You are on page 1of 7

‫كتابات أبو الحق‬

‫الول من نيسان‬
‫‪2008‬‬

‫وُلِدَ‪.......‬مات‬
‫ومن الجسور ما قتل‪...‬‬
‫عوْج ْتنَه‪...‬‬
‫جزنه من الجسغ إنغيد َ‬
‫الجسر المجهول‪....‬‬
‫وينك يا جسر!!‬
‫إحنه ليش مَيصير إبراسنه خير؟؟‬
‫إحنه ليش مَيصير إبخيرنه راس؟؟‬
‫َترَه هاي كلها صدك‪ ,‬مو كذبة نيسان‬
‫هل لحظتموها؟؟‬
‫‪...‬الحركات الثلث على الفعل الول في أول عنوان للمقالة؟؟؟‬
‫والسكونات الغالبة على الفعل الثاني بإستثناء الفتحة على‬
‫"آخر" حرف‪ ,‬للميت الذي فتح فاه وفارق الحياه ‪,‬‬
‫هل لحظتم أنه غير مبني للمجهول‪ ,‬بخلف الحقيقة‪ ,‬بخلف‬
‫الحال مع الفعل " تُوفي"‪ ,‬من أن الواحد منا ل يموت بجهده‬
‫وإختياره؟؟‬
‫تلك الحركات الثلث ‪ ,‬تعني أن حالة الولدة مقترنة حتما بكافة‬
‫أشكال الحركة‪ ,‬الكسر والفتح والضم‪ ,‬على خلف العبارة‬
‫الثانية‪ ,‬التي ل حركة فيها غير "فتح" الفم والعيون ‪ ,‬فالموت‬
‫هكذا‪...‬الواحد إيعضّ لسانه مثل ما يكَلون الربع‪...‬يموت ويصير‬
‫ساكن الحركه!!!‬

‫عندما يولد النسان‪ ,‬أو حتى الحيوان‪ ,‬تتعاقب الحركات الثلث‬


‫عليه لتؤكّد عائديته للحياة وانتسابه إليها‪ ...‬فل حياة من دون‬
‫حركة‪ ,‬ول حركة من دون حياة‪...‬‬
‫هناك ضمة بالبدء‪...‬فالم تضمّ الوليد لصدرها من دون شك‪..‬‬
‫وهناك كسرة كحركة تالية‪ ,‬فالولدة تكسر وضع السكون‬
‫والملل‪ ,‬كما قد تكسر ظهر الب بمصاريفها!!!‬
‫وهناك فتحة ‪ ,‬دنيا غيبية إنفتحت فخرج إلى دنيا المعلومية ‪,‬‬
‫أبواب رزق تنفتح له ‪ ,‬أفواه نسوان المعارف تنفتح بالهلهل ‪,‬‬
‫جيوب الهل بالهدايا تنفتح ‪ ,‬كما أن هناك قبرا ينفتح‪ ,‬فكل ما‬
‫يولد سيموت لحقا‪...‬‬

‫وُ ِلدَ جسر بالموصل أسموه "جسر سنحاريب"‪ ,‬وُ ِلدَ بعد مخاض‬
‫طويل‪ ,‬وجُمعت من أجله خاوات أسموها تبرعات‪ ,‬ل يعلم بها‬
‫إل ال تعالى‪ ,‬شأنه في ذلك شأن ملوية سامراء‪..,‬لكن جسر‬
‫سنحاريب يختلف عن كل جسور العالم ببضعة نقاط‪...‬‬
‫أولها‪ ,‬أنه ل يعبر نهرا‪ ,‬بل مجرد مجرى تعبان جدا من مياه‬
‫خضراء لزوردية لنهير إسمه" الخوصر"‪..‬ومع هذا‪ ,‬فقد تم‬
‫التخطيط لم ّد هذا الجسر كما لو كان ينجز تحديا كبيرا من وزن‬
‫المسافة بين الدانمرك والسويد‪ ,‬أو بين جزيرتي " هونشو" و‬
‫" هوكايدو" اللتان تقعان شرق وغرب شبه جزيرة كسره‬
‫وعطش!!!‪..‬ول في خلقه شئون!!!‬
‫وثانيها‪ ,‬أن الجسر هذا ‪ ,‬تم بناؤه وفقا لعبارة" ساعد الجابي‬
‫بأصغر نقد كافي"‪...‬كنت أقرأها في باصات المصلحة وأنا في‬
‫مقتبل عمري فأحسبها دعوة للتصدق على الجابي‪ ,‬حتى ولو‬
‫بفلس أو فلسين!!!‬
‫‪..‬إنه جسر والجسور قليل ‪ ,‬ولكن الكادر الهندسي الرهيب‪,‬‬
‫والذي تولى إنشاء هذا الجسر‪ ,‬لم يشتمل على أكثر من ‪ 3‬أو ‪4‬‬
‫عمال‪ ,‬وربما مهندس ونصف‪ ,‬وماكنة زلنطحية ل أعلم لية‬
‫فئة من جارفات التربة تنتمي‪ ,‬فهي تعود إلى موديلت العام‬
‫الرابع بعد إغتيال أرشيدوق النمسا‪ ,‬وأنا بقيت سنينا أترقب‬
‫إكتمال هذا الجسر‪ ,‬وهو يعاندني ويصرّ على أن يكتمل وقتما‬
‫يشاء هو‪ ,‬ل برغبتي‪..‬فمعادلة " رجل‪ .‬ساعه" تملي على‬
‫العالم كله أن وقت إنجاز أي مشروع يتضاعف إذا إختزلنا عدد‬
‫العمال للنصف‪ ,‬فكيف به لو إختزلنا عدد العمال والمهندسين‬
‫بنسبة واحد من مائة؟؟‬
‫وثالثها ‪ ,‬أنه لم يتم إتباع أيّ من الطرق المعروفة في إختزال‬
‫الوقت أثناء بناء الجسر‪ ,‬تلك الطريقة التي يسمونها "المسار‬
‫الحرج ‪ ,"CPM‬أو الخرى المسماة ""‪ ,PERT‬حيث يتم‬
‫التخطيط منذ مراحل التخطيط المسبق‪ ,‬لترتيب عمليات‬
‫ونشاطات المشروع ‪,‬بشكل متتابع أو متوازي‪ ,‬وفق طبيعة كل‬
‫نشاط‪ ,‬وهكذا يمكن بدء كل نشاط مبكرا‪ ,‬طالما كان موازيا لبقية‬
‫النشطة‪ ,‬من دون تأخير الشروع بالنشاط إلى حين إكتمال‬
‫النشاط السابق له‪ ,‬وفي مشروع الطريق السريع الواصل بين‬
‫غرب العراق وجنوبه‪ ,‬كانت كل شركة أجنبية تعمل بمعزل عن‬
‫غيرها‪ ,‬لن هناك عقل خطط لكل شركة مراحل عملها‪ ,‬فكنت‬
‫ترى الشركة الرومانية دومكس تبدأ من النقطة (س) ‪ ,‬فيما‬
‫تبدأ شركة أخرى مرحلة تالية أو سابقة لها في نفس الوقت ‪,‬‬
‫وبعد فترة ينتهي نشاط شركة أخرى عند هذه النقطة‪ ,‬من دون‬
‫بروز حيود أو تفاوت‪....‬‬
‫لكن هذا لم يكن حال جسر سنحاريب‪ ,‬فقد تم العمل فيه على‬
‫طريقة إلتهام القنفذ للفعى ‪ ,‬يبدأ بها من الذيل لينتهي بالرأس‪,‬‬
‫وعلى راحتك‪...‬لويش الستعجال؟؟ أصل حتى العجلة من‬
‫الشيطان!!!‬
‫والفرق بين طريقة النجاز تلك وما يتطلبه المنطق هو كالفرق‬
‫بين من يستيقظ صباحا ‪ ,‬يدخل الحمام‪ ,‬ثم يحضر الشاي‪ ,‬ومن‬
‫ثم يشغّل سيارته وينتظر محركها ليسخن‪ ,‬وبعدها يتناول‬
‫فطوره ‪,‬ومن ثم يسوق ويغادر للدوام‪ ,‬هذا مقابل من يضع قدر‬
‫الشاي على النار ويدخل الحمام‪,‬إختزال للوقت‪ ,‬ويترك المحرك‬
‫دائرا فيما هو يتناول الفطور‪ ,‬في إختزال ثان للوقت‪...‬وهي من‬
‫أساسيات تخطيط المشاريع الستراتيجية كمدّ خطوط السكك‬
‫وأنابيب النفط ومشاريع السكان العملقة والطرق السريعة‪,‬‬
‫لكن برأيي هي مطلوبة على مستوى إعمار الدار المفردة‪ ,‬وهي‬
‫مفيدة جدا للتلميذ في مراحل الدراسة المبكرة‪ ,‬كالعدادية ‪,‬‬
‫لنها ترتقي بعقولهم وتجعلهم يدركون مزايا التنسيق الجمالي‬
‫والعقلني ‪ ,‬وتوفّر لهم مدخل إلى كل من المنطق وإدارة‬
‫الوقت‪ ,‬من الساس ‪ ,‬بدل من أن يقضوا حياتهم في الفوضوية‬
‫والخربطة‪ ,‬اللتان تخلقان لديهم رفضا كامنا لكل أساليب‬
‫التحسين والرتقاء‪..‬‬
‫من يتقنون التنسيق ويدركوا روعته‪ ,‬لن يرضيهم أن يرموا‬
‫بفضلتهم للشارع‪ ,‬ولن تتقبل عقولهم أن يجعلوا من كل ساحة‬
‫فارغة قرب بيوتهم‪ ,‬مكبا للنفايات‪...‬لن يرتضوا قطع الزهار و‬
‫تعذيب أغصان الشجار‪ ,‬وتحطيم مصاطب الجلوس في‬
‫المتنزهات‪....‬سيكون لديهم وازع داخلي يحارب هكذا ميول‬
‫للساءة‪...‬هذا بفرض تقصير الوازع الديني لديهم‪...‬هذه بعض‬
‫مزايا الثقافة التي ننشدها‪ ,‬علنا نشهد جيل أفضل منا‪....‬‬

‫ورابعها‪..‬أن جسر سنحاريب ُوِلدَ ميتا‪...‬فهو إكتمل وتم تدشينه‬


‫بكل سكون وصمت ‪ ,‬من دون أية ضجة إعلمية أو هوسة‬
‫مزايداتية‪ ,‬أحسب الجماعة حسبوه منجزا آخرا من منجزات ما‬
‫قبل الحرب‪ ,‬فلم يكترثوا بإكتماله‪ ,‬ولم يتخيروا له مناسبة‬
‫وطنية أو دينية‪ ,‬لن الوطنية ماتت‪ ,‬والدينية إستوثنت‪ ,‬فالجسر‬
‫أصل وثني السم‪,‬‬
‫الجسر كان مستخدما بنصفه فقط طيلة كل السنين التي أعقبت‬
‫الحتلل‪ ,‬ول تحسبوا أنني أقصد أنه كان ينقل سيارات العابرين‬
‫بإتجاهين فقط في المسار الوحيد الذي كان مكتمل‪..,‬فهو كان‬
‫ينقل ‪ 3‬مسارات‪ ,‬الذهاب والياب في مسارين متعاكسين‪,‬‬
‫ومسار ثالث لمدرعات المريكان والشرطة والجيش‪...,‬لذا بقي‬
‫أهل الموصل يترقبون إكتمال السايد الثاني منه عسى أن تنتهي‬
‫عذاباتهم مع الصفارات والفوضى والرعب وقناني الماء التي‬
‫يرميها جنود المحتل على قمارات سياراتهم بكل إذلل‬
‫وإستضراط ‪ ,‬حاشاكم‪ .....,‬لكن ما أن تحقق لهم ذلك‪ ,‬حتى‬
‫شرع العمال بتهديم جوينات الجسر الذي تم تبليطه للتو‪,‬‬
‫ليعيدوا تصليحها‪ ,‬فالتبليط ل علقة له بالستقامة ول بأية‬
‫تقنية بشرية‪ .....,‬وما أن إكتمل تصليح الجوينات‪ ,‬حتى ُنصِبت‬
‫الكتل الكونكريتية في نهاية الجسر‪ ,‬كنقطة سيطرة جديدة‪,‬‬
‫ليعود الزدحام أسوأ مما كان‪...‬‬
‫مكائن التبليط التي تم توريدها للعراق وفق مذكرة التفاهم تلك‪,‬‬
‫و التي كانت تعمل بأحدث تقنيات ويتولد عن عملها شوارع‬
‫مشابهة لشوارع الغرب‪,‬سرقوا ملحقاتها منذ ذلك العهد‪ ,‬وكانوا‬
‫يتبايعون القطع التي ألحقت بها لتجليخ الشوارع القديمة قبيل‬
‫إعادة إكسائها‪ ,‬تداولوها في السواق السوداء متصورين أنها‬
‫لقم كاربيدية مخصصة للتورنات‪ ,‬في التسعين تلك حسبوا‬
‫السونارات تلفزيونات‪ ,‬وبعد الحرب الخيرة رأيت جهاز‬
‫تخطيط الدماغ في بيت مخصص للمسروقات من المستشفيات‬
‫" إيعجبوك الجماعه‪ ,‬لكل إختصاصه!! قابل هيّه هوسه؟؟ ‪..‬مو‬
‫عبالكم‪ ...,",‬الجهاز المسكين كان مهمل في زاوية الغرفة‬
‫كجهاز سيتار أو قانون مال الجالغي البغدادي‪ ,‬ل وال‪ ,‬هم‬
‫القانون ذاك إم َقدّر ومحترم أكثر‪ ,‬بينما الجهاز المسكين‬
‫إمسوّينه طبله مال إستكانات‪..‬ما هكذا يا حرامية تعامل الدرر‪...‬‬
‫سرّة مستشفيات من النوع الراقي‪ ,‬صالت عمليات ومصابيح‬ ‫أ ِ‬
‫جراحه وووو‪ ,‬كلها ذليلة مهانة‪ ,‬كالبوسنيات السيرات في‬
‫فندق سونيا ذاك‪ ,‬هل قرأتم عنه وقتها؟؟؟‬
‫جسر سنحاريب وُ ِلدَ فماتَ فورا‪....‬ل أحسبه سيحاسب يوم‬
‫القيامة‪ ,‬فهو كما لو أنه لم يُخلَق أصل‪...‬‬
‫أسقمني الحزن والحباط‪..‬فقد ذكّرني إسم هذا الجسر بمخبول‬
‫من النوع الثنائي الجنس ‪ ,‬رماه شرطي بالنار عند نفس هذا‬
‫الجسر‪ ,‬ووقفنا نرقب المسكين يلفظ النفاس كحيوان أضحية‬
‫ذبيح والدم يغرق الذاكرة بالحمرة قبل أن يصبغ السفلت‪ ,‬فيما‬
‫الشرطي يركله بقدمه ‪...‬أدمت قلبي الذكرى فلجأت لمعزوفة‬
‫عازف الكلرينيت التركي الموهوب‪,‬سيركان جايري‪,‬‬
‫‪ , Yalnizligin Sesi‬أطلق الكلرينيت زغرودة مثيرة رفرفت‬
‫روحي معها كجناحي بلبل عراقي صغير ‪ ,‬زغردت الكلرينيت‬
‫فهامت روحي إلى سماوات الباري العظيم‪ ..‬ولم أعد أهتم للبلء‬
‫المهين من حولي‪ ,‬فهي مسألة وقت حتى أهجر هذا اللم الذي‬
‫ل ينتهي للبد‪..‬سبحان ال العظيم بديع السماوات والرضين‬
‫‪..‬كم تبدو هذه الحياة ثمينة وأثيرة لنا‪ ,‬فيما هي لحظة زمن في‬
‫هذا الكون العتيق‪..‬‬