‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬

‫عند هوسرل‬

‫الفصل الثالث‬

‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬
‫عند هوسرل‬
‫مقدمـــة‪.‬‬
‫أول ً‪ -‬ما هي الفينومينولوجيا؟‬
‫ثانيا ً‪ -‬بداية ظهور الفينومينولوجيا في‬
‫مؤلفات هوسرل‪.‬‬
‫ثالثا ً‪ -‬عناصر التحليل الفينومينولوجي‬
‫عند هوسرل‪:‬‬
‫‪ - 1‬التمييـــــز بيـــــن الســـــيكولوجي‬
‫والفينومينولوجي‪.‬‬
‫‪ - 2‬البوخيـــة‪ :‬تعليـــق الحكـــم والـــرد‬
‫الترانسندنتالي ‪ -‬الفينومينولوجي‪.‬‬
‫‪ - 3‬التمييــز بيــن فعــل الــوعي ‪Noesis‬‬
‫ومضمون الوعي ‪.Noema‬‬
‫‪ - 4‬القصدية‪.‬‬
‫‪ - 5‬وصف أفعال الوعي‪.‬‬
‫‪ - 6‬الحدس المقولي‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الحـــدس الحســـي والحـــدس‬
‫‪115‬‬

‫نظرية المعرفة بين‬
‫كانط وهوسرل‬

‫المقولي‪.‬‬
‫ب‪ -‬فائض المعنى‪.‬‬
‫الحدس‬
‫جـ‪ -‬تضمن‬
‫للمقولت‪.‬‬

‫تعقيـــب‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫الحسي‬

‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬
‫عند هوسرل‬

‫المنهج الفينومينولوجي عند هوسرل‬
‫مقدمـــة ‪:‬‬
‫استعرضنا في الفصل السابق نظرية كانط في المعرفــة‬
‫والتي وضعها في الجزء الخاص بالتحليلت الترانسندنتالية من‬
‫كتابه "نقد العقـل الخـالص"‪ .‬ولظحظنـا فـي هـذه النظريـة أنـه‬
‫يعالج المعرفــة مــن جهــة إمكانهــا‪ ،‬أي بــالبحث فــي الشــروط‬
‫القبلية التي تجعل المعرفة ممكنة‪ .‬وهــو يضــع هــذه الشــروط‬
‫القبلية في صورة استعدادات فــي الــوعي تمكنــه مــن تنظيــم‬
‫بيانات الحواس وفهمها وفق مقولت هي ذاتها قبليــة‪ .‬وترجــع‬
‫هذه المقولت إلى مبادئ تركيبية في الوعي ينظم بها الخــبرة‬
‫التجريبية‪ .‬و معنى ذلك أن كانط يعالج المعرفة البشرية علــى‬
‫أنها ظاهرة في الوعي‪ ،‬ويبحث في الوعي نفسه عــن شــروط‬
‫إمكانها‪ .‬فكي يكون الوعي قادرا ً على إنتاج المعرفة يجــب أن‬
‫يكون ظحائزا ً على استعدادات معرفية قبل أن ينشغل في فهــم‬
‫الشياء‪ .‬كما كشف كانط عن أن هذه الستعدادات هي أفعــال‬
‫قبلية للوعي‪ ،‬أفعال تلقائية تمكنه من تنظيم النطباعات وفهم‬
‫الدراكات‪ .‬وبذلك يكون كانط متعامل ً مــع المعرفــة مــن جهــة‬
‫أفعال الوعي التي تؤسسها‪.‬‬
‫والحقيقة أن مثل هذه المعالجــة تطــابق تنــاول هوســرل‬
‫للمعرفــــة عــــن طريــــق المنهــــج المعــــروف بالمنهــــج‬
‫الفينومينولوجي‪ُ .‬يعّرف هوســرل الفينومينولوجيــا بأنهــا العلــم‬
‫الذي يدرس خبرة الــوعي‪ ،‬خــبرته بالشــياء باعتبارهــا ظــواهر‬
‫محايثة لوعيه‪ ،‬وخبرته بذاته‪ .‬وهذا هــو مــا يفتــح أمامنــا مجــال ً‬
‫للمقارنة بين كانط وهوسرل‪ ،‬إذ هما يشتركان معا ً في البحـث‬

‫‪117‬‬

‬‬ ‫‪118‬‬ .‬ويتــم ذلــك‬ ‫بالكشف عن الطابع الفينومينولوجي لتحليلت كانط‪ .‬ولن هــدفنا فــي هــذه الدراســة‬ ‫القيام بمقارنة بيــن كــانط وهوســرل فــإن الجــراء الضــروري‬ ‫الــواجب اتخــاذه هــو التقريــب بيــن الثنيــن أو ً‬ ‫ل‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫فــي المعرفــة باعتبارهــا خــبرة للــوعي‪ .‬وهــو لــم يســتخدم كلمــة‬ ‫الوعي‬ ‫)‪(1‬‬ ‫بكثرة بل كـان يسـتخدم أسـماء أخـرى مثـل الحـس‬ ‫والفهم والمخيلة لكن ليصــف بهـا ملكـات معرفيـة للــوعي‪ ،‬أو‬ ‫للنفــس البشــرية بتعــبيره‪ .‬لــم يســتخدم كــانط‬ ‫مصطلح "الفينومينولوجيا" طوال كتابه "نقد العقل الخــالص"‪،‬‬ ‫لكن استخدمه في أعمال أخرى مثــل "المبــادئ الميتافيزيقيــة‬ ‫الولى للعلم الطبيعي"‪ ،‬وكان يعنــي بهــا دراســة الحركــة مــن‬ ‫منظور المراقــب‪ ،‬وهــو معنــى بعيــد تمامـا ً عمــا كــان يقصــده‬ ‫هوسرل من الفينومينولوجيا‪ .‬‬ ‫لم ينشغل الفصل السابق بأي تأويــل لفلســفة كــانط‪ ،‬إذ‬ ‫كان يهدف تقديم نظرية كانط في المعرفــة كمــا عرضــها فــي‬ ‫كتابه "نقــد العقــل الخــالص"‪ .‬لكن قبل‬ ‫أن نــدخل فــي هــذه المهمــة يجــب علينــا أول ً التعــرف علــى‬ ‫فينومينولوجيا هوســرل وعلــى العناصــر الــتي اســتخدمها فــي‬ ‫تحليلته الفينومينولوجية كي تكون واضحة أمامنا عنـد البحـث‬ ‫عنها في تحليلت كانط‪ ،‬وهذا هو هدف الفصل الحالي‪.‬وعلــى الرغــم مــن كــل هــذا فــإن‬ ‫تحليلت هوسرل المعرفية تكشف عن قرب كــبير مــن كــانط‪،‬‬ ‫بل عن وظحدة في بعض الغايات‪ ،‬وهذا ما نحــاول توضــيحه فــي‬ ‫هذه الدراسة‪.‬ولم ينظر كانط إلى منهجه علـى‬ ‫أنــه فينومينولــوجي بــل علــى أنــه ترانســندنتالي‪ ،‬أي يتجــاوز‬ ‫الخــبرة التجريبيــة للبحــث عــن أصــل المعرفــة انطلق ـا ً مــن‬ ‫الشروط القبلية التي تجعلها ممكنة‪ .

‬فالمقارنــة بيــن كــانط‬ ‫وهوسرل سوف تركز على أسلوب التحليــل المتشــابه لـديهما‬ ‫وعلى أدوات التحليل ذات المضمون والوظيفة الواظحــدة علــى‬ ‫الرغم من اختلف السماء‪ ،‬ل على خطوات منهجية يقــوم بهــا‬ ‫الباظحث كما لو كانت إرشادات مروريــة أو وصــفة لعــداد نــوع‬ ‫مــن المــأكولت‪ .‬‬ ‫أول ً ‪-‬‬ ‫ما هي الفينومينولوجيا؟‬ ‫تتكـــون كلمـــة "فينومينولوجيـــا" ‪ Phenomenology‬مـــن‬ ‫مقطعين‪ Phenomena :‬وتعني الظاهرة‪ ،‬و ‪ Logy‬وتعني الدراســة‬ ‫العلمية لمجال مــا‪ ،‬وبــذلك يكــون معنــى الكلمــة العلــم الــذي‬ ‫يدرس الظواهر‪ .‬والحقيقة أن كل العلوم تدرس ظواهر‪ ،‬فهــل‬ ‫معنى ذلك أن كل العلوم فينومينولوجيــا؟ ل بــالطبع‪ ،‬ذلــك لن‬ ‫‪119‬‬ .‬إنها فــي الســاس أســلوب فــي‬ ‫التحليل وطريقــة فــي دراســة الــوعي‪ .‬وسـوف نؤجــل مناقشـة الختلفـات‬ ‫المذهبيــة بيــن كــانط وهوســرل إلــى الفصــول الخيــرة مــن‬ ‫الدراسة بعد أن نكــون قــد استفضــنا فــي الكشــف عــن أوجـه‬ ‫التفاق‪.‬إن المنهــج بهــذه الطريقــة ليــس إل مــذهبا ً‬ ‫متنكرا ً في صورة منهـج‪ .‬كمــا نــود أن‬ ‫ننبه على أن التركيز في هذا الفصل سوف يكون على عناصــر‬ ‫التحليــل الفينومينولــوجي لــدى هوســرل‪ ،‬ل علــى خطــوات أو‬ ‫لحظات المنهج الثل ث المتعارف عليها‪ :‬تعليــق الحكــم والبنــاء‬ ‫واليضاح‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫ونود أن ننبه في البداية على أن هدفنا الساسي في هذا‬ ‫الفصل هو عــرض وشــرح فينومينولوجيــا هوســرل وعناصــرها‬ ‫وأدواتها التحليلية الساسية دون الدخول في كثير من التأويــل‬ ‫لها‪ ،‬ذلك الذي سيكون موضوع الفصول اللظحقــة‪ .‬وننطلق في ذلك من قناعة بأن الفينومينولوجيا في‬ ‫ظحقيقتها ليست منهجا ً يسير ظحسب خطوات‪ ،‬لنها بــذلك تكــون‬ ‫أداة بحث وهي ليست كذلك‪ .

‬هذا التعريف الـذي قـدمناه للفينومينولوجيـا هـو أعـم‬ ‫‪120‬‬ .‬‬ ‫ومن الواضح أن التعريف السابق للفينومينولوجيا يقربها‬ ‫من دراسة كــانط للمعرفــة‪ ،‬فهــو أيضـا ً يــدرس المعرفــة مــن‬ ‫منطلق كونها ظاهرة في الوعي‪ ،‬ودرس إمكان المعرفــة مــن‬ ‫منطلـق السـتعدادات القبليـة للـوعي كمـا رأينـا فــي الفصـل‬ ‫السابق‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫المقصــود مــن الظــواهر فــي مصــطلح الفينومينولوجيــا ليــس‬ ‫ظــواهر العـالم الخـارجي‪ ،‬أي الظـواهر الطبيعيـة الفيزيائيـة –‬ ‫على الرغم من أن هذا المصطلح قد ظهر بهذا المعنى بالفعل‬ ‫لــدى البراجمــاتي المريكــي شــارلز بيــرس ولــدى اللمــاني‬ ‫إرنســـت مـــاخ)‪ ،(2‬بـــل المقصـــود بـــالظواهر الـــتي تدرســـها‬ ‫الفينومينولوجيا ظواهر الوعي‪ ،‬أي ظهــور موضــوعات وأشــياء‬ ‫العالم الخارجي في الوعي‪ ،‬وبذلك تكون الفينومينولوجيــا هــي‬ ‫دراسة الوعي بــالظواهر وطريقـة إدراكــه لهـا وكيفيـة ظحضــور‬ ‫الظــواهر فــي خــبرته‪ ،‬أو مــا يســمى بالعطــاء ‪Gegebengeit‬‬ ‫‪ ،Givennes‬لكن هناك علم آخر يدرس الوعي بالشياء وطريقـة‬ ‫إدراكه لها وهو علم النفــس‪ ،‬فهــل تصــبح الفينومينولوجيــا إذن‬ ‫دراسة ســيكولوجية للــوعي ولكيفيــة إدراكــه للشــياء؟ ل‪ .‬لن‬ ‫سيكولوجيا المعرفة تهتم بالحالت المعرفية باعتبارهــا ظحــالت‬ ‫ذهنية‪ ،‬وترد هذه الحالت إلــى الوظــائف العصــبية والســلوكية‬ ‫للمخ البشري‪ ،‬أما الفينومينولوجيا فليست مهتمة بما يصــاظحب‬ ‫عملية المعرفة من ظحالت ذهنية أو وظائف عضوية ترجع إلــى‬ ‫الجهاز العصبي‪ ،‬بل بكيفيــة إدراك الــوعي للموضــوع ووصــوله‬ ‫إلــى معرفــة موضــوعية ويقينيــة ظحــوله؛ أي بالســتعدادات‬ ‫المعرفية الموجودة لدى الــذات النســانية والــتي تمكنهــا مــن‬ ‫تأسيس معرفة يقينية‪ ،‬وهذه الستعدادات ليست سيكولوجية‪،‬‬ ‫بل مرتبطة بالوعي الخالص قبل أن يتصل بأي خبرة تجريبية‪.

‬‬ ‫كما يطلق مصطلح "الفينومينولوجيــا" علــى ا تجــاه فــي‬ ‫الفلسفة المعاصرة ظهر على يد هوســرل وكــانت لــه جــذوره‬ ‫وإرهاصاته لدى فرانز برنتانو وتلميذه كارل شــتومبف‪ .‬ويضــم‬ ‫هذا التجاه تلميذ هوســرل المباشــرين مثــل رومــان إنجـاردن‬ ‫ولودفيج لندجريبه ويوجين فنك ومارتن هايدجر‪ ،‬بالضافة إلى‬ ‫فلسفة مــن خــارج مدرســة هوســرل مثــل جـان بــول ســارتر‬ ‫وموريس ميرلوبونتي وبــول ريكــور وإمانويــل ليفينــاس‪ .‬‬ ‫وكـــي نكـــون أكـــثر دقـــة نقـــول إن هـــذا التعريـــف العـــام‬ ‫للفينومينولوجيا هو المتفق مع اتجاه كانط الساسي في تناول‬ ‫المعرفـــة‪ .‬‬ ‫ومعنى ذلك أن كانط‪ ،‬وعلى الرغم من عدم استخدامه لكلمــة‬ ‫"فينومينولوجيا" في كتابه "نقــد العقــل الخــالص"‪ ،‬يتفــق فــي‬ ‫أسلوب دراسته للمعرفة مع التعريــف العــام للفينومينولوجيــا‪.‬وقــد‬ ‫ظهر مصــطلح "الفينومينولوجيـا" لول مــرة لــدى الفيلســوف‬ ‫والرياضــي اللمــاني يوهــان هــاينريش لمــبرت فــي كتــابه‬ ‫"الورجانون الجديد" سنة ‪ ،(3)1764‬ولــدى كــانط نفســه فــي‬ ‫كتــابه "الســس الميتافيزيقيــة الولــى للعلــم الطــبيعي" ســنة‬ ‫‪ ،1786‬وقد وضعه كاسم للعلم الميتافيزيقي الذي يبحث في‬ ‫الحركة من وجهة نظر المراقب النساني)‪ ،(4‬ولم يكن يعنــي بـه‬ ‫ما نفهمه الن من المصطلح‪ ،‬على الرغــم مــن أن هــذا الكتــاب‬ ‫الهام لكانط – والـذي يتعــرض للتجاهـل دائمـا ً مــن قبــل الـذين‬ ‫‪121‬‬ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫وأبسط تعريف‪ ،‬ويتفق عليه كل فلسفة الفينومينولوجيا علــى‬ ‫اختلفاتهم وتنــوع طــرق تطبيقــاتهم للمنهــج الفينومينولــوجي‪.‬ول يتوقـــف المـــر علـــى مجـــرد اتفـــاق التجـــاه‬ ‫الفينومينولوجي – عند هوسرل بــوجه خــاص – مــع كــانط‪ ،‬بــل‬ ‫يصل إلى تقارب كبير في أسلوب التحليــل عنــدهما؛ وهــذا مــا‬ ‫سوف يتضح في الفصول التالية‪.

‬كان هوسرل يعــترف‬ ‫بوجود الحقائق الموضوعية‪ ،‬والمشكلة الساســية بالنســبة لــه‬ ‫كانت في تفسير كيفية الوعي بهذه الحقــائق‪ ،‬وكــانت الكيفيــة‬ ‫متمثلة فــي دراســة ظهورهـا فــي الــوعي باعتبارهــا قصــديات‬ ‫للوعي‪ ،‬أي مقاصد ماهوية يتوجه إليها‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫يتناولون نظريتــه فــي المعرفــة – يحتــوي علــى نظــرة مختلفــة‬ ‫لميتافيزيقا العلم الطبيعي نستطيع القول بأنهــا فينومينولوجيــة‪،‬‬ ‫وهذا ما سنكشف عنه في الفصل الخامس‪ .‬ومن جهة ثانية انشــغل‬ ‫هوسرل بكيفية تأسيس الوعي للموضوعية انطلقـا ً مــن هــذه‬ ‫القصديات الماهوية‪ ،‬ذلك لن الموضوعية لديه ليســت جــاهزة‬ ‫وموجودة في العالم الخارجي يتلقاها الوعي سلبيا ً عن طريق‬ ‫الحواس‪ ،‬بل يؤسســها الــوعي نفســه بمــا لــديه مــن توجهــات‬ ‫قصدية‪ .‬وبالتالي فقد ظهرت خطوتان للمنهج الفينومينولوجي‬ ‫لديه‪ :‬الخطوة الولى تحاول الكشف عــن الماهيــات المحايثــة‬ ‫للــوعي وذلــك عــن طريــق عــزل الجــانب الحســي والموقــف‬ ‫الطبيعي للوعي تجــاه العــالم و دور الدراك الحســي المتلقــي‬ ‫‪122‬‬ .‬‬ ‫ومـــا يهمنـــا فـــي كـــل تلـــك الســـتخدامات المختلفـــة‬ ‫للفينومينولوجيــا اســتخدام هوســرل لهــا‪ .‬عــّرف هوســرل‬ ‫الفينومينولوجيا على أنها المنهج الدارس لظهور الماهيات فــي‬ ‫الــوعي)‪ ،(5‬ويقصــد بالماهيــات الحقــائق الموضــوعية للشــياء‬ ‫طالما كانت متميزة عن طابعها الحسي‪ .‬هذا بالضــافة إلــى‬ ‫اسـتخدام فشـتة للمصـطلح بمعنـى الدراسـة النظريـة للعقـل‪،‬‬ ‫واستخدام هيجل له في كتــابه "فينومينولوجيــا الــروح")‪(1807‬‬ ‫والذي كان يقصد به العلم الــذي يــدرس ظهــور الــروح وتجليهــا‬ ‫التدريجي عبر الشكال العينية التي تتخذها مثل أشــكال الــوعي‬ ‫التي تبدأ باليقين الحسي ثم الدراك الحسي ثم الفهم والعقــل‪،‬‬ ‫أو تطور الوعي الذاتي الفردي والجمعي معا ً عبر التاريخ‪.

‬وأما الخطــوة الثالثــة وهــي اليضــاح فتكشــف عــن‬ ‫كيفية تأسيس الوعي للخــبرة الموضــوعية بالشــياء وانقســام‬ ‫هذه الخبرة إلى أشكال العلوم المختلفة‪ ،‬وهذا ما يناظر بحــث‬ ‫كــانط فــي دور المبــادئ التركيبيــة القبليــة لملكــة الفهــم فــي‬ ‫تأسيس الخبرة‪ .(6‬والخطــوة‬ ‫الثانية معروفة بـ "البناء" ‪ ،Constitution‬وفيهــا يوضــح هوســرل‬ ‫كيفيــة بنــاء الــوعي للطبيعــة الماديــة والحيوانيــة والعــالم‬ ‫الروظحي‬ ‫)‪(7‬‬ ‫عـن طريـق توجهـاته القصـدية‪ .‬هناك إذن تقارب شديد بيــن هوســرل وكــانط‬ ‫‪123‬‬ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫لبيانات الحواس وذلك لثبات أن الماهيات سابقة في وجودهــا‬ ‫في الوعي على ظحواملها المادية‪ ،‬وهـي الخطـوة المعروفـة بــ‬ ‫"البوخيــة" ‪ ،Epoche‬أو تعليــق الحكــم فيمــا يتعلــق بــالوجود‬ ‫الفعلي للظواهر للكشف عن وعي خالص قبلــي)‪ .‬‬ ‫وتبدو فينومينولوجيا هوسرل ظحسب هذا التوصيف بعيــدة‬ ‫عن نظرية كانط في المعرفة‪ ،‬إل أنها فــي ظحقيقتهــا ذات صــلة‬ ‫وثيقــة بهــا‪ .‬أمــا الخطــوة الثانيــة وهــي‬ ‫البناء فتكشف عن كيفية بناء الوعي للماهيات وهي مــا ينــاظر‬ ‫بحث كانط في الفعال القبليـة الـتي يتوصـل بهـا الـوعي إلـى‬ ‫المقولت‪ ،‬والمقـولت فـي ظحـد ذاتهـا ليسـت سـوى نـوع مـن‬ ‫الماهيات‪ .‬ذلــك لن الخطــوة الولــى وهــي البوخيــة تهــدف‬ ‫الوصول إلى المجال القبلي للمعرفة للكشــف عــن الماهيــات‬ ‫وذلك بعزل مجال الوقائع المادية‪ ،‬وهو نفــس المجــال القبلــي‬ ‫الـذي كــان كـانط يشـتغل عليــه ويسـميه بــالقبلي فــي أظحيـان‬ ‫وبالترانسندنتالي في أظحيان أخرى‪ .‬وقـد ظهـرت لـدى‬ ‫هوسرل في المراظحل التالية من تطوره الفكري‪ ،‬خطوة ثالثــة‬ ‫وهــي المســماة بـ ـ "اليضــاح" ‪ ،Erklarung/Clarification‬وفيهــا‬ ‫يوضح كيف تتأسس الخبرة الموضــوعية بالشــياء عــن طريــق‬ ‫الماهيات القصدية‪.

(9‬ونشهد في‬ ‫‪124‬‬ .‬وكــان هوســرل فــي ذلــك‬ ‫واقعا ً تحت تأثير النزعــة الســيكولوجية فــي المنطــق ومتــأثرا ً‬ ‫بالكانطية الجديدة وخاصة اتجاههــا النفســي الــذي ظهــر لــدى‬ ‫هرمــان لــوتزه‪ .‬‬ ‫وبعد أبحاثه في الحســاب والمنطــق تخلــى عــن اتجــاهه‬ ‫السيكولوجي السابق تحت تــأثير النقــد اللذع الــذي وجهــه لــه‬ ‫فريجــة ورأى أن قــوانين الحســاب والمنطــق ل ترجــع إلــى‬ ‫الحــالت الذهنيــة الســيكولوجية بــل إلــى أفعــال قبليــة لــوعي‬ ‫معرفي‪ ،‬وميز هذا الوعي المعرفي عن الوعي الســيكولوجي‪،‬‬ ‫وهذا ما اتضح في كتابه التالي "أبحا ث منطقية" والصــادر فــي‬ ‫جزئين في عامي ‪ ،1900‬و ‪ 1901‬على التوالي)‪ .‬رد هوســرل فــي هــذه الدراســة مبــادئ علــم‬ ‫الحساب إلى المنطق متأثرا ً في ذلك بفريجة‪ ،‬ثم ظحاول تجاوز‬ ‫فريجة برده المنطق نفسه ومعه مبادئ الحساب إلى القوانين‬ ‫السيكولوجية للتفكير‪.‬‬ ‫ثانيــا ً ‪ -‬بدايــة ظهــور الفينومينولوجيــا فــي‬ ‫مؤلفات هوسرل‪:‬‬ ‫كان أول كتــاب ينشــره هوســرل بعنــوان "فلســفة علــم‬ ‫الحساب‪ :‬أبحا ث سيكولوجية ومنطقيــة" ســنة ‪ .(8)1891‬ولــم‬ ‫يكن المنهج الفينومينولوجي قد ظهر بعد فــي هــذا الكتــاب‪ ،‬إذ‬ ‫كان هوسـرل يمـارس فيــه تحليل ً سـيكولوجيا ً لمفهــوم العـدد‬ ‫وللمفاهيم المرتبطة به مثل المجموع ‪ Sum‬والفئة ‪ ،Set‬أي يرد‬ ‫تلك المفاهيم إلى الفعال الذهنيــة‪ .‬ول يقف المر عند مجرد البناء العام بل‬ ‫يصل إلى أسلوب التحليل‪ .‬وكي نوضح ذلك يجب علينا أول ً أن‬ ‫نضع يدنا على عناصر التحليل الفينومينولوجي عند هوسرل‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫في مضمون البناء العام لنظرتيهما‪ ،‬على الرغـم مـن الختلف‬ ‫في الشكل والسماء‪ .

‬‬ ‫يتكــون الكتــاب مــن مقدمــة ‪ Prolegomena‬فــي المنطــق‬ ‫الخــالص‪ ،‬وســتة أبحــا ث‪ -1 :‬التعــبير والمعنــى‪ -2 ،‬الوظحــدة‬ ‫المثالية للنواع والنظريات الحديثـة ظحـول التجريـد‪ -3 ،‬نظريـة‬ ‫الكــل والجــزاء‪ -4 ،‬التمييــز بيــن المعــاني المســتقلة وغيــر‬ ‫المســتقلة وفكــرة النحــو الخــالص‪ -5 ،‬الخــبرات القصــدية‬ ‫ومضامينها‪ -6 ،‬عناصر للبحث الفينومينولوجي في المعرفة‪.‬فبينمــا تعمــل العلــوم المختلفــة‬ ‫بمجموعة من المبادئ تصادر عليها وتتخذها باعتبارها واضــحة‬ ‫بذاتها‪ ،‬فإن المنطق الخالص يبحث في هــذا الوضــوح الــذاتي‬ ‫ويرده إلى قوانين كلية للوعي‪ .‬كما أن المقولت العاملة فــي‬ ‫العلــوم الخاصــة هــي مــا يضــفي المعنــى علــى أي موضــوع‬ ‫تتناوله‪ ،‬ومعنى هذا أن إشكالية المعنى بحاجة إلى توضيح بما‬ ‫‪125‬‬ .‬ويثبــت‬ ‫فيها هوسرل أن أساس جميع العلوم واظحــد‪ ،‬ويســميه نظريــة‬ ‫العلم ‪ ،Wissenschaftslehre‬ونظرية العلم هي نفســها المنطــق‬ ‫الخالص‪ ،‬باعتباره منطقا ً يبحث عن المبادئ العامة للفكر في‬ ‫الســتعدادات المعرفيــة للــوعي‪ .‬‬ ‫تهدف "المقدمة فــي المنطــق الخــالص" التخلــص مــن‬ ‫النزعة السيكولوجية في المنطق عن طريق رده إلى قوانين‬ ‫قبلية في الفكر ل إلى قوانين ســيكولوجية وســلوكية‪ .‬وينظــر هوســرل إلــى هــذا‬ ‫المنطق الخالص علــى أنــه نســق لكــل القــوانين والنظريــات‬ ‫التي تعتمد عليها العلوم الخرى والتي تتأسس في المقولت‬ ‫العاملــة فــي هــذه العلــوم‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫هــذا الكتــاب تحــول هوســرل مــن البحــث فــي ســيكولوجية‬ ‫المعرفة إلى البحث في فينومينولوجيا المعرفــة الــتي تختلــف‬ ‫عن التجاه النفسي في رد المعرفة إلــى أفعــال معرفيــة مــن‬ ‫قبل وعي خالص‪.

‬ول يمكن رد المقــولت إلــى القــوانين الســيكولوجية‬ ‫للتفكير‪ ،‬لنها بهذه الطريقة لن تكون متمتعة بالصــحة الكليــة‬ ‫والموضــوعية‪ ،‬لن القــوانين الســيكولوجية ليســت إل ظحــالت‬ ‫ذهنية عامة ول يمكن أن تكون مصدرا ً للموضوعية ول للكلية‬ ‫نظــرا ً لعتمادهــا علــى النســق الســلوكي للــوعي التجريــبي‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫أن المقولت التي تعتمد عليها ل تجد تبريرا ً كافيا ً لها في تلك‬ ‫العلوم‪ .(12‬ومن الواضح كيف يتشابه مدخل‬ ‫هوسرل للمعرفة في هذا المبحــث الول مــع بدايــة كــانط فــي‬ ‫تعامله مع المعرفة من منطلق الظحكام‪ ،‬والنظر إلــى المقــولت‬ ‫التي تـترتب علــى أساســها الظحكــام علـى أنهـا هـي كــل صــور‬ ‫المعرفة الممكنة‪ ،‬وإلى المقولت على أنهــا قبليــات فــي ملكــة‬ ‫الفهم ل ترجع إلى التجربة‪.‬‬ ‫الحاجــة إذن تســتدعي بحثــا ً مــن نــوع جديــد وهــو البحــث‬ ‫الفينومينولوجي )‪.(10‬‬ ‫ويوضــح المبحــث الول "التعــبير والمعنــى" أن التفكيــر‬ ‫النظري يسير ظحسب عملية وضع للظحكام – في اتفــاق تــام مــع‬ ‫كانط كما رأينا في الفصـلين السـابقين علـى الرغــم مــن عـدم‬ ‫اعتراف هوسرل بذلك – والظحكام تلحــق المعنــى بموضــوعاتها‪،‬‬ ‫وهذا المعنى هو التصور أو المقولة )‪ ،(11‬وهو ذو طابع مثالي‪ ،‬أي‬ ‫أنه فكري خالص يعبر عن فهم الذات وقصديتها نحو موضوعها‪.‬‬ ‫ويثبـت هوسـرل فــي المبحـث الثـاني "الوظحـدة المثاليـة‬ ‫للنواع" أن التفكير النظــري غيــر ممكــن إل إذا كــان متضــمنا ً‬ ‫‪126‬‬ .‬‬ ‫والمعنى أيضا ً هو الطريقة التي ترتبط بها الــذات بموضــوعاتها‪.‬‬ ‫التصورات أو المقولت إذن هي الوسائل التي تقــع بيــن الــذات‬ ‫وموضــوعاتها‪ ،‬وهــي ذات طبيعــة مثاليــة‪ ،‬أي فكريــة وقبليــة ول‬ ‫يرجع مصدرها إلى التجربة)‪ .

‬‬ ‫ودليــل هوســرل علــى ذلــك أن الحكــم "يكتشــف" الكلــى‬ ‫المتضمن في الجزئــي ول يبحــث عنــه باســتقراء‪ .(13‬‬ ‫ويوضــح المبحــث الثــالث "نظريــة الكــل والجــزاء" أن‬ ‫العلقة بين الكل والجزاء هي علقة تضمن واظحتواء‪ ،‬ثم ينظــر‬ ‫إليهــا علــى أنهــا علقــة المضــمون بالشــكل الــذي يحتــويه)‪(14‬؛‬ ‫ويعالج الشكل على أنــه قبلــي غيــر خاضــع للخــبرة التجريبيــة‪،‬‬ ‫وعلــى أنــه القصــد الــذي يتــوجه إليــه الــوعي فــي إدراكــه‬ ‫للمضــمون‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫ظحكما ً يدرج الفراد في أنواع‪ ،‬وهذه النواع كليات‪ ،‬والكليات ل‬ ‫يرجع مصدرها إلى الخبرة التجريبية بل إن لها واقعيــة ووجــود‬ ‫مستقل عن الجزئيات‪ ،‬وهذا الوجود المستقل هو وجود قبلــي‪.‬وهــذا مــا يمكــن هوســرل مــن معالجــة الجــزاء‬ ‫ن معتمدة في وجودها على الكل الــذي يحتويهــا‪،‬‬ ‫باعتبارها معا ٍ‬ ‫متجنبا ً بــذلك إلحــاق وجــود مســتقل للجــزاء وإضــفاء واقعيــة‬ ‫وظحقيقة عليهـا تفوقـان واقعيـة وظحقيقـة الكـل‪ ،‬ومتجنبـا ً أيضـا ً‬ ‫النزعــات الســمية والتجريبيــة وخاصــة نظريــات لــوك وهيــوم‬ ‫وهامبولت‪.‬‬ ‫ويميــز هوســرل فــي المبحــث الرابــع بيــن "المعــاني‬ ‫المستقلة وغير المستقلة"‪ ،‬ويؤسس هذا التمييز على التمييــز‬ ‫بين المقولة التي هــي معنــى مســتقل‪ ،‬وشــبه المقولــة ‪Proto-‬‬ ‫‪ Category‬التي هي معنى غير مستقل نظرا ً لعتمادها الجزئــي‬ ‫على الفراد‪ .‬ثــم يتوصــل‬ ‫هوســرل إلــى أن الكليــات المتعــددة تنتمــي إلــى شــئ أعلــى‬ ‫وأشمل منها وهو فكرة الكلي في ذاته)‪.(15‬ويهـدف هوسـرل مـن هـذا المبحـث‬ ‫مزيدا ً من التأكيد علــى مثاليــة المقــولت‪ ،‬أو قبليتهــا بــالمعنى‬ ‫‪127‬‬ .‬والمثال على المقولة هو الموضــوع ‪ ،Object‬أمــا‬ ‫شبه المقولة فهي "الجسم"‪ ،‬فكل جسم موضــوع لكــن ليــس‬ ‫كـل موضـوع جسـما ً)‪ .

‬‬ ‫والمبحث السادس "عناصــر للبحــث الفينومينولــوجي فــي‬ ‫المعرفة" يميز فيه هوســرل بيــن الحــدس الحســي‪ ،‬أي الدراك‬ ‫الحسي المباشر للشياء‪ ،‬وظحـدس الموضـوعات المتخيلـة ومنهـا‬ ‫أفعـال المخيلـة مثـل التـذكر والسـتبقاء ‪ Retention‬أي الظحتفـاظ‬ ‫بالدراكات السـابقة فــي الـذاكرة أثنـاء تلقـي إدراكـات جديـدة‪،‬‬ ‫والتجميع ‪ Recollection‬أي تجميــع خـبرات ظحسـية سـابقة‪ ،‬وأخيـرا ً‬ ‫‪128‬‬ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الكانطي‪ ،‬وهو يوضح أن تعــدد أشــباه المقــولت ل يــدل علــى‬ ‫تعدد المقولت‪ ،‬لن أشباه المقولت ل تزال مرتبطة بالصفات‬ ‫الحسية للشياء‪ ،‬وتعدد الصفات الحسية وتعقدها ل يــدل علــى‬ ‫تعدد وتعقد المقولت‪ ،‬ذلك لنها تبقى كليات بسيطة إليها تــرد‬ ‫أشباه المقولت)‪ .(17‬‬ ‫والمبحث الخامس "الخبرات القصدية ومضامينها" يثبــت‬ ‫فيه هوسرل أن المعنى عبارة عن قصد للذات نحــو موضــوعها‬ ‫ونوع من التوجه الفاعل النشط‪ ،‬وأن المقولة نمط مــن الفعــل‬ ‫المعرفي للذات‪ .(18‬‬ ‫ومـن الواضــح ارتبـاط هـذا المبحـث أيضـا ً بنظريـة كـانط فــي‬ ‫المعرفة وخاصة باستنباطه الترانسندنتالي للمقولت وإرجاعها‬ ‫إلى وظحدة الدراك الداخلي للوعي أو الوعي الذاتي‪.(16‬ويعد هذا المبحث هـو أكـثر مبـاظحث كتـابه‬ ‫اقترابا ً من الفلطونية التي اتهمه بها الكثيرون)‪.‬ويميز هوسرل في هذا المبحــث بيــن الــوعي‬ ‫باعتباره نشاطا ً سيكولوجيا ً والوعي باعتبــاره ظحسـا ً داخليـًا‪ ،‬أي‬ ‫شعورا ً بالذات ووعيا ً بالفعال المعرفية التي تقوم بهـا‪ ،‬وأخيـرا ً‬ ‫الوعي باعتباره وظحدة فينومينولوجية للخبرات القصــدية والــذي‬ ‫سوف يسميه بعد ذلــك "النــا الترانســندنتالي" فــي "الفكــار"‬ ‫و"تــأملت ديكارتيــة"‪ ،‬أي الــوعي باعتبــاره قــوام العمليــات‬ ‫المعرفية والحامل الساسي لها باعتبارها أظحوال ً وأفعال ً له)‪.

(19‬ونكتشف في هذا المبحث كيف أن هوسرل‬ ‫أعاد اكتشاف المخيلــة وأفعالهــا باعتبارهــا عنصــرا ً أساســيا ً فــي‬ ‫عملية المعرفة والتي سبق لكانط أن وضع يــده عليهــا لكــن تــم‬ ‫نسيانها من جراء تأثير تيار الكانطية الجديدة)‪.‬ويختــم هوســرل المبحــث‬ ‫بالتمييز بين الحس والفهم‪ ،‬مكررا ً بذلك نفس التمييــز الكــانطي‬ ‫لكن ناظرا ً إليهما على أنهما فعلين لــوعي واظحــد ل ملكــتين كمــا‬ ‫الحال عند كانط)‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫الحدس المقولي ‪ Categorical Intuition‬أي الحدس باعتباره إدراكا ً‬ ‫مباشــرا ً للمقــولي المتضــمن فــي المحسوســات‪ ،‬أو للكلــي‬ ‫المتضــمن فــي الجزئيــات بصــورة مباشــرة غيــر معتمــدة علــى‬ ‫التعميم من الستقراء‪ .1913‬وكتــاب "الفكــار" ليــس إل‬ ‫مقدمــة للفينومينولوجيــا‪ ،‬وأغلبــه عــرض للخطــوة الولــى فــي‬ ‫المنهــج و هــي "البوخيــة" أو تعليــق الحكــم‪ ،‬ول يحتــوي علــى‬ ‫تحليلت فينومينولوجيــة مفصــلة مثــل الــتي تحتويهــا "أبحــا ث‬ ‫منطقيــة"‪ ،‬إذ كــان هــذا الخيــر هــو الســاس الــذي بنــى عليــه‬ ‫هوسرل تحليلته للوعي المعرفي فيما يخــص الزمــان الــداخلي‬ ‫وإدراك الشئ والمكان والتي ظهرت في محاضراته في الفترة‬ ‫مــن ‪ 1901‬إلــى ‪ .(20‬‬ ‫والحقيقــة أن هــذه المبــاظحث الســتة كــانت أول تطــبيق‬ ‫للمنهج الفينومينولوجي عند هوسرل‪ ،‬إذ شــهدت الفينومينولجيــا‬ ‫باعتبارها طريقة وأسلوبا ً في تحليـل قضـايا المعرفـة‪ .1909‬وبالتــالي ســوف نعتمــد علــى مجمــل‬ ‫مؤلفــات ومحاضــرات هوســرل الــتي مــارس فيهــا التحليــل‬ ‫‪129‬‬ .‬لكـن لـم‬ ‫يضع هوسرل للمنهج الفينومينولــوجي قواعــد وخطــوات إل مــع‬ ‫كتاب "الفكار" ‪ Ideen‬ســنة ‪ .‬كذلك يميز هوسرل بيــن قصــدية الــوعي‬ ‫نحو الجزئي وقصديته نحو الكلي‪ ،‬والقصدية نحو الجزئــي تجعــل‬ ‫الوعي في نمط الدراك الحسي‪ ،‬والقصــدية نحــو الكلــي تجعــل‬ ‫الــوعي فــي نمــط الفهــم التصــوري‪ .

1‬‬ ‫التمييز بين السيكولوجي والفينومينولوجي‪:‬‬ ‫أل يعني البحث في أفعــال الــوعي المؤسســة للمعرفــة‬ ‫بحثا ً سيكولوجيا ً في المعرفة؟ لقد فهم هوسرل هذه النوعية‬ ‫من البحث على أنهــا ســيكولوجيا معرفيــة بالفعــل فــي أولــى‬ ‫مؤلفاته "فلسفة علم الحساب" )‪ ،(1891‬ويظهــر هــذا فــي‬ ‫العنوان الفرعي الــذي وضــعه للكتــاب‪" :‬أبحــا ث ســيكولوجية‬ ‫‪130‬‬ .1938‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬عناصر التحليـل الفينومينولــوجي عنـد‬ ‫هوسرل‪:‬‬ ‫إن مـــا يهمنـــا فـــي العـــرض التـــالي لعناصـــر التحليـــل‬ ‫الفينومينولوجي الكشف عن المفاهيم الساسية التي استخدمها‬ ‫في التحليـل‪ ،‬ل عـرض المنهـج الفينومينولـوجي وفـق خطـواته‬ ‫المعروفة‪ :‬تعليق الحكم والبنـاء واليضـاح‪ ،‬لن عناصـر التحليـل‬ ‫هي ما سوف نبحث عن توازيات لها في الفصل الخــامس عنــد‬ ‫كانط‪ ،‬ولن خطوات المنهج الثل ث ليست إل تنظيرا ً مــن وجهــة‬ ‫نظر هوسرل لسلوب التحليل الفينومينولوجي ولسنا فــي هــذه‬ ‫الدراسة مهتميـن بـالبحث فيمـا إذا كـان لـدى كـانط مـا يـوازي‬ ‫تنظير هوسرل للمنهج بل بالكشف عن الطابع الفينومينولــوجي‬ ‫لتحليلت كــانط‪ ،‬لن كــانط لــم يكــن يعــرف الفينومينولوجيــا‬ ‫باعتبارها منهجا ً ذا خطوات بل كان يمــارس تحليل ً أطلــق عليــه‬ ‫"ترانسندنتالي"‪ ،‬وما نحاول توضــيحه هــو القرابــة الكــبيرة بيــن‬ ‫التحليــل الترانســندنتالي الكــانطي والتحليــل الفينومينولــوجي‬ ‫الهوسرلي‪.‬‬ ‫‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الفينومينولــوجي مــن ‪ 1901‬وظحــتى محاضــراته الخيــرة فــي‬ ‫جنيالوجيا المنطق التي جمعـت بعـد وفـاته فـي كتـاب "الخـبرة‬ ‫والحكم" سنة ‪.

‬‬ ‫والنزعة السيكولوجية في المنطق هي النزعة الــتي تــرد‬ ‫مبادئه وقوانينه إلى الوظائف السيكولوجية للذهن‪ ،‬وتنظر إلى‬ ‫عمليات الستدلل والحكم على أنها عمليات نفسية وتدرســها‬ ‫من وجهة نظر وظيفية وسلوكية‪ .‬كمــا تطلــب منــه أيض ـا ً التمييــز بيــن‬ ‫الفعال السيكولوجية للوعي من ظحيث أنها مصاظحبة للمعرفــة‬ ‫لكونها سلوكا ً وظيفي ـا ً يســتجيب لتلقــي الدراكــات الحســية‪،‬‬ ‫وبيــن الفعــال الفينومينولوجيــة أو القصــدية للــوعي والــتي‬ ‫ليست مجرد مصاظحبة للمعرفة سلوكيا ً بل هي الــتي تؤســس‬ ‫المعرفة قبليا ً من ظحيث هي اســتعدادات‪ .(21‬لكــن ســرعان مــا غيــر هوســرل‬ ‫موقفه ذاك مع "أبحــا ث منطقيــة" وفهــم البحــث فــي أفعــال‬ ‫الوعي على أنه فينومينولوجيــا للمعرفــة‪ ،‬ذلــك البحــث الــذي‬ ‫يســتند علــى مفهــوم القصــدية؛ ذلــك لن الــوعي بــالمعنى‬ ‫الفينومينولوجي هو الــذي يتضــمن القصــدية‪ ،‬بمعنــى اظحتــوائه‬ ‫على إدراك قبلي للماهية من جهة توجه أصلي نحوها‪ ،‬وكــونه‬ ‫ممتلكا ً الموضوعية باعتبارها محايثــة لــه‪ ،‬وهــذا مــا ل يتــوافر‬ ‫للــوعي الســيكولوجي‪ .‬وقــد جــاء هوســرل‬ ‫بكل هذه التمييزات في سياق نقده للنزعة السيكولوجية في‬ ‫المنطق والتي ظهــرت فــي المــذاهب التجريبيــة النجليزيــة‪:‬‬ ‫لــوك وهيــوم وجــون ســتيوارت ميــل‪ ،‬وفــي التجــاه النفســي‬ ‫للكانطية الجديدة وخاصة لدى هرمان لوتزة‪.‬والنزعة السيكولوجية بــذلك‬ ‫تنكر أن يكون للعمليات المنطقية مجــال ً مســتقل ً عــن مجــال‬ ‫‪131‬‬ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫ومنطقيــة"؛ وفيــه يــرد مفــاهيم علــم الحســاب إلــى الفعــال‬ ‫الذهنيــة الــتي تولــد هــذه المفــاهيم‪ ،‬إذ يــرد مفهــوم الكــثرة‬ ‫‪ Multiplicity‬الذي هو أســاس مفهــوم العــدد إلــى فعــل الدمــج‬ ‫الجمعي ‪ ،Collective Combination‬ويرد مفهوم الفئــة ‪ Set‬إلــى‬ ‫الــوعي بالكــل والجــزاء)‪ .

(23‬‬ ‫كما يذهب هوسرل إلى أن قـوانين المنطـق تتمتـع بصـحة‬ ‫مطلقــة ونهائيــة فــي ظحيــن أن قــوانين علــم النفــس تجريبيــة‬ ‫واظحتمالية وتعتمد على التعميــم مــن انتظامــات تجريبيــة‪ ،‬وعلــى‬ ‫الربــط بيــن أظحــدا ث نفســية باعتبارهــا أجــزاء فــي منظومــة‬ ‫‪132‬‬ .‬‬ ‫ويرد هوسرل على النظريات السيكولوجية بقوله إنه من‬ ‫الصـــحيح أن ســـيكولوجيا المعرفـــة تتنـــاول أفعـــال الحكـــم‬ ‫والستدلل لكونها أفعال ً ذهنية‪ ،‬إل أن تناولها لهــا يختلــف عــن‬ ‫تناول المنطق؛ فالقوانين التي يبحث فيها علم النفس تختلــف‬ ‫عــن القــوانين المنطقيــة‪ ،‬ذلــك لن علــم النفــس يبحــث فــي‬ ‫الصلت التي تربط بين الفعال الذهنية وبعضها بطريقة سببية‬ ‫بنــاء علــى النظــام الســلوكي للجهــاز العصــبي؛ أمــا القــانون‬ ‫بالمعنى المنطقي فيختلف عن التفسير السلوكي الذي يسعى‬ ‫إليه علم النفس‪ .‬وفــي شــرظحه للنظريــة‬ ‫التي ترد المنطق إلى علم النفس يذهب هوسرل إلى أن هــذه‬ ‫النظريات تستند على كــون الســتدلل والحكــم أفعــال ذهنيــة‬ ‫‪ Mental Acts‬تحــد ث فــي ســياق الســتجابة الســلوكية للجهــاز‬ ‫العصبي‪ ،‬وبالتالي فهي تنتمي إلى مجال دراسة علــم النفــس‪،‬‬ ‫إذ أن مجاله يضم كل ما ينتمي للذهن من ظحالت وأفعال‪.(22‬‬ ‫وبـــذلك تقـــف عقبـــة فـــي طريـــق البحـــث فـــي المجـــال‬ ‫الفينومينولوجي للخبرة‪ ،‬وهو المجال القبلي الذي تتأسس فيه‬ ‫الموضوعية باعتبارها قصــدية للــوعي‪ .‬فالقانون بــالمعنى المنطقــي هــو تعــبير عــن‬ ‫محتـــوى الصـــدق المتضـــمن فـــي التصـــورات والظحكـــام‬ ‫والستدللت‪ ،‬وهو يبحث عما يجب أن يكون عليه التفكير كـي‬ ‫يكون منطقيًا؛ ومن هنــا يــأتي طــابعه المعيــاري‪ ،‬ذلــك الطــابع‬ ‫المختفي تماما ً من الدراسة السيكولوجية للتفكير)‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الحياة النفسية للنوع البشري وجهـازه العصــبي الســلوكي)‪.

.(B1-2‬ويقصــد هوســرل‬ ‫بــذلك‪ ،‬ومــن قبلــه كــانط أيض ـًا‪ ،‬أن الخــبرة مرتبطــة بالفعــل‬ ‫بالتجربــة بتعــبير كــانط‪ ،‬أو بالســياق الســيكولوجي لظهورهــا‬ ‫‪133‬‬ .‬صحيح أن استدللت المنطق تعتمد علــى‬ ‫عمليات ذهنية‪ ،‬لكن ل يعني ذلك رد قوانين المنطق واســتدللته‬ ‫إلــى علــم النفــس)‪ ،(25‬ذلــك لن هوســرل يميــز بيــن الســياق‬ ‫السلوكي الذهني الذي يحد ث فيـه فعـل منطقـي معيـن‪ ،‬و بيـن‬ ‫محتوى الصدق الذي يتضمنه هذا الفعل المنطقــي والــذي يرجــع‬ ‫إلى فعل خالص للوعي‪.‬‬ ‫كما يميز هوسرل بين السياق السيكولوجي الذي يمكــن‬ ‫أن تظهــر فيــه قــوانين المنطــق وتحــد ث فيــه الســتدللت‬ ‫المنطقية‪ ،‬وبين التبرير القبلي لهذه القوانين‪ .‬كمــا أن القــوانين الســيكولوجية المســتخرجة مــن‬ ‫تعميمــات ل تتمتــع إل بصــحة اظحتماليـة وشـرطية‪ ،‬فــي ظحيـن أن‬ ‫قوانين المنطق قبلية‪ .‬كل المعرفة تبدأ‬ ‫مع الخبرة لكنها ل تنشأ عنها)‪.‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫سلوكية)‪ .(24‬ول يمكن أن تؤسس قوانين المنطق على مثل هذه‬ ‫الســس‪ .(26‬‬ ‫ونلظحظ أن العبارة الخيرة "كل المعرفة تبــدأ مــن الخــبرة‬ ‫لكنها ل تنشأ عنها" هي ترديد ظحرفي لنفس العبارة الواردة فــي‬ ‫مقدمة "نقد العقل الخالص" لكــانط )‪ .‬لكــن يجــب أل نخلــط‬ ‫بين الفروض السيكولوجية لمعرفة قانون ما وبيــن‬ ‫الفروض المنطقية والسس والمقدمات الضرورية‬ ‫لقــانون مــا؛ كمــا يجــب أل نخلــط بيــن العتمــاد‬ ‫السيكولوجي والتبرير المنطقي‪ .‬وفي ذلك يقول‪:‬‬ ‫ل شـك أن معرفتنـا بـالقوانين المنطقيـة باعتبارهـا‬ ‫أفعال ً ذهنية تفترض خبرة الفراد‪ ،‬ول شــك أن لهــا‬ ‫أساسا ً في الحــدس العينــي‪ .

‬‬ ‫ويؤكد هوســرل‪ ،‬علــى العكــس‪ ،‬أن عمليــة الدراك الحســي ل‬ ‫يلزم عنها ضرورة أن يكون الموضوع مــدركا ً ظحســيا ً)‪ .‬كما نظرا إلى الفكرة علــى أنهــا‬ ‫ذات أصل انطباعي وتجريد من قبل الذهن لهــذه النطباعـات‪.‬ذهب لوك إلى أنه طالما ظهــر الموضــوع فــي‬ ‫إدراك ظحسي فمعنى ذلك أنه موضــوع مــدرك ظحســيا ً ول شــئ‬ ‫أكثر من ذلك؛ وهنا ينقده هوسرل ويقول إن ظحضور الموضــوع‬ ‫في إدراك ظحسي ل يجعل ظحقيقته ظحسية أو تجريبية‪ ،‬لن الكلي‬ ‫والمقولي والنوعي ظحاضر في الدراك الحسي الجزئي لكنــه ل‬ ‫‪134‬‬ .‬‬ ‫كما ذهب هوسرل إلى أن لوك قــد خلــط بيــن عمليــة التمثيــل‬ ‫مثل‪ ،‬بحيث أن عملية التمثيل لــدى لــوك تكــون‬ ‫م َ‬ ‫والموضوع ال ُ‬ ‫ظحسية وانطباعية مثــل الموضــوع الحســي المنطبــع بالضــبط‪.(27‬فمــن‬ ‫الممكن أن يكون هنــاك شــئ موضــوع للدراك الحســي إل أن‬ ‫ظحقيقته ل تكون في الدراك الحسي بل فيما يشترك فيــه مــن‬ ‫كليات مع موضوعات أخرى غيره‪ ،‬وبذلك تكون ظحقيقة الدراك‬ ‫الحسي فـي الكلـي الـذي يتضـمنه ل فـي الفـردي أو الجزئـي‬ ‫الحاضر أمامه‪ .‬‬ ‫ومن بيـن المـذاهب الـتي نقـدها هوسـرل لوقوعهـا فـي‬ ‫النزعة السيكولوجية التجريبية النجليزية وخاصة فلسفتا لــوك‬ ‫وهيوم‪ .‬وتمثلت النزعة السيكولوجية لــديهما فــي رد المعرفــة‬ ‫إلى التجربة‪ ،‬وخاصة إلى انطباعات الحواس‪ ،‬وفي معاملة كل‬ ‫ما يدركه العقل على أنه نتيجة انطباعات ظحسية‪ ،‬وبذلك فســرا‬ ‫المعرفة تفسيرا ً سيكولوجيًا‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫بتعــبير هوســرل‪ ،‬لكــن ل يعنــي ذلــك أنهــا تنشــأ بالكامــل عــن‬ ‫التجربة أو عن السياق السيكولوجي‪ ،‬ذلك لن لها أصـل ً قبليـًا‪.‬‬ ‫إن الترديــد الحرفــي مــن قبــل هوســرل لعبــارة كــانط يجعلنــا‬ ‫نكتشف التشابهات العميقة بينهما ونضع أيدينا على اتفاق عام‬ ‫بين فينومينولوجيا هوسرل والبستيمولوجيا الكانطية‪.

‬‬ ‫ويطلق هوسرل على نظرية لوك وهيوم فــي المجــردات‬ ‫"إظحالة سيكولوجية للكليات"‪ ،‬ويقصد بذلك أن لــوك نظــر إلــى‬ ‫الكليات على أنها كيانات ذهنية داخل العقل وليــس لهــا ظحقيقــة‬ ‫مســتقلة عــن التجربــة)‪ .‬ويــدلل هوســرل‬ ‫على صحة نقده بقوله‪" :‬نتكلــم أظحيان ـا ً عــن اللــون والخشــونة‬ ‫والشكل قاصــدين صــفات موضــوعية )كليــة(‪ ،‬وأظحيان ـا ً أخــرى‬ ‫قاصدين الظحساسات")‪ .Nominalism‬أمــا هوســرل فيــذهب إلــى أن‬ ‫للكليات وجودا ً مستقل ً من نوع خــاص‪ ،‬وظحجتــه فــي ذلــك أنهــا‬ ‫موضوعات للشارة والدللة‪ ،‬أي موضوعات يقصد إليها الــوعي‬ ‫كما يقصد إلى الجزئيات تمامًا‪.(28‬لم يميز لــوك بيــن هــذين المعنييــن‬ ‫للون‪ :‬اللون كإظحساس واللون كصفة موضــوعية كليــة‪ ،‬وذلــك‬ ‫لنه ينظر إلــى الصــفات الكليــة علــى أنهــا تجريــد فــي الــذهن‬ ‫فقــط‪ ،‬أي علــى أنهــا كيانــات ســيكولوجية أو تعــبيرات لغويــة‬ ‫وليس لهـا وجـود مسـتقل)‪ ،(29‬أي وجـود قبلـي بـالمعنى الـذي‬ ‫يقصده هوسرل‪ ،‬وهو في ظحقيقته القبلي بنفس المعنــى الــذى‬ ‫يقصده كانط‪.‬الكليات وفقا ً للوك‬ ‫وهيوم هي مجرد أسـماء أو تعـبيرات لغويـة )‪ ،(31‬وبـذلك عـرف‬ ‫مذهبيهما بالســمي ‪ .(30‬إذ يــذهب لــوك إلــى أن المجــردات‬ ‫موجودة بفضــل قــدرة العقـل علـى التجريـد‪ ،‬أي التعميــم مـن‬ ‫الجزئيات وإدراك المشترك بينها وتسميته‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫ينتمي إلى التجربة بــل هــو ذو طبيعــة قبليــة‪ .‬‬ ‫كما يهاجم هوسرل النزعة السيكولوجية التي ظهرت في‬ ‫المذاهب المعاصرة له من منطلق أنهــا جميع ـا ً متــأثرة بهيــوم‪،‬‬ ‫سواء نظرية جون ستيورات ميل أو إرنست ماخ؛ هذا بالضافة‬ ‫إلـى أن النزعـة الوضـعية فـي تفسـير منهـج العلـوم الطبيعيـة‬ ‫‪135‬‬ .

‫نظرية المعرفة بين‬
‫كانط وهوسرل‬

‫وخاصــة لــدى مــاخ هــي ذاتهــا نزعــة ســيكولوجية‪ ،‬لنهــا تــرد‬
‫الموضــوعات الفيزيائيــة إلــى إظحساســات أو بيانــات الحــواس‪.‬‬
‫ويذهب هوسرل إلى أن هذه التجاهات لــم تســتطع أن تتجــاوز‬
‫الطــــار الســــيكولوجي نحــــو المجــــال الفينومينولــــوجي‬
‫الترانسندنتالي‪ ،‬ولم تستطع أن تدرك أن الموضوع ليس مجرد‬
‫إظحساسات بـل هـو يتضـمن كـذلك الكليـات والقبليـات الـتي ل‬
‫ترجع إلى الخبرة التجريبيــة)‪ .(32‬ويرجــع السـبب الرئيسـي فــي‬
‫ذلــك إلــى أن تلــك التجاهــات لــم تميــز بدقــة بيــن الســياق‬
‫السـيكولوجي لظهـور الخـبرة وأساسـها القبلـي المتمثـل فـي‬
‫استعدادات معرفيــة لــدى الــذات‪ .‬ونلظحــظ هنــا كيــف أن ذلــك‬
‫الساس القبلي الذي ينظر إليه هوسرل على أنــه هــو المجــال‬
‫الفينومينولوجي هو نفسه الساس القبلي الترانســندنتالي عنــد‬
‫كانط‪.‬‬
‫ويحذر هوسرل مــن مثاليــة زائفــة يمكــن أن تــؤدي إليهــا‬
‫النزعة السيكولوجية‪ ،‬وهي مثالية تظهر لدى بيركلي والمــاديين‬
‫الفرنســيين فــي القــرن الثــامن عشــر؛ إذ تــرد هــذه المثاليــة‬
‫الكليــات إلــى الــذات‪ ،‬لكــن ل الــذات المعرفيــة بــل الــذات‬
‫السيكولوجية‪ .‬ويدعو هوسرل إلى مثالية أخرى فينومينولوجيــة‬
‫ل تـــرد الكليـــات إلـــى وعـــي ســـيكولوجي بـــل إلـــى وعـــي‬
‫فينومينولوجي قبلي)‪ ،(33‬وعي يدرك الكلي في ظحــدس مباشــر‪.‬‬
‫ومعنى هذا أن المثالية التي يــدعو إليهـا هوســرل هــي المثاليـة‬
‫الترانسندنتالية الكانطيـة بعينهـا‪ ،‬إذ يسـتخدم نفـس المصـطلح‬
‫الكانطي لتحديدها‪.‬‬
‫وتتمثل النظرة العامة لهوسرل إلى النزعة السيكولوجية‬
‫وفلسفتي لوك وهيوم في أنها تعـبير عـن نزعـة نسـبية شـكية‬

‫‪136‬‬

‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬
‫عند هوسرل‬

‫‪ ،Skeptical Relativism‬وتتمثل في الشك في إمكانية تأسيس أي‬
‫نظرية متعلقة بالمعرفة علــى أســس مــن اليقيــن الــذاتي‪ ،‬أي‬
‫الشـــك فـــي إمكانيـــة ظحـــدو ث ارتبـــاط أصـــيل‪ ،‬منطقـــي‬
‫وترانســندنتالي‪ ،‬بيــن الــذات العارفــة وموضــوع معرفتهــا غيــر‬
‫الرتبــاط الســلوكي الســيكولوجي)‪ ،(34‬والشــك فــي إمكانيــة‬
‫العثور على أسس للموضوعية في الذات العارفة‪ ،‬لن الــوعي‬
‫السيكولوجي ل يمكنــه أن يؤســس الموضــوعية أبــدًا‪ ،‬بــل هــو‬
‫مجرد سياق تظهر فيــه الموضــوعية ول تتأســس قبلي ـا ً وعلــى‬
‫نحو ضروري‪ .‬فالموضوعية وفق النظريات الســيكولوجية فــي‬
‫المعرفة ما هي إل صفة تخص الشياء‪ ،‬بحيث تتمثــل المعرفــة‬
‫الموضــوعية فــي التلقــي الســلبي مــن قبــل الــذات؛ أمــا‬
‫الموضــوعية مــن وجهــة النظــر الفينومينولوجيــة‪ ،‬ومــن وجهــة‬
‫النظر القبليــة الترانســندنتالية أيضـًا‪ ،‬فهــي علقـة بيــن الـذات‬
‫وموضــوعات معرفتهــا‪ ،‬أي الــذات وتمثلتهــا‪ ،‬و هــي ليســت‬
‫موضوعية خارجية تتلقاها الذات في سلبية بل هــي موضــوعية‬
‫يؤسسها الوعي الخالص نتيجة أنشطته وأفعاله‪.‬‬

‫تعليق‬
‫البوخية‪:‬‬
‫‪- 2‬‬
‫الفينومينولوجي الترانسندنتالي‪:‬‬

‫الحكم‬

‫والرد‬

‫كي يتمكن هوسرل من دراسة الــوعي المعرفــي وكيفيــة‬
‫تكــوينه للموضــوعية كــان عليــه أن يعــزل الجــوانب الحســية‬
‫والتجريبية من المعرفة‪ ،‬أي جانب المضمون المادي ليركز على‬
‫شكل الفكر الذي هو فعل للوعي‪ .‬وتطلب ذلك منه أن يتوقــف‬
‫عن البحث في وجود الموضوعات كي يركز علـى النمـط الـذي‬
‫تظهر به الموضوعات في الوعي‪ .‬وبذلك اســتبعد الحكــم ظحــول‬
‫وجود الشياء والعلقات الموضوعية بينها‪ ،‬وهذا هو معنى تعليــق‬
‫الحكم لديه‪ .‬وتعليق الحكم هو المعنى المتضــمن فــي مصــطلح‬

‫‪137‬‬

‫نظرية المعرفة بين‬
‫كانط وهوسرل‬

‫"البوخية" ‪ Epoche‬الذي يعني التوقف أو النتظار أو السلب‪ .‬أما‬
‫الـــرد ‪ (35)Reduction‬فيعنـــي رد الموضـــوع إلـــى الـــوعي بهـــذا‬
‫الموضوع‪ ،‬أي إلى الفعال المعرفيــة الــتي يــأتي بهــا الموضــوع‬
‫للوعي‪ ،‬وبذلك يكون الرد إلى المجال القبلي الذي يتأسس فيــه‬
‫الموضــوع‪ ،‬ولــذلك يســميه هوســرل "الــرد الفينومينولــوجي ‪-‬‬
‫الترانســـندنتالي"‪ ،‬بمعنـــى رد الخـــبرة إلـــى المجـــال القبلـــي‬
‫الترانسندنتالي الذي ينظر إليه هوسرل على أنـه مجـال الـوعي‬
‫الخالص‪ .‬ومن الواضح أن البوخية والرد كلهما يهدف الوصــول‬
‫إلى نفس المجال القبلي الترانسندنتالي الذي انطلق منه كانط‪.‬‬
‫لــم يبــدأ هوســرل فــي اســتخدام "البوخيــة" فــي كتــاب‬
‫"الفكار" )‪ (1913‬كما يعتقد كثير من الباظحثين – على الرغم من‬
‫أن المصطلح نفسه لم يظهر إل في هذا الكتاب الذي قــدم فيــه‬
‫أفضل تنظير وشرح له – بل إن أول استخدام فعلي له كان فــي‬
‫"أبحا ث منطقية" )‪(1900‬؛ إذ استخدم فيه هوسرل صورة أولية‬
‫للبوخية‪ ،‬لكن لم يسميه بنفس السم‪ ،‬باعتباره خطوة أولى في‬
‫التخلــي عــن كــل وجهــة نظــر ســابقة وتنحيــة لكــل الفلســفات‬
‫والمذاهب في البحث في المعرفـة‪ ،‬بالضـافة إلـى أن هوسـرل‬
‫يمارس إبوخيـة علـى المعنـى السـيكولوجي للـوعي سـعيا ً وراء‬
‫المعنى الفينومينولوجي الخالص)‪.(36‬‬
‫وبعد "أبحا ث منطقيــة" تظهــر البوخيــة فــي محاضــرات‬
‫"فينومينولوجيا الوعي بالزمان الداخلي" ســنة ‪ ،1905‬وفيهــا‬
‫يمارس هوسرل البوخية على الزمان الفيزيائي للوصول إلــى‬
‫الزمــان الــداخلي‪ ،‬بمعنــى الــترتيب الزمــاني لحــالت الدراك‬
‫المختلفة وتعاقبها‪ ،‬ودور الزمــان فــي تحديــد الــوعي بالســببية‬
‫والجوهر)‪ .(37‬وهنا نلظحـظ كيـف يقـترب هوسـرل مـن المعنـى‬

‫‪138‬‬

‬أو باعتبارها أساسا ً لي)‪.‬ويصــف فيــه البوخيــة‬ ‫على أنه "وضع بين قوسين"‪ ،‬أي عزل وتنحية كل ما له علقــة‬ ‫بالخبرة التجريبية والعالم الطـبيعي‪ ....‬ول أستخدم أيا من معاييرها ول أية قضية‬ ‫من قضاياها في نسقي‪ .‬والــذي ســيبقى للبــد عالمـا ً مــن الوقــائع‪..‬‬ ‫وهكذا أعــزل كــل العلــوم الــتي تتعلــق بهــذا العــالم‬ ‫الطبيعي‪ ..(39‬‬ ‫ونلظحــظ هنــا أن هوســرل ل يضــع الــوعي الطــبيعي بيــن‬ ‫‪139‬‬ .‬وفي محاضرة "فكرة الفينومينولوجيا" ســنة ‪1907‬‬ ‫يوســع هوســرل مــن مجــالت البوخيــة ظحــتى يشــمل العــالم‬ ‫الطبيعي وإشكالية وجوده كي يتم التركيز علــى وجــود الــذات‬ ‫العارفة‪ .‬نضع بين قوسين )كل ما يتعلــق بماهيــة الموقــف‬ ‫الطبيعي( بالنظر إلى طبيعة الوجود‪ :‬أي هذا العــالم‬ ‫الطبيعي كله والذي هو ظحاضـر أمامنـا وفــي متنــاول‬ ‫أيادينــا‪ .‬وفي هذه المحاضرة يقارن هوســرل بيــن اســتخدامه‬ ‫للبوخية والشك الديكارتي ويعترف بــأوجه شــبه عديــدة ظحــتى‬ ‫أنــه نظــر للبوخيــة علــى أنــه اســتئناف للشــك المنهجــي عنــد‬ ‫ديكارت لكن بطريقة راديكالية‪ ،‬ذلك لن ديكــارت لــم يتوصــل‬ ‫بعد الشك إل إلى مجرد وجود النا أفكر‪ ،‬أما هوسرل فيتوصــل‬ ‫بعــد البوخيــة إلــى الــدور المعرفــي للــذات الترانســندنتالية‬ ‫باعتبارها الشرط الول للموضوعية والمعنى)‪.(38‬‬ ‫وفي "الفكار" )‪ (1913‬يجعــل هوســرل البوخيــة بدايــة‬ ‫المنهج والخطوة الولى في التحليل الفينومينولوجي‪ ،‬وهو يعد‬ ‫من الموضوعات الساسية في الكتاب‪ .‬والبوخيـة فـي "الفكـار"‬ ‫يتسع ويتضخم إلى أقصى ظحد ممكن؛ يقول هوسرل‪:‬‬ ‫‪.‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫الكــانطي للزمــان باعتبــاره القــوام الــداخلي لكــل العمليــات‬ ‫المعرفية‪ .

(40‬هوسـرل إذن منشـغل بإشــكالية‬ ‫العطاء ‪ ،Gegebenheit/Givenness‬أي كيف يكون العــالم معطــى‬ ‫للذاتيــة الترانســندنتالية‪ .‬كما يــذهب إلــى أن العــالم‬ ‫الصلي والحقيقي هو ما يظهر للذات الترانســندنتالية‪ ،‬وهــو ل‬ ‫يظهــر باعتبــاره وقــائع وأظحــدا ث بــل باعتبــاره شــيئا ً مصــنوعا ً‬ ‫ومكونا ً مــن قبــل الـذات)‪ .‬‬ ‫ويذهب هوسرل إلى أنه ل خوف على موضــوعية العــالم‬ ‫وظحقيقته وغناه العيني مــن البوخيــة‪ ،‬لنــه ليـس تضــحية بهـذه‬ ‫الشياء بل مجرد تعليق مؤقت لها‪ .‬ومرة أخرى نجد هوسرل يتفق‬ ‫فـــي الهـــدف العـــام مـــن منهجـــه الفينومينولـــوجي مـــع‬ ‫البســتيمولوجيا الكانطيــة الــتي تبحــث فــي المكــان القبلــي‬ ‫للمعرفة‪.‬وعزل العلوم الطبيعية ضــروري لــدى هوســرل‪،‬‬ ‫لنه يريد البحث فــي أســاس هــذه العلــوم باعتبــار أن مبادئهــا‬ ‫ظاهرات في الوعي‪ ،‬ذلــك لن العلــوم الطبيعيــة تســتند علــى‬ ‫بديهيات وقبليات‪ ،‬ومهمــة الفينومينولوجيــا البحــث فــي كيفيــة‬ ‫امتلك الــذات العارفــة لهــذه القبليــات‪ ،‬وبــذلك يكــون البحــث‬ ‫الفينومينولـوجي هـو المؤسـس لموضـوعية العلـوم بـرد هـذه‬ ‫الموضوعية إلى أفعال الوعي‪ .‬وهــذا مــا دفعــه نحــو قــول الشــعار‬ ‫الشــهير‪“ :‬بقــدر الــرد بقــدر العطــاء”‪ ،‬أي بقــدر مــا نمــارس‬ ‫البوخية على الطابع الوقائعي والتجريبي للعالم بقدر ما يظهر‬ ‫لنا طابعه القبلي الفينومينولوجي‪.‬‬ ‫لكن كيف يتوصل هوسرل إلى وجود النـا بالبوخيـة؟ بعـد‬ ‫أن يضع هوسرل العالم والموقف الطبيعي بين قوســين يــذهب‬ ‫إلى أن الوعي الخالص يظل هو المتبقي من هــذه العمليــة‪ ،‬هــو‬ ‫‪140‬‬ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫القوسين وظحسب‪ ،‬بل كذلك العلوم الطبيعية التي تستند علــى‬ ‫هذا الموقف‪ .

(41‬هوسـرل‬ ‫إذن يؤسس مجال البحث الفينومينولوجي بشئ متبـق‪ ،‬اعتقـادا ً‬ ‫ٍ‬ ‫منه أن هذا النـا المتبقــي بعـد البوخيـة هـو اللمشـروط الــذي‬ ‫يمكن أن يبدأ به التفلسف؛ وهو هنا يلعب على ثنائية المشروط‬ ‫واللمشروط لكــن دون تصــريح‪ ،‬إذ يحــاول القــول بــأن إدراكنــا‬ ‫للعالم مشروط بالنا الخالص‪ ،‬بحيث نستطيع التفكيــر فــي هــذا‬ ‫النا في غياب العالم‪.Irreal‬ومعيــاره للواقعيــة أن يكــون‬ ‫الموضوع متمتعا ً بالكلية والشــمول واللمشــروطية‪ ،‬وهــذا مــا‬ ‫يتوفر للماهيــات‪ ،‬لن الوقــائع جزئيــة ومشــروطة دائمـا ً ومــن‬ ‫طبيعتها أن تكون ممثلة للكلي‪ ،‬أي الماهوي‪ ،‬ول يكون وجودها‬ ‫من ذاتها‪.‬‬ ‫والرد الفينومينولــوجي يكــون إلــى العــالم قبــل العلمــي‪،‬‬ ‫العــالم الســابق علــى التصــنيفات العلميــة الــتي تقســمه إلــى‬ ‫مجالت فيزيائية وبيولوجية وكيميائية‪ .‬‬ ‫أما الرد الفينومينولوجي ‪ -‬الترانسندنتالي فهو رد الوقائع‬ ‫إلــى الماهيــات باعتبــار أن الوقــائع عارضــة ول تتمتــع بثبــات‬ ‫ووضوح الماهيات وواقعيتها‪ ،‬إذ يحكــم هوســرل علــى الوقــائع‬ ‫‪ Facts‬بأنهــا غيــر واقعيــة ‪ .‬والعالم قبل العلمــي هــو‬ ‫عالم الحياة المعاشة‪ ،‬أي العالم الذي تعيشــه الــذات وتفترضــه‬ ‫في وعيها الخالص وهو يعد القبلي الحقيقــي عنــد هوســرل)‪(42‬؛‬ ‫وهو كذلك المجال الــذي يظهــر فيــه الفكــر قبــل الحملــي ‪Pre-‬‬ ‫‪ predicative Thought‬أي المرظحلة الفكرية الولى التي ُيلحق فيها‬ ‫الوعي شيئا ً بمقولة‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫الراســب الفينومينولــوجي ‪ ،Phenomenological Residuum‬وبــذلك‬ ‫يتوصل إلى مجـال جديـد للبحـث الفينومينولـوجي)‪ .‬وبفضل ذلك الرد يصل المرء إلــى امتلك‬ ‫الوضع الترانســندنتالي للوجــود‪ ،‬أي الوضــع الــذي يتعــرف فيــه‬ ‫‪141‬‬ .

‬‬ ‫كــان أول ظهــور لطريقــة الــرد الفينومينولــوجي فــي‬ ‫"أبحا ث منطقية"‪ ،‬وخاصة في المبحث الســادس فــي الفصــل‬ ‫المتعلق بالمعنى الفينومينولوجي للوعي‪ .‬يفصل هوسرل فــي‬ ‫هذا الفصل بين الوعي بالمعنى السيكولوجي والوعي بالمعنى‬ ‫الفينومينولــوجي‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الوعي على الموضــوعات لول مــرة باعتبارهــا تنتمــي لنمــاط‬ ‫أنطولوجية معينة)‪.‬إل أن‬ ‫ما يجمعهمــا معـا ً هــو اســتبعادهما للموقــف الطــبيعي للــوعي‪.‬وعنــد الوصــول إليــه يبــدأ‬ ‫هوسرل في دراسة كيفية ظهور العــالم فــي هــذا الــوعي عــن‬ ‫طريق رد الخبرة التجريبية إلى الخبرة القبليـة الخالصـة‪ .(43‬‬ ‫وهنا يتضح الفرق بيـن البوخيـة والـرد الفينومينولـوجي –‬ ‫الترانسندنتالي‪ .‬البوخية يهدف تجــاوز العــالم الطــبيعي‪ ،‬عــالم‬ ‫الخــبرة الحســية والموقــف الطــبيعي للــوعي‪ ،‬للوصــول إلــى‬ ‫الــوعي الخــالص أو النــا المطلــق‪ .‬‬ ‫والحقيقــة أن هوســرل كــان أظحيان ـا ً مــا يســتخدم تعــبير "الــرد‬ ‫الفينومينولوجي"‪ ،‬وأظحيانا ً أخرى "الرد الترانسندنتالي"‪ ،‬وهذا ما‬ ‫أدى إلى صعوبات كثيرة فـي فهـم فكـرة الـرد لـديه‪ ،‬إذ اعتقـد‬ ‫الكثيرون أن هناك نوعـان مــن الــرد‪ ،‬إل أنــه نــوع واظحـد فقـط؛‬ ‫فالرد فينومينولوجي في طــبيعته ومنهجــه‪ ،‬وهــو ترانســندنتالي‬ ‫أيضا ً لنه يسـعى للوصـول إلـى المسـتوى الترانسـندنتالي‪ ،‬أي‬ ‫المستوى القبلي الذي يتم فيه تكوين الموضــوعية عــن طريــق‬ ‫أفعال الموضعة ‪ ،Objektivierung/Objectification‬أي أفعال الوعي‬ ‫في تأسيس الموضوعية‪.‬ظحيــث يهتــم المعنــى الســيكولوجي للــوعي‬ ‫بالمضامين التجريبية للخبرة‪ ،‬ويتنــاول هــذه الخــبرة علــى أنهــا‬ ‫أظحــدا ث ‪ Occurrences‬أو ظحــواد ث ‪ Events‬تشــكل فــي تــداخلها‬ ‫‪142‬‬ .

‬ومعنــى ذلــك أن‬ ‫الــوعي يؤســس موضــوع الدراك الحســي ويؤســس العنصــر‬ ‫‪143‬‬ .‬أمــا هوســرل فقــد ذهــب إلــى أن‬ ‫الموضوع الحسي نفســه ظحاضــر فــي الــوعي ل فــي الحــواس‬ ‫وظحسب كما ذهبت التجريبية‪ ،‬كما أن العنصر العقلي أو الكلــي‬ ‫والمجرد ليس مجرد أفكار جــاهزة فــي العقــل‪ ،‬بــل هــي نتــاج‬ ‫تكــوين وتأســيس قبلــي مــن جــانب الــوعي‪ .3‬‬ ‫الوعي ‪:Noema‬‬ ‫تعتمد فينومينولوجيـا هوسـرل علـى التمييــز بيـن ظهــور‬ ‫الموضوعات في الوعي وظحضورها المحايث لــه‪ ،‬وبيــن الفعــل‬ ‫الذي يقوم به الوعي لظحضار الظــاهرة فيــه‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫وطــرق اتصــالها المتبــادل وظحــدة الــذهن المفــرد‪ .(44‬؛ ذلــك لن الجــانب‬ ‫السيكولوجي للوعي يتوقف عند الفعل الذهني ومثيراته‪ ،‬لكــن‬ ‫هوسرل يسير خطوة أبعد ويذهب إلى أن الفعال الذهنية فــي‬ ‫ظحاجة إلـى ظحامـل تحمــل عليـه وهــو الــوعي الخـالص‪ .‬‬ ‫ذهبت النظريات التجريبية إلى أن الموضوع ظحاضر في العــالم‬ ‫الخــارجي‪ ،‬ومــا علــى الــوعي إل أن يتلقــاه ســلبيًا‪ ،‬وذهبــت‬ ‫النظريات العقلية إلى أن العقل ل يدرك الموضوع نفسه‪ ،‬ذلك‬ ‫لن مهمة إدراكه ملحقة بالحس‪ ،‬أما العقل فهو يــدرك الكلــي‬ ‫والمجــرد مــن الموضــوع‪ .‬وفــي ذلــك يبتعــد‬ ‫هوسرل عن النظريات التجريبية والعقلية فــي نفــس الــوقت‪.‬وبــذلك‬ ‫يمارس هوسرل ردا ً فينومينولوجيا ً للوعي الســيكولوجي إلــى‬ ‫الوعي الفينومينولوجي‪.‬‬ ‫التمييز بين فعل الوعي ‪ Noesis‬ومضمون‬ ‫‪.‬أمــا الــوعي‬ ‫بــالمعنى الفينومينولــوجي فيهتــم بتيــار الخــبرة الخالصــة؛ ل‬ ‫الخــبرة بمعنــى الظحــدا ث الذهنيــة الــتي ترجــع إلــى مــثيرات‬ ‫خارجية‪ ،‬بل الخبرة بمعنى وظحدة الحياة النفسية الداخلية الــتي‬ ‫هــي ظحامــل أو قــوام الفعــال الذهنيــة)‪.

‬ومعنى هذا أنه ل توجد في العقل‬ ‫ملكات متمايزة بحيث تختص كل ملكة بفعل معرفي معين كما‬ ‫وجــدنا عنــد كــانط‪ ،‬بــل إن الدراك الحســي والفهــم والعقــل‬ ‫والمخيلــة مــا هــي إل أنمــاط مختلفــة لــوعي واظحــد‪ ،‬أو أفعــال‬ ‫وأظحوال متمايزة للــوعي نفســه‪ .(46‬كما‬ ‫أن أفعال الوعي تستجيب لنوعية الموضوع المدرك؛ فـإذا كـان‬ ‫هذا الموضوع شيئا ً ماديا ً كان فعل الوعي متخذا ً نمــط الدراك‬ ‫الحسي‪ ،‬وإذا كان الموضوع فكرة مجردة أو نوعا ً أو فئــة اتخــذ‬ ‫الوعي شكل الفهم أو العقل‪ .‬وهنــا‬ ‫نضــع أيــدينا علــى أول اختلف بيــن هوســرل وكــانط بعــد كــل‬ ‫‪144‬‬ .‬وتعتمــد كــل ظحالـة منهــا علــى‬ ‫المضمون الذي يدركه الوعي‪ ،‬بحث يصبح الوعي إدراكا ً ظحســيا ً‬ ‫عندما يكون موضوعه أشياء محسوسة‪ ،‬ويصــبح فهمهـا ً عنــدما‬ ‫يكون موضوعه كليـات ومجـردات وقـوانين وعلقـات‪ ،‬ويصـبح‬ ‫عقل ً عندما يكون واعيا ً بذاته وبوظحــدة أفعــاله المعرفيــة‪ .(45‬ويطلق هوسرل علــى ظحضــور‬ ‫الحسي في الوعي مصطلح "مضــمون الـوعي" ‪ ،Noema‬وهــو‬ ‫يستخدمه ليشــير إلــى أن الحســي ظحاضــر فــي الــوعي ل فــي‬ ‫الحواس وظحســب‪ ،‬ذلــك لن أعضــاء الحــس ل تفعــل شــيئا ً إل‬ ‫استقبال انطباعات ظحسية‪ ،‬أما الموضوع الحســي باعتبـاره كل ً‬ ‫مترابطا ً فهو ظحاضر للوعي فقط وظحضوره هــذا نتيجــة لفعــال‬ ‫قصدية من قبل الوعي‪ ،‬ويطلــق هوســرل علــى هــذه الفعــال‬ ‫مصطلح "فعل الوعي" ‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الكلي فيه في نفس الوقت)‪ .Noesis‬‬ ‫كما يذهب هوسرل إلــى أن كــل تعيــن جديــد يظهــر فــي‬ ‫موضوع الدراك يقابله فعل مختلف للوعي‪ ،‬فإذا أدركنــا تغيــرا ً‬ ‫في لون شئ يكون هذا التغير مصاظحبا ً لتغير في فعل الــوعي‪،‬‬ ‫بل الظحرى القول بأن القـدرة علـى إدراك التغيـر تعتمـد علـى‬ ‫قدرة الوعي في توجيه ذاته لكل تغير يحد ث للظاهرة)‪ .

‬‬ ‫‪.(47‬ونمــط‬ ‫القصدية الذي يتوجه به الوعي نحو مضـمونه هـو الـذي يحـدد‬ ‫أشكال الحكم المختلفة؛ وبــذلك يكــون الحكــم كلي ـا ً إذا قصــد‬ ‫الوعي نحو الكلي في مضمونه‪ ،‬ويكون جزئيا ً إذا قصد الــوعي‬ ‫نحو الجزئي؛ ويكون الحكم ظحول الكم إذا كان كم الظاهرة هو‬ ‫قصد الوعي‪ ،‬ويكون ظحـول الكيـف إذا كـان قصـد الـوعي نحـو‬ ‫كيف الظاهرة‪ ،‬ويكون شرطيا ً إذا كان قصد الوعي نحو علقــة‬ ‫ما بين الظواهر‪.‬لكن فكرة القصــدية فــي ظحقيقتهــا تتفــق تمامـا ً مــع‬ ‫نظرية كانط؛ ذلك لن نمط القصدية الذي ينتــج شــكل الحكــم‬ ‫عنـــــــــــــــــــــــــــــــــد هوســـــــــــــــــــــــــــــــــرل‬ ‫‪145‬‬ .‬وليست القصدية ‪ Intentionality‬هــي أن‬ ‫يقصــد الــوعي إلــى الشــياء الخارجيــة بهــدف إدراكهــا‪ ،‬بــل‬ ‫القصدية تكون نحو الموضوع الحال فى الوعي بهدف معرفته‬ ‫وإصدار الحكم عليه‪ .‬‬ ‫ونلظحظ في فكرة القصدية هذه أنها تنطوي على نظريــة‬ ‫جديدة في الحكم تبدو أنهــا مختلفــة تمامـا ً عــن نظريــة كــانط‬ ‫التي أرجعت الظحكام إلى الوظائف القبلية للفهم وإلى مبــادئه‬ ‫التركيبية‪ .4‬‬ ‫القصـــدية‪:‬‬ ‫إن ظهور الموضوعات في الوعي ليس تلقيـا ً ســلبيا ً لهــا‬ ‫في من الخارج‪ ،‬ذلك لن الوعي ليس وعاًء يتــم فيــه جمــع مــا‬ ‫تتحصل عليه الحواس‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫التماثلت والتشابهات التي رصدناها من قبل‪ ،‬وهــو مــا ســوف‬ ‫نتعمق في تحليله في الفصول التالية‪.‬فحضـور الموضـوع فـي الـوعي يكـون‬ ‫نتيجة قصد الوعي إليه‪ .‬ومعنى ذلك أن الحكم ليس وضعا ً لشــئ‬ ‫خارجي تحت تصور أو مقولة‪ ،‬بل هــو تــوجه قصــدي مــن قبــل‬ ‫الــوعي نحــو الموضــوع الحــال فيــه منــذ البدايــة)‪ .

(49‬الموضــوعية عنــد‬ ‫برنتانو إذن هي موضوعية ناتجة عن قصدية الوعي‪.‬والقصــدية عنــد برنتــانو تعنــي الشــارة إلــى موضــوع‬ ‫داخل الوعي‪ ،‬أي مضمون معين داخلــه‪ ،‬أو موضــوعية محايثــة‬ ‫‪ .‬وبمعنــى أدق ذهــب‬ ‫هوســرل إلــى أن الفعــال القصــدية للــوعي هــي المنتجــة‬ ‫للموضوعية‪ .‬وهوسرل بذلك اختلف عن برنتانو الذي ذهب إلى‬ ‫أن الوعي ل يقوم بشئ إل أن يقصد إلى موضــوع محــايث لــه؛‬ ‫أمــا هوســرل فيــذهب إلــى أن القصــدية ل تعنــي مجــرد قصــد‬ ‫‪146‬‬ .‬‬ ‫ظهرت فكرة القصدية أول ً لدى برنتانو أســتاذ هوســرل‪،‬‬ ‫إذ استخدمها فــي ســياق تمييــزه بيــن علــم النفــس التجريــبي‬ ‫وعلــم النفــس الوصــفي‪ .(48)Immanent Objectivity‬ويعني ذلك أن الوعي ل يحتوي فقط‬ ‫على أ ظحدا ث أو ظحــالت ذاتيــة ســيكولوجية بــل يتضــمن كــذلك‬ ‫موضوعية ظحقيقية وليست واهمة أو من صنعه هــو‪ ،‬لكنهــا فــي‬ ‫نفس الوقت تنتمي إليه لنها تظهــر فيــه)‪ .‬وهذا ما سوف نتوسع‬ ‫في شرظحه في الفصل الخامس‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫ما هو إل اسم آخر للسكيمات التي على أساســها يتــم الدمــج‬ ‫بين الحدس الحسي والتصور عند كانط‪ .‬‬ ‫لكــن عــدل هوســرل مــن فكــرة برنتــانو عــن القصــدية بحيــث‬ ‫تحــولت لــديه إلــى فعــل للــوعي ينتــج بــه الموضــوعية)‪.‬‬ ‫أخذ هوسرل عن برنتــانو فكرتــه عــن القصــدية وتحــولت‬ ‫لديه إلى نظرية في الوعي كـانت مـن دعـائم الفينومينولوجيـا‪.(50‬‬ ‫فالموضوع الذي يشير إليه الوعي ليس مجرد شئ يقصد إليــه‬ ‫الــوعي‪ ،‬بــل هــو مــن إنتــاج الــوعي ذاتــه‪ .‬ذهــب برنتــانو إلــى أن علــم النفــس‬ ‫الوصفي ل يدرس الوعي من وجهــة نظــر عضــوية أو ســلوكية‬ ‫كما يفعل علم النفس التجريــبي‪ ،‬بــل يدرســه علــى أنــه وعــي‬ ‫قصدي‪ .

‬ومعنـى هـذا أنـه يوجـد‬ ‫مستوى آخر من القصدية غير المكتملة تكون فيه الــذات غيــر‬ ‫واعية بأفعالها المعرفية وتعتقد فــي أن الموضــوعية هــي فــي‬ ‫تلقيها السلبي للشياء من العــالم الخــارجي‪ ،‬فــي ظحيــن تكــون‬ ‫‪147‬‬ .‬ويــذهب هوســرل إلــى أن القصــدية‬ ‫الصريحة هـي "كوجيتـو" مكتمــل)‪ .‬وكما يقرب مفهوم القصدية الذات‬ ‫من الموضوع فهو يقرب الموضوع أيض ـا ً مــن الــذات‪ ،‬ويتضــح‬ ‫هذا مــن قــول هوســرل إن كــل العــالم الــواقعي الموضــوعي‬ ‫عبارة عن تمثل للوعي ‪ .‬كمــا‬ ‫تتشابك القصدية عند هوسرل مع قضية المعنى‪ ،‬إذ يذهب إلى‬ ‫أن كـــل خـــبرة قصـــدية لـــديها معنـــى تتصـــل مـــن خللـــه‬ ‫بالموضــوع")‪ .(53‬ويعنـي بـذلك أن الـذات‬ ‫عندما تكون واعية بدورها القصـدي فــي المعرفـة تكـون هـذه‬ ‫القصدية كوجيتو صريح‪ ،‬أي وعيا ً ذاتيا ً بكون الذات مفكرة‪ ،‬أي‬ ‫وعيا ً بالـذات أثنـاء العمليـة المعرفيـة‪ .Representation‬تعبر القصدية إذن عــن‬ ‫أن الــوعي يحمــل فــي ذاتــه باعتبــاره "أنــا أفكــر" )كوجيتــو(‬ ‫موضــوعه المفكــر فيــه‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫الوعي إلى موضوع بل تعني أنها تنتج الموضوع ذاته‪.‬‬ ‫ويبني هوسرل مفهومه عن القصدية على أساس الوعي‬ ‫الــذاتي‪ ،‬ويــذهب إلــى أن الحكــم هــو وعــي بالشــئ‪ ،‬والدراك‬ ‫الحسي هو توجه قصدي نحو الشئ‪ ،‬والوعي بصــفة عامــة هــو‬ ‫وعي بشئ ما وليس هنـاك وعـي فـارغ أو بـدون مضـمون)‪،(51‬‬ ‫وليس هذا الشــئ خارجيـا ً بــل هــو الظــاهر المحــايث للــوعي‪.(52‬الخــبرة القصــدية إذن هــي خــبرة الــوعي‬ ‫بالموضوع عن طريق المعنى المقصود من قبل الذات والــذي‬ ‫يرتبط مباشرة بالموضوع‪ .‬‬ ‫ومعنى ذلك أن الحكم إذا لم يكن مصاظحبا ً بوعي بفعل الحكــم‬ ‫لن يكون ظحكما ً من الصل‪ ،‬وكــذلك الدراك الحســي‪ ،‬فلــو لــم‬ ‫يكن مصاظحبا ً بوعي ذاتي بفعل الدراك فلن يكون إدراكًا‪ .

‬مــن خلل أداء ســابق‬ ‫‪148‬‬ .‬‬ ‫بالوجود‪ .(54‬‬ ‫ويهــدف هوســرل مــن كشــفه عــن القصــدية اللواعيــة‬ ‫المساك بالعمليات الفكرية الــتي تحــد ث بتلقائيــة وآليــة بغيــر‬ ‫وعـــي مـــن الـــذات‪ ...‬ويمكن للمرء أن يرى أن ما هو ظحاضر فـي‬ ‫متناول اليد قد تشكل مسبقًا‪ .‬هذا المستوى غير الــواعي أو التلقــائي للقصــدية لــم‬ ‫يؤكد عليه هوسرل بما فيـه الكفايـة‪ ،‬كمـا لـم يميـز بدقـة بيـن‬ ‫قصدية واعية وقصدية غير واعية‪ .‬والفيلســـوف الـــذي يتبنـــى المنظـــور‬ ‫الفينومينولوجي عند هوسرل هو وظحده الذي يستطيع المساك‬ ‫بهذا النشاط التلقائي للذات في العملية المعرفية‪.5‬‬ ‫وصف أفعال الوعي‪:‬‬ ‫الفينومينولوجيا عند هوسرل منهج دارس لفعال الوعي‪،‬‬ ‫وهي أفعــال قبليــة تؤســس موضــوعات الخــبرة فــي الــوعي‪.‬لكن تظهر معرفته بقصــدية‬ ‫غير واعية من بعـض الشـارات المتفرقـة فـي مؤلفـاته‪ ،‬مثـل‬ ‫قوله‪:‬‬ ‫إن القصدية الحية تقودني إلى المام؛ إنها تحــددني‬ ‫عمليا ً في كــل توجهــاتي‪ ،‬بمــا فيهــا تــوجه تفكيــري‬ ‫الطبيعي‪ ....‬‬ ‫‪.‬‬ ‫يقول هوسرل‪:‬‬ ‫يمكــن للــوعي أن ُيكتشــف منهجي ـا ً بطريقــة تم ّ‬ ‫كـن‬ ‫المرء من رؤيته وهــو يعمــل‪ ،‬ظحيــث يلحــق المعنــى‪.‬إن القصدية الحية تقوم بكل هــذا علــى‬ ‫الرغم من أنها يمكن أن تكــون غيــر صــريحة وغيــر‬ ‫مكشوفة وبالتالي بعيدة عن انتباهي)‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الموضــوعية نتيجــة لفعــال الــوعي الــتي ل تــدركها الــذات‬ ‫بالكامل‪ .

(55‬‬ ‫أي أن الموضــوع نتيجــة فعــل موضــعة ‪Objektivierung /‬‬ ‫‪Objectification‬‬ ‫من قبل الوعي‪ .‬كمــا يــدرس هوســرل فعل ً‬ ‫آخـر للـوعي يسـميه "السـتباق" ‪ ،Protension‬أي توقـع بشـكل‬ ‫لموضوع من خلل إدراك جانب واظحد منه‪ ،‬مثل توقع أن يكــون‬ ‫الجانب الخلفي من الكرة كروي مثــل الجــانب المــامي‪ ،‬أو أن‬ ‫يكــون للجــانب المختفــي نفــس لــون الجــانب الظــاهر‪ .‬‬ ‫والوعي عند هوسرل فعل ول يظهر إل في صــورة فعــل‬ ‫أو نشاط أو وظيفة أو ظحركة؛ فهو عنده متحــرك دائم ـا ً وليــس‬ ‫ملكة ذات وظيفة ثابتــة محــددة‪ ،‬وهــذا مــا أدى بهوســرل إلــى‬ ‫القول باختلف بينه وبين كانط‪ ،‬لن الـوعي عنـده ليـس ملكـة‬ ‫‪149‬‬ .‬ومـن‬ ‫الواضح أن مـا أطلـق عليـه هوسـرل السـتبقاء قـد ظهـر فـي‬ ‫نظرية كانط وخاصة في استنباط الطبعة الولى باعتبــاره فعل ً‬ ‫للوعي يقوم عن طريقه بـ "تركيب إعادة إنتــاج الموضــوع فــي‬ ‫المخيلــة"‪ ،‬ولهــذا التشــابه فــي التحليــل دللت عديــدة ســوف‬ ‫نكشف عنها في الفصول القادمــة‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫للوعي)‪.‬ومن بين أفعال الوعي التي يدرسها هوســرل‬ ‫الستبقاء ‪ ،Retention‬أي القدرة على الظحتفاظ بإدراكات ظحسية‬ ‫ســابقة فــي أزمنــة مختلفــة لدراك موضــوع واظحــد مثــل لحــن‬ ‫موسـيقى أو البعـاد والزوايـا المختلفـة لشـكل مجسـم‪ .‬هــذا‬ ‫بالضافة إلى فعل ثــالث للــوعي وهــو الخيــال ‪ ،Imagination‬أي‬ ‫القــدرة علــى استحضــار شــئ فــي الخيــال غيــر ظحاضــر أمــام‬ ‫الحواس‪ ،‬وهو ما سبق ظهوره عند كانط في ظحديثه عــن ملكــة‬ ‫المخيلة الترانسندنتالية ودورها في إعادة تمثـل الموضـوع فـي‬ ‫غيابه‪.

(56‬لكن الحقيقة أن كانط قسم العقل النساني إلــى‬ ‫ملكات على ســبيل الشــرح والتقريــب وكطريقــة فــي عــرض‬ ‫نظريته في المعرفـة الـتي اختلفـت عـن سـابقاتها وكأسـلوب‬ ‫مبسط في تقديم الفكــار وفــي التحليــل‪ ،‬ذلــك لن كــانط لــم‬ ‫يعالج أبدا ً ملكات المعرفة على أنهــا أعضــاء فســيولوجية فــي‬ ‫الذهن‪ .(60)1938‬‬ ‫يذهب هوسرل فــي "الخــبرة والحكــم" إلــى أن إدراكــي‬ ‫للشئ ليس تلقيا ً سلبيا ً بــل هــو نتيجــة لننــي أظحــدد هويــة هــذا‬ ‫‪150‬‬ .‬وعندما نتجاوز الختلف بين ملكات المعرفة عند كانط‬ ‫وأفعــال الــوعي عنــد هوســرل ونركــز علــى التحليلت العينيــة‬ ‫للمعرفة عند كل منهما سوف يتضح مــدى التقــارب‪ ،‬وهــذا مــا‬ ‫سوف يظهر في الفصول القادمة‪.1901‬وتنقسم هذه المحاضــرات إلــى تحليــل‬ ‫فينومينولوجي للوعي بالزمان الداخلي بــدأها ســنة ‪،(57)1905‬‬ ‫وتحليل لكيفية إدراك الشئ والمكان بدأها ‪ ،(58)1907‬ودراسة‬ ‫للســـس الفينومينولوجيـــة للمنطـــق بـــدأها ســـنة ‪1920‬‬ ‫)‪(59‬‬ ‫واستمر فيها ظحتى ‪ ،1928‬وهذه الدراســة الخيــرة هــي الــتي‬ ‫جمعت بعد وفاته فــي كتــاب بعنــوان "الخــبرة والحكــم" ســنة‬ ‫‪.‬‬ ‫ويتضح تحليــل هوســرل لفعــال الــوعي مــن محاضــراته‬ ‫التي لم تنشر في ظحياته بل بعد وفاته بفترة‪ ،‬وهــي محاضــرات‬ ‫بدأها هوسرل فور انتهائه من إصدار الجزء الثاني من "أبحــا ث‬ ‫منطقية" سنة ‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫على شاكلة الملكات المعرفية الكانطية؛ ول يقســم هوســرل‬ ‫الوعي إلى ملكــات متمــايزة كمــا فعــل كــانط‪ ،‬وهــذا مــا دفــع‬ ‫هوسرل إلى الحكم على نظرية كانط في المعرفــة بأنهــا ذات‬ ‫نزعة سيكولوجية لنها ترد المعرفــة إلــى ملكــات فــي الــذهن‬ ‫البشري)‪ .

‬‬ ‫ونلظحظ في التحليل الخير للنص السابق أنه يتشـابه مــع‬ ‫تحليــل كــانط للــتركيب القبلــي لموضــوعات الدراك الحســي‬ ‫والموجود في استنباط الطبعة الولى وفي "المبادئ التركيبية‬ ‫للفهم الخالص"‪ ،‬وخاصة تحليله لمسلمات الحدس واستباقات‬ ‫‪151‬‬ .‬لكــن هــذه الفعــال يقــوم بهــا الــوعي‬ ‫بتلقائية وهو غير واع بها‪:‬‬ ‫إن الــوعي الســاذج‪ ،‬مــن خلل جميــع المــدركات‬ ‫الحسية ودرجاتها التي يظهر بهــا موضــوع الدراك‪،‬‬ ‫يتوجه ناظحية الموضوع نفسه‪ :‬الموضوع الذي ُيظهر‬ ‫نفسه في الدراك الحسي على أنه كذا وكــذا‪ .‬أفعال الوعي إذن هي التي تؤســس‬ ‫الــوعي بشــيئية الشــئ‪ .‬إدراك الشــئ إذن يتضــمن‬ ‫أفعال ً مختلفة‪ :‬تجميع جوانب الشئ معًا‪ ،‬واسترجاع إدراكــاتي‬ ‫المختلفة له في أزمنة سابقة‪ ،‬وتجميعي لحالته المختلفة التي‬ ‫يتغير فيها عبر أزمنــة عديــدة‪ .‬ولــذلك فــإن‬ ‫هذا الوعي سوف يجــد نفســه مجــبرا ً علــى النظــر‬ ‫إلى الدراك الحسي على أنه توجه سلبي")‪.‬هــذا‬ ‫الوعي ليس شــاعرا ً علــى الطلق بــأن موضــوعه‬ ‫المعطى في هذه الصفات الحسية هو في ظحد ذاتــه‬ ‫إنجاز‪ ،‬إنجاز عقلي من الدرجة الــدنيا‪ .(61‬‬ ‫لنــه ل يعلــم أن الدراك الحســي نفســه إنتــاج‪ ،‬إذ ينتــج‬ ‫موضوعه ذاته‪.‬ويشــير هوســرل بــذلك إلــى أن‬ ‫التعرف على شيئية الشئ‪ ،‬أي التعرف على كونه جسما ً ماديا ً‬ ‫ذا أبعاد هندسية‪ ،‬يعتمد على قدرتنا علــى مشــاهدته مــن عــدة‬ ‫زوايا وعبر أزمنة مختلفة‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫الشــئ باعتبــاره شــيئا ً واظحــدًا‪ ،‬إذ أســتطيع أن أراه مــن عــدة‬ ‫جــوانب ومــن منظــورات مختلفــة‪ .

‬ذهب هوسرل إلــى أن الموضــوع الفيزيــائي‬ ‫يحصل على هويته كموضوع‪ ،‬أي باعتباره جسما ً ممتدا ً يشــغل‬ ‫ظحيزا ً مكانيا ً وظحائزا ً على جوهر وأعراض بفضــل وجــود أفعــال‬ ‫قبلية في الوعي قــادرة علــى التعــرف عليــه وعلــى جــوهريته‬ ‫وأعراضه‪ ،‬أي على خواصه المختلفــة ووظحــدته وراء تغيــر هــذه‬ ‫الخــواص)‪ ،(62‬ذلــك لن الدراك الحســي ينطــوي علــى قيــام‬ ‫الـوعي بأفعـال التـذكر والسـتعادة لمـدركات ظحسـية سـابقة‪،‬‬ ‫وكذلك على قدرة على جمعها والدمج بينها‪.‬ذلــك لن العلقـة‬ ‫بين مادة الدراك المكونة من انطباعــات والموضــوع المــدرك‬ ‫هي علقة جزء بكل‪ ،‬وتجميع الجزاء للحصــول علــى كــل هــي‬ ‫وظيفــة أفعــال الــوعي)‪ ،(63‬كمــا أن مــادة الدراك باعتبارهــا‬ ‫جزئيات ل تحصل على هويتها باعتبارها كــذلك إل فــي علقتهــا‬ ‫بالكل الذي ينتجه الوعي‪.‬‬ ‫‪152‬‬ .‬وتتضح دقة‬ ‫تحليلت هوســـرل فـــي توضـــيحه كيفيـــة دخـــول الموضـــوع‬ ‫الفيزيائي للوعي‪ .‬‬ ‫أفعــال الــوعي عنــد هوســرل تنتــج مضــمونها‪ ،‬وهــي ل‬ ‫تستقبل الموضوع المحسوس لنه هــو نفســه منتــج مــن قبــل‬ ‫الوعي‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الدراك‪ ،‬وهذا ما سوف نركز عليه في الفصل الخامس‪.‬الــوعي ل يســتقبل إل النطباعــات‪ ،‬أمــا الشــئ نفســه‬ ‫بموضوعيته وأظحواله فهو مـن إنتـاج الــوعي‪ .‬‬ ‫وُيحسب لهوسرل أنه برع في وصف أفعال الوعي بدقــة‬ ‫متناهية وتفصيل كبير بصــورة ل نجــدها لــدى كــانط‪ ،‬إذ اكتفــى‬ ‫كانط بتقديم صورة عامة شــاملة لفعــال الــوعي ولــم يتوســع‬ ‫فيهــا بقــدر توســع هوســرل‪ ،‬إذ كــان هــدفه الساســي إثبــات‬ ‫المكانية القبلية للخبرة كي يحكم على الميتافيزيقــا التقليديــة‬ ‫بأنها ل تتفق مع الشروط القبلية للخبرة النسانية‪ .

‬‬ ‫ظحاضر في الخبرة الحسية بالطريقة التي يحضر بها‬ ‫في الخبرة ]الواعية الممتلكة للوعي بالنــا أفكــر[‪،‬‬ ‫إنه ظحاضر في الخبرة الحسية باعتباره ظحقيقيًا‪ ،‬لكنه‬ ‫مدَركا ً ]فيها[ بطريقة موضوعية ]باعتبــاره‬ ‫لم يكن ُ‬ ‫منتجا ً من قبل الوعي[ )‪.‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫وفي هذا السياق يميز هوسرل بين ثلثــة عناصــر‪ :‬المــادة‬ ‫‪ ،Hyle‬والشكل ‪ ،Morphe‬وفعل الـوعي ‪ .‬يقول هوسرل‪:‬‬ ‫ليست لــدنيا نيــة للقــول بــأن المضــمون المــادي‪..6‬‬ ‫الحدس المقولي‪:‬‬ ‫تتمثل إظحدى نتائج التحليل الفينومينولوجي عند هوســرل‬ ‫في اكتشاف أن الكلي ليس تجريدا ً يقوم به العقــل بنــاء علــى‬ ‫تعميم إدراكات ظحسية مختلفة كما تــذهب المــذاهب التجريبيــة‬ ‫‪153‬‬ .Noesis‬وبعـد أن يوضـح‬ ‫هوسرل نظرية أرسطو في علقـة المـادة بالشـكل أو الصـورة‬ ‫يــذهب إلــى أن العنصــرين مــن فعــل الــوعي‪ ،‬وكــذلك التمييــز‬ ‫بينهما)‪ .‬‬ ‫‪.(65‬‬ ‫يريد هوسرل القول بــأن الشــكل والمضــمون باعتبارهمــا‬ ‫عنصرين للوعي مــدركين مــن قبــل الــوعي الــدارس ل الــوعي‬ ‫المدروس‪ ،‬الوعي الممتلك للنا أفكر؛ إنهما تجريــدان وتمييــزان‬ ‫ل يستطيع القيام بهما إل الباظحث الفينومينولوجي‪ ،‬وذلك بســبب‬ ‫كونهما عاملين علـى مسـتوى الدراك الحسـي بصــورة تلقائيـة‬ ‫غير واعية‪ ،‬أمـا البـاظحث الفينومينولـوجي فهـو الـذي يكتشـفهما‬ ‫باعتبارهما نتاجين لفعال الوعي‪.(64‬فمادة الدراك ليست مدركة موضوعيا ً قبل انعكــاس‬ ‫الوعي على ذاته من أجل أن يشــعر بفعلــه المعرفــي‪ ،‬أي قبــل‬ ‫الكوجيتو؛ ذلك لن مادة الدراك الحسي ليست معطاة بالكامل‬ ‫وبصورة تامة في الدراك الحسي نفسه‪ .

(66‬ويـذهب هوسـرل إلـى أن هـذا التمييـز هـو‬ ‫تمييز مقولي‪ ،‬لنه ليس تمييزا ً بين مدركات ظحســية بــل تمييــز‬ ‫‪154‬‬ .‬‬ ‫ويسمي هوسرل ظحضور الكلي في الخــبرة الحســية "الحــدس‬ ‫المقولي" ‪ ،Categorial Intuition‬و هو بذلك يميزه عن الحــدس‬ ‫الحســي ‪ Sensual Intuition‬الــذي يقتصــر دوره علــى تلقــي‬ ‫النطباعات الحسية‪ .‬‬ ‫أ ‪ -‬الحدس الحسي والحدس المقولي‪:‬‬ ‫الحدس المقولي عنــد هوســرل هــو القــدرة علــى إدراك‬ ‫العام والكلي المتضمن في المحسوسات فــي عمليــة الدراك‬ ‫الحسي‪ .‬تمتد معالجة هوسـرل للحــدس المقـولي‬ ‫عبر جميع مؤلفاته ومحاضراته‪ ،‬إذ نجده منذ "أبحا ث منطقيــة"‬ ‫)‪ (1901-1900‬وظحــتى "الخــبرة والحكــم" )‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫والســمية‪ ،‬وأن الكلــي ظحاضــر فــي الخــبرة الحســية ذاتهــا‪.‬العنصــر‬ ‫الول نوضــح فيــه العلقــة بيــن الحــدس المقــولي والحــدس‬ ‫الحسي‪ ،‬والعنصر الثاني نوضح فيه كيف يبرر هوسرل مفهــوم‬ ‫الحدس المقولي بالقول بأن في الدراك الحســي فائض ـا ً فــي‬ ‫المعنى ل يمكن أن يرجع إلى الحدس الحسي وظحــده وبالتــالي‬ ‫يتطلب منا العتراف بوجود ظحدس آخر هو الحــدس المقــولي‪،‬‬ ‫والعنصر الثالث نعود فيه لتوضيح أن الحدس المقــولي نفســه‬ ‫ليس منفصل ً تماما ً عن الحدس الحسي بل هــو مســتوى فــي‬ ‫الوعي متضمن فيه‪.(1939‬ســوف‬ ‫نعالج الحدس المقولي عند هوسرل في ثلثة عناصر‪ .‬يذهب هوسرل إلى أن هناك فرقـا ً بيـن إدراك اللـون‬ ‫الظحمر باعتبـاره لونـا ً جزئيـا ً متصـفا ً بـه شـيئا ً مفـردًا‪ ،‬وإدراك‬ ‫اللون الظحمر باعتباره أظحمرا ً بوجه عام‪ ،‬باعتبــاره نوع ـًا؛ إدراك‬ ‫اللون الظحمر في شئ معين يختلــف عــن إدراك كــون الظحمــر‬ ‫لونًا‪ ،‬أو نوعا ً يندرج تحته أفرادا ً عديدين أو أشياء كثيرة تتصــف‬ ‫باللون الظحمـر)‪ .

‬ففــي إدراكنــا‬ ‫لكرسي أظحمر ندرك أن الظحمر هذا لون تتصف به أشياء كثيرة‬ ‫غير الكرسي‪ ،‬وبالتالي ندرك أن الكرســي يتصــف بشــئ كلــي‬ ‫وأنــه جــزء مــن مجمــوع مــا يضــم الشــياء المتصــفة بــاللون‬ ‫الظحمــر)‪ .‬هنـاك إذن شـيئان‪ :‬تمييــز مقـولي وظحـدس‬ ‫مقولي‪ :‬التمييز المقولي هو الذي يجعلنا ندرك أن هناك فروقا ً‬ ‫بين نوع وأفراده‪ ،‬والحدس المقولي هو إدراك مــا هــو مقــولي‬ ‫في الجزئيات‪ ،‬والحدس المقولي هــذا يســميه هوســرل أيض ـا ً‬ ‫الــوعي بــالكلي‪ .‬‬ ‫كما يعنــي الحــدس المقــولي عنــد هوســرل أن الكليــات‬ ‫تشاهد أو تحــدس فــي الدراك الحســي نفســه‪ .‬‬ ‫اللون شئ كلــي بمعنــى أنــه جــوهري وضــروري ومــاهوي‪ ،‬أي‬ ‫داخـل فـي ماهيـة الشـئ‪ .‬ويضيف هوسرل أننــا نسـتطيع أن نجــرد مــن‬ ‫الكرســي أشــياء كــثيرة‪ ،‬أي أجــزاء مكونــة لــه مثــل الرجــل‬ ‫ونستطيع تصوره بدونها‪ ،‬لكننا ل نستطيع أن نجرده مــن لــونه‪.‬وهذا جانب كانطي واضــح تمامـًا‪ ،‬فعلــى الرغــم مــن‬ ‫جدة التحليلت الفينومينولوجية التي يأتي بها هنا إل أنه ل يزال‬ ‫ينظر إلى اكتشافاته الفينومينولوجية في إطــار كــانطي‪ ،‬إطــار‬ ‫سؤال المكان الكـانطي ونطـاق القبلـي الــذي يجعــل الـوعي‬ ‫بشئ أو معرفته ممكنة‪.‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫بين النوع وأفراده‪ .‬ماهيـة الشـئ وجـوهريته أن يكـون‬ ‫‪155‬‬ .‬أما الوعي العادي أو الطــبيعي‬ ‫فل يعرفها‪ .(67‬الكــل أو الماهيــة تحــدس مــع الجــزء أو موضــوع‬ ‫الدراك الحســي‪ ،‬فهــي مصــاظحبة لــه‪ .‬لكــن يقــول هوســرل بعــد ذلــك عــن التمييــز‬ ‫المقولي إنه‪" :‬يتصل بالشكل الخــالص للموضــوعات الممكنــة‬ ‫للوعي"‪ .‬والملظحــظ أن الــوعي‬ ‫الفينومينولوجي فقط هو الــذي يســتطيع أن يعــرف‪ ،‬بالتحليــل‬ ‫الفينومينولوجي‪ ،‬هذه الظاهرة‪ .‬إدراك الجزء هو المناسبة أو الظرف الــذي يمكننــا‬ ‫من ظحدس الكل‪ .

‬‬ ‫هناك فرق بين المقولي ‪ Categorical‬والمقولــة‪ .‬إل أن هوسرل يفهم مغزى هــذه‬ ‫العلقة التبادلية فهم ـا ً كانطي ـا ً علــى أن الحــدس المقــولي هــو‬ ‫الذي يؤسس ترانســندنتاليا ً وقبليـا ً الدراك الحســي‪ ،‬وهــذا هــو‬ ‫الهاجس الكانطي لديه‪.or‬هــذه الدوات اللغويــة كليــة‬ ‫لنها تستخدم في كل الحالت التي نقابلها‪ ،‬وكليتها هـذه تشــير‬ ‫إلى أفعال معرفية قبل مقولية‪ ،‬أي سابقة علــى التجســد فــي‬ ‫‪156‬‬ .(68‬لقــد‬ ‫اقترب هوسرل من هيجــل هنـا بالضـبط فــي إدراكــه أن هنـاك‬ ‫علقة تبادلية قوامها التأســيس المتبــادل بيــن الدراك الحســي‬ ‫والحدس المقولي‪ ،‬وهذا بسبب العلقــة التبادليــة الــتي كشــف‬ ‫عنها هيجل بيــن الكــل والجــزاء‪ .‬‬ ‫اللون إذن هو الكلي أو الماهوي المدرك في إدراك ظحسي مــع‬ ‫الجزاء الخرى‪.‬‬ ‫ويذهب هوسرل إلى أن هناك علقة تبادليــة بيــن الدراك‬ ‫الحسي والحدس المقولي‪ ،‬فالثنان يؤسسان بعضهما البعــض‪:‬‬ ‫ظحدس المقولـة هـو الـذي يم ّ‬ ‫كـن الدراك الحسـي مـن معرفـة‬ ‫ملمــح وصــفات وأجــزاء الشــئ بمــا أن هــذه الجــزاء ليســت‬ ‫مستقلة بل هي أجزاء لكل‪ ،‬وكذلك الدراك الحسي هــو الخــر‬ ‫يؤسس الحدس المقولي بما أن هذا الدراك الحسي هو الــذي‬ ‫يعطي الجزاء التي يظهر فيها الكل للحدس المقــولي)‪ .‬المقــولي‬ ‫هو السابق على المقولة‪ ،‬إنــه مقولــة أوليــة أو مبدئيــة‪ ،‬وتعــبر‬ ‫أدوات الشارة عنه مثل فعل الكينونة "هو" ‪ ،is‬وكــون الشــئ‬ ‫موجــودا ً ‪ being‬و"هــذا" ‪ ،this‬بالضــافة إلــى أدوات الفصــل‬ ‫والتمييز مثل "لكن" ‪ but‬و"أو" ‪ .‬الكــل يــدركه ظحــدس مقــولي‬ ‫والجزاء يدركها إدراك ظحسي‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫ظحائزا ً على لون‪ ،‬ول يمكــن تصــور أو إدراك شــئ بــدون لــون‪.

(70‬‬ ‫ويــذهب هوســرل إلــى أن الدراك الحســي ليــس تلقي ـا ً‬ ‫سلبيا ً للظحساسات من الخارج بــل يتضــمن إظحضــار الموضــوع‬ ‫إلى الوعي والمشاركة في تأسيسه باعتباره موضوعًا‪ ،‬بمعنــى‬ ‫أن الدراك الحسي لشئ يتضمن إدراكه من جميع جــوانبه مــع‬ ‫معرفة كونه واظحدًا‪ ،‬فعلى الرغم من أنني أشاهد بيتا ً من عــدة‬ ‫زوايا إل أنني أعــرف أنــه بيــت واظحــد ل عــدة بيــوت‪ ،‬فــاختلف‬ ‫المنظورات ل يؤدي إلى اختلف الشئ المدرك بل هناك وعي‬ ‫بهويــة واظحــدة للشــئ المــدرك مــن عــدة منظــورات‪ ،‬وكــذلك‬ ‫بالنسبة للوقات المختلفة التى أدرك فيها الشــئ فأنــا ل أدرك‬ ‫أشياء متعددة بل شيئا ً واظحدا ً في أزمنة مختلفــة‪ .‬هــذا المســتوى المقــولي ل ينتمــي كليــة إلــى الــذات‬ ‫ومقتصــر عليهــا بــل ينتمــي إلــى الموضــوع ذاتــه‪ ،‬وليــس فعل ً‬ ‫للوعي‪ ،‬لننا إذا ظحللنا الوعي سنجد أن بــه أفعــال ً مثــل الحكــم‬ ‫والدراك والتخيل والتذكر‪ ،‬والمقولي ل ينتمي إلى هذه الشياء‬ ‫بل ينتمي إلى الموضوع ذاته‪ ،‬و هذا عكس التجريبية النجليزية‬ ‫وكانط والمثالية اللمانية التي ذهبت إلى أن هذا المقولي غيــر‬ ‫موجود فــي الدراك الحســي وبالتــالي فهــو ذاتــي وهــو نتيجــة‬ ‫للحس الداخلي أو النعكاس على الذات‪ .‬ويذهب هايدجر إلــى‬ ‫أن الفينومينولوجيا تقوم بثورة كبيرة عندما تضع هذا المقــولي‬ ‫في الحدس وفي الموضوع ذاته ل في الذات أو في النعكاس‬ ‫على الذات)‪.‬هــذا الدراك‬ ‫الحسـي إذن يتضـمن الـوعي بحضـور الشـئ ودوامـه وهـويته‬ ‫‪157‬‬ .(69‬ويكشف اســتخدام‬ ‫هذه الدوات في لغة الدراك الحسي عن أن للمقولــة ظحضــور‬ ‫في الحس في مستوى أولي سابق على ظهور المقولــة ذاتهــا‬ ‫للفكــر‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫مقولة‪ ،‬ذلك لنها تعبيرات أولية عن مقولت الجــوهر والزمــان‬ ‫والمكان والسببية والضرورة والمكان)‪ .

‬‬ ‫هذا بالضافة إلى كون لون الكرسي أصفر هو جزء‪ ،‬أما إدراك‬ ‫الكرسي ذاته فهو كــل‪ ،‬ذلــك لننـا يمكـن أن نتصــور الكرسـي‬ ‫بدون اللون الصــفر‪ ،‬كمــا أن اللــون الصــفر ليــس داخل ً فــي‬ ‫ماهية الكرسي الذي ندركه ولـذلك فـاللون الصـفر جـزء مـن‬ ‫كل‪ .‬لكننا في إدراكنا للكرسي ل نميز بيـن كـل وجـزء وعلقـة‬ ‫بينهما بل ندرك الظاهرة كلها فـي عموميتهـا)‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫وهي أشياء ل أظحضرها أنا من عنــدياتي بــل هــي متضــمنة فــي‬ ‫إدراكي للشياء‪.‬‬ ‫والحدس المقــولي عنــد هوســرل مباشــر مثــل الحــدس‬ ‫الحسي تمامًا‪ ،‬ذلك لننا فــي إدراكنــا لكرســي أصــفر ل نــدرك‬ ‫الكرسي أول ً في ظحد ذاته ثــم الصــفر أو كــون لــونه أصــفر أو‬ ‫العكس‪ ،‬ثم نربط بين الثنيــن ونحصــل علــى علقــة الكرســي‬ ‫بلونه كونه كرسيا ً أصفر‪ ،‬بــل نحـن نـدرك العلقـة مباشـرة‪ ،‬ل‬ ‫ندرك عناصر الدراك الحســي منفصــلة ثــم نركبهــا بــل نــدرك‬ ‫الموضوع مركبا ً وفي علقاته دفعة واظحدة)‪ .(72‬لكـن الدراك‬ ‫الحسي يستطيع أن يعرف كل ذلك‪ ،‬ويعرف أن ما يراه مكون‬ ‫من موضوع ومحمول أو كل وجزء‪.‬وعندما نرى كرة ظحمراء مثل ً نكون مــدركين أن هــذا‬ ‫اللون هو لون لشياء كثيرة غيــر هــذه الكــرة‪ .(71‬الدراك الحسي‬ ‫إذن يتضمن فعل ً تركيبيا ً تلقائيا ً يحــدس مباشــرة وبل توســط‪.‬‬ ‫إن المرء عندما يدرك بيتا ً مثل ً ل يدرك جزئياته وتفاصيله‬ ‫أول ً بل يدركه دفعة واظحدة في كليته وباعتباره ك ً‬ ‫ل‪ ،‬يدرك نوعه‬ ‫‪ Species‬مباشرة‪ ،‬وهذا هــو الحــدس المقــولي باعتبــاره إدراك ـا ً‬ ‫للكلــي أو المقــولي الــذي تتــم صــياغته بعــد ذلــك فــي صــورة‬ ‫مقولت‪ .‬نــدرك مباشــرة‬ ‫لكن بصورة ضمنية أن الكرة تتصـف بشـئ كلـي‪ ،‬مقـولي‪ ،‬ول‬ ‫‪158‬‬ .

‬التعـبيران متسـاويان مـن وجهـة‬ ‫نظر الدراك الحسي‪ ،‬فهما يشيران إلــى موضــوع واظحــد‪ ،‬إل أن‬ ‫التعبير الثاني يحتوي على فائض في المعنى ‪.‬‬ ‫سوف نلظحــظ أن هوســرل عنــدما يتحــد ث عــن الحــدس‬ ‫المقــولي يــذهب إلــى أن الحــدس الحســي يــدرك فائضـا ً فــي‬ ‫المعنى ‪ Surplus‬وهـذا الفـائض فــي المعنـى يسـتوعبه الحـدس‬ ‫‪159‬‬ .‬المعنى يكون فائضا ً بالنســبة للدراك الحســي فقــط‪،‬‬ ‫وهذا يشير إلى أن لكلية المعنى الكامل نمطا ً آخر فــي الدراك‬ ‫غير الدراك الحسي وهو الحدس المقولي‪.(73‬هـذا الفـائض فـي المعنـى هـو الـذي يـؤدي‬ ‫بهوسرل إلى القول بالحدس المقولي‪ ،‬لن فائض المعنى يعنــي‬ ‫أن الدراك الحسي لشئ جزئي ل يســتوعب المعنــى بالكامــل‪،‬‬ ‫فهناك إدراك من نوع آخر فوق الدراك الحسي هو الذي يمكننــا‬ ‫مــن إدراك الكلــي أو معرفــة المعنــى الكامــل وهــو الحــدس‬ ‫المقولي‪ .Surplus of Meaning‬‬ ‫هذا الفائض في المعنى يتمثل فــي أن الورقــة تنتمــي إلــى كــل‬ ‫الشياء البيضاء أو تتصف بالبياض الذي تتصف بــه أشــياء أخــرى‬ ‫كثيرة‪ ،‬تتصف بصفة عامــة أو بكلــي‪ ،‬وهــذا الكلــي هــو الفــائض‬ ‫الــذي يفيــض عــن الدراك الحســي للورقــة ولي شــئ جزئــي‬ ‫يتصف بالبيـاض)‪ .‬‬ ‫ب ‪-‬‬ ‫فائض المعنى‪:‬‬ ‫يذهب هوسرل إلى أن هناك فرقا ً بين التعــبيرين‪ :‬الورقــة‬ ‫البيضاء‪ ،‬وهذه الورقـة بيضـاء‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫ندرك مثل ً أن هذه الكرة فقط هي وظحدها الحمــراء بــل نكــون‬ ‫على علم بأن أشياء أخرى غيرها تتصف بنفــس اللــون‪ ،‬ل لننـا‬ ‫رأيناهــا بالفعــل‪ ،‬بــل لن لــدينا ظحدس ـا ً مقولي ـًا‪ ،‬إدراك ـا ً للكلــي‬ ‫المتضمن في الشئ‪ ،‬إدراكا ً ووعيا ً بأن الشــئ يتصــف بكليــات‬ ‫وبأن صفاته كلية أو مقولية‪.

Residue‬‬ ‫وعلى الرغم من أن هوسرل قد أسهب في شرح فكرتــه‬ ‫عــن الحــدس المقــولي فــي كتــابين همــا "الفكــار" و"تــأملت‬ ‫ديكارتية"‪ ،‬إل أن أبحاثه الفينومينولوجية في المنطــق والزمــان‬ ‫الــداخلي والمكــان هــي الــتي تكشــف عــن نظريــة الحــدس‬ ‫المقــولي فــي الممارســة وأثنــاء العمــل‪ ،‬وذلــك لن "الفكــار"‬ ‫و"التـأملت" مـا هـي إل بيانـات وتقـارير نظريـة عـن البحـا ث‬ ‫الفينومينولوجية التي تمت بالفعل‪ .‬‬ ‫فائض المعنى يظهر في البحـا ث المنطقيـة‪ ،‬والمتبقـي يظهـر‬ ‫في “الفكار”‪ .‬إذا قارنــا بينهمــا سنكتشــف أنهمــا يعــبران عــن‬ ‫معنى واظحد‪ :‬الفائض ‪ Surplus‬هو المتبقي ‪.(74‬‬ ‫يقصد هوسرل من هذا التصنيف أن القبلي يظهر بالفعل‬ ‫‪160‬‬ .‬هناك إذن مفهومان يستخدمهما هوســرل فــي‬ ‫تأسيس مبادئ الفينومينولوجيا ومفاهيمها الساســية‪ :‬الحــدس‬ ‫المقـولي والـوعي الخـالص‪ ،‬وهمـا فـائض المعنـى والمتبقـي‪.‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫المقــولي ل الحــدس الحســي‪ ،‬وعنــدما يتحــد ث عــن الــوعي‬ ‫الخالص يتناول الوعي التجريبي ويمارس عليـه البوخيـة والـرد‬ ‫ويــذهب إلــى أن نتيجــة البوخيــة ظهــور متبــق ‪ Residue‬وهــذا‬ ‫المتبقــي مــن الــوعي التجريــبي الممــارس عليــه البوخيــة هــو‬ ‫الوعي الخالص‪ .‬وبعد أن أتــم هوســرل هــذه‬ ‫البحا ث قدم تعريفا ً جديدا ً للفينومينولوجيا في "الفكـار"‪ ،‬فهـو‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫"إن مجال الفينومينولوجيا هو تحليل القبلــي الــذي‬ ‫يظهــر فــي الحــدس المباشــر‪ ،‬وتثــبيت الماهيــات‬ ‫الشــفافة مباشــرة والصــلت الماهويــة وإدراكهــا‬ ‫الوصفي في الوظحدة النســقية لكــل العناصــر ‪strata‬‬ ‫في الوعي الترانسندنتالي الخالص")‪.

‬فالقصدية والحــدس المقــولي أو‬ ‫المـــاهوي معـــان كلهـــا موجـــودة فـــي الفصـــل الول مـــن‬ ‫فينومينولوجيا هيجل‪ ،‬كما أن هيجل في المنطق يعطينا تــبريرا ً‬ ‫لظهور الماهية في صورة ظــاهرة‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫فــي الحـدس المباشـر أو الدراك الحسـي وهـي نظريتـه فـي‬ ‫الحدس المقولي أو المــاهوي‪ ،‬كمــا يقــول أيض ـا ً إن الماهيــات‬ ‫تستشــف مباشــرة فــي الدراك الحســي وهــي نفــس نظريــة‬ ‫الحدس المقولي‪ .‬الحقيقة أن ما يقوله هوسرل هنــا أن مهمــة‬ ‫الفينومينولوجيا هى ما قام به بالفعل في البحا ث ومحاضرات‬ ‫الزمان‪ ،‬إنــه ليــس توصــيفا ً لمــا يجــب أن يكــون عليــه البحــث‬ ‫الفينومينولوجي بل وصف لما تـم تنفيـذه والقيـام بـه بالفعـل‪،‬‬ ‫وبالتالي فهذا التوصيف ليس توصــيفا ً لمهمــة الفينومينولوجيــا‬ ‫كما يقول لنا هوسرل بل تنظير وامتــداد فلســفي لمــا قــام بــه‬ ‫بالفعل من أبحا ث‪ .‬يثبــت هيجــل بمنهــج النقــد‬ ‫المحايث كيف يجب أن تظهــر الماهيــة وتتجلــى فــي الظــاهر‪،‬‬ ‫وهذا عينه هو الحدس المقولي الهوسرلي‪.‬والحقيقة أن المبادئ الفينومينولوجية التي‬ ‫يتوصل إليها هوسرل هنا توصل إليها هيجــل مــن قبــل بطريــق‬ ‫آخر غير الطريق الهوسرلي‪ .‬‬ ‫لكن ما الذي يجعل هـذا الحــدس المقــولي نوعـا ً مختلفـا ً عــن‬ ‫‪161‬‬ .‬‬ ‫كيف يعرف هوسرل الحدس المقولي؟ كيــف يكتشــفه؟‬ ‫يكتشفه بأن يفكر في الحدس الحسي ويعرف أن في الدراك‬ ‫عب في ظحدس ظحســي واظحــد أو كــل‬ ‫فائضا ً من المعنى ل ُيستو َ‬ ‫الحدوس الحسية مجتمعة‪ ،‬وبمعرفته أننـا نـدرك النـوع والكـل‬ ‫والعلقة بينه وبين الجزء والجوهر‪ ،‬كل ذلك مــع إدراكنــا لشــئ‬ ‫واظحد‪ ،‬أي مع إدراك ظحسي لشــئ‪ .‬يتوصــل هوســرل مــن ذلــك‬ ‫إلى أنه يجب أن يكـون هنـاك ظحـدس مـن نـوع آخـر هـو الـذي‬ ‫يمكننا من إدراك الكل والنوع والجوهر وهو الحدس المقــولي‪.

‬‬ ‫إدراكي للكلي إذن محايث ومصاظحب لدراكي للجزئي‪ ،‬ولــذلك‬ ‫فالحدس المقولي والحدس الحسي شئ واظحــد‪ .(75)"Pure concept of Understanding‬التصــور الخــالص‬ ‫للفهم هو المقولي عند هوسرل‪ ،‬هو الساس الذي ينتظم بعــد‬ ‫ذلك في مقولة‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫الحدس الحسي وقائما ً بذاته؟ ل شــئ فــي الحقيقـة‪ .‬الحــدس‬ ‫المقــولي هــو فــي ظحقيقتــه وظيفــة أو أظحــد وظــائف الحــدس‬ ‫الحســي‪ ،‬نــوع مــن الحــدس الحســي‪ ،‬ويتضــح ذلــك مــن أن‬ ‫هوسرل يقول عــن الحــدس المقــولي إنــه هــو الــذي يؤســس‬ ‫للحــدس الحســي ويجعلــه ممكنــًا‪ ،‬فــإدراكي للكــل وللنــوع‬ ‫وللجوهر شرط لدراكي لهـذا الشـئ المحـدد الحاضـر أمـامي‬ ‫الــذي يتصــف بــأنه جــزء مــن كــل أو فــرد ينتمــي إلــى نــوع أو‬ ‫جوهر‪ .‬أنــا ل أدرك الجزئــي إل لكــونه جــزءا ً مــن كلــي‪.‬وبالنظر إلى أن المقولة عنــد هوســرل ُتفهــم‬ ‫بطريقـــة منطقيـــة أي وفـــق وظيفتهـــا المنطقيـــة باعتبارهـــا‬ ‫‪162‬‬ .‬إلخ‪ ..‬والــدليل علــى أن‬ ‫الحدس الكانطي ينطوي على الحدس المقولي ما يقوله كانط‬ ‫في "التصورات الخالصة للفهم أو المقــولت" والمقارنــة بينــه‬ ‫وبين هوســرل فــي هــذه النقطــة مشــروعة تمامـًا‪ ،‬لن كــانط‬ ‫يبحث عن أصل المقولت ووظيفتها‪ ،‬وهــذا مــا يناســب الجــزء‬ ‫المتعلق بالحدس المقولي عنــد هوســرل تمام ـًا‪ ..‬تــترتب علــى‬ ‫ذلك نتيجة هامة وهي أن ما فصله هوسرل إلى ظحــدس ظحســي‬ ‫وظحدس مقولي هو شئ واظحد عبر عنه كــانط بمجــرد الحــدس‪.‬‬ ‫فإذا ظحللنا الحدس الكــانطي ســنجد أنــه يحتــوي علــى شــروط‬ ‫إمكان هي ذاتها عناصــر الحــدس المقــولي‪ .‬يقــول كــانط‬ ‫"الوظيفة نفسها التي تضفي الوظحدة على مختلــف التصــورات‬ ‫فــي ظحكــم تضــفي أيضـا ً الوظحــدة علــى مجــرد تــأليف مختلــف‬ ‫التصورات فــي ظحـدس وتسـمى بتعـبير عـام التصـور الخـالص‬ ‫للفهــم ‪ .

‬أما هوسرل فأثبت أن الحدوس الحسية‬ ‫نفسها متضمنة للمقولت‪ .‬‬ ‫والحقيقة أن كانط كان قد أدرك شيئا ً شبيها ً بمــا توصــل‬ ‫إليــه هوســرل وهــو أن الحــدس الحســي يكــون ظحاص ـل ً علــى‬ ‫المقولي منذ البداية‪ ،‬بل إنه أشار إلى أن الرتباط بين الحدس‬ ‫الحســي والحــدس المقــولي وظيفــة للمخيلــة‪ .‬ولتعــبير عميـاء دللــة هامــة‪،‬‬ ‫‪163‬‬ .‬والذي جعل هوسرل يفهم المقولة من منطلق وظيفتها‬ ‫المنطقية في الحكم هو تأثره بالكانطية الجديدة‪.‬‬ ‫لكــن الجديــد الــذي أتــى بــه هوســرل هــو أنــه أدرك أن‬ ‫المقولي مختلط بالحس ومحايث له‪ .‬يقــول كــانط‬ ‫"التركيب بعامة هو مجرد فعل للمخيلة‪ ،‬أعني وظيفــة للنفــس‬ ‫عمياء‪ ،‬إنما ل غنى عنها‪ ،‬ومن دونهــا ل يمكــن البتــة أن نحصــل‬ ‫على معرفة من أي مكان")‪" .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫المحمــول فــي قضــية‪ ،‬فــإن المقولــة عنــد هوســرل تنــاظر‬ ‫المقولت في لوظحة الظحكام عند كانط فــي ظحيــن أن المقــولي‬ ‫السابق على المقولة عنــده هــو التصــور الخــالص للفهــم عنــد‬ ‫كانط‪ .‬بعكس كانط الــذي نظــر‬ ‫إلــى المقــولت علــى أنهــا أطــر قبليــة فــي الــذهن تمل بمــادة‬ ‫الدراك الحســي‪ ،‬ولــذلك كــان دائم ـا ً يتكلــم عــن تــأليف بيــن‬ ‫الحدوس والمقولت‪ .‬ما نظر إليه كانط علــى أنــه تــأليف‬ ‫بين الحدس والمقولة هو نتيجة لنه فصــل بينهمــا منــذ البدايــة‬ ‫ووضــع للحــدس الحســي ملكــة وللمقولــة ملكــة أخــرى‪ ،‬أمــا‬ ‫هوسرل فلــم يكــن بحاجــة للحــديث عــن تــأليف لن المقــولي‬ ‫محــايث ومتضــمن فــي الحســي‪ ،‬والحكــم وفق ـا ً لــذلك يــأتي‬ ‫للفصل بين المقولي والحسي‪ ،‬الحكم هو فصل من الصل ‪ur-‬‬ ‫‪ teil‬عند هوسرل‪ ،‬وكذلك عند هيجل‪.(76‬وظيفة النفس العميــاء" هــذه‬ ‫هي الحدس المقولي الهوسرلي‪ .

‬‬ ‫إدراكي للشئ هــو ظحــدس ظحســي متضــمن للمقــولي‪ ،‬لكننــي ل‬ ‫أدرك المقولي المتضمن في ظحدسي الحسي بحدس ظحسي‪ ،‬بل‬ ‫بحدس مقولي‪ ،‬بنوع من الحدس يختلف عــن الحــدس الحســي‬ ‫يســتطيع إدراك المقــولي المحــايث والمتضــمن فــي الحــدس‬ ‫الحسي‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫ذلك لن كلمة عميــاء هنــا تعنــي أن هــذه الوظيفــة ل شــعورية‬ ‫وتلقائية وهي نفس وظيفــة الحــدس المقــولي عنــد هوســرل‪.‬الحدس المقولي هو بمعنى أكثر دقة طريقة هوسرل‬ ‫نفســه فــي إدراك المقــولي المتضــمن فــي الحــدس الحســي‪.‬الحدس المقولي هــو ظحــدس البـاظحث الفينومينولــوجي‬ ‫نفسه والذي يدرك به المقولي المتضمن في الحدس الحســي‪،‬‬ ‫ذلك لن المقولي ل يمكن إدراكه بحدس ظحسي‪ .‬الظهور الــذي تكشــف‬ ‫عنـه الفينومينولوجيـا هـو ظهـور الوظـائف اللشـعورية العميـاء‬ ‫للوعي‪ ،‬وهو الوعي الدارس بصفة خاصة ل الوعى المدروس‪.‬‬ ‫تتمثل فينومينولوجيا هوسرل فــي الكشــف عــن هــذه الوظيفــة‬ ‫العمياء أو اللشعورية وإظحضارها للوعي‪ .‬والــدليل علــى‬ ‫أن الحدس المقولي وظيفة للحدس الحسي أن هوسرل يصف‬ ‫هذا الحدس المقولي بنفـس طريقـة وصـفه للحـدس الحسـي‪،‬‬ ‫فهــو أول ً وأخيــرا ً ظحــدس‪ ،‬أي رؤيــة ومشــاهدة أو نظــرة‪ ،‬وفــي‬ ‫مواضــع أخــرى ولــدى كــثير مــن المعلقيــن يســمى الحــدس‬ ‫المقــولي‪ ،‬والحــدس المــاهوي كــذلك رؤيــة الماهيــات أو رؤيــة‬ ‫المقولي ‪ Seeing essences / Categorical seeing‬والحقيقة أن المقولي‬ ‫ُيرى وُيشاهد‪ ،‬ذلك لنه متضمن في الشئ نفسه‪ ،‬بــل هــو الــذي‬ ‫‪164‬‬ .‬‬ ‫والــدليل علــى أن الحــدس المقــولي جــزء مــن الحــدس‬ ‫الحســي هــو أن هوســرل يتوصــل إليــه مــن تحليلــه للحــدس‬ ‫الحسي‪ ،‬فمن تحليله للدراك الحسي يـدرك هوسـرل أن هنـاك‬ ‫فائضا ً في المعنى وأن الحدس الحسي يعرف الكليات والنــواع‬ ‫والجوهر‪ .

‬‬ ‫الحدس المقولي‪ ،‬أي إدراك الكلي المتضـمن فـي الجزئـي وأن‬ ‫و تحت كلي أو هو فــرد فــي نــوع هــو الحــدس‬ ‫هذا الجزئي منط ٍ‬ ‫الحسي ذاته‪ ،‬لكن الحدس المقولي بمعنى إدراك وتمييز وفصل‬ ‫المقولي المتضمن في الحدس الحسي ليــس وظيفــة الحــدس‬ ‫الحسي‪ ،‬لن الحدس الحسي يدرك شيئا ً واظحــدا ً فقــط‪ ،‬صــحيح‬ ‫أنه يعرف أنه فرد في نوع أو جزء في كل أو جوهر‪ ،‬إل أنه ليس‬ ‫واعيا ً بذلك‪ .‬وهنا نستطيع القــول أن هوســرل يــدرس وعيــه هــو ل‬ ‫الــوعي المــدروس‪ .‬فعنـدما أنظـر للشــئ‬ ‫وأكون على وعي بأنه جزئي ينتمي لكلي وبأنه فــرد مــن نــوع أو‬ ‫بأنه جوهر فكأنني أشاهد معه المقولت التي يتكون منها‪ ،‬أشاهد‬ ‫فيــه المقــولت وهــي متحققــة‪ .‬بمعنــى إدراك الكلــي‬ ‫المحــايث فــي موضــوع الدراك الحســي هــو ظحــدس البــاظحث‬ ‫الفينومينولــوجي نفســه‪ ،‬ل ظحــدس الشــخص القــائم بالحــدس‬ ‫الحسي‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫يجعــل إدراك الشــئ ممكنـا ً منــذ البدايـة‪ .‬الحدس المقولي هو ظحدس الباظحث الفينومينولوجي‬ ‫الذي يبحــث عــن المقــولي فــي الحــدس الحســي‪ ،‬هــو منهجــه‬ ‫وطريقته فــي إثبـات أن الكلـي والنـوع والجـوهر متضـمن فــي‬ ‫الحــدس الحســي‪ .‬إن إثباتنــا هــذا لكــون الحــدس‬ ‫المقولي هو الحدس الحسي أو أظحد وظــائفه أو شــروط إمكــانه‬ ‫يفيد في المقارنة مع كانط‪ ،‬ذلك لن الحدس الحســي الكــانطي‬ ‫يكـون بـذلك هـو المنطـوي علـى الحسـي والمقـولي معـا ً عـن‬ ‫جــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدارة‪.‬الحــدس المقــولي هــو طريقــة البــاظحث‬ ‫الفينومينولـــوجي فـــي إدراك الكلـــي المتضـــمن فـــي الدراك‬ ‫الحســـي‪ ،‬ولـــذلك فدراســـته هـــي دراســـة لـــوعي البـــاظحث‬ ‫الفينومينولوجي ل للوعي المدروس‪.‬الحــدس المقــولي‪ .‬‬ ‫جـ ‪ -‬تضمن الحدس الحسي للمقولت‪:‬‬ ‫‪165‬‬ .

‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫يذهب هوسرل في "أبحا ث منطقية" فــي نقــده لنظريــة‬ ‫المجردات عند هيوم إلى رفض فكرة هيوم القائلة بأن الفكرة‬ ‫ل تدل على الكلي بل على الفردي على الرغم مــن أنهــا تبــدو‬ ‫كذلك‪ ،‬تبدو كما لو أنها تشير إلى أفراد عديدين‪ ،‬إل أنهــا تشــير‬ ‫في ظحقيقتها إلى الفردي لنها استقيت منذ البداية من الفردي‪.‬ولهــذا‬ ‫السبب فإن الحدس المقولي عند هوســرل هــو ظحــدس عقلــي‬ ‫كما فهمته المثالية اللمانيــة‪ .‬وهوســرل مثلــه مثــل‬ ‫‪166‬‬ .‬يقول هوسرل إن المقــولي والمــاهوي أو مــا هــو‬ ‫حــدس‬ ‫حدس مع الدراك الحسي في نفــس الــوقت‪ ،‬ي ُ‬ ‫معقول ي ُ‬ ‫عقليًا‪ ،‬وهذا هــو الحــدس العقلــي بعينــه‪ .‬‬ ‫يتضــح التجديــد الــذي أظحــدثه هوســرل علــى كــانط فــي‬ ‫مفهومه عن الحدس المقولي‪ .‬ذلك لن كانط قد فصل فصل ً‬ ‫ظحادا ً بين الحدس والتصور أو المقولة‪ ،‬وجعل لكل منهما ملكــة‬ ‫معرفية ومصدرا ً مستقل ً عن الخر تمام ـًا‪ ،‬أمــا هوســرل فقــد‬ ‫أوضح أن المقولــة هــي الخــرى تحــدس مــع موضــوع الدراك‬ ‫الحسي‪ ،‬أو على القل فإن المقولي الذي ســوف يتحــول بعــد‬ ‫ذلك إلى مقولة يحدس مــع معطيــات الدراك الحســي‪ .‬‬ ‫ويعترض هوسرل ويذهب إلى أن الفكرة إذا كانت تجريدا ً مــن‬ ‫الفردي كما يقول هيوم فمعنى ذلك أن يكون الحدس الحسـي‬ ‫قادرا ً على إدراك أفراد عديدين في نفس الـوقت واسـتخلص‬ ‫الفكرة منهم‪ ،‬لكن هذا ل يحد ث‪ ،‬كما أن من طبيعــة الكلــي أن‬ ‫يشير إلـى كـل الفـراد المنـدرجين تحتـه ظحـتى لـو لـم يكونـوا‬ ‫ظحاضرين مرة واظحدة‪ ،‬إنه يشير إلى أفراد لــم يكونــوا موضــوع‬ ‫ظحدس ظحسي أبدًا‪ ،‬ولذلك فهــو كلــي بالصــالة ل مجــرد صــورة‬ ‫ذهنية عن الفراد‪.‬ذلــك لن الحــدس المقــولي هــو‬ ‫إدراك للمعقــول فــي ظحــدس قريــب مــن الحــدس الحســي‬ ‫ومختلط به‪ .

‬ويقدم هوسرل ظحله للمشــكلة‬ ‫ببساطة بقوله إن الســواد كلــون واللــون ذاتــه كمقولــة تــدرك‬ ‫بحدس مقولي مع الدراك الحسي‪ .‬أما هوسرل فإن الحدس المقولي عنده هــو‬ ‫الحدس العقلي الذي رفضه كانط‪ ،‬لن الحــدس المقــولي عنــد‬ ‫هوسرل هو قدرة على تلقي واستقبال المقولي‪ ،‬أو مــا ينتظــم‬ ‫بعد ذلك في مقولة‪ ،‬قدرة على تلقي التصور أو المعقول‪ ،‬وهــو‬ ‫ما رفضه كانط وما أثبته هوسرل في البحا ث‪ ،‬لكن يبقى أمــام‬ ‫هوسرل مهمة أخرى أصعب وهي الجابة عن الســؤال التــالي‪:‬‬ ‫ما الذي يقوم بهذا الحدس المقولي؟ الحــدس المقــولي ليــس‬ ‫من وظائف الحواس‪ ،‬إذن وظيفة من هــذا الحــدس المقــولي؟‬ ‫يجيب هوسـرل علـى هـذا السـؤال فـي "الفكـار"‪ ،‬بقـوله إنـه‬ ‫وظيفة الوعي الخالص والنا الترانسندنتالي‪ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫كانط وخاصة في “الخبرة والحكم” يبحــث عــن أصــول الحكــم‬ ‫الحملي الذي هو في نفس الوقت بحث فــي أصــول المنطــق‪،‬‬ ‫والبحث في أصل الحكم الحملي يتحول على يد هوســرل إلــى‬ ‫البحــث عــن الحمــل الســابق علــى الحمــل المنطقــي فــي‬ ‫الحكم)‪ .‬أنكــر كــانط إمكانيــة‬ ‫الحدس العقلي من منطلق أن كل ظحدس‪ ،‬أي كل قابلية سلبية‬ ‫للتلقي ‪ Receptivity‬هو قابلية ظحسية‪ ،‬والعقل ل يتلقى شــيئا ً مــن‬ ‫ذاته ومن تلقاء نفسه بل يستقبل كل ما لــديه مــن الحــواس أو‬ ‫ملكة الفهم‪ ،‬العقل عند كانط ليس ملكــة متلقيــة مـن ذاتهـا‪ ،‬ل‬ ‫تتلقى المعقولت من الخارج‪ ،‬بل تعمل على تنظيم المعقولت‬ ‫فقط وفق مبادئ‪ .‬كيف؟ بأن يوضــح‬ ‫‪167‬‬ .‬الحدس المقــولي إذن هــو‬ ‫أصل الحكم الحملي‪ ،‬هـو وظحـدة الحـدس والتصـور أو المقولـة‬ ‫عنــد هوســرل‪ ،‬تمام ـا ً مثلمــا أن الحــدس العقلــي هــو الوظحــدة‬ ‫الصلية أو طريقة إدراك الوظحدة الصلية بين الحدس والتصــور‬ ‫والفكــر والوجــود عنــد المثاليــة اللمانيــة‪ .(77‬نحن نقول مثل ً هذه السـبورة سـوداء‪ ،‬وسـوداء هـو‬ ‫المحمول لموضوع هو السبورة‪ .

‬هذا بالضافة إلى أن النــوع مثــالي‬ ‫‪168‬‬ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫أن للــوعى شــكل ومضــمون‪ ،‬والشــكل هــو الفعــل القصــدي‬ ‫والمضمون هو الموضوع المقصود ذلك لن الوعي الخالص بــه‬ ‫مضمونين ل مضمون واظحــد؛ النــويس ‪ noesis‬أو فعــل الـوعي أو‬ ‫مضمون الوعي والنويم ‪ ،noema‬والحدس المقولي من وظائف‬ ‫النــويس‪ .‬والمعاني باعتبارها نوعا ً )مثاليًا( تقابلها أفعــال مــن‬ ‫المعنى")‪ .‬الحقيقــة أن هوســرل قــد أســس الفينومينولوجيــا‬ ‫الترانسندنتالية بأكملها كما ظهرت فــي "الفكـار" كإجابـة عـن‬ ‫أسئلة كثيرة منها‪ :‬من الذي يقوم بالحدس المقولي‪ ،‬والماهوي‬ ‫كذلك‪ ،‬وما هي الملكة المعرفية التي تقوم بذلك؟ لكن يرتكــب‬ ‫هوسرل هنا مغالطة كبيرة‪ ،‬ذلك لنه يقول لنا إننـا نتوصـل إلـى‬ ‫لحدس المقولي هذا بالبوخية والردود‪ ،‬في ظحين أنه هــو نفســه‬ ‫توصل إليه بطريق آخر مختلف تماما ً وهو طريق الكشــف عــن‬ ‫فائض في المعنى‪ ،‬ثم البحث عــن نــوع مــن الدراك يســتوعب‬ ‫هذا الفائض‪ ،‬ثم محاولته الكشف عن أصل الحمــل أو المقولــة‬ ‫أو التصور في الحكم‪ ،‬وهـي طــرق بعيـدة تمامـا ً عـن البوخيـة‬ ‫والردود‪ ،‬وقريبة من كــانط‪ ،‬الــذي ل نعــثر لــديه علــى البــوخيه‬ ‫كخطوة منهجية كما عند هوسرل‪..Species‬يقــول هوســرل‬ ‫في "أبحا ث منطقية"‪" :‬المعنى العام لمثالية النوع هو موضوع‬ ‫بحثنا الثاني بالضافة إلى مثالية المعاني التي يهتم بها المنطق‬ ‫الخالص‪ ..‬‬ ‫والحدس المقولي ظحدس بالنوع ‪ .(78‬النوع عند هوسرل مثالي بمعنى أنه ليــس مجــرد‬ ‫تجريد أو شئ عام يتم استخلصه من الجزئيــات‪ ،‬ليــس مجــرد‬ ‫المشترك والعام بين الجزئيات‪ ،‬فوجــوده ليــس معتمــدا ً علــى‬ ‫الجزئيات بل العكس‪ ،‬فالجزئي ل يكـون جزئيـا ً ويحصـل علـى‬ ‫خصائصه الجزئية إل لكونه كاشفا ً عن مثالي أو كلــي أو لكــونه‬ ‫عضوا ً في فئة أو نوع كلي‪ .

(79‬وهذا في الحقيقــة‬ ‫ما دفع أدورنو إلى القول بأن هوسرل ُيصّنم ويشئ ‪ Reify‬المثال‬ ‫أو الفكــرة أو المقولــة‪ .‬‬ ‫وفي "المنطق الصوري والمنطــق الترانســندنتالي" يقيــم‬ ‫هوسرل توزايا ً بين الموضوعات المثالية والموضوعات الفردية‪،‬‬ ‫ويقصد بذلك القول بأننا نرى بالفعل وَنخُبر الموضوعات المثالية‬ ‫بنفس الطريقة التي نرى وَنخُبر بهــا الموضــوعات الماديــة فــي‬ ‫الطبيعة‪ ،‬وكان قبل ذلك قد عقد توازيا ً بيـن الموضـوع المثـالي‬ ‫والمادي‪ ،‬وذهب إلى أن الموضــوع المثــالي مثلــه مثــل المــادي‬ ‫يتجسد في شئ آخر مثل تجسد الفكرة في لفــظ أو عبــارة‪ ،‬أو‬ ‫تجسد المقولة في قضية أو شكل منطقي‪ .‬أمــا قــوله "المعــاني‬ ‫باعتبارها أنواع تقابلها أفعال من المعنى ‪ "meaning acts‬فيعنــي‬ ‫أن المعاني باعتبارها أنواع مرتبطة بنوع معيــن مــن الدراك أو‬ ‫الوعي ذي طابع فينومينولوجي في الســاس‪ :‬وعــي يــدرك أو‬ ‫يعرف المعاني باعتبارها نوع ـًا‪ ،‬أي كل ً مثالي ـًا‪ .‬ويصــل هوســرل إلــى ظحــد القــول بأننــا‬ ‫‪169‬‬ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫بمعنــى أن إدراكــه ل يعتمــد علــى إدراك الجزئــي واســتخلص‬ ‫الكلي منه‪ ،‬بل إن النوع يدرك أوليا ً وقبليا ً وعلــى نحــو مباشــر‬ ‫عــن طريــق ظحــدس مقــولي أو مــاهوي‪ .‬إن أفعــال المعنــى‬ ‫‪ Meaning acts‬هي التي تستطيع إدراك النوع وكليته ومثاليته مع‬ ‫عدم العتماد على التعميم من الجزئي‪.‬هــذا النــوع مــن‬ ‫الوعي هو أيض ـا ً الحــدس المقــولي أو المــاهوي‪ ،‬وهويكشــف‪،‬‬ ‫فيما بعد في "الفكار" وما يليها من مؤلفات‪ ،‬عــن نــوع معيــن‬ ‫من الوعي هو الوعي المطلق أو الخــالص‪ .‬وهـو هنـا يـرد علـى‬ ‫النزعة السيكولوجية في المنطق‪ ،‬بقوله إن الموضــوع المثــالي‬ ‫ليس مجرد صورة ذهنية سيكولوجية‪ ،‬بــل هــو موضــوع ظحقيقــي‬ ‫نراه ونخبره باعتباره قائما ً هنـاك فـي ذاتـه وفـي اسـتقلل عنـا‬ ‫تماما ً مثلما نخبر ونرى أي موضوع مادي)‪ .

‬ولن هوسرل يمارس البوخية‪ ،‬ويمارسه علــى نحــو‬ ‫أكيد و خاصة على تاريــخ الفلســفة الســابق عليــه‪ ،‬فهــو هنــا ل‬ ‫يذكر كانط رغــم التطــابق الواضــح‪ ،‬لن كــانط ممــارس عليــه‬ ‫البوخية في هذا التصــور الموضــوع بيــن قوســين‪ .(81)"reification‬وقـــد ســـبق لهوســـرل أن ذهـــب إلـــى أن‬ ‫الموضـوعات المثاليـة ل تتحـدد بالزمـان الفيزيـائي الطـبيعي‪،‬‬ ‫ومعنى عبارته هذه أن الزمان والمكان الذي سوف ترتبــط بــه‬ ‫الموضــوعات المثاليــة ليــس هــو الزمــان والمكــان الفيزيــائي‬ ‫الطبيعي‪ ،‬بل الزمان والمكان القبلي الترانســندنتالي بــالمعنى‬ ‫الكانطي‪ .‬‬ ‫وفي المنطق الترانسندنتالي يقول هوسرل‪" :‬يمكــن أن‬ ‫تحصـــل الموضـــوعيات اللواقعيـــة )المثاليـــة( علـــى تعلـــق‬ ‫‪ relatedness‬فوق ماهوي ‪ extra essential‬بالزمان‪ ،‬وبالمثــل علــى‬ ‫تعلــق فــوق مــاهوي بالمكــان‪ ،‬وعلــى تشــيؤ فــوق مــاهوي‬ ‫‪ .‫نظرية المعرفة بين‬ ‫كانط وهوسرل‬ ‫نتعــرف علــى المثـالي أو المقـولي فــي خــبرة شـبيهة بـالخبرة‬ ‫التجريبيـة‪ ،‬لكـن الفـرق هنـا أن "المثـالي ل يتفـرد بـالنظر إلـى‬ ‫زمانية تنتمي له عن أصالة")‪ .(80‬أي أن المثالي ل يتحدد بالزمان‬ ‫الفيزيــائي الطــبيعي‪ .‬كــان يجــب‬ ‫على هوسرل أن يقول لنا ما هو هذا الموضوع بين قوسين‪ ،‬إل‬ ‫أنه أخفاه عنا ولم يقل ما هــو هــذا الموضــوع بيــن قوســين‪ ،‬إذ‬ ‫‪170‬‬ .‬والحقيقــي أن هوســرل أنهــى عبــارته‬ ‫السريعة عند هذا الحد‪ ،‬وهــي ناقصــة‪ ،‬ذلــك لن بقيتهــا كــالتي‪:‬‬ ‫الزمانية التي يتفرد ويتحدد المثالي وفقا ً لها هي زمانيــة الــوعي‬ ‫الخالص‪ ،‬الزمان الداخلي أو الحــس البــاطن الــذي تحــد ث عنــه‬ ‫كانط وتوصل إليه هوسرل في محاضرات فينومينولوجيا الوعي‬ ‫بالزمان الـداخلي‪ ،‬وقـد سـبق وأن أوضـحنا أوجـه التشـابه بيـن‬ ‫كانط وهوسرل ظحول هذه النقطة والنتائــج المترتبــة علــى ذلــك‬ ‫في الفصل الثاني‪.

hiding‬‬ ‫تعقيـــب‪:‬‬ ‫اكتشــــفنا فــــي ســــياق عرضــــنا لعناصــــر التحليــــل‬ ‫الفينومينولوجي لـدى هوسـرل مـدى قــرب هـذا التحليــل مـن‬ ‫فلسفة كانط‪ ،‬وخاصة عناصره المتعلقة بوصف أفعال الــوعي‬ ‫والقصــدية والحــدس المقــولي‪ .‬أما نحن هنا فنحاول فتح القوسين مــن جديـد لبــراز‬ ‫ما أخفاه هوسرل‪ ،‬كما لو أن هوســرل يمــارس طريقــة إخفــاء‬ ‫الملفات بالكمبيوتر ‪.‬‬ ‫‪171‬‬ .‫عناصر التحليل الفينومينولوجي‬ ‫عند هوسرل‬ ‫وضعه ضمنا ً دون أن يخبرنا أنه فتح قوسين ووضع شيئا ً بينهما‬ ‫مــن الصــل‪ ،‬لقــد وضــع كــانط وفشــته وهيجــل وكــل تاريــخ‬ ‫الفلسفة‪ .‬وقــد توقــف تحليلنــا فــي هــذا‬ ‫الفصل على مجرد رصد التشابه وأوجه التفاق بوجه عام دون‬ ‫تفصيل كبير؛ فهذه هي مهمة الفصول التالية‪.

Translated by Dallas Willard (Dordrecht. PP. The Foundation of Phenomenology: Edmund Husserl and The Quest for a Rigorous Science of Philosophy (Cambridge: Harvard University Press. Kluwer Academic Publishers.‫فلسفة التحليل في ذلك الوقت‬ 11 Marvin Farber. PP.‫ظهر مصطلح الوعي بكثرة في الفصلين الولين على الرغم من أن كانط لــم يســتخدمه بمثــل‬ () ،‫ لكننا آثرنا اسـتخدامه علــى ســبيل الشــرح والتفســير لنظريــة كـانط‬،‫هذه الصورة الدائمة المتكررة‬ . Second Book: Studies in The Phenomenology of Constitution. Translated by W. Vol. Band II. 309-310. PP. 125. 10 () Husserl. . Vol. N. 7 () Husserl. 3 () Ibid. PP. 1970). Boyce Gibson. Vol. I. The Phenomenological Movement. 1943) 12 () Husserl. 339-340. II. Psychological and logical Investigations with Supplementary Texts from 1887-1901. Op. I. 53-55. 13 () Ibid. 1967).. Translate by Richard Rojcewcz Andre Shuwer. III. Logical Investigations. General Introduction to Pure Phenomenology. George Allen and Unwin.46. The Metaphysical Foundations of Natural Science. Gesamelte Schriften. Findlay (London: Routledge and Kegan Pual. Feix Meiner Verlag. 2003). 2 Volumes. Gesamete Schriften. 40 . 5 () Husserl. Ideas. 2 Volumes (The Hague: Martinus Nijhoff.‫مباشرة بعكس "الشئ" الذي يحيل إلى الدراك الحسي دائمًا‬ 15 . PP. English Translation: Philosophy of Arithmetic. PP."‫فريجة وخاصة من مقاله الشهير "المعنى والدللة‬ ‫ لكنهــا‬،‫المريكي مارفن فاربر نحو هوسرل ودفعه نحو تقديم أول دراسة عنه باللغة النجليزيــة‬ ‫تفسر فينومينولوجيــا هوســرل تفســيرا ً تحليليـا ً وتشــدها شــدا ً نحــو الشــكاليات الــتي شــغلت‬ . ‫إن ربط هوسرل بين المعنى من جهة والتصور أو المقولة من جهة أخرى جــاء مــن تــأثير‬ () ‫ هذا الربط هو الــذي جــذب انتبــاه المفكــر‬. Ideas Pertaining to a Pure Phenomenology and to a Phenomenological Philosophy. Kluwer Academic Publishers. 12-13.‫وعلى سبيل التقريب بين كانط وهوسرل من البداية‬ 2 () 1 Herbert Spiegelberg. 8 () Husserl.‫ وهذا هو التأثير الذي مارسه على نظرية الجشطلت في علم النفس‬،‫الحسي‬ 14 463-474 ‫ لكـن يبـدو أن‬،"‫كان يجب على هوسرل اسـتخدام كلمـة "الشـئ" بـدل ً مـن "الموضـوع‬ () ‫ لن "للموضــوع" دللــة منطقيــة‬،‫اختياره للمصطلحات كان محكوما ً بالطار المنطقي لبحــاثه‬ . P. R.. Logical Investigations. Band I (Hambrug. 1992).. 47-51 4 () Kant. cit. 9 () Husserl. Translated by J. 6 () Ibid. English Translation: Logical Investigations. 1989). (Dordrecht. PP. ‫ ظحتى على مســتوى الدراك‬،‫وهوسرل بذلك يعطي الولوية للشكل في إدراك المضمون‬ () Ibid. 1969).. (London.

108-109. PP.‬لكن لم يكن هوسرل على معرفــة ببيـاجيه‪ ،‬ولـو كـان قــد‬ ‫تعــرف علــى نظريــاته لكتشــف إمكانيــة وجــود علــم نفــس معرفــي دون أن يقــع فــي النزعــة‬ ‫السلوكية‪.1917‬‬ ‫‪16‬‬ ‫أنظر أعمال أدورنو ودريدا في نقد فلسفة هوسرل في قائمة المراجع‪.‬‬ ‫‪Ibid. Psychological and Logical Investigations. 133. 169-170. with supplementary texts from 1887-‬‬ ‫)(‬ ‫‪21‬‬ ‫‪1901. 350‬‬ ‫)(‬ ‫‪27‬‬ ‫‪Ibid. P. 91-94. Translated by Dallas Willard (Dordrecht: Kluwer Academic Publishers. 535.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫ومن هذا التوصيف يتضح أن البستيمولوجيا التطورية لجــان بيــاجيه ليســت مصــابة بمثــل‬ ‫)(‬ ‫هذه النزعة التي كانت تميز التجاهات الفكريــة فــي رد المنطــق إلــى علــم النفــس فــي أواخــر‬ ‫القرن التاســع عشــر‪ ،‬ذلــك لن إبســتيمولوجيا بيــاجيه ل تقــع فــي النزعــة الســلوكية والخــتزال‬ ‫الـبيولوجي للمعرفــة إلـى الجهـاز العصــبي بــل تكشــف عـن الـدور التأسيســي للـذات العارفــة‬ ‫واستقللها إزاء المحددات البيولوجية‪ . 355. 166. PP. 476-477....‬‬ ‫‪Husserl. 773. 479.‬‬ ‫)(‬ ‫‪25‬‬ ‫‪Ibid.. I. PP. 552.‬‬ ‫‪Ibid. Vol.‬‬ ‫)(‬ ‫‪19‬‬ ‫‪Huserl. P. PP. Translated by Dorion Cairnes. 356. 98-106. P. 707.‬‬ ‫)(‬ ‫‪17‬‬ ‫)(‬ ‫‪20‬‬ ‫وســوف تكــون أفعــال المخيلــة هــي الموضــوع الساســي الــذي سيشــغل هوســرل فــي‬ ‫)(‬ ‫محاضــرات "فينومينولوجيــا الــوعي بالزمــان الــداخلي" والــتي بــدأ فــي إلقائهــا بعــد "أبحــا ث‬ ‫منطقية"‪ ،‬من ‪ 1905‬وإلى ‪.‫‪Ibid. 557.‬‬ ‫)(‬ ‫)(‬ ‫‪30‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪1969).‬‬ ‫)(‬ ‫‪26‬‬ ‫‪Ibid. (The Hague: Martinus Nijhoff. 2003).‬‬ ‫)(‬ ‫‪28‬‬ ‫هذه هي النزعة السمية‪ ،‬والتي تم إظحياءها على يد بعض اتجاهات الفلسفة التحليلية‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫)(‬ ‫‪31‬‬ ‫هذا هو أساس نقد الفلســفة التحليليــة للميتافيزيقــا‪ ،‬فالكليــات بالنســبة إليهــا أســماء أو‬ ‫)(‬ ‫تعبيرات لغوية‪ ،‬وبذلك اتجه فلسفة التحليل نحــو تنــاول قضــايا الفلســفة عــن طريــق التحليــل‬ ‫اللغوي‪ ،‬وأصبحت مشكلت الميتافيزيقا في نظرهم عبارة عن سوء استخدام للغة‪..‬‬ ‫‪Ibid. PP. 67. 15.‬‬ ‫)(‬ ‫‪18‬‬ ‫‪Ibid. PP... Philosophy of Arithmetic. 680.‬‬ ‫‪Ibid. Logical Investigations.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫)(‬ ‫‪23‬‬ ‫ل ينطبــق هــذا النقــد إل علــى النزعــة الســيكولوجية فــي المنطــق وعلــى علــم النفــس‬ ‫)(‬ ‫السلوكي في عصر هوسرل‪ ،‬وهو ل ينطبق على علم النفس المعرفي لدى بيــاجيه‪ ،‬لن الخيــر‬ ‫ل يستند على تعميمات تجريبية بل على اكتشاف أنساق المعرفــة وبنائاتهـا المرتبطــة بـالتطور‬ ‫الحركي والذهني للكائن البشري‪ ،‬أي ل يستند على تعميم استقرائي بل على استنباط‪. 675.‬‬ ‫)(‬ ‫‪33‬‬ .. PP. Formal and Transcendental Logic.‬‬ ‫‪Husserl.. P. PP.

43 () Fink Eugen: Sixth Cartesian Meditation. 52 () Ibid. 40 () Ibid. 54 () Husserl. 58.. 66. 1967).. 241-243. Vol. Translated by Boyce Gibson (London: George Allen and Unwin. By David Carr (Northwestern University Press. General Introduction to Pure Phenomenology. 1991). 47 () Ibid.. 579. 50 () Husserl. P. P. 257-267. PP. 48 () Franz Brentano. P. 245. P. Formal and Transcendental Logic. P. XXXI. PP. 45 () Husserl. 38-42. P. 607. . 44 () Husserl.34 () Ibid. 141. II. 55 () Ibid. 42 () Husserl.. 256. 1970). Translated by Benito Muller (London: Routledge. II. PP. 5. P. The Idea of Phenomenology. 323. Translated by William Alston and George Nakhnikian (The Hague: Martinus Jijhoff. 1970). 51 () Husserl. PP. 552ff. P. Logical Investigations. Translated by John Barnett Brough (Dordrecht: Kluwer Academic Publishers. Ideas. Logical Investigations. 290-292. PP. 53 () Ibid. PP. 137-141.. PP. Vol. 37 () Husserl. PP. 29. Ideas. 39 () Husserl. On the Phenomenology of the Consciousness of Internal Time (1893-1917). 552. I. 46 () Ibid. 142-156. 137ff 38 () Husserl. Logical Investigations. . PP. 242-246. Vol. Descriptive Psychology. 1995). 121-124. 235. PP. Translated by Ronald Bruzina (Bloomington: Indiana University Press.Reduction ‫لظحظ القرابة اللغوية بين الكلمة العربية "رد" والكلمة الوروبية‬ () 35 36 () Husserl. 110-111. PP. 1970. PP.. in Philosophy and Phenomenological Research. Trans. 49 () James Morrison: “Husserl and Brentano on Intentionality”. The Crisis of European Sciences and Transcendental Phenomenology.. The Idea of a Transcendental Theory of Method . 1995). Vol. 126. Ideas. P. 41 () Ibid..

60.. 88. (Cambridge: Harvard University Press.. P. 89. I. 341. Experience and Judgment. II. 57 () Husserl. 58 () Husserl. 75 () Kant: Critique of Pure Reason. P. 49. 70 () Ibid. . P. 60 () Husserl. 376 69 () Heidegger: History of the Concept of Time. P.‫هذا هو ما تشترك فيه فينومينولوجيا هوسرل مع نظرية الجشطالت‬ 73 () Husserl: Logical Investigations. P. 373. 76 () Ibid: P. 66 () Husserl: Logical Investigations.. in: Jahrbuch fur Philosophie and Phanomenologische Forschung. Marvin. 62 () Husserl. 163. P. P. 775-776. 59 () Husserl. Vol. Erfahrung und Urteil. Vol. 1939.. Landgrebe. P. Experience and Judgment. () 72 . 1928. 120. P. 68 () Ibid. Vorlesungen zur Phanomenologie des inneren Zeitbewusstsein (1905). 340. 200). Lectures on Transcendental Logic . By Martin Heidegger. 1991).. Cit. P. 61 () Ibid. 63 () Farber. P. translated by Richard Rojcewicz (Dordrecth: Kluwer Academic Publishers. 77 () Husserl. by L. 694. P. Vol. Ideas. edt. 246. 71 () Ibid. The Foundation of Phenomenology. 64 () Husserl. Translated by John Barnett Brough Dordrecht: Kluwer Academic Publishers. Edmund Husserl and the Quest for a Rigorous Science of Philosophy. 1973). 67 () Ibid. 63-64. 58-59. Logical Investigations. P. 675. 1997). 687. 74 () Husserl: Ideas. PP. Investigations in a Genealogy of Logic.56 () Husserl. Translated by Anthony Steibock (Dordrecth: Kluwer Academic Publishers. on the Phenomenology of the Consciousness of Internal Time (1893-1917). II. 65 () Loc. P. Analysis Concerning Passive and Active Synthesis. 9. ed. 61. Thing and Space (Lectures of 1907). Untersuchungen zur Genealogie der Logik. Formal and Transcendental Logic. Translated by James S. Churchill and Karl Ameriks (Evanston: North Western University Press. 1943).

Formal and Transcendental Logic. Vol. Cit. II. . 533. 80 () Ibid: P.78 () Husserl. Logical Investigations. 81 () Ibid: Loc. 155. P. P. 79 () Husserl. 156.