‫نقد هيجل لليهودية ودالالهته السوسيولوجية‬

‫أشرف حسن منصور‬
‫‪ashrafmansour1@yahoo.com‬‬
‫‪2007 / 1 / 4‬‬
‫‪:‬مقدمة‬
‫اشتهر الفيلسوف الهولندي سبينوزا بمؤلفه " رسالة في اللهوت و السياسة " ) ( التي نقد‬
‫فيها أسفار العهد القديم سفرا سفرا نقدا هتاريخيا دقيقا‪ .‬و لم ينقد سبينوزا العهد القديم‬
‫باعتباره نصا فقط‪ ،‬بل نقده أيضا باعتباره مصدر الديانة اليهودية‪ .‬فإذا طالعنا رسالته رأيناه‬
‫يمارس نقدا وثائقيا و هتاريخيا للسفار‪ ،‬و نقدا عقلنيا و فلسفيا للديانة اليهودية نفسها و لكل‬
‫عناصرها الساسية‪ :‬النبوة و الشريعة و الكهنوت‪ .‬كانت رسالة سبينوزا هذه بداية الهتجاه في‬
‫النقد التاريخي للكتب المقدسة و للديان بوجه عام‪ ،‬و من أبرز أعلم هذا االهتجاه فولتير و‬
‫‪.‬هيوم و كانط و هيجل‪ ،‬و اليسار الهيجلي من بعده و على رأسه فويرباخ‬
‫أما هيجل فقد هتعامل مع الدين اليهودي في أكثر من عمل‪ .‬صحيح أنه لم يفرد لليهودية دراسة‬
‫مستقلة‪ ،‬إال أننا نجد حديثه عنها يمتد عبر دراساهته عن المسيحية في مؤلفات فترة الشباب‪ ،‬و‬
‫في الجزء المتعلق بالوعي البائس من كتابه "فينومينولوجيا الروح" ) (‪ ،‬بالاضافة إلى هتناوله‬
‫للحضارات الشرقية القديمة في محااضراهته في فلسفة التاريخ‪ .‬و عبر جميع هذه العمال‬
‫ينقسم هتناول هيجل لليهودية إلى هتحليلها هتحليل فلسفيا هتاريخيا‪ ،‬و هتحليل لها باعتبارها شكل‬
‫من أشكال الوعي يسميه بالوعي البائس أو الشقي‪ .‬أما التحليل الفلسفي التاريخي فنجده‬
‫في دراستيه "واضعية الديانة المسيحية" ‪ ،‬و "روح المسيحية ومصيرها" ) ( ‪ ،‬اللذين هتناول‬
‫فيهما اليهودية التاريخية و علقتها بالمسيحية‪ .‬أما هتحليل اليهودية باعتبارها شكل من أشكال‬
‫‪".‬الوعي فنجده في كتاب "الفينومينولوجيا‬
‫و الحقيقة أن نقد سبينوزا و نقد هيجل للدين متكاملن و يتفقان مع بعضهما البعض‪ ،‬بل‬
‫نستطيع أن نقول أن نقد هيجل يكمل نقد سبينوزا و يفتراضه‪ .‬فسبينوزا يواضح كيفية هتحول‬
‫اليهودية إلى دين واضعي يؤمن بان اليهود شعب مختار‪ ،‬و يؤمن بقداسة النصوص و يخضع‬
‫لمؤسسة دينية كهنوهتية‪ ،‬وهذا هو نفس ما يقوم به هيجل أيضا‪ ،‬لكنه يقوم بخطوة أبعد و‬
‫يواضح أن المسيحية نفسها قد هتحولت إلى أن أصبحت نوعا آخر من اليهودية‪ .‬فهو يدرس‬
‫كيفية هتحول المسيحية نفسها إلى دين واضعي هتتحكم فيه مؤسسة كهنوهتية بعد أن كانت في‬
‫‪.‬بدايتها هتحارب الكهنوت اليهودي‬
‫مارس كل من سبينوزا و هيجل نقدا فلسفيا لليهودية كان متفقا مع نظرهتيهما للدين عامة و‬
‫مع فلسفتيهما العقلنيتين خاصة‪ ،‬و مع روح عصر التنوير الذي رفض الخرافات و الفكار‬
‫الميتافيزيقية‪ ،‬و أي نوع من السلطة على العقل‪ .‬و الحقيقة أن كثيرا من النظريات‬
‫السوسيولوجية حول الدين في القرن العشرين جاءت لتثبت صحة نقدهما للدين و هتدعمه‬
‫بتفسيرات سوسيولوجية للظواهر الدينية هترجعها إلى أصولها االجتماعية‪ .‬و من أكثر نظريات‬
‫سوسيولوجيا الدين داللة بالنسبة لنقد سبينوزا و هيجل للدين نظريات دوركايم و فيبر و‬
‫هتوينبي‪ .‬فلدوركايم هتحليلت عميقة للصول االجتماعية للمقدس و للوظائف االجتماعية‬
‫للظاهرة الدينية‪ ،‬كما أن لتوينبي دراسات مستفيضة هتربط بين العقيدة اليهودية و مقدساهتها‬
‫و بين الظروف االجتماعية و التاريخية لليهود‪ .‬لن نعرض لكل نظريات دوركايم و فيبر و‬
‫هتوينبي في الدين‪ ،‬لكن سوف نتناول من هذه النظريات ما يمكن مقارنته بدراسة سبينوزا و‬
‫‪.‬هيجل للدين و ما يواضح الدالالت السوسيولوجية لفلسفتيهما في الدين‬
‫‪:‬اليهودية باعتبارها وعيا شقيا‬
‫اليهودية شكل من أشكال الوعي يجد التعبير عنه في الجزء المتعلق بالوعي الشقي في كتاب‬
‫هيجل "فينومينولوجيا الروح"‪ .‬و الحقيقة أن هيجل ال يصف اليهودية وحدها بشقاء الوعي‪ ،‬بل‬
‫‪.‬كل وعي ديني مغترب أيضا‬
‫يأهتي هتحليل هيجل للوعي الشقي بعد مناقشته للرواقية و المذهب الشكي باعتبارهما شكلين‬
‫من أشكال الوعي‪ .‬هتقوم الرواقية على النظر إلى الذات على أنها حرة‪ ،‬و حريتها هذه هتتلخص‬
‫في اليمان بذاهتها فحسب‪" :‬إن الوعي بالذات في الرواقية هو الحرية المجردة المقصورة‬
‫على ذاهتها‪ ( ) ".‬أي المعتبرة ذاهتها حرة‪ ،‬و هذه الحرية هتتمثل في انعزالها عن العالم و‬
‫الخرين‪ ،‬وهي حرية الفكر المجرد على وجه الخصوص‪ .‬أما المذهب الشكي فتتمثل حريته في‬

‬و الشيء العارض الذي ال يستطيع التفكير في نفسه دون إنكارها‬ ‫و كلما حاول هذا الوعي البائس العثور على ماهيته وجدها في اضده ال في نفسه‪ ،‬و هذا ما‬ ‫يزيد من شقائه و هزيمته‪ .‬لذريته فقط مكافأة لهم على عبادهتهم‪ ،‬و من هنا يصبح شعبه مختارا‬ ‫إن حالة االغتراب التي عانى منها إبراهيم نجمت عن نظرهته إلى إلهه على أنه هو الحاكم‬ ‫المسيطر‪ .‬و من هنا هتظهر علقة السيادة و العبودية‪ .‬فلم يعرف مكانا يستقر فيه و لذلك ظل‬ ‫هائما متجوال في منطقة الهلل الخصيب‪ .‬و مع حالة االغتراب التي يعيشها إبراهيم ال يجد‬ ‫ما يؤنس وحدهته إال الله الذي يتصور أنه إلهه فقط و أن باقي الشعوب كفار‪ .‬و لن إبراهيم هو الذي عرف هذا الله الواحد‬ ‫‪.‬فالوعي الشقي هو حضور‬ ‫ازدواجية السيد و العبد في وعي واحد‪ ،‬فهو ببساطة العبد‪ ،‬أما السيد فهو الله‪ .‫نفي الخر و النظر إلى هذا الخر على أنه ينفي حريته‪ ،‬سواء كان هذا الخر ينتمي إلى عالم‬ ‫الطبيعة أو عالم النسان‪ .‬ففي هذا الكتاب يبدأ هيجل بتحليل شخصية النبي إبراهيم‬ ‫ويذهب إلى أنها هتكشف عن ملمح طبعت من بعده كل بني إسرائيل‪ .‬و حتى الناس‬ ‫الذين لم يعادوه و حاولوا أن يكونوا أصدقاءه أو حلفاءه لم ينجح في أن يقيم معهم علقات‬ ‫صداقة أو هتعاون‪ ،‬بل ظل يعاملهم معاملة الغراب‪ .‬فالخر ينظر إليه على‬ ‫أنه إما ينفي حرية الذات في حالة العبد‪ ،‬أو أن نفي حريته هي شرط لحرية الذات في حالة‬ ‫‪.‬فهو يلحق ماهية النسان بكائن نصفه إنسان و‬ ‫نصفه إله‪ .‬و بهذا هتحول الضعف و السلبية و االستسلم إلى إيمان بإله يمثل القوة و السيطرة‬ ‫و الفاعلية الكلية‪ .‬صحيح أن الله المتجسد في صورة إنسان قد عمل على هتقريب المسافة بينهما‪ ،‬إال‬ ‫أن الوعي يظل بائسا لن هذا االقتراب كان فعل إلهيا‪ ،‬أما النسان نفسه فلم يقترب‪ ،‬بل ظل‬ ‫‪.‬المطلق‬ ‫عندما نظر اليهود إلى إلههم على انه سيد يطاع و هم عبيده فقد سحبوا بذلك من أنفسهم كل‬ ‫فاعلية حرة و كل حيوية و مبادرة و أصبحوا سلبيين‪ .‬كان إبراهيم يعيش‬ ‫حالة دائمة من االغتراب‪ ،‬اغتراب عن كل مجتمع مر به و عن أسرهته ذاهتها‪ .‬إال أن الرادة اللهية التي ال هتظهر إال على أنها خرق للطبيعة هي في‬ .‬في شقائه السابق‬ ‫يوازي هذا التحليل الفلسفي العميق هتحليل هتاريخي قام به هيجل للوعي اليهودي الشقي في‬ ‫كتابه "روح المسيحية ومصيرها"‪ .‬نظر إبراهيم أيضا إلى الطبيعة على أنها‬ ‫قوة معادية و لذلك لم يتصالح معها‪ .‬فلم يأخذ قطعة من الرض لزراعتها و ظل راعيا‪ .‬فقد آمن اليهود بأن الله المتناه‪ ،‬و هو‬ ‫في نفس الوقت لم يكن حااضرا معهم بل منعزال في السماء‪ ،‬و بذلك نظروا إليه على أنه‬ ‫يكشف عن إرادهته من خلل خرق قوانين الطبيعة‪ ،‬ال عبر هذه القوانين نفسها‪ ،‬و من هنا‬ ‫إيمانهم بالمعجزات‪ .‬و لن إبراهيم لم‬ ‫يستطع و لم يرد أن ينتمي إلى أي مجتمع مر به سواء في العراق أو الشام أو مصر و ظل في‬ ‫غربة دائمة عبر كل هذه المناطق‪ ،‬فقد هتصور أن هتقواه و هتدينه و عبادهته للله الجبار و‬ ‫المسيطر سوف هتؤهله لن يكون وارثا هو و ذريته لنفس هذه المناطق التي هتجول و هام فيها‬ ‫مغتربا‪ ،‬و من هنا هتظهر فكرة أرض الميعاد‪ .‬عندما أهدى له أحد الملوك قطعة من الرض هتركها لماشيته و غنمه ليرعوا فيها‬ ‫و لن الطبيعة في نظره قوة قاهرة ال يمكن التصالح معها فقد رأى أن خير وسيلة للتعامل‬ ‫معها هو أن يكون لها إله خالق‪ ،‬هو الذي صنعها‪ ،‬و هو الذي يسخرها له‪ .‬و بذلك هتحط اليهودية من الوعي النساني و هتعلي من‬ ‫شأن الوعي اللهي و هتتسامى به‪ ،‬و يكون هذا التسامي على حساب الوعي النساني‪ .‬فإبراهيم الذي هترك‬ ‫قومه و مدينته الم وراءه ظل غريبا طوال حياهته‪ .‬و حتى‬ ‫‪.‬و ال ينجح‬ ‫الوعي الشقي في الشعور بذاهته إال باعتباره معتمدا على هذا الوعي الخر اللهي‪ ،‬و من هنا‬ ‫يظل شقيا‪ ،‬فل هو ينجح في إدراك ماهيته الحقة في استقلل عن ماهية الله‪ ،‬و ال هو ينجح‬ ‫في الذوبان و الفناء في ماهية الله‪ .‬السيد‬ ‫و يتمثل الوعي الشقي في انتقال هذه العلقة المزدوجة من السيادة و العبودية من الخارج‬ ‫إلى الداخل‪ ،‬و بذلك هتنقسم الذات على نفسها نتيجة هذه العلقة‪ .‬إال أن هيجل يفاجئنا بعد ذلك بالقول أن الوعي يظل شقيا بعد التجسد‪ ،‬فالتجسد‬ ‫ليس إال هتعبيرا عن بؤس الوعي ال خروجا عنه‪ .‬فهو يترك هاجر و‬ ‫ابنه إسماعيل في الصحراء‪ ،‬و يأمر ابنه اسحق أال يتزوج من كنعانية بل من امرأة من عشيرهته‬ ‫ذاهتها‪ ،‬أما هو فيسكن بعيدا عن اسحق و أبنائه‪ .‬و يرى هيجل أن طريق الخروج من هذه االزدواجية يتمثل في‬ ‫اضرورة هتجسد الله في صورة إنسان‪ ،‬أو اللمتناهي في صورة كائن متناهي‪ ،‬و هنا هتظهر‬ ‫المسيحية‪ .‬و كان على اليهودي أن يتذكر دائما هتناهيه في مقابل الهتناهي الله‪ ،‬و قلته‬ ‫و اضعفه في مقابل عظمة الله‪ ،‬و جهله و عبوديته في مقابل علم الله الكلي و سلطانه‬ ‫‪ .‬فالله‬ ‫في الوعي اليهودي الشقي ينزل منزلة السيد و الرب المطلق القدرة‪ ،‬أما النسان فهو العبد‬ ‫‪ ( ) .‬لم يستطع أن ينتمي إلى أي مجتمع أو قبيلة مر‬ ‫بها‪ ،‬و كانت هتوجهاهته نحو الناس إما التعامل معهم بحذر و مكر أو معاداهتهم ) (‪ .‬فالمسيحية وفق هذا التفسير الهيجلي اضرورة منطقية ناهتجة عن شقاء الوعي‬ ‫اليهودي‪ .‬بنفسه و بقوة فكره الذاهتية فقد هتصور أنه إلهه فقط و إله شعبه‪ ،‬و لنه هو فقط الذي يعبده‬ ‫و باقي الناس يعبدون الصنام فقد هتصور أن رحمة هذا الله و فضله و عطاءه سيكون له هو و‬ ‫‪ ( ).

‬فتحليله لنشأة الثيوقراطية عند اليهود يكمل التحليل الذي يقدمه‬ ‫هيجل‪ .‫حقيقتها مضادة للطبيعة و هتأخذ منها موقفا سياديا مسيطرا‪ .‬اضميرا أخلقيا و سعيا وراء الفضيلة‬ ‫و يتفق هتحليل سبينوزا للشريعة اليهودية مع هتحليل هيجل السابق‪ .‬و لما كان الله رأس‬ ‫دولتهم فقد أصبح أعداء هذه الدولة أعداءا للله‪ ،‬و أصبح مغتصب السلطة طاعنا في سلطة‬ ‫‪.‬فيذهب هيجل إلى أنه لما كان‬ ‫هتشريع الدولة لدى اليهود هو مجموع أوامر الله‪ ،‬فإن القانون المدني و الدين أصبحا شيئا‬ ‫واحدا عندهم‪ ،‬و أصبحت عقائد الدين و مضمونه الخلقي مجموعة من القوانين و الوامر‪ .‬كما هتداخل الشعور الديني و الشعور الوطني‬ ‫لديهم‪ ،‬بحيث أن حب الوطن و التضحية في سبيله كان حبا لله و استشهادا لعلء كلمته‪ ،‬و‬ ‫كان اعتداء أعداء اليهود على أحد مدنهم أو على أي جزء من أرااضيهم اعتداء في نفس الوقت‬ ‫‪ ( ).‬الثيوقراطية و اكتمال عناصرها‬ ‫‪:‬الشريعة‬ ‫يذهب هيجل إلى أن اختزال الخلق إلى الشريعة جعل اليهود ينظرون إلى الشعائر التي‬ ‫يؤدونها و الاضحية المطلوبة منهم و الزكاة المفرواضة عليهم على أنها هي كل ما يجب هتأديته‬ ‫ليراضى عليهم الرب و يلبي مطالب الخلق‪ ،‬فقد نظر اليهودي إلى الداء اللي لوامر‬ ‫الشريعة على أنه كاف لجعله إنسانا أخلقيا و متدينا‪ .‬الله العليا‬ ‫يتفق هتحليل سبينوزا السابق مع هتحليل هيجل للثيوقراطية‪ .‬و‬ ‫بذلك أصبح الدين و السياسة شيئا واحدا‪ ،‬فمن هترك الدين ال يعود مواطنا‪ ،‬و إنكار وجود الله أو‬ ‫الشرك به يعد عصيانا و خيانة للدولة في نفس الوقت‪ ،‬و يؤدي إلى هتوقيع عقوبات مدنية على‬ ‫المنكر‪ ،‬لن هذا النكار يترهتب عليه إنكار كل القوانين التي يرجع مصدرها إلى هذا الله‪ ،‬فهو‬ ‫عصيان مدني ويؤدي إلى هتوقيع عقوبات مدنية‪ .‬و لذلك نظر اليهود إلى الفضيلة‬ ‫على أنها كبت لطبيعتهم الداخلية و سيطرة عليها‪ ،‬و الشر على أنه هترك هذه الطبيعة البشرية‬ ‫‪.‬و الملحظ هنا أن اليهود هتخلوا عن حق‬ ‫مخاطبة الله إلى البد‪ ،‬و هتخلوا معه عن حق هتعيين أي شخص يخلف موسى في هذا الحق‪ ،‬و‬ ‫بالتالي نقل موسى هذا الحق إلى هارون ثم إلى سبط اللويين من بعده‪ .‬العبودية و سلبية الذل‬ ‫و الحقيقة أن سبينوزا كان قد هتناول نشأة الدولة الثيوقراطية عند اليهود في كتابه "رسالة‬ ‫في اللهوت و السياسة"‪ .‬يذهب سبينوزا إلى أن اليهود هتخلوا عن حقهم الطبيعي في هتنظيم شئونهم وواضع‬ ‫قوانينهم للههم‪ .‬فالشريعة التي كانوا يسمونها إلهية كانت في حقيقتها قانونا مدنيا‪ .‬و لم‬ ‫هتنجح الشريعة اليهودية إال في جعل اليهودي مواطنا في دولة يهودية‪ ،‬أما الخلق و الفضيلة و‬ ‫الحسان فلم هتجد لها مكانا في هذه الشريعة‪" ،‬فأن هتكون مواطنا في مملكة الله فذلك يتطلب‬ ‫‪" ( ).‬فيذهب سبينوزا إلى أن‬ ‫الميثاق‪ ،‬أي مجموعة الوصايا الخلقية و مبادئ المثل العليا‪ ،‬من طبيعته أن يكون مسطورا‬ ‫في القلوب‪ ،‬أي في الضمير و الفكر النساني‪ ،‬إال أنه أعطي لليهود في صورة قانون مكتوب‬ ‫لنهم كانوا حينذاك يعيشون حالة بدائية باعتبارهم شعبا قبليا من البدو الرحل) (‪ .‬و الحقيقة أن الشريعة اليهودية لم هتكن‬ ‫في حقيقتها إال أوامر قضائية هتهدف الحفاظ على اليهود كمجتمع و كيان سياسي و ليس لها‬ ‫علقة بالخلق‪ .‬فبعد أن خرجوا من مصر‪ ،‬ذلك الخروج الذي كانوا مدفوعين إليه بأمر إلهي‬ ‫ال لرغبة منهم في التحرر‪ ،‬هتركوا مسائل هتنظيم مجتمعهم وواضع القوانين للله ) (‪ .‬و يتساءل‬ .‬في التملك‪ ،‬فكل شيء ملك للههم‬ ‫في البداية هتخلى اليهود عن هتسيير شئونهم وواضع قوانينهم للههم‪ ،‬ثم هتخلوا عن حق مخاطبة‬ ‫إلههم لموسى بعد أن طلبوا ذلك ثم فزعوا فزعا شديدا من حضرة الله و جبروهته‪ ،‬و عندما‬ ‫كان موسى يغيب عنهم هترك هذا الحق لهارون‪ .‬و أصبح اللويون بعد‬ ‫ذلك هم الكهنة المكلفون بحفظ الشريعة و هتفسيرها و هتطبيقها‪ ،‬و بذلك هتم بناء الدولة‬ ‫‪.‬دون رابط‬ ‫‪:‬أصل الدولة الثيوقراطية‬ ‫و لن اليهود كانوا سلبيين‪ ،‬فتحريرهم من عبودية الفرعون لم يأت نابعا منهم بل كان أمرا‬ ‫إلهيا‪ ،‬و لم يستطيعوا أن يمدوا أنفسهم بقوانين و ظلوا يعتمدون على موسى في هتنظيم‬ ‫شئونهم‪ ،‬و من هنا أهتاهم موسى بالشريعة اللهية‪ .‬فهو يذهب إلى أن اليهود كان لديهم بالفعل مفهوم عن المساواة‪ ،‬إال أنه كان‬ ‫مختلفا هتماما عن المفهوم الحقيقي عن المساواة‪ .‬حددت هذه الشريعة كل هتفاصيل الحياة‬ ‫اليومية و المعاملت الجزئية بين اليهود و ذلك لنهم لم يتمتعوا بروح المبادرة بل بروح‬ ‫‪ ( ).‬لم يكونوا متساوين لن لهم نفس الحقوق في التملك مثل‪ ،‬بل لنه لم يكن لهم أي حق‬ ‫‪ ( ).‬على الدين و على حق الله‬ ‫و يستمر هيجل في هتواضيح االختلط بين الدين و السياسة لدى اليهود بتناوله لمسألة‬ ‫المساواة‪ .‬فاليونانيون مثل كانوا متساوين لنهم‬ ‫كانوا أحرارا و قادرين على هتسيير شئون حياهتهم وواضع قوانينهم بأنفسهم‪ ،‬أما اليهود فكانوا‬ ‫متساوين لنهم كانوا كلهم عبيدا للههم و معتمدين عليه و على قضائه و قدره و رحمته و‬ ‫غضبه‪ .‬فقد‬ ‫اعتقدوا أن هذا الله هو الذي يحميهم و يمنحهم القدرة على البقاء‪ .

‬أي شيء إال بهذه الصورة‬ ‫كما أن هناك عامل آخر أجبر المسيح على هتقديم دعوهته في صورة دينية والعلن أنها آهتية‬ ‫بسلطة إلهية ؛ هو سيادة النظام الكهنوهتي في المجتمع اليهودي‪ .‬و من هنا كان المسيح يحارب االعتقاد اليهودي الذي يذهب‬ ‫إلى أن طاعة القانون اللهي بحرفيته كاف في حد ذاهته لتلبية مطالب الخلق‪ ،‬فقد كان يصر‬ ‫‪.‬ولم يكن‬ ‫االعتقاد في ألوهية المسيح من جانب أهتباعه من اليهود إال نتيجة لعدم هتمكنهم من إدراك أن‬ ‫روحه الحرة المستقلة هي الروح النسانية النقية و الطاهرة‪ ،‬بل أرجعوا هذه الحرية و‬ ‫االستقلل و الطهر و النقاء إلى ألوهيته ال إلى إنسانيته‪ .‬اللهية‪ ،‬و لم هتكن إال عقابا لهم على عصيانهم‬ ‫و يستمر هيجل في هتحليله للشريعة اليهودية بقوله أن اليهود غرقوا في بحر من الوامر و‬ ‫النواهي الجامدة و رزحوا هتحت نير الشريعة التي كانت هتضع قاعدة لكل فعل و حركة ونشاط‬ ‫يومي‪ ،‬و هذا ما أدى إلى إعطاء المجتمع اليهودي طابع الدير‪ .‬على الشخص و هتبني المبدأ الذي يدعو إليه‪ ،‬بل ظل المبدأ متصل بالشخص‬ ‫و لن اليهود لم هتكن لهم روح حرة‪ ،‬و لنهم رزحوا هتحت شقاء العبودية‪ ،‬فقد نظروا إلى الروح‬ ‫الحرة للمسيح و استقلله و هتحرره من كل القيود التي هتكبلهم على أنها أشياء إلهية‪ .‬فما له قيمة و هتقدير في عين الرب ليس‬ ‫االنتساب لبراهيم أو أن يكون الرجل مختتنا‪ ،‬بل أن يكون مطيعا لضميره الخلقي) (‪ .‬و هكذا‬ ‫هتحولت دعوة المسيح من دعوة أخلقية إلى دين يستمد شرعيته من مصدر إلهي‪ ،‬و أصبح‬ ‫‪.‬فقد فشلت دعوة المسيح نتيجة للفهم اليهودي الضيق لهذه‬ ‫الدعوة و للوعي اليهودي الشقي الذي حولها إلى دعوة دينية و نظر إليه على أنه إله) (‪ .‬على فضيلة حرة هتنبع من النسان نفسه‪ ،‬ال فضيلة هتأهتي من طاعة سلطة دينية‬ ‫و على الرغم من أن مضمون رسالة المسيح مضمون أخلقي صرف إال أن ظروف مجتمعه‬ ‫اليهودي ااضطرهته لن يقدم رسالته في صورة دينية‪ .‬لم‬ .‬و في ظل هذا المناخ لم يتمكن المسيح من الصمود و من نشر دعوهته إال عن‬ ‫طريق مواجهة السلطة الدينية الطاغية بسلطة دينية أخرى‪ ،‬أي بإعلنه أن رسالته آهتية بأمر‬ ‫من الرب‪ .‬فالكهنوت هو الذي كان‬ ‫يحتكر النصوص الدينية شرحا و هتفسيرا و يشرف على االلتزام بحرفيتها‪ ،‬و هو أيضا الذي يحدد‬ ‫معايير اليمان و الكفر و يمارس التكفير و الحرمان و الطرد من الجماعة الدينية و من‬ ‫المجتمع كله‪ .‫سبينوزا عن السبب الذي جعل اليهود دائمي العصيان للشريعة‪ ،‬ناقضين لعهدهم دائما مع الله‬ ‫بعبادهتهم للهة أخرى‪ ،‬و يرى أن السبب يكمن في أن هذه الشريعة كانت عقابا من الله‪ .‬فالمجتمع اليهودي المعاصر للمسيح و الذي فقد القدرة على‬ ‫التفكير في المبادئ الخلقية و هتبنيها و العمل بمقتضاها كان رد فعله الطبيعي إزاء دعوة‬ ‫المسيح ال التفكير فيما جاء به بل الجدل حول شخصه و سلوكه) (‪ .‬فعلى الرغم من أن الخلق هي أساس‬ ‫الدين‪ ،‬إال أن الروح اليهودية البائسة حولت الخلق إلى طاعة عمياء للقانون اللهي و أداء‬ ‫آلي للشعائر‪ ،‬و بذلك اضاع الجوهر الخلقي للدين‪ .‬واضعهم بل مفرواضة عليهم‬ ‫‪:‬المصير اليهودي للمسيحية‬ ‫عندما ظهر المسيح كان متحررا من هذه الروح اليهودية البائسة‪ ،‬و أراد أن يرفع الدين إلى‬ ‫مستوى الخلق و الفضيلة‪ ،‬أي أن يخلصه من نير الشريعة الجامدة و الشعائر التي ال معنى لها‬ ‫و يسترد للخلق عنصر الحرية التي افتقدها اليهود‪ .‬فاليهود لديهم هتصوران ال ثالث لهما‪:‬‬ ‫فإما أن يكون المرء عبدا لله‪ ،‬أو أن يكون هو نفسه إلها‪ ،‬و لم يكن لديهم مفهوم عن النسان‬ ‫أو عن كيفية أن يكون المرء إنسانا‪ .‬‬ ‫و لم هتعمل الطاعة الذليلة و الحرفية للقوانين على حفظ الكرامة‪ ،‬فهذه القوانين لم هتكن من‬ ‫‪.‬شخص المسيح نفسه هدفا لليمان‪ ،‬بدال من أن هتكون دعوهته هدفا للتبني و الممارسة العملية‬ ‫و يعلن هيجل أن الروح اليهودية المتعصبة و الوعي اليهودي الشقي هما السبب وراء علو‬ ‫أهمية شخص المسيح على المبادئ التي كان يدعو إليها‪ .‬‬ ‫فلم يكن من الممكن للمسيح أن يدعو اليهود لتعاليمه الخلقية باسم العقل أو المنطق أو‬ ‫الفكر السليم‪ ،‬بل كان مجبرا على هتقديم هذه التعاليم في صورة دينية‪ ،‬لن اليهود لن يقبلوا‬ ‫‪ ( ).‬فلن اليهود يقدسون النصوص و‬ ‫يختزلون الخلق في الشريعة و الطقوس‪ ،‬و لنهم يعتقدون أن الرب هو الذي منحهم دولتهم‬ ‫و قوانينهم و هتقاليدهم‪ ،‬فلم يكن أمام المسيح إال أن يقدم هتعاليمه الخلقية باعتبارها رسالة‬ ‫من عند الرب و مكملة لشريعتهم ال ناقضة لها‪ ،‬و أنه مكلف من الرب بتبليغهم هذه الرسالة‪.‬لقد كان المسيح يسعى دائما ليعلمهم كيف يكون المرء‬ ‫إنسانا ال مجرد عبد‪ ،‬لكن أهتباعه لم يأخذوا حياهته و أعماله و أقواله على أنها هتربية إنسانية لهم‬ ‫بل على أنها دليل على ألوهيته‪ .‬فنشر الدعوة بمجرد االحتكام إلى الضمير أو العقل لم يكن ليصلح وسط هذا المناخ‬ ‫الذي سيطرت عليه مؤسسة دينية هتدعي أنها هتمثل الرب و هتنفذ مشيئته و شريعته) (‪ .‬و نتيجة لهذا الواضع فإن أقدس‬ ‫الشياء و هي الخلق العليا و الفضيلة هتحولت إلى إلزامات و هتم اضغطها في صيغ دينية ميتة‪.‬أما ما‬ ‫فعله اليهود فإنهم حافظوا على جميع المظاهر الخارجية للتدين و اضيعوا الجوهر الحقيقي‬ ‫للدين و هو الخلق و الفضيلة‪ .‬لم يستطع اليهود العلو‬ ‫‪.‬و من هنا اكتسبت حياهته أهمية أكبر‬ ‫من أهمية هتعاليمه الخلقية‪ .‬فبعد‬ ‫أن انتشر الفساد بينهم في غيبة موسى و عبدوا العجل‪ ،‬هتلقوا من موسى عند عودهته الشريعة‬ ‫‪.

‬و كانت صورة هذا المسيح المنتظر في خيال اليهود صورة قائد‬ ‫عسكري و زعيم سياسي و منااضل يقود اليهود في حربهم اضد أعدائهم حتى ينتصروا عليهم و‬ ‫يتولى هو بعد ذلك حكم مملكة إسرائيل كملك‪ .‬المنتظر‪ ،‬و بالتالي قوبل يسوع بالمقاومة و االستهزاء من اليهود حتى هتآمروا على قتله‬ ‫و يستمر هيجل في هتواضيح مصير المسيح على أيدي اليهود بقوله أن أخشى ما كان يخشاه‬ ‫الكهنوت اليهودي ظهور نبي جديد‪ .‬و من هنا هتآمر الكهنوت اليهودي على العديد من‬ ‫النبياء و قتلوه لنهم ينازعون سلطتهم و يأهتون بشرعية أخرى أعلى من شرعيتهم‪ ،‬و هتآمر‬ ‫أيضا على المسيح لن دعوهته في الحقيقة هتفكيك لسلطة الكهنوت كلها‪ .‬فعلى الرغم من أن المسيحية كانت في الصل انشقاقا عن الطابع‬ ‫الكهنوهتي و التراهتبي للدين و المؤسسة الدينية‪ ،‬و دعوة لن يكون الدين دين القلب و الشعور‬ ‫و المعاملت الصالحة بين الناس‪ ،‬إال أن مصير المسيحية كان أن انحدرت إلى نفس ما كانت‬ ‫‪.‬‬ ‫فمثلما حول الوعي اليهودي الشقي دعوة المسيح من مجموعة مبادئ و هتعاليم أخلقية إلى‬ ‫دين واضعي و الهوت و عقيدة جامدة‪ ،‬حولها أيضا إلى فرقة دينية ثم إلى هتنظيم كهنوهتي على‬ ‫شاكلة اليهودية هتماما‪ .‬و‬ ‫الحقيقة أن هتحليلت هيجل هتتفق إلى حد كبير مع الدراسات السوسيولوجية الحديثة للديان‪.‬فلم‬ ‫يكن يسوع رجل سياسة أو حرب أو منااضل‪ ،‬و لم يأت لعادة هتأسيس مملكة إسرائيل‪ .‬فالوظيفة الساسية للمقدس و لعملية التقديس ذاهتها هتتمثل في إحداث هتماسك‬ ‫للمجتمع و هتنشئة أفراده ) (‪ .‬لقد كانت المعجزات مجرد‬ ‫‪( ).‬و من جهة أخرى فأي‬ ‫نبي سيكون له سلطة كبيرة على الشعب إذا ما استطاع كسب ثقته‪ .‬فالشعب مضطهد دائما و‬ ‫يعاني من هتسلط الكهنوت‪ ،‬و عندما يظهر نبي فإنه دائما ما يأخذ صف الشعب و يدافع عن‬ ‫قضيته‪ .‬و من هنا نستطيع فهم الشياء التي نظر إليها اليهود على أنها‬ .‫يستطع الوعي اليهودي الشقي أن ينظر إلى شخصية المسيح على أنها مثال على النسانية‬ ‫الحقة و الفضيلة و الكرامة البشرية‪ ،‬بل نظر إليها على أنها ألوهية‪ .‬و في عصر يسوع زاد إيمان اليهود بقرب قدوم‬ ‫هذا المنتظر‪ ،‬و لذلك فعندما بدأ يسوع دعوهته كان يقابل دائما بأسئلة من اليهود عن شخصه و‬ ‫هل هو المسيح المنتظر أم ال ؟ لم يجد يسوع هو و حواريوه وسيلة أمامهم كي يلقوا آذانا‬ ‫‪.‬فإذا ظهر في اليهود إنسان يستطيع أن يبرهن على صحة‬ ‫نبوهته و أنه مرسل من الرب فسوف يكون له حق مطلق في إعطاء الوامر و ستكون سلطته‬ ‫أعلى و أقوى من سلطة الحبار لنه يتلقى أوامره من الله مباشرة و ليس مجرد مفسر أو‬ ‫مؤول لوامر الشريعة مثل الحبار و القضاة‪ .‬كان يسوع دائم الصرار على أن مملكته‬ ‫ليست على الرض بل في السماء‪ ،‬و على أن رسالته هتدعو للسلم و التسامح و ال علقة لها‬ ‫بالسياسة )إعط ما لقيصر لقيصر و ما لله لله(‪ .‬المسيح‬ ‫و يعالج هيجل المصير التاريخي للمسيحية و يرى أنها هتحولت إلى شكل آخر من اليهودية‪.‬صاغية من اليهود و انتشارا لدعوهتهم إال بالعلن أنه هو المسيح المنتظر‬ ‫إال أن مفهوم يسوع و حوارييه عن المسيح المنتظر كان مناقضا للمفهوم اليهودي هتماما‪ .‬فالوعي الشقي دائما ما‬ ‫‪.‬يرجع المثل النسانية إلى الله‪ ،‬و هذا هو االغتراب الديني في أعلى صوره‬ ‫كما يفسر لنا هيجل السبب في أهمية المعجزات‪ .‬فدعوهته‬ ‫أخلقية خالصة هتخص المعاملت بين الناس و هتبغي هتخليص اليهود من هوسهم الديني و‬ ‫جمودهم و هتصلبهم حول النصوص و الشعائر الجوفاء‪ .‬‬ ‫فسوسيولوجيا الدين عند دوركايم هتواضح لنا لماذا هتقدس الجماعة شيئا ما‪ ،‬فالسبب في ذلك‬ ‫يرجع إلى أن هذا الشيء هو الذي يجعلها متماسكة و مندمجة و متمايزة عن محيطها الطبيعي‬ ‫و النساني‪ .‬وسيلة‪ ،‬أما اليهود فقد نظروا إليها على أنها دليل صدقه و من أساسيات اليمان به‬ ‫و يعطي لنا هيجل هتأويله الخاص للكيفية التي عرف بها يسوع على أنه المسيح‪ .‬فكان اليهود‬ ‫قبل مجيء المسيح يعتقدون في قدوم شخص في المستقبل مرسل من عند الرب سيخلصهم‬ ‫من الهوان و العذاب الذي يعانونه و يسترد لهم مملكتهم الضائعة‪ ،‬و كانوا يسمون هذا‬ ‫الشخص بالمسيح المنتظر‪ .‬هتحاربه‪ ،‬و ذلك بسبب هتملك الروح اليهودية البائسة من المسيحيين‬ ‫‪:‬القداسة من منظور الدراسة السوسيولوجية للدين‬ ‫رأينا كيف درس هيجل اليهودية و المسيحية بأسلوب نقدي و كيف أبرز آراءه الفلسفية‬ ‫الجريئة في مواضوعات مثل ظاهرة الدين نفسه و الشريعة و الخلق و المؤسسة الدينية‪ .‬‬ ‫ونستطيع االستعانة في هذا المقام بأمثلة من دوركايم و هتوينبي لثبات صحة هذا القول‪.‬و كل ما هنالك‬ ‫أن المسيح وجد أن اليهود اضعاف في ناحية التفكير المجرد و غارقين في المحسوسات و ال‬ ‫يرقون إلى مستوى المبادئ الكلية‪ ،‬ووجد أنهم في الصل و من أقدم العصور و هم ينظرون‬ ‫إلى المعجزات على أنها دليل على صدق صانعها و أنه آت من عند الرب‪ ،‬و هذا ما جعل‬ ‫المعجزات اضرورة للفت انتباه قوم ال يعرفون إال ما يرونه أمامهم‪ .‬و هذه كلها مبررات دفعت السلطة الدينية اليهودية لكي هتتآمر مع الرومان لصلب‬ ‫‪.‬إال أن اليهود كانوا ينتظرون قائدا عسكريا‬ ‫منااضل يحارب أعداءهم‪ ،‬و لذلك كانت دعوة يسوع مناقضة هتماما لتصورهم عن مسيحهم‬ ‫‪( ).‬فتعاليم المسيح الخلقية في حد ذاهتها ال‬ ‫علقة لها بالمعجزات‪ ،‬فلم يكن المقصود منها أن هتكون من بين أسس اليمان‪ .‬و هنا هتكمن خطورة النبي و ذلك نظرا لقدرهته على حشد الشعب و هتعبئة عواطفه اضد‬ ‫الكهنوت‪ .

‬و من هنا جاءت قداستها‪ ،‬فهي التي حافظت على وحدة الجماعة اليهودية في‬ ‫السبي و ذلك بأن كانت مواضوعا للقراءة اليومية لما بها من هتذكير بأيامهم الخوالي و أنبياءهم‬ ‫العظام و هتراثهم البائد‪ .‬مادية يتخذونها مواضوعا للتقديس‬ ‫أما هتوينبي فيواضح لنا كيفية هتحول السفار إلى نصوص مقدسة‪ .‬زكريا‪ .‬فعند هترحيلهم لم يجد اليهود ما‬ ‫يأخذونه معهم ليتذكروا به وطنهم و هتراثهم الثقافي إال هذه الكتابات‪ ،‬فهي أخف ما يمكن أن‬ ‫يحملوه ) (‪ . Trans. Baillie.‬و يعد هذا أيضا هو السبب في أن العهد القديم يحتوي على عدد كبير‬ ‫من السفار "التاريخية" التي هتسرد أحداثا هتاريخية صرف و ال علقة لها بالدين كأخلق أو‬ ‫عقيدة‪ ،‬و لن هذه السفار هتقوم بنفس وظائف السفار الخرى‪ ،‬بل و الهم أنها هتقوم‬ ‫بوظيفة "أسطورة الصل"‪ ،‬فلم هتكن هتقل أهمية عن أسفار النبياء و الشريعة و الحكمة‪ .‬أما ما استجد في‬ ‫القرن العشرين فهو محاولة إحدى الجماعات اليهودية‪ ،‬وهم الصهاينة‪ ،‬إعادة هتأسيس إسرائيل‬ ‫في فلسطين‪ .‬أما بعد السر‪ ،‬و بعد هترحيل عشر أسباط من‬ ‫االثنى عشر سبطا إلى العراق فقد هتحولت هذه السفار التي لم هتكن إال مجموعة من النصوص‬ ‫و التراهتيل الحكم و للنبياء إلى جزء من الكتاب المقدس‪ .‬ففكرة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات و أرض الميعاد و إعادة‬ ‫بناء الهيكل و باقي الساطير الخرى هدفها إقناع يهود الشتات أنفسهم بفكرة الهجرة إلى‬ ‫…فلسطين‬ ‫كان هدف يهود الشتات طوال ألفين و خمسمائة سنة الحفاظ على وحدهتهم و دينهم في‬ ‫مجتمعات غريبة ووسط أديان أخرى منافسة‪ ،‬و قد نجحوا في ذلك بالفعل‪ .‬لكن ما حدث أن‬ ‫اليهود لم يريدوا العودة مرة أخرى‪ ،‬فقد كيفوا أنفسهم و حياهتهم مع البيئة الجديدة‪ .‬فبعد أن دمر الملك‬ ‫الفارسي قورش المبراطورية البابلية سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين‪ .‬د فؤاد )‪1‬‬ ‫‪.‬و‬ ‫بذلك يكون التحليل السوسيولوجي للمقدس عند دوركايم متفقا مع هتفسير هتوينبي لقداسة‬ ‫‪.‬علم ظهور العقل"‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت ‪1994‬‬ .‬مصطفى صفوان بعنوان‬ ‫‪".‬د حسن حنفي‪ ،‬مراجعة أ‪.‬م ‪ -‬نحميا ‪ 445‬ق‪.B.‬فقد‬ ‫رفض معظم يهود الشتات آنذاك العودة إلى فلسطين و لم هتغير إعادة هتأسيس مملكتهم من‬ ‫‪.‬و‬ ‫هذا هو الذي يحدث الن‪ . London.‬م( في يهود الشتات ليقنعوهم بالعودة إلى فلسطين‪ .‬و سعيهم الدؤوب وراء هذا الهدف طوال هتاريخهم‬ ‫كان وراء نجاهم في هتحقيقه‪ ،‬أما إعادة هتأسيس إسرائيل في فلسطين فلن يضيف جديدا لهم‪،‬‬ ‫و لن يضفي مزيدا من القداسة على دينهم‪ ،‬و لن يكون مرحلة جديدة من هتطورهم كما يعتقد‬ ‫البعض منهم‪ .‬هترجمة وهتقديم أ‪.‬و الحقيقة أن هذا ليس هو الهدف الصلي لليهود‪ ،‬فهدفهم الصلي هو الحفاظ‬ ‫على مجتمعاهتهم ووحدهتهم في الشتات‪ .‬لم هتكن فكرة إعادة هتأسيس مملكة‬ ‫إسرائيل آنذاك واجبا دينيا بل أيديولوجيا عمل على بثها ثلثة من أنبياء اليهود )زيروبابل ‪538‬‬ ‫ق‪.‬‬ ‫فاليهودية هتدين لتطورها الديني إلى السيناجوج )المعبد اليهودي(‪ ،‬ال إلى هيكل سليمان‪،‬‬ ‫ففي المعابد اليهودية المنتشرة في جميع مناطق الشتات خارج فلسطين هتمت صياغة‬ ‫اللهوت اليهودي و جمع و هتحرير كل أسفار العهد القديم و كتابة جميع كتبهم المقدسة مثل‬ ‫التلمود و الهاالكا‪ ،‬ال في هيكل سليمان ‪ .‬كما يصورون لهم أن إعادة بناء الهيكل‬ ‫يعد مرحلة جديدة في هتاريخ اليهود و هدفا دينيا لهم‪ .‬‬ ‫للفصول الربعة الولى من هذا الكتاب هترجمة عربية قام بها د‪ .‫مقدسة مثل نصوص الشريعة و خيمة االجتماع و هتابوت العهد و بعد ذلك هيكل سليمان‪ .‬لم هتكن أسفار العهد القديم‬ ‫حائزة على صفة القداسة و لم هتكن جزءا من الكتابات المقدسة مثل الوصايا العشر مثل عندما‬ ‫كان اليهود في فلسطين قبل السر البابلي‪ .‬و الدليل على ذلك ما حدث في القرنين السادس و الخامس قبل الميلد‪ . George Allen and Unwin.‬م ‪ -‬عزرا ‪458‬ق‪.‬و عندما‬ ‫وجد كبراء بني إسرائيل هذا الموقف من اليهود أخذوا يزينون لهم العودة و يصورونها لهم‬ ‫على أنها واجب ديني و إعادة لمجاد داود و سليمان‪ .‬‬ ‫‪1931.‬هذه‬ ‫الشياء كانت هي التي يلتف حولها اليهود و يجدون فيها و عبرها هويتهم ووحدهتهم و من هنا‬ ‫قدسوها‪ .‬كما يدين اليهود بجميع خصائصهم االجتماعية و‬ ‫‪.‬أما الحقيقة فهي عكس ذلك هتماما‪. By J.‬السياسية و االقتصادية إلى واضعهم في الشتات ال إلى إسرائيل القديمة‬ ‫الهوامش‬ ‫سبينوزا‪ :‬رسالة في اللهوت و السياسة‪ .‬واضعهم شيئا بعد هتحرير الفرس لهم من البابليين‬ ‫يصور الصهاينة ليهود الشتات أن هتأسيس دولة إسرائيل هو الهدف الصلي للديانة اليهودية و‬ ‫لكل جهود اليهود طوال ‪ 25‬قرنا‪ ،‬و هتنفيذا لوعد إلهي‪ .‬إنهم في الحقيقة يقدسون أنفسهم و هتجمعهم و اندماجهم في كيان واحد‪ ،‬لكن‬ ‫نظرا لوعيهم الشقي يلحقون أهميتهم و شعورهم القوي بالوحدة و بقداسة هتجمعهم بأشياء‬ ‫‪.‬مكتبة النجلو المصرية‪ ،‬الطبعة الثالثة ‪1991‬‬ ‫‪2) Hegel: The Phenomenology of Mind.‬النصوص اليهودية‬ ‫رأينا كيف يواضح هيجل االختلط بين الدين و السياسة عند اليهود‪ ،‬أما هتوينبي فيزيد من هتواضيح‬ ‫هذا االختلط و ذلك بتناوله لتاريخ بني إسرائيل بعد السر البابلي‪ .

71. 78-80. 77. 497. trans. P. By J. 183-186. 484. P.M Knox . Harper Torchbooks. 14) 338-337 ‫ ص‬،‫ رسالة في اللهوت و السياسة‬:‫سبينوزا‬. 21) ‫ أنظر‬،‫حول التناقض بين مفهوم يسوع و مفهوم اليهود عن المسيح المنتظر‬: ‫ مطبعة لجنة التأليف و‬. P. 182. 12) Ibid: P. 190. 10) 400 ‫ ص‬،‫ رسالة في اللهوت و السياسة‬:‫سبينوزا‬. http://www.org/ ‫الحوار المتمدن‬ .Swain. Oxford University Press. 5) 159 ‫ ص‬،‫ المرجع السابق‬:‫هيجل‬. 8) Ibid: P. 6) Hegel: "The Spirit of Christianity and its Fate". New York. 22) Arnold Toynbee: A Study of History. 13) Hegel: "The Positivity of the Christian Religion". New York.3) Hegel: "The Positivity of the Christian Religion" and "The Spirit of Christianity and its Fate" both in Hegel: On Christianity. P. 11) Hegel: "The Spirit of Christianity and its Fate". London.1964 ‫ القاهرة‬،‫الترجمة و النشر‬. 76. 1961. 4) 158 ‫ ص‬،‫ علم ظهور العقل‬:‫هيجل‬. 9) Ibid: P. 1965. Translated by T. 20) Ibid: P.‫ هترجمة فؤاد محمد شبل‬، "‫ مختصر"دراسة للتاريخ‬:‫أرنولد هتوينبي‬ 434 ‫ ص‬،‫ الجزء الثالث‬. 75. Volume XII: Reconsiderations. 18) Ibid: P.ahewar. 199. 21) Emile Durkheim: The Elementary Forms of The Religious Life. 1964. The Free Press. 99. 15) Hegel: "The Positivity of the Christian Religion". 198. Early Theological writings. P. 23) Ibid: P. 76. 7) Ibid: P. 17) Ibid: P. 187-188. 16) Ibid: P. 19) Ibid: P.

Master your semester with Scribd & The New York Times

Special offer for students: Only $4.99/month.

Master your semester with Scribd & The New York Times

Cancel anytime.