‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬

‫(اضغط هنا للنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على النترنت)‬
‫الكتاب ‪ :‬الفِقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‬
‫الشّامل للدلّة الشّرعيّة والراء المذهبيّة وأهمّ النّظريّات الفقهيّة وتحقيق الحاديث‬
‫النّبويّة وتخريجها‬
‫المؤلف ‪ :‬أ‪.‬د‪ .‬وَهْبَة الزّحَيِْليّ‬
‫ي وأصوله‬
‫أستاذ ورئيس قسم الفقه السلم ّ‬
‫بجامعة دمشق ‪ -‬كلّيّة الشّريعة‬
‫الناشر ‪ :‬دار الفكر ‪ -‬سوريّة ‪ -‬دمشق‬
‫الطبعة ‪ :‬الطّبعة الرّابعة المنقّحة المعدّلة بالنّسبة لما سبقها‪ ،‬وهي الطّبعة الثّانية‬
‫عشرة لما تقدّمها من طبعات مصوّرة؛ لنّ الدّار النّاشرة دار الفكر بدمشق لتعتبر‬
‫التّصوير وحده مسوّغا لتعدّد الطّبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة‪.‬‬
‫عدد الجزاء ‪10 :‬‬
‫ـ الكتاب مقابل على المطبوع ومرقّم آليّا ترقيما غير موافق للمطبوع‪.‬‬
‫ـ مذيّل بالحواشي دون نقصان‪.‬‬
‫نال شرف فهرسته وإعداده للشّاملة‪ :‬أبو أكرم الحلبيّ من أعضاء ملتقى أهل الحديث‬
‫ل تنسونا من دعوة في ظهر الغيب ‪...‬‬
‫‪...................................‬ال ِفقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‪...................................‬‬
‫‪........................................‬الجزء الول‪........................................‬‬
‫‪....................................‬هذه الطبعة الجديدة‪.....................................‬‬
‫الحمد ل رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده‪ ،‬والصلة والسلم التمان الكملن على‬
‫رسول الرحمة ومعلم المة محمد بن عبد ال‪ ،‬وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم‬
‫الدين‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فإن الفقه السلمي العظيم الذي هو نسيج السلم المتين وشرع ال الحكيم‪ ،‬والذي به صاغ المسلمون‬
‫حياتهم في ضوء النصوص الشرعية‪ ،‬فتوحدوا في العبادة والمعاملة والسلوك‪ ،‬هذا الفقه هو المنطلق‬
‫الحضاري الرائع للمة؛ لنه يبني لها أصول عزتها‪ ،‬وقوام حياتها‪ ،‬ويضع لها مخطط عملها في‬

‫المستقبل‪.‬‬
‫ولقد أسهم كتابي هذا ول الحمد والمنة في أمرين أساسيين‪ ،‬بسبب دقته وتوثيقه وتميزه بالموضوعية‬
‫والتجرد‪ ،‬وهما‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬إرشاد المسلمين والمسلمات إلى القوم‪ ،‬وتعليم الجيل أحكام دين ال وشرعه‪ ،‬في وقت اختلطت‬
‫فيه العلوم‪ ،‬وقل فيه التخصص‪ ،‬ولم يعد الفتاء في الحكم الشرعي دقيقا‪ ،‬مما زاد في الجهل ومجانبة‬
‫الصواب‪ ،‬بسبب قلة حلقات العلم ومدارسة الفقه على أيدي العلماء في المساجد والمدارس على وجه‬
‫سليم أو كاف‪.‬‬

‫( ‪)1/1‬‬
‫وثانيا ‪ -‬كان هذا الكتاب انتصارا للمذاهب في وقت تعرضت فيه لهجمة شرسة من أناس منتمين في‬
‫الظاهر للسلم‪ ،‬وهم بعيدون عنه‪ ،‬أو من آخرين يدّعون الجتهاد والتجديد‪ ،‬ويتذرعون بأخذ الحكام‬
‫الشرعية مباشرة من القرآن والسنة‪ ،‬وهم في الواقع يجهلون أبسط قواعد الستنباط من الدلة‪ ،‬بل‬
‫ربما كانوا غرباء عن العلم وأصول الشريعة واللغة العربية‪ .‬ولم يدروا أو تجاهلوا أن فقه المذاهب‬
‫فقه متين جدا‪ ،‬وعميق جدا‪ ،‬وحضاري معاصر مع الصالة‪ ،‬ليخرج عن الكتاب والسنة‪ ،‬فلكل حكم‬
‫دليله الواضح إما من نص مباشر خاص‪ ،‬أو من مجموعة نصوص تشريعية‪ ،‬أو إدراك لما قامت عليه‬
‫النصوص ذاتها من مراعاة المصالح العامة ودرء المضار والمفاسد عن الفرد والجماعة والمة‪ ،‬ول‬
‫أكون مبالغا إن قلت‪ :‬لن تخلف الدنيا أمثال أئمة المذاهب في العلم والورع والتقوى والخلص لهذه‬
‫الشريعة والحرص على استنباط الحكم الصائب ضمن مناهج الجتهاد وأصوله السليمة‪.‬‬
‫وهذه الطبعة الجديدة هي الطبعة الرابعة المنقحة المعدلة بالنسبة لما سبقها‪ ،‬وهي الطبعة الثانية عشرة‬
‫لما تقدمها من طبعات مصورة‪ ،‬لن الدار الناشرة دار الفكر بدمشق لتعتبر التصوير وحده مسوغا‬
‫لتعدد الطبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة‪ ،‬وعلى كل حال فإن آلف النسخ السابقة من خلل‬
‫ماتم تصويره قد أغنى الثقافة السلمية‪ ،‬وكان لها انتشار واضح في جميع البلد العربية والسلمية‪،‬‬
‫شرقها وغربها‪ ،‬وتميزت هذه الطبعة بما يلي‪:‬‬
‫ إحداث تغييرات جزئية‪ ،‬وتعديلت كثيرة‪ ،‬وإضافات لبحوث جديدة متعددة‪ ،‬مثل النية والباعث في‬‫العقود‪ ،‬ونظرية الفسخ‪ ،‬والتأمين وإعادة التأمين‪ ،‬والدولة السلمية‪ ،‬وإعادة صياغة بعض البواب‬
‫الفقهية كالمزارعة والستصناع مثلً‪.‬‬
‫‪ -‬إغناء الفهرسة وتطويرها بحسب أحدث مناهج الفهرسة والمكانز العربية والجنبية‪.‬‬

‫ تخريج اليات بالضافة لتخريج الحاديث النبوية الشريفة الذي كان مرعيا منذ صدور الطبعة‬‫الولى‪.‬‬

‫( ‪)1/2‬‬
‫ إضافة كثير من المسائل الجزئية والموضوعات المعاصرة‪ ،‬الملحقة بالبواب الفقهية‪ ،‬ليصير‬‫الكتاب أكثر معاصرة ومواكبة للحاجة‪ ،‬وتلبية الرغبات المتنوعة لمعرفة حكم كل جديد أو طارئ‪.‬‬
‫ إلحاق قرارات مجمع الفقه السلمي الصادرة عنه في دوراته الثماني السابقة باستثناء الدورة‬‫الولى التي لم يكن فيها توصيات أو قرارات أو فتاوى جماعية‪ ،‬وإضافة وثيقة شرعة حقوق النسان‬
‫في السلم‪.‬‬
‫ أسأل ال العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل مني هذا العمل‪ ،‬ويجعله خالصا لوجهه الكريم‪ ،‬وفي‬‫ميزان حسناتي يوم الدين؛ لن قصدي هو إغناء المعرفة بعلوم الشريعة وتصحيح القوال والفعال‬
‫وضبط أصول اللتزام‪.‬‬
‫‪................................‬بسم ال الرحمن الرحيم‪..................................‬‬
‫‪.....................................‬وبه نستعين‪........................................‬‬
‫‪........................................‬تقديم‪...........................................‬‬
‫ الحمد ل العليم الخبير‪ ،‬والصلة والسلم على سيدنا محمد البشير النذير‪ ،‬وعلى آله وصحبه أئمة‬‫الهدى ومصابيح الحياة‪ ،‬ورضي ال تبارك وتعالى عن أئمة الجتهاد من السلف الصالح صحبا‬
‫وتابعين‪ ،‬وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين‪ .‬وبعد‪:‬‬
‫ فإن تنظيم شؤون الحياة والعلقات الجتماعية بين الناس‪ ،‬ليتم على نحو صحيح في ميزان العدل‬‫اللهي والمنطق البشري‪ ،‬من دون عقيدة سامية‪ ،‬وأخلق رصينة‪ ،‬ومبادئ وأنظمة شاملة‪ ،‬تضع حدا‬
‫للفرد في ذاته وفي سره وعلنيته‪ ،‬وللسرة الخلية الولى للمجتمع‪ ،‬وللمجتمع الكبير المنتظم تحت‬
‫سلطان الدولة‪ ،‬ليعيش في أمن واستقرار‪ ،‬ويظل في تقدم إلى المام‪ ،‬وليحمي نفسه من المراض التي‬
‫قد يتعرض لها‪ ،‬والتيارات التي تغزوه وتهز كيانه‪ ،‬إما بسبب الضعف والنحلل والفساد ‪ ،‬أو بسبب‬
‫الفقر والجوع‪ ،‬أو بسبب التسلط والظلم والستعباد‪ ،‬أو بسبب الترف والهواء‪ ،‬أو بسبب طغيان المادة‬
‫على كل شيء‪ ،‬كما في عصرنا الحاضر‪.‬‬

‫( ‪)1/3‬‬

‫ ول عاصم لهذا المجتمع من التردي‪ ،‬والنحدار أو الضياع‪ ،‬إل بباعث إصلحي قوي يهز أركان‬‫النحراف‪ ،‬ويقض مضاجع الغافلين السادرين‪ ،‬ليعيد إلى النفس الشعور بالذات والثقة بها‪ ،‬وضرورة‬
‫إثبات وجودها وحيويتها وفاعليتها‪ ،‬وليس مثل القرآن العظيم‪ ،‬وسيرة نبي السلم أصدق لهجة‪ ،‬وأقوم‬
‫دعوة‪ ،‬وأخلص هدفا في تصحيح مسيرة الناس‪ ،‬قال ال تعالى‪ { :‬وبالحق أنزلناهُ وبالحق نَ َزلَ‪،‬‬
‫وماأرسلناك إل مبشرا ونذيرا } [السراء‪ { ]17/105:‬إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم‪ ،‬ويبشر‬
‫المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } [السراء‪. ]17/9:‬‬
‫ وليمكن البقاء لي دعوة تعتمد على العتقاد الداخلي أو العاطفة فقط‪ ،‬بل لبد دائما من اللتزام‬‫العملي ببعض الواجبات‪ ،‬ليكون ذلك دليلً صادقا على صحة العتقاد؛ لن اليمان الصحيح‪ :‬هو ما‬
‫وقر في القلب وصدقه العمل‪.‬‬
‫ وقد كان الفقه السلمي الذي مايزال موضع اعتزاز وفخار وتقدير بين أنواع الفقه العالمي خير‬‫صورة عملية للمسلمين‪ ،‬لبّى مطالب الناس في حكم أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم‪ ،‬وتنظيم شؤون‬
‫حياتهم‪ ،‬وفيه تبلورت بحق أحكام القرآن والسنة النبوية‪ ،‬وبه تحقق المقصد السمى والغاية الكبرى‬
‫لهذا الدين الحنيف؛ لن ماجاء به السلم من مبادئ في العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والمعاملة‬
‫المستقيمة‪ ،‬إنما يهدف في الحقيقة إلى تحقيق أغراض تهذيبية‪ ،‬تؤدي إلى تصحيح المعاملت والسلوك‬
‫الجتماعي‪ ،‬وكان الفقه الكبر‪ :‬وهو معرفة النفس مالها وماعليها‪ ،‬والفقه بالمعنى الضيق وهو الحكام‬
‫الشرعية العملية‪ :‬هو الترجمة الصادقة الدقيقة لشريعة السلم‪ ،‬ومنهاج القرآن في الحياة‪.‬‬

‫( ‪)1/4‬‬
‫ ولكن مما لشك فيه أن الفقه السلمي بحاجة ماسة إلى كتابة حديثة فيه‪ ،‬تبسط ألفاظه‪ ،‬وتنظم‬‫موضوعاته‪ ،‬وتبين مراميه‪ ،‬وتربط اجتهاداته بالمصادر الصلية له‪ ،‬وتيسر للباحث طريق الرجوع‬
‫إليه‪ ،‬للستفادة منه في مجال التقنين‪،‬وتزوده بمعادن الثروة الخصبة الضخمة التي أبدعتها عقول‬
‫المجتهدين‪ ،‬من غير تقيد باتجاه مذهبي معين؛ لن فقه مذهب ما ل يمثل فقه الشريعة كله‪ ،‬وقد بدئ‬
‫ول الحمد على هذا النحو بمحاولت كتابة موسوعة فقهية في سورية ومصر والكويت‪ ،‬ولما يكتمل‬
‫شيء منها إلى الن؛ لن للعمل الجماعي عيوبه أحيانا‪ ،‬من بطء النجاز‪ ،‬وتوزع العلماء‪ ،‬وكثرة‬
‫المشكلت‪.‬‬
‫ وكون أحد آراء الفقهاء من دون تعيين هو الحق والصواب ـ باعتبار أن الحق واحد ل يتعدد ـ‬‫ليمنع الخذ بأي رأي فقهي؛ لتعذر معرفة الصوب بسبب انقطاع الوحي والنبوة‪ ،‬إل أن يتضح لنا‬

‫رجحان الرأي بدليله القوى‪ .‬وإذا لم يتبين المر أمامنا‪ ،‬فلنأخذ في مجال وضع القوانين المستمدة من‬
‫الفقه بالرأي الذي يحقق مصلحة الناس‪ ،‬وحاجة التعامل‪ ،‬ويتلءم مع التطورات الزمنية‪ ،‬والعراف‬
‫الصحيحة التي ل تصادم الشريعة‪ ،‬وتنسجم في أفقها العام وهدفها البعيد‪ ،‬مع مبادئ السلم وروح‬
‫التشريع‪ ،‬ومقاصد الشرائع الكلية‪ ،‬وبه نحقق غاية الشريعة ومصالح الناس معا ً‪ ،‬فل يتعثر تطبيق‬
‫الشريعة‪ ،‬ول يصطدم بأصولها العامة‪ ،‬أو بأحكامها الثابتة المقررة في نصوصها‪ ،‬فإن الخذ‬
‫بالنصوص ليكون بتعطيلها‪ ،‬بل بتخصيصها وتأويلها والجتهاد في فهمها‪ ،‬فكثيرا ماخصص الفقهاء‬
‫النص الشرعي بالتعامل‪ ،‬وقرروا بناء الحكام على العرف‪.‬‬

‫( ‪)1/5‬‬
‫ وكل هذا يتم على وفق نظرة إسلمية شاملة متكاملة‪ ،‬ل بمجرد ترقيع الواقع المخالف في أسسه‬‫بمظاهر إسلمية‪ ،‬وترك الجوهر والمضمون الحقيقي‪ ،‬ول بمجرد تطعيم القوانين والنظمة بنموذج‬
‫إسلمي مبتور الجذور والصول عن بقية أحكام شرع ال تعالى‪ ،‬كالبدء بتطبيق العقوبات الشرعية‬
‫( الحدود مثلً ) في مجتمع ما غريب عن السلم في التربية والتعليم‪ ،‬والجتماع والقتصاد‪ ،‬والمنهج‬
‫والحياة‪ ،‬والتنظيم المستورد المفروض قسرا على المة‪.‬‬
‫ وبما أنني ما زلت مؤمنا بأن المستقبل للسلم وفقهه وتشريعاته‪ ،‬وإن عطل بعض الناس النتفاع‬‫بنظامه‪ ،‬بالقوانين الوضعية المستوردة‪ ،‬فإني حريص على بيان أحكام هذا الفقه؛ لن ذلك التعطيل ردة‬
‫موقوتة ليس لها دعائم بقاء أو استقرار أو احترام في أذهان المسلمين‪ ،‬بدليل ظهور صحوة مباركة‬
‫في بداية هذا القرن الخامس عشر الهجري‪ ،‬وبروز اتجاه قوي نحو العودة بالفعل لتطبيق الشريعة‬
‫السلمية في شتى المجالت‪ ،‬وقد بدأت فعلً لجان علمية متخصصة تنفذ قرارات وزراء العدل‬
‫العرب بوضع قانون موحد مستمد من الشريعة السلمية في النطاقين المدني والجنائي بالضافة إلى‬
‫مشروع قانون موحد في الحوال الشخصية وقد أنجز أغلب هذه المشروعات‪.‬‬
‫ منهج هذا الكتاب ‪:‬‬‫ يمكن إبراز بعض مزايا هذا الكتاب في الفقه على النحو الجديد في التأليف تحقيقا واستنباطا‬‫وأسلوبا وتبويبا وتنظيما وفهرسة واستدللً بما يأتي‪:‬‬

‫( ‪)1/6‬‬

‫ ً‪ - 1‬إنه كتاب فقه الشريعة السلمية المعتمد على الدليل الصحيح من القرآن والسنة والمعقول‪ ،‬ل‬‫فقه السنة وحدها‪ ،‬ول فقه الرأي وحده‪ ،‬إذ ليس عمل المجتهد معتبرا بغير العتماد على القرآن‬
‫والسنة‪ .‬ومعرفة أحكام الشرع الفقهية التي هي مجرد أمر وصفي وبيان مسلّمات‪ ،‬لتكوّن قناعة عقلية‬
‫ول متعة نفسية‪ ،‬ول طمأنينة للعالم والمتعلم إذا جاءت من غير دليل‪ ،‬كما أن العلم بدليل الحكم يخرج‬
‫من ربقة الجمود على التقليد المذموم في القرآن إلى التباع المقرون بالبصيرة الذي اشترطه الئمة‬
‫فيمن يتلقى العلم عنهم‪ ،‬ثم إن أدلة الحكام هي روح الفقه‪ ،‬ودراستها رياضة للعقل‪ ،‬وتربية له‪،‬‬
‫وتكوين للملكة الفقهية لدى كل متفقه‪.‬‬
‫ وبكلمة موجزة‪ :‬يمتاز هذا الكتاب الشامل فقه المذاهب باعتماده ــ وهو اعتماد المذاهب السلمية‬‫نفسها ــ على استنباط أحكامه من مختلف مصادر التشريع السلمي النقلية والعقلية ( الكتاب‬
‫والسنة والجتهاد بالرأي المعتمد على روح التشريع الصلية العامة ) فمن قصر الفقه السلمي على‬
‫القرآن وحده فقد بتر أو مسخ السلم من جذوره‪ ،‬وكان أقرب لعداء الدين‪ ،‬ومن حصر الفقه بالسنة‬
‫وحدها فقد قصّر وأساء‪ ،‬وعاش قاصر الطرف عن شؤون الحياة‪ ،‬وبعد عن التفاعل أو التجاوب مع‬
‫متطلبات الناس‪ ،‬وتحقيق مصالحهم‪ ،‬ومن المعروف أنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع ال ودينه‪،‬‬
‫وأن زعماء مدرسة الحديث ( مالك والشافعي وأحمد ) أخذوا بالمصالح المرسلة والعرف والعادة وسد‬
‫الذرائع وغيرها من أدلة الجتهاد بالرأي‪ ،‬كما أن زعماء مدرسة الرأي كالنخعي وربيعة الرأي وأبي‬
‫حنيفة وأصحابه لم يهملوا بتاتا سنة أو أثرا أو اجتهادا عن السلف‪.‬‬

‫( ‪)1/7‬‬
‫ ً‪ - 2‬وهو ليس كتابا مذهبيا محدودا‪ ،‬وإنما هو فقه مقارن بين المذاهب الربعة (الحنفية والمالكية‬‫والشافعية والحنابلة) وبعض المذاهب الخرى أحيانا‪ ،‬بالعتماد الدقيق في تحقيق كل مذهب على‬
‫مؤلفاته الموثوقة لديه‪ ،‬والحالة على المصادر المعتمدة عند أتباعه؛ لن نقل حكم في مذهب من كتب‬
‫المذاهب الخرى ليخلو من الوقوع في غلط في بيان الرأي الراجح المقرر‪ ،‬وقد عثرت على أمثلة‬
‫كثيرة من هذا النوع‪ ،‬آثرت عدم الشارة إليها‪ ،‬حرصا على الموضوعية واليجابية فيما يقرر‪ ،‬وبعدا‬
‫عن تفسيرات فجة‪ ،‬وعصبيات مذهبية ضيقة‪ ،‬وتنزها عن المغالة في تقديس كل جزئيات الكتب‬
‫الفقهية‪ .‬وقد لقي هذا النوع من الدراسة والبيان لفقه المذاهب الربعة إقبالً شديدا وحرصا تاما على‬
‫المطالعة والستفادة‪ ،‬وهو يتفق مع التجاه العالمي للدراسة المقارنة‪ ،‬ويسهم في البعد عن العصبية‬
‫المذهبية أو يزيلها من النفس‪ .‬ومع ذلك فإني أحاول دائما التنويه بالرأي الموحد بين فقهاء المذاهب‪،‬‬

‫ل في مجرد العناوين لحكام فقهية‪ ،‬بل في الشروط والتفصيلت أيضا‪.‬‬
‫ ً‪ - 3‬فيه الحرص على بيان صحة الحديث‪ ،‬وتخريج وتحقيق الحاديث التي استدل بها الفقهاء‪،‬‬‫حتى يتبين القارئ طريق السلمة‪ ،‬فيأخذ الرأي الذي صح دليله‪ ،‬ويترك من دون أسف كل رأي متكئ‬
‫ل بالصل العام في‬
‫على حديث ضعيف‪ .‬وإذا لم أذكر ضعف الحديث فلنه مقبول صحيح‪ ،‬عم ً‬
‫الحديث‪.‬‬
‫ ً‪ - 4‬إنه كتاب يستوعب مختلف الحكام الفقهية للمسائل الصلية‪ ،‬وموازنة القضايا الفقهية في كل‬‫مذهب مع المذاهب الخرى‪ ،‬حتى يتحقق التقابل بين الراء‪ ،‬ويجد الباحث ضالته المنشودة لمعرفة‬
‫الحكم المطلوب في المذهب الذي يطمئن إليه‪ ،‬ومقابلة الجزئيات المذهبية مع المذاهب الخرى‬
‫والموازنة بين الراء‪ .‬وبالرغم من كونه أمرا عسيرا‪ ،‬فإنه يحقق هدف القارئ‪ ،‬ويروي ظمأه‪.‬‬

‫( ‪)1/8‬‬
‫ ً‪ - 5‬فيه تركيز على الجوانب العملية أو الواقعية‪ ،‬وبعد عن المسائل الفرضية البعيدة الحصول‪،‬‬‫وإهمال لكل مايتعلق بالرق والعبيد‪ ،‬لعدم الحاجة إليه بعد إنهاء هذه المشكلة وإلغاء الرق من العالم‪،‬‬
‫إل على سبيل اللمام التاريخي واستكمال تصور المسائل الفقهية أحيانا‪.‬‬
‫ ً‪ - 6‬قد أذكر ترجيحا بين الراء بحسب مايبدو لي‪ ،‬وبخاصة في مقابلة الحديث الضعيف‪ ،‬أو لما‬‫أرى في مذهب ما من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ومضرة‪.‬‬
‫ وإذا لم أصرح بالترجيح‪ ،‬فالولى العمل برأي الكثرين أو الجمهور؛ لن الكثرة يحصل بها‬‫الترجيح‪ ،‬فيقدم رأي الجمهور إل إذا لم يكن ملئما لظروف الحياة الشرعية المعاصرة في المعاملت‬
‫أو لم يترجح لدى مجتهد ما‪.‬‬
‫ ويجوز تقليد كل مذهب إسلمي معتمد عند الغلبية‪ ،‬وإن أدى إلى التلفيق (‪ ، )1‬عند الضرورة أو‬‫الحاجة أو العجز والعذر؛ لن الصحيح جوازه عند المالكية وجماعة من الحنفية‪ ،‬كما يجوز الخذ‬
‫بأيسر المذاهب أو تتبع الرخص (‪ )2‬عند الحاجة أو المصلحة لعبثا وتلهيا وهوى؛ لن دين ال يسر‬
‫ل عسر‪ ،‬فيكون القول بجواز التلفيق من باب التيسير على الناس‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬يريد ال بكم اليسر‪،‬‬
‫وليريد بكم العسر} [البقرة‪{ ،]2/185:‬وما جعل عليكم في الدين من‬
‫ ‪-------------------------------‬‬‫‪ )1( -‬التلفيق‪ :‬هو التيان بكيفية ليقول بها كل مجتهد على حدة‪.‬‬

‫ (‪ )2‬تتبع الرخص‪ :‬أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون له وأيسر فيما يطرأ عليه من‬‫المسائل‪ .‬حرج} [الحج‪ { ،]22/78:‬يريد ال أن يخفف عنكم‪ ،‬وخلق النسان ضعيفا} [النساء‪.]4/28:‬‬

‫( ‪)1/9‬‬
‫ وليجوز تتبع الرخص عبثا أو لهوى ذاتي‪ ،‬بأن يأخذ النسان من كل مذهب ماهو الخف عليه‪،‬‬‫من غير ضرورة ول عذر‪ ،‬سدا لذرائع الفساد بالنحلل من التكاليف الشرعية‪ ،‬وليجوز التلفيق الذي‬
‫يؤدي إلى نقض حكم الحاكم؛ لن حكمه يرفع الخلف درءا للفوضى‪ ،‬ول التلفيق الذي يؤدي إلى‬
‫الرجوع عما عمل به المرء تقليدا‪ ،‬أو إلى مصادمة أمر مجمع عليه‪ ،‬أو الوقوع في محظور شرعي‪،‬‬
‫كالتزوج بامرأة بل ولي ولصداق ول شهود‪ ،‬مقلدا كل مذهب فيما ليقول به الخر ‪ ،‬أو تحليل‬
‫المبتوتة بتزويجها من غلم صغير‪.‬‬
‫ ً‪ - 7‬سهولة السلوب‪ ،‬وتبسيط الكلم‪ ،‬وبيان المثال‪ ،‬والتبويب والمنهج القرب لفهم أهل العصر‬‫ومألوفهم‪ ،‬وتحقيق الرأي الراجح في كل مذهب‪ ،‬ووضع الضوابط الكلية‪ ،‬ليسهل التعرف على الحكام‬
‫من غير استطراد ولبعثرة للمسائل‪ ،‬فيصبح الفقه قريب المنال بأسلوبه وتنظيمه وتبويبه‪ ،‬بعد أن كان‬
‫أحيانا عصي الفهم‪ ،‬غريب السلوب‪ ،‬بعيد الدراك‪ ،‬حتى بالنسبة للمتخصص الذي يلقى صعوبة في‬
‫التعرف على حكم فقهي معين في ثنايا المسائل الكثيرة المتشابكة‪ ،‬وقد يحتاج لجهد كبير ووقت طويل‬
‫للطلع على باب فقهي برمّته‪ ،‬أو اللجوء إلى أكثر من كتاب في الموضوع ذاته‪ .‬وحينئذ ليبقى عذر‬
‫لحد في محاولة التهرب من تطبيق أحكام الفقه السلمي‪ ،‬بعد أن أزيل غموضه‪ ،‬ورفعت حواجز‬
‫الوهم والتعقيد والصعوبة في فهمه من بطون الكتب القديمة الغاصة بثروة وكنوز لمثيل لها في‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫ ً‪ - 8‬حاولت بحث بعض القضايا الجديدة وبخاصة في هذه الطبعة التاسعة‪ ،‬ليتعايش الناس معها‪،‬‬‫مستلهما قواعد الشريعة ومبادئها ومقررات الفقهاء‪ ،‬ويظل الباب مفتوحا أمام المزيد من البحوث‬
‫والجتهادات الجزئية؛ لن فضل ال لينقطع‪ ،‬ومواهبه وعطاياه لتنحصر في زمن دون آخر‪ ،‬ول‬
‫على أشخاص دون غيرهم‪.‬‬

‫( ‪)1/10‬‬
‫ ويظل رائدي إلى البد قوله تعالى‪{ :‬إنما يخشى الَ من عباده العلماء} [فاطر‪ ،]35/28:‬وقوله‬‫سبحانه‪{ :‬وقل‪ :‬رب زدني علما} [طه‪ ،]20/114:‬وقوله صلّى ال عليه وسلم فيما يرويه البخاري‬

‫ومسلم‪« :‬من يرد ال به خيرا‪ ،‬يفقهه في الدين» وما يرويه البخاري‪« :‬رب مبلّغ أوعى من سامع» ‪.‬‬
‫ ومع أن هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير وصبر وأناة‪ ،‬وتعاون فئة من العلماء‪ ،‬فقد صممت على‬‫الكتابة مستعينا بال تعالى‪ ،‬لتقريب الفقه إلى الناس‪ ،‬سواء العالم والمتعلم‪ ،‬من غير تعصب لرأي‬
‫مذهبي معين؛ لن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها‪ ،‬ولن المساهمة في تقدم العلم بحسب‬
‫مايرى العالم من الحاجة أمر واجب على العلماء‪ ،‬لن «العلم يزكو بالنفاق» كما قال سيدنا علي‬
‫رضي ال عنه‪،‬خصوصا مايتطلب البحث والتتبع والستقصاء‪ ،‬والتحقيق وبيان الراجح دليلً ومذهبا‪،‬‬
‫راجيا من ال تعالى أن يحقق به النفع‪ ،‬وأن يكون سبيلً للجر وادخار الثواب عند ال تعالى بعد‬
‫الموت وانتهاء الجل‪ ،‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم فيما يرويه البخاري في الدب المفرد‪ ،‬ومسلم‬
‫وأصحاب السنن إل ابن ماجه عن أبي هريرة‪« :‬إذا مات النسان انقطع عمله‪ ،‬إل من ثلث‪ :‬صدقة‬
‫جارية‪ ،‬أو علم ينتفع به‪ ،‬أو ولد صالح يدعو له» (‪ )1‬وقال ابن عمر رضي ال عنه‪« :‬مجلس فقه‬
‫خير من عبادة ستين سنة» وجزى ال والدي رحمه ال الذي حبب إلي هذا العلم‪ ،‬وجزى ال أيضا‬
‫أساتذتي في الزهر وسورية على أفضالهم علي خير الجزاء‪.‬‬
‫ فإن أصبت الهدف المرجّى‪ ،‬فهو من فضل ال تعالى‪ ،‬ول أدعي العصمة والكمال والحاطة بكل‬‫شيء في الفقه‪ ،‬فذلك من صفات ال وحده‪ ،‬وأعترف سلفا بعجزي وقصوري‪ ،‬قال ال سبحانه‪:‬‬
‫{وماأوتيتم من العلم إل قليلً} [السراء‪ ،]17/85:‬وإنما هو عمل ليعدو أن يكون محاولة في البيان‬
‫والترتيب وتقريب الفقه للناس‪ ،‬والموازنة بين أحكامه في المذاهب الربعة ونحوها‪ ،‬وال ولي‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لكن رمز له السيوطي بالضعف ويظهر أنه تصحيف مطبعي؛ لن الحديث صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/11‬‬
‫ {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين‪ ،‬واجعل لي لسان صدق في الخرين‪ ،‬واجعلني من ورثة‬‫جنة النعيم} [الشعراء‪.]85-84-26/83:‬‬
‫ الباعث المباشر على تأليف هذا الكتاب‪:‬‬‫ كان المسلم في الصدر الول وِحْدة متكاملة‪ ،‬يجمع بين شؤون الدين والدنيا والخرة‪ ،‬في انسجام‬‫والتزام دقيق متوازن‪ ،‬سواء في شخصه وأسرته أم في سلوكه وعمله في الحياة‪ ،‬وسواء أكان حاكما‬
‫قائدا‪ ،‬أم رعية من آحاد المسلمين العاديين‪ ،‬فكان إذا دعا داعي الجهاد مثلً هبّ كالسد الهصور‬

‫للدفاع المستميت عن دين ال تعالى وعزة السلم وحرمات المسلمين‪ ،‬وإن طرأت قضية تهم الجماعة‬
‫أو المجتمع في السياسة والحكم أو في القضايا الجتماعية أو في مجال الفتاء‪ ،‬بادر إلى تقديم كل‬
‫مايمكنه من عمل مثمر أو فكر متفتح منتج مستلهما العون اللهي‪ ،‬مبتغيا تحقيق مرضاة ال تعالى‪.‬‬
‫ واليوم تشعبت اتجاهات المسلمين ومسالكهم‪ ،‬فلم يعد التوجه للسلم في قمة عناية المسلم وعمله‪،‬‬‫وأصبح العمل البنّاء من أجل الصالح العام أمرا قليل الهمية أو عسير التحقيق‪ ،‬وانصرف غالب‬
‫الناس من مليين المسلمين الموزعين في زهاء إحدى وخمسين دولة الن إلى أعمالهم الخاصة‪،‬‬
‫تشغلهم ثروتهم أو تجارتهم أو عملهم الحر أو تثقيفهم أنفسهم بثقافات نظرية أو عملية معاصرة طغت‬
‫على الثقافة السلمية الصيلة‪.‬‬

‫( ‪)1/12‬‬
‫ وأصبح من الصعب العثور على فهم إيجابي للمسلم لحياة العصر‪ ،‬بسبب ازدواج الثقافة العلمية‬‫المادية والشرعية‪ ،‬أو بسبب العمل بالتقنينات الوضعية المستوردة والنظريات القتصادية الحديثة‪ .‬لكن‬
‫يظل في أعماق الساحة السلمية قلّة من الرجال أو الشباب الذين فهموا ما يتطلبه السلم‪ ،‬وحياة‬
‫المسلم المعاصر‪ ،‬من احتياجات مع زحمة أعباء الحياة‪ ،‬لمعرفة شؤون الحلل والحرام في المعاملت‬
‫أو أحكام التكاليف الشرعية‪ ،‬فقدروا مايضر وماينفع‪ ،‬وبعدوا عن العيش بالعاطفة وحدها‪.‬‬
‫ ولقد كان لصحاب دار الفكر في دمشق‪ ،‬فضل القتراح علي بتأليف كتاب فقهي جامع لكل نواحي‬‫الفقه السلمي‪ ،‬ينسجم مع أسلوب ‪،‬وحاجات المسلم في الوقت الراهن الذي لم يعد يقبل بديلً عن‬
‫التسلح بالقناعة الفكرية‪ ،‬والطمئنان الذاتي لصحة الحكم الشرعي المؤيد بالدليل‪ ،‬فبادرت إلى تلبية‬
‫الدعوة وتنفيذ القتراح بجهد متواصل وعمل مضن‪ ،‬حتى وفقني ال تعالى لنجاز المطلوب‪ ،‬بعد أن‬
‫لمست فائدة هذا المنهج في القبال على دراسة واقتناء وتدريس ثلثة أجزاء من هذا الكتاب عن‬
‫المعاملت والعقود بعنوان ( الفقه السلمي في أسلوبه الجديد ) في أكثر من ست جامعات عربية‪.‬‬
‫ فللخوة أصحاب دار الفكر كل التقدير والشكر الجزيل‪ ،‬ولهم من ال تعالى المثوبة وحسن الجزاء‬‫على نشر هذا الكتاب وطبعه وتمويله وإخراجه في أجمل مظهر من الطباعة النيقة الحديثة‪ ،‬وجزاهم‬
‫ال خير الجزاء‪ .‬مقدمات ضرورية عن الفقه‬
‫ لبد قبل البدء في بحث الحكام الشرعية من بيان معلومات تتناول ما يأتي‪:‬‬‫‪ -‬معنى الفقه وخصائصه‪ ،‬لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب‪ ،‬مراتب الفقهاء وكتب الفقه‪ ،‬اصطلحات‬

‫الفقه والمؤلفين في المذاهب‪ ،‬أسباب اختلف الفقهاء‪ ،‬الضوابط الشرعية للخذ بأيسر المذاهب وخطة‬
‫البحث‪.‬‬

‫( ‪)1/13‬‬
‫ المطلب الول ـ معنى الفقه وخصائصه‪:‬‬‫ الفقه لغة‪ :‬الفهم (‪ ، )1‬ومنه قوله تعالى‪{ :‬قالوا‪ :‬ياشعيب‪ ،‬ما نفقه كثيرا مما تقول} [هود‪،]11/91:‬‬‫وقوله سبحانه‪{ :‬فما لهؤلء القوم ليكادون يفقهون حديثا} [النساء‪. ]4/78:‬‬
‫ وفي الصطلح الشرعي‪ :‬عرفه أبو حنيفة رحمه ال تعالى بأنه «معرفة النفس مالها وما عليها» (‬‫‪ )2‬والمعرفة‪ ( :‬هي إدراك الجزئيات عن دليل )‪ .‬والمراد بها هنا سببها‪ :‬وهو الملكة الحاصلة من‬
‫تتبع القواعد مرة بعد أخرى‪.‬‬
‫ وهذا تعريف عام يشمل أحكام العتقاديات‪ ،‬كوجوب اليمان ونحوه‪ ،‬والوجدانيات أي الخلق‬‫والتصوف‪ ،‬والعمليات كالصلة والصوم والبيع ونحوها‪ ،‬وهذا هو الفقه الكبر‪ .‬وعموم هذا التعريف‬
‫كان ملئما لعصر أبي حنيفة الذي لم يكن الفقه فيه قد استقل عن غيره من العلوم الشرعية‪ ،‬ثم استقل‪،‬‬
‫فأصبح علم الكلم ( التوحيد ) يبحث في العتقاديات‪ ،‬وعلم الخلق والتصوف كالزهد والصبر‬
‫والرضا وحضور القلب في الصلة ونحوها‪ ،‬يبحث في الوجدانيات‪ .‬وأما الفقه المعروف حاليا‬
‫فموضوعه أصبح مقصورا على معرفة ما للنفس وما عليها من الحكام العملية‪ ،‬وعندئذ زاد الحنفية‬
‫في التعريف كلمة ( عملً ) لتخرج العتقاديات والوجدانيات‪.‬‬
‫ وعرف الشافعي رحمه ال الفقه بالتعريف المشهور بعده عند العلماء بأنه‪ :‬العلم بالحكام الشرعية‬‫العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (‪. )3‬‬
‫ والمقصود بالعلم هنا‪ :‬هو الدراك مطلقا الذي يتناول اليقين والظن؛ لن الحكام العملية قد تثبت‬‫بدليل قطعي يقيني‪ ،‬كما تثبت غالبا بدليل ظني‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يقال‪ :‬فقه يفقه كعلم يعلم‪ ،‬أي فهم مطلقا‪ ،‬سواء أكان الفهم دقيقا أم سطحيا‪ ،‬ويقال‪ :‬فقه يفقه مثل‬
‫كرم يكرم‪ ،‬أي صار الفقه له سجية‪ .‬ويقال‪ :‬تفقه الرجل تفقها‪ :‬أي تعاطى الفقه‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪:‬‬
‫{ليتفقهوا في الدين} [التوبة‪.]9/122:‬‬
‫(‪ )2‬مرآة الصول‪ ،44/1:‬التوضيح لمتن التنقيح‪. 10/1 :‬‬

‫(‪ )3‬شرح جمع الجوامع للمحلي‪ 32/1 :‬ومابعدها‪ ،‬شرح السنوي‪ ،24/1:‬شرح العضد لمختصر ابن‬
‫الحاجب‪ ،18/1 :‬مرآة الصول‪ ،50/1 :‬المدخل إلى مذهب أحمد‪:‬ص ‪.58‬‬

‫( ‪)1/14‬‬
‫ والحكام‪ :‬جمع حكم‪ ،‬وهو مطلوب الشارع الحكيم‪ ،‬أو هو خطاب ال تعالى المتعلق بأفعال المكلفين‬‫اقتضاء أو تخييرا أو وضعا‪ .‬والمراد بالخطاب عند الفقهاء‪ :‬هو الثر المترتب عليه‪ ،‬كإيجاب الصلة‪،‬‬
‫وتحريم القتل‪ ،‬وإباحة الكل‪ ،‬واشتراط الوضوء للصلة‪.‬‬
‫ واحترز بعبارة ( العلم بالحكام ) عن العلم بالذوات والصفات والفعال‪.‬‬‫ و( الشرعية )‪ :‬المأخوذة من الشرع‪ ،‬فيحترز بها عن الحكام الحسية مثل‪ :‬الشمس المشرقة‪،‬‬‫والحكام العقلية مثل‪ :‬الواحد نصف الثنين‪ ،‬والكل أعظم من الجزء‪ ،‬والحكام اللغوية أو الوضعية‪،‬‬
‫مثل‪ :‬الفاعل مرفوع‪ ،‬أو نسبة أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا مثل زيد قائم‪ ،‬أو غير قائم‪.‬‬
‫ و( العملية )‪ :‬المتعلقة بالعمل القلبي كالنية‪ ،‬أو غير القلبي مما يمارسه النسان مثل القراءة والصلة‬‫ونحوها من عمل الجوارح الباطنة والظاهرة‪ .‬والمراد أن أكثرها‬
‫عملي‪ ،‬إذ منها ماهو نظري‪ ،‬مثل اختلف الدين مانع من الرث‪ .‬واحترز بها عن الحكام العلمية‬
‫والعتقادية‪ ،‬كأصول الفقه‪ ،‬وأصول الدين كالعلم بكون الله واحدا سميعا بصيرا‪ .‬وتسمى العملية‬
‫أحيانا‪ ( :‬الفرعية) والعتقادية‪( :‬الصلية)‪.‬‬
‫ و(المكتسب) صفة للعلم‪ :‬ومعناه المستنبط بالنظر والجتهاد‪ ،‬وهو احتراز عن علم ال تعالى‪ ،‬وعلم‬‫ملئكته بالحكام الشرعية‪ ،‬وعلم الرسول صلّى ال عليه وسلم الحاصل بالوحي‪ ،‬ل بالجتهاد‪ ،‬وعلمنا‬
‫بالبدهيات أوالضروريات التي لتحتاج إلى دليل ونظر‪ ،‬كوجوب الصلوات الخمس‪ ،‬فل تسمى هذه‬
‫المعلومات فقها‪ ،‬لنها غير مكتسبة‪.‬‬

‫( ‪)1/15‬‬
‫ والمراد بالدلة التفصيلية‪ :‬ما جاء في القرآن‪ ،‬والسنة‪ ،‬والجماع‪ ،‬والقياس‪ .‬واحترز بها عن علم‬‫المقلد لئمة الجتهاد‪ ،‬فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة يعملها بدليل تفصيلي‪ ،‬بل بدليل واحد يعم‬
‫جميع أعماله‪ ،‬وهو مطالبته بسؤال أهل الذكر والعلم‪ ،‬فيجب عليه العمل بناء على استفتاء منه‪ .‬هذا‪..‬‬
‫وقد أصبح الفقه أخيرا كما في قواعد الزركشي‪ :‬هو معرفة أحكام الحوادث نصا واستنباطا‪ ،‬على‬
‫مذهب من المذاهب‪.‬‬

‫ل كالصلة‪ ،‬أو تركا كالغصب‪،‬‬
‫ وموضوع الفقه ‪ :‬هو أفعال المكلفين من حيث مطالبتهم بها‪ ،‬إما فع ً‬‫أو تخييرا كالكل‪.‬‬
‫ والمكلفون ‪ :‬هم البالغون العاقلون الذين تعلقت بأفعالهم التكاليف الشرعية‪.‬‬‫ خصائص الفقه ‪:‬‬‫ الفقه ‪ :‬هو الجانب العملي من الشريعة‪ ،‬والشريعة‪ :‬كل ماشرع ال تعالى لعباده من الحكام‪ ،‬سواء‬‫بالقرآن‪ ،‬أم بالسنة‪ ،‬وسواء ماتعلق منها بكيفية العتقاد‪ ،‬ويختص بها علم الكلم أو علم التوحيد‪ ،‬أو‬
‫بكيفية العمل‪ ،‬ويختص بها علم الفقه‪.‬‬
‫ وقد بدأت نشأة الفقه تدريجيا في حياة النبي صلّى ال عليه وسلم وفي عصر الصحابة‪ ،‬وكان سبب‬‫نشوئه وظهوره المبكر بين الصحابة هو حاجة الناس الماسة إلى معرفة أحكام الوقائع الجديدة‪ ،‬وظلت‬
‫الحاجة إلى الفقه قائمة في كل زمان لتنظيم علقات الناس الجتماعية‪ ،‬ومعرفة الحقوق والواجبات‬
‫لكل إنسان‪ ،‬وإيفاء المصالح المتجددة‪ ،‬ودرء المضار والمفاسد المتأصلة والطارئة‪.‬‬
‫ ويمتاز الفقه السلمي بعدة مزايا أو خصائص أهمها مايأتي (‪: )1‬‬‫‪-------------------------------‬‬‫ (‪ )1‬راجع فجر السلم لحمد أمين‪ ،‬وتاريخ الفقه السلمي للسايس وتاريخ التشريع للخضري‪،‬‬‫والسياسة الشرعية لشيخ الزهر سابقا الدكتور عبد الرحمن تاج‪ ،‬والموال ونظرية العقد للدكتور‬
‫محمد يوسف موسى‪ :‬ص ‪ ،154-136‬المدخل الفقهي للستاذ مصطفى الزرقاء‪ :‬ف‪ 4-2/‬و ‪ً 2 090‬‬

‫( ‪)1/16‬‬
‫ ‪ - ً 1‬أساسه الوحي اللهي ‪ :‬يتميز الفقه عن غيره من القوانين الوضعية بأن مصدره وحي ال‬‫تعالى المتمثل في القرآن والسنة النبوية‪ ،‬فكل مجتهد مقيد في استنباطه الحكام الشرعية بنصوص‬
‫هذين المصدرين‪ ،‬وما يتفرع عنهما مباشرة‪ ،‬وماترشد إليه روح الشريعة‪ ،‬ومقاصدها العامة‪،‬‬
‫وقواعدها ومبادئها الكلية‪ ،‬فكان بذلك كامل النشأة‪ ،‬سوي البنية‪ ،‬وطيد الركان‪ ،‬لكتمال مبادئه‪ ،‬وإتمام‬
‫قواعده‪ ،‬وإرساء أصوله في زمن الرسالة وفترة الوحي على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال تعالى {‬
‫اليوم أكملت لكم دينكم‪ ،‬وأتممت عليكم نعمتي‪ ،‬ورضيت لكم السلم دينا } [المائدة‪ ،]5/3:‬ولم يبق‬
‫بعدئذ إل التطبيق على وفق المصالح البشرية التي تنسجم مع مقاصد الشريعة‪.‬‬
‫ ‪ ً 2‬ــ شموله كل متطلبات الحياة ‪ :‬يمتاز الفقه السلمي عن القوانين بأنه يتناول علقات النسان‬‫الثلث‪ :‬علقته بربه‪ ،‬وعلقته بنفسه‪ ،‬وعلقته بمجتمعه‪ ،‬لنه للدنيا والخرة‪ ،‬ولنه دين ودولة‪ ،‬وعام‬

‫للبشرية وخالد إلى يوم القيامة‪ ،‬فأحكامه كلها تتآزر فيها العقيدة والعبادة والخلق والمعاملة‪ ،‬لتحقق‬
‫ــ بيقظة الضمير‪ ،‬والشعور بالواجب‪ ،‬ومراقبة ال تعالى في السر والعلن‪ ،‬واحترام الحقوق‪ -‬غاية‬
‫الرضا والطمأنينة واليمان والسعادة والستقرار‪ ،‬وتنظيم الحياة الخاصة والعامة وإسعاد العالم كله‪.‬‬
‫ ومن أجل تلك الغاية‪ :‬كانت الحكام العملية (الفقه) وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من‬‫أقوال ‪ ،‬وأفعال وعقود ‪،‬وتصرفات‪ ،‬شاملة نوعين‪:‬‬

‫( ‪)1/17‬‬
‫ الول‪ :‬أحكام العبادات‪ :‬من طهارة وصلة وصيام وحج وزكاة ونذر ويمين‪ ،‬ونحو ذلك مما يقصد‬‫به تنظيم علقة النسان بربه‪ .‬وقد ورد في القرآن عن العبادات بأنواعها نحو (‪ )140‬آية‪.‬‬
‫ الثاني‪ :‬أحكام المعاملت‪ :‬من عقود وتصرفات وعقوبات ‪،‬وجنايات‪ ،‬وضمانات‪ ،‬وغيرها مما يقصد‬‫به تنظيم علقات الناس بعضهم ببعض‪ ،‬سواء أكانوا أفرادا أم جماعات‪ .‬وهذه الحكام تتفرع إلى ما‬
‫يلي‪:‬‬
‫ أ ــ الحكام التي تسمى حديثا بالحوال الشخصية‪ :‬وهي أحكام السرة من بدء تكوينها إلى‬‫نهايتها من زواج وطلق ونسب ونفقة وميراث‪، ،‬يقصد بها تنظيم علقة الزوجين والقارب بعضهم‬
‫ببعض‪.‬‬
‫ ب ــ الحكام المدنية‪ :‬وهي التي تتعلق بمعاملت الفراد ومبادلتهم من بيع وإجارة ورهن‬‫وكفالة وشركة ومداينة ووفاء باللتزام‪ ،‬ويقصد بها تنظيم علقات الفراد المالية حفظ حق المستحق‪.‬‬
‫وقد ورد في المجموعة المدنية في القرآن نحو سبعين آية‪.‬‬
‫ جـ ــ الحكام الجنائية‪ :‬وهي التي تتعلق بما يصدر من المكلف من جرائم‪ ،‬ومايستحقه عليها من‬‫عقوبات‪ ،‬ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم‪ ،‬وتحديد علقة المجني عليه‬
‫بالجاني وبالمة‪ ،‬وضبط المن‪ .‬وقد ورد في المجموعة الجنائية في القرآن نحو ثلثين آية‪.‬‬
‫ د ــ أحكام المرافعات أو الجراءات المدنية أو الجنائية‪ :‬وهي التي تتعلق بالقضاء والدعوى‬‫وطرق الثبات بالشهادة واليمين والقرائن وغيرها‪ ،‬ويقصد بها تنظيم الجراءات لقامة العدالة بين‬
‫الناس‪ .‬وقد ورد في القضاء والشهادة ومايتعلق بها في القرآن نحو (عشرين ) آية‪.‬‬
‫هـ ــ الحكام الدستورية‪ :‬وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله‪ ،‬ويقصد بها تحديد علقة الحاكم‬
‫بالمحكوم‪ ،‬وتقرير ما للفراد والجماعات من حقوق‪ ،‬وماعليهم من واجبات‪.‬‬

‫( ‪)1/18‬‬

‫ و ــ الحكام الدولية‪ :‬وهي التي تتعلق بتنظيم علقةِ الدولةِ السلميةِ بغيرها من الدول في السّلمِ‬‫وَالحْ َربِ‪ ،‬وعلقة غير المسلمين المواطنين بالدولة‪ ،‬وتشمل ُ الجهاد َ والمعاهداتِ‪ .‬ويقصد بها تحديد‬
‫نوع العلقة والتعاون والحترام المتبادل بين الدول‪.‬‬
‫ ز ــ الحكام القتصادية والمالية‪ :‬وهي التي تتعلق بحقوق الفراد المالية والتزاماتهم في نظام‬‫المال‪ ،‬وحقوق الدولة وواجباتها المالية‪ ،‬وتنظيم موارد الخزينة ونفقاتها‪ .‬ويقصد بها تنظيم العلقات‬
‫المالية بين الغنياء والفقراء‪ ،‬وبين الدولة والفراد‪ .‬وهذه تشمل أموال الدولة العامة والخاصة‪،‬‬
‫كالغنائم والنفال والعشور (ومنها الجمارك) والخراج (ضريبة الرض) والمعادن الجامدة والسائلة‬
‫وموارد الطبيعة المخلوقة‪ ،‬وأموال المجتمع كالزكاة والصدقات والنذور والقروض‪ ،‬وأموال السرة‬
‫كالنفقات والمواريث والوصايا‪ ،‬وأموال الفراد كأرباح التجارة‪ ،‬والجارة‪ ،‬والشركات‪ ،‬وكل مرافق‬
‫الستغلل المشروع‪ ،‬والنتاج‪ ،‬والعقوبات المالية‪ ،‬كالكفارات والديات والفدية‪.‬‬
‫ ح ــ الخلق أو الداب ( المحاسن والمساوئ )‪ :‬وهي التي تحد من جموح النسان‪ ،‬وتشيع‬‫أجواء الفضيلة والتعاون والتراحم بين الناس‪.‬‬
‫ وكان سبب اتساع الفقه هو ما جاء في السنة النبوية من الحاديث الكثيرة في كل باب من هذه‬‫البواب‪.‬‬
‫ ‪ ً 3‬ــ اتصافه بالصفة الدينية حلً وحرمة‪ :‬يفترق الفقه عن القانون الوضعي في أن كل فعل أو‬‫تصرف مدني في المعاملت يتصف بوجود فكرة الحلل والحرام فيه‪ ،‬مما يؤدي إلى اتصاف أحكام‬
‫المعاملت بوصفين‪:‬‬
‫ أحدهما ـ دنيوي يبنى على ظاهر الفعل أو التصرف‪ ،‬ول علقة له بالمر المستتر الباطني‪ ،‬وهو‬‫الحكم القضائي؛ لن القاضي يحكم بما هو مستطاع‪ .‬وحكمه ليجعل الباطل حقا‪ ،‬والحق باطلً في‬
‫الواقع‪ ،‬وليحل الحرام وليحرم الحلل في الواقع‪ .‬ثم إن القضاء ملزم‪ ،‬بعكس الفتوى‪.‬‬

‫( ‪)1/19‬‬
‫ والثاني ــ حكم أخروي يبنى على حقيقة الشيء والواقع‪ ،‬وإن كان خفيا عن الخرين‪ ،‬ويعمل به‬‫فيما بين الشخص وبين ال تعالى‪ .‬وهو الحكم الدياني‪ .‬وهذا مايعتمده المفتي‪ ،‬والفتوى‪ :‬هي الخبار‬
‫عن الحكم الشرعي من غير إلزام‪ .‬ومنشأ هذه التفرقة‪ :‬حديث النبي صلّى ال عليه وسلم فيما يرويه‬
‫مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة‪ « :‬إنما أنا بشر‪ ،‬وإنكم تختصمون إلي‪ ،‬ولعل بعضكم أن يكون‬
‫ألحن (‪ )1‬بحجته من بعض‪ ،‬فأقضي له على نحوٍ مما أسمع‪ ،‬فمن قضيت له بحق مسلم‪ ،‬فإنما هي‬

‫قطعة من النار‪ ،‬فليأخذها أو ليتركها » وسبب وجود هذين الوصفين‪ :‬أن الشريعة وحي ال‪ ،‬لها ثواب‬
‫وعقاب أخروي‪ ،‬وهي نظام روحي ومدني معا‪ ،‬لنها جاءت لخيري الدنيا والخرة‪ ،‬أو الدين والدنيا‪.‬‬
‫ وتظهر ثمرة التفرقة مثلً في الطلق واليمان والديون والبراء والكراه ونحوها‪ ،‬وبناء عليه‪،‬‬‫اختلفت وظيفة القاضي عن وظيفة المفتي‪ ،‬فالقاضي يصدر حكمه بناء على المر الظاهر فقط‪،‬‬
‫والمفتي يراعي الباطن والظاهر معا‪ ،‬فإذا اختلفا بني حكمه على الباطن إذا بان له‪.‬‬
‫ فمن طلق امرأته خطأ غير قاصد الطلق‪ ،‬يقع منه قضاء ول يقع ديانة‪ ،‬ومن أبرأ مدينه دون أن‬‫يعلمه بذلك‪ ،‬ثم رفع الدعوى على المدين مطالبا بسداد الدين‪ ،‬فالقضاء يقضي له بقبض الدين‪ ،‬والفتوى‬
‫تمنعه من ذلك لوجود البراء‪.‬‬
‫ وقد أدى وجود هذه النزعة الدينية أو الوازع الديني الداخلي إلى إضفاء صفة الهيبة والحترام‬‫للنظمة الشرعية‪ ،‬وإلى صيانة الحقوق بجانب النزعة المادية التي تلحظها فقط القوانين الوضعية؛‬
‫لن الشريعة ترعى العتبارين معا‪ :‬العتبار القضائي والعتبار الدياني‪.‬‬
‫ ‪ ً 4‬ــ ارتباط الفقه بالخلق‪ :‬يختلف الفقه عن القانون في تأثره بقواعد الخلق‪ ،‬فليس للقانون‬‫الوضعي إل غاية نفعية وهي العمل على حفظ النظام واستقرار المجتمع‪ ،‬وإن أهدرت بعض مبادئ‬
‫الدين والخلق‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ألحن بحجته أي أفطن وأحسن بيانا لها‪.‬‬

‫( ‪)1/20‬‬
‫أما الفقه فيحرص على رعاية الفضيلة والمثل العليا والخلق القويمة‪ ،‬فتشريع العبادات من أجل‬
‫تطهير النفس وتزكيتها وإبعادها عن المنكرات؛ وتحريم الربا بقصد بث روح التعاون والتعاطف بين‬
‫الناس‪ ،‬وحماية المحتاجين من جشع أصحاب المال؛ والمنع من التغرير والغش في العقود وأكل المال‬
‫بالباطل ‪ ،‬وإفساد العقود بسبب الجهالة ونحوها من عيوب الرضا‪ ،‬من أجل إشاعة المحبة وتوفير‬
‫الثقة‪ ،‬ومنع المنازعة بين الناس‪ ،‬والسمو عن أدران المادة‪ ،‬واحترام حقوق الخرين؛ والمر بتنفيذ‬
‫العقود قصد به الوفاء بالعهد؛ وتحريم الخمر للحفاظ على مقياس الخير والشر وهو العقل‪.‬‬
‫ وإذا تآزر الدين والخلق مع التعامل‪ ،‬تحقق صلح الفرد والمجتمع‪ ،‬وسعادتهما معا‪ ،‬وتهيأ سبيل‬‫الخلود في النعمى في عالم الخرة‪ ،‬والمل بالخلود هو مطمح البشرية من قديم الزمان‪ .‬وبذلك تكون‬
‫غاية الفقه هي خير النسان حقا في الحال والمآل‪ ،‬وإسعاده في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫ ثم إن التأثر بالدين والخلق يجعل الفقه أكثر امتثالً وأشد احتراما وطاعة‪ ،‬أما القوانين فيكثر‬‫الفلت من سلطانها‪.‬‬

‫( ‪)1/21‬‬
‫ ‪ ً 5‬ــ الجزاء على المخالفة دنيوي وأخروي‪ :‬يمتاز الفقه عن القانون الذي يقرر جزاء دنيويا فقط‬‫على المخالفة بأن لديه نوعين من الجزاء على المخالفات‪ :‬الجزاء الدنيوي من عقوبات مقدرة‬
‫( الحدود ) وغير مقدرة ( التعازير )‪ ،‬على العمال الظاهرة للناس‪ ،‬والجزاء الخروي على أعمال‬
‫القلو ب غير الظاهرة للناس‪ ،‬كالحقد والحسد وقصد الضرار بالخربن إذا اتخذ مظهرا إيجابيا‪،‬‬
‫وعلى العمال الظاهرة التي لم يعاقب عليها في الدنيا‪ ،‬إما بسبب إهمال عقوبتها‪ ،‬كتعطيل الحدود‬
‫اليوم في أغلب الدول‪ ،‬أو لعدم إثباتها في الظاهر‪ ،‬أو لعدم اطلع السلطة عليها كذلك الجزاء في الفقه‬
‫إيجابي وسلبي‪ ،‬إيجابي لن فيه ثوابا على طاعة الوامر وامتثالها‪ ،‬وسلبي لنه يقرر ثوابا على‬
‫اجتناب النواهي والمعاصي والكف عنها‪ .‬أما القانون فيقتصر على تقرير جزاءات سلبية على مخالفة‬
‫أحكامه‪ ،‬دون تقرير ثواب على حالة امتثال قواعده‪.‬‬
‫ ‪ -ً 6‬النزعة في الفقه جماعية‪ :‬أي أن فيه مراعاة لمصلحة الفرد والجماعة معا‪ ،‬دون أن تطغى‬‫واحدة على الخرى‪ ،‬ومع ذلك تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد عند تعارض المصلحتين‪،‬‬
‫كما أنه عند تعارض مصلحة شخصين‪ :‬تقدم مصلحة من يصيبه أكبر الضررين‪ ،‬تطبيقا لقاعدة ( ل‬
‫ضرر ول ضرار ) و( يدفع أكبر الضررين بالخف منهما )‪.‬‬
‫ فمن أمثلة رعاية مصلحة الجماعة‪ :‬تشريع العبادات من صلة وصوم ونحوهما‪ ،‬وحل البيع وتحريم‬‫الربا‪ ،‬وتحريم الحتكار ثم البيع بثمن المثل‪ ،‬ومشروعية التسعير الجبري‪ ،‬وإقامة الحدود على أخطر‬
‫المنكرات‪ ،‬وتنظيم السرة‪ ،‬ورعاية حقوق الجار‪ ،‬والوفاء بالعقود‪ ،‬والبيع الجبري للمصلحة العامة‬
‫كبناء المساجد والمدارس والمشافي‪ ،‬وإنشاء المقابر‪ ،‬وتوسيع الطرق ومجاري النهار‪.‬‬

‫( ‪)1/22‬‬
‫ ومن أمثلة تقييد حق الفرد عند ضرر الجماعة‪ ،‬أو حدوث ضرر أكبر‪ :‬عدم إلزام الزوجة بطاعة‬‫زوجها إذا أضرّ بها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة‪ ،]2/231:‬وعدم إطاعة‬
‫الحاكم إذا أمر بمعصية‪ ،‬أو تنكر للمصلحة العامة؛ لن الطاعة في المعروف‪ ،‬ولقول رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم فيما رواه أحمد‪ « :‬السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره‪ ،‬مالم يؤمر‬

‫بمعصية‪ ،‬فإن أمر بمعصية‪ ،‬فل سمع ول طاعة» ‪.‬‬
‫ ومن أمثلته‪ :‬تقييد جواز الوصية بثلث المال منعا من إضرار الورثة‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه‬‫وسلم لسعد بن أبي وقاص فيما يرويه البخاري ومسلم‪« :‬الثلث والثلث كثير‪ ،‬إنك أن تذر ورثتك‬
‫أغنياء خير من أن تذرهم عالة‪ ،‬يتكففون الناس» أي فقراء يسألون الناس بأكفهم‪.‬‬
‫ ومن أمثلته‪ :‬ترك الراضي المفتوحة بيد أهلها على أن يدفعوا ضريبة الجزية والخراج‪ ،‬توفيرا‬‫لمورد عام للخزينة‪ ،‬ورعاية لمصلحة المسلمين العامة‪ ،‬ومنه تشريع الشفعة للشريك أو للجار دفعا‬
‫للضرر الذي قد يحدث من المشتري الجديد‪ .‬ومنه إمرار الماء في أرض الغير لرواء الرض البعيدة‬
‫عن مجرى الماء‪ .‬ونحو ذلك من المثال التي تصدر عن مبدأ واحد في السلم‪ ،‬وهو أن مصدر‬
‫الحق‪ :‬هو ال الذي ليمنحه لحد إل لغرض حكيم هو تحقيق الخير للفرد وللمجتمع معا‪.‬‬
‫ ‪ - ً 7‬الفقه صالح للبقاء والتطبيق الدائم‪ :‬إن فقه المبادئ الخالدة ليتغير كالتراضي في العقود‪،‬‬‫وضمان الضرر‪ ،‬وقمع الجرام وحماية الحقوق‪ ،‬والمسؤولية الشخصية‪ ،‬أما الفقه المبني على القياس‬
‫ومراعاة المصالح والعراف‪ ،‬فيقبل التغير والتطور بحسب الحاجات الزمنية‪ ،‬وخير البشرية‪،‬‬
‫والبيئات المختلفة زمانا ومكانا‪ ،‬مادام الحكم في نطاق مقاصد الشريعة وأصولها الصحيحة‪ ،‬وذلك في‬
‫دائرة المعاملت ل في العقائد والعبادات‪ ،‬وهذا هو المراد بقاعدة ( تتغير الحكام بتغير الزمان )‪.‬‬

‫( ‪)1/23‬‬
‫ ‪ - ً 8‬إن الغاية من توطئة الفقه وتعبيد طرق الوصول إليه هي الفادة الكاملة منه على الصعيد‬‫الفردي‪ ،‬وعلى الصعيد الرسمي باستمداد القوانين في كل بلد السلم منه؛ لن غايته خير النسان‬
‫وإسعاده في الدارين‪ ،‬أما غاية القوانين الحالية فهي مجرد استقرار المجتمع‪.‬‬
‫ وقد اشتمل الفقه السلمي على فروع القوانين المختلفة كما بينا‪ ،‬ويمكن معرفة حكم مشكلت‬‫العصر كالتأمين ونظام المصارف ونظام البورصات وقواعد النقل الجوي والبحري ونحوها بالقواعد‬
‫الفقهية الكلية‪ ،‬والجتهاد المستند إلى القياس والستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف‬
‫وغيرها‪ ،‬كما يمكن صياغة الفقه على أساس النظريات العامة كما هو الشأن في دراسة القوانين‪ ،‬مثل‬
‫نظرية الضمان‪،‬ونظرية الضرورة‪ ،‬ونظرية العقد‪ ،‬ونظرية الملكية‪ ،‬والمؤيدات الشرعية المدنية‬
‫والجزائية ونظرية الحق‪ ،‬والتعسف في استعمال الحق‪ ،‬والظروف الطارئة وغيرها‪ .‬وأجاز بعض‬
‫الفقهاء خلفا ً للكثرية تخصيص النصوص بالعرف كعدم إلزام المرأة الشريفة القدر بإرضاع ولدها‬
‫عند المالكية (‪ ، )1‬ومثل أخذ أبي يوسف بالعرف في مقياس الموال الربوية كيلً أو وزنا لتحقيق‬

‫المساواة وعدمها‪ ،‬فإذا تبدل عرف التعامل‪ ،‬فأصبح بيع المال الربوي كالقمح والشعير وزنيا بعد أن‬
‫كان كيليا‪ ،‬أو العكس‪ ،‬عمل به‪ ،‬وينظر حينئذ للتساوي وزنا أو كيلً بحسب المتعارف بين الناس‪.‬‬
‫ كما أجاز بعضهم تغير الحكم لتغير علته كإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم (‪ ، )2‬واعتماد حساب أوائل‬‫الشهور العربية على الحساب‪ ،‬ل على الرؤية (‪. )3‬‬
‫ وأجاز آخرون تغير الحكم بالضرورة أو الحاجة دفعا للحرج والضرر عن الناس بشرط توافر‬‫معنى الضرورة والحاجة شرعا‪ ،‬والترخيص بالقدر اللزم فقط لزالة الضرورة وتحقيق الحاجة‪ ،‬لن‬
‫« الضرورة تقدر بقدرها » (‪ ، )4‬والضرورة‪ :‬هي التي تهدد المرء بهلك نفسه أو نسله‪ ،‬أو تلف‬
‫ماله‪ ،‬أو ذهاب عقله إذا لم يقدم على الشيء الممنوع‪ .‬والحاجة‪ :‬ما يترتب على عدم استعمال الشيء‬
‫الممنوع من حرج ومشقة تصيب النسان في نفسه أو ولده أو ماله أو عقله‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬والتحقيق أن هذا من قبيل تفسير النص الغامض أو المجمل بالعرف‪ ،‬وليس من قبيل التخصيص‪.‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ 14/2 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رسالة أحمد شاكر في أوائل الشهور العربية‪.‬‬
‫(‪ )4‬انظر كتابنا نظرية الضرورة الشرعية‪.‬‬

‫( ‪)1/24‬‬
‫ والعمل بالفقه في الجملة واجب إلزامي؛ لن المجتهد يجب عليه أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده‪ ،‬وهو‬‫بالنسبة إليه حكم ال تعالى‪ .‬وعلى غير المجتهد أن يعمل بفتوى المجتهد‪ ،‬إذ ليس أمامه طريق آخر‬
‫لمعرفة الحكم الشرعي سوى الستفتاء لقوله تعالى‪{ :‬فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ل تعلمون} [النبياء‪:‬‬
‫‪ .]21/7‬وإنكار حكم من أحكام الشريعة التي ثبتت بدليل قطعي‪ ،‬أو زعم قسوة حكم ما كالحدود مثلً‪،‬‬
‫أو ادعاء عدم صلحية الشريعة للتطبيق‪ ،‬يعتبر كفرا وردة عن السلم‪ .‬أما إنكار الحكام الثابتة‬
‫بالجتهاد المبني على غلبة الظن فهو معصية وفسق وظلم؛ لن المجتهد بذل أقصى جهده لمعرفة‬
‫الحق وبيان حكم ال تعالى‪ ،‬بعيدا عن أي هوى شخصي‪ ،‬أو مأرب نفعي‪ ،‬أو طلب سمعة أو شهرة‬
‫زائفة‪ ،‬وإنما مستنده الدليل الشرعي‪ ،‬ورائده الحق‪ ،‬وشعاره المانة والصدق والخلص‪.‬‬

‫( ‪)1/25‬‬

‫ وسبيل العودة إلى العمل بالفقه‪ :‬هو تقنينه (‪ )1‬أي صياغته في مواد مبسطة تيسيرا لرجوع القضاة‬‫ل لمر المتقاضين بمعرفة الحكم الذي يتقاضى على أساسه‪ .‬ويتم‬
‫إليه‪ ،‬وتوحيدا لحكام القضاة‪ ،‬وتسهي ً‬
‫هذا من طريق لجنة من علماء المذاهب لنتقاء الحكم من أي مذهب حسبما يرون من المصلحة‪،‬‬
‫ويكون عمل اللجنة جادا وسريعا‪ ،‬حتى إذا ما انتهت من أعمالها أصدر الحاكم ‪-‬وهنا العقدة‪ -‬أمرا‬
‫باعتماد القانون المستمد من الفقه‪ ،‬تجاوبا مع تطلعات الناس بالرجوع إلى الشريعة وفقه القرآن‬
‫والسنة‪ ،‬وفي ذلك راحة للنفوس‪ ،‬وطمأنينة للقلوب تزول بها تلك الزدواجية بين الدين والحياة‬
‫والنظمة السائدة‪.‬‬
‫ولعل في مثل هذا المؤلّف ما ييسر الطريق أمام هؤلء المقننين‪ ،‬وليس في المر صعوبة إذا صدقت‬
‫النية وتوافرت العزيمة‪ ،‬وكان الحاكم جادا في تنفيذ هذه الخطوة الجريئة التي ل تتم إل بصدق‬
‫السلم‪ ،‬والقتناع الحر‪ ،‬والقدرة على مواجهة التحديات والتخرصات والضاليل‪.‬‬
‫ المطلب الثاني ـ لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب‪:‬‬‫ الفقيه أو المفتي‪ :‬هو المجتهد‪ ،‬والمجتهد‪ :‬هو الذي حصلت له ملكة يقتدر بها على استنباط الحكام‬‫من أدلتها‪ .‬وإطلق كلمة الفقيه أو المفتي أخيرا على متفقهة المذاهب من باب المجاز والحقيقة‬
‫العرفية‪ .‬والفتاوى الصادرة في زماننا هي مجرد نقل كلم المفتي (المجتهد) ليأخذ به المستفتي‪،‬‬
‫وليست هي بفتوى حقيقة‪.‬‬
‫ والمذهب‪ :‬لغة‪ :‬مكان الذهاب وهو الطريق‪ .‬واصطلحا‪ :‬الحكام التي اشتملت عليها المسائل‪.‬‬‫شبهت بمكان الذهاب بجامع أن الطريق يوصل إلى المعاش‪ ،‬وتلك الحكام توصل إلى المعاد (‪. )2‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر مزايا التقنين ومناقشة معارضيه في كتابنا « جهود تقنين الفقه السلمي » مؤسسة الرسالة‪،‬‬
‫ط ‪1408‬هـ ـ ‪1987‬م‪.‬‬
‫(‪ )2‬بجيرمي الخطيب‪.45/1 :‬‬

‫( ‪)1/26‬‬
‫ ولقد بدأت نواة المذاهب في عصر الصحابة كما أشرنا سابقا‪ ،‬فكان مثلً مذهب عائشة‪ ،‬ومذهب‬‫عبد ال بن عمر‪ ،‬ومذهب عبد ال بن مسعود وغيرهم‪ ،‬ثم في عصر التابعين اشتهر فقهاء المدينة‬
‫السبعة (وهم سعيد بن المسيب‪ ،‬وعروة بن الزبير‪ ،‬والقاسم بن محمد‪ ،‬وخارجة بن زيد‪ ،‬وأبو بكر بن‬
‫عبد الرحمن بن حارث ابن هشام‪ ،‬وسليمان بن يسار‪ ،‬وعبيد ال بن عبد ال بن عتبة بن مسعود)‬

‫ونافع مولى عبد ال بن عمر‪ .‬ومن أهل الكوفة‪ :‬علقمة بن مسعود‪ ،‬وإبراهيم النخعي شيخ حماد بن‬
‫أبي سليمان شيخ أبي حنيفة‪ ،‬ومن أهل البصرة‪ :‬الحسن البصري‪.‬‬
‫وهناك بين التابعين فقهاء آخرون‪ :‬مثل عكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح‪ ،‬وطاوس بن‬
‫كيسان‪ ،‬ومحمد بن سيرين‪ ،‬والسود بن يزيد‪ ،‬ومسروق بن العرج‪ ،‬وعلقمة النخعي‪ ،‬والشعبي‪،‬‬
‫وشريح‪ ،‬وسعيد بن جبير‪ ،‬ومكحول الدمشقي‪ ،‬وأبو إدريس الخولني‪.‬‬
‫ وفي أول القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري وهو الدور الذهبي للجتهاد‪ ،‬لمع في‬‫الفق ثلثة عشر مجتهدا دونت مذاهبهم‪ ،‬وقلدت آراؤهم وهم (‪ : )1‬سفيان بن عيينة بمكة‪ ،‬ومالك بن‬
‫أنس بالمدينة‪ ،‬والحسن البصري بالبصرة‪ ،‬وأبو حنيفة وسفيان الثوري (‪ 161‬هـ) بالكوفة‪،‬‬
‫والوزاعي (‪157‬هـ) بالشام‪ ،‬والشافعي والليث بن سعد بمصر‪ ،‬وإسحاق بن راهويه بنيسابور‪ ،‬وأبو‬
‫ثور وأحمد‪ ،‬وداود الظاهري‪ ،‬وابن جرير الطبري ببغداد‪.‬‬
‫ إل أن أكثر هذه المذاهب لم يبق إل في بطون الكتب‪ ،‬لنقراض أتباعها‪ ،‬وظل بعضها قائما‬‫مشهورا إلى يومنا هذا‪ ،‬وسأذكر هنا لمحة موجزة عن أئمة المذاهب الكبرى الثمانية المعروفة عند‬
‫أهل السنة والشيعة‪ ،‬وبعض الفرق المعتدلة‪.‬الذين مايزال أتباعهم موجودين كالباضية‪ ،‬أو الذين فقدوا‬
‫الشياع والتباع كالظاهرية (‪. )2‬‬
‫ أولً ـ أبو حنيفة ـ النعمان بن ثابت (‪ 150- 80‬هـ) مؤسس المذهب الحنفي‪:‬‬‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تاريخ الفقه السلمي للسايس‪ :‬ص ‪.86‬‬
‫(‪ )2‬إن أفضل مايقرأ عن الئمة المجتهدين ماكتبه عنهم أستاذنا المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة‪.‬‬

‫( ‪)1/27‬‬
‫ هو المام العظم أبو حنيفة‪ ،‬النعمان بن ثابت بن ُزوَطَى الكوفي من أبناء فارس الحرار‪ ،‬ولد عام‬‫(‪ ،) 80‬وتوفي عام (‪ 150‬هـ ) رحمه ال‪ ،‬عاصر أوج الدولتين الموية والعباسية‪ .‬وهو من أتباع‬
‫التابعين‪ ،‬وقيل‪ :‬من التابعين‪ ،‬لقي أنس ابن مالك‪ ،‬وروى عنه حديث‪ « :‬طلب العلم فريضة على كل‬
‫مسلم » ‪.‬‬
‫ وهو إمام أهل الرأي‪ ،‬وفقيه أهل العراق‪ ،‬صاحب المذهب الحنفي‪ ،‬قال الشافعي عنه‪ « :‬الناس في‬‫الفقه عيال على أبي حنيفة » ‪ ،‬كان تاجر قماش بالكوفة‪.‬‬
‫‪ -‬أخذ علمه في الحديث والفقه عن أكثر أعيان العلماء‪ ،‬وتفقه في مدة ثمانية عشر عاما بصفة خاصة‬

‫بحمّاد بن أبي سليمان‪ ،‬الذي أخذ الفقه عن إبراهيم النخعي‪ ،‬تشدد في قبول الحديث‪ ،‬وتوسع في القياس‬
‫والستحسان‪ .‬وأصول مذهبه‪ :‬الكتاب والسنة والجماع والقياس والستحسان‪ .‬له في علم الكلم كتاب‬
‫الفقه الكبر‪ ،‬كما له مسند في الحديث‪ ،‬ولم يؤثرعنه كتاب في الفقه‪.‬‬
‫ وأشهر تلمذته أربعة‪:‬‬‫ ‪ً 1‬ـ أبو يوسف‪ ،‬يعقوب بن إبراهيم الكوفي (‪182-113‬هـ)‪ :‬قاضي القضاة في عهد الرشيد‪ ،‬كان‬‫له الفضل الكبر على مذهب أبي حنيفة في تدوين أصوله‪ ،‬ونشر آرائه في أقطار الرض‪ ،‬وكان‬
‫مجتهدا مطلقا‪.‬‬

‫( ‪)1/28‬‬
‫ ‪ ً 2‬ــ محمد بن الحسن الشيباني (‪189-132‬هـ)‪ :‬ولد بواسط‪ ،‬وكان والده من أهل حرستا‬‫بدمشق‪ ،‬ونشأ بالكوفة‪ ،‬وعاش في بغداد‪ ،‬وتوفي بالري‪ ،‬تفقه أولً على أبي حنيفة‪ ،‬ثم أتم تعلمه على‬
‫أبي يوسف‪ ،‬ولزم مالك بن أنس مدة‪ ،‬وانتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف‪ ،‬وكان نابغة‬
‫من أذكياء العلم ومجتهدا مطلقا‪ ،‬صنف التصانيف الكثيرة التي حفظ بها فقه أبي حنيفة‪ ،‬فهو صاحب‬
‫الفضل في تدوين المذهب الحنفي‪ ،‬وكتبه ( ظاهر الرواية ) هي الحجة المعتمدة عند الحنفية‪ ً 3 .‬ــ‬
‫أبو الهذيل‪ ،‬زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي (‪ 158-110‬هـ)‪ :‬ولد في أصبهان‪ ،‬وتوفي بالبصرة‪،‬‬
‫كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي‪ ،‬ومهر في القياس‪ ،‬حتى صار أقيس تلمذة أبي حنيفة‬
‫وأصحابه‪ ،‬وكان مجتهدا مطلقا‪.‬‬
‫ل لبي حنيفة‪ ،‬ثم للصاحبين‪:‬‬
‫ ‪ ً 4‬ــ الحسن بن زياد اللؤلؤي (المتوفى عام ‪ 204‬هـ )‪ :‬تتلمذ أو ً‬‫أبي يوسف ومحمد‪ ،‬اشتهر برواية الحديث‪ ،‬وبرواية آراء أبي حنيفة‪ ،‬لكن روايته دون رواية كتب‬
‫( ظاهر الرواية ) للمام محمد‪ ،‬ولم يبلغ في الفقه درجة أبي حنيفة وصاحبيه‪.‬‬
‫ ثانيا ــ مالك بن أنس (‪ 179-93‬هـ) مؤسس المذهب المالكي‪:‬‬‫ هو المام مالك بن أنس بن أبي عامر الصبحي (‪ ، )1‬إمام دار الهجرة فقها وحديثا بعد التابعين‪،‬‬‫ولد في عهد الوليد بن عبد الملك ومات في عهد الرشيد في المدينة رحمه ال‪ ،‬ولم يرحل منها إلى بلد‬
‫آخر‪ ،‬عاصر كأبي حنيفة الدولتين الموية والعباسية‪ ،‬لكنه أدرك من الدولة العباسية حظا أوفر‪ ،‬وقد‬
‫اتسعت الدولة السلمية في عصر هذين المامين‪ ،‬فامتدت من المحيط الطلسي غربا إلى الصين‬
‫شرقا‪ ،‬ووصلت إلى أواسط أوربا بفتح الندلس‪.‬‬
‫‪ -‬طلب العلم على علماء المدينة‪ ،‬ولزم عبد الرحمن بن هرمز مدة طويلة‪ ،‬وأخذ عن نافع مولى ابن‬

‫عمر وابن شهاب الزهري‪ ،‬وشيخه في الفقه ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي‪.‬‬
‫ كان إماما في الحديث وفي الفقه‪ ،‬وكتابه ( الموطأ ) كتاب جليل في الحديث‬‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نسبة إلى ذي أصبح‪ :‬قبيلة من اليمن‪.‬‬

‫( ‪)1/29‬‬
‫والفقه‪ ،‬قال عنه الشافعي رحمه ال‪ « :‬مالك أستاذي‪ ،‬وعنه أخذت العلم‪ ،‬وهو الحجة بيني وبين ال‬
‫تعالى‪ ،‬وما أحد أمنّ علي من مالك‪ ،‬وإذا ذكر العلماء‪ ،‬فمالك النجم الثاقب » بنى مذهبه على أدلة‬
‫عشرين‪ :‬خمسة من القرآن‪ ،‬وخمسة مماثلة لها مؤ السنة‪ ،‬وهي نص الكتاب‪ ،‬وظاهره وهو العموم‪،‬‬
‫ودليله وهو مفهوم المخالفة‪ ،‬ومفهومه‪ :‬وهو مفهوم الموافقة‪ ،‬وتنبيهه وهو التنبيه على العلة‪ ،‬كقوله‬
‫تعالى‪{ :‬فإنه رجس‪ ،‬أو فسقا} [النعام‪ ]6/145:‬فهذه عشرة‪.‬‬
‫ والبقية هي‪ :‬الجماع‪ ،‬والقياس‪ ،‬وعمل أهل المدينة‪ ،‬وقول الصحابي‪ ،‬والستحسان‪ ،‬والحكم بسد‬‫الذرائع‪ ،‬ومراعاة الخلف‪ ،‬فقد كان يراعيه أحيانا‪ ،‬والستصحاب‪ ،‬والمصالح المرسلة‪ ،‬وشرع من‬
‫قبلنا (‪. )1‬‬
‫ وأهم ما اشتهر به‪ :‬العمل بالسنة‪ ،‬وعمل أهل المدينة‪ ،‬والمصالح المرسلة‪ ،‬وقول الصحابي إذا صح‬‫سنده‪ ،‬والستحسان‪.‬‬
‫ كان من أشهر تلمذته فريق من المصريين‪ ،‬وفريق آخر من شمال إفريقية والندلس‪ ،‬منهم سبعة‬‫مصريون وهم (‪: )2‬‬
‫ ‪ ً 1‬ــ أبو عبد ال‪ ،‬عبد الرحمن بن القاسم (المتوفى بمصر عام ‪ 191‬هـ) تفقه على مالك مدة‬‫عشرين سنة‪ ،‬وتفقه على الليث بن سعد فقيه مصر المتوفى عام (‪ 175‬هـ)‪ ،‬كان مجتهدا مطلقا ‪ ،‬قال‬
‫عنه يحيى بن يحيى‪ « :‬أعلم الصحاب بعلم مالك‪ ،‬وآمنهم عليه » ‪ ،‬وهو الذي نظر وصحح ( المدوّنة‬
‫) في مذهب مالك‪ ،‬وهي من أجل الكتب عند المالكية‪ ،‬وعنه أخذ سحنون المغربي الذي رتب المدونة‬
‫على ترتيب الفقه‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تاريخ الفقه للسايس‪ :‬ص ‪ ،105‬كتاب مالك لبي زهرة‪ :‬ص ‪ 254‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى‪ :‬ص ‪ ،89-86‬كتاب مالك‪:‬ص ‪233‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/30‬‬
‫‪ ً 2‬ــ أبو محمد‪ ،‬عبد ال بن وهب بن مسلم (ولد عام ‪ 125‬وتوفي سنة ‪ 197‬هـ) لزم مالكا‬
‫عشرين سنة‪ ،‬ونشر فقهه في مصر وكان له أثر في تدوين مذهبه‪ ،‬وكان مالك يكتب إليه‪ :‬إلى فقيه‬
‫مصر‪ ،‬وإلى أبي محمد المفتي‪ .‬وتفقه أيضا على الليث بن سعد‪ ،‬وكان محدثا ثقة‪ ،‬وكان يسمى‬
‫( ديوان العلم )‪.‬‬
‫ ‪ ً 3‬ــ أشهب بن عبد العزيز القيسي (ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة ‪150‬هـ‪،‬‬‫وتوفي سنة ‪ 204‬هـ) بعد الشافعي بثمانية عشر يوما‪ ،‬تفقه على مالك والليث بن سعد‪ ،‬انتهت إليه‬
‫رياسة الفقه بمصر بعد ابن القاسم‪ ،‬وله مدونة روى فيها فقه مالك تسمى ( مدونة أشهب ) وهي غير‬
‫مدونة سحنون‪ .‬قال عنه الشافعي‪ :‬ما رأيت أفقه من أشهب‪.‬‬
‫ ‪ ً 4‬ــ أبو محمد‪ ،‬عبد ال بن عبد الحكم (المتوفى عام ‪ 214‬هـ) أعلم أصحاب مالك بمختلف‬‫أقواله‪ ،‬وإليه صارت رياسة المالكية بعد أشهب‪.‬‬
‫ ‪ ً 5‬ــ أصْبَغ بن الفرج‪ ،‬الموي ول ًء (المتوفى عام ‪225‬هـ) تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب‬‫السابق ذكرهم‪ ،‬كان من أعلم خلق ال بمذهب مالك ومسائله‪.‬‬
‫ ‪ ً 6‬ــ محمد بن عبد ال بن عبد الحكم (المتوفى عام ‪268‬هـ)‪ ،‬أخذ الفقه والعلم عن أبيه‪ ،‬ومن‬‫عاصره من الفقهاء المالكيين السابق ذكرهم‪ ،‬كما أخذ عن الشافعي‪ ،‬حتى صار علما في الفقه‪ ،‬وانتهت‬
‫إليه الرياسة والفُتيا بمصر‪ ،‬والرحلة من بلد المغرب والندلس‪.‬‬
‫ ‪ ً 7‬ــ محمد بن إبراهيم السكندري بن زياد‪ ،‬المعروف بابن ا ْل َموّاز‪( ،‬والمتوفى عام ‪269‬هـ)‪،‬‬‫أخذ الفقه عن علماء عصره‪ ،‬حتى صار راسخا في الفقه والفتيا‪ ،‬وله كتابه المشهور بالموازية‪ ،‬وهو‬
‫أجل كتاب ألفه المالكيون‪ ،‬وأصحه مسائل‪ ،‬وأبسطه كلما وأوعبه‪ ،‬بنى فيه الفروع على الصول‪.‬‬
‫ومن أشهر تلمذة مالك المغاربة سبعة وهم‪:‬‬

‫( ‪)1/31‬‬
‫ ‪ - ً 1‬أبو الحسن‪ ،‬علي بن زياد التونسي‪(،‬المتوفى عام ‪183‬هـ) ‪ ،‬أخذ عن مالك والليث بن سعد‪،‬‬‫كان فقيه إفريقية‪.‬‬
‫ ‪ - ً 2‬أبو عبد ال‪ ،‬زياد بن عبد الرحمن القرطبي (المتوفى عام ‪ )193‬يلقب بشبْطون‪ ،‬سمع الموطأ‬‫عن مالك‪ ،‬وكان أول من أدخله الندلس‪.‬‬

‫ ‪ - ً 3‬عيسى بن دينار‪ ،‬القرطبي الندلسي‪ ،‬المتوفي عام (‪212‬هـ )‪ ،‬كان فقيه الندلس‪.‬‬‫ ‪ - ً 4‬أسد بن الفرات بن سنان التونسي‪ ،‬أصله من خراسان من نيسابور (ولد عام ‪ ،145‬وتوفي‬‫عام ‪213‬هـ) شهيدا بسرقوسة‪ ،‬إذ كان أميرالجيش الذي ذهب لفتح صقلّية‪ ،‬كان عالما فقيها‪ ،‬مجاهدا‬
‫يقود الجيوش‪ ،‬وجمع بين فقه المدينة‪ ،‬إذ سمع الموطأ من مالك ‪ ،‬وفقه العراق‪ ،‬إذ لقي أبا يوسف‬
‫ومحمد بن الحسن‪ ،‬وله كتاب (السدية) التي هي الصل لمدونة سحنون‪.‬‬
‫ ‪ - ً 5‬يحيى بن يحيى بن كثير الليثي (المتوفى عام ‪ 234‬هـ) أندلسي قرطبي‪ ،‬نشر مذهب مالك‬‫في الندلس‪.‬‬
‫ ‪ - ً 6‬عبد الملك بن حبيب بن سليمان السّلَمي (المتوفى عام ‪238‬هـ)‪ ،‬انفرد برياسة الفقه المالكي‬‫بعد يحيى المذكور آنفا‪.‬‬
‫ ‪ - ً 7‬سَحْنون‪ ،‬عبد السلم بن سعيد التّنُوخي (المتوفى عام ‪240‬هـ) تفقه بعلماء مصر والمدينة‪،‬‬‫حتى صار فقيه أهل زمانه‪ ،‬وشيخ عصره‪ ،‬وعالم وقته‪ .‬وهو صاحب ( المدونة ) في مذهب مالك‬
‫التي يعتمد عليها المالكية‪ .‬ومن أشهر تلمذة مالك الذين نشروا مذهبه في الحجاز والعراق ثلثة وهم‪:‬‬
‫ ‪ - ً 1‬أبو مروان‪ ،‬عبد الملك بن أبي سَلَمة الماجِشون (المتوفى عام ‪212‬هـ) كان مفتي المدينة‬‫زمانه‪ .‬وقيل‪ :‬إنه كتب (موطأ) قبل مالك‪.‬‬
‫ ‪ - ً 2‬أحمد بن ا ْل ُمعَذّل بن غيلن العبدي‪ ،‬معاصر ابن الماجشون ومن أصحابه‪ ،‬كان أفقه أصحاب‬‫مالك في العراق‪ .‬ولم يعرف تاريخ وفاته‪.‬‬
‫ ‪ - ً 3‬أبو إسحاق‪ ،‬إسماعيل بن إسحاق‪،‬القاضي (المتوفى عام ‪282‬هـ) أصله من البصرة‪،‬‬‫واستوطن بغداد‪ ،‬تفقه على ابن المعذل‪ ،‬السابق الذكر‪ ،‬نشر مذهب مالك في العراق‪.‬‬

‫( ‪)1/32‬‬
‫ ثالثا ‪ -‬محمد بن إدريس الشافعي (‪ 150‬ـ ‪204‬هـ) مؤسس المذهب الشافعي‪:‬‬‫ المام أبو عبد ال‪ ،‬محمد بن إدريس القرشي الهاشمي ا ْلمُطّلبي بن العباس بن عثمان بن شافع‬‫رحمه ال‪ ،‬يلتقي نسبه مع الرسول صلّى ال عليه وسلم في جده عبد مناف‪ ،‬ولد في غزة بفلسطين‬
‫الشام عام (‪150‬هـ)‪ ،‬وهو عام وفاة أبي حنيفة‪ ،‬وتوفي في مصر عام (‪204‬هـ)‪.‬‬
‫ بعد موت أبيه في غزة وبعد سنتين من ميلده‪ ،‬حملته أمه إلى مكة موطن آبائه‪ ،‬فنشأ بها يتيما‪،‬‬‫وحفظ أشعارهم‪ ،‬ونبغ في العربية والدب‪ ،‬حتى قال الصمعي عنه‪ « :‬وصححت أشعار هذيل على‬
‫فتى من قريش يقال له‪ :‬محمد بن إدريس » ‪ ،‬فكان بذلك إماما في العربية وواضعا فيها‪.‬‬

‫ تتلمذ في مكة على مفتيها مسلم بن خالد الزنجي‪ ،‬حتى أذن له بالفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة‪،‬‬‫ثم ارتحل إلى المدينة‪ ،‬فتفقه على مالك بن أنس‪ ،‬وسمع منه الموطأ‪ ،‬وحفظه في تسع ليال‪ ،‬وروى‬
‫الحديث أيضا عن سفيان بن عيينة‪ ،‬والفضيل ابن عياض‪ ،‬وعمه محمد بن شافع وغيرهم‪.‬‬
‫ وارتحل إلى اليمن‪ ،‬فولي عملً فيها‪ ،‬ثم ارتحل إلى بغداد عام( ‪183‬هـ) و(‪195‬هـ)‪ ،‬فأخذ عن‬‫محمد بن الحسن كتب فقهاء العراق‪ ،‬وكانت له مناظرات معه‪ ،‬سر منها الرشيد‪.‬‬
‫ ولقيه أحمد بن حنبل في مكة سنة( ‪187‬هـ)‪ ،‬وفي بغداد سنة (‪195‬هـ)‪ ،‬وأخذ عنه فقهه وأصوله‪،‬‬‫وبيانه ناسخ القرآن ومنسوخه‪ .‬وفي بغداد صنف كتابه القديم المسمى بالحجة الذي ضمن فيه (مذهبه‬
‫القديم)‪ ،‬ثم ارتحل إلى مصر عام (‪200‬هـ ) حيث أنشأ (مذهبه الجديد) وتوفي بها شهيد العلم (‪ )1‬في‬
‫آخر رجب يوم الجمعة سنة (‪204‬هـ)‪ ،‬ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه‪ ،‬رحمه ال‪.‬‬
‫ ومن مؤلفاته (الرسالة) أول مدون في علم أصول الفقه‪ ،‬وكتاب (الم) في فقه مذهبه الجديد‪.‬‬‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قيل‪ :‬ضربه أشهب الفقيه المالكي المصري‪ ،‬حين تناظر مع الشافعي‪ ،‬فأفحمه‪ ،‬فضربه بمفتاح في‬
‫جبهته‪ ،‬فمرض بسبب ذلك أياما‪ ،‬ثم مات‪ ،‬وكان أشهب يدعو عليه في سجوده‪ ،‬قائلً‪ :‬اللهم أمت‬
‫الشافعي‪ ،‬وإل ذهب علم مالك‪ .‬والمشهور أن الضارب له‪ :‬فتيان المغربي (بجيرمي الخطيب ‪49/1 :‬‬
‫ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/33‬‬
‫ كان مجتهدا مستقلً مطلقا‪ ،‬إماما في الفقه والحديث والصول‪ ،‬جمع فقه الحجازيين والعراقيين‪ ،‬قال‬‫فيه أحمد‪« :‬كان أفقه الناس في كتاب ال وسنة رسوله» وقال عنه أيضا‪« :‬مامن أحد مسّ بيده محبرة‬
‫وقلَما‪ ،‬إل وللشافعي في عنقه منّة» وقال عنه طاش كبري زاده في مفتاح السعادة‪« :‬اتفق العلماء من‬
‫أهل الفقه والصول والحديث‪ ،‬واللغة والنحو وغير ذلك‪ ،‬على أمانته وعدالته وزهده‪ ،‬وورعه وتقواه‬
‫وجوده‪ ،‬وحسن سيرته‪ ،‬وعلو قدره‪ ،‬فالمطنب في وصفه مقصر‪ ،‬والمسهب في مدحته مقتصر» ‪.‬‬
‫وأصول مذهبه‪ :‬القرآن والسنة‪ ،‬ثم الجماع‪ ،‬ثم القياس‪ .‬ولم يأخذ بأقوال الصحابة‪ ،‬لنها اجتهادات‬
‫تحتمل الخطأ‪ ،‬وترك العمل بالستحسان الذي قال به الحنفية والمالكية‪ ،‬وقال‪ ( :‬من استحسن فقد شرع‬
‫)‪ ،‬ورد المصالح المرسلة‪ ،‬وأنكر الحتجاج بعمل أهل المدينة‪ ،‬وسماه أهل بغداد ( ناصر السنة )‪.‬‬
‫ روى عنه كتابه القديم ( الحجة ) أربعة من أصحابه العراقيين وهم‪ :‬أحمد بن حنبل‪ ،‬وأبو ثور‪،‬‬‫والزعفراني‪ ،‬والكرابيسي‪ ،‬وأنفسهم رواية له‪ :‬الزعفراني‪.‬‬

‫( ‪)1/34‬‬
‫ وروى عنه مذهبه الجديد في ( الم ) في أبواب الفقه كلها أربعة أيضا من أصحابه المصريين‬‫وهم‪ :‬المزني‪ ،‬والبويطي‪ ،‬والربيع الجيزي‪ ،‬والربيع بن سليمان المرادي راوي ( الم) وغيرها عن‬
‫الشافعي‪ .‬والفتوى على مافي الجديد‪ ،‬دون القديم‪ ،‬فقد رجع الشافعي عنه‪ ،‬وقال‪« :‬لأجعل في حل من‬
‫رواه عني» إل في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة‪ ،‬يفتى فيها بالقديم إل إذا اعتضد القديم بحديث‬
‫صحيح لمعارض له‪ ،‬فإن اعتضد بدليل فهو مذهب الشافعي‪ ،‬فقد صح أنه قال‪« :‬إذا صح الحديث‬
‫فهو مذهبي‪ ،‬واضربوا بقولي عُرْض الحائط» ‪.‬‬
‫ وقد كثر تلميذه وأتباعه في الحجاز والعراق ومصر وغيرها من البلد السلمية‪ ،‬وأترجم بصفة‬‫خاصة لخمسة مصريين منهم أخذوا عنه مذهبه الجديد وهم (‪: )1‬‬
‫ ‪ - ً 1‬يوسف بن يحيى البويطي‪ ،‬أبو يعقوب (توفي عام ‪231‬هـ) وهو مسجون ببغداد بسبب فتنة‬‫القول بخلق القرآن التي أثارها الخليفةالمأمون‪ ،‬استخلفه الشافعي في حلقته‪ ،‬له مختصر مشهور‬
‫اختصره من كلم الشافعي‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬أبو إبراهيم‪ ،‬إسماعيل بن يحيى المزني (المتوفى عام ‪264‬هـ) قال عنه الشافعي‪« :‬المزني‬
‫ناصر مذهبي» ‪ ،‬له في مذهب الشافعي كتب كثيرة‪ ،‬منها المختصر الكبير المسمى المبسوط‪،‬‬
‫والمختصر الصغير‪ .‬أخذ عنه كثير من علماء خراسان والعراق والشام‪ ،‬وكان عالما مجتهدا‪.‬‬
‫ ‪ - ً 3‬الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي‪ ،‬أبو محمد‪ ،‬راوي الكتب‪ ،‬كان مؤذنا بجامع عمرو‬‫بن العاص (جامع الفسطاط)‪ ،‬توفي عام( ‪270‬هـ)‪ ،‬صحب الشافعي طويلً‪ ،‬حتى صار راوية كتبه‪،‬‬
‫وعن طريقه وصلنا‪ :‬الرسالة والم وغيرهما من كتب المام‪ .‬وتقدم روايته على رواية المزني إن‬
‫تعارضتا‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كتاب الشافعي لستاذنا أبي زهرة‪ :‬ص ‪ 149‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/35‬‬
‫ ‪ - ً 4‬حَرْملة بن يحيى بن حرملة (المتوفى سنة ‪266‬هـ) روى عن الشافعي من الكتب مالم يروه‬‫الربيع‪ ،‬مثل كتاب الشروط (‪ 3‬أجزاء)‪ ،‬وكتاب السنن (عشرة أجزاء) وكتاب النكاح‪ ،‬وكتاب ألوان‬
‫البل والغنم وصفاتها وأسنانها‪.‬‬

‫ ‪ - ً 5‬محمد بن عبد ال بن عبد الحكم (المتوفى في ذي القعدة سنة ‪268‬هـ) كان تلميذ الشافعي‬‫وأحد تلمذة مالك‪ ،‬كان أهل مصر ليعدلون به أحدا‪ ،‬وكان الشافعي يُحبه ويوده‪ ،‬ثم ترك مذهبه إلى‬
‫مذهب مالك؛ لن الشافعي لم يخلفه في حلقته‪ ،‬ولنه مذهب أبيه‪.‬‬
‫ رابعا ــ أحمد بن حنبل الشيباني (‪241-164‬هـ) مؤسس المذهب الحنبلي‪:‬‬‫ المام أبو عبد ال‪ ،‬أحمد بن حنبل بن هلل بن أسد الذّهلي الشيباني‪ ،‬ولد ببغداد‪ ،‬ونشأ بها‪ ،‬وتوفي‬‫فيها في ربيع الول رحمه ال‪ ،‬وكانت له رحلت إلى مدائن العلم‪ ،‬كالكوفة والبصرة ومكة والمدينة‬
‫واليمن والشام والجزيرة‪ .‬تفقه على الشافعي حين قدم بغداد‪ ،‬ثم أصبح مجتهدا مستقلً‪ ،‬وتجاوز عدد‬
‫شيوخه المئة‪ ،‬وأكبّ على السّنة يجمعها ويحفظها‪ ،‬حتى صار إمام المحدثين في عصره‪ ،‬بفضل‬
‫شيخه‪ :‬هشيم بن بشير بن أبي خازم البخاري الصل (‪183-104‬هـ)‪.‬‬
‫ كان إماما في الحديث والسنة والفقه‪ ،‬قال عنه إبراهيم الحَرْبي‪« :‬رأيت أحمد‪ ،‬كأن ال قد جمع له‬‫علم الولين والخرين» وقال عنه الشافعي حين ارتحل إلى مصر‪« :‬خرجت من بغداد‪ ،‬وماخلّفت بها‬
‫أتقى ولأفقه من ابن حنبل» ‪.‬‬
‫ وقد امتحن أحمد بالضرب والحبس في فتنة خلق القرآن في زمن المأمون والمعتصم والواثق‪،‬‬‫فصبر صبر النبياء‪ ،‬قال عنه ابن المديني‪ « :‬إن ال أعز السلم برجلين‪ :‬أبي بكر يوم الردة‪ ،‬وابن‬
‫حنبل يوم المحنة» ‪ .‬وقال عنه بشر الحافي‪ « :‬إن أحمد قام مقام النبياء» ‪.‬‬
‫ وأصول مذهبه في الجتهاد قريبة من أصول الشافعي؛ لنه تفقه عليه‪ ،‬فهو يأخذ بالقرآن والسنة‬‫وفتوى الصحابي والجماع والقياس‪ ،‬والستصحاب‪ ،‬والمصالح المرسلة‪ ،‬والذرائع‪.‬‬

‫( ‪)1/36‬‬
‫ لم يؤلف المام أحمد في الفقه كتابا‪ ،‬وإنما أخذ أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير‬‫ذلك‪.‬‬
‫ وله كتاب ( المسند ) في الحديث‪ ،‬حوى نيفا وأربعين ألف حديث‪ ،‬وكان ذا حافظة قوية جدا‪.‬‬‫ويعمل بالحديث المرسل (وهو مارواه غير الصحابي مسقطا منه أحد الرواة) وبالحديث الضعيف الذي‬
‫يرتفع إلى درجة الحديث الحسن‪،‬لالباطل ولالمنكر‪ ،‬مرجحا العمل بالمرسل أو الضعيف على القياس‪.‬‬
‫وكان من أشهر تلمذته الذين نشروا علمه التي ذكرهم (‪: )1‬‬
‫ ‪ - ً 1‬صالح بن أحمد بن حنبل المتوفى سنة (‪266‬هـ)‪ :‬وهو أكبر أولد المام أحمد‪ ،‬تلقى الفقه‬‫والحديث عن أبيه‪ ،‬وعن غيره من معاصريه‪ ،‬قال فيه أبو بكر الخلل راوي الفقه الحنبلي‪« :‬سمع من‬

‫أبيه مسائل كثيرة‪ ،‬وكان الناس يكتبون إليه من خراسان‪ ،‬يسأل لهم ـ أي أباه ـ عن المسائل» ‪.‬‬
‫ ‪ - ً 2‬عبد ال بن أحمد بن حنبل(‪290-213‬هـ) ‪ :‬اشتغل برواية الحديث عن أبيه‪ .‬أما أخوه صالح‬‫فقد عني بنقل فقه أبيه ومسائله‪.‬‬
‫ ‪ - ً 3‬الثرم‪ ،‬أبو بكر‪ ،‬أحمد بن محمد بن هانئ الخراساني البغدادي (المتوفى سنة ‪273‬هـ) روى‬‫عن أحمد مسائل في الفقه‪ ،‬وروى عنه حديثا كثيرا‪ ،‬له كتاب (السنن في الفقه) على مذهب أحمد‬
‫وشواهده من الحديث‪،‬كان من الفقهاء الحفاظ العلم‪.‬‬
‫ ‪ - ً 4‬عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني ( المتوفى سنة ‪274‬هـ) صحب أحمد أكثر‬‫من عشرين سنة‪ ،‬وكان جليل القدر في أصحاب أحمد‪ ،‬وكان أبو بكر الخلل معجبا بنقله عن أحمد‬
‫أشد العجاب‪.‬‬
‫ ‪ - ً 5‬أحمد بن محمد بن الحجاج‪ ،‬أبو بكر المرّوذي (المتوفى عام ‪274‬هـ) كان أخص أصحاب‬‫أحمد به‪ ،‬وأقربهم إليه‪ ،‬وإماما في الفقه والحديث‪ ،‬كثير التصانيف‪ .‬وإذا أطلق الحنابلة كلمة ( أبو بكر)‬
‫يراد به المرّوذي‪.‬‬
‫ ‪ - ً 6‬حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني (المتوفى سنة ‪280‬هـ) أخذ عن أحمد فقها كثيرا‪،‬‬‫وكان المروذي‪ ،‬مع عظيم صلته بأحمد‪،‬ينقل عنه ماكتب عن أحمد‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ابن حنبل لستاذنا المرحوم أبي زهرة‪ :‬ص ‪.188-176‬‬

‫( ‪)1/37‬‬
‫‪ - ً 7‬إبراهيم بن إسحاق الحربي‪ ،‬أبو إسحاق‪( ،‬المتوفى عام ‪285‬هـ)‪ ،‬كان تبحره في الحديث أكثر‬
‫من الفقه‪ ،‬وكان عالما باللغة‪.‬‬
‫ ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون‪ ،‬أبو بكر الخلل (المتوفى سنة ‪311‬هـ) فجمع عن أصحاب‬‫عدّ أنه ( جامع الفقه الحنبلي ) أو ناقله أو راويه‪ .‬وقد صحب الخلل أبا بكر‬
‫أحمد فقهه‪ ،‬حتى ُ‬
‫المروذي حتى مات‪ ،‬ويظهر أنه هو الذي حبب إليه رواية فقه أحمد‪.‬‬
‫ ثم لخص ماجمعه الخلل اثنان شهيران هما‪:‬‬‫ أبو القاسم‪ ،‬عمر بن الحسين الخرقي البغدادي (المتوفى عام ‪334‬هـ) ودفن في دمشق‪ ،‬له كتب‬‫كثيرة في المذهب‪ ،‬منها مختصره المشهور‪ ،‬الذي شرحه ابن قدامة في كتابه (المغني) وكان له أكثر‬
‫من ثلث مئة شرح‪.‬‬

‫ أبو بكر‪ ،‬عبد العزيز بن جعفر‪ ،‬المعروف بغلم الخلل (المتوفى سنة ‪363‬هـ) كان قرينا للخرقي‬‫النف الذكر‪ ،‬وأشد تلميذ الخلل اتباعا له‪ ،‬وقد يرجح روايات وأقوالً رجح الخلل غيرها‪.‬‬
‫ خامسا ــ أبو سليمان‪ ،‬داود بن علي الصفهاني الظاهري (المولود بالكوفة سنة ‪202‬هـ‪ ،‬المتوفى‬‫في بغداد عام ‪270‬هـ) مؤسس المذهب الظاهري‪:‬‬
‫ هو شيخ أهل الظاهر‪ ،‬وواضع أساس هذا المذهب‪ ،‬الذي انتصر له وأشاده من بعده أبو محمد‪ ،‬علي‬‫بن سعيد بن حزم الندلسي (‪456-384‬هـ) وذلك بما ألف من كتب‪ ،‬من أهمها ( المحلى ) في الفقه‪،‬‬
‫و( الحكام في أصول الحكام) في أصول الفقه‪.‬‬
‫ كان داود من حفاظ الحديث‪ ،‬فقيها مجتهدا‪ ،‬صاحب مذهب مستقل‪ ،‬بعد أن كان شافعيا في بغداد‪.‬‬‫وأساس المذهب الظاهري‪ :‬العمل بظاهر القرآن والسنة‪ ،‬مادام لم يقم دليل على إرادة غير الظاهر‪ ،‬ثم‬
‫عند عدم النص‪ ،‬يأخذ بالجماع‪ ،‬بشرط أن يكون إجماع علماء المة قاطبة‪ ،‬وقد أخذ الظاهرية بإجماع‬
‫الصحابة فقط‪ ،‬فإن لم يوجد النص أو الجماع أخذوا بالستصحاب‪ :‬وهو الباحة الصلية‪.‬‬

‫( ‪)1/38‬‬
‫ أما القياس والرأي والستحسان والذرائع وتعليل نصوص الحكام بالجتهاد‪ ،‬فمرفوض‪ ،‬ول يعتبر‬‫دليلً من أدلة الحكام‪ ،‬كما أنهم يرفضون التقليد‪.‬‬
‫ من أمثلته الفقهية‪ :‬قصر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة على الشرب منها‪ ،‬وقصر تحريم الربا‬‫على الصناف الستة المذكورة في الحديث‪ ،‬وأن الجمعة تصلى في مسجد العشائر‪ ،‬كقول أبي ثور أحد‬
‫أصحاب المذاهب المندثرة‪ ،‬وأن الزوجة الغنية تكلف بالنفاق على زوجها المعسر وعلى نفسها‪.‬‬
‫ انتشر هذا المذهب في الندلس‪ ،‬وأخذ في الضمحلل في القرن الخامس‪ ،‬ثم انقرض تماما في‬‫القرن الثامن‪.‬‬
‫ سادسا ــ زيد بن علي زين العابدين بن الحسين المتوفى سنة (‪122‬هـ) ــ إمام الشيعة‬‫الزيدية‪ ،‬الذي يعد مذهبا خامسا بجانب المذاهب الربعة‪:‬‬
‫ كان إماما في عصره وشخصية علمية متعددة النواحي‪ ،‬لمعرفته بعلوم القرآن والقراءات وأبواب‬‫الفقه‪ ،‬وكان يسمى ( حليف القرآن ) وله أقدم كتاب فقهي هو (المجموع) في الفقه‪ ،‬مطبوع في‬
‫إيطاليا‪ ،‬وشرحه العلمة شرف الدين الحسين بن الحَيْمي اليمني الصنعاني المتوفى (عام ‪1221‬هـ )‬
‫في كتاب ( الروض النضير‪ ،‬شرح مجموع الفقه الكبير ) في أربعة أجزاء‪ .‬وأبو خالد الواسطي هو‬
‫راوي أحاديث المجموع وجامع فقه زيد‪ .‬ويقال‪ :‬إن كتبه (‪ )15‬كتابا‪ ،‬منها ( المجموع ) في الحديث‪.‬‬

‫لكن نسبة هذه الكتب إليه مشكوك فيها‪.‬‬
‫ والزيدية‪ :‬هم الذين جعلوا المامة بعد علي زين العابدين إلى ابنه زيد مؤسس هذا المذهب‪ .‬وقد‬‫بويع لزيد بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك‪ ،‬فقاتله يوسف بن عمر‪ ،‬حتى قتل‪.‬‬

‫( ‪)1/39‬‬
‫ وكان زيد يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويتولى أبا‬‫بكر وعمر‪ ،‬ويرى الخروج على أئمة الجور‪ ،‬وقد أنكر على من طعن على أبي بكر وعمر من‬
‫أتباعه‪ ،‬فتفرق عنه الذين بايعوه‪ ،‬فقال لهم‪ :‬رفضتموني‪ ،‬فسموا (الرافضة) لقول زيد لهم‪:‬‬
‫(رفضتموني)‪ .‬ثم خرج ابنه يحيى بعده في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك‪ ،‬فقتل أيضا‪.‬‬
‫ ومن أهم المؤلفات المطبوعة حاليا في هذا المذهب ( كتاب البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء‬‫المصار ) للمام أحمد بن يحيى بن المرتضى المتوفى عام (‪840‬هـ ) في أربعة أجزاء‪ ،‬وهو جامع‬
‫لراء الفقهاء واختلفاتهم‪.‬‬
‫ ويميل هذا الفقه إلى فقه أهل العراق مهد التشيع والئمة‪ ،‬وليختلف كثيرا في عهد ظهور الزيدية‬‫الولى عن فقه أهل السنة‪ ،‬ويخالفون في مسائل معروفة‪ ،‬منها‪ :‬عدم مشروعية المسح على الخفين‪،‬‬
‫وتحريم ذبيحة غير المسلم‪ ،‬وتحريم الزواج بالكتابيات‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ولتمسكوا بعصم الكوافر}‬
‫[الممتحنة‪ ،]10/60:‬وخالفوا الشيعة المامية في إباحة زواج المتعة‪ ،‬فل يجيزونه‪ ،‬ويزيدون في‬
‫الذان‪ ( :‬حي على خير العمل ) ويكبرون خمس تكبيرات في الجنازة‪ .‬والمذهب الفعلي في اليمن هو‬
‫مذهب الهادوية أتباع الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين‪ .‬ومايزال هذا المذهب مذهب دولة الزيدية‬
‫في اليمن منذ(عام ‪288‬هـ)‪ .‬وهم أقرب المذاهب الشيعية إلى مذهب أهل السنة‪ ،‬ومذهبهم في العقيدة‬
‫هو مذهب المعتزلة‪ .‬وهم يعتمدون في استنباط الحكام على القرآن والحديث والجتهاد بالرأي‪،‬‬
‫والخذ بالقياس والستحسان والمصالح المرسلة والستصحاب‪.‬‬
‫ والخلصة‪ :‬أن الزيدية منسوبة لزيد‪ ،‬لقولهم بإمامته‪ ،‬وإن لم يكونوا على مذهبه في الفروع الفقهية‪،‬‬‫بخلف الحنفية والشافعية مثلً‪ ،‬فهم يتابعون المام في الفروع‪.‬‬

‫( ‪)1/40‬‬
‫ سابعا ــ المام أبو عبد ال جعفر الصادق (‪148-80‬هـ= ‪765 - 699‬م) بن محمد الباقر بن‬‫علي زين العابدين بن الحسين السبط مؤسس مذهب المامية‪ .‬وأما أبو جعفر‪ ،‬محمد بن الحسن بن‬

‫فرّوخ الصفار العرج القُمّي المتوفى (سنة ‪290‬هـ )‪ ،‬فهو ناشر مذهب الشيعة المامية في الفقه‪.‬‬
‫ والمامية يقولون بإمامة اثني عشر إماما معصوما‪ ،‬أولهم المام أبو الحسن علي المرتضى‪،‬‬‫وآخرهم محمد المهدي الحجة‪،‬الذين زعموا أنه مستور وأنه هو المام القائم‪.‬‬
‫ وابن فرّوخ هو الناشر الفعال لفقه الشيعة المامية في فارس في كتابه ( بشائر الدرجات في علوم‬‫آل محمد‪ ،‬وماخصهم ال به) طبع سنة( ‪1285‬هـ )‪.‬‬
‫ وقد تقدمه أول كتاب للمامية في الفقه وهو رسالة الحلل والحرام لبراهيم ابن محمد أبي يحيى‬‫المدني السلمي التي رواها عن المام جعفر الصادق‪.‬‬
‫ ثم كتب ابنه علي الرضا كتاب ( فقه الرضا ) طبع عام (‪1274‬هـ )في طهران‪.‬‬‫ ثم جاء بعد ابن فرّوخ العرج في القرن الرابع‪ :‬محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُلَيني الرازي‪ ،‬شيخ‬‫الشيعة‪ ،‬المتوفى (سنة ‪328‬هـ) ‪ ،‬فألف كتابه «الكافي في علم الدين» وفيه ( ‪ )16099‬ستة عشر ألفا‬
‫وتسعة وتسعون حديثا من طرق آل البيت‪ ،‬وهو رقم يزيد على ماجاء في كتب الصحاح الستة‬
‫(البخاري ومسلم‪.)...‬‬
‫ وبه تكون عمدة مذهب المامية‪ :‬الكافي‪ ،‬ومن ل يحضره الفقيه للصدوق القمي‪ ،‬وتهذيب الحكام‬‫للطوسي‪ ،‬والستبصار للطوسي‪ ،‬وهم كالزيدية ليعتمدون غالبا في الفقه بعد القرآن إل على الحاديث‬
‫التي رواها أئمتهم من آل البيت‪ ،‬كما أنهم يرون فتح باب الجتهاد‪ ،‬ويرفضون القياس غير‬
‫المنصوص العلة‪ ،‬وينكرون الجماع إل إذا كان المام داخلً فيه‪ .‬ومرجع الحكام الشرعية هم الئمة‬
‫دائما لغيرهم‪.‬‬

‫( ‪)1/41‬‬
‫ وفقه المامية وإن كان أقرب إلى المذهب الشافعي‪ ،‬فهو ليختلف في المور المشهورة عن فقه أهل‬‫السنة إل في سبع عشرة مسألة تقريبا‪ ،‬من أهمها إباحة نكاح المتعة‪ ،‬فاختلفهم ليزيد عن اختلف‬
‫المذاهب الفقهية كالحنفية والشافعية مثلً‪ .‬وينتشر هذا المذهب إلى الن في إيران والعراق‪ .‬والحقيقة‬
‫أن اختلفهم مع أهل السنة ليرجع إلى العقيدة أو إلى الفقه‪ ،‬وإنما يرجع لناحية الحكومة والمامة‪.‬‬
‫ولعل أفضل ماأعلنت عنه ثورة الخميني في إيران عام (‪1979‬م)‪ ،‬هو تجاوز الخلف مع أهل السنة‪،‬‬
‫واعتبار المسلمين جميعا أمة واحدة‪ ،‬راجين تحقيق ذلك‪.‬‬
‫ ومن أهم المسائل الفقهية التي افترقوا بها عن أهل السنة‪ :‬القول بإباحة الزواج المؤقت أو زواج‬‫المتعة‪ ،‬وإيجاب الشهاد على الطلق‪ ،‬وتحريمهم كالزيدية ذبيحة الكتابي والزواج بالنصرانية أو‬

‫اليهودية‪ ،‬وتقديمهم في الميراث ابن العم الشقيق على العم لب‪ ،‬وعدم مشروعية المسح على الخفين‪،‬‬
‫ومسح الرجلين في الوضوء‪ ،‬وفي أذانهم ‪ ( :‬أشهد أن عليا ولي ال ) ‪ ( ،‬حي على خير العمل )‪،‬‬
‫وتكرار جملة‪ (:‬ل إله إل ال )‪.‬‬

‫( ‪)1/42‬‬
‫ ثامنا ـ أبو الشّعثاء التابعي جابر بن زيد (المتوفى سنة ‪93‬هـ ‪711 /‬م) مؤسس مذهب الباضية‪،‬‬‫الذي ينسب عادة إلى عبد ال بن إباض التميمي (المتوفى عام ‪ 80‬هـ)‪ .‬كان جابر بن زيد من العلماء‬
‫التابعين العاملين بالقرآن والسنة‪ ،‬تتلمذ على ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬وأصول فقه الباضية‬
‫كأصول المذاهب الخرى المعتمدة على القرآن والسنة والجماع والقياس والستدلل أو الستنباط‬
‫بجميع طرقه من الستحسان والستصلح (المصالح المرسلة) والستصحاب وقول الصحابي‬
‫وغيرها‪ .‬والمعتمد عندهم أن اللهام من غير النبي صلّى ال عليه وسلم ليس بحجة في الحكام‬
‫الشرعية على غير الملهَم‪ ،‬وأما المجتهد الملهم فليس اللهام في حقه حجة إل في قضية ليوجد‬
‫لحكمها دليل متفق عليه‪ ،‬وكأنه الستحسان المعروف‪ .‬وهم يتبرؤون من تسميتهم الخوارج أو‬
‫الخوامس‪ ،‬وكانوا يعرفون بأهل الدعوة‪ ،‬وأهل الستقامة‪ ،‬وجماعة المسلمين‪.‬‬
‫ وقد اشتهرت الباضية بالقول بالمسائل الفقهية التالية (‪: )1‬‬‫ ً‪ - 1‬عدم جواز المسح على الخفين كالشيعة المامية‪.‬‬‫ ً‪ - 2‬عدم رفع اليدي في تكبيرة الحرام‪ ،‬أما إسبال اليدي في الصلة والقتصار على تسليمة‬‫واحدة فهم موافقون المذهب المالكي والزيدي‪.‬‬
‫ ً‪ - 3‬القول بإفطار من أصبح جنبا في رمضان عملً بحديث أبي هريرة ورأي بعض التابعين‪.‬‬‫ ً‪ - 4‬تحريم ذبائح أهل الكتاب الذين ليعطون الجزية أو الحربيين غير المعاهدين‪ ،‬والمامية‬‫ليجيزون أكل هذه الذبائح مطلقا‪.‬‬
‫ ً‪ - 5‬تحريم نكاح الصبي والصبية في قول جابر بن زيد‪ ،‬والعمل في المذهب بخلفه‪.‬‬‫ ً‪ - 6‬كراهة الجمع بين بنات العم خوف القطيعة‪ ،‬وهي كراهة تنزيه‪.‬‬‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بحث ( دور المدرسة الباضية في الفقه والحضارة السلمية ) للدكتور إبراهيم عبد العزيز‬
‫بدوي ص ‪ ،18‬مع تعديلت وتصحيحات لنا‪.‬‬

‫( ‪)1/43‬‬

‫ ً‪ - 7‬الوصية واجبة للقربين غير الوارثين عملً بالحاديث التي تحث على اليصاء‪ ،‬وتجوز‬‫الوصية لولد البن مع وجود الولد‪ ،‬لقول ال تعالى‪{ :‬كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك‬
‫خيرا الوصيةُ للوالدين والقربين} [البقرة‪ ]180/2:‬ونسخت الوصية للوالدين بآية المواريث وبحديث‬
‫(لوصية لوارث)‪.‬‬
‫ ً‪ - 8‬المكاتب حر من وقت الكتابة‪ ،‬والمدبّر حر بعد موت المدبّر كبقية المذاهب‪ ،‬أو بعد انقضاء‬‫الجل الذي أجل إليه‪ ،‬وليجوز بيعه إل في الدّيْن عند أكثر علماء المذهب‪.‬‬
‫ ً‪ - 9‬تحريم التبغ على أنه من الخبائث‪.‬‬‫ ومن كتبهم في العقيدة‪( :‬مشارق النوار) للشيخ نور الدين السالمي‪ ،‬وفي الصول (طلعة الشمس)‬‫طفَيّش‪(،‬‬
‫للشيخ نور الدين السالمي‪ ،‬وفي الفقه (شرح النيل وشفاء العليل) للشيخ محمد بن يوسف بن أ ّ‬
‫‪ )17‬جزءا‪ ،‬و (قاموس الشريعة) للسعدي‪ 90( ،‬جزءا)‪ ،‬و(المصنّف) للشيخ أحمد بن عبد ال الكندي‪،‬‬
‫(‪ 42‬جزءًا)‪ ،‬و «منهج الطالبين» للشيخ الشقعبي‪ 20( ،‬جزءا )‪ ،‬و «اليضاح» للشيخ الشمّاخي‪8 (،‬‬
‫أجزاء)‪ ،‬و(جوهر النظام) للشيخ السالمي‪ ،‬و(الجامع) لبن بركة في جزأين‪.‬‬
‫ ومايزال مذهبهم قائما في سلطنة عمان وفي شرق أفريقيا والجزائر وليبيا وتونس‪.‬‬‫ وهم في العقائد يقولون بتخليد أصحاب الكبائر في النار إن لم يتوبوا‪ ،‬وبالولية والبراءة (ولية‬‫الطائع والبراءة من العاصي) وبجواز التّقيّة في القوال ل في الفعال‪ ،‬وبأن صفات ال تعالى هي‬
‫عين الذات‪ ،‬أي أن صفاته قائمة بذاته وليست مغايرة له‪ ،‬فهم يقصدون تعظيم ال وتنزيهه‪ ،‬كما أنهم‬
‫كالشيعة بنفيهم رؤية ال عز وجل في الخرة يقصدون التعظيم والتنزيه‪ ،‬ولكنهم ليقولون كالمعتزلة‬
‫بالتحسين والتقبيح العقليين‪ ،‬ول بوجوب فعل الصلح والصلح على ال تعالى (‪. )1‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا ‪ ...‬وإني أعلن رجوعي عما كتبته عن الباضية في الطبعة السابقة‪ ،‬لتبين الخطأ فيه‪.‬‬

‫( ‪)1/44‬‬
‫ المطلب الثالث ـ مراتب الفقهاء وكتب الفقه ‪:‬‬‫ لبد للمفتي أن يعلم حال من يفتى بقوله‪ ،‬فيعرف درجته في الرواية وفي الدراية‪ ،‬وطبقته بين‬‫الفقهاء‪ ،‬ليميز بين الراء المتعارضة‪ ،‬ويرجح أقواها‪ ،‬والفقهاءعلى سبع مراتب (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬المجتهد المستقل‪ :‬وهوالذي استقل بوضع قواعده لنفسه‪ ،‬يبني عليها الفقه‪ ،‬كأئمة المذاهب‬
‫الربعة‪ .‬وسمى ابن عابدين هذه الطبقة‪ (:‬طبقة المجتهدين في الشرع )‪.‬‬

‫‪ - ً 2‬المجتهد المطلق غير المستقل‪ :‬وهو الذي وجدت فيه شروط الجتهاد التي اتصف بها المجتهد‬
‫المستقل‪ ،‬لكنه لم يبتكر قواعد لنفسه‪ ،‬بل سلك طريق إمام من أئمة المذاهب في الجتهاد‪ ،‬فهو مطلق‬
‫منتسب‪ ،‬ل مستقل‪ ،‬مثل تلمذة الئمة السابق ذكرهم كأبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية‪ ،‬وابن‬
‫القاسم وأشهب وأسد ابن الفرات من المالكية‪ ،‬والبويطي والمزني من الشافعية‪ ،‬وأبي بكر الثرم‪ ،‬وأبي‬
‫بكر المروذي من الحنابلة‪ ،‬وسمى ابن عابدين هذه الطبقة‪(:‬طبقة المجتهدين في المذهب)‪ :‬وهم‬
‫القادرون على استخراج الحكام من الدلة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم في الحكام‪ ،‬وإن‬
‫خالفوه في بعض أحكام الفروع‪ ،‬لكن يقلدونه في قواعد الصول‪.‬‬
‫ وهاتان المرتبتان قد فقدتا من زمان‪.‬‬‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الرد على من أخلد إلى الرض للسيوطي‪ :‬ص ‪ ،42-39‬حاشية ابن عابدين‪ 71/1 :‬و مابعدها‪،‬‬
‫رسالة رسم المفتي‪ :‬ص ‪ ،12-11‬مالك لبي زهرة‪ :‬ص ‪ ،450-440 ،438‬ابن حنبل لبي زهرة‪:‬‬
‫ص ‪ .372-368‬صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لحمد بن حمدان الحراني الحنبلي‪ :‬ص ‪ ،16‬الفوائد‬
‫المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية‪ :‬ص ‪.39‬‬

‫( ‪)1/45‬‬
‫‪ - ً 3‬المجتهد المقيد‪ ،‬أو مجتهد المسائل التي لنص فيها عن صاحب المذهب أومجتهد التخريج‪،‬‬
‫كالخصاف والطحاوي والكرخي والحلواني والسرخسي والبزدوي وقاضي خان من الحنفية‪ ،‬والبهري‬
‫وابن أبي زيد القيرواني من المالكية‪ ،‬وأبي إسحاق الشيرازي والمروذي ومحمد بن جرير وأبي نصر‬
‫وابن خزيمة من الشافعية‪ ،‬والقاضي أبي يعلى والقاضي أبي علي بن أبي موسى من الحنابلة‪.‬وهؤلء‬
‫يسمون أصحاب الوجوه؛ لنهم يخرّجون مالم ينص عليه على أقوال المام‪ ،‬ويسمى ذلك وجها في‬
‫المذهب‪ ،‬أو قولً فيه‪ ،‬فهي منسوبة للصحاب‪ ،‬ل لمام المذهب‪ ،‬وهذا مألوف في المذهبين الشافعي‬
‫والحنبلي‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬مجتهد الترجيح‪ :‬وهو الذي يتمكن من ترجيح قول لمام المذهب على قول آخر‪ ،‬أو الترجيح‬
‫بين ماقاله المام وماقاله تلميذه أو غيره من الئمة‪ ،‬فشأنه تفضيل بعض الروايات على بعض‪ ،‬مثل‬
‫القدوري والمرغيناني صاحب الهداية من الحنفية‪ ،‬والعلمة خليل من المالكية‪،‬والرافعي والنووي من‬
‫الشافعية‪ ،‬والقاضي علء الدين المرداوي منقح مذهب الحنابلة‪ ،‬وأبي الخطاب محفوظ بن أحمد‬
‫الكلوذاني البغدادي (‪510‬هـ) المجتهد في مذهب الحنابلة‪.‬‬

‫‪ - ً 5‬مجتهد الفتيا‪ :‬وهو أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلت‪ ،‬ويميز بين‬
‫القوى والقوي والضعيف‪ ،‬والراجح والمرجوح‪ ،‬ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته‪،‬‬
‫كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين‪ ،‬مثل صاحب الكنز‪ ،‬وصاحب الدر المختار‪ ،‬وصاحب‬
‫الوقاية‪ ،‬وصاحب مجمع النهر من الحنفية‪ ،‬والرملي وابن حجر من الشافعية‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬طبقة المقلدين‪ :‬الذين ليقدرون على ماذكر من التمييز بين القوي وغيره‪ ،‬وليفرقون بين الغث‬
‫والسمين‪.‬‬
‫ هذا ولم يفرق الجمهور بين المجتهد المقيد‪ ،‬ومجتهد التخريج‪ ،‬وجعل ابن عابدين طبقة مجتهد‬‫التخريج مرتبة رابعة بعد المجتهد المقيد‪ ،‬ومثل له بالرازي الجصاص (المتوفى سنة ‪370‬هـ)‬
‫وأمثاله‪.‬‬

‫( ‪)1/46‬‬
‫ مراتب كتب الفقه الحنفي‪ :‬رتب الحنفية كتب الفقه عندهم‪ ،‬ومسائل علمائهم على طبقات ثلث (‪)1‬‬‫‪:‬‬
‫‪ - 1‬مسائل الصول‪ ،‬وتسمى ظاهر الرواية‪ :‬وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب‪ ،‬وهم أبو‬
‫حنيفة وأبو يوسف ومحمد‪ ،‬ويلحق بهم زفر والحسن ابن زياد وغيرهما من تلميذ المام‪ ،‬لكن الغالب‬
‫الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلثة (المام وصاحبيه)‪.‬‬
‫ وكتب ظاهر الرواية للمام محمد‪ :‬هي الكتب الستة المعتمدة المروية عن محمد برواية الثقات‪،‬‬‫بالتواتر أو الشهرة‪ ،‬وهي المبسوط (‪ ، )2‬والزيادات‪ ،‬والجامع الصغير‪ ،‬والجامع الكبير‪ ،‬والسير‬
‫الكبير‪ ،‬والسير الصغير‪ .‬وسميت بظاهر الرواية؛ لنها رويت عن محمد برواية الثقات‪ .‬وقد جمعت‬
‫هذه الكتب الستة في مختصر الكافي لبي الفضل المروزي المعروف بالحاكم الشهيد‪ ،‬المتوفى عام‪-‬‬
‫‪ - 2‬مسائل النوادر‪ :‬وهي المروية عن أصحاب المذهب المذكورين‪ ،‬لفي الكتب المذكورة‪ ،‬بل إما‬
‫في كتب أخر لمحمد‪ ،‬كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات‪ ،‬والرّقيات‪ ،‬والمخارج في الحيل‪،‬‬
‫وزيادة الزيادات رواية ابن رستم‪ ،‬وهي أمالي محمد في الفقه‪ ،‬ويقال لها‪ :‬غير ظاهر الرواية؛ لنها لم‬
‫ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الولى‪.‬‬
‫ وإما في كتب لغير محمد‪ ،‬كالمحرّر للحسن بن زياد وغيره‪ ،‬وكتب المالي المروية عن أبي‬‫يوسف‪.‬‬
‫‪ -‬والمالي جمع إملء‪ :‬وهو مايقوله العالم بما فتح ال تعالى عليه من ظهر قلبه‪ ،‬ويكتبه التلمذة‪،‬‬

‫وكان ذلك عادة السلف‪.‬‬
‫ وإما برواية مفردة كرواية ابن سماعة‪ ،‬والمعلى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة‪.‬‬‫‪-----------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية ابن عابدين‪ ،64/1 :‬رسم المفتي‪ :‬ص ‪ 16‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬ويعرف بالصل‪ ،‬وهو أطول وأهم كتب محمد‪344 .‬هـ‪ ،‬ثم شرحه السرخسي في كتاب المبسوط‬
‫في ثلثين جزءا وهو كتاب معتمد في نقل المذهب‪.‬‬

‫( ‪)1/47‬‬
‫ ‪ - 3‬الواقعات والفتاوى‪ :‬وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها‪ ،‬ولم يجدوا‬‫فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين‪ ،‬وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد‪ ،‬وأصحاب أصحابهما‪ ،‬وهم‬
‫كثيرون‪.‬‬
‫ فمن أصحابهما مثل‪ :‬عصام بن يوسف‪ ،‬وابن رستم‪ ،‬ومحمد بن سماعة‪ ،‬وأبي سليمان الجرجاني‪،‬‬‫وأبي حفص البخاري‪.‬‬
‫ وأما من بعدهم فمثل‪ :‬محمد بن سلمة‪ ،‬ومحمد بن مقاتل‪ ،‬ونصر بن يحيى‪ ،‬وأبي النصر القاسم بن‬‫سلم‪ ،‬وقد يخالفون أصل المذهب لدلئل ظهرت لهم‪ .‬وأول كتاب جمع الفتاوى‪ :‬كتاب النوازل للفقيه‬
‫أبي الليث السمرقندي‪ .‬ثم جمع المشايخ بعده كتبا أُخَر‪ ،‬كمجموع النوازل والواقعات للناطفي‪،‬‬
‫والواقعات للصدر الشهيد ابن مسعود‪.‬‬
‫ ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة‪ ،‬كما في فتاوى قاضيخان‪ ،‬والخلصة‬‫وغيرهما‪ .‬وميز بعضهم‪ ،‬كما في المحيط لرضا الدين السرخسي‪ ،‬فإنه ذكر أولً مسائل الصول‪ ،‬ثم‬
‫النوادر‪ ،‬ثم الفتاوى‪.‬‬
‫ وأشهر من امتاز بتدوين ورواية الفقه الحنفي بعد محمد وأبي يوسف هم‪ :‬عيسى بن أبان (المتوفى‬‫سنة ‪220‬هـ)‪ ،‬ومحمد بن سماعة (المتوفى سنة ‪233‬هـ) وهلل بن يحيى الرأي البصري (المتوفى‬
‫سنة ‪245‬هـ)‪ ،‬وأحمد بن عمر بن مهير الخصاف (المتوفى سنة ‪261‬هـ)‪ ،‬وأحمد بن محمد بن‬
‫سلمة‪ ،‬أبو جعفر الطحاوي (المتوفى سنة ‪321‬هـ)‪.‬‬
‫ المطلب الرابع ـ اصطلحات الفقه والمؤلفين فيه‪:‬‬‫ للفقهاء كغيرهم في مختلف العلوم اصطلحات (‪ )1‬معينة شائعة‪ ،‬تتردد في كثير من المناسبات‬‫الفقهية‪ ،‬كما أن هناك اصطلحات في كتب المذاهب‪ ،‬تبين طريق الخذ بالقول الراجح في المذهب‪،‬‬

‫وهي المعروفة بـ‪:‬‬
‫ رسم المفتي‪ :‬أي العلمة التي تدل المفتي على مايفتي به‪ ،‬وللعلمة ابن عابدين رسالة باسم ( رسم‬‫المفتي ) وهي الرسالة الثانية من رسائله المشهورة‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الصطلح‪ :‬هو إطلق لفظ على معنى معين بين فئة من العلماء‪ ،‬كإرادة هيئة مخصوصة بأقوال‬
‫وأفعال معينة من لفظ ( الصلة ) مع أنها في اللغة هي الدعاء‪.‬‬

‫( ‪)1/48‬‬
‫أولً ـ المصطلحات الفقهية العامة‪:‬‬
‫ هناك مصطلحات فقهية أو أصولية عامة‪ ،‬هي الفرض‪ ،‬الواجب‪ ،‬المندوب‪ ،‬الحرام‪ ،‬المكروه‬‫تحريما‪ ،‬المكروه تنزيها‪ ،‬المباح‪ ،‬وهي أنواع الحكم التكليفي (‪ )1‬عند الصوليين من الحنفية‪ ،‬ويلحق‬
‫بالواجب‪:‬الداء والقضاء والعادة‪ .‬والركن والشرط‪ ،‬والسبب‪ ،‬والمانع‪ ،‬والصحيح‪ ،‬والفاسد‪ ،‬والعزيمة‪،‬‬
‫والرخصة‪ ،‬وهي أنواع الحكم الوضعي (‪ )2‬عند الصوليين‪.‬‬
‫‪ - 1‬الفرض‪ :‬هو ماطلب الشرع فعله طلبا جازما بدليل قطعي لشبهة فيه‪ ،‬كأركان السلم الخمسة‬
‫التي ثبتت بالقرآن الكريم‪ ،‬والثابت بالسنة المتواترة أو المشهورة كقراءة القرآن في الصلة‪ ،‬والثابت‬
‫بالجماع كحرمة بيع المطعومات الربعة (القمح والشعير والتمر والملح) ببعضها نسيئة (‪. )3‬‬
‫وحكمه‪ :‬لزوم التيان به‪ ،‬مع ثواب فاعله‪ ،‬وعقاب تاركه‪ ،‬ويكفر منكره‪.‬‬
‫‪ - 2‬الواجب‪ :‬ماطلب الشرع فعله جازما‪ ،‬بدليل ظني فيه شبهة‪ ،‬كصدقة الفطر‪ ،‬وصلة الوتر‬
‫والعيدين‪ ،‬لثبوت إيجابه بدليل ظني‪ ،‬وهو خبر الواحد عن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬وحكمه‬
‫كالفرض‪ ،‬إل أنه ليكفر منكره ‪.‬‬
‫ والفرض والواجب مترادفان بمعنى واحد عند الجمهور غير الحنفية‪ :‬وهو ماطلب الشرع فعله طلبا‬‫جازما‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحكم التكليفي‪ :‬هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف‪ ،‬أو كفه عن فعل‪ ،‬أو تخييره بين الفعل‬
‫والترك‪ .‬وسمي تكليفيا؛ لنه يتضمن التكليف (المطالبة) بفعل أو ترك فعل أو تخيير بينهما‪.‬‬
‫(‪ )2‬الحكم الوضعي‪ :‬هو مااقتضى وضع شيء سببا لشيء أو شرطا له أو مانعا منه‪ ،‬أو صحيحا أو‬
‫فاسدا أو عزيمة أو رخصة‪ .‬وسمي وضعيا؛ لنه يقتضي وضع أمور ترتبط بالخرى‪ ،‬كالسباب‬

‫للمسببات‪ ،‬والشروط للمشروطات‪.‬‬
‫(‪ )3‬مراتب الجماع لبن حزم‪ :‬ص ‪.85‬‬

‫( ‪)1/49‬‬
‫‪ - 3‬المندوب أو السنة‪ :‬هو ماطلب الشرع فعله من المكلف طلبا غير لزم‪ ،‬أو مايحمد فاعله‪ ،‬ول يذم‬
‫تاركه‪ ،‬مثل توثيق الدين بالكتابة (سند أو غيره)‪ ،‬وحكمه‪ :‬أنه يثاب فاعله‪ ،‬ول يعاقب تاركه‪ ،‬وقد‬
‫يستحق اللوم والعتاب من الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ ويسمى المندوب عند غير الحنفية سنة ونافلة ومستحبا وتطوعا ومرغبا فيه‪ ،‬وإحسانا وحسنا‪ .‬وقسم‬‫الحنفية المندوب‪ :‬إلى مندوب مؤكد‪ ،‬كصلة الجماعة‪ ،‬ومندوب مشروع‪ ،‬كصيام يومي الثنين‬
‫والخميس‪ ،‬ومندوب زائد كالقتداء بأكل الرسول وشربه ومشيه ونومه ولبسه ونحو ذلك‪.‬‬
‫ واختار صاحب الدر المختار وابن عابدين رأي الجمهور‪ ،‬فقال‪ :‬لفرق بين المندوب والمستحب‬‫والنفل والتطوع‪ ،‬وتركه خلف الولى‪ ،‬وقد يلزم من تركه ثبوت الكراهة (‪. )1‬‬
‫‪ - 4‬الحرام‪ :‬هو ماطلب الشرع تركه على وجه الحتم واللزام‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬هو ماثبت طلب تركه‬
‫بدليل قطعي لشبهة فيه‪ ،‬مثل تحريم القتل وشرب الخمر والزنا والسرقة‪ .‬وحكمه‪ :‬وجوب اجتنابه‪،‬‬
‫وعقوبة فاعله‪ .‬ويسمى الحرام أيضا معصية‪ ،‬وذنبا‪ ،‬وقبيحا‪ ،‬ومزجورا عنه‪ ،‬ومتوعدا عليه أي من‬
‫الشرع‪ .‬ويكفر منكر الحرام‪.‬‬
‫‪ - 5‬المكروه تحريما‪ :‬وهو عند الحنفية‪ :‬ماطلب تركه على وجه الحتم واللزام بدليل ظني‪ ،‬كأخبار‬
‫الحاد‪ ،‬كالبيع على بيع الغير‪ ،‬والخطبة على الخطبة‪ ،‬ولبس الحرير والذهب للرجال‪ .‬وحكمه‪ :‬الثواب‬
‫على تركه‪ ،‬والعقاب على فعله‪.‬‬
‫ ‪-------------------------------‬‬‫ (‪ )1‬حاشية ابن عابدين‪ .115/1 :‬وإذا أطلق المكروه عند الحنفية يراد به المكروه تحريما‪.‬‬‫والمكروه التحريمي عندهم إلى الحرام أقرب‪ ،‬ولكن ليكفر منكره‪.‬‬

‫( ‪)1/50‬‬
‫‪ - 6‬المكروه تنزيها‪ :‬وهو عند الحنفية‪ :‬ماطلب الشرع تركه‪ ،‬طلبا غير جازم‪ ،‬ول مشعر بالعقوبة‪،‬‬
‫كأكل لحوم الخيل‪ ،‬للحاجة إليها في الماضي في الجهاد‪ ،‬والوضوء من سؤر الهرة وسباع الطير‬
‫كالصقر والغراب‪ ،‬وترك السنن المؤكدة عموما‪ .‬وحكمه‪ :‬ثواب تاركه‪ ،‬ولوم فاعله دون عقاب‪.‬‬

‫ والمكروه عند غير الحنفية نوع واحد‪ :‬وهو ماطلب الشرع تركه ل على وجه الحتم واللزام‪،‬‬‫وحكمه‪ :‬أنه يمدح ويثاب تاركه‪ ،‬ول يذم ول يعاقب فاعله‪.‬‬
‫‪ - 7‬المباح‪ :‬هو ماخير الشرع المكلف بين فعله وتركه‪ ،‬كالكل والشرب‪ .‬والصل في الشياء‬
‫الباحة مالم يرد حظر أو تحريم‪ .‬وحكمه‪ :‬أنه لثواب ولعتاب على فعله أو تركه‪ ،‬إل إذا أدى الترك‬
‫إلى خطر الهلك‪ ،‬فيجب الكل مثلً ويحرم الترك‪ ،‬حفاظا على النفس‪.‬‬
‫‪ - 8‬السبب عند جمهور الصوليين‪ :‬هو ما يوجد عنده الحكم‪ ،‬ل به‪ ،‬سواء أكان مناسبا للحكم‪ ،‬أم لم‬
‫يكن مناسبا‪ ،‬مثال المناسب‪ :‬السكار سبب لتحريم الخمر؛ لنه يؤدي إلى ضياع العقول‪ ،‬والسفر سبب‬
‫لجواز الفطر في رمضان؛ لنه يودي إلي التيسير ودفع المشقة‪ .‬ومثال غير المناسب أي بحسب‬
‫إدراكنا‪ :‬دلوك (زوال) الشمس سبب لوجوب الظهر‪ ،‬في قوله تعالى ‪{ :‬أقم الصلة لدلوك الشمس}‬
‫[السراء‪ ،]78/17:‬وعقولنا ل تدرك مناسبة ظاهرة بين السبب والحكم‪.‬‬
‫‪ - 9‬الشرط والركن‪ :‬الشرط‪ :‬هو مايتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجا عن حقيقته‪ ،‬فالوضوء‬
‫شرط للصلة خارج عنها‪ ،‬وحضور الشاهدين في عقد الزواج شرط له خارج عنه‪ ،‬وتعيين المبيع‬
‫والثمن في عقد البيع شرط لصحته وليس جزءا من العقد‪.‬‬
‫ والركن عند الحنفية‪ :‬هو مايتوقف عليه وجود الشيء‪ ،‬وكان جزءا من حقيقته أو ماهيته‪ ،‬فالركوع‬‫ركن في الصلة؛ لنه جزء منها‪ ،‬وكذا القراءة في الصلة ركن؛ لنها جزء من حقيقة الصلة‪،‬‬
‫واليجاب والقبول في العقد ركن؛ لنه جزء يتكون به العقد‪ .‬والركن عند الجمهور‪ :‬مايتوقف عليه‬
‫أساسا وجود الشيء‪ ،‬وإن كان خارجا عن ماهيته‪.‬‬

‫( ‪)1/51‬‬
‫‪ - 10‬المانع‪ :‬مايلزم من وجوده عدم الحكم‪ ،‬أو بطلن السبب‪ .‬مثال الول‪ :‬الدّين في باب الزكاة مانع‬
‫من وجوبها عند الحنفية‪ ،‬ومثال الثاني‪ :‬البوة مانع من القصاص‪.‬‬
‫‪ - 11‬الصحة والفساد والبطلن‪:‬‬
‫ الصحة‪ :‬موافقة أمر الشرع‪ ،‬والصحيح‪ :‬هو ما استوفى أركانه وشروطه الشرعية‪ .‬وصحة العبادة‬‫عند الفقهاء‪ :‬وقوعها مسقطة لطلب الشرع‪ ،‬على وجه يسقط القضاء‪ .‬وصحةالمعاملت‪ :‬ترتيب آثارها‬
‫الشرعية عليها‪ ،‬فالمراد من صحة العقد هو ترتيب أثره عليه‪ ،‬وهو ماشرع له‪ ،‬كحل النتفاع في‬
‫البيع‪ ،‬والستمتاع في الزواج‪.‬‬
‫‪ -‬والعبادات باتفاق العلماء‪ :‬إما صحيحة‪،‬أو غير صحيحة‪ ،‬وغير الصحيح منها لفرق فيه بين الباطل‬

‫والفاسد‪ ،‬فالقسمة ثنائية‪.‬‬
‫ أما المعاملت المدنية‪ :‬فل فرق فيها أيضا عند غير الحنفية بين الفاسد والباطل‪ ،‬وعند الحنفية تكون‬‫القسمة ثلثية؛ لن العقد غير الصحيح إما باطل أو فاسد‪.‬‬
‫ وغير الصحيح‪ :‬هو مالم يستوف أركانه وشروطه المطلوبة شرعا‪.‬‬‫ والباطل عند الحنفية‪ :‬هو الذي يشتمل على خلل في أصل العقد أي في أساسه‪ ،‬ركنا ً كان أو غيره‪،‬‬‫أي في صيغة العقد‪ ،‬أو العاقدين‪ ،‬و المعقود عليه‪ .‬وليترتب عليه أي أثر شرعي‪ ،‬كأن يصدر البيع‬
‫من مجنون أو صبي غير مميز (دون السابعة)‪.‬‬
‫ والفاسد عند الحنفية‪ :‬هو ماكان الخلل فيه في وصف من أوصاف العقد‪ ،‬بأن كان في شرط من‬‫شروطه‪ ،‬لفي ماهيته أو ركنه‪ .‬ويترتب عليه في المعاملت بعض الثار‪ ،‬إذا توافر ركنه وعناصره‬
‫الساسية‪ ،‬مثل البيع بثمن مجهول‪ ،‬أو المقترن بشرط فاسد كانتفاع البائع بالمبيع بعد البيع مدة‬
‫معلومة‪ ،‬والزواج بغير شهود‪ .‬فيثبت الملك خبيثا في البيع الفاسد إذا قبض المبيع‪ ،‬ويجب المهر‪،‬‬
‫والعدة بعد الفراق‪ ،‬ويثبت النسب بالدخول في الزواج الفاسد‪.‬‬

‫( ‪)1/52‬‬
‫ وبه يظهر أن البطلن‪ :‬هو مخالفة أمر الشرع المؤدية إلى عدم ترتب الثار الشرعية المقصودة‬‫عادة من العبادة أو المعاملة‪ .‬وهو في المعاملت‪ :‬مخالفة التصرف لنظامه الشرعي في ناحية‬
‫جوهرية‪ .‬والناحية الجوهرية‪ :‬هي الساسية‪.‬‬
‫ والفساد‪ :‬هو اختلل في العقد المخالف لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة يجعله مستحقا‬‫للفسخ‪ .‬وهو يجعل العقد في مرتبة متوسطة بين الصحة والبطلن‪ ،‬فل هوبالباطل غير المنعقد لتوافر‬
‫الناحية الجوهرية أو الساسية المطلوبة شرعا فيه‪ ،‬ولهو بالصحيح التام العتبار‪ ،‬لوجود خلل في‬
‫ناحية فرعية فقط غير جوهرية‪ .‬وأسباب الفساد أربعة هي‪ :‬الجهالة‪ ،‬والغرر (الحتمال)‪ ،‬والكراه (‬
‫‪ ، )1‬والشرط الممنوع المفسد‪.‬‬
‫‪ - 12‬الداء والقضاء والعادة‪:‬‬
‫ هذه المور تبحث عادة مع الواجب الموسع‪ :‬وهو الذي يتسع وقته له ولغيره من جنسه‪ ،‬كأوقات‬‫الصلوات المفروضة‪ ،‬فإن كل وقت يسع الفريضة صاحبة الوقت‪ ،‬وأداء صلة أخرى‪.‬‬
‫ والداء‪ :‬هو فعل الواجب في الوقت المقدر له شرعا‪.‬‬‫‪ -‬والعادة‪ :‬فعل الواجب ثانيا في الوقت‪ ،‬كإعادة الصلة مع الجماعة‪.‬‬

‫ والقضاء‪ :‬فعل الواجب بعد انتهاء الوقت‪ .‬وقضاء الصلة المفروضة أمر واجب‪ ،‬لما رواه أنس في‬‫الصحيحين أن الرسول صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من نام عن صلة أو نسيها‪ ،‬فليصلها إذا ذكرها‪ ،‬ل‬
‫كفارة لها إل ذلك» ويقاس على الناسي والنائم من باب أولى‪ :‬تارك الصلة كسلً‪ ،‬أو عمدا بغير عذر‬
‫مشروع؛ لستقرار وجوب الصلة دينا في الذمة‪ ،‬ولتبرأ الذمة إل بفعل الواجب‪.‬‬
‫ ثانيا ـ المصطلحات الخاصة بالمذاهب‪:‬‬‫ هناك مصطلحات مكررة في كل مذهب‪ ،‬دعا إليها إيثار الختصار‪ ،‬وملل التكرار‪ ،‬وضرورة‬‫معرفة المعتمد الراجح من بين القوال وهي مايلي‪:‬‬
‫‪-------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الجهالة أربعة أنواع‪ :‬إما في المعقود عليه‪ ،‬أو في العوض‪ ،‬أو في الجل‪ ،‬أو في وسائل التوثيق‬
‫المشروطة في العقد‪ ،‬كالرهن والكفالة‪.‬‬
‫والغرر‪ :‬أن يعتمد التعاقد على أمر موهوم غير موثوق‪ ،‬وهو نوعان‪ :‬إما في أصل المعقود عليه‪،‬‬
‫كبيع الحمل في بطن أمه‪ ،‬وإما في أوصاف العقد الفرعية ومقاديره‪ ،‬كادعاء مقدار معين لحليب شاة‪.‬‬
‫والكراه‪ :‬حمل الغير على أن يفعل مال يرضاه وليختار مباشرته‪ ،‬لو خلي ونفسه (راجع المدخل‬
‫الفقهي للستاذ مصطفى الزرقاء‪ :‬ف‪.)376 - 371 :‬‬

‫( ‪)1/53‬‬
‫مصطلحات المذهب الحنفي‪:‬‬
‫أ ـ ظاهر الرواية‪ :‬يراد به في الغالب الشائع ـ كما عرفنا ـ القول الراجح لئمة الحنفية الثلثة (أبو‬
‫حنيفة وأبو يوسف ومحمد)‪.‬‬
‫ب ـ المام‪ :‬هو أبو حنيفة‪ ،‬والشيخان‪ :‬هما أبو حنيفة وأبو يوسف‪ ،‬والطرفان‪ :‬هما أبو حنيفة ومحمد‪،‬‬
‫والصاحبان‪ :‬هما أبو يوسف ومحمد‪ .‬والثاني‪ :‬هو أبو يوسف‪ .‬والثالث‪ :‬هو محمد‪ ،‬ولفظ ( له ) أي‬
‫لبي حنيفة‪ ،‬ولفظ (لهما) أو (عندهما) أو (مذهبهما) أي مذهب الصاحبين‪ ،‬وإذا قالوا‪ :‬أصحابنا‪،‬‬
‫فالمشهور إطلق ذلك على الئمة الثلثة‪ :‬أبي حنيفة وصاحبيه‪ ،‬وأما المشايخ‪ :‬فالمراد بهم في‬
‫الصطلح‪ :‬من لم يدرك المام‪.‬‬
‫جـ ـ يفتي قطعا بم ا اتفق عليه أبو حنيفة وأصحابه في الروايات الظاهرة‪ ،‬فإن اختلفوا‪ :‬فإنه يفتى‬
‫بقول المام أبي حنيفة على الطلق‪ ،‬وخصوصا في العبادات‪ ،‬ول يرجح قول صاحبيه أو أحدهما إل‬
‫لموجب‪ :‬وهو ـ كما قال ابن نجيم ـ إما ضعف دليل المام‪ ،‬وإما للضرورة والتعامل‪ ،‬كترجيح‬

‫قولهما في المزارعة والمساقاة (المعاملة) وإما بسبب اختلف العصر والزمان‪.‬‬
‫ويفتى بقول أبي يوسف في القضاء والشهادات والمواريث‪ ،‬لزيادة تجربته‪ .‬كما يفتى بقول محمد في‬
‫جميع مسائل ذوي الرحام‪ ،‬ويفتى بقول زفر في سبع عشرة مسألة (‪. )1‬‬
‫د ـ إذا لم يوجد رواية للمام في المسألة‪ :‬يفتى بقول أبي يوسف‪ ،‬ثم بقول محمد‪ ،‬ثم بقول زفر‪،‬‬
‫والحسن بن زياد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر رد المحتار لبن عابدين‪ ،315/4 ،70- 65/1 :‬رسالة المفتي في مجموع رسائل ابن‬
‫عابدين‪.40 - 35/1 :‬‬

‫( ‪)1/54‬‬
‫هـ ـ إذا كان في مسألة قياس واستحسان‪ ،‬فالعمل على الستحسان إل في مسائل معدودة مشهورة‪،‬‬
‫هي اثنتان وعشرون مسألة (‪. )1‬‬
‫وإذا لم تذكر المسألة في ظاهر الرواية‪ ،‬وثبتت في رواية أخرى‪ ،‬تعين المصير إليها‪.‬‬
‫وإذا اختلفت الروايات عن المام‪ ،‬أو لم يوجد عنه ول عن أصحابه رواية أصلً‪ ،‬يؤخذ في الحالة‬
‫الولى بأقواها حجة‪ ،‬ويؤخذ في الحالة الثانية بما اتفق عليه المشايخ المتأخرون‪ ،‬فإن اختلفوا يؤخذ‬
‫بقول الكثرين‪ ،‬فإن لم يوجد منهم قول أصلً‪ ،‬نظر المفتي في المسألة نظرة تأمل وتدبر واجتهاد‪،‬‬
‫ليجد فيها مايقرب من الخروج عن العهدة‪ ،‬وليتكلم فيها جزافا‪ ،‬ويخشى ال تعالى ويراقبه‪ ،‬لن‬
‫الجرأة على الفتيا بدون دليل أمر عظيم ليتجاسر عليه إل كل جاهل شقي‪.‬‬
‫و ـ إذا تعارض التصحيح والفتوى‪ ،‬فقيل‪ :‬الصحيح كذا‪ ،‬والمفتى به كذا‪ ،‬فالولى العمل بما وافق‬
‫المتون‪ ،‬فإن لم توجد موافقة لها‪ ،‬فيؤخذ بالمفتى به؛ لن لفظ الفتوى آكد (أقوى) من لفظ الصحيح‬
‫والصح والشبه وغيرها‪ .‬وإذا ورد في المسألة قولن مصححان جاز القضاء والفتاء‬
‫بأحدهما‪.‬ويرجح أحدهما بما هو أوفق للزمن أو العرف أو أنفع للوقف أو للفقراء‪ ،‬أو كان دليله أوضح‬
‫وأظهر؛ لن الترجيح بقوة الدليل‪.‬‬
‫ولفظ‪( :‬به يفتى) آكد من لفظ «الفتوى عليه» ؛ لن الول يفيد الحصر‪.‬‬
‫ولفظ (الصح) آكد من (الصحيح) و (الحوط) آكد من (الحتياط)‪.‬‬
‫ز ـ المراد بكلمة «المتون» ‪ :‬أي متون الحنفية المعتبرة‪ ،‬مثل كتاب مختصر القدوري‪ ،‬والبداية‪،‬‬
‫والنقاية‪ ،‬والمختار‪ ،‬والوقاية‪ ،‬والكنز‪ ،‬والملتقى فإنها وضعت لنقل ظاهر الرواية والقوال المعتمدة‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رسم المفتي‪ :‬ص ‪.40، 35‬‬

‫( ‪)1/55‬‬
‫ح ـ ليجوز العمل بالضعيف من الرواية ‪ ،‬ولو في حق نفسه‪ ،‬بدون فرق بين المفتي والقاضي‪ ،‬إل‬
‫أن المفتي مخبر عن الحكم الشرعي‪ ،‬والقاضي ملزم به‪.‬وصح عن أبي حنيفة أنه قال‪ « :‬إذا صح‬
‫الحديث فهو مذهبي » ‪ ،‬ونقل مثل ذلك غيره من أئمة المذاهب (‪ . )1‬لكن يجوز الفتاء بالقول‬
‫الضعيف للضرورة تيسيرا على الناس‪.‬‬
‫ط ـ الحكم الملفق عند الحنفية باطل‪ ،‬كما أن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل‪ ،‬على ماهو المختار‬
‫في المذهب‪ ،‬فمن صلى ظهرا بمسح الرأس مقلدا للحنفي‪ ،‬فليس له إبطال صلته باعتقاده لزوم مسح‬
‫كل الرأس مقلدا للمالكي‪.‬‬
‫وأجاز بعض الحنفية التقليد بعد العمل‪ ،‬كما إذا صلى ظانا صحة صلته على مذهبه‪ ،‬ثم تبين بطلنها‬
‫في مذهبه‪ ،‬وصحتها على مذهب غيره فله تقليده‪ ،‬ويجتزئ بتلك الصلة‪ ،‬على ماقال في الفتاوى‬
‫البزازية‪ :‬روي عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلً من الحمام‪ ،‬ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر‬
‫الحمام‪ ،‬فقال‪ :‬نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة‪« :‬إذا بلغ الماء قُلّتين (‪ 270‬ليترا أو ‪ 15‬تنكة)‪ ،‬لم‬
‫يحمل خبثا» ‪.‬‬
‫ي ـ أجاز بعض الحنفية‪ :‬أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره‪ ،‬أو برواية ضعيفة‪ ،‬أو بقول ضعيف‪ ،‬نفذ‪،‬‬
‫وليس لغيره نقضه‪.‬‬
‫ك ـ تعتبر حاشية ابن عابدين (‪1252‬هـ) علمة الشام وهي ( رد المحتار على الدر المختار )‬
‫خاتمة التحقيقات والترجيحات في المذهب الحنفي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر الميزان للشعراني‪ ،63 - 54/1 :‬أعلم الموقعين‪ ،274 - 260/2 :‬ط محي الدين عبد‬
‫الحميد‪.‬‬

‫( ‪)1/56‬‬
‫مصطلحات المذهب المالكي‪:‬‬
‫المذهب المالكي كغيره من المذاهب يتميز بكثرة القوال‪ ،‬مراعاة لمصالح الناس وأعرافهم المختلفة‪.‬‬

‫والمفتي يفتي بالراجح الذي يكون صالحا في موضوع المسألة‪ .‬وغير المفتي الذي لم يستكمل شروط‬
‫الجتهاد يأخذ بالمتفق عليه‪ ،‬أو المشهور من المذهب‪ ،‬أو ما رجحه القدمون‪ ،‬فإن لم يعرف أرجحية‬
‫قول‪ ،‬قيل كما ذكر الشيخ عليش (‪1299‬هـ)‪ :‬إنه يأخذ بالقول الشد؛ لنه أحوط‪ ،‬وقيل‪ :‬يختار أخف‬
‫القوال وأيسرها‪ ،‬لن ذلك أليق بالشرع السلمي؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم جاء بالحنيفية‬
‫السمحة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه يتخير‪ ،‬فيأخذ بأيها شاء؛ لنه لتكليف إل بما يطاق (‪. )1‬‬
‫أ ـ رتب بعض المالكية الترجيح بين روايات الكتب‪ ،‬والروايات عن المشايخ‪ ،‬فقال‪ :‬قول مالك في‬
‫المدونة أولى من قول ابن القاسم فيها‪ ،‬فإنه المام العظم‪ ،‬وقول ابن القاسم فيها أولى من قول غيره‬
‫فيها‪ ،‬لنه أعلم بمذهب مالك‪،‬وقول غيره فيها أولى من قول ابن القاسم في غيرها‪ ،‬وذلك لصحتها‪.‬‬
‫وإذا لم يذكر قول في المدونة‪ ،‬فإنه يرجع إلى أقوال المخرجين‪.‬‬
‫ب ـ إذا قيل‪(:‬المذهب) يراد به مذهب مالك‪ ،‬وإذا قيل‪ ( :‬المشهور ) فيعني مشهور مذهب مالك‪،‬‬
‫وفي ذلك إشعار بخلف في المذهب‪.‬‬
‫والمعتمد أن المراد ( بالمشهور )‪ :‬ماكثر قائله‪.‬‬
‫جـ ـ إذا قيل‪« :‬قيل كذا» أو «اختلف في كذا» أو «في كذا قولن فأكثر» أي أن هناك اختلفا في‬
‫المذهب‪.‬‬
‫د ـ إذا ذكر ( روايتان ) أي عن مالك‪ .‬وقد جرى مؤلفو الكتب عند المالكية على أن الفتوى تكون‬
‫بالقول المشهور‪ ،‬أو الراجح من المذهب‪ .‬وأما القول الشاذ والمرجوح أي الضعيف فل يفتى بهما‪ ،‬ول‬
‫يجوز العمل به في خاصة النفس‪ ،‬بل يقدم العمل بقول الغير عليه؛ لن قول الغير‪ ،‬قوي في مذهبه (‬
‫‪. )2‬‬
‫هـ ـ في التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين طريقتان‪ :‬المنع‪ :‬وهو طريقة المصريين‪ ،‬والجواز‪:‬‬
‫وهو طريق المغاربة‪ ،‬ورجحت‪ ،‬وقال الدسوقي قائلً عن مشايخه‪ :‬إن الصحيح جوازه‪ ،‬وهو فسحة (‬
‫‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كتاب مالك لبي زهرة‪ :‬ص ‪ 457‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير‪20/1 :‬‬
‫(‪ )3‬المرجع والمكان السابق‪.‬‬

‫( ‪)1/57‬‬

‫و ـ يعتبر متن العلمة الشيخ خليل (‪767‬هـ) ومدرسته من الشراح الكثيرين الذين شرحوه هو‬
‫المعتمد عند المالكية‪ ،‬في تحرير القوال والروايات‪ ،‬وبيان الراجح منها (‪. )1‬‬
‫مصطلحات المذهب الشافعي‪:‬‬
‫نقل عن الشافعي في بضع عشرة مسألة قولن فأكثر‪ ،‬كما في خيار الرؤية الذي ذكر فيه قول بجوازه‬
‫وقول بمنعه رجع فيه عن الول‪ ،‬وكما في وجوب الزكاة على المدين بدين مساو لما في يده‪ ،‬وكما في‬
‫إقرار المفلس بدين له لخر‪ ،‬هل يدخل المقر له مع الغرماء أم ل‪ ،‬وكما في تغرير الزوج بزوجته‪،‬‬
‫بأن يذكر لها نسبا غير نسبه‪،‬هل لها الخيار بفسخ الزواج‪ ،‬أو أن الزواج باطل‪،‬ونحو ذلك‪ ،‬مما جعل‬
‫بعض المغرضين يتخذون من تعدد أقوال الشافعي سبيلً للنيل منه‪ ،‬والطعن في اجتهاده‪ ،‬وزعم نقص‬
‫علمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تجوز الجرة على الفتيا عند المالكية إن لم تتعين‪.‬‬

‫( ‪)1/58‬‬
‫والحق أن التردد بين القولين عند تعارض القيسة‪ ،‬وتصادم الدلة‪ ،‬ليس دليل النقص‪ ،‬ولكنه دليل‬
‫الكمال في العقل‪ ،‬فهو ليهجم باليقين في مقام الظن‪ ،‬ودليل على كمال الخلص في طلب الحق‬
‫والقصد‪ ،‬فهو ليجزم بالحكم إل إذا توافرت لديه أسباب الترجيح‪ ،‬وإن لم تتوافر السباب لذلك‪ ،‬ألقى‬
‫بتردده (‪. )1‬‬
‫وعلى المفتي إذا وجد قولين للشافعي أن يختار مارجحه المخرجون السابقون (‪ ، )2‬وإل توقف كما‬
‫يقول النووي‪ .‬وإذا كانت المسألة ذات أوجه للمجتهدين من أصحاب الشافعي أو طرق نقل مختلفة‪،‬‬
‫فيأخذ المفتي بما رجحه المجتهدون السابقون‪ :‬وهو ماصححه الكثر‪ ،‬ثم العلم‪ ،‬ثم الورع‪ ،‬فإن لم‬
‫يجد ترجيحا‪ ،‬يقدم مارواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي (‪ )3‬ويعتبر الشيخ أبو‬
‫زكريا‪ ،‬يحيى بن شرف النووي (‪676‬هـ) بحق مُحرّر المذهب الشافعي أي منقحه‪ ،‬ومبين الراجح‬
‫من القوال فيه‪ ،‬وذلك في كتابه ( منهاج الطالبين‪ ،‬وعمدة المفتين )‪ ،‬وهو المعتمد لدى الشافعية‪ ،‬حتى‬
‫بالنسبة لبعض كتب النووي الخرى كالروضة‪ ،‬وقد اعتمد في تأليفه على مختصر ( المحرّر ) للمام‬
‫أبي القاسم الرافعي (المتوفى سنة ‪623‬هـ )‪ ،‬ثم اختصر الشيخ زكريا النصاري المنهاج إلى المنهج‪.‬‬
‫والفتوى على ماقاله النووي في المنهاج وما ذكره الشارح في نهاية المحتاج للرملي‪ ،‬وتحفة المحتاج‬
‫ل بن حجر‪ ،‬ثم ماذكره الشيخ زكريا‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشافعي لبي زهرة‪ :‬ص (‪.)175 - 172‬‬
‫(‪ )2‬ويرجح المجتهدون ما رجحه الشافعي هو‪ ،‬فإن لم يكن له ترجيح رجحوا المتأخر على المتقدم‪،‬‬
‫فإن لم يعرف التأخر‪ ،‬وذلك نادر رجحوا أقربها إلى أصوله‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشافعي‪ ( :‬ص ‪ 368‬وما بعدها )‪.‬‬

‫( ‪)1/59‬‬
‫وهذه طريقة النووي في حكاية القوال وبيان الوجه المخرجة للصحاب‪ ،‬وكيفية الترجيح بينها‪ ،‬علما‬
‫بأنه يسمي آراء الشافعي أقوالً‪ ،‬وآراء أصحابه أوجها‪ ،‬واختلف رواة المذهب في حكاية مذهب‬
‫الشافعي طرقا‪ ،‬فالختلفات ثلثة‪ :‬القوال‪ :‬وهي المنسوبة للشافعي‪ ،‬والوجه‪ :‬وهي الراء التي‬
‫يستنبطها فقهاء الشافعية بناء على قواعده وأصوله‪ ،‬والطرق‪ :‬وهي اختلف الرواة في حكاية المذهب‬
‫( ‪. )1‬‬
‫أ ـ (الظهر )‪ :‬أي من قولين أو أقوال للشافعي رحمه ال تعالى‪ ،‬قوي الخلف فيهما أو فيها‪ ،‬ومقابله‬
‫( ظاهر ) لقوة مدرك كلٍ (‪. )2‬‬
‫ب ـ (المشهور )‪ :‬أي من قولين أو أقوال للشافعي لم يقو الخلف فيهما أو فيها‪ ،‬ومقابله ( غريب )‬
‫لضعف مدركه‪.‬‬
‫فكل من الظهر والمشهور‪ :‬من قولين للشافعي‪.‬‬
‫جـ ـ ( الصح )‪ :‬أي من وجهين أو أوجه استخرجها الصحاب من كلم الشافعي‪ ،‬بناء على‬
‫أصوله‪ ،‬أو استنبطوهامن قواعده‪ ،‬وقد قوي الخلف فيما ذكر‪ ،‬ومقابله صحيح‪.‬‬
‫د ـ ( الصحيح )‪ :‬أي من وجهين أو أوجه‪ ،‬ولكن لم يقو الخلف بين الصحاب‪ ،‬ومقابله ضعيف‬
‫لفساد مدركه‪.‬‬
‫فكل من الصح والصحيح‪ :‬من وجهين أو أوجه للصحاب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشافعي‪ :‬ص ‪ ،361‬الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية‪ :‬ص ‪ 35‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬انظر في هذا وما يأتي مقدمة كتاب المنهاج للنووي‪.‬‬

‫( ‪)1/60‬‬

‫هـ ـ ( المذهب ) من الطريقتين أو الطرق‪ :‬وهي اختلف الصحاب في حكاية المذهب‪ ،‬كأن يحكي‬
‫بعضهم في المسألة قولين‪ ،‬أو وجهين لمن تقدم‪ ،‬ويقطع بعضهم بأحدهما‪ ،‬وعلى كل قد يكون قول‬
‫القطع هو الراجح‪ ،‬وقد يكون غيره‪ .‬ومدلول هذا التعبير ( المذهب )‪ :‬أن المفتى به هو ماعبر عنه‬
‫بالمذهب‪.‬‬
‫و ـ ( النص ) أي نص الشافعي‪ ،‬ومقابله وجه ضعيف أو مخرّج (‪ ، )1‬وعلى كل قد يكون الفتاء‬
‫بغير النص‪.‬‬
‫ز ـ ( الجديد )‪ :‬هو مقابل المذهب القديم‪ ،‬والجديد‪ :‬هو ماقاله الشافعي في مصر تصنيفا أو إفتاء‪،‬‬
‫ورواته‪ :‬البويطي والمزني والربيع المرادي وحرملة ويونس بن عبد العلى‪ ،‬وعبد ال بن الزبير‬
‫المكي‪ ،‬ومحمد بن عبد ال بن عبد الحكم وغيرهم‪ .‬والثلثة الول‪ :‬هم الذين قاموا بالعبء‪ ،‬والباقون‬
‫نقلت عنهم أمور محصورة‪.‬‬
‫ح ـ (القديم)‪ :‬ماقاله الشافعي في العراق تصنيفا في كتابه ( الحجة ) أو أفتى به‪ .‬ورواته جماعة‬
‫أشهرهم‪ :‬المام أحمد بن حنبل‪ ،‬والزعفراني والكرابيسي‪ ،‬وأبو ثور‪ .‬وقد رجع الشافعي عنه‪ ،‬ولم يحل‬
‫الشافعي الفتاء به‪ ،‬وأفتى الصحاب به في نحو سبع عشرة مسألة‪.‬‬
‫وأما ماوجد بين مصر والعراق‪ ،‬فالمتأخر جديد‪ ،‬والمتقدم قديم‪.‬‬
‫وإذا كان في المسألة‪ :‬قديم وجديد‪ ،‬فالجديد هو المعمول به‪ ،‬إل في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة‪،‬‬
‫أفتي فيها بالقديم (‪. )2‬‬
‫ط ـ (قول الجديد)‪ :‬يعمل بآخرهما إن علم‪ ،‬فإن لم يعلم‪ ،‬وعمل الشافعي بأحدهما‪ ،‬كان إبطالً للخر‬
‫أو ترجيحا لما عمل به‪.‬‬
‫وكلمة ( قيل) تعني وجود وجه ضعيف‪ ،‬والصحيح أو الصح خلفه‪.‬‬
‫و( الشيخان ) هما الرافعي والنووي‪.‬‬
‫ي ـ قال ابن حجر‪ :‬وليجوز العمل بالضعيف في المذهب‪ ،‬ويمتنع التلفيق في مسألة‪ ،‬كأن قلد مالكا‬
‫في طهارة الكلب‪ ،‬والشافعي في مسح بعض الرأس في صلة واحدة‪ ،‬وأما في مسألة بتمامها بجميع‬
‫معتبراتها فيجوز‪ ،‬ولو بعد العمل‪ ،‬كأن أدى عبادته صحيحة عند بعض الربعة دون غيره‪ ،‬فله تقليده‬
‫فيها‪ ،‬حتى ليلزمه قضاؤها‪ ،‬ويجوز النتقال من مذهب لغيره‪ ،‬ولو بعد العمل (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬التخريج‪ :‬أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين‪ ،‬ولم يظهر مايصلح للفرق‬
‫بينهما‪ ،‬فينقل الصحاب جواب الشافعي في كل صورة إلى الخرى‪ ،‬فيحصل في كل صورة منهما‬
‫قولن‪ :‬منصوص ومخرج‪ ،‬المنصوص في مسألة مخرج في الخرى‪ ،‬والمنصوص في الخرى‬

‫مخرج في الولى‪ ،‬فيقال‪ :‬فيهما قولن بالنقل والتخريج‪ ،‬والصح أن القول المخرّج ل ينسب للشافعي؛‬
‫لنه ربما روجع فيه‪ ،‬فذكر فرقا‪.‬‬
‫(‪ )2‬أوصل الشافعية هذه المسائل إلى اثنتين وعشرين مسألة‪ ،‬مثل عدم مضي وقت المغرب بمضي‬
‫خمس ركعات ( انظر بجيرمي الخطيب‪.) 48/1 :‬‬
‫(‪ )3‬بجيرمي الخطيب‪.51/1 :‬‬

‫( ‪)1/61‬‬
‫مصطلحات المذهب الحنبلي‪:‬‬
‫كثرت القوال والروايات في مذهب أحمد كثرة عظيمة‪ ،‬إما بسبب اطلعه على الحديث بعد الفتاء‬
‫بالرأي‪ ،‬أو بسبب اختلف الصحابة على رأيين في المسألة‪ ،‬أو لمراعاته الظروف والملبسات في‬
‫الوقائع المستفتى فيها‪.‬‬
‫وقد اختلف علماء المذهب في طرق الترجيح بين القوال والروايات على فريقين‪:‬‬
‫أحدهما ـ الهتمام بنقل القوال‪ ،‬لن ذلك دليل كمال في الدين‪.‬‬
‫والثاني ـ الميل إلى توحيد رأي المام‪ ،‬بالترجيح بالتاريخ إن علم تاريخ القولين‪ ،‬أو بالموازنة بين‬
‫القولين‪ ،‬والخذ بأقواهما دليلً‪ ،‬وأقربهما إلى منطق‬
‫المام وقواعد مذهبه‪ ،‬فإن تعذر الترجيح كان في المذهب قولن‪ ،‬عند الضطرار إليه‪ ،‬ويخير المقلد‬
‫بينهما في الظهر‪ ،‬لن الصل في المجتهد أن يكون له رأي واحد في اجتهاده‪ ،‬وإن لم يكن له رأي‬
‫واحد في المسألة‪ ،‬ل يكون له اجتهاد فيها (‪. )1‬‬
‫والقول الواحد الذي يذكره المؤلفون‪ :‬هو ما رجحه أهل الترجيح من أئمة المذهب‪ ،‬كالقاضي علء‬
‫الدين‪ ،‬علي بن سليمان السعدي المرداوي‪ ،‬المجتهد في تصحيح المذهب‪ ،‬في كتبه النصاف‪،‬‬
‫وتصحيح الفروع‪ ،‬والتنقيح (‪. )2‬‬
‫أ ـ إذا أطلقت كلمة ( الشيخ ) أو ( شيخ السلم ) عند المتأخرين من علماء الحنابلة‪ :‬فيراد به أبو‬
‫العباس‪ ،‬أحمد تقي الدين بن تيمية الحراني (‪728-661‬هـ) الذي كان له في رسائله وفتاويه‬
‫واختياراته فضل في نشر مذهب أحمد‪ ،‬كما كان لتلميذه ابن القيم صاحب إعلم الموقعين (المتوفى‬
‫عام ‪ )751‬فضل أيضا في ذلك‪.‬‬
‫ب ـ إذا أطلق المتأخرون قبل ابن تيمية كصاحب الفروع والفائق والختيارات وغيرهم‪ ( :‬الشيخ )‬
‫أرادوا به الشيخ العلمة موفق الدين أبا محمد عبد ال بن قدامة المقدسي (المتوفى سنة ‪620‬هـ)‬

‫صاحب المغني والمقنع‪ ،‬والكافي والعمدة ومختصر الهداية في الفقه‪.‬‬
‫جـ ـ وإذا قيل ( الشيخان )‪ :‬فالموفق والمجد أي ابن قدامة النف الذكر‪ ،‬ومجد الدين أبو البركات‬
‫(المتوفى سنة ‪652‬هـ) صاحب ( المحرر في الفقه ) على مذهب المام أحمد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ابن حنبل لبي زهرة‪ :‬ص ‪ ،193 -189‬ومقدمة كشاف القناع‪.19/1 :‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ ،17/1 :‬المدخل إلى مذهب أحمد‪ :‬ص ‪.204‬‬

‫( ‪)1/62‬‬
‫د ـ وإذا قيل‪ (:‬الشارح ) فهو الشيخ شمس الدين‪ ،‬أبو الفرج‪ ،‬عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر‬
‫المقدسي (‪682‬هـ)‪ ،‬وهو ابن أخ الموفق وتلميذه‪ ،‬ومتى قال الحنابلة‪ :‬قال في الشرح‪ ،‬كان المراد به‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬وقد استمد من المغني‪ ،‬واسمه‪ :‬الشرح الكبير‪ ،‬أو ( الشافي ) شرح ( المقنع ) في عشر‬
‫مجلدات أو (‪ )12‬جزءا‪ ،‬والكتب المعتمدة عند الحنابلة هي‪ :‬المغني والشرح الكبير‪ ،‬وكشاف القناع‬
‫لمنصور ال ُبهُوتي‪ ،‬وشرح منتهى الرادات لل ُبهُوتي‪ .‬والعمل في الفتوى والقضاء في السعودية على‬
‫كتابي البهوتي‪ ،‬وعلى شرح الزاد وشرح الدليل‪.‬‬
‫هـ ـ إذا أطلق ( القاضي ) فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (المتوفى سنة‬
‫‪458‬هـ)‪.‬‬
‫وإذا أطلق ( أبو بكر ) يراد به المرّوذي (‪274‬هـ) تلميذ المام أحمد‪.‬‬
‫و ـ وإذا قيل‪ ( :‬وعنه ) أي عن المام أحمد رحمه ال‪ .‬وقولهم‪( :‬نصا) معناه نسبته إلى المام أحمد‪.‬‬
‫وأخيرا أريد في هذا الكتاب بكلمة الجمهور‪ :‬المذاهب الثلثة‪ ،‬في مواجهة المذهب الرابع‪ ،‬ويعرف من‬
‫هم الجمهور من تحديد المذهب المخالف المقابل لهم‪ .‬وإذا قلت‪ :‬اتفق الفقهاء‪ ،‬أردت أئمة المذاهب‬
‫الربعة دون التفات للراء الشاذة‪.‬‬

‫( ‪)1/63‬‬
‫المطلب الخامس ـ أسباب اختلف الفقهاء‪:‬‬
‫لحظنا فيما سبق ظاهرة اختلف المذاهب في تقرير الحكام الشرعية‪ ،‬ليس فيما بين المذاهب فقط‪،‬‬
‫وإنما في دائرة المذهب الواحد‪ ،‬وقد يستغرب الشخص العادي غير المتخصص في الدراسات الفقهية‬
‫مثل هذا الختلف‪ ،‬لعتقاده أن الدين واحد‪ ،‬والشرع واحد‪ ،‬والحق واحد ليتعدد‪ ،‬والمصدر واحد‬

‫وهو الوحي اللهي‪ ،‬فلماذا التعدد في القوال‪ ،‬ولم ليوحد بين المذاهب‪ ،‬فيؤخذ بقول واحد يسير عليه‬
‫المسلمون‪ ،‬باعتبارهم أمة واحدة؟! وقد يتوهم أن اختلف المذاهب اختلف يؤدي إلى تناقض في‬
‫الشرع‪ ،‬أو المصدر التشريعي‪ ،‬أو أنه اختلف في العقيدة كاختلف فرق غير المسلمين من أرثوذكس‬
‫وكاثوليك وبروتستانت‪ ،‬والعياذ بال!!‬
‫وهذا كله وهم باطل‪ ،‬فإن اختلف المذاهب السلمية رحمة ويسر بالمة‪ ،‬وثروة تشريعية كبرى محل‬
‫اعتزاز وفخار‪،‬واختلف في مجرد الفروع والجتهادات العملية المدنية الفقهية‪ ،‬لفي الصول‬
‫والمبادئ أو العتقاد‪ ،‬ولم نسمع في تاريخ السلم أن اختلف المذاهب الفقهية أدى إلى نزاع أو‬
‫صدام مسلح هدد وحدة المسلمين‪ ،‬أو ثبط همتهم في لقاء أعدائهم؛ لنه اختلف جزئي ليضر‪ ،‬أما‬
‫الختلف في العقيدة فهو الذي يعيبها ويفرق بين أبنائها‪ ،‬ويمزق شملها‪ ،‬ويضعف كيانها‪ ،‬لهذا فإن‬
‫العودة إلى العمل بالفقه السلمي‪ ،‬والعتماد على تقنين موحد مستمد منه سبيل لتدعيم وحدة المة‬
‫السلمية ونبذ خلفاتها‪.‬‬

‫( ‪)1/64‬‬
‫وبه يتبين أن اختلف الفقهاء محصور فقط بين المأخوذ من مصادر الشريعة‪ ،‬بل هو ضرورة‬
‫اجتهادية يمليها الجتهاد نفسه في فهم الحكم من الدلة الشرعية مباشرة‪ ،‬كما هو الشأن في تفسير‬
‫نصوص القوانين‪ ،‬واختلف الشراح فيما بينهم‪ ،‬وذلك إما بسبب طبيعة اللغة العربية المجملة أو‬
‫المحتملة ألفاظها أحيانا أكثر من معنى واحد محدد‪ ،‬وإما بسبب رواية الحديث وطريق وصوله إلى‬
‫المجتهد قوة وضعفا‪ ،‬وإما بسبب التفاوت بين المجتهدين في كثرة أو قلة العتماد على مصدر‬
‫تشريعي‪ ،‬أو لمراعاة المصالح والحاجات والعراف المتجددة المتطورة‪ .‬ومنبع الختلف‪ :‬هو تفاوت‬
‫الفكار والعقول البشرية في فهم النصوص واستنباط الحكام‪ ،‬وإدراك أسرار التشريع وعلل الحكام‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫وذلك كله لينافي وحدة المصدر التشريعي‪ ،‬وعدم وجود تناقض في الشرع نفسه‪ ،‬لن الشرع‬
‫لتناقض فيه‪ ،‬وإنما الختلف بسبب عجز النسان‪ ،‬لكن يجوز العمل بأحد الراء المختلفة‪ ،‬رفعا‬
‫للحرج عن الناس الذين ليجدون سبيلً آخر بعد انقطاع الوحي إل الخذ بما غلب على ظن هذا‬
‫المجتهد أو ذاك‪ ،‬مما فهمه من الدلة الظنية‪ ،‬والظن مثار اختلف الفهام‪ ،‬وقد قال النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران‪ ،‬وإن أخطأ فله أجر واحد» (‪. )1‬‬
‫أما الدلة القطعية التي تدل على الحكم يقينا وقطعا بسبب قطعية ثبوتها وقطعيةدللتها المستنبطة منها‪،‬‬

‫كالقرآن والسنة المتواترة أو المشهورة (‪ ، )2‬فل مجال أصلً لختلف الفقهاء في الحكام المستفادة‬
‫منها‪.‬‬
‫وأهم أسباب اختلف الفقهاء في استنباط الحكام الشرعية من الدلة الظنية هو مايأتي (‪: )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة‪ ،‬ورواه بقية أصحاب الكتب الستة‪.‬‬
‫(‪ )2‬السنة عند الحنفية أنواع ثلثة‪ :‬متواترة ومشهورة وآحاد‪ ،‬والمتواترة‪ :‬هي مارواها عن الرسول‬
‫جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب‪ ،‬وذلك في العصور الثلثة الولى‪ :‬عصر الصحابة والتابعين‪.‬‬
‫والمشهورة‪ :‬هي ما كان من الخبار آحاديا في الصل ثم انتشر في القرن الثاني بعد الصحابة‪ .‬وسنة‬
‫الحاد‪ :‬هي مارواها عن الرسول واحد أو اثنان فصاعدا دون المشهور والمتواتر من العصو ر‬
‫الثلثة الولى‪.‬‬
‫(‪ )3‬راجع بداية المجتهد لبن رشد الحفيد‪ 5/1 :‬ومابعدها‪ ،‬حجة ال البالغة للدهلوي‪:‬‬
‫(‪ )115/1‬وما بعدها‪ ،‬الحكام في أصول الحكام لبن حزم‪ ،‬الباب الثالث و السادس‪ ،‬الباب الخامس‬
‫والعشرون‪ ،‬والسادس والعشرون‪ ،‬الموافقات للشاطبي‪ ،)214 - 211/4( :‬رفع الملم عن الئمة‬
‫العلم لبن تيمية‪ ،‬أسباب اختلف الفقهاء للشيخ علي الخفيف‪ ،‬مقارنة المذاهب في الفقه للشيخ‬
‫محمود شلتوت‪ ،‬والشيخ محمد علي السايس‪ ،‬مال يجوز فيه الخلف للشيخ عبد الجليل عيسى‪،‬‬
‫النصاف في التنبيه على السباب التي أوجبت الختلف بين المسلمين في آرائهم لبن السيد‬
‫البطليوسي‪.‬‬

‫( ‪)1/65‬‬
‫أولً ـ اختلف معاني اللفاظ العربية‪ :‬إما بسبب كون اللفظ مجملً‪ ،‬أو مشتركا‪ ،‬أو مترددا بين‬
‫العموم والخصوص‪ ،‬أو بين الحقيقة والمجاز‪ ،‬أو بين الحقيقة والعرف‪ ،‬أو بسبب إطلق اللفظ تارة‬
‫وتقييده تارة‪ .‬أو بسبب اختلف العراب‪ ،‬أو الشتراك في اللفاظ إما في اللفظ المفرد‪ :‬كلفظ القُرْء‬
‫الذي يطلق على الطهار وعلى الحيضات‪ ،‬ولفظ المر‪ :‬هل يحمل على الوجوب أو على الندب‪ ،‬ولفظ‬
‫النهي‪ :‬هل يحمل على التحريم أو الكراهية؟‬
‫وإما في اللفظ المركب‪ :‬مثل قوله تعالى بعد آية حد القذف‪{ :‬إليه يصعد الكلم الطيب‪ ،‬والعمل الصالح‬
‫يرفعه} [فاطر‪ ،]10/35:‬اختلف في الفاعل‪ ،‬هل هو الكلم‪ ،‬أو العمل‪.‬‬
‫وإما في الحوال العارضة‪ ،‬نحو‪{ :‬ول يضارّ كاتب ول شهيد } [البقرة‪ ،]2/282:‬فإنه يحتمل لفظ‬

‫( يضار ) وقوع الضرر منهما أو عليهما‪.‬‬
‫ومثال التردد بين العموم والخصوص‪{ :‬ل إكراه في الدين} [البقرة‪ ،]2/256:‬هل هو خبر بمعنى‬
‫النهي‪ ،‬أو هو خبر حقيقي؟‪.‬‬
‫والمجاز له أنواع‪ :‬إما الحذف‪ ،‬وإما الزيادة‪ ،‬وإما التقديم وإما التأخير‪.‬‬

‫( ‪)1/66‬‬
‫والتردد بين الطلق والتقييد‪ :‬نحو إطلق كلمة الرقبة في العتق في كفارة اليمين‪ ،‬وتقييدها باليمان‬
‫في كفارة القتل الخطأ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬اختلف الرواية‪ :‬وله أسباب ثمانية‪ ،‬كأن يصل الحديث إلى أحدهم وليصل إلى غيره‪ ،‬أو‬
‫يصل من طريق ضعيف ليحتج به‪ ،‬ويصل إلى آخر من طريق صحيح‪ ،‬أو يصل من طريق واحد‪،‬‬
‫ويرى أحدهم أن في بعض رواته ضعفا ليعتقده غيره‪ ،‬أو ليراه مانعا من قبول الرواية‪ ،‬وهذا مبني‬
‫على الختلف في طريق التعديل والترجيح‪.‬‬
‫أو يصل إليهما من طريق متفق عليه‪ ،‬غير أن أحدهما يشترط في العمل به شروطا ل يشترطها‬
‫الخر‪ ،‬كالحديث المرسل ( وهو مارواه غير الصحابي بدون سند إلى الرسول صلّى ال عليه وسلم)‪.‬‬
‫ثالثا ـ اختلف المصادر‪ :‬وهناك أدلة اختلفوا في مدى العتماد عليها‪ ،‬كالستحسان والمصالح‬
‫المرسلة وقول الصحابي والستصحاب‪ ،‬والذرائع ونحوها من دعوى البراءة أو الباحة وعدمها‪.‬‬
‫رابعا ـ اختلف القواعد الصولية أحيانا‪ :‬كقاعدة العام المخصوص ليس بحجة‪ ،‬والمفهوم ليس‬
‫بحجة‪ ،‬والزيادة على النص القرآني نسخ أم ل‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫خامسا ـ الجتهاد بالقياس‪ :‬هو أوسع السباب اختلفا‪ ،‬فإن له أصلً وشروطا وعلة‪ ،‬وللعلة شروطا‬
‫ومسالك‪ ،‬وفي كل ذلك مجال للختلف‪ ،‬والتفاق بالذات على أصل القياس ومايجري فيه الجتهاد‬
‫وماليجري أمر يكاد يكون غير متحقق‪ .‬كما أن تحقيق المناط (وهو التحقق من وجود العلة في‬
‫الفرع) من أهم أسباب اختلف الفقهاء‪.‬‬

‫( ‪)1/67‬‬
‫سادسا ـ التعارض والترجيح بين الدلة‪ :‬وهو باب واسع اختلفت فيه النظار وكثر فيه الجدل‪.‬‬
‫وهويتناول دعوى التأويل والتعليل والجمع والتوفيق والنسخ وعدمه‪ .‬والتعارض إما بين النصوص أو‬
‫بين القيسة مع بعضها‪ ،‬والتعارض في السنة قد يكون في القوال أو في الفعال‪ ،‬أو في القرارات‪،‬‬

‫وقد يكون الختلف بسبب وصف تصرف الرسول سياسة أو إفتاء‪ ،‬ويزال التعارض بأسباب من‬
‫أهمها الحتكام إلى مقاصد الشريعة‪ ،‬وإن اختلفت النظرة إلى ترتيب المقاصد‪.‬‬
‫وبهذا يعلم أن اجتهادات أئمة المذاهب جزاهم ال خيرا ليمكن أن تمثل كلها (شرع ال المنزل على‬
‫رسوله صلّى ال عليه وسلموإن كان يجوز أو يجب العمل بأحدها‪ ،‬والحق أن أكثرها مسائل اجتهادية‬
‫وآراء ظنية تحترم وتقدر على السواء‪ ،‬وليصح أن تكون ذريعة للعصبية والعداوة والفرقة الممقوتة‬
‫بين المسلمين الموصوفين في قرآنهم بأنهم إخوة‪ ،‬والمأمورين بالتفاق والعتصام بحبل ال‪ .‬وقد كان‬
‫المجتهد من الصحابة يتحاشى أن يسمى اجتهاده‪ :‬حكم ال أو شرع ال‪ ،‬وإنما كان يقول‪ :‬هذا رأيي‪،‬‬
‫فإن كان صوابا فمن ال‪ ،‬وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان‪ ،‬وال ورسوله منه بريء‪ .‬وكان مما‬
‫يوصي به النبي صلّى ال عليه وسلم أمير الجيش أو السرية قوله‪« :‬وإذا حاصرت حصنا فأرادوك أن‬
‫تنزلهم على حكم ال‪ ،‬فلتنزلهم على حكم ال‪ ،‬ولكن أنزلهم على حكمك‪ ،‬فإنك لتدري‪ ،‬أتصيب حكم‬
‫ال فيهم أم ل» (‪. )1‬‬
‫وهو يدل على أن الصح في قضية الصابة والخطأ في الجتهاد في الفروع الفقهية‪ ،‬هو مذهب‬
‫المخطئة‪ ،‬وهم جمهور المسلمين‪ ،‬منهم الشافعية‪ ،‬والحنفية على التحقيق‪ ،‬الذين يقولون بأن المصيب‬
‫في اجتهاده واحد من المجتهدين‪ ،‬وغيره مخطئ؛ لن الحق ليتعدد‪ .‬ويقولون أيضا‪ :‬إن ال تعالى في‬
‫كل واقعة حكما معينا‪ ،‬فمن أصابه فهو المصيب‪ ،‬ومن أخطأه فهو المخطئ‪ .‬لكن بالنظر إلى العمل‬
‫بثمرة الجتهاد‪ ،‬لشك أن حكم كل مجتهد هو حكم ال‪ ،‬لتعذر معرفته بيقين‪.‬‬
‫وأخيرا تظل عقدة المسلمين الجاثمة فيهم في عصرنا هي العمل‪ ،‬العمل‬
‫بشريعتهم عقيدة وعبادة والتزاما وتطبيقا لحكام السلم في العبادات والمعاملت والجنايات‬
‫والعلقات الخارجية على حد سواء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن سليمان بن بريدة عن أبيه‪.‬‬

‫( ‪)1/68‬‬
‫المطلب السادس ـ الضوابط الشرعية للخذ بأيسر المذاهب‪:‬‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫إن عملية ( التخير أو النتقاء من آراء المذاهب السلمية ) كانت هي الضوء الخضر الذي أضاء‬
‫الطريق أمام العاملين في العصر الحاضر لنهاض الفكر السلمي‪ ،‬والقائمين فعلً بوضع التشريعات‬

‫أو التقنينات المستمدة من معين الفقه السلمي‪ ،‬تمشيا مع متطلبات التطور‪ ،‬وضغط الحاجات‪،‬‬
‫ومراعاة مصالح الناس في كل زمان ومكان‪.‬‬
‫وقد استجاب المصلحون المخلصون من العلماء ـ غير المتشائمين والمتزمتين ـ من رجال الزهر‬
‫وجامعة الزيتونة في مصر وتونس وغيرهما من البلد السلمية‪ ،‬إلى دواعي النهضة أوالحركة‬
‫المطلوبة‪ ،‬فقاموا باختيار الحق أو الفضل والصلح من الراء الفقهية المتعددة في المسألة الواحدة‪،‬‬
‫لجعل ( الفقه المختار ) يتفق مع المصلحة العامة في هذا العصر‪ ،‬ذلك عملً بالمبادئ أو السس‬
‫التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحق واحد ليتعدد‪ ،‬ودين ال واحد مستمد من معين واحد‪ :‬هو الكتاب والسنة وعمل السلف‬
‫الصالح‪ ،‬وبما أننا لنعرف الحق من آراء المجتهدين فنحن في حل من العمل ببعضها بحسب تقدير‬
‫المصلحة‪.‬‬
‫‪ - 2‬الخلص للشريعة والحفاظ على أحكامها وخلودها وبقائها عقيدة كل مسلم‪.‬‬
‫‪ - 3‬مبدأ دفع الحرج أو خاصية اليسر والسماحة التي قامت عليها الشريعة من أبرز مقومات شرع‬
‫ال الخالد‪.‬‬
‫‪ - 4‬مراعاة مصالح الناس وحاجاتهم المتجددة أمر يتفق مع روح الشريعة التي قامت ـ بالستقراء‬
‫والتتبع ـ على المصالح‪ ،‬فالمصلحة عماد التشريع‪ ،‬وحيثما وجدت المصلحة فثمة شرع ال ودينه‪،‬‬
‫ولينكر تغير الحكام بتغير الزمان‪.‬‬

‫( ‪)1/69‬‬
‫‪ -5‬ل إلزام في الشريعة بأحد اجتهادات أو أقوال الفقهاء‪ ،‬إذ لواجب إل ما أوجبه ال ورسوله‪ ،‬ولم‬
‫يوجب ال ول رسوله على أحد من الناس أن يعمل في دين ال عز وجل بغير كتاب ال وسنة رسوله‬
‫ومايرجع إليهما‪.‬‬
‫‪ -6‬ليجب ـ في الصح الراجح ـ التزام مذهب فقهي معين‪ ،‬لن ذلك مجرد تقليد (أي أخذ بقول‬
‫الغير من غير معرفة دليله) وإيجاب التقليد تشريع شرع جديد‪ ،‬كما قال شارح مسلم الثبوت‪.‬‬
‫فل مانع شرعا من تقليد أئمة المذاهب والمجتهدين المشهورين والمغمورين‪ ،‬كما لمحذور في الشرع‬
‫من التلفيق بين أقوال المذاهب عملً بمبدأ اليسر في الدين لقوله تعالى‪ { :‬يريد ال بكم اليسر ول يريد‬
‫بكم العسر } [البقرة‪ ، ]185/2:‬ومن المعلوم أن أغلب الناس لمذهب لهم‪ ،‬وإنما مذهبهم مذهب‬
‫مفتيهم‪ ،‬وهم حريصون على أن يكون عملهم شرعيا‪.‬‬

‫لكن في خضم هذا التجاه بالنتقاء من المذاهب‪ ،‬لبد من معرفة ( الضوابط الشرعية للخذ بأيسر‬
‫المذاهب ) وهو موضوع بحثنا‪ ،‬حتى لينقلب المر فوضى‪ ،‬أو يصبح مجرد عمل بالرغبة المحضة‬
‫والهوى الشخصي‪ ،‬بدون دليل شرعي‪ ،‬أو مسوغ مقبول‪ ،‬ولن اختيار اليسر نوع من الجتهاد في‬
‫تقديري‪.‬‬
‫خطة البحث‪:‬‬
‫بحث هذا الموضوع يقتضي مايلي‪:‬‬
‫الفرع الول ـ ما المذاهب أو الراء التي يمكن الخذ بها؟‬
‫الفرع الثاني ـ هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصوليا؟‬
‫الفرع الثالث ـ هل يجب على السائل المستفتي الترجيح بين العلماء وسؤال الراجح في نظره‪ ،‬أم له‬
‫الختيار وسؤال من شاء من المفتين؟‬
‫الفرع الرابع ـ ما آراء الصوليين في مسألة اختيار اليسر (أو تتبع الرخص) وفي التلفيق بين‬
‫المذاهب السلمية؟‪.‬‬
‫الفرع الخامس ـ ما الضوابط الشرعية للخذ بأيسر المذاهب المستنبطة من جملة أقوال الصوليين؟‬

‫( ‪)1/70‬‬
‫ويلحظ أن الكلم عن المطالب الربعة السابقة تقديم ضروري لبحث المطلب الخير‪ ،‬لعتماده على‬
‫القواعد التي ذكرها الصوليون فيها‪ .‬وليخفى مالهذا الموضوع من أهمية وفائدة ملموسة‪ ،‬سواء فيما‬
‫يخص أكثرية المسلمين المستفتين فيما يحتاجونه بالفعل في نطاق العبادات والمعاملت والحوال‬
‫الشخصية‪ ،‬أو يهم رجال القانون والقضاء الذين يضعون القوانين المستمدة من الفقه السلمي‪ ،‬أو‬
‫يحتاج إليه علماء التدريس العام والخاص لستئصال العصبية المذهبية التي تقوم على التقليد العمى‪،‬‬
‫من دون مراعاة لما يوجبه رجحان دليل بعض القوال الفقهية من ضرورة السراع في اتباعها‪،‬‬
‫وترك القول الخر المرجوح‪ ،‬وال يقول الحق وهو يهدي السبيل‪.‬‬

‫( ‪)1/71‬‬
‫الفرع الول ـ المذاهب أو الراء التي يمكن الخذ بها‪:‬‬
‫إن الثروة الفقهية الضخمة التي تنتظم كل الحكام الكفيلة بحل مشكلت الناس‪ ،‬والتي خلفها لنا سلفنا‬
‫الصالح‪ ،‬لتقتصر على المذاهب الفقهية الربعة (المالكية‪ ،‬والحنفية‪ ،‬والشافعية‪ ،‬والحنبلية) وإنما تشمل‬

‫كل المذاهب المعروفة‪ ،‬مااشتهر منها وماانقرض كمذهب الليث بن سعد‪ ،‬والوزاعي وابن جرير‬
‫الطبري وداود الظاهري والثوري‪ ،‬ومذاهب أهل السنة والشيعة المامية والزيدية‪ ،‬والباضية‬
‫والظاهرية‪ ،‬وآراء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين‪ ،‬فقد نجد فيها مايؤدي لنا فائدة كبرى في‬
‫نهضتنا المرجوة‪ ،‬لن ذلك أولى من أخذ أحكام غير شرعية ذات مصدر غربي أو شرقي‪ ،‬ودين ال‬
‫يسر لعسر‪ ،‬ولحرج في دين ال‪ .‬وتحقيق المصالح والحاجات أمر مطلوب شرعا‪.‬وعلى هذا فإن‬
‫المشرع واضع القوانين لحرج عليه في الختيار من كل هذه الراء والمذاهب الجتهادية‪ .‬وأما‬
‫القاضي فأرى أن يتقيد بما هو مقرر في المذاهب الربعة عملً بالعرف العام الشائع‪ ،‬ومن المعلوم أن‬
‫هذا العرف يخصص النص‪ .‬وأكاد أجزم أن المشرع حينما أحال إلى المشهور من أيسر المذاهب‬
‫قصد المذاهب المعمول بها غالبا في الدول السلمية‪ .‬والمذاهب‪ :‬هي آراء المجتهدين‪.‬‬
‫ومما يدل على سلمة اتجاه المشرع القانوني أن جمهور المسلمين يرون ترجيح نظرية (المخطئة )‬
‫القائلين بأن الحق واحد ليتعدد‪ ،‬وأن المجتهد المصيب في اجتهاده هو واحد‪ ،‬وغيره هو المخطئ‪،‬‬
‫ولكن لإثم عليه في الخطأ‪ ،‬لنه مكلف بالعمل بما أداه إليه اجتهاده‪ ،‬وبما غلب على ظنه‪،‬‬

‫( ‪)1/72‬‬
‫فقالوا‪« :‬الصواب الذي لصواب غيره أن دين ال واحد‪ ،‬وهو ماأنزل ال به كتابه‪ ،‬وأرسل به‬
‫رسوله‪ ،‬وارتضاه لعباده‪ ،‬كما أن نبيه واحد‪ ،‬وقبلته واحدة‪ ،‬فمن وافقه فهو المصيب وله أجران‪ ،‬ومن‬
‫أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده‪ ،‬ل على خطئه» (‪ )1‬وهذا هو الصحيح عند الئمة الربعة (‪. )2‬‬
‫فالواجب أولً طلب مافيه الحق والصواب أو المصلحة من القوال الفقهية الثابتة النسبة لصحابها‪،‬‬
‫ويترك منها ماهو شاذ مخالف للمصادر والصول الشرعية‪ ،‬فقد أمر ال مثلً باتباع الصحابة‬
‫والتابعين (‪ ، )3‬فقال ال تعالى‪{ :‬والسابقون الولون من المهاجرين والنصار‪ ،‬والذين اتبعوهم‬
‫بإحسان‪ ،‬رضي ال عنهم ورضوا عنه‪ ،‬وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها النهار خالدين فيها أبدا‪ ،‬ذلك‬
‫الفوز العظيم} [التوبة‪ ،]100/9:‬وقد قال الشافعي في الصحابة‪« :‬رأيهم لنا خير من رأينا لنفسنا» (‪)4‬‬
‫وقال العز بن عبد السلم‪ :‬إن المدار على ثبوت المذهب عند المقلّد (‪ ، )5‬وغلبة الظن على صحته‪،‬‬
‫فحيث ثبت عنده مذهب من المذاهب صح له أن يقلده‪ ،‬ولو كان صاحب المذهب من غير الئمة‬
‫الربعة‪ .‬وقال العراقي‪ :‬انعقد الجماع على أن من أسلم‪ ،‬فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير‬
‫حجر‪ .‬وأجمع الصحابة رضي ال عنهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما‪ ،‬فله أن يستفتي أبا‬
‫هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما‪ ،‬ويعمل بقولهم من غير نكير‪ ،‬فمن ادعى رفع هذين الجماعين فعليه‬

‫الدليل (‪. )6‬‬
‫وبهذا يتبين أن لدليل على إلزام الناس بمذاهب الئمة الربعة رضي ال عنهم‪ ،‬فهم وغيرهم سواء‪،‬‬
‫ويصح تقليد غير الربعة إذا صحت نسبته لصاحبه‪ ،‬كما أبان العز بن عبد السلم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أعلم الموقعين‪ ، 211/2 :‬ط عبد الحميد‪.‬‬
‫(‪ )2‬مسلم الثبوت‪ ،330/2 :‬ط الكردي بمصر‪.‬‬
‫(‪ )3‬أعلم الموقعين‪.123/4 :‬‬
‫(‪ )4‬أعلم الموقعين‪.186/2 :‬‬
‫(‪ )5‬المقلد‪ :‬هو من يأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله‪.‬‬
‫(‪ )6‬مسلم الثبوت‪ 357/2 :‬حاشية‪ ،‬ط الكردي‪.‬‬

‫( ‪)1/73‬‬
‫الفرع الثاني ـ هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصوليا؟‬
‫انقسم الصوليون في هذه المسألة على آراء ثلثة‪:‬‬
‫‪ - 1‬فقال بعضهم‪ :‬يجب التزام مذهب إمام معين‪ ،‬لنه اعتقد أنه حق‪ ،‬فيجب عليه العمل بمقتضى‬
‫اعتقاده‪.‬‬
‫‪ -2‬وقال أكثر العلماء‪ :‬ليجب تقليد إمام معين في كل المسائل والحوادث التي تعرض‪ ،‬بل يجوز أن‬
‫يقلد أي مجتهد شاء‪ ،‬فلو التزم مذهبا معينا كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما‪ ،‬ليلزمه‬
‫الستمرار عليه‪ ،‬بل يجوز له النتقال منه إلى مذهب آخر‪ ،‬إذ ل واجب إل ما أوجبه ال ورسوله‪ ،‬ولم‬
‫يوجب ال تعالى ول رسوله على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الئمة‪ ،‬وإنما أوجب ال تعالى‬
‫اتباع العلماء من غير تخصيص بواحد دون آخر‪ ،‬فقال عز وجل‪{ :‬فاسألوا أهل الذكر إن كنتم‬
‫لتعلمون} [النبياء‪ ،]7/21:‬ولن المستفتين في عصر الصحابة والتابعين‪ ،‬لم يكونوا ملتزمين بمذهب‬
‫معين‪ ،‬بل كانوا يسألون من تهيأ لهم دون تقيد بواحد دون آخر‪ ،‬فكان هذا إجماعا منهم على عدم‬
‫وجوب تقليد إمام‪ ،‬أو اتباع مذهب معين في كل المسائل‪.‬‬
‫ثم إن القول بالتزام مذهب ما‪ ،‬يؤدي إلى الحرج والضيق‪ ،‬مع أن المذاهب نعمة وفضيلة ورحمة‬
‫للمة‪.‬‬
‫وهذا القول هو الراجح عند علماء الصول‪.‬‬

‫‪ - 3‬وفصل المدي والكمال بن الهمام في المسألة فقال‪ :‬إن عمل الشخص بما التزمه في بعض‬
‫المسائل بمذهب معين‪ ،‬فل يجوز له تقليد الغير فيها‪ ،‬وإن لم يعمل في بعضها الخر جاز له اتباع‬
‫غيره فيها‪ ،‬إذ إنه لم يوجد في الشرع مايوجب عليه اتباع ماالتزمه‪ ،‬وإنما أوجب الشرع عليه اتباع‬
‫العلماء دون تخصيص عالم دون آخر (‪. )1‬‬
‫يتلخص من هذا أن القول الصح الراجح عند علماء الصول (‪ : )2‬هو عدم ضرورة اللتزام بمذهب‬
‫معين‪ ،‬وجواز مخالفة إمام المذهب‪ ،‬والخذ بقول غيره‪ ،‬لن التزام المذهب غير ملزم‪ ،‬كما بينا‪ .‬وبناء‬
‫عليه فل مانع إطلقا من حيث المبدأ في العصر الحاضر من اختيار بعض الحكام الشرعية المقررة‬
‫لدى علماء المذاهب‪ ،‬دون تقيد بجملة المذهب أو بتفصيلته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لبن عبد الشكور‪ ، 402/2:‬مسلم الثبوت‪،355/2 :‬‬
‫شرح المحلي على جمع الجوامع‪ ،328/2 :‬والحكام في أصول الحكام للمدي‪ ،3174 :‬التقرير‬
‫والتحبير‪ ،344/3 :‬شرح السنوي‪ ،266/3 :‬المدخل إلى مذهب المام أحمد‪ :‬ص ‪ ،193‬ارشاد‬
‫الفحول‪ :‬ص ‪ ،240‬فتاوى الشيخ عليش‪60/1 :‬‬
‫(‪ )2‬قال الشافعية‪ :‬الصح من كلم المتأخرين كالشيخ ابن حجر وغيره أنه يجوز النتقال من مذهب‬
‫إلى مذهب من المذاهب المدونة‪ ،‬ولو بمجرد التشهي‪ ،‬سواء انتقل دواما أو في بعض الحادثة‪ ،‬وإن‬
‫أفتى أو حكم أو عمل بخلفه مالم يلزم منه التلفيق ( الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من‬
‫المسائل والضوابط والقواعد الكلية للسيد علوي بن أحمد السقّاف‪ :‬ص ‪ ،51‬ط البابي الحلبي )‪.‬‬

‫( ‪)1/74‬‬
‫ويضاف لذلك أن الفقهاء قرروا جواز العمل بالقول الضعيف في المذهب عند الضرورة أو‬
‫الحاجة‪،‬وهذه هي نصوصهم‪:‬‬
‫‪ - 1‬للقاضي أن يلجأ إلى غير مذهبه للضرورة (فتوى عطاء بن حمزة)‪.‬‬
‫‪ - 2‬للقاضي أن يعمل بغير المشهور من مذهبه إذا نص السلطان على ذلك (نص الدر المختار‬
‫للحصكفي)‪.‬‬
‫‪ - 3‬للقاضي أن يقضي بالقول المنصوص على فساده‪ ،‬ول ينقض قضاؤه‪ ،‬لنه مجتهد فيه‪ ،‬إل إذا‬
‫كان في مقابلة أخذ المال‪ ،‬أو للهوى والغرض (عبارة جامع الفصولين وتعليلها)‪.‬‬
‫‪ - 4‬جواز العمل والفتاء بالقول الضعيف في مواضع الضرورة(عبارة المعراج عن فخر الئمة)‪.‬‬

‫‪ - 5‬جواز العمل بالضعيف للشخص في خاصة نفسه‪ ،‬وللفتوى إذا تحقق المفتي الضرورة(عبارة‬
‫الدسوقي المالكي)‪.‬‬
‫‪ - 6‬منع التخيير إذا كان الغرض من اللتجاء إلى القول الضعيف الشهوة والغرض‪ ،‬اتباعا للهوى‬
‫وابتغاء حطام الدنيا (‪. )1‬‬
‫‪ - 7‬إن خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص‬
‫صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد الرجح‪ ،‬وهو قول الكثر من الصوليين‪ .‬ويباح للمقلد أن‬
‫يقلد من شاء من أقوال المجتهدين‪ .‬وإن نقل الجماع على منع ذلك غير صحيح (فتاوى الشيخ عليش‪:‬‬
‫‪.)61/1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الجتهاد في السلم للشيخ الستاذ محمد مصطفى المراغي‪ :‬ص ‪ 39 - 36‬نقلً عن هذه الكتب‪،‬‬
‫رسم المفتي لبن عابدين في حاشيته‪.69/1 :‬‬

‫( ‪)1/75‬‬
‫‪ - 8‬وكذا يجوز الخذ والعمل لنفسه بالقوال والطرق والوجوه الضعيفة‪ ،‬إل بمقابل الصحيح‪ ،‬فإن‬
‫الغالب فيه أنه فاسد‪ ،‬ويجوز الفتاء به للغير بمعنى الرشاد (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية‬
‫للسقاف‪ :‬ص ‪.)51‬‬
‫الفرع الثالث ـ هل يجب سؤال الفضل والرجح في العلم‪ ،‬أو يصح سؤال من تيسر؟‬
‫عبارة الصوليين المشهورة في هذه المسألة هي‪ :‬هل يجوز تقليد المفضول مع وجود الفضل؟‬
‫للعلماء رأيان في ذلك (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬قال جماعة (وهو مذهب أحمد في رواية عنه وابن سريج والقفال الشافعيين‪ ،‬وأبي إسحاق‬
‫السفراييني الملقب بالستاذ‪ ،‬وأبي الحسن الطبري الملقب بالكِيَا‪ ،‬واختاره الغزالي‪ ،‬وهو المذهب‬
‫المشهور عند الشيعة)‪ :‬يجب استفتاء (‪ )2‬الفضل في العلم والورع والدين‪ ،‬ويجب على السائل النظر‬
‫في الرجح‪ ،‬ثم اتباعه‪ ،‬ويكفيه العتماد على الشهرة‪ .‬قال الغزّالي في المستصفى (‪: )3‬‬
‫«والولى عندي أنه يلزمه اتباع الفضل‪ ،‬فمن اعتقد أن الشافعي رحمه ال أعلم‪ ،‬والصواب على‬
‫مذهبه أغلب‪ ،‬فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر التقرير والتحبير‪345/3 :‬ومابعدها‪ ،‬فواتح الرحموت‪ 403/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مسلم الثبوت‪:‬‬

‫‪ ،354/2‬اللمع في أصول الفقه للشيرازي‪ :‬ص ‪ ،68‬الحكام للمدي‪ ،173/3 :‬المدخل إلى مذهب‬
‫أحمد‪ :‬ص ‪ ،194‬فتاوى الشيخ عليش‪ ،71 ،61/1 :‬حاشية ابن عابدين‪ ،45/1 :‬ط الميرية‪ ،‬رسالة‬
‫في أصول الفقه لبن عربي‪ :‬ص ‪ ،32‬المستصفى‪ ،125/2 :‬إرشاد الفحول‪ :‬ص ‪. 239‬‬
‫(‪ )2‬الستفتاء‪ :‬هو السؤال عن الحكم عند المجتهد لجل العمل بقوله‪ ،‬سواء أكان المسؤول هو المجتهد‬
‫نفسه‪ ،‬أو من نقل عنه نقلً صحيحا ولو بواسطة ( تحفة الرأي السديد لحمد الحسيني‪ :‬ص ‪.)239‬‬
‫( ‪ )3‬المستصفى‪.125/2 :‬‬

‫( ‪)1/76‬‬
‫ودليل هؤلء‪ :‬هو أن أقوال المجتهدين بالنسبة للناس كالدلة والمارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد‪،‬‬
‫فيجب على السائل الترجيح‪ ،‬ولترجيح إل بالفضل والعلم‪ ،‬لن العلم أقوى‪ ،‬وطريق معرفة العلم‬
‫إما بالختبار والتجربة‪ ،‬أو بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال القاضي أبو بكر بن العربي وأكثرية الفقهاء والصوليين (‪ : )1‬يخير السائل في سؤال من‬
‫شاء من العلماء سواء أتساووا أم تفاضلوا‪ ،‬أي أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الفضل في العلم‬
‫لعموم قوله تعالى‪{ :‬فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لتعلمون} [النبياء‪ ،]7/21:‬ولجماع الصحابة‪ :‬وهو‬
‫أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين‪ ،‬وكان فيهم العوام‪ ،‬ولم ينقل عن أحد من‬
‫الصحابة تكليف العوام بالجتهاد في أعيان المجتهدين‪ ،‬ولو كان التخيير غير جائز لما تطابق الصحابة‬
‫على عدم إنكاره‪ .‬قال المدي حاكيا هذا الجماع (‪: )2‬‬
‫إن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين‪ ،‬فإن الخلفاء الربعة كانوا أعرف بطريق‬
‫الجتهاد من غيرهم‪ ،‬ولهذا قال عليه السلم‪« :‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي‪ ،‬عضوا‬
‫عليها بالنواجذ» وقال عليه السلم‪« :‬أقضاكم علي‪ ،‬وأفرضكم زيد‪ ،‬وأعرفكم بالحلل والحرام معاذ بن‬
‫جبل» وكان فيهم العوام ومن فرضه التباع للمجتهدين والخذ بقولهم لغير‪ .‬ومع ذلك لم ينقل عن‬
‫أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الجتهاد في أعيان المجتهدين‪ ،‬ول أنكر أحد منهم اتباع‬
‫المفضول‪ ،‬والستفتاء له‪ ،‬مع وجود الفضل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال ابن عابدين في حاشيته نقلً عن التحرير وشرحه‪ :‬وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة‬
‫والشافعية‪ .‬وفي آخر فتاوى ابن حجر‪ :‬الصح لدى أئمة الشافعية إن المقلد يتخير في تقليد أي شاء من‬
‫العلماء ولو مفضول ً وإن اعتقده كذلك‪ .‬وحينئذ فل يمكن أن يقطع أو يظن أنه ـ أي المجتهد ـ على‬

‫الصواب‪ ،‬بل على المقلد أن يعتقد أن ما ذهب إليه إمامه يحتمل أنه الحق ( حاشية ابن عابدين‪:‬‬
‫‪.)45/1‬‬
‫(‪ )2‬الحكام للمدي‪173/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/77‬‬
‫ولو كان ذلك غير جائز‪ ،‬لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه‪.‬‬
‫ولول إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم ـ أي أصحاب الرأي الول ـ أولى (‬
‫‪. )1‬‬
‫يتبين من هذا أن القول الثاني هو الرجح بإجماع الصحابة على جواز التخير بين القوال‪ ،‬وسؤال‬
‫السائل من شاء من العلماء (‪. )2‬‬
‫الفرع الرابع ـ آراء الصوليين في مسألة اختيار اليسر (أو تتبع الرخص)‪ ،‬وفي التلفيق بين‬
‫المذاهب‪.‬‬
‫يتفرع على مابيناه من أنه لم يوجد في الشرع مايوجب على النسان اتباع ماالتزمه من المذاهب‪:‬‬
‫القول بجواز تتبع الرخص والتلفيق‪ .‬أما تتبع الرخص أو اختيار اليسر‪ :‬فهو أن يأخذ الشخص من‬
‫كل مذهب ماهو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل‪.‬‬
‫وقد حكى الصوليون في هذه المسألة ثمانية أقوال (‪ )3‬أذكرها بإجمال ثم أبين أقوى النظريات المقولة‬
‫فيها‪.‬‬
‫‪ - 1‬قال أكثر أصحاب الشافعي وصححه الشيرازي والخطيب البغدادي وابن الصباغ والباقلني‬
‫والمدي‪ :‬يخير النسان بأخذ ماشاء من القوال‪ ،‬لجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول‬
‫المفضول مع وجود الفضل‪.‬‬
‫‪ - 2‬أهل الظاهر والحنابلة‪ :‬يأخذ بالشد الغلظ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال المام الرازي هذه العبارة أيضا‪.‬‬
‫(‪ )2‬قال ابن بدران الحنبلي في المدخل‪ :‬ص ‪ :194‬الحق أن المقلد ليلزمه استفتاء أفضل المجتهدين‬
‫مطلقا فإن هذا يسد باب التقليد‪ ،‬أما إذا قيدنا ذلك بمجتهدي البلد فإنه يلزمه حينئذ تحري الفضل‪ ،‬لن‬
‫الفضل في كل بلد معروف مشهور‪.‬‬
‫(‪ )3‬إرشاد الفحول للشوكاني‪ :‬ص ‪ ،240‬فتاوى الشيخ عليش‪ 71/1 :‬ومابعدها‪ - 3 .‬يأخذ بالخف‪.‬‬

‫( ‪)1/78‬‬
‫‪ - 4‬يبحث عن العم من المجتهدين‪ ،‬فيأخذ بقوله‪.‬‬
‫‪ - 5‬يأخذ بقول الول‪ ،‬حكاه الرّوياني‪.‬‬
‫‪ - 6‬يأخذ بقول من يعمل على الرواية دون الرأي‪ ،‬حكاه الرافعي‪.‬‬
‫‪ - 7‬يجب عليه أن يجتهد فيما يأخذ مما اختلفوا فيه‪ ،‬حكاه ابن السّمعاني‪ ،‬ومشى عليه الشاطبي في‬
‫الموافقات‪، .‬وهذا القول قريب من رأي الكعبي‪.‬‬
‫‪ - 8‬إن كان المر في حق ال أخذ بالخف‪ ،‬وإن كان في حق العباد أخذ بالغلظ‪ ،‬حكاه الستاذ أبو‬
‫منصور الماتريدي‪.‬‬
‫ويمكن القول بوجود آراء ثلثة في الموضوع هي الشهر وهي التي نعتمدها بحثا‪.‬‬
‫‪ - 1‬قال الحنابلة (‪ ، )1‬والمالكية في الصح عندهم (‪ ، )2‬والغزالي(‪ : ) 3‬يمتنع تتبع الرخص في‬
‫المذاهب‪ ،‬لنه ميل مع أهواء النفوس‪ ،‬والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬فإن تنازعتم‬
‫في شيء فردوه إلى ال والرسول} [النساء‪ ،]59/4:‬فل يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس‪،‬‬
‫وإنما يرد إلى الشريعة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل إلى مذهب المام أحمد بن حنبل لبن بدران الدمشقي‪ :‬ص ‪.195‬‬
‫(‪ )2‬فتاوى الشيخ عليش مع التبصرة لبن فرحون المالكي‪ ،60 - 58/1 :‬الحكام في تمييز الفتاوى‬
‫عن الحكام للقرافي‪ :‬ص ‪.79‬‬
‫(‪ )3‬المستصفى‪.125/2 :‬‬

‫( ‪)1/79‬‬
‫ونقل عن ابن عبد البر‪ :‬أنه ليجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا‪ .‬وعبارة الحنابلة في ذلك (‪ : )1‬إن‬
‫استوى المجتهدان عند المستفتي في الفضيلة واختلفا عليه في الجواب اختار الشد منهما‪ ،‬لما روى‬
‫الترمذي من حديث عائشة قالت‪« :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪ :‬ماخير عمار بين أمرين إل‬
‫اختار أشدهما » وفي لفظ «أرشدهما» قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن غريب‪ .‬ورواه أيضا النسائي‬
‫وابن ماجه‪ .‬فثبت بهذين اللفظين للحديث أن الرشد في الخذ بالشد‪ ،‬والولى أن يعتبر ـ أي‬
‫المستفتي ـ القولين ساقطين‪ ،‬لتعارضهما‪ ،‬ويرجع إلى استفتاء آخر‪.‬‬

‫وعبارة المالكية (‪ : )2‬الصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب‪ ،‬بأن يأخذ منها ماهو الهون فيما‬
‫يقع من المسائل‪ .‬وقيل‪ :‬ليمتنع‪ .‬وصرح بعضهم بتفسيق متتبع الرخص‪ .‬والولى الحتياط بالخروج‬
‫من الخلف بالتزام الشد القوى‪ ،‬فإن من عز عليه دينه تورع‪ ،‬ومن هان عليه دينه تبدع‪.‬‬
‫وعبارة الغزالي (‪ : )3‬ليس للعامي (‪ )4‬أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده‪ ،‬فيتوسع‪ ،‬بل‬
‫هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي‪ ،‬فإنه يتبع ظنه في الترجيح‪ ،‬فكذلك ههنا‪.‬‬
‫‪ - 2‬قال القرافي المالكي‪ ،‬وأكثر أصحاب الشافعي‪ ،‬والراجح عند الحنفية منهم ابن الهمام وصاحب‬
‫مسلم الثبوت(‪ : ) 5‬يجوز تتبع رخص المذاهب‪ ،‬لنه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل إلى مذهب أحمد‪ ،‬المرجع والمكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬فتاوى الشيخ عليش‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬وصفحة ‪.76‬‬
‫(‪ )3‬المستصفى‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )4‬العامي في اصطلح الصوليين‪ :‬هو كل من ليس أهلً للجتهاد‪ ،‬وإن كان عالما بفن غير فن‬
‫استنباط الحكام من أدلتها‪.‬‬
‫(‪ )5‬مسلم الثبوت‪ ،356/2 :‬إرشاد الفحول‪ :‬ص ‪ ،240‬شرح المحلي على جمع الجوامع ‪،328/2‬‬
‫شرح السنوي‪ ،266/3 :‬رسم المفتي في حاشية ابن عابدين‪ 69/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الفوائد المكية للسقاف‪:‬‬
‫ص ‪.52‬‬

‫( ‪)1/80‬‬
‫لم يوجد في الشرع مايمنع من ذلك‪ ،‬إذ للنسان أن يسلك الخف عليه إذا كان له إليه سبيل‪ ،‬بأن لم‬
‫يكن عمل بآخر‪ ،‬بدليل أن سنة الرسول صلّى ال عليه وسلم الفعلية والقولية تقتضي جوازه‪ ،‬فإنه عليه‬
‫الصلة والسلم «ماخير بين أمرين قط إل اختار أيسرهما مالم يكن مأثما» (‪ )1‬وفي صحيح البخاري‬
‫عن عائشة رضي ال عنها «أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يحب ماخفف عن أمته» ‪.‬‬
‫وقال صلّى ال عليه وسلم‪« :‬بعثت بالحنيفية السمحة» (‪ )2‬وقال أيضا‪« :‬إن هذا الدين يسر‪ ،‬ولن يشادّ‬
‫الدين أحد إل غلبه» (‪ . )3‬وقال عليه السلم أيضا‪« :‬إن ال قد فرض فرائض وسن سننًا وحد حدودا‬
‫وأحل حراما وحرم حللً‪ ،‬وشرع الدين فجعله سهلً سمحا واسعا ولم يجعله ضيقا » (‪. )4‬‬
‫وقال الشعبي‪« :‬ماخير رجل بين أمرين‪ ،‬فاختار أيسرهما إل كان ذلك أحبهما إلى ال تعالى» ‪.‬‬
‫وقال القرافي في هذه المسألة‪ :‬يجوز تتبع الرخص بشرط أل يترتب عليه العمل بما هو باطل عند‬

‫جميع من قلدهم‪ ،‬أي أن شرط جواز تقليد مذهب الغير أل يؤدي إلى التلفيق (‪ )5‬أي أل يكون موقعا‬
‫في أمر يجتمع على إبطاله المام الذي كان على مذهبه‪ ،‬والمام الذي انتقل إليه‪ ،‬كما إذا قلد المام‬
‫مالك في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة بغير شهوة‪ ،‬وقلد المام الشافعي في عدم وجوب ذلك‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه البخاري ومالك والترمذي‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أحمد في مسنده‪ ،‬والخطيب البغدادي‪ ،‬ورواه الديلمي في مسند الفردوس‪ ،‬وفي آخره عند‬
‫الخطيب‪« :‬ومن خالف سنتي فليس مني» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه البخاري والنسائي‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي ال عنهما‪.‬‬
‫(‪ )5‬التلفيق‪ :‬هو التيان بكيفية ليقول بها المجتهد‪ .‬كما سأبيّن‪ .‬العضاء في الوضوء‪ ،‬أو عدم وجوب‬
‫مسح جميع الرأس‪ ،‬فإن صلته تكون باطلة عند المامين‪ ،‬لعدم صحة الوضوء عند كل منهما‪.‬‬

‫( ‪)1/81‬‬
‫ويلحظ أن هذا القيد الذي ذكره القرافي وهو‪ ( :‬أل يترتب على تتبع الرخص العمل بما هو باطل‬
‫لدى جميع من قلدهم ) لدليل عليه من نص أو إجماع‪ ،‬وإنما هو قيد متأخر‪ ،‬كما قرر الكمال بن‬
‫الهمام في ( التحرير )‪ .‬فإذا جاز للشخص مخالفة بعض المجتهدين في كل ماذهب إليه‪ ،‬كما بينا‪،‬‬
‫جازت مخالفته في بعض ماذهب إليه من باب أولى‪ ،‬كما قال صاحب تيسير التحرير‪ .‬ثم قال‪ :‬وليس‬
‫هناك دليل من نص أو إجماع يدل على أن الفعل إذا كانت له شروط‪ ،‬فإنه يجب على المقلد أن يتبع‬
‫مجتهدا واحدا في هذه الشروط التي يتوقف عليها هذا الفعل‪ ،‬ومن ادعى دليلً على ذلك فعليه التيان‬
‫به‪.‬‬
‫وأما مانقل عن ابن عبد البر‪ ،‬من أنه «ليجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا‪ ،‬فل نسلم صحة هذا النقل‬
‫عنه‪ ،‬ولو سلم فل يسلم صحة الجماع‪ ،‬إذ في تفسيق متتبع الرخص عن أحمد روايتان‪ .‬وحمل‬
‫القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولمقلد‪ .‬وقال ابن أمير الحاج في التقرير على‬
‫ن قوي الدليل‪ ،‬أو كان عاميا‪ ،‬ليفسق‪ .‬وفي روضة النووي حكاية‬
‫التحرير‪ :‬وذكر بعض الحنابلة‪ :‬أنه إ ْ‬
‫عن ابن أبي هريرة‪ :‬ليفسق ‪ .‬والخلصة‪ :‬أن مبدأ الخذ بالرخص أمر محبوب‪ ،‬ودين ال يسر‪،‬‬
‫وماجعل عليكم في الدين من حرج‪ ،‬والمفروض أن المقلد لم يقصد تتبع الرخص في كل الوقائع وإنما‬

‫في بعض المسائل‪ ،‬وكثيرا ماقال العلماء‪« :‬من قلد عالما فقد برئ مع ال» «اختلف العلماء رحمة»‬
‫وربما قال بعضهم‪« :‬حجّرت واسعا » إذا التزم العمل بالقول المشهور في جميع تصرفاته‪.‬‬

‫( ‪)1/82‬‬
‫‪ - 3‬رأي الشاطبي‪:‬‬
‫يرى الشاطبي رأي ابن السمعاني (‪ : )1‬وهو أنه يجب على المقلد الترجيح بين أقوال المذاهب‬
‫بالعلمية وغيرها‪ ،‬واتباع الدليل القوى‪ ،‬لن أقوال المجتهدين بالنسبة للمقلدين كالدلة المتعارضة‬
‫بالنسبة إلى المجتهد‪ ،‬فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف عند تعادل الدلة‪ ،‬كذلك المقلد‪ .‬ولن‬
‫الشريعة ترجع في الواقع إلى قول واحد‪ ،‬فليس للمقلد أن يتخير بين القوال‪ .‬وإل كان متبعا غرضه‬
‫وشهوته‪ ،‬وال تعالى يمنع اتباع الهوى جملة وهو قوله تعالى‪{ :‬فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ال‬
‫والرسول} [النساء‪.]59/4:‬‬
‫ثم أبان الشاطبي في كلم مسهب مايترتب على مبدأ الخذ باليسر من مفاسد‪:‬‬
‫أولها ـ الضلل في الفتوى بمحاباة القريب أو الصديق في تتبع رخص المذاهب اتباعا للغرض‬
‫والشهوة‪.‬‬
‫ثانيها ـ الدعاء بأن الختلف حجة على الجواز أو الباحة‪ ،‬حتى شاع بين الناس العتماد في جواز‬
‫الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم‪.‬‬
‫ثالثها ـ اتباع رخص المذاهب اعتمادا على مبدأ جواز النتقال الكلي من مذهب إلى مذهب‪ ،‬وأخذا‬
‫بمبدأ اليسر الذي قامت عليه الشريعة مع ( أن الحنيفية السمحة أتى فيها السماح مقيدا بما هو جار‬
‫على أصولها‪ ،‬وليس تتبع الرخص ول اختيار القوال بالتشهي بثابت من أصولها )‪ .‬ثم ذكر بعض‬
‫مفاسد اتباع رخص المذاهب كالنسلخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلف‪ ،‬وكالستهانة‬
‫بالدين إذ يصير سيّالً لينضبط‪ ،‬وكترك ماهو معلوم إلى ماليس بمعلوم‪ ،‬للجهل بأحكام المذاهب‬
‫الخرى‪ ،‬وكانخرام قانون السياسة الشرعية (‪ )2‬بترك انضباط معيار العدالة بين الناس وشيوع‬
‫الفوضى والمظالم وضياع الحقوق وتعطيل الحدود واجتراء أهل الفساد‪ ،‬وكإفضاء ذلك إلى القول‬
‫بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم‪ ،‬وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الموافقات‪. 155 - 132/4 :‬‬

‫(‪ )2‬وهي الطرق العادلة التي تخرج الحق من الظالم وتدفع كثيرا من المظالم‪ .‬وإهمالها يضيع‬
‫الحقوق‪ ،‬ويعطل الحدود‪ ،‬ويجرّئ أهل الفساد‪ .‬ويندرج فيها كل ماشرع لسياسة الناس وزجر المعتدين‪.‬‬

‫( ‪)1/83‬‬
‫رابعها ـ التخلص من الحكام الشرعية وإسقاطها جملة‪ ،‬عملً بمبدأ الخذ بأخف القولين‪ ،‬لبأثقلهما‪،‬‬
‫مع أن التكاليف كلها شاقة ثقيلة‪.‬‬
‫ثم رد الشاطبي على القائل بجواز تتبع الرخص في حالت للضرورة أو الحاجة عملً بالقاعدة‬
‫الشرعية ( الضرورات تبيح المحظورات ) بأن حاصل فعله هو الخذ بما يوافق الهوى‪ ،‬أو تجاوز‬
‫حدود الضرورة أو الحاجة المقررة في الشرع‪ .‬كما أنه رد على المتمسك بمبدأ ( مراعاة الخلف بين‬
‫القوال ) لتسويغ الخذ باليسر بأن مراعاة الخلف ليترتب عليه الجمع بين قولين متنافيين أو القول‬
‫بهما معا‪ ،‬وإنما هما لمسألتين مختلفتين‪ .‬وفي تقديري أن السبب الذي حمل الشاطبي على منع تتبع‬
‫الرخص والتلفيق هو غيرته على نظام الحكام الشرعية حتى ليتخطاها أحد عملً بمبدأ التيسير على‬
‫الناس‪، ،‬ولكنه ـ كما يلحظ من كلمه ـ متأثر بالعصبية المذهبية‪،‬ويخشى ـ رغم تحرره الفكري‬
‫ـ مخالفة مذهب المام مالك‪ ،‬ويحرص على التقليد ومنع الجتهاد‪.‬‬
‫ونحن معه في هذه الغيرة على أحكام الشريعة‪ ،‬لكن التقليد أو التلفيق الجائز مجاله محصور فيما لم‬
‫يتضمن العراض عما أنزل ال‪ ،‬أو الذي لم يتضح فيه رجحان الحق والدليل على صحة قول‬
‫المجتهد المقلّد(‪ ، )1‬وحينئذ ينهدم رأي الشاطبي من أساسه‪ ،‬لنه يطالب بضرورة العمل بالدليل‬
‫الراجح‪ ،‬والتزام أصول الشريعة‪ ،‬وهذا أمر مفترض في كل تقليد محمود أو أخذ بأيسر المذاهب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع أعلم الموقعين في بيان نوعي التقليد المحمود والمذموم‪ ،168/2 :‬تحفة الرأي السديد‬
‫للحسيني‪ :‬ص ‪.39‬‬

‫( ‪)1/84‬‬
‫التلفيق‪:‬‬
‫هو التيان بكيفية ل يقول بها المجتهد‪ .‬ومعناه أن يترتب على العمل بتقليد المذاهب‪ ،‬والخذ في مسألة‬
‫واحدة بقولين أو أكثر‪ :‬الوصول إلى حقيقة مركبة ليقرها أحد‪ ،‬سواء المام الذي كان على مذهبه‪،‬‬
‫والمام الذي انتقل إليه‪ ،‬فكل واحد منهم يقرر بطلن تلك الحقيقة الملفقة‪ .‬ويتحقق ذلك إذا عمل المقلد‬

‫في قضية واحدة بالقولين معا‪ ،‬أو بأحدهما مع بقاء أثر الثاني‪.‬‬
‫فالتلفيق إذا‪ :‬هو الجمع بين تقليد إمامين أو أكثر في فعل له أركان أو جزئيات لها ارتباط ببعضها‪،‬‬
‫لكل منها حكم خاص‪ ،‬كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم‪ ،‬فيقلد أحدهم في حكم‪ ،‬ويقلد آخر في حكم‬
‫آخر‪ ،‬فيتم الفعل ملفقا من مذهبين أو أكثر‪.‬‬
‫مثل أن يقلد شخص في الوضوء مذهب الشافعي في الكتفاء بمسح بعض الرأس‪ ،‬ثم يقلد أبا حنيفة أو‬
‫مالكا في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة خاليا عن قصد الشهوة ووجودها‪ ،‬ثم يصلي‪ ،‬فإن هذا‬
‫الوضوء الذي صلى به لم يقل به كل واحد من هؤلء الئمة‪ ،‬فالشافعي يعتبره باطلً لنقضه باللمس‪،‬‬
‫وأبو حنيفة ليجيزه لعدم مسح ربع الرأس ‪ ،‬ومالك ليقره لعدم مسح جميع الرأس أو لعدم دلك‬
‫أعضاء الوضوء ونحو ذلك‪ .‬أو أن يقلد مالكا في عدم نقض الوضوء بالقهقهة في الصلة‪ ،‬وأبا حنيفة‬
‫في عدم النقض بمس الذكر‪ ،‬وصلى‪ .‬فهذه صلة مجمع منهما على فسادها‪.‬‬
‫ومثل أن يستأجر شخص مكانا موقوفا تسعين سنة فأكثر‪ ،‬من غير أن يراه‪ ،‬مقلدا في المدة الطويلة‬
‫للشافعي وأحمد‪ ،‬وفي عدم الرؤية لبي حنيفة‪ ،‬فيجوز (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬شرح السنوي على منهاج البيضاوي‪ ،266/3 :‬عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للشيخ محمد‬
‫سعيد الباني‪ :‬ص ‪91‬‬

‫( ‪)1/85‬‬
‫ومجال التلفيق كمجال التقليد محصور في المسائل الجتهادية الظنية‪ .‬أما كل ما علم من الدين‬
‫بالضرورة ـ أي بالبداهة ـ من متعلّقات الحكم الشرعي‪ ،‬وهو ماأجمع عليه المسلمون ويكفر جاحده‪،‬‬
‫فل يصح فيه التقليد والتلفيق‪ ،‬وعلى هذا فل يجوز التلفيق المؤدي إلى إباحة المحرمات كالنبيذ والزنا‬
‫مثلً‪ .‬هذا وإن قضية التلفيق بين المذاهب اشترط عدمها لجواز تقليد مذاهب الغير أكثر المتأخرين من‬
‫العلماء بعد انتهاء القرن العاشر الهجري‪ ،‬ولم يتكلم فيها قبل القرن السابع‪.‬‬
‫وجواز التلفيق مبني على ما قررناه من أنه ل يجب التزام مذهب معين في جميع المسائل‪ ،‬فمن لم‬
‫يكن ملتزما مذهبا معينا‪ ،‬جاز له التلفيق‪ ،‬وإل أدى المر إلى بطلن عبادات العوام‪ ،‬لن العامي ل‬
‫مذهب له ولو تمذهب به‪ ،‬ومذهبه في كل قضية هو مذهب من أفتاه بها‪ .‬كما أن القول بجواز التلفيق‬
‫يعتبر من باب التيسير على الناس‪.‬‬
‫وتقليد إمام في جزئية أو مسألة ليمنع من تقليد إمام آخر في مسألة أخرى‪ ،‬وليقال‪ :‬إن المقلد وصل‬

‫إلى حقيقة لم يقل بها كل المامين‪ ،‬وإنما يعد ذلك من قبيل تداخل أقوال المفتين (أي المجتهدين)‬
‫بعضها في بعض في عمل المستفتي تداخلً غير مقصود‪ ،‬كتداخل اللغات بعضها ببعض في لسان‬
‫العرب‪ .‬فالمقلد لم يقلد كل إمام في مجموع عمله‪ ،‬وإنما قلد كل من المامين في مسألة معينة غير‬
‫التي قلد فيها غيره‪ ،‬ومجموع العمل لم يوجب أحد النظر إليه ل في اجتهاد ول في تقليد‪.‬‬
‫وأما اشتراط بعض العلماء لجواز التلفيق ضرورة مراعاة الخلف بين المذاهب‪ ،‬فهو أمر عسير‪،‬‬
‫سواء في العبادات أو في المعاملت‪ ،‬وذلك يتنافى مع سماحة الشريعة ويسرها ومسايرتها لمصالح‬
‫الناس‪.‬‬

‫( ‪)1/86‬‬
‫وأما ادعاء وجود الجماع (من قِبَل ابن حجر وغيره من بعض علماء الحنفية) على عدم جواز‬
‫التلفيق‪ ،‬فيحتاج إلى دليل‪ ،‬وليس أدل على عدم قيام مثل هذا الجماع من وجود اختلف واضح بين‬
‫العلماء في مسألة التلفيق‪ .‬قال الشفشاوني في تركيب مسألة من مذهبين أو أكثر‪« :‬إن الصوليين‬
‫اختلفوا في هذه المسألة‪ ،‬والصحيح من جهة النظر جوازه » وحكى الثقات الخلف أيضا كالفهامة‬
‫المير والفاضل البيجوري‪ .‬هذا وإن مثل هذا الجماع المدعى المنقول بطريق الحاد ليوجب العمل‬
‫عند جمهور العلماء‪ ،‬ولعل المراد بهذا الجماع هو اتفاق الكثر أو أهل مذهب ما‪.‬‬
‫وسأذكر هنا بإيجاز أقوال علماء المذاهب في إباحة التلفيق (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬الحنفية‪ :‬قال الكمال بن الهمام وتلميذه ابن أمير الحاج في التحرير وشرحه‪ :‬إن المقلد له أن يقلد‬
‫من شاء‪ ،‬وإن أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه ل أدري ما يمنعه من النقل أو العقل‪،‬‬
‫وكون النسان يتتبع ما هو الخف عليه من قول مجتهد مسوغ له الجتهاد‪ ،‬ما علمت من الشرائع ذمه‬
‫عليه‪ ،‬وكان صلّى ال عليه وسلم يحب ما خفف عن أمته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رسم المفتي‪ ،69/1:‬التحرير وشرحه‪ 350/3 :‬ومابعدها‪ ،‬الحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام‬
‫للقرافي‪ :‬ص ‪ 250‬ومابعدها‪ ،‬عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للباني‪ :‬ص ‪ 106‬ومابعدها‪ ،‬المؤتمر‬
‫الول لمجمع البحوث السلمي‪ ،‬بحث الستاذ الشيخ السنهوري‪ :‬ص ‪ 83‬ومابعدها‪ ،‬وبحث الشيخ عبد‬
‫الرحمن القلهود‪ :‬ص ‪ 95‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/87‬‬

‫وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية لبن عابدين ما يفيد أن في منية المفتي ما يفيد جواز الحكم المركب‪،‬‬
‫وأن القاضي الطرسوسي (المتوفى سنة ‪ 758‬هـ) مشى على الجواز‪ .‬وأفتى مفتي الروم أبو السعود‬
‫العمادي (المتوفى سنة ‪ 983‬هـ) في فتاويه بالجواز‪ .‬وجزم ابن نجيم المصري (المتوفى سنة ‪970‬‬
‫هـ) في رسالته ( في بيع الوقف بغبن فاحش ) بأن المذهب جواز التلفيق‪ ،‬ونقل الجواز عن الفتاوى‬
‫البزازية‪ .‬وذهب أمير باد شاه (المتوفى سنة ‪ 972‬هـ) إلى جواز التلفيق بكل قوته‪ .‬وألف مفتي نابلس‬
‫منيب أفندي الهاشمي رسالة في التقليد عام ( ‪ 1307‬هـ) أيد فيها التقليد مطلقا‪ ،‬وقال عنها فقيه‬
‫عصره الشيخ عبد الرحمن البحراوي‪« :‬أن المؤلف قد بين الحق على الوجه الصحيح» ‪ .‬والخلصة‪:‬‬
‫أن الشائع المشهور أن التلفيق باطل‪ ،‬لكن العلماء خلف ذلك وأنه جائز بأدلة كثيرة ناطقة على‬
‫صحته‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ المالكية‪ :‬الصح والمرجح عند المتأخرين من فقهاء المالكية هو جواز التلفيق‪ ،‬فقد صحح الجواز‬
‫ابن عرفة المالكي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير‪ ،‬وأفتى العلمة العدوي بالجواز‪ ،‬ورجح‬
‫الدسوقي الجواز‪ ،‬ونقل المير الكبير عن شيوخه أن الصحيح جواز التلفيق وهو فسحة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ الشافعية‪ :‬منع بعضهم كل صور التلفيق‪ ،‬واقتصر بعضهم الخر على حظر حالت التلفيق‬
‫الممنوع التي بيانها‪ ،‬وأجاز آخرون التلفيق إذا جمعت في المسألة شروط المذاهب المقلدة‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ الحنابلة‪ :‬نقل الطرسوسي أن القضاة الحنابلة نفذوا الحكام الصادرة بالتلفيق‪.‬‬
‫هذا ولم أذكر أقوال المخالفين من علماء هذه المذاهب‪ ،‬سواء في قضية الخذ بأيسر المذاهب أو في‬
‫تتبع الرخص‪ ،‬ولن أقوال المخالفين ل تلزمنا‪ ،‬لعدم وجود دليل شرعي راجح لها‪.‬‬

‫( ‪)1/88‬‬
‫التلفيق الممنوع‪:‬‬
‫ليس القول بجواز التلفيق مطلقا‪ ،‬وإنما هو مقيد في حدود معينة‪ ،‬فمنه ما هو باطل لذاته‪ ،‬كما إذا أدى‬
‫إلى إحلل المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما‪ .‬ومنه ما هو محظور ل لذاته‪ ،‬بل لما يعرض له من‬
‫العوارض‪ ،‬وهو ثلثة أنواع (‪: )1‬‬
‫أولها ـ تتبع الرخص عمداًً‪ :‬بأن يأخذ النسان من كل مذهب ما هو الخف عليه بدون ضرورة‬
‫ولعذر‪ .‬وهذا محظور سدا لذرائع الفساد بالنحلل من التكاليف الشرعية‪.‬‬
‫الثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم‪ ،‬لن حكمه يرفع الخلف درءا للفوضى‪.‬‬
‫الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدا أو عن أمر مجمع عليه لزم لمر قلده‪.‬‬

‫وهذا الشرط في غير العبادات‪ ،‬أما فيها فيجوز التلفيق ولو استلزم الرجوع عما عمل به أو عن أمر‬
‫لزم لخر إجماعا‪ ،‬مالم يفض إلى النحلل من ربقة التكاليف الشرعية أو إلى الذهاب بالحكمة‬
‫الشرعية باقتراف الحيل المغايرة للشريعة أو المضيعة لمقاصدها‪.‬‬
‫مثال الول أي الرجوع عن العمل‪ :‬ما نقل عن الفتاوى الهندية‪:‬لو أن فقيها قال لمرأته‪ ( :‬أنت طالق‬
‫البتة ) وهو يرى أن الطلق يقع ثلثا‪،‬فأمضى فيما بينه وبينها‪ ،‬وعزم على أنها حرمت عليه‪ .‬ثم رأى‬
‫بعدئذ أنها تطليقة رجعية‪ ،‬أمضى رأيه الول الذي كان عزم عليه‪ ،‬وليردها إلى أن تكون زوجته‬
‫برأي حدث من بعد‪.‬‬
‫وكذلك لوكان في البتداء يراها تطليقة رجعية‪ ،‬فعزم على أنها امرأته‪ ،‬ثم رأى بعد أنها ثلث‪ ،‬لم‬
‫تحرم عليه ‪ .‬هذا ويلحظ أن بطلن التلفيق بعد العمل مقيد بقيدين‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،121‬الحكام في تمييز الفتاوى عن‬
‫الحكام للقرافي‪ :‬ص ‪ ،79‬فتاوى الشيخ عليش‪.68/1،71 :‬‬

‫( ‪)1/89‬‬
‫أولهما ـ أن يبقى من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء ليقول به كل من المذهبين‬
‫كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس‪ ،‬ومالك في طهارة الكلب في صلة واحدة‪ .‬وكما لو أفتى مفت‬
‫ببينونة زوجته بطلقها مكرها‪ ،‬ثم نكح أختها مقلدا للحنفي بوقوع طلق المكره‪ .‬ثم أفتاه شافعي بعدم‬
‫الحنث‪ ،‬فيمتنع عليه أن يطأ الولى‪ ،‬مقلدا للشافعي والثانية مقلدا للحنفي‪ ،‬لن إمضاء الفعل كإمضاء‬
‫القاضي ل ينقض‪.‬‬
‫ثانيهما ـ أن يكون ذلك في حادثة واحدة بعينها ل في مثلها‪ ،‬كما لو صلى ظهرا بمسح ربع الرأس‬
‫مقلدا للحنفي‪ ،‬فليس له إبطال طهارته باعتقاده لزوم مسح الكل مقلدا للمالكي‪ .‬وأما لوصلى يوما على‬
‫مذهب‪ ،‬وأراد أن يصلي يوما آخر فل يمنع منه (‪. )1‬‬
‫مثال الثاني أي الرجوع عن أمر مجمع عليه‪ :‬لو قلد رجل أبا حنيفة في عقد النكاح بل ولي‪ ،‬فيستلزم‬
‫العقد صحة إيقاع الطلق‪ ،‬لنها أمر لزم لصحة النكاح إجماعا ‪ ,‬فلو طلقها ثلثا ‪ ,‬ثم أراد تقليد‬
‫الشافعي في عدم وقوع الطلق لكون النكاح إجماعا‪ ،‬فلو طلقها ثلثا‪،‬ثم أراد تقليد الشافعي في عدم‬
‫وقوع الطلق لكون النكاح بل ولي‪ ،‬فليس له ذلك لكونه رجوعا عن التقليد في أمر لزم إجماعا‪.‬‬
‫وهذا أمر معقول حتى ل تصبح العلقة الزوجية السابقة علقة محرمة‪ ،‬وأن الولد أولد زنا‪ .‬فيمنع‬

‫ذلك كما يمنع كل ما يؤدي إلى العبث بالدين أو الضرار بالبشر أو الفساد في الرض‪.‬‬
‫ومن صور التلفيق الممنوع لمخالفته الجماع‪ :‬أن يتزوج رجل امرأة بغير صداق ول ولي ول شهود‪،‬‬
‫مقلدا كل مذهب فيما ل يقول به الخر‪ ،‬فهذا من التلفيق المؤدي إلى محظور‪ ،‬لنه يخالف الجماع‪،‬‬
‫فلم يقل به أحد (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رسم المفتي في حاشية ابن عابدين‪ 69/1 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬شرح التنقيح للقرافي‪ :‬ص ‪.386‬‬

‫( ‪)1/90‬‬
‫ومن صور التلفيق الممنوع أيضا‪ :‬أن يطلق شخص زوجته ثلثا‪ ،‬ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد‬
‫التحليل‪،‬مقلدا ً زوجها في صحة الزواج للشافعي‪ ،‬فأصابها‪ ،‬ثم طلقها مقلدا في صحة الطلق‪ ،‬وعدم‬
‫الحاجة إلى العدة للمام أحمد‪ ،‬فيجوز لزوجها الول العقد عليها فورا‪ .‬فهذا التلفيق ممنوع لنه يؤدي‬
‫إلى التلعب بقضايا الزواج‪ ،‬لذا قال الشيخ الجهوري من الشافعية‪ :‬هذا ممنوع في زماننا ول يجوز‬
‫وليصح العمل بهذه المسألة‪ ،‬لنه يشترط عند الشافعي أن يكون المزوج للصبي أبا له‪ ،‬أو جدا‪ ،‬وأن‬
‫يكون عدلً‪ ،‬وأن يكون في تزويجه مصلحة للصبي‪ ،‬وأن يكون المزوج للمرأة وليها العدل بحضرة‬
‫عدلين‪ ،‬فإذا اختل شرط لم يصح التحليل لفساد النكاح‪.‬‬
‫حكم التلفيق (‪ )1‬في التكاليف الشرعية‪:‬‬
‫تنقسم الفروع الشرعية إلى ثلثة أنواع (‪: )2‬‬
‫الول ـ ما بني في الشريعة على اليسر والتسامح مع اختلفه باختلف أحوال المكلفين‪.‬‬
‫الثاني ـ ما بني على الورع والحتياط‪.‬‬
‫الثالث ـ ما يكون مناطه مصلحة العباد وسعادتهم‪.‬‬
‫أما النوع الول ـ فهو العبادات المحضة‪ ،‬وهذه يجوز فيها التلفيق‪ ،‬لن مناطها امتثال أمر ال تعالى‬
‫والخضوع له مع عدم الحرج‪ ،‬فينبغي عدم الغلو بها؛ لن التنطع يؤدي إلى الهلك‪.‬‬
‫أما العبادات المالية‪ :‬فإنها مما يجب التشديد بها احتياطا خشية ضياع حقوق الفقراء‪ ،‬فل يؤخذ بالقول‬
‫الضعيف أو يلفق من كل مذهب ماهو أقرب لمصلحة المزكي لضاعة حق الفقير‪ ،‬وإنما يجب الفتاء‬
‫بالحوط والنسب لمصلحة الفقراء‪.‬‬
‫وأما النوع الثاني ـ فهو المحظورات‪ :‬وهي مبنية على مراعاة الحتياط والخذ بالورع مهما أمكن (‬

‫‪ ، )3‬لن ال تعالى ل ينهى عن شيء إل لمضرته‪ ،‬فل يجوز فيها التسامح أو التلفيق إل عند‬
‫الضرورات الشرعية‪ ،‬لن ( الضرورات تبيح المحظورات)‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬إن التلفيق في التقليد للمذاهب هو تخير أو انتقاء من أحكام المذاهب الفقهية تقليدا لها‪.‬‬
‫(‪ )2‬عمدة التحقيق للباني‪ :‬ص ‪ 127‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬والدليل على أنها مبنية على الورع والحتياط أحاديث نبوية منها‪« :‬دع مايريبك إلى مال يريبك»‬
‫ومنها «مااجتمع الحرام والحلل إل غلب الحرام الحلل» ‪.‬‬

‫( ‪)1/91‬‬
‫وعليه ليجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق ال (أو حقوق المجتمع) حفاظا على النظام‬
‫العام في الشريعة‪ ،‬واهتماما برعاية المصالح العامة‪ .‬كما ل يجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة‬
‫بحقوق العباد ( حقوق الشخاص الخاصة) منعا من الحتيال على حقوق الناس وإلحاق الضرر بهم‬
‫والعتداء عليهم‪.‬‬
‫وأما النوع الثالث ـ فهو المعاملت المدنية‪ :‬والعقوبات الشرعية (الحدود والتعزيرات)‪ ،‬وأداء الموال‬
‫الواجبة شرعا من عشر المزروعات‪ ،‬وخراج الراضي‪ ،‬وخمس المعادن المكتشفة‪ ،‬والمناكحات (أو‬
‫الحوال الشخصية)‪ .‬فعقود الزواج (المناكحات) وما يتبعها من أنواع الفرقة الزوجية‪ :‬مبناها سعادة‬
‫الزوجين وأولدهما‪ .‬ويتحقق ذلك بالحفاظ على الرابطة الزوجية‪ ،‬وتوفر الحياة الطيبة فيها‪ ،‬كما قرر‬
‫القرآن الكريم‪{ :‬فإمساك بمعروف ‪،‬أو تسريح بإحسان} [البقرة‪ .]229/2:‬فكل ما يؤيد هذا الصل يعمل‬
‫به‪ ،‬ولو أدى في بعض الوقائع إلى التلفيق الجائز‪ ،‬أما إذا اتخذ التلفيق ذريعة لتلعب الناس بأقضية‬
‫الزواج والطلق ‪ ،‬فيكون تلفيقا قادحا ممنوعا‪ ،‬مراعاة للقاعدة الشرعية‪ :‬وهي ( أن الصل في‬
‫البضاع (‪ )1‬التحريم ) صيانة لحقوق النساء والنساب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البضاع جمع بضع بضم الباء‪ :‬يطلق على الفرج والجماع‪ ،‬ويطلق أيضا على التزويج (المصباح‬
‫المنير)‪.‬‬

‫( ‪)1/92‬‬

‫وأما المعاملت‪ ،‬وأداء الموال‪ ،‬والعقوبات المقررة في الشرع والقصاص لصيانة الدماء ونحوها من‬
‫التكاليف المراعى فيها مصالح البشرية والمرافق الحيوية‪ ،‬فيجب الخذ فيها من كل مذهب ما هو‬
‫أقرب لمصلحة الناس وسعادتهم‪ ،‬ولو لزم منه التلفيق‪ ،‬لما فيه من السعي وراء تأييد المصلحة التي‬
‫يقصدها الشرع‪،‬ولن مصالح الناس تتغير بتغير الزمان والعرف وتطور الحضارة والعمران‪ .‬ومعيار‬
‫المصلحة أو تحديد المراد منها‪ :‬هو كل ما يضمن صيانة الصول الكلية الخمسة‪:‬‬
‫وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال‪ .‬وصيانة كل مصلحة مقصودة شرعا من الكتاب أو‬
‫السنة أو الجماع‪ .‬وهي المصالح المرسلة المقبولة‪.‬‬
‫قال الشرنبللي الحنفي في العقد الفريد بعد أن ذكر فروعا من أصل المذهب صريحة بجواز التلفيق‪:‬‬
‫فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على النسان التزام مذهب معين‪ ،‬وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما‬
‫عمله على مذهبه‪ ،‬مقلدا فيه غير إمامه‪ ،‬مستجمعا شروطه‪ ،‬ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين ل‬
‫تعلق لواحدة منهما بالخرى‪ .‬وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر‪ ،‬لن إمضاء الفعل كإمضاء‬
‫القاضي ل ينقض‪ .‬وقال أيضا‪ :‬إن له التقليد بعد العمل‪ ،‬كما إذا صلى ظانا صحة الصلة على مذهبه‪،‬‬
‫ثم تبين بطلنها في مذهبه‪ ،‬وصحتها على مذهب غيره فله تقليده‪ ،‬ويجتزئ بتلك الصلة‪ ،‬على ما قال‬
‫في البزازية‪ :‬أنه روي عن أبي يوسف‪ :‬أنه صلى الجمعة مغتسلً من الحمام‪ ،‬ثم أخبر بفأرة ميتة في‬
‫بئر الحمام‪ ،‬فقال‪ :‬نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة‪ :‬إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رسم المفتي في حاشية ابن عابدين‪. 70/1 :‬‬

‫( ‪)1/93‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن ضابط جواز التلفيق وعدم جوازه‪ :‬هو أن كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة‬
‫والقضاء على سياستها وحكمتها‪ ،‬فهو محظور‪ ،‬وخصوصا الحيل الشرعية الممنوعة (‪. )1‬وأن كل ما‬
‫يؤيد دعائم الشريعة ‪ ،‬وما ترمي إليه حكمتها وسياستها لسعاد الناس في الدارين بتيسير العبادات‬
‫عليهم‪ ،‬وصيانة مصالحهم في المعاملت‪ ،‬فهو جائز مطلوب‪.‬‬
‫اختيار اليسر في التقنين‪:‬‬
‫ل مانع شرعا من اختيار الحاكم ولي المر أيسر القوال في المذاهب الشرعية المختلفة‪ ،‬إذ إن ذلك‬
‫ليس من قبيل التلفيق الممنوع‪ ،‬لن الحكام المختارة من المذاهب هي أحكام كلية لمور متغايرة ل‬
‫تجمع بينها رابطة‪ ،‬كما بينا‪ .‬وإذا حدث فيها تلفيق أثناء التطبيق الفعلي فهو غير مقصود‪ ،‬فل حرج‬

‫فيه‪ ،‬كالقول بصحة الزواج بغير ولي وبعبارة النساء‪ ،‬والتفريع عليه بجواز استدامة الزوجية بعد‬
‫مراجعتها إثر صدور طلق ثلث بلفظة واحد اكتفاء بإيقاعه طلقة واحدة رجعية‪ .‬فهو تلفيق غير‬
‫ممنوع لنه لم يقصد إليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر أمثلة على الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها في أعلم الموقعين‪ 255/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/94‬‬
‫والقول بجواز التلفيق في الجملة أقوى دليلً من القول بمنعه‪ ،‬فضلً عما فيه من تحقيق مصالح الفراد‬
‫والجماعات‪ ،‬ول يترتب عليه أي مفسدة من مفاسد التلفيق المحظور‪ .‬ولو افترضنا أن التلفيق كله غير‬
‫ل ضعيفا‪ ،‬كما قرر العلماء‪،‬‬
‫جائز فإن تخير الحاكم لرأي وجعله قانونا نافذا‪ :‬يقوي الحكم ولو كان قو ً‬
‫بل ويوجب الطاعة إذا لم يكن أمرا بمعصية متيقنة شرعا‪ .‬وقد بدأ التخير من أحكام المذاهب في‬
‫مجال التقنين فعلً منذ أكثر من خمسين عاما في مطلع هذا القرن‪ ،‬وذلك حينما شعرت الحكومة‬
‫العثمانية بالحاجة إلى التوسع في حرية التعاقد‪ ،‬والشروط العقدية‪ ،‬وقابلية المحل المعقود عليه‪ ،‬بسبب‬
‫ازدياد حاجة التعامل التجاري والصناعي‪ ،‬وتطور أساليب التجارة الداخلية والخارجية وظهور أنواع‬
‫جديدة من الحقوق هي الحقوق الدبية كحق المؤلف والمخترع‪ ،‬والحتياج إلى عقود التأمين على‬
‫البضائع المستوردة‪ ،‬واتساع مجال عقود الستصناع مع المصانع الكبرى‪ ،‬وعقود التوريد لتقديم‬
‫اللوازم والمواد الولية إلى المؤسسات الحكومية والشركات والمعامل والمدارس‪.‬‬
‫فاستبدلت السلطة العثمانية بالمادةو (‪ 64‬سنة ‪ 1332‬هـ‪1914/‬م) من قانون أصول المحاكمات مادة‬
‫أخذت مبادئها من غير المذهب الحنفي كالمذهب الحنبلي ومذهب ابن شبرمة اللذين يوسعان من دائرة‬
‫حرية الشروط العقدية ويقتربان من مبدأ سلطان الرادة القانوني أي أن (العقد شريعة المتعاقدين)‬
‫ويجيزان هذه المبادئ الثلثة التي تضمنتها المادة الجديدة وهي‪:‬‬
‫‪ -1‬توسيع قابلية المحل للتعاقد عليه ليشمل كل ما جرى به العرف‪ ،‬أو سيوجد بعد‪.‬‬
‫‪ - 2‬جواز كل اتفاق أو اشتراط ل يخالف النظام العام والداب والقوانين الخاصة‪ ،‬وقوانين العقارات‬
‫والحوال الشخصية والوقاف‪ .‬وبذلك تقلصت نظرية الفساد عند الحنفية‪ ،‬وأصبح جائزا ما يعرف‬
‫بالشرط الجزائي أي التعهد بالضمان المالي جزاء النكول أو التأخر عن تنفيذ اللتزام‪ ،‬عملً بمذهب‬
‫القاضي شريح‪.‬‬

‫( ‪)1/95‬‬

‫‪ - 3‬اعتبار العقد تاما بمجرد التفاق على النواحي الساسية فيه‪ ،‬ولو لم تذكر المور الفرعية‪ .‬وبه‬
‫أصبحت الجهالة غير ضارة في تكوين العقد‪ ،‬فيصح العقد بسعر السوق أو بما سيستقر عليه في يوم‬
‫ما (‪ . )1‬هذا وقد أصدرت الحكومة العثمانية سنة (‪ 1336‬هـ) قرار حقوق العائلة المعمول به اليوم‪،‬‬
‫أخذت فيه بطائفة من أحكام المذاهب الثلثة غير الحنفية واختارت بعض أقوال ضعيفة في المذهب‬
‫الحنفي‪ ،‬وصدرت في مصر قوانين متخيرة من أحكام المذاهب بدءا من سنة (‪ 1920‬م) إلى سنة (‬
‫‪ )1929‬ثم سنة (‪ 1936‬م) وحتى الن اتبعت فيها أسلوب قانون العائلة العثماني‪ ،‬وذلك بحضور‬
‫صفوة مختارة من كبار العلماء ورجال القضاء الشرعي من مختلف المذاهب‪ ،‬مراعاة لتغير الزمان‪،‬‬
‫وتطور الحياة الجتماعية‪ ،‬وتجدد المصالح والحاجات‪ ،‬وتبدل الوضاع والتنظيمات‪.‬‬
‫ومن أبرز المثلة على القوانين الملفقة‪ :‬قانون الوصية الواجبة رقم (‪ )71‬في المواد (‪ )79-76‬من‬
‫قانون الحوال الشخصية المصري الصادر عام (‪ ،)1946‬لمعالجة مشكلة (أولد المحروم) أي أولد‬
‫البن المتوفى في حال حياة أبيه‪ ،‬وتابعه القانون السوري الصادر عام( ‪1953‬م) مع وجود فارق‬
‫بينهما‪ ،‬وهو أن القانون المصري لم يميز بين أولد البن وأولد البنت‪ ،‬وأما القانون السوري فقد‬
‫اقتصر على أولد البن‪ ،‬وأما أولد البنت فهم من ذوي الرحام الوارثين‪ .‬وقد أخذ هذا القانون من‬
‫مجموع آراء فقهية كرأي ابن حزم الظاهري وأقوال بعض فقهاء التابعين ورواية في مذهب أحمد‬
‫ومذهب الباضية‪ ،‬ولم يستند ذلك إلى رأي فقهي معين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل الفقهي العام للستاذ مصطفى الزرقا‪ :‬ف ‪.392-388‬‬

‫( ‪)1/96‬‬
‫ومن المثلة الشهيرة على تخطي المذاهب الربعة أو التلفيق بينها وبين غيرها لحاجة الناس إليها‪:‬‬
‫جواز الوصية لوارث بدون توقف على إجازة الورثة في المادة (‪ )37‬من قانون الوصية المصري‬
‫رقم (‪ )71‬لعام ( ‪ 1946‬م)‪ ،‬أخذا بقول فريق من المفسرين ومنهم أبو مسلم الصفهاني‪ ،‬وفريق من‬
‫الفقهاء من غير المذاهب الربعة كبعض أئمة الشيعة الزيدية‪ ،‬وبعض الشيعةالمامية الثني عشرية‪،‬‬
‫والسماعيلية‪.‬‬
‫ومن المثلة القضائية للتخير‪ :‬تقييد قبول الشهادات بأن تصحب بدليل قوي كالكتابة والخبرة والتسجيل‬
‫الرسمي لنفي الشبهة بسبب تغير الزمان وضعف الوازع الديني‪ .‬والنهي عن سماع الدعوى بعد مضي‬
‫خمس عشرة سنة إل في الوقف والرث فبعد ثلث وثلثين سنة في لئحة المحاكم الشرعية المصرية‬

‫سنة (‪1880‬م)‪ .‬والمنع من سماع دعوى الزوجية والطلق والقرار بهما بعد وفاة أحد الزوجين إل‬
‫إذا كانت الدعوى مؤيدة بأوراق خالية من شبهة تدل على صحتها في المادة (‪ )31‬من لئحة سنة (‬
‫‪ 1897‬م ) المصرية‪.‬‬
‫الفرع الخامس ـ أنواع الضوابط الشرعية للخذ بأيسر المذاهب‪:‬‬
‫لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب علماء الصول والفقه بحثا مستقل ًبهذا الموضوع‪،‬ويمكن وضع‬
‫ضوابط شرعية للخذ بأيسر المذاهب من طريق السنتباط أوالستخلص مما كتبه الصوليون‬
‫والفقهاء في بحث التلفيق وتتبع الرخص والتقليد عموما‪.‬‬
‫وهذه الضوابط (‪ )1‬هي ما يأتي‪:‬‬
‫الضابط الول‪ :‬أن يتقيد الخذ باليسر في مسائل الفروع الشرعية الجتهادية الظنية أي القضايا‬
‫العملية التي ثبتت أحكامها بطريق ظني أغلبي كأحكام العبادات والمعاملت والحوال الشخصية‬
‫والجنايات التي ليس فيها نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الضابط‪ :‬معناه القاعدة الكلية وجمعه ضوابط ويراد بها هنا القيود التي تحدد نطاق الموضوع‪.‬‬
‫(‪ )2‬القياس الجلي‪ :‬هو ماكانت العلة فيه منصوصة‪ ،‬أو غير منصوصة‪ ،‬ولكن قطع فيه بنفي تأثير‬
‫الفارق بين الصل والفرع‪ ،‬كقياس الضرب على التأفيف في الحرمة‪.‬‬

‫( ‪)1/97‬‬
‫وهذا ـ كما بينا ـ هو مجال التقليد والتلفيق‪ .‬أما غير ذلك فل يصح الخذ فيه باليسر مثل مسائل‬
‫العقائد وأصول اليمان والخلق كمعرفة ال تعالى وصفاته وإثبات وجود ال ووحدانيته ودلئل‬
‫النبوة‪ ،‬ومثل كل ماعلم من الدين بالضرورة ــأي بالبداهة ــ وهو ما أجمع عليه المسلمون ويكفر‬
‫جاحده أو منكره‪ ،‬في جميع التكاليف الشرعية‪ :‬عبادات أو معاملت أو عقوبات أو محرمات‪ ،‬كأركان‬
‫السلم الخمسة وحرمة الربا (الفائدة)‪ ،‬والزنا‪ ،‬وحل البيع والزواج والقرض ونحوها مما هو ثابت‬
‫قطعا بالجماع‪ ،‬ل يجوز فيها التقليد والتلفيق أو الخذ باليسر‪ .‬فل يباح التلفيق المؤدي إلى إباحة‬
‫المحرمات كالنبيذ المسكر والزنا مثلً‪.‬‬
‫كما ل يباح التلفيق المؤدي إلى إهدار حقوق الناس أو إلحاق الذى والضرر بهم والعدوان عليهم‪ ،‬إذ‬
‫لضرر ول ضرار في السلم‪.‬‬
‫قال القرافي (‪ : )1‬إن ضابط المذاهب التي يقلد فيها خمسة أشياء ل سادس لها عملً بالستقراء‪:‬‬

‫‪ - 1‬الحكام الشرعية الفروعية الجتهادية‪.‬‬
‫‪ - 2‬وأسبابها‪.‬‬
‫‪ - 3‬وشروطها‪.‬‬
‫‪ - 4‬وموانعها‪.‬‬
‫‪ - 5‬والحِجاج (‪ )2‬المثبتة للسباب والشروط والموانع‪.‬‬
‫احترز بـ (الشرعية) عن العقلية كالحساب والهندسة وعن الحسيات وغيرها‪ .‬واحترز بالفروعية عن‬
‫أصول الدين وأصول الفقه‪ .‬وبالجتهادية عن الحكام المعلومة من الدين بالضرورة‪.‬‬
‫وأسباب الحكام مثل التلف المسبب للضمان‪ .‬والشروط كاشتراط الولي والشهود في عقد الزواج‪.‬‬
‫والموانع كالجنون والغماء المانعين من التكليف الشرعي‪ ،‬والدّين المانع من إيجاب الزكاة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام وتصرفات القاضي والمام للقرافي‪ :‬ص ‪ 195‬وما بعدها ‪،‬‬
‫طبعة حلب الفروق‪5/4 :‬‬
‫(‪ )2‬أي طرق الثبات أو أدلته مثل القرار والشهادة‪.‬‬

‫( ‪)1/98‬‬
‫والحجاج المثبتة للسباب والشروط والموانع هي ما يعتمد عليه القضاء من البينات والقارير ونحو‬
‫ذلك‪ .‬وهي نوعان‪:‬‬
‫‪ - 1‬مجمع عليه كالشاهدين في الموال والربعة الشهود في الزنى‪ ،‬والقرار في جميع ذلك إذا صدر‬
‫من أهله في محله‪.‬‬
‫‪ - 2‬ومختلف فيه‪ :‬نحو الشاهد واليمين وشهادة الصبيان في القتل والجراح‪ ،‬والقرار إذا أعقبه‬
‫رجوع‪ .‬ونحن كما نقلد العلماء في الحكام وأسبابها وشروطها وموانعها‪ ،‬فكذلك نقلدهم في الحجاج‬
‫المثبتة لذلك‪.‬‬
‫فاختيار اليسر من المذاهب مقيد إذن في هذا النطاق وهو الحكام الفرعية الثابتة بغلبة الظن لدى‬
‫المجتهد مثل وجوب الوتر والنية في الوضوء‪ ،‬وكون الدّين مانعا من الزكاة‪ ،‬وإباحة المعاطاة (‪، )1‬‬
‫وقبول شهادة الصبيان في القتل والجراح‪ ،‬والشاهد واليمين‪ ،‬وشهادة النساء فيما يختص بهن الطلع‬
‫عليه كعيوب الفروج واستهلل المولود‪ ،‬وجواز البيع بشرط فيه منفعة لحد المتعاقدين‪ .‬والتطليق‬
‫بسبب الغيبة أو العسار أو الضرار‪ ،‬وتقويم منافع العقارات‪ ،‬وتضمين الجراء والصناع‪ ،‬ومنع‬

‫هدية المديان‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫الضابط الثاني ـ أل يترتب على الخذ باليسر معارضة مصادر الشريعة القطعية‪ ،‬أو أصولها‬
‫ومبادئها العامة‪ .‬يفهم هذا الشرط مما ذكره فقهاء المالكية ـ حتى الشاطبي ـ من ضرورة نقض حكم‬
‫الحاكم أو قضاء القاضي في أمور أربعة ينقض فيها قضاؤه‪ ،‬مما يدل على أنه عند الخذ باليسر ل‬
‫يجوز الوقوع فيما يخالف هذه المور وهي ما يأتي (‪: )2‬‬
‫الول ـ أن يحكم القاضي بما يخالف الكتاب أو السنة أو الجماع‪ ،‬فينقض هو حكم نفسه بذلك‪، ،‬‬
‫وينقضه القاضي الوالي بعده‪ .‬ويلحق بذلك الحكم بالقول الشاذ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المعاطاة‪ :‬المبادلة من غير إيجاب ول قبول‪ ،‬كدفع الثمن وأخذ المبيع فعلً من غير كلم صادر‬
‫من العاقدين أو من أحدهما‪.‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية لبن جزي‪ ،294 :‬ط فاس‪.‬‬

‫( ‪)1/99‬‬
‫الثاني ـ أن يحكم بالظن والتخمين من غير معرفة ول اجتهاد‪ ،‬فينقضه هو ومن يلي بعده‪.‬‬
‫الثالث ـ أن يحكم بعد الجتهاد‪،‬ثم يتبين له الصواب في خلف ما حكم به‪ ،‬فل ينقضه من ولي بعده‪.‬‬
‫واختلف هل ينقضه هو أم ل؟‪.‬‬
‫الرابع ـ أن يقصد الحكم بمذهب‪ ،‬فيذهل ويحكم بغيره من المذاهب‪ ،‬فيفسخه هو‪ ،‬ول يفسخه غيره‪.‬‬
‫ويهمنا في بحث الخذ باليسر من هذه المور المر الول‪ ،‬فقد عدد القرافي (‪ )1‬صورا أربعة ينقض‬
‫فيها الحكم هي‪ :‬مخالفة الجماع‪ ،‬والقواعد‪ ،‬والقياس الجلي‪ ،‬والنص‪ .‬ومثل لكل حالة وبين سبب‬
‫النقض‪ ،‬ثم قال‪ :‬فإن مثل هذا ليقر في الشرع لضعفه‪ ،‬وكما ل يتقرر إذا صدر عن الحكام‪ ،‬كذلك ل‬
‫يصح التقليد فيه إذا صدر عن المفتي‪ ،‬ويحرم اتباعه فيه (‪ . )2‬أما سبب نقض الحكم المخالف‬
‫للجماع‪ :‬فهو أن الجماع معصوم من الخطأ ول يحكم إل بحق‪ ،‬فخلفه يكون باطلً قطعا‪.‬‬
‫وأما سبب نقض الحكم لمخالفة القواعد والقياس الجلي والنص إذا لم يكن لها معارض راجح عليها‬
‫فهو أنها واجبة التباع شرعا ويحرم مخالفتها ول يقر شرعا ما يعارضها باجتهاد خطأ‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ال والرسول } [النساء‪.]59/4:‬‬
‫فمخالفة النص‪ :‬مثل لو حكم القاضي بإبطال وقف المنقول‪ ،‬فإنه ينقض حكمه‪ ،‬لمخالفته نصوص‬
‫الحاديث الصحيحة بصحة وقف المنقول‪ ،‬منها أن‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام‪ :‬ص ‪ ،128‬تبصرة الحكام‪ ،70/1،71 :‬ط الحلبي البابي‪.‬‬

‫( ‪)1/100‬‬
‫(‪ )2‬ويؤيده أن عز الدين بن عبد السلم (المتوفى سنة ‪660‬هـ) اشترط لجواز التلفيق أل يكون ماقلد‬
‫فيه مما ينقض فيه الحكم أي أن تكون المسألة اجتهادية‪ .‬رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال في حق‬
‫خالد بن الوليد‪« :‬قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل ال» (‪ . )1‬ومثل جواز الوصية للوارث‪ ،‬فإنه‬
‫مخالف للحديث المتواتر‪« :‬أل لوصية لوارث» ‪ .‬ومثل إقرار الربا القليل أو الفائدة في حدود ( ‪% 7‬‬
‫) فإنه مخالف لليات القرآنية الدالة دللة قطعية على تحريم الربا‪ { :‬وأحل ال البيع وحرم الربا }‬
‫[البقرة‪ ،]275/2:‬ومثل تسوية المرأة بالرجل في الميراث فإنه معارض صراحة للنص القرآني‪:‬‬
‫{ للذكر مثل حظ النثيين} [النساء‪.]11/4:‬‬
‫ومخالفة الجماع‪ :‬مثل الحكم بحرمان الجد من الميراث إذا اجتمع مع الخوة مع أن الصحابة أجمعوا‬
‫ضمنا على ضرورة إرث الجد‪ ،‬وإنما اختلفوا في أنه‪ :‬هل يرث جميع المال ويحجب الخوة‪ ،‬أم أنه‬
‫يرث مع الخوة ‪ .‬ومثل الحكم بعدم ضرورة القسمة بين الزوجات في بعض الحوال‪ ،‬فإنه مخالف‬
‫للجماع على أن العدل في القسمة واجب‪ .‬ومثل الحكم بالقرائن في إثبات جريمة الزنا‪ ،‬فإنه مخالف‬
‫للجماع والنص القرآني القاطع‪.‬‬
‫ومخالفة القواعد‪ :‬مثل لها القرافي بالمسألة السّريجية ( نسبة لحمد بن سريج الشافعي المتوفى سنة‬
‫‪306‬هـ ) وهي أن يقول الزوج‪ « :‬إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلثا » فل يقع الطلق عند ابن‬
‫سريج‪ ،‬وتابعه فيه ابن تيمية وابن القيم (‪ ، )2‬لن الطلق الصادر منه لم يصادف محلً له‪ .‬فلو حكم‬
‫حاكم بإقرار الزواج عملً بهذا الرأي فينقض حكمه ‪ -‬عند المالكية ‪ -‬لمخالفته القواعد‪ ،‬لن من قواعد‬
‫الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط‪ ،‬فإذا لم يجتمع الشرط مع المشروط ليصح أن يكون في‬
‫الشرع شرطا (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪. 25/6 :‬‬
‫(‪ )2‬أعلم الموقعين‪ 263/3 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬ومن أمثلة مخالفة قواعد الشريعة عند الشافعية‪ :‬بيع المعاطاة أو المراضاة‪ ،‬فهو مصادم لصل‬

‫شرعي ــ في رأيهم ــ وهو كون الرضا المشروط في البيوع والتجارات معبرا عنه باليجاب‬
‫والقبول اللفظيين‪.‬‬

‫( ‪)1/101‬‬
‫هذا والوصية لوارث مخالفة للقواعد أيضا مثل قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة‬
‫(الحكم يتبع المصلحة الراجحة) والمصلحة الراجحة في البقاء على روابط السرة على أساس من‬
‫المحبة والتعاون وصلة الرحم‪.‬‬
‫ومخالفة القياس الجلي‪ :‬مثل قبول شهادة النصراني‪ ،‬فإن الحكم بشهادته ينقض‪ ،‬لن الفاسق ل تقبل‬
‫شهادته‪،‬والكافر أشد منه فسوقا وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس‪ ،‬فينقض الحكم لذلك‪،‬‬
‫ولقوله تعالى‪ { :‬وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} [الطلق‪ ،]2/65:‬وهو رأي المذاهب الربعة‪ ،‬إل الحنابلة‬
‫ل بقوله تعالى‪ { :‬أو‬
‫فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم‪ ،‬عم ً‬
‫آخران من غيركم } [المائدة‪.]106/5:‬‬
‫لكني أرى أن السباب المعنوية والجتماعية والظروف الخاصة والتعصب الذي كان موجودا في‬
‫التاريخ بين المسلمين وغيرهم هو الذي أدى إلى رفض قبول شهادة غير المسلمين‪ ،‬أما الن وقد عاش‬
‫ل وثيقا مع بعضهم‪ ،‬فل مانع من قبول شهادتهم‬
‫المسلمون مع غيرهم في صعيد واحد‪ ،‬واتصلوا اتصا ً‬
‫على المسلمين للضرورة‪ .‬وقد جرى العمل على ذلك في البلد السلمية‪.‬‬
‫الضابط الثالث ـ أل يؤد ي الخذ باليسر إلى التلفيق الممنوع‪:‬‬
‫قد بينا دائرة التلفيق الممنوع سواء الباطل لذاته كإحلل المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما أو الباطل‬
‫ل لذاته‪ ،‬وإنما لعارض ويشمل أنواعا ثلثة‪:‬‬
‫الول ـ تتبع الرخص عمدا أي الخذ باليسر بدون ضرورة ول عذر‪.‬‬
‫الثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم القاضي‪.‬‬

‫( ‪)1/102‬‬
‫الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدا‪ ،‬أو عن أمر مجمع عليه لزم لمر قلده‬
‫وذلك في غير العبادات المحضة‪ .‬فل يؤخذ باليسر إذا أدى المر إلى النحلل من مسؤولية التكاليف‬
‫الشرعية أو العبث بالدين وقضايا الزواج‪ ،‬أو الضرار بالبشر‪ ،‬أو الفساد في الرض‪ ،‬أو الضرار‬
‫بالمصلحة الجتماعية‪.‬‬

‫فل يجوز مثلً التلفيق أو الخذ باليسر للتخلص من فريضة الزكاة‪ ،‬باستخدام الحيل (‪ )1‬قبيل مضي‬
‫العام بإعطاء الشخص مدينا ً له من الزكاة بقدر ماعليه‪ ،‬ثم يطالبه بالوفاء‪ ،‬فإذا وفاه برىء وسقطت‬
‫الزكاة عن الدافع‪ .‬أو يلجأ المزكي لتصرف صوري بيعا أو هبة ثم يسترد المال إليه‪ ،‬فهذه حيلة‬
‫محرمة باطلة لتسقط فرض الزكاة (‪ )2‬لن في ذلك إضرارا بمصلحة الفقراء‪ ،‬وتآمرا على حقوقهم‬
‫الثابتة شرعا في أموال الغنياء‪ .‬كما ل يصح الفتاء بأيسر المذاهب في أحكام الزكاة دفعا لحاجة‬
‫الفقير‪ ،‬وإنما يفتى بما يحقق المصلحة‪ ،‬فيفتي مثلً بمذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء بإيجاب‬
‫الزكاة في مال الصبي والمجنون‪ ،‬وبإخراج زكاة الرض الخراجية (التي فتحت عنوة) مع الخراج‪،‬‬
‫فيكون الواجب في تلك الرض الخراج والعشر معا‪ ،‬لن العشر واجب ديني على المسلمين‪،‬والخراج‬
‫واجب اجتهادي ليكون موردا للجماعة ممثلة بالدولة لسد حاجاتها ونفقاتها العامة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال ابن القيم‪ :‬ليجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ( أعلم الموقعين‪.)222/4 :‬‬
‫(‪ )2‬أعلم الموقعين‪. 320، 258/3 :‬‬

‫( ‪)1/103‬‬
‫ومن الواجب أن تكون الغاية من الخذ باليسر الحفاظ على مقاصد الشريعة‪ ،‬والتزام سياستها‬
‫وحكمتها التشريعية‪ ،‬ورعاية مصلحة الناس كافة في المعاملت والعقوبات وأداء الموال والعلقات‬
‫الزوجية ل المصلحة الخاصة‪ ،‬وعدم إهدار مصلحة أهم مما دونها‪ ،‬واتقاء المفسدة الكبرى بالدنيا عند‬
‫الضرورة‪ ،‬وأن يكون الشرع هو معيار تحقيق المصلحة ودرء المفسدة‪ .‬ومقاصد الشريعة هي‪ :‬حفظ‬
‫الدين (من عقائد وعبادات)‪ ،‬والنفس‪ ،‬والعقل‪ ،‬والنسل‪ ،‬والمال‪ ،‬وينبغي التدرج في الحفاظ عليها‬
‫بحسب مراتبها وهي الضروريات أولً‪ ،‬ثم الحاجيات‪ ،‬ثم التحسينيات‪.‬‬
‫أما الضروريات‪ :‬فهي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت اختلت الحياة في‬
‫الدنيا‪ ،‬وضاع النعيم وحل العقاب في الخرة‪ .‬أي أنها كل مال بد منه لحفظ المقاصد الخمسة الصلية‪.‬‬
‫وأما الحاجيات‪ :‬فهي التي يحتاج الناس إليها لرفع الحرج عنهم فقط‪ ،‬بحيث إذا فقدت وقع الناس في‬
‫الضيق والحرج دون أن تختل الحياة‪ .‬فقد تتحقق بدونها المقاصد الخمسة‪ ،‬ولكن مع المشقة والضيق‪.‬‬
‫وأما التحسينيات‪ :‬فهي المصالح التي يقصد بها الخذ بمحاسن العبادات ومكارم الخلق‪ ،‬كالطهارات‬
‫وستر العورات‪ .‬فهي بمثابة السور للحفاظ على المقاصد الخمسة الضرورية‪.‬‬
‫الضابط الرابع ـ أن تكون هناك ضرورة أو حاجة للخذ باليسر‪.‬‬

‫الخذ باليسر ينبغي أل يكون متخذا للعبث في الدين أو مجاراة أهواء النفوس أو للتشهي وموافقة‬
‫الغراض‪ ،‬لن الشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت‬
‫السموات والرض ومن فيهن} [المؤمنون‪{ ،]71/23:‬فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ال والرسول}‬
‫[النساء‪ ،]59/4:‬فل يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس‪ .‬وهناك آيات كثيرة في هذا المعنى منها‬
‫قوله سبحانه‪{ :‬فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم‪ ،‬ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى‬
‫من ال‪ ،‬إن ال ل يهدي القوم الظالمين} [القصص‪{ ،]28/50:‬وأن احكم بينهم بما أنزل ال ول تتبع‬
‫أهواءهم} [المائدة‪{ ،]5/49:‬ياداود إنا جعلناك خليفة في الرض‪ ،‬فاحكم بين الناس بالحق‪ ،‬ول تتبع‬
‫الهوى‪ ،‬فيضلك عن سبيل ال} [ص‪.]38/26:‬‬

‫( ‪)1/104‬‬
‫وبناءً عليه ألزم العلماء المفتي في إفتائه أل يتبع أهواء الناس (‪ )1‬بل يتبع المصلحة والدليل الراجح‪،‬‬
‫والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة كما بينا‪ .‬قال تعالى لنبيه‪{ :‬ثم جعلناك على شريعة من المر‬
‫فاتبعها ولتتبع أهواء الذين ليعلمون‪ ،‬إنهم لن يغنوا عنك من ال شيئا} [الجاثية‪ ،]19-45/18:‬قال‬
‫القرافي في الحكام والشيخ عليش في فتاويه (‪« : )2‬أما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعا»‬
‫‪.‬‬
‫وقال ابن القيم‪ :‬ليجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه‪ ،‬فإن تتبع ذلك فسق‪ ،‬وحرم استفتاؤه (‪)3‬‬
‫وهذا المعنى هو الذي حمل الشاطبي ـ كما بينت سابقا ـ على منع تتبع الرخص‪ ،‬فقد قال‪ :‬وقد أدى‬
‫إغفال هذا الصل (أي اتباع أحد الدليلين أو القولين من غير ترجيح) إلى أن صار كثير من مقلدة‬
‫الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بماليفتي به غيره من القوال‪ ،‬اتباعا ً لغرضه‪ ،‬وشهوته‪ ،‬أو لغرض‬
‫ذلك القريب وذلك الصديق (‪. )4‬‬
‫وهذا يدلنا على أن مراعاة المصلحة الخاصة في الخذ باليسر أمر غير مرغوب فقها وشرعا‪ ،‬وإنما‬
‫ينبغي مراعاة المصلحة العامة أو مصلحة الكافة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أعلم الموقعين‪ ،74/1 :‬الموافقات‪ 142/4 :‬و مابعدها‪ ،‬العتصام‪.176/2 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك‪ ،68/1 :‬الحكام للقرافي‪ :‬ص ‪.79‬‬
‫(‪ )3‬أعلم الموقعين‪.222/4 :‬‬
‫(‪ )4‬الموافقات ‪. 135/4 :‬‬

‫( ‪)1/105‬‬
‫وإذا كان اتباع الهواء محرما ً لزم تقييد الخذ بأيسر المذاهب بوجود حالة الضرورة أو الحاجة‪ ،‬لن‬
‫( الضرورات تبيح المحظورات ) و( الحاجة تنزل منزلة الضرورة‪ ،‬عامة كانت أو خاصة)‬
‫والضرورة‪ :‬مايترتب على عصيانها خطر‪ .‬أما الحاجة‪ :‬فهي مايترتب على عدم الستجابة إليها عسر‬
‫وصعوبة‪ .‬والمراد بكون الحاجة عامة‪ :‬أن تكون شاملة جميع المة‪ ،‬والمراد بكونها خاصة أن يكون‬
‫الحتياج لطائفة متخصصة من المة كأهل بلد أو حرفة‪ ،‬ل أن تكون فردية (‪. )1‬‬
‫ولست مع الشاطبي في أن العمل بالضرورة أو الحاجة أخذ بما يوافق الهوى (‪ ، )2‬لن الضرورات‬
‫والحاجات تتجدد بحسب التطور‪ .‬ولبد من مراعاة ضوابط الضرورة الشرعية والحاجة (وهي أن‬
‫تكون قائمة لمتوقعة‪ ،‬ويقينية أو غالبة الظن‪ ،‬وملجئة أو محرجة‪...‬إلخ) (‪. )3‬‬
‫الضابط الخامس ـ أن يتقيد الخذ باليسر بمبدأ الترجيح‪.‬‬
‫أي أن يكون الهدف العام أولً هو العمل بالرأي القوى أو الرجح بحسب رجحان دليله‪ ،‬لن الخذ‬
‫باليسر نوع من الجتهاد‪ ،‬والمجتهد ملزم باتباع الدليل الراجح المؤدي إلى الصواب‪ ،‬بحسب غلبة‬
‫ظنه‪ .‬لذا أوجب الصوليون على المفتي (أي المجتهد) أن يتبع القول لدليله‪ ،‬فليختار من المذاهب‬
‫أضعفها دليلً‪ ،‬بل يختار أقواها دليلً؛ لن الصحابة أجمعوا في اجتهاداتهم على وجوب العمل بالراجح‬
‫من الظنين دون أضعفهما‪ ،‬ولن العقل يوجب العمل بالراجح في الحوادث‪ ،‬والصل اتفاق الشرع مع‬
‫العقل‪ .‬قال القرافي‪ :‬إن الحاكم إن كانمجتهدا فل يجوز له أن يحكم أو يفتي إل بالراجح عنده‪ ،‬وإن‬
‫كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه‪ ،‬وأن يحكم به‪ ،‬وإن لم يكن راجحا عنده‪ ،‬مقلدا في‬
‫رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده‪ ،‬كما يقلده في الفتيا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل الفقهي للستاذ مصطفى الزرقاء‪ :‬ف ‪.603‬‬
‫(‪ )2‬الموافقات ‪.145/4 :‬‬
‫(‪ )3‬راجع نظرية الضرورة الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي‪ :‬ص ‪ 66‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/106‬‬
‫وقال أيضا‪ :‬أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلف الجماع (‪ . )1‬لكن ناقش الشيخ عليش هذا‬
‫الجماع فقال‪ :‬ولعل هذا الجماع ـ على تقدير ثبوته ـ إنما يكون حيث تبع القاضي أو المفتي في‬

‫تقليد الشاذ هواه‪ ،‬فإن أبغض شخصا أو كان من ذوي الخمول‪ ،‬شدد عليه‪ ،‬فقضى عليه وأفتاه‬
‫بالمشهور‪ ،‬وإن أحبه أو كان له عليه منة‪ ،‬وكان من أصدقائه أو أقاربه واستحيا منه‪ ،‬لكونه من ذوي‬
‫الوجاهة أو أبناء الدنيا‪ ،‬أفتاه ‪،‬أو قضى له بالشاذ الذي فيه رخصة (‪. )2‬‬
‫ثم ذكر الشيخ عليش في فتاويه عند الكلم على موضوع التخير بين القوال‪ :‬الصحيح إن كان المقلد‬
‫أهلً للنظر في طرق الترجيح وإدراك مدارك التقديم والتصحيح‪ ،‬فإنما الواجب عليه في القولين أو‬
‫القوال إن كانت لشخص واحد أل يعمل أو يفتي أو يحكم إل بالراجح عنده (‪. )3‬‬
‫ثم تعقب الشيخ عليش (‪ )4‬عبارة القرافي في أنه منع المجتهد من الحكم والفتيا إل بالراجح عنده‪،‬‬
‫وأجاز للمقلد أن يفتي بمشهور مذهب من قلده حتى ولو كان شاذا مرجوحا في نظره‪ .‬ثم قال عليش‪:‬‬
‫ل دليل فيه على جواز العمل بغير الراجح‪ ،‬لنه ل يلزم من العمل بالمرجوح عنده الراجح في نظر‬
‫إمامه أو عكسه العمل بالمرجوح في نظرهما معا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام‪ :‬ص ‪ ،80 ،79‬تبصرة الحكام‪ ،66/1 :‬فتاوى الشيخ‬
‫عليش‪.64/1،68 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح العلي المالك‪.62/1 :‬‬
‫(‪ )3‬فتاوى الشيخ عليش‪.65/1 :‬‬
‫(‪ )4‬المرجع السابق ‪.68/1 :‬‬

‫( ‪)1/107‬‬
‫وخلصة الكلم المفهوم من كلم القرافي والشيخ عليش‪ :‬إن المقلد إذا كان أهلً للترجيح‪ ،‬وكان هناك‬
‫قولن‪ :‬راجح ومرجوح‪ ،‬فعليه النظر والترجيح‪ .‬وإن كان القولن متكافئين ل راجح فيهما في نظره‪،‬‬
‫جاز له الحكم بأحد القولين أو الترجيح بالعلم أو بالكثر أو بالشد والثقل (‪. )1‬‬
‫هذا هو الصل العام عند العلماء في أنه يجب العمل بالراجح في الفتوى والقضاء والعمل إل لعارض‬
‫معتبر شرعا‪ ،‬فإذا وجدت ضرورة أو حاجة أومصلحة عامة للعمل بالقول المرجوح (الضعيف أو‬
‫الشاذ) (‪ )2‬أو اعتمد الحاكم قولً مرجوحا‪ ،‬جاز الخذ به‪ ،‬كما بينت سابقا‪ ،‬ول إجماع في الحقيقة‬
‫على منع الخذ بالمرجوح بدليل وجود الختلف بين العلماء فيما يأخذ به المقلد من أقوال العلماء‪.‬‬
‫قيل‪ :‬يأخذ بقول أعلمهم‪ .‬وقيل‪ :‬يأخذ بقول أكثرهم‪ ،‬وقيل‪ :‬يأخذ بقول من شاء منهم‪ ،‬يعني وإن لم يكن‬
‫قائله أعلم ول أكثر‪ ،‬بل يكون مماثلً أو أقل عددا أو أدنى علما‪ ،‬وهذا هو عين القول الشاذ‪ .‬وقد قال‬

‫بعض المفسرين في سر قوله تعالى لداود عليه السلم‪ { :‬ول تتبع الهوى } [ص‪ ،]26/38:‬بعد أمره له‬
‫أن يحكم بالحق‪ :‬إن فيه إشارة إلى أن المتثال ليكون بمجرد الحكم بالحق‪ ،‬حتى يكون الباعث على‬
‫الحكم به حقيته‪ ،‬ل اتباع الهوى‪ ،‬فيكون معبود من اتصف بهذا هواه‪ ،‬ل موله جل وعل‪ ،‬حتى إذا لم‬
‫يجد هواه في الحق تركه‪ ،‬واتبع غير ال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحكام للقرافي‪ :‬ص ‪ ،80 ،30‬فتاوى عليش‪79 ،65/1،69 :‬‬
‫(‪ )2‬القول الشاذ ‪ :‬هو الذي ضعف مُدْرَكه جدا‪.‬‬

‫( ‪)1/108‬‬
‫أما من قلد القول الشاذ لنه حق في حق من قال به‪ ،‬وفي حق من قلده‪ ،‬ولم يحمله عليه مجرد الهوى‪،‬‬
‫بل الحاجة والستعانة على دفع ضرر ديني أو دنيوي‪ ،‬فهذا ترجى له السلمة في تقييده ذلك (‪. )1‬‬
‫وقال الشيخ عليش‪ :‬أما التقليد في الرخصة من غير تتبع‪ ،‬بل عند الحاجة إليها في بعض الحوال‬
‫خوف فتنة ونحوها‪ ،‬فله ذلك (‪. )2‬‬
‫هذه هي ضوابط الخذ بأيسر المذاهب ‪ -‬قي تقديرنا ‪ -‬فإذا ماالتزمناها نكون قد أخذنا بمبدأ العتدال‬
‫والتوسط الذي قامت عليه شريعة السلم‪ ،‬والذي يتفق مع المنهج الذي ارتآه الخليفة أبو جعفر‬
‫المنصور‪ ،‬حينما لقي المام مالك في الحج‪ ،‬فقال له‪ :‬إنه لم يبق عالم غيري وغيرك‪ .‬أما أنا فقد‬
‫اشتغلت بالسياسة‪ .‬فأما أنت فضع للناس كتابا في السنة والفقه‪ ،‬تجنب فيه رخص ابن عباس‪،‬‬
‫وتشديدات ابن عمر‪ ،‬وشواذ ابن مسعود‪ ،‬ووطئه توطيئا‪ .‬قال مالك‪ :‬فعلمني كيفية التأليف‪ .‬يعني دله‬
‫على طريقة العتدال‪.‬‬
‫ويمكن اختصار هذه الضوابط في أمرين‪:‬‬
‫أولهما ‪ -‬أن تكون المسألة اجتهادية ليس فيها دليل راجح‪.‬‬
‫ثانيهما ‪ -‬أن تكون هناك ضرورة أو حاجة أو مصلحة أو عذر‪.‬‬
‫هذا وقد أبان ابن حجر وغيره من الشافعية (‪ )3‬شروط التقليد‪ ،‬وبالتالي تصلح هذه الشروط لبحثنا‬
‫وهو الخذ بأيسر المذاهب‪ ،‬من باب أولى فيحسن ذكرها‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وشروط التقليد ستة‪:‬‬
‫الول ‪ -‬أن يكون مذهب المقلّد مدونا لتتمكن فيه عواقب النظار ويتحصل له العلم اليقيني بكون‬
‫المسألة المقلد بها من هذه المذاهب‪.‬‬

‫الثاني ‪ -‬حفظ المقلّد شروط إمام المذهب في تلك المسألة‪.‬‬
‫الثالث ‪ -‬أن ليكون التقليد فيما ينقض فيه قضاء القاضي‪ ،‬بأن ليكون خلف نص الكتاب أو السنة أو‬
‫الجماع أو القياس الجلي‪.‬‬
‫الرابع ‪ -‬أن ليتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالسهل لتنحل رتبة التكليف من عنقه‪.‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬ومن ثم كان الوجه أن يفسق به‪ .‬وقال الرملي‪ :‬الوجه أنه ليفسق وإن أثم به‪.‬‬
‫وهذا الشرط ‪ -‬كما صرح المتأخرون ‪ -‬ليس شرطا لصحة التقليد بل هو شرط لدرء الثم كالنهي عن‬
‫الصلة في الرض المغصوبة‪.‬‬
‫الخامس ‪ -‬أن ليعمل بقول في مسألة ثم بضده في عينها‪.‬‬
‫وهذا الشرط فيه نظر‪ ،‬لنه مبني على امتناع التقليد بعد العمل‪ ،‬والصح جوازه ‪ -‬كما قال الشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتاوى الشيخ عليش‪.62/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المرجع السابق‪.60/1 :‬‬
‫(‪ )3‬راجع الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية‪ ،‬ضمن‬
‫(مجموعة سبعة كتب مفيدة) للسيد علوي بن أحمد السقاف‪ ،‬طبعة البابي الحلبي‪ :‬ص ‪.51‬‬

‫( ‪)1/109‬‬
‫السادس ‪ -‬أن ليلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة‪ ،‬ليقول كل من المامين بها‪ ،‬كتقليد‬
‫الشافعي في مسح بعض الرأس‪ ،‬ومالك في طهارة الكلب في صلة واحدة‪ .‬قال البلقيني‪ :‬إن التركيب‬
‫القادح في التقليد إنما يؤخذ إذا كان في قضية واحدة‪ ،‬كتقليد إمامين في طهارة الحدث‪.‬أما إذا كان‬
‫التركيب من حيث القضيتين كطهارة الحدث وطهارة الخبث‪ ،‬فذلك غير قادح‪ ،‬لن المامين لم يتفقا‬
‫على بطلن طهارته‪ .‬وزاد بعض الشافعية شرطا سابعا‪ :‬وهو أنه يلزم المقلّد اعتقاد أرجحية أو‬
‫مساواة مقلّده للغير‪ ،‬لكن المشهور الذي رجحه النووي والرافعي جواز تقليد المفضول مع وجود‬
‫الفاضل‪ .‬قال ابن عابدين في رد المحتار‪ :‬ذكر في التحرير وشرحه أنه يجوز تقليد المفضول مع‬
‫وجود الفضل‪ .‬وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية‪.‬‬
‫وزاد بعضهم شرطا ثامنا‪ :‬وهو أنه لبد من صحة التقليد أن يكون صاحب المذهب حيا وقت التقليد‪.‬‬
‫لكن هذا مردود عند العلماء‪ ،‬لن الشيخين النووي والرافعي اتفقا على جواز تقليد الميت‪ ،‬وقال‪ :‬هو‬
‫الصحيح‪.‬‬

‫يتبين من نقاش هذه الشروط خلل ماكتبناه أن الشرطين الولين مفترض تحققهما في كل تقليد أو أخذ‬
‫باليسر‪ .‬وأن الشرط السابع والثامن لداعي لهما‪ ،‬وأوافق على الشرط الثالث وأعتمده في بحثي‪،‬‬
‫وأمنع الخذ بالتلفيق الممنوع فقط وبه يستغنى عن الشرط الخامس‪ .‬وآخذ بما يخالف الشرط الرابع‬
‫عند الحاجة‪.‬‬
‫ويحسن وضع مشاريع قوانين مدنية وتجارية وجزائية مستمدة من الفقه السلمي كله (فقه الصحابة‬
‫والتابعين وفقه المذاهب الربعة وغيرها من فقه أئمة الجتهاد الخرين وعلماء العصر الحديث)‪.‬‬

‫( ‪)1/110‬‬
‫والجتهاد ممكن كل المكان اليوم‪ ،‬ولصعوبة فيه‪ ،‬بشرط أن ندفن تلك الوهام والخيالت‪ ،‬ونمزق‬
‫ذلك الران الذي خيم على عقولنا وقلوبنا من رواسب الماضي وآفات الخمول‪ ،‬والظن الثم بعدم إمكان‬
‫الوصول إلى ماوصل إليه الولون‪ ،‬حتى عد ذلك كأنه ضرب من المستحيل‪ ،‬وهل هناك مستحيل بعد‬
‫غزو الفضاء واختراع أنواع اللت الحديثة العجيبة الصنع؟!‪ .‬إن استكمال شرائط الجتهاد ليس من‬
‫العسير في شيء بعد تدوين العلوم المختلفة‪ ،‬وتعدد المصنفات فيها‪ ،‬وتصفية كل دخيل عليها‪.‬‬
‫وهاهم العلماء في كل عصر يجتهدون‪ ،‬ويرجحون بين أقوال الفقهاء السابقين‪ ،‬حتى انضبطت‬
‫المذاهب‪ ،‬وحررت الحكام‪.‬‬
‫قال ابن عبد السلم من أئمة المالكية في كتابه (شرح مختصر ابن الحاجب) في باب القضاء‪« :‬إن‬
‫رتبة الجتهاد مقدور على تحصيلها‪ ،‬وهي شرط في الفتوى والقضاء‪ ،‬وهي موجودة إلى الزمان الذي‬
‫أخبر عنه عليه الصلة والسلم بانقطاع العلم‪ ،‬ولم نصل إليه إلى الن‪ ،‬وإل كانت المة مجتمعة على‬
‫الخطأ‪ ،‬وذلك باطل» ‪.‬‬
‫قال السيوطي معلقا على هذه العبارة‪« :‬فانظر كيف صرح بأن رتبة الجتهاد غير متعذرة‪ ،‬وأنها باقية‬
‫إلى زمانه‪ ،‬وبأنه يلزم من فقدها اجتماع المة على الباطل‪ ،‬وهو محال » (‪. )1‬‬
‫قال الشيخ المراغي في بحثه عن الجتهاد في السلم‪ :‬وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة‬
‫الجتهاد أخالفهم في رأيهم‪ ،‬وأقول‪ :‬إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط‬
‫الجتهاد ويحرم عليهم التقليد‪.‬‬
‫المطلب السابع ـ المصيب في الجتهاد‬
‫اتفق الصوليون على أن الناظر في القضايا العقلية المحضة (‪ )2‬والمسائل‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الرد على من أخلد إلى الرض ‪ :‬ص ‪.24‬‬
‫(‪ )2‬القضايا العقلية‪ :‬هي التي يصح للناظر درك حقيقتها بنظر العقل قبل ورود الشرع كإثبات الله‬
‫الصانع وصفاته وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات‪ ،‬وحدوث العالم‪ ،‬وجواز رؤية ال تعالى‪ ،‬وخلق‬
‫القرآن والعمال‪ ،‬وخروج الموحدين من النار‪.‬‬

‫( ‪)1/111‬‬
‫الصولية (‪ : )1‬يجب أن يهتدي إلى الحق والصواب فيها‪ ،‬لن الحق فيها واحد‪ ،‬ليتعدد‪ ،‬والمصيب‬
‫فيها واحد بعينه‪ ،‬وإل اجتمع النقيضان‪ .‬فمن أصاب الحق فقد أصاب‪ ،‬ومن أخطأ فهو آثم‪ ،‬ونوع الثم‬
‫يختلف‪ :‬فإن كان الخطأ فيما يرجع إلى اليمان بال ورسوله فالمخطئ كافر‪ ،‬وإل فهو مبتدع فاسق‪،‬‬
‫لنه عدل عن الحق‪ ،‬وضل‪ ،‬كالقول بعدم رؤية ال تعالى‪ ،‬وخلق القرآن (‪. )2‬‬
‫ويلحق بذلك المسائل القطعية المعلومة من الدين بالضرورة ( أي البداهة )‪ ،‬كوجوب الصلوات الخمس‬
‫والزكاة والحج وصوم رمضان وتحريم الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها مما علم قطعا من‬
‫دين ال‪ ،‬فليس كل مجتهد فيها مصيبا‪ ،‬بل الحق فيها واحد ليتعدد‪ ،‬وهو المعلوم لنا‪ ،‬فالموافق له‬
‫مصيب‪ ،‬والمخالف له مخطئ آثم‪.‬‬
‫أما المسائل الفقهية الظنية أي الحكام التي ليس فيها دليل قاطع‪ ،‬فهي محل الجتهاد‪ ،‬ول إثم على‬
‫المجتهد فيها‪ ،‬لكن اختلف الصوليون فيها‪ ،‬هل كل مجتهد فيها مصيب أو أن المصيب واحد؟‪.‬‬
‫ومنشأ الخلف في هذا ‪ :‬هل ل تعالى في كل مسألة حكم معين في المر نفسه قبل اجتهاد المجتهد‪،‬‬
‫أو ليس له حكم معين‪ ،‬وإنما الحكم فيها هو ماوصل إليه المجتهد باجتهاده؟‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المسائل الصولية‪ :‬مثل كون الجماع والقياس وخبر الواحد حجة‪ ،‬لن أدلتها قطعية‪ ،‬فيعتبر‬
‫المخالف فيها آثما مخطئا‪.‬‬
‫(‪ )2‬المستصفى‪ ،105/2 :‬الحكام للمدي‪ ،146/3 :‬شرح المحلي على جمع الجوامع‪ ،318/2 :‬شرح‬
‫العضد على مختصر ابن الحاجب‪ ،293/2 :‬مسلم الثبوت‪ ،328/2 :‬كشف السرار‪،1137/4 :‬‬
‫التلويح‪ ،118/2 :‬الملل والنحل‪ ،201/1 :‬إرشاد الفحول‪ :‬ص ‪.228‬‬

‫( ‪)1/112‬‬

‫فقال الشعري والغزالي والقاضي الباقلني‪ :‬لحكم ل قبل اجتهاد المجتهد‪ ،‬وحكم ال ما أدى إليه‬
‫اجتهاد المجتهد‪ ،‬فالحكم يتبع الظن‪ ،‬وما غلب على ظن المجتهد هو حكم ال‪ ،‬أي أن كل مجتهد‬
‫مصيب‪ ،‬لنه أدى ماكلف به‪.‬‬
‫وقال جمهور العلماء والشيعة‪ :‬إن ل في كل واقعة حكما معينا قبل الجتهاد‪ ،‬فمن صادفه فهو‬
‫المصيب‪ ،‬ومن لم يصادفه كان مخطئا‪ .‬فالمصيب واحد‪ ،‬له أجران‪ ،‬والمخطئ غيره وله أجر واحد (‬
‫‪. )1‬‬
‫ثم اختلف هؤلء‪ ،‬فقالت طائفة من الفقهاء والمتكلمين‪ :‬هذا الحكم لدليل ول أمارة عليه‪ ،‬بل هو كدفين‬
‫يعثر عليه الطالب مصادفة‪ .‬وهو رأي غير معقول لمعنى له‪ ،‬إذ كيف يكلف ال العباد بحكم ل دليل‬
‫عليه؟‪.‬‬
‫وقال الكثرون‪ :‬قد نصب ال على هذا الحكم أمارة ظنية‪ ،‬والمجتهد ليس مكلفا بإصابة الدليل لخفائه‬
‫وغموضه‪ ،‬فمن لم يصبه كان معذورا مأجورا‪ ،‬وهذا هو القول الصحيح‪ ،‬بدليل قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪« :‬إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران‪ ،‬وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» ‪.‬‬
‫المطلب الثامن ـ طريقة الجتهاد‪:‬‬
‫إذا وقعت حادثة جديدة‪ ،‬أو أراد إنسان استخلص رأي راجح من بين آراء الئمة‪ ،‬استجمع العالم‬
‫المجتهد كل ما يتصل بنواحي الموضوع من لغة وآيات قرآنية‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللمع للشيرازي‪ :‬ص ‪ ،71‬المستصفى‪ 106/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الحكام للمدي‪ 148/3 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫شرح السنوي‪ ،251/3 :‬شرح المحلي على جمع الجوامع‪ ،318/2 :‬شرح العضد على مختصر‬
‫المنتهى‪ ،293/2 :‬التقرير والتحبير‪ ،306/3 :‬فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت‪ 376/2 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫كشف السرار‪ ،1138/4 :‬التلويح على التوضيح‪ ،118/2:‬إرشاد الفحول‪ :‬ص ‪ ،230‬الملل والنحل‬
‫للشهرستاني‪.203/2:‬‬

‫( ‪)1/113‬‬
‫وأحاديث نبوية وأقاويل السلف وأوجه القياس الممكنة‪ ،‬أي ل بد من توافر شروط الجتهاد في تلك‬
‫الحادثة‪ ،‬ثم ينظر فيها بدون تعصب لمذهب معين على النحو التالي‪:‬‬
‫ينظر أولً في نصوص كتاب ال تعالى‪ ،‬فإن وجد فيه نصا أو ظاهرا‪ ،‬تمسك به‪ ،‬وحكم في الحادثة‬
‫بمقتضاه‪ .‬فإن لم يجد فيه ذلك‪ ،‬نظر في السنة‪ ،‬فإن وجد فيها خبرا أو سنة عملية أو تقريرية‪ ،‬أخذ بها‪،‬‬

‫ثم ينظر في إجماع العلماء‪ ،‬ثم في القياس (‪ ، )1‬ثم في الرأي الموافق لروح التشريع السلمي (‪. )2‬‬
‫وهكذا تتحدد طريقة الجتهاد إما بالخذ من ظواهر النصوص إذا انطبقت على الواقعة ‪ ،‬أو بأخذ‬
‫الحكم من معقول النص أي بالقياس‪،‬أو بتنزيل الوقائع على القواعد العامة المستنبطة من الدلة‬
‫المتفرقة في القرآن والسنة كالستحسان والمصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع إلخ (‪. )3‬‬
‫المطلب التاسع ـ نقض الجتهاد وتغييره وتغير الحكام بتغير الزمان‪:‬‬
‫أولً ـ تغير الجتهاد‪ :‬يجوز للمجتهد تغيير اجتهاده‪ ،‬فيرجع عن قول قاله سابقا‪ ،‬لن مناط الجتهاد‬
‫هو الدليل‪ ،‬فمتى ظفر المجتهد به‪ ،‬وجب عليه الخذ بموجبه لظهور ماهو أولى بالخذ به‪ ،‬مما كان قد‬
‫أخذ به‪ ،‬ولنه أقرب إلى الحق والصواب (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الرسالة للشافعي‪ :‬ص ‪ ،508‬الملل والنحل للشهرستاني‪ ،198/2 :‬المنخول للغزالي‪ :‬ص ‪.466‬‬
‫(‪ )2‬أعلم الموقعين‪ ،66/1 :‬إرشاد الفحول‪ :‬ص ‪.227‬‬
‫(‪ )3‬تاريخ الفقه السلمي للسايس‪ :‬ص ‪.31‬‬
‫(‪ )4‬إرشاد الفحول ‪ :‬ص ‪.232‬‬

‫( ‪)1/114‬‬
‫جاء في كتاب عمر رضي ال عنه لبي موسى الشعري قاضيه على الكوفة‪« :‬وليمنعنك قضاء‬
‫قضيته اليوم‪ ،‬فراجعت فيه نفسك‪ ،‬وهديت فيه لرشدك‪ ،‬أن ترجع إلى الحق‪ ،‬فإن الحق قديم‪ ،‬ومراجعة‬
‫الحق خير من التمادي في الباطل» ‪.‬‬
‫ثانيا ـ نقض الجتهاد‪ :‬إذا أفتى مجتهد في حادثة ما‪ ،‬أو حكم الحاكم في نزاع بين متخاصمين‪ ،‬ثم‬
‫تغير اجتهاد كل منهما‪ ،‬فرأى المجتهد أو الحاكم حكما بخلف مارآه أولً‪ ،‬فما الذي يعمل به من‬
‫الجتهادين‪ :‬السابق أم اللحق‪ ،‬وهل ينقض الجتهاد السابق؟ وقبل الجابة يلحظ أن هناك فرقا بين‬
‫نقض الجتهاد وتغير الجتهاد‪ .‬وهو أن التغير أمر نظري لتقرير مبدأ العدول عن الجتهاد السابق‪،‬‬
‫وأما نقض الجتهاد فمجاله الحياة العملية والفتاء وفض المنازعات والخصومات بين الناس‪.‬‬
‫وقد ميز الصوليون في مسألة نقض الجتهاد بين المجتهد والحاكم (‪. )1‬‬
‫أما المجتهد لنفسه إذا رأى حكما معينا‪ ،‬ثم تغير ظنه‪ ،‬لزمه أن ينقض اجتهاده وما ترتب عليه‪ .‬مثاله‪:‬‬
‫إذا رأى المجتهد أن الخلع فسخ‪ ،‬فنكح امرأة كان قد خالعها ثلثا‪ ،‬ثم رأى بعدئذ أن الخلع طلق‪ ،‬لزمه‬
‫ل بمقتضى الجتهاد الثاني‪ ،‬لنه تبين أن الجتهاد الول‬
‫مفارقة تلك المرأة‪ ،‬وليجوز له إمساكها‪ ،‬عم ً‬

‫خطأ‪ ،‬والثاني صواب‪ ،‬والعمل بالظن واجب‪.‬‬
‫وأما الحاكم‪ :‬إذا قضى في واقعة معينة باجتهاد‪ ،‬ثم تغير اجتهاده في واقعة مماثلة‪ ،‬فإن كان حكمه‬
‫مخالفا لدليل قاطع‪ ،‬من نص‪ ،‬أو إجماع‪ ،‬أو قياس جلي (‪ )2‬نقض باتفاق العلماء‪ ،‬سواء من قبل الحاكم‬
‫نفسه أو من أي مجتهد آخر ‪ ،‬لمخالفته الدليل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المستصفى‪ ،120/2 :‬الحكام للمدي‪ ،158/3 :‬مسلّم الثبوت‪ ،345/2:‬فواتح الرحموت‪،395/2 :‬‬
‫التقرير والتحبير‪ ،335/3 :‬شرح المحلي على جمع الجوامع‪ ،320/2 :‬المدخل إلى مذهب أحمد‪ :‬ص‬
‫‪ ،190‬إرشاد الفحول‪ :‬ص ‪.232‬‬
‫(‪ )2‬وهو ماكانت العلة فيه منصوصة‪ ،‬أو كان قد قطع بنفي تأثير الفارق بين الصل والفرع‪.‬‬

‫( ‪)1/115‬‬
‫وأما إذا كان حكمه في مجال الجتهاديات ‪ ،‬أو الدلة الظنية‪ ،‬فإنه لينقض الحكم السابق‪ ،‬لن نقضه‬
‫يؤدي إلى اضطراب الحكام الشرعية وعدم استقرارها‪ ،‬وعدم الوثوق بحكم الحاكم‪ ،‬وهذا مخالف‬
‫للمصلحة التي نصب الحاكم لها‪ ،‬وهو فصل المنازعات‪ .‬فلو أجيز نقض حكم الحاكم‪ ،‬لما استقرت‬
‫للحكام قاعدة‪ ،‬ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم‪ ،‬وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع‬
‫وانتشار الفساد ودوام العناد‪ ،‬وهو مناف للحكمة التي لجلها نصب الحكام‪ ،‬كما قال القرافي (‪. )1‬‬
‫والرائد في ذلك قول عمر حينما قضى في مسألة إرثية بحكمين‪« :‬تلك على ماقضينا وهذا على‬
‫مانقضي » وقول الفقهاء في الفروع‪« :‬لينقض الجتهاد بالجتهاد» ‪.‬‬
‫ثالثا ـ تغير الحكام بتغير الزمان‪:‬‬
‫لينكر تغير الحكام بتغير الزمان‪ ،‬كما هو معروف مشهور‪ ،‬وذلك بسبب تغير العرف‪ ،‬أو تغير‬
‫مصالح الناس‪ ،‬أو مراعاة الضرورة‪ ،‬أو لفساد الخلق‪ ،‬وضعف الوازع الديني‪ ،‬أو لتطور الزمن‬
‫وتنظيماته المستحدثة‪ .‬فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة‪ ،‬وإحقاق الحق‬
‫والخير‪ .‬وهذا يجعل مبدأ تغير الحكام أقرب إلى نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف‪.‬‬
‫ومما ينبغي ملحظته أن الحكام القابلة للتغير أو التطور هي المستنبطة بطريق القياس أو المصلحة‬
‫المرسلة‪ ،‬وذلك في نطاق المعاملت أو الحكام الدستورية والدارية والعقوبات التعزيرية‪ ،‬مما يدور‬
‫مع مبدأ إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الفروق‪.104/2 :‬‬

‫( ‪)1/116‬‬
‫أما ماعدا ذلك من الحكام الساسية المقررة لغاية تشريعية أو مبدأ تنظيمي عام‪ ،‬فهي أمور ثابتة‬
‫لتقبل التطور‪ ،‬مثل أصول العقيدة والعبادات والخلق وأصول التعامل كحرمة محارم النسان‪،‬‬
‫ومبدأ الرضائية في العقود‪ ،‬ووفاء العاقد بعقده أو عهده‪ ،‬وضمان الضرر اللحق بالغير‪ ،‬وتحقيق‬
‫المن والستقرار‪ ،‬وقمع الجرام‪ ،‬وحماية الحقوق النسانية العامة‪ ،‬ومبدأ المسؤولية الشخصية‪،‬‬
‫واحترام مبدأ العدالة والشورى‪.‬‬
‫المطلب العاشر ـ خطة البحث‪:‬‬
‫طريقتي في بحث أبواب الفقه هي تقسيم الفقه إلى أقسام ستة‪:‬‬
‫‪ - 1‬العبادات‪ ،‬وما له صلة بها كالنذور واليمان والضاحي والذبائح (صلة النسان بال تعالى)‪.‬‬
‫‪ - 2‬أهم النظريات الفقهية‪.‬‬
‫‪ - 3‬المعاملت ‪ -‬العقود المدنية وتوابعها (علقة النسان بغيره)‪.‬‬
‫‪ - 4‬الملكية وما يتبعها من بحث أحكام الراضي‪ ،‬وإحياء الموات‪ ،‬وحقوق الرتفاق‪ ،‬وعقود استثمار‬
‫الرض‪ ،‬وأحكام المعادن والنفط‪ ،‬والقسمة‪ ،‬والغصب واللقطة والسبق والمفقود والشفعة‪.‬‬
‫‪ - 5‬ما له صلة بالدولة (الفقه العام)‪ :‬الحدود والجنايات والجهاد والمعاهدات والقضاء وطرق الثبات‬
‫وأحكام المامة الكبرى أو نظام الحكم‪ .‬وقد يسمى ذلك بالحكام السلطانية‪.‬‬
‫‪ - 6‬الحوال الشخصية من زواج وطلق وتوابعهما‪ ،‬وميراث ووصية‪ ،‬ووقف‪ ،‬وأما الهلية والولية‬
‫فقد أوضحتهما في بحث النظريات الفقهية‪ ،‬ويتكرر تفصيلهما أحيانا في بعض مباحث الحوال‬
‫الشخصية‪ ،‬وعقد البيع وغيره‪.‬‬
‫المطلب الحادي عشر ـ جدول المقاييس‬
‫‪ - 1‬وحدات الطوال‪:‬‬
‫ال َقصَبة‪ 6( :‬أذرع أو ‪ 696،3‬م )(مترا) (‪. )2‬‬
‫الجريب‪ 100 ( :‬قصبة أو ‪ ) 3600‬ذراعا هاشميا أو قدما مربعا أو ياردة مربعة‪( ،‬أو ‪0416،1366‬‬
‫م ‪( ) 2‬متر مربع)‪ ،‬والقدم‪ 4،30( :‬سم)‪ ،‬واليارد الحالي‪43،91 (:‬سم)‪.‬‬
‫الذراع الهاشمي‪ ) 32( :‬إصبعا أو قيراطا‪ ،‬والصبع‪ )925،1( :‬سم (سنتيمتر)‪.‬‬

‫الذراع المصري العتيق (‪) 2،46( : )3‬سم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر الخراج في الدولة السلمية للدكتور ضياء الدين الريس‪ ،‬ط أولى‪ :‬ص ‪ ،353-261‬النظم‬
‫السلمية للدكتور صبحي الصالح‪ :‬ص ‪ ،429-409‬اليضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان‬
‫لبن الرفعة النصاري‪.‬‬
‫(‪ )2‬القصبة الحالية‪23.75 :‬م ‪ ،2‬قد يختلف التقدير بالغرام أو المتربين الحنفية والشافعية وغيرهم‪،‬‬
‫بسبب الختلف في تقدير الوسق والمرحلة‪.‬‬
‫(‪ )3‬والمؤلفون يسمونه بأسماء مختلفة‪ ،‬فيقولون‪ :‬الذراع الصغير‪ ،‬أو ذراع العامة‪ ،‬أو ذراع القياس‪،‬‬
‫أو ذراع اليد‪ ،‬أو ذراع الدمي‪ ،‬أو الذراع الصحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/117‬‬
‫الذراع المقصود فقها هو الهاشمي‪) 2،61( :‬سم‪.‬‬
‫الباع‪ )4( :‬أذرع‪ ،‬والمرحلة‪ )12( :‬ساعة‪.‬‬
‫القفيز (في الطوال)‪ )10/1( :‬الجريب أو (‪6،136‬م ‪.)2‬‬
‫الغَلْوة (غلوة سهم)‪ ) 400( :‬ذراع أو (‪8،184‬م)‪.‬‬
‫الميل‪ ) 4000( :‬ذراع أو (‪1848‬م) أو (‪ )2/1‬ساعة أو(‪ )1000‬باع‪.‬‬
‫والميل البحري الحديث‪ )32،1848( :‬م‪.‬‬
‫الفرسخ‪ )3 (:‬أميال أو (‪)5544‬م أو (‪ )12000‬خطوة‪ ،‬حوالي (‪1 )2/1‬ساعة‪،‬واحد ونصف‪.‬‬
‫البريد العربي‪ )4( :‬فراسخ أو(‪22176‬م) أو (‪ )176،22‬كم أو حوالي (‪ )6‬ساعات (‪. )1‬‬
‫مسافة القصرللمسافر أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا‪ ،‬وتساوي‪)704،88( :‬كم (كيلومتر)‪ ،‬وعند‬
‫الحنيفةحوالي ‪ 86‬كم‪.‬وقدرها بعضهم بـ ‪83‬كم‪.‬‬
‫الفدان المصري‪)4200( )5/6(:‬م ‪ 2‬أو(‪ ) 333( )3/1‬قصبة مربعة‪.‬‬
‫والفدان القديم‪5929(:‬م ‪.)2‬‬
‫الدونم‪1000( :‬م ‪.)2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قدر بعضهم الفرسخ بـ (‪5760‬م) فتكون الثمانية فراسخ ‪ 46.80‬كم‪.‬‬

‫( ‪)1/118‬‬

‫‪ - 2‬وحدات المكاييل‪:‬‬
‫حفَنات كبار‪،‬ووزنه‪)7،685( :‬‬
‫الصاع الشرعي أو البغدادي‪ )4( :‬أمدادأو(‪ 5‬و ‪ )3/1‬رطل‪ ،‬أي أربع َ‬
‫درهما أو (‪ )75،2‬لترا أو (‪)2176‬غم وهو رأي الشافعي وفقهاء الحجاز والصاحبين باعتبارأن المد‪:‬‬
‫رطل وثلث بالعراقي‪ ،‬وعند أبي حنيفة وفقهاء العراق‪ :‬ثمانية أرطال باعتبار أن المد رطلن‪ ،‬فيكون‬
‫(‪3800‬غم)‪.‬وفي تقدير آخر هو الشائع أن الصاع (‪2751‬غم)‪ .‬قال النووي‪ :‬الصح أن الصاع ست‬
‫مئة وخمسة وثمانون درهما وخمسة أسباع درهم‪ .‬والرطل مئة وثمانية وعشرون درهما وأربعة‬
‫أسباع درهم‪ .‬والعبرة بالصاع النبوي إن وجد أومعياره‪ ،‬فإن فقد أخرج مزكي الفطرة قدرا يتيقن أنه‬
‫ل ينقص عن صاع‪ .‬والصاع بالكيل المصري‪ :‬قَدَحان‪.‬‬
‫المد‪ 1)3/1( :‬رطلً أو (‪)675‬غم(غرام)أو(‪ )688،0‬لترا‪.‬‬
‫الرطل الشرعي أو البغدادي‪ )128( )7/4( :‬درهما‪ ،‬وقيل‪ )130( :‬درهما‪ ،‬والرطل البغدادي‪)408(:‬‬
‫غم‪ ،‬والرطل المصري‪ )144( :‬درهما أي (‪ )450‬غم تقريبا‪.‬‬
‫الدرهم العراقي (‪ )17،3‬غم‪ ،‬والدرهم الحالي المصري‪ )12،3( :‬غم‪ ،‬والدرهم العربي (‪975،2‬غم)‪.‬‬
‫القفيز‪ )12(:‬صاعا أو ثمانية مكاكيك‪ ،‬والمكّوك‪ :‬صاع ونصف‪ .‬ويساوي القفيز أيضا (‪ )33‬لترا ً أو (‬
‫‪ )128‬رطلً بغداديا‪ ،‬كما يساوي ثلث كيلجات‪ ،‬والكيلجة‪ :‬نصف صاع‪.‬‬
‫المنا‪ :‬رطلن‪.‬‬
‫الفَرْق‪ :‬إناء من نحاس يسع(‪ )16‬رطلً‪ ،‬أي ما يعادل(‪ )10‬كغ أو (‪ )6‬أقساط‪ ،‬والقِسْط نصف صاع‪.‬‬
‫ا ْل ُمدْي ( مكيال للشام ومصر وهو غير ا ْلمُدّ )‪ ) 5،22( :‬صاعا‪ .‬الجريب‪ )48( :‬صاعا أو (‪)192‬‬
‫مدا‪.‬‬
‫الوَسْق‪ )60(:‬صاعا‪ ،‬والخمسة أوسق نصاب الزكاة‪ )300( :‬صاعا أو (‪ )653‬كغ على رأي الجمهور‬
‫غير أبي حنيفة بتقدير الصاع (‪)2175‬غم أو (‪ )1200‬مدا أو (‪ )4‬أرادب وكيلتين من الكيل الحالي‬
‫المصري أو (‪ )50‬كيلة مصرية‪ .‬والكيلة‪ )24( :‬مدا‪ .‬والردب المصري الحالي‪ )96( :‬قدحا أو(‪)288‬‬
‫مدا أو (‪ )198‬لترا (‪ ، )1‬أو (‪ )156‬كغ أو (‪ )192‬رطلً أو(‪)72‬صاعا‪ .‬والكيلة المصرية‪ )6( :‬آصع‬
‫أو (‪ )32‬رطلً‪.‬‬
‫الرْدَب المصري أو العربي‪ )24( :‬صاعا أو (‪ )64‬مَنَا أو(‪ )128‬رطلً أو (‪ )6‬وَيْبات أو(‪ )66‬لترا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قدرت دائرة المعارف السلمية الصاع بثلثة ألتار‪ ،‬فيكون الوسق على هذا ( ‪ 180‬لترا )‬
‫والدق ماذكرناه أن الصاع ( ‪ 2.75‬لترا )‪.‬‬

‫( ‪)1/119‬‬
‫الوَيْبة‪ )24( :‬مدا أو (‪ )6‬آصع‪ ،‬فهي الكيلة المصرية الحالية‪.‬‬
‫الكُرّ ( أكبر مقاييس الكيل العربي )‪ )720(:‬صاعا أو(‪ )60‬قفيزا أو (‪ )10‬أرادب أو(‪ )3840‬رطل‬
‫عراقي أو (‪ )1560‬كغ (كيلو غرام)‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ وحدات الوزان والنقود ‪:‬‬
‫الدينار‪ :‬المثقا ل من الذهب أو (‪ )25،4‬غم (‪ )1‬أو حبة من الشعير المتوسط‪.‬‬
‫حبة الشعير (أي المعتدل)‪ )059،0( :‬غم من الذهب‪.‬‬
‫المثقال أو الدينار‪ )20( :‬قيراطا‪ ،‬والمثقال العجمي‪ )80،4( :‬غم‪ ،‬والمثقال العراقي‪ )5( :‬غم (‪. )2‬‬
‫القيراط‪ )2125،0( :‬غم فضة إذا اعتبرنا المثقال مقسما إلى عشرين قيراطا وهو ما أراد معاوية أن‬
‫يزيده على مصر‪ ،‬أو (‪ )2475،0‬غم فضة إذا اعتبرنا المثقال مقسما إلى اثنين وعشرين قيراطا‪.‬‬
‫الدرهم العربي‪ )10/7( :‬من المثقال (الدينار) أو (‪)975،2‬غم أو (‪ )6‬دوانق أو(‪ 50( )5/2‬حبة) شعير‬
‫متوسط‪ ،‬والعشرة دراهم‪ )7( :‬مثاقيل ذهبا أو (‪ )140‬قيراطا وأوقية الذهب‪ )40( :‬درهما‪.‬‬
‫الدانق‪ :‬قيراطان أو (‪ 8 )5/2‬حبة شعير متوسط أو (‪ )6/1‬الدرهم أو (‪ )495،0‬غم من الفضة‪.‬‬
‫الطّسوج‪ :‬حبتان أو نصف قيراط أو (‪ )1237،0‬غم‪ ،‬والقيراط‪ :‬طسوجان‪.‬‬
‫الحبة‪ )681،0( :‬غم فضة أو (‪ )06،0‬غم أو فلسين‪.‬‬
‫النواة‪ )5( :‬دراهم‪.‬‬
‫الفَلْس‪ )03،0( :‬غم فضة‪.‬‬
‫القنطار الشرعي‪ )1200( :‬أوقية أو (‪ )3( )8400‬دينار أو(‪ )000،80‬درهم‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حدده بنك فيصل السلمي في السودان بـ (‪)4.457‬غم‪.‬‬
‫(‪ )2‬بناء عليه يكون العشرون مثقالً‪ ،‬وهو نصاب الذهب في الزكاة مساويا ‪ 96‬غم بالمثقال العجمي ‪،‬‬
‫و ‪100‬غم بالمثقال العراقي‪.‬‬
‫ويجب اتخاذ العملة الذهبية أو مايقوم مقامها أساسا للتقدير‪ .‬ويلحظ أنه يجب تقدير نصاب الزكاة‬
‫بحسب سعر الصرف لكل من الذهب والفضة القائم في السوق‪ ،‬لنه تجب ملحظة القوة الشرائية للنقد‬
‫المعاصر‪ ،‬علما بأن الشرع حدد مبلغين متعادلين للزكاة وهما عشرون دينارا‪ ،‬ومائتا درهم فضة‪،‬‬
‫وكانا شيئا وسعرا واحدا‪.‬‬

‫(‪ )3‬وجاء في لسان العرب‪ :‬والمعمول عليه عند العرب أنه أي القنطار أربعة آلف دينار‪ .‬والوقية‬
‫سبعة مثاقيل‪ )119( :‬غم فضة‪.‬‬

‫( ‪)1/120‬‬
‫القنطار الحالي‪ )100( :‬رطل شامي‪ ،‬والرطل الشامي‪)564،2( :‬كغ‪ ،‬ونصاب العنب والتمر (الخمسة‬
‫أوسق)‪ )5،2( :‬قنطارا زبيباأو (‪ )653‬كغ أو (‪ )50‬كيلة مصرية‪.‬‬
‫ملحظة‪:‬‬
‫إن التقدير الذي اعتمدته هنا على الصح‪ :‬هو أن الدينار (‪25،4‬غم) والدرهم (‪ 975،2‬غم) ونصاب‬
‫الفضة في الزكاة (‪595‬غم) ونصاب الذهب (‪85‬غم) والصاع عند الشافعية ( ‪2176‬غم)فتكون الخمسة‬
‫أوسق‪.‬‬
‫(‪300‬صاع×‪2176‬غم) = ‪ 8،652‬كغ أي (‪ )653‬كغ تقريبا‪.‬‬
‫واعتمدت أيضا في خلصة التقديرات على ماهو الشهر‪ ،‬وإن كانت إل حالت أحيانا على تقدير‬
‫مذهبي آخر‪.‬‬

‫( ‪)1/121‬‬
‫المطلب الثاني عشر ـ النية والباعث في العبادات والعقود والفسوخ والتروك‪:‬‬
‫هذا بحث في النية المشروعة (القصد أو الرادة) والنية غير المشروعة (الباعث السيء) وأحكامها‬
‫وأحوالها في مجال العبادات من طهارة وصيام وزكاة وحج وغيرها‪ ،‬والمعاملت من عقود بيع‬
‫وزواج وهبة وكفالة وحوالة ونحوها‪ ،‬وفسوخ كالطلق لنهاء رابطة الزواج‪ ،‬وتروك كترك المكروه‬
‫والحرام‪ ،‬وإزالة النجاسة ورد المغصوب والعواري وإيصال الهدية وغير ذلك مما ل تتوقف صحته‬
‫على النية‪ ،‬ومباحات وعادات كالكل والشرب والجماع ونحوها مما يثاب عليه المسلم ثواب العبادات‬
‫عند استحضار النية فيها‪ .‬ول مشقة عليه في القيام بها‪ ،‬بل هي مألوفة لنفسه‪ ،‬مستلذة يقبل عليها بدافع‬
‫ذاتي أو بالغريزة والفطرة‪ .‬أهمية البحث وخطته‪:‬‬
‫تمتاز الشريعة السلمية بسبب شمولها لمور الدين والدنيا بأنها نظام روحي ومدني معا‪ ،‬وينقسم‬
‫الحق فيها باعتبار وجود المؤيد القضائي وعدمه إلى نوعين‪ :‬حق دياني وحق قضائي‪.‬‬
‫الول‪ :‬هو الذي ليدخل تحت ولية القضاء‪ ،‬وإنما يكون النسان مسؤولً عنه أمام ال تعالى‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬هو ما يدخل تحت ولية القاضي‪ ،‬ويمكن لصاحبه إثباته أمام القضاء‪ .‬وتظهر ثمرة القسمة‬

‫بينهما في أن الحكام الديانية تبنى على النوايا والواقع والحقيقة‪ ،‬وأما الحكام القضائية فتبنى على‬
‫ظاهر المر‪ ،‬ول ينظر فيها إلى النوايا وواقع المر‪ ،‬فمن طلّق امرأته خطأ‪ ،‬ولم يقصد إيقاع الطلق‪،‬‬
‫يحكم القاضي بوقوع طلقه‪ ،‬عملً بالظاهر واستحالة معرفة الحقيقة‪ .‬وأما ديانة فيحكم المفتي بعدم‬
‫وقوع الطلق‪ ،‬وللنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين ال تعالى‪.‬‬
‫فحق الديانة يعتمد على النية‪ ،‬والنية أساس الديانة (‪ ، )1‬وهو الحق البدي الخالد الذي يبقى ول‬
‫يتغير‪ ،‬وهو مناط الثواب والعقاب بين يدي ال تعالى؛ لن السلم دين قبل كل شيء‪ ،‬والدينونة‬
‫جوهر السلم‪ ،‬وهي محصورة بأن تكون ل عز وجل وحده‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى البيهقي والطبراني عن أنس بن مالك حديثا هو‪ « :‬نية المؤمن خير من عمله » لكنه‬
‫ضعيف‪ ،‬كما ذكر السيوطي في الجامع الصغير‪ ،‬وقال الحافظ المناوي‪ :‬والحاصل أن له عدة طرق‬
‫تجبر ضعفه‪.‬‬

‫( ‪)1/122‬‬
‫أما القوانين الوضعية فل ينظر فيها للنوايا والبواطن والخفايا ول مجال فيها لفكرة الحلل والحرام‬
‫بالمعنى الديني‪ ،‬وإنما العبرة للظواهر ورصد واقع الحياة من خلل التعامل القائم‪ ،‬وتنظيمه على وفق‬
‫النظام السائد في المجتمع والدولة‪.‬‬
‫وقد أدى تطبيق القوانين الوضعية في البلد السلمية إلى إضعاف الوازع الديني‪ ،‬وانحسار هيمنة‬
‫الدين ورقابة الله في السر والعلن على تصرفات الناس‪ ،‬وغياب ميزان التقوى في كسب الحقوق‬
‫والتنازل عنها‪ ،‬مما أفقد الهتمام بالنية‪ .‬ولكن بروز مثل هذه الظاهرة المرضية في مجتمعاتنا ل يثنينا‬
‫عن ضرورة التذكير المستمر برصيد السلم وقيمه وأحكامه؛ لنه النظام المثل والخلد والصلح‬
‫للبشرية لتصحيح مسيرة الناس‪ ،‬وتجاوز النحرافات والخطاء‪ ،‬ولنه الساس الذي يحاسب عليه‬
‫النسان في الضمير العام بين البشر‪ ،‬ولدى أحكم الحاكمين في الدار الخرة‪.‬‬

‫( ‪)1/123‬‬
‫ومن أهم مقومات الرصيد السلمي في نطاق الحكام الشرعية التي يلزم بها المكلفون‪ :‬النية‬
‫الصحيحة‪ ،‬فهي معيار لتصحيح العمال‪ ،‬فحيث صلحت النية‪ ،‬صلح العمل‪ ،‬وحيث فسدت فسد العمل‪.‬‬
‫ول تصير أعمال المكلفين المؤمنين معتبرة شرعا‪ ،‬ول يترتب الثواب على فعلها إل بالنية‪ .‬وقد اعتبر‬

‫حديث عمر رضي ال عنه المشهور وهو «إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ مانوى» أحد‬
‫الحاديث التي عليها مدار السلم‪ ،‬فهو أحد أصول الدين‪ ،‬وعليه تدور غالب أحكامه‪ ،‬وهو نصف‬
‫السلم‪ ،‬قال أبو داود‪« :‬إن هذا الحديث نصف السلم؛ لن الدين إما ظاهر وهو العمل‪ ،‬أو باطن‬
‫وهو النية» وهو أيضا ثلث العلم‪ ،‬قال المام الشافعي وأحمد رحمهما ال‪ :‬يدخل في حديث ( العمال‬
‫بالنيات) ثلث العلم‪ ،‬قال البيهقي وغيره‪ .‬وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه‪ ،‬ولسانه‪ ،‬وجوارحه‪،‬‬
‫والنية أحد أقسامه الثلثة‪ .‬وروي عن الشافعي رضي ال تعالى عنه أنه قال‪:‬يدخل هذا الحديث في‬
‫سبعين بابا من الفقه‪ .‬ولذا استحب العلماء أن تستفتح به الكتب والمصنفات‪ ،‬ليكون ذلك منبّها طالب‬
‫العلم أن يصحح نيته لوجه ال تعالى في طلب العلم وعمل الخير ونفع نفسه وأمته وبلده‪.‬وبناء عليه‬
‫قال العلماء‪« :‬إن قاعدة‪:‬المور بمقاصدها ثلث العلم» ‪ .‬وقال جماعة من العلماء‪:‬حديث العمال‬
‫بالنيات ثلث السلم‪ ،‬قا ل أبو داود‪ :‬نظرت في الحديث المسند‪ ،‬فإذا هو أربعة آلف حديث‪ ،‬ثم‬
‫نظرت‪ ،‬فإذا مدار أربعة آلف حديث على أربعة أحاديث‪:‬حديث النعمان بن بشير‪« :‬الحلل بيّن‬
‫والحرام بيّن» وحديث عمر هذا‪ ،‬وحديث أبي هريرة‪« :‬إن ال طيّب ل يقبل إل طيبا» وحديث «من‬
‫حسن إسلم المرء تركه ما ل يعنيه» قال‪ :‬فكل حديث من هذه الربعة ربع العلم (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪. 8‬‬

‫( ‪)1/124‬‬
‫لهذا كله يكون بحث النية من أوليات الدين‪ .‬وأصول العلم الضرورية لكل إنسان‪ ،‬لن في البحث‬
‫تذكيرا وبيانا وضبطا‪ ،‬ووضع الضوابط للنية ييسر على العبّاد والنسّاك معرفة الطريق الصح السلم‬
‫لعبادتهم وقرباتهم‪ ،‬ويوضح لكل إنسان طريق التمييز بين الحلل والحرام وما يوجب الثواب والعقاب‪،‬‬
‫ويبيّن له ما يجب عليه معرفته من الحد الدنى في طلب العلم‪ ،‬إذ ل تصح عبادة بدون نية‪ ،‬ويتأثر‬
‫الحكم على كل تصرف من عقد أو فسخ بنوع النية‪ ،‬فهو إما جائز صحيح بالنية المشروعة‪ ،‬وإما فاسد‬
‫باطل بالنية الخبيثة أو السيئة‪ ،‬وإما مُرتّب للثر أو عدمه بحسب النية وجودا وفقدانا‪ ،‬فهل العبرة في‬
‫العقود والتصرفات للمقاصد والمعاني أو لللفاظ والمباني؟ وهل الباعث السيء يفسد العقد أو ل؟ وهذا‬
‫يؤدي لبيان مبدأ الذرائع سدا وفتحا‪.‬‬
‫وأتناول في بحثي هذا عن النية المور التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬حقيقة النية أو تعريف النية‪.‬‬

‫‪ - 2‬حكم النية (الوجوب)‪ ،‬وأدلة إيجابها‪ ،‬والقواعد الشرعية المتعلقة بها‪.‬‬
‫‪ - 3‬محل النية‪.‬‬
‫‪ - 4‬زمن النية أو وقت النية‪.‬‬
‫‪ - 5‬كيفية النية‪.‬‬
‫‪ - 6‬الشك في النية وتغييرها والجمع بين عبادتين بنية واحدة‪.‬‬
‫‪ - 7‬المقصود بالنية ومقوماتها‪.‬‬
‫‪ - 8‬شروط النية‪.‬‬
‫‪ - 9‬النية في العبادات‪.‬‬
‫‪ -10‬النية في العقود‪.‬‬
‫‪ -11‬النية في الفسوخ‪.‬‬
‫‪ -12‬النية في التروك‪.‬‬
‫‪ -13‬النية في المباحات والعادات ‪.‬‬
‫‪ -14‬النية في أمورأخرى‪.‬‬
‫هذا مع العلم بأن المحدّثين والفقهاء أوضحوا الكلم في النية‪ ،‬ولكن في مواطن متفرقة‪ ،‬وفي ثنايا‬
‫المسائل وأعماق البواب الفقهية ‪ ،‬ولم أطلع على كتاب جامع لحكام النية وأحوالها سوى ( كتاب‬
‫نهاية الحكام في بيان ما للنية من أحكام ) للعالم أحمد بك الحسيني (طبع ‪1320‬هـ ‪1903/‬م)‬
‫بالمطبعة الميرية بمصر‪ ،‬إل أنه محصور بأمرين‪ :‬كونه في مذهب الشافعية فقط‪ ،‬وفي بعض‬
‫العبادات فحسب‪.‬‬

‫( ‪)1/125‬‬
‫لذا وجدت لزاما علي بحث كل ما يتعلق بالنية بحسب الخطة المذكورة‪ ،‬لتتجلى للقارئ هذه النظرية‬
‫الشاملة لشؤون العبادات والمعاملت والحوال الشخصية والتروك والمباحات‪ ،‬وال الموفق لسواء‬
‫الصراط‪.‬‬
‫أولً ـ حقيقة النية أو تعريفها‪:‬‬
‫النية لغة‪ :‬قصد الشيء وعزم القلب عليه (‪ ، )1‬قال الزهري‪ :‬يقال نواك ال‪ :‬أي حفظك‪ .‬وتقول‬
‫العرب‪ :‬نواك ال‪ :‬أي صحبك في سفرك وحفظك‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬النية‪ :‬القصد‪ :‬وهو اعتقاد القلب‬
‫فعل شيء وعزمه عليه‪ ،‬من غير تردد‪ .‬والنية وإرادة الفعل مترادفان‪ ،‬وتعم كل منهما الفعل الحالي‬

‫والستقبالي‪.‬‬
‫وفَرَق بعض اللغويين بين النية والعزم بجعل النية‪ :‬الرادة المتعلقة بالفعل الحالي‪ ،‬والعزم‪ :‬الرادة‬
‫المتعلقة بالفعل الستقبالي‪ .‬لكن يردّ على هذا الفارق بتفسير النية بالعزم مطلقا في كتب اللغة‪.‬‬
‫والنية في الشرع‪ :‬عزم قلبي على عمل فرضي أو غيره‪ .‬أو عزم القلب على عمل فرضا كان أو‬
‫تطوعا‪ .‬وهي أيضا‪ :‬الرادة المتعلقة بالفعل في الحال أو في المستقبل‪ .‬وبناء عليه‪ :‬إن كل فعل صدر‬
‫من عاقل متيقظ مختار ليخلو عن نية‪ ،‬سواء أكان من قبيل العبادات أم من قبيل العادات‪ .‬وذلك الفعل‬
‫هو متعلّق الحكام الشرعية التكليفية من اليجاب والتحريم‪ ،‬والندب والكراهة والباحة‪ .‬وما خل عن‬
‫النية فهو فعل غافل‪ ،‬فهو لغٍ‪ ،‬ليتعلق به حكم شرعي‪ .‬فإذا صدر الفعل من غير عاقل متيقظ‪ ،‬بأن‬
‫كان من مجنون أو ناسٍ أو مخطئ أو مكرَه‪ ،‬فإنه لغٍ‪ ،‬ليتعلق به حكم تكليفي مما ذكر‪ ،‬لعدم وجود‬
‫النية والقصد والرادة فيه‪ ،‬وليعتبر شرعا‪ ،‬وليتعلق به طلب ولتخيير‪.‬‬
‫وأما إذا كان الفعل من الفعال العادية كالكل والشرب والقيام والقعود والبطش والمشي والنوم‬
‫ونحوها صادرا من العاقل المتيقظ بدون نية‪ ،‬فحكمه الباحة‪ ،‬إن لم يقترن بمايوجب حظره أو طلبه‪،‬‬
‫ويكون معتبرا شرعا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪ 360/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 24‬طبع دار الفكر بدمشق‪.‬‬

‫( ‪)1/126‬‬
‫وأما الحكم ببطلن وضوء الناسي‪ ،‬وضمان المتلفات من المجنون والصبي ونحوهما‪ ،‬وضمان الدية‬
‫بقتل النفس أو قطع عضو‪ ،‬أو إزالة معنى من المعاني كالسمع والبصر والبطش والحركة إذا وقع ذلك‬
‫خطأ أو شبه عمد‪ ،‬مع عدم نية القتل أو القطع‪ ،‬فهو ليس من باب التكليف الشرعي بشيء بل من باب‬
‫الحكم الوضعي‪ ،‬أي جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا أو عزيمة أو رخصة‪،‬‬
‫أي أن التلف مثلً سبب موجب للتعويض أو للضمان مطلقا‪ ،‬سواء صدر من صغير أو كبير‪ ،‬من‬
‫عاقل أو مجنون‪.‬‬
‫ويلحظ أن المراد بالنية في الصيام هو العزم أو الرادة الكلية وهو المعنى العام للنية‪ ،‬أي أن الصيام‬
‫يصح بتبييت النية من الليل‪ ،‬دون اشتراط مقارنتها لبدء الصوم وهوطلوع الفجر‪ ،‬فلو نوى ثم أكل‪،‬‬
‫وصام‪ ،‬صح صومه‪ ،‬أما غير الصيام من العبادات التي تتطلب لصحتها مقارنة النية ببدء الفعل فلبد‬
‫فيها من القصد تحقيقا‪ :‬وهو الرادة المتعلقة ببدء الفعل‪ ،‬فالنية المعتبرة فيه هي القصد تحقيقا‪ ،‬أي النية‬

‫المقترنة ببدء تنفيذ الفعل‪ ،‬وهو المراد بالنية عند عدّها لدى الشافعية من أركان العبادة‪ ،‬كالوضوء‬
‫والغسل والتيمم والصلة والزكاة والحج‪ ،‬ومثلها كنايات العقود والفسوخ‪ ،‬فلبد فيها من القصد تحقيقا‬
‫الذي هو النية المقارنة للفظ الكنائي أو الكتابة وإشارة الخرس التي يفهمها الفطن‪ ،‬وكذا الستثناء في‬
‫القارير (القرارات) والطلق‪ ،‬والتعليق في الطلق بكلمة ( إن شاء ال) فلبد فيها من النية بمعنى‬
‫القصد تحقيقا قبل الفراغ من المستثنى منه‪ ،‬أي اقتران النية بالكلم المتصل ببعضه‪.‬‬

‫( ‪)1/127‬‬
‫وخلصة الكلم في بيان حقيقة النية تظهر فيما يأتي‪ :‬قال الحافظ ابن رجب الحنبلي‪ :‬اعلم أن النية في‬
‫اللغة نوع من القصد والرادة‪ ،‬وإن كان قد فرق بين هذه اللفاظ بما ليس هذا موضع ذكره‪ .‬والنية في‬
‫كلم العلماء تقع بمعنيين‪ :‬أحدهما ـ تمييز العبادات بعضها عن بعض‪ ،‬كتمييز صلة الظهر من‬
‫صلة العصر مثلً‪ ،‬وتمييز رمضان من صيام غيره‪ .‬أو تمييز العبادات من العادات‪ ،‬كتمييز الغسل‬
‫من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك‪ ،‬وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلم الفقهاء في‬
‫كتبهم‪.‬‬
‫والمعنى الثاني ـ بمعنى تمييز المقصود بالعمل‪ ،‬وهل هو ل وحده ل شريك له‪ ،‬أو ل وغيره‪ .‬وهذه‬
‫هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم على الخلص وتوابعه‪ ،‬وهي التي توجد كثيرا في كلم‬
‫السلف المتقدمين‪ .‬وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه (كتاب الخلص والنية) وإنما أراد‬
‫هذه النية‪ ،‬وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلم النبي صلّى ال عليه وسلم تارة بلفظ (النية) وتارة‬
‫بلفظ ( الرادة ) وتارة بلفظ مقارب‪ .‬وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب ال عز وجل بغير لفظ النية‬
‫أيضا من اللفاظ المقاربة‪.‬‬
‫وإنما فرَق من فرَق بين النية وبين الرادة والقصد ونحوها لظنهم اختصاص النية بالمعنى الول الذي‬
‫يذكره الفقهاء‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬النية تختص بفعل الناوي‪ ،‬والرادة ل تختص بذلك‪ ،‬كما يريد النسان‬
‫من ال أن يغفر له‪ ،‬ول ينوي ذلك‪ ،‬وقد ذكرنا أن النية في كلم النبي صلّى ال عليه وسلم وسلف‬
‫المة‪ ،‬إنما يراد لها هذا المعنى الثاني غالبا‪ ،‬فهي حينئذ بمعنى الرادة‪ ،‬ولذلك يعبر عنها بلفظ الرادة‬
‫في القرآن كثيرا‪.‬‬
‫ثانيا ـ حكم النية وأدلة إيجابها‪ ،‬والقواعد الشرعية المتعلقة بها‪:‬‬
‫حكم النية عند جمهور الفقهاء (‪( )1‬غير الحنفية)‪ :‬الوجوب فيما توقفت صحته عليها‪ ،‬كالوضوء‬
‫والغسل‪ ،‬ماعدا غسل الميت والتيمم‪ ،‬والصلة بأنواعها‪،‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ 93/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المجموع للنووي‪ 361/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ 47/1‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ 14/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 110/1 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪،101-94/1 :‬‬
‫أحكام النية للحسيني‪ :‬ص ‪ 78 ،76 ،10‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/128‬‬
‫والزكاة والصيام والحج والعمرة إلى غير ذلك‪ ،‬والندب فيما لم تتوقف صحته عليها كرد المغصوب‪،‬‬
‫والمباحات كالكل والشرب والتروك كترك المحرّم والمكروه‪ ،‬مثل ترك الزنا والخمر وغيرهما من‬
‫المحرّمات‪ ،‬وترك اللهو الخالي من القمار‪ :‬وهو اللعب الذي ل عوض فيه من الجانبين ول من‬
‫أحدهما‪ ،‬فهو مكروه‪ ،‬لما فيه من تضييع الوقت والنشغال عن كل نافع مفيد‪.‬‬
‫ورأي الحنفية (‪ : )1‬أن النية تسن في الوضوء والغسل وغيرهما من وسائل الصلة‪ ،‬لتحصيل‬
‫الثواب‪ ،‬وهي شرط لصحة الصلة‪ ،‬كما قرر المالكية والحنابلة وسيأتي مزيد بيان لذاك في بحث النية‬
‫في العبادات‪ ،‬علما بأن العلماء اتفقوا على أن النية واجبة في الصلة‪ ،‬لتتميز العبادة عن العادة‬
‫وليتحقق في الصلة الخلص ل تعالى؛ لن الصلة عبادة‪ ،‬والعبادة‪ :‬إخلص العمل بكلية العابد ل‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وأدلة إيجاب النية كثيرة‪ ،‬منها قول ال تعالى‪ { :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين حنفاء‪}..‬‬
‫[البينة‪ ]5 / 98:‬قال الماوردي‪ :‬والخلص في كلمهم النية‪.‬‬
‫ومنها الحديث المتفق على صحته بين البخاري ومسلم وباقي الئمة الستة وأحمد (الجماعة) من رواية‬
‫أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ ،‬وهو ـ كما قا ل النووي ـ حديث عظيم‪ ،‬أحد‬
‫الحاديث التي عليها مدار السلم‪ ،‬بل هو أعظمها‪ ،‬وهي اثنان وأربعون حديثا‪ .‬ونصه‪ :‬قا ل عمر‪:‬‬
‫سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫«إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى‪ ،‬فمن كانت هجرته إلى ال‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 98/1 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،17/1 :‬تبيين الحقائق‪.99/1:‬‬

‫( ‪)1/129‬‬

‫ورسوله‪ ،‬فهجرته إلى ال ورسوله‪ ،‬ومن كانت هجرته لدُنيا يصيبها أو امرأة ٍ ين ِكحُها‪ ،‬فهجرتُه إلى ما‬
‫هاجر إليه» ‪.‬‬
‫والمراد بالعمال‪ :‬أعمال الطاعات والعمال الشرعية‪ ،‬دون أعمال المباحات‪ .‬وقد دل الحديث على‬
‫اشتراط النية في العبادات‪ ،‬لن كلمة ( إنما ) للحصر‪ ،‬تثبت المذكور وتنفي ماسواه‪ ،‬وليس المراد‬
‫صورة العمل‪ ،‬فإنها توجد بل نية‪ ،‬وإنما المراد أن حكم العمل ل يثبت إل بالنية‪ ،‬ومعناه ل يعتد‬
‫بالعمال الشرعية بدون النية‪ ،‬مثل الوضوء والغسل والتيمم‪ ،‬وكذلك الصلة والزكاة والصوم والحج‬
‫والعتكاف وسائر العبادات‪ .‬فأما إزالة النجاسة فل تحتاج إلى نية؛ لنها من باب التروك‪ ،‬والترك ل‬
‫يحتاج إلى نية‪.‬‬
‫وفي قوله‪ ( :‬إنما العمال بالنيات ) محذوف‪ ،‬اختلف العلماء في تقديره‪ ،‬فقال جمهور العلماء (غير‬
‫الحنفية) الذين اشترطوا النية‪ :‬المراد إما صحة العمال‪ ،‬أو تصحيح العمال أو قبول العمال‪،‬‬
‫ويكون التقدير‪ :‬صحة العمال بالنيات‪ ،‬فالنية شرط صحة‪ ،‬ل تصح الوسائل من وضوء وغسل‬
‫وغيرهما‪ ،‬والمقاصد من صلة وصوم وحج وغيرها إل بها‪.‬‬
‫وقال الحنفية الذين لم يشترطوا النية في الوسائل‪ :‬المراد كمال العمال ويكون تقديرهم كمال العمال‬
‫بالنيات‪ ،‬فالنية شرط كمال فيها‪ ،‬لتحصيل الثواب فقط‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬وإنما لكل امرئ ما نوى) يدل على أمرين‪:‬‬
‫الول ـ قال الخطابي‪ :‬يفيد معنى خاصا غير الول‪ ،‬وهو تعيين العمل بالنية وقال النووي‪ :‬فائدة‬
‫ذكره أن تعيين العبادة المنوية شرط لصحتها‪ .‬فلو كان على إنسان صلة مقضية‪ ،‬ل يكفيه أن ينوي‬
‫الصلة الفائتة‪ ،‬بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرهما‪ ،‬ولول هذا اللفظ الثاني‪،‬‬
‫لقتضى الول صحة النية بل تعيين‪ ،‬أو أوهم ذلك‪.‬‬

‫( ‪)1/130‬‬
‫الثاني ـ أنه ل تجوز النيابة في العبادات ول التوكيل في النية نفسها‪ .‬وقد استثني من ذلك تفرقة‬
‫الزكاة وذبح الضحية‪ ،‬فيجوز التوكيل فيهما في النية والذبح والتفرقة‪ ،‬مع القدرة على النية‪ ،‬وكذلك‬
‫يجوز التوكيل في دفع الدّين (‪. )1‬‬
‫وآخر هذا الحديث أبان سببه‪ ،‬روى الطبراني في معجمه الكبير بإسناد رجاله ثقات‪ ،‬عن ابن مسعود‬
‫رضي ال عنه قال‪ :‬كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها‪ :‬أم قيس‪ ،‬فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر‪،‬‬
‫فهاجر‪ ،‬فتزوجها‪ ،‬فكنا نسميه‪ :‬مهاجر أم قيس‪.‬‬

‫والخلصة‪ :‬دل هذا الحديث على عدة أمور منها‪:‬‬
‫أ ـ ل يكون العمل شرعيا يتعلق به ثواب وعقاب إل بالنية‪.‬‬
‫ب ـ تعيين المنوي وتمييزه عن غيره شرط في النية‪ ،‬فل يكفي أن ينوي الصلة‪ ،‬بل لبد باتفاق‬
‫العلماء من تعيينها بصلة الظهر أو العصر أو الصبح مثلً‪.‬‬
‫جـ ـ من نوى عملً صالحا‪ ،‬فمنعه من تنفيذه عذر قاهر كالمرض أوالوفاة‪ ،‬فإنه يثاب عليه؛ لن من‬
‫همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة‪ ،‬ومن همّ بسيئة فلم يعملها‪ ،‬لم تكتب له سيئة‪ ،‬قال السيوطي‪ :‬من‬
‫عزم على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفظ بها ل يأثم (‪ ، )2‬لقوله صلّى ال عليه وسلم فيما يرويه‬
‫الئمة الستة عن أبي هريرة‪« :‬إن ال تعالى تجاوز لمتي عما حدّثت بها أنفسها‪ ،‬مالم تتكلم به أو‬
‫تعمل به» ‪.‬‬
‫د ـ الخلص في العبادة والعمال الشرعية هو الساس في تحصيل الجر والثواب في الخرة ‪،‬‬
‫والفلح والنجاح في الدنيا ‪ ،‬والدليل تصريح الزيلعي بأن المصلي يحتاج إلى نية الخلص فيها‪.‬‬
‫هـ ـ يصبح كل عمل نافع أو مباح أو ترك بالنية الطيبة وقصد امتثال المر اللهي عبادة مثوبا‬
‫عليها عند ال تعالى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ 361/1:‬ومابعدها‪ ،‬شرح الربعين النووية للنووي‪ :‬ص ‪ ، 7 - 5‬ولبن دقيق العيد‪ :‬ص‬
‫‪.14 - 13‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪. 29‬‬

‫( ‪)1/131‬‬
‫و ـ إذا كانت نية الفعل لرضاء الناس أو الشهرة والسمعة أو لتحقيق نفع دنيوي مثل مهاجر أم‬
‫قيس‪ ،‬فل ثواب للفاعل في الخرة‪.‬‬
‫رأي الحنفية في بيان تعيين المنوي وعدم تعيينه‪:‬‬
‫فصّل الحنفية (‪ )1‬في شأن تعيين المنوي‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫أ ـ إن كان المنوي عبادة‪ :‬فإن كان وقتها ظرفا للمؤدى بمعنى أنه يسعه ويسع غيره‪ ،‬وهو الواجب‬
‫الموسّع‪ ،‬فل بد من التعيين كالصلة‪ ،‬كأن ينوي الظهر‪ ،‬فإن قرنه باليوم كظهر اليوم‪ ،‬صح‪ .‬وعلمة‬
‫التعيين للصلة أن يكون بحيث لو سئل أي صلة يصلي يمكنه أن يجيب بل تأمل‪ .‬ول يسقط التعيين‬
‫في الصلة بضيق الوقت؛ لن السعة باقية‪.‬‬

‫ب ـ وإن كان وقت العبادة معيارا ً لها‪ ،‬بمعنى أنه ل يسع غيرها كالصوم في يوم رمضان‪ ،‬وهو‬
‫الواجب المضيّق‪ ،‬فإن التعيين ليس بشرط‪ ،‬إن كان الصائم صحيحا مقيما‪ ،‬فيصح بمطلق النية‪ ،‬وبنية‬
‫النفل؛ لن التعيين في المتعين لغو‪ .‬وإن كان مريضا‪ ،‬ففيه روايتان‪ ،‬والصحيح وقوعه عن رمضان‪،‬‬
‫سواء نوى واجبا ً آخر أو نفلً‪ .‬وأما المسافر‪ :‬فإن نوى عن واجب آخر‪ ،‬وقع عما نواه‪ ،‬ل عن‬
‫رمضان‪ .‬وفي النفل روايتان‪ ،‬والصحيح وقوعه عن رمضان‪.‬‬
‫جـ ـ وإن كان وقت العبادة مشكلً وهو الواجب ذو الشبهين كوقت الحج ‪ ،‬فإنه يشبه الواجب‬
‫المضيق أو المعيار باعتبار أنه ل يصح في السنة إل حجة واحدة‪ ،‬ويشبه الواجب الموسع أو الظرف‬
‫باعتبار أن أفعاله ل تستغرق وقته‪ ،‬فيصح الحج بمطلق النية نظرا إلى المعيارية‪ .‬وإن وقع نفلً‪ ،‬وقع‬
‫عما نوى‪ ،‬نظرا إلى الظرفية‪.‬‬
‫القواعد الشرعية الكلية المتعلقة بالنية‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 25‬ومابعدها‪ ،‬طبع دار الفكر بدمشق‪.‬‬

‫( ‪)1/132‬‬
‫استنبط الفقهاء من حديث عمر السابق‪ (:‬إنما العمال بالنيات ) ثلث قواعد كلية‪ ،‬اعتمد عليها‬
‫المجتهدون وأئمة المذاهب في بناء أصول مذاهبهم عليها‪ ،‬واستنباط أحكام الفروع الفقهية منها (‪، )1‬‬
‫وهذه القواعد هي‪ :‬ل ثواب إل بالنية‪ ،‬المور بمقاصدها‪ ،‬العبرة في العقود للمقاصد والمعاني‪ ،‬ل‬
‫لللفاظ والمباني‪.‬‬
‫القاعدة الولى ـ ( ل ثواب إل بالنية ) ‪:‬‬
‫النية شرط في العبادات كما بينا إما بالجماع‪ ،‬أو بآية‪{ :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين‬
‫حُ َنفَاء} [البينة‪ ،]5/98:‬قال ابن نجيم الحنفي‪ :‬والول أوجه؛ لن العبادة فيها ـ أ ي في الية ـ بمعنى‬
‫التوحيد‪ ،‬بقرينة عطف الصلة والزكاة‪ ،‬فل تشترط في الوضوء والغسل ومسح الخفين وإزالة النجاسة‬
‫الحقيقية عن الثوب والبدن والمكان والواني للصحة‪ .‬وأما اشتراطها ـ أي النية ـ في التيمم فلدللة‬
‫آتية عليها؛ لنه القصد‪ .‬وأما غسل الميت فقالوا‪ :‬ل تُشترط النية لصحة الصلة عليه وتحصيل‬
‫طهارته ‪ ،‬وإنما هي شرط لسقاط الفرض عن ذمة المكلفين (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هناك قواعد خمس يرجع جميع مسائل الفقه إليها وهي‪ :‬المور بمقاصدها‪ ،‬والضرر يزال‪،‬‬

‫والعادة محكّمة‪ ،‬واليقين ليزول بالشك‪ ،‬والمشقة تجلب التيسير‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ، 14‬ط دار الفكر بدمشق‪.‬‬

‫( ‪)1/133‬‬
‫والنية واجبة عند الجمهور كما بينا في الوسائل والمقاصد معا‪ ،‬وهي شرط كمال في الوسائل عند‬
‫الحنفية كالوضوء والغسل‪ ،‬وشرط صحة في المقاصد كالصلة والزكاة والصوم والحج‪.‬‬
‫ومعنى هذه القاعدة‪ :‬ل ثواب على جميع العمال الشرعية إل بالنية‪ ،‬قال ابن نجيم المصري (‪)1‬‬
‫الثواب نوعان‪ :‬أخروي‪ :‬وهو الثواب واستحقاق العقاب‪ ،‬ودنيوي‪ :‬وهو الصحة والفساد ‪ .‬وقد أريد‬
‫الخروي بالجماع‪ ،‬للجماع على أنه ل ثواب ول عقاب إل بالنية‪ ،‬فانتفى إرادة النوع الخر وهو‬
‫الدنيوي‪ ،‬لندفاع الضرورة بالول من صحة الكلم به‪ ،‬فل حاجة إلى النوع الخر‪.‬‬
‫القاعدة الثانية ـ ( المور بمقاصدها ) ‪:‬‬
‫معنى هذه القاعدة‪ :‬أن أعمال النسان وتصرفاته القولية والفعلية تخضع أحكامها الشرعية التي تترتب‬
‫عليها لمقصوده الذي يقصده منها‪ ،‬وليس بظاهر العمل أو القول‪.‬‬
‫والصل في هذه القاعدة كما أوضحت الحديث السابق‪« :‬إنما العمال بالنيات» وأحاديث أخرى كثيرة‬
‫في معناه أوردها السيوطي في كتابه (‪ . )2‬وأمثلتها مايأتي‪:‬‬
‫يختلف حكم القتل بحسب القصد الجنائي أو النية‪ ،‬فإذا كان القاتل عامدا وجب عليه القصاص‪ ،‬وإن‬
‫كان مخطئا وجبت عليه الدية‪ .‬وتقبل الصلة ويثاب عليها المصلي إن كانت بإخلص ل تعالى‪ ،‬وترد‬
‫في وجه صاحبها إن كانت بقصد الرياء‪.‬‬
‫ومن أخذ اللقطة بقصد تملكها‪ ،‬كان آثما غاصبا يضمنها‪ ،‬ومن أخذها بنية حفظها لمالكها حل له رفعها‬
‫وكان أمينا‪ ،‬ل يضمنها إذا هلكت إل بالتعدي أو بالتقصير في حفظها‪.‬‬
‫ومن قال لزوجته‪ :‬اذهبي إلى بيت أهلك‪ ،‬فإن قصد الطلق وقع عليه‪ ،‬وإن لم يقصده لم يحكم بالطلق‬
‫عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه ‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪.7‬‬

‫( ‪)1/134‬‬

‫وذكر قاضي خان في فتاواه عند الحنفية (‪ : )1‬أن بيع العصير ممن يتخذه خمرا‪ :‬إن قصد به التجارة‪،‬‬
‫فل يحرم‪ ،‬وإن قصد به لجل التخمير حرم (‪ ، )2‬وكذا غرس الكرم على هذا‪.‬‬
‫وهجر المسلم أخاه فوق ثلثة أيام دائر مع القصد‪ ،‬فإن قصد هجر المسلم حرم‪ ،‬وإلّ ل‪.‬‬
‫والحداد للمرأة على ميت غير زوجها فوق ثلث دائر مع القصد ‪،‬فإن قصدت ترك الزينة والتطيب‬
‫لجل الميت حرم عليها‪ ،‬وإل فل‪ .‬وإذا قرأ المصلي آية من القرآن جوابا لكلم‪ ،‬بطلت صلته وكذا إ‬
‫ذا أُخبر المصلي بما يسره فقال‪ :‬الحمد ل‪ ،‬قاصدا الشكر‪ ،‬بطلت صلته‪ ،‬أو بما يسوؤه‪ ،‬فقال‪ :‬ل حول‬
‫ول قوة إل بال أو بموت إنسان فقال‪ :‬إنا ل وإنا إليه راجعون‪ ،‬قاصدا له‪ ،‬بطلت صلته‪.‬‬
‫وإن سجد امرؤ للسلطان‪ ،‬فإن كان قصده التعظيم والتحية‪ ،‬دون الصلة ليكفر‪ ،‬لمر الملئكة‬
‫بالسجود لدم عليه السلم‪ ،‬وسجود إخوة يوسف له عليه السلم‪.‬والكل فوق الشبع حرام بقصد‬
‫الشهوة‪ ،‬وإن قصد به التقوي على الصوم أو مؤاكلة الضيف فمستحب‪.‬‬
‫والكافر إذا تترس بالمسلم‪ ،‬فإن رماه مسلم‪ ،‬فإن قصد قتل المسلم حرم‪ ،‬وإن قصد قتل الكافر ل يحرم‪.‬‬
‫وإذا توسد الكتاب‪ ،‬فإن قصد الحفظ ل يكره‪ ،‬وإل كره‪ .‬وإن غرس في المسجد‪ ،‬فإن قصد الظل ل‬
‫يكره‪ .‬وإن قصد منفعة أخرى يكره‪.‬‬
‫وكتابة اسم ال تعالى على الدراهم‪ ،‬إن كان بقصد العلمة ل يكره‪ ،‬وللتهاون يكره‪.‬‬
‫والجلوس على جوالق (وعاء) فيه مصحف‪ ،‬إن قصد الحفظ ل يكره‪ ،‬وإل يكره‪.‬‬
‫وكنايات البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والبراء والحوالة والقالة والوكالة وتفويض‬
‫القضاء‪ ،‬والقرار والجارة والوصية والطلق والخلع والرجعة واليلء والظهار واللعان‪ ،‬واليمان‬
‫والقذف والمان‪ ،‬إن قصد بها ما يقصد بالصريح وقع وإل فل (‪. )3‬‬
‫القاعدة الثالثة ـ (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني‪ ،‬ل لللفاظ والمباني)‪:‬‬
‫هذه القاعدة أخص من القاعدة الثانية السابقة‪ ،‬فهي في العقود خاصة‪ ،‬والثانية عامة في كل‬
‫التصرفات‪.‬‬
‫ومعناها‪ :‬أن ألفاظ العقود تحوّل العقد إلى عقد آخر إذا قصده العاقدان‪ ،‬فالهبة بشرط العوض‪ ،‬مثل‬
‫وهبتك كذا بشرط أن تعطيني كذا‪ ،‬هي بيع؛ لنها في معناه‪ ،‬فتأخذ أحكام البيع‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪.22‬‬
‫(‪ )2‬وقال الشافعية‪ :‬يحرم بيع الرطب والعنب لعاصر الخمر والنبيذ‪ ،‬أي لمتخذها لذلك بأن يعلم منه‬
‫ذلك أو يظنه ظنا غالبا‪ ،‬ومثله بيع السلح لباغ وقاطع طريق‪ ،‬للنهي عن ذلك‪ ،‬لكن ليبطل البيع‬

‫بسبب النهي ( مغني المحتاج‪.)38- 37/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،23-22‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪..10 - 9‬‬

‫( ‪)1/135‬‬
‫والكفالة بشرط عدم مطالبة المدين المكفول عنه‪ :‬حوالة تأخذ أحكامها لنها في معناها‪.‬‬
‫والحوالة بشرط مطالبة المدين المحيل والمحال عليه‪ :‬كفالة‪ .‬والعارة بعوض‪ :‬إجارة‪.‬‬
‫وبيع الوفاء عند الحنفية ( وهو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقارا‪ ،‬على أنه متى وفى الثمن‪ ،‬استرد‬
‫العقار ) يأخذ غالبا أحكام الرهن؛ لنه هو مقصود العاقدين‪.‬‬
‫لكن هذه القاعدة يعمل بها عند الحنفية والشافعية (‪ )1‬إن ظهر القصد في العقد صراحة أو ضمنا‪ ،‬فإن‬
‫لم يكن في العقد ما يدل على النية والقصد صراحة‪ ،‬فيعمل بقاعدة «المعتبر في أوامر ال المعنى‪،‬‬
‫والمعتبر في أمور العباد السم واللفظ» أي أن المبدأ حينئذ هو العتداد باللفاظ في العقود‪ ،‬دون‬
‫النيات والقصود؛ إذ إن نية السبب والغرض غير المباح شرعا مستترة‪ ،‬فيترك أمرها ل وحده‪ ،‬يعاقب‬
‫صاحبها عليها مادام أثم بنيته‪ .‬وبناء عليه‪ ،‬تؤخذ أحكام كل عقد من صيغته ومما لبسه واقترن به‪،‬‬
‫ففساده يكون من صيغته‪ ،‬وصحته تكون منها‪ ،‬ول يفسد لمور خارجة عنه‪ ،‬ولو كانت نيات ومقاصد‬
‫لها أمارات‪ ،‬أو لو كانت مآلت مؤكدة ونهايات ثابتة‪.‬‬
‫وهذا يدل على أن الشافعية والحنفية ل يأخذون بمبدأ سد الذرائع في بيوع الجال وبيوع العينة‪ ،‬كأن‬
‫يبيع إنسان سلعة بعشرة دراهم إلى شهر‪ ،‬ثم يشتريها بخمسة قبل الشهر‪ ،‬فالشافعي ينظر إلى صورة‬
‫البيع‪ ،‬ويحمل المر على ظاهره‪ ،‬فيصحح العقد‪ ،‬وأما أبو حنيفة فهو وإن لم يقل بحكم سد الذرائع‪،‬‬
‫يفسد البيع الثاني على أساس آخر‪ :‬وهو أن الثمن إذا لم يستوف‪ ،‬لم يتم البيع الول‪ ،‬فيصير الثاني‬
‫مبنيا عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية الحموي على الشباه والنظائر لبن نجيم‪ 12/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج شرح المنهاج‪:‬‬
‫‪ ،38-37/2‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪.149 - 148‬‬

‫( ‪)1/136‬‬
‫وأخذ المامان مالك وأحمد بمبدأ سد الذرائع في هذه البيوع؛ لنها وسيلة السلف بفائدة‪ :‬خمسة بعشرة‬
‫إلى أجل‪ ،‬بإظهار صورة البيع لذلك‪ .‬قال ابن القيم‪ :‬أحكام الشريعة تجري على الظاهر فيما عرف منه‬

‫قصد المتكلم لمعنى الكلم‪ ،‬أو لم يظهر قصد يخالف كلمه‪ ،‬وأما النيات والمقاصد فتعتبر فيما ظهر‬
‫فيه خلف الصيغة والنطق (‪ . )1‬وهذا هو الحق البلج لدي‪ ،‬سدا لباب التحايل على الربا‪ .‬فيكون‬
‫الباعث السيء أو القصد غير المشروع سببا واضحا في إفساد البيع وبطلنه‪.‬‬
‫ثالثا ـ محل النية‪:‬‬
‫محل النية باتفاق الفقهاء وفي كل موضع‪ :‬القلب وجوبا‪ ،‬ول تكفي باللسان قطعا‪ ،‬ول يشترط التلفظ‬
‫بها قطعا‪ ،‬لكن يسن عند الجمهور غير المالكية التلفظ بها لمساعدة القلب على استحضارها‪ ،‬ليكون‬
‫النطق عونا على التذكر‪ ،‬والولى عند المالكية‪ :‬ترك التلفظ بها (‪ )2‬؛ لنه لم ينقل عن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم وأصحابه التلفظ بالنية‪ ،‬وكذا لم ينقل عن الئمة الربعة‪ .‬وسبب كونها في القلب في جميع‬
‫العبادات‪ :‬أن النية‪ :‬الخلص‪ ،‬ول يكون الخلص إل بالقلب‪ ،‬أو لن حقيقتها القصد مطلقا‪ ،‬فإن نوى‬
‫بقلبه‪ ،‬وتلفظ بلسانه‪ ،‬أتى عند الجمهور بالكمل‪ ،‬وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجزئه‪ .‬وإن نوى‬
‫بقلبه ‪ ،‬ولم يتلفظ بلسانه أجزأه‪ .‬قال البيضاوي‪ :‬النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا‪ ،‬من‬
‫ل أو مآلً‪ ،‬والشرع خصصه بالرادة المتوجهة نحو الفعل‪ ،‬لبتغاء رضا‬
‫جلب نفع‪ ،‬أو دفع ضر‪ ،‬حا ً‬
‫ال تعالى‪ ،‬وامتثال حكمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الفروق للقرافي‪ ،32/2 :‬أعلم الموقعين‪ 400/4 ،120-117/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم ‪ :‬ص ‪ ، 51-46‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،57‬الشرح الكبير للدردير‬
‫وحاشية الدسوقي‪ ،520 ،233/1 :‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪ ،30-26‬كشاف القناع‪365/1 :‬‬
‫طبع مكة‪ ،‬أحكام النية للحسيني‪ :‬ص ‪.127 ،97 ،82 ،78 ،10‬‬

‫( ‪)1/137‬‬
‫والحاصل أن في الكلم عن محل النية أصلين‪:‬‬
‫الصل الول ـ أنه ل يكفي التلفظ باللسان دون القلب‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وماأمروا إل ليعبدوا ال‬
‫مخلصين له الدين} [البينة‪ ،]98/5:‬والخلص ‪ :‬ليس في اللسان‪ ،‬وإنما هو عمل القلب‪ ،‬وهو محض‬
‫النية‪ ،‬وذلك بأن يقصد بعمله ال وحده‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما‬
‫لكل امرئ ما نوى» ‪.‬‬
‫ويتفرع عن هذا الصل‪:‬‬
‫أ ـ أنه لو اختلف اللسان والقلب‪ ،‬فالعبرة بما في القلب‪ ،‬فلو نوى بقلبه الوضوء‪ ،‬وبلسانه التبرد‪ ،‬صح‬

‫الوضوء‪ ،‬ولو نوى عكسه ل يصح‪ .‬وكذا لو نوى بقلبه الظهر‪ ،‬وبلسانه العصر‪ ،‬أو بقلبه الحج وبلسانه‬
‫العمرة أو عكسه‪ ،‬صح له مافي القلب‪ .‬وجاء في بعض كتب الحنفية (القنية والمجتبى)‪ :‬من ل يقدر أن‬
‫يحضر قلبه لينوي بقلبه أو يشك في النية يكفيه التكلم بلسانه‪ { :‬ل يكلف ال نفسا إل وسعها } [البقرة‪:‬‬
‫‪.]2/286‬‬
‫ب ـ إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بال تعالى بل قصد‪ ،‬فل تنعقد عند الجمهور (غير الحنفية) وهي‬
‫يمين اللغو‪ ،‬ول يتعلق به كفارة‪ ،‬أو قصد الحلف على شيء‪ ،‬فسبق لسانه إلى غيره ‪ .‬وقال الحنفية (‬
‫ل ول كفارة لها‪ :‬هي أن يخبر عن الماضي‬
‫‪: )1‬انعقدت الكفارة؛ لن يمين اللغو التي لحكم لها أص ً‬
‫أو عن الحال‪ ،‬على الظن أن المخبر به كما أخبر‪ ،‬وهو بخلفه في النفي أو الثبات (‪ . )2‬كمن قال ‪:‬‬
‫«وال مادخلت هذه الدار» وفي ظنه أنه كذلك‪ ،‬والمر بخلفه‪ ،‬أو رأى طيرا من بعيد‪،‬فظن أنه‬
‫غراب‪ ،‬فحلف‪ ،‬فإذا هو حمام‪ ،‬ويمين اللغو عند الجمهور‪ :‬هي اليمين التي تجري على لسان الحالف‬
‫(سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل) من غير قصد اليمين‪ ،‬كأن يقول‪ :‬ل وال‪ ،‬أو بلى‬
‫وال‪ ،‬أو كان يقرأ القرآن‪ ،‬فجرى على لسانه اليمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪7‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ .4-3/3 :‬دون الحكم‪.‬‬

‫( ‪)1/138‬‬
‫والحاصل أن الحنفية يقولون‪ :‬ل لغو في المستقبل‪ ،‬بل اليمين على أمر في المستقبل تعتبر يمينا‬
‫منعقدة‪ ،‬وتجب فيها الكفارة إذا حنث الحالف‪ ،‬سواء قصد اليمين أو لم يقصد‪ ،‬وإنما تختص يمين اللغو‬
‫في الماضي أو الحال فقط‪ ،‬بحسب الظن من الحالف أن المر كما حلف‪ ،‬والحقيقة بخلف ذلك‪.‬‬
‫هذا في اليمين بال تعالى‪ ،‬وأما في الطلق والعتاق واليلء فيقع قضاء ل ديانة‪ ،‬أي أنه لم يتعلق به‬
‫شيء باطنا‪ ،‬ويديّن بذلك فيما بينه وبين ال تعالى‪ ،‬ول يقبل كلمه في الظاهر والقضاء‪ ،‬لتعلق حق‬
‫الغير به‪.‬‬
‫جـ ـ إن قصد بالطلق أو العتق معنى آخر غير معناه الشرعي‪ ،‬كلفظ الطلق أراد به الطلق من‬
‫وثاق‪ ،‬أو يقصد ضم شيء إليه يرفع حكمه‪ ،‬لم يقبل منه قضاء‪،‬ويديّن فيما بينه وبين ال تعالى‪ ،‬فيعمل‬
‫بما قصده‪ .‬قال الفوراني في البانة‪ :‬الصل أن كل من أفصح بشيء وقبل منه‪ ،‬فإذا نواه‪ ،‬قبل فيما‬
‫بينه وبين ال تعالى‬

‫ومثاله‪ :‬إذا قال رجل لمرأته‪ :‬أنت طالق‪ ،‬ثم قال‪ :‬أردت من وثاق‪ ،‬ول قرينة‪ ،‬لم يقبل في الحكم‪،‬‬
‫ويديّن‪ .‬فإن كان قرينة‪ ،‬كأن كانت مربوطة‪ ،‬فحلّها‪ ،‬وقال ذلك‪ ،‬قبل ظاهرا‪.‬‬
‫الصل الثاني ـ أنه ل يشترط مع نية القلب التلفظ في جميع العبادات‪ ،‬فل معتبر باللسان‪ ،‬ويترتب‬
‫على ذلك ما يأتي‪:‬‬
‫أ ـ إذا أحيا إنسان أرضا بنية جعلها مسجدا‪ ،‬فإنها تصير مسجدا بمجرد النية‪ ،‬فل يحتاج إلى التلفظ‪.‬‬
‫ب ـ من حلف‪ ( :‬ل يسلّم على فلن ) فسلّم على قوم هو فيهم‪ ،‬واستثناه بالنية‪ ،‬فإنه ل يحنث‪ ،‬بخلف‬
‫من حلف‪ ( :‬ل يدخل على فلن ) فدخل على قوم هو فيهم‪ ،‬واستثناه بقلبه‪ ،‬وقصد الدخول على غيره‪،‬‬
‫فإنه يحنث في الصح عند الشافعية‪ ،‬وكذا يحنث عند الحنفية إن كان فلن ساكنا في الدار‪ ،‬ول يحنث‬
‫إن لم يكن ساكنا ‪.‬‬

‫( ‪)1/139‬‬
‫ويستثنى من هذا الصل مسائل‪:‬‬
‫منها‪ ( :‬النذر والطلق والعتاق والوقف ) لو نواها بقلبه‪ ،‬ولم يتلفظ لم ينعقد النذر والوقف‪ ،‬ولم يقع‬
‫الطلق والعتق بمجرد النية‪ ،‬بل لبد من التلفظ‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬لو قال رجل لمرأته‪ ( :‬أنت طالق ) ثم قال‪ :‬أردت‪ :‬إن شاء ال تعالى‪ ،‬لم يقبل قوله‪ ،‬قال‬
‫الرافعي‪ :‬المشهور أنه ل يديّن أيضا‪ .‬ومنها‪ :‬حديث النفس ليؤاخذ به مالم يتكلم أو يعمل‪ ،‬أو من عزم‬
‫على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفظ بها ل يأثم‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ـ فيما رواه الئمة الستة‬
‫عن أبي هريرة ـ « إن ال تجاوز لمتي عما حدّثت بها أنفسها‪ ،‬مالم تتكلم به أو تعمل به» ‪.‬‬
‫وقد قسم السبكي وغيره من العلماء الذي يقع في النفس من قصد المعصية خمس مراتب‪:‬‬
‫الولى ـ الهاجس‪ :‬وهو ما يُلقى في النفس‪ ،‬وهذا ل يؤاخذ به إجماعا لنه ليس من فعله‪ ،‬وإنما هو‬
‫شيء ورد عليه ل قدرة له فيه ول صنع‪.‬‬
‫الثانية ـ الخاطر‪ :‬وهو ما يجري في النفس‪ ،‬وكان النسان قادرا على دفعه‪ ،‬كصرف الهاجس أول‬
‫وروده‪ .‬وهذا ل مؤاخذة فيه أيضا‪.‬‬
‫الثالثة ـ حديث النفس‪ :‬وهو ما يقع في النفس من التردد‪ ،‬هل يفعل أو ل؟ وهذا ل إثم فيه أيضا‪،‬‬
‫بنص الحديث السابق‪ ،‬وإذا ارتفع حديث النفس‪ ،‬ارتفع ما قبله با لولى‪.‬‬
‫وهذه المراتب الثلث لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجر‪ ،‬لعدم القصد‪.‬‬
‫الرابعة ـ الهمّ‪ :‬وهو ترجيح قصد الفعل‪ ،‬وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الهم بالحسنة يكتب حسنة‪،‬‬

‫والهمّ بالسيئة ل يكتب سيئة (‪ ، )1‬وينظر‪ :‬فإن تركها ل تعالى كتبت حسنة‪ ،‬وإن فعلها كتبت سيئة‬
‫واحدة‪ .‬والصح في معناه أنه يكتب عليه إثم الفعل وحده‪ ،‬وأن اله ّم مرفوع‪.‬‬
‫الخامسة ـ العزم‪ :‬وهو قوة القصد والجزم به‪ ،‬والمحققون على أنه يؤاخذ به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ‪« :‬إن ال كتب الحسنات والسيئات‪ ،‬ثم بيّن ذلك‪ ،‬فمن‬
‫عشْرَ حسنات‪ ،‬إلى سبع‬
‫همّ بحسنة فلم يعملها كتبها ال عنده حسنة‪ ،‬وإن ه ّم بها فعملها كتبها ال عنده َ‬
‫مئة ضعف‪ ،‬إلى أضعاف كثيرة‪ ،‬وإن همّ بسيئة‪ ،‬فلم يعملها‪ ،‬كتبها ال عنده حسنة كاملة ‪،‬وإن همّ بها‬
‫فعملها كتبها ال سيئة واحدة» ‪.‬‬

‫( ‪)1/140‬‬
‫رابعا ـ زمن النية أو وقتها‪:‬‬
‫الصل العام‪ :‬أن وقت النية أول العبادة البدنية إل في حالت سأذكرها (‪. )1‬‬
‫فنية الوضوء‪ :‬محلها عند غسل الوجه‪ ،‬قال الحنفية‪ :‬ويسن أن تكون في أول السنن عند غسل اليدين‬
‫إلى الرسغين‪ ،‬لينال ثواب السنن المتقدمة على غسل الوجه‪.‬‬
‫ووقتها‪ :‬قبل الستنجاء ليكون جميع فعله قربة ل تعالى‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬محلها الوجه‪ ،‬وقيل‪ :‬أول الطهارة‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬يجب قرن النية بأول غسل جزء من‬
‫الوجه‪ ،‬لتقترن بأول الفرض كالصلة‪ ،‬ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين‪ ،‬لتشمل النية مسنون‬
‫الطهارة ومفروضها‪ ،‬فيثاب على كل منهما‪ ،‬كما قال الحنفية‪ ،‬ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن‬
‫يسير‪ ،‬فإن طال الزمن لم يجزئه ذلك‪ .‬ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة‪ ،‬لتكون أفعاله‬
‫مقترنة بالنية‪ ،‬وإن استصحب حكمها أجزأه‪ ،‬ومعناه أل ينوي قطعها‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬وقت النية عند أول واجب‪ ،‬وهو التسمية في الوضوء‪.‬‬
‫وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء‪ ،‬بأن ينوي عند كل عضو رفع‬
‫الحدث عنه؛ لنه يجوز تفريق أفعال الوضوء‪ ،‬فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله ‪.‬‬
‫والمعتمد عند المالكية‪ ،‬خلفا لبن رشد‪ :‬أنه ل يجزئ تفريق النية على العضاء‪ ،‬بأن يخص كل‬
‫عضو بنية‪ ،‬من غير قصد إتمام الوضوء‪ ،‬ثم يبدو له‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 43‬ومابعدها‪ ،‬للسيوطي‪ :‬ص ‪ 21‬ومابعدها‪ ،‬أحكام النية‬
‫للحسيني‪ :‬ص ‪.125-122 ،78 ،74 ،10‬‬

‫( ‪)1/141‬‬
‫فيغسل ما بعده‪ ،‬فإن فرق النية على العضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور‪،‬أجزأه ذلك‪.‬‬
‫والغسل كالوضوء في السنن عند الحنفية؛ لن البتداء بالنية في الغسل عندهم سنة فقط‪ ،‬ليكون فعل‬
‫المغتسل تقربا يثاب عليه‪ ،‬كالوضوء‪ .‬وأوجب الجمهور النية للغسل كالوضوء‪ ،‬للحديث السابق‪ ( :‬إنما‬
‫العمال بالنيات ) وتكون النية عند غسل أول جزء من البدن‪ ،‬بأن ينوي فرض الغسل‪ ،‬أو رفع‬
‫الجنابة أو الحدث الكبر‪ ،‬أو استباحة ممنوع مفتقر إليه‪.‬‬
‫والنية في التيمم فرض باتفاق المذاهب الربعة‪ ،‬والمعتمد الراجح أنها شرط عند الحنفية والحنابلة‪،‬‬
‫وتكون لدى الحنفية عند الوضع على الصعيد (التراب)‪ .‬وأوجب الشافعية قرن النية بالنقل الحاصل‬
‫للتراب بالضرب إلى الوجه؛ لنه أول الركان‪ ،‬ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من‬
‫الوجه‪ .‬واقتصر المالكية والحنابلة على إيجاب النية عند مسح الوجه‪.‬‬
‫ونية الصلة تكون عند تكبيرة الحرام‪ ،‬واشترط الحنفية (‪ )1‬اتصال النية بالصلة‪ ،‬بل فاصل أجنبي‪،‬‬
‫بين النية والتكبيرة‪ ،‬والفاصل‪ :‬عمل ما ل يليق بالصلة كالكل والشرب ونحو ذلك‪ .‬وأوجب المالكية‬
‫(‪ )2‬استحضار النية عند تكبيرة الحرام‪ ،‬أو قبلها بزمن يسير‪.‬‬
‫واشترط الشافعية (‪ )3‬اقتران النية بفعل الصلة‪ ،‬فإن تراخى عنه سمي عزما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق للزيلعي‪.99/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير وحاشية الصاوي‪ ، 305/1 :‬طبع دار المعارف بمصر‪.‬‬
‫(‪ )3‬حاشية الباجوري‪305/1 :‬‬

‫( ‪)1/142‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬الفضل مقارنة النية للتكبير‪ ،‬فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول‬
‫الوقت في أداء فريضة وراتبة‪ ،‬ولم يفسخها‪ ،‬وكان ذلك مع بقاء إسلمه‪ ،‬بأن لم يرتدّ‪ ،‬صحت صلته؛‬
‫لن تقدم النية على التكبير بزمن يسير ل يخرج الصلة عن كونها منْوية‪ ،‬ول يخرج الفاعل عن كونه‬
‫ناويا مخلصا‪ ،‬ولن النية من شروط الصلة‪ ،‬فجاز تقدمها كبقية الشروط‪ ،‬وفي طلب المقارنة حرج‬

‫ومشقة‪ ،‬فيسقط لقوله تعالى‪{ :‬وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج‪ ،]78/22:‬ولن أول الصلة‬
‫من أجزائها‪،‬فكفى استصحاب النية فيه كسائرها‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬يجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الحرام‪ ،‬لكن الشافعية أوجبوا أن تكون النية مقارنة‬
‫للتكبير‪ ،‬ومقترنة بكل التكبير؛ لن التكبير أول أفعال الصلة‪ ،‬فيجب اقتران النية به كالحج وغيره‪،‬‬
‫وأجاز باقي المذاهب (الجمهور) تقدم النية على التكبير بزمان يسير‪ ،‬فإن تأخرت النية أو تقدمت‬
‫بزمن كثير‪ ،‬بطلت بالتفاق‪.‬‬
‫وكذلك قال الشافعي في المامة‪ :‬إذا أحرم‪ ،‬إماما كان أو منفردا‪ ،‬نوى في حال التكبير‪ ،‬ل قبله ول‬
‫بعده‪ .‬قال أصحاب الشافعي‪ :‬لم يرد بهذا أنه ل يجوز أن تتقدم النية على التكبير‪ ،‬ول تتأخر عنه‪،‬‬
‫وإنما أراد الشافعي بقوله‪« :‬ل قبله» أنه ل يجوز أن ينوي قبل التكبير‪ ،‬ويقطع نيته قبل التكبير‪،‬‬
‫وكذلك لم يرد بقوله‪« :‬ولبعده» أنه ل تجوز استدامتها بعد التكبير‪ ،‬وإنما أراد لو ابتدأ بالنية بعد‬
‫التكبير لم تجزه‪ ،‬فإن نوى قبل التكبير‪ ،‬واستصحب ذكرها إلى آخر التكبير أجزأه‪ ،‬وكذلك لو استدام‬
‫ذكرها بعد الفراغ من التكبير أجزأه‪ ،‬وقد أتى بأكثر مما يجب عليه‪ ،‬ول يضره ذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،367 :‬طبع مكة‪ ،‬غاية المنتهى ‪115 ، 54/1 :‬‬

‫( ‪)1/143‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬ينبغي أن تكون نية المامة وقت اقتداء أحد بالمام ل قبله‪ ،‬كما أنه ينبغي أن يكون وقت‬
‫نية الجماعة أول صلة المأموم‪ ،‬قال في فتح القدير في صحة القتداء بالمام‪ :‬والفضل أن ينوي‬
‫القتداء عند افتتاح المام‪.‬‬
‫وأما ما يستثنى من وجوب توقيت النية أول العبادة فهو ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الصوم‪ :‬يجوز تقديم نيته على أول الوقت‪ ،‬لعسر مراقبته‪ ،‬فلو نوى مع الفجر لم يصح في‬
‫الصح عند الشافعية‪ .‬وفصل الحنفية القول ورأوا أن الصوم إن كان أداء رمضان‪ ،‬جاز بنية متقدمة‬
‫من غروب الشمس‪ ،‬وبنية مقارنة لطلوع الفجر وهو الصل‪ ،‬وبنية متأخرة عن الشروع إلى ما قبل‬
‫نصف النهار الشرعي تيسيرا على الصائمين‪ .‬وإن كان غير أداء رمضان من قضاء أو نذر أو كفارة‪،‬‬
‫فيجوز بنية متقدمة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر‪ ،‬ويجوز بنية مقارنة لطلوع الفجر؛ لن‬
‫ل فكرمضان أداء‪.‬‬
‫الصل القران‪ ،‬وإن كان نف ً‬
‫ً‪ - 2‬الحج‪ :‬النية فيه سابقة على الداء‪ ،‬أي أداء المناسك‪ ،‬عند الحرام‪ ،‬وهو النية مع التلبية أو ما‬

‫يقوم مقامها من سوق الهدي عند الحنفية‪ .‬ورأى المالكية أن الحرام ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل‬
‫متعلق بالحج‪ ،‬كالتلبية والتوجه إلى الطريق‪ ،‬لكن الرجح أنه ينعقد بمجرد النية‪ ،‬وقرر الشافعية‬
‫والحنابلة أن الحرام ينعقد بالنية‪ ،‬فإن اقتصر على النية‪ ،‬ولم يلبّ أجزأه‪ ،‬وإن لبى بل نية‪ ،‬لم ينعقد‬
‫إحرامه‪ ،‬ول يشترط قرن النية بالتلبية؛ لنها من الذكار‪ ،‬فلم تجب في الحج كسائر الذكار‪ ،‬فصار‬
‫الجمهور قائلين بانعقاد الحرام بالنية؛ ول ينعقد بمجردها عند الحنفية‪ ،‬وإنما لبد من قرنه بقول أو‬
‫فعل من خصائص الحرام‪.‬‬

‫( ‪)1/144‬‬
‫والصح عند الشافعية أن وقت نية التمتع مالم يفرغ من العمرة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬الزكاة وصدقة الفطر‪ :‬يجوز تقديم النية فيهما على الدفع إلى الفقراء قياسا على الصوم‪ ،‬ويكتفى‬
‫بوجود النية حال عزل مقدار ما وجب عن بقية المال‪ ،‬أو عند إعطائها للوكيل أو بعده‪ ،‬وقبل التفرقة‪،‬‬
‫تيسيرا على المزكين‪ ،‬وإن كان الصل أل يجوز أداء الزكاة إل بنية مقارنة للداء‪ .‬وهل تجوز بنية‬
‫متأخرة على الداء؟ قال الحنفية‪ :‬لو دفعها بل نية‪ ،‬ثم نوى بعده‪ ،‬فإن كان المال قائما في يد الفقير‬
‫جاز وإل فل‪.‬‬
‫والكفارة مثل الزكاة يجوز تقديمها على وجوبها‪ ،‬ويجوز تقديم نيتها على دفعها للمستحقين‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬نية الجمع بين الصلتين‪ :‬تكون في الصلة الولى‪ ،‬مع أن الصلة الثانية هي المجموعة‪ .‬فإن‬
‫جعلت الصلة الولى أول العبادة‪ ،‬جاز فيها عند الشافعية تأخير النية عن أولها؛ لن الظهر جواز‬
‫النية في أثنائها ومع التحلل منها‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬نية الضحية‪ :‬يجوز تقديمها على الذبح‪ ،‬ول يجب اقترانها به في الصح لدى الشافعية‪ .‬وتجوز‬
‫النية عند الدفع إلى الوكيل في الصح‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬نية الستثناء في اليمين‪ :‬تجب قبل فراغ اليمين مع وجوبها في الستثناء أيضا‪.‬‬
‫عدم اشتراط النية في البقاء‪:‬‬
‫ل تشترط النية في البقاء للحرج‪ ،‬ول يلزم نية العبادة في كل جزء‪ ،‬إنما تلزم في جملة ما يفعله في‬
‫كل حال‪ .‬وعليه يكتفى في العبادات الفعال بالنية في أولها‪ ،‬وليحتاج إليها في كل فعل‪ ،‬اكتفاء‬
‫بانسحابها عليه كالوضوء والصلة‪ ،‬وكذا الحج‪ ،‬فل يحتاج إلى إفراد الطواف والسعي والوقوف بنية‪.‬‬
‫لكن ل يجوز في الصلة تفريق النية على أركانها‪ ،‬ويجوز ذلك في الوضوء على الصح في مذهب‬
‫الشافعية كما بينت‪ ،‬والكمل في الحج وجود نية الطواف والسعي والوقوف بعرفة عند كل منها‪ ،‬لكن‬

‫تشترط النية في طواف النذر والتطوع‪ ،‬لعدم اندراجه مع غيره‪ ،‬وعلى هذا يقال‪ :‬لنا عبادة تجب النية‬
‫في نفلها دون فرضها وهو الطواف‪ ،‬ول نظير لذلك‪.‬‬

‫( ‪)1/145‬‬
‫وعبارة الحنابلة في ذلك‪ :‬الواجب استصحاب حكم النية دون حقيقتها‪ ،‬بمعنى أنه ل ينوي قطعها‪ ،‬فلو‬
‫ذهل عنها‪ ،‬لم يؤثر ذلك في صحة صلته‪.‬‬
‫وذكر الحنفية أن الحاج لو طاف بنية التطوع في أيام النحر‪ ،‬وقع عن الفرض‪ ،‬ولو طاف بعد ما حل‬
‫النفر ونوى التطوع أجزأه عن طواف الصدر (الوداع)‪ .‬ولو طاف الحاج طالبا الغريم ل يجزئه‪ ،‬ولو‬
‫وقف في عرفات طالبا الغريم أجزأه؛ لن الطواف قربةمستقلة بخلف الوقوف (‪. )1‬‬
‫خامسا ـ كيفية النية‪:‬‬
‫تتطلب العبادة مع نية فعلها تمييزها عن غيرها‪ ،‬سواء أكان ذلك الغير عبادة من نوعها أو جنسها أم‬
‫غير عبادة أي فعلً عاديا؛ لن المقصود بالنية في العبادة تمييزها عن العادات‪ ،‬أو تمييز رتب العبادة‬
‫عن بعضها‪.‬‬
‫ل الوضوء يكون عبادة إذا قصد به التوصل للعبادة كالصلة والطواف ونحوهما مما يفتقر إلى‬
‫مث ً‬
‫ذلك‪ ،‬ويكون عادة للنظافة والتبرد ونحوهما‪ ،‬فإذا نوى استباحة الصلة باستعمال الماء في أعضاء‬
‫الوضوء‪ ،‬أو فرض الغسل‪ ،‬صح الوضوء‪.‬‬
‫والصلة‪ ،‬وإن لم تكن من جنس العادات‪ ،‬بل هي محض عبادة‪ ،‬فإنها تتنوع إلى نوعين‪ :‬فرض وسنة‪،‬‬
‫والفرض‪ :‬عيني وكفائي‪ ،‬الول‪ :‬الصلوات الخمس‪ ،‬والثاني‪ :‬الجنازة‪ .‬والسنة‪ :‬رواتب تابعة للفرائض‪،‬‬
‫ووتر وعيدان وكسوفان واستسقاء وتراويح‪ ،‬ونفل مطلق‪ .‬فالفرض لبد مع نية فعله من ملحظة تعينه‬
‫باسمه‪ ،‬ليتميز عن باقي الفروض‪ ،‬ومن ملحظة فرضيته ليتميز عما عداه من السنن‪ ،‬ولم يشترط‬
‫بعض الفقهاء التعرض في نيته للفرضية‪ ،‬اكتفاء بالتعيين بالسم‪ ،‬لوضعه للفرض‪ .‬والرواتب والسنن‬
‫المؤكدة غير النفل المطلق‪ :‬لبد مع نية فعلها من ملحظة تعينها بإضافة‪ :‬كراتبة كذا‪ ،‬أو صلة عيد‬
‫كذا‪ ،‬أو صلة كسوف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،46-45‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪ ،23‬أحكام النية للحسيني‪ :‬ص ‪-124‬‬
‫‪ ،126‬المغني‪ .467/1 :‬ولسبب‪.‬‬

‫( ‪)1/146‬‬

‫وأما النفل المطلق‪ :‬فيكفي فيه نية الفعل‪ ،‬لتميزه بذاته عن غيره لعدم تقيده بوقت وإعطاء المال للغير‬
‫من غير مقابل‪ :‬قد يكون زكاة‪ ،‬وصدقة تطوع‪ ،‬وهدية‪ ،‬وهبة‪ ،‬فل بد مع نية العطاء من التعيين‬
‫بالوصف الشرعي وهو الزكاة مثلً‪ ،‬ليتميز عن العطاء لغيرها‪ ،‬ول يحتاج لنية الفرض؛ لن لفظ‬
‫الزكاة موضوع شرعا للفرض‪.‬‬
‫والمساك عن المفطرات قد يكون لجل الصيام‪ ،‬وقد يكون لجل الحمية والتداوي‪ ،‬فل بد مع نية‬
‫المساك من ملحظة تعينه بكونه صياما ليتميز عن غيره‪ .‬ثم إن الصيام يكون فرضا وسنة كالصلة‪،‬‬
‫فل بد مع نية الصيام من ملحظة تعينه بكونه عن رمضان إن وقع في غير شهره‪ ،‬أو قضاء عنه‪ ،‬أو‬
‫كفارة يمين أو ظهار أو قتل أو جماع في رمضان أو فدية تطيب في الحج مثلً‪ .‬ول يحتاج في ذلك‬
‫إلى ملحظة الفرض؛ لن هذه المور ل تكون إل فرضا‪ ،‬فهو متعين بذاته ل يشتبه بغيره من السنن‪.‬‬
‫وقصد الحرم قد يكون للحرام‪ ،‬وقد يكون لغيره من العادات كالتجارة أو غيرها‪ ،‬فلبد مع قصده من‬
‫ملحظة كونه للحرام‪ ،‬إما بالحج إن كان الوقت قابلً له وذلك في أشهر الحج‪ ،‬أو بالعمرة‪ ،‬أو مطلقا‪،‬‬
‫ويصرف لما شاء منهما‪ ،‬إن كان الوقت قابلً للحج‪ ،‬وإل تعين للعمرة‪ .‬ول يشترط نية الفرضية‬
‫لنصراف الحرام إليه‪ ،‬حيث لم يسبق له حج ول عمرة (‪. )1‬‬
‫ودليل اشتراط التعيين حديث‪ ( :‬وإنما لكل امرئ مانوى ) فهو ظاهر في اشتراط التعيين‪ ،‬كما بينا‪.‬‬
‫وأذكر هنا أمثلة لكيفية النية في العبادات‪ ،‬ففي الوضوء‪ :‬أن ينوي رفع الحدث‪ ،‬أو إقامة الصلة‪ ،‬أو‬
‫ينوي الوضوء‪ ،‬أو امتثال المر اللهي‪ ،‬أو يقصد بطهارته استباحة شيء ل يستباح إل بها‪ ،‬كالصلة‬
‫والطواف ومس المصحف‪ ،‬أو ينوي رفع الجنابة أو فرض الغسل‪ ،‬أو الغسل المفروض مع أول غسل‬
‫جزء من الجسد وهو الرأس أو غيره‪.‬وإذا وضأه غيره‪ ،‬اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛‬
‫لن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء‪ .‬وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه‬
‫استباحة الصلة دون رفع الحدث‪ ،‬لعدم إمكان رفعه (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نهاية الحكام في بيان ماللنية من الحكام لحمد الحسيني‪ :‬ص ‪ 10‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،17/1 :‬الدر المختار‪ 98/1 :‬ومابعدها‪ 140 ،‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪ 361/1 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫مغني المحتاج ‪ ،72 ،47/1‬بداية المجتهد‪ 7/1 :‬ومابعدها‪ 42 ،‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪114/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ 166 ،‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 94/1 :‬ومابعدها‪ 173،‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 142/1،218 :‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/147‬‬

‫وفي التيمم‪ :‬ينوي عند الحنفية أحد أمور ثلثة‪ :‬إما نية الطهارة من الحدث‪ ،‬أو استباحة الصلة‪ ،‬أو‬
‫نية عبادة مقصودة ل تصح بدون طهارة‪ ،‬كالصلة أو سجدة التلوة أو صلة الجنازة‪ ،‬ول تشترط له‬
‫نية الفرض؛ لنه من الوسائل عندهم‪.‬‬
‫ونية التيمم عند المالكية‪ :‬إما استباحة الصلة أو استباحة ما منعه الحدث‪ ،‬أو فرض التيمم عند مسح‬
‫الوجه‪ ،‬ولو نوى رفع الحدث فقط‪ ،‬كان تيممه باطلً؛ لن التيمم ل يرفع الحدث‪ ،‬على المشهور‬
‫عندهم‪ .‬ولو نوى فرض التيمم أجزأه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬لبد أن ينوي استباحة الصلة ونحوها‪ ،‬فل يكفي في الصح نية فرض التيمم أو‬
‫فرض الطهارة أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة؛ لن التيمم ل يرفع الحدث عندهم‪.‬‬
‫وينوي عند الحنابلة استباحة ما ل يباح إل بالتيمم كالصلة ونحوها‪ ،‬من طواف أو مس مصحف‪ ،‬أي‬
‫كما قال الشافعية (‪. )1‬‬
‫وفي الغسل‪ :‬ينوي المغتسل عند غسل أول جزء من البدن نية فرض الغسل أو رفع الجنابة أو الحدث‬
‫الكبر‪ ،‬أو استباحة ممنوع مفتقر إلى الغسل كأن ينوي استباحة الصلة أو الطواف مما يتوقف على‬
‫غسل‪ ،‬فإن نوى ما ل يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد‪،‬لم يصح‪ .‬وتكون النية مقرونة بأول فرض‪ :‬وهو‬
‫أول ما يغسل من البدن‪ ،‬سواء أكان من أعله أم من أسفله‪ ،‬إذ ل ترتيب فيه (‪ . )2‬ول تشترط عند‬
‫الحنفية نية الفرضية‪ ،‬الغسل والوضوء‪ ،‬لعدم اشتراط النية فيهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،89 ،86/1 :‬البدائع‪ ،52 ،25/1 :‬تبيين الحقائق‪ ،38/1 :‬الشرح الكبير‪،154/1 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،37‬المهذب‪ ،32/1 :‬مغني المحتاج‪ ،97/1 :‬المغني‪ ،251/1 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪.199/1‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ 38/1 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪ ،20/1 :‬الشرح الصغير‪ 166/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫بداية المجتهد‪42/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 72/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 218/1 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف‬
‫القناع‪ 173/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/148‬‬
‫وفي الصلة‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن كان المصلي منفردا يصلي وحده‪ ،‬عيّن نوع الفرض أو الواجب‪ ،‬وإن كان تطوعا‬
‫تكفيه نية الصلة‪.‬‬

‫وإن كان المصلي إماما‪ ،‬عيّن كما سبق‪ ،‬ول يشترط للرجل نية إمامة الرجال‪ ،‬ويصح اقتداؤهم به‬
‫بدون نية إمامتهم‪ .‬ويشترط للرجل نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به‪.‬‬
‫وإن كان مقتديا‪ ،‬عيّن أيضا كما سبق‪ ،‬ويحتاج لزيادة نية القتداء بالمام‪ ،‬كأن ينوي فرض الوقت‬
‫والقتداء بالمام فيه‪ ،‬أو ينوي الشروع في صلة المام‪ ،‬أو ينوي القتداء بالمام في صلته‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يجب التعيين في الفرائض‪ ،‬والسنن الخمس (وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف‬
‫والستسقاء) (‪ )1‬وسنة الفجر‪ ،‬دون غيرها من النوافل كالضحى والرواتب والتهجد‪ ،‬فيكفي فيه نية‬
‫مطلق نفل‪ ،‬وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال‪ ،‬ولراتب الظهر إن كان قبل صلته‪ ،‬أو بعده‪،‬‬
‫ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه‪ ،‬وللتهجد إن كان في الليل‪ ،‬وللشفع (سنة العشاء) إن كان قبل‬
‫الوتر‪ .‬ول يشترط نية الداء أو القضاء أو عدد الركعات‪ ،‬فيصح القضاء بنية الداء وعكسه‪ .‬وتجب‬
‫نية النفراد‪ ،‬والمأمومية‪ ،‬ول تجب نية المامة إل في الجمعة والجمع بين الصلتين تقديما للمطر‪،‬‬
‫والخوف‪ ،‬والستخلف‪ ،‬لكون المام شرطا فيها (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 127/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،406/1 :‬تبيين الحقائق‪ ،99/1:‬فتح القدير‪،185/1 :‬‬
‫الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 32‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير وحاشية الدسوقي‪ ،520 ،233/1 :‬بداية المجتهد‪ ،116/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪.57‬‬

‫( ‪)1/149‬‬
‫وقرر الشافعية (‪ )1‬أنه إن كانت الصلة فرضا‪ ،‬ولو فرض كفاية كصلة الجنازة‪ ،‬أو قضاء كالفائتة‪،‬‬
‫أو معادة‪ ،‬أو نذرا يجب ثلثة أمور‪:‬‬
‫أ ـ نية الفرضية‪ :‬أي يلحظ ويقصد كون الصلة فرضا‪ ،‬لتتميز عن النفل وال ُمعَاد‪ .‬والعبارة عن نية‬
‫الفرض‪ :‬أن يقول‪ ( :‬أؤدي الظهر‪ ،‬فرض الوقت ل تعالى ) فيشمل قوله‪ ( :‬أؤدي ) أصل الفعل‬
‫والداء‪.‬‬
‫ب ـ والقصد‪ :‬أي قصد إيقاع الفعل‪ ،‬بأن يقصد فعل الصلة لتتميز عن سائر الفعال‪.‬‬
‫جـ ـ التعيين‪ :‬أي تعيين نوع الفريضة من صبح أو ظهر مثلً‪ ،‬بأن يقصد إيقاع صلة فرض الظهر‬
‫مثلً‪.‬‬
‫ويشترط أن يكون ذلك مقارنا لجميع أجزاء تكبيرة الحرام‪ ،‬مقارنة إجمالية لتفصيلية‪ ،‬بأن يستحضر‬

‫المصلي أركان الصلة‪ ،‬أي أن تكون حاضرة في الذهن في زمن واحد‪ ،‬بأن يحضر المصلي في ذهنه‬
‫ذات الصلة وصفاتها التي يجب التعرض لها كالظهرية والفرضية وغيرهما‪ ،‬ثم يقصد إلى هذا‬
‫المعلوم قصدا مقارنا لول التكبير‪ ،‬ودائما مع ذكر المعلوم إلى آخر التكبير‪ ،‬وتكفي المقارنة العرفية‬
‫العامة‪ ،‬بحيث يعدّ المصلي مستحضرا ً للصلة غير غافل عنها‪ ،‬قال النووي‪ :‬وهو المختار‪.‬‬
‫وهذا الحكم هو المقصود عندهم بالستحضار والمقارنة العرفيين‪ ،‬أي يستحضر قبل التحريمة فعل‬
‫الصلة من أقوالها وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالً‪ ،‬على المعتمد‪ ،‬ويقرن ذلك الستحضار‬
‫السريع في الذهن في أثناء تكبيرة الحرام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ ،252-243/3 :‬مغني المحتاج‪ ،253-252 ،150-148/1 :‬حاشية الباجوري‪:‬‬
‫‪.149/1‬‬

‫( ‪)1/150‬‬
‫والحاصل‪ :‬إن كانت الصلة إحدى الفرائض الخمس‪ ،‬يجب على المصلي ثلث نيات‪ :‬فعل الصلة‪،‬‬
‫والفرضية‪ ،‬والتعيين‪ ،‬فيقول‪ :‬نويت أن أصلي فرض الظهر‪ ،‬أو نويت أداء فرض صلة العصر‪ ،‬أو‬
‫فرض صلة المغرب‪ ،‬ينوي الصلة لتتميز العبادة عن العادة‪ ،‬وينوي الظهر لتمتاز عن العصر‪،‬‬
‫وينوي الفرض ليمتاز عن النفل‪.‬‬
‫ول يشترط نية عدد الركعات‪ ،‬ول تعيين اليوم‪ ،‬ل في الداء ول في القضاء‪ ،‬ول الضافة إلى ال‬
‫تعالى (‪ ، )1‬ول التعرض لركان الصلة‪ ،‬ول لستقبال القبلة‪ ،‬ول التعرض للداء والقضاء في‬
‫الصح عند الكثرين‪ ،‬وإنما يسن ذلك كله‪ ،‬فل تجب الضافة إلى ال تعالى؛ لن العبادة ل تكون إل‬
‫له سبحانه وتعالى‪ ،‬لكن تستحب ليتحقق معنى الخلص‪ .‬ويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات‬
‫خروجا من الخلف‪ ،‬فلو أخطأ في العدد‪ ،‬كأن نوى الظهر ثلثا أو خمسا‪ ،‬لم تنعقد صلته‪ ،‬كما‬
‫يستحب نية الداء والقضاء للتمييز بينهما‪ .‬والصح لدى الشافعية أنه يصح الداء بنية القضاء وعكسه‬
‫في حالة العذر‪ ،‬كجهل الوقت بسبب غيم أو نحوه‪ ،‬فلو ظن خروج الوقت‪ ،‬فصلها قضاء‪ ،‬فبان بقاؤه‪،‬‬
‫أو ظن بقاء الوقت‪ ،‬فصلها أداء‪ ،‬فبان خروجه‪ ،‬صحت صلته‪.‬‬
‫وذكر المالكية‪ :‬أنه يصح القضاء بنية الداء وعكسه مطلقا‪ .‬ويصح عند الحنابلة أيضا القضاء بنية‬
‫الداء أو عكسه إذا بان خلف ظنه‪ .‬كذلك قال الحنفية‪ :‬يجوز الداء بنية القضاء وبالعكس في الصلة‬
‫والحج‪.‬‬

‫وإن كانت الصلة نفلً ذات وقت كسنن الرواتب‪ ،‬أو ذات سبب كالستسقاء‪ ،‬وجب أمران‪ :‬قصد فعله‪،‬‬
‫وتعيينه كسنة الظهر أو عيد الفطر أو الضحى‪ ،‬ول يشترط نية النفلية على الصحيح‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهذا هو أيضا رأي الحنفية والمالكية كما بينا‪ ،‬ورأي الحنابلة ( الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص‬
‫‪ ،35 -32‬كشاف القناع‪ 365/1 :‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪.)116/1 :‬‬

‫( ‪)1/151‬‬
‫ويكفي في النفل المطلق (وهو الذي ل يتقيد بوقت ول سبب نحو تحية المسجد وسنة الوضوء) نية‬
‫فعل الصلة‪.‬‬
‫ول يشترط للمام نية المامة‪ ،‬بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة‪ ،‬فإن لم ينو لم تحصل له‪ ،‬إذ ليس‬
‫للمرء من عمله إل مانوى‪ .‬وتشترط نية المامة في مذهب الشافعية في حالت أربع‪ :‬في الجمعة‪،‬‬
‫والصلة المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم‪ ،‬والصلة المعادة في الوقت جماعة‪ ،‬والصلة التي‬
‫نذر أن يصليها جماعة‪ ،‬للخروج من الثم‪ .‬وكذلك قال المالكية‪ :‬ل تجب نية المامة إل في الجمعة‬
‫والجمع والخوف والستخلف‪ ،‬لكون المام شرطا فيها‪ ،‬وزاد ابن رشد الجنائز‪.‬‬
‫ويشترط للمقتدي نية القتداء‪ :‬بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الحرام القتداء أو الئتمام أو الجماعة‬
‫بالمام الحاضر‪ ،‬أو بمن في المحراب ونحو ذلك؛ لن التبعية عمل‪ ،‬فافتقرت إلى نية‪ ،‬إذ ليس للمرء‬
‫إل ما نوى‪ .‬ول يكفي إطلق نية القتداء‪ ،‬من غير إضافة إلى المام‪ ،‬فلو تابع بل نية‪ ،‬أو مع الشك‬
‫فيها‪ ،‬بطلت صلته إن طال انتظاره‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة (‪ : )1‬إن كانت الصلة فرضا‪ ،‬اشترط أمران‪ :‬تعيين نوع الصلة‪ :‬ظهرا أو عصرا‬
‫أو غيرهما‪ ،‬وقصد الفعل ‪ ،‬ول يشترط نية الفرضية بأن يقول‪ :‬أصلي الظهر فرضا‪.‬‬
‫أما الفائتة‪ :‬فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم‪ ،‬لم يحتج إلى نية القضاء‪ ،‬ول الداء‪ .‬ويصح القضاء بنية‬
‫الداء أو عكسه إذا بان خلف ظنه‪.‬‬
‫وإن كانت الصلة نافلة‪ :‬فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلة الكسوف والستسقاء‪،‬‬
‫والتراويح والوتر‪ ،‬والسنن الرواتب؛ ول يجب تعيين النافلة إن كانت مطلقة‪ ،‬كصلة الليل‪ ،‬فيجزئه نية‬
‫الصلة ل غير‪ ،‬لعدم التعيين فيها‪ ،‬فهم كالشافعية في هذا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،231/2 ،469-464/1 :‬كشاف القناع‪.370 - 364/1 :‬‬

‫( ‪)1/152‬‬
‫وفي الصوم‪ :‬رأى الحنفية (‪ )1‬أنه يصح صوم رمضان ونحوه كالنذر المعين زمانه بمطلق النية‪،‬‬
‫وبنية النفل‪ ،‬وبنية واجب آخر‪ ،‬ول يجب تبييت نية صوم رمضان‪ ،‬كما أبنت‪ ،‬والتسحر نية عندهم‪.‬‬
‫وصفة النية عند المالكية (‪ : )2‬أن تكون معينة مبيتة جازمة‪ .‬وكمال النية لدى الشافعية (‪ )3‬في‬
‫رمضان‪ :‬أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة ل تعالى‪،‬والمعتمد أنه ل يجب في‬
‫التعيين نية الفرضية‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة (‪ : )4‬من خطر بباله أنه صائم غدا‪ ،‬فقد نوى‪ ،‬ويجب تعيين النية‪،‬بأن يعتقد أنه يصوم‬
‫غدا من رمضان أو من قضائه أو من نذره أو كفارته‪ ،‬ول يجب مع التعيين نية الفرضية‪.‬‬
‫والحاصل‪ :‬اتفق الجمهور غير الحنفية على وجوب تبييت النية‪ ،‬كما اتفق الجمهور غير الشافعية على‬
‫أن الكل والشرب بنية الصوم أو التسحر نية‪ ،‬إل أن ينوي معه عدم الصيام‪ .‬ول يقوم مقام النية لدى‬
‫الشافعية التسحر في جميع أنواع الصيام‪ ،‬إل إذا خطر له الصوم عند التسحر ونواه‪ ،‬كأن يتسحر بنية‬
‫الصوم‪ ،‬أو امتنع من الكل عند الفجر خوف الفطار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ 106‬ومابعدها‪ ،‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪.33‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،117‬بداية المجتهد‪. 283/1 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪. 425/1 :‬‬
‫(‪ )4‬كشاف القناع‪.367/2 :‬‬

‫( ‪)1/153‬‬
‫وفي العتكاف (وهو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية‪ ،‬كما عرفه الشافعية) تشترط النية‬
‫اتفاقا‪ ،‬فل يصح العتكاف إل بالنية‪ ،‬للحديث المتقدم‪ (:‬إنما العما ل بالنيات ) ولنه عبادة محضة‪،‬‬
‫فلم تصح من غير نية كالصوم والصلة وسائر العبادات‪ .‬وأضاف الشافعية‪ :‬إن كان العتكاف فرضا‪،‬‬
‫لزمه تعيين النية للفرض‪ ،‬لتمييزه عن التطوع‪ .‬ويشترط له أيضا عند الحنفية والمالكية الصوم (‪، )1‬‬
‫لحديث رواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة‪« :‬ل اعتكاف إل بصوم» ‪ ،‬لكنه ضعيف‪ .‬وليس الصوم‬
‫بشرط عند الشافعية والحنابلة إل أن ينذره‪ ،‬ونية العتكاف أن يقول‪( :‬نويت العتكاف في هذا المسجد‬
‫ما دمت فيه)‪.‬‬

‫وفي الزكاة‪ :‬اتفق الفقهاء على أن النية شرط في أداء الزكاة‪ ،‬وينوي المزكي‪« :‬هذا زكاة مالي» ول‬
‫يشترط ذكر الفرض؛ لن الزكاة ل تكون إل فرضا‪ ،‬ونحو ذلك مثل‪ :‬هذا فرض صدقة مالي‪ ،‬أو‬
‫صدقة مالي المفروضة‪ ،‬أو الصدقة المفروضة‪ ،‬أو فرض الصدقة‪ .‬وتجزئ عند المالكية نية المام أو‬
‫من يقوم مقامه عن نية المزكي‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬النية أن يعتقد أنها زكاته‪ ،‬أو زكاة ما يخرج عنه‬
‫كالصبي والمجنون‪ ،‬ومحلها القلب؛ لن محل العتقادات كلها القلب (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 106/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ 177/2 :‬ومابعدها‪ .‬الشرح الصغير وحاشية‬
‫الصاوي‪ 725/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،192-190/1 :‬مغني المحتاج‪453/1 :‬وما بعدها‪ ،‬كشاف‬
‫القناع‪ 406/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.186-184/3 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،493/1 :‬البدائع‪ ،40/2 :‬المجموع‪ 182/6 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪، 666/1 :‬‬
‫‪ ،670‬المغني‪ 638/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/154‬‬
‫وفي الحج والعمرة‪ :‬ل بد فيهما من النية‪ ،‬وهي الحرام‪ :‬وهو نية الحج أو العمرة‪ ،‬أو هما‪ ،‬بأن يقول‪:‬‬
‫نويت الحج أو العمرة وأحرمت به ل تعالى ‪.‬وإن حج أو اعتمر عن غيره قال‪ :‬نويت الحج أوالعمرة‬
‫عن فلن‪ ،‬وأحرمت به ل تعالى‪ .‬ثم يلبي عقب صلة ركعتي الحرام‪ .‬وينعقد الحرام عند الجمهور‬
‫بالنية‪ ،‬ول ينعقد عند الحنفية بمجردها‪ ،‬وإنما لبد من قرنه بقول أو فعل من خصائص الحرام‪،‬‬
‫كالتلبية أو التجرد‪ ،‬ويسن عند الحنفية النطق بما نوى بأن يقول الحاج المفرد‪ :‬اللهم إني أريد الحج‬
‫فيسره لي وتقبله مني‪ ،‬ويقول المعتمر‪ :‬اللهم إني أريد العمرة‪ ،‬فيسرها لي‪ ،‬وتقبلها مني‪ ،‬ويقول‬
‫القارن‪ :‬اللهم إني أريد العمرة والحج‪ ،‬فيسرهما لي وتقبلهما مني (‪. )1‬‬
‫ونية الضحية‪ :‬أن تكون في رأي الشافعية والحنابلة عند ذبح الضحية؛ لن الذبح قربة في نفسه‪،‬‬
‫ويكفيه أن ينوي بقلبه‪ ،‬ول يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لن النية عمل القلب‪ ،‬والذكر باللسان دليل‬
‫عليها (‪. )2‬‬
‫سادسا ـ الشك في النية‪ ،‬وتغييرها‪ ،‬والجمع بين عبادتين بنية واحدة‪:‬‬
‫الشك في النية‪ :‬عني الشافعية والحنابلة (‪ )3‬بأمر النية والشك فيها في العبادات‪ ،‬فقرروا أن الشك في‬
‫أصل النية أو في شرطها يبطل العبادة‪ .‬فإذا شك المصلي‪ ،‬هل نوى صلة الظهر أو العصر‪ ،‬فل‬
‫يحسب له واحدة منهما‪ ،‬كما نص عليه الشافعي في الم‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،131‬البدائع‪ 161/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ ،16/2،25 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ 476/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪ ،226/7 :‬المغني‪ 281/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،71/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،187‬مغني المحتاج‪ ،289/4 :‬كشاف القناع‪.6/3 :‬‬
‫(‪ )3‬أحكام النية للحسيني‪ :‬ص ‪ ،66 ، 51-48‬مغني المحتاج‪ 148 ،47/1 :‬ومابعدها‪ 252 ،‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬المغني‪ ،467 ،142/1 :‬غاية المنتهى‪ ،116/1 :‬كشاف القناع‪.396/1 :‬‬

‫( ‪)1/155‬‬
‫وإن شك المتطهر في النية في أثناء الطهارة‪ ،‬لزمه استئنافها؛ لنها عبادة شك في شرطها‪ ،‬وهو فيها‪،‬‬
‫فلم تصح كالصلة‪ .‬ول يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة‪ ،‬كسائر العبادات‪.‬‬
‫وقرر الشافعية‪ :‬أن النية شرط في جميع الصلة‪ ،‬فلو شك في النية في صلته‪ ،‬هل أتى بها أو ل‪،‬‬
‫بطلت صلته‪ .‬وبطلن صلته فيما إذا فعل مع الشك مال يزاد مثله في الصلة‪ ،‬وإن زيد بطلت‬
‫كالركوع والسجود والرفع منهما‪.‬‬
‫أي أن صلته تبطل إذا استمر في الشك بمقدار أداء ركن فعلي‪ ،‬فإن لم يمض ركن‪ ،‬وقصر الزمان‪،‬‬
‫لم تبطل صلته على المشهور‪ ،‬إل إذا شك المسافر في نية القصر‪ ،‬ثم تذكر أنه نوى عن قرب‪ ،‬يلزمه‬
‫التمام‪ ،‬لن تلك اللحظة‪ ،‬وإن قصرت‪ ،‬فهي في حق المسافر محسوبة من الصلة‪ ،‬مع تخلف نية‬
‫القصر‪ ،‬وإذا مضى شيء من الصلة مع تخلف نية القصر‪ ،‬غلب التمام‪ ،‬فإنه الصل‪.‬‬
‫ومال يشترط أصل نيته‪ ،‬فالشك فيه ل يمنع الجواز‪ ،‬واستحضار النية في أثناء الصلة ل يشترط‪ ،‬فلو‬
‫صلى ركعة من الظهر‪ ،‬فظن في الركعة الثانية أنها من العصر‪ ،‬ثم تذكر في الثالثة‪ ،‬صح ظهره‪ ،‬ول‬
‫يضر ظنه أنها من العصر؛ لن مال يجب أصل نيته‪ ،‬فالخطأ فيه ل يضر‪، .‬ولو شك في أصل النية‪،‬‬
‫فأتى بفعل الصلة على الشك‪ ،‬بطلت؛ لن أصل النية‪ ،‬وإن لم يكن شرطا‪ ،‬فاستدامة الحكم شرط‪.‬‬

‫( ‪)1/156‬‬
‫وحكم الشك في شرط النية كالحكم في أصلها‪ ،‬فلو فاتته صلتان‪ ،‬فعرفهما‪ ،‬فدخل في إحداهما بنية‪ ،‬ثم‬
‫شك‪ ،‬فلم يدر أيتهما نوى‪ ،‬وصلى‪ ،‬لم تجزئه هذه الصلة عن واحدة منهما‪ ،‬حتى يكون على يقين أو‬
‫ظن غالب من التي نوى‪ .‬وكذلك قرر الحنابلة‪ :‬إن شك في أثناء الصلة‪ ،‬هل نوى أو ل؟ أو شك في‬
‫تكبيرة الحرام‪ ،‬استأنفها‪ ،‬كما قال الشافعية؛ لن الصل عدم ماشك فيه‪ .‬فإن ذكر أنه قد نوى‪ ،‬أو كبر‬

‫قبل قطعها‪ ،‬فله البناء أي الكمال؛ لنه لم يوجد مبطل لها‪ .‬وإن عمل في الصلة عملً مع الشك‪،‬‬
‫بطلت الصلة‪ ،‬كما قال الشافعية‪.‬‬
‫تغيير النية‪ :‬اتفق الفقهاء على أن المصلي إذا أحرم بفريضة‪ ،‬ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى‪ ،‬بطلت‬
‫الثنتان؛ لنه قطع نية الولى‪ ،‬ولم ينو الثانية عند الحرام‪ .‬فإن حول الفرض إلى نفل‪ ،‬فالرجح عند‬
‫الشافعية أنها تنقلب نفلً؛ لن نية الفرض تتضمن نية النفل‪ ،‬بدليل أنه لو أحرم بفرض‪ ،‬فبان أنه لم‬
‫يدخل وقته‪ ،‬كانت صلته نافلة‪ ،‬والفرض لم يصح‪ ،‬ولم يوجد ما يبطل النفل‪.‬‬
‫والحاصل‪ :‬تبطل الصلة بفسخ النية أو تردده فيها أو عزمه على إبطالها أو نية الخروج من الصلة‪،‬‬
‫أو إبطالها وإلغاء ما فعله من الصلة‪ ،‬أو شكه هل نوى أو ل‪ ،‬أو بالنتقال من صلة إلى أخرى (‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫الجمع بين عبادتين بنية واحدة‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )2‬إما أن يكون الجمع بين العبادتين في الوسائل أو في المقاصد‪.‬‬
‫فإن كان في الوسائل‪ ،‬فإن الكل صحيح‪ ،‬كما لو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة‪،‬‬
‫ارتفعت جنابته وحصل له ثواب غسل الجمعة‪ .‬ومثله لو نوى الغسل للجمعة والعيد‪ ،‬فإنهما يحصلن‪.‬‬
‫وإن كان في المقاصد‪ :‬فإما أن ينوي فرضين‪ ،‬أو نفلين‪ ،‬أو فرضا ونفلً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،370/1 :‬المغني‪ ،468/1 :‬فتح القدير ‪.285/1‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 39‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/157‬‬
‫أما الول (نية الفرضين)‪ :‬فإن كان في الصلة‪ ،‬لم تصح واحدة منهما‪ ،‬فلو نوى صلتي فرض‬
‫كالظهر والعصر‪ ،‬لم يصحا اتفاقا‪ .‬ولو نوى في الصوم القضاء والكفارة‪ ،‬كان عن القضاء‪ .‬ولو نوى‬
‫الزكاة وكفارة الظهار‪ ،‬جعله عن أيهما شاء‪ .‬ولو نوى الزكاة وكفارة اليمين‪ ،‬فهو عن الزكاة‪ .‬ولو‬
‫نوى صلة مكتوبة (مفروضة) وصلة جنازة‪ ،‬فهي عن المكتوبة‪ .‬وقد ظهر بهذا أنه إذا نوى فرضين‪:‬‬
‫فإن كان أحدهما أقوى‪ ،‬انصرف إليه‪ ،‬فصوم القضاء أقوى من صوم الكفارة‪ ،‬وإن استويا في القوة‪،‬‬
‫فإن كان في الصوم‪ ،‬فله الخيار ككفارة الظهار وكفارة اليمين‪ ،‬وكذلك الزكاة وكفارة الظهار‪ .‬وأما‬
‫الزكاة مع كفارة اليمين‪ ،‬فالزكاة أقوى ‪ ،‬وأما في الصلة فيقدم أيضا‪ ،‬فقدمت المكتوبة على صلة‬
‫الجنازة‪.‬‬

‫وإن نوى فرضا ونفلً‪ ،‬فإن نوى الظهر والتطوع‪ ،‬أجزأه عن المكتوبة وبطل التطوع‪ ،‬في رأي أبي‬
‫يوسف‪ .‬وقال محمد‪ :‬ل يجزئه شيء منهما‪ .‬وإن نوى الزكاة والتطوع يكون عن الزكاة‪ ،‬وعند محمد‬
‫عن التطوع‪ .‬ولو نوى نافلة وجنازة فهي نافلة‪.‬‬
‫وأما إذا نوى نافلتين‪ ،‬كما إذا نوى بركعتي الفجر التحية والسنة أجزأت عنهما‪.‬‬
‫وأما التعدد في الحج‪ :‬فلو أحرم نذرا ونفلً‪ ،‬كان نفلً‪ ،‬أو فرضا وتطوعا‪ ،‬كان تطوعا عند أبي يوسف‬
‫ومحمد في الصح‪ .‬ولو أحرم بحجتين معا أو على التعاقب‪ ،‬لزماه عند أبي حنيفة وأبي يوسف‪ .‬وعند‬
‫محمد‪ :‬في المعية يلزمه إحداهما‪ ،‬وفي التعاقب الولى فقط‪.‬‬

‫( ‪)1/158‬‬
‫وإذا نوى عبادة ثم نوى في أثنائها النتقال عنها إلى غيرها‪ ،‬فإن كبر ناويا النتقال إلى غيرها‪ ،‬صار‬
‫خارجا‪ ،‬كما إذا نوى تجديد الولى وكبر‪ .‬وذكر السيوطي (‪ : )1‬لو نوى مع النفل نفل ً آخر فل‬
‫يحصلن‪ ،‬لكن لو نوى صوم يوم عرفة والثنين مثلً‪ ،‬فيصح‪ .‬أما لو نوى سُنّتين‪ :‬فإن لم تدخل‬
‫إحداهما في الخرى كسنة الضحى وقضاء سنة الفجر‪ ،‬فل تنعقدان عند التشريك بينهما‪ .‬وأما إن‬
‫دخلت إحداهما في الخرى كتحية المسجد وسنة الظهر مثلً‪ ،‬فتنعقدان؛ لن التحية تحصل ضمنا‪.‬‬
‫ومثل التحية في رأي ابن حجر وشيخه العراقي أن ينوي مع الفرض صوم يوم عرفة وعاشوراء‬
‫وتاسوعاء وستة من شوال واليام البيض ويوم الثنين والخميس من كل شهر‪.‬‬
‫أما لو نوى مع غير العبادة شيئا آخر غيرهما‪ ،‬كما لو قال لزوجته‪ :‬أنت عليّ حرام‪ ،‬ناويا الطلق‬
‫والظهار‪ ،‬أو قال لزوجتيه‪ :‬أنتما على حرام‪ ،‬ناويا في إحداهما الطلق و وفي الخرى الظهار‪ ،‬حمل‬
‫في رأي الحنفية إن أراد أحدهما على الغلظ منهما وهو الطلق؛ لن اللفظ الواحد ل يحمل على‬
‫أمرين‪ .‬والصح عند الشافعية‪ :‬يخير بينهما‪ ،‬فما اختاره ثبت (‪. )2‬‬
‫وسيأتي في بحث المقصود بالنية تفصيل رأي الشافعية في هذا الموضوع‪.‬‬
‫سابعا ـ المقصود بالنية ومقوماتها‪:‬‬
‫أوضح ابن نجيم والسيوطي (‪ )3‬الهدف أو الغاية من النية إيضاحا تاما‪ ،‬فقال‪ :‬إن المقصود الهم من‬
‫النية تمييز العبادات من العادات وتمييز رُتَب العبادات بعضها من بعض‪ ،‬كالوضوء والغسل‪ ،‬يتردد‬
‫حمْية أو تداويا أو لعدم الحاجة إليه‪.‬‬
‫بين التنظيف والتبرد والعبادة‪ .‬والمساك عن المفطرات قد يكون ِ‬
‫والجلوس في المسجد قد يكون للستراحة‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الشباه والنظائر‪ :‬ص ‪.20‬‬
‫(‪ )2‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،42‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪.21‬‬
‫(‪ )3‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 24‬ومابعدها‪ ،‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪.21 - 10‬‬

‫( ‪)1/159‬‬
‫ودفع المال قد يكون هبة أو لغرض دنيوي‪ ،‬وقد يكون قربة كالزكاة والصدقة والكفارة‪ .‬والذبح قد‬
‫يكون للكل ‪ ،‬فيكون مباحا أو مندوبا‪ ،‬أو للضحية فيكون عبادة‪ ،‬أو لقدوم أمير‪ ،‬فيكون حراما‪،‬‬
‫فشرعت النية لتمييز القربات من غيرها‪.‬‬
‫والتقرب إلى ال تعالى يكون بالفرض والنفل والواجب‪ ،‬فشرعت النية لتمييزها عن بعضها‪ ،‬فكل من‬
‫الوضوء والغسل والصلة والصوم ونحوها قد يكون فرضاَ ونذرا ونفلً‪ .‬والتيمم قد يكون عن الحدث‪،‬‬
‫أو عن الجنابة‪ ،‬وصورته واحدة وهي في الوجه واليدين فقط‪.‬‬
‫ويتفرع عن ذلك أمور‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬ما ل يكون عادة أو ل يلتبس بغيره‪ ،‬ل تشترط فيه نية زائدة على قصد الفعل‪ ،‬كاليمان بال‬
‫تعالى‪ ،‬والمعرفة والخوف والرجاء والنية وقراءة القرآن والذكار؛ لنها متميزة ل تلتبس بغيرها‪ ،‬فإذا‬
‫قصد النسان اليمان أو القراءة‪ ،‬صار طاعة مثابا عليها‪ ،‬بدون قصد التقرب‪ ،‬أما غير ذلك فل يكفي‬
‫فيه مجرد قصد الفعل‪ ،‬بل ل بد من نية زائدة‪ ،‬بأن ينوي التقرب في دخول المسجد ونحوه‪ ،‬ليكون‬
‫مثابا عليه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬اشتراط التعيين فيما يلتبس دون غيره‪ :‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬وإنما لكل امرئ مانوى»‬
‫فهذا ظاهر في اشتراط التعيين‪ ،‬فيشترط في الفرائض التعيين لتساوي الظهر والعصر صورة وفعلً‪،‬‬
‫فل يميز بينها إل التعيين‪ .‬وتعين النوافل غير المطلقة كالرواتب ( سنن الصلة ) بإضافتها إلى الظهر‬
‫مثلً قبلية أو بعدية‪ .‬ثم ذكر السيوطي قواعد ثلثا وهي‪:‬‬
‫ل ليضر الخطأ فيه ) أي في تعيينه‪ ،‬مثل مكان‬
‫أ ـ ( ما ليشترط التعرض له ل جملة ول تفصي ً‬
‫الصلة وزمانها‪.‬‬
‫ب ـ ( وما يشترط تعيينه يضر الخطأ فيه ) كالخطأ من الصوم إلى الصلة ومن الظهر إلى العصر‪.‬‬
‫جـ ـ ( وما يجب التعرض له جملة ول يجب تعيينه تفصيلً‪ ،‬إذا عينه وأخطأ فيه ضر ) مثل عدد‬
‫الركعات‪ ،‬لو نوى الظهر خمسا أو ثلثا لم يصح‪.‬‬

‫( ‪)1/160‬‬

‫‪ - ً 3‬اشتراط التعرض للفرضية وللصلة‪ :‬يترتب كلهما على ماشرعت النية لجله وهو التمييز‪ ،‬فل‬
‫بد من بيان صفة الفرضية لتتميز عن النفل‪.‬‬
‫والصح وجوب التعرض للصلة لتتميز عن غيرها من صوم وغيره‪ ،‬والصح اشتراط التعرض‬
‫للفرضية في الغسل دون الوضوء؛ لن الغسل قد يكون عادة‪ ،‬والوضوء ل يكون إل عبادة‪ .‬والصح‬
‫اشتراط التعرض للفرضية في الزكاة‪ ،‬إن أتى بلفظ الصدقة‪ ،‬وعدم التعرض لها إن أتى بلفظ الزكاة؛‬
‫لن الصدقة قد تكون فرضا‪ ،‬وقد تكون نفلً‪ ،‬فل يكفي مجردها‪ ،‬والزكاة ل تكون إل فرضا؛ لنها اسم‬
‫للفرض المتعلق بالمال‪ ،‬فل حاجة إلى تقييدها به‪ .‬وكذا الحج والعمرة ل يشترط فيهما التعرض‬
‫للفرضية بل خلف‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬تنقسم العبادات التي تجب فيها النية بالنسبة لوجوب نية الفرضية إلى أقسام أربعة‪:‬‬
‫ـ الحج والعمرة والزكاة بلفظها والجماعة‪ :‬ل تشترط فيها بل خلف‪.‬‬
‫ـ الصلة والجمعة منها‪ ،‬والغسل‪ ،‬والزكاة بلفظ الصدقة‪ :‬تشترط فيها على الصح‪ .‬ـ الوضوء‬
‫والصوم‪ :‬لتشترط فيها على الصح‪.‬‬
‫ـ التيمم‪ :‬ل يكفي فيه نية الفرضية‪ ،‬بل يضر على الصحيح‪ ،‬فإذا نوى فرضه لم يكف‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬عدم اشتراط نية القضاء والداء‪ ،‬على الصح‪ ،‬في الصلوات‪ ،‬ومنها الجمعة‪.‬‬
‫وأما الصوم‪ :‬فالذي يظهر ترجيحه أن نية القضاء ل بد منها فيه‪ .‬وأما الحج والعمرة فل شك أنهما ل‬
‫يشترطان فيهما‪ ،‬إذ لو نوى بالقضاء الداء لم يضره‪ ،‬وانصرف إلى القضاء‪ .‬ولو كان عليه قضاء‬
‫حج أفسده في صباه ثم بلغ‪ ،‬فنوى القضاء‪ ،‬انصرف إلى حجة السلم وهي الداء‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬الخلص‪ :‬يترتب على التمييز‪ ،‬فل تصح النيابة أو التوكيل في النية إل فيما يقبل النيابة وهو‬
‫ما يقترن بفعل‪ ،‬كتفرقة زكاة‪ ،‬وذبح أضحية‪ ،‬وصوم عن الميت‪ ،‬وحج؛ لن المقصود اختبار سر‬
‫العبادة‪ ،‬بأن ينويها المكلف بالعبادة بنفسه‪.‬‬

‫( ‪)1/161‬‬
‫وضابط التشريك في النية يتضح في القسام التالية التي ذكرناها في بحث الجمع بين العبادتين بنية‬
‫واحدة وهي‪:‬‬
‫الول ـ أن ينوي مع العبادة ماليس بعبادة‪ ،‬فقد يبطلها‪ ،‬كما إذا ذبح الضحية ل ولغيره‪ ،‬فانضمام‬
‫غيره يوجب حرمة الذبيحة ‪.‬ويقرب من ذلك‪ :‬ما لو كبّر للحرام بالصلة مرات‪ ،‬ونوى بكل تكبيرة‬
‫افتتاح الصلة‪ ،‬فإنه يدخل في الصلة بالوتار‪ ،‬ويخرج بالشفاع لن من افتتح صلة‪ ،‬ثم افتتح‬

‫أخرى‪ ،‬بطلت صلته؛ لنه يتضمن قطع الول‪ .‬فلو نوى الخروج بين التكبيرتين‪ ،‬خرج بالنية‪ ،‬ودخل‬
‫بالتكبيرة‪ ،‬ولو لم ينو بالتكبيرات شيئا‪ ،‬ل دخولً ول خروجا‪ .‬صح دخوله بالولى‪ ،‬والبواقي ِذكْر‪ .‬وقد‬
‫ل يبطلها‪ ،‬كما لو نوى مع الوضوء أو الغسل التبرد‪ ،‬الصح الصحة لن التبرد حاصل‪ ،‬قصده أم ل‪،‬‬
‫فلم يجعل قصده تشريكا للعبادة مع غيرها وتركا للخلص‪ ،‬بل هو قصد للعبادة على حسب وقوعها‬
‫لن من ضرورتها حصول التبرد‪.‬‬
‫الثاني ـ أن ينوي مع العبادة المفروضة عبادة أخرى مندوبة‪ ،‬وفيه صور‪:‬‬
‫منها ـ ما ل يقتضي البطلن وتحصلن معا‪ :‬كأن أحرم بصلة‪ ،‬ونوى بها الفرض والتحية معا‪،‬‬
‫صحت‪ ،‬وحصل معا‪ .‬وكأن ينوي بغسله غسل الجنابة والجمعة معا‪ ،‬حصل جميعا على الصحيح‪.‬‬
‫ولو نوى بسلمه الخروج من الصلة والسلم على الحاضرين حصل‪ .‬ولو حج الفرض وقرنه بعمرة‬
‫التطوع‪ ،‬أو عكسه‪ ،‬حصل‪ .‬ولو نوى في صوم يوم عرفة غيره من قضاء أو نذر أو كفارة‪ ،‬صح‬
‫وحصل معا‪.‬‬
‫ومنها ـ ما يحصل الفرض فقط‪ :‬كأن نوى بحجه الفرض والتطوع‪ ،‬وقع فرضا؛ لنه لو نوى‬
‫التطوع‪ ،‬انصرف إلى الفرض‪ .‬ولو صلى الفريضة الفائتة في ليالي رمضان‪ ،‬ونوى معها التراويح‪،‬‬
‫حصلت الفائتة دون التراويح‪.‬‬
‫ومنها ـ ما يحصل النفل فقط‪ :‬كأن أخرج خمسة دراهم‪ ،‬ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع‪ ،‬لم تقع‬
‫زكاة‪ ،‬ووقع التطوع‪ .‬ولو خطب بقصد الجمعة والكسوف‪ ،‬لم يصح للجمعة؛ لنه تشريك بين فرض‬
‫ونفل‪.‬‬

‫( ‪)1/162‬‬
‫ومنها ـ ما يقتضي البطلن في الكل‪ :‬كأن كبّر المسبوق‪ ،‬والمام راكع تكبيرة واحدة‪ ،‬ونوى بها‬
‫التحرّم والهويّ إلى الركوع‪ ،‬لم تنعقد الصلة أصلً‪ ،‬للتشريك‪ .‬ولو نوى بصلته الفرض والراتبة‪ ،‬لم‬
‫تنعقد أصلً‪.‬‬
‫الثالث ـ أن ينوي مع المفروضة فرضا آخر ‪ ،‬ويجري ذلك في الحج والعمرة‪ ،‬والغسل والوضوء‬
‫معا‪ ،‬فإنهما يحصلن على الصح‪.‬‬
‫الرابع ـ أن ينوي مع النفل نفلً آخر‪ :‬فل يحصلن‪ ،‬لن السّنتين إذا لم تدخل إحداهما في الخرى‪،‬‬
‫ل تنعقدان عند التشريك بينهما كسنة الضحى وقضاء سنة الفجر‪ ،‬فإن دخلت إحداهما في الخرى‬
‫كتحية المسجد وسنة الظهر مثلً‪ ،‬صح؛ لن التحية تحصل ضمنا ‪ .‬ويستثنى من ذلك‪ :‬ما لو نوى‬

‫الغسل للجمعة والعيد‪ ،‬فإنهما يحصلن‪ ،‬وما لو خطب خطبتين بقصد العيد والكسوف جميعا‪ ،‬فإنه‬
‫يصح‪ .‬وما لو نوى صوم يوم عرفة والثنين مثلً‪ ،‬فيصح‪.‬‬
‫الخامس ـ أن ينوي مع غير العبادة شيئا آخر ‪ ،‬وهما مختلفان في الحكم‪ ،‬كأن يقول لزوجته‪« :‬أنت‬
‫علي حرام» وينوي الطلق والظهار فالصح يخير بينهما‪ ،‬فما اختاره ثبت‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن النية لها مقومات‪ :‬هي القصد‪ ،‬والفرضية في الفرائض الخمس والغسل والزكاة بلفظ‬
‫الصدقة‪ ،‬والتعيين فيما يلتبس مع غيره‪ ،‬والخلص‪ ،‬فل يصح التوكيل في النية إل فيما يقبل النيابة‬
‫مما يقترن بفعل‪ ،‬والصل‪:‬أل يصح التشريك في العبادة‪ ،‬إل ما استثني‪.‬‬
‫ثامنا ـ شروط النية‪:‬‬
‫للنية شروط عامة في العبادات‪ ،‬وشروط خاصة بكل عبادة‪ .‬أما الشروط العامة فهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،55-52‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪ ،38 - 31‬غاية المنتهى‪115/1 :‬‬
‫وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/163‬‬
‫‪ - ً 1‬السلم‪ :‬ل تصح النية المرتبة للثواب وصحة الفعل إل من المسلم‪ ،‬فل تصح العبادات من‬
‫كافر‪ ،‬فلغا تيمم كافر وكذا وضوؤه عند الجمهور‪ ،‬ويصح وضوؤه وغسله عند الحنفية؛ لن النية من‬
‫شروط التيمم دون الوضوء عندهم‪ ،‬فإذا أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله‪ .‬ولم تصح عندهم الكفارة‬
‫من كافر‪ ،‬فل تنعقد يمينه‪ ،‬لقوله تعالى‪ { :‬إنهم ل أيمان لهم } [التوبة‪ ،]12/9:‬وقوله تعالى‪{ :‬وإن نكثوا‬
‫أيمانهم} [التوبة‪ ،]12/9:‬أي عهودهم الظاهرية‪ .‬وتصح الكفارة عند الشافعية بغير العبادة (الصوم) من‬
‫عتق رقبة وإطعام مساكين‪ ،‬ويشترط منه نيتها‪ ،‬لن المغلب فيها جانب الغرامات‪ ،‬والنية فيها للتمييز‬
‫ل للقربة‪ ،‬وهي بالديون أشبه‪ .‬ويصح غسل الكتابية زوجة المسلم عن الحيض‪ ،‬ليحل وطؤها بل‬
‫خلف للضرورة‪ ،‬ويشترط نيتها عند الشافعية‪.‬‬
‫أما المرتد فل يصح منه غسل ول غيره‪ ،‬لكن إذا أخرج المرتد الزكاة في حال ردته تصح وتجزئه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬التمييز‪ :‬فل تصح بالتفاق عبادة صبي غير مميز‪ ،‬ول مجنون‪ .‬لكن يصح عند الشافعية للولي‬
‫أن يوضئ الطفل للطواف حيث يحرم عنه‪ ،‬وللزوج أن يغسل المجنونة عن الحيض‪ ،‬وينوي على‬
‫الصح‪.‬‬
‫ويتفرع عن هذا الشرط أن ( عمد الصبي والمجنون خطأ ) سواء أكان الصبي مميزا أم ل عند‬

‫الحنفية‪ .‬ورأى الشافعية أن عمد المجنون والصبي غير المميز خطأ قطعا‪ ،‬أما المميز منهما فعمده‬
‫عمد في الصح‪.‬‬

‫( ‪)1/164‬‬
‫وينتقض وضوء السكران وتبطل صلته بالسكر‪ ،‬لعدم تمييزه‪ .‬لكن الشافعية قالوا‪ :‬ل يقضى عليه‬
‫بالحدث ول تبطل صلته وسائر أفعاله‪ ،‬حتى يستغرق في سكره‪ ،‬بعد أوان النشوة‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬العلم بالمنوي‪ :‬فمن جهل فرضية الصلة‪ ،‬لم تصح منه‪ ،‬وكذا لو علم أن بعض الصلة فرض‪،‬‬
‫ولم يعلم الفرضية التي شرع فيها‪ .‬ول يشترط هذا الشرط في الحج‪ ،‬فهو يفارق الصلة بأنه ل يشترط‬
‫فيه تعيين المنوي‪ ،‬بل ينعقد الحرام مطلقا‪ ،‬ثم يعينه؛ لن عليا رضي ال عنه أحرم بما أحرم به النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم وصححه‪ ،‬فإن عين حجا أو عمرة صح إن كان قبل الشروع في الفعال‪ ،‬وإن‬
‫شرع تعينت عمرة‪.‬‬
‫وفرع السيوطي على هذا الشرط‪ :‬ما لو نطق بكلمة الطلق بلغة ل يعرفها‪ ،‬وقال‪ :‬قصدت بها معناها‬
‫بالعربية‪ ،‬فإنه ل يقع الطلق في الصح‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬أل يأتي بمنافٍ بين النية والمنوي بأن يستصحبها حكما‪ :‬فتبطل العبادات من صلة وصوم وحج‬
‫وتيمم بالرتداد ـ والعياذ بال تعالى ـ في أثنائها‪ ،‬وتبطل صحبة النبي صلّى ال عليه وسلم بالردة‬
‫إذا مات عليها‪ ،‬فإن أسلم بعدها‪ :‬فإن كان في حياته عليه الصلة والسلم‪ ،‬فل مانع من عودها‪ ،‬وإل‬
‫ففي عودها نظر‪ .‬وذكر السيوطي‪ :‬أن الوضوء أو الغسل لم يبطل بالردة؛ لن أفعالهما غير مرتبطة‬
‫ببعضها‪ ،‬ولكن ل يحسب المغسول في زمن الردة‪.‬‬
‫والردة تحبط العمل والجر واليمان السابق‪ ،‬سواء عاد إلى السلم أم ل‪.‬‬

‫( ‪)1/165‬‬
‫ومن المنافي للنية‪ :‬نية القطع‪ ،‬فإذا نوى قطع اليمان‪ ،‬صار مرتدا للحال‪ ،‬ولو نوى قطع الصلة بعد‬
‫الفراغ منها لم تبطل بالجماع‪ .‬وكذا سائر العبادات‪ .‬أما لو نوى قطع الصلة في أثنائها بطلت بل‬
‫خلف؛ لنها شبيهة باليمان‪ ،‬إل أن ابن نجيم المصري قال‪ :‬ل تبطل إل إذا كبر في الصلة‪ ،‬وينوي‬
‫الدخول في أخرى‪ ،‬فالتكبير هو القاطع للولى‪ ،‬ل مجرد النية‪ .‬ولو نوى قطع الطهارة في أثنائها‪ ،‬لم‬
‫يبطل ما مضى في الصح‪ ،‬لكن يجب تجديد النية لما بقي‪ .‬ولو نوى قطع الصوم أو العتكاف‪ ،‬لم‬
‫يبطل في الصح؛ لن الصلة مخصوصة من بين سائر وجوه العبادات بوجوه من الربط ومناجاة‬

‫العبد ربه‪ .‬ولو شرع في الصوم الفرض بعد الفجر‪ ،‬ثم نوى قطعه والنتقال إلى صوم نفل‪ ،‬فإنه ل‬
‫يبطل؛ لن الفرض والنفل في الصوم وكذا في الزكاة جنس واحد‪ .‬أما لو افتتح الصلة بنية الفرض‪،‬‬
‫ثم غيّر نيته في الصلة‪ ،‬وجعلها تطوعا‪ ،‬فتصير تطوعا‪ .‬ولو نوى فعلَ منافٍ للصلة لم تبطل‪ .‬ولو‬
‫نوى الكل أو الجماع في الصوم‪ ،‬لم يضره‪ .‬ولو نوى الصوم من الليل‪ ،‬ثم قطع النية قبل الفجر‪ ،‬سقط‬
‫حكمها؛ لن ترك النية ضد النية‪.‬‬
‫ولو نوى قطع السفر بالقامة‪ ،‬صار مقيما‪ ،‬وبطل سفره بخمس شرائط في رأي الحنفية‪ :‬ترك السير‪،‬‬
‫حتى لو نوى القامة سائرا لم تصح‪ ،‬وصلحية الموضع للقامة‪ ،‬فلو نواها في بحر أو جزيرة لم‬
‫تصح‪ ،‬والستقلل بالرأي‪ ،‬فل تصح نية التابع‪ ،‬والمدة أي إن نوى إقامة نصف شهر‪ ،‬فيقصر إن نوى‬
‫القامة في أقل من نصف شهر‪ ،‬واتحاد الموضع‪ ،‬فلو نوى إقامة نصف شهر في موضعين مستقلين‪،‬‬
‫كمكة ومنى‪ ،‬لم يصر مقيما‪ ،‬وأصبح كمن نوى القامة في غيرموضعها (‪)1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪..737/1 :‬‬

‫( ‪)1/166‬‬
‫ويقرب من نية القطع‪ :‬نية القلب (التحويل)‪ :‬وهي نية نقل الصلة إلى أخرى‪ ،‬وذلك ل يكون عند‬
‫الحنفية إل بالشروع بالتحريمة ل بمجرد النية‪ ،‬ول بد أن تكون الثانية غير الولى‪ ،‬كأن يشرع في‬
‫العصر بعد افتتاح الظهر‪ ،‬فيفسد الظهر‪ ،‬وبشرط أل يتلفظ بالنية‪ ،‬فإن تلفظ بها بطلت الولى مطلقا‪.‬‬
‫وقال الماوردي‪ :‬تبطل الصلة بنقل من فرض إلى فرض‪ ،‬أو من نفل راتب إلى نفل راتب‪ ،‬كوتر إلى‬
‫سنة الفجر‪ ،‬أو من نفل إلى فرض‪ ،‬أو من فرض إلى نفل إل إذا كان لعذر‪ ،‬كأن أحرم بفرض منفردا‪،‬‬
‫ثم أقيمت جماعة‪ ،‬فسلّم من ركعتين ليدركها‪ ،‬صحت نفلً في الصح‪.‬‬
‫ومن المنافي‪ :‬التردد وعدم الجزم في أصل النية‪ ،‬فلو نوى يوم الشك (ليلة الثلثين من شعبان)‪ :‬إنه إن‬
‫كان من شعبان فليس بصائم‪ ،‬وإن كان من رمضان كان صائما‪ ،‬لم تصح نيته‪ ،‬بخلف لو وقع ذلك‬
‫ليلة الثلثين من رمضان‪ ،‬لستصحاب الصل‪ .‬ولو ترد د هل يقطع الصلة أو ل‪ ،‬أو علق إبطالها‬
‫على شيء بطلت‪ .‬ولو تردد في أنه نوى القصر أو ل أو هل يتم أو ل‪ ،‬لم يقصر‪.‬‬
‫ومن فروعه‪ :‬تعقيب النية بالمشيئة‪ :‬قال السيوطي‪ :‬إن نوى التعليق بطلت‪ ،‬أو التبرك فل تبطل‪ ،‬أو‬
‫أطلق تبطل؛ لن اللفظ موضوع للتعليق‪ ،‬فلو قال‪ :‬أصوم غدا إن شاء ال‪ ،‬لم يصح‪ .‬وقال ابن نجيم‪:‬‬
‫إن كان مما يتعلق بالنيات كالصوم والصلة لم تبطل‪ ،‬وإن كان مما يتعلق بالقوال كالطلق والعتاق‬

‫بطل‪.‬‬
‫وهناك صور تصح فيها النية مع التردد أو التعليق أوردها السيوطي‪ ،‬فمن صور التردد‪ :‬لو اشتبه‬
‫عليه ماء‪ ،‬وماء ورد‪ ،‬ل يجتهد‪ ،‬بل يتوضأ بكل مرة‪ ،‬ويغتفر التردد في النية للضرورة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬من كان عليه صوم واجب‪ ،‬ل يدري هل هو من رمضان أو من نذر أو كفارة‪ ،‬فنوى صوما‬
‫واجبا أجزأه‪ ،‬كمن نسي صلة من الخمس‪ ،‬وصلى الخمس‪ ،‬أجزأه‪ ،‬ويعذر في عدم جزم النية‬
‫للضرورة ‪.‬‬

‫( ‪)1/167‬‬
‫ومن صور التعليق‪:‬‬
‫في الصلة‪ :‬إن شك في قصر إمامه‪ ،‬فقال‪ :‬إن قصر قصرت‪ ،‬وإل أتممت‪ ،‬فبان قاصرا‪ ،‬قصر ‪ .‬وفي‬
‫الحج‪ :‬بأن يقول مريد الحرام‪ :‬إن كان زيد محرما فقد أحرمت‪ ،‬فإن كان زيد محرما انعقد إحرامه‪،‬‬
‫وإل فل‪ .‬ولو علقه بمستقبل كقوله‪ :‬إذا أحرم زيد أو جاء رأس الشهر‪ ،‬فقد أحرمت فل يصح‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬عليه فائتة وشك في أدائها‪ ،‬فقال‪ :‬أصلي عنها إن كانت وإل فنافلة‪ ،‬فبانت‪ ،‬أجزأه‪.‬‬
‫ومنها في الصوم‪ :‬لو نوى ليلة الثلثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان فهو فرض‪ ،‬وإن لم‬
‫يكن فتطوع‪ ،‬صح وأجزأه‪.‬‬
‫ومنها في الزكاة‪ :‬نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقيا‪ ،‬وإل فعن الحاضر‪ ،‬فبان باقيا أجزأه عنه‪ ،‬أو‬
‫تالفا أجزأه عن الحاضر‪.‬‬
‫ومنها في الجمعة‪ :‬أحرم بالصلة في آخر وقتها‪ ،‬فقال‪ :‬إن كان الوقت باقيا فجمعة‪ ،‬وإل فظهر‪ ،‬فبان‬
‫بقاؤه‪ ،‬صحت الجمعة في وجه‪ ،‬وقيل‪ :‬ل تصح‪.‬‬
‫ومن المنافي‪ :‬عدم القدرة على المنوي إما عقلً أو شرعا أو عادة‪.‬‬
‫مثال الول ـ نوى بوضوئه أن يصلي صلة وأل يصليها لم تصح لتناقضه‪.‬‬
‫مثال الثاني ـ نوى بوضوئه الصلة في مكان نجس‪ ،‬ل تصح‪.‬‬
‫ومثال الثالث ـ نوى بوضوئه صلة العيد‪ ،‬وهو في أول السنة‪ ،‬أو الطواف وهو بالشام‪ ،‬الصح‬
‫الصحة‪ ،‬وقيل‪ :‬ل تصح‪.‬‬
‫هذه هي الشروط العامة في العبادات‪ ،‬شرطها الفقهاء في الطهارة‪ ،‬فقالوا‪ :‬يشترط في نية الوضوء‪:‬‬
‫إسلم الناوي‪ ،‬وتمييزه‪ ،‬وعلمه بالمنوي وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكما‪ ،‬فل ينصرف عن‬

‫ل لغيره‪ ،‬وأل تكون معلّقة‪ ،‬فلو قال‪ :‬إن شاء ال تعالى‪ :‬فإن قصد التعليق أو أطلق‪ ،‬لم‬
‫الوضوء مث ً‬
‫تصح‪ ،‬وإن قصد التبرك صحت‪.‬‬

‫( ‪)1/168‬‬
‫واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لن طهارته طهارة‬
‫عذر وضرورة‪ ،‬فتقيدت بالوقت كالتيمم (‪ . )1‬وشرطها الفقهاء أيضا في الصلة‪ ،‬وأضافوا إليها‬
‫مقارنة النية لتكبيرة الحرام‪ ،‬فاشترط الحنفية اتصال النية بالصلة بل فاصل أجنبي بين النية‬
‫والتكبير‪ ،‬واشترط الشافعية اقتران النية بفعل الصلة‪ ،‬وكذلك اشترط المالكية والحنابلة المقارنة‪ ،‬لكنهم‬
‫أجازوا تقدم النية على التكبير بزمن يسير‪ .‬واتفق الفقهاء على اشتراط تعيين نوع الفرض الذي يصليه‬
‫المصلي كالظهر أو العصر؛ لن الفروض كثيرة‪ ،‬ول يتأدى واحد منها بنية فرض آخر‪.‬‬
‫ول تجب نية الخروج من الصلة بالسلم‪ ،‬وإنما تستحب عند المالكية والشافعية‪.‬‬
‫واشترط الفقهاء تلك الشروط في الصيام‪ ،‬وأضافوا إليها‪ :‬تبييت النية أي إيقاعها ليلً في رأي الجمهور‬
‫غير الحنفية‪ ،‬وهو الفضل عند الحنفية‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم‪ « :‬من لم يبيّت الصيام قبل طلوع‬
‫الفجر‪ ،‬فل صيام له» (‪ . )2‬واشترط الجمهور أيضا تعيين النية في فرض الصيام‪ ،‬ولم يشترطه‬
‫الحنفية‪ ،‬والتعيين‪ :‬أن يعتقد أنه يصوم غدا من رمضان‪ ،‬أو من قضائه‪ ،‬أو من كفارته أو نذره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ، 47/1 :‬المغني‪. 142/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني بإسناد رجاله كلهم ثقات‪.‬‬

‫( ‪)1/169‬‬
‫واشترط الجمهور كذلك الجزم بالنية‪ ،‬فلو نوى ليلة الشك‪ :‬إن كان من رمضان‪ ،‬فأنا صائم فرضا‪،‬‬
‫وإل فهو نفل‪ ،‬لم يجزئه عن واحد منهما‪ ،‬لعدم جزمه بالنية لحدهما؛ إذ لم يعين الصوم من رمضان‬
‫جزما‪ .‬وليس الجزم بالنية في الصوم المقيد بزمن معين شرطا عند الحنفية‪ ،‬فيصح صومه بالنية‬
‫المذكورة‪ .‬وليست نية فرضية الصيام شرطا باتفاق الفقهاء‪ ،‬بخلف المقرر في الصلة؛ لن صوم‬
‫رمضان من البالغ ل يقع إل فرضا‪ ،‬بخلف الصلة‪ ،‬فإن المعادة نفل‪ .‬وكذلك ل يشترط بالتفاق‬
‫تعيين السنة‪ ،‬ول الداء‪ ،‬ول الضافة إلى ال تعالى؛ لن المقصود متحقق بنية الصوم‪ ،‬والتعيين‬
‫يجزئ عن ذلك‪.‬‬

‫واشترط الجمهور تعدد النية بتعدد اليام‪ ،‬فينوي لكل يوم من رمضان على حدة‪ ،‬لعدم تعلق عبادة يوم‬
‫باليوم الخر‪ .‬وقال المالكية‪ :‬تجزئ نية واحدة لرمضان في أوله‪،‬فيجوز صوم جميع الشهر بنية‬
‫واحدة‪.‬‬
‫وفي الزكاة‪ :‬تشترط الشروط العامة للنية‪ ،‬واختلفوا في أحوال مقارنتها للداء‪ ،‬فقال الحنفية‪ :‬ل يجوز‬
‫أداء الزكاة إل بنية مقارنة للداء إلى الفقير‪ ،‬ولو حكما‪ ،‬كما لو دفع بل نية ثم نوى‪ ،‬والمال في يد‬
‫الفقير‪ ،‬أو نوى عند الدفع إلى الوكيل‪ ،‬ثم دفع الوكيل بل نية‪ ،‬أو مقارنة لعزل مقدار الواجب‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬تشترط النية لداء الزكاة عند الدفع‪ ،‬ويكفي عند عزلها‪ ،‬وتجزئ من دفعها كرها عنه‬
‫كالصبي والمجنون‪ ،‬وتجزئ نية المام أو من يقوم مقامه عن نية المزكي‪.‬‬

‫( ‪)1/170‬‬
‫وأجاز الشافعية كالحنفية والمالكية تقديم النية على الدفع للفقير‪ ،‬بشرط أن تقارن عزل الزكاة‪ ،‬أو‬
‫إعطاءها للوكيل أو بعده‪ ،‬وقبل التفرقة‪ ،‬كما تجزئ بعد العزل وقبل التفرقة‪ ،‬وإن لم تقارن أحدهما‪،‬‬
‫ويجوز تفويضها للوكيل إن كان من أهلها‪ ،‬بأن يكون مسلما مكلفا‪ .‬ويجوز توكيل الصبي والكافر في‬
‫أدائها للمستحقين‪ ،‬بشرط أن يعين له المدفوع له‪ .‬وتجب نية الولي في زكاة الصبي والمجنون‬
‫والسفيه‪ ،‬وإل ضمنها لتقصيره‪ .‬ولو دفعها المزكي للمام بل نية لم تجزئه نية المام في الظهر‪ .‬وإذا‬
‫أخذت قهرا من المزكي نوى عند الخذ منه‪ ،‬وإل وجب على الخذ النية‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة أيضا تقديم النية على الداء بالزمن اليسير‪ ،‬كسائر العبادات‪ .‬وإن دفع الزكاة إلى وكيله‬
‫ونوى هو دون الوكيل‪ ،‬جاز‪ ،‬إذا لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل‪ .‬فإن تقدمت النية بزمن طويل لم‬
‫يجز إل إذا نوى حال الدفع إلى الوكيل‪ ،‬ونوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق‪ .‬لكن إن أخذ ها المام‬
‫قهرا‪ ،‬أجزأت من غير نية؛ لن تعذر النية في حقه‪ ،‬أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون‪.‬‬
‫ولو تصدق النسان بجميع ماله تطوعا‪ ،‬لم يجزئه عند الجمهور غير الحنفية؛ لنه لم ينو به الفرض‪،‬‬
‫كما لو تصدق ببعضه‪ ،‬وكما لو صلى مئة ركعة‪ ،‬ولم ينو الفرض بها‪ .‬ورأى الحنفية أنه يسقط‬
‫الفرض عنه استحسانا‪ ،‬بشرط أل ينوي بها واجبا آخر من نذر أو غيره؛ لن الواجب جزء منه‪ ،‬فكان‬
‫متعينا فيه‪ ،‬فل حاجة إلى التعيين‪ ،‬وعلى هذا‪ :‬لو كان للمزكي دين على فقير‪ ،‬فأبرأه عنه‪ ،‬سقط زكاة‬
‫المبلغ المبرأ عنه‪ ،‬سواء نوى به عن الزكاة أو لم ينو؛ لنه كالهلك‪.‬‬

‫( ‪)1/171‬‬

‫وفي الحج والعمرة‪ :‬تشترط الشروط العامة أيضا‪ ،‬ولكن يشترط في الحج أن يكون الحرام في وقت‬
‫معين‪ ،‬وهي الشهر الثلثة‪ :‬شوال وذو القعدة وذو الحجة‪ ،‬أما العمرة فتصح على مدار العام‪،‬‬
‫ويشترط أن ينضم للحرام في رأي الحنفية قول أو فعل من خصائصه‪ ،‬كالتلبية أو التجرد من‬
‫المخيط‪ ،‬ولم يشترط الجمهور ذلك‪ ،‬وإنما ينعقد الحرام عندهم بمجرد النية‪ ،‬لكن يلزمه عند المالكية‬
‫دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط ونحوه حين النية‪ .‬ويشترط للحرام تجرد الرجال من المخيط‪،‬‬
‫والمتناع عن الطيب ونحو ذلك من محظورات الحرام‪ ،‬وإحرام المرأة بكشف وجهها‪ .‬ويشترط‬
‫للحرام أيضا كونه من الميقات‪ ،‬ولكل جهة ميقات معين معروف عند الفقهاء والناس‪.‬‬
‫وأجاز جمهور الفقهاء إدخال الحج على العمرة وبالعكس‪ ،‬بشرط أن يكون الدخال قبل الشروع في‬
‫طواف العمرة‪ ،‬وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة‪ ،‬ول يجوز إدخال‬
‫العمرة على الحج في مذهب الحنفية‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة خلفا للجمهور فسخ الحج إلى العمرة‪ ،‬أي تحويل النية من الحرام بالحج إلى العمرة‪.‬‬
‫وفي الضحية‪ :‬اشترط الشافعية والحنابلة أن تكون النية عن ذبح الضحية لن الذبح قربة في نفسه‪،‬‬
‫ويكفيه أن ينوي بقلبه‪ ،‬ول يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لن النية عمل القلب‪ ،‬والذكر باللسان دليل‬
‫عليها‪ .‬وقال الكاساني في البدائع‪ :‬ل تتعين الضحية إل بالنية وتكفي النية في مذهب الحنفية عند‬
‫الشراء‪ ،‬كما سأوضح‪.‬‬

‫( ‪)1/172‬‬
‫تاسعا ـ النية في العبادات‪ :‬هل هي شرط أو ركن؟‬
‫تكلمنا فيما سبق في هذا البحث عن شروط النية ومحلها وكيفيتها وزمنها وغير ذلك‪ ،‬ولم يبق في‬
‫بحث النية في العبادات إل الكلم عن شرطيتها وركنيتها‪ ،‬فهل النية في العبادات شرط أو ركن؟ علما‬
‫بأن كلً من الشرط والركن فرض‪ ،‬لكن الشرط يكون خارجا عن المشروط‪ ،‬كالطهارة شرط للصلة‬
‫خارجة عن الصلة‪ ،‬والركن في اصطلح الحنفية‪ :‬هو ما يتوقف عليه وجود الماهية أو الشيء‪،‬‬
‫ويكون جزءا داخلً فيها أو فيه‪ .‬وهو عند الجمهور‪ :‬ما به قوام الشيء الذي يتوقف وجوده عليه‪،‬‬
‫سواء أكان جزءا داخلً فيه أم أمرا أساسيا فيه‪ .‬فالركوع والسجود ركنان للصلة داخلن فيها؛ لنهما‬
‫جزءان من أجزائها‪ .‬واليجاب والقبول ركن العقد في اصطلح الحنفية‪ ،‬ويضاف إلى الصيغة‬
‫(اليجاب والقبول) العاقدان والمعقود عليه‪ ،‬والثمن أو العوض في المعاوضات‪ ،‬تعد أركانا في العقد‬
‫في اصطلح الجمهور‪.‬‬

‫ويحسن إيراد عبارتين لكل من ابن نجيم والسيوطي قبل تفصيل حكم النية في العبادات؛ لنهما يمثلن‬
‫اتجاهين متعارضين في شرطية النية وركنيتها‪.‬‬
‫قال ابن نجيم (‪: )1‬النية شرط عندنا في كل العبادات باتفاق الصحاب (أي الحنفية)‪ ،‬ل ركن‪ ،‬وإنما‬
‫الختلف بينهم وقع في تكبيرة الحرام‪ ،‬والمعتمد أنها شرط كالنية وقيل‪ :‬بركنيتها‪ .‬وكذلك قال‬
‫الحنابلة والمالكية‪ :‬النية شرط في العبادة لركن ولو داخلها (‪. )2‬‬
‫وقال السيوطي (‪: )3‬اختلف الصحاب (أصحاب الشافعي) هل النية ركن في العبادات أو شرط؟‬
‫فاختار الكثرون أنها ركن؛ لنها داخل العبادات‪ ،‬وذلك شأن الركان‪ ،‬والشرط ما يتقدم عليها‪ ،‬ويجب‬
‫استمراره فيها‪.‬‬
‫وأتتبع هنا حكم النية في كل عبادة على حدة (‪. )4‬‬
‫‪ -1‬الطهارة‪ :‬اختلف الفقهاء في اشتراط النية للوضوء على رأيين فقال الحنفية (‪ : )5‬يسن للمتوضئ‬
‫البداية بالنية لتحصيل الثواب‪ ،‬ووقتها قبل الستنجاء‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر‪ :‬ص ‪. 55‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،57‬غاية المنتهى‪. 115/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الشباه والنظائر‪ :‬ص ‪.38‬‬
‫(‪ )4‬سيأتي تفصيل البحث في النية في مواضعها المطلوبة أصالة‪.‬‬
‫(‪ )5‬البدائع‪ ،17/1 :‬الدر المختار‪ 98/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/173‬‬
‫ليكون جميع فعله قربة‪ ،‬وكيفيتها‪ :‬أن ينوي رفع الحدث‪ ،‬أو إقامة الصلة‪ ،‬أو ينوي الوضوء‪ ،‬أو‬
‫امتثال المر ومحلها‪ :‬القلب‪ ،‬فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان‪ ،‬فهو مستحب عند المشايخ‪.‬‬
‫ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية‪ :‬صحة وضوء المتبرد‪ ،‬والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة‬
‫أو لنقاذ غريق‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫واستدلوا على رأيهم بما يأتي‪:‬‬
‫أ ـ عدم النص عليها في القرآن‪ :‬إن آية الوضوء لم تأمر إل بغسل العضاء الثلثة والمسح بالرأس‪،‬‬
‫والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص القرآن‪ ،‬والزيادة على الكتاب عندهم نسخ‪ ،‬ل يصح‬
‫بالحاد‪.‬‬

‫ب ـ عدم النص عليها في السنة‪ :‬لم يعّلمْها النبي صلّى ال عليه وسلم للعرابي مع جهله‪ .‬وفرضت‬
‫النية في التيمم؛ لنه بالتراب‪ ،‬وليس هو مزيلً للحدث بالصالة‪ ،‬وإنما هو بدل عن الماء‪.‬‬
‫جـ ـ القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها‪ :‬إن الوضوء طهارة بماء‪ ،‬فل تشترط لها النية‬
‫كإزالة النجاسة‪ ،‬كما ل تجب النية في شروط الصلة الخرى كستر العورة‪ ،‬ول تجب أيضا بغسل‬
‫الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم‪.‬‬
‫د ـ إن الوضوء وسيلة للصلة‪ ،‬وليس مقصودا لذاته‪ ،‬والنية شرط مطلوب في المقاصد‪ ،‬ل في‬
‫الوسائل‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية (‪ : )1‬النية فرض في الوضوء‪ ،‬لتحقيق العبادة أو قصد القربة ل عز‬
‫وجل‪ ،‬فل تصح الصلة بالوضوء لغير العبادة كالكل والشرب والنوم ونحو ذلك‪ ،‬واستدلوا بما يأتي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪ 361/1:‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ 7/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ 93/1 :‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 47/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 110/1 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪101 - 94/1 :‬‬

‫( ‪)1/174‬‬
‫أ ـ السنة‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ـ فيما رواه الجماعة عن عمر رضي ال عنه ـ «إنما العمال‬
‫بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ مانوى» أي إن العمال المعتدّ بها شرعا تكون بالنية‪ ،‬والوضوء عمل‪ ،‬فل‬
‫يوجد شرعا إل بنية‪.‬‬
‫ب ـ تحقيق الخلص في العبادة‪ ،‬لقوله تعالى‪ { :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين‬
‫حنفاء } [البينة‪ ،]5/98:‬والوضوء عبادة مأمور بها‪ ،‬ل يتحقق إل بإخلص النية فيه ل تعالى؛ لن‬
‫الخلص عمل القلب وهو النية‪.‬‬
‫جـ ـ القياس‪ :‬تشترط النية في الوضوء‪ ،‬كما تشترط في الصلة‪ ،‬وكما تشترط في التيمم لستباحة‬
‫الصلة‪.‬‬
‫د ـ الوضوء وسيلة للمقصود‪ ،‬فله حكم ذلك المقصود‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إذا قمتم إلى الصلة فاغسلوا‬
‫وجوهكم} [المائدة‪ ،]6/5:‬فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلة‪ ،‬ومن أجل هذه‬
‫العبادة‪ ،‬فالمطلوب غسل العضاء لجل الصلة‪ ،‬وهو معنى النية‪.‬‬

‫( ‪)1/175‬‬

‫وبمقارنة أدلة الفريقين يتبين لي أن الحق هو القول بفرضية النية؛ لن أحاديث الحاد كثيرا ما أثبتت‬
‫أحكاما ليست في القرآن‪،‬بل إن حديث عمر في النية‪ ،‬وإن كان غريبا بالنسبة إلى أوله‪ ،‬فهو مشهور‬
‫بالنسبة إلى آخره‪ ،‬فإنه اشتهر‪ ،‬فرواه عن عمر أكثر من مئتي إنسان‪ ،‬أكثرهم أئمة‪ ،‬ومن أعيانهم‬
‫المام مالك والثوري والوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة‬
‫وغيرهم‪ ،‬ولن عموم الماء للعضاء بدون قصد أصلً‪ ،‬أو بقصد التبرد‪ ،‬ليس غسلً للوضوء‪،‬حتى‬
‫يؤدي مهمته الشرعية‪ ،‬ويحقق المأمور به كما أمر به‪ ،‬والمور بمقاصدها باتفاق الئمة‪.‬‬
‫‪ -2‬التيمم‪ :‬اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم‪ ،‬وهي فرض عند المالكية والشافعية‪ ،‬والمعتمد‬
‫أنها شرط في رأي الحنفية والحنابلة (‪ ، )1‬ودليلهم على اشتراط النية في التيمم‪ :‬الحديث السابق‪:‬‬
‫( إنما العمال بالنيات ) واستدل الحنفية‪ :‬بأن التراب ملوّث‪ ،‬فل يكون مطهرا إل بالنية‪ ،‬أي أن‬
‫التراب ليس بطهارة حقيقية‪ ،‬وإنما جعل طهارة عند الحاجة‪ ،‬والحاجة إنما تعرف بالنية‪ ،‬بخلف‬
‫الوضوء؛ لنه طهارة حقيقية‪ .‬فل يشترط له الحاجة ليصير طهارة‪ ،‬فل يشترط له النية‪.‬‬
‫‪ -3‬الغسل‪ :‬الخلف فيه كالخلف في الوضوء على قولين‪ ،‬فقد أوجب الجمهور غير الحنفية النية‬
‫للغسل كالوضوء‪ ،‬للحديث المتقدم‪« :‬إنما العمال بالنيات» ‪ .‬ورأى الحنفية أن البتداء بالنية سنة‪،‬‬
‫ليكون فعله تقربا إلى ال تعالى يثاب عليه‪ ،‬كالوضوء (‪ . )2‬وفي غسل الميت اشترط الحنابلة في‬
‫الغاسل النية‪ :‬نية غسل الميت‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬إنما العمال بالنيات» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،52 ،45/1 :‬فتح القدير‪ ،89 ،86/1 :‬الشرح الكبير للدردير‪ 154/1 :‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،37‬بداية المجتهد‪ 64/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،97/1 :‬المهذب‪ ،32/1 :‬المغني‪،251/1 :‬‬
‫كشاف القناع‪ 199/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ 140/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير للدردير‪ 166/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ 72/1‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 173/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪.370/1 :‬‬

‫( ‪)1/176‬‬
‫‪ - 4‬الصلة‪ :‬النية واجبة في الصلة باتفاق العلماء‪ ،‬لتتميز العبادة عن العادة‪ ،‬وليتحقق في الصلة‬
‫الخلص ل تعالى؛ لن الصلة عبادة والعبادة إخلص العمل بكليته ل تعالى‪ ،‬قال ال تعالى‪:‬‬
‫{وماأمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين‪ ،‬حنفاء} [البينة‪ ،]5/98:‬قال الماوردي‪ :‬والخلص في‬
‫كلمهم‪ :‬النية‪ .‬ودل الحديث المتقدم‪« :‬إنما العمال بالنيات» على إيجابها‪ ،‬فل تصح الصلة بدون النية‬

‫بحال‪.‬‬
‫والنية شرط من شروط الصلة عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬وكذا عند المالكية على الراجح‪ ،‬وهي من‬
‫أركان الصلة عند الشافعية وبعض المالكية؛ لنها واجبة في بعض الصلة‪ ،‬وهو أولها‪ ،‬ل في‬
‫جميعها‪ ،‬فكانت ركنا كالتكبير والركوع (‪. )1‬‬
‫وهل يجب على المام أن ينوي المامة أو ل؟ ذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه‪ ،‬لحديث ابن‬
‫عباس أنه قام إلى جنب رسول ال صلّى ال عليه وسلم بعد دخوله في الصلة‪.‬‬
‫ورأى قوم أن هذا محتمل‪ ،‬وأنه لبد من ذلك؛ لن المام يحمل بعض أفعال الصلة عن المأمومين (‬
‫‪. )2‬‬
‫أما الجمهور فيرون عدم اشتراط نية المام المامة‪ ،‬بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة‪ ،‬فإن لم ينو لم‬
‫تحصل؛ لنه ليس للمرء من عمله إل ما نوى‪ .‬واستثنى الشافعية والمالكية الصلة التي تتوقف‬
‫صحتها على الجماعة كالجمعة والمجموعة للمطر‪ ،‬والمعادة‪ ،‬وصلة الخوف‪ ،‬والستخلف فل بد فيها‬
‫من نية المام المامة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪ ،99/1 :‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،14‬الشرح الكبير وحاشية الدسوقي‪،233/1 :‬‬
‫‪ ،520‬الشرح الصغير‪ ،305/1 :‬المجموع‪ 148/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشباه للسيوطي‪ :‬ص ‪ ،38 ،11‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،148/1 :‬حاشية الباجوري‪ ،149/1 :‬المغني‪ 464/1 :‬وما بعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪،115/1 :‬‬
‫كشاف القناع‪ 364/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،15‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 68 ،57‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،258-252/2‬كشاف القناع‪ 565/1 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/177‬‬
‫واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل‪ ،‬فإنه يشترط نية المامة‪ ،‬لصحة اقتداء النساء به‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬تشترط نية المامة مطلقا‪ ،‬فينوي المام أنه إمام‪ ،‬والمأموم أنه مأموم‪ ،‬وإل فسدت‬
‫الصلة‪ ،‬لكن لو أحرم الشخص منفردا‪ ،‬ثم جاء آخر‪ ،‬فصلى‬
‫معه‪ ،‬فنوى إمامة صح في النفل‪ ،‬عملً بحديث ابن عباس‪ ،‬وهو أنه قال‪« :‬بتّ عند خالتي ميمونة‪،‬‬
‫فقام النبي صلّى ال عليه وسلم متطوعا من الليل‪ ،‬فقام إلى القربة‪ ،‬فتوضأ‪ ،‬فقام‪ ،‬فصلى‪ ،‬فقمت لما‬
‫رأيته صنع ذلك‪ ،‬فتوضأت من القربة‪ ،‬ثم قمت إلى شقه اليسر‪ ،‬فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني‬

‫كذلك إلى الشق اليمن» (‪. )1‬‬
‫أما في الفريضة‪ :‬فإن كان المصلي ينتظر أحدا‪ ،‬كإمام المسجد‪،‬فإنه يُحرم وحده‪ ،‬وينتظر من يأتي‪،‬‬
‫فيصلي معه‪ ،‬فيجوز ذلك أيضا عند الحنابلة؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم أحرم وحده‪ ،‬ثم جاء جابر‬
‫وجبارة‪ ،‬فأحرما معه‪ ،‬فصلى بهما‪ ،‬ولم ينكر فعلهما‪ .‬والظاهر أنها كانت صلة مفروضة؛ لنهم كانوا‬
‫مسافرين‪ .‬أما في غير هذه الحالة‪ ،‬فل يصح القتداء لمن لم ينو المامة‪.‬‬
‫‪----------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/178‬‬
‫وأما نية المؤتم القتداء‪ :‬فهي شرط باتفاق المذاهب‪ ،‬فل يصح اقتداء بإمام إل بنية‪ ،‬أي أن ينوي‬
‫المأموم مع تكبيرة الحرام القتداء أو الجماعة أو المأمومية‪ ،‬فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها‪،‬‬
‫وتابعه في الفعال‪ ،‬بطلت صلة المقتدي‪ ،‬وليجب تعيين المام باسمه‪ ،‬فإن عينه وأخطأ‪ ،‬بطلت‬
‫صلته عند الشافعية‪ .‬لكن ل بد من تعيين إمام معين بصفة المامة‪ ،‬فلو نوى الئتمام بأحد رجلين‬
‫يصليان‪ ،‬لبعينه‪ ،‬لم يصح‪ ،‬حتى يعين المام بوصفه؛ لن تعيينه شرط‪ .‬ول يجوز الئتمام بأكثر من‬
‫واحد‪ ،‬فلو نوى الئتمام بإمامين لم يجز؛ لنه ل يمكن اتباعهما معا‪.‬‬
‫وشرط النية في القدوة أن تكون مقارنة للتحريمة عند الشافعية‪ .‬وأجاز الحنفية أن تكون متقدمة على‬
‫التحريمة‪ ،‬بشرط أل يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي‪ .‬والفضل عندهم وعند الحنابلة‪ :‬أن‬
‫تكون النية مقارنة‪ ،‬خروجا من الخلف‪ .‬والخروج من الخلف مستحب‪.‬‬
‫واشترط المالكية المقارنة للتحريمة أو قبلها بزمن يسير‪ ،‬كاشتراط النية في الصلة‪ ،‬كما بينا‪ --.‬وأما‬
‫الذان‪ :‬فالمشهور أنه ل يحتاج إل نية‪ .‬وقيل‪ :‬إنه يحتاج‪.‬‬
‫وفي خطبة الجمعة‪ :‬اشترط الحنفية والحنابلة النية أو قصد الخطبة‪ ،‬لحديث‪« :‬إنما العمال بالنيات»‬
‫فلو خطب الخطيب بغير النية‪ ،‬لم يعتد بها عندهم‪.‬‬

‫( ‪)1/179‬‬
‫ولم يشترط المالكية النية‪ ،‬كما لم يشترطها الشافعية‪ ،‬وإنما اشترطوا عدم الصارف‪ ،‬فلو حمد ال‬
‫للعطاس‪ ،‬لم يكف للخطبة (‪. )1‬‬
‫واشترط الشافعية لكل من سجدتي التلوة والشكر النية مع تكبيرة الحرام‪ ،‬لكن المصلي ينوي بقلبه ل‬

‫بلسانه سجدة التلوة‪ ،‬كما ينوي سجود السهو‪.‬‬
‫وفي صلة المسافر‪ :‬اشترط الشافعية والحنابلة لصحة جمع التقديم نية الجمع عند الحرام بالصلة‬
‫الولى‪ ،‬لحديث «إنما العمال بالنيات» وتجوز نية الجمع عند الشافعية في الظهر في أثناء الصلة‬
‫الولى‪ ،‬ولو مع السلم منها‪ .‬وكذلك اشترط هذان المذهبان لجمع التأخير نية الجمع أو التأخير قبل‬
‫خروج وقت الصلة الولى‪ ،‬ولو بقدر ركعة‪ ،‬أي بزمن لو ابتدئت فيه كانت أداء‪ ،‬عند الشافعية‪ ،‬وما‬
‫لم يضق وقتها عن فعلها عند الحنابلة‪ ،‬فإن ضاق وقت الولى عن فعلها‪ ،‬لم يصح الجمع؛ لن‬
‫تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام‪ ،‬ويأثم بالتأخير (‪. )2‬‬
‫‪ -5‬الصوم‪ :‬ذهب الجمهور (غير الشافعية)‪ :‬إلى أن نية الصوم شرط؛ لن صوم رمضان وغيره‬
‫عبادة‪ ،‬والعبادة‪ :‬اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصا ل تعالى بأمره‪ ،‬والختيار والخلص ل‬
‫يتحققان بدون النية‪ ،‬فل يصح أداء الصوم إل بالنية‪ ،‬تمييزا للعبادات عن العادات‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،760 - 757/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،87‬كشاف القناع ‪ ،37-34/2‬الشباه لبن‬
‫نجيم‪ :‬ص ‪.15‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪ ،269-253/4 :‬مغني المحتاج‪ ،275 - 271/1 :‬كشاف القناع‪ ،8-3/2 :‬المغني‪:‬‬
‫‪.281 - 273/2‬‬

‫( ‪)1/180‬‬
‫وذهب الشافعية‪ :‬إلى أن نية الصيام ركن كالمساك عن المفطرات‪ ،‬لحديث‪« :‬إنما العمال بالنيات» (‬
‫‪ . )1‬أما نية الداء والقضاء‪ :‬فالصح عند الشافعية أنهما ل يشترطان في الصلة والحج والزكاة‬
‫والكفارة وصلة الجنازة‪ .‬وأما الجمعة التي لتقبل القضاء فل حاجة فيها إلى نية الداء لتمييزها‪ .‬وأما‬
‫الصوم فالراجح عندهم أن نية القضاء ل بد منها فيه‪ ،‬وهذا متفق عليه بين المذاهب‪.‬‬
‫‪ -6‬العتكاف ‪( :‬وهو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية‪ ،‬بتعريف الشافعية)‪ :‬ويشترط‬
‫لصحته بالتفاق النية واجبا كان أو سنة أو نفلً‪ ،‬فل يصح العتكاف إل بنية‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬إنما‬
‫العمال بالنيات» ولنه عبادة محضة‪ ،‬فلم تصح من غير نية‪ ،‬كالصوم والصلة وسائر العبادات‪.‬‬
‫وأضاف الشافعية‪ :‬إن كان العتكاف فرضا كالمنذور‪ ،‬لزمه تعيين النية للفرض‪ ،‬لتميزه عن الطاعة (‬
‫‪. )2‬‬
‫‪ - 7‬الزكاة‪ :‬اتفق الفقهاء على أن النية شرط في أداء الزكاة‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم‪« :‬إنما‬

‫العمال بالنيات» وأداؤها عمل‪ ،‬ولنها عبادة كالصلة‪ ،‬فتحتاج إلى نية لتمييز الفرض عن النفل (‪)3‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 8‬الحج والعمرة‪ :‬يرى الحنفية‪ :‬أن الحرام بالحج (نيته) شرط صحته‪ ،‬فرضا كان أو نفلً‪ ،‬والعمرة‬
‫كذلك‪ ،‬ول تكون عندهم إل سنة‪ ،‬والمنذور عمرة فرض‪ .‬ولو نذر حجة السلم ل يلزمه إل حجة‬
‫السلم‪ ،‬كما لو نذر الضحية‪ .‬والقضاء في الكل كالداء من جهة أصل النية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪116/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،105‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 113‬الشباه لبن‬
‫نجيم‪ :‬ص ‪ ،35 ،16‬الشباه للسيوطي‪ :‬ص ‪ ،16‬مغني المحتاج‪ ،432 ،423/1 :‬المهذب‪،177/1 :‬‬
‫المغني‪ 137/3 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.359/2 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ 106/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ 177/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪،17‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،125‬الشرح الصغير‪ 725/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ 190/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ 453/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 184/3 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 406/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،16‬البدائع‪ ،40/2 :‬الشرح الصغير‪ 666/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،99‬المجموع‪ 182/6 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 638/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/181‬‬
‫ويرى جمهور الفقهاء‪ :‬أن الحرام بأن ينوي الدخول في النسك ركن في الحج والعمرة‪ ،‬فل ينعقدان‬
‫بدون النية‪ ،‬ول يصح الحرام إل بالنية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما العمال بالنيات» ولن‬
‫الحج أو العمرة عبادة محضة‪ ،‬فلم تصح من غير نية‪ ،‬كالصوم والصلة (‪ . )1‬ومحل النية كما‬
‫عرفنا‪ :‬القلب‪ ،‬والحرام‪ :‬النية بالقلب‪ ،‬والفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه‪ ،‬لما رواه مسلم‬
‫عن أنس رضي ال عنه‪ ،‬قال‪« :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪ :‬لبيك بحج وعمرة» ‪.‬‬
‫وينعقد الحرام بالنية وحدها عند الجمهور‪ ،‬كما أوضحت‪ ،‬ول ينعقد بمجردها عند الحنفية‪ ،‬وإنما ل بد‬
‫من قرنه بقول أو فعل من خصائص الحرام‪ ،‬كالتلبية أو التجرد من المخيط‪.‬‬
‫‪ -9‬اليمين‪ :‬ل يتوقف اليمين بال على النية‪ ،‬فينعقد إذا حلف عامدا أو ساهيا أو مخطئا أومكرها‪ ،‬وكذا‬
‫إذا فعل المحلوف عليه (‪ . )2‬أما في حال التحليف فقد اتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون‬
‫بحسب نية المستحلف‪ ،‬ل الحالف‪ ،‬واختلفوا في اليمان على الوعود ونحوها‪ ،‬فقال قوم‪ :‬بحسب نية‬
‫الحالف‪ ،‬وقال آخرون‪:‬بحسب نية المستحلف (‪. )3‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،16‬البدائع‪ 161/2 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 134/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،25 ،16/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،131‬مغني المحتاج‪ 476/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪:‬‬
‫‪ 226/7‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪ ،365/1 :‬المغني‪.288-281/3 :‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪. 20-19‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ ،403/1 :‬البدائع‪ ،20/3 :‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،57 ،20‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،321/4‬المغني‪ ،763 ،727/8 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،139/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.162‬‬

‫( ‪)1/182‬‬
‫أما المالكية فقالوا‪ :‬اليمين على نية المستحلف‪ ،‬ول تقبل نية الحالف؛ لن الخصم كأنه قبل هذه اليمين‬
‫عوضا عن حقه‪ ،‬ولنه ثبت أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬اليمين على نية المستحلف»‬
‫وفي رواية‪« :‬يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (‪. )1‬‬
‫والمعول عند الحنفية‪ :‬أن اليمين على نية المستحلف‪ ،‬إل إذا كانت اليمين بالطلق أو العتاق ونحوهما‪،‬‬
‫فتعتبر نيةالحالف إذا لم ينو خلف الظاهر‪ ،‬ظالما كان الحالف أو مظلوما‪ .‬وكذلك إذا كانت اليمين بال‬
‫تعالى‪ ،‬وكان الحالف مظلوما‪ ،‬فإنه تعتبر نية الحالف أيضا‪ .‬والظالم‪ :‬من يريد بيمينه إبطال حق الغير‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وفي رواية عن أبي حنيفة‪ :‬إلى أن من حلف‪ ،‬فتأول في يمينه‪ ،‬أي قصد بكلمه محتملً‬
‫يخالف ظاهره‪ ،‬فله تأويله إن كان مظلوما‪ ،‬ولم ينفعه تأويله إن كان ظالما‪ .‬قال ابن نجيم‪ :‬والفتوى في‬
‫مذهب الحنفية على اعتبار نية الحالف إن كان مظلوما‪ ،‬ل إن كان ظالما‪ ،‬لكن بشرط كون اليمين بال‬
‫تعالى‪ ،‬فإن كان بطلق أو عتاق ل اعتبار بنية الحالف مطلقا كما بينا‪.‬‬
‫والمقرر لدى الشافعية‪ :‬أن العبرة في اليمين بنية الحالف؛ لن المقصود من اليمان هو المعنى القائم‬
‫بالنفس‪ ،‬ل ظاهر اللفظ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء أيضا في تفسير المقصود بالمحلوف عليه في اليمين‪ ،‬فهل تبنى اليمان على النية أو‬
‫العرف أو صيغة اللفظ (‪ )2‬؟‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرج مسلم وابن ماجه هاتين الروايتين عن أبي هريرة‪ .‬وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن‬
‫ماجه الرواية الثانية ( جامع الصول‪.) 307/12 :‬‬

‫(‪ )2‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،57‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪ ،40‬رسائل ابن عابدين‪ ،292/1 :‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ 398/1‬ومابعدها‪ ،‬العتصام للشاطبي‪ ،141/2 :‬مغني المحتاج‪ ،335/4 :‬المغني‪.763/8 :‬‬

‫( ‪)1/183‬‬
‫فذهب الحنفية‪ :‬إلى أن اليمان مبنية على العرف والعادة‪ ،‬ل على المقاصد والنيات؛ لن غرض‬
‫الحالف هو المعهود المتعارف عنده‪ ،‬فيتقيد بغرضه‪ .‬هذا هو الغالب عندهم‪ .‬وقد تبنى اليمان عندهم‬
‫على اللفاظ‪ ،‬ل على الغراض‪ .‬فلو اغتاظ من إنسان‪ ،‬فحلف أنه ل يشتري له شيئا بفلس‪ ،‬فاشترى له‬
‫شيئا بمئة درهم‪ ،‬لم يحنث‪ .‬ولو حلف ل يبيعه بعشرة فباعه بأحد عشر أو بتسعة‪ ،‬لم يحنث‪ ،‬مع أن‬
‫غرضه الزيادة‪.‬‬
‫وقال المام مالك في المشهور من مذهبه‪ :‬المعتبر في اليمان التي ل يقضى على حالفها بموجبها (‪)1‬‬
‫‪ ،‬وكذلك النذور‪ :‬هو النية‪ ،‬أي نية الحالف في غير الدعاوى‪ ،‬ففيها تعتبر نية المستحلف‪ ،‬فإن عدمت‬
‫فقرينة الحال‪ ،‬فإن عدمت فعرف اللفظ‪ ،‬أي ما قصد الناس من عرف أيمانهم‪ ،‬فإن عدم فدللة اللغة‪.‬‬
‫وأما اليمان التي يقضى بها على صاحبها‪ :‬ففي مجال الستفتاء تراعى هذه الضوابط على هذا‬
‫الترتيب‪ .‬وإن كان مما يقضى بها عليه‪ ،‬لم يراع فيها إل اللفظ‪ ،‬إل أن يؤيد ما ادعاه من النية قرينة‬
‫الحال أو العرف‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬اليمان مبنية على الحقيقة اللغوية‪ ،‬أي بحسب صيغة اللفظ؛ لن الحقيقة أحق بالرادة‬
‫والقصد‪ ،‬إل أن ينوي شيئا فيعمل بنيته‪ .‬فمن حلف أل يأكل رؤوسا‪ ،‬فأكل رؤوس حيتان (مفرده‬
‫حوت) فمن راعى العرف كالحنفية قال‪ :‬ل يحنث‪ ،‬ومن راعى دللة اللغة كالشافعية قال‪ :‬يحنث‪.‬‬
‫وكذلك يحنث عندهم من حلف ل يأكل لحما‪ ،‬فأكل شحما‪ ،‬مراعاة لدللة اللفظ‪ .‬وقال غيرهم‪ :‬ليحنث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي ليصدر فيها حكم قضائي‪ ،‬وإنما يترك شأنها للحالف بينه وبين ال تعالى‪ ،‬وذلك في المور‬
‫التي تكون علقتها بالنسان نفسه أو بال سبحانه‪ .‬أما المور التي تتعلق بالناس‪ ،‬فهذه مما يقضى فيها‬
‫على الحالف‪.‬‬

‫( ‪)1/184‬‬
‫ورأى الحنابلة‪ :‬أنه يرجع في اليمان إلى النية‪ ،‬أي نية الحالف‪ ،‬فإن نوى ما يحتمله اللفظ انصرفت‬
‫يمينه إليه‪ ،‬سواء أكان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أم مخالفا له‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫«إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى» ‪ .‬فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيّجها‬
‫أو أثارها لدللته على النية‪ .‬فإن حلف ل يأوي مع امرأته في هذه الدار‪ ،‬فإن كان سبب يمينه غيظا‬
‫من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منّة عليه بها‪ ،‬اختصت يمينه بها‪ .‬وإن كان لغيظ لحقه من المرأة‬
‫يقضي جفاءها‪ ،‬ول أثر للدار فيها‪ ،‬تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار‪.‬‬
‫اليمين أمام القضاء‪ :‬بينت سابقا أن العبرة في الحلف أمام القضاء بنية القاضي المستحلف للخصم‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ـ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ـ‪« :‬اليمين على نية المستحلف» وقد‬
‫حمل هذا الحديث على الحاكم؛ لنه الذي له ولية الستحلف‪ ،‬فلو أخذ بنية الحالف‪ ،‬لبطلت فائدة‬
‫اليمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد‪ .‬فلو ورّى الحالف في يمينه‪ ،‬بأن قصد‬
‫خلف ظاهر اللفظ عند تحليف القاضي‪ ،‬أو تأول‪ ،‬أي اعتقد خلف نية القاضي‪ ،‬أو استثنى الحالف‪،‬‬
‫كقوله عقب يمينه‪ (:‬إن شاء ال ) أو وصل باللفظ شرطا‪ ،‬مثل‪ :‬إن دخلت الدار‪ ،‬بحيث ل يسمع‬
‫القاضي كلمه‪ ،‬لم يدفع ما ذكر إثم اليمين الفاجرة‪ ،‬فإن لم نحكم بالتأثيم ضاع المقصود من اليمين‪،‬‬
‫وهو حصول الهيبة من القدام عليها‪.‬‬
‫واشترط الشافعية والحنابلة (‪ )1‬شرطين في كون اليمين على نية المستحلف‪.‬‬
‫ً‪ - 1‬أل يحلفه القاضي بالطلق أو العتاق‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أل يكون القاضي ظالما أو جائرا في طلب اليمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،475/4 :‬كشاف القناع‪. 242/6 :‬‬

‫( ‪)1/185‬‬
‫التورية في اليمين‪ :‬يجوز للحالف في اليمين غير القضائية التي يحلفها باختياره أو يطلبها شخص منه‬
‫دون أن يكون له عليه حق اليمين‪ :‬التورية في يمينه‪ ،‬بأن يقصد فيها غير المعنى المتبادر من اللفظ‪،‬‬
‫أو ينوي فيها خلف الظاهر‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬إنما العمال بالنيات» وقد حكى القاضي عياض‬
‫الجماع على أن الحالف من غير استحلف‪ ،‬ومن غير تعلق حق بيمينه‪ ،‬له نيته ويقبل قوله‪.‬‬
‫وبناء عليه ذكر السيوطي (‪ )1‬ثلث قواعد وهي‪:‬‬
‫الولى ـ ( مقاصد اللفظ على نيةاللفظ إل في موضع واحد وهو اليمين عند القاضي ) فإنها على نية‬
‫القاضي دون الحالف‪.‬‬
‫الثانية ـ ( تجري النية مجرى الشروط ) في مسألة وهي‪ :‬ما لو شك بعد الصلة في تركها أو ترك‬

‫الطهارة‪ ،‬فإنه تجب العادة‪ ،‬بخلف ما لو شك في ترك ركن؛ لن الشك في الركان يكثر بخلف‬
‫الشروط‪ .‬أما لو شك الصائم في النية بعد الغروب (نهاية اليوم) فل أثر له‪.‬‬
‫الثالثة ـ ( النية في اليمين تخصص اللفظ العام‪ ،‬ول تعمم الخاص) مثال الول أن يقول‪ ( :‬وال‪ ،‬ل‬
‫أكلم أحدا ) وينوي زيدا‪ .‬ومثال الثاني‪ :‬أن يمن عليه رجل بماء‪ ،‬فيقول‪ :‬وال ل أشرب منه ماء من‬
‫عطش‪ ،‬فإن اليمين تنعقد على الماء من عطش خاصة‪ ،‬ول يحنث بطعامه وشرابه؛ لن النية إنما تؤثر‬
‫إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يجوز لها‪.‬‬
‫وقال ابن نجيم (‪ )2‬عن هذه القاعدة‪ ( :‬تخصيص العام بالنية مقبول ديانة ل قضاء ) وعند الخصاف‪:‬‬
‫تصح قضاء أيضا‪ ،‬فلو قال‪ ( :‬كل امرأة أتزوجها فهي طالق ) ثم قال‪ ( :‬نويت من بلدة كذا ) لم تصح‬
‫في ظاهر المذهب‪ ،‬خلفا للخصاف‪ .‬ول بأس أن يؤخذ بقول الخصاف إذا وقع الشخص في يد‬
‫الظلمة‪ ،‬فإذا حلفه الظالم له أن يخصص العام‪ .‬وأما تعميم الخاص بالنية فلم أره الن‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر‪ :‬ص ‪40‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر ‪ :‬ص ‪18،56‬‬

‫( ‪)1/186‬‬
‫‪ -10‬الضحية‪ :‬ل تجزئ الضحية بدون النية؛ لن الذبح قد يكون للحم‪ ،‬وقد يكون للقربة‪ ،‬والفعل ل‬
‫يكون قربة بدون النية‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى»‬
‫قال الكاساني‪ :‬والمراد منه عمل هو قربة‪ ،‬فل تتعين الضحية إل بالنية‪.‬‬
‫وتتعين الضحية بالذبح اتفاقا‪ ،‬وبالنذر إن عينها له اتفاقا‪ ،‬وتتعين عند أبي حنيفة بالشراء بنية‬
‫الضحية‪.‬‬
‫واشترط الشافعية والحنابلة‪ :‬أن تكون النية عند ذبح الضحية؛ لن الذبح قربة في نفسه‪ .‬ويكفيه أن‬
‫ينوي بقلبه‪ ،‬ول يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لن النية عمل القلب‪ ،‬والذكر باللسان دليل عليها (‪. )1‬‬
‫وتتعين الضحية عند المالكية إما بالذبح أو بالنية قبله‪ ،‬على خلف في المذهب ‪ .‬والمعتمد المشهور‬
‫في المذهب المالكي‪ :‬أن الضحية ل تجب إل بالذبح فقط‪ ،‬ول تجب بالنذر (‪. )2‬‬
‫‪ - 11‬الصطياد‪:‬‬
‫الصيد‪ :‬هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لحد‪ .‬ويتم إما بالستيلء الفعلي على المصيد‪ ،‬أو‬
‫بالستيلء الحكمي‪ :‬وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار‪ ،‬كاتخاذ الحياض‬

‫لصيد السماك‪ ،‬أو الشباك‪ ،‬أو الحيونات المدربة على الصيد كالكلب والفهود والجوارح المعلّمة‪.‬‬
‫ويشترط في الستيلء الحكمي ل الستيلء الحقيقي‪ :‬قصد التملك‪ ،‬عملً بقاعدة «المور بمقاصدها» ‪.‬‬
‫فمن نصب شبكة‪ ،‬فتعلق بها صيد‪ ،‬فإن كان قد نصبها للجفاف‪ ،‬فالصيد لمن سبقت يده إليه؛ لن نيته‬
‫لم تتجه إليه‪ .‬وإن كان قد نصبها للصيد‪ ،‬ملكه صاحبها‪ ،‬وإن أخذه غيره كان متعديا غاصبا‪ .‬ولو أفرخ‬
‫طائر في أرض إنسان‪ ،‬كان لمن سبقت إليه يد إل إذا كان صاحب الرض هيأها لذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،71/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،187‬مغني المحتاج‪ ،289/4 :‬كشاف القناع‪.6/3 :‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،189 ،187‬مطبعة النهضة بفاس‪.‬‬

‫( ‪)1/187‬‬
‫وإذا دخل طائر في دار ‪ ،‬فأغلق صاحبها الباب لخذه‪ ،‬ملكه‪ ،‬وإن أغلقه صدفة لم يملكه‪ .‬وهكذا لو‬
‫وقع الصيد في حفرة أو ساقية‪ ،‬المعوّل في تملكه على نية صيده‪ ،‬وإل فلمن سبقت إليه يده (‪. )1‬‬
‫‪ - 13‬قراءة القرآن‪ :‬إن القرآن يخرج عن كونه قرآنا بالقصد‪ ،‬فجاز للجنب والحائض قراءة ما فيه‬
‫من الذكار بقصد الذكر‪ ،‬والدعية بقصد الدعاء (‪. )2‬‬
‫عاشرا ـ النية في العقود أو المعاملت (مدى تأثير النية غير المشروعة أو الباعث على العقود)‪:‬‬
‫للفقهاء اتجاهان من نظرية السبب بالمعنى الحديث‪ :‬اتجاه يغلّب النظرة الموضوعية أو الرادة‬
‫الظاهرة‪ ،‬واتجاه آخر يلحظ فيه النوايا والبواعث الذاتية أو الرادة الباطنة (‪. )3‬‬
‫أما التجاه الول‪ :‬فهو مذهب الحنفية والشافعية (‪ )4‬الذين يأخذون بالرادة الظاهرة في العقود‪ ،‬ل‬
‫بالرادة الباطنة‪ ،‬أي أنهم حفاظا على مبدأ استقرار المعاملت ل يأخذون بنظرية السبب أو الباعث‬
‫لن فقههم ذو نزعة موضوعية بارزة كالفقه الجرماني‪ ،‬والسبب أو الباعث الذي يختلف باختلف‬
‫الشخاص عنصر ذاتي داخلي قلق يهدد المعاملت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪193/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪20‬‬
‫(‪ )3‬سيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع‪.‬‬
‫(‪ )4‬انظر عند الحنفية مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪ ،280‬تكملة فتح القدير‪ ،127/8 :‬البدائع‪،189/4 :‬‬
‫تبيين الحقائق‪ 125/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/188‬‬
‫ول تأثير للسبب أو للباعث على العقد إل إذا كان مصرحا به في صيغة التعاقد‪ ،‬أي تضمنته الرادة‬
‫الظاهرة‪ ،‬كالستئجار على الغناء والنوح والملهي وغيرها من المعاصي‪ .‬فإذا لم يصرح به في‬
‫صيغة العقد‪ ،‬بأن كانت الرادة الظاهرة ل تتضمن باعثا غير مشروع‪ ،‬فالعقد صحيح ل شتماله على‬
‫أركانه الساسية من إيجاب وقبول وأهلية المحل لحكم العقد‪ ،‬ولنه قد ل تحصل المعصية بعد العقد‪،‬‬
‫ول عبرة للسبب أو الباعث في إبطال العقد‪ ،‬أي أن العقد صحيح في الظاهر‪ ،‬دون بحث في النية أو‬
‫القصد غير المشروع‪ ،‬لكنه مكروه حرام‪ ،‬بسبب النية غير المشروعة‪ ،‬نظرا لستكمال العقد أركانه‬
‫وشروطه المطلوبة شرعا في الظاهر‪.‬‬
‫وبناء عليه قال الحنفية والشافعية بصحة العقود التالية في الظاهر‪ ،‬مع الكراهة التحريمية أو الحرمة‬
‫عند الشافعية‪ ،‬للنهي عنها في السنة النبوية‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬بيع العينة (أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا)‪ :‬كبيع سلعة بثمن مؤجل إلى مدة بمئة درهم‪،‬‬
‫ثم شراؤها من المشتري في الحال بمئة وعشرة‪ ،‬فيكون الفرق ربا‪ .‬لكن أبا حنيفة رحمه ال استثناء‬
‫من مبدئه في عدم النظر إلى النية غير المشروعة‪ ،‬اعتبر هذا العقد فاسدا‪ ،‬إن خل من توسط شخص‬
‫ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض‪ ،‬لساس آخر‪ :‬وهو عدم تمام البيع الول بسبب عدم‬
‫قبض الثمن‪ ،‬ولن البيع الثاني بيع شيء منقول قبل القبض وبيع الشيء قبل القبض فاسد شرعا‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬بيع العنب لعاصر الخمر‪ :‬أي لمن يعلم البائع أنه سيتخذه خمرا أو يظنه ظنا غالبا‪ ،‬فإن شك في‬
‫اتخاذه خمرا أوتوهمه‪ ،‬فالبيع مكروه‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬بيع السلح في الفتنة الداخلية‪ ،‬أو لمن يقاتل به المسلمين أو لقطاع الطريق المحاربين‪ ،‬ومثله‬
‫بيع أدوات القمار‪ ،‬وإيجاد دار للدعارة أو للقمار‪ ،‬وبيع الخشب لمن يتخذ منه آلت الملهي‪ ،‬والجارة‬
‫على حمل الخمر لمن يشربها‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬

‫( ‪)1/189‬‬
‫‪ - ً 4‬زواج المحلّل‪ :‬وهو الذي يعقد زواجه على امرأة مطلقة طلقا بائنا‪ ،‬أي البائن بينونة كبرى‪،‬‬
‫بقصد تحليلها لزوجها الول بالدخول بها في ليلة واحدة مثلً‪ ،‬ثم يطلقها ليصح لزوجها الول العقد‬
‫عليها من جديد‪ ،‬هو عقد صحيح في الظاهرعملً بظاهر الية القرآنية‪{ :‬فإن طلقها فل تحل له من‬
‫بعد‪ ،‬حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة‪ ،]230/2:‬أي أنه ل يصرح في عقد التحليل بالغرض المقصود‪،‬‬

‫وإنما يتم التفاق سرا وبنحو مستتر في غير حالة إبرام العقد‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن هذا التجاه ل يأخذ بالسبب أو الباعث إل إذا كان داخلً في صيغة العقد‪ ،‬وتضمنه‬
‫التعبير عن الرادة ولو ضمنا‪ ،‬ول يعتد به إذا لم تتضمنه صيغة العقد‪.‬‬
‫وأما التجاه الثاني‪ :‬فهو مذهب المالكية والحنابلة والظاهرية والشيعة (‪ )1‬الذين ينظرون إلى القصد‬
‫والنية أو الباعث‪ ،‬فيبطلون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع‪ ،‬بشرط أن يعلم الطرف الخر‬
‫بالسبب غير المشروع‪ ،‬أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك بالظروف والقرائن التي تدل على القصد‬
‫الخبيث‪ ،‬كإهداء العدو هدية لقائد الجيش‪ ،‬والهداء للحكام والموظفين‪ ،‬فذلك مقصود به الرشوة‪ .‬فتكون‬
‫للدولة‪ .‬وهبة المرأة مهرها لزوجها‪ ،‬يقصد به استدامة الزواج‪ ،‬فإن طلقها بعدئذ‪ ،‬كان لها الرجوع فيما‬
‫وهبت (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع عند المالكية‪ :‬بداية المجتهد‪ ،140/2 :‬مواهب الجليل للحطاب‪ ،263 ،404/4 :‬الموافقات‪:‬‬
‫‪ ،261/2‬الفروق‪ ،266/3:‬وعند الحنابلة‪ :‬المغني‪ ،222 ،174/4 :‬أعلم الموقعين‪،108 ،106/3 :‬‬
‫‪ ،148 ،131 ،121‬غاية المنتهى‪ ،18/2 :‬وعند الظاهرية‪ :‬المحلى‪ ،36/9 :‬وعند الشيعة الجعفرية‪:‬‬
‫المختصر النافع في فقه المامية‪ :‬ص ‪ ،140‬وعند الزيدية‪ :‬المنتزع المختار‪ 19/3:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪322‬‬

‫( ‪)1/190‬‬
‫هذا التجاه يأخذ تقريبا بنظرية السبب أو بمذهب الرادة الباطنة في الفقه اللتيني‪ ،‬مراعاة للعوامل‬
‫الدبية والخلقية والدينية‪ ،‬فإن كان الباعث مشروعا‪ ،‬فالعقد صحيح‪ ،‬وإن كان غير مشروع فالعقد‬
‫باطل حرام‪ ،‬لما فيه من العانة على الثم والعدوان‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ ،‬قال المالكية والحنابلة وموافقوهم ببطلن العقود السابقة وأضاف إليها المالكية‪ :‬أنهم ل‬
‫يجيزون بيع أرض بقصد بناء كنيسة أو بيع خشب بقصد صنع صليب‪ ،‬أو شراء عبد بقصد أن يكون‬
‫مغنيا‪ ،‬أو استئجار كراريس فيها عبارات النوح‪ ،‬وبيع ثياب حرير ممن يلبسها (‪. )1‬‬
‫أما عدم صحة بيع العنب للخمار‪ ،‬وبيع السلح للعداء ونحوهما‪ ،‬فلنه إعانة على الحرام‪ ،‬أو عقد‬
‫على شيء لمعصية ال به‪ ،‬فل يصح‪ .‬وأما فساد زواج المحلل‪ ،‬فلنه يتنافى مع أغراض الزواج‬
‫السامية‪ :‬وهو أنه عقد مؤبد‪ ،‬قصد به تكوين أسرة دائمة‪ ،‬لنجاب ذرية تنعم بجو هادئ مطمئن‪ ،‬وهذا‬
‫الزواج اتخذ لتحليل المطلقة ثلثا لزوجها الول في وضع مؤقت قلق‪ ،‬فهو حيلة لرفع تحريم مؤبد‪،‬‬

‫وهو قصد غير مشروع‪.‬‬
‫وأما فساد بيع العينة أو بيوع الجال‪ ،‬فلنه اتخذ البيع حيلة لتحليل التعامل بالربا‪ ،‬ولم يكن الغرض‬
‫الحق هو البيع والشراء‪ ،‬فهو وسيلة لعقد محرم غير مشروع‪ ،‬فيمنع سدا للذرائع المؤدية إلى الحرام‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن هذا التجاه يعتد بالمقاصد والنيات‪ ،‬ولو لم تذكر في العقود‪ ،‬بشرط أن يكون ذلك‬
‫معلوما للطرف الخر‪ ،‬أو كانت الظروف تحتم علمه؛ لن النية روح العمل ولبّه‪ .‬ويكون هذا التجاه‬
‫آخذا بنظرية السبب التي تتطلب أن يكون السبب مشروعا‪ ،‬فإن لم يكن سبب العقد مشروعا‪ ،‬فل يصح‬
‫العقد‪.‬‬
‫أما في الحوال غير المصحوبة بنية غير مشروعة أو بباعث سيء‪ ،‬فهل يصح العقد بنية تحول صفة‬
‫العقد؟‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مواهب الجليل للحطاب‪ ،254/4 :‬ط دار الفكر ‪ -‬بيروت‪.‬‬

‫( ‪)1/191‬‬
‫يرى المالكية والحنفية‪ :‬أن للنية تأثيرا في صيغة العقود‪ ،‬فقالوا‪ :‬يصح عقد الزواج بكل لفظ يدل على‬
‫تمليك العين في الحال‪ ،‬كالتزويج والنكاح والتمليك‪ ،‬والجعل‪ ،‬والهبة والعطية والصدقة‪ ،‬بشرط توافر‬
‫النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج‪ ،‬وبشرط فهم الشهود للمقصود‪،‬؛ لن عقد‬
‫الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين‪،‬فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما (‬
‫‪. )1‬‬
‫أما البيع والقالة والجارة والهبة فل تتوقف على النية‪ ،‬فلو وهب مازحا صحت‪ .‬لكن قال الحنفية (‪)2‬‬
‫عقِد البيع بمضارع لم يصدّر بسوف أو السين توقف على النية‪ ،‬فإن نوى به اليجاب للحال ‪،‬‬
‫‪ :‬إن ُ‬
‫كان بيعا‪ ،‬وإل ل‪ ،‬بخلف صيغة الماضي‪ ،‬فإن البيع ليتوقف على النية‪ .‬وأما المضارع المتمحض‬
‫للستقبال فهو كالمر‪ ،‬ل يصح البيع به ول بالنية‪ ،‬ول يصح البيع مع الهزل‪ ،‬لعدم الرضا بحكمه‬
‫معه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،346/2 :‬الدر المختار ورد المحتار‪ 368/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير للدردير‪:‬‬
‫‪ 220/2‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،168/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.195‬‬

‫(‪ )2‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 20 ،18‬وأما القرار والوكالة واليداع والعارة والقذف‬
‫والسرقة‪ ،‬فل تتوقف على النية‪.‬‬

‫( ‪)1/192‬‬
‫وأما القصاص فمتوقف على قصد القاتل القتل‪ ،‬لكن قال الحنفية‪ :‬لما كان القصد أمرا باطنيا‪ ،‬أقيمت‬
‫اللة مقامه‪ ،‬فإن قتله بما يفرق الجزاء عادة‪ ،‬كان عمدا ووجب القصاص‪ ،‬وإن قتله بما ل يفرق‬
‫الجزاء عادة‪ ،‬لكن يقتل غالبا‪ ،‬فهو شبه عمد ل قصاص فيه عند أبي حنيفة‪.‬‬
‫الحادي عشر ـ النية في الفسوخ‪:‬‬
‫القالة (وهي فسخ العقد) والطلق (حل الرابطة الزوجية) إن كان صريحا ل يتوقفان على النية (‪)1‬‬
‫فلو طلق الرجل زوجته غافلً أو ساهيا أو مخطئا وقع‪ ،‬حتى قال الحنفية‪ :‬إن الطلق يقع باللفاظ‬
‫المصحفة قضاء‪ ،‬ولكن ل بد من أن يقصدها باللفظ‪.‬‬
‫وأما الطلق بالكناية‪( :‬وهو كل لفظ يحتمل الطلق وغيره‪ ،‬ولم يتعارفه الناس‪ ،‬مثل قول الرجل‬
‫لزوجته‪ :‬الحقي بأهلك‪ ،‬اذهبي‪ ،‬اخرجي‪ ،‬أنت بائن‪ ،‬أنت بتّة‪ ،‬أنت بتلة‪ ،‬أنت خلية‪ ،‬برية‪ ،‬اعتدي‪،‬‬
‫استبرئي رحمك‪ ،‬أمرك بيدك) فل يقع قضاء في رأي الحنفية والحنابلة إل بالنية أو دللة الحال على‬
‫إرادة الطلق‪ ،‬كأن يكون الطلق في حالة الغضب‪ ،‬أو في حال المذاكرة بالطلق‪.‬‬
‫ول يقع في رأي المالكية والشافعية إل بالنية‪ ،‬ول عبرة بدللة الحال‪ ،‬فل يلزمه الطلق إل إن نواه‪،‬‬
‫فإن قال‪ :‬إنه لم ينو الطلق‪ ،‬لم يقع‪ ،‬وإن امتنع عن اليمين‪ ،‬حكم عليه بالطلق‪.‬‬
‫واشترط الشافعية في نية الكناية اقترانها بكل اللفظ‪ ،‬فلو قارنت أوله‪ ،‬وغابت عنه قبل آخره‪ ،‬لم يقع‬
‫طلق‪.‬‬
‫ولو قال الزوج‪ :‬أنت طلق أو أنت الطلق (بالمصدر) أو أنت طالق طلقا‪ ،‬فيقع بها عند الحنفية‬
‫والمالكية والحنابلة طلقة واحدة رجعية إن لم ينو شيئا‪ .‬فإن نوى ثلثا فهي ثلث‪ ،‬فهي عندهم من‬
‫اللفاظ الصريحة؛ لنه صرح بالمصدر‪ ،‬والمصدر يقع على القليل والكثير‪ ،‬وإنه نوى بلفظه ما‬
‫يحتمله‪ .‬وأضاف الحنفية‪ :‬ول تصح نية الثنتين في المصدر‪ ( :‬أنت الطلق ) إل أن تكون المرأة َأمَة‬
‫(رقيقة)‪ .‬وأما تفويض الطلق والخلع واليلء والظهار‪ ،‬فما كان منه صريحا فل تشترط له النية‪ ،‬وما‬
‫كان كناية‪ ،‬اشترطت له‪ .‬وأما الرجعة فهي كعقد الزواج؛ لنها استدامته‪ ،‬لكن ما كان منها صريحا ل‬
‫يحتاج إلى نية‪ ،‬وكنايتها تحتاج إليها‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 18‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/193‬‬
‫ورأي الشافعية في الصح‪ :‬ليس قوله‪ ( :‬أنت طلق أو الطلق ) من اللفاظ الصريحة‪ ،‬بل هما‬
‫كنايتان؛ لن المصادر إنما تستعمل في العيان توسعا (‪. )1‬‬
‫ويلحظ أن الشافعية قرروا أن التعريض بالقذف يوجب الحد إن نوى به القاذف القذف‪ ،‬فهو بمنزلة‬
‫كنايات الطلق‪ ،‬والكناية مع النية توجب الحد كالصريح‪.‬‬
‫الثاني عشر ـ النية في التروك‪:‬‬
‫التروك كترك الرياء وغيره من المنهي عنه‪ .‬إن المقرر شرعا‪ :‬أن ترك المنهي عنه ل يحتاج إلى نية‬
‫للخروج عن عهدة النهي‪ ،‬وإنما لحصول الثواب بأن كان كفّا‪ :‬وهو أن تدعوه النفس إليه‪ ،‬قادرا على‬
‫فعله‪ ،‬فيكف نفسه عنه خوفا من ربه‪ ،‬فهو مثاب‪ ،‬وإل فل ثواب على تركه‪ ،‬فل يثاب على ترك الزنا‬
‫وهو يصلي‪ ،‬ول يثاب العنّين ( العاجز عن الجماع ) على ترك الزنا‪ ،‬ول العمى على ترك النظر‬
‫المحرم‪.‬‬
‫وهناك أعمال في حكم التروك‪ ،‬لترددها بين أصلين‪ :‬الفعال من حيث إنها فعل‪ ،‬والتروك من حيث‬
‫إنها قريبة منها‪ ،‬رجح الكثرون عدم النية فيها‪ ،‬لمشابهة التروك‪ ،‬وذلك مثل إزالة النجاسة‪ ،‬ورد‬
‫المغصوب والعواري‪ ،‬وإيصال الهدية وغير ذلك‪ ،‬فل تتوقف صحتها على النية المصححة‪ ،‬لكن‬
‫يتوقف الثواب فيها على نية التقرب‪.‬‬
‫وأما غسل الميت‪ :‬فالصح فيه عند الكثرين خلفا للحنابلة كما بينا عدم اشتراط النية فيه‪ ،‬كالعمال‬
‫الملحقة بالتروك؛ لن القصد منه التنظيف كإزالة النجاسة‪ .‬ومثله أيضا نيةالخروج من الصلة‪:‬‬
‫الصح فيها عدم الشتراط؛ لن النية تليق بالقدام‪ ،‬ل بالترك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه لبن نجيم‪ :‬ص ‪ 19‬ومراجع المذاهب الخرى في بحث الطلق التي‪.‬‬

‫( ‪)1/194‬‬
‫ومن الملحق بالتروك‪ :‬إطعام الشخص دابته‪ :‬إن قصد بإطعامها امتثال أمر ال تعالى‪ ،‬فإنه يثاب‪ ،‬وإن‬
‫قصد بإطعامها حفظ المالية‪ ،‬فل ثواب‪ ،‬كما ذكر القرافي‪ .‬لكن يستثنى من ذلك‪ :‬فرس المجاهد‪ :‬إذا‬

‫ربطها في سبيل ال‪ ،‬فإنها إذا شربت وهو ل يريد سقيها‪ ،‬أثيب على ذلك‪ .‬وكذلك الزوجة‪ ،‬وكذلك‬
‫إغلق الباب وإطفاء المصباح عند النوم‪ :‬إذا قصد به امتثال أمر ال أثيب‪ ،‬وإن قصد به أمر آخر‪ ،‬فل‬
‫( ‪. )1‬‬
‫الثالث عشر ـ النية في المباحات والعادات‪:‬‬
‫تختلف صفة المباحات والعادات التي تصدر عن النسان في اليوم والليلة باعتبار ما قصدت لجله‪،‬‬
‫فإذا قصد بها التقوّي على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة‪ ،‬وإن لم يقصد بها العبادة ل ثواب‬
‫عليها ‪ .‬وبناء عليه إن المباحات كالكل والشرب والنوم واكتساب المال والجماع أو الوطء كالتروك‬
‫مثل ترك الزنا والخمر‪ ،‬ليست مفتقرة إلى نية‪ ،‬ول تكون عبادة إل إذا نوى بها العبادة كالكل‬
‫والشرب بقصد التقوي بهما على الطاعة‪ ،‬والجماع بقصد إعفاف نفسه وزوجه وحصول نسل يعبد‬
‫ال‪ ،‬وترك الزنا والخمر مثلً بقصد امتثال نهي الشارع‪.‬‬
‫وهكذا كل فعل يصح أن يكون عبادة بالقصد‪ ،‬ل بد فيه من القصد ليكون عبادة يترتب عليها الثواب‪،‬‬
‫وإليه يشير حديث ( إنما العمال بالنيات )‪.‬‬
‫فينبغي ـ كما قال الرملي ـ استحضار النية عند المباحات والعاديات ليثاب عليها ثواب العبادات‪،‬‬
‫ول مشقة عليه في القيام بها‪ ،‬بل هي مألوفة لنفسه‪ ،‬مستلذة‪ ،‬فسبحان ال ماأعظم منته‪ ،‬وما أوسع‬
‫رحمته‪ ،‬أباح لعبده الطيبات التي يشتهيها‪ ،‬ثم هو مع ذلك يثيبه عليها بحسن نيته‪ ،‬كما يثيبه على‬
‫عبادته التي طلبها منه‪ ،‬فله الحمد والمنة‪ ،‬ل ربّ غيره‪ ،‬ول خير إل خيره‪.‬‬
‫ويسن لكل إنسان أن يقول في الصباح والمساء‪ ،‬ليحظى بالثواب والجر على المباحات والتروك‪:‬‬
‫( اللهم ما أعمله في هذا النهار ـ أو في هذه الليلة ـ من خير‪ ،‬فهو امتثال لمرك‪ ،‬وما أتركه من‬
‫معصية فهو امتثال لنهيك )‪.‬‬
‫الرابع عشر ـ النية في أمور أخرى‪:‬‬
‫هناك غير ما ذكرناه أمور أخرى‪ ،‬أشير إلى النية فيها بإجمال (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬الجهاد‪ :‬هو من أعظم العبادات‪ ،‬فل بد له من خلوص النية‪ ،‬ليكون في سبيل ال‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوصية كالعتق‪ :‬إن قصد به التقرب إلى ال فله الثواب‪ ،‬وإل فهي صحيحة فقط‪.‬‬
‫‪ - 3‬الوقف‪ :‬ليس عبادة وضعا‪ ،‬بدليل صحته من الكافر‪ ،‬فإن نوى القربة‪ ،‬فله الثواب‪ ،‬وإل فل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ :‬ص ‪ ،21‬وللسيوطي‪ :‬ص ‪ ،11‬شرح الربعين النووية للنووي ص‬
‫‪ ،8-7‬غاية المنتهى‪. 115/1 :‬‬
‫(‪ )2‬غاية المنتهى ‪.115/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/195‬‬
‫‪ -4‬الزواج‪ :‬أقرب إلى العبادات‪ ،‬حتى إن الشتغال به أفضل من التخلي لمحض العبادة‪ ،‬وهو عند‬
‫العتدال سنة مؤكدة على الصحيح في مذهب الحنفية‪ ،‬فيحتاج إلى النية لتحصيل الثواب‪ :‬وهو أن‬
‫يقصد إعفاف نفسه وتحصين زوجته وحصول الولد‪ .‬والرجعة كالزواج لنها استدامة‪ ،‬فما كان منها‬
‫صريحا ل يحتاج إلى نية‪ ،‬وما كان منها كناية يحتاج إلى نية‪.‬‬
‫‪ - 5‬القضاء‪ :‬من العبادات‪ ،‬والثواب عليه متوقف عليه متوقف على النية‪.‬‬
‫‪ - 6‬الحدود والتعازير وكل ما يتعاطاه الحكام والولة‪ ،‬وتحمل الشهادات وأداؤها‪ :‬الثواب في كل ذلك‬
‫متوقف على النية‪.‬‬
‫‪ - 7‬الضمان أو التعويض عن الضرر‪ :‬ل يتوقف على النية أو القصد‪ ،‬ويجب الضمان عن الضرر‬
‫كالتلف‪ ،‬سواء حدث عمدا أم خطأ‪ .‬وهل يترتب الضمان في شيء بمجرد النية من غير فعل؟ قال‬
‫الحنفية في المُحْرِم إذا لبس ثوبا‪ ،‬ثم نزعه‪ ،‬ومن قصده أن يعود إليه‪ ،‬ل يتعدد الجزاء‪ .‬فإن قصد أل‬
‫يعود إليه‪ ،‬تعدد الجزاء بلبسه‪ .‬وقالوا أيضا في الوديع إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه‪ ،‬ومن نيته أن‬
‫يعود إلى لبسه‪ ،‬لم يبرأ من الضمان‪.‬‬
‫‪ - 8‬الكفارات‪ :‬النية شرط صحتها‪ ،‬عتقا‪ ،‬أو صياما‪ ،‬أو إطعاما‪.‬‬
‫‪ - 9‬الضحايا‪ :‬لبد فيها من النية كما بينا‪ ،‬لكن في رأي الحنفية‪ :‬عند الشراء ل عند الذبح‪ .‬وتفرع‬
‫عليه‪ :‬أنه لو اشتراها بنية الضحية‪ ،‬فذبحها غيره بل إذن‪ ،‬فإن ذبحها عن مالكها‪ ،‬فل ضمان عليه‪،‬‬
‫وإن ذبحها عن نفسه‪ :‬فإن أخذها مذبوحة ولم يضمنه مالكها قيمتها‪ ،‬أجزأته‪ .‬وإن ضمنه ل يجزئه‪.‬‬
‫وهل تتعين الضحية بالنية؟ قال الحنفية‪ :‬إن كان فقيرا‪ ،‬وقد اشتراها بنية الضحية‪ ،‬تعينت‪ ،‬فليس له‬
‫بيعها‪ .‬وإن كان غنيا لم تتعين‪ ،‬وصحح ابن نجيم في الشباه أنها تتعين مطلقا‪ ،‬والصحيح لدى غيره‬
‫أنها ل تتعين مطلقا‪ ،‬ولو في غير أيام الذبح‪ ،‬ويتصدق بها‪.‬‬

‫( ‪)1/196‬‬
‫وتتعين الضحية في مذهب الشافعية وفي قول عند المالكية بقول مشتريها‪ :‬هذه أضحية‪ ،‬أو جعلتها‬
‫أضحية‪ ،‬فيتعين عليه ذبحها‪ ،‬لزوال ملكه عنها بذلك القول‪ .‬وتتعين الضحية عند المالكية إما بالذبح أو‬
‫بالنية قبله‪ ،‬على خلف في المذهب‪ ،‬كما بينا‪ ،‬والمعتمد المشهور في المذهب‪ :‬أن الضحية ل تجب‬
‫إل بالذبح فقط‪ ،‬ول تجب بالنذر‪.‬‬

‫وفي خاتمة المطاف أقول ‪:‬‬
‫هذه هي النية وأهميتها وأحكامها‪ ،‬فهي رادار القلب المسلم توجهه إما إلى الخير وإما إلى الشر‪.‬‬
‫وهي مدار عمل المسلم ومعيار ضبط العمال الشرعية من عبادات ومعاملت فإما أن تصحح العمل‬
‫الشرعي‪ ،‬وإما أن تبطله وتلغي آثاره‪ .‬وهي سبب الثواب الخروي على العمل‪ ،‬فإما أن تكون سببا‬
‫للثواب والظفر بجنان الخلد‪ ،‬كنية الجهاد وحب المؤمنين وصفاء القلب‪ ،‬وإما أن تكون سببا للعقاب‬
‫كالحقد والحسد والبغضاء‪ ،‬أو الرياء والشهرة والسمعة‪.‬‬
‫فمن حسنت نيته‪ ،‬وصلحت سريرته‪ ،‬حاز الفضل والفوز والخير في الدنيا والخرة ومن ساءت نيته ‪،‬‬
‫وفسدت سريرته‪ ،‬بالخسران والسوء ‪ ،‬والخذلن في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫( ‪)1/197‬‬
‫لوّل‪ :‬العِبَادَاتُ‬
‫س ُم ا َ‬
‫الق ْ‬
‫{ يا أيّها الناسُ اعبدوا ربًكم } [البقرة‪]21/2:‬‬
‫‪........................................‬تمهيد‪.............................................‬‬
‫تقوم أمور الدين على العتقادات والداب والعبادات والمعاملت والعقوبات‪ ،‬وذلك هو الفقه الكبر‪،‬‬
‫وبما أن بحثنا في فقه الحكام الشرعية العملية‪ ،‬فل نتعرض لبحث أمور العقيدة والخلق‪.‬‬
‫والعبادات خمسة‪ :‬الصلة‪ ،‬والزكاة‪ ،‬والصوم‪ ،‬والحج‪ ،‬والجهاد‪ .‬وبحث الجهاد في خطتنا ليس مع‬
‫العبادات‪ ،‬وإنما هو في فقه الحكام ذات الصلة بالدولة‪.‬‬
‫والمعاملت خمسة‪ :‬المعاوضات المالية‪ ،‬والمناكحات‪ ،‬والمخاصمات‪ ،‬والمانات‪ ،‬والتركات‪.‬‬
‫والعقوبات خمسة‪ :‬القصاص‪ ،‬وحد السرقة‪ ،‬والزنا‪ ،‬والقذف‪ ،‬والردة (‪. )1‬‬
‫والعبادة‪ :‬هي اسم جامع لكل ما يحبه ال ويرضاه من القوال‪ ،‬والعمال الباطنة والظاهرة (‪. )2‬‬
‫ودين ال‪ :‬عبادته وطاعته والخضوع له‪.‬‬
‫فالصلة والزكاة‪ ،‬والصيام‪ ،‬والحج‪ ،‬وصدق الحديث‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وبر الوالدين‪ ،‬وصلة الرحام‪،‬‬
‫والوفاء بالعهود‪ ،‬والمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬وجهاد الكفار والمنافقين‪ ،‬والحسان للجار‬
‫واليتيم والمسكين وابن السبيل‪ ،‬والبهائم‪ ،‬والدعاء والذكر والتلوة‪ ،‬وأمثال ذلك‪ :‬من العبادة‪.‬‬
‫وكذلك حب ال ورسوله‪ ،‬وخشية ال والنابة إليه‪ ،‬وإخلص الدين له‪ ،‬والصبر لحكمه‪ ،‬والشكر لنعمه‪،‬‬
‫والرضا بقضائه‪ ،‬والتوكل عليه‪ ،‬والرجاء لرحمته‪ ،‬والخوف من عذابه‪ ،‬وأمثال ذلك‪ ،‬هي من العبادة‪.‬‬
‫وذلك أن العبادة ل هي الغاية المحبوبة له‪ ،‬والمرضية له‪ ،‬التي خلق الخلق لها‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬وما‬

‫ن والنْسَ إل ل َيعْبُدون} [الذاريات‪ ،]56/51:‬وبها أرسل جميع الرسل‪ ،‬كما قال نوح لقومه‪:‬‬
‫خلقتُ الج ّ‬
‫{اعبدوا ال َ مالكم من إله غيرُه} [العراف‪ ،]59/7:‬وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم‬
‫لقوامهم‪.‬‬
‫وبما أن المخلوقين كلهم عباد ال‪ ،‬البرار منهم والفجار‪ ،‬والمؤمنون والكفار‪ ،‬وأهل الجنة وأهل النار‪،‬‬
‫فإن عبوديتهم الحقة تستلزم عبادة ال الواحد القهار‪ ،‬قال تعالى‪ { :‬إن هذه أمّتُكم أم ًة واحدة‪ ،‬وأنا ربكم‬
‫فاعبدون} [النبياء‪ ،]92/21:‬وقال سبحانه‪{ :‬يا أيها الناسُ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم‪،‬‬
‫لعلكم تتقون} [البقرة‪{ ،]21/2:‬وما خلقت الجن والنس إل ليعبدون} [الذاريات‪.]56/51:‬‬
‫لذا اعتاد الفقهاء تقديم العبادات على غيرها اهتماما بشأنها؛ لن العباد لم يخلقوا إل لها‪ ،‬كما قدموا‬
‫الصلة على غيرها لنها أحب العمال إلى ال بعد اليمان‪ ،‬ولنها عماد الدين (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ .73/1 :‬ويضاف لها حد الشرب وحد السكر‪.‬‬
‫(‪ )2‬العبودية لشيخ السلم ابن تيمية‪ :‬ص ‪.2‬‬
‫(‪ )3‬قال صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬الصلة عماد الدين‪ ،‬من أقامها فقد أقام الدين‪ ،‬ومن هدمها فقد هدم‬
‫الدين » رواه البيهقي عن عمر‪ ،‬وهو حديث ضعيف‪ .‬ولفظ ( الصلة عمود الدين ) حديث حسن‪.‬‬

‫( ‪)1/198‬‬
‫خطة بحث العبادات‪:‬‬
‫الكلم في العبادات ماعدا الجهاد يشمل ما يأتي‪ :‬الطهارة‪ ،‬الصلة‪ ،‬الجنائز‪ ،‬الزكاة‪ ،‬الصيام‬
‫والعتكاف‪ ،‬الحج‪ ،‬اليْمان والنذور‪ ،‬الطعمة والشربة‪ ،‬والصيد والذبائح‪ ،‬الضحايا والعقيقة والختان‪.‬‬
‫وينقسم البحث فيها إلى البواب التسعة التالية‪:‬‬
‫الباب الول ـ الطهارات ـ مقدمات الصلة أو الوسائل‪.‬‬
‫الباب الثاني ـ الصلة وأحكام الجنائز‪.‬‬
‫الباب الثالث ـ الصيام والعتكاف‪.‬‬
‫الباب الرابع ـ الزكاة وأنواعها‪.‬‬
‫الباب الخامس ـ الحج والعمرة‪.‬‬
‫الباب السادس ـ اليمان والنذور والكفارات‪.‬‬
‫الباب السابع ـ الحظر والباحة أو الطعمة والشربة‪.‬‬

‫الباب الثامن ـ الضحايا والعقيقة والختان‪.‬‬
‫الباب التاسع ـ الصيد والذبائح‪.‬‬

‫( ‪)1/199‬‬
‫ب الوّل‪ :‬الطّهارات‬
‫البَا ُ‬
‫الوسائل أو مقدمات الصلة‬
‫بحث الطهارات يشمل الفصول السبعة التالية‪:‬‬
‫الفصل الول ـ الطهارة‪ :‬معناها‪ ،‬وأهميتها‪ ،‬وأنواع المطهرات‪ ،‬وأنواع المياه‪ ،‬وحكم السآر والبار‪،‬‬
‫وأنواع العيان الطاهرة‪.‬‬
‫الفصل الثاني ـ النجاسة‪ :‬أنواعها‪ ،‬المقدار المعفو عنها‪ ،‬كيفية تطهير النجاسة‪ ،‬حكم الغُسالة‪.‬‬
‫الفصل الثالث ـ الستنجاء‪ :‬معناه‪ ،‬حكمه‪ ،‬وسائله‪،‬آداب قضاء الحاجة‪.‬‬
‫الفصل الرابع ـ الوضوء وما يتبعه‪:‬‬
‫المبحث الول ـ الوضوء‪ :‬فرائضه‪ ،‬شروطه‪ ،‬سننه‪ ،‬نواقضه‪ ،‬وضوء المعذور‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ السواك‪ :‬تعريفه‪ ،‬حكمه‪ ،‬كيفيته‪ ،‬فوائده‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ المسح على الخفين‪ :‬معناه ومشروعيته‪ ،‬كيفيته‪ ،‬شروطه‪ ،‬مدة المسح‪ ،‬مبطلته‪،‬‬
‫المسح على العمامة‪ ،‬المسح على الجوارب‪ ،‬المسح على الجبائر‪.‬‬
‫الفصل الخامس ـ الغسل‪ :‬خصائصه‪ ،‬موجباته‪ ،‬فرائضه‪ ،‬سننه ومكروهاته‪ ،‬ما يحرم على الجنب‪،‬‬
‫الغسال المسنونة‪ ،‬ملحقان بأحكام المساجد وأحكام الحمامات‪.‬‬
‫الفصل السادس ـ التيمم‪ :‬تعريفه‪،‬مشروعيته وصفته‪ ،‬أسبابه‪ ،‬فرائضه‪ ،‬كيفيته‪ ،‬شروطه‪ ،‬سننه‬
‫ومكروهاته‪ ،‬نواقضه‪ ،‬حكم فاقد الطهورين‪.‬‬
‫الفصل السابع ـ الحيض والنفاس والستحاضة‪.‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الحيض ومدته‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ الستحاضة وأحكامها‪.‬‬
‫صلُ الوّل‪ :‬الطّهارة‬
‫ال َف ْ‬
‫قدم الفقهاء بحث الطهارة على الصلة؛ لن الطهارة مفتاح الصلة‪ ،‬وشرط لصحة الصلة‪ ،‬والشرط‬

‫مقدم على المشروط‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪« :‬مفتاح الصلة الطّهور‪ ،‬وتحريمها التكبير‪ ،‬وتحليلها‬
‫التسليم» (‪« )1‬الطّهور شطر اليمان» (‪. )2‬‬
‫وفي هذا الفصل مباحث ستة‪:‬‬
‫المبحث الول ـ معنى الطهارة وأهميتها‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ أنواع المطهرات‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ أنواع المياه‪.‬‬
‫المبحث الخامس ـ حكم السآر والبار‪.‬‬
‫المبحث السادس ـ أنواع العيان الطاهرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حديث صحيح حسن أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب (نصب‬
‫الراية‪.)307/1 :‬‬
‫(‪ )2‬حديث صحيح رواه مسلم‪ .‬والمراد بالطهور هنا الفعل ‪ -‬بضم الطاء‪ ،‬واختلف في معناه‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫إن الجر فيه ينتهي إلى نصف أجر اليمان‪ ،‬وقيل‪ :‬المراد باليمان هنا‪ :‬الصلة‪ ،‬قال تعالى‪ { :‬وما‬
‫كان ال ليضيع إيمانكم } [البقرة‪ ،]143/2:‬وبما أن الطهارة شرط في صحة الصلة‪ ،‬فصارت‬
‫كالشطر‪ ،‬والظاهر أن المراد بالطهارة في هذا الحديث‪ :‬الطهارة المعنوية‪ ،‬لن المسلم إذا كان متصفا‬
‫بطهارة القلب من الصفات الذميمة كالكبر والحقد والحسد‪ ،‬كان إيمانه ضعيفا‪ ،‬وإذا ماصفت روحه‬
‫وخلصت نفسه صار إيمانه كاملً‪.‬‬

‫( ‪)1/200‬‬
‫المبحث الول ـ معنى الطهارة وأهميتها‪:‬‬
‫الطهارة لغة‪ :‬النظافة والخلوص من الوساخ أو الدناس الحسية كالنجاس من بول‪ ،‬وغيره‪،‬‬
‫والمعنوية كالعيوب والمعاصي‪ .‬والتطهير‪ :‬التنظيف وهو إثبات النظافة في المحل‪.‬‬
‫والطهارة شرعا‪ :‬النظافة من النجاسة‪ :‬حقيقية كانت وهي الخَبَث‪ ،‬أو حُكمية وهي الحَدَث (‪. )1‬‬
‫والخبث في الحقيقة‪ :‬عين مستقذرة شرعا ‪ .‬والحدث ‪ :‬وصف شرعي يحل في العضاء يزيل‬
‫الطهارة‪.‬‬
‫وعرف النووي الشافعي الطهارة بأنها‪ :‬رفع حدث أو إزالة نجس‪ ،‬أو ما في معناهما وعلى صورتهما‬

‫(‪ . )2‬وأراد بالزيادة الخيرة على تعريف الحنفية السابق‪ :‬شمول التيمم والغسال المسنونة‪ ،‬وتجديد‬
‫الوضوء‪ ،‬والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس‪ ،‬ومسح الذن‪ ،‬والمضمضة ونحوها من نوافل‬
‫الطهارة‪ ،‬وطهارة المستحاضة وسلس البول‪.‬‬
‫ويتفق تعريفها عند المالكية والحنابلة (‪ )3‬مع تعريفها عند الحنفية‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬الطهارة في الشرع‪:‬‬
‫رفع ما يمنع الصلة من حدث أو نجاسة بالماء‪ ،‬أو رفع حكمه بالتراب‪.‬‬
‫نوعاها‪ :‬يتبين من تعريف الطهارة أنها نوعان‪ :‬طهارة حدث‪ ،‬وتختص بالبدن‪ ،‬وطهارة خبث‪ ،‬وتكون‬
‫في البدن والثوب والمكان‪.‬‬
‫وطهارة الحدث ثلث‪ :‬كبرى وهي الغسل‪ ،‬وصغرى وهي الوضوء‪ ،‬وبدل منهما عند تعذرهما وهو‬
‫التيمم‪.‬‬
‫وطهارة الخبث ثلث‪ :‬غسل‪ ،‬ومسح‪ ،‬ونضح‪.‬‬
‫فالطهارة تشمل الوضوء والغسل وإزالة النجاسة والتيمم وما يتعلق بها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب شرح الكتاب‪ ، 10/1 :‬الدر المختار‪. 79/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪ ،124/1 :‬مغني المحتاج‪. 16/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ ،25/1 :‬الشرح الكبير‪ ،30/1 :‬المغني‪.6/1 :‬‬

‫( ‪)1/201‬‬
‫أهميتها‪ :‬للطهارة أهمية كبيرة في السلم‪ ،‬سواء أكانت حقيقية وهي طهارة الثوب والبدن ومكان‬
‫الصلة من النجاسة‪ ،‬أم طهارة حكمية وهي طهارة أعضاء الوضوء من الحدث‪ ،‬وطهارة جميع‬
‫العضاء الظاهرة من الجنابة؛ لنها شرط دائم لصحة الصلة التي تتكرر خمس مرات يوميا‪ ،‬وبما‬
‫أن الصلة قيام بين يدي ال تعالى‪ ،‬فأداؤها بالطهارة تعظيم ل‪ ،‬والحدث والجنابة وإن لم يكونا نجاسة‬
‫مرئية‪ ،‬فهما نجاسة معنوية توجب استقذار ما حلّ بهما‪ ،‬فوجودها يخل بالتعظيم‪ ،‬وينافي مبدأ النظافة‬
‫التي تتحقق بالغسل المتكرر‪ ،‬فبالطهارة تطهر الروح والجسد معا‪.‬‬
‫وعناية السلم بجعل المسلم دائما طاهرا من الناحيتين المادية والمعنوية (‪ )1‬أكمل وأوفى دليل على‬
‫الحرص الشديد على النقاء والصفاء‪ ،‬وعلى أن السلم مثل أعلى للزينة والنظافة‪ ،‬والحفاظ على‬
‫الصحة الخاصة والعامة‪ ،‬وبناء البنية الجسدية في أصح قوام وأجمل مظهر وأقوى عماد‪ ،‬ولصون‬
‫البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال؛ لن غسل العضاء الظاهرة المتعرضة للغبار‬

‫والتربة والنّفايات والجراثيم يوميا‪ ،‬وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة‪ ،‬كفيل بحماية‬
‫النسان من أي تلوث‪ ،‬وقد ثبت طبيا أن أنجع علج وقائي للمراض الوبائية وغيرها هو النظافة‪،‬‬
‫والوقاية خير من العلج‪ .‬وقد امتدح ال تعالى المتطهرين‪ ،‬فقال‪{ :‬إن ال يحب التوابين ويحب‬
‫المتطهرين} [البقرة‪ ،]222/2:‬وأثنى سبحانه على أهل قُباء بقوله‪{ :‬فيه رجال يحبون أن يتطهروا‪ ،‬وال‬
‫يحب ا ْلمُطّهرّين } [التوبة‪.]9/108:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لتنفع الطهارة الظاهرة إل مع الطهارة الباطنة‪ :‬بالخلص ل‪ ،‬والنزاهة عن الغل والغش والحقد‬
‫والحسد‪ ،‬وتطهير القلب عما سوى ال في الكون‪ ،‬فيعبده النسان لذاته مفتقرا إليه‪ ،‬ل لسبب نفعي‪.‬‬

‫( ‪)1/202‬‬
‫وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالً بارزا في نظافته‪ ،‬وطهره الظاهر والباطن‪ ،‬قال صلّى ال عليه‬
‫وسلم لجماعة من صحبه‪« :‬إنكم قادمون على إخوانكم‪ ،‬فأصلحوا رحالكم‪ ،‬وأصلحوا لباسكم‪ ،‬حتى‬
‫تكونوا كأنكم شامة في الناس‪ ،‬فإن ال ليحب الفحش ول التفحش» (‪. )1‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة ‪:‬‬
‫يجب تطهير ما أصابته النجاسة من بدن أو ثوب أو مكان‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وثيابَك فطهر} [المدثر‪:‬‬
‫‪ ،]4/74‬وقوله سبحانه‪ { :‬أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [البقرة‪ ،]125/2:‬وإذا‬
‫وجب تطهير الثوب والمكان وجب تطهير البدن بالولى‪ ،‬لنه ألزم للمصلي‪.‬‬
‫وتجب الطهارة على من وجبت عليه الصلة‪ ،‬وذلك بعشرة شروط (‪: )2‬‬
‫الول ـ السلم‪ ،‬وقيل‪ :‬بلوغ الدعوة‪ ،‬فعلى الول‪ :‬ل تجب على الكافر‪ ،‬وعلى الثاني‪ :‬تجب عليه‪.‬‬
‫وذلك مبني على الخلف في مبدأ أصولي معروف‪ ،‬وهو مخاطبة الكفار بفروع الشريعة‪ ،‬فعند‬
‫الجمهور‪ :‬الكفار مخاطبون بفروع العبادات أي أنهم مؤاخذون بها في الخرة مؤاخذة إضافية على‬
‫ترك اليمان فهم يستحقون عقابين‪ :‬عقابا على ترك اليمان‪ ،‬وعقابا على ترك الفروع الدينية‪ ،‬وعند‬
‫الحنفية‪ :‬ل يخاطب الكفار بفروع الشريعة‪ ،‬فيستحقون في عالم الخرة عقابا واحدا على ترك اليمان‬
‫فقط‪ ،‬فالخلف في العقاب الخروي‪ .‬والفريقان متفقان على أل ثمرة لهذا الخلف في أحكام الدنيا‪ ،‬فل‬
‫يصح أداء العبادة من الكفار ما داموا كفارا‪ ،‬وإذا أسلموا فل يطالبون بالقضاء‪.‬‬
‫وعليه‪ :‬ل تصح الصلة من كافر بالجماع‪.‬‬
‫وإذا أسلم المرتد لم يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات في ردته عند الجمهور‪ ،‬وعليه القضاء عند‬

‫الشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي عن سهل بن الحنظلية‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية لبن جزي المالكي‪ :‬ص ‪ 19‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/203‬‬
‫الثاني ـ العقل‪ :‬فل تجب الطهارة على المجنون والمغمى عليه‪ ،‬إل إذا أفاقا في بقية الوقت‪ .‬أما‬
‫السكران فل تسقط عنه الطهارة‪.‬‬
‫الثالث ـ البلوغ‪ :‬وعلماته خمس‪ :‬الحتلم‪ ،‬وإنبات الشعر‪ ،‬والحيض‪ ،‬والحمل‪ ،‬وبلوغ السن‪ ،‬وهو‬
‫خمسة عشر عاما‪ ،‬وقيل‪ :‬سبعة عشر عاما‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ثمانية عشر عاما‪ ،‬فل تجب الطهارة‬
‫على الصبي‪ ،‬ويؤمر بها لسبع‪ ،‬ويضرب عليها لعشر‪ .‬فإن صلى الصبي‪ ،‬ثم بلغ في بقية الوقت أو في‬
‫أثناء الصلة‪ ،‬لزمته العادة عند المالكية‪ ،‬ولم تلزمه عند الشافعي‪.‬‬
‫الرابع ـ ارتفاع دم الحيض والنفاس أي انقطاع الدم‪.‬‬
‫الخامس ـ دخول الوقت‪.‬‬
‫السادس ـ عدم النوم‪.‬‬
‫السابع ـ عدم النسيان‪.‬‬
‫الثامن ـ عدم الكراه‪ ،‬ويقضي النائم والناسي والمكره ما فاته إجماعا‪.‬‬
‫التاسع ـ وجود الماء أو (التراب الطاهر)‪ ،‬فمن عدمهما قيل‪:‬يصلي فاقد الطهورين ويقضي‪،‬وفي قول‬
‫ل يقضي‪ ،‬وقيل‪ :‬ل يصلي‪ ،‬وعليه القضاء‪ ،‬كما سأبين تفصيلً في بحث هذا الموضوع آخر التيمم‪.‬‬
‫العاشر ـ القدرة على الفعل بقدر المكان‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ أنواع المطهرات‪:‬‬
‫ثبت بالدليل القطعي المجمع عليه أن الطهارة واجبة شرعا‪ ،‬وأن المفروض منها هو الوضوء والغسل‬
‫من الجنابة والحيض والنفاس بالماء‪ ،‬والتيمم عنهما عند فقد الماء‪ ،‬أو التضرر باستعماله‪ ،‬وإزالة‬
‫النجاسة‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على جواز التطهير بالماء الطهور أو المطلق‪ :‬وهو ما يسمى «ماءً» بدون تقييد بوصف‬
‫كماءٍ مستعمل‪ ،‬أو بإضافة كماء الورد مثلً‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان‪:‬‬
‫‪{ ،]48/25‬وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به} [النفال‪.]11/8:‬‬

‫كما اتفقوا على جواز التطهير بالمسح بالورق أو الحجارة في حالة الستنجاء‪ ،‬أي إزالة النجاسة عن‬
‫المخرجين من بول وغائط ما لم يفحش الخارج‪.‬‬
‫واتفقوا على مشروعية التطهر بالتراب طهارة حكمية‪ ،‬وعلى طهارة الخمر بالتخلل‪.‬‬
‫واختلفوا في مطهرات أخرى‪ ،‬وها هي آراء الفقهاء في المطهرات‪:‬‬

‫( ‪)1/204‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬يجوز رفع النجاسة عن محلها بما يأتي‪:‬‬
‫‪ ً 1‬ـ الماء المطلق ولو كان مستعملً‪ ،‬تحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية (الحدث والجنابة)‬
‫جميعا‪ ،‬كماء السماء والنهار والبحار والبار والعيون‪ ،‬والوديان التي يجتمع فيها ماء السيل؛ لن ال‬
‫تعالى سمى الماء طهورا بقوله‪{ :‬وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان‪ ،]48/25:‬وقال النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬الماء طهور ل ينجسه شيء إل ما غيّر لونه أو طعمه أوريحه» (‪ ، )2‬والطهور‪:‬‬
‫هو الطاهر في نفسه‪ ،‬المطهر لغيره‪.‬‬
‫‪ ً 2‬ـ المائعات الطاهرة‪ :‬وهي التي تنعصر بالعصر‪،‬أو تزيل النجاسة‪ .‬لتحصل بها الطهارة الحكمية‬
‫(وهي زوال الحدث بالوضوء والغسل) باتفاق الحنفية وغيرهم؛ لن الحدث الحكمي خص بالماء‬
‫بالنص القرآني‪ ،‬وهو متيسر للناس‪ ،‬وتحصل بها الطهارة الحقيقية (وهي زوال النجاسة الحقيقية عن‬
‫الثوب والبدن) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو المفتى به‪ ،‬مثل ماء الورد والزهر‪ ،‬والخل‪ ،‬وعصير‬
‫الشجر والثمر من رمان وغيره‪ ،‬وماء الباقلء (وهي الفول‪ :‬أي إذا طبخت بالماء حتى صار بحيث‬
‫إذا برد ثخن) (‪ )3‬ونحوها مما إذا عصر انعصر‪ ،‬حتى الريق‪ ،‬فتطهر أصبع‪ ،‬وثدي تنجس بالقيء‬
‫بلحس ثلث مرات‪ ،‬عن طريق إرضاعه لولده‪ ،‬ويطهر فم شارب الخمر بترديد ريقه وبلعه‪.‬‬
‫فإن كان ل ينعصر مثل العسل والسمن والدهن والزيت واللبن وإن كان مخيضا‪ ،‬والمرق ونحوها‪ ،‬فل‬
‫تحصل الطهارة بها‪ ،‬لعدم إمكان تحقق إزالة النجاسة بها؛ لن الزالة إنما تكون بإخراج أجزاء‬
‫النجاسة مع المزيل شيئا فشيئا‪ ،‬وذلك إنما يتحقق فيما ينعصر بالعصر‪ ،‬فتكون هذه المائعات مثل الماء‬
‫في إزالة أجزاء‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،87-83/1 :‬فتح القدير‪ ،138-133/1 :‬الدر المختار‪ ،302 - 284/1 :‬تبيين الحقائق‪:‬‬
‫‪ 69/1‬ومابعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪ 24/1 :‬ومابعدها‪ ،30 ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.28-27‬‬
‫(‪ )2‬غريب بهذا اللفظ‪ ،‬ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة بلفظ ( إن الماء طهور لينجسه شيء إل‬

‫ماغلب على ريحه‪ ،‬وطعمه‪ ،‬ولونه) وهو حديث ضعيف ( نصب الراية‪.) 94/1 :‬‬
‫(‪ )3‬فإن تغير الماء بدون الطبخ يجوز التوضؤ به‪ .‬النجاسة‪ ،‬لكون المائع رقيقا يداخل أجزاء النجاسة‬
‫ويجاورها‪ ،‬ويستخرجها بواسطة العصر‪.‬‬

‫( ‪)1/205‬‬
‫ومنع محمد وزفر وغير الحنفية إزالة النجاسة بالمائعات (‪ )1‬؛ لن طهورية الماء عرفت شرعا‪،‬‬
‫وأقر الشرع التطهير بالماء دون غيره‪ ،‬فل يلحق به غيره‪.‬‬
‫وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر‪ ،‬فغيّر أحد أوصافه (‪ ، )2‬كماء السيل (المَدّ) والماء الذي‬
‫يختلط به الشنان والصابون والزعفران‪ ،‬ما دام باقيا على رقته وسيلنه‪ ،‬لن اسم الماء باق فيه‪ ،‬ول‬
‫يمكن الحتراز عن هذه الشياء التي تختلط بالماء‪ ،‬كالتراب والوراق والشجار‪ ،‬فإن صار الطين‬
‫غالبا‪ ،‬وماء الصابون أو الشنان ثخينا‪ ،‬وماء الزعفران صبْغا‪ ،‬ل تجوز به الطهارة‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬الدلك‪ :‬وهو مسح المتنجس على الرض مسحا قويا بحيث يزول به أثر أو عين النجاسة‪ .‬ومثل‬
‫الدلك‪ :‬الحت‪ :‬وهو القشر بالعود أو باليد‪ .‬وبه يطهر الخف والنعل المتنجس بنجاسة ذات جِرْم‪ ،‬سواء‬
‫أكانت جافة أم رطبة‪ .،‬والجِرْم‪ :‬كل ما يرى بعد الجفاف كالغائط والروث والدم والمني والبول‬
‫والخمر الذي أصابه تراب‪ .‬ويلحظ أن شمول الجرم الرطب هو الصح المختار‪ ،‬وعليه الفتوى‪،‬‬
‫لعموم البلوى‪ ،‬ولطلق حديث النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا جاء أحدكم المسجد‪ ،‬فليقلب نعليه‬
‫ولينظر فيهما‪ ،‬فإن رأى خَبَثا (أذى أو قذرا)‪ ،‬فليمسحه بالرض‪ ،‬ثم ليصل فيهما» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،35‬بداية المجتهد‪ ،80/1 :‬المغني‪ ،11/1 :‬مغني المحتاج‪.17/1 :‬‬
‫(‪ )2‬فإن غير اثنين أو ثلثة ليجوز التوضؤ به‪ ،‬لكن الصحيح أنه يجوز التوضؤ به وإن غير أوصافه‬
‫كلها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬واختلف في وصله وإرساله‪،‬‬
‫ورجح أبو حاتم في العلل الموصول (نيل الوطار ‪.)44/1 :‬‬

‫( ‪)1/206‬‬
‫فإذا لم تكن النجاسة ذات جرم‪ ،‬فيجب غسلها ثلث مرات بالماء‪ ،‬ولو بعد الجفاف‪ ،‬ويترك في كل مرة‬
‫حتى ينقطع التقاطر‪ ،‬وتذهب النداوة من الخف‪ ،‬ول يشترط اليبس‪.‬‬

‫وقال أكثر العلماء‪ :‬يطهر النعل بالدلك يابسا‪ ،‬ل رطبا؛ لن عائشة كانت تفرُك المني من ثوب رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم إذا كان يابسا‪ ،‬وتغسله إذا كان رطبا (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعي ومحمد‪ :‬ل يطهر النعل بالدلك‪ ،‬ل رطبا ول يابسا‪ ،‬لن النجاسة تداخلت في الخف‬
‫تداخلها في الثوب والبدن‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يعفى بالدلك عن يسير النجاسة‪ ،‬وإل وجب غسله (‪. )2‬‬
‫‪ - ً 4‬المسح الذي يزول به أثر النجاسة‪ :‬يطهر به الشيء الصقيل الذي ل مسام له‪ ،‬كالسيف والمرآة‬
‫والزجاج‪ ،‬والنية المدهونة والظفر والعظم‪ ،‬والزبدية الصينية وصفائح الفضة غير المنقوشة ونحو‬
‫ذلك؛ لنه ل تتداخله النجاسة‪ ،‬ويزول ما على ظاهره بالمسح‪ ،‬وقد صح أن أصحاب رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم كانوا يقتلون الكفار بالسيوف‪ ،‬ويمسحونها‪ ،‬ويصلون بها‪.‬‬
‫وبناء عليه يكفي مسح محل الحجامة بثلث خرق نظيفة مبلولة‪.‬‬
‫ورأي المالكية كالحنفية في جواز إزالة النجاسة بالمسح فيما يفسد بالغسل كالسيف والنعل والخف (‪)3‬‬
‫‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارقطني والبزار في مسنده عن عائشة‪ ،‬ولم يسنده عنها إل عبد ال بن الزبير‪ ،‬ورواه‬
‫غيره مرسلً‪ .‬وأما قوله عليه السلم لعائشةفي المني «فاغسليه إن كان رطبا‪ ،‬وافركيه إن كان يابسا»‬
‫فغريب‪ ،‬وهو حديث ليعرف ( نصب الراية‪.)209/1 :‬‬
‫(‪ )2‬نيل الوطار‪ ،44/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،34‬كشاف القناع‪ ،218/1 :‬المغني‪.83/2 :‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.35- 34‬‬

‫( ‪)1/207‬‬
‫‪ - ً 5‬الجفاف بالشمس أو الهواء وزوال أثر النجاسة‪ :‬يطهر الرض وكل ماكان ثابتا بها كالشجر‬
‫والكل والبلط‪ ،‬لجل الصلة عليها‪ ،‬ل للتيمم بها‪ ،‬بخلف ماكان نحو البساط والحصير والثوب‬
‫والبدن وكل ما يمكن نقله‪ ،‬فإنه ل يطهر إل بالغسل‪ .‬وطهارة الرض باليبس لقاعدة‪ ( :‬ذكاة الرض‬
‫يبسها ) (‪ )1‬ولحديث ابن عمر‪« :‬كنت أبيت في المسجد في عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وكنت شابا عَزَبا‪ ،‬وكانت الكلب تبول وتقبل وتدبر في المسجد‪ ،‬ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» (‬
‫‪. )2‬‬
‫والسبب في التفرقة بين الصلة والتيمم في هذا‪ :‬هو أن المطلوب لصحة الصلة الطهارة‪ ،‬ولصحة‬
‫التيمم الطهورية‪ ،‬والذي تحقق بالجفاف هو الطهارة‪ ،‬لالطهورية‪ ،‬والطهارة ل تستدعي الطهورية‪،‬‬

‫ويشترط في التيمم طهورية التراب‪ ،‬كما يشترط في الوضوء طهورية الماء‪.‬‬
‫ول تطهر الرض بالجفاف عند غير الحنفية‪ ،‬وإنما ل بد من تطهيرها بالماء إذا أصابتها النجاسة‪،‬‬
‫فالرض المتنجسة وأجرنة الحمام والحيطان والحواض ونحوها تطهر بمكاثرة الماء عليها أي بكثرة‬
‫إفاضة الماء عليها من مطر أو غيره حتى تزول عين النجاسة‪ ،‬كما في حديث العرابي الذي بال في‬
‫المسجد‪ ،‬فأمر النبي بصب ذنوب من ماء عليه (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لأصل له في الحديث المرفوع‪ ،‬وبه أخذ الحنفية‪ ،‬ويروى عن أبي جعفر محمد الباقر‪ ،‬والمراد‬
‫بـ ‪:‬يبسها ‪ :‬طهارتها ( أسنى المطالب للحوت البيروتي‪ :‬ص ‪.)112‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود ( معالم السنن للخطابي‪ 117/1 :‬ومابعدها )‪.‬‬
‫(‪ )3‬روى الجماعة إل مسلما عن أبي هريرة قال‪« :‬قام أعرابي‪ ،‬فبال في المسجد‪ ،‬فقام إليه الناس‬
‫ليقعوا به‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬دعوه‪ ،‬وأريقوا على بوله سَجْلً من ماء أو ذنوبا من ماء‪،‬‬
‫فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» والسجل أو الذنوب‪:‬الدلو العظيمة ( نيل الوطار‪41/1:‬‬
‫ومابعدها )‪.‬‬

‫( ‪)1/208‬‬
‫‪ - ً 6‬تكرار المشي في الثوب الطويل الذي يمس الرض النجسة والطاهرة‪ :‬يطهر الثوب‪ ،‬لن‬
‫الرض يطهر بعضها بعضا‪ ،‬بدليل حديث أم سلمة‪ :‬أنها قالت‪« :‬إني امرأة أطيل ذيلي‪ ،‬أمشي في‬
‫المكان القذر‪ ،‬فقال لها رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬يطهره ما بعده» (‪. )1‬‬
‫ويتفق المالكية والحنابلة مع الحنفية في ذلك‪ ،‬وأقره الشافعي بما جرى على يابس‪ ،‬وقيده الحنابلة‬
‫بيسير النجاسة‪ ،‬وإل وجب غسله (‪. )2‬‬
‫‪ - ً 7‬الفَرْك‪ :‬يطهر به مني النسان إذا أصاب الثوب وجف‪ ،‬ول يضر بقاء أثره‪ ،‬كبقائه بعد الغسل‪،‬‬
‫إن كان رأس العضو (الحشفة) طاهرا‪ ،‬بأن استنجى بماء‪ ،‬ل بورق أو حجر‪ ،‬لن الحجر ونحوه ل‬
‫يزيل البول المنتشر على رأس العضو‪ ،‬فإذا لم ينتشر البول‪ ،‬ولم يمر عليه المني في الخارج‪ ،‬فإنه‬
‫يطهر بالفرك أيضا‪ ،‬إذ ل يضر مروره على البول في الداخل‪.‬‬
‫ول فرق بين مني الرجل ومني المرأة‪ .‬فإن كان المني رطبا‪ ،‬أو كان مني غير الدمي‪ ،‬أو استنجى‬
‫الدمي بورق أو نحوه‪ ،‬فل يطهر بالفرك‪ ،‬ولبد من الغسل؛ عملً بما جاء في السنة من حديث عائشة‬
‫إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول ال صلّى ال عليه وسلم (‪ ، )3‬وفي حديث الدارقطني عن‬

‫عائشة‪« :‬كنت أفرك المني من ثوب رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا كان يابسا‪ ،‬وأغسله إذا كان‬
‫رطبا» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود ‪.‬‬
‫(‪ )2‬معالم السنن للخطابي‪ ،118/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،35‬كشاف القناع‪.218/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم‪ .‬قال ابن الجوزي‪ :‬ليس في هذا الحديث حجة‪ ،‬لن غسله كان للستقذار‪ ،‬ل‬
‫للنجاسة ( نصب الراية‪.)210-209/1 :‬‬
‫(‪ )4‬سبق تخريجه‪ ،‬وقد عرفنا أن أمر النبي بغسله إذا كان رطبا‪ ،‬وفركه إذا كان يابسا‪ ،‬غريب‬
‫ليعرف‪ .‬وقال البيهقي‪ :‬لمنافاة بين الحديثين ( نصب الراية‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬

‫( ‪)1/209‬‬
‫هذا ويمكن جعل الفرك والدلك واحدا (‪. )1‬‬
‫والمالكية كالحنفية في الحكم بنجاسة المني‪ ،‬وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬مني الدمي طاهر‪ ،‬عملً بحديث‬
‫عائشة السابق عند الدارقطني‪ ،‬وبقول ابن عباس‪« :‬امسحه عنك بإذخرة (‪ )2‬أو خرقة‪ ،‬فإنما هو‬
‫بمنزلة المخاط والبصاق» (‪. )3‬‬
‫وسب الختلف شيئان‪ :‬أحدهما‪ :‬اضطراب رواية حديث عائشة‪ ،‬إذ مرة تغسله‪ ،‬ومرة تفركه‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬تردد المني بين أن يشبه بالحداث الخارجة من البدن‪ ،‬وبين أن يشبه بخروج الفضلت‬
‫الطاهرة‪ ،‬كاللبن وغيره‪.‬‬
‫وأميل إلى القول بطهارة المني تيسيرا على الناس‪ ،‬ويغسل الثوب بسبب الستقذار ل للنجاسة‪ ،‬لصحة‬
‫حديث عائشة الول الذي تكتفي فيه بفرك المني‪ ،‬وإن كان ذلك يصلح حجة للحنفية في أن النجاسة‬
‫تزال بغير الماء (‪. )4‬‬
‫‪ - ً 8‬الندف‪ :‬ويطهر به القطن إذا ندف‪ ،‬وذهب أثر النجاسة إذا كانت قليلة‪.‬‬
‫‪ - ً 9‬التقوير‪ :‬أي عزل الجزء المتنجس عن غيره‪ ،‬يطهر به الدهن الجامد المتنجس كالسمن والدبس‬
‫ونحوهما‪ ،‬لحديث ميمونة زوج النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أن فأرة وقعت في سمن‪ ،‬فماتت فيه‪،‬‬
‫فسئل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬ألقوها وما حولها‪ ،‬وكلوه» (‪. )5‬‬
‫وهذا متفق عليه‪ ،‬فإن كان السمن جامدا طرحت النجاسة وما حولها خاصة‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،34‬بداية المجتهد‪ ،79/1 :‬مغني المحتاج‪ ،80/1 :‬كشاف القناع‪.224/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الدخر‪ :‬حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه سعيد بن منصور والدارقطني مرفوعا‪.‬‬
‫(‪ )4‬المجموع‪ ،560/2 :‬بداية المجتهد‪ ،79/1 :‬نيل الوطار‪.55/1 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه البخاري‪ ،‬وزاد أحمد والنسائي‪ :‬في سمن جامد (سبل السلم‪.)8/3 :‬‬

‫( ‪)1/210‬‬
‫فإن وقعت النجاسة في مائع كالزيت والسمن الذائب‪ ،‬لم يطهر عند الجمهور (‪ ، )1‬وعند الحنفية‪:‬‬
‫يطهر بصب الماء عليه بقدره ثلث مرات‪ ،‬أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء‪ ،‬فيعلو‬
‫الدهن‪ ،‬ويرفع بشيء أو يفتح الثقب حتى يذهب الماء‪ .‬والنحت مثل التقوير‪.‬‬
‫وأما الجامدات فتقبل التطهير إل ما تشربت أجزاؤه النجاسة‪ ،‬فإن كان الجامد إناء يطهر بصب الماء‬
‫عليه وسيلنه حتى يغمره‪ ،‬وإن كان مما يطبخ كاللحم والحنطة والدجاج فيطهر بغسله نيئا‪ ،‬ول يطهر‬
‫أبدا إذا تنجس وغلي على النار بنجاسته‪ ،‬لتشرب أجزاء النجاسة فيه‪ .‬وعلى هذا لو غليت رؤوس‬
‫الحيوان ولحم الكرش قبل غسلها وتطهيرها ل تطهر أبدا‪ ،‬ولو غليت الدجاجة قبل شق بطنها لنتف‬
‫ريشها‪ ،‬ل تطهر أبدا‪.‬‬
‫واتفق المالكية والحنابلة مع الحنفية في أن اللحم المطبوخ بنجس ل يطهر‪ ،‬وأضاف المالكية أن البيض‬
‫المسلوق بنجس والزيتون المملح بنجس والفخار الذي غاصت النجاسة في أعماقه ل يقبل التطهير‪ .‬أما‬
‫إن وقعت النجاسة في اللحم المطبوخ بعد نضجه فيقبل التطهير عند المالكية‪ ،‬بأن يغسل ما تعلق به‬
‫من المرق إذا لم تطل إقامة النجاسة فيه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الجامدات التي تشربت النجاسة تقبل التطهير‪ ،‬فلو طبخ لحم في نجس‪ ،‬أو تشربت‬
‫حنطة النجاسة‪ ،‬أو سقيت السكين بنجاسة‪ ،‬تطهر بصب الماء عليها إل اللّبِن (الطوب النيء) الذي‬
‫عجن بنجاسة جامدة‪ ،‬ل يطهر‪.‬‬
‫‪ - ً 10‬قسمة المتنجس‪ ،‬بفصل الجزاء النجسة عن الظاهرة‪ :‬وقسمة المثلي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،35‬المغني‪ ،37/1 :‬الشرح الكبير‪.59/1 :‬‬

‫( ‪)1/211‬‬

‫كالحنطة والشعير إذا تنجس‪ ،‬وتوزيعه بين الشركاء أو المشترين‪ ،‬فلو بال حمار على حنطة يدوسها‪،‬‬
‫فقسم أو غسل بعضه‪ ،‬أو ذهب بهبة أو أكل أو بيع يطهر الباقي والذاهب‪ .‬ومثله هبة المتنجس لمن ل‬
‫يرى نجاسته‪ .‬والتقوير والقسمة والهبة ل تعد مطهرات في الحقيقة‪ ،‬وإنما هي مطهرات تساهلً‪.‬‬
‫‪ - ً 11‬الستحالة‪ :‬أي تحول العين النجسة بنفسها أو بواسطة كصيرورة دم الغزال مسكا‪ ،‬وكالخمر‬
‫إذا تخللت بنفسها‪ ،‬أو بتخليلها بواسطة‪ ،‬والميتة إذا صارت ملحا‪ ،‬أو الكلب إذا وقع في ملحة‪،‬‬
‫والروث إذا صار بالحراق رمادا‪ ،‬والزيت المتنجس بجعله صابونا‪ ،‬وطين البالوعة إذا جف وذهب‬
‫أثره‪ ،‬والنجاسة إذا دفنت في الرض وذهب أثرها بمرور الزمان‪ ،‬وهذا عمل بقول المام محمد خلفا‬
‫لبي يوسف‪ ،‬لن النجاسة إذا استحالت وتبدلت أوصافها ومعانيها‪،‬خرجت عن كونها نجاسة‪ ،‬لنها‬
‫اسم لذات موصوفة‪ ،‬فتنعدم بانعدام الوصف‪ ،‬وصارت كالخمر إذا تخللت‪ ،‬باتفاق المذاهب‪.‬‬
‫وتطهر الخمر ودَنّها (وعاؤها) إذا تخللت بنفسها أو بنقلها من ظل إلى شمس أو بالعكس عند غير‬
‫الحنفية (‪ )1‬؛لن نجاستها بسبب شدتها المسكرة قد زالت‪ ،‬من غير نجاسة خلفتها‪ ،‬كما تطهر الخمر‬
‫إذا خللت عند المالكية‪.‬‬
‫ول تطهر عند الشافعية والحنابلة بتخليلها بالعلج كالبصل والخبز الحار؛ لن الشيئ المطروح بتنجس‬
‫بملقاتها‪ .‬أما غير ذلك فهو نجس‪ ،‬فل تطهر نجاسة باستحالة‪ ،‬ول بنار‪ ،‬فرماد الروث النجس‪ :‬نجس‪،‬‬
‫والصابون المعمول من زيت‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،34‬بداية المجتهد‪ ،461/1 :‬الشرح الصغير‪ ،46/1 :‬الشرح الكبير‪،57/1 :‬‬
‫‪ ،59‬المنتقى على الموطأ‪ 153/3 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،81/1 :‬المغني‪ ،319/8 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ 214/1‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪.48/1 :‬‬

‫( ‪)1/212‬‬
‫نجس‪ ،‬ودخان النجاسة وغبارها‪ :‬نجس‪ ،‬وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل أو غيره‪:‬‬
‫نجس‪ ،‬والتراب المجبول بروث حمار أو بغل ونحوه مما ليؤكل لحمه‪ :‬نجس ولو احترق ‪ ،‬كالخزف‪.‬‬
‫ولو وقع كلب في ملّحة‪ ،‬فصار ملحا أو في صبّانة فصار صابونا‪ ،‬فهو نجس‪ .‬لكن استثنى المالكية‬
‫على المشهور رماد النجس ودخانه فقالوا بطهارته على المعتمد‪.‬‬
‫وقيد الحنابلة طهارة الخمر بنقلها من مكان لخر بحالة غير قصد التخليل‪ ،‬فإن قصد تخليلها بنقلها لم‬
‫تطهر‪ ،‬لنه يحرم تخليلها‪ ،‬فل تترتب عليه الطهارة‪.‬‬

‫وقال الشافعية (‪ : )1‬ل يطهر شيء من النجاسات بالستحالة إل ثلثة أشياء‪ :‬الخمر مع إنائها إذا‬
‫صارت خلً بنفسها‪ ،‬والجلد (غير جلد الكلب والخنزير ) المتنجس بالموت يطهر ظاهره وباطنه‬
‫بالدبغ‪ ،‬وما صار حيوانا كالميتة إذا صارت دودا لحدوث الحياة‪.‬‬
‫‪ - ً 12‬الدباغ للجلود النجسة أو الميتة يطهرها كلها إل جلد النسان والخنيزير‪ ،‬وما ل يحتمل الدبغ‬
‫كجلد حية صغيرة وفأرة‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أيما إهاب دبغ فقد طهر» (‪ )2‬وروي أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم مر بفِناء (ساحة الدار أو جوانبها) قوم في غزوة تبوك‪ ،‬فاستسقاهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫«عندكم ماء؟ فقالت امرأة‪ :‬ل‪ ،‬يا رسول ال‪ ،‬إل في قربة لي ميتة‪ ،‬فقال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬ألست‬
‫دبغتِها؟ فقالت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬فإن دباغها طهورها» (‪ ، )3‬ولن الدبغ يزيل سبب نجاسة الميتات وهو‬
‫الرطوبات والدماء السائلة‪ ،‬فصار الدبغ كالثوب النجس إذا غسل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحضرمية‪ :‬ص ‪.23‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث ابن عباس عند النسائي والترمذي وابن ماجه‪ ،‬ومن حديث ابن عمرعند‬
‫الدارقطني‪ ،‬وهو حديث حسن‪ ،‬ورواه مسلم بلفظ « إذا دبغ صار أديما‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود والنسائي عن سلمة بن المُحبّق‪ ،‬ورواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده‪،‬‬
‫والترمذي‪ ،‬وأعله هؤلء براوٍ فيه‪ :‬هو الجون بن قتادة ( نصب الراية‪.) 117/1 :‬‬
‫وعن ابن عباس قال‪ُ :‬تصُدّق على مولة لميمونة بشاة‪ ،‬فماتت‪ ،‬فمرّ بها رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬هلّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا‪ :‬إنها ميتة‪ ،‬فقال‪ :‬إنما حرم أكلها» رواه‬
‫الجماعة إل ابن ماجه‪.‬‬

‫( ‪)1/213‬‬
‫حكْمية كالتتريب والتشميس‪،‬‬
‫والدبغ عند الحنفية مطهر إذا كان بما يمنع النّتَن والفساد‪ ،‬ولو دباغة ُ‬
‫لحصول المقصود بها‪ .‬وكل ما يطهر بالدباغة يطهر بالذكاة‪ .‬والدبغ يطهر جلد الكلب والفيل على‬
‫المعتمد‪ ،‬واستثناء جلد الدمي للكرامة اللهية‪ ،‬واستثناء جلد الخنزير لنجاسته العينية‪ ،‬وألحقوا بهما ما‬
‫ل يحتمل الدباغة كفأرة صغيرة‪ .‬أما ما على جلد الميتة من شعر ونحوه فهو طاهر‪ ،‬وقميص الحية‬
‫طاهر‪.‬‬
‫والدبغ مطهر أيضا عند الشافعية (‪ ، )1‬فيطهر كل جلد نجس بالموت ظاهره‪ ،‬وكذا باطنه على‬
‫المشهور وإن كان من غير مأكول اللحم للحديثين السابقين مع حديث ابن عباس (في الحاشية)‪ ،‬لكن‬

‫يشترط أن يكون الدبغ بشيء قالع‪ :‬وهو نزع فضول الجلد (وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها‪،‬‬
‫ويطيبه نزعها) بحرّيف (ما يحرف الفم أي يلذع اللسان بحرافته) كالقَرَظ (ورق السَلَم مثل شجر‬
‫الجوز يدبغ به) والعفص وقشور الرمان‪ ،‬والشب (شيء معروف من جواهر الرض)‪ .‬سواء أكان‬
‫طاهرا أم نجسا كذرق الطيور‪ ،‬ول يصح الدبغ بشمس وتراب وتجميد وتمليح بما ل ينزع الفضول‪،‬‬
‫وإن جف الجلد‪ ،‬وطابت رائحته؛ لن الفضلت لم تزل‪ ،‬وإنما جمدت‪ ،‬بدليل إنه لو نقع في الماء‬
‫عادت إليه العفونة‪.‬‬
‫ول يطهر عند الشافعية بالدبغ جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر‪،‬‬
‫كما ل يطهر عندهم بالدبغ ما على جلد الميتة من شعر ونحوه‪ ،‬لكن يعفى عن القليل من ذلك لمشقة‬
‫إزالته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،82/1 :‬المهذب‪48/1 :‬‬

‫( ‪)1/214‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة على المشهور (‪ : )1‬ل يطهر الجلد النجس بالدبغ‪ ،‬لحديث عبد ال بن عُكيم‪،‬‬
‫قال‪« :‬كتب إلينا رسول ال صلّى ال عليه وسلم قبل وفاته بشهر أن لتنتفعوا من الميتة بإهاب ول‬
‫عصب» (‪ )2‬فهو ناسخ لما قبله من الحاديث‪ ،‬لنه في آخر عمر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولفظه‬
‫دال على سبق الترخيص‪ ،‬وأنه متأخر عنه‪ ،‬وقال الدردير المالكي‪ :‬ما ورد من نحو قوله عليه الصلة‬
‫والسلم‪« :‬أيما إهاب ـ أي جلد ـ دبغ‪ ،‬فقد طهر» فمحمول على الطهارة اللغوية‪ ،‬ل الشرعية في‬
‫مشهور المذهب‪ .‬وحينئذ ل تجوز الصلة عليه‪.‬‬
‫وعلى القول المشهور عند المالكية من نجاسة الجلد المدبوغ‪ :‬يجوز استعماله بعد الدبغ في اليابسات‬
‫غير المائعات‪ ،‬كلبسه في غير الصلة والجلوس عليه في غير المسجد‪ ،‬ول يجوز استعماله في‬
‫المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الدهان‪ ،‬والماء غير المطلق كماء الورد‪ ،‬والخبز المبلول‬
‫قبل جفافه‪ ،‬والجبن‪ ،‬فل يوضع فيه‪ ،‬ويتنجس بوضعه فيه‪ .‬واستثنوا من ذلك جلد الخنزير فل يجوز‬
‫استعماله مطلقا‪ ،‬دبغ أو لم يدبغ‪ ،‬في يابس أو مائع‪ ،‬وكذا جلد الدمي‪ ،‬لشرفه وكرامته‪ ،‬وأما صوف‬
‫الحيوان ونحوه فل ينجس بالموت عند المالكية‪.‬‬
‫وعند الحنابلة روايتان في النتفاع بالجلد النجس المدبوغ‪:‬‬
‫إحداهما ـ ل يجوز‪ ،‬لحديث ابن عكيم المذكور‪ ،‬وحديث البخاري في تاريخه «ل تنتفعوا من الميتة‬

‫بشيء» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،51/1 :‬بداية المجتهد‪ ،76/1 :‬غاية المنتهى‪ ،14/1 :‬المغني‪ 66/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫‪.79‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الربعة )‪ ،‬وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي وابن حبان‪،‬‬
‫قال عنه الترمذي‪ :‬حديث حسن‪ .‬وللدارقطني‪ :‬إن رسول ال صلّى ال عليه وسلم كتب إلى جهينة‪،‬‬
‫إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة‪ ،‬فإذا جاءكم كتابي هذا‪ ،‬فل تنتفعوا من الميتة بإهاب ول‬
‫عصب ( نيل الوطار‪.)64/1 :‬‬

‫( ‪)1/215‬‬
‫والثانية ـ وهي الراجحة ـ يجوز النتفاع به‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم السابق‪« :‬هل أخذتم‬
‫إهابها‪ ،‬فدبغتموه» ‪ ،‬ولن الصحابة رضي ال عنهم لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم‬
‫وذبائحهم ميتة‪ ،‬ولنه انتفاع من غير ضرر‪ ،‬فأشبه الصطياد بالكلب‪ ،‬وركوب البغل والحمار‪.‬‬
‫وصوف الميتة وشعرها ووبرها وريشها طاهر عند الحنابلة‪.‬‬
‫والراجح عندي رأي الحنفية والشافعية في أن الدباغ مطهر‪ ،‬لن حديث ابن عكيم فيه اختلف‬
‫واضطراب‪ ،‬قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ‪ :‬وطريق النصاف فيه‪ :‬أن يقال‪ :‬إن حديث ابن عكيم‬
‫ظاهر الدللة في النسخ‪ ،‬لو صح‪ ،‬ولكنه كثير الضطراب‪ ،‬ل يقاوم حديث ميمونة في الصحة‪.‬‬
‫والمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيح‪ ،‬ويحمل حديث ابن عكيم على منع النتفاع‬
‫به قبل الدباغ‪ ،‬وحينئذ يسمى إهابا‪ ،‬وبعد الدباغ يسمى جلدا‪ ،‬ول يسمى إهابا‪ ،‬وهذا معروف عند أهل‬
‫اللغة‪ ،‬وليكون جمعا بين الحكمين‪ ،‬وهذا هو الطريق في نفي التضاد (‪. )1‬‬
‫ويلحظ أخيرا أن كلً من التخلل والدباغ داخل في استحالة أو انقلب العين‪.‬‬
‫‪ - ً 13‬الذكاة الشرعية ( الذبح ) في تطهير الذبيح‪ :‬وهو أن يذبح مسلم أوكتابي (يهودي أو نصراني)‬
‫حيوانا ولو غير مأكول اللحم‪ .‬فيطهر بالذكاة في أصح مايفتى به عند الحنفية من الحيوان غير‬
‫المأكول الجلد دون اللحم والشحم‪ ،‬لن كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة‪ ،‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬دباغ الديم ذكاته» (‪)2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪. 65/1 :‬‬

‫(‪ )2‬روى النسائي عن عائشة‪ :‬سئل النبي صلّى ال عليه وسلم عن جلود الميتة‪ ،‬فقال‪ :‬دباغها ذكاتها‪.‬‬
‫وللدارقطني عنها عن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬طُهور كل أديم دباغه‪ .‬قال الدارقطني‪ :‬إسناده‬
‫كلهم ثقات ( نيل الوطار‪ ) 63/1 :‬وأخرجه أيضا ابن حبان والطبراني والبيهقي‪.‬‬

‫( ‪)1/216‬‬
‫ألحق الذكاة بالدباغ‪ ،‬وبما أن الجلد يطهر بالدباغ‪ ،‬فيطهر بالذكاة‪ ،‬لن الذكاة كالدباغ في إزالة الدماء‬
‫السائلة والرطوبات النجسة‪ ،‬فتفيد الذكاة الطهارة كالدبغ‪ ،‬إل في الدمي والخنزير‪ .‬وأما فعل المجوسي‬
‫فليس بذكاة شرعية‪ ،‬لعدم أهلية الذكاة‪ ،‬فل يفيد الطهارة‪ ،‬فتعين تطهيره بالدباغ‪ ،‬وكل شيء ل يسري‬
‫فيه الدم ل ينجس بالموت كالشعر والريش المجزوز والقرن والحافر والعظم ما لم يكن به دسم‪.‬‬
‫والعصب نجس في الصحيح‪ .‬ونافجة المسك طاهرة كالمسك‪.‬‬
‫وأما الحيوان المأكول اللحم‪ ،‬فيطهر بالذبح جميع أجزائه إل الدم المسفوح‪ ،‬باتفاق المذاهب‪.‬‬
‫وقال المالكية في المشهور (‪ : )1‬إذا ذبح ما ل يؤكل كالسباع وغيرها‪ ،‬يطهر لحمه وشحمه وجلده‪،‬‬
‫إل الدمي والخنزير‪ ،‬أما الدمي فلحرمته وكرامته‪ ،‬وأما الخنزير فلنجاسة عينه ( ذاته)‪ .‬لكن قال‬
‫الصاوي والدردير‪ :‬مشهور المذهب‪ :‬ل تعمل الذكاة في محرم الكل من حمير وبغال وخيل‪ ،‬وكلب‬
‫وخنزير‪ ،‬أما سباع الوحوش وسباع الطير فتطهر بالذبح‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬ل تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول؛ لن أثر الذكاة في‬
‫إباحة اللحم هو الصل‪ ،‬والجلد تبع للحم‪ ،‬فإن لم تعمل الذكاة في اللحم‪ ،‬لم تعمل فيما سواه‪ ،‬كذبح‬
‫المجوسي‪ ،‬أو الذبح غير المشروع‪ ،‬ول يقاس الذبح على الدباغ‪ ،‬لكون الدبغ مزيلً للخبث والرطوبات‬
‫كلها‪ ،‬مطيبا للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه ل يتغير‪ ،‬والذكاة ل يحصل بها ذلك‪ ،‬فل يستغنى‬
‫بها عن الذبح‪ .‬وهذا الرأي هو الرجح لدي؛ لن القياس (قياس الذكاة على الدباغ) في التعبديات أمر‬
‫غير مقبول‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،427/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،181‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪.45/1‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،58/1 :‬المغني‪ ،71/1 :‬غاية المنتهى‪.14/1 :‬‬

‫( ‪)1/217‬‬

‫‪ - ً 14‬النار تطهر في مواضع‪ :‬هي إذا استحالت بها النجاسة‪ ،‬أو زال أثرها بها ‪ ،‬كحرق الفخار‬
‫الجديد‪ ،‬وتحول الروث إلى رماد‪ ،‬وإحراق موضع الدم من رأس الشاة‪ .‬ومثلها الغلي بالنار كغلي‬
‫الدهن أو اللحم ثلثا‪ .‬قال ابن عابدين‪« :‬ول تظن أن كل ما دخلته النار يطهر‪ ،‬كما بلغني عن بعض‬
‫الناس أنه توهم ذلك‪ ،‬بل المراد أن ما استحالت به النجاسة بالنار‪ ،‬أو زال أثرها بها يطهر» وبه يظهر‬
‫أن حرق النجاسة بالنار مطهر‪.‬‬
‫والنار غير مطهرة عند غير الحنفية كما بينا في بحث الستحالة‪ ،‬فرماد النجس ودخانه نجسان‪ .‬إل أن‬
‫المالكية استثنوا على المشهور رماد النجس فإنه يطهر بالنار‪ ،‬وكذا دخان النجس والوقود المتنجس‪،‬‬
‫إنه يطهر بالنار‪.‬‬
‫‪ - ً 15‬نزح البئر المتنجسة أو غوران ماء البئر قدر ما يجب نزحه منها‪ :‬مطهر لها كالنزح‪.‬‬
‫والنزح‪ :‬هو نزح ما وجب من الدلء‪ ،‬أو نزح جميع الماء بعد استخراج الواقع في البئر من الدمي أو‬
‫غيره من الحيوان‪ ،‬وهو مطهر للبئر‪ .‬وإذا وجب نزح جميع الماء من البئر فينبغي سد جميع منابع‬
‫الماء إن أمكن‪ ،‬ثم ينزح ما فيها من الماء النجس‪ .‬وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء‪ ،‬فتنزح المقادير‬
‫التالية (‪: )1‬‬
‫أ ـ إن كان الواقع حيوانا‪ :‬فإن كان نجس العين كالخنزير‪ ،‬يجب نزح جميع الماء‪ .‬والصحيح عند‬
‫الحنفية‪ :‬أن الكلب ليس بنجس العين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تحفة الفقهاء‪ 101/1 :‬ومابعدها‪ ،‬ط دار الفكر بدمشق‪ ،‬بتخريج وتحقيق أحاديثها للمؤلف مع‬
‫الستاذ المنتصر الكتاني‪.‬‬

‫( ‪)1/218‬‬
‫وأما إذا لم يكن نجس العين‪ :‬فإن كان آدميا فل ينجس البئر‪ ،‬وأما سائر الحيوان‪ :‬فإن كان ل يؤكل‬
‫لحمه كسباع الوحش والطيور‪ ،‬فالصحيح أنه يوجب التنجيس‪ .‬وأما الحمار والبغل فالصحيح أنه يجعل‬
‫الماء مشكوكا فيه‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان حيوانا يؤكل لحمه‪ ،‬فيتنجس الماء إن خرج ميتا‪ .‬وينزح ماء البئر كله إن كان منتفخا‬
‫أو متفسخا‪.‬‬
‫وإن لم يكن منتفخا ول متفسخا فهو في ظاهر الرواية على مراتب ثلث‪:‬‬
‫في الفأرة ونحوها‪ :‬ينزح عشرون دلوا أو ثلثون بحسب كبر الدلو وصغره‪.‬‬

‫وفي الدجاجة ونحوها‪ :‬ينزح أربعون أو خمسون‪.‬‬
‫وفي الدمي ونحوه‪ :‬ينزح ماء البئر كله‪ .‬وذلك إذا كان على الدمي نجاسة بيقين‪ ،‬حقيقية أو حكمية‪،‬‬
‫أو نوى الغسل أو الوضوء‪ .‬ودليلهم على ذلك فعل الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬ولم يصح فيه حديث‬
‫نبوي‪.‬‬
‫‪ - ً 16‬دخول الماء من جانب وخروجه من الجانب الخر في حوض صغير مثلما كان فيه ثلث‬
‫مرات‪ ،‬فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلثا‪ :‬هو وسيلة لتطهير حوض الحمام أو الواني إذا تنجس‪ ،‬لنه‬
‫بزوال أثر النجاسة يصير الماء جاريا‪ ،‬ولم يتيقن من بقاء النجس فيه‪ .‬وعلى هذا إذا تنجس ماء في‬
‫قناة أو في وعاء‪ ،‬فيطهر بصب ماء طاهر عليه من ناحية منه‪ ،‬حتى يسيل من جوانبه ويخرج من‬
‫الناحية الخرى‪.‬‬
‫‪ - ً 17‬الحفر (أي قلب الرض بجعل العلى أسفل)‪ :‬يطهرها‪.‬‬
‫‪ - ً 18‬غسل طرف الثوب أو البدن‪ :‬يجزئ عن غسله كله إذا نسي المرء محل النجاسة‪ ،‬وإن وقع‬
‫الغسل بغير تحر‪ ،‬وهو المختار عند الحنفية‪ .‬مذاهب غير الحنفية في المطهرات ‪:‬‬
‫عرفنا ‪ -‬في ثنايا بحث أنواع المطهرات عند الحنفية ‪ -‬آراء المذاهب الخرى‪ ،‬وأفردها هنا إجمالً‬
‫ببيان مستقل‪.‬‬
‫مذهب المالكية‪ :‬المطهرات عند المالكية هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،35 -34‬الشرح الصغير‪ 78،82 ،46/1 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪82/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪.56/1 :‬‬

‫( ‪)1/219‬‬
‫‪ - 1‬الغسل بالماء الطهور المطلق لكل ما ل يجزئ فيه المسح أو النضح‪ .‬وليكفي إمرار الماء بل‬
‫ول بد من إزالة عين النجاسة وأثرها‪ ،‬ول يجوز إزالة النجاسة بمائع غير الماء‪.‬‬
‫‪ - 2‬المسح بخرقة مبللة لما يفسد بالغسل‪ ،‬كالسيف والنعل والخف‪.‬‬
‫‪ - 3‬النضح للثوب أو الحصير إذا شك في نجاسته‪ ،‬ينضح بل نية كالغسل‪ :‬وهو رش باليد أو غيرها‬
‫كفم أو تلقي مطر رشة واحدة‪ ،‬على المحل المشكوك بنجاسته بالماء المطلق‪ .‬ففي حالة الشك بإصابة‬
‫مكان بالنجاسة‪ ،‬يجب نضحه لغسله‪ ،‬فإن غسل كان أحوط‪ .‬ول يجزئ رش البدن المشكوك في‬
‫نجاسته‪ ،‬وإنما يجب غسله كمحقق الصابة بالنجاسة‪.‬‬

‫‪ - 4‬التراب الطاهر‪ :‬طهارة حكمية في حالة التيمم‪.‬‬
‫‪ - 5‬الدلك‪ :‬لما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والماكن التي تطرقها‬
‫الدواب كثيرا لعسر الحتراز من ذلك‪ ،‬بخلف غير الدواب كالدمي والكلب والهر ونحوها‪ ،‬فل يعفى‬
‫عما أصاب الثوب أو البدن من فضلتها‪ ،‬وبخلف ما أصاب غير الخف والنعل كالثوب والبدن فل‬
‫عفو عنه‪.‬‬
‫‪ - 6‬تكرار المشي أو المرور‪ :‬يطهر ثوب المرأة الطويل الذي تجره على الرض المتنجسة اليابسة‪،‬‬
‫فيتعلق به الغبار‪ ،‬بشرط أن تكون إطالته للستر ل للخيلء‪ ،‬واختلف في النجاسة الرطبة‪ .‬والتطهير‬
‫يحصل إذا كانت غير لبسة للخف‪ ،‬فإن كانت لبسة للخف فل عفو‪.‬‬
‫ومثلها‪ :‬من مشى برجل مبلولة على نجاسة يابسة‪ :‬يطهره ما بعده‪ ،‬ويصلي كل منهما على وضعه‪،‬‬
‫ول يجب عليهما الغسل‪.‬‬
‫ويعفى عن طين المطر‪،‬ما لم تكن النجاسة غالبة‪ ،‬أو عينها قائمة‪.‬‬
‫‪ - 7‬التقوير‪ :‬يطهر الجامدات‪ ،‬كأن وقعت فأرة في سمن جامد‪ ،‬طرحت هي وما حولها خاصة‪ ،‬قال‬
‫سحنون‪ :‬إل أن يطول مقامها فيه‪.‬‬

‫( ‪)1/220‬‬
‫فإن وقعت الفأرة في سمن ذائب‪ ،‬فماتت فيه‪ ،‬طرح جميعه‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬إذا وقعت نجاسة في مائع غير‬
‫الماء‪ ،‬تنجس‪ ،‬سواء تغير أو لم يتغير‪.‬‬
‫‪ - 8‬النزح‪ :‬إذا وقعت دابة نجسة في بئر‪ ،‬وغيرت الماء‪ ،‬وجب نزح جميعه‪ ،‬فإن لم تغيره‪ ،‬استحب‬
‫أن يُنزح منه بقدر الدابة والماء‪ ،‬أي ينزح كله بالضافة إلى نزح مقدار الدابة‪.‬‬
‫‪ - 9‬غسل مكان النجاسة‪ :‬إذا مُيّز موضع النجاسة من الثوب والبدن‪ ،‬غسل وحده‪ ،‬وإن لم يميز غسل‬
‫الجميع‪.‬‬
‫‪ - 10‬الستحالة‪ :‬تطهر الخمر إذا تخللت بنفسها أو خللت‪ ،‬ول يطهر جلد الميتة بالدبغ‪ ،‬والمعتمد أن‬
‫رماد النجس ودخانه طاهر‪.‬‬
‫‪ -11‬الذكاة الشرعية تطهر غير المأكول اللحم‪ ،‬إل الدمي والخنزير‪ ،‬وعلى رأي الدردير‪ :‬مشهور‬
‫المذهب أن الذكاة ل تطهر محرم الكل كالخيل والبغال والحمير والكلب والخنزير‪ .‬وإذا صلى‬
‫النسان‪ ،‬وبعد النتهاء من صلته‪ ،‬رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة لم يكن عالما بها‪ ،‬أو كان يعلمها‬
‫ونسيها‪ ،‬صحت صلته عند المالكية الذين ليوجبون إزالة النجاسة إل عند التذكر والقدرة والتمكن‪.‬‬

‫والمطهر للمائع والجامد وغيرهما عند الشافعية أربعة هي (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬ماء مطلق‪ :‬وهو ما يقع عليه اسم ماء‪ ،‬بل قيد إضافي كماء ورد‪ ،‬أو قيد وصفي كماء دافق‪،‬‬
‫وهو أنواع‪ :‬ما نزل من السماء وهو ثلثة‪ :‬المطر‪ ،‬وذوب الثلج والبرد‪ ،‬وما نبع من الرض وهو‬
‫أربعة‪ :‬ماء العيون والبار والنهار والبحار‪ ،‬ويتعين الماء لزالة خبث ورفع حدث وغيرهما كتجديد‬
‫الوضوء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تحفة الطلب للشيخ زكريا النصاري‪ :‬ص ‪ ،4‬المجموع‪ ،188/1 :‬مغني المحتاج‪17/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ 84 ،‬ومابعدها‪.....‬‬

‫( ‪)1/221‬‬
‫وينضح بول أو قيء صبي لم َيطْعم (يتناول) قبل مضي حولين غير لبن التغذي‪ ،‬للحاديث الصحيحة‬
‫في ذلك‪ ،‬منها‪« :‬يغسل من بول الجارية‪ ،‬ويرش من بول الغلم» (‪ )1‬وقد أخذ بهذه التفرقة الشافعية‬
‫والحنابلة‪ ،‬ولم يفرق المالكية بين الذكر والنثى وقالوا‪ :‬النضح‪ :‬طهارة ما شك فيه أي الثوب المشكوك‬
‫فيه فقط‪ ،‬وأوجبوا كالحنفية الغسل في الحالين قياسا للنثى على الذكر (‪ ، )2‬وإني أميل إلى رأي‬
‫الشافعية والحنابلة للتصريح بالتفرقة‪ ،‬والحكمة فيه‪ :‬أن بول الغلم يخرج بقوة‪ ،‬فينتشر‪ ،‬أو أنه يكثر‬
‫حمله على اليدي‪ ،‬فتعظم المشقة بغسله‪ ،‬أو أن مزاجه حار‪ ،‬فبوله رقيق‪ ،‬بخلف النثى‪.‬‬
‫‪ - 2‬وتراب مطهر لم يستعمل في فرض‪ ،‬ولم يختلط بشيء‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فتيمموا صعيدا طيبا}‬
‫[المائدة‪ ،]6/5:‬أي ترابا طاهرا‪.‬‬
‫‪ - 3‬ودابغ‪ :‬وهو ما ينزع فضلت الجلد وعفونته‪ ،‬بحيث لو نقع في الماء بعد اندباغه‪ ،‬لم يعد إليه‬
‫شبّ‪ ،‬ولو كان الدابغ نجسا‪ ،‬كذرق طير‪.‬‬
‫النتن والفساد‪ ،‬كقَرَظ و َ‬
‫‪ - 4‬وتخلل‪ :‬هو انقلب الخمر خلً‪ ،‬بل مصاحبة عين تقع فيها‪ ،‬وإن نقلت من شمس إلى ظل‪ ،‬أو‬
‫عكسه‪ ،‬فإن صحب تخللها عين وإن لم تؤثر فيها‪ ،‬أو وقع فيها عين نجسة وإن نزعت قبل التخلل‪ ،‬لم‬
‫يكن ذلك مطهرا‪.‬‬
‫والطهارات الحاصلة بالمطهرات الربعة أربع‪:‬‬
‫وضوء‪ ،‬وغسل‪ ،‬وتيمم‪ ،‬وإزالة نجس‪ ،‬وهذا الخير يشمل الحالة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫حصَن‪ :‬أن‬
‫سمْح‪ ،‬وروى الجماعة عن أم قيس بنت مِ ْ‬
‫(‪ )1‬رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي ال ّ‬

‫النبي صلّى ال عليه وسلم نضح بول صبي‪ ،‬وروى ابن ماجه عن أم كُرْز‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال‪ « :‬بول الغلم ينضح‪ ،‬وبول الجارية يغسل » ( نيل الوطار‪.) 45/1 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،82/1 :‬نيل الوطار‪ ،47/1 :‬كشاف القناع‪ 217/1 :‬ومابعدها‪ ،‬ط مكة‪...‬‬

‫( ‪)1/222‬‬
‫ول يطهر المتنجس الصقيل كسيف ونحوه بالمسح بل ل بد من غسله‪ ،‬كما ليطهر النعل بالدلك دون‬
‫الغسل‪ ،‬ويطهر الماء بالمكاثرة ولو لم يبلغ قلتين‪ ،‬وتطهر الرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها‪.‬‬
‫والمطهرات عند الحنابلة (‪ : )1‬كالشافعية غالبا إل في الدباغ‪ ،‬فإنه غير مطهر عندهم‪ ،‬وهي الماء‪،‬‬
‫والتراب ومثله الستنجاء بالحجار‪ ،‬والتخلل‪.‬‬
‫فتطهر الرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها أي صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها من غير‬
‫اعتبار عدد‪ ،‬ولم يبق للنجاسة عين‪ ،‬ول أثر من لون أو ريح‪،‬إن لم يعجز عن إزالتهما أو إزالة‬
‫أحدهما‪.‬‬
‫ول تطهر الرض المتنجسة بشمس ول ريح‪ ،‬ول جفاف؛ لنه صلّى ال عليه وسلم أمر بغسل بول‬
‫العرابي‪ ،‬ولو كان ذلك يطهر لكتفى به‪.‬‬
‫ول تطهر نجاسة باستحالة‪ ،‬فلو أحرق السرجين النجس‪ ،‬فصار رمادا أو وقع كلب في ملحة‪ ،‬فصار‬
‫ملحا‪ ،‬لم تطهر‪ ،‬لنه صلّى ال عليه وسلم «نهى عن أكل الجلّلة وألبانها» (‪ )2‬لكلها النجاسة‪ ،‬ولو‬
‫طهرت بالستحالة لم ينه عنه‪.‬‬
‫ول تطهر النجاسة بنار‪ ،‬فالرماد من روث نجس‪ ،‬والصابون المعمول من زيت نجس‪ ،‬ودخان نجاسة‬
‫وغبارها‪ :‬نجس‪ ،‬وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل أو غيره‪ :‬نجس‪ ،‬وتراب جبل‬
‫بروث حمار أو بغل ونحوه مما ل يؤكل لحمه‪ :‬نجس‪ ،‬ولو احترق كالخزف‪ .‬وكذا لو وقع كلب في‬
‫ملحة‪ ،‬فصار ملحا‪ ،‬أو في صبّانة‪ ،‬فصار صابونا‪ :‬نجس (‪. )3‬‬
‫ويستثنى من مبدأ عدم التطهير بالستحالة‪ :‬ما يخلق منه الدمي‪ ،‬والخمرة التي انقلبت خلً بنفسها‪ ،‬أو‬
‫بنقلها من موضع إلى آخر لغير قصد التخليل‪ ،‬ويحرم تخليلها‪ ،‬فإن خللت‪ ،‬ولو بنقلها بقصد التخليل لم‬
‫تطهر‪ ،‬لحديث مسلم عن أنس قال‪« :‬سئل النبي صلّى ال عليه وسلم عن الخمر تتخذ خل ً؟ قال‪ :‬ل»‬
‫ودَنّ الخمر (أي وعاؤها) مثلها‪ ،‬يطهر بطهارتها تبعا لها‪......‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،218 -213 ،22/1 :‬المغني‪.98/2 ،39 - 35/1 :‬‬

‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر‪ ،‬وقال‪ :‬حسن غريب‪.‬‬
‫(‪ )3‬حقق ابن تيمية رحمه ال في فتاويه أن استحالة النجاسة يذهب بخبثها وعينها‪ ،‬فل يبقى حكم‬
‫النجاسة لها‪ ،‬وتكون طاهرة‪.‬‬

‫( ‪)1/223‬‬
‫حبّ (‬
‫ول يطهر دهن تنجس بغسله؛ لنه ل يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه‪.‬كما ل يطهر باطن َ‬
‫وعاء فخاري ) تشرب النجاسة‪ ،‬ول عجين تنجس‪ ،‬لنه ل يمكن غسله‪،‬ول يطهر لحم تنجس‪ ،‬ول إناء‬
‫تشرّب نجاسة ول سكين سقيت ماء نجسا‪.‬‬
‫ويطهر السمن الجامد ونحوه بإلقاء النجاسة وما حولها‪ ،‬وأما المائع فل يطهر إن ظلت النجاسة فيه‪،‬‬
‫كأن ماتت الفأرة فيه‪ ،‬فإن خرجت حية‪ ،‬فهو طاهر‪.‬‬
‫ويلزم غسل ما وقعت فيه النجاسة‪ ،‬حتى يتيقن من إزالتها‪ ،‬فإن خفي موضع نجاسة في بدن أو ثوب‬
‫أو مكان صغير‪،‬كبيت صغير‪ ،‬فيلزم غسله‪ ،‬ول يكفي الظن‪ ،‬لن الطاهر اشتبه بالنجس‪ ،‬فوجب‬
‫اجتناب الجميع‪ ،‬حتى يتيقن الطهارة بالغسل‪ ،‬لن النجاسة متيقنة‪ ،‬فل تزول إل بيقين الطهارة‪.‬‬
‫أما خفاء موضع النجاسة في مكان كبير كصحراء واسعة ودار واسعة‪ ،‬فليضر‪ ،‬منعا من الوقوع في‬
‫الحرج والمشقة‪.‬‬
‫ويجزئ نضح بول أو قيء الغلم الذي لم يأكل الطعام لشهوة‪ ،‬وإن كان نجسا كبول الكبير‪ ،‬ول بد من‬
‫غسل بول النثى والخنثى‪.‬‬
‫ول يطهر النعل بالدلك‪ ،‬بل يجب غسله‪ ،‬كمايجب غسل ذيل ثوب امرأة تنجس بمشي أو غيره‪ ،‬كغسل‬
‫الثوب والبدن‪ ،‬لكن يعفى عن يسير النجاسة على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك‪ ،‬عملً بحديث أبي‬
‫هريرة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا وطئ الذى بخفيه‪ ،‬فطهورهما التراب» (‪. )1‬‬
‫ول تطهر الرض النجسة بشمس ول ريح ول جفاف‪ ،‬عملً بالحديث السابق «أهريقوا على بوله‬
‫سَجْلً من ماء» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الشافعية والحنابلة نظروا في المطهرات إلى أكمل ما يحصل به مراد الشارع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عجلن‪ ،‬وهو ثقة‪ ،‬وصح في حديث أم سلمة السابق‪:‬‬
‫أن المرور على طريق جاف مطهر‪ .‬لكن لم يقيد الحديث بنجاسة قليلة ولكثيرة‪.‬‬

‫( ‪)1/224‬‬

‫وتوسع الحنفية في شأن المطهرات‪ ،‬وقاربهم فيها أحيانا المالكية‪ .‬والواقع العملي وحاجة الناس‬
‫وأعرافهم كل ذلك يؤيد العمل بمذهب الحنفية‪ .‬وبناء عليه لتطهر الرض وحبل الغسيل المتنجس عند‬
‫الجمهور بجفاف الشمس والريح‪ ،‬وتطهر بذلك عند الحنفية‪.‬‬
‫وتطهير الموكيت أو المقاعد المفروشة يكون بصب الماء على مكان النجاسة‪ .‬ويطهر النعل المتنجس‬
‫والخف بالدلك بالرض عند القائلين به كالحنفية والمالكية‪ ،‬لما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي‬
‫ال عنه أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا وطئ أحدكم بنعله الذى‪ ،‬فإن التراب له‬
‫طهوره» ‪ .‬وتطهر المرآة والسكين والسيف والزجاج وكل شيء أملس صقيل بالمسح الذي يزول به‬
‫ل بفعل الصحابة في مسح سيوفهم من الدماء‪.‬‬
‫أثر النجاسة‪ ،‬عم ً‬
‫ويطهر الغسيل في الغسّالة اللية بغمره الماء‪ ،‬فإن هذه الغسّالت يتكرر فيها صب الماء‪ ،‬ويعصر بها‬
‫الثوب بسرعة الدوران‪ .‬ول يحكم بنجاسة ثوب أو مكان إل برؤية عين النجاسة‪ ،‬فلو سقط ماء أو‬
‫غيره على إنسان أو أصيب ثوبه بشيء رطب ليلً‪ ،‬يحكم بطهارته ول يسأل عن نجاسته‪ ،‬ول يحكم‬
‫بالنجاسة إل بغلبة الظن‪.‬‬

‫( ‪)1/225‬‬
‫المبحث الرابع ـ أنواع المياه‪:‬‬
‫المياه أنواع ثلثة‪ :‬طهور‪ ،‬وطاهر غير مطهر‪ ،‬ومتنجس‪:‬‬
‫النوع الول ـ الماء الطهور أو المطلق‪:‬‬
‫هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره‪ ،‬وهو كل ماء نزل من السماء‪ ،‬أو نبع من الرض‪ ،‬ما دام باقيا‬
‫على أصل الخِلْقة‪ ،‬فلم يتغير أحد أوصافه الثلثة وهي (اللون والطعم والرائحة) أو تغير بشيء لم‬
‫يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي‪ ،‬ولم يكن مستعملً‪ ،‬مثل ماء المطر والودية (‪)1‬‬
‫والعيون والينابيع والبار والنهار والبحار‪ ،‬وماء الثلج والبرد‪ ،‬ونحوها من كل ماء عذب أو مِلْح‪،‬‬
‫ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان‪ ،‬أو ينعقد ملحا‪ ،‬أو يرشح ويتبخر بخار ماء؛ لنه ماء‬
‫حقيقة‪.‬‬
‫إل أن الحنفية قالوا‪ :‬الماء الذي ينعقد فيه الملح طهور قبل النعقاد‪ ،‬أما بعد النعقاد والذوبان‪ ،‬فإنه‬
‫يكون طاهرا غير طهور فل يرفع الحدث‪ ،‬ويزيل الخبث‪.‬‬
‫هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعا‪ ،‬يزال به النجس‪ ،‬ويستخدم للوضوء والغسل‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان‪{ ،]48/25:‬وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}‬

‫[النفال‪ ،]11/8:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم عن ماء البحر‪« :‬هو الطهور ماؤه‪ ،‬الحل ميتته» (‪)2‬‬
‫وقوله عليه السلم‪« :‬إن الماء طهور‪ ،‬ل ينجسه شيء إل ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (‪. )3‬‬
‫وبحث الماء الطهور يستتبع معرفة المرين التاليين‪:‬‬
‫أ ـ التغير غير المؤثر في الطهورية‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما ل ينفك عنه غالبا‪ :‬أنه ل يسلبه صفة الطهارة والتطهير‪،‬‬
‫فل يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث (البقاء‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الودية جمع واد‪ :‬وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يجتمع فيه السيل‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه سبعة من الصحابة وهم‪ :‬أبو هريرة‪ ،‬وجابر بن عبد ال‪ ،‬وعلي بن أبي طالب‪ ،‬وأنس بن‬
‫مالك‪ ،‬وعبد ال بن عمرو‪ ،‬والفراسي‪ ،‬وأبوبكر الصديق‪ .‬وحديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن‬
‫الربعة‪ ،‬وهو وإن ذكرت فيه علل‪ ،‬تأيد بالروايات الخرى ( نصب الراية‪.)95/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن ماجه عن أبي أمامة‪ ،‬وهو حديث ضعيف السند ( نصب الراية‪ ) 94/1 :‬لكن حسنه‬
‫الترمذي‪ ،‬وله إسناد صحيح ذكره ابن القطان‪ ،‬وقال عنه المام أحمد‪ :‬هو حديث صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/226‬‬
‫في المكان مدة طويلة) لتعذر الحتراز عنه‪ ،‬ول بتراب طهور‪ ،‬وطُحلُب (خضرة تعلو على وجه‬
‫الماء)‪ ،‬وما في مقره وممره‪ ،‬ول بمخالط مجاور (وهو ما يمكن فصله) كعود ودُهن ولو مطيبين ومنه‬
‫البَخور ول بجيفة ملقاة على الشاطئ تغير الماء بريحها‪ ،‬ولبدابغ إنائه كقطران وقَرَظ‪ ،‬ول ببعض‬
‫المعادن كملح ماء وكبريت‪ ،‬ول بما يعسر الحتراز عنه كالتبن وورق الشجر‪ .‬وللفقهاء تفصيلت‬
‫وإيراد قيود هي‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر‪ ،‬ما لم يكن التغير عن طبخ‪ ،‬فغير أحد‬
‫أوصافه أو أوصافه كلها‪ ،‬كماء السيل الذي يختلط بالتراب والوراق والشجار‪ ،‬وبقيت رقته غالبة‪،‬‬
‫فإن صار الطين غالبا ل تجوز الطهارة به‪ .‬وكالماء الذي اختلط به اللبَن أو الزعفران أوالصابون أو‬
‫الشنان ما دام باقيا على رقته وسيلنه‪ ،‬لن اسم الماء باق فيه‪ ،‬ول يمكن الحتراز عن هذه الشياء‬
‫المخالطة له‪ ،‬فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد‪ ،‬كأن صار ماء الصابون ثخينا‪ ،‬أو‬
‫صار ماء الزعفران صِبْغا‪ ،‬ل تجوز به الطهارة‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬ل يضر ما تغير بطول ُمكْثه‪ ،‬أو بما يجري عليه‪ ،‬أو بما متولد منه كالطحلب‬

‫والدود والسمك الحي‪ ،‬أو بما ل ينفك عنه غالبا‪ ،‬أو بالمجاورة‪ ،‬ول يؤثر تغيره بالتراب المطروح‪،‬‬
‫على المشهور‪ ،‬وبما طرح فيه من الملح ونحوه من أجزاء الرض كالنحاس والكبريت والحديد‪ ،‬ولو‬
‫قصدا‪ ،‬ول بدابغ طاهر كقَطِران‪ ،‬أو بما يعسر الحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط في البار‬
‫والبِرك من الريح‪ ،‬فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقِرب والدلء التي يستقى بها‪ ،‬يجوز‬
‫النتفاع بمائها‪ ،‬وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ والقطران والشب‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،48/1 :‬اللباب شرح الكتاب‪ .26/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.3‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،36-30/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،30‬بداية المجتهد‪ ،22/1 :‬الشرح الكبير‪:‬‬
‫‪.39- 35/1‬‬

‫( ‪)1/227‬‬
‫ول يضر التغير بالمجاور؛ لن الماء يتكيف بكيفية المجاور‪ ،‬ومن المجاور‪ :‬جيفة مطروحة خارج‬
‫الماء‪ ،‬فتغير ريح الماء منها‪.‬‬
‫ول يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء‪ ،‬أو بأثر بخور دهن به الناء من غير دبغ به‪،‬‬
‫أو رمي في الماء‪ ،‬فرسب في قراره‪ ،‬فتغير الماء به‪ ،‬لن العرب كانت تستعمل القطران كثيرا عند‬
‫الستقاء وغيره‪ ،‬فصار كالتغير بالمقَرّ‪.‬‬
‫كما ل يضر التغير بالشك في جنس المغير‪ ،‬هل هو من جنس ما يضر كالعسل والدم‪ ،‬أو من جنس ما‬
‫ل يضر كالكبريت وطول المكث‪ ،‬ويجوز التطهر به‪ .‬وكذا ليضر المشكوك في تغيره بالريق‪ ،‬كما‬
‫إذا جعل الماء في الفم‪ ،‬وحصل شك فيه‪ ،‬هل تغير بالريق أو ل‪ ،‬فإنه يجوز التطهير به‪.‬‬
‫ويضر التغير لحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالبا‪ :‬وهو ما شأنه مفارقة الماء غالبا وكان‬
‫طاهرا‪ ،‬كلبن وسمن وعسل وحشيش‪ ،‬فإذا امتزج به‪ ،‬أو لصقه‪ ،‬كالرياحين المطروحة على سطح‬
‫الماء‪ ،‬والدهن الملصق له‪ ،‬وتغير أحد أوصاف الماء لونا أو طعما أو ريحا‪ ،‬لم يجز التطهر به‪،‬‬
‫ويصبح الماء طاهرا بنفسه‪ ،‬غير مطهر لغيره‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن خالط الماء شيء طاهر‪ ،‬ولم يغير لونه أو طعمه أو ريحه‪ ،‬فهو ماء مطلق طهور‪،‬‬
‫وإن غير أحد هذه الوصاف الثلثة فهو طاهر عند المالكية والشافعية والحنابلة‪ ،‬غير مطهر‪ ،‬وعند‬
‫الحنفية‪ :‬طاهر مطهر‪ ،‬ما لم يطبخ أو يغلب على أجزائه‪.‬‬

‫( ‪)1/228‬‬

‫والمالكية يلحقون بالتراب‪ :‬كل أجزاء الرض كالكبريت والحديد والنحاس فإنها ل تسلب طهورية‬
‫الماء‪ ،‬إذا غيرت أحد أوصافه‪ ،‬ولو طرحت فيه قصدا‪ .‬وقال الشافعية (‪ : )1‬ل يضر تغير يسير‬
‫بطاهر ل يمنع إطلق اسم الماء عليه‪ ،‬ولو كان مشكوكا في أن تغيره كثير أو يسير‪ ،‬لتعذر صون‬
‫طحْلُب (شيء أخضر يعلو الماء من‬
‫الماء عنه‪ .‬ول يضر متغير ب ُمكْث وإن فحش التغير‪ ،‬وطين و ُ‬
‫طول المكث)؛ وما في مقره وممره‪ ،‬ككبريت وزرنيخ ونُورة (كلس)‪ ،‬لتعذر صون الماء عن ذلك؛‬
‫ول يضر تغير بملح ماء‪ ،‬ل بملح جبلي‪ ،‬فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره؛ ول تمنع‬
‫الطهارة بملح انعقد من الماء‪ ،‬لنه كان ماء في الصل‪ ،‬فهو كالثلج إذا ذاب فيه‪.‬‬
‫ول يضر تغير بورق شجر تناثر وتفتت واختلط بالماء‪ ،‬لتعذر صون الماء عنه؛ ول يضر متغير‬
‫بمجاور طاهر كعود ودهن‪ ،‬ولو مطيبين‪ ،‬وكافور صلب‪ ،‬أو بتراب ولو مستعملً طرح فيه في‬
‫الظهر‪ ،‬لن تغيره بغير التراب تروّح‪ ،‬وبالتراب كدورة ل تمنع اسم الماء عليه‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة (‪ )2‬كالشافعية في عدم تأثر الماء بالمغير بطول مكث (وهو الماء الجن الذي تغير‬
‫بطول إقامته في مقره) (‪ )3‬أو بالمقر والممر‪ ،‬أو بالمجاور‪ ،‬أو بريح ميتة إلى جانبه؛ لن ذلك يشق‬
‫الحتراز عنه أو بملح مائي‪ :‬وهو الماء الذي يرسل على الرض السباخ‪ ،‬فيصير ملحا؛ لن المتغير‬
‫به منعقد من الماء‪ ،‬فأشبه ذوب الثلج‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الماء المتغير الذي ل يضر التوضؤ به أربعة أنواع‪:‬‬
‫‪ - 1‬ما أضيف إلى محله ومقره‪ ،‬كماء النهر والبئر وأشباههما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،19/1 :‬المهذب‪. 5/1 :‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ 25/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.13/1 :‬‬
‫(‪ )3‬لنه عليه الصلة والسلم توضأ بماء آجن‪.‬‬

‫( ‪)1/229‬‬
‫‪ - 2‬ما ل يمكن التحرز عنه كالطحلب والخزّ (الشوك الخضر) وسائر ما ينبت في الماء‪ ،‬وكذا ورق‬
‫الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه‪ ،‬وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه‪،‬‬
‫فتلقيه في الماء‪ ،‬وما هو في قرار الماء‪ ،‬كالكبريت والزفت وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به‪،‬‬
‫أو كان في الرض التي يقف الماء فيها‪.‬‬
‫‪ - 3‬مايوافق الماء في صفتيه‪ :‬الطهارة والطهورية‪ ،‬كالتراب إذا غيّر الماء‪ ،‬ل يمنع الطهورية؛ لنه‬

‫طاهر مطهر كالماء‪ ،‬فإن ثخن بحيث ل يجري على العضاء‪ ،‬لم تجز الطهارة به‪ ،‬لنه طين وليس‬
‫بماء‪،‬ولفرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد‪ ،‬وكذلك الملح البحري أو‬
‫المائي‪ ،‬والمعدني‪ ،‬لن هذا الخير خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء‪ ،‬فهو كالزعفران وغيره‪.‬‬
‫‪ - 4‬ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة‪ ،‬كالدهن بأنواعه‪ ،‬ومثله القطران والزفت والشمع‪،‬‬
‫والطاهرات الصلبة‪ ،‬كالعود والكافور والعنبر‪ ،‬إذا لم يتلف في الماء‪ ،‬ولم يمع فيه‪ ،‬أنه تغيير مجاورة‪،‬‬
‫فأشبه ما لو تروح الماء بريح شيء في جانبه‪ ،‬ول خلف في هذا‪.‬‬
‫ول خلف بين العلماء في جواز التوضؤ بما خالطه طاهر لم يغيره‪ ،‬فإذا سقط شيء من الباقل‬
‫والحمص والورد والزعفران وغيره في ماء‪ ،‬وكان يسيرا‪ ،‬فلم يوجد له طعم ول لون ول رائحة‬
‫كثيرة‪ ،‬جاز الوضوء به‪ ،‬لنه « صلّى ال عليه وسلم اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين» ‪.‬‬
‫ب ـ الماء الطهور المكروه الستعمال تنزيها عند الحنفية‪:‬‬

‫( ‪)1/230‬‬
‫هناك ماء طاهر مطهر مكروه استعماله تنزيها حال وجود غيره على الصح عند الحنفية (‪ : )1‬وهو‬
‫الماء القليل الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الهلية‪ ،‬ل الوحشية إذ سؤرها (‪ )2‬نجس‪ ،‬ومثل‬
‫الدجاجة المخلة (المتروكة تأكل القاذورات) وسباع الطير‪ ،‬والحية والفأرة؛ لنها ل تتحامى عن‬
‫النجاسة‪ .‬وهذا عمل بمقتضى الستحسان‪ ،‬تيسيرا على الناس بسبب مخالطة الناس للهرة‪ ،‬وتطوافها‬
‫بهم‪ ،‬وللضرورة في سباع الطير لعدم إمكان التحرز عنها‪ ،‬وقد قرر النبي صلّى ال عليه وسلم طهارة‬
‫سؤر الهرة‪ ،‬فقال‪« :‬إنها ليست بنجَس‪ ،‬إنها من الطوافين عليكم‪ ،‬والطوافات» (‪ ، )3‬وعن عائشة عن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم «أنه كان يُصغي إلى الهرة الناء حتى تشرب‪ ،‬ثم يتوضأ بفضلها» (‪. )4‬‬
‫وتزول الكراهة إذا لم يوجد غير هذا الماء‪ .‬وقال الشافعية بطهارة فم الهرة وطهارة سؤرها‪.‬‬
‫النوع الثاني ـ الماء الطاهر غير الطهور‪:‬‬
‫وحكمه عند الحنفية أنه يزيل الخبث‪ ،‬أي النجاسة عن الثوب والبدن‪ ،‬وليزيل الحدث‪ ،‬فل يصح‬
‫الوضوء والغسل به‪ ،‬وهو ثلثة أنواع‪:‬‬
‫أحدها ـ الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلثة وسلب طهوريته‪ :‬وسالب الطهورية عند‬
‫الحنفية هو غلبة غير الماء عليه إما في مخالطة الجامدات وإما في المائعات (‪. )5‬‬
‫والغلبة في الجامدات تكون بإخراج الماء عن رقته وسيلنه‪ ،‬أو‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.3‬‬
‫(‪ )2‬السؤر‪ :‬الباقي من الماء في الناء بعد شرب حيوان منه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الخمسة عن كبشة بنت كلب بن مالك‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬وأخرجه أيضا‬
‫البيهقي‪ ،‬وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني ( نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)25/1‬‬
‫(‪ )4‬رواه الدارقطني ( المصدر والمكان السابق) وأصغى الناء للهرة‪ :‬أماله‪.‬‬
‫(‪ )5‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،4 - 3‬فتح القدير‪ 48/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/231‬‬
‫حمّص وعدس‪ ،‬ولم‬
‫التي تزيل طبع الماء (وهو الرقة والسيلن والرواء والنبات) بالطبخ بنحو ِ‬
‫يقصد به التنظيف كالصابون والشنان؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم اغتسل بماء فيه أثر العجين‪،‬‬
‫خطْمي (ورق يدق ويغسل به الرأس)‪ ،‬وأمر النبي بغسل الذي‬
‫وكان يغتسل وهو جنب ويغسل رأسه بال ِ‬
‫و َقصَتْه (كسرته) ناقته‪ ،‬وهو مُحْرِم بماء وسِدْر (شجر النبق)‪ ،‬وأمر قيس بن عاصم حين أسلم أن‬
‫يغتسل بماء وسدر (‪. )1‬‬
‫والغلبة في المائع الذي ل وصف له كالماء المستعمل‪ ،‬وماء الورد المنقطع الرائحة‪ :‬تكون إما بزيادة‬
‫الوزن كأن اختلط رطلن من الماء المستعمل برطل من الماء المطلق أو بظهور وصفين من مائع له‬
‫أوصاف ثلثة‪ ،‬كالخل له لون وطعم وريح‪ ،‬فأي وصفين ظهرا منعا صحة الوضوء‪ ،‬ول يضر ظهور‬
‫وصف واحد لقلته‪ ،‬أو بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط‪ ،‬كاللبن له اللون والطعم‪ ،‬ول‬
‫رائحة له‪.‬‬
‫الماء المشكوك في طهوريته عند الحنفية‪ :‬وهو ما شرب منه حمار أو بغل‪ .‬وهو عند الحنفية طاهر‬
‫في نفسه‪ ،‬مشكوك في إمكان إزالة الحدث به‪ ،‬فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم‪ ،‬بسبب تعارض الدلة‬
‫في إباحته وحرمته أو اختلف الصحابة رضي ال عنهم في نجاسته وطهارته (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )3‬إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه ل يرفع الحدث ول يزيل الخبث‪ :‬هو‬
‫كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالبا‪ ،‬ويغير أحد أوصافه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصب الراية‪ ،104/1:‬نيل الوطار‪ ،239/1 :‬والحديث الول رواه النسائي وابن ماجه والثرم‪،‬‬
‫والحديث الثاني رواه أحمد عن عائشة‪.‬‬

‫(‪ )2‬فتح القدير والهداية‪.78/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ 37/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ ،31/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 30‬ومابعدها‪ ،‬بداية‬
‫المجتهد‪.26/1 :‬‬

‫( ‪)1/232‬‬
‫(لونه أو طعمه أو ريحه)‪ ،‬ولم يكن من أجزاء الرض‪ ،‬ول دابغا لنائه‪ ،‬ول ما يعسر الحتراز عنه‪.‬‬
‫مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالبا الصابون وماء الورد والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ‬
‫في الماء‪ ،‬والليمون وروث الماشية ودخان شيء محروق‪ ،‬والحشيش‪ ،‬أو ورق الشجر أو التبن الواقع‬
‫في بئر يسهل تغطيتها‪ ،‬والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في الماء‪،‬‬
‫والسمك الميت‪ .‬فهذه المثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء‪ ،‬جعلته طاهرا غير طهور‪ .‬ومثلها المتغير‬
‫الفاحش بآلة السقي‪ ،‬أو بإنائه‪ ،‬إذا كانا من غير أجزاء الرض كإناء من جلد أو خشب‪ ،‬وحبل من‬
‫كَتّان أو ليف‪ .‬فإن كان التغير يسيرا‪ ،‬أو استعمال القطران للدباغ‪ ،‬فل يسلب الطهورية‪ ،‬ول يضر‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬الذي يسلب طهورية الماء‪ ،‬فيجعله غير صالح لرفع الحدث ول لزالة النجس‬
‫به‪ :‬هو كل مخالط طاهر يستغني الماء عنه‪ ،‬إذا غير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه) تغيرا‬
‫كثيرا يمنع إطلق اسم الماء عليه‪ ،‬ولم يكن المغير ترابا ول ملحا مائيا ولو طرحا قصدا‪ .‬وذلك مثل‬
‫الزعفران وماء الشجر والمني والملح الجبلي والتمر والدقيق والطحلب المطروح في الماء‪ ،‬والمنقوع‬
‫في الماء من كتان أو عرق سوس‪ ،‬والقطران لغير دباغ‪ ،‬والماء المخلوط بنحو سدر أو صابون‪ ،‬فل‬
‫يصح الوضوء به كماء اللحم وماء الباقل‪.‬‬
‫وسواء أكان التغير حسيا أم تقريريا‪ ،‬فلو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات‪ ،‬كماء الورد المنقطع‬
‫الرائحة‪ ،‬فلم يتغير‪ ،‬فلو قدرنا أن ماء الورد الواقع حل محله مخالف وسط‪ ،‬كلون العصير‪ ،‬وطعم‬
‫الرمان‪ ،‬وريح اللّذَن (‪ ، )2‬ثم غيّره‪ ،‬لم يصر طهورا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،18/1 :‬المهذب‪. 5/1 :‬‬
‫(‪ )2‬اللذن‪ :‬نوع من العلوك يستعمل عطرا وداوء‪.‬‬

‫( ‪)1/233‬‬

‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬يسلب طهورية الماء أنواع منها‪ :‬المستخرج بالعلج‪ ،‬كماء ورد وزهر وبطيخ‪،‬‬
‫إذا غلبت أجزاؤه على الماء؛ والطاهر الذي يغير اسم الماء حتى صار صبغا أو خلً؛ والطاهر الذي‬
‫يغير أحد أوصاف الماء تغيرا كثيرا‪ ،‬بأن طبخ فيه كماء الباقل والحمص‪ ،‬أو لم يطبخ كالزعفران‬
‫والملح المعدني‪ ،‬أو طرحه فيه آدم عاقل قصدا كطحلب أو ورق شجر ونحوه‪ ،‬ففي كل ذلك ل يعد‬
‫ماء مطلقا‪ ،‬فل يتوضأ به‪.‬‬
‫الماء المشتبه فيه‪ :‬إذا اشتبه الطاهر من الماء أو الثياب بالنجس‪ ،‬تحرى الشخص واجتهد ‪ ،‬كالجتهاد‬
‫في القبلة‪ ،‬وصلى بثوب منها‪ ،‬وتوضأ بأحد الماءين بما غلب على ظنه طهارته بعلمة واستعمله؛ لن‬
‫التطهر شرط من شروط الصلة‪ ،‬وحل التناول والستعمال والتوصل إلى ذلك ممكن بالجتهاد‪،‬‬
‫فوجب عند الشتباه إن تعين طريقا‪ .‬وإذا أخبره بتنجسه ثقة أو كان فقيها اعتمده‪.‬‬
‫ثانيها ـ الماء المستعمل القليل‪:‬‬
‫والقليل‪ :‬هو ما نقص عن القُلّتين بأكثر من رطلين‪ .‬والقلتان‪ :‬خمس مئة رطل بغدادي تقريبا (‪)500‬‬
‫وبالمصري (‪446‬و ‪ )7/3‬رطلً (‪ )2‬وبالشامي (‪ )81‬رطلً‪ ،‬والرطل الشامي‪2( :‬و ‪ )2/1‬كغ فيكون‬
‫قدرهما (‪112،195‬كغ) وتساوي (‪ )10‬تنكات (صفايح) وقيل‪ )15( :‬تنكة أو (‪ )270‬لترا‪ ،‬وقدرهما‬
‫بالمساحة في مكان مربع‪ :‬ذراع وربع طولً وعرضا وعمقا بالذراع المتوسط‪ .‬وفي المكان المدور‬
‫كالبئر‪ :‬ذراعان عمقا‪ ،‬وذراع عرضا‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬ذراعان ونصف عمقا‪ ،‬وذراع طولً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 14/1 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.30/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الرطل البغدادي‪128 :‬و ‪ 7/4‬درهم‪ ،‬والرطل المصري‪ 144 :‬درهما‪ ،‬وسعة الدرهم ‪ 3.17‬غم‪.‬‬

‫( ‪)1/234‬‬
‫والمستعمل عند الحنفية (‪ : )1‬هو الماء الذي استعمل لرفع حدث (وضوء أو غسل) أو لقربة (ثواب)‬
‫كالوضوء ـ في مجلس آخر ـ على الوضوء بنية التقرب أو لصلة الجنازة ودخول المسجد ومس‬
‫المصحف وقراءة القرآن‪ .‬ويصير الماء مستعملً بمجرد انفصاله عن الجسد‪ ،‬والمستعمل‪ :‬هو الذي‬
‫اتصل بالعضاء‪ ،‬ل كل الماء‪ .‬وحكمه عندهم أنه طاهر بنفسه غير مطهر لغيره من الحدث ويطهر‬
‫الخبث أي أنه ل يزيل الحدث من وضوء وغسل‪ ،‬ويزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن على‬
‫الراجح المعتمد‪.‬‬
‫والمستعمل عند المالكية (‪ : )2‬هو الماء الذي استعمل في رفع حدث (وضوء أو غسل) أو في إزالة‬

‫خَبَث (عين النجاسة)‪ ،‬سواء أكان الغسل واجبا كغسل الميت‪ ،‬أم غير واجب كالوضوء على الوضوء‬
‫وغسل الجمعة والعيدين‪ ،‬والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء‪ ،‬إذا لم يغيره الستعمال‪.‬‬
‫والمستعمل في رفع الحدث‪ :‬هو ما تقاطر من العضاء (‪ ، )3‬أو اتصل بها‪ ،‬أو انفصل عنها وكان‬
‫المنفصل يسيرا‪ ،‬أو غسلت فيه‪ ،‬فإن اغترف منه وغسلت العضاء خارجه فليس بمستعمل‪ .‬والماء‬
‫المستعمل‪ :‬طاهر مطهر‪ ،‬ول يكره على الرجح استعماله مرة أخرى في إزالة النجاسة‪ ،‬أو في غسل‬
‫إناء ونحوه‪ ،‬لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالت مندوبة مع وجود غيره‪ ،‬إذا كان يسيرا‪.‬‬
‫وعلة الكراهة‪ :‬أن النفوس تعافه‪.‬‬
‫والماء المستعمل عند الشافعية (‪ : )4‬هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 69/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،186 - 182/1 :‬فتح القدير‪58/1،61 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،40-37/1 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،43-41/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،31‬‬
‫بداية المجتهد‪ 26/1:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬احترز بالماء عن التراب‪ ،‬فل يكره التيمم عليه مرة أخرى لعدم تعلقه بالعضاء‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ 20/1:‬ومابعدها‪ ،85 ،‬المهذب‪.5/1،8 :‬‬

‫( ‪)1/235‬‬
‫عن حدث كالغسلة الولى فيه‪ ،‬والصح أن نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة طهور في المذهب‬
‫الجديد‪ .‬والمراد بفرضية الطهارة ولو صورة كوضوء الصبي‪ ،‬إذ لبد لصحة صلته من وضوء‪.‬‬
‫ومن المستعمل‪ :‬ماء قليل اغترف منه بدون نية الغتراف عند إرادة غسل اليدين بأن يقصد نقل الماء‬
‫من إنائه لغسلهما خارجه‪ ،‬فإن نوى الغتراف بهما فهو طهور‪.‬‬
‫ومن المستعمل‪ :‬ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف‪ ،‬وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم‪ ،‬وماء‬
‫غسل ميت‪ ،‬وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم‪ ،‬ول يصبح مستعملً إل إذا انفصل عن العضو‪.‬‬
‫والمستعمل الطاهر في إزالة النجاسة (وهو الغسالة) يشترط فيه شروط ثلثة‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون الماء واردا على محل النجاسة إن كان قليلً في الصح ل كثيرا‪ ،‬لئل يتنجس الماء‪ ،‬لو‬
‫عكس المر‪ ،‬لن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن ينفصل طاهرا بحيث لم يتغير أحد أوصافه‪ ،‬وقد طهر المحل‪.‬‬
‫‪ - 3‬أل يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الظاهر‪ .‬فإذا تغير الماء‬

‫أو زاد وزنه‪ ،‬أو لم يطهر المحل بأن بقي لون النجس وريحه معا‪ ،‬أو طعمه وحده‪،‬ولم يعسر زواله‪،‬‬
‫صار نجسا؛ لدللة ذلك على بقاء عين النجاسة‪.‬‬
‫وحكم المستعمل‪ :‬أنه طاهر غير طهور في المذهب الجديد‪ ،‬فل يتوضأ أو يغتسل به‪ ،‬ول تزال‬
‫النجاسة به؛ لن السلف الصالح كانوا ل يحترزون عن ذلك‪ ،‬ول عما يتقاطر عليهم منه‪ ،‬وفي‬
‫الصحيحين «أنه صلّى ال عليه وسلم عاد جابرا في مرض موته‪ ،‬فتوضأ وصب عليه من وضوئه»‬
‫وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للستعمال ثانيا‪ ،‬بل انتقلوا إلى التيمم‪ ،‬ولم يجمعوه للشرب‪،‬‬
‫لنه مستقذر‪.‬‬
‫ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء‪ .‬فإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين‪ ،‬فطهور في‬
‫الصح‪.‬‬

‫( ‪)1/236‬‬
‫والمستعمل عند الحنابلة (‪ : )1‬هو المستعمل في رفع حدث أكبر (جنابة) أو أصغر (وضوء)‪ ،‬أو إزالة‬
‫نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة وهي الغسلة السابعة (‪ )2‬كما هو المذهب‪ ،‬ولم يتغير أحد‬
‫أوصاف الماء (لونه أو طعمه أو ريحه)‪.‬‬
‫ومن المستعمل‪ :‬ما غسل به الميت؛ لنه غسل تعبدي‪ ،‬ل عن حدث‪ ،‬ويصبح الماء مستعملً‪ :‬لو نوى‬
‫الجنب أو المتوضئ رفع الحدث في ماء قليل‪ ،‬فإن لم ينو رفع الحدث أو نوى الغتراف أو نوى إزالة‬
‫الغبار أو التبرد أو العبث ظل الماء طهورا‪ .‬ومنه‪ :‬الماء اليسير الذي غمس أو غسل به يد القائم من‬
‫نوم الليل‪ ،‬وكان الشخص مسلما عاقلً بالغا‪ ،‬وكان الغمس قبل غسل اليد ثلثا‪ .‬ومنه الماء الذي يغمس‬
‫فيه المسلم البالغ العاقل (غير الصبي والمجنون والكافر ) يده كلها إلى الكوع‪ ،‬أي الزند‪ .‬فلو غمس‬
‫غير يده كالوجه والرجل لم يكن مستعملً‪.‬‬
‫ول يصير الماء مستعملً إل بعد انفصاله عن محل الستعمال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،37- 31/1:‬المغني‪ 15/1:‬ومابعدها‪.124 ، 22 - 18 ،‬‬
‫(‪ )2‬الغسلة الرابعة هي الطاهرة في الوضوء‪ ،‬والغسلة الثامنة في إزالة النجاسة بعد زوالها‪ :‬هي‬
‫الطاهرة عند الحنابلة؛ لنه يشترط عندهم لزالة النجاسة سبع غسلت‪.‬‬

‫( ‪)1/237‬‬

‫ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم وأصحابه كانوا‬
‫يتوضؤُون من القداح‪ ،‬ويغتسلون من الجفان‪ ،‬واغتسل النبي وعائشة من إناء واحد‪ ،‬تختلف‬
‫أيديهما فيه‪ ،‬كل واحد منهما يقول لصاحبه‪ :‬أبق لي‪ ،‬ومثل هذا ل يسلم من رشاش يقع في الماء‪ .‬فإن‬
‫كثر الواقع وتفاحش لم تجز الطهارة به على الرواية الراجحة‪ ،‬وهو مذهب الشافعية أيضا كما بينت‪،‬‬
‫والمستعمل في طهارة مستحبة كتجديد الوضوء‪ ،‬والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء‪ ،‬وغسل الجمعة‬
‫والعيدين وغيرهما فيه روايتان‪ :‬إحداهما ‪ :‬أنه كالمستعمل في رفع الحدث؛ لنه طهارة مشروعة‪.‬‬
‫والثانية وهي الراجحة‪ :‬أنه طهور فل يمنع الطهارة؛ لنه لم يزل مانعا من الصلة‪ ،‬فأشبه ما لو تبرد‬
‫به‪ ،‬ول خلف بين العلماء أن ما استعمل في التبرد والتنظيف طاهر طهور غير مكروه‪.‬‬
‫ول يصير الماء اليسير مستعملً إذا اغترف منه المتوضئ عند غسل يديه؛ لن المغترف لم يقصد‬
‫بغمس يده إل الغتراف دون غسلها‪ ،‬ولن النبي عليه السلم فيما رواه سعيد عن عثمان اغترف من‬
‫إناء‪« :‬ثم غرف بيده اليمنى‪ ،‬فصب على ذراعه اليمنى‪ ،‬فغسلها إلى المرفقين ثلثا» ‪.‬‬
‫وحكم المستعمل‪ :‬أنه ل يرفع الحدث ول يزيل الخبث‪ ،‬كالشافعية‪.‬‬
‫وإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين‪ ،‬ففيه وجهان‪ :‬وجه‪ :‬أنه على الصل كما كان‪ ،‬ووجه‪ :‬أنه طهور‬
‫لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (‪ )1‬وإن اجتمع الماء‬
‫المستعمل مع غير مستعمل فبلغ قلتين‪ ،‬صار الكل طهورا‪.‬‬
‫ثالثها ـ ماء النبات من زهر أو ثمر‪ ،‬كماء الورد‪ ،‬أو الزهر‪ ،‬وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة‪ ،‬طاهر‬
‫غير مطهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي عن عبد ال بن‬
‫عمر‪ .‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح على شرطهما ( نيل الوطار‪.)30/1:‬‬

‫( ‪)1/238‬‬
‫النوع الثالث ـ الماء النجس ‪:‬‬
‫وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها مثل قليل الرواث‪ ،‬وكان الماء راكدا ( غير جارٍ ) قليلً‪.‬‬
‫والقليل بالمساحة عند الحنفية (‪ : )1‬ما دون عشر في عشر بذراع العامة‪ .‬فينجس وإن لم يظهر أثر‬
‫النجاسة فيه‪.‬‬
‫وأما إذا كان عشرا في عشر بحوض مربع‪ ،‬أو ستة وثلثين في مدور‪ ،‬وكان عمقه بحال ل تنكشف‬

‫أرضه بالغَرف منه‪ ،‬على الصحيح‪ ،‬فل ينجس إل بظهور وصف النجاسة فيه‪.‬‬
‫وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه‪ ،‬والثر‪ :‬طعم النجاسة أو لونها أو ريحها‪.‬‬
‫وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين‪:‬‬
‫الول ـ ما كان طهورا قليلً‪ ،‬ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه‪.‬‬
‫الثاني ـ ما كان طهورا وقعت فيه نجاسة غيّرت أحد أوصافه الثلثة‪ .‬واتفق العلماء على نجاسة‬
‫النوع الثاني الذي تغيرت فيه أحد أوصاف الماء (طعمه أو لونه أو ريحه) كما أن الشافعية والحنابلة‬
‫وافقوا الحنفية في نجاسة النوع الول إل ما يعفى عنه عند الشافعية كميتة ما ل دم له سائل مثل‬
‫الذباب والنحل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح‪.‬‬
‫وقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية النوع الول وهو الماء القليل الذي‬
‫وقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه‪ ،‬لكنه مكروه‪ ،‬مراعاة للخلف (‪. )2‬‬
‫والمتنجس عند أكثر الفقهاء ل ينتفع به ول يستعمل في طهار ة ول في غيرها إل في نحو سقي بهيمة‬
‫أو زرع‪ ،‬أو في حالة الضرورة كعطش‪.‬‬
‫قلة الماء وكثرته‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حد القلة والكثرة‪ :‬فالكثرة عند أبي حنيفة‪ :‬هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا‬
‫حركه آدمي من أحد طرفيه‪ ،‬لم تسْرِ الحركة إلى الطرف الثاني منه (‪ . )3‬والقلة‪ :‬ما كان دون عشر‬
‫في عشر من أذرعة العامة؛ كما تقدم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.4‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ 37/1:‬ومابعدها‪ ،34،‬الشرح الصغير‪ 31/1،36:‬ومابعدها‪ ،‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،30‬بداية المجتهد‪ ،23/1:‬المهذب‪ ،8-5/1 :‬مغني المحتاج‪ 21/1:‬ومابعدها‪ .‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،27-22/1‬غاية المنتهي‪ 9/1:‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 39، 37/1 :‬ـ ‪ 42،44‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪.55/1:‬‬

‫( ‪)1/239‬‬
‫ول حد لكثرة في مذهب المالكية فلم يحدوا لها حدا مقدرا‪ ،‬والماء اليسير المكروه‪ :‬هو ما كان قدر‬
‫آنية الوضوء أو الغسل‪ ،‬فما دونها‪ .‬فإذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة‪ ،‬ولم تغيره‪ ،‬فإنه يكره استعماله‬
‫في رفع حدث أو إزالة خبث‪ ،‬أو متوقف على طهارة كالطهارة المسنونة والمستحبة‪ ،‬ول كراهة في‬

‫استعماله في العادات‪.‬‬
‫والحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير‪ :‬هو القلتان (‪ ، )1‬من قُلل هجَر‪ :‬وهو خمس‬
‫قِرَب‪ ،‬في كل قربة مئة رطل عراقي‪ ،‬فتكون القلتان خمس مئة رطل بالعراقي‪.‬‬
‫فإذا بلغ الماء قلتين‪ ،‬فوقعت فيه نجاسة‪ ،‬جامدة أو مائعة‪ ،‬ولم تغير طعمه أو لونه‪ ،‬أو ريحه‪ ،‬فهو‬
‫طاهر مطهر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا بلغ الماء قلتين‪ ،‬لم يحمل الخبَث» قال الحاكم‪ :‬على‬
‫شرط الشيخين (أي البخاري ومسلم)‪ ،‬وفي رواية لبي داود وغيره بإسناد صحيح‪« :‬فإنه ل ينْجُس»‬
‫وهو المراد بقوله‪« :‬لم يحمل الخبث» أي يدفع النجس ول يقبله‪.‬‬
‫فإن وقعت النجاسة في مائع كثير غير مائع‪ ،‬ولو بمقدار قلتين فإنه ينجس بمجرد ملقاة النجاسة‪ ،‬لن‬
‫الماء يشق حفظه عن النجس‪ ،‬بخلف غيره وإن كثر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القلة‪ :‬هي الجرة‪ ،‬سميت قلة لنها تقل باليدي أو تحمل‪.‬‬

‫( ‪)1/240‬‬
‫وإن تغير أحد أوصاف الماء الكثير (القلتين)‪ ،‬ولو تغيرا يسيرا‪ ،‬فنجس بالجماع المخصص لحديث‬
‫القلتين ولحديث الترمذي وابن حبان‪« :‬الماء ل ينجسه شيء» (‪ ، )1‬قال ابن المنذر‪ :‬أجمع أهل العلم‬
‫على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة‪ ،‬فغيرت للماء طعما أو لونا أو رائحة‪ ،‬أنه نجس‪ ،‬ما‬
‫دام كذلك‪ .‬وقد روى أبو إمامة الباهلي أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬الماء طهور ل ينجسه‬
‫شيء‪ ،‬إل ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه‪ ،‬لكنه حديث ضعيف (‪. )2‬‬
‫وأرجح رأي الشافعية والحنابلة في الخذ بحديث القلتين الثابت الصحيح‪ ،‬وإن أعله الحنفية‬
‫بالضطراب وتعارض الروايات‪ ،‬إذ في رواية‪« :‬إذا بلغ ثلث قلل» وفي رواية «قلة» كما أعلوه‬
‫بجهالة قدر القلة‪ ،‬وقد أجاب الشافعية عن هذا كله (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر نصب الراية‪ ،95/1:‬قال ابن حبان‪ :‬وهذا مخصوص بحديث القلتين‪ ،‬وكلهما (هذا‬
‫والحديث التي) مخصوص بالجماع أن الماء المتغير بنجاسة ينجس‪ ،‬قليلً كان الماء أو كثيرا‪.‬‬
‫(‪ )2‬نصب الراية‪94/1:‬‬
‫(‪ )3‬سبل السلم‪19/1:‬‬

‫( ‪)1/241‬‬

‫المبحث الخامس ـ حكم السآر والبار‪:‬‬
‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ حكم السآر‪:‬‬
‫السآر‪ :‬جمع سؤر‪ ،‬والسؤر‪ :‬البقية والفضلة‪ ،‬واصطلحا‪ :‬هو بقية الماء في الناء أو في الحوض بعد‬
‫شرب الشارب منه‪ .‬ثم استعير لبقية الطعام‪.‬‬
‫واتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة النعام‪ ،‬واختلفوا فيما عداها اختلفا كثيرا‪.‬‬
‫فحكم السؤر بسبب مخالطة لعاب الشارب له عند الحنفية (‪ : )1‬يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم‬
‫الشارب‪ ،‬فسؤر الدمي وما يؤكل لحمه من الحيوان طاهر‪ ،‬وسور الكلب نجس‪ ،‬وقد يكون السؤر‬
‫مكروها‪ ،‬أو مشكوكا فيه‪ ،‬فتكون السآر عند الحنفية أربعة أنواع‪ :‬طاهر‪ ،‬ومكروه‪ ،‬ومشكوك فيه‪،‬‬
‫ونجس كما يتبين مما يأتي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬سؤر طاهر مطهر بل كراهة‪ :‬وهو الذي شرب منه الدمي‪ ،‬أو حيوان مأكول اللحم كالبل‬
‫والبقر والغنم‪ ،‬والفرس في الصح‪ ،‬ونحوها‪ ،‬ما لم تكن جللة (تأكل الجلة) ول في حال اجترارها إن‬
‫كانت من الحيوانات المجترة؛ لن الماء المختلط به اللعاب أثناء الشرب قد تولد من لحم طاهر‪ ،‬فيكون‬
‫طاهرا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ 205/1:‬ومابعدها‪ ،297،‬فتح القدير‪ 74/1:‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪:‬‬
‫‪31/1‬‬

‫( ‪)1/242‬‬
‫ول فرق بين أن يكون الدمي صغيرا أو كبيرا‪ ،‬مسلما أو كافرا‪ ،‬جنبا ً أو حائضا‪ ،‬إل أن يشرب‬
‫الكافر خمرا فينجس فمه‪ ،‬إذا شرب عقب الخمر فورا من إناء‪ ،‬أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه‪،‬‬
‫ثم شرب ل ينجس (‪. )1‬‬
‫ودليل طهارة سؤر الدمي مطلقا‪ :‬ما رواه أبو هريرة قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬لقيتني وأنا جنب‪ ،‬فكرهت‬
‫أن أجالسك‪ ،‬فقال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬سبحان ال‪ ،‬إن المؤمن ل ينجس» (‪ . )2‬وروى مسلم عن‬
‫عائشة قالت‪« :‬كنت أشرب وأنا حائض‪ ،‬فأناوله النبي صلّى ال عليه وسلم ‪،‬فيضع فاه على موضع‬
‫فيّ» ‪ .‬وروى البخاري أنه عليه الصلة والسلم شرب اللبن‪ ،‬وعن يمينه أعرابي‪ ،‬وعن يساره أبو‬
‫بكر‪ ،‬ثم أعطى العرابي‪ ،‬فقال‪ :‬اليمن فاليمن‪.‬‬

‫‪ - ً 2‬سؤر طاهر مكروه تنزيها استعماله مع وجود غيره‪ :‬وهو سؤر الهرة‪ ،‬والدجاجة المخلة (‪، )3‬‬
‫والبل والبقر الجللة (أي التي تأكل النجاسة إذا جهل حالها)‪ ،‬وسباع الطير كالصقر والنسر والشاهين‬
‫والحدأة والغراب‪ ،‬وسواكن البيوت كالحية والفأرة‪ ،‬ما لم تر النجاسة في فمها‪ ،‬لنها تلزم التطواف‬
‫في المنازل‪ ،‬أو للضرورة‪ ،‬وعدم إمكان الحتراز منها‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يصغي‬
‫(يميل) للهرة الناء‪ ،‬فتشرب منه‪ ،‬ثم يتوضأ به (‪. )4‬‬
‫‪ - ً 3‬سؤر مشكوك في طهوريته ل في طهارته‪ :‬وهو سؤر البغل والحمار الهلي‪ ،‬فيتوضأ به أو‬
‫يغتسل‪ ،‬ثم يتيمم بعدئذ أو يقدم أيهما شاء‪ ،‬احتياطا بالنسبة لصلة واحدة‪ .‬وسبب الشك‪ :‬هو تعارض‬
‫الدلة في إباحة لحمه وحرمته‪ ،‬أو اختلف الصحابة رضي ال عنهم في نجاسته وطهارته‪ ،‬أو للتردد‬
‫في توافر الضرورة والبلوى المسقطتين للنجاسة‪ ،‬وذلك بسبب ربط هذا الحيوان في الدور وشربه من‬
‫الواني المستعملة‪ ،‬ومخالطة الناس له بالركوب عليه‪ ،‬فالمذهب عند الحنفية‪ :‬طهارة لعاب البغل‬
‫والحمار قطعا‪ ،‬والشك في الطهورية‪.‬‬
‫أما تعارض الدلة في الباحة والحرمة‪ :‬فقد ورد في شأن حرمة لحمه حديثان‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬حديث أبجر بن غالب‪ ،‬قال‪ « :‬يا رسول ال‪ ،‬أصابتنا سَنَة (جدب وقحط)‪ ،‬ولم يكن في مالي ما‬
‫حمُر الهلية؟ فقال‪ :‬أطعم أهلك من سمين حمرك (‪. » )5‬‬
‫حمُر‪ ،‬وإنك حرمت ال ُ‬
‫أطعم أهلي إل سِمان ُ‬
‫ً‪ - 2‬وحديث أنس أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم جاءه رجل‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أكلت الحمر‪،‬‬
‫فسكت‪ ،‬ثم أتاه الثانية‪ ،‬فقال‪ :‬أكلت الحمر‪ ،‬فسكت‪ ،‬ثم أتاه الثالثة‪ ،‬فقال‪ :‬أفنيت الحمر‪ ،‬فأمر مناديا‬
‫ينادي في الناس‪« :‬إن ال ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الهلية» وفي رواية ‪« :‬فإنها رجس‪،‬‬
‫فأكفئت القدور‪ ،‬وإنها لتفور باللحم» (‪. )6‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ومثل ذلك‪ :‬لو أصاب عضو الكافر نجاسة ثم لحسها بفمه‪ ،‬حتى لم يبق أثرها‪ ،‬أوقاء الصغير على‬
‫ثدي أمه‪ ،‬ثم مصه حتى زال الثر‪ ،‬طهر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم‪ .‬وروي أيضا أن النبي صلّى ال عليه وسلم لقي حذيفة‪ ،‬فمد يده ليصافحه‪ ،‬فقبض يده‪،‬‬
‫وقال‪ :‬إني جنب‪ ،‬فقال عليه السلم‪ « :‬المؤمن لينجس » ‪.‬‬
‫(‪ )3‬هي المرسلة التي تخالط النجاسات‪ .‬أما التي تحبس في بيت وتعلف فل يكره سؤرها‪ ،‬لنها‬
‫لتأكل إل الحب‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الدارقطني من طريقين عن عائشة رضي ال عنها ( نصب الراية‪.) 133/1:‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو داود‬
‫(‪ )6‬رواه البخاري‬

‫( ‪)1/243‬‬
‫وأما اختلف الصحابة في الطهارة والنجاسة‪ :‬فعن ابن عمر نجاسته‪ ،‬وعن ابن عباس طهارته‪.‬‬
‫والحق أن رواية حديث أنس أصح‪ ،‬وأن لحم الحمير محرم بل إشكال وأنه إذا تعارض المحرم‬
‫والمبيح‪ ،‬يقدم المحرم‪ ،‬سواء بالنسبة للحديثين أم للجتهادين عن الصحابة‪ ،‬والصح أن دليل الشك هو‬
‫التردد في الضرورة‪ ،‬فإن الحمار يربط في الدور والفنية‪ ،‬إل أنها دون ضرورة الهرة والفأرة‪،‬‬
‫لدخولهما المضايق‪ ،‬دون الحمار‪ ،‬فوقع الشك في الطهورية‪ ،‬فهو نجس من وجه لنجاسة لعابه‪ ،‬طاهر‬
‫من وجه لوجود نوع من الضرورة‪ ،‬وسرى الشك إلى سؤره‪ ،‬فهذا سبب الشك‪ ،‬ل أن السبب هو‬
‫الشكال في حرمة لحمه‪ ،‬ول اختلف الصحابة في سؤره‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬سؤر نجس نجاسة مغلظة‪ ،‬ل يجوز استعماله بحال إل للضرورة كأكل الميتة‪ :‬وهو ما شرب‬
‫منه كلب أو خنزير أو سباع البهائم كالسد والفهد والذئب والقرد والنمر والضبع‪.‬‬
‫أما الكلب‪ ،‬فلقوله عليه السلم‪« :‬إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» (‪ )1‬فلما تنجس الناء‪،‬‬
‫فالماء أولى‪ ،‬وهذا يفيد النجاسة‪.‬‬
‫وأما الخنزير‪ ،‬فلنه نجس العين‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فإنه رجس} [النعام‪ ،]145/6:‬وأما سباع البهائم‪ ،‬فلن‬
‫لحمها نجس‪ ،‬ولعابها المخالط للماء يتولد من لحمها‪ ،‬فيتنجس الماء‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪: )2‬‬
‫‪ - ً 1‬سؤر ابن آدم‪ :‬إن كان مسلما ل يشرب الخمر‪ ،‬فسؤره طاهر مطهر بإجماع‪ .‬وإن كان كافرا أو‬
‫شارب خمر‪ :‬فإن كان في فمه نجاسة فهو كالماء الذي خالطته النجاسة‪ .‬وإن لم يكن في فمه نجاسة ‪،‬‬
‫فهو طاهر مطهر‪ ،‬وهو رأي الجمهور‪.‬‬
‫لكن يكره عند المالكية سؤر شارب خمر مسلم أو كافر شك في فمه‪ ،‬كما يكره ما أدخل يده فيه‪ ،‬لنه‬
‫كماء حلته نجاسة ولم تغيره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والشيخان ( متفق عليه ) عن أبي هريرة ولحمد ومسلم‪« :‬طهور إناء أحدكم إذا ولغ‬
‫فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولهن بالتراب» ( نيل الوطار‪.) 36/1:‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،31‬بداية المجتهد‪ ،30- 27/1:‬الشرح الصغير‪ ،43/1:‬الشرح الكبير‪:‬‬
‫‪.44-43/1‬‬

‫( ‪)1/244‬‬

‫‪ - ً 2‬سؤر ما يستعمل النجاسة‪ :‬كالهرة والفأرة‪ ،‬فإن رئي في أفواهها نجاسة‪ ،‬كان كالماء الذي‬
‫خالطته النجاسة‪ ،‬فإن تحقق طهارة أفواهها‪ ،‬فطاهر‪ ،‬وإن لم يعلم فيغتفر ما يعسر التحرز عنه‪ ،‬لكنه‬
‫مكروه‪ ،‬وفي تنجيس ما يتحرز منه قولن (‪ ، )1‬أرجحهما‪ :‬القول بالطهارة‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬سؤر الدواب والسباع طاهر‪ ،‬لكنه يكره سؤر حيوان ل يتوقى نجسا كطير‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬سؤر الكلب والخنزير طاهر‪ ،‬وغسل الناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات من ولوغه في الماء‬
‫إنما هو عبادة‪ .‬وفي غسل الناء الذي شرب منه الخنزير سبعا‪ :‬قولن‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪: )2‬‬
‫‪ - ً 1‬سؤر الدمي طاهر‪ ،‬سواء أكان مسلما أم كافرا‪ ،‬وهذا متفق عليه بين العلماء‪ ،‬كما بينا‪ ،‬لقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬المؤمن ل ينجس» ‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬سؤر الحيوان المأكول اللحم طاهر‪ ،‬قال ابن المنذر‪ :‬أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه‬
‫يجوز شربه والتوضؤ به‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬سؤر الهر والفأر وابن عُرْس ونحوها من حشرات الرض كالحيات وسام أبرص‪ :‬طاهر‪،‬‬
‫يجوز شربه والتوضؤ به‪ ،‬ول يكره عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين‪ ،‬إل أبا حنيفة‪ ،‬فإنه‬
‫كره الوضوء بسؤر الهر‪ ،‬كما أوضحنا فإن فعل أجزأ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬طهور‬
‫الناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» وقرة ثقة عند أهل الحديث‪ .‬وروى مالك من حديث‬
‫أبي قتادة أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال عن الهرة‪ « :‬إنها ليست بنجس‪ ،‬إنما هي من‬
‫الطوافين عليكم والطوافات» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪ ،227/1:‬المغني‪46/1:‬ـ ‪ ،51‬مغني المحتاج‪ ،83/1:‬كشاف القناع‪.221/1:‬‬

‫( ‪)1/245‬‬
‫‪ - ً 4‬سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع المأكول لحمه وغير المأكول‪ ،‬طاهر‪،‬‬
‫وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة‪ ،‬لحديث جابر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم سئل‪ :‬أنتوضأ بما‬
‫أفضلت الحمر؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وبما أفضلت السباع كلها» (‪ ، )1‬ولنه حيوان يجوز النتفاع به من غير‬
‫ضرورة‪ ،‬فكان طاهرا كالشاة‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم وصحبه كانوا يركبون البغل والحمار‪،‬‬
‫فلو كان نجسا لبين النبي صلّى ال عليه وسلم ذلك‪ ،‬ولنهما ل يمكن التحرز عنهما لمقتنيهما‪ ،‬فأشبها‬

‫الهر‪ .‬وقول النبي عن الحمر يوم خيبر‪« :‬إنها رجس» أراد أنها محرمة الكل‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬سؤر الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما‪ :‬نجس لقولهصلّى ال عليه وسلم في‬
‫الكلب‪« :‬إذا ولغ الكلب في الناء فاغسلوه سبع مرات أولهن بالتراب» (‪ ، )2‬والخنزير كالكلب‪ ،‬لنه‬
‫أسوأ حالً منه‪ .‬وأما المتولد فحكمه حكم أصله؛ لنه يتبع أخسهما في النجاسة‪.‬‬
‫وهذا المذهب هو الراجح‪ ،‬أما قول المالكية بالغسل تعبدا فل يفهم‪ ،‬لن الصل وجوب الغسل من‬
‫النجاسة‪ ،‬بدليل سائر أنواع الغسل‪ ،‬ولو كان المر بالغسل تعبدا لما أمر النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫بإراقة الماء‪ ،‬ولما اختص الغسل بموضع الولوغ‪ ،‬لعموم اللفظ في الناء كله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشافعي في مسنده‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم‪ ،‬وفي رواية صححها الترمذي‪ « :‬أولهن أو أخراهن بالتراب » وفي رواية أبي داود‪:‬‬
‫«السابعة بالتراب» أي بأن يصاحب السابعة‪.‬‬

‫( ‪)1/246‬‬
‫المطلب الثاني ـ حكم البار‪:‬‬
‫الكلم في البار المتنجسة يشبه الكلم في الماء الذي خالطته نجاسة‪ ،‬ول فرق بين المرين عند‬
‫الجمهور‪ ،‬وفرق الحنفية بينهما في بعض الحوال‪.‬‬
‫فقال المالكية (‪ : )1‬إذا وقعت دابة نجسة في بئر‪ ،‬وغيرت الماء‪ ،‬وجب نزح جميعه‪ .‬فإن لم تغيره‬
‫استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬الماء الراكد والجاري سواء في التفرقة بين القليل والكثير‪ ،‬فما دون‬
‫القلتين وهو القليل ينجس بمجرد ملقاة النجاسة المؤثرة‪ ،‬وإن لم يتغير‪ .‬وأما الكثير وهو القلتان فأكثر‪،‬‬
‫فل ينجس بملقاة نجس جامد أو مائع إن لم يتغير الماء‪ ،‬وإن غيره فنجس‪.‬‬
‫وبناء عليه قال الشافعية‪ :‬إذا أريد تطهير الماء النجس نظر‪ :‬فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من‬
‫قلتين‪ ،‬طهر‪ ،‬بأن يزول التغير بنفسه‪ ،‬أو بأن يضاف إليه ماء آخر‪ ،‬أو بأن يؤخذ بعضه‪ ،‬لن النجاسة‬
‫بالتغير وقد زال‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬المصانع أو البرك التي يجتمع فيها ماء كثير‪ ،‬ل تتنجس بشيء من النجاسات ما لم‬
‫تتغير‪ ،‬أي يتغير لونها أو طعمها أو ريحها‪ ،‬فإن تغيرت بنجاسة كبول آدمي أو عذرته المائعة‪،‬‬
‫نزحت‪ ،‬ولم يقدرا مقدارا معينا للماء المنزوح‪ ،‬ثبت عن علي رضي ال عنه بإسناد صحيح «أنه سئل‬

‫عن صبي بال في بئر‪ ،‬فأمرهم أن ينزفوها» ومثل ذلك عن الحسن البصري‪ .‬وسئل أحمد عن بئر بال‬
‫فيها إنسان‪ ،‬قال‪ :‬تنزح حتى تغلبهم‪ .‬قلت‪ :‬ما حده؟ قال‪ :‬ل يقدرون على نزحها‪ .‬أي فهم في نزح‬
‫جميع ماء البئر كالمالكية‪.‬‬
‫واتفق الحنفية (‪ )3‬مع الجمهور على أن الماء الكثير (وهو عشر في عشر) (‪ )4‬لينجس إل بظهور‬
‫أثر النجاسة فيه‪ ،‬وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير أوصافه‪ .‬وقدروا استحسانا مقادير معينة في‬
‫نزح ماء البئر القليل‪ ،‬على النحو التالي‪:‬‬
‫أولً ـ حالة بقاء الواقع في البئر حيا‪:‬‬
‫إذا سقط آدمي أو حيوان في بئر‪ ،‬وبقي حيا‪:‬‬
‫ل ينجس البئر بوقوع آدمي فيه أو حيوان مأكول اللحم إذا خرج حيا‪ ،‬ولم يكن على بدنه نجاسة‪ .‬فإن‬
‫كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.35‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪ ،184-178/1:‬مغني المحتاج‪ ،24-21/1:‬المغني‪.41-39/1:‬‬
‫(‪ )3‬تبيين الحقائق‪ 28/1:‬ـ ‪ ،30‬الدر المختار ورد المحتار‪ 194/1:‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 68/1:‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ 5‬وما بعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪.33- 30/1:‬‬
‫(‪ )4‬أي أن مساحة الماء الكثير هي بمقدار عشرة أذرع طولً‪ ،‬وعشرة أذرع عرضا‪.‬‬

‫( ‪)1/247‬‬
‫وينجس البئر إذا وقع فيه خنزير‪ ،‬أو وصل إليه لعاب الكلب‪ ،‬أما لعاب سائر أنواع الحيوان غير‬
‫المأكول اللحم كلعاب بغل وحمار وسباع طير ووحش إذا وصل إلى الماء‪ ،‬فيأخذ فيه الماء في‬
‫الصحيح حكم الحيوان طهارة‪ ،‬وكراهة ونجاسة‪ ،‬فينزح بالنجس والمشكوك فيه وجوبا‪ ،‬ويستحب في‬
‫المكروه عدد من الدلء‪ ،‬كما سيأتي‪ .‬والنجس‪ :‬هو سباع الوحش أو البهائم كالسد والذئب‪ ،‬والمكروه‪:‬‬
‫هو سباع الطير كالنسر والصقر‪ ،‬والمشكوك فيه‪ :‬هو البغل والحمار‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬إذا وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما في مائع أو ماء يسير‪ ،‬ثم خرجت حية‪ ،‬فهو‬
‫طاهر‪.‬‬
‫ثانيا ـ حالة موت النسان أو الحيوان في البئر‪:‬‬
‫أ ـ إذا مات النسان في البئر ينجس الماء عند الحنفية‪ ،‬لن ابن عباس وابن الزبير أفتيا بمحضر من‬

‫الصحابة بنزح ماء زمزم بموت زنجي فيه (‪. )2‬‬
‫وهذا مخالف لرأي غير الحنفية (‪ )3‬الذين يقولون بطهارة ماء البئر بموت الدمي‪ ،‬ولو كان كافرا‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬المؤمن لينجس» (‪. )4‬‬
‫ب ـ إذا كان الحيوان بريا غير مائي كشاة وكلب ودجاجة وهرة وفأرة ومات في البئر‪ ،‬فإنه ينجس‪.‬‬
‫جـ ـ ول ينجس البئر بموت حيوان ل دم له سائل كذباب وصرصور وخنفساء وزُنبور وبق‬
‫وعقرب‪ ،‬أو بموت حيوان مائي كسمك وضفدع وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره‪ ،‬لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه‪ ،‬ثم لينزعه‪ ،‬فإن أحد جناحيه داء‪ ،‬وفي‬
‫الخر شفاء» رواه البخاري‪ ،‬وزاد أبو داود‪« :‬وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء» (‪ )5‬ولقوله عليه‬
‫السلم‪« :‬يا سلمان‪ ،‬كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم‪ ،‬فماتت فيه‪ ،‬فهو حلل أكله‪،‬‬
‫وشربه‪ ،‬ووضوؤه» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪. 52/1:‬‬
‫(‪ )2‬راجع نصب الراية‪. 129/1:‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪. 46/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل البخاري والترمذي عن حذيفة بن اليمان بلفظ « إن المسلم لينجس » ‪ ،‬وقال‬
‫ابن عباس‪ « :‬المسلم لينجس حيا ول ميتا» ( نيل الوطار‪.)20/1،56:‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه ( نيل الوطار‪.)20/1،56:‬‬

‫( ‪)1/248‬‬
‫ثالثا ـ حالة وقوع النجاسة في الماء‪:‬‬
‫أ ـ تنجس البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها‪ ،‬وإن قلت‪ ،‬كقطرة دم وقطرة خمر‪ ،‬وبول وغائط‪،‬‬
‫وينزح ماء جميع البئر‪ ،‬بعد إخراج عين النجاسة‪ ،‬وتطهر البئر والدلو والرشاء (الحل) والبكرة‪ ،‬ويد‬
‫المستقي‪.‬‬
‫ب ـ ول تنجس البئر بالبعر (للبل والغنم) والروث (للفرس والبغل والحمار) والخنثِي (للبقر) إل أن‬
‫يستكثره الناظر أو أل يخلو دلو عن بعرة ونحوها‪ .‬وأما القليل فهو ما يستقله الناظر‪.‬‬
‫وذلك بدليل ما روى ابن مسعود رضي ال عنه قال‪ « :‬أتيت النبي صلّى ال عليه وسلم بحجرين‬
‫وروثة‪ ،‬فأخذ الحجر‪ ،‬وألقى الروثة‪ ،‬وقال‪ :‬إنها ركس» (‪. )1‬‬

‫ول تنجس البئر بخُرْء حمام وعصفور ونحوها مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والوز والبط‪،‬‬
‫استحسانا؛ لن ابن مسعود رضي ال عنه مسح خرء الحمامة عنه بإصبعه‪.‬‬
‫والصح أنه ل ينجس البئر بخرء الطيور غير المأكولة اللحم‪ ،‬مثل سباع الطير‪ ،‬لتعذر صونها‪ ،‬أي‬
‫البئر عنه أي عن الخرء‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬روث جميع البهائم والطيور نجس‪ ،‬لنه ركس‪ ،‬والركس‪ :‬النجس‪.‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة (‪ : )2‬روث وبول الحيوان المأكول طاهر‪ ،‬وروث وبول محرم الكل نجس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن مسعود ( نيل الوطار‪ ) 98/1:‬والركس‪:‬‬
‫النجس‪.‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.33‬‬

‫( ‪)1/249‬‬
‫مقدار الماء الواجب نزحه‪:‬‬
‫‪ - 1‬يجب نزح ماء البئر كله أو مئتا دلو لو لم يمكن نزح البئر‪ ،‬إذا مات آدمي فيه‪ ،‬أو حيوان كبير‬
‫مثل البغل والحمار والكلب أو الشاة ونحوها‪ ،‬أو إن انتفخ الحيوان في البئر أو تفسخ‪ ،‬سواء أكان‬
‫صغيرا أم كبيرا‪ ،‬أو كانت الفأرة هاربة من الهرة أو مجروحة‪ ،‬وإن خرجت حية‪ ،‬أو كانت الهرة‬
‫هاربة من الكلب أو مجروحة‪ ،‬لن الفأرة والهرة تبول في هذه الحالة‪ ،‬والبول والدم نجاسة مائعة‪.‬‬
‫‪ - 2‬وينزح ما بين أربعين دلوا إلى ستين دلوا إذا كان الحيوان ذا حجم متوسط‪ ،‬مثل الحمامة‬
‫والدجاجة والسنور (الهر)‪ .‬والظهر ما ذكر في الجامع الصغير‪ :‬وهو أربعون أو خمسون دلوا‪ ،‬وفي‬
‫الثنين من هذه الحيوانات ينزح الماء كله‪ .‬والربعون واجب والخمسون مستحب‪.‬‬
‫‪ - 3‬وينزح من البئر عشرون دلوا أو ثلثون بحسب كُبْر الدلو وصُغْرها (‪ ، )1‬إذا مات فيها حيوان‬
‫صغير كالعصفور والفأر وسام أبرص ونحوها‪ .‬ونزح العشرين واجب‪ ،‬والثلثين مستحب أي أنه إذا‬
‫كان الواقع كبيرا والبئر كبيرة فالعشرة مستحبة‪ ،‬وإن كانا صغيرين فالستحباب دون ذلك‪ ،‬وإن كان‬
‫أحدهما صغيرا والخر كبيرا‪ ،‬فخمس مستحبة‪ ،‬وخمس دونها في الستحباب‪.‬‬
‫هذا وقد روي عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها‪ :‬ينزح منها‬
‫عشرون دلوا‪ .‬وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر‪ :‬ينزح منها‬
‫أربعون دلوا (‪. )2‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا ماجاء في الهداية‪ ،‬والمذكور في الكتاب للقدوري‪ :‬بحسب كبر الحيوان وصغره‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع الثرين في نصب الراية‪.128/1:‬‬

‫( ‪)1/250‬‬
‫حجم الدلو‪ :‬المعتبر في حجم الدلو‪ :‬دلو تلك البئر‪ ،‬فإن لم يكن فالمعتبر دلو‪ :‬يسع صاعا‪ ،‬أي حوالي(‬
‫‪2‬و ‪)2/1‬كغ أو(‪ )75،2‬ليترا‪ ،‬وغير هذا الدلو المذكور‪ ،‬بأن كان أصغر أو أكبر يحتسب به‪ ،‬فلو نزح‬
‫القدر الواجب بدلو واحد كبير‪ ،‬أجزأ‪ ،‬في ظاهر المذهب الحنفي‪ ،‬لحصول المقصود‪.‬‬
‫ويكفي ملء أكثر الدلو‪ ،‬كما يكفي نزح الموجود في البئر ولو كان دون القدر الواجب‪.‬‬
‫ويمكن تطهيرها بتغويرها أي بفتح مصرف أو حفر منفذ يخرج منه بعض الماء‪ .‬وإذا وجد في الماء‬
‫حيوان ميت‪ ،‬فيحكم بموته من يوم وليلة إذا لم يكن منتفخا‪ ،‬ومن ثلثة أيام بلياليها إذا كان منتفخا‪،‬‬
‫فيلزم إعادة صلوات تلك المدة إن توضؤوا منها عن حدث‪ ،‬وغسلوا الثياب وكل شيء أصابه ماؤها‪.‬‬
‫المبحث السادس ـ أنواع العيان الطاهرة‪:‬‬
‫جميع ما في الكون إما جماد‪ ،‬أو حيوان‪ ،‬أو فضلت‪ .‬والصل في الشياء الطهارة‪ ،‬ما لم تثبت‬
‫نجاستها بدليل شرعي‪ .‬والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة العيان‪ ،‬فاتفقوا على أن الجماد (وهو كل‬
‫جسم لم تحله الحياة ولم ينفصل عن حي) (‪ )1‬كله طاهر إل المسكر‪ ،‬فجميع أجزاء الرض الجامدة‬
‫والمائعة وما تولد منها طاهرة‪ ،‬ومن الجامد‪ :‬المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها‪ ،‬وجميع أنواع‬
‫النبات ولو كان ساما أو مخدرا ً كالحشيش والفيون والبنج‪ ،‬ومن المائع‪ :‬المياه والزيوت وعسل‬
‫القصب وماء الزهار والطيب والخل‪ .‬واتفقوا أن كل جاف طاهر‪ ،‬وأن نافجة (وعاء) المسك طاهر‬
‫كالمسك‪ ،‬وأن الزبَاد والعنبر (‪ )2‬طاهر‪ ،‬وأن شعر الحيوان المأكول طاهر‪ ،‬وأن الخمر المتخللة‬
‫بنفسها طاهرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أما المنفصل عن الحي كالبيض والسمن وعسل النحل فليس من الجماد‪ ،‬لنفصاله عنه‪ ،‬وهو‬
‫طاهر‪.‬‬
‫(‪ )2‬الزباد‪ :‬مادة عطرة تتخذ من دابة كالسنور هي أكبر منه قليلً‪ .‬والعنبر‪ :‬يقال‪ :‬إنه روث دابة‬
‫بحرية‪.‬‬

‫( ‪)1/251‬‬

‫كما اتفقوا على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية‪ ،‬وعلى طهارة ميتة السمك والجراد‪ ،‬وعلى طهارة‬
‫ميتة الدمي ولو كافرا إل الحنفية‪ ،‬فقالوا بنجاستها؛ لقوله تعالى‪{ :‬ولقد كرمنا بني آدم} [السراء‪:‬‬
‫‪ ،]70/17‬وتكريمهم يقتضي طهارتهم ولو أمواتا‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن المسلم ـ أي‬
‫يحكم الغالب ـ ل ينجس» ‪ .‬أما قوله‪{ :‬إنما المشركون نجس} [التوبة‪ ،]28/9:‬فيراد به نجاسة‬
‫العتقاد‪ ،‬أو أن اجتنابهم كالنجس‪ ،‬ل نجاسة البدان‪.‬‬
‫واختلفوا في أشياء‪ ،‬فقال الحنفية (‪ : )1‬كل شيء من أجزاء الحيوان غير الخنزير ل يسري فيه الدم‬
‫من الحي والميت المأكول وغير المأكول حتى الكلب‪ :‬طاهر‪ ،‬كالشعر‪ ،‬والريش المجزوز‪ ،‬والنفحة‬
‫الصلبة (‪ ، )2‬والمنقار والظلف‪ ،‬والعصب على المشهور‪ ،‬والقرن والحافر‪ ،‬والعظم ما لم يكن به دسم‬
‫(وَدَك)؛ لنه نجس من الميتة‪ ،‬فإذا زال عن العظم زال عنه النجس‪ ،‬والعظم في ذاته طاهر‪ ،‬لما أخرج‬
‫الدار قطني‪ « :‬إنما حرم رسول ال صلّى ال عليه وسلم من الميتة لحمها‪ ،‬فأما الجلد والشعر‬
‫والصوف‪ ،‬فل بأس به» ‪ .‬ويدخل فيه شعر النسان غير المنتوف‪ ،‬وعظمه وسنه مطلقا على المذهب‪،‬‬
‫أما الشعر المنتوف فنجس‪ ،‬لن كل ما أبين من الحي فهو كميتته‪.‬‬
‫وأما دمع الحي وعرقه ولعابه ومخاطه فكالسؤر طهارة ونجاسة‪ ،‬والمذهب طهارة لعاب بغل وحمار‪،‬‬
‫وكراهة لعاب سباع الطير وسواكن البيوت كالفأرة والعقرب والهرة ونحوها‪ ،‬ونجاسة لعاب وسؤر‬
‫الخنزير والكلب وسائر سباع الوحش‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،26،28‬الدر المختار‪ ،193،295،323-154/1،188 :‬البدائع‪.65-61/1:‬‬
‫(‪ )2‬النفحة شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر‪ ،‬يعصر في صوفة ويغلظ به الجبن‪.‬‬
‫والنفحة الصلبة متفق على طهارتها‪ ،‬أما النفحة المائعة واللبن في ضرع الميتة فطاهران عند أبي‬
‫حنيفة‪ ،‬نجسان عند الصاحبين‪ ،‬والظهر قولهما كما أوضح ابن عابدين‪.‬‬

‫( ‪)1/252‬‬
‫ولعاب الدمي كسؤره طاهر‪ ،‬إل في حال شرب الخمر لنجاسة فمه‪ ،‬ويطهر فمه بالغسل أو شرب‬
‫الماء من ساعته‪ ،‬أو بابتلع بزاقه ثلث مرات‪.‬‬
‫ورطوبة الفرج طاهرة عند المام خلفا لصاحبيه‪ :‬وهي رطوبة الولد عند الولدة ‪ ،‬ورطوبة الخلة(‬
‫الخل ) إذا خرجت من أمها‪ ،‬وكذا البيضة‪ ،‬فل يتنجس بها الثوب ول الماء‪ ،‬لكن يكره التوضؤ به‪.‬‬
‫وميتة الحيوان البري الذي ليس له دم سائل كالذباب والسوس والنمل والعقرب والزنبور والبرغوث‪:‬‬

‫طاهرة‪.‬‬
‫وخرء الطيور المأكولة اللحم التي تذرق في الهواء كالحمام والعصفور وال َعقْعق (القاق) ونحوها‪:‬‬
‫طاهر‪ ،‬لن الناس اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام والمساجد الجامعة‪ ،‬مع علمهم أنها تذرق‬
‫فيها‪ ،‬ولو كان نجسا لما فعلوا ذلك‪ ،‬مع المر بتطهير المسجد في قوله تعالى‪{ :‬أن طهرا بيتي‬
‫للطائفين} [البقرة‪ ،]125/2:‬وروي عن ابن عمر‪« :‬أن حمامة ذرقت عليه‪ ،‬فمسحه وصلى» وعن ابن‬
‫مسعود مثل ذلك في العصفور‪.‬‬
‫وكذلك خرء ما ل يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة ونحوها‪ ،‬طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف‪،‬‬
‫للضرورة المتحققة‪ ،‬لنها تذرق في الهواء‪ ،‬فيتعذر صيانة الثياب والواني عنها‪.‬‬
‫ودم السمك طاهر عند أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬لجماع المة على إباحة تناوله مع دمه‪ ،‬ولو كان نجسا لما‬
‫أبيح‪ ،‬ولنه ليس بدم حقيقة‪ ،‬بل هو ماء تلون بلون الدم؛ لن الدموي ل يعيش في الماء‪ .‬والدم الذي‬
‫يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر؛ لنه ليس بمسفوح‪ ،‬ولهذا حل تناوله مع اللحم‪ .‬ولو لف‬
‫ثوب جاف طاهر في ثوب نجس رطب لينعصر الرطب لو عصر‪ ،‬ل ينجس‪ ،‬كما ل ينجس ثوب‬
‫رطب نشر على أرض نجسة يابسة‪ ،‬فتندت الرض منه ولم يظهر أثرها فيه‪ .‬ول ينجس الثوب بريح‬
‫هبت على نجاسة‪ ،‬فأصابت الريح الثوب‪ ،‬إل أن يظهر أثر النجاسة فيه‪.‬‬

‫( ‪)1/253‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬كل حي ولو كلبا وخنزيرا طاهر ولو أكل نجسا‪ ،‬وكذا عَرَقه ودمعه‪ ،‬ومُخَاطه‪،‬‬
‫ولعابه الخارج من غير المعدة (‪ ، )2‬وبيضه‪ ،‬إل البيض ال َمذِر وما خرجه بعد موته‪ ،‬والبيض المذر‪:‬‬
‫وهو ما تغير بعفونة أو زرقة‪ ،‬أو صار دما‪ :‬نجس‪ ،‬بخلف الممروق‪ :‬وهو ما اختلط بياضه بصفاره‬
‫من غير نتونة‪ .‬وما خرج من الحيوان من بيض أو مخاط أو دمع أو لعاب بعد موته بل ذكاة شرعية‪،‬‬
‫يكون نجسا‪ ،‬إذا كانت ميتة الحيوان نجسة‪.‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬بَلْغم‪ :‬وهو ما يخرج من الصدر منعقدا كالمخاط‪ ،‬وكذا ما يسقط من الدماغ من آدمي أو‬
‫غيره‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬الصفراء ‪ :‬وهي ماء أصفرملتحم‪ ،‬يخرج من المعدة يشبه الصبغ الزعفراني‪ ،‬لن المعدة عندهم‬
‫طاهرة‪ ،‬ما لم يستحل إلى فساد كالقيء المتغير‪.‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬ميتة الدمي‪ ،‬ولو كان كافرا على الصحيح‪ ،‬وميتة ما ل دم له من جميع هوام الرض‪،‬‬
‫كعقرب وجندب وخنفس‪ ،‬وجراد ‪ ،‬وبرغوث‪ ،‬بخلف ميتة القمل‪ ،‬والوزغ (غراب الزرع) والسحالي‬

‫من كل ماله لحم ودم‪ ،‬تكون نجسة‪ ،‬ولكن ل يؤكل الجراد إل بما يموت به من ذكاة ونحوها‪ .‬أما دود‬
‫الفاكهة والمِش (الجبن المعتق في اللبن والملح)‪ ،‬فيؤكل قطعا ولو بدون ذكاة‪ .‬ويعفى عن القملتين‬
‫والثلث للمشقة‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬ميتة الحيوان البحري من السمك وغيره‪ ،‬ولو طالت حياته بالبر كتمساح وضفدع وسلحفاة‬
‫بحرية‪ ،‬ولو على صورة الخنزير والدمي‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬جميع ما ُذكّي بذبح أو نحر أو عقر من غير مُحّرم الكل‪ .‬أما محرم الكل كالخيل والبغال‬
‫والحمير‪ ،‬فإن الذكاة ل تطهره على مشهور المذهب (‪ )3‬كما قرر الدردير والصاوي‪ ،‬وكذا الكلب‬
‫والخنزير ل تطهره الذكاة‪ ،‬فتكون ميتة ما ذكر نجسة‪ ،‬ولو ذكي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ 48/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ 43/1:‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪.74/1:‬‬
‫(‪ )2‬أما الخارج من المعدة فنجس‪ .‬وعلمته أن يكون أصفر منتا‪.‬‬
‫(‪ )3‬أما مكروه الكل كسبع وهر‪ :‬فإن ذكي لكل لحمه طهر جلده تبعا له‪ ،‬وإن ذكي بقصد أخذ جلده‬
‫فقد طهر وليؤكل لحمه لنه ميتة بناء على تبعيض الذكاة وهو الراجح ( الشرح الكبير‪.)49/1 :‬‬

‫( ‪)1/254‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬الشعر والوبر والصوف ولو من خنزير‪ ،‬وكذا زغب الريش‪ :‬وهو ما اكتنف القصبة من‬
‫الجانبين‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬الجماد إل المسكر‪ ،‬كما بينت في العيان المتفق على طهارتها‪ ،‬أما المسكر فنجس سواء أكان‬
‫خمرا أم من نقيع الزبيب أو التمر ونحوه‪ .‬وأما المخدر كالحشيشة والفيون والسيكران‪ ،‬فطاهر لنه‬
‫من الجماد‪ ،‬ويحرم تعاطيه لتغييبه العقل‪ ،‬وليحرم التداوي به في ظاهر الجسد‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬لبن الدمي ولو كافرا‪ ،‬ولبن غير محرم الكل‪ ،‬ولو مكروها كالهر والسبع‪ ،‬أما لبن محرم‬
‫الكل كالخيل والبغال والحمير فهو نجس‪ .‬ومنه‪ :‬فضلة الحيوان المباح الكل‪ ،‬من روث وبعر وبول‬
‫وزبل دجاج وحمام وجميع الطيور‪ ،‬مالم يستعمل النجاسة؛ فإن استعملها أكلً أو شربا‪ ،‬ففضلته نجسة‪.‬‬
‫والفأرة من المباح أكله‪ ،‬ففضلتها طاهرة‪ ،‬إن لم تصل للنجاسة‪ ،‬ولو شكا؛ لن شأنها استعمال النجاسة‬
‫كالدجاج‪ .‬بخلف الحمام‪ ،‬فل يحكم بنجاسة فضلته‪ ،‬إل إذا تحقق أو ظن استعمالها للنجاسة‪.‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬مرارة المذكّى غير محرم الكل من مباح أو مكروه‪ .‬والمراد بها‪ :‬الماء الصفر الكائن‬
‫في الجلدة المعلومة للحيوان‪ .‬ومنه‪ :‬القَلَس‪ :‬وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلئها‪ .‬والقيء طاهر‬

‫ما لم يتغير عن حالة الطعام بحموضة أو غيرها‪ ،‬فإن تغير فنجس‪.‬‬
‫حجّر أي صار‬
‫ومنه‪ :‬المسك وفأرته‪ :‬وهي الجلدة المتكون فيها‪ .‬وكذا الخمر إذا خلل بفعل فاعل أو ُ‬
‫كالحجر في اليبس أو تخلل بنفسه أو تحجّر بنفسه‪ ،‬ويطهر معه وعاؤه وما وقع فيه‪ .‬ومنه‪ :‬زرع سقي‬
‫بنجس‪ ،‬لكن يغسل ظاهره المتنجس‪.‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬رماد النجس‪ ،‬كالزبل والروث النجسين‪ ،‬والوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار‪ .‬وكذا دخان‬
‫النجس طاهر على المعتمد‪.‬‬

‫( ‪)1/255‬‬
‫ومنه‪ :‬الدم غير المسفوح‪ ،‬أي الجاري من المذكى‪ :‬وهو الباقي بالعروق‪ ،‬أو في قلب الحيوان‪ ،‬أو ما‬
‫يرشح من اللحم؛ لنه كجزء المذكى‪ ،‬وكل مذكى وجزئه طاهر‪ .‬لكن ما بقي على محل الذبح هو من‬
‫باقي المسفوح‪ :،‬نجس‪ ،‬وكذا ما يوجد في بطن المذبوح من الدم بعد السلخ‪ :‬نجس‪ ،‬لنه جرى من‬
‫محل الذبح إلى البطن‪ ،‬فهو من المسفوح‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬الحيوان كله طاهر إل الكلب والخنزير وفرع كل منهما‪ ،‬والجماد كله طاهر إل‬
‫المسكر‪.‬‬
‫والعلقة (دم غليظ) والمضغة (لحمة صغيرة) ورطوبة الفرج (وهي ماء أبيض متردد بين المذي‬
‫والعرق) من كل حيوان طاهر‪ ،‬ولو غير مأكول‪ ،‬من آدمي أو غيره‪ :‬طاهرة‪ .‬ومن الطاهر‪ :‬لبن‬
‫المأكول‪ ،‬ولو ذكرا صغيرا ميتا‪ ،‬وإنفحته (‪ )2‬إن أُخذت منه بعد ذبحه‪ ،‬ولم يطعم غير لبن ولو نجسا‪.‬‬
‫ومترشح كل حيوان طاهر كعرق ولعاب ومخاط وبلغم‪ ،‬إل المتيقن خروجه من المعدة‪ .‬وماء قروح‬
‫و َنفَط (بثور) لم يتغير‪ ،‬والبيض المأخوذ من حيوان طاهر ولو من ميتة إن كان متصلبا‪ ،‬ولو من غير‬
‫مأكول‪ ،‬ولو استحالت البيضة دما‪ ،‬وبزر القز‪ :‬وهو البيض الذي يخرج منه دود القز‪.‬‬
‫ومنه ميتة الحيوان البحري وإن لم يسمّ سمكا إل التمساح والضفدع والحية فإنها نجسة‪ .‬أما ميتة‬
‫الجراد فهي طاهرة‪ ،‬وأما ميتة غيره من الحيوان البري الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل‬
‫والبرغوث فهي نجسة‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬المسك وفأرته المنفصلة في حياته‪ ،‬أو بعد ذكاته‪ .‬ومنه‪ :‬الزّبَاد (نوع من الطيب يؤخذ من‬
‫حيوان كالسنور) ل ما فيه من شعر السنور البري‪ ،‬والعنبر (هو نبت أو روث بحري وهو الطيب‬
‫المعروف) وإن ابتلعه حوت‪ ،‬ما لم يستحل‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 80/1:‬ومابعدها‪ ،‬شرح الباجوري‪ ،105/1،108:‬شرح الحضرمية‪ :‬ص ‪،22‬‬
‫المهذب‪ ، 11/1:‬المجموع‪.576/2:‬‬
‫(‪ )2‬النفحة‪ :‬لبن في جوف نحو سخلة‪ ،‬وهي طاهرة للحاجة إليها في عمل الجبن‪.‬‬

‫( ‪)1/256‬‬
‫ومن الطاهر إجماعا كما بينت‪ :‬شعر أو صوف أو ريش أو وبر الحيوان المأكول‪ ،‬ولو أخذ نتفا بعد‬
‫التذكية‪ ،‬أو في حال الحياة‪ .‬أما لو أخذ بعد الموت فنجس‪ ،‬كما أن الشعر المجزوز من حيوان غير‬
‫مأكول‪ :‬نجس كميتته‪.‬‬
‫ويعفى عن قليل من دخان النجاسة‪ ،‬وعن اليسير عرفا من شعر نجس من غير كلب أو خنزير‪ ،‬كما‬
‫يعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الحتراز عنه‪ .‬ويعفى‬
‫عن روث سمك في ماء ما لم يغيره لتعذر الحتراز عنه‪ .‬ويعفى عن قليل بخار النجاسة المتصاعد‬
‫بواسطة نار نجس‪ .‬أما البخار الخارج من نجاسة الكنيف‪ ،‬والريح الخارج من الدبر ‪ ،‬فطاهر‪.‬‬
‫والثمر والشجر والزرع النابت من نجاسة‪ ،‬أو سقيت بماء نجس‪ :‬طاهر‪ ،‬لكن يطهر ظاهر الزرع‬
‫النابت على نجاسة بالغسل‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬الطاهر‪ :‬دم عِرْق مأكول بعدما يخرج بالذبح‪ ،‬وما في خلل اللحم؛ لنه ل يمكن‬
‫التحرز منه‪ ،‬ودم السمك وبوله؛ لنه لو كان نجسا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح‪ ،‬ولنه يستحيل‬
‫ماء‪ ،‬ولنه كالكبد‪.‬‬
‫ودم الشهيد‪ ،‬ولو كثر إذا لم ينفصل عنه‪.‬‬
‫ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما ل نفس له سائلة‪.‬‬
‫والكبد والطحال من مأكول‪ .‬لحديث‪« :‬أحلت لنا ميتتان ودمان» ‪.‬‬
‫ودود القز وبزره‪.‬‬
‫والمسك وفأرته (سرة الغزال)‪.‬‬
‫والعنبر (‪ ، )2‬لما ذكر البخاري عن ابن عباس‪« :‬العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به‪ ،‬وهو‬
‫الطيب المعروف‪.‬‬
‫وما يسيل من فم وقت النوم‪ ،‬والبخار الخارج من الجوف‪ ،‬لنه ل تظهر له صفة بالمحل‪ ،‬ول يمكن‬
‫التحرز منه‪.‬‬
‫والبلغم ولو أزرق‪ ،‬وسواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم فيما‬

‫يرويه مسلم أشار بمسحه في الثوب أثناء الصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ 219/1:‬ـ ‪ ،220‬غاية المنتهى‪14/1:‬‬
‫(‪ )2‬العنبر‪ :‬مادة صلبة‪ ،‬لطعم لها ولريح إل إذا سحقت أو أحرقت‪ ،‬يقال‪ :‬إنه روث دابة بحرية‪.‬‬

‫( ‪)1/257‬‬
‫وبول ما يؤكل لحمه‪ ،‬أما العلقة التي يخلق منها الدمي أو يخلق منها حيوان طاهر‪ ،‬فإنها نجسة؛ لنها‬
‫دم خارج من الفرج‪ .‬وكذلك البيضة المذرة (أي الفاسدة) أو البيضة التي صارت دما‪ :‬نجسة‪ ،‬لنها أي‬
‫الخيرة في حكم العلقة‪.‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬الدم والعرق واللعاب والمخاط من حيوان يؤكل‪ ،‬أو من غيره إذا كان مثل الهر أو الفأر‬
‫أو أقل منه‪ ،‬وأل يكون متولدا من النجاسة‪.‬‬
‫ومنه‪ :‬ميتة الحيوان البحري‪ ،‬وإن لم يسم سمكا‪ ،‬إل التمساح والضفدع والحية ‪ ،‬فإنها نجسة‪ ،‬كما قال‬
‫الشافعية‪ .‬كما أن ميتة الحيوان البري ما عدا الجراد الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث‬
‫نجسة‪ ،‬كما قال الشافعية‪.‬‬
‫ومن الطاهر‪ :‬الشعر ونحوه من كل حيوان مأكول اللحم حيا كان أو ميتا‪ ،‬أو من غير مأكول اللحم إذا‬
‫كان قدر الهر فأقل‪ ،‬ولم يتولد من نجاسة‪ ،‬لكن أصول الشعر والريش نجسة مطلقا‪.‬‬

‫( ‪)1/258‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬النّجاسة‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مباحث أربعة‪:‬‬
‫المبحث الول ـ أنواع النجاسة إجمالً وحكم إزالتها ‪:‬‬
‫النجاسة‪ :‬ضد الطهارة‪ ،‬والنّجَس ضد الطاهر‪ ،‬والنجاس جمع َنجِس‪ :‬وهو اسم لعين مستقذرة شرعا‪.‬‬
‫ويطلق على النجس الحكمي والحقيقي‪ .‬ويختص الخبث بالحقيقي‪ ،‬ويختص الحدث بالحكمي‪ .‬والنجس‬
‫بفتح الجيم‪ :‬اسم‪ ،‬وبكسرها صفة‪.‬‬
‫وتنقسم النجاسة إلى قسمين‪ :‬حقيقية‪ ،‬وحكمية‪.‬‬
‫فالنجاسة الحقيقية‪ :‬هي لغة‪ :‬العين المستقذرة كالدم والبول والغائط‪ ،‬وشرعا‪ :‬هي مستقذر يمنع من‬
‫صحة الصلة حيث ل مرخص‪.‬‬

‫والنجاسة الحكمية‪ :‬هي أمر اعتباري يقوم بالعضاء يمنع من صحة الصلة حيث ل مرخص‪ .‬ويشمل‬
‫الحدث الصغر الذي يزول بالوضوء‪ ،‬والحدث الكبر (الجنابة) الذي يزول بالغسل‪.‬‬
‫والنجاسة الحقيقية أنواع‪ :‬إما مغلظة أو مخففة‪ ،‬وإما جامدة أو مائعة‪ ،‬وإما مرئية أو غير مرئية‪ .‬وأما‬
‫حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها‪ :‬عن الثوب والبدن والمكان للمصلي‪:‬‬
‫فواجب عند جمهور الفقهاء غير المالكية‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وثيابك فطهر} [المدثر‪ .]4/74:‬وهناك قولن‬
‫مشهوران في مذهب مالك (‪ : )1‬الوجوب والسنية‪ ،‬وذلك حالة التذكر والقدرة والتمكن‪ ،‬والمعتمد‬
‫المشهور هو السنية‪ ،‬إل أن فروع المذهب بنيت على قول الوجوب‪ ،‬فإن صلى المرء بالنجاسة عامدا‬
‫قادرا على إزالتها‪ ،‬أعاد صلته أبدا‪ ،‬وجوبا‪ ،‬لبطلنها‪ .‬وعلى القول المشهور بأن إزالة النجاسة سنة‬
‫إن ذكر وقدر‪ ،‬تندب العادة‪ ،‬وعلى كل القولين‪ :‬تندب العادة للناسي‪ ،‬وغير العالم بوجود النجاسة‪،‬‬
‫والعاجز عن إزالتها‪.‬‬
‫ويشمل هذا المبحث المطلبين التيين‪:‬‬
‫المطلب الول ـ النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها‪:‬‬
‫أولً ـ النجاسات المتفق عليها في المذاهب‪:‬‬
‫أجمع الفقهاء على نجاسة النواع التالية (‪: )2‬‬
‫‪ - ً 1‬لحم الخنزير‪ :‬وإن كان بذبحه شرعا؛ لنه بالنص القرآني نجس العين‪ ،‬فيكون لحمه وجميع‬
‫أجزائه من شعر وعظم وجلد ولو مدبوغ نجسا‪ .‬والمعتمد عند المالكية‪ :‬أن الخنزير الحي وعرقه‬
‫ودمعه ومخاطه ولعابه طاهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،65/1 :‬الشرح الصغير‪ 64/1 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح العلي المالك‪.111/1:‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ 135/1 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪ 55/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪25‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،34‬بداية المجتهد‪ 73/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪49/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 77/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ 46/1 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪213/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 52/1 :‬ومابعدها‪ .‬الشرح الصغير‪.55 - 49/1 :‬‬

‫( ‪)1/259‬‬
‫‪ - ً 2‬الدم‪ :‬دم الدمي غير الشهيد ودم الحيوان غير المائي‪ ،‬الذي انفصل منه حيا أو ميتا ‪ ،‬إذا كان‬
‫مسفوحا (جاريا) كثيرا‪ .‬فيخرج دم الشهيد ما دام عليه‪ ،‬ودم السمك ودم الكبد والطحال والقلب‪ ،‬وما‬

‫يبقى في عروق الحيوان بعد الذح ما لم يسل‪ ،‬ودم القمل والبرغوث والبق وإن كثر عند الحنفية‪.‬‬
‫والدم المسفوح نجس ولو كان عند المالكية والشافعية من سمك وذباب وقراد‪.‬‬
‫ويترتب على هذا الخلف‪ :‬أكل الفسيخ (السمك المملح) الذي يوضع بعضه على بعض‪ ،‬ويسيل دمه‬
‫من بعضه إلى بعض‪ ،‬ل يؤكل منه عند الشافعية والراجح عند المالكية إل الصف العلى أوالمشكوك‬
‫في كونه من العلى أو من غيره‪.‬‬
‫وأما عند الحنفية وابن العربي من المالكية‪ :‬فيؤكل كله؛ لن الخارج من السمك ليس بدم‪،‬بل رطوبة‪،‬‬
‫وحينئذ فهو طاهر (‪. )1‬‬
‫‪ - ً 3‬بول الدمي وقيئه (‪ )2‬وغائطه‪ :‬إل بول الصبي الرضيع‪ ،‬فيكتفي برشه عند الشافعية والحنابلة‬
‫مع أنه نجس‪ .‬وكذلك بول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيئه‪ ،‬إل خرء الطيور وبول الفأر‬
‫والخفاش عند الحنفية‪ ،‬لن الفأر ل يمكن التحرز عنه‪ ،‬والخفاش يبول في الهواد‪ ،‬فيعفى عنهما في‬
‫الثياب والطعام فقط دون ماء الواني‪ ،‬وما اجتره الحيوانات نجس‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الخمر‪ :‬نجسة عند أكثر الفقهاء‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إنما الخمر والميسر والنصاب والزلم رجس‬
‫من عمل الشيطان} [المائدة ‪]90 / 5‬وقال بعض المحدثين بطهارتها‪ .‬والخمر تشمل كل مسكر مائع‬
‫عند الجمهور والمعتمد عند الحنفية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدرير وحاشية الدسوقي‪.57/1 :‬‬
‫(‪ )2‬القيء عند الحنفية نجس نجاسة مغلظة إذا مل الفم بحيث ليمكن إمساكه‪.‬‬

‫( ‪)1/260‬‬
‫‪ - ً 5‬القيح‪ :‬وهو دم فاسد‪ ،‬ل يخالطه دم‪ ،‬وهو نجس لنه دم مستحيل‪ .‬ومثله الصديد‪ :‬وهو ماء رقيق‬
‫يخالطه دم‪ .‬والنجس منهما‪ :‬هو الكثير‪ ،‬ويعفى عن القليل‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬ال َمذْي والوَدْي‪ :‬والمذي هو ماء أبيض رقيق يخرج عند ثوران الشهوة أو تذكرالجماع بل تدفق‪،‬‬
‫وهو نجس للمر بغسل الذكر منه والوضوء في حديث علي رضي ال عنه‪ ،‬قال‪« :‬كنت رجلً مذّاء‪،‬‬
‫فاس َتحَيْت أن أسأل رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأمرت المقداد بن السود فسأله‪ ،‬فقال‪ :‬فيه‬
‫الوضوء‪ ،‬والمسلم‪ :‬يغسل ذكره ويتوضأ» (‪. )1‬‬
‫والوَدْي‪ :‬ماء أبيض كدر ثخين يخرج عقب البول‪ ،‬أوعند حمل شيء ثقيل‪ .‬وهو نجس؛ لنه يخرج مع‬
‫البول أو بعده‪ ،‬فيكون له حكمه (‪. )2‬‬

‫والرمل أو الحصاة التي تخرج عقب البول‪ :‬إن أخبر طبيب عدل بأنها منعقدة من البول فهي نجسة‪،‬‬
‫وإل فهي متنجسة تطهر بالغسل (‪. )3‬‬
‫‪ - ً 7‬لحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل‪ ،‬مأكول اللحم أو غير المأكول‪ ،‬كالكلب والشاة‬
‫والهرة والعصفور ونحوها‪ .‬ومثله‪ :‬جلد الميتة إن لم يدبغ‪ .‬هذا عند الحنفية‪ .‬وقال غيرهم‪ :‬ميتة غير‬
‫الدمي يجميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك نجسة‪ ،‬لن كلً منها تحله الحياة‪.‬‬
‫‪ - ً 8‬لحوم الحيوان غير المأكول‪ ،‬وألبانه؛ لنها متولدة من اللحم فتأخذ حكمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الشيخان عن علي‪ ،‬ولحمد وأبي داود‪« :‬يغسل ذكره وأُنثييه ويتوضأ» ( نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)51/1‬‬
‫(‪ )2‬يلحظ أن فضلت النبي صلّى ال عليه وسلم من دم وقيح وقيء‪ ،‬وغائط وبول ومذي وودي‬
‫طاهرة‪ ،‬لن بركة الحبشية شربت بوله صلّى ال عليه وسلم فقال‪ « :‬لن تلج النار بطنك » صححه‬
‫الدارقطني‪ ،‬ولن أبا طيبة شرب من دم النبي صلّى ال عليه وسلم المأخوذ بعد حجامته‪ ،‬فقال له النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬من خالط دمه دمي لم تمسه النار » ‪.‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.79/1:‬‬

‫( ‪)1/261‬‬
‫‪ - ً 9‬الجزء المنفصل أو المقطوع من الحي في حال حياته كاليد واللية‪،‬إل الشعر وما في معناه‬
‫كالصوف والوبر والريش‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ـ أي‬
‫المقطوع ـ ميت» (‪. )1‬‬
‫ثانيا ـ النجاسات المختلف فيها‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم نجاسة بعض الشياء‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬الكلب‪:‬‬
‫الصح عند الحنفية‪ ،‬أن الكلب ليس بنجس العين؛ لنه ينتفع به حراسة واصطيادا‪ ،‬أما الخنزير فهو‬
‫نجس العين‪ ،‬لن الهاء في الية القرآنية‪{ :‬فإنه رجس} [النعام ‪]145/6‬منصرف إليه‪ ،‬لقربه‪ .‬وفم‬
‫الكلب وحده أو لعابه ورجيعه هو النجس‪ ،‬فل يقاس عليه بقية جسمه‪ ،‬فيغسل الناء سبعا بولوغه فيه (‬
‫‪ ، )2‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» ولحمد ومسلم‪:‬‬
‫«طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولهن بالتراب» (‪. )3‬‬

‫وقال المالكية (‪ : )4‬الكلب مطلقا سواء أكان مأذونا في اتخاذه ككلب الحراسة والماشية‪ ،‬أم ل‪ ،‬طاهر‪،‬‬
‫والولوغ ل غيره كما لو أدخل رجله أو لسانه بل تحريك‪ ،‬أوسقط لعابه‪ ،‬هو الذي يغسل من أجله تعبّدا‬
‫سبع مرات‪ ،‬على المشهور عندهم‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )5‬الكلب والخنزير وما تولد منهما من الفروع وسؤره وعرقه نجس‬
‫ويغسل ما تنجس منه سبع مرات إحداهن بالتراب‪ ،‬لنه إذا ثبتت نجاسة فم الكلب بنص الحديث‬
‫السابق‪« :‬طهور إناء أحدك‪ ، »...‬والفم أطيب أجزائه‪ ،‬لكثرة ما يلهث‪ ،‬فبقيته أولى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين‪ ،‬وأخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه عن أبي واقد‬
‫الليثي رضي ال عنه ( سبل السلم‪.) 28/1 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير ‪ ،64/1:‬رد المحتار لبن عابدين‪ ،192/1،300:‬البدائع‪.63/1:‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أبي هريرة ( نيل الوطار‪ ،36/1:‬سبل السلم‪.) 22/1:‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الكبير‪ ،83/1:‬الشرح الصغير‪.43/1:‬‬
‫(‪ )5‬مغني المحتاج‪ ،78/1 :‬كشاف القناع‪ ،208/1:‬المغني‪.52/1:‬‬

‫( ‪)1/262‬‬
‫وفي حديث آخر رواه الدارقطني والحاكم‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم دعي إلى دار قوم‪ ،‬فأجاب‪ ،‬ثم‬
‫دعي إلى دار أخرى فلم يجب‪ ،‬فقيل له في ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إن في دار فلن كلبا‪ ،‬قيل له‪ :‬وإن في دار‬
‫فلن هرة‪ ،‬فقال‪ :‬إن الهرة ليست بنجسة» فأفهم أن الكلب نجس‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬ميتة الحيوان المائي‪ ،‬والحيوان الذي ل دم له سائل‪:‬‬
‫اتفق أئمة المذاهب على طهارة ميتة الحيوان المائي إذا كان سمكا ونحوه من حيوان البحر‪ ،‬لقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أحلت لنا ميتتان ودمان‪ :‬السمك والجراد‪،‬والكبد والطحال» (‪ )1‬ولقوله عليه‬
‫السلم في البحر‪« :‬هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (‪. )2‬‬
‫واختلف الفقهاء في ميتة الحيوان الذي ل دم له سائل‪ ،‬وعباراتهم في الميتة مطلقا ما يأتي‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )3‬موت ما يعيش في الماء فيه ل يفسده أي ل ينجسه‪ ،‬كالسمك واضفدع والسرطان‪،‬‬
‫لكن لحم الميتة ذات الدم السائل وجلدها قبل الدبغ نجس‪ .‬وما ل دم له سائل إذا وقع في الماء ل‬
‫ينجسه كابق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها‪ ،‬لحديث الذباب‪« :‬إذا وقع الذباب في شراب أحدكم‪،‬‬
‫فليغمسه‪ ،‬ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الخر شفاء» (‪ )4‬وبه يتبين أن ميتة الحيوان‬

‫المائي وما ل دم له طاهرة عند الحنفية‪ .‬ومثلهم قال المالكية (‪ : )5‬ميتة البحر وما ل دم له طاهرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر‪ ،‬وفيه ضعف ( سبل السلم‪ ،25/1:‬نيل‬
‫الوطار‪.)150/1:‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أصحاب السنن الربعة وابن أبي شيبة‪ ،‬واللفظ له‪ ،‬وصححه ابن خزيمة والترمذي عن‬
‫أبي هريرة ( سبل السلم ‪.)14/1:‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ ،57/1:‬البدائع‪ 62/1:‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.25‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري عن أبي هريرة‪ .‬قال الشافعي‪ « :‬ووجه ذلك أنه عليه السلم ليأمر بغمس ماينجس‬
‫ما مات فيه؛ لن ذلك عمد إفساده » وزاد فيه أبو داود بإسناد حسن‪ « :‬وأنه يتقي بجناحه الذي فيه‬
‫الداء» (نصب الراية‪.) 115/1:‬‬
‫(‪ )5‬بداية المجتهد‪ ،1/47 :‬الشرح الصغير ‪ 44/1،45،49‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.34‬‬

‫( ‪)1/263‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬ميتة السمك والجراد ونحوهما من حيوان البحر طاهرة‪ ،‬وأما ميتة ما ل‬
‫دم له سائل كالذباب والبق والخنافس والعقارب والصاصر ونحوها‪ ،‬فهي نجسة عند الشافعية‪ ،‬طاهرة‬
‫عند الحنابلة‪ ،‬وميتة حيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والتمساح والحية‪ ،‬نجسة عند الشافعية‬
‫والحنابلة‪.‬‬
‫إل أن الشافعية قالوا‪ :‬ميتة دود نحو خل وتفاح نجسة‪ ،‬لكن ل تنجسه لعسر الحتراز عنها‪ ،‬ويجوز‬
‫أكله معه‪ ،‬لعسر تمييزه‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬ما ل نفس (دم) له سائلة‪ :‬إن تولد من الطاهرات فهو طاهر حيا وميتا‪ ،‬وأما إن تولد‬
‫من النجاسات كدود الحَشّ (البستان) وصراصره فهو نجس‪ ،‬حيا وميتا؛ لنه متولد من النجاسة‪ ،‬فكان‬
‫نجسا كولد الكلب والخنزير‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن ميتة الحيوان المائي وما ل دم له طاهرة عند الفقهاء إل الشافعية فيقولون بنجاسة ميتة‬
‫ما ل دم له سائل‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬حرمت عليكم الميتة} [المائدة ‪] 3 / 5‬و الميتة عند الشافعية‪:‬مازالت‬
‫حياته‪،‬لبذكاة شرعية‪،‬كذبيحة المجوسي‪،‬والمُحرم ( بضم الميم )‪،‬وماذبح بالعظم ‪ ،‬وغيرالمأكول إذا‬
‫ذبح‪.‬وكذلك قال المالكية‪:‬جميع ما ذكّي(ذبح ) بذبح أونحر أوعقرمن غيرمحرم الكل طاهر‪،‬أما ماحرم‬
‫أكله كالحميروالبغال‪،‬والخيل عندهم ‪،‬فإن الذكاة لتعمل فيه وكذا الكلب والخنزير لتعمل فيه‪.‬وكذا‬

‫الكلب والخنزير لتعمل فيهما الذكاة‪،‬فميتة ماذكر نجسة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،78/1 :‬المهذب ‪ ،47/1‬المغني‪ ،44 - 42/1:‬كشاف القناع‪.223/1 :‬‬

‫( ‪)1/264‬‬
‫‪-ً 3‬أجزاءالميتة الصلبة التي لدم فيها‪:‬‬
‫كالقرن والعظم والسن ومنه عاج الفيل والحافر والخف والظلف والشعر والصوف والعصب والنفحة‬
‫(‪ )1‬الصلبة‪:‬طاهرة ليست بنجسة عند الحنفية (‪، )2‬لن هذه الشياء ليست بميتة؛ لن الميتة من‬
‫الحيوان شرعا ‪ :‬ما زالت حياته ‪,‬لبصنع إنسان ‪،‬أوبصنع غيرمشروع‪،‬ولحياة في هذه الشياء‪ ،‬فل‬
‫تكون ميتة‪.‬ولن نجاسة الميتات لما فيها من الدماءالسائلة والرطوبات النجسة‪،‬ولم توجد في هذه‬
‫الشياء‪.‬‬
‫وبناءعليه يكون الجزء المقطوع من هذه الشياء في حال الحياة طاهرا‪.‬‬
‫وأما النفحة المائعة واللبن فطاهران عندأبي حنيفة‪،‬لقوله تعالى‪{ :‬وإن لكم في النعام لعبرة نسقيكم مما‬
‫في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [ النحل ‪ .] 66 / 16‬وقال الصاحبان ـ‬
‫وقولهما هو الظهر ـ ‪ :‬هما نجسان؛ لن اللبن وإن كان طاهرا بنفسه‪ ،‬لكنه صار نجسا لمجاورة‬
‫النجس‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية (‪: )3‬أجزاء الميتة كلها نجسة‪ ،‬ومنها النفحة واللبن إل إذا أخذا من‬
‫الرضيع عند الشافعية؛ لن كلً منها تحلة الحياة‪ ،‬إل أن الحنابلة قالوا‪ :‬صوف الميتة وشعرها طاهر‪،‬‬
‫لما رواه الدارقطني عن النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬لبأس بمسك الميتة إذا دبغ‪ ،‬وصوفها‬
‫وشعرها إذا غسل» لكنه حديث ضعيف‪.‬‬
‫كما أن المالكية استثنوا زغب الريش والشعر‪ ،‬فقالوا بطهارتهما‪ ،‬لنه ليس بميتة‪ ،‬بخلف العظم فإنه‬
‫ميتة‪ .‬ورجح بعض المالكية الكراهة التنزيهية لناب الفيل الميت المسمى بالعاج‪ ،‬وكذا قصب الريش‬
‫من حي أو ميت‪ :‬وهو الذي يكتنفه الزغب‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الفقهاء ما عدا الشافعية يقولون بطهارة شعر الميتة وصوفها وريشها‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬جلد الميتة‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫طعَم غير اللبن‪ ،‬فيعصر في‬
‫(‪ )1‬النفحة كما بينا سابقا‪ :‬شيء يستخرج من بطن الجدي قبل أن ُي ْ‬

‫صوفة مبتلة في اللبن‪ ،‬فيغلظ كالجبن‪ ،‬وهو المعروف عند العامة بالمجبنة ‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪.63/1:‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ 44/1،49:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،55/1:‬مغني المحتاج‪ ،78/1:‬المغني‪52/1،:‬‬
‫‪.72،74،79‬‬

‫( ‪)1/265‬‬
‫قال المالكية والحنابلة في المشهور عندهم (‪ : )1‬جلد الميتة نجس‪ ،‬دبغ أو لم يدبغ‪ ،‬لنه جزء من‬
‫الميتة‪ ،‬فكان محرما لقوله تعالى‪{ :‬حرمت عليكم الميتة} [المائدة ‪] 3 / 5‬فلم يطهر بالدبغ كاللحم‪،‬‬
‫وللحاديث النبوية الواردة في ذلك‪ ،‬منها‪« :‬ل تنتفعوا من الميتة بشيء» (‪ ، )2‬ومنها كتابه صلّى ال‬
‫عليه وسلم إلى جهينة‪« :‬إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة‪ ،‬فإذا جاءكم كتابي هذا‪ ،‬فل تنتفعوا من‬
‫الميتة بإهاب ولعصب» (‪ )3‬وفي لفظ‪« :‬أتانا كتاب رسول اال صلّى ال عليه وسلم قبل وفاته بشهر‬
‫أو شهرين» وهو ناسخ لما قبله‪ ،‬لنه في آخر عمر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬وتأول المالكية حديث‬
‫«أيما إهاب ـ أي جلد ـ دبغ فقد طهر» بأنه في مشهور المذهب محمول على الطهارة اللغوية‪ ،‬ل‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫ومثل ذلك‪ :‬إذا ذبح ما ل يؤكل لحمه‪ ،‬يكون جلده نجسا‪ ،‬دبغ أو لم يدبغ‪.‬‬
‫وقال الحنفية والشافعية (‪ : )4‬تطهر الجلود النجسة بالموت وغيره‪ ،‬كالمذبوح غير المأكول اللحم‬
‫بالدباغ‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم‪« :‬أيما إهاب دبغ فقد طهر» (‪ )5‬ورواه مسلم بلفظ‪« :‬إذا دبغ‬
‫الهاب فقد طهر» وهذا هو الراجح لصحة هذا الحديث‪ ،‬ولن الدبغ يقطع الرطوبات ويزيل‬
‫النجاسات‪ ،‬ويؤيده حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ُ « :‬تصُدّق على مولة لميمونة بشاة‪،‬‬
‫فماتت‪ ،‬فمر بها رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬هل أخذتم إهابها فدبغتموه‪ ،‬فانتفعتم به؟‬
‫فقالوا‪ :‬إنها ميتة؟ قال‪ :‬إنما حرم أكلها» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،51/1:‬المغني‪ ،66/1:‬بداية المجتهد‪.76/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو بكر الشافعي بإسناده عن أبي الزبير عن جابر‪ ،‬وإسناده حسن‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود عن عبد ال بن عُكيم‪،‬وقال أحمد‪ :‬إسناده جيد‪ ،‬لكن التحقيق أن هذا الحديث‬
‫ضعيف‪ ،‬لنقطاع سنده واضطراب متنه وسنده‪ ،‬وللطلق تارة‪ ،‬والتقييد أخرى فيه بشهر أو بشهرين‪.‬‬
‫وقال الترمذي‪ :‬إن أحمد ترك أخيرا هذا الحديث‪ ،‬لضطرابهم في إسناده‪ .‬وجمع بعضهم بينه وبين‬

‫الحاديث الصحيحة في تطهير الدبغ بأنه في الجلود التي لم تدبغ‪ ،‬لن اسم ( الهاب ) خاص بالجلد‬
‫الذي لم يدبغ‪.‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ ،85/1 :‬مغني المحتاج‪.82/1:‬‬
‫(‪ )5‬رواه اثنان من الصحابة‪ :‬ابن عباس‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬الول رواه النسائي والترمذي وابن ماجه وقال‬
‫الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬والثاني‪ :‬رواه الدارقطني‪ ،‬وقال‪ :‬إسناده حسن ( نصب الراية‪115/1 :‬‬
‫وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/266‬‬
‫طهّرها اماء والقَرَظ» قال النووي في شرح مسلم‪ :‬يجوز الدباغ بكل شيء ينشف‬
‫وفي لفظ‪ ،‬قال‪ُ « :‬ي َ‬
‫فضلت الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشّت (من جواهر الرض يشبه الزاج) والقرظ‬
‫وقشور الرمان وغير ذلك من الدوية الطاهرة‪ ،‬ول يحصل بالشمس إل عند الحنفية‪ ،‬ول بالتراب‬
‫والرماد والملح على الصح‪.‬‬
‫أي أن الحنفية يجيزون الدبغ الحقيقي بمواد كيماوية‪ ،‬والدبغ الحكمي كالتتريب والتشميس؛ لن كل ذك‬
‫مجفف قالع مطهر‪ ،‬كما قدمنا سابقا‪.‬‬

‫( ‪)1/267‬‬
‫‪ - ً 5‬بول الصبي الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن‪:‬‬
‫قرر الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬أن ما تنجس ببول أو قيء صبي لم َيطْعم (يتناول قبل مضي حولين)‬
‫غير لبن للتغذي (ل تحنيكه بنحو تمر حين الولدة)‪ ،‬ينضح‪ ،‬أما الطفلة الصبية والخنثى فل بد من‬
‫ل بالصل في نجاسة البوال‪ .‬واستثناء الصبي بسبب‬
‫غسل موضع بولهما‪ ،‬بإسالة الماء عليه‪ ،‬عم ً‬
‫حصَن أنها‪« :‬أتت بابن لها‬
‫كثرة حمله على اليدي‪ ،‬مأخوذ من خبر الشيخين‪ :‬عن أم قيس بنت مِ ْ‬
‫صغير لم يأكل الطعام‪ ،‬فأجلسه رسول ال صلّى ال عليه وسلم في حِجْره‪ ،‬فبال على ثوبه‪ ،‬فدعا بماء‪،‬‬
‫فنضحه ولم يغسله» ولخبر الترمذي وحسنه‪« :‬يغسل من بول الجارية‪ ،‬ويرش من بول الغلم» (‪)2‬‬
‫وفرّق بينهما بأن الئتلف بحمل الصبي أكثر‪ ،‬فخفف في بوله‪ ،‬وبأن بوله أرقّ من بولها‪ ،‬فل يلصق‬
‫بالمحل لصوق بولها به‪ ،‬وألحق بها الخنثى‪.‬‬
‫وهذا الرأ ي هو الراجح‪ ،‬لصحة الحديث الخاص والوار فيه‪ ،‬فيقدم على الحديث العام المر بالستنزاه‬
‫من البول‪.‬‬

‫وقرر الحنفية والمالكية (‪ : )3‬نجاسة بول أو قيء الصبي والصبية‪ ،‬ووجوب الغسل منه‪ ،‬عملً بعموم‬
‫الحاديث المرة بالستنزاه من البول‪« :‬استنزهوا من البول‪ ،‬فإن عامة عذاب القبر منه» (‪. )4‬‬
‫إل أن المالكية قالوا‪ :‬يعفى عما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط الطفل‪ ،‬سواء‬
‫أكانت أما أم غيرها‪ ،‬إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها‪ ،‬بخلف المفرّطة‪ ،‬لكن يندب‬
‫لها غسله إن تفاحش‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬بول الحيوان المأكول اللحم وفضلته ورجيعه ‪:‬‬
‫هناك اتجاهان فقهيان‪ :‬أحدهما القول بالطهارة‪ ،‬والخر القول بالنجاسة‪ ،‬الول للمالكية والحنابلة‪،‬‬
‫والثاني للحنفية والشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،84/1:‬كشاف القناع‪ ،217/1:‬المهذب‪.49/1:‬‬
‫(‪ )2‬راجع الحديثين في نصب الراية ‪.127-126/1‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ ،77/1،82:‬الشرح الصغير‪ ،73/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،25‬اللباب شرح الكتاب‪:‬‬
‫‪ ،55/1‬فتح القدير‪ ،140/1 :‬الدر المختار‪.293/1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه ثلثة من الصحابة‪ :‬أنس‪ ،‬وأبو هريرة‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وحديث أنس رواه الدارقطني‪ ،‬وهو‬
‫مرسل‪ ،‬وحديث أبي هريرة رواه الدارقطني أيضا والحاكم في المستدرك‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح على‬
‫شرط الشيخين‪ ،‬ول أعرف له علة‪ ،‬ولم يخرجاه‪ ،‬وحديث ابن عباس رواه الطبراني والدارقطني‬
‫والبيهقي والحاكم (نصب الراية‪.)128/1:‬‬

‫( ‪)1/268‬‬
‫قال المالكية والحنابلة (‪ : )1‬بول ما يؤكل لحمه من الحيوان كالبل والبقر والغنم والدجاج والحمام‬
‫وجميع الطيور‪ ،‬ورجيعه وفضلته (روثه)‪ :‬شيء طاهر‪ ،‬واستثنى المالكية التي تأكل النجاسة أو‬
‫تشربها‪ ،‬فتكون فضلته نجسة‪ ،‬كما أن ما يكون منها مكروها‪ ،‬أبوالها وأرواثها مكروهة‪ .‬وهكذا فإن‬
‫أبوال سائر الحيوانات تابعة للحومها‪ ،‬فبول الحيوان المحرم الكل نجس‪ ،‬وبول الحلل طاهر‪ ،‬وبول‬
‫المكروه مكروه‪.‬‬
‫ودليلهم على الطهارة‪ :‬إباحته عليه الصلة والسلم للعُرَنيين شرب أبوال البل وألبانها (‪، )2‬ولن‬
‫إباحة الصلة في مرابض الغنم دليل على طهارة أرواثها وأبوالها (‪. )3‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،47/1 :‬بداية المجتهد‪ 77/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 33‬ومابعدها‪،‬‬
‫كشاف القناع‪.220/1 :‬‬
‫عكْل أو قال‪ :‬عُرَيْنة‪ ،‬قدموا‪ ،‬فاجتووا‬
‫(‪ )2‬روى الشيخان وأحمد عن أنس بن مالك « أن رهطا من ُ‬
‫المدينة‪ ،‬فأمر لهم رسول ال صلّى ال عليه وسلم بلقاح ‪ ،‬وأمرهم أن يخرجوا‪ ،‬فيشربوا من أبوالها‬
‫وألبانها » واجتووها أي استوخموها‪ ،‬يقال‪ :‬اجتويت المدينة‪ :‬إذا كرهت المقام فيها‪ ،‬وإن كنت في‬
‫نعمة‪ ،‬وقيده الخطابي‪ :‬بما إذا تضرر بالقامة‪ ،‬وهو المناسب لهذه القصة ( نيل الوطار‪.)48/1 :‬‬
‫(‪ )3‬قال ابن تيمية في نهاية الحديث السابق‪ :‬وقد ثبت عنه أنه قال‪ :‬صلوا في مرابض الغنم‪ ،‬روى‬
‫أحمد والترمذي وصححه قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلوا في مرابض الغنم‪،‬‬
‫ولتصلوا في أعطان البل » قيل‪ :‬إن حكمة النهي مافيها من النفور‪ ،‬فربما نفرت وهو في الصلة‬
‫فتؤدي إلى قطعها ( نيل الوطار‪.)137/2:‬‬

‫( ‪)1/269‬‬
‫وقال الشافعية والحنفية (‪ : )1‬البول والقيء والروث من الحيوان أو النسان مطلقا نجس‪ ،‬لمره صلّى‬
‫ال عليه وسلم بصب الماء على بول العرابي في المسجد (‪ ، )2‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم في‬
‫حديث القبرين‪« :‬أما أحدهما فكان ل يستنزه من البول» (‪ ، )3‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم السابق‪:‬‬
‫«استنزهوا من البول» وللحديث السابق‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم لما جيء له بحجرين وروثة‬
‫ليستنجي بها‪ ،‬أخذ الحجرين ورد الروثة‪ ،‬وقال‪ :‬هذا ركس‪ ،‬والركس‪ :‬النجس» ‪ .‬والقيء وإن لم يتغير‬
‫وهو الخارج من المعدة‪ :‬نجس؛ لنه من الفضلت المستحيلة كالبول‪ .‬ومثله البلغم الصاعد من المعدة‪،‬‬
‫نجس أيضا‪ ،‬بخلف النازل من الرأس أو من أقصى الحلق والصدر‪ ،‬فإنه طاهر‪.‬‬
‫وأما حديث العرنيين وأمره عليه السلم لهم بشرب أبوال البل‪ ،‬فكان للتداوي‪ ،‬والتداوي بالنجس جائز‬
‫عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،79/1 :‬المهذب‪ ،46/1:‬فتح القدير‪ 142/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪25‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.297 -295/1 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أنس بن مالك ( نيل الوطار ‪ ،43/1:‬نصب الراية‪:‬‬
‫‪.) 212/1‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ( نصب الراية‪.)214/1:‬‬

‫( ‪)1/270‬‬
‫إل أن الحنفية فصلوا في المر‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة مخففة‪ ،‬فتجوز الصلة معه إذا أصاب المرء ما يبلغ ربع الثوب‪.‬‬
‫وهو رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف‪.‬‬
‫وأما روث الخيل وخِثْي البقر‪ ،‬فنجس نجاسة مغلظة عند أبي حنيفة مثل غير مأكول اللحم‪ ،‬لنه صلّى‬
‫ال عليه وسلم رمى الروثة‪ ،‬وقال‪ :‬هذا رجس أو ركس‪ .‬ونجس عند الصاحبين نجاسة مخففة‪ ،‬فل‬
‫يمنع صحة الصلة بالثوب المتنجس به حتى يصبح كثيرا فاحشا‪ ،‬لن للجتهاد فيه مساغا‪ ،‬ولن فيه‬
‫ضرورة لمتلء الطرق به‪ ،‬ورأي الصاحبين هو الظهر لعموم البلوى بامتلء الطرق بها‪.‬‬
‫والكثير الفاحش‪ :‬ما يستكثره الناس ويستفحشونه‪ ،‬كأن يبلغ ربع الثوب‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ :‬يكون بول ما يؤكل لحمه‪ ،‬ورجيع (نجو) الكلب‪ ،‬ورجيع ولعاب سباع البهائم كالفهد‬
‫والسبع والخنزير‪ ،‬وخرء الدجاج والبط والوز لنتنه‪ ،‬من النجاسة الغليظة بالتفاق‪ ،‬ويعفى قدر الدرهم‬
‫منها‪.‬‬
‫وبول الفرس‪ ،‬وبول ما يؤكل لحمه‪ ،‬وخرء طير ل يؤكل كالصقر والحدأة في الصح لعموم‬
‫الضرورة‪ ،‬من النجاسة الخفيفة‪ ،‬ويعفى منها ما دون ربع الثوب‪ ،‬أو البدن أي ما دون ربع العضو‬
‫المصاب كاليد والرجل إن كان بدنا‪ .‬وأما الربع فأكثر فهو كثير فاحش‪.‬‬
‫وأما خرء الطير المأكول اللحم الذي يذرق (أو يزرق) في الهواء‪،‬كالحمام‪ ،‬فهو طاهر عند الحنفية‪،‬‬
‫لعموم البلوى به بسبب امتلء الطرق والخانات بها‪.‬‬

‫( ‪)1/271‬‬
‫كما أن المام محمد حكم آخرا بطهارة بول ما يؤكل لحمه ومنه الفرس‪ ،‬وقال‪ :‬ل يمنع الروث وإن‬
‫فحش‪ ،‬لما رأى من بَلْوى الناس من امتلء الطرق والخانات بها‪ ،‬لما دخل الرّي مع الخليفة‪ .‬وقاس‬
‫المشايخ عليه طين بخارى؛ لن ممشى الناس والدواب واحد (‪ . )1‬وهذا يتفق مع رأي مالك وأحمد‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬يعفى عن ذرق الطير إذا كثر لمشقة الحتراز عنه‪ .‬وأرى الخذ باليسر في هذه‬
‫المور ما لم يكثر النجس‪.‬‬
‫‪ - ً 7‬المني‪ :‬وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه‪.‬‬
‫وفي نجاسته وطهارته رأيان إن كان من الدمي‪ .‬وأما مني غير الدمي فهو نجس عند الحنفية‬

‫والمالكية‪ ،‬طاهر عند الحنابلة إن كان من مأكول اللحم‪ ،‬والصح عند الشافعية‪ :‬طهارة مني غير‬
‫الكلب والخنزير وفرع أحدهما‪.‬‬
‫وفي مني الدمي‪ :‬قال الحنفية والمالكية (‪ : )3‬المني نجس يجب غسل أثره‪،‬إل أن الحنفية قالوا‪ :‬يجب‬
‫غسل َرطْبه‪ ،‬فإذا جف على الثوب‪ ،‬أجزأ فيه الفرك‪.‬‬
‫وأطلق المالكية الحكم بنجاسة المني ولو من مباح الكل للستقذار والستحالة إلى فساد‪ ،‬ولن أصله‬
‫دم‪ ،‬ول يلزم من العفو عن أصله العفو عنه‪ ،‬أي ل يلزم من العفو عن يسير الدم‪( :‬وهو دون الدرهم)‬
‫العفو عن يسير المني‪ ،‬إذ ليس ما ثبت لصل يثبت لفرعه‪.‬‬
‫‪-----------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ 295/1 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪.56/1:‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.188/1:‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار‪ 287/1:‬ومابعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪ ،55/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،26‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،79/1:‬الشرح الصغير‪ ،54/1:‬الشرح الكبير‪.56/1:‬‬

‫( ‪)1/272‬‬
‫ودليلهم حديث عائشة‪« :‬كنت أفرك المني من ثوب رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا كان‪ -‬يابسا‪،‬‬
‫وأغسله إذا كان رطبا» (‪. )1‬‬
‫وفي رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة‪ :‬أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فيخرج‪ ،‬فيصلي‪ ،‬وأنا أنظر إلى بُقع الماء في ثوبه‪ .‬ولنه شبيه بالحداث الخارجة من‬
‫البدن‪ ،‬مما يدل على كونه نجسا‪.‬‬
‫وقال الشافعية على الظهر‪ ،‬والحنابلة (‪ : )2‬المني طاهر ويستحب غسله أو فركه إن كان مني رجل‪،‬‬
‫ك المني من ثوب رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫لحديث عائشة رضي ال تعالى عنها «أنها كانت تُح ّ‬
‫‪ ،‬ثم يصلي فيه» (‪ . )3‬وفي رواية «كنت أحكه من ثوبه وهو يصلي فيه» (‪ . )4‬وقال ابن عباس‪:‬‬
‫«امسحه عنك بإذخرة أو خرقة‪ ،‬فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق» (‪ . )5‬ويختلف عن البول والمذي‬
‫بأنه بدء خلق آدمي‪.‬‬
‫ورجح الشوكاني نجاسة المني فقال‪« :‬فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد المور الواردة»‬
‫(‪ )6‬أي بالغسل أو المسح أو الفرك‪ .‬وأرجح القول بطهارته حتى ل يلزم منه القول بنجاسة أصل‬
‫النسان‪ ،‬وتيسيرا على الناس‪ ،‬لكن يزال أثره ندبا‪ ،‬اتباعا للسنة النبوية‪.‬‬

‫ويلحظ أن الحكم بطهارة المني مشروط بأل يسبقه المذي الذي يخرج عادة عند ثورة الشهوة‪ ،‬وبأن‬
‫يكون العضو مغسولً مسبقا بالماء‪ ،‬فإن كان عليه أثر بول بتنشيفه بالورق كما عليه حال كثير من‬
‫الناس اليوم‪ ،‬فإن المني يتنجس بسبب ما يختلط به من البول‪ .‬والولى تخصيص إزار (لباس) لحالت‬
‫الجماع خروجا من الخلف‪.‬‬
‫‪ - ً 8‬ماء القروح‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارقطني في سننه والبزار في مسنده‪ ،‬وقال‪ :‬ليعلم أسنده عن عائشة إل عبد ال بن‬
‫الزبير‪ .‬وأما حديث « اغسليه إن كان رطبا‪ ،‬وافركيه إن كان يابسا » فهو غريب‪ ،‬وحديث ليعرف‬
‫( نصب الراية‪ ) 209/1 :‬وفي الجملة‪ :‬هذا الحديث مضطرب‪ ،‬إذ في بعضه الغسل‪ ،‬وفي بعضه‪:‬‬
‫( فيصلي فيه)‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،80 -79/1:‬كشاف القناع‪ ،224/1:‬المهذب‪.47/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة‪ ،‬ولفظه ‪ « :‬كنت أفرك المني من ثوب رسول ال صلّى ال عليه وسلم ثم يذهب‬
‫فيصلي فيه » ( نيل الوطار ‪. )53/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه سعيد ورواه الدارقطني مرفوعا‪.‬‬
‫(‪ )6‬نيل الوطار‪.55/1:‬‬

‫( ‪)1/273‬‬
‫عدّ الحنفية والمالكية (‪ )1‬من النجاسات‪ :‬القيح (وهو المِدّة الخاثرة تخرج من الدمل) والصديد ( وهو‬
‫الماء الرقيق من المِدّة‪ ،‬الذي قد يخالطه دم )‪ ،‬وماء القروح (المصل البيض)‪ :‬وهو كل ما سال من‬
‫الجرح من َنفَط نار‪ ،‬أو جَرب أو حكة أو غير ذلك‪ ،‬لكن يعفى عن قليل الصديد والقيح كالدم‪.‬‬
‫واتفق الشافعية والحنابلة (‪ )2‬مع بقية الئمة في الحكم بنجاسة القيح والصديد‪ ،‬لكن قرر الحنابلة أنه‬
‫يعفى عن يسير دم وما تولد منه من قيح وغيره كصديد‪ ،‬وماء قروح‪ ،‬في غير مائع ومطعوم؛ لن‬
‫النسان غالبا ل يسلم منه‪ ،‬ولنه يشق الحتراز عنه‪ ،‬كأثر الستجمار‪ .‬وأما المائع والمطعوم فل يعفى‬
‫عن شيء من ذلك‪.‬‬
‫وقدر اليسير المعفو عنه‪ :‬هو الذي لم ينقض الوضوء‪ ،‬أي ما ل يفحش في النفس‪ ،‬ويعفى من القيح‬
‫ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم‪ .‬والمعفو عنه إذا كان من حيوان طاهر من آدمي من غير‬

‫سبيل‪ ،‬فإن كان من سبيل لم يعف عنه‪.‬‬
‫والمذهب قطعا عند الشافعية‪ :‬طهارة دم البَثَرات ( خرّاج صغير) ودم البراغيث وونيم الذباب‪ ،‬وماء‬
‫القروح والنفاطات (أي الحروق) أو المتنفّط الذي له ريح‪ ،‬أو ل ريح له في الظهر‪ ،‬وموضع الفصد‬
‫والحجامة‪ ،‬قليلً كان أو كثيرا‪ .‬والظهر العفو عن قليل دم الجنبي‪ ،‬أي عن دم النسان المنفصل عنه‬
‫ثم العائد إليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،60/1:‬الدر المختار‪ ،294/1:‬الشرح الكبير‪ 56/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪،55/1:‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.33‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ ،219/1:‬مغني المحتاج‪ ،194-79/1،193:‬المهذب‪.47/1:‬‬

‫( ‪)1/274‬‬
‫‪ - ً 9‬الدمي الميت‪ ،‬وما يسيل من فم النائم‪:‬‬
‫عرفنا في أنواع المطهرات في الدمي الميت قولين (‪: )1‬‬
‫قول الحنفية‪ :‬إنه ينجس عملً بفتوى بعض الصحابة (ابن عباس وابن الزبير) كسائر الميتات‪.‬‬
‫وقول جمهور العلماء‪ :‬إنه طاهر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن المسلم ل ينجس» ‪.‬‬
‫وأما الماء السائل من فم النائم وقت النوم فهو طاهر كما صرح الشافعية والحنابلة (‪ ، )2‬إل أن‬
‫الشافعية والمالكية قالوا‪ :‬إن كان من المعدة كأن خرج منتنا بصفرة فنجس كالبلغم الصاعد من المعدة‪،‬‬
‫فإن كان من غيرها أو شك في أنه منها أو ل‪ ،‬فإنه طاهر‪.‬‬
‫وعد المالكية (‪ )3‬من الطاهر‪ :‬القَلَس‪ ،‬وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلئها‪ ،‬ما لم يشابه في‬
‫التغير أحد أوصاف العَذِرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،72/1:‬الشرح الصغير‪ ،44/1:‬مغني المحتاج‪ ،78/1:‬كشاف القناع‪ ،222/1:‬المهذب‪:‬‬
‫‪.47/1‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،79/1:‬كشاف القناع‪. 220/1:‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪.48/1:‬‬

‫( ‪)1/275‬‬

‫المطلب الثاني ـ أنواع النجاسة الحقيقية‪:‬‬
‫للنجاسة الحقيقية تقسيمات عند الحنفية هي ما يأتي‪:‬‬
‫التقسيم الول ـ تقسيم النجاسة إلى مغلظة ومخففة (‪: )1‬‬
‫النجاسة المغلظة‪ :‬ما ثبتت بدليل مقطوع به‪ ،‬كالدم المسفوح والغائط‪ ،‬والبول من غير مأكول اللحم‪،‬‬
‫ولو من صغير لم يطعم‪ ،‬والخمر (‪ ، )2‬وخُرْء طير ليزرق في الهواء كدجاج وبط وإوز‪ ،‬ولحم‬
‫الميتة وإهابها‪ ،‬ونجو (قذر) الكلب‪ ،‬ورجيع السباع ولعابها‪ ،‬والقيء ملء الفم‪ ،‬وكل ما ينقض الوضوء‬
‫إذا خرج من النسان كالعذرة والمني والمذي والدم السائل‪.‬‬
‫ويعفى منها في الصلة مقدار الدرهم فما دونه‪( :‬وهو الدرهم الكبير المثقال‪ ،‬وفي المساحة‪ :‬قدر‬
‫عرض الكف في الصحيح)؛ لن القليل ل يمكن التحرز عنه‪ ،‬وقدر القليل بالدرهم أخذا عن موضع‬
‫الستنجاء‪ ،‬فإن زادت النجاسة عن الدرهم لم تجز الصلة‪.‬والنجاسة المخففة‪ :‬وهي ماتثبت بدليل غير‬
‫مقطوع به‪ ،‬كبول مايؤكل لحمه‪ ،‬ومنه الفرس‪ ،‬وخرء طير ليؤكل‪ ،‬أما نجاسة البعر ( للبل والغنم )‬
‫والروث (للفرس والبغل والحمار) والخِثْي ( للبقر ) فهي غليظة عند أبي حنيفة‪ ،‬وقال الصاحبان‪:‬‬
‫خفيفة‪ ،‬ورأيهما هو الظهر‪ ،‬لعموم البلوى بامتلء الطرق بها‪ ،‬وطهرها محمد آخرا‪ ،‬وقال‪ :‬ليمنع‬
‫الروث وإن فحش‪ .‬وفي عصرنا في الطرق المعبدة تعتبر النجاسة مخففة‪.‬‬
‫ويعفى من النجاسة المخففة في الصلة‪ :‬مقدار ربع جميع الثوب‪ ،‬إن كان المصاب ثوبا‪ ،‬وربع العضو‬
‫المصاب كاليد والرجل‪ ،‬إن كان المصاب بدنا‪ .‬وهذا التقديرمراعى فيه التيسير على الناس‪ ،‬سيما من‬
‫ل رأي له من العوام‪.‬‬
‫التقسيم الثاني ـ تقسيم النجاسة إلى جامدة ومائعة‪:‬‬
‫النجاسة الجامدة‪ :‬كالميتة والغائط‪.‬‬
‫والمائعة‪ :‬كالبول والدم المسفوح والمذي‪.‬‬
‫التقسيم الثالث ـ تقسيم النجاسة إلى مرئية وغير مرئية (‪: )3‬‬
‫المرئية أو العينية‪ :‬ما يكون مرئيا بالعين بعد الجفاف كالعذرة والدم‪ ،‬وطهارة النجاسة المرئية تكون‬
‫بزوال عينها ولو بمرة على الصحيح؛ لن النجاسة حلت المحل‪ ،‬باعتبار العين (الجِرْم)‪ ،‬فتزول‬
‫بزوالها‪.‬‬
‫وغير المرئية أو غير العينية‪ :‬ما ل يكون مرئيا بعد الجفاف كالبول ونحوه‪ ،‬أي مال تكون ذاته‬
‫مشاهدة بحس البصر‪ .‬وطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أن المحل قد طهر‪ ،‬وقدر ذلك‬
‫لموسوس بثلث مرات؛ لن التكرار ل بد منه لستخراج النجاسة‪ ،‬وإذا لم يقطع بزواله‪ ،‬فالمعتبر‬
‫غالب الظن‪ ،‬كما في أمر الجتهاد في القِبْلة‪ ،‬ول بد من ال َعصْر في كل مرة‪ ،‬في ظاهر الرواية‪ ،‬لنه‬

‫هو المستخرِج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬العناية بهامش فتح القدير‪ ،144-140/1:‬الدر المختار‪ ،297- 293/1:‬اللباب‪. 55/1 :‬‬
‫(‪ )2‬وأما الشربة المحرمة الخرى سوى الخمر فنجاستها غليظة في ظاهر الرواية‪ ،‬خفيفة على قياس‬
‫قول الصاحبين لختلف الئمة فيها ( رد المحتار ‪.)295/1:‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ ،145/1:‬الدر المختار‪ ،307- 303/1:‬اللباب‪ ،57/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.26‬‬

‫( ‪)1/276‬‬
‫النجاسات عند غير الحنفية‪:‬‬
‫يلحظ أن هذه التقسيمات معروفة عند غير الحنفية‪ ،‬وأضاف إليها المالكية تقسيما آخر عندهم وهو‪:‬‬
‫النجاسة المجمع عليها في المذهب‪ ،‬والمختلف فيها في المذهب (‪. )1‬‬
‫والنجاسات المجمع عليها في المذهب‪ :‬ثماني عشرة‪ :‬بول ابن آدم الكبير‪ ،‬ورجيعه‪ ،‬والمذي‪ ،‬والودي‪،‬‬
‫ولحم الميتة‪ ،‬والخنزير وعظمهما‪ ،‬وجلد الخنزير مطلقا‪ ،‬وجلد الميتة إن لم يدبغ‪ ،‬وما قطع من الحي‬
‫في حال حياته إل الشعر وما في معناه‪ ،‬ولبن الخنزيرة‪ ،‬والمسكر‪ ،‬وبول الحيوان المحرم الكل‪،‬‬
‫ورجيعه ‪ ،‬والمني‪ ،‬والدم الكثير‪ ،‬والقيح الكثير‪ ،‬والصح أن كل حي ولو كلبا أو خنزيرا طاهر‪ ،‬وكذا‬
‫عرقه في المعتمد عند المالكية‪.‬‬
‫والنجاسات المختلف فيها في المذهب المالكي ثماني عشرة‪ :‬بول الصبي الذي ل يأكل الطعام‪ ،‬وبول‬
‫الحيوان المكروه الكل‪ ،‬وجلد الميتة إذا دبغ‪ ،‬وجلد المذكى المحرم الكل‪ ،‬ولحمه‪ ،‬وعظمه‪ ،‬ورماد‬
‫الميتة‪ ،‬وناب الفيل‪ ،‬ودم الحوت‪ ،‬والذباب‪ ،‬والقليل من دم الحيض‪ ،‬والقليل من الصديد‪ ،‬ولعاب الكلب‪،‬‬
‫ولبن ماليؤكل لحمه غير الخنزير‪ ،‬ولبن مستعمل النجاسة‪ ،‬وعرق مستعمل النجاسة‪ ،‬وشعر الخنزير‪،‬‬
‫والخمر إذا خللت‪.‬‬
‫وتظهر ثمرة هذه التقسيمات في كيفية التطهير‪ ،‬وفي المقدار المعفو عنه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.34‬‬

‫( ‪)1/277‬‬

‫المبحث الثاني ـ المقدار المعفو عنه من النجاسة‬
‫للفقهاء تقديرات للمعفو عنه من النجاسات ل مانع في تقديري من الخذ بها دفعا للحرج ومراعاة‬
‫اليسر‪ ،‬وأهمها في كل مذهب ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬مذهب الحنفية (‪: )1‬‬
‫حددوا المعفو عنه بحسب نوع النجاسة مغلظة أو مخففه‪ :‬يعفى من النجاسة المغلظة أو المخففه‪ :‬القدر‬
‫القليل‪ ،‬دون الكثير‪ ،‬وقدروا القليل في النجاسة الجامدة المغلظة‪ :‬بما دون الدرهم (‪975،2‬غم)‪ :‬وهو ما‬
‫يزن عشرين قيراطا‪ ،‬وبما دون مقعر الكف في النجاسة المائعة‪ .‬وتكره الصلة تحريما في المشهور‬
‫بالقدر القليل من النجاسة‪ ،‬مع كونه معفوا عنه‪.‬‬
‫والقليل من النجاسة المخففة في الثياب‪ :‬ما دون ربع الثوب‪ ،‬وفي البدن‪ :‬مادون ربع العضو المصاب‬
‫كاليد والرجل‪.‬‬
‫كما يعفى عن القليل من بول أو خرء الهرة والفأرة‪ ،‬في الطعام والثياب للضرورة‪ .‬وعن انتضاح‬
‫غسالة ل تظهر مواقع قطرها في الناء‪ ،‬وعن رشاش بول‪ ،‬كرؤوس البر‪ ،‬للضرورة‪ ،‬وإن امتل منه‬
‫الثوب والبدن‪ ،‬لكن لو وقع في ماء قليل نجّسه في الصح‪ ،‬لن طهارة الماء آكد‪ ،‬ومثله الدم الذي‬
‫يصيب الجزار‪ ،‬وأثر الذباب الذي وقع على نجاسة‪ .‬ومثله أيضا روث الحمار وخِثْي البقر والفيل في‬
‫حالة الضرورة والبلوى‪.‬‬
‫ويعفى عما ل يمكن الحتراز أو المتناع عنه من غسالة الميت ما دام في تغسيله‪ ،‬لعموم البلوى‪ .‬كما‬
‫يعفى عن طين الشوارع‪ ،‬إل إذا علم عين النجاسة للضرورة‪.‬‬
‫ويعفى عن الدم الباقي في عروق الحيوان المذكى (المذبوح) لتعذر الحتراز عنه‪ ،‬وعن دم الكبد‬
‫والطحال والقلب‪ ،‬لنه دم غير مسفوح‪ ،‬وعن الدم الذي ل ينقض الوضوء في الصحيح‪ ،‬وعن دم البق‬
‫والبراغيث والقمل وإن كثر‪ ،‬وعن دم السمك في الصحيح وعن لعاب البغل والحمار‪ ،‬والمذهب‬
‫طهارته‪ ،‬وعن دم الشهيد في حقه وإن كان مسفوحا‪.‬‬
‫ويعفى للضرورة عن بخار النجس وغباره ورماد ه لئل يحكم بنجاسة الخبز في سائر المصار‪ ،‬وعن‬
‫ريح هبت على نجاسة فأصابت الريح الثوب‪ ،‬إل إذا ظهر أثر النجاسة في الثوب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،146-140/1:‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ ،309-295/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص‬
‫‪ 25‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/278‬‬

‫ويعفى عن بعر البل والغنم إذا وقع في البئر أو في الناء ما لم يكثر كثرة فاحشة أو يتفتت‪ ،‬فيتلون‬
‫به الماء‪ .‬والقليل‪ :‬هو ما يستقله الناظر إليه‪ ،‬والكثير‪ :‬مايستفحشه الناظر إليه‪.‬‬
‫وأما خرء الطيور المأكولة التي تذرق في الهواء‪ ،‬فهو طاهر‪ ،‬وإن لم تذرق فهو نجاسة مخففة‪.‬‬
‫وهكذا فإن سبب العفو إما الضرورة‪ ،‬أو عموم البلوى‪ ،‬أو تعذر الحتراز (المتناع) عن النجس‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬مذهب المالكية (‪: )1‬‬
‫يعفى عن القليل من دم الحيوان البري‪ ،‬وعن القليل من الصديد والقيح‪ ،‬وهو بمقدار الدرهم البغلي‪:‬‬
‫وهو الدائرة السوداء الكائنة في ذراع البغل فدون‪ .‬وذلك سواء أكان الدم ونحوه من نفسه أم من غيره‪،‬‬
‫من آدمي أو حيوان ولو من خنزير‪ ،‬بثوب أو بدن أو مكان‪.‬‬
‫ويعفى عن كل ما يعسر التحرز عنه من النجاسات بالنسبة للصلة ودخول المسجد‪ ،‬ل بالنسبة للطعام‬
‫والشراب‪ ،‬فإذا حل ذلك بطعام أو شراب نجّسه‪ ،‬وليجوز أكله وشربه‪ ،‬والمعفو عنه لمشقة الحتراز‬
‫ما يأتي‪:‬‬
‫سلَس الحداث‪ :‬وهو ما خرج بنفسه من غير اختيار من الحداث‪ ،‬كالبول والمذي والمني والغائط‬
‫يسيل من المخرج بنفسه‪ ،‬فيعفى عنه‪ ،‬ول يجب غسله للضرورة إذا لزم كل يوم‪ ،‬ولو مرة‪.‬‬
‫وبلل الباسور (‪ )2‬إذا أصاب البدن أو الثوب كل يوم ولو مرة‪ .‬أما اليد أو الخرقة‪ ،‬فل يعفى عن‬
‫غسلها‪ ،‬إل إذا كثر الرد بها أي إرجاع الباسور‪ ،‬بأن يزيد على المرتين كل يوم‪ ،‬وإل وجب غسلها؛‬
‫لن اليد ل يشق غسلها كالثوب والبدن‪.‬‬
‫وما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط طفلها‪ ،‬ولو لم يكن وليدها‪ ،‬إذا كانت تجتهد‬
‫في درء النجاسة عنها حال نزولها‪ ،‬بخلف المفرّطة‪ .‬ومثلها الجزار والكنّاف والطبيب الذي يعالج‬
‫الجروح‪ ،‬ويندب لها ولمثالها إعداد ثوب خاص للصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،33‬الشرح الكبير‪ ،112 ،81-56/1،58،71:‬الشرح الصغير‪.79-71/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الباسور‪ :‬هو النابت داخل مخرج الغائط بحيث يخرج منه وعليه بلولة النجاسة‪ .‬وخروج الصرم‬
‫كالباسور‪.‬‬

‫( ‪)1/279‬‬
‫وما يصيب ثوب المصلي أو بدنه أو مكانه من بول أو روث خيل أو بغال أو حمير‪ ،‬إذا كان ممن‬
‫يزاول رعيها أو علفها أو ربطها‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬لمشقة الحتراز‪.‬‬

‫أثر ذباب أو ناموس يقع على نجاسة (عَذِرة أو بول أو دم) بأرجله أو فمه‪ ،‬ثم يطير ويحط على ثوب‬
‫أو بدن لمشقة الحتراز‪.‬‬
‫أثر الوشم الذي تعسر إزالته لضرورة (‪. )1‬‬
‫أثر موضع الحجامة إذا مسح بخرقة ونحوها‪ ،‬إلى أن يبرأ المحل‪ ،‬فيغسل‪ ،‬لمشقة غسله قبل برء‬
‫الجرح‪ ،‬فإذا برأ غسل وجوبا أو ندبا على قولين‪.‬‬
‫أثر الدمامل من المِدّة السائلة إذا كثرت‪ ،‬سواء سالت بنفسها أو بعصرها‪ ،‬لن كثرتها مظنة‬
‫ل واحدا فيعفى عما سال منه بنفسه أو بعصر احتيج إليه‪.‬‬
‫الضطرار كالحكة والجرب‪ .‬فإن كانت دم ً‬
‫فإن عصر بغير حاجة لم يعف إل عن قدر الدرهم دون مازاد عليه‪.‬‬
‫دم البراغيث بما دون الدرهم‪ ،‬ل مازاد عنه‪ ،‬وخرء البراغيث ولو كثر‪ .‬والقليل من ميتة القمل‪ ،‬ثلث‬
‫فأقل‪.‬‬
‫الماء الخارج من فم النائم إذا كان من المعدة بحيث يكون أصفر منتنا‪ ،‬إذا لزم‪ ،‬فإن لم يلزم فهو‬
‫نجس‪.‬‬
‫طين المطر‪ ،‬وماؤه المختلط بنجاسة‪ ،‬إذا أصاب الثوب أو الرجل‪ ،‬ما دام طريا في الطرق‪ ،‬ولو بعد‬
‫انقطاع المطر‪ ،‬ما لم تغلب النجاسة على الطين بأن تكون أكثر منه يقينا أو ظنا‪ ،‬وما لم تصب النسان‬
‫عين النجاسة غير المختلطة بغيرها‪ ،‬وما لم يكن له دخل في الصابة بشيء من الطين‪ .‬فإن وجدت‬
‫حالة من هذه الثلث فل عفو ‪ ،‬ويجب الغسل‪ ،‬كما ل عفو بعد جفاف الطرق‪ ،‬لزوال المشقة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح العلي المالك للشيخ عليش‪.112/1:‬‬

‫( ‪)1/280‬‬
‫أثر الستجمار بحجر أو ورق بالنسبة للرجل‪ ،‬إن كان غير زائد على المعتاد‪ .‬أما إن كان منتشرا‬
‫كثيرا‪ ،‬غسل الزائد على ما جرت العادة بتلويثه‪ ،‬ويعفى عن المعتاد‪ .‬ويتعين الماء في الستنجاء‬
‫بالتبول من قبل المرأة‪ ،‬كما سأفصّل في بحث الستنجاء‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬مذهب الشافعية (‪: )1‬‬
‫ل يعفى عن شيء من النجاسات إل ما يأتي‪:‬‬
‫ما ل يدركه البصر المعتدل كالدم اليسير والبول المترشش‪.‬‬
‫القليل والكثير من دم البثرات والبقابيق والدماميل والقروح والقيح والصديد منها‪ ،‬ودم البراغيث‬

‫والقمل والبعوض والبق ونحوه مما ل دم له سائل (‪ ، )2‬وموضع الحجامة والفصد‪ ،‬وونيم الذباب‪،‬‬
‫خفّاش‪ ،‬وسلس البول‪ ،‬ودم الستحاضة‪ ،‬وماء القروح والنفاطات (البقابيق) الذي له ريح‪ ،‬وما‬
‫وبول ال ُ‬
‫ل ريح له في الظهر‪ ،‬لمشقة الحتراز عنه‪.‬‬
‫لكن إذا عصر البثرة أو الدمل أو قتل البرغوث أو فرش أوحمل الثوب الذي فيه ذلك المعفو عنه‪،‬‬
‫عفي عن قليله فقط إذ ل مشقة في تجنبه‪ ،‬ول يعفى عن جلد البرغوث ونحوه‪ .‬كما يعفى في الظهر‬
‫عن قليل دم الجنبي (‪ ، )3‬غير الكلب والخنزير‪ ،‬ومن الجنبي‪ :‬ما انفصل من بدنه ثم أصابه‪ ،‬وسبب‬
‫العفو‪ :‬هو المسامحة‪ ،‬أما دم الكلب ونحوه فل يعفى عن قليله لغلظ حكمه‪ .‬ويتحدد القليل والكثير‬
‫بالعرف ‪ ،‬ويعفى عن قليل الدم الذي يصيب ثوب الجزار‪ ،‬والدم الباقي على اللحم‪.‬‬
‫ويلحظ أن محل العفو عن سائر الدماء ما لم يختلط بأجنبي‪ ،‬فإن اختلط به ولو دم نفسه من موضع‬
‫آخر لم يعف عن شيء منه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ 266/1،292:‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،194-191 ،81/1:‬شرح الباجوري‪104/1،1:‬‬
‫‪ ،07‬حاشية الشرقاوي على تحفة الطلب‪ 133/1:‬ومابعدها‪ ،‬شرح الحضرمية لبن حجر‪ :‬ص ‪50‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬كذباب ونمل وعقرب وزنبور ( دبور ) ووزغ ( وهو البرص )‪ ،‬ل نحو حية وضفدع وفأرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي ماانفصل عن النسان نفسه ثم عاد إليه‪ ،‬لكن لو أخذ دما أجنبيا ولطخ به بدنه أو ثوبه‪ ،‬فإنه‬
‫ليعفى عن شيء منه‪ ،‬لتعديه بذلك‪ ،‬فإن التضمخ بالنجاسة حرام‪.‬‬

‫( ‪)1/281‬‬
‫ويعفى عن أثر محل الستجمار في حق صاحبه دون غيره‪ ،‬حتى ولو عرق محل الثر وانتشر‪ ،‬ولم‬
‫يجاوز محل الستنجاء‪.‬‬
‫ويعفى عما يتعذر الحتراز عنه غالبا من طين الشارع المتيقن نجاسته‪ ،‬في زمن الشتاء‪ ،‬ل في زمن‬
‫الصيف‪ ،‬إذا كان في أسفل الثوب (ذيله)‪ ،‬والرجل‪ ،‬دون الكم واليد‪ ،‬بشرط أل تظهر عين النجاسة‬
‫عليه‪ ،‬وأن يكون المرء محترزا عن إصابتها بحيث ل يرخي ذيل ثيابه‪ ،‬وأن تصيبه النجاسة وهو‬
‫ماش أو راكب‪ ،‬ل إن سقط على الرض‪.‬‬
‫فيكون ضابط القليل المعفو عنه‪ :‬هو الذي ل ينسب صاحبه إلى سقطة على شيء‪ ،‬أو كبوة على‬
‫وجهه‪ ،‬أو قلة تحفظ‪ ،‬فإن نسب إلى ذلك‪ ،‬فل يعفى عنه‪.‬‬

‫فإن لم يكن الطين متيقن النجاسة‪ ،‬وإنما يغلب على الظن اختلطه بها كغالب الشوارع‪ ،‬فهو وأمثاله‬
‫كثياب الخمارين والطفال والجزارين والكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسة‪ ،‬طاهر في الصح‬
‫ل بالصل‪ .‬وإن لم تظن نجاسته فهو طاهر قطعا‪ ،‬كما أن ماء الميزاب الذي تظن نجاسته طاهر‬
‫عم ً‬
‫جزما‪.‬‬
‫ويعفى عن ميتة دود الفاكهة والخل والجبن المتخلقة فيها ما لم تخرج منه ثم تطرح فيه بعد موتها‪،‬‬
‫وما لم تغيره‪ ،‬وعن النفحة المستعملة للجبن‪،‬والكحول المستخدم في الدوية والعطور‪ ،‬وعن دخان‬
‫النجاسة‪ ،‬وعن القليل من بخار الماء النجس المنفصل بواسطة النار‪ ،‬وعن الخبز المسخن أو المدفون‬
‫في رماد نجس‪ ،‬وإن علق به شيء منه‪ ،‬وعن الثياب المنشورة على الحيطان المبنية برماد نجس‪،‬‬
‫لمشقة الحتراز‪ .‬ويعفى عن الميتة التي ل دم لها سائل إذا وقعت بنفسها في مائع كالذباب والنحل‬
‫والنمل‪ ،‬ولم تغير المائع الذي وقعت فيه‪.‬‬
‫ويعفى عن خرء الطيور في الفرش والرض إن شق الحتراز عنه‪ ،‬ولم يتعمد المشي عليه‪ ،‬ولم يكن‬
‫أحد الجانبين رطبا‪ ،‬إل للضرورة كأن يتعين محل المرور فيه‪.‬‬

‫( ‪)1/282‬‬
‫ويعفى عن قليل شعر نجس كشعرة أو شعرتين‪ ،‬من غير كلب أو خنزير أو ما تولد منهما أو من‬
‫أحدهما مع غيره‪ ،‬فذلك منهما وإن قل غير معفو عنه‪ .‬ويعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر‬
‫الحتراز عنه‪.‬‬
‫ومن المعفو عنه‪ :‬أثر الوشم (‪ ، )1‬وروث السمك في الماء إذا لم يغيره‪ ،‬والدم الباقي على اللحم أو‬
‫العظم‪ ،‬ولعاب النائم الخارج من المعدة في حق المبتلى به‪ ،‬ومايصيب قائد الحيوان وسائسه ونحوهما‬
‫من جرّة البعير ونحوه من الحيوانات المجترة‪ ،‬وروث البهائم وبولها حين درس الحب‪ ،‬وروث الفأر‬
‫في مجمع الماء في المراحيض إذا كان قليلً ولم يغير أحد أوصاف الماء‪ ،‬وروث المحلوبة ونجاسة‬
‫ثديها إذا وقع في اللبن حال حلبه‪ ،‬وأثر روث البهائم المختلط بالطين‪ ،‬الذي يصيب عسل خليا النحل‪،‬‬
‫ونجاسة فم الصبي عند إرضاعه أو تقبيله‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬مذهب الحنابلة (‪: )2‬‬
‫ل يعفى عن يسير نجاسة‪ ،‬ولو لم يدركها الطرف (أي البصر) كالذي يعلق بأرجل ذباب ونحوه‪،‬‬
‫لعموم قوله تعالى‪{ :‬وثيابك فطهر} [المدثر‪ ،]4/74:‬وقول ابن عمر‪« :‬أمرنا أن نغسل النجاس سبعا»‬
‫وغير ذلك من الدلة‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الوشم‪ :‬غرز الجلد بالبرة حتى يخرج الدم‪ ،‬ثم يوضع عليه نحو نيلة ليزرق‪ ،‬أو يخضر بسبب‬
‫الدم الحاصل بغرز البر‪ .‬وهو حرام لخبر الصحيحين‪ « :‬لعن ال الواصلة والمستوصلة والواشمة‬
‫والمستوشمة‪ ،‬والواشرة والمستوشرة‪ ،‬والنامصة والمتنمصة» وتجب إزالته مالم يخف ضررا يبيح‬
‫التيمم‪ ،‬فإن خاف ذلك لم تجب إزالته ول إثم عليه بعد التوبة‪ .‬وهذا إذا فعله برضاه بعد البلوغ‪ .‬وإل‬
‫فل تلزمه إزالته ( مغني المحتاج‪ )191/1:‬وقال الحنفية‪ :‬يطهر محل الوشم إذا غسل لنه أثر يشق‬
‫زواله ( رد المحتار‪.) 305/1:‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،83-30/1،78/2:‬كشاف القناع‪.221-218/1:‬‬

‫( ‪)1/283‬‬
‫إل أنه يعفى عن يسير دم وقيح وصديد وماء قروح في غير مائع ومطعوم‪ ،‬لنه يشق التحرز عنه‪،‬‬
‫وذلك إذا كان من حيوان طاهر حال حياته‪ ،‬من آدمي أو غير آدمي مأكول اللحم كإبل وبقر‪ ،‬أول كهر‬
‫ونحوه من غير سبيل (قبل أو دبر)فإن وقع في مائع أو مطعوم‪ ،‬أو كان من حيوان نجس كالكلب‬
‫والخنزير‪ ،‬والحمار والبغل‪ ،‬أو خرج من أحد السبيلين (القبل أو الدبر) حتى دم حيض ونفاس‬
‫واستحاضة‪ ،‬فليعفى فيه عن شيء من ذلك‪.‬‬
‫ويعفى عن أثر الستجمار (‪ )1‬بعد النقاء واستيفاء العدد المطلوب في الستجمار‪ .‬وعن يسير طين‬
‫شارع تحققت نجاسته لمشقة التحرز منه‪.‬‬
‫وعن يسير سلس بول‪ ،‬مع كمال التحفظ منه‪ ،‬للمشقة‪.‬‬
‫وعن يسير دخان نجاسة وغبارها وبخارها‪ ،‬ما لم تظهر له صفة في الشيء الطاهر‪ ،‬لعسر التحرز‪.‬‬
‫وعن ماء قليل نجس بماء معفو عن يسيره‪.‬‬
‫وعن النجاسة التي تصيب العين‪ ،‬ويتضرر المرء بغسلها‪.‬‬
‫وعن أثر الدم الكثير ونحوه كالقيح الواقع على جسم صقيل بعد المسح؛ لن الباقي بعد المسح يسير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يعفى عن النجاسات المغلظة لجل محلها في ثلثة مواضع‪:‬‬
‫أحدها ـ محل الستنجاء‪ ،‬يعفى عن أثر الستجمار بعد النقاء واستيفاء العدد بغير خلف نعلمه‪.‬‬
‫الثاني ـ أسفل الخف والحذاء‪ ،‬إذا أصابته نجاسة فدلكها بالرض حتى زالت عين النجاسة‪ ،‬فيه ثلث‬
‫روايات‪ :‬إحداهن ـ يجزئ دلكه بالرض وتباح الصلة فيه‪ ،‬ويظهر أن هذه الرواية هي الراجحة كما‬

‫أوضح ابن قدامة‪.‬‬
‫الثالث ـ إذا جبر عظمه بعظم نجس‪ ،‬فجبر‪ ،‬لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر‪ ،‬وأجزأته صلته‬
‫(المغني‪ 83/2:‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/284‬‬
‫وعدوا من الطاهرات‪ :‬دم العروق من مأكول اللحم‪ ،‬لنه ل يمكن التحرز منه‪ ،‬ودم السمك‪ ،‬ودم‬
‫الشهيد الذي عليه ولو كثر‪ ،‬ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما ل نفس له سائلة‪،‬‬
‫والكبد والطحال من مأكول‪ ،‬لحديث‪« :‬أحل لنا ميتتان ودمان» ‪ ،‬ودود القز وبزره‪ ،‬والمسك وفأرته‪:‬‬
‫وهي سرّة الغزال‪ ،‬والعنبر لقول ابن عباس ـ فيما ذكره البخاري‪« :‬العنبر شيء دسره البحر» أي‬
‫دفعه ورمى به‪ ،‬وما يسيل من فم النائم وقت النوم‪ ،‬كما سبق بيانه‪ ،‬والبخار الخارج من الجوف‪ ،‬لنه‬
‫ل تظهر له صفة بالمحل‪ ،‬ول يمكن التحرز منه‪ ،‬والبلغم ولو أزرق‪ ،‬سواء أكان من الرأس أم الصدر‬
‫أم المعدة‪ ،‬لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعا‪« :‬فإذا تنخع أحدكم‪ ،‬فليتنخع عن يساره‪ ،‬أو تحت‬
‫قدمه‪ ،‬فإن لم يجد فليقل هكذا‪ ،‬فتفل في ثوبه‪ ،‬ثم مسح بعضه ببعض» ولو كانت النخامة نجسة لما أمر‬
‫بمسحها في ثوبه‪ ،‬وهو في الصلة‪.‬‬
‫وبول سمك ونحوه مما يؤكل‪ ،‬كل ذلك طاهر‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء ‪:‬‬
‫المواضع التي تزال عنها النجاسة الحقيقية ثلثة‪ :‬هي البدان‪ ،‬والثياب‪ ،‬ومواطن الصلة‪.‬‬
‫وقد عرفنا في بحث المطهرات‪ :‬أن الماء الطهور هو الصل في إزالة النجاسة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم لسماء بنت أبي بكر في كيفية تطهير ثوبها من الحيض‪« :‬تحتّه‪ ،‬ثم تقرصه بالماء»(‪. )1‬‬
‫وعرفنا أيضا أن الرأي الراجح في النجاسة الحقيقية ل الحكمية عند الحنفية‪ :‬هو جواز التطهير‬
‫بالمائعات الخرى غير الماء كماء الورد والخل وعصير الفواكه والنباتات‪ ،‬وأنه يمكن التطهير‬
‫بمطهرات أخرى كثيرة هي (‪ )21‬مطهرا عند الحنفية وافقهم في بعضها غيرهم‪ ،‬وخالفهم في البعض‬
‫الخر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الوطار‪.)38/1:‬‬

‫( ‪)1/285‬‬

‫وأما كيفية التطهير بالماء أو شروطه فهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬العدد‪:‬‬
‫اشترط الحنفية العدد في النجاسة غير المرئية وهو الغسل ثلثا فقالوا‪ :‬إن كانت النجاسة غير مرئية‬
‫كالبول وأثر لعاب الكلب ونحوهما‪ ،‬فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر‪ ،‬ول‬
‫يطهر إل بالغسل ثلث مرات‪ ،‬وإنما قدروا التكرار بالثلث ولو في نجاسة الكلب؛ لن غالب الظن‬
‫يحصل عنده‪ ،‬فأقيم السبب الظاهر مُقَامه تيسيرا‪.‬‬
‫ودليلهم حديثان هما‪« :‬يغسل الناء من ولوغ الكلب ثلثا» (‪ )2‬و «إذا استيقظ أحدكم من نومه‪،‬‬
‫فليغسل يده ثلثا قبل أن يدخلها في إنائه» (‪ ، )3‬فقد أمر صلّى ال عليه وسلم بالغسل ثلثا‪ ،‬وإن كان‬
‫هناك شيء غير مرئي‪ ،‬وأما المر بالغسل سبعا من ولوغ الكلب‪ ،‬فكان في ابتداء السلم‪ ،‬لقلع عادة‬
‫الناس بإلف الكلب‪ ،‬كالمر بكسر الدنان والنهي عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر عند الحنفية‪ :‬البدائع‪ ،89-87/1 :‬الدر المختار‪ ،310-303/1:‬فتح القدير‪ ،145/1:‬اللباب‪:‬‬
‫‪ ،57/1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪26‬ومابعدها‪ ،‬وعند المالكية‪ :‬بداية المجتهد‪ ،83/1:‬الشرح الصغير‪-81/1:‬‬
‫‪ ،82‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،35‬وعند الشافعية‪ :‬المجموع‪ ،188/1:‬مغني المحتاج‪،85-83/1 :‬‬
‫المهذب‪ 48/1:‬ومابعدها‪ ،‬وعند الحنابلة ‪ :‬المغني‪ ،58-52/1:‬كشاف القناع‪.208/1،213:‬‬
‫(‪ )2‬روي عن أبي هريرة من طريقين‪ :‬الول عند الدارقطني ‪ ،‬وفيه متروك‪ .‬وله رواية أخرى بإسناد‬
‫صحيح‪ ،‬والثاني عند ابن عدي في الكامل‪ ،‬وابن الجوزي‪ ،‬وهو حديث لم يصح (نصب الراية‪130/1:‬‬
‫ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مالك والشافعي وأحمد في مسنده وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة‪ ،‬وهو حديث‬
‫صحيح حسن‪.‬‬

‫( ‪)1/286‬‬
‫وأما إن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه‪ ،‬فطهارتها زوال عينها ولو بمرة على الصحيح‪ ،‬إل أن‬
‫يبقى من أثرها‪ ،‬كلون أو ريح‪ ،‬ما يشق إزالته‪ ،‬فل يضر بقاؤه‪ ،‬ويغسل إلى أن يصفو الماء‪ ،‬على‬
‫الراجح‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم للحائض إن لم يخرج أثر الدم‪« :‬يكفيك الماء‪ ،‬ول يضرك‬
‫أثره» (‪. )1‬‬
‫وتظهر المشقة عندما يحتاج في إزالة الثر إلى غير الماء القَرَاح كصابون أو ماء حار‪.‬‬

‫وعليه‪ :‬يطهر الثوب المصبوغ بمتنجس إذا صار الماء صافيا مع بقاء اللون‪.‬‬
‫ول يضر أثر دهن متنجس على الصح لزوال النجاسة المجاورة بالغسل‪ ،‬ويطهر السمن والدهن‬
‫المتنجس بصب الماء عليه ورفعه عنه ثلثا‪.‬‬
‫ويطهر اللبن والعسل والدبس والدهن بالغلي على النار ثلثا‪ ،‬فيصب عليه الماء‪ ،‬ويغلى‪ ،‬حتى يعلو‬
‫الدهن‪ ،‬ويرفع بشيء ثلث مرات‪.‬‬
‫ويطهر لحم طبخ بخمر بغلي وتبريد ثلث مرات‪ .‬وعلى هذا‪ :‬الدجاج المغلي قبل إخراج أمعائها‪،‬‬
‫يطهر بالغسل ثلثا‪ ،‬ويطهر ظاهره وباطنه‪ ،‬على المفتى به‪ .‬وإذا وضع الدجاج بقدر انحلل المسام‬
‫لنتف ريشه‪ ،‬يطهر بالغسل ثلثا‪.‬‬
‫والحنطة المطبوخة في خمر ل تطهر أبدا‪ ،‬على المفتى به‪ .‬أما لو انتفخت من بول‪ ،‬نقعت وجففت‬
‫ثلثا‪ .‬ولو عجن خبز بخمر صب فيه خل‪ ،‬حتى يذهب أثره‪ ،‬فيطهر‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬ل يكفي في غسل النجاسة إمرار الماء‪ ،‬بل ول بد من إزالة عين النجاسة وأثرها‪ ،‬بأن‬
‫ينفصل الماء طاهرا‪ ،‬ويزول طعم النجاسة قطعا‪ ،‬ويزول لونها وريحها إن تيسر زوالهما‪ ،‬ول يضر‬
‫بقاء لون أو ريح عسر زواله‪ ،‬كالمصبوغ بالنجاسة من زعفران متنجس أو نيلة ونحوهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة‪« :‬أن خولة بنت يسار قالت‪ :‬يارسول‬
‫طهُرتِ‪ ،‬فاغسلي موضع الدم‪ ،‬ثم صلّي فيه‪،‬‬
‫ال‪ ،‬ليس لي إل ثوب واحد‪ ،‬وأنا أحيض فيه؟! قال‪ :‬فإذا َ‬
‫قالت‪:‬يارسول ال‪ ،‬إن لم يخرج أثره؟ قال‪ :‬يكفيك الماء‪ ،‬وليضرك أثره» وسنده ضعيف ـ (نيل‬
‫الوطار‪.)40/1:‬‬

‫( ‪)1/287‬‬
‫ول يشترط عدد معين للغسل أصلً؛ لن المفهوم من المر بإزالة النجاسة إزالة عينها‪ .‬وأما العدد‬
‫المشترط في غسل الناء سبعا من ولوغ الكلب‪ ،‬فهو عبادة للنجاسة ‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬ما نجس بملقاة شيء ( من لعاب أو بول‪ ،‬وسائر الرطوبات‪ ،‬والجزاء‬
‫الجافة إذا لقت رطبا) من كلب أو خنزير‪ ،‬وما تولد منهما‪ ،‬أو من أحدهما من حيوان طاهر‪ ،‬يغسل‬
‫سبع مرات إحداهن بالتراب الطاهر‪ ،‬ولو غبار رمل‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬يغسل الناء إذا‬
‫ولغ فيه الكلب سبع مرات‪ ،‬أولهن أو أخراهن بالتراب» (‪ )1‬وفي حديث عبد ال بن المغفل‪« :‬إذا‬
‫ولغ الكلب في الناء‪ ،‬فاغسلوه سبع مرات‪ ،‬وعفروه الثامنة بالتراب» (‪. )2‬‬

‫ويقاس الخنزير على الكلب؛ لنه أسوأ حالً منه‪ ،‬وشر منه‪ ،‬لنص الشارع على تحريمه‪ ،‬وتحريم‬
‫اقتنائه‪ ،‬فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه‪ ،‬وإنما لم ينص الشارع عليه؛ لنهم لم يكونوا يعتادونه‪.‬‬
‫والغسلة الولى أولى بجعل التراب فيها للخبر الوارد‪ ،‬وليأتي الماء بعده‪ ،‬فينظفه‪ ،‬ول بد من استيعاب‬
‫المحل المتنجس بالتراب‪ ،‬بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس‪.‬‬
‫والظهر عند الشافعية تعين التراب‪ ،‬فل يكفي غيره كأشنان وصابون‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة‪ .‬وفي لفظ لمسلم وأبي داود‪« :‬طهور إناء أحدكم إذا‬
‫ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات » ورواه مالك في الموطأ بلفظ‪ ( :‬إذا شرب ) بدل ( إذا ولغ)‬
‫وغير مالك كلهم يقولون‪ ( :‬إذا ولغ) ( نصب الراية‪.)133/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم ( نصب الراية‪.)133/1:‬‬

‫( ‪)1/288‬‬
‫ويقوم عند الحنابلة الشنان والصابون والنخالة ونحوها من كل ماله قوة في الزالة‪ ،‬مقام التراب‪ ،‬ولو‬
‫مع وجوده‪ ،‬وعدم تضرر المحل به‪ ،‬لن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف‪.‬‬
‫وإذا أضر التراب بالمحل فيكفي مسماه أي أقل شيء يسمى ترابا يوضع في ماء إحدى الغسلت‪،‬‬
‫للنهي عن إفساد المال‪ ،‬ولحديث ‪« :‬إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (‪. )1‬‬
‫وأما نجاسة غير الكلب والخنزير فتطهر عند الحنابلة بسبع مرات منقية دون تراب‪ ،‬لقول ابن عمر‪:‬‬
‫«أمرنا أن نغسل النجاس سبعا» فينصرف إلى أمره صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقد أمر به في نجاسة‬
‫الكلب‪ ،‬فيلحق به سائر النجاسات‪ ،‬والحكم ل يختص بمورد النص‪ ،‬بدليل إلحاق البدن والثوب به‪،‬‬
‫وكذلك محل الستنجاء يغسل سبعا كغيره‪ .‬فإن لم ينق المحل المتنجس بالسبع‪ ،‬زاد في الغسل حتى‬
‫ينقى المحل‪ .‬وليضر بقاء لون النجاسة أو ريحها أو هما معا حالة العجز عن إزالتهما‪ ،‬لحديث خولة‬
‫بنت يسار السابق‪« :‬يكفيك الماء‪ ،‬ول يضرك أثره» ‪ .‬ويضر بقاء طعم النجاسة لدللته على بقاء‬
‫عينها‪ ،‬ولسهولة إزالته‪.‬‬
‫وأما عند الشافعية في نجاسة غير الكلب والخنزير‪ :‬فإن كانت النجاسة مرئية (عينية)‪ :‬وهي التي‬
‫تدرك بإحدى الحواس‪ ،‬وجبت إزالة عينها وطعمها ولونها ورائحتها‪ .‬ويجب نحو صابون إن توقفت‬
‫الزالة عليه‪.‬‬
‫ول يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله‪ ،‬كما قرر الفقهاء بالتفاق‪ ،‬ويضر بقاؤهما معا‪ ،‬أو بقاء الطعم‬

‫وحده‪ .‬وليشترط عدد معين للغسلت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة‪ « :‬ذروني ما تركتكم‪ ،‬فإنما هلك من كان‬
‫قبلكم بكثرة مسائلهم‪ ،‬واختلفهم على أنبيائهم‪ ،‬فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم‪ ،‬وإذا نهيتكم‬
‫عن شيء فدعوه » وهو حديث صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/289‬‬
‫وإن كانت النجاسة غير مرئية (ل عين عليها)‪ :‬وهي ما تيقن وجودها ول يدرك لها طعم ول لون ول‬
‫ريح‪ ،‬كفى جري الماء عليها مرة‪ ،‬كبول جف ولم يبق له أثر‪ .‬والجري‪ :‬هو وصول الماء إلى المحل‬
‫بحيث يسيل عليه زائدا على النضح‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬العصر فيما يمكن عصره ويتشرب كثيرا من النجاسة ‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن كان محل النجاسة مما يتشرب كثيرا من النجاسة‪ :‬فإن كان مما يمكن عصره كالثياب‪:‬‬
‫فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول عين النجاسة‪ ،‬إن كانت النجاسة مرئية‪ .‬وبالغسل ثلثا‬
‫والعصر في كل مرة إن كانت غير مرئية؛ لن الماء ليستخرج كثير النجاسة إل بالعصر‪ ،‬ول يتم‬
‫الغسل بدونه‪.‬‬
‫أما إن كان محل النجاسة مما ل يتشرب شيئا أصلً من النجاسة كالواني الخزفية والمعدنية‪ ،‬أو مما‬
‫يتشرب شيئا قليلً من النجاسة كالجسد والخف والنعل‪ ،‬فطهارته بزوال عين النجاسة‪.‬‬
‫وأما إن كان مما ل يعصر كالحصير والسجاد والخشب‪ :‬فينقع في الماء ثلث مرات‪ ،‬ويجفف في كل‬
‫مرة‪ ،‬وهو قول أبي يوسف‪ ،‬وهو الرأي الراجح‪ ،‬وقال محمد‪ :‬ل يطهر أبدا‪ .‬وأما تطهير الرض‪ :‬فإن‬
‫كانت رخوة‪ ،‬فيصب الماء عليها‪ ،‬حتى يتسرب في أسفل الرض‪ ،‬وتزول النجاسة‪ ،‬ول يشترط فيها‬
‫العدد‪ ،‬وإنما بحسب الجتهاد وغلبة الظن بطهارتها‪ ،‬ويقوم تسرب الماء أو تسفله مقام العصر‪ ،‬وعلى‬
‫قياس ظاهر الرواية‪ :‬يصب الماء عليها ثلث مرات‪ ،‬ويتسفل في كل مرة‪ .‬وإن كانت صلبة فإن كان‬
‫في أسفلها حفرة أو بالوعة يصب الماء عليها ثلث مرات ويزال عنها إلى الحفرة‪.‬وإن لم يكن لها‬
‫منفذ للماء ل تغسل لعدم الفائدة في الغسل‪ .‬وتطهر عند الشافعية بمكاثرة الماء عليها‪ ،‬كما سأبيّن قريبا‪.‬‬
‫ولم يشترط غير الحنفية العصر فيما يمكن عصره‪ ،‬إذ البلل بعض المنفصل‪ ،‬وقد فرض طهره‪.‬‬
‫ومرجع الخلف هو حكم الغسالة التي بيانه‪ ،‬هل هي طاهرة أو نجسة‪ ،‬إن حكم بطهارتها لم يجب‬
‫العصر‪ ،‬وإل وجب‪ .‬لكن يسن العصر خروجا من الخلف‪.‬‬

‫( ‪)1/290‬‬
‫أما مال يمكن عصره فل يشترط فيه العصر‪ ،‬بل خلف‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬الصب أو إيراد الماء على النجاسة (الغسل في الواني)‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬ل يشترط صب الماء أو وروده على محل النجاسة‪ ،‬فيطهر الغسل في الواني‪ ،‬وغسل‬
‫الثوب المتنجس أو البدن المتنجس‪ ،‬بتبديل الماء بماء جديد‪ ،‬ثلث مرات‪ ،‬والعصر في كل مرة‪،‬‬
‫ويغسل الناء بعد الغسلة الولى ثلثا‪ ،‬وبعد الثانية مرتين‪ ،‬وبعد الثالثة مرة واحدة‪ ،‬وذلك إذا حدث‬
‫الغسل في إناء واحد‪ ،‬أما إن غسل في آنية ثلثة‪ ،‬فكل إناء ينوب عن تبديل الماء مرة‪.‬‬
‫لكن المعتبر ـ كما أبنت وكما أوضح ابن عابدين (‪ )1‬ـ في تطهير النجاسة المرئية‪ :‬زوال عينها‪،‬‬
‫ولو بغسلة واحدة‪ ،‬ولو في إناء واحد (إجانة‪ :‬إناء تغسل فيه الثياب) فل يشترط فيها تثليث غسل ول‬
‫عصر‪ .‬وأما غير المرئية فالمعتبر فيها غلبة الظن في تطهيرها‪ ،‬بل عدد‪ ،‬على المفتى به‪ ،‬وقيل‪ :‬مع‬
‫شرط التثليث‪.‬‬
‫وهذا المفتى به عند الحنفية يقترب من مذهب المالكية القائلين بإزالة عين النجاسة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يشترط ورود الماء‪ ،‬ل العصر في الصح‪ .‬أي يشترط ورود الماء على محل النجاسة‪،‬‬
‫إن كان الماء قليلً‪ ،‬لئل يتنجس الماء لو عكس المر‪ ،‬لن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه‪ .‬فلو‬
‫وضع ثوبا في إجّانة وفيه دم معفو عنه‪ ،‬وصب الماء عليه تنجس بملقاته‪ ،‬وتجب المبالغة في‬
‫الغرغرة عند غسل فمه المتنجس‪ ،‬ويحرم ابتلع نحو طعام قبل ذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار ‪.308/1:‬‬

‫( ‪)1/291‬‬
‫هذا‪ ...‬وقد اتفق الحنفية مع غيرهم على أن المتنجس إذا غسل في ماء جار‪ ،‬أو غدير (أي ماء كثير‬
‫له حكم الجاري) أو صب عليه ماء كثير‪ ،‬أو جرى عليه الماء‪ ،‬طهر مطلقا‪ ،‬بل شرط عصر‬
‫وتجفيف‪ ،‬وتكرار غمس‪ ،‬لن الجريان بمنزلة التكرار والعصر (‪. )1‬‬
‫تطهير الرض النجسة بالمكاثرة‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )2‬إذا كانت الرض المتنجسة صلبة منحدرة‪ ،‬يحفر في أسفلها حفرة‪ ،‬ويصب الماء‬
‫عليها ثلث مرات‪ ،‬ويزال عنها إلى الحفرة‪ ،‬بدليل ما أخرجه الدارقطني عن أنس في قصة العرابي‬

‫الذي بال في المسجد‪ « :‬احفروا مكانه‪ ،‬ثم صبوا عليه » (‪ . )3‬ول تطهر الرض بمكاثرة الماء‪.‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ : )4‬تطهر الرض النجسة بالصب ومكاثرة الماء عليها أي كثرة إفاضة أو طرح‬
‫الماء عليها‪ ،‬حتى تغمر النجاسة‪ .‬لحديث أبي هريرة قال‪« :‬قام أعرابي‪ ،‬فبال في المسجد‪ ،‬فقام إليه‬
‫سجْلً من ماء أو ذَنُوبا‬
‫الناس ليقعوا به‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬دعوه‪ ،‬وأريقوا على بوله َ‬
‫من ماء‪ ،‬فإنكم بعثتم ميسرين‪ ،‬ولم تبعثوا مُعسّرين» (‪. )5‬‬
‫وأما تطهير الماء النجس بالمكاثرة ففيه تفصيل عند الشافعية (‪: )6‬‬
‫أ ـ إن كانت نجاسته بالتغير‪ ،‬وهو أكثر من قلتين‪ ،‬طهر‪ ،‬بأن يزول التغير بنفسه‪ ،‬أو بأن يضاف إليه‬
‫ماء آخر‪ ،‬أو بأن يؤخذ بعضه؛ لن النجاسة بالتغير‪ ،‬وقد زال‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان نجاسته بالقلة‪ ،‬بأن يكون دون القلتين‪ ،‬طهر بأن يضاف إليه ماء آخر‪ ،‬حتى يبلغ‬
‫قلتين‪ ،‬سواء كوثر بماء طاهر أو نجس‪ ،‬كثير أو قليل‪.‬‬
‫ويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين‪ ،‬كالرض النجسة إذا طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة‪،‬‬
‫ليراد الماء على النجاسة (‪. )7‬‬
‫لكن الماء الذي طهر بالمكاثرة‪ ،‬دون أن يبلغ قلتين‪ ،‬هو طاهر غير مطهر؛ لن المستعمل في إزالة‬
‫النجاسة ل تجوز الطهارة به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪.89/1 :‬‬
‫(‪ )3‬لكنه حديث معلول بتفرد عبد الجبار به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ (نيل الوطار‪.)42/1:‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الصغير‪ ،82/1:‬المهذب‪ ،7/1:‬المجموع‪188/1:‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،213/1:‬المغني‪:‬‬
‫‪.94/2‬‬
‫(‪ )5‬رواه الجماعة إل مسلما‪ ،‬والسجل أو الذنوب‪ :‬الدلو ملى‪ ،‬وروى أحمد والشيخان في معناه حديثا‬
‫آخر‪ ،‬جاء فيه‪ « :‬لتُزْرموه دعوه » أي ل تقطعوه ( نيل الوطار‪.)43-41/1:‬‬
‫(‪ )6‬المهذب‪ ،7-6/1:‬المجموع‪.)195-183/1:‬‬
‫(‪ )7‬قال النووي‪ :‬وأما ما يخترعه بعض الحنفية ويقول‪ :‬إن مذهب الشافعي أنه لو كان الماء قلتين إل‬
‫كوزا‪ ،‬فكمله ببول‪ ،‬طهر‪ ،‬فبهتان‪ ،‬ل يعرفه أحد من أصحابنا ( المجموع‪.)190/1:‬‬

‫( ‪)1/292‬‬

‫وأما إذا كان الماء أكثر من قلتين‪ ،‬والنجاسة الواقعة جامدة‪ ،‬فالمذهب أنه تجوز الطهارة منه‪ ،‬لنه ل‬
‫حكم للنجاسة القائمة‪ ،‬فكان وجودها كعدمها‪.‬‬
‫وإن كان الماء قلتين فقط‪ ،‬وفيه نجاسة قائمة‪ ،‬ففيه وجهان‪ ،‬أصحهما جواز الطهارة به‪.‬‬
‫وإن كانت النجاسة ذائبة جازت الطهارة به على الصحيح‪.‬‬
‫التطهير بالماء الجاري‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬يختلف حكم الماء الجاري عن الراكد‪ .‬والجاري‪ :‬هو ما يعده الناس جاريا عرفا‪.‬‬
‫وألحقوا بالجاري‪ :‬حوض الحمام وغير الحمام إذا كان الماء ينزل من أعله‪ ،‬والناس يغترفون منه‪،‬‬
‫فلو أدخلت ال َقصْعة أو اليد النجسة فيه‪ ،‬لينجس‪.‬‬
‫طعْم أو لون أو ريح‪ ،‬فهو طاهر مطهر‪ ،‬يجوز‬
‫وحكمه‪ :‬أنه إذا وقعت النجاسة فيه‪ ،‬ولم ير لها أثر من َ‬
‫الوضوء به‪ ،‬وإزالة النجاسة به؛ لن النجاسة إذا كانت مائعة ل تستقر مع جريان الماء‪.‬‬
‫أما إذا كانت دابة ميتة‪ :‬فإن كان الماء يجري عليها أو على أكثرها‪ ،‬أو نصفها‪ ،‬ل يجوز استعماله‪،‬‬
‫وإن كان يجري على أقلها‪ ،‬وأكثره يجري على موضع طاهر‪ ،‬وللماء قوة‪ ،‬فإنه يجوز استعماله‪ ،‬إذا لم‬
‫يوجد أثر للنجاسة‪.‬‬
‫والغدير (‪ )2‬والحوض العظيم الراكد‪ :‬وهو في رأي العراقيين‪ :‬الذي ليتحرك أحد طرفيه بتحريك‬
‫الطرف الخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه‪ .‬وفي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،180-173/1:‬اللباب‪ ،27/1:‬فتح القدير‪.56-53/1:‬‬
‫(‪ )2‬هو القطعة من الماء يغادرها السيل‪.‬‬

‫( ‪)1/293‬‬
‫ظاهر الرواية وهو الصح‪ :‬هو الذي يغلب على ظن المرء واجتهاده عدم وصول النجاسة فيه إلى‬
‫الجانب الخر‪ .‬يجوز الوضوء وإزالة النجاسة به من الجانب الخر الذي لم تقع فيه النجاسة؛ لن‬
‫الظاهر أن النجاسة ل تصل إلى الجانب الخر‪ ،‬كما أن المفتى به جواز التطهر به من جميع‬
‫الجوانب‪.‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ )1‬الماء الجاري كالراكد‪ ،‬إن كان كثيرا ل تضره النجاسة‪ ،‬التي لم تغير أحد‬
‫أوصافه ( الطعم واللون والريح) فهو طاهر‪ ،‬وإن كان قليلً تنجس مجموعه بمجرد الملقاة‪.‬‬
‫ول حد للكثرة عند المالكية‪ .‬والكثير عند الشافعية والحنابلة‪ :‬ما بلغ قلتين (‪ 500‬رطل بغدادي تقريبا)‪.‬‬

‫والعبرة في الجاري بالجرية‪ :‬وهي كما عرفها الشافعية‪ :‬ما يرتفع من الماء عند تموّجه‪ :‬أي تحقيقا‬
‫أوتقديرا‪ ،‬فإن كبرت الجرية لم تنجس إل بالتغير‪ ،‬وهي في نفسها منفصلة عما أمامها وما خلفها من‬
‫الجريات حكما‪.‬‬
‫والجرية عند الحنابلة‪ :‬هي الماء الذي فيه النجاسة‪ ،‬وما قرب منها‪ ،‬من خلفها وأمامها‪ ،‬مع ما يحاذي‬
‫ذلك مما بين طرفي النهر‪ .‬أو هي ما أحاط بالنجاسة فوقها وتحتها‪ ،‬ويمنة ويسرة‪ .‬والتعريفان‬
‫مترادفان‪.‬‬
‫فإن كان الماء جاريا‪ ،‬وفيه نجاسة جارية‪ ،‬كالميتة‪ ،‬والجرية المتغيرة‪ ،‬فالماء الذي قبلها طاهر؛ لنه لم‬
‫يصل إليه النجاسة‪ ،‬فهو كالماء الذي يصب على النجاسة من إبريق‪ ،‬والذي بعدها طاهر أيضا؛ لنه لم‬
‫تصل إليه النجاسة‪ .‬وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها‪ :‬فإن كان قلتين ولم‬
‫يتغير‪ ،‬فهو طاهر‪ ،‬وإن كان دونهما‪ ،‬فهو نجس كالراكد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،23/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،30‬الشرح الصغير‪30/1 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‬
‫‪ ،24/1:‬المهذب‪ ،7/1:‬كشاف القناع‪40/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪ 31/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/294‬‬
‫وينظر إلى أجزاء الجرية الواحدة‪ ،‬بعضها ببعض‪ :‬وهي ما يرتفع وينخفض بين حافتي النهر من الماء‬
‫عند تموجه‪ .‬أما الجريات فل يتقوى بعضها ببعض‪ ،‬فلو وقعت فيه نجاسة‪ ،‬وجرت بجرية‪ ،‬فموضع‬
‫الجرية المتنجس بها نجس‪ ،‬وأما المارة بعدها‪ ،‬فلها حكم غسالة النجاسة‪ ،‬فلو كانت النجاسة كلبا‪ ،‬فل‬
‫بد من سبع جريات مع كدورة الماء بالتراب الطهور في إحداهن‪.‬‬
‫ويعرف كون الجرية قلتين بأن تمسح‪ ،‬وتضرب ذراعا وربعا‪ ،‬طولً وعرضا وعمقا‪.‬‬
‫وإذا كان أمام الماء الجاري ارتفاع يرده‪ ،‬فله حكم الراكد‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه إذا وردت النجاسة على الماء تنجس الماء إجماعا‪ ،‬وإذا ورد الماء على نجس تنجس (‬
‫‪. )1‬‬
‫المبحث الرابع ـ حكم الغُسَالة‪:‬‬
‫ال ُغسَالة‪ :‬هي الماء المستعمل في إزالة حدث أو خبث أي إزالة النجاسة الحكمية أو الحقيقية‪ .‬وحكمها‬
‫عند الجمهور غير الحنفية أنها طاهرة إذا طهر المحل المغسول‪ .‬وللفقهاء تفصيلت في شأنها‪.‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )2‬غسالة النجاسة نوعان‪ :‬غسالة النجاسة الحقيقية‪ ،‬وغسالة النجاسة الحكمية وهي‬

‫الحَدَث‪.‬‬
‫أما غُسالة النجاسة الحكمية‪ :‬وهي الماء المستعمل‪ ،‬فهو في ظاهر الرواية طاهر غير مطهر‪ ،‬أي ل‬
‫يجوز التوضؤ به‪ ،‬لكن في الراجح يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به‪.‬‬
‫والماء المستعمل‪ :‬هو ما زايل البدن واستقر في مكان‪ .‬أما مادام على العضو الذي استعمله فيه فل‬
‫يكون مستعملً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪300/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،69-66/1:‬رد المحتار‪.300/1:‬‬

‫( ‪)1/295‬‬
‫ويصير مستعملً إما بإزالة الحدث‪ ،‬أو بنية إقامة القربة‪ ،‬كالصلة المعهودة‪ ،‬وصلة الجنازة‪ ،‬ودخول‬
‫المسجد‪ ،‬ومس المصحف‪ ،‬وقراءة القرآن ونحوها‪ .‬فإن كان الشخص محدثا صار الماء مستعملً بل‬
‫خلف عندهم‪ ،‬لوجود السببين‪ :‬وهو إزالة الحدث‪ ،‬وإقامة القربة جميعا‪ .‬وإن لم يكن محدثا يصير‬
‫مستعملً أيضا عند أئمة الحنفية ما عدا زفر‪ ،‬لوجود إقامة القربة‪ ،‬لكون الوضوء نورا على نور ‪.‬‬
‫وعند زفر ل يصير مستعملً لنعدام إزالة الحدث‪ .‬أما إن كان الوضوء أو الغسل للتبرد ولم يكن‬
‫محدثا ل يصير مستعملً‪.‬‬
‫وأما غسالة النجاسة الحقيقية‪:‬‬
‫فهي نجسة إذا انفصلت متغيرة‪ ،‬بأن تغير طعمها أو لونها أو ريحها‪ .‬أو إذا لم يطهر المحل‪ ،‬كما لو‬
‫انفصلت بعد الغسلت الثلث‪ ،‬الولى والثانية والثالثة من نجاسة غير مرئية؛ لن النجاسة انتقلت‬
‫إليها‪ ،‬إذ ل يخلو كل ماء عن نجاسة‪.‬‬
‫ول يجوز النتفاع بالغُسَالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل الطين وسقي الدواب ونحو ذلك‪ ،‬إن‬
‫كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها؛ لنه لما تغير‪ ،‬دل على أن النجس غالب‪ ،‬فالتحق بالبول‪ .‬وإن‬
‫لم يتغير شيء من ذلك يجوز النتفاع بها‪ ،‬لنه لما لم يتغير دل على أن النجس لم يغلب على الطاهر‪،‬‬
‫والنتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬إن انفصلت الغُسَالة متغيرة الطعم أو اللون أو الريح‪ ،‬فهي نجسة‪ ،‬والموضع‬
‫نجس‪ .‬وإن طهر المحل‪ ،‬كانت الغسالة طاهرة‪ .‬ول يجوز استعمال المتنجس في العادات‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،82/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.35‬‬

‫( ‪)1/296‬‬
‫غسَالة قليلة تنفصل بل تغير‪ ،‬وقد طهر المحل‪ ،‬لن البلل الباقي‬
‫والظهر عند الشافعية (‪ : )1‬طهارة ُ‬
‫على المحل هو بعض المنفصل‪ ،‬فلو كان المنفصل نجسا‪ ،‬لكان المحل كذلك‪ .‬أما الكثيرة فطاهرة ما لم‬
‫تتغير‪ ،‬وإن لم يطهر المحل‪.‬‬
‫أي أن الغُسَالة القليلة المنفصلة طاهرة غير مطهرة‪ ،‬ما لم تتغير بطعم أو لون أو ريح‪ ،‬ولم يزد‬
‫وزنها‪ ،‬بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء‪ ،‬ويعطيه من الوسخ الطاهر‪ ،‬وقد حل المحل‪.‬‬
‫أما إذا تغيرت أو زاد وزنها‪ ،‬أو لم يطهر المحل‪ ،‬فهي نجسة كالمحل‪ .‬وبه يتبين أن الغُسَالة كالمحل‬
‫مطلقا‪ ،‬فحيث حكم بطهارته‪ ،‬حكم بطهارتها‪ ،‬وحيث ل‪ ،‬فل‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ )2‬كالشافعية‪ :‬ما أزيلت به النجاسة‪ ،‬إن انفصل متغيرا بالنجاسة‪ ،‬أو قبل طهارة المحل‪،‬‬
‫فهو نجس‪ ،‬لنه تغير بالنجاسة‪ ،‬كما أن الماء القليل إذا لقى محلً نجسا لم يطهره‪ ،‬يكون نجسا‪ ،‬كما‬
‫لو وردت النجاسة عليه‪ .‬وإن انفصل غير متغير من الغسلة التي طهر بها المحل ففيه تفصيل‪:‬‬
‫فإن كان المحل أرضا فهو طاهر‪ ،‬لطهارة الرض التي بال عليها العرابي بصب دلو عليها‪ ،‬بأمره‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وإن كان غير أرض‪ :‬فيه وجهان أصحهما أنه طاهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،85/1:‬شرح الحضرمية‪ :‬ص ‪23‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.58/1،98/2 :‬‬

‫( ‪)1/297‬‬
‫صلُ الثّالث‪ :‬الستِ ْنجَاء‬
‫ال َف ْ‬
‫معناه‪ ،‬حكمه‪ ،‬وسائله‪ ،‬مندوباته‪ ،‬آداب قضاء الحاجة‪.‬‬
‫ل ـ معنى الستنجاء والفرق بينه وبين غيره من الستبراء والستجمار ونحوهما‪:‬‬
‫أو ً‬
‫الستنجاء‪ :‬لغة‪ :‬إزالة النجو أي الغائط‪ .‬واصطلحا‪ :‬هو قلع النجاسة بنحو الماء‪ ،‬أو تقليلها بنحو‬
‫الحجر‪ ،‬فهو استعمال الحجار أو الماء‪ .‬أو هو إزالة للنجاسة من كل خارج ملوّث ولو نادرا كدم‬

‫ومذي وودي‪ ،‬ل على الفور‪ ،‬بل عند الحاجة إليه بماء أو حجر‪.‬‬
‫أو هو إزالة نجس عن سبيل‪ :‬قبل أو دبر‪ .‬فل يطلب من ريح‪ ،‬وحصاة‪ ،‬ونوم‪ ،‬وفصد دم‪ .‬والستنجاء‬
‫أو الستطابة أعم من أن يكون بالماء وغيره‪.‬‬
‫والستجمار‪ :‬إزالة النجس بالحجار ونحوها‪ ،‬مأخوذ من الجمرات أي الحجار‪.‬‬
‫والستبراء‪ :‬طلب البراءة من الخارج‪ ،‬حتى يتيقن من زوال الثر أو هو طلب براءة المخرج عن أثر‬
‫الرشح من البول‪.‬‬
‫والستنزاه‪ :‬طلب البعد عن القذار‪ .‬وهو بمعنى الستبراء‪.‬‬
‫والستنقاء‪ :‬طلب النقاوة‪ ،‬وهو أن يدلك المقعدة بالحجار أو بالصابع حالة الستنجاء بالماء (‪. )1‬‬
‫وكل هذه الوسائل للتطهر من النجاسة‪ ،‬ول يجوز الشروع في الوضوء حتى يطمئن المرء من زوال‬
‫أثر رشح البول‪.‬‬
‫ثانيا ـ حكم الستنجاء والستجمار والستبراء‪:‬‬
‫أما حكم الستنجاء‪ :‬قال الحنفية (‪ : )2‬إنه في الحوال العادية‪ ،‬ما لم تتجاوز النجاسة المخرج‪ ،‬سنة‬
‫مؤكدة للرجال والنساء‪ ،‬لمواظبة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولقوله عليه السلم‪« :‬من استجمر‬
‫فليوتر‪ ،‬من فعل فقد أحسن‪ ،‬ومن ل فل حرج» (‪. )3‬‬
‫فإذا تجاوزت النجاسة المخرج‪ ،‬وكان المتجاوز قدر الدرهم فيجب إزالته بالماء‪.‬‬
‫وإن زاد المتجاوز على قدر الدرهم‪ ،‬افترض الغسل بالماء أو المائع‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية (‪ : )4‬يجب الستنجاء أو الستجمار من كل خارج معتاد من السبيلين‪،‬‬
‫كالبول أوالمذي أو الغائط‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،310/1،319:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،7‬كشاف القناع‪ ،62/1:‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،94،96،100 ،87/1:‬مغني المحتاج‪ 42/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،148/1:‬تبيين الحقائق‪ ،76/1:‬اللباب‪ ،57/1:‬الدر المختار‪ ،313 ،310/1:‬مراقي‬
‫الفلح‪ :‬ص ‪.7‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبانٍ عن أبي هريرة ( نصب الراية‪.)217/1:‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الصغير‪ ،94/1،96:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،37‬الشرح الكبير‪109/1:‬وما بعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،46/1:‬المهذب‪ ،27/1:‬المغني‪149/1:‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.77 ،71/1 :‬‬

‫( ‪)1/298‬‬

‫{والرجزَ فاهجر} [المدثر‪ ،]5/74:‬وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن‪ ،‬ولن الستنجاء بالماء‬
‫هو الصل في إزالة النجاسة‪ ،‬ولقوله عليه السلم‪« :‬إذا ذهب أحدكم إلى الغائط‪ ،‬فليذهب بثلثة‬
‫أحجار‪ ،‬فإنها تجزئ عنه» (‪ )1‬وقوله‪« :‬ل يستنجي أحدكم بدون ثلثة أحجار» رواه مسلم‪ ،‬وفي لفظ‬
‫لمسلم‪« :‬لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلثة أحجار» وهذا أمر‪ ،‬والمر يقتضي الوجوب‪.‬‬
‫وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء باتفاق العلماء‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من‬
‫استنجى من ريح فليس منا» (‪ ، )2‬وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى‪ { :‬إذا قمتم إلى الصلة فاغسلوا‬
‫وجوهكم } [المائدة‪« :]6/5:‬إذا قمتم من النوم‪ ،‬ولم يأمر بغيره» فدل على أنه ل يجب‪ ،‬ولن الستنجاء‬
‫إنما شرع لزالة النجاسة‪ ،‬ول نجاسة ههنا‪ .‬والظهر عند الشافعية‪ :‬أل استنجاء لدود وبعر بل لوث‪،‬‬
‫إذ ل نجاسة باقية‪ ،‬ويندب عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬ويجب عند الحنفية والمالكية‪ ،‬بعد قضاء الحاجة قبل‬
‫الستنجاء‪.‬‬
‫الستبراء‪ :‬أيضا إما بالمشي أو التنحنح أو الضطجاع على شقه اليسر أو غيره بنقل أقدام وركض‪،‬‬
‫وهو‪ :‬أن يستخلص مجرى البول من ذكره‪ ،‬بمسح ذكره بيده اليسرى من حلقة دبره (بدايته) إلى رأسه‬
‫ثلثا‪ ،‬لئل يبقى شيء من البلل في ذلك المحل‪،‬فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر‪ ،‬والبهام فوقه‪ ،‬ثم‬
‫يمرهما إلى رأس الذكر‪ ،‬ويستحب نتره ثلثا بلطف ليخرج ما بقي إن كان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪ ،‬وروى الشافعي والبيهقي‪« :‬وليستنج بثلثة أحجار» وروى أحمد والنسائي وأبو‬
‫داود والدار قطني وقال‪ :‬إسناده صحيح حسن عن عائشة‪« :‬إذا ذهب أحدكم إلى الغائط‪ ،‬فليستطب‬
‫بثلثة أحجار‪ ،‬فإنها تجزئ عنه (نصب الراية‪ ،214/1:‬نيل الوطار‪.)90/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الطبراني في معجمه الصغير‪.‬‬

‫( ‪)1/299‬‬
‫وعبارة المالكية والحنابلة والشافعية‪ :‬يكون الستبراء بنتر وسلت خفيفين ثلثا‪ :‬بأن يجعل إصبعه‬
‫السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله‪ ،‬والبهام فوقه‪ ،‬ثم يسحبه برفق‪ ،‬حتى يخرج ما فيه من‬
‫البول‪ .‬والنتر‪ :‬جذبه‪ ،‬وندب أن يكون كل منهما برفق‪ ،‬وذلك حتى يغلب الظن نقاوة المحل من البول‪،‬‬
‫ول يتتبع الوهام‪ ،‬فإنه يورث الوسوسة‪ ،‬وهي تضر بالدين (‪. )1‬‬
‫روى المام أحمد حديث‪« :‬إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلث مرات» ‪.‬‬
‫واستبراء المرأة‪ :‬أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها‪.‬‬

‫والستبراء عموما يختلف باختلف الناس‪ .‬والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف‬
‫خروجه‪ ،‬فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر‪ ،‬ومنهم من يحتاج إلى تكرّره‪ ،‬ومنهم من يحتاج إلى‬
‫تنحنح‪ ،‬ومنهم من ل يحتاج إلى شيء من هذا‪ .‬ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو قطن‪ ،‬وإطالة‬
‫المكث في محل قضاء الحاجة‪ ،‬لنه يورث وجعا في الكبد‪.‬‬
‫ودليل طلب الستبراء‪ :‬حديث ابن عباس‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم م ّر بقبرين‪ ،‬فقال‪« :‬إنهما‬
‫ليعذبان‪ ،‬وما يعذبان في كبير‪ :‬أماأحدهما فكان ل يستبرئ من بوله‪ ،‬وأما الخر فكان يمشي بالنميمة»‬
‫( ‪. )2‬‬
‫ودليل القائلين بندبه دون إيجاب‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬تنزهوا من البول‪ ،‬فإن عامة عذاب‬
‫القبر منه» والظاهر من انقطاع البول عدم عوده‪ ،‬ويحمل الحديث على ماإذا تحقق أو غلب على ظنه‬
‫بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرئ خرج منه شيء‪.‬‬
‫ثالثا ـ وسائل الستنجاء وصفاته أو كيفيته‪:‬‬
‫يكون الستنجاء بالماء أوبالحجر ونحوه من كل جامد طاهر قالع غير محترم‪ ،‬كورق وخرق وخشب‬
‫وخزف‪ ،‬لحصول الغرض به كالحجر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال العارفون‪ :‬إن الوسواس سببه خبل في العقل‪ ،‬أو شك في الدين‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫( ‪)1/300‬‬
‫والفضل الجمع بين الجامد والماء‪ ،‬فيقدم الورق ونحوه‪ ،‬ثم يتبعه بالماء‪ ،‬لن عين النجاسة تزول‬
‫بالورق أو الحجر‪ ،‬والثر يزول بالماء (‪. )1‬‬
‫والقتصار على الماء أفضل من القتصار على الحجر ونحوه‪ ،‬لنه يزيل عين النجاسة وأثرها‪،‬‬
‫بخلف الحجر والورق ونحوه‪ ،‬روي عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية‪{ :‬فيه رجال يحبون أن‬
‫يتطهروا} [التوبة‪ ،]108/9:‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم « ‪ :‬يا معشر النصار‪ ،‬إن ال قد أثنى‬
‫عليكم في الطهور‪ ،‬فما طهوركم؟ قالوا‪ :‬نتوضأ للصلة‪ ،‬ونغتسل من الجنابة‪ ،‬ونستنجي بالماء‪ ،‬قال‪:‬‬
‫هو ذاكم‪ ،‬فعليكموه» (‪. )2‬‬
‫وشرط الستنجاء بالحجر أو الورق ونحوه ما يأتي (‪: )3‬‬
‫ً‪ - 1‬أل يجف النجس الخارج‪ ،‬فإن جف تعين الماء‪.‬‬

‫ً‪ - 2‬أل ينتقل عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه‪ ،‬أوأل يجاوز صفحته وحشفته‪ ،‬فإن‬
‫انتقل عنه‪ ،‬بأن انفصل عنه‪ ،‬تعين الماء في المنفصل اتفاقا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب‪57/1:‬وما بعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،7‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،37-36‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ 96/1‬ومابعدها‪ ،100،‬مغني المحتاج‪ ،43/1:‬المغني‪151/1:‬وما بعد ها‪ ،‬كشاف القناع‪،72/1،75:‬‬
‫المهذب‪ 27/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي‪ ،‬وسنده حسن‪ .‬ويؤيده قول ابن عباس‪« :‬نزلت هذه الية في أهل‬
‫قُبا‪ { :‬فيه رجال يحبون أن يتطهروا‪ ،‬وال يحب المطهرين } [التوبة‪ ،]108/9:‬فسألهم رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنا نتبع الحجارة بالماء» ( نصب الراية‪218/1:‬وما بعدها )‪.‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪44/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ ،28/1:‬كشاف القناع‪72/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪152/1:‬وما‬
‫بعدها‪159،‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪311/1:‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪97/1:‬وما بعدها‪ ،100،‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،83/1:‬القوانين الفقهية‪:‬ص ‪ ،36‬اللباب‪ ،58/1:‬فتح القدير‪ ،148/1:‬تبيين الحقائق‪.77/1:‬‬

‫( ‪)1/301‬‬
‫ً‪ - 3‬أل يطرأ عليه شيء رطب أجنبي عنه‪ ،‬نجسا كان‪ ،‬أو طاهرا‪ ،‬فإن طرأ عليه جاف طاهر فل‬
‫يؤثر‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أن يكون الخارج من فرج معتاد‪ :‬فل يجزئ في الخارج من غيره‪ ،‬كالخارج بالفصد‪ ،‬أو من‬
‫منفذ منفتح تحت المعدة‪ ،‬ولو كان الصلي منسدا انسدادا عارضا‪ ،‬ول يجزئ الورق ونحوه في بول‬
‫خنثى مشكل‪ ،‬وإن كان الخارج من أحد قُبُليه‪ ،‬لحتمال زيادته‪ ،‬ول في بول القلف إذا وصل البول‬
‫إلى الجلدة‪.‬‬
‫ويجزئ الورق ونحوه عند غير المالكية في مسح دم حيض أو نفاس‪ ،‬كما يجزئ الحجر في الظهر‬
‫عند الشافعية وعند الحنابلة والحنفية فيما ندر خروجه كالدم والودي والمذي‪ ،‬أو انتشر الخارج فوق‬
‫عادة الناس‪ ،‬ولكن لم يجاوز في الغائط صفحته (ما انضم من الليتين عند القيام) وحشفته (وهي ما‬
‫فوق الختان أو قدرها من مقطوعها)‪.‬‬
‫ول يجوز الستجمار بالحجارعند المالكية من المني ول من المذي ودم الحيض‪ ،‬وإنما يتعين الماء‬
‫في إزالة مني‪ ،‬ودم حيض ونفاس‪ ،‬ودم استحاضة إن لم يلزم كل يوم ولو مرة‪ ،‬وإل فهو معفو عنه‬
‫كسلس البول الملزم لذكر أو أنثى‪ ،‬ولتجب إزالته حينئذ‪.‬‬

‫كما يتعين الماء عند المالكية أيضا في إزالة بول المرأة‪ ،‬بكرا كانت أو ثيبا‪ ،‬لتعديه المخرج إلى جهة‬
‫المقعدة عادة‪.‬‬

‫( ‪)1/302‬‬
‫وهل يشترط عدد ثلثة أحجار في الستنجاء؟‬
‫قال الحنفية والمالكية‪ :‬يستحب ول يجب عدد الثلث‪ ،‬ويكفي ما دونه إن حصل النقاء أو التنظيف به‪،‬‬
‫ومعنى النقاء‪ :‬إزالة عين النجاسة وبلّتها‪ ،‬بحيث يخرج الحجر نقيا‪ ،‬وليس عليه أثر‪ ،‬إل شيئا يسيرا‬
‫فالواجب عند المالكية والسنة عند الحنفية النقاء دون العدد‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬من استجمر فليوتر‪،‬‬
‫من فعل فقد أحسن‪ ،‬ومن ل فل حرج» ‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬الواجب النقاء وإكمال الثلثة‪ :‬ثلثة أحجار‪ ،‬أو ثلث مسحات ولو بأطراف‬
‫حجر‪ ،‬وإن لم ينق بالثلث‪ ،‬وجب النقاء برابع فأكثر‪ ،‬إلى أن ل يبقى إل أثر ل يزيله إل الماء‪ ،‬أو‬
‫صغار الحصى‪ ،‬لنه المقصود من الستنجاء‪ .‬ودليلهم الحاديث السابقة‪ ،‬منها‪« :‬وليستنج بثلثة‬
‫أحجار» وخبر مسلم عن سلمان‪« :‬نهانا رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلثة‬
‫أحجار» وفي معناها‪ :‬ثلثة أطراف حجر‪.‬‬
‫وإذا زاد عن الثلثة‪ :‬سن اليتار‪ ،‬لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫قال‪« :‬إذا استجمر أحدكم‪ ،‬فليستجمر وترا» وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود‪ « :‬من استجمر‬
‫فليوتر‪ ،‬من فعل فقد أحسن‪ ،‬ومن ل فل حرج» ‪.‬‬
‫وأما عدد الغسلت حالة الستنجاء بالماء‪:‬‬
‫فالصحيح أنه مفوض إلى الرأي حتى يطمئن القلب بالطهارة بيقين أو غلبة الظن‪ ،‬وهو الصح عن‬
‫المام أحمد‪ ،‬قال أبو داود‪ :‬سئل أحمد عن حد الستنجاء بالماء؟ فقال‪ :‬ينقي‪ .‬ولم يصح عن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم في ذلك عدد ول أمر به‪ ،‬ويروى عن أحمد عدد سبع غسلت (‪ . )1‬وعلى هذا‬
‫فإن الواجب في الستنجاء أن يغلب على الظن زوال النجاسة‪ ،‬ول يضر شم ريحها باليد؛ لن بقاء‬
‫الرائحة يدل على بقائها على المحل‪ ،‬ويحكم على اليد بالنجاسة حينئذ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،8‬المغني‪ 161 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪.46/1:‬‬

‫( ‪)1/303‬‬

‫وصفة الستنجاء‪:‬‬
‫أن يفرغ على يده اليسرى قبل أن يلقي بها الذى‪ ،‬ثم يغسل القبل‪ :‬المخرج خاصة في حالة البول‪،‬‬
‫والذكر كله في حالة المذي‪ ،‬ثم يغسل الدبر‪ ،‬ويوالي صب الماء‪ ،‬ويدلكه بيده اليسرى ‪ ،‬ويسترخي‬
‫قليلً‪ ،‬ويجيد العرك حتى ينقي‪ .‬ول يستنجي باليمين‪ ،‬ول يمس به ذكره (‪. )1‬‬
‫ويحترز الصائم من إدخال الصبع المبتل في الدبر‪ ،‬لنه يفسد الصوم‪.‬‬
‫وكيفية الستجمار‪:‬‬
‫أن يمسح بالحجر الول من المام إلى الخلف‪ ،‬وبالثاني من الخلف إلى المام‪ ،‬وبالثالث كالول من‬
‫المام إلى الخلف إذا كانت الخصية مدلة‪ ،‬خشية تلويثها‪ ،‬وكالثاني من الخلف إلى المام إن كانت‬
‫الخصية غير مدلة‪.‬‬
‫والمرأة تبتدئ من المام إلى الخلف خشية تلويث فرجها (‪. )2‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )3‬يسن استيعاب المحل بكل حجر من الثلث‪ ،‬بأن يبدأ بالول من مقدم الصفحة‬
‫اليمنى ويديره إلى محل ابتدائه‪ ،‬وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك‪ ،‬ويمر الثالث على صفحتيه‬
‫ومُسرَبته جميعا‪ .‬والمسربة‪ :‬مجرى الغائط‪.‬‬
‫رابعا ـ مندوبات الستنجاء‪:‬‬
‫يسن في الستنجاء ما يأتي (‪: )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،36‬تبيين الحقائق‪.78/1:‬‬
‫(‪ )2‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.8‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،45/1:‬المهذب‪.27/1:‬‬
‫(‪ )4‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،7‬الدر المختار‪ ،315-311/1:‬فتح القدير‪ ،50/1:‬تبيين الحقائق‪،78/1:‬‬
‫اللباب‪ ،58/1:‬الشرح الصغير‪ ،96/1،100:‬وما بعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،80/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،37‬مغني المحتاج‪ ،43/1،46:‬المهذب‪ ،28/1:‬المغني‪ ،158-154/1:‬كشاف القناع‪.77-75/1:‬‬

‫( ‪)1/304‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يستنجي بحجر أو ورق منق‪ ،‬بأل يكون خشنا كالجر‪ ،‬ول أملس كالعقيق‪ ،‬لن النقاء هو‬
‫المقصود‪ .‬ويعد كالحجر‪ :‬كل طاهر مزيل بل ضرر‪ ،‬وليس متقوما ول شيئا محترما‪ ،‬فل يستنجي‬
‫بملوث كالفحم‪ ،‬ول بما يضر كالزجاج‪،‬ول بمال متقوم‪ ،‬كحرير وقطن ونحوهما‪ ،‬لنه إتلف للمال‪،‬‬

‫ول بشيء محترم لطعمه أو شرفه أو لحق الغير‪.‬‬
‫وهذا يعني أنه يجوز عند الحنفية الستنجاء بالمائع غير الماء كماء الورد والخل‪ ،‬واشترط الجمهور‬
‫غير الحنفية‪ :‬أن يكون بجامد يابس‪ ،‬فل يجوز بالمائع‪.‬‬
‫واتفقوا على أن الستنجاء يكون بطاهر قالع غير محترم‪ ،‬فل يجوز (أو يكره تحريما عند الحنفية)‬
‫الستنجاء بالنجس كالبعر والروث‪ ،‬ول بالعظم والطعام أو الخبز لدمي أو بهيمة؛ لنه إتلف وإهانة‪،‬‬
‫ول بغير القالع نحو الزجاج والقصب الملس والجر والخزف ول بالمتناثر كتراب أو مدر وفحم‬
‫رخوين‪ ،‬بخلف التراب والفحم الصلبين‪ ،‬ول بالشيء المحترم لشرف ذاتي كالذهب والفضة‬
‫والجواهر‪ ،‬أو لكونه حق الغير كالشيء المملوك للغير‪ ،‬ومنه جدار الغير ولو وقفا‪.‬‬
‫واكتفى المالكية بالقول بأنه يكره الستنجاء بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له‪.‬‬

‫( ‪)1/305‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه يشترط لجواز الستجمار بالحجار ونحوها شروط خمسة هي‪ :‬كل جامد طاهر قالع‬
‫غير مؤذ ول محترم لطعمه أو شرفه أو حق الغير‪ ،‬وإل فل‪ ،‬وأجزأ إن أنقى ويجزئ النقاء باليد‬
‫بدون الثلث من الحجار ونحوها‪ .‬ولم يشترط الحنفية كونه جامدا‪ .‬وقال المالكية والحنفية‪ :‬إن‬
‫استجمر بما ل يجوز أجزأه مع الكراهة‪ .‬وقد ثبت النهي عن الستنجاء بالروث والعظم‪ ،‬روى مسلم‬
‫وأحمد عن ابن مسعود‪« :‬ل تستنجوا بالروث ول بالعظام‪ ،‬فإنهما زاد إخوانكم من الجن» (‪، )1‬‬
‫وروى الدارقطني‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى أن نستنجي بروث أو عظم‪ ،‬وقال‪ :‬إنهما ل‬
‫يُطهّران» (‪ )2‬وروى أبو داود عنه عليه السلم أنه قال لرويفع بن ثابت (أبي بكرة)‪« :‬أخبر الناس‬
‫أنه من استنجى برجيع (أي روث) أو عظم‪ ،‬فهو بريء من دين محمد» (‪ )3‬وهذا عام في الطاهر‬
‫منها‪ ،‬وإذا حرم طعام الجن حرم طعام الدمي بالولى‪ ،‬لكن أجاز الشافعية الستنجاء بمطعوم البهائم‬
‫الخاص بها كالحشيش‪ ،‬وقال الجمهور‪ :‬ل يجوز‪ .‬قال النووي‪ :‬لكن النهي عن الستنجاء بالفحم‬
‫ضعيف‪ ،‬وإن صح حمل على الرخو‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬تثليث الحجار أو الورق ونحوه‪ ،‬مندوب عند الحنفية والمالكية‪ ،‬واجب عند الشافعية والحنابلة‪،‬‬
‫فإنهم قالوا‪ :‬يجب في الستنجاء بالحجر أمران‪ :‬أحدهما ـ ثلث مسحات ولو بأطراف حجر‪ ،‬واليتار‬
‫بعد الثلث إلى السبع إن لم ينق المحل‪ ،‬ويسن أن يكون كل حجر أو نحوه لكل محل الخارج‪ ،‬ودليلهم‬
‫حديثان‪ :‬الول‪« :‬إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلثة أحجار‪ ،‬فإنها تجزئ عنه» والثاني‪« :‬من‬
‫استجمر فليوتر» (‪. )4‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر نصب الراية‪ ،219/1:‬نيل الوطار‪.97/1:‬‬
‫(‪ )2‬إسناده صحيح (نيل الوطار‪.)96/1:‬‬
‫(‪ )3‬وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر‪« :‬نهى النبي صلّى ال عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو‬
‫بعرة» وروى الدارقطني والبيهقي عن ابن مسعود أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم ذهب لحاجته‪،‬‬
‫فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلثة أحجار‪ ،‬فأتاه بحجرين وروثة‪ ،‬فألقى الروثة‪ ،‬وقال‪ « :‬إنها ركس‪،‬‬
‫ض بها‪ ،‬ول تأتني‬
‫ائتني بحجر» ‪ .‬وروى البخاري عن أبي هريرة قصة مماثلة‪« :‬ابغني أحجارا أستنف ْ‬
‫بعظم ول بروثة» ( نصب الراية‪ ،219 ،216/1:‬نيل الوطار‪.)96/1،97:‬‬
‫(‪ )4‬روى الحديث الول‪ :‬أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال‪ :‬إسناده صحيح حسن‪ ،‬ورواه‬
‫أيضا ابن ماجه عن عائشة‪ .‬والثاني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)90/1،95‬‬

‫( ‪)1/306‬‬
‫ً‪ - 3‬أل يستنجي باليد اليمنى إل لعذر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا بال أحدكم فل يمس ذكره‬
‫بيمينه‪ ،‬وإذا أتى الخلء فل يتمسح بيمينه‪ ،‬وإذا شرب فل يشرب نفَسا واحدا» (‪ )1‬وإذا يسن الستنجاءُ‬
‫باليسار‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬الستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الستنجاء وقضاء الحاجة‪ ،‬لحرمته والفسق‬
‫به‪ ،‬فل يرتكبه لقامة السنة‪ ،‬ويمسح المخرج من تحت الثياب بنحو حجر‪ .‬وإن تركه صحت الصلة‬
‫بدونه لن ما في المخرج ساقط العتبار‪ .‬ودليل الستتار أحاديث رواها أبو داود وابن ماجه‪ ،‬منه‪:‬‬
‫«من أتى الغائط‪ ،‬فليستتر‪ ،‬فإن لم يجد إل أن يجمع كثيبا من الرمل فليستدبره» ويبعد عن الناس في‬
‫الصحراء ونحوها إلى حيث ل يسمع للخارج منه صوت ول يشم له ريح‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬للمستنجي بالماء أن يدلك يده بنحو أرض‪ ،‬ثم يغسلها بعد الستنجاء بتراب أو صابون وأشنان‬
‫ونحوه‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬تنشيف المقعدة قبل القيام إذا كان صائما لئل تجذب المقعدة شيئا من الماء‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬يبدأ الرجل في الستنجاء بالقبل لئل تتلوث يده إذا شرع في الدبر‪ ،‬والمرأة مخيرة في البداية‬
‫بأيهما شاءت‪ .‬ويستحب عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أن ينضح الماء على فرجه وإزاره ليزيل الوسواس‬
‫عنه‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الئمة الستة عن أبي قتادة ( نصب الراية‪.)220/1:‬‬

‫( ‪)1/307‬‬
‫خامسا ـ آداب قضاء الحاجة‪:‬‬
‫يندب لقاضي الحاجة من بول أو غائط ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬أل يحمل مكتوبا ذكر اسم ال عليه‪ ،‬أو كل اسم معظم كالملئكة‪ ،‬والعزيز والكريم ومحمد‬
‫وأحمد‪ ،‬لما روى أنس «أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان إذا دخل الخلء وضع خاتمه (‪ » )2‬وكان‬
‫فيه‪ :‬محمد رسول ال‪ .‬فإن احتفظ به‪ ،‬واحترز عليه من السقوط فل بأس‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يلبس نعليه‪ ،‬ويستر رأسه‪ ،‬ويأخذ أحجار الستنجاء أو يهيء ويعد المزيل للنجاسة من ماء‬
‫ونحوه‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يدخل الخلء برجله اليسرى‪ ،‬ويخرج برجله اليمنى؛ لن كل ما كان من التكريم يبدأ فيه‬
‫باليمين‪ ،‬وخلفه باليسار‪ ،‬لمناسبة اليمين للمكرم‪ ،‬واليسار للمستقذر‪ ،‬بعكس المسجد والمنزل‪ ،‬يقدم‬
‫يمناه فيهما‪.‬‬
‫ويقول عند إرادة الدخول‪« :‬باسم ال‪ ،‬اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» أي أتحصن من‬
‫الشيطان‪ ،‬وأعتصم بك يا ال من ذكور الشياطين‪ ،‬وإناثهم‪ ،‬اتباعا لما رواه الشيخان في السنة‪« :‬سترة‬
‫ما بين أعين الجن وعورات بني آدم‪ ،‬إذا دخل أحدكم الخلء أن يقول‪ :‬بسم ال» « إن الحُشوش (‪)3‬‬
‫محتضرة‪ ،‬فإذا أتى‪ ،‬فليقل‪ :‬أعوذ بال من الخبث والخبائث» ‪.‬‬
‫ويقول عند خروجه‪ « :‬غفرانَك‪ ،‬الحمد ل الذي أذهب عني الذى وعافاني» اتباعا للسنة‪ ،‬رواه‬
‫النسائي‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬يعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى‪ ،‬لنه أسهل لخروج الخارج‪ ،‬ولما رواه الطبراني عن‬
‫سراقة بن مالك قال‪« :‬أمرنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن نتوكأ على‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه وأبو داود وقال‪ :‬هذا حديث منكر‪ ،‬ورواه النسائي والترمذي وصححه ( نيل‬
‫الوطار‪.) 73/1:‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،318-316/1:‬الشرح الصغير‪ ،94-87/1:‬مغني المحتاج‪،34-39/1:‬‬
‫(‪ )3‬الحشوش جمع الحش بالفتح والضم‪ :‬بستان النخيل في الصل‪ ،‬ثم استعمل في موضع قضاء‬

‫الحاجة‪ ،‬واحتضارها‪ :‬رصد بني آدم بالذى‪.‬المهذب‪ ،5/1:‬المغني‪ ،168-162/1:‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪.75-62/1‬‬

‫( ‪)1/308‬‬
‫اليسرى‪ ،‬وأن ننصب اليمنى» ويوسع فيما بين رجليه‪ ،‬ول يتكلم إل لضرورة‪ ،‬وليطيل المقام أكثر‬
‫من قدر الحاجة؛ لن ذلك يضره‪ ،‬بظهور الباسور أو إدماء الكبد ونحوه‪.‬‬
‫ويستحب أل يرفع ثوبه حتى يدنو من الرض؛ لن ذلك أستر له‪ ،‬ولما روى أبو داود عن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬أنه كان إذا أراد الحاجة‪ ،‬ل يرفع ثوبه حتى يدنومن الرض» ‪.‬‬
‫ويستحب أن يبول قاعدا لئل يترشش عليه‪ ،‬ويكره البول قائما إل لعذر قال ابن مسعود‪« :‬من الجفاء‬
‫أن تبول وأنت قائم» قالت عائشة‪« :‬من حدثكم أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان يبول قائما‪ ،‬فل‬
‫تصدقوه‪ ،‬ما كان يبول إل قاعدا» (‪ ، )1‬ورويت الرخصة في التبول قائما عن جماعة من الصحابة‬
‫كعمر وعلي وغيرهما‪ .‬ويستحب أن يبول في مكان رخو غير صلب لئل يترشش بالبول‪ ،‬ولما روى‬
‫أحمد وأبو داود عن أبي موسى‪« :‬إذا بال أحدكم فليرتَدْ لبوله» ‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬ل يبول في مهب الريح لئل تعود النجاسة إليه‪ ،‬ول في ماء راكد‪ ،‬وقليل جار‪ ،‬أو في كثير أيضا‬
‫عند الحنفية؛ للنهي عنه في حديث البخاري ومسلم (‪ ، )2‬ول في المقابر احتراما لها‪ ،‬ول في‬
‫الطرقات ومُتَحدّث الناس‪ ،‬لقولهصلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اتقوا الملعن الثلث‪ :‬البراز في الموارد‪،‬‬
‫وقارعة الطريق‪ ،‬والظل» (‪ « )3‬ول يبول في شق أو ثقب؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى أن‬
‫يبال في الجُحر» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال الترمذي‪ :‬هذا أصح شيء في الباب‪ ،‬رواه الخمسة إل أبا داود ( نيل الوطار‪.)88/1:‬‬
‫(‪ )2‬نص الحديث‪ « :‬ل يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي ل يجري‪ ،‬ثم يغتسل فيه» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود بإسناد جيد عن معاذ‪ ،‬والمورد‪ :‬المياه وطرق الماء والحياض التي يردها الناس‬
‫للشرب والستقاء‪ .‬وروى مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة‪« :‬اتقوا اللعنين‪ ،‬قالوا‪ :‬وما‬
‫اللعنان يا رسول ال؟ قال‪ :‬الذي يتخلى في طريق الناس‪ ،‬أو في ظلهم» والملعن‪ :‬موضع اللعن‪،‬‬
‫والتخلي‪ :‬التغوط‪ ،‬والبراز‪ ،‬وقيس عليه البول‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود عن عبد ال بن سَرْجس ( نيل الوطار‪.)84/1:‬‬

‫( ‪)1/309‬‬

‫ول يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها‪ ،‬لئل تسقط عليه الثمرة؛ لن التبول في الماء‬
‫القليل حرام عند الحنفية‪ ،‬ومكروه تحريما في الماء الكثير‪ ،‬ومكروه تنزيها في الماء الجاري عندهم‪،‬‬
‫فتتنجس به‪ .‬قال الشافعية‪ :‬وكذا في غير وقت الثمر‪ ،‬صيانة لها عن التلويث عند الوقوع‪ ،‬فتعافها‬
‫النفس‪ ،‬ولم يحرموه‪ ،‬لن التنجس غير متيقن‪ .‬وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر‪ ،‬فإن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم «كان أحب ما استتر به لحاجته هدف أو حائش نخل» (‪ )1‬أي جماعته‪ .‬ويكره أن‬
‫يستنجي بماء في موضعه بل ينتقل عنه إن لم يكن معدا لذلك‪ ،‬لئل يعود عليه الرشاش‪ ،‬فينجسه‪.‬‬
‫ويكره أن يبول في المغتسل‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يبولن أحدكم في ُمسْتَحمه‪ ،‬ثم يتوضأ‬
‫فيه‪ ،‬فإن عامة الوسواس منه» (‪ )2‬وذلك إذا لم يكن ثَم منفذ ينفذ منه البول والماء‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬يكره تحريما عند الحنفية ولو في البنيان استقبال القبلة واستدبارها بالفرج حال قضاء الحاجة‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا أتيتم الغائط فل تستقبلوا القبلة ول تستدبروها ببول ول غائط‪ ،‬ولكن‬
‫شرّقوا أو غرّبوا» (‪. )3‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية‪ :‬ل يكره ذلك في المكان المعد لقضاء الحاجة‪ ،‬لحديث جابر‪« :‬نهى النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول‪ ،‬فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (‪ )4‬وهذا يحتمل أنه‬
‫رآه في البنيان أو مستترا بشيء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد ال بن المغفل‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والشيخان في صحيحهما عن أبي أيوب ( نيل الوطار‪.) 80/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الترمذي وحسنه‪ ،‬فقال‪ :‬هذا حديث حسن غريب‪ .‬وروى الجماعة مثله عن ابن عمر ( نيل‬
‫الوطار‪.)81-80/1:‬‬

‫( ‪)1/310‬‬
‫ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة‪ ،‬وفي الصحراء بدون ساتر مرتفع‬
‫بقدر ثلثي ذراع تقريبا فأكثر‪ ،‬ول يبعد عنه أكثر من ثلثة أذرع‪ ،‬كما يحرم وطء الزوجة بدون ساتر‬
‫في الفضاء‪ ،‬وإل فل حرمة‪ ،‬كأن كان في منزله‪ ،‬أو في الفضاء بساتر‪ .‬ويكره استقبال عين الشمس‬
‫والقمر بفرجه‪ ،‬لما فيهما من نور ال تعالى‪ ،‬ولكونهما آيتين عظيمتين‪ ،‬فإن استتر عنهما بشيء أو في‬
‫المكان المعد فل بأس‪ ،‬كما في القبلة‪ .‬كما يكره استقبال الريح لئل يرد عليه رشاش البول‪ ،‬فينجسه‪.‬‬

‫ً‪ - 7‬يستحب أل ينظر إلى السماء‪ ،‬ول إلى فرجه‪ ،‬ول إلى ما يخرج منه‪ ،‬وليعبث بيده‪ ،‬ول يلتفت‬
‫يمينا ول شمالً‪ ،‬ول يستاك؛ لن ذلك كله ل يليق بحاله‪ ،‬ول يطيل قعوده‪ ،‬لنه يورث الباسور‪ ،‬وأن‬
‫يسبل ثوبه شيئا فشيئا‪ ،‬قبل انتصابه‪.‬‬
‫ويحرم البول في المسجد ولو في إناء؛ لن ذلك ل يصلح له‪ ،‬ويحرم أيضا على القبر المحترم‪ ،‬ويكره‬
‫عند القبر‪ ،‬احتراما له‪.‬‬
‫وإذا عطس حمد ال بقلبه‪ ،‬ويقول بعد الستنجاء عقب الخروج من الخلء‪ ( :‬اللهم طهر قلبي من‬
‫النفاق‪ ،‬وحصن فرجي من الفواحش ) ( الحمد ل الذي أذاقني لذته‪ ،‬وأبقى ِفيّ منفعته‪ ،‬وأخرج عني‬
‫أذاه )‪.‬‬

‫( ‪)1/311‬‬
‫صلُ الرّابع‪ :‬الوضُوء وما يتبعه‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مباحث ثلثة‪:‬‬
‫المبحث الول ـ الوضوء‬
‫تعريفه وأنواعه‪ ،‬فرائضه‪ ،‬شروطه‪ ،‬سننه‪ ،‬آدابه‪ ،‬مكروهاته‪ ،‬نواقضه‪ ،‬وضوء المعذور‪ ،‬ما يمنع منه‬
‫غير المتوضئ‪.‬‬
‫حكْمية‪،‬‬
‫تقدم بحث الطهارة عن الخبث وهي الطهارة الحقيقية‪ ،‬أما الطهارة عن الحدث فهي طهارة ُ‬
‫وهي ثلثة أنواع‪ :‬الوضوء‪ ،‬الغسل‪ ،‬التيمم‪ .‬وأبدأ بالوضوء‪ ،‬لن الموجب له الحدث الصغر‪ ،‬أما‬
‫ل من الوضوء والغسل في‬
‫الغسل فالموجب له هو الحدث الكبر‪ .‬وأما التيمم فهو بديل يخلف ك ً‬
‫حالت معينة‪ ،‬وقد عرفنا سابقا أن الطهارة الحكمية‪ :‬هي وصف شرعي يحل في العضاء يزيل‬
‫الطهارة‪ ،‬وأن الطهارة الحقيقية‪ :‬هي إزالة الخبث وهو عين مستقذرة شرعا‪.‬‬
‫وفيه مطالب تسعة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ تعريف الوضوء‪ ،‬وحكمه (أنواعه أو أوصافه)‪:‬‬
‫الوضوء في اللغة بضم الواو‪ :‬هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة‪ ،‬وهو المراد‬
‫هنا‪ ،‬مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة‪ ،‬يقال‪ :‬وضؤ الرجل‪ :‬أي صار وضيئا‪ .‬وأما بفتح الواو‬
‫فيطلق على الماء الذي يتوضأ به‪.‬‬
‫والوضوء شرعا‪ :‬نظافة مخصوصة (‪ ، )1‬أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية (‪ . )2‬وهو غسل‬
‫الوجه واليدين والرجلين‪ ،‬ومسح الرأس‪ .‬وأوضح تعريف له هو‪ :‬أنه استعمال ماء طهور في العضاء‬

‫الربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع (‪ . )3‬وحكمه الصلي أي المقصود أصالة‬
‫للصلة‪ :‬هو الفرضية‪ ،‬لنه شرط لصحة الصلة‪ ،‬بقوله تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى‬
‫الصلة فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ‪،‬وامسحوا برؤوسكم‪ ،‬وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة‪:‬‬
‫‪ ،]6/5‬وبقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يقبل ال صلة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (‪ )4‬وبإجماع‬
‫المة على وجوبه‪.‬‬
‫وشُرع الوضوء بمكة وآيته في المدينة كما أوضح المحققون‪ .‬والحكمة من غسل هذه العضاء هو‬
‫كثرة تعرضها للقذار والغبار والنّفايات وغيرها‪.‬‬
‫وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى‪ ،‬فتجعله مندوبا‪ ،‬أو واجبا بتعبيرالحنفية (‪ ، )5‬أو ممنوعا‪ ،‬لهذا‬
‫قسمه الفقهاء أنواعا‪ ،‬وذكروا له أوصافا‪.‬‬
‫فقال الحنفية (‪ : )6‬الوضوء خمسة أنواع‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪. 9‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.47/1:‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪.91/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الشيخان‪.‬‬
‫(‪ )5‬الفرض عند الحنفية‪ :‬هو الثابت بالدليل القطعي‪ .‬والواجب‪ :‬هو الثابت بدليل ظني فيه شبهة‪.‬‬
‫(‪ )6‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪13‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/312‬‬
‫الول ـ فرض‪:‬‬
‫أ ـ على المحدث إذا أراد القيام للصلة فرضا كانت أو نفلً‪ ،‬كاملة‪ ،‬أو غير‬
‫كاملة كصلة الجنازة وسجدة التلوة (‪ ، )1‬للية السابقة‪{ :‬إذا قمتم إلى الصلة فاغسلوا وجوهكم‪}...‬‬
‫[المائدة‪ ،]6/5:‬ولقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬ل يقبل ال صلة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (‪)2‬‬
‫«ل يقبل ال صلة بغير طُهور‪ ،‬ول صدقة من غُلُول» (‪. )3‬‬
‫ب ـ ولجل لمس القرآن‪ ،‬ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط‪ ،‬أو نقود‪ ،‬لقوله تعالى‪ { :‬ل يمسه إل‬
‫المطهرون } [الواقعة‪ ،]79/56:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يمس القرآن إل طاهر» (‪. )4‬‬
‫الثاني ـ واجب‪:‬‬

‫للطواف حول الكعبة‪ ،‬وقال الجمهور غير الحنفية‪ .‬إنه فرض‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الطواف‬
‫بالبيت صلة‪ ،‬إل أن ال قد أحل فيه النطق‪ ،‬فمن نطق فيه‪ ،‬فل ينطق إل بخير» (‪. )5‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬ولما لم يكن الطواف صلة حقيقية‪ ،‬لم تتوقف صحته على الطهارة‪ ،‬فيجب بتركه دم في‬
‫الواجب‪ ،‬وبَدَنة في الفرض للجنابة‪ ،‬وصدقة في النفل بترك الوضوء‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هناك آيات في القرآن تسمى آيات السجدة‪ ،‬وعددها أربع عشرة آية عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬إذا‬
‫قرأها المؤمن سجد سجدة بنية وطهارة واستقبال القبلة‪ ،‬والسجدة واجبة عند الحنفية‪ ،‬سنة عند‬
‫الجمهور‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ( سبل السلم‪.)40/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل البخاري عن ابن عمر‪ ،‬والغلول‪ :‬الخيانة‪ ،‬وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل‬
‫القسمة ( نيل الوطار‪.)204/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الثرم والدارقطني‪ ،‬والحاكم والبيهقي والطبراني‪ ،‬ومالك في الموطأ مرسلً‪ ،‬وهو حديث‬
‫ضعيف‪ ،‬وقال ابن حجر‪ :‬ل بأس به ( نيل الوطار‪.)205/1:‬‬
‫(‪ )5‬رواه ابن حبان والحاكم والترمذي عن ابن عباس ( نصب الراية‪.)57/3:‬‬

‫( ‪)1/313‬‬
‫الثالث ـ مندوب‪ :‬في أحوال كثيرة منها ما يأتي (‪: )1‬‬
‫أ ـ التوضؤ لكل صلة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لول أن أشق على أمتي لمرتهم عند كل‬
‫صلة بوضوء‪ ،‬ومع كل وضوء بسواك» (‪ )2‬ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى بالسابق صلة‪:‬‬
‫ل مقصودا شرعا‪ ،‬كان إسرافا (‪ ، )3‬لقوله‬
‫فرضا أو نفلً‪ ،‬لنه نور على نور‪ ،‬وإن لم يؤد به عم ً‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» (‪ )4‬كما يندب المداومة على‬
‫الوضوء‪ ،‬لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد والبيهقي عن ثوبان‪« :‬استقيموا ولن تُحصْوا‪ ،‬واعلموا أن‬
‫خير أعمالكم الصلة‪ ،‬ولن يحافظ على الوضوء إل مؤمن» ‪.‬‬
‫ب ـ مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث واعتقاد وفقه ونحوها‪ ،‬لكن إذا كان القرآن أكثر من‬
‫التفسير‪ ،‬حرم المس‪.‬‬
‫جـ ـ للنوم على طهارة وعقب الستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلة‪ ،‬ثم اضطجع على شقك اليمن‪ ،‬ثم قل‪ :‬اللهم إني أسلمت‬

‫نفسي إليك‪ ،‬ووجهت وجهي إليك‪ ،‬وفوضت أمري إليك‪ ،‬وألجأت ظهري إليك‪ ،‬ل ملجأ ول منجى منك‬
‫إل إليك‪ ،‬آمنت بكتابك الذي أنزلت‪ ،‬وبنبيك الذي أرسلت» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر أيضا مغني المحتاج‪.63/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ( نيل الوطار‪.)210/1:‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار لبن عابدين‪.111 / 1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر‪ ،‬لكنه حديث ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد والبخاري والترمذي عن البراء بن عازب‪ .‬ويشير حديث المر بغسل اليد بعد اليقظة‬
‫إلى المبادرة إلى الوضوء‪ ،‬روى ابن ماجه عن جابر مرفوعا‪« :‬إذا قام أحدكم من النوم‪ ،‬فأراد أن‬
‫يتوضا‪ ،‬فل يدخل يده في وضوئه‪ ،‬حتى يغسلها‪ ،‬فإنه ل يدري أين باتت يده‪ ،‬ول على ما وضعها»‬
‫( نصب الراية‪.) 2 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/314‬‬
‫د ـ قبل غسل الجنابة‪ ،‬وللجنب عند الكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء‪ ،‬لورود السنة به‪ ،‬قالت‬
‫عائشة‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا كان جنبا‪ ،‬فأراد أن يأكل أو ينام‪ ،‬توضأ» (‪ )1‬وقالت‬
‫أيضا‪« :‬إن رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب‪ ،‬غسل فرجه وتوضأ وضوءه‬
‫للصلة» (‪ )2‬وقال أبو سعيد الخدري‪« :‬إذا أتى أحدكم أهله‪ ،‬ثم أراد أن يعود‪ ،‬فليتوضأ» (‪. )3‬‬
‫هـ ـ بعد ثورة الغضب‪ ،‬لن الوضوء يطفئه‪ ،‬روى أحمد في مسنده‪« :‬فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»‬
‫‪.‬‬
‫و ـ لقراءة القرآن‪ ،‬ودراسة الحديث وروايته‪ ،‬ومطالعة كتب العلم الشرعي‪ ،‬عنايةً بشأنها‪ ،‬وكان مالك‬
‫يتوضأ ويتطهر عند إملء الحديث عن رسول ال‪ ،‬تعظيما له‪.‬‬
‫ز ـ للذان والقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج‪ ،‬وزيارة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وللوقوف‬
‫بعرفة‪ ،‬وللسعي بين الصفا والمروة‪ ،‬لنها في أماكن عبادة‪.‬‬
‫ح ـ بعد ارتكاب خطيئة‪ ،‬من غيبة وكذب ونميمة ونحوها‪ ،‬لن الحسنات تمحو السيئات‪ ،‬قال صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬أل أدلكم على ما يمحو ال به الخطايا‪ ،‬ويرفع به الدرجات؟ قالوا‪ :‬بلى يا رسول‬
‫ال‪ ،‬قال‪ :‬إسباغ الوضوء على المكاره‪ ،‬وكثرة الخُطا إلى المساجد‪ ،‬وانتظار صلة بعد صلة‪ ،‬فذلكم‬
‫الرباط‪ ،‬فذلكم الرباط» (‪. )4‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم‪ ،‬وهناك رواية أخرى للنسائي بمعناها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل البخاري‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي‪ ،‬وابن ماجه بمعناه عن أبي هريره‪ ،‬ورواه ابن ماجه أيضا‬
‫وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (الترغيب والترهيب‪.)158/1:‬‬

‫( ‪)1/315‬‬
‫ط ـ بعد قهقهة خارج الصلة‪ ،‬لنها حدث صورة‪.‬‬
‫ي ـ بعد غسل ميت وحمله‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من غسل ميتا فليغتسل‪ ،‬ومن حمله‬
‫فليتوضأ» (‪. )1‬‬
‫ك ـ للخروج من خلف العلماء‪ ،‬كما إذا لمس امرأة‪،‬أو لمس فرجه ببطن كفه‪ ،‬أو بعد أكل لحم‬
‫الجزور‪ ،‬لقول بعضهم بالوضوء منه‪ ،‬ولتكون عبادته صحيحة بالتفاق عليها‪ ،‬استبراء لدينه‪.‬‬
‫الرابع ـ مكروه‪:‬‬
‫كإعادة الوضوء قبل أداء صلة بالوضوء الول‪ ،‬أي أن الوضوء على الوضوء مكروه‪ ،‬وإن تبدل‬
‫المجلس (‪ )2‬ما لم يؤد به صلة أو نحوها‪.‬‬
‫الخامس ـ حرام‪:‬‬
‫كالوضوء بماء مغصوب‪ ،‬أو بماء يتيم‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬ل يصح الوضوء بمغصوب ونحوه لحديث‪:‬‬
‫«من عمل عملً ليس عليه أمرنا فهو رد» (‪. )3‬‬
‫وقال المالكية (‪ )4‬أيضا‪ :‬الوضوء خمسة أنواع‪:‬‬
‫واجب‪ ،‬ومستحب‪ ،‬وسنة‪ ،‬ومباح‪ ،‬وممنوع‪.‬‬
‫فالواجب‪ :‬هو الوضوء لصلة الفرض‪ ،‬والتطوع‪ ،‬وسجود القرآن‪ ،‬ولصلة الجنازة‪ ،‬ولمس المصحف‪،‬‬
‫وللطواف‪ .‬ول يصلى عندهم إل بالواجب‪ ،‬ومن توضأ لشيء من هذه الشياء‪ ،‬جاز له فعل جميعها‪.‬‬
‫والسنة‪ :‬وضوء الجنب للنوم‪.‬‬
‫والمستحب‪ :‬الوضوء لكل صلة‪ ،‬ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلة‪ ،‬وأوجبه غير‬
‫المالكية لهما‪ ،‬والوضوء للقربات كالتلوة والذكر والدعاء والعلم‪ ،‬وللمخاوف كركوب البحر‪ ،‬والدخول‬
‫على السلطان والقوم‪.‬‬

‫والمباح‪ :‬للتنظيف والتبرد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة‪ ،‬وهو حديث حسن‪.‬‬
‫(‪ )2‬هذا ما حققه ابن عابدين ( رد المحتار‪ ) 111 / 1 :‬وإن قال في مراقي الفلح بأن الوضوء على‬
‫الوضوء يستحب إذا تبدل مجلس المتوضئ‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم عن عائشة‪ ،‬وللبخاري ومسلم عنها بلفظ‪« :‬من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو‬
‫رد» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.20‬‬

‫( ‪)1/316‬‬
‫والممنوع‪ :‬التجديد قبل أن تقع به عبادة‪.‬‬
‫واتفق الشافعية والحنابلة (‪ )1‬مع الحنفية والمالكية على الحالت السابقة ونحوها التي يندب لها‬
‫الوضوء‪ ،‬من قراءة قرآن أو حديث‪ ،‬ودراسة العلم‪ ،‬ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه‪ ،‬وذكر‬
‫وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر‪ ،‬وغضب (‪ )2‬وكلم محرم كغيبة ونحوها‪ ،‬وفعل مناسك الحج‬
‫كوقوف ورمي جمار‪ ،‬وزيارة قبر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأكل ‪ ،‬ولكل صلة‪ ،‬لحديث أبي‬
‫هريرة يرفعه‪« :‬لول أن أشق على أمتي‪ ،‬لمرتهم بالوضوء عند كل صلة» (‪)3‬‬
‫كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعدا ممكنا‬
‫مقعدته من الرض‪ ،‬والقهقهة في الصلة‪ ،‬وأكل مامسته النار‪ ،‬ولحم الجزور‪ ،‬والشك في الحدث‪،‬‬
‫وزيارة القبور‪ ،‬ومن حمل الميت ومسه‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ فرائض الوضوء‪:‬‬
‫نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء‪ :‬وهي غسل الوجه‪ ،‬واليدين‪ ،‬والرجلين‪،‬‬
‫ومسح الرأس‪ ،‬في قوله تعالى‪{ :‬يا آيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلة فاغسلوا وجوهكم‪ ،‬وأيديكم إلى‬
‫المرافق‪ ،‬وامسحوا برؤوسكم‪ ،‬وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة‪.]6/5:‬‬
‫وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى‪ ،‬اتفقوا فيها على النية‪ ،‬وأوجب‬
‫المالكية والحنابلة الموالة‪ ،‬كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب‪ ،‬وأوجب المالكية أيضا الدلك‪.‬‬
‫فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها‪ ،‬وسبعة عند المالكية بإضافة النية‬
‫والدلك والموالة‪ ،‬وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب‪.‬‬

‫وسبعة عند الحنابلة والشيعة المامية بإضافة النية والترتيب والموالة‪.‬‬
‫وبه يتبين أن أركان أو الفرائض نوعان‪ :‬متفق عليها‪ ،‬ومختلف فيها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،49/1:‬كشاف القناع‪ 98/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬لنه من الشيطان‪ ،‬والشيطان من النار‪ ،‬والماء يطفئ النار‪ ،‬كما ورد في الخبر‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد بإسناد صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/317‬‬
‫ض الوضوء المتّفق عليها‪:‬‬
‫ع الوّل ـ فرا ِئ ُ‬
‫النّو ُ‬
‫هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي‪:‬‬
‫أولً ـ غسل الوجه‪:‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬فاغسلوا وجوهكم} [المائدة‪ ،]6/5:‬أي غسل ظاهر وجميع الوجه مرة (‪ ، )1‬وللجماع (‬
‫‪. )2‬‬
‫والغسل‪ :‬إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر‪ ،‬وأقله قطرتان في الصح‪ ،‬ول تكفي السالة بدون‬
‫التقاطر‪ ،‬والمراد بالغسل‪ ،‬النغسال‪ ،‬سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره‪ .‬والفرض هو الغسل مرة‪،‬‬
‫أما تكرار الغسل ثلث مرات فهو سنة وليس بفرض‪.‬‬
‫والوجه‪ :‬ما يواجه به النسان‪ .‬وحده طولً‪ :‬ما بين منابت شعر الرأس المعتاد‪ ،‬إلى منتهى الذقن‪ ،‬أو‬
‫من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن‪ .‬والذقن‪ :‬منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللّحْيين‪ :‬أي العظمين‬
‫اللذين تنبت عليها السنان السفلى‪ .‬ومن الوجه‪ :‬موضع الغمم‪ :‬وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة‪،‬‬
‫وليس منه النزعتان (‪ : )3‬وهما بياضان يكتنفان الناصية‪ :‬وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين‪ ،‬وإنما‬
‫النزعتان من الرأس؛ لنهما في حد تدوير الرأس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى الجماعة إل مسلما عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬توضأ رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم مرة مرة (نيل الوطار‪.)172/1:‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،88 / 1 :‬فتح القدير‪ 8 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬البدائع‪ 3 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪:‬‬
‫‪ ،2/1‬الشرح الصغير‪104/1:‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،85/1:‬مغني المحتاج‪ 50/1:‬وما بعدها‪،‬‬
‫المهذب‪ ،16/ 1 :‬كشاف القناع‪ ،92،106 / 1 :‬المغني‪ ،120-114/1:‬بداية المجتهد‪،10/ 1 :‬‬

‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪. 10‬‬
‫(‪ )3‬يقال‪ :‬رجل أنزع ‪ ،‬ول يقال‪ :‬امرأة نزعاء‪ ،‬بل يقال‪ :‬زعراء‪ ،‬والعرب تمدح بالنزع‪ ،‬وتذم بالغمم‬
‫لن الغمم يدل على البلدة والجبن والبخل‪ ،‬والنزع بضد ذلك‪.‬‬

‫( ‪)1/318‬‬
‫وحد الوجه عرضا‪ :‬ما بين شحمتي الذنين‪ .‬ويدخل في الوجه في الراجح عند الحنفية والشافعية‬
‫البياض الذي بين العذار والذن‪ .‬وقال المالكية والحنابلة‪ :‬إنه من الرأس‪ .‬كما يدخل في الوجه في‬
‫الصح عند الحنابلة كما في المغني موضع التحذيف‪ :‬وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف من طرفي‬
‫الجبين بين ابتداء العذار والنزعة (‪ )1‬لن محله من الوجه‪ .‬ولكن قال النووي‪ :‬صحح الجمهور أي‬
‫من الشافعية أن موضع التحذيف من الرأس‪ ،‬لتصال شعره بشعر الرأس‪ .‬وقال صاحب كشاف القناع‬
‫الحنبلي‪ :‬ل يدخل في الوجه تحذيف‪ ،‬وإنما هو من الرأس‪.‬‬
‫والصدغان من الرأس‪ :‬وهما فوق الذنين‪ ،‬متصلن بالعذارين‪ ،‬لدخولهما في تدوير الرأس‪ ،‬ول بد‬
‫من إدخال جزء يسير من الرأس؛ لنه مما ل يتم الواجب إل به‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يستحب تعاهد موضع‬
‫المفصل (وهو ما بين اللحية والذن) بالغسل‪ ،‬لنه مما يغفل الناس عنه‪ ،‬وقال الشافعية‪ :‬ويسن غسل‬
‫موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه‪ ،‬خروجا من الخلف في وجوب غسلها‪.‬‬
‫ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الذنين‪ ،‬كما يجب أدنى زيادة في‬
‫غسل اليدين والرجلين‪ ،‬على الواجب فيهما؛ لن ما ل يتم الواجب إل به‪ ،‬فهو واجب‪.‬‬
‫ومن الوجه‪ :‬ظاهر الشفتين (‪ )2‬ومارن النف ( مالن منه ) وموضع الجدع من النف ونحوه‪ ،‬ول‬
‫يغسل المنضم من باطن الشفتين‪ ،‬ول باطن العينين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وسمي بذلك لن النساء والشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه وضابطه‪ :‬أن تضع طرف‬
‫خيط على رأس الذن‪ ،‬والطرف الثاني على أعلى الجبهة‪ ،‬وتفرض هذا الخيط مستقيما‪ ،‬فما نزل عنه‬
‫إلى جانب الوجه‪ ،‬فهو موضع التحذيف‪.‬‬
‫(‪ )2‬وهو ما ظهر عند انطباقهما بل تكلف‪.‬‬

‫( ‪)1/319‬‬

‫ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت على العظم‬
‫الناتئ المحاذي للذن بين الصدغ والعارض) (‪ )1‬والشارب وشعر الخد‪ ،‬والعنفقة (الشعر النابت على‬
‫الشفة السفلى) واللّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة‪ ،‬وهي مجمع اللّحْيين) الخفيفة‪ ،‬ظاهرا وباطنا‪،‬‬
‫خفيفا كان الشعر أو كثيفا (‪ )2‬لما روى مسلم من قوله صلّى ال عليه وسلم لرجل ترك موضع ظفر‬
‫على قدمه‪« :‬ارجع فأحسن وضوءك» ‪.‬‬
‫فإن كانت اللحية كثيفة ل ترى بشرتها‪ ،‬فيجب فقط غسل ظاهرها‪ ،‬ويسن تخليل باطنها‪ ،‬ول يجب‬
‫إيصال الماء إلى بشرة الجلد‪ ،‬لعسر إيصال الماء إليه‪ ،‬ولما روى البخاري أنه صلّى ال عليه وسلم‬
‫توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (‪ )1‬وكانت لحيته الكريمة كثيفة‪ ،‬وبالغرفة الواحدة ل يصل الماء‬
‫إلى ذلك غالبا‪.‬‬
‫وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية على المعتمد‪ ،‬وعند‬
‫الحنابلة‪ ،‬لنه نابت في محل الفرض‪ ،‬ويدخل في اسمه ظاهرا‪ ،‬ويفارق ذلك شعر الرأس‪ ،‬فإن النازل‬
‫عنه ل يدخل في اسمه‪ ،‬ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة‪...« :‬ثم إذا غسل وجهه كما أمره ال‪،‬‬
‫إل خَرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء» ‪.‬‬
‫ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل؛ لنه شعر خارج عن محل الفرض‪ ،‬وليس من مسمى‬
‫الوجه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬العارض‪ :‬صفحة الخد‪ ،‬أو هو القدر المحاذي للذن من الوجه‪ ،‬أو ما نزل عن حد العذار‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشعر الكثيف‪ :‬ما يستر البشرة عن المخاطب‪ ،‬بخلف الخفيف‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه البخاري عن ابن عباس ( نيل الوطار‪.)147/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/320‬‬
‫وأضاف الحنابلة‪ :‬أن الفم والنف من الوجه يعني أن المضمضة والستنشاق واجبان في الوضوء‪ ،‬لما‬
‫روى أبو داود وغيره‪« :‬إذا توضأت فمضمض» ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس‪« :‬إذا‬
‫توضأت فانتثر» ولحديث أبي هريرة المتفق عليه‪« :‬إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء‪ ،‬ثم لينتثر»‬
‫كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لصلة لمن ل وضوء له‪ ،‬ول‬
‫وضوء لمن لم يذكر اسم ال عليه» (‪. )1‬‬
‫ثانيا ـ غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة‪:‬‬

‫لقوله تعالى‪{ :‬وأيديكم إلى المرافق} [المائدة‪ ،]6/5:‬وللجماع (‪. )2‬‬
‫والمرفق‪ :‬ملتقى عظم العضد والذراع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة‪ ،‬ولحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد‬
‫وأبي سعيد مثله‪.‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة‪ :‬البدائع‪ :‬ص ‪ ،4‬فتح القدير‪ :‬ص ‪ ،10‬تبيين الحقائق‪ :‬ص ‪ ،3‬الدر المختار‪ :‬ص‬
‫‪ 90‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ :‬ص ‪ 107‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ :‬ص ‪ 87‬وما بعدها‪ ،‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،10 / 1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،10‬مغني المحتاج‪ :‬ص ‪ ،52‬المهذب‪ :‬ص ‪ 16‬وما بعدها ‪،‬‬
‫المغني‪ :‬ص ‪122‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ :‬ص ‪108‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/321‬‬
‫ويجب عند جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب الربعة إدخال المرفقين في الغسل‪ ،‬لن حرف «إلى»‬
‫لنتهاء الغاية‪ ،‬وهي هنا بمعنى «مع» كما في قوله تعالى‪{ :‬ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود‪،]52/11:‬‬
‫{ول تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء‪ ،]2/4:‬ولن الصل في اليد شمولها الكف إلى الذراع‪ ،‬لكن‬
‫التحديد بالمرافق أسقط ما وراءها‪ ،‬وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل‪ ،‬روى مسلم‬
‫عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أنه توضأ فغسل وجهه‪ ،‬فأسبغ‬
‫الوضوء‪ ،‬ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد‪ ،‬ثم اليسرى حتى أشرع في العضد‪)1( »..‬‬
‫وروى الدارقطني عن عثمان رضي ال عنه أنه قال‪« :‬هلمّ أتوضأ لكم وُضوء رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فغسل وجهه ويديه حتى مسّ أطراف العضدين‪ )2( »...‬وروى الدارقطني أيضا عن‬
‫جابر‪ ،‬قال‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا توضأ أمرّ الماء على مرفقيه» ‪.‬‬
‫ويجب غسل تكاميش النامل‪ ،‬وغسل ما تحت الظافر الطويلة التي تستر رؤوس النامل‪ ،‬كما يجب‬
‫عند غير الحنفية إزالة أوساخ الظافر إن منعت وصول الماء‪ ،‬بأن كانت كثيرة‪ ،‬ويعفى عن القليل‬
‫منها‪ ،‬ويعفى عند الحنفية عن تلك الوساخ‪ ،‬سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعا للحرج‪ .‬لكن يجب‬
‫بالتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الظافر غيرها كدهن وطلء‪.‬‬
‫ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين‪ ،‬ويندب تخليل أصابع الرجلين‪.‬‬
‫ويجب غسل الصبع الزائدة في محل الفرض مع الصلية؛ لنها نابتة فيه‪ ،‬كما يجب عند الحنابلة‬
‫والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬إن تدلت‬

‫جلدة العضد منه‪ ،‬لم يجب غسل شيء منها‪ ،‬ل المحاذي ول غيره؛ لن اسم اليد ل يقع عليها‪ ،‬مع‬
‫خروجها عن محل الفرض‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.152 / 1 :‬‬
‫(‪ )2‬نيل الوطار‪.152 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/322‬‬
‫فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين‪ ،‬وجب بالتفاق غسل ما بقي منه؛ لن الميسور ل يسقط‬
‫بالمعسور‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ‪.‬‬
‫أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد‪ ،‬لنه من المرفق‪.‬‬
‫فإن قطع ما فوق المرفق‪ ،‬ندب غسل باقي العضد‪ ،‬لئل يخلو العضد عن طهارة‪.‬‬
‫ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق‪ ،‬ول يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل‬
‫وامرأة‪ ،‬ولو ضيقا ل يدخل الماء تحته‪ ،‬ول يعد حائلً‪.‬‬
‫ثالثا ـ مسح الرأس‪:‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬وامسحوا برؤوسكم} [المائدة‪ ،]6/5:‬وروى مسلم «أنه (صلّى ال عليه وسلم) مسح‬
‫بناصيته وعلى العمامة» ‪.‬‬
‫والمسح‪ :‬هو إمرار اليد المبتلة على العضو‪.‬‬
‫صدْغان ما فوق‬
‫والرأس‪ :‬منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا‪ .‬ويدخل فيه ال ُ‬
‫العظم الناتئ في الوجه‪ .‬واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه (‪: )1‬‬
‫فقال الحنفية على المشهور المعتمد‪ :‬الواجب مسح ربع الرأس مرة‪ ،‬بمقدار الناصية‪ ،‬فوق الذنين ل‬
‫على طرف ذؤابة (ضفيرة)‪ ،‬ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬أنه ل بد من تحقيق معنى المسح عرفا‪ ،‬فيحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحا في‬
‫المتعارف‪ ،‬وبما أن الباء لللصاق‪ ،‬فيكون معنى الية وامسحوا أيديكم ملصقة برؤوسكم‪ ،‬والقاعدة‪ :‬أن‬
‫الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب اللة‪ ،‬وإذا دخلت على اللة اقتضت استيعاب‬
‫الممسوح‪ ،‬فتفيد المسح بمقدار اليد؛ لن استيعاب اليد ملصقة بالرأس ل يستغرق غالبا سوى الربع‪،‬‬
‫فيكون هو المطلوب من الية‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪ ،3 / 1 :‬البدائع‪ ،4 / 1 :‬فتح القدير‪ 10 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪،92/1:‬‬
‫بداية المجتهد‪ ،11 / 1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،21‬الشرح الصغير‪ 108 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الكبير‪ ،88 / 1 :‬المهذب‪ ،17 / 1 :‬مغني المحتاج‪،53 / 1 :‬المغني‪ 125/1:‬وما بعدها‪ ،‬كشاف‬
‫القناع‪ 109 / 1 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/323‬‬
‫ويوضحه مارواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة ‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم توضأ‪،‬‬
‫فمسح بناصيته‪ ،‬وعلى العمامة‪ ،‬والخفين» وما رواه أبو داود عن أنس قال‪« :‬رأيت رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم يتوضأ وعليه عِمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)‪ ،‬فأدخل يده تحت العمامة‪ ،‬فمسح مقدّم‬
‫رأسه‪ ،‬ولم ينقض العمامة» (‪ ، )1‬فكان ذلك بيانا لمجمل الية القرآنية‪ ،‬لن الناصية أو مقدم الرأس‬
‫مقدرة بالربع؛ لنها أحد جوانب الرأس الربعة‪ ،‬ولعل أرجح الراء وجوب مسح مقدار يسمى مسحا‬
‫باليد في العرف‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم‪ :‬يجب مسح جميع الرأس‪ ،‬وليس على الماسح‬
‫نقض ضفائر شعره‪ ،‬ول مسح ما نزل عن الرأس من الشعر‪ ،‬ول يجزئ مسحه عن الرأس‪ ،‬ويجزئ‬
‫المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض‪ .‬فإن فقد شعره مسح بشرته؛ لنها ظاهر رأسه‬
‫بالنسبة إليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ ،157،167 / 1 :‬نصب الراية‪.2 - 1 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/324‬‬
‫والظاهر عند الحنابلة‪ :‬وجوب الستيعاب للرجل‪ ،‬أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها؛ لن عائشة‬
‫كانت تمسح مقدم رأسها‪ .‬ويجب أيضا عند الحنابلة مسح الذنين ظاهرهما وباطنهما؛ لنهما من‬
‫الرأس‪ ،‬لما رواه ابن ماجه‪« :‬الذنان من الرأس» (‪. )1‬‬
‫ويكفي المسح عندهم مرة واحدة‪ ،‬ول يستحب تكرار مسح رأس وأذن‪ ،‬قال الترمذي وأبو داود‪:‬‬
‫والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ لن أكثر من وصف وضوء رسول ال صلّى ال عليه وسلم ذكر‬
‫أنه مسح رأسه واحدة‪ ،‬لنهم ذكروا الوضوء ثلثا ثلثا‪ ،‬وقالوا فيها‪ ( :‬ومسح برأسه ) ولم يذكروا‬
‫عددا‪ ،‬كما ذكروا في غيره‪.‬‬

‫ودليلهم‪ :‬أن الباء لللصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول‪،‬فكأنه تعالى قال‪ :‬ألصقوا المسح برؤوسكم أي‬
‫المسح بالماء‪.‬‬
‫ولنه صلّى ال عليه وسلم مسح جميع الرأس‪ ،‬روى عبد ال بن زيد «أن رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم مسح رأسه بيديه‪ ،‬فأقبل بهما‪ ،‬وأدبر‪ ،‬بدأ بمقدّم رأسه‪ ،‬ثم ذهب بهما إلى قَفاه‪ ،‬ثم ردهما إلى‬
‫المكان الذي بدأ منه» (‪ )2‬وهو يدل على مشروعية مسح جميع الرأس‪ ،‬وهو مستحب باتفاق العلماء‪،‬‬
‫كما قال النووي‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الواجب مسح بعض الرأس‪ ،‬ولو شعرة واحدة في حدّ الرأس‪ ،‬بأن ل يخرج بالمدّ عنه‬
‫من جهة نزوله‪.‬‬
‫والصح عند الشافعية جواز غسله لنه مسح وزيادة‪ ،‬وجواز وضع اليد على الرأس بل مَدّ‪ ،‬لحصول‬
‫المقصود من وصول البلل إليه‪.‬‬
‫والصح عند الحنابلة‪ :‬أنه ل يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس‪ ،‬فيجزئه الغسل مع‬
‫الكراهة إن أمرّ يده‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وعن ابن عباس «أن النبي صلّى ال عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» رواه‬
‫الترمذي وصححه ( نيل الوطار‪.)162 / 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة‪ ،‬وروى أبو داود وأحمد حديثا حسنا عن الرّبَيّع بنت مُعوّذ «أن رسول ال صلّى‬
‫صبّ‬
‫ال عليه وسلم توضأ عندها‪ ،‬ومسح برأسه‪ ،‬فمسح الرأس كله من فوق الشعر‪ ،‬كلّ ناحية لمُن َ‬
‫الشعر‪ ،‬ل يحرك الشعر عن هيئته» (نيل الوطار‪.)154،156/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/325‬‬
‫ودليل الشافعية حديث المغيرة السابق عند الشيخين‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم مسح بناصيته‪ ،‬وعلى‬
‫العمامة» فاكتفى بمسح البعض فيما ذكر‪ ،‬لن المطلوب مطلقا وهو المسح في الية يتحقق بالبعض‪،‬‬
‫والباء إذا دخلت على متعدد‪ ،‬كما في الية‪ ،‬تكون للتبعيض‪ ،‬فيكفي القليل كالكثير‪.‬‬
‫والحق‪ :‬أن الية من قبيل المطلق‪ ،‬وأنها ل تدل على أكثر من إيقاع المسح بالرأس‪ ،‬وذلك يتحقق‬
‫بمسح الكل‪ ،‬وبمسح أي جزء قل أم كثر‪ ،‬ما دام في دائرة ما يصدق عليه اسم المسح‪ ،‬وأن مسح‬
‫شعرة أو ثلث شعرات ل يصدق عليه ذلك (‪. )1‬‬
‫رابعا ـ غسل الرجلين إلى الكعبين‪:‬‬

‫لقوله تعالى‪{ :‬وأرجلكم (‪ )2‬إلى الكعبين} [المائدة‪ ،]5/6:‬ولجماع العلماء‪ ،‬ولحديث عمرو بن عَبْسة‬
‫عند أحمد‪ ...« :‬ثم يمسح رأسه كما أمر ال‪ ،‬ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره ال» ولحديث‬
‫عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال‪« :‬هكذا رأيت رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم يتوضأ» ولغيرهما من الحاديث كحديث عبد ال بن زيد وحديث أبي هريرة‪.‬‬
‫والكعبان‪ :‬هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم‪.‬‬
‫والواجب عند جمهور الفقهاء غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة‪ ،‬كغسل‬
‫المرفقين‪ ،‬لدخول الغاية في ال ُمغَيّا أي لدخول ما بعد «إلى» فيما قبلها (‪، )3‬ولحديث أبي هريرة‬
‫السابق‪...« :‬ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق‪ ،‬ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في‬
‫الساق‪ ،‬ثم قال‪ :‬هكذا رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يتوضأ» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مقارنة المذاهب في الفقه للستاذين الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد علي السايس‪ :‬ص ‪.11‬‬
‫(‪ )2‬قراءة السبع بالنصب‪ ،‬وقراءة غيرها بالجر للمجاورة‪ ،‬عطفا على الوجوه‪ ،‬لفظا في الول‪،‬‬
‫ومعنى في الثاني‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،5 / 1 :‬الشرح الصغير‪ ،109 / 1 :‬مغني المحتاج‪ ،53/ 1 :‬المغني‪ 132/ 1 :‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم (نيل الوطار‪.)152 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/326‬‬
‫ويلزم عند الجمهور أيضا غسل القدمين مع الكعبين‪ ،‬ول يجزئ مسحهما لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«ويل للعقاب من النار» (‪ )1‬فقد توعد على المسح‪ ،‬ولمداومته صلّى ال عليه وسلم على غسل‬
‫الرجلين‪ ،‬وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح‪ ،‬ولمره بالغسل‪ ،‬كما ثبت في حديث جابر عند‬
‫الدارقطني بلفظ «أمرنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا توضأنا للصلة أن نغسل أرجلنا» ولثبوت‬
‫ذلك من قوله وفعله صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما في حديث عمرو بن عَبْسة وأبي هريرة وعبد ال بن‬
‫زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول ال وفيها‪ ( :‬فغسل قدميه )‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم بعد أن توضأ وضوءا غسل قدميه‪ « :‬فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» (‪ )2‬ول شك‬
‫أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص‪ ،‬ولقوله عليه الصلة والسلم للعرابي‪« :‬توضأ كما أمرك ال» (‬
‫‪ )3‬ثم ذكر له صفة الوضوء‪ ،‬ولجماع الصحابة على الغسل‪ ،‬فكانت هذه المور موجبة لحمل قراءة (‬

‫وأرجلِكم ) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر‪ ،‬ل يجوز حمل المتنازع فيه عليها‪ .‬وعطفها على (‬
‫برؤوسكم ) بالجر للمجاورة‪ .‬وأما قراءة النصب فهي عطف على اليدين في الغسل‪.‬‬
‫ثم إن أمر النبي صلّى ال عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والشيخان عن عبد ال بن عمر‪ ،‬قال‪« :‬تخلف عنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم في‬
‫سفرة‪ ،‬فأدرَكنا وقد أرهقنا العصر‪ ،‬فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا‪ ،‬قال‪ :‬فنادى بأعلى صوته‪ :‬ويل‬
‫للعقاب من النار مرتين أو ثلثا» (نيل الوطار‪.)167/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة‪ ،‬وصححه ابن خزيمة (نيل‬
‫الوطار‪.)168،173 ،146،152/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن أنس بن مالك‪ ،‬ورواه أحمد ومسلم عن عمر بن الخطاب‬
‫( نيل الوطار‪.)170،175 / 1 :‬‬
‫(‪ )4‬روى أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا‬
‫توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» (نيل الوطار‪.)153/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/327‬‬
‫وأوجب الشيعة المامية (‪ )1‬مسح الرجلين‪ ،‬لما أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي‪:‬‬
‫« أنه رأى رسول ال صلّى ال عليه وسلم أتى ِكظَامة (‪ )2‬قوم بالطائف‪،‬فتوضأ‪ ،‬ومسح على نعليه‬
‫وقدميه» (‪ ، )3‬وعملً بقراءة الجر «وأرجلكم» وبما روي عن علي وابن عباس وأنس‪ ،‬لكن قد ثبت‬
‫عنهم الرجوع عن ذلك‪ .‬قال الشوكاني‪ :‬وأما الموجبون للمسح‪ ،‬وهم المامية‪ ،‬فلم يأتوا مع مخالفتهم‬
‫ل وفعلً بحجة نيرة‪ ،‬وجعلوا قراءة النصب عطفا على محل قوله‪:‬‬
‫الكتاب والسنة المتواترة قو ً‬
‫{برؤوسكم} [المائدة‪. )4( ]6/5:‬‬
‫والسبب في ذكر الغسل والمسح في الرجل بحسب قراءتي النصب والجر ـ كما ذكر الزمخشري ـ‬
‫هو توقي السراف؛ لن الرجل مظنة لذلك‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة‪ :‬غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة‪،‬‬
‫والمسح بالرأس مرة واحدة‪ ،‬وأما التثليث فهو سنة‪ ،‬كما سيأتي بيانه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المختصر النافع في فقه المامية‪ :‬ص ‪.30‬‬

‫(‪ )2‬الكظامة‪ :‬القناة‪ ،‬أو فم الوادي‪.‬‬
‫(‪ )3‬حديث معلول بجهالة بعض رواته‪ ،‬وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه‪ ،‬قال هيثم‪ :‬كان‬
‫هذا في أول السلم‪( :‬نيل الوطار‪.)169/ 1 :‬‬
‫(‪ )4‬نيل الوطار‪ :‬المكان السابق‪.‬‬

‫( ‪)1/328‬‬
‫النّوع الثّاني ـ فرا ِئضُ الوضوء المختلف فيها‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالة والدلك‪ .‬فقال غير الحنفية بفرضية النية‪ ،‬وقال‬
‫المالكية والحنابلة والمامية بوجوب الموالة‪ ،‬وقال الشافعية والحنابلة والمامية بوجوب الترتيب‪،‬‬
‫وانفرد المالكية بإيجاب الدلك‪ .‬وأبحث الخلف في هذه المور‪:‬‬
‫أولً ـ النية‪:‬‬
‫النية لغة‪ :‬القصد بالقلب‪ ،‬ل علقة للسان بها‪ ،‬وشرعا‪ :‬هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض‪ ،‬أو رفع‬
‫حكم الحدث‪ ،‬أو استباحة ما تجب الطهارة له‪ ،‬كأن يقول المتوضئ‪ :‬نويت فرائض الوضوء‪ ،‬أو يقول‬
‫من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح‪ :‬نويت استباحة فرض الصلة‪ ،‬أو الطواف أو مس‬
‫المصحف‪ .‬أو يقول المتطهر مطلقا‪ :‬نويت رفع الحدث‪ ،‬أي إزالة المانع بين كل فعل يفتقر إلى‬
‫الطهارة‪ .‬وعرف الحنفية النية اصطلحا بأنها توجه القلب ليجاد الفعل جزما‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة‪:‬‬
‫فقال الحنفية (‪ : )1‬يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب‪ ،‬ووقتها‪ :‬قبل الستنجاء ليكون جميع‬
‫فعله قربة‪ .‬وكيفيتها‪ :‬أن ينوي رفع الحدث‪ ،‬أو إقامة الصلة‪ ،‬أو ينوي الوضوء أو امتثال المر‪.‬‬
‫ومحلها القلب‪ ،‬فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان‪ ،‬فهو مستحب عند المشايخ‪.‬‬
‫ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية‪ :‬صحة وضوء المتبرد‪ ،‬والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة‬
‫أو لنقاذ غريق‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫واستدلوا على رأيهم بما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬عدم النص عليها في القرآن‪ :‬إن آية الوضوء لم تأمر إل بغسل العضاء الثلثة والمسح‬
‫بالرأس‪ ،‬والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص الكتاب‪ ،‬والزيادة على الكتاب عندهم‬
‫نسخ‪ ،‬ل يصح بالحاد‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬عدم النص عليها في السنة‪ :‬لم يعلمها النبي صلّى ال عليه وسلم للعرابي مع جهله‪ .‬وفرضت‬

‫النية في التيمم لنه بالتراب‪ ،‬وليس هو مزيلً للحدث بالصالة‪ ،‬وإنما هو بدل عن الماء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،100 - 98 / 1 :‬اللباب‪ ،16/ 1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،12‬البدائع‪ ،17/1:‬مقارنة‬
‫المذاهب في الفقه‪ :‬ص ‪.14‬‬

‫( ‪)1/329‬‬
‫ً‪ - 3‬القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها‪ :‬إن الوضوء طهارة بماء‪ ،‬فل تشترط لها النية كإزالة‬
‫النجاسة‪ ،‬كما ل تجب النية في شروط الصلة الخرى كستر العورة‪ ،‬ول تجب أيضا بغسل الذمية من‬
‫حيضها لتحل لزوجها المسلم‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬إن الوضوء وسيلة للصلة‪ ،‬وليس مقصودا لذاته‪ ،‬والنية شرط مطلوب في المقاصد‪ ،‬ل في‬
‫الوسائل‪.‬‬
‫وقال المالكية والشافعية‪ :‬النية فرض في الوضوء‪ ،‬وعند الحنابلة شرط‪ ،‬لتحقيق العبادة أو قصد القربة‬
‫ل عز وجل (‪، )1‬فل تصح الصلة بالوضوء لغير العبادة كالكل والشرب والنوم ونحو ذلك‪.‬‬
‫واستدلوا بما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬السنة‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى» (‪ )2‬أي إن‬
‫العمال المعتدّ بها شرعا تكون بالنية‪ ،‬والوضوء عمل‪ ،‬فل يوجد شرعا إل بنية‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬تحقيق الخلص في العبادة‪ :‬لقوله تعالى‪{ :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين} [البينة‪:‬‬
‫‪ ،]5/98‬والوضوء عبادة مأمور بها‪ ،‬ل يتحقق إل بإخلص النية فيه ل تعالى‪ ،‬لن الخلص عمل‬
‫القلب وهو النية‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬القياس‪ :‬تشترط النية في الوضوء كما تشترط في الصلة‪ ،‬وكما تشترط في التيمم ل ستباحة‬
‫الصلة‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬الوضوء وسيلة للمقصود‪ ،‬فله حكم ذلك المقصود‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إذا قمتم إلى الصلة فاغسلوا‬
‫وجوهكم} [المائدة‪ ،]6/5:‬فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلة‪ ،‬ومن أجل هذه‬
‫العبادة‪ ،‬فالمطلوب غسل العضاء لجل الصلة‪ ،‬وهو معنى النية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪ 361/ 1 :‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ 14 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ 7 / 1 :‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،21‬الشرح الصغير‪ 114 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪93 / 1 :‬وما‬

‫بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪47 / 1 :‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪ 110/ 1 :‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.101-94/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق على صحته‪ ،‬رواه الجماعة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ال عنه ( نيل‬
‫الوطار‪.)131 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/330‬‬
‫والحق‪ :‬القول بفرضية النية؛ لن أحاديث الحاد كثيرا ما أثبتت أحكاما ليست في القرآن‪ ،‬ولن عموم‬
‫الماء للعضاء بدون قصد أصلً‪ ،‬أو بقصد التبرد‪ ،‬ليس غسلً للوضوء‪ ،‬حتى يؤد ي مهمته الشرعية‪،‬‬
‫ويحقق المأمور به كما أمر به (‪. )1‬‬
‫ما يتعلق بالنية‪ :‬يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي (‪: )2‬‬
‫أ ـ حقيقتها‪ :‬لغة‪ :‬القصد‪ ،‬وشرعا‪ :‬قصد الشيء مقترنا بفعله‪.‬‬
‫ب ـ حكمها‪ :‬عند الجمهور‪ :‬الوجوب‪ ،‬وعند الحنفية‪ :‬الستحباب‪.‬‬
‫جـ ـ المقصود بها‪ :‬تمييز العبادة عن العادة‪،‬أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض‪،‬‬
‫كالصلة تكون فرضا تارة‪ ،‬ونفلً أخرى‪.‬‬
‫د ـ شرطها‪ :‬إسلم الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي‪،‬وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكما‪ ،‬فل‬
‫ينصرف عن الوضوء مثلً لغيره‪ ،‬وأل تكون معلقة‪ ،‬فلو قال‪ :‬إن شاء ال تعالى‪ :‬فإن قصد التعليق‬
‫أوأطلق‪ ،‬لم تصح‪ ،‬وإن قصد التبرك صحت‪.‬‬
‫واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لن طهارته طهارة‬
‫عذر وضرورة‪ ،‬فتقيدت بالوقت كالتيمم‪.‬‬
‫هـ ـ محلها‪ :‬القلب‪ ،‬إذ هي عبارة عن القصد ‪ ،‬ومحل القصد‪ :‬القلب‪ ،‬فمتى اعتقد بقلبه أجزأه‪ ،‬وإن‬
‫لم يتلفظ بلسانه‪ ،‬أما إن لم تخطر النية بقلبه‪ ،‬فلم يجزئه الفعل الحاصل‪ ،‬والولى عند المالكية ترك‬
‫التلفظ بالنية‪ ،‬ويسن عند الشافعية والحنابلة‪ :‬التلفظ بها‪ ،‬إل أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ‬
‫بها سرا‪ ،‬ويكره الجهر بها وتكرارها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مقارنة الفقه في المذاهب‪ :‬ص ‪.17‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 47/ 1 :‬والمراجع السابقة‪ :‬المغني‪.142/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/331‬‬

‫و ـ صفتها‪ :‬أن يقصد بطهارته استباحة شيء ل يستباح إل بها‪ ،‬كالصلة والطواف ومس المصحف‪،‬‬
‫وينوي رفع الحدث الصغر‪ ،‬أي المنع المترتب على العضاء‪ ،‬أي أن صفة النية أن ينوي رفع‬
‫الحدث أو الطهارة من الحدث‪ ،‬وأيهما نواه أجزأه‪ ،‬لنه نوى المقصود وهو رفع الحدث‪.‬‬
‫فإن نوى بالطهارة‪ :‬ما ل تشرع له الطهارة‪ ،‬كالتبرد والكل والبيع والزواج ونحوه‪ ،‬ولم ينو الطهارة‬
‫الشرعية‪ ،‬لم يرتفع حدثه؛ لنه لم ينو الطهارة ولمايتضمن نيتها‪ ،‬فلم يحصل له شيء‪ ،‬كالذي لم يقصد‬
‫شيئا‪.‬‬
‫وإن نوى بالوضوء الصلة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة‪ ،‬صحت النية‬
‫وأجزأته‪ .‬لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلً‪ ،‬لم تصح ولم تجزئ‪،‬‬
‫حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة‪ ،‬ول يتم التمييز إل بالنية‪ ،‬والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون‬
‫عن نجس‪ ،‬فلم تصح بنية مطلقة‪.‬‬
‫وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة‪ ،‬كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم‬
‫وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك‪ ،‬ارتفع حدثه وله أن يصلي ما شاء عند‬
‫الحنابلة‪ ،‬لنه نوى شيئا من ضرورة صحة الطهارة‪.‬‬
‫ول يجزئه للصلة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث‪ ،‬لن ما نواه يصح فعله مع بقاء‬
‫الحدث‪.‬‬
‫كما ل يجزئه في الصح عند الشافعية؛ لنه مباح مع الحدث‪ ،‬فل يتضمن قصده رفع الحدث‪.‬‬
‫ول خلف في أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف‪ ،‬صلى‬
‫بوضوئه الفريضة؛ لنه ارتفع حدثه (‪. )1‬‬
‫وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها؛ لنها عبادة شك في شرطها‪ ،‬وهو فيها‪ ،‬فلم تصح‬
‫كالصلة‪.‬‬
‫ول يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة‪ ،‬كسائر العبادات‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.142/1:‬‬

‫( ‪)1/332‬‬
‫وإذا وضّأه غيره‪ ،‬اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛ لن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء‪،‬‬
‫والوضوء يحصل له بخلف الموضئ فإنه آلة ل يخاطب ول يحصل له‪.‬‬

‫وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلة دون رفع الحدث‪ ،‬لعدم إمكان‬
‫رفعه‪.‬‬
‫ز ـ وقت النية‪ :‬قال الحنفية‪ :‬وقتها قبل الستنجاء ليكون جميع فعله قربة‪ ،‬وقال الحنابلة‪ :‬وقتها عند‬
‫أول واجب وهو التسمية في الوضوء‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬محلها الوجه‪ ،‬وقيل‪ :‬أول الطهارة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬عند أول غسل جزء من الوجه‪ ،‬ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن‬
‫بأول الفرض كالصلة‪ .‬ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها‪،‬‬
‫فيثاب على كل منهما‪ .‬ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير‪ ،‬فإن طال الزمن لم يُجزه ذلك‪.‬‬
‫ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة‪ ،‬لتكون أفعاله مقترنة بالنية‪ ،‬وإن استصحب حكمها‬
‫أجزأه‪ ،‬ومعناه‪ :‬أل ينوي قطعها‪.‬‬
‫ول يضر عزوب النية‪ :‬أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها‪ ،‬بعد أن أتى بها في أول الوضوء؛ لن‬
‫ما اشترطت له النية ل يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلة والصيام‪ .‬وذلك بخلف الرفض‪ :‬أي‬
‫البطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه‪ ،‬كأن يقول بقلبه‪ :‬أبطلت وضوئي‪ ،‬فإنه يبطل‪.‬‬
‫وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء‪ ،‬بأن ينوي عند كل عضو رفع‬
‫الحدث عنه‪ ،‬لنه يجوز تفريق أفعال الوضوء‪ ،‬فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله‪.‬‬
‫والمعتمد عند المالكية خلفا للظهر عند ابن رشد‪ :‬أنه ل يجزئ تفريق النية على العضاء‪ ،‬بأن‬
‫يخص كل عضو بنية‪ ،‬من غير قصد إتمام الوضوء‪ ،‬ثم يبدو له فيغسل ما بعده‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فإن فرق النية‬
‫على العضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور‪ ،‬أجزأه ذلك‪ .‬وبه يلتقي المالكية مع الشافعية‬
‫والحنابلة‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم‪ ،‬واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث‬
‫الكبر والصغر على قولين‪.‬‬

‫( ‪)1/333‬‬
‫ثانيا ـ الترتيب‪:‬‬
‫الترتيب‪ :‬تطهير أعضاء الوضوء واحدا بعد الخر كما ورد في النص القرآني‪ :‬أي غسل الوجه أولً‬
‫ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين‪ .‬واختلف الفقهاء في وجوبه (‪. )1‬‬
‫فقال الحنفية والمالكية‪ :‬إنه سنة مؤكدة ل فرض‪ ،‬فيبدأ بما بدأ ال بذكره وبالميامن؛ لن النص القرآني‬
‫الوارد في تعداد فرائض الوضوء عطف المفروضات بالواو‪ ،‬التي ل تفيد إل مطلق الجمع‪ ،‬وهو ل‬

‫يقتضي الترتيب‪ ،‬ولو كان الترتيب مطلوبا لعطفه بالفاء أو ( ثم )‪ ،‬والفاء التي في قوله تعالى‪:‬‬
‫{فاغسلوا} [المائدة‪ ،]6/5:‬لتعقيب جملة العضاء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،113/ 1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،12‬فتح القدير‪ ،23/ 1 :‬البدائع‪ 17/ 1 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫الشرح الصغير‪ ،120/ 1 :‬الشرح الكبير‪ ،102/ 1 :‬مغني المحتاج‪ ،54/1:‬المهذب‪ ،19/1:‬المغني‪1 :‬‬
‫‪ ،138-136/‬كشاف القناع‪ ،116/ 1 :‬بداية المجتهد‪ ،16/ 1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،22‬المجموع‪1 :‬‬
‫‪.486- 480/‬‬

‫( ‪)1/334‬‬
‫وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب‪ ،‬قال علي رضي ال‬
‫عنه‪« :‬ما أبالي بأي أعضائي بدأت» وقال ابن عباس رضي ال عنهما‪« :‬لبأس بالبداية بالرجلين قبل‬
‫اليدين» وقال ابن مسعود رضي ال عنه‪« :‬لبأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬الترتيب فرض في الوضوء ل في الغسل‪ .‬لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫المبين للوضوء المأمور به (‪ ، )2‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم في حجته‪« :‬ابدؤوا بما بدأ ال به» (‬
‫‪ ، )3‬والعبرة بعموم اللفظ‪ ،‬ولن في آية الوضوء قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب‪ ،‬فإنه تعالى‬
‫ذكر ممسوحا بين مغسولت‪ ،‬والعرب ل تفرق بين المتجانسين ول تقطع النظير عن نظيره إل لفائدة‪،‬‬
‫وهي هنا الترتيب‪ ،‬ولن الية بيان للوضوء الواجب‪ ،‬بدليل أنه لم يذكر فيها شيء من السنن‪ .‬وقياسا‬
‫على الترتيب الواجب في أركان الصلة‪.‬‬
‫فلو نكس (‪ )4‬الترتيب المطلوب‪ ،‬فبدأ برجليه‪ ،‬وختم بوجهه لم يصح إل غسل وجهه‪ ،‬ثم يكمل ما بعده‬
‫على الترتيب الشرعي‪ .‬ويمكن تصحيح الوضوء غير المرتب بأن يغسل أعضاءه أربع مرات‪ ،‬لنه‬
‫يحصل له في كل مرة غسل كل عضو‪ ،‬فيحصل له من المرة الولى غسل الوجه‪ ،‬ومن الثانية غسل‬
‫اليدين‪ ،‬ومن الثالثة مسح الرأس‪ ،‬ومن الرابعة غسل الرجلين‪.‬‬
‫وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة‪ ،‬لم يصح وضوءه‪ ،‬وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة؛ لن الواجب‬
‫الترتيب‪ ،‬ل عدم التنكيس‪ ،‬ولم يوجد الترتيب‪.‬‬
‫ولو اغتسل محدث حدثا أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه‪ ،‬فالصح عن الشافعية‪ :‬أنه إن أمكن‬
‫تقدير ترتيب بأن غطس مثلً صح‪ ،‬ولو بل ُمكْث؛ لنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين‪ ،‬فللصغر‬
‫أولى‪ ،‬ولتقدير الترتيب في لحظات معينة‪.‬‬

‫ول يكفي ذلك عند الحنابلة‪ ،‬إل إذا مكث في الماء قدرا يسع الترتيب‪ ،‬فيخرج وجهه ثم يديه‪ ،‬ثم يمسح‬
‫رأسه‪ ،‬ثم يخرج من الماء‪،‬سواء أكان الماءراكدا أم جاريا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى الدارقطني الثرين الولين‪ ،‬وأما الثر الثالث فل يعرف له أصل‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة (نيل الوطار‪.)152/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه النسائي بإسناد صحيح‪.‬‬
‫(‪ )4‬نكس ـ كنصر ـ الشيء‪ :‬فانتكس‪ :‬قلبه على رأسه‪ ،‬ونكّسه بالتشديد تنكيسا‪.‬‬

‫( ‪)1/335‬‬
‫والترتيب مطلوب بين الفرائض‪ ،‬ول يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين‪ ،‬وإنما‬
‫هو مندوب‪ ،‬لن مخرجهما في القرآن واحد‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وأيديكم}‪{ ....‬وأرجلكم} [المائدة‪،]6/5:‬‬
‫والفقهاء يعدون اليدين عضوا‪ ،‬والرجلين عضوا‪ ،‬ول يجب الترتيب في العضو الواحد‪ .‬وهذا هو‬
‫المقصود من قول علي وابن مسعود‪ ،‬قال أحمد‪ :‬إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى؛ لن مخرجهما من‬
‫الكتاب واحد‪.‬‬
‫ل وفعلً عليه‪،‬‬
‫وفي تقديري‪ :‬أن رأي القائلين بالترتيب أولى ‪ ،‬لمواظبة النبي صلّى ال عليه وسلم قو ً‬
‫واستمر الصحابة على ذلك‪ ،‬ل يعرفون غير الترتيب في الوضوء‪ ،‬وليتوضؤون إل مرتبين‪ ،‬ودرج‬
‫المسلمون على الترتيب في كل العصور‪ .‬وكون الواو ل يقتضي الترتيب صحيح مسلّم به‪ ،‬لكن ذلك‬
‫عند عدم القرائن الدالة على إرادة الترتيب‪ ،‬والقرائن الدالة عليه كثيرة‪ ،‬وهي المواظبة من النبي‬
‫وصحبه (‪. )1‬‬
‫ثالثا ـ الموالة أو الوِلء‪:‬‬
‫هي متابعة أفعال الوضوء بحيث ل يقع بينها ما يعد فاصلً في العرف‪ ،‬أو هي المتابعة بغسل‬
‫العضاء قبل جفاف السابق‪ ،‬مع العتدال مزاجا وزمانا ومكانا ومناخا‪ .‬واختلف الفقهاء في وجوبها (‬
‫‪. )2‬‬
‫فقال الحنفية الشافعية‪ :‬الموالة سنة ل واجب‪ ،‬فإن فرق بين أعضائه تفريقا يسيرا لم يضر؛ لنه ل‬
‫يمكن الحتراز عنه‪ .‬وإن فرق تفريقا كثيرا‪ ،‬وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل‪،‬‬
‫أجزأه؛ لن الوضوء عبادة ليبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج‪.‬‬
‫واستدلوا على رأيهم بالتي‪:‬‬

‫ً‪« - 1‬إنه صلّى ال عليه وسلم توضأ في السوق‪ ،‬فغسل وجهه ويديه‪ ،‬ومسح رأسه‪ ،‬فدعي إلى‬
‫جنازة‪ ،‬فأتى المسجد يمسح على خفيه وصلى عليها» (‪ )3‬قال المام الشافعي‪ :‬وبينهما تفريق كثير‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬صح عن ابن عمر رضي ال عنهما التفريق أيضا‪ ،‬ولم ينكر عليه أحد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مقارنة المذاهب‪ :‬ص ‪.23-21‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،17/ 1 :‬القوانين الف