –‬
‫يعن أهل السنةِ – بارتْ كرامتُنا وبطلتْ ‪ ،‬وإذا ذهبْنا إل التتِر الغولِ الكفارِ ظهرتْ كرامتُنا؟‬
‫قال ابنُ تيمية ‪ :‬أتدري ما مثلُنا ومثلُكُم ومثَ ُل التتارِ ؟ أما ننُ فخيولٌ بيضٌ ‪ ،‬وأنتم ُبلْقٌ ‪،‬‬
‫والتترُ سُودٌ ‪ ،‬فالبلقُ إذا دخل بي السودِ أصبح أبيض ‪ ،‬وإذا خالط البض أصبح أسود ‪ ،‬فأنتمْ‬
‫عندكمْ بقيةٌ منْ نورٍ ‪ ،‬إذا دخلتمْ مع أهلِ الكفرِ َظهَرَ هذا النورُ وإذا أتيتُم إلينا وننُ أهل النورِ‬
‫العظ ِم والسنة ‪ ،‬ظهر ظلمُكم وسوادُكم ‪ ،‬فهذا مثلكُم ومثلُنا ومث ُل التتارِ‪ ﴿ .‬وََأمّا اّلذِينَ‬

‫ابَْيضّتْ وُجُو ُههُمْ َففِي رَ ْح َمةِ ال ّلهِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ ﴾ ‪.‬‬
‫**********************************‬

‫إرادةٌ فولذيةٌ‬
‫ذهب طالبٌ منْ بلدِ السل ِم يدرسُ ف الغربِ ‪ ،‬وف لندن بالذاتِ ‪ ،‬فسكن مع أسرةٍ بريطانيةٍ‬
‫كافرةٍ ‪ ،‬ليتعلّم اللغة ‪ ،‬فكان متديّنا وكان يستيقظُ مع الفجرِ الباكرِ ‪ ،‬فيذهبُ إل صنبورِ الاءِ‬
‫ح َمدُ ‪،‬‬
‫ويتوضأُ ‪ ،‬وكان ماءً باردا ‪ ،‬ثّ يذهبُ إل مصلّ ُه فيسجدُ لربّه ويركعُ ويسبحُ وَي ْ‬
‫ت عجوزٌ ف البيتِ تلحظهُ دائما ‪ ،‬فسألتْه بعد أيامٍ ‪ :‬ماذا تفعلُ ؟ قال ‪ :‬أمرن دين أنْ‬
‫وكان ْ‬
‫أفعل هذا‪ .‬قالتْ ‪ :‬فلو أخّرْت الوقت الباكر حت ترتاح ف نومِك ثّ تستيقظ‪ .‬قال ‪ :‬لكنّ رب‬

‫ل تحزن‬
‫‪181‬‬

‫ل يقبلُ منّي إذا أخّرتُ الصلة عن وقتِها‪ .‬فهزّتْ رأسها ‪ ،‬وقالتْ ‪ :‬إرادةٌ تكسرُ الديد !!‬
‫رِجَالٌ لّا ُت ْلهِي ِهمْ ِتجَا َرةٌ وَلَا بَيْ ٌع عَن ذِ ْكرِ ال ّلهِ وَإِقَا ِم‬

‫﴿‬

‫الصّلَاةِ ﴾‪.‬‬

‫إنّها إرادةُ اليانِ ‪ ،‬وقوةُ اليقيِ ‪ ،‬وسلطا ُن التوحيدِ‪ .‬هذهِ الرادةُ هي الت أوحتْ إل سحر ِة‬
‫فرعون وقدْ آمنوا بالِ ربّ العالي ف لظةِ الصراعِ العاليّ بي موسى وفرعون ‪ ،‬قالوا لفرعون‬
‫‪ ﴿ :‬قَالُوا لَن نّؤِْثرَ َك عَلَى مَا جَاءنَا ِمنَ الْبَيّنَاتِ وَاّلذِي َف َطرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾‪ .‬وهو‬

‫التحدّي الذي ما سُمع بثلِهِ ‪ ،‬وأصبح عليهمْ أنْ يؤدّوا هذه الرسالة ف هذه اللحظةِ ‪ ،‬وأنْ‬
‫يبلّغوا الكلمة الصادقة القوية إل هذا اللحدِ البارِ‪.‬‬
‫لقدْ دخل حبيبُ ب ُن زيدٍ إل مسيلمة يدعوه إل التوحيدِ ‪ ،‬فأخذ مسيلمةُ يقطعُهُ بالسيفِ قطعةً‬
‫شهَدَاء عِندَ رَّب ِهمْ َل ُهمْ‬
‫قطعةً ‪ ،‬فما أنّ ول صاح ول اهتزّ حت لقي ربّ شهيدا ‪ ﴿ ،‬وَال ّ‬

‫أَ ْجرُ ُهمْ وَنُورُ ُهمْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ورُفع خُبيبُ ب ُن عديّ على مشنقةِ الوتِ ‪ ،‬فأنشد ‪:‬‬
‫على أيّ جنبٍ كان ف الِ مصرعي‬
‫ولستُ أبال حي أُقتلُ مسلما‬
‫**************************************‬

‫فطرة الِ‬
‫إذا اشتدّ الظلمُ وزمر الرّ ْع ُد وقصفتِ الريحُ‪ ،‬استيقظتِ الفطرةُ‪﴿ .‬جَاءْتهَا رِيحٌ عَاصِفٌ‬
‫صيَ َلهُ الدّينَ﴾‪ .‬غَْيرَ‬
‫وَجَاء ُهمُ اْلمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنّواْ أَّنهُمْ أُحِيطَ ِبهِمْ َدعَوُاْ ال ّلهَ ُمخْلِ ِ‬

‫أنّ السلم يدعو ربّه ف الشدّةِ والرخاءِ ‪ ،‬والسرا ِء والضراءِ ‪ ﴿ :‬فَلَوْلَا أَّنهُ كَانَ ِمنْ اْل ُمسَّبحِيَ{‬

‫‪ }143‬لَلَبِثَ فِي بَطِْنهِ إِلَى يَوْمِ يُ ْبعَثُونَ ﴾‪ .‬إنّ الكثي يسأ ُل ال وقت حاجتِه وهو متضرّعٌ إل‬
‫ربّه ‪ ،‬فإذا تقّق مطلبُه أعرض ونأى بانبِه ‪ ،‬والُ عزّ وجلّ ل يُلعبُ عليه كما يُلعبُ على‬
‫ع كما يُخادعُ الطفلُ ‪ُ ﴿ ،‬يخَا ِدعُونَ ال ّلهَ وَهُوَ خَا ِدعُ ُهمْ ﴾‪ .‬إ ّن الذين‬
‫الولدانِ ‪ ،‬ول يُخاد ُ‬

‫يلتجئون إل الِ ف وقتِ الصّنائعِ ما همْ إل تلميذٌ لذاك الضالّ النحرفِ فرعون ‪ ،‬الذي قيل‬
‫ت الوانِ ‪ ﴿ :‬آلنَ وَ َق ْد عَصَيْتَ قَبْلُ َوكُنتَ مِنَ اْل ُم ْفسِدِينَ‬
‫لهُ بعد فوا ِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪182‬‬

‫ق الكويت ‪ :‬أن تاتشر رئيسة الوزرا ِء‬
‫سعتُ هيئة الذاعةِ البيطانيةِ تُخبُ حي احتلّ العرا ُ‬
‫البيطانية السابقة كانت ف وليةِ كلورادو المريكيةِ ‪ ،‬فلما سعتِ الب هُرِعتْ إل الكنيسةِ‬
‫وسجدتْ !‬
‫ول أفسرُ هذه الظاهرة إل باستيقاظِ الفطرةِ عند مِثْلِ هؤلءِ إل فاطرِها عزّ وجلّ ‪ ،‬مع كفرِهم‬
‫وضللِهم ‪ ،‬ل ّن النفوس مفطورةٌ على اليانِ بهِ تعال ‪ (( :‬كلّ مولودِ يُولدُ على الفطرةِ ‪،‬‬
‫فأبواهُ يهوّداِنهِ أو ينصّرانِه أو يجّساِنهِ ))‪.‬‬
‫**********************************************‬

‫ل تزنْ على تأخّر الرّزقِ ‪ ،‬فإنّه بأجلٍ مس ّمىً‬
‫الذي يستعجلُ نصيبه من الرّزقِ ‪ ،‬ويبادرُ الزمن ‪ ،‬ويقلقُ منْ تأخّرِ رغباتِه ‪ ،‬كالذي يساب ُق‬
‫ق مقدّرةٌ ‪ ،‬فُرِغ منها قبل‬
‫المام ف الصلةِ ‪ ،‬ويعلُم أنّه ل يسّلمُ إل بعْد المام! فالمورُ والرزا ُ‬
‫خ ْلقِ الليقةِ ‪ ،‬بمسي ألف سنةٍ ‪ ﴿ ،‬أَتَى َأ ْمرُ ال ّلهِ َفلَ َتسَْتعْجِلُوهُ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَإِن ُي ِردْكَ ِبخَ ْيرٍ َفلَ‬

‫رَآدّ ِل َفضْ ِلهِ ﴾‪.‬‬

‫يقولُ عمرُ ‪ « :‬اللّهمّ إن أعوذُ بك من جلدِ الفاجرِ ‪ ،‬وعجزِ الثقةِ »‪ .‬وهذهِ كلمةٌ عظيم ٌة‬
‫صادقةٌ‪ .‬فلقدْ طُ ْفتُ بفكري ف التاريخِ ‪ ،‬فوجدتُ كثيا منْ أعدا ِء الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬عندهمْ منْ‬
‫جبَ العُجابَ‪ .‬ووجدتُ كثيا من السلمي عندهمْ من‬
‫الدّأبِ واللدِ والثابرةِ والطّموحِ ‪ :‬ال َع َ‬
‫الكس ِل والفتورِ والتّواكُلِ والتّخاذُلِ ‪ :‬ما الُ به عليمٌ ‪ ،‬فأدركتُ ُعمْق كلمةِ ُعمَ َر – رضي الُ‬
‫عنه ‪.-‬‬
‫*****************************************‬

‫انغمسْ ف العملِ النافعِ‬
‫أ ّن الوليد بن الغيةِ وأُمية بن خَلَفٍ والعاص بن وائل أنفقوا أموالم ف ماربةِ الرسالةِ ومابةِ‬
‫القِ‬

‫﴿‬

‫سرَةً ُثمّ ُيغْلَبُونَ ﴾‪ .‬ولكنّ كثيا من السلمي يبخلون‬
‫َفسَيُن ِفقُوَنهَا ُثمّ تَكُو ُن عَلَ ْي ِهمْ َح ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪183‬‬

‫بأموالِهمْ ‪ ،‬لئلّ يُشاد با منارُ الفضيلةِ ‪ ،‬ويُبن با صرحُ اليانِ ﴿ َومَن يَ ْبخَلْ فَإِّنمَا يَ ْبخَلُ عَن‬

‫ّن ْفسِهِ ﴾ ‪ ،‬وهذا َجَلدُ الفاجِر وعجْزُ الثقةِ‪.‬‬

‫ف مذكّراتِ ( جولدا مائي ) اليهوديةِ ‪ ،‬بعنوان ( القد ) ‪ :‬فإذا هي ف مرحلةٍ منْ مراح ِل‬
‫حياتِها تعملُ ستّ عشرة ساعةً بل انقطاعٍ ‪ ،‬ف خدمةِ مبادئِها الضّالّةِ وأفكارِها النحرفةِ ‪،‬‬
‫حت أوجدتْ مع ( بن جوريون ) دولةً ‪ ،‬ومنْ شاء فلينظُرْ كتابا‪.‬‬
‫ورأيتُ ألوفا منْ أبناءِ السلمي ل يعملون ولو ساعةً واحدةً ‪ ،‬إنا همْ ف لو وأكلٍ وشُربٍ‬
‫ونومٍ وضياعٍ‬

‫﴿‬

‫مَا لَ ُكمْ ِإذَا قِيلَ لَ ُكمُ ان ِفرُواْ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ اثّاقَلُْتمْ إِلَى‬

‫الَ ْرضِ ﴾‪.‬‬

‫كان عمرُ دؤوبا ف عمله ليلً ونارا ‪ ،‬قليل النوم‪ .‬فقال أهلُه ‪ :‬أل تنامُ ؟ قال ‪ :‬لو نتُ ف‬
‫اللّي ِل ضاعتْ ن ْفسِي ‪ ،‬ولو نتُ ف النهارِ ضاعتْ رعيّتِي‪.‬‬
‫ف والكمُ ) ‪ :‬كان يطيُ من دولةٍ إل دولةٍ‬
‫ت الالكِ ( موشى ديان ) بعنوان ( السي ُ‬
‫ف مذكرا ِ‬
‫‪ ،‬ومنْ مدينةٍ إل مدينةٍ ‪ ،‬نارا وليلً ‪ ،‬سرّا وجهرا ‪ ،‬ويضرُ الجتماعاتِ ‪ ،‬ويعقدُ الؤتراتِ ‪،‬‬
‫ب الذكّراتِ‪ .‬فقلتُ ‪ :‬واحسرتاهُ ‪ ،‬هذا جََلدُ إخوانِ‬
‫وينسّقُ الصّفقاتِ ‪ ،‬والعاهدات ‪ ،‬ويكت ُ‬
‫القردةِ والنازيرِ ‪ ،‬وذاك َعجْزُ كثيٍ من السلمي ‪ ،‬ولكنْ هذا جلدُ الفاجرِ و َعجْزُ الثقةِ‪.‬‬
‫بنو اللّقطيةِ ِمنْ ذُ ْهلِ بنِ شيْبانا‬
‫لو كنتُ منْ مازنٍ ل تستبِحْ إبِلي‬
‫لقدْ حارب عمرُ العطالة والبطالة والفراغ ‪ ،‬وأخرج شبابا سكنوا السجد ‪ ،‬فضربم وقال ‪:‬‬
‫اخرجوا واطلبوا الرّزق ‪ ،‬فإنّ السماء ل تطرُ ذهبا ول فضةً‪ .‬إنّ مع الفراغ والعطالةِ ‪:‬‬
‫ض النفسيّ والنيارً العصبّ والمّ والغمّ‪ .‬وإ ّن مع العملِ والنشاطِ ‪:‬‬
‫الوساوس والك َدرَ والر َ‬
‫السرور والُبُور والسعادة‪ .‬وسوف ينتهي عندنا القل ُق والمّ والغمّ ‪ ،‬والمراضُ العقليّةُ‬
‫والعصبيّةُ والنفسيّةُ إذا قام ك ّل بدورِهِ ف الياةِ ‪ ،‬ف ُعمِلتِ الصانعُ ‪ ،‬واشتغلتِ العاملُ ‪ ،‬وفتحتِ‬
‫المعيّاتُ الييّةُ والتعاونيّةُ والدعويّةُ ‪ ،‬والخيماتُ والراكزُ والُلتقياتُ الدبيّةُ ‪ ،‬والدّوراتُ‬
‫شرُوا فِي‬
‫العلميّةُ وغَيْرُها‪ ﴿ ..‬وَ ُق ِل اعْمَلُواْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَانَت ِ‬
‫‪ (( ،‬وإن نبّ الِ داود كان يأكلُ من عملِ يدِه ))‪.‬‬

‫الَْأ ْرضِ ﴾‬

‫‪،‬‬

‫﴿ سَاِبقُوا﴾ ‪﴿ ،‬وَسَا ِرعُواْ﴾‬

‫ل تحزن‬
‫‪184‬‬

‫وللرّاشدِ كتابٌ ‪ ،‬بعنوان ( صناعةُ الياةِ ) ‪ ،‬تدّث عنْ هذهِ السالةِ بإسهابٍ ‪ ،‬و َذكَرَ أنّ كثيا‬
‫من الناسِ ل يقومون بدورِهم ف الياةِ‪.‬‬
‫وكثيٌ من الناسِ أحياءٌ ‪ ،‬ولكنّهم كالمواتِ ‪ ،‬ل يُدركون سرّ حياتِهم ‪ ،‬ول يُقدمون‬
‫لستقبلهم ول لُمّتِهمْ ‪ ،‬ول لنفسِهم خيا ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ اْلخَوَالِفِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬لّ‬

‫ي غَ ْيرُ ُأوْلِي الضّرَرِ وَاْلمُجَا ِهدُونَ فِي سَبِيلِ‬
‫َيسْتَوِي اْلقَا ِعدُونَ ِمنَ اْلمُ ْؤمِنِ َ‬
‫إنّ الرأة السوداء الت كانتْ ت ُقمّ مسجد الرسول‬

‫ت بدورِها ف الياةِ ‪ ،‬ودخلتْ بذا‬
‫قام ْ‬

‫الدّورِ النة ﴿ وَ َل َمةٌ مّ ْؤمَِنةٌ خَ ْيرٌ مّن ّمشْرِ َكةٍ وَلَوْ َأعْجَبَتْ ُكمْ‬
‫وكذلك الغلمُ الذي صَنَعَ الِنْب للرسولِ‬

‫موهلته ف النّجارةِ ﴿ وَاّلذِينَ لَ َيجِدُونَ إِلّ‬

‫ال ّلهِ ﴾‪.‬‬

‫﴾‪.‬‬

‫أدّى ما عليهِ ‪ ،‬وكسب اجرا بذا المرِ ‪ ،‬لنّ‬

‫جهْدَ ُهمْ ﴾‪.‬‬
‫ُ‬

‫سحتِ الولياتُ التحد ُة المريكيّةُ عام ‪ 1985‬م بدخولِ الدّعاةِ السلمي سجون أمريكا ‪،‬‬
‫لنّ الجرمي والروّجي والقَتََلةَ ‪ ،‬إذا اهت َدوْا إل السلمِ ‪ ،‬أصبحوا أعضاءً صالي ف‬
‫متمعاتِهمْ ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتا فَأَحْيَيْنَاهُ وَ َجعَلْنَا َلهُ نُورا َي ْمشِي ِبهِ فِي النّاسِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫دعاءانِ اثنانِ عظيمانِ ‪ ،‬نافعانِ لنْ أراد السّداد ف المو ِر وضْبطِ النفسِ عند الحداثِ‬
‫والوقائعِ‪.‬‬
‫الولُ ‪ :‬حديثُ عليّ ‪ ،‬أنّ الرسول‬

‫قال لهُ ‪ (( :‬قُلْ ‪ :‬اللهمّ اهدنِي وس ّددْن ))‪ .‬رواهُ‬

‫مسلمٌ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬حديثُ حُصيْن بن عبيدٍ ‪ ،‬عند أب داود ‪ :‬قال له‬

‫رُشدْي ‪ ،‬وقِن شرّ َنفّسي ))‪.‬‬

‫‪ (( :‬قلْ ‪ :‬اللّهمّ ألمن‬

‫فأكثرُ ما ين عليه اجتهادُ ُه‬
‫إذا لْ يكنْ عونٌ من الِ للفت‬
‫التّعلّقُ بالياة ‪ ،‬وعشْقُ البقاءِ ‪ ،‬وحبّ العيْشِ ‪ ،‬وكراهِيَةُ الوتِ ‪ ،‬يُوردُ العبدَ ‪ :‬الكدَ َر وضِيقَ‬
‫الصّدرِ والَلَقَ والقلق والرق والرّهق ‪ ،‬وقد لم ال اليهود على تعلّقِهم بالياةِ الدنيا ‪ ،‬فقال ‪:‬‬

‫جدَنّ ُهمْ أَ ْحرَصَ النّاسِ عَلَى حَيَاةٍ َومِنَ اّلذِينَ أَ ْشرَكُواْ َي َودّ أَ َحدُ ُهمْ لَوْ ُي َع ّمرُ أَْلفَ سََنةٍ‬
‫﴿ وَلََت ِ‬
‫َومَا ُهوَ ِب ُمزَ ْحزِ ِحهِ ِمنَ اْل َعذَابِ أَن ُي َع ّمرَ‬

‫وَال ّلهُ َبصِيٌ ِبمَا َي ْعمَلُونَ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪185‬‬

‫وهنا قضايا ‪ ،‬منها ‪ :‬تنكيُ الياةِ ‪ ،‬والقصودُ ‪ :‬أنّها أيّ حياةٍ ‪ ،‬ولو كانتْ حياة البهائمِ‬
‫والعجْماواتِ ‪ ،‬ولو كانتْ شخصيةً رخيص ًة فإنّهمْ يرصون عليها‪.‬‬

‫ي كان يلقى اليهوديّ فيقولُ لهُ ‪ِ :‬عمْ صباحا ألف‬
‫ومنها ‪ :‬اختيا ُر لفظِ ‪ :‬ألفِ سنةٍ ل ّن اليهود ّ‬

‫سنةٍ‪ .‬أي ‪ :‬عِشْ ألف سنةٍ‪ .‬فذكر سبحانهُ وتعال أنمْ يريدون هذا العمر الطويل ‪ ،‬ولكنْ لو‬
‫عاشو ُه فما النهايةُ ؟! مصيُهم إل نارٍ تلظّى ﴿ وََل َعذَابُ الْآخِرَةِ أَ ْخزَى‬

‫صرُونَ ﴾‪.‬‬
‫وَ ُهمْ لَا يُن َ‬

‫منْ أحسنِ كلماتِ العامةِ ‪ :‬ل همّ والُ ُيدْعى‪.‬‬
‫والعن ‪ :‬أنّ هناك إلا ف السماءِ يُدعى ‪ ،‬ويُطلبُ منهُ اليْرُ ‪ ،‬فلماذا تتمّ أنت ف الرضِ ‪ ،‬فإذا‬

‫وكّلت ربّك بمّك ‪ ،‬كشَفَه وأزاله ﴿ َأمّن ُيجِيبُ اْل ُمضْ َطرّ ِإذَا َدعَاهُ وَيَ ْكشِفُ السّوءَ‬

‫﴾‪﴿،‬‬

‫ك عِبَادِي عَنّي فَإِنّي َقرِيبٌ أُجِيبُ َدعْوَ َة الدّاعِ ِإذَا َدعَانِ ﴾‪.‬‬
‫وَِإذَا سَأََل َ‬
‫ومُدْمِنِ القرْعِ للبوابِ أن يلِجا‬

‫صبِ أنْ يظى باجِتهِ‬
‫أخلِ ْق بذي ال ّ‬

‫**************************************‬

‫ف حياتِك دقائقُ غاليةٌ‬
‫رأيتُ موقفيْنِ مُؤثّريْنِ مُعبّرْينِ للشيخِ علي الطنطاويّ ف مذكّراتهِ ‪:‬‬
‫الوقفُ الولُ ‪ :‬تدّثَ عن نفسِه وكاد يغرقُ على شاطئِ بيوت ‪ ،‬حينما كان يسبحُ فأشرف‬
‫على الوتِ ‪ ،‬و ُحمِل مَغْمِيّا عليهِ ‪ ،‬وكان ف تلك اللحظاتِ يُذعِنُ لولهُ ‪ ،‬ويودّ لو عا َد ولو‬
‫ساعةً إل الياةِ ‪ ،‬ليجدّد إيانه وعملهُ الصّال ‪ ،‬فيَصلِ اليانُ عنده منتهاه‪.‬‬
‫ف الثان ‪َ :‬ذكَرَ أنه قدِم ف قافلةٍ منْ سوريا إل بيتِ الِ العتيقِ‪ ،‬وبينما هو ف صحراءِ‬
‫والوق ُ‬
‫تبوك ضلّوا وبَقُوا ثلثة أيام ‪ ،‬وانتهى طعا ُمهُم واشراُبهُم ‪ ،‬وأشرفوا على الوتِ ‪ ،‬فقام وألقى‬
‫ف الموعِ خطبة الوداعِ من الياةِ ‪ ،‬خطبةً توحيديّة حارّ ًة رنّانة ‪ ،‬بكى وأبكى الناس ‪،‬‬

‫وأحسّ أ ّن اليان ارتفع ‪ ،‬وأنه ليس هناك مُعيٌ ول مُنقذٌ إل الُ جلّ ف عله ﴿ َيسْأَُلهُ مَن فِي‬

‫السّمَاوَاتِ وَاْلأَ ْرضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَ ْأنٍ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪186‬‬

‫يقولُ سبحانهُ وتعال ‪َ ﴿ :‬وكَأَيّن مّن نّبِيّ قَاتَلَ َم َعهُ رِبّيّونَ كَثِيٌ َفمَا وَهَنُواْ ِلمَا َأصَاَب ُهمْ فِي‬

‫ب الصّاِبرِينَ‬
‫ض ُعفُواْ َومَا اسْتَكَانُواْ وَال ّلهُ ُيحِ ّ‬
‫سَبِيلِ ال ّلهِ َومَا َ‬

‫﴾‪.‬‬

‫إ ّن ال يبّ الؤمني القوياء الذين يتحدّون أعداءهم بصبٍ وجلدةٍ ‪ ،‬فل يهِنون ‪ ،‬ول يُصابون‬
‫ف والفشلِ ‪ ،‬بل يصمُدون‬
‫بالحباطِ واليأسِ ‪ ،‬ول تنهارُ قواهُم ‪ ،‬ول يستكينون للذّلّ ِة والضعْ ِ‬
‫ويُواصلون ويُرابطون ‪ ،‬وهي ضريبةُ إيانِهم بربّهم وبرسولِه ْم وبدينِهمْ (( الؤمنُ القويّ خيٌ‬
‫وأحبّ إل الِ من الؤمنِ والضّعيفِ وف كلّ خيٌ ))‪.‬‬

‫ت الِ فقال ‪:‬‬
‫جُرحتْ ُأصُْبعُ أب بك ٍر – رضي الُ عنهُ – ف ذا ِ‬
‫وف سبيلِ ال ما لقِيتِ‬

‫هلْ أنتِ إل إصَْبعٌ دَمِيتِ‬

‫من العقربِ ‪ ،‬فلُدغ ‪ ،‬فقرأ عليها‬

‫ب الغارِ ليحمي با الرسول‬
‫ووضع أبو بكرٍ إصبعهُ ف ثَقْ ِ‬
‫فبئتْ بإذِن الِ‪.‬‬
‫قال رجلٌ لعنترة ‪ :‬ما السّرّ ف شجاعتِك ‪ ،‬وأنك تغِلبُ الرّجال ؟ قال ‪ :‬ضعْ إصبعك ف‬
‫فمي ‪ ،‬وخُذ إصبعي ف فمك‪ .‬فوضعها ف فمِ عنترة ‪ ،‬ووضَعَ عنترةُ إصبعه ف فمِ الرّجلِ ‪،‬‬
‫وكلّ عضّ إصبع صاحبِه ‪ ،‬فصاح الرجلُ من الل ‪ ،‬ول يصبْ فأخرجَ له عنترةُ إصبعه ‪ ،‬وقال‬
‫‪ :‬بذا غلبتُ البطال‪ .‬أي بالصّبِ والحتمالِ‪.‬‬
‫ل ووليتِهِ بسبِ‬
‫ف الِ ورحته وعفوه قريبٌ منه‪ ،‬فيشعرُ برعاي ِة ا ِ‬
‫إ ّن ممّ يُفرحُ الؤمن أن لُط َ‬
‫ن لا ربّا خالِقا ورازقا ﴿‬
‫إياِنهِ‪ .‬والكائناتُ والحياءُ والعجماواتُ والطيورُ والزواحفُ تشعرُ بأ ّ‬
‫ح ْمدَهِ وَلَـكِن‬
‫وَإِن مّن شَيْءٍ إِلّ ُيسَّبحُ ِب َ‬

‫لّ َت ْف َقهُونَ َتسْبِيحَ ُهمْ ﴾‪.‬‬

‫يا ربّ حدا ليس غيُك يُحمدُ‬

‫يا منْ لهُ كُلّ اللئِقِ تصْمدُ‬

‫ب بأيديهمْ ف شقوقِ الرضِ ‪ ،‬ويهتفون ‪ :‬حبّ يابسٌ ‪،‬‬
‫عندنا ‪ ،‬العامّةُ وَ ْقتَ الرْثِ يرمون ال ّ‬
‫حرُثُونَ{‪ }63‬أَأَنُتمْ‬
‫ف بلدٍ يابسٍ ‪ ،‬بي يديك يا فاطر السماوات والرضِ ﴿ أَ َفرَأَيْتُم مّا َت ْ‬

‫َتزْ َرعُوَنهُ أَمْ َنحْنُ الزّا ِرعُونَ ﴾‪ .‬إنّها نزعةُ توحيدِ البي ‪ ،‬وتوجّهُ إليهِ ‪ ،‬سبحانه وتعال‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪187‬‬

‫قام الطيبُ ا ِلصْقعُ عبدُالميدِ كشكُ – وهو أعمى – فلمّا عل الِْنبَ ‪ ،‬أخرج منْ جيبهِ سعفة‬
‫نلٍ ‪ ،‬مكتوبٌ عليها بنفسِها ‪ :‬الُ ‪ ،‬بالطّ الكوفّ الميلِ ‪ ،‬ث هََتفَ ف الموعِ ‪:‬‬
‫ت الغُصُونِ الّنضِرهْ‬
‫ذا ِ‬
‫وزانا بالضِرهْ‬
‫قُدرتُه مُقْتدِرهْ‬

‫انظُرْ لتلك الشّجرهْ‬
‫منِ الذي أنبتها‬
‫ذاك هو الُ الذي‬
‫فأجْهش الناسُ بالبكاءِ‪.‬‬
‫إنهُ فاطرُ السماواتِ والرضِ مرسومةٌ آياتُه ف الكائناتِ ‪ ،‬تنطقُ بالوحدانيّةِ والصّمديةِ‬
‫والربوبيّةِ واللوهيّةِ ﴿ رَبّنَا مَا خَ َلقْتَ‬

‫طلً ﴾‪.‬‬
‫هَذا بَا ِ‬

‫منْ دعائ ِم السرورِ والرتياحِ ‪ ،‬أنْ تشْعُرَ أنّ هناك ربّا يرحمُ ويغفرُ ويتوبُ على منْ تاب ‪،‬‬

‫فأبشِرْ برح ِة ربّك الت وسعتِ السماواتِ والرض ‪ ،‬قال سبحانه ‪ ﴿ :‬وَرَ ْحمَتِي وَ ِسعَتْ كُلّ‬
‫شَيْءٍ ﴾ ‪ ،‬وما أعظم لطفهُ سبحانه وتعال ‪ ،‬وف حديثٍ صحيحٍ ‪ :‬أنّ أعرابيّا صلّى مع رسولِ‬
‫الِ‬

‫‪ ،‬فلمّا أصبح ف التّشهّدِ قال ‪ :‬اللهمّ ارحن وممدا ‪ ،‬ول ترحمْ معنا أحدا‪ .‬قال‬

‫(( لقدْ حجرت واسعا ))‪ .‬أي ‪ :‬ضيّقت واسعا ‪ ،‬إنّ رحة ال ِه وسعتْ كلّ شيءٍ ﴿ وَكَانَ‬

‫‪:‬‬

‫بِاْلمُ ْؤمِِنيَ رَحِيما ﴾ ‪ (( ،‬الُ أرحمُ بعبادِ ِه منْ هذهِ بولدِها ))‪.‬‬

‫ب الِ عزّ وجلّ‪ ،‬فجمعه سبحانه وتعال وقال له‪ (( :‬يا‬
‫أحرق رجلٌ نفسه بالنارِ فرارا منْ عذا ِ‬

‫عبْدِي ‪ ،‬ما َحمَلَك على ما صنعت ؟ قال ‪ :‬يا ربّ ‪ِ ،‬خفْتُك ‪ ،‬وخشيتُ ذنوب‪ .‬فأدخلهُ الُ‬
‫النّة ))‪ .‬حديثٌ صحيحٌ‪.‬‬

‫﴿ وََأمّا َمنْ خَافَ َمقَامَ رَّبهِ وََنهَى الّن ْفسَ َعنِ اْلهَوَى{‪ }40‬فَإِنّ اْلجَّنةَ هِيَ‬

‫اْل َمأْوَى ﴾‪.‬‬

‫حاسب الُ رجلً مُسرفا على نفسِه موحّدا‪ ،‬فل ْم يدْ عندهُ حسَنَةً ‪ ،‬لكنّه كان يُتاجرُ ف‬
‫الدنيا‪ ،‬ويتجاوزُ عنِ الُ ْعسِرِ‪ ،‬قال الُ‪ :‬ننُ أولْى بالكرمِ منك ‪ ،‬تاوزوا عنهُ‪ .‬فأدخله الُ النّة‪.‬‬

‫﴿ وَاّلذِي أَ ْطمَعُ أَن َي ْغ ِفرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْ َم‬
‫عند مسلمٍ ‪ :‬أنّ الرسول‬

‫الدّينِ ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫لَا َتقْنَطُوا مِن رّ ْح َمةِ‬

‫ال ّلهِ ﴾‪.‬‬

‫صلّى بالناسِ ‪ ،‬فقام رجلٌ فقال ‪ :‬أصْبتُ حدّا ‪ ،‬فأقِمْهُ عليّ‪ .‬قال‬

‫‪ (( :‬أصليت معنا ؟ ))‪ .‬قال ‪ :‬نعمْ‪ .‬قال‪ (( .‬اذهبْ فقد ُغفِر لك ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪188‬‬

‫جدِ ال ّل َه َغفُورا‬
‫﴿ َومَن َي ْعمَلْ سُوءا أَوْ َيظْ ِلمْ َن ْفسَهُ ُثمّ َيسَْتغْ ِفرِ ال ّلهَ َي ِ‬

‫رّحِيما ﴾‪.‬‬

‫هناك لُطفٌ خفيّ يكْتنف العبدَ ‪ ،‬مِنْ أمامِهِ ومنْ خلفه ‪ ،‬وعن يينهِ وع ْن شالِهِ ‪ ،‬ومِ ْن فوقِه‬
‫صخْرةُ ف‬
‫وم ْن تتِ قدميْهِ ‪ ،‬صاحبُ اللّطفِ الفيّ هو الُ ربّ العالي ‪ ،‬انطبقتْ عليهمُ ال ّ‬
‫الغارِ ‪ ،‬وأنْجى إبراهيم من النارِ ‪ ،‬وأنى موسى من الغرقِ ‪ ،‬ونُوحا من الطّوفانِ ‪ ،‬ويوسف‬
‫لبّ وأيوب من الرضِ‪.‬‬
‫من ا ُ‬
‫***************************************‬

‫وقفــة‬
‫عن أمّ سََلمَةَ أنّها قالتْ ‪ :‬سعتُ رسول الِ‬

‫يقولُ ‪ (( :‬ما منْ مسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ ‪،‬‬

‫فيقولُ ما أمره الُ ‪ ﴿ :‬إِنّا لِ ّلهِ وَإِنّـا إِلَ ْيهِ رَاجِعونَ ﴾ اللّهمّ ا ُجرْن ف مصيبت وأخلفْ ل‬

‫خيا منْها ؛ إلّ أخلف الُ لهُ خيا منْها ))‪.‬‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫تدُومُ على حيّ وإنْ هِي جّلتِ‬
‫خليليّ ل والِ ما مِنْ ُمِلمّةٍ‬
‫ول تُكثِر الشّكْوى إذا النّع ُل زّلتِ‬
‫ت يوما فل تْضَعَنْ لا‬
‫فإنْ نزل ْ‬
‫فصابرها حت مضتْ واضمحّلتِ‬
‫فكمْ مِنْ كر ٍي قدْ بُل ْي بنوائبٍ‬
‫ت صبي على الذّلّ ذّلتِ‬
‫فلمّا رأ ْ‬
‫وكانتْ على اليامِ نفسي عزيزةً‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫ورُبّما خِي ل ف الغمّ أحيانا‬
‫يضي ُق صدري بغمّ عند حادِثةٍ‬
‫وعند آخرِه روْحا وريْحانا‬
‫ورُبّ يومٍ يكو ُن الغمّ أوّلهُ‬
‫إ ّل ول فرجٌ قد حلّ أوْ حانا‬
‫ما ضِقتُ ذرْعا عند نائِبةٍ‬
‫********************************‬

‫الفعالُ الميلةُ طريقُ السعادةِ‬
‫رأيتُ ف أوّلِ ديوانِ حاتٍ الطّائيّ كلمةً جيلةً لهُ ‪ ،‬يقو ُل فيها ‪ :‬إذا كان تركُ الشّرّ يكفيك ‪،‬‬
‫فدَعْهُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪189‬‬

‫ض‬
‫ومعناهُ ‪ :‬إذا كان يسع السّكوتُ ع ِن الشّرّ واجتنابُه ‪ ،‬فحسبُه بذلك ﴿فََأ ْعرِ ْ‬

‫َو َدعْ َأذَا ُهمْ ﴾‪.‬‬

‫عَ ْنهُمْ ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫مبّةُ للناسِ موهب ٌة ربّانيّةٌ ‪ ،‬وعطاءٌ مباركٌ من الفتّاحِ العليمِ‪.‬‬
‫ث بأرضٍ ‪ ،‬إلّ‬
‫يقول ابنُ عباسٍ متحدّثا بنعمةِ الِ عزّ وجلّ ‪ :‬فّ ثلثُ خصالٍ ‪ :‬ما نزل غي ٌ‬
‫ت بذلك ‪ ،‬وليس ل فيها شا ٌة ول بعيٌ‪ .‬ول سعتُ بقاضٍ عادلٍ ‪ ،‬إلّ دعوتُ‬
‫حدتُ ال وسُرر ُ‬
‫ب الِ ‪ ،‬إلّ ودِدتُ أنّ الناس يعرفون‬
‫ال له ‪ ،‬وليس عنده ل قضيّةٌ‪ .‬ول عَرَفتُ آيةً منْ كتا ِ‬
‫منها ما أعرفُ‪.‬‬
‫إنه ُحبّ اليِ للناسِ ‪ ،‬وإشاعةُ الفضيل ِة بينهمْ وسلم ُة الصّدرِ لمْ ‪ ،‬والّنصْحُ ك ّل النصحِ‬
‫للخليقةِ‪.‬‬
‫يقولُ الشاعرُ ‪:‬‬
‫سحاِئبُ ليس تنْتَ ِظمُ البلدا‬
‫فل نزلتْ علىّ ول بأرضي‬
‫العن ‪ :‬إذا ل تك ِن الغمامةُ عامّةً ‪ ،‬والغيْثُ عامّا ف الناسٍ ‪ ،‬فل أريدُها أنْ تكون خاصّةً ب‪،‬‬
‫فلستُ أنانيّا ﴿اّلذِينَ يَ ْبخَلُونَ وََي ْأ ُمرُونَ النّاسَ بِالُْبخْلِ وَيَكُْتمُونَ مَا آتَا ُهمُ ال ّلهُ مِن‬

‫َفضْ ِلهِ﴾‬

‫أل يُشجيك قوْلُ حاتٍ ‪ ،‬وهو يتحدّثُ ع ْن رُوحِه الفيّاضةِ ‪ ،‬وعن خلقِهِ المّ ‪:‬‬
‫وُيحْيي العِظام البيض وهْي رميمُ‬
‫أما والذي ل يعل ُم الغيب غيُهُ‬
‫مافة يومٍ أن يُقالَ لئيمُ‬
‫لق ْد كنتُ أطوِي البطن والزّادُ يُشتهى‬
‫****************************************‬

‫العِلْ ُم الناف ُع والعلمُ الضّارّ‬
‫لِيهْنِك العِ ْلمُ إذا دلّك على الِ‪ ﴿ .‬وَقَالَ اّلذِينَ أُوتُوا اْلعِ ْلمَ وَالِْإيَانَ َل َقدْ لَبِثُْتمْ فِي كِتَابِ ال ّلهِ‬
‫إِلَى يَوْمِ الَْبعْثِ ﴾‪ .‬إنّ هناك علما إيانيّا ‪ ،‬وعلما كافرا ‪ ،‬يقولُ سبحانه وتعال عنْ أعدائِهِ ‪:‬‬

‫﴿‬

‫َيعْ َلمُونَ ظَاهِرا ّمنَ اْلحَيَا ِة الدّنْيَا وَ ُهمْ َعنِ الْآخِرَةِ ُه ْم غَافِلُونَ ﴾‪ .‬ويقول عنهم ‪ ﴿ :‬بَلِ ادّا َركَ‬
‫عِ ْلمُ ُهمْ فِي الْآ ِخرَةِ بَلْ ُهمْ فِي َشكّ مّ ْنهَا بَلْ هُم مّ ْنهَا َعمِونَ ﴾‪ .‬ويقولُ عنهم ﴿ ذَلِكَ‬

‫مَبْ َل ُغهُم ّمنَ اْلعِ ْلمِ‪ .﴾ ....‬ويقولُ جلّ وعل ‪ ﴿ :‬وَاتْ ُل عَلَ ْي ِهمْ نََبأَ اّلذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَ َلخَ‬

‫ل تحزن‬
‫‪190‬‬

‫مِ ْنهَا فَأَتَْب َعهُ الشّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ اْلغَاوِينَ{‪ }175‬وَلَوْ شِئْنَا َلرَ َفعْنَاهُ ِبهَا وَلَـكِنّهُ أَخْ َلدَ إِلَى‬

‫حمِ ْل عَلَ ْيهِ يَ ْلهَثْ أَوْ تَ ْترُ ْكهُ يَ ْلهَث ذّلِكَ مَثَلُ‬
‫الَ ْرضِ وَاتّبَعَ هَوَاهُ َفمَثَ ُلهُ َكمَثَلِ الْكَلْبِ إِن َت ْ‬
‫اْلقَوْمِ اّلذِينَ َكذّبُواْ بِآيَاتِنَا فَا ْقصُصِ اْل َقصَصَ َلعَ ّلهُمْ يََتفَ ّكرُونَ ﴾‪ .‬وقال سبحانه وتعال عنِ‬

‫حمِلُ أَ ْسفَارا ﴾ ‪ :‬إنّه علمٌ لكنّه ل يهدي ‪ ،‬وبرهانٌ ل‬
‫اليهودِ وعنْ علمِهم ‪َ ﴿ :‬كمَثَلِ اْلحِمَارِ َي ْ‬

‫يشفي ‪ ،‬وحجّ ٌة ليستْ قاطع ًة ول فالِةً ‪ ،‬ونَقْلٌ ليس بصا ِدقٍ ‪ ،‬وكلمٌ ليس بقّ ‪ ،‬ودللةٌ‬
‫ولكن إل النرافِ ‪ ،‬وتوجّهٌ ولكن إل غيّ ‪ ،‬فكيف يدُ أصحابُ هذا العلمِ السعادة ‪ ،‬وهمْ‬
‫أوّلُ م ْن يسحقُها بأقدامِهم ‪ ﴿ :‬فَاسَْتحَبّوا اْل َعمَى عَلَى اْل ُهدَى ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَقَوِْل ِهمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ‬

‫طَبَعَ ال ّل ُه‬

‫ك ْفرِهِمْ ﴾‪.‬‬
‫عَلَ ْيهَا بِ ُ‬

‫ت اللوفِ من الكتبِ الائلةِ الذهلةِ ف مكتبةِ الكونرس بواشنطن‪ ،‬ف كلّ فنّ ‪ ،‬وف‬
‫رأيتُ مئا ِ‬
‫ك ّل تصّصٍ ‪ ،‬عنْ كلّ جي ٍل وشعبٍ وأُمةٍ وحضارةٍ وثقافةٍ ‪ ،‬ولك ّن المة الت تتضنُ هذه‬
‫الكتبة العظمى ‪ ،‬أُمّةٌ كافرةٌ بربّها ‪ ،‬إنا ل تعلمُ إل العال النظور الشهود ‪ ،‬وأمّا ما وراء ذلك‬
‫ب ول وَعْيَ ﴿ وَ َجعَلْنَا َل ُهمْ َسمْعا وَأَْبصَارا وَأَفِْئدَةً َفمَا َأغْنَى عَ ْن ُهمْ‬
‫فل سْع ول َبصَ َر ول ق ْل َ‬

‫َسمْ ُع ُهمْ وَلَا أَْبصَارُ ُهمْ وَلَا أَفِْئدَُتهُم مّن‬

‫شَيْءٍ ﴾‪.‬‬

‫إن الرّوضَ أ ْخضَرُ ‪ ،‬ولكنّ العنْزَ مريضةٌ ‪ ،‬وإ ّن التّمْرَ مقفزيّ ‪ ،‬ولك ّن البُخل مرْو ِزيّ ‪ ،‬وإن الاء‬
‫ب زُللٌ ‪ ،‬ولكن ف الفم مرارةً ﴿ َكمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آَيةٍ بَيَّنةٍ ﴾‪َ ﴿ .‬ومَا تَأْتِيهِم مّنْ آَيةٍ ّمنْ‬
‫عذْ ٌ‬
‫ضيَ ﴾‪.‬‬
‫ُم ْعرِ ِ‬

‫آيَاتِ رَّبهِمْ إِلّ كَانُوْا عَ ْنهَا‬
‫***************************************‬

‫أ ْكثِرْ من الطّلعِ والتّأمّلِ‬
‫ع الثقافةِ ‪ ،‬وعُمقُ الفكرِ ‪،‬‬
‫إنّ مّا يشرحُ الصدر ‪ :‬كثْرةُ العرفةِ ‪ ،‬وغزارةُ الادّ ِة العلميّةِ ‪ ،‬واتّسا ُ‬
‫وبُع ُد النّظْرةِ ‪ ،‬وأصالةُ الف ْهمِ ‪ ،‬والغوْصُ على الدليلِ ‪ ،‬ومعرفةُ سرّ السألةِ ‪ ،‬وإدراكُ مقاصدِ‬
‫خشَى ال ّلهَ ِم ْن عِبَادِهِ اْلعُ َلمَاء ﴾ ‪ ﴿ ،‬بَلْ َكذّبُواْ‬
‫المورِ ‪ ،‬واكتشافُ حقائقِ الشياءِ ﴿ إِّنمَا َي ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪191‬‬

‫ِبمَا َلمْ ُيحِيطُواْ ِبعِ ْل ِمهِ ﴾‪ .‬إنّ العالِم رحْب الصدرِ ‪ ،‬واسع البالِ ‪ ،‬مطمئنّ النفْسِ ‪ ،‬منشرحُ‬
‫الاطرِ‪..‬‬
‫وينقصُ إنْ به كفّا شددْتا‬
‫يزيدُ بكثْرةِ النفاقِ منهُ‬
‫ف كبيٌ ف درجِ مكتب ‪ ،‬مكتوبٌ عليه ‪ :‬حاقاتٌ‬
‫يقولُ أحد مفكّري الغربِ ‪ :‬ل مل ّ‬
‫ت وتوافه وعثراتٍ أُزاولُها ف يومي وليلت ‪ ،‬لتلّص منها‪.‬‬
‫ارتكبتُها ‪ ،‬أكتبُه لكلّ سقطا ِ‬
‫سمُ‬
‫قلت ‪ :‬سبقك علماءُ سلفِ هذه الُمّةِ بالُحاسبةِ الدقيقةِ والتّنْقيبِ الُضن لنفسِهم ﴿وَلَا أُ ْق ِ‬

‫بِالّن ْفسِ‬

‫اللّوّا َمةِ ﴾‪.‬‬

‫قال الس ُن البصريّ ‪ :‬السلمُ لنفسِهِ أشدّ مُحاسَبَةً من الشريكِ لشريكِهِ‪.‬‬
‫وكان الربيعُ بنُ خُثْيمٍ يكُتبُ كلمهُ من المعةِ إل المعةِ ‪ ،‬فإنْ وَ َجدَ حسنةً حِد ال ‪ ،‬وإنْ‬
‫وَ َجدَ سيّئةً استغفر‪.‬‬
‫وقال أحدُ السلفِ ‪ :‬ل ذنبٌ منْ أربعي سنةً ‪ ،‬وأنا أسألُ ال أنْ يغفرهُ ل ‪ ،‬ول زلتُ أُلّ ف‬
‫طلبِ الغفرةِ ﴿ وَاّلذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وّقُلُوُب ُهمْ وَجِ َلةٌ ﴾ ‪.‬‬
‫********************************‬

‫حا ِسبْ نَفْسَكَ‬
‫احتفظِ بذكّرةٍ لديك ‪ ،‬لتُحاسب با نفْشك ‪ ،‬وتذكر فيها السلبيّاتِ اللزمة لك ‪ ،‬وتبدأ‬
‫بذكْر التّقدّمِ ف معالتِها‪.‬‬
‫قال عمرُ ‪ :‬حاسِبوا أنفُس ُكمْ قبل أنْ تُحاسبوا ‪ ،‬وزِنُوها قبل أن تُوزنوا ‪ ،‬وتزيّنوا للعرضِ‬
‫الكبِ‪.‬‬

‫ثلثةُ أخطاءٍ تتك ّررُ ف حياتِنا اليومية ‪:‬‬
‫الولُ ‪ :‬ضياعُ الوقتِ‪.‬‬

‫سنِ إسلمِ الرءِ تركهُ ما ل يعنيهِ ))‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬التّكلّ ُم فيما ل يعن ‪ (( :‬مِنْ ُح ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪192‬‬

‫ع تويفاتِ الُرجِفي ‪ ،‬وتوقّعاتِ الثبّطي ‪ ،‬وتوهّماتِ‬
‫الثالثُ ‪ :‬الهتمامُ بتوافِ ِه المورِ ‪ ،‬كسما ِ‬
‫الُوسوسِي ‪ ،‬كَ َدرٌ عاجلٌ ‪ ،‬وهمّ معجّلٌ ‪ ،‬وهو منْ عوائقِ السعادةِ وراحةِ البالِ‪.‬‬
‫يقولُ امرؤُ القيسِ ‪:‬‬
‫وهلْ يعِمنْ منْ كان ف ال ُعصُر الال‬
‫أل ِعمْ صباحا أيها الطّل ُل البال‬
‫قلي ُل الموم ل يبِيتُ بأوجالِ‬
‫وهلْ يعِمنْ إل سعيدٌ منعّمٌ‬
‫علّم الرسولُ‬

‫عمّ العباس دعاءً يمعُ سعادة الدنيا والخرةِ ‪ ،‬وهو قولُه‬

‫أسألُك ال َعفْوَ والعافية ))‪.‬‬

‫‪(( :‬اللّهم إن‬

‫وهذا جام ٌع مانعٌ شافٍ كافٍ فيه خيُ العاجلِ والجلِ‪.‬‬
‫شقَى ﴾‪.‬‬
‫وَلَا َي ْ‬

‫سنَ ثَوَابِ ال ِخرَةِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَلَا َيضِلّ‬
‫﴿ فَآتَا ُهمُ ال ّلهُ ثَوَابَ الدّنْيَا وَ ُح ْ‬
‫***************************************‬

‫خُذوا حِ ْذ َركَمْ‬
‫منْ سعادةِ العبدِ ا ْخذُ الَيْطةِ واستعمالُ السبابِ ‪ ،‬مع التّوكّلِ على الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬فإن‬
‫الرسول بارز ف بعضِ الغزواتِ وعليه دِرعٌ ‪ ،‬وهو سّيدُ التوكّلي ‪ ،‬وقال لحدِهم لا قال‬
‫له ‪ :‬أعقِلُها يا رسول الِ ‪ ،‬أوْ أتوكّلُ ؟ قال ‪ (( :‬اعقِلها وتوكّل ))‪.‬‬
‫ل ق ْدحٌ ف‬
‫ل قُوا ُم التوحيدِ ‪ ،‬وترْكُ السبب مع التوكّلِ على ا ِ‬
‫فال ْخ ُذ بالسببِ والتّوكّلُ على ا ِ‬
‫ح ف التوحيدِ‪.‬‬
‫ل َقدْ ٌ‬
‫الشرعِ ‪ ،‬وأخ ُذ السببِ مع ترْكِ التوكّلِ على ا ِ‬
‫و َذكَرَ ابنُ الوزيّ ف هذا ‪ :‬أ ّن رجلً قصّ ظفره ‪ ،‬فاستفحل عليه فمات ‪ ،‬ول يأ ُخذْ باليْطةِ‪.‬‬
‫ورجُلٌ َدخَلَ على حارٍ منْ سردان ‪ ،‬فهصر بطنهُ فمات‪.‬‬
‫وذكروا عنْ طه حسي – الكاتبِ الصريّ – أنه قال لسائقِهِ ‪ :‬ل تُسرعْ حت نصِل مبكّرين‪.‬‬
‫وهذا معن مثلٍ ‪ :‬رُبّ عجلةٍ تبُ ريْثا‪.‬‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫وقدْ يكونُ مع التعجّلِ الزّللُ‬
‫قد يُدرِكُ الُتأنّي بعض حاجتِه‬

‫ل تحزن‬
‫‪193‬‬

‫فالتّوقّي ل يُعارضُ القدر ‪ ،‬بلْ هو منهُ ‪ ،‬ومنْ لُبّهِ‬

‫﴿ وَلْيََتلَطّفْ ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫حرّ وَ َسرَابِيلَ‬
‫َتقِي ُكمُ اْل َ‬

‫َتقِيكُم َبأْسَ ُكمْ ﴾‪.‬‬
‫******************************************‬

‫اكْسبِ الناس‬
‫سبِ الناس ‪ ،‬واستجلب مبّتِهم وعطفِهم ‪ ،‬قال إبراهيمُ عليه‬
‫ومنْ سعادةِ العبدِ قُدرتُه على ك ْ‬
‫ص ْدقٍ فِي الْآ ِخرِينَ ﴾ ‪ ،‬قال الفسرون ‪ :‬الثّناءُ السنُ‪ .‬وقال‬
‫السلمُ ‪ ﴿ :‬وَا ْجعَل لّي ِلسَانَ ِ‬

‫ت عَلَيْكَ مَحَّبةً مّنّي ﴾‪ .‬قال بعضُهم ‪ :‬ما رآك أحدٌ إل‬
‫سبحانه وتعال عنْ موسى ‪ ﴿ :‬وَأَْلقَيْ ُ‬

‫أحبّك‪.‬‬
‫وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬أنتم شهداءُ الِ ف الرض ))‪ .‬وألسنةُ اللْقِ أقلمُ القّ‪.‬‬

‫وصحّ ‪ (( :‬أن جبيل يُنادي ف أهلِ السماءِ ‪ :‬إنّ يبّ فلنا فأحبّوه ‪ ،‬فيُحّبهُ أهلُ السماءِ ‪،‬‬
‫ويُوضعُ له القبُول ف الرضِ ))‪.‬‬
‫ومنْ أسبابِ الودّ ‪ :‬بسْطةُ الوج ِه ولِيُ الكلمِ وسَعَةُ الُلقُ‪.‬‬
‫ب أرواحِ الناسِ إليك ‪ :‬الرّفقُ ؛ ولذلك يقولُ‬
‫إنّ منْ العواملِ القويةِ ف ج ْل ِ‬

‫‪ (( :‬ما كان‬

‫الرّفقُ ف شيءٍ إل زانه ‪ ،‬وما نُزع منْ شيءٍ إل شانهُ ))‪.‬‬

‫ويقول ‪ (( :‬من يُحرم الرفق ‪ ،‬يُحرم الي كلّه ))‪.‬‬
‫قال أحد الكماء ‪ :‬الرفق يُخرج اليّة من ُجحْرها‪.‬‬
‫قال الغربيّون ‪ :‬اجْ ِن العسل ‪ ،‬ول تَ ْكسِرِ اللِيّة‪.‬‬

‫وف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬الؤمُن كالّنحْلةِ تأكلُ طيّبا ‪ ،‬وتضعُ طيّبا ‪ ،‬وإذا وقعتْ على عودٍ‬
‫سرْهُ ))‪.‬‬
‫‪ ،‬ل تك ِ‬
‫************************************‬

‫ت القُدرة‬
‫تنقّلْ ف الدّيارِ واقرأْ آيا ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪194‬‬

‫ومّا يلُب الفرح والسّرور ‪ :‬السْفارُ والتّنقّ ُل ف الدّيارِ ورؤي ُة المصارِ ‪ ،‬وقد سبقتْ كلمةٌ ف‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬قُلْ‬
‫أوّل هذا الكتابِ عنْ هذا‪ .‬قال سبحانه ‪ ﴿ :‬ان ُظرُواْ مَاذَا فِي ال ّ‬

‫سِيُوا فِي اْلأَ ْرضِ فَان ُظرُوا ﴾ ‪ ﴿ ،‬أَفَ َلمْ َيسِيُواْ فِي الَ ْرضِ فَيَن ُظرُواْ ﴾‪.‬‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫ب القلب إل إنْ كُبِلْتا‬
‫يُذي ُ‬
‫ول تلبثْ بِرْبعٍ فيه ضْيمٌ‬
‫وشرّقْ إنْ بِرِيِقك قدْ ش ِرقْتا‬
‫ب فالتّغرّبُ فيه ن ْفعٌ‬
‫وغرّ ْ‬
‫جبَ العجاب مِن خ ْل ِق الِ‬
‫ومنْ يقرْأ رحلة ابنِ بطّوطة ‪ ،‬على ما فيها من البالغاتِ ‪ِ ،‬يدِ العَ َ‬
‫سبحانه وتعال ‪ ،‬وتصريفِه ف الكونِ ‪ ،‬ويرى أنا من العِب العظيمةِ للمؤمنِ ‪ ،‬ومن الراحةِ له‬
‫ب الكونّ الفتوحِ‪.‬‬
‫أنْ يسافر ‪ ،‬وأنْ ي ّغيَ أجواءه ومكانه وملّه ‪ ،‬لقرأ ف هذا الكتا ِ‬
‫يقولُ أبو تام – وهو يتحدّث عن التنقلِ ف الدّيارِ ‪: -‬‬
‫ي وبالفسطاطِ جِيان‬
‫بال ّرقْمت ِ‬
‫بالشّامِ أهلي وبغدا ُد الوى وأنا‬
‫﴿ قُلْ سِيُوا فِي اْلأَ ْرضِ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬فسِيحُواْ فِي ا َل ْرضِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬حَتّى ِإذَا بَلَغَ َمغْرِبَ الشّ ْمسِ ﴾ ‪،‬‬
‫حقُبا ﴾‪.‬‬
‫ُ‬

‫حرَيْنِ أَوْ َأ ْمضِيَ‬
‫﴿ حَتّى أَبْلُغَ َمجْمَعَ الَْب ْ‬
‫************************************‬

‫تجّ ْد مع التهجّديِن‬
‫وما يُسعدُ النّفْس ويشرحُ الصدر ‪ :‬قيامُ الليلِ‪.‬‬
‫وقدْ ذكر ف الصحيح ‪ :‬أنّ العبد إذا قام من الليلِ ‪ ،‬وذكر ال ‪ ،‬ث توضّأ وصلّى ‪ ،‬أصبح‬

‫نشيطا طيّب النفْسِ‪ ﴿ .‬كَانُوا قَلِيلً ّمنَ اللّيْلِ مَا َي ْهجَعُونَ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬و ِمنَ اللّ ْيلِ فََت َهجّدْ ِبهِ نَافِ َلةً‬

‫لّكَ ﴾‪.‬‬

‫وقيامُ الليلِ يُذهبُ الدّاء عن السدِ ‪ ،‬وهو حديثٌ صحيحٌ عند أب داود ‪ (( :‬يا عبدال ‪ ،‬ل‬

‫تُكنْ مثْل فلنٍ ‪ ،‬كان يقومُ الليل ‪ ،‬فتَركَ قيامَ الليلِ )) ‪ِ (( ،‬نعْمَ الرج ُل عبدُالِ لو كان‬
‫يقومُ من الليلِ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪195‬‬

‫ل تأسفْ على الشياءِ الفانيةِ ‪ ،‬كلّ شيءٍ ف هذه الياةِ فانٍ إل وجْههُ سبحانه وتعال ﴿كُلّ‬
‫شَيْءٍ هَاِلكٌ إِلّا‬

‫ج َههُ ﴾‬
‫وَ ْ‬

‫‪ ﴿ ،‬كُلّ َمنْ عَلَ ْيهَا فَانٍ{‪ }26‬وَيَ ْبقَى وَ ْجهُ رَبّكَ ذُو اْلجَلَالِ‬

‫وَالِْإ ْكرَامِ ﴾ ‪.‬‬
‫إ ّن النسان الذي يأسفُ على دنياه ‪ ،‬كالطّفلِ الذي يبكي على ف ْقدِ لعبتِهِ‪.‬‬
‫**********************************‬

‫َوقْفَـــةٌ‬
‫« كلّ اثنيِ منهما قرينانِ ‪ ،‬وها منْ آلمِ الرّوح ومعذّباتِها ‪ ،‬والفرْق بينهما أ ّن المّ توقّع الشّ ّر‬
‫ف الستقبلِ ‪ ،‬والزُن التّألّمُ على ُحصُولِ الكروهِ ف الاضي أو فواتُ الحبوبِ ‪ ،‬وكلها تألّمٌ‬
‫وعذابٌ يرِدُ على الرّوحِ ‪ ،‬فإنْ تعلّق بالاضي ُسمّي حزنا ‪ ،‬وإنْ تعلّق بالستقبلِ ُسمّي هّا »‪.‬‬
‫(( اللّهمّ إن أسألك العافية ف الدّنيا والخرةِ ‪ ،‬اللّهمّ إن أسألُك العفْو والعافية ف ديِن‬

‫ودُنياي وأهلي ومال ‪ ،‬اللهمّ اسُترْ عورات وآ ِمنْ روْعات ‪ ،‬اللهم احفظن منْ بيِ يديّ و ِمنْ‬
‫خلْفي ‪ ،‬وعنْ يين وعنْ شال و ِمنْ فوقي ‪ ،‬وأعوذُ بعظمتك أنْ ُأغْتال ِمنْ تت ))‪.‬‬

‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫أيادِيهِ الديثةُ والقديهْ‬
‫أل تر أنّ ربّك ليس تٌحصى‬
‫يُقِيمُ ول هومُك بالُقيمهْ‬
‫َتسَلّ ع ِن المومِ فليس شيءٌ‬
‫إليك بنظرةٍ مِْنهُ رحيِمهْ‬
‫لع ّل ال ينظُرُ بعد هذا‬
‫**************************************‬

‫ثَ َمنُك النّةُ‬
‫يقولُ للشاعرُ ‪:‬‬
‫نفسْي الت تلِكُ الشياء ذاهبةٌ‬

‫فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا‬

‫ل تحزن‬
‫‪196‬‬

‫إ ّن الدنْيا بذهبِها وفضّتِها ومناصبِها ودُورِها وقصورِها ل تستأهلُ قطرة دمعٍ ‪ ،‬فعند الترمذيّ‬
‫أنّ الرسول‬
‫ومتعلّما ))‪.‬‬

‫قال ‪ (( :‬الدنيا ملعونةٌ ‪ ،‬ملعونٌ ما فيها إل ذكْر الِ ‪ ،‬وما واله ‪ ،‬وعالا‬

‫سبُ ‪ ،‬كما يقولُ لبِيدُ ‪:‬‬
‫إنا ودائ ُع فح ْ‬
‫وما الالُ والهلون إل ودِيعةٌ‬

‫ولب ّد يوما أنْ تُر ّد الودائعُ‬

‫ت والعقاراتِ والسياراتِ ل تؤخّرُ لظةً واحدةً منْ أج ِل العبدِ ‪ ،‬قال حاتُ الطّائيّ ‪:‬‬
‫إن الليارا ِ‬
‫إذا حشرجتْ يوما وضاق با الصّ ْدرُ‬
‫ل َعمْرُكَ ما يُغن الثّراءُ عن الفت‬
‫ولذلك قال الكماءُ ‪ :‬اجعلْ للشيء ثنا معقولً‪ ،‬فإنّ الدنيا وما فيها ل تُساوي الؤمنِ‪َ ﴿ :‬ومَا‬
‫َهذِهِ اْلحَيَاةُ الدّنْيَا إِلّا َلهْوٌ‬

‫وََلعِبٌ ﴾‪.‬‬

‫ويقولُ الس ُن البصريّ ‪ :‬ل تع ْل لنفسِك ثنا غي النةِ ‪ ،‬فإنّ نفْس الؤمنِ غاليةٌ ‪ ،‬وبعضُهم‬
‫يبيعها برُخْصٍ‪.‬‬
‫ق سياراتِهم ‪ ،‬ول يأسفون‬
‫إ ّن الذين ينوحون على ذهابِ أموالِه ْم وتدّمِ بيوتِهم واحترا ِ‬
‫ويزنون على نقْصِ إيانِهم وعلى أخطائِهم وذنوبِهم ‪ ،‬وتقصيِهم ف طاع ِة ربّهمْ سوف‬
‫يعلمون أن ْم كانوا تافهي بق ْدرِ ما ناحُوا على تلك ‪ ،‬ول يأسفوا على هذهِ ؛ لنّ السألة‬
‫مسألةُ قيمٍ ومُثُلٍ ومواقف ورسالةٍ‪ِ﴿ :‬إنّ هَؤُلَاء ُيحِبّونَ اْلعَاجِ َلةَ وََيذَرُونَ َورَاء ُهمْ يَوْما َثقِيلً﴾‪.‬‬
‫******************************************‬

‫البّ القيقيّ‬

‫كُنْ منْ أولياءِ الِ وأحبائهِ لِتسْعدَ ‪ ،‬إنّ منْ أس ْعدِ السعداءِ ذاك الذي جعل هدفه السى وغايتُه‬
‫ب الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬وما ألْطف قولهُ ‪ُ ﴿ :‬يحِّب ُهمْ وَُيحِبّوَنهُ ﴾ ‪.‬‬
‫النشودة ُح ّ‬
‫جبُ منْ قولهِ ‪ :‬يبّونه ‪ ،‬ولك ّن العجب م ْن قولِهِ يبّهم ؛ فهو الذي‬
‫قال بعضُهم ‪ :‬ليس ال َع َ‬

‫خلقهم ورزقهم وتولّهُم وأعطا ُهمْ ‪ ،‬ث يبّهم ‪ ﴿ :‬قُلْ إِن كُنُتمْ ُتحِبّونَ ال ّلهَ فَاتِّبعُونِي ُيحْبِبْ ُكمُ‬

‫ال ّلهُ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪197‬‬

‫وانظرْ إل مكرُمةِ عليّ بنِ أب طالبٍ ‪ ،‬وهي تاجٌ على رأسهِ ‪ :‬رجلٌ يُحبّ ال ورسوله ‪ ،‬ويبّه‬
‫الُ ورسولهُ‪.‬‬
‫إ ّن رجلً من الصحابة أحبّ ﴿ قُلْ هُوَ ال ّلهُ أَ َحدٌ ﴾ ‪ ،‬فكان يردّدُها ف ك ّل ركعةٍ ‪ ،‬ويتَولّهُ‬
‫بذكْرِها ‪ ،‬ويعيدها على لسانه ‪ ،‬ويُشجي با فؤاده ‪ ،‬ويرّكُ با وجدانه ‪ ،‬قال له‬
‫(( حبّك إيّاها أدْخَلَك النة ))‪.‬‬

‫‪:‬‬

‫ما أعجب بيتي كنتُ أقرؤها قديا ‪ ،‬ف ترجةٍ لحدِ العلماءِ ‪ ،‬يقول ‪:‬‬
‫بليلى وسلمى يسُلبُ الّلبّ والعقْل‬
‫إذا كان ُحبّ الائِمي من الورى‬
‫فماذا عسى أن يفعل الاِئمُ الذي‬

‫َسرَى قلبُه شوقا على العالِ العلى‬

‫حنُ أَبْنَاء ال ّلهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ‬
‫﴿ وَقَالَتِ الَْيهُودُ وَالّنصَارَى َن ْ‬

‫فَ ِلمَ ُي َعذّبُكُم ِبذُنُوبِكُم ﴾‪.‬‬

‫ب منصبٍ ‪ ،‬وقُتل حزةُ‬
‫إنّ منون ليلى قتلهُ حبّ امرأةٍ ‪ ،‬وقارون حبّ مالٍ ‪ ،‬وفرعون ح ّ‬
‫وجعفرُ وحنظلةُ حبّا ل ولرسوله ‪ ،‬فيا لبُ ْعدِ ما بي الفريقي‪.‬‬
‫****************************************‬

‫وقفــــة‬
‫« ينتحرُ ‪ 300‬ضابطِ شرطةٍ سنويّا ف أمريكا ‪ ،‬منهمْ عشرةٌ ف نيويورك وحدها‪ ..‬ومنذُ عام‬
‫‪ 1987‬م يتزايدُ عدد ضُبّاط الشرطةِ الُنتحِرِين هناك‪ ..‬وهي ظاهرةٌ أقلقتِ السّلطاتِ ‪ ،‬وقام‬
‫التادُ الوطنّ لضبّاطِ الشرطةِ ببحْثِها‪.‬‬

‫ب الدّائمِ الذي يعيشون‬
‫لقدْ وجد التادُ أنّ أبرز أسبابِ انتحا ِر الضباطِ هو ‪ :‬توتّرُ العصا ِ‬
‫فيه ‪ ،‬فهمْ مُطالبون دائما بالثّباتِ ف الزماتِ ‪ ،‬وتمّلِ الضّغوطِ التزايدةِ مع ارتفاعِ نسبةِ‬
‫الريةِ ‪ ،‬وتمّل اللمِ النّاتة عن التّعامُلِ مع الجرمي‪ ،‬ورؤيةِ جثثِ الضحايا منْ أطفالٍ‬

‫ونساءٍ وعجائز‪ .‬والسببُ الثان هو ‪ :‬وجودُ السلح ِة معهمْ بشكلٍ دائمٍ ‪ ،‬فهي تُساعدُهم أو‬
‫تسهّلُ عليهمُ عمليّة النتحارِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪198‬‬

‫ط تتمّ بسلحِهم الاصّ ‪ ،‬ف ثلثةِ أيامٍ‬
‫ث انتحارِ الضبا ِ‬
‫وقد وُجد أنّ ثاني بالائةِ منْ حواد ِ‬
‫متتاليةٍ انتحر ثلثُة ضُبّاطٍ ‪ ،‬كلّ منهم بواسطِة مسدسِهِ اليي »‪.‬‬
‫********************************‬

‫شريعةٌ سهْلةٌ مُيسّرةٌ‬
‫إنّ ما يُثل ُج صدر السلم ظاهرةُ الُيسْرِ والسّماح ِة ف الشريعةِ السلميةِ ﴿ طه{‪ }1‬مَا أَنزَلْنَا‬
‫سرَى﴾ ‪ ﴿ ،‬لَ يُكَلّفُ ال ّلهُ َنفْسا إِلّ وُ ْس َعهَا﴾ ‪ ﴿ ،‬لَا‬
‫سرُكَ لِلُْي ْ‬
‫شقَى﴾ ‪ ﴿ ،‬وَنَُي ّ‬
‫عَلَيْكَ اْل ُقرْآنَ لَِت ْ‬

‫يُكَلّفُ ال ّلهُ َنفْسا إِلّا مَا آتَاهَا ﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَا َجعَ َل عَلَيْ ُكمْ فِي الدّينِ مِنْ َحرَجٍ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وََيضَعُ‬
‫ت‬
‫صرَ ُهمْ وَا َلغْلَلَ الّتِي كَانَ ْ‬
‫عَنْ ُهمْ إِ ْ‬

‫عَلَ ْيهِمْ ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫سرِ‬
‫سرِ ُيسْرا{‪ِ }5‬إنّ مَعَ اْلعُ ْ‬
‫َفإِنّ مَعَ اْل ُع ْ‬

‫حمِ ْل عَلَيْنَا إِصْرا َكمَا َحمَلَْتهُ عَلَى‬
‫ُيسْرا﴾ ‪ ﴿ ،‬رَبّنَا لَ تُؤَا ِخذْنَا إِن ّنسِينَا أَوْ أَ ْخطَأْنَا رَبّنَا وَلَ َت ْ‬
‫ف عَنّا وَاغْ ِفرْ لَنَا وَارْ َحمْنَا أَنتَ مَوْلَنَا‬
‫اّلذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلَ ُتحَمّلْنَا مَا لَ طَا َقةَ لَنَا ِبهِ وَاعْ ُ‬
‫صرْنَا عَلَى اْلقَوْمِ‬
‫فَان ُ‬

‫الْكَا ِفرِينَ ﴾‪.‬‬

‫سرٌ ‪ ،‬ولنْ يُشادّ‬
‫(( رُفع عنْ ُأمّت الطأُ والنسيانُ وما استُ ْكرِهُوا عليهِ )) ‪ (( ،‬إ ّن الدّين ُي ْ‬

‫شرُوا )) ‪ ((،‬بُعثتُ بالنيفيّة السّمْحةِ )) ‪،‬‬
‫الدين أحدٌ إلّ غلبه )) ‪ ،‬سدّدُوا وقارِبُوا وأب ِ‬
‫(( خَ ْيرُ دينكم أْيسَرُه ))‪.‬‬
‫عُرِضتْ على شاعرٍ معاصرٍ ف دول ٍة وزار ٌة يتولّها ‪ ،‬على أنْ يترُك طموحاتِه ورسالتِه‬
‫وأطرُوحاتِه القّةِ ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫فؤادي حُرا طليِقا غريبا‬
‫خُذوا كلّ دنياكُ ُم واتركُوا‬
‫وإنْ ِخلُْتمُون وحيدا سليِنا‬
‫فإنّي أعْظمُكم ثروةً‬
‫********************************************‬

‫س للرّاحةِ‬
‫أُسُ ٌ‬
‫ف ملّةِ ( أهلً وسهلً ) بتاريخ ‪1415 / 4 / 3‬هـ مقالةٌ بعنوان « عشرون وصفةٍ‬
‫لتجنّبِ القلق » بقلم د‪ .‬حسان شسي باشا‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪199‬‬

‫من معان هذه القالةِ ‪:‬‬
‫إنّ الج َل قد فُرِغ منهُ ‪ ،‬وإنّ كلّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ ‪ ،‬فل يأْسفِ العبدُ ‪ ،‬ول يزنْ على ما‬
‫يري‪ .‬إنّ رزق الخلوقِ عند الالقِ ف السماءِ ‪ ،‬فل يلكُه أحدٌ ‪ ،‬ول يتصرّفُ فيه قومٌ ‪ ،‬ول‬
‫ينعُه إنسانٌ‪ .‬وإ ّن الاضي قدْ ذَ َهبَ بمومِه وغمومِه ‪ ،‬وانتهى فلنْ يعود‪ ،‬ولو اجتمع العالُ‬
‫بأسْرِه على إعادتِه‪ .‬وإنّ الستقبل ف عا ِل الغيْبِ ‪ ،‬ول يضرْ إل الن ‪ ،‬ول يستأذِن عليك ‪،‬‬
‫فل تسْتدْعِهِ حت يأت‪ .‬وإ ّن الحسان إل الناسِ يُضفي على القلبِ سرورا ‪ ،‬وعلى الصدرِ‬
‫انشراحا ‪ ،‬وهو يعودُ على مُسديِه أ ْع َظمَ بركةٍ وثوابٍ وأجرٍ وراحةٍ منْ أُسدي إليهِ‪.‬‬
‫سبّ والشّتْمِ حت ربّ‬
‫ومنْ شِيم الؤمنِ عدمُ الكتراثِ بالنقْدِ الائر الظالِ ‪ ،‬فلمْ َيسَْلمْ من ال ّ‬
‫العالي ‪ ،‬الذي هو الكاملُ الليلُ الميلُ ‪ ،‬تقدّستْ أساؤُه‪.‬‬
‫قلتُ ف أبياتٍ ل ‪:‬‬
‫ويظلّ يُ ْقلِقُ قلْبَك الرهابُ‬
‫فعلم َتحْرِقُ أدمُعا قد وُضّئتْ‬
‫نام اللِيّ تَفَتّحتْ أبوابُ‬
‫وكّلْ با ربّا جليلً كلّما‬
‫*************************************‬

‫احْذرِ العِشق‬
‫إياك و ِعشْق الصّورِ ‪ ،‬فإنّها همّ حاضِر ‪ ،‬وكَ َدرٌ مستمرّ‪ .‬منْ سعادةِ السلمِ يُعدُه عنْ تأوّهاتِ‬
‫الشعراءِ وو ِلهِم وعشقِهم ‪ ،‬وشكواهُم الجْر والوصْل والفراق ‪ ،‬فإنّ هذا منْ فراغ القلبِ ﴿‬

‫أَ َفرَأَيْتَ َمنِ اّتخَذَ إَِل َههُ هَوَاهُ وَأَضَ ّلهُ ال ّل ُه عَلَى عِ ْلمٍ وَخََت َم عَلَى َس ْمعِهِ وَقَلِْبهِ وَ َجعَلَ عَلَى‬
‫َبصَرِ ِه‬

‫ِغشَا َوةً ﴾‪.‬‬

‫فمنِ الُطالبُ والقتيلُ القاتِ ُل‬
‫وأنا الذي جََلبَ النيّة طَ ْرفُهُ‬
‫والعن ‪ :‬إنن أستحقّ وأستأهلُ ما ذُقتُ من اللِ والسرةِ ؛ لنن التسّببُ العظ ُم فيما جرى‬
‫ل‪.‬‬
‫وآخرُ أندلسّ يتباهى بكثرةِ هيامِه وعشقِه وولِهِ ‪ ،‬فيقولُ ‪:‬‬
‫ورُوّع بالوى حيّ ومْيتُ‬
‫س قبْلي‬
‫ق النّا ُ‬
‫شكا أل الفِرا ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪200‬‬

‫ت ول رأْي ُ‬
‫ت‬
‫فإنّي ما سع ُ‬
‫وأمّا مِثْلما ض ّمتْ ضلوعي‬
‫ولو ضمّ بي ضلوع ِه التقوى والذْكر وروحانيّ ًة وربّانيّةً ‪ ،‬لَ َوصَلَ إل القّ ‪ ،‬ولَعَرَ الدليل ‪،‬‬

‫نغَنّكَ ِمنَ الشّيْطَانِ َنزْغٌ فَاسَْت ِعذْ بِال ّلهِ ﴾ ‪﴿ ،‬إِنّ‬
‫ولبصر الرّشد ‪ ،‬ولَسَلَك الادّة ‪ ﴿ :‬وَِإمّا يَ َ‬
‫اّلذِينَ اّتقَواْ ِإذَا َمسّ ُهمْ طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ َتذَ ّكرُواْ فَِإذَا هُم مّ ْبصِرُونَ ﴾‪.‬‬
‫إنّ ابن القّيمِ عال هذهِ السألة علجا شافيا كافيا ف كتابِهِ (الدا ُء والدواءُ) فليُ ْر َجعْ إليهِ‪.‬‬
‫إن للعشق أسبابا منها ‪:‬‬
‫‪.1‬فراغُ منْ حُبّه سبحانه وتعال وذكْرِهِ وشُكرِه وعبادتِهِ‪.‬‬
‫‪.2‬إطلقُ البصرِ ‪ ،‬فإن ُه رائ ٌد يلبُ على القلبِ أحزانا وهوما ‪ ﴿ :‬قُل لّ ْلمُ ْؤمِنِيَ‬

‫حفَظُوا ُفرُو َج ُهمْ ﴾‪(( ،‬النظر ُة سهمٌ منْ سهامِ إبليس))‪.‬‬
‫َيغُضّوا ِمنْ أَْبصَارِ ِهمْ وََي ْ‬
‫إل كلّ عيٍ أتعبتْكَ الناظِ ُر‬
‫وأنت مت أرسلت طرْفك‬
‫عليه ول عنْ بعضِهِ أنت صابِرُ‬
‫رأيت الذي ل كُلّه أنت قادرٌ‬
‫‪.3‬التقصيُ ف العبوديّةِ ‪ ،‬والتقصيُ ف الذّكْرِ والدّعا ِء والنوافلِ ﴿ إِ ّن الصّلَاةَ تَ ْنهَى‬
‫حشَاء وَاْلمُن َكرِ ﴾‪.‬‬
‫عَنِ اْل َف ْ‬
‫أمّ دوا ُء العِشْقِ ‪ ،‬فمنْهُ ‪:‬‬

‫حشَاء إِّنهُ ِمنْ عِبَادِنَا‬
‫صرِفَ عَ ْنهُ السّوءَ وَاْل َف ْ‬
‫﴿ َكذَلِكَ لَِن ْ‬

‫صيَ ﴾‪.‬‬
‫اْل ُمخْلَ ِ‬

‫‪.1‬النطراحُ على عتباتِ العبوديّةِ ‪ ،‬وسؤالُ الول الشّفاء والعافية‪.‬‬
‫حفَظُوا ُفرُو َجهُمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَاّلذِينَ ُهمْ ِلفُرُو ِج ِهمْ‬
‫‪.2‬وغضّ البصرِ وح ْفظُ الف ْرجِ ﴿ وََي ْ‬
‫حَافِظُونَ ﴾‪.‬‬

‫‪.3‬وهجْرُ ديارِ منْ تعلّق ب ِه القلبُ ‪ ،‬وتركُ بيتهِ وموطنِهِ وذكْرِهِ‪.‬‬
‫‪.4‬والشتغالُ بالعمالِ الصالةِ ‪:‬‬
‫َرغَبا وَرَهَبا‬

‫﴾‪.‬‬

‫﴿‬

‫إِّن ُهمْ كَانُوا ُيسَا ِرعُونَ فِي اْلخَ ْيرَاتِ وََيدْعُونَنَا‬

‫ل تحزن‬
‫‪201‬‬

‫‪.5‬والزّواجُ الشّرْعيّ‬

‫﴿‬

‫فَان ِكحُواْ مَا طَابَ لَكُم ّمنَ‬

‫الّنسَاء ﴾‬

‫‪َ ﴿ ،‬و ِمنْ آيَاِتهِ أَنْ‬

‫خَ َلقَ لَكُم ّمنْ أَنفُسِ ُكمْ أَزْوَاجا لَّتسْكُنُوا إِلَ ْيهَا ﴾ ‪ (( ،‬يا معشر الشبابِ ‪ ،‬منِ‬
‫استطاع منكمُ الباءة فليتزوّجْ ))‪.‬‬
‫****************************************‬

‫ق الخ ّوةِ‬
‫حقو ُ‬
‫ما يُسعدُ أخاك السلم أنْ تُناديهِ بأحبّ الساءِ إليهِ‪.‬‬
‫ول أُلقّبُهُ والسّوْ َءةُ اللّقبُ‬
‫ُأكْنِيهِ حي أُناديِه لُكرِمهُ‬
‫سمُك ف وجهِ أخيك‬
‫وأنْ تشّ وتَبَشّ ف وجهِه (( ولو أنْ تلْقى أخاك بوجه ط ْلقٍ )) ‪ (( ،‬تب ّ‬

‫صدقةٌ ))‪ .‬وأنْ تشجّعهُ على الديثِ معك – أي تتركَ له فرصةً ليتكلّم عنْ نفسِه وعن أخبارِهِ‬
‫– وتأل عنْ أمورِه العامّ ِة والاصّةِ ‪ ،‬الت ل َح َرجَ ف السؤالِ عنها ‪ ،‬وأنْ تتمّ بأموره (( منْ ل‬

‫يهتمّ بأمرِ السلمي فليس منهمْ )) ‪ ﴿ ،‬وَاْلمُ ْؤمِنُونَ‬

‫وَاْلمُ ْؤمِنَاتُ َب ْعضُ ُهمْ أَوْلِيَاء َبعْضٍ ﴾‪.‬‬

‫ومنها ‪ :‬أنْ ل تلومه ول تعْذله على شيءٍ مضى وانتهى ‪ ،‬ول ترجه بالزاحِ ‪ (( :‬ل تُمارِ‬
‫أخاك ول تُمازِحْه ‪ ،‬ول تعِدهُ موعدا فُتخْلِفه ))‪.‬‬
‫*************************************‬

‫« أسرارٌ ف الذنوبِ‪ ..‬ولكنْ ل تذنبْ ! »‬
‫صمُ ظهر‬
‫ذكر بعضُ أهلِ العلمِ ‪ :‬أنّ الذنب كالْتمَ على العبد ‪ ،‬ومنْ أسرارها بعد التوبةِ ‪ :‬ق ْ‬
‫جبِ ‪ ،‬وكثرةُ الستغفارِ والتوبةُ والناب ُة والتّوجّهُ والنكسارُ والندامة ‪ ،‬ووقوع القضاءِ‬
‫ال ُع ْ‬
‫والقدرِ ‪ ،‬والتّسليمُ بعبوديّةِ مُقابلةِ القضا ِء والقدرِ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬تقّقُ أساءِ الِ السن وصفاتِه العُلى مثلِ ‪ :‬الرحيمِ والغفورِ والّتوّابِ‪.‬‬
‫*************************************‬

‫ا ْط ُلبِ الرزق ول ت ِرصْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪202‬‬

‫سبحان الال ِق الرازقِ ‪ ،‬أعطى الدود َة رزقها ف الطّيِ ‪ ،‬والسمكة ف الاءِ ‪ ،‬والطائرَ ف الواءِ ‪،‬‬
‫والنملةَ ف الظّلماءِ ‪ ،‬واليّة بي الصخورِ الصّمّاءِ‪.‬‬
‫َذكَرَ ابنُ الوزيّ لطيفةً من اللّطائفِ ‪ :‬أنّ حيّةُ عمياء كانتْ ف رأسِ نلةٍ ‪ ،‬فكان يأتيها‬
‫عصفورٌ بلحمٍ ف فمِه ‪ ،‬فإذا اقترب منها َو ْروَ َر وصفّرَ ‪ ،‬فتفتحُ فاها ‪ ،‬فيضعُ اللحم فيهِ سبحان‬
‫منْ سخ ّر هذا لذِه‬

‫﴿‬

‫وَلَ طَاِئرٍ َيطِيُ ِبجَنَاحَ ْيهِ إِلّ ُأ َممٌ َأمْثَالُكُم ﴾ ‪.‬‬

‫فاسألهُ منْ ذا بالسّمومِ حشاكا‬
‫وإذا ترى الثعبان ين ُفثُ ُسمّهُ‬
‫ل فاكا‬
‫سمّ َيمْ ُ‬
‫تيا وهذا ال ّ‬
‫واسألهُ كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو‬
‫ب صباح مساء ‪ ،‬فقيل لا ‪ ﴿ :‬يَا َمرْيَمُ أَنّى‬
‫كانتْ مريُ عليها السلمُ يأتيها رزقُها ف الحرا ِ‬
‫لَكِ هَـذَا قَالَتْ ُهوَ مِ ْن عِندِ ال ّلهِ إنّ ال ّلهَ َيرْ ُزقُ مَن َيشَاءُ ِبغَ ْيرِ‬

‫حسَابٍ ﴾‪.‬‬
‫ِ‬

‫لقٍ ّنحْنُ َنرْزُقُ ُكمْ وَإِيّا ُهمْ ﴾‪ .‬لتعلم‬
‫ل تز ْن فرزقُك مضمونٌ ﴿ وَلَ َتقْتُلُواْ أَوْ َلدَكُم ّمنْ إ ْم َ‬
‫البشريّةُ أنّ رازق الوالدِ ‪ ،‬هو الذي ل يلدْ و ْل يولدْ‪.‬‬
‫﴿ وَلَ َتقْتُلُواْ أَوْلدَ ُكمْ َخشَْيةَ ِإمْلقٍ ّنحْنُ َنرْزُ ُق ُهمْ وَإِيّاكُم ﴾ إنّ صاحب الزائ ِن الكبى جلّ‬
‫ف علهُ قد تكفّل بالرزقِ ‪ ،‬فِبم القل ُق والزعيمُ بذلك الُ ؟!‬

‫﴿ فَابَْتغُوا عِندَ ال ّلهِ الرّ ْزقَ وَاعْبُدُوهُ‬

‫كرُوا َلهُ ﴾‪.‬‬
‫وَاشْ ُ‬

‫س ِقيِ ﴾‪.‬‬
‫وََي ْ‬

‫﴿ وَاّلذِي هُوَ يُ ْط ِعمُنِي‬
‫*****************************************‬

‫وقفـــة‬
‫« أمّا الصلةُ فشأُنا ف تفريغِ القلبِ وتقويتِه ‪ ،‬وشرْحِه ‪ ،‬وابتهاجهِ ولذّتِه ‪ ،‬أكبَرْ شأنٍ ‪ ،‬وفيها‬
‫اتّصالُ القلبٍ والرّوحِ بالِ ‪ ،‬وقُربِه والتّن ّعمِ بذكرِهِ ‪ ،‬والبتهاجِ بُناجاتِه ‪ ،‬والوقوفِ بي يديْهِ ‪،‬‬
‫واستعمالِ جي ِع البد ِن وقُواهُ وآلتِهِ ف عبوديّتِهِ ‪ ،‬وإعطاءِ كلّ عضو حظّه منها ‪ ،‬واشتغالِه عن‬
‫التّعلّقِ باللقِ ومُلبستِهم ومُحاوَرَتِهم ‪ ،‬وانذاب قوى قلبِ ِه وجوارحِهِ إل ربّه وفاطرِهِ ‪،‬‬
‫ت والغذيِةِ الت ل‬
‫وراحتهِ م ْن عدوّه حالة الصلةِ ما صارتْ بهِ منْ أكبِ الدويةِ والفرحا ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪203‬‬

‫تُلئمُ إل القلوب الصحيحة‪ .‬وأمّا القلوبُ العليل ُة فهي كالبدانِ ‪ ،‬ل تُناسبها إلّ الغذيةُ‬
‫الفاضل ُة »‪.‬‬
‫« فالصلةُ منْ أكبِ العوْنِ على تصيلِ مصالِ الدنيا والخرةِ ‪ ،‬ودفْع مفاسِد الدنيا والخرةِ ‪،‬‬
‫وهي منْهاةٌ عن الْثمِ ‪ ،‬ودافعةٌ لدواءِ القلوبِ ‪ ،‬ومطْردةٌ للداءِ عن السدِ ‪ ،‬ومَُنوّرةٌ للقلبِ ‪،‬‬
‫ومُبيّضةٌ للوجهِ ‪ ،‬ومنشّطةٌ للجوارحِ والنفْسِ ‪ ،‬وجالِبةٌ للرزقِ ‪ ،‬ودافعةٌ للظّ ْلمِ ‪ ،‬وناصِرةٌ‬
‫للمظلوم ‪ ،‬وقامعةٌ لخلطِ الشّهواتِ ‪ ،‬وحافظةٌ للنعمةِ ‪ ،‬ودافعةٌ للنقمةِ ‪ ،‬ومُنلةٌ للرحةِ ‪،‬‬
‫وكاشفةٌ للغّم ِة »‪.‬‬
‫*************************************‬

‫شريعةٌ سَمْحةٌ‬
‫خمِ ‪ ،‬يتجلّى ذلك ف‬
‫مّا يُف ّرحُ العبد السلم ‪ ،‬ما ف الشريعةِ من الثّوابِ الزي ِل والعطاءِ الض ْ‬
‫الكفّراتِ العشْرِ ‪ ،‬كالتوحيدِ وما يكفّرُه من الذنوبِ‪ .‬والسناتِ الاحيةِ ‪ ،‬كالصلةِ ‪ ،‬والمعةِ‬
‫إل المعةِ ‪ ،‬والعمرةِ إل العمرةِ ‪ ،‬والجّ ‪ ،‬والصومِ ‪ ،‬ونو ذلك من العمالِ الصالةِ‪ .‬وما‬
‫هناك منْ مُضاعَفَةِ العمالِ الصالةِ ‪ ،‬كالسنةِ بعشرِ أمثالِها إل سبعمائةِ ضِعفٍ إل أضعافٍ‬
‫كثيةٍ‪ .‬ومنها التوبةُ تُبّ ما قبلها من الذنوبِ والطايا‪ .‬ومنها الصائبُ الكفّر ُة فل يصيبُ‬
‫الؤمن منْ أذىً إل كفّرَ الُ بهِ منْ خطاياهُ‪ .‬ومنها دعواتُ السلمي لهُ بظهْ ِر الغيبِ‪ .‬ومنها ما‬
‫ب وقت الوتِ‪ .‬ومنها شفاعةُ السلمي له وقت الصلةِ عليهِ‪ .‬ومنها شفاعةُ‬
‫يُصيبُه من الكرْ ِ‬
‫سيّد اللقِ‬

‫حصُوهَا ﴾ ‪،‬‬
‫‪ ،‬ورحةُ أرحم الراحي تبارك وتعال ﴿ وَإِن َت ُعدّواْ ِنعْ َمةَ ال ّلهِ لَ ُت ْ‬

‫﴿ وَأَسْبَ َغ عَلَيْ ُكمْ ِن َع َمهُ ظَا ِهرَةً وَبَاطَِنةً ﴾‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫ك أَنتَ الْأَ ْعلَى ﴾‬
‫﴿ لَا َتخَفْ ِإنّ َ‬
‫أوجس موسى ف نفسِهِ خِيفةً ثلث مرّاتٍ ‪:‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪204‬‬

‫ط عَلَيْنَا َأوْ أَن‬
‫الول ‪ :‬عندما دخل ديوان الطاغيةِ فرعون ‪ ،‬فقال ‪ ﴿ :‬إِنّنَا َنخَافُ أَن َي ْفرُ َ‬

‫طغَى ﴾‬
‫يَ ْ‬

‫‪ ،‬قال الُ ‪ ﴿ :‬قَالَ لَا َتخَافَا إِنّنِي َمعَكُمَا أَ ْسمَعُ وََأرَى ﴾‪.‬‬

‫وحقِيقٌ بالؤمنِ أن تكون ف ذاكرتهِ وف خلدِه ‪ :‬ل تفْ ‪ ،‬إنن أسعُ وأرى‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬عندما ألقى السحرةُ ِعصِيّهم ‪ ،‬فأوْجس ف نفسِه خيِفةً موسى‪.‬‬

‫فقال ال تعال ‪ ﴿ :‬لَا َتخَفْ إِنّكَ أَنتَ اْلَأعْلَى ﴾‪.‬‬

‫ضرِب ّب َعصَاكَ ﴾ وقال موسى‪﴿ :‬كَلّا ِإنّ‬
‫الثالثةُ ‪ :‬لا أتْبعهُ فرعونٌ بنودِه ‪ ،‬فقال له الُ ‪﴿ :‬ا ْ‬

‫َمعِيَ رَبّي سََي ْهدِي ِن‬
‫*************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫إياك وأربعا‬
‫ث ضنْكَ العيشةِ و َك َدرَ الاطرِ وضيِ َق الصّ ْدرِ ‪:‬‬
‫أربعٌ تُور ُ‬
‫ل وقدرِه ‪ ،‬و َعدَمُ الرّضا بهِ‪.‬‬
‫خطُ من قضاءِ ا ِ‬
‫الول ‪ :‬التّس ّ‬

‫الثانيةُ ‪ :‬الوقوعُ ف العاصي بل توبةٍ ﴿ قُلْ ُهوَ مِ ْن عِندِ أَْن ُفسِ ُكمْ ﴾ ‪ ﴿،‬فَِبمَا َكسَبَتْ أَْيدِيكُمْ‬
‫﴾‪.‬‬
‫سدُهم على ما آتا ُه ُم الُ منْ فضلِه ﴿‬
‫الثالثةُ ‪ :‬القدُ على الناسِ ‪ ،‬و ُحبّ النتقامِ منهمْ ‪ ،‬و َح َ‬

‫س عَلَى مَا آتَا ُهمُ ال ّلهُ مِن َفضْ ِلهِ ﴾ ‪ (( ،‬ل راحة لسودِ ))‪.‬‬
‫حسُدُونَ النّا َ‬
‫أَمْ َي ْ‬

‫شةً ضَنكا ﴾‪.‬‬
‫الرابعةُ ‪ :‬العراضُ عنْ ذك ِر الِ ﴿ َو َمنْ َأ ْع َرضَ عَن ذِ ْكرِي فَِإنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫******************************************‬

‫اس ُكنْ إل ربّك‬
‫راحةُ العبدِ ف سكونِه إل ربّه سبحانه وتعال‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪205‬‬

‫وقد َذكَ َر الُ السكينةَ ف مواطن منْ كتابِه عزّ من قائلٍ ‪ ،‬فقال ‪َ ﴿ :‬أَنزَلَ ال ّلهُ سَكِينََت ُه عَلَى‬
‫رَسُوِلهِ َوعَلَى اْلمُ ْؤمِِنيَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَأَنزَلَ السّكِيَنةَ عَلَ ْي ِهمْ ﴾ ‪ُ ﴿ ،‬ثمّ أَنَزلَ ال ّلهُ سَكِينََتهُ عَلَى‬
‫رَسُوِلهِ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬فأَنزَلَ ال ّلهُ سَكِينََت ُه عَلَ ْيهِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫والسّكينةُ هي ثباتُ القلبِ إل الرّبّ ‪ ،‬أو رسوخُ النان ثقةً بالرحنِ ‪ ،‬أو سُكُونُ الاط ِر‬
‫توكّلً على القادرِ‪ .‬والسكينةُ هدوءُ لواعِ ِج النفْسِ وسكونُها ‪ ،‬واستئناسُها ورُكُودُها وعدمُ‬
‫تفلّتِها ‪ ،‬وهي حالةٌ من المنِ ‪َ ،‬يحْظَىَ با أهلُ اليانِ ‪ ،‬تُنقذُ ُهمْ منْ مزالقِ اليْرةِ‬
‫والضطرابِ ‪ ،‬ومهاوي الشّكّ والتّسخّطِ ‪ ،‬وهي بسب وليةِ العبدِ لربّه ‪ ،‬وذكْرِه وشُكرِه‬
‫لولهُ ‪ ،‬واستقامتِه على أمرهِ ‪ ،‬واتّباعِ رسولِهِ ‪ ،‬وتسّكِه بدْيِه ‪ ،‬وحبّه لالقِهِ ‪ ،‬وثقتِه ف‬

‫مالكِ أمرهِ ‪ ،‬والعراضِ عمّ سواهُ ‪ ،‬وهجْر ما عداهُ‪ ،‬ل يدعو إل ال‪ ،‬ول يعبدُ إل أياهُ ﴿ يُثَبّتُ‬

‫ال ّلهُ اّلذِينَ آمَنُواْ بِاْلقَوْلِ الثّابِتِ فِي اْلحَيَا ِة الدّنْيَا وَفِي ال ِخرَةِ‬
‫*****************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫كلمتان عظيمتان‬
‫قال المامُ أحد ‪ :‬كلمتان نفعن الُ بما ف الحن ِة‬
‫ب المْرِ ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا أحدُ ‪ ،‬اثبتْ ‪ ،‬فإنك تُجلدُ ف السّنّةِ ‪ ،‬وأنا‬
‫الول ‪ :‬لر ُجلٍ حُبس ف شر ِ‬
‫جُِلدُتُ ف المرِ مرارا ‪ ،‬وقدْ صبْتُ‪ ﴿ .‬إِن تَكُونُواْ تَأَْلمُونَ َفإِّن ُهمْ َيأَْلمُونَ َكمَا تَأْلَمونَ‬

‫وََترْجُونَ ِمنَ ال ّلهِ مَا‬

‫يُوقِنُونَ ﴾ ‪.‬‬

‫لَ َيرْجُونَ ﴾‬

‫خفّنّكَ اّلذِينَ لَا‬
‫‪ ﴿ ،‬فَاصِْبرْ إِنّ َوعْدَ ال ّلهِ َحقّ وَلَا َيسْتَ ِ‬

‫الثانيةُ ‪ :‬لعرابّ قال للمامِ أحد – والمامُ أح ُد قدْ أُ ِخذَ إل الْبسِ ‪ ،‬وهو مقّيدٌ بالسلسلِ ‪:‬‬
‫شرُ ُهمْ رَّبهُم ِبرَ ْح َمةٍ مّ ْنهُ‬
‫يا أحدُ ‪ ،‬اصبْ ‪ ،‬فإنّما تُقتل منْ هنا ‪ ،‬وتد ُخلُ النة منْ هنا‪ ﴿ .‬يَُب ّ‬

‫ضوَانٍ وَجَنّاتٍ ّل ُهمْ فِيهَا َنعِيمٌ ّمقِيمٌ ﴾ ‪.‬‬
‫وَرِ ْ‬
‫*******************************************‬

‫منْ فوائدِ الصائبِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪206‬‬

‫استخرجُ مكنونِ عبوديةِ الدعاءِ ‪ ،‬قال أحدُهم ‪ :‬سبحان منِ استخرج الدعاء بالبلءِ‪ .‬وذكَرُوا‬
‫ف الثرِ ‪ :‬أنّ ال ابتلى عبدا صالا منْ عبادِهِ ‪ ،‬وقال للئكتِه ‪ :‬لسع صوتهُ‪ .‬يعن ‪ :‬بالدعاءِ‬
‫واللْاحِ‪.‬‬
‫ومنها ‪َ :‬كسْرُ جاحِ النفسِ وغيّها ؛ ل ّن ال يقول ‪ ﴿ :‬كَلّا ِإنّ الْإِنسَانَ لَيَ ْطغَى{‪ }6‬أَن رّآهُ‬

‫اسَْتغْنَى ﴾‪.‬‬

‫ومنها ‪ :‬عطفُ الناسِ وحبّهم ودعاؤُهم للمصابِ ‪ ،‬فإنّ الناس يتضامنون ويتعاطفون مع منْ‬
‫أُصيب ومنِ ابتُلي‪.‬‬

‫ومنها ‪ :‬ص ْرفُ ما هو أعظمُ منْ تلك الصيبةِ ‪ ،‬فغنها صغيةٌ بالنسب ِة لكب منها ‪ ،‬ثّ هي‬

‫كفّارةٌ للذنوبِ والطايا ‪ ،‬وأج ٌر عند الِ ومثوبةٌ‪ .‬فإذا َعِلمَ العبدُ أنّ هذه ثارُ الصيبةِ أنس با‬
‫وارتاح ‪ ،‬ول ينعجْ ويَقْنطْ ﴿ إِّنمَا يُوَفّى الصّاِبرُونَ أَ ْجرَهُم ِبغَ ْيرِ ِحسَابٍ ﴾‪.‬‬
‫************************************‬

‫العلم هُدى وشِفاءٌ ‪:‬‬
‫َذكَرَ ابنُ حزمٍ ف ( مُداواة النفوس ) أنّ م ْن فوائدِ العلمِ ‪ :‬نَفْيَ الوسواسِ عن النّفْسِ ‪ ،‬وطرْدَ‬
‫المومِ والغمومِ والحزانِ‪.‬‬
‫وهذا كلمٌ صحيحٌ خاصّةً لنْ أحبّ العِلْم وشغف به وزاولهُ ‪ ،‬وعمل به وظهر عليه نفْعُه‬
‫وأثرُه‪.‬‬
‫فعلى طالبِ العلمِ أن يوزّع وقته ‪ ،‬فوقتٌ للحفْظِ والتكرارِ والعادةِ ‪ ،‬ووقتٌ للمطالعةِ العامّةِ ‪،‬‬
‫ج ْمعِ والتّرتيبِ ‪ ،‬ووقتٌ للتأمّ ِل والتدبّرِ‪.‬‬
‫ووقتٌ للستنباطِ ‪ ،‬ووقتٌ لل َ‬
‫وهامةُ ِهمّتِ ِه ف الثّريّا‬
‫ل رِ ْجلُه ف الثّرى‬
‫فكُنْ رجُ ً‬
‫*******************************************‬

‫عسى أن يكون خيا‬

‫ل تحزن‬
‫‪207‬‬

‫ج ف الفرج ) ‪َ :‬ذكَرَ منْ كلمِ أهلِ العلمِ ما مموعُه يُفيدُنا أنّ‬
‫للسيوطي كتابٌ بعنوان ( الر ُ‬
‫الحَابّ كثيةٌ ف الكارهِ ‪ ،‬وأنّ الصائب تُسفرُ عن عجائب وعن رغائب ل يُدركُها العبدُ ‪،‬‬
‫إل بعد تكشّفِها وانلئِها‪.‬‬
‫نوائب هذا الدّهرِ أمْ كيف يْذرُ‬
‫ل َعمْرُك ما يدري الفت كيف يتّقي‬
‫وما ل يرى ما يقِي الُ َأكْبَرُ‬
‫يرى الشيء مّا يُتّقى فيخافُه‬
‫******************************************‬

‫السعادةُ موهبةٌ ربّانيّة‬
‫ليس عجبا أنْ يكون هناك نفرٌ من الناسِ يلسون على الرصفةِ ‪ ،‬وهم ُعمّا ٌل ل يدُ احدُهم‬
‫إل ما يكفي يومه وليلته ‪ ،‬ومع ذلك يبتسمون للحياةِ ‪ ،‬صدورُهم منشرِحةٌ وأجسامُهم قويةٌ ‪،‬‬
‫وقلوبُهم مطمئنّةٌ ‪ ،‬وما ذلك إل لنّهم عَرَفوا أنّ الياة إنا هي اليومُ ‪ ،‬ول يشتغلوا بتذكّرِ‬
‫الاضي ول بالستقبلِ وإنا أفنوْا أعمارهم ف أعمالِهم‪.‬‬
‫على النّجاةِ ب ْن قدْ عاش أو هلكا‬
‫وما أُبال إذا نفسي تطاوعُن‬
‫وقارِنْ بي هؤلء وبي أناسٍ يسكنون القصور والدّور الفاخرة ‪ ،‬ولكنّهمْ بَقُوا ف فراغٍ‬
‫وهواجس ووساوس ‪ ،‬فشتتهُ ُم المّ ‪ ،‬وذهب بم ك ّل مذهبِ‪.‬‬
‫فكُ ّل بعي ٍد ال ّم فيها مُعذّبُ‬
‫لا الُ ذي الدّنيا مُناخا لراكِبٍ‬
‫*********************************************‬

‫ال ّذكْرُ الميلُ عمرٌ طويلٌ‬
‫منْ سعادِة العبدِ السلمِ أنْ يكون لهُ عمرٌ ثانٍ ‪ ،‬وهو ال ّذكْرُ السنُ ‪ ،‬وعجبا لنْ وجد الذكْر‬
‫السنَ رخيصا ‪ ،‬ولْ يشترِهِ بالِه وجاهِه وسعيِه وعملِه‪.‬‬
‫وقدْ سبق معنا أنّ إبراهيم عليهِ السلمُ طلب م ْن ربّه لسان صدْقٍ ف الخرِين ‪ ،‬وهو ‪ :‬الثّناءُ‬
‫السنُ ‪ ،‬والدعاءُ له‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪208‬‬

‫وعجبْتُ لُناسٍ خلّدوا ثناءً حسنا ف العالِ ُبسْ ِن صنيعهِم وبكرمهِم وبذْلِهم ‪ ،‬حت إنّ ُعمَ َر‬
‫سأل أبناء هرِم بنِ سنانٍ ‪ :‬ماذا أعطاكمْ زهيٌ ‪ ،‬وماذا أعطيتُموهُ ؟ قالوا ‪َ :‬مدَحَنا ‪ ،‬وأعطيناهُ‬
‫مالً‪ .‬قال عمرُ ‪ :‬ذهب والِ ما أعطيتموهُ ‪ ،‬وبقي ما أعطاكمْ‪.‬‬
‫يعن ‪ :‬الثناءُ والديحُ بقي لمْ أبد الدّهرِ‪.‬‬
‫عند السّرورِ الذي واساك ف الزنِ‬
‫أول البِيّةِ طُرّا أنْ تُواسِيهُ‬
‫منْ كان يألفُهم ف النلِ الشنِ‬
‫إن الكرام إذا ما أُر ِسلُوا ذكرُوا‬
‫******************************************‬

‫أُمّهاتُ الراثي‬
‫ت فيهم ‪:‬‬
‫ث قصائد خلّدتْ م ْن قِيل ْ‬
‫هناك ثل ُ‬
‫ابنُ بقيّة الوزيرُ الشهيُ ‪ ،‬قتلهُ َعضُدُ الدولةِ ‪ ،‬فرثاهُ أبو الس ِن النباريّ بقصيدتِه الرائعةِ‬
‫العامرةِ ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫لقّ تِلْك إحدى الُعجزاتِ‬
‫عُُلوّ ف الياةِ وف الماتِ‬
‫وفو ُد نداك أيام الصّلتِ‬
‫كأنّ الناس حوْلك حي قاموا‬
‫وهمْ وقفُوا قِياما للصّلةِ‬
‫كأنّك واقِفٌ فيهم خطيبا‬
‫كمدّها إليهمْ بالِباتِ‬
‫مددت يديْك نوهُو اختفاءً‬
‫يُواروا فيه تلك الكْرُماتِ‬
‫ولا ضاق بط ُن الرضِ عنْ أنْ‬
‫عليك اليوم صوت النّائِحاتِ‬
‫أصاروا الوّ قبك واستعاضوا‬
‫لنّك ُنصْب هطْلِ الاطِلتِ‬
‫وما لك تُربةٌ فأقولُ تُسقى‬
‫بتبيكِ الفؤادِ الرّائِحاتِ‬
‫عليك تيّة الرحنِ تتْرى‬
‫بُراسٍ وحُفّاظٍ ثقاتِ‬
‫لِع ْظمِك ف النّفُوسِ تباتُ تُرعى‬
‫كذلك كُنت أيام الياةِ‬
‫وتُوقدُ حولك النيانُ ليلً‬
‫ما أجل العباراتِ ‪ ،‬وما أجل البياتِ ‪ ،‬وما أنْبَلَ هذهِ الُثُل ‪ ،‬وما أضخم هذهِ العان‪ .‬ال ما‬
‫أجْملها من أوسةٍ ‪ ،‬وما أحسنها من تِيجان !!‬

‫ل تحزن‬
‫‪209‬‬

‫ت والِ أنن قُتلتُ‬
‫لّا سع هذه البيات عضدُ الدولة الذي قتلهُ ‪ ،‬دمعتْ عيناه وقال ‪ :‬ودد ُ‬
‫وصُلِبْتَ ‪ ،‬وقيِلتْ فّ‪.‬‬
‫ويُقتلُ ممدُ بنُ حيدٍ الطوسيّ ف سبي ِل الِ ‪ ،‬فيقولُ أبو تام يرثيه ‪:‬‬
‫فليْس لِعَيْنٍ ل يفِضْ ماؤها ُع ْذرُ‬
‫كذا فليجلّ الطبُ وليَفْدحِ المرُ‬
‫وأصبح ف شُغلٍ عن السّف ِر السّفرُ‬
‫تُوفّيتِ المالُ بعد م ّمدٍ‬
‫لا الليلُ إل وهي منْ سُْندُسٍ ُخضْرُ‬
‫تردّ ثياب الوت ُحمْرا فما دَجَى‬
‫إل آخرِ ما قال ف تلك القصيدةِ الاتِعةِ ‪ ،‬فسمِعها العتصمُ ‪ ،‬وقال ‪ :‬ما مات من قِيلتْ فيه‬
‫هذهِ البياتُ‪.‬‬
‫ورأيتُ كريا آخر ف سللةِ قُتيبة بنِ مسلمٍ القائدِ الشهيِ ‪ ،‬هذا الكريُ بذل ماله وجاههُ ‪،‬‬
‫وواسى النكوبي ‪ ،‬ووقف مع الصابي وأعطى الساكي ‪ ،‬وأطعم الائعي ‪ ،‬وكان ملذا‬
‫للخائفي ‪ ،‬فلمّا مات ‪ ،‬قال أحدُ الشعراء ‪:‬‬
‫ول مغرِبٌ غلّ لهُ فيهِ مادحُ‬
‫مضى ابنُ سعيدٍ حي ل يبق مشرِقٌ‬
‫على الناسِ حت غيّبْتهُ الصّفائحُ‬
‫وما كنتُ أدري ما فواضِلُ كفّهِ‬
‫وكانتْ به حيّا تضِيقُ الصّحاصحُ‬
‫ض ضيّقٍ‬
‫وأصبح ف لدٍ مِن الر ِ‬
‫فحسْبُك من ما تِنّ الوابِحُ‬
‫سأبكيك ما فاضتْ دموعي فإنْ تفِضْ‬
‫ول بسرورٍ بعد موتِك فا ِرحُ‬
‫فما أنا مِ ْن ُرزْءٍ وإنْ جلّ جازِعٌ‬
‫على أحدٍ إل عليك النّوائِحُ‬
‫كأنْ ل يُمتْ حيّ سواك ول ت ُقمْ‬
‫لقد عظمتْ مِنْ قبلُ فيك الدائحُ‬
‫لئنْ عظُمتْ فيك الراثي وذكْرُها‬
‫وهذا أبو نواس يكتبُ تاريخ الصيبِ أميِ ِمصْرِ‪ ،‬ويسجّل ف دفترِ الزمانِ اسه فيقولُ ‪:‬‬
‫فأيّ بلدٍ بعدهنّ تزورُ‬
‫إذا ل ت ُز ْر أرض الصيبِ ركابُنا‬
‫ولكنْ يسيُ الودُ حيثُ يسيُ‬
‫فما جازهُ جودٌ ول حلّ دونه‬
‫ويعلمُ أنّ الدّائراتِ تدورُ‬
‫فتً يشتري ُحسْن الثّناءِ بالِه‬
‫ث ل يذكُرُ الناسُ منْ حيا ِة الصيبِ ‪ ،‬ول منْ أيامِه إل هذهِ البيات‪.‬‬
‫*********************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪210‬‬

‫وقفــــــةٌ‬
‫((اللهمّ اقِسمْ لنا ِمنْ خشيتِك ما تُولُ به بيننا وبي معاصيك ‪ ،‬ومنْ طاعتِك ما تُب ُلغُنا به‬

‫جنّتك ‪ ،‬ومن اليقيِ ما تُهوّنُ به علينا مصائب الدنيا ‪ ،‬ومّتعْنا بأساعِنا وأبصارِنا وقوّتِنا ما‬
‫صرْنا على منْ عادانا ‪،‬‬
‫أحْييْتنا ‪ ،‬واجْعلْه الوارِث منا ‪ ،‬واجعلْ ثأرنا على منْ ظَ َلمَنا ‪ ،‬وان ُ‬

‫ول تعلْ مصيبتنا ف ديننِا ‪ ،‬ول تع ِل الدّنيا أكب هنا ‪ ،‬ول مبلغ عِ ْلمِنا ‪ ،‬ول تُس ّلطْ علينا‬

‫بذنوبنا منْ ل يرحُنا ))‪.‬‬
‫قال عليّ بنُ مقلة ‪:‬‬
‫وضاق لا بهِ الصّدرُ الرّحيبُ‬
‫إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ‬
‫وأرستْ ف أماكنِها الطوبُ‬
‫وأوْطنتِ الكار ُه واطمأّنتْ‬
‫ول أغن بِيلتِ ِه الريبُ‬
‫ول تر لنكشافِ الضّرّوجها‬
‫يُنّ به القريبُ الُستجيِبُ‬
‫أتاك على قُنُوطِك منهُ َغوْثٌ‬
‫فموصولٌ با فرجٌ قريبُ‬
‫وكُلّ الادثاتِ وإن تناهتْ‬
‫****************************************‬

‫ربّ ل يظْلِمُ ول َي ْهضِمُ‬
‫أل يقّ لك أنْ َتسْعَدَ ‪ ،‬وأنْ تدأ وأنْ تسكن إل موعو ِد الِ ‪ ،‬إذا علمت أنّ ف السماء ربّا‬
‫عادلً ‪ ،‬وحكما مُنصفا ‪ ،‬أدخل امرأةُ النة ف كلبٍ ‪ ،‬وأدخل امرأةً النار ف هِرّة‪.‬‬
‫فتلك امرأةٌ بغيّ منْ بن إسرائيل ‪ ،‬سقتْ كلبا على ظمأٍ ‪ ،‬فغفر الُ لا وأدخلها النة ‪ ،‬لِا قام‬
‫ف قلبِها منْ إخلصِ العملِ لِ‪.‬‬
‫وهذهِ حبست قطّةً ف غُرفةٍ ‪ ،‬ل هي أطعمتْها ‪ ،‬ول سقتْها ‪ ،‬ول تركتْها تأكلُ منْ خشاشِ‬
‫ل النار‪.‬‬
‫الرضِ ‪ ،‬فأدخلها ا ُ‬
‫فهذا ينفعُك ويُثل ُج صدرك بيثُ تعلمُ أنه سبحانه وتعال يزي على القليلِ ‪ ،‬ويُثيبُ على‬
‫العملِ الصغيِ ‪ ،‬ويُكافئُ عبدهُ على القيِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪211‬‬

‫وعند البخاريّ مرفوعا ‪ (( :‬أربعون خصْلةً ‪ ،‬أعلها منِحةُ العنِ ما من عاملٍ يعملُ بصلةٍ‬

‫منها رجاء موعودِها وتصديق ثوابِها إل أدخله الُ النة )) ﴿ َفمَن َي ْعمَلْ مِ ْثقَالَ ذَرّةٍ خَيْرا‬

‫حسَنَاتِ ُيذْهِبْنَ‬
‫َيرَهُ{‪َ }7‬ومَن َي ْعمَلْ مِ ْثقَالَ ذَرّةٍ َشرّا َيرَهُ ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِنّ اْل َ‬

‫السّـيّئَاتِ ﴾‪.‬‬

‫ف ّرجْ عنْ مكروبٍ ‪ ،‬وأعطِ مروما ‪ ،‬وانصرْ مظلوما ‪ ،‬وأطعمْ جائعا ‪ ،‬وا ْسقِ ظامئا ‪ ،‬و ُع ْد‬
‫مريضا ‪ ،‬وشيّع جنازةً ‪ ،‬وواسِ مصابا ‪ ،‬وُقدْ أُعْمى ‪ ،‬وأرشِدْ تائِها ‪ ،‬وأكرم ضيفا ‪ ،‬وبِرّ جارا‬
‫ق ب ِدرْهِك ‪ ،‬وأحسِنْ لفظك ‪،‬‬
‫‪ ،‬واحترمْ كبيا ‪ ،‬وارحمْ صغيا ‪ ،‬وابذُلْ طعامك ‪ ،‬وتصدّ ْ‬
‫وكُفّ أذاك ‪ ،‬فإنه صدقةٌ لك‪.‬‬
‫ت السامية ‪ ،‬منْ أعظمِ ما يلبُ السعادة ‪ ،‬وانشراح الصدرِ ‪،‬‬
‫إنّ هذه العان الميلة ‪ ،‬والصفا ِ‬
‫وطر َد المّ والغمّ والقلق والزن‪.‬‬
‫ل ِدرّ الُلُقِ الميلِ ‪ ،‬لو كان رجلً لكان َحسَ َن الشّارةِ ‪ ،‬طيّب الرائحةِ َحسَنَ الذكْرِ ‪ ،‬باسِم‬
‫الوجهِ‪.‬‬
‫********************************************‬

‫اكتبْ تأريك بَنفْسِك‬
‫كنتُ جالسا ف الرَمِ ف شدّةِ الرّ ‪ ،‬قبل صلةِ الظهرِ بساعةٍ ‪ ،‬فقام رجلٌ شي ٌخ كبيٌ ‪ ،‬وأخذ‬
‫يُباشِرُ على الناسِ بالا ِء الباردِ ‪ ،‬فيأخذُ بيد ِه اليُمن كوبا ‪ ،‬وف اليُسرى كوبا ‪ ،‬ويسقيهمُ منْ‬
‫ماءِ زمزم ‪ ،‬فكلّما شرب شاربٌ ‪ ،‬عاد فأسقى جارهُ ‪ ،‬حت أسقى فِئاما من الناسِ ‪ ،‬وعَ َرقُه‬
‫يتصّببُ ‪ ،‬والناسُ جلوسٌ كلّ ينتظرُ دوره ليشرب م ْن يدِ هذه الشيخِ الكبيِ ‪ ،‬فعجبتُ منْ‬
‫جلدِهِ ومنْ صبِهِ ومنْ حبّه للخيِ ‪ ،‬ومن إعطائِه هذا الاءَ للناسِ وهو يتبسّمُ ‪ ،‬وعلمتُ أنّ الي‬
‫يسيٌ على منْ يسرّه الُ عليه ‪ ،‬وأ ّن فِعْلَ الميِل َس ْهلٌ على منْ سهّل ُه الُ عليه ‪ ،‬وأنّ لِ‬
‫ادّخاراتٍ من الحسانِ ‪ ،‬ينحُها منْ يشاءُ منْ عبادهِ ‪ ،‬وأ ّن الُ يُجري الفضائل ولو كانتْ‬
‫قليلةً على يدِ أناسٍ خيّين ‪ ،‬يبّون اليْر لعبادِ الِ ‪ ،‬ويكرهون الشّ ّر لم‪.‬‬
‫أبو بكر يع ّرضُ نفسه للخطرِ ف الجرةِ ‪ ،‬حايةً للرسولِ ‪.‬‬
‫وحاتُ ينامُ جائعا ‪ ،‬ليشبع ضيوفه‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪212‬‬

‫وأبو عبيدة يسهرُ على راحةِ جيشِ السلمي‪.‬‬
‫وعمرُ يطوفُ الدينة والناسُ نيامٌ‪.‬‬
‫ويتلوى من الوعِ عام الرّمادة ‪ ،‬ليُطعم الناس‪.‬‬
‫وأبو طلحة يتلقى السهام ف أُ ُحدٍ ‪ ،‬ليقي رسول الِ ‪.‬‬
‫وابنُ الباركِ يُباشِرُ على الناسِ بالطعا ِم وهو صائمٌ‪.‬‬
‫ومضوا يعدّون الثناء خلودا‬
‫ذهبوا يرون الذكر عمرا ثانيا‬
‫طعَا َم عَلَى حُّبهِ ِمسْكِينا وَيَتِيما وَأَسِيا ﴾‪.‬‬
‫﴿ وَيُ ْط ِعمُونَ ال ّ‬
‫********************************************‬

‫أْنصِتْ لكلمِ الِ‬
‫ب الِ ‪،‬‬
‫هدّئ أعصابك بالنصاتِ إل كتابِ ربّك ‪ ،‬تلوةً مُمتعةً حسنةً مؤثّرةً منْ كتا ِ‬
‫ئ موّدٍ َحسَ ِن الصوتِ ‪ ،‬تصلُك على رضوانِ الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬وتُضفي على‬
‫تسمعُها م ْن قار ٍ‬
‫نفسِك السكينة ‪ ،‬وعلى قلبِك يقينا وبردا وسلما‪.‬‬
‫كان يبّ أنْ يسمع القرآن منْ غيِهِ ‪ ،‬وكان يتأثّرُ إذا سع القرآن منْ سواهُ ‪ ،‬وكان‬
‫يطُلبُ منْ أصحابِه أنْ يقرؤوا عليهِ ‪ ،‬وقد أُنزل عليهِ القرآنُ هو ‪ ،‬فيستأنسُ ويشعُ‬
‫ويرتاحُ‪.‬‬
‫إنّ لك فيهِ أسوةً أنْ يكون لك دقائقُ ‪ ،‬أو وقتٌ من اليومِ أو الليلِ ‪ ،‬تفتحُ فيهِ الذياع أو‬
‫مسجّلً ‪ ،‬لتستمع إل القارئِ الذي يعجبُك ‪ ،‬وهو يتلو كلم الِ عزّ وجلّ‪.‬‬
‫إ ّن ضجّة الياةِ وبلبلة الناسِ ‪ ،‬وتشويش الخرين ‪ ،‬كفيلٌ بإزعاجِك ‪ ،‬وهدّ قُواك ‪ ،‬وبتشتيتِ‬
‫ب ربّك وف ذك ِر مولك ‪﴿ :‬اّلذِينَ آمَنُواْ‬
‫خاطرِك‪ .‬وليس لك سكينةٌ ول طمأنينةٌ ‪ ،‬إلّ ف كتا ِ‬

‫وَتَ ْطمَِئنّ ُقلُوُبهُم ِبذِ ْكرِ ال ّلهِ أَلَ ِبذِ ْكرِ ال ّلهِ تَ ْطمَِئنّ‬
‫يأمرُ‬

‫اْلقُلُوبُ ﴾‪.‬‬

‫ابن مسعودٍ ‪ ،‬فيقرأ عليه منْ سورةِ النساءِ ‪ ،‬فيبكي‬

‫ويقولُ ‪ (( :‬حسْبُك الن ))‪.‬‬

‫حت تنهمر دموعُه على خدّه ‪،‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪213‬‬

‫ويرّ بأب موسى الشعريّ ‪ ،‬وهو يقرُأ ف السجدِ ‪ ،‬فيُنصتُ لهُ ‪ ،‬فيقولُ له ف الصباحِ ‪ (( :‬لو‬

‫رأيتن البارحة وأنا أستمعُ لقراءتِك )) ‪ ،‬قال أبو موسى ‪ :‬لو أعلمُ يا رسول ال أنك تستمعُ‬
‫ل ‪ ،‬لبّرْتُهُ لك تبيا‪.‬‬
‫عند ابن أب حات يرّ‬
‫ا ْلغَاشَِيةِ ﴾‬

‫بعجوزٍ ‪ ،‬فيُنصت إليها منْ وراءِ بابا ‪ ،‬وهي تقرأُ ﴿ َهلْ أَتَاكَ َحدِيثُ‬

‫‪ ،‬تعيدُها وتك ّررُها ‪ ،‬فيقولُ ‪ (( :‬نعم أتان ‪ ،‬نعم أتان ))‪.‬‬

‫إنّ للستماعِ حلوةً ‪ ،‬وللنصاتِ طلوةً‪.‬‬
‫أحدُ الكُتاّبِ اللمعي السلمي سافر إل أوربا ‪ ،‬فأبر ف سفينةٍ ‪ ،‬وركبتُ معه امرأةٌ منْ‬
‫يوغسلفيا ‪ ،‬شيوعيّةٌ فرّتْ منْ ظُلمٍ ومنْ قهرِ تيتو ‪ ،‬فأدركتْه صلةُ المعةِ مع زملئِه ‪ ،‬فقام‬
‫فخطبهم ‪ ،‬ث صلّى بمْ وقرأ سورة العلى والغاشية ‪ ،‬وكانتِ الرأةُ ل تيدُ العربية ‪ ،‬كانتْ‬
‫تُنصتُ إل الكلم وإل ال ْرسِ وإل النّغمةِ ‪ ،‬وبعد الصلةِ سألتْ هذا الكاتب عن هذهِ الياتِ‬
‫؟ فأخبها أنا من كل ِم الِ عزّ وجّل ‪ ،‬فبقيتْ مدهوشةً مذهولةً ‪ ،‬قال ‪ :‬ول تكنّي لغت‬
‫ج ّن عَلَى أَن َيأْتُواْ ِبمِثْلِ هَـذَا اْل ُقرْآنِ‬
‫لدعُوها إل السلمِ ‪ ﴿ :‬قُل لِّئنِ اجَْت َمعَتِ الِنسُ وَاْل ِ‬

‫ضهُمْ لَِبعْضٍ‬
‫لَ يَأْتُونَ ِبمِثْ ِلهِ وَلَوْ كَانَ َب ْع ُ‬

‫ظهِيا ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫إنّ للقرآنِ سلطانا على القلوبِ ‪ ،‬وهيبةٌ على الرواحِ ‪ ،‬وقوةً مؤثّرةً فاعلةً على النفوسِ‪.‬‬
‫عجبتُ لناسٍ من السلفِ الخبارِ ‪ ،‬ومن التقدّمي البرار‪ ،‬اندّوا أمام تأثيِ القرآن ‪،‬وأمام‬
‫إيقاعاتِه الائلةِ الصادق ِة النافذةِ ‪ ﴿ :‬لَوْ أَنزَلْنَا َهذَا اْل ُقرْآنَ عَلَى جََبلٍ ّلرَأَيَْتهُ خَاشِعا مَّتصَدّعا ّمنْ‬

‫َخشَْيةِ‬

‫ال ّلهِ ﴾‪.‬‬

‫فذاك عليّ بنُ الفُضيل بن عياضٍ يوتُ لّا سع أباه يقرأُ ‪ ﴿ :‬وَ ِقفُو ُهمْ إِّنهُم مّسْئُولُونَ{‪ }24‬مَا‬

‫صرُونَ ﴾ ‪.‬‬
‫لَ ُكمْ لَا تَنَا َ‬

‫وعمرُ رضي الُ عنه وأرضاهُ منْ ساعِه ليةٍ ‪ ،‬ويبقى مريضا شهرا كاملً يُعادُ ‪ ،‬كما يُعادُ‬
‫الريضُ ‪ ،‬كما ذكر ذلك ابنُ كثيٍ‪ ﴿ .‬وََلوْ أَنّ ُقرْآنا سُّيرَتْ ِبهِ اْلجِبَالُ أَوْ قُ ّطعَتْ ِبهِ ا َل ْرضُ‬

‫أَوْ ُك ّلمَ ِبهِ اْلمَوْتَى ﴾ ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪214‬‬

‫وعبدُالِ ب ُن وهبٍ ‪ ،‬مرّ يوم المع ِة فسمع غلما يقرأُ ‪ ﴿ :‬وَِإذْ يََتحَاجّونَ فِي‬

‫النّارِ‪﴾ ...‬‬

‫فأُغمي عليه ‪ ،‬ونُقل إل بيتهِ ‪ ،‬وبقي ثلثة أيامٍ مريضا ‪ ،‬ومات ف اليوم الرابعِ‪َ .‬ذكَرَه الذهبّ‪.‬‬
‫وأخبن عالٌ أنه صلّى ف الدينةِ ‪ ،‬فقرأ القارئُ بسور ِة الواقعةِ ‪ ،‬قال ‪ :‬فأصابن من الذهولِ‬
‫ومن الوجلِ ما جعلن اهتزّ مكان ‪ ،‬وأترّكُ بغيِ إرادةٍ من ‪ ،‬مع بكاءٍ ‪ ،‬ودمعِ غزيرٍ‪ ﴿ .‬فَِبأَيّ‬

‫حدِيثٍ َب ْعدَهُ يُ ْؤمِنُونَ ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫ولكنْ ما علق ُة هذا الديثِ بوضوعِنا عنِ السعادةِ ؟!‬
‫إ ّن التشويش الذي يعيشُه النسا ُن ف الربعِ والعشرين ساعةً كفيلٌ أنْ يُفقِده وعيهُ ‪ ،‬وأن يُقلقه‬
‫‪ ،‬وأن يُصيبه بالحباطِ ‪ ،‬فإذا رَ َجعَ وأنصت و َسمَ َع وتدبّر كلم الول ‪ ،‬بصوتٍ حسنٍ منْ‬
‫قارئٍ خاشعٍ ‪ ،‬ثاب إليه رُشدُه ‪ ،‬وعادتْ إليه نفسهُ ‪ ،‬وقرّتْ بلبلهُ ‪ ،‬وسكنتْ لوا ِعجُه‪ .‬إنن‬
‫أُحذّرك بذا الكلمِ ع ْن قومٍ جعلُوا الوسيقى أسباب أُنسِهمْ وسعادتِهمْ وارتياحِهم ‪ ،‬وكتبُوا ف‬
‫ذلك كُتُبا ‪ ،‬وتبجّح كثيٌ منهمْ بأنّ أجل الوقات وأفضل الساعات يوم يُنصت إل‬
‫الوسيقى ‪ ،‬بلْ إنّ الكُتّاب الغربيي الذين كتبُوا عن السعادةِ وطردِ القلقِ يعلون منْ عواملِ‬
‫صلَُت ُهمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلّ مُكَاء‬
‫السعادةِ الوسيقى‪َ ﴿ .‬ومَا كَانَ َ‬

‫صدَِيةً ﴾‬
‫وََت ْ‬

‫﴾‪.‬‬
‫إنّ هذا بديلٌ آثِم ‪ ،‬واستماعٌ مرّم ‪ ،‬وعندنا اليْرُ الذي نزل على ممدٍ‬

‫جرُونَ‬
‫‪ ﴿ ،‬سَامِرا َت ْه ُ‬
‫‪ ،‬والصّدقُ‬

‫والتوجيهُ الرّاشدُ الكيمُ ‪ ،‬الذي تضمّنه كتاب الِ عزّ وجلّ ‪ ﴿ :‬لَا َيأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَ ْينِ َيدَْيهِ‬
‫وَلَا مِنْ خَ ْل ِفهِ تَنِيلٌ ّمنْ حَكِيمٍ َحمِيدٍ‬

‫﴾‪.‬‬

‫فسماعٌنا للقرآنِ ساعٌ إيانّ شرعيّ ممديّ سنّ ﴿ َترَى َأعْيَُن ُهمْ َتفِيضُ ِم َن ال ّدمْعِ ِممّا َعرَفُواْ‬

‫لهَل ُة والمقى والسّفهاءُ‬
‫حقّ ﴾ ‪ ،‬وساعُهم للموسيقى ساعٌ لهٍ عابثٌ ‪ ،‬ل يقومُ به إل ا َ‬
‫مِنَ اْل َ‬

‫من الناسِ ﴿ َو ِمنَ النّاسِ مَن َيشْتَرِي َلهْوَ اْلحَدِيثِ لُِيضِ ّل عَن سَبِيلِ ال ّلهِ ﴾‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫كلّ يبحثُ عنِ السعادةِ ولكنْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪215‬‬

‫ف التدبيِ ) وهو كتابٌ ج ّم الفائدةِ ‪ ،‬أخّاذٌ جذّابٌ جلّبٌ‬
‫للعالِ السكافّ كتابٌ بعنوان ( لُ ْط ُ‬
‫‪ ،‬مؤدّى الكلمِ فيه البحثُ عن السيادةِ والسعادةِ والرّيادةِ ‪ ،‬فإذا الحتيالُ والكرُ والدهاءُ ‪،‬‬
‫وضَرْبٌ من السياسةِ ‪ ،‬وأفانيُ من اللتواءِ ‪ ،‬فَعًَلها كثيٌ من اللوكِ والرؤساءِ ‪ ،‬والدباءِ‬
‫والشعراءِ ‪ ،‬وبعضِ العلماءِ ‪ ،‬كلّهم يريدُ أنْ يهدأ وأنْ يرتاح ‪ ،‬وأنْ يصل على مطلوبهِ ‪ ،‬حت‬
‫إّنهُ منْ عناوينِ هذا الكتابِ ‪:‬‬
‫ف التدبيِ ‪ ،‬تسكيُ ش ْغبٍ ‪ ،‬وإصلحُ نِفارٍ أو ذاتِ بيْن ‪ ،‬ماذا يفعلُ النهزمُ ف مكائدِ‬
‫ف لط ِ‬
‫العداءِ ‪ ،‬مُكاَيدَ ُة صغيٍ لكبيٍ ‪ ،‬ف دفعِ مكروهٍ بقولٍ ‪ ،‬ف دفعِ مكروهٍ بكروهٍ ‪ ،‬ف دفعِ‬
‫ف التدب ِي ف دفعِ مكروهٍ ‪ ،‬ف مُداراةِ سلطانٍ ‪ ،‬ف النتقامِ منْ سالِب‬
‫مكروهٍ بلُطفٍ ‪ ،‬ف لُط ِ‬
‫مُلكٍ ‪ ،‬ف اللصِ منْ نِقْم ٍة ف الفتْكِ والحترازِ منُه ف إظهارِ أمرٍ لخفاءِ غيِه‪ .‬إل آخرِ تلك‬
‫البوابِ‪.‬‬
‫ووجدتُ أ ّن الميع كلّهمْ يبحثون عنِ السعادِة والطمئنانِ ‪ ،‬ولكنْ قليلٌ منهمْ م ِن اهتدى إل‬
‫ذلك و ُوفّق لنيْلِها‪ .‬وخرجتُ من الكتابِ بثلثِ فوائد ‪:‬‬
‫ت فوائدُه خسائِر وأفراحُه أتراحا ‪ ،‬وخياتُه‬
‫الول ‪ :‬أنّ منْ ل يع ِل ال نصب عينيه ‪ ،‬عاد ْ‬

‫نكباتٍ ﴿ سََنسَْتدْرِ ُجهُم ّمنْ حَيْثُ لَ َيعْ َلمُونَ‬

‫﴾‬

‫‪.‬‬

‫الثانيةِ ‪ :‬أنّ الطرق اللتوية الصّعْبة الت يسعى إليها كثيٌ من الناسِ ف غيِ الشريعةِ ‪ ،‬لنيلِ‬

‫السعادةِ ‪ ،‬يدونا – بطُرُقٍ أسهَلَ وأق َربَ – ف طريق الشرعِ الحمديّ ‪ ﴿ ،‬وََلوْ أَّنهُمْ َفعَلُواْ‬

‫مَا يُوعَظُونَ ِبهِ لَكَانَ خَيْرا ّل ُهمْ وَأَ َشدّ تَثْبِيتا ﴾ فينالون خَيْرَ الدنيا وخَيْرَ الخرةِ‪.‬‬

‫الثالثةِ ‪ :‬أنّ أُناسا ذهبتْ عليهمْ دنياهم وأخراهم ‪ ،‬وهمْ يظُنّون أنم يُحسنون صُنعا ‪ ،‬وينالون‬
‫سعادةً ‪ ،‬فما ظفرُوا بذه ول بتلك ‪ ،‬والسببُ إعراضُهم عن الطريقِ الصحي ِح الذي بعث الُ به‬

‫صدْقا‬
‫رُسُلَهُ ‪ ،‬وأنزل به كتبه ‪ ،‬وهي طلبُ القّ ‪ ،‬وقو ُل الصدْقِ ‪ََ ﴿ ،‬تمّتْ كَ ِلمَتُ رَبّكَ ِ‬
‫َو َعدْلً لّ‬

‫مَُبدّلِ لِكَ ِلمَاِتهِ ﴾‪.‬‬

‫كان أحدُ الوزراءِ ف لوهِ وطربِه ‪ ،‬فأصابه غ ّم كاِتمٌ ‪ ،‬وهمّ جاِثمٌ فصرخ ‪:‬‬
‫فهذا العيشُ ما ل خي فيهِ‬
‫أل موتٌ يُباعُ فأشترِيهِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪216‬‬

‫وددتُ لو أنن مّا يلِيهِ‬
‫إذا أبصرتُ قبا من بعيدٍ‬
‫تصدّق بالوفاةِ على أخيهِ‬
‫أل رحِم الهيمنُ نفْس ُحرّ‬
‫**************************************‬

‫وقفــــةٌ‬
‫« فليُكِْثرِ الدّعاء ف الرّخاءِ ‪ :‬أيْ ف حالِ الرّفاهيةِ والم ِن والعافيةِ ؛ لنّ ِمنْ سةِ الؤمنِ الشاكرِ‬
‫الازمِ ‪ ،‬أنْ يرِيش الشهم قبل الرمْي ‪ ،‬ويلتجئ إل الِ قبْل الضطرارِ ‪ ،‬بلفِ الكافرِ الشّقيّ‬
‫ضرّ َدعَا رَّبهُ مُنِيبا إِلَ ْيهِ ُثمّ ِإذَا خَوَّلهُ ِنعْ َمةً مّ ْنهُ َنسِيَ مَا‬
‫والؤمنِ الغبّ ﴿ وَِإذَا َمسّ اْلإِنسَانَ ُ‬

‫كَانَ َي ْدعُو إِلَ ْيهِ مِن قَبْلُ‬

‫جعَلَ ِل ّلهِ أَندَادا ﴾‪.‬‬
‫وَ َ‬

‫فتعيّن على منْ يريدُ النجاةَ مِنْ ورطاتِ الشّدائدِ والغُمومِ ‪ ،‬أنْ ل يفعل بقلبهِ ولسانِه ع ِن‬
‫التّوجّهِ إل حضرةِ القّ – تقدّسَ – بال ْمدِ والبتهالِ إليه والثّناء عليه ‪ ،‬إذ الراد بالدعاء ف‬
‫الرخاء – كما قاله المام الليمي – دعاء الثنا ِء والشّك ِر والعترافِ بالِنن ‪ ،‬وسؤا ِل التوفيقِ‬
‫والعونةِ والتّأييدِ‪ .‬والستغفارِ لعوارضِ التّقصيِ ‪ ،‬فإنّ العبد – وإنْ جهِد – ل يُوفّ ما عليهِ منْ‬
‫صحّتِهِ وفراغِه وأمْنِهِ ‪ ،‬فقدْ‬
‫ق ال بتمامِها ‪ ،‬ومنْ غفل عنْ ذلك ‪ ،‬ول يُلحظْه ف زَمَ ِن ِ‬
‫حقو ِ‬
‫صيَ َل ُه الدّينَ فَ َلمّا َنجّا ُهمْ‬
‫صدقَ عليه قولُه تعال ‪َ ﴿ :‬فِإذَا رَكِبُوا فِي اْلفُلْكِ َدعَوُا ال ّلهَ ُمخْلِ ِ‬

‫شرِكُونَ ﴾ »‪.‬‬
‫إِلَى الَْبرّ ِإذَا ُهمْ ُي ْ‬
‫**************************************‬

‫نعيمٌ وجحيمٌ‬
‫ت الصحفُ العاليةُ خبا عن انتحارِ رئيسِ وزراءِ فرنسا ف حُكمِ الرئيسِ ميتران ‪،‬‬
‫نشر ْ‬
‫والسببُ ف ذلك أنّ بعض الصحفِ الفرنسية شّنتْ عليهِ غارةً من النقْدِ والشْتمِ والتّجريحِ ‪،‬‬
‫فلمْ يدْ هذا السكيُ إيانا ول سكين ًة ول استقرارا يعودُ إليه ‪ ،‬ول يدْ منْ يركنُ إليه ‪ ،‬فبادر‬
‫فأزْهَ َق رُوحَه‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪217‬‬

‫إنّ هذا الرجل السكي الذي أقدم على النتحارِ ل يهتدِ بالدايةِ الرّبّانيّةِ التمثّل ِة ف قولِهِ‬
‫سبحانه ‪ ﴿ :‬وَلَ تَكُ فِي ضَ ْيقٍ ّممّا َيمْ ُكرُونَ‬

‫﴾‬

‫وقولِه سبحانه ‪:‬‬

‫جرْ ُهمْ َهجْرا‬
‫‪ ،‬وقوله ‪ ﴿ :‬وَاصِْب ْر عَلَى مَا َيقُولُونَ وَا ْه ُ‬

‫جمِيلً ﴾‬
‫َ‬

‫كمْ إِلّ َأذًى ﴾‬
‫ضرّو ُ‬
‫﴿ لَن َي ُ‬

‫‪ ،‬لنّ الرجل فَ َقدَ مفتاح‬

‫الدايةِ ‪ ،‬وطريق السّدادِ وسبيل الرّشادِ ‪ ﴿ :‬مَن ُيضْلِلِ ال ّلهُ َفلَ هَادِيَ َلهُ ﴾ ‪.‬‬
‫ف النهرِ ‪،‬‬
‫إنّ م ْن وصايا الخرين لكلّ مُثْق ٍل بالمّ والزنِ ‪ ،‬أنْ يأمروه باللوسِ على ضفا ِ‬
‫ويستمتع بالوسيقى ‪ ،‬ويلعب النّرْد ‪ ،‬ويتزلّج على الثْلجِ‪.‬‬
‫لك ْن وصايا أهل السلمِ ‪ ،‬وأهلَ العبوديّةِ القّةِ ‪ :‬جلسةٌ بي الذانِ والقامِة ف روضةٍ منْ‬
‫رياضِ النّةِ ‪ ،‬وهتافٌ بذِك ِر الواحد الحدِ ‪ ،‬وتسليمٌ بالقضاءِ والقدرِ ‪ ،‬ورضا با قسم الُ ‪،‬‬
‫وتؤكّلٌ على الِ جلّ وعل‪.‬‬
‫************************************‬

‫ك صَ ْدرَكَ ﴾‬
‫ش َرحْ لَ َ‬
‫﴿ َألَمْ نَ ْ‬
‫نَزَلَ هذا الكلمُ على رسو ِل الِ فتحقّقتْ فيه هذهِ الكلمةُ ‪ ،‬فكان سهل الاطرِ ‪ ،‬منشرح‬
‫الصدرِ ‪ ،‬متفائلً ‪ ،‬جيّاشَ الفؤادِ ‪ ،‬حيّ العاطفةِ ‪ ،‬ميسّرا ف أمورِهِ ‪ ،‬قريبا من القلوبِ ‪ ،‬بسيطا‬
‫ف عظمةٍ ‪ ،‬دانيا من الناسِ ف هيبةٍ ‪ ،‬متبسما ف وقارٍ ‪ ،‬متحببُا ف سوّ ‪ ،‬مألوفا للحاضر‬
‫للُقِ ‪ ،‬ط ْلقَ الُحيّا ‪ ،‬مشرق الطلْعةِ ‪ ،‬غزير الياءِ ‪ ،‬يهشّ للدّعابةِ ‪ ،‬ويَبَشّ‬
‫والبادي ‪ ،‬جمّ ا ُ‬
‫للقادِم ‪ ،‬مسرورا بعطا ِء الِ ‪ ،‬ج ِذلُ بالِباتِ الرّبانيّةِ ‪ ،‬ل يعتريه اليأسُ ‪ ،‬ول يعرفُ الحباط ‪،‬‬
‫ول يلدُ إل الّتخْذِيلِ ‪ ،‬ول يعترفُ بالقنوطِ ‪ ،‬ويُعجبُه الفألُ السنُ ‪ ،‬ويكر ُه التّعمّق‬
‫والتّشدّق ‪ ،‬والتّفْيهُق والتّكلّف والتّنطّع ؛ لن ُه صاحبُ رسالةٍ ‪ ،‬وحاملُ مبدأ ‪ ،‬وقدوةُ أُمّةٍ ‪،‬‬
‫جمَعُ فضائل ‪،‬‬
‫وأُسوةُ أجيالٍ ‪ ،‬ومعّلمُ شعوبٍ ‪ ،‬وربّ أسرةٍ ‪ ،‬ور ُجلُ متمعٍ ‪ ،‬وكنْز مُثُلٍ ‪ ،‬و َم ْ‬
‫ق نورٍ‪.‬‬
‫وبرُ عطايا ‪ ،‬ومش ِر ُ‬
‫صرَ ُهمْ وَا َل ْغلَلَ الّتِي كَانَتْ‬
‫إنه باختصارٍ ‪ :‬ميسرٌ لليُسرى ‪ ، ،‬وإنه بإيازٍ ﴿ وََيضَعُ عَنْ ُهمْ إِ ْ‬

‫عَلَ ْيهِمْ ﴾ أو بعبارةٍ أخرى ‪ ﴿ :‬رَ ْح َمةً لّ ْلعَاَل ِميَ‬
‫‪َ }45‬ودَاعِيا إِلَى ال ّلهِ بِِإذِْنهِ وَ ِسرَاجا مّنِيا ﴾‪.‬‬

‫﴾‬

‫وكفى !! ﴿ شَاهِدا َومَُبشّرا وََنذِيرا{‬

‫ل تحزن‬
‫‪218‬‬

‫إنّ ما يُعارضُ الرسالة اليسّرة السهلة ‪ :‬تن ّطعُ الوارجِ ‪ ،‬وتزندُقُ أهلِ النطقِ عبيدِ الدنيا ‪،‬‬
‫حقّ ِبِإذِْنهِ وَال ّلهُ‬
‫وانرافُ مرتزق ِة الفكار ﴿ َفهَدَى ال ّلهُ اّلذِينَ آمَنُواْ ِلمَا اخَْت َلفُواْ فِيهِ ِمنَ اْل َ‬

‫صرَاطٍ ّمسْتَقِيمٍ‬
‫َيهْدِي مَن َيشَاءُ إِلَى ِ‬
‫******************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫مفهومُ الياةِ ال ّطيّبةِ‬
‫يقولُ أحدُ أذكياءِ النكليزِ ‪ :‬بإمكانك وأنت ف السجنِ منْ وراءِ القضبانِ الديديةِ أنْ تنظُ َر‬
‫إل الُفُقِ ‪ ،‬وأنْ ُتخْرِج زهرةً منْ جيبِك فتشُمّها وتبتسم ‪ ،‬وأنت مكانك ‪ ،‬وبإمكانِك وأنت‬
‫ف القصْرِ على الديباج والريرِ ‪ ،‬أ ْن تتدّ وأنْ تغضب وأنْ تثور ساخطا منْ بيتِك وأسرتِك‬
‫وأموالِك‪.‬‬
‫إذنْ السعادةُ ليستْ ف الزمانِ ول ف الكانِ ‪ ،‬ولكنّها ف اليانِ ‪ ،‬وف طاعةِ الدَيّانِ ‪ ،‬وف‬
‫القلبِ‪ .‬والقلبُ ملّ نظرِ الرّبّ ‪ ،‬فإذا استق ّر اليقيُ فيه ‪ ،‬انبعثتِ السعادةُ ‪ ،‬فأضفتْ على‬
‫الروح وعلى النفسِ انشراحا وارتياحا ‪ّ ،‬ث فاضتْ على الخرين ‪ ،‬فصارتْ على الظّرابِ‬
‫وبطونِ الودية ومنابتِ الشجرِ‪.‬‬
‫أحدُ بنُ حنبل عاش سعيدا ‪ ،‬وكان ثوبُه أبيض مرقّعا ‪ ،‬ييطُه بيدِهِ ‪ ،‬وعندهُ ثلثُ غُرفٍ منْ‬
‫طيٍ يسكُنها ‪ ،‬ول يدُ إل كِسرَ الُبْزِ مع الزيتِ ‪ ،‬وبقي حذاؤه – كما قال الترجون عنهُ –‬
‫سبع عشرة سنةً يرقّعها وييطُها ‪ ،‬ويأكلُ اللحم ف شهرٍ مرّةً ويصومُ غالب اليامِ ‪ ،‬يذرعُ‬
‫ب الديثِ ‪ ،‬ومع ذلك وجد الراحة والدوء والسكينة والطمئنان ؛‬
‫الدنيا ذهابا وإيابا ف طَل ِ‬
‫ع الامةِ ‪ ،‬عارفٌ بصيِه ‪ ،‬طالبٌ لثوابٍ ‪ ،‬ساعٍ لجرٍ ‪ ،‬عاملٌ‬
‫لن ُه ثابتُ القدم ‪ ،‬مرفو ُ‬
‫لخرةٍ ‪ ،‬راغبٌ ف جنّةٍ‪.‬‬
‫وكان اللفا ُء ف عهدِه – الذين حكموا الدنيا – الأمونُ ‪ ،‬والواثقُ ‪ ،‬والعتصمُ ‪ ،‬والتوكلُ‬
‫عندهم القصورُ والدّورُ والذهبُ والفضةُ والبنودُ والنودُ ‪ ،‬والعلمُ والوسةُ والشاراتُ‬
‫ضوْا حياتَهم ف ه ّم وغمّ ‪،‬‬
‫والعقاراتُ ‪ ،‬ومعهمْ ما يشتهون ‪ ،‬ومع ذلك عاشُوا ف َكدَرٍ ‪ ،‬وَق َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪219‬‬

‫ب وضجيجٍ ‪ ،‬وبعضُهم كان يتأوّهُ ف سكراتِ الوتِ نادما‬
‫ب وثوراتٍ وشَ َغ ٍ‬
‫وف قلقل وحرو ٍ‬
‫على ما فرّط ‪ ،‬وعلى ما فعل ف جنبِ الِ‪.‬‬
‫ابنُ تيمية شيخُ السلمِ ‪ ،‬ل أهل ول دار ول أسرة ول مال ول منصب ‪ ،‬عندهُ غرف ٌة بانبِ‬
‫جامعِ بن أمية يسكنُها ‪ ،‬ولهُ رغيفٌ ف اليومِ ‪ ،‬وله ثوبانِ يغيّر هذا بذا ‪ ،‬وينامُ أحيانا ف‬
‫السجدِ ‪ ،‬ولك ْن كما َوصَف نفسه ‪ :‬جنّتُه ف صدرِه ‪ ،‬وقتْلُه شهادةٌ ‪ ،‬وسجْنه ِخلْوةٌ ‪،‬‬
‫وإخراجهُ منْ بلدِهِ سياحةٌ ؛ لن شجرة اليانِ ف قلِبهِ استقامتْ على سُوقِها ‪ ،‬تُؤت ُأكُلَها كلّ‬
‫سهُ نَارٌ نّو ٌر عَلَى نُورٍ َي ْهدِي‬
‫سْ‬
‫حيٍ بإذ ِن ربّها ُيدّها زيتُ العنايةِ الربانيةِ ‪ُ ﴿ ،‬يضِيءُ وَلَوْ َلمْ َتمْ َ‬

‫ال ّلهُ لِنُو ِرهِ‬

‫مَن َيشَاءُ ﴾‬

‫ُهدًى وَآتَا ُهمْ َتقْوا ُهمْ‬

‫‪َ ﴿ ،‬كفّ َر عَ ْنهُمْ سَيّئَاِتهِمْ‬

‫﴾‬

‫وَأَصْ َلحَ بَاَلهُمْ ﴾‬

‫‪ ﴿،‬وَاّلذِينَ اهَْتدَوْا زَادَ ُهمْ‬

‫ضرَةَ الّنعِيمِ ﴾ ‪.‬‬
‫‪َ ﴿،‬ت ْعرِفُ فِي وُجُو ِه ِهمْ َن ْ‬

‫خرج أبو ذرّ رضي الُ عنه وأرضاهُ إل الرّبذةِ ‪ ،‬فنصب خيمتهُ هناكَ ‪ ،‬وأتى بامرأتِه وبناتِهِ ‪،‬‬
‫فكان يصومُ كثيا من اليامِ ‪ ،‬يذكُرُ مولهُ ‪ ،‬ويسبّحُ خالقهُ ‪ ،‬ويتعبّدُ ويقرأُ ويتلو ويتأمّلُ ‪ ،‬ل‬
‫يلكُ من الدنيا إل شْلةً أو خيمةً ‪ ،‬وقطعةً من الغنمِ مع صحْفةٍ وقصْعةٍ وعصا ‪ ،‬زارَهُ أصحابُه‬
‫ذات يوم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أين الدنيا؟ قال ‪ :‬ف بيت ما أحتاجُه من الدنيا ‪ ،‬وقدْ أخبنا أنّ أمامنا‬
‫عقبةً كؤودا ل ييزُها إل ا ُلخِفّ‪.‬‬
‫كان منشرحَ الصدرِ ‪ ،‬ومنثلج الاطرِ ‪ ،‬فعندهُ ما يتاجُه من الدنيا ‪ ،‬أمّا ما زاد على حاجتِه ‪،‬‬
‫فأشغالٌ وتبِعاتٌ وهو ٌم وغمومٌ‪.‬‬
‫قلتُ ف قصيدةٍ بعنوان ‪ :‬أبو ذ ّر ف القرن الامسِ َعشَرَ ‪ ،‬متحدّثا عنْ غُربةِ أب ذرّ وعن‬
‫سعادتِه ‪ ،‬وعن وحدتِه وعزلتِه ‪ ،‬وعن هجرتِه بروحِه ومبادئِه ‪ ،‬وكأنه يتحدثُ عن نفسِه ‪:‬‬
‫بالنايا لطفتُ حت أحسّا‬
‫لطفُون هدّدْتُهم هدّدُون‬
‫أنزلُون ركِبتُ ف القّ نفْسا‬
‫ت أركبُ عزْمي‬
‫أركبُون نزل ُ‬
‫والنايا أجتاحُها وهْي ن ْعسَى‬
‫أطرُدُ الوت مُ ْقدِما فيُولّي‬
‫يا أبا ذرّ ل تفْ وتأسّا‬
‫قد بكتْ غربت الرما ُل وقالتْ‬
‫مِنْ يقين ما ِمتّ حت أُدسّا‬
‫قلتُ ل خوف ل أزلْ ف شبابٍ‬

‫ل تحزن‬
‫‪220‬‬

‫وتلقّْنتُ منْ أمالِيهِ درْسا‬
‫أنا عاهدتُ صاحِبِي وخليلي‬
‫************************************************‬
‫***‬

‫إذنْ فما هي السعادةُ ؟!‬
‫(( كنْ ف الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل )) ‪ (( ،‬فطوب للغرباءِ ))‪.‬‬
‫ليسِ السعادةُ قصر عبدِاللك بنِ مروان ‪ ،‬ول جيوش هارونِ الرشيدِ ول دُور ابنِ الصّاصِ ‪،‬‬
‫ول كنوز قارون ‪ ،‬ول ف كتابِ الشفاءِ لبنِ سينا ‪ ،‬ول ف ديوانِ التنب ‪ ،‬ول ف حدائقِ‬
‫قرطبة ‪ ،‬أو بساتيِ الزهراءِ‪.‬‬
‫السعادةُ عند الصحابِة مع قلّةِ ذاتِ اليدِ ‪ ،‬وشظفِ العيشةِ ‪ ،‬وزهادهِ الواردِ ‪ ،‬وشُ ّح النّفقةِ‪.‬‬
‫السعادةُ عند ابنِ السيبِ ف تأّلهِه ‪ ،‬وعند البخاري ف صحيحِهِ ‪ ،‬وعند الس ِن البصريّ ف‬
‫صِ ْدقِهِ ‪ ،‬ومع الشافعيّ ف استنباطاتِه ‪ ،‬ومالكٍ ف مُراقبتِه ‪ ،‬وأحد ف ورعِهِ ‪ ،‬وثابتٍ البنانّ ف‬
‫صةٌ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ وَلَ َيطَؤُونَ‬
‫خمَ َ‬
‫عبادتهِ ﴿ ذَلِكَ ِبأَّنهُمْ لَ ُيصِيُبهُمْ َظمَأٌ وَلَ َنصَبٌ وَلَ َم ْ‬

‫مَوْطِئا َيغِيظُ الْ ُكفّارَ وَلَ يَنَالُونَ ِمنْ َعدُوّ نّ ْيلً إِلّ كُتِبَ َلهُم ِبهِ عَمَلٌ صَاِلحٌ ﴾ ‪.‬‬
‫شمّ ‪ ،‬ول ُبرّا يُكالُ ‪ ،‬ول بزّا‬
‫ليستِ السعادةُ شيكا يُصرفُ ‪ ،‬ول دابةً تُشترَى ‪ ،‬ول وردةً ُت َ‬
‫يُنشرُ‪.‬‬
‫السعادةُ سلوةُ خاطرٍ ب ّق يمِلُه ‪ ،‬وانشراحُ صدرٍ لبدأ يعيشُه‪ ،‬وراح ُة قلبٍ ليٍ يكْتنِفُه‪.‬‬
‫جعِ السهّلتِ والرغّباتِ‬
‫كنّا نظُنّ أننا إذا أكثْرنا من التوسّ ِع ف ال ّدوِر ‪ ،‬وكثْرةِ الشياءِ ‪ ،‬و ْ‬
‫والشتهياتِ ‪ ،‬أننا نسعدُ ونفرحُ ونرحُ ونُسرّ ‪ ،‬فإذا هي سببُ المّ وال َكدَرِ والتنغيصِ ؛ لنّ‬

‫كلّ شيءٍ بمّه وغمّه وضريب ِة كدّهِ وكدْ ِحهِ ﴿ وَلَا َتمُدّ ّن عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَّتعْنَا ِبهِ َأزْوَاجا مّ ْن ُهمْ‬
‫زَ ْهرَةَ اْلحَيَا ِة الدّنيَا لَِنفْتَِن ُهمْ‬

‫فِيهِ ﴾‪.‬‬

‫إنّ أكب مُصلِحٍ ف العالِ رسو ُل الدى ممدٌ ‪ ،‬عاش فقيا ‪ ،‬يتلوّى من الوعِ ‪ ،‬ل يدُ‬
‫دقْ َل التم ِر يسدّ جوعه ‪ ،‬ومع ذلك عاش ف نعيمٍ ل يعلمُه إل الُ ‪ ،‬وف انشراحٍ وارتياحٍ ‪،‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪221‬‬

‫ضعْنَا عَنكَ وِ ْزرَكَ{‪ }2‬اّلذِي أَنقَضَ َظ ْهرَكَ ﴾ ‪،‬‬
‫وانبساطٍ واغتباطٍ ‪ ،‬وف هدوءٍ وسكينةٍ ﴿ وَوَ َ‬
‫جعَلُ‬
‫﴿ وَكَانَ َفضْلُ ال ّل ِه عَلَيْكَ عَظِيما ﴾ ‪ ﴿ ،‬ال ّلهُ َأعْ َلمُ حَيْثُ َي ْ‬

‫رِسَالََتهُ ﴾‪.‬‬

‫سنُ الُ ُلقِ ‪ ،‬والث ما حاك ف صدرِك وكرهْت أن يطلع‬
‫ف الديثِ الصحيحِ ‪ (( :‬الِبرّ ُح ْ‬
‫عليه الناسُ ))‪.‬‬

‫إ ّن البّ راح ٌة للضميِ ‪ ،‬وسكونٌ للنفسِ ‪ ،‬حت قال بعضُهم ‪:‬‬
‫والثُ أقبحُ ما أوعيت منْ زادِ‬
‫البّ أبقى وإنْ طال الزّمانُ به‬
‫وف الديث ‪ (( :‬البّ طُمأنينةٌ ‪ ،‬والث ريبةٌ ))‪ .‬إنّ الحسن صراحةً يبقى ف هدوءٍ وسكينةٍ ‪،‬‬
‫حسَبُونَ كُلّ‬
‫ت والسّكناتِ ﴿َي ْ‬
‫وإنّ الريب يتوجّسُ من الحداثِ والطراتِ ومن الركا ِ‬

‫حةٍ عَلَ ْي ِهمْ ﴾‪ .‬والسببُ أنه أساء فحسْبُ ‪ ،‬فإنّ السيء لبدّ أنْ يقلق وأنْ يرتبِك وأنْ‬
‫صَ ْي َ‬

‫يضطرب ‪ ،‬وأنْ يتوجّس خِيفةً‪.‬‬
‫وصدّق ما يعتا ُدهُ مِنْ َتوَ ّهمِ‬
‫إذا سا ِء فِعْلُ الرءِ ساءتْ ظنونُهُ‬
‫واللّ لنْ أراد السعادة ‪ ،‬أنْ ُيحْسن دائما ‪ ،‬وأنْ يتجنّب الساءة ‪ ،‬ليكون ف أمنٍ ﴿اّلذِينَ‬
‫آمَنُواْ وََلمْ يَلِْبسُواْ ِإيَاَنهُم بِظُ ْلمٍ أُوْلَـئِكَ َل ُهمُ ا َلمْنُ وَهُم‬

‫ّمهَْتدُونَ ﴾‪.‬‬

‫أقبل راكبٌ يثّ السي ‪ ،‬يثورُ الغبارُ منْ على رأسِهِ ‪ ،‬يريدُ سعد بن أب وقّاصٍ ‪ ،‬وقدْ ضرب‬
‫سعدٌ خيمت ُه ف كِبدِ الصحراءِ ‪ ،‬بعيدا ع ِن الضجيجِ ‪ ،‬بعيدا عنِ اهتماماتِ الدّهْماءِ ‪ ،‬منفردا‬
‫بنفسِهِ وأهِلهِ ف خيمتِهِ ‪ ،‬معهُ قطيعٌ من الغنمِ ‪ ،‬فاقترب الراكبُ فإذا هو ابنُه ُعمَرُ ‪ ،‬فقال ابنُه له‬
‫‪ :‬يا أبتاهُ ‪ ،‬الناسُ يتنازعون اللك وأنت ترعى غنمك‪ .‬قال ‪ :‬أعوذُ بالِ منْ شرّك ‪ ،‬إن أول‬
‫باللفةِ منّي بذا الرداءِ الذي عليّ ‪ ،‬ولكن سعتُ الرسول‬

‫يقولُ ‪ (( :‬إنّ ال يبّ العبد‬

‫الغنّ التّقيّ الفيّ ))‪.‬‬
‫إن سلمة السل ِم بدينِه أعْظمُ منْ مُلكِ كسرى وقيصر ؛ لنّ الدين هو الذي يبقى معك حت‬

‫حنُ َنرِثُ الَْأ ْرضَ َو َمنْ‬
‫ب فإنّهُ زائلٌ ل مالة ﴿ إِنّا َن ْ‬
‫ت النعيمِ ‪ ،‬وأما اللكُ والنص ُ‬
‫تستقرّ ف جنا ِ‬
‫وَإِلَيْنَا ُيرْجَعُونَ ﴾‪.‬‬

‫عَلَ ْيهَا‬
‫*******************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪222‬‬

‫إليهِ يصعدُ الكلِمُ ال ّطيّبُ‬
‫كان للصحاب ِة كنوزٌ من الكلماتِ الباركاتِ الطّيّباتِ ‪ ،‬الت عّمهم إياها صفوةُ ال ْلقِ‬
‫وكلّ كلمةٍ عند أحدِهم خيٌ من الدنيا وما فيها ‪ ،‬ومِنْ عظمتِهمْ معرفتُهم بقيمةِ الشياءِ‬
‫ومقاديرِ المورِ‪.‬‬
‫أبو بكرٍ يسألُ الرسول‬

‫‪.‬‬

‫أنْ يُعلّمه دعاءً ‪ ،‬فقال له ‪ (( :‬قلْ ‪ :‬ربّ إن ظلمتُ نفسي ظُلما‬

‫كثيا ‪ ،‬ول يغفرُ الذنوب غل أنت ‪ ،‬فاغفرْ ل مغفر ًة منْ عندِك وارحن ‪ ،‬إنك أنت الغفورُ‬
‫الرحيمُ ))‪.‬‬
‫ويقولُ‬

‫للعباسِ ‪ (( :‬اسألِ ال العفو والعافية ))‪.‬‬

‫ويقولُ لعليّ ‪ (( :‬قلْ ‪ :‬اللّهمّ اهدنِي وس ّددْن ))‪.‬‬

‫ويقولُ لعبيدِ بنِ حصيٍ ‪ (( :‬قلْ ‪ :‬الله ّم ألمْنِي رُشدي ‪ ،‬وقِنِي شرّ نفسْي ))‪.‬‬
‫ويقولُ لشدّادِ بن أوسٍ ‪ (( :‬قلْ ‪ :‬اللهمّ إن أسالُك الثبات ف المر ‪ ،‬والعزية على الرشدِ ‪،‬‬
‫سنَ عبادتِك ‪ ،‬وأسألُك قلبا سليما ‪ ،‬ولسانا صادقا ‪ ،‬وأسألُك ِمنْ‬
‫وشُكرَ نعمتِك ‪ ،‬و ُح ْ‬
‫خَ ْيرِ ما تعْلمُ ‪ ،‬وأعوذُ بك منْ شرّ ما تعلمُ ‪ ،‬وأستغفرُك لا تعلمُ ‪ ،‬إنك أنت علّمُ‬
‫الغيوبِ ))‪.‬‬

‫ويقولُ لعاذٍ ‪ (( :‬قلْ ‪ :‬الله ّم أعن على ذكرِك وشُ ْكرِك و ُحسْنِ عبادتِك ))‪.‬‬
‫ويقولُ لعائشة ‪ (( :‬قول ‪ :‬اللهم إنك عفُوّ تبّ ال َعفْوَ ‪ ،‬فاعْفُ عنّي ))‪.‬‬

‫إنّ الامعَ لذهِ الدعيةِ ‪ :‬سؤا ُل رضوا ِن الِ عزّ وجلّ ورحتِهِ ف الخرةِ ‪ ،‬والنّجاةِ منْ غضبِه ‪،‬‬
‫وأليمِ عقابِه ‪ ،‬والعونِ على عبادتِه سبحانه وتعال وشكرِه‪.‬‬
‫وإنَ الرّابط بينها ‪َ :‬طَلبُ ما عند الِ ‪ ،‬والعراضُ عمّ ف الدنيا‪ .‬إنهُ ليس فيها طلبُ أموالِ‬
‫الدنيا الفانيةِ ‪ ،‬وأعراضِها الزائلِة ‪ ،‬أو زخرِفها الرخيصِ‪.‬‬
‫**************************************‬

‫﴿ َوكَ َذلِكَ أَخْ ُذ َربّكَ ِإذَا أَخَ َذ الْ ُقرَى‬

‫ل تحزن‬
‫‪223‬‬

‫وَهِيَ ظَالِمَةٌ ِإ ّن أَخْ َذهُ َألِيمٌ شَدِي ٌد ﴾‬
‫ضمُهُ حقوقهم ‪،‬‬
‫إنّ منْ تعِاس ِة العبدِ ‪ ،‬وعثْر ِة قدمِهِ وسقوطِ مكانتِهِ ‪ :‬ظُلمُهُ لعبا ِد الِ ‪ ،‬وه ْ‬
‫وسحْقُه ضعيفهم ‪ ،‬حت قال أحدُ الكماءِ ‪ :‬خفْ مّن ل يدْ له عليك ناصرا إل ال‪.‬‬
‫ولقدْ حفظ لنا تاريخُ الممِ أمثلةً ف الذهانِ عنْ عواقبِ الظّلمةِ‪.‬‬
‫فهذا عامرُ بنُ الطفيل يكيد للرسول ‪ ،‬وياولُ اغتيالهُ ‪ ،‬فيدعو عليه ‪ ،‬فيبتليه الُ بغدّةٍ‬
‫ف نْرِه ‪ ،‬فيموتُ لساعتِه ‪ ،‬وهو يصرخُ من اللِ‪.‬‬
‫وأربدُ بنُ قيسٍ يؤذي رسول الِ ‪ ،‬ويسعى ف تدبيِر قتْلِهِ ‪ ،‬فيدعو عليه ‪ ،‬فيُن ُل الُ عليه‬
‫صاعقةً ترقُه هو وبعيُه‪.‬‬
‫ت قصيٍ ‪ ،‬دعا عليه سعيدٌ وقال ‪ :‬اللّهمّ ل تسلّطْهُ‬
‫وقبل أنْ يقتُل الجاجُ سعيد بن جبيٍ بوق ٍ‬
‫على أح ٍد بعدي‪ .‬فأصاب الجاجَ خُرّاجٌ ف يدهِ ‪ ،‬ثّ انتشر ف جسمِهِ ‪ ،‬فأخذ يوُر كما يورُ‬
‫الثورُ ‪ ،‬ث مات ف حالةٍ مؤسفةٍ‪.‬‬
‫واختفى سفيانُ الثوريّ َخوْفا منْ أب جعفرِ النصورِ ‪ ،‬وخرج أبو جعفر يريدُ الرمَ الكّيّ‬
‫وسفيانُ داخل الرمِ ‪ ،‬فقام سفيانُ وأخذ بأستارِ الكعبةِ ‪ ،‬ودعا ال عزّ وجلّ أن ل ُيدِخِلَ أبت‬
‫جعفر بيته ‪ ،‬فمات أبو جعفر عند بئ ِر ميمونٍ قبل دخولِه مكّةَ‪.‬‬
‫وأحدُ بن أب دؤادٍ القاضي العتزلّ يُشاركُ ف إيذاءِ المامِ أحدِ بن حنبل فيدعو عليهم فيُصيبُه‬
‫الُ برض الفالِ فكان يقول ‪ :‬أمّا نصفُ جسمي ‪ ،‬فلوْ وقع عليه الذبابُ لظننتُ أ ّن القيامة‬
‫قامتْ ‪ ،‬وأمّا النصفُ الخرُ ‪ ،‬فلو قُرِض بالقاريض ما أحسستُ‪.‬‬
‫ط الُ عليه منْ أخ َذهُ ‪ ،‬وجعَلَهُ ف‬
‫ويدعو أحدُ بنُ حنبل أيضا على ابن الزّيّاتِ الوزيرِ ‪ ،‬فيسّل ُ‬
‫فرنٍ من نارٍ ‪ ،‬وضرب السامي ف رأسِه‪.‬‬
‫ن كان يعذّبُ السلمي ف سجنِ جالِ عبدِالناصر ‪ ،‬ويقولُ ف كلمةٍ له مؤذية ‪:‬‬
‫وحز ُة البسيو ّ‬
‫« أين إلُهكمْ لضعَهُ ف الديدِ » ؟ تعال الُ عمّا يقولُ الظالون علوّا كبيا‪ .‬فاصطدمتْ‬
‫سيارتُه – وهو خارجٌ من القاهرةِ إل السكندريةِ – بشاحنةٍ تملُ حديدا ‪ ،‬فدخل الديدُ ف‬

‫ل تحزن‬
‫‪224‬‬

‫جسمه منْ أعلى رأسِهِ إل أحشائِه ‪ ،‬و َعجَزَ النقذون أنْ يُخرجوُه إل قطعا ﴿وَاسْتَكَْبرَ هُوَ‬

‫حقّ وَظَنّوا أَّن ُهمْ إِلَيْنَا لَا ُيرْ َجعُونَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَقَالُوا َمنْ أَ َشدّ مِنّا قُوّةً‬
‫وَجُنُودُهُ فِي اْلأَ ْرضِ ِبغَ ْيرِ اْل َ‬
‫أَوََلمْ َيرَوْا أَنّ ال ّلهَ اّلذِي خَ َل َق ُهمْ هُوَ أَ َشدّ مِ ْنهُمْ‬

‫قُوّةً ﴾‪.‬‬

‫وكذلك صلحُ نصرٍ منْ قادةِ عبدِالناصرِ ‪ ،‬ومّنْ أكث َر ف الرضِ الظلّم والفساد ‪ ،‬أصيب‬
‫بأكثر منْ عشرةِ أمراضٍ مؤلةٍ مُزمِنةٍ ‪ ،‬عاش عدّة سنواتٍ منْ عم ِرهِ ف تعاسةٍ ‪ ،‬ول يدْ لهُ‬
‫ت زعمائِه الذين كان يدمُهمْ‪.‬‬
‫الطبّ علجا ‪ ،‬حت مات سجينا مزجوجا بهِ ف زنزانا ِ‬

‫ط َعذَابٍ‬
‫ب عَلَ ْي ِهمْ رَبّكَ َسوْ َ‬
‫﴿ اّلذِينَ َطغَوْا فِي الْبِلَادِ{‪َ }11‬فأَكَْثرُوا فِيهَا اْل َفسَادَ{‪َ }12‬فصَ ّ‬
‫﴾‬

‫‪ (( ،‬إنّ ال لُيمْلي للظالِ ‪ ،‬حت إذا أخذهُ ل ُيفْلِتْه )) ‪ (( ،‬واّتقِ دعوة الظلومِ ‪ ،‬فإنه ليس‬

‫بينها وبي الِ حجابٌ ))‪.‬‬

‫قال إبراهي ُم التيميّ ‪ :‬إنّ الرجل ليظلمُن فأر َحمُهُ‪.‬‬
‫وسُرقتْ دنانيُ لرجلٍ صال منْ خراسان ‪ ،‬فجعل يبكي ‪ ،‬فقال له الفضيلُ ‪ :‬لِم تبكي ؟ قال ‪:‬‬
‫ذكرتُ أ ّن ال سوف يمعُن بذا السارقِ يوم القيامةِ ‪ ،‬فبكيتُ رحةً له‪.‬‬
‫واغتاب رجُلٌ أحد علماءِ السلفِ ‪ ،‬فأهدى للرجُلِ ترا وقال ‪ :‬لن ُه صنع ل معروفا‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫قلتُ ‪ :‬بالبابِ أنا‬
‫على هيئ ِة الممِ التحدةِ بنيويورك لوحةٌ ‪ ،‬مكتوبٌ عليها قطعةٌ جيلةٌ للشاعرِ العال ّي السعدي‬
‫الشيازي ‪ ،‬وقدْ ترجتْ إل النليزيةِ وهي تدعو إل الخا ِء والُلف ِة والتادِ ‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫قال ل الحبوبُ لّا زرتُهُ‬
‫قال ل أخطأت تعريف الوى‬
‫ومضى عا ٌم فلمّا جئُتهُ‬
‫قال ل منْ أنتَ قلتُ أْنظُ ْر فما‬
‫قال ل أحسنت تعريف الوى‬

‫م ْن بباب قلتُ بالبابِ أنا‬
‫حينما فرّقت فيه بيْنَنَا‬
‫ق الباب عليه مُوهِنا‬
‫أط ُر ُ‬
‫ث ّ إلّ أنتَ بالبابِ هُنا‬
‫لبّ فادخُلْ يا أنا‬
‫وعَ َرفْتَ ا ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪225‬‬

‫خ مفيدٍ يأنسُ إليه ‪ ،‬ويرتاحُ إليه ‪ ،‬ويُشاركُه أفراحهُ وأتراحهُ ‪ ،‬ويبادلُه ودّا‬
‫لبُدّ للعبد منْ أ ٍ‬
‫بودّ‪ ﴿ .‬وَا ْجعَل لّي وَزِيرا ّمنْ أَ ْهلِي{‪ }29‬هَارُونَ أَخِي{‪ }30‬ا ْشدُدْ ِبهِ أَ ْزرِي{‪}31‬‬
‫وَأَ ْشرِ ْكهُ فِي َأ ْمرِي{‪ }32‬كَيْ ُنسَبّحَكَ كَثِيا{‪ }33‬وََنذْ ُكرَكَ‬
‫ولبدّ منْ شكوى إل ذي قرابةٍ‬
‫﴿‬

‫َب ْعضُ ُهمْ أَوْلِيَاء َبعْضٍ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬كأَّنهُم بُنيَانٌ‬

‫كَثِيا ﴾‪.‬‬

‫يُواسيك أو يُسلِيك أو يَتَو ّجعُ‬
‫ّمرْصُوصٌ ﴾‬

‫‪ ﴿ ،‬وَأَلّفَ بَ ْينَ‬

‫قُلُوِب ِهمْ ﴾‬

‫‪ ﴿ ،‬إِّنمَا‬

‫اْلمُ ْؤمِنُونَ إِخْوَةٌ‬
‫******************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫لبدّ منْ صاحبٍ‬
‫إنّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ تد منْ تنفعُك صُحبتُه ‪ ،‬وتُسعدُك رفقتُه‪ (( .‬أين التحابّون ف‬
‫جلل ‪ ،‬اليوم أُظِلّهمْ ف ظِلّي يوم ل ظِلّ إل ظلّي ))‪.‬‬

‫(( ورجلنِ تابّا ف الِ ‪ ،‬اجتمعا عليهِ وتفرّقا عليِه ))‪.‬‬
‫*******************************************‬

‫ال ْمنُ مطلبٌ شرع ّي وعقليّ‬
‫﴿ أُوْلَـئِكَ َل ُهمُ ا َل ْمنُ وَهُم ّمهْتَدُونَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬اّلذِي أَ ْط َع َمهُم مّن جُوعٍ وَآمََنهُم ّمنْ َخوْفٍ﴾ ‪،‬‬
‫﴿أَوََلمْ ُنمَكّن ّل ُهمْ َحرَما آمِنا﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَن دَخَ َلهُ كَانَ آمِنا ﴾ ‪ُ ﴿ ،‬ثمّ أَبْ ِل ْغهُ مَ ْأمََنهُ‬

‫﴾‪.‬‬

‫(( منْ بات آمِنا ف ِسرِْبهِ ‪ ،‬مُعافً ف بدِنهِ ‪ ،‬عنده قُوتُ يو ِمهِ ‪ ،‬فكأنّما حِيزتْ له الدنيا‬

‫بذافيِها ))‪.‬‬

‫فأمنُ القلبِ ‪ :‬إيانُه ورسوخُه ف معرفةِ القّ ‪ ،‬وامتلؤُه باليقيِ‪.‬‬

‫وأ ْمنُ البيتِ ‪ :‬سلمتُه من النرافِ ‪ ،‬وبُ ْعدُه عنِ الرذيلةِ ‪ ،‬وامتلؤُهُ بالسكينةِ ‪ ،‬واهتداؤه‬
‫بالبهانِ الرّبّانّ‪.‬‬
‫وأ ْمنُ المةِ ‪ :‬جْعُها بالبّ ‪ ،‬وإقامةُ أمرِها بالعَدْلِ ‪ ،‬ورعايتُها بالشريعةِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪226‬‬

‫خرَجَ مِ ْنهَا‬
‫والوف عدوّ المنِ ﴿ َف َ‬

‫مّ ْؤمِِنيَ ﴾‪.‬‬

‫خَائِفا يََترَقّبُ ﴾‬

‫‪َ ﴿ ،‬فلَ َتخَافُو ُهمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم‬

‫حدٍ ‪ ،‬ول عيش لريضٍ‪.‬‬
‫ول راحة لائفٍ ول أمْن لل ِ‬
‫إنّما العُم ُر صحّةٌ وكفافٌ‬

‫فإذا وليا عن العُمرِ ولّى‬

‫ب فسدتْ منْ جانبٍ آخر ‪ ،‬إنْ أقبل الالُ مَ ِرضَ‬
‫حتْ منْ جان ٍ‬
‫س الدّنيا ‪ ،‬إنْ ص ّ‬
‫لِ ما أتْع َ‬
‫ت الصائبُ ‪ ،‬وإنْ صلُح الالُ واستقام المرُ حلّ الوتُ‪.‬‬
‫السمُ ‪ ،‬وإنْ ص ّح السمُ حّل ِ‬
‫خرج الشاعرُ العشى منْ ( ندٍ ) إل الرسولِ يتدحُه بقصيد ٍة ويسلمُ ‪ ،‬فعرض له أبو‬
‫سفيان فأعطاهُ مائة ناقةٍ ‪ ،‬على أنْ يترك س َفرَهُ ويعود إل ديارِهِ ‪ ،‬فأخذ البل وعاد ‪ ،‬وركب‬
‫أحدها فهو جلتْ به ‪ ،‬فسقط على رأ ِس ِه ‪ ،‬فاندقّتْ عنقُهُ ‪ ،‬وفارق الياة ‪ ،‬بل دي ٍن ول دنيا‪.‬‬
‫لسْنِ يقولُ فيها‪:‬‬
‫أ ّم قصيدتُه الت هيّأها ليقولا بي يديْ رسول الِ ‪ ،‬فهي بديعةُ ا ُ‬
‫فللّهِ هذا الدّهرُ كيف تردّدا‬
‫ب وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌ‬
‫شبا ٌ‬
‫ولقيت بعد الوتِ منْ قدْ تزوّدا‬
‫إذا أنت لْ ترْحلْ بزادٍ من التّقى‬
‫صدْ لا كان أرْصدَا‬
‫وأنّك لْ تُ ْر ِ‬
‫ندمْت على أنْ ل تكون كمثْلِهِ‬
‫***************************************‬

‫أمادٌ زائلةٌ‬
‫إنّ منْ لوازمِ السعادةِ القّةِ أنْ تكون دائمةً تامّةً ‪ ،‬فدوامُها أنْ تكون ف الدنيا والخرةِ ‪ ،‬ف‬
‫الغيبِ والشهادةِ ‪ ،‬اليوم وغدا‪.‬‬
‫وتامُها أنْ ل يُنغّصها ن َكدٌ ‪ ،‬وأ ْن ل يْدشَ وجهُ ماسِنها بسخطٍ‪.‬‬
‫لمْرَ فأراد عديّ بنُ‬
‫جلس النعمانُ ب ُن النذرِ – ملكُ العراقِ – تت شجرةٍ متنّها يشربُ ا َ‬
‫زيد – وكان حكيما – أنْ يعظه بلفظٍ فقال له ‪ :‬أيّها اللكُ ‪ ،‬أتدري ماذا تقولُ هذهِ‬
‫الشّجرةُ ؟ قال اللكُ ‪ :‬ماذا تقول ‪ :‬قال عديّ ‪ :‬تقولُ ‪:‬‬
‫يْزُجُون المر بالاءِ الزّللْ‬
‫ب ركبِ قدْ أناخُوا حولنا‬
‫رُ ّ‬

‫ل تحزن‬
‫‪227‬‬

‫وكذاك الدّهرُ حالً بعد حالْ‬
‫ّث صاروا لَعِب الدّهْرُ بمْ‬
‫فتنغصُ النعمانُ ‪ ،‬وترك المر ‪ ،‬وبقي متكدّرا حت مات‪.‬‬
‫وهذا شاهُ إيران الذي احتفل برورِ ألفيِ وخسمائةِ سنةٍ على قيام الدول ِة الفارسيّةِ ‪ ،‬وكان‬
‫يُخ ّططُ لتوسيعِ نفوذِه ‪ ،‬وبسْطِ ملكهِ على بقعةٍ أكب منْ بلدِهِ ‪ ،‬ث يُسلب سلطانُه بي عشيّةٍ‬
‫نعُ اْلمُلْكَ‬
‫وضحاها ﴿ تُؤْتِي اْلمُ ْلكَ مَن َتشَاء وَتَ ِ‬

‫ِممّن َتشَاء ﴾‪.‬‬

‫ويطرُدُ م ْن قصورِهِ ودُورِهِ ودنياه طردا ‪ ،‬ويوتُ مشرّدا بعيدا مرُوما مفلسا ‪ ،‬ل يبكي عليه‬
‫أحدٌ ‪َ ﴿ :‬كمْ َترَكُوا مِن جَنّاتٍ َوعُيُونٍ{‪ }25‬وَ ُزرُوعٍ َو َمقَامٍ َكرِيٍ{‪ }26‬وََن ْع َمةٍ كَانُوا فِيهَا‬

‫ك ِهيَ ﴾‪.‬‬
‫فَا ِ‬

‫وكذلك شاوشيسكو رئيسُ رومانيا ‪ ،‬الذي حكم اثنتي وعشرين سنة ‪ ،‬وكان حَرَسُه الاصّ‬
‫سبعي ألفا ‪ ،‬ثّ ييطُ شعبُه بقصرِهِ ‪ ،‬فيمزّقونهُ وجنودهُ إربا إربا‬

‫﴿‬

‫َفمَا كَانَ َلهُ مِن فَِئةٍ‬

‫صرِينَ ﴾‪ .‬لقدْ ذهب ‪ ،‬فل دنيا ول آخرة‪.‬‬
‫يَنصُرُوَنهُ مِن دُونِ ال ّلهِ َومَا كَانَ مِنَ الُنَت ِ‬

‫ي ماركوس ‪ :‬جع الرئاسة والال ‪ ،‬ولكنّه أذاق أمّته أصناف الذّلّ ‪ ،‬وأسقاها‬
‫وذاك رئيسُ الفلب ِ‬
‫كأس الوانِ ‪ ،‬فأذاقه الُ غُصص التعاس ِة والشقاءِ ‪ ،‬فإذا هو مشرّدٌ منْ بلدِهِ ومنْ أهلِه‬
‫وسلطانِه ‪ ،‬ل يلكُ مأوى يأوي إليه ‪ ،‬ويوتُ شقيّا ‪ ،‬يرفضُ شعبُهُ أن يُدفَنَ ف بلدِهِ ‪ ﴿ :‬أََلمْ‬

‫خذْنَا ِبذَنبِهِ﴾‪.‬‬
‫وَاْلأُولَى﴾ ‪ ﴿ ،‬فَكُلّا أَ َ‬

‫جعَلْ كَ ْيدَ ُهمْ فِي َتضْلِيلٍ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَأَ َخذَهُ ال ّلهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ‬
‫َي ْ‬
‫*********************************************‬

‫اكتسابُ الفضائل أكاليلٌ على هامِ الياةِ السعيدةِ‬
‫مطلوبٌ من العبدِ لكيْ يكسب السعادة والمن والراحة ‪ ،‬أن يُبادر إل الفضائل ‪ ،‬وأنْ يُسارع‬

‫إل الصفاتِ الميد ِة والفعالِ الميلةِ (( احرصْ على ما ينفعُك واستعِنْ بالِ ))‪.‬‬
‫أح ُد الصحابةِ يسألُ الرسول‬

‫مرافقَتَهُ ف النةِ فيقول ‪ (( :‬أعِنّي على نفسِك بكثْرةِ‬

‫السجودِ ‪ ،‬فإنّك ل تسجُدُ لِ سجدةً ‪ ،‬إلّ رَ َفعَك با درجة ))‪ .‬والخرُ يسألُ عنْ بابٍ‬
‫جامعٍ من اليِ ‪ ،‬فيقولُ له ‪ (( :‬ل يزالُ لسانُك رطباُ من ذكر الِ ))‪ .‬وثالثٌ يسألُ فيقولُ له‬

‫ل تحزن‬
‫‪228‬‬

‫‪ (( :‬ل تسُّبنّ أحدا ‪ ،‬ول تضرِبنّ بيدِك أحدا ‪ ،‬وإ ْن أحدٌ سبّك با يعلمُ فيك فل تسُبّنّه با‬

‫تعلمُ فيه ‪ ،‬ول تقِرنّ من العروفِ شيئا ‪ ،‬ولو أنْ ُت ْفرِغ منْ دَلْوِك ف إنا ِء الستقي ))‪.‬‬
‫إ ّن المر يقتضي البا َدرَةَ والُسارعة ‪ (( :‬بادرِوا بالعما ِل فتنا )) ‪ (( ،‬اغتنِمْ خسا قبل‬

‫خسٍ )) ‪﴿ ،‬وَسَا ِرعُواْ إِلَى َم ْغفِرَةٍ مّن رّبّ ُكمْ وَجَّنةٍ ﴾‪ ﴿ ،‬إِّن ُهمْ كَانُوا ُيسَا ِرعُونَ فِي‬
‫‪ ﴿ ،‬وَالسّاِبقُونَ‬

‫ا ْلخَ ْيرَاتِ﴾‬

‫السّاِبقُونَ ﴾‪.‬‬

‫ل تُهمِ ْل ف فِعْلِ الَيْرِ ‪ ،‬ول تنتظرْ ف عملِ البِرّ ‪ ،‬ول تُسوّفْ ف َطَلبِ الفضائلِ ‪:‬‬
‫إنّ الياة دقائ ٌق وثوانِ‬
‫ت قلبِ الر ِء قائلةٌ له‬
‫دقّا ُ‬
‫﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَا َفسِ اْلمُتَنَا ِفسُونَ ﴾‪.‬‬

‫عمرُ بنُ الطابِ بعد أنْ طُعِن وثَجّ دمُه ‪ ،‬يرى شابّا يرّ إزاره ‪ ،‬فقال له عمرُ ‪ (( :‬يا ابن أخي‬
‫‪ ،‬ارْفَعْ إزارك ‪ ،‬فإنهُ أتقى لربّك ‪ ،‬وأنْقى لثوبك ))‪ .‬وهذا أمرٌ بالعروفِ ف سكراتِ الوتِ‬

‫﴿ ِلمَن‬

‫خرَ ﴾‪.‬‬
‫شَاء مِنكُمْ أَن يََتقَدّمَ أَوْ يََتأَ ّ‬

‫ح الفضائلِ‪.‬‬
‫إ ّن السعادة ل تص ُل بالنومِ الطويلِ ‪ ،‬واللودِ إل الدّعةِ ‪ ،‬و َهجْرِ العال ‪ ،‬واطّرا ِ‬

‫﴿‬

‫وَلَـكِن َكرِهَ ال ّلهُ انِبعَاَث ُهمْ فَثَبّ َط ُهمْ وَقِيلَ ا ْق ُعدُواْ مَعَ اْلقَا ِعدِينَ ﴾ ‪.‬‬

‫حرّ ﴾ ‪ ﴿ ،‬لّوْ كَانُواْ‬
‫ب الممِ الدّنيّ ِة والنفوسِ الابطةِ يقولُ ‪ ﴿ :‬لَ تَن ِفرُواْ فِي اْل َ‬
‫إنّ منطق أصحا ِ‬

‫عِندَنَا مَا مَاتُواْ َومَا قُتِلُواْ ﴾ ‪.‬‬

‫وقد ني العبدُ بالوحي عن التّأخرِ ع ْن فِعلِ اليِ ‪ ﴿ :‬مَا لَ ُكمْ ِإذَا قِيلَ لَ ُكمُ ان ِفرُواْ فِي سَبِيلِ‬
‫ال ّلهِ اثّاقَلُْتمْ إِلَى ا َل ْرضِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَإِنّ مِن ُكمْ َلمَن لّيُبَطَّئنّ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَلَـكِّنهُ أَخْ َلدَ إِلَى الَ ْرضِ ﴾ ‪،‬‬
‫جزْتُ َأنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا اْل ُغرَابِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬ذَلِكَ ِبأَّنهُمُ اسَْتحَبّواْ اْلحَيَاةَ اْلدّنْيَا عَلَى‬
‫﴿ َأعَ َ‬

‫صلَةِ قَامُواْ ُكسَالَى ﴾ ‪ (( ،‬اللّهمّ‬
‫ال ِخرَةِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَلَ تَنَا َزعُواْ فََت ْفشَلُواْ ﴾ ‪﴿ ،‬وَِإذَا قَامُواْ إِلَى ال ّ‬
‫س منْ دان نفْسه وعمِل لا بعد الوتِ ‪ ،‬والعاجزُ‬
‫إن أعوذُ بك من الكسلِ )) ‪ (( ،‬والكُي ُ‬

‫منْ أتْبَعَ َن ْفسَه هواها ‪ ،‬وتنّى على الِ المان ))‪.‬‬
‫*********************************************‬

‫الُلدُ والنعيمُ هناك ل هُنا‬

‫ل تحزن‬
‫‪229‬‬

‫هلْ تريدُ أن تبقى شابّا مُعافً غنيّا ملّدا ؟ إنْ كنت تريدُ ذلك فإن ُه ليس ف الدنيا ‪ ،‬بلْ هناك‬
‫ف الخرةِ ‪ ،‬إنّ هذهِ الياة الدنيا كََنبَ الُ عليها الشقاء والفناء ‪ ،‬وسّاها لوا ولعِبا ومتاع‬
‫الغرورِ‪.‬‬
‫عاش أحدُ الشعراءِ معدما مُفِلسا ‪ ،‬وهو ف عنفوان شباِبهِ ‪ ،‬يريدُ درها فل يدُهُ ‪ ،‬يريدُ زوجةً‬
‫فل يصُلُ عليها ‪ ،‬فلمّا كبتْ ِسنّ وشاب رأسُه ‪ ،‬ورقّ عَ ْظمُهُ ‪ ،‬جاءهُ الالُ منْ كلّ مكانٍ ‪،‬‬
‫وسهُلَ أمرُ زواجهِ وسكنِه ‪ ،‬فتأوّه منْ هذه التَادّاتِ وأنشد ‪:‬‬
‫مُلّكْتُهُ بعد ما جاوزتُ سبعينا‬
‫ما كنتُ أرجوهُ إذ كنتُ ابن عشرينا‬
‫مِثلُ الظّباءِ على كُثبانِ يبينا‬
‫ت التّركِ أغْزِلةٌ‬
‫تطُوفُ ب منْ بنا ِ‬
‫ت الثمانينا‬
‫فما الذي تشتكي قل ُ‬
‫سهِرُنا‬
‫قالوا أنينُك طول الليلِ ُي ْ‬
‫﴿ أَوََلمْ ُنعَ ّمرْكُم مّا يََتذَ ّكرُ فِيهِ مَن َتذَ ّكرَ وَجَاء ُكمُ الّنذِيرُ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَظَنّوا أَّن ُهمْ إِلَيْنَا لَا ُيرْ َجعُونَ‬
‫﴾ ‪َ ﴿ ،‬ومَا َهذِهِ اْلحَيَا ُة الدّنْيَا إِلّا َلهْوٌ‬

‫وََلعِبٌ ﴾‪.‬‬

‫إنّ مََثلَ هذهِ الياةِ الدنيا كمسافرٍ استظلّ تت ظلّ شجرةٍ ث ذهب وتركها‪.‬‬
‫**********************************‬

‫أعدا ُء النهجِ الرّبانّ‬
‫قرأتُ كتبا للملحدِة الصّادّين عنْ منهج الِ شعرا ونثرا ‪ ،‬فرأيتُ كلم هؤلءِ النحرفي ع ْن‬
‫منه ِج ال ف الرضِ ‪ ،‬وطالعتُ سخافاتِهم ‪ ،‬ووجدتُ العتداء الارف على البادئِ القةِ ‪،‬‬
‫وعلى التعاليمِ الرّبّانيّة ‪ ،‬ووجدتُ هذا الرّكام الرخص الذي تفوّهَ به هؤلء ورأيتُ منْ سُوءِ‬
‫أدبِهم ‪ ،‬ومنْ قلّةِ حيائِهم‪ ،‬ما يستحي النسانُ أنْ ينقُل للناسِ ما قالوه وما كتبوه وما أنشدوهُ‪.‬‬
‫وعلمتُ أ ّن النسان إذا لْ يملْ مبدأً ول يستشعِرْ رسالةً ‪ ،‬فإنّ ُه يتحوّلُ إل دابّةٍ ف ِمسْلخ‬
‫حسَبُ َأنّ أَكَْثرَ ُهمْ َيسْ َمعُونَ َأوْ َي ْعقِلُونَ إِنْ ُهمْ‬
‫إنسانٍ ‪ ،‬وإل بيمةٍ ف هيكلٍ رجُلٍ ‪ ﴿ :‬أَمْ َت ْ‬

‫إِلّا كَاْلأَْنعَامِ بَلْ ُهمْ أَضَلّ‬

‫سَبِيلً ﴾‪.‬‬

‫وسألتُ نفسي ‪ ،‬وأنا أقرأُ الكتاب ‪ :‬كيف َيسْ َعدُ هؤل ِء وقدْ أعرضُوا ع ِن الِ الذي يلكُ‬
‫السعادة ويعطيها سبحانه وتعال لنْ يشاءُ ؟!‬

‫ل تحزن‬
‫‪230‬‬

‫كيف يسعدُ هؤل ِء وقدْ قطعوا البال بينهم وبينه ‪ ،‬وأغلقوا البواب بي أنفسِهم الزيلةِ‬
‫الريضِ وبي رحةِ الِ الواسعةِ ؟!‬
‫كيف يسعدُ هؤل ِء وقد أغضبُوا ال ؟!‬
‫وكيف يدون ارتياحا وقدْ حاربُوه ؟!‬
‫ولكنّي وجدتُ أنّ أول النّكالِ أخذ يُصيبُهم ف هذه الدارِ بقدّماتِ نكالٍ أخرويّ – إنْ ل‬
‫يتوبوا – ف نار جهنمّ ‪ ،‬نكالُ الشقاءِ ‪ ،‬وعدمُ البالةِ ‪ ،‬والضّيقُ ‪ ،‬والنيارُ والحباطُ ‪﴿ :‬‬
‫شةً ضَنكا ﴾ ‪.‬‬
‫َو َمنْ َأ ْع َرضَ عَن ذِ ْكرِي فَِإنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫حت إنّ كثيا منهمْ يريدُ أنْ يزول العالُ ‪ ،‬وأنْ تنتهي الياةُ ‪ ،‬وأنْ تُنسف الدنيا ‪ ،‬وأن يُفارق‬
‫هذه العيشة‪.‬‬
‫إنّ القاسم الشترك الذي يمعُ اللحدة الوّلي والخِرين هو ‪ :‬سوءُ الدبِ مع الِ ‪،‬‬
‫والجازفةُ بالقيمِ والبادئِ ‪ ،‬والرّعُونةُ ف ال ْخ ِذ والعطاءِ والعراضُ عن العواقبِ ‪ ،‬وعدمُ البالةِ‬

‫با يقولون ويكتبون ويعملون ‪ ﴿ :‬أَ َفمَنْ أَ ّسسَ بُنْيَاَن ُه عَلَى َتقْوَى ِمنَ ال ّلهِ َورِضْوَانٍ خَ ْيرٌ أَم ّمنْ‬

‫أَ ّسسَ بُنْيَاَن ُه عَلَىَ َشفَا ُجرُفٍ هَارٍ فَاْنهَارَ ِبهِ فِي نَارِ َجهَّنمَ وَال ّلهُ لَ َي ْهدِي اْلقَوْمَ الظّاِل ِميَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫إنّ اللّ الوحيد لؤلءِ اللحدةِ ‪ ،‬للتّخلّصِ منْ هومِهم وأحزانِهم – إنّ ل يتوبوا ويهتدوا –‬

‫أنْ ينتحرُوا ويُنهُوا هذا العيش الُرّ ‪ ،‬والرَ التافِه الرخيص‪ ﴿ :‬قُلْ مُوتُواْ ِبغَيْظِ ُكمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَاقْتُلُواْ‬

‫أَن ُفسَكُمْ ذَلِكُمْ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ ﴾ ‪.‬‬
‫*******************************************‬

‫حقيقةُ الدّنيا‬

‫إنّ ميزان السعادةِ ف كتابِ الِ العظيمِ ‪ ،‬وإنّ تقدير الشياءِ ف ِذكْرِهِ الكيم ‪ ،‬فهو يق ّررُ‬
‫الشيء وقيمتهُ ومردودَهُ على العبدِ ف الدّنيا والخرةِ ﴿ وََلوْلَا أَن يَكُونَ النّاسُ ُأ ّمةً وَا ِحدَةً‬

‫ج عَلَ ْيهَا َي ْظ َهرُونَ{‪ }33‬وَلِبُيُوِت ِهمْ‬
‫ضةٍ َو َمعَارِ َ‬
‫جعَلْنَا ِلمَن يَ ْك ُفرُ بِالرّ ْحمَنِ لِبُيُوِت ِهمْ ُسقُفا مّن َف ّ‬
‫َل َ‬
‫أَبْوَابا وَ ُسرُرا عَلَ ْيهَا يَتّكِؤُونَ{‪َ }34‬وزُ ْخرُفا وَإِن كُلّ ذَِلكَ َلمّا مَتَاعُ اْلحَيَا ِة الدّنْيَا وَالْآ ِخرَةُ‬
‫عِندَ‬

‫رَبّكَ لِ ْلمُّت ِقيَ ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪231‬‬

‫هذهِ هي حقيقةُ الياةِ ‪ ،‬وقصورُها ودُورُها ‪ ،‬وذهبُها وفضّتُها ومناصبُها‪.‬‬
‫س قيمة الياةٍ‬
‫إنّ منْ تفاهتِها أنْ تعطي الكافر جلةً واحدةً ‪ ،‬وأن ُيحْرَ َمهَا الؤمنُ ليبيّن للنا ِ‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫إنّ عتبة بن غزوان الصحابّ الشهي يستغربُ وهو يطبُ الناس المعة ‪ :‬كيف يكونُ ف حالةٍ‬
‫للْقِ يأكلُ معهُ َورَقَ الشجرِ ماهدا ف سبي ِل الِ ‪ ،‬ف أرْضى‬
‫مع رسو ِل الِ ‪ ،‬مع سّيدِ ا َ‬
‫ساعاتِ عمرِهِ ‪ ،‬وأحلى أيامِهِ ‪ ،‬ثّ يتخلّفُ عنْ رسو ِل الِ ‪ ،‬فيكونُ أميا على إقليمٍ ‪،‬‬
‫وحاكما على مقاطعةٍ ‪ ،‬إنّ الياة الت تُقبلُ بعد وفاةِ الرسولِ حياةٌ رخيصةٌ حقّا‪.‬‬
‫على أنّهمْ فيها عراةٌ و ُجوّعُ‬
‫أرى أشقياء الناسِ ل يسأمُونا‬
‫سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشّعُ‬
‫أراها وإ ْن كانت ُتسِ ّر فإنا‬
‫سعدُ بنُ أب وقّاصٍ يصيُبهُ الذهو ُل وهو يتولّى إمرة الكوف ِة بعدَ وفاةِ الرسولِ ‪ ،‬وقدْ أكل‬
‫معه الشجر ‪ ،‬ويأكلُ جلدا ميّتا ‪ ،‬يشويهِ ّث يسحقُه ‪ ،‬ث يتسيهِ على الاءِ ‪ ،‬فما لذهِ الياةِ وما‬
‫لقصورِها ودُورِها ‪ ،‬تُقبلُ بعد إدبارِ الرسولِ‬

‫‪ ،‬وتأت بعد ذهابهِ‬

‫مِنَ اْلأُولَى ﴾‪.‬‬

‫﴿ وََللْآ ِخرَةُ خَ ْيرٌ لّكَ‬

‫حسَبُونَ أَّنمَا ُن ِمدّهُم ِبهِ‬
‫سبُ ﴿ أََي ْ‬
‫إذنْ ف المر شيءٌ ‪ ،‬وف السألةِ سرّ ‪ ،‬إنا تفاهةُ الدنيا َفحَ ْ‬

‫ش ُعرُونَ ﴾ ‪ (( ،‬والِ ما الفقر أخشى‬
‫مِن مّالٍ وَبَِنيَ{‪ُ }55‬نسَا ِرعُ َلهُمْ فِي اْلخَ ْيرَاتِ بَل لّا َي ْ‬
‫عليكمْ ))‪.‬‬
‫لّ دخل عُمر على رسو ِل الِ وهو ف الشْرَبِة ‪ ،‬ورآه على حصيٍ أثّر ف جنبهِ ‪ ،‬وما ف بيتهِ‬
‫إل شعيٌ معلّقٌ ‪ ،‬دمعتْ عينا ُعمَرَ‪.‬‬
‫إنّ الوقف مؤثّرٌ ‪ ،‬أنْ يكون رسو ُل ال‬

‫قدوةُ الناسِ وإمامُ الميع ‪ ،‬ف هذهِ الالةِ ﴿وَقَالُوا‬

‫مَالِ َهذَا الرّسُولِ يَ ْأكُلُ ال ّطعَامَ وََي ْمشِي فِي‬

‫اْلأَسْوَاقِ ﴾‪.‬‬

‫ثّ يقولُ له ُعمَ ُر – رضي الُ عنه ‪ : -‬كسرى وقيصر فيما تعلمُ يا رسول الِ ! قال رسو ُل ال‬
‫‪ (( :‬أف شكّ أنت يا بن الطاب ‪ ،‬أما ترضى أن تكون لنا الخرةُ ولم الدنيا ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪232‬‬

‫إنا معادل ٌة واضحةٌ ‪ ،‬وقسمةٌ عادلةٌ ‪ ،‬فلْيَ ْرضَ مَنْ يرضى ‪ ،‬ولْيَسخطْ م ْن يسخطُ ‪ ،‬وليطُلبِ‬
‫السعادة منْ أرادها ف الدّرهمِ والدينارِ والقصرِ والسيارةِ ويعملْ لا وحدها ‪ ،‬فل ْن يدها‬
‫والذي ل إله إل هو‪.‬‬
‫خسُونَ{‪}15‬‬
‫﴿ مَن كَانَ ُيرِيدُ اْلحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينََتهَا نُوَفّ إِلَ ْي ِهمْ َأ ْعمَاَل ُهمْ فِيهَا وَ ُهمْ فِيهَا لَ يُ ْب َ‬

‫أُوْلَـئِكَ اّلذِينَ لَ ْيسَ َل ُهمْ فِي ال ِخرَةِ إِلّ النّارُ وَحَِبطَ مَا صََنعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ‬
‫﴾‪.‬‬
‫فليس با للصّالي مُعَ ّر ُ‬
‫ج‬
‫عفاءٌ على دنيا رَ َح ْلتُ لغيِها‬
‫****************************************‬

‫مفتاحُ السعادةِ‬
‫إذا عرفت ال وسّبحْته وعبدْتَهُ وتألّهْتهُ وأنت ف كوخٍ ‪ ،‬وجدت الَْيرَ والسعادةَ والراحة‬
‫والدوء‪.‬‬
‫ولكنْ عند النرافِ ‪ ،‬فلوْ سكنت أرقى القصورِ ‪ ،‬وأوسع الدورِ ‪ ،‬وعندك كلّ ما تشتهي‪،‬‬
‫فاعلمْ أنّها نايتُك الُرّةُ ‪ ،‬وتعاستُك الحققةُ ؛ لنك ما ملكت إل النِ مفتاح السعادةِ‪.‬‬
‫ا ْلقُوّةِ ﴾‪.‬‬

‫حهُ لَتَنُوءُ بِاْل ُعصْبَةِ أُولِي‬
‫﴿ وَآتَيْنَاهُ ِمنَ الْكُنُوزِ مَا إِنّ َمفَاِت َ‬
‫*****************************************‬

‫وقفـــةٌ‬
‫﴿ إِنّ ال ّلهَ ُيدَافِ ُع عَنِ اّلذِينَ آمَنُوا ﴾‪ .‬إي ‪ :‬يدف ُع عنهمُ شرور الدنيا والخرة‪.‬‬
‫« هذا إخبارٌ ووع ٌد وبشارةٌ من الِ للذين آمنوا ‪ ،‬أنه يدفعُ عنهمْ كلّ مكروهٍ ‪ ،‬ويدفعُ عنهم –‬
‫بسببِ إيانِهم – كلّ شرّ منْ شرورِ الكفارِ ‪ ،‬وشرورِ وسوسةِ الشيطانِ ‪ ،‬وشرورِ أنفسِهم ‪،‬‬
‫وسيئاتِ أعمالِهم ‪ ،‬ويملُ عنهمْ عند نزولِ الكارهِ ما ل يتحملونه ‪ ،‬فيُخفّف عنهمْ غاية‬
‫التخفيفِ ‪ ،‬كلّ مؤمنٍ له منْ هذه الدافعةِ والفضيلةِ بسب إيانِه ‪ ،‬فمُستقلّ ومُستكثِرٌ »‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪233‬‬

‫« منْ ثراتِ اليانِ أنه يُسلّى العبدُ به عند الصائبِ ‪ ،‬وتُهوّن عليه الشدائدُ والنّوائبُ ﴿ َومَن‬

‫يُ ْؤمِن بِال ّلهِ َي ْهدِ قَلَْبهُ ﴾ وهو العبدُ الذي تصيبُه الصيبةُ ‪ ،‬فيعلمُ أنا منْ عندِ الِ ‪ ،‬وأنّ ما أصابه‬
‫ل ي ُكنْ ليُخطئه ‪ ،‬وما أخطأهُ ل ي ُكنْ ليُصيبه ‪ ،‬فيضى وُيسَّلمُ للقدارِ الؤلِة ‪ ،‬وتونُ عليه‬
‫الصائبُ الزعجةُ ‪ ،‬لصدورِها منْ عندِ الِ ‪ ،‬وليصالِها إل ثوابِهِ »‪.‬‬
‫************************************‬

‫كيف كانُوا يعيشُ‬
‫تعال إل يومٍ منْ أيام أحدِ الصحابةِ الخبارِ ‪ ،‬وعظمائِهم البرارِ ‪ ،‬عليّ بن أب طالبٍ مع ابنهِ‬
‫رسو ِل الِ ‪ ،‬مع فلذ ِة كبدِهِ ‪ ،‬بصحُو عليّ ف الصباحِ الباكرِ ‪ ،‬فيبحثُ هو وفاطمةُ عن‬
‫شيءٍ منْ طعامٍ فل يدانِ ‪ ،‬فيتدي فروا على جسمِهِ م ْن شدّةِ البدِ ويرجُ ‪ ،‬ويتلمّسُ‬
‫ويذهبُ ف أطرافِ الدينةِ ‪ ،‬ويتذكرُ يهوديّا عنده مزرعةٌ ‪ ،‬فيقتحمُ عليّ عليه باب الزرعةِ‬
‫الضّيّ ِق الصغيِ ويدخلُ ‪ ،‬ويقولُ اليهوديّ ‪ :‬يا أعرابّ ‪ ،‬تعال وأخرِج كلّ غَرْبٍ بتمرةٍ‪.‬‬
‫والغربُ هو الدلوُ الكبيُ ‪ ،‬وإخراجُه ‪ ،‬أيْ ‪ :‬إظهارُه من البئرِ مُعاوَنَةً مع الملِ‪ .‬فيشتغلُ عليّ‬
‫– رضي الُ عنهُ – معهُ برهةً من الزمنِ ‪ ،‬حت ترِم يداه ويكلّ جسمُه ‪ ،‬فيُعطيهِ بعد ِد الغروبِ‬
‫تراتٍ ‪ ،‬ويذهبُ با ويرّ برسو ِل الِ ويُعطيه منها ‪ ،‬ويبقى هو وفاطمةُ يأكلن مِ ْن هذا‬
‫التمرِ القليلِ طيلة النهارِ‪.‬‬
‫هذهِ هي حياتم ‪ ،‬لكنّهم يشعرون أنّ بيتهُ ْم قد امتل سعادةً وحبورا ونورا وسرورا‪.‬‬
‫إنّ قلوبم تعيشُ البادئ القّةَ الت بُعثَ با الرسولُ ‪ ،‬والُثُل السامية ‪ ،‬فهمْ ف‬
‫أعمالٍ قلبيّةٍ ‪ ،‬وف روحانيّة قُدسيّةٍ يُبصرون با القّ ‪ ،‬ويُنصرون با الباطل ‪ ،‬فيعملون لذاك‬
‫ويتنبون هذا ‪ ،‬ويُدركون قيمة الشيءِ وحقيقة المرِ ‪ ،‬وسرّ السألةِ‪.‬‬
‫أين سعاد ُة قارون ‪ ،‬وسرو ُر وفرحُ وسكينةُ هامان ؟! فالولُ مدفونٌ ‪ ،‬والثان ملعون ﴿ َكمَثَلِ‬
‫صفَرّا ُثمّ يَكُونُ‬
‫غَيْثٍ َأ ْعجَبَ الْ ُكفّارَ نَبَاُتهُ ُثمّ َيهِيجُ فََترَاهُ ُم ْ‬

‫حُطَاما ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪234‬‬

‫السعادةُ عند بللِ وسلمان وعمّارٍ ‪ ،‬لنّ بللً أذّن للحقّ ‪ ،‬وسلمان آخى على الصّدقِ ‪،‬‬
‫سنَ مَا َعمِلُوا وَنَتَجا َو ُز عَن سَيّئَاِتهِمْ فِي‬
‫وعمّارا وفّى اليثاق ﴿ أُوْلَِئكَ اّلذِينَ نََتقَبّ ُل عَ ْن ُهمْ أَ ْح َ‬
‫كَانُوا يُو َعدُونَ ﴾‪.‬‬

‫صحَابِ اْلجَّنةِ َو ْع َد الصّ ْدقِ اّلذِي‬
‫أَ ْ‬
‫******************************************‬

‫صبْرِ‬
‫أقوالُ الكما ِء ف ال ّ‬
‫يُحكى عنْ أنوشروان أنهُ قال ‪ :‬جيعُ الكارِ ِه ف الدنيا تنقسمُ على ضربي ‪ :‬فضربٌ فيه حِيلةٌ ‪،‬‬
‫فالضطرابُ دواؤه ‪ ،‬وضربٌ ل حيلة فيه ‪ ،‬فالصطبارُ شفا ُؤهُ‪.‬‬
‫كان بعضُ الكماءِ يقولُ ‪ :‬الِيل ُة فيما ل حيلة فيه ‪ ،‬الصبُ‪.‬‬
‫وكان يقالُ ‪ :‬منِ اتّبع الصب ‪ ،‬اتّبعَهُ النصرُ‪.‬‬
‫ومن المثالِ السائرة ‪ ،‬الصبُ مفتاحُ الفَ َرجِ م ْن صَبَ َر َق َدرَ ‪ ،‬ثرةُ الصبِ الظّفرُ ‪ ،‬عند اشتدادِ‬
‫البلءِ يأت الرّخاءُ‪.‬‬
‫وكان يقالُ ‪ :‬خفِ الضارّ منْ خللِ السارّ ‪ ،‬وارجُ النفْع م ْن موضعِ الْنعِ ‪ ،‬واحرصْ على الياةِ‬
‫بطلبِ الوتِ ‪ ،‬فكمْ منْ بقاءٍ سببُه استدعاءُ الفناءِ ‪ ،‬ومنْ فناءٍ سببُه البقاءِ ‪ ،‬وأكثرُ ما يأت‬
‫المنُ م ْن قِبل الفزعِ‪.‬‬
‫والعربُ تقولُ ‪ :‬إنّ ف الشرّ خِيارا‪.‬‬
‫قال الصمعيّ ‪ :‬معناهُ ‪ :‬أنّ بعض الشّرّ أهونُ منْ بعْضٍ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيدة ‪ :‬معناهُ ‪ :‬إذا أصابتْك مصيبةٌ ‪ ،‬فاعلمْ أن ُه قدْ يكونُ أجلّ منها ‪ ،‬فلتهُنْ عليك‬
‫مصيبتُك‪.‬‬
‫قال بعضُ الكماءِ ‪ :‬عواقبُ المورِ تتشاب ُه ف الغيوب ‪ ،‬فرُبّ مبوبٍ ف مكروهٍ ‪ ،‬ومكروهٍ ف‬
‫مبوبٍ ‪ ،‬وكمْ مغبوطٍ بنعمةٍ هي داؤُه ‪ ،‬ومرحومٍ من داءٍ هو شفاؤُه‪.‬‬
‫وكان يُقالُ ‪ :‬رُبّ خيٍ منْ شرّ ‪ ،‬ونفعٍ منْ ضرّ‪.‬‬
‫وقال وداعةُ السهميّ ‪ ،‬ف كلمٍ له ‪ :‬اصبْ على الشّرّ إ ْن قَدَحَك ‪ ،‬فربّما أجْلى عما يُفرحُك ‪،‬‬
‫وتت الرّغوةِ اللبُ الصّريحُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪235‬‬

‫يأت الُ بالفرحِ عند انقطاعِ الملِ ‪ ﴿ :‬حَتّى ِإذَا اسْتَيَْأسَ الرّسُلُ وَظَنّواْ أَّن ُهمْ َقدْ ُكذِبُواْ‬
‫صرُنَا﴾ ‪ِ﴿ ،‬إنّ ال ّلهَ مَعَ الصّاِبرِينَ ﴾‪ ﴿ ،‬إِّنمَا ُيوَفّى الصّاِبرُونَ أَ ْجرَهُم ِبغَ ْيرِ‬
‫جَاء ُهمْ َن ْ‬

‫حسَابٍ﴾‪.‬‬
‫ِ‬

‫يقولُ بعضُ الكُتّابِ ‪ :‬وكما أ ّن ال – جلّ وعل – يأت بالحبوبِ من الوجهِ الذي ق ّدرّ ورودّ‬
‫الكروهِ منه‪ ،‬ويفتحُ بفرج عند انقطاعِ الملِ‪ ،‬واستبهامِ وجوهِ الِيل‪ ،‬ليحُضّ سائر خلْقه با‬
‫يريدهم من تام قدرته ‪ ،‬على صرف الرجاء إليهِ ‪ ،‬وإخلصِ آمالِهم ف التّوكّلِ عليه ‪ ،‬وأنْ ل‬
‫يَ ْزوُوا وجوههُم ف وقتٍ من الوقاتِ ع ْن توقّعِ ال ّروْحِ منه ‪ ،‬فل يعدلُوا بآمالِهم على أيّ حالٍ‬
‫ج يصدُر عنه ‪ ،‬وكذلك أيضا يسرّهم فيما ساءهم ‪ ،‬بأنْ كفاهم‬
‫من الالتِ ‪ ،‬عنِ انتظارِ فر ٍ‬
‫بحنةٍ يسيةٍ‪ ،‬ما هو أعظمُ منها‪ ،‬وافتدا ُهمْ بُِلمّةٍ سهلةٍ ‪ ،‬ممّ كان أنكى فيهمْ لو لِق ُهمْ‪.‬‬
‫حتِ الجسامُ بالعِللِ‬
‫فربّما ص ّ‬
‫لعلّ عتْبك ممودٌ عواقبُهُ‬
‫قال إسحاقُ العابدُ ‪ :‬ربا امتح َن الُ العبْدَ بحنةٍ يّلصُه با من اللكةِ ‪ ،‬فتكون تلك الحنةُ أجلّ‬
‫نعمةٍ‪.‬‬
‫يقالُ ‪ :‬إنّ منِ احتمل الحنة ‪ ،‬ورضي بتدب ِي الِ تعال ف النكْبةِ ‪ ،‬وصب على الشّدّةِ ‪ ،‬كشف‬
‫له عنْ منفعتِها ‪ ،‬حت يقف على الستورِ عنه منْ مصلحتِها‪.‬‬
‫ض النصارى أنّ بعض النبياءِ عليهمُ السلمُ قال ‪ :‬الِحنُ تأديبٌ من الِ ‪،‬‬
‫حُكي عن بع ِ‬
‫ب ل يدومُ ‪ ،‬فطوب لنْ تصبّر على التأديبِ ‪ ،‬وتثبّت عند الحنةِ ‪ ،‬فيجبُ له لُبسُ إكلِيلِ‬
‫والد ُ‬
‫الغَلَبَةِ ‪ ،‬وتاجِ الفلحِ ‪ ،‬الذي و َع َد الُ به ُمحِبّيه ‪ ،‬وأهلِ طاعتِهِ‪.‬‬
‫ض الفِتِ ‪ ،‬فإنّ الطريق الؤدّي‬
‫ضجَرَ ‪ ،‬إذا أصابتْك أسِنّةُ الحنِ ‪ ،‬وأعرا ُ‬
‫قال إسحاقُ ‪ :‬احذرِ ال ّ‬
‫إل النجاةِ ص ْعبُ السْلكِ‪.‬‬
‫قال بزرجهرُ ‪ :‬انتظارُ الفَ َرجِ بالصبِ ‪ ،‬يُعقبُ الغتباط‪.‬‬
‫******************************************‬

‫سنُ ال ّظنّ بالِ ل ييبُ‬
‫حُ ْ‬

‫(( أنا عند ظنّ عبدي ب ‪ ،‬فليظنّ ب ما شاء ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪236‬‬

‫لبعضِ الكُتّابِ ‪ :‬إنّ الرجاء مادّ ُة الصبِ ‪ ،‬والُعيُ عليه‪ .‬فكذلك ِعلّةُ الرجاءِ ومادّتهُ ‪ُ ،‬حسْ ُن‬
‫الظّنّ بالِ ‪ ،‬الذي ل يوزُ أن ييب ‪ ،‬فإنّا قد نستقري الكرماء ‪ ،‬فنجدُهم يرفعون منْ أحسن‬
‫ظنّهُ بمْ ‪ ،‬ويتحوّبُون منْ تيّب أملُه فيهمْ ‪ ،‬ويتحرّ جون مِ ْن قصدَهم ‪ ،‬فكيف بأكرمِ الكرمي‬
‫‪ ،‬الذي ل يعوزُه أنْ ينح مؤمّليه ‪ ،‬ما يزيدُ على أمانيّهم فيه‪.‬‬
‫وأعد ُل الشواهدِ بحبّ ِة ال جلّ ِذكْرُه ‪ ،‬لتمسّكِ عبدِه برحابهِ ‪ ،‬وانتظارُ الرّوحِ منْ ظلّهِ ومآبِه ‪،‬‬
‫أ ّن النسان ل يأتيه الفَ َرجَ ‪ ،‬ول تُدركُه النجاةُ ‪ ،‬إل بعد إخفاقِ أملهِ ف كلّ ما كان يتوجّه‬
‫نوه بأملِه ورغبتِه ‪ ،‬وعند انغلقِ مطالبِهِ ‪ ،‬و َعجْزِ حيلتِه ‪ ،‬وتناهي ضَرّ ِه ومنتِه ‪ ،‬ليكون ذلك‬
‫باعثا له على صَرْفِ رجائِهِ أبدا إل الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬وزاجرا له على تاوز ُحسْنِ ظنّه به ﴿ِإنّ‬

‫اّلذِينَ َت ْدعُونَ مِن دُونِ ال ّلهِ عِبَادٌ َأمْثَالُ ُكمْ فَا ْدعُو ُهمْ فَلَْيسَْتجِيبُواْ لَ ُكمْ إِن كُنُتمْ صَادِ ِقيَ﴾ ‪.‬‬
‫**************************************‬

‫صبُورُ أحْمَ َد المورِ‬
‫يُدركُ ال ّ‬
‫ُروِي عنْ عبدِال بنِ مسعودٍ ‪ :‬الفَ َرجُ والروحُ ف اليقيِن والرضا ‪ ،‬والمّ والزنُ ف الشّكّ‬
‫والسخطِ‪.‬‬
‫وكان يقولُ ‪ :‬الصّبُورُ ‪ ،‬يُدركُ أحْمد المورِ‪.‬‬
‫قال أبانُ بنُ تغلب ‪ :‬سعتُ أعربيّا يقولُ ‪ :‬منْ أفْضلِ آداب الرجالِ أنهُ إذا نزلتْ بأحدِهمْ‬
‫جائحةٌ استعمل الصب عليها ‪ ،‬وألم نفْسه الرجاء لزوالِها ‪ ،‬حت كأنه لصبِه يعاينُ اللص‬
‫سنِ ظنّ به ‪ ،‬فمت لزِم هذه الصفة ‪ ،‬ل يلبثْ أن‬
‫منها والعناء ‪ ،‬توكّلً على الِ عزّ وجلّ ‪ ،‬و ُح ْ‬
‫يقضي الُ حاجته ‪ ،‬ويُزيل كُربيه ‪ ،‬ويُنجح ِطلْبتهُ ‪ ،‬ومعهُ دينُه وعِرضُه ومروءتُه‪.‬‬
‫روى الصمعيّ عنْ أعرابّ أنه قال ‪ :‬خفِ الشّرّ منْ موضعِ الْيرِ ‪ ،‬وارجُ اليْرَ منْ موضعِ الشّرّ‬
‫‪ ،‬فرُبّ حياةٍ سببُها طلبُ الوتِ ‪ ،‬وموتٍ سببُه طلبُ الياةِ ‪ ،‬وأكْثَرُ ما يأت المنُ من ناحيِة‬
‫الوْفِ‪.‬‬
‫َنمْ فالوادِثُ كّلهُنّ أمانُ‬
‫وإذا العنايةُ لحظتْك عيونُها‬

‫ل تحزن‬
‫‪237‬‬

‫وقال قطريّ ب ُن الفجاءةِ ‪:‬‬
‫خوّفا لمِامِ‬
‫يوم الوغى مَُت َ‬
‫ل َي ْركَنَنْ أحدٌ إل الحجامِ‬
‫من عن يين مرّةً وأمامي‬
‫فلقدْ أران للرّماحِ دريئة‬
‫أحناء سرْجي أو عنان لامي‬
‫حت خضبتُ با تدّر مِن دمي‬
‫جذع البصي ِة قارِح القدامِ‬
‫ث انصرفتُ وقدْ أصبتُ ول أُصبْ‬
‫وقال بعضُ الكماءِ ‪ :‬العاقلُ يتعزّى فيما نزل به منْ مكروهٍ بأمرينِ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬السرورُ با بقي له‪.‬‬

‫والخر ‪ :‬رجا ُء الفَ َرجِ ما َن َزلَهُ به‪.‬‬
‫والاهل يزعُ ف منتِهِ بأمرينِ ‪:‬‬

‫أحدها ‪ :‬استكثارُ ما أوى إليه‪.‬‬

‫والخر ‪ :‬توّفُه ما هو أشدّ منهُ‪.‬‬

‫ب الِ عزّ وجلّ للقِهِ ‪ ،‬وتأديبُ الِ يفتحً القلوب والساع والبصار‪.‬‬
‫وكان يقالُ ‪ :‬الِحنُ آدا ُ‬
‫لسَنُ بنُ َس ْهلٍ الِحن فقال ‪ :‬فيها تحيصٌ من الذنبِ ‪ ،‬وتنبيهٌ من الغفلةِ ‪ ،‬وتع ّرضٌ‬
‫ووصف ا ّ‬
‫للثوابِ بالصبِ ‪ ،‬وتذكيٌ بالنعمةِ ‪ ،‬واستدعاءٌ للمثوبةِ ‪ ،‬وف نظرِ الِ عزّ وج ّل وقضائِهِ اليارُ‪.‬‬
‫فهذا من أحبّ الوت ‪ ،‬طلبا لياةِ الذّكْرِ‪ ﴿ .‬اّلذِينَ قَالُواْ لِخْوَاِنهِمْ وَ َق َعدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا‬
‫قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَن ُفسِكُمُ اْلمَوْتَ إِن كُنُتمْ صَادِ ِقيَ‬

‫﴾‪.‬‬

‫أقوالٌ ف توينِ الصائبِ ‪:‬‬
‫قال بعضُ عقل ِء التّجّارِ ‪ :‬ما أصْغرَ الصيبة بالرباحِ ‪ ،‬إذا عادتْ بسلم ِة الرواحِ‪.‬‬
‫سخْلةُ َهدَرٌ‪.‬‬
‫للّ ُة فال ّ‬
‫وكان منْ قولِ العربِ ‪ :‬إنّ تسْلمِ ا ِ‬
‫ومنْ كلمِهم ‪ :‬ل تيأسْ أرضٌ من عمرانٍ ‪ ،‬وإن جفاها الزمانُ‪.‬‬
‫والعامّة تقول ‪ :‬نرٌ جرى فيه الا ُء لبدّ أن يعود إليه‪.‬‬
‫وقال ثامسطيوس ‪ :‬ل يتفاضلْ أه ُل العقو ِل والدّينِ إل ف استعما ِل الفضْلِ ف حا ِل القُدرةِ‬
‫شدّةِ والحنةِ‪.‬‬
‫والنعمةِ ‪ ،‬وابتذا ِل الصبِ ف حالِ ال ّ‬

‫ل تحزن‬
‫‪238‬‬

‫***************************************‬

‫وقفــــةٌ‬
‫﴿ إِن تَكُونُواْ تَأَْلمُونَ َفإِّن ُهمْ َيأَْلمُونَ َكمَا تَأْلَمونَ وََترْجُونَ مِنَ ال ّلهِ مَا‬

‫لَ َيرْجُونَ ﴾‪.‬‬

‫ولذا يوجدُ عند الؤمني الصادقي حي تصيبُهم النّواز ُل والقلقِلُ والبتلءُ مِن الصبِ والثباتِ‬
‫والطّمأنينِة والسكّونِ والقيامِ ب ّق الِ مال يوجدُ ُعشْرُ مِعْشارِهِ عند من ليس كذلك ‪ ،‬وذلك‬
‫لقوّةِ اليانِ واليقيِ‪.‬‬
‫عن معقلِ بن يسارٍ رضي الُ عنه قال ‪ :‬قال رسو ُل الِ‬

‫‪ (( :‬يقولُ ربّكم تبارك وتعال ‪:‬‬

‫يا بن آدم ‪ ،‬تفرّغْ لعبادت ‪ ،‬أمل قلبك غن ‪ ،‬وأمل يديْك رزِقا‪ .‬يا بن آدم ‪ ،‬ل تباعدْ‬
‫من ‪ ،‬فأملْ قلبك فقرا ‪ ،‬وأملْ يديك شُغلً ))‪.‬‬

‫« القبالُ على الِ تعال ‪ ،‬والنابةُ إليه ‪ ،‬والرّضا بهِ وعنهُ ‪ ،‬وامتلءُ القلبِ من مبّتِه ‪ ،‬واللّه ُج‬
‫بذكْرِهِ ‪ ،‬والفرحُ والسرورُ بعرفتِه ثوابٌ عاجِل ‪ ،‬وجنّةٌ ‪ ،‬وعيشٌ ‪ ،‬ل نسبة لعيشِ اللوكِ إليه‬
‫ألبتّ َة »‪.‬‬
‫****************************************‬

‫ل تزنْ إنْ قلّ مالُك أو رثّ حالُك‬

‫فقيِمتُك شي ٌء آخرُ‬

‫سنُ‪.‬‬
‫قال عليّ رضي الُ عنهُ ‪ :‬قيمةُ كلّ امرئٍ ما يُح ِ‬
‫فقيمةُ العالِ عِ ْلمُهُ قلّ منهُ أو كُثرَ ‪ ،‬وقيمةُ الشاعرِ شعرُه أحسن فيهِ أو أساء‪ .‬وك ّل صاح ِ‬
‫ب‬
‫موهبةٍ أو حرفةٍ إنا قيمتُه عند البشرِ تلك الوهبةُ أو تلك الرفةُ ليس إل ‪ ،‬فليحرصِ العبدُ على‬
‫أ ْن يرفع قيمتهُ ‪ ،‬ويُغلي ثنه بعملِ ِه الصالِ ‪ ،‬وبع ْلمِه وحكمتِه ‪ ،‬وجُودِهِ وحفْ ِظهِ ‪ ،‬ونبوغِه‬
‫واطّلعِه ‪ ،‬ومُثابرتِه وبْثِهِ ‪ ،‬وسؤالِه و ِح ْرصِهِ على الفائدةِ ‪ ،‬وتثقيفِ ع ْقلِ ِه وصقْلِ ذهنهِ ‪،‬‬
‫وإشعا ِل الطموحِ ف رُوحِهِ ‪ ،‬والنّبلِ ف نفسِهِ ‪ ،‬لتكون قيمتُه غاليةً عاليةً‪.‬‬
‫*************************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪239‬‬

‫ل تزنْ ‪ ،‬واعلمْ أنك بوساطةِ ال ُكُتبِ‬
‫يكنُ أن تُنمّي مواهبك وقدراتِك‬
‫مطالعةُ الكتبِ تُفتّقُ الذّهن ‪ ،‬وتدي العِب والعظاتِ ‪ ،‬وتدّ الطّلعِ بددٍ من الِكم ‪ ،‬وتُطلقُ‬
‫اللسان ‪ ،‬وتُنمّي مَلَكةَ التفكيِ ‪ ،‬وترسّخُ القائق ‪ ،‬وتطر ُد الشّبَهَ ‪ ،‬وهي سلوةٌ للمتفرّدِ ‪،‬‬
‫ومناجاةٌ للخاطر ‪ ،‬ومادثةٌ للسامرِ ‪ ،‬ومتعةٌ للمتأمّلِ ‪ ،‬وسراجٌ للسّاري ‪ ،‬وكلّما كٌرّرتِ‬
‫العلومُ ٌة وضُبطتْ ‪ ،‬و ُمحّصتْ ‪ ،‬أثرتْ وأينعتْ وحان قِطافُها ‪ ،‬واستوتْ على سوقِها ‪ ،‬وآتت‬
‫ُأكُلها كلّ حيٍ بإذ ِن ربّها ‪ ،‬وبلغ الكتابُ با أجََلهُ ‪ ،‬والنبأُ مستقرّهُ‪.‬‬
‫وهجْرُ الطالعةِ ‪ ،‬وترْكُ النظرِ ف الكتبِ والنفرادُ با ‪ ،‬حُبْسهٌ ف اللسانِ ‪ ،‬و َحصْرٌ للطّبعِ ‪،‬‬
‫وركودٌ للخاطرِ ‪ ،‬وفتورٌ للعقلِ ‪ ،‬وموتٌ للطبيعةِ ‪ ،‬وذبو ٌل ف رصيدِ العرفةِ ‪ ،‬وجفافٌ للفكرِ ‪،‬‬
‫وما منْ كتابٍ إل وفيهِ فائدةٌ أو مَثَلٌ ‪ ،‬أو طُرفةٌ أو حكايةٌ ‪ ،‬أو خاطرةٌ أو نادرةٌ‪.‬‬
‫ت الِممِ و ِخسّةِ العزيةِ ‪ ،‬وبرودِ الرّمحِ ‪،‬‬
‫لصْرِ ‪ ،‬ونعوذُ بالِ منْ مو ِ‬
‫هذا وفوائدُ القراءةِ فوق ا َ‬
‫فإنا منْ أعظ ِم الصائبِ‪.‬‬
‫****************************************‬

‫ل تزنْ ‪ ،‬واقرأْ عجائب خلقِ الِ ف الكونِ‬
‫ب العُجابَ ‪ ،‬وتقضي على هومِك وغمومِك ‪،‬‬
‫وطالِعْ غرائب صُنعِهِ ف العمورةِ ‪ ،‬تدِ ال َعجَ َ‬
‫ف الغريبِ‪.‬‬
‫فإنّ النّفْس مُولعةٌ بالطّري ِ‬
‫َروَى البخاريّ ومسلمٌ ‪ ،‬عنْ جابرِ بن عبدِالِ رضي الُ عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬بَعَثَنا رسو ُل الِ ‪،‬‬
‫وأمّر علينا أبا عبيدة ‪ ،‬نتلقّى عِيا لقريشٍ ‪ ،‬وزوّدنا جِرابا منْ ترٍ لْ ِيدْ لنا غَيْرَه ‪ ،‬فكان أبو‬
‫عبيدة يُطينا ترةً ترةً‪.‬‬
‫صبّ‬
‫ص ال ّ‬
‫قال – الراوي عنْ جابرٍ ‪ : -‬فقلتُ ‪ :‬كيف كنتُ ْم تصنعون با ؟ قال ‪ :‬نصّها كما يُ ّ‬
‫‪ ،‬ثّ نشربُ عليها من الاءِ ‪ ،‬فتكفينا يومنا إل الليلِ ‪ ،‬وكنّا نضربُ بِعصيّنا الََبطَ – أي ورق‬
‫الشجرِ – ث نبُلّه فنأكُلَهُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪240‬‬

‫قال ‪ :‬وانطلْقْنا على ساحلِ البحرِ فإذا شيءٌ كهيئةِ الكثيبِ الضخمِ – أي كصورةِ التّ ّل الكبيِ‬
‫ح َدوْدبِ من الرملِ – فأتيناهُ ‪ ،‬فإذا هي دابّةٌ تُدعى العَنْبَرَ‪ .‬قال ‪ :‬قالَ أبو عبيدة ‪:‬‬
‫الستطيلِ ا ُل ْ‬
‫ميْتةٌ‪ .‬ث قال ‪ :‬ل بلْ ن ُن رُسُلُ رسول ال ‪ ،‬وف سبي ِل الِ ‪ ،‬وقدْ اضطُررْتُم فكُلُوا‪ .‬قال ‪:‬‬
‫فأقمْنا عليه شهرا وننُ ثلثائة حت سِنّا‪ .‬قال ‪ :‬ولقدْ رأيتُنا نغترفُ منْ َوقْبِ عينِه – أي منْ‬
‫داخلِ عينِه – ونفرقُها بالقللِ – أي بالرارِ الكبيةِ – الدّهْنَ ‪ ،‬ونقتطعُ منه الفِدر – أيْ‬
‫القِطع – كالثورِ أو قدْ ِر الثورِ‪ .‬فلقدْ أخذ منا أبو عبيدة ثلثة عشرَ رجلً ‪ ،‬فأقعدهم ف وقبِ‬
‫عينِهِ ‪ ،‬وأخذ ضلعا منْ أضلعِهِ فأقامها ‪ ،‬ثّ رحّل أعظم بعيٍ ‪ ،‬ونظر إل أطولِ رجُلٍ فحملهُ‬
‫عليهِ ‪ ،‬فمرّ منْ تتِها‪.‬‬
‫لمِه وشائِق ‪ ،‬فلمّا قدمْنا الدينة ‪ ،‬أتينا رسول الِ ‪ ،‬فذكرنا له ذلك ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫وتزوّدْنا منْ ْ‬
‫ل لكمْ ‪ ،‬فهل معكمْ منْ لمِهِ شي ٌء فتُطعمونا ؟ )) ‪ ،‬قال ‪ :‬فأرسلْنا إل‬
‫(( هو رزقٌ أخرجه ا ُ‬
‫رسو ِل الِ ‪ ،‬فأكل منه‪.‬‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬
‫البذرةُ إذا ُوضِعتْ ف الرضِ ل تنبتُ حت تتزّ الرضُ هِزّةً خفيفةً ‪ ،‬تُسجّ ُل بهاز رِخْتَرَ ‪،‬‬

‫فتفقسُ البذر ُة وتنبتُ ‪ ﴿ :‬فَِإذَا أَنزَلْنَا عَلَ ْيهَا اْلمَاء اهَْتزّتْ َورَبَتْ ﴾ ‪.‬‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬

‫قال أبو داود ف كتابهِ ( السنن) ف بابِ زكاةِ الزرعِ ‪ :‬شَبَ ْرتُ قثاءةً بصر ثلثة عشر شِبْرا ‪،‬‬
‫ت وصيّرَتْ على مثْلِ عِدلْيِ‪.‬‬
‫ورأيتُ أُتْرُجّةً على بعيٍ بقطعتيْن ‪ ،‬قُطع ْ‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬
‫ذكر الدكتورُ زغلو ُل النجّارُ الدارسُ للياتِ الكونيةِ – ف إحدى ماضراتِه – أنّ هناك نوما‬
‫ف السنواتِ ‪ ،‬وهي ف سرعةِ الضوءِ ‪ ،‬ول تصلْ حت الن إل الرضِ ‪ ،‬وما‬
‫انطلقتْ منْ آل ِ‬
‫سمُ ِبمَوَاقِعِ الّنجُومِ‬
‫بقي إل مواقعُها ﴿ فَلَا أُ ْق ِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪241‬‬

‫جاء ف (جريدة الخبارِ الديدة) ف العددِ ‪ 396‬بتاريخِ ‪ 1953 /9 /27‬م ص ‪ 2‬أنه ‪« :‬‬
‫دخ ُل صباح اليومِ ( أونا) باريس دخول الفاتي ‪ ،‬يرسُه عشراتُ منْ رجا ِل البوليس ‪،‬‬
‫الراكبِ والراجلِ‪ .‬أمّا ( أونا ) هذا فهو حوتٌ نروي ّي ضخمٌ مّنطٌ ‪ ،‬وزنه ‪80000‬‬
‫كيلو ‪ ،‬وكان ممولً على َعشْرِ جراراتٍ مربوطةٍ بسيارةِ نقلٍ ضخمةٍ ‪ ،‬وسيُعرضُ الوتُ لدةِ‬
‫شهْر ويُسمحُ للناسِ بدخولِ كر ِشهِ الضاءِ بالكهرباءِ ‪ ،‬ويستطيعُ عشرةُ أشخاص أنْ يدخلوا‬
‫بطنَه مرّةً واحدةً‪.‬‬
‫لكنّ الشرفي على معرضِ ( أونا ) وبوليس الدينةِ ‪ ،‬ل يتفقا على الكانِ الذي يوضعُ فيه‬
‫الوتُ ‪ ،‬وهمْ يشون وضْعَهُ فوق مطةِ القطارِ الرضيّ خشيةَ أ ْن ينهار الشارعُ‪.‬‬
‫وبرغمِ أنّ ِسنّ هذا الوتِ ل يزيدُ على ‪ 18‬شهرا ‪ ،‬فإنّ طوله ‪ 20‬مترا ‪ ،‬وقد صيد ف‬
‫شه ِر سبتمب من العامِ الاضي ف مياهِ النرويج ‪ ،‬وقدْ صُنِعتْ لهُ عربةُ قطارٍ خاصّةٌ ‪ ،‬لنقْلِه ف‬
‫جولةٍ عَبْرَ أوربا ‪ ،‬ولكنّها انارتْ تته ‪ ،‬فصنُعتْ له سيارةُ جرّ ‪ ،‬طولا ‪ 30‬مترا »‪.‬‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬
‫النمل ُة تدّخِرُ قُوتا من الصيفِ للشتاءِ ؛ لنّها ل ترجُ ف الشتاءِ ‪ ،‬فإذا خشيتْ أنْ تنبت البّةُ ‪،‬‬
‫كسرتْها نصفي ‪ ،‬واليّةُ ف الصحراءِ إذا ل تدْ طعاما ‪ ،‬نصبت نفسها كالعودِ ‪ ،‬فيقعُ عليها‬
‫الطائرُ فتأكلهُ‪.‬‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬
‫قال عبدُالرزاقِ الصنعانّ ‪ :‬سعتُ معمر بن راشدٍ البصريّ يقولُ ‪ :‬رأيتُ باليمنِ عنقود عنبٍ ‪،‬‬
‫وقْرَ بَ ْغلٍ تامّ‪ ﴿ .‬وَالّنخْلَ بَا ِسقَاتٍ ّلهَا طَلْعٌ ّنضِيدٌ ﴾‪ .‬ك ّل الشجارِ والنباتاتِ تُسقى باءٍ واحدٍ‬
‫ضهَا عَلَى َبعْضٍ فِي الُكُلِ ﴾‪ .‬وللنباتاتِ مناعةٌ خاصّةٌ ‪ ،‬فمنها القويّ ُة بنفسهِا ‪،‬‬
‫﴿ وَُن َفضّلُ َبعْ َ‬

‫ومنها الشوكيّةُ الت تدافعُ بشوكِها ‪ ،‬ومنها الامضةُ اللّذِعةُ‪.‬‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪242‬‬

‫ي ف كتابِه (الطالع السعيد الامع نباء أنباء الصعيد) ‪« :‬‬
‫قال كمالُ الدين الُدفويّ ا ِلصْر ّ‬
‫ت زنتُها‬
‫ت زنُته ثانيةُ أرطالٍ باللّيثيّ ‪ ،‬و ُوزِنتْ حبّةُ عنبٍ ‪ ،‬جاء ْ‬
‫رأيت قطف عنبٍ ‪ ،‬جاء ْ‬
‫عشرةُ دراهم ‪ ،‬وذلك بأُدفو بلدِنا »‪.‬‬
‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬
‫سمَاء‬
‫وقد ذكر علماءُ الفلكِ أ ّن الكون ل يزالُ يتّسعُ شيئا فشيئا كما تتّسع البالونةُ ‪﴿ :‬وَال ّ‬
‫بَنَيْنَاهَا ِبأَْيدٍ وَإِنّا َلمُو ِسعُونَ ﴾‪ .‬وذكروا أ ّن الرض اليابسة تنقصُ ‪ ،‬وأنّ الحيطات تتّسعُ ‪،‬‬
‫أَوََلمْ َيرَوْاْ أَنّا َنأْتِي‬

‫﴿‬

‫طرَا ِفهَا ﴾‪.‬‬
‫الَ ْرضَ نَن ُقصُهَا مِنْ أَ ْ‬

‫يءٍ خَ ْل َقهُ ُثمّ هَدَى ﴾ ‪:‬‬
‫﴿ الّذِي َأ ْعطَى ُكلّ َش ْ‬
‫جاء ف ملةِ ( الفيصل) عدد ‪ 62‬سنة ‪ 1402‬هـ ص ‪ 112‬صورةٌ لثمرةِ كرنبٍ (ملفوف)‬
‫وزنت ‪ 22‬كيلو غراما ‪ ،‬وبلغ قطرُها مترا واحدا ‪ ،‬وصورةٌ لبصلةٍ يابسةٍ واحدة ‪ ،‬وزنت‬
‫‪ 2,3‬كيلو غراما ‪ ،‬وبلغ قطرها ‪ 30‬سم‪.‬‬
‫وذكرتِ الجلةُ عقِب ذلك ‪ ،‬أنّ ثرة بندورةٍ (طماطم) واحدةٍ بلغ ميطُها أكثر منْ ‪ 60‬سم ‪،‬‬
‫وأنّ هذه الشياء غَْيرَ العاديةِ ‪ ،‬نبتتْ ف أرضِ الُزارِعِ الكسيكي ( جوزيه كارمن) ذي البةِ‬
‫الطويلةِ ف الزراعةِ والعناي ِة بالرضِ ‪ ،‬ما جعَلهُ الزارع الوّل ف الكسيكِ‪.‬‬
‫**************************************‬

‫يا ال يا ال‬
‫﴿ قُلِ ال ّلهُ يَُنجّيكُم مّ ْنهَا َومِن ُكلّ‬
‫ف‬
‫﴿ أَلَ ْيسَ ال ّلهُ بِكَا ٍ‬

‫عَ ْبدَهُ ﴾‪.‬‬

‫كرْبٍ ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫﴿ قُلْ مَن يَُنجّيكُم مّن ظُ ُلمَاتِ الَْبرّ‬

‫حرِ ﴾‪.‬‬
‫وَالَْب ْ‬

‫ض ِعفُوا فِي اْلأَ ْرضِ‬
‫﴿ وَُنرِيدُ أَن ّنمُ ّن عَلَى اّلذِينَ اسُْت ْ‬
‫ب عَلَ ْيهِ‬
‫وقال عنْ آدم ‪ُ ﴿ :‬ثمّ اجْتَبَاهُ رَّبهُ فَتَا َ‬

‫﴾‪.‬‬

‫وَ َهدَى ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪243‬‬

‫ونوحٍ ‪ ﴿ :‬وََنجّيْنَاهُ وَأَهْ َلهُ ِمنَ الْ َكرْبِ اْلعَظِيمِ‬

‫﴾‪.‬‬

‫وإبراهيم ‪ ﴿ :‬قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي َبرْدا وَسَلَاما عَلَى إِْبرَاهِيمَ‬

‫ويعقوب ‪َ ﴿ :‬عسَى ال ّلهُ أَن َيأْتِيَنِي ِبهِمْ‬

‫﴾‪.‬‬

‫جمِيعا ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫سجْنِ وَجَاء بِكُم ّمنَ‬
‫ويوسف ‪ ﴿ :‬وَ َقدْ أَ ْحسَنَ بَي ِإذْ أَ ْخرَجَنِي ِمنَ ال ّ‬

‫وداود ‪َ ﴿ :‬ف َغفَرْنَا َلهُ ذَِلكَ وَإِنّ َل ُه عِندَنَا َلزُْلفَى وَ ُحسْنَ‬
‫وأيوب ‪ ﴿ :‬فَ َكشَفْنَا مَا ِبهِ مِن‬
‫ويونس ‪ ﴿ :‬وََنجّيْنَاهُ ِمنَ‬

‫ضرّ ﴾‪.‬‬
‫ُ‬

‫الَْبدْوِ ﴾‪.‬‬

‫مَآبٍ ﴾‪.‬‬

‫اْل َغمّ ﴾‪.‬‬

‫وموسى ‪ ﴿ :‬فََنجّيْنَاكَ ِمنَ‬

‫اْل َغمّ ﴾‪.‬‬

‫صرَهُ ال ّلهُ‬
‫وممد ‪ ﴿ :‬إِلّ تَنصُرُوهُ َفقَدْ َن َ‬
‫َفهَدَى{‪َ }7‬ووَ َجدَكَ عَاِئلً‬

‫﴾‪﴿،‬‬

‫َفَأغْنَى ﴾‪.‬‬

‫جدْكَ يَتِيما فَآوَى{‪ }6‬وَوَ َجدَكَ ضَالّا‬
‫أََلمْ َي ِ‬

‫﴿ ُكلّ َي ْومٍ ُهوَ فِي َشأْنٍ ﴾ ‪:‬‬
‫قال بعضُهم ‪ :‬يغفرُ ذنبا ‪ ،‬ويكشفُ كرْبا ‪ ،‬ويرفع أقواما ‪ ،‬ويضعُ آخرين‪.‬‬
‫قد آذن صُبْحُكِ بالبَلَجِ‬
‫اشْتدّي أزمةُ تنْفرِجي‬
‫ش َفةٌ ﴾‬
‫سحابة ثّ تنقشع ‪ ﴿ :‬لَ ْيسَ َلهَا مِن دُونِ ال ّلهِ كَا ِ‬
‫*********************************************‬

‫ل تزنْ ‪ ،‬فإنّ اليام دُوَلٌ‬
‫َسجَنَ ابنُ الزبي ممد بن النفيّةِ ف سجنِ (عارمٍ) بكة ‪ ،‬فقال كُثّر عزة ‪:‬‬
‫وما شدّةُ الدّنيا بضرْب ِة لزِمِ‬
‫وما رون ُق الدّنيا بباقٍ لهلها‬
‫ويُصبِحُ ما لقيتُهُ حلم حالكِ‬
‫لذا وهذا ُمدّةٌ سوف تنقضي‬
‫وتأمّلتُ بعد هذا الدث بقرونٍ‪ ،‬فإذا ابنُ الزبيِ وابنُ النفية و ِسجْنُ عارمِ كحلمِ حالٍ‪َ ﴿ :‬ه ْل‬

‫سمَعُ َل ُهمْ رِكْزا ﴾ ‪.‬‬
‫حسّ مِ ْنهُم ّمنْ أَ َحدٍ َأوْ َت ْ‬
‫ُت ِ‬
‫مات الظالُ والظلومُ والابسُ والحبوسُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪244‬‬

‫كلّ بطّاحٍ مِن الناسِ له يومٌ بطوحٌ‪.‬‬
‫***************************************‬

‫﴿ هَذَانِ َخصْمَا ِن ا ْخَتصَمُوا فِي َربّهِ ْم ﴾‬
‫وف الديثِ ‪ (( :‬لتُؤدّنّ القوق إل أهلهِا حت يُقاد للشاةِ اللْحاءِ من القرْناءِ ))‬
‫يوم القيامةِ والسّماءُ تورُ‬
‫مثّلْ أن ْفسِك أيّها الغرورُ‬
‫كيف الذي مرّتْ عليهِ دُ ُه ُورُ‬
‫هذا بل ذنبٍ يافُ لِه ْولِهِ‬
‫***********************************‬

‫ل تزنْ ‪ ،‬فيُسرّ عدوّك‬
‫إنّ حزنك يُفْرحُ خصمك ‪ ،‬ولذلك كان منْ أصولِ اللّةِ إرغامُ أعدائِها ‪ُ ﴿ :‬ترْهِبُونَ ِبهِ عَدْوّ‬

‫ال ّلهِ‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫َو َعدُوّ ُ‬

‫وقولُه‬

‫لب دُجانة ‪ ،‬وهو يطرُ ف الصفوفِ متبخترا ف ُأحًد ‪(( :‬إنا لشيةٌ يبغضُها الُ إل‬

‫ف هذا الوطنِ ))‪ .‬وأمر أصحابهُ بالرّمل َحوْ َل البيتِ ‪ ،‬ليُظهروا قوتم للمشركي‪.‬‬

‫إنّ أعداء القّ وخصوم الفضيلةِ سوف يتقطّعون حسرةً إذا علمُوا بسعاتِنا وفرحِنا وسرورِنا ‪،‬‬
‫﴿ قُلْ مُوتُواْ ِبغَ ْيظِ ُكمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬إِن ُتصِبْكَ َحسََنةٌ َتسُؤْ ُهمْ ﴾ ‪َ ﴿،‬ودّواْ مَا‬
‫وقال آخر ‪:‬‬

‫ت يوما قلْبهُ‬
‫رُبّ منْ أنضج ُ‬

‫عَنِّتمْ ﴾‪.‬‬

‫قد تنّى ل شرا ل يُطعْ‬

‫أنّي لرْيبِ الدّهرِ ل أتضعْضعُ‬
‫وتلّدي للشّامتي أُريِهمُ‬
‫وف الديثِ ‪ (( :‬اللهمّ ل تُشمِتْ ب عدُوا ول حاسِدا ))‪.‬‬
‫وفيه ‪ (( :‬ونعوذُ بك منْ شاِت ِة العداءِ ))‪.‬‬
‫كُ ّل الصائبِ قد تُرّ على الفت‬

‫وتونُ غي شاتةِ العداءِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪245‬‬

‫وكانوا يتبسّمون ف الوا ِدثِ ‪ ،‬ويصبون للمصائبِ ‪ ،‬ويتجّلدُون للخطوبِ ‪ ،‬لرغامِ أُنُوفِ‬
‫الشّامِتِي ‪ ،‬وإدخالِ الغيْظ ف قلوبِ الاسدين ‪َ ﴿ :‬فمَا وَهَنُواْ ِلمَا أَصَاَب ُهمْ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ َومَا‬
‫اسْتَكَانُواْ ﴾‪.‬‬

‫ض ُعفُواْ َومَا‬
‫َ‬
‫**********************************‬

‫تفاؤلٌ وتشاؤمٌ‬
‫﴿‬

‫فََأمّا اّلذِينَ آمَنُواْ َفزَادَْتهُمْ ِإيَانا وَ ُهمْ َيسْتَ ْبشِرُونَ{‪ }124‬وََأمّا اّلذِينَ فِي قُلُوِبهِم ّمرَضٌ‬

‫َفزَادَْت ُهمْ رِجْسا إِلَى رِ ْجسِ ِهمْ َومَاتُواْ وَ ُهمْ‬

‫كَا ِفرُونَ ﴾‪.‬‬

‫ق العسي ‪ ،‬ورأوْا ف ذلك خيْرا على النهجٍ القّ ‪:‬‬
‫كثيٌ من الخيارِ تفاءلوا بالمرِ الشّا ّ‬

‫﴿‬

‫َو َعسَى أَن تَ ْكرَهُواْ شَيْئا وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ َوعَسَى أَن ُتحِبّواْ شَيْئا وَ ُهوَ َشرّ لّ ُكمْ ﴾ ‪.‬‬

‫ب الفَقْرَ وال َرضَ والوْتَ ‪ ،‬لنّ الفقرَ‬
‫فهذا أبو الدرداءِ يقولُ ‪ :‬أُحبّ ثلثا يكرهُها الناسُ ‪ :‬أح ّ‬
‫مسكنةٌ ‪ ،‬والرضَ كفّرةٌ ‪ ،‬والوت لقا ٌء بالِ عزّ وجلّ‪.‬‬
‫ولكنّ الخرَ يكر ُه الفقر ويذُمّه ‪ ،‬ويُخبُ أنّ الكلب حت هي تكر ُه الفقي ‪:‬‬
‫هرّتْ عليهِ وكشرّتْ أنيابا‬
‫إذا رأتْ يوما فقيا مُعدما‬
‫لمّى رحّب با بعضُهم فقال ‪:‬‬
‫وا ُ‬
‫فسألتُها بالِ أن ل تُقْلِعِي‬
‫زارتْ مكفّر ُة الذنوبِ سريعةً‬
‫لكنّ التنب يقولُ عنها ‪:‬‬
‫فعافتْها وباتتْ ف عِظامي‬
‫بذلتُ لا الطارف والشايا‬
‫سجْنُ أَحَبّ إِلَيّ ِممّا َيدْعُونَنِي إِلَ ْيهِ ﴾‪.‬‬
‫وقال يوسُفُ عليهِ السلمُ ع ِن السجنِ ‪ ﴿ :‬ال ّ‬
‫وعليّ بنُ الهم يقولُ عنِ الْبسِ أيضا ‪:‬‬
‫قالوا حُِبسْت فقلتُ ليس بضائري‬

‫حبسْي وأيّ مهّندٍ ل يُغْمدُ‬

‫ولكنّ عليّ بن ممدٍ الكاتب يقولُ ‪:‬‬
‫قالوا حُبست فقلتُ خ ْطبٌ ن ِكدٌ‬

‫أنْحى عليّ به الزمانُ الُرْصدُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪246‬‬

‫والوتُ أحبّه كثيٌ ورحّبوا بهِ ‪ ،‬فمعاذٌ يقولُ ‪ :‬مرحبا بالوتِ ‪ ،‬حبيبٌ جاء على فاقةٍ ‪ ،‬أفلح‬
‫م ْن ندم‪.‬‬
‫ويقولُ ف ذلك الُصيُن ب ُن المامِ ‪:‬‬
‫لنفسي حياةً مثْل أن أتقدّمَا‬
‫تأخّرتُ أستبقي الياة فلمْ أ ِجدْ‬
‫ويقولُ الخرُ ‪ :‬ل بأس بالوتِ إذا الوتُ نزلْ‪.‬‬
‫ولكنّ الخرين تذمّرُوا من الوتِ وسبّوه وفرّوا منهُ‪.‬‬

‫فاليهودُ أحرصُ الناسِ على حياةٍ ‪ ،‬قال سبحانه وتعال عنهمْ ‪ ﴿ :‬قُلْ إِنّ اْلمَوْتَ اّلذِي َت ِفرّونَ‬
‫مِ ْنهُ َفإِّنهُ‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫مُلَاقِي ُ‬

‫وقال بعضُهم ‪:‬‬
‫س رأسُ‬
‫ومال بعد هذا الرأ ِ‬
‫ومال بعد هذا العيشِ عيشٌ‬
‫والقتلُ ف سبيل الِ أمنيةٌ عذْبةٌ عند البرارِ الشرفاءِ ‪َ ﴿ :‬فمِنْهُم مّن َقضَى َنحْبَهُ َومِ ْنهُم مّن‬

‫ظرُ ﴾‪.‬‬
‫يَنتَ ِ‬

‫وابنُ رواحة ينشدُ ‪:‬‬
‫ع تقذِفُ الزّبدا‬
‫وطعنةً ذات فز ٍ‬
‫لكنّن أسألُ الرحنَ مغفرةً‬
‫ويقولُ ابنُ الطّرِمّاح ‪:‬‬
‫على ش ْر َجعَ يعلو ُبسْنِ الطارِفِ‬
‫أيا ربّ ل تع ْل وفاتِي إنْ أتتْ‬
‫يُصابون ف فجّ مِن الرض خائفِ‬
‫ولكنْ شهيدا ثاويا ف عصابةٍ‬
‫غي أ ّن بعضهمْ كرِه القتْلَ وفرّ منه ‪ ،‬يقولُ جيلُ بثينة ‪:‬‬
‫وأيّ جهادٍ غي ُهنّ أُريدُ‬
‫يقولون جاهِد يا جيلُ بغزوةٍ‬
‫وقال العرابّ ‪ :‬والِ إن أكرهُ الوت على فراشي ‪ ،‬فكيف أطلبُه ف الثغورِ ﴿ قُلْ فَادْرَؤُوا‬
‫عَنْ أَن ُفسِكُمُ اْلمَوْتَ إِن كُنُتمْ‬

‫صَادِقِيَ ﴾ ‪﴿ ،‬‬

‫قُل لّوْ كُنُتمْ فِي بُيُوتِ ُكمْ لََبرَزَ اّلذِينَ كُتِبَ‬

‫عَلَ ْيهِمُ اْلقَتْلُ إِلَى َمضَا ِج ِعهِمْ ﴾‪ .‬إنّ الوقائع واحدةٌ لك ّن النفوس هي الت تتلفُ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪247‬‬

‫أيّها النسان‬
‫أيّها النسانُ ‪ :‬يا منْ ملّ من الياةِ ‪ ،‬وسئِم العيش ‪ ،‬وضاق ذرعا باليامِ وذاق الغُصص ‪ ،‬أنّ‬
‫هناك فتحا مبينا ‪ ،‬ونصرا قريبا ‪ ،‬وفرجا بعد شدّة ‪ ،‬ويُسرا بعد ُعسْرٍ‪.‬‬
‫ي يديْك ومنْ خلقِك ‪ ،‬وإنّ هناك أملً مشرقا ‪ ،‬ومستقبلً حافلً ‪،‬‬
‫إنّ هناك لُطفا خفيّا منْ ب ِ‬
‫ووعدا صادقا ‪َ ﴿ ،‬و ْعدَ ال ّلهِ لَا ُيخْ ِلفُ ال ّلهُ َو ْعدَهُ ﴾‪ .‬إن لضِيقِك فُرْجةً وكشْفا ‪ ،‬ولصيبتِك‬
‫ب عَنّا‬
‫ح ْمدُ لِ ّلهِ اّلذِي َأذْهَ َ‬
‫زوالٌ ‪ ،‬وإن هناك أنسا وروحا وندىً وطلً وظلً‪ ﴿ .‬اْل َ‬

‫ا ْلحَزَنَ ﴾‪.‬‬

‫أيّها النسانُ ‪ :‬آنَ أنْ تُداوي شكّك باليقيِ ‪ ،‬والتواء ضميِك بالقّ ‪ ،‬وعِوج الفكارِ‬
‫بالُدى ‪ ،‬واضطراب السيةِ بالرّشدِ‪.‬‬
‫آن أنْ تقشع عنك غياهب الظلمِ بوجْهِ الفجرِ الصادقِ ‪ ،‬ومرارةِ السى بلوةِ الرّضا ‪،‬‬
‫س الفِت بنورٍ يلقفُ ما يأفكُون‪.‬‬
‫وحناد ِ‬

‫أيّها النسانُ‪ :‬إ ّن وراء بيدائِكمْ القاحلِةِ أرضا مطمئنّةً‪ ،‬يأتيها رزقُها رَغَدا منْ كلّ مكانٍ‬
‫وإنّ على رأسِ جبلٍ الشقّة والضّن والجهاد ‪ ،‬جنّةً أصابا وابلٌ ‪ ،‬فهي مُمرعةً ‪ ،‬فإنْ ل يصبْها‬
‫وابلٌ فطلّ من البُشرى والفألِ السنِ ‪ ،‬والملِ النشودِ‪.‬‬
‫يا منْ أصابه الرقُ ‪ ،‬وصرخ ف وجهِ الليلِ ‪ :‬أل أيّها الليل الطويلُ أل انْجلِ ‪ ،‬أبشِرْ بالصبحِ‬
‫﴿ أَلَ ْيسَ الصّبْحُ ِب َقرِيبٍ ﴾‪ .‬صبحٌ يلؤُك نورا وحبورا وسرورا‪.‬‬

‫يا منْ أذهب لُبّه المّ ‪ :‬رُويْدك ‪ ،‬فإنّ منْ ُأفُقِ الغيبِ فَرَجا ‪ ،‬ولك منْ السّن ِن الثابتِة الصادقِة‬
‫فُسْحةً‪.‬‬

‫يا منْ ملت عينك بالدمعِ ‪ :‬كفْكِفْ دموعك ‪ ،‬وأرِحْ مُقلتيْك ‪ ،‬اهدأْ فإنّ لك منْ خالقِ‬
‫الوجودِ وليةً ‪ ،‬وعليك منْ لطفهِ رعايةً ‪ ،‬اطمئنّ أيّها العبدُ ‪ ،‬فقدْ فُرغ من القضاءِ ‪ ،‬ووقع‬
‫ق الهدِ ‪ ،‬وثبت الجرُ عند‬
‫الختيارُ ‪ ،‬و َحصَلَ اللّطفُ ‪ ،‬وذهب ظمأُ الشقّةِ ‪ ،‬وابتّلتْ عرو ُ‬
‫م ْن ل ييبُ لديهِ السعْيُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪248‬‬

‫اطمئنّ ‪ :‬فإنك تتعاملُ مع غالبٍ على أمرِهِ ‪ ،‬لطيفٍ بعبادِه ‪ ،‬رحيمٍ بْلقِهِ ‪ ،‬حس ِن الصّنعِ ف‬
‫تدبيِهِ‪.‬‬

‫اطمئنّ ‪ :‬فإ ّن العواقب حسنةٌ ‪ ،‬والنتائج مريةٌ ‪ ،‬والاتة كريةٌ‪.‬‬
‫بعد الفقرِ غِنّى ‪ ،‬وبعد الظّمأ ِريّ ‪ ،‬وبعد الفراقِ اجتماعٌ ‪ ،‬وبعد الجْر َوصْلٌ ‪ ،‬وبعد النقطاعِ‬
‫حدِثُ َب ْعدَ ذَلِكَ َأمْرا ﴾‪.‬‬
‫اتّصالٌ ‪ ،‬وبعد السّهادِ نومٌ هادئٌ ‪ ﴿ ،‬لَا َتدْرِي َلعَلّ ال ّلهَ ُي ْ‬
‫ـلُ وملّ الادي وحار ال ّدلِيلُ‬
‫ت نارُهُم وقْد عسْعَسَ الليـ‬
‫لع ْ‬
‫ـنِ عليلٌ وطرْفُ عين كلِيلُ‬
‫فتأمّلتُها وفِكْري من البيْـ‬
‫وغرامي ذاك الغرامُ الدّخِيلُ‬
‫وفؤادي ذاك الفؤادُ العنّى‬
‫للمُِلمّاتِ هل إليهِ سبيلُ ؟‬
‫وسألْنا عن الوكيلِ الرجّى‬
‫أكرم الُج ِزلِي فردٌ جليلُ‬
‫فوجدْناه صاحب ا ُللْكِ طُرّا‬
‫ك والضّن وال ِل والفقْرِ والرضِ ‪ ،‬أبشرُوا ‪ ،‬فإنكم‬
‫ع والضّنْ ِ‬
‫أيّها العذّبُون ف الرضِ ‪ ،‬بالو ِ‬
‫صحّون ‪ ﴿ ،‬وَاللّيْلِ ِإذْ َأدَْبرَ{‪ }33‬وَالصّ ْبحِ ِإذَا‬
‫سوف تشبعون وتسعدون ‪ ،‬وتفرحون وت ِ‬

‫أَ ْس َفرَ ﴾ ‪.‬‬

‫ولبدّ للقْيدِ أنْ ينكسِ ْر‬
‫فلُبدّ لِلّيلِ أنْ ينجلِيْ‬
‫يعِشْ أبد الدّهْرِ بي الُفرْ‬
‫ومنْ يتهّيبْ صُعُود البالِ‬
‫وحقّ على العبدِ أن يظُنّ بربّه خيا ‪ ،‬وان ينتظر منهُ فضلً ‪ ،‬وأنْ يرجُو من مولهُ لُطفا ‪ ،‬فإنّ‬
‫منْ أمرُه ف كلمةِ ( كُن) ‪ ،‬جديرٌ أنْ يُوثق بوعودِهِ ‪ ،‬وأنْ يُتعلّقَ بعهودِهِ ‪ ،‬فل يلبُ النفع إل‬
‫هو ‪ ،‬ول يدفع الضّرّ إل هو ‪ ،‬ولهُ ف كلّ نفسٍ لُطفٌ ‪ ،‬وف كلّ حركةٍ حكمةٌ ‪ ،‬وف كلّ‬
‫ساعةٍ فَ َرجٌ ‪ ،‬جعل بعدَ اللي ِل صُبحا ‪ ،‬وبعد القحْطِ غَيْثا ‪ ،‬يُعطي لُيشْكر ‪ ،‬ويبتلي ليعلم من‬
‫ي بالعبدِ أن يقوّي‬
‫يصْبِرُ ‪ ،‬ين ُح النّعْماء ليسمع الثّناء ‪ ،‬ويُسّلطُ البلء ليُرفع إليه الدّعاءُ ‪ ،‬فحر ّ‬
‫معه التّصال ‪ ،‬ويُمدّ إليه البال ‪ ،‬ويُكِثرُ السؤال ﴿ وَاسْأَلُواْ ال ّلهَ مِن َفضْ ِلهِ ﴾ ‪﴿ ،‬ادْعُواْ رَبّ ُكمْ‬

‫َتضَرّعا‬

‫خفَْيةً ﴾‪.‬‬
‫وَ ُ‬

‫لو لْ تُ ِردْ نيْل ما أرجو وأطْلُُبهُ‬

‫مِن جُودِ كفّك ما عّلمْتن الطّلبا‬

‫ل تحزن‬
‫‪249‬‬

‫انقطع العلءُ بنُ الضرميّ ببعضِ الصحاب ِة ف الصحراءِ ‪ ،‬ونفِد ماؤُهم ‪ ،‬وأشرفُوا على الوتِ ‪،‬‬
‫فنادى العل ُء ربّه القريب ‪ ،‬وسأل إلا سيعا ميبا ‪ ،‬وهتف بقولِهِ ‪ :‬يا عليّ يا عظيمُ ‪ ،‬يا حكيمُ‬
‫يا حكيمُ‪ .‬فنل الغيثُ ف تلك اللحظةِ ‪ ،‬فشربُوا وتوضؤوا ‪ ،‬واغتسلوا وسَقوْا دوابّهم‪ ﴿ .‬وَهُوَ‬
‫حمِيدُ ﴾‪.‬‬
‫اْل َ‬

‫شرُ رَ ْحمََتهُ وَهُوَ الْوَلِيّ‬
‫اّلذِي يَُنزّلُ اْلغَيْثَ مِن َب ْعدِ مَا قَنَطُوا وَيَن ُ‬
‫***************************************‬

‫وقفــــةٌ‬
‫لبّ‬
‫« مبّةُ الِ تعال ‪ ،‬ومعرفُته ‪ ،‬ودوامُ ِذكْرِه ‪ ،‬والسّكُونُ إليه ‪ ،‬والطمأنينةُ إليه ‪ ،‬وإفرادُه با ُ‬
‫والوفِ والرجاءِ والتّوكّلُ ‪ ،‬والعاملةُ ‪ ،‬بيثُ يكون هو َو ْحدَهُ الستول على هومِ العبدِ‬
‫وعزماتِه وإرادتِه‪ .‬هو جنّةُ الدنيا ‪ ،‬والنعيمُ الذي ل يُشبِه ُه نعيمٌ ‪ ،‬وهو قُرّة عيِ ا ُلحِبي ‪ ،‬وحياةُ‬
‫العارفي »‪.‬‬
‫« تعلّ ُق القلبِ بالِ وحدهُ واللّه ُج بذِكرِهِ والقناعةُ ‪ :‬أسبابٌ لزوا ِل المومِ والغمومِ ‪ ،‬وانشراحُ‬
‫ضدّ ‪ ،‬فل أضْيقُ صدرا ‪ ،‬وأكْثَرُ هّا ‪ ،‬مّنْ تعلّق قلبُه بغيِ الِ ‪،‬‬
‫ضدّ بال ّ‬
‫الصدرِ والياةُ الطّيّبة‪ .‬وال ّ‬
‫ونسي ِذكْر الِ ‪ ،‬ول يقَْنعْ با آتاهُ الُ ‪ ،‬والتّجرِبةُ أكبُ شاهدٍ »‪.‬‬
‫*************************************‬

‫تعزّ بالنكوبي‬
‫﴿ وََل َقدْ َأهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم ّمنَ‬

‫اْل ُقرَى ﴾‪.‬‬

‫ومّنْ نُكِب نكبةً داميةً ساحقةً ماحقةً ‪ :‬البامكةُ ‪ ،‬أُسرةُ الُسر ُة الُبّه ِة والتّرَفِ والبذْ ِل‬
‫والسّخاءِ ‪ ،‬وأصبحتْ نكْبتُهم عِبةً وعظةً ومثلً ‪ ،‬فإ ّن هارون الرشيد سطا عليهمْ بيْن عشيّةٍ‬
‫وضُحاها ‪ ،‬وكانوا ف النعيمِ غافلي ‪ ،‬وف لافِ الرّغدِ دافِئي ‪ ،‬وف بستانِ الترفِ مُنعّي ‪،‬‬
‫فجاءهم أم ُر الِ ضُحىً وهم يلعبون ‪ ،‬على يدِ أقربِ الناسِ إليهم ‪ ،‬فخرّب دُورهم ‪ ،‬وهدمَ‬
‫قصورهُم ‪ ،‬وهتك سُتُورهُم ‪ ،‬واستلب عبيد ُهمْ ‪ ،‬وأسال دماءهم ‪ ،‬وأوردهم موارد الالِكي ‪،‬‬
‫َفجَرَحَ بصابِهم قلوب أحبابِهم ‪ ،‬وقرّح بنكالِهم عيون أطفالِهم ‪ ،‬فل إله إل الُ ‪ ،‬كم منْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪250‬‬

‫نعمةٍ عليهم سُلبتْ ‪ ،‬وكمْ منْ عبةٍ منْ أجلهِم سُفكتْ ‪ ﴿ ،‬فَاعْتَِبرُوا يَا أُولِي الْأَْبصَارِ ﴾‪ .‬قبل‬
‫نكبتهم بساعةٍ ‪ ،‬كانوا ف الرير ي ْرفُلون ‪ ،‬وعلى الدّيباجِ يزحفون ‪ ،‬وبكأسِ المان يترعُون ‪،‬‬
‫فيها لوْلِ ما دهاهُم ‪ ،‬ويا لفجيعةِ ما علهم‬
‫وهكذا تُمح ُق اليّامُ والدّولُ‬
‫هذا الصابُ وإلّ غيُه جللُ‬
‫اطمأنوا ف سِنةٍ من الدهرِ ‪ ،‬وأمْنٍ من الدثان ‪ ،‬وغفْلةٍ من اليامِ ﴿ وَسَكَنُتمْ فِي َمسَـا ِكنِ‬
‫ضرَبْنَا لَ ُكمُ ا َلمْثَالَ ﴾‪ .‬خفقتْ على‬
‫سهُمْ وَتَبَّينَ لَ ُكمْ كَيْفَ َفعَلْنَا ِبهِمْ وَ َ‬
‫اّلذِينَ ظَ َلمُواْ أَن ُف َ‬

‫رؤو ِس ِهمُ البنودُ ‪ ،‬واصط ّفتْ على جوانِبِهم النودُ‪.‬‬
‫أنيسٌ ول يسْمُرْ بكّة سامِرُ‬
‫لجُونِ إل الصفّا‬
‫كأنْ ل يكُن بي ا َ‬
‫رتعُوا ف لذّةِ العيشِ لهي ‪ ،‬وتتّعُوا ف صفْو الزمان آمنِي ‪ ،‬ظنّوا السراب ماءً ‪ ،‬والورم شحْما‬
‫‪ ،‬والدنيا ُخلُودا ‪ ،‬والفناء بقاءً ‪ ،‬وحسبوا الوديعة ل تُستردّ ‪ ،‬والعارية ل تُضمنُ ‪ ،‬والمانة ل‬
‫تُؤدّى ‪ ﴿ ،‬وَظَنّوا أَّن ُهمْ إِلَيْنَا لَا ُيرْ َجعُونَ ﴾‪.‬‬
‫وللزّمانِ َمسَرّاتٌ وأحزا ُن‬
‫فجائعُ الدهرِ ألوانٌ مُنوّعةٌ‬
‫ول يدومُ على حالٍ لا شأنُ‬
‫وهذه الدارُ ل تبقي على أحدٍ‬
‫ضبِ هارونِ الرشيدِ ‪ ،‬سلّ‬
‫أصبحوا ف سرورٍ وأمسوْا ف القبورِ ‪ ،‬وف لظةٍ منْ لظاتِ َغ َ‬
‫سيف النّقمةِ عليهمْ ‪ ،‬فقتل جعفر بن يي البمكيّ ‪ ،‬وصلبهُ ثّ أحرق جثمانه ‪ ،‬وسجن أباه‬
‫ييي بن خالدٍ ‪ ،‬وأخاه الفضْل بن يي ‪ ،‬وصادر أموالمْ وأملكهم‪.‬‬
‫لسَنِ ‪ ،‬بعث برأسِهِ إل أبيهِ عبدِالِ بن السنِ‬
‫ولا قَتَلَ أبو جعفر النصورُ ممد بن عبدِالِ بن ا َ‬
‫ف السجنِ مع حاجِبهِ الربيعِ ‪ ،‬فوضعَ الرأسَ بي يديهِ ‪ ،‬فقال ‪ :‬رحك الُ يا أبا القاسم ‪ ،‬فقدْ‬
‫كنت من الذين يُفون بعه ِد الِ ‪ ،‬ول ينقُضون اليثاق ‪ ،‬والذين يصِلون ما أمر الُ بهِ أنْ يُوصل‬
‫ويشوْن ربّهم ويافون سوء السابِ ‪ ،‬ث تثّل بقولِ الشاعرِ ‪:‬‬
‫ت المورِ اجتنابُها‬
‫ويكفيه سوءا ِ‬
‫فت كان يميه مِنْ الذّلّ سيفُه‬
‫ب النصورِ ‪ ،‬وقال له ‪ :‬قُلْ لصاحبِك ‪ :‬قدْ مضى منْ بُؤسِنا ُمدّةٌ ‪ ،‬ومنْ‬
‫والتفت إل الربيع حاج ِ‬
‫نعيمِك مِثُلها ‪ ،‬والوع ُد الُ تعال !‬

‫ل تحزن‬
‫‪251‬‬

‫وقدْ أخذ هذا العن العباسُ بنُ الحنفِ – وقيل ‪ :‬عمارةُ بنُ عقيلٍ – فقال ‪:‬‬
‫بنظرةِ عيٍ عنْ َهوَى النّفْسِ ُتحْج ُ‬
‫ب‬
‫فإنْ تلحظي حال وحالكِ مرّةً‬
‫نِد كُلّ مرّ منْ بُؤسِ عيشت‬

‫يُرّ بيومٍ منْ نعيمكِ ُيحْسبُ‬

‫كما ف ( قولٍ على قول )‪.‬‬
‫والن ‪ :‬أين هارون الرشيدُ وأين جعفرُ البمكيّ ؟ أين القاتلُ والقتولُ ؟ أين المرُ والأمورُ ؟‬
‫أين الذين أصدر أمره وهو على سريرهِ ف قصرهِ ؟ وأين الذي قتِل وصُلِب ؟ ل شيء ‪،‬‬
‫أصبحوا كأمسِ الدّابر ‪ ،‬وسوف يمعُهم الكمُ العدْ ُل ليومِ ل ريب فيه ‪ ،‬فل ُظلْم ول هضْم ‪،‬‬
‫﴿ قَا َل عِ ْل ُمهَا عِندَ رَبّي فِي كِتَابٍ لّا َيضِلّ رَبّي وَلَا يَنسَى ﴾ ‪ ﴿ ،‬يَوْمَ َيقُومُ النّاسُ ِلرَبّ‬

‫خفَى‬
‫اْلعَاَل ِميَ ﴾ ‪ ﴿ ،‬يَ ْومَِئذٍ ُت ْعرَضُونَ لَا َت ْ‬

‫كمْ خَافَِيةٌ ﴾‪.‬‬
‫مِن ُ‬

‫قيل ليحي بن خالدٍ البمكيّ ‪ :‬أرأيت هذه النكْبة ‪ ،‬هل تدري ما سببُها ؟ قال ‪ :‬لعلّها دعوةُ‬
‫مظلومٍ ‪ ،‬سرتْ ف ظلمِ الليلِ وننُ عنها غافلون‪.‬‬
‫ونُكب عبدُال بنُ معاوية بنِ عبدِالِ بنِ جعفر ‪ ،‬فقال ف حبْسهِ ‪:‬‬
‫ت فيها ول الحياء‬
‫فلسْنا مِن الموا ِ‬
‫خَ َرجْنَا من الدنيا وننُ مِن أهلِها‬
‫عجِبْنا وقلنا ‪ :‬جاء هذا من الدّنيا‬
‫إذا دخل السّجا ُن يوما لاجةٍ‬
‫إذا ننُ أصبحنا الديث عن ال ّرؤْيا‬
‫ونفرحُ بال ّرؤْيا فجُلّ حديثِنا‬
‫وإ ْن قبُحتْ ل تنتظر وأتتْ سعيا‬
‫فإنْ حسُنتْ كانتْ بطيئا ميئُها‬
‫سجنَ أحدُ ملو ِك فارس حكيما منْ حكمائِهمْ ‪ ،‬فكتب ل ُه رقعةً يقولُ ‪ :‬إنا لنْ تُرّ عل ّي فيها‬
‫ساعةٌ ‪ ،‬إل قرّبتْن من الفرجِ وقرّبتْك من النّقمةِ ‪ ،‬فأنا أنتظرُ السّعة ‪ ،‬وأنت موعو ٌد بالضيّقِ‪.‬‬
‫ويُنكبُ ابنُ عبّادٍ سلطا ُن الندلسِ ‪ ،‬عندما غلب عليه الترفُ ‪ ،‬وغلب علي ِه النرافُ عنِ‬
‫الادّةِ ‪ ،‬فكثرُتِ الواري ف بيتهِ ‪ ،‬والدّفوفُ والطّنابيُ ‪ ،‬والعزْفُ وساعُ الغناءِ ‪ ،‬فاستغاث‬
‫يوما بابن تاشفي – وهو سلطانُ الغربِ – على أعدائِهِ الروم ف الندلسِ ‪ ،‬فعب ابنُ تاشفي‬
‫البحر ‪ ،‬ونصرَ ابن عبّادِ ‪ ،‬فأنزلهُ ابنُ عبّادٍ ف الدائ ِق والقصو ِر والدّورِ ‪ ،‬ورحّب به وأكرمه‪.‬‬
‫وكان ابنُ تاشفي كالسدِ ‪ ،‬ينظرُ ف مداخلِ الدينة وف مارجِها ‪ ،‬لنّ ف نفسه شيئا‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪252‬‬

‫وبعد ثلثةِ أيام هجم ابنُ تاشفي بنودِه على الملكةِ الضعيفةِ ‪ ،‬وأسر ابن عبّا ٍد وقيّده و َسَلبَ‬
‫مُلكه ‪ ،‬وأخذ دُوره ودمّر قصوره ‪ ،‬وعاث ف حدائقِهِ ‪ ،‬ونَقََلهُ إل بلدِه ( أغماتٍ) أسيا ‪﴿ ،‬‬
‫وَتِ ْلكَ اليّامُ ُندَاوُِلهَا بَ ْينَ النّاسِ ﴾‪ .‬فتقلّد ابنُ تاشفي زِمام الُكمِ ‪ ،‬وادعى أنّ أهل الندلسِ‬
‫همُ الذين استدعوْه وأرادوه‪.‬‬
‫ت كسيِفاتٍ جائعاتٍ ‪،‬‬
‫ت اليامُ ‪ ،‬وإذا ببناتِ ابنِ عبّادٍ يصِلْنه ف السجنِ ‪ ،‬حافياتٍ باكيا ٍ‬
‫ومرّ ِ‬
‫فلمّا رآهنّ بكى عند البابِ ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫فساءك العيدُ ف أغمات مأسورا‬
‫فيما مضى كُنت بالعيادِ مسرورا‬
‫يغ ِزلْن للناسِ ما يْلِكْن قطميا‬
‫ترى بناتِك ف الطمارِ جائعةً‬
‫أبصارُ ُهنّ حسياتٍ مَكاسِيا‬
‫بَ َرزْنَ نْوك للتّسليمِ خاشعةً‬
‫كأنّها ل تطأ مِسكا وكافُورا‬
‫يطأْن ف الطيِ والقدامُ حافيةٌ‬
‫ثّ دخل الشاعرُ ابنُ اللّبانةِ على ابنِ عبّادٍ ‪ ،‬فقال له ‪:‬‬
‫صبّ با ِمسْكا عليك وحَنْتَما‬
‫أُ‬
‫تََنشّقْ رياحي السّلمِ فإنّما‬
‫بأنك ذو نُعمى فقد كُنت مُنعما‬
‫وقُلْ مازا إن عدمت حقيقةً‬
‫عليها وتاه الرّعدُ باسِك مُعْلِما‬
‫بكاك اليا والريحُ ش ّقتْ جُيُوبا‬
‫ب ومدحها‪.‬‬
‫وهي قصيدةٌ بديعة ‪ ،‬أ ْورَدَها الذه ّ‬
‫روى الترمذيّ ‪ ،‬عن عطاءٍ ‪ ،‬عنْ عائشة – رضي الُ عنها وأرضاها – أنّها مرّتْ بقبِ أخيها‬
‫عبدِال الذي دُفن فيه بكة ‪ ،‬فسلّمت عليهِ ‪ ،‬وقالتْ ‪ :‬يا عبدالِ ‪ ،‬ما مثلي ومثُلك إل كما قال‬
‫مُتمّمٌ ‪:‬‬
‫من الدهرِ حت قِيل ل ْن يتصدّعا‬
‫وكُنّا كندْمان جُذْيمَةَ بُرهةً‬
‫أصاب النايا رهط كسرى وتُبّعا‬
‫و ِعشْنا بيٍ ف الياةِ وقبلنا‬
‫لطُولِ اجتماعٍ ل نِبتْ ليلةً معا‬
‫فلمّا تف ّرقْنا كأنّي ومالِكا‬
‫ثّ بكتْ وودّعتْه‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪253‬‬

‫وكان عم ُر رضي الُ عنهُ يقولُ لت ّممِ بن نويرة ‪ :‬يا متمّم ‪ ،‬والذي نفسي بيده ‪َ ،‬لوَدِدْتُ أن‬
‫شاعرٌ فأرثي أخي زيدا ‪ ،‬والِ ما هّبتِ الصّبا منْ ند إلّ جاءتن بري ِح زيدٍ‪ .‬يا متممُ ‪ ،‬إ ّن زيدا‬
‫أسلم قبلي وهاجرَ وقتل قبلي ‪ ،‬ثّ يبكي عمر‪ .‬يقول متمّم ‪:‬‬
‫حبيب لِتذْرافِ الدّموعِ السّوافِكِ‬
‫لعمْري لقد لم البيبُ على البُكا‬
‫لقبٍ ثوى بي اللّوى فالدّكادِكِ‬
‫فقال أتبكي ك ّل قبٍ رأيتهُ‬
‫فدعْن فهذا كلّ ُه قبُ مالِكِ‬
‫فقلتُ له إن الشّجى يبعثُ الشّجى‬
‫نُكب بنو الح ِر ف الندلسِ ‪ ،‬فجاء الشاعرُ اب ُن عبدون يُعزّيهم ف هذه الصيبةِ فقال ‪:‬‬
‫فما البكاءُ على الشباحِ والصّورِ‬
‫الدّهْ ُر يفجعُ بعد العَيْنِ بالثرِ‬
‫عنْ نوْمَةٍ بي نابِ اللّْيثِ والظّفُرِ‬
‫أناك أناك ل آلُوك موعظة‬
‫فدتْ عليّا بنْ شاءتْ من البشرِ‬
‫َولَيْتها إذ فدتْ عمرا بارجةٍ‬
‫سمَاءِ‬
‫﴿ فَ َلمّا جَاء َأ ْمرُنَا َجعَلْنَا عَالَِيهَا سَافِ َلهَا ﴾ ‪ ﴿،‬إِّنمَا مَثَلُ اْلحَيَا ِة الدّنْيَا َكمَاء أَنزَلْنَاهُ ِم َن ال ّ‬
‫فَاخْتَ َلطَ ِبهِ نَبَاتُ ا َل ْرضِ ِممّا َيأْكُلُ النّاسُ وَالَْنعَامُ حَتّىَ ِإذَا أَ َخذَتِ الَ ْرضُ زُ ْخرُفَهَا وَازّيّنَتْ‬
‫جعَلْنَاهَا َحصِيدا َكأَن ّلمْ َت ْغنَ‬
‫وَ َظنّ َأهْ ُلهَا أَّن ُهمْ قَادِرُو َن عَلَ ْيهَا أَتَاهَا َأ ْمرُنَا لَ ْيلً أَوْ َنهَارا َف َ‬

‫بِا َل ْمسِ ﴾‪.‬‬
‫**************************************‬

‫ت الرّضا اليانعة‬
‫ثرا ُ‬
‫﴿ رّضِيَ ال ّلهُ عَ ْن ُهمْ‬

‫وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾‪.‬‬

‫وللرضا ثراتٌ إيانيةٌ كثيةٌ وافرةٌ تنتجُ عنه ‪ ،‬يرتفعُ با الراضي إل أعلى النازلِ ‪ ،‬فيُصبحُ‬
‫راسخا ف يقيِنه ‪ ،‬ثابتا ف اعتقادِه ‪ ،‬وصادقا ف أقوالِه وأعمالِه وأحوالِه‪.‬‬
‫فتمامُ عبوديّتِه ف جَرَيانِ ما يكرهُهُ من الحكام عليه‪ .‬ولو ل يْرِ عليه منها إ ّل ما يبّ ‪ ،‬لكان‬
‫صبِ والتّوكلِ والرّضا والتضرّعِ والفتقارِ‬
‫أبْعَد شيءٍ عنْ عبوديّة ربّه ‪ ،‬فل تتمّ له عبوديّة‪ .‬من ال ّ‬
‫والذّلّ والضوعِ وغَيْرِها – إلّ بريا ِن القدرِ له با يكرهُ ‪ ،‬وليس الشأنُ ف الرضا بالقضاءِ‬
‫اللئم للطبيعةِ ‪ ،‬إنا الشأ ُن ف القضاءِ ا ُل ْؤِلمِ النافِرِ للطّْبعِ‪ .‬فليس للعبدِ أنْ يتحكّم ف قضا ِء الِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪254‬‬

‫وقدرِه ‪ ،‬فيضى با شاء ويرفضُ ما شاء ‪ ،‬فإ ّن البشر ما كان لمِ الِيَرَةُ ‪ ،‬بلْ اليةُ الِ ‪ ،‬فهو‬
‫أعْلمُ وأحْكمُ وأجلّ وأعلى ‪ ،‬لنه عا ُل الغيبِ الطِّلعُ على السرائرِ ‪ ،‬العالُ بالعواقبِ الحيطُ با‪.‬‬

‫رضا برضا ‪:‬‬
‫ولْيَعْلم أنّ رضاه عن ربّه سبحان ُه وتعال ف جيعِ الالتِ ‪ ،‬يُثمِرُ رضا ربُه عنه ‪ ،‬فإذا رضي‬
‫عنه بالقليلِ من الرّزقِ ‪ ،‬رضي ربّه عنه بالقليلِ من العملِ ‪ ،‬وإذا رضي عنه ف جيع الالتِ ‪،‬‬
‫واستوتْ عندهُ ‪ ،‬وجدهُ أ ْسرَعَ شيءٍ إل رضاهُ إذا ترضّاه وتلّقه ؛ ولذلك انظرْ للمُخلصيِن مع‬
‫قِلّةِ عملهِم ‪ ،‬كيف رضي الُ سعيهم لنمْ رضُوا عنهُ ورضي عنهمْ ‪ ،‬بلفِ النافقي ‪ ،‬فإنّ‬
‫ال ردّ عملهم قليلهُ وكثيهُ ؛ لنمِ سخِطُوا ما أنز َل ال وكرهُوا رضوانهُ ‪ ،‬فأحبط أعمالم‪.‬‬

‫خطُ ‪:‬‬
‫منْ سخِط فلهُ السّ ْ‬
‫ت القلبِ ‪ ،‬وكسفِ البالِ ‪ ،‬وسُوءِ الالِ ‪ ،‬والظّنّ‬
‫ب المّ والغمّ والزنِ ‪ ،‬وشتا ِ‬
‫والسّخطُ با ُ‬
‫بال خلفُ ما هو أهلُه‪ .‬والرضا يُخّلصُه منْ ذلك كلّه ‪ ،‬ويفتحُ له باب جنةِ الدنيا قبل‬
‫الخرةِ ‪ ،‬فإنّ الرتياح النفس ّي ل يتمّ بُعاكس ِة القدارِ ومضادّة القضاءِ ‪ ،‬بل بالتسليمِ والذعانِ‬
‫والقبُولِ ‪ ،‬ل ّن مدبّر المرِ حكيمٌ ل يُتّهمُ ف قضائِه وقدرهِ ‪ ،‬ول زلتُ أذكرُ قصة ابن الراونديّ‬
‫الفيلسوف ال ّذكّيِ اللحدِ ‪ ،‬وكان فقيا ‪ ،‬فرأى عاميّا جاهلً مع الدّورِ والقصورِ والموالِ‬
‫ف الدنيا وأعيشُ فقيا ‪ ،‬وهذا بليدٌ جاه ٌل وييا‬
‫الطائلةِ ‪ ،‬فنظر إل السماءِ وقال ‪ :‬أنا فيلسو ُ‬
‫غنيّا ‪ ،‬وهذه قِسم ٌة ضِيزى‪ .‬فما زاد ُه الُ إل مقْتا و ُذ ّل وضنْكا ﴿ وََل َعذَابُ الْآ ِخرَةِ أَ ْخزَى‬
‫صرُونَ ﴾‪.‬‬
‫وَ ُهمْ لَا يُن َ‬

‫فوائدُ الرّضا ‪:‬‬
‫فالرّضا يُو ِجبُ له الطّمأنينة ‪ ،‬وبرد القلبِ ‪ ،‬وسكونهُ وقراره وثباتهُ عند اضطرابِ الشّب ِه‬
‫والتباسِ والقضايا وكثْرةِ الواردِ ‪ ،‬فيثقُ هذا القلبُ بوعو ِد الِ وموعودِ رسوله ‪ ،‬ويقولُ‬
‫صدَقَ ال ّلهُ َورَسُوُلهُ َومَا زَادَ ُهمْ إِلّا ِإيَانا‬
‫لسانُ الالِ ‪َ ﴿ :‬هذَا مَا َوعَدَنَا ال ّلهُ وَرَسُوُلهُ َو َ‬

‫وََتسْلِيما ﴾‪ .‬والسخطُ يوجبُ اضطراب قلبِه ‪ ،‬وريبتهُ وانزعاجهُ ‪ ،‬و َعدَ َم قرارِهِ ‪ ،‬ومرضهُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪255‬‬

‫وتزّقهُ ‪ ،‬فيبقى قلِقا ناقِما ساخِطا متمرّدا ‪ ،‬فلسانُ حالِه يقولُ ‪ ﴿ :‬مّا َو َعدَنَا ال ّلهُ َورَسُوُلهُ إِلّا‬

‫غُرُورا ﴾‪ .‬فأصحابُ هذه القلوبِ إن يكُن لمُ القّ ‪ ،‬يأتوا إليه مُذعِنِي ‪ ،‬وإن طُولِبوا بالقّ‬
‫إذا همْ يصْدفِون ‪ ،‬وإنْ أصابم خيٌ اطمأنّوا به ‪ ،‬وإنْ أصابتهم فتنةٌ انقلبُوا على وجوههِم ‪،‬‬

‫سرَانُ اْلمُبِيُ ﴾‪ .‬كما أ ّن الرضا يُنلُ عليه السكينة الت‬
‫خْ‬
‫خسرُوا الدنيا والخرةِ ﴿ ذَلِكَ هُوَ اْل ُ‬
‫ل أَنْ َفعَ له منها ‪ ،‬ومت نزلتْ عليه السكينةُ ‪ ،‬استقام وصلحتْ أحوالُه ‪ ،‬وصلح بالُه ‪،‬‬
‫والسّخط يُب ِعدُه منها بسبِ قلّتِه وكثرتِه ‪ ،‬وإذا ترحّلتْ عنهُ السكينةُ ‪ ،‬ترحّل عنه السرورُ‬
‫والمْنُ والراحةُ وطِيبُ العيشِ‪ .‬فمنْ أ ْع َظمِ نعمِ الِ على عبدِه ‪ :‬تنّلُ السكينةِ عليهِ‪ .‬ومنْ أعظمِ‬
‫أسبابِها ‪ :‬الرضا عنه ف جيعِ الالتِ‪.‬‬

‫ل تُخاصِم ربّك ‪:‬‬
‫والرضا يلّصُ العبد منْ مُخاصمةِ الربّ تعال ف أحكامِه وأقضيتِه‪ .‬فإنّ السّخط عليهِ مُخاصمةٌ‬
‫له فيما ل يرض به العبدُ ‪ ،‬وأص ُل ماصمةِ إبليس لربّه ‪ :‬منْ َعدَمِ رضاه بأقْضِيَتِه ‪ ،‬وأحكامِه‬
‫ع ربّه رداء العظمةِ وإزار‬
‫حدَ منْ جحد لنهُ ناز َ‬
‫الدّينيِة والكونيِة‪ .‬وإنّما ألد منْ ألدَ ‪ ،‬و َج ِ‬
‫خطُ‬
‫الكبياءِ ‪ ،‬ول يُذعِنْ لقامِ البوتِ ‪ ،‬فهو يُعطّ ُل الوامر ‪ ،‬وينتهِكُ الناهي ‪ ،‬ويتس ّ‬
‫القادير ‪ ،‬ول يُذعِنْ للقضاءِ‪.‬‬

‫حُ ْكمٌ ماضٍ وقضاءٌ عَدْلٌ ‪:‬‬
‫وحُكمُ الرّبّ ماضٍ ف عبدِه ‪ ،‬وقضاؤُه ع ْدلٌ فيه ‪ ،‬كما ف الديثِ ‪ (( :‬ماضٍ فّ حكمُك ‪،‬‬
‫عَدْلٌ ف قضاؤك ))‪ .‬ومنْ ل يرض بالعدلِ ‪ ،‬فهو منْ أهلِ الظّلمِ وال ْورِ‪ .‬والُ أحكمُ‬
‫الاكمي ‪ ،‬وقدْ حرّ الظّلمَ على نفسِه ‪ ،‬وليس بظلّمٍ للعبيدِ ‪ ،‬وتقدّس سبحانه وتنّه عنْ ُظ ْلمِ‬
‫الناسِ ‪ ،‬ولكنّ أنْفُسهم يظلمون‪.‬‬

‫وقولُه ‪َ (( :‬عدْلٌ ف قضاؤك )) يَ ُعمّ قضاء الذنبِ ‪ ،‬وقضاء أثرِهِ وعقوبتِه ‪ ،‬فإنّ المرينِ منْ‬

‫قضائِه عزّ وجلّ ‪ ،‬وهو أعد ُل العادلي ف قضائِه بالذنبِ ‪ ،‬وف قضائِه بعقوبتِه‪ .‬وقد يقضي‬

‫ل تحزن‬
‫‪256‬‬

‫سبحانه بالذنبِ على العبدِ لسرارٍ وخفايا هو أعَْلمُ با ‪ ،‬قد يكونُ لا من الصالِ العظيمِة ما‬
‫ل يعلمُها إل هُو‪.‬‬

‫ل فائدة ف السّخطِ ‪:‬‬
‫وعدمُ الرّضا ‪ :‬إمّا أنْ يكون لفواتِ ما أخطأ ُه ممّ يبّه ويريدهُ ‪ ،‬وإمّا لصابةٍ با يكرهُه‬
‫ويُسخطُه‪ .‬فإذا تيقّن أنّ ما أخطأه ل ي ُكنْ ليُصيبَه ‪ ،‬وما أصابه ل يكنْ ليُخطئه ‪ ،‬فل فائدة ف‬
‫ف القلمُ با‬
‫سخطِه بعد ذلك إل فواتُ ما ينفعُه ‪ ،‬وحصولُ ما يضرّه‪ .‬وف الديث ‪ (( :‬ج ّ‬

‫أنت لقٍ يا أبا هريرة ‪ ،‬فقدْ ُفرِغَ من القضاءِ ‪ ،‬وانُتهِي من القدرِ ‪ ،‬وكُتِبتِ القاديرُ ‪،‬‬
‫صحُفُ ))‪.‬‬
‫ت ال ّ‬
‫ورُفِعتِ القلمُ ‪ ،‬وجفّ ِ‬

‫السلمةُ مع الرّضا ‪:‬‬
‫ش والدّغلِ والغلّ ‪ ،‬ول ينجو‬
‫والرضا يفتحُ له باب السلمةِ ‪ ،‬فيجعلُ قلبهُ سليما ‪ ،‬نقيّا من الغ ّ‬
‫ب الِ إل منْ أتى ال بقلبٍ سليمٍ ‪ ،‬وهو السّالِمُ من الشّبهِ ‪ ،‬والشّكّ والشّركِ ‪ ،‬وتلبّسِ‬
‫منْ عذا ِ‬
‫إبليس وجُندِه ‪ ،‬وتذيِلهِ وتسويفِهِ‪ ،‬وو ْعدِه ووعيدِه ‪ ،‬فهذا القلبُ ليس فيهِ إل الُ‪﴿ :‬قُلِ ال ّلهُ‬

‫ضهِمْ يَ ْلعَبُونَ ﴾ ‪.‬‬
‫ُثمّ َذرْ ُهمْ فِي خَوْ ِ‬
‫وكذلك تستحيلُ سلمةُ القلبِ من السّخطِ وعد ِم الرضا ‪ ،‬وكلّما كان العبدُ أش ّد رضا ‪ ،‬كان‬
‫قلبُه أسَْلمَ‪ .‬فالبثُ والدّغَلُ والغشّ ‪ :‬قرينُ السّخطِ‪ .‬وسلم ُة القلبِ وبرّه ونُصحُه ‪ :‬قرينُ‬
‫الرضا‪ .‬وكذلك السدُ هو منْ ثراتِ السخطِ‪ .‬وسلم ُة القلبِ منهُ ‪ :‬منْ ثراتِ الرضا‪ .‬فالرضا‬
‫شجرةٌ طيّبة ‪ ،‬تُسقى باءِ الخلصِ ف بستانِ التوحيدِ ‪ ،‬أصلُها اليانُ ‪ ،‬وأغصانُها العمالُ‬
‫الصالةُ ‪ ،‬ولا ثرةٌ يانِعةٌ حلوتُها‪ .‬ف الديثِ ‪ (( :‬ذاق طعْم اليا ِن منْ رضي بالِ ربّا ‪،‬‬

‫ث منْ كنّ فيه وجد بنّ حلوة‬
‫وبالسلم ديِنا ‪ ،‬وبم ٍد نبيا ))‪ .‬وف الديث أيضا ‪ (( :‬ثل ٌ‬

‫اليانِ‪.)) ....‬‬

‫خطُ بابُ الشّكّ ‪:‬‬
‫السّ ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪257‬‬

‫ك ف الِ ‪ ،‬وقضائه ‪ ،‬وقدرِه ‪ ،‬وحكمتِهِ وعلمِهِ ‪ ،‬فقلّ أنْ َيسَْلمَ‬
‫والسّخطُ يفتحُ عليهِ باب الشّ ّ‬
‫السا ِخطُ منْ شكّ يُداخلُ قلبه ‪ ،‬ويتغلغلُ فيه ‪ ،‬وإنْ كان ل يشعرُ به ‪ ،‬فل ْو فتّش نفسه غاية‬
‫التفتيشِ ‪ ،‬لوَ َجدَ يقينهُ معلولً مدخولً ‪ ،‬فإ ّن الرضا واليقي أخوانِ مُصطحبانِ ‪ ،‬والشّكّ‬
‫والسّخط قرينانِ ‪ ،‬وهذا معن الديثِ الذي ف الترمذيّ ‪ (( :‬إنِ استطعت أن تعمل بالرّضا‬
‫مع اليقيِ ‪ ،‬فافعل‪ .‬فإن ل تستطع ‪ ،‬فإن ف الصب على ما تكره الّن ْفسُ خيْرا كثيا ))‪.‬‬
‫فالساخطُون ناقِمون منْ الداخلِ ‪ ،‬غاضبِون ولوْ لْ يتكلمّوا ‪ ،‬عندهم إشكالتٌ وأسئلةٌ ‪،‬‬
‫مفادُها ‪ :‬لِم هذا ؟ وكيف يكونُ هذا ؟ ولاذا وقع هذا ؟‬

‫الرّضا ِغنً وأمْنٌ ‪:‬‬
‫ومنْ مل قلبه من الرضا بالقدر ‪ ،‬مل الُ صدرهُ ِغنً وأمْنا وقناعةً ‪ ،‬وفرّغ قلبه لحبّتِه والنابِة‬
‫إليه ‪ ،‬والتّوكّلِ عليه‪ .‬ومنْ فاته حظّه من الرّضا ‪ ،‬امتل قلبُه بضدّ ذلك ‪ ،‬واشتغل عمّا فيه‬
‫سعادتُه وفلحُه‪.‬‬
‫فالرّضا يُفرّغُ القلب لِ ‪ ،‬والسخطُ يفرّغُ القلب من الِ ‪ ،‬ول عيش لسا ِخطٍ ‪ ،‬ول قرار‬
‫لناِقمٍ ‪ ،‬فهو ف أمر مريجٍ ‪ ،‬يرى أنّ رزقهُ ناقصٌ ‪ ،‬وحظّهُ باخِسٌ ‪ ،‬وعطيّتهُ زهيدةٌ ‪ ،‬ومصائبهُ‬
‫جّةٌ ‪ ،‬فيى أنه يستحقّ أكْثر منْ هذا ‪ ،‬وأرفع وأجلّ ‪ ،‬لك ّن ربّه – ف نظرِهِ – بسهُ و َحرَمَه‬
‫ومنعَهُ وابتله ‪ ،‬وأضناهُ وأرهَقَه ‪ ،‬فكيف يأنسُ وكيف يرتاح ‪ ،‬وكيف ييا ؟ ﴿ ذَلِكَ بِأَّن ُهمُ‬
‫خطَ ال ّلهَ وَ َكرِهُوا رِضْوَاَنهُ فَأَحَْبطَ َأ ْعمَاَل ُهمْ‬
‫اتَّبعُوا مَا أَ ْس َ‬

‫﴾‪.‬‬

‫ثرةُ الرّضا الشّ ْكرُ ‪:‬‬
‫والرضا يُثمرُ الشكر الذي هو منْ أعلى مقاماتِ اليانِ ‪ ،‬بل هو حقيقةُ اليانِ‪ .‬فإنّ غاية‬
‫النازلِ شكرِ الول ‪ ،‬ول يشكُ ُر الُ منْ يرضى بواهبه وأحكامِه ‪ ،‬وصُنعِه وتدبيِه ‪ ،‬وأخذِه‬
‫وعطائِه ‪ ،‬فالشاكرُ أنْعمُ الناسِ بالً ‪ ،‬وأحسنُهم حالً‪.‬‬

‫ثرةُ السّخطِ الكفرُ ‪:‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪258‬‬

‫والسخطُ يُثمِر ضدّه ‪ ،‬وهو كُفْرُ النّعمِ ‪ ،‬وربا أثر له كُفْر النعِم‪ .‬فإذا رضي العبدُ عن ربّه ف‬
‫جيعِ الالتِ ‪ ،‬أوجب له لذلك شُكره ‪ ،‬فيكونُ من الراضي الشاكرين‪ .‬وإذا فات ُه الرضا ‪،‬‬
‫كان من الساخطي ‪ ،‬وسلك سُبُل الكافرين‪ .‬وإنا وقع اليْفُ ف العتقاداتِ والللُ ف‬
‫الدياناتِ مِ ْن كوْ ٍن كثيٍ من العبيدِ يريدون أن يكونوا أربابا ‪ ،‬بلْ يقترحون على ربّهم ‪،‬‬
‫وُيحِلّون على مولهم ما يريدون‪ ﴿ :‬يَا أَّيهَا اّلذِينَ آمَنُوا لَا ُتقَ ّدمُوا بَ ْينَ َيدَيِ ال ّلهِ‬

‫َورَسُوِلهِ ﴾‪.‬‬

‫السّخطُ مصيدةٌ للشيطانِ ‪:‬‬
‫والشيطانُ إنا يظف ُر بالنسانِ غالبا عند السخطِ والشهوةِ ‪ ،‬فهناك يصطادُه ‪ ،‬ولسيّما إذا‬
‫استحكم سخطُه ‪ ،‬فإنهُ يقولُ ما ل يُرضي الرّبّ ‪ ،‬ويفعلُ ما ل يُرضيه ‪ ،‬وينوي ما ل يُرضيهِ ‪،‬‬
‫ولذا قال النبّ‬

‫عند موت ابنهِ إبراهيم ‪ (( :‬يزنُ القلبُ وتدم ُع العيُ ‪ ،‬ول نقولُ إل ما‬

‫يُرضي ربّنا ))‪ .‬فإنّ موت البني من العوارضِ الت تُو ِجبُ للعبدِ السخط على ال َقدَرِ ‪ ،‬فأخبَ‬

‫النبّ أنهُ ل يقولُ ف مثْلِ هذا القامِ – الذي يسخطُه أكثرُ الناسِ ‪ ،‬فيتكلّمون با ل يُرضي‬
‫ال ‪ ،‬ويفعلون ما ل يرضيه – إل ما يُرضي ربّه تبارك وتعال‪ .‬ولو لح العبدُ ف القضاءِ با يراهُ‬
‫مكروها إل ثلثةِ أُمورٍ ‪ ،‬لان عليه الصابُ‪.‬‬
‫أوّلا ‪ :‬علمُه بكمةِ الق ّدرِ جلّ ف عله ‪ ،‬وأنهُ أخْبَرُ بصلح ِة العبدِ وما ينفعُه‪.‬‬

‫ثانيها ‪ :‬أنْ ينظر للجرِ العظي ِم والثوابِ الزيلٍ ‪ ،‬كما وعد الُ منْ ُأصِيب فصب مِنْ عبادِهِ‪.‬‬

‫ثالثُها ‪ :‬أن الُكم والمر للرّبّ ‪ ،‬والتسليم والذعان للعبدِ ‪ ﴿ :‬أَ ُهمْ َي ْقسِمُونَ رَ ْح َمةَ رَبّكَ ﴾ ‪.‬‬

‫الرّضا يُخرجُ الوى ‪:‬‬
‫والرضا يُخرجُ الوى من القلبِ ‪ ،‬فالراضي هوا ُه تبعٌ لرا ِد ربّه منه ‪ ،‬أعن الراد الذي يبّه ربّه‬
‫ع الوى ف القلبِ أبدا ‪ ،‬وإنْ كان معهُ شُعبةٌ منْ هذا ‪،‬‬
‫ويرضاهُ ‪ ،‬فل يتمعُ الرضا واتّبا ُ‬
‫وشعبةٌ منْ هذا ‪ ،‬فهو للغالِب عليه منهما‪.‬‬
‫فسل ُم الِ على وَسَنِي‬
‫إ ْن كان رضاكُم ف سهري‬
‫﴿ َو َعجِلْتُ إِلَ ْيكَ‬

‫َربّ لَِترْضَى ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪259‬‬

‫إنْ كان س ّر ُكمُ ما قال حا ِسدُنا‬

‫فما ل ْرجٍ إذا أرضاكمو ألُ‬

‫******************************************‬

‫وقفـــة‬
‫(( تعرّفْ إل الِ ف الرخاءِ ‪ ،‬يعرفْك ف الشّدّة ))‪.‬‬

‫« (تعرّفْ) بتشديدِ الرّاءِ (إل الِ) أيْ ‪ :‬تّببْ وتقرّبْ إليهِ بطاعتِه ‪ ،‬والشّكرِ لهُ على سابغِ‬
‫نعمتِه ‪ ،‬والصب تت مُرّ أ ْقضِيتِهِ ‪ ،‬وصدْقِ اللتجاءِ الاصِ قبل نزولِ بليّتِه‪( .‬ف الرخاءِ) أيْ ‪:‬‬
‫ت والنفاق ف القُرُباتِ ‪،‬‬
‫ف الدّعةِ والمْ ِن والنعمةِ وسَعَ ِة العمرِ وصحّ ِة البدنِ ‪ ،‬فالزمِ الطاعا ِ‬

‫شدّة) بتفريِها عنك ‪ ،‬وج ْعلِه لك‬
‫حت تكون مّتصِفا عنده بذلك ‪ ،‬معروفا به‪( .‬يعرفْك ف ال ّ‬

‫ف »‪.‬‬
‫منْ ك ّل ضِيقٍ مرجا ‪ ،‬ومنْ كلّ ه ّم فرجا ‪ ،‬با سلف منْ ذلك التّعرّ ِ‬
‫« ينبغي أنْ يكون بي العبدِ وبي رّبهِ معرفةٌ خاصّةٌ بقلبِهِ ‪ ،‬بيثُ يدُه قريبا للستغناءِ لهُ منهُ ‪،‬‬
‫فيأنسُ بهِ ف خلوتِه ‪ ،‬ويدُ حلوة ذكْرِه ودعائِه ومناجاتِه وطاعتِه ‪ ،‬ول يزا ُل العبدُ يقع ف‬
‫شدائد وكُربٍ ف الدنيا والبْزخِ والوقفِ ‪ ،‬فإذا كان بينهُ وبي ربّه معرفةٌ خاصّة ‪ ،‬كفاهُ ذلك‬
‫كلّه »‪.‬‬
‫*************************************‬

‫ت الخوانِ‬
‫الغضا ُء عنِ هفوا ِ‬
‫﴿ ُخذِ اْل َعفْوَ وَْأمُرْ بِاْل ُعرْفِ وََأ ْع ِرضْ َعنِ اْلجَاهِ ِليَ ﴾‪.‬‬
‫ل ينبغي أنْ يزهد فيهِ – أي الخ‪ -‬لُُلقٍ أو ُخلُقَيْن ينكرُها منهُ‪ ،‬إذا رضي سائر أخلقِه ‪،‬‬
‫وحِد أكثرَ شِيمِه ‪ ،‬لنّ اليسي مغفورٌ ‪ ،‬والكمال مُعوزٌ ‪ ،‬وقدْ قال الكِنْديّ ‪ :‬كيف تريدُ منْ‬
‫ص النفوسِ به ‪،‬‬
‫صديقِك خُلُقا واحدا ‪ ،‬وهو ذو طبائع أربعٍ‪ .‬مع أنّ نفْس النسانِ الت هي أخ ّ‬
‫ومدبّرةٌ باختيارِه وإرادتِه ‪ ،‬ل تُعطيه قيِادها ف كلّ ما يريدُ ‪ ،‬ول تُجيبُه إل طاعتِه ف كلّ ما‬
‫يبُ ‪ ،‬فكيف بنفسِ غيِه ؟! ﴿ َكذَلِكَ كُنتُم مّن قَبْلُ َفمَنّ ال ّل ُه عَلَيْ ُكمْ ﴾ ‪ ﴿ ،‬فَلَا ُتزَكّوا‬

‫أَن ُفسَكُمْ هُوَ َأعْ َلمُ ِبمَنِ اّتقَى ﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪260‬‬

‫وحسْبُك أنْ يكون لك منْ أخيك أكثرُه ‪ ،‬وقدْ قال أبو الدردا ِء – رضي ال عنه ‪ : -‬مُعاتبَ ُة‬
‫الخِ خَيْرٌ م ْن فقْدِه ‪ ،‬منْ لك بأخيك كلّه ؟! فأخذ الشعراءُ هذا العن ‪ ،‬فقال أبو العتاهية ‪:‬‬
‫نيا بكلّ أخيك منْ لكْ‬
‫َأأُخيّ منْ لك مِن بن الد‬
‫ـك كلّ منْ ل تُ ْعطِ كُلّكْ‬
‫فاسْتبْقِ بعضك ل َيمَلّـ‬
‫وقال أبو تامٍ الطائيّ ‪:‬‬
‫منْ لك يوما بأخيك كُلّهِ‬
‫ما غب الغبون مِثْلُ ع ْقلِهِ‬
‫وقال بعضُ الكماء ‪َ :‬طَلبُ النصافِ ‪ ،‬مِنْ قلّةِ النصافِ‪.‬‬
‫وقال بعضُهم ‪ :‬ن ُن ما رضِينا عنْ أن ُفسِنا ‪ ،‬فكيف نرضى عنْ غيِنا !!‬
‫وقال بعضُ البلغاءِ ‪ :‬ل يُزهدنّك ف رجلٍ حدت سيته ‪ ،‬وارتضيت وتيته ‪ ،‬وعرفت فَضْله ‪،‬‬
‫ب صغيٌ تستغفرُ له قوةُ وسائلِه ‪،‬‬
‫وبطنت عقله – عَْيبٌ خفيّ ‪ ،‬تيطُ به كثرةُ فضائلِه ‪ ،‬أو ذن ٌ‬
‫فإنك لنْ تِد – ما بقيت – مُهذّبا ل يكونُ فيه عيبٌ ‪ ،‬ول يقعُ منه ذنبٌ ‪ ،‬فاعتبْ بنفسك‬
‫بعدُ ألّ تراها بعيِ الرضا ‪ ،‬ول تري فيها على حُك ِم الوى ‪ ،‬فإ ّن ف اعتبارِك با ‪ ،‬واختبارِك‬
‫لا ‪ ،‬ما يُواسيك ما تطلبُ ‪ ،‬ويعطِفك على منْ يُذنبُ ‪ ،‬وقد قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫كفى الرء نُبلً أنْ تُعدّ معايبُهْ‬
‫ومنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلّها‬
‫وقال النابغةُ الذّبيانّ ‪:‬‬
‫على شعثٍ أيّ الرّجالِ الهذّبِ‬
‫ولست ُبسْتبْقٍ أخا ل تُلمّهُ‬
‫وليس ينقضُ هذا القول ما وصفناهُ منْ اختبارِه ‪ ،‬واختبارِ الصا ِل الربع فيه ‪ ،‬لنّ ما اعوز‬
‫فيه معفوّ عنهُ ‪ ،‬هذا ل ينبغي أنْ تُوحشك فترٌة تدُها منهُ ‪ ،‬ول أنْ تُسيء الظّنّ ف كبوةٍ تكونُ‬
‫منه ‪ ،‬ما ل تتحقّق تغيّره ‪ ،‬وتتيقّن تنكّره ‪ ،‬وليصرفْ ذلك إل فتراتِ النفوسِ ‪ ،‬واستراحاتِ‬
‫الواطرِ ‪ ،‬فإنّ النسان قد يتغيّرُ عنْ مُراعاةِ نفسِه الت هي أخصّ النفوسِ به ‪ ،‬ول يكونُ ذلك‬
‫منْ عداوةٍ لا ‪ ،‬ول مللٍ منها‪ .‬وقدْ قيل ف منثورِ الِكمِ ‪ :‬ل يُفسِدنّك الظّنّ على صديقٍ قد‬
‫أصلحك اليقيُ له‪ .‬وقال جعفرُ ب ُن ممدٍ لبنِه ‪ :‬يا ُبنّ ‪ ،‬منْ غضب من إخوانِك ثلث‬
‫مرّاتٍ ‪ ،‬فلمْ يقُل فيك سوى القّ ‪ ،‬فا ِتذْه لنفسِك خِلّ‪ .‬وقال السنُ ب ُن وهبٍ ‪ :‬منْ حقوقٍ‬

‫ل تحزن‬
‫‪261‬‬

‫الودّةِ أ ْخذُ عَ ْفوِ الخوانِ ‪ ،‬والغضاءُ عن تقصي إن كان‪ .‬وقد روي عنْ عل ّي – رضي الُ عنهُ‬
‫ص ْفحَ‬
‫ص َفحِ ال ّ‬
‫– ف قولِه تعال ‪ ﴿ :‬فَا ْ‬

‫جمِيلَ ﴾‬
‫اْل َ‬

‫‪ ،‬قال ‪ :‬الرّضا بغيِ عتابٍ‪.‬‬

‫وقال ابنُ الروميّ ‪:‬‬
‫ُيِلمّ بعيٍ أو يُك ّدرُ مشْربا‬
‫همُ الناسُ والدنيا ولُبدّ م ْن قذىً‬
‫ـمُهذّب ف الدنيا ولست الهذَبا‬
‫ومنْ قّلةِ النصافِ أنّك تبتغي الـ‬
‫وقال بعضُ الشعراءِ ‪:‬‬
‫ولكنْ هجرُنا مطرُ الرّبيعِ‬
‫َتوَاصُلُنا على اليامِ باقٍ‬
‫على علّتِهِ دان النّزُوعِ‬
‫صوْبُهُ لكنْ تراهُ‬
‫يرُوعُك َ‬
‫سوى دلُ الطاعِ على الُطيعِ‬
‫معاذ الِ أنْ تلقى غِضابا‬
‫حدٍ أَبَدا ﴾‬
‫﴿ وَلَوْلَا َفضْلُ ال ّلهِ عَلَيْكُمْ َورَ ْحمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم ّمنْ أَ َ‬
‫وهلْ عُودٌ يفُوحُ بل دُخانِ‬

‫تريدُ مُهذّبا ل عيب فيه‬
‫﴿ فَلَا ُتزَكّوا أَن ُفسَكُمْ هُوَ َأعْ َلمُ ِبمَنِ اّتقَى ﴾‪.‬‬
‫************************************************‬

‫الصّحّةُ والفراغُ‬
‫صحّة جسمِك ‪ ،‬وفراغ وقتِك ‪ ،‬بالتقصيِ ف طاع ِة ربّك ‪ ،‬والثّق ِة بسال ِ‬
‫ف‬
‫ينبغي أل تضيّع ِ‬
‫عمِلك ‪ ،‬فاجعلْ الجتهاد غنيمة صحّتِك ‪ ،‬والعمل فرصة فراغِك ‪ ،‬فليس كلّ الزمانِ مستعدا‬
‫غ زْيغٌ أو ندمٌ ‪ ،‬وللخْلوةِ مَيْلٌ أو أسفٌ‪.‬‬
‫ول ما فات مستدركا ‪ ،‬وللفرا ِ‬
‫وقال عمرُ بنُ الطابِ ‪ :‬الراحةُ للرجالِ غفْلةٌ ‪ ،‬وللنساءِ ُغلْمةٌ‪.‬‬
‫جهَدةً ‪ ،‬فالفراغُ مفْسدَةٌ‪.‬‬
‫وقال بزرجهرُ ‪ :‬إنْ يكنِ الشغلُ َم ْ‬
‫وقال بعضُ الكماءِ ‪ :‬إيّاكمْ واللواتِ ‪ ،‬فإنا تُفسدُ العقول ‪ ،‬وتعقِدُ الحلول‪.‬‬
‫وقال بعضُ البلغاءِ ‪ :‬ل تضِ يومك ف غي منفعةٍ ‪ ،‬ول تضعْ مالك ف غيْر صنيعةٍ ‪ ،‬فالعمرُ‬
‫أقصرُ منْ ين َفدَ ف غيِ النافعِ ‪ ،‬والالُ أقلّ منْ أنْ يُصرف ف غيِ الصانع ‪ ،‬والعاقلُ أجلّ منْ أنْ‬
‫يُفن أيامه فيما ل يعودُ عليه نفعُه وخيهُ ‪ ،‬ويُنفق أموال ُه فيما ل يصُل له ثوابُه وأجْرُه‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪262‬‬

‫وأبلغُ منْ ذلك قولُ عيس ابن مري ‪ ،‬على نبينا وعليه السلمُ ‪ :‬البّ ثلثةٌ ‪ :‬النطقُ ‪ ،‬والنّظرُ ‪،‬‬
‫والصّمتُ ‪ ،‬فمنْ كان منطقُه ف غيِ ذك ٍر فقد لغا‪ ،‬ومنْ كان نظرُه ف غيْ ِر اعتبارٍ فقدْ سها ‪،‬‬
‫وم ْن كان صمْته ف غ ِي فِكْ ٍر فقد لا‪.‬‬
‫********************************************‬

‫ل ولّ الذين آمنُوا‬
‫اُ‬
‫العبدُ باجةٍ إل إلهٍ ‪ ،‬وف ضرورةٍ إل مولً ‪ ،‬ولبدّ ف اللهِ من القُدرةِ والنّصرةِ ‪ ،‬والُكمِ ‪،‬‬
‫والغنمِ ‪ ،‬والغنا ِء والقوةِ ‪ ،‬والبقاءِ‪ .‬والُّتصِفِ بذلك هو الواح ُد الحدُ اللكُ الهيمنُ ‪ ،‬جلّ ف‬
‫عله‪.‬‬
‫فليس ف الكائناتِ ما يسكُن العبدُ إليهِ ويطمئنّ به ‪ ،‬ويتن ّعمُ بالتّوجّه إليه إل الُ سبحانه ‪ ،‬فهو‬
‫ملذُ الائفي ‪ ،‬ومعاذُ الُلجئِي ‪ ،‬وغوْثُ الستغيثي ‪ ،‬وجارُ الستجيين ‪ِ ﴿ :‬إذْ َتسْتَغِيثُونَ‬

‫رَبّ ُكمْ فَاسَْتجَابَ لَ ُكمْ ﴾ ‪َ ﴿ ،‬وهُوَ ُيجِيُ وَلَا ُيجَا ُر عَلَ ْيهِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬لَ ْيسَ َلهُم مّن دُوِنهِ وَلِيّ وَلَ‬

‫َشفِيعٌ ﴾ ‪ ،‬ومنْ عبد غيْر الِ ‪ ،‬وإنْ أحبّه وحصل له به مودّةٌ ف اليا ِة الدنيا ‪ ،‬ونوعٌ من الّلذّةِ‬
‫– فهو مَ ْفسَدةٌ لصاحبه أعظمُ منْ مفسدةِ التذاذِ أكلِ الطعامِ السمومِ ﴿ لَوْ كَانَ فِي ِهمَا آِل َهةٌ إِلّا‬
‫ش‬
‫ال ّلهُ َل َفسَدَتَا َفسُ ْبحَانَ ال ّلهِ َربّ اْل َعرْ ِ‬

‫عَمّا َيصِفُونَ ﴾‬

‫فإ ّن قوامهُما بأنْ تألا الله القّ ‪ ،‬فلو‬

‫كان فيهما آلةٌ غ ُي الِ ‪ ،‬ل يكنْ إلا حقّا ‪ ،‬إذ الُ ل سِيّ له ول مِثْل له ‪ ،‬فكانتْ تفسُد ‪،‬‬
‫لنتفاء ما به صلحُها ‪ ،‬هذا من جهة اللية‪ .‬فعُلِم بالضرورة اضطرار العبدِ إل إلِهِ ومولهُ‬
‫وكافِيهِ وناصرِه ‪ ،‬وهو اتّصالُ الفان بالباقي ‪ ،‬والضعيفِ بالقويّ ‪ ،‬والفقيِ بالغنّ ‪ ،‬وكلّ منْ ل‬
‫يّتخِذ ال ربّا وإلا ‪ ،‬اتّخذ غيه من الشيا ِء والصورِ والحبوباتِ والرغوباتِ ‪ ،‬فصار عبدا لا‬
‫خذُوا مِن دُونِ ال ّلهِ آِل َهةً‬
‫وخادما ‪ ،‬ل مالة ف ذلك ‪ ﴿ :‬أَرَأَيْتَ َمنِ اّتخَذَ إَِل َههُ هَوَاهُ ﴾ ‪﴿ ،‬وَاّت َ‬

‫﴾‪ .‬وف الديثِ ‪ (( :‬يا حُص ْينُ ‪ ،‬كم تعبدُ ؟ )) قال ‪ :‬أعبدُ سبعةً ‪ ،‬ست ًة ف الرضِ ‪ ،‬وواحدا‬
‫ف السماءِ‪ .‬قال ‪ (( :‬فمنْ لِرغبِك ولِرهبِك ؟ ))‪ .‬قال ‪ :‬الذي ف السماءِ‪ .‬قال ‪ (( :‬فاترُكِ‬

‫الت ف الرضِ ‪ ،‬واعُبدِ الذي ف السماءِ ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪263‬‬

‫واعلمْ أ ّن فقر العبدِ إل الِ ‪ ،‬أ ْن يعبد ال ل يُشركُ به شيئا ‪ ،‬ليس له نظ ٌي فيُقاسُ به ‪ ،‬لكنْ‬
‫يُشبِهُ – منْ بعضِ الوجوهِ – حاجة السدِ إل الطعامِ والشرابِ ‪ ،‬وبينهما فروقٌ كثيةٌ‪.‬‬
‫فإنّ حقيقة العبدِ قلبُه ورُوحُه ‪ ،‬وهي ل صلح لا إل بإلها الِ الذي ل إله إل هو ‪ ،‬فل‬
‫تطمئ ّن ف الدنيا إل بذكْرِه ‪ ،‬وهي كادحةٌ إليه كدْحا فمُلقيتُه ‪ ،‬ولبُدّ لا منْ لقائِه ‪ ،‬ول‬
‫صلح لا إل بلقائِهِ‪.‬‬
‫كان له الُ أشدّ حُبّا‬
‫ومنْ لقاء الِ قد أحبّا‬
‫ل ول تت ِكلْ‬
‫رحْمتهُ فض ً‬
‫وعكسُه الكارِهُ فال اسألْ‬
‫ولو حصل للعبد لذّاتٌ أو سرورٌ بغيِ الِ ‪ ،‬فل يدومُ ذلك ‪ ،‬بلْ ينتقلُ منْ نوع إل نوع ‪ ،‬ومنْ‬
‫شخصٍ إل شخصٍ ‪ ،‬ويتنعّمُ بذا ف وقتٍ وف بعض الحوالِ ‪ ،‬وتارةً أُخرى يكون ذلك‬
‫الذي يتن ّعمُ به ويلتذّ ‪ ،‬غي من ّعمٍ لهُ ول ملتذّ له ‪ ،‬ب ْل قد يُؤذيهِ اتّصالُه به ووجودُه عنده ‪،‬‬
‫ويضرّه ذلك‪.‬‬
‫وأمّا إلهُ فلُبدّ لهُ منه ف كلّ حالٍ وكلّ وقتِ ‪ ،‬وأينما كان فهو معه‪.‬‬
‫إذا رضيت فهذا مُنتهى أملي‬
‫عساك ترضى وكلّ الناسِ غاضبةٌ‬
‫وف الديثِ ‪ (( :‬منْ أرضى ال بسخطِ الناسِ ‪ ،‬رضي ال عليه ‪ ،‬وأرضى عنه الناس‪ .‬ومنْ‬
‫ل عليه وأسخط عليهِ الناس ))‪ .‬ول زلتُ أذك ُر قصّة‬
‫أسخط ال برضا الناس ‪ ،‬سخِط ا ُ‬
‫ف المي فقال ‪:‬‬
‫(العكوّك ) الشاعرِ وق ْد مدح أبا دل ٍ‬
‫إ ّل قضيت بأرزاقٍ وآجالِ‬
‫ول مددْت يدا باليِ واهِبةً‬
‫فسلّط الُ عليهِ الأمون فَقَتَلَه على بساطِ ِه بسببِ هذا البيت ﴿ وَ َكذَلِكَ ُنوَلّي َبعْضَ الظّاِلمِيَ‬

‫َبعْضا ِبمَا كَانُواْ يَ ْكسِبُونَ‬
‫****************************************‬
‫﴾‪.‬‬

‫إشاراتٌ ف طريقِ البا ِحثِي‬
‫للسعادةِ والفلحِ علماتٌ تلوحُ ‪ ،‬وإشاراتٌ تظهرُ ‪ ،‬وهي شهودٌ على رقيّ صاحبها ‪ ،‬وناحِ‬
‫حامِلها ‪ ،‬وفلحِ منِ اتّصف با‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪264‬‬

‫ع البحارِ ‪،‬‬
‫فمنْ علماتِ السعادةِ والفلحِ ‪ :‬أ ّن العبد كلّما زاد وزُنه ونفاستُه ‪ ،‬غاص ف قا ِ‬
‫فهو يعلمُ أنّ العلم موهبةٌ راسخةٌ يتحِ ُن الُ با منْ شاء ‪ ،‬فإنْ أ ْحسَنَ شُ َكرَها ‪ ،‬وأحسن ف‬
‫قبُولِهِ ‪ ،‬رَفعهُ به درجاتٍ‬

‫﴿‬

‫َيرْفَعِ ال ّلهُ اّلذِينَ آمَنُوا مِن ُكمْ وَاّلذِينَ أُوتُوا اْلعِ ْلمَ‬

‫دَرَجَاتٍ ﴾‪.‬‬

‫وكلّما زِيد ف عملهِ ‪ ،‬زيد ف خوفِهِ و َح َذرِه ‪ ،‬فهو ل يأمنُ عثرة القدمِ ‪ ،‬وزلّة اللسانِ ‪،‬‬
‫وتقلّب القلبِ ‪ ،‬فهو ف مُحاسبةٍ ومُراقبةٍ كالطائ ِر الذِر ‪ ،‬كلّما وقع على شجرةٍ تركها‬
‫لخرى ‪ ،‬يافُ مهارة القنّاص ‪ ،‬وطائشة الرصاصِ‪ .‬وكلّما زيد ف عمرِه ‪ ،‬نقص من حِ ْرصِهِ‬
‫ويعلمُ علم اليقيِ أنّ ُه قدِ اقترب من النتهى ‪ ،‬وقطع الرحلة ‪ ،‬وأشرف على وادي اليقي‪ .‬وهو‬
‫كلّما زِيد ف مالِه ‪ ،‬زيد ف سخائِه وبذْلهِ ؛ لنّ الال عاريةٌ ‪ ،‬والواهب متحنٌ ‪ ،‬ومناسباتِ‬
‫المكا ِن فُرصٌ ‪ ،‬والوت بالرصادِ‪ .‬وهو كلّما زيد ف ق ْدرِه وجاهِه ‪ ،‬زيد ف قُربِه من الناسِ‬
‫وقضاءِ حوائجِهم والتّواضُعِ لم ؛ لنّ العباد عيا ُل ال ‪ ،‬وأحبّهم إل الِ أنفعُهم لعيالِه‪.‬‬
‫ت الشقاوةِ ‪ :‬أنّ كلّما زيد ف علمِهِ ‪ ،‬زيد ف كِبْره وتيههِ ‪ ،‬فع ْلمُه غ ُي نافعٍ ‪ ،‬وقلبُه‬
‫وعلما ُ‬
‫خاوٍ ‪ ،‬وطبيعتُه ثخينةٌ ‪ ،‬وطينتُه سِباخٌ وعْرةٌ‪ .‬وهو كّلما زيد ف عملِه ‪ ،‬زِيد ف فخْره واحتقارِه‬
‫للناس ‪ ،‬و ُحسْنِ ظنّه بنفسهِ‪ .‬فهو الناجي وحده ‪ ،‬والباقون هلْكى ‪ ،‬وهو الضامنُ جواز‬
‫الفازةِ ‪ ،‬والخرون على شفا التالِفِ‪ .‬وهو كلّما زِيد ف عمرِه ‪ ،‬زيد ف حِرصِهِ ‪ ،‬فهو جُوعٌ‬
‫منُوعٌ ‪ ،‬ل تُحرّكهُ الوادِثُ ‪ ،‬ول تُزعزعُه الصائبُ ‪ ،‬ول تُوقِظهُ القوارِعُ‪ .‬وهو كلّما زِيد ف‬
‫مالِه ‪ ،‬زيد ف بُخلِه وإمساكِه ‪ ،‬فقلْبُه مقفرٌ من القِيم ‪ ،‬وكفّه شحيح ٌة بالبذْلِ ‪ ،‬ووجهُه صفيقٌ‬
‫عريّ من الكارمِ‪ .‬وهو كلّما زيد ف قدْرِه وجاهِه ‪ ،‬زيِد ف ِكبِه وتْيهِه ‪ ،‬فهو مغرورٌ‬
‫ش الرادةِ منتفخُ الرّئةِ ‪ ،‬مريشُ الناحِ ‪ ،‬لكنّه ف النهايةِ ل شيء ‪ (( :‬يُحشر‬
‫مدحورٌ ‪ ،‬طائ ُ‬

‫التكبّرون يوم القيامةِ ف صور ِة الذّرّ ‪ ،‬يطؤ ُهمْ الناسُ بأقدامِهمْ ))‪ .‬وهذ ِه الموُر ابتلءٌ من‬
‫الِ وامتحانٌ ‪ ،‬يَبْتَلي با عباده فيسْعدُ با أقوامٌ ‪ ،‬ويشقى با آخرون‪.‬‬
‫****************************************‬

‫الكرامةُ ابتلءٌ‬

‫ل تحزن‬
‫‪265‬‬

‫ك والسّلطانِ والالِ ‪ ،‬قال تعال عنْ نبيّه سليمان لّا‬
‫ت امتحانٌ وابتلءٌ ‪ ،‬كا ُللْ ِ‬
‫وكذلك الكراما ُ‬
‫رأى عِرش بلقيس عنده ‪َ ﴿ :‬هذَا مِن َفضْلِ رَبّي لِيَ ْبلُوَنِي أَأَشْ ُكرُ أَمْ أَ ْك ُفرُ ﴾ ‪ ،‬فهو سبحانه‬
‫ُيسْدِي النعمة ليى م ْن قبِلها بقبُولٍ حسن ‪ ،‬وشكرها وحفظها ‪ ،‬وثّرها وانتفع ونفع با ‪،‬‬
‫ومنْ أهلها وعطّلها ‪ ،‬وكفرها وصرفها ف مُحاربةِ العطي ‪ ،‬واستعان با ف مُحادّةِ الواهبِ‬
‫جلّ ف عُلهُ‪.‬‬
‫ل وامتحانٌ ‪ ،‬يظهرُ با شُكْرُ الشكُورِ وكُفرُ الكفورِ‪ .‬كما أنّ الحنَ منهُ‬
‫فالنّعمُ ابتلءٌ من ا ِ‬
‫سبحانه ‪ ،‬فهو يبتلي بالنعمِ كما يبتلي بالصائبِ قال تعال ‪:‬‬

‫﴿‬

‫فََأمّا الْإِنسَانُ ِإذَا مَا ابْتَلَاهُ رَّبهُ‬

‫فَأَ ْك َر َمهُ وََن ّع َمهُ فََيقُولُ رَبّي أَ ْك َرمَنِ{‪ }15‬وََأمّا ِإذَا مَا ابْتَلَاهُ َفقَدَرَ عَلَ ْيهِ رِزْ َقهُ فََيقُولُ رَبّي‬

‫أَهَاَننِ{‪}16‬‬

‫كَلّا‪﴾ ....‬‬

‫‪ ،‬أي ليس كلّ منْ وسّ ْعتُ عليهِ وأكرمتُه ونعّمتُه ‪ ،‬يكونُ ذلك‬

‫إكراما من له ‪ ،‬ول كلّ م ْن ضيّقتُ علي ِه رزقه وابتليتُه ‪ ،‬يكونُ إهانةً من له‪.‬‬
‫************************************‬

‫الكنوزُ الباقيةُ‬
‫إنّ الواهب الزيلة والعطايا الليلة ‪ ،‬هي الكنوزُ الباقيةُ لصحابا ‪ ،‬الراحلةُ معهمْ إل دارِ القامِ‬
‫‪ ،‬من السلمِ واليانِ والحسانِ والب والتقّى والجرةِ والهادِ والتوبة والنابةِ ‪﴿ :‬لّ ْيسَ الِْبرّ‬

‫شرِقِ وَاْل َم ْغرِبِ وَلَـكِنّ الِْبرّ َمنْ آ َمنَ بِال ّلهِ وَالْيَوْمِ‬
‫أَن تُوَلّواْ وُجُوهَ ُكمْ قِبَلَ اْل َم ْ‬
‫اْلمُتّقُونَ ﴾‪.‬‬

‫إل قولهِ تعال ‪ُ ﴿ :‬همُ‬
‫**************************************‬

‫خرِ‪﴾ ...‬‬
‫ال ِ‬

‫هّةٌ تنطحُ الثّريّا‬
‫إذا أُعطي العبدُ هّ ًة كبى ‪ ،‬ارتلتْ بهِ ف دروبِ الفضائلِ ‪ ،‬وصعِدتْ بهِ ف درجاتِ العال‪.‬‬
‫ومنْ سجايا السلمِ التّحلّي بكِب المّةِ ‪ ،‬وجللةِ القصودِ ‪ ،‬وسوّ الدفِ ‪ ،‬وعظمةِ الغايةِ‪.‬‬
‫ب ف شخصِك ‪ ،‬الرقيبُ على جوارحِك ‪ ،‬وهي الوقودُ‬
‫فالمّة هي مرك ُز السالبِ والوج ِ‬
‫السّيّ والطاقةُ اللتهبةُ ‪ ،‬الت تدّ صاحبها بالوثوبِ إل العال والسابقةِ إل الحا ِمدِ‪ .‬وكِبَرُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪266‬‬

‫المّ ِة يلبُ لك‪ .‬بإذن الِ خيْرا غي مذوذٍ ‪ ،‬لترقى إل درجاتِ الكمالِ ‪ ،‬فُيجْرِي ف عروقِك‬
‫س واقفا إل على أبواب‬
‫دم الشهامةِ ‪ ،‬والركْضِ ف ميدانِ العلمِ والعملِ‪ .‬فل يراك النا ُ‬
‫ت المورِ ‪ ،‬تُنافسُ ال ّروّاد ف الفضائلِ ‪ ،‬وتُزاحمُ السّادة‬
‫الفضائلِ ‪ ،‬ول باسطا يديْك إل لهمّا ِ‬
‫ف ف الخيِ ‪ ،‬ول تقبلُ بالقلّ‪ .‬وبالتحلّي با ِلمّةِ ‪،‬‬
‫ف الزايا ‪ ،‬ل ترضى بالدّون ‪ ،‬ول تق ُ‬
‫يُسلبُ منك سفساف المال والعمالِ ‪ ،‬ويُجتثّ منك شجرةُ الذّ ّل والوانِ ‪ ،‬والتملّق ‪،‬‬
‫والداهنةِ ‪ ،‬فكبيُ ا ِلمّةُ ثابتُ الأشِ ‪ ،‬ل تُرهبُه الواقفُ ‪ ،‬وفاقدُها جبانٌ رِعديدٌ ‪ ،‬تُغلقُ فمه‬
‫الفهاهةُ‪.‬‬
‫ط فتخْلِط بي ِكبِ المة والكِبْر ‪ ،‬فإن بينهما من الرْق كما بي السماء ذاتِ الرّجعِ‬
‫ول تغل ْ‬
‫ت الصّدْعِ ‪ ،‬ف ِكبُ المّ ِة تاجٌ على مفْرِق القلبِ الُرّ الثال ‪ ،‬يسعى به دائما وأبدا‬
‫والرضِ ذا ِ‬
‫إل الطّهرِ والقداسةِ والزّيادة والفضلِ ‪ ،‬فكب ُي المّةِ يتل ّمظُ على ما فاته من ماسن ‪ ،‬ويتحسّرُ‬
‫على ما فقده من مآثِر ‪ ،‬فهو ف حنيٍ مستمرّ ‪ ،‬ونمٍ دؤوبٍ للوصولِ إل الغاي ِة والنهايةِ‪.‬‬
‫كِبَرُ المّةِ ِحلْيةُ ورثةِ النبياءِ ‪ ،‬والكِبْرُ داءُ الرضى بعلّة البابرةِ البؤساءِ‪.‬‬
‫فكِ ُب المّةِ تص َعدُ بصاحبِها أبدا إل الرّقيّ ‪ ،‬والكِبْرُ يهبطُ به دائما إل الضيضِ‪ .‬فيا طالب‬
‫العلم ‪ ،‬ارسمْ لنفسك كِب المّةِ ‪ ،‬ول تنفلتْ منها وقد أومأ الشرعُ إليها ف فقهيّاتٍ تُلبس‬
‫ف عند ف ْقدِ الاءِ ‪،‬‬
‫حياتك ‪ ،‬لتكون دائما على يقظةٍ من اغتنامِها ‪ ،‬ومنها ‪ :‬إباح ُة التّيمّمِ للمكلّ ٍ‬
‫وعدمُ إلزامهِ بقبُولِ هِبةٍ ثن الاءِ للوضوءِ ‪ ،‬لا ف ذلك من النّةِ الت تنالُ من المّة منالً ‪ ،‬وعلى‬
‫هذا فقيِسْ‪.‬‬
‫فال ال ف الهتمامِ بالمّةِ ‪ ،‬وسلّ سيفِها ف غمراتِ الياةِ ‪:‬‬
‫وحتّى يكون اليومُ لليومِ سيّدا‬
‫لدّث حت تفضُل العيُ أختها‬
‫هو ا ِ‬
‫***************************************‬

‫قراءة العقول‬

‫ل تحزن‬
‫‪267‬‬

‫مّا يشرح الاطر ويسُرّ النّفْس ‪ ،‬القراءةُ والتأمّلُ ف عقولِ الذكياءِ وأهلِ الفِطنةِ ‪ ،‬فإنّها متع ٌة‬
‫ت البديعةِ من أولئك الفطناءِ‪ .‬وسّيدُ العارفي وخيةُ العالي ‪،‬‬
‫يسلو با الُطالعِ لتلك الشراقا ِ‬
‫رسولُنا ‪ ،‬ول يُقاسُ عليهِ بقيّةُ الناسِ ‪ ،‬لنهُ مؤّيدٌ بالوحْي ‪ ،‬مصدّقٌ بالعجزاتِ ‪ ،‬مبعوثٌ‬
‫ت البيّناتِ ‪ ،‬وهذا فوق ذكاءِ الذكياء ولُوع الدباءِ‪.‬‬
‫باليا ِ‬
‫***********************************‬

‫ضتُ فَهُوَ َيشْفِيِ ﴾‬
‫﴿ َوِإذَا َمرِ ْ‬
‫صحّة‬
‫قال أبقراطُ ‪ « :‬القللُ من الضّارّ ‪ ،‬خيٌ من الكثارِ من النافعِ »‪ .‬وقال ‪ « :‬استديوا ال ّ‬
‫بترْ ِك التّكاسُلِ عن التعبِ ‪ ،‬وبتركِ المتلءِ من الطعامِ والشرابِ »‪.‬‬
‫وقال بعضُ الكماءِ ‪ « :‬من أراد الصحة ‪ :‬فليُجوّد الغداء ‪ ،‬وليأكُلْ على نفاءٍ ‪ ،‬وليشربْ على‬
‫ظماءٍ ‪ ،‬وليُقلّلْ من شُربِ الاءِ ‪ ،‬ويتمدّ ْد بعد الغداءِ ‪ ،‬ويتمشّ بعد العشاءِ ‪ ،‬ول ينمْ حت‬
‫يعرض نفسهُ على اللءِ ‪ ،‬وليحْذرْ دخول المّامِ عقيِب المتلء ‪ ،‬ومرّةٌ ف الصيفِ خيٌ من‬
‫عشرٍ ف الشتاءِ »‪.‬‬
‫وقال الارثُ ‪ « :‬من سرّه البقاءُ – ول بقاء – فليُباكِ ِر الغداءَ ‪ ،‬وليُعجّلِ العشاء ‪ ،‬ولُخفّفِ‬
‫الرّداء ‪ ،‬وليُقلّ غِشيان النسا ِء »‪.‬‬
‫وقال أفلطون ‪ « :‬خسٌ يُذبْن البَدنَ ‪ ،‬وربا قَتَلْنَ ‪ِ :‬قصَرُ ذاتِ اليدِ ‪ ،‬وفراقُ الحبّةِ ‪ ،‬وترّعُ‬
‫الغايظِ ‪ ،‬وردّ النّصح ‪ ،‬وضحِكُ ذوي الهلِ بالعقلءِ »‪.‬‬
‫ومن جوامعِ كلماتِ أبقراط قولهُ ‪ « :‬كلّ كثيٍ ‪ ،‬فهو مُعادٍ للطبيع ِة »‪.‬‬
‫وقيل لالينوس ‪ :‬ما لك ل ترضُ ؟ فقال ‪ « :‬لن ل أجعْ بي طعاميْنِ رديئيِ ‪ ،‬ول أُدخِل‬
‫طعاما على طعامٍ ‪ ،‬ول أحبِسْ ف العدةِ طعاما تأذّيتُ منه »‪.‬‬
‫وأربعةُ أشياء تُمرضُ السْم ‪ :‬الكلمُ الكثيُ ‪ ،‬والنومُ الكثيُ ‪ ،‬والكلُ الكثيُ ‪ ،‬والماعُ‬
‫الكثيُ‪ .‬فالكلمُ الكثيُ ‪ :‬يقلّل مُ ّخ الدّماغِ ويُضعفُه ‪ ،‬ويعجّلُ الشّيْب‪ .‬والنومُ الكثيُ ‪ :‬يصفّرُ‬
‫الوجه ‪ ،‬ويُعمي القلب ‪ ،‬ويُهيّجُ العي ‪ ،‬ويُكسلُ عن العملِ ‪ ،‬ويوّلدُ الغليظة ‪ ،‬والدواء‬
‫ف رُطُوبات البدنِ ‪ ،‬ويُرخي‬
‫ع الكثيُ ‪َ :‬ي ُهدّ الَبَدنَ ‪ ،‬ويُضعفُ القُوى ‪ ،‬ويُجفّ ُ‬
‫العسِرة‪ .‬والما ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪268‬‬

‫ث السّدَدَ ‪ ،‬ويعُ ّم ضررُهُ جيع البدنِ ‪ ،‬ونفضّ الدّماغ لكثْرةِ ما يتحلّلُ منهُ من‬
‫العصبَ ‪ ،‬ويُور ُ‬
‫الرّوحِ النّفسان‪ .‬ولضعافُهُ أكثر من إضعافِ جيعِ الستفرغاتِ ‪ ،‬ويستفرِغ من جوهرِ الرّوحِ‬
‫شيئا كثيا‪.‬‬
‫أربعةٌ تدم البدن ‪ :‬المّ ‪ ،‬والزنُ ‪ ،‬والوعُ ‪ ،‬والسّهرُ‪.‬‬
‫وأربعة تُفرحُ ‪ :‬النّظرُ إل الُضرةِ ‪ ،‬وإل الاءِ الاري ‪ ،‬والحبوبِ ‪ ،‬والثمارِ‪.‬‬
‫وأربعة تُظلِم البصر ‪ :‬الشْيُ حافيا ‪ ،‬والتّصبّحُ والمساءُ بوجهِ البغيضِ والثقيلِ والعدوُ ‪ ،‬وكثْرةُ‬
‫البُكاءِ ‪ ،‬وكثر ًةُ النّظرِ ف الطّ الدّقيقِ‪.‬‬
‫س الناعمِ ‪ ،‬ودخو ِل المّامِ العتدلِ ‪ ،‬وأكلُ الطعامِ اللوِ والدّسمِ ‪،‬‬
‫وأربعةٌ تقوّي السم ‪ :‬لُبْ ُ‬
‫وشمّ الروائحِ الطيّبةِ‪.‬‬
‫وأربعةٌ تُيبّس الوجه‪ ،‬وتُذهبُ ماءه وبجتهُ وطلقَتَهُ ‪ :‬الكذِبُ ‪ ،‬والوقاحةُ ‪ ،‬وكثْرةُ السؤالِ عن‬
‫غيِ علمٍ ‪ ،‬وكثْرةُ الفجورِ‪.‬‬
‫وأربعةٌ تزيدُ ف ماءِ الوجه وبجتِه ‪ :‬الروءةُ ‪ ،‬والوفُاء ‪ ،‬والكرمُ ‪ ،‬والتقوى‪.‬‬
‫وأربع ٌة تلبُ البغضاء والقْتَ ‪ :‬الكِبْرُ ‪ ،‬والسدُ ‪ ،‬وال َكذِبُ ‪ ،‬والنّميمةُ‪.‬‬
‫وأربع ٌة تلبُ الرزق ‪ :‬قيامُ الليلِ ‪ ،‬وكثْرةُ الستغفارِ بالسحارِ ‪ ،‬وتعا ُهدُ الصدقةِ ‪ ،‬وال ّذكْر أول‬
‫النهارِ وآخِره‪.‬‬
‫وأربعةٌ تنعُ الرزق ‪ :‬نومُ الصّبحة ‪ ،‬وقلّةُ الصلةِ ‪ ،‬والكسلُ ‪ ،‬واليانةُ‪.‬‬
‫وأربعةٌ تُضرّ بالفهمِ والذهنِ ‪ :‬إدمانُ أ ْكلِ الامضِ والفواكهِ ‪ ،‬والنومُ على القفا ‪ ،‬والمّ ‪،‬‬
‫والغمّ‪.‬‬
‫وأربعةٌ تزيدُ ف الفهم ‪ :‬فراغُ القلبِ ‪ ،‬وقلّ ُة التّملّي من الطعام والشرابِ ‪ ،‬و ُحسْ ِن تدبيِ الغذاءِ‬
‫بالشياءِ الُلوةِ والدّسِمةِ ‪ ،‬وإخراجُ الفضلتِ الثقّلةِ للبَدنِ‪.‬‬
‫**************************************‬

‫خُذُوا حِذْركمْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪269‬‬

‫فالازم يتوقّفُ حت يرى ويبصر ‪ ،‬ويترقّب ‪ ،‬ويتأمّل ‪ ،‬ويُعيدَ النظر ‪ ،‬ويقرأ العواقب ‪ ،‬ويقدّر‬
‫الطواتِ ‪ ،‬ويُبم الرأي ‪ ،‬ويتاط وَيحْذر ‪ ،‬لئلّ يندم ‪ ،‬فإن وقع المرُ على ما أراد ‪َ ،‬ح ِمدَ ال‬
‫‪ ،‬وشكر رأيه ‪ ،‬وإن كانتِ الُخرى ‪ ،‬قال ‪ :‬قدرّ الُ ‪ ،‬وما شاء فَعَلَ‪ .‬ورضي ول يزنْ‪.‬‬
‫*******************************************‬

‫فـتـبـيّـنُوا‬
‫فالعاق ُل ثابتُ القدمِ ‪ ،‬سديدُ الرّأْي ‪ ،‬إذا هجمتْ علي ِه الخبارُ ‪ ،‬وأشكلتِ السائلُ ‪ ،‬فل يأ ُخذُ‬
‫بالبوادِر ‪ ،‬ول يتعجّل الُكم ‪ ،‬وإنا يُمحّصُ ما يسمعُ ‪ ،‬ويقّلبُ النظر ‪ ،‬ويُحادثُ الفكر ‪،‬‬
‫ويُشا ِورُ العقلء ‪ ،‬فإنّ الرّأْي المي ‪ ،‬خيٌ من الرأي الفطيِ‪ .‬وقالوا ‪ :‬لن تُخطئ ف العفوِ ‪،‬‬
‫َفعَلُْتمْ نَا ِد ِميَ ﴾‪.‬‬

‫خيٌ منْ أنْ تطئ ف العقوبةِ ﴿ فَُتصِْبحُوا عَلَى مَا‬
‫*****************************************‬

‫اعزمْ وأقْدِمْ‬
‫إنّ كلّ ما أكتبُه هنا منْ آياتٍ وأبياتٍ ‪ ،‬وأثرٍ وعِب ‪ ،‬وقصصٍ وحِكم ‪ ،‬تدعوك بأنْ تبدأ حياةً‬
‫جديدةً ‪ِ ،‬م ْلؤُها الرجاءُ ف ُحسْنِ العاقبةِ ‪ ،‬وجيلِ التامِ ‪ ،‬وأفضلِ النتائجِ‪ .‬ول تستطيعُ أن‬
‫تستفيد إل بمّةٍ صادقةٍ ‪ ،‬وعزمٍ حثيثٍ ‪ ،‬ورغبةٍ أكيدةٍ ف أن تتخلّص منْ هومِك وغمومك‬
‫ب العبدُ ؟ قال ‪ :‬لُبدّ له منْ سوْطِ َعزْمٍ‪.‬‬
‫وأحزانِك وكآبتِك‪ .‬قيل لحدِ العلماءِ ‪ :‬كيف يتو ُ‬
‫ولذلك ميّز الُ أُول العزمِ بالِممِ ﴿فَاصِْبرْ َكمَا صََبرَ أُوْلُوا اْل َعزْمِ مِنَ الرّسُلِ﴾‪ .‬وآدمُ ليس من‬

‫جدْ َلهُ عَزْما﴾‪ ،‬وكذلك أبناؤه ‪ ،‬فهي شِْنشِنَةٌ نعرفُها مِنْ‬
‫أُول العَزْمِ ‪ ،‬لنه ﴿فََنسِيَ وََلمْ َن ِ‬
‫أخْزمِ‪ ،‬ومنْ يُشابِه أباه فما ظَلمَ ‪ ،‬لكن ل تقْتدِ به ف الذنبِ ‪ ،‬وتُخالِفْه ف التوبةِ‪ .‬والُ‬
‫الستعانُ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫ليستْ حياتُنا الدنيا فحسْب‬

‫ل تحزن‬
‫‪270‬‬

‫سعادةُ الخرةِ مرهونةٌ بسعاد ِة الدنيا ‪ ،‬وحقّ على العاقِل أن يعلم أنّ هذه الياة متّصلة بتلك ‪،‬‬
‫وأنا حياة واحدةُ ‪ ،‬الغيب والشهادةُ ‪ ،‬والدنيا والخرة ‪ ،‬واليو ُم وغدٌ‪ .‬وظنّ بعضُهم أنّ حياته‬
‫هنا فحسْب ‪ ،‬فجمع فأوعى ‪ ،‬وتشبّث بالبقاءِ ‪ ،‬وتعلّق بياةِ الفناء ‪ ،‬ث مات ومآرُبه‬
‫وطموحاتُه ومشاغلُه ف صدرِه‪.‬‬
‫وحاجةُ منْ عاش ل تنقضي‬
‫نروحُ ونغدو لاجاتِنا‬
‫وتبْقى له حاجةٌ ما بقِي‬
‫توت مع الرِ حاجاتهُ‬
‫ـرّ الغداةِ وم ّر العشِي‬
‫أشاب الصغي وأفن الكبيـ‬
‫أتى بعد ذلك يو ٌم فتِي‬
‫إذا ليلةٌ أهرمت يومها‬
‫ت لنفسي والناسِ من حول ‪ :‬آمالٌ بعيدةٌ ‪ ،‬وأحل ٌم مديدةٌ وطموحاتٌ عارمةٌ ‪ ،‬ونوايا‬
‫وعجب ُ‬
‫ف البقاءِ ‪ ،‬وتطلّعاتٌ مُذهلةٌ ‪ ،‬ث يذهبُ الواحدُ منّا ول يُشاورُ أو يُخبُ أو يُخبّرُ ﴿ َومَا َتدْرِي‬

‫ب غَدا‬
‫َن ْفسٌ مّاذَا تَ ْكسِ ُ‬

‫َومَا َتدْرِي َن ْفسٌ بَِأيّ أَ ْرضٍ َتمُوتُ ﴾‪.‬‬

‫وأنا أعرضُ عليك ثلث حقائق ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬مت تظنّ أنك سوف تدأُ وترتاحُ وتطمئنّ ‪ ،‬إذا ل ترض عن ربّك وعنْ أحكامِه‬
‫وأفعالِه وقضائِه وقدرِه ‪ ،‬ول ترض عنْ رزقِك ‪ ،‬ومواهبِك وما عندك!‬

‫الثانية ‪ :‬هلْ شكرت على ما عندك من النّعم واليادي والبات حت تطلب غيها ‪ ،‬وتسأل‬

‫سواها ؟! إنّ منْ َعجَزَ عن القليلِ ‪ ،‬أوْل أن يعجز عن الكثي‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬لاذا ل نستفيدُ من مواهبِ الِ الت وهبنا وأعطانا‪ ،‬فنثمّرُها‪ ،‬وننمّيها‪ ،‬ونوظّفُها توظيفا‬
‫حسنا ‪ ،‬وننقيها من الثالبِ والشّوائبِ ‪ ،‬وننطلقُ با ف هذه الياةِ نفعا وعطاءً وتأثيا‪.‬‬
‫إن الصّفاتِ الميدة والواهب الليلة ‪ ،‬كامنةٌ ف عقولِنا وأجسامِنا ‪ ،‬ولكنّها عند الكثي منّا‬
‫كالعاد ِن الثمين ِة ف التّرابِ ‪ ،‬مدفون ٌة مغمورةٌ مطمورةٌ ‪ ،‬ل تِد حاذقا يُخرِجُها من الطيِ ‪،‬‬
‫فيغسلُها وينقّيها ‪ ،‬لتلمع وتشعّ وتُعرف مكانتُها‪.‬‬
‫***************************************‬

‫بقُ الفرجُ‬
‫التّوارِي من البطْش حلّ مؤ ّقتٌ ريثما ي ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪271‬‬

‫قرأتُ كتاب ( التوارين ) لعبدِ الغن الزديّ ‪ ،‬وهو لطيفٌ جذّاب ‪ ،‬يتحدّث فيه عمّن توارى‬
‫خوفا من الجاجِ بن يوسف ‪ ،‬فعلمتُ أنّ ف اليا ِة فسحةً ‪ ،‬وف الشّرّ خيارا ‪ ،‬وعنِ الكروهِ‬
‫مندوحةً أحيانا‪.‬‬
‫وذكرتُ بيتيِ للبيورديّ عن تواريهِ ‪ ،‬يقولُ ‪:‬‬
‫فعين ترى دهري وليس يران‬
‫تستّرْتُ مِن دهري ب ِظلّ جناحِهِ‬
‫وأين مكان ما عرفت مكان‬
‫فلو تسأ ِل اليام عنُي ما َدرَتْ‬
‫هذا القارئُ الديبُ اللمعُ الفصي ُح الصّادِقُ ‪ ،‬أبو عمرو بنُ العلءِ ‪ ،‬يقولُ عن مُعاناتِه ف حالة‬
‫الختبار ‪ « :‬أخافن الجّاجُ فهربتُ إل اليمن ‪ ،‬فولتُ ف بيتٍ بصنعاء ‪ ،‬فكنتُ من‬
‫الغدواتِ على سطحِ ذلك البيتِ ‪ ،‬إذْ سعتُ رجلً يُنشدُ‪:‬‬
‫ـرِ ل ُه فُرْجَةٌ كح ّل العِقالِ‬
‫ع النّفوسُ من المـ‬
‫رُبّما تز ُ‬
‫قال ‪ :‬فقلتُ ‪ :‬فُرْجةٌ‪ .‬قال ‪ :‬فسُررتُ با‪ .‬قال ‪ :‬وقالَ آخرَ ‪ :‬مات الجّاجُ‪ .‬قال ‪ :‬فوالِ ما‬
‫أدري بأيّهما كنتُ أُ َسرّ ‪ ،‬بقولهِ ‪ :‬فرْجةٌ‪ .‬أو بقولِه ‪ :‬مات الجّاجُ »‪.‬‬
‫ت والرضِ ﴿ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ‬
‫إنّ القرار الوحيد النافذ ‪ ،‬عند من بيده ملكوتُ السماوا ِ‬

‫﴾‪.‬‬
‫توارى السنُ البصريّ عنِ عي الجّاج ‪ ،‬فجاءه البُ بوِتهِ ‪ ،‬فسجد شكرا الِ‪.‬‬

‫سبحان الِ الذي مايز بي خلْقِه ‪ ،‬بعضُهم يوتُ ‪ ،‬فيُسجدُ غيْ ُرهُ للشّكر فرحا وسرورا ﴿ َفمَا‬

‫سمَاء وَالَْأ ْرضُ َومَا كَانُوا مُن َظرِينَ ﴾‪ .‬وآخرون يوتون ‪ ،‬فتتحوّلُ البيوتُ إل‬
‫بَكَتْ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫مآتِم ‪ ،‬وتقرحُ الجفانُ ‪ ،‬وتُطعنُ بوتم القلوبُ ف سويدائِها‪.‬‬
‫وتوارى إبراهيمُ النّخعِيّ من الجّاج ‪ ،‬فجاءه البُ بوتِهِ ‪ ،‬فبكى إبراهيمُ فرحا‪.‬‬
‫منْ عظمِ ما قد سرّن أبكان‬
‫طفح السرورُ عليّ حت إنن‬
‫إنّ هناك ملذاتٍ آمنة للخائفي ف كَنَف أرح ِم الراحي ‪ ،‬فهو يرى ويسمعُ ويُبصرُ الظالي‬
‫والظلومي ‪ ،‬والغالبي والغلوبي ﴿ وَ َجعَلْنَا َب ْعضَ ُكمْ لَِبعْضٍ فِتَْنةً أََتصِْبرُونَ وَكَانَ رَبّكَ َبصِيا‬

‫﴾‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪272‬‬

‫س مع‬
‫لمّرة ‪ ،‬جاءت تُرفرفُ على رسولِ ال ‪ ،‬وهو جال ٌ‬
‫ذكرتُ بذا طائرا يسمّى ا ُ‬
‫أصحابِه تت شجرةٍ ‪ ،‬كأنا بلسانِ الالِ تشكو رجلًَ أخذ أفراخها منْ عشّها ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫(( م ْن فجع هذه بأفراخِها ؟ ُردّوا عليها أفراخها ))‪.‬‬
‫وف مثل هذا يقولُ أحدُهم ‪:‬‬
‫جاءتْ إليك حامةٌ مُشتاقةٌ‬
‫منْ أخب الورْقاء أنّ مكانكم‬

‫تشكو إليك بقلبِ صبّ واجفِ‬
‫حَرَمٌ وأنّك ملجأٌ للخائِفِ‬

‫وقال سعيدُ بنُ جبيٍ ‪ :‬والِ لقد فررتُ من الجّاج ‪ ،‬حت استحييتُ من الِ عزّ وجلّ‪ .‬ث‬
‫جيءَ به إل الجّاج ‪ ،‬فلمّا سُلّ السيفُ على رأسِه ‪ ،‬تبسّم‪ .‬قال الجاجُ ‪ :‬لِم تبتسمُ ؟ قال ‪:‬‬
‫أعجبُ منْ جُرأتك على الِ ‪ ،‬ومن حِ ْلمِ ال عليك‪ .‬يا لا من نفْسٍ كبيةٍ ‪ ،‬ومن ثق ٍة ف وعدِ‬
‫الِ ‪ ،‬وسكونٍ إل ُحسْنِ الصيِ ‪ ،‬وطِيبِ الُنقلَب‪ .‬وهكذا فليكُنِ اليانُ‪.‬‬
‫**************************************‬

‫أنت تتعاملُ مع أرحمِ الراحي‬

‫إن لفت َنظَرَك هذا الديثُ ‪ ،‬فقد لفت نظري أيضا ‪ ،‬وهو ما رواه أحد وأبو يعلى والبزارُ‬
‫ب الِ ‪ ،‬إنّ ل‬
‫والطبانّ ‪ ،‬أنّ شيخا كبيا أتى النب وهو ُمدّعِمٌ على عصا ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا ن ّ‬
‫ت وفجراتِ ‪ ،‬فهل يُغفرُ ل ؟ فقال النب‬
‫غدرا ٍ‬

‫‪ (( :‬تشهدُ أنْ ل إله إل الُ وأ ّن ممدا‬

‫رسول ال ؟)) قال ‪ :‬نعمْ يا رسول الِ‪ .‬قال ‪ (( :‬فإن ال قد غفر لك غدراتِك‬
‫وفجراتِك))‪ .‬فانطلق وهو يقول ‪ :‬الُ أكبُ ‪ ،‬الُ أكبُ‪.‬‬

‫أفهمُ من الديث مسائل ‪ :‬منها سعةُ رحةِ أرحمِ الراحي ‪ ،‬وأنّ السلم يهدمُ ما قبله ‪ ،‬وأن‬
‫التوبة تبّ ما قبلها ‪ ،‬وأن جبال الذنوب ف غفرانِ علّم الغيوب لشيءٌ ‪ ،‬وأنه يبُ عليك‬
‫ُحسْنُ الظّنّ بولك ‪ ،‬والرجاءُ ف كرمِه العميمِ ‪ ،‬ورحتِه الواسعةِ‪.‬‬
‫*******************************‬

‫براهيُ تدعوك للتفاؤلِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪273‬‬

‫ل » لبن أب الدنيا ‪ ،‬واحدٌ وخسون ومائة نصّ ‪ ،‬ما بي آيةٍ‬
‫ف كتابِ « ُحسْنِ الظّ ّن با ِ‬
‫سنِ الظّنّ‬
‫س والقنوطِ ‪ ،‬والُثابرَة على ُح ْ‬
‫وحديث ‪ ،‬كلّها تدعوك إل التفاؤلِ ‪ ،‬وترْكِ اليأ ِ‬
‫و ُحسْ ِن العَمَلِ ‪ ،‬حت إنك لتجدُ نصوصَ الوعدِ أعْ َظمَ منْ نصوصِ الوعيدِ ‪ ،‬وأدلّةَ التهديدِ ‪،‬‬
‫وقد جعل الُ لكلّ شي ٍء قدرا‪.‬‬
‫***************************************‬

‫حياةٌ كلّها تعبٌ‬
‫ل تزنْ منْ كدرِ الياةِ ‪ ،‬فإنا هكذا خُلقتْ‪.‬‬
‫ح فيها شيءٌ نادرٌ‪.‬‬
‫إ ّن الصل ف هذه الياة التاعبُ والضّن ‪ ،‬والسرو ُر فيها أم ٌر طارئٌ ‪ ،‬والفر ُ‬
‫تلو لذه الدارِ والُ ل يرْضها لوليائِه مستقرّا ؟!‬
‫ش فيها على‬
‫ولول أنّ الدنيا دارُ ابتلءٍ ‪ ،‬ل ت ُك ْن فيها المراضُ والكدارُ ‪ ،‬ول يضِقِ العي ُ‬
‫النبياء والخبار ‪ ،‬فآدمُ يُعان الِحن إل أن خرج من الدنيا ‪ ،‬ونوحٌ كذّب ُه قومُه واستهزؤُوا‬
‫به ‪ ،‬ولبراهيمُ يُكاِبدُ النار وذَبْحَ الولد ‪ ،‬ويعقوبُ بكى حت ذهب بصرُه ‪ ،‬وموسى يُقاسي‬
‫ظُلم فرعون ‪ ،‬ويلقى من قومه الِحنَ ‪ ،‬وعيسى بنُ مري عاش معدما فقيا ‪ ،‬وممدٌ يُصابِرُ‬
‫الفقْر ‪ ،‬وقتلِ عمّهِ حزة ‪ ،‬وهو منْ أحبّ أقاربِه إليه ‪ ،‬ونفورِ قومِهِ منهُ‪ .‬وغي هؤلء من النبياءِ‬
‫والولياءِ ما يطُول ِذكْ ُرهُ‪ .‬ولو خُلقتِ الدنيا لِّلذّةِ ‪ ،‬ل يكنْ للمؤمنِ حظّ منها‪ .‬وقال النب‬
‫‪ (( :‬الدنيا سجنُ الؤمنِ ‪ ،‬وجّنةُ الكافرِ ))‪ .‬وف الدنيا ُسجِن الصّالون‪ ،‬وابتُلي العلماءُ‬

‫العاملون ‪ ،‬ونغّص على كبا ِر الولياءِ‪ .‬وكدّرتْ مشارِبُ الصا ِدقِي‪.‬‬
‫*******************************‬

‫وقفـــــة‬

‫ل تحزن‬
‫‪274‬‬

‫ت – رضي الُ عنه – قال ‪ :‬سعتُ رسول الِ‬
‫عن زيدِ ب ِن ثاب ٍ‬

‫يقولُ ‪(( :‬منْ كانتِ الدنيا‬

‫ل عليهِ أمرهُ ‪ ،‬وجعل فقر ُه بي عينيْه ‪ ،‬ول يأِت ِه منَ الدنيا إل ما كُتب له‪ .‬ومنْ‬
‫هةُ ‪ ،‬فرّق ا ُ‬
‫ّ‬
‫كانتِ الخرةُ نِيّتهُ‪ ،‬جع الُ له أمرهُ ‪ ،‬وجعل غناهُ ف قلِبهِ ‪ ،‬وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ))‪.‬‬
‫وعنْ عبدِال بن مسعودٍ – رضي الُ عنه – قال ‪ :‬سعتُ نبيّكم‬

‫يقولُ ‪ (( :‬منْ جعل‬

‫الموم ها واحدا ‪ ،‬وهمّ آخرته ‪َ ،‬كفَاهُ الُ همّ دنياه ‪ ،‬وم ْن تشعبّتْ به ا ُلمُومُ ف أحوالِ‬

‫الدّنيا ‪ ،‬ل يُبالِ الُ ف أيّ أَ ْودِيتِها هَ َلكَ ))‪.‬‬

‫قال الكاتبُ العروفُ بـ « الببْغاء » ‪:‬‬
‫و ُعذْ بالصبِ تبَْت ِهجِ‬
‫ب المجِ‬
‫تن ّكبْ مذْه َ‬
‫م مجوجٌ بل حُججِ‬
‫فإنّ مُظلمَ اليّا‬
‫وتْنَعُنا بل حرجِ‬
‫تُسامُنا بل شُكرٍ‬
‫ن ِه فتْحٌ مِن اللّججِ‬
‫ف ال ف إتيا‬
‫ولُط ُ‬
‫ومِنْ غمّ إل فرجِ‬
‫فمِ ْن ضِيقٍ إل سعةٍ‬
‫*****************************************‬

‫الوَ َس ِطيّةُ ناةٌ من اللك‬
‫تامُ السعادة مبنّ على ثلثةِ أشياء ‪:‬‬
‫‪.1‬اعتدا ِل الغضبِ‪.‬‬
‫‪.2‬اعتدا ِل الشهوةِ‪.‬‬
‫‪.3‬اعتدا ِل العِ ْلمِ‪.‬‬
‫فيحتاجُ أن يكون أمرُها متوسّطا ‪ ،‬لئلّ تزيد قوةُ الشهوةِ ‪ ،‬فتُخرِجه إل الرّخصِ فيهلِك ‪ ،‬أو‬
‫تزيدُ قوةُ الغضبِ ‪ ،‬فيخرُج إل الموحِ فيهلك‪ (( .‬وخيُ المورِ أوسطُها ))‪.‬‬
‫فإذا توسّطتِ ال ُقوّتانِ بإشارة قوّ ِة العِ ْلمِ ‪ ،‬دلّ على طري ِق الدايةِ‪ .‬وكذلك الغضبُ ‪ :‬إذا زاد ‪،‬‬
‫سهُل عليهِ الضرْبُ والقتلُ ‪ ،‬وإذا نقص ‪ ،‬ذهبتِ الغي ُة والميّةُ ف الدينِ والدنيا ‪ ،‬وإذا‬
‫توسّط ‪ ،‬كان الصبُ والشجاعةُ والِكْمةُ‪ .‬وكذلك الشهوةُ ‪ :‬إذا زادتْ ‪ ،‬كان ال ِفسْقُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪275‬‬

‫والفجورُ ‪ ،‬وإنْ نقصتْ ‪ ،‬كان ال َعجْزُ والفتورُ ‪ ،‬وإن توسّطتْ ‪ ،‬كانتِ العفةُ والقناعةُ وأمثالُ‬
‫ذلك‪ .‬وف الديثِ (( عليكم هدْيا قاصِدا )) ﴿ وَ َكذَلِكَ َجعَلْنَا ُكمْ ُأ ّمةً وَسَطا﴾‬
‫*************************************‬

‫الرءُ بصِفاتِ ِه الغالِبة‬
‫ت الذّمّ ‪ ،‬فيُساقُ إليك الثناءُ حت على شيءٍ‬
‫منْ سعادتِك أنْ ت ْغلِب صفاتُ اليِ فيك صفا ِ‬
‫ليس فيك ‪ ،‬ول يقْبَلِ الناسُ فيك ذمّا ولو كان صحيحا ‪ ،‬لنّ الاء إذا بلغ قُلّتي ل يملِ‬
‫البث‪ .‬إنّ البل ل يزيدُ فيه حجرٌ ول ينقصهُ َحجَرٌ‪.‬‬
‫ت هجوما مقذعا ف قيسِ بن عاصم حليمِ العربِ ‪ ،‬وف البامكةِ الكرماء ‪ ،‬وف قُتيْبة بن‬
‫طالع ُ‬
‫مسلمٍ القائدِ الشهيِ ‪ ،‬ووجدت أنّ هذا الشتْم والجْو ‪ ،‬ل يُحفظْ ول يُنقلْ ول يُص ّدقْه أحدٌ ‪،‬‬
‫ضدّ منْ ذلك مدْحا وثناءً ف الجّاج ‪،‬‬
‫لنه سقط ف برِ الحاسنِ فغرق ‪ ،‬ووجدتُ على ال ّ‬
‫وف أب مسلمٍ الراسان ‪ ،‬وف الاكم بأمر ال العُبْيدِي ‪ ،‬ولكنّه ل يُحفظْ ول يُنقلْ ول‬
‫يُصدّقه أحدٌ ‪ ،‬لنه ضاع ف ركا ِم زيفِهم وظلمِهم وت ّورِهم ‪ ،‬فسبحان العادلِ بي خلْقِهِ‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫هكذا ُخلِقت‬
‫ف الديث ‪ (( :‬كلّ مَُيسّرٌ لا خُلِق له ))‪ .‬فلماذا تُعْسفُ الواهبُ ويُلْوى عن ُق الصّفا ِ‬
‫ت‬
‫والقدراتِ لَيّا ؟! إن ال إذا أراد شيئا هيّأ أسبابه ‪ ،‬وما هناك أتْعَسُ نفْسا وأنْكدُ خاطرا من‬
‫الذي يريدُ أنْ يكون غَيْرَ نَ ْفسِه ‪ ،‬والذك ّي الريبُ هو الذي يدرسُ نفسهُ ‪ ،‬ويسدّ الفراغ الذي‬
‫وُضع له ‪ ،‬إن كان ف السّاق ِة كان ف السّاقةِ ‪ ،‬وإنْ كان ف الراسةِ كان ف الراسةِ ‪ ،‬هذا‬
‫حوِ ‪ ،‬تعلّم الديث فأعياهُ ‪ ،‬وتبلّد حسّ ُه فيع ‪ ،‬فتعلّم النحو ‪َ ،‬ف َمهَرَ فيه وأتى‬
‫سيبويه شي ُخ النّ ْ‬
‫بالعَجَب العُجاب‪ .‬يقولُ أحدُ الكماءِ ‪ :‬الذي يريدُ عملً ليس منْ شأنِهِ ‪ ،‬كالذي يزرعُ‬
‫ع التْ ُرجّ ف الجازِ‪.‬‬
‫الّنخْل ف غوطةِ دمشق ‪ ،‬ويزر ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪276‬‬

‫حسانُ بنُ ثابتٍ ل يُجيدُ الذان ‪ ،‬لنهُ ليس بللً ‪ ،‬وخالدُ ب ُن الوليد ل يقسمُ الواريث ‪ ،‬لنه‬
‫ليس زيد بن ثابتٍ ‪ ،‬وعلماءُ التربي ِة يقولون ‪ :‬حدّ ْد موقِعَكَ‪.‬‬
‫*********************************‬

‫لبُدّ للذّكاء مِن زكاء‬
‫سعتُ إذاعة لندن تُخبُ عنْ ماولةِ اغتيالِ الكاتب نيبِ مفوظٍ ‪ ،‬الائزِ على جائزةِ نوبل ف‬
‫ت بذاكرات إل كتبٍ له كنتُ قرأتُها مْن قبْلُ ‪ ،‬وعجبتُ لذا الذّكيّ ‪ ،‬كيف‬
‫الدبِ ‪ ،‬وعد ُ‬
‫فاتهُ أنّ القيقة أعظمُ من اليالِ ‪ ،‬وأنّ اللود أجلّ من الفناءِ ‪ ،‬وأن البدأ الرّبّانّ السّماويّ‬
‫أسْمى من البدأِ البشريّ‬

‫﴿‬

‫حقّ أَ َحقّ أَن يُتّبَعَ َأمّن لّ َي ِهدّيَ إِلّ أَن ُي ْهدَى‬
‫أَ َفمَن َيهْدِي إِلَى اْل َ‬

‫﴾‪ .‬بعن أنهُ كتب مسرحياتٍ منْ نسْج خيالِهِ ‪ ،‬مُستخدمِا قدراتِه القويّة ف التصويرِ والعرضِ‬
‫والثارةِ ‪ ،‬والنهايةُ أنا أخبارٌ ل صحّة لا‪.‬‬
‫لقد استفدتُ من قراءةِ حياتِه مسأل ًة كبى ‪ ،‬وهي أنّ السعادة ليستْ سعاد الخرين على‬
‫حسابِ سعادتِك وراحتِك ‪ ،‬فليس بصحيحٍ أن يُسرّ بك الناسُ وأنت ف ه ّم وغمّ وحزنٍ ‪ ،‬إنّ‬
‫بعض الكُتاّابِ يدحُ بعض الُبدعِي ‪ ،‬ويصفُه بأنه يترقُ ليُضيء للناس ‪ ،‬والنه ُج السّويّ‬
‫الثابتُ هو الذي يعلُ البدع يُضيءُ ف ن ْفسِه ويضيءُ للناسِ ‪ ،‬ويعمرُ نفسه باليِ والدى‬
‫والرّشدِ ‪ ،‬ليعمر قلوب الناسِ بذلك‪.‬‬
‫ك كسرى وقلبُه بالباطلِ مكسورٌ ‪ ،‬وحصل‬
‫وبعد هذا ‪ ،‬فماذا ينفعُ النسان لو حاز على مُل ِ‬
‫على سلطانِ قيصر وأملُه عن اليْرِ مقصورُ ؟! إنّ الوهبةَ إذا ل تكنْ سببا ف النجاةِ ‪ ،‬فما‬
‫نفعُها وما ثرتُها ؟!‬
‫*****************************************‬

‫ل َترَ الوجود جيلً‬
‫ُكنْ جي ً‬

‫ل تحزن‬
‫‪277‬‬

‫إنّ منْ تامِ سعادتِنا أ ْن نتمتّع بباهج الياةِ ف حدودِ منطقِ الشرعِ القدّسِ ‪ ،‬فالُ أنبت حدائق‬
‫ذات بجةٍ ‪ ،‬لنهُ جي ُل يبُ المالَ ‪ ،‬ولتقرأُآياِ الوحدانية ف هذا الصّنع البهيج ﴿ هُوَ اّلذِي‬

‫خَ َلقَ لَكُم مّا فِي الَ ْرضِ‬

‫جمِيعا ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫صدْرَ انشراحا والرّوح فرحا ﴿كُلُواْ‬
‫فالرائحةُ الزّكيةُ والطعمُ الشهيّ والنظ ُر البهيّ ‪ ،‬تزيدُ ال ّ‬

‫ِممّا فِي الَ ْرضِ َحلَلً طَيّبا ﴾‪ .‬وف الديث ‪ (( :‬حُبّب إلّ من دنياكمْ ‪ :‬الطّيبُ ‪ ،‬والنساءُ ‪،‬‬
‫و ُجعِلتْ ُقرّ ُة عين ف الصلةِ ))‪.‬‬
‫إنّ الزهدَ القاتِم والورع الُظلِم ‪ ،‬الذي دلف علينا منْ مناهج أرضيّةٍ ‪ ،‬قدْ شوّه مباهج اليا ِة‬
‫عند كثيٍ مِنّا ‪ ،‬فعاشُوا حياتم هّا وغمّا وجوعا وسهرا وتبتّلً ‪ ،‬بقولُ رسولُنا ‪ (( :‬لكنّي‬
‫أصومُ وأُفطرُ ‪ ،‬وأقومُ وأفترُ ‪ ،‬وأتز ّوجُ النساء ‪ ،‬وآكُلُ اللحم ‪ ،‬فمن رغب عن سُنّت فليس‬
‫من ))‪.‬‬
‫وإ ْن تعجبْ ‪ ،‬فعجبٌ ما فعلهُ بعضُ الطوائفِ بأنفسهمْ ! فهذا ل يأكلُ الرّطب ‪ ،‬وذاك ل‬
‫س وطمْسٌ‬
‫يضحكُ ‪ ،‬وآخرُ ل يشربُ الاء البارد ‪ ،‬وكأنم ما علمُوا أ ّن هذا تعذيبٌ للنف ِ‬
‫لشراقها ﴿ قُلْ َمنْ َحرّمَ زِيَنةَ ال ّلهِ الّتِيَ أَ ْخرَجَ ِلعِبَادِهِ وَاْلطّيّبَاتِ ِمنَ الرّ ْزقِ ﴾ ‪.‬‬
‫إ ّن رسولنا‬

‫خرُجُ‬
‫أكل العسل وهو أزْهدُ الناسِ ف الدنيا ‪ ،‬والُ خلق العسل ليُؤكل ‪َ﴿ :‬ي ْ‬

‫مِن بُطُوِنهَا َشرَابٌ ّمخْتَلِفٌ أَلْوَاُنهُ فِيهِ ِشفَاء لِلنّاسِ ﴾‪ .‬وتزوّج الثّيّباتِ والبكار ‪﴿ :‬فَان ِكحُواْ‬
‫مَا طَابَ لَكُم ّمنَ الّنسَاء مَثْنَى وَُثلَثَ َورُبَاعَ ﴾‪ .‬ولبِس أجل الثيابِ ف مناسباتِ العيادِ‬
‫سجِدٍ ﴾‪ .‬فهو‬
‫وغيِها ‪ُ ﴿ :‬خذُواْ زِينَتَ ُكمْ عِندَ كُلّ َم ْ‬

‫يمعُ بي حقّ الرّوحِ وح ّق السدِ ‪،‬‬

‫وسعادةِ الدنيا والخرةِ ‪ ،‬لنه بُعث بدينِ الفطرةِ الت فط َر الُ الناس عليها‪.‬‬
‫**************************************‬

‫شرْ بال َفرَج القريبِ‬
‫أب ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪278‬‬

‫ت وامتدّتْ‪ .‬ل تدومُ على أصحابِها ‪،‬‬
‫ض مؤلّفي عصرنا ‪ :‬إ ّن الشدائد – مهما تعاظم ْ‬
‫يقولُ بع ُ‬
‫ول تّلدُ على مصابِها ‪ ،‬بل إنا أقوى ما تكونُ اشتدادا وامتدادا واسودادا ‪ ،‬أقربُ ما تكونُ‬
‫انقشاعا وانفراجا وانبلجا ‪ ،‬عن ُيسْرٍ وملءةٍ‪ ،‬وفرجٍ وهناءةٍ ‪ ،‬وحياةٍ رخيّةٍ مشرق ٍة وضّاءةٍ ‪،‬‬
‫فيأت العونُ من الِ والحسانُ عند ذرو ِة الشّدّ ِة والمتحانِ ‪ ،‬وهكذا نايةُ كلّ ليلٍ غاسِق ‪،‬‬
‫فجرٌ صا ِدقٌ‪.‬‬
‫وَيحْ َمدُ ِغبّ السّيْرِ منْ هو سائرُ‬
‫فما هي إل ساعةٌ ُثمّ تنْقضي‬
‫***********************************‬

‫أنتَ أرْفَ ُع ِمنَ الحقاد‬
‫سدُ الناس على ما آتاهم‬
‫أسع ُد الناس حالً وأشرحُهم صدْرا ‪ ،‬هو الذي يريدُ الخرة ‪ ،‬فل ي ُ‬
‫الُ منْ فضِْلهِ ‪ ،‬وإنا عنده رسالةٌ من اليِ ومُثُلٌ ساميةٌ من البِرّ والحسانِ ‪ ،‬يريدُ إيصال نفْعِه‬
‫إل الناسِ ‪ ،‬فإنْ ل يستطعْ ‪ ،‬كفّ عنهم أذاه‪ .‬وانظرْ إل ابنِ عباسٍ بْ ِر العلمِ وترْجُمانِ‬
‫القرآنِ ‪ ،‬كيف استطاع بُلُقه المّ وسخاوةِ نفسِه مساراتِه الشرعّةِ ‪ ،‬أ ْن يوّل أعداءهُ منْ بن‬
‫أُميّةَ وبن مروان ومنْ شايعهم إل أصدقاء ‪ ،‬فانتفع الناسُ بع ْلمِه وفهْمه ‪ ،‬فمل الجامع فِقها‬
‫وذكرا وتفسيا وخيْرا‪ .‬لقد نسي ابنُ عباسٍ أيام المَلِ وصِفّي ‪ ،‬وما قبلها وما بعدها ‪،‬‬
‫وانطلق يبن ويُصلحُ ‪ ،‬ويرُتقُ الفتْقَ ‪ ،‬ويسمحُ الراح ‪ ،‬فأحبّهُ الميعُ ‪ ،‬وأصبح – بقّ حبْرَ‬
‫الم ِة الحمديةِ‪ .‬وهذا ابنُ الزبيِ – رضي الُ عنه ‪ ، -‬وهو منْ هو ف كرمِ أصلِهِ وشهامِته‬
‫وعبادتِه وسوّ قدرِه ‪ ،‬فضّل الُوجَهةَ متهدا ف ذلك ‪ ،‬فكان من النتائجِ أن شُغِلَ عن الرّوايةِ ‪،‬‬
‫وخسِر جْعا كثيا من السلمي ‪ ،‬ثّ حصلتِ الواقع ُة فضُرِبتِ الكعبةُ لجل مُجا َورَتِه ف‬
‫الرمِ ‪ ،‬وذُبِح كثيُ من الناسِ ‪ ،‬وقُتِل هو ّث صُلِب‬

‫﴿‬

‫وَكَانَ َأ ْمرُ ال ّلهِ َقدَرا ّم ْقدُورا ﴾‪ .‬وليس‬

‫هذا تنقّصا للقومِ ‪ ،‬ول تطا ُولً على مكانتِهم ‪ ،‬وإنا هي دراسةٌ تارييّة تمعُ العِبَرَ والعِظاتِ‪.‬‬
‫إنّ الرّفق واللّي والصّفح والعفْو ‪ ،‬صفاتٌ ل يمعُها إ ّل القِلّةُ القليلةُ من البشرِ ‪ ،‬لنا تُكلّفُ‬
‫النسان هضْم ن ْفسِه ‪ ،‬وكبْح طموحِه ‪ ،‬وإلام اندفاعِه وتطلّعِه‪.‬‬
‫***********************************‬

‫ل تحزن‬
‫‪279‬‬

‫وقفــــة‬
‫« قولهُ‬

‫‪ (( :‬تعرّفْ إل الِ ف الرخاءِ ‪ ،‬يعرفك ف الشّدّة )) يعن أنّ العبد إذا اتّقى ال‬

‫وحفظ حدودهُ ‪ ،‬وراعى حقوقهُ ف حالِ رخائِه ‪ ،‬فقد تعرّف بذلك إل الِ ‪ ،‬وصار بينه وبي‬
‫ربّه معرفةٌ خاصّةٌ ‪ ،‬فمعرف ُه ربّه ف الشّدّةِ ورعى له تعرّفهُ إليه ف الرخاءِ ‪ ،‬فنجّاهُ من الشدائدِ‬
‫بذِه العرفة ‪ ،‬وهذه معرِفة خاصّةٌ ‪ ،‬تقتضي قُرب العبدِ من ربّ ْه ومبّته له وإجابت ُه لدعائِه »‪.‬‬
‫« الصبُ إذا قام به العبد كما ينبغي ‪ ،‬انقلبتْ الِحنةُ ف حقّه مِنْحةً ‪ ،‬واستحالتِ البليّة عطيّة ‪،‬‬
‫وصار الكروهُ مبوبا ‪ ،‬فإ ّن ال سبحانه وتعال ل يبْتِلهِ عطيّة ‪ ،‬وصار الكرو ُه مبوبا ‪ ،‬فإ ّن ال‬
‫تعال على العبدِ عبوديّ ًة ف الضّراءِ ‪ ،‬كما له عبوديّ ٌة ف السّرّاءِ ‪ ،‬وله عبوديّةٌ عليه فيما يبّونه ‪،‬‬
‫والشأنُ ف إعطا ِء العبوديّةِ ف الكارِهِ ‪ ،‬ففيه تفاوتُ مراتبِ العبادِ ‪ ،‬وبسبِه كانتْ منازلُهم عند‬
‫الِ تعال »‪.‬‬
‫******************************************‬

‫سرِ‬
‫العِلْ ُم مِفتاحُ اليُ ْ‬
‫العِ ْلمُ والُيسْرُ قرينان وأخوانِ شقيقانِ‪ ،‬ولك أنْ تنظر ف بورِ الشريعةِ من العلماءِ الراسخي ‪،‬‬
‫ما أيْسرَ حياتُم ‪ ،‬وما أسْهل التّعامُل معهم! إنم فهموا القصد ‪ ،‬ووقعُوا على الطلوب ‪،‬‬
‫وغاصُوا ف العماقِ ‪ ،‬بينما تدُ مِنْ أعْسرِ الناسِ ‪ ،‬وأصعبِهم مراسا ‪ ،‬وأشقّهم طريقةً الزّهّادُ‬
‫الذين قلّ نصيبُهم من العِ ْلمِ ‪ ،‬لنم سعُوا جُملً ما فهموها ‪ ،‬ومسائل ما عَ َرفُوها ‪ ،‬وما كانتْ‬
‫مصيبةُ الوارج إلّ منْ قلّةِ ع ْل ِم ِهمْ وضحال ِة ف ْهمِهم ؛ لنمْ ل يقعُوا على القائقِ‪ ،‬ول يهتدُوا‬
‫إل القاصدِ ‪ ،‬فحافظُوا على النّتفِ‪ ،‬وضيّعُوا الطالب العالية‪ ،‬ووقعُوا ف أمرٍ مريجٍ‪.‬‬
‫*************************************‬

‫ما هكذا تُوردُ ا ِلبِل‬
‫طالعتُ كتابيِ شهيينِ ‪ ،‬ل أرى إلّ أ ّن فيهما سطوةً عارمةً على السعادةِ والُيسْ ِر اللذيْنِ أتى‬
‫بما الشارعُ الكيمُ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪280‬‬

‫فكتابُ « إحياء عِلوم الدينِ » للغزالّ ‪ ،‬دعوةٌ صارخةٌ للتجوي ِع والعُرْيش ( والبهذلة) ‪،‬‬
‫والصالِ والغللِ التِ أتى رسولُنا لوضْعِها عنِ العالي‪ .‬فهو يمعُ من الحاديثِ ‪،‬‬
‫التردّية والنطِيحة وما أكل السّبُعُ ‪ ،‬وغالبُها ضعيفةٌ أو موضوعةٌ ‪ ،‬ث يبن عليها ُأصُولً يظنّها‬
‫منْ أعظمِ ما يُوصّلُ العبدُ إل ربّه‪.‬‬
‫وقارنتُ بي إحياءِ علومِ الدين وبيِ الصحيحي للبخاري ومسلم ‪ ،‬فبان البونُ وظهر الفرْقُ ‪،‬‬
‫سرُكَ‬
‫فذاك عََنتٌ ومشقّةٌ وتكلّفٌ ‪ ،‬وهذه ُيسْ ُر وساحةٌ وسهولةٌ ‪ ،‬فأدركتُ قول البي ‪﴿ :‬وَنَُي ّ‬

‫سرَى ﴾‪.‬‬
‫لِلُْي ْ‬

‫ب » لب طالب الكّيّ ‪ ،‬وهو طلبٌ ُملِحّ منه لترْكِ الياة الدنيا‬
‫ب الثان ‪ « :‬قُوتُ القلو ِ‬
‫والكتا ُ‬
‫ق الضَنْكِ‬
‫والنزواء عنها ‪ ،‬وتعطيل السّعْيِ والكسْبِ ‪ ،‬وهجْرِ الطّيّباتِ ‪ ،‬والتّسابُقِ ف طر ِ‬
‫شدّة‪.‬‬
‫والضّن وال ّ‬
‫والؤلّفان ‪ :‬أبو حامدٍ الغزالّ ‪ ،‬وأبو طالبٍ الكيّ ‪ ،‬أرادا الَبْرَ ‪ ،‬لكنْ كانت بضاعتُهما ف‬
‫السّنّ ِة والديثِ مُزْجاةً ‪ ،‬فمنْ هنا وقع الََللُ ‪ ،‬ولُبدّ للدليل أن يكون ماهرا ف الطريق خِرّيتا‬
‫ف معرفة السالكِ ﴿ وَلَـكِن كُونُواْ رَبّانِّييَ ِبمَا كُنُتمْ ُتعَ ّلمُونَ الْكِتَابَ وَِبمَا‬

‫كُنُتمْ َتدْرُسُونَ ﴾‬

‫‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫أ ْش َرحُ الناسِ صدرا‬
‫الصّف ُة البارزةُ ف مُعَّلمِ اليِ ‪ :‬انشراحُ الصدرِ والرّضا والتّفاؤلُ ‪ ،‬فهو مبشّرٌ ‪ ،‬ينهى عن‬
‫الشقّةِ والتنفي‪ ،‬ول يعرفُ اليأس والحباط ‪ ،‬فالبسمةُ على مُحيّاه ‪ ،‬والرّضا ف خلدِه ‪ ،‬واليُسْرُ‬
‫ف شريعتِه ‪ ،‬والوسطيّةُ ف سُنّتِه ‪ ،‬والسعادةُ ف مِلّته‪ .‬إنّ ُجلّ مهمّتِهِ أن يضع عنهم إصْرهم‬
‫والغلل الت كانتْ عليهم‪.‬‬
‫*************************************‬

‫رويدا‪ ..‬رويدا‬

‫ل تحزن‬
‫‪281‬‬

‫ق هذا‬
‫إنّ من إضفاء السعادة على الُخاطبي بكلمة الوعي ‪ ،‬التّد ّرجُ ف السائلِ ‪ ،‬الهمّ ‪ ،‬يصدّ ُ‬
‫وصيتُه‬

‫لعا ٍذ – رضي الُ عنه – لّا أ ْرسَلَه إل اليمنِ ‪ (( :‬فلي ُكنْ أوّل ما تدعوهمْ إليه ‪ ،‬أنْ‬

‫ل إله إل ال وأن رسولُ الِ‪ )) .....‬الديث‪ .‬إذن ف السألة أولٌ وثانٍ وثالثٌ ‪ ،‬فلماذا‬

‫نُقحمُ السائل على السائل إقحاما ‪ ،‬ولاذا نطرحُها جلةً واحدةً ؟! ﴿ وَقَالَ اّلذِينَ َك َفرُوا لَوْلَا‬

‫ُنزّلَ عَلَ ْيهِ اْل ُقرْآنُ ُجمْ َلةً وَا ِحدَةً َكذَِلكَ لِنُثَبّتَ ِبهِ فُؤَادَكَ‬

‫َورَتّلْنَاهُ َترْتِيلً ﴾‪.‬‬

‫إنّ من سعادةِ السلمي بإسلمِهم أنْ يشعُروا بالرتياح منْ تعاليمِه وباليُسر ف تلقّي أوامره‬
‫ب النفسيّ والتّشرّردِ الذّهنّ والتّفّلتِ‬
‫ونواهيه ؛ لنه أتى أصلً لنقاذهم من الضطرا ِ‬
‫الجتماعي‪.‬‬
‫ت ف الشرعِ إل منفيّا ﴿ لَ يُكَلّفُ ال ّلهُ َنفْسا إِلّ‬
‫« التكليفُ ل يأ ِ‬

‫س َعهَا ﴾‬
‫وُ ْ‬

‫‪ ،‬لنّ التكليف‬

‫مشقّةٌ ‪ ،‬والدينُ ل يأتِ بالشقّةِ ‪ ،‬وإنا أت لزالتِها »‪.‬‬
‫ب كان يطلبُ من الرسولِ وصيتهُ ‪ ،‬فيُخبُه بديثٍ مَتصَرٍ الاضرُ والبادي ‪،‬‬
‫إ ّن الصحا ّ‬
‫فإذا الواقعيةُ ومراعاةُ الا ِل واليُسْرُ هي السم ُة البارزةُ ف تلك النصائحِ الغاليةِ‪.‬‬
‫إننا نطئُ يوم نسْرُدُ على الستمعي كلّ ما ف جعْبتِنا منْ وصايا ونصائح ‪ ،‬وتعاليم وسُننٍ‬
‫وآداب‪ ،‬ف مقا ٍم واحدٍ ﴿وَ ُقرْآنا َفرَقْنَاهُ لَِت ْقرَأَ ُه عَلَى النّاسِ عَلَى مُكْثٍ‬

‫وََنزّلْنَاهُ تَنِيلً﴾‪.‬‬

‫ما هكذا تُوردُ يا س ْعدُ البِ ْل‬
‫أ ْورَدَها س ْع ٌد وسعدٌ ُمشْتمِلْ‬
‫**********************************************‬

‫كيف تش ُكرُ على الكثيِ‬
‫وقد قصّرت ف شُ ْكرِ القليلِ‬
‫إنّ منْ ل يمدُ ال على الا ِء البار ِد العذْبِ الزّللِ ‪ ،‬ل يمدُه على القصورِ الفخمةِ ‪ ،‬والراكبِ‬
‫الفارِهةِ ‪ ،‬والبساتيِ الغنّاءِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪282‬‬

‫وإنّ منْ ل يشكُرُ ال على البزِ الدافئِ ‪ ،‬ل يشكرهُ على الوائدِ الشّهيّةِ والوجباتِ اللّذيذةِ ‪،‬‬
‫لنّ الكنُود الحُود يرى القليل والكثي سواءً ‪ ،‬وكثيٌ منْ هؤلء أعطى ربّه الواثيق الصارمة ‪،‬‬
‫على أنه مت أنعم عليه وحباهُ وأغدق عليه فسوف يشكُرُ ويُنف ُق ويتصدّقُ ﴿ َومِ ْنهُم ّمنْ عَا َهدَ‬

‫حيَ{‪ }75‬فَ َلمّا آتَاهُم مّن َفضْ ِلهِ َبخِلُواْ‬
‫ال ّلهَ لَِئنْ آتَانَا مِن َفضْ ِلهِ لََنصّدّ َقنّ وَلَنَكُوَننّ ِم َن الصّاِل ِ‬
‫ِبهِ وَتَوَلّواْ وّهُم‬

‫ّم ْعرِضُونَ ﴾‪.‬‬

‫وننُ نلحظُ كلّ يومٍ منْ هذا الصّفِ بشرا كثيا ‪ ،‬كاسف البا ِل مكدّر الاطرِ ‪ ،‬خاوي‬
‫ق واسعٍ بينما هو يرفُلُ ف‬
‫الضميِ ‪ ،‬ناقما على ربّه أنه ما أجْزل له العطيّة ‪ ،‬ول أتفهُ برز ٍ‬
‫صحّةٍ وعافيةٍ وكفافٍ ‪ ،‬ول يشكُرْ وهو ف فراغٍ وفسحةٍ ‪ ،‬فكيف لو شُغِل مثل هذا الاحدُ‬
‫بالكنوزِ والدّورِ والقصورِ ؟! إذنْ كان أكْثرَ شُرُدا من ربّه ‪ ،‬وعقوقا لولهُ وسيّدهِ‪.‬‬
‫الاف منّا يقول ‪ :‬سوف أشك ُر ربّي إذا مَنحَن حذاءً‪ .‬وصاحبُ الذاءِ يؤجّل الشّكْر حت‬
‫يصُل على سيّارةٍ فارهةٍ نأخُذ النعيمِ نقْدا ‪ ،‬ونُعطي الشّكْر نسيئةًُ ‪ ،‬رغباتُنا على الِ ملحّةٌ ‪،‬‬
‫وأوامرُ الِ عندنا بطيئةُ المتثالِ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫ثلثُ لوحاتٍ‬
‫بعضُ الذكياء علّق على مكتبِهِ ثلث لوحاتٍ ثينةٍ ‪:‬‬

‫مكتوبٌ على الول ‪ :‬ي ْومُك يومُك‪ .‬أي عِشْ ف حدو ِد اليوم‪.‬‬
‫وعلى الثانيةِ ‪ :‬ف ّكرْ واشكرْ‪ .‬أي فكّرْ ف نِ َع ِم الِ عليك ‪ ،‬واشكُرْه عليها‪.‬‬

‫وعلى الثالثةِ ‪ :‬ل تغضبْ‪.‬‬

‫ث وصايا تدلّك على السعادةِ منْ أقْربِ الطرقِ ‪ ،‬ومن أيْس ِر السّبُلِ ‪ ،‬ولك أن تكتبها‬
‫إنا ثل ُ‬
‫ف مُفكّرتِك لتطالِعها كلّ يومٍ‪.‬‬
‫***********************************‬

‫وقفــــة‬

‫ل تحزن‬
‫‪283‬‬

‫« منْ لطائفِ أسرارِ اقترانِ الفرج بالكرْب ‪ ،‬والُيسْرِ ‪ ،‬أنّ الكرب إذا اشتدّ وعظُم وتناهى ‪،‬‬
‫وحصل للعبد اليأسُ من كشْفِه من جهةِ الخلوقي تعلّق بالِ وحده ‪ ،‬وهذا هو حقيق ُة التّوكّلِ‬
‫على الِ‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ الؤمن إذا استبطأ الفرج ‪ ،‬وأيِس منه كثْرةِ دعائِه وتضرّعِه ‪ ،‬ول يظهر عليه أثرُ‬
‫الجابةِ ‪ ،‬فرجع إل نفسِه باللّئمةِ ‪ ،‬وقال لا ‪ :‬إنا أُتيتُ م ْن قِبلِكِ ‪ ،‬ولو كان فيك خيٌ‬
‫لُجْبتُ‪ .‬وهذا اللومُ أحبّ إل ال م ْن كثيٍ من الطاعاتِ ‪ ،‬فإنه يُوجبُ انكسار العبدِ لولهُ ‪،‬‬
‫واعترافُه له بأنه أهلٌ لا نزل من البلءِ ‪ ،‬وأنه ليس أهلً لجابةِ الدعاءِ ‪ ،‬فلذلك تُسرعُ إليه‬
‫ب »‪.‬‬
‫حينئذٍ إجابةُ الدعاءِ وتفريجُ الكرْ ِ‬
‫ف »‪.‬‬
‫ويقولُ إبراهيمُ بنُ أدهم الزاهدُ‪ « .‬نن ف عيشٍ لو علم به اللوكُ ‪ ،‬لالدُونا عليه بالسيو ِ‬
‫ويقولُ ابنُ تيمية شيخُ السلمِ ‪ « :‬إنا لََتمُرّ بقلب ساعاتٌ أقولُ ‪ :‬إن كان أهلُ النةِ ف مِثْلِ‬
‫ما أنا فيه ‪ ،‬فهم ف عيشٍ طّيبٍ »‪.‬‬
‫************************************‬

‫اطمِئنّوا أيّها الناسُ‬
‫ف كتاب « الفَ َرجِ بعد الشّدّةِ » أكْثر منْ ثلثي كتابا ‪ ،‬كلّها تُخبُنا أنّ ف ذروة الُدلِمات‬
‫انفراجا ‪ ،‬وف قمّ ِة الزماتِ انبِلجا ‪ ،‬وأنّ أكثر ما تكون مكبوتا حزينا غارقا ف النكْبةِ ‪،‬‬
‫سهُولةِ والروجِ م ْن هذا الضّنْكِ ‪ ،‬وساق لنا التّنوخيّ ف كتابِه‬
‫أقْرَبُ ما تكونُ إل الفتْ ِح وال ّ‬
‫الطويل الشائقِ ‪ ،‬أكثَرَ م ْن مائت قصّةٍ لن نُكبُوا ‪ ،‬أو حُبسُوا أو عُزلُوا ‪ ،‬أو شُرّدُوا وطُردُوا ‪ ،‬أو‬
‫ُعذّبُوا وجُلدُوا ‪ ،‬أو افتقرُوا وأملقوا ‪ ،‬فما هي إل أيام ‪ ،‬فإذا طلئع المداد وكتائب السعاد‬
‫وافتْهم على حي يأس ‪ ،‬وباشرتْهم على حي غفلةٍ ‪ ،‬ساقها لم السميع الجيب‪ .‬إنّ التنوخيّ‬
‫يقولُ للمصابي والنكوبي ‪ :‬اطمئنّوا ‪ ،‬فلقد سبقكُم فوقٌ ف هذا الطّري ِق وتقدّمكم أُناسٌ ‪:‬‬
‫وعناهُم مِنْ شأِنهِ ما عنانا‬
‫س قبْلنا ذا الزّمانا‬
‫صحِب النا ُ‬
‫ـالِيه ولكنْ تُك ّدرُ الحْسانا‬
‫حسِنُ الصّنِيع ليـ‬
‫رُبّما ُت ْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪284‬‬

‫إذنْ فهذه سُنّةٌ ماضية ﴿ وَلَنَبْلُوَنّ ُكمْ ِبشَيْءٍ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وََل َقدْ فَتَنّا اّلذِينَ مِن قَبْ ِل ِهمْ ﴾‪ .‬إنا قضيّةٌ‬
‫عادلةٌ أنْ يُمحّص الُ عباده ‪ ،‬وأنُ يتعّبدهم بالشّدّ ِة كما تعبّدهُمْ بالرخاءِ ‪ ،‬وأنْ يُغايِر عليهم‬

‫خطُ والعتراضُ والتّذمّرُ ﴿ وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا‬
‫الطوار كما غاير عليهم الليل والنهار ‪ ،‬فلِم إذن التّس ّ‬
‫مّ ْنهُمْ ﴾‪.‬‬

‫عَلَ ْيهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَن ُفسَكُمْ أَوِ ا ْخرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مّا َفعَلُوهُ إِلّ قَلِيلٌ‬
‫*******************************************‬

‫صنائ ُع العروفِ تقي مصارع السّوءِ‬
‫منْ أجلِ الكلماتِ ‪ ،‬قولُ أب بك ٍر الصّديق – رضي ال عنه ‪ : -‬صنائع العروف تقي مصارع‬
‫حيَ{‪ }143‬لَلَبِثَ فِي‬
‫السوءِ‪ .‬وهذا كلمٌ يُصدّقه النّقلُ والعقلُ ‪ ﴿ :‬فَلَوْلَا أَّنهُ كَانَ ِمنْ اْل ُمسَبّ ِ‬

‫بَطِْنهِ إِلَى يَوْمِ يُ ْبعَثُونَ ﴾‪ .‬تقولُ خديةُ للرسول‬

‫ل أبدا لتصِلُ‬
‫‪ (( :‬كل والِ ل يُخزيك ا ُ‬

‫الرّحِم ‪ ،‬وتمِلُ الكلّ ‪ ،‬وتكسِبُ العدوم ‪ ،‬وتُعيُ على نوائِبِ الدّهْرِ ))‪ .‬فانظُرْ كيف‬

‫استدّلتْ بحاس ِن الفعالِ على ُحسْنِ العواقبِ ‪ ،‬وكَرَمِ البدايةِ على جللِة النهايةِ‪.‬‬
‫شدّ ِة »‬
‫وف كتاب « الوزراء » للصاب ‪ ،‬و« النتظم » لب ِن الوزي ‪ ،‬و «الفَ َرجِ بعد ال ّ‬
‫ت الوزير ‪ ،‬كان يتتّبعُ أبا جعفرٍ بن بسطامٍ بالذِيّة ‪،‬‬
‫للتنوخي قصّةٌ ‪ ،‬مفادُها ‪ :‬أن ابن الفرا ِ‬
‫ويقصدُه بالكاره ‪ ،‬فلقي منه ف ذلك شدائد كثيةً ‪ ،‬وكانت أُمّ أب جعفر قد عوّدته – منذُ‬
‫كان طفلً – أنْ تعل له ف كلّ ليلةٍ ‪ ،‬تت مدّته الت ينامُ عليها رغيفا من البزِ ‪ ،‬فإذا كان‬
‫ف غدٍ ‪ ،‬تصدّقتْ به عنه‪ .‬فلمّا كان بعد مُدّة من أذيّةِ اب ِن الفراتِ له ‪ ،‬دخل إل ابن الفراتِ ف‬
‫شيءٍ احتاج إل ذلك فيه ‪ ،‬فقال له اب ُن الفراتِ ‪ :‬لك مع أُمّك خُبْزٌ ف رغيف ؟ قال ‪ :‬ل‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬لُبدّ أن تصدُقن‪ .‬فذكر أبو جعفر الديث ‪ ،‬فحدّثه به على سبيل التّطاُيبِ بذلك منْ‬
‫ت البارحة ‪ ،‬وأنا أُدبّرُ عليك تدبيا لو تّ‬
‫أفعا ِل النساءِ‪ .‬فقال اب ُن الفراتِ ‪ :‬ل تفعلْ ‪ ،‬فإنّي ب ّ‬
‫لستأصلْتُك ‪ ،‬فنمتُ ‪ ،‬فرأيتُ ف منامي كأ ّن بيدي سيفا مسلولً ‪ ،‬وقد قصدتُك لقتلك به ‪،‬‬
‫فاعترضتْن أُمّك بيدِها رغيفٌ تُترّسُك به منّي ‪ ،‬فما وصلتُ إليك ‪ ،‬وانتبهتُ‪ .‬فعاتبه أبو جعفر‬
‫على ما كان بينهما ‪ ،‬وجعل ذلك طريقا إل استصلحِه ‪ ،‬وبذل لهُ منْ ن ْفسِه ما يريدُه منْ‬

‫ل تحزن‬
‫‪285‬‬

‫ُحسْنِ الطاعةِ ‪ ،‬ول يبحْ حت أرضاهُ ‪ ،‬وصارا صديقيْن‪ .‬وقال له اب ُن الفراتِ ‪ :‬والِ ‪ ،‬ل‬
‫رأيت منّي بعدها سُوءا أبدا‪.‬‬
‫***************************************‬

‫س ْيرِ‬
‫استجمامٌ يُعي علىُ مُواصلةِ ال ّ‬
‫ي العبد على الستمرار ف عبادتِه وعطائِه وعملِه‬
‫من العلومِ أنّ ف الشريعةِ سَعَ ًة وفُسحةً ‪ ،‬تُع ُ‬
‫الصالِ ‪ ،‬فرسولُنا‬

‫حكَ وَأَبْكَى ﴾ ‪ ،‬وكان يزحُ ول يقولُ إل‬
‫ضَ‬
‫كان يضحكُ ﴿ وَأَّنهُ هُوَ أَ ْ‬

‫حقّا ‪ ،‬وسابق عائشة رضي الُ عنها ‪ ،‬وكان يتخوّ ُل الصحابة بالوعظةِ ‪ ،‬كراهِية السّآمِة‬
‫ف والتشديدِ ‪ ،‬ويُخبُ أنه لن يُشا ّد الدّين أحدٌ ‪ ،‬إل‬
‫عليهم ‪ ،‬وكان ينهى عن التّعمّق والتّكلّ ِ‬
‫غَلََبهُ ‪ ،‬وف الديثِ أنّ الدين متيٌ ‪ ،‬فأوغِلُوا فيه برفْقٍ‪ .‬وف الديثِ أيضا أنّ لكل عابد شِرّةً ‪،‬‬
‫شدّةُ والضّراوةُ والندِفاعُ‪ .‬ول يلبثُ التكلّفُ إل أنْ ينقطع ‪ ،‬لنه نظر إل الالةِ الراهنةِ‬
‫وهي ال ّ‬
‫ونسي الطوارئ وطُول ا ُلدّة ومللة النّفْس ‪ ،‬وإ ّل فالعاقلُ له حدّ أدن ف العملِ يُداومُ عليه ‪،‬‬
‫ض الصحابة ‪ :‬إنّ‬
‫فإنْ نشط زاد ‪ ،‬وإنْ ضعف بقي على أصلِه ‪ ،‬وهذا معن الثر منْ كلمِ بع ِ‬
‫للنفوسِ إقبالً وإدبارا ‪ ،‬فاغتنموها عند إقبالا ‪ ،‬وذرُوها عند إدبارِها‪.‬‬
‫وما رأيتُ نفرا زادُوا ف الكْيلِ ‪ ،‬وأكثَرُوا من النوافل ‪ ،‬وحاولوا أنْ يُغالوا ‪ ،‬فانقطعُوا وعادُوا‬
‫أضْعفَ مّا كانوا قبْ َل البدايةِ‪.‬‬
‫ل قوما كلّفُوا‬
‫شقَى ﴾‪ .‬وقد لم ا ُ‬
‫والدّينُ أصلً جاء للسعاد ﴿ مَا أَنزَلْنَا عَلَ ْيكَ اْل ُقرْآنَ لَِت ْ‬

‫ض الواقع ناكثِي ما ألزمُوا أنفسهم به ﴿ َورَهْبَانِّيةً‬
‫أنفُسهم فوق الطّاقةِ ‪ ،‬ث انسحبوا منْ أر ِ‬

‫ابَْتدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَ ْيهِمْ إِلّا ابِْتغَاء رِضْوَانِ ال ّلهِ َفمَا َرعَوْهَا َحقّ ِرعَايَِتهَا ﴾ ‪.‬‬

‫ح والسمِ ‪ ،‬والدنيا‬
‫وميزةُ السلمِ على سائر الديانُ أنه دينُ فطرةٍ ‪ ،‬وأنه وَ َسطٌ ‪ ،‬وأنه للرّو ِ‬
‫ك الدّينُ‬
‫والخرةِ ‪ ،‬وأنه ميسرٌ ﴿ ذَلِ َ‬

‫اْلقَّيمُ ﴾‪.‬‬

‫لدْريّ قال ‪ :‬جاء أعرابّ إل النبّ‬
‫عن أب سعيد ا ُ‬

‫فقال ‪ :‬يا رسول الِ ‪ ،‬أيّ الناس خيْرٌ ؟‬

‫قال‪(( :‬مؤ ِمنٌ ما ِه ٌد بنفسِه ومالِه ف سبيلِ الِ‪ ،‬ث رجُ ٌل معتزلٌ ف ِشعْبٍ من الشّعابِ يعبُد‬

‫ت النب‬
‫ربّه ))‪ .‬وف روايةٍ ‪ (( :‬يتّقي ال ويدع الناس من شرّه )) ‪ ،‬وعنْ أب سعيدٍ قال ‪ :‬سع ُ‬

‫ل تحزن‬
‫‪286‬‬

‫يقولُ ‪ (( :‬يُوشكُ أنْ يكون خي ما ِل السلم غنمٌ يتبعُ با شعْفَ البالِ ومواقع الق ْطرِ ‪،‬‬

‫يفرّ بدينِه من ال ِفتِ ))‪ .‬رواه البخاريّ‪.‬‬

‫قال عمرُ ‪ُ « :‬خذُوا حظّكم من العُزلةِ »‪ .‬وما أحْسنَ قول النيدِ ‪ « :‬مُكابدَ ُة العزلةِ أيسرُ مْن‬
‫مداراةِ اللطةِ »‪ .‬وقال الطّابّ ‪ :‬لو ل يكُنْ ف العزلةِ إل السلمةُ من الغيبةِ ‪ ،‬ومنْ رؤيةِ النكرِ‬
‫الذي ل يقدرُ على إزالتهِ ‪ ،‬لكان ذلك خيا كثيا‪.‬‬
‫ي من‬
‫وف هذا معن ما أخرج ُه الاكمُ ‪ ،‬منْ حديث أب ذرّ مرفوعا ‪ ،‬بلفظ ‪ (( :‬الوحدُة خ ٌ‬
‫جلِيسِ السّوء ))‪ .‬وسنده َحسَنٌ‪.‬‬

‫و َذكَر الطّابّ ف « كتاب العزلة » أنّ العزلة والختلط يتلفُ باختلفِ متعلقاتما ‪ ،‬فتُحمل‬
‫الدلّ ُة الوارِدةُ ف الضّ على الجتماعِ ‪ ،‬على ما يتعلّقُ بطاعةِ الئم ِة وأمورِ الدينِ ‪ ،‬وعكسُها‬
‫ق بالبدانِ ‪ ،‬فمنْ عَرَفَ الكتفاء بنفسِه ف حقّ معاشِهِ‬
‫ف عكسِهِ ‪ ،‬وأما الجتماعُ والفترا ُ‬
‫ومافظةِ دينهِ ‪ ،‬فالوْل ل ُه النكفافُ منْ مالطةِ الناسِ ‪ ،‬بشرْطِ أنْ يُحافظَ على الماعِة ‪،‬‬
‫والسّلمِ والرّدّ ‪ ،‬وحقوقِ السلمي من العيادةِ وشهودِ النازةِ ‪ ،‬ونْوِ ذلك‪ .‬والطلوبُ إنا هو‬
‫ترْكُ فضولِ الصّحبةِ ‪ ،‬لا ف ذلك منْ شغِلِ البا ِل وتضييعِ الوقتِ عن الُهمّاتِ ‪ ،‬ويعلُ‬
‫الجتماع بنل ِة الحتياجِ إل الغداءِ والعشاءِ ‪ ،‬فيقتصرُ منه على ما لبدّ له منه ‪ ،‬فهو أ ْر َوحُ‬
‫للَبدَنِ والقلبِ‪ .‬والُ أعلمُ‪.‬‬
‫وقال القُشييّ ف « الرسالة» ‪ :‬طريقُ من آثرَ العُزلةَ ‪ ،‬أن يعتقد سلمة الناسِ منْ شرّه ‪ ،‬ل‬
‫العكسُ ‪ ،‬فإنّ الول ‪ :‬يُنتجهُ استصغارُه نفْسه ‪ ،‬وهي صفةُ التواضعِ ‪ ،‬والثان ‪ :‬شهودُه مزيةً‬
‫له على غيِه ‪ ،‬وهذه صفةُ التكبّرِ‪.‬‬
‫والناسُ ف مسألةِ العُزلةِ واللطةِ طرفا ِن ووسطٌ‪.‬‬

‫فالطرف الوّلُ ‪ :‬من اعتزل الناس حت عن الُمعِ والماعاتِ والعيا ِد ومامع اليْرِ ‪ ،‬وهؤلءِ‬

‫أخطؤُوا‪.‬‬
‫والطرف الثان ‪ :‬منْ خالط الناس حت ف مالسِ اللّهوِ واللّغوِ والقيلِ والقا ِل وتضييعِ الزّمانِ ‪،‬‬
‫وهؤلء أخطؤُوا‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪287‬‬

‫ت الت ل تقوُم إل باجتماعٍ ‪ ،‬وشاركهم ف ما فيه‬
‫والوسط ‪ :‬منْ خالط الناس ف العبادا ِ‬
‫صدّ والعراضِ عن الِ وفضولِ‬
‫تعاونٌ على البِرّ والتقوى وأجرٌ ومثوبةُ ‪ ،‬واعتزال مناسباتِ ال ّ‬

‫الباحاتِ ﴿ وَ َكذَلِكَ َجعَلْنَا ُكمْ ُأ ّمةً وَسَطا﴾‪.‬‬
‫************************************************‬

‫وقفـــــة‬
‫عن عُباد بنِ الصامتِ قال ‪ :‬قال رسو ُل الِ‬

‫‪ (( :‬عليكمْ بالهاد ف سبيلِ الِ ‪ ،‬فإنه بابٌ‬

‫ل به الغ ّم والمّ ))‪.‬‬
‫من أبوابِ النةِ ‪ ،‬يُذهِبُ ا ُ‬

‫« وأمّا تأثيُ الهاد ف دفْع المّ والغمّ ‪ ،‬فأمرٌ معلومٌ بالوجدان ‪ ،‬فإنّ النّفْس مت تركتْ صائل‬
‫الباط ِل وصولتهُ واستيلءهُ ‪ ،‬اشتدّ هّها وغمّها ‪ ،‬وكربُها وخوفُها ‪ ،‬فإذا جاهدتْه لِ ‪ ،‬أبدل الُ‬
‫ذلك المّ والُزْن فرحا ونشاطا وقوةً ‪ ،‬كما قال تعال ‪ ﴿ :‬قَاتِلُو ُهمْ ُي َعذّْبهُمُ ال ّلهُ ِبأَْيدِيكُمْ‬

‫صدُورَ َقوْمٍ مّ ْؤمِِنيَ{‪ }14‬وَُيذْهِبْ غَ ْيظَ قُلُوِب ِهمْ﴾‪ .‬فل‬
‫صرْ ُكمْ عَلَيْ ِهمْ وََيشْفِ ُ‬
‫خزِهِمْ وَيَن ُ‬
‫وَُي ْ‬
‫ب وغمّه وحزنِه من الهادِ ‪ ،‬والُ الستعانُ »‪.‬‬
‫لوَى القل ِ‬
‫شيء أذْهبُ َ‬
‫قال الشاعرُ ‪:‬‬
‫وألْبَسُ ثوب الصبِ أبيض أبْلجا‬
‫وإن لُغضي مقلتّ على القذى‬
‫عليّ فما ينفكّ أن يَتَفَرّجَا‬
‫وإن لدعو ال والم ُر ضيّقٌ‬
‫أصاب لا ف دعو ِة الِ َمخْرَجا‬
‫وكم من فت ُسدّتْ عليه وجوهُهُ‬
‫*************************************‬

‫مَسا ِرحُ النّظر ف اللكوت‬
‫ت والرضِ ‪،‬‬
‫ق الرتياحِ وبسْطِة الاطرِ ‪ ،‬التّطّلعُ إل آثارِ القُدرةِ ف بديعِ السماوا ِ‬
‫منْ طُ ُر ِ‬
‫فتستل ّذ بالبهجة العامرةِ ف خل ِق الباري – جلّ ف عُلهُ – ف الزهرة ‪ ،‬ف الشجرةِ ‪ ،‬ف‬
‫ض والسماءِ ‪ ،‬ف اللي ِل والنهارِ ‪ ،‬ف الشمسِ‬
‫الدولِ ‪ ،‬ف الميلةِ ‪ ،‬ف التلّ والبل ‪ ،‬ف الر ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪288‬‬

‫والقمرِ ‪ ،‬فتجدُ التعة والُنس ‪ ،‬وتزدادُ إيانا وتسليما وانقيادا لذا الالقِ العظيمِ ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا‬

‫أُولِي‬

‫الْأَْبصَارِ ﴾‪.‬‬

‫يقول أحدُ الفلسفةِ منْ أسلموا ‪ :‬كنتُ إذا شك ْكتُ ف القُدرةِ ‪ ،‬نظرتُ إل كتابِ الكونِ ‪،‬‬
‫ف العجازِ والبداعِ ‪ ،‬فأزدادُ إيانا‪.‬‬
‫لُطالع فيه أحْرُ َ‬
‫*********************************‬

‫خُطوات مدروسة‬
‫يقولُ الشوكانّ ‪ :‬أوصان بعضُ العلماءِ فقال ‪ :‬ل تنقطعِ عن التأليف ولو أنْ تكتُب ف اليومِ‬
‫سطرين‪ .‬قال ‪ :‬فأخذتُ بوصيّتِه ‪ ،‬فوجدتُ ثرتا‪.‬‬
‫وهذا معن الديث ‪ (( :‬خيُ العملِ ما داوم عليه صاحبُه وإنْ قلّ )) وقال ‪ :‬القطرةُ مع‬
‫القطرةِ تتمعُ سيلً عظيما‪.‬‬
‫صخْر قدْ أثّرا‬
‫على صليبِ ال ّ‬
‫أما تَرَى البلَ بطُولِ الدى‬
‫وإنا يأتينا الضطرابُ منْ أننا نريدُ أن نفعل كلّ شيءٍ مرّةً واحدةً ‪ ،‬فَنمَلّ ونتعبُ ونترُ ُك العمل‬
‫‪ ،‬ولو أننا أخذْنا َعمَلنا شيئا فشيئا ‪ ،‬ووزّعْناه على مراحل ‪ ،‬لقطعْنا الراحل ف هدوءٍ ‪ ،‬واعتبِرْ‬
‫بالصلةِ ‪ ،‬فإنّ الشّرْع جَ َعلَها ف خسةِ أوقاتٍ متفرّقةٍ ‪ ،‬ليكون العبدُ ف استجمامٍ وراحةٍ ‪،‬‬
‫ويأت لا بالشواق ‪ ،‬ولو جُمعتْ ف وقتٍ ‪ ،‬ل ّل العبد‪ ،‬وف الديثِ ‪(( :‬إن الُنْبتّ ل ظهْرا‬

‫أبْقى ول أرضا قطع ))‪ .‬ووُجِد بالتّربةِ ‪ ،‬أنّ منْ يأخذُ ال َعمَلَ على فتراتٍ ‪ ،‬يُنجزُ ما ل يُنجزْهُ‬
‫ح وتوقّدِ العاطفةِ‪.‬‬
‫منْ أخذهُ دفعةً واحدةً ‪ ،‬مع بقاءِ جذوةِ الرّو ِ‬
‫وما استفدتُه عنْ بعض العلماءِ ‪ ،‬أنّ الصلوات ترّتبُ الوقاتِ ‪ ،‬أخذا منْ قو ِل الباري ‪ِ ﴿ :‬إنّ‬

‫ت عَلَى اْلمُ ْؤمِِنيَ كِتَابا مّوْقُوتا ﴾‪ .‬فلو أ ّن العبد وزّع أعمالهُ الدينية والدّنيوية بعد‬
‫الصّلَةَ كَانَ ْ‬

‫كلّ صلةٍ ‪ ،‬لوجد سع ًة ف الوقت ‪ ،‬وفسحةً ف الزمنِ‪.‬‬
‫وأنا أضربُ لك مَثَلَ‪ :‬فلو أن طالب العِلْم‪ ،‬جعل ما بعد الفجرِ للحفْظِ ف أيّ فنّ شاء‪ ،‬وجعل‬
‫بعد الظّهر للقراء ِة السهْلةِ ف الجامع العامّة ‪ ،‬وجعل بعد العصر للبحثِ العلميّ الدقيقِ ‪ ،‬وما‬
‫ث والدوريّاتِ‬
‫بعد الغربِ للزّيار ِة والُنسِ ‪ ،‬وما بعد العشاءِ لقراءة الكُتُبِ العصريّ ِة والبحو ِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪289‬‬

‫واللوس مع الهل ‪ ،‬لكان هذا حسنا ‪ ،‬والعاقِل له مِ ْن بصيتِه َمدَ ٌد ونورٌ‪.‬‬
‫ُفرْقَانا ﴾‪.‬‬

‫﴿‬

‫إَن تَّتقُواْ ال ّلهَ‬

‫جعَل لّ ُكمْ‬
‫َي ْ‬
‫*******************************************‬

‫بل فوضويّة‬
‫ما يُكدّرُ ويُشتّتُ الذّهن ‪ ،‬الفوضويّةُ الفكريّ ُة الت يعيشُها بعضُ الناسِ ‪ ،‬فهو ل يدّد قُدراتِه ‪،‬‬
‫ول يقصدْ إل ما يمعُ شل فكْرهِ ونظرِه ؛ لن العرفة شعوبٌ ودروبٌ ‪ ،‬ولُبدّ م ْن تديدِ‬
‫آيتِها ومعرفةِ مسالكها ‪ ،‬ويُجمعُ رأْيه على مشربٍ معروفٍ ‪ ،‬ل ّن التّفرد مطلوبٌ‪.‬‬
‫وكذلك مّا يشتّتُ الذهن ‪ ،‬ويُورِث الغمّ ‪ ،‬الدّيْنُ والتبِعاتُ الاليةُ والتكاليفُ العيشيّةُ‪ .‬وهناك‬
‫أصولٌ ف هذه السألةِ أريدُ ذِكرها ‪:‬‬
‫أولا ‪ :‬ما غال م ِن اقتصدُ ‪ :‬ومنْ أ ْحسَنَ النفاق ‪ ،‬وحفِظ مالهُ إلّ للحاجة ‪ ،‬واجتنب التبذير‬

‫والسراف ‪ ،‬وَ َجدَ العون من الِ ﴿ ِإنّ اْلمُبَذّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشّيَا ِطيِ ﴾ ‪ ﴿ ،‬وَاّلذِينَ ِإذَا‬
‫سرِفُوا وََلمْ َيقُْترُوا وَكَانَ بَ ْينَ ذَلِكَ قَوَاما ﴾‪.‬‬
‫أَن َفقُوا َلمْ ُي ْ‬

‫الثان ‪ :‬كسْب الال من الوجوهِ الُباحةِ ‪ ،‬وهجْرُ ك ّل كسبٍ مرّمٍ ‪ ،‬فإنّ ال طّيبٌ ل يقبلُ إل‬
‫طيّبا ‪ ،‬والُ ل يُباركُ ف الكسبِ البيثِ‬

‫﴿‬

‫وَلَوْ َأ ْعجَبَكَ كَ ْثرَةُ‬

‫اْلخَبِيثِ﴾‪.‬‬

‫الثالث ‪ :‬السّعْيُ ف طلبِ الالِ الللِ ‪ ،‬وجْعُه منْ حلّه ‪ ،‬وتركُ العطالةِ والبطالةِ ‪ ،‬واجتنابِ‬

‫إزجاءِ الوقاتِ ف التفاهاتِ ‪ ،‬فهذا ابنُ عوف يقول ‪ُ :‬دلّون على السوقِ ‪ ﴿ :‬فَِإذَا ُقضِيَتِ‬

‫كمْ ُتفْ ِلحُونَ ﴾‪.‬‬
‫كَثِيا ّلعَلّ ُ‬

‫شرُوا فِي اْلأَ ْرضِ وَابَْتغُوا مِن َفضْلِ ال ّلهِ وَاذْ ُكرُوا ال ّلهَ‬
‫الصّلَاةُ فَانَت ِ‬
‫******************************************‬

‫ثنُك إيانُك و ُخلُقُك‬
‫ب رثّة ‪ ،‬جائع البطْن ‪ ،‬حاف القدمِ ‪،‬‬
‫مرّ هذا الرجلُ الفقيُ العدومُ ‪ ،‬وعليهِ أسالٌ باليةٌ وثيا ٌ‬
‫مغمور النّسبِ ‪ ،‬ل جاهٌ ول مالٌ ول عشيةٌ ‪ ،‬ليس له بيتٌ يأوي إليهِ ‪ ،‬ول أثاث ول متاع ‪،‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪290‬‬

‫يشربُ من الياضِ العامّةِ بكفّيْه مع الواردين ‪ ،‬وينامُ ف السجدِ ‪ ،‬مدّتُه ذراعُه ‪ ،‬وفراشُه‬
‫البطحاءُ ‪ ،‬لكنّه صاحبُ ذِكرٍ لربّه وتلوةٍ لكتابِ مول ُه ل يغيبُ عنِ الصّفّ الولِ ف الصلةِ‬
‫والقتالِ ‪ ،‬مرّ ذات يومٍ برسولِ الِ‬

‫فنادا ُه باسِ ِه وصاح به ‪ (( :‬يا جُليْبيبُ أل تتزوّجُ ؟ ))‪.‬‬

‫قال ‪ :‬يا رسول الِ ‪ ،‬ومنْ يُزوّجُن ؟ ول مالٌ ول جاهٌ ؟ ثّ مرّ به أخرى ‪ ،‬فقال له مثْل قولهِ‬
‫الولِ ‪ ،‬وأجاب بنفسِ الواب‪ ،‬ومرّ ثالثةً ‪ ،‬فأعاد عليه السؤال وأعاد هو الواب ‪ ،‬فقال‬

‫‪ (( :‬يا جليبيبُ ‪ ،‬انط ِلقْ إل بيتِ فلنٍ النصاريّ وقُلْ له ‪ :‬رسولُ الِ‬

‫يقرئُك‬

‫السلم ‪ ،‬ويطلبُ منك أن تُزوّجن بِنْتك ))‪.‬‬
‫وهذا النصاريّ م ْن بيتٍ شريفٍ وأسرةٍ موقرةٍ ‪ ،‬فانطلق جليبيبٌ إل هذا النصاريّ وطرق‬
‫عليه الباب وأخبه با أمره به رسو ُل الِ فقال النصاريّ ‪ :‬على رسول ال السلمُ ‪،‬‬
‫ب ول ما ٌل ول جاهٌ ؟ وتسمعُ زوجتُه الَبَ َر فتعجبُ وتتساءلُ ‪:‬‬
‫وكيف أُزوّجك بنت يا جليبي ُ‬
‫ب ورسالة الرسولِ فتقول‬
‫جليبيبٌ ! ل ما ٌل ول جاهٌ ؟ فتسمُع البنتُ الؤمنةُ كلم جليبي ٍ‬
‫لبويها ‪ :‬أترُدّانِ طلب رسو ِل الِ ‪ ،‬ل والذي نفسي بيدِهِ‪.‬‬
‫وحصل الزواج البارك والذّرّيّةُ الباركةُ والبيتُ العامرُ ‪ ،‬الؤسّسُ على تقوى من الِ ورضوانٍ ‪،‬‬
‫ونادى منادي الهادِ ‪ ،‬وحضر جليبيبُ العركة ‪ ،‬وقتل بيده سبعةً من الكفارِ ‪ ،‬ث قُتل ف‬
‫سبي ِل الِ ‪ ،‬وتوسد الثرى راضيا عنْ ربّه وع ْن رسولِه وع ْن مبدئِه الذي مات منْ أجِلهِ ‪،‬‬
‫ويتفقّدُ الرسولُ القتلى ‪ ،‬فيُخبُه الناسُ بأسائِهم ‪ ،‬وينسون جليبيبا ف غمرةِ الديث ‪ ،‬لنهُ‬
‫ليس لمعا ول مشهورا ‪ ،‬ولكنّ الرسول يذكُرُ جليبيبا ول ينساهُ ‪ ،‬ويفظُ اسه ف الزحامِ‬
‫ول يُغفله ‪ ،‬ويقولُ ‪ (( :‬لكنّن أف ِق ُد جليبيبا ))‪.‬‬

‫ويده وقد تدثّر بالتراب ‪ ،‬فينفضُ التراب عن وجهه ويقولُ له ‪ (( :‬قَتَلْتَ سبعة ث قُتِلْت ؟‬
‫أنت من وأنا منك ‪ ،‬أنت من وأنا منك ‪ ،‬أنت من وأنا منك ))‪ .‬ويكفي هذا الوسام‬

‫النبويّ جليبيبا عطاءً ومكافأةً وجائزةً‪.‬‬
‫إنّ ثنَ جليبيبٍ ‪ ،‬إيانُه وحبّ رسو ِل الِ له ‪ ،‬ورسالتُه الت مات من أجلِها‪ .‬إنّ فقره‬
‫وعدمَه وضآلةُ أسرتِه ل تُؤخّرْه ع ْن هذا الشرفِ العظيمِ والكسب الضخمِ ‪ ،‬لقدْ حاز الشهادة‬

‫ل تحزن‬
‫‪291‬‬

‫والرّضا والقبُول والسعادة ف الدنيا والخرة ‪َ ﴿ :‬فرِ ِحيَ ِبمَا آتَا ُهمُ ال ّلهُ مِن َفضْ ِلهِ‬

‫ف عَلَ ْي ِهمْ وَلَ ُهمْ َيحْزَنُونَ ﴾ ‪.‬‬
‫حقُواْ ِبهِم ّمنْ خَ ْل ِفهِمْ أَلّ خَوْ ٌ‬
‫وََيسْتَ ْبشِرُونَ بِاّلذِينَ َلمْ يَ ْل َ‬

‫إنّ قيمتك ف معانيك الليل ِة وصفاتِك النبيلةِ‪.‬‬
‫إنّ سعادتك ف معرفتِك للشياءِ واهتماماتِك وسوّك‪.‬‬
‫إنّ الفقرَ والعوز والمول‪ ،‬ما كان ‪ -‬يوما من اليامِ‪ -‬عائقا ف طريق التّفوّقِ والوصولِ‬
‫والستعلءِ‪ .‬هنيئا لنْ عَ َرفَ ثنه فعلً بنفسِه ‪ ،‬وهنيئا لنْ أسعد نفسهُ بتوجيههِ وجهادِه ونُبِله ‪،‬‬
‫وهنيئا لنْ أحْسنَ مرّتيْن ‪ ،‬وسعد ف الياتيِ ‪ ،‬وأفلح ف الكرتْينِ ‪ ،‬الدّنيا والخرةِ‪.‬‬
‫**********************************************‬

‫يا سعادة هؤلء‬
‫أبو بكرٍ – رضي الُ عنهُ ‪ : -‬بآيةٍ ‪ ﴿ :‬وَسَُيجَنُّبهَا اْلأَْتقَى{‪}17‬‬

‫اّلذِي ُيؤْتِي مَاَلهُ يََتزَكّى ﴾‪.‬‬

‫ت قصرا أبيض ف النةِ ‪ ،‬قلتُ ‪ :‬لن هذا‬
‫عمرُ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ : -‬بديثِ ‪ (( :‬رأي ُ‬
‫القصرُ ؟ قيل ل ‪ :‬لعمر بنش الطابِ ))‪.‬‬

‫وعثمانُ ‪ -‬رضي ال عنهُ ‪ : -‬بدعاءِ ‪ (( :‬الله ّم اغفْر لعثمان ما تقدّم منْ ذنبِه وما تأخّر ))‪.‬‬
‫وعل ّي ‪ -‬رضي ال عنهُ ‪ (( : -‬رجُلٌ يبّ ال ورسوله ‪ ،‬ويبّه ال ُ ورسولُه ))‪.‬‬

‫ش الرحنِ ))‪.‬‬
‫وسعدُ بنُ معاذٍ ‪ -‬رضي ال عنهُ ‪ (( : -‬اهتزّ له عر ُ‬

‫وعبدُالِ بن عمْرٍو النصاريّ ‪ -‬رضي ال عنهُ ‪(( :-‬كلّمه الُ كِفاحا بل ترْجُمان ))‪.‬‬
‫وحنْ َظلَ ُة ‪ -‬رضي ال عنهُ ‪ (( : -‬غسّل ْت ُه ملئكةُ الرحنِ ))‪.‬‬
‫****************************************‬

‫ويا شقاوة هؤلء‬
‫فرعونُ ‪ ﴿ :‬النّارُ ُي ْعرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّا‬

‫سفْنَا ِبهِ وَِبدَارِهِ‬
‫خَ‬
‫وقارونُ ‪َ ﴿ :‬ف َ‬
‫والوليدُ بنُ الغية ‪ ﴿ :‬سَُأرْ ِه ُقهُ‬

‫َو َعشِيّا ﴾‪.‬‬

‫الَْأ ْرضَ ﴾‪.‬‬

‫صعُودا ﴾‪.‬‬
‫َ‬

‫ل تحزن‬
‫‪292‬‬

‫وأُميّةُ بنُ خلف ‪ ﴿ :‬وَيْلٌ لّكُلّ‬

‫ُه َمزَةٍ ّلمَزَةٍ ﴾‪.‬‬

‫وأبو لبٍ ‪ ﴿ :‬تَبّتْ َيدَا أَبِي َلهَبٍ‬

‫وَتَبّ ﴾‪.‬‬

‫َمدّا ﴾‪.‬‬

‫والعاص بنُ وائلٍ ‪ ﴿ :‬كَلّا سَنَكْتُبُ مَا َيقُولُ وََنمُدّ َلهُ ِمنَ اْل َعذَابِ‬
‫****************************************‬

‫وقفــــــة‬
‫« قلّ ُة التوفيقِ وفسادُ الرأي ‪ ،‬وخفاءُ القّ وفسادُ القلب ‪ ،‬وخولُ ال ّذكْرِ ‪ ،‬وإضاعةُ الوقتِ ‪،‬‬
‫ونَفْرَةُ اللْق ‪ ،‬والوحْشةُ بي العبدِ وبي ربّه ‪ ،‬ومْنعُ إجابةِ الدعاءِ ‪ ،‬وقسوةُ القلبِ ‪ ،‬ومْقُ‬
‫البكةِ ف الرّزقِ والعُمرِ ‪ ،‬وحرمانُ العلمِ ‪ ،‬ولباسُ الذّلّ ‪ ،‬وإهانةُ العدوّ وضي ُق الصدرِ ‪،‬‬
‫والبتلءُ بقرنا ِء السوءِ الذين يُفسدون القلب ويُضيّعون الوقت ‪ ،‬وطو ُل المّ ‪ ،‬وضنْكُ‬
‫العيشةِ ‪ ،‬و َكسْفُ البالِ‪ ...‬تتولّد من العصيةِ والغفلِة عن ذك ِر الِ ‪ ،‬كما يتولّد الزرعُ عن‬
‫الاءِ ‪ ،‬والحراقُ عن النارِ‪ .‬وأضدادُ هذه تتوّلدُ عن الطاع ِة »‪.‬‬
‫« أمّا تأثيُ الستغفارِ ف دفْع ال ّم والغمّ والضيقِ ‪ ،‬ف ِممّا اشترك ف الع ْلمِ به أهلُ الللِ وعقلءُ‬
‫كلّ أمّة ‪ ،‬إنّ العاصي والفساد تُوجِب ال ّم والغمّ ‪ ،‬والوف والزن‪ ،‬وضِيق الصدر ‪ ،‬وأمراض‬
‫القلب ‪ ،‬حت إنّ أهلها ذا قضوا منها أوطارها ‪ ،‬وسئمتْها نفوسُهم ‪ ،‬ارتكبوها دفعا لا يدونهُ‬
‫ف صدورهِم من الضّي ِق والمّ والغمّ ‪ ،‬كما قال شي ُخ الفسوقِ ‪:‬‬
‫وأُخرى تداويْتُ مِنْها با‬
‫وكأسٍ شرِْبتُ على لذّةٍ‬
‫ب والثا ِم ف القلوبِ ‪ ،‬فل دواء لا إل التوبةُ والستغفارُ»‪.‬‬
‫وإذا كان هذا تأثيُ الذنو ِ‬
‫*************************************‬

‫رِقْقا بالقوارير‬
‫﴿ َوعَا ِشرُو ُهنّ بِاْل َم ْعرُوفِ ﴾‪ ﴿ .‬وَ َجعَلَ بَيْنَكُم مّ َودّةً‬

‫ح َمةً ﴾‪.‬‬
‫وَرَ ْ‬

‫وف الديثِ ‪ (( :‬استوصُوا بالنساءِ خيا ‪ ،‬فإننّ عوانٍ عندكم))‪.‬‬
‫وف حديثِ آخر ‪ (( :‬خيُكم خيكم لهِلهِ ‪ ،‬وأنا خيُكم لهلي ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪293‬‬

‫البيتُ السعيدُ هو العام ُر بالُلفةِ ‪ ،‬القائمُ على البّ الملوءُ تقوى ورضوانا ‪ ﴿ :‬أَ َفمَنْ أَ ّسسَ‬

‫بُنْيَاَن ُه عَلَى َتقْوَى ِمنَ ال ّلهِ َورِضْوَانٍ خَ ْيرٌ أَم ّمنْ أَ ّسسَ بُنْيَاَن ُه عَلَىَ َشفَا ُجرُفٍ هَارٍ فَاْنهَارَ ِبهِ‬
‫فِي نَارِ َجهَّنمَ وَال ّلهُ لَ َيهْدِي اْلقَوْمَ الظّاِل ِميَ ﴾ ‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫بَسْم ٌة ف البدايةِ‬
‫من حُسنِ الطالع وجيلِ القابلةِ تبسّم الزوجةِ لزوجِها والزوجُ لزوجتِه ‪ ،‬إن هذه البسمة إعلنٌ‬
‫مبدئيّ للوفاقِ والصالةِ ‪ (( :‬وتبسّمك ف وجه أخيك صدقةٌ ))‪ .‬وكان‬

‫ضحّاكا بسّاما‪.‬‬

‫وف البدايةِ بالسلمِ ‪َ ﴿ :‬فسَ ّلمُوا عَلَى أَن ُفسِكُمْ َتحِّيةً ّم ْن عِندِ ال ّلهِ مُبَارَ َكةً طَيَّبةً ﴾ ‪ ،‬وردّ‬
‫سنَ مِ ْنهَا أَوْ‬
‫التحيةِ من أحدِها للخرِ ‪ ﴿ :‬وَِإذَا حُيّيْتُم بَِتحِّيةٍ َفحَيّواْ بِأَ ْح َ‬

‫ُردّوهَا ﴾‪.‬‬

‫قال كُثيّر ‪:‬‬
‫فحيّها مثل ما حيّتْك يا جلُ‬
‫حيّتْك عزّةُ بالتسلي ِم وانصرفتْ‬
‫مكان يا جلً حُيّيت يا رجلُ‬
‫ليت التحية كانتْ ل فأشكرها‬
‫ومنها الدعاءُ عند دخول النلِ ‪ (( :‬اللهمّ إن أسألُك خَ ْيرَ الوْلِ وخي الخرجِ ‪ ،‬باسم ا ِ‬
‫ل‬
‫ولْنا ‪ ،‬وباسمِ الِ خرجْنا ‪ ،‬وعلى الِ ربّنا توكّلنا ))‪.‬‬

‫ومن أسبابِ سعادةِ البيتِ ‪ :‬لِيُ الطابِ من الطرفي ‪ ﴿ :‬وَقُل ّلعِبَادِي َيقُولُواْ الّتِي هِيَ‬

‫حسَنُ ﴾‪.‬‬
‫أَ ْ‬

‫ل ينِ قتل السلمِ التح ّرزِ‬
‫وكلمُها السحرُ الللُ لو أنه‬
‫و ّد الحدّثُ أنا ل تُوجزِ‬
‫إنْ طال لْ ُيمَْللْ وإنْ هي أوجزتْ‬
‫يا ليت الرجل ويا ليت الرأة ‪ ،‬كلّ منهما يسحبُ كلم الساءةِ وجرْح الشاعرِ والستفزازِ ‪،‬‬
‫يا ليت أنما يذكرانِ الانب الميل الشرق ف ك ّل منهما ‪ ،‬ويغضّانِ الطرْف عن الانبِ‬
‫ي ف كليهما‪.‬‬
‫ف البشر ّ‬
‫الضعي ِ‬
‫إن الرجل إذا عدّد ماسن امرأتِه ‪ ،‬وتاف عن النقصِ ‪ ،‬سعِد وارتاح ‪ ،‬وف الديثِ ‪ (( :‬ل‬

‫يفرُكُ مؤم ٌن مؤمنةً ‪ ،‬إن كره منها خلُقا رضي منها آخر ))‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪294‬‬

‫ومعن ل يفرك ‪ :‬ل يبغضِ ول يكره‪.‬‬
‫ومنْ له السن فقطْ‬
‫من ذا الذي ما ساء قطْ‬
‫من الذي ما ما نبا سيفُ فضائلِه ول كبا جوادُ ماسنِه ‪ ﴿ :‬وََلوْلَا َفضْلُ ال ّل ِه عَلَيْ ُكمْ وَرَ ْحمَُتهُ‬
‫مَا زَكَا مِنكُم‬

‫حدٍ أَبَدا ﴾‪.‬‬
‫ّمنْ أَ َ‬

‫أكثرُ مشاكلِ البيوتِ من معانا ِة التوافهِ ومعايش ِة صغارِ السائلِ ‪ ،‬وقد عشتُ عشراتِ القضايا‬
‫الت تنتهي بالفراقِ ‪ ،‬سببُ إيقادِ جذوتا أمورٌ هينةٌ سهلة ‪ ،‬أحدُ السبابِ أن البيت ل يكن‬
‫مرتّبا ‪ ،‬والطعام ِل يقدّم ف وقتِه ‪ ،‬وسببُه عند آخرين أن الرأة تريدُ من زوجها أن ل يُكثر من‬
‫ث اليتُم والآسي ف البيوتِ‪.‬‬
‫استقبالِ الضيوفِ ‪ ،‬وخذْ من هذه القائمة الت تُور ُ‬
‫إن علينا جيعا أن نعترف بواقِعنا وحالِنا وضعفِنا ‪ ،‬ول نعيشُ اليال والثالياتِ ‪ ،‬الت ل تصلُ‬
‫إل لول العزمِ من أفرادِ العالِ‪.‬‬
‫نن بش ٌر نغضبُ ونتدّ ‪ ،‬ونضعفُ ونطئُ ‪ ،‬وما معنا إل البحثُ عن المرِ النسبّ ف الوافقة‬
‫الزوجيةِ حت بعد هذه السنواتِ القصيةِ بسلمِ‪.‬‬
‫إن أريية أحد بنِ حنبل و ُحسْن صحبته تقدّم ف هذه الكلمة ‪ ،‬إذ يقول بعد وفاة زوجتهِ أمّ‬
‫عبدِال ‪ :‬لقد صاحبتُها أربعي سنةً ما اختلفتُ معها ف كلمةٍ‪.‬‬
‫إن على الرجل أن يسكت إذا غضبتْ زوجتُه ‪ ،‬وعليها أن تسكتُ هي إذا غضب ‪ ،‬حت تدأ‬
‫الثائرةُ ‪ ،‬وتبد الشاعرُ ‪ ،‬وتسكن اضطراباتُ النفسِ‪.‬‬
‫ضبَ وأخذ يتكّلمُ با ل‬
‫قال اب ُن الوزيّ ف « صيدِ الاطرِ » ‪ « :‬مت رأيت صاحبك قد َغ ِ‬
‫يصلحُ ‪ ،‬فل ينبغي أن تعقد على ما يقولُه خِْنصِرا ( أي ل تعتدّ به ول تلتفتْ إليه ) ‪ ،‬ول أن‬
‫تؤاخذه به ‪ ،‬فإن حاله حالُ السكرانِ ل يدري ما يري ‪ ،‬بل اصبْ ولو فترةً ‪ ،‬ول تعوّلْ عليها‬
‫‪ ،‬فإن الشيطان قد غلبه ‪ ،‬والطبعُ قد هاج ‪ ،‬والعقلُ قد استتر ‪ ،‬ومت أخذت ف نفسِك عليه ‪،‬‬
‫أو أجبته بقتضى فعْله ‪ ،‬كنت كعاقل واجه منونا ‪ ،‬أو مفيقٍ عاتب مغمىً عليه ‪ ،‬فالذنبُ لك‪،‬‬
‫بل انظرْ إليه بعيِ الرحةِ ‪ ،‬وتلمّحْ تصريف القدر له ‪ ،‬وتف ّرجْ ف لعبِ الطبعِ به‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪295‬‬

‫واعلم أنه إذا انتبه ندِم على ما جرى ‪ ،‬وعَ َرفَ لك فضْل الصّبْرِ ‪ ،‬وأق ّل القسامِ أن ُتسْلِمه فيما‬
‫يفعلُ ف غضبِه إل ما يستريحُ به‪.‬‬
‫وهذه الالةُ ينبغي أن يتلمّحها الولدُ عند غضب الوالدِ ‪ ،‬والزوج ُة عند غضبِ الزوج ‪ ،‬فتتركه‬
‫يشفى با يقولُ ‪ ،‬ول تعوّلْ على ذلك ‪ ،‬فسيعودُ نادما معتذرا ‪ ،‬ومت قُوبل على حالته ومقالتِه‬
‫ت العداوةُ متمكّنةً ‪ ،‬وجازى ف الفاقةِ على ما فُعِل ف حقّه وقت السّكْرِ‪.‬‬
‫صار ِ‬
‫وأكثرُ الناسِ على غيْرِ هذا الطريقِ ‪ ،‬مت رأوا غضبان قابلُوه با يقولُ ويعملُ ‪ ،‬وهذا على غْيرُ‬
‫مقتضى الكمةِ ‪ ،‬بل الِكمةُ ما ذكرتُ ‪ ،‬وما يعقلُها إل العالون »‪.‬‬
‫*****************************************‬

‫حبّ النتقامِ سُ ّم زُعاف ف النفوسِ الائجةِ‬
‫ف كتاب « الصلوبون ف التاريخ » قصصٌ وحكاياتٌ لبعضِ أهل البطشِ الذين أنزلوا‬
‫بصومهم أشدّ العقوباتِ وأقسى الُثلت ‪ ،‬ث لا قتلوهم ما شفى لم القتلُ غليلً ‪ ،‬ول أبرد‬
‫جبُ أن الصلوب بعد قتِلهِ ل يتألّم ول ُيحِسّ‬
‫لشُب ‪ ،‬والعَ َ‬
‫لم عليلً ‪ ،‬حت صلبوهُم على ا ُ‬
‫ول يتعذبُ ‪ ،‬لن روحه فارقتْ جسمه ‪ ،‬ولكن اليّ القاتل يأنسُ ويرتاحُ ‪ ،‬ويُسرّ بزيادةِ‬
‫التنكيلِ‪ .‬إن هذه النفوس التلمّظة على خصومِها الضطرمةَ على أعدائِها لن تدأ أبدا ولن‬
‫تسعد ‪ ،‬لن نار النتقامِ وبركان التشفّي يدمّرُهم قبل خصو ِم ِهمْ‪.‬‬
‫وأعجبُ من هذا أن بعض خلفا ِء بن العباس فاته أن يقتل خصومه من بن أمية ‪ ،‬لنم ماتُوا‬
‫قبل أن يتولّى ‪ ،‬فأخرجهم من قبورهم وبعضُهم رمي ٌم فجلدهم ‪ ،‬ث صلبهم ‪ ،‬ث أحرقهم‪ .‬إنا‬
‫ثورةُ القدِ العارمِ الذي يُنهي على السرّاتِ وعلى مباه ِج النفسِ واستقرارِها‪.‬‬
‫إن الضرر على النتقمِ أعظمُ ‪ ،‬لنه فَقَدَ أعصابَه وراحته وهدوءهُ وطمأنينته‪.‬‬
‫ما يبلغُ الاهلُ مِنْ نَ ْفسِهِ‬
‫ل يبلغُ العداءُ من جاهلٍ‬
‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫﴿ وَِإذَا خَلَوْْا َعضّواْ عَلَيْكُمُ الَنَامِلَ مِنَ اْلغَ ْيظِ قُلْ مُوتُواْ ِبغَيْظِ ُ‬
‫*****************************************‬

‫وقفــــةٌ‬

‫ل تحزن‬
‫‪296‬‬

‫« ليس للعبدِ إذا بُغِي عليه وأُوذي وتسلّط عليه خصومُه ‪ ،‬شيء أنفعُ له من التوبةِ النصوحِ ‪،‬‬
‫وعلمةُ سعادتِه أن يعكس فكره ونظره على نفسِه وذنوبِه وعيوبِه ‪ ،‬فيشتغل با وبإصلحها ‪،‬‬
‫غ لتدبّر ما َنزَل به ‪ ،‬بل يتولّى هو التوبة وإصلح عيوبه ‪ ،‬والُ‬
‫وبالتوبةِ منها ‪ ،‬فل يبقى فيه فرا ٌ‬
‫يتول نُصرته وحفظه والدفع عنه ولبدّ ‪ ،‬فما أسعدهُ من عبدٍ ‪ ،‬وما أبركها من نازل ٍة نزلتْ‬
‫به ‪ ،‬وما أحسن أثرها عليه ‪ ،‬ولكن التوفيق والرشد بي ِد الِ ‪ ،‬ل مانعٍ لا أعطى ول مُعطي لا‬
‫منع ‪ ،‬فما كلّ أحدٍ يُوفّق لذا ‪ ،‬ل معرفةً به ‪ ،‬ول إرادةً له ‪ ،‬ول قدرةً عليه ‪ ،‬ول حول ول‬
‫قوة إل بالِ »‪.‬‬
‫ول يزلْ مهما هفا العبدُ عفا‬
‫سبحان منْ يعفو ونفو دائما‬
‫جللُه عن العطا لذي الطا‬
‫يُعطي الذي يطي ول ينعُه‬
‫*******************************************‬

‫ل ت ُذبْ ف شخصيةِ غيك‬
‫ت ّر بالنسان ثلثةُ أطوار ‪ :‬طوْرُ التقليد ‪ ،‬وطو ُر الختيارِ ‪ ،‬وطورُ البتكارِ‪ .‬فالتقليدُ ‪ :‬هو‬
‫الحاكاةُ للخرين وتقمّصُ شخصياتِهم وانتحا ُل صفاتِهم والذوبانُ فيهم ‪ ،‬وسببُ هذا التقليدِ‬
‫هو العجابُ والتعلّقُ واليْ ُل الشديدُ ‪ ،‬وهذا التقليدُ الغال ليحمل بعضهُم على التقليد ف‬
‫ت واللتفاتِ ‪ ،‬ونو ذلك ‪ ،‬وهو وأْ ٌد للشخصية وانتحارٌ‬
‫الركاتِ واللحظاتِ ‪ ،‬ونبْر ِة الصو ِ‬
‫معنويّ للذاتِ‪ .‬ويا لُعاناةِ هؤلءِ من أنفسِهم ‪ ،‬وهم يعكسون اتاه ُهمْ ‪ ،‬ويسيون إل‬
‫اللفِ !! فالواحدُ منهم ترك صوته لصوتِ الخرِ ‪ ،‬و َهجَرَ مشيته لشيةِ فلنٍ ‪ ،‬ليت هذا‬
‫التقليد كان للصفاتِ المدوح ِة الت تُثري العمر وتُضفي عليه هالة من السموّ والرّفعةِ ‪ ،‬كالعِ ْلمِ‬
‫والكرمِ واللمِ ونوها ‪ ،‬لكنك تُفاجأُ أن هؤلء يقلّدون ف مارجِ الروفِ وطريقةِ الكلمِ‬
‫وإشار ِة اليدِ !!‪.‬‬
‫أريدُ التأكيد عليك با سبق ‪ :‬إنك َخلْقٌ آخرُ وشيءٌ آخرُ ‪ ،‬إنه نجُك أنت من خل ِل صفاتِك‬
‫وقدراتِك ‪ ،‬فإنه منذُ خََل َق الُ آدم إل أن ينهي الُ العال ‪ ،‬ل يتفقْ اثنا ِن ف الصورةِ الارجيةِ‬

‫ل تحزن‬
‫‪297‬‬

‫للجسمِ ‪ ،‬بيثُ ينطبق شكلُ هذا على شكلِ ذاك ‪ ﴿ :‬وَاخْتِلَافُ أَْلسِنَتِ ُكمْ‬

‫كمْ‪﴾......‬‬
‫وَأَلْوَانِ ُ‬

‫الية‪ .‬فلماذا ننُ نريدُ أن نتفقَ مع الخرين ف صفاتِنا ومواهبِنا وقدراتِنا ؟!‬

‫إن جال صوتِك أن يكون متفرّدا ‪ ،‬وإن ُحسْن إلقائِك أن يكون متميّزا ‪َ ﴿ :‬و ِمنَ اْلجِبَالِ‬
‫سُودٌ ﴾‪.‬‬

‫ُجدَدٌ بِيضٌ وَ ُح ْمرٌ ّمخْتَلِفٌ أَلْوَاُنهَا َو َغرَابِيبُ‬
‫************************************‬

‫الكظومون ف انتظار لطْف ال‬
‫ظ ف ميدانِ البيانِ ‪ ،‬بل يضي ساطعا‬
‫هذا الطيبُ ا ِلصْقعُ ل يلتوي لسانُه إذا تراكضتِ اللفا ُ‬
‫صارما متدفّقا‪.‬‬
‫سبُ ‪ ،‬وخطيب السلم وكفى ‪ ،‬كان يرفع صوته بالطبِ بي‬
‫وح ْ‬
‫هو خطيبُ الرسول‬
‫يدي رسول الِ‬

‫لنصر ِة الدّين ‪ ،‬إنه ثابتُ بنُ قيسِ بن شّاس ‪ ،‬وأنزل الُ ‪﴿ :‬يَا أَّيهَا اّلذِينَ‬

‫ج ْهرِ َب ْعضِ ُكمْ لَِبعْضٍ‬
‫ج َهرُوا َلهُ بِاْلقَوْلِ َك َ‬
‫صوْتِ النّبِيّ وَلَا َت ْ‬
‫آمَنُوا لَا َترْ َفعُوا َأصْوَاتَ ُكمْ فَ ْوقَ َ‬

‫شعُرُونَ ﴾‪ .‬وظنّ قيسٌ أنه هو القصودُ ‪ ،‬فاعتزل الناس واختبأ‬
‫أَن َتحَْبطَ َأعْمَالُ ُكمْ وَأَنُتمْ لَا َت ْ‬
‫ف بيتِه يبكي ‪ ،‬وفقده رسو ُل الِ‬

‫فسأل عنه ‪ ،‬فأخبه الصحابةُ الََبرَ ‪ ،‬فقال ‪ (( :‬كلّ ‪ ،‬بل‬

‫هو من أهلِ النةِ ))‪.‬‬
‫ت النذارةُ بشارةٌ‪.‬‬
‫فصار ِ‬
‫فما جزِع الحزونُ حت تبسّما‬
‫هناءٌ ما ذاك العزاء القدّما‬
‫وتبقى عائشةُ أمّ الؤمني – رضي الُ عنها – تبكي شهرا كاملً ليلً ونارا ‪ ،‬حت كاد البكاء‬
‫يزّقُ كبِدها ويفري جسمها ‪ ،‬لنا طُعنتْ ف ِعرْضها الشريفِ ‪ ،‬العفيفِ ‪ ،‬فجاء الفرج ‪﴿ :‬‬
‫ت ال‬
‫حصَنَاتِ اْلغَافِلَاتِ اْلمُ ْؤمِنَاتِ ُلعِنُوا فِي الدّنْيَا وَالْآ ِخرَةِ ﴾‪ .‬وحد ِ‬
‫إِنّ اّلذِينَ َي ْرمُونَ اْلمُ ْ‬
‫وصارتْ أطهر الطّهرِ ‪ ،‬كما كانتْ ‪ ،‬وفرح الؤمنون بذا الفتحِ البيِ‪.‬‬
‫والثّلثةُ الذين تلّفوا عن غزوةِ تبوك ‪ ،‬وضا ْقتْ عليهمْ الرضُ با رحُبتْ ‪ ،‬وضاقتْ عليهم‬
‫أنفسُهم ‪ ،‬وظنّوا أن ل ملجأ من الِ إل إليه ‪ ،‬أتاهم الفرجُ منْ يلكُه – سبحانه‪ -‬ونزل عليهم‬
‫الغوْثُ من السميعِ القريبِ‪.‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪298‬‬

‫*************************************‬

‫احرصْ على العملِ الذي ترتاحُ لهُ‬
‫يقولُ ابن تيمية ‪ « :‬ابتدأن مرضٌ ‪ ،‬فقال ل الطبيبُ ‪ :‬إنّ مطالعتك وكلمك ف العلمِ يزيدُ‬
‫الرض‪ .‬فقلت له ‪ :‬ل أصبُ على ذلك ‪ ،‬ل أصبُ على ذلك ‪ ،‬وأنا أحاكمُك إل علمِك ‪،‬‬
‫ت النّفسُ إذا فرجتْ وسُرّتْ قويتِ الطّبيعةُ ‪َ ،‬فدَفعتِ الرض ؟ فقال ‪ :‬بلى‪ .‬فقلتُ له ‪:‬‬
‫أليس ِ‬

‫فإن نفسي تُسرّ بالعلمِ ‪ ،‬فتقوى به الطبيعةُ ‪ ،‬فأجدُ راحةً‪ .‬فقال‪ :‬هذا خارجٌ عن علجِنا» ﴿لَا‬
‫حسَبُوهُ َشرّا لّكُم بَلْ ُهوَ‬
‫َت ْ‬

‫كمْ ﴾‪.‬‬
‫خَ ْيرٌ لّ ُ‬

‫فربّما صحتِ الجسامُ بالعِل ِل‬
‫لعلّ عَتْبَك ممودٌ عواقبُهُ‬
‫********************************************‬

‫كُلً ُنمِدّ هؤلءِ وهؤلء‬
‫ما أحوجنا إل الثابر ِة واستثمارِ الوقت ‪ ،‬ومسابقةِ النفاسِ بالعملِ الصالِ النافعِ الفيدِ ‪ ،‬إننا‬
‫سوف نسعدُ يوم نقدّم للخرين نفعا ووعيا وخدمة وثقافةً وحضارةً ‪ ،‬وسوف نسعدُ إذا‬
‫علمْنا أننا ل نأتِ إل الياةِ ُسدّى ‪ ،‬ول ُنخْلقْ عَبَثا ‪ ،‬ول نُوجدْ لعِبا‪.‬‬
‫يوم تصفّحتُ « العلم » للزركليّ فوجدتُ تراجم شرقيي وغربيي ‪ ،‬ساسةً وعلماء ‪،‬‬
‫وحكماء وأدباء وأطباء ‪ ،‬يمعهم أنم نابغون مؤثّرون لمعون ‪ ،‬ووجدتُ ف سِيهم جيعا‬
‫سنة الِ ف خلقِه ‪ ،‬ووعد الِ ف عبادِه ‪ ،‬وهي أن من أحسن من أجل الدنيا ُوفّي نصيبه من‬
‫الدنيا ‪ ،‬من الذيوعِ والشهرةِ والنتشارِ ‪ ،‬وما يلحقُ ذلك من ما ِل ومنصبٍ وإتافٍ ‪ ،‬ومن‬

‫أحسن للخرةِ وجدها هنا وهناك ‪ ،‬من النفعِ والقبو ِل والرضا والجرِ والثوبةِ ‪ُ ﴿ :‬كلّ ّن ِمدّ‬

‫هَـؤُلء وَهَـؤُلء ِمنْ عَطَاء رَبّكَ َومَا كَا َن عَطَاء رَبّكَ َمحْظُورا ﴾ ‪.‬‬
‫ووجدتُ ف الكتابِ أيضا أن هؤل ِء العباقرةِ الذين قدّموا للبشرية نفعا ونتاجا ول يعملُوا‬
‫للخرة – وأخصّ منهم غيْر الؤمني بالِ ولقائِه – وجدتُهم أسعدوا الناس أكثر من أنفسِهم ‪،‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪299‬‬

‫وأفرحوا أرواح الخرين أكثر من أرواحهِم ‪ ،‬فإذا بعضُهم ينتحرُ ‪ ،‬وبعضهم يثورُ من واقعِه‬
‫ويغضبُ من حياتِهِ ‪ ،‬وآخرون منهم يعيشون بؤسا وضنْكا‪.‬‬
‫وسألتُ نفسي ‪ :‬ما هي الفائدةُ إذا سعد ب قومٌ وشقيت أنا ‪ ،‬وانتفع ب ملٌ وحُرمِت أنا ؟!‬
‫ووجدتُ أنّ ال أعطى كلّ أحدٍ من هؤل ِء البارزين ما أراد ‪ ،‬تقيقا لوعدِه ‪ ،‬فجمْعٌ منهم‬
‫حصل على جائزةِ نوبل ‪ ،‬لنه أرادها وسعى لا ‪ ،‬ومنهم من تبوّأ الصدارة ف الشهرةِ ‪ ،‬لنه‬
‫بث عنها وشغف با ‪ ،‬ومنهم من وَ َجدَ الال ‪ ،‬لنه هام به وأجبّه ‪ ،‬ومنهم عبا ُد الِ الصالون‬
‫‪ ،‬حصلُوا على ثوابِ الدنيا وحسنِ ثوابِ الخرةِ – إنْ شاء الُ ‪ ، -‬يبتغون فضلً من الِ‬
‫ورِضْوانا‪.‬‬
‫إنّ من العادلت الصحيحة القبولة ‪ :‬أن الغمور السعيد الواثق من منهجِه وطريقِه ‪ ،‬أنعمُ حظّا‬
‫من اللمعِ الشهيِ الشقيّ ببادئِه وفكرِهِ‪.‬‬
‫إنّ راعي البلِ السلمِ ف جزيرةِ العربِ أسعدُ حالً بإسلمِه من « تولوستوي » الكاتب‬
‫ف مصيَهُ ومنقلبه ‪ ،‬والثان‬
‫الروائي الشهيِ ‪ ،‬لن الول قضى حياته مطمئنا راضيا ساكنا يعر ُ‬
‫عاش مزّق الرادةِ ‪ ،‬مبعثر الهدِ ‪ ،‬ل يبدْ غليلُه من مرادِه ‪ ،‬ول يعرفْ مستقبلهُ‪.‬‬
‫عند السلمي أعظمُ دواءٍ عرفتْه البشريةُ ‪ ،‬وأجلّ علجٍ اكتشفتْه النسانيةُ‪ .‬إنه اليانُ بالقضاءِ‬
‫والقدرِ ‪ ،‬حت قال بعضُ الكماءِ ‪ :‬لن يسعد ف الياةِ كافرٌ بالقضاءِ والقدرِ‪ .‬وقد أعدتُ‬
‫عليك هذا العن كثيا ‪ ،‬وعرضتُه لك ف أساليب شتّى ‪ ،‬وأنا على عمْد ‪ ،‬لنن أعرفُ من‬
‫خطُ عليه فيما نكرهُهُ ‪،‬‬
‫نفسي ومن كثي مثلي أننا نؤمنُ بالقضاءِ والقد ِر فيما نبّه ‪ ،‬وقد نتس ّ‬
‫ولذلك كان شرطُ اللّةِ وميثاقُ الوحيِ ‪ (( :‬أن تؤمن بالقدرِ خيِه وشره ‪ ،‬حلوِه ومرّه ))‪.‬‬
‫************************************‬

‫ومن يؤمنْ بال يهدِ قلبَه‬
‫أسوقُ هنا قصةً لتظهر سعادة من رضي بالقضاءِ ‪ ،‬وحية وتكدّر وشكّ منْ سخِط مِن القضاءِ‬
‫‪:‬‬

‫ل تحزن‬
‫‪300‬‬

‫ب « رياح على الصحراءِ » ‪ ،‬و «‬
‫فهذا كاتبٌ أمريك ٌي لمعٌ ‪ ،‬اسُه « بودل » مؤلّفُ كتا ِ‬
‫الرسول » وأربعة عشرَ كتابا أخرى ‪ ،‬وقد استوطن عام ‪ 1918‬م إفريقية الشمالية‬
‫الغربية ‪ ،‬حيث عاش مع قومٍ من الرّحّل البدوِ السلمي ‪ ،‬يصلّون ويصومون ويذكرون ال‪.‬‬
‫يقولُ عن بعضِ مشاهدِه وهو معهم ‪ :‬هّبتْ ذات يومٍ عاصفةٌ عاتية ‪ ،‬حلت رمال الصحراءِ‬
‫ت با البحر البيض التوسط ‪ ،‬ورمتْ با وادي الرون ف فرنسا ‪ ،‬وكانت العاصفة حارةً‬
‫وعب ْ‬
‫شديدةً الرارةِ ‪ ،‬حت أحسستُ كأنّ شعْر رأسي يتزعزعُ من منابتِهِ لفرطِ وطأةِ الرّ ‪،‬‬
‫فأحسستُ من فرطِ الغيظِ كأنن مدفوعٌ إل النون ‪ ،‬ولكنّ العرب ل يشكوا إطلقا ‪ ،‬فقد‬
‫هزّوا أكتافهم وقالوا ‪ :‬قضاءٌ مكتوبٌ‪ .‬واندفعوا إل العمل بنشاطٍ ‪ ،‬وقال رئيسُ القبيلةِ الشيخُ‬
‫‪ :‬ل نفقدِ الشيء الكثي ‪ ،‬فقد كنا خليقي بأن نفقد كلّ شيءٍ ‪ ،‬ولكن المدُ لِ وشكرا ‪،