You are on page 1of 4

‫كتابات أبو الحق‬

‫السادس والعشرين من آذار‬


‫‪2008‬‬

‫قبل أن تغادرني المشاعر‬

‫عند نقطة تفتيش إبراهيم الخليل الحدودية‪...‬تنزلق السماك في ذاك الماء بانسيابية‬
‫فطرية هادئة ‪ ,‬تحت الجسر الفاصل بين العراق و تركيا ‪....‬وأجدني أسأل روحي حال‬
‫رؤيتي لها‪ ...‬لمن تنتمي تلك السماك التي أراها ؟؟‬
‫أللعراق و زاخو أقصى شماله‪ ,‬أم لشيرناق جنوب تركيا ؟؟‬
‫ولو كانت للغة السماك لهجات ‪ ,‬فبأي لهجة تنطق السمكة هذه‪ ,‬التي تعبر لتوها من‬
‫يمين الجسر إلى يساره؟؟ هل بالكردية البهدينانية أم بالكردية الشيرناقية‪ ,‬أم يا ترى‬
‫بالتركية؟؟‬
‫لمن تنتمي السمكة الحدودية تلك أصل؟؟‬
‫ولمن ننتمي نحن البشر لحظة المغادرة‪ ,‬كذلك؟؟‪ ,‬كيف يمكن أن يتغير إنتماؤنا بمجرد‬
‫عبور بضعة أمتار أو حتى المئات منها؟؟‬
‫فرق هائل بين البيئتين‪ ,‬يمين الجسر وشماله ‪ ,‬فرق عظيم ‪...‬‬
‫عند بوابة النتقال من الجحيم إلى النعيم‪....‬عند تلك النقطة وقفت لحظات‪..‬أمامي نقطة‬
‫الخابور التركية ترقبني ‪ ,‬كما تفعل نقطة الخليل العراقية وهي من ورائي ترمقني ‪..‬‬
‫كنت بشديد الحاجة لمخاطبة نفسي‪ ,‬فهناك أمور غير محسومة تتطلّب مني الحسم‪..‬‬

‫تركت النقطة هذه وراء ظهري‪..‬‬


‫"تركت وطنا ورائي‪ ,‬أتعلم يا قرداش؟؟"‪...‬‬
‫‪ ...‬كذا كان خطابي للجندرمة التركي‪ ,‬هو من لم يدرك شيئا من عربيتي‪ ,‬لكنه إبتسم‬
‫وهو يهزّ يديه معربا عن الستسلم‪...‬‬
‫"أنا لم أعد إنسانا حيا‪ ,‬أنا لست أكثر من نخلة قلعت نفسها من تربتها‪ ,‬بنفسها‪ ,‬هل‬
‫تصدّق"؟؟؟‪,‬‬
‫‪...‬كذا أكملت كلمي له‪..‬وبقي هو على حاله‪..‬ل يحير جوابا‪....‬‬
‫"تركت ورائي جغرافية وتاريخا وعلم اجتماع‪ ,‬تركت أهل و صحبة أزهقت عمري في‬
‫رعايتها‪ ,‬أتعلم كم أتألم؟؟"‬
‫"تركت إرثا يبلغ عشرات السنين‪ ,‬مئات الشهور ‪ ,‬آلف اليام‪ ,‬هل ستفهم‪ ,‬هل ستدرك‬
‫ت ولم أعد أتكلم؟؟"‬
‫مغزى قولي لو توقف ُ‬
‫"تركت البلد الذي ربت ونمت فيه ذكرياتي‪ ,‬فإذا به ينسلّ داخل لعمق ذكرياتي!!"‬
‫"ل فكاك لي منه كما ل فكاك له منّي‪....‬هذا المر لن ينفع أبدا كما أحسب‪...‬كما يقول‬
‫ذاك المغنّي‪"..‬‬
‫"تركت مخزونا من اللم والمل‪ ,‬من التخزّي والتعزّي‪,‬من التفاؤل والتشاؤم‪..‬من‬
‫التشاؤل‪" ..‬‬
‫"تركت ضحكات مجلجلة ومواقف إدخرتها زمنا طويل فلم أمحها من ذاكرتي ‪ ,‬علّها‬
‫تبعث الدفء في قلبي يوم أن يتحوّطه البرد والصقيع ومشوار العمر المتضائل‪"..‬‬

‫ومرق شريط سريع جدا بخاطري‪ ,‬شبعت من أمثاله في كل حادث إصطدام‪..‬‬


‫بخار كثيف يخنق أنفاس طفل رضيع في الحمام ‪..‬‬
‫هل تصدق لو قلت لك أنّه كان أنا؟؟‬
‫ورائحة جريد النخل المحترق قرب الصرايف‪ ,‬وألعاب الطفولة ورائحة مياه دجلة‬
‫تدعوني كي أغرق فيه‪...‬‬
‫وصورة لي ولجيراني‪ ,‬نحمل جرادل الحنطة المسلوقة لسطح بيتهم ‪ ,‬نفرشها على‬
‫ف منها ونلتهمها ضاحكين بكل فرح‪,‬‬ ‫السطح المغسول الرضية‪ ,‬ونخمط بضعة ملء أك ّ‬
‫قبل أن نهبط للحديقة ونعيد الكرّة مرات ومرّات‪ ...‬أين تبخّر ذاك الفرح كلّه؟؟‬
‫هل تُبادُ لحظات الفرح؟‪ ...‬أم هي كالطاقة والمادة‪ ,‬ل سبيل لفنائهما؟؟‬
‫‪...‬صديقي الصغير وقد سقط مربط الجرّار على رأسه فقتله أمامي ‪ ,‬ترى لمَ يتدلى‬
‫لسانه طويل هكذا؟؟ كم تكرر مشهد الموت هذا أمامي‪ ,‬لكن ليس مبكرا هكذا!!‬
‫وأستاذي يصفعني ستة مرات متتالية على وجهي لنكتة حكيتها فأضحكت الطلب وقت‬
‫الدرس‪ ,‬لم ل زالت الصفعات تؤلمني؟؟ وكيف تجازى الضحكة بالصفعات؟؟؟‬
‫وضحكات مليونية من أيام دراستي النهائية‪ ,‬يتردد صداها لليوم‪ ,‬كما لو كان تسجيل‬
‫يُعاد‪..‬أحداث ملتصقة بعمق الذاكرة يبدو أنني سأصطحبها معي للقبر‪...‬‬
‫و أيام الحرب الطويلة و رعد القصف حولي وتراب "جنانه" يتناثر فوقي والليلة‬
‫مقمرة‪ ,‬يا لعزلة الفراد‪..‬‬

‫كل هذا في ثانية واحدة‪....‬أنا أحسبها الن وداعيّة مستعجلة‪....‬‬


‫كذا هي رحلة الحياة لكل إنسان ‪ ,‬بكاء وصراخ حال الولدة‪ ,‬تعقبه عشرات السنين من‬
‫الغفلة‪ ,‬ثم يحلّ من جديد ذاك البكاء والصراخ‪ ,‬لكن من أفواه المشاهدين‪..‬يا لقصر‬
‫مشوار العمر‪..‬‬
‫كذا هي رحلة الحياة ما بين الولدة والموت‬
‫أنا أحبك يا نقطة الخابور‪ ,‬فأنتِ صفحة بيضاء أراني أتناوشها الن‪ ,‬وهي على مرمى‬
‫ك في سنين القرن الماضي تلك‪ ,‬من دون كبير أمل‪..‬‬‫دقائق منّي‪ ,‬وكم حلمت أن أجتاز ِ‬

‫أنا أحنّ إليكِ يا نقطة الخليل ولمّا تغادركِ قدماي بعد‪ ,‬أحب حياتي التي تربض خلفكِ‪..‬‬
‫أحبك‪..‬أكرهكِ‪..‬‬
‫أكرهكِ‪..‬أحبكِ‪..‬‬
‫أحبكِ‪..‬أكرهكِ‬
‫أكرهكِ‪..‬أحبكِ‬
‫أحبكِ ‪..‬أكرهكِ‬
‫نفذت من وردتي البيضاء وريقاتها‪ ,‬فالتفتّ إلى زميلي أستعير منه وردته‪ ,‬ع ّل نهاية‬
‫الستفسار هذا تنتهي لصالح الحب‪ ,‬رفض قائل أنها تخرق قواعد لعبة الحظ هذه‪,‬‬
‫أجبته أن " يثوّلها" هذه المرة‪ ,‬ليحسبها من ضمن ما يجري على أرض العراق اليوم‪,‬‬
‫حيث القواعد والقوانين والمنطق ونظام المم المتحدة‪ ,‬كله يتنافى مع العقل‬
‫والحق‪...‬ليحسبها ككذبة أسلحة الدمار الشامل‪ ,‬ككذبة حاضنات الخدّج في الكويت‪,‬‬
‫أليس الكل تخادع؟؟‬
‫ت وريقة أخرى من خيالي في حيلة ساخره‪..‬لعلّي أختتم‬ ‫رفض أن ينصاع لطلبي‪ ,‬فأستلف ُ‬
‫أحجيتي ب" أحبكِ" أخرى وآخره‪..‬‬

‫هل أنا أعشقكِ أم أمقتك؟؟‬


‫ل أدري حقيقة ما يكنه قلبي لكِ‬
‫أأنتِ مدخل باب جديد للحياة المقبلة؟؟‬
‫أم أنكِ غاية حياة سالفة قد مضت؟؟‬
‫ولمن تراني انتمي أنا؟؟‬
‫مقاييس مفقودة ومشاعر معكوسة‪..‬آمال ضائعة وحيوات بائدة ‪..‬حياة مفروضة ونهاية‬
‫محتومة‬
‫ترى ما الذي كان بيدي أن أفعله ولم أفعله ؟؟‬
‫وما الذي لم يكن مفروضا لي أن أفعله؟؟‬
‫ألجلِ هذا أعبر قنطرة الحياة؟؟‬
‫ألجلِه أتكلّف عناء النفاس والزفرات‪ ,‬وأخوض في الغمرات والسكرات؟؟؟‬
‫أي عذاب وحيرة هذه‪ ,‬أن تتقدم بك القدام للمام في إقدام ‪,‬‬
‫فيما العيون تتلفت محتارة ناكصة للوراء ؟؟‬
‫أي معاناة هذه‪ ,‬أن تكون عاشقا لبيئتك‪ ,‬لكنك مُنكِر لكثر مظاهرها؟؟‬
‫أيّ ضياع هو أل تنتمي ‪ ,‬وأل يرحّب بك أي حضن فيه ترتمي؟؟‬
‫وكيف السبيل لنزع هذه النبتة من القلب؟؟ هل من مجيب؟؟‬
‫ولماذا نحن البشر كذا‪ ,‬تأسرنا محبة أوطاننا لكننا نستصغر دوما أرزاقنا؟؟‬
‫وما السبيل للحتفاظ بمحبة العراق ضد مناوئيه‪ ,‬فيما الحب يقتله التقصير من جانب‬
‫الكثير من بنيه؟؟‬
‫سؤال كبير متشعب الفروع‪ ,‬أسأله قبل أن تغادرني الذكريات فيما أنا أجتاز بوابة الحياة‬

‫أهديها لبكر‪ ,‬لعمر‪ ,‬لعلي‪ ,‬لقحطان ‪,‬لمحمد‪,‬لسلوان‪ ,‬لحمد‪ ,‬لنسرين‪ ,‬لرايه‪ ,‬لمياده‪,‬‬
‫لوفاء‪ ,‬لمي‪ ,‬لخالد‪ ,‬لعمار‪ ,‬لسنان ‪,‬لسامه‪ ,‬لنزار‪ ,‬لزهير‪ ,‬لبسمان‪ ,‬لمحمد‬
‫حسين‪,‬لقيس‪,‬لسالم ولكل من هو في الخارج‪ ,‬ولغسان المهاجر في الداخل حيث الوطن‬
‫غربة دونا عن أوطان البشرية كلها‪..‬وأعتذر لمن هم مغتربين ول أعلم بهم‪..‬‬