‫للشرع حضور في الذ ّرة حتى المج ّرة‬

‫د‪ .‬نضير الخزرجي‬
‫لو شاء ﷲ أن نفخ الروح في رفات إنسان مات قبل مئات السنين في أية بقعة من بقاع األرض‪ ،‬ثم‬
‫نشره في اليابان أو الصين أو اميركا أو باكستان أو مصر او جنوب افريقيا أو البرازيل‪ ،‬أو أية بلدة من‬
‫ھذه المعمورة‪ ،‬فإنه بال شك سيموت صعقا ً من ھول الصدمة‪،‬‬
‫وفي أحسن الفروض يسقط على وجھه مغشيا ً عليه‪ ،‬وإذا أردنا‬
‫أن نحسن الظن بمثل ھذا الرجل العائد من القبور فانه سيقول‬
‫مع نفسه أن ﷲ بعثه ليوم القيامة‪ ،‬وأنه في جرم سماوي غير‬
‫الكرة األرضية‪ ،‬ولكن إذا عرف ﱠ‬
‫أن ﷲ أخرجه من جدثه الى‬
‫األرض نفسھا‪ ،‬فالسؤال العريض الذي يقفز في ناظريه‪ :‬ھل‬
‫ھذه ھي ذات األرض التي عشت فيھا ردحا ً من الزمن؟‪ ،‬وما‬
‫ھذه األدوات واآلالت العجيبة الغريبة المتوزعة ھنا وھناك؟‪،‬‬
‫ھل ھي من صنع مخلوقات ذكية قادمة من بطن الكون‬
‫السحيق؟‪ ،‬أسئلة ال سقف لھا وال حد تتراقص في مخيلته‪ ،‬فكل‬
‫جانب من ھذه الحياة يبھره ويھوي به إلى وادي التعجب‪.‬‬
‫بل ﱠ‬
‫إن الواحد منّا اذا سافر إلى بلدان قريبة أو بعيدة يرى فيھا‬
‫من العجائب ما تعقد لسانه وحاجبيه‪ ،‬مع أنه يعيش التطور الذي‬
‫تشھده الحياة في المجاالت كافة‪ ،‬فما بالك بمن عاد من وراء‬
‫القرون؟ فال وجه للمقارنة أبداً‪.‬‬
‫ومن الوسائل التي تطورت على مر العصور‪ ،‬ويلمسھا‬
‫اإلنسان‪ ،‬ھي الطاقة‪ ،‬فاإلنسان األول كان يستخدم الحطب للتدفئة والطبخ‪ ،‬وظلت ھذه الوسيلة سارية حتى‬
‫يومنا وال يستطيع اإلنسان عنھا فكاكا ً ألنھا األقرب الى حياته المعاشية ومتوفرة في كل مكان‪ ،‬واستخدم‬
‫الفحم الحجري والفحم الخشبي‪ ،‬واستخدم القير والزفت‪ ،‬واستخدم النفط والغاز‪ ،‬واستخدم الماء الثقيل‪،‬‬
‫واليوم يستخدم الذرة لصناعة الطاقة‪ ،‬فبدأ مسلسل الطاقة من الشيء الملموس الى الشيء الذي ال يُرى‪،‬‬
‫والمسافة كبيرة‪ ،‬ال يعقلھا حتى إنسان اليوم فكيف بإنسان العھد األول والعھد القديم والعھد الوسيط والعھد‬
‫القريب؟ ومرة أخرى‪ :‬ال وجه للمقايسة أبداً‪.‬‬
‫والطاقة حالھا حال الكثير من وسائل الحياة التي تخضع لموردي الخير والشر‪ ،‬فالنار كطاقة تستخدم‬
‫تارة للتدفئة والطبخ وعمل الطابوق وصھر الحديد وأمثال ذلك‪ ،‬وتارة تستخدم لحرق المزارع وحرق‬
‫البيوت وحرق اإلنسان‪ ،‬فالطاقة ھي الطاقة ولكن االستخدام ومكانه ودواعيه وآثاره يكسبھا الخيرية أو‬
‫الشرّية‪ ،‬فتكون مفيدة مرة ومضرة ثانية‪ ،‬والذرّة على ضآلتھا فإنھا طاقة جبارة لھا أن تجعل مدينة كبيرة‬
‫مثل نيويوك تعيش النھار في الليل لضيائھا‪ ،‬ولھا أن تجعل مدينة كبيرة مثل ھيروشيما وناكازاكي في‬
‫اليابان قاعا ً صفصفا ً لنارھا‪ ،‬والقاسم المشترك في الطاقتين ھو الذرة‪.‬‬
‫ولكن كيف يتم التعامل مع الذرة بحيث ال يُساء استخدامھا في الشرور وتھديد الشعوب وابتزازھا‬
‫وسلبھا السرور‪ ،‬وھل يملك الفقه اإلسالمي الذي جاء به محمد بن عبد ﷲ)ص( ونشره انطالقا ً من جزيرة‬
‫العرب قبل خمسة عشر قرنا ً حلوالً في ترشيد استخدامات الذرة‪ ،‬وھل عرف انسان القرون الماضية الذرة‬
‫اصالً؟‬
‫ھذه األسئلة وغيرھا يستعرضھا المحقق الفقيه آية ﷲ الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة‬
‫الذرة" الصادر العام الجاري ‪2013‬م في بيروت عن بيت العلم للنابھين في ‪ 56‬صفحة حوت تمھيداً مع‬
‫‪ 75‬مسألة شرعية ق ّدم وعلّق عليھا القاضي الفقيه آية ﷲ الشيخ حسن رضا الغديري‪.‬‬
‫نعمة أم نقمة؟‬
‫اقترنت الذرة في ذھن اإلنسان باألسلحة الذرية والنووية‪ ،‬وما أنزلته القوات االميركية من دمار على‬
‫المدن اليابانية في ‪ 6‬و‪ 9‬آب أغسطس ‪1945‬م وتعرض مئات اآلالف الى الموت أو اإلعاقة البدنية‬
‫والنفسية وعموم اإلصابات الصحية التي انسحبت آثارھا الى األجيال وحتى يومنا ھذا‪ ،‬فما طبعته صور‬
‫‪1 ‬‬
‫‪ ‬‬

‫ھيروشيما وناكازاكي ومفاعل تشيرنوبيل في أوكرانيا في الذاكرة من مآس أحالت الذرة الى بعبع قاتم‬
‫وخطر داھم‪ ،‬في حين أنھا منبع الخير إذا استخدمت في مسارھا الصحيح‪ ،‬فالمشكلة ليست في الذرة‬
‫وأمثالھا وإنما في االستعماالت‪ ،‬فالحديد على سبيل المثال الذي جاء ذكره في القرآن الكريم فيه بأس شديد‬
‫ْ‬
‫اس( سورة الحديد‪ ،25 :‬يستخدم لبناء الجسور والعمارات‬
‫) َوأَ ْنز َْلنَا ْال َح ِدي َد فِي ِه بَأسٌ َش ِدي ٌد َو َمنَافِ ُع لِلنﱠ ِ‬
‫والطائرات‪ ،‬ويستخدم للتصنيع الحربي‪ ،‬وحتى األسلحة فإنھا تستخدم مرة للدفاع ومرة للعدوان‪ ،‬فالمادة‬
‫بشكل عام تدخل مدار الخير والشر حسب ارادة اإلنسان‪ ،‬وھكذا ينبغي النظر الى الذرة‪ ،‬وبتعبير الفقيه‬
‫الغديري معلّقا ً‪) :‬والحق ﱠ‬
‫أن الذرّة نعمة إلھية عظيمة ومنحة ربانية كبيرة‪ ،‬ينبغي للخيّرين اإلھتمام بكشف‬
‫ما فيھا من الفوائد واآلثار إليصال سفينة حياة اإلنسان إلى ساحل السعادة والنجاح والصالح‪ ،‬والقيام بما‬
‫يھم البشر في الوصول إلى الھدف السامي لخلقته(‪.‬‬
‫من ھنا‪ ،‬فليس من السليم التخوف من الذرة‪ ،‬مادامت لھا استخدامات كثيرة ومتعددة تنفع اإلنسان‪ ،‬وقد‬
‫ورد ذكرھا في القرآن الكريم من حيث التعريف اللغوي لھا في خمسة مواضع‪ ،‬منھا قوله تعالى‪) :‬ال‬
‫يعزبُ عنه مثقال ذرة في السموات وال في األرض( سورة سبأ‪ ،3 :‬بل على العكس‪ ،‬إن التخوف من‬
‫االستخدامات السيئة يعزز االتجاه نحو توفير الجھد في سبيل االستخدامات المفيدة لھا‪ ،‬من ھنا يرى الفقيه‬
‫الكرباسي أنه‪) :‬يجوز للمسلم وغيره أن يتعلّم العلوم المرتبطة ّ‬
‫بالذرة شرط أن ال ينوي الفساد أو اإلفساد‬
‫سواء للمجتمع أو البيئة أو غيرھما( إذ‪) :‬ال يجوز استخدام الطاقة الذرية ألغراض فاسدة كسالح فتّاك‬
‫مل بأي وجه كان حتى ْ‬
‫وإن كان الطرف اآلخر معادياً‪ ،‬حيث إنھا من السالح المفرط الذي‬
‫وسالح‬
‫دمار شا ٍ‬
‫ٍ‬
‫ال يجيزه الشرع بتاتا ً(‪ ،‬وحسب تقدير الشيخ الغديري في تعليقه على المسألة‪) :‬بل وال يجوز التعاون‬
‫وحماية الجھة المستخدمة لھا في المحرّم‪ ،‬سواء أكان من قبل شخص أو شركة أو حكومة أو جماعة‪،‬‬
‫فحكمه حينئذ كالخمر بل أش ّد منه‪ ،‬ألن الخمر يفسد الشخص‪ ،‬والطاقة الذرّية تفسد المجتمع أو البيئة إذا‬
‫استُخدمت في اإلفساد والتخريب(‪ ،‬وھو امر يثبّته الفقيه الكرباسي في مسألة أخرى إذ‪) :‬ال يجوز التعاون‬
‫مع الذين يريدون استخدام الذرّة في الوجھة غير الشرعية‪ ،‬فكل تعاون معھم مھما كان صغيراً أو بسيطا ً‬
‫أو قليالً فإنه حرام(‬
‫ولكن ھل تقف الدولة مكتوفة األيدي في مقابل دولة أخرى تھددھا بأسلحة ذرية أو نووية؟‬
‫ھنا يرى الفقيه الكرباسي أنه‪) :‬يجوز للدولة الشرعية االستفادة من الطاقة الذرية في مسائل الحرب‬
‫وصناعة األسلحة العادية التي ال تُعد من أسلحة الدمار‪ ،‬شأنھا شأن باقي المصنوعات الحربية‪ ،‬ما لم تكن‬
‫من النوع الفتّاك(‪ ،‬من ھنا‪) :‬إذا استخدمت إحدى الدول القنابل الذرية المد ّمرة فھذا ال يوجب استخدامھا‬
‫لضربھم بأمثالھا إال إذا وجد حاكم الشرع ضرورة ذلك‪ ،‬مع مراعاة كامل الحيطة واإلحتياط وبالمقدار‬
‫الضروري(‪ ،‬ويزيد الغديري أنه‪) :‬ويجب القيام لمنعھا عن استخدام الذرّة بنحو ما أمكن(‪ ،‬وكسالح ردع‪،‬‬
‫يقرر الكرباسي‪) :‬يجوز تھديد العدو باستخدام مثل ھذه القوة إن استخدمھا ھو ألنه سالح رادع قد يُجنﱢب‬
‫الوطن والمواطن آثاره المدمرة(‪ ،‬وإذا تنجّز التمكن من العدو الذي يتملك المفاعل النووي ذات‬
‫االستخدامات العسكرية‪ ،‬فال يبيح الظفر تدمير المفاعل آلثاره الخطيرة‪ ،‬إذ‪) :‬ال يجوز تفجير المركز‬
‫النووي حتى وإن كان في أرض العدو ﱠ‬
‫ألن آثاره تع ﱡم وتشمل الناس والبيئة والحيوان وغيرھا وعليھم أن‬
‫يف ّككوه بشكل سليم(‪ ،‬نعم‪) :‬إذا كان المركز النووي ُمع ّداً لإلستفادة المحرّمة فقط ويمكن تخريبه بطريقة ال‬
‫تؤثر على البيئة والناس‪ ،‬عندھا يجوز تفجيره شرط عدم إلحاق األضرار على البشر والبيئة(‪.‬‬
‫الحماية النووية‬
‫ورغم صغر الذرة وضآلة وزنھا‪ ،‬فإنھا في عالم الطاقة خطيرة للغاية‪ ،‬وألنھا كذلك فإن العاملين في‬
‫حقلھا يختلفون عن غيرھم من حيث المرتب الشھري والحماية الشخصية والعناية الذاتية‪ ،‬فھم معرّضون‬
‫ألضرارھا الجانبية‪ ،‬كما أنھم محط أنظار اآلخر المعادي حتى وإن كانت استخدامات المفاعل النووي في‬
‫المجاالت السلمية‪ ،‬وفي منطقة الشرق األوسط تظھر مثل ھذه الحساسية بخاصة وقد شھدنا على سبيل‬
‫المثال قصف مفاعل تموز النووي في بغداد في ‪ 7‬حزيران يونيو ‪1981‬م من قبل الطائرات اإلسرائيلية‪،‬‬
‫أي في الذكرى السنوية لنكسة حزيران عام ‪1967‬م‪ ،‬مستغلة انشغال نظام بغداد في الحرب التي أشعلھا‬
‫مع إيران عام ‪1980‬م وانتھت عام ‪1988‬م‪ ،‬وجرت خالل ھذه الفترة وبعدھا مقتل العديد من علماء الذرة‬
‫‪2 ‬‬
‫‪ ‬‬

‫في ظروف غامضة في العراق‪ ،‬وجرى األمر مثله مع علماء الذرة في إيران ومصر وباكستان وغيرھا‪،‬‬
‫فالقوى التي تتمنى أن ترى البلدان العربية واإلسالمية ضعيفة وأسيرة لغيرھا من مصلحتھا أن تقضي‬
‫على الرؤوس الذكية‪ ،‬السيما وأن األبحاث النووية تتطلب عقليات واعية وذھنيات متفتحة‪.‬‬
‫وألن األمر على جانب كبيرة من األھمية والخطورة‪ ،‬من ھنا يرى الفقيه الكرباسي ﱠ‬
‫أن‪) :‬التآمر على‬
‫دولة شرعية وكشف عوراتھا محرّم بما فيھا امتالكھا للطاقة النووية‪ ،‬وتشتد الحُرمة ْ‬
‫إن كان المتآمر قد‬
‫تعاونَ مع العدو(‪ ،‬ومن باب أولى‪) :‬ال يحق للعالم وكذا العامل في مثل ھذه الحقول الخطرة أن يتعامل مع‬
‫أعداء الوطن بأي شكل من أشكال التعاون وھو من المحرّمات الكبيرة‪ ،‬وما يحصل عليه من األموال يُعد‬
‫حراما ً(‪ ،‬وال يقتصر العدو على الخارج كما في تعليق الفقيه الغديري‪) :‬من دون فرق بين أعداء الداخل أو‬
‫الخارج‪ ،‬سياسية واقتصادية‪ ،‬دينية وغير دينيّة(‪ ،‬ويقتضى األمر من أجل ديمومة عمل المنشئات الذرية‬
‫والنووية المحافظة على حياة العلماء والعاملين في ھذا الحقل‪) :‬فعلى المسؤولين المحافظة على العلماء‬
‫المختصين في ھذا المجال بل كل َم ْن ھو في دائرة خطر اإلغتيال أو اإلختطاف(‪ ،‬وھذا الحكم كما يعلق‬
‫الشيخ الغديري‪) :‬يعم ويشمل جميع الحاالت سواء كانت حالة حرب أو غيرھا‪ ،‬وفي حالة الحرب يكون‬
‫أشد(‪ ،‬وألن حقل الذرة يمثل أسرار بلد وأمة وكيان ومدنية وحضارة فإنه‪) :‬ال يجوز لعلماء الذرة بل‬
‫وغيرھم ْ‬
‫أن يعرّضوا أنفسھم للمخاطر‪ ،‬وال يكونوا سببا ً لتعريض الدولة الشرعية للمخاطر(‪ ،‬ويشدد‬
‫الكرباسي أنه في حالة‪) :‬إذا اختُطف العالم أو العامل في مثل ھذه الحقول الخطيرة ال يحق له اإلفصاح عن‬
‫أمور تتعلق بأمن الوطن(‪ ،‬ويضيف الغديري معلّقا ً‪) :‬وال يجوز له ْ‬
‫أن يقي نفسه مقابل ھالك اآلخرين(‪.‬‬
‫إن موضوع الذرة والطاقة الذرية والمفاعالت النووية واستخداماتھا في السلم والحرب‪ ،‬في الخير‬
‫والشر‪ ،‬من المواضيع الشائكة في عالم اليوم وله تشعبات كثيرة على درجة كبيرة من األھمية في حياة‬
‫اإلنسانية‪ ،‬ويكاد يكون المحقق آية ﷲ الشيخ محمد صادق الكرباسي حسب مطالعاتي أ ّول الفقھاء م ّمن‬
‫تناول المسألة من جانبھا التشريعي بتفريعاتھا المختلفة‪ ،‬فاتحا ً ك ّوة لفقھاء الشريعة للخوض في ھذا‬
‫الموضوع الحساس من أجل ترشيد استعماالت الذرّة بما فيه خير البشرية وسالمة الكرة األرضية‪.‬‬
‫الرأي اآلخر للدراسات‪ -‬لندن‬

‫‪3 ‬‬
‫‪ ‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful