‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬

‫(اضغط هنا للنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على النترنت)‬
‫الكتاب ‪ :‬الفِقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‬
‫الشّامل للدلّة الشّرعيّة والراء المذهبيّة وأهمّ النّظريّات الفقهيّة وتحقيق الحاديث‬
‫النّبويّة وتخريجها‬
‫المؤلف ‪ :‬أ‪.‬د‪ .‬وَهْبَة الزّحَيِْليّ‬
‫ي وأصوله‬
‫أستاذ ورئيس قسم الفقه السلم ّ‬
‫بجامعة دمشق ‪ -‬كلّيّة الشّريعة‬
‫الناشر ‪ :‬دار الفكر ‪ -‬سوريّة ‪ -‬دمشق‬
‫الطبعة ‪ :‬الطّبعة الرّابعة المنقّحة المعدّلة بالنّسبة لما سبقها‪ ،‬وهي الطّبعة الثّانية‬
‫عشرة لما تقدّمها من طبعات مصوّرة؛ لنّ الدّار النّاشرة دار الفكر بدمشق لتعتبر‬
‫التّصوير وحده مسوّغا لتعدّد الطّبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة‪.‬‬
‫عدد الجزاء ‪10 :‬‬
‫ـ الكتاب مقابل على المطبوع ومرقّم آليّا ترقيما غير موافق للمطبوع‪.‬‬
‫ـ مذيّل بالحواشي دون نقصان‪.‬‬
‫نال شرف فهرسته وإعداده للشّاملة‪ :‬أبو أكرم الحلبيّ من أعضاء ملتقى أهل الحديث‬
‫ل تنسونا من دعوة في ظهر الغيب ‪...‬‬
‫المقصود القول بسنية الدلك ل بوجوبه‪ ،‬لن الحاديث التي وصفت غسل النبي صلّى ال عليه وسلم ل‬
‫تدل حقا على الدلك‪ ،‬وليس في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل‪ ،‬فالواجب ما‬
‫صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة‪.‬‬
‫حكم ناسي أحد الفروض‪ :‬قال ابن جزي المالكي (‪ : )1‬من نسي شيئا من فرائض الوضوء‪ ،‬فإن ذكر‬
‫بعد أن جف وضوءه‪ ،‬فعل ما ترك خاصة‪ ،‬وإن ذكر قبل أن يجف وضوءه ابتدأ الوضوء‪ ،‬قال‬
‫الطّليطلي‪ :‬إنه يعيد الذي نسي وما بعده وليبتدئ الوضوء‪ ،‬وهو الصحيح‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ شروط الوضوء‪:‬‬
‫سبب وجوب الوضوء‪ :‬هو الحدث‪ ،‬ودخول وقت الصلة‪ ،‬والقيام إليها ونحوها‪ ،‬والصح عند‬
‫الشافعية‪ :‬الثنان معا أي الحدث والقيام إلى الصلة ونحوها‪.‬‬

‫وأما شروط الوضوء فنوعان‪ :‬شروط وجوب‪ ،‬وشروط صحة (‪. )2‬‬
‫وشرائط الوجوب‪ :‬هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص‪ .‬وشرائط الصحة‪ :‬ما ل تصح‬
‫الطهارة إل بها‪.‬‬
‫أولً ـ شروط الوجوب‪:‬‬
‫يشترط لوجوب الوضوء على الشخص‪ ،‬أي التكليف به وافتراضه عليه شروط ثمانية هي ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬العقل‪ :‬فل يجب ول يصح من مجنون حال جنونه‪ ،‬ول من مصروع حال صرعه‪ ،‬ول يجب‬
‫على النائم والغافل ول يصح منهما لعدم النية عند الجمهور غير الحنفية؛ إذ ل نية لنائم أو غافل حال‬
‫النوم أو الغفلة‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬البلوغ‪ :‬فل يجب على صبي‪ ،‬لكن ل يصح الوضوء إل من مميز‪ ،‬فالتمييز شرط لصحة‬
‫الوضوء ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.23‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،15/ 1 :‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،80/ 1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،10‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،134- 131 /1‬الشرح الكبير‪ 84/ 1 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،47/ 1 :‬كشاف القناع‪.95/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/339‬‬
‫ً‪ - 3‬السلم‪ :‬شرط وجوب عند الحنفية بناء على المشهور عندهم من أن الكفار غير مخاطبين‬
‫بالعبادات وغيرها من فروع الشريعة‪ ،‬فل يجب على كافر إذ ليخاطب كافر بفروع الشريعة‪ .‬وهو‬
‫شرط صحة عند الجمهور بناء على أن المقرر لديهم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة‪،‬فل يصح من‬
‫كافر‪ ،‬إذ يشترط لصحة أدائه منه وجود السلم (‪ . )1‬وهذا شرط في جميع العبادات من طهارة‬
‫وصلة وزكاة وصوم وحج‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي‪،‬فل يجب على عاجز عن استعمال المطهر‪ ،‬ول على‬
‫فاقد الماء‪ ،‬والتراب أيضا‪ ،‬ول على واجد ماء ل يكفي لجميع العضاء مرة مرة‪ .‬ول على عاجز‬
‫يضره الماء‪ ،‬فالمراد بالقادر‪ :‬هو الواجد الماء الذي ل يضره استعماله‪ .‬هذا عند الحنفية والمالكية‪،‬‬
‫والظهر عند الشافعية والحنابلة أنه يجب استعمال الماء الذي ل يكفيه ثم يتيمم‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬وجود الحدث‪ :‬فل يلزم المتوضئ إعادة الوضوء أي الوضوء على الوضوء‪.‬‬
‫ً‪ - 7ً ،6‬عدم الحيض والنفاس بانقطاعهما شرعا‪ ،‬فل يجب على الحائض والنفساء‪.‬‬

‫ً‪ - 8‬ضيق الوقت‪ :‬لن الخطاب الشرعي يتوجه للمكلف حينئذ توجها مضيقا‪ ،‬وموسعا في ابتداء‬
‫الوقت‪ ،‬فل يجب الوضوء حال سعة الوقت‪ ،‬ويجب إذا ضاق الوقت‪.‬‬
‫ويمكن اختصار هذه الشروط في أمر واحد‪ :‬هو قدرة المكلف بالطهارة عليها بالماء‪.‬‬
‫ثانيا ـ شروط الصحة‪:‬‬
‫يشترط لصحة الوضوء شروط ثلثة عند الحنفية‪ ،‬وأربعة عند الجمهور‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬عموم البشرة بالماء الطهور‪ :‬أي أن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول‪ ،‬بحيث ل يبقى منه‬
‫شيء‪ ،‬إل وقد غسل‪ ،‬لكي يغمر الماء جميع أجزاء البشرة‪ ،‬حتى لو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه‬
‫الماء من المفروض غسله‪ ،‬لم يصح الوضوء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر كتابي أصول الفقه السلمي ‪ ،146/1‬ط دار الفكر‪ ،‬ط ثانية‪.‬‬

‫( ‪)1/340‬‬
‫وبناء عليه يجب تحريك الخاتم الضيق عند الجمهور غير المالكية‪ :‬أما المالكية فقالوا‪ :‬ل يجب تحريك‬
‫الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقا ل يدخل الماء تحته‪ ،‬ول يعد حائلً بخلف غير المأذون‬
‫فيه‪ ،‬كالذهب للرجل أو المتعدد أكثر من واحد‪ ،‬فل بد من نزعه ما لم يكن واسعا يدخل الماء تحته‪،‬‬
‫فيكفي تحريكه؛ لنه بمنزلة الدلك بالخرقة‪.‬‬
‫ول يصح الوضوء باتفاق الفقهاء بغير الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن ونحو ذلك‪ ،‬كما ل‬
‫يصح التوضؤ بالماء النجس‪ ،‬إذ ل صلة إل بطهور أو ل صلة إل بطهارة‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو‪ :‬أي أل يكون على العضو الواجب غسله حائل يمنع‬
‫وصول الماء إلى البشرة‪ ،‬كشمع وشحم ودهن ودهان‪ ،‬ومنه عماص العين‪ ،‬والحبر الصيني المتجسم‪،‬‬
‫وطلء الظافر للنساء‪ .‬أما الزيت ونحوه فل يمنع نفوذ الماء للبشرة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬عدم المنافي للوضوء أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره‪ :‬أي انقطاع كل ما ينقض الوضوء‬
‫قبل البدء به‪ ،‬لغير المعذور‪ ،‬من دم حيض ونفاس وبول ونحوهما‪ ،‬وانقطاع حدث حال التوضؤ؛ لنه‬
‫بظهور بول وسيلن ناقض‪ ،‬ل يصح الوضوء‪.‬‬
‫والخلصة‪:‬أنه ل يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود ناقض للوضوء‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬دخول الوقت للتيمم عند الجمهور غير الحنفية‪ ،‬ولمن حدثه دائم كسلس البول عند الشافعية‬
‫والحنابلة‪ ،‬لن طهارته طهارة عذر وضرورة‪ ،‬فتقيدت بالوقت‪.‬‬

‫والسلم كما عرفنا شرط لصحة أداء العبادات عند غير الحنفية‪ ،‬وعندهم‪ :‬شرط وجوب‪ .‬وأما التمييز‬
‫فهو شرط لصحة الوضوء وغيره من العبادات بالتفاق‪.‬‬

‫( ‪)1/341‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬شروط الوضوء والغسل ثلثة عشر‪ :‬السلم‪ ،‬والتمييز‪ ،‬والنقاء من الحيض والنفاس‪،‬‬
‫وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة‪ ،‬والعلم بفرضيته‪ ،‬وأل يعتقد فرضا معينا من فروضه سنة‪،‬‬
‫والماء الطهور‪ ،‬وإزالة النجاسة العينية‪ ،‬وأل يكون على العضو ما يغير الماء‪ ،‬وأل يعلق نيته‪ ،‬وأن‬
‫يجري الماء على العضو‪ ،‬ودخول الوقت لدائم الحدث‪ ،‬والموالة (أي فقد الصارف)‪.‬‬
‫المطلب الرابع ـ سنن الوضوء‪:‬‬
‫ميز الحنفية بين السنة والمندوب‪ ،‬فقالوا‪ :‬السنة‪ :‬هي المؤكدة وهي الطريقة المسلوكة في الدين من‬
‫غير لزوم‪ ،‬على سبيل المواظبة‪ ،‬أي أنها التي واظب عليها النبي ـ صلّى ال عليه وسلم وتركها‬
‫أحيانا بل عذر‪ .‬وحكمها الثواب على الفعل والعتاب على الترك‪.‬‬
‫وأما المندوب أو المستحب‪ :‬فهو مالم يواظب عليه النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬ويعرف هنا بآداب‬
‫الوضوء‪ .‬وحكمه الثواب على فعله وعدم اللوم على تركه‪.‬‬
‫وأهم سنن الوضوء عند الحنفية‪ :‬ثمانية عشر شيئا‪ ،‬وعند المالكية ثمان‪ ،‬وعند الشافعية حوالي ثلثين‪،‬‬
‫إذ لم يفرقوا بين السنة والمندوب‪ ،‬وعند الحنابلة‪ :‬حوالي عشرين مطلوبا (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 1‬النية سنة عند الحنفية‪ ،‬ووقتها قبل الستنجاء‪ ،‬وكيفيتها‪ :‬أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلة أو‬
‫ينوي الوضوء أو امتثال المر‪ .‬ومحلها القلب‪ ،‬واستحب المشايخ النطق بها‪ .‬وهي فرض عند‬
‫الجمهور غير الحنفية‪ ،‬كما بينت في بحث فرائض الوضوء‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬غسل اليدين إلى الرسغين ثلثا قبل إدخالهما الناء‪ ،‬سواء قام من النوم أم لم يقم؛ لنهما آلة‬
‫التطهير‪،‬ولقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا استيقظ أحدكم من نومه‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،23-18:‬فتح القدير‪ ،23-13:‬الدر المختار‪ ،114- 101 / 1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪-10‬‬
‫‪ ،13‬الشرح الصغير‪ ،121 - 117/ 1 :‬الشرح الكبير‪ ،104-96/1:‬بداية المجتهد‪،12- 8 /1 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،22‬المهذب‪ ،19-15/1:‬كشاف القناع‪ ،122 - 118 / 1 :‬المغني‪-96/1:‬‬
‫‪.143‬‬

‫( ‪)1/342‬‬

‫فليغسل يده‪ ،‬قبل أن يدخلها في الناء‪ ،‬فإن أحدكم ل يدري أين باتت يده » (‪ )1‬وفي لفظ‪« :‬حتى‬
‫يغسلها ثلثا» والرجح الكتفاء بمرة كبقية أفعال الوضوء‪ ،‬والتثليث مستحب‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يكون‬
‫الغسل ثلثا‪ ،‬سنة لغير المستيقظ من النوم ليلً‪ ،‬وواجبا على المستيقظ من نومه ليلً‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬التسمية في بدء الوضوء‪ :‬بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه‪ :‬بسم ال‪ ،‬والوارد عنه عليه‬
‫السلم ـ فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة بإسناد حسن ـ باسم ال العظيم‪ ،‬والحمد ل على دين‬
‫السلم‪ .‬وقيل‪ :‬الفضل‪ ( :‬باسم ال الرحمن الرحيم ) عملً بحديث «كل أمر ذي بال ل يبدأ فيه ببسم‬
‫ال الرحمن الرحيم‪ :‬أقطع» (‪. )2‬‬
‫وقد اعتبر المالكية التسمية من فضائل (آداب) الوضوء‪ .‬وأوجب الحنابلة التسمية عند الوضوء‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل صلة لمن ل وضوء له‪ ،‬ول وضوء لمن لم يذكر اسم ال‬
‫عليه» (‪ )3‬وقوله عليه السلم من حديث سعيد بن زيد مثله (‪ ، )4‬وحديث أبي سعيد‪« :‬ل وضوء لمن‬
‫لم يذكر اسم ال عليه» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية‪ )2 / 1 :‬والرسغ‪ :‬المفصل الذي بين‬
‫الساعد والكف‪ ،‬وبين الساق والقدم‪ ،‬أو أنه مفصل الكف بين الكوع (ما يلي البهام) والكرسوع ( ما‬
‫يلي الخنصر) وأما البوع فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل‪.‬‬
‫(‪ )2‬ذكره عبد القادر الرهاوي في الربعين عن أبي هريرة‪ ،‬وهو حديث ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال‪ :‬حديث صحيح السناد‪ ،‬عن أبي هريرة (نصب الراية‪:‬‬
‫‪.)3/1‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم‪ ،‬قال المام أحمد‪ :‬حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا‬
‫الباب‪ ،‬وقال الترمذي والبخاري‪ :‬حديث سعيد بن زيد أحسن‪ .‬والجميع في أسانيدها مقال قريب (نصب‬
‫الراية ‪ ،4 / 1 :‬نيل الوطار‪.)134/ 1 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه الحاكم في المستدرك وصححه‪ ،‬وضعفه غيره (نصب الراية‪.)4 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/343‬‬
‫استدل الحنابلة على وجوب التسمية بهذه الحاديث‪ .‬وتأول الجمهور هذه الحاديث بأنها واردة لنفي‬
‫الكمال‪ ،‬ل نفي الصحة‪ ،‬كحديث «ل صلة لجار المسجد إل في المسجد» (‪ )1‬وحديث «ذكر ال على‬
‫قلب المؤمن‪ ،‬سمى أو لم يسمّ» (‪ )2‬بقرينة حديث مرفوع عن ابن عمر (‪« : )3‬من توضأ وذكر اسم‬

‫ال عليه كان طهورا لجميع بدنه‪ ،‬ومن توضأ ولم يذكر اسم ال عليه‪ ،‬كان طهورا لعضاء وضوئه»‬
‫(‪ )4‬ولخبر النسائي وابن خزيمة بإسناد جيد عن أنس‪« :‬توضؤوا بسم ال» أي قائلين ذلك‪ ،‬وأكملها‬
‫كمالها‪ ،‬ثم الحمد ل على السلم ونعمته‪ ،‬الحمد ل الذي جعل الماء طهورا‪ .‬وإنما تجب التسمية لية‬
‫الوضوء المبينة لواجباتها‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬المضمضة والستنشاق‪ :‬والمضمضة‪ :‬هي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه‪ ،‬أو‬
‫استيعاب جميع الفم بالماء‪ .‬والستنشاق‪ :‬إدخال الماء في النف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه‪.‬‬
‫ويلحق بهما سنة الستنثار‪ :‬وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه (السبابة والبهام من يده اليسرى)‬
‫على أنفه‪ ،‬كما يفعل في امتخاطه‪ .‬وهي كلها سنة مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة لحديث مسلم‪« :‬ما‬
‫منكم من أحد يقرب وضوءه‪ ،‬ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر‪ ،‬إل خرّت خطايا فيه وخياشيمه مع‬
‫الماء» (‪ . )5‬وأما خبر (تمضمضوا واستنشقوا) فضعيف‪ .‬وإنما لم يجبا فلية الوضوء المبينة‬
‫لواجباته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارقطني عن جابر وعن أبي هريرة‪ ،‬وهو ضعيف (الجامع الصغير‪ :‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)1/136‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه الدارقطني‪ ،‬وفيه ضعيف ( نصب الراية‪ ،183/ 4 :‬نيل الوطار‪ :‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬وصرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض الروايات‪« :‬ل وضوء كاملً»‬
‫وقد استدل به الرافعي‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬لم أره هكذا (نيل الوطار‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه الدارقطني والبيهقي‪ ،‬وفيه متروك ومنسوب إلى الوضع‪ ،‬ورواه الدارقطني والبيهقي عن‬
‫أبي هريرة وفيه ضعيفان‪ ،‬ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا‪ ،‬وفيه متروك (نيل الوطار‪.)135/ 1 :‬‬
‫(‪ )5‬معنى‪ :‬خرت‪ :‬سقطت وذهبت و( فيه ) فمه‪.‬‬

‫( ‪)1/344‬‬
‫صفة وضوء رسول ال صلّى ال عليه وسلم في المضمضة والستنشاق‪:‬‬
‫وتسن المضمضة والستنشاق ثلثا للحديث المتفق عليه عن عثمان بن عفان رضي ال عنه‪ :‬أنه دعا‬
‫بإناء‪ ،‬فأفرغ على كفيه ثلث مرات‪ ،‬فغسلهما‪ ،‬ثم أدخل يمينه في الناء‪ ،‬فمضمض واستنثر‪ ،‬ثم غسل‬
‫وجهه ثلثا‪ ،‬ويديه إلى المرفقين ثلث مرات‪،‬ثم مسح برأسه‪ ،‬ثم غسل رِجليه ثلث مرات إلى‬
‫الكعبين‪ .‬ثم قال‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم توضأ نحو وُضوئي هذا‪ ،‬ثم قال‪ :‬من توضأ‬

‫نحو وُضوئي هذا‪ ،‬ثم صلى ركعتين‪ ،‬ل يُحدّث فيهما نفسه‪ ،‬غفَر ال له ما تقدم من ذنبه» (‪ )1‬ولقوله‬
‫عليه السلم فيما روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الربعة عن عائشة‪« :‬عشر من الفطرة» وذكر‬
‫منها ( المضمضة والستنشاق ) والفطرة‪ :‬السنة‪ ،‬ولن الفم والنف عضوان باطنان‪ ،‬فل يجب‬
‫غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين‪ ،‬ولن الوجه‪ :‬ماتحصل به المواجهة ول تحصل المواجهة بهما‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أنه تسن المبالغة فيهما للمفطر غير الصائم‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ـ في‬
‫رواية صحح ابن القطان إسنادها ـ ‪« :‬إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والستنشاق ما لم تكن‬
‫صائما» ولحديث َلقِيط بن صَبْرة‪« :‬أسبغ الوضوء‪ ،‬وخلل بين الصابع‪ ،‬وبالغ في الستنشاق‪ ،‬إل أن‬
‫تكون صائما» (‪ )2‬ول تسن المبالغة للصائم‪ ،‬بل تكره لخوف الفطار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ ،)139/ 1( :‬ويؤيده حديث ضعيف رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا بلفظ‬
‫«المضمضة والستنشاق سنة» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬صححه الترمذي وغيره‪ ،‬ورواه الخمسة (نيل الوطار‪.)145/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/345‬‬
‫والمبالغة في المضمضة‪ :‬أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي السنان واللثات‪ .‬ويسن إمرار‬
‫أصبع يده اليسرى على ذلك‪ ،‬وفي الستنشاق‪ :‬أن يصعد الماء بال ّنفَس إلى الخيشوم‪ .‬ويسن إدارة الماء‬
‫في الفم ومجه‪.‬‬
‫ويسن الستنثار للمر به في خبر ابن عباس عن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬استنثروا مرتين‬
‫بالغتين‪ ،‬أو ثلثا» (‪. )1‬‬
‫وعبارة الحنفية في المضمضة والستنشاق‪ :‬وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان على سنن خمس‪:‬‬
‫الترتيب‪ ،‬والتثليث‪ ،‬وتجديد الماء‪ ،‬وفعلهما باليمنى‪ ،‬والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن (أرنبة‬
‫النف ) لغير الصائم‪ ،‬لحتمال الفساد أي الفطار (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يندب فعل المضمضة والستنشاق‪ ،‬بثلث غرفات لكل منهما‪ ،‬ومبالغة مفطر‪.‬‬
‫ويرى الشافعية في الصح أن الترتيب فيهما مستحق ل مستحب‪ ،‬بعكس تقديم اليمنى على اليسرى‪.‬‬
‫والظهر كما قال النووي في المنهاج‪ :‬تفضيل الجمع على الفصل بين المضمضة والستنشاق‪ ،‬بثلث‬
‫غرف‪ ،‬يتمضمض من كلٍ‪،‬ثم يستنشق‪ ،‬أي أن الجمع بغرفة لكليهما أفضل من فصلهما للخبار‬
‫الصحيحة في ذلك (‪. )3‬‬

‫والمشهور في مذهب الحنابلة‪ :‬أن المضمضة والستنشاق واجبان في الطهارتين جميعا‪ :‬الوضوء‬
‫والغسل‪ ،‬لن غسل الوجه واجب فيهما‪ ،‬والفم والنف من الوجه‪ ،‬ولحديث عائشة‪« :‬المضمضة‬
‫والستنشاق من الوضوء الذي لبد منه» (‪ ، )4‬ولمداومته صلّى ال عليه وسلم عليهما في كل حديث‬
‫ذكر فيه صفة وضوء رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬مثل‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن الجارود وصححه ابن القطان‪ ،‬وذكره الحافظ ابن‬
‫حجر في التلخيص ولم يذكره بضعف‪ ،‬وكذلك المنذري (نيل الوطار‪.)146/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪.108/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.58 / 1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو بكر في الشافي بإسناده‪ ،‬والدارقطني في سننه‪.‬‬

‫( ‪)1/346‬‬
‫حديث عثمان السابق‪ ،‬وحديث علي‪« :‬أنه دعا ب َوضُوء ( أي ماء )‪ ،‬فتمضمض واستنشق ونثر بيده‬
‫طهُور نبي ال صلّى ال عليه وسلم » (‪ )1‬وحديثي أبي هريرة‪:‬‬
‫اليسرى‪ ،‬ففعل هذا ثلثا‪ ،‬ثم قال‪ :‬هذا َ‬
‫«أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ :‬إذا توضأ أحدكم‪ ،‬فليجعل في أنفه ماء‪ ،‬ثم لينثر» «أمر رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم بالمضمضة والستنشاق» (‪. )2‬‬
‫والحق‪ :‬أن هذه الحاديث ظاهرة في إيجاب المضمضة والستنشاق‪ .‬وقد اعترف جماعة من الشافعية‬
‫وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والستنشاق والستنثار‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر‬
‫في الفتح‪ :‬وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الستنشاق‪ ،‬مع صحة المر به‪ ،‬إل‬
‫بكونه ل يعلم خلفا في أن تاركه ل يعيد‪ .‬وهذا دليل فقهي‪ ،‬فإنه ل يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة‬
‫والتابعين إل عن عطاء (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 5‬السواك سنة باتفاق الفقهاء ما عدا المالكية الذين عدوه من الفضائل‪،‬وسأخصص له مبحثا‬
‫مستقلً‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬تخليل اللحية الكثة والصابع‪ :‬يسن تخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها (‪ ، )4‬وتخليل أصابع‬
‫اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء‪ ،‬لما روى ابن ماجه والترمذي وصححه‪ :‬أنه صلّى ال عليه وسلم كان‬
‫يخلل لحيته‪ ،‬ولما روى أبو داود‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم كان إذا توضأ‪ ،‬أخذ كفا من ماء‪ ،‬فأدخله‬
‫تحت حنكه‪ ،‬فخلل به لحيته‪ ،‬وقال‪ :‬هكذا‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والنسائي عن علي رضي ال عنه (نيل الوطار‪.)143/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬الحديث الول متفق عليه‪ ،‬والثاني رواه الدارقطني ( نيل الوطار‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬نيل الوطار‪.141 / 1 :‬‬
‫(‪ )4‬أما اللحية الخفيفة‪ ،‬والكثيفة في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه‪ ،‬فيجب إيصال الماء‬
‫إلى ظاهره وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره (مغني المحتاج‪.)60/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/347‬‬
‫أمرني ربي » (‪. )1‬‬
‫ولحديث لَقيط بن صَبْرَة في المبالغة في الستنشاق السابق‪« :‬أسبغ الوضوء وخلل بين الصابع‪ ،‬وبالغ‬
‫في الستنشاق إل أن تكون صائما» (‪ )2‬وحديث ابن عباس‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫إذا توضأت فخلّل أصابع يديك ورجليك» (‪ )3‬وحديث ال ُمسْتَورِد بن شدّاد قال‪« :‬رأيت رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» (‪. )4‬‬
‫ً‪ - 7‬تثليث الغسل‪ :‬اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل واعتبره المالكية من فضائل الوضوء‪ ،‬لما‬
‫ثبت في السنة كحديث عمرو بن شعيب من تثليث غسل الكفين والوجه والذراعين (‪ . )5‬وإنما لم‬
‫يجب؛ لنه صلّى ال عليه وسلم توضأ مرة مرة‪ ،‬وقال‪« :‬هذا الذي ليقبل ال العمل إل به» ‪ ،‬وتوضأ‬
‫مرتين مرتين‪ ،‬وقال‪« :‬هذا يضاعف ال به الجر مرتين» وتوضأ ثلثا صلّى ال عليه وسلم ثلثا‪،‬‬
‫وقال‪« :‬هذا وضوئي ووضوء النبياء من قبلي» (‪. )6‬‬
‫وأما المسح فل يسن تكراره عند الجمهور وأكثر أهل العلم من الصحابة‪ ،‬لحديث عبد ال بن زيد في‬
‫وصف وضوء رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال‪« :‬ومسح برأسه مرة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر الحديثين في (نيل الوطار‪ ،)148/ 1 :‬وحديث ابن عباس عند البخاري في صفة وضوء‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ل يوجب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة (نيل الوطار‪)147/ 1 :‬‬
‫وانظر الحاديث الواردة في تخليل اللحية في (نصب الراية‪.)23/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة وصححه الترمذي (نيل الوطار‪.)145/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (نيل الوطار‪.)135/ 1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الخمسة إل أحمد (المرجع السابق) وانظر أحاديث تخليل الصابع في (نصب الراية‪/ 1 :‬‬

‫‪.)27‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه‪ .‬وفي آخره‪« :‬هكذا الوضوء‪ ،‬فمن زاد على هذا أو نقص فقد‬
‫أساء وظلم‪ ،‬أو ظلم وأساء» (نصب الراية‪.)29/ 1 :‬‬
‫(‪ )6‬رواه الدارقطني عن زيد بن ثابت وأبي هريرة‪ ،‬ولكن فيه راو ضعيف (المرجع السابق)‪.‬‬

‫( ‪)1/348‬‬
‫واحدة» (‪ ، )1‬ولما روي عن علي رضي ال عنه «أنه توضأ ومسح برأسه مرة واحدة» ‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫«هذا وضوء النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬من أحب أن ينظر إلى طهور رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم فلينظر إلى هذا» قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وكذلك وصف عبد ال بن أبي أوفى‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وسلمة بن الكوع والرّبَيّع‪ ،‬كلهم قالوا‪ ( :‬ومسح‬
‫برأسه مرة واحدة ) وحكايتهم لوضوء النبي صلّى ال عليه وسلم إخبار عن الدوام‪ ،‬ول يداوم إل على‬
‫الفضل الكمل‪.‬‬
‫ولنه مسح في طهارة‪ ،‬فل يسن تكراره‪ ،‬كالمسح في التيمم والمسح على الجبيرة‪ ،‬وسائر المسح‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ويسن أيضا تثليث المسح‪ ،‬لما روي عن أنس‪« :‬الثلث أفضل» ولحديث شقيق بن‬
‫سلمة عند أبي داود قال‪« :‬رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلثا ومسح برأسه ثلثا‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم فعل مثل هذا‪ ،‬وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وروى عثمان وعلي وابن عمر وأبو هريرة وعبد ال بن أبي أوفى‪ ،‬وأبو مالك والرّبيع‪ ،‬وأبي بن‬
‫كعب‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم توضأ ثلثا ثلثا» ‪.‬‬
‫لكن رد الجمهور على الشافعية بأنه لم يصح من أحاديثهم شيء صريح‪ ،‬ويظهر أن رأي الجمهور‬
‫أقوى دليلً من السنة الصحيحة‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬استيعاب كل الرأس بالمسح‪ :‬يسن الستيعاب بالمسح عند الحنفية والشافعية اتباعا للسنة فيما‬
‫رواه الشيخان‪ ،‬مرة واحدة عند الحنفية‪ ،‬وثلثا عند الشافعية‪ ،‬وخروجا من خلف من أوجبه؛ لن‬
‫مسح الرأس كله واجب عند المالكية والحنابلة كما بينا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/349‬‬

‫والسنة في كيفيته‪ :‬أن يضع يديه على مقدمة رأسه ويلصق سبابته بالخرى وإبهاميه على صدغيه‪ ،‬ثم‬
‫يذهب بهما إلى قفاه‪ ،‬ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب (‪ ، )1‬فإن لم يقلب‬
‫شعره لقصره أو عدمه لم يردّ لعدم الفائدة ‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يسن رد مسح الرأس وإن لم يكن له شعر بأن يعمه بالمسح ثانيا إن بقي بيده بلل من‬
‫المسح الواجب‪ ،‬وإل سقطت سنة الرد‪.‬‬
‫ودليل الحنفية ‪:‬حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان السابقان وفيهما‪« :‬ثم مسح برأسه» ولم يذكرا‬
‫عددا‪ .‬ومثله حديث أبي حَبّة في صفة وضوء علي وفيه‪« :‬ومسح برأسه مرة» (‪ )2‬ودليل الشافعية‪:‬‬
‫حديث عثمان السابق فيما رواه أبو داود بإسناد حسن‪ :‬أنه توضأ‪ ،‬فمسح رأسه ثلثا‪ ،‬وقال‪ :‬رأيت‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم توضأ هكذا‪ .‬وحديث علي عند البيهقي‪« :‬توضأ‪ ،‬فمسح رأسه ثلثا‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬هكذا رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم فعل» ‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية والحنابلة مسح بعض الرأس والكمال على العمامة إن عسر رفعها‪ ،‬لنه صلّى ال‬
‫عليه وسلم «مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 9‬مسح الذنين ظاهرا وباطنا بماء جديد‪ :‬يسن مسح الذنين ظاهرا وباطنا بماء جديد عند‬
‫الجمهور؛ لنه صلّى ال عليه وسلم مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما‪ ،‬وأدخل‬
‫أصبعيه في صماخي أذنيه‪ ،‬يأخذ لصماخيه أيضا ماء جديدا‪.‬‬
‫روي عن عبد ال بن زيد‪« :‬أنه رأى رسول ال صلّى ال عليه وسلم يتوضأ‪ ،‬فأخذ لذنيه ماءً‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هكذا رواه الجماعة عن عبد ال بن زيد (نيل الوطار‪.)154/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وصححه (المرجع السابق‪ :‬ص ‪.)158‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم والترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة (المرجع السابق‪ :‬ص ‪.)164‬‬

‫( ‪)1/350‬‬
‫خلف الماء الذي أخذه لرأسه» (‪ ، )1‬وكان ابن عمر إذا توضأ يأخذ الماء بإصبعيه لذنيه(‪. )2‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يجب مسح الذنين؛ لن الذنين من الرأس لحديث «الذنان من الرأس» (‪، )3‬ولن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم مسحهما مع رأسه‪ ،‬كما هو الثابت في أحاديث متعددة (‪. )4‬‬
‫والراجح لدي القول بسنية مسح الذنين فقط‪ ،‬لن حديث «الذنان من الرأس» لم يثبت‪ ،‬وإنما هو‬
‫ضعيف‪ ،‬حتى قال ابن الصلح‪ :‬إن ضعفه كثيرل ينجبر بكثرة الطرق‪ .‬وقال الشوكاني‪ :‬الحق عدم‬

‫انتهاض الحاديث الواردة لذلك‪ ،‬والمتيقن الستحباب‪ ،‬فل يصار إلى الوجوب إل بدليل ناهض‪ ،‬وإل‬
‫كان من التقول على ال بما لم يقل (‪. )5‬‬
‫ومسح الذنين‪ :‬ثلث مرات عند الشافعية ومرة عند الجمهور‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين‪ :‬واعتبره المالكية من الفضائل‪ .‬ودليل السنية‪ :‬حديث‬
‫عائشة قالت‪ « :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم يحب التيامُن في تنعله وترجّله وطَهوره‪ ،‬وفي‬
‫شأنه كله» (‪ )6‬وهو دليل على مشروعية البتداء باليمين في لبس النعال‪ ،‬وفي ترجيل الشعر (أي‬
‫تسريحه) وفي الطهور‪ ،‬فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى‪ ،‬وبالجانب اليمن من سائر البدن في الغسل قبل‬
‫اليسر‪ ،‬والتيامن سنة في جميع الشياء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الحاكم والبيهقي وقال‪ :‬إسناده صحيح (نصب الراية‪.)22 / 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مالك في الموطأ (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن ماجه من غير وجه‪ ،‬لكن فيه راو تكلم فيه (نيل الوطار‪.)160/ 1 :‬‬
‫(‪ )4‬منها حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود‪ ،‬وحديث ابن عباس عند الترمذي والنسائي‪ ،‬وحديث‬
‫الرّبَيّع بنت ُمعَوّذ عند أبي داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن (انظر نيل الوطار‪.)162-160/ 1 :‬‬
‫(‪ )5‬نيل الوطار‪.161 / 1 :‬‬
‫(‪ )6‬متفق عليه‪ ،‬وصححه ابن حبان وابن منده (نيل الوطار‪.)170/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/351‬‬
‫ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا لبستم‪ ،‬وإذا توضأتم فابدءوا‬
‫بأيامنكم» (‪. )1‬‬
‫وأضاف الحنفية والشافعية لهذه السنة‪ :‬البداءة برؤوس الصابع ومقدم الرأس‪ ،‬كما أن الشافعية‬
‫أضافوا‪ :‬البدء بأعلى الوجه‪ .‬وقال المالكية‪ :‬يندب البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو‪ ،‬أي في‬
‫الوجه واليدين والرأس والرجلين‪.‬‬
‫ً‪ -11‬الترتيب والموالة والدلك عند من ل يرى فرضيتها‪ ،‬كما قدمنا في بحث فرائض الوضوء‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ آداب الوضوء أو فضائله‪:‬‬
‫عبر الحنفية عن ذلك بالدا ب جمع أدب‪ :‬وهو ما فعله النبي صلّى ال عليه وسلم مرة أو مرتين ولم‬
‫يواظب عليه‪.‬‬

‫وحكمه‪ :‬الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه‪ .‬وآداب الوضوء عندهم أربعة عشر شيئا‪.‬‬
‫وعبر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والفعال المستحبة‪ ،‬وهي عندهم عشر‪ ،‬والفرق بينها وبين‬
‫السنة‪ :‬أن السنة‪ :‬ما أكد الشارع أمرها‪ ،‬وعظم قدرها‪ ،‬وأما المندوب أو المستحب‪ :‬فهو ما طلبه‬
‫الشارع طلبا غير جازم‪ ،‬وخفف أمره‪ ،‬وكل منهما يثاب على فعله‪ ،‬ول يعاقب على تركه‪.‬‬
‫وأهم هذه الداب ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ -1‬استقبال القبلة؛ لنها أشرف الجهات ولنها حالة أرجى لقبول الدعاء‪ ،‬واعتبره الحنابلة والشافعية‬
‫سنة‪ ،‬إذ لم يفرقوا بين السنة والدب‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الجلوس في مكان مرتفع؛ تحرزا عن الغسالة‪.‬‬
‫وقال المالكية ‪ :‬يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل‪ ،‬وشأنه الطهارة‪ ،‬فيكره الوضوء في‬
‫بيت الخلء أو الكنيف (دورة المياه) قبل استعماله (‪ ، )2‬كما يكره الوضوءفي غيره من المواضع‬
‫المتنجسة بالفعل‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬عدم التكلم بكلم الناس‪ ،‬بل ضرورة؛ لنه يشغله عن الدعاء المأثور‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي‪ ،‬قال ابن دقيق العيد‪ :‬هو حقيق‬
‫بأن يصح (نيل الوطار‪.)170/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬لنه يصير مأوى الشياطين بمجرد إعداده‪،‬ففيه تعرض للوسواس‪ ،‬وإن لم يكن تنجس برشاش‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه يكره الوضوء في مكان نجس‪ :‬لنه طهارة‪ ،‬أو فيما شأنه النجاسة‪ ،‬لئل يتطاير عليه‬
‫شيء مما يتقاطر من أعضائه ويتعلق به النجاسة‪.‬‬

‫( ‪)1/352‬‬
‫ً‪ - 4‬عدم الستعانة بغيره إل لعذر؛ كالصب ونحوه (‪ ، )1‬لنه الكثر من فعله صلّى ال عليه وسلم (‬
‫‪ ، )2‬ولنها نوع من الترفه والتكبر‪ ،‬وذلك ل يليق بالمتعبد‪ ،‬والجر على قدر ال ّنصَب‪ ،‬وهي خلف‬
‫الولى‪ ،‬وقيل‪ :‬تكره‪ .‬فإن كان ذلك لعذر كمرض فل بأس‪ ،‬وقد أجازها النبي‪ ،‬بدليل حديث المغيرة بن‬
‫شعبة‪« :‬أنه كان مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم في سفر‪ ،‬وأنه ذهب لحاجة له‪ ،‬وأن مُغيرة جعل‬
‫يصب الماء عليه وهو يتوضأ‪ ،‬فغسل وجهه ويديه‪ ،‬ومسح برأسه‪ ،‬ومسح الخفين» (‪، )3‬وقال صفوان‬
‫عسّال‪ « :‬صببت الماء على النبي صلّى ال عليه وسلم في السفر والحضر في الوضوء» (‪ )4‬وقد‬
‫بن َ‬
‫دل هذان الحديثان على جواز الستعانة بالغير‪ ،‬وبهما أخذ الحنابلة فقالوا بالباحة‪.‬‬

‫ً‪ - 5‬تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل‪ ،‬وروي عن أبي رافع‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم كان إذا توضأ حرّك خاتمه» (‪ . )5‬ويندب أيضا تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء‪،‬‬
‫وإل فيفرض تحريكه‪ .‬وقد بينت أنه عند المالكية‪ :‬ل يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬كون المضمضة والستنشاق باليد اليمنى لشرفها‪ ،‬والمتخاط باليسرى لمتهانها‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة‪ ،‬لغير المعذور‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أما الستعانة بإحضار الماء فل بأس بها وتركها أفضل‪ ،‬والستعانة بغسل العضاء مكروهة‬
‫(مغني المحتاج‪.)61/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬روى ابن ماجه من حديث ابن عباس «كان النبي صلّى ال عليه وسلم ليكل طهوره إلى أحد‪،‬‬
‫ولصدقته التي يتصدق بها إلى أحد‪ ،‬ويكون هو الذي يتولها بنفسه » وهو حديث ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين الشيخين (نيل الوطار‪.)175/ 1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه ابن ماجه‪ ،‬وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬وفيه ضعف (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ 175/ 1‬مكرر)‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه ابن ماجه والدارقطني‪ ،‬وهو ضعيف ( نيل الوطار‪.)153/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/353‬‬
‫أما المعذور أو المتيمم فل يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية‪ ،‬ويجب تأخيرها لما بعد دخول الوقت‬
‫عند الجمهور‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الذنين؛ مبالغة في التنظيف‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬مسح الرقبة بظهر يديه‪ ،‬ل الحلقوم عند الحنفية (‪ )1‬؛ لما روي عن ليث عن طلحة بن مُصرّف‬
‫عن أبيه عن جده أنه رأى رسول ال صلّى ال عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القَذَال‪ ،‬وما يليه من‬
‫ُمقَدّم العنق» (‪. )2‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء‪ :‬ل يندب مسح الرقبة‪ ،‬بل يكره؛ لنه من الغلو في الدين‪.‬‬
‫ً‪ -10‬إطالة الغرة والتحجيل‪:‬‬
‫إطالة الغرة‪ :‬بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه‪ ،‬وغايتها‪ :‬غسل صفحة العنق مع‬
‫مقدمات الرأس‪.‬‬
‫والتحجيل‪ :‬بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب‪ ،‬وغايته استيعاب‬

‫العضدين والساقين‪.‬‬
‫وهذا مندوب عند الجمهور‪ ،‬لخبر الصحيحين‪« :‬إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار‬
‫الوضوء‪ ،‬فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته فليفعل» وخبر مسلم‪« :‬أنتم الغُرّ المحجّلُون يوم القيامة من‬
‫إسباغ الوضوء‪ ،‬فمن استطاع منكم فليطل غُرّته وتحجيله» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا هو الراجح الصحيح‪ ،‬وعده صاحب مراقي الفلح تبعا للبحر الرائق من سنن الوضوء‬
‫( انظر الدر المختار‪.)115/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد‪ ،‬وهو ضعيف (نيل الوطار‪ )163/ 1 :‬والقذال‪ :‬ما بين الذنين من مؤخر الرأس‪.‬‬
‫(‪ )3‬نيل الوطار‪.152/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/354‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬ل تندب إطالة الغرة‪ :‬وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض‪ ،‬بل‬
‫يكره‪ ،‬لنه من الغلو في الدين‪ ،‬وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد‪ ،‬ويسمى ذلك أيضا إطالة الغرة‪،‬‬
‫كما حمل عليه الحديث السابق‪« :‬من استطاع منكم أن يطيل غرته» فقد حملوا الطالة على الدوام‪،‬‬
‫والغرة على الوضوء‪ .‬فيتلخص أن إطالة الغرة له معنيان‪ :‬الزيادة على المغسول‪ ،‬وإدامة الوضوء‪،‬‬
‫الول مكروه‪ ،‬والثاني مطلوب عندهم‪.‬‬
‫ً‪ - 11‬ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الصح عند‬
‫الشافعية‪ :‬إبقاء لثر العبادة‪ ،‬ولنه صلّى ال عليه وسلم «بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل‪،‬‬
‫فرده‪ ،‬وجعل يقول بالماء‪ :‬هكذا‪ ،‬ينفضه» (‪. )1‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬المسح بالمنديل جائز‪ ،‬لحديث قيس بن سعد‪ ،‬قال‪« :‬زارنا رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم في منزلنا‪ ،‬فأمر له سعد بغُسْل‪ ،‬فوُضع له فاغتسل‪ ،‬ثم ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران‪ ،‬أو‬
‫وَرَس‪ ،‬فاشتمل بها» (‪. )2‬‬
‫وعبارة الحنابلة‪ :‬يباح للمتطهر تنشيف أعضائه (‪ ، )3‬وتركه أفضل‪ .‬وهذا هو الراجح‪.‬‬
‫ً‪ - 12‬ترك النفض للماء في الصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض عند بعض الحنابلة‪،‬‬
‫وخلف الولى عند الشافعية‪ ،‬لحديث أبي هريرة‪« :‬إذا توضأتم فل تنفضوا أيديكم‪ ،‬فإنها مراوح‬
‫الشيطان» (‪ ، )4‬والظهر عند الحنابلة أنه ل يكره وفاقا للئمة الثلثة‪.‬‬
‫ً‪ - 13‬تقليل الماء الذي يرفعه للعضاء حال الوضوء ‪ ،‬لن السراف في الماء مكروه‪.‬‬

‫ً‪ - 14‬جعل الناء المفتوح كال َقصْعة والطّست عن يمين المتطهر‪ ،‬لنه أعون في التناول‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشيخان‪ ،‬قال الشافعية‪ :‬ول دليل في ذلك لباحة النفض‪ ،‬فقد يكون فعله صلّى ال عليه‬
‫وسلم لبيان الجواز (مغني المحتاج‪.)61/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائى‪ .‬والغسل بضم الغين‪ :‬اسم للماء الذي يغتسل به (نيل‬
‫الوطار‪ 175/ 1 :‬مكرر) اختلف في وصله وإرساله وذكره النووي في فصل الضعيف ‪.‬‬
‫(‪ )3‬لما رواه ابن ماجه والطبراني في الصغير عن سلمان‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم «توضأ‪ ،‬ثم‬
‫قلب جبة كانت عليه‪ ،‬فمسح بها وجهه»‬
‫(‪ )4‬رواه المعمري وغيره من رواية البحتري بن عبيد‪ ،‬وهو متروك‪.‬‬

‫( ‪)1/355‬‬
‫ً‪ - 15‬التيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء‪.‬‬
‫قال الحنابلة‪ :‬وكذا بعد الغسل‪.‬‬
‫وهو أن يقول‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬اللهم‬
‫اجعلني من التوابين‪ ،‬واجعلني من المتطهرين‪ ،‬سبحانك اللهم وبحمد ك أشهد أن ل إله إل أنت‬
‫أستغفرك وأتوب إ ليك‪ .‬ويسن الصلة والسلم بعد الوضوء على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪،‬فيقول‪:‬‬
‫اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد‪.‬‬
‫والنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعا‪« :‬مامنكم من أحد يتوضأ‬
‫فيبلّغ‪ ،‬أو فيسبغ الوضوء (أي يتمه)‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن‬
‫محمدا عبده ورسوله‪ ،‬إل فتحت له أبواب الجنة الثمانية‪ ،‬يدخل من أيها شاء» ‪.‬‬
‫وزاد الترمذي على مسلم‪« :‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت‪ ،‬أستغفرك وأتوب إليك»‬
‫وزاد فيه أيضا‪« :‬اللهم اجعلني من التوابين‪ ،‬واجعلني من المتطهرين» ورواه أحمد وأبو داود‪.‬‬
‫وروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري‪« :‬من توضأ ثم قال‪ :‬سبحانك اللهم وبحمدك‬
‫أشهد أن ل إله إل أنت أستغفرك وأتوب إليك‪ ،‬كتب في رَقّ ثم طبع بطابَع (خاتم)‪ ،‬فلم يكسر إلى يوم‬
‫القيامة» أي لم يتطرق إليه إبطال‪.‬‬
‫قال السامري‪ :‬ويقرأ سورة القدر ثلثا‪.‬‬
‫وأما الدعاء عند غسل العضاء فل أصل له في كتب الحديث‪ ،‬كما قال النووي رحمه ال‪ .‬واستحبه‬

‫الحنفية (‪ ، )1‬والمالكية (‪ ، )2‬وأباحه بعض الشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فيقول عند غسل الكفين‪ ( :‬اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها )‪ ،‬وعند المضمضة ‪ ( :‬اللهم أعني‬
‫على تلوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) وعند الستنشاق‪ ( :‬بسم ال‪ ،‬اللهم أرحني رائحة‬
‫الجنة ول ترحني رائحة النار ) وعند غسل الوجه‪ ( :‬اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود‬
‫وجوه) وعند غسل اليد اليمنى‪( :‬اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ) وعند اليسرى‪:‬‬
‫( اللهم ل تعطني كتابي بشمالي ول من وراء ظهري ) وعند مسح الرأس‪ ( :‬اللهم حرم شعري‬
‫وبشري على النار ) وعند مسح الذنين‪ ( :‬اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )‬
‫وعند غسل الرجلين‪ ( :‬اللهم ثبّت قدمي على الصراط يوم تزل القدام ) وأباح بعض الشافعية الدعاء‬
‫بهذه الدعية‪.‬‬
‫(‪ )2‬قالوا‪ :‬يكره الكلم حال الوضوء بغير ذكر ال تعالى‪ ،‬وورد أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان‬
‫يقول حال الوضوء‪« :‬اللهم اغفر لي ذنبي‪ ،‬ووسع لي في داري‪ ،‬وبارك لي في رزقي‪ ،‬وقنعني بما‬
‫رزقتني‪ ،‬ول تفتني بما زويت عني» رواه الترمذي عن أبي هريرة (الشرح الصغير‪.)127/1:‬‬

‫( ‪)1/356‬‬
‫صفة وضوء النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ن مولى‬
‫حمْرا ُ‬
‫أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عثمان بن عفان رضي ال عنه‪ :‬قال ُ‬
‫عثمان‪« :‬إن عثمان دعا بإناء (‪، )1‬فأفرغ على كفّيه ثلث مرار‪ ،‬فغسلهما‪ ،‬ثم أدخل يمينه في الناء‪،‬‬
‫فمضمض‪ ،‬واستَنْثَر (‪ ، )2‬ثم غسل وجهه ثلثا‪ ،‬ويديه إلى المرفقين ثلث مرات‪ ،‬ثم مسح برأسه‪ ،‬ثم‬
‫غسل رجليه ثلث مرات إلى الكعبين‪ .‬ثم قال‪ :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم توضأ نحو‬
‫وضوئي هذا‪ ،‬ثم قال‪ :‬من توضأ نحو وضوئي هذا‪ ،‬ثم صلى ركعتين ل يُح ّدثُ (‪ )3‬فيهما نفسه‪ ،‬غفر‬
‫له ما تقدم من ذنبه» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وفي رواية « دعا بوَضوء » الوضوء بفتح الواو‪ :‬الماء الذي يتوضأ به‪ .‬وبضم الواو‪ :‬الفعل‬
‫نفسه‪ ،‬وهو من الوضاءة‪ :‬الحُسْن‪.‬‬
‫(‪ )2‬أو في رواية ‪ « :‬واستنشق واستنثر َ» وهو الستنشاق‪.‬‬

‫(‪ )3‬ليحدث ‪ :‬أي بشيء من أمور الدنيا‪.‬‬
‫(‪ )4‬جامع الصول‪.76/8:‬‬

‫( ‪)1/357‬‬
‫خلصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬مذهب الحنفية (‪: )1‬‬
‫أ ـ سنن الوضوء سبع عشرة‪:‬‬
‫غسل اليدين إلى الرسغين‪ ،‬والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء‪ ،‬والمضمضة ثلثا ولو بغرفة‪،‬‬
‫والستنشاق بثلث غرفات‪ ،‬والمبالغة في المضمضة والستنشاق لغير الصائم‪ ،‬وتخليل اللحية الكثة‬
‫بكف ماء من أسفلها‪ ،‬وتخليل الصابع‪ ،‬وتثليث الغسل‪ ،‬واستيعاب الرأس بالمسح مرة‪ ،‬ومسح الذنين‬
‫ولو بماء الرأس‪ ،‬والدلك‪ ،‬والولء‪ ،‬والنية‪ ،‬والترتيب كما نص ال تعالى في كتابه‪ ،‬والبداءة بالميامن‬
‫ورؤوس الصابع ومقدم الرأس‪.‬‬
‫ب ـ آداب الوضوء خمسة عشر‪:‬‬
‫مسح الرقبة ل الحلقوم‪ ،‬الجلوس في مكان مرتفع‪ ،‬واستقبال القبلة‪ ،‬وعدم الستعانة بغيره‪ ،‬وعدم التكلم‬
‫بكلم الناس‪ ،‬والجمع بين نية القلب وفعل اللسان‪ ،‬والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو‪ ،‬وإدخال‬
‫خنصره في صماخ أذنيه‪ ،‬وتحريك خاتمه الواسع‪ ،‬والمضمضة والستنشاق باليد اليمنى‪ ،‬والمتخاط‬
‫باليسرى‪ ،‬والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور‪ ،‬والتيان بالشهادتين بعده‪ ،‬وأن يشرب من فضل‬
‫الوضوء قائما‪ ،‬وأن يقول‪ :‬اللهم اجعلني من التوابين‪ ،‬واجعلني من المتطهرين‪ .‬ومن آدابه قراءة سورة‬
‫القدر (‪ )2‬وصلة ركعتين في غير وقت الكراهة (‪ )3‬ومن الداب‪ :‬تعاهد موقية وكعبيه وعرقوبيه‬
‫وإخمصيه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،13-10‬الدر المختار‪.122-95/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬الحاديث وردت فيها‪ ،‬لكن قال ابن حجر‪ :‬لم يثبت منها شيء عن النبي صلّى ال عليه وسلم ل‬
‫من قوله ول من فعله‪.‬‬
‫(‪ )3‬لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما‪« :‬ما من أحد يتوضأ‪ ،‬فيحسن الوضوء‪ ،‬ويصلي ركعتين يقبل‬
‫بقلبه ووجهه عليهما إل وجبت له الجنة» ‪.‬‬

‫( ‪)1/358‬‬

‫‪ - ً 2‬مذهب المالكية (‪: )1‬‬
‫أ ‪ -‬سنن الوضوء ثمان‪:‬‬
‫غسل اليدين مرة إلى الكوعين أولً قبل إدخالهما في الناء‪ ،‬والمضمضة‪ ،‬والستنشاق بثلث غرفات‬
‫لكل منهما ومبالغة فيهما للمفطر‪ ،‬ول بد لهذه السنن الثلث من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء‪ ،‬أو‬
‫ينوي عند غسل يديه أداء الوضوء‪ ،‬والستنثار (دفع الماء من النف)‪ ،‬ومسح الذنين ظاهرهما‬
‫وباطنهما مرة واحدة‪ ،‬وتجديد الماء لهما‪ ،‬ورد مسح الرأس إن بقي بيده بلل من أثر المسح الواجب‬
‫لرأسه‪ ،‬وترتيب فرائضه الربعة بتقديم غسل الوجه على اليدين‪ ،‬ثم مسح الرأس‪ ،‬ثم غسل الرجلين‪،‬‬
‫فإن قدم فرضا على موضعه المشروع له‪ ،‬أعاده وحده مرة ول يعيد ما بعده‪ .‬والمعتمد في ترك سنة‬
‫ندب العادة دون ما بعدها ‪،‬سواء طال الترك أو ل‪ ،‬لكن من ترك فرضا من فرائض الوضوء أو‬
‫الغسل غير النية‪ ،‬أو ترك لمعة (بقعة) أتى به وبما بعده من العضاء إن لم يطل الترك‪ ،‬فإن طال‬
‫بطل كل الفرض لعدم الموالة الواجبة‪.‬‬
‫ب ـ فضائل الوضوء عشر‪:‬‬
‫أي خصاله وأفعاله التي يثاب عليها ول يعاقب على تركها‪ :‬إيقاع الوضوء موضع طاهر بالفعل وشأنه‬
‫الطهارة‪ ،‬واستقبال القبلة‪ ،‬والتسمية بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه‪ :‬بسم ال‪ ،‬وتقليل الماء الذي‬
‫يرفعه للعضاء حال الوضوء (‪ ، )2‬وتقديم اليد أو الرجل اليمنى على اليسرى‪ ،‬وجعل الناء المفتوح‬
‫كالقصعة والطست لجهة اليد اليمنى‪ ،‬والبدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو‪ ،‬والغسلة الثانية والثالثة‬
‫في السنن والفرائض حتى في الرّجْل‪ ،‬وترتيب السنن مع بعضها أو مع الفرائض‪ ،‬واستياك ولو‬
‫بأصْبُع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،124-117/ 1 :‬الشرح الكبير‪.106-96/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬ول تحديد في التقليل لختلف العضاء والناس‪ ،‬بل بقدر ما يجري على العضو‪ ،‬وإن لم يتقاطر‬
‫منه‪.‬‬

‫( ‪)1/359‬‬
‫‪ - ً 3‬مذهب الشافعية (‪: )1‬‬
‫سنن الوضوء حوالي ثلثين‪ :‬السواك عرضا بكل خشن ل أصبُعه في الصح لغير صائم بعد الزوال‪،‬‬
‫والتسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين (‪ ، )2‬والتلفظ بالنية واستصحابها‪ ،‬وغسل الكفين‪ :‬فإن لم‬

‫يتيقن طهرهما كره غمسهما في مائع أو ماء قليل قبل غسلهما ثلث مرات‪ ،‬والمضمضة‪،‬‬
‫والستنشاق‪ ،‬والفضل ـ في الظهر كما رجح النووي خلفا للرافعي ـ الجمع بينهما بثلث غرفات‬
‫يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها‪ ،‬والمبالغة فيهما لغير الصائم‪ ،‬وتثليث كل من الغسل‬
‫والمسح والتخليل والدلك والسواك (‪ ، )3‬ومسح جميع رأسه أو بعضه ويتم على العمامة‪ ،‬ثم مسح‬
‫أذنيه ظاهرهما وباطنهما وصماخيه بماء جديد‪.‬‬
‫وتخليل اللحية الكثة وأصابع اليدين بالتشبيك وأصابع الرجلين بخنصر اليسرى من أسفل خنصر‬
‫الرجل اليمنى إلى خنصر اليسرى‪ ،‬والتتابع (الموالة) والتيامن‪ ،‬وإطالة غرته وتحجيله‪ ،‬وترك النفض‬
‫والستعانة بالصب إل لعذر والتنشيف في الصح‪ ،‬وتحريك الخاتم (‪ ، )4‬والبداءة بأعلى الوجه‪،‬‬
‫والبداءة في اليد والرجل بالصابع (‪ ، )5‬ودلك العضو‪ ،‬ومسح المأقين ( طرفي العين مما يلي النف)‬
‫(‪ )6‬واستقبال القبلة‪ ،‬ووضع الناء في حالة الغتراف فيه عن يمينه إن كان واسعا‪ ،‬فإن صب منه‬
‫وضعه عن يساره‪ ،‬وأل ينقص ماء الوضوء عن مُدّ (‪675‬غم)‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،62- 55 / 1 :‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،13- 11‬وفي بعض الكتب مثل بجيرمي‬
‫الخطيب‪ :139/ 1 ،‬سنن الوضوء عشر‪.‬‬
‫(‪ )2‬فإن ترك التسمية في أول الوضوء ولو عمدا‪ ،‬أتى بها قبل فراغه‪ ،‬فيقول‪ :‬بسم ال في أوله‬
‫وآخره‪ ،‬كما في الكل والشرب‪.‬‬
‫(‪ )3‬ويأخذ الشاك باليقين وجوبا في الواجب وندبا في المندوب‪ ،‬وتكره الزيادة على الثلث‪.‬‬
‫(‪ )4‬فإن لم يصل الماء إلى ما تحته إل بالتحريك وجب‪.‬‬
‫(‪ )5‬فإن صب عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب‪.‬‬
‫(‪ )6‬بالسبابتين إن لم يكن بهما نحو رمص وإل وجب‪.‬‬

‫( ‪)1/360‬‬
‫وأل يتكلم في جميع وضوئه إل لمصلحة‪ ،‬ول يلطم وجهه بالماء‪،‬ول يمسح الرقبة‪ ،‬وأن يقول بعده‪:‬‬
‫أشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬اللهم اجعلني من التوابين‪،‬‬
‫واجعلني من المتطهرين‪ ،‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت‪ ،‬أستغفرك وأتوب إليك‪،‬‬
‫ويسن أن يقول بعده‪ :‬وصلى ال وسلم على محمد وآل محمد‪ ،‬ويقرأ سورة القدر‪ ،‬ويصلي ركعتين‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬مذهب الحنابلة (‪: )1‬‬

‫جملة سنن الوضوء حوالي عشرين‪ :‬استقبال القبلة‪ ،‬والسواك عند المضمضة‪ ،‬وغسل الكفين ثلثا لغير‬
‫قائم من نوم ليل‪ ،‬ويجب ذلك للمستيقظ ليلً‪ ،‬والبداءة قبل الوجه بالمضمضة‪ ،‬ثم الستنشاق‪ ،‬والمبالغة‬
‫فيهما لغير صائم‪ ،‬والمبالغة في سائرالعضاء لصائم وغيره‪ ،‬والستنثار باليسار‪ ،‬وتخليل أصابع‬
‫اليدين والرجلين‪ ،‬وتخليل شعر اللحية الكثيفة في الوجه‪ ،‬والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل‪،‬‬
‫وبين الذنين‪ ،‬ومسح الذنين بعد الرأس بماء جديد‪ ،‬ومجاوزة موضع الفرض‪ ،‬والغسلة الثانية والثالثة‪،‬‬
‫وتقديم النية على مسنونات الوضوء‪ ،‬واستصحاب ذكرها إلى آخر الوضوء‪ ،‬وغسل باطن الشعور‬
‫الكثيفة في الوجه غير اللحية‪ ،‬وأن يزيد في ماء الوجه؛ لن فيه غضونا وشعورا‪ ،‬ودواخل وخوارج‬
‫ليصل الماء إلى جميعه‪ ،‬وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة‪ ،‬ويباح للمتطهر تنشيف أعضائه‬
‫وتركه أفضل‪ ،‬ووضع الناء الواسع عن يمينه ليغترف منه‪ ،‬وترك نفض الماء‪ ،‬ول يكره فعله في‬
‫الظهر وفاقا للئمة الثلثة‪ ،‬والدعاء (السابق عند الشافعية) عقب فراغه من الوضوء بعد رفع بصره‬
‫إلى السماء (‪ ، )2‬وكذا يدعو به بعد الغسل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،122- 118/ 1 :‬المغني ‪.142-118،139/ 1‬‬
‫(‪ )2‬روى حديث الدعاء أحمد وأبو داود‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬وفي بعض رواياته‪« :‬فأحسن الوضوء‪ ،‬ثم رفع‬
‫نظره إلى السماء» ‪.‬‬

‫( ‪)1/361‬‬
‫المطلب السادس ـ مكروهات الوضوء‪:‬‬
‫المكروه عند الحنفية نوعان‪ :‬مكروه تحريما‪ :‬وهو ما كان إلى الحرام أقرب‪ ،‬وتركه واجب‪ .‬وهو‬
‫المراد عندهم حالة الطلق‪.‬‬
‫ومكروه تنزيها‪ :‬وهو ما كان تركه أولى من فعله‪ ،‬أي خلف الولى‪ .‬وكثيرا ما يطلقونه‪.‬‬
‫وعلى هذا إذا ذكروا مكروها فل بد من النظر في دليله‪ ،‬فإن كان نهيا ظنيا يحكم بكراهة التحريم إل‬
‫لصارف عن التحريم إلى الندب‪ .‬وإن لم يكن الدليل نهيا بل كان مفيدا للترك غير الجازم‪ ،‬فهي‬
‫تنزيهية‪.‬‬
‫ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة‪ ،‬ويراد بها عندهم التنزيهية‪ .‬ويكره للمتوضئ (‪)1‬‬
‫ضد ما يستحب من الداب (‪ )2‬وأهمها ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬السراف في صب الماء‪ :‬بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد عن الكفاية‪ .‬وهذا‬

‫إذا كان الماء مباحا أو مملوكا للمتوضئ‪ ،‬فإن كان موقوفا على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في‬
‫المساجد‪ ،‬فالسراف فيه حرام‪.‬‬
‫ودليل الكراهة‪ :‬ما أخرج ابن ماجه وغيره عن عبد ال بن عمرو بن العاص أن رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم مرّ بسعد‪ ،‬وهو يتوضأ‪ ،‬فقال‪« :‬ما هذا السّرَف؟ فقال‪ :‬أفي الوضوء إسراف؟ فقال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫وإن كنت على نهر جار» ومن السراف‪ :‬الزيادة على الثلث في الغسلت وعلى المرة الواحدة في‬
‫المسح عند الجمهور غير الشافعية لحديث عمرو بن شعيب السابق‪« :‬فمن زاد على هذا أو نقص فقد‬
‫أساء وتعدى وظلم» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،123- 121 / 1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،13‬الشرح الصغير‪ ،129-126/1:‬الشرح‬
‫الكبير‪ ،126/ 1 :‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،14‬كشاف القناع‪.120-118/1:‬‬
‫(‪ )2‬حصر الشافعية المكروه في ترك السنة المؤكدة والمختلف فيها‪ ،‬أما ترك غيرهما فخلف الولى‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذه رواية النسائي‪ ،‬ومعناها‪ :‬أنه أخطأ طريق السنة‪.‬‬

‫( ‪)1/362‬‬
‫والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية إل إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلت الثلث من أعمال الوضوء‪،‬‬
‫فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم‪ .‬وذكر ابن عابدين‪ :‬أن الكراهة مطلقا تنزيهية‪ ،‬فإن زاد للنظافة‬
‫أو للطمأنينة ونحوها فل كراهة‪.‬‬
‫وكذا يكره تنزيها التقتير بجعل الغسل مثل المسح‪( :‬وهو أن يكون تقاطر الماء عن العضو المغسول‬
‫غير ظاهر) لن السنة إسباغ الوضوء‪ ،‬والتقتير ينافيه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬لطم الوجه أو غيره بالماء‪ :‬والكراهة تنزيهية؛ لنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه‪،‬‬
‫وتركه أولى‪ ،‬وهو أيضا خلف التؤدة والوقار‪ ،‬فالنهي عنه من الداب‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬التكلم بكلم الناس‪ :‬والكراهة تنزيهية؛ لنه يشغله عن الدعية‪ .‬وعند الشافعية‪ :‬خلف الولى‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الستعانة بالغير بل عذر‪ :‬لحديث ابن عباس السابق‪ « :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم ل يكل‬
‫طهوره إلى أحد‪ . )1( »...‬وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء‪ ،‬لكن قد حمل‬
‫ذلك على حالة العذر ‪ ،‬ولن الضرورات تبيح المحظورات‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬التوضؤ في موضع نجس‪ :‬لئل يتنجس منه‪ ،‬وزاد الحنفية‪ :‬التوضؤ بفضل ماء المرأة‪ ،‬أو في‬
‫المسجد إلّ في إناء أوفي موضع أعد لذلك خشية تلويث المسجد بآثار الماء‪ .‬وقال الحنابلة (‪ : )2‬تكره‬

‫إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في المسجد‪ ،‬أوفي مكان يداس فيه كالطريق تنزيها لماء الوضوء ؛‬
‫لن له حرمة وأنه أثر عبادة‪ .‬ويباح الوضوءوالغسل في المسجد اذا لم يؤذ به أحدا ولم يؤذ المسجد؛‬
‫لن المنفصل منه طاهر‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬مسح الرقبة بالماء‪ :‬عند الجمهور غير الحنفية؛ لنه غلو في الدين وتشديد‪ .‬قال الشافعية‪ :‬ول‬
‫يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء‪ ،‬قال النووي‪ :‬بل هو بدعة‪ .‬وكذلك قال المالكية‪ :‬إنه بدعة‬
‫مكروهة (‪. )3‬‬
‫‪ -ً 7‬مبالغة الصائم في المضمضة والستنشاق مخافة أن يفسد صومه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه ابن ماجه والدارقطني‪ ،‬وهو ضعيف ( نيل الوطار‪ )176/ 1 :‬ومثله قوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم لعمر وقد بادر ليصب الماء على يديه‪« :‬أنا ل أستعين في وضوئي بأحد» قال النووي في شرح‬
‫المهذب‪ :‬هذا حديث باطل ل أصل له‪.‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ ،120/ 1 :‬المغني‪.143/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،60/ 1 :‬الشرح الصغير‪.128/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/363‬‬
‫‪ - ً 8‬ترك سنة من سنن الوضوء‪ ،‬السابق بيانها في المذاهب‪ .‬قال الحنابلة مثلً‪ :‬يكره لكل أحد أن‬
‫ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ويتناول الشيء من يد غيره‪ ،‬ونحو ذلك بيمينه‪ ،‬مع القدرة‬
‫على ذلك بيساره‪ ،‬مطلقا (‪. )1‬‬
‫‪ - ً 9‬الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به‪ :‬قال الحنابلة في المشهور عن أحمد (‪ : )2‬يكره‬
‫ول يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خَلَت به (استقلت)‪ ،‬فإن اشترك الرجل معها‬
‫فلبأس‪ .‬بدليل «أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (‪ )3‬لن‬
‫جماعة من الصحابة كرهوا ذلك‪ ،‬فقالوا‪ :‬إذا خلت بالماء فل يتوضأ منه‪.‬‬
‫وقال أكثر العلماء‪ :‬يجوز الوضوء به للرجال و النساء ‪ ،‬لما روى مسلم في صحيحه و أحمد عن ابن‬
‫عباس ‪ ،‬قال‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم يغتسل بفضل وضوء ميمونة» (‪ )4‬وقالت ميمونة ‪:‬‬
‫«اغتسلت من جفنة (‪ ، )5‬ففضلت فيها فضلة ‪،‬فجاء النبي صلّى ال عليه وسلم يغتسل ‪،‬فقلت ‪:‬إني قد‬
‫اغتسلت منه ‪،‬فقال ‪ :‬الماء ليس عليه جنابة» (‪ )6‬ولنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به‪ ،‬فجاز‬
‫للرجل كفضل الرجل‪ .‬وهذا هو الصح‪ ،‬ويحمل النهي على الكراهة التنزيهية بقرينة أحاديث الجواز‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪.118/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ )214/ 1( :‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪.)31/ 1( :‬‬
‫حكَم بن عمرو الغفاري‪ ،‬إل أن ابن ماجه والنسائي قال‪« :‬وضوء المرأة»‬
‫(‪ )3‬رواه الخمسة عن ال َ‬
‫وقال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن‪ .‬وقال النووي‪ :‬اتفق الحفاظ على تضعيفه‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬وقد أغرب‬
‫النووي بذلك‪ ،‬وله شاهد عند أبي داود والنسائي (نيل الوطار‪.)25/1:‬‬
‫(‪ )4‬لكن مع كونه في صحيح مسلم أعله قوم (نيل الوطار‪.)26/ 1 :‬‬
‫(‪ )5‬الجفنة وعاء كالقَصْعة‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬بلفظ‪« :‬يا رسول ال‪ ،‬إني‬
‫كنت جُنُبا‪ ،‬فقال‪ :‬إن الماء ل يُجنَب» أي من أجنب‪ ،‬وفي نسخة ليَجْنب من جَنُب‪( .‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ )1/26‬وروى أحمد وابن ماجه عن ميمونة‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم توضأ بفضل غسلها‬
‫من الجنابة» ‪.‬‬

‫( ‪)1/364‬‬
‫‪ - ً 10‬الماء الساخن والماء المشمس‪ :‬قال الشافعية‪ :‬يكره تنزيها التطهير بماء شديد السخونة وشديد‬
‫البرودة‪ ،‬والمشمس في جهة حارة في إناء منطبع (أي ممتد تحت المطرقة من حديد ونحاس) في بدن‬
‫دون ثوب‪ ،‬لناحية طبية لنه يورث البرص ظنا‪ ،‬ولم يحرم لندرة ترتبه عليه‪ .‬وتزول الكراهة‬
‫بالتبريد‪.‬‬
‫المطلب السابع ـ نواقض الوضوء‪:‬‬
‫النواقض جمع ناقضة وناقض‪ ،‬والنقض‪ :‬إذا أضيف إلى الجسام كنقض الحائط‪ :‬يراد به إبطال‬
‫تأليفها‪ .‬وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء‪ :‬يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها‪ ،‬والمعنى الثاني‬
‫هو المراد هنا‪ ،‬فمعنى ناقض الوضوء‪ :‬إخراجه عن إفادة المقصود منه‪ ،‬كاستباحة الصلة بالوضوء‪.‬‬
‫والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة حكمه متفق على الكثير منها‪ ،‬مختلف في بعضها‪.‬‬

‫( ‪)1/365‬‬
‫وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضا‪ ،‬والمالكية‪ :‬ثلثة أنواع‪ ،‬والشافعية‪ :‬خمسة أشياء‪ ،‬والحنابلة‪ :‬ثمانية‬
‫أنواع‪ ،‬وهي ما يأتي (‪: )1‬‬

‫‪ - ً 1‬كل خارج من أحد السبيلين‪ :‬معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي (‪ )2‬أو مني‪ ،‬أو‬
‫غير معتاد‪ :‬كدودة وحصاة ودم قليلً كان الخارج أو كثيرا‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬أو جاء أحد منكم من‬
‫الغائط} [المائدة‪ ،]6/5:‬كناية عن الحدث من بول أو غائط‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يقبل ال‬
‫صلة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ‪ ،‬فقال رجل من أهل حضرموت‪ :‬ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال‪:‬‬
‫فُسَاء أو ضراط» (‪ )3‬وقوله عليه السلم‪« :‬ل وضوء إل من صوت أو ريح» (‪ ، )4‬ولن الخارج‬
‫غير المعتاد خارج من السبيل‪ ،‬فأشبه المذي‪ ،‬ولنه ل يخلو من بَلّة تتعلق به‪ ،‬فينتقض الوضوء بها‪،‬‬
‫وقد أمر النبي صلّى ال عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلة‪ ،‬ودمها خارج غير معتاد (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،37- 24/ 1 :‬تبيين الحقائق‪ ،12- 7 / 1 :‬البدائع‪ ،33 - 24/ 1 :‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ ،138-124/1‬اللباب‪ ،20-17/ 1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ 14‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪- 135/1:‬‬
‫‪ ،148‬الشرح الكبير‪ ،116-114/ 1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪24‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪،25- 22 / 1 :‬‬
‫حاشية الباجوري‪ ،74-69/ 1 :‬المجموع‪ ،68- 3 / 2 :‬كشاف القناع‪ ،148-138/1:‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،39- 33 / 1‬المغني‪.196-168/1:‬‬
‫(‪ )2‬الودي‪ :‬ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول‪ .‬والمذي‪ :‬هو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللتذاذ‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه من حديث أبي هريرة (نيل الوطار‪.)185/ 1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة‪ ،‬قال عنه النووي‪ :‬حديث صحيح‪ ،‬ولكن رمز له‬
‫السيوطي بالضعف ورواه مسلم بلفظ آخر‪« :‬إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه‪ ،‬أخرج منه‬
‫شيء أم ل‪ ،‬فل يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (نيل الوطار‪.)188/ 1 :‬‬
‫(‪ )5‬روى أبو داود والدارقطني بإسناد موثوق عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش‪« :‬أنها كانت‬
‫تستحاض‪ ،‬فسألت النبي صلّى ال عليه وسلم فقال‪ :‬إذا كان دم الحيض‪ ،‬فإنه أسود يعرف‪ ،‬فإذا كان‬
‫كذلك‪ ،‬فأمسكي عن الصلة‪ ،‬وإذا كان الخر فتوضئي وصلي‪ ،‬فإنما هو دم عرق» فأمرها بالوضوء‪،‬‬
‫ودمها غير معتاد‪ ،‬فيقاس عليه ما سواه‪ ،‬طاهرا كان الخارج كولد بل دم‪ ،‬أو نجسا كالبول ونحوه‪.‬‬

‫( ‪)1/366‬‬
‫واستثنى الحنفيةفي الصح‪ :‬ريح القبل فهو غير ناقض؛ لنه اختلج ل ريح‪ ،‬وإن كان ريحا فهو ل‬
‫نجاسة فيه‪ .‬وغير الحنفية لم يستثنوا ذلك‪ ،‬للحديث السابق «أو ريح» فهو شامل للريح من القبل‪.‬‬
‫والحق أنه كما قال ابن قدامة في المغني‪ « :‬ل نعلم لهذا الريح وجودا ول نعلم وجوده في حق أحد »‬

‫‪.‬‬
‫واستثنى المالكية الخارج غير المعتاد من المخرج في حالة الصحة‪ ،‬كالدم والقيح والحصى والدود‪،‬‬
‫والريح أو الغائط من القبل‪ ،‬والبول من الدبر‪ ،‬والمني بغير لذة معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة‬
‫فأمنى‪ ،‬فل ينقض حتى ولو كان مع الحصى والدود أذى (أي بول أو غائط) بخلف غيرهما‪ ،‬فلو‬
‫خرج مع الدم والقيح أذى انتقض الوضوء (‪ . )1‬وكذا ل ينتقض الوضوء إن خرج شيء من ثقب إل‬
‫إذا كان تحت المعدة وانسد المخرجان المعتادان‪ ،‬فل ينقض الوضوء بول أو غائط أو ريح من ثقبة‬
‫فوق المعدة‪ ،‬سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو ل‪ ،‬أما الخارج من ثقبة تحت المعدة‪ ،‬فإنه ينقض‬
‫بشرط انسداد المخرجين لنه صار بمنزلة الخارج من المخرجين نفسهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬والمشهور عند ابن رشد‪ :‬أنه ل نقض بهما مطلقا كالحصى والدود‪.‬‬

‫( ‪)1/367‬‬
‫ول ينتقض الوضوء عندهم بخروج شيء من السّلَس الذي يلزم صاحبه نصف الزمن فأكثر‪ ،‬وإل‬
‫نقض‪ .‬والسلس‪ :‬هو ما يسيل بنفسه لنحراف الطبيعة بولً أو ريحا أو غائطا أو مذيا‪ .‬ودم‬
‫الستحاضة من السلس‪ .‬وهذا في غير المستحاضة إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي‪ ،‬فإن انضبط‬
‫بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت أو أوله‪ ،‬وجب عليه الصلة حينئذ‪ ،‬وإن قدر على التداوي‬
‫وجب عليه التداوي‪.‬‬
‫واستثنى الشافعية‪ :‬مني الشخص نفسه‪ ،‬فإنه ل ينقض؛ لنه أوجب أعظم المرين وهو الغسل‪.‬‬
‫لكن ينتقض الوضوء عندهم بالخارج من مخرج انفتح دون المعدة‪ ،‬وانسد المخرج المعتاد لنه صار‬
‫هو المخرج المعتاد‪ ،‬أي كما قال المالكية‪ .‬فإن لم ينسد المخرج المعتاد فالصح أنه ل ينقض‪ ،‬سواء‬
‫أكان المخرج تحت المعدة أم فوقها‪.‬‬
‫واستثنى الحنابلة‪ :‬صاحب الحدث الدائم‪ ،‬ل يبطل وضوءه بالحدث الدائم قليلً كان الخارج أو كثيرا‪،‬‬
‫نادرا كان أو معتادا للحرج والمشقة‪ .‬أما غير صاحب الحدث الدائم فينقض ما خرج منه من بول أو‬
‫غائط‪ ،‬قليلً كان أو كثيرا‪ ،‬من تحت المعدة أو فوقها‪ ،‬سواء أكان السبيلن مفتوحين أم مسدودين‬
‫لعموم الية والحديث السابق‪ .‬وأضاف الحنابلة‪ :‬أنه لو احتمل المتوضئ في قُبُل أو دُبُر قطنا أو ميلً‪،‬‬

‫ثم خرج ولو بل بلل‪ ،‬نقض‪ ،‬وكذا لو قطر في إحليله دهنا أو غيره من المائعات ثم خرج نقض‪ ،‬أو‬
‫ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض‪.‬‬

‫( ‪)1/368‬‬
‫‪ - ً 2‬الولدة من غير رؤية دم‪ ،‬والصحيح عند الحنفية قول الصاحبين أن المرأة ل تكون حينئذ نفساء‬
‫لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد‪ ،‬وإنما عليها الوضوء للرطوبة‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬عليها الغسل احتياطا‬
‫لعدم خلوه عن قليل دم غالبا‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد (‪ : )1‬ناقض بشرط سيلنه عند الحنفية إلى‬
‫موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد‪ :‬أي يجب تطهيره في الجملة‪ ،‬ولو ندبا كسيلن الدم‬
‫داخل النف‪ .‬والسيلن‪ :‬أن يتجاوز موضع خروجه بأن يعلو على رأس الجرح ثم ينحدر إلى أسفل‪،‬‬
‫فليس في النقطة والنقطتين وضوء ‪ ،‬وليس في أثر الدم بسبب عض شيء أو استياك وضوء‪ .‬كما ل‬
‫وضوء من دم يخرج من موضع ل يلحقه حكم التطهير كالخارج من جرح في العين أو في الذن أو‬
‫الثدي أوالسرة‪ ،‬ثم يسيل إلى الجانب الخر منها‪.‬‬
‫وبشرط كونه كثيرا عند الحنابلة‪ ،‬والكثير‪ :‬ما كان فاحشا بحسب كل إنسان‪ ،‬أي أنه يراعى حالة‬
‫الجسم نحافة وضخامة‪ ،‬فلو خرج دم من نحيف مثلً وكان كثيرا بالنسبة إلى جسده‪ ،‬نقض‪ ،‬وإل فل‪،‬‬
‫لقول ابن عباس‪« :‬الفاحش‪ :‬ما فحش في قلبك» ‪.‬‬
‫ودليل الحنفية‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الوضوء من كل دم سائل» (‪ )2‬وقوله عليه السلم‪« :‬من‬
‫قاء أو رعف في صلته‪ ،‬فلينصرف‪ ،‬وليتوضأ‪ ،‬وليبن ـ يكمل ـ على صلته ما لم يتكلم» (‪)3‬‬
‫وقوله أيضا‪« :‬ليس في القطرة ول في القطرتين من الدم وضوء إل أن يكون دما سائلً» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القيح‪ :‬دم َنضِج حتى ابيضّ وخثر‪ .‬والصديد ‪ :‬هو قيح ازداد نضجا حتى رَقّ‪ ،‬أو هو ماء الجرح‬
‫الرقيق المختلط بالدم‪.‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث تميم الداري عند الدارقطني‪ ،‬وفيه مجهولن‪ ،‬ومن حديث زيد بن ثابت عند ابن‬
‫عدي في الكامل‪ ،‬وفيه من ل يحتج بحديثه (نصب الراية‪.)37/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬روي من حديث عائشة عند ابن ماجه‪ ،‬وهو حديث صحيح‪ ،‬ومن حديث أبي سعيد الخدري عند‬
‫الدارقطني‪ ،‬وهو معلول براو فيه (نصب الراية‪ ،38/ 1 :‬نيل الوطار‪.)187/1:‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه الدارقطني‪ ،‬من حديث أبي هريرة مرفوعا‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر‪ :‬وإسناده ضعيف جدا‪.‬‬
‫وفيه متروك (نيل الوطار‪ ،189/ 1 :‬نصب الراية‪.)44 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/369‬‬
‫ودليل الحنابلة حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق عند الترمذي‪« :‬إنه دم عرق‪ ،‬فتوضئي لكل‬
‫صلة» ولن الدم ونحوه نجاسة خارجة من البدن‪ ،‬فأشبه الخارج من السبيل‪.‬‬
‫وأما كون القليل من ذلك ل ينقض‪ ،‬فلمفهوم قول ابن عباس‪ :‬في الدم‪« :‬إذا كان فاحشا فعليه العادة»‬
‫وعصر ابن عمر بثرة‪ ،‬فخرج الدم‪ ،‬فصلى ولم يتوضأ‪،‬وابن أبي أوفى عصر دملً‪ ،‬وغيرهما (‪. )1‬‬
‫وقرر المالكية والشافعية‪ :‬عدم نقض الوضوء بالدم ونحوه‪ ،‬بدليل حديث أنس‪ ،‬قال‪« :‬واحتجم رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فصلى ولم يتوضأ‪ ،‬ولم يزد على غسل محاجمه» (‪. )2‬‬
‫وحديث عباد بن بشر‪« :‬أنه أصيب بسهام‪ ،‬وهو يصلي‪ ،‬فاستمر في صلته» (‪ )3‬ويبعد أل يطلع النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة‪ ،‬ولم ينقل أنه أخبره بأن صلته قد بطلت‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬القيء‪ :‬الخلف فيه كالخلف في الدم ونحوه من الخارج من غير السبيلين‪ ،‬على اتجاهين‪:‬‬
‫الول ـ للحنفية والحنابلة‪ :‬أنه ينقض الوضوء‪ ،‬إذا كان بملء الفم عند الحنفية‪ :‬وهو ما ل ينطبق‬
‫عليه الفم إل بتكلف‪ ،‬على الصح‪ .‬وإذا كان كثيرا فاحشا عند الحنابلة‪ :‬وهو ما فحش في نفس كل أحد‬
‫بحسبه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.189/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني والبيهقي‪ ،‬وهو ضعيف (نيل الوطار‪.)189/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬ذكره البخاري تعليقا‪ ،‬وأبو داود وابن خزيمة‪.‬‬

‫( ‪)1/370‬‬
‫والقيء سواء أكان طعاما أم ماء أم عََلقًا (المراد به هنا الدم المتجمد الخارج من المعدة) أم مِرّة‬
‫(الصفراء)‪ .‬ول ينقض البلغم من معدة أو صدر أو رأس‪ ،‬كالبصاق والنخامة‪ ،‬لنها طاهرة تخلق من‬
‫البدن‪ .‬ول ينقض الجشاء وهو الريح الذي يخرج من فم الرجل‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬حديث عائشة المتقدم‪« :‬من أصابه قيء أو رعاف أو قَلس‪ ،‬أو مذي‪ ،‬فلينصرف‪ ،‬فليتوضأ‪ ،‬ثم‬
‫ليَبْن على صلته‪ ،‬وهو في ذلك ل يتكلم» (‪ . )1‬والقلس‪ :‬هو ما خرج من العلق ملء الفم أو دونه‪،‬‬

‫وليس بقيء‪ ،‬وإن عاد فهو القيء‪.‬‬
‫وحديث أبي الدرداء‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قاء‪ ،‬فتوضأ‪ ،‬فلقيت ثوبانَ في مسجد دمشق‪،‬‬
‫فذكرت له ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬صدق‪ ،‬أنا صببت له وَضُوءه» (‪. )2‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن القيء ناقض للوضوء عند هؤلء بقيود ثلثة‪ :‬كونه من المعدة‪ ،‬وكونه ملء الفم أو‬
‫كثيرا‪ ،‬وكونه دفعة واحدة‪.‬‬
‫التجاه الثاني ـ للمالكية والشافعية‪ :‬أنه ل ينقض الوضوء بالقيء؛ لنه عليه الصلة والسلم قاء فلم‬
‫يتوضأ (‪، )3‬وفي حديث ثوبان قال‪« :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬هل يجب الوضوء من القيء؟ قال‪ :‬لو كان‬
‫واجبا‪ ،‬لوجدته في كتاب ال » ولنه خارج من غير المخرج‪ ،‬مع بقاء المخرج‪ ،‬فلم ينقض الطهارة‬
‫كالبصاق‪ .‬وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بأن المراد بالوضوء‪ :‬غسل اليدين‪.‬‬
‫والظاهر لي‪ :‬أن الخارج من غير السبيلين كالدم والقيء ينقض الوضوء إذا كان كثيرا فاحشا أي كما‬
‫قال الحنابلة‪ ،‬قياسا على الخارج النجس من السبيلين‪ ،‬إذ في الحاديث كلها كلم‪ ،‬ول تخلو من‬
‫ضعف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه والدارقطني‪ ،‬قال البيهقي‪ :‬والصواب إرساله (نيل الوطار‪.)187/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هو أصح شيء في الباب (نيل الوطار‪.)186/ 1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الدارقطني‪.‬‬

‫( ‪)1/371‬‬
‫‪ - ً 5‬غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات‪ ،‬أو بالغماء أو الجنون‪ ،‬أو الصرع‪ ،‬أو بالنوم‪:‬‬
‫هذا السبب وما بعده من لمس المرأة المشتهاة‪ ،‬ومس الذكر أو القبل أو الدبر‪ ،‬قد يترتب عليه غالبا‬
‫خروج شيء من أحد السبيلين‪ ،‬فيكون ناقضا للوضوء‪ ،‬لن زائل العقل ل يشعر بحال‪ ،‬والنوم يذهب‬
‫معه الحس‪ ،‬والجنون والغماء ونحوهما أشد تأثيرا من النوم‪.‬‬
‫والدليل على أن النوم الثقيل أو غير اليسير ناقض للوضوء‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم من حديث‬
‫علي‪« :‬العين وِكاء السّهِ‪ ،‬فمن نام فليتوضأ» (‪ )1‬وحديث معاوية «العين وكاء السه‪ ،‬فإذا نامت‬
‫العينان‪ ،‬استطلق الوكاء» (‪ )2‬والحديثان يدلن على أن النوم مظِنّة للنقض‪ ،‬ل أنه بنفسه ناقض‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضا للوضوء‪ ،‬ذكرها النووي في شرح مسلم (‪)73/1‬‬
‫أختار منها رأيين متقاربين ل يختلفان إل في بيان مدى عمق النوم الذي يعد دليلً على خروج الريح‪،‬‬

‫وهما ما يأتي‪:‬‬
‫الرأي الول ـ للحنفية والشافعية‪ :‬أن النوم الناقض للوضوء هو الذي لم تتمكن فيه المقعدة من‬
‫الرض‪ ،‬أو النوم مضطجعا أو متكئا أو منكبا على شيء؛ لن الضطجاع ونحوه سبب لسترخاء‬
‫المفاصل‪ .‬فإن نام قاعدا ممكنا مقعدته من الرض كأرض وظهر دابة سائرة‪ ،‬لم ينتقض وضوءه‪.‬‬
‫فإن كان مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط‪ ،‬ولم يكن ممكنا مقعده من الرض‪ ،‬انتقض وضوءه عند‬
‫الحنفية؛ لن السترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الستناد‪ ،‬ولم ينتقض عند الشافعية إذا كان ممكنا‬
‫مقعده من الرض‪ ،‬للمن حينئذ من خروج شيء‪ ،‬فالحكم في المذهبين إذن واحد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‪ .‬والوكاء‪ :‬الخيط الذي يربط به الشيء‪ ،‬والسه‪ :‬الدبر‪ ،‬والمعنى‪:‬‬
‫اليقظة وكاء الدبر‪ ،‬أي حافظة ما فيه من الخروج لنه ما دام مستيقظا‪ ،‬أحس بما يخرج منه (نيل‬
‫الوطار‪.)192/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والدارقطني (المرجع السابق)‪.‬‬

‫( ‪)1/372‬‬
‫ول ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والركوع والسجود في الصلة وغيرها؛ لن بعض‬
‫الستمساك باق‪ ،‬إذ لو زال لسقط‪ ،‬فلم يتم السترخاء‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬أحاديث‪ ،‬منها حديث ابن عباس‪« :‬ليس على من نام ساجدا وضوء‪ ،‬حتى يضطجع‪ ،‬فإنه إذا‬
‫اضطجع‪ ،‬استرخت مفاصله» (‪ )1‬وفي لفظ «لوضوء على من نام قاعدا‪ ،‬إنما الوضوء على من نام‬
‫مضطجعا فإن من نام مضطجعا استرخت مفاصله» (‪ )2‬وفي رواية للبيهقي‪« :‬ل يجب الوضوء على‬
‫من نام جالسا أو قائما أو ساجدا حتى يضع جنبه» ‪.‬‬
‫ومنها حديث أنس‪« :‬كان أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم ينتظرون العشاء‪ ،‬فينامون قعودا‪،‬‬
‫ثم يصلون‪ ،‬ول يتوضؤون» (‪ )3‬وهويدل على أن يسير النوم ل ينقض الوضوء‪.‬‬
‫ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من نام جالسا‬
‫فل وضوء عليه‪ ،‬ومن وضع جنبه فعليه الوضوء» (‪ . )4‬وروى مالك عن ابن عمر أنه كان ينام‬
‫جالسا‪ ،‬ثم يصلي ول يتوضأ‪.‬‬
‫وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أنه رأى النبي صلّى ال عليه وسلم نام وهو ساجد‪ ،‬حتى‬
‫ط أو نفخ‪ ،‬ثم قام يصلي‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنك قد نمت؟ قال‪« :‬إن الوضوء ل يجب إل على من‬
‫غّ‬
‫َ‬

‫نام مضطجعا‪ ،‬فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» (‪. )5‬‬
‫قال الكمال بن الهمام‪ :‬وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث عن درجة الحسن (‪. )6‬‬
‫الرأي الثاني ـ للمالكية والحنابلة‪ :‬أن النوم اليسير أو الخفيف ل ينقض‪ ،‬والنوم الثقيل ينقض‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وهو ضعيف (نيل الوطار‪.)193/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي والدارقطني‪ ،‬وهو ضعيف (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشافعي وأبو داود ومسلم والترمذي وهو صحيح (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه ابن عدي (نصب الراية‪ )45/ 1 :‬وأخرج أيضا البيهقي حديثا مماثلً عن حذيفة بن‬
‫اليمان‪.‬‬
‫(‪ )5‬نصب الراية‪.44 / 1 :‬‬
‫(‪ )6‬فتح القدير‪.33 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/373‬‬
‫وعبارة المالكية‪ :‬النوم الثقيل ولو َقصُر زمنه ناقض للوضوء‪ ،‬أما النوم الخفيف ولو طال زمنه فل‬
‫ينقض‪ .‬والثقيل‪ :‬ما ل يشعر صاحبه بالصوات‪ ،‬أو بسقوط شيء بيده‪ ،‬أو سيلن ريقه ونحو ذلك‪ ،‬فإن‬
‫شعر بذلك فنوم خفيف‪ .‬ودليلهم حديث أنس المتقدم‪« :‬كان أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫ينتظرون العشاء الخرة‪ ،‬حتى تخفُق رؤوسهم‪ ،‬ثم يصلون ول يتوضؤون» ‪.‬‬
‫وحديث ابن عباس‪ ،‬قال‪« :‬بتّ عند خالتي ميمونة‪ ،‬فقام رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقمت إلى‬
‫جنبه اليسر‪ ،‬فأخذ بيدي‪ ،‬فجعلني عن شقه اليمن‪ ،‬فجعلت إذا أغفَيت‪ ،‬يأخذ بشحمة أذُني‪ ،‬قال‪ :‬فصلى‬
‫إحدى عشرة ركعة» (‪ )1‬في هذين الحديثين دللة واضحة على أن النوم اليسير ل ينقض الوضوء‪.‬‬
‫وعبارة الحنابلة‪ :‬النوم في جميع أحواله ناقض للوضوء إل النوم اليسير عرفا من جالس أو قائم‪،‬‬
‫لحديثي أنس وابن عباس السابقين‪ .‬والصحيح أنه ل حد للنوم القليل‪ ،‬وإنما مرجعه إلى ما جرت به‬
‫العادة‪ ،‬فسقوط المتمكن وغيره ينقض الوضوء‪.‬‬
‫فإن نام وشك‪ ،‬هل نومه كثير أو يسير؟ اعتبر طاهرا لتيقنه الطهارة‪ ،‬وشكه في نقضها‪ ،‬وإن رأى‬
‫رؤيا فهو نوم كثير‪ .‬وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتَب (‪ )2‬كمضطجع‪.‬‬
‫ومن لم ُيغْلب على عقله‪ ،‬لم ينقض وضوءه؛ لن النوم‪ :‬الغلبة على العقل‪ ،‬ولن الناقض زوال العقل‪،‬‬
‫ومتى كان العقل ثابتا‪ ،‬وحسه غير زائل‪ ،‬مثل من يسمع ما يقال عنده‪ ،‬ويفهمه‪ ،‬لم ينتقض وضوءه‪.‬‬

‫والخلصة‪ :‬أن النوم مضطجعا في الصلة أو في غيرها غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء بل خلف‬
‫بين الفقهاء‪ ،‬وأن زوال العقل بأي سبب من إغماء أو جنون أو سكر ناقض للوضوء قياسا على النوم‪،‬‬
‫وهو الحق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم (نيل الوطار‪ )192/ 1 :‬والغفاء‪ :‬النوم أو النعاس‪.‬‬
‫(‪ )2‬جلسة الحتباء‪ :‬أن يجلس على مقعده ويرفع ركبتيه ويمسكهما بيديه‪.‬‬

‫( ‪)1/374‬‬
‫‪ - ً 6‬لمس المرأة‪ :‬ينتقض الوضوء عند الحنفية بلمس المرأة في حالة المباشرة الفاحشة‪ ،‬وعند‬
‫المالكية والحنابلة بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة في حال اللذة أو الشهوة‪ .‬وعند الشافعية‪ :‬بمجرد التقاء‬
‫بشرتي الرجل والمرأة‪ ،‬اللمس والملموس‪ ،‬ولو بدون شهوة‪.‬‬
‫وتفصيل آراء المذاهب فيما يأتي‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة‪ :‬وهي التقاء الفرجين مع انتشار العضو بل حائل‬
‫يمنع حرارة الجسد‪ ،‬أو هي أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها‪ ،‬وليس بينهما ثوب‪ ،‬ولم ير‬
‫بللً‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬ينتقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة ـ من ذكر أو أنثى ـ ولو‬
‫كان الملموس غير بالغ‪ ،‬سواء كان اللمس لزوجته أو أجنبية أو محرما‪ ،‬أو كان اللمس لظفر أو شعر‪،‬‬
‫أو من فوق حائل كثوب‪ ،‬وسواء كان الحائل خفيفا يحس اللمس معه بطراوة البدن‪ ،‬أو كان كثيفا‪،‬‬
‫وسواء كان اللمس بين الرجال أو بين النساء‪.‬‬
‫فاللمس بلذة ناقض‪ ،‬وكذا القبلة بالفم تنقض الوضوء مطلقا‪ ،‬ولو بدون لذة؛ لنها مظنة اللذة‪ ،‬أما القبلة‬
‫في غير الفم فتنقض وضوء المقبّل والمقبّل إن كانا بالغين‪ ،‬أو البالغ منهما إن قبل من يشتهي‪ ،‬إن‬
‫وجدت اللذة‪ ،‬ولو وقعت بإكراه أو استغفال‪ .‬فالنقض باللمس مشروط بشروط ثلثة‪ :‬أن يكون اللمس‬
‫بالغا‪ ،‬وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة‪ ،‬وأن يقصد اللمس اللذة أو يجدها‪.‬‬
‫ول ينقض الوضوء بلذة من نظر أو فكر ولو حدث انتصاب (إنعاظ) ما لم يلتذ بالفعل‪ ،‬ول بلمس‬
‫صغيرة ل تشتهى‪ ،‬أو بهيمة أو رجل ملتحي‪ ،‬إذ الشأن عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته‪.‬‬

‫( ‪)1/375‬‬

‫وقال الحنابلة في المشهور‪ :‬ينقض الوضوء بلمس بشرة النساء بشهوة من غير حائل‪ ،‬وكان الملموس‬
‫مشتهى عادة غير طفلة وطفل‪ ،‬ولو كان الملموس ميتا‪ ،‬أو عجوزا‪ ،‬أو َمحْرما‪ ،‬أو صغيرة تشتهى‪:‬‬
‫وهي بنت سبع سنين فأكثر‪ ،‬فل فرق بين الجنبية وذات المحرم والكبيرة والصغيرة‪ .‬ول ينقض لمس‬
‫شعر وظفر وسن‪ ،‬ول مس عضو مقطوع لزوال حرمته‪ ،‬ول مس أمرد ولو بشهوة‪ ،‬ول مس خنثى‬
‫مشكل‪ ،‬ول ينقض مس الرجل الرجل ول المرأة المرأة ولو بشهوة‪ .‬وإذا لم ينقض الوضوء بمس‬
‫أنثى‪ ،‬فإنه يستحب‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن هذه المذاهب الثلثة (الجمهور)‪ :‬ل ينتقض الوضوء لديها بمجرد التلمس العادي بين‬
‫الرجل والمرأة‪.‬‬
‫الدلة‪:‬‬
‫واستدلوا بما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬قوله تعالى‪{ :‬أو ل مستم النساء} [المائدة‪ ،]6/5:‬وحقيقة اللمس‪ :‬ملقاة البشرتين‪ ،‬أما الحنفية‬
‫فأخذوا بما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن رضي ال عنهما‪ :‬أن المراد من اللمس الجماع‪ ،‬وبما‬
‫قال ابن السكيت‪ :‬أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء‪ ،‬تقول العرب‪ :‬لمست المرأة أي جامعتها‪،‬‬
‫فيجب المصير في الية إلى إرادة المجاز‪ :‬وهو أن اللمس يراد به الجماع‪ ،‬لوجود القرينة وهي حديث‬
‫عائشة الذي سيأتي‪.‬‬
‫وأما المالكية والحنبلية الذين قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة‪ :‬فجمعوا بين الية والخبار التية‬
‫عن عائشة وغيرها‪.‬‬
‫‪ - 2‬حديث عائشة‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يُقبّل بعض أزواجه‪ ،‬ثم يصلّي ول يتوضأ» (‬
‫‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي‪ ،‬وهو مرسل‪ ،‬وضعفه البخاري‪ ،‬وكل طرقه معلولة‪،‬‬
‫قال ابن حزم‪ :‬ل يصح في الباب شيء‪ ،‬وإن صح فهو محمول على ما كان عليه المر قبل نزول‬
‫الوضوء من المس (نيل الوطار‪.)195/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/376‬‬
‫‪ - 3‬حديث عائشة أيضا‪ ،‬قالت‪« :‬إن كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم ليُصلّي‪ ،‬وإني لمعترضة‬
‫بين يديه اعتراض الجنازة‪ ،‬حتى إذا أراد أن يوتر مسّني برجْله» (‪ )1‬فيه دليل على أن لمس المرأة ل‬

‫ينقض الوضوء‪ ،‬والظاهر أن مسها برجله كانَ من غير حائل‪.‬‬
‫‪ - 4‬حديث عائشة أيضا‪ ،‬قالت‪َ « :‬فقَ ْدتُ رسول ال صلّى ال عليه وسلم ليلةً من الفراش‪،‬فالتمسته‪،‬‬
‫فوضعت يدي على باطن قدميه‪ ،‬وهو في المسجد‪ ،‬وهما منصوبتان‪ ،‬وهو يقول‪ :‬اللهم إني أعوذ‬
‫سخَطك‪ ،‬وبمعافاتك من عقوبتك‪ ،‬وأعوذ بك منك‪ ،‬ل أحصي ثناء عليك‪ ،‬كما أثنيت على‬
‫برضاك من َ‬
‫نفسك» (‪ )2‬وهو يدل على أن اللمس غير موجب للنقض‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ينقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الجنبية غير المحرم‪ ،‬ولو ميتة‪ ،‬من غير حائل‬
‫بينهما‪ ،‬ينقض اللمس والملموس‪ ،‬ولو عجوزا شوهاء أو شيخا هرما‪ ،‬ولو بغير قصد‪ ،‬ول ينقض‬
‫شعر وسن وظفر‪ ،‬أو لمس مع حائل‪.‬‬
‫والمراد بالرجل والمرأة‪ :‬ذكر وأنثى بلغا حد الشهوة عرفا‪ ،‬أي عند أرباب الطباع السليمة‪ ،‬والمراد‬
‫بال َمحْرم‪ :‬من حرم نكاحها لجل نسب أو رضاع أو مصاهرة‪ ،‬فل ينقض صغير أو صغيرة ل يشتهى‬
‫أحدهما عرفا غالبا لذوي الطباع السليمة‪ ،‬فل يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر‪ ،‬لختلفه باختلف‬
‫الصغار والصغيرات‪ ،‬لنتفاء مظنة الشهوة‪ .‬ول ينقض مَحْرم بنسب‪ ،‬أو رضاع‪ ،‬أو مصاهرة كأم‬
‫الزوجة لنتفاء مظنة الشهوة‪.‬‬
‫وسبب النقض‪ :‬أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي ل تليق بحال المتطهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه النسائي‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬إسناده صحيح (نيل الوطار‪.)196/ 1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والترمذي وصححه والبيهقي (المرجع السابق‪ ،‬وانظرهذه الحاديث في نصب الراية‪:‬‬
‫‪.)75-70/ 1‬‬

‫( ‪)1/377‬‬
‫ودليلهم‪ :‬العمل بحقيقة معنى الملمسة في اللغة في الية‪{ :‬أو لمستم النساء} [المائدة‪ ،]6/5:‬وهو‬
‫الجس باليد‪ ،‬أو ملقاة البشرتين‪ ،‬أو لمس اليد‪ ،‬بدليل قراءة‪{ :‬أو لمستم} [المائدة‪ ،]6/5:‬فإنها ظاهرة في‬
‫مجرد اللمس من دون جماع‪.‬‬
‫وأما حديث عائشة في التقبيل فهو ضعيف‪ ،‬ومرسل‪ .‬وأما حديث عائشة في لمسها لقدمه صلّى ال‬
‫عليه وسلم فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل‪ ،‬أو أنه خاص بالنبي‪ .‬لكن في هذا التأويل تكلف‬
‫ومخالفة للظاهر‪.‬‬
‫ويبدو لي أن اللمس العارض أو الطارئ‪ ،‬أو الذي ل لذة أو ل شهوة فيه غير ناقض للوضوء‪ ،‬وأما‬

‫اللمس الذي يصحبه الشهوة فهو ناقض‪ ،‬وهذا في تقديري أرجح الراء‪.‬‬
‫‪ - ً 7‬مس الفرج ـ القُبُل أو الدبر‪ :‬ل ينتقض الوضوء عند الحنفية بمس الفرج‪ ،‬وينتقض به عند‬
‫الجمهور‪ ،‬على تفصيل آتٍ‪ ،‬قال الحنفية‪ :‬ل ينتقض الوضوء بمس الفرج أو الذكر‪ ،‬لحديث طَلْق بن‬
‫علي‪« :‬الرجل يمس ذكره‪ ،‬أعليه وضوء؟ فقال صلّى ال عليه وسلم‪ :‬إنما هو َبضْعة منك‪ ،‬أو مضغة‬
‫منك» (‪. )1‬‬
‫ولما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين‪ ،‬وحذيفة بن‬
‫اليمان‪ ،‬وأبي الدرداء‪ ،‬وأبي هريرة رضي ال عنهم‪ :‬أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثا‪ ،‬حتى قال علي‬
‫رضي ال عنه‪ :‬ل أبالي مسسته‪ ،‬أو أرنبة أنفي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أصحاب السنن الربعة (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأحمد والدارقطني‬
‫مرفوعا‪ ،‬ورواه ابن حبان في صحيحه‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬هذا الحديث أحسن شيء يروى في هذا الباب‬
‫(نصب الراية‪ 60/ 1 :‬وما بعدها‪ ،‬نيل الوطار‪.)198/ 1 :‬‬

‫( ‪)1/378‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬ينقض الوضوء بمس الذكر‪ ،‬ل بمس الدبر‪ ،‬فيعد مس الذكر المتصل ناقضا‪ ،‬ل‬
‫المقطوع‪ ،‬سواء مسّه من أي جزء منه‪ ،‬التذ أم ل‪ ،‬إذا مسه عمدا أو سهوا من غير حائل ببطن الكف‬
‫أو جنبه‪ ،‬أو ببطن أصبع وبجنبه‪ ،‬ل بظهره‪ ،‬ولو كان الصبع زائدا على الخمسة إن كان له إحساس‬
‫ويتصرف به كغيره من الصابع‪ ،‬وذلك إذا كان بالغا‪ ،‬أما مس الصبي ذكره فل ينقض‪ ،‬أي أن المراد‬
‫مس البالغ ذكره بباطن الكف والصابع‪.‬‬
‫ول ينقض مس حلقة الدبر‪ ،‬أو النثيين (الخِصيتين)‪ ،‬ول مس امرأة فرجها‪ ،‬ولو ألطفت‪ :‬أي أدخلت‬
‫أصبعا أو أكثر من أصابعها في فرجها‪ .‬ول ينقض مس ذكر صبي أو كبير غيره‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬القتصار على حديث‪« :‬من مس ذكره فل يصلي حتى يتوضأ» (‪ )1‬وحديث «من أفضى‬
‫بيده إلى ذكره ليس دونه سِتْر‪ ،‬فقد وجب عليه الوضوء» (‪. )2‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬ينتقض الوضوء بمس فرج الدمي (الذكر والدبر وقبُل المرأة) من نفسه أو‬
‫غيره‪ ،‬صغيرا أو كبيرا‪ ،‬حيا أو ميتا‪ ،‬وقياس الدبر على الذكر هو مذهب الشافعي الجديد‪ ،‬بشرط كونه‬
‫بباطن الكف (أي الراحة مع بطون الصابع) فل ينقض بظاهر الكف وحرفه ورؤوس الصابع وما‬
‫بينها بعد التحامل اليسير‪ ،‬أي أن الناقض هو ما يستتر عند وضع إحدى الراحتين على الخرى مع‬

‫تحامل يسير‪ ،‬وفي البهامين يضع باطن أحدهما على باطن الخر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي‪ ،‬وأخرجه أيضا مالك والشافعي وابن‬
‫خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود‪ ،‬وقال البخاري‪« :‬هو أصح شيء في هذا الباب» (نيل‬
‫الطار‪ ،197/ 1 :‬نصب الراية‪ 54/1:‬وما بعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وابن حبان في صحيحه‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح سنده عدول نقلته (نيل الوطار‪/ 1 :‬‬
‫‪ )199‬ورواه الشافعي في مسنده بلفظ « إذا أفضى أحدكم إلى ذكره‪،‬فقد وجب عليه الوضوء» ( انظر‬
‫نصب الراية‪ 54 / 1 :‬وما بعدها )‪.‬‬

‫( ‪)1/379‬‬
‫فلو كان التحامل كثيرا كثر غير الناقض‪ ،‬وقل الناقض‪ .‬وفي هذا يتفق الشافعية مع مذهب المالكية؛‬
‫لن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس‪ ،‬فأشبه ما لو مسه بفخذه‪.‬‬
‫ول فرق عند الحنابلة بين بطن الكف وظهره‪ ،‬بدليل حديث الفضاء المتقدم‪« :‬إذا أفضى أحدكم بيده‬
‫إلى فرجه‪ ،‬ليس بينهما سترة‪ ،‬فليتوضأ» وظاهر كفه من يده‪ ،‬والفضاء‪ :‬اللمس من غير حائل‪.‬‬
‫ودليل الشافعية والحنابلة مجموع الحديثين السابقين‪ :‬حديث بُسْرة بنت صفوان وأم حبيبة‪« :‬من مس‬
‫ذكره فليتوضأ» وفي لفظـ «من مس فرجه فليتوضأ» وحديث أبي هريرة‪« :‬إذا أفضى أحدكم بيده إلى‬
‫ذكره‪ ،‬فقد وجب عليه الوضوء» وفي لفظ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه‪ »..‬والفرج‪ :‬يشمل القبُل‬
‫والدبُر‪ ،‬ولن الدبر أحد الفرجين‪ ،‬فأشبه الذكر‪.‬‬
‫والنقض بمس المرأة قبلها لعموم حديث بسرة وأم حبيبة‪« :‬من مس فرجه فليتوضأ» ولما روى عمرو‬
‫بن شعيب عن أبيه عن جده‪« :‬أيما رجل مس فرجه فليتوضأ‪ ،‬وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫والراجح عندي مذهب الجمهور غير الحنفية؛ لن حديث طلق بن علي ضعيف أو منسوخ‪ ،‬ضعفه‬
‫الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي‪ ،‬وادعى فيه النسخ ابن حبان‬
‫والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون‪.‬‬
‫‪ - ً 8‬القهقهة في الصلة‪ :‬تنقض الوضوء عند الحنفية دون غيرهم‪ ،‬إذا كان المصلي بالغا‪ ،‬عمدا أو‬
‫سهوا‪ ،‬زجرا وعقوبة للمصلي‪ ،‬لمنافاتها مناجاة ال تعالى‪ ،‬فل تبطل صلة الصبي‪ ،‬لنه ليس من أهل‬
‫الزجر‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبيهقي (نصب الراية‪.)58 / 1 :‬‬

‫( ‪)1/380‬‬
‫والقهقهة‪ :‬ما يكون مسموعا لجيرانه‪ .‬أما الضحك‪ :‬فهو ما يسمعه هو دون جيرانه‪ ،‬والول يبطل‬
‫الصلة والوضوء‪ ،‬والثاني يبطل الصلة فقط‪ .‬أما التبسم‪ :‬وهو ما ل صوت فيه‪ ،‬ولو بدت به السنان‪،‬‬
‫فل يبطل شيئا‪.‬‬
‫ودليلهم‪:‬حديث‪« :‬أل من ضحك منكم قهقهة فليعد الصلة والوضوء جميعا» (‪. )1‬‬
‫ول ينتقض الوضوء عند الجمهور (غير الحنفية) بالقهقهة؛ لنها ل توجب الوضوء خارج الصلة‪،‬‬
‫فل توجبه داخلها كالعطاس والسعال‪ .‬وردوا الحديث السابق لكونه مرسلً‪ ،‬ولمخالفته للصول‪:‬وهو‬
‫أن يكون شيء ينقض الطهارة في الصلة‪ ،‬ول ينقضها في غير الصلة (‪. )2‬‬
‫وأرجح رأي الجمهور لعدم ثبوت حديث الحنفية‪.‬‬
‫‪ - ً 9‬أكل لحم البل‪ :‬ينتقض الوضوء عند الحنابلة دون غيرهم بأكل لحم البل‪ ،‬على كل حال‪ ،‬نيئا‬
‫ومطبوخا‪ ،‬عالما كان أو جاهلً‪ .‬بدليل ما روي البراء بن عازب قال‪« :‬سئل رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم عن لحوم البل؟ فقال‪ :‬توضؤوا منها‪ ،‬وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال‪ :‬ل يتوضأ منها» (‪ )3‬وروى‬
‫أسيد بن حضير حديث‪ « :‬توضؤوا من لحوم البل‪ ،‬ول تتوضؤوا من لحوم الغنم» (‪ . )4‬وعلق‬
‫الحنابلة على ذلك بقولهم‪ :‬إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبّد ل يعقل معناه‪ ،‬فل يتعدى إلى‬
‫غيره‪ ،‬فل يجب الوضوء بشرب لبنها ومرق لحمها وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها‬
‫ونحوه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فيه أحاديث مسندة‪ ،‬وأحاديث مرسلة‪ ،‬أما المسندة فمنها حديث أبي موسى الشعري عند‬
‫الطبراني‪ ،‬وأبي هريرة عند الدارقطني‪ ،‬وابن عمر عند ابن عدي‪ ،‬وأنس وجابر‪ ،‬وعمران بن‬
‫الحصين‪ ،‬وأبي المليح عند الدارقطني‪ .‬ولكن كلها ضعيفة‪ ،‬وأما المراسيل فهي أربعة‪ :‬مرسل أبي‬
‫العالية‪ ،‬ومرسل معبد الجهني‪ ،‬ومرسل إبراهيم النخعي‪ ،‬ومرسل الحسن (نصب الراية‪.)54-74/1 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪.39/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم وأبو داود‪ .‬وروى مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة مثله‪ ،‬وهما حديثان صحيحان‪.‬‬

‫(‪ )4‬رواه أحمد وصححه هو وإسحق‪ ،‬وروى ابن ماجه عن عبد ال بن عمرو عن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم مثل ذلك (راجع نيل الوطار‪.)200/1 :‬‬

‫( ‪)1/381‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنابلة؛ ل ينقض الوضوء بأكل لحم الجزور‪ ،‬لما رواه جابر قال‪« :‬كان آخر‬
‫المرين من رسول ال صلّى ال عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار» (‪ )2‬ولنه مأكول كسائر‬
‫المأكولت‪.‬‬
‫والراجح لدي رأي الجمهور؛ لن جمهور فقهاء المصار بعد الصدر الول اتفقوا على سقوط المر‬
‫بإيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار‪ ،‬إذ صح عندهم أنه عمل الخلفاء الربعة‪ ،‬بل إن الحنابلة‬
‫أنفسهم أخذوا بحديث الجمهور وقالوا‪ :‬لنقض بأكل ما مسته النار‪.‬‬
‫‪ - ً 10‬غسل الميت‪ :‬ينتقض الوضوء عند أكثر الحنابلة بغسل الميت (‪ )3‬أو بعضه‪ ،‬سواء أكان‬
‫المغسول صغيرا أم كبيرا‪ ،‬ذكرا أم أنثى‪ ،‬مسلما أم كافرا‪ ،‬لما روي عن ابن عمر وابن عباس‪ ،‬وأبي‬
‫هريرة‪ ،‬فقد روي عن ابن عمر وابن عباس «أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء» وقال أبو‬
‫هريرة‪« :‬أقل ما فيه الوضوء» ‪ ،‬ولن الغالب فيه أنه ل يسلم أن تقع يده على فرج الميت‪.‬‬
‫وقال أكثر الفقهاء وهو الصحيح‪ :‬لوضوء من غسل الميت‪ ،‬إذ لم يرد فيه نص شرعي‪ ،‬ول هو في‬
‫معنى المنصوص عليه‪ ،‬ولنه غسل آدمي‪ ،‬فأشبه غسل الحي‪.‬‬
‫وما أحسن ما ذكره ابن رشد عن النواقض الثلثة الخيرة‪ ،‬فقال‪ :‬شذ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من‬
‫الضحك في الصلة لمرسل أبي العالية‪ ...‬الخ وشذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت‪ ،‬وفيه أثر‬
‫ضعيف‪ ( :‬من غسل ميتا فليغتسل‪ ،‬ومن حمله فليتوضأ ) وذهب قوم من أهل الحديث‪ :‬أحمد وإسحاق‬
‫وطائفة غيرهم‪ :‬أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور‪ ،‬لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه‬
‫الصلة والسلم (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬لكن ل ينتقض الوضوء بحمل الميت عندهم‪ ،‬خلفا لما هو شائع في بعض الكتب‪.‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪.39/1 :‬‬

‫( ‪)1/382‬‬

‫‪ - ً 11‬الشك في الوضوء‪ :‬قال المالكية في المشهور من المذهب‪ :‬من تيقن الطهارة أو ظنها‪ ،‬ثم شك‬
‫في الحدث‪ ،‬فعليه الوضوء‪ ،‬وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة فعليه الوضوء؛ لن الذمة عامرة فل‬
‫تبرأ إل بيقين‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير المالكية وهو الولى‪ :‬ل ينتقض الوضوء بالشك‪ ،‬فمن تيقن الطهارة وشك في‬
‫الحدث‪ ،‬أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين‪ ،‬وهو الطهارة الولى‪ ،‬والحدث في الثانية‪،‬‬
‫لحديث عبد ال بن زيد قال‪« :‬شُكي إلى النبي صلّى ال عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء‬
‫في الصلة؟ فقال‪ :‬ل ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (‪ ، )2‬ولنه إذا شك تعارض عنده‬
‫المران‪ ،‬فيجب سقوطهما‪ ،‬كالبينتين إذا تعارضتا‪ ،‬تساقطتا‪ ،‬ويرجع إلى اليقين‪ .‬وبناء عليه قرر الفقهاء‬
‫قاعدة عامة وهي‪ ( :‬اليقين ل يزول بالشك )‪.‬‬
‫‪ - ً 12‬ما يوجب الغسل‪ :‬قال الحنابلة‪ :‬ينتقض الوضوء بكل ما يوجب الغسل غير الموت‪ ،‬فإنه يوجب‬
‫الغسل ول يوجب الوضوء‪ .‬ومن موجبات الغسل‪ :‬التقاء الختانين‪ ،‬وانتقال المني‪ ،‬وإسلم الكافر أصليا‬
‫كان أو مرتدا‪ ،‬فإذا عاد المرتد إلى السلم‪ ،‬وجب عليه الغسل‪ ،‬وإذا وجب الغسل وجب الوضوء‪.‬‬
‫وينتقض الوضوء بالردة‪ ،‬لنهامحبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل‪ .‬وهذا يوافق رأي المالكية ‪ ،‬ول‬
‫ينتقض الوضوء بالردة عند الحنفية والشافعية‪.‬‬
‫تعليق على النواقض‪:‬‬
‫هذه النواقض مشتركة بين الماسح على الخفين وغيره‪.‬وهناك نواقض خاصة‪ ،‬كبطلن طهارة المسح‬
‫على الخفين ونحوهما من الجوارب بانتهاء مُدّته وبخلع حائله‪ ،‬وكانتقاض طهارة المستحاضة ونحوها‬
‫كسلس البول بخروج الوقت‪ ،‬وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوها‪ ،‬تبحث في مباحثها الخاصة بها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪ ،‬بل رواه الجماعة إل الترمذي‪ .‬ولمسلم بمعناه مرفوعا من حديث أبي هريرة‪ ،‬ولم‬
‫يذكر فيه‪ ( :‬وهو في الصلة )‪.‬‬

‫( ‪)1/383‬‬
‫ول نقض بكلم محرّم‪ ،‬كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها‪ ،‬بل يستحب الوضوء منه‪ ،‬ول نقض‬
‫بإزالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما‪.‬‬
‫خلصة نواقض الوضوء في المذاهب‪:‬‬
‫‪ - 1‬مذهب الحنفية‪:‬‬

‫ينقض الوضوء اثنا عشر شيئا‪ :‬ما خرج من السبيلين إل ريح القبل في الصح‪ ،‬وولدة من غيررؤية‬
‫دم‪ ،‬ونجاسة سائلة من غير السبيلين كدم وقيح وقيء طعام أو ماء أو عَلَق (دم متجمد من المعدة)‪ ،‬أو‬
‫مِرّة (صفراء) إذا مل الفم‪ :‬وهو مال ينطبق عليه الفم إل بتكلف على الصح‪ ،‬ويجمع متفرق القيء‬
‫إذا اتحد سببه (‪ ، )1‬وينقضه دم غلب على البزاق أو ساواه‪ ،‬ونوم مضطجعا‪ ،‬أو متكئا أو مستندا إلى‬
‫شيء لوأزيل لسقط (أي نوم لم تتمكن فيه المقعدة من الرض)‪ ،‬وارتفاع مقعدة نائم على الرض قبل‬
‫انتباهه‪ ،‬وإن لم يسقط على الرض‪ ،‬وإغماء‪ ،‬وجنون‪ ،‬وسكر‪ ،‬وقهقهة بالغ يقظان في صلة ذات‬
‫ركوع وسجود‪ ،‬ولو تعمد الخروج بها من الصلة‪ ،‬ومس فرج بذكر منتصب بل حائل‪.‬‬
‫ول ينقض الوضوء عشرة أشياء‪ :‬دم لم يسل عن محله‪ ،‬وسقوط لحم من غير سيلن دم‪ ،‬وخروج‬
‫دودة من جرح وأذن وأنف‪ ،‬ومس ذكر‪ ،‬ومس امرأة‪ ،‬وقيء ل يمل الفم‪ ،‬وقيء بلغم ولو كثيرا‪،‬‬
‫ل ولو‬
‫صّ‬
‫وتمايل نائم احتمل زوال مقعدته‪ ،‬ونوم متمكن ولو مستندا إلى شيء‪ ،‬لو أزيل سقط‪ ،‬ونوم ُم َ‬
‫راكعا أو ساجدا‪.‬‬
‫‪ - 2‬مذهب المالكية‪:‬‬
‫النواقض ثلثة‪ :‬الحداث‪ ،‬والسباب‪ ،‬والرتداد والشك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا هو رأي محمد وهو الصح‪ .‬واتحاد السبب هو الغَثَيان‪ :‬وهو أمر حادث في مزاج النسان‬
‫منشؤه تغير طبعه من إحساس النتن المكروه‪.‬‬

‫( ‪)1/384‬‬
‫والحداث‪ :‬هي الخارج المعتاد من السبيلين وهي ثمانية أشياء‪ :‬البول‪ ،‬والغائط‪ ،‬والريح بصوت وبغير‬
‫صوت‪ ،‬والودي (وهو ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول)‪ ،‬والمذي (وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند‬
‫اللتذاذ)‪ ،‬والهادي (وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولدتها)‪ ،‬ودم الستحاضة ونحوه‪:‬‬
‫وهو سلس البول إن خرج أحيانا‪ :‬بأن لم يلزم الخروج نصف زمن أوقات الصلة أو أكثر‪ ،‬فإن لزم‬
‫نصف زمن أوقات الصلة أو أكثر فل ينقض‪ ،‬ومني الرجل الخارج من فرج المرأة بعد أن اغتسلت (‬
‫‪. )1‬‬
‫ول ينقض الخارج غير المعتاد كالدم والقيح والحصى والدود‪ ،‬ول الخارج من‬
‫غير المعتاد كخروج ريح أو غائط من القبل‪ ،‬أو خروج بول من الدبر‪ ،‬ول المني بغير لذة معتادة‪:‬‬
‫بأن كان بغير لذة أصلً‪ ،‬أو لذة غير معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى‪ .‬أما ما خرج بلذة‬

‫معتادة من جماع أو لمس أو فكر فموجب للغسل‪.‬‬
‫ول ينقض البول أو الغائط أو الريح الخارج من ثقبة فوق المعدة‪ ،‬سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو‬
‫ل‪ ،‬وينقض الخارج من تحت المعدة إن انسد المخرجان‪ ،‬كما ينقض الوضوء إن انقطع الخروج من‬
‫المخرج‪ ،‬وصار يبول أو يتغوط من فمه مثلً‪.‬‬
‫والسباب‪ :‬ثلثة أنواع‪ :‬زوال العقل‪ ،‬ولمس البالغ بلذة من تشتهى‪ ،‬ومس البالغ ذكره المتصل به ببطن‬
‫كفه أو جنبه أو أصبع بل حائل ولو كان خفيفا‪ ،‬إل أن يكون خفيفا جدا كالعدم‪ .‬وزوال العقل يكون‬
‫بجنون أو إغماء أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه‪ .‬والقبلة بالفم تنقض ولو بغير لذة‪.‬‬
‫والردة والشك في الناقض بعد طُهر معلوم وعكسه‪ :‬أي الشك في الطهارة بعد تيقن الحدث أو ظنه‪،‬‬
‫كل منهما ناقض للوضوء‪ ،‬ليس بحدث ول سبب‪.‬‬
‫‪ - 3‬مذهب الشافعية‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحداث الثمانية‪ :‬اثنان من الدبر‪ :‬وهما الغائط والريح‪ ،‬وستة من القبل‪ :‬وهي البول والمذي‬
‫والودي والمني في بعض أحواله‪ ،‬والهادي‪ ،‬ودم الستحاضة ونحوه كالسلس إن خرج أقل من نصف‬
‫زمن الصلة‪.‬‬

‫( ‪)1/385‬‬
‫نواقض الوضوء أربعة‪:‬‬
‫الول ـ الخارج من أحد السبيلين إل المني أي مني الشخص نفسه‪ ،‬لنه أوجب الغسل‪.‬‬
‫الثاني ـ زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إل النوم قاعدا ممكّنا مقعده من مقره كالرض‪ ،‬وظهر‬
‫دابة سائرة‪ ،‬وإن كان مستندا إلى شيء بحيث لو زال‪ ،‬لسقط‪ .‬الثالث ـ التقاء بشرتي الرجل والمرأة‬
‫ولو ميتة‪ ،‬عمدا أو سهوا‪ .‬وينتقض اللمس والملموس‪ ،‬ول ينقض صغير أو صغيرة ل تشتهى‪ ،‬ول‬
‫ينقض شعر وسن وظفر‪ ،‬ومحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة‪ ،‬أي المحرّمات بصفة التأبيد‪ ،‬ل‬
‫المؤقتة كأخت الزوجة فإنها تنقض الوضوء‪.‬‬
‫الرابع ـ مس قبل الدمي‪ ،‬وحلقة دبره‪ ،‬بباطن الكف‪ .‬ول ينتقض الممسوس‪ .‬وينقض فرج الميت‬
‫جبّ كله ل الثقبة فقط‪ ،‬والذكر المقطوع‪ .‬ول ينقض فرج البهيمة‪ ،‬ول المس برأس‬
‫والصغير‪ ،‬ومحل ال َ‬
‫الصابع وما بينها‪.‬‬
‫‪ - 4‬مذهب الحنابلة‪:‬‬

‫نواقض الوضوء ثمانية أنواع‪:‬‬
‫أحدها ـ الخارج من السبيلين‪ ،‬إل ممن حدثه دائم‪ ،‬فل يبطل وضوءه‪ ،‬وينقضه ولو كان الخارج ريحا‬
‫من قُبُل أنثى أو من ذكر‪ ،‬أو قطنا أو ميلً أو دهنا أو حقنة أدخل فيهما‪ ،‬أو ظهر طرف مصران أو‬
‫رأس دودة‪ ،‬أو منيا لرجل أو امرأة استدخلته امرأة في فرجها ثم خرج‪.‬‬
‫الثاني ـ خروج النجاسات من بقية البدن‪ :‬فإن كانت النجاسة غائطا أو بولً‪ ،‬نقض ولو قليلً‪ ،‬من‬
‫تحت المعدة أو فوقها‪ ،‬انسد المخرجان أم بقيا مفتوحين‪ ،‬وإن كانت النجاسة غير الغائط والبول‪،‬‬
‫كالقيء والدم والقيح ودود الجراح لم ينقض إل كثيرها‪ :‬وهوما فحش في نفس كل أحد بحسبه‪.‬‬

‫( ‪)1/386‬‬
‫الثالث ـ زوال العقل بجنون ونحوه‪ ،‬أو تغطيته بإغماء أو سكر قليل أو كثير‪ ،‬أو بنوم إل النوم اليسير‬
‫عرفا من جالس وقائم‪.‬وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتب كمضطجع‪.‬‬
‫الرابع ـ مس ذكر أو قبُل أو دبُر آدمي من نفسه أو غيره‪ ،‬ولو من غير شهوة بيده‪ ،‬ببطن كفه أو‬
‫بظهره أو بحرفه‪ ،‬غير ظفر‪ ،‬من غير حائل‪ ،‬ولو بأصبع زائدة‪ ،‬ول ينتقض وضوء ملموس‪ ،‬ول‬
‫ينقض مس ذكر بائن (أي مقطوع) ول مس محله‪ ،‬ول قُلَفة (وهي الجلدة التي تقطع في الختان) بعد‬
‫قطعها‪ ،‬ول مس ذكر زائد؛ لنه ليس فرجا‪ ،‬ول ينقض مس امرأة شفريها‪ ،‬لن الفرج هو مخرج‬
‫الحدث‪ ،‬وهو ما بينهما دونهما‪.‬‬
‫الخامس ـ مس بشرة الرجل بشرة النثى بشهوة‪ ،‬من غير حائل‪.‬‬
‫ول ينقض مس طفلة وطفل من دون سَبْع إذا لم يكن بشهوة‪ ،‬وينتقض الوضوء باللمس بشهوة ولو‬
‫كان الملموس ميتا أو عجوزا‪ ،‬أو محرما‪ ،‬أو صغيرة تشتهى وهي بنت سبع فأكثر لقوله تعالى‪{ :‬أو ل‬
‫مستم النساء} [المائدة‪.]6/5:‬ول ينتقض وضوء الملموس‪ ،‬ولو وجد منه شهوة‪ ،‬ول ينتقض وضوء‬
‫بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر‪،‬ول ينقض لمس شعر وظفر وسن؛ لنه في حكم المنفصل‪ ،‬ول‬
‫ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته‪ ،‬ول مس أمرد ولو بشهوة‪ ،‬لعدم تناول الية له‪ ،‬ولنه ليس‬
‫محلً للشهوة شرعا‪ .‬ول ينقض مس خنثى مشكل من رجل أو امرأة ولو بشهوة‪ ،‬ول ينقض مس‬
‫الرجل الرجل‪ ،‬ول المرأة المرأة‪ ،‬ولو بشهوة فيهن‪.‬‬
‫السادس ـ غسل الميت أو بعضه‪ ،‬ولو في قميص‪ ،‬ول ينقض تيمم الميت لتعذر غسل‪ .‬وغاسل‬
‫الميت‪ :‬من يقلبه ويباشره ولو مرة‪ ،‬ل من يصب الماء ونحوه‪.‬‬

‫السابع ـ أكل لحم الجزور نيئا وغير نيء‪.‬‬
‫الثامن ـ موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المني وإسلم الكافر الصلي أو المرتد‪c .‬‬

‫( ‪)1/387‬‬
‫المطلب الثامن ـ وضوء المعذور‪:‬‬
‫ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة‪ ،‬فإن كان في حال‬
‫المرض كان معذورا‪.‬‬
‫والمعذور كما عرفه الحنفية‪ :‬من به سلس بول ليمكنه إمساكه‪ ،‬أو استطلق بطن‪ ،‬أو انفلت ريح أو‬
‫رعاف دائم أو نزف دم جرح‪ ،‬أو استحاضة (‪، )1‬وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من أذن وثدي وسرة‪،‬‬
‫من دم أو قيح أو صديد‪ ،‬أو ماء الجرح والنفطة‪ ،‬وماء البثرة‪ ،‬والثدي والعين والذن (‪. )2‬‬
‫وأحكام وضوء المعذور وصلته تحتاج لتفصيل بين المذاهب‪.‬‬
‫‪ - 1‬مذهب الحنفية (‪: )3‬‬
‫ضابط المعذور‪ :‬هو ـ في ابتداء المر ـ من يستوعب عذره تمام وقت صلة مفروضة‪ ،‬بأن ل يجد‬
‫في جميع وقتها زمنا يتوضأ‪ ،‬ويصلي فيه خاليا عن الحدث‪ ،‬كأن يستمر تقاطر بوله مثلً من ابتداء‬
‫الظهر إلى العصر‪ .‬فإن أصبح متصفا بهذه الصفة‪ ،‬كفى وجوده في جزء من الوقت ولو مرة‪ ،‬كأن‬
‫يرى الدم مرة فقط في وقت العصر‪ ،‬بعد استمراره في وقت الظهر‪ ،‬ول يصبح معافى إل إذا انقطع‬
‫عنه وقت صلة كامل‪ ،‬أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ المر‪ :‬هو استيعابه جميع الوقت‪.‬‬
‫وشرط دوامه‪ :‬وجوده في كل وقت بعد ذلك‪ ،‬ولو مرة واحدة‪ ،‬ليعلم بها بقاؤه‪ .‬وشرط انقطاعه وعدم‬
‫اتصافه بوصف المعذور‪ :‬خلو وقت صلة كامل عنه‪ ،‬كأن ينقطع طوال وقت العصر مثلً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هو دم علة يخرج من أدنى الرحم‪ ،‬بخلف الحيض فإنه يخرج من أقصى الرحم‪ ،‬وهو الدم الذي‬
‫يستمر في غير وقت العادة الشهرية‪ ،‬أي الناقص عن أقل الحيض‪ ،‬والزائد عن أكثره‪ ،‬أو عن أكثر‬
‫النفاس‪ ،‬أو ما تراه صغيرة دون تسع على المعتمد‪ ،‬وآيسة على ظاهر المذهب الحنفي‪ ،‬وما تراه حامل‬
‫ولو قبل خروج أكثر الولد (الدر المختار‪.)263-262/1:‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ 280/1 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار‪ ،283-281 ،139/1 :‬فتح القدير‪ ،128-124/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،25‬تبيين‬
‫الحقائق‪.64/1 :‬‬

‫( ‪)1/388‬‬
‫وحكمه‪ :‬أنه يتوضأ لوقت كل فرض‪ ،‬ل لكل فرض ونفل‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬المستحاضة‬
‫تتوضأ لوقت كل صلة» (‪ )1‬ويقاس عليها سائر ذوي العذار‪ .‬ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من‬
‫الفرائض والنوافل‪ ،‬ويبقى وضوءه ما دام باقيا بشرطين‪ :‬أن يتوضأ لعذره‪ ،‬ولم يطرأ عليه حدث آخر‬
‫كخروج ريح أو سيلن دم من موضع آخر‪.‬‬
‫ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلة المفروضة فقط‪ ،‬فإن توضأ بعد طلوع الشمس لصلة‬
‫العيد‪ ،‬ودخل وقت الظهر‪ ،‬فإن وضوءه ل ينتقض‪ ،‬لن دخول وقت الظهر ليس ناقضا‪ ،‬وكذا خروج‬
‫وقت العيد ليس ناقضا‪ ،‬لنه ليس وقت صلة مفروضة‪ ،‬بل هو وقت مهمل‪ ،‬وصلة العيد بمننرلة‬
‫صلة الضحى‪ ،‬وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل دخول الوقت (وقت‬
‫الظهر) ليتمكن من الداء عند دخول الوقت‪ ،‬وأنه يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت ل بدخوله (‪)2‬‬
‫‪ .‬فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلة أخرى عند أئمة الحنفية الثلثة‪،‬‬
‫وقال زفر‪ :‬استأنف إذا دخل الوقت‪.‬‬
‫أما إن توضأ قبل طلوع الشمس‪ ،‬فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت الفريضة‪ .‬وكذلك ينتقض وضوءه‬
‫إن توضأ بعد صلة الظهر ثم دخل وقت العصر‪ ،‬لخروج وقت الظهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه سبط ابن الجوزي عن أبي حنيفة رحمه ال تعالى‪،‬لكن قال عنه الزيلعي‪ :‬غريب جدا (نصب‬
‫الراية‪.)204/1 :‬‬
‫(‪ )2‬قال أبو حنيفة ومحمد‪ :‬يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت فقط‪ ،‬لن الوقت مخصص للداء‬
‫شرعا‪ ،‬فل بد من تقديم الطهارة عليه ليتمكن من الداء عند دخول الوقت‪ ،‬كما لبد من تقديم الطهارة‬
‫على الداء حقيقة‪ ،‬ولن دخول الوقت دليل ثبوت الحاجة إلى الطهارة‪ ،‬وخروجه دليل زوال الحاجة‪،‬‬
‫فينتقض الوضوء عند زوال الحاجة وهو خروج الوقت‪ ،‬ل عند دخول الوقت‪ .‬وقال أبو يوسف‪ :‬يبطل‬
‫الوضوء بكل واحد منهما أي عند دخول الوقت وعند خروجه‪،‬لن الحاجة إلى الطهارة مقصورة على‬
‫الوقت فل تعتبر قبله ول بعده‪ .‬وقال زفر بعكس الطرفين‪ :‬يبطل الوضوء بدخول الوقت فقط ل‬
‫بخروجه‪ ،‬لنه ل حاجة للطهارة قبل الوقت‪ ،‬فل تعتبر‪ .‬وتظهر فائدة الختلف في أمرين فقط‪ :‬فيمن‬
‫توضأ قبل الزوال‪ ،‬أو قبل طلوع الشمس‪ ،‬فل ينتقض الوضوء في الحالة الولى عند أبي حنيفة‬
‫ومحمد حتى يذهب وقت الظهر‪ .‬وينتقض في الحالة الثانية بخروج الوقت (طلوع الشمس)‪ .‬وعند أبي‬
‫يوسف‪ :‬ينتقض الوضوء في الحالتين‪ .‬وعند زفر‪ :‬ل ينتقض في الحالة الثانية لعدم دخول وقت صلة‬

‫الظهر‪ .‬وينتقض في الحالة الولى‪ .‬فأبو يوسف وزفر‪ :‬يوجبان الطهارة بدخول الوقت‪ ،‬لنه وقت‬
‫الحاجة‪ ،‬وهذا موافق لقول الشافعية والحنابلة التي بيانه‪ .‬واتفق أئمة الحنفية الربعة على أن طهارة‬
‫المستحاضة ونحوها تنتقض بخروج الوقت‪.‬‬

‫( ‪)1/389‬‬
‫حفَاظ للمستحاضة‪ ،‬والقعود في أثناء الصلة إن‬
‫وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع‪ ،‬كال ِ‬
‫كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلن‪ .‬ويستحب للرجل أن يحتشي إن رابه الشيطان‪ ،‬ويجب إن‬
‫كان ل ينقطع إل به‪.‬‬
‫ول يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد أنه لو غسله تنجس‬
‫بالسيلن قبل الفراغ من الصلة‪ .‬فإن لم يتنجس قبل فراغه من الصلة‪ ،‬وجب عليه غسله‪ ،‬وهو‬
‫المختار للفتوى‪.‬‬
‫‪ - 2‬مذهب المالكية (‪: )1‬‬
‫السلس‪ :‬هو ما يسيل بنفسه لنحراف الطبيعة بولً أو ريحا أو غائطا أو مذيا‪ ،‬ومنه دم الستحاضة‪.‬‬
‫وذلك إذا لم ينضبط‪ ،‬ولم يقدر على التداوي‪ .‬فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت‪،‬‬
‫وجب عليه تأخير الصلة لخره‪ ،‬وإن كان ينقطع أول الوقت وجب عليه تقديم الصلة‪ .‬وإن قدر على‬
‫التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك‪ ،‬واغتفر له زمن التداوي والتزوج‪.‬‬
‫فل يكون السلس من طول العزوبة‪ ،‬وإنما من اختلل المزاج‪ ،‬أو من برودة وعلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ 139/1 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ 116/1 :‬وما بعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.14‬‬

‫( ‪)1/390‬‬
‫ول ينتقض الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس الملزم‪ :‬وهو أن يلزمه‬
‫نصف زمن أوقات الصلة أو أكثر‪ ،‬أو كل الزمن‪ .‬لكن يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن‪.‬‬
‫وينتقض وضوء السلس‪ :‬إذا بال البول المعتاد‪ ،‬أو أمذى بلذة معتادة بأن حدث كلما نظر أو تفكر‪.‬‬
‫ويعرف ذلك‪ :‬بأن البول المعتاد يكثر ويمكن إمساكه‪ ،‬وأن المذي يكون بشهوة‪.‬‬
‫كما ينتقض وضوء السلس‪ :‬إن لزمه أقل الزمان‪.‬‬
‫وإذا لم ينتقض وضوء السلس‪ ،‬فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض غيره‪ ،‬لكن يستحب‬

‫للسلس والمستحاضة‪ :‬أن يتوضأ لكل صلة‪ ،‬ول يجب عليهما‪.‬‬
‫‪ - 3‬مذهب الحنابلة (‪: )1‬‬
‫ل ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مذي ونزف الدم وانفلت ريح‬
‫ونحوها كالمستحاضة‪ .‬وذلك إذا دام حدثه‪ ،‬ولم ينقطع زمنا من وقت الصلة بحيث يسعها مع‬
‫الطهارة‪ .‬فإن انقطع حدثه زمنا يسع الصلة والطهارة‪ ،‬وجب عليه أداء الصلة فيه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ 138/1،247 :‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪.342-340/1 :‬‬

‫( ‪)1/391‬‬
‫لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلة‪ ،‬بعد غسل محل الحدث‪ ،‬وشدّه‪،‬‬
‫والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه‪ ،‬ول يصح وضوءه إل بعد دخول وقت الصلة ؛ لقول النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش‪« :‬توضئي لكل صلة‪ ،‬حتى يجيء ذلك الوقت» (‪ )1‬وفي‬
‫لفظ‪« :‬توضئي لوقت كل صلة» (‪ )2‬ولنها طهارة عذر وضرورة‪ ،‬فتقيدت بالوقت كالتيمم‪ ،‬فإن‬
‫توضأ قبل دخول الوقت وخرج منه شيء بطلت طهارته‪.‬‬
‫ويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلتين بوضوء واحد؛ لن النبي صلّى ال عليه‬
‫حمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلتين بغسل واحد» (‪ )3‬وأمر به سهلة بنت سهيل‪،‬‬
‫وسلم «أمر َ‬
‫ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت‪ ،‬وكالمتيمم وأولى‪ .‬ولو زال العذر كأن انقطع دم المستحاضة وقتا‬
‫يسع الوضوء والصلة‪ ،‬بطلت الطهارة ويلزم استئنافها؛ لنه صار بهذا النقطاع في حكم من حدثه‬
‫غير دائم‪.‬‬
‫وكيفية إعداد المعذور للوضوء ‪ :‬هي أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه بقطن أو نحوه ليرد الدم‪.‬‬
‫ومن به سلس البول أو كثرة المذي‪ :‬يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما يمكنه‪.‬‬
‫وكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل‪ .‬فإن كان مما ل يمكن عصبه مثل من به جرح ل‬
‫يمكن شده‪ ،‬أو باسور‪ ،‬أو ناسور ليتمكن من عصبه‪ ،‬صلى على حسب حاله‪ ،‬كما روي عن عمر‬
‫رضي ال عنه «أنه حين طعن‪ ،‬صلى وجرحه ي ْثعَب دما» أي يتفجر‪.‬‬
‫وينوي المعذور استباحة الصلة‪ ،‬ول يكفيه نية رفع الحدث لنه دائم الحدث‪.‬‬
‫‪ - 4‬مذهب الشافعية (‪: )1‬‬
‫صاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح‪ ،‬والمستحاضة‪ ،‬يغسل الفرج ثم يحشوه إل إذا‬

‫كان صائما‪ ،‬أو تأذت المستحاضة به‪ ،‬فأحرقها الدم فل يلزم الحشو حينئذ‪ ،‬ثم يعصِب‪ .‬وكيفية العصب‬
‫للمستحاضة مثلً‪ :‬أن تشد فرجها بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين‪ ،‬تخرج أحدهما من أمامها‪،‬‬
‫والخر من خلفها‪ ،‬وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة‪.‬‬
‫ثم يتوضأ أو يتيمم عقب ذلك فورا‪ ،‬أي أنه تجب الموالة بين الفعال من عصب ووضوء‪ ،‬يفعل كل‬
‫ذلك فورا‪ ،‬أي أنه تجب الموالة بين الفعال من عصب ووضوء‪ ،‬يفعل كل ذلك بعد دخول وقت‬
‫الصلة‪ ،‬لنه طهارة ضرورة‪ ،‬فل تصح قبل الوقت كالتيمم‪.‬‬
‫ثم يبادر وجوبا إلى الصلة تقليلً للحدث‪ ،‬فلو أخر لمصلحة الصلة كستر العورة‪ ،‬وأذان وإقامة‪،‬‬
‫وانتظار جماعة‪ ،‬واجتهاد في قبلةوذهاب إلى مسجد‪ ،‬وتحصيل سترة‪ ،‬لم يضر‪ ،‬لنه ل يعد بذلك‬
‫مقصرا‪ ،‬وإل كأن أخر ل لمصلحة الصلة كأكل وشرب وغزل وحديث‪ ،‬فيضر التأخير على‬
‫الصحيح‪ ،‬فيبطل الوضوء‪ ،‬وتجب إعادته وإعادة الحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان الستغناء‬
‫عنه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه (نيل الوطار‪.)275/1 :‬‬
‫(‪ )2‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )3‬صححه الترمذي‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ 1/111 :‬وما بعدها‪ ،‬الحضرمية‪ :‬ص ‪.28‬‬

‫( ‪)1/392‬‬
‫وتجب الطهارة وتجديد العصابة في الصح‪ ،‬والوضوء لكل فرض ولو منذورا‪ ،‬كالمتيمم لبقاء الحدث‪،‬‬
‫ويصلي به ما شاء من النوافل فقط‪ ،‬وصلة الجنازة لها حكم النافلة‪،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫لفاطمة بنت أبي حبيش‪« :‬توضئي لكل صلة» ولو زال العذر وقتا يسع الوضوء والصلة‪ ،‬كانقطاع‬
‫الدم مثلً‪ ،‬وجب الوضوء‪ ،‬وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه‪.‬‬
‫وسلس المني‪ :‬يلزمه الغسل لكل فرض‪.‬‬
‫ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلة‪ ،‬وجب بل إعادة‪.‬‬
‫ول يجوز للسلس‪ :‬أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله‪.‬‬
‫وينوي المعذور استباحة الصلة‪ ،‬ل رفع الحدث لنه دائم الحدث‪ ،‬ل يرفعه وضوءه‪ ،‬وإنما يبيح له‬
‫العبادة‪ ،‬كما قال الحنابلة‪.‬‬

‫وبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور‪ ،‬إل أن الحنابلة ومثلهم‬
‫الحنفية قالوا ‪ :‬يجوز بالوضوء الواحد صلة أكثر من فرض في الوقت؛ لن الواجب عندهم الوضوء‬
‫لوقت كل صلة‪ .‬ولم يجز الشافعية الصلة به إل فرضا واحدا؛ لن الواجب عندهم تجديد الوضوء‬
‫لكل فرض‪.‬‬
‫واتفق الجمهور (غير المالكية) على وجوب تجديد وضوء المعذور‪ ،‬وقال المالكية باستحباب الوضوء‬
‫فقط‪ .‬والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬وفي غير صلة الظهر عند الحنفية‪،‬‬
‫أما صلة الظهر فيجوز تقديم الوضوء لها على دخول الوقت‪ ،‬لسبقها بوقت ُمهْمل‪.‬‬
‫المطلب التاسع ـ ما يحرم بالحدث الصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ‪:‬‬
‫يحرم بالحدث الصغر ثلثة أمور‪ :‬الصلة ونحوها‪ ،‬والطواف‪ ،‬ومس المصحف وتوابعه‪ ،‬على‬
‫تفصيل بين المذاهب (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬الصلة ونحوها‪ :‬يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلة فرضا أو‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 33/1 :‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،165-160/1 :‬الشرح الصغير‪ 149/1 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫المجموع‪ ،79-71/2:‬المهذب‪ ،25/1 :‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،16‬حاشية الباجوري‪ 121/1 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫المغني‪ ،147 ،142/1 :‬كشاف القناع‪.157-152/1 :‬‬

‫( ‪)1/393‬‬
‫نفلً‪ ،‬ونحوها‪ ،‬كسجود التلوة‪ ،‬وسجود الشكر‪ ،‬وخطبة الجمعة‪ ،‬وصلة الجنازة‪ .‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬ل يقبل ال صلة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (‪« )1‬ل صلة لمن ل وضوء له‪. )2( »...‬‬
‫‪ - 2‬الطواف بالبيت الحرام فرضا أو نفلً؛ لنه صلة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الطواف بالبيت‬
‫صلة‪ ،‬ولكن ال أحل فيه المنطق‪ ،‬فمن نطق فل ينطق إل بخير» (‪. )3‬‬
‫إل أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجبا ل شرطا في صحته‪ ،‬فيصح مع الكراهة التحريمية‬
‫الطواف محدثا؛ لن الطواف بالبيت شبيه بالصلة بنص الحديث السابق‪ ،‬ومعلوم أنه ليس بصلة‬
‫حقيقة‪ ،‬فلكونه طوافا حقيقة يحكم بالجواز‪ ،‬ولكونه شبيها بالصلة يحكم بالكراهة‪.‬‬
‫‪ - 3‬مس المصحف كله أو بعضه ولو آية‪ :‬والمحرم هو لمس الية ولو بغير أعضاء الطهارة لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬ل يمسه إل المطهرون} [الواقعة‪ ،]79/56:‬أي المتطهرون‪ ،‬وهو خبر بمعنى النهي‪ ،‬ولقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يمس القرآن إل طاهر» (‪ ، )4‬ولن تعظيم القرآن واجب‪ ،‬وليس من‬

‫التعظيم مس المصحف بيد حلّها الحدث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الوطار‪.)134/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم والبيهقي في السنن عن ابن عباس‪ ،‬وهو حديث‬
‫حسن‪ .‬ورواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس‪ ،‬وصححه ابن‬
‫السكن وابن خزيمة وابن حبان مرفوعا وموقوفا بلفظ‪« :‬إنما الطواف بالبيت صلة‪ ،‬فإذا طُفتم فأقلوا‬
‫الكلم» (نيل الوطار‪.)207/1 :‬‬
‫(‪ )4‬روي من حديث عمرو بن حزم عند الثرم وأبي داود والنسائي‪ ،‬وعن ابن عمر عند الدارقطني‬
‫والطبراني والبيهقي‪ ،‬وعن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني‪ ،‬وعن ثوبان إل أن الخير في غاية‬
‫الضعف عنه‪ ،‬والحاديث الخرى ضعيفة‪ ،‬ورواه مالك مرسلً عن عمرو ابن حزم (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ ،205/1‬نصب الراية‪.)196/1 :‬‬

‫( ‪)1/394‬‬
‫واتفق الفقهاء على أن غير المتوضئ يجوز له تلوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه‪ ،‬كما أجازوا‬
‫للصبي لمس القرآن للتعلم؛ لنه غير مكلف‪ ،‬والفضل التوضؤ‪.‬‬
‫وقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الصغر ولو بحائل أو عود‪ ،‬وأجاز الحنفية والحنابلة‬
‫مسّه بحائل أو عود طاهرين‪.‬‬
‫وهذه عبارات الفقهاء‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه‪ ،‬ولو آية على نقود (درهم‬
‫ونحوه) أو جدار‪ ،‬كما يحرم مس غلف المصحف المتصل به‪ ،‬لنه تبع له‪ ،‬فكان مسه مسا للقرآن‪،‬‬
‫ول يحرم مس الغلف المنفصل عن القرآن كالكيس والصندوق‪ ،‬ويجوز مسه بنحو عود أو قلم أو‬
‫غلف منفصل عنه‪ ،‬ويكره لمسه بالكم تحريما لتبعيته للبس‪ ،‬والحائل كالخريطة في الصحيح‪،‬‬
‫والمقصود بالخريطة‪ :‬هو الوعاء من جلد أو غيره تُشرَج على ما فيها‪.‬‬
‫ول يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه‪ ،‬ويجوز للصبي مس القرآن‬
‫أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ‪ .‬ول تحرم كتابة آية على ورقة‪ ،‬لن المحرم هو مس‬
‫المكتوب باليد‪ ،‬أما القلم فهو واسطة منفصلة‪ ،‬كالثوب المنفصل الذي يمس به القرآن؛ لن المفتى به‬

‫جواز مس المصحف بغلف منفصل أو بصُرة‪.‬‬
‫ول يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر‪ ،‬ويكره المس إن كان القرآن أكثر من التفسير أو‬
‫مساويا له‪.‬‬
‫ول مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير وضوء‪ ،‬والمستحب له أل يفعل‪.‬‬
‫كما ل مانع من لمس الكتب السماوية الخرى المبدلة‪ ،‬لكن يكره قراءة توراة وإنجيل وزبور؛ لن‬
‫الكل كلم ال‪ ،‬وما بدل منها غير معين‪.‬‬

‫( ‪)1/395‬‬
‫ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور‪ ،‬ويكره وضع المصحف تحت رأسه إل للحفظ‪.‬‬
‫ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم الشرع‪ .‬ويدفن المصحف كالمسلم إذا صار بحال ل‬
‫يقرأ فيه‪ ،‬ول بأس أن تدفن كتب الشرع‪ ،‬أوتلقى في ماء جارٍ‪ ،‬أو تحرق‪ ،‬والول أحسن‪ .‬ويجوز محو‬
‫بعض الكتابة ولو قرآنا بالريق‪ ،‬ويجوز حمل الحجب المشتملة على آيات قرآنية ودخول الخلء بها‬
‫ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلف منفصل عنها كالمشمع ونحوه‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يمنع المحدث حدثا أصغر من مس مصحف أو جزئه‪ ،‬أو كَتْبِه‪ ،‬أو حمله ولو بعلقة أو‬
‫ثوب أو وسادة‪ ،‬أو كرسي تحته‪ ،‬ولو كان المس بحائل أو عود‪ ،‬أو كان الحمل مع أمتعة أخرى غير‬
‫مقصودة بالحمل‪ .‬أما إن قصد حمل المتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ونحوه‪ ،‬فيجوز الحمل‪ ،‬أي‬
‫إن قصد المصحف فقط أو قصده مع المتعة حرم الحمل‪ ،‬وإن قصد المتعة بالحمل جاز‪.‬‬
‫ويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ‪ ،‬وإن كان حائضا أو نفساء‪ ،‬لعدم قدرتهما على إزالة المانع‪،‬‬
‫وليجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو التيمم‪.‬‬
‫كما يجوز للمسلم ل للكافر المس والحمل بحِرْز ساتر واقٍ‪ ،‬ولو لجنب أو حائض‪ ،‬ولو مصحفا كاملً‪.‬‬
‫ويباح مس التفسير وحمله والمطالعة فيه للمحدث ولو كان جنبا‪ ،‬لن المقصود من التفسيرمعاني‬
‫القرآن‪ ،‬ل تلوته‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه‪ ،‬وجلده‪ ،‬المتصل به (ل المنفصل عنه)‪،‬‬
‫ووعائه (خريطته) (‪ )1‬وعلقته‪ ،‬وصندوقه‪ ،‬وما كتب من اللواح لدارس قرآن‪ ،‬ولو بخرقة‪ ،‬أو‬
‫بحائل‪.‬ويحل حمل القرآن في أمتعة ل بقصده‪ ،‬وحمل التفسير الكثر منه‪ ،‬أما إذا كانا متساويين أو‬
‫كان القرآن أكثر فل يجوز‪ ،‬ويجوز حمل كتب العلم الخرى غير التفسير المشتملة على آيات قرآنية‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يعبر الفقهاء عادة عن كيس المصحف المعدّ له عرفا اللئق به بالخريطة‪.‬‬

‫( ‪)1/396‬‬
‫ويباح قلب ورقه بعود‪.‬ول يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة‪.‬‬
‫ويجوز حمل التمائم‪ ،‬وما على النقد‪ ،‬وما على الثياب المطرزة باليات القرآنية ككسوة الكعبة لنه لم‬
‫يقصد به القرآن‪.‬‬
‫ويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس‪.‬‬
‫ويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح؛ لن فيه إزراء وامتهانا له‪ .‬ويحرم تصغير المصحف‬
‫والسورة لما فيه من ايهام النقص‪ ،‬وإن قصد به التعظيم‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يحرم مس المصحف ولو آية منه‪ ،‬بشيء من جسده‪ ،‬ويجوز مسه بحائل أو عود‬
‫طاهرين‪ ،‬وحمله بعلقة أو وعاء‪ ،‬ولو كان المصحف مقصودا بالحمل‪ ،‬وكتابته ولو لذمي من غير‬
‫مس‪ ،‬وحمله بحرز ساتر طاهر‪.‬‬
‫ول يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو للحفظ أو التعلم‪ ،‬ما دام‬
‫الصبي محدثا‪،‬أي أن حرمة مس القرآن إل بطهارة تشمل عندهم الصبي‪.‬‬
‫ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن‪ ،‬بدليل «أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم كتب إلى قيصر كتابا فيه آية» (‪ . )1‬يجوز في أرجح الوجهين‪ :‬مس الدراهم المكتوب‬
‫عليها القرآن‪ ،‬والثوب المرقوم بالقرآن‪ ،‬لنها ل تسمى قرآنا‪ ،‬ولن في الحتراز منها مشقة‪ ،‬فأشبهت‬
‫ألواح الصبيان على أحد الوجهين‪.‬‬
‫وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء‪ ،‬تيمم وجاز مسه‪.‬‬
‫ويمنع الكافر (الذمي أو غيره) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع المسلم من تمليكه له‪،‬‬
‫ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم‪ ،‬ويحرم توسد المصحف والوزن به والتكاء عليه أو على كتب العلم‬
‫التي فيها القرآن‪ .‬فإن لم يكن فيها القرآن‪ ،‬كره توسدها والوزن بها والتكاء عليها‪ ،‬إل إن خاف عليها‬
‫سرقة‪ ،‬فل بأس أن يتوسدها للحاجة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه من حديث ابن عباس‪.‬‬

‫( ‪)1/397‬‬

‫ول يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب‪ ،‬لما روى ابن عمر قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬ل تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو‪ ،‬مخافة أن تناله أيديهم» (‪. )1‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه وقع الجماع ما عدا داود أنه ل يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمس المصحف‪ .‬وأما‬
‫المحدث حدثا أصغر فلم تدل الدلة قطعا على منعه من مس القرآن‪ ،‬لكن أكثر الفقهاء على أنه ل‬
‫يجوز له‪ .‬وأجاز ابن عباس والزيدية له مس المصحف (‪. )2‬والظاهر أن المراد من آية {ل يمسه إل‬
‫المطهرون} [الواقعة‪ ]79/56:‬هو اللوح المحفوظ‪ ،‬والمطهرون‪ :‬الملئكة‪ ،‬فإن لم يكن ظاهرا فهو‬
‫احتمال‪ ،‬كاحتمال أن المراد من كلمة ( طاهر ) في الحديث «ل يمس القرآن إل طاهر» ‪ :‬هو‬
‫المؤمن‪ ،‬والطاهر من الحدث الكبر والصغر‪ ،‬ومن ليس على بدنه نجاسة‪.‬‬
‫ويجوز للمحدث عند الجمهور غير المالكية كتابة المصحف أو بعض آيات منه‪ ،‬وإن لم يكن بقصد‬
‫التعليم والتعلم‪ ،‬بشرط أل يحمله الكاتب المحدث أو يمسه أثناء كتابته‪ ،‬وإل حرم‪.‬‬
‫وحرّم المالكية على المعتمد كتابةالقرآن أو بعض منه للمحدث كحمله ومسّه‪.‬‬
‫ويجوز عند الجمهور غير الحنابلة للصبيان كتابة القرآن ومسّه بقصد التعليم والتعلم للضرورة أو‬
‫الحاجة ودفعا للمشقة‪.‬‬
‫وأجاز المالكية للحائض والنفساء قراءة القرآن وحمله ومسّه أثناء التعليم والتعلم للضرورة‪ ،‬كما‬
‫أجازوا لهما القراءة في غير حال التعلم إذا كان يسيرا كآية الكرسي والخلص والمعوذتين وآيات‬
‫الرّقية للتداوي بقصد الستشفاء بالقرآن‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم بلفظ‪« :‬ل تسافروا بالقرآن‪ ،‬فإني ل آمن أن يناله العدو» ولعل هذا في بادئ المر‪،‬‬
‫واليوم يتداول العالم القرآن بسبب انتشار الطباعة‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع نيل الوطار‪.207-205/1 :‬‬

‫( ‪)1/398‬‬
‫المبحث الثاني ـ السواك‪:‬‬
‫تعريفه‪ ،‬حكمه‪ ،‬كيفيته‪ ،‬فوائده‪.‬‬
‫أولً ـ تعريف السواك‪:‬‬
‫السواك لغة‪ :‬الدلك وآلته‪ .‬وشرعا‪ :‬استعمال عود أو نحوه كأشنان وصابون‪ ،‬في السنان وما حولها‪،‬‬
‫ليذهب الصفرة وغيرها عنها‪.‬‬

‫ثانيا ـ حكمه‪:‬‬
‫السواك من سنن الفطرة (أي من السّنّة أو من الدين)‪ ،‬لنه سبب لتطهير الفم وموجب لرضا ال على‬
‫فاعله‪ ،‬قال عليه السلم‪« :‬السواك مَطْهرة للفم‪ ،‬مَرْضاة للرب» (‪ )1‬وهو يدل على مطلق شرعيته‬
‫دون تخصيص بوقت معين‪ ،‬ول بحالة مخصوصة‪ ،‬فهو مسنون في كل وقت‪ .‬وهو من السنن‬
‫المؤكدة‪ ،‬وليس بواجب في حال من الحوال‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لول أن أشق على أمتي‬
‫لمرتهم بالسواك عند كل صلة» وفي رواية لحمد‪« :‬لمرتهم بالسواك مع كل وضوء» (‪)2‬‬
‫وللبخاري تعليقا بصيغة الجزم ‪ -‬وتعليقاته هكذا صحيحة ‪« :-‬لمرتهم بالسواك عند كل وضوء» قال‬
‫بعض الفقهاء‪ :‬اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع ومواظبته عليه‪ ،‬وترغيبه وندبه إليه‪.‬‬
‫وحكمه عند الفقهاء‪ :‬أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة‪ ،‬ومن فضائل الوضوء قبل‬
‫المضمضة عند المالكية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لول أن أشق على أمتي لمرتهم بالسواك عند‬
‫كل وضوء» (‪ 3‬إلأنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء فيندب للصلة‪ .‬وهو لدى الشافعية‬
‫والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلة‪ ،‬لحديث أبي هريرة السابق برواية الجماعة‪« :‬لول أن أشق على‬
‫أمتي لمرتهم بالسواك عند كل صلة» وسنة أيضا عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة‬
‫ولتغير الفم أو السنان‪ ،‬بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل أو كلم كثير‪ ،‬لحديث حذيفة‪« :‬كان‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (‪ )4‬أي يدلكه بالسواك‪ ،‬وقيس‬
‫بالنوم غيره بجامع التغير‪.‬‬
‫وكما أنه يتأكد للصلة ولتغير الفم واصفرار السنان‪ ،‬يتأكد أيضا لقراءة قرآن‪ ،‬أو حديث شرعي‪،‬‬
‫ولعلم شرعي‪ ،‬ولذكر ال تعالى‪ ،‬ولنوم ويقظة‪ ،‬ولدخول منزله‪ ،‬وعند الحتضار (‪ ، )5‬وفي السحَر‪،‬‬
‫وللكل‪ ،‬وبعد الوتر‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه عن عائشة أحمد والنسائي‪ ،‬وهو للبخاري تعليق‪ ،‬وابن حبان موصولً (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)102/1‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة‪ ،‬ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد‪ ،‬قال ابن منده‪ :‬مجمع على صحته‪ .‬ورواه‬
‫مالك والشافعي مرفوعا (المرجع السابق‪.)104/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري تعليقا‪ ،‬والنسائي‪ ،‬وابن خزيمة في صحيحه‪ ،‬وصححه الحاكم عن أبي هريرة‪،‬‬
‫ورواه الطبراني في الوسط عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل الترمذي عن حذيفة‪ ،‬ولفظ الصحيحين‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا قام‬
‫من النوم يشوص فاه بالسواك» (نيل الوطار‪.)105/1 :‬‬

‫(‪ )5‬ويقال‪ :‬إنه يسهل خروج الروح‪ ،‬وورد «إن السواك شفاء من كل داء إل السام» أي الموت‬
‫(الشرح الصغير‪.)126/1 :‬‬

‫( ‪)1/399‬‬
‫وللصائم قبل الظهر (‪ . )1‬وأضاف الشافعية‪ :‬ويسن التخلل قبل السواك وبعده ومن آثار الطعام‪.‬‬
‫وأدلة ذلك‪ :‬ما روى الجماعة إل البخاري والترمذي عن عائشة‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا‬
‫دخل بيته بدأ بالسواك» وروى ابن ماجه عن أبي أمامة‪« :‬إني لستاك‪ ،‬حتى لقد خشيت أن أُحفي‬
‫مقادم فمي» (‪ )2‬وعن عائشة‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم ل يرقد من ليل أو نهار‪،‬‬
‫فيستيقظ‪ ،‬إل تسوك‪ ،‬قبل أن يتوضأ» (‪ ، )3‬ولن النوم والكل ونحوهما يغير رائحة الفم‪ ،‬والسواك‬
‫مشروع لزالة رائحته وتطييبه‪.‬‬
‫ويكره عند الشافعية والحنابلة السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت صلة الظهر إلى أن تغرب‬
‫الشمس‪ ،‬لخبر الصحيحين‪« :‬لخُلوف (‪ )4‬فم الصائم أطيب عند ال من ريح المسك» وأطيبية الخلوف‬
‫تدل على طلب إبقائه‪ ،‬فكرهت إزالته‪ ،‬وتزول الكراهة بالغروب؛ لنه ليس بصائم الن‪ ،‬واختصاصه‬
‫بما بعد الزوال لن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ‪.‬‬
‫ول يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقا لعموم الحاديث السابقة الدالة على استحباب‬
‫السواك‪ ،‬وقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من خير خصال الصائم السواك» (‪ )5‬وقال ربيعة بن‬
‫عامر‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم ما ل أحصي يتسوك‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 15/1 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ ،14/1 :‬الشرح الصغير‪ ،126-124/1 :‬المجموع‪-329/1 :‬‬
‫‪ ،342‬الشرح الكبير‪ 102/1 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 55/1 :‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ ،13/1 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،97-95/1‬كشاف القناع‪.81-78/1 :‬‬
‫(‪ )2‬أي خشيت أن ترق ثناياي‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬
‫(‪ )4‬الخلوف‪ :‬تغير رائحة الفم‪ ،‬والخلوف بعد الزوال لخبر‪« :‬أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند ال من ريح المسك» والمساء‪ :‬بعد‬
‫الزوال‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه ابن ماجه عن عائشة‪.‬‬

‫( ‪)1/400‬‬
‫وهو صائم» (‪ )1‬قال الشوكاني‪ :‬الحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره‪ ،‬وهو مذهب‬
‫جمهور الئمة‪.‬‬
‫ثالثا ـ كيفيته وأداته‪:‬‬
‫يستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئا بالجانب اليمن‪ ،‬عرضا في السنان (أي ظاهرا وباطنا) من ثناياه‬
‫إلى أضراسه‪ ،‬ويذهب إلى الوسط ثم اليسر‪ ،‬وطولً في اللسان‪ ،‬لحديث عائشة أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم «كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطُهوره‪ ،‬وفي شأنه كله» (‪ )2‬ولخبر «إذا استكتم‬
‫فاستاكوا عرضا» (‪، )3‬ويجزئ الستياك في السنان طولً‪ ،‬لكن مع الكراهة؛ لنه قد يدمي اللثة‪،‬‬
‫ويفسد لحم السنان‪.‬‬
‫أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولً‪ ،‬كما ذكره ابن دقيق العيد مستدلً بخبر في سنن أبي داود (‪. )4‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يبدأ من أضراس الجانب اليمن بيساره‪.‬ويحصل الستياك بعود ليّن من نخل أو غيره‪،‬‬
‫ينقي الفم‪ ،‬ول يجرحه ول يضره ول يتفتت فيه كالراك والفرشاة‪ ،‬والفضل أن يكون من أراك‪ ،‬ثم‬
‫من النخل‪ ،‬ثم ذو الريح الطيب ثم اليابس المندى بالماء‪ ،‬ثم العود‪ .‬وليكره بسواك الغير إذ ا أذن وإل‬
‫حرم‪ ،‬روى أبو داود عن عائشة قالت‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم يستنّ‪ ،‬وعنده رجلن‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والترمذي وقال‪ :‬هذا حديث حسن‪ ،‬ورواه أصحاب السنن وابن خزيمة وعلقه البخاري‬
‫(نيل الوطار‪.)107/1 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود في مراسيله‪.‬‬
‫(‪ )4‬عن أبي بردة عن أبيه‪ ،‬قال‪« :‬أتينا رسول ال صلّى ال عليه وسلم نستحمله‪ ،‬فرأيته يستاك على‬
‫لسانه» (سنن أبي داود‪ ،12/1 :‬اللمام لبن دقيق العبد‪ :‬ص ‪.)16‬‬

‫( ‪)1/401‬‬
‫أحدهما أكبر من الخر‪ ،‬فأُوحي إليه في فضل السواك (أن كبّر) أعط السواك أكبرهما» ‪.‬‬
‫ويحصل أيضا بالصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية‪ ،‬قال علي رضي ال عنه‪:‬‬
‫التشويص بالمُسبّحة والبهام سواك‪ ،‬وروى البيهقي وغيره من حديث أنس يرفعه‪« :‬يجزي من‬

‫السواك الصابع» (‪ )1‬وروى الطبراني عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬قلت ‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬الرجل‬
‫يذهب فوه‪ ،‬يستاك؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قلت‪ :‬كيف يصنع؟ قال‪ :‬يدخل أصبعه في فيه‪ ،‬فيدلكه» (‪. )2‬‬
‫ول يحصل السواك بالصبع في الصح عند الشافعية‪ ،‬والحنابلة‪ ،‬كما ليحصل بخرقة عند الحنابلة‪،‬‬
‫ويصح بكل خشن عند الشافعية؛ لن استعمال الصبع ل يسمى استياكا‪ ،‬ولم يرد الشرع به‪ ،‬ول‬
‫يتحقق به النقاء الحاصل بالعود‪.‬‬
‫ويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ما عليه‪ ،‬قالت عائشة‪« :‬كان نبي ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫يستاك‪ ،‬فيعطيني السواك لغسله‪ ،‬فأبدأ به فأستاك‪ ،‬ثم أغسله وأدفعه إليه» (‪. )3‬‬
‫ول يستاك بعود الرمان ول الس ول الريحان ول العواد الذكية الرائحة؛ لنها تضر بلحم الفم‪،‬‬
‫وليحصل النقاء بها‪ ،‬ولم يرد بها الشرع‪ ،‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكلم فيه المحدثون‪ ،‬ورواه أيضا ابن عدي والدارقطني (نيل الوطار‪ ،106/1:‬نصب الراية‪:‬‬
‫‪.)10/1‬‬
‫(‪ )2‬فيه راو ضعيف (مجمع الزوائد‪ )100/2:‬وروى أحمد عن علي أنه دعا بكوز من ماء‪ ،‬فغسل‬
‫وجهه وكفيه ثلثا‪ ،‬وتمضمض ثلثا‪ ،‬فأدخل بعض أصابعه في فيه‪ »..‬وفيه دللة على أنه يجزئ‬
‫التسوك بالصبع (نيل الوطار‪.)106/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود (سنن أبي داود (سنن أبي داود‪ .)13/1:‬ل تخللوا بعود الريحان‪ ،‬ول الرمان‪،‬‬
‫فإنهما يحركان عرق الجذام» (‪. )1‬‬

‫( ‪)1/402‬‬
‫ول يستاك أيضا بقصب الشعير ول بعود الحلفاء ونحوهما من كل ما يضر أو يجرح؛ ولنهما يورثان‬
‫الكلة أو البرص‪.‬‬
‫ول يتسوك ول يتخلل بما يجهله‪ ،‬لئل يتضرر منه‪.‬‬
‫ويقول إذا استاك‪ ( :‬اللهم طهر قلبي‪ ،‬ومحّص ذنوبي ) (‪. )2‬‬
‫وقال بعض الشافعية‪ :‬وينوي به التيان بالسنة‪.‬‬
‫ول يكره السواك في المسجد‪ ،‬لعدم الدليل الخاص بالكراهة‪.‬‬
‫ويكره أن يزيد طول السواك على شبر‪ ،‬في البيهقي عن جابر قال‪« :‬كان موضع سواك رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب» ‪.‬‬

‫رابعا ـ فوائد السواك‪:‬‬
‫ذكر العلماء من فوائد السواك‪ :‬أنه يطهر الفم‪ ،‬ويرضي الرب‪ ،‬ويبيض السنان‪ ،‬ويطيب النكهة‪،‬‬
‫ويسوّي الظهر‪ ،‬ويشد اللثة‪ ،‬ويبطئ الشيب‪ ،‬ويصفي الخلقة‪ ،‬ويذكي الفطنة‪ ،‬ويضاعف الجر‪ ،‬ويسهل‬
‫النزع‪ ،‬ويذكّر الشهادة عند الموت (‪ . )3‬ونحو ذلك‪ ،‬مما يصل إلى بضع وثلثين فضيلة‪ ،‬نظمها‬
‫الحافظ ابن حجر (‪. )4‬‬
‫ويوصي الطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر السنان‪ ،‬والقَلَح (الطبقة الصفراء على‬
‫السنان)‪ ،‬والتهابات اللثة والفم‪ ،‬ومنع الختلطات العصبية والعينية والتنفسية والهضمية‪ ،‬بل ومنع‬
‫ضعف الذاكرة وبلدة الذهن‪ ،‬وشراسة الخلق‪.‬‬
‫ما يلحق بالسواك من سنن العادات الحسنة (سنن الفطرة)‪:‬‬
‫ورد في السنة النبوية أحاديث تبين مجموعة حسنة من الداب أو السنن الدينية المرتبطة بنظافة أجزاء‬
‫النسان من أشعار وأظفار ونحوها‪ ،‬يحسن ذكرها كما وردت‪ ،‬ثم تشرح وتوضح على طريقة الفقهاء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه محمد بن الحسين الزدي الحافظ بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب‪.‬‬
‫(‪ )2‬استحب بعضهم أن يقول في أول السواك‪ :‬اللهم بيض به أسناني‪ ،‬وشدّ به لثاتي‪ ،‬وثبّت به لهاتي‪،‬‬
‫وبارك لي يا أرحم الراحمين‪ .‬قال النووي‪ :‬وهذا ل بأس به‪ ،‬وإن لم يكن له أصل‪ ،‬فإنه دعاء حسن‬
‫(مغني المحتاج‪.)56/1:‬‬
‫(‪ )3‬راجع مغني المحتاج‪.57/1:‬‬
‫(‪ )4‬انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير‪.125/1:‬‬

‫( ‪)1/403‬‬
‫ومن أهم هذه الحاديث اثنان‪ :‬الول ذكر فيه خمس خصال من الفطرة‪ ،‬والثاني ذكر فيه عشر‬
‫خصال‪:‬‬
‫سنن الفطرة الخمس‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬خمس من الفطرة‪:‬‬
‫الستحداد‪ ،‬والختان‪ ،‬وقص الشارب‪ ،‬ونتف البط‪ ،‬وتقليم الظفار» (‪. )1‬‬
‫والستحداد‪ :‬هو حلق العانة‪ ،‬وهو سنة بالتفاق‪ ،‬ويكون بالحلق‪ ،‬والقص‪ ،‬والنتف‪ ،‬والنورة (الكلس)‪.‬‬
‫قال النووي‪ :‬والفضل الحلق‪ .‬والمراد بالعانة‪ :‬الشعر النابت حول فرج الرجل‪ ،‬أو فرج المرأة‪.‬‬

‫والخِتَان‪ :‬قطع جميع الجلدة التي تغطي حشفة ذكر الرجل‪ ،‬حتي ينكشف جميع الحشفة‪ .‬وفي المرأة‬
‫قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج‪ .‬ويسمى ختان الرجل إعذارا‪ ،‬وختان المرأة‪ :‬خفضا‪،‬‬
‫فالخفض للنساء كالختان للرجال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة (نيل الوطار‪108/1:‬وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/404‬‬
‫ويستحب أن يكون في اليوم السابع من الولدة‪ ،‬والظهر أنه يحسب يوم الولدة‪ .‬وهو سنة للرجل‪،‬‬
‫مكرمة للمرأة عند الحنفية والمالكية‪ ،‬لحديث‪« :‬الختان سنة في الرجال‪ ،‬مكرمة في النساء» (‪. )1‬‬
‫وواجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والنثى‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم لرجل أسلم‪« :‬ألق عنك شعر‬
‫الكفر‪ ،‬واختتن» (‪ )2‬ولخبر أبي هريرة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من أسلم فليختتن» (‪)3‬‬
‫وفي حديث آخر لبي هريرة‪« :‬اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة‪ ،‬واختتن‬
‫بالقَدّوم» (‪ )4‬أي آلة النجارة‪ ،‬ولنه من شعار المسلمين‪ ،‬فكان واجبا كسائر شعاراتهم‪.‬‬
‫والدليل على أنه مكرمة ل واجب للنساء عند الحنابلة‪ :‬حديث‪« :‬الختان سنة للرجال‪ ،‬ومكرمة للنساء»‬
‫شمّي» ‪.‬‬
‫خ َفضْتِ فأ ِ‬
‫وحديث «أشمّي ول تنهكي» (‪ )5‬وفي حديث أم عطية‪« :‬إذا َ‬
‫وقص الشارب‪ :‬هو سنة بالتفاق‪ .‬والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه‪ ،‬أو يوليه غيره‪ ،‬لحصول‬
‫المقصود‪ ،‬بخلف البط والعانة‪.‬‬
‫والمراد به عند الشافعية والمالكية‪ :‬التقصير بأن يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة‪ ،‬وهو‬
‫حفُوا الشوارب وأرْخوا اللحى‪ ،‬خالفوا المجوس» (‪ )6‬أو «جزوا الشوارب» ‪.‬‬
‫معنى الحديث «ا ْ‬
‫ويراد به عند الحنفية‪ :‬الستئصال‪ ،‬لظاهر الحديث السابق‪« :‬احفوا وان َهكُوا» ‪.‬‬
‫ويخير عند الحنابلة بين القص والحفاء‪ ،‬والحف أولى نصا‪.‬‬
‫أما إرخاء أو إعفاء اللحية‪ :‬فهو تركها وعدم التعرض لها بتغيير‪ ،‬وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها‪،‬‬
‫ول يكره أخذ ما زاد على القبضة‪ ،‬ول أخذ ما تحت حلقه‪ ،‬لفعل ابن عمر (‪. )7‬‬
‫ويكره حلقها تحريما عند الحنفية‪ ،‬ويكره تنزيها عند الشافعية‪ ،‬فقد ذكر النووي في شرح مسلم عشر‬
‫خصال مكروهة في اللحية‪ ،‬منها حلقها‪ ،‬إل إذا نبت للمرأة لحية‪ ،‬فيستحب لها حلقها‪.‬‬
‫ونتف البط‪ :‬هو سنة بالتفاق أيضا‪.‬‬
‫وتقليم الظافر‪ :‬هو سنة بالتفاق أيضا‪.‬‬

‫ويستحب في كل ما سبق البدء بالجانب اليمن‪ ،‬لحديث التيامن المتقدم‪ ،‬وفيه‪« :‬كان يعجبه التيمن في‬
‫تنعله وترجله وطهوره‪ ،‬وفي شأنه كله» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة‪ ،‬وهو مدلس‪ ،‬وفيه اضطراب‪ ،‬وقال عنه‬
‫البيهقي‪ :‬هو ضعيف منقطع (نيل الوطار‪ )113/1:‬ورواه الخلل بإسناده عن شداد بن أوس‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود من حديث عثيم‪ ،‬وفيه مقال‪.‬‬
‫(‪ )3‬ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الجبير‪ ،‬ولم يضعفه‪ ،‬وتعقب بقول ابن المنذر ‪ :‬ليس في‬
‫الختان خبر يرجع إليه‪ ،‬ول سنة تتبع‪.‬‬
‫(‪ )4‬متفق عليه (نيل الوطار‪.)1/111 :‬‬
‫شمّي‬
‫(‪ )5‬روي عن جابر بن زيد موقوفا عليه أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال للخافضة‪ :‬الخاتنة «أ ِ‬
‫ول تَنْهكي» أي اقطعي بعض النواة ول تستأصِليها‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة‪ ،‬وفي معناه روى أحمد والشيخان عن ابن عمر‪« :‬خالفوا‬
‫المشركين‪ ،‬وفّروا اللّحى‪ ،‬وأحفوا الشوارب» وروى أحمد والنسائي والترمذي وقال‪ :‬حديث صحيح‬
‫عن زيد بن أرقم‪« :‬من لم يأخذ من شاربه فليس منا» ( نيل الوطار‪ 14/1 :‬وما بعدها)‪.‬‬
‫(‪ )7‬كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته‪ ،‬فما فضل أخذه (المرجع السابق)‪.‬‬

‫( ‪)1/405‬‬
‫خصال الفطرة العشر‪:‬‬
‫عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬قالت‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬عشر من الفطرة‪ :‬قص‬
‫الشارب‪ ،‬وإعفاء اللحية‪ ،‬والسّواك‪ ،‬واستنشاق الماء‪ ،‬وقص الظفار‪ ،‬وغسل البَرَاجم‪ ،‬ونتف البط‪،‬‬
‫وحلق العانة‪ ،‬وانتقاص الماء يعني الستنجاء‪ ،‬قال الراوي مصعب بن شيبة‪ :‬ونسيت العاشرة‪ ،‬إل أن‬
‫تكون المضمضة» (‪ )1‬وقال النووي عن العاشرة‪ :‬لعلها الختان‪ ،‬وهو أولى‪.‬‬
‫وقد سبق بيان هذه الخصال في الحديث السابق وفي سنن الوضوء‪ ،‬أما غسل البراجم‪ :‬فهو سنة‬
‫مستقلة ليست بواجبة‪ ،‬والبراجم‪ :‬عقد الصابع ومعاطفها كلها‪ .‬قال العلماء‪ :‬ويلحق بالبراجم‪ :‬ما يجتمع‬
‫من الوسخ في معاطف الذن‪ ،‬وقعر الصماخ‪ ،‬فيزيله بالمسح ونحوه‪.‬‬
‫وأما انتقاص الماء فهو الستنجاء‪ ،‬وفي رواية‪ :‬النتضاح‪ :‬وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء‬
‫لينفي عنه الوسواس‪.‬‬

‫آراء الفقهاء في خصال الفطرة‪:‬‬
‫بناء على ما ورد في الحديثين السابقين وغيرهما قال الفقهاء (‪: )2‬‬
‫‪ - ً 1‬الطيب والظفر والكحل‪ :‬يسن الدهان في بدن وشعر غِبّا‪ :‬يوما فيوما‪ ،‬والكتحال وترا في كل‬
‫عين قبل النوم‪ ،‬والوتر‪ :‬ثلثة في العين اليمنى‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي عن عائشة‪ ،‬ورواه أبو داود من حديث عمار‪ ،‬وصححه‬
‫ابن السكن قال الحافظ ابن حجر‪ :‬وهو معلول‪ .‬ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس موقوفا‬
‫(نيل الوطار‪.)110/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،94-85/1 :‬كشاف القناع‪ ،91-82/1 :‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،9‬الفتاوى الهندية‪-367/5 :‬‬
‫‪.370‬‬

‫( ‪)1/406‬‬
‫وثلثة في اليسرى‪،‬وتقليم الظافر بادئا ـ كما يرى الشافعية ـ بسبابة يده اليمنى إلى الخنصر‪ ،‬ثم‬
‫البهام‪ ،‬ثم خنصر اليسرى إلى البهام‪ .‬ويستحب سل رؤوس الصابع بعد قص الظافر تكميلً‬
‫للنظافة‪ ،‬وينبغي دفن الشعر والظافر وإن رمى به فل بأس‪ .‬وقطع الظفر بالسنان مكروه يورث‬
‫البرص‪.‬‬
‫والدليل لما سبق بالترتيب‪ :‬أنه عليه السلم «نهى عن الترجل إل غِبّا» (‪ . )1‬وروى ابن عباس عن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أنه «كان يكتحل بال ْثمِد (حجر للكحل معروف)‪ ،‬كل ليلة‪ ،‬قبل أن ينام‪،‬‬
‫وكان يكتحل في كل عين ثلثة أميال» (‪. )2‬‬
‫وتقليم الظفار من سنن الفطرة‪ ،‬في الحديثين السابقين‪ .‬والمرأة تتطيب في بيتها‪ ،‬وتمنع من الطيب في‬
‫غير بيتها لنه يؤدي إلى الفتنة والفساد‪ .‬قال الحنفية‪ :‬قلم الظفار سنة إل في دار الحرب فإن تركها‬
‫مندوب إليه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬النتعال وإطالة الثياب‪ :‬يكره بل عذر المشي في نعل واحد للنهي الصحيح عنه‪ ،‬ولئل يختل‬
‫توازنه ومشيه‪ ،‬كما يكره النتعال قائما للنهي الصحيح عنه‪ ،‬ولنه يخشى منه السقوط‪.‬‬
‫ويكره إطالة العَذَبة (طرف العمامة) والثوب والزار عن الكعبين‪ ،‬ل للخيلء‪ ،‬وإل حرم‪ .‬ول يكره‬
‫إرسال العَذَبة ول عدمه‪ ،‬كما ل يكره للمرأة إرسال ثوبها على الرض ذراعا‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه الخمسة إل ابن ماجه‪ ،‬وصححه الترمذي عن عبد ال بن المغفّل (نيل الوطار‪،)123/1 :‬‬
‫والترجل‪ :‬تسريح الشعر ودهنه‪ ،‬وروى أحمد عن أبي أيوب مرفوعا‪« :‬أربع من سنن المرسلين‪:‬‬
‫الحِنّاء‪ ،‬والتعطر‪ ،‬والسواك‪ ،‬والنكاح» وعن أنس‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬حبب إلي‬
‫من الدنيا‪ :‬النساء‪ ،‬والطيب‪ ،‬وجعلت قرة عيني في الصلة» رواه النسائي وأحمد وابن أبي شيبة‪،‬‬
‫والمرسل أشبه بالصواب (نيل الوطار‪.)127/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والترمذي وابن ماجه‪.‬‬

‫( ‪)1/407‬‬
‫‪ - ً 3‬الختان‪ :‬سنة عند الحنفية والمالكية‪ :‬واجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والنثى‪ ،‬كما بينا في‬
‫شرح الحديث السابق‪ .‬ويجب للذكر والنثى في رأي الحنابلة عند البلوغ ما لم يخف على نفسه‪ ،‬لقول‬
‫ابن عباس‪« :‬وكانوا ل يختنون الرجل حتى يدرك» (‪. )1‬‬
‫والختان في الصغر أفضل منه عند التمييز‪ ،‬لنه أسرع برءا‪.‬‬
‫ويكره الختان قبل اليوم السابع من الولدة‪.‬‬
‫ويجوز أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه‪ ،‬لنه قد روي أن إبراهيم عليه السلم ختن نفسه‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الشعر‪ :‬يسن المتشاط غِبّا كالدهان‪ ،‬ويفعله كل يوم لحاجة لخبر أبي قتادة عند النسائي‪.‬‬
‫واللحية كالرأس في ذلك‪.‬‬
‫ويسن قص الشارب وإعفاء اللحية ونتف البط‪ ،‬لنها من خصال الفطرة في الحديث السابق‪ .‬ويكون‬
‫ذلك مع تقليم الظفار وحلق العانة يوم الجمعة‪ ،‬وقيل‪ :‬يوم الخميس‪ ،‬وقيل‪ :‬يخير‪ .‬ويدفن الشعر‬
‫والظفر والدم‪ ،‬لما ثبت عن النبي صلّى ال عليه وسلم (‪. )2‬‬
‫ويفعل ما ذكر كل أسبوع‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )2‬روى الخلل بإسناده عن مثلة بنت مشرح الشعرية‪ ،‬قالت‪ « :‬رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬رأيت النبي صلّى ال عليه وسلم يفعل ذلك» وعن ابن جريح عن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫يقول‪« :‬كان يعجبه دفن الدم» وكان ابن عمر يدفن شعره وأظفاره (كشاف القناع‪ 84/1 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫المغني‪ )88/1 :‬وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي في حديث ضعيف‪« :‬قص الظفر ونتف‬
‫البط وحلق العانة يوم الخميس‪ ،‬والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة» ‪.‬‬

‫( ‪)1/408‬‬
‫جمعة» (‪ )1‬فالفضل أن يقلم أظفاره ويحفي شاربه ويحلق عانته وينظف بدنه بالغتسال في كل‬
‫أسبوع مرة‪.‬‬
‫ويكره ترك التقليم‪ ،‬والحلق لشعر الرأس والعانة‪ ،‬والنتف فوق أربعين يوما‪ ،‬ويستحب حلق الرأس في‬
‫كل جمعة‪ ،‬ويكره القزَع وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعا مقدار ثلثة أصابع‪ ،‬وعن أبي‬
‫حنيفة‪ :‬يكره أن يحلق قفاه إل عند الحجامة‪ .‬وحلق الشعر وقص الظفار حال الجنابة مكروه‪.‬‬
‫وكان هديه صلّى ال عليه وسلم في حلق رأسه‪ :‬تركه كله أو حلقه كله‪ ،‬ولم يكن يحلق بعضه ويدع‬
‫بعضه‪ .‬ويسن أن يغسله ويسرحه متيامنا لحديث «من كان له شعر فليكرمه» (‪ )2‬قال ابن عبد البر‪:‬‬
‫أجمع العلماء في جميع المصار على إباحة الحلق‪ ،‬أي حلق الذكر رأسه ولو لغير نسك وحاجة‪.‬‬
‫ويكره نتف الشيب‪ ،‬لحديث «نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن نتف الشيب‪ ،‬وقال‪ :‬إنه نور‬
‫السلم» (‪ . )3‬ويكره أيضا نتف اللحية إيثارا للمردودة‪،‬ويكره القَزَع‪ :‬وهو حلق بعض الرأس ‪ -‬كما‬
‫تقدم ‪ -‬للنهي عنه‪ ،‬ويكره حلق القفا منفردا عن الرأس إذا لم يحتج إليه لحجامة أو غيرها ‪ -‬كما تقدم‬
‫‪ ،‬لنه من فعل المجوس‪ .‬ويخضب الشيب بحمرة أو صفرة‪ ،‬اتباعا للسنة (‪ ، )4‬ويكره أو يحرم‬‫بسواد إل في حالة الحرب لرهاب الكفار‪.‬‬
‫وللمرأة المزوجة أن تخضب يديها ورجليها بالحنّاء إن أحب ذلك زوجها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البغوي بسنده عن عبد ال بن عمرو بن العاص (كشاف القناع‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪ ،‬وإسناده حسن (نيل الوطار‪.)123/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الخلل من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬وروى أيضا من حديث طارق بن‬
‫حبيب‪« :‬من شابه شيبة في السلم‪ ،‬كانت له نورا يوم القيامة» (المغني‪.)91/1 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وغيره (المغني‪ 91/1 :‬وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/409‬‬
‫ويكره للمرأة حلق رأسها وقصه تماما من غير عذر‪ ،‬قال عكرمة‪« :‬نهى النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫أن تحلق المرأة رأسها» (‪ ، )1‬فإن كان َثمّ عذر كقروح لم يكره‪ .‬ويحرم حلقها رأسها لمصيبة كلطم‬
‫خد وشق ثوب ويجوز للمرأة قص شعرها لما دون الذن‪ ،‬حتى لتتشبه بالرجال‪ ،‬ولها التجمل لزوجها‬

‫أو للنساء بمختلف أنواع التسريحات‪ ،‬مالم تقصد التشبه بالكافرة أو الساقطة‪.‬‬
‫خلُقي‪ ،‬وحرّمْ‬
‫‪ - ً 5‬التزين‪ :‬ل بأس بالنظر في المرآة‪ ،‬ويقول حينئذ‪ ( :‬اللهم كما حسّنت خَلْقي‪ ،‬فحسّن ُ‬
‫وجهي على النار ) (‪. )2‬‬
‫ويكره ثقب أذن صبي‪ ،‬ل بنت نصا‪ ،‬لحاجتها للتزين بخلفه‪.‬‬
‫ويحرم نمص (وهو نتف الشعر من الوجه)‪ ،‬ووَشْر (أي برد السنان لتحدد وتفلج وتحسن)‪ ،‬ووشْم‬
‫(وهو غرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم ثم حشوه كحلً أو نيلة ليخضر أو يزرق بسبب الدم الحاصل‬
‫بغرز البرة)‪ ،‬ووصل شعر بشعر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لعن ال الواشمات والمستوشمات‪،‬‬
‫والنامصات والمتنمصات‪ ،‬والمتفلجات للحسن‪ ،‬المغيرات خلق ال» (‪ )3‬أي الفاعلة‪ ،‬والمفعول بها ذلك‬
‫بأمرها‪ ،‬واللعنة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخلل بإسناده عن قتادة عن عكرمة‪.‬‬
‫(‪ )2‬لخبر أبي هريرة‪ ،‬رواه أبو بكر بن مردويه‪ ،‬والخلق الول‪ :‬الصورة الظاهرة‪ ،‬والثاني‪ :‬الصورة‬
‫الباطنة‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة عن ابن مسعود‪ ،‬ورواه الجماعة أيضا عن ابن عمر‪« :‬لعن ال الواصلة‬
‫والمستوصلة‪،‬والواشمة والمستوشمة» وهم صحيحان (نيل الوطار‪ )190/6 :‬والواصلة‪ :‬هي التي‬
‫تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى‪ ،‬لتكثر به شعر المرأة‪ .‬والمستوصلة‪ :‬هي التي تطلب أن يفعل‬
‫بها ذلك‪ ،‬ويقال لها‪ :‬موصولة‪ .‬والوشم حرام على الفاعل والمفعول به‪ .‬والمتنمصات‪ :‬جمع متنمصة‪:‬‬
‫وهي التي تطلب نتف الشعر من وجهها‪ ،‬والنامصة‪ :‬المزيلة شعرها من نفسها أو من غيرها‪،‬‬
‫والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تبرد ما بين أسنانها والثنايا والرباعيات‪ .‬قال الطبري‪ :‬ل يجوز‬
‫للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها ال عليها بزيادة أو نقص‪ ،‬التماس حسن‪ ،‬ل للزوج ول‬
‫لغيره‪. ،‬كمن تكون مقرونة الحاجبين‪ ،‬فتزيل ما بينهما توهم البلج وعكسه (تحفة الحوذي بشرح‬
‫الترمذي‪.)67/1 :‬‬

‫( ‪)1/410‬‬
‫على الشيء تدل على تحريمه؛ لن فاعل المباح ل تجوز لعنته‪ .‬وعلى هذا فل يجوز وصل شعر‬
‫المرأة بشعر آخر لهذا الحديث‪ ،‬وأما وصله بغير الشعر‪ :‬فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فل بأس به‪،‬‬
‫لن الحاجة داعية إليه‪ ،‬ول يمكن التحرز منه‪ ،‬كذلك ل يحرم في الصح ما يزيد عن الحاجة إن كان‬

‫فيه مصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة‪ .‬وقال مالك‪ :‬الوصل ممنوع بكل شيء‪ ،‬سواء‬
‫وصلته بشعر أو صوف أو خرق‪ ،‬لحديث جابر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم زجر أن تصل المرأة‬
‫برأسها شيئا» (‪. )1‬‬
‫وقد فصل الشافعية والحنابلة في موضوع وصل الشعر‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن وصلت المرأة شعرها بشعر آدمي‪،‬‬
‫فهو حرام بل خلف‪ ،‬سواء أكان شعر رجل أم امرأة‪ ،‬وسواء أكان شعر قريب محرم أم زوج أم‬
‫غيرهما لعموم الدلة‪ ،‬ولنه يحرم النتفاع بشعر الدمي وسائر أجزائه لكرامته‪ ،‬بل يدفن شعره‬
‫وظفره وسائر أجزائه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.191/6 :‬‬

‫( ‪)1/411‬‬
‫وإن وصلته بشعر غير آدمي‪ :‬فإن كان شعرا نجسا‪ ،‬وهو عندهم‪ :‬شعر الميتة وشعر ما ل يؤكل لحمه‬
‫إذا انفصل في حياته‪ ،‬فهو حرام أيضا للحديث‪ ،‬ولنه حمل نجاسة في صلتها وغيرها عمدا‪ .‬وهاتان‬
‫الحالتان يستوي فيهما المرأة المزوجة وغيرها من النساء‪ ،‬والرجال‪ .‬لكن الوجه عند الشافعية أنه‬
‫يجوز التنميص بإذن الزوج؛ لن له غرضا في تزيينها له‪ ،‬وقد أذن لها فيه (‪. )1‬‬
‫وأما الشعر الطاهر من غير الدمي‪ :‬فإن لم يكن لها زوج فالوصل حرام أيضا‪ ،‬وإن كان لها زوج‬
‫يجوز لها في الصح بإذن الزوج‪ ،‬وإلفهو حرام‪.‬‬
‫وأما نتف الشعر (ال ّنمْص) فهو حرام مطلقا‪ ،‬إل إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب‪ ،‬فل يحرم إزالتها‪ ،‬بل‬
‫يستحب‪ ،‬كما قال النووي وغيره‪.‬‬
‫والتحريم المذكور في الحديث إذا كان لقصد التحسين‪ ،‬ل لداء وعلة‪ ،‬فإنه ليس بمحرم‪ .‬والمحرم فقط‬
‫هو نتف الشعر من الوجه‪ ،‬وللمرأة حلق الوجه وحفه نصا‪ ،‬ولها تحسين شعرها وتحميره ونحوه من‬
‫كل ما فيه تزيين للزوج‪ ،‬ولها التحذيف‪ ،‬أي إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة‪ ،‬ويكره ذلك‪ ،‬كما‬
‫يكره حف الوجه للرجل‪.‬‬
‫وينبني على ذلك أنه يحرم قلع سن أو إصبع زائدة أو عضو زائد؛ لنه من تغيير خلق ال‪ ،‬قال‬
‫القاضي عياض‪ :‬إل أن تكون هذه الزوائد مؤلمة ويتضرر بها‪ ،‬فل بأس بنزعها‪ ،‬واستثنى الطبري ما‬
‫يحصل به الضرر والذية‪ ،‬كالسن الزائدة أو الطويلة التي تعوق في الكل أو الصبع الزائدة التي‬
‫تؤذي أو تؤلم‪ ،‬سواء للمرأة أو للرجل (‪. )2‬‬

‫ويكره كسب الماشطة ككسب الحمامي‪ ،‬ويحرم على النساء التشبه بالمردان‪ ،‬كما يحرم على المردان‬
‫التشبه بالنساء‪.‬‬
‫ويكره كما تقدم نتف الشيب من المحل الذي ل يطلب منه إزالة شعره‪،‬لخبر الترمذي وحسنه‪ « :‬ل‬
‫تنتفوا الشيب‪ ،‬فإنه نور المسلم يوم القيامة » ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪191/1 :‬والظاهر أن هذا إذا أعقبه ستر الوجه عن الجانب‪.‬‬
‫(‪ )2‬تحفة الحوذي بشرح جامع الترمذي‪.68/1 :‬‬

‫( ‪)1/412‬‬
‫‪ - ً 6‬تغطية الناء‪ :‬يسن تخمير الناء أي تغطيته‪ ،‬ولو بعود‪ ،‬لحديث‪« :‬أوك سِقاك‪ ،‬واذكر اسم ال‪،‬‬
‫وخمّر إناءك‪ ،‬واذكر اسم ال‪،‬ولو أن تعرض عليه عودا» (‪ )1‬وحكمة وضع العود ‪ :‬أن يعتاد تخميره‬
‫ول ينساه‪ ،‬وربما كان سببا لرد دبيب بحباله‪ ،‬أو بمروره عليه‪ .‬ويسن مع ذكر اسم ال إيكاء السقاء‬
‫(ربط فم وعاء الماء) إذا أمسى‪ ،‬للخبر السابق‪.‬‬
‫‪ - ً 7‬النوم‪ :‬يسن إغلق الباب وإطفاء المصباح عند الرقاد‪ ،‬وإطفاء الجمر عند الرقاد مع ذكر اسم‬
‫ال‪ ،‬للحديث السابق‪ .‬وينفض الفراش عند إرادة النوم‪ ،‬ويسن وضع يده اليمنى تحت خده‬
‫اليمن‪،‬ويجعل وجهه نحو القبلة على جنبه اليمن‪ ،‬ويتوب إلى ال تعالى‪ ،‬ويقول ما ورد‪ ( :‬باسمك‬
‫ربي وضعت جنبي‪ ،‬وبك أرفعه‪ ،‬إن أمسكت نفسي فاغفر لي‪ ،‬وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به‬
‫عبادك الصالحين )‪.‬‬
‫ويستحب قراءة سورة السجدة (آلم)‪ ،‬وسورة الملك (تبارك)‪ ،‬وروى المام أحمد والترمذي والخل ل‬
‫عن جابر أنه صلّى ال عليه وسلم كان يفعل ذلك أي الدعاء والقراءة‪ .‬ويستحب أيضا قراءة آخر‬
‫سورة البقرة‪ { :‬آمن الرسول } [البقرة‪ ]285/2:‬وآية الكرسي والمعوذتين وسورة الخلص‪ ،‬وإذا‬
‫استيقظ من النوم نظر في السماء وقرأ آخر آل عمران‪{ :‬إن في خلق السموات والرض} [آل عمران‪:‬‬
‫‪.]190/3‬‬
‫ويكره النوم على سطح ليس عليه حاجز‪ ،‬لنهيه عليه السلم (‪ ، )2‬وخشية أن يتدحرج‪ ،‬فيسقط عنه‪.‬‬
‫ويكره نومه على بطنه وعلى قفاه (‪ ، )3‬إن خاف انكشاف عورته‪.‬‬
‫ويكره النوم بعد العصر لحديث‪« :‬من نام بعد العصر‪ ،‬فاختل عقله‪ ،‬فل يلومن إل نفسه» (‪ ، )4‬والنوم‬
‫بعد الفجر‪ ،‬لنه وقت قسْم الرزاق‪ ،‬كما ثبت في السنة‪ ،‬والنوم تحت السماء متجردا من ثيابه مع ستر‬

‫العورة فقط‪ ،‬والنوم بين قوم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي من حديث جابر‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال بعضهم في الداب الكبرى‪ :‬النوم على القفا رديء يضر الكثار منه بالبصر‪ ،‬وبالمني‪ ،‬وإن‬
‫استلقى للراحة بل نوم لم يضر‪ .‬وأردأ من ذلك النوم منبطحا على وجهه‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو يعلى الموصلي عن عائشة‪ ،‬لكنه حديث ضعيف‪.‬‬

‫( ‪)1/413‬‬
‫مستيقظين؛ لنه خلف المروءة‪ ،‬والنوم وحده لحديث «نهى عن الوحدة‪ ،‬وأن يبيت الرجل وحده» (‪)1‬‬
‫‪،‬كما يكره السفر وحده‪ ،‬لخبر «الواحد شيطان» (‪. )2‬‬
‫والنوم والجلوس بين الظل والشمس‪ ،‬لنهيه عليه السلم عنه (‪، )3‬وفي الخبر‪ :‬أنه مجلس الشيطان‪.‬‬
‫ويكره ركوب البحر عند هيجانه؛ لنه مخاطرة‪.‬‬
‫وتستحب القائلة (‪ )4‬أو القيلولة‪ :‬أي الستراحةوسط النهار‪ ،‬وإن لم يكن مع ذلك نوم‪ ،‬شتاء أو صيفا‪.‬‬
‫ويقرأ عند الميت ( يس) لحديث عند أبي داود وغيره‪ ،‬ويقرأ عند المريض الفاتحة والخلص‬
‫والمعوذتين مع النفخ في اليدين ويمسحه بهما‪ ،‬كما ثبت في الصحيحين‪ ،‬ويقرأ الكهف يوم الجمعة‬
‫وليلتها‪.‬‬
‫وسيأتي في بحث الحظر والباحة مزيد بيان لحوال النسان وعاداته في اللبس واستعمال الواني‬
‫والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعا‪ ،‬وهو حديث حسن‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الحاكم عن أبي هريرة‪ « :‬الواحد شيطان‪ ،‬والثنان شيطانان‪ ،‬والثلثة ركب» وهو صحيح‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد‪.‬‬
‫(‪ )4‬القائلة لغة‪ :‬النوم في الظهيرة‪.‬‬

‫( ‪)1/414‬‬

‫المبحث الثالث ـ المسح على الخفين‬
‫معناه ومشروعيته‪ ،‬كيفيته ومحله‪ ،‬وشروطه‪ ،‬مدته‪ ،‬مبطلته‪ ،‬المسح على العمامة‪ ،‬المسح على‬
‫الجوارب‪ ،‬المسح على الجبائر‪.‬‬
‫ل ـ معنى المسح على الخفين ومشروعيته‪:‬‬
‫أو ً‬
‫المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين في الوضوء‪ ،‬ومعناه لغة‪ :‬إمرار اليد على الشيء‪ .‬وشرعا‪:‬‬
‫إصابة اليد المبتلة بالماء (البِلّة) لخف مخصوص في موضع مخصوص‪ ،‬وفي زمن مخصوص‪،‬‬
‫والخف شرعا‪ :‬الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه‪ .‬والموضع المخصوص‪ :‬ظاهر الخفين ل‬
‫باطنهما‪ ،‬والزمن المخصوص‪ :‬هو يوم وليلة للمقيم‪ ،‬وثلثة أيام بلياليها للمسافر (‪ . )1‬ولم يحدد‬
‫المالكية مدة للمسح كما سيأتي بيانه‪ ،‬كما أن المامية حال تجويزه للضرورة لم يقدروا مدة المسح بيوم‬
‫ول ثلثة أيام‪.‬‬
‫وصفة المسح‪ :‬أنه شرع رخصة‪ ،‬وهو جائز في المذاهب الربعة في السفر والحضر‪ ،‬للرجال والنساء‬
‫(‪ ، )2‬تيسيرا على المسلمين‪ ،‬وبخاصة في وقت الشتاء والبرد‪ ،‬وفي السفر‪ ،‬ولصحاب العمال‬
‫الدائمة كالجنود والشرطة والطلب المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم‪.‬‬
‫وقد ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الحاديث منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬حديث علي رضي ال عنه قال‪« :‬لو كان الدين بالرأي‪ ،‬لكان أسفل الخف أولى بالمسح من‬
‫أعله‪ ،‬لقد رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» وقال علي أيضا‪« :‬جعل‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ثلثة أيام ولياليهن للمسافر‪ ،‬ويوما وليلة للمقيم»(‪. )3‬‬
‫‪ - 2‬حديث المغيرة بن شعبة‪ ،‬قال‪ :‬كنت مع النبي صلّى ال عليه وسلم (‪ ، )4‬فتوضأ‪ ،‬فأهويت‬
‫لنزع خفيه‪ ،‬فقال‪ :‬دعهما‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 240/1 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،17/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،8338‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.21‬‬
‫(‪ )3‬الحديث الول‪ :‬أخرجه أبو داود والدارقطني بإسناد حسن‪ ،‬وقال ابن حجر‪ :‬إنه حديث صحيح‪.‬‬
‫والثاني أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه (سبل السلم‪ ،60-58/1 :‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)184/1‬‬
‫(‪ )4‬أي في سفر‪ ،‬كما صرح به البخاري‪ ،‬وعند مالك وأبي داود‪ :‬السفر في غزوة تبوك‪.‬‬

‫( ‪)1/415‬‬

‫فإني أدخلتهما طاهرتين‪ ،‬فمسح عليهما» (‪. )1‬‬
‫‪ - 3‬حديث صفوان بن عَسّال‪،‬قال‪ :‬أمرنا‪ ،‬يعني النبي صلّى ال عليه وسلم أن نمسح على الخفين‪ ،‬إذا‬
‫طهْر‪ ،‬ثلثا إذا سافرنا‪ ،‬ويوما وليلة إذا أقمنا‪ ،‬ول نخلعهما من غائط ول بول‪ ،‬ول‬
‫نحن أدخلناهما على ُ‬
‫نخلعهما إل من جنابة» (‪. )2‬‬
‫‪ - 4‬حديث جرير‪ ،‬أنه بال ثم توضأ‪ ،‬ومسح على خفيه‪ ،‬فقيل له‪ :‬تفعل هكذا؟ قال‪« :‬نعم رأيت رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم بال‪ ،‬ثم توضأ ومسح على خفيه» (‪ . )3‬ومن المعروف أن إسلم جرير كان‬
‫بعد نزول سورة المائدة التي فيها آية الوضوء‪.‬‬
‫قال النووي في شرح مسلم‪ :‬وقد روى المسح على الخفين خلئق ل يحصون من الصحابة‪ .‬وصرح‬
‫جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر‪ ،‬وجمع بعضهم رواته‪ ،‬فجاوزوا الثمانين‪ ،‬منهم‬
‫العشرة المبشرون بالجنة‪ .‬وقال المام أحمد‪ :‬فيه أربعون حديثا عن الصحابة مرفوعة‪ .‬وقال الحسن‪:‬‬
‫حدثني سبعون من أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان‬
‫يمسح على الخفين (‪ )4‬والقول بالمسح قول أمير المؤمنين علي رضي ال عنه وسعد بن أبي وقاص‬
‫وبلل وحذيفة وبريدة وخزيمة بن ثابت وسلمان وجرير البجلي وغيرهم‪.‬‬
‫وقد أنكر الشيعة المامية والزيدية والباضية والخوارج مشروعية المسح على الخفين (‪ ، )5‬والدق‬
‫أن يقال‪ :‬إن المامية ل يجيزون المسح مع الختيار‪ ،‬ويجيزونه للضرورة عند الخوف والتّقية‪ ،‬أما‬
‫الخوارج فل يجوز عندهم ولو لضرورة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه (سبل السلم‪ ،57/1 :‬نيل الوطار‪.)180/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وابن خزيمة‪ ،‬والنسائي والترمذي‪ ،‬وصححه الترمذي وابن خزيمة‪ ،‬ورواه الشافعي‬
‫وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والبيهقي‪ ،‬وقال البخاري‪ :‬إنه حديث حسن (نيل الوطار‪،181/1 :‬‬
‫سبل السلم‪.)59/1 :‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪ ،‬ورواه أبو داود ( نيل الوطار‪.) 176/1 :‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه عنه ابن أبي شيبة‪.‬‬
‫(‪ )5‬نيل الوطار‪ ،178-176/1 :‬كتاب الخلف في الفقه للطوسي عند المامية‪ ،61-60/1 :‬شامل‬
‫طفَيّش‪ ،211/1 :‬سبل السلم‪ 57/1 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫الصل والفرع عند الباضية للشيخ محمد بن يوسف أ ّ‬

‫( ‪)1/416‬‬

‫والواجب في المسح عند الحنفية (‪ : )1‬هو قدر ثلث أصابع من أصغر أصابع اليد‪ ،‬على ظاهر مقدم‬
‫كل رجل‪ ،‬مرة واحدة‪ ،‬اعتبارا للة المسح‪ ،‬فل يصح على باطن القدم‪ ،‬ولعقبه‪ ،‬ول جوانبه وساقه‪.‬‬
‫ول يسن تكراره ول مسح أسفله لنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع‪.‬‬
‫واستدلوا على رأيهم بأدلة ل تخلو من مناقشة‪ ،‬بل هي واهية‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬إنه منسوخ بآية الوضوء في سورة المائدة التي لم يذكر فيها المسح على الخفين‪ ،‬وإنما قال‬
‫تعالى‪{ :‬وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة‪ ]6/5:‬فعينت الية مباشرة الرجلين بالماء‪.‬‬
‫روي عن علي كرم ال وجهه أنه قال‪ :‬سبق الكتاب الخفين‪ ،‬وقال ابن عباس‪ :‬ما مسح رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم بعد المائدة‪ .‬ورد‪ :‬بأن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالتفاق‪ ،‬فإن كان المسح‬
‫على الخفين ثابتا قبل نزولها‪ ،‬فورودها بغسل الرجلين‪ ،‬أو مسحهما على رأي المامية دون التعرض‬
‫للمسح‪ ،‬ل يوجب نسخ المسح على الخفين‪ .‬وإن كان المسح غير ثابت قبل نزولها فل نسخ قطعا‪ .‬ثم‬
‫إن إسلم جرير راوي الحديث السابق كان بعد نزول المائدة كما بينا‪ ،‬وقد رأى الرسول عليه السلم‬
‫يمسح على خفيه‪ ،‬ومن شرط النسخ تأخر الناسخ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن آية الوضوء نزلت في غزوة المُرَيسيع‪ ،‬ومسحهصلّى ال عليه وسلم في غزوة تبوك (‬
‫‪ ، )1‬فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟!‬
‫وأما قول علي فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة‪ ،‬فهو منقطع‪ ،‬كذا ما روي عن ابن عباس‪ ،‬مع أنه‬
‫مخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح‪ ،‬وعارض حديثهماما هو أصح منهما‪ ،‬وهو حديث جرير‬
‫البجلي‪.‬‬
‫‪ - 2‬الخبار الواردة بمسح الخفين نسخت بآية المائدة التي ذكر فيها الوضوء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان في السنة السادسة من الهجرة‪ ،‬وحدث‬
‫اللقاء على ماء يقال له ( المريسيع ) من ناحية قديد إلى الساحل‪ .‬وغزوة تبوك أو غزوة العسرة‬
‫حدثت في رجب من التاسعة للهجرة‪.‬‬

‫( ‪)1/417‬‬
‫والجواب‪ :‬أن الية عامة مطلقا باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه‪ ،‬فتكون أحاديث الخفين مخصّصة أو‬
‫مقيدة‪ ،‬فل نسخ‪ ،‬وتلك الحاديث متواترة كما بينت‪ ،‬فتصلح مخصصة بالتفاق‪ ،‬أي أن قوله تعالى‬
‫{وأرجلكم} [المائدة‪ ]6/5:‬مطلق قيدته أحاديث المسح على الخف‪ ،‬أو عام خصصته تلك الحاديث‪.‬‬

‫‪ - 3‬لم يذكر المسح على الخفين في أحاديث الوضوء‪ ،‬وإنما فيها كلها المر بغسل الرجلين‪ ،‬دون ذكر‬
‫المسح‪ ،‬وفيها بعد غسل الرجلين‪ ( :‬ل يقبل ال الصلة من دونه ) وقوله عليه السلم لمن لم يغسل‬
‫عقبه‪« :‬ويل للعقاب من النار» ‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬أن غاية ما اشتملت عليه الحاديث المر بالغسل‪ ،‬دون حصر ول قصر ينفي مشروعية‬
‫غيره‪ ،‬ولو كان فيها ما يدل على الغسل فقط‪ ،‬لكانت مخصصة بأحاديث المسح المتواترة‪ .‬وأما لفظ‬
‫( ل يقبل ال الصلة بدونه ) فلم يثبت من وجه يعتد به‪ .‬وأما حديث «ويل للعقاب من النار» فهو‬
‫وعيد لمن مسح رجليه‪ ،‬ولم يغسلهما‪ ،‬ولم يرد في المسح على الخفين‪.‬‬
‫وهو ل يشمل المسح على الخفين‪ ،‬لنه يدع رجله كلها‪ ،‬ول يدع العقب فقط‪ .‬ثم إن أحاديث المسح‬
‫مخصصة للماسح من ذلك الوعيد‪.‬‬
‫ويمكن أن يقال‪ :‬قد ثبت في آية المائدة قراءة بالجر لرجلكم عطفا على الممسوح وهو الرأس‪ ،‬فيحمل‬
‫على مسح الخفين كما بينت السنة‪ ،‬ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب‪ ،‬وهو أحسن الوجوه التي توجه‬
‫به قراءة الجر‪.‬‬

‫( ‪)1/418‬‬
‫ثانيا ـ كيفية المسح على الخفين ومحله‪:‬‬
‫كيفيته‪ :‬البتداء من أصابع القدم خطوطا بأصابع اليد إلى الساق‪.‬‬
‫والواجب في المسح عند الحنفية (‪ : )1‬هو قدر ثلث أصابع من أصغر أصابع اليد‪ ،‬على ظاهر مقدم‬
‫كل رجل‪ ،‬مرة واحدة‪ ،‬اعتبارا للة المسح‪ ،‬فل يصح على باطن القدم‪ ،‬ولعقبه‪ ،‬ول جوانبه وساقه‪.‬‬
‫ول يسن تكراره ول مسح أسفله لنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع‪.‬‬
‫والواجب عند المالكية (‪ : )2‬مسح جميع أعلى الخف‪ ،‬ويستحب أسفله أيضا‪ .‬وعند الشافعية (‪: )3‬‬
‫يكفي مُسمّى مسح‪ ،‬كمسح الرأس‪ ،‬في محل الفرض وهو ظاهر الخف‪ ،‬ل أسفله وحرفه وعقبه؛ لن‬
‫المسح ورد مطلقا‪ ،‬ولم يصح فيه تقدير شيء معين‪ ،‬فتعين الكتفاء بما ينطلق عليه اسم المسح‪،‬‬
‫كإمرار يد أو عود ونحوهما‪ ،‬أي يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح‪ ،‬ويسن مسح أعله وأسفلِه وعقبه‬
‫خطوطا‪ ،‬كما قال المالكية‪.‬‬
‫وعند الحنابلة (‪ : )4‬المجزئ في المسح‪ :‬أن يمسح أكثر مقدم ظاهر الخف‪ ،‬خطوطا بالصابع‪ ،‬ول‬
‫يسن مسح أسفل الخف ول عقبه‪ ،‬كما قال الحنفية‪ .‬ودليلهم‪ :‬أن لفظ المسح ورد مطلقا‪ ،‬وفسره النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم بفعله‪ ،‬فيجب الرجوع إلى تفسيره‪ ،‬وقد فسر المسح في حديث المغيرة بن شعبة‬

‫ـ فيما يرويه الخلّل بإسناده ـ قال‪« :‬ثم توضأ ومسح على الخفين‪ ،‬فوضع يده اليمنى على خفه‬
‫اليمن‪ ،‬ووضع يده اليسرى على خفه اليسر‪ ،‬ثم مسح أعلهما مسحة واحدة‪ ،‬حتى كأني أنظر إلى‬
‫أثر أصابعه على الخفين» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الواجب هو مسح جميع ظاهر الخف عند المالكية‪ ،‬كسائر أعضاء الوضوء‪ ،‬وبمقدار‬
‫ثلث أصابع من اليد عند الحنفية كمسح الرأس في الوضوء‪ ،‬ومسح أكثر أعلى الخف عند الحنابلة‬
‫لحديث المغيرة ‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يمسح على ظاهر الخفين»(‪)5‬‬
‫والواجب عند الشافعية‪ :‬أقل ما يطلق عليه اسم المسح؛ لن ما ورد في الشرع مطلقا يتحقق بأي حالة‬
‫من حالته‪ ،‬والراجح تحقيق مدلول المسح على الخف‪ ،‬كالراجح في المسح بالرأس في الوضوء‪.‬‬
‫وسبب الختلف في مسح باطن الخف تعارض أثرين (‪: )6‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،222‬البدائع‪ ،12/1 :‬اللباب‪ ،43/1 :‬فتح القدير‪ ،103/1 :‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪.260 ،251 ،246/1‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،39‬الشرح الصغير‪.159/1 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،67/1 :‬المهذب‪.22/1 :‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪ ،298/1 :‬كشاف القناع‪.133 ،130/1 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬
‫(‪ )6‬بداية المجتهد‪.18/1 :‬‬

‫( ‪)1/419‬‬
‫أحدهما ـ حديث المغيرة بن شعبة‪ ،‬وفيه أنه صلّى ال عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله (‪ ، )1‬وبه‬
‫أخذ المالكية والشافعية‪.‬‬
‫والثاني ـ حديث علي السابق‪« :‬لو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعله‪،‬‬
‫وقد رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» وبه أخذ الحنفية والحنابلة‪.‬‬
‫والفريق الول‪ :‬جمع بين الحديثين‪ ،‬فحمل حديث المغيرة على الستحباب‪ ،‬وحديث علي على‬
‫الوجوب‪.‬‬
‫والفريق الثاني‪ :‬ذهب مذهب الترجيح‪ ،‬فرجح حديث علي على حديث المغيرة‪ ،‬لنه أرجح سندا‪ ،‬ولن‬
‫المسح على الخف شرع مخالفا للقياس‪ ،‬فيقتصر فيه على النحو الذي ورد به الشرع‪.‬‬

‫والثاني هو الرجح في تقديري‪ ،‬وإن قال ابن رشد‪ :‬والسد في هذه المسألة هو مالك‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن محل المسح على الخف هو ظاهره وأعله ول يمسح باطنه وأسفله عند الحنفية‬
‫والحنابلة‪ ،‬ومحله المفروض عند المالكية والشافعية‪ :‬هو أعلى الخف ويسن مسح أسفله معه‪.‬‬
‫سنة المسح ‪ :‬تبين مما ذكر أن للفقهاء رأيين في سنة المسح‪ :‬قال الحنفية والحنابلة‪ :‬يمسح خطوطا‬
‫بالصابع بادئا من ناحية الصابع إلى الساق‪ ،‬لحديث المغيرة رضي ال عنه‪ « :‬أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم مسح على خفيه‪ ،‬ووضع يده اليمنى على خفه اليمن‪ ،‬ويده اليسرى على خفه اليسر‪ ،‬ثم‬
‫مسح إلى أعله مسحة واحدة» (‪. )2‬‬
‫فإن بدأ في المسح من ساقه إلى أصابعه‪ ،‬أجزأه‪.‬‬
‫ويسن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليد اليسرى‪ ،‬لحديث المغيرة السابق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة إل النسائي‪ ،‬وأخرجه الدارقطني والبيهقي وابن الجارود‪ ،‬لكنه معلول ضعيف (نيل‬
‫الوطار‪.)185/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البيهقي في سننه‪ ،‬وابن أبي شيبة (نصب الراية‪.)180/1 :‬‬

‫( ‪)1/420‬‬
‫وقال المالكية والشافعية‪ :‬صفة المسح المندوبة‪ :‬أن يضع باطن كف يده على أطراف أصابع رجله‬
‫اليمنى‪ ،‬ويضع باطن كف يده اليسرى تحت أصابع رجليه (عند المالكية) وتحت العقب (عند‬
‫الشافعية)‪ ،‬ثم يمر يديه إلى آخر قدمه‪ ،‬أي أنه يندب عندهم مسح أعلى الخف مع أسفله معا‪ ،‬ول يسن‬
‫استيعابه بالمسح‪ ،‬ويكره تكراره وغسله؛ لن ذلك مفسد للخف‪ ،‬ولو فعل ذلك أجزأه‪.‬‬
‫ثالثا ـ شروط المسح على الخفين‪:‬‬
‫هناك شروط ثلثة متفق عليها فقها‪ ،‬وشروط مختلف فيها بين الفقهاء (‪ ، )1‬ومن المعلوم أنها جميعا‬
‫شروط في المسح لجل الوضوء‪ ،‬أما من أجل الجنابة فل يجوز المسح‪ ،‬أ فل يجوز المسح على‬
‫الخفين لمن وجب عليه الغسل‪ ،‬لحديث صفوان بن عسّال المتقدم‪« :‬أمرنا النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫أن نمسح على الخفين‪ ،‬إذا نحن أدخلناهما على طهر‪ ،‬ثلثا إذا سافرنا‪ ،‬ويوما وليلة إذا أقمنا‪ ،‬ول‬
‫نخلعهما من غائط ول بول ول نوم‪ ،‬ول نخلعهما إل من جنابة» ‪.‬‬
‫الشروط المتفق عليها‪ :‬اتفق الفقهاء على اشتراط شروط ثلثة في المسح على الخفين لجل الوضوء‬
‫وهي ما يأتي‪:‬‬

‫‪ - ً 1‬لبسهما على طهارة كاملة‪ :‬لحديث المغيرة السابق‪ ،‬قال‪« :‬كنت مع النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫في سفر‪ ،‬فأهويت لنزع خفيه‪ ،‬فقال‪ :‬دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين‪ ،‬فمسح عليهما» (‪ ، )2‬واشترط‬
‫الجمهور أن تكون تلك الطهارة بالماء‪ ،‬وأجاز الشافعية‪ :‬أن تكون الطهارة بالماء من وضوء أو غسل‪،‬‬
‫أو بالتيمم ل لفقد الماء‪.‬‬
‫وقد جعل المالكية هذا الشرط مشتمل على شروط خمسة في الماسح هي‪:‬‬
‫الول ‪ -‬أن يلبس الخف على طهارة‪ ،‬فإن لبسه محدثا‪ ،‬لم يصح المسح عليه‪ .‬وأجاز الشيعة المامية‬
‫أن يلبس الخف على طهارة أو غير طهارة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع الدر المختار‪ ،245-241/1 :‬البدائع‪ 9/1:‬وما بعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،22‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،156-154:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،38‬مغني المحتاج‪65/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪،21/1:‬‬
‫المغني‪ ، 296، 294، 293، 282/1:‬كشاف القناع‪ ،133-124/1:‬بداية المجتهد‪.21-19/1:‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/421‬‬
‫الثاني ـ أن تكون الطهارة مائية‪ ،‬ل ترابية‪ ،‬وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية‪ ،‬فإن تيمم ثم لبس‬
‫الخف‪ ،‬لم يكن له المسح عند الجمهور؛ لنه لبسه على طهارة غير كاملة‪ ،‬ولنها طهارة ضرورة‬
‫بطلت من أصلها‪ ،‬ولن التيمم ل يرفع الحدث‪ ،‬فقد لبسه وهو محدث‪.‬وقال الشافعية‪ :‬إن كان التيمم‬
‫لفقد الماء فل يجوز المسح بعد وجود الماء‪ ،‬وإنما يلزمه إذا وجد الماء نزع الخف‪ ،‬والوضوء الكامل‪.‬‬
‫أما إن كان التيمم لمرض ونحوه‪ ،‬فأحدث فله أن يمسح على الخف‪.‬‬
‫الثالث ـ أن تكون تلك الطهارة كاملة‪ ،‬بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل‪ ،‬الذي لم ينتقض فيه‬
‫وضوءه‪ .‬فإن أحدث قبل غسل الرجل‪ ،‬لم يجز له المسح؛ لن ال ِرجْل حدثت في مقرها‪ ،‬وهو محدث‪،‬‬
‫فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث‪.‬‬
‫والشرط عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أن تكون الطهارة كاملة عند اللبس‪ ،‬أي ل بد من كمال الطهارة‬
‫جميعها‪ ،‬وأما عند الحنفية‪ :‬فالطهارة عند الحدث بعد اللبس ‪ ،‬أي ل يشترط كمال الطهارة‪ ،‬وإنما‬
‫المطلوب إكمال الطهارة‪ .‬ويظهر أثر الخلف فيما لو غسل المحدث رجليه أولً‪ ،‬ولبس خفيه‪ ،‬ثم أتم‬
‫الوضوء قبل أن يحدث‪ ،‬ثم أحدث‪ ،‬جاز له أن يمسح على الخفين عند الحنفية‪ ،‬لوجود الشرط‪ :‬وهو‬
‫(لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس)‪ .‬وعند الشافعية والحنابلة‪ :‬ل يجوز لعدم‬

‫الطهارة الكاملة وقت اللبس؛ لن الترتيب شرط عندهم‪ ،‬فكان غسل الرجلين مقدما على العضاء‬
‫الُُخر‪ ،‬كأن لم يكن‪.‬‬

‫( ‪)1/422‬‬
‫الرابع ـ أل يكون الماسح مترفها بلبسه‪ ،‬كمن لبسه لخوف على حناء برجليه‪ ،‬أو لمجرد النوم به‪ ،‬أو‬
‫لكونه حاكما‪ ،‬أو لقصد مجرد المسح‪ ،‬أو لخوف برغوث مثلً‪ ،‬فل يجوز له المسح‪ .‬لكن لو لبسه لحر‬
‫أو برد أو وعر‪ ،‬أو خوف عقرب‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فيجوز له المسح‪.‬‬
‫الخامس ـ أل يكون عاصيا بلبسه‪ ،‬كمُحرم بحج أو عمرة‪ ،‬لم يضطر للبسه‪ ،‬فل يجوز له المسح‪ .‬أما‬
‫المضطر للبسه‪ ،‬والمرأة‪ ،‬فيجوز له المسح‪ .‬والمعتمد عند المالكية والحنابلة والشافعية‪ :‬أنه يجوز‬
‫المسح للعاصي بالسفر كالعاق والديه وقاطع الطريق‪ .‬والضابط عند المالكية‪ :‬أن كل رخصة جازت‬
‫في الحضر‪ ،‬كمسح خف وتيمم وأكل ميتة‪ ،‬تفعل في السفر‪ ،‬وكل رخصة تختص بالسفر كقصر‬
‫الصلة وفطر رمضان تجوز في السفر لغير العاصي بسفره‪ ،‬أما هو فل يجوز له ذلك (‪. )1‬‬
‫‪ - ً 2‬أن يكون الخف طاهرا‪ ،‬ساترا المحل المفروض غسله في الوضوء‪ :‬وهو القدم بكعبيه من سائر‬
‫الجوانب‪،‬ل من العلى‪ ،‬فل يجوز المسح على خف غير ساتر الكعبين مع القدم‪ ،‬كما ل يجوز المسح‬
‫على خف نجس‪ ،‬كجلد الميتة قبل الدباغ عند الحنفية والشافعية‪ ،‬وكذلك بعد الدباغ عند المالكية‬
‫والحنابلة؛ لن الدباغ عندهم غير مطهر‪ ،‬والنجس منهي عنه‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬إمكان متابعة المشي فيه بحسب المعتاد‪ :‬وتقدير ذلك محل خلف‪ ،‬فقال الحنفية‪ :‬أن يكون الخف‬
‫مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه فرسخا (‪ )2‬فأكثر‪ ،‬فل يجوز المسح على خف متخذ من زجاج أو‬
‫خشب أو حديد‪ ،‬أو خف رقيق يتخرق بالمشي‪ .‬واشترطوا في الخفين‪ :‬استمساكهما على الرجلين من‬
‫غير شد‪.‬‬
‫والمعتبر عند المالكية‪ :‬أن يمكن تتابع المشي فيه عادة‪ ،‬فل يجوز المسح على خف واسع ل تستقر‬
‫القدم أو أكثرها فيه‪ ،‬وإنما ينسلت من الرجل عند المشي فيه‪.‬‬
‫والمقرر عند الكثرين من الشافعية‪ :‬أن يمكن التردد فيه لقضاء الحاجات‪ ،‬للمقيم سفر يوم وليلة‪،‬‬
‫وللمسافر‪ :‬سفر ثلثة أيام ولياليهن‪ ،‬وهو سفر القصر؛ لنه بعد انقضاء المدة يجب نزعه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ ،143/1:‬كشاف القناع‪ ،128/1:‬مغني المحتاج‪.66/1:‬‬
‫(‪ )2‬الفرسخ‪ :‬ثلثة أميال‪ ،‬اثنا عشر ألف خطوة‪ ،‬والميل‪1848:‬م‪ ،‬فيكون الفرسخ مساويا‪5544‬م‪.‬‬

‫( ‪)1/423‬‬
‫وانفرد الحنابلة برأي خاص هنا‪ ،‬فقالوا‪ :‬إمكان المشي فيه عرفا‪ ،‬ولو لم يكن معتادا‪ ،‬فجاز المسح على‬
‫الخف من جلد ولبود وخشب‪ ،‬وزجاج وحديد ونحوها؛ لنه خف ساتر يمكن المشي فيه‪ ،‬فأشبه الجلود‪،‬‬
‫وذلك بشرط أل يكون واسعا يرى منه محل الفرض‪ ،‬أي كما قال الحنفية والمالكية‪.‬‬
‫الشروط المختلف فيها بين الفقهاء ‪:‬‬
‫هناك شروط أخرى مقررة في المذاهب مختلف فيها وهي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬أن يكون الخف صحيحا سليما من الخروق‪ :‬هذا شرط مفرع على الشرط الثالث السابق‪،‬‬
‫مشروط عند الفقهاء‪ ،‬لكنهم اختلفوا في مقدار الخرق اليسير المتسامح فيه‪.‬‬
‫فالشافعية في الجديد والحنابلة‪ :‬لم يجيزوا المسح على خف فيه خرق‪ ،‬ولو كان يسيرا؛ لنه غير ساتر‬
‫للقدم‪ ،‬ولو كان الخرق من موضع الخرز؛ لن ما انكشف حكمه حكم الغسل‪ ،‬وما استتر حكمه المسح‪،‬‬
‫والجمع بينهما ل يجوز‪ ،‬فغلب حكم الغسل‪ ،‬أي أن حكم ما ظهر الغسل‪ ،‬وما استتر‪ :‬المسح‪ ،‬فإذا‬
‫اجتمعا غلب حكم الغسل‪ ،‬كما لو انكشفت إحدى قدميه‪.‬‬
‫والمالكية والحنفية‪ :‬أجازوا استحسانا ورفعا للحرج المسح على خف فيه خرق يسير؛ لن الخفاف ل‬
‫تخلو عن خرق في العادة‪ ،‬فيمسح عليه دفعا للحرج‪ .‬أما الخرق الكبير فيمنع صحة المسح‪ ،‬وهو عند‬
‫المالكية‪ :‬مال يمكن به متابعة المشي‪ ،‬وهو الخرق الذي يكون بمقدار ثلث القدم‪ ،‬سواء أكان منفتحا أم‬
‫ملتصقا بعضه ببعض‪ ،‬كالشق وفتق خياطته‪ ،‬مع التصاق الجلد بعضه ببعض‪ .‬وإن كان الخرق دون‬
‫الثلث ضر أيضا إن انفتح‪ ،‬بأن ظهرت الرجل منه‪ ،‬ل إن التصق‪ .‬ويغتفر الخرق اليسير جدا بحيث ل‬
‫يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل‪ .‬والخرق الكبير عند الحنفية‪ :‬هو بمقدار ثلث أصابع‬
‫من أصغر أصابع القدم‪.‬‬

‫( ‪)1/424‬‬
‫‪ - ً 2‬أن يكون الخف من الجلد‪ :‬هذا شرط عند المالكية‪،‬فل يصح المسح عندهم على خف متخذ من‬
‫القماش‪ ،‬كما ل يصح عندهم المسح على الجورب‪ :‬وهو ما صنع من قطن أو كتان أو صوف‪ ،‬إل إذا‬
‫كسي بالجلد‪ ،‬فإن لم يجلّد‪ ،‬فل يصح المسح عليه‪ .‬وكذلك قال الشافعية‪ :‬ل يجزئ المسح على منسوج‬
‫ل يمنع نفوذ الماء إلى الرجل من غير محل الخرز‪ ،‬لو صب عليه لعدم صفاقته‪.‬‬
‫واشترط المالكية أيضا أن يكون الخف مخروزا‪ ،‬ل إن لزق بنحو رسراس قصرا للرخصة على‬

‫الوارد‪.‬‬
‫وأجاز الجمهور غير المالكية‪ :‬المسح على الخف المصنوع من الجلود‪ ،‬أو الخِرَق‪ ،‬أو غيرها‪ ،‬فلم‬
‫يشترطوا هذا الشرط‪ .‬واشترط الحنفية والشافعية‪ :‬أن يكون الخف مانعا من وصول الماء إلى الجسد؛‬
‫لن الغالب في الخفاف أنها تمنع نفوذ الماء‪ ،‬فتنصرف إليها النصوص الدالة على مشروعية المسح‪.‬‬
‫المسح على الجوارب‪ :‬أجاز الحنفية على الراجح لديهم (‪ )1‬المسح على الجوربين الثخينين بحيث‬
‫يمشي به اللبس فرسخا فأكثر‪ ،‬ويثبت الجورب على الساق بنفسه‪ ،‬ول يرى ما تحته‪ ،‬ول يشف (يرق‬
‫حتى يرى ما وراءه)‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة أيضا المسح على الجورب الصفيق الذي ل يسقط إذا مشى فيه‪ ،‬أي بشرطين‪:‬‬
‫أحدهما ـ أن يكون صفيقا ل يبدو منه شيء من القدم (‪. )2‬‬
‫الثاني ـ أن يمكن متابعة المشي فيه‪.‬‬
‫ويجب أن يمسح على الجوربين وعلى سيور النعلين قدر الواجب‪ .‬وسيأتي تفصيل آراء الفقهاء‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية والحنابلة المسح على الخف المشقوق القدم كالزربول الذ ي له ساق إذا شد في الصح‬
‫بواسطة العرا‪ ،‬بحيث ل يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،10/1:‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ ،348/1:‬وسيأتي بحث مفصل للمسح على‬
‫الجوارب‪.‬‬
‫(‪ )2‬وأجاز الشيخ جمال الدين القاسمي المسح على الجورب ولو لم يكن ثخينا‪ ،‬كالجوارب الحديثة‪.‬‬

‫( ‪)1/425‬‬
‫‪ - ً 3‬أن يكون الخف مفردا ‪ (:‬المسح على الجرموق )‪ :‬وهذا أيضا شرط عند المالكية (‪ ، )1‬فلو لبس‬
‫خفا فوق خف (الجُرْموق) (‪ )2‬ففي جواز المسح عليه قولن عندهم‪،‬الراجح أنه يجوز في هذه الحالة‬
‫المسح على العلى‪ ،‬فلو نزعه‪ ،‬وكان على طهر‪ ،‬وجب عليه مسح السفل فورا‪.‬‬
‫وقال الحنفية والحنابلة (‪ : )3‬يجزئ المسح على الجرموق فوق الخف‪ ،‬أي كما قال المالكية‪ .‬لقول‬
‫بلل‪« :‬رأيت النبي صلّى ال عليه وسلم يمسح على الموق» (‪ )4‬ولقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«امسحوا على النصيف والموق» (‪. )5‬‬
‫ولكن اشترط الحنفية لصحة المسح على الجرموق شروطا ثلثة‪:‬‬
‫الول ـ أن يكون العلى جلدا‪ ،‬فإن كان غير جلد يصح المسح على العلى إن وصل الماء إلى‬

‫السفل‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يكون العلى صالحا للمشي عليه منفردا‪ ،‬فإن لم يكن صالحا لم يصح المسح عليه إل‬
‫بوصول الماء إلى السفل‪.‬‬
‫الثالث ـ أن يلبس العلى على الطهارة التي لبس عليها السفل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،39‬الشرح الكبير‪ ،145/1:‬الشرح الصغير‪ 157/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الجرموق‪ :‬هو الجلد الذي يلبس على الخف ليحفظه من الطين ونحوه‪ ،‬على المشهور‪ .‬ويقال له‪:‬‬
‫الموق‪ ،‬وليس غيره‪.‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار‪247/1:‬فتح القدير‪ ،108/1:‬كشاف القناع‪ 131 ،124/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪.284/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه سعيد بن منصور في سننه عن بلل‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة المسح على الخف العلى قبل أن يحدث‪ ،‬ولو كان أحدهما مخروقا‪ ،‬ل إن كانا‬
‫مخروقين‪ ،‬كما يجوز المسح على الخف السفل بأن يدخل يده من تحت الفوقاني فيمسح عليه؛ لن كل‬
‫واحد منهما محل للمسح‪ ،‬فجاز المسح عليه إذا كان صحيحا‪.‬‬

‫( ‪)1/426‬‬
‫ول يجزئ عند الشافعية (‪ )1‬في الظهر القتصار في المسح على الخف العلى من الجرموقين‬
‫(وهما خف فوق خف‪ ،‬كل منهما صالح للمسح عليه)؛ لن الرخصة وردت في الخف لعموم الحاجة‬
‫إليه‪ ،‬والجرموق ل تعم الحاجة إليه‪ ،‬أي أنه ل بد من مسح العلى والسفل‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬أن يكون لبس الخف مباحا‪ :‬هذا شرط عند المالكية والحنابلة‪ ،‬فل يصح المسح على خف‬
‫مغصوب‪ ،‬ول على محرم الستعمال كالحرير‪ ،‬وأضاف الحنابلة‪ :‬ولو في ضرورة‪ ،‬كمن هو في بلد‬
‫ثلج‪ ،‬وخاف سقوط أصابعه بخلع الخف المغصوب أو الحرير‪،‬فل يستبيح المسح عليه؛ لنه منهي عنه‬
‫في الصل‪ ،‬وهذه ضرورة نادرة‪ ،‬فل حكم لها‪ .‬ول يجوز عند الحنابلة للمحرم المسح على الخفين ولو‬
‫لحاجة‪ .‬والصح عند الشافعية‪ :‬أنه ل يشترط هذا الشرط‪ ،‬فيكفي المسح على المغصوب‪ ،‬والديباج‬
‫الصفيق‪ ،‬والمتخذ من فضة أو ذهب‪ ،‬للرجل وغيره‪ ،‬كالتيمم بتراب مغصوب‪ .‬ويستثنى من ذلك‬
‫المُحرِم بنسك اللبس للخف؛ لن المحرم منهي عن اللبس من حيث هو لبس‪ ،‬أما النهي عن لبس‬
‫المغصوب ونحوه فلنه متعدٍ في استعمال مال الغير‪.‬‬

‫‪ - ً 5‬أل يصف الخف القدم لصفائه أو لخفته‪ :‬هذا شرط عند الحنابلة‪ ،‬فل يصح المسح على الزجاج‬
‫الرقيق؛ لنه غير ساتر لمحل الفرض‪ ،‬ول على ما يصف البشرة لخفته‪.‬‬
‫والمطلوب عند المالكية أن يكون الخف من جلد كما بينت‪ ،‬وعند الحنفية والشافعية‪ :‬أن يكون مانعا‬
‫من نفوذ الماء إلى الرِجْل من غير محل الخرز‪ ،‬لو صب عليه‪ ،‬لعدم صفاقته‪ ،‬وبناء عليه يصح المسح‬
‫على خف مصنوع من «نايلون» سميك‪ ،‬ونحوه من كل شفاف‪ ،‬لن القصد هو منع نفوذ الماء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.6/1:‬‬

‫( ‪)1/427‬‬
‫‪ - ً 6‬أن يبقى من مقدم القدم قدر ثلث أصابع من أصغر أصابع اليد‪ :‬اشترط الحنفية هذا الشرط في‬
‫حالة قطع شيء من الرجل‪ ،‬ليوجد المقدار المفروض من محل المسح‪ .‬فإذا قطعت رجل من فوق‬
‫الكعب سقط غسلها ول حاجة للمسح على خفها‪ ،‬ويمسح خف القدم الخرى الباقية‪ .‬وإن بقي من دون‬
‫الكعب أقل من ثلث أصابع‪ ،‬ل يمسح لفتراض غسل الجزء الباقي‪ .‬وعليه فمن كان فاقدا مقدم قدمه‬
‫ل يمسح على خفه ولو كان عقب القدم موجودا‪ ،‬لنه ليس محلً لفرض المسح‪ ،‬ويفترض غسله‪.‬‬
‫ويصح عند الفقهاء الخرين المسح على خف أي جزء باق من القدم مفروض غسله‪ ،‬فإذا لم يبق من‬
‫محل الغسل شيء من الرجل‪ ،‬وصار برجل واحدة‪ ،‬مسح على خف الرجل الخرى‪ .‬ول يجوز بحال‬
‫أن يمسح على رجل أو ما بقي منها‪ ،‬ويغسل الخرى‪ ،‬لئل يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد‪.‬‬
‫خلصة الشروط في المذاهب‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬الحنفية‪ :‬يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط‪:‬‬
‫الول ـ لبسهما بعد غسل الرجلين‪ ،‬ولو قبل تمام الوضوء‪ ،‬إذا أتمه قبل حصول ناقض للوضوء‪.‬‬
‫الثاني ـ سترهما للكعبين‪.‬‬
‫الثالث ـ إمكان متابعة المشي فيهما‪.‬‬
‫الرابع ـ خلو كل منهما عن خرق قدر ثلث أصابع من أصغر أصابع القدم‪.‬‬
‫الخامس ـ استمساكهما على الرجلين من غير شد‪.‬‬
‫السادس ـ أن يبقى ـ في حالة قطع شيء من القدم ـ من مقدم القدم قدر ثلث أصابع من أصغر‬
‫أصابع اليد‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬المالكية‪ :‬لجواز المسح على الخف أحد عشر شرطا‪ :‬ستة في الممسوح وخمسة في الماسح‪ .‬أما‬

‫شروط الماسح فقد ذكرتها في بحث أول شرط متفق عليه‪ .‬وأما شروط الممسوح فهي ما يأتي‪:‬‬
‫الول ـ كون الممسوح جلدا‪ ،‬فل يصح المسح على غيره‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يكون طاهرا‪ ،‬احترازا من جلد الميتة ولو مدبوغا‪.‬‬
‫الثالث ـ أن يكون مخروزا‪ ،‬ل إن لزق بنحو رسراس‪.‬‬

‫( ‪)1/428‬‬
‫الرابع ـ أن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض في الغسل‪ ،‬بأن يستر الكعبين‪ ،‬فل يصح المسح على‬
‫غير الساتر لهما‪ .‬الخامس ـ أن يمكن المشي فيه عادة‪ ،‬احترازا من الواسع الذي ينسلت من الرجل‬
‫عند المشي فيه‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬الشافعية‪ :‬يشترط لجواز مسح الخف أمران‪:‬‬
‫أحدهما ـ أن يلبسه بعد طهارة كاملة من الحدثين الصغر والكبر‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يكون الخف طاهرا قويا‪ ،‬يمكن تتابع المشي عليه في الحاجة (‪ ، )1‬ساترا لمحل فرض‬
‫الغسل (وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب ل من العلى) (‪ ، )2‬مانعا لنفوذ الماء من غير الخرز‬
‫والشق‪ .‬ويجوز في الصح مشقوق قدم شد بالعرا بحيث ل يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى‪،‬‬
‫أي يكفي المسح عليه‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الحنابلة‪ :‬يشترط لجواز المسح على الخف سبعة شروط‪:‬‬
‫الول ـ أن يلبس الخفان بعد كمال الطهارة بالماء‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يثبت بنفسه أو بنعلين‪ ،‬ول يصح المسح على خف يثبت بشده فقط‪ ،‬لكن يصح المسح‬
‫على خف يثبت بنفسه‪ ،‬لكن يبدو بعضه‪ ،‬ويشد بالعرا كالزربول الذي له ساق‪ ،‬فيدخل بعضها في‬
‫بعض‪ ،‬فيستتر بذلك محل الفرض‪.‬‬
‫الثالث ـ إباحته‪ ،‬فل يصح المسح على خف مغصوب ول حرير‪ ،‬ولو في ضرورة‪.‬‬
‫الرابع ـ إمكان المشي فيه عرفا‪ ،‬ولو لم يكن معتادا‪ ،‬فيصح المسح على خف من جلود ولبود وخشب‬
‫وزجاج وحديد ونحوها؛ لنه خف ساتر يمكن المشي فيه‪.‬‬
‫الخامس ـ طهارة عينه‪ ،‬فل يصح المسح على نجس‪ ،‬ولو في ضرورة‪ ،‬وفي حال الضرورة‪ :‬يتيمم‬
‫للرجلين‪ ،‬إذ ل بد من غسلهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي الحاجة التي تقع في مدة لبسه‪ :‬وهي ثلثة أيام ولياليها للمسافر‪ ،‬ويوم وليلة للمقيم‪ ،‬فل يجزئ‬

‫نحو رقيق يتخرق بالمشي عن قرب‪.‬‬
‫(‪ )2‬فلو رئي القدم من أعله‪ ،‬كأن كان واسع الرأس لم يضر‪.‬‬

‫( ‪)1/429‬‬
‫السادس ـ أل يصف القدم لصفائه كالزجاج الرقيق؛ لنه غير ساتر لمحل الفرض‪ ،‬فل يصح المسح‬
‫على خف فيه خرق أو غيره‪ ،‬يبدو منه بعض القدم‪ ،‬ولو من موضع الخرز‪ ،‬لعدم ستره محل الفرض‪.‬‬
‫فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه‪ ،‬جاز المسح عليه‪ ،‬لحصول الشرط‪ ،‬وهو ستر محل الفرض‪.‬‬
‫السابع ـ أل يكون واسعا يرى منه محل الفرض‪.‬‬
‫رابعا ـ مدة المسح على الخفين‪:‬‬
‫للفقهاء رأيان في توقيت مدة المسح‪ ،‬المالكية لم يؤقتوا‪ ،‬والجمهور أقتوا مدة‪ .‬أما المالكية (‪ )1‬فقالوا‪:‬‬
‫يجوز المسح على الخف من غير توقيت بزمان‪ ،‬مالم يخلعه‪ ،‬أو تصيبه جنابة‪ ،‬فيجب حينئذ خلعه‬
‫للغتسال‪ ،‬وإن خلعه انتقض المسح‪ ،‬ووجب غسل الرجل‪ ،‬وإن وجب الغتسال لم يمسح‪ ،‬لن المسح‬
‫إنما هو في الوضوء‪ .‬وبالرغم من عدم وجوب نزع الخف في مدة معينة‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬يندب نزع‬
‫الخف كل أسبوع مرة في مثل اليوم الذي لبسه فيه‪.‬‬
‫واستدلوا بما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬حديث أُبيّ بن عمارة‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أمسح على الخفين؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قلت‪ :‬يوما؟ قال‪:‬‬
‫يوما‪ ،‬قلت‪ :‬يومين؟ قال‪ :‬ويومين‪،‬قلت‪ :‬وثلثة؟ قال‪:‬وما شئت» (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 2‬روي عن جماعة من الصحابة ذكرالمسح بدون توقيت‪ ،‬منهم عمر‪ ،‬ومنهم أنس بن مالك عند‬
‫الدارقطني‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬إنه مسح في طهارة‪ ،‬فلم يتوقت كمسح الرأس والجبيرة؛ لن التوقيت غير مؤثر في نقض‬
‫الطهارة‪ ،‬لن النواقض هي الحداث من بول أو غائط ونحوهما‪ ،‬وهذا القياس يعارض الخبار الدالة‬
‫على توقيت المسح بمدة معينة‪ ،‬فيعمل به‪ ،‬بسبب معارضة حديث ابن عمارة لها‪.‬‬
‫وأما الجمهور فقالوا‪ :‬مدة المسح للمقيم يوم وليلة‪ ،‬وللمسافر ثلثة أيام بلياليها (‪ ، )3‬ويرى الحنفية أن‬
‫المسافر العاصي بسفره كغيره من المسافرين‪ ،‬وأما الشافعية والحنابلة فيجعلون مدة المسح له كالمقيم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،154/1،158:‬الشرح الكبير‪ ،142/1:‬بداية المجتهد‪ ،20/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪39‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪ ،‬وقال‪ :‬وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي‪ ،‬وقال البخاري نحوه‪ ،‬وقال المام‬

‫أحمد‪ :‬رجاله ل يعرفون‪ ،‬وأخرجه الدارقطني‪ ،‬وقال‪ :‬هذا إسناده ل يثبت‪ ،‬وفي إسناده ثلثة مجاهيل‪،‬‬
‫وأخرجه ابن ماجه‪ ،‬وقال ابن عبد البر‪ :‬وليس له إسناد قائم‪ ،‬وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات‬
‫(نيل الوطار‪ )182:‬قال الشوكاني‪ :‬وما كان بهذه المرتبة ل يصح الحتجاج به على فرض عدم‬
‫المعارض‪ ،‬فالحق توقيت المسح بالثلث للمسافر‪ ،‬واليوم والليلة للمقيم‪.‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ ،102/1،107 :‬تبيين الحقائق‪ ،48/1:‬البدائع‪ ،8/1:‬مغني المحتاج‪ ،64/1:‬المهذب‪:‬‬
‫‪ ،20/1‬كشاف القناع‪128/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪ 287،291-282/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/430‬‬
‫وأدلتهم هي الحاديث الثابتة الواردة بمشروعية المسح‪ ،‬منها‪ :‬حديث علي المتقدم‪« :‬للمسافر ثلثة أيام‬
‫وليالِيهن‪ ،‬وللمقيم يوم وليلة» (‪)1‬‬
‫ومنها‪ :‬حديث خزيمة بن ثابت‪« :‬للمسافر ثلثة أيام ولياليهن‪ ،‬وللمقيم يوم وليلة» (‪. )2‬‬
‫ومنها حديث صفوان بن عَسّال‪ ،‬قال‪َ :‬أمَرنا يعني النبي صلّى ال عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا‬
‫نحن أدخلناهما على طُهر‪ ،‬ثلثا إذا سافرنا‪ ،‬ويوما وليلة إذا أقمنا‪ ،‬ول نخلعهما من غائط ول بول ول‬
‫نوم‪ ،‬ول نخلعهما إل من جنابة» (‪. )3‬‬
‫ومنها حديث عوف بن مالك الشجعي «أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين‬
‫في غزوة تبوك ثلثة أيام ولياليهن للمسافر‪ ،‬ويوما وليلة للمقيم» (‪ )4‬وثبت القول بالتوقيت عن عمر‬
‫وعلي وابن مسعود وابن عباس‪ ،‬وأبي زيد‪ ،‬وشريح‪ ،‬وعطاء‪ ،‬والثوري‪ ،‬وإسحاق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وابن خزيمة‪ ،‬وقال الخطابي‪ :‬هو صحيح السناد (نيل الوطار‪.)183-181/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه المام أحمد‪ ،‬وقال‪ :‬هو أجود حديث في المسح على الخفين؛ لنه في غزوة تبوك‪ ،‬وهي‬
‫آخر غزوة غزاها النبي صلّى ال عليه وسلم ‪،‬وهو آخر فعله‪.‬‬

‫( ‪)1/431‬‬
‫والحق القول بتوقيت المسح‪ ،‬لن حديث ابن عمارة لم يثبت‪ ،‬ويحتمل أنه منسوخ بهذه الحاديث‬
‫الصحيحة؛ لنها متأخرة‪ ،‬لكون حديث عوف في غزوة تبوك‪ ،‬وليس بينها وبين رسول ال صلّى ال‬

‫عليه وسلم إل شيء يسير‪ .‬وقياس المالكية ينتقض بالتيمم‪.‬‬
‫بدء المدة‪ :‬وتبدأ عند الجمهور مدة المسح المقررة من تمام الحدث بعد لبس الخف إلى مثله من اليوم‬
‫الثاني للمقيم‪ ،‬ومن اليوم الرابع للمسافر؛ لن وقت جواز المسح (أي الرافع للحدث) يدخل بذلك‪،‬‬
‫فاعتبرت مدة المسح بدءا منه كالصلة يبدأ وقتها من حين جواز فعلها‪ ،‬ولن حديث صفوان بن عسال‬
‫المتقدم‪« :‬أمرنا أل ننزع خفافنا ثلثة أيام ولياليهن‪ ،‬إل من جنابة‪ ،‬ولكن من غائط ونوم وبول» يدل‬
‫بمفهومه‪ :‬أنها تنزع لثلث مضين من الغائط‪ ،‬ولن الخف مانع سراية الحدث ( أي وصوله إلى‬
‫الرجل) فتعتبر المدة من وقت المنع‪ ،‬أي من وقت منع الحدث عن الرجل‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ :‬من توضأ عند طلوع الفجر‪ ،‬ولبس الخف‪ ،‬ثم أحدث بعد طلوع الشمس‪ ،‬ثم توضأ ومسح‬
‫بعد الزوال‪ ،‬فيمسح المقيم إلى وقت الحدث من اليوم الثاني‪ :‬وهو ما بعد طلوع الشمس من اليوم‬
‫الثاني‪ ،‬ويمسح المسافر إلى ما بعد طلوع شمس اليوم الرابع‪.‬‬

‫( ‪)1/432‬‬
‫وإذا مسح خفيه مقيما حالة الحضر‪ ،‬ثم سافر‪ ،‬أو عكس بأن مسح مسافرا ثم أقام‪ ،‬أتم عند الشافعية‬
‫والحنابلة مسح مقيم؛ تغليبا للحضر؛ لنه الصل‪ .‬فيقتصر في الحالتين على يوم وليلة‪ .‬وعند الحنفية‪:‬‬
‫من ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة‪ ،‬مسح ثلثة أيام ولياليها؛ لنه صار مسافرا‪،‬‬
‫والمسافر يمسح مدة ثلثة أيام‪ ،‬ولو أقام مسافر إن استكمل مدة القامة‪ ،‬نزع الخف؛ لن رخصة‬
‫السفر ل تبقى بدونه‪ ،‬وإن لم يستكمل أتمها لن هذه مدة القامة‪ ،‬وهو مقيم‪.‬‬
‫وإن شك‪ ،‬هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر‪ ،‬بنى عند الحنابلة (‪ )1‬على المتيقن وهو مسح حاضر‬
‫(مقيم)؛ لنه ل يجوز المسح مع الشك في إباحته‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬ول مسح لشاكّ في بقاء المدة‪ ،‬انقضت أو ل‪ ،‬أو شك المسافر‪ ،‬هل ابتدأ في‬
‫السفر أو في الحضر؛ لن المسح رخصة بشروط‪ ،‬منها المدة‪ ،‬فإذا شك فيها رجع إلى الصل وهو‬
‫الغسل‪.‬‬
‫خامسا ـ مبطلت (أو نواقض) المسح على الخفين‪:‬‬
‫يبطل المسح على الخف بالحالت التية (‪: )3‬‬
‫‪ - ً 1‬نواقض الوضوء‪ :‬ينتقض المسح على الخف بكل ناقض للوضوء؛ لنه بعض الوضوء‪ ،‬ولنه‬
‫بدل فينقضه ناقض الصل‪ .‬وحينئذ يتوضأ‪ ،‬ويمسح‪ ،‬إذا كانت مدة المسح باقية‪ .‬فإن انتهت المدة يعاد‬
‫الوضوء وغسل الرجلين‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.292/1:‬‬
‫(‪ )2‬معني المحتاج‪.67/1:‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪105/1:‬وما بعدها‪ ،‬البدائع‪12/1:‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار ‪ ،256-254/1:‬مراقي‬
‫الفلح‪ :‬ص ‪ ،22‬الشرح الصغير‪ ،158-156/1:‬الشرح الكبير‪ ،147-145/1:‬مغني المحتاج‪،68/1:‬‬
‫المهذب‪ ،22/1:‬المغني‪ ،287/1 :‬كشاف القناع‪136/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/433‬‬
‫‪ - ً 2‬الجنابة ونحوها‪ :‬إن أجنب لبس الخف‪ ،‬أو حدث منه موجب غسل كحيض في أثناء المدة‪ ،‬بطل‬
‫المسح‪ ،‬ووجب غسل الرجلين‪ .‬فإن أراد المسح على الخف بعد الغسل‪ ،‬جدد لبسه‪ ،‬لحديث صفوان بن‬
‫سفْرا (أي مسافرين)‬
‫عسال السابق‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو َ‬
‫أل ننزع خفافنا ثلثة أيام بلياليهن‪ ،‬إل من جنابة» وقيس بالجنابة غيرها‪ ،‬مما هو في معناها‪،‬‬
‫كالحيض والنفاس والولدة‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬نزع أحد الخفين أو كليهما‪ ،‬ولو كان النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف‪ ،‬ينتقض بذلك‪،‬‬
‫لمفارقة محل المسح مكانه‪ ،‬وللكثر حكم الكل‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة‪ :‬يغسل عند الجمهور غير الحنابلة قدميه‪ ،‬لبطلن طهرهما؛ لن الصل غسلهما‪،‬‬
‫والمسح بدل‪ ،‬فإذا زال حكم البدل‪ ،‬رجع إلى الصل‪ ،‬كالتيمم بعد وجود الماء‪.‬‬
‫ول يكتفى بغسل الرجل المنزوع خفها‪ ،‬وإنما ل بد من غسل الرجلين؛ إذ ل يجوز الجمع بين غسل‬
‫ومسح‪.‬‬
‫وفي حالة نزع الخف العلى (الجرموق) قال المالكية‪ :‬تجب المبادرة لمسح السفل‪ ،‬كما هو المقرر‬
‫في الموالة‪ ،‬وكما بينت سابقا‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬ظهور بعض الرجل بتخرق أو غيره كانحلل العرا ونحو ذلك‪ :‬ينتقض الوضوء بذلك عند‬
‫الشافعية والحنابلة‪،‬وبظهور قدر ثلث أصابع من أصابع الرجل عند الحنفية‪ ،‬أو بقدر ثلث القدم عند‬
‫المالكية‪ ،‬سواء أكان منفتحا أم ملتصقا بعضه ببعض‪ ،‬كالشق وفتق الخياطة مع التصاق الجلد بعضه‬
‫ببعض‪ ،‬أم أقل من الثلث أيضا إن انفتح بأن ظهرت الرجل منه‪ ،‬ل إن التصق‪ .‬فإن كان المنفتح يسيرا‬
‫جدا‪ ،‬بحيث ل يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل‪ ،‬فل يضر‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬إصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف‪ ،‬على الصحيح‪ :‬هذا ناقض للمسح على الصحيح عند‬

‫الحنفية‪ ،‬كما لو ابتل جميع القدم‪ ،‬فيجب قلع الخف وغسل الرجلين‪ ،‬تحرزا عن الجمع بين الغسل‬
‫والمسح‪ ،‬فل يغسل قدما ويمسح على الخرى؛ إذ هو ل يجوز‪.‬‬

‫( ‪)1/434‬‬
‫‪ - ً 6‬مضي المدة‪ :‬وهي اليوم والليلة للمقيم‪ ،‬والثلثة اليام بلياليها للمسافر؛ لن أحاديث المسح عن‬
‫علي وخزيمة وصفوان حددت للمسح هذه المدة‪.‬‬
‫والواجب في هذه الحالة والحوال الثلثة السابقة (نزع الخف‪ ،‬وظهور بعض الرجل أو أكثرها بحسب‬
‫الخلف المتقدم) عند الحنفية‪ ،‬والمالكية‪ ،‬والراجح عند الشافعية‪ ،‬وهو بطهر المسح في جميع ذلك‪:‬‬
‫غسل الرجلين فقط‪ ،‬دون تجديد الوضوء كله‪ ،‬إذا ظل متوضئا‪ ،‬لن أثر الحدث اقتصر على الخف‪ ،‬أو‬
‫لبطلن طهر القدمين فقط‪ ،‬وبما أن الصل غسلهما‪ ،‬والمسح بدل‪ ،‬فإذا زال حكم البدل رجع إلى‬
‫الصل‪ ،‬كالتيمم بعد وجود الماء‪.‬‬
‫واستثنى الحنفية هنا حالة الضرورة‪ :‬وهي الخوف من ذهاب رجله من البرد‪ ،‬فل يقلع الخفين‪ ،‬وإنما‬
‫يجوز له المسح حتى يأمن‪ ،‬أي بدون توقيت‪ ،‬ويلزمه استيعاب المسح جميع الخف‪ ،‬كمسح الجبائر‪.‬‬
‫والواجب بعد مضي المدة أو خلع الخف عند الحنابلة‪ :‬هو استئناف الطهارة (تجديد الوضوء كله)؛ لن‬
‫الوضوء عبادة يبطلها الحدث‪ ،‬فتبطل كلها ببطلن بعضها‪ ،‬كالصلة‪ ،‬أي أن الحدث ل يتبعض ول‬
‫يتجزأ‪ ،‬فإذا خلع أو مضت المدة‪ ،‬عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الخف عنه‪ ،‬فيسري إلى بقية‬
‫العضاء‪ ،‬فيستأنف الوضوء‪ ،‬ولو قرب الزمن‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن نواقض المسح عند الحنفية أربعة أشياء‪:‬‬
‫كل ناقض للوضوء‪ ،‬ونزع الخف ولو بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف‪ ،‬وإصابة الماء أكثر إحدى‬
‫القدمين في الخف على الصحيح‪ ،‬ومضي المدة إن لم يخف ذهاب رجله من البرد‪ ،‬فيجوز له المسح‬
‫حينئذ حتى يأمن الضرر‪.‬‬

‫( ‪)1/435‬‬
‫سادسا ـ المسح على العمامة‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬ل يصح المسح على عِمامة وقَلنسُوة وبُرْقع و ُقفّازين (‪ )2‬؛ لن المسح ثبت بخلف‬
‫القياس‪ ،‬فل يلحق به غيره‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )3‬من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة‪ ،‬ثم أحدث وتوضأ‪ ،‬جاز له المسح على‬

‫ضمْري‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫العمامة أي عمامة الذكور‪ ،‬لقول عمرو بن أمية ال ّ‬
‫يمسح على عمامته وخفيه» (‪ ، )4‬وقال المغيرة بن شعبة‪« :‬توضأ رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫ومسح على الخفين‪ ،‬والعمامة» (‪ ، )5‬وعن بلل قال‪ « :‬مسح رسول ال صلّى ال عليه وسلم على‬
‫الخفين والخمار» (‪ ، )6‬وبه قال أبو بكر وعمر وأنس وأبو أمامة‪ .‬روى الخلل عن عمر‪« :‬من لم‬
‫يطهره المسح على العمامة‪ ،‬فل طهره ال» ‪.‬‬
‫والواجب مسح أكثر العمامة‪ ،‬لنها بدل كالخف‪ ،‬وتمسح دوائرها دون وسطها لنه يشبه أسفل الخف‪،‬‬
‫ول يجب أن يمسح معها ما جرت العادة بكشفه؛ لن العمامة نابت عن الرأس‪ ،‬فانتقل الفرض إليها‪،‬‬
‫وتعلق الحكم بها‪ .‬ول يجوز المسح على القلنسوة‪.‬‬
‫ويصح المسح على العمامة بشروط ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬إذا كانت مباحة بأل تكون محرمة كمغصوبة أو حرير‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن تكون محنّكة‪ :‬وهي التي يدار منها تحت الحنك َكوْر‪ ،‬أو كَوران‪ ،‬سواء أكان لها ذؤابة أم ل؛‬
‫لنها عمامة العرب‪ ،‬ويشق نزعها‪ ،‬وهي أكثر سترا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مر اقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،23‬فتح القدير‪ ،109/1:‬اللباب‪ 54/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬العمامة‪ :‬غطاء الرأس‪ ،‬وال ُقفّاز‪ :‬يعمل لليدين محشوا بقطن له أزرار‪ ،‬يُزَرّ على الساعدين من‬
‫البرد‪ ،‬تلبسه النساء‪ ،‬ويتخذه الصياد من جلد أو لبد‪ ،‬اتقاء مخالب الصقر‪ .‬والقَلَنسُوة‪ :‬لباس للرأس‬
‫مختلف النواع والشكال‪ ،‬والبُ ْرقُع‪ :‬النقاب الذي تضعه نساء العراب على وجوههن‪.‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪126/1:‬وما بعدها‪ 134 ،‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪.304-300/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد والبخاري وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه مسلم‪ ،‬والترمذي وصححه‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه الجماعة إل البخاري وأبا داود‪ ،‬وفي رواية لحمد‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫«امسحوا على الخفين والخمار» (نيل الوطار‪.)164/1:‬‬

‫( ‪)1/436‬‬
‫أو تكون ذات ذؤابة‪ :‬وهي طرف العمامة المرخي؛ لن إرخاء الذؤابة من السنة‪ ،‬قال ابن عمر‪« :‬عمّ‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم عبد الرحمن بعمامة سوداء‪ ،‬وأرخاها من خلفه‪ ،‬قدر أربع أصابع» ‪ .‬فل‬
‫يجوز المسح على العمامة الصماء‪ ،‬لنها لم تكن عمامة المسلمين‪ ،‬ول يشق نزعها‪ ،‬فهي كالطاقية‪.‬‬

‫ً‪ - 3‬أن تكون لذكر‪ ،‬ل أنثى؛ لنها منهية عن التشبه بالرجال‪ ،‬فل تمسح أنثى على عمامة‪ ،‬ولو‬
‫لبستها لضرورة برد وغيره‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه‪ ،‬كمقدم الرأس والذنين وجوانب الرأس‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر‪ ،‬ولم يقدر على مسح ماتحتها مما‬
‫هي ملفوفة عليه كالقلنسوة‪ .‬فإن قدر على مسح بعض الرأس‪ ،‬أتى به وكمل على العمامة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ليجوز القتصار على مسح العمامة‪ ،‬لحديث أنس السابق‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم يتوضأ‪ ،‬وعليه عمامة ِقطْرية ( من صنع قَطَر )‪ ،‬فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدّم‬
‫رأسه‪ ،‬ولم ينقض العمامة» (‪ )2‬؛ ولن ال فرض المسح على الرأس‪ ،‬والحديث في العمامة محتمل‬
‫التأويل‪ ،‬فل يترك المتيقن للمحتمل‪ ،‬والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس‪.‬‬
‫قال الشوكاني (‪ : )3‬والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس فقط‪ ،‬وعلى العمامة فقط‪ ،‬وعلى الرأس‬
‫والعمامة‪ ،‬والكل صحيح ثابت‪ ،‬فقصر الجزاء على بعض ماورد لغير موجب‪ ،‬ليس من دأب‬
‫المنصفين‪.‬‬
‫سابعا ‪ -‬المسح على الجوارب‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على جواز المسح على الجوربين (‪ )4‬إذا كانا مجلّدين أو منعلين (‪ ، )5‬واختلفوا في‬
‫الجوربين العاديين على اتجاهين‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،163/1:‬الشرح الصغير‪ 203/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر‪ :‬في إسناده نظر (نيل الوطار‪.)157/1:‬‬
‫(‪ )3‬نيل الوطار‪.166/1:‬‬
‫(‪ )4‬الجورب‪ :‬لفافة الرجل‪ ،‬قال الزركشي‪ :‬هو غشاء من صوف يتخذ للدفء‪ .‬وقال في شرح المنتهى‬
‫عند الحنابلة‪ :‬ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل‪ ،‬على هيئة الخف من غير الجلد‪ ،‬أي سواء أكان‬
‫مصنوعا من صوف أو قطن أو شعر أو جوخ أو كتان‪.‬‬
‫(‪ )5‬يقال أنعلت خفي ودابتي‪ ،‬ونعّلت بالتشديد‪ ،‬والخفان منعلن بسكون النون‪ ،‬أو منعلن بتشديد العين‬
‫وفتح النون‪.‬‬

‫( ‪)1/437‬‬

‫اتجاه يمثله جماعة‪ :‬وهم أبو حنيفة والمالكية والشافعية‪ :‬ليجوز‪ ،‬واتجاه آخر يمثله الحنابلة‪،‬‬
‫والصاحبان من الحنفية وعلى رأيهما الفتوى‪ :‬يجوز‪.‬‬
‫وهذه آراء المذاهب (‪: )1‬‬
‫قال أبو حنيفة‪ :‬ليجوز المسح على الجوربين‪ ،‬إل أن يكونا مجلّدين أو منعلين‪ ،‬لن الجورب ليس في‬
‫معنى الخف؛ لنه ليمكن مواظبة المشي فيه‪ ،‬إل إذا كان منعلً‪ ،‬وهو محمل الحديث المجيز للمسح‬
‫على الجورب‪.‬‬
‫والمجلد‪ :‬هو الذي وضع الجلد أعله وأسفله‪.‬‬
‫إل أنه رجع إلى قول الصاحبين في آخر عمره‪ ،‬ومسح على جوربيه في مرضه‪،‬وقال لعواده‪ :‬فعلت‬
‫ماكنت أمنع الناس عنه‪ ،‬فاستدلوا به على رجوعه‪ .‬وقال الصاحبان‪ ،‬وعلى رأيهما الفتوى في المذهب‬
‫الحنفي‪ :‬يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين‪ ،‬ل يشفان ( ل يرى ما وراءهما )؛ لن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم مسح على جوربيه (‪ ، )2‬ولنه يمكن المشي في الجورب إذا كان ثخينا‪،‬‬
‫كجوارب الصوف اليوم‪ .‬وبه تبين أن المفتى به عند الحنفية‪ :‬جواز المسح على الجوربين الثخينين‪،‬‬
‫بحيث يمشي عليهما فرسخا فأكثر‪ ،‬ويثبت على الساق بنفسه‪ ،‬ول يرى ما تحته ول يشف‪ .‬واشترط‬
‫المالكية كأبي حنيفة‪ :‬أن يكون الجوربان مجلّدين ظاهرهما وباطنهما‪ ،‬حتى يمكن المشي فيهما عادة‪،‬‬
‫فيصيران مثل الخف‪ .‬وهو محمل أحاديث المسح على الجوربين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 248/1:‬وما بعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 108/1:‬وما بعدها‪ ،‬البدائع‪ ،10/1:‬مراقي الفلح‪:‬‬
‫ص ‪ ،21‬بداية المجتهد‪ ،19/1 :‬الشرح الصغير‪ ،153/1:‬الشرح الكبير‪ ،141/1:‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،66/1‬المجموع‪ 539/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ ،21/1:‬المغني‪ ،295/1:‬كشاف القناع‪.130 ،124/1:‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث المغيرة بن شعبة عند أصحاب السنن الربعة‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن‬
‫صحيح‪ ،‬ومن حديث أبي موسى عند ابن ماجه والطبراني‪ ،‬ومن حديث بلل عند الطبراني‪ ،‬وفي‬
‫الخيرين ضعف (نصب الراية‪ 184/1:‬وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/438‬‬
‫وأجاز الشافعية المسح على الجورب بشرطين‪:‬‬
‫أحدهما ـ أن يكون صفيقا ل يشف بحيث يمكن متابعة المشي عليه‪.‬‬
‫والثاني ـ أن يكون منعلً‪.‬‬

‫فإن اختل أحد الشرطين لم يجز المسح عليه‪ ،‬لنه ل يمكن متابعة المشي عليه حينئذ كالخرقة‪ .‬قال‬
‫البيهقي عن حديث المغيرة «أن النبي صلّى ال عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه» ‪ :‬إنه ضعيف‪،‬‬
‫وضعف المحدثون حديثي أبي موسى وبلل‪.‬‬
‫وأباح الحنابلة المسح على الجورب بالشرطين المذكورين في الخف وهما‪:‬‬
‫الول ـ أن يكون صفيقا ل يبدو منه شيء من القدم‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يمكن متابعة المشي فيه‪ ،‬وأن يثبت بنفسه‪.‬‬
‫ودليلهم ما روي من إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة‪ :‬علي وعمار‪ ،‬وابن مسعود‪،‬‬
‫وأنس‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬والبراء‪ ،‬وبلل‪ ،‬وابن أبي أوفى‪ ،‬وسهل بن سعد‪ ،‬وبه قال جماعة من مشاهير‬
‫التابعين كعطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والثوري‪.‬‬
‫وثبت في السنة النبوية المسح على الجوربين منها‪:‬‬
‫حديث المغيرة‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم توضأ‪ ،‬ومسح على الجوربين والنعلين» (‪. )1‬‬
‫وحديث بلل‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يمسح على المُوقَين والخمار» (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة إل النسائي وصححه الترمذي‪ .‬وروي هذا الحديث عن أبي موسى الشعري‪ ،‬وليس‬
‫بالمتصل ول بالقوي (نيل الوطار‪ )179/1:‬ويلحظ أن الزيلعي ذكر النسائي من رواة حديث‬
‫المغيرة‪ ،‬ولكن ابن تيمية في منتقى الخبار استثنى النسائي‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والترمذي والطبراني‪ ،‬والموق‪ :‬الذي يلبس فوق الخف‪ ،‬أو الخف المقطوع الساقين‪.‬‬
‫والخمار‪ :‬العمامة‪ ،‬أو النصيف في رواية سعيد بن منصور عن بلل‪« :‬امسحوا على النصيف‬
‫والخمار» (المرجع السابق)‪.‬‬

‫( ‪)1/439‬‬
‫والراجح رأي الحنابلة لستناده لفعل الصحابة والتابعين‪ ،‬ولما ثبت عن النبي صلّى ال عليه وسلم في‬
‫حديث المغيرة‪ .‬وهو الرأي المفتى به عند الحنفية‪.‬‬
‫ويمسح على الجوربين إلى خلعهما مدة يوم وليلة للمقيم‪ ،‬وثلثة أيام للمسافر‪ ،‬ويجب عند الحنابلة أن‬
‫يمسح على الجوربين‪ ،‬وعلى سيور النعلين‪ ،‬بقدر الواجب في المسح على الخفين‪.‬‬
‫ثامنا ـ المسح على الجبائر‪:‬‬
‫معنى الجبيرة‪ ،‬مشروعية المسح عليها‪ ،‬حكمه‪ ،‬شرائط جواز المسح على الجبيرة‪ ،‬القدر المطلوب‬

‫مسحه‪ ،‬هل يجمع بين المسح والتيمم؟ هل تجب إعادة الصلة بعده؟ نواقض المسح على الجبيرة‪،‬‬
‫الفوارق بينه وبين المسح على الخفين‪.‬‬
‫معنى الجبيرة‪ :‬الجبيرة والجِبارة‪ :‬خشب أو قصب يسوّى ويشد على موضع الكسر أو الخلع لينجبر (‬
‫‪ . )1‬وفي معناها‪ :‬جبر الكسور بالجِبْس‪ ،‬وفي حكمها‪ :‬عصابة الجراحة ولو بالرأس‪ ،‬وموضع الفصد‬
‫(‪ )2‬والكي‪ ،‬وخرقة القرحة‪ ،‬ونحو ذلك من مواضع العمليات الجراحية‪ .‬قال ابن جزي المالكي‪:‬‬
‫الجبائر‪ :‬هي التي تشد على الجراح والقروح والفصادة (‪. )3‬‬
‫مشروعية المسح على الجبيرة‪ :‬المسح على الجبائر جائز شرعا بالسنة والمعقول‪.‬‬
‫أما السنة‪ :‬فأحاديث منها‪ :‬حديث علي بن أبي طالب‪ ،‬قال‪« :‬انكسرت إحدى زندي‪ ،‬فسألت النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬فأمرني أن أمسح على الجبائر» (‪. )4‬‬
‫ومنها حديث جابر في الرجل الذي شُجّ (كسر) فاغتسل‪ ،‬فمات‪ ،‬فقال النبي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،94/1:‬وعرفها ابن قدامة في المغني‪ :277/1:‬ما يعد لوضعه على الكسر لينجبر‪.‬‬
‫(‪ )2‬يقال‪ :‬فصد المريضَ‪ :‬أخرج مقدارا من دم وريده بقصد العلج‪.‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪. 39‬‬
‫(‪ )4‬رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي بسند واه جدا (نصب الراية‪ 186/1:‬وما بعدها‪ ،‬سبل السلم‪:‬‬
‫‪.)99/1‬‬

‫( ‪)1/440‬‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما كان يكفيه أن يتيمم‪ ،‬و َي ْعصِب على جُرْحه خِرْقة‪ ،‬ثم يمسح عليها‪ ،‬ويغسل‬
‫سائر جسده» (‪. )1‬‬
‫وأما المعقول‪ :‬فهو أن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبائر؛ لن في نزعها حرجا وضررا‪ .‬قال‬
‫المرغيناني في الهداية‪ :‬إن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف‪ ،‬فكان أولى بشرع المسح (‪. )2‬‬
‫حكمه ـ هل المسح على الجبيرة واجب أو سنة؟‬
‫قال أبو حنيفة وصاحباه (‪ )3‬في الصح وعليه الفتوى‪ :‬المسح على الجبائر واجب؛ وليس بفرض‪،‬‬
‫لكن قال أبو حنيفة‪ :‬وإذا كان المسح على الجبيرة يضره سقط عنه المسح؛ لن الغسل يسقط بالعذر‪،‬‬
‫فالمسح أولى‪ .‬ودليل الوجوب‪ :‬أن الفرضية لتثبته إل بدليل مقطوع به‪ .‬وحديث علي ـ المتقدم ـ‬
‫من أخبار الحاد‪ ،‬فل تثبت الفرضية به‪ .‬وبه يظهر أن المام وصاحبيه اتفقوا على الوجوب بمعنى‬

‫عدم جواز الترك‪ ،‬لكن عنده يأثم بتركه فقط مع صحة الصلة بدونه‪ ،‬ووجوب إعادتها‪ ،‬فهو يريد‬
‫الوجوب الدنى‪ ،‬وعندهما‪ :‬ل تصح الصلة بدونه فهما أرادا الوجوب العلى‪.‬‬
‫وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (‪ : )4‬المسح على الجبائر بماء‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بسند ضعيف‪ .‬وقال البيهقي‪ :‬هذا الحديث أصح ما روي في هذا الباب‪ ،‬مع اختلف‬
‫في إسناده (نصب الراية‪ ،187/1:‬سبل السلم‪ )99/1:‬قال الشوكاني‪( :‬نيل الوطار‪ :)258/1:‬وقد‬
‫تعاضدت طرق حديث جابر‪ ،‬فصلح للحتجاج به على المطلوب‪ ،‬وقوي بحديث علي‪ ،‬ولكن حديث‬
‫جابر قد دل على الجمع بين الغسل والمسح والتيمم‪.‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪.109/1:‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 13/1:‬وما بعدها‪ ،‬رد المحتار لبن عابدين‪ .257/1 :‬وهذا هو التحقيق خلفا لما ذكر في‬
‫البدائع‪ :‬أن المسح عند أبي حنيفة مستحب ل واجب‪ ،‬وعند الصاحبين‪ :‬واجب‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الصغير‪ ،202/1:‬الشرح الكبير‪ ،163/1 :‬مغني المحتاج‪ 94/1:‬وما بعدها‪ ،‬بجيرمي‬
‫الخطيب‪ ،265-262/1:‬المغني‪ ،286/1 :‬كشاف القناع‪ 127/1:‬وما بعدها‪ 135،‬وما بعدها‪ ،‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،39‬المهذب‪.37/1:‬‬

‫( ‪)1/441‬‬
‫واجب أي فرض‪ ،‬استعمالً للماء ما أمكن‪ ،‬وقياسا على الخفين بجامع الضرورة وبطريق الولى‪،‬‬
‫وللمر به في حديث علي ـ مع ضعفه ـ ‪« :‬امسح على الجبائر» والمر للوجوب‪.‬‬
‫ول يجوز اتفاقا المسح على جبيرة رِجْل مع مسح خف الخرى الصحيحة‪ ،‬وإنما يجمع بين المسح‬
‫والغسل‪.‬‬
‫شرائط المسح على الجبيرة‪ :‬يشترط لجوازه ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬أل يمكن نزع الجبيرة‪ ،‬أو يخاف من نزعها بسبب الغسل حدوث مرض‪ ،‬أو زيادته‪ ،‬أو تأخر‬
‫البرء كما في التيمم‪ .‬قال المالكية‪ :‬يجب المسح إن خيف هلك أو شدة ضرر أو أذى‪ ،‬كتعطيل منفعة‬
‫من ذهاب سمع أو بصر مثلً‪ ،‬ويجوز إن خيف شدة اللم أو تأخره بل شين‪ ،‬أو رمد أو دمل أو‬
‫نحوها‪.‬‬
‫وذلك إذا كان الجرح ونحوه في أعضاء الوضوء في حالة الحدث الصغر‪ ،‬أو في الجسد في حالة‬
‫الحدث الكبر‪.‬‬

‫ً‪ - 2‬أل يمكن غسل أو مسح الموضع نفسه بسبب الضرر‪ ،‬فإن قدر عليه فل مسح على الجبيرة‪،‬‬
‫وإنما يمسح على عين الجراحة إن لم يضر المسح بها‪ ،‬ول يجزئه المسح على الجبيرة‪ ،‬وإن لم يستطع‬
‫مسح على الجبيرة‪ .‬قال المالكية‪ :‬والرمد الذي ل يستطيع المسح على عينيه أو جبهته إن خاف‬
‫الضرر‪ ،‬يضع خرقة على العين أو الجبهة ويمسح عليها‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يترك المسح كالغسل إن ضر‪،‬‬
‫وإل ل يترك‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ل يمسح على محل المرض بالماء‪ ،‬وإنما يغسل الجزء الصحيح ويتيمم عن الجزء‬
‫العليل‪ ،‬ويمسح على الجبيرة إن وجدت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،13/1:‬الدر المختار‪ ،58/1:‬المراجع السابقة‪.‬‬

‫( ‪)1/442‬‬
‫ً‪ - 3‬أل تتجاوز الجبيرة محل الحاجة‪ ،‬فإن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة‪ ،‬وهو مال بد منه‬
‫للستمساك‪ ،‬وجب نزعها‪ ،‬ليغسل الجزء الصحيح من غير ضرر لنها‬
‫طهارة ضرورة‪ ،‬فتقدر بقدرها‪ ،‬فإن خاف من نزعها تلفا أو ضررا‪ ،‬تيمم لزائد على قدر الحاجة‪،‬‬
‫ومسح ما حاذى محل الحاجة‪ ،‬وغسل ما سوى ذلك‪ ،‬فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم‪ ،‬ول يجب‬
‫مسح موضع العلة بالماء‪ ،‬وإن لم يخف منه‪ ،‬لن الواجب إنما هو الغسل‪ ،‬لكن يستحب المسح‪ ،‬ول‬
‫يجب عليه وضع ساتر على العليل ليمسح على الساتر؛ لن المسح رخصة؛ فل يليق بها وجوب‬
‫المسح‪.‬‬
‫وهذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة‪ .‬وأوجب الشافعية أيضا التيمم مطلقا كما سيأتي‪.‬‬
‫وقال الحنفية عملً بما ذكر الحسن بن زياد‪ :‬إن كان حل الخرقة‪ ،‬وغسل ما تحتها من حوالي‬
‫الجراحة‪ ،‬مما يضر بالجرح‪ ،‬يجوز المسح على الخرقة الزائدة ويقوم المسح عليها مقام غسل ماتحتها‪،‬‬
‫كالمسح على الخرقة التي تلصق الجراحة‪ .‬وإن كان ذلك ل يضر بها‪ ،‬ل يجوز المسح إل على‬
‫الجراحة نفسها‪ ،‬ول يجوز على الجبيرة؛ لن الجواز على الجبيرةللعذر‪ ،‬ول عذر‪ .‬وهذا هو المقرر‬
‫أيضا عند المالكية‪ ،‬وبه يتبين أن الحنفية والمالكية لم يفرقوا بين ما إذا كانت الجبيرة قدر المحل‬
‫المألوم أو زادت عنه للضرورة‪.‬‬

‫( ‪)1/443‬‬

‫ً‪ - 4‬أن توضع الجبيرة على طهارة مائية‪ ،‬وإل وجبت إعادة الصلة‪ :‬هذا شرط عند الشافعية‬
‫والحنابلة؛ لن المسح على الجبيرة أولى من المسح على الخف‪ ،‬للضرورة فيها‪ ،‬ويشترط لبس الخف‬
‫على طهارة (وضوء أو غسل)‪ .‬ول تعاد الصلة إن كانت الجبيرة بقدر الستمساك‪ ،‬ووضعت على‬
‫طهر‪ ،‬وغسل الصحيح‪ ،‬وتيمم عن الجريح‪ ،‬ومسح على الجبيرة‪ .‬ولو شد الجبيرة على غير طهارة‪،‬‬
‫نزعها إن لم يتضرر‪ ،‬ليغسل ما تحتها‪ ،‬فإن خاف من نزعها تلفا أو ضررا‪ ،‬تيمم لغسل ما تحتها‪ ،‬ولو‬
‫عمت الجبيرة فرض التيمم (الوجه واليدين) كفى مسحها بالماء عند الحنابلة‪ ،‬وسقط التيمم‪ ،‬ويعيد‬
‫الصلة عند الشافعية لنه كفاقد الطهورين‪ .‬ولم يشترط الحنفية والمالكية‪ :‬وضع الجبيرة على طهارة‪،‬‬
‫فسواء وضعها وهو متطهر أو بل طهر‪ ،‬جاز المسح عليها ول يعيد الصلة إذا صح‪ ،‬دفعا للحرج‪.‬‬
‫وهذا هو المعقول؛ لنه يغلب في وضعها عنصر المفاجأة‪ ،‬فاشتراط الطهارة وقتئذ فيه حرج وعسر‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬أل يكون الجبر بمغصوب‪ ،‬ول بحرير محرم على الذكر‪ ،‬ول بنجس كجلد الميتة والخرقة‬
‫النجسة‪ ،‬فيكون المسح حينئذ باطلً‪ ،‬وتبطل الصلة أيضا‪ .‬وهذا شرط عند الحنابلة‪.‬‬
‫القدر المطلوب مسحه على الجبيرة‪:‬‬
‫المفتى به عند الحنفية (‪ : )1‬أنه يكفي مسح أكثر الجبيرة مرة‪ ،‬فل يشترط استيعاب وتكرار‪ ،‬ونية‬
‫اتفاقا‪ ،‬كما ل تطلب النية في مسح الخف والرأس أو العمامة‪ ،‬والفرق بينه وبين مسح الرأس والمسح‬
‫على الخفين‪ ،‬حيث ليشترط فيهما مسح الكثر‪ ،‬وإنما يكفي مقدار ثلث أصابع‪ :‬أن مسح الرأس شرع‬
‫بالقرآن بواسطة حرف الباء الذي اقتضى تبعيضه‪ ،‬والمسح على الخفين‪ :‬إن ثبت بالقرآن بقراءة‬
‫الجر‪ { :‬وأرجلكم } [المائدة‪ ،]6/5:‬فحكمه حكم المعطوف عليه‪ ،‬وإن ثبت بالسنة‪ ،‬فهي أوجبت مسح‬
‫البعض‪ .‬أما المسح على الجبائر‪ :‬فإنما ثبت بحديث علي رضي ال عنه‪ ،‬وليس فيه ما ينبئ عن‬
‫البعض‪ ،‬إل أن القليل سقط اعتباره دفعا للحرج‪ ،‬وأقيم الكثر مقامه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،260/1:‬فتح القدير‪ ،109/1:‬البدائع‪.12/1:‬‬

‫( ‪)1/444‬‬
‫والواجب عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (‪ : )1‬مسح الجبيرة كلها بالماء‪ ،‬استعمالً للماء‬
‫ما أمكن‪ ،‬ولن مسحها بدل عن غسل ما تحتها‪ ،‬وما تحت الجبيرة كان يجب استيعابه بالغسل‪ ،‬فكذا‬
‫المسح‪ ،‬ول ضرر في تعميمها بالمسح‪ ،‬بخلف الخف يشق تعميم جميعه‪ ،‬ويتلفه المسح‪.‬‬
‫وأوضح المالكية والحنفية أن الواجب الصلي هو غسل أو مسح المحل المجروح مباشرة إن أمكن بل‬

‫ضرر؛ فإن لم يستطع المسح عليه‪ ،‬مسح جبيرة الجرح‪ :‬وهي اللزقة التي فيها الدواء الذي يوضع‬
‫على الجرح ونحوه‪ ،‬أو على العين الرمداء؛ فإن لم يقدر على مسح الجبيرة أو تعذر حلها‪ ،‬مسحت‬
‫عصابته التي تربط فوق الجبيرة‪ .‬ولو تعددت العصائب‪ ،‬فإنه يمسح عليها‪ .‬ول يجزيه المسح على ما‬
‫فوق العصائب إن أمكنه المسح على ما تحتها أو مسح أسفلها‪.‬‬
‫ول يقدر المسح بمدة‪ ،‬بل له الستدامة إلى الشفاء (الندمال)؛ لنه لم يرد فيه تأقيت‪ ،‬ولن الساتر ل‬
‫ينزع للجنابة‪ ،‬بخلف الخف‪ ،‬ولن مسحها للضرورة‪ ،‬فيقدر بقدرها‪ ،‬والضرورة قائمة إلى حلّها أو‬
‫برء الجرح عند الجمهور‪ ،‬وإلى البرء عند الحنفية‪.‬‬
‫ويمسح الجنب ونحوه متى شاء‪ .‬ويمسح المحدث عند الشافعية والحنابلة وقت غسل الجزء العليل‪،‬‬
‫عملً بمبدأ الترتيب المطلوب عندهم‪ ،‬وله تقديم التيمم على المسح والغسل وهو أولى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،163/1:‬الشرح الصغير‪ ،203/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،39‬المهذب‪ ،37/1:‬مغني‬
‫المحتاج‪ 94/1:‬وما بعدها‪ ،‬بجيرمي الخطيب‪ ،262/1:‬كشاف القناع‪ 128/1:‬وما بعدها‪.135،‬‬

‫( ‪)1/445‬‬
‫ويجب مسح الساتر‪ ،‬ولو كان به دم؛ لنه يعفى عن ماء الطهارة (‪ ، )1‬ومسحه بدل عما أخذه من‬
‫الجزء الصحيح‪ .‬فلو لم يأخذ الساتر شيئا‪ ،‬أو أخذ شيئا وغسله‪ ،‬لم يجب مسحه على المعتمد عند‬
‫الشافعية‪.‬‬
‫وذكر الشافعية‪ :‬أنه لو برأ وهو على طهارة‪ ،‬بطل تيممه لزوال علته‪ ،‬ووجب غسل موضع العذر‪،‬‬
‫جنبا كان أو محدثا‪ ،‬ول يجدد (يستأنف) الطهارة كلها‪ ،‬لن بطلن بعضها ل يقتضي بطلن كلها‪،‬‬
‫ويجب على المحدث عندهم أن‬
‫يغسل ما بعد موضع العذر‪ ،‬رعاية للترتيب كما لو أغفل لمعة‪ ،‬بخلف الجنب ل يغسل ما بعد موضع‬
‫العذر‪ ،‬لعدم اشتراط الترتيب في الغسل‪ ،‬باتفاق الفقهاء‪.‬‬
‫هل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم؟‬
‫يرى الحنفية والمالكية (‪ : )2‬الكتفاء بالمسح على الجبيرة‪ ،‬فهو بدل لغسل ما تحتها‪ ،‬ول يضم إليه‬
‫التيمم؛ إذ ل يجمع بين طهارتين‪.‬‬
‫ويرى الشافعية في الظهر (‪ : )3‬أنه يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم‪ ،‬فيغسل الجزء الصحيح‪،‬‬
‫ويمسح على الجبيرة‪ ،‬ويتيمم وجوبا‪ ،‬لما روى أبو داود والدارقطني بإسناد كل رجاله ثقات عن جابر‬

‫في المشجوج الذي احتلم واغتسل‪ ،‬فدخل الماء شجته‪ ،‬فمات‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إنما‬
‫كان يكفيه أن يتيمم‪ ،‬ويعصب على رأسه خرقة‪ ،‬ثم يمسح عليها‪ ،‬ويغسل سائر جسده» والتيمم بدل عن‬
‫غسل العضو العليل‪ ،‬ومسح الساتر بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الجزء الصحيح؛ لن الغالب أن‬
‫الساتر يأخذ زيادة على محل العلة‪ .‬فلو كان الساتر بقدر العلة فقط‪ ،‬أو بأزيد وغسل الزائد كله‪ ،‬ل‬
‫يجب المسح‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وعن الدم الذي عليه‪ ،‬وإن اختلط بماء المسح قصدا؛ لنه ضروري‪ ،‬وتتوقف صحة المسح عليه‬
‫(بجيرمي الخطيب‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،258/1:‬الشرح الكبير‪ ،163/1 :‬الشرح الصغير‪.202/1:‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،94/1:‬بجيرمي الخطيب‪262/1 :‬وما بعدها‪ ،‬حاشية الباجوري‪ ،101/1:‬المهذب‪:‬‬
‫‪.37/1‬‬

‫( ‪)1/446‬‬
‫ولو كان في بدنه جبائر كثيرة وأجنب وأراد الغسل‪ ،‬كفاه تيمم واحد عن الجميع؛ لن بدنه كعضو‬
‫واحد‪ .‬وفي حالة الحدث الصغر (الوضوء) يتعدد التيمم بعدد العضاء المريضة على الصح‪ ،‬كما‬
‫يتعدد مسح الجبيرة بتعددها‪ .‬وعليه‪ :‬إن كانت الجراحة في أعضاء الوضوء الربعة ولم تعممها فل بد‬
‫من ثلثة تيممات‪ :‬الول للوجه‪ ،‬والثاني لليدين‪ ،‬والثالث للرجلين‪ ،‬أما الرأس فيكفي فيه مسح ما قل‬
‫منه‪ ،‬فإن عمت الجراحة الرأس فأربعة تيممات‪ .‬وإن عمت العضاء كلها فتيمم واحد عن الجميع‬
‫لسقوط الترتيب بسقوط الغسل‪.‬‬
‫وتوسط الحنابلة (‪ )1‬فرأوا أنه يجزئ المسح على الجبيرة‪ ،‬من غير تيمم‪ ،‬إذا لم تجاوز الجبيرة قدر‬
‫الحاجة؛ لنه مسح على حائل‪ ،‬فأجزأ من غير تيمم‪ ،‬كمسح الخف‪ ،‬بل أولى؛ إذ صاحب الضرورة‬
‫أحق بالتخفيف (‪. )2‬‬
‫ويمسح ويتيمم إن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة‪ ،‬أو خيف الضرر من نزعها‪ ،‬ويكون التيمم للزائد‬
‫على قدر الحاجة‪ ،‬والمسح لما يحاذي محل الحاجة‪ ،‬والغسل لما سوى ذلك‪ ،‬فيجمع إذن بين الغسل‬
‫والمسح والتيمم‪ .‬وإذا لم يكن على الجرح عصاب‪ ،‬يغسل الصحيح ويتيمم للجرح‪ .‬وهو في تقديري‬
‫أولى الراء‪ .‬ويتعدد التيمم عندهم كما قرر الشافعية‪.‬‬
‫هل تجب إعادة الصلة بعد البرء؟‬

‫الذين لم يشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم المالكية والحنفية (‪ ، )3‬ورأيهم هو الحق‪ ،‬لم‬
‫يوجبوا إعادة الصلة بعد الصحة من الجرح‪ ،‬لجماع العلماء على جواز الصلة‪ ،‬وإذا جازت الصلة‪،‬‬
‫لم تجب إعادتها‪.‬‬
‫أما الذين اشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم الشافعية والحنابلة (‪ ، )4‬فقد أوجب الشافعية إعادة‬
‫الصلة‪ ،‬لفوات شرط الوضع على طهارة‪ ،‬ولو يوجبها الحنابلة إذا تيمم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪135/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪279/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬وفند الحنابلة حديث الشجة‪ ،‬فقالوا‪ :‬الستدلل بقصه صاحب الشجة ضعيف بأنه يحتمل أن الواو‬
‫فيه بمعنى ( أو )‪ ،‬ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،39‬الدر المختار‪.258/1:‬‬
‫(‪ )4‬بجيرمي الخطيب‪ ،265/1:‬كشاف القناع‪.131/1 :‬‬

‫( ‪)1/447‬‬
‫وتعاد الصلة عند الشافعية في الحوال الثلثة التالية (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬إذا كانت الجبيرة في أعضاء التيمم (الوجه واليدين) مطلقا‪ ،‬سواء على طهر أو حدث‪.‬‬
‫‪ - 2‬إذا وضعت الجبيرة على غير طهر (حدث) سواء في أعضاء التيمم أو في غيرها‪.‬‬
‫‪ - 3‬إذا زادت الجبيرة على قدر الحاجة أو الستمساك‪ ،‬مطلقا‪ ،‬سواء طهر أو حدث‪.‬‬
‫ول تعاد الصلة عندهم في حالتين وهما‪:‬‬
‫‪ - 1‬إذا كانت في غير أعضاء التيمم‪ ،‬ولم تأخذ من الصحيح شيئا‪ ،‬ولو على حدث‪.‬‬
‫‪ - 2‬إذا كانت في غير أعضاء التيمم‪ ،‬ووضعها على طهر‪ ،‬ولو زادت على قدر الحاجة‪.‬‬
‫نواقض المسح على الجبيرة‪:‬‬
‫يبطل المسح على الجبيرة في حالتين هما (‪: )2‬‬
‫ً‪ - 1‬نزعها وسقوطها‪ :‬قال الحنفية‪ :‬يبطل المسح على الجبيرة إن سقطت عن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بجيرمي الخطيب‪ ،265/1 :‬حاشية الباجوري‪ ،100/1:‬مغني المحتاج‪ ،107/1:‬المهذب‪.37/1:‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،14/1:‬فتح القدير‪ ،110/1 :‬اللباب‪ ،46/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،23‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،39‬الشرح الصغير‪ ،206/1:‬الشرح الكبير‪ ،166/1:‬بجيرمي الخطيب‪ ،262/1 :‬كشاف القناع‪:‬‬

‫‪ .137-136/1‬برء‪ ،‬لزوال العذر‪ ،‬وإن كان في الصلة‪ ،‬استأنف الصلة بعد الوضوء الكامل؛ لنه‬
‫قدر على الصل قبل حصول المقصود بالبدل‪.‬‬
‫وإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح؛ لن العذر قائم‪ ،‬والمسح عليها كالغَسْل لما تحتها ما دام‬
‫العذر قائما‪ :‬أي أن بطلن المسح على الجبيرة في الحقيقة يكون بالبرء‪ ،‬ويجوز تبديلها بغيرها ول‬
‫يجب إعادة المسح عليها‪ ،‬والفضل إعادته‪.‬‬

‫( ‪)1/448‬‬
‫وإذا رمد‪ ،‬وأمَره طبيب مسلم حاذق أل يغسل عينه‪ ،‬أو انكسر ظفره‪ ،‬أو حصل به داء‪ ،‬وجعل عليه‬
‫دواء‪ ،‬جاز له المسح للضرورة‪ ،‬وإن ضره المسح تركه؛ لن الضرورة تقدر بقدرها‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يبطل المسح بنزع الجبيرة أو سقوطها للمداواة أو غيرها‪ ،‬فإذا صح غسل الموضع‬
‫على الفور‪ ،‬وإن لم يصح وبدّلها للمداواة‪ ،‬أعاد المسح‪ ،‬وإن سقطت الجبيرة وهو في الصلة‪ .‬بطلت‬
‫الصلة‪ ،‬وأعاد الجبيرة في محلها‪ ،‬وأعاد المسح عليها‪ ،‬إن لم يطل الفاصل‪ ،‬ثم ابتدأ صلته‪ ،‬لن‬
‫طهارة الموضع قد انتقضت بظهوره‪.‬‬
‫ويمسح المتوضئ رأسه إن سقط الساتر‪ ،‬الذي كان قد مسح عليه من الجبيرة أو العصابة أو العمامة‪،‬‬
‫ثم صلى إن طال فاصل سقوط الساتر نسيانا‪ ،‬وإل ابتدأ طهارة جديدة أي أعاد الوضوء‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬لو سقطت جبيرته في الصلة‪ ،‬بطلت صلته‪ ،‬سواء أكان قد برئ‪ ،‬أم ل‪ ،‬كانقلع‬
‫الخف‪ .‬وفي حالة البرء تبطل الطهارة أيضا‪ ،‬فإن لم يبرأ رد الجبيرة إلى موضعها ومسح عليها فقط‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬زوال الجبيرة كالبرء‪ ،‬ولو قبل برء الكسر أو الجرح‪ ،‬وبرؤها كخلع الخف‪ ،‬يبطل‬
‫المسح؛ والطهارة والصلة كلها‪ ،‬وتستأنف من جديد‪ ،‬لن مسحها بدل عن غسل ما تحتها‪ ،‬إل أنه في‬
‫الطهارة الكبرى من الجنابة يكفي بزوال الجبيرة غسل ما تحتها فقط‪ .‬وفي الطهارة الصغرى‬
‫(الوضوء) إن كان سقوطها عن برء توضأ فقط‪ ،‬وإن كان سقوطها عن غير برء‪ ،‬أعاد الوضوء‬
‫والتيمم‪.‬‬
‫وهكذا يتبين أن الجمهور غير الحنفية يقررون بطلن المسح على الجبيرة بنزعها أو سقوطها‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الحدث‪ :‬يبطل المسح على الجبيرة بالتفاق بالحدث‪ .‬لكن إذا أحدث صاحب الجبيرة يعيد عند‬
‫الشافعية (‪ )1‬ثلثة أمور‪ :‬يغسل الصحيح‪ ،‬ويمسح على الجبيرة‪ ،‬ويتيمم‪ .‬فإن لم يحدث وأراد صلة‬
‫فرض آخر‪ ،‬تيمم فقط‪ ،‬ولم يعد غسلً ول مسحا؛ لن الواجب عندهم إعادة التيمم لكل فريضة (‪. )2‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬حاشية الباجوري‪.101/1:‬‬
‫(‪ )2‬هناك ملحظة ذكرها الشافعية عن حكم حمصة الكي‪ :‬إن قام غيرها مقامها في مداواة الجرح‪ ،‬لم‬
‫يعف عنها‪ ،‬ول تصح الصلة مع حملها‪ .‬وإن لم يقم غيرها مقامها‪ ،‬صحت الصلة معها‪ ،‬ول يضر‬
‫انتفاخها في المحل‪ ،‬ما دامت الحاجة داعية إليها‪ ،‬وبعد انتهاء الحاجة‪ ،‬يجب نزعها‪ ،‬فإن تركه بل‬
‫عذر‪ ،‬ضر‪ ،‬ول تصح صلته (بجيرمي الخطيب‪ )265/1:‬وقال الحنفية‪ :‬ينقض الوضوء بالدم الخارج‬
‫من محل كي الحمصة إن سال عن محله وذلك بمجرد ابتلل الرباط (رد المحتار‪.)129/1:‬‬

‫( ‪)1/449‬‬
‫أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة ‪:‬‬
‫ذكر الحنفية فروقا بين هذين النوعين من المسح‪ ،‬وهي سبعة وعشرون وجها‪ ،‬وأضاف ابن عابدين‬
‫لها عشرة أخرى‪ ،‬أهمها ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬المسح على الجبائر غير مؤقت باليام‪ ،‬بل هو موقت بالبرء‪ ،‬أما المسح على الخفين فهو‬
‫بالشرع مؤقت باليام‪ ،‬للمقيم يوم وليلة‪ ،‬وللمسافر ثلثة أيام بلياليها‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬ل تشترط الطهارة لوضع الجبائر‪ ،‬فيجوز المسح عليها للمحدث‪ .‬وتشترط الطهارة للبس الخفين‪،‬‬
‫فل يجوز المسح عليهما للمحدث‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬إذا سقطت الجبائر ل عن برء ل ينتقض المسح‪ ،‬وسقوط الخفين أو أحدهما يوجب انتقاض‬
‫المسح‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬المسح على الجبائر جائز إذا كان يضره المسح على الجراحة‪ ،‬فإن لم يضره فل يمسح على‬
‫الجبائر‪ .‬أما المسح على الخفين فهو جائز ولو لم يعجز عن غسل الرجلين‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬المسح على الجبائر جائز ولو كانت في غير الرجلين‪ .‬أما المسح على الخفين فمحصور في‬
‫الرجلين‪.‬‬
‫وتعرف بقية الفروق من طبيعة كل النوعين وشروطهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 14/1:‬وما بعدها‪ ،‬فتح القدير وحاشية العناية‪ 109/1:‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار وحاشية ابن‬
‫عابدين‪.260-259/1:‬‬

‫( ‪)1/450‬‬

‫وذكر الحنابلة خمسة فروق بين نوعي المسح المذكورين‪ ،‬وافقوا الحنفية في الفرق الول والثاني‬
‫والرابع‪ ،‬أما الفرقان الخران فهما‪ :‬أنه يمسح على الجبيرة في الطهارة الكبرى؛ لن الضرر يلحق‬
‫بنزعها فيها‪ ،‬بخلف الخف‪ ،‬ويجب عندهم استيعابها بالمسح لنه لضرر في تعميمها‪ ،‬بخلف الخف‬
‫فإنه يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.278/1:‬‬

‫( ‪)1/451‬‬
‫صلُ الخامِس‪ :‬الغَُسلُ‬
‫ال َف ْ‬
‫خصائصه‪ ،‬موجباته‪ ،‬فرائضه‪ ،‬سننه‪ ،‬مكروهاته‪ ،‬مايحرم على الجنب‪ ،‬الغسال المسنونة‪ .‬ملحقان به‪:‬‬
‫الول ـ في أحكام المساجد‪ ،‬والثاني ـ في أحكام الحمامات‪.‬‬
‫المطلب الول ـ خصائص الغسل‪:‬‬
‫الغسل المراد هنا بضم الغين أو فتحها‪ :‬هو فعل الغتسال‪ ،‬أو الماء الذي يغتسل به‪ .‬وهو لغة‪ :‬سيلن‬
‫الماء على الشيء مطلقا‪ .‬والغسل بكسر الغين‪ :‬ما يغسل به الشيء من أشنان وصابون ونحوه‪.‬‬
‫والغسل شرعا‪ :‬إفاضة الماء الطهور على جميع البدن على وجه مخصوص (‪. )1‬‬
‫وعرفه الشافعية بأنه‪ :‬سيلن الماء على جميع البدن مع النية (‪. )2‬‬
‫وعرفه المالكية بأنه‪ :‬إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلة مع الدلك (‪. )3‬‬
‫والصل في مشروعيته‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة‪ ،]6/5:‬وهو أمر بتطهير جميع‬
‫البدن‪ ،‬إل أن ما يتعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين خارج عن الرادة‪ ،‬لما في غسلهما من الضرر‬
‫والذى‪.‬‬
‫والقصد منه التنظيف‪ ،‬وتجديد الحيوية وإثارة النشاط؛ لن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد‪،‬‬
‫فتزال آثارها بالغتسال‪ .‬وفي الغسل ثواب لمتثال أمر الشارع‪ ،‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم فيما‬
‫أخرجه‪« :‬الطّهور شطر اليمان» أي جزء منه‪ ،‬وهو يشمل الوضوء والغسل‪.‬‬
‫وركنه‪ :‬عموم ما أمكن من الجسد‪ ،‬من غير حرج‪ ،‬بالماء الطهور‪.‬‬
‫وسببه‪ :‬إرادة ما ل يحل مع الجنابة‪ ،‬أو وجوبه (‪. )4‬‬
‫وحكمه‪ :‬حل ماكان ممتنعا قبله‪ ،‬والثواب بفعله‪ ،‬تقربا إلى ال ‪ .‬أما الستر للغسل‪ :‬فيجوز أن ينكشف‬
‫للغسل في خلوة‪ ،‬أو بحضرة من يجوز له نظره إلى عورته‪ ،‬والستر أفضل‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬

‫وسلم ل َبهْز بن حكيم‪« :‬احفظ عورتك إل من زوجتك أو ماملكت يمينك‪ ،‬قال‪ :‬أرأيت إن كان أحدنا‬
‫خاليا؟ قال‪ :‬ال أحق أن يستحيا منه من الناس» (‪. )5‬‬
‫المطلب الثاني ـ موُجِبات الغسل‪:‬‬
‫يسمى ما يوجب الغسل (حدثا أكبر)‪ ،‬كما يسمى ما يوجب الوضوء (حدثا أصغر)‪.‬‬
‫وموجبات الغسل على المكلف (البالغ العاقل) ذكرا أو أنثى عند الحنفية سبعة أسباب‪ ،‬وعند المالكية‪:‬‬
‫أربعة‪ ،‬وعند الشافعية خمسة‪ ،‬وعند الحنابلة ستة‪ ،‬وهي ما يأتي (‪: )6‬‬
‫‪ - 1‬خروج المني‪:‬‬
‫أي بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة‪ ،‬بلذة معتادة تدفقا‪ ،‬في حال النوم أو اليقظة بنظر‪ ،‬أو‬
‫فكر في جماع‪ ،‬أو بمباشرة فعلية‪ ،‬لنسان حي أو ميت‪ ،‬أو بهيمة‪ .‬إل أن الحنفية لم يوجبوا الغسل‬
‫بوطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة‪.‬‬
‫والمني‪ :‬هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة‪ .‬ومني المرأة رقيق أصفر ول غسل‬
‫للمذي والودي‪ ،‬أما المذي‪ :‬فهو رقيق أبيض مائل إلى البياض يخرج عند ملعبة الرجل أهله‪ .‬وأما‬
‫الودي فهو الغليظ من البول يعقب الرقيق منه‪.‬‬
‫ويعرف المني كما أبان الشافعية‪ :‬بتدفقه (بأن يخرج بدفعات)‪ ،‬أو لذة بخروجه مع فتور الذكر وانكسار‬
‫الشهوة عقبه‪ ،‬وإن لم يتدفق لقلته‪ ،‬أو خرج على لون الدم‪ ،‬كما يعرف أيضا بشم ريح عجين حنطة إذا‬
‫كان رطبا‪ ،‬أو ريح بياض بيض دجاج أو نحوه إذا كان جافا‪ ،‬وإن لم يلتذ منه ولم يتدفق‪ ،‬كأن خرج‬
‫باقي منيه بعد غسله‪ ،‬فيجب عليه إعادة الغسل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪.158/1 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.68/1:‬‬
‫(‪ )3‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪.160/1:‬‬
‫(‪ )4‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.15‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد وأصحاب السنن الربعة والحاكم والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده‪.‬‬
‫(‪ )6‬فتح القدير‪ ،44-41/1:‬الدر المختار‪ ،156-148/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،16‬اللباب‪،22/1:‬‬
‫الشرح الصغير‪ ،166-160/1:‬الشرح الكبير‪ ،130-126/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،30-25‬بداية‬
‫المجتهد‪ 44/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ 29/1 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،70-68/1:‬المغني‪-199/1:‬‬
‫‪ ،211‬كشاف القناع‪.167-158/1:‬‬

‫( ‪)1/452‬‬

‫والخلصة‪ :‬أن خروج المني ولو بحمل ثقيل أو سقوط من مكان مرتفع أو وجوده في الثوب مطلقا‪:‬‬
‫موجب للغسل عند الشافعية‪ ،‬سواء بشهوة أو غيرها‪ ،‬خرج من طريقه المعتاد أو من غيره ‪،‬كأن‬
‫انكسر صلبه فخرج منيه‪ ،‬إل أنه إذا خرج من غير طريقه المعتاد لمرض فليجب الغسل به‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬إذا خرج المني بغير اللذة أو الشهوة كمرض‪ ،‬أو برد أو كسر ظهر‪ ،‬من غير نائم أو‬
‫مجنو ن أو مغمى عليه أو سكران‪ ،‬لم يوجب غسلً‪ .‬وعلى هذا يكون نجسا يجب غسل المحل الذي‬
‫أصابه‪ ،‬كما أن سلس المني ل غسل عليه‪ ،‬وإنما يجب الوضوء فقط‪ .‬ومن رأى في ثوبه منيا فعليه‬
‫الغسل‪ .‬ومن رأى أنه قد احتلم ولم يجد منيا فل غسل عليه باتفاق العلماء‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬من موجبات الغسل احتياطا‪ :‬وجود بلل ظنه منيا بعد إفاقته من سكر أو إغماء‪ .‬كما‬
‫يجب الغسل عندهم بخروج مني الشخص منه بعد الغسل‪ .‬ويشترط عند الحنفية في المني الموجب‬
‫للغسل‪ :‬إنزاله على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة‪ ،‬فلو خرج بسبب حمل‬
‫ثقيل أو بسقوط من مكان ل يجب الغسل؛ لن الجنب في آية {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة‪:]6/5:‬‬
‫من خرج منه المني على وجه الشهوة‪.‬‬

‫( ‪)1/453‬‬
‫واتفق أئمة الحنفية على أنه ل يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره من الصلب بشهوة إل إذا خرج‬
‫على رأس الذكر‪ .‬وهناك خلف بينهم في أنه هل تشترط مقارنة الشهوة للخروج؟ فعند أبي حنيفة‬
‫ومحمد‪ :‬ل تشترط‪ .‬وعند أبي يوسف‪ :‬تشترط ‪ .‬وثمرة الخلف تظهر‪ :‬فيما لو احتلم فوجد اللذة‪ ،‬ولم‬
‫ينزل حتى توضأ وصلى ثم أنزل‪ ،‬اغتسل‪ ،‬ول يعيد الصلة في رأيهما‪ ،‬وليغتسل في رأيه‪ .‬ولو‬
‫اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول أو المشي‪ ،‬ثم خرج منه المني بل شهوة‪ ،‬يجب إعادة الغسل‬
‫عندهما‪ ،‬ل عنده‪ .‬وقولهما أحوط لن الجنابة قضاء الشهوة‪ ،‬فإذا وجدت مع النفصال تحقق اسمها‪.‬‬
‫وقال المالكية كالحنفية والحنابلة‪ :‬المني الموجب للغسل‪ :‬هو الخارج بلذة معتادة‪ ،‬فإن لم يخرج بلذة‬
‫معتادة‪ ،‬كأن خرج بنفسه لمرض أو ضربة أو سلس أو لدغة عقرب‪ ،‬فلغسل‪ ،‬وعليه الوضوء فقط‪.‬‬
‫كما أنه إذا خرج بلذة غير معتادة كمن حك لجرب بذكره‪ ،‬أو هزته دابة له‪ ،‬أو نزل بماء حار‪ ،‬فل‬
‫غسل وعليه الوضوء فقط‪ ،‬لكن في مسألة الماء الحار والجرب بغير الذكر‪ ،‬ل غسل ولو أحس بمبادئ‬
‫اللذة واستدام حتى أمنى‪ .‬لبعد الماء الحار عن شهوة الجماع‪ .‬أما في مسألة هز الدابة أو الجرب‬
‫بالذكر‪ ،‬فإن أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أنزل‪ ،‬وجب الغسل‪ ،‬لنه أقرب لشهوة الجماع‪ .‬ومن انتبه‬
‫من نومه‪ ،‬فوجد بللً في ثوبه أو بدنه‪ ،‬فشك هل هو مني أو مذي؟ وجب عليه الغسل؛ لن الشك مؤثر‬

‫في إيجاب الطهارة‪ .‬وليجب بالتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج ما لم تحبل منه‪ ،‬واتفقوا‬
‫على أن رطوبة الفرج طاهرة‪ ،‬وغسله سنة‪.‬‬
‫والدليل لوجوب الغسل بخروج المني‪ :‬حديث علي قال‪« :‬كنت رجلً مذّاء‪ ،‬فسألت النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬في المَذْي الوضوء‪ ،‬وفي المَ ِنيّ الغسل» (‪ )1‬ولحمد‪« :‬إذا حَ َذفْت الماء فاغتسل‬
‫من الجنابة‪ ،‬فإذا لم تكن حاذفا فل تغتسل» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه‪ ،‬وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى‪ ،‬وأخرجه البخاري‬
‫ومسلم من حديث علي مختصرا‪ .‬ومعنى « حذ ْفتَ » أي رميت بشهوة‪ ،‬فالخارج لمرض أو برد ل‬
‫يوجب الغسل (نيل الوطار‪.)218/1:‬‬

‫( ‪)1/454‬‬
‫وحديث أم سَلَمة‪« :‬أن أم سُلَيم قالت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن ال ل يسْتَحِي من الحق‪ ،‬فهل على المرأة‬
‫الغسل إذا احتلمت؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬إذا رأت الماء‪ ،‬فقالت أم سلمة‪ :‬وتحتلم المرأة؟ فقال‪ :‬تربت يداك‪ ،‬فيمَ‬
‫ُيشْبهها ولدها!!» (‪. )1‬‬
‫وقوله‪« :‬إذا رأت الماء» أي المني بعد الستيقاظ‪ .‬وتربت يداك أي افتقرت‪ ،‬ول يراد ذلك وإنما للزجر‬
‫(المرجع السابق‪ :‬ص ‪ .)219‬وليس في المذي والودي غسل‪ ،‬وفيهما الوضوء‪ ،‬وغسل الذكر‪ ،‬لقوله‬
‫عليه الصلة والسلم‪« :‬كل فحل يمذي‪ ،‬وفيه الوضوء» (‪. )2‬‬
‫‪ - 2‬التقاء الختانين (‪ )3‬ولو من غير إنزال‪:‬‬
‫حشَفة (رأس الذكر) أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق للجماع‪ ،‬قبلً أو دبرا‪،‬‬
‫أو الجنابة بمغيب َ‬
‫من ذكر أو أنثى‪ ،‬طائع أو مكره‪ ،‬نائم أو يقظان‪.‬‬
‫ولو من غير بالغ عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬فل يشترط التكليف‪ ،‬فيجنب الصبي والمجنون باليلج‪،‬‬
‫ويجب عليهما الغسل عند الشافعية بعد الكمال‪ ،‬ويصح الغسل من مميز ويؤمر به كالوضوء‪ .‬وأوجب‬
‫الحنابلة على صغير ابن عشر وطئ‪ ،‬وبنت تسع وطئت الغسل والوضوء إذا أرادا ما يتوقف عليه‬
‫الغسل كقراءة القرآن‪ ،‬أو الوضوء كالصلة والطواف‪.‬‬
‫واشترط المالكية والحنفية‪ :‬أن يكون الوطء من مكلف (بالغ عاقل) فل يجب الغسل على غير مكلف‪.‬‬
‫ويندب عند المالكية في المعتمد الغسل للمراهق والصغيرة التي وطئها بالغ‪ ،‬وقال الحنفية‪ :‬يمنع‬
‫المراهق من الصلة حتى يغتسل‪ ،‬ويؤمر به ابن عشر تأديبا‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أبو داود وأحمد من حديث عبد ال بن سعد النصاري‪ ،‬وأخرج إسحاق والطحاوي من‬
‫حديث علي نحوه (نصب الراية‪.)93/1:‬‬
‫(‪ )3‬الختانان‪ :‬موضع القطع من الذكر والفرج‪ .‬والتقاء الختانين‪ :‬كناية عن الجماع‪.‬‬

‫( ‪)1/455‬‬
‫ول يشترط النزال بالتفاق لن حديث «إنما الماء من الماء» منسوخ بالجماع‪ ،‬إل أن الحنفية استثنوا‬
‫وطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة إذا لم تزل بكارتها‪ ،‬فل يجب الغسل إل بالنزال‪ ،‬فإن لم‬
‫يوجد إنزال ولم تزل بكارة الصغيرة فل يجب الغسل ول الوضوء‪ ،‬وإنما يجب فقط غسل الذكر؛ لن‬
‫هذا الوطء غير مقصود في الطبع السليم (‪. )1‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬يجب الغسل بوطء الميتة والبهيمة‪ ،‬لنه إيلج في فرج كوطء الدمية في حياتها‪،‬‬
‫ووطء الدمية الميتة داخل في عموم الحاديث التية الموجبة للغسل‪.‬‬
‫وسواء أكان الوطء عند المالكية والشافعية بحائل أم بغير حائل‪ ،‬يوجب الغسل‪ ،‬إل أن المالكية قالوا‪:‬‬
‫الموجب للغسل فيما إذا لف الذكر بخرقة خفيفة ل كثيفة‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬يجب الغسل ولو كان على‬
‫الذكر خرقة خفيفة أو غليظة‪.‬‬
‫وقال الحنيفة والحنابلة‪ :‬ل يجب الغسل في حالة عدم النزال بإيلج بحائل كأن يلف على ذكره خرقة‬
‫أو يدخله في كيس‪ .‬واشترط الحنابلة والشافعية‪ :‬أن يكون اليلج في فرج أصلي‪ ،‬فل غسل بل إنزال‬
‫بإيلج في غير أصلي كإيلج رجل في قبل الخنثى‪ ،‬لعدم الفرج الصلي بيقين‪ ،‬أو إيلج الخنثى ذكره‬
‫في قبل أو دبر بل إنزال‪ ،‬لعدم تغييب الحشفة الصلية بيقين‪.‬‬
‫واشترط المالكية وغيرهم‪ :‬أن يكون اليلج في فرج مطيق‪ ،‬فل غسل في حالة عدم النزال‪ :‬بإيلج‬
‫بعض الحشفة أو بإيلج في فرج غير مطيق أو ما دون الفرج كالتفخيذ والتبطين‪ ،‬والتغييب بين‬
‫الشفرين‪ ،‬أو في هوى الفرج‪ ،‬والتصاق الختانين بدون إيلج‪ ،‬والسحاق (إتيان المرأة المرأة)‪ ،‬كل ذلك‬
‫ل غسل فيه بل إنزال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية ابن عابدين‪.154/1:‬‬

‫( ‪)1/456‬‬

‫والدلة على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬وإن كنتم جنبا فاطّهروا} [المائدة‪،]6/5:‬‬
‫وأحاديث كثيرة‪ :‬منها حديث «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل‪ ،‬وإن لم ينزل» (‪ )1‬وحديث « إذا‬
‫جهَدها‪ ،‬فقد وجب عليه الغسل » (‪ ، )2‬ولمسلم وأحمد‪« :‬وإن لم ينزل» ‪.‬‬
‫شعَبها الربع‪ ،‬ثم َ‬
‫جلس بين ُ‬
‫وحديث «إذا قعد بين شعبها الربع‪ ،‬ثم مس الخِتانُ الختانَ‪ ،‬فقد وجب الغسل» (‪ ، )3‬ولفظ الترمذي‪:‬‬
‫«إذا جاوز الختان الختان‪ ،‬وجب الغسل» وحديث أبي بن كعب قال‪« :‬إن الفُتْيا التي كانوا يقولون‪:‬‬
‫الماء من الماء‪ُ ،‬رخْصة‪ ،‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم رخص بها في أول السلم‪ ،‬ثم أمرنا‬
‫بالغتسال بعدها» (‪ ، )4‬وفي لفظ للترمذي وصححه‪« :‬إنما كان الماء من الماء‪ ،‬رخصة في أول‬
‫السلم‪ ،‬ثم نهي عنها» ‪.‬‬
‫فدل على أن حديث رافع بن خديج عند أحمد‪« :‬الماء من الماء» منسوخ‪ .‬وبه يرد على النصار الذين‬
‫كانوا يقولون‪ :‬ل يجب الغسل بالكسال (أي من غير إنزال)‪ ،‬إذ إن هذه الحاديث صريحة في إيجاب‬
‫الغسل من التقاء الختانين‪ ،‬أنزل أو لم ينزل‪ ،‬وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك‪ .‬وليس المراد من‬
‫التقاء الختانين‪ ،‬تجاورهما أو انضمامهما فقط‪ ،‬وإنما مجاوزة الختان الختان‪ ،‬فهو مجاز أريد به‬
‫اليلج أو إدخال الحشفة في الفرج (القبل أو الدبر) إذ الختانان محل القطع في الختان‪ ،‬وختان المرأة‬
‫فوق مخرج البول‪ ،‬ومخرج البول فوق مدخل الذكر‪.‬‬
‫وصرح الحنابلة وغيرهم بأنه يعاد غسل الميتة الموطوءة‪.‬‬
‫‪ - 4 ، 3‬الحيض والنفاس‪:‬‬
‫هذان يوجبان الغسل بالتفاق ‪ ،‬أما الحيض فلقوله تعالى‪ { :‬فاعتزلوا النساء في المحيض } [البقرة‪:‬‬
‫‪ ،]222/2‬ولخبر البخاري ومسلم أنه صلّى ال عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش‪« :‬إذا أقبلت‬
‫الحيضة‪ ،‬فدعي الصلة‪ ،‬وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم وابن ماجه عن عا ئشة وعبد ال بن عمرو‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الوطار‪ )219/1:‬وشعبها الربع‪ :‬قيل‪ :‬يداها ورجلها‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫رجلها وفخذاها‪ ،‬وقيل‪ :‬غير ذلك‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه‪ ،‬عن عائشة (المرجع السابق‪.)221/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود (المرجع السابق) وأما حديث رافع بن خديج‪« :‬الماء من الماء» عند أحمد‪،‬‬
‫ففيه راو مجهول‪ ،‬والظاهر ضعف الحديث (المرجع السابق‪.)222/1 :‬‬

‫( ‪)1/457‬‬

‫وأما النفاس‪ :‬فلنه دم حيض مجتمع‪.‬‬
‫وانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪{ :‬فإذا تطهرن فأتوهن}‬
‫[البقرة‪ ،]222/2:‬يعني‪ :‬إذا اغتسلن‪ ،‬قيل‪ :‬منع الزوج وطأها قبل الغسل‪ ،‬فدل على وجوبه عليها‪.‬‬
‫أما الولدة بل بلل‪ :‬فتوجب الغسل في المعتمد عند المالكية وفي المختار عند الحنفية‪ ،‬وفي الصح‬
‫عند الشافعية‪ ،‬لن المولود ولو كان عند الشافعية علقة أو مضغة ‪ :‬مني منعقد؛ ولنه ليخلو عن بلل‬
‫ل أو‬
‫غالبا‪ ،‬فأقيم مقامه‪ ،‬كالنوم مع الشيء الخارج‪ ،‬وتفطر به المرأة‪ .‬بخلف ما لو ألقت يدا أو رج ً‬
‫نحو ذلك‪ ،‬فإنه ل يجب عليها الغسل‪ ،‬ول تفطر به‪ ،‬بل تتخير بين الغسل والوضوء‪.‬‬
‫وقال الحنابلة على الراجح‪ :‬ل يجب الغسل بولدة عريت عن دم؛ لنه لنص فيه‪ ،‬ول هو في معنى‬
‫المنصوص‪ ،‬فل يبطل الصوم‪ ،‬ول يحرم الوطء بها قبل الغسل‪ ،‬ول يجب الغسل بإلقاء علقة أو مضغة‬
‫لن ذلك ليس بولدة‪ ،‬والولد طاهر‪ ،‬ومع الدم يجب غسله‪ ،‬كسائر الشياء المتنجسة‪.‬‬
‫ول يجب الغسل بدم الستحاضة‪ ،‬لكن يندب إذا انقطع‪.‬‬
‫‪ - 5‬موت المسلم غير الشهيد‪:‬‬
‫يجب تعبدا باتفاق المذاهب الربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد‪ ،‬الذي‬
‫ل جنابة منه‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في الذي سقط عن راحلته فمات‪« :‬اغسلوه بماء وسِدْر‪،‬‬
‫وكفّنوه في ثوبين» (‪ )1‬فهو دليل على وجوب غسل الميت‪ ،‬وقد غسل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وأبو بكر بعده‪ ،‬وتوارثه المسلمون‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه عن ابن عباس (سبل السلم‪ )92/1:‬والسدر‪ :‬شجر النّبق‪.‬‬

‫( ‪)1/458‬‬
‫‪ - 6‬إسلم الكافر‪ ،‬ولو مرتدا أو مميزا‪:‬‬
‫أوجب المالكية والحنابلة الغسل على الكافر إذا أسلم‪ ،‬لحديث قيس بن عاصم‪« :‬أنه أسلم فأمره النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر» (‪. )1‬‬
‫وقال الحنفية والشافعية‪ :‬إنه يستحب إذا لم يكن جنبا‪ ،‬ويجزئه الوضوء‪ ،‬لنه لم يأمر النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم كل من أسلم بالغسل‪ ،‬ولو كان واجبا لما خص بالمر به بعضا دون بعض‪ ،‬فيكون ذلك‬
‫قرينة تصرف المر إلى الندب‪.‬‬
‫ويجب الغسل على الكافر إذا أسلم جنبا‪ :‬للدلة القاضية بوجوبه‪ ،‬مثل آية‪{ :‬وإن كنتم جنبا فاطهروا}‬

‫[المائدة‪]6/5:‬؛ لنها لم تفرق بين كافر ومسلم‪.‬‬
‫خلصة ما يوجب الغسل وما ل يوجبه‪:‬‬
‫هذه موجبات الغسل الستة عند الحنابلة‪ .‬أما السباب السبعة عند الحنفية فهي‪ :‬خروج المني إلى ظاهر‬
‫الجسد بشهوة‪ ،‬وتواري حشفة أو قدرها من مقطوعها في أحد سبيلي آدمي حي‪ ،‬وإنزال المني بوطء‬
‫ميتة أو بهيمة‪ ،‬ووجود ماء رقيق بعد النوم إذا لم يكن ذكره منتشرا قبل النوم‪ ،‬ووجود بلل ظنه منيا‬
‫بعد إفاقته من سكر أو إغماء‪ ،‬وحيض‪ ،‬ونفاس‪ ،‬ثم أضافوا إليها‪ :‬ويفترض تغسيل الميت كفاية‪.‬‬
‫والربعة عند المالكية‪ :‬هي خروج المني‪ ،‬ومغيب الحشفة‪ ،‬والحيض‪ ،‬والنفاس‪.‬‬
‫والخمسة عند الشافعية‪ :‬هي موت‪ ،‬وحيض‪ ،‬ونفاس‪ ،‬وولدة بل بلل في الصح‪ ،‬وجنابة بدخول حشفة‬
‫أو قدرها فرجا وبخروج مني من طريقه المعتاد وغيره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة إل ابن ماجه‪ ،‬ورواه أيضا ابن حبان وابن خزيمة‪ ،‬وصححه ابن السكن (نيل‬
‫الوطار‪.)224/1 :‬‬

‫( ‪)1/459‬‬
‫ثم قال الحنفية‪ :‬عشرة أشياء ل يغتسل منها‪ :‬مذي‪ ،‬وودي‪ ،‬واحتلم بل بلل‪ ،‬وولدة من غير رؤية دم‬
‫بعدها‪ ،‬في قول أبي حنيفة‪ ،‬والصح كما أبان ابن عابدين وجوب الغسل لها احتياطا‪ ،‬وإيلج بخرقة ما‬
‫نعة من وجود اللذة على الصح‪ ،‬وحقنة‪ ،‬وإدخال أصبع ونحوه في أحد السبيلين‪ ،‬ووطء بهيمة أو ميتة‬
‫من غير إنزال‪ ،‬وإصابة بكر لم تُزل الصابة بكارتها من غير إنزال‪.‬‬
‫ويلحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل‪ ،‬كالحيض والجنابة‪ ،‬أو التقاء الختانين والنزال‪ ،‬أجزأه‬
‫غسل واحد‪ ،‬كما تنوب عند الجمهور نية الغسل عن الوضوء لدخوله تحته‪ ،‬بخلف العكس‪ ،‬وقال‬
‫الحنابلة‪ :‬لبد من نية الوضوء أيضا‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ فرائض الغسل‪:‬‬
‫ثبتت فرضية الغسل بالقرآن في قوله تعالى‪{ :‬وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة‪ ،]6/5:‬وقوله سبحانه‪:‬‬
‫{ل تقربوا الصلة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون‪ ،‬ول جنبا إل عابري سبيل حتى تغتسلوا}‬
‫[النساء‪.]43/4:‬‬
‫صفة غسل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إن كيفية الغسل الكامل عرفت بالسنة‪ :‬عن عائشة رضي ال‬
‫عنها قالت‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة‪ ،‬يبدأ فيغسل يديه‪ ،‬ثم يُفرغ‬

‫بيمينه على شماله‪ ،‬فيغسل فرجه‪ ،‬ثم يتوضأ (‪ ، )1‬ثم يأخذ الماء‪ ،‬فيدخل أصابعه في أصول الشعر‪ ،‬ثم‬
‫حفَنات (‪ ، )2‬ثم أفاض الماء على سائر جسده‪ ،‬ثم غسل رجليه» (‪. )3‬‬
‫حفَن على رأسه ثلث َ‬
‫َ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أجمع العلماء على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسيا برسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولنه‬
‫أعون على الغسل‪ ،‬وأهذب فيه (المغني‪.)219/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الحفنة‪ :‬ملء الكف‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪ ،‬واللفظ لمسلم (سبل السلم‪ )89/1:‬وروي مثله عن عائشة‪ ،‬وعن ميمونة‪.‬‬

‫( ‪)1/460‬‬
‫وقد أوجب العلماء في الغسل ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬تعميم الجسد شعره وبشره بالماء الطهور‪:‬‬
‫هذا متفق عليه بين الفقهاء‪ ،‬فيجب تعميم ( أو إعمام وهو الصح ) الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة‪،‬‬
‫حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء‪ ،‬يجب غسلها‪ ،‬ويجب تعهد مواطن تجاعيد البدن‪ ،‬كالشقوق‬
‫التي في البدن أي التكاميش والسّرة‪ ،‬والبطين وكل ما غار من البدن‪ ،‬بصب الماء عليها‪ ،‬لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم من حديث أبي هريرة‪« :‬إن تحت كل شعرة جنابة‪ ،‬فاغسلوا الشّعرَ‪ ،‬وأ ْنقُوا ال َبشَر» (‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬يجب غسل سائر البدن مما يمكن غسله من غير حرج كأذن وسرة وشارب وحاجب‬
‫وداخل لحية وشعر رأس‪ ،‬وخارج فرج‪ ،‬ول يجب غسل ما فيه حرج كداخل عين وداخل قُلْفة‪،‬‬
‫والصح أنه يندب عند الحنفية‪.‬‬
‫وهل يجب نقض ضفائر الشعر؟ للعلماء آراء متقاربة‪ :‬قال الحنفية‪ :‬يكفي بلّ أصل الضفيرة (‪ )3‬أي‬
‫شعر المرأة المضفور‪ ،‬دفعا للحرج‪ ،‬أما المنقوض‪ ،‬فيفرض غسله كله اتفاقا‪ ،‬ولو لم يبتل أصل‬
‫الضفيرة بأن كان متلبدا أو غزيرا‪ ،‬أو مضفورا ضفرا شديدا ل ينفذ فيه الماء‪ ،‬يجب نقضها مطلقا‪،‬‬
‫على الصحيح‪ ،‬لكن لو ضرها غسل رأسها تركته‪ ،‬وقيل‪ :‬تمسحه‪ ،‬ول تمنع نفسها عن زوجها‪.‬‬
‫ويجب عند الحنفية غسل داخل قُلْفة‪ ،‬ل عسر في فسخها‪ ،‬كما يجب نقض ضفائر الرجل وغسل‬
‫أصول الشعر مطلقا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 38/1:‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،143-140/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،17‬اللباب‪،20/1:‬‬

‫الشرح الصغير‪ ،170-166/1:‬الشرح الكبير‪ ،135-133/1:‬بداية المجتهد‪ 42/1:‬وما بعدها‪ ،‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،26‬مغني المحتاج‪72/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ 31/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪،229-218/1 :‬‬
‫كشاف القناع‪.177-173/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وضعفاه (سبل السلم‪.)92/1:‬‬
‫(‪ )3‬الضفيرة‪ :‬هي الذؤابة‪ ،‬وهي الخصلة من الشعر‪ ،‬والضفر‪ :‬فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض‪.‬‬

‫( ‪)1/461‬‬
‫وكذلك قال المالكية‪ :‬ل يجب على المغتسل نقض مضفور شعره‪ ،‬ما لم يشتد الضفر‪ ،‬حتى يمنع‬
‫وصول الماء إلى البشرة‪ ،‬أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة‪ ،‬أو إلى باطن الشعر‪.‬‬
‫ودليل الحنفية والمالكية‪ :‬حديث أم سلمة‪ ،‬قالت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إني امرأة أشد شعر رأسي‪ ،‬أفأنقضه‬
‫لغسل الجنابة أو الحيضة؟ فقال‪ :‬ل إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلث حَثَيات» (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إل بالنقض‪ ،‬لكن يعفى عن باطن‬
‫الشعر المعقود‪ ،‬ول يجب غسل الشعر النابت في العين والنف‪ ،‬وإن كان يجب غسله من النجاسة‪.‬‬
‫ويجب غسل الظفار‪ ،‬وما يظهر من صماخي الذنين‪ ،‬وما تحت القُلْفة من القلف (غير المختون)‪،‬‬
‫بدليل حديث أبي هريرة المتقدم الدال على وجوب إيصال الماء إلى الشعر والبشرة‪ .‬وقيدوا حديث أم‬
‫سلمة بحالة وصول الماء إلى الضفائر من غير نقض‪.‬‬
‫أما المام أحمد ففرق بين الحيض والجنابة‪ ،‬وقال‪ :‬تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس‪،‬‬
‫وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله‪ ،‬عملً في الجنابة بحديث أم سلمة‪ .‬ودليل نقضه من‬
‫الحيض‪ :‬ماروت عائشة‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لها إذ كانت حائضا‪« :‬خذي ماءك‬
‫وسدرك وامتشطي» (‪ )2‬ول يكون المشط إل في شعر غير مضفور‪ ،‬وللبخاري‪« :‬انقضي رأسك‬
‫وامتشطي» ولبن ماجه « انقضي رأسك وامتشطي» لكن قال ابن قدامة‪ :‬النقض من الحيض‬
‫مستحب‪ ،‬وهو الصحيح إن شاء ال ‪ ،‬وهو قول أكثر الفقهاء؛ لن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة‪:‬‬
‫«أفأنقضه للحيض؟ قال‪ :‬ل» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن المذاهب الربعة متفقة على أن نقض الشعر للمرأة غير واجب إن وصل الماء‬
‫لصول الشعر لحديث أم سلمة المتقدم‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫ضفْر رأسي ) بدل ( شعر رأسي ) (سبل السلم‪.)91/1 :‬‬
‫(‪ )1‬رواه مسلم‪ ،‬لكن لفظه‪ ( :‬أشد َ‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري‪.‬‬

‫( ‪)1/462‬‬
‫وإذا بقيت ُلمْعة من الجسد لم يصبها الماء‪ ،‬يجزئه غسلها‪ ،‬والصحيح عند الحنابلة أنه يجزئه مايصيبها‬
‫من بلل شعره في الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماؤه على تلك اللمعة‪ ،‬لن غسلها بذلك البلل كغسلها‬
‫بماء جديد‪ ،‬مع ما فيه من الحاديث‪ .‬روى أحمد عن النبي صلّى ال عليه وسلم «أنه رأى على رجل‬
‫موضعا لم يصبه الماء‪ ،‬فأمره أن يعصر شعره عليه» ‪.‬‬
‫أما غسل بشرة الرأس‪ :‬فواجب‪ ،‬سواء أكان الشعر كثيفا أم خفيفا‪ ،‬وكذلك ما تحت الشعر كجلد اللحية‬
‫وغيرها‪ ،‬لما روت أسماء‪« :‬أنها سألت النبي صلّى ال عليه وسلم عن غسل الجنابة‪ ،‬فقال‪ :‬تأخذ‬
‫إحداكن ماء‪ ،‬فتطهر‪ ،‬فتحسن الطهور ـ أو تبلغ الطهور ـ ثم تصب على رأسها‪ ،‬فتدلكه‪ ،‬حتى تبلغ‬
‫شؤون رأسها‪ ،‬ثم تفيض عليها الماء» (‪. )1‬‬
‫وعن علي رضي ال عنه عن النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬من ترك موضع شعرة من جنابة‬
‫لم يصبها الماء‪ ،‬فعل ال به كذا وكذا من النار‪ ،‬قال علي‪ :‬فمن ثم عاديت شعري‪ ،‬زاد أبو داود‪ :‬وكان‬
‫يجزّ شعره رضي ال عنه» (‪ ، )2‬ولن ما تحت الشعر بشرة أمكن إيصال الماء إليها من غير‬
‫ضرر‪ ،‬فلزمه كسائر بشرته‪.‬‬
‫وأما غسل المسترسل من الشعر‪ :‬فواجب عند الشافعية‪ ،‬لحديث أبي هريرة السابق «إن تحت كل‬
‫شعرة جنابة» ‪ ،‬ولنه نابت في محل الغسل‪ ،‬فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين‪.‬‬
‫ول يجب عند الحنفية والمالكية‪ ،‬لحديث أم سلمة السابق في عدم نقض الشعر‪ ،‬مع إخبارها إياه بشد‬
‫ضفر رأسها‪ ،‬ولنه لو وجب بلّه‪ ،‬لوجب نقضه ليعمه الغسل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وأحمد (نيل الوطار‪.)247/1:‬‬

‫( ‪)1/463‬‬
‫وعند الحنابلة وجهان‪ :‬كالرأيين المذكورين‪ ،‬أرجحهما الوجوب كالشافعية‪ .‬ويعركه عند صب الماء‬
‫حتى يصل إلى البشرة فل يجب إدخال أصابعه تحته‪،‬ويعرك بها البشرة‪ .‬وكذا يجب عندهم تخليل‬

‫أصابع الرجلين واليدين‪ ،‬أما في الوضوء فيندب تخليل أصابع رجليه ويجب تخليل أصابع اليدين‪ ،‬ومن‬
‫الفرائض عند المالكية‪ :‬تخليل شعره ولو كثيفا‪ ،‬سواء أكان شعر رأس أم غيره‪ ،‬ومعنى تخليله‪ :‬أن‬
‫يضمه‪.‬‬
‫ل بقوله تعالى‪:‬‬
‫‪ - 2‬المضمضة والستنشاق‪ :‬أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والستنشاق‪ ،‬عم ً‬
‫{وإنْ كنتُمْ جُنُبا فاطّهروا} [المائدة‪ ،]6/5:‬وبحديث «ثم تفيضين عليك الماء» ففيهما طلب تطهير جميع‬
‫البدن وتعميمه بالماء (‪. )1‬‬
‫وقال المالكية والشافعية‪ :‬إنهما سنة في الغسل كالوضوء لحديث‪« :‬عشر من الفطرة» وذكر منها‬
‫المضمضة والستنشاق (‪. )2‬‬
‫‪ - 3‬النية عند غسل أول جزء من البدن‪ :‬أي نية فرض الغسل‪ ،‬أو رفع الجنابة أو الحدث الكبر‪ ،‬أو‬
‫استباحة ممنوع مفتقر إليه‪ ،‬كأن ينوي استباحة الصلة أو الطواف مما يتوقف على غسل‪ ،‬فإن نوى ما‬
‫ل يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد‪ ،‬لم يصح‪ .‬ومحل النية في القلب‪ ،‬وتكون مقرونة بأول فرض‪ :‬وهو‬
‫أول ما يغسل من البدن‪ ،‬سواء أكان من أعله أم من أسفله‪ ،‬إذ ل ترتيب فيه‪.‬‬
‫وأوجب الجمهور (غير الحنفية) النية للغسل كالوضوء‪ ،‬للحديث‪« :‬إنما العمال بالنيات» ‪.‬‬
‫والبتداء بالنية عند الحنفية سنة‪ ،‬ليكون فعله تقربا يثاب عليه‪ ،‬كالوضوء‪.‬‬
‫أما التسمية فهي سنة عند الجمهور‪ ،‬فرض عند الحنابلة كالوضوء‪ ،‬لكنهم ذكروا أن حكمها في الجنابة‬
‫أخف؛ لن حديث التسمية إنما تناول بصريحه الوضوء ل غير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وأما استدلل الحنفية بحديث في المضمضة والستنشاق‪« :‬إنهما فرضان في الجنابة‪ ،‬سنّتان في‬
‫الوضوء » فهو غريب (نصب الراية‪.)78/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري (نصب الراية‪.)76/1:‬‬

‫( ‪)1/464‬‬
‫‪ - 4‬الدلك والموالة والترتيب‪ :‬اتفق الفقهاء على عدم إيجاب الترتيب في الغسل‪ ،‬فيصح البدء بأعلى‬
‫الجسد أو بأسفله‪.‬‬
‫وأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة‪ ،‬والموالة إن ذكر وقَدَر كالوضوء‪ ،‬والدلك هنا‪ :‬إمرار‬
‫العضو على ظاهر الجسد‪ ،‬يدا أو رجلً‪ ،‬فيكفي دلك الرِجْل بالخرى‪ ،‬ويكفي الدلك بظاهر الكف‬
‫وبالساعد والعضد‪ ،‬بل يكفي بالخرقة عند القدرة‪ ،‬باليد على الراجح‪ :‬بأن يمسك طرفيها بيديه‪ ،‬ويدلك‬

‫بوسطها‪ ،‬أو بحبل كذلك‪ ،‬ويكفي ولو بعد صب الماء وانفصاله عن الجسد ما لم يجف‪ ،‬فإن تعذر‬
‫الدلك‪ ،‬سقط‪ .‬ويكفي تعميم الجسد بالماء كما في سائر الفرائض‪ ،‬إذ ل يكلف ال نفسا إل وسعها‪.‬‬
‫والموالة فريضة كما في الوضوء‪ ،‬فإن فرق عامدا بطل إن طال‪ ،‬وإل بنى (كمل) على ما فعل بنية‪.‬‬
‫ولم يوجب غير المالكية الدلك والموالة؛ لن الية‪{ :‬فاطهروا} [المائدة‪ ،]6/5:‬والحاد يث ليس فيها‬
‫تعرض لوجوبهما‪.‬‬
‫خلصة فرائض الغسل في المذاهب‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬مذهب الحنفية‪ :‬يفترض في الغسل أحد عشر شيئا‪ :‬غسل الفم‪ ،‬والنف‪ ،‬والبدن مرة‪ ،‬وداخل قُلْفة‬
‫ل عسر بل مشقة في فسخها‪ ،‬وسرة‪ ،‬وثقب غير منضم‪ ،‬وداخل المضفور من شعر المرأة إن سرى‬
‫الماء في أصوله‪ ،‬وبشرة اللحية‪ ،‬وبشرة الشارب‪ ،‬والحاجب‪ ،‬والفرج الخارج (الظاهر)‪ ،‬لكن الصح‬
‫أنه يندب غسل داخل القلفة (الجلدة التي يقطعها الخاتن) ول يجب‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬مذهب المالكية‪ :‬فرائض الغسل خمسة‪:‬‬
‫نية فرض الغسل‪ ،‬أو رفع الحدث‪ ،‬أو استباحة ممنوع‪ ،‬بأول مفعول‪ ،‬بأن ينوي بقلبه أداء فرض‬
‫الغسل‪ ،‬أو ينوي رفع الحدث الكبر‪ ،‬أو رفع الجنابة‪ ،‬أو ينوي استباحة ما منعه الحدث الكبر‪ ،‬أو‬
‫استباحة الصلة مثلً‪ .‬وموالة إن ذكر وقدر كالوضوء‪ ،‬وتعميم ظاهر الجسد بالماء‪ ،‬ودلك ولو بعد‬
‫صبه وإن بخرقة‪ ،‬وتخليل شعر وأصابع رجليه ويديه‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬مذهب الشافعية‪ :‬الواجب في الغسل ثلثة أشياء‪:‬‬

‫( ‪)1/465‬‬
‫النية‪ ،‬وإزالة النجاسة إن كانت‪ ،‬وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة وما عليها من الشعر حتى يصل‬
‫الماء إلى ما تحته‪ .‬وما زاد على ذلك سنة‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬مذهب الحنابلة‪ :‬واجبات الغسل أحد عشر شيئا‪:‬‬
‫إزالة مابه من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد‪ ،‬والنية‪ ،‬والتسمية‪ ،‬وتعميم بدنه‬
‫بالغسل حتى فمه وأنفه‪ ،‬فتجب المضمضة‪،‬والستنشاق في الغسل كالوضوء‪ ،‬ويجب غسل ظاهر شعره‬
‫وباطنه‪ ،‬من ذكر أو أنثى‪ ،‬مسترسلً كان أو غيره‪ ،‬مع نقض الشعر لغسل حيض ونفاس‪ ،‬ل غسل‬
‫جنابة إذا روّت أصوله‪ .‬ويجب غسل حشفة أقلف (غير مختون) إن أمكن تشميرها‪ ،‬وغسل ما تحت‬
‫خاتم ونحوه‪ ،‬فيحركه ليتحقق وصول الماء إلى ما تحته‪ ،‬وغسل ما يظهر من فرج المرأة عند قعودها‬
‫لقضاء حاجتها؛ لنه في حكم الظاهر‪ ،‬ول يجب غسل داخله‪ ،‬ول غسل داخل عين‪ ،‬بل ول يستحب‬

‫ولو أمن الضرر‪ .‬ول يجب الترتيب ول الموالة في أعضاء الوضوء؛ لن الغسل يجزئ عنهما‪،‬‬
‫لنهما عبادتان دخلت إحداهما في الخرى‪ ،‬فسقط حكم الصغرى‪ ،‬كالعمرة مع الحج‪ .‬ول يجب الدلك‬
‫إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده‪.‬‬
‫المطلب الرابع ـ سنن الغسل ‪:‬‬
‫أوضحت كيفية غسل النبي صلّى ال عليه وسلم وهو دليل لصفة الغسل الكامل الشامل للواجب‬
‫والسنة‪ :‬وهو ما اجتمع فيه عشرة أشياء كما فهم الحنابلة (‪: )1‬‬
‫النية‪ ،‬والتسمية‪ ،‬وغسل يديه ثلثا‪ ،‬وغسل ما به من أذى‪ ،‬والوضوء‪ ،‬ويحثي على رأسه ثلثا يروي‬
‫بها أصول الشعر‪ ،‬ويفيض الماء على سائر جسده‪ ،‬ويبدأ بشقه اليمن‪ ،‬ويدلك بدنه بيده‪ ،‬وينتقل من‬
‫موضع غسله‪ ،‬فيغسل قدميه‪ .‬ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ .217/1:‬انظر صفة الغسل الكامل عند المالكية في الشرح الكبير‪ ،137/1:‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪.26‬‬

‫( ‪)1/466‬‬
‫وترتيب سنن الغسل التي يتحقق بها كماله على اختلف المذاهب ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬البدء بغسل اليدين والفرج‪ ،‬وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه‪ ،‬وينوي كما أبان الشافعية عن‬
‫غسل القبل والدبر‪ ،‬فيقول‪ :‬نويت رفع الجنابة عن هذين المكانين وما بينهما‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬ثم يتوضأ وضوءه للصلة‪ .‬والولى عند الحنفية تأخير غسل رجليه إن كان المغتسل واقفا في‬
‫ل واقفا‬
‫مكان يجتمع فيه الماء كالطّست‪ ،‬ثم يتنحى عن ذلك المكان ويغسلهما‪ ،‬وإل قدمه إذا كان مث ً‬
‫على لوح أو قبقاب أو حجر‪ .‬وبالوضوء تتحقق المضمضة والستنشاق الواجبان عند الحنفية‬
‫والحنابلة‪.‬‬
‫ويمسح عند المالكية صماخ أذنيه أي ثقبيهما‪ ،‬ول يبالغ فإنه يضر السمع‪ ،‬وأما ظاهرهما وباطنهما‬
‫فمن ظاهر الجسد‪ ،‬يجب غسله عندهم‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬ثم يتعهد عند الشافعية معاطف جسده‪ ،‬كأن يأخذ الماء بكفه‪ ،‬فيجعله على المواضع التي فيها‬
‫انعطاف والتواء‪ ،‬كالذنين‪ ،‬وطبقات البطن‪ ،‬وداخل السرة؛ لنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء‪ ،‬ويتأكد‬
‫ذلك في الذن‪ ،‬فيأخذ كفا من ماء‪ ،‬ويضع الذن عليه برفق‪ ،‬ليصل الماء إلى معاطفه وزواياه ويتفقد‬
‫تحت حلقه‪ ،‬وإبطيه‪ ،‬وحالبيه (وهما العرقان اللذان يكتنفان السرة)‪.‬‬

‫ً‪ - 4‬ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله‪ ،‬وعلى سائر جسده‪ ،‬ثلثا‪ ،‬بادئا بشقه اليمن ثم اليسر‪ ،‬لما‬
‫تقدم أنه صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬كان يعجبه التيمن في طهوره» ‪ ،‬وتخليل شعره وتفقد أصوله لحديث‬
‫«تحت كل شعرة جنابة» ويسن أن يدلُك بدنه بيديه؛ لنه أنقى‪ ،‬وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه‬
‫وجميع بدنه‪ ،‬وبه يخرج من خلف من أوجبه وهم المالكية‪.‬‬
‫ويكفي الظن في السباغ أي في وصول الماء إلى البشرة؛ لن اعتبار اليقين حرج ومشقة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 39/1:‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪ 140/1:‬وما بعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،17‬اللباب‪:‬‬
‫‪ ،21/1‬الشرح الكبير‪ ،137-135/1:‬الشرح الصغير‪ ،170/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،26‬المهذب‪،73:‬‬
‫مغني المحتاج‪ 73/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪ ،217/1:‬كشاف القناع‪.176-173/1:‬‬

‫( ‪)1/467‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬ولو انغمس في الماء الجاري أو ما في حكمه ومكث‪ ،‬فقد أكمل السنة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يجزئ غسل الجنابة عن غسل الوضوء بنية رفع الحدث الكبر ولو لم ينو الصغر إذا‬
‫لم يحصل له ناقض من مس ذكر أو غيره‪ ،‬وكذلك قال الشافعية على المذهب‪ :‬يكفي الغسل‪ ،‬سواء‬
‫أنوى الوضوء معه أم ل‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يجزئ الغسل عن الوضوء بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء‪،‬‬
‫وكان تاركا للفضل والولى‪.‬‬
‫وتسن عند غير المالكية الموالة في الغسل عند غسل جميع أجزاء البدن‪ ،‬لفعله صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وعند المالكية‪ :‬هي فرض‪.‬‬
‫كما يسن الترتيب بالبداءة بالرأس‪ ،‬ثم بالمنكب اليمن‪ ،‬ثم اليسر‪ .‬ول يجب الترتيب بالتفاق؛ لن‬
‫البدن شيء واحد‪ ،‬بخلف أعضاء الوضوء‪ ،‬وبناء عليه لو ترك لمعة في الجسد أو محل جبيرة أعاد‬
‫غسلها فقط دون ما بعدها‪.‬‬
‫أما نقض الضفائر فل يجب عند المالكية ما لم يشتد‪ ،‬ول يجب في الجنابة ويجب في الحيض في رأي‬
‫الحنابلة‪ ،‬ول يجب للمرأة إن سرى الماء في أصوله‪ ،‬ويجب للرجل مطلقا عند الحنفية‪ .‬ويجب النقض‬
‫لدى الشافعية إن لم يصل الماء إلى باطن الشعر‪ ،‬كما أبنت قريبا‪ .‬وفي الجملة يسن نقض الضفائر‬
‫لحديث عائشة‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لها وكانت حائضا‪« :‬انقضي شعرك واغتسلي» (‪)1‬‬
‫‪.‬‬

‫ويسن عند الحنابلة سدر ‪ ،‬أي صابون في غسل كافر أسلم‪ ،‬لحديث قيس بن عاصم السابق‪« :‬أنه أسلم‪،‬‬
‫فأمره النبي صلّى ال عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر» (‪ ، )2‬ويسن له إزالة شعره‪ ،‬فيحلق رأسه‪،‬‬
‫إن كان رجلً‪ ،‬ويأخذ عانته وإبطيه مطلقا‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم لرجل أسلم‪« :‬ألق عنك شعر‬
‫الكفر‪ ،‬واختتن» (‪ )3‬ويختتن الكافر إذا أسلم وجوبا بشرط كونه مكلفا‪ ،‬وأل يخاف على نفسه منه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (نيل الوطار‪.)249/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسّنه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)1/468‬‬
‫ويسن عند الحنابلة أيضا سدر في غسل حيض ونفاس‪ ،‬لحديث عائشة المتقدم‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال لها‪« :‬وإذا كنت حائضا‪ ،‬خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (‪ )1‬وروت أسماء أنها «سألت‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم عن غسل الحيض‪ ،‬فقال‪ :‬تأخذ إحداكن ماءها وسدرها‪ ،‬فتطهر» (‪. )2‬‬
‫ويسن عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أن تتبع المرأة غير المحرمة بنسك‪ ،‬أو المحدّة (المعتدة) (‪ )3‬أثر دم‬
‫الحيض والنفاس ِمسْكا أو طيبا‪ ،‬أو ماء‪ ،‬فتجعله في قطنة أو غيرها كخرقة‪ ،‬وتدخله فرجها بعد‬
‫غسلها‪ ،‬ليقطع رائحة الحيض أو النفاس‪ ،‬لما روى الشيخان عن عائشة رضي ال عنها‪ « :‬أن امرأة‬
‫جاءت إلى النبي صلّى ال عليه وسلم تسأله عن الغسل عن الحيض‪ ،‬فقال‪ :‬خذي فِرْصة (‪ )4‬من‬
‫مسك‪ ،‬فتطهري بها‪ ،‬فقالت‪ :‬كيف أتطهر بها؟ فقال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬سبحان ال ‪ ،‬واستتر بثوبه‪،‬‬
‫تطهري بها‪ ،‬فاجتذبتها عائشة‪ ،‬فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم» ويكره تركه بل عذر‪.‬‬
‫ول يسن تجديد الغسل؛ لنه لم ينقل فيه شيء‪ ،‬ولما فيه من المشقة‪ ،‬بخلف الوضوء فيسن تجديده إذا‬
‫صلى بالول صلة ما‪.‬‬
‫مقدار ماء الغسل والوضوء‪ :‬ويسن عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أل ينقص ماء الوضوء عن مُدّ تقريبا‪:‬‬
‫وهو رطل وثلث بغدادي‪ ،‬ويساوي (‪ )675‬غم‪ ،‬وأل ينقص ماء الغسل عن صاع تقريبا‪ ،‬وهو أربعة‬
‫سفَينة‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم كان يغسله الصاع‪،‬‬
‫أمداد‪ ،‬ويساوي(‪ )2175‬غم‪ ،‬لحديث مسلم عن ُ‬
‫ويوضئه المد» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬

‫(‪ )2‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬أما المحرمة فيحرم عليها الطيب بأنواعه‪ ،‬وأما المحدّة‪ :‬فل تتطيب في فترة العدة‪.‬‬
‫(‪ )4‬الفرصة‪ :‬بكسر الفاء‪ :‬قطعة من صوف أو قطن أو خرقة‪ .‬والرواية «خذي فرصة ممسّكة‬
‫فتطهري بها» أي مطيبة بالمسك‪.‬‬
‫(‪ )5‬ورواه أيضا أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه‪ .‬وروي في معناه أحاديث كثيرة (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ 250/1‬وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/469‬‬
‫ولحدّ لقل ماء الوضوء والغسل‪ ،‬فلو نقص عن ذلك وأسبغ كفى‪ ،‬روى أبو داود والنسائي‪« :‬أنه‬
‫صلّى ال عليه وسلم توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مدّ» ولن ال تعالى أمر بالغسل‪ ،‬وقد فعله‪ ،‬ولم يكره‪،‬‬
‫والسباغ في الوضوء والغسل‪ :‬تعميم العضو بالماء‪ ،‬بحيث يجري عليه‪ ،‬ول يكون مسحا‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬فاغسلوا وجوهكم‪[ }..‬المائدة‪ ،]6/5:‬والمسح ليس غسلً‪ .‬فإن مسح العضو بالماء‪ ،‬أو أمرّ الثلج‬
‫عليه‪ ،‬لم تحصل الطهارة به؛ لن ذلك مسح ل غسل‪ ،‬إل أن يكون الثلج خفيفا فيذوب‪ ،‬ويجري على‬
‫العضو‪ ،‬فيجزئ‪ ،‬لحصول الغسل المطلوب‪ .‬وإن زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل جاز‪،‬‬
‫بدليل قول عائشة‪« :‬كنت أغتسل أنا والنبي صلّى ال عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال‪ :‬الفَرَق»‬
‫(‪ )1‬والفرق ستة عشر رطلً عراقيا‪.‬‬
‫وقال الحنفية والمالكية‪ :‬ل تقدير للماء الذي يتطهر به في الغسل والوضوء لختلف أحوال الناس‪،‬‬
‫ويراعي المغتسل حالً وسطا من غير إسراف ول تقتير‪.‬‬
‫آداب الغسل‪ :‬فرق المالكية والحنفية بين سنن الغسل وآدابه أو فضائله‪.‬‬
‫فقال المالكية (‪ : )2‬سننه خمس‪ :‬وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الناء‪ ،‬والمضمضة والستنشاق‪،‬‬
‫ومسح داخل الذنين‪ ،‬وتخليل أصول شعر الرأس بإدخال الصابع تحته‪ .‬أما تخليل الشعر بدون إدخال‬
‫الصابع تحته فهو أحد فرائض الغسل عندهم كما أبنت‪.‬‬
‫وقد أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والستنشاق‪ .‬وأوجب الشافعية تخليل شعر الرأس‪.‬‬
‫وفضائله خمس‪ :‬التسمية‪ ،‬والغرف على الرأس ثلثا‪ ،‬وتقديم الوضوء‪ ،‬والبداءة بإزالة الذى قبل‬
‫الوضوء‪ ،‬والبدء بالعالي والميامن‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬متفق عليه (نيل الوطار‪.)251/1:‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،26‬الشرح الصغير‪ 170/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/470‬‬
‫وقال الحنفية (‪ : )1‬يسن في الغتسال اثنا عشر شيئا‪ ،‬البتداء بالتسمية‪ ،‬والنية‪ ،‬وغسل اليدين إلى‬
‫الرسغين‪ ،‬وغسل نجاسة لو كانت بانفرادها‪ ،‬وغسل فرجه‪ ،‬ثم يتوضأ كوضوئه للصلة‪ ،‬فيثلث الغسل‬
‫ويمسح الرأس‪ ،‬ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء‪ ،‬ثم يفيض الماء‬
‫على بدنه‬
‫ثلثا‪ ،‬ويبتدئ في صب الماء برأسه‪ ،‬ويغسل بعدها منكبه اليمن‪ ،‬ثم اليسر‪ ،‬ويدلك جسده‪.‬‬
‫وآداب الغتسال‪ :‬هي آداب الوضوء‪ ،‬إل أنه ل يستقبل القبلة؛ لنه يكون غالبا مع كشف العورة‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ مكروهات الغسل‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )2‬كره في الغسل ما كره في الوضوء وهي ستة أشياء‪ :‬السراف في الماء‪ ،‬والتقتير‬
‫فيه‪ ،‬وضرب الوجه به‪ ،‬والتكلم بكلم الناس‪ ،‬والستعانة بغيره من غير عذر‪ .‬ويزاد فيه كراهة‬
‫الدعاء‪ .‬أما في الوضوء ‪ ،‬فيندب الدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو‪ ،‬كما بينت‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )3‬مكروهات الغسل خمسة‪ :‬هي الكثار من صب الماء‪ ،‬والتنكيس في عمله‪،‬‬
‫وتكرار غسل الجسد إذا أوعب‪ ،‬والغتسال في الخلء‪ ،‬والكلم بغير ذكر ال ‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )4‬يكره السراف في الصب والغسل‪ ،‬والوضوء والغتسال في الماء الراكد‪،‬‬
‫والزيادة على الثلث‪ ،‬وترك المضمضة والستنشاق‪ ،‬ويكره للجنب ومنقطعة الحيض والنفاس‪ :‬الكل‬
‫والشرب والنوم والجماع قبل غسل الفرج والوضوء‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )5‬يكره السراف في الماء ولو على نهرٍ جارٍ‪ ،‬لحديث ابن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.17‬‬
‫(‪ )2‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.18‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.26‬‬
‫(‪ )4‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ 21‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )5‬كشاف القناع‪ 179/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪.229/1 :‬‬

‫( ‪)1/471‬‬

‫عمر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم مرّ على سعد‪ ،‬وهو يتوضأ‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا السراف؟ فقال‪ :‬أفي‬
‫الوضوء إسراف؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وإن كنت على نهرٍ جار» (‪. )1‬‬
‫ويكره لمن توضأ قبل غسله إعادة الوضوء بعد الغسل‪ ،‬لحديث عائشة‪ ،‬قالت‪« :‬كان صلّى ال عليه‬
‫وسلم ليتوضأ بعد الغسل» إل أن ينتقض وضوءه بمس فرجه أو غيره‪ ،‬كمس امرأة لشهوة‪ ،‬أو‬
‫بخروج خارج‪ ،‬فيجب عليه إعادته للصلة ونحوها‪.‬‬
‫ويكره للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس ترك الوضوء لنوم فقط‪ ،‬ول يكره تركه لكل وشرب‬
‫ومعاودة وطء‪ ،‬وإنما يستحب لهما الوضوء‪ .‬بدليل ما روى ابن عمر أن عمر قال‪« :‬يا رسول ال ‪،‬‬
‫أيرقد أحدنا‪ ،‬وهو جنب؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬إذا توضأ فليرقد» وعن عائشة قالت‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب‪ ،‬غسل فرجه‪ ،‬وتوضأ وضوءه للصلة» (‪ . )2‬وأما استحباب‬
‫الوضوء للكل والشرب‪ ،‬فلما روت عائشة قالت‪« :‬رخص النبي صلّى ال عليه وسلم للجنب إذا أراد‬
‫أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلة» (‪. )3‬‬
‫وأما كون الوضوء يستحب لمعاودة الوطء‪ ،‬فلحديث أبي سعيد‪ ،‬قال‪ :‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«إذا أتى أحدكم أهله‪ ،‬ثم أراد أن يعاود‪ ،‬فليتوضأ بينهما وضوءا» (‪ )4‬وزاد الحاكم‪« :‬فإنه أنشط‬
‫للعود» لكن الغسل لمعاودة الوطء أفضل من الوضوء؛ لنه أنشط‪.‬‬
‫ول يكره عند الحنابلة للجنب أو الحائض والنفساء أن يأخذ شيئا من شعره وأظفاره‪ ،‬ول أن يختضب‬
‫قبل الغسل‪ ،‬نصا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليهما‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد بإسناد صحيح‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم وابن خزيمة والحاكم (سبل السلم‪.)89/1:‬‬

‫( ‪)1/472‬‬
‫وقال الغزالي في الحياء‪ :‬ل ينبغي أن يقلم أو يحلق أو يستحد (يحلق العانة) أو يخرج دما أو يبين من‬
‫نفسه جزءا وهو جنب‪ ،‬إذ يرد إليه سائر أجزائه في الخرة‪ ،‬فيعود جنبا‪ ،‬ويقال‪ :‬إن كل شعرة تطالب‬
‫بجنابتها (‪. )1‬‬
‫المطلب السادس ‪ :‬ما يحرم على الجنب ونحوه‪:‬‬

‫يحرم على الجنب والحائض والنفساء ما يحرم على المحدث حدثا أصغر‪ :‬من صلة وطواف ومس‬
‫مصحف أو جزئه‪ ،‬كما يحرم على الجنب قراءة القرآن ودخول المسجد‪ ،‬وتعرف الحكام من التفصيل‬
‫التالي (‪: )2‬‬
‫‪ - ً 1‬الصلة ومثلها سجود التلوة‪ :‬تحرم على الجنب ونحوه إجماعا‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وإن كنتم جنبا‬
‫فاطهروا} [المائدة‪.]6/5:‬‬
‫‪ - ً 2‬الطواف حول الكعبة‪ :‬ولو نفلً؛ لنه صلة كما في الحديث المتقدم‪« :‬إنما الطواف بالبيت‬
‫صلة‪ ،‬فإذا طفتم فأقلوا الكلم» (‪. )3‬‬
‫‪ - ً 3‬مس القرآن‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ليمسه إل المطهرون} [الواقعة‪ ]79/56:‬أي (المتطهرون) ولقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ليمس القرآن إل طاهر» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.75/1:‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،161-158/1:‬الشرح الكبير‪ 138/1:‬وما بعدها‪ ،174-172،‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،176/1،215‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 59‬وما بعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪46/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪،30/1:‬‬
‫مغني المحتاج‪ 71/1:‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،170-168/1:‬فتح القدير‪.116-114/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس‪ ،‬وهو صحيح (نيل‬
‫الوطار‪.)207/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه النسائي وأبو داود في المراسيل عن عمرو بن حزم‪ ،‬وفيه متروك‪ ،‬ورواه الطبراني‬
‫والبيهقي عن ابن عمر‪ ،‬وفيه مختلف فيه‪ ،‬ورواه الحاكم وقال حديث صحيح السناد عن حكيم بن‬
‫حزام‪ ،‬ورواه الطبراني عن عثمان بن أبي العاص‪ ،‬ورواه علي بن عبد العزيز عن ثوبان‪ ،‬وإسناده‬
‫في غاية الضعف (نصب الراية‪.)199-196/1:‬‬

‫( ‪)1/473‬‬
‫وهذه المور الثلثة تحرم على المحدث حدثا أكبر أو أصغر‪ ،‬ويزاد عليها للجنب ونحوه أيضا‪- 4ً:‬‬
‫تلوة القرآن للمسلم بلسانه‪ ،‬ولو لحرف‪ ،‬أو ولو دون آية على المختار عند الحنفية‪ ،‬والشافعية‪ ،‬بقصد‬
‫القراءة‪ :‬فلو قصد الدعاء أو الثناء أو افتتاح أمر‪ ،‬أو التعليم‪ ،‬أو الستعاذة‪ ،‬أو الذكار‪ ،‬فل يحرم‪،‬‬
‫كقوله عند الركو ب‪{ :‬سبحان الذي سخر لنا هذا‪ ،‬وما كنا له مقرنين} [الزخرف‪ ]13/43:‬أي مطيقين‪،‬‬
‫وعند النزول‪{ :‬وقل‪ :‬ربّ أنزلني منزلً مباركا} [المؤمنون‪ .]29/23:‬وعند المصيبة‪{ :‬إنا ل وإنا إليه‬

‫راجعون} [البقرة‪.]156/2:‬‬
‫كما ل يحرم إذا جرى القرآن على لسانه بل قصد‪ ،‬فإن قصد القرآن وحده أو مع الذكر‪ ،‬حرم‪.‬‬
‫ول تحرم البسملة والحمد ل والفاتحة وآية الكرسي وسورة الخلص بقصد الذكر‪ :‬أي ذكر ال‬
‫تعالى‪ ،‬لما روى مسلم عن عائشة قالت‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم يذكر ال تعالى على كل‬
‫أحيانه» ‪.‬‬
‫والمحرّم بالجنابة‪ :‬التلوة لفظا من الناطق‪ ،‬وإشارةٍ من الخرس؛ لنها بمنزلة النطق‪ ،‬ولو كان المتلو‬
‫بعض آية‪ ،‬كحرف‪ ،‬للخلل بالتعظيم‪.‬‬
‫ودليل التحريم‪ :‬حديث ابن عمر عند الترمذي وأبي داود‪« :‬ل يقرأ الجنب ول الحائض شيئا من‬
‫القرآن» (‪ ، )1‬وحديث علي‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقرئنا القرآن على كل حال‪ ،‬ما لم‬
‫يكن جنبا» (‪. )2‬‬
‫وأجاز الحنابلة للجنب‪ :‬قراءة بعض آية‪ ،‬ولو كرره‪ ،‬لنه ل إعجاز فيه‪ ،‬ما لم تكن طويلة‪ .‬كما أجازوا‬
‫له مع الحنفية تهجية القرآن؛ لنه ليس بقراءة له‪ ،‬وله قراءة ل تجزئ في الصلة لسرارها‪ ،‬وله أن‬
‫ينظر في المصحف من غير تلوة‪ ،‬وأن يقرأ عليه وهو ساكت؛ لنه في هذه الحالة ل ينسب إلى‬
‫القراءة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ذكره النووي في المجموع وضعفه‪ ،‬لكن له متابعات تجبر ضعفه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬ورواه أيضا باقي أصحاب السنن الربعة (سبل‬
‫السلم‪.)88/1:‬‬

‫( ‪)1/474‬‬
‫وضبط المالكية ما يجوز للجنب من القراءة اليسيرة‪ :‬بأنها ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي‪،‬‬
‫والخلص والمعوذتين‪ ،‬أو لجل رقيا للنفس أو للغير من ألم أو عين‪ ،‬أو لجل استدلل على حكم‬
‫نحو‪ { :‬وأحل ال البيع وحرم الربا } [البقرة‪.]275/2:‬‬
‫والمعتمد عند المالكية‪ :‬أنه ل يحرم قراءة القرآن القليلة على الحائض والنفساء حال استرسال الدم‬
‫عليها‪ ،‬سواء أكانت جنبا أم ل‪ ،‬إل بعد انقطاعه وقبل غسلها‪ ،‬فل تقرأ بعد انقطاعه مطلقا حتى تغتسل‪.‬‬
‫ودليلهم الستحسان لطول مقامها حائضا‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أنه ل يحرم النظر في القرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لن الجنابة ل تحل العين‬

‫الناظرة‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬العتكاف في المسجد إجماعا‪ ،‬ودخول المسجد مطلقا ولو عبورا أو مجتازا‪ ،‬عند الحنفية‬
‫والمالكية‪ ،‬لما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة‪ ،‬قالت‪« :‬جاء رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وبيوت الصحابة شارعة في المسجد‪ ،‬فقال‪ :‬وجهوا هذه البيوت عن المسجد‪ ،‬فإني ل أحل المسجد‬
‫لحائض ول جنب» (‪ )1‬ولحديث أم سلمة قالت‪ :‬دخل رسول ال صلّى ال عليه وسلم صرحة المسجد‪،‬‬
‫فنادى بأعلى صوته‪ :‬إن المسجد ل يحل لحائض ول لجنب» (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه أيضا‪ ،‬وفي إسناده مختلف فيه‪ ،‬وذكره البخاري في تاريخه الكبير‪ ،‬وقال‪ :‬ضعفوا‬
‫هذا الحديث‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البيهقي وابن ماجه‪ ،‬وقال البيهقي‪ :‬صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/475‬‬
‫والمراد بعابري سبيل في الية‪ :‬المسافرون‪ ،‬فالمسافر مستثنى من النهي عن الصلة بل اغتسال‪،‬‬
‫وبينت الية أن حكمه التيمم‪ ،‬واكتفى الشافعية والحنابلة بالنسبة للجنب ونحوه (‪ )1‬بتحريم المكث في‬
‫المسجد أو التردد فيه لغير عذر‪ ،‬وأباحوا له عبور المسجد‪ ،‬ولو لغير حاجة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ل تقربوا‬
‫الصلة وأنتم سكارى‪ ،‬حتى تعلموا ماتقولون‪ ،‬ول جنبا إل عابري سبيل} [النساء‪ ]43/4:‬وهو الطريق‪.‬‬
‫وروي سعيد بن منصور عن جابر‪ ،‬قال‪« :‬كان أحدنا يمر في المسجد جنبا مجتازا» وروى أيضا عن‬
‫زيد بن أسلم قال‪« :‬كان أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب» ‪.‬‬
‫لكن إباحة عبور المسجد للحائض والنفساء مقيد بما إذا أمنت تلويثه‪ ،‬فإن خافت تلويثه منعت وحرم‬
‫عليها الدخول فيه‪ ،‬كالمكث فيه‪.‬‬
‫المطلب السابع ـ الغسال المسنونة‪:‬‬
‫الغسل قد يكون واجبا‪ :‬كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس‪ ،‬واعتناق السلم عند المالكية والحنابلة‪.‬‬
‫وقد يكون سنة‪ ،‬وقد يكون مندوبا أو مستحبا عند الحنفية والمالكية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال الشافعية‪ :‬التحريم للجنب المسلم غير النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإنه ل يحرم عليه‪ .‬أما‬
‫الكافر فإنه يمكن من المكث في المسجد على الصح؛ لنه ل يعتقد حرمة ذلك‪ ،‬لكن ل يمكّن الكافر‬

‫ولو غير جنب دخول المسجد‪ ،‬إل لحاجة كإسلم وسماع قرآن‪ ،‬ل كأكل وشرب‪ ،‬وبشرط أن يأذن له‬
‫مسلم في الدخول‪ ،‬إل أن تكون له خصومة‪ ،‬وكان القاضي في المسجد (مغني المحتاج‪.)71/1:‬‬

‫( ‪)1/476‬‬
‫والغسال المسنونة هي مايأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬الغسل لصلة الجمعة‪ :‬لحاديث متعددة‪ ،‬منها حديث أبي سعيد مرفوعا‪« :‬غسل الجمعة واجب‬
‫على كل محتلم» (‪ )2‬واليجاب محمول على أنه مسنون مؤكد الستحباب‪ ،‬لحاديث أخرى‪ :‬وهي‬
‫حديث سمرة‪« :‬من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت‪ ،‬ومن اغتسل فالغسل أفضل» (‪ )3‬وحديث عائشة‬
‫رضي ال عنها قالت‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم يغتسل من أربع‪ :‬من الجنابة‪ ،‬ويوم الجمعة‪،‬‬
‫ومن الحجامة‪ ،‬ومن غسل الميت» (‪. )4‬‬
‫والغسل مسنون لحاضر الجمعة في يومها بدءا من طلوع الفجر إلى الزوال‪ ،‬ويشترط عند المالكية‬
‫اتصاله بالرواح إلى المسجد لحديث رواه الجماعة عن ابن عمر‪« :‬من جاء منكم الجمعة فليغتسل»‬
‫وهذا الغسل عند المالكية والصحيح عند الحنفية للصلة‪ .‬وعند غيرهم‪ :‬الغسل ليوم الجمعة‪ .‬وتظهر‬
‫ثمرة الخلف فيمن اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث‪ ،‬فتوضأ وصلى الجمعة‪ ،‬لم تحصل له السنة عند‬
‫الولين‪ ،‬وتحصل له عند الخرين‪ .‬ول يعتبر الغسل بعد صلة الجمعة إجماعا‪.‬‬
‫ومن اغتسل لجنابة أو نحوها كحيض‪ ،‬مع غسل جمعة أو عيد‪ ،‬أجزأه الغسل عنهما إذا نوى الجنابة‬
‫وأتبعها الجمعة باتفاق المذاهب‪ ،‬كما لو نوى الفرض وتحية المسجد عند الشافعية‪ ،‬وكما اغتسل‬
‫لفرضي جنابة وحيض اتفاقا‪.‬‬
‫وهو آكد الغسال المسنونة للحاديث المتقدمة‪ ،‬ول يستحب للنساء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 44/1:‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،158-156/1:‬اللباب‪ ،23/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪،18‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 25‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،173-171/1 :‬الشرح الصغير‪ 503/1:‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه السابعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة‪ ،‬وإسناده جيد‪ ،‬وعن أبي هريرة‪« :‬حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام‬
‫يوما يغسل فيه رأسه وجسده» متفق عليه‪.‬‬

‫(‪ )4‬رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة‪ ،‬ورواه أحمد والبيهقي‪ ،‬وفي إسناده راوٍ فيه مقال (انظر‬
‫الحاديث في سبل السلم‪ 86/1:‬وما بعدها‪ ،‬نيل الوطار‪.)236-231/1:‬‬

‫( ‪)1/477‬‬
‫‪ - ً 2‬الغسل لصلة العيدين‪ :‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يغتسل لذلك (‪ ، )1‬لكن قال‬
‫الشوكاني‪ :‬الحديث استدل به على أن غسل العيد مسنون‪ ،‬وليس في الباب ما ينتهض لثبات حكم‬
‫شرعي‪.‬‬
‫ولنها صلة شرعت لها الجماعة‪ ،‬فأشبهت الجمعة‪.‬‬
‫ويكون في يوم العيد لحاضره إن صلى العيد‪ ،‬ولو صلى وحده إن صحت صلة المنفرد‪ ،‬بأن صلى‬
‫بعد صلة العدد المعتبر‪ ،‬فل يجزئ قبل طلوع الفجر‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬للحرام بالحج أو بالعمرة‪ ،‬ولوقوف عرفة بعد الزوال ولدخول مكة ومبيت مزدلفة وطواف‬
‫زيارة وطواف وداع‪ :‬أما الحرام فلما روى زيد بن ثابت أن النبي صلّى ال عليه وسلم «تجرد‬
‫لهلله واغتسل» (‪ )2‬وظاهره ولو مع حيض ونفاس‪ ،‬بدليل أمر النبي صلّى ال عليه وسلم أسماء‬
‫بنت عميس به حينما ولدت محمد بن أبي بكر (‪. )3‬‬
‫وأما لدخول مكة ولو مع حيض‪ :‬فلفعله صلّى ال عليه وسلم (‪ ، )4‬وظاهره ولو كان في منطقة‬
‫الحرم‪ ،‬كالذي بمنى‪ ،‬إذا أراد دخول مكة‪ .‬ويندب الغسل أيضا لدخول المدينة تعظيما لحرمتها‪ ،‬وقدومه‬
‫على حضرة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬عن الفاكه بن سعد‪ ،‬وكان له صحبة أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يغتسل يوم الجمعة‪ ،‬ويوم‬
‫عرفة‪ ،‬ويوم الفطر‪ ،‬ويوم النحر» رواه عبد ال بن أحمد في المسند‪ ،‬وابن ماجه ولم يذكر الجمعة‪،‬‬
‫وهو ضعيف (نيل الوطار‪.)236/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وحسنه (نيل الوطار‪.)239/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم من حديث عائشة‪ ،‬ورواه أيضا ابن ماجه وأبو داود (نيل الوطار‪.)240/1:‬‬
‫(‪ )4‬متفق عليه (نيل الوطار‪. .)240/1:‬‬

‫( ‪)1/478‬‬

‫وأما لوقوف عرفة‪ ،‬فلثبوته في السنة (‪. )1‬‬
‫وأما الغسل لمبيت مزدلفة ورمي الجمار في منى وطواف الزيارة والوداع‪ ،‬فلنها أنساك يجتمع لها‬
‫الناس‪ ،‬فيعرقون‪ ،‬فيؤذي بعضهم بعضا‪ ،‬فاستحب الغسل لها كالجمعة دفعا للروائح وللتنظيف‬
‫وقال المالكية‪ :‬الغسل للطواف والسعي وللوقوف بعرفة والمزدلفة مستحب‪ ،‬أما للحرام ولدخول مكة‬
‫فهو سنة‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬الغسل للحرام ولدخول عرفة سنة‪ ،‬أما للوقوف بالمزدلفة وعند دخول مكة‬
‫فهو مندوب‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬لصلة الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر) والستسقاء‪ :‬لنها عبادة يجتمع لها الناس‪ ،‬فأشبهت‬
‫الجمعة والعيدين‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬إنه مندوب فقط‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬لغسل الميت‪ ،‬المسلم أو الكافر‪ :‬وهو مستحب عند المالكية والشافعية والحنابلة‪ ،‬لقولهصلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬من غسل مىّتا فليغتسل‪ ،‬ومن حمله فليتوضأ» (‪ )2‬وهو محمول على الندب لحديث‬
‫«إن ميّتكم يموت طاهرا؛ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (‪ ، )3‬ولحديث‪« :‬كنا نغسل الميت‪ ،‬فمنا من‬
‫يغتسل‪ ،‬ومنا من ل يغتسل» (‪. )4‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬ل يجب‪ ،‬لحديث «ل غسل عليكم من غسل الميت» (‪ )5‬وقال ابن عطاء‪« :‬ل تنجسوا‬
‫موتاكم‪ ،‬فإن المؤمن ليس بنجس حيا ول ميتاَ» (‪ )6‬لكن قالوا‪ :‬يندب الغسل خروجا من خلف من‬
‫ألزم به‪.‬‬
‫لكن قال الشوكاني‪ :‬القول بالستحباب هو الحق‪ ،‬لما فيه من الجمع بين الدلة بوجه مستحسن‪ .‬وبه‬
‫يتبين أن طلب الغسل غير لزم لغسل الميت‪ ،‬مندوب إليه في المذاهب الربعة‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬للمستحاضة‪ :‬يسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة لكل صلة‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬إنه‬
‫مستحب‪ ،‬وقال الحنفية‪ :‬يندب لها إذا انقطع دمها‪.‬‬
‫ودليل ندب الغسل‪ « :‬أن أم حبيبة استحيضت‪ ،‬فسألت النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأمرها أن تغتسل‪،‬‬
‫فكانت تغتسل عند كل صلة» (‪ )7‬وفي غير الصحيح‪« :‬أنه أمرها به لكل صلة» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مالك عن نافع عن ابن عمر‪ ،‬ورواه الشافعي عن علي‪ ،‬ورواه ابن ماجه مرفوعا‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة‪ ،‬وقال أبو داود‪ :‬هذا منسوخ‪ .‬ورجح البخاري والبيهقي أنه موقوف (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)237/1‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه البيهقي وحسنه ابن حجر‪.‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه الخطيب من حديث عمر‪ ،‬وصحح ابن حجر إسناده‪.‬‬

‫(‪ )5‬رواه الدارقطني والحاكم مرفوعا من حديث ابن عباس‪ ،‬وصحح البيهقي وقفه‪ ،‬وقال‪ :‬ل يصح‬
‫رفعه‪.‬‬
‫(‪ )6‬إسناده صحيح‪ ،‬وقد روي مرفوعا‪ ،‬أخرجه الدارقطني والحاكم‪ ،‬وورد أيضا مرفوعا من حديث‬
‫ابن عباس‪« :‬ل تنجسوا موتاكم» أي ل تقولوا هم نجس (نيل الوطار‪.)238/1:‬‬
‫(‪ )7‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/479‬‬
‫وعن عائشة‪ :‬أن زينب بنت جحش استحيضت‪ ،‬فقال لها النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اغتسلي لكل‬
‫صلة» (‪. )1‬‬
‫ويجوز القتصار على غسل واحد لما يجوز جمعه بين الصلتين‪ :‬الظهر والعصر‪ ،‬والمغرب‬
‫والعشاء‪ ،‬لحديث عائشة‪ :‬أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت فأتت رسول ال صلّى ال عليه‬
‫جهَدَها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر‬
‫وسلم ‪ ،‬فسألته عن ذلك‪ ،‬فأمرها بالغسل عند كل صلة‪ ،‬فلما َ‬
‫والعصر‪ ،‬والمغرب والعشاء بغسل‪ ،‬والصبح بغسل» (‪. )2‬‬
‫‪ - ً 7‬للفاقة من جنون أو إغماء أو سكر‪ :‬يندب الغسل لمن أفاق من جنون ونحوه‪ ،‬قال ابن المنذر‪:‬‬
‫«ثبت أن النبي صلّى ال عليه وسلم اغتسل من الغماء» (‪. )3‬‬
‫‪ - ً 8‬عند حجامة‪ ،‬وفي ليلة براءة‪ ،‬وليلة قدر إذا رآها‪ :‬يندب عند الحنفية الغسل من الحجامة خروجا‬
‫من خلف من ألزمه‪.‬‬
‫وفي ليلة براءة‪ :‬وهي ليلة النصف من شعبان‪ ،‬لحيائها وعظم شأنها؛ إذ فيها تقسم الرزاق والجال‪.‬‬
‫وفي ليلة القدر إذا رآها‪ ،‬لحيائها‪.‬‬
‫وفي حال فزع من مخوف‪ ،‬التجاء إلى ال ‪،‬وكرمه‪ ،‬لكشف الكرب عنه‪.‬‬
‫وفزع من ظلمة وريح شديدة؛ لن ال تعالى أهلك به من طغى‪ ،‬كقوم عاد‪.‬‬
‫ويندب الغسل للتائب من ذنب‪ ،‬وللقادم من سفر‪ ،‬ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها‪ ،‬فيغسل جميع بدنه‬
‫وجميع ثوبه احتياطاَ‪.‬‬
‫ملحقان بالغسل ‪:‬‬
‫الملحق الول ـ في أحكام المساجد‪:‬‬
‫المساجد أفضل بقاع الرض‪ ،‬وأفضل المساجد ثلثة‪ :‬المسجد الحرام‪،‬ومسجد المدينة‪ ،‬والمسجد‬
‫القصى‪ ،‬وأفضل الثلثة عند الجمهور مسجد‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه‪ ،‬وحسن المنذري بعض طرقه (نيل الوطار‪.)241/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬قد قيل‪ :‬إن ابن إسحاق وهم فيه (نيل الوطار‪.)242/1:‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه من حديث عائشة (نيل الوطار‪.)343/1:‬‬

‫( ‪)1/480‬‬
‫مكة‪ ،‬وعند مالك مسجد المدينة ‪ ,‬كما أن مالكا فضل المدينة على مكة خلفا للجمهور ‪ .‬وقال الحنفية ‪:‬‬
‫مسجد استاذ للعلوم أفضل اتفاقا‪ ,‬ومسجد الحي أفضل من الجامع ‪.‬‬
‫وقد ذكر المام النووي ( المتوفى سنة ‪ 676‬للهجرة ) ثلثة وثلثين حكما للمساجد وهي ما يأتي (‪:)1‬‬
‫ً‪- 1‬يحرم على الجنب والحائض والنفساء دخول المساجد ‪ ,‬وأباح الشافعية المرور من غير مكث ‪,‬‬
‫ول كراهة فيه ‪ ,‬سواء أكان لحاجة أو لغيرها ‪ ,‬لكن الولى أل يعبر إل لحاجة ‪ ,‬ليخرج من خلف‬
‫الحنفية والمالكية ‪ .‬كما أبنت فيما يحرم على الجنب ونحوه ‪ .‬ويكره تحريما عند الحنفية اتخاذ المسجد‬
‫طريقا بغير عذر‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬يكره كثرة المرور في المسجد إن كان بناء المسجد سابقا على‬
‫الطريق‪ ،‬وإل فل كراهة‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬لو احتلم في المسجد‪ ،‬وجب عليه الخروج منه‪ ،‬إل أن يعجز عن الخروج لغلق المسجد‬
‫ونحوه‪ ،‬أو خاف على نفسه أو ماله‪ ،‬فإن عجز أو خاف‪ ،‬جاز أن يقيم للضرورة‪.‬‬
‫ول يتيمم بتراب المسجد فيحرم ذلك‪ ،‬فإن خالف وتيمم صح‪ .‬ولو أجنب وهو خارج المسجد‪ ،‬والماء‬
‫في المسجد‪ ،‬لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد؛ لنه يلبث لحظة مع الجنابة‪.‬‬
‫ولو دخل للستسقاء‪ ،‬ل يجوز أن يقف إل قدر حاجة الستسقاء‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين‪ ،‬سواء لغرض شرعي كاعتكاف أو سماع‬
‫قرآن أو علم آخر‪ ،‬أم لغير غرض‪ ،‬ول كراهة في ذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ ،196،33/4-187/2:‬وانظر إعلم الساجد بأحكام المساجد للزركشي المتوفى (سنة‬
‫‪ 794‬هـ) وبخاصة‪ :‬ص ‪ 407-301‬حيث ذكر ‪ 137‬حكما للمساجد‪ ،‬طبع أبي ظبي‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،49‬المغني‪ ،243/2 :‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،619-614/1:‬كشاف القناع‪.436-424/2 :‬‬

‫( ‪)1/481‬‬

‫ً‪ - 4‬يجوز النوم في المسجد‪ ،‬ول كراهة فيه عند الشافعية‪ ،‬لفعل ابن عمر في الصحيحين‪ ،‬وكان‬
‫أصحاب الصُفّة (‪ )1‬ينامون في المسجد‪ ،‬ونام العرنيون في المسجد‪ ،‬ونام علي وصفوان بن أمية فيه‪،‬‬
‫ونام غيرهم‪.‬‬
‫وقال مالك‪ :‬لبأس بذلك للغرباء‪ ،‬ول أرى ذلك للحاضر‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يكره النوم في المسجد إل للغريب والمعتكف‪.‬‬
‫وقال أحمد وإسحاق‪ :‬إن كان مسافرا أو شبهه‪ ،‬فل بأس‪ ،‬وإن اتخذه مبيتا أو مقيلً‪ ،‬فل‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إل لضرورة عمل‪ ،‬ومنها قلة أجرته‬
‫عن المسلم في عمل ما‪ ،‬وإتقانه العمل على الظاهر‪.‬‬
‫وأجاز أبو حنيفة لكافر دخول كل مسجد‪.‬‬
‫ويجوز عند الشافعية للكافر دخول المسجد غير المسجد الحرام وحرم مكة‪ ،‬وله أن يبيت فيه‪ ،‬ولو كان‬
‫جنبا في الصح‪ ،‬ولكن بإذن المسلمين‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬يجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه‪ ،‬والولى أن يكون في إناء‪ .‬قال ابن المنذر‪ :‬أباح كل‬
‫من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد‪ ،‬إل أن يَبُلّه‪ ،‬ويتأذى به الناس‪ ،‬فإنه يكره‪.‬‬
‫وقال مالك وأبو حنيفة‪ :‬يكره الوضوء‪ ،‬تنزيها للمسجد‪ ،‬واستثنى الحنفية‪ :‬ماأعد للوضوء فل يكره فيه‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬ل بأس بالكل والشرب ووضع المائدة في المسجد‪ ،‬وغسل اليد فيه‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يكره تنزيها‬
‫أكل ما ليست له رائحة كريهة‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬يجوز للغرباء الكل في المساجد ما لم يقذر‪ ،‬وكذلك‬
‫قال الحنابلة‪ :‬يباح الكل بشرط أل يلوثه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أهل الصفة‪ :‬جماعة من فقراء المهاجرين كانوا يقيمون في مسجد رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫تحت صُفّته‪ ،‬أي ظلته‪.‬‬
‫(‪ )2‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪.178/1:‬‬

‫( ‪)1/482‬‬
‫ً‪ - 7‬يكره لمن أكل ثوما‪ ،‬أو بصلً‪ ،‬أو كُرّاثا‪ ،‬أو غيرها مما له رائحة كريهة‪ ،‬وبقيت رائحته‪ ،‬أن‬
‫يدخل المسجد من غير ضرورة‪ ،‬لحديث ابن عمر أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من أكل من‬
‫هذه الشجرة ـ يعني الثوم ـ فل يقربن مسجدنا» أو «مساجدنا» (‪ ، )1‬وحديث أنس‪« :‬من أكل من‬
‫هذه الشجرة‪ ،‬فل يقربنا‪ ،‬ول يصلين معنا» (‪ ، )2‬وحديث جابر‪« :‬من أكل ثوما‪ ،‬أو بصلً‪ ،‬فليعتزلنا‪،‬‬

‫أو فليعتزل مساجدنا» (‪. )3‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يكره ذلك تحريما‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬يحرم ذلك‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬يكره البصاق في المسجد‪ ،‬لما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي ال عنه‪ ،‬أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم قال‪« :‬البصاق في المسجد خطيئة‪ ،‬وكفارتها دفنها» ‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬يحرم البول والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء‪ .‬ويكره الفصد والحجامة فيه في إناء‪.‬‬
‫ول يحرم‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يكره تحريما البول والتغوط والوطء في المسجد؛ لنه مسجد إلى عنان‬
‫السماء‪ ،‬ويكره إدخال نجاسة إلى المسجد‪ ،‬فل يجوز الستصباح فيه بدهن نجس‪ ،‬ول تطيينه بنجس‬
‫ول الفصدفيه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد‪ .‬أما من على بدنه نجاسة أو به جرح‪ :‬فإن خاف‬
‫تلويث المسجد‪ ،‬حرم عليه دخوله‪ ،‬وإن أمن لم يحرم‪ .‬ول يجوز البناء ول التجصص بالنجس‪ ،‬ويكره‬
‫ذلك تحريما عند الحنفية‪ .‬ويحرم الستصباح فيه بالزيت والدهن المتنجس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪ ،‬ورواية مسلم‪« :‬مساجدنا» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وروى مسلم حديثا عن عمر بن الخطاب في معنى المذكورات‪ .‬هذا ول‬
‫يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد‪ ،‬لكن الولى اجتنابه‪ ،‬لرواية مسلم من حديث جابر السابق‪:‬‬
‫«من أكل البصل والثوم والكراث‪ ،‬فل يقربن مسجدنا‪ ،‬فإن الملئكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»‬
‫والكراث‪ :‬بقل (نيل الوطار‪.)154/2 :‬‬

‫( ‪)1/483‬‬
‫ودليل حرمة هذه المسائل حديث أنس عند مسلم‪« :‬إن هذه المساجد ل تصلح لشيء من هذا البول ول‬
‫القذر‪ ،‬إنما هي لذكر ال ‪ ،‬وقراءة القرآن» ‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬يكره غرس الشجر في المسجد‪ ،‬ويكره حفر البئر؛ لنه بناء في مال غيره‪ ،‬وللمام قلع ما‬
‫غرس فيه‪ ،‬وقال الحنفية‪ :‬يكره غرس الشجار في المسجد إل لنفع‪ ،‬كتقليل نَزّ (ما يتحلب من الرض‬
‫من الماء)‪.‬‬
‫ً‪ - 11‬تكره الخصومة في المسجد‪ ،‬ورفع الصوت فيه‪ ،‬ونشد الضالة‪ ،‬والبيع والشراء والجارة‬
‫ونحوها من العقود‪ ،‬لحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وابن ماجه‪« :‬من سمع رجلً ينشد ضالة في‬

‫المسجد‪ ،‬فليقل‪ :‬ل ردها ال عليك‪ ،‬فإن المساجد لم تبن لهذا» وفي رواية الترمذي‪« :‬إذا رأيتم من يبيع‬
‫أو يبتاع في المسجد‪ ،‬فقولوا‪ :‬ل أربح ال تجارتك‪ ،‬وإذا رأيتم من ينشد ضالة‪ ،‬فقولوا‪ :‬ل ردها ال‬
‫عليك» (‪. )1‬‬
‫كذلك يكره البيع والشراء عند الحنفية والمالكية‪ ،‬ويحرم عند الحنابلة‪ ،‬وإن وقع فهو باطل‪ .‬ويكره رفع‬
‫الصوت بالذكر إن شوش على المصلين عند الحنفية والحنابلة إل للمتفقهة‪ ،‬كما يكره عندهم الكلم‬
‫غير المباح‪ ،‬فإن كان مما يباح فل يكره إن لم يشوش على المصلين‪ .‬وقال المالكية‪ :‬يكره رفع‬
‫الصوت في المسجد مطلقا ولو بالذكر والعلم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن‪ .‬وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه‬
‫عن جده‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد‪ ،‬وأن ينشد فيه‬
‫ضالة‪ ،‬وأن ينشد فيه شعر» قال الترمذي‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي ال عنهما‪.‬‬

‫( ‪)1/484‬‬
‫لكن ل بأس عند الشافعية أن يعطى السائل في المسجد شيئا‪ ،‬لحديث‪« :‬هل منكم أحد أطعم اليوم‬
‫مسكينا؟ فقال أبو بكر‪ :‬دخلت المسجد‪ ،‬فإذا أنا بسائل يسأل‪ ،‬فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن‪،‬‬
‫فأخذتها فدفعتها إليه» (‪ )1‬وكره الشافعي السؤال في المسجد‪ ،‬وكذلك كرهه المالكية والحنابلة‪ ،‬ولكن‬
‫يجوز العطاء‪ ،‬وقال الحنفية‪ :‬يحرم السؤال في المسجد‪ ،‬ويكره إعطاء السائل فيه شيئا‪.‬‬
‫ً‪ - 12‬يكره إدخال البهائم والمجانين‪ ،‬والصبيان الذين ليميزون المسجد؛ لنه ل يؤمن من تلويثهم‬
‫إياه‪ ،‬ول يحرم ذلك؛ لنه ثبت في الصحيحين أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم صلى حاملً أمامة‬
‫بنت زينب رضي ال عنهما‪ ،‬وطاف على بعيره‪ .‬ول ينفي هذا الكراهة؛ لنه صلّى ال عليه وسلم‬
‫فعله لبيان الجواز‪ ،‬فيكون حينئذ أفضل في حقه‪ ،‬فإن البيان واجب‪ .‬وهذا الحكم هو المقرر أيضا عند‬
‫الحنابلة إل أنهم أجازوا إدخال المجانين في المساجد لحاجة كتعليم الكتابة‪ .‬ومنع المالكية والحنفية من‬
‫إدخال الصبيان والمجانين المساجد‪ ،‬وهو مكروه‪ ،‬ويرخص للنساء الصلة في المساجد إذا أمن الفساد‪،‬‬
‫ويكره للشابة الخروج إليه‪.‬‬
‫ً‪ - 13‬يكره أن يجعل المسجد مقعدا لحرفة‪ ،‬كالخياطة ونحوها‪ ،‬لحديث أنس السابق في حكم المسألة‬
‫التاسعة‪ .‬أما من ينسخ فيه شيئا من العلم‪ ،‬أو اتفق قعوده فيه‪ ،‬فخاط ثوبا‪ ،‬ولم يجعله مقعدا للخياطة‪،‬‬

‫فل بأس به‪.‬‬
‫ً‪ - 14‬يجوز الستلقاء في المسجد على القفا‪ ،‬ووضع إحدى الرجلين على الخرى‪ ،‬وتشبيك الصابع‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي صلّى ال عليه وسلم فعل ذلك كله‪.‬‬
‫ً‪ - 15‬يستحب عقد حلق العلم في المساجد‪ ،‬وذكر المواعظ والرقائق ونحوها‪ ،‬والحاديث الصحيحة‬
‫في ذلك كثيرة مشهورة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابو داود باسناد جيد عن عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق رضي ال عنهما‪.‬‬

‫( ‪)1/485‬‬
‫ويجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد‪ ،‬وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات‪ ،‬وإن حصل فيه‬
‫ضحك ونحوه ما دام مباحا‪ ،‬لحديث جابر بن سمرة رضي ال عنه قال‪« :‬كان رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم ل يقوم من مصله الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام‪ ،‬وقال‪ :‬وكانوا‬
‫يتحدثون‪ ،‬فيأخذون في أمر الجاهلية‪ ،‬فيضحكون ويبتسم (‪» . )1‬‬
‫ً‪ - 16‬ل بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحا للنبوة أو السلم‪ ،‬أو كان حكمة‪ ،‬أو في مكارم‬
‫الخلق‪ ،‬أو الزهد‪ ،‬أو نحو ذلك من أنواع الخير‪ ،‬بدليل حديث سعيد بن المسيب قال‪ :‬مر عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬وحسان ينشد الشعر‪ ،‬فلحظ إليه‪ ،‬فقال‪ :‬أنشد فيه‪ ،‬وفيه من هو خير منك‪ ،‬ثم التفت إلى أبي‬
‫هريرة فقال‪ :‬أنشدك بال ‪ ،‬أسمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪« :‬أجب عني‪ ،‬اللهم أيده‬
‫بروح القدس» ؟ قال‪ :‬نعم (‪. )2‬‬
‫أما ما فيه شيء مذموم كهجو مسلم أو صفة الخمر‪ ،‬أو ذكر النساء أو المُرْد‪ ،‬أو مدح ظالم‪ ،‬أو افتخار‬
‫منهي عنه‪ ،‬أو غير ذلك‪ ،‬فحرام لحديث أنس السابق في المسألة التاسعة‪ ،‬ولحديث آخر‪« :‬أن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم نهى عن تناشد الشعار في المسجد» (‪ )3‬وهذا التفصيل هو الحكم المقرر لدى‬
‫المذاهب الخرى‪.‬‬
‫ً‪ - 17‬يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه من نخامة أو بصاق‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬ثبت في‬
‫الصحيحين عن أنس رضي ال عنه‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم رأى بصاقا في المسجد‪ ،‬فحكه‬
‫بيده‪ .‬وروى أبو داود عن أنس قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪« :‬عرضت علي أجور أمتي‪،‬‬
‫حتى القَذاةُ يخرجها الرجل من المسجد» والقذاة‪ :‬الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك‪.‬‬
‫ً‪ - 18‬من البدع المنكرة إيقاد القناديل الكثيرة في ليال معينة كليلة نصف شعبان‪ ،‬مضاهاة للمجوس‬

‫في العتناء بالنار‪ ،‬وإضاعة للمال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬حديث حسن رواه النسائي بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪.‬‬

‫( ‪)1/486‬‬
‫ً‪ - 19‬السنة لمن دخل المسجد ومعه سلح‪ :‬أن يمسك على حَدّه‪ ،‬كنصل السهم وسنان الرمح ونحوه‪،‬‬
‫لحديث جابر رضي ال عنه‪ :‬أن رجلً مر بسهام في المسجد‪ ،‬فقال له رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪« :‬أمسك بنصالها» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 20‬السنة للقادم من سفر‪ :‬أن يبدأ بالمسجد‪ ،‬فيصلي فيه ركعتين‪ ،‬لحديث كعب بن مالك رضي ال‬
‫عنه‪ ،‬قال‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا قدم من سفر‪ ،‬بدأ بالمسجد‪ ،‬فصلى ركعتين» (‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫ً‪ - 21‬ينبغي للجالس في المسجد لنتظار صلة‪ ،‬أو اشتغال بعلم‪ ،‬أو لشغل آخر من طاعة أو مباح‪:‬‬
‫أن ينوي العتكاف‪ ،‬فإنه يصح‪ ،‬وإن قل زمانه‪.‬‬
‫ً‪ - 22‬ل بأس بإغلق المسجد في غير وقت الصلة‪ ،‬لصيانته أو لحفظ آلته‪ .‬فإذا لم يخف من فتحها‬
‫مفسدة ول انتهاك حرمتها‪ ،‬وكان في فتحها رفق بالناس‪ ،‬فالسنة فتحها‪ ،‬كما لم يغلق مسجد رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم في زمنه ول بعده‪.‬‬
‫ً‪ - 23‬يكره لداخل المسجد‪ :‬أن يجلس فيه‪ ،‬حتى يصلي ركعتين‪.‬‬
‫ً‪ -24‬ينبغي للقاضي أل يتخذ المسجد مجلسا للقضاء‪ ،‬إل ما يقع فيه صدفة‪ ،‬فيقضى فيه‪.‬‬
‫ً‪ -25‬يكره أن يتخذ على القبر مسجد‪ ،‬لحديث صحيح‪« :‬قاتل ال اليهود‪ ،‬اتخذوا قبور أنبيائهم‬
‫مساجد» (‪. )3‬‬
‫وأما حفر القبر في المسجد‪ ،‬فحرام شديد التحريم‪.‬‬
‫وتكره الكتابة عند الشافعية والحنفية والحنابلة على جدران المسجد وسقوفه‪ .‬وقال المالكية والحنابلة‪:‬‬
‫تكره الكتابة في القبلة لئل تشغل المصلي‪ ،‬ول تكره فيما عدا ذلك؛ لن الكتابة تشغل قلب المصلي‪،‬‬
‫وربما اشتغل بقراءته عن صلته‪ .‬كما يكره تزويقه وكل ما يشغل المصلي عن صلته‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪ ،‬كما رويا في معناه حديثا عن أبي موسى رضي ال عنه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬

‫( ‪)1/487‬‬
‫ً ً‪ -26‬حائط المسجد من داخله وخارجه‪ :‬له حكم في وجوب صيانته وتعظيم حرماته‪ ،‬وكذا سطحه‪،‬‬
‫والبئر التي فيه‪ ،‬وكذا رحبته‪ ،‬وقد نص الشافعي وأصحابه على صحة العتكاف في رحبته وسطحه‪،‬‬
‫وصحة صلة المأموم فيهما مقتديا بمن في المسجد‪ ،‬وكذلك يعتبر سطح المسجد كالمسجد في بقية‬
‫المذاهب‪.‬‬
‫ً‪ - 27‬السنة لمن أراد دخول المسجد‪ :‬أن يتفقد نعليه‪ ،‬ويمسح ما فيهما من أذى قبل دخوله‪ ،‬لحديث‪:‬‬
‫«إذا جاء أحدكم إلى المسجد‪ ،‬فلينظر‪ ،‬فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى‪ ،‬فليمسحه‪ ،‬وليصل فيهما» (‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫شعْثاء قال‪« :‬كنا‬
‫ً‪ - 28‬يكره الخروج من المسجد بعد الذان حتى يصلي إل لعذر‪ ،‬لحديث أبي ال ّ‬
‫قعودا مع أبي هريرة رضي ال عنه في المسجد‪ ،‬فأذن المؤذن‪ ،‬فقام رجل من المسجد يمشي‪ ،‬فأتبعه‬
‫أبو هريرة بصره‪ ،‬حتى خرج من المسجد‪ ،‬فقال أبو هريرة‪ :‬أما هذا‪ ،‬فقد عصى أبا القاسم صلّى ال‬
‫عليه وسلم » (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 29‬يستحب أن يقول عند دخوله المسجد‪ ( :‬أعوذ بال العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من‬
‫الشيطان الرجيم‪ ،‬باسم ال والحمد ل ‪ ،‬اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم‪ ،‬اللهم اغفر‬
‫لي ذنوبي‪ ،‬وافتح لي أبواب رحمتك )‪.‬‬
‫وإذا خرج من المسجد قال مثله‪ ،‬إل أنه يقول‪ ( :‬وافتح لي أبواب فضلك) (‪. )3‬‬
‫ويقدم رجله اليمنى في الدخول‪ ،‬واليسرى في الخروج‪.‬‬
‫ً‪ -30‬ل يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد‪ ،‬كحجر وحصاة وتراب وغيره‪ ،‬لحديث مرفوع‪« :‬إن‬
‫الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد» (‪. )4‬‬
‫ً‪ -31‬يسن بناء المساجد وعمارتها وتعهدها‪ ،‬وإصلح ما تشعث منها‪ ،‬لحديث‪« :‬من بنى ل تعالى‬
‫مسجدا‪ ،‬بنى ال له مثله في الجنة» (‪. )5‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يجب بناء المساجد في المصار والقرى والمحالّ (جمع مَحلّة)‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذه الذكار بعضها في صحيح مسلم‪ ،‬ومعظمها في سنن أبي داود والنسائي‪ ،‬فإن طال عليه هذا‬
‫كله‪ ،‬فليقتصر على ما في مسلم أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا دخل أحدكم المسجد‬
‫فليقل‪ :‬اللهم افتح لي أبواب رحمتك‪ ،‬وإذا خرج فليقل‪ :‬اللهم إني أسألك من فضلك» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عثمان بن عفان رضي ال عنه (نيل الوطار‪.)147/1:‬‬

‫( ‪)1/488‬‬
‫ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية‪ ،‬وعمارة المساجد ومراعاة أبنيتها مستحبة‪ ،‬ويسن أن يصان‬
‫المسجد عن الوساخ والمخاط وتقليم الظافر وقص الشعر ونتفه‪ ،‬وعن الروائح الكريهة من بصل‬
‫وثوم وكراث ونحوها‪.‬‬
‫ويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة وبِيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها‪ ،‬لحديث عثمان بن‬
‫أبي العاص رضي ال عنه‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف‬
‫حيث كانت طواغيتهم» (‪ ، )1‬ولحديث أنس‪« :‬أن مسجد رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان فيه قبور‬
‫مشركين‪ ،‬فنبشت» (‪. )2‬‬
‫ويكره زخرفة المسجد باللونين الحمر والصفر ونقشه وتزيينه‪ ،‬لئل تشغل قلب المصلي‪ ،‬ولقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (‪ )3‬وقوله أيضا‪« :‬ما أمرت‬
‫بتشييد المساجد‪ ،‬قال ابن عباس‪( :‬لَتُزَخ ِرفُنّها) كما زخرفت اليهود والنصارى» (‪ )4‬فهو يدل على أن‬
‫تشييد المساجد بدعة‪ ،‬وهذا الحكم بالكراهة هو المقرر عند المالكية والحنابلة‪ ،‬لكن أجاز الحنفية نقش‬
‫المسجد بالمال الحلل‪ ،‬خل محرابه فإنه يكره‪ ،‬لنه يلهي المصلي‪.‬‬
‫وروي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك‪ .‬وروي عن أبي طالب المكي‪ :‬أنه ل كراهة في تزيين‬
‫المحراب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد جيد‪ ،‬وابن ماجه (نيل الوطار‪.)145/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الخمسة إل الترمذي عن أنس (نيل الوطار‪.)151/2:‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه أبو داود عن ابن عباس‪ ،‬والتشييد‪ :‬رفع البناء وتطويله‪ .‬وفي قول ابن عباس نوع تأنيب‬
‫وتوبيخ‪ ،‬والمراد من الزخرفة‪ :‬الزينة‪ .‬وفتح اللم في قوله‪ :‬لتزخرفنها لنه جواب القسم‪ .‬وكلم ابن‬
‫عباس مفصول عن كلم النبي صلّى ال عليه وسلم في الكتب المشهورة وغيرها (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)150/2‬‬

‫( ‪)1/489‬‬
‫ً‪ - 32‬ورد في فضل المساجد أحاديث كثيرة منها‪« :‬أحب البلد إلى ال تعالى مساجدها‪ ،‬وأبغض‬
‫البلد إلى ال أسواقها» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 33‬مصلى العيد وغيره الذي ليس بمسجد‪ :‬ليحرم المكث فيه على الجنب والحائض‪ ،‬على المذهب‬
‫عند الشافعية‪.‬‬
‫الملحق الثاني ــ أحكام الحمامات العامة‪:‬‬
‫ذكر الشافعية والحنابلة أحكام الحمام وآداب دخوله فقالوا (‪: )2‬‬
‫أ ـ أجود الحمامات‪ :‬ماكان شاهقا‪ ،‬عذب الماء‪ ،‬معتدل الحرارة‪ ،‬معتدل البيوت‪ ،‬قديم البناء‪.‬‬
‫ب ـ بناء الحمام ‪ :‬وبيعه وشراؤه وإجارته مكروه عند المام أحمد‪ ،‬لما فيه من كشف العورة والنظر‬
‫إليها‪ ،‬ودخول النساء إليه‪ ،‬قال أحمد‪ :‬في الذي يبني حماما للنساء‪ :‬ليس بعدل‪ .‬وحمله بعضهم على‬
‫غير البلد الباردة‪.‬‬
‫وكسب الحمام والحلق عند الحنابلة مكروه‪.‬‬
‫جـ ــ الدخول إلى الحمام‪ :‬يباح للرجال دخول الحمام‪ ،‬ويجب عليهم غض البصر عما ليحل لهم‪،‬‬
‫وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من ليحل له النظر إليها‪ ،‬أو في غير وقت الغتسال‪ ،‬فإنه‬
‫جحْفة» ‪ ،‬ويروى ذلك عن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما‬
‫يروى‪ « :‬أن ابن عباس دخل حماما بال ُ‬
‫يروى عن خالد بن الوليد «أنه دخل الحمام » ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم عن أبي هريرة‪ ،‬ورواه أحمد والحاكم عن جبير بن مطعم‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،76/1:‬المغني‪ ،233-230/1 :‬كشاف القناع‪ ،183-181/1:‬الفتاوى الهندية‪:‬‬
‫‪ 373/5‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/490‬‬

‫فإن خشي أل يسلم من النظر إلى العورات‪ ،‬ونظر الناس إلى عورته كره له ذلك؛ لنه ليأمن وقوعه‬
‫في المحظور‪ ،‬فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام‪ ،‬بدليل حديث بهز بن حكيم المتقدم في أول مبحث‬
‫الغسل‪ « :‬احفظ عورتك إل من زوجتك أو ماملكت يمينك ‪ ، )1( » ...‬وقال النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬لينظر الرجل إلى عورة الرجل‪ ،‬ولتنظر المرأة إلى عورة المرأة » « لتمشوا عراة » (‬
‫‪ « )2‬الفخذ عورة » (‪. )3‬‬
‫ويحرم دخول الحمامات العامة بغير مئزر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان يؤمن بال واليوم‬
‫الخر من ذكور أمتي‪ ،‬فل يدخل الحمام إل بمئزر‪ ،‬ومن كانت تؤمن بال واليوم الخر‪ ،‬فل تدخل‬
‫الحمام » (‪« )4‬حرام على الرجال دخول الحمام إل بمئزر» (‪ ، )5‬وروي‪« :‬أن الرجل إذا دخل‬
‫الحمام عاريا لعنه ملكاه » (‪. )6‬‬
‫وأما النساء‪ :‬فيكره لهن دخول الحمام بل عذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة إلى الغسل‪ ،‬ول‬
‫يمكن المرأة أن تغتسل في بيتها‪ ،‬لخبر‪« :‬ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إل هتكت مابينها‬
‫وبين ال تعالى » (‪ )7‬وقال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ستفتح عليكم أرض العجم‪ ،‬وستجدون فيها بيوتا‪،‬‬
‫يقال لها الحمامات‪ ،‬فل يدخلنها الرجال إل بالزار‪ ،‬وامنعوها النساء‪ ،‬إل مريضة أو نفساء » (‪، )8‬‬
‫ولن أمرهن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة (نيل الوطار‪.)62/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواهما مسلم‪ ،‬وروى أبو داود وابن ماجه عن علي‪« :‬ل تبرِز فخذاك‪ ،‬ول تنظر إلى فخذ حي أو‬
‫ميت» (نيل الوطار‪.)62/2:‬‬
‫(‪ )3‬رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس (نيل الوطار‪.)62/2:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد عن أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه النسائي والحاكم عن جابر‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى‪{ :‬كراما كاتبين‪ ،‬يعلمون ما تفعلون} [النفطار‪-11/82:‬‬
‫‪.]12‬‬
‫(‪ )7‬رواه الترمذي وحسنه عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬
‫(‪ )8‬رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر رضي ال عنه‪.‬‬

‫( ‪)1/491‬‬

‫مبني على المبالغة في الستر‪ ،‬ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (‪. )1‬‬
‫وليحرم على المرأة الغتسال في حمام دارها حيث لم ير من عورتها مايحرم النظر إليه‪.‬‬
‫د ‪ -‬يحرم الغتسال عريانا بين الناس‪ ،‬فمن اغتسل عريانا بين الناس‪ :‬لم يجز له ذلك؛ لن كشف‬
‫العورة للناس محرم‪ ،‬لما تقدم‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬إن ال عز وجل حيي ستّير‪ ،‬يحب‬
‫الحياء والستر‪ ،‬فإذا اغتسل أحدكم فليستتر » (‪ . )2‬أما إن كان خاليا فيجوز؛ لن موسى عليه السلم‬
‫اغتسل عريانا (‪ ، )3‬كما اغتسل أيوب عليه السلم عريانا (‪. )4‬‬
‫وإن ستره إنسان بثوب‪ ،‬فلبأس‪ ،‬فقد كان النبي صلّى ال عليه وسلم يستتر بثوب ويغتسل‪.‬‬
‫ويستحب التستر وإن كان خاليا للحديث السابق‪ « :‬فال أحق أن يستحيا منه من الناس » ‪.‬‬
‫وليسبح في ماء إل مستترا؛ لن الماء ليستر‪ ،‬فتبدو عورة من دخله عريانا‪.‬‬
‫هـ ـ يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمام‪ ،‬لنه طاهر‪ ،‬ويجعل بمنزلة الماء الجاري إذا كان يفيض‬
‫من الحوض ويخرج‪ ،‬أي أن عليه مصبّا‪ ،‬فإن الذي يأتي أخيرا يدفع مافي الحوض‪ ،‬ويثبت في مكانه‪.‬‬
‫و ـ لبأس للمستتر بذكر ال في الحمام‪ ،‬فإن ذكر ال حسن في كل مكان‪ ،‬مالم يرد المنع منه‪ ،‬روي‬
‫« أن أبا هريرة دخل الحمام‪ ،‬فقال‪ :‬ل إله إل ال » وروي عن النبي صلّى ال عليه وسلم « أنه كان‬
‫يذكر ال على كل أحيانه » ‪.‬‬
‫أما قراءة القرآن في الحمام‪ :‬فل تكره عند مالك والنخعي‪ ،‬كذكر ال فيه‪ ،‬وكره أحمد ذلك‪ ،‬ولو خفض‬
‫صوته؛ لنه محل التكشف‪ ،‬ويفعل فيه ماليحسن في غيره‪ ،‬فيصان القرآن عنه‪ .‬كما يكره السلم فيه‪.‬‬
‫وأباحه بعض الحنابلة؛ لن الشياء على الباحة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال بعض الشافعية‪ :‬والخناثى كالنساء فيما يظهر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود عن يعلى بن أمية‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )4‬كما ذكر صاحب المغني ابن قدامة المقدسي‪.‬‬

‫( ‪)1/492‬‬
‫ز ـ آداب الحمام‪ :‬يجب أليزيد المستحم في الماء على قدر الحاجة والعادة‪ ،‬وليطيل المقام إل بقدر‬
‫الحاجة‪.‬‬
‫وآداب الحمام‪ :‬أن يقصد التطهير والتنظيف‪ ،‬ل الترفه والتنعم‪ ،‬وأن يسلم الجرة قبل دخوله‪ ،‬وأن‬

‫يسمي للدخول‪ ،‬ثم يتعوذ‪ ،‬كما في دخول الخلء‪ ،‬ويقدم رجله اليسرى عند الدخول‪ ،‬ورجله اليمنى عند‬
‫الخروج‪.‬‬
‫ويتذكر بحرارة الحمام حرارة نار جهنم‪ ،‬وليدخله إذا رأى فيه عريانا‪ ،‬وليعجل بدخول البيت الحار‬
‫حتى يعرق في البيت الول؛ لنه أجود طبا‪ ،‬وليكثر الكلم‪ ،‬ويتحين بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن‬
‫قدر على ذلك‪ ،‬ويقلل اللتفات؛ لنه محل الشياطين‪ ،‬ويستغفر ال تعالى ويصلي ركعتين بعد خروجه‬
‫منه‪ ،‬فقد كانوا يقولون‪ :‬يوم الحمام يوم إثم‪.‬‬
‫وكره الشافعية دخول الحمام قبيل الغروب‪ ،‬وبين العشاءين؛ لنه وقت انتشار الشياطين‪ ،‬وقال‬
‫الحنابلة‪ :‬ليكره ذلك لعدم النهي الخاص عنه‪ .‬ولبأس بدلك غيره إل عورة أو مظنة شهوة‪.‬‬
‫ويكره الحمام للصائم؛ لن الغسل يضعف الجسم‪ ،‬وهو ترفه ليلئم الصوم‪ ،‬وقد يسبق الماء إلى‬
‫جوفه‪ ،‬فيفطر‪.‬‬
‫ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد‪ ،‬ولبأس بشرب ماء بارد عند خروجه منه‪ ،‬لنه أنفع طبا‪ ،‬كما‬
‫لبأس بقوله لغيره‪ :‬عافاك ال‪ ،‬ول مانع من المصافحة‪.‬‬
‫صلُ السّادس‪ :‬التّ َيمّم‬
‫ال َف ْ‬
‫تعريفه‪ ،‬ومشروعيته وصفته‪ ،‬أسبابه‪ ،‬فرائضه‪ ،‬كيفيته‪،‬شروطه‪ ،‬سننه ‪ ،‬ومكروهاته‪ ،‬نواقضه‪ ،‬حكم‬
‫فاقد الطهورين‪.‬‬
‫المطلب الول ــ تعريف التيمم ومشروعيته وصفته‪:‬‬
‫التيمم لغة‪ :‬القصد ومنه قوله تعالى‪ { :‬ولتيمموا الخبيث منه تنفقون } [البقرة‪ ،]2/267:‬وشرعا عرفه‬
‫الفقهاء بعبارات متقاربة‪ ،‬فقال الحنفية (‪ : )1‬مسح الوجه واليدين عن صعيد مطهر‪ .‬والقصد شرط له؛‬
‫لنه النية‪ ،‬فهو قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لقامة القربة‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )3‬إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلً عن الوضوء أو الغسل أو عضو منهما‬
‫بشرائط مخصوصة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،19‬فتح القدير‪ ،84/1:‬اللباب‪ ،35/1:‬البدائع‪ ،45/1:‬حاشية ابن عابدين‪:‬‬
‫‪.211/1‬‬
‫(‪ )2‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪.179/1:‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ .87/1:‬وقال الحنابلة (‪ : )1‬مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه‬
‫مخصوص‪.‬‬

‫( ‪)1/493‬‬
‫مشروعيته ‪ :‬التيمم من خصائص المة السلمية‪ ،‬شرع في غزوة بني المصطلق ( غزوة المريسيع )‬
‫عقْدها‪ ،‬فبعث صلّى ال عليه وسلم في طلبه‪،‬‬
‫في السنة السادسة من الهجرة حينما أضاعت عائشة ِ‬
‫وحانت الصلة‪ ،‬وليس معهم ماء‪ ،‬فنزلت آية التيمم‪ ،‬كما نزلت آيات براءة عائشة من الفك في سورة‬
‫النور‪ ،‬فقال ُأسَيدُ بن حضير‪« :‬يرحمك ال يا عائشة‪ ،‬مانزل بك أمر تكرهينه إل جعل ال للمسلمين‬
‫فيه فرجا» ‪.‬‬
‫وهو رخصة‪ ،‬وقال الحنابلة‪ :‬إنه عزيمة‪ ،‬وأدلة مشروعيته‪ :‬الكتاب والسنة والجماع‪ :‬أما القرآن‪:‬‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬وإن كنتم مرضى أو على سفر‪ ،‬أو جاء أحد منكم من الغائط‪ ،‬أو لمستم النساء‪ ،‬فلم‬
‫تجدوا ماء‪ ،‬فتيمموا صعيدا طيبا (‪ ، )2‬فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } [المائدة ‪ ،]6/ 5‬وهذا يدل‬
‫على أن التيمم فريضة بدل الغسل بالماء‪.‬‬
‫وأما السنة‪ :‬فأحاديث كثيرة ‪،‬منها خبر مسلم‪ « :‬جعلت لنا الرض كلها مسجدا وتربتها طهورا » (‬
‫‪ ، )3‬ومنها « التراب طهور المسلم‪ ،‬ولو إلى عشر حجج‪ ،‬مالم يجد الماء أو يحدث » (‪. )4‬‬
‫وأجمعت المة على جواز التيمم في الجملة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪.183/1 :‬‬
‫(‪ )2‬أي ترابا طهورا‪.‬‬
‫(‪ )3‬وروى أحمد في معناه حديثين عن أبي أمامة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده(نيل‬
‫الوطار‪.)258/1:‬‬
‫(‪ )4‬روي من حديث أبي ذر عند أبي داود والنسائي والترمذي‪ ،‬ومن حديث أبي هريرة عند البزار‬
‫والطبراني‪ ،‬قال الترمذي عن الول‪ :‬حديث حسن صحيح (نصب الراية‪.)148/1 :‬‬

‫( ‪)1/494‬‬
‫صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها‪ :‬قال عامة الفقهاء (‪ : )1‬التيمم ينوب عن الوضوء وعن الغسل‬
‫من الجنابة والحيض والنفاس‪ ،‬إل أنه ليجوز عند غير الحنفية لزوج الحائض أن يطأها حتى تغتسل‬
‫بالماء‪ ،‬فالمحدث والجنب والحائض والنفساء ومن ولدت ولدا جافا يتيمم للصلة وغيرها من‬
‫الطاعات؛ لن الضمير في قوله تعالى ‪ { :‬فلم تجدوا ماء فتيمموا } [المائدة ‪ ،]5/6‬يعود على المحدث‬

‫حدثا أصغر وعلى المحدث حدثا أكبر عند القائلين بأن الملمسة هي الجماع‪ .‬أما من كانت الملمسة‬
‫عنده هي اللمس باليد في قوله تعالى‪ { :‬أو لمستم النساء } [المائدة‪ ،]5/6:‬فالضمير يعود على المحدث‬
‫حدثا أصغر فقط‪ ،‬وتكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة‪:‬‬
‫مثل حديث عمران بن حصين‪ ،‬قال ‪ :‬كنا مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم في سفر‪ ،‬فصلى بالناس‪،‬‬
‫فإذا هو برجل معتزل‪ ،‬فقال‪ :‬مامنعك أن تصلي؟ قال‪ :‬أصابني جنابة ول ماء؟ قال‪ :‬عليك بالصعيد‬
‫فإنه يكفيك » (‪ )2‬وهو يدل على مشروعية التيمم للصلة عند عدم الماء من غير فرق بين الجنب‬
‫وغيره‪ .‬والصعيد ‪ :‬ماصعد على وجه الرض من التراب‪.‬‬
‫ومثل حديث جابر قال‪ :‬خرجنا في سفر‪ ،‬فأصاب رجلً منا حَجَر‪ ،‬فشجّه في رأسه‪ ،‬ثم احتلم‪ ،‬فسأل‬
‫أصحابَه‪ ،‬هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا‪ :‬مانجد لك رخصة‪ ،‬وأنت تقدر على الماء‪ ،‬فاغتسل‬
‫فمات‪ ،‬فلما قدمنا على رسول‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ 61/1:‬وما بعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،38‬البدائع‪ ،55/1:‬مغني المحتاج‪،87/1:‬‬
‫المغني‪ ،237/1،257،273:‬كشاف القناع‪ ،194/1:‬المهذب‪ ،32/1:‬فتح القدير‪ ،87/1:‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪.53/1‬‬
‫(‪ )2‬متقق عليه (نيل الوطار‪. )256/1:‬‬

‫( ‪)1/495‬‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم أُُخبر بذلك‪ ،‬فقال‪ :‬قتلوه‪ ،‬قتلهم ال‪ ،‬أل سألوا إذ لم يعلموا‪ ،‬فإنما شفاء ال ِعيّ (‬
‫‪ )1‬السؤال‪ ،‬إنما كان يكفيه أن يتيمم و ِي ْعصِر‪ ،‬أو َي ْعصِب على جُرْحه‪ ،‬ثم يمسح عليه‪ ،‬ويغسل سائر‬
‫جسده (‪ )2‬وهو يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر‪.‬‬
‫ومثل حديث عمرو بن العاص‪ :‬أنه لما بُعث في غزوة ذات السلسل (‪ ، )3‬قال‪ :‬احتلمت في ليلة‬
‫باردة شديدة البرد‪ ،‬فأشفقت أن أهْلِك‪ ،‬فتيممت ثم صليت بأصحابي صلة الصبح‪ ،‬فلما قدمنا على‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ذكروا ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬ياعمرو‪ ،‬صليت بأصحابك وأنت جنُب؟ فقلت‪:‬‬
‫ذكرت قول ال تعالى ‪ :‬ول تقتلوا أنفسكم‪ ،‬إن ال كان بكم رحيما‪ ،‬فتيممت‪ ،‬ثم صليت‪ ،‬فضحك رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولم يقل شيئا » (‪ )4‬وهو يدل على جواز التيمم لشدة البرد‪ ،‬ول إعادة‬
‫عليه‪ ،‬وهو رأي مالك وأبي حنيفة‪.‬‬
‫الطاعات التي يتيمم لها‪ :‬يجوز التيمم لكل مايتطهر له من صلة مفروضة أو نافلة‪ ،‬أو مس مصحف‪،‬‬

‫أو قراءة قرآن‪ ،‬أو سجود تلوة أو شكر‪ ،‬أو لُبث في مسجد‪ ،‬للحاديث السابقة‪ ،‬ولنه يستباح بالتيمم‬
‫مايستباح بطهارة الماء‪.‬‬
‫مايتيمم له من الحداث‪ :‬ويجوز التيمم للحدث الصغر‪ ،‬والجنابة‪ ،‬والحيض والنفاس على حد سواء‪،‬‬
‫لما روي أن قوما جاءوا إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنا قوم نسكن هذه الرمال‪،‬‬
‫ولنجد الماء شهرا أو شهرين‪ ،‬وفينا الجنب‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬العي‪ :‬التحير في الكلم‪ ،‬وقيل‪ :‬ضد البيان ‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والدارقطني وابن ماجه‪ ،‬وصححه ابن السكن (نيل الوطار‪. )257/1:‬‬
‫(‪ )3‬هي موضع وراء وادي القرى‪ ،‬وكانت هذه الغزوة في جمادى الولى سنة ثمان من الهجرة‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن حبان والحاكم‪ ،‬وأخرجه البخاري تعليقا (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪. )258/1‬‬

‫( ‪)1/496‬‬
‫والحائض والنفساء‪ ،‬فقال عليه السلم‪ « :‬عليكم بالرض » (‪ . )1‬وقال ال تعالى‪ { :‬وإن كنتم جنبا‬
‫فاطّهروا‪ ،‬وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء‪ ،‬فلم تجدوا‬
‫ماء فتيمموا } [المائدة‪.]5/6:‬‬
‫نوع البدل‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )2‬إن التيمم بدل مطلق‪ ،‬وليس ببدل ضروري‪ ،‬فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود‬
‫الماء في حق الصلة المؤداة‪ ،‬بدليل الحديث المتقدم‪« :‬التيمم وضوء المسلم‪ ،‬ولو إلى عشر حِجج‪ ،‬مالم‬
‫يجد الماء‪ ،‬أو يحدث» فقد سمى التيمم وضوءا‪ ،‬والوضوء مزيل للحدث‪ .‬وقال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« جعلت لي الرض مسجدا وطهورا » (‪ ، )3‬والطهور اسم للمطهر‪ ،‬فدل على أن الحدث يزول‬
‫بالتيمم‪ ،‬إل أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء‪ ،‬فإذا وجد الماء يعود الحدث‪.‬‬
‫ويترتب عليه ‪ :‬أنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت‪ ،‬ويجوز له أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض‬
‫والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث‪ ،‬وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية (‪ : )4‬التيمم بدل ضروري‪ ،‬فيباح له الصلة مع قيام الحدث حقيقة‬
‫للضرورة‪ ،‬كطهارة المستحاضة‪ ،‬لحديث أبي ذر عند الترمذي‪« :‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهويه عن أبي هريرة لكنه ضعيف (نصب الراية‪)156/1:‬‬
‫‪.‬والحديث الصحيح المتفق عليه المتقدم عن عمران بن حصين يدل على الكتفاء بالتيمم بدل الغسل‬
‫حال الجنابة وفقد الماء ‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 54/1:‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪.223/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان والنسائي عن جابر بن عبد ال رضي ال عنه ‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الكبير‪ ،154/1:‬مغني المحتاج‪ ،97/1:‬بجيرمي الخطيب‪ ،253/1:‬كشاف القناع‪.199/1 :‬‬

‫( ‪)1/497‬‬
‫فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك‪ ،‬فإنه خير لك» ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده‪ ،‬ولو رأى‬
‫الماء يعود الحدث‪ ،‬مما يدل على أن الحدث لم يرتفع‪ ،‬لكن أبيح له أداء الصلة مع قيام الحدث‬
‫للضرورة‪ ،‬كمافي المستحاضة‪.‬‬
‫ويترتب عليه عكس الحكام السابقة‪ ،‬إل أن الحنابلة خلفا للمالكية والشافعية أجازوا بالتيمم الواحد‬
‫صلة ما عليه من فرائض فوائت إن كانت عليه‪.‬‬
‫آراء المذاهب فيما يترتب على الختلف في نوع بدلية التيمم ‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬وقت التيمم‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ )1‬القائلون بأن التيمم طهارة مطلقة‪ :‬يجوز التيمم قبل الوقت‪ ،‬ولكثر من فرض‪ ،‬ولغير‬
‫الفرض من النوافل؛ لن التيمم بدل مطلق عند عدم الماء‪ ،‬ويرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء‪،‬‬
‫وليس ببدل ضروري مبيح مع قيام الحدث حقيقة‪ ،‬الذي هو قول الجمهور‪ ،‬فل يجوز عندهم قبل‬
‫الوقت‪ ،‬ول يصلى به أكثر من فرض‪ .‬ودليل الحنفية‪ :‬أن التوقيت في العبادات ل يكون إل بدليل‬
‫سمعي‪ ،‬ول دليل فيه‪ ،‬فيقاس على الوضوء‪ ،‬والوضوء يصح قبل الوقت‪.‬‬
‫وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (‪ : )2‬ل يصح التيمم إل بعد دخول وقت ما يتيمم له من‬
‫فرض أو نفل‪ ،‬فل يتيمم لفرض قبل دخول وقت فعله‪ ،‬ول لنفل معين أو مؤقت كسنن الفرائض‬
‫الرواتب قبل وقتها‪.‬‬
‫أما الفريضة‪ :‬فلقوله تعالى‪{ :‬إذا قمتم إلى الصلة} [المائدة‪ ،]5/6:‬والقيام إليها بعد دخول الوقت‪ ،‬ولما‬
‫رواه البخاري من حديث «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلة فليصل» وما رواه أحمد‪« :‬أينما‬
‫أدركتني الصلة تمسحت وصليت» أي تيممت وصليت‪ ،‬وهذا دليل على أن التيمم يكون عند إدراك‬
‫الصلة‪ ،‬أي بعد دخول وقتها‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،54/1:‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪223/1:‬‬
‫(‪ )2‬بدا ية المجتهد‪ ،65/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،37‬مغني المحتاج‪ ،105/1:‬المهذب‪ ،34/1:‬كشاف‬
‫القناع‪.184/1:‬‬

‫( ‪)1/498‬‬
‫وأما النفل‪ :‬فلحديث أبي أمامة مرفوعا قال‪« :‬جعلت الرض كلها لي ولمتي مسجدا وطهورا‪ ،‬فأينما‬
‫أدركت رجلً من أمتي الصلة‪ ،‬فعنده مسجده‪ ،‬وعنده طهوره» (‪. )1‬‬
‫وأما الوضوء‪ :‬فإنما جاز قبل الوقت‪ ،‬فلكونه رافعا للحدث‪ ،‬بخلف التيمم‪ ،‬فإنه طهارة ضرورة‪ ،‬فلم‬
‫يجز قبل الوقت‪ ،‬كطهارة المستحاضة‪.‬‬
‫ويصح التيمم لركعتي الطواف كل وقت لباحته‪ ،‬ويصح التيمم لفائتة تذكرها وأراد فعلها لصحة فعلها‬
‫في كل وقت‪ ،‬ويصح التيمم لكسوف عند وجوده إن لم يكن وقت نهي عن الصلة فيه (‪ ، )2‬ويصح‬
‫التيمم لستسقاء إذا اجتمعوا لصلته‪ ،‬ولصلة جنازة إذا غسل الميت‪ ،‬أو يمم لعذر‪ ،‬ولصلة عيد إذا‬
‫دخل وقته‪ ،‬ولمنذورة كل وقت‪ .‬ويصح التيمم لنفل عند جواز فعله كتحية المسجد؛ لن ذلك وقته‪.‬‬
‫واحترز بعبارة النفل المعين أو المؤقت عن النوافل المطلقة‪ ،‬فإنه يتيمم لها متى شاء‪ ،‬إل في وقت‬
‫الكراهة المنهي عنه؛ لنه ليس وقتا له‪.‬‬
‫هل يؤخر التيمم لخر الوقت؟‬
‫اتفق أئمة المذاهب الربعة (‪ )3‬على أن الفضل تأخير التيمم لخر الوقت إن رجا وجود الماء حينئذ‪.‬‬
‫فإن يئس من وجوده استحب تقديمه أول الوقت عند الجمهور (غير الحنابلة) والمنصوص عن أحمد‪:‬‬
‫أن تأخير التيمم أولى بكل حال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد‪ ،‬ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بلفظ‪« :‬أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من‬
‫النبياء قبلي‪ :‬نصرت بالرعب مسيرة شهر‪ ،‬وجعلت لي الرض مسجدا وطهورا‪ ،‬فأيما رجل من‬
‫أمتي أدركته الصلة فليصل‪ ،‬وأحلت لي الغنائم ولم تحل لحد قبلي‪ ،‬وأعطيت الشفاعة‪ ،‬وكان النبي‬
‫يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬تكره الصلة النافلة في خمسة أوقات ‪ :‬بعد صلة الفجر‪ ،‬وعند طلوع الشمس‪ ،‬وعند الزوال‬
‫ظهرا‪ ،‬وبعد صلة العصر‪ ،‬وعند الغروب‪.‬‬

‫(‪ )3‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،229/1 :‬البدائع‪ ،54/1:‬الشرح الصغير‪ 189/1:‬وما بعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،89/1:‬المغني‪.243/1:‬‬

‫( ‪)1/499‬‬
‫والصح عند الحنفية‪ :‬أن ندب التأخير هو لخر الوقت المستحب بحيث ليقع في كراهة؛ إذ ل فائدة‬
‫في التأخير سوى الداء بأكمل الطهارتين‪ .‬ويجب التأخير بالوعد بالماء‪ ،‬ولو خاف القضاء‪ ،‬كما يجب‬
‫التأخير عند أبي حنيفة بالوعد بالثوب للعاري‪ ،‬أو بالدلو لنزح الماء‪ ،‬ما لم يخف القضاء‪.‬‬
‫وقيد الشافعية أفضلية النتظار بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت‪ ،‬فإن شك في وجوده أو ظن بأن‬
‫ترجح عنده وجود الماء آخر الوقت‪ ،‬فتعجيل التيمم أفضل في الظهر؛ لن فضيلة التقديم محققة‬
‫بخلف فضيلة الوضوء‪.‬‬
‫وفصل المالكية في المر فقالوا‪ :‬اليائس من وجود الماء يندب له التعجيل أول الوقت‪ .‬والمتردد في‬
‫ذلك وهو الشاك أو الظان ظنا قريبا من الشك‪ :‬يندب له التيمم وسط الوقت‪ .‬والراجي‪ :‬وهو الغالب‬
‫على ظنه وجود الماء‪ :‬يتيمم ندبا آخر الوقت‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬مايفعل بالتيمم الواحد‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬يصلي بتيممه ماشاء من الفرائض والنوافل؛ لنه طهور حال عدم الماء‪،‬فيعمل عمله‬
‫ما بقي شرطه‪ ،‬فله أن يصلي بتيمم واحد فرضين فأكثر‪ ،‬وما شاء من نافلة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )2‬التيمم مقيد بالوقت‪ ،‬لقول علي رضي ال عنه‪« :‬التيمم لكل صلة» وقول ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما‪« :‬تيمم لكل صلة» ولن التيمم طهارة ضرورة‪ ،‬فتقيدت بالوقت‪ ،‬كطهارة‬
‫المستحاضة‪ ،‬والطواف المفروض كالصلة الفريضة‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ :‬إذا تيمم صلى الصلة التي حضر وقتها‪ ،‬وصلى به فوائت إن كانت عليه‪ ،‬فيصلي‬
‫الحاضرة‪ ،‬ويجمع بين الصلتين‪ ،‬ويقضي فوائت‪ ،‬وله التطوع بما شاء من النوافل إلى أن يدخل وقت‬
‫صلة أخرى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪95/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.246-262/1:‬‬

‫( ‪)1/500‬‬

‫وقال المالكية والشافعية (‪ : )1‬ل يصلى بتيمم واحد فرضان‪ ،‬فل يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد‬
‫أكثر من فريضة‪ .‬ويجمع بين نوافل‪ ،‬وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية‪ ،‬ويتنفل ما‬
‫شاء قبل المكتوبة وبعدها عند الشافعية‪ ،‬لنها غير محصورة‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬ما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر‪ ،‬قال‪« :‬يتيمم لكل صلة‪ ،‬وإن لم يحدث» ‪،‬‬
‫ولنه طهارة ضرورة‪ ،‬فل بد من تكرار التيمم لكل فرض‪ ،‬وإن كانت الفريضتان مجموعتين في وقت‬
‫واحد‪ ،‬كالظهر مع العصر‪ ،‬ولو كان التيمم من مريض يشق عليه إعادته‪.‬‬
‫ويجوز أن يصلي بتيمم واحد فرض صلة‪ ،‬وفرض جنازة عند المالكية‪ ،‬والشافعية في الصح؛ لن‬
‫الجنازة فرض كفاية‪ ،‬فهي كالنفل في جواز الترك في الجملة‪.‬‬
‫وجاز بالتيمم للصلة‪ :‬مس المصحف‪ ،‬وقراءة القرآن إن كان جنبا‪.‬‬
‫والنذر عند الشافعية كفرض في الظهر‪ ،‬فيجدد له التيمم‪ ،‬ول يجمعه مع فرض آخر أداء أو قضاء‬
‫بتيمم واحد‪.‬وفرض الطواف وخطبة الجمعة عند الشافعية كفرض الصلة‪ ،‬فل يجمع بتيمم واحد بين‬
‫طوافين مفروضين‪ ،‬ول بين طواف مفروض وصلة مفروضة‪ ،‬ول بين صلة جمعة وخطبتها؛ لن‬
‫الخطبة وإن كانت فرض كفاية‪ ،‬ألحقت بفرض العين‪ ،‬إذا قيل‪ :‬إنها قائمة مقام ركعتين‪.‬‬
‫وأجاز المالكية الجمع بتيمم بين صلة مفروضة وطواف غير واجب وركعتيه‪ ،‬فهم إذن كالشافعية‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬هل التيمم للنفل يجيز صلة الفرض؟‬
‫قال الحنفية الواصفون التيمم بأنه بدل مطلق (‪ : )2‬إذا تيمم للنفل‪ ،‬يجوز له أن يؤدي به النفل‬
‫والفرض‪ .‬ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف‪ :‬أن يؤم المتيمم المتوضئين إذا لم يكن معهم ماء؛ لن‬
‫التيمم في حال عدم الماء طهارة مطلقة‪ ،‬فيجوز اقتداؤهم به‪ ،‬وإن كان معهم ماء ل تجوز صلتهم؛‬
‫لن التيمم بدل عن الماء عند عدمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،187-186/1 :‬الشرح الكبير‪ ،151/1:‬المهذب‪ ،36/1 :‬مغني المحتاج‪،103/1:‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.38‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 55/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/501‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬ل يصلى فرض بتيمم نواه لغيره‪ ،‬فإن نوى فرض الصلة صلى به ما عليه من‬
‫فرض واحد‪ ،‬وما شاء من النوافل على أن يقدم صلة الفرض على النفل‪ ،‬ول يصلى به الفريضة‬

‫الفائتة معه‪ ،‬وإن نوى مطلق الصلة صلى به النفل دون الفرض‪ ،‬لن الفرض يحتاج لنية تخصه‪،‬‬
‫ومن نوى نفلً لم يصل به فرضا‪ .‬ويلزم حال نية استباحة الصلة أو ما منعه الحدث نية الحدث‬
‫الكبر من جنابة أو غيرها إن كان عليه‪ .‬فإن لم يلحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه‪ ،‬لم يجزه‬
‫وأعاد أبدا‪.‬‬
‫ويندب نية الحدث الصغر إذا نوى استباحة الصلة أو نوى استباحة ما منعه الحدث‪ .‬أما لو نوى‬
‫فرض التيمم‪ ،‬فل تندب نية الصغر‪ ،‬ول الكبر؛ لن نية الفرض تجزئ عن نية كل من الصغر‬
‫والكبر‪ .‬وإذا تيمم لقراءة قرآن أو للدخول على سلطان ونحو ذلك ل يجوز أن يصلي به‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬إن نوى فرضا ونفلً صلى به الفرض والنفل‪ ،‬وإن نوى فرضا استباح‬
‫مثله‪ ،‬وما دونه من النوافل‪ ،‬لن النفل أخف‪ ،‬ونية الفرض تتضمنه‪ ،‬وبما أن الفرض أعلى استباح ما‬
‫دونه تبعا‪ .‬وإن نوى نفلً أو أطلق النية للصلة بأن نوى استباحة الصلة‪ ،‬ولم ينو فرضا ول نفلً‪ ،‬لم‬
‫يصل إل نفلً‪ ،‬ولم يصل به إل فرضا؛ لن الفرض أصل والنفل تابع‪ ،‬فل يجعل المتبوع تابعا‪ ،‬وقياسا‬
‫على ما لو أحرم بالصلة‪ ،‬فإن صلته تنعقد نفلً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،98/1 :‬كشاف القناع‪ 201/1:‬وما بعدها‪ ،‬بجيرمي الخطيب‪.253/1:‬‬
‫(‪ )2‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪ ،193/1 :‬الشرح الكبير‪.154/1 :‬‬

‫( ‪)1/502‬‬
‫المطلب الثاني ـ أسباب التيمم‪:‬‬
‫أسباب التيمم أو العذار له هي ما يلي (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل‪:‬‬
‫ل أو وجد ماء ل يكفيه‪ ،‬أو شرعا‪ :‬بأن خاف الطريق إلى الماء أو كان عند‬
‫حسا بأن لم يجد ماء أص ً‬
‫الحنفية بعيدا عنه بمقدار ميل (‪8481‬م أو ‪ 0004‬ذراع أو خطوة) أو أكثر‪ ،‬أو بقدر ميلين كما قال‬
‫المالكية‪ ،‬أو احتاج إلى ثمنه أو وجده بأكثر من ثمن المثل‪ ،‬للية السابقة‪{ :‬فلم تجدوا ماء فتيمموا‬
‫صعيدا طيبا} [المائدة‪.]5/6:‬‬
‫وفصل الشافعية في جواز التيمم لفقد الماء وطلبه‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫أ ـ إن تيقن فقد الماء حوله‪ ،‬تيمم بل طلب‪.‬‬
‫ب ـ وإن توهم الماء أو ظنه‪ ،‬أو شك فيه‪ ،‬فتش في منزله وعند رفقته وتردد قدر حد الغوث (‪: )2‬‬

‫وهو مقدار غَلْوة سهم (‪ 004‬ذراع أو ‪8،481‬م)‪ ،‬فإن لم يجد ماء تيمم‪ .‬وقد اقتصر الحنفية على هذا‬
‫فأوجبوا طلب الماء إلى أربع مئة خطوة إن ظن قربه من الماء مع المن‪.‬‬
‫جـ ـ وإن تيقن الماء طلبه في حد القُرب (‪( : )3‬وهو ستة آلف خطوة) وقال المالكية‪ :‬إذا تيقن أو‬
‫ظن الماء يطلبه لقل من ميلين‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يطلبه فيما قرب منه عادة‪.‬‬
‫ول يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إل إذا أمن نفسا ومالً‪ ،‬وانقطاعا عن‬
‫الرفقة‪ .‬والظهر عند الشافعية‪ ،‬والحنابلة خلفا لغيرهم‪ :‬أنه لو وجد ماء ل يكفيه‪ ،‬وجب استعماله‪ ،‬ثم‬
‫يتيمم‪ ،‬للحديث المتفق عليه عن أبي هريرة‪« :‬إذا أمرتكم بأمر‪ ،‬فأتوا منه مااستطعتم» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،49-46/1:‬تبيين الحقائق‪ ،36/1:‬اللباب‪ ،36/1:‬فتح القدير‪ ،86-83/1:‬مراقي الفلح‪:‬‬
‫ص ‪ ،19‬الدر المختار‪ ،226-214/1:‬الشرح الصغير‪ ،183،199-179/1:‬بداية المجتهد‪63/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،37‬الشرح الكبير‪ 149/1:‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪،95-87/1:‬‬
‫المغني‪ ،265 ،261 ،258 ،257 ،239 ،234/1:‬كشاف القناع‪.194-184/1:‬‬
‫(‪ )2‬وهو ما يلحقه فيه غوث الرفقة‪ ،‬مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في القوال‪.‬‬
‫(‪ )3‬وهو ما يقصده النازلون لنحو احتطاب واحتشاش‪.‬‬

‫( ‪)1/503‬‬
‫الشراء‪ :‬ويجب شراؤه بثمن المثل‪ ،‬إن لم يحتج إليه لدين مستغرق (محيط بماله) أو مؤنة سفره‪ ،‬أو‬
‫نفقة حيوان محترم‪ ،‬سواء أكان آدميا أم غيره‪.‬‬
‫الهبة‪ :‬ولو وهب له ماء أوعير دلوا‪ ،‬وجب القبول عند العلماء وفي الصح عند الشافعية‪ ،‬أما لو وهب‬
‫ثمنه فل يجب قبوله بالجماع‪ ،‬لعظم المنة‪ ،‬ولو من الوالد لولده‪.‬‬
‫نسيان الماء‪ :‬ولو نسي الماء في رحله‪ ،‬فتيمم وصلى‪ ،‬ثم تذكر الماء في الوقت بعد أن فرغ من‬
‫الصلة‪ ،‬قضى في الظهر عند الشافعية وأبي يوسف والمالكية‪ ،‬لنه واجد للماء‪ ،‬ولكنه قصر في‬
‫الوقوف عليه‪ ،‬فيقضي كما لو نسي ستر العورة‪ ،‬بأن كان في رحله ثوب فنسيه (‪. )1‬‬
‫ولم يقض عند أبي حنيفة ومحمد؛ لنه ل قدرة بدون العلم‪ ،‬فهو غير واجد للماء؛ لن المراد بوجود‬
‫الماءالقدرة على استعماله‪ ،‬ول قدرة إل بالعلم (‪. )2‬‬
‫فإن تذكر الماء وهو في الصلة يقطع ويعيد إجماعا‪ ،‬كما أنه يعيد اتفاقا إذا ظن فناء الماء‪ .‬ول يكره‬
‫الوطء لعادم الماء‪ ،‬ولو لم يخف العنت (المشقة)؛ إذ الصل في الشياء الباحة إل لدليل‪.‬‬

‫‪ - ً 2‬فقد القدرة على استعمال الماء‪:‬‬
‫قال المالكية والحنابلة وغيرهم‪ :‬يتيمم العاجز الذي ل قدرة له على الماء كالمكره والمحبوس‪،‬‬
‫والمربوط بقرب الماء‪ ،‬والخائف على نفسه من سبع أو لص‪ ،‬سواء في الحضر أو السفر‪ ،‬ولو سفر‬
‫معصية؛ لن التيمم مشروع مطلقا‪ ،‬سواء في الحضر أو السفر‪ ،‬في الطاعة أو المعصية‪ ،‬ولنه عادم‬
‫للماء‪ ،‬ولعموم قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن الصعيد الطيب طهور المسلم‪ ،‬وإن لم يجد الماء عشر‬
‫سنين‪ ،‬فإذا وجد الماء فليمسه بشرته‪ ،‬فإن ذلك خير» (‪. )3‬‬
‫لكن عند الشافعية يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء‪ ،‬ل المسافر‪ ،‬إل العاصي بسفره في الصح‪ ،‬فإنه‬
‫يقضي؛ لنه ليس من أهل الرخصة (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.91/1:‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير وحاشية العناية‪ ،97/1:‬الدر المختار‪.330/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه الترمذي عن أبي ذر‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪.106/1:‬‬

‫( ‪)1/504‬‬
‫ول يعيد عند بقية المذاهب في الرجح عند الحنابلة؛ لنه أتى بما أمر به‪ ،‬فخرج من عهدته‪ ،‬ولنه‬
‫صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع‪ ،‬فأشبه المريض والمسافر (‪ ، )1‬واستثنى الحنفية المكره‬
‫على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلته‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬المرض أو بطء البرء‪:‬‬
‫يتيمم إذا خاف باستعمال الماء على نفس أو منفعة عضو حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو‬
‫ذلك‪ ،‬أ وخاف من استعماله زيادة المرض أو طوله‪ ،‬أو تأخر برئه‪ ،‬ويعرف ذلك بالعادة‪ ،‬أو بإخبار‬
‫طبيب عارف‪ ،‬ولو غير مسلم عند المالكية والشافعية‪ ،‬مسلم عند الحنفية والحنابلة‪ .‬وأضاف الشافعية‬
‫في الظهر والحنابلة حدوث شين فاحش في عضو ظاهر‪ ،‬لنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره‪ .‬والمراد‬
‫بالظاهر ما يبدو عند المهنة غالبا كالوجه واليدين‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬من كان مريضا ل يقدر على‬
‫الحركة‪ ،‬ول يجد من يناوله الماء للوضوء فهو كعادم للماء‪ ،‬له التيمم إن خاف فوت الوقت‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الحاجة إلى الماء في الحال أو في المستقبل‪:‬‬
‫للمرء التيمم إذا اعتقد أو ظن ولو في المستقبل أنه يحتاج للماء احتياجا مؤديا إلى الهلك أو شدة‬

‫الذى‪ ،‬بسبب عطش حيوان محترم شرعا‪ ،‬من آدمي وغيره‪ ،‬ولو كلب صيد أو حراسة‪ ،‬بخلف‬
‫الحربي والمرتد والكلب غير المأذون فيه (ومنه عند الحنابلة‪ :‬الكلب السود)‪ ،‬وذلك صونا للروح عن‬
‫التلف‪.‬‬
‫ومن أصناف الحاجة‪ :‬الحتياج للماء لعجن أو طبخ له ضرورة‪ ،‬أو لزالة نجاسة غير معفو عنها‪،‬‬
‫بشرط أن تكون عند الشافعية على البدن‪ ،‬فإن كانت على الثوب توضأ بالماء‪ .‬وصلى عريانا إن لم‬
‫يجد ساترا‪ ،‬ول إعادة عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،235/1:‬كشاف القناع‪ ،195/1:‬الشرح الصغير‪ ،190/1:‬الشرح الكبير‪ ،148/1:‬مراقي‬
‫الفلح‪ :‬ص ‪.19‬‬

‫( ‪)1/505‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء أو خوف‬
‫الضرر باستعماله‪ ،‬تيمم لها وصلى‪ ،‬وعليه القضاء عند الشافعية‪ ،‬ول قضاء عليه عند الحنابلة‪ .‬ول‬
‫إعادة للصلة بالتفاق على مسافر تيمم خوف العطش‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬الخوف من تلف المال لو طلب الماء‪:‬‬
‫قال المالكية‪ :‬يتيمم القادر على استعمال الماء من حاضر أو مسافر إذا خاف تلف مال ذي بال‪ ،‬سواء‬
‫أكان له أم لغيره‪ ،‬لو طلب الماء الذي تحقق وجوده أو ظنه‪ .‬أما إن شكه أو توهمه‪ ،‬فيتيمم ولو قل‬
‫المال‪.‬‬
‫والمراد بالمال ذي البال‪ :‬ما زاد على ما يلزمه بذله في شراء الماء‪ .‬وقال غير المالكية‪ :‬خوف عدو‬
‫آدمي أو غيره أو حريق أو لص يجيز التيمم وعدم طلب الماء‪ ،‬سواء خاف على نفسه أو ماله أو‬
‫أمانته‪ ،‬أو خافت امرأة فاسقا عند الماء‪ ،‬أو خاف المديون المفلس الحبس‪ ،‬أو خاف فوات مطلوبه‬
‫كتحصيل شارد‪ ،‬فحال كل واحد من هؤلء كعادم الماء؛ لن في ذلك ضررا‪ ،‬وهو منفي شرعا‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬شدة البرد أي شدة برودة الماء‪:‬‬
‫يجوز التيمم لشدة البرد إذا خاف ضررا من استعمال الماء‪ ،‬ولم يجد ما يسخن به الماء‪.‬‬
‫لكن قيد الحنفية إباحة التيمم للبَرْد بما إذا خاف الموت أو التلف لبعض العضاء أو المرض‪ ،‬وبالجنب‬
‫فقط ولو في الحضر‪ ،‬إذا لم تكن له أجرة حمام ول ما يدفئه‪ ،‬لنه هو الذي يتصور فيه ذلك‪ .‬أما‬
‫المحدث حدثا أصغر فل يجوز له التيمم للبرد في الصحيح‪.‬‬

‫وقيد المالكية جواز التيمم للبرد بحالة الخوف من الموت‪.‬‬
‫أما الشافعية والحنابلة‪ :‬فأباحوا التيمم للبرد إذا تعذر تسخين الماء في الوقت‪ ،‬أو لم تنفع تدفئة أعضائه‪،‬‬
‫وخاف على منفعة عضو أو حدوث شين فاحش‪ ،‬في عضو ظاهر عند الشافعية‪ ،‬أو في بدنه بسبب‬
‫استعمال الماء عند الحنابلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،106/1:‬المغني‪ 273/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/506‬‬
‫ويقضي الصلة عند الشافعية من تيمم لمرض‪ ،‬أو لبرد في الظهر‪ ،‬ول قضاء عليه عند المالكية‬
‫والحنفية‪ ،‬وعند الحنابلة‪ :‬روايتان‪ :‬إحداهما ـ ل يلزمه القضاء‪ ،‬والثانية يلزمه العادة‪.‬‬
‫‪ - ً 7‬فقدان آلة الماء من دلو وحبل‪:‬‬
‫يتيمم من له قدرة على استعمال الماء‪ ،‬ولكن لم يجد من يناوله إياه‪ ،‬أ و لم يجد آلة من حبل أو دلو‪،‬‬
‫إذا خاف خروج الوقت‪ ،‬لنه بمنزلة عادم الماء‪.‬‬
‫وأضاف الحنابلة‪ :‬أنه يلزم طلب اللة بالستعارة ليحصل بها الماء‪ ،‬لن ما ل يتم الواجب إل به فهو‬
‫واجب‪ ،‬ويلزمه قبول عارية؛ لن المنة في ذلك يسيرة‪ .‬وإن قدر على استخراج ماء بئر بثوب يبله‪ ،‬ثم‬
‫يعصره‪ ،‬لزمه ذلك لقدرته على تحصيل الماء‪ ،‬كما لو وجد حبلً ودلوا‪ ،‬إذا لم تنقص قيمة الثوب أو‬
‫أكثر من ثمن الماء الذي يستخرجه في مكانه‪ ،‬فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه كشرائه‪ .‬ويلزمه‬
‫قبول الماء قرضا‪ ،‬وقبول ثمنه قرضا‪ ،‬إذا كان له ما يوفيه منه؛ لن المنة في ذلك يسيرة‪ ،‬ول يلزمه‬
‫اقتراض ثمن الماء للمنة‪ ،‬ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة لسهولة المنة فيه‪ ،‬لعدم تموله عادة‪ ،‬ول‬
‫يلزمه قبول ثمن الماء هبة للمنة‪ ،‬ول يلزمه شراء الماء بدين في ذمته‪ ،‬ولو قدر على أدائه في بلده؛‬
‫لن عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته‪ ،‬وربما تلف ماله قبل أدائه‪.‬‬
‫‪ - ً 8‬الخوف من خروج وقت الصلة‪:‬‬
‫لم يجز الشافعية (‪ )1‬التيمم خوفا من خروج الوقت؛ لنه يكون متيمما مع وجود الماء‪ ،‬واستثنوا حالة‬
‫المسافر فإنه ل يلزم بطلب الماء ويتيمم إذا خاف خروج الوقت وخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه‬
‫عن الرفقة‪.‬‬
‫وكذلك الحنابلة لم يجيزوا التيمم لخوف فوت الوقت سواء لجنازة أو عيد أو فريضة‪ ،‬إل لمسافر علم‬
‫وجود الماء في مكان قريب‪ ،‬لكن إذا قصده خاف خروج الوقت‪ ،‬فيتيمم حينئذ‪ ،‬ويصلي ول إعادة‬

‫عليه‪ ،‬لنه غير قادر على استعماله في الوقت‪ ،‬فأشبه عادم الماء (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،88/1:‬الحضرمية‪:‬ص ‪.24‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪.206/1:‬‬

‫( ‪)1/507‬‬
‫ولم يجز الحنفية التيمم خوف خروج الوقت إل فيما يأتي (‪: )1‬‬
‫أولً ـ يتيمم لفقد الماء خوف فوت صلة جنازة ولو جنبا‪ ،‬أو فوت صلة عيد بسبب الخوف من‬
‫فراغ إمام أو زوال شمس لو اشتغل بالوضوء‪ ،‬سواء أكان إماما أم غيره في الصح‪ ،‬لفواتهما بل‬
‫بدل‪ ،‬ولما روي عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬إذا فاجأتك صلة جنازة‪ ،‬فخشيت فوتها‪ ،‬فصل‬
‫عليها بالتيمم‪ .‬وعن ابن عمر رضي ال عنهما أنه أتي بجنازة‪ ،‬وهو على غير وضوء‪ ،‬فتيمم‪ ،‬ثم‬
‫صلى عليها‪ .‬وإذا تيمم لصلة جنازة أو لسجدة تلوة يجوز له عند فقد الماء أداء سائر الصلوات (‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫ثانيا ـ له التيمم أيضا لفقد الماء خوف فوت صلة كسوف وسنن المفروضات‪ ،‬ولو سنة فجر‪ ،‬إذا‬
‫أخرها بحيث لو توضأ‪ ،‬فات وقتها‪.‬‬
‫ول يصح التيمم لصلة الجمعة وسائر الصلوات المكتوبة والوتر إذا خاف فوت الوقت؛ لن للجمعة‬
‫بدلً وهو الظهر‪ ،‬ولن بقية الصلوات تقضى‪.‬‬
‫وقال المالكية على المعتمد (‪ : )3‬يجوز التيمم لعادم الماء خوف خروج الوقت محافظة على أداء‬
‫الصلة في وقتها‪ ،‬فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل‪ ،‬فل يتيمم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،227-223/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ 19‬وما بعدها‪ ،‬البدائع‪ ،51/1:‬فتح القدير‪.96/1:‬‬
‫(‪ )2‬ويجوز عند الحنفية التيمم لذاته عند فقد الماء وإن لم تجز الصلة به لمور‪ ،‬ضابطها‪ :‬كل مال‬
‫تشترط الطهارة له‪ ،‬وهي‪ :‬قراءة القرآن لغير الجنب عن ظهر قلب أو من المصحف‪ ،‬وتعليم القرآن‪،‬‬
‫ودخول المسجد‪ ،‬أو خروجه‪ ،‬ودفن الميت وزيارة القبر‪ ،‬والذان والقامة‪ ،‬وعيادة المريض‪ ،‬والسلم‬
‫ورده‪ .‬والمختار‪ :‬جواز التيمم للمسافر دون المقيم لداء سجدة التلوة‪ ،‬مع وجود الماء‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير ‪ ،184-182/1‬الشرح الكبير‪ 150/1:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/508‬‬

‫والظهر خلف المشهور‪ :‬أنه يجوز التيمم لعادم الماء وقت الداء لحاضر (مقيم) صحيح لداء‬
‫جمعة‪ ،‬وصلة جنازة‪ ،‬متعينة أم ل‪ ،‬خاف فواتها‪ ،‬ويصلي ول يعيد‪.‬‬
‫كما يجوز التيمم لعادم الماء لداء السنة والمندوب ومس المصحف‪ ،‬والطواف غير الواجب‪.‬‬
‫والخلصة أن أسباب التيمم ترجع إلى أمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬فقد الماء‪ ،‬ويشمل حالة الحاجة إلى الماء ولو في المستقبل‪ ،‬وحالة الخوف من تلف المال‪،‬‬
‫وخوف خروج الوقت بالطلب أو الستعمال‪.‬‬
‫والثاني ـ العجز عن استعمال الماء‪ .‬ويشمل بقية الحالت‪ .‬والمر الثاني مقيس على المر الول‪:‬‬
‫وهو فاقد الماء المنصوص عليه في آية التيمم‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أنه يجوز التيمم لثنين‪ :‬للمريض وللمسافر إذا عدم الماء‪.‬‬
‫هل تعاد الصلة المؤداة بالتيمم؟‬
‫اتفق الفقهاء على أن من تيمم لفقد الماء‪ ،‬وصلى‪ ،‬ثم وجد الماء بعد خروج الوقت (وقت الصلة)‪ ،‬ل‬
‫إعادة عليه‪ .‬أما إن وجد الماء في الوقت‪ ،‬أو تيمم لسباب أخرى ففيه اختلف(‪:)1‬‬
‫قال الحنفية والمالكية والحنابلة‪ :‬ل إعادة على من تيمم ثم وجد الماء في الوقت‪ ،‬ول قضاء عليه‬
‫بالتيمم للسباب الخرى‪ ،‬إل أن المالكية قالوا‪ :‬كل من أمر بالتيمم يعيد الصلة في الوقت إذا كان‬
‫مقصرا أي عنده نوع من التقصير في البحث عن الماء‪ ،‬أو طلبه‪.‬‬
‫واستثنى الحنفية‪ :‬المحبوس الذي صلى بالتيمم فإنه يعيد الصلة إن كان مقيما في الحضر‪ ،‬ول يعيدها‬
‫في السفر‪ .‬واليسر الخذ بهذا الرأي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 243/1:‬وما بعدها‪ ،265،268،‬كشاف القناع‪ ،195،206-193/1:‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،190/1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،19‬الوجيز للغزالي‪ ،23/1:‬مغني المحتاج‪ 101/1،106:‬وما بعدها‪،‬‬
‫المهذب‪ ،36/1:‬المجموع‪.352-342/2:‬‬

‫( ‪)1/509‬‬
‫ودليلهم‪ :‬ما روى أبو داود عن أبي سعيد‪« :‬أن رجلين خرجا في سفر‪ ،‬فحضرت الصلة‪ ،‬وليس‬
‫معهما ماء‪ ،‬فتيمما صعيدا طيبا‪ ،‬فصليا‪ ،‬ثم وجدا الماء في الوقت‪ ،‬فأعاد أحدهما الوضوء والصلة‪،‬‬
‫ولم يعد الخر‪ ،‬ثم أتيا رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فذكر له ذلك‪ ،‬فقال للذي لم يعد‪ :‬أصبت‬
‫السنة‪ ،‬وأجزأتك صلتك‪ ،‬وقال للذي أعاد‪ :‬لك الجر مرتين» ‪.‬‬

‫وتيمم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة‪ ،‬وصلى العصر‪ ،‬ثم دخل المدينة‪ ،‬والشمس مرتفعة‪ ،‬فلم يعد‪.‬‬
‫ولن المتيمم فعل ما أمر به‪ ،‬وأدى فرضه كما أمر‪ ،‬فلم يلزمه العادة‪ ،‬ولن عدم الماء عذر معتاد‪،‬‬
‫فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلة‪ ،‬كالمرض‪ ،‬وماسقط ليعود إلى الذمة‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتيمم واجد الماء في الصلة‪ ،‬ينتقض تيممه‪،‬‬
‫وتبطل طهارته‪ ،‬ويعيد الطهارة ويستأنف الصلة من جديد‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الصعيد‬
‫الطيب‪ :‬وضوء المسلم‪ ،‬إن لم يجد الماء عشر سنين‪ ،‬فإذا وجدت الماء‪ ،‬فأمِسّه جلدك» (‪ )1‬دل‬
‫بمفهومه‪ :‬على أنه ل يكون طهورا عند وجود الماء‪ ،‬وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند‬
‫وجوده‪ ،‬ولنه قدر على استعمال الماء‪ ،‬فبطل تيممه كالخارج من الصلة‪ ،‬ولن التيمم طهارة‬
‫ضرورة‪ ،‬فبطلت بزوال الضرورة‪ ،‬كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها‪.‬‬
‫وإن عدم الماء تيمم وصلى ولم يعد الصلة؛ لنها صلة تيمم صحيح‪ ،‬وإن خاف العطش أبقى ماءه‬
‫ول إعادة عليه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬إن تيمم لعدم الماء‪ ،‬ثم رأى الماء‪:‬‬
‫أ ـ فإن كان قبل الدخول في الصلة‪ ،‬بطل تيممه‪ ،‬لنه لم يشرع في المقصود‪ ،‬وللحديث السابق عن‬
‫أبي ذر‪« :‬فإذا وجدت الماء‪ ،‬فأمسه جلدك» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والحاكم والنسائي عن أبي ذر‪ ،‬وصححه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/510‬‬
‫ب ـ وإن رأى الماء في أثناء الصلة‪ :‬فإن كان في الحضر بطل تيممه وصلته؛ لنه تلزمه العادة‬
‫لوجود الماء‪ ،‬وقد وجد الماء‪ ،‬فوجب أن يشتغل بالعادة‪ .‬والصح أن خروجه من الصلة وقطعها‬
‫ليتوضأ أفضل‪ .‬وإن كان في السفر لم يبطل تيممه على المذهب؛ لنه وجد الصل بعد الشروع في‬
‫المقصود‪ ،‬فل يلزمه النتقال إليه‪.‬‬
‫وإن رأى الماء في الصلة في السفر‪ ،‬ثم نوى القامة‪ ،‬بطل تيممه وصلته؛ لنه اجتمع حكم السفر‬
‫والحضر في الصلة‪ ،‬فوجب أن يغلّب حكم الحضر‪ ،‬ويصير كأنه تيمم وصلى‪ ،‬وهو حاضر‪ ،‬ثم رأى‬
‫الماء‪.‬‬
‫جـ ـ وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلة‪ :‬إن كان في الحضر‪ ،‬أعاد الصلة؛ لن عدم الماء في‬
‫الحضر عذر نادر غير متصل‪ ،‬فلم يسقط معه فرض العادة‪ ،‬كما لو صلى بنجاسة نسيها‪ .‬وإن كان‬

‫في السفر ل تلزمه العادة‪ ،‬سواء أكان السفر طويلً أم قصيرا في أشهر القولين عن الشافعي‪ .‬وإن‬
‫كان سفر معصية فالصح أنه تجب عليه العادة كالمقيم؛ لن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق‬
‫بالسفر‪ ،‬والسفر معصية‪ ،‬فل تتعلق به رخصة‪.‬‬
‫وإن تيمم للمرض وصلى‪ ،‬ثم برئ‪ ،‬لم تلزمه العادة أي في الوقت؛ لن المرض من العذار العامة‪،‬‬
‫فهو كعدم الماء في السفر‪.‬‬
‫وإن تيمم لشدة البرد‪ ،‬وصلى‪،‬ثم زال البرد‪ :‬فإن كان في الحضر‪ ،‬لزمه العادة؛ لن ذلك من العذار‬
‫النادرة‪ .‬وإن كان في السفر ففيه قولن أرجحهما أنه تجب العادة‪ ،‬لن البرد الذي يخاف منه الهلك‪،‬‬
‫ول يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل‪ ،‬فهو كعدم الماء في الحضر‪.‬‬
‫أما قضاء الصلة المؤداة بالتيمم عند الشافعية‪ :‬فقالوا فيه‪ :‬يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء‪ ،‬ل المسافر‪،‬‬
‫إل العاصي بسفره كالبق والناشزة‪ ،‬فإنه يقضي في الصح‪ ،‬لنه ليس من أهل الرخصة‪.‬‬

‫( ‪)1/511‬‬
‫ويقضي في الظهر من تيمم في السفر للبرد‪ ،‬أو لمرض يمنع الماء مطلقا (أي في جميع أعضاء‬
‫الطهارة)‪ ،‬أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ول ساتر عليه‪ ،‬أو بسبب وجود ساتر كجبيرة‬
‫في محل التيمم (الوجه واليدين) ‪ ،‬أو حالة وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيمم‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن ما كان من الصلة بعذر دائم كصلة المستحاضة والمريض قاعدا‪ ،‬والمسافر‪ :‬ل‬
‫يقضي‪ .‬وما كان منها بعذر ل يدوم وليس له بدل كفاقد الطهورين (الماء والتراب)‪ ،‬والمصلوب إذا‬
‫صلى باليماء‪ :‬يقضي‪ ،‬وما كان منها بعذر ل يدوم وله بدل كتيمم المقيم وتيمم المسافر لشدة البرد‪،‬‬
‫ففي القضاء قولن أرجحهما أنه يقضي‪ .‬ول يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد‪ ،‬يقتضي الجنوح إلى‬
‫الخذ برأي الحنفية وموافقيهم‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ أركان التيمم أو فرائضه‪:‬‬
‫للتيمم أركان أو فرائض‪ ،‬علما بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه‪ ،‬أساسا وجود الشيء أو‬
‫هو جانبه القوى‪ ،‬وهو اصطلح الجمهور (غير الحنفية)‪ ،‬أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف‬
‫الشيء على وجوده‪ ،‬وكان جزءا من حقيقته‪ .‬وبناء عليه قالوا‪ :‬للتيمم ركنان فقط‪ :‬هما الضربتان‪،‬‬
‫والستيعاب بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين‪.‬‬
‫أما الجمهور فقالوا‪ :‬أركان التيمم أربعة أو خمسة على الختلف التي (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬النية عند مسح الوجه‪:‬‬

‫هي فرض باتفاق المذاهب الربعة‪ ،‬منهم القدوري وصاحب الهداية من الحنفية‪ ،‬وجعلها جماعة من‬
‫الحنفية وبعض الحنابلة شرطا‪ ،‬وهو المعتمد في مذهبي الحنابلة والحنفية‪.‬‬
‫والنية عند المالكية‪ :‬أن ينوي استباحة الصلة أو استباحة ما منعه الحدث‪ ،‬أو فرض التيمم عند مسح‬
‫الوجه‪ ،‬ولو نوى رفع الحدث فقط كان تيممه باطلً؛ لن التيمم ل يرفع الحدث على المشهور عندهم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 45/1:‬وما بعدها‪ ،52،‬فتح القدير‪ ،86/1،89:‬الدر المختار‪ ،212/1:‬اللباب‪ ،37/1:‬تبيين‬
‫الحقائق‪ 38/1:‬وما بعدها‪ ،‬مراقي الفلح ‪ ،20-19‬الشرح الكبير‪ 154/1:‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،198-192/1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 37‬وما بعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ 64/1،66:‬وما بعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،99-97/1 :‬المهذب‪ 32/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪ ،251/1،254:‬كشاف القناع‪.202-199/1:‬‬

‫( ‪)1/512‬‬
‫ولو نوى فرض التيمم أجزأه‪ ،‬ول يلزم بتعيين الحدث الكبر إن كان عليه‪ ،‬أو الصغر‪.‬‬
‫أما لو نوى استباحة الصلة أو ما منعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الكبر إن كان عليه‪ ،‬ويندب نية‬
‫الصغر‪ ،‬كما تقدم سابقا‪.‬‬
‫ويندب فقط تعيين الصلة المتيمم لها من فرض أو نفل‪ ،‬أو هما معا‪ .‬فإن لم يعين الصلة ل يصلي‬
‫الفرض بنية النفل‪ ،‬ول بنية مطلق الصلة لن الفرض يحتاج لنية تخصه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ل بد أن ينوي استباحة الصلة ونحوها‪ ،‬فل يكفي في الصح نية فرض التيمم أو‬
‫فرض الطهارة‪ ،‬أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو رفع الحدث‪ ،‬لن التيمم ل يرفع الحدث عندهم‪،‬‬
‫ولن التيمم ليس مقصودا في نفسه‪ ،‬وإنما يؤتى به عن ضرورة‪ ،‬فل يجعل مقصودا‪.‬‬
‫والصح عندهم أنه ل يشترط التعيين في النية‪ ،‬فإذا أطلق‪ ،‬صلى أي فرض شاء‪ ،‬وإن عين فرضا‪،‬‬
‫ل في الوقت أو غيره‪ ،‬لكن ل يصلي الفرض بنية النفل‪ ،‬أو بنية‬
‫جاز أن يصلي غيره فرضا أو نف ً‬
‫استباحة مطلق الصلة‪ ،‬أي كما قال المالكية‪.‬‬
‫ويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه‪ ،‬لنه أول الركان‪ ،‬ويجب على‬
‫الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه‪.‬‬
‫وينوي عند الحنابلة استباحة ما ل يباح إل بالتيمم كالصلة ونحوها‪ ،‬من طواف ومس مصحف‪ ،‬أي‬
‫كما قال الشافعية‪ ،‬ول يصح بنية رفع الحدث؛ لن التيمم ل يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية‪،‬‬
‫لحديث أبي ذر‪« :‬فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك‪ ،‬فإنه خير لك» (‪. )1‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬صححه الترمذي‪.‬‬

‫( ‪)1/513‬‬
‫ويجب عندهم تعيين النية لما تيمم له كصلة وطواف ومس مصحف‪ ،‬من حدث أصغر أو أكبر‪ ،‬أو‬
‫نجاسة على بدنه؛ لن التيمم ل يرفع الحدث‪ ،‬وإنما يبيح الصلة‪ ،‬فلم يكن بد من تعيين النية تقوية‬
‫لضعفه‪.‬‬
‫وصفة التعيين‪ :‬أن ينوي استباحة صلة الظهر مثلً من الجنابة إن كان جنبا‪ ،‬أو من الحدث إن كان‬
‫محدثا‪ ،‬أو منهما إن كان جنبا محدثا‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫وإن تيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الصغر؛ لنهما طهارتان‪ ،‬فلم تتأد إحداهما بنية الخرى‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلة أن ينوي أحد أمور ثلثة‪:‬‬
‫إما نية الطهارة من الحدث‪ ،‬أو استباحة الصلة‪ ،‬أو نية عبادة مقصودة ل تصح بدون طهارة كالصلة‬
‫أو سجدة التلوة أو صلة الجنازة‪ .‬فإن نوى التيمم فقط من غير أن يلحظ استباحة الصلة‪ ،‬أو رفع‬
‫الحدث القائم به‪ ،‬لم تصح الصلة به‪ .‬كما ل تصح الصلة إذا نوى ما ليس بعبادة أصلً كدخول‬
‫المسجدومس المصحف (‪ ، )1‬أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها كالذان والقامة (‪ ، )2‬أو نوى‬
‫عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم من المحدث حدثا أصغر لقراءة القرآن‪ ،‬أو للسلم أو رده‪.‬‬
‫فإن تيمم الجنب لقراءة القرآن‪ ،‬صح له أن يصلي به سائر الصلوات‪.‬‬
‫ول يشترط عندهم تعيين الحدث أو الجنابة‪ ،‬وإنما يصح التيمم بإطلق النية‪ ،‬ويصح أيضا بنية رفع‬
‫الحدث؛ لن التيمم رافع له كالوضوء‪.‬‬
‫ويشترط لصحة النية عندهم‪ :‬السلم‪ ،‬والتمييز‪ ،‬والعلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي‪.‬‬
‫ومذهب الحنفية هنا أولى الراء لسماحته ويسره وسعته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لن العبادة في العتكاف في المسجد‪ ،‬وفي التلوة‪.‬‬
‫(‪ )2‬لن الغرض منهما العلن‪.‬‬

‫( ‪)1/514‬‬

‫والدليل على اشتراط النية الحديث المتقدم‪« :‬إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى» واستدل‬
‫الحنفية‪ :‬بأن التراب ملوث‪ ،‬فل يكون مطهرا إل بالنية‪ ،‬أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية‪ ،‬وإنما‬
‫جعل طهارة عند الحاجة‪ ،‬والحاجة إنما تعرف بالنية‪ ،‬بخلف الوضوء؛ لنه طهارة حقيقية‪ ،‬فل‬
‫يشترط له الحاجة ليصير طهارة‪ ،‬فل يشترط له النية‪.‬‬
‫‪- ً 2‬مسح الوجه واليدين مع الستيعاب (‪: )1‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة‪.]5/6:‬‬
‫والمطلوب في اليدين عند الحنفية والشافعية‪ :‬مسحهما إلى المرفقين كالوضوء‪ ،‬على وجه الستيعاب‪،‬‬
‫للية المذكورة‪ ،‬لقيام التيمم مقام الوضوء‪ ،‬ولن اليد أطلقت في التيمم‪ ،‬وقيدت في الوضوء بقوله‬
‫تعالى‪ { :‬إلى المرافق } [المائدة‪ ،]5/6:‬فيحمل التيمم على الوضوء‪ ،‬ويقاس عليه‪ ،‬ولحديث عمار‪ :‬أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم قال في التيمم‪ « :‬ضربة للوجه واليدين » (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يلحظ أن المالكية جعلوا هذا فريضتين‪ :‬إحداهما ـ الضربة الولى أي وضع الكفين على‬
‫الصعيد‪ ،‬والثانية ـ تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين‪ .‬وعند الشافعية والحنابلة‪ :‬مسح جميع الوجه‬
‫فرضا‪ ،‬ومسح اليدين فرضا آخر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود‪ .‬أما حديث ابن عمر‪ « :‬التيمم ضربتان‪ :‬ضربة للوجه‪ ،‬وضربة لليدين إلى‬
‫المرفقين‪ ،‬فهو ضعيف‪.‬‬

‫( ‪)1/515‬‬
‫واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى الكوعين‪ ،‬أما من الكوعين إلى المرفقين فسنة‪ ،‬مستدلين‬
‫بقوله تعالى‪{ :‬وأيديكم} [المائدة‪ ،]6/5:‬وإذا علق حكم بمطلق اليدين‪ ،‬لم يدخل فيه الذراع‪ ،‬كقطع‬
‫السارق‪ ،‬ولحديث عمار بن ياسر‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين (‪، )1‬‬
‫ولقول عمار‪ :‬أجنبت فلم أصب الماء‪ ،‬فتمعكت (تمرغت أو تقلبت) في الصعيد‪ ،‬وصليت‪ ،‬فذكرت ذلك‬
‫للنبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬إنما كان يكفيك هذا‪ ،‬وضرب النبي صلّى ال عليه وسلم بكفّيه‬
‫الرض‪ ،‬ونفخ فيهما‪ ،‬ثم مسح بهما وجهه وكفيه (‪. )2‬‬
‫والمفروض عند الحنفية والشافعية‪ :‬ضربتان‪ :‬ضربة للوجه‪ ،‬وضربة لليدين‪ .‬وقال المالكية والحنابلة‪:‬‬
‫الفريضة‪ :‬الضربة الولى‪ :‬أي وضع الكفين على الصعيد‪ ،‬وأما الضربة الثانية فهي سنة‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫وسبب الخلف‪ :‬أن الية مجملة في ذلك‪ ،‬والحاديث متعارضة‪ ،‬وقياس التيمم على الوضوء في جميع‬

‫أحواله غير متفق عليه‪ .‬والذي في حديث عمار الثابت من ذلك‪ :‬إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين‬
‫معا‪ ،‬وهناك أحاديث فيها ضربتان‪ ،‬فرجح الجمهور هذه الحاديث قياسا للتيمم على الوضوء‪،‬ومن هذه‬
‫الحاديث حديث ابن عمر‪« :‬التيمم ضربتان‪ :‬ضربة للوجه وضربة لليدين» (‪ )3‬وروى أبو داود‪:‬‬
‫«أنه صلّى ال عليه وسلم تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه‪ ،‬وبأخرى ذراعيه» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي وصححه (نيل الوطار‪.)263/1:‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪ ،‬وفي لفظ‪« :‬إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب‪ ،‬ثم تنفخ فيهما‪ ،‬ثم تمسح‬
‫بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» رواه الدارقطني (نيل الوطار‪.)264/1:‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي‪ ،‬لكن في إسناده ضعيف‪ ،‬وهو موقوف على ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )4‬فيه راوٍ ليس بالقوي عند المحدثين‪ ،‬فسنده ضعيف (انظر نصب الراية‪.)154-150/1:‬‬

‫( ‪)1/516‬‬
‫واتفق الفقهاء على وجوب نزع الخاتم في التيمم‪ ،‬بخلف الوضوء؛ لن التراب كثيف ل يسري إلى ما‬
‫تحت الخاتم بخلف الماء‪ .‬ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية‪ ،‬ويستحب في الولى‪،‬‬
‫وإيجاب النزع إنما عند المسح ل عند نقل التراب‪.‬‬
‫وأوجب المالكية والحنفية أيضا تخليل الصابع بباطن الكف أو الصابع ليتم المسح‪.‬‬
‫واكتفى الشافعية والحنابلة بالقول بأنه يندب تخليل الصابع بعد مسح اليدين احتياطا‪.‬‬
‫ل ولو‬
‫ول يجب إيصال التراب منبت الشعر الخفيف‪ ،‬فل يوصل التراب إلى ما تحت شعر اللحية مث ً‬
‫خفيفا‪ ،‬لما فيه من العسر‪ ،‬بخلف الوضوء‪ ،‬وليس فيه مضمضة واستنشاق‪ ،‬لئل يدخل التراب فمه‬
‫وأنفه‪ ،‬بل يكرهان لما فيهما من التقذير‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬الترتيب فرض عند الشافعية‪ ،‬وعند الحنابلة في غير حدث أكبر‪:‬‬
‫أي بين عضوي التيمم؛ لن التيمم مبني على الطهارة بالماء‪ ،‬والترتيب فرض في الوضوء‪ ،‬فكذا في‬
‫التيمم القائم مقامه‪ ،‬أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن‪ ،‬فل يعتبر فيه ترتيب‪.‬‬
‫وقال الحنفية والمالكية‪ :‬الترتيب في التيمم بين العضوين (الوجه واليدين) مستحب ل واجب؛ لن‬
‫الفرض الصلي المسح‪ ،‬وإيصال التراب وسيلة إليه‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الموالة فرض عند الحنابلة والمالكية‪ ،‬وقيدها الحنابلة بغير الحدث الكبر كالترتيب‪ :‬بأن يوالي‬
‫بين أجزاء التيمم‪ ،‬بأل يؤخر مسح عضو عما قبله زمنا بقدرها في الوضوء‪ ،‬أي بحيث لو قدر‬

‫مغسولً لجف بزمن معتدل‪.‬‬
‫وأضاف المالكية‪ :‬أن يوالي بين التيمم وبين ما فعل له من صلة ونحوها‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنفية‪ :‬موالة التيمم كالوضوء سنة‪ ،‬كما تسن الموالة أيضا بين التيمم والصلة‪،‬‬
‫خروجا من خلف من أوجبها‪ ،‬وهم المالكية كما قدمنا‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬الصعيد الطاهر فرض عند المالكية‪ ،‬شرط عند غيرهم‪:‬‬

‫( ‪)1/517‬‬
‫والصعيد عند المالكية (‪ : )1‬كل ما صعد على الرض من أجزائها‪ ،‬كتراب وهو الفضل من غيره‬
‫عند وجوده‪ ،‬ورمل وحجارة وحصى‪ ،‬وجص (‪ )2‬لم يحرق بالنار‪ ،‬فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم‬
‫به‪ ،‬ولو نقل ذلك من محله‪ :‬بأن يجعل بينه وبين الرض حائل‪.‬‬
‫ويجوز التيمم على المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها‪ ،‬إذا لم تكن من أحد النقدين‬
‫(الذهب أو الفضة) أو من الجواهر كاللؤلؤ‪ .‬فل يتيمم على المعادن من شبّ ومِلْح وحديد ورصاص‬
‫وقصدير وكحل إن نقلت من محلتها‪ ،‬وصارت أموالً في أيدي الناس‪ ،‬ول يتيمم على الذهب والفضة‬
‫ولو في مكانهما الصلي‪ ،‬ول على الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها‪ ،‬ول يجوز التيمم‬
‫في قول على الخشب والحشيش‪ ،‬ولو لم يوجد غيرهما‪ ،‬إذ ليس كلهما بصعيد ول ما يشبه الصعيد‪،‬‬
‫والمعتمد جواز التيمم عليها عند عدم غيرهما‪.‬‬
‫ويجوز التيمم على الجليد‪ :‬وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الرض أو البحر؛ لنه أشبه بجموده‬
‫الحجر‪ ،‬فالتحق بأجزاء الرض‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ 195/1:‬وما بعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،38‬الشرح الكبير‪155/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الجص‪ :‬نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق ويبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة‪.‬‬

‫( ‪)1/518‬‬
‫ومذهب الحنفية كالمالكية‪ ،‬فقال أبو حنيفة ومحمد (‪ : )1‬يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الرض‪،‬‬
‫جصّ (الكلس) والنّورة (حجر الكلس)‪،‬‬
‫كالتراب (وهو مجمع عليه) والغبار‪ ،‬والرمل‪ ،‬والحجر‪ ،‬وال ِ‬
‫والكُحْل والزّرْنيخ‪ ،‬وإن لم يكن عليها غبار؛ لن الصعيد اسم لوجه الرض‪ ،‬وهذا ل يوجب‬
‫الختصاص بالتراب‪ ،‬بل يعم جميع أجزاء الرض‪ ،‬ولحديث أبي هريرة‪ :‬أن ناسا من أهل البادية أتوا‬

‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنا نكون بالرمال‪ ،‬الشهر الثلثة والربعة‪ ،‬ويكون فينا‬
‫الجنب والنفساء والحائض‪ ،‬ولسنا نجد الماء‪ ،‬فقال عليه السلم‪« :‬عليكم بالرض‪ ،‬ثم ضرب بيده على‬
‫الرض لوجهه ضربة واحدة‪ ،‬ثم ضرب أخرى‪ ،‬فمسح بها على يديه إلى المرفقين» (‪ )2‬وقال المام‬
‫البخاري‪« :‬ل بأس بالصلة على السبخة والتيمم منها» وهي الرض ذات الملح والنزز‪.‬‬
‫ويجوز عند المالكية والحنفية التيمم بحجر أو صخرة ل غبار عليهما‪ ،‬وبتراب ندي ل يعلق باليد منه‬
‫غبار‪ ،‬كما يجوز التيمم بالغبار‪ ،‬بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو سرج‪ ،‬فارتفع غبارا‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )3‬ل يجوز التيمم إل بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق‪ ،‬فإن‬
‫كان جرشا أو نديا ل يرتفع له غبار لم يكف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،88/1:‬البدائع‪ 53/1:‬وما بعدها‪ ،‬اللباب‪ .37/1:‬وقال أبو يوسف‪ :‬ليجوز إل بالتراب‬
‫والرمل خاصة؛ لن ابن عباس فسّر الصعيد الطيب بالتراب المنبت‪ ،‬وزاد عليه أبو يوسف‪ :‬الرمل‪،‬‬
‫بالحديث الذي ذكر في دليل الطرفين‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهوية وأبو يعلى الموصلي والطبراني‪ ،‬لكنه حديث ضعيف‬
‫(نصب الراية‪.)156/1:‬‬
‫(‪ )3‬المهذب‪ ،32/1:‬مغني المحتاج‪ 96/1:‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪ ،249-247/1:‬كشاف القناع‪197/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬بجيرمي الخطيب‪ ،252/1:‬غاية المنتهى‪.61/1:‬‬

‫( ‪)1/519‬‬
‫وأضاف الشافعية‪ :‬يجوز برمل فيه غبار‪ ،‬ول يجوز عند الحنابلة التيمم برمل‪ ،‬ونحت حجارة ونحوه‪،‬‬
‫وعن أحمد‪ :‬رواية أخرى‪ :‬أنه يجوز التيمم بالرمل‪.‬‬
‫ول يجوز عند الفريقين التيمم بمعدن كنفط وكبريت ونورة‪ ،‬ول بسُحاقة خزف‪ ،‬إذ ل يسمى ذلك‬
‫ترابا‪ ،‬ول بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران وجص‪ ،‬لمنعه وصول التراب إلى العضو‪ ،‬ول‬
‫بجص مطبوخ لنه ليس بتراب‪ ،‬ول بسبخة ونحوها مما ليس له غبار‪ ،‬ول بطين رطب لنه ليس‬
‫بتراب‪ ،‬ول بتراب نجس‪ ،‬كالوضوء باتفاق العلماء لقوله تعالى‪{ :‬فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة‪،]6/5:‬‬
‫ول بما استعمل في العضو عند الشافعية‪ ،‬ول بمغصوب ونحوه كتراب مسجد عند الحنابلة‪.‬‬
‫وإن ضرب على لبد أو ثوب أو جوالق أو بساط‪ ،‬فعلق بيديه غبار‪ ،‬فتيمم به‪ ،‬جاز‪ ،‬وأعجب المام‬
‫أحمد حمل التراب لجل التيمم احتياطا للعبادة‪.‬‬

‫ودليلهم قوله عز وجل‪{ :‬فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة‪ ]6/5:‬وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء‬
‫من الصعيد‪ ،‬فما ل غبار له كالصخر ل يمسح بشيء منه‪ ،‬ولنه طهارة‪ ،‬فوجب إيصال الطهور فيها‬
‫إلى محل الطهارة‪ ،‬كمسح الرأس‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬جعل لي التراب طهورا» (‪. )1‬‬
‫وذكر الحنابلة‪ :‬أنه لو وجد ثلجا وتعذر تذويبه‪ ،‬لزمه مسح أعضائه‪ ،‬الواجب غسلها به‪ ،‬لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬إذا أمرتكم بأمر‪ ،‬فائتوا منه ما استطعتم» ‪ ،‬ويعيد الصلة‪ ،‬إن لم يجر على‬
‫العضاء بالمس؛ لنه صلى مع وجود الماء في الجملة‪ ،‬بل طهارة كاملة‪ ،‬كما لو صلى بل تيمم‪ ،‬مع‬
‫وجود طين يابس عنده‪ ،‬لعدم ما يدقه به‪ ،‬ليصير له غبار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشافعي وأحمد من حديث علي‪ ،‬وهو حديث حسن‪.‬‬

‫( ‪)1/520‬‬
‫وقال ابن عباس‪« :‬الصعيد‪ :‬تراب الحرث‪ ،‬والطيب الطاهر» ‪ .‬وإن كان الثلج يسيل على العضاء‪ ،‬لم‬
‫يعد الصلة‪ ،‬لوجود الغسل المأمور به‪ ،‬وإن كان خفيفا‪.‬‬
‫هذا وقد اعتبر الشافعية‪ :‬نقل التراب إلى العضو الممسوح أول أركان التيمم الخمسة عندهم (‪ ، )1‬فلو‬
‫نقل التراب من عضو حدث عليه تراب جديد إلى عضو التيمم‪ ،‬كفى في الصح‪ ،‬لوجود مسمى النقل‪،‬‬
‫‪،‬ولو كان على العضو تراب‪ ،‬فردده عليه من جانب إلى جانب‪ ،‬لم يكف ولم يجز‪ ،‬ويظهر لي أن رأي‬
‫الشافعية والحنابلة أقوى‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة‪.]6/5:‬‬
‫المطلب الرابع ـ كيفية التيمم‪:‬‬
‫للفقهاء رأيان في كيفية التيمم‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬رأي الحنفية والشافعية (‪ : )2‬التيمم ضربتان‪ :‬ضربة للوجه‪ ،‬وضربة لليدين إلي المرفقين‪،‬‬
‫بدليل الحديث المتقدم‪ ،‬وهوما روى أبو أمامة وابن عمر رضي ال عنهما‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال‪ :‬التيمم ضربتان‪ :‬ضربة للوجه‪ ،‬وضربة لليدين إلى المرفقين» (‪ )3‬ولن اليد عضو في‬
‫التيمم‪ ،‬فوجب استيعابه كالوجه‪ .‬وأما حديث عمار رضي ال عنه الدال على الكتفاء بالكفين‪ ،‬فيتأول‬
‫على أنه مسح كفيه إلى المرفقين‪ ،‬بدليل حديث أبي أمامة وابن عمر‪.‬‬
‫وهذا الرأي هو الولى بالتباع؛ لن التيمم بدل عن الوضوء‪ ،‬فيكون محله أعضاء الوضوء‬
‫المنصوص على وجوب التيمم فيها‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬وبقية الركان هي‪ :‬نية استباحة الصلة‪ ،‬ومسح الوجه‪ ،‬ومسح اليدين إلى المرفقين‪ ،‬والترتيب بين‬
‫الوجه واليدين‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،46/1:‬تبيين الحقائق‪ ،38/1:‬المهذب‪.32/1:‬‬
‫(‪ )3‬روي أيضا من حديث جابر عند الحاكم والدارقطني‪ ،‬ومن حديث عائشة عند البزار ‪،‬لكن في هذه‬
‫الروايات طعن وضعف (نصب الراية‪ 150/1:‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/521‬‬
‫‪ - ً 2‬رأي المالكية والحنابلة (‪ : )1‬التيمم الواجب‪:‬ضربة واحدة يمسح بها وجهه بباطن أصابعه‪ ،‬ثم‬
‫كفيه براحتيه‪ ،‬لحديث عمار‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال في التيمم‪« :‬ضربة واحدة للوجه‬
‫واليدين» (‪ ، )2‬لن اليد إذا أطلقت ل يدخل فيها الذراع بدليل السرقة‪.‬‬
‫والكمل عندهم خروجا من خلف من أوجبه‪ :‬ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين‪ ،‬وكيفية‬
‫المسح‪ :‬أن يمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق‪ ،‬ثم باطن المرفق إلى الكوع‬
‫(الرسغ)‪ ،‬ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك‪ ،‬وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أنه إن تيمم بأكثر من ضربتين‪ ،‬جاز أيضا؛ لن المقصود إيصال التراب إلى محل‬
‫الفرض‪ ،‬فكيفما حل جاز‪ ،‬كالوضوء‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ شروط التيمم‪:‬‬
‫اشترط الحنفية لصحة التيمم ثمانية شروط‪ ،‬والشافعية شرطوا عشرة‪ ،‬والمالكية والحنابلة شرطوا‬
‫شرطين‪ .‬وهذه الشروط قد تختلط بالفرائض المتقدمة‪ ،‬وقد تكون السباب السابقة نفسها‪.‬‬
‫أما المالكية ففسروا الشروط بالسباب وقالوا (‪ : )3‬يشترط لجواز التيمم في الجملة شرطان‪ :‬عدم‬
‫الماء‪ ،‬أو تعذر استعماله‪.‬‬
‫وأما تفصيلً فهي ما يلي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،194/1،198:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،38‬المغني‪ ،244/1،254:‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪.200/1،205‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والئمة الستة بإسناد صحيح (نصب الراية‪.)154/1:‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.37‬‬

‫( ‪)1/522‬‬

‫عدم الماء في السفر‪ ،‬والمرض‪ ،‬وفي الحضر‪ :‬أن يجد من الماء ما ل يكفيه‪ ،‬وعدم اللة الموصلة إلى‬
‫الماء كالدلو أو الرشاء (الحبل)‪ ،‬وأن يخاف العطش على نفسه أو غيره من آدمي أو بهيمة‪ ،‬وأن‬
‫يخاف إن خرج إلى الماء لصوصا أو سباعا‪ ،‬وأن يجد الماء غاليا يجحف به شراؤه‪ ،‬وأن يخاف فوات‬
‫الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره‪ ،‬أو استعمله‪ ،‬وأن يخاف الموت من البرد‪ ،‬أو حدوث مرض أو‬
‫زيادته أو تأخر برء‪ ،‬أو يكون مريضا ل يجد من يناوله الماء‪ ،‬أو يكون قد استوعبت الجراح أو‬
‫القروح أكثر جسد الجنب‪ ،‬أو أعضاء الوضوء من المحدث‪.‬‬
‫ويلحظ أن هذه الحالت هي أسباب للتيمم‪ ،‬والذي يمكن جعله شرطا عند المالكية‪ :‬اثنان‪ :‬فعله بعد‬
‫دخول الوقت‪ ،‬وطلب الماء‪ .‬أما عند الحنابلة فشرطا التيمم هما‪ :‬دخول وقت ما يتيمم له‪ ،‬والعجز عن‬
‫استعمال الماء‪.‬‬
‫يتبين مما ذكر أن شروط التيمم هي ما يأتي‪:‬‬
‫الشرط الول ـ الصعيد الطاهر‪ :‬فل يصح التيمم بغير صعيد الرض (التراب عند الشافعية‬
‫والحنابلة‪ ،‬وكل ما كان من جنس الرض عند الحنفية والمالكية)‪ ،‬ول بالصعيد المتنجس‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة‪.]6/5:‬‬
‫وهذا شرط لصحة التيمم عند الجمهور‪ ،‬فرض عند المالكية‪ ،‬كما تقدم في فروض التيمم‪ .‬وأضاف‬
‫الحنابلة‪ :‬أن يكون التراب مباحا‪ ،‬فلو تيمم بمغصوب أو بتراب مقبرة تكرر نبشها أو بتراب مسجد لم‬
‫يجز‪.‬‬
‫الشرط الثاني ـ كون التيمم بعد دخول الوقت‪ :‬أي وقت ما يتيمم له‪ .‬وهذا شرط عند الجمهور‪ ،‬وليس‬
‫بشرط عند الحنفية‪ ،‬كما اتضح في بحث صفة التيمم‪.‬‬
‫الشرط الثالث ـ طلب الماء‪ :‬يشترط لجواز التيمم باتفاق المذاهب الربعة طلب الماء ما لم يتيقن عدم‬
‫وجوده؛ لنه ل يسمى فاقد الماء (أو غير واجده أوعادمه) إل إذا طلب الماء‪ ،‬فلم يجده‪ .‬لكن الفقهاء‬
‫اختلفوا في تقدير المسافة التي يلزم طلب الماء فيها‪ ،‬وقد أشرت إليها سابقا في بحث أسباب التيمم‪،‬‬
‫وأذكرها هنا تفصيلً‪:‬‬

‫( ‪)1/523‬‬
‫‪ - 1‬مذهب الحنفية (‪ : )1‬على المقيم في البلد طلب الماء قبل التيمم مطلقا‪ ،‬سواء ظن قربه أو لم‬
‫يظن‪ ،‬أما المسافر أو خارج المصر الذي يريد التيمم‪ ،‬فليس عليه طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن‬
‫بقربه ماء؛ لن الغالب عدم الماء في الفلوات‪.‬‬

‫وإن غلب على ظنه وجود الماء‪ ،‬لم يجز له التيمم حتى يطلبه بنفسه أو برسوله‪ ،‬بمقدار غَلْوة سهم من‬
‫كل جانب‪ ،‬ول يبلغ ميلً (‪ ، )2‬وظاهره أنه ل يلزمه المشي‪ ،‬بل يكفيه النظر في الجهات الربع‪ ،‬لئل‬
‫ينقطع عن رفقته‪ ،‬ودفعا للحرج عن نفسه‪ ،‬لقوله تعالى إثر آية التيمم‪{ :‬ما يريد ال ليجعل عليكم من‬
‫حرج‪ ،‬ولكن يريد ليطهركم} [المائدة‪ ،]6/5:‬ول حرج فيما دون الميل‪ ،‬قال الكاساني‪ :‬أقرب القاويل‬
‫اعتبار الميل؛ لن الجواز لدفع الحرج‪ ،‬ثم قال‪ :‬والصح أنه يطلب قدر ما ل يضر بنفسه ورفقته‬
‫بالنتظار‪.‬‬
‫فإن قصر في طلب الماء‪ ،‬وصلى ولم يطلبه‪ ،‬وجبت عليه العادة عند أبي حنيفة ومحمد‪.‬‬
‫وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيمم‪ ،‬لعدم المنع غالبا‪ ،‬فإن منعه منه تيمم لتحقق العجز‪.‬‬
‫لكن لو تيمم قبل الطلب من رفيقه أجزأه عند أبي حنيفة رحمه ال؛ لنه ل يلزمه الطلب من ملك‬
‫الغير‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬ل يجزيه؛ لن الماء مبذول عادة‪ .‬ولو أبى أن يعطيه إل بثمن المثل‪ ،‬وعنده‬
‫ثمنه‪ ،‬ل يجزئه التيمم‪ ،‬لتحقق القدرة‪ ،‬ول يلزمه تحمل الغبن الفاحش (‪. )3‬‬
‫وإن لم يغلب على ظنه قرب الماء ل يجب طلبه‪ ،‬بل يندب إن رجا وجود الماء‪.‬‬
‫وإن كان بينه وبين الماء ميل فأكثر‪ ،‬تيمم‪.‬‬
‫‪ - 2‬مذهب المالكية (‪ : )4‬إن تحقق عدم الماء فل يلزمه طلبه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪ 46/1‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير ‪ ، 84/1،98‬الدر المختار ‪ 227/1‬ومابعدها‪ ،‬اللباب ‪.36/1‬‬
‫(‪ )2‬الغلوة مقدار رمية سهم‪ ،‬وهي أربع مئة ذراع (‪184 ، 8‬م )والميل في اللغة‪ :‬منتهى مد البصر‪،‬‬
‫والمراد به ههنا‪ :‬أربعة آلف خطوة‪ :‬أو ثلث فرسخ‪ ،‬أو ‪1848‬م‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال أبو حنيفة‪ :‬إن كان ليبيع إل بضعف القيمة فهو غالٍ‪ ،‬وقيل‪ :‬هو ماليدخل تحت تقويم‬
‫المقومين‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الكبير ‪153/1‬‬

‫( ‪)1/524‬‬
‫وإن علم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه في مكان أو توهم وجوده‪ ،‬لزمه طلبه لكل صلة طلبا ل يشق‬
‫عليه بالفعل‪ ،‬وهو على أقل من ميلين‪ .‬كما يلزمه طلبه من ُرفْقته إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم‬
‫إعطاءهم‪ ،‬فإن لم يطلب منهم وتيمم‪ ،‬ثم تبين وجود الماء أو لم يتبين شيئا‪ ،‬أعاد الصلة أبدا إن اعتقد‬
‫أو ظن العطاء‪ ،‬وأعاد في الوقت فقط إن شك أو توهم‪.‬‬

‫ويلزمه شراء الماء بثمن معتاد لم يحتج له‪ ،‬نقدا أو دينا في الذمة‪ ،‬فإن زاد على الثمن المعتاد‪ ،‬ولو‬
‫درهما على الراجح‪ ،‬في ذلك المحل وما قاربه‪ ،‬فل يلزمه الشراء‪.‬‬
‫‪ - 3‬مذهب الشافعية (‪ : )1‬إن تيقن المسافر أو المقيم فقد الماء حوله‪ ،‬تيمم بل طلب‪ .‬وإن توهم الماء‬
‫(وقع في وهمه ‪ -‬تصور ذهنه ‪ -‬أي جوز ذلك)‪ ،‬طلبه من رحله ورُفقته‪ ،‬ونظر حواليه إن كان‬
‫بمستو من الرض‪ ،‬فإن احتاج إلى تردد‪ ،‬تردد في الجهات الربعة قدر نظره في المستوي ‪ ,‬إن أمن‬
‫على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة ‪ ,‬بمقدار حد الغوث ‪ ,‬وهو غلوة سهم ‪ ,‬فإن لم يجد ماء تيمم‪.‬‬
‫ولو مكث في موضعه فالصح وجوب الطلب لما يطرأ‪.‬‬
‫وإن تيقن الماء في محل ‪ ,‬طلبه في حد القرب ‪ :‬وهو ستة آلف خطوة ‪.‬‬
‫ويجب شراؤه بثمن مثله إن كان قادرا عليه بنقد أو غيره ‪ ,‬ولم يحتج إليه ‪ ،‬وثمن المثل ‪ :‬هو على‬
‫الصح ما تنتهي إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة ‪ .‬ول يجب عليه شراؤه بزيادة على‬
‫ذلك ‪ ،‬وإن قلّت ‪ .‬لكن إن بيع لجل بزيادة لئقة بذلك الجل وكان موسرا ‪ ,‬والجل ممتد إلى موضع‬
‫ماله‪ ،‬وجب الشراء؛ لن ذلك ل يخرجه عن ثمن المثل‪ .‬ويندب له أن يشتريه إذا زاد على ثمن مثله‪،‬‬
‫وهو قادر على شرائه‪.‬‬
‫ول يجب طلب الماء في حد البعد‪ :‬وهو مازاد عن ستة آلف خطوة‪ ،‬وله أن يتيمم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج ‪90- 87/1‬‬

‫( ‪)1/525‬‬
‫‪ - 4‬مذهب الحنابلة (‪ : )1‬يلزم طلب الماء لوقت كل صلة‪ ،‬بعد دخول الوقت في رحله ( أي ما‬
‫يسكنه وما يستصحبه من الثاث) وفيما قرب منه عرفا وعادة‪ ،‬ويسع في جهاته الربع إلى ما قرب‬
‫منه مما عادة القوافل السعي إليه‪ ،‬ويسأل رفقته ذوي الخبرة بالمكان عن موارد الماد‪ ،‬كما يسألهم‬
‫خضْرة أو شيئا يدل على الماء لزمه قصده‪ ،‬وإن كان بقربه‬
‫عمن يبيع له الماء أو يبذله له‪ .‬وإن رأى ُ‬
‫ربوة أو شيء قائم‪ ،‬أتاه وفتش عنده قطعا للشك‪ .‬وإن كان سائرا طلبه أمامه فقط؛ لن في طلبه فيما‬
‫عدا ذلك ضررا به‪ .‬وإن دله أو أرشده عليه ثقة (عدل ضابط) لزمه قصده إن كان قريبا عرفا‪.‬‬
‫فإن تيمم وصلى بعد طلب الماء وفقده‪ ،‬صح تيممه وصلته‪ ،‬ولم يعد الصلة؛ لنها صلة تيمم‬
‫صحيح‪.‬‬
‫هذا وقد ذكر الحنابلة شرطا آخر لصحة التيمم‪ :‬وهو العجز عن استعمال الماء؛ لن غير العاجز يجد‬

‫الماء على وجه ل يضره‪ ،‬فلم يتناوله النص‪{ :‬وإن كنتم مرضى أو على سفر‪ ،‬فلم تجدوا ماء فتيمموا}‬
‫[المائدة‪ ،]6/5:‬لكن يلحظ أن هذا سبب من أسباب التيمم التي ذكرتها‪.‬‬
‫وعد بعض الحنابلة ثمانية شروط للتيمم وهي‪ :‬نية وإسلم وعقل وتمييز واستنجاء أو استجمار‪ ،‬وإزالة‬
‫ما على بدن من نجاسة ذات جرم‪ ،‬ودخول وقت لصلة ولو منذورة بزمن معين‪ ،‬وتعذر ماء ولو‬
‫بحبس أو غيره‪.‬‬
‫شروط التيمم عند الحنفية‪:‬‬
‫ذكر الحنفية شروطا ثمانية لصحة التيمم‪ ،‬بعضها من أسباب التيمم‪ ،‬وبعضها من فرائض التيمم عند‬
‫غيرهم وبعضها داخل في كيفية التيمم‪ ،‬وهذه الشروط هي باختصار ما يأتي (‪: )2‬‬
‫ً‪ - 1‬النية‪ :‬وهي عقد القلب على الفعل‪ ،‬ووقتها‪ :‬عند ضرب يده على ما يتيمم به‪ .‬ويشترط لصحة‬
‫النية عندهم ثلثة شروط‪ :‬السلم‪ ،‬والتمييز‪ ،‬والعلم بما ينويه‪ .‬كما يشترط لصحة نية التيمم للصلة‬
‫به‪ :‬أحد ثلثة أشياء‪ :‬إما نية‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ 192/1:‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪.54/1:‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 52/1:‬وما بعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،213/1،228:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ 19‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/526‬‬
‫الطهارة‪ ،‬أو استباحة الصلة‪ ،‬أو نية عبادة مقصودة (‪ )1‬ل تصح بدون طهارة‪ ،‬فله الصلة بالتيمم‬
‫بنية الصلة أو صلة الجنازة‪ ،‬أو سجدة التلوة‪ ،‬وليس له الصلة بالتيمم بنية دخول المسجد ومس‬
‫المصحف ولو كان جنبا؛ لنه عبادة غير مقصودة‪ ،‬ول بنية قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر‪ ،‬ولكن‬
‫له الصلة بتيمم بنية الجنب قراءة القرآن‪ ،‬لجواز قراءة المحدث‪ ،‬ل الجنب‪ ،‬وليس له الصلة بتيمم‬
‫لزيارة القبور والذان والقامة والسلم ورده أو للسلم؛ لنها تصح بدون طهارة‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬العذر المبيح للتيمم‪ :‬كبعده ميلً عن الماء ولو في المصر‪ ،‬وحصول مرض‪ ،‬وبرد يخاف منه‬
‫التلف أو المرض‪ ،‬وخوف عدو وعطش‪ ،‬واحتياج لعجن‪ ،‬ل لطبخ مرق ل ضرورة إليه‪ ،‬ولفقد آلة‪،‬‬
‫وخوف فوت صلة جنازة أو عيد لو اشتغل بالوضوء (‪ ، )2‬وليس من العذر خوف فوت الجمعة‪،‬‬
‫وفوات الوقت‪ ،‬لو اشتغل بالوضوء‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يكون التيمم بطاهر من جنس الرض كالتراب والحجر والرمل‪ ،‬والفيروزج والعقيق‪ ،‬ل‬
‫الحطب والفضة والذهب والنحاس والحديد‪ ،‬وضابطه‪ :‬أن كل شيء يصير رمادا‪ ،‬أو ينطبع (يلين)‬

‫بالحراق‪ ،‬ل يجوز التيمم به‪ ،‬وإل جاز لقوله تعالى‪{ :‬فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة‪ ،]6/5:‬والصعيد‪:‬‬
‫اسم لوجه الرض ترابا كان أو غيره‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬استيعاب المحل بالمسح‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬أن يمسح بجميع اليد أو بأكثرها (أي بثلث أصابع) فلو مسح بأصبعين مثلً ل يجوز حتى ولو‬
‫كرر واستوعب المحل الممسوح‪ ،‬بخلف مسح الرأس في الوضوء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المقصودة‪ :‬هي ما ل تجب في ضمن شيء آخر بطريق التبعية‪.‬‬
‫(‪ )2‬ولو من أجل البناء على صلته السابقة‪ ،‬كأن سبقه الحدث في صلة الجنازة أو العيد‪ ،‬فله أن‬
‫يتيمم ويتم صلته‪ ،‬لعجزه عنه بالماء‪.‬‬

‫( ‪)1/527‬‬
‫ً‪ - 6‬أن يكون بضربتين بباطن الكفين‪ ،‬ولو في مكان واحد على الرض‪.‬ويقوم مقام الضربتين‪:‬‬
‫إصابة التراب بجسده إذا مسحه بنية التيمم‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬انقطاع ما ينافيه من حيض أو نفاس أو حدث‪ ،‬كما هو مشروط في الوضوء‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬زوال ما يمنع المسح على البشرة‪ ،‬كشمع وشحم‪ ،‬حتى يتحقق مسح الجسد‪ ،‬وهذا مانع من تحقق‬
‫المسح عليه‪.‬‬
‫شروط التيمم عند الشافعية‪:‬‬
‫ذكر الشافعية عشرة شروط للتيمم هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يكون بتراب على أي لون كان كالمدر والسبخ (‪ )2‬الذي عليه غبار وغيرهما‪ ،‬حتى ما‬
‫يداوى به كالطين الرمني إذا سحق‪ ،‬وحتى غبار رمل خشن أو ناعم‪ ،‬ل مشوي بقي اسمه وزال‬
‫غباره‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬وأن يكون طاهرا‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬صعيدا طيبا} [المائدة‪ ،]6/5:‬قال ابن عباس‪ :‬ترابا طاهرا‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬أل يكون مستعملً كالماء‪ :‬وهوما بقي بمحل التيمم أو تناثر بعد مسه العضو حالة التيمم‪ ،‬في‬
‫الصح‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أل يخالطه دقيق ونحوه كزعفران وجص‪ ،‬لمنعه وصول التراب إلى العضو‪.‬‬
‫سفَتْه (ألقته) ريح عليه‪ ،‬فردده على أعضاء التيمم‪ ،‬ونوى‪ ،‬لم يجزئ‪ ،‬لنه لم‬
‫ً‪ - 5‬أن يقصده‪ ،‬فلو َ‬
‫يقصد التراب بنقله إليه‪ ،‬وإنما التراب أتاه‪ .‬لكن لو يُمم بغيره بإذنه‪ ،‬جاز‪.‬‬

‫ً‪ - 6‬أن يمسح وجهه ويديه بضربتين‪ ،‬وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوها‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬أن يزيل النجاسة أولً‪ ،‬فلو تيمم قبل إزالتها‪ ،‬لم يجز على المعتمد‪ ،‬لن التيمم للباحة‪ ،‬ول إباحة‬
‫مع المانع‪ ،‬فأشبه التيمم قبل الوقت‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬أن يجتهد في القبلة قبل التيمم‪ ،‬فلو تيمم قبل الجتهاد فيها‪ ،‬لم يصح على الوجه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪ ،34-32/1:‬مغني المحتاج‪ ،99-96/1:‬الحضرمية‪ :‬ص ‪.26‬‬
‫(‪ )2‬السبخ بكسر الباء‪ :‬هو ما ل ينبت‪ ،‬إذا لم يعله الملح‪ ،‬فإن عله لم يصح التيمم به‪.‬‬

‫( ‪)1/528‬‬
‫ً‪ - 9‬أن يقع التيمم بعد دخول الوقت‪ ،‬لنه طهارة ضرورة‪ ،‬ول ضرورة قبله‪ ،‬فيتيمم للنافلة المطلقة‬
‫فيما عدا وقت الكراهة‪ ،‬وللصلة على الميت بعد طهره‪ ،‬وللستسقاء بعد تجمع الناس‪ ،‬وللفائتة بعد‬
‫تذكرها‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬أن يتيمم لكل فرض عيني؛ لن التيمم طهارة ضرورة‪ ،‬فيقدر بقدرها‪.‬‬
‫المطلب السادس ـ سنن التيمم ومكروهاته‪:‬‬
‫يسن في التيمم المور التالية (‪ )1‬علما بأنها سبع عند الحنفية‪ ،‬وتسع عند المالكية‪ ،‬وخمس عشرة عند‬
‫الشافعية‪ ،‬واثنتان عند الحنابلة‪.‬‬
‫أما سننه عند الحنفية فهي ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬التسمية في أوله‪ ،‬كالوضوء‪ ،‬بأن يقول‪ :‬بسم ال‪ ،‬وقيل‪ :‬الفضل‪ :‬بسم ال الرحمن الرحيم‪.‬‬
‫ً‪ - 4ً - 2‬الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب‪ ،‬وإدبارهما مبالغة في‬
‫الستيعاب‪ ،‬ثم نفضهما‪ ،‬اتقاء عن تلويث الوجه‪ ،‬نقل ذلك عن أبي حنيفة‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬تفريج الصابع‪ ،‬ليصل التراب إلى ما بينهما‪.‬‬
‫ً‪ - 7ً ،6‬الترتيب والموالة (الوِلء) أي مسح المتأخر عقب المتقدم‪ ،‬بحيث لو كان الستعمال بالماء‬
‫ل يجف المتقدم‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وسنن التيمم عند المالكية أربع‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الترتيب‪ :‬بأن يمسح الوجه أولً‪ ،‬ثم اليدين‪ ،‬فإن نكس أعاد المنكس وحده وهو اليدان‪ ،‬إن قرب‬
‫ولم يصلّ به وإل بطل التيمم‪ .‬أما الموالة فهي فرض عندهم‪.‬‬
‫ً‪ - 3ً ،2‬الضربة الثانية ليديه‪ ،‬والمسح إلى المرفقين‪.‬‬

‫ً‪ - 4‬نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح‪ ،‬بأن ل يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين‪ ،‬فإن‬
‫مسحهما بشيء قبل ما ذكر‪ ،‬كره وأجزأ‪ ،‬وهذا ل يمنع من نفضهما نفضا خفيفا‪.‬‬
‫وأضاف المالكية فضائل أو مندوبات أخرى للتيمم وهي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،213/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،20‬الشرح الصغير‪ ،198/1:‬الشرح الكبير‪157/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،38‬بجيرمي الخطيب‪ ،256/1:‬المهذب‪ ،33/1:‬مغني المحتاج‪،99/1:‬‬
‫كشاف القناع‪.204/1:‬‬

‫( ‪)1/529‬‬
‫ً‪ - 1‬التسمية‪ :‬بأن يقول‪ :‬بسم ال الرحمن الرحيم على الظهر‪ ،‬أو بسم ال في قول آخر‪- 3ً ،2ً .‬‬
‫الصمت‪ ،‬واستقبال القبلة‪.‬‬
‫ً‪ - 5ً ،4‬البدء باليد اليمنى‪ ،‬وجعل ظاهرها من طرف الصابع بباطن يسراه‪ ،‬ثم يُمرّها من فوق‬
‫الكف إلى المرفق‪ ،‬ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ) ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك‪ ،‬كما فعل‬
‫في اليمنى‪ ،‬ثم يخلل أصابعه وجوبا‪ ،‬كما أوضحت في الفرائض‪.‬‬
‫وسنن التيمم عند الشافعية نحو خمس عشرة‪:‬‬
‫التسمية الكاملة أوله كالوضوء والغسل‪ ،‬والبداءة بأعلى الوجه‪.‬‬
‫وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين‪ ،‬وتفريق الصابع في الضربة الولى‪ ،‬وتخليل الصابع بعد‬
‫مسح اليدين احتياطا ‪ ،‬وتخفيف الغبار بحيث يبقى بقدر الحاجة‪ ،‬لئل تتشوه به خلقته‪ ،‬وعملً بحديث‬
‫عمار السابق وغيره‪.‬‬
‫والموالة‪ ،‬كالوضوء لن كلً منهما طهارة عن حدث‪ ،‬والموالة بين التيمم والصلة‪ ،‬خروجا من‬
‫خلف من أوجبها‪ ،‬وهم المالكية‪.‬‬
‫ويسن أيضا إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء‪ ،‬وأل يرفع اليد عن العضو قبل تمام مسحه‪،‬‬
‫خروجا من خلف من أوجبه‪.‬‬
‫ومن سننه أيضا مسح بعض العضد كالتحجيل في الوضوء‪ ،‬وعدم تكرار المسح؛ لن المطلوب منه‬
‫تخفيف الغبار‪ ،‬واستقبال القبلة‪ ،‬والشهادتان بعده‪ ،‬كالوضوء فيهما‪.‬‬
‫ويسن نزع الخاتم في الضربة الولى‪ ،‬ويجب نزعه في الضربة الثانية عند المسح‪.‬‬

‫ويسن صلة ركعتين عقبه قياسا على الوضوء‪ ،‬والسواك قبله بين التسمية ونقل التراب إلى أعضاء‬
‫التيمم‪ ،‬كما أنه في الوضوء بين غسل اليدين والمضمضة‪.‬‬

‫( ‪)1/530‬‬
‫أما الحنابلة‪ :‬فاعتبروا التسمية والترتيب والموالة واجبة في التيمم كالوضوء‪ ،‬ولم يعدوا من سنن‬
‫التيمم سوى أن تأخيره أولى بكل حال إلى آخر الوقت المختار‪ ،‬إن رجا وجود الماء‪ ،‬لقول علي‬
‫رضي ال عنه في الجن‪« :‬يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت‪ ،‬فإن وجد الماء‪ ،‬وإل تيمم» ولنه يستحب‬
‫التأخير للصلة إلى ما بعد ال َعشَاء‪،‬وقضاء الحاجة‪ ،‬كيل ذهب خشوعها وحضور القلب فيها‪ ،‬ويستحب‬
‫تأخيرها لدراك الجماعة ‪ ،‬فتأخيرها لدراك الطهارة المشترطة أولى ‪ .‬كما أنهم اعتبروا تخليل‬
‫الصابع مستحبا ‪ ،‬وليس بفرض (‪. )1‬‬
‫وصفة التيمم عندهم (‪ : )2‬أن ينوي استباحة ما يتيمم له‪ ،‬كفرض الصلة من الحدث الصغر‪ ،‬أو‬
‫الكبر ونحوه‪ ،‬ثم يسمي‪ ،‬فيقول‪ :‬بسم ال‪ ،‬وتسقط سهوا‪ ،‬ويضرب يديه مفرجتي الصابع ليصل‬
‫التراب إلى ما بينها‪ ،‬على التراب أو على غيره مما له غبار طهور‪ ،‬كلبد أو ثوب أو بساط أو حصير‬
‫أو برذعة حمار ونحوها‪ ،‬ضربة واحدة‪ ،‬بعد نزع خاتم ونحوه‪ ،‬ليصل التراب إلى ما تحته‪ ،‬وإن كان‬
‫التراب خفيفا كره نفخه لئل يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب‪ .‬ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه‪ ،‬ثم كفيه‬
‫براحتيه‪ ،‬لحديث عمار السابق أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال في التيمم‪« :‬ضربة واحدة للوجه‬
‫واليدين» (‪. )3‬‬
‫ويجوز أن يمسح بضربتين‪ ،‬بإحداهما وجهه‪ ،‬وبالخرى يديه إلى المرفقين‪ ،‬وهو حسن‪.‬‬
‫مكروهات التيمم ‪:‬‬
‫يتبين من بحث سنن التيمم أنه عند الحنفية يكره ترك سنة من السنن المتقدمة ‪ ،‬وتكرار المسح‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬تكره الزيادة على مرة في المسح‪ ،‬وكثرة الكلم في غير ذكر ال‪ ،‬وإطالة المسح إلى ما‬
‫فوق المرفقين وهو المسمى بالغرة والتحجيل‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يكره تكثير التراب‪ ،‬وتكرار المسح‪ ،‬وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلة‪ ،‬ونفض اليدين‬
‫بعد تمام التيمم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪243/1،254:‬‬

‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ 204/1:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.254/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/531‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يكره تكرار المسح‪ ،‬وإدخال التراب في الفم والنف‪ ،‬والضرب أكثر من مرتين‪ ،‬ونفخ‬
‫التراب إن كان خفيفا‪.‬‬
‫المطلب السابع‪ :‬نواقض التيمم أو مبطلته‪:‬‬
‫ينقض التيمم ما يأتي (‪)1‬‬
‫ً‪ - 1‬كل ما ينقض الوضوء والغسل ينقض التيمم؛ لنه بدل عنهما‪ ،‬وناقض الصل ناقض لخلفه‪ ،‬فلو‬
‫تيمم للجنابة‪ ،‬ثم أحدث صار محدثا ل جنبا‪ ،‬فيتيمم وينزع خفيه إن كان لبسهما‪ ،‬ثم بعده يمسح‬
‫عليهما‪ ،‬ما لم يجد الماء‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬زوال العذر المبيح له كذهاب العدو والمرض والبرد ووجود آلة نزح الماء‪ ،‬وإطلق سراحه من‬
‫السجن الذي ل ماء فيه؛ لن ما جاز بعذر بطل بزواله‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية‪ ،‬ولو لم يكف‬
‫عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬وذلك قبل الصلة‪ ،‬ل فيها عند جماعة كما سيأتي ‪ ،‬وأن يكون فاضلً عن‬
‫حاجته كعطش وعجن وغسل نجاسة؛ لنه مشغول بالحاجة‪ ،‬وغير الكافي في رأي الحنفية والمالكية‬
‫كالمعدوم‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يجعله كالمستيقظ‪ ،‬يبطل تيممه‪.‬‬
‫فإن رأى الماء أثناء الصلة‪:‬‬
‫ينتقض تيممه عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬لبطلن الطهارة بزوال سببها‪ ،‬ولن الصل إيقاع الصلة‬
‫بالوضوء‪ ،‬وقد قدر على الصل قبل حصول المقصود ببدله‪ ،‬وللدلة النصية المتقدمة في بحث إعادة‬
‫الصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،236-234/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،21‬اللباب‪ 37/1:‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪91/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،56/1:‬الشرح الصغير‪ ،199/1:‬الشرح الكبير‪ ،158/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،38‬‬
‫بجيرمي الخطيب‪ 261-257/1:‬مغني المحتاج‪ ،101/1:‬المهذب‪ ،36/1:‬المغني‪ ،268/1،272:‬كشاف‬
‫القناع‪ ،190/1،202:‬غاية المنتهى‪ 63/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/532‬‬
‫ول ينتقض تيممه عند المالكية‪ ،‬ول ينتقض بالنسبة للمسافر عند الشافعية؛ لنه مأذون له بالدخول في‬
‫الصلة بالتيمم‪ ،‬والصل بقاء ذلك الذن‪ ،‬ولقوله تعالى‪{ :‬ول تبطلوا أعمالكم} [محمد‪ ،]33/47:‬وكان‬
‫عمله سليما قبل رؤية الماء‪ ،‬والصل بقاؤه‪ ،‬وقياسا على رؤية الماء بعد الفراغ من الصلة؛ لن رؤية‬
‫الماء ليست بحدث‪ ،‬فل تبطل الصلة‪ ،‬حفاظا على حرمة الصلة‪.‬‬
‫وتبطل صلة المقيم عند الشافعية إن رأى الماء في أثناء الصلة؛ لنه كما أبنت سابقا تلزمه إعادة‬
‫الصلة لوجود الماء‪ ،‬وقد وجد الماء‪ ،‬فوجب أن يشتغل بالعادة‪.‬‬
‫واستثنى المالكية حالة نسيان الماء‪ :‬فمن كان ناسيا للماء الذي معه‪ ،‬فتيمم وأحرم بصلة ثم تذكر فيها‪،‬‬
‫تبطل إن اتسع الوقت‪.‬‬
‫أما إن رأى الماء بعد انتهاء الصلة‪ :‬فإن كان بعد خروج وقت الصلة‪ ،‬ل يعيدها إجماعا‪ ،‬دفعا‬
‫للحرج‪ .‬وإن كان في أثناء الوقت‪ ،‬لم يعد الصلة عند الجمهور (غير الشافعية)‪ ،‬ويعيدها المقيم ل‬
‫المسافر غير العاصي بسفره عند الشافعية‪ ،‬كما أوضحت سابقا‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬خروج الوقت‪ :‬يبطل التيمم عند الحنابلة بخروج وقت الصلة‪ ،‬وأضاف الحنابلة‪ :‬إن خرج وقت‬
‫الصلة وهو فيها‪ ،‬بطل تيممه‪ ،‬وبطلت صلته‪ ،‬لن طهارته انتهت بانتهاء وقتها‪ ،‬فبطلت صلته‪ ،‬كما‬
‫لو انقضت مدة المسح وهو في الصلة‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬الردة‪ :‬تبطل التيمم عند الشافعية‪ ،‬بخلف الوضوء‪ ،‬لقوته‪ ،‬وضعف بدله‪ ،‬لكن تبطل نية الوضوء‬
‫فيجب تجديدها‪ ،‬ولن التيمم لستباحة الصلة‪ ،‬وهي منتفية مع الردة‪ ،‬هذا والردة تبطل التيمم ولو‬
‫صورة كالواقعة من الصبي‪.‬‬
‫ول يبطل التيمم بالردة عند الحنفية وغيرهم‪ ،‬فيصلي به إذا أسلم؛ لن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة‪،‬‬
‫والكفر ل ينافيها كالوضوء‪ ،‬ولن الردة تبطل ثواب العمل‪ ،‬ل زوال الحدث‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬الفصل الطويل بين التيمم والصلة‪ :‬يُبطل التيمم عند المالكية دون غيرهم لشتراطهم الموالة‬
‫بينه وبين الصلة كما تقدم‪.‬‬

‫( ‪)1/533‬‬
‫المطلب الثامن ـ حكم فاقد الطهورين ‪:‬‬
‫فاقد الطهورين‪ :‬هو فاقد الماء والتراب‪ ،‬كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما‪ ،‬أو في موضع‬

‫نجس ل يمكنه إخراج تراب مطهر‪ .‬أو كأن وجد ما هو محتاج إليه لنحو عطش‪ ،‬أو وجد ترابا نديا‬
‫ولم يقدر على تجفيفه بنحو نار‪ .‬ومثله المصلوب وراكب سفينة ل يصل إلى الماء‪ .‬ومثله‪ :‬من عجز‬
‫عن الوضوء والتيمم معا بمرض ونحوه‪ ،‬كمن كان به قروح ل يستطيع معها مس البشرة بوضوء ول‬
‫تيمم‪.‬‬
‫وحكمه يتردد بين رأيين‪ :‬إيجاب الصلة عليه عند الجمهورمع العادة عند الحنفية والشافعية‪ ،‬وعدم‬
‫العادة عند الحنابلة‪ ،‬وسقوط الصلة عند المالكية على المعتمد‪ .‬وهذا تفصيل الراء (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬الحنفية‪ :‬المفتى به عندهم ما قاله الصاحبان‪ :‬وهو أن فاقد الطهورين يتشبه بالمصلين وجوبا‪،‬‬
‫فيركع ويسجد‪ ،‬إن وجد مكانا يابسا‪ ،‬وأل يومئ قائما‪ ،‬ول يقرأ ول ينوي‪ ،‬ويعيد الصلة متى قدر على‬
‫الماء أو التراب‪.‬‬
‫أما مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة‪ ،‬فيصلي بغير طهارة ول يتيمم‪ ،‬ول يعيد على‬
‫الصح‪.‬‬
‫والمحبوس الذي صلى بالتيمم يعيد الصلة إن كان مقيما في الحضر‪ ،‬لعدم الضرورة؛ لن الحضر‬
‫مظنة الماء‪ ،‬فل ضرورة‪ ،‬ول يعيدها في السفر؛ لن الغالب فيه فقد الماء‪ ،‬وهذا مذهب الشافعية كما‬
‫أبنت في بحث إعادة الصلة‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬المالكية‪ :‬المذهب المعتمد أن فاقد الطهورين وهما الماء والتراب‪ ،‬أو فاقد القدرة على استعمالهما‬
‫كالمكره والمصلوب‪ ،‬تسقط عنه الصلة أداء وقضاء‪،‬فل يصلي ول يقضي‪ ،‬كالحائض؛ لن وجود‬
‫الماء والصعيد شرط في وجوب أداء الصلة‪ ،‬وقد عدم‪ ،‬وشرط وجوب القضاء‪ :‬تعلق الداء بذمة‬
‫المصلي‪ ،‬ولم يتعلق الخطاب بأداء الصلة في ذمته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 232/1:‬وما بعدها‪،‬مراقي الفلح‪:‬ص ‪ ،21‬الشرح الصغير‪ 200/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الكبير‪ ،162/1:‬المجموع للنووي‪ ،351/2:‬المهذب‪ ،35/1:‬مغني المحتاج‪ 105/1:‬ومابعدها‪ ،‬كشاف‬
‫القناع‪ 195/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/534‬‬
‫‪ - ً 3‬الشافعية‪ :‬يصلي فاقد الطهورين الفرض وحده في المذهب الجديد على حسب حاله بنية وقراءة‪،‬‬
‫لجل حرمة الوقت‪ ،‬ول يصلي النافلة ويعيد الصلة‪ ،‬إذا وجد الماء أو التراب في مكان ل ماء فيه؛‬
‫لن هذا العذر نادر ول دوام له‪ ،‬ولن العجز عن الطهارة التي هي شرط من شروط الصلة ل يبيح‬

‫ترك الصلة‪ ،‬كستر العورة وإزالة النجاسة‪ ،‬واستقبال القبلة‪ ،‬والقيام والقراءة‪ .‬ومن على بدنه نجاسة‬
‫يخاف من غسلها‪ ،‬ومن حبس عن الصلة كفاقد الطهورين يصلون الفريضة فقط‪ ،‬إل أن الجنب‬
‫يقتصر على قراءة الفاتحة فقط‪.‬‬
‫والراجح لدي هذا الرأي‪ ،‬أي أن الصلة تكون بحسب المعتاد‪ ،‬وتعاد لعدم النص الصريح في حكم‬
‫حال هذا المصلي‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الحنابلة‪ :‬يصلي فاقد الطهورين الفرض فقط‪ ،‬على حسب حاله وجوبا‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ‪« :-‬إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» ولن‬
‫العجز عن الشرط ل يوجب ترك المشروط‪ ،‬كما لو عجز عن السترة والستقبال‪ ،‬أي كما قال‬
‫الشافعية‪.‬‬
‫ول إعادة عليه‪ ،‬لما روي عن عائشة‪« :‬أنها استعارت من أسماء قلدة‪ ،‬فضلّتها‪ ،‬فبعث رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم رجالً في طلبها‪ ،‬فوجدوها‪ ،‬فأدركتهم الصلة‪ ،‬وليس معهم ماء‪ ،‬فصلوا بغير‬
‫وضوء‪ ،‬فشكوا إلى النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأنزل ال آية التيمم» (‪ )1‬ولم يأمرهم بالعادة‪ ،‬ولن‬
‫الوضوء أحد شروط الصلة‪ ،‬فسقط عند العجز‪ ،‬كسائر شروطها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/535‬‬
‫ول يزيد المصلي الفاقد الطهورين على ما يجزئ في الصلة من قراءة وغيرها‪ ،‬فيقرأ الفاتحة فقط‪،‬‬
‫ويسبح مرة فقط‪ ،‬ويقتصر على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود‪ ،‬أو جلوس بين السجدتين‪ ،‬كما‬
‫يقتصر على ما يجزئ في التشهد الول والخير‪ ،‬ثم يسلم في الحال‪.‬‬
‫ول يتنفل‪ ،‬ول يؤم متطهرا بماء أو تراب‪ ،‬لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه‪ ،‬لكن يؤم‬
‫مثله‪.‬‬
‫ول يقرأ في غير صلة إن كان جنبا ونحوه كحائض ونفساء‪.‬‬
‫وتبطل صلته بالحدث فيها‪ ،‬وبطروء نجاسة ل يعفى عنها؛ لن ذلك ينافي الصلة‪.‬‬
‫ول تبطل صلته بخروج وقتها بخلف صلة المتيمم؛ لن التيمم يبطل فتبطل الصلة‪.‬‬
‫وتبطل الصلة على الميت إذا لم يغسل ولم يتيمم‪ ،‬لعدم الماء والتراب‪ ،‬ويجوز نبشه قبل تفسخه للغسل‬
‫أو التيمم‪ ،‬لنه مصلحة بل مفسدة‪ ،‬فإن خيف تفسخه لم ينبش‪.‬‬

‫صلُ السّابع‪ :‬الحَيض‪ ،‬النّفاس‪ ،‬السْتِحاضة‬
‫ال َف ْ‬
‫الدماء التي تخرج من فروج النساء ثلثة‪ :‬دم حيض‪ :‬وهو الخارج في حالة الصحة‪ ،‬ودم استحاضة‪:‬‬
‫وهو الخارج في حالة المرض‪ ،‬وهو غير دم الحيض لقوله عليه الصلة والسلم «إنما ذلك عِرْق‬
‫وليس بالحيضة» (‪، )1‬ودم نفاس‪ :‬وهو الخارج مع الولد‪ .‬ولكل أحكام‪ ،‬ففي هذا الفصل مباحث أربعة‪:‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الحيض ووقته‬
‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ تعريف الحيض‪:‬‬
‫الحيض‪ :‬لغة‪ :‬هو السيلن‪ ،‬يقال‪ :‬حاض الوادي‪ :‬إذا سال‪ ،‬وحاضت الشجرة‪ :‬إذا سال صمغها‪.‬‬
‫وشرعا‪ :‬هو الدم الخارج في حال الصحة من أقصى رحم المرأة من غير ولدة ول مرض‪ ،‬في أمد‬
‫معين‪ .‬ولونه عادة‪ :‬السواد‪ ،‬وهو محتدم (أي شديد الحرارة)‪ ،‬لذاع محرق (أي موجع مؤلم)‪ ،‬كريه‬
‫الرائحة‪.‬‬
‫والصل فيه آية‪{ :‬ويسألونك عن المحيض} [البقرة‪ ،]222/2:‬أي الحيض‪ ،‬وخبر الصحيحين عن‬
‫عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن الحيض‪« :‬هذا شيء كتبه ال‬
‫على بنات آدم» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم عن عائشة‪ ،‬وسيأتي نصه الكامل‪ ،‬والمراد بقوله‪ :‬عرق أي ينزف‪.‬‬

‫( ‪)1/536‬‬
‫ووقته‪ :‬من بلوغ النثى تقريبا تسع سنين قمرية (‪ ، )1‬إلى سن اليأس‪ .‬فإن رأت الدم قبل هذه السن أو‬
‫بعد سن اليأس‪ ،‬فهو دم فساد أو نزيف‪.‬‬
‫وتصبح النثى برؤية الحيض بالغة مكلفة مطالبة بجميع التكاليف الشرعية من صلة وصوم وحج‬
‫ونحوها‪ ،‬كما أن الولد يبلغ بالحتلم بخروج المني‪ ،‬ويحصل البلوغ باستكمال سن الخامسة عشرة‪ ،‬إذا‬
‫لم يحصل الحتلم أو الحيض‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في تحديد سن اليأس لعدم النص فيه‪ ،‬ولعتمادهم على الستقراء والتتبع لحوال‬
‫النساء (‪. )2‬‬
‫فقال الحنفية على المفتى به أو المختار‪ :‬سن الياس خمس وخمسون سنة‪ ،‬فإن رأت بعده دما قويا‬
‫أسود أو أحمر قانيا‪ ،‬اعتبر حيضا‪ ،‬وعليه‪ :‬ما تراه آيسة على ظاهر المذهب يعد استحاضة ما لم يكن‬

‫دما خالصا كالسود والحمر القاني‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬سن اليأس سبعون سنة‪ ،‬وتسأل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين‪ ،‬فإن قلن‪ :‬حيض‪،‬‬
‫أو شككن‪ ،‬فحيض‪ ،‬كما يسألن في المراهقة‪ :‬وهي بنت تسع إلى ثلث عشرة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ل آخر لسن اليأس‪ ،‬فما دامت حية فالحيض ممكن في حقها‪ ،‬لكن غالبه اثنان وستون‬
‫سنة‪.‬‬
‫وقدر الحنابلة سن اليأس بخمسين سنة‪ ،‬لقول عائشة‪« :‬إذا بلغت امرأة خمسين سنة خرجت من حد‬
‫الحيض» (‪ )3‬وقالت أيضا‪« :‬لن ترى في بطنها ولدا بعد الخمسين» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬السنة القمرية‪ 6/1،5/1( :‬و ‪ )354‬ثلث مئة وأربعة وخمسون يوما‪ ،‬وخمس يوم وسدسه‪.‬‬
‫(‪ )2‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،23‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪ ،208/1:‬تحفة الطلب‪ :‬ص ‪،33‬‬
‫الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،27‬المغني‪ ،363/1 :‬كشاف القناع‪ ،232/1 :‬الدر المختار‪ 279/1 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬ذكره أحمد‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو إسحاق الشالنجي‪.‬‬

‫( ‪)1/537‬‬
‫وهل تحيض الحامل؟ للفقهاء فيه رأيان‪:‬‬
‫فذهب المالكية‪ ،‬والشافعية في الظهر الجديد (‪ : )2‬إلى أن الحامل قد تحيض‪ ،‬وقد يعتريها الدم أحيانا‬
‫ولو في آخر أيام الحمل‪ ،‬والغالب عدم نزول الدم بها‪ ،‬ودليلهم إطلق الية السابقة‪ ،‬والخبار الدالة‬
‫على أن الحيض من طبيعة المرأة‪ ،‬ولنه دم صادف عادة‪ ،‬فكان حيضا كغير الحامل‪.‬‬
‫وذهب الحنفية والحنابلة (‪ : )2‬إلى أن الحامل ل تحيض‪ ،‬ولو قبل خروج أكثر الولد عند الحنفية‪ ،‬أما‬
‫عند الحنابلة‪ :‬فما تراه قبل ولدتها بيومين أو ثلثة‪ ،‬يكون دم نفاس‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬قول النبي صلّى ال عليه وسلم في سبي أوطاس‪« :‬ل توطأ حامل حتى تضع‪ ،‬ول غير ذات‬
‫حمل حتى تحيض» (‪ )3‬فجعل وجود الحيض علما على براءة الرحم‪ ،‬فدل على أنه ل يجتمع معه‬
‫وقال صلّى ال عليه وسلم في حق ابن عمر ـ لما طلق زوجته وهي حائض ـ «ليطلقها طاهرا‪ ،‬أو‬
‫حاملً» (‪ )4‬فجعل الحمل علما على عدم الحيض‪ ،‬كما جعل الطهر علما على انتهاء الحيض‪ ،‬ولنه‬
‫زمن ل تعتاد المرأة فيه الحيض غالبا‪ ،‬فلم يكن ما تراه فيه حيضا كاليسة‪ .‬والطب والواقع يؤيد هذا‬
‫الرأي‪.‬‬

‫وعليه‪ :‬ل تترك الحامل الصلة لما تراه من الدم‪ ،‬لنه دم فساد‪ ،‬ل حيض‪ ،‬كما ل تترك الصوم‬
‫والعتكاف والطواف ونحوها من العبادات‪ ،‬ول يمنع زوجها من وطئها؛ لنها ليست حائضا‪ ،‬وتغتسل‬
‫الحامل إذا رأت دما زمن حملها عند انقطاعه استحبابا‪ ،‬خروجا من الخلف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،51/1:‬الشرح الصغير‪ ،211/1:‬مغني المحتاج‪.118/1:‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،263/1 :‬المغني‪ 361/1:‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.232/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي‪ .‬وهو تقرير استبراء السبايا غير الحوامل‬
‫بحيضة‪ ،‬والحوامل بوضع الحمل‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل البخاري عن ابن عمر (نيل الوطار‪.)221/6:‬‬

‫( ‪)1/538‬‬
‫ألوان الدم‪ :‬دم الحيض في أيام العادة الشهرية باتفاق الفقهاء (‪ : )1‬إما أسود أو أحمر أو أصفر أو‬
‫أكدر (متوسط بين السواد والبياض) وليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضا‪ ،‬ول يعرف انقطاعه إل‬
‫برؤية بياض خالص‪ ،‬بأن تدخل المرأة خرقة نظيفة أو قطنة في فرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر‬
‫الدم أو ل‪.‬‬
‫ورأى الحنفية‪ :‬أن ألوان دم الحيض ستة‪ :‬السواد‪ ،‬والحمرة‪ ،‬والصفرة‪ ،‬والكدرة‪ ،‬والخضرة ‪ ،‬والتٌربية(‬
‫أي على لون التراب ) على الصح ‪ .‬فكل ما يرى في أيام الحيض من الدماء فهو حيض‪ ،‬حتى ترى‬
‫البياض الخالص ‪:‬وهو شيئ يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض ‪.‬أو هو القطن الذي تختبر به‬
‫المرأة نفسها ‪ ،‬إذا خرج أبيض ‪ ،‬فقد طهرت ‪.‬‬
‫والخضرة نوع من الكدرة ‪ ،‬وتظهر في المرأة ذات العادة الشهرية بسبب غذاء فاسد أفسد صورة دمها‬
‫‪ ،‬كما أن اليسة الكبيرة لترى غير الخضرة‪.‬‬
‫ورتب الشافعية ألوان الحيض بحسب قوتها فقالوا ‪ :‬اللوان خمسة ‪ :‬أقواها السواد ‪ ،‬ثم الحمرة ‪ ،‬ثم‬
‫الشقرة ( وهي التربية عند الحنفية ) ثم الصفرة ‪ ،‬ثم الكدرة ‪.‬‬
‫وصفات دم الحيض أربعة أقواها‪ :‬الثخين المنتن‪ ،‬ثم المنتن‪ ،‬ثم الثخين‪ ،‬ثم غير الثخين وغير المنتن‪.‬‬
‫والدليل على أن هذه اللوان في أيام العادة حيض‪ :‬هو دخولها في عموم النص القرآني‪{ :‬ويسألونك‬
‫عن المحيض} [البقرة‪ ]222/2:‬وأخبار في السنة‪ ،‬منها قول عائشة‪« :‬وكان النساء يبعثن إليها بالدّرجة‬
‫فيها الكُرْسف (‪ ، )2‬فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض‪ ،‬فتقول‪ :‬ل تعْجَلْن حتى ترين ال َقصّة‬

‫البيضاء» (‪ )3‬تريد بذلك الطهر من الحيض‪.‬‬
‫وأما الدليل على أن ما بعد الحيضة من الصفرة والكدرة ليس حيضا‪ :‬فهو قول أم عطية‪« :‬كنا ل نعد‬
‫الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير مع حاشية العناية‪ ،112/1:‬اللباب‪ ،47/1:‬الشرح الصغير‪ 207/1:‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،113/1‬حاشية الباجوري‪ ،112/1:‬كشاف القناع‪ ،246/1:‬البدائع‪.39/1:‬‬
‫(‪ )2‬الدرجة‪ :‬بضم الدال وإسكان الراء والجيم‪ :‬هي نحو خرقة كقطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها‬
‫لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو ل‪ .‬والكرسف‪ :‬القطن‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مالك‪ .‬والقصة‪ :‬بفتح القاف الجص‪ ،‬شبهت الرطوبة النقية بالجص في الصفاء‪ ،‬قال مالك‬
‫وأحمد‪ :‬هي ماء أبيض يتبع الحيضة‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود والبخاري‪ ،‬ولم يذكر ( بعد الطهر ) والحاكم‪.‬‬

‫( ‪)1/539‬‬
‫المطلب الثاني ـ مدة الحيض والطهر‪:‬‬
‫ل يكون الدم حيضا إل إذا كان باللوان السابقة‪ ،‬وأن يتقدمه أقل مدة الطهر (وهي خمسة عشر يوما‬
‫عند جمهور الفقهاء)‪ .‬وأن يبلغ أقل مدة الحيض‪ ،‬وهي مختلف فيها بين الفقهاء (‪ . )1‬وما نقص عن‬
‫مدة الحيض أو زاد على أكثرها فهو استحاضة‪.‬‬
‫يرى الحنفية‪ :‬أن أقل الحيض‪ :‬ثلثة أيام ولياليها‪ ،‬وما نقص عن ذلك‪ ،‬فليس بحيض‪ ،‬وإنما هو‬
‫استحاضة‪.‬‬
‫وأوسطه خمسة أيام‪.‬‬
‫وأكثره عشرة أيام ولياليها‪ ،‬والزائد عن ذلك‪ :‬استحاضة‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬حديث «أقل الحيض للجارية البكر والثيب‪ :‬ثلثة أيام‪ ،‬وأكثره عشرة أيام» (‪ )2‬وما زاد على‬
‫ذلك استحاضة؛ لن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به‪.‬‬
‫ويرى المالكية‪ :‬أل حد لقل الحيض بالنسبة للعبادات‪ ،‬فأقله َدفْقه أو دَفعة في لحظة‪ ،‬فتعتبر حائضا‬
‫وتغتسل بانقطاعه‪ ،‬ويبطل صومها وتقضي ذلك اليوم‪ .‬وأما بالنسبة للعدة والستبراء‪ ،‬فأقله يوم أو‬
‫بعض يوم له بال‪.‬‬
‫وأكثر الحيض يختلف باختلف النساء وهن أربع‪ :‬مبتدأة‪ ،‬ومعتادة (‪ ، )3‬وحامل‪ ،‬ومختلطة‪ .‬أما‬

‫المبتدأة‪ :‬فيقدر بخمسة عشر يوما‪ ،‬وما زاد فهو دم علة وفساد‪ .‬وأما المعتادة‪ :‬فيقدر بزيادة ثلثة أيام‬
‫على أكثر عادتها ـ والعادة تثبت بمرة ـ استظهارا‪ ،‬مالم تجاوز نصف الشهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،111/1:‬الدر المختار‪ ،262/1:‬البدائع‪ 208/1:‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪48/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 39‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،109/1،113:‬حاشية الباجوري‪،114/1:‬‬
‫المغني‪ ،308/1:‬كشاف القناع‪.233/1:‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث أبي أمامة عند الطبراني والدارقطني‪ ،‬ومن حديث واثلة بن السقع عند‬
‫الدارقطني‪ ،‬ومن حديث معاذ بن جبل عند ابن عدي‪ ،‬ومن حديث أبي سعيد الخدري عند ابن‬
‫الجوزي‪ ،‬ومن حديث أنس بن مالك عند ابن عدي‪ ،‬ومن حديث عائشة عند ابن الجوزي‪ ،‬وكلها‬
‫ضعيفة (نصب الراية‪.)191/1:‬‬
‫(‪ )3‬المبتدأة‪ :‬هي التي أول ما ابتدأها الدم في بدء الحيض عند الصغر‪ ،‬والمعتادة‪ :‬هي التي اعتادت‬
‫أن ترى الدم‪.‬‬

‫( ‪)1/540‬‬
‫وأما الحامل فيما بعد شهرين من بدء الحمل‪ :‬فيقدر أكثر الحيض بعشرين يوما‪.‬‬
‫وما بعد ستة أشهر فأكثر‪ :‬فيقدر له ثلثون يوما‪.‬‬
‫وأما المختلطة‪ :‬وهي التي ترى الدم يوما أو أياما‪ ،‬والطهر يوما أو أياما‪ ،‬حتى ل يحصل لها طهر‬
‫كامل‪ ،‬فإنها تلفق أيام الدم‪ ،‬فتعدها حتى يكمل لها مقدار أكثر أيام الحيض (‪ 15‬يوما)‪ ،‬وتلغي أيام‬
‫الطهر التي بينها‪ ،‬فل تعدها‪ .‬فما زاد عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة‪.‬‬
‫وتغتسل في كل يوم ل ترى فيه الدم‪ ،‬رجاء أن يكون طهرا كاملً‪.‬‬
‫وتكون حائضا في كل يوم ترى فيه الدم‪ ،‬وتجتنب ما تجتنبه الحائض‪.‬‬
‫ويرى الشافعية والحنابلة‪ :‬أن أقل زمن الحيض يوم وليلة‪ :‬وهو أربع وعشرون ساعة‪ ،‬على التصال‬
‫المعتاد في الحيض‪ ،‬بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت‪ ،‬فل يشترط نزوله بشدة دائما حتى يوجد‬
‫التصال‪ .‬وعلى هذا فقد يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر‪ ،‬ولكنه موجود في الواقع‪ ،‬ويعرف‬
‫بتلوث قطنة أو نحوها‪ ،‬فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة‪ ،‬فهو دم استحاضة‪ ،‬ل دم حيض‪.‬‬
‫حمْنة بنت جحش لما سألته‪ « :‬تَحَيّضي في علم ال‬
‫وغالبه‪ :‬ست أو سبع‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم لِ َ‬
‫ستة أيام أو سبعة‪ ،‬ثم اغتسلي وصلي أربعا وعشرين ليلة وأيامها‪ ،‬أو ثلثا وعشرين ليلة‪ ،‬فإن ذلك‬

‫يجزيك » (‪ . )1‬وأكثره‪ :‬خمسة عشر يوما بلياليها‪ ،‬فإن زاد عليها فهو استحاضة‪.‬‬
‫ويتميز دم الحيض عن دم الستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫طهُرن لميقات حيضتهن‬
‫(‪ )1‬تتمة الحديث‪ « :‬وكذلك فافعلي في كل شهر‪ ،‬كما تحيض النساء‪ ،‬ويَ ْ‬
‫وطهرهن» رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه‪ ،‬وحسنه البخاري (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)271/1‬‬

‫( ‪)1/541‬‬
‫ودليلهم‪ :‬الستقراء (السؤال والتتبع لحوال بعض النساء في زمان ما) الذي قام به في زمانه المام‬
‫الشافعي رضي ال عنه وغيره؛ إذ ل ضابط له لغة ول شرعا‪ ،‬فرجع إلى المتعارف بالستقراء‪،‬‬
‫ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة‪ ،‬كما هو المقرر في القبض والحراز والتفرق بين المتبايعين‬
‫في العقود‪.‬‬
‫ويؤيدهم قول علي‪« :‬أقل الحيض يوم وليلة‪ ،‬وما زاد على خمسة عشر استحاضة» ‪ .‬وقول عطاء‪:‬‬
‫«رأيت من النساء من تحيض يوما‪ ،‬وتحيض خمسة عشر» والقاعدة عند الشافعية كما قال النووي في‬
‫المنهاج‪ :‬رأت المرأة الدم لسنّ الحيض أقلّه‪ ،‬ولم يعبر أكثره‪ ،‬فكله حيض‪ ،‬سواء أكانت مبتدأة أم‬
‫معتادة‪ ،‬تغيرت عادتها أم ل‪ .‬فإذا رأت المرأة الدم أقل من يوم وليلة أو بعد أكثر من مدة الحيض (أي‬
‫بعد ‪ 51‬يوما) كان دم استحاضة‪ ،‬ل دم حيض‪.‬‬
‫أقل الطهر ‪:‬‬
‫قال الجمهور غير الحنابلة (‪ : )1‬إن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين‪ :‬خمسة عشر يوما؛ لن الشهر‬
‫غالبا ليخلو عن حيض وطهر‪ ،‬وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر‪ ،‬لزم أن يكون أقل الطهر كذلك‬
‫خمسة عشر يوما‪ .‬ول حد لكثره؛ لنه قد يمتد سنة أو سنتين‪ ،‬وقد ل تحيض المرأة أصلً‪ ،‬وقد‬
‫تحيض في السنة مرة واحدة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )2‬أقل الطهر بين الحيضتين ثلثة عشر يوما‪ ،‬لما روى أحمد عن علي‪« :‬أن امرأة‬
‫جاءته ـ قد طلقها زوجها ـ فزعمت أنها حاضت في شهر ثلث حِيَض‪ ،‬فقال علي لشريح‪ :‬قل فيها‪،‬‬
‫فقال شريح‪ :‬إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته‪ ،‬فشهدت بذلك‪ ،‬وإل فهي كاذبة‪.‬‬
‫فقال علي‪« :‬قالون» أي جيد بالرومية‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،121/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،24‬الشرح الصغير‪ ،209/1:‬بداية المجتهد‪ ،48/1:‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،109/1:‬حاشية الباجوري‪ ،116/1:‬المهذب‪.39/1:‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪.234/1:‬‬

‫( ‪)1/542‬‬
‫وهذا ل يقوله إل توقيفا‪ ،‬وهو قول صحابي اشتهر‪ ،‬ولم يعلم خلفه‪ ،‬ووجود ثلث حيض في شهر‪،‬‬
‫دليل على أن الثلثة عشر طهر صحيح يقينا (‪. )1‬‬
‫ول حد لكثر الطهر باتفاق الفقهاء‪.‬‬
‫والمراد بالطهر‪:‬‬
‫هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس‪ ،‬وللطهر علمتان‪ :‬جفاف الدم أو جفوفه‪ ،‬والقصة‬
‫البيضاء‪ :‬وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض (‪. )2‬‬
‫النقاء من الدم في أيام الحيض‪:‬‬
‫النقاء‪ :‬أي عدم الدم‪ ،‬ويحدث ذلك بأن تبدأ العادة الشهرية‪ ،‬ثم ينقطع الحيض مدة زمنية‪ ،‬ثم يعود‪ ،‬فهل‬
‫تعد تلك المدة من أيام الحيض أو ل؟‬
‫هناك رأيان فقهيان‪ ،‬الول للحنفية والشافعية‪ ،‬والثاني للمالكية والحنابلة (‪ . )3‬وأصحاب الرأي الول‬
‫يرون‪ :‬أن النقاء من الدم في أيام الحيض يعتبر حيضا‪ ،‬فلو رأت يوما دما‪ ،‬ويوما نقاء‪ ،‬بحيث لو‬
‫وضعت قطنة لم تتلوث‪ ،‬ويوما بعد ذلك دما وهكذا في مدة الحيض (أثناء العادة)‪ ،‬تعتبر حائضا في‬
‫كل تلك المدة‪.‬‬
‫وأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق‪ :‬وهو ضم الدم إلى الدم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهذا مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة‪ .‬وكانت حيضات هذه المرأة بأقل مدة الحيض‪.‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،52/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.41‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ ،112/1:‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ ،267/1:‬اللباب‪ ،49/1:‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،50/1‬الشرح الصغير‪ ،212/1:‬مغني المحتاج‪ ،119/1:‬حاشية الباجوري‪ ،114/1:‬المهذب‪،39/1:‬‬
‫المغني‪ 359/1:‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 246/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/543‬‬

‫واعتبار أيام النقاء طهرا صحيحا‪ ،‬فلو رأت الحائض الدم يوما أو يومين‪ ،‬ثم طهرت يوما أو يومين‪،‬‬
‫جمعت أيام الدم بعضها إلى بعض‪ ،‬واعتبر الباقي طهرا‪ ،‬واتفق الكل على أن الطهر (المتخلل) بين‬
‫الدمين إذا كان خمسة عشر يوما فأكثر يكون فاصلً بين الدمين في الحيض‪ ،‬وما قبله وما بعده يعد‬
‫حيضا إذا بلغ أقل مدة الحيض‪.‬‬
‫وها هو تفصيل الراء في كل مذهب‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬مذهب الحنفية‪ :‬أفتى كثير من المتأخرين بقول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة الخر‪ ،‬وهو أن‬
‫الطهر المتخلل بين الدمين‪ ،‬ل يعد فاصلً‪ ،‬بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر‬
‫المتخلل‪ ،‬فيجوز بداية الحيض بالطهر‪ ،‬وختمه به أيضا‪ ،‬فلو رأت مبتدأة يوما دما‪ ،‬وأربعة عشر‬
‫طهرا‪ ،‬ويوما دما‪ ،‬فالعشرة الولى حيض‪ .‬ولو رأت المعتادة قبل عادتها يوما دما وعشرة طهرا‬
‫ويوما دما‪ ،‬فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت عادتها‪ ،‬وإل ردت إلى أيام عادتها‪.‬‬
‫وأما الطهر المتخلل بين الربعين يوما في حالة النفاس فل يفْصل عند أبي حنيفة وعليه الفتوى‪ ،‬سواء‬
‫أكان خمسة عشر أم أقل أم أكثر‪ ،‬ويجعل إحاطة الدم بطرفيه كالدم المتوالي‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬مذهب الشافعية‪ :‬الظهر المعتمد أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر حيض تبعا لها‪ ،‬بشروط‪:‬‬
‫وهي أل يجاوز ذلك خمسة عشر يوما‪ ،‬ولم تنقص الدماء المرئية عند المرأة عن أقل الحيض‪ ،‬وأن‬
‫يكون النقاء محتوشا (محوطا) بين دمي حيض‪.‬‬

‫( ‪)1/544‬‬
‫وهذا يسمى قول السّحْب؛ لننا سحبنا الحكم بالحيض على النقاء أيضا‪ ،‬وجعلنا الكل حيضا‪ .‬وهناك‬
‫قول آخر ضعيف يسمى قول الّلقْط‪ :‬وهو أن النقاء طهر؛ لن الدم إذا كان حيضا‪ ،‬كان النقاء طهرا‪،‬‬
‫وسمي بذلك لنا لقطنا أوقات النقاء وجعلناها طهرا‪.‬‬
‫أما زمن النقاء في حالة النفاس فهو على المعتمد طهر‪ ،‬لكنه يحسب من مدة النفاس الستين يوما ‪،‬أي‬
‫أنه من النفاس عددا ل حكما على المعتمد‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن النقاء في الحيض يأخذ حكم الحيض‪ ،‬وفي النفاس‪ :‬ليأخذ حكمه‪ ،‬وإنما يحسب أي‬
‫النقاء من أيام الستين التي هي أكثر مدة النفاس‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬مذهب المالكية المعتمد‪ ،‬والحنابلة‪ :‬هو الخذ بالتلفيق أي ضم الدم إلى الدم‪ ،‬والطهر في أثناء‬
‫الحيضة طهر صحيح‪ ،‬فإذا أتاها الدم في يوم مثلً‪ ،‬وانقطع يوما أو أكثر‪ ،‬ولم يبلغ النقطاع نصف‬
‫الشهر وهو أكثر مدة الحيض‪ ،‬فإنها تلفق أيام الدم فقط‪ ،‬أي يضم الدم إلى الدم‪ ،‬فيكون حيضا‪ ،‬وما‬

‫بينهما من النقاء طهر‪ .‬وحكم الملفقة‪ :‬أنها تغتسل وجوبا‪ ،‬كلما انقطع دمها‪ ،‬وتصلي وتصوم وتوطأ‪،‬‬
‫لنه طهر حقيقة‪ ،‬لكن قال الحنابلة‪ :‬يكره وطؤها زمن الطهر‪.‬‬
‫وتظل على هذا النحو عند الحنابلة إلى أن يجاوز زمن الدم وزمن النقاء أكثر الحيض‪ ،‬كأن ترى يوما‬
‫دما ويوما طهرا إلى ثمانية عشر يوما مثلً‪ ،‬فتكون مستحاضة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬تلفق المبتدأة‪ ،‬والمعتادة نصف الشهر‪ :‬خمسة عشر يوما‪ .‬أما المعتادة أقل من نصف‬
‫شهر‪ :‬فتلفق عادتها‪ ،‬مع إضافة ثلثة أيام على أكثر عادتها‪ ،‬وهي التي تسمى أيام الستظهار‪ .‬وما‬
‫نزل عليها من الدم بعد ذلك فاستحاضة لحيض‪.‬‬
‫أولً ـ تعريف النفاس‪:‬‬

‫( ‪)1/545‬‬
‫المبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته‬
‫أولًـ تعريف النفاس‪:‬‬
‫النفاس عند الحنفية والشافعية (‪ : )1‬هو الدم الخارج عقب الولدة‪ .‬أما الخارج مع الولد حال الولدة‬
‫أو قبله‪ ،‬فهو دم فساد واستحاضة‪ ،‬فتتوضأ إن قدرت وتصلي‪ ،‬وأضاف الحنفية‪ :‬أو تتيمم وتومئ‬
‫بصلة ول تؤخر الصلة‪ .‬واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولدة المتصل بحيض قبله‪ ،‬بناء على‬
‫أن الحامل تحيض في الصح عندهم‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬الدم الذي يخرج قبل الولدة هو دم حيض‪.‬‬
‫والنفاس عند الحنابلة (‪ : )2‬الدم الخارج بسبب الولدة‪.‬‬
‫والدم النازل قبل الولدة بيومين أو ثلثة مع أمارة كالطلق‪ ،‬والدم الخارج مع الولدة هو دم نفاس‬
‫عندهم‪ ،‬كالدم الخارج عقب الولدة‪.‬‬
‫سقْطا (‪ )3‬استبان‬
‫ويعد الدم عند هؤلء دم نفاس‪ :‬بخروج أكثر الولد‪ ،‬ولو متقطعا عضوا عضوا‪ ،‬ولو ِ‬
‫فيه بعض خلقة النسان كأصبع أو ظفر‪ ،‬ولو بين توأمين (‪ ، )4‬إل أن الصح عند الشافعية أن النفاس‬
‫معتبر من الولد الثاني‪،‬ومايخرج بعد الول هو حيض ان اتصل بحيض سابق وإل فهو استحاضة‪ .‬فإن‬
‫رأت دما بعد إلقاء نطفة أو علقة‪ ،‬فليس بنفاس‪ ،‬أما المالكية فقالوا (‪: )5‬‬
‫النفاس‪ :‬هو ما خرج من قُبُل المرأة عند ولدتها مع الولدة أو بعدها‪ ،‬ولو بين توأمين‪ .‬أما ما خرج‬
‫قبل الولدة‪ ،‬فالراجح أنه حيض‪ ،‬فل يحسب من الستين يوما‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،129/1:‬البدائع‪ ،43-41/1:‬الدر المختار‪ 275/1:‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ ،352/1:‬مراقي‬
‫الفلح‪ :‬ص ‪ ،23‬مغني المحتاج‪ ،119/1:‬حاشية الباجوري‪ ،113/1:‬المهذب‪ ،45/1:‬المجموع‪529/1:‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪.226/1:‬‬
‫(‪ )3‬السِقط‪ :‬الجنين يسقط من بطن أمه قبل تمامه‪ ،‬ذكرا كان أو أنثى‪.‬‬
‫(‪ )4‬التوأمان‪ :‬الولدان في بطن إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر‪.‬‬
‫(‪ )5‬الشرح الصغير‪ 216/1:‬وما بعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.40‬‬

‫( ‪)1/546‬‬
‫ثانيا ـ مدة النفاس‪:‬‬
‫للنفاس مدة دنيا وقصوى وغالبة (‪. )1‬‬
‫أما المدة الدنيا‪ :‬فقال الشافعية‪ :‬أقله لحظة أي مجة أو دفعة‪ .‬وقال الئمة الخرون‪ :‬ل حد لقله‪ ،‬لنه‬
‫ل وكثيرا‪.‬‬
‫لم يرد في الشرع تحديده‪ ،‬فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي‪ ،‬وقد وجد قلي ً‬
‫والظاهر أل خلف بين الرأيين‪ ،‬والمراد بهما واحد‪.‬‬
‫وقد تلد المرأة ول ترى الدم‪ ،‬روي أن امرأة ولدت على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« ،‬فلم‬
‫تر نفاسا» ‪ ،‬فسميت ذات الجفوف‪.‬‬
‫وغالبه عند الشافعية أربعون يوما‪.‬‬
‫وأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوما والمعتمد في ذلك هو الستقراء‪ ،‬وعند الحنفية والحنابلة‪:‬‬
‫أربعون يوما‪ ،‬وما زاد عن ذلك فهو استحاضة‪ ،‬بدليل قول أم سلمة‪« :‬كانت النفساء تجلس على عهد‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم أربعين يوما وأربعين ليلة» (‪. )2‬‬
‫لكن قال فيه الشافعية‪ :‬ل دللة فيه على نفي الزيادة‪ ،‬أو محمول على الغالب أو على نسوة‬
‫مخصوصات‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء‪:‬‬
‫للحيض أحكام خمسة وهي ما يلي (‪: )3‬‬
‫ً‪ - 1‬الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ويسألونك عن المحيض‪ ،‬قل‪:‬‬
‫طهُرنَ‪ ،‬فإذا تطّهرْنَ فأتوهن من حيث‬
‫هو أذى‪ ،‬فاعتزلوا النساء في المحيض‪ ،‬ول تقربوهن حتى ي ْ‬
‫أمركم ال} [البقرة‪.]222/2:‬‬

‫ولقوله صلّى ال عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش‪« :‬فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلة‪ ،‬وإذا أدبرت‬
‫فاغسلي عنكِ الدم وصَلّي» (‪ )4‬وفي رواية للبخاري‪« :‬ولكن دعي الصلة قدر اليام التي كنت‬
‫تحيضين فيها‪ ،‬ثم اغتسلي وصلي» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة في كل مذهب‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد‪ ،‬أي رواه الخمسة إل النسائي‪ ،‬وأخرجه الدارقطني‬
‫والحاكم أيضا‪ ،‬وهو صحيح‪ ،‬والقول بضعفه مردود كما قال النووي (نيل الوطار‪)282/1:‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪.228/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل ابن ماجه عن عائشة رضي ال عنها (نيل الوطار‪.)568/1:‬‬

‫( ‪)1/547‬‬
‫ً‪ - 2‬البلوغ‪ :‬تبلغ النثى وتصبح أهلً للتكاليف الشرعية بالحيض‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم‪« :‬ل‬
‫يقبل ال صلة حائض إل بخمار» (‪ )1‬فأوجب عليها أن تستتر لجل الحيض‪ ،‬فدل على أن التكليف‬
‫حصل به‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬الحكم ببراءة الرحم في العتداد بالحيض‪ ،‬ومن المعلوم أن الصل في مشروعية العدة العلم‬
‫ببراءة الرحم‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬العتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة؛ لن القراء الثلثة المنصوص عليها في القرآن‬
‫الكريم هي الحيضات‪ ،‬ول تنتهي عدة المطلقة غير الحامل إل بانتهاء الحيضة الثالثة ول تحتسب‬
‫الحيضة التي وقع الطلق في أثنائها‪ .‬وقال المالكية والشافعية‪ :‬القرء‪ :‬الطهر‪ ،‬فتحسب العدة بزمن‬
‫الطهار‪ ،‬وتنتهي العدة بابتداء الحيضة الثالثة‪ ،‬ويحتسب الطهر الذي وقع الطلق فيه من الطهار‬
‫الثلثة ولو كان لحظة‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة‪ ،‬وسيأتي الكلم في ذلك في بحث ما يحرم‬
‫بالحيض‪.‬‬
‫ما يحرم بالحيض والنفاس‪ :‬يحرم بالحيض والنفاس ما يحرم بالجنابة وهي سبعة أمور‪ :‬الصلوات‬
‫كلها‪ ،‬وسجود التلوة‪ ،‬ومس المصحف‪ ،‬ودخول المسجد‪ ،‬والطواف‪ ،‬والعتكاف‪ ،‬وقراءة القرآن‪ ،‬لكن‬
‫أجاز المالكية على المعتمد للحائض والنفساء قراءة القرآن عن ظهر قلب إل بعد انقطاع الدم وقبل‬
‫غسلها‪ ،‬سواء أكانت جنبا حال حيضها أو نفاسها أم ل‪.‬‬

‫ويزاد على ذلك أمور أخرى‪ ،‬وقد عد الحنفية ثمانية أمور تحرم على الحائض والنفساء‪ ،‬والمالكية‬
‫عدوا اثني عشر‪ ،‬وهي السبعة السابقة وخمسة أخرى وهي الصيام‪ ،‬والطلق‪ ،‬والجماع في الفرج قبل‬
‫انقطاع الدم‪ ،‬والجماع بما دون الفرج قبل انقطاع الدم‪ ،‬والجماع بعد انقطاع الدم وقبل الغتسال‪.‬‬
‫وعد الشافعية ثمانية أمور‪ ،‬والحنابلة خمسة عشر أمرا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وغيره‪.‬‬

‫( ‪)1/548‬‬
‫وتفصيل هذه الممنوعات في حالة الحيض ومثله النفاس وأدلتها بتبين فيما يأتي (‪: )1‬‬
‫ل أو وضوءا‪ :‬في رأي الشافعية والحنابلة‪ ،‬فإذا حاضت المرأة‪ ،‬حرم عليها‬
‫‪ - ً 1‬الطهارة‪ :‬غس ً‬
‫الطهارة للحيض؛ لن الحيض ومثله النفاس يوجب الطهارة‪ ،‬وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج‬
‫البول‪ ،‬أي أن انقطاعه شرط لصحة الطهارة له‪ .‬لكن يجوز الغسل لجنابة أو إحرام ودخول مكة‬
‫ونحوه (‪ )2‬بل يستحب لذلك‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬الصلة‪ :‬يحرم على الحائض والنفساء الصلة‪ ،‬لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش المتقدم‪« :‬إذا‬
‫أقبلت الحيضة فدعي الصلة» لكن يسقط فرض الصلة ول يقضى‪ ،‬بإجماع العلماء‪ ،‬لما روت عائشة‬
‫رضي ال عنها‪« :‬كنا نحيض على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فنؤمر بقضاء الصوم‪ ،‬ول‬
‫نؤمر بقضاء الصلة» (‪ ، )3‬ولنه يشق قضاء الصلة لتكرر الحيض وطول مدته‪ ،‬بخلف الصوم‪.‬‬
‫ويحرم على الحائض قضاء الصلة‪ ،‬والمعتمد عند الشافعية أنه يكره وتنعقد نفلً مطلقا ل ثواب فيه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،44/1:‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،274-162،268-158/1:‬فتح القدير‪،119-114/1:‬‬
‫تبيين الحقائق‪ 56/1:‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،24‬الشرح الصغير‪ 215/1:‬ومابعدها‪ ،‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،40‬بداية المجتهد‪ ،57،61-54/1:‬المهذب‪ ،38/1،45:‬مغني المحتاج‪،109/1،120:‬‬
‫تحفة الطلب‪ 33 :‬ومابعدها‪ ،‬بجيرمي الخطيب‪ ،323-312/1:‬حاشية الباجوري‪،119-117/1:‬‬
‫المغني‪ 306/1 :‬ومابعدها‪ ،338-333 ،‬كشاف القناع‪.233-226/1:‬‬
‫(‪ )2‬هذا وقد ذكر الحنابلة الوضوء أمرا ثانيا‪ ،‬كما ذكروا في المر الثاني‪ :‬وهو فعل الصلة ووجوبها‬
‫أمرين‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة عن ُمعَاذة (نيل الوطار‪.)280/1:‬‬

‫( ‪)1/549‬‬
‫‪ - ً 3‬الصوم‪ :‬يحرم على الحائض والنفساء الصوم ويمنع صحته‪ ،‬لحديث عائشة السابق‪ ،‬فإنه يدل‬
‫على أنهن كن يفطرن‪ .‬ول يسقط قضاؤه عنهما فتقضي الحائض والنفساء الصوم دون الصلة للحديث‬
‫نفسه‪ ،‬ولن الصوم في السنة مرة‪ ،‬فل يشق قضاؤه‪ ،‬فلم يسقط‪ .‬وهناك حديث آخر عن أبي سعيد‬
‫الخدري‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال للنساء‪ :‬أليس شهاد ُة المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن‪:‬‬
‫بلى‪ ،‬قال‪ :‬فذلكن من نقصان عقلها‪ .‬أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن‪ :‬بلى؟ قال‪ :‬فذلكن من‬
‫نقصان دينها» (‪. )1‬‬
‫‪ - ً 4‬الطواف‪ :‬لقوله صلّى ال عليه وسلم لعائشة رضي ال عنهما‪« :‬إذا حضت‪ ،‬افعلي ما يفعل‬
‫الحاج‪ ،‬غير أل تطوفي بالبيت حتى تطهري» (‪ )2‬ولنه يفتقر إلى الطهارة ول يصح من الحائض‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬قراءة القرآن ومس المصحف وحمله‪ ،‬كما سبق في الجنابة‪ ،‬لقوله تعالى {ل يمسه إل‬
‫المطهرون} [الواقعة‪ ،]79/56:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل تقرأ الحائض ول الجنب شيئا من‬
‫القرآن» (‪ )3‬واستثنى الشافعية حالة الخوف على القرآن من غرق أو حرق أو نجاسة أو وقوعه في‬
‫يد كافر‪ ،‬فيجب حمله حينئذ‪ ،‬كما يجوز حمله باتفاق العلماء في تفسير أكثر منه يقينا‪ ،‬ول يجوز حمله‬
‫عند الشافعية إذا قصده مع المتاع على المعتمد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري (نيل الوطار‪ 279/1:‬ومابعدها) ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ‪« :‬تمكث‬
‫الليالي ما تصلي‪ ،‬وتفطر في شهر رمضان‪ ،‬فهذا نقصان دينها» (سبل السلم‪.)105/1:‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن عائشة‪.‬‬
‫(‪ )3‬روي من حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي‪ ،‬ومن حديث جابر عند الدارقطني‪،‬‬
‫وهو ضعيف (نصب الراية‪.)195/1:‬‬

‫( ‪)1/550‬‬
‫واستثنى الحنفية حالة مس القرآن بغلف متجاف عن القرآن‪ ،‬ويكره مسه بالكم تحريما لتبعيته للبس‪،‬‬
‫ويرخص لهل كتب الشريعة من حديث وفقه وتفسير أخذ الورقة بالكم وباليد للضرورة‪ ،‬ويكره مسها؛‬
‫لنها ل تخلو عن آيات القرآن‪ ،‬والمستحب أل تقلب ورقة القرآن إل بوضوء‪ .‬وأجازوا تقليب أوراق‬
‫المصحف بنحو قلم للقراءة‪ ،‬كما أجازوا للصبي حمل القرآن ورفعه لضرورة التعلم‪ ،‬ول يكره النظر‬

‫للقرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لن الجنابة ل تحل العين‪ .‬وتكره كتابة القرآن وأسماء ال تعالى على‬
‫الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش‪ ،‬وتكره القراءة في المخرج والمغتسل والحمام‪ .‬ول تكره‬
‫كتابة آية الكرسي على صحيفة منفصلة عن الكاتب‪ ،‬إل أن يمسها بيده‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬دخول المسجد‪ ،‬واللبث والعتكاف فيه‪ ،‬ولو بوضوء‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل أحل‬
‫المسجد لحائض ول جنب» (‪. )1‬‬
‫وأجاز الشافعية والحنابلة للحائض والنفساء العبور في المسجد إن أمنت تلويثه‪ ،‬لنه يحرم تلويث‬
‫المسجد بالنجاسة وغيرها من القذار بسبب المكث فيه‪ ،‬ولما روت عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬قال‬
‫خمْرة من المسجد» فقلت‪« :‬إني حائض» فقال‪« :‬إن‬
‫لي رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ناوليني ال ُ‬
‫خمْرة إلى المسجد‪،‬‬
‫حيضتك ليست في يدك» (‪ )2‬وعن ميمونة رضي ال عنها قالت‪« :‬تقوم إحدانا بال ُ‬
‫سطُها وهي حائض» (‪ )3‬هذا ‪ ..‬وأباح الحنابلة أيضا للحائض المكث في المسجد بوضوء بعد‬
‫فتب ُ‬
‫انقطاع الدم‪ ،‬لنتفاء المحذور وهو خشية تلويث المسجد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم‪ ،‬والخمرة‪ :‬هي السجادة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه النسائي‪.‬‬

‫( ‪)1/551‬‬
‫‪ - ً 7‬الوطء في الفرج (الجماع) ولو بحائل باتفاق العلماء‪ ،‬والستمتاع بما بين السرة والركبة عند‬
‫الجمهور (غير الحنابلة)‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فاعتزلوا النساء في المحيض‪ ،‬ول تقربوهن حتى يطهرن}‬
‫[البقرة‪ ]222/2:‬والمراد بالعتزال‪ :‬ترك الوطء‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم لعبد ال بن سعد حينما‬
‫سأله‪ :‬ما يحل لي من امرأتي‪،‬و هي حائض؟ قال‪« :‬لك ما فوق الزار» (‪ )1‬ولن الستمتاع بما تحت‬
‫الزار يدعو إلى الجماع‪ ،‬فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير‪« :‬من حام حول الحمى يوشك‬
‫أن يقع فيه» والزار‪ :‬الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دونه‪ ،‬وهو ما بين السرة والركبة غالبا‪ ،‬فما‬
‫عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة أوالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك‪.‬‬
‫وأباح الحنابلة الستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ما عدا الوطء في الفرج‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اصنعوا كل شيء إل النكاح» (‪ ، )2‬كما أنهم أباحوا الجماع لمن به‬
‫شَبَق بشرط أل تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج‪ ،‬ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ‪ ،‬ول يجد غير‬

‫الحائض بأن ل يقدر على مهر حرة‪ ،‬ول ثمن أمَة‪...‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود عن حِزام بن حكيم عن عمه‪ :‬عبد ال بن سعد (نيل الوطار‪ )277/1:‬وروي مثله‬
‫عن عكرمة عند أبي داود‪ ،‬وعن عائشة عند البخاري ومسلم ونصه‪« :‬كانت إحدانا إذا كانت حائضا‪،‬‬
‫فأراد رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن يباشرها‪ ،‬أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها‪ ،‬ثم‬
‫يباشرها» والمراد بالمباشرة هنا‪ :‬التقاء البشرتين‪ ،‬ل الجماع‪ ،‬والمراد بالتزار‪ ،‬أن تشد إزارا تستر‬
‫سرتها‪ ،‬وما تحتها إلى الركبة (نيل الوطار‪ 277/1:‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري‪ ،‬وروى البخاري في تاريخه عن مسروق بن أجدع قال‪« :‬سألت‬
‫عائشة رضي ال عنها‪ :‬ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت‪ :‬كل شيء إل الفرج» (نيل‬
‫الوطار‪ 276/1:‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/552‬‬
‫وتستمر حرمة الوطء والستمتاع بما بين السرة والركبة عند المالكية والشافعية حتى تغتسل‪ ،‬أي‬
‫تطهر بالماء ل بالتيمم‪ ،‬إل في حال فقد الماء أوالعجز عن استعماله‪ ،‬فيباح الوطء بالتيمم‪ .‬واستدلوا‬
‫بقوله تعالى‪{ :‬فاعتزلوا النساء في المحيض‪ ،‬ول تقربوهن حتى يطهرن‪ ،‬فإذا تطهرن فأتوهن من حيث‬
‫أمركم ال} [البقرة‪ ]222/2:‬فال تعالى شرط لحل الوطء شرطين‪ :‬انقطاع الدم‪ ،‬والغسل‪ ،‬الول من‬
‫قوله تعالى‪{ :‬حتى يطهرن} [البقرة‪ ]222/2:‬أي ينقطع دمهن‪ ،‬والثاني‪ :‬من قوله عز وجل‪{ :‬فإذا‬
‫تطهرْن} أي اغتسلن بالماء {فأتوهن} [البقرة‪ ]222/2:‬فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل‪ .‬وهذا‬
‫هو رأي الحنابلة أيضا في حرمة الوطء (الجماع)‪.‬‬
‫وكذلك قال الحنفية‪ :‬إذا انقطع دم الحيض لقل من عشرة أيام‪ ،‬لم يحل وطؤها أو الستمتاع بها حتى‬
‫تغتسل أو تتيمم بشرطه‪ ،‬وإن لم تصل به في الصح؛ لن الدم تارة يدر‪ ،‬وتارة ينقطع‪ ،‬فل بد من‬
‫الغتسال ليترجح جانب النقطاع‪.‬‬
‫فإن لم تغتسل ومضى عليها وقت صلة كامل‪ ،‬بأن تجد من الوقت زمنا يسع الغسل ولبس الثياب‬
‫صلّ‪ ،‬حل وطؤها؛ لن الصلة صارت دينا في ذمتها‪ ،‬فطهرت‬
‫وتحريمة الصلة‪ ،‬وخرج الوقت‪ ،‬ولم ُت َ‬
‫حكما‪.‬‬
‫ولو انقطع دم الحائض لدون عادتها‪ ،‬فوق اليام الثلثة‪ ،‬لم يقربها حتى تمضي عادتها‪ ،‬وإن اغتسلت؛‬
‫لن النقاء عندهم حيض كما عرفنا‪ ،‬ولن ال َعوْد في العادة غالب‪ ،‬فكان الحتياط في الجتناب‪.‬‬

‫( ‪)1/553‬‬
‫وإن انقطع دم الحائض لعشرة أيام‪ ،‬وهو أكثر الحيض عندهم‪ ،‬جاز وطؤها قبل الغسل؛ لن الحيض‬
‫ل مزيد له على العشرة؛ إل أنه ل يستحب قبل الغسل‪ ،‬للنهي عنه في قراءة {ول تقربوهن حتى‬
‫طهّرن} [البقرة‪ ]2/222:‬بالتشديد‪ ،‬والتشديد يدل على المبالغة في الطهارة‪ ،‬وذلك إنما يكون بالغتسال‬
‫يّ‬
‫فعلً‪ ،‬ل بانقطاع الدم‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الحنفية أجازوا الوطء في حالة الحيض ومثله النفاس قبل الغسل في حالتين‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬ول تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة‪ ]2/222:‬بتخفيف الطاء‪ ،‬فإنه جعل الطهر غاية للحرمة‪.‬‬
‫ويستحب أل يطأها حتى تغتسل لقراءة التشديد‪ ،‬خروجا من الخلف‪.‬‬
‫والحالتان هما‪ :‬أن يمضي على من اع دمها دون العشرة أيام وقت صلة كامل ويخرج الوقت ولم‬
‫تصل‪ ،‬وأن ينقطع دمها لعشرة أيام أي بعد أكثر الحيض‪.‬‬
‫أما الحالة الغالبة بين النساء‪ :‬وهي انقطاع الدم بعد ستة أو سبعة أيام فل يجوز نقطة أج وطؤها حتى‬
‫تغتسل‪ ،‬ما لم تصر الصلة دينا في ذمتها‪ ،‬وهي الحالة الولى السابقة‪ ،‬فمن انقطع دمها لكثر الحيض‬
‫حلت حينئذ‪ ،‬وإن انقطع دمها لقل الحيض‪ ،‬لم تحل حتى يمضي وقت صلة كامل‪.‬‬
‫كفارة وطء الحائض ونحوها‪ :‬يري المالكية والحنفية والشافعية في المذهب الجديد‪ :‬أنه ل كفارة على‬
‫من وطئ حائضا ونحوها‪ ،‬بل الواجب عليه الستغفار والتوبة؛ لن الصل البراءة‪ ،‬فل ينتقل عنها إل‬
‫بحجة‪ ،‬وحديث الكفارة مضطرب‪ ،‬ولنه وطء محرم للذى‪ ،‬فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر‪.‬‬

‫( ‪)1/554‬‬
‫ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد‪ :‬أنه تجب الكفارة على من وطئ امرأة في أثناء الحيض‬
‫أو النفاس‪ ،‬وتجب على المرأة إن طاوعت الرجل في وطئها في الحيض‪،‬ككفارة الوطء في الحرام‪،‬‬
‫فإن كانت مكرهة فل شيء عليها‪ ،‬لعدم تكليفها‪ .‬والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناس ومكره‬
‫وجاهل الحيض أو اللتحريم ‪ ،‬أو كلهما ‪ ،‬ول تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم ‪ .‬والكفارة دينار‬
‫أو نصف دينار على سبيل التخيير ‪ ،‬أيهما أخرج أجزأه ‪ ،‬لما روي عن ابن عباس ‪ ،‬عن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬في الذي يأتي امرأته ‪ ،‬وهي حائض ‪ :‬يتصدق بدينار أو نصف دينار (‪ )1‬وتسقط‬
‫كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها ‪ ،‬ككفارة الوطء في رمضان‪.‬‬
‫وقال الشافعية ‪ :‬يسن لمن وطئ في إقبال الدم التصدق بدينار ‪ ،‬ولمن وطئ في إدباره التصدق بنصف‬

‫دينار ‪ ،‬لخبر ابن عباس السابق عن الترمذي ‪ « :‬إذا كان دما أحمر ‪ ،‬فدينار ‪ ،‬وإن كان دما أصفر‬
‫فنصف دينار» ‪.‬‬
‫ووطء الحائض ليس بمعصية كبيرة‪ ،‬لعدم انطباق تعريفها عليه‪.‬‬
‫‪ - ً 8‬الطلق‪ :‬يحرم الطلق في الحيض‪ ،‬ويكون الطلق بدعيا واقعا‪ ،‬لما فيه من تطويل العدة على‬
‫المرأة‪ ،‬ولمخالفته قوله تعالى‪{ :‬إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلق‪ ]1/65:‬أي في الوقت الذي‬
‫يشرعن فيه العدة‪ ،‬لن بقية الحيض ل تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والنتظار‪ ،‬ولما‬
‫روي عن ابن عمر‪« :‬أنه طلق امرأته‪ ،‬فذكر عمر ذلك للنبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬مره‬
‫فليراجعها‪ ،‬ثم ليطلقها طاهرا أو حاملً» (‪. )2‬‬
‫أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلق‪ .‬وهكذا يبين أنه إذا انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غيرُ‬
‫الصوم‪ ،‬والطلق‪ ،‬والطهر‪ ،‬والصلة المكتوبة إذا فقدت المرأة الطهورين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر‪ :‬والضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جدا (نيل‬
‫الوطار‪.)278/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري عن ابن عمر (نيل الوطار‪.)221/6:‬‬

‫( ‪)1/555‬‬
‫أما الصوم‪ :‬فلن تحريمه بالحيض‪ ،‬ل بالحدث‪ ،‬بدليل صحته من الجنب‪ ،‬وقد زال الحيض‪.‬‬
‫وأما الطلق‪ :‬فلزوال المعنى المقتضي للتحريم‪ ،‬وهو تطويل العدة‪.‬‬
‫وأما الطهر فإنها مأمورة به‪ .‬وأما الصلة المكتوبه فهي مأمورة بها أيضا‪.‬‬
‫ول تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬والمطلقات يتربصن بأنفسهن‬
‫ثلثة قروء} [البقرة‪ ]228/2:‬وبعض القرء ليس بقرء‪.‬‬
‫الفرق بين الحيض والجنابة‪ :‬عرفنا أن ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر مما يحرم على الجنب‪.‬‬
‫وهناك فروق أخرى هي (‪: )1‬‬
‫فالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة‪ ،‬ول يجوز للحائض والنفساء؛ لن الحيض والنفاس أغلظ من‬
‫الحدث‪ ،‬وهو معنى قوله صلّى ال عليه وسلم في تفسير نقصان الدين عند المرأة‪« :‬تقعد إحداهن شطر‬
‫عمرها‪ ،‬ل تصوم ول تصلي» (‪. )2‬‬
‫ويقضي الجنب الصلة والصوم‪ ،‬والحائض ونحوها ل تقضي الصلة وإنما تقضي الصوم فقط؛ لن‬

‫الحيض يتكرر في كل شهر‪ ،‬فتحرج في قضاء أيام العادة‪ ،‬ول حرج في قضاء الصوم؛ لنه مفروض‬
‫في السنة مرة‪.‬‬
‫ويحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس‪ ،‬ول يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى‪:‬‬
‫{فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة‪ ]222/2:‬ومثل هذا لم يرد في الجنابة‪ ،‬بل وردت الباحة بقوله‬
‫تعالى‪{ :‬فالن باشروهن وابتغوا ما كتب ال لكم} [البقرة‪ ]187/2:‬أي الولد‪ ،‬فقد أباح ال المباشرة‬
‫وطلب الولد بالجماع مطلقا على الحوال‪.‬‬
‫الفرق بين الحيض والنفاس‪ :‬يفترق الحيض عن النفاس في ثلثة أمور هي (‪: )3‬‬
‫‪ - 1‬العتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة؛ لن انقضاء العدة بالقروء والنفاس ليس بقرء‪.‬‬
‫‪ - 2‬النفاس ل يوجب البلوغ‪ ،‬لحصوله قبله بالحمل؛ لن الولد ينعقد من الرجل والمرأة‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{خلق من ماء دافق‪ ،‬يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق‪.]7-6/86:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.44/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه عن ابن عمر مرفوعا بلفظ‪« :‬النساء ناقصات عقل‬
‫ودين‪ ،‬قيل‪ :‬وما نقصان دينهن؟ قال‪ :‬تمكث إحداهن شطر عمرها ل تصلي‪ ،‬قال البيهقي‪ :‬لم أجده في‬
‫شيء من كتب الحديث‪ ،‬وقال ابن منده‪ :‬ل يثبت هذا بوجه عن النبي صلّى ال عليه وسلم (كشاف‬
‫القناع‪.)233/1:‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪.233/1:‬‬

‫( ‪)1/556‬‬
‫‪ - 3‬ل تحتسب مدة النفاس على المولي في مدة اليلء (‪ )1‬في قوله تعالى‪{ :‬للذين يؤلون من نسائهم‬
‫تربّص أربعة أشهر} [البقرة‪ ]226/2:‬لنه ليس بمعتاد‪ ،‬بخلف الحيض‪.‬‬
‫وبدن الحائض وعَرَقها وسؤرها طاهر‪ ،‬ول يكره طبخها وعجنها وغير ذلك‪ ،‬ول وضع يديها في‬
‫شيء من المائعات‪ ،‬وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة الحائض كالمعتاد دون عزلها‪ ،‬لن المراد من‬
‫اعتزالها هو وطؤها‪ ،‬روت عائشة فقالت‪« :‬كنت أشرب وأنا حائض‪ ،‬فأناوله النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب‪ ،‬وأتعرق العَرْق‪ ،‬وأنا حائض‪ ،‬فأناوله النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم فيضع فاه على موضع فيّ» (‪. )2‬‬
‫المبحث الرابع ـ الستحاضة وأحكامها‪:‬‬

‫تعريف الستحاضة‪ :‬هي سيلن الدم في غير أوقاته المعتادة (غير الحيض والنفاس) من مرض‬
‫وفساد‪ ،‬من عِرْق أدنى الرحم‪ ،‬يقال له العاذل‪ ،‬فكل نزيف من النثى قبل مدة الحيض (وهي تسع‬
‫سنين)‪ ،‬أو نقص عن أقل الحيض‪ ،‬أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس‪ ،‬أو زاد عن أيام العادة الشهرية‬
‫وجاوز أكثر مدة الحيض‪ ،‬أو ما تراه الحامل (الحبلى) في رأي الحنفية والحنابلة‪ ،‬هو استحاضة (‪. )3‬‬
‫أحكام المستحاضة‪ :‬هناك أمور ثلثة تحتاج إلى بحث وهي ما يأتي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اليلء‪ :‬هو أن يحلف الزوج بال تعالى أو بصفة من صفاته‪ :‬أل يقرب زوجته أربعة أشهر أو‬
‫أكثر‪ ،‬أو يعلق على قربانها أمرا فيه مشقة على نفسه‪ ،‬كالصيام أو الحج أو الطعام‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري والترمذي‪ ،‬ومعنى «أتعرق العَرْق» أي آكل ما عليه من اللحم‪ .‬وروى‬
‫أحمد والترمذي عن عبد ال بن سعد قال ‪ :‬سألت النبي صلّى ال عليه وسلم عن مواكلة الحائض‪،‬‬
‫قال‪ :‬واكلها» (نيل الوطار‪.)281/1:‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار ورد المحتار‪ 262/1:‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،25‬الشرح الصغير‪207/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،41‬مغني المحتاج‪ ،108/1:‬كشاف القناع‪.226/1،236:‬‬

‫( ‪)1/557‬‬
‫أولً ـ هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض؟‬
‫الستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء‪ ،‬أو كرعاف دائم أو جرح ل‬
‫يرقأ دمه أي ل يسكن عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬فل يمنع شيئا مما يمنعه الحيض والنفاس من صلة‬
‫وصوم ولو نفلً‪ ،‬وطواف‪ ،‬وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بل كراهة‪،‬‬
‫للضرورة (‪ ، )1‬وللحاديث الثابتة في ذلك‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬ما روت عائشة قالت‪« :‬قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إني‬
‫امرأة ُأسْتَحاض‪ ،‬فل أطهرُ‪ ،‬أفأدع الصلة؟ فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إنما ذلك عِرْق (أي‬
‫ينزف)‪ ،‬وليس بالحيضة‪ ،‬فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلة‪ ،‬فإذا ذهب قدرها (قدر عادتها) فاغسلي‬
‫عنك الدم‪ ،‬وصلّي» (‪. )2‬‬
‫جحْش بالصوم والصلة في حالة الستحاضة (‪. )3‬‬
‫حمْنة بنت َ‬
‫‪ - 2‬أمر النبي صلّى ال عليه وسلم َ‬
‫‪ -3‬روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش «أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها»‬
‫وقال‪« :‬كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» وكانت حمنة زوجة طلحة‪ ،‬وأم حبيبة زوجة‬

‫عبد الرحمن بن عوف (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،275/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،25‬فتح القدير‪ ،121/1:‬الشرح الصغير‪،210/1:‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،41‬مغني المحتاج‪ ،111/1:‬المغني‪ ،339/1:‬كشاف القناع‪.235/1،237:‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري والنسائي وأبو داود (نيل الوطار‪.)268/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه (نيل الوطار‪.)271/1:‬‬
‫(‪ )4‬بنات جحش ثلث ‪ :‬زينب أم المؤمنين ‪ ،‬وحمنة ‪ ،‬وأم حبيبة ( سبل السلم ‪.)103/1 :‬‬

‫( ‪)1/558‬‬
‫وهذا المذكور في إباحة وطء المستحاضة هو ما قرره الفقهاء‪ ،‬منهم المام أحمد في رواية عنه‪ ،‬وفي‬
‫رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة‪ :‬ل توطأ المستحاضة إل أن يخاف على نفسه الوقو ع‬
‫في محظور‪ ،‬لما روى الخلل بإسناده عن عائشة‪ :‬أنها قالت‪« :‬المستحاضة ل يغشاها زوجها» ولن‬
‫بها أذى‪ ،‬فيحرم وطؤها كالحائض‪ ،‬قال تعالى في الحائض معللً منع وطئها بالذى {قل‪ :‬هو أذى‪،‬‬
‫فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة‪.]222/2:‬‬
‫لكن إذا انقطع دم المستحاضة أبيح وطؤها عند الحنابلة من غير غسل‪ ،‬لن الغسل ليس بواجب عليها‬
‫كسلس البول‪.‬‬
‫ثانيا ـ طهارة المستحاضة الوضوء والغسل‪:‬‬
‫قال المالكية (‪ : )1‬يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلة‪ ،‬كما يستحب لها بعد انقطاع الدم الغسل‬
‫من دم الستحاضة‪.‬‬
‫وقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (‪ : )2‬يجب على المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلة‪،‬‬
‫بعد أن تغسل فرجها‪ ،‬وتعصِبه‪ ،‬وتحشوه بقطن وما أشبهه إل إذا أحرقها الدم أو كانت صائمة‪،‬‬
‫سفَ‪،‬‬
‫والحشو ليرد الدم‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم‪« :‬أ ْنعَت لك الكُرْ ُ‬
‫فإنه يُذهب الدمَ» (‪)3‬‬
‫فإذا استوثقت (بأن تشد خرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدهما من أمامها والخر من خلفها‪ ،‬وتربطهما‬
‫بخرقة تشدها على وسطها كالتكة) ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد‪ ،‬لم تبطل صلتها‪ ،‬لما روت‬
‫عائشة رضي ال عنها‪ :‬أن فاطمة‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،26،41‬بداية المجتهد‪ 57/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬اللباب‪ ،51/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،25‬مغني المحتاج‪ 111/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ 45/1:‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬المغني‪.342-340/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وأحمد وصححاه (نيل الوطار‪.)271/1:‬‬

‫( ‪)1/559‬‬
‫بنت أبي حبيش استحيضت‪ ،‬فقال لها النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اجتنبي الصلة أيام محيضك‪ ،‬ثم‬
‫اغتسلي‪ ،‬وتوضئي لكل صلة‪ ،‬ثم صَلّي‪ ،‬وإن قطر الدم على الحصير» (‪. )1‬‬
‫والدليل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل فريضة‪ :‬وهو أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال في‬
‫المستحاضة‪ :‬تدع الصلة أيام أقرائها (حيضاتها)‪ ،‬ثم تغتسل‪ ،‬وتتوضأ عند كل صلة‪ ،‬وتصوم‬
‫وتصلي» (‪ )2‬ولنهاطهارة عذر وضرورة‪ ،‬فتقيدت بالوقت كالتيمم‪.‬‬
‫ول يجب على المستحاضة إل غسل واحد باتفاق المذاهب الربعة بدليل الحديث السابق وغيره‬
‫كحديث حمنة‪ ،‬ويسن لها عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬ويندب عند الحنفية كالمالكية أن تغتسل لكل صلة‪،‬‬
‫بدليل الحديث المتقدم في الغسال المسنونة‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل‪،‬‬
‫فكانت تغتسل عند كل صلة» (‪. )3‬‬
‫وتصلي المستحاضة ونحوها عند الحنفية بوضوئها ما شاءت من الفرائض والنوافل‪ .‬ويبطل وضوءها‬
‫بخروج الوقت كما بينا في بحث وضوء المعذور‪.‬‬
‫ولها عند الحنابلة أيضا الجمع بين الصلتين بوضوء واحد؛ «لن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر‬
‫حمنة بنت جحش بالجمع بين الصلتين بغسل واحد» وأمر به سهلة بنت سهيل‪ .‬وخروج الوقت مبطل‬
‫لهذه الطهارة‪ ،‬أي أن مذهبي الحنفية والحنابلة متفقان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وابن حبان‪ ،‬ورواه مسلم في‬
‫الصحيح بدون قوله‪« :‬وتوضئي لكل صلة» (نصب الراية‪ 199/1:‬وما بعدها‪ ،‬نيل الوطار‪.)275/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال‪ :‬حسن (نيل الوطار‪ ،274/1:‬نصب الراية‪ 202/1:‬وما‬
‫بعدها) وأما حديث «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلة» الذي رواه سبط ابن الجوزي عن أبي‬
‫حنيفة‪ ،‬كما سبق تخريجه‪ ،‬فقال عنه الزيلعي‪ :‬غريب جدا (نصب الراية‪.)204/1:‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/560‬‬
‫أما الشافعية فقالوا‪ :‬يجب الوضوء لكل فرض ولو منذورا‪ ،‬كالتيمم لبقاء الحدث‪ ،‬وتصلي به الجنازة‬
‫وما شاءت من النوافل‪ ،‬وكذا يجب لكل فرض تجديد ال ِعصَابة في الصح‪ ،‬قياسا على تجديد الوضوء‪.‬‬
‫ويجب أن تبادر إلى الصلة عقب الوضوء‪ ،‬إل لمصلحة كستر عورة وأذان وإقامة‪ ،‬وانتظار جماعة‬
‫واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد وتحصيل سترة‪ .‬وقد سبق بيان ذلك وغيره في بحث وضوء‬
‫المعذور‪.‬‬
‫ثالثا ـ تقدير مدة حيض المستحاضة‪:‬‬
‫نظرا لستمرار نزول الدم على المستحاضة بسبب حالة مرضية‪ ،‬فإنها تحتاج لبيان مدة الحيض‬
‫الشهرية‪ ،‬لتطبق عليها أحكام الحيض‪ ،‬ويكون الباقي استحاضة‪ ،‬وقد ورد في السنة النبوية مبادئ‬
‫أساسية في هذا الموضوع‪ ،‬منها ما يأتي‪:‬‬
‫أولً ـ العمل بالتمييز بصفة الدم‪ ،‬فإذا كان متصفا بصفة السواد فهو حيض‪ ،‬وإل فهو استحاضة‪،‬أي‬
‫أن المرأة إذا ميزت دم الحيض عن دم الستحاضة‪ ،‬عملت بتمييزها‪ ،‬وذلك في حديث عروة عن‬
‫فاطمة بنت أبي حُبَيش‪ ،‬أنها كانت تستحاض‪ ،‬فقال لها النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا كان دم‬
‫الحيضة‪ ،‬فإنه أسود يعرف‪ ،‬فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلة‪ ،‬فإذا كان الخر فتوضئي وصلّي‪،‬‬
‫فإنما هو عِرْق» (‪ )1‬ينزف‪.‬‬
‫ثانيا ـ بناء المعتادة على عادتها السابقة‪ ،‬في حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش‪ ،‬وفي رواية‬
‫البخاري‪« :‬ولكن دعي الصلة قدر اليام التي كنت تحيضين فيها‪ ،‬ثم اغتسلي‪ ،‬وصلّي» (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والنسائي‪ ،‬وابن حبان والحاكم وصححاه‪ ،‬والدارقطني والبيهقي (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)270/1‬‬
‫(‪ )2‬انظر نيل الوطار‪ ،268/1:‬سبل السلم‪.100/1:‬‬

‫( ‪)1/561‬‬
‫ثالثا ـ رجوع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء‪ :‬وهي ست أو سبع لفقد العادة والتمييز‪ ،‬في‬
‫حديث حمنة بنت جحش‪...« :‬إنما هذه َركْضة من َركَضات الشيطان (‪ )1‬فتحيّضي (‪ )2‬ستة أيام أو‬
‫سبعة في علم ال‪ ،‬ثم اغتسلي‪ ،‬حتى إذا رأيت أنك قد طهُرت‪ ،‬واستَ ْنقَيت‪ ،‬فصلّي أربعا وعشرين ليلة‪،‬‬

‫أو ثلثا وعشرين وأيامها‪ ،‬فصومي‪ ،‬فإن ذلك ُمجْزيك‪ ،‬وكذلك فافعلي في كل شهر‪ ،‬كما تحيض‬
‫ضهِن وطهرهن‪. )3( »..‬‬
‫طهُرن لميقات حي ِ‬
‫النساء‪ ،‬وكما يَ ْ‬
‫وقد اختلفت المذاهب في تقدير مدة حيض المستحاضة على النحو التالي‪:‬‬
‫مذهب الحنفية (‪: )4‬‬
‫المستحاضة إما مبتدأة‪ :‬وهي التي ابتدأها الدم مع البلوغ أو في أول نفاس ثم استمر‪ ،‬أو معتادة‪ :‬وهي‬
‫التي سبق لها دم وطهر صحيحان‪ ،‬أو متحيرة وهي المعتادة التي نسيت عادتها‪.‬‬
‫أما المبتدأة‪ :‬فيقدر حيضها بعشرة أيام لنه ل مزيد للحيض على العشرة‪ ،‬وطهرها بعشرين يوما من‬
‫كل شهر (عشرة حيض وعشرون استحاضة) عمل ً بالحديث السابق‪ « :‬المستحاضة تدع الصلة أيام‬
‫أقرائها » أي أيام حيضها‪ ،‬كما يقدر نفاسها بأربعين يوما وطهرها منه بعشرين يوما‪ ،‬ثم يقدر حيضها‬
‫بعد ذلك بعشرة أيام‪ ،‬وهكذا حتى تطهر أو تموت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي أن الشيطان وجد بذلك سبيلً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلتها‪ ،‬حتى أنساها‬
‫بذلك عادتها‪ ،‬فصار في التقدير كأنه ركض بآلة‪ ،‬كأنه أراد الضرار بالمرأة والذى‪.‬‬
‫(‪ )2‬أي اجعلي نفسك حائضا‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود والترمذي وصححاه (نيل الوطار‪ ،271/1:‬سبل السلم‪.)102/1:‬‬
‫(‪ )4‬تبيين الحقائق‪ ،62/1 :‬الدر المختار‪ ،277/1:‬فتح القدير‪ ،124-122/1:‬اللباب‪ ،50/1:‬البدائع‪:‬‬
‫‪ 41/1‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/562‬‬
‫وأما المعتادة‪ :‬التي لم تنس عادتها الممتدة الدم‪ :‬فترد إلى عادتها المعروفة في الحيض والطهر‪ ،‬وما‬
‫زاد على ذلك فهو استحاضة‪ ،‬فتقضي ما تركت من الصلة بعد العادة‪ ،‬إل إذا كانت عادتها في الطهر‬
‫ستة أشهر فأكثر‪ ،‬فترد إلى ستة أشهر إل ساعة بالنسبة لنقضاء العدة‪ ،‬وأما بالنسبة لغير العدة فترد‬
‫إلى عادتها السابقة كما كانت ترى‪ .‬والمفتى به أن العادة تثبت بمرة‪.‬‬
‫وأما المحيّرة أو المتحيرة وهي التي نسيت عادتها‪ ،‬فل يحكم لها بشيء من الطهر أو الحيض على‬
‫التعيين‪ ،‬بل تأخذ بالحوط في حق الحكام الشرعية (‪ ، )1‬وأما بالنسبة لنقضاء العدة فيقدر في‬
‫الصح بستة أشهر إل ساعة‪ ،‬لن الطهر بين الدمين أقل من أدنى مدة الحمل (‪ )2‬عادة‪ ،‬فنقصناه من‬
‫ذلك ساعة‪،‬فإن طُلّقت تنقضي عدتها بتسعة عشر شهرا إل ثلث ساعات‪ ،‬لجواز أن يكون طلقها في‬

‫أول الطهر‪ ،‬فتحتاج إلى ثلث حيضات مجموعها شهر (لن كل حيضة عشرة أيام)‪ ،‬وإلى ثلثة‬
‫أطهار مجموعها ثمانية عشر شهرا إل ثلث ساعات‪.‬‬
‫مذهب المالكية (‪: )3‬‬
‫المستحاضة وهي التي استمر بها الدم بعد تمام حيضها‪ :‬إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو ثخن‬
‫أو تألم ونحو ذلك ل بكثرة الدم وقلّته‪ ،‬فهو حيض (‪ ، )4‬بشرط أن يتقدمه أقل الطهر‪ ،‬وهو خمسة‬
‫عشر يوما‪ ،‬علما بأن دم الحيض أسود‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو أن تجتنب دائما وأبدا ما تجتنبه الحائض من قراءة القرآن ومسه ودخول المسجد ونحو ذلك‪،‬‬
‫ول يأتيها زوجها‪ ،‬وتغتسل لكل صلة‪ ،‬فتصلي به الفرض والوتر‪ ،‬وتقرأ فيهما قدر ما تجوز به‬
‫الصلة ولتزيد‪.‬‬
‫(‪ )2‬أقل مدة الحمل ستة أشهر‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ ،213/1:‬الشرح الكبير‪ ،171/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.41‬‬
‫(‪ )4‬اتفاقا في العبادة‪ ،‬وعلى المشهور في العدة‪.‬‬

‫( ‪)1/563‬‬
‫غليظ‪ ،‬ودم الستحاضة أحمر رقيق‪ ،‬والصفرة أو الكدرة حيض‪ ،‬كما أبنت في ألوان الدم‪.‬‬
‫ول تزيد المميزة ثلثة أيام على عادتها استظهارا‪ ،‬على الصح‪ ،‬بل تقتصر على عادتها‪ ،‬ما لم يستمر‬
‫ما ميزته بصفة الحيض المميز‪ ،‬فإن استمر بصفته استظهرت على المعتمد‪ ،‬والعادة تثبت بمرة‪.‬‬
‫فإن لم تميز‪ ،‬فهي مستحاضة (أي باقية على أنها طاهر)‪ ،‬ولو مكثت طول عمرها‪ ،‬وتعتد عدة المرتابة‬
‫بسنة بيضاء‪ .‬وكذلك تكون مستحاضة لو ميزت قبل تمام أقل الطهر‪ ،‬إذ ل عبرة بذلك التمييز ول‬
‫فائدة له‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن المستحاضة ل تعد بحكم الحائض إل بثلثة شروط‪:‬‬
‫الول ـ أن تكون المرأة مميزة‪.‬‬
‫والثاني ـ أن يتغير الدم عن صفة الستحاضة إلى الحيض‪.‬‬
‫والثالث ـ أن تمضي لها من اليام في الستحاضة مقدار أقل الطهر (‪ 51‬يوما)‪.‬‬
‫مذهب الشافعية (‪: )1‬‬
‫تسمى المرأة التي زاد دمها على خمسة عشر يوما مستحاضة‪ ،‬وصورها سبع‪:‬‬

‫ً‪ - 1‬المُبتَدَأة المميزة‪ :‬المبتدأة‪ :‬أول ما ابتدأها الدم‪ ،‬والمميزة‪ :‬هي التي تميز الدم‪ ،‬فترى قويا‬
‫وضعيفا‪ ،‬كالسود والحمر (‪. )2‬‬
‫وحكمها‪ :‬الضعيف استحاضة‪ ،‬والقوي حيض‪ ،‬بشرط أل ينقص القوي عن أقل الحيض (يوم وليلة)‪،‬‬
‫وأل يعبر أو يجاوز أكثره (وهو خمسة عشر يوما) لن الحيض ل يزيد عن ذلك‪ ،‬وبشرط أل ينقص‬
‫الضعيف إن استمر عن أقل الطهر (وهو خمسة عشر يوما) أي بأن يكون ولء متتابعا خمسة عشر‬
‫يوما فأكثر متصلة‪.‬‬
‫فإن نقص القوي عن أقل الحيض‪ ،‬أو عبر أكثره‪ ،‬أو نقص الضعيف عن أقل الطهر أو لم يكن ولء‬
‫متتابعا‪ ،‬كما لو رأت يوما أسود‪ ،‬ويوما أحمر‪ ،‬فهي فاقدة شرطا من شروط التمييز‪ ،‬يعرف حكمها من‬
‫الصورة الثانية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،118-113/1:‬حاشية الباجوري‪ 114/1:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬سبق بيان ترتيب الدماء بحسب قوتها‪ ،‬فأقواها السواد‪ ،‬ثم الحمرة‪ ،‬ثم الشقرة ثم الصفرة‪ ،‬ثم‬
‫الكُدرة‪.‬‬

‫( ‪)1/564‬‬
‫ً‪ - 2‬المبتدأة غير المميزة‪ :‬وهي أول ما ابتدأها الدم‪ ،‬ولكنها ترى الدم بصفة واحدة‪ .‬ومثلها المميزة‬
‫التي فقدت شرطا من شروط التمييز‪.‬‬
‫وحكمها‪ :‬أن حيضها يوم وليلة‪ ،‬وطهرها تسع وعشرون إن عرفت وقت ابتداء الدم‪ ،‬وإل فهي متحيرة‬
‫سيأتي حكمها‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬المعتادة المميزة‪ :‬المعتادة‪ :‬هي التي سبق لها حيض وطهر‪ ،‬والمميزة‪ :‬هي التي ترى قويا‬
‫وضعيفا‪ ،‬كما تقدم‪ .‬والصح أن العادة تثبت بمرة‪.‬‬
‫وحكمها‪ :‬العمل بالتمييز‪ ،‬ل بعادة مخالفة للتمييز في الصح‪ ،‬إن لم يتخلل بين القوي والضعيف أقل‬
‫الطهر‪ .‬فلو كانت عادتها خمسة من أول الشهر‪ ،‬وبقيته طهر‪ ،‬ثم لما استحيضت ونزل عليها الدم‬
‫واستمر‪ ،‬فرأت عشرة أيام أسود من أول الشهر‪ ،‬وبقيته أحمر‪ ،‬كان حيضها العشرة‪ ،‬ل الخمسة فقط‪،‬‬
‫للحديث المتقدم «دم الحيض أسود يعرف» ولن التمييز أقوى من العادة؛ لن التمييز علمة في الدم‪،‬‬
‫والعادة علمة في صاحبته‪.‬‬
‫فإن كانت العادة متفقة مع التمييز‪ ،‬كما لو كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر‪ ،‬فجاء التمييز كذلك‪،‬‬

‫حكم لها بهما معا‪ .‬وإن تخلل بين نوعي الدم أقل الطهر‪ :‬كأن رأت بعد خمستها العادية عشرين يوما‬
‫ضعيفا‪ ،‬ثم خمسة قويا‪ ،‬ثم ضعيفا‪ ،‬فقدر العادة حيض للعادة‪ ،‬وقدر التمييز حيض آخر للتمييز‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدرا ووقتا‪ :‬وهي التي سبق لها حيض وطهر‪ ،‬ولكنها ترى‬
‫الدم بصفة واحدة‪ ،‬وتذكر مقدار عادتها ووقته‪.‬‬
‫وحكمها‪ :‬أن ترد إلى العادة قدرا ووقتا‪ ،‬فلو حاضت في شهر خمسة أيام من أوله مثلً‪ ،‬ثم‬
‫استحيضت‪ ،‬فحيضها هو الخمسة من أول الشهر‪ ،‬وطهرها بقية الشهر‪ ،‬عملً بعادتها‪ ،‬وإن لم تتكرر؛‬
‫لن العادة تثبت بمرة إن لم تختلف‪ ،‬فإن اختلفت فل تثبت بمرة‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬المعتادة غير المميزة الناسية لعادتها قدرا ووقتا‪ :‬بأن سبق لها حيض وطهر‪ ،‬ولم تعلم عادتها‬
‫قدرا ووقتا‪.‬‬

‫( ‪)1/565‬‬
‫حكمها‪ :‬كحائض في أحكام كحرمة الستمتاع بها وقراءة القرآن في غير الصلة‪ ،‬ومس المصحف‪،‬‬
‫احتياطا؛ لن كل زمن يمر عليها يحتمل الحيض‪ .‬وهي أيضا كطاهر في أحكام كالصلة فرضا أو‬
‫نفلً في الصح والصوم‪ ،‬احتياطا؛ لن كل زمن يمر عليها يحتمل الطهر‪ .‬وتغتسل لكل فرض في‬
‫وقته‪ ،‬لحتمال انقطاع الدم حينئذ إن جهلت وقت النقطاع‪.‬‬
‫فإن علمته كأن عرفت أنه كان ينقطع عند الغروب‪ ،‬فل يلزمها الغسل‪ ،‬إل عند الغروب‪ ،‬وتتوضأ‬
‫لباقي الفرائض لحتمال النقطاع عند الغروب‪ ،‬دون ما عداه‪ ،‬وتصوم رمضان‪ ،‬ثم شهرا كاملً‪،‬‬
‫ويبقى عليها يومان‪ ،‬لحتمال أن يطرأ عليها الحيض في أثناء اليوم الول‪ ،‬واحتمال كونها تحيض‬
‫أكثر الحيض (‪ 51‬يوما) فيفسد صومها في اليوم السادس عشر؛ لنه يطرأ الدم في أثناء يوم‪ ،‬وينقطع‬
‫في أثناء يوم‪ ،‬ويحسب لها أربعة عشر من كل من الشهرين‪ ،‬بثمانية وعشرين يوما‪ ،‬فيبقى لها يومان‪،‬‬
‫تصوم لهما من ثمانية عشر ثلثة أولها‪ ،‬وثلثة آخرها‪ ،‬فيحصلن‪ ،‬علما بأن أقل الطهر ‪ 51‬يوما‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدرا ل وقتا‪ :‬كأن تقول‪ :‬كان حيضي خمسة في العشر‬
‫الول من الشهر‪ ،‬ل أعلم ابتداءها‪ ،‬وأعلم أني في اليوم الول طاهر بيقين‪ ،‬فالسادس حيض بيقين‪،‬‬
‫والول طهر بيقين‪ ،‬كالعَشْرين الخيرين‪ ،‬والثاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر‪ ،‬دون‬
‫النقطاع‪ ،‬والسابع إلى آخر العاشر محتمل للحيض والطهر والنقطاع‪.‬‬
‫فلليقين من حيض وطهر حكمه‪ ،‬وهي في المحتمل كناسية لهما (الحيض والطهر) كما في الصورة‬
‫الخامسة‪.‬‬

‫ومعلوم أنه ل يلزمها الغسل إل عند احتمال النقطاع‪.‬‬
‫ويسمى ما يحتمل النقطاع طهرا مشكوكا فيه‪ ،‬وما ل يحتمله حيضا مشكوكا فيه‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬المعتادة غير المميزة‪ ،‬الذاكرة لعادتها وقتا ل قدرا‪ ،‬كأن تقول‪ :‬كان حيضي يبتدئني أول الشهر‪،‬‬
‫ول أعلم قدره‪.‬‬
‫حكمها‪ :‬يوم وليلة منه حيض بيقين‪ ،‬ونصفه الثاني طهر بيقين‪ ،‬وما بين ذلك محتمل للحيض والطهر‬
‫والنقطاع‪.‬‬

‫( ‪)1/566‬‬
‫فلليقين من حيض وطهر حكمه‪ ،‬وهي في المحتمل كناسية لهما‪ ،‬كما مر في التي قبلها‪ .‬والخلصة‪:‬‬
‫يطلق على الصور الثلث الخيرة اسم المتحيرة‪ :‬وهي التي نسيت عادتها قدرا ووقتا‪ ،‬أو نسيت القدر‬
‫دون الوقت‪ ،‬أو بالعكس‪ .‬والمشهور في حكمها‪ :‬وجوب الحتياط‪ ،‬فيحرم الوطء ومس المصحف‪،‬‬
‫والقراءة في غير الصلة‪ ،‬وتصلي الفرائض كلها‪ ،‬وكذا النفل في الصح‪ .‬وتغتسل لكل فرض‪،‬‬
‫وتصوم رمضان‪ ،‬ثم شهرا كاملً‪ ،‬فيحصل من كل منهما أربعة عشر يوما‪ ،‬ثم تصوم ثمانية عشر‪:‬‬
‫ثلثة أولها‪ ،‬وثلثة آخرها‪ ،‬فيحصل اليومان الباقيان‪.‬‬
‫وما عدا المتحيرة‪ :‬تعمل أولً بالتمييز إن كانت مميزة‪ ،‬سواء أكانت مبتدأة أم معتادة‪ .‬وإن لم تكن‬
‫مميزة وتعلم عادتها قدرا ووقتا‪ ،‬ترد إلى عادتها في ذلك‪ ،‬وإن كانت مبتدأة ل مميّزة‪ ،‬أو فقدت شرط‬
‫تمييز‪ ،‬فالظهر أن حيضها يوم وليلة‪ ،‬وطهرها تسع وعشرون‪.‬‬
‫مذهب الحنابلة (‪: )1‬‬
‫المستحاضة إما مبتدأة أو معتادة ‪ ،‬وكل منهما إما مميزة أول‪ ،‬فإن كانت المبتدأة مميزة عملت‬
‫بتمييزها‪ ،‬وإن كانت غير مميزة قدر حيضها بيوم وليلة‪ ،‬وتغتسل بعد ذلك‪ ،‬وبقية الشهر طاهرة‪ ،‬وذلك‬
‫في الشهور الثلثة الولى‪ ،‬ثم تنتقل في الشهر الرابع إلى غالب الحيض وهو ست أو سبع باجتهادها‪.‬‬
‫وتفصيل كلمهم فيما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬المبتدأة غير المميزة ‪ :‬يقدر حيضها بيوم وليلة؛ لنه المتيقن‪ ،‬وما زاد مشكوك فيه كغير‬
‫المستحاضة‪ ،‬ثم تغتسل وتصلي احتياطا لبراءة ذمتها‪ ،‬ولكن يحرم وطؤها في مدة خمسة عشر يوما‬
‫إن استمر بها الدم هذه المدة‪ .‬فإن انقطع الدم قبل هذه المدة اغتسلت عند انقطاعه غسلً ثانيا‪ ،‬ويباح‬
‫وطؤها حينئذ‪.‬‬
‫تفعل هكذا في ثلثة أشهر‪ ،‬في كل شهر مرة؛ لن العادة ل تثبت بدون التكرار ثلث مرات في ظاهر‬

‫المذهب أو أكثر الروايات عن أحمد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،246-234/1:‬المغني‪ 332،351-310/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/567‬‬
‫وفي الشهر الرابع تنتقل إلى غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة باجتهادها وتحريها‪ ،‬ورأيها‪ ،‬فتعمل‬
‫بما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها‪ ،‬أو عادة نسائها‪ ،‬أو ما يكون أشبه بكونه حيضا‪ .‬وإن جاوز‬
‫دمها أكثر الحيض (‪ 51‬يوما) فهي مستحاضة‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما ذلك عرق‪،‬‬
‫وليس بحيضة» ولن الدم كله ل يصلح أن يكون حيضا‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬المبتدأة المميزة‪ :‬بأن ميزت الدم السود أو الثخين أو المنتن عن الرقيق الحمر غير المنتن‪،‬‬
‫فتعمل بالتمييز‪ ،‬ويكون حيضها زمن السود أو زمن الثخين‪ ،‬أو زمن المنتن إن لم ينقص عن أقل‬
‫الحيض (يوم وليلة) ولم يجاوز أكثره ( خمسة عشر يوما) لحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي‬
‫حبيش بلفظ النسائي‪« :‬إذا كان الحيض‪ ،‬فإنه أسود يعرف‪ ،‬فأمسكي عن الصلة‪ ،‬وإذا كان الخر‬
‫فتوضئي وصلي‪ ،‬فإنما هو دم عرق» ‪ ،‬فإن نقص عن يوم وليلة فهو استحاضة‪ ،‬وإن جاوز الخمسة‬
‫عشر‪ ،‬بأن كان السود عشرا‪ ،‬والحمر ثلثين مثلً‪ ،‬فحيضها زمن الدم السود‪،‬وما عداه استحاضة؛‬
‫لنه ل يصلح حيضا‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬المعتادة غير المميزة‪ :‬ترجع إلى عادتها‪ ،‬لتعمل بها‪ ،‬لما يأتي في الصورة التالية‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬المعتادة المميزة‪ :‬بأن ترى بعض دمها أسود أو ثخينا أو منتنا‪ ،‬فتقدم العادة على التمييز‪ ،‬سواء‬
‫اتفق تمييزها وعادتها‪ ،‬بأن تكون عادتها أربعة مثلً من أول الشهر‪ ،‬وكان دم هذه الربعة الن أسود‪،‬‬
‫ودم باقي الشهر أحمر‪ ،‬أو اختلفا أي العادة والتمييز‪ ،‬بأن تكون عادتها ستة أيام‪ ،‬وترى الن أربعة‬
‫أسود‪ ،‬وباقي الشهر أحمر؛ لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬دعي الصلة قدر اليام التي كنت تحيضين‬
‫فيها‪ ،‬ثم اغتسلي وصلي» ولن العادة أقوى؛ لنها لتبطل دللتها‪ ،‬بخلف اللون إذا زاد على أكثر‬
‫الحيض بطلت دللته‪.‬‬

‫( ‪)1/568‬‬
‫ً‪ - 5‬المعتادة المميزة الناسية لعادتها‪ :‬تعمل كالمبتدأة بالتمييز الصالح؛ لنه يكون حيضا‪ .‬والتمييز‬
‫الصالح‪ :‬هو أل يكون الدم ناقصا عن يوم وليلة‪ ،‬وأل يجاوز خمسة عشر يوما‪ .‬وذلك عملً بحديث‬

‫فاطمة بنت أبي حبيش‪« :‬إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف‪ ،‬فأمسكي عن الصلة‪ ،‬فإذا كان الخر‬
‫فتوضئي‪ ،‬فإنما هو عرق» ‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬المتحيرة‪ :‬وهي التي تحيرت في حيضها بجهل العادة‪ ،‬وعدم التمييز‪ ،‬ولها أحوال ثلثة‪:‬‬
‫أ ـ الناسية لوقت عادتها وعددها‪ :‬يكون حيضها في كل شهر ستة أيام أو سبعة بحسب اجتهادها‬
‫ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها‪ ،‬أو ما يكون أشبه بكونه حيضا‪ ،‬ثم‬
‫تغتسل‪ ،‬وتعتبر فيما بعد ذلك مستحاضة‪ ،‬تصوم وتصلي وتطوف‪ ،‬عملً بحديث حمنة بن جحش‪:‬‬
‫«فتحيّضي ستة أو سبعة أيام في علم ال‪ ،‬ثم اغتسلي‪. »...‬‬
‫ب ـ الناسية عدد عادتها‪ ،‬وتذكر وقتها‪ :‬كالتي تعلم أن حيضها في العشر الول من الشهر‪ ،‬ول تعلم‬
‫عدده‪ ،‬حكمها كالحالة الولى‪ ،‬ترد إلى غالب الحيض‪ :‬ست أو سبع‪ ،‬في أصح الروايتين‪.‬‬
‫جـ ـ الناسية لوقتها دون عددها‪ :‬أي أنها عالمة بالعدد ناسية للموضع‪ ،‬كأن تعلم عدد أيام حيضتها‪،‬‬
‫وتنسى موضعها بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر أو أوسطه أو آخره؟ حكمها‪ :‬أن تجعل أيام‬
‫حيضتها من أول كل شهر هللي؛ لنه صلّى ال عليه وسلم ( جعل حيضة حمنة من أول الشهر‪،‬‬
‫والصلة في بقيته ) ولن دم الحيض هو الصل‪ ،‬والستحاضة عارضة‪ ،‬فيقدم دم الحيض‪.‬‬

‫( ‪)1/569‬‬
‫البَابُ الثّاني‪ :‬الصّلة (‪)1‬‬
‫وفيه عشرة فصول‪:‬‬
‫الفصل الول ـ تعريف الصلة‪ ،‬مشروعيتها وحكمة تشريعها‪ ،‬فرضيتها وفرائضها‪ ،‬حكم تارك‬
‫الصلة‪.‬‬
‫الفصل الثاني ـ أوقات الصلة‪ ،‬وفيه بحث‪ :‬متى تدرك الصلة أداء؟‬
‫الفصل الثالث ـ الذان والقامة‪.‬‬
‫الفصل الرابع ـ شروط الصلة (شروط التكليف بها أو الوجوب‪ ،‬وشروط بحث صلة المريض‪.‬‬
‫الفصل الخامس ـ أركان الصلة (أو فرائضها) وواجباتها عند الحنفية وفيه بحث صلة المريض‪.‬‬
‫الفصل السادس ـ سنن الصلة ومندوباتها وصفتها (كيفيتها) ومكروهاتها‪ ،‬والذكار الواردة عقبها‪،‬‬
‫وفيه بحث أمور مستقلة ثلثة وهي‪ :‬سترة المصلي‪ ،‬والقنوت‪ ،‬والوتر‪.‬‬
‫الفصل السابع ـ مفسدات أو مبطلت الصلة‪.‬‬
‫الفصل الثامن ـ النوافل أو صلة التطوع وترتيب أفضليتها‪.‬‬

‫الفصل التاسع ـ أنواع خاصة من السجود (سجود السهو‪ ،‬وسجدة التلوة‪ ،‬وسجدة الشكر)‪ ،‬وقضاء‬
‫الفوائت‪.‬‬
‫الفصل العاشر ـ أنواع الصلة‪:‬‬
‫وفيه ثمانية مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول ـ صلة الجماعة وأحكامها (المامة والقتداء) وفيه بحث صلة المسبوق‪،‬‬
‫والستخلف والبناء على الصلة‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ صلة الجمعة وخطبتها‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ صلة المسافر (الجمع والقصر)‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ صلة العيدين‪.‬‬
‫المبحث الخامس ـ صلة الكسوف والخسوف‪.‬‬
‫المبحث السادس ـ صلة الستسقاء‪.‬‬
‫المبحث السابع ـ صلة الخوف‪.‬‬
‫المبحث الثامن ـ صلة الجنازة‪ ،‬وأحكام الجنائز والشهداء والقبور‪.‬‬
‫صفة صلة النبي صلّى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫هذه صفة واضحة لصلة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪،‬أثْبتها هنا قبل تفصيل الكلم عن الصلة‪ ،‬كما‬
‫رواها المحدّثون الثقات‪،‬‬
‫أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن محمد بن عمرو بن عطاء قال‪ :‬سمعت أبا حميد الساعديّ في‬
‫عشرة من أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم ـ منهم أبو قتادة ـ قال أبو حميد‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الطهارة وسيلة‪ ،‬والصلة مقصد وغاية‪ ،‬فتبحث بعدها مباشرة‪.‬‬

‫( ‪)1/570‬‬
‫أنا أعلمكم بصلة رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قالوا‪ :‬فِلمَ؟ فوال ما كنتَ بأكثرنا له تَبَعا‪ ،‬ول‬
‫أقدمنا له صحبةً‪ ،‬قال‪ :‬بلى‪ ،‬قالوا‪ :‬فاعرض‪ ،‬قال‪ :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا قام إلى‬
‫ي بهما مَ ْنكِبيه‪ ،‬ثم ُيكَبّر حتى َيقِرّ كل عظم في موضعه معتدلً‪ ،‬ثم يقرأ‪،‬‬
‫الصلة‪ ،‬يرفع يديه حتى يُحا ِذ َ‬
‫ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلً‪ ،‬ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه‪ ،‬ثم يعتدل‬
‫صبُ رأسه ول ُيقْنِعُ (‪ ، )1‬ثم يرفع رأسه فيقول‪ :‬سمع ال لمن حمده‪ ،‬ثم يرفع يديه حتى يحاذي‬
‫ول يَ ْن ِ‬

‫بهما منكبيه معتدلً‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ال أكبر‪ ،‬ثم َيهْوي (‪ )2‬إلى الرض‪ ،‬فيجافي يديه عن جنبيه‪ ،‬ثم يرفع‬
‫أسه‪ ،‬ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها (‪ ، )3‬ويفتح أصابع رجليه إذا سجد‪ ،‬ويسجد‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ال‬
‫أكبر‪ ،‬ويرفع‪ ،‬ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها‪ ،‬حتى يرجع كل عظم إلى موضعه‪ ،‬ثم يصنع في‬
‫الخر مثل ذلك‪.‬‬
‫ثم إذا قام من الركعتين‪ ،‬كبّر ورفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه‪ ،‬كما كبر عند افتتاح الصلة‪ ،‬ثم‬
‫يصنع ذلك في بقية صلته‪.‬‬
‫شقّه اليسر‪،‬قالوا‪ :‬صدقت‪،‬‬
‫حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرّ رجله‪ ،‬وقعد مُتَورّكا (‪ )4‬على ِ‬
‫هكذا كان يصلي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وفي رواية قال‪« :‬كنت في مجلس من أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال‪ :‬اذكروا‬
‫صلته‪ ،‬فقال أبو حميد ـ فذكر بعض هذا الحديث ـ فتذكر‪ :‬فإذا ركع أ ْمكَن كفّيه من ركبتيه‪ ،‬وفرّج‬
‫بين أصابعه‪ ،‬و َهصَر (‪ )5‬ظهره‪ ،‬غير ُمقْنِع رأسه‪ ،‬ول صافِحٍ بخدّه (‪ ، )6‬وقال‪ :‬فإذا قعد في‬
‫الركعتين‪ ،‬قعد على بطن قدمه اليسرى‪ ،‬ونصب اليمنى‪ ،‬فإذا كان في الرابعة أفضى بوَرِكه اليسرى‬
‫إلى الرض‪ ،‬وأخرج قدميه من ناحية واحدة» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يقنع‪ :‬أي ل يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره‪.‬‬
‫(‪ )2‬الهويّ‪ :‬السقوط من علو إلى أسفل‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذه تسمى قعدة الستراحة‪.‬‬
‫(‪ )4‬التورك في الصلة‪ :‬القعود على الورك اليسرى‪ ،‬والوركان فوق الفخذين كالمنكبين فوق‬
‫العضدين‪.‬‬
‫(‪ )5‬هصر ظهره‪ :‬أماله‪.‬‬
‫شقّين‪.‬‬
‫(‪ )6‬أي غير مُبْرز خده ول مائل في أحد ال ّ‬

‫( ‪)1/571‬‬
‫وفي رواية أخرى‪ :‬قال‪« :‬إذا سجد وضع يديه غير ُمفْترش (‪ )1‬ول قابِضهما‪ ،‬واستقبل بأطراف‬
‫أصابعه القبلة» ‪.‬‬
‫وفي رواية قال‪« :‬ثم رفع رأسه ـ يعني من الركوع ـ فقال‪ :‬سمع ال لمن حمده‪ ،‬اللهم ربنا لك‬
‫الحمد‪ ،‬ورفع يديه» ‪.‬‬

‫وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع رضي ال عنه حديثا علّم فيه النبي صلّى ال‬
‫خفّ صلته‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫عليه وسلم رجلً بدويا كيفية الصلة‪ ،‬حينما صلى فأ َ‬
‫«إنه ل تتم صلةُ أحد من الناس حتى يتوضأ‪ ،‬فيضع الوضوء ـ يعني مواضعه ـ ثم يكبر‪ ،‬ويحمد‬
‫ال عز وجل‪ ،‬ويُثْني عليه‪ ،‬ثم يقرأ بما شاء من القرآن‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ال أكبر‪ ،‬ثم يركع حتى تطمئن‬
‫مفاصلُه‪ ،‬ثم يرفع‪ ،‬ثم يقول‪ :‬سمع ال لمن حمده‪ ،‬حتى يستوي قائما‪ ،‬ويقول‪ :‬ال أكبر‪ ،‬ثم يسجد‪ ،‬حتى‬
‫تطمئن مفاصله‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ال أكبر‪ ،‬ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ال أكبر‪ ،‬ثم يسجد‬
‫حتى تطمئن مفاصلُه‪ ،‬ويرفع ثانية ليكبّر‪ ،‬فإذا فعل ذلك تمت صلته» ‪.‬‬
‫صلُ الوّل‪ :‬تعريف الصّلة‪ ،‬ومشروعيّتها وحكمة تشريعها‬
‫ال َف ْ‬
‫فرضيّتها وفرائضها‪ ،‬حكم تارك الصّلة‬
‫سكَن لهم}‬
‫حقيقة الصلة‪ :‬الصلة لغة‪ :‬الدعاء أو الدعاء بخير‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وصل عليهم إن صلتك َ‬
‫[التوبة‪ ]9/301:‬أي ادع لهم‪ .‬وشرعا‪ :‬هي أقوال وأفعال مخصوصة‪ ،‬مفتتحة بالتكبير‪ ،‬مختتمة‬
‫بالتسليم‪.‬‬
‫مشروعيتها‪ :‬الصلة واجبة بالكتاب والسنة والجماع‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الفتراش المنهي عنه‪ :‬هو أن يبسط ذراعيه في السجود ول يرفعهما عن الرض‪.‬‬

‫( ‪)1/572‬‬
‫أما الكتاب‪ :‬فقوله تعالى‪{ :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين حنفاء‪،‬ويقيموا الصلة ويؤتوا‬
‫الزكاة‪ ،‬وذلك دين القيّمة} [البينة‪ ]5/89:‬وقوله سبحانه‪{ :‬فأقيموا الصلة وآتوا الزكاة‪ ،‬واعتصموا بال‬
‫هو مولكم‪ ،‬فنعم المولى ونعم النصير} [الحج‪ ،]22/87:‬مع آي كثيرة مثل‪{ :‬إن الصلة كانت على‬
‫المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء‪.]4/301:‬‬
‫وأما السنة‪ :‬فأحاديث متعددة‪ ،‬منها‪ :‬حديث ابن عمر عن النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬بني‬
‫السلم على خمس‪ ،‬شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال‪ ،‬وإقامِ الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪،‬‬
‫وصوم رمضان‪ ،‬وحج البيت من استطاع إليه سبيلً» (‪ ، )1‬وفي معناه حديث عمر بن الخطاب‬
‫رضي ال عنه‪« :‬السلم‪ :‬أن تشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال‪ ،‬وتقيم الصلة‪ ،‬وتؤتي‬
‫الزكاة‪ ،‬وتصوم رمضان‪ ،‬وتحج البيت إن استطعت إليه سبيل» (‪. )2‬‬
‫وأما الجماع‪ :‬فقد أجمعت المة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة‪.‬‬

‫تاريخها ونوع فرضيتها وفرائضها‪ :‬فرضت الصلة ليلة السراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على‬
‫المشهور بين أهل السير‪ ،‬لحديث أنس‪ ،‬قال‪« :‬فرضت على النبي صلّى ال عليه وسلم الصلوات ليلة‬
‫أسري به خمسين‪ ،‬ثم نقصت حتى جعلت خمسا‪ ،‬ثم نودي‪ :‬يا محمد‪ ،‬إنه ل يبدل القول لدي‪ ،‬وإن لك‬
‫بهذه الخمسة خمسين» (‪ . )3‬وقال بعض الحنفية‪ :‬فرضت ليلة السراء قبل السبت سابع عشر من‬
‫رمضان قبل الهجرة بسنة ونصف‪ .‬وجزم الحافظ ابن حجر بأنه ليلة السابع والعشرين من رجب‪،‬‬
‫وعليه عمل أهل المصار‪.‬‬
‫وهي فرض عين على كل مكلف (بالغ عاقل)‪ ،‬ولكن تؤمر بها الولد لسبع سنين‪ ،‬وتضرب عليها‬
‫لعشر‪ ،‬بيدٍ‪ ،‬ل بخشبة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬مُروا صبيانكم بالصلة لسبع سنين ‪،‬‬
‫واضربوهم عليها لعشر سنين ‪ ،‬وفرّقوا بينهم في المضاجع» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي‪ .‬وفي الصحيحين‪« :‬فرض ال على أمتي ليلة السراء‬
‫خمسين صلة‪ ،‬فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل‬
‫الوطار‪.)298/1:‬‬

‫( ‪)1/573‬‬
‫والصلوات المكتوبات خمس في اليوم والليلة‪ ،‬ول خلف بين المسلمين في وجوبها‪ ،‬ول يجب غيرها‬
‫إل بنذر‪ ،‬للحاديث السابقة‪ ،‬ولحديث العرابي‪ « :‬خمس صلوات في اليوم والليلة» قال العرابي‪:‬‬
‫«هل علي غيرها؟ قال‪« :‬ل‪ ،‬إل تطّوع» (‪ )1‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن‪:‬‬
‫«أخبرهم أن ال تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (‪. )2‬‬
‫وقال أبو حنيفة رحمه ال‪ :‬الوتر واجب‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن ال قد زادكم صلة‪ ،‬وهي‬
‫الوتر» (‪ )3‬وهذا يقتضي وجوبه‪ ،‬وقال عليه السلم‪« :‬الوتر واجب على كل مسلم» (‪. )4‬‬
‫حكمة تشريع الصلة‪ :‬الصلة أعظم فروض السلم بعد الشهادتين‪ ،‬لحديث جابر‪« :‬بين الرجل وبين‬
‫الكفر ترك الصلة» (‪. )5‬‬
‫وقد شرعت شكرا لنعم ال تعالى الكثيرة‪ ،‬ولها فوائد دينية وتربوية على الصعيدين الفردي‬

‫والجتماعي‪.‬‬
‫فمن فوائدها الدينية‪ :‬عقد الصلة بين العبد وربه‪ ،‬بما فيها من لذة المناجاة للخالق‪ ،‬وإظهار العبودية ل‪،‬‬
‫وتفويض المر له‪ ،‬والتماس المن والسكينة والنجاة في رحابه‪ ،‬وهي طريق الفوز والفلح‪ ،‬وتكفير‬
‫السيئات والخطايا‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬قد أفلح المؤمنون‪ ،‬الذين هم في صلتهم خاشعون} [المؤمنون ‪-23/1‬‬
‫‪]2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪ ،‬تتمة الحديث‪« :‬فقال الرجل‪ :‬والذي بعثك بالحق ل أزيد عليها ول أنقص منها‪ ،‬فقال‬
‫الرسول‪ :‬أفلح إن صدق» (نيل الوطار‪.)286/1:‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن ابن عباس‪ :‬وكانت تلك البعثة سنة عشر قبل حج النبي صلّى ال عليه وسلم (سبل‬
‫السلم‪.)120/2:‬‬
‫(‪ )3‬ورواه ثمانية من الصحابة‪ :‬خارجة بن حذافة‪ ،‬وعمرو بن العاص‪ ،‬وعقبة بن عامر‪،‬وابن عباس‪،‬‬
‫وأبو بصرة الغفاري‪ ،‬وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬وأبو سعيد الخدري‪ ،‬وكلها معلولة (نصب‬
‫الراية‪.)109/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم عن أبي أيوب (نصب الراية‪:‬‬
‫‪.)112/1‬‬
‫(‪ )5‬رواه مسلم‪.‬‬

‫( ‪)1/574‬‬
‫{إن النسان خلق هلوعا‪ ،‬إذا مسه الشر جزوعا‪ ،‬وإذا مسه الخير منوعا إل المصلين} [المعارج‪:‬‬
‫‪.]20-70/19‬‬
‫وقال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أرأيتم لو أن َنهَرا بباب أحدكم‪ ،‬يغتسل فيه كل يوم خمس مرات‪ ،‬هل‬
‫يَبْقى من دَرَنه شيء؟ قالوا‪ :‬ل يبقى من درنه شيء‪ .‬قال‪ :‬فكذلك مَثَل الصلوات الخمس‪ ،‬يمحو ال بهن‬
‫الخطايا» (‪. )1‬‬
‫وفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضا أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬الصلوات الخمس‪،‬‬
‫والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن‪ ،‬ما لم ُتغْشَ الكبائر» (‪ . )2‬وعن عبد ال بن عمرو مرفوعا‪:‬‬
‫«إن العبد إذا قام يصلي‪ ،‬أُتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه‪ ،‬فكلما ركع أو سجد‪ ،‬تساقطت‬
‫عنه» (‪ )3‬أي حتى ل يبقى منها شيء إن شاء ال تعالى‪.‬‬

‫ومن فوائدها الشخصية‪ :‬التقرب بها إلى ال تعالى ومعراج النفس إلى ربها‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬وما‬
‫خلقت الجن والنس إل ليعبدون} [الذاريات‪ ]51/56:‬و فيها تقوية النفس والرادة‪ ،‬والعتزاز بال‬
‫تعالى دون غيره‪ ،‬والسمو عن الدنيا ومظاهرها‪ ،‬والترفع عن مغرياتها وأهوائها‪ ،‬وعما يحلو في‬
‫النفس مما لدى الخرين من جاه ومال وسلطان‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬واستعينوا بالصبر والصلة‪ ،‬وإنها‬
‫لكبيرة إل على الخاشعين} [البقرة‪.]2/45:‬‬
‫كما أن في الصلة راحة نفسية كبيرة‪ ،‬وطمأنينة روحية‪ ،‬وبعدا عن الغفلة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة‪ ،‬ورواه ابن ماجه من حديث‬
‫عثمان (الترغيب والترهيب‪.)233/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والترمذي وغيرهما ( المصدر السابق )‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن حبان في صحيحه‪.‬‬

‫( ‪)1/575‬‬
‫التي تصرف النسان عن رسالته السامية الخالدة في هذه الحياة‪ ،‬قال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬حُبّب‬
‫إلي من دنياكم‪ :‬النساء والطيب‪ ،‬وجعلت قُرّة عيني في الصلة» (‪ ، )1‬وكان عليه السلم ـ فيما رواه‬
‫أحمد ـ إذا حَز به أمر (أي نزل به هم أو غم) قال‪« :‬أرحنا بها يا بلل» (‪. )2‬‬
‫وفي الصلة‪ :‬تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في العمال وشؤون الحياة‪ ،‬واحترا م الوقت‬
‫وتقديره لدائها في أوقات منظمة‪ ،‬وبها يتعلم المرء خصال الحلم والناة والسكينة والوقار‪ ،‬ويتعود‬
‫على حصر الذهن في المفيد النافع‪ ،‬لتركيز النتباه في معاني آي القرآن وعظمة ال تعالى ومعاني‬
‫الصلة‪.‬‬
‫كما أن الصلة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والمانة‪ ،‬وتنهى عن الفحشاء‬
‫والمنكر‪ ،‬قال ال سبحانه‪{ :‬وأقم الصلة‪ ،‬إن الصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت‪.]92/54:‬‬
‫ومن فوائدها الجتماعية‪ :‬إقرار العقيدة الجامعة لفراد المجتمع‪ ،‬وتقويتها في نفسهم‪ ،‬وفي تنظيم‬
‫الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة‪ ،‬وفيها تقوية الشعور بالجماعة‪ ،‬وتنمية روابط النتماء للمة‪،‬‬
‫وتحقيق التضامن الجتماعي‪ ،‬ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد الواحد إذا اشتكى منه‬
‫عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى‪.‬‬
‫وفي صلة الجماعة‪ :‬فوائد عميقة وكثيرة‪ ،‬من أهمها إعلن مظهر المساواة‪ ،‬وقوة الصف الواحد‪،‬‬

‫ووحدة الكلمة‪ ،‬والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع المام فيما يرضي ال‬
‫تعالى‪ ،‬والتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان ال تعالى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك ‪ ،‬وهو حديث حسن‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)1/576‬‬
‫كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم‪ ،‬وتعاونهم على البر والتقوى‪ ،‬وتغذية الهتمام بأوضاع وأحوال‬
‫المسلمين العامة‪ ،‬ومساندة الضعيف والسجين والملحَق بتهمة والغائب عن أسرته وأولده‪ .‬ويعد‬
‫المسجد والصلة فيه مقرا لقاعدة شعبية منظمة متعاونة متآزرة‪ ،‬تخرّج القيادة‪ ،‬وتدعم السلطة‬
‫الشرعية‪ ،‬وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة والموعظة الحسنة‪ ،‬والقول الليّن‪ ،‬والنقد‬
‫البناء الهادف؛ لن «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (‪. )1‬‬
‫والصلة تميّز المسلم عن غيره‪ ،‬فتكون طريقا للثقة والئتمان‪ ،‬وبعث روح المحبة والمودة فيما بين‬
‫الناس‪ ،‬جاء في الحديث‪« :‬من استقبل قبلتنا‪ ،‬وصلى صلتنا‪ ،‬وأكل ذبيحتنا‪ ،‬فهو المسلم‪ ،‬له ما للمسلم‪،‬‬
‫وعليه ما على المسلم» (‪. )2‬‬
‫حكم تارك الصلة‪ :‬اتفق المسلمون على أن الصلة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل طاهر‪ ،‬أي غير‬
‫ذي حيض أو نفاس‪ ،‬ول ذي جنون أو إغماء‪ ،‬وهي عبادة بدنية محضة ل تقبل النيابة أصلً‪ ،‬فل‬
‫يصح أن يصلي أحد عن أحد‪ ،‬كما ل يصح أن يصوم أحد عن أحد‪.‬‬
‫وأجمع المسلمون على أن من جحد وجوب الصلة‪ ،‬فهو كافر مرتد‪ ،‬لثبوت فرضيتها بالدلة القطعية‬
‫ل وتهاونا فهو فاسق عاص‪ ،‬إل أن يكون‬
‫من القرآن والسنة والجماع‪ ،‬كما أبنت‪ .‬ومن تركها تكاس ً‬
‫قريب عهد بالسلم‪ ،‬أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلة‪.‬‬
‫سقَر؟‬
‫وترك الصلة موجب للعقوبة الخروية والدنيوية‪ ،‬أما الخروية فلقوله تعالى‪{ :‬ما سلككم في َ‬
‫قالوا‪ :‬لم نك من المصلين} [المدثر‪]43-74/42:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الشعري رضي ال عنه‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه البخاري والترمذي ‪،‬وأبو داود والنسائي عن أنس رضي ال عنه (جامع الصول‪:‬‬
‫‪ 158/1‬وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/577‬‬
‫{فويل للمصلين الذين هم عن صلتهم ساهون} [الماعون‪{ ،]5-107/4:‬فخلَف من بعدهم خَلْف‬
‫أضاعوا الصلة‪ ،‬واتبعوا الشهوات‪ ،‬فسوف يلقون غيّا} [مريم‪ .]19/59:‬وقال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«من ترك الصلة متعمدا‪ ،‬فقد برئت منه ذمة ال ورسوله» (‪. )1‬‬
‫ل وتهاونا ‪ ،‬فلها أنماط عند الفقهاء‪.‬‬
‫وأما عقوبتها الدنيوية لمن تركها كس ً‬
‫فقال الحنفية (‪ : )2‬تارك الصلة تكاسلً فاسق يحبس ويضرب ـ على المذهب ـ ضربا شديدا حتى‬
‫يسيل منه الدم‪ ،‬حتى يصلي ويتوب‪ ،‬أو يموت في السجن ومثله تارك صوم رمضان‪ ،‬ول يقتل حتى‬
‫يجحد وجوبهما‪ ،‬أو يستخف بأحدهما كإظهار الفطار بل عذر تهاونا‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪« :‬ل يحل دم امرئ مسلم إل بإحدى ثلث‪ :‬الثيب الزاني‪ ،‬والنفس بالنفس‪ ،‬والتارك لدينه المفارق‬
‫للجماعة» (‪. )3‬‬
‫وأضاف الحنفية‪ :‬أنه يحكم بإسلم فاعل الصلة بشروط أربعة‪ :‬أن يصلي الوقت ‪ ،‬مع جماعة‪ ،‬أو‬
‫يؤذن في الوقت‪ ،‬أو يسجد للتلوة عند سماع آية سجدة‪ ،‬ول يحكم بإسلم الكافر في ظاهر الرواية إن‬
‫صام أوحج أو أدى الزكاة‪.‬‬
‫وقال الئمة الخرون (‪ : )4‬تارك الصلة بل عذر ولو ترك صلة واحدة‪ .‬يستتاب ثلثة أيام كالمرتد‬
‫(‪ ، )5‬وإل قتل إن لم يتب‪ ،‬ويقتل عند المالكية والشافعية‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد بإسناده عن مكحول‪ ،‬وهو مرسل جيد‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،326/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪. 60‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه عن ابن مسعود رضي ال عنه‪.‬‬
‫(‪ )4‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،42‬بداية المجتهد‪ ،87/1:‬الشرح الصغير‪ ،238/1:‬مغني المحتاج‪327/1:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،51/1:‬كشاف القناع‪ 263/1:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.442/2:‬‬
‫(‪ )5‬الستتابة عند الشافعية والجمهور مندوبة هنا‪ ،‬أما استتابة المرتد فواجبة لن الردة تخلد في النار‪،‬‬
‫ل ل يكفر‪.‬‬
‫فوجب إنقاذه منها‪ ،‬بخلف ترك الصلة كس ً‬

‫( ‪)1/578‬‬

‫حدا‪ ،‬ل كفرا‪ ،‬أي ل يحكم بكفره وإنما يعاقب كعقوبة الحدود الخرى على معاصي الزنى والقذف‬
‫والسرقة ونحوها‪ ،‬وبعد الموت يغسل ويصلى عليه‪ ،‬ويدفن مع المسلمين‪ .‬ودليلهم على عدم تكفير‬
‫تارك الصلة قوله تعالى‪{ :‬إن ال ل يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء‪،]4/48:‬‬
‫وأحاديث متعددة منها‪ :‬حديث عبادة بن الصامت‪« :‬خمس صلوات كتبهن ال على العباد‪ ،‬من أتى بهن‬
‫لم يضيّع منهن شيئا استخفافا بحقهن‪ ،‬كان له عند ال عهد أن يُدخله الجنة‪ ،‬ومن لم يأت بهن فليس له‬
‫عند ال عهد‪ ،‬إن شاء عذبه‪ ،‬وإن شاء غفَر له» (‪. )1‬‬
‫وحديث أبي هريرة‪« :‬إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة‪ :‬الصلة المكتوبة‪ ،‬فإن أتمها‪ ،‬وإل قيل‪:‬‬
‫انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع‪ ،‬أُكملت الفريضة من تطوعه‪ ،‬ثم يُفعل بسائر العمال‬
‫المفروضة مثلُ ذلك» (‪ )2‬فل يكفر بترك الصلة؛ لن الكفر بالعتقاد‪ ،‬واعتقاده صحيح‪ ،‬ويكفر إن‬
‫تركها جاحدا وجوبها‪ .‬وتأولوا الحاديث التية التي استدل بها الحنابلة بأنها محمولة على المستحل أو‬
‫المستحق عقوبة الكافر وهي القتل‪.‬‬
‫وقال المام أحمد رحمه ال (‪ : )3‬يقتل تارك الصلة كفرا أي بسبب كفره‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فإذا انسلخ‬
‫الشهر الحُرُم‪ ،‬فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‪ ،‬وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد‪ ،‬فإن‬
‫تابوا وأقاموا الصلة وآتوا الزكاة‪ ،‬فخلوا سبيلهم‪ ،‬إن ال غفور رحيم} [التوبة‪ ،]9/5:‬فمن ترك الصلة‪،‬‬
‫لم يأت بشرط التخلية‪ ،‬فيبقى على إباحة القتل‪ ،‬فل يخلى من لم يقم الصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (نيل الوطار‪.)294/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة‪ ،‬وهناك أحاديث أخرى في موضوع هذين الحديثين (نيل الوطار‪295/1:‬‬
‫ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.447-442/2:‬‬

‫( ‪)1/579‬‬
‫ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬بين الرجل وبين الكفر‪ :‬ترك الصلة» (‪ )1‬فهويدل على أن ترك‬
‫الصلة من موجبات الكفر‪.‬‬
‫ومثله حديث بُرَيْدة‪« :‬العهد الذي بيننا وبينكم الصلة‪ ،‬فمن تركها فقد كفر» (‪ )2‬وهو يدل على أن‬
‫تارك الصلة يكفر‪.‬‬
‫ورجح الشوكاني هذا الرأي‪ ،‬فقال‪ :‬والحق أنه كافر يقتل‪ .‬ول يمنع بعض أنواع الكفر من المغفرة‬

‫واستحقاق الشفاعة‪.‬‬
‫وإني أميل إلى الرأي الول وهو الحكم بعدم كفر تارك الصلة‪ ،‬للدلة الكثيرة القاطعة بعدم خلود‬
‫المسلم في النار بعد النطق بالشهادتين‪ ،‬قال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من قال‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬وكفر بما‬
‫يُعبد من دون ال‪ ،‬حرُم ماله ودمه‪ ،‬وحسابه على ال» (‪ )3‬وقال عليه السلم أيضا‪« :‬يخرج من النار‪:‬‬
‫من قال‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬وفي قلبه وزن شعيرة من خير‪ ،‬ويخرج من النار‪ :‬من قال‪ :‬ل إله إل ال‪،‬‬
‫وفي قلبه وزن بُرّة من خير‪ ،‬ويخرج من النار‪ :‬من قال‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬وفي قلبه مثقال ذرة من خير»‬
‫( ‪. )4‬‬
‫وطريقة قتل تارك الصلة عند الجمهور (غير الحنفية)‪ :‬هو ضرب عنقه بالسيف‪ ،‬إن لم يتب‪.‬‬
‫دوام فرضية الصلة طوال العمر‪ :‬ل تسقط الصلة بحال حضرا أو سفرا أو مرضا‪ ،‬فيلزم المسلم‬
‫بالصلة ما دام حيا‪ ،‬ولم يصبح في حال غيبوبة أو فقد الوعي‪ ،‬وإنما يسر السلم كيفية أداء الصلة‬
‫كما في صلة الخوف‪ ،‬وصلة المريض بحسب القدرة من قيام أو قعود أو على جنب أواستلقاء أو‬
‫بالرأس أو بالعين أو إجراء الركان على القلب‪ .‬ومن كان ملطخا بالدم إثر عملية جراحية‪ ،‬أو‬
‫مربوطا بكيس يصب فيه الدم مثلً‪ ،‬أو مجبّر الكسور‪ ،‬يصلي على هذه الحال بوضوء أو تيمم بحسب‬
‫القدرة‪ ،‬ثم يعيد الصلة‪ ،‬بعد الشفاء احتياطا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة إل البخاري والنسائي (نيل الوطار‪.)291/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة‪ ،‬وابن حبان والحاكم‪ ،‬وصححه النسائي والعراقي‪ ،‬وهناك أحاديث أخرى في‬
‫موضوعه (انظر نيل الوطار‪ 293/1:‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه مسلم عن طارق الشجعي رضي ال عنه (جامع الصول‪.)161/1:‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه البخاري عن أنس رضي ال عنه‪ .‬والبرة مفرد البُرّ من القمح‪.‬‬

‫( ‪)1/580‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬أوقاتُ الصّلة‬
‫ال َف ْ‬
‫الوقات في السنة‪:‬‬
‫حددت السنة النبوية مواقيت الصلة تحديدا دقيقا لول الوقت (‪ )1‬وآخره‪ ،‬روى جابر بن عبد ال أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلم‪ ،‬فقال له‪ :‬قم‪ ،‬فصلّهْ‪ ،‬فصلى الظهر حين زالت‬
‫الشمس‪ ،‬ثم جاءه العصر‪ ،‬فقال‪ :‬قم فصلّه‪ ،‬فصلى العصر‪ ،‬حين صار ظل كل شيء مثلَه‪ ،‬ثم جاءه‬

‫المغرب‪ ،‬فقال‪ :‬قم فصله‪ ،‬فصلى المغرب حين َوجَبت الشمس (غربت)‪ ،‬ثم جاءه العشاء‪ ،‬فقال‪ :‬قم‬
‫شفَق‪ ،‬ثم جاءه الفجر‪ ،‬فقال‪ :‬قم فصله‪ ،‬فصلى الفجر حين بَرَق‬
‫فصله‪ ،‬فصلى العشاء حين غاب ال ّ‬
‫الفجر‪ ،‬أو قال‪ :‬سطع الفجر‪.‬‬
‫ثم جاءه من الغد للظهر‪ ،‬فقال‪ :‬قم فصلّهْ‪ ،‬فصلى الظهر‪ ،‬حين صار كل شيء مثله‪ ،‬ثم جاءه العصر‪،‬‬
‫فقال‪ :‬قم فصلّهْ‪ ،‬فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه‪ ،‬ثم جاءه المغرب وقتا واحدا‪ ،‬لم يزُل‬
‫عنه‪ ،‬ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل‪ ،‬أو قال‪ :‬ثلث الليل‪ ،‬فصلى العشاء‪ ،‬ثم جاءه حين أسفر‬
‫جدا‪ ،‬فقال‪ :‬قم فصَلّهْ‪ ،‬فصلى الفجر‪ ،‬ثم قال‪ :‬ما بين هذين الوقتين وقت» (‪ )2‬وهو يدل على أن‬
‫للصلوات وقتين‪ ،‬إل المغرب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الوقت‪ :‬هو الزمان المقدر للعبادة شرعا‪ ،‬المختار‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والنسائي‪ ،‬والترمذي بنحوه‪ ،‬وقال البخاري‪ :‬هو أصح شيء في المواقيت (نيل‬
‫الوطار‪.)300/1:‬‬

‫( ‪)1/581‬‬
‫وهناك حديث آخر في تحديد وقت المغرب عن عقبة بن عامر‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ :‬ل‬
‫تزال أمتي بخير‪ ،‬أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب‪ ،‬حتى تشتبك النجوم» (‪ )1‬وهو يدل على‬
‫استحباب المبادرة بصلة المغرب‪ ،‬وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم‪.‬‬
‫وقد أوضح الفقهاء بناء على ذلك وقت كل صلة على النحو التي (‪ ، )2‬وأجمع المسلمون على أن‬
‫الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة‪ ،‬ثبتت في أحاديث صحاح جياد‪ ،‬وتجب الصلة‬
‫بأول الوقت وجوبا موسعا إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها فيضيق الوقت حينئذ‪ .‬وفي المناطق‬
‫القطبية ونحوها يقدرون الوقات بحسب أقرب البلد إليهم‪ ،‬أو بميقات مكة المكرمة‪.‬‬
‫‪ - ً 1‬وقت الفجر‪:‬‬
‫يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس‪ .‬والفجر الصادق‪ :‬هو البياض المنتشر ضوءه‬
‫معترضا في الفق‪ .‬ويقابله الفجر الكاذب‪ :‬وهو الذي يطلع مستطيلً متجها إلى العلى في وسط‬
‫السماء‪ ،‬كذنب السِرْحان (‪ ، )3‬أي الذئب‪ ،‬ثم تعقبُه ظُلْمة‪ .‬والول‪ :‬هو الذي تتعلق به الحكام الشرعية‬
‫كلها من بدء الصوم ووقت الصبح وانتهاء وقت العشاء‪ ،‬والثاني‪ :‬ل يتعلق به شيء من الحكام‪،‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك (نيل الوطار‪.)3/2:‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،160-151/1:‬الدر المختار‪ ،343-331/1:‬اللباب‪ ،62-59/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ 43‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ ،238-219/1:‬الشرح الكبير‪ ،181-176/1:‬مغني المحتاج‪-121/1:‬‬
‫‪ ،127‬المهذب‪ ،54-51/1:‬بجيرمي الخطيب‪ ،354/1:‬المغني‪ ،395-370/1:‬كشاف القناع‪-289/1:‬‬
‫‪.298‬‬
‫(‪ )3‬السرحان مشترك بين الذئب والسد‪ ،‬والمراد أنه يشبه ذنب السرحان السود‪ ،‬لن الفجر الكاذب‬
‫بياض مختلط بسواد‪ ،‬والسرحان السود‪ :‬لونه مظلم‪ ،‬وباطن ذنبه أبيض‪.‬‬

‫( ‪)1/582‬‬
‫بدليل قوله عليه السلم‪« :‬الفجر فجران‪ :‬فجر يحرّم الطعام وتحل فيه الصلة‪ ،‬وفجر تحرم فيه الصلة‬
‫ـ أي صلة الصبح ـ ويحل فيه الطعام» (‪. )1‬‬
‫وفي حديث عبد ال بن عمرو عند مسلم‪« :‬ووقت صلة الصبح من طلوع الفجر‪ ،‬ما لم تطلع الشمس»‬
‫وما بعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر يعتبر وقتا مهملً ل فريضة فيه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬وقت الظهر‪:‬‬
‫من زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله‪ ،‬سوى ظل أو فيء الزوال‪ .‬وهذا رأي الصاحبين‬
‫المفتى به عند الحنفية والئمة الثلثة‪ .‬وظاهر الرواية وهو رأي أبي حنيفة‪ :‬أن آخر وقت الظهر‪ :‬أن‬
‫يصير ظل كل شيء مِثْليْه‪ ،‬إل أن هذا الوقت هو وقت العصر بالتفاق‪ ،‬فتقدم الصلة عن هذا الوقت؛‬
‫لن الخذ بالحتياط في باب العبادات أولى‪.‬‬
‫وزوال الشمس‪ :‬هو ميلها عن وسط السماء‪ ،‬ويسمى بلوغ الشمس إلى وسط (أو كبد) السماء‪ :‬حالة‬
‫الستواء‪ ،‬وإذا تحولت الشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب حدث الزوال‪.‬‬
‫ويعرف الزوال‪ :‬بالنظر إلى قامة الشخص‪ ،‬أو إلى شاخص أو عمود منتصب في أرض مستوية‬
‫(مسطحة)‪ ،‬فإذا كان الظل ينقص فهو قبل الزوال‪ ،‬وإن وقف ليزيد ول ينقص‪ ،‬فهو وقت الستواء‪،‬‬
‫وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت‪.‬‬
‫فإذا زاد ظل الشيء على ظله حالة الستواء‪ ،‬أو مالت الشمس إلى جهة المغرب‪ ،‬بدأ وقت الظهر‪،‬‬
‫وينتهي وقته عند الجمهور بصيرورة ظل الشيء مثله في القدر والطول‪ ،‬مع إضافة مقدار ظل أو‬
‫فيء الستواء‪ ،‬أي الظل الموجود عند الزوال‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه (سبل السلم‪.)115/1:‬‬

‫( ‪)1/583‬‬
‫ودليل الجمهور‪ :‬أن جبريل عليه السلم صلى بالنبي صلّى ال عليه وسلم في اليوم التالي حين صار‬
‫ظل كل شيء مثله‪ ،‬ول شك أن هذا هو القوى‪ .‬ودليل أبي حنيفة قوله عليه السلم‪« :‬أبردوا بالظهر‪،‬‬
‫فإن شدة الحر من فيح جهنم» (‪ . )1‬وأشد الحر في ديارهم كان في هذا الوقت يعني إذا صار ظل كل‬
‫شيء مثله‪ .‬ودليل الكل على بدء وقت الظهر قوله تعالى‪{ :‬أقم الصلة لدلوك الشمس} [السراء‪:‬‬
‫‪ ]17/78‬أ ي زوالها‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬وقت العصر‪:‬‬
‫يبدأ من خروج وقت الظهر‪ ،‬على الخلف بين القولين المتقدمين‪ ،‬وينتهي بغروب الشمس‪ ،‬أي أنه يبدأ‬
‫من حين الزيادة على مثل ظل الشيء‪ ،‬أدنى زيادة عند الجمهور‪ ،‬أو من حين الزيادة على مثلي الظل‬
‫عند أبي حنيفة‪ ،‬وينتهي الوقت بالتفاق قبيل غروب الشمس‪ ،‬لحديث‪« :‬من أدرك من الصبح ركعة‬
‫قبل أن تطلع الشمس‪ ،‬فقد أدرك الصبح‪ ،‬ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس‪ ،‬فقد‬
‫أدرك العصر» (‪. )2‬‬
‫ويرى أكثر الفقهاء‪ :‬أن صلة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله صلّى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫«تلك صلة المنافق‪ ،‬يجلس يرقُب الشمس‪ ،‬حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان‪ ،‬قام فنَقَرها أربعا‪ ،‬ل‬
‫يذكر ال إل قليلً» (‪ )3‬وقوله عليه السلم‪« :‬وقت العصر مالم تصفر الشمس» (‪. )4‬‬
‫وصلة العصر‪ :‬هي الصلة الوسطى عند أكثر العلماء‪ ،‬بدليل ما روت عائشة عن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم أنه قرأ‪{ :‬حافظوا على الصلوات‪ ،‬والصلة الوسطى} [البقرة‪ ،]2/238:‬والصلة الوسطى‪:‬‬
‫صلة العصر (‪ )5‬وعن ابن مسعود وسمرة قال‪ :‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الصلة الوسطى‪:‬‬
‫صلة العصر» (‪ )6‬وسميت وسطى لنها بين صلتين من صلة الليل‪ ،‬وصلتين من صلة النهار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ «إذا اشتد الحر‪ ،‬فأبردوا عن الصلة‪ ،‬فإن شدة الحر‬
‫من فيح جهنم» (نصب الراية‪.)228/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الئمة الستة في كتبهم‪ ،‬وهذا اللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل البخاري وابن ماجه‪ .‬عن أنس رضي ال عنه (نيل الوطار‪ )307/1:‬وقوله بين‬

‫قرني الشيطان إما حقيقة أو مجاز عن سلطانه وغلبة أعوانه‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم عن عبد ال بن عمرو رضي ال عنه‪ ،‬وفي معناه حديث آخر عن أبي هريرة‪ ،‬ويؤيده‬
‫فعل النبي صلّى ال عليه وسلم في حديث بريدة «أن النبي صلّى ال عليه وسلم صلى العصر في‬
‫اليوم الثاني‪ ،‬والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة» ‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح‪.‬‬
‫(‪ )6‬قال الترمذي‪ :‬حسن صحيح‪ .‬هذا وقد أورد الشوكاني ستة عشر قولً في بيان الصلة الوسطى‬
‫(نيل الوطار‪.)311/1:‬‬

‫( ‪)1/584‬‬
‫والمشهور عند مالك‪ :‬أن صلة الصبح هي الوسطى‪ ،‬لما روى النسائي عن ابن عباس قال‪« :‬أدلج‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ثم عرّس‪ ،‬فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها‪ ،‬فلم يصل‬
‫حتى ارتفعت الشمس‪ ،‬فصلى وهي صلة الوسطى‪ ،‬والرأي الول أصح لصحة الحاديث فيه» ‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬وقت المغرب‪:‬‬
‫من غروب الشمس بالجماع‪ ،‬أي غياب قرصها بكامله‪ ،‬ويمتد عند الجمهور (الحنفية والحنابلة‬
‫شفَق‪ ،‬لحديث‪« :‬وقت المغرب ما لم‬
‫والظهر عند الشافعية وهو مذهب الشافعي القديم) إلى مغيب ال ّ‬
‫يغب الشفق» (‪. )1‬‬
‫والشفق عند الصاحبين والحنابلة والشافعية‪ :‬هو الشفق الحمر‪ ،‬لقول ابن عمر‪« :‬الشفق‪ :‬الحمرة» (‪)2‬‬
‫والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين‪ ،‬وقد رجع المام إليه‪ ،‬وهو المذهب‪.‬‬
‫وعند أبي حنيفة‪ :‬هو البياض الذي يستمر في الفق ويبقى عادة بعد الحمرة‪ ،‬ثم يظهر السواد‪ ،‬وبين‬
‫الشفقين تفاوت يقدر بثلث درجات‪ ،‬والدرجة أربع دقائق‪.‬‬
‫ودليله قوله عليه الصلة والسلم‪« :‬وآخر وقت المغرب إذا اسود الفق» (‪ )3‬وهو ما روي عن أبي‬
‫بكر وعائشة ومعاذ وابن عباس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم عن عبد ال بن عمرو (سبل السلم‪.)106/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني وصححه ابن خزيمة‪ ،‬وغيره وقفه على ابن عمر‪ ،‬وتمام الحديث «فإذا غاب‬
‫الشفق وجبت الصلة» وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعا‪« :‬ووقت صلة‬
‫المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق» (سبل السلم‪ )114/1:‬قال النووي‪ :‬والصحيح أنه موقوف على‬

‫ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )3‬نص الحديث هو ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة‪« :‬وإن آخر وقتها ‪ -‬أي المغرب ‪ -‬حين‬
‫يغيب في الفق» وغيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة‪ .‬لكنه حديث لم يصح سندا (نصب‬
‫الراية‪ )230/1:‬وروي عن ابن مسعود أنه قال‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يصلي هذه‬
‫الصلة حين يسود الفق» ‪.‬‬

‫( ‪)1/585‬‬
‫والمشهور عند المالكية ومذهب الشافعي الجديد غير الظهر المعمول به لدى الشافعية‪ :‬أن وقت‬
‫المغرب ينقضي بمقدار وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات‪ ،‬أي أن وقته مضيق غير‬
‫ممتد؛ لن جبريل عليه السلم صلى بالنبي عليه الصلة والسلم في اليومين في وقت واحد‪ ،‬كما ذكر‬
‫في حديث جابر المتقدم‪ ،‬فلو كان للمغرب وقت آخر لبينه‪ ،‬كما بين وقت بقية الصلوات‪ .‬ورد بأن‬
‫جبريل إنما بين الوقت المختار‪ ،‬وهو المسمى بوقت الفضيلة‪ ،‬وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع‬
‫فليس فيه تعرض له‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬وقت العشاء‪:‬‬
‫يبدأ في المذاهب من مغيب الشفق الحمر على المفتى به عند الحنفية إلى طلوع الفجر الصادق‪ ،‬أي‬
‫قبيل طلوعه لقول ابن عمر المتقدم‪« :‬الشفق الحمرة‪ ،‬فإذا غاب الشفق وجبت الصلة » ولحديث أبي‬
‫قتادة عند مسلم‪« :‬ليس في النوم تفريط‪ ،‬إنما التفريط على من لم يصل الصلة حتى يجيء وقت‬
‫الصلة الخرى» ‪ .‬فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلة إلى دخول وقت الصلة الخرى إل الفجر‪،‬‬
‫فإنها مخصوصة من هذا العموم بالجماع‪.‬‬

‫( ‪)1/586‬‬
‫وأما الوقت المختار للعشاء فهو إلى ثلث الليل أو نصفه‪ ،‬لحديث أبي هريرة‪« :‬لول أن أشق على أمتي‬
‫لمرتُهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (‪ ، )1‬وحديث أنس‪« :‬أخر النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم صلة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى» (‪ )2‬وحديث ابن عمرو‪« :‬وقت صلة العشاء إلى‬
‫نصف الليل» (‪. )3‬‬
‫وأما حديث عائشة «أعتم النبي صلّى ال عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل‪ ،‬حتى نام أهل‬
‫المسجد‪ ،‬ثم خرج فصلى‪ ،‬فقال‪ :‬إنه لوقتها لول أن أشق على أمتي» (‪ )4‬فهو وإن كان فيه إشعار‬

‫بامتداد وقت اختيار العشاء إلى ما بعد نصف الليل‪ .‬ولكنه مؤول بأن المراد بعامة الليل‪ :‬كثير منه‪،‬‬
‫وليس المراد أكثره‪.‬‬
‫وأول وقت الوتر‪ :‬بعد صلة العشاء‪ ،‬وآخر وقتها مالم يطلع الفجر‪.‬‬
‫الوقت الفضل أو المستحب ‪:‬‬
‫للفقهاء آراء في بيان أفضل وقت كل صلة أو الوقت المستحب‪ ،‬فقال الحنفية (‪ : )5‬يستحب للرجال‬
‫السفار بالفجر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أسفروا بالفجر‪ ،‬فإنه أعظم للجر» (‪ )6‬والسفار‪:‬‬
‫التأخير للضاءة‪ .‬وحد السفار‪ :‬أن يبدأ بالصلة بعد انتشار البياض بقراءة مسنونة‪ ،‬أي أن يكون‬
‫بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية‪ ،‬ثم يعيدها بطهارة لو فسدت‪ .‬ولن في السفار تكثير‬
‫الجماعة وفي التغليس تقليلها‪ ،‬وما يؤدي إلى التكثير أفضل‪ ،‬وليسهل تحصيل ما ورد عن أنس من‬
‫حديث حسن‪« :‬من صلى الفجر في جماعة‪ ،‬ثم قعد يذكر ال تعالى حتى تطلع الشمس‪ ،‬ثم صلى‬
‫ركعتين‪ ،‬كانت كأجر حجة تامة‪ ،‬وعمرة تامة» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه (نيل الوطار‪.)11/2:‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه (المرجع السابق‪ :‬ص ‪.)12‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الوطار‪.)306/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم والنسائي (المرجع السابق‪ )12/1 :‬وأعتم‪ :‬دخل في العتمة أي آخرها‪.‬‬
‫(‪ )5‬اللباب‪ 61/1:‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير والعناية‪ 156/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه سبعة من الصحابة وهم رافع بن خديج عند أصحاب السنن الربعة‪ ،‬وبلل‪ ،‬وأنس‪ ،‬وقتادة‬
‫بن النعمان‪ ،‬وابن مسعود‪ ،‬وأبو هريرة‪ ،‬وحواء النصارية‪ .‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح (نصب‬
‫الراية‪.)235/1:‬‬

‫( ‪)1/587‬‬
‫وأما النساء‪ :‬فالفضل لهن الغَلَس (الظلمة)؛ لنه أستر‪ ،‬وفي غير الفجر يَنْتَظِرْن فراغ الرجال من‬
‫الجماعة‪ .‬وكذلك التغليس أفضل للرجل والمرأة لحاج بمزدلفة‪.‬‬
‫ويستحب في البلد الحارة وغيرها البراد بالظهر في الصيف‪ ،‬بحيث يمشي في الظل‪ ،‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم السابق‪« :‬أبردوا بالظهر‪ ،‬فإن شدة الحر من فيح جهنم» ويستحب تعجيله في الشتاء والربيع‬
‫والخريف‪ ،‬لحديث أنس عند البخاري‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا اشتد البرد بكّر بالصلة ‪،‬‬

‫وإذا اشتد الحر أبرد بالصلة» (‪. )1‬‬
‫ويستحب تأخير العصر مطلقا‪ ،‬توسعة لداء النوافل‪ ،‬ما لم تتغير الشمس بذهاب ضوئها‪ ،‬فل يتحير‬
‫فيها البصر‪ ،‬سواء في الشتاء أم الصيف‪ ،‬لما فيه من التمكن من تكثير النوافل‪ ،‬لكراهتها بعد العصر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصب الراية‪.244/1:‬‬

‫( ‪)1/588‬‬
‫ويستحب تعجيل المغرب مطلقا‪ ،‬فل يفصل بين الذان والقامة إل بقدر ثلث آيات أو جلسة خفيفة؛‬
‫لن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود‪ ،‬ولقوله عليه السلم‪« :‬ل تزال أمتي بخير أو قال‪ :‬على‬
‫الفطرة‪ ،‬ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (‪. )1‬‬
‫ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل الول‪ ،‬في غير وقت الغيم‪ ،‬فيندب تعجيله فيه‪ ،‬للحاديث‬
‫السابقة‪« :‬لول أن أشق على أمتي لمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» ‪.‬‬
‫ويستحب في الوتر لمن يألف صلة الليل ويثق بالنتباه‪ :‬أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل‪ ،‬ليكون آخر‬
‫صلته فيه‪ ،‬فإن لم يثق من نفسه بالنتباه أوتر قبل النوم‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من خاف أل‬
‫يقوم آخر الليل‪ ،‬فليوتر أوله‪ ،‬ومن طمع أن يقوم آخر الليل‪ ،‬فليوتر آخره‪ ،‬فإن صلة الليل مشهودة‪،‬‬
‫وذلك أفضل» (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )3‬أفضل الوقت مطلقا لظهر أو غيره‪ ،‬لفرد أو جماعة‪ ،‬في شدة الحر أو غيره أوله‪،‬‬
‫فهو رضوان ال‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم لمن سأله ‪ :‬أي العمل أحب إلى ال؟ قال‪ :‬الصلة على‬
‫وقتها» (‪ )4‬أو «الصلة في أول وقتها» وعن ابن عمر مرفوعا‪« :‬الصلة في أول الوقت‪ :‬رضوان‬
‫ال‪ ،‬وفي آخره عفو ال» (‪ )5‬فالفضل تقديم الصبح والعصر والمغرب‪.‬‬
‫لكن الفضل على المشهور تأخير الظهر لربع القامة بعد ظل الزوال صيفا وشتاء‪ ،‬أي التأخير بمقدار‬
‫ذراع بأن يصيرظل الشخص بمقدار ربع قامته زيادة على ظل الزوال‪ ،‬وندب التأخير لربع القامة لمن‬
‫ينتظر أداء الصلة جماعة أو كثرتها‪ ،‬لتحصيل فضل الجماعة‪ ،‬وإذا كان الوقت وقت شدة الحر ندب‬
‫تأخير الظهر للبراد‪،‬أي الدخول في وقت البرد‪.‬‬
‫كما أن الفضل في قول ضعيف في المدونة تأخير العشاء قليلً في المساجد‪ ،‬والراجح كما حقق‬
‫الدسوقي ندب تقديم العشاء للجماعة مطلقا‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن المبادرة في أول الوقت مطلقا هو الفضل‪ ،‬إل في حال انتظار الفرد جماعة للظهر‬

‫وغيره‪ ،‬وفي حال البراد بالظهر أي لجل الدخول في وقت البرد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود في سننه (نصب الراية‪.)246/1:‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه مسلم عن جابر بن عبد ال رضي ال عنه (نصب الراية‪.)249/1:‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ 227/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير والدسوقي‪ 179/1:‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪.43‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن مسعود‪ ،‬وقال الحاكم‪ :‬إنه على شرط الشيخين‪ ،‬ولفظ‬
‫الصحيحين‪« :‬الصلة لوقتها» ‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه الترمذي‪ :‬وقال الشافعي رضي ال تعالى عنه‪ :‬رضوان ل إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه‬
‫أن يكون للمقصرين‪.‬‬

‫( ‪)1/589‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬يسن تعجيل الصلة ولو عشاء لول الوقت‪ ،‬إل الظهر‪ ،‬فيسن البراد بالظهر في‬
‫شدة الحر‪ ،‬للحاديث السابقة المذكورة في مذهب المالكية‪ ،‬والحنفية‪ ،‬والصح‪ :‬اختصاص التأخير‬
‫للبراد ببلد حار‪ ،‬وجماعة مسجد ونحوه كمدرسة‪ ،‬يقصدونه من مكان بعيد‪.‬‬
‫ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتْمة للنهي عنه (‪ ، )2‬ويكره النوم قبل صلة العشاء والحديث‬
‫بعدها إل في خير‪ ،‬لما رواه الجماعة عن أبي بَرْزة السلمي أن النبي صلّى ال عليه وسلم «كان‬
‫يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العَتْمة‪ ،‬وكان يكره النوم قبلها‪ ،‬والحديث بعدها» ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )3‬الصلة في أول الوقت أفضل إل العشاء‪ ،‬والظهر في شدة الحر‪ ،‬والمغرب في‬
‫حالة الغيم‪ ،‬أما العشاء فتأخيرها إلى آخر وقتها المختار وهو ثلث الليل أو نصفه أفضل‪ ،‬ما لم يشق‬
‫ل بقول النبي صلّى ال عليه وسلم السابق‪« :‬لول أن‬
‫على المأمومين أو على بعضهم‪ ،‬فإنه يكره‪ ،‬عم ً‬
‫أشق على أمتي لمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» ولنه صلّى ال عليه وسلم «كان‬
‫يأمر بالتخفيف رفقا بهم» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 125/1:‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪.53/1:‬‬
‫(‪ )2‬أما النهي عن الول في خبر البخاري‪« :‬ل تغلبنكم العراب على اسم صلتكم المغرب‪ ،‬وتقول‬
‫العراب‪ :‬هي العشاء» وأما النهي عن الثاني ففي خبر مسلم‪« :‬ل تغلبنكم العراب على اسم صلتكم‪،‬‬

‫أل إنها العشاء‪ ،‬وهم يُعتمون بالبل» وفي رواية «بحلب البل» معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم‬
‫يعتمون بحلب البل‪ ،‬أي يؤخرونه إلى شدة الظلم‪ .‬وروى الحديث الثاني أيضا أحمد والنسائي وابن‬
‫ماجه‪( .‬نيل الوطار‪.)16/2:‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪ ،395-385/1:‬كشاف القناع‪.295-291/1 :‬‬

‫( ‪)1/590‬‬
‫وأما الظهر فيستحب البراد به على كل حال في وقت الحر‪ ،‬ويستحب تعجيلها في وقت العشاء‪ ،‬عملً‬
‫بالحديث السابق‪« :‬إذا اشتد الحر فأبردوا‪ ،‬فإن شدة الحر من فيح جهنم» ‪.‬‬
‫وأما حالة الغيم‪ :‬فيستحب تأخير الظهر والمغرب أثناءه‪ ،‬وتعجيل العصر والعشاء؛ لنه وقت يخاف‬
‫منه العوارض من المطر والريح والبرد‪ ،‬فيكون في تأخير الصلة الولى من أجل الجمع بين‬
‫الصلتين في المطر‪ ،‬وفي تعجيل الثانية دفع للمشقة التي قد تحصل بسبب هذه العوارض‪.‬‬
‫ول يستحب عند الحنابلة تسمية العشاء العتمة‪ ،‬وكان ابن عمر إذا سمع رجلً يقول ( العتمة ) صاح‬
‫وغضب‪ ،‬وقال‪ ( :‬إنما هو العشاء )‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الفقهاء اتفقوا على أن الوقت الفضل هو أول وقت كل صلة‪ ،‬واستحب الحنفية‬
‫السفار بصلة الصبح‪ ،‬وقال الجمهور‪ :‬التغليس بها أفضل‪ ،‬واستحب الكل البراد بالظهر‪ ،‬واستحب‬
‫الحنفية تأخير العصر‪ ،‬واستحب المالكية للفرد التأخير رجاء إدراك صلة الجماعة‪ ،‬واستحب الحنابلة‬
‫تأخير العشاء‪ ،‬وتأخير الظهر والمغرب للجمع بين الصلتين في حالة الغيم بسبب المطر‪.‬‬
‫متى تقع الصلة أداء في الوقت؟‬
‫من المعلوم أن الصلة إذا أديت كلها في الوقت المخصص لها فهي أداء‪ ،‬وإن فعلت مرة ثانية في‬
‫الوقت لخلل غير الفساد فهي إعادة‪ ،‬وإن فعلت بعد الوقت فهي قضاء‪ ،‬والقضاء‪ :‬فعل الواجب بعد‬
‫وقته‪.‬‬
‫أما إن أدرك المصلي جزءا من الصلة في الوقت فهل تقع أداء؟ للفقهاء رأيان‪ :‬الول للحنفية‪،‬‬
‫والحنابلة على الراجح‪ ،‬والثاني للمالكية والشافعية‪.‬‬

‫( ‪)1/591‬‬
‫الرأي الول ـ للحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد (‪ : )1‬تدرك الفريضة أداء كلها‬
‫بتكبيرة الحرام في وقتها المخصص لها‪ ،‬سواء أخرها لعذر كحائض تطهر‪ ،‬ومجنون يفيق‪ ،‬أو لغير‬

‫عذر‪ ،‬لحديث عائشة‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب‬
‫الشمس‪ ،‬أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس‪ ،‬فقد أدركها» (‪ )2‬وللبخاري «فليتم صلته» وكإدراك‬
‫المسافر صلة المقيم‪ ،‬وكإدراك الجماعة‪ ،‬ولن بقية الصلة تبع لما وقع في الوقت‪.‬‬
‫الرأي الثاني ـ للمالكية‪ ،‬والشافعية (‪ )3‬في الصح‪ :‬تعد الصلة جميعها أداء في الوقت إن وقع ركعة‬
‫بسجدتيها في الوقت‪ ،‬وإل بأن وقع أقل من ركعة فهي قضاء‪ ،‬لخبر الصحيحين‪« :‬من أدرك ركعة من‬
‫الصلة‪ ،‬فقد أدرك الصلة» (‪ )4‬أي مؤداة‪ .‬ومفهومه أن من لم يدرك ركعة ل يدرك الصلة مؤداة‪،‬‬
‫والفرق بين المرين‪ :‬أن الركعة مشتملة على معظم أفعال الصلة‪ ،‬وغالب ما بعدها كالتكرار لها‪،‬‬
‫فكان تابعا لها‪ .‬وهذا الرأي فيما يظهر أصح لن المراد بالسجدة الركعة‪ ،‬بدليل ما ذكر مسلم‪ ،‬وبدليل‬
‫ما رواه الجماعة بلفظ «من أدرك من الصبح ركعة‪ »...‬الخ‪.‬‬
‫الجتهاد في الوقت‪:‬‬
‫من جهل الوقت بسبب عارض غيم أو حبس في بيت مظلم (‪ ، )5‬وعدم ثقة يخبره به عن علم‪ ،‬ولم‬
‫يكن معه ساعة تؤقت له‪ ،‬اجتهد بما يغلب على ظنه دخوله بوِرْد من قرآن ودرس ومطالعة وصلة‬
‫ونحوه كخياطة وصوت ديك مجرّب‪ ،‬وعمل على الغلب في ظنه‪.‬‬
‫والجتهاد يكون واجبا إن عجز عن اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر أو الشمس مثلً‪،‬‬
‫وجائزا إن قدر عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،677/1:‬كشاف القناع‪ ،298/1:‬المغني‪.378/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه‪ ،‬لكن ذكر مسلم‪ :‬والسجدة إنما هي الركعة‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ ،231/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،46‬مغني المحتاج‪ ،136/1:‬المهذب‪ ،54/1:‬نهاية‬
‫المحتاج‪.280/1:‬‬
‫(‪ )4‬نيل الوطار‪.151/3:‬‬
‫(‪ )5‬انظر مغني المحتاج‪ ،127/1:‬المغني‪ ،386/1،395:‬بجيرمي الخطيب‪ 355/1:‬ومابعدها‪ ،‬نهاية‬
‫المحتاج‪ 281/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/592‬‬
‫وإن أخبره ثقة من رجل أو امرأة بدخول الوقت عن علم‪ ،‬أي مشاهدة‪ ،‬عمل به؛ لنه خبر ديني يرجع‬
‫في المجتهد إلى قول الثقة كخبر الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬أما إن أخبره عن اجتهاد فل يقلده؛‬

‫لن المجتهد ل يقلد مجتهدا آخر‪.‬‬
‫وإذا شك في دخول الوقت‪ ،‬لم يصل حتى يتيقن دخوله‪ ،‬أو يغلب على ظنه ذلك‪ ،‬وحينئذ تباح له‬
‫الصلة‪ ،‬ويستحب تأخيرها قليلً احتياطا لتزداد غلبة ظنه‪ ،‬إل أن يخشى خروج الوقت‪.‬‬
‫وإن تيقن أن صلته وقعت قبل الوقت‪ ،‬ولو بإخبار عدل مقبول الرواية عن مشاهدة‪ ،‬قضى في‬
‫الظهر عند الشافعية وعند أكثر العلماء‪ ،‬وإل أي إن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت‪ ،‬فل قضاء عليه‪.‬‬
‫ودليل القضاء‪ :‬ما روي عن ابن عمر وأبي موسى أنهما أعادا الفجر؛ لنهما صلياها قبل الوقت‪ ،‬ولن‬
‫الخطاب بالصلة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها‪ ،‬فإن لم تبرأ الذمة منه بقي بحاله‪.‬‬
‫تأخير الصلة‪ :‬يجوز تأخير الصلة إلى آخر الوقت لقوله صلّى ال عليه وسلم فيما رواه الدارقطني‬
‫عن جرير بن عبد ال‪« :‬أول الوقت رضوان ال وآخره عفو ال» ولنا لو لم نجوز التأخير لضاق‬
‫على الناس‪ ،‬فسمح لهم بالتأخير‪ .‬لكن من أخر الصلة عمدا‪ ،‬ثم خرج الوقت وهو فيها‪ ،‬أثم وأجزأته (‬
‫‪. )1‬‬
‫الوقات المكروهة‪:‬‬
‫ثبت في السنة النهي عن الصلة في أوقات خمسة‪ ،‬ثلثة منها في حديث‪ ،‬واثنان منها في حديث آخر‪.‬‬
‫جهَني‪« :‬ثلث ساعات كان رسول ال صلّى ال عليه‬
‫أما الثلثة ففي حديث مسلم عن عقبة بن عامر ال ُ‬
‫وسلم ينهانا أن نصلّي فيهن‪ ،‬وأن نقبُر فيهن موتانا‪ :‬حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ترتفع (‪ ، )2‬وحين‬
‫يقوم قائم الظهيرة (‪ )3‬حتى تزول الشمس (‪ ، )4‬وحين تتضيّف (‪ )5‬الشمس لغروب» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪ ،53/1:‬المحرر في الفقه الحنبلي‪.28/1:‬‬
‫(‪ )2‬بين حديث عمرو بن عبسة قدر ارتفاعها بلفظ «وترتفع قَيْس ‪ -‬أي قدر‪-‬رمح أو رمحين» رواه‬
‫أبو داود والنسائي‪ .‬وطول الرمح‪50،2:‬م أو سبعة أذرع في رأي العين تقريبا‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬اثنا‬
‫عشر شبرا‪.‬‬
‫(‪ )3‬ورد في حديث ابن عبسة «حتى يعدل الرمح ظله» ومعنى قوله ( قائم الظهيرة )‪ :‬قيام الشمس‬
‫وقت الستواء‪.‬‬
‫(‪ )4‬أي تميل عن كبد السماء أي وسطها‪.‬‬
‫(‪ )5‬أي تميل (راجع الحديثين في سبل السلم‪ 111/1:‬وما بعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/593‬‬

‫وهذه الوقات الثلثة تختص بأمرين‪ :‬دفن الموتى والصلة‪.‬‬
‫وأما الوقتان الخران ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬سمعت رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم يقول‪« :‬ل صلة بعد الصبح حتى تطلع الشمس‪ ،‬ول صلة بعد العصر حتى تغيب‬
‫الشمس» ولفظ مسلم‪« :‬ل صلة بعد صلة الفجر» وهذان الوقتان يختصان بالنهي عن الصلة فقط‪.‬‬
‫فالوقات الخمسة هي ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬ما بعد صلة الصبح حتى ترتفع الشمس كرُمح في رأي العين‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رُمح أي بعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬وقت الستواء (‪ )1‬إلى أن تزول الشمس‪ ،‬أي يدخل وقت الظهر‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬وقت اصفرار الشمس حتى تغرب‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬بعد صلة العصر حتى تغرب الشمس‪.‬‬
‫والحكمة من النهي عن الصلة في هذه الوقات وتحريم النوافل فيها‪ :‬هي أن الوقات الثلثة الولى‬
‫ورد تعليل النهي عن الصلة فيها في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود والنسائي‪ :‬وهو أن‬
‫الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان‪ ،‬فيصلي لها الكفار‪ ،‬وعند قيام قائم الظهيرة تسجر (توقد)‬
‫جهنم وتفتح أبوابها‪ ،‬وعند الغروب تغرب بين قرني شيطان‪ ،‬فيصلي لها الكفار‪ .‬فالحكمة هي إما‬
‫التشبه بالكفار عبدة الشمس‪ ،‬أو لكون الزوال وقت غضب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬التعبير به أولى من التعبير بوقت الزوال؛ لن وقت الزوال ل تكره فيه الصلة إجماعا؛ لن‬
‫زوال الشمس يحدث عقب انتصاف النهار‪.‬‬

‫( ‪)1/594‬‬
‫وأما حكمة النهي عن النوافل بعد الصبح وبعد العصر فهي ليست لمعنى في الوقت‪ ،‬وإنما الوقت‬
‫كالمشغول حكما بفرض الوقت‪ ،‬وهو أفضل من النفل الحقيقي‪.‬‬
‫وأما نوع الحكم المستفاد من النهي‪:‬‬
‫فهو حرمة النافلة عند الحنابلة في الوقات الخمسة‪،‬وعند المالكية في الوقات الثلثة‪،‬والكراهة‬
‫التنزيهية في الوقتين الخرين‪.‬‬
‫والكراهة التحريمية عند الحنفية في الوقات الخمسة‪ ،‬وهو المعتمد عند الشافعية (‪ )1‬في الوقات‬
‫الثلثة‪ ،‬والكراهة التنزيهية في مشهور مذهب الشافعية في الوقتين الخرين‪.‬‬

‫والحرمة أو الكراهة التحريمية (‪ )2‬تقتضي عدم انعقاد الصلة على الخلف التي‪.‬‬
‫وأما نوع الصلة المكروهة ففيها خلف بين الفقهاء‪.‬‬
‫أولً ـ الوقات الثلثة ( الشروق والغروب والستواء ) قال الحنفية (‪ : )3‬يكره تحريما فيها كل‬
‫صلة مطلقا‪ ،‬فرضا أو نفلً‪ ،‬أو واجبا‪،‬ولو قضاء لشيء واجب في الذمة‪ ،‬أو صلة جنازة أو سجدة‬
‫تلوة أو سهو‪ ،‬إل يوم الجمعة على المعتمد المصحح‪ ،‬وإل فرض عصر اليوم أداء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،31‬الدر المختار‪ ،343/1:‬الشرح الصغير‪ ،241/1:‬مغني المحتاج‪،128/1:‬‬
‫حاشية الباجوري‪ ،196/1:‬كشاف القناع‪ ،528/1:‬المغني‪ 107/1:‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬بالرغم من أن كلً من الحرام والمكروه تحريما يقتضي الثم‪ ،‬إل أن الحرام‪ :‬هو ما ثبت بدليل‬
‫قطعي ل يحتمل التأويل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس‪ .‬وكراهة التحريم‪ :‬ما ثبتت بدليل يحتمل‬
‫التأويل‪.‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير مع العناية‪ ،166-161/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،31‬الدر المختار‪.349-1/343:‬‬

‫( ‪)1/595‬‬
‫والكراهة تقتضي عدم انعقاد الفرض وما يلحق به من الواجب كالوتر‪ ،‬وينعقد النفل بالشروع فيه مع‬
‫كراهة التحريم‪ ،‬فإن طرأ الوقت المكروه على صلة شرع فيها فتبطل إل صلة جنازة حضرت فيها‪،‬‬
‫وسجدة تليت آيتها فيها‪ ،‬وعصر يومه‪ ،‬والنفل والنذر المقيد بها‪ ،‬وقضاء ما شرع به فيها ثم أفسده‪،‬‬
‫فتنعقد هذه الستة بل كراهة أصلً‪ ،‬في الولى منها‪ ،‬ومع الكراهة التنزيهية في الثانية‪ ،‬والتحريمية في‬
‫البواقي‪.‬‬
‫ودليلهم عموم النهي عن الصلة في هذه الوقات‪ .‬وأما عدم صحة القضاء؛ فلن الفريضة وجبت‬
‫كاملة فل تتأدى بالناقص‪.‬‬
‫ول يصح أداء فجر اليوم عند الشروق‪ ،‬لوجوبه في وقت كامل فيبطل في وقت الفساد‪ ،‬إل العوام فل‬
‫يمنعون من ذلك؛ لنهم يتركونها‪ ،‬والداء الجائز عند البعض أولى من الترك‪.‬‬
‫ويصح أداء العصر مع الكراهة التحريمية‪ ،‬لحديث أبي هريرة‪« :‬من أدرك ركعة من العصر قبل أن‬
‫تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (‪. )1‬‬
‫ويصح مع الكراهة التنزيهية أداء سجدة التلوة المقروءة في وقت النهي أو أداء صلة منذورة فيه أو‬
‫نافلة شرع بأدائها فيه‪ ،‬لوجوبها في هذا الوقت‪ .‬كذلك تصح صلة الجنازة إذا حضرت في وقت‬

‫مكروه لحديث الترمذي‪« :‬يا علي ثلثة ل تؤخرها‪ :‬الصلة إذا أتت‪ ،‬والجنازة إذا حضرت‪ ،‬واليّم إذا‬
‫وجدت لها كفؤا» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة بلفظ «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح‪ ،‬ومن‬
‫أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس‪ ،‬فقد أدرك العصر» (نيل الوطار‪)21/2:‬‬

‫( ‪)1/596‬‬
‫وقد رد الحنفية على التفرقة بين العصر والصبح مع أن هذا الحديث يسوي بينهما‪ :‬بأن التعارض لما‬
‫وقع بينه وبين النهي عن الصلة في الوقات الثلثة‪ ،‬رجعنا إلى القياس‪ ،‬كما هو حكم التعارض‪،‬‬
‫فرجحنا حكم هذا الحديث في صلة العصر‪ ،‬وحكم النهي في صلة الفجر( رد المحتار‪)346/1:‬‬
‫والحق أن هذه التفرقة لدي غير مقبولة‪ ،‬لنه يلزم عليها العمل ببعض الحديث وترك بعضه‪ .‬ودليل‬
‫المصحح المعتمد‪ ،‬وهو قول أبي يوسف‪ ،‬في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال‪ :‬هو حديث أبي‬
‫هريرة في مسند الشافعي رحمه ال‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم نهى عن الصلة نصف‬
‫النهار حتى تزول الشمس إل يوم الجمعة» (‪. )1‬‬
‫ثانيا ـ الوقتان الخران (بعد صلتي الفجر والعصر)‪ :‬يكره تحريما أيضا التنفل فيهما‪ ،‬ولو بسنة‬
‫الصبح أو العصر إذا لم يؤدها قبل الفريضة أو بتحية مسجد‪ ،‬أو منذور‪ ،‬وركعتي طواف‪ ،‬وسجدتي‬
‫سهو‪ ،‬وصلة جنازة؛ لن الكراهة كانت لشغل الوقت بصاحب الفريضة الصلية‪ ،‬فإذا أديت لم تبق‬
‫كراهة بشغله بفرض آخر أو واجب لعينه‪ ،‬لكن عدم الكراهة في القضاء بما بعد العصر مقيد بما قبل‬
‫تغير الشمس‪ ،‬أما بعده فل يجوز فيه القضاء أيضا‪ ،‬وإن كان قبل أن يصلي العصر‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪: )2‬‬
‫يحرم النفل ل الفرض في الوقات الثلثة‪ ،‬ويجوز قضاء الفرائض الفائتة فيها وفي غيرها‪ ،‬ومن النفل‬
‫عندهم‪ :‬صلة الجنازة‪ ،‬والنفل المنذور‪ ،‬والنفل المفسد‪ ،‬وسجود السهو البعدي‪ ،‬لن ذلك كله سنة‪،‬‬
‫ل بمقتضى النهي السابق الثابت في السنة‪.‬‬
‫عم ً‬
‫ويكره تنزيها النفل في الوقتين الخرين (بعد طلوع الفجر وبعد أداء العصر) إلى أن ترتفع الشمس‬
‫بعد طلوعها قدر رمح (‪ ، )3‬وإلى أن تصلي المغرب‪ ،‬إل صلة الجنازة وسجود التلوة بعد صلة‬
‫الصبح قبل إسفار الصبح‪ ،‬وما بعد العصر قبل‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬لكن سنده ضعيف (سبل السلم‪.)113/1:‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ 241/1:‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،46‬الشرح الكبير‪ 186/1:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬المقصود رمح من رماح العرب‪، ،‬وقدره اثنا عشر شبر بشبر متوسط‪.‬‬

‫( ‪)1/597‬‬
‫اصفرار الشمس فل يكره بل يندب‪ ،‬وإل ركعتي الفجر‪ ،‬فل يكرهان بعد طلوع الفجر‪ ،‬لنهما رغيبة‬
‫كما سيأتي‪.‬‬
‫ويقطع المتنفل صلته وجوبا إن أحرم بوقت تحرم فيه الصلة‪ ،‬وندبا إن أحرم بوقت كراهة‪ ،‬ول‬
‫قضاء عليه‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪: )1‬‬
‫تكره صلة النافلة تحريما على المعتمد في الوقات الثلثة‪ ،‬وتنزيها (‪ )2‬في الوقتين الخرين‪ .‬ول‬
‫تنعقد الصلة في الحالتين؛ لن النهي إذا رجع لذات العبادة أو لزمها اقتضى الفساد‪ ،‬سواء أكان‬
‫للتحريم أم للتنزيه‪ .‬ويأثم الفاعل في الحالتين أيضا؛ لن الكراهة التنزيهية وإن كانت ل تقتضي الثم‬
‫عموما‪ ،‬لكنها في هذه الحالة يأثم بها المصلي‪ ،‬بسبب التلبس بعبادة فاسدة‪ .‬ويعزر من صلى في‬
‫الوقات المنهي عنها‪.‬‬
‫واستثنى الشافعية حالت ل كراهة فيها وهي ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬يوم الجمعة‪ :‬ل تكره الصلة عند الستواء يوم الجمعة‪ ،‬لستثنائه في خبر البيهقي عن أبي سعيد‬
‫الخدري وأبي هريرة قال‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم ينهى عن الصلة نصف النهار إل‬
‫يوم الجمعة» (‪ )3‬وخبر أبي داود عن أبي قتادة نحوه‪ ،‬ولفظه‪« :‬وكره النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫الصلة نصف النهار إل يوم الجمعة‪ ،‬وقال‪ :‬إن جهنم تسجر إل يوم الجمعة» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 128/1 :‬ومابعدها‪ ،‬حاشية الباجوري‪ 196/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الفرق بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه‪ :‬أن الولى تقتضي الثم‪ ،‬والثانية لتقتضيه‪.‬‬
‫(‪ )3‬لكنه ضعيف (سبل السلم‪ 113/1:‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬قال أبو داود‪ :‬إنه مرسل‪ ،‬وفيه ليث بن أبي سليم‪ ،‬وهو ضعيف‪ ،‬إل أنه أيده فعل أصحاب النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة‪ ،‬ولنه صلّى ال عليه وسلم حث‬

‫على التبكير إليها‪ ،‬ثم رغب في الصلة إلى خروج المام من غير تخصيص ول استثناء (سبل‬
‫السلم‪.)114/1 :‬‬

‫( ‪)1/598‬‬
‫والصح عندهم جواز الصلة في هذا الوقت‪ ،‬سواء أحضر إلى الجمعة أم ل‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬حرم مكة‪ :‬الصحيح أنه ل تكره الصلة في هذه الوقات في حرم مكة لخبر جبير بن مطعم‬
‫قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬يا بني عبد مناف‪ ،‬ل تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت‪،‬‬
‫وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (‪ )1‬ولما فيه من زيادة فضل الصلة فل تكره بحال‪ ،‬لكنها‬
‫خلف الولى خروجا من الخلف‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬الصلة ذات السبب غير المتأخر‪ ،‬كفائتة‪ ،‬وكسوف‪ ،‬وتحية مسجد‪ ،‬وسنة الوضوء وسجدة شكر؛‬
‫لن الفائتة وتحية المسجد وركعتي الوضوء لها سبب متقدم‪ ،‬وأما الكسوف وصلة الستسقاء وصلة‬
‫الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب متقدم‪ ،‬وأما الكسوف وصلة الستسقاء وصلة الجنازة وركعتا‬
‫ل تقضى في أي وقت بنص الحديث‪« :‬من نام عن‬
‫الطواف فلها سبب مقارن‪ .‬والفائتة فرضا أو نف ً‬
‫صلة أو نسيها‪ ،‬فليصلها إذا ذكرها» (‪ )2‬وخبر الصحيحين «أنه صلّى ال عليه وسلم صلى بعد‬
‫العصر ركعتين‪ ،‬وقال‪ :‬هما اللتان بعد الظهر» والكسوف وتحية المسجد ونحوهما معرضان للفوات‪،‬‬
‫وفي الصحيحين عن أبي هريرة «أنه صلّى ال عليه وسلم قال لبلل‪ :‬حدثني بأرجى عمل عملته في‬
‫السلم‪ ،‬فإني سمعت َدفّ نعليك (‪ )3‬بين يدي في الجنة؟ قال‪ :‬ما عملت عملً أرجى عندي من أني لم‬
‫أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار‪ ،‬إل صليت بذلك الطهور ما كتب ال لي أن أصلي» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان‪ ،‬وأخرجه الشافعي والدارقطني وابن خزيمة والحاكم‬
‫أيضا (المصدر السابق)‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬الدّف‪ :‬صوت النعل وحركته على الرض والمراد‪ :‬تحريكه كما قال البخاري في صحيحه (‬
‫‪ 386/1‬ط البغا )‪.‬‬

‫( ‪)1/599‬‬

‫وفي سجدة الشكر‪ :‬ورد في الصحيحين أيضا توبة كعب بن مالك‪« :‬أنه سجد سجدة للشكر بعد صلة‬
‫الصبح قبل طلوع الشمس» ‪.‬‬
‫أما ما له سبب متأخر كركعتي الستخارة والحرام‪ :‬فإنه ل ينعقد‪ ،‬كالصلة التي ل سبب لها‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪: )1‬‬
‫يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها‪ ،‬لعموم الحديث السابق‪« :‬من نام عن‬
‫صلة أو نسيها‪ ،‬فليصلها إذا ذكرها» ولحديث أبي قتادة‪« :‬ليس في النوم تفريط‪ ،‬وإنما التفريط في‬
‫اليقظة‪ ،‬فإذا نسي أحدكم صلة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (‪. )2‬‬
‫ولو طلعت الشمس وهو في صلة الصبح أتمها‪ ،‬خلفا للحنفية‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬إذا أدرك سجدة من‬
‫صلة الصبح قبل أن تطلع الشمس‪ ،‬فليتم صلته» ‪.‬‬
‫ويجوز فعل الصلة المنذورة في وقت النهي‪ ،‬ولو كان نذرها فيه‪ ،‬خلفا للحنفية؛ لنها صلة واجبة‪،‬‬
‫فأشبهت الفريضة الفائتة وصلة الجنازة‪.‬‬
‫ويجوز فعل ركعتي الطواف‪ ،‬للحديث السابق عند الشافعية‪« :‬يا بني عبد مناف‪ ،‬ل تمنعوا أحدا طاف‬
‫بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» ‪.‬‬
‫وتجوز صلة الجنازة في الوقتين (بعد الصبح وبعد العصر) وهو رأي جمهور الفقهاء‪ ،‬ول تجوز‬
‫صلة الجنازة في الوقات الثلثة (الشروق والغروب والستواء) إل أن يخاف عليها فتجوز مطلقا‬
‫للضرورة‪ ،‬ودليلهم على المنع قول‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،122-107/2:‬كشاف القناع‪.531-528/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه النسائي والترمذي وصححه‪ ،‬وأبو داود (نيل الوطار‪ .)27/2:‬عقبة بن عامر السابق‪:‬‬
‫«ثلث ساعات كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن‪ ،‬وأن نقبر فيهن موتانا» ‪.‬‬

‫( ‪)1/600‬‬
‫وتجوز إعادة جماعة في أي وقت من أوقات النهي بشرط أن تقام وهو في المسجد‪ ،‬أو يدخل المسجد‬
‫وهم يصلون‪ ،‬سواء أكان صلى جماعة أم وحده‪ ،‬لما روى يزيد بن السود‪ ،‬قال‪« :‬صليت مع النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم صلة الفجر‪ ،‬فلما قضى صلته‪ ،‬إذا هو برجلين لم يصليا معه‪ ،‬فقال‪ :‬ما منعكما‬
‫أن تصليا معنا؟ فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬قد صلينا في رحالنا‪ ،‬فقال‪ :‬ل تفعل‪ ،‬إذا صليتما في رحالكما‪ ،‬ثم‬
‫أتيتما مسجد جماعة‪ ،‬فصلّيا معهم‪ ،‬فإنها لكم نافلة» (‪ )1‬وهذ نص في الفجر‪ ،‬وبقية الوقات مثله‪،‬‬

‫ولنه متى لم يعد لحقته تهمة في حق المام‪.‬‬
‫ويحرم التطوع بغير الصلوات المستثناة السابقة في شيء من الوقات الخمسة‪ ،‬للحاديث المتقدمة‪،‬‬
‫سواء أكان التطوع مما له سبب كسجود تلوة وشكر وسنة راتبة كسنة الصبح إذا صلها بعد صلة‬
‫الصبح‪ ،‬أو بعد العصر‪ ،‬وكصلة الكسوف والستسقاء وتحية المسجد وسنة الوضوء‪ ،‬أم ليس له سبب‬
‫كصلة الستخارة‪ ،‬لعموم النهي‪ ،‬وإنما ترجح عمومها على أحاديث التحية وغيرها‪ ،‬لنها حاظرة‬
‫وتلك مبيحة‪ ،‬والحاظر مقدم على المبيح‪ ،‬وأما الصلة بعد العصر فمن خصائصه صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪ .‬لكن تجوز فقط تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والمام يخطب‪ ،‬فيركعهما‪ ،‬للحديث السابق «أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن الصلة نصف النهار إل يوم الجمعة» ‪.‬‬
‫ويجوز في الصحيح قضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم فعله‪ ،‬فإنه قضى‬
‫الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والترمذي وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/601‬‬
‫والصحيح في الركعتين قبل العصر أنها ل تقضى‪ ،‬لما روت عائشة «أن النبيصلّى ال عليه وسلم‬
‫صلهما‪ ،‬فقلت له‪ :‬أتقضيهما إذا فاتتا؟ قال‪ :‬ل» (‪ )1‬ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلة الفجر‪ ،‬إل‬
‫أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى خروجا من الخلف‪.‬‬
‫والمشهور في المذهب أنه ل يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي‪.‬‬
‫ول فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي‪ ،‬لعموم النهي‪.‬‬
‫كما ل فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها‪ ،‬ول بين الشتاء والصيف‪ ،‬لعموم الحاديث في‬
‫النهي‪.‬‬
‫كراهة التنفل في أوقات أخرى‪:‬‬
‫كره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي (‪ ، )2‬علما بأن الكراهة تحريمية عند‬
‫الحنفية في كل ما يذكر هنا‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬ما بعد طلوع الفجر قبل صلة الصبح‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬يكره تحريما التنفل حينئذ بأكثر من سنة الفجر‪ ،‬وقال بعض الشافعية بكراهة التنزيه في‬
‫هذا الوقت‪ ،‬والمشهور في المذهب خلفه‪ ،‬كما أن الصحيح عند الحنابلة جواز التنفل في هذا الوقت؛‬

‫لن أحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي قبل صلة الفجر‪ ،‬وإنما فيه حديث ابن عمر‪،‬‬
‫وهو غريب‪ ،‬فيجوز بناء عليه صلة الوتر قبل الفجر‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يكره تنزيها الصلة تطوعا بعد الفجر قبل الصبح‪ ،‬ويجوز فيه قضاء الفوائت وركعتا‬
‫الفجر‪ ،‬والوتر‪ ،‬والوِرْد‪ ،‬أي ما وظفه من الصلة ليلً على نفسه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن النجار في الجزء الخامس من حديثه‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،351-349/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،31‬فتح القدير‪ ،166/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،46‬الشرح الكبير‪ ،187/1 :‬الشرح الصغير‪ 242/1:‬ومابعدها‪ ،531 ،513 ،511 ،‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ 129/1‬ومابعدها‪ ،313 ،‬المحلي على المنهاج مع قليوبي وعميرة‪ ،119/1:‬الحضرمية‪ 32:‬ومابعدها‪،‬‬
‫المغني‪ ،387 ،135 ،129 ،119-116/2:‬كشاف القناع‪.63 ،47/2:‬‬

‫( ‪)1/602‬‬
‫ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر‪« :‬ل صلة بعد الفجر إل الركعتين قبل صلة‬
‫الفجر» (‪. )1‬‬
‫‪ - ً 2‬ما قبل صلة المغرب‪:‬‬
‫يكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلة المغرب‪ ،‬للعمومات الواردة في تعجيل المغرب‪ ،‬منها‬
‫حديث سلمة بن الكوع‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غَرَ َبتْ الشمس‬
‫وتوارت بالحجاب» (‪ )2‬وحديث عقبة بن عامر‪« :‬ل تزال أمتي بخير أو على الفطرة‪ ،‬ما لم يؤخروا‬
‫المغرب حتى تشتبك النجوم» (‪ )3‬والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب‪ ،‬والمبادرة إلى أداء المغرب‬
‫مستحبة‪.‬‬
‫وقال الشافعية على المشهور‪ :‬يستحب صلة ركعتين قبل المغرب‪ ،‬وهي سنة غير مؤكدة‪ ،‬وقال‬
‫الحنابلة‪ :‬إنهما جائزتان وليستا سنة‪ ،‬ودليلهم‪ :‬ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد ال بن مغفل «أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين» وقال أنس ‪« :‬كنا نصلي على عهد رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلة المغرب» (‪ )4‬وعن عبد ال بن ُم َغفّل أن‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬صلوا قبل المغرب ركعتين‪ ،‬ثم قال‪ :‬صلوا قبل المغرب‬
‫ركعتين‪ ،‬ثم قال عند الثالثة‪ :‬لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة» (‪. )5‬‬

‫قال الشوكاني‪ :‬والحق أن الحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصصة لعموم أدلة‬
‫استحباب التعجيل‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬أثناء خطبة المام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف والستسقاء ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الطبراني في معجمه الوسط‪ ،‬لكن تفرد به عبد ال بن خراش‪ ،‬فهو غريب كما قال الترمذي‪،‬‬
‫ورواه الدارقطني بلفظ‪« :‬ليبلغ شاهدكم غائبكم أن ل صلة بعد الفجر إل ركعتين» ‪ .‬وفيه شخص‬
‫مختلف فيه‪ ،‬ورواه أبو داود والترمذي بلفظ‪« :‬ل صلة بعد الفجر إل سجدتين» لكنه حديث غريب‬
‫(نصب الراية‪ 255/1:‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل النسائي (نيل الوطار‪.) 2/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم (المصدر السابق‪.)3/2 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم وأبو داود (المصدر السابق‪)6/2:‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد والبخاري وأبو داود‪ .‬وفي رواية «بين كل أذانين صلة‪ ،‬بين كل أذانين صلة‪ ،‬ثم قال‬
‫في الثالثة‪ ،‬لمن شاء» رواه الجماعة (المصدر السابق‪ :‬ص ‪.)7‬‬

‫( ‪)1/603‬‬
‫يكره لدى الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من الصلة‪ ،‬لحديث أبي هريرة‪:‬‬
‫«إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة‪ :‬أنصت‪ ،‬والمام يخطب فقد لغوت» (‪ ، )1‬وأضاف المالكية أنه يكره‬
‫التنفل بعد صلة الجمعة أيضا إلى أن ينصرف الناس من المسجد‪.‬‬
‫وكذلك يكره التنفل تنزيها في هذه الحالة عند الشافعية والحنابلة إل تحية المسجد إن لم يخش فوات‬
‫تكبيرة الحرام‪ ،‬ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على الواجبات‪ ،‬فإن لم يكن صلى سنة الجمعة‬
‫القبلية نواها مع التحية إذ ل يجوز له الزيادة على ركعتين‪ ،‬ول تنعقد صلة غير التحية عند الشافعية‪.‬‬
‫ودليلهم خبر الصحيحين‪« :‬إذا دخل أحدكم المسجد‪ ،‬فل يجلس حتى يصلي ركعتين» فهو مخصص‬
‫لخبر النهي‪ .‬وروى جابر‪ ،‬قال‪« :‬جاء سُلَيك الغطفاني‪ ،‬ورسول ال صلّى ال عليه وسلم يخطب‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ياسليك قم‪ ،‬فاركع ركعتين‪ ،‬وتجوّز فيهما» (‪ )2‬أي خفف فيهما‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬ما قبل العيد وبعده‪:‬‬
‫يكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلة العيد وبعده‪ ،‬لحديث أبي سعيد الخدري قال‪:‬‬
‫«كان النبي صلّى ال عليه وسلم ل يصلي قبل العيد شيئا‪ ،‬فإذا رجع إلى منزله‪ ،‬صلى ركعتين» (‪)3‬‬

‫وأضاف الحنابلة‪ :‬ل بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى‪.‬‬
‫والكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للمام والمأموم‪ ،‬وسواء أكان في المسجد أم المصلى‪ ،‬وأما عند‬
‫المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى ل في المسجد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة إل ابن ماجه (سبل السلم‪.)50/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم‪ .‬ورواية البخاري‪« :‬دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلّى ال عليه وسلم يخطب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫صَلّ ْيتَ؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬قم فصل ركعتين» (سبل السلم‪.)51/2:‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن ماجه بإسناد حسن (سبل السلم‪ )67/2:‬وأخرجه أيضا الحاكم وأحمد‪ ،‬روى الترمذي‬
‫عن ابن عمر نحوه‪.‬‬

‫( ‪)1/604‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يكره التنفل للمام قبل العيد وبعده‪ ،‬لشتغاله بغير الهم‪ ،‬ولمخالفته فعل النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فقد روى ابن عباس رضي ال عنهما‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم صلى يوم العيد‬
‫ركعتين لم يصلّ قبلها ول بعدها» (‪. )1‬‬
‫ول يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير المام‪ ،‬لنتفاء السباب المقتضية للكراهة‪ ،‬كذلك ل‬
‫يكره النفل بعد العيد إن كان ل يسمع الخطبة‪ ،‬فإن كان يسمع الخطبة كره له‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬عند إقامة الصلة المكتوبة ‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬يكره تحريما التطوع عند إقامة الصلة المفروضة‪ ،‬لحديث‪« :‬إذا أقيمت الصلة فل صلة‬
‫إل المكتوبة» (‪ )2‬إل سنة الفجر إن لم يخف فوت جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده‪ ،‬فإن خاف‬
‫تركها أصلً‪ ،‬فيجوز التيان بسنة الفجر عند القامة‪ ،‬لشدة تأكدها‪ ،‬والحث عليها‪ ،‬ومواظبة النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم عليها‪ ،‬قال عليه السلم‪« :‬ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (‪ )3‬وقالت‬
‫عائشة‪« :‬لم يكن النبي صلّى ال عليه وسلم على شيء من النوافل أشدّ تعاهدا منه على ركعتي‬
‫الفجر» (‪ . )4‬وروى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود‪« :‬أنه دخل المسجد‪ ،‬وأقيمت الصلة‪ ،‬فصلى‬
‫ركعتي الفجر في المسجد إلى أسطوانة» ‪.‬‬
‫وكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة‪ ،‬لتفويته الفرض عن وقته‪.‬‬
‫وقال الشافعي والجمهور (‪ : )5‬يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلة‪ ،‬سواء أكانت راتبة كسنة الصبح‬
‫والظهر والعصر‪ ،‬أم غيرها كتحية المسجد‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه السبعة (سبل السلم‪.)66/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم وأصحاب السنن الربعة عن أبي هريرة‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن عائشة‪ ،‬وهو صحيح (نيل الوطار‪.)19/3:‬‬
‫(‪ )4‬متفق عليه (سبل السلم‪.)4/2 :‬‬
‫(‪ )5‬شرح مسلم للنووي‪ 221/5 :‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪ ،273/3،550:‬المغني‪.456/1:‬‬

‫( ‪)1/605‬‬
‫وقد عنون النووي لهذا البحث بقوله‪« :‬باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة‬
‫الصلة‪ ،‬سواء السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها‪ ،‬سواء علم أنه يدرك الركعة مع المام أم‬
‫ل» ودليل الجمهور على كراهة افتتاح النافلة‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا أقيمت الصلة فل‬
‫صلة إل المكتوبة» وفي الرواية الخرى‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم مر برجل يصلي‪ ،‬وقد‬
‫أقيمت صلة الصبح‪ ،‬فقال‪ :‬يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعا» ومعناه أنه ل يشرع بعد القامة‬
‫للصبح إل الفريضة (‪، )1‬فإذا صلى ركعتين نافلة بعد القامة‪ ،‬ثم صلى معهم الفريضة‪ ،‬صار في‬
‫معنى «من صلى الصبح أربعا» لنه صلى بعد القامة أربعا‪.‬‬
‫والصحيح في حكمة النهي عن صلة النافلة بعد القامة‪ :‬أن يتفرغ للفريضة من أولها‪ ،‬فيشرع فيها‬
‫عقب شروع المام‪ ،‬وإذا اشتغل بنافلة فاته الحرام مع المام‪ ،‬وفاته بعض مكملت الفريضة‪،‬‬
‫فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها‪ .‬وفيه حكمة أخرى هو النهي عن الختلف على الئمة‪.‬‬
‫إل أن المام مالك قال‪ :‬إن لم يخف فوات الركعة ركعهما خارج المسجد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وفي هذا الرد على الحنفية الذين أجازوا الشروع في صلة ركعتي سنة الصبح بعد القامة في‬
‫المسجد إن لم يكن صلهما‪.‬‬

‫( ‪)1/606‬‬
‫صلُ الثّالث‪ :‬الذان والقامة‬
‫ال َف ْ‬
‫ل ـ معنى الذان‪ ،‬ومشروعيته وفضله‪ ،‬حكمه‪ ،‬شروطه‪ ،‬كيفيته‪ ،‬سننه ومكروهاته‪ ،‬إجابة المؤذن‪،‬‬
‫أو ً‬
‫ما يستحب بعد الذان‪.‬‬

‫ثانيا ـ صفة القامة أو كيفيتها‪ ،‬وأحكامها‬
‫أولً ـ الذان‪:‬‬
‫معنى الذان‪:‬‬
‫الذان لغة‪ :‬العلم‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ { :‬وأذان من ال ورسوله إلى الناس} [التوبة‪ ،]9/3:‬أي إعلم‬
‫{ وأذّن في الناس بالحج } [الحج‪ ]22/27:‬أي أعلمهم‪.‬‬
‫وشرعا‪ :‬قول مخصوص يعلم به وقت الصلة المفروضة (‪ . )1‬أو هو العلم بوقت الصلة بألفاظ‬
‫مخصوصة (‪. )2‬‬
‫مشروعيته وفضله‪:‬‬
‫دل القرآن والسنة والجماع على شرعية الذان؛ لن فيه فضلً كثيرا وأجرا عظيما‪.‬‬
‫فمن القرآن‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬وإذا ناديتم إلى الصلة‪[ }...‬المائدة‪.]5/58:‬‬
‫ومن السنة‪ :‬أحاديث كثيرة‪ ،‬منها خبر الصحيحين‪« :‬إذا حضرت الصلة‪ ،‬فليؤذن لكم أحدكم‪ ،‬وليؤمّكم‬
‫أكبركم» (‪ ، )3‬ودل حديث عبد ال بن زيد على كيفية الذان المعروف بالرؤيا التي أيده فيها عمر بن‬
‫الخطاب في حديث طويل‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنها لرؤيا حق إن شاء ال‪ ،‬فقم مع‬
‫بلل فألق عليه ما رأيت‪ ،‬فإنه أندى صوتا منك» (‪. )4‬‬
‫وليس مستند الذان الرؤيا فقط‪ ،‬بل وافقها نزول الوحي‪ ،‬فقد روى البزار‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم أُري ليلة السراء‪ ،‬وأسمعه مشاهدة فوق سبع سموات‪ ،‬ثم قدّمه جبريل‪ ،‬فأمّ أهل السماء‪ ،‬وفيهم‬
‫آدم ونوح عليهم أفضل الصلة والسلم‪ ،‬فأكمل له ال الشرف على أهل السموات والرض ‪ ،‬لكنه‬
‫حديث غريب‪ ،‬والخبر الصحيح أن بدء الذان كان بالمدينة كما أخرجه مسلم عن ابن عمر (‪. )5‬‬
‫وعلى هذا كانت رؤيا الذان في السنة الولى من الهجرة‪ ،‬وأيده النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.133/1:‬‬
‫(‪ )2‬نيل الوطار‪ ،31/2:‬اللباب شرح الكتاب‪ ،62/1:‬كشاف القناع‪.266/1:‬‬
‫(‪ )3‬من رواية مالك بن الحويرث (نيل الوطار‪.)32/2:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود (نيل الوطار‪ 35/2:‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )5‬انظر نصب الراية‪ 260/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/607‬‬

‫وفي الذان ثواب كبير‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لو يعلم الناس ما في النداء‪ ،‬والصف‬
‫الول‪ ،‬ثم لم يجدوا إل أن َيسْتهموا عليه‪ ،‬ل ستهموا عليه» (‪ )1‬وقوله عليه السلم‪« :‬إذا كنت في‬
‫غنمك أو باديتك‪ ،‬فأذنت بالصلة‪،‬فارفع صوتك بالنداء‪ ،‬فإنه ل يسمع صوت المؤذن جن ول إنس ول‬
‫شيء‪ ،‬إل شهد له يوم القيامة» (‪. )2‬‬
‫وفي حديث آخر‪« :‬المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» (‪. )3‬‬
‫واعتبر الذان مع القامة عند الشافعي في الصح والحنابلة أفضل من المامة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ومن‬
‫أحسن قولً ممن دعا إلى ال وعمل صالحا} [فصلت‪ ]33/41:‬قالت عائشة‪ :‬هم المؤذنون‪ ،‬وللخبار‬
‫السابقة في فضيلته‪ ،‬ولقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬المام ضامن‪ ،‬والمؤذن مؤتمن‪ ،‬اللهم أرشد الئمة‪،‬‬
‫واغفر للمؤذنين» (‪ )4‬والمانة أعلى من الضمان‪ ،‬والمغفرة أعلى من الرشاد‪ ،‬ولم يتوله النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ول خلفاؤه لضيق وقتهم عنه (‪. )5‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬القامة والمامة أفضل من الذان؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم وخلفاءه تولوا‬
‫المامة‪ ،‬ولم يتولوا الذان‪.‬‬
‫حكم الذان ‪:‬‬
‫الذان والقامة عند الجمهور (‪( )6‬غير الحنابلة) ومنهم الخرقي الحنبلي‪ :‬سنة مؤكدة للرجال جماعة‬
‫في كل مسجد للصلوات الخمس والجمعة‪ ،‬دون غيرها‪ ،‬كالعيد والكسوف والتراويح وصلة الجنازة‪،‬‬
‫ويقال فيها عند أدائها جماعة‪« :‬الصلة جامعة» لما روى البخاري ومسلم عن عبد ال بن عمرو‬
‫وقال‪« :‬لما انكسفت الشمس على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬نودي‪ :‬الصلة جامعةٌ»‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه عن أبي هريرة‪ ،‬والنداء‪ :‬هو الذان‪ ،‬والصف الول‪ :‬يراد به المبادرة إلى الجماعة‪،‬‬
‫والستهام‪ :‬القتراع‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم وأحمد وابن ماجه عن معاوية (نيل الوطار‪ )33/2:‬وروى ابن ماجه عن ابن عباس‬
‫مرفوعا‪« :‬من أذن سبع سنين محتسبا‪ ،‬كتبت له براءة من النار» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة‬
‫(المصدر السابق) وروى الحاكم بإسناد صحيح‪ « :‬إن خيار عباد ال الذين يراعون الشمس والقمر‬
‫والنجوم والظلة لذكر ال » ‪.‬‬
‫(‪ )5‬المغني‪ ،403/1:‬كشاف القناع‪ ،267/1:‬مغني المحتاج‪.138/1:‬‬
‫(‪ )6‬فتح القدير‪ ،167/1،172،178:‬الدر المختار‪ ،356/1:‬البدائع‪ 146/1:‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪-62/1:‬‬

‫‪ ،63‬الشرح الصغير‪ 133/1:‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،55/1:‬بداية المجتهد‪ ،103/1 :‬نهاية المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،300/1‬المجموع‪.131 ،82/3:‬‬

‫( ‪)1/608‬‬
‫أما الذان والقامة‪ ،‬فلن المقصود منهما العلم بدخول وقت الصلة المفروضة‪ ،‬والقيام إليها‪.‬‬
‫ولتسن للنافلة والمنذورة‪ .‬ودليلهم على السنية الحديث السابق‪« :‬لو يعلم الناس ما في النداء والصف‬
‫الول‪ ،‬لستهموا عليه» ولنه صلّى ال عليه وسلم لم يأمر بهما في حديث العرابي‪ ،‬مع ذكر‬
‫الوضوء والستقبال وأركان الصلة‪ .‬وبناء عليه‪ :‬لم يأثم أهل بلدة بالجتماع على ترك الذان إذا قام‬
‫به غيرهم ولم يضربوا ولم يحبسوا‪.‬‬
‫وأضاف الشافعية والمالكية أنه يستحب القامة وحدها ل الذان للمرأة أو جماعة النساء‪ ،‬منعا من‬
‫خوف الفتنة برفع المرأة الصوت به‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬إنه تكره القامة كالذان للنساء؛ لما روي عن‬
‫أنس وابن عمر من كراهتها لهن‪ ،‬ولن مبنى حالهن على الستر‪ ،‬ورفع صوتهن حرام‪.‬‬

‫( ‪)1/609‬‬
‫الذان للفائتة وللمنفرد‪:‬‬
‫المعتمد عند الشافعي‪ :‬أنه يستحب أيضا الذان والقامة للمنفرد أيضا أداء أو قضاء بالرغم من سماع‬
‫أذان الحي أو المسجد‪ ،‬ويرفع صوته بالذان إل إذا كان بمسجد وقعت فيه جماعة‪ ،‬لئل يتوهم‬
‫السامعون دخول وقت صلة أخرى‪ ،‬والذان للفائتة هو المذهب القديم للشافعي وهو الظهر كما أبان‬
‫النووي‪ ،‬لما ورد في فضل الذان من الحاديث السابقة‪ ،‬ومنها ما رواه البخاري عن عبد ال بن عبد‬
‫صعْصعة‪« :‬أن أبا سعيد الخدري قال له‪ :‬إني أراك تحب الغنم والبادية‪ ،‬فإذا كنت في‬
‫الرحمن بن أبي ً‬
‫غنمك أو باديتك‪ ،‬فأذنت للصلة‪ ،‬فارفع صوتك بالنداء‪ ،‬فإنه ل يسمع مدى صوت المؤذن جن ول‬
‫إنس ول شيء‪ ،‬إل شهد لك يوم القيامة‪ ،‬سمعته من رسول ال صلّى ال عليه وسلم » (‪ . )1‬وإن‬
‫اجتمع على المصلي فوائت‪ ،‬أو جمَع تقديما أو تأخيرا أذن للولى وحدها‪ ،‬لما روى البخاري ومسلم‬
‫عن جابر رضي ال عنه‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان‬
‫وإقامتين» والمستحب عند الشافعي أن يكون للجمعة أذان واحد بين يدي المام عند المنبر؛ لنه لم‬
‫يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي صلّى ال عليه وسلم إل بلل‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والشافعي ومالك والبخاري والنسائي وابن ماجه (نيل الوطار‪.)45/2:‬‬

‫( ‪)1/610‬‬
‫هذا مذهب الشافعية في الفوائت‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يؤذن المصلي للفائتة ويقيم؛ لنها بمنزلة الحاضرة‪،‬‬
‫فإن فاتته صلوات أذن للولى وأقام‪ ،‬وكان مخيرا في الباقية بعدها‪ :‬إن شاء أذن وأقام لكل واحدة‪،‬‬
‫وهو أولى؛ لن ما سن للصلة في أذانها‪ ،‬سن في قضائها كسائر المسنونات‪ .‬وإن شاء اقتصر فيما‬
‫بعد الولى على القامة؛ لن الذان للستحضار‪ ،‬وهم حضور‪ ،‬والولى الذان والقامة لكل فريضة‪،‬‬
‫بدليل حديث ابن مسعود عند أبي يعلى حينما شغل المشركون رسول ال صلّى ال عليه وسلم يوم‬
‫الحزاب عن الصلوات‪ :‬الظهر والعصر والمغرب والعشاء‪ ،‬فأمر النبي بللً بالذان والقامة لكل‬
‫صلة (‪. )1‬‬
‫وقال مالك‪ :‬إنه يقيم ول يؤذن‪ ،‬لما روى أبو سعيد قال‪« :‬حبسنا يوم الخندق عن الصلة‪ ،‬حتى كان‬
‫بعد المغرب بهوى من الليل‪ ،‬قال‪ :‬فدعا رسول ال صلّى ال عليه وسلم بللً‪ ،‬فأمره فأقام الظهر‬
‫فصلها‪ ،‬ثم أمره فأقام العصر فصلها» ولن الذان للعلم بالوقت‪،‬وقد فات‪ .‬وعلى هذا قال‬
‫المالكية‪ :‬يكره الذان لفائتة‪ ،‬ولصلة ذات وقت ضروري (أي المجموعة مع غيرها جمع تقديم أو‬
‫تأخير) ولصلة جنازة ونافلة كعيد وكسوف‪.‬‬
‫وقيد المالكية سنية الذان في كل مسجد ولو تلصقت المساجد‪ :‬بجماعة طلبت غيرها‪ ،‬سواء في‬
‫حضر أو سفر‪ ،‬ول يسن لمنفرد أو جماعة لم تطلب غيرها‪ ،‬بل يكره لهم إن كانوا في حضر‪ .‬ويندب‬
‫لمنفرد أو لجماعة ل تطلب غيرها في أثناء السفر‪ ،‬ولو لمسافة دون مسافة القصر (‪ 89‬كم)‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مجمع الزوائد‪ 4/2 :‬ورواه أحمد والنسائي والترمذي وقال‪ :‬ليس بإسناده بأس إل أن أبا عبيدة لم‬
‫يسمع من عبد ال بن مسعود (نيل الوطار‪.)60/2:‬‬

‫( ‪)1/611‬‬
‫أما أكثر الحنابلة (‪ )1‬فقالوا‪ :‬الذان والقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة والجمعة دون‬
‫غيرها‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬إذا حضرت الصلة‪ ،‬فليؤذن لكم أحدكم‪ ،‬وليؤمكم أكبركم» والمر يقتضي‬
‫الوجوب على أحدهم‪ ،‬وعن أبي الدرداء مرفوعا‪« :‬ما من ثلثة ل يؤذنون‪ ،‬ول تقام فيهم الصلة إل‬

‫استحوذ عليهم الشيطان» (‪ ، )2‬ولنهما من شعائر السلم الظاهرة‪ ،‬فكانا فرضي كفاية كالجهاد‪ ،‬فإذا‬
‫قام به البعض‪ ،‬سقط عن الباقين‪ ،‬وبناء عليه يقاتل أهل بلد تركوهما‪.‬‬
‫ويكره ترك الذان والقامة للصلوات الخمس‪ ،‬ول يعيد المصلي‪.‬‬
‫ويكفي أذان واحد في المصر‪ ،‬ويكتفي بقية المصلين بالقامة‪.‬‬
‫وهو رأي الحنفية والمالكية أيضا‪ ،‬خلفا للشافعية كما بينت‪ ،‬ودليلهم أن ابن مسعود وعلقمة والسود‬
‫صلوا بغير أذان‪ ،‬قال سفيان‪ :‬كفتهم إقامة المصر‪ ،‬لكن قال الحنفية‪ :‬من صلى في بيته في المصر‬
‫يصلي بأذان وإقامة ليكون الداء على هيئة الجماعة‪ ،‬وإن تركهما جاز‪ ،‬لقول ابن مسعود‪« :‬أذان الحي‬
‫يكفينا» لكنه غريب كما قال الزيلعي‪.‬‬
‫ومن فاتته صلوات‪ ،‬أو جمع بين صلتين في وقت أولهما‪ :‬استحب له أن يؤذن للولى‪ ،‬ثم يقيم لكل‬
‫صلة إقامة‪ ،‬وهو موافق لقول الشافعية‪ .‬ودليلهم على ذلك حديث أبي سعيد المتقدم‪« :‬إذا كنت في‬
‫غنمك‪ »..‬وحديث أبي قتادة «أنهم كانوا مع النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فناموا حتى طلعت الشمس‪،‬‬
‫فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬يا بلل‪ ،‬قم فأذن الناس بالصلة»(‪.)3‬‬
‫ومن دخل مسجدا قد صلي فيه‪ ،‬فإن شاء أذن وأقام‪ ،‬لما روى الثرم وسعيد ابن منصور عن أنس‪:‬‬
‫«أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه‪ ،‬فأمر رجلً فأذن وأقام‪ ،‬فصلى بهم في جماعة» وإن شاء صلى من‬
‫غير أذان ول إقامة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،268/1،278 :‬المغني‪ ،422-417/1:‬غاية المنتهى‪.87/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني وابن حبان‪ ،‬والحاكم وقال‪ :‬صحيح السناد (نيل‬
‫الوطار‪. )31/2:‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪ ،‬ورواه عمران بن حصين أيضا‪ ،‬قال‪« :‬فأمر بللً‪ ،‬فأذن فصلينا ركعتين‪ ،‬ثم أمره‬
‫فأقام‪ ،‬فصلينا» متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)1/612‬‬
‫وليس على النساء أذان ول إقامة‪ ،‬خلفا للشافعية والمالكية في القامة‪ ،‬لما روى النجاد بإسناده عن‬
‫أسماء بنت بريد‪ ،‬قالت‪ :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪« :‬ليس على النساء أذان ول‬
‫إقامة» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه يؤذن للفائتة عند الجمهور‪ ،‬ويكره ذلك عند المالكية‪ ،‬ويسن الذان للرجال دون‬

‫النساء‪ ،‬بالتفاق‪ ،‬وتسن القامة للمرأة سرا عند الشافعية والمالكية‪ ،‬وتكره عند الحنفية‪ ،‬ول تشرع عند‬
‫الحنابلة‪ .‬ويكفي عند الجمهور أذان الحي‪ ،‬ول يكفي عند الشافعية‪.‬‬
‫شروط الذان‪:‬‬
‫يشترط في الذان والقامة ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬دخول الوقت‪ :‬فل يصح الذان ويحرم باتفاق الفقهاء قبل دخول وقت الصلة‪ ،‬فإن فعل أعاد في‬
‫الوقت؛ لن الذان للعلم‪،‬وهو قبل دخول الوقت تجهيل‪ .‬ولذا يحرم الذان قبل الوقت لما فيه من‬
‫التلبيس والكذب بالعلم بدخول الوقت‪ ،‬كما يحرم تكرير الذان عند الشافعية‪ ،‬وليس منه أذان‬
‫المؤذنين المعروف في كل مسجد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،365-362/1:‬البدائع‪ ،151 - 149/1:‬فتح القدير‪ 170/1،176:‬ومابعدها‪ ،‬مراقي‬
‫الفلح‪ :‬ص ‪ ،32‬اللباب‪ ،64/1:‬الشرح الصغير‪ 251/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪47‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ 104/1:‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،139-137/1:‬الحضرمية‪ :‬ص ‪،34‬‬
‫المهذب‪ ،57 ،55/1:‬المغني‪ 424 ،415-413 ،411 ،409/1 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪-271/1:‬‬
‫‪ ،279‬غاية المنتهى‪ ،87/1:‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ 194/1:‬ومابعدها‪ ،198 ،‬المهذب‪57/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬تحفة الطلب‪ :‬ص ‪ ،54‬المجموع‪.136/3:‬‬

‫( ‪)1/613‬‬
‫لكن أجاز الجمهور غير الحنفية‪ ،‬وأبو يوسف‪ :‬الذان للصبح بعد نصف الليل‪ ،‬ويندب بالسّحَر وهو‬
‫سدس الليل الخير‪ ،‬ثم يعاد استنانا عند طلوع الفجرالصادق (‪ ، )1‬لخبر الصحيحين عن عبد ال بن‬
‫عمرو‪« :‬إن بللً يؤذن بليل‪ ،‬فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» زاد البخاري‪« :‬وكان‬
‫رجلً أعمى ل ينادي حتى يقال‪ :‬أصبحت أصبحت» لكن ينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يؤذن في‬
‫وقت واحد في الليالي كلها‪ ،‬منعا لللتباس على الناس‪ .‬ويشترط في المرتب (الموظف) للذان علمه‬
‫بالمواقيت‪ ،‬أما غير الموظف فل يشترط علمه بالمواقيت‪ ،‬فمن أذن لنفسه أو لجماعة مرة‪ ،‬أو كان‬
‫أعمى‪ ،‬صح أذانه إذا علم من غيره دخول الوقت‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يكون باللغة العربية‪ ،‬فل يصح بغيرها إن أذن لجماعة‪ ،‬فإن أذن غير العربي لنفسه وهو ل‬
‫يحسن العربية‪ ،‬جاز عند الشافعية‪ ،‬ولم يجز مطلقا عند الحنابلة والحنفية لوروده بلسان عربي‬

‫كالقرآن‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يشترط في الذان والقامة إسماع بعض الجماعة‪ ،‬وإسماع نفسه إن كان منفردا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ما سوى التأذين قبل الفجر ويوم الجمعة من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في‬
‫المآذن أو غيرها‪ ،‬فليس بمسنون‪ ،‬وما أحد من العلماء قال‪ :‬إنه يستحب‪ ،‬بل هو من جملة البدع‬
‫المكروهة‪ ،‬لنه لم يكن في عهده صلّى ال عليه وسلم ول عهد أصحابه‪ ،‬وليس له أصل (كشاف‬
‫القناع‪ ،281/1:‬غاية المنتهى‪.)91/1:‬‬

‫( ‪)1/614‬‬
‫ً‪ - 4‬الترتيب والموالة بين ألفاظ الذان والقامة‪ :‬اتباعا للسنة كما روى مسلم وغيره‪ ،‬ولن ترك‬
‫الموالة بين كلمات الذان يخل بالعلم‪ ،‬فل يصح الذان إل مرتبا‪ ،‬كما ل يصح بغير المتوالي ويعاد‬
‫غير المرتب وغير المتوالي‪ ،‬ول يضر فاصل يسير بنوم أو إغماء أو سكوت أو كلم‪ ،‬ويبطل بالردة‬
‫عند الفقهاء‪ ،‬فإن ارتد بعد انتهاء الذان لم يبطل‪ .‬وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة‪ .‬وقال الحنفية‬
‫والمالكية‪ :‬يسن ترتيب كلمات الذان والقامة‪ ،‬والموالة بينها‪ ،‬ويصح بغير الترتيب والموالة‪ ،‬مع‬
‫الكراهة‪ ،‬والفضل أن يعيد الذان والقامة‪.‬‬
‫ويرى بعض الحنابلة أن الذان يبطل بالكلم المحرم ولو يسيرا كالسب ونحوه‪ ،‬وفي وجه آخر ل‬
‫يبطل كالكلم المباح‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬كونه من شخص واحد‪ :‬فلو أذن مؤذن ببعضه‪ ،‬ثم أتمه غيره لم يصح‪ ،‬كما ليصح إذا تناوبه‬
‫اثنان بحيث يأتي كل واحد بجملة غير التي يأتي بها الخر؛ لن الذان عبادة بدنية‪ ،‬فل يصح من‬
‫شخصين يبني أحدهما على الخر‪.‬‬
‫أما اجتماع جماعة على الذان‪ ،‬بحيث يأتي كل واحد بأذان كامل‪ ،‬فهو صحيح‪ .‬وأضاف المالكية‪ :‬أنه‬
‫يكره اجتماع مؤذنين بحيث يبني بعضهم على ما يقول الخر‪ .‬ويكره تعدد الذان لصلة واحدة‪.‬‬
‫ويلحظ أن أول من أحدث أذانين اثنين معا هم بنو أمية‪ ،‬والذان الجماعي غير مكروه كما حقق ابن‬
‫عابدين‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬أن يكون المؤذن مسلما عاقلً (مميزا)‪ ،‬رجلً‪ ،‬فل يصح أذان الكافر‪ ،‬والمجنون والصبي غير‬
‫المميز والمغمى عليه والسكران؛ لنهم ليسوا أهلً للعبادة‪ ،‬ول يصح أذان المرأة؛ لحرمة أذانها ولنه‬

‫ل يشرع لها الذان‪ ،‬فل تصح إمامتها للرجال‪ ،‬ولنه يفتتن بصوتها؛ ول يصح أذان الخنثى‪ ،‬لنه ل‬
‫يعلم كونه رجلً‪.‬‬

‫( ‪)1/615‬‬
‫وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة‪ .‬ويقرب منهم مذهب الحنفية‪ ،‬لنهم قالوا‪ :‬يكره تحريما‬
‫أذان هؤلء الذين لم تتوافر فيهم هذه الشروط‪ ،‬ويستحب إعادته‪ .‬وعلى هذا‪ :‬يسن عند الحنفية‪ :‬أن‬
‫يكون المؤذن رجلً عاقلً تقيا عالما بالسنة وبأوقات الصلة‪ .‬ول يشترط عند الجمهور (غير المالكية)‬
‫البلوغ والعدالة‪ ،‬فيصح أذان الصبي المميز‪ ،‬والفاسق‪ ،‬لكن يستحب أن يكون المؤذن بالغا أمينا‪ ،‬لنه‬
‫مؤتمن يرجع إليه في الصلة والصيام‪ ،‬فل يؤمن أن يغرهم أذانه إذا لم يكن كذلك‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يكره أذان الفاسق ويستحب إعادته‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يشترط العدالة والبلوغ في المؤذن‪ ،‬فل يصح أذان الفاسق‪ ،‬والصبي المميز إل إذا‬
‫اعتمد في دخول الوقت على بالغ‪.‬‬
‫واشتراطهم العدالة لحديث ابن عباس‪« :‬ليؤذن لكم خياركم‪ ،‬ويؤمكم قراؤكم» (‪. )1‬‬
‫ول يشترط النية عند الحنفية‪ ،‬والشافعية في الصح‪ ،‬لكن يشترط الصرف (أي عدم قصد غير الذان)‬
‫فلو قصد به تعليم غيره‪ ،‬لم يعتد به‪.‬‬
‫وتشترط النية عند الفقهاء الخرين‪ ،‬فإن أتى باللفاظ المخصوصة بدون قصد الذان لم يصح‪.‬‬
‫ول يشترط في الذان والقامة عند جمهور الفقهاء‪ :‬الطهارة‪ ،‬واستقبال القبلة‪ ،‬والقيام‪ ،‬وعدم الكلم في‬
‫أثنائه‪ ،‬وإنما يندب ذلك‪ ،‬ويكره الذان عند الجمهور للمحدث‪ ،‬وللجنب أشد كراهة‪ ،‬والقامة أغلظ‪،‬‬
‫والكراهة تحريمية عند الحنفية بالنسبة للجنب‪ ،‬ويعاد أذانه عندهم وعند الحنابلة‪ ،‬ول يكره عند الحنفية‬
‫أذان المحدث على المذهب‪.‬‬
‫‪-----------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه والطبراني في معجمه (نصب الراية‪)279/1:‬‬

‫( ‪)1/616‬‬
‫ودليل ندب الطهارة حديث‪« :‬ل يؤذن إل متوضئ» (‪ . )1‬ويكره الذان قاعدا‪ ،‬مستدبرا القبلة‪ ،‬كما‬
‫يكره الكلم فيه‪.‬‬
‫ويسن عند المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة أن يتولى القامة من تولى الذان‪ ،‬اتباعا للسنة (‪، )2‬‬

‫فإن أقام غير المؤذن جاز؛ لن بللً أذن‪ ،‬وعبد ال بن زيد الذي رأى الذان في المنام أقام‪ ،‬بأمر‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم (‪ . )3‬وبناء على هذه الشروط‪ :‬يبطل الذان والقامة بردة وسكر وإغماء‬
‫ونوم طويل وجنون وترك كلمة منهما‪ ،‬ووجود فاصل طويل من سكوت أو كلم‪ .‬والمذهب عند‬
‫الشافعية أنه إن ارتد في الذان‪ ،‬ثم رجع إلى السلم في الحال‪ ،‬فله أن يبني على أذانه السابق‪.‬‬
‫كيفية الذان أو صيغته‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على الصيغة الصلية للذان المعروف الوارد بكيفية متواترة من غير زيادة ول نقصان‬
‫وهو مثنى مثنى‪ ،‬كما اتفقوا على التثويب‪ ،‬أي الزيادة في أذان الفجر بعد الفلح وهي(الصلة خير من‬
‫النوم) مرتين‪ ،‬عملً بما ثبت في السنة عن بلل (‪ ، )4‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم لبي محذورة ـ‬
‫فيما رواه أحمد وأبو داود ـ «فإذا كان أذان الفجر‪ ،‬فقل ‪ :‬الصلة خير من النوم مرتين »‬
‫واختلفوا في الترجيع‪ :‬وهو أن يأتي بالشهادتين سرا قبل أن يأتي بهما جهرا‪ ،‬فأثبته المالكية والشافعية‪،‬‬
‫وأنكره الحنفية والحنابلة‪ ،‬لكن قال الحنابل‪ :‬لو أتى بالترجيع لم يكره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي عن أبي هريرة (نصب الراية‪ )292/1:‬وهو ضعيف (سبل السلم‪.)129/1:‬‬
‫(‪ )2‬روى الترمذي عن زياد بن الحارث الصُدائي ( إن أخا صداء أذن‪ ،‬ومن أذن فهو يقيم» لكنه‬
‫ضعيف وأخرج الثرم أن أبا محذورة أذن ثم أقام ( سبل السلم‪ ،129/1:‬المغني‪.)416/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود‪ ،‬لكن قال الحاكم‪ :‬هذا في متنه ضعف (سبل السلم‪ ،129/1:‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ ،57/2‬المغني‪.)416-415/1:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الطبراني وغيره (نصب الراية‪.)264/1:‬‬

‫( ‪)1/617‬‬
‫قال الحنفية والحنابلة على المختار (‪ : )1‬الذان خمس عشرة كلمة‪ ،‬ل ترجيع فيه‪ ،‬كما جاء في‬
‫خبرعبد ال بن زيد (‪ )2‬السبق‪ ،‬وهي‪« :‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬أشهد أن ل إله إل‬
‫ال‪ ،‬أشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬أشهد أن محمدا رسول ال‪ ،‬أشهد أن محمدا رسول ال‪ ،‬حي على الصلة‪،‬‬
‫حي على الصلة‪ ،‬حي على الفلح‪ ،‬حي على الفلح‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ل إله إل ال» ‪.‬‬
‫وذلك ـ كما جاء في البدائع ومراقي الفلح ـ بجزم الراء في التكبير‪ ،‬وتسكين كلمات الذان‪،‬‬
‫والقامة كما قال المالكية‪ .‬وجاء في الدر المختار‪ :‬بفتح راء «أكبر» (‪ )3‬كما قال الشافعية‪ ،‬أي أنه‬
‫يجمع كل تكبيرتين ب َنفَس ويفتح الراء في الولى في قوله ( ال أكبر ال أكبر) ويسكّن في الثانية‪.‬‬

‫وقال بعض الشافعية‪ :‬يسن الوقف على أواخر الكلمات في الذان؛ لنه روي موقوفا‪.‬‬
‫وقال المالكية والشافعية (‪ : )4‬إن كلمات الذان مشهورة‪ ،‬وعدتها بالترجيع تسع عشرة كلمة‪ ،‬عملً‬
‫بالذان المسنون وهو أذان أبي محذورة (‪ ، )5‬وفيه الترجيع‪ :‬أي أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين‪.‬‬
‫معاني كلمات الذان‪:‬‬
‫معنى ألفاظ الذان‪ :‬هو أن قوله( ال أكبر ) أي من كل شي‪ ،‬أو أكبر من أن ينسب إليه ما ل يليق‬
‫بجلله‪ ،‬أو هو بمعنى كبير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب شرح الكتاب‪ 62/1:‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،147/1:‬فتح القدير‪ 167/1:‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ 358/1‬ومابعدها‪،‬المغني‪ 404/1 :‬كشاف القناع‪.273/1:‬‬
‫(‪ )2‬وهو حديث أذان الملك النازل من السماء‪ ،‬رواه أبو داود في سننه (نصب الراية‪.)259/1:‬‬
‫(‪ )3‬الصل إسكان الراء فحركت فتحة اللف من اسم ال تعالى في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها‬
‫ففتحت‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الصغير‪ ،250-248/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،47‬مغني المحتاج‪ 135/1:‬ومابعدها‪،‬‬
‫المهذب‪ 55/1:‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪.97/3 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه الجماعة عن أبي محذورة‪ ،‬وفي بعض ألفاظه‪ :‬علمه الذان تسع عشرة كلمة‪ ،‬وذكرها‬
‫بتربيع الشهادتين كتربيع التكبير (نصب الراية‪ ،263/1:‬نيل الوطار‪.)43/2:‬‬

‫( ‪)1/618‬‬
‫وقوله‪ (:‬أشهد ) أي أعلم‪ .‬وقوله ( حي على الصلة ) أي أقبلوا إليها‪ ،‬أو أسرعوا‪ .‬والفلح‪ :‬الفوز‬
‫والبقاء؛ لن المصلي يدخل الجنة إن شاء ال‪ ،‬فيبقى فيها ويخلّد‪ .‬والدعوة إلى الفلح معناها‪ :‬هلموا‬
‫إلى سبب ذلك‪ .‬وختم بـ (ل إله إل ال) ليختم بالتوحيد وباسم ال تعالى‪ ،‬كما ابتدأ به (‪. )1‬‬
‫سنن الذان‪:‬‬
‫يسن في الذان ما يأتي (‪: )2‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يكون المؤذن صيّتا (عالي الصوت)‪ ،‬حسن الصوت‪ ،‬يرفع صوته بالذان‪ ،‬على مكان مرتفع‬
‫وبقرب المسجد‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في خبر عبد ال بن زيد المتقدم‪« :‬ألقه على بلل‪ ،‬فإنه‬
‫أندى منك صوتا» أي أبعد‪ ،‬ولزيادة البلغ‪ ،‬وليرقّ قلب السامع‪ ،‬ويميل إلى الجابة‪ ،‬ولن الداعي‬
‫ينبغي أن يكون حلو المقال‪ ،‬وروى الدارمي وابن خزيمة‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر عشرين‬

‫رجلً‪ ،‬فأذنوا‪ ،‬فأعجبه صوت أبي محذورة‪ ،‬فعلّمه الذان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪.273/1 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،152-149/1:‬الدر المختار‪ ،361-359/1 :‬فتح القدير‪ ،176-170/1:‬اللباب‪،63/1:‬‬
‫مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،32‬الشرح الصغير‪ 252/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،198-195/1:‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ 47‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،138/1:‬المهذب‪ ،57/1،59:‬المغني‪،415 ،412 ،407/1:‬‬
‫‪ ،426،429 ،422‬كشاف القناع‪ ،282-270/1:‬المجموع‪129 ،117،126-105/3:‬ومابعدها‪،‬‬
‫الحضرمية‪ :‬ص ‪.35‬‬

‫( ‪)1/619‬‬
‫أما رفع الصوت‪ :‬فليكون أبلغ في إعلمه‪ ،‬وأعظم لثوابه‪ ،‬كما ذكر حديث أبي سعيد‪« :‬إذا كنت في‬
‫غنمك‪ »..‬ولما رواه الخمسة إل الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬المؤذن‬
‫يغفر له مدّ صوته‪ ،‬ويشهد له كل رطب ويابس» ‪ ،‬ولكن ل يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على‬
‫طاقته‪ ،‬لئل يضر بنفسه‪ ،‬وينقطع صوته‪ .‬ويسن رفع الصوت بالذان لمنفرد فوق ما يسمع نفسه‪،‬‬
‫ولمن يؤذن لجماعة فوق ما يسمع واحدا منهم‪ ،‬ويخفض صوته في مصلى أقيمت فيه جماعة‪.‬‬
‫وكونه على مرتفع‪ ،‬ليكون أيضا أبلغ لتأدية صوته‪ ،‬روى أبو داود عن عروة ابن الزبير عن امرأته‬
‫من بني النجار‪ ،‬قالت‪« :‬كان بيتي من أطول بيت حول المسجد‪ ،‬وكان بلل يؤذن عليه الفجر‪ ،‬فيأتي‬
‫بسحَر ( وهو السدس الخير من الليل)‪ ،‬فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر‪ ،‬فإذا صلى رآه تمطى‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش‪ :‬أن يقيموا دينك‪ ،‬قالت‪ :‬ثم يؤذن» (‪ )1‬وكونه بقرب‬
‫المسجد؛ لنه دعاء إلى الجماعة وهي فيه أفضل (‪)2‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يؤذن قائما على حائط أو منارة للسماع‪ :‬قال ابن المنذر‪ :‬أجمع كل من أحفظ عنه من أهل‬
‫العلم أن السنة أن يؤذن قائما‪ .‬وجاء في حديث أبي قتادة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لبلل‪« :‬قم‬
‫فأذن» (‪ ، )3‬وكان مؤذنو رسول ال صلّى ال عليه وسلم يؤذنون قياما‪ .‬فإن كان له عذر كمرض‪،‬‬
‫أذن قاعدا‪ .‬كذلك يسن أن يقيم قائما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصب الراية‪.292/1 :‬‬
‫(‪ )2‬وقال ابن سعد بالسند إلى أم زيد بن ثابت‪ :‬كان بيتي أطول بيت حول المسجد‪،‬فكان بلل يؤذن‬

‫فوقه من أول ماأذن‪ ،‬إلى أن بنى رسول ال صلّى ال عليه وسلم مسجده‪ ،‬فكان يؤذن بعد‪ ،‬على ظهر‬
‫المسجد‪ ،‬وقد رفع له شيء فوق ظهره‪.‬‬
‫وأول من رقى منارة مصر للذان‪ :‬شرحبيل بن عامر المرادي‪ .‬وبنى سلمة المناير للذان بأمر‬
‫معاوية‪ ،‬ولم تكن قبل ذلك (رد المحتار‪.)360/1:‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه وانظر نصب الراية‪.292/1:‬‬

‫( ‪)1/620‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يكون المؤذن حرا بالغا أمينا صالحا عالما بأوقات الصلة‪ ،‬لحديث ابن عباس السابق‪:‬‬
‫«ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم قراؤكم» ‪ .‬وهذا سنة عند الجمهور غير المالكية‪ ،‬أما المالكية فيشترطون‬
‫العدالة‪ ،‬كما أن الشافعية يشترطون في موظف الذان العلم بالوقت‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أن يكون متوضئا طاهرا‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬ل يؤذن إل متوضئ‪ ،‬وفي حديث ابن عباس‪« :‬إن‬
‫الذان متصل بالصلة فل يؤذن أحدكم إل وهو طاهر» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 5‬أن يكون المؤذن بصيرا؛ لن العمى ل يعرف الوقت‪ ،‬فربما غلط‪ ،‬فإن أذن العمى صح‬
‫أذانه‪ ،‬فإن ابن مكتوم كان يؤذن للنبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال ابن عمرو فيما روى البخاري‪:‬‬
‫«كان رجلً أعمى ل ينادي حتى يقال له‪ :‬أصبحت‪ ،‬أصبحت» وقال المالكية‪ :‬يجوز أذان العمى إن‬
‫كان تبعا لغيره أو قلد ثقة في دخول الوقت‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬أن يجعل أصبعيه في أذنيه‪ ،‬لنه أرفع للصوت‪ ،‬ولما روى أبو حنيفة «أن بللً أذن‪ ،‬ووضع‬
‫إصبعيه في أذنيه» (‪ ، )2‬وعن سعد مؤذن رسول ال صلّى ال عليه وسلم «أن رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم أمر بللً أن يجعل إصبعيه في أذنيه‪،‬وقال‪ :‬إنه أرفع لصوتك» (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 7‬أن يترسّل (يتمهل أو يتأنى) في الذان بسكتة بين كل كلمتين‪ ،‬ويحدُر (يسرع) في القامة‪ ،‬بأن‬
‫يجمع بين كل كلمتين‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم لبلل رضي ال عنه‪« :‬إذا أذنت فترسّل‪ ،‬وإذا‬
‫أقمت فاحدر» (‪ ، )4‬ولن الذان لعلم الغائبين بدخول الوقت‪ ،‬والعلم بالترسل أبلغ‪ ،‬أما القامة‬
‫فلعلم الحاضرين بالشروع في الصلة‪ ،‬ويتحقق المقصود بالحدر‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬أن يستقبل القبلة في الذان والقامة‪ :‬لن مؤذني النبي صلّى ال عليه وسلم كانوا يؤذنون‬
‫مستقبلي القبلة ولن فيه مناجاة فيتوجهه بها إلى القبلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬سبل السلم‪.129/1:‬‬

‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه ابن ماجه والحاكم والطبراني وابن عدي (نصب الراية‪.)278/1:‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه الترمذي‪ ،‬وإسناده مجهول (نصب الراية‪.)275/1:‬‬

‫( ‪)1/621‬‬
‫ويستحب في الحيعلتين (حي على الصلة‪ ،‬حي على الفلح)‪ :‬أن يدير أو يحول وجهه يمينا في‬
‫الولى‪ ،‬وشمالً في الثانية‪ ،‬من غير أن يحول قدميه؛ لن فيه مناداة فيتوجه به إلى من على يمينه‬
‫وشماله‪ ،‬ولما روى أبو جحيفة قال‪« :‬رأيت بللً يؤذن‪ ،‬فجعلت أتَتبّع فاه ههنا وههنا يمينا وشمالً‪،‬‬
‫يقول‪ :‬حي على الصلة‪ ،‬حي على الفلح‪ ،‬وأصبعاه في أذنيه» (‪ )1‬وفي لفظ قال‪« :‬أتيت رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أَدَم (جلد) فخرج بلل‪ ،‬فأذن‪ ،‬فلما بلغ‪ :‬حي على‬
‫الصلة‪ ،‬حي على الفلح‪ ،‬التفت يمينا وشمالً‪ ،‬ولم يستدر» (‪ )2‬ويصح عند الشافعية الدارة في‬
‫المنارة واستدبار القبلة إن احتيج إليه‪ ،‬وعند الحنابلة في ذلك روايتان عن أحمد‪ :‬إحداهما ـ ل يدور‬
‫للخبر السابق في استقبال القبلة‪ ،‬والثانية ـ يدور في مجالها‪ ،‬لنه ل يحصل العلم بدونه‪ .‬والرواية‬
‫الثانية هي الصواب‪.‬‬
‫ويستحب بعد انتهاء الذان‪ :‬أن يفصل بين الذان والقامة بقدر ما يحضر المصلون‪ ،‬مع مراعاة‬
‫الوقت المستحب‪ ،‬وفي المغرب بقدر قراءة ثلث آيات قصار‪ .‬ودليل هذا الستحباب قوله عليه‬
‫السلم‪« :‬يا بلل‪ ،‬اجعل بين أذانك وإقامتك َنفَسا يفرغ الكل من طعامه في مهل‪ ،‬ويقضي حاجته في‬
‫مهل» (‪. )3‬‬
‫ولن الذي رآه عبد ال بن زيد في المنام أذن‪ ،‬وقعد قعدة أي لنتظار الجماعة‪ ،‬حتى يتحقق المقصود‬
‫من النداء‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يستحب بعد الذان في الصح أن يثوّب في جميع الوقات‪ ،‬كأن يقول‪ :‬الصلة الصلة‬
‫يامصلين‪ ،‬لظهور التواني في المور الدينية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أصله متفق عليه في الصحيحين‪ ،‬ورواه أيضا أحمد والترمذي وصححه (سبل السلم‪،122/1:‬‬
‫نيل الوطار‪.)46/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود (المرجعان السابقان)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد بإسناده عن أبي بن كعب‪ ،‬وروى أبو داود والترمذي عن جابر أن رسول ال صلّى‬

‫ال عليه وسلم قال لبلل‪« :‬اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الكل من أكله‪ ،‬والشارب من‬
‫شربه‪ ،‬والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته» ‪.‬‬

‫( ‪)1/622‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يسن أن يقول المؤذن بعد الذان أو الحيعلتين في الليلة الممطرة أو ذات الريح أو‬
‫الظلمة‪ ( :‬أل صلوا في الرحال )‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬أن يؤذن محتسبا‪ ،‬ول يأخذ على الذان والقامة أجرا باتفاق العلماء‪.‬‬
‫ول يجوز أخذ الجرة على ذلك عند الحنفية‪ ،‬والحنابلة في ظاهر المذهب؛ لنه استئجار على الطاعة‪،‬‬
‫وقربة لفاعله‪ ،‬والنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه‪ ،‬فل تجوز الجار ة عليه كالمامة غيرها‪،‬‬
‫ولن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص‪« :‬واتخذ مؤذنا ل يأخذ على أذانه أجرا» (‬
‫‪. )1‬‬
‫وأجاز المالكية والشافعية في الصح الستئجار على الذان؛ لنه عمل معلوم يجوز أخذ الجر عليه‬
‫كسائر العمال‪ .‬وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم ـ كما سيأتي في بحث الجارة ـ بجواز أخذ الجرة‬
‫على القربات الدينية‪ ،‬ضمانا لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لهل العلم من بيت المال‪.‬‬
‫كما أن الحنابلة قالوا‪ :‬إن لم يوجد متطوع بالذان والقامة‪ ،‬أعطي من يقوم بهما من مال الفيء المعد‬
‫للمصالح العامة‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬يستحب عند الجمهور غير الحنفية أن يكون للجماعة مؤذنان‪ ،‬ل أكثر؛ لن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم «كان له مؤذنان‪ :‬بلل وابن أم مكتوم» (‪ ، )2‬ويجوز القتصار على مؤذن واحد للمسجد‪،‬‬
‫والفضل أن يكون مؤذنان لهذا الحديث‪ ،‬فإن احتاج إلى الزيادة عليهما‪ ،‬جاز إلى أربعة؛ لنه كان‬
‫لعثمان رضي ال عنه أربعة مؤذنين‪ ،‬ويجوز إلى أكثر من أربعة بقدر الحاجة والمصلحة عند الحنابلة‬
‫والشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫(‪ )2‬حديث صحيح رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫( ‪)1/623‬‬

‫وإذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد؛ كما فعل بلل وابن أم مكتوم‪ ،‬كان أحدهما‬
‫يؤذن بعد الخر‪ ،‬ولن ذلك أبلغ في العلم‪.‬‬
‫ويصح في حالة تعدد المؤذنين‪ :‬إما أن يؤذن كل واحد في منارة‪ ،‬أو ناحية‪ ،‬أو يؤذنوا دفعة واحدة في‬
‫موضع واحد‪.‬‬
‫ً‪ - 11‬يستحب أن يؤذن المؤذن في أول الوقت ليعلم الناس‪ ،‬فيستعدوا للصلة‪ ،‬وروى جابر بن سمرة‬
‫قال‪« :‬كان بلل ل يؤخر الذان عن الوقت‪ ،‬وربما أخر القامة شيئا» (‪ )1‬وفي رواية قال‪« :‬كان‬
‫بلل يؤذن إذا مالت الشمس ل يؤخر‪ ،‬ثم ل يقيم‪ ،‬حتى يخرج النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإذا خرج‬
‫أقام حين يراه» (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 12‬يجوز استدعاء المراء إلى الصلة‪ ،‬لما روت عائشة رضي ال عنهما أن بللً جاء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫السلم عليك يا رسول ال وبركاته‪ ،‬الصلة يرحمك ال‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬مروا أبا‬
‫بكر فليصل بالناس‪ .‬وكان بلل يسلم على أبي بكر وعمر رضي ال عنهما‪ ،‬كما كان يسلم على‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ً‪ - 13‬يستحب أل يقوم النسان قبل فراغ المؤذن من أذانه‪ ،‬بل يصبر قليلً إلى أن يفرغ أو يقارب‬
‫الفراغ؛ لن في التحرك عند سماع الذان تشبها بالشيطان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد في المسند‪.‬‬

‫( ‪)1/624‬‬
‫مكروهات الذان‪:‬‬
‫للذان مكروهات هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬يكره الذان إذا لم تتوافر السنن السابقة‪ ،‬وقد عدد الحنفية أحوال الكراهة إذا لم تتحقق السنن‪،‬‬
‫فقالوا‪:‬‬
‫يكره تحريما أذان جنب وإقامته‪ ،‬ويعاد أذانه‪ ،‬وإقامة المحدث على المذهب‪ ،‬وأذان مجنون ومعتوه‬
‫وصبي ل يعقل‪ ،‬وامرأة وخنثى‪ ،‬وفاسق‪ ،‬وسكران‪ ،‬وقاعد إل إذا أذن لنفسه‪ ،‬وراكب إل المسافر‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬يكره التلحين وهو التطريب أو التغني أو التمديد الذي يؤدي إلى تغيير كلمات الذان‪ ،‬أو الزيادة‬

‫والنقص فيها‪ ،‬أما تحسين الصوت بدون التلحين فهو مطلوب‪ .‬ويصح أذان ملحّن على الراجح عند‬
‫الحنابلة‪ ،‬لحصول المقصود منه كغير الملحن‪ .‬ويكره أيضا اللحن أو الخطأ في النحو أو العراب‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يكره المشي فيه؛ لنه قد يخل بالعلم‪ ،‬والكلم في أثنائه‪ ،‬حتى ولو بردّ السلم‪ ،‬ويكره السلم‬
‫على المؤذن (‪ )2‬ويجب عليه أن يرد عليه بعد فراغه من الذان‪ .‬ول يبطله الكلم اليسير‪ ،‬ويبطله‬
‫الكلم الطويل‪ ،‬لنه يقطع الموالة المشروطة في الذان عند الجمهور غير الحنفية‪ .‬وأشار الحنابلة‪:‬‬
‫أنه يجوز رد السلم في أثناء الذان والقامة‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬يكره التثويب في غير الفجر‪ ،‬سواء ثوب في الذان أو بعده‪ ،‬لما روي عن بلل أنه قال‪:‬‬
‫«أمرني رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن أثوب في الفجر‪ ،‬ونهاني أن أثوب في العشاء» (‪، )3‬‬
‫ولن التثويب مناسب لصلة الفجر حيث يكون الناس نياما‪ ،‬فاحتيج إلى قيامهم إلى الصلة عن نوم‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬قال الحنابلة‪ :‬يحرم ول يجوز الخروج من المسجد بعد الذان إل لعذر‪ ،‬لعمل أصحاب النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال أبو الشعثاء‪« :‬كنا قعودا مع أبي هريرة في المسجد‪ ،‬فأذن المؤذن‪ ،‬فقام‬
‫رجل من المسجد يمشي‪ ،‬فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد‪ ،‬فقال أبو هريرة‪ :‬أما هذا‬
‫فقد عصى أبا القاسم صلّى ال عليه وسلم (‪ ، )4‬وقال عثمان بن عفان‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬من أدركه الذان في المسجد‪ ،‬ثم خرج‪ ،‬لم يخرج لحاجة‪ ،‬وهو ل يريد الرجعة‪ ،‬فهو منافق»‬
‫( ‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،176/1:‬الدر المختار‪ 264/1:‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،32‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،48‬الشرح الصغير‪ ،248/1 :‬الشرح الكبير‪ ،198 ،194/1،196 :‬مغني المحتاج‪ ،138/1:‬المهذب‪:‬‬
‫‪ 57/1‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،430 ،424،428 ،414 ،408/1،411:‬كشاف القناع‪279،281، ،276/1:‬‬
‫‪.283‬‬
‫(‪ )2‬قال المالكية‪ :‬ويكره السلم أيضا على ملب في حج أو عمرة‪ ،‬وقاضي حاجة‪ ،‬ومجامع‪ ،‬وأهل‬
‫بدع‪ ،‬ومشتغل بلهو وأهل المعاصي‪ ،‬وشابة‪ ،‬فإن كان أهل المعصية في حال المعصية أو شابة يخشى‬
‫فتنتها حرم السلم‪ ،‬ول يكره على مصل ومتطهر وآكل وقارئ قرآن (الشرح الكبير‪.)198/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه ابن ماجه‪.‬‬

‫( ‪)1/625‬‬

‫أما الخروج لعذر فمباح‪ ،‬بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير حينه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يكره الخروج من المسجد بعد الذان من غير صلة إل لعذر‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬قال الحنابلة‪ :‬يكره الذان قبل الفجر في شهر رمضان مقتصرا عليه‪ ،‬لئل يغتر الناس‬
‫به‪،‬فيتركوا السحور‪ .‬ويحتمل أل يكره في حق من عرف عادته بالذان في الليل؛ لن بللً كان يفعل‬
‫ذلك‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن بللً يؤذن بليل‪ ،‬فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم‬
‫مكتوم» وقوله عليه السلم‪« :‬ل يمنعكم من سحوركم أذان بلل‪ ،‬فإنه يؤذن بليل لينبه نائمكم‪ ،‬ويرجع‬
‫قائمكم» ‪ .‬ويكره عندهم القول قبل القامة‪ :‬اللهم صل على محمد‪ ،‬ول بأس بنحنحة قبلها‪ ،‬كما يكره‬
‫عندهم النداء بالصلة بعد الذان في السواق وغيرها‪ ،‬مثل أن يقول‪ :‬الصلة‪ ،‬أو القامة‪ ،‬أو الصلة‬
‫رحمكم ال‪ .‬وقال النووي‪ :‬تسن الصلة على النبي صلّى ال عليه وسلم قبل القامة‪.‬‬
‫إجابة المؤذن والمقيم‪:‬‬
‫يجب في الراجح عند الحنفية لمن سمع الذان وندبا لمن سمع القامة‪ ،‬ويسن عند غيرهم لمن سمع‬
‫المؤذن أو المقيم‪ :‬أن يقول مثلما يقول مثنى مثنى عقب كل جملة‪ ،‬إل في الحيعلتين‪ ،‬فيحوقل فيقول‪( :‬‬
‫ل حول ول قوة إل بال ) ومعنى ذلك‪ :‬أنه ل حول عن معصية ال إل بعصمة ال‪ ،‬ول قوة على‬
‫طاعة ال إل بمعونته‪ ،‬كما قال ابن مسعود‪.‬‬
‫وإل في التثويب‪ ،‬فيقول‪ ( :‬صدقتَ وبررت ) فالجابة إنما هي باللسان وهو الظاهر عند الحنفية (‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،155/1:‬فتح القدير‪ ،173/1:‬الدر المختار‪ 367/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪،253/1:‬‬
‫الشرح الكبير‪ ،196/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،48‬المجموع‪ ،124/3:‬مغني المحتاج‪ 140/1:‬ومابعدها‪،‬‬
‫المهذب‪ ،58/1:‬كشاف القناع‪ 284/1:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.428-426/1:‬‬

‫( ‪)1/626‬‬
‫وقال بعض الحنفية‪ :‬بالقدم أي بالمشي إلى الصلة‪ ،‬وهو مشكل لنه يلزم عليه وجوب الداء في أول‬
‫الوقت في المسجد‪.‬‬
‫واكتفى المالكية بأن يقول السامع لمنتهى الشهادتين‪ ،‬ولو كان في صلة نفل‪ ،‬ويكره ول يحاكي المؤذن‬
‫في بقية الذان (على الراجح المشهور المعتمد)‪ ،‬ول في قوله ( الصلة خير من النوم ) قطعا‪ ،‬ول في‬
‫قوله ( صدقت وبررت ) أي صرت ذا بر أي خير كثير‪ ،‬إل في القامة‪ ،‬فيقول بعدها‪ ( :‬أقامها ال‬

‫وأدامها )‪.‬‬
‫والدليل على الجابة‪ :‬ما روى أبو سعيد أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا سمعتم النداء‪،‬‬
‫فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (‪ )1‬لكن قال المالكية‪ :‬المتبادر من قوله «سمعتم» ‪ :‬ولو البعض‪،‬‬
‫خصوصا وقد قال‪ :‬فقولوا مثل ما يقول‪ ،‬ولم يقل‪ :‬مثل ما قال‪ .‬وهذا في تقديري تعسف واضح في‬
‫التأويل‪ ،‬والظاهر كما قال بعض المالكية‪ :‬أن يحكي الذان كله‪ .‬والمر في الحديث عند الحنفية‬
‫للوجوب وعند غيرهم للندب كالمر بالدعاء عقب الصلة‪.‬‬
‫وروى مسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين (حي على‬
‫الصلة‪ ،‬حي على الفلح) فيقول‪« :‬ل حول ول قوة إل بال» (‪ )2‬وروى ابن خزيمة‪ :‬عن أنس رضي‬
‫ال عنه قال‪« :‬من السنة إذا قال المؤذن في الفجر‪ :‬حي على الفلح‪ ،‬قال‪ :‬الصلة خير من النوم» (‪)3‬‬
‫‪.‬وأخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي صلّى ال عليه وسلم «أن بللً أخذ في القامة‪ ،‬فلما أن‬
‫قال‪ :‬قد قامت‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه رواه الجماعة عن جماعة من الصحابة‪ ،‬منهم أبو هريرة‪ ،‬وعمرو بن العاص‪ ،‬وابنه‪،‬‬
‫وأم حبيبة‪ .‬وروى مسلم وأبو داود عن عمر كيفية الجابة (نيل الوطار‪.)51/3،53:‬‬
‫(‪ )2‬سبل السلم‪.126/1:‬‬
‫(‪ )3‬المصدر السابق‪.120/1:‬‬

‫( ‪)1/627‬‬
‫الصلة‪ ،‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬أقامها ال وأدامها» (‪ )1‬وفي التثويب ورد خبر أيضا كما‬
‫قال ابن الرفعة‪ ،‬ولكن ل يعرف من قاله‪.‬‬
‫ويستحب لمن كان يقرأ ولو قرآنا أن يقطع القراءة‪ ،‬ليقول مثلما يقول المؤذن أو المقيم‪ ،‬لنه يفوت‪،‬‬
‫والقراءة ل تفوت‪ ،‬لكن إن سمعه في الصلة‪ ،‬لم يقل مثل قوله‪ ،‬لئل يشتغل عن الصلة بما ليس منها‪،‬‬
‫وقد روي «إن في الصلة لشغلً» وعلى هذا ينبغي عند الحنفية أل يتكلم ول يشتغل بشيء حال الذان‬
‫أو القامة‪.‬‬
‫وتشمل الجابة عند الجمهور كل سامع‪ ،‬ولو كان جنبا أو حائضا أو نفساء‪ ،‬أو كان في طواف فرضا‬
‫أو نفلً‪ ،‬ويجيب بعد الجماع والخلء والصلة ما لم يطل الفصل بينه وبين الذان‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬تشمل الجابة من سمع الذان ولو كان جنبا‪ ،‬ل حائضا ونفساء وسامع خطبة وفي‬

‫صلة جنازة‪ ،‬وجماع‪ ،‬ومستراح في بيت الخلء‪ ،‬وأكل‪ ،‬وتعليم علم وتعلمه‪ ،‬لكن في أثناء قراءة‬
‫القرآن يجيب لنه ل يفوت‪ ،‬وتكرار القراءة للجر‪.‬‬
‫ويندب عند الحنفية القيام عند سماع الذان‪ ،‬والفضل أن يقف الماشي للجابة ليكون في مكان واحد‪.‬‬
‫ويجيب المؤذن سواء سمع الذان كله أم بعضه‪ .‬فإن لم يسمعه لبعد أو صمم ل تسن له الجابة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المصدر السابق‪ 127/1:‬وفي خبر آخر عند أبي داود بسند ضعيف يقول‪« :‬أقامها ال وأدامها ما‬
‫دامت السموات والرض» ويروى عن النبي صلّى ال عليه وسلم أيضا أنه يقول‪« :‬اللهم أقمها وأدمها‬
‫واجعلني من صالح أهلها» ‪.‬‬

‫( ‪)1/628‬‬
‫وينبغي تدارك إجابة المؤذن إن لم يطل الفصل‪ ،‬وإن طال فل (‪. )1‬‬
‫وإذا تكرر الذان أجاب ـ كما ذكر في الدر المختار ـ الول‪ ،‬سواء أكان مؤذن مسجده أم غيره‪،‬‬
‫لكن قال ابن عابدين‪ :‬ويظهر لي إجابة الكل بالقول‪ ،‬لتعدد السبب وهو السماع‪ ،‬كما اعتمده بعض‬
‫الشافعية‪ .‬وقال النووي في المجموع‪ :‬وإذا سمع مؤذنا بعد مؤذن‪ ،‬فالمختار أن أصل الفضيلة في‬
‫الجابة شامل للجميع‪ ،‬إل أن الول متأكد يكره تركه (‪. )2‬‬
‫قال الشافعية والحنابلة‪ :‬وإذا دخل المسجد‪ ،‬والمؤذن قد شرع في الذان‪ ،‬لم يأت بتحية ول بغيرها‪ ،‬بل‬
‫يجيب المؤذن واقفا حتى يفرغ من أذانه ليجمع بين أجر الجابة والتحية‪.‬‬
‫وقال الحنفية ‪ :‬إذا دخل المسجد‪ ،‬والمؤذن يؤذن أو يقيم‪ ،‬قعد حتى ينتهي الذان أو القامة‪ ،‬ويقوم‬
‫المام إلى مصله‪.‬‬
‫ما يستحب بعد الذان‪:‬‬
‫يستحب بعد الذان وبعد القامة ما يأتي (‪: )3‬‬
‫‪ - 1‬أن يصلي على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وذلك عند الشافعية والحنابلة مسنون بعد الفراغ من‬
‫الذان لكل من المؤذن والسامع‪ ،‬للحديث التي‪ .‬وقد استحدث الصلة على النبي بعد الذان في أيام‬
‫صلح الدين اليوبي سنة (‪ 781‬هـ ) في عشاء ليلة الثنين‪ ،‬ثم يوم الجمعة‪ ،‬ثم بعد عشر سنين‬
‫حدث في الكل إل المغرب‪ ،‬ثم فيها مرتين‪ ،‬قال الفقهاء‪ :‬وهو بدعة حسنة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،368/1:‬مغني المحتاج‪.140/1:‬‬

‫(‪ )2‬رد المحتار‪ ،369/1:‬مغني المحتاج‪.140/1:‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ 74/1:‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،362/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،33‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،48‬مغني المحتاج‪ ،141/1:‬المهذب‪ ،58/1:‬المغني‪ ،427/1:‬كشاف القناع‪.286/1:‬‬

‫( ‪)1/629‬‬
‫‪ - 2‬أن يدعو بالدعاء المأثور‪ ( :‬اللهم رب هذه الدعوة التامة‪ ،‬والصلة القائمة آت محمدا الوسيلة‬
‫والفضيلة‪ ،‬وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ) لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا سمعتم المؤذن‪ ،‬فقولوا‬
‫مثل ما يقول‪ ،‬ثم صلوا علي‪ ،‬فإن من صلى علي صلة‪ ،‬صلى ال عليه بها عشرا‪ ،‬ثم سلوا ال لي‬
‫الوسيلة‪ ،‬فإنها منزلة في الجنة‪ ،‬ل ينبغي أن تكون إل لعبد من عباد ال‪ ،‬وأرجو أن أكون أنا هو‪ ،‬فمن‬
‫سأل لي الوسيلة‪ ،‬حلّت عليه الشفاعة» (‪. )1‬‬
‫وعن سعد بن أبي وقاص قال‪ :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪ :‬من قال حين يسمع‬
‫النداء‪ :‬وأنا أشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأن محمدا رسول ال‪ ،‬رضيت بال ربا‪،‬‬
‫وبالسلم دينا‪ ،‬وبمحمد صلّى ال عليه وسلم رسولً‪ ،‬غفر له ذنبه» (‪. )2‬‬
‫وعن جابر قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من قال حين يسمع النداء‪ :‬اللهم رب هذه‬
‫الدعوة التامة‪ ،‬والصلة القائمة‪ ،‬آت محمدا الوسيلة والفضيلة‪ ،‬وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ‪،‬حلت‬
‫له شفاعتي يوم القيامة» (‪. )3‬‬
‫وإذا كان الذان للمغرب قال‪« :‬اللهم هذا إقبال ليلك‪ ،‬وإدبار نهارك‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة إل البخاري وابن ماجه عن ابن عمرو مرفوعا‪ .‬ومعنى الحديث‪ :‬اللهم أصله‪ :‬يا‬
‫ال ‪ ،‬حذف منه (يا) وعوض عنه الميم ولهذا ل يجمع بينهما‪ .‬الدعوة التامة‪ :‬دعوة التوحيد؛ لنه ل‬
‫يدخلها تغيير ول تبديل‪ ،‬بل هي باقية إلى يوم القيامة‪ ،‬أو هي دعوة الذان والقامة‪ ،‬سميت تامة‬
‫لكمالها وعظمةموقعها وسلمتها من نقص يتطرق إليها‪ .‬الصلة القائمة‪ :‬التي ستقوم‪ ،‬وتفعل بصفاتها‪.‬‬
‫والوسيلة‪ :‬القرب من ال تعالى‪ ،‬وقيل‪ :‬هي منزلة في الجنة‪ ،‬كما ثبت في صحيح مسلم‪ ،‬والمتعين هذا‬
‫المعنى لتفسيرها بنص الحديث‪ .‬والفضيلة‪ :‬المرتبة الزائدة على سائر الخلئق‪ .‬والمقام المحمود‪:‬‬
‫الشفاعة العظمى في يوم القيامة‪ ،‬لنه يحمده فيه الولون والخرون‪،‬لقوله تعالى‪ { :‬عسى أن يبعثك‬
‫ربك مقاما محمودا ً } [السراء‪ .]79/17:‬والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد ال‬
‫تعالى‪ :‬إظهاركرامته‪ ،‬وعظم منزلته (نيل الوطار‪.)55/ 2 :‬‬

‫(‪ )2‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل مسلما (نيل الوطار‪ 54/2:‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)1/630‬‬
‫وأصوات دعاتك‪ ،‬وحضور صلواتك‪ ،‬فاغفر لي» ؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر أم سلمة أن‬
‫تقول ذلك (‪ )1‬ويقول بعد الصبح‪ ( :‬اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك فاغفر لي )‪.‬‬
‫‪ - 3‬يدعو عند فراغ الذان بينه وبين القامة‪ ،‬وسأل ال تعالى العافية في الدنيا والخرة لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم‪« :‬الدعاء ل يرد بين الذان والقامة قالوا‪ :‬فما نقول يا رسول ال؟ قال‪ :‬سلوا ال العفو‬
‫والعافية في الدنيا والخرة (‪. )2‬‬
‫والمستحب أن يقعد المؤذن بين الذان والقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة‪ ،‬كما أبنت في سنن الذان‪.‬‬
‫ثانيا ـ القامة‪:‬‬
‫صفة القامة أو كيفيتها‪:‬‬
‫القامة سنة مؤكدة في الفرائض الوقتية والفائتة‪ ،‬على المنفرد والجماعة‪ ،‬للرجال والنساء عند المالكية‬
‫والشافعية‪ .‬أما الحنابلة والحنفية فقالوا‪ :‬ليس على النساء أذان وإقامة‪.‬‬
‫واختلف العلماء في صفة القامة على آراء ثلثة (‪: )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وانظر المهذب‪.59/1:‬‬
‫(‪ )2‬حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه‪ ،‬والنسائي وابن خزيمة وابن حبان‬
‫والضياء في المختارة‪ ،‬عن أنس بن مالك رضي ال تعالى عنه (نيل الوطار‪ ،55/2:‬سبل السلم‪:‬‬
‫‪.)130/1‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،148/1:‬الدر المختار‪ ،360/1:‬اللباب‪ ،63/1:‬فتح القدير‪ ،169/1:‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،256/1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،48‬بداية المجتهد‪ ،107/1:‬مغني المحتاج‪ ،133/1،136:‬المهذب‪:‬‬
‫‪ ،54/1،57‬المغني‪ ،406/1:‬كشاف القناع‪.267/1:‬‬

‫( ‪)1/631‬‬
‫فقال الحنفية‪ :‬القامة مثنى مثنى مع تربيع التكبير مثل الذان‪ ،‬إل أنه يزيد‬
‫فيها بعد الفلح‪( :‬قد قامت الصلة مرتين) فتكون كلماتها عندهم سبع عشرة كلمة‪ ،‬بدليل ما روى ابن‬

‫أبي شيبة‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أصحاب محمد صلّى ال عليه وسلم أن عبد ال ابن زيد النصاري جاء إلى‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪« :‬يا رسول ال‪ ،‬رأيت في المنام‪ ،‬كأن رجلً قام وعليه بُردان‬
‫أخضران‪ ،‬فقام على حائط‪ ،‬فأذن مثنى مثنى‪ ،‬وأقام مثنى مثنى» (‪. )1‬‬
‫وروى الترمذي عن عبد ال بن زيد‪ ،‬قال‪« :‬كان أذان رسول ال صلّى ال عليه وسلم شفعا شفعا في‬
‫الذان والقامة» (‪. )2‬‬
‫وعن أبي محذورة قال‪« :‬علمني رسول ال صلّى ال عليه وسلم الذان تسع عشرة كلمة‪ ،‬والقامة‬
‫سبع عشرة كلمة» (‪. )3‬‬
‫وقال المالكية ‪:‬القامة عشر كلمات‪ ،‬تقول ‪« :‬قد قامت الصلة» مرة واحدة‪ ،‬لما روى أنس قال‪« :‬أمر‬
‫بلل أن يشفع الذان‪ ،‬ويوتر القامة» (‪. )4‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬القامة فرادى‪ ،‬إحدى عشرة كلمة‪ ،‬إل لفظ القامة‪« :‬قد قامت الصلة» فإنها‬
‫تكرر مرتين‪ ،‬لما روى عبد ال بن عمر أنه قال‪« :‬إنما كان الذان على عهد رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم مرتين مرتين‪ ،‬والقامة مرة مرة‪ ،‬غير أنه يقول‪ :‬قد قامت الصلة‪ ،‬قد قامت الصلة» (‪)5‬‬
‫‪ .‬ويظهر لي أن هذا أصح الراء‪ ،‬أو أن المر على التخيير بين هذا الرأ ي ورأي الحنفية‪ .‬وأما‬
‫حديث أنس فمقيد بحديث ابن عمر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رجاله رجال الصحيح‪ ،‬وهو متصل لن الصحابة عدول‪ ،‬وجهالة أسمائهم لتضر‪ ،‬ورواه‬
‫البيهقي‪ .‬وروي مثله عند أبي داود وغيره ( نصب الراية‪.)267-266/1:‬‬
‫(‪ )2‬نصب الراية‪ .267/1:‬أما الذان فهو عندهم ‪ 15‬كلمة‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه الخمسة‪ ،‬وقال الترمذي حديث حسن صحيح ( المصدر السابق‪ ،‬نيل الوطار ‪)43/2:‬‬
‫وكون الذان (‪ )19‬أي بالترجيع‪ ،‬والقامة (‪ )17‬أي بلفظ القامة‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة عن أنس (نيل الوطار‪.)40/2:‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد والنسائي وأبو داود‪ ،‬والشافعي وأبو عوانة والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان‬
‫والحاكم (نيل الوطار‪.)43/2:‬‬

‫( ‪)1/632‬‬
‫أحكام القامة ‪:‬‬
‫أحكام القامة كأحكام الذان السابقة‪ ،‬ويزاد عليها ما يأتي (‪: )1‬‬

‫ً‪ - 1‬يسن إدراج القامة أو حدرها‪ :‬أي السراع بها مع بيان حروفها‪ ،‬فيجمع بين كل كلمتين منها‬
‫بصوت‪ ،‬والكلمة الخيرة بصوت‪ ،‬عملً بالحديث السابق عن جابر‪« :‬إذا أذّنت فترسّل ـ أي تمهل ـ‬
‫وإذا أقمت فاحدُر‪ ،‬واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرُغ الكل من أكله» ‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الفضل في المذاهب الربعة أن يتولى القامة من أذّن‪ ،‬اتباعا للسنة‪( :‬من أذن فهو يقيم )‪ ،‬كما‬
‫تقدم في شروط الذان‪ ،‬فإذا أذن واحد وأقام غيره جاز‪.‬‬
‫لكن قال الحنفية‪ :‬يكره أن يقيم غير من أذن إن تأذى بذلك؛ لن اكتساب أذى المسلم مكروه‪ ،‬ول يكره‬
‫إن كان ل يتأذى به‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يستحب عند الحنابلة أن يقيم في موضع أذانه؛ لن القامة شرعت للعلم‪ ،‬فشرعت في‬
‫موضعه‪ ،‬ليكون أبلغ في العلم‪ ،‬إل أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد‪ ،‬فيقيم في غير‬
‫موضعه‪ ،‬لئل يفوته بعض الصلة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يستحب أن تكون القامة في غير موضع الذان‪ ،‬وبصوت أخفض من الذان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،361/1،371:‬فتح القدير‪ ،170/1:‬البدائع ‪ ،151/1:‬بداية المجتهد‪ ،145/1:‬الشرح‬
‫الصغير‪ 255/1:‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،59/1:‬مغني المحتاج‪ 136/1،138:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪-415/1:‬‬
‫‪ 417،458‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 275/1:‬ومابعدها‪.279،281،‬‬

‫( ‪)1/633‬‬
‫ول يقيم حتى يأذن له المام‪ ،‬فإن بللً كان يستأذن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وفي حديث زياد بن‬
‫الحارث الصدائي قال‪« :‬فجعلت أقول للنبي صلّى ال عليه وسلم أقيم أقيم؟» وقال صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪« :‬المؤذن أملك بالذان‪ ،‬والمام أملك بالقامة» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 4‬ل يقوم المصلون للصلة عند القامة حتى يقوم المام أو يقبل؛ لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬إذا‬
‫أقيمت الصلة فل تقوموا حتى تروني» (‪. )2‬‬
‫وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلة‪ :‬فقال المالكية‪ :‬يجوز للمصلي القيام حال القامة أو أولها‬
‫أو بعدها‪ ،‬فل يطلب له تعيين حال‪ ،‬بل بقدر الطاقة للناس‪ ،‬فمنهم الثقيل والخفيف‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يقوم‬
‫عند «حي على الفلح» وبعد قيام المام‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يستحب أن يقوم عند قول المؤذن (قد قامت الصلة) لما روي عن أنس «أنه كان يقوم‬
‫إذا قال المؤذن‪ :‬قد قامت الصلة» ‪.‬‬

‫وقال الشافعية‪ :‬يستحب أن يقوم المصلي بعد انتهاء القامة إذا كان المام مع المصلين في المسجد (‬
‫‪ ، )3‬وكان يقدر على القيام بسرعة‪ ،‬بحيث يدرك فضيلة تكبيرة الحرام‪ ،‬وإل قام قبل ذلك بحيث‬
‫يدركها‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬يسن كما في الذان أن يقيم قائما متطهرا‪ ،‬مستقبل القبلة‪ ،‬ول يمشي في أثناء إقامته‪ ،‬ول يتكلم‪،‬‬
‫ويشترط أل يفصل بين القامة والصلة بفاصل طويل‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن عدي وهو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد ال بن عدي الجرجاني‪ ،‬ويعرف بابن القصار‪،‬‬
‫صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل (‪365-279‬هـ) (سبل السلم‪.)130/1:‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬سبل السلم‪ ،131/1:‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،74‬المجموع‪ ،237/3:‬المغني‪ ،458/1 :‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪.447/1‬‬

‫( ‪)1/634‬‬
‫وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما يعد قاطعا كأكل أن تعاد القامة‪ .‬ويسن أن يحرم المام عقب فراغ‬
‫القامة‪ ،‬ول يفصل إل بمندوب كأمر المام بتسوية الصفوف‪ .‬ول تجزئ إقامة المرأة للرجال‪.‬ويسن‬
‫عند الشافعية لمن كان أهلً أن يجمع بين الذان والقامة‪ .‬وكذلك قال الحنفية‪ :‬الفضل كون المام هو‬
‫المؤذن‪ ،‬لنه عليه السلم ـ كما في الضياء ـ أذن في سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر‪.‬‬
‫ول يسن في القامة كونها في مكان مرتفع‪ ،‬ول وضع الصبع في الذن‪ ،‬ول الترجيع فيها والترتيل‪.‬‬
‫ً‪ -6‬إذا أذن المؤذن وأقام‪ ،‬لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل منهم أو يقيم‪ ،‬وإنما يقول مثل ما يقول‬
‫المؤذن‪،‬؛ لن السنة وردت بهذا‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬يستحب للمام تسوية الصفوف‪ ،‬يلتفت عن يمينه وشماله‪ ،‬فيقول‪ :‬استووا رحمكم ال‪ ،‬قال رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬سووا صفوفكم‪ ،‬فإن تسوية الصف من تمام الصلة» (‪. )1‬‬
‫ملحق ـ الذان لغير الصلة‪.‬‬
‫هذا ويندب الذان لمور غير الصلة‪:‬‬
‫منها الذان في أذُن المولود اليمنى عند ولدته‪ ،‬كما تندب القامة في اليسرى لنه صلّى ال عليه‬
‫وسلم ْذّن في أذ ُن الحسن حين ولدته فاطمة (‪. )2‬‬
‫ومنها الذان وقت الحريق ووقت الحرب‪ ،‬وخلف المسافر‪.‬‬

‫ومنها الذان في أذن المهموم المصروع وللغضبان ولمن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة‪ ،‬وإذا تغولت‬
‫الغيلن (‪ )3‬أي سحرة الجن والشياطين‪ ،‬وذلك لدفع شرها بالذان‪ ،‬فإن الشيطان إذا سمع الذان أدبر‪.‬‬
‫ول يسن عند إدخال الميت القبر على المعتمد عند الشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي تلونت في صور‪.‬‬

‫( ‪)1/635‬‬
‫صلُ الرّابع‪ :‬شروطُ الصّلة‬
‫ال َف ْ‬
‫تتوقف صحة الصلة على توافر شروط وأركان معينة لها‪.‬‬
‫أما الشرط في اللغة‪ :‬فهو العلمة‪ ،‬وفي الشريعة‪ :‬هو ما يتوقف عليه وجود الشيء‪ ،‬وكان خارجا عن‬
‫حقيقته أو ماهيته‪.‬‬
‫وأما الركن في اللغة‪ :‬فهو الجانب القوى‪ ،‬وفي الصطلح‪ :‬هو ما يتوقف عليه وجود الشيء‪ ،‬وكان‬
‫جزءا ذاتيا تتركب منه الحقيقة أو الماهية‪ .‬ويطلق على كل من الشرط والركن وصف الفرضية‪ ،‬فكل‬
‫منهما فرض‪ ،‬لذا عنون بعض الفقهاء لهذا البحث بفروض الصلة‪.‬‬
‫والشرطان نوعان‪ :‬شروط تكليف أو وجوب‪ ،‬وشروط صحة أو أداء‪ ،‬وشروط الوجوب‪ :‬هي ما‬
‫يتوقف عليها وجوب الصلة كالبلوغ عاقلً‪ ،‬وشروط الصحة‪ :‬هي ما يتوقف عليها صحة الصلة‬
‫كالطهارة‪.‬‬
‫شروط وجوب الصلة‪:‬‬
‫تجب الصلة على كل مسلم بالغ عاقل‪ ،‬ل مانع عنده كالحيض والنفاس‪ ،‬فتكون شروط وجوب الصلة‬
‫ثلثة (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬السلم‪ :‬تجب الصلة على كل مسلم ذكر أو أنثى‪ ،‬فل تجب على كافر عند الجمهور وجوب‬
‫مطالبة بها في الدنيا‪ ،‬لعدم صحتها منه‪ ،‬لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الخرة‪ ،‬لتمكنه من‬
‫فعلها باعتناق السلم؛ لن الكافر عند الجمهور مخاطب بفروع الشريعة أو السلم في حال كفره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،28‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،44‬الشرح الصغير‪،265-233،260 ،231/1:‬‬

‫الشرح الكبير‪ ،201/1:‬مغني المحتاج‪ ،132-130/1:‬المهذب‪ 53/1:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪401،-396/1:‬‬
‫‪ ،615‬كشاف القناع‪ ،306/1،364:‬المحرر في الفقه الحنبلي‪.33-29/1:‬‬

‫( ‪)1/636‬‬
‫ول تجب عند الحنفية على الكافر‪ ،‬بناء على مبدئهم في أن الكافر غير مطالب بفروع الشريعة‪ ،‬ل في‬
‫حكم الدنيا ول في حكم الخرة‪.‬‬
‫ول قضاء بالتفاق على الكافر إذا أسلم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلف}‬
‫[النفال‪ ]38/8:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬السلم يجبّ ما قبله» (‪ )1‬أي يقطعه‪ ،‬والمراد أنه‬
‫يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره‪ .‬أما المرتد فيلزمه عند غير الحنفية قضاء الصلة بعد‬
‫إسلمه تغليظا عليه‪ ،‬ولنه التزمها بالسلم‪ ،‬فل تسقط عنه بالجحود كحقوق الدميين المالية‪ .‬ول‬
‫قضاء عليه عند الحنفية كالكافر الصلي‪.‬‬
‫وأما الطاعات وأفعال الخير التي يفعلها الكافر‪ :‬فل تنفعه في الخرة إن مات كافرا لقوله تعالى‪:‬‬
‫{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل‪ ،‬فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان‪.]23/25:‬‬
‫وأما في الدنيا فتنفعه في سعة رزقه ومعيشته‪.‬‬
‫وإن أسلم يثاب عليها ول يجُبّها (يقطعها) السلم‪ ،‬لحديث حكيم بن حزام عند مسلم وغيره‪ :‬أنه قال‬
‫لرسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية‪ ،‬هل لي فيها من شيء؟‬
‫فقال له رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» وقال عليه السلم‪« :‬إذا‬
‫أسلم العبد‪ ،‬فحسن إسلمه‪ ،‬يكفر ال عنه كل سيئة كان زَلِفها ـ أي قدمها ـ وكان بعد ذلك القصاص‪:‬‬
‫الحسنة بعشر أمثالها‪ ،‬إلى سبع مئة ضعف‪ ،‬والسيئة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والطبراني والبيهقي عن عمرو بن العاص‪ .‬وأخرج مسلم في صحيحه معناه من‬
‫حديث عمرو أيضا بلفظ‪« :‬أما علمت أن السلم يهدم ما كان قبله‪ ،‬وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها‪،‬‬
‫وأن الحج يهدم ما كان قبله» (نيل الوطار‪.)299/1:‬‬

‫( ‪)1/637‬‬
‫بمثلها إل أن يتجاوز ال عنها» (‪. )1‬‬
‫وقال النووي‪ :‬الصواب الذي عليه المحققون‪ ،‬بل نقل بعضهم الجماع فيه أن الكافر إذا فعل أفعالً‬

‫جميلة كالصدقة وصلة الرحم‪ ،‬ثم أسلم ومات على السلم‪ ،‬أن ثواب ذلك يكتب له (‪.)2‬‬
‫‪ - ً 2‬البلوغ‪ :‬ل تجب الصلة على الصبي‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن‬
‫المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ‪،‬وعن النائم حتى يستيقظ‪ ،‬وعن الصبي حتى يحتلم»(‪.)3‬‬
‫ولكن يؤمر الصغير ذكرا أو أنثى بالصلة‪ ،‬تعويدا له‪ ،‬إذا بلغ سبع سنين أي صار مميزا‪ ،‬ويضرب ـ‬
‫باليد ل بخشبة بما ل يزيد عن ثلث ضربات إن أفاد وإل فل ـ على تركها لعشر سنين زجرا له‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬مروا أولدكم بالصلة وهم أبناء سبع سنين‪ ،‬واضربوهم عليها وهم‬
‫أبناء عشر سنين‪ ،‬وفرقوا بينهم في المضاجع» (‪ )4‬أي بحيث ل يشملهم ساتر واحد مع التجرد‪ ،‬فإن‬
‫استقل كل منهم بساتر فل يمنع والتفريق لعشر أمر مندوب‪ ،‬ويحرم تلصق البالغين بعورتيهما بقصد‬
‫اللذة‪ ،‬ويكره من غير لذة كتلصقهم بالصدر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري‪.‬‬
‫(‪ )2‬نيل الوطار‪.) 300/1( :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر‪ ،‬وهو صحيح‪ .‬ورواه أحمد وأبو داود والحاكم‬
‫والنسائي وابن ماجه أيضا عن عائشة بلفظ ‪« :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن النائم حتى يستيقظ‪ ،‬وعن‬
‫المبتلى حتى يبرأ‪ ،‬وعن الصبي حتى يكبر» (نيل الوطار‪ 298/1:‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وهو صحيح (نيل الوطار‪.)298/1:‬‬
‫والمر موجه للولي ل للصغير‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وأمر أهلك بالصلة واصطبر عليها} [طه‪،]132/20:‬‬
‫{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا‪[ }...‬التحريم‪.]6/66:‬‬

‫( ‪)1/638‬‬
‫‪ - ً 3‬العقل‪ :‬فل تجب الصلة عند الجمهور غير الحنابلة على المجنون والمعتوه ونحوهما كالمغمى‬
‫عليه إل إذا أفاقوا في بقية الوقت؛ لن العقل مناط التكليف‪ ،‬كما ثبت في الحديث السابق‪« :‬عن‬
‫المجنون حتى يبرأ» لكن يسن لهم القضاء عند الشافعية‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يجب القضاء على من تغطى‬
‫عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح‪ ،‬لن ذلك ل يسقط الصوم‪ ،‬فكذا الصلة‪.‬‬
‫ول تطلب الصلة ول تقضى من حائض ونفساء‪ ،‬ولو طرّحت نفسها بضرب أو دواء ونحوها‪.‬‬
‫ويجب القضاء على السكران‪ ،‬لتعديه بالسكر‪.‬‬
‫ويجب القضاء على نائم ويجب إعلمه إذا ضاق الوقت‪ ،‬ودليل القضاء حديث‪« :‬من نام عن صلة أو‬

‫نسيها‪ ،‬فليصلها إذا ذكرها‪ ،‬ل كفارة لها إل ذلك» (‪ )1‬وهذا دليل على وجوب قضاء الصلوات‬
‫المفروضة المتروكة عمدا أو سهوا‪ ،‬مهما طال الزمان‪.‬‬
‫قال النووي في المجموع‪ :‬ويسن إيقاظ النائم للصلة ول سيما إذا ضاق وقتها‪ ،‬ففي سنن أبي داود «أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم خرج يوما إلى الصلة‪ ،‬فلم يمر بنائم إل أيقظه» وكذا إذا رآه أمام‬
‫المصلين‪ ،‬أو كان نائما في الصف الول‪ ،‬أو محراب المسجد‪ ،‬أو كان نائما على سطح ل حجاز له‪،‬‬
‫لورود النهي عنه‪ ،‬أو كان نائما‬
‫بعضه في الشمس وبعضه في الظل‪ ،‬أو كان نائما بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس‪ ،‬أو كان نائما‬
‫قبل صلة العشاء‪ ،‬أو بعد صلة العصر‪ ،‬أو نام خاليا وحده‪ ،‬أو كانت المرأة نائمة مستلقية ووجهها‬
‫إلى السماء‪ ،‬أو نام الرجل منبطحا فإنها ضجعة يبغضها ال‪ ،‬ويستحب أن يوقظ غيره لصلة الليل‪،‬‬
‫وللتسحر‪ ،‬والنائم بعرفات‪،‬وقت الوقوف؛ لنه وقت طلب وتضرّع‪ .‬قال السنوي‪ :‬وهذا بخلف ما لو‬
‫رأى شخصا يتوضأ بماء نجس‪ ،‬فإنه يلزمه إعلمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة‪.‬‬

‫( ‪)1/639‬‬
‫زوال العذار أو الموانع في أثناء وقت الصلة‪:‬‬
‫إذا زالت هذه السباب المانعة من وجوب الصلة‪ ،‬فبلغ الصبي‪ ،‬أو أفاق المجنون‪ ،‬أو طهرت الحائض‬
‫أوالنفساء‪ ،‬أو أسلم الكافر‪ ،‬وبقي من الوقت عند الحنابلة والشافعية في الظهر قدر تكبيرة الحرام‪،‬‬
‫فأكثر‪ ،‬وجب قضاء الصلة‪ .‬كما يجب عند جمهور الفقهاء غير الحنفية قضاء الصلة الخرى التي‬
‫يمكن جمعها مع الصلة التي زال المانع في وقتها‪.‬‬
‫فإن زال المانع بمقدار تكبيرة الحرام عند الشافعية والحنابلة في آخر وقت العصر‪ ،‬وجب قضاء‬
‫الظهر أيضا‪ ،‬وإن زال المانع في آخر وقت العشاء‪ ،‬وجب قضاء المغرب أيضا؛ لتحاد وقتي الظهر‬
‫والعصر‪ ،‬ووقتي المغرب والعشاء في العذر‪ ،‬ففي الضرورة أولى‪ .‬وذلك بشرط أن يخلو الشخص من‬
‫الموانع قدر الطهارة‪ ،‬والصلتين أخف ما يجزئ‪ ،‬كركعتين في صلة المسافر‪.‬‬
‫أما المالكية فقالوا‪ :‬إن أدرك قدر خمس ركعات في الحضر‪ ،‬وثلث في السفر من وقت الثانية وجبت‬
‫الولى أيضا؛ لن قدر الركعة الولى من الخمس وقت للصلة الولى في حال العذر‪ ،‬فوجبت‬
‫بإدراكه‪ ،‬كما لو أدرك ذلك من وقتها المختار‪ ،‬بخلف ما لو أدرك دون ذلك‪ .‬وإن أدرك قدر ركعة‬

‫فقط‪ ،‬وجبت الخيرة وسقطت الولى‪.‬‬
‫وإن بقي من الوقت ما يسع أقل من ركعة‪ ،‬سقطت الصلتان‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬ل تجب إل الصلة التي زال المانع في وقتها وحدها؛ لن وقت الولى خرج في حال‬
‫العذر‪ ،‬فلم تجب‪ ،‬كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئا‪ .‬وهذا في تقديري هو المعقول؛ لن الصلة‬
‫تجب بوقت معين‪ ،‬فإذا فات الوقت‪ ،‬سقط الوجوب‪.‬‬

‫( ‪)1/640‬‬
‫حدوث العذار في وقت الصلة بعد مضي قدر ما يسعها‪:‬‬
‫وهذا يتصور في الجنون والغماء والحيض والنفاس‪ ،‬ول يتصور في الكفر والصبا‪ ،‬فلو جن البالغ أو‬
‫أغمي عليه‪،‬أو حاضت المرأة أو نُفست في أول الوقت أو أثناءه بحيث يمكنه أداء الصلة‪ ،‬وجب عليه‬
‫عند الجمهور غير الحنفية قضاء تلك الصلة‪ ،‬إن مضى قدر الفرض مع الطهر‪ ،‬ول تجب الصلة‬
‫الثانية التي تجمع معها؛ لن وقت الولى ل يصلح للثانية إل إذا صلهما جمعا‪ ،‬بخلف العكس‪.‬‬
‫ودليل الجمهور على وجوب قضاء الصلة صاحبة الوقت؛ أن أول أجزاء الوقت هو سبب اليجاب‪،‬‬
‫أي علمة توجه الخطاب الشرعي‪ ،‬فمتى ابتدأ صار المكلف مطالبا بالفعل‪ ،‬مخيرا في جميع أجزاء‬
‫ل للتكليف أول الوقت‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬أقم الصلة لدلوك الشمس} [السراء‪]78/17:‬‬
‫الوقت‪ ،‬إذا كان أه ً‬
‫فقد جعل الدلوك علمة على توجه الخطاب إلى المكلف‪ ،‬ولما بينت السنة أوائل الوقات وأواخرها‬
‫وقال الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الوقت ما بين هذين» كما سبق‪ ،‬دل ذلك على التوسع على‬
‫المكلف‪ .‬ومتى وجب الواجب في الذمة استقر ولم يسقط‪ .‬وهذا الرأي هو الصح لدي‪ .‬وقال الحنفية (‬
‫‪ : )1‬لتجب صلة ذلك الوقت على أصحاب العذار هؤلء؛ لن سبب إيجاب الصلة‪ :‬هو الجزء‬
‫الذي يتصل به الداء من الوقت‪ ،‬فإن لم يؤد تعين الجزء الخير الذي يسع الواجب للسببية‪ ،‬وبعد‬
‫خروج الوقت تضاف السببية إلى جملة الوقت‪.‬‬
‫شروط صحة الصلة‪:‬‬
‫يشترط لصحة الصلة‪ :‬السلم والتمييز والعقل‪ ،‬كما يشترط ذلك لوجوب الصلة‪ ،‬فتصح الصلة من‬
‫المميز‪ ،‬لكن ل تجب عليه‪ ،‬وهناك أحد عشر شرطا أخرى متفق عليها بين الفقهاء‪ :‬وهي دخول‬
‫الوقت‪ ،‬والطهارة عن الحدثين‪ ،‬والطهارة عن النجس‪ ،‬وستر العورة‪ ،‬واستقبال القبلة‪ ،‬والنية‪ ،‬والترتيب‬
‫في أداء الصلة‪ ،‬وموالة فعلها‪ ،‬وترك الكلم إل بما هو من جنسها أو من مصالحها‪ ،‬وترك الفعل‬
‫الكثير من غير جنس الصلة‪ ،‬وترك الكل والشرب (‪. )2‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا الخلف بين الرأيين أمر أصولي معروف يرجع إليه في كتب الصول في بحث الواجب‬
‫الموسع‪.‬‬
‫(‪ )2‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،53 ،39 ،33‬فتح القدير‪ ،191-179/1:‬البدائع‪ ،146/1-114/1:‬تبيين‬
‫الحقائق‪ ،103-95/1:‬الدر المختار‪ ،410-372/1:‬اللباب‪ ،86 ،68-64/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪-50‬‬
‫‪ ،57‬بداية المجتهد‪ ،114-105/1:‬الشرح الصغير‪ ،302-265/1:‬مغني المحتاج‪،150-142/1:‬‬
‫‪ ،199-184‬المهذب‪ ،69-59/1:‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ ،55-49‬المغني‪،508-577 ،453-431/1:‬‬
‫‪ ،6/2‬كشاف القناع‪ ،374-287/1:‬المحرر في الفقه الحنبلي‪ ،29/1:‬حاشية الباجوري‪.149-141/1:‬‬

‫( ‪)1/641‬‬
‫الشرط الول ‪ -‬معرفة دخول الوقت‪:‬‬
‫ل تصح الصلة بدون معرفة الوقت يقينا أو ظنا بالجتهاد‪ ،‬فمن صلى بدونها لم تصح صلته‪ ،‬وإن‬
‫وقعت في الوقت‪ ،‬لتكون عبادته بنية جازمة‪ ،‬لشك فيها‪ ،‬فمن شك لم تصح صلته؛ لن الشك ليس‬
‫بجازم‪ .‬والدليل‪ :‬هو قوله تعالى‪:‬‬
‫{إن الصلة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء‪ ،]103/4:‬أي فرضا مؤقتا محدودا بوقت‪ .‬وقد‬
‫سبق بحث مواقيت الصلة‪ ،‬والجتهاد في الوقت‪.‬‬
‫الشرط الثاني ـ الطهارة عن الحدثين (‪: )1‬‬
‫الصغر والكبر ( الجنابة والحيض والنفاس)‪ ،‬بالوضوء والغسل‪ ،‬أو التيمم‪ .‬لقوله تعالى‪{ :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق }‪ ...‬إلى قوله سبحانه‪{ :‬وإن‬
‫كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة‪ ،]6/5:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ليقبل ال صلة بغير طهور» (‪)2‬‬
‫« ل يقبل ال صلة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (‪. )3‬‬
‫والطهارة عن الحدث شرط في كل صلة‪ ،‬مفروضة أو نافلة‪ ،‬كاملة أو ناقصة كسجدة التلوة‪ ،‬وسجدة‬
‫الشكر‪.‬‬
‫فإذا صلى بغير طهارة‪ ،‬لم تنعقد صلته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحدث لغة‪ :‬الشيء الحادث‪ ،‬وشرعا‪ :‬ما نعية شرعية تقوم بالعضاء إلى غاية وصول المزيل‬
‫لها‪.‬‬

‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري عن ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/642‬‬
‫وإذا تعمد الحدث بطلت الصلة بالجماع‪ ،‬إل في آخر الصلة فل تبطل عند الحنفية‪ ،‬وإن سبقه‬
‫الحدث بطلت صلته حالً عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا فسا أحدكم في‬
‫الصلة‪ ،‬فلينصرف وليتوضأ وليعد صلته» (‪ . )1‬وقال الحنفية‪ :‬ل تبطل في الحال وإنما تبطل بمكثه‬
‫قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظا بل عذر‪ .‬فإن وجد عذر كرعاف مثلً بنى على صلته إن‬
‫شاء (أي أكملها من بعد وقت العذر) بعد استكمال الطهارة‪ ،‬وإن شاء استأنف الصلة‪ ،‬أي ابتدأها من‬
‫جديد‪ ،‬ويخرج من الصلة واضعا يده على أنفه تسترا‪.‬‬
‫وقال المالكية كالحنفية‪ :‬يجوز البناء على الصلة في حالة الرعاف بشروط ستة بعد أن يخرج من‬
‫الصلة ممسكا أنفه من أعله وهو مارنه‪ ،‬ل من أسفله من الوترة لئل يبقى الدم في طاقتي أنفه‪ ،‬وهذه‬
‫الشروط هي‪:‬‬
‫الول‪ :‬إن لم يتلطخ بالدم بما يزيد على درهم‪ ،‬وإل قطع الصلة‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ولم يجاوز أقرب مكان ممكن‪ ،‬لغسل الدم فيه‪ ،‬فإن تجاوزه بطلت الصلة‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أن يكون المكان الذي يغسل فيه قريبا‪ ،‬فإن كان بعيدا بعدا فاحشا بطلت‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أل يستدبر القبلة بل عذر‪ ،‬فإن استدبرها لغير عذر بطلت‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أل يطأ في طريقه نجسا‪ ،‬وإل بطلت‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أل يتكلم في مضيه للغسل‪ ،‬فإن تكلم ولو سهوا بطلت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة وصححه ابن حبان عن علي بن طلق (سبل السلم‪.)131/1:‬‬

‫( ‪)1/643‬‬
‫الشرط الثالث ـ الطهارة عن الخبث‪ :‬أي النجاسة الحقيقية‪.‬‬
‫يشترط لصحة الصلة الطهارة عن النجس الذي ل يعفى عنه في الثوب والبدن والمكان حتى موضع‬
‫القدمين واليدين والركبتين‪ ،‬والجبهة على الصح عند الحنفية‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وثيابك فطهر} [المدثر‪:‬‬
‫‪ ،]4/74‬قال ابن سيرين‪ :‬هو الغسل بالماء‪ ،‬ولخبر الصحيحين السابق‪« :‬إذا أقبلت الحيضة فدعي‬

‫الصلة‪ ،‬وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» ولحديث العرابي المتقدم الذي بال في المسجد‪:‬‬
‫«أريقوا على بوله ذ َنوبا ـ دلوا ـ من ماء» فالية دلت على وجوب طهارة الثوب‪ ،‬والحديث الول‬
‫دل على وجوب طهارة البدن‪ ،‬والحديث الثاني دل على وجوب طهارة المكان‪ .‬ومشهور مذهب‬
‫المالكية‪ :‬أن الطهارة من النجس سنة مؤكدة‪ .‬والذي اعتبره شرطا كالشيخ خليل وشراحه جرى على‬
‫القول بأنها فرض مع الذكر والقدرة‪.‬‬
‫مسائل متفرعة على طهارة الثوب والبدن والمكان ‪:‬‬
‫أولً ـ طهارة الثوب والبدن‪:‬‬
‫أ ـ لو وقعت ثياب المصلي كالعباءة على أرض نجسة عند السجود‪ :‬ل يضر ذلك عند الحنفية؛ لن‬
‫المفسد للصلة عندهم أن يكون النجس في موضع قيامه أو جبهته أوفي موضع يديه أو ركبتيه‪.‬‬
‫ق بعضُ لباسه أو بدنه نجاسة؛ لن ثوب‬
‫وتفسد الصلة عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬فل تصح صلة مل ٍ‬
‫المصلي تابع له‪ ،‬وهو كعضو سجوده (‪. )1‬‬
‫ب ‪ -‬جهل النجاسة‪ :‬لو صلى حاملً نجاسة غير معفو عنها‪ ،‬ول يعلمها‪ :‬تبطل صلته في المذاهب‬
‫الثلثة (غير المالكية) وعليه قضاؤها‪ ،‬لن الطهارة مطلوبة في الواقع‪ ،‬ولو مع جهله بوجود النّجِس‬
‫أو بكونه مبطلً‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وثيابك فطهر} [المدثر‪ ]4/74:‬والمشهور عند المالكية‪ :‬أن الطهارة من‬
‫الخبث أو إزالة النجاسة واجبة في حال الذكر والقدرة‪ ،‬فمن صلى بها ذاكرا قادرا‪ ،‬أعاد‪ ،‬ويسقط‬
‫الوجوب بالعجز والنسيان‪ ،‬فل يعيد إن صلى ناسيا أو عاجزا (‪. )2‬‬
‫جـ ـ الثوب المتنجس أو المكان النجس‪ :‬إن لم يجد المصلي غير ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها‬
‫ولم يتيسر غسل النجاسة‪ ،‬أو وجد الماء ولم يجد من يغسلها‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،585-374/1:‬مغني المحتاج‪ ،190/1:‬الشرح الكبير لبن قدامة‪.475/1:‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،179/1:‬الدر المختار‪ ،373/1:‬مغني المحتاج‪ ،188/1 :‬الشرح الصغير‪،64/1،293:‬‬
‫كشاف القناع‪ ،22/1:‬المغني‪ ،109/1:‬المهذب‪ 59/1:‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪.163/1:‬‬

‫( ‪)1/644‬‬
‫وهو عاجز عن غسلها‪ ،‬أو وجده ولم يرض إل بأجرة ولم يجدها‪ ،‬أو وجدها ولم يرض إل بأكثر من‬
‫أجرة المثل‪ ،‬أو حبس على نجاسة‪ ،‬واحتاج إلى فرش السترة عليها‪ ،‬لم يجز لبس الثوب النجس عند‬
‫الشافعية لنه سترة نجسة‪ ،‬وجاز لبسه عند الحنفية والمالكية والحنابلة ‪ ،‬والصلة به ‪ ،‬وصلى عند‬

‫المالكية قائما عُرْيانا إن لم يجد ثوبا يستر به عورته‪ ،‬لن ستر العورة مطلوب عند توفر القدرة على‬
‫سترها‪ ،‬والمعتمد العادة في الوقت إن وجد ثوبا طاهرا‪ ،‬إن صلى بنجس أو بحرير أو بذهب ولو‬
‫خاتما‪ ،‬أو صلى عريانا‪.‬‬
‫ل بفعل ابن عمر‪ ،‬روى‬
‫ويصلي في حال فقد الساتر جالسا‪ ،‬يومئ إيماءً عند الحنابلة والحنفية‪ ،‬عم ً‬
‫الخلل بإسناده عن ابن عمر في قوم انكسرت مراكبهم‪ ،‬فخرجوا عراة‪ ،‬قال‪« :‬يصلون جلوسا‪،‬‬
‫يومئون إيماءً برؤوسهم» وروى عبد الرزاق عن ابن عباس‪ ،‬قال‪« :‬الذي يصلي في السفينة‪ ،‬والذي‬
‫يصلي عريانا‪ ،‬يصلي جالسا» ‪ .‬أما في حالة وجود الساتر النجس فيصلي فيه‪ ،‬ول يعيد‪ ،‬ول يصلي‬
‫عريانا؛ لن الستر آكد من إزالة النجاسة‪ ،‬فكان أولى‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬غطّ‬
‫فخذك» وهذا عام‪ ،‬ولن السترة متفق على اشتراطها‪ ،‬والطهارة من النجاسة مختلف فيها‪ ،‬فكان المتفق‬
‫عليه أولى‪.‬‬
‫ويصلي عند الشافعية عريانا متما الركان‪ ،‬ول إعادة عليه على المذهب عندهم‪ ،‬لن الصلة مع‬
‫العري يسقط بها الفرض‪ .‬لكن لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها‪ ،‬ولم يجد ما يغسل به‪ ،‬صلى‬
‫وأعاد كفاقد الطهورين؛ لن الصلة مع النجاسة ل يسقط بها الفرض‪.‬‬
‫وفصل الحنفية (‪ )1‬في المر فقالوا‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪.98/1:‬‬

‫( ‪)1/645‬‬
‫إن كان ربع الثوب فأكثر طاهرا‪ ،‬صلى فيه حتما‪ ،‬ولم يصل عريانا؛ لن الربع كالكل‪ ،‬يقوم مقامه في‬
‫مواضع منها كشف العورة (‪ ، )1‬ويتحتم عليه تقليل النجاسة بقدر المكان‪ ،‬ويلبس أقل ثوبيه نجاسة‪.‬‬
‫وإن كان أقل من ربعه طاهرا‪ ،‬ندب صلته فيه بالقيام والركوع والسجود‪ ،‬وجاز أن يصلي عاريا‬
‫باليماء‪ ،‬والصلة في ثوب نجس الكل أحب من الصلة عريانا‪ .‬وهذا رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي‬
‫يوسف (‪ . )2‬وإذا لم يجد المسافر ما يزيل به النجاسة أو يقللها‪ ،‬صلى معها‪ ،‬أو عاريا‪ ،‬ول إعادة‬
‫عليه‪ ،‬والقاعدة عندهم‪ :‬أن فاقد ما يزيل به النجاسة يصلي معها‪ ،‬ول إعادة عليه‪ ،‬ول على فاقد ما‬
‫يستر عورته‪ .‬والصلة عُرْيانا‪ :‬أن يمد رجليه إلى القبلة لكونه أستر‪ ،‬ويومئ إيماء بالركوع والسجود‬
‫وهو أفضل من الصلة قائما؛ لن الستر آكد‪.‬‬
‫د ـ جهالة محل النجاسة في الثوب‪ :‬إذا وجد ثوب متنجس‪ ،‬ولكن خفي عليه موضع النجاسة‪:‬‬

‫يكفي عند الحنفية غسل طرف من الثوب‪ ،‬ولو من غير تحر‪ ،‬ويطهر‪ .‬ويغسل الثوب كله أو البدن كله‬
‫عند الشافعية إن كان الخفاء في جميعه‪ ،‬وكذلك يغسل كله على الصحيح إن ظن طرفا‪ ،‬لن الثوب‬
‫والبدن واحد‪ .‬ولو اشتبه عليه طاهر ونجس من ثوبين أو بيتين‪ ،‬اجتهد فيهما للصلة (‪. )3‬‬
‫هـ ـ طرف الثوب على نجاسة‪ :‬لو كان على المصلي ثوب أو غيره وطرفه واقع على نجاسة‬
‫كطرف عمامته الطويلة أو كمه الطويل المتصل بنجاسة‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أقام الشرع الربع مقام الكل في كثير من المواضع‪ ،‬كما في حلق المحرم ربع رأسه‪ ،‬ومسح ربع‬
‫الرأس في الوضوء‪ ،‬وكشف العورة‪ ،‬إذ الموضع موضع احتياط‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ 183/1:‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،117/1:‬الشرح الصغير‪ 283/1:‬ومابعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،186/1:‬حاشية الباجوري‪ ،144/1:‬المهذب‪ ،61-60/1:‬المغني‪ ،587/1،592،594:‬فتح‬
‫القدير‪ ،184/1:‬اللباب‪ ،66/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.38‬‬
‫(‪ )3‬المهذب‪ ،61/1 :‬مغني المحتاج‪.189/1:‬‬

‫( ‪)1/646‬‬
‫لم تصح صلته عند الشافعية كالمسألة الولى‪ ،‬وإن لم يتحرك الطرف الذي يلقي النجاسة بحركته‬
‫أثناء قيامه وقعوده أو ركوعه وسجوده؛ لن اجتناب النجاسة في الصلة شرع للتعظيم‪ ،‬وهذا ينافيه‬
‫هنا‪ .‬وذلك بخلف ما لو سجد على متصل بالنجاسة حيث تصح الصلة إن لم يتحرك بحركته؛ لن‬
‫المطلوب في السجود كونه مستقرا على غيره‪ ،‬لحديث «مكّن جبهتك» فإذا سجد على متصل بنجس لم‬
‫يتحرك بحركته‪ ،‬حصل المقصود‪ ،‬وعلى هذا ل يضر في صحة الصلة نجس يحاذي صدر المصلي‬
‫في الركوع والسجود وغيرهما على الصحيح‪ ،‬لعدم ملقاته له‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬تصح صلته إن لم يتحرك الطرف النجس بحركته‪ ،‬فإن تحرك لم تصح؛ لن الشرط‬
‫عندهم طهارة ثوب المصلي وما يتحرك بحركته‪ ،‬أو يعد حاملً له‪ ،‬كما سيأتي‪ .‬وذلك بخلف ما لم‬
‫يتصل كبساط طرفه نجس‪ ،‬وموضع الوقوف والجبهة طاهر‪ ،‬فل يمنع صحة الصلة (‪. )1‬‬
‫و ـ إمساك حبل مربوط بنجس‪ :‬إذا أمسك المصلي حبلً مربوطا بنجس‪ ،‬كالحبل الذي يمسك به كلب‬
‫بقلدة في عنقه‪ ،‬أو دابة أو مركب صغير يحملن نجسا‪:‬‬
‫لم تصح صلته عند الشافعية في الصح؛ لن الكلب سواء أكان صغيرا أم كبيرا نجس العين عندهم‪،‬‬
‫ويصبح المصلي في هذه الحالة حاملً نجسا‪ ،‬لنه إذا مشى انجر معه‪ .‬بخلف السفينة الكبيرة التي ل‬

‫تنجر بجره‪ ،‬فإنها كالدار‪ ،‬تصح الصلة بحبل متصل بها‪.‬‬
‫وتصح صلته عند الحنفية كالحالة السابقة في حالة إمساك الكلب بناء على الراجح عندهم أنه ليس‬
‫بنجس العين‪ ،‬بل هو طاهر الظاهر‪ ،‬كغيره من الحيوانات سوى الخنزير‪ ،‬فل ينجس إل بالموت‪.‬‬
‫وذلك إذا لم يسل من الكلب ما يمنع الصلة (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،373/1:‬مغني المحتاج‪ ،190/1:‬المهذب‪ ،61/1 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص‬
‫‪.38‬لكن لو جعل طرف الحبل تحت رجله‪ ،‬صحت صلته في جميع الصور عند الشافعية‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار رد المحتار‪ ،374/1 :‬مغني المحتاج‪ ،‬والمهذب‪ :‬المكان السابق‪ ،‬المجموع‪155/3:‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)1/647‬‬
‫ز ـ حمل بيضة صار مُحّها (‪ )2‬دما‪ :‬لو صلى المصلي حاملً بيضة َمذِرة (فاسدة) صار محها دما‪،‬‬
‫جاز عند الحنفية‪ ،‬كمسألة الكلب‪ ،‬لن الدم في معدن البيض‪ ،‬والشيء ما دام في معدنه ل يعطى له‬
‫حكم النجاسة‪ ،‬بخلف ما لو حمل قارورة فيها بول‪ ،‬فل تجوز صلته؛ لنه في غير معدنه‪.‬‬
‫ول تصح صلته في الحالتين عند الشافعية في أصح الوجهين في البيضة‪ ،‬وفي الصحيح في‬
‫القارورة؛ لنه يكون حاملً نجاسة (‪)2‬‬
‫ح ـ حمل صبي صغير في الصلة‪ :‬لو حمل المصلي صبيا صغيرا عليه نجس‪ :‬تبطل صلته عند‬
‫الحنفية إن لم يستمسك بنفسه؛ لنه يعد حاملً للنجاسة‪ ،‬ويشترط عندهم طهارة ما يعد حاملً له أي‬
‫باستثناء ما يكون في الجوف كمسألة الكلب والبيضة السابقة‪ .‬وتصح صلته إن كان الصغير يستمسك‬
‫بنفسه؛ لنه ل يعد حاملً للنجاسة‪.‬‬
‫وقال الشافعية كالحنفية وغيرهم اتفاقا ل خلف فيه‪ :‬ل يضر حمل الصبي الذي ل تظهر عليه نجاسة‪،‬‬
‫فلو حمل حيوانا طاهرا في صلته‪ ،‬صحت صلته؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم حمل أمامة بنت‬
‫أبي العاص في صلته (‪ ، )3‬ولن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة هو كالنجاسة التي‬
‫في جوف المصلي (‪. )4‬‬
‫ط ـ وصل العظم بنجس‪ :‬قال الشافعية‪ :‬لو وصل عظمه المنكسر بنجس لفقد الطاهر‪ ،‬فهو معذور‬
‫تصح صلته معه للضرورة (‪. )5‬‬
‫ثانيا ـ طهارة المكان‪:‬‬

‫تشترط طهارة مكان المصلي مباشرة‪ ،‬فإن لم تباشره النجاسة جازت الصلة كما في الصور التية‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المح‪ :‬خالص كل شيء ‪ .‬والمراد هنا صفرة البيض أو كل ما في البيض‪.‬‬
‫(‪ )2‬رد المحتار‪ ،‬المكان السابق‪ ،‬المهذب‪ :‬المكان السابق‪ ،‬المجموع‪.157/3:‬‬
‫(‪ )3‬حديث أمامة رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )4‬رد المحتار‪ ،‬المهذب‪ ،‬المكان السابق‪ ،‬المجموع‪.156/3:‬‬
‫(‪ )5‬مغني المحتاج‪.190/1 :‬‬

‫( ‪)1/648‬‬
‫أ ـ الصلة على بساط عليه نجاسة‪ :‬إذا صلى على بساط عليه نجاسة‪ :‬فإن صلى على الموضع‬
‫النجس‪ ،‬فل تصح صلته بالتفاق؛ لنه ملق للنجاسة‪ ،‬ووضع العضو على النجاسة بمنزلة حملها‪.‬‬
‫وإن صلى على موضع طاهر‪ ،‬صحت صلته اتفاقا أيضا‪ ،‬ولو كان البساط صغيرا في الصح عند‬
‫الحنفية؛ لنه غير ملق للنجاسة ول حامل لما هو متصل بالنجاسة (‪. )1‬‬
‫ب ـ الصلة على موضع نجس بحائل‪ :‬إن فرش على الرض النجسة شيئا وصلى عليه‪ ،‬جاز‬
‫بالتفاق إن صلح الفرش ساترا للعورة؛ لنه غير مباشر للنجاسة ول حامل لما هو متصل بها‪ .‬فإن‬
‫لمس النجاسة من ثقوب الفرش‪ ،‬بطلت صلته (‪ ، )2‬وأضاف الحنفية‪ :‬أنه تجوز الصلة على لِبْد‬
‫(فرش سميك) وجهه العلى طاهر‪ ،‬والسفل نجس‪ ،‬وعلى ثوب طاهر وبطانته نجسة إذا كان غير‬
‫مخيط بها‪ ،‬لنه كثوبين فوق بعضهما‪.‬‬
‫جـ ـ النجاسة في بيت أو صحراء‪ :‬إذا كانت النجاسة في بيت أو صحراء وعرف مكانها‪ ،‬صلى في‬
‫المواضع الخالية عن النجاسة‪.‬‬
‫وإن خفي عليه موضعها‪ :‬تحرى المكان الطاهر وصلى عند الحنفية‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )3‬إن كانت الرض واسعة كصحراء‪ ،‬فصلى في موضع منها جاز؛ لنه غير‬
‫متحقق لها‪ ،‬ولن الصل فيها الطهارة‪ ،‬ول يمكن غسل جميعها‪.‬‬
‫وإن كانت الرض صغيرة كبيت‪ ،‬لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله‪ ،‬كما في حالة الشك بنجاسة جزء‬
‫من الثوب؛ لن البيت ونحوه يمكن غسله وحفظه من النجاسة‪ ،‬فإذا نجس أمكن غسله‪ ،‬وإذا خفي‬
‫موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب‪.‬‬
‫وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه‪ ،‬تحرى‪ ،‬كما يتحرى في الثوبين‪.‬‬

‫وإن حبس في موضع نجس ـ حُش (هو الخلء)‪ ،‬وجب عليه أن يصلي عند جمهور العلماء‪ ،‬لقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬وإذا أمرتكم بشيء‪ ،‬فأتوا منه ما استطعتم» (‪ )4‬وقياسا على المريض العاجز‬
‫عن بعض الركان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،‬المكان السابق‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،190/1:‬المهذب‪ ،62/1:‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.38‬‬
‫(‪ )2‬رد المحتار‪ ،‬المهذب‪ ،‬المكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )3‬المهذب‪ ،62/1:‬المجموع‪ 160/1:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ‪« :‬ما نهيتكم عنه فاجتنبوه‪ ،‬وما أمرتكم به فأتوا منه ما‬
‫استطعتم‪. »..‬‬

‫( ‪)1/649‬‬
‫وإذا صلى يجب عليه أن يتجافى عن النجاسة في قعوده بيديه وركبتيه وغيرهما القدر الممكن‪ ،‬ويجب‬
‫عليه أيضا اليماء أو النحناء في السجود إلى القدر الذي لو زاد عليه لقى النجاسة‪ ،‬ول يسجد على‬
‫الرض‪ ،‬على الصحيح؛ لن الصلة قد تجزئ مع اليماء‪ ،‬ول تجزئ مع النجاسة‪.‬‬
‫وتجب عليه العادة في موضع طاهر على الجديد الصح‪ ،‬ومستحبة على القديم‪ ،‬لنه ترك الفرض‬
‫لعذر نادر غير متصل‪ ،‬فلم يسقط عنه الفرض‪ ،‬كما لو ترك السجود ناسيا‪ .‬والذي يعتبر فرضا هو‬
‫الصلة الثانية في أصح الوجه عند الشافعية‪.‬‬
‫الشرط الرابع ـ ستر العورة ‪:‬‬
‫العورة لغة‪ :‬النقص‪ ،‬وشرعا‪ :‬ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه‪ ،‬والمعنى الول هو المراد هنا في‬
‫الصلة‪ .‬يشترط ستر العورة عن العيون‪ ،‬ولو كان خاليا في ظلمة عند القدرة في رأي الجمهور‪ .‬وقال‬
‫الحنفية‪ :‬يجب الستر بحضرة الناس إجماعا‪ ،‬وفي الخلوة على الصحيح‪ ،‬فلو صلى في الخلوة عريانا‪،‬‬
‫ولو في بيت مظلم‪ ،‬وله ثوب طاهر‪ ،‬ل يجوز (‪. )1‬‬
‫ويجب ستر العورة في الصلة وغيرها ولو في الخلوة إل لحاجة كاغتسال وتغويط واستنجاء‪.‬‬
‫والدليل على وجوب الستر‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬خذوا زينتكم عند كل مسجد} [العراف ‪]7/31‬قال ابن‬
‫عباس‪ :‬المراد به‪ :‬الثياب في الصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪.375/1:‬‬

‫( ‪)1/650‬‬
‫وقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يقبل ال صلة حائض إل بخمار» (‪ )1‬والخمار‪ :‬ما يغطى به رأس‬
‫المرأة‪ ،‬وقوله عليه السلم‪« :‬يا أسماء‪ ،‬إن المرأة إذا بلغت المحيض‪ ،‬لم يصلح أن يرى منها إل هذا‬
‫وهذا‪ ،‬وأشار إلى وجهه وكفيه» (‪. )2‬‬
‫وأجمع العلماء على وجوب سترة المرأة مطلقا‪ ،‬في الصلة وغيرها‪.‬‬
‫شروط الساتر‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬يجب أن يكون صفيقا كثيفا‪ :‬فالواجب الستر بما يستر لون البشرة وليصفها من ثوب صفيق أو‬
‫جلد أو ورق‪ ،‬فإن كان الثوب خفيفا أو رقيقا يصف ما تحته أو يتبين لون الجلد من ورائه‪ ،‬فيعلم‬
‫بياضه أو حمرته‪ ،‬لم تجز الصلة به؛ لن الستر ل يحصل بذلك‪ .‬وإن كان يستر لونها‪،‬ويصف الخلقة‬
‫أو الحجم؛ جازت الصلة به؛ لن هذا مما ل يمكن التحرز منه‪ ،‬حتى ولو كان الساتر صفيقا‪ ،‬لكنه‬
‫عند الشافعية للمرأة مكروه‪ ،‬وللرجل خلف الولى‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬شرط الساتر‪ :‬ما يمنع لون البشرة‪ ،‬ولو ماء كدرا أو طينا‪ ،‬لخيمة ضيقة وظلمة‪،‬‬
‫ويجب عندهم أن يكون الساتر طاهرا‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬إن ظهر ما تحته فهو كالعدم‪ ،‬وإن وصف فهو‬
‫مكروه (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 2‬والشرط عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أن يشمل المستور لبسا ونحوه‪ ،‬فل تكفي الخيمة الضيقة‬
‫والظلمة‪ .‬وتكفي الظلمة عند الحنفية والمالكية للضرورة؛ لن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الحاكم‪ ،‬وقال‪ :‬إنه على شرط مسلم‪ ،‬ورواه أيضا الخمسة إل النسائي وصححه ابن خزيمة‬
‫عن عائشة‪ .‬والمراد بالحائض‪ :‬البالغ التي بلغت سن الحيض؛ لن الحائض في زمن حيضها لتصح‬
‫صلتها‪ ،‬بخمار ول غيره (نيل الوطار‪.)67/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود عن عائشة‪ ،‬وهو حديث مرسل (نصب الراية‪.)299/1:‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ .54‬الواجب عندهم هو ستر العورة عن غيره‪ ،‬ولو حكما كمكان مظلم‪ ،‬ل‬
‫سترها عن نفسه‪ ،‬على المفتى به‪.‬‬

‫( ‪)1/651‬‬

‫ً‪ - 3‬والمطلوب هو ستر العورة من جوانبها‪ ،‬على الصحيح عند الحنفية‪ ،‬وغيرهم من الفقهاء‪ ،‬فل‬
‫يجب الستر من أسفل أو من فتحة قميصه‪ ،‬فلو صلى على زجاج يصف ما فوقه‪ ،‬جاز‪.‬‬
‫وإن وجد مإ يستر بعض عورته‪ ،‬يجب سترها ولو بيده في الصح عند الشافعية‪ ،‬لحصول المقصود‪،‬‬
‫فإن كفى الساتر سوأتيه أو الفرجين تعين لهما‪ ،‬وإن كفى أحدهما تعين عليه ستر القُبُل ثم الدبر عند‬
‫الشافعية‪ ،‬وبالعكس عند الحنفية والمالكية‪ .‬ويجب أن يزر قميصه أو يشد وسطه إن كانت عورته‬
‫تظهر منه في الركوع أو غيره‪.‬‬
‫الصلة في الثوب الحرام‪ :‬يصح الستر مع الحرمة عند المالكية والشافعية‪ ،‬وتنعقد الصلة مع الكراهة‬
‫التحريمية عند الحنفية‪ :‬بما ل يحل لبسه كثوب حرير للرجل‪ ،‬ويأثم بل عذر‪ ،‬كالصلة في الرض‬
‫المغصوبة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬ل تصح الصلة بالحرام كلبس ثوب حرير‪ ،‬أو صلة في أرض مغصوبة ولو منفعتها‬
‫أو بعضها‪ ،‬أو صلة في ثوب ثمنه كله أو بعضه حرام أو كان متختما بخاتم ذهب‪ ،‬إن كان عالما‬
‫ذاكرا (‪ ، )1‬لما روى أحمد عن ابن عمر‪« :‬من اشترى ثوبا بعشرة دراهم‪ ،‬وفيه درهم حرام‪ ،‬لم يقبل‬
‫صمّتا إن لم يكن النبي صلّى ال عليه‬
‫ال له صلة‪ ،‬ما دام عليه» ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال‪ُ « :‬‬
‫وسلم سمعته يقوله» (‪ ، )2‬ولحديث عائشة‪« :‬من عمل عملً ليس عليه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،313/1 :‬المغني‪ 587/1:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬لكن في إسناده رجلن‪ :‬هاشم وبقية‪ ،‬قال البخاري‪ :‬هاشم غير ثقة‪ ،‬وبقية‪ :‬مدلّس‪.‬‬

‫( ‪)1/652‬‬
‫أمرنا فهو رد» (‪ ، )1‬ولن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه‪ ،‬فلم يقع عبادة كالصلة في زمن‬
‫الحيض‪ ،‬وكالنجس‪.‬‬
‫فإن جهل كونه حريرا أو غصبا‪ ،‬أو نسي كونه حريرا أو غصبا‪ ،‬أو حبس بمكان غصب أو نجس‪،‬‬
‫صحت صلته؛ لنه غير آثم‪.‬‬
‫وأجاز المالكية والحنفية الصلة بثوب نجس كما أوضحت سابقا‪.‬‬
‫واتفق علماء المذاهب‪ :‬أن ستر العورة واجب ولو بإعارة‪ ،‬فإن صلى عريانا مع وجود ثوب عارية‪،‬‬
‫أو مع وجود ثوب من حرير طاهر عند الجمهور غير الحنابلة‪ ،‬بطلت صلته‪ .‬ولو وُعد به‪ ،‬ينتظر ما‬
‫لم يخف فوات الوقت‪ ،‬وهو الظهر عند الحنفية‪ ،‬ويلزمه الشراء بثمن المثل (‪ )2‬كالمقرر في شراء‬

‫الماء سابقا‪.‬‬
‫عادم الساتر‪ :‬من لم يجد ساترا لعورته‪ :‬صلى عريانا عند المالكية؛ لن ستر العورة مطلوب عند‬
‫القدرة‪ ،‬ويسقط بالعجز‪.‬‬
‫ل بفعل ابن عمر كما أبنت سابقا في الشرط الثالث‪.‬‬
‫وصلى قاعدا يومئ إيماء عند الحنابلة‪ ،‬عم ً‬
‫ويجب عليه أن يصلي عند الشافعية والحنفية ولو بطين يتطين به يبقى إلى تمام صلته‪ ،‬أو بماء كدر‬
‫غير صاف‪ ،‬وتكفيه الظلمة للضطرار عند الحنفية والمالكية‪ ،‬وباليد عند الشافعية في الصح وعند‬
‫الحنابلة لحصول المقصود كما تقدم‪ ،‬ويصلي قائما عند الشافعية متمما الركان‪ ،‬ول إعادة عليه على‬
‫المذهب عندهم كما أوضحت‪ .‬ويصلي قاعدا موميا بركوع وسجود عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬وهو أفضل‬
‫من الصلة قائما بإيماء أو بركوع وسجود؛ لن الستر أهم من أداء الركان‪.‬‬
‫قال الحنابلة‪ :‬ومن كان في ماء وطين ولم يمكنه السجود على الرض إل بالتلوث بالطين والبلل بالماء‬
‫صلى على دابته‪ ،‬يومئ بالركوع والسجود (‪. )3‬‬
‫انكشاف العورة فجأة‪ :‬إن انكشفت عورة المصلي فجأة بالريح مثلً عن غير عمد‪ ،‬فستره في الحال‪ ،‬لم‬
‫تبطل صلته عند الشافعية والحنابلة لنتفاء المحذور‪ ،‬وإن قصر أو طال الزمان‪ ،‬بطلت بسبب‬
‫تقصيره‪ ،‬ولن الكثير يفحش انكشاف العورة فيه‪ ،‬ويمكن التحرز منه‪ ،‬فلم يعف عنه(‪. )4‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬تبطل الصلة مطلقا بانكشاف العورة المغلظة‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة‪ ،‬فسدت الصلة إن استمر بمقدار أداء ركن‪،‬‬
‫بل صنعه‪ ،‬فإن كان بصنعه فسدت في الحال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم عن عائشة‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،382/1 :‬المجموع‪....193/3:‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.599/1:‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،188/1:‬المغني‪.....580/1:‬‬

‫( ‪)1/653‬‬
‫صلة العراة جماعة‪ :‬الجماعة مشروعة للعراة‪ ،‬فلهم عند الشافعية والحنابلة أن يصلوا فرادى أو‬
‫جماعة‪ ،‬وفي حال الصلة جماعة يقف المام معهم في الصف وسطا‪ ،‬ويكون المأمومون صفا واحدا‪،‬‬
‫حتى ل ينظر بعضهم إلى عورة بعض‪ ،‬فإن لم يمكن إل صفين‪ ،‬صلوا وغضوا البصار‪.‬‬

‫وإن اجتمع نسوة عراة‪ ،‬استحب لهن الجماعة‪ ،‬وتقف المرأة المام وسطهن في كل حال لنهن‬
‫عورات؛ لن صلة الجماعة أفضل من صلة الفرد‪ ،‬كما هو الثابت في السنة‪ .‬ويصلون قياما مع‬
‫إتمام جميع الركان عند الشافعية‪ ،‬ويومئون إيماء‪ ،‬ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم عند الحنابلة‪.‬‬
‫وهل الفضل أن يصلوا جماعة أو فرادى؟‬
‫عمْيا أو في ظلمة بحيث ل يرى بعضهم بعضا‪ ،‬استحبت الجماعة بل خوف‪،‬‬
‫قال الشافعية‪ :‬إن كانوا ُ‬
‫ويقف إمامهم ُقدّامهم‪ .‬وإن كانوا بحيث يرون‪ ،‬فأصح القوال أن الجماعة والنفراد سواء‪.‬‬
‫وإن وجد مع إنسان كسوة‪ ،‬استحب أن يعيرهم‪ ،‬فإن لم يفعل‪ ،‬لم يغصب منه؛ لن صلتهم تصح من‬
‫غير سترة‪.‬‬
‫وقال المالكية والحنفية‪ :‬يصلون فرادى‪ ،‬ويتباعد بعضهم من بعض‪ ،‬وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة‬
‫ويتقدمهم إمامهم (‪ . )1‬وإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة قياما صفا واحدا مع ركوع وسجود‪ ،‬إمامهم‬
‫وسطهم‪ ،‬غاضين أبصارهم وجوبا‪.‬‬
‫حد العورة‪ :‬يشترط عند أئمة المذاهب لصحة الصلة ستر العورة كما تقدم‪ ،‬لكن الفقهاء اختلفوا في‬
‫حد العورة للرجل والمة والمرأة الحرة‪ ،‬فما آراؤهم تفصيلً؟‬
‫مذهب الحنفية (‪: )2‬‬
‫أ ـ عورة الرجل‪ :‬هي ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته‪ ،‬فالركبة من الفخذ عورة في الصح‪ ،‬عملً‬
‫بالمأثور عندهم‪« :‬عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته» أو «مادون سرته حتى يجاوز ركبته» (‪)3‬‬
‫ولحديث ضعيف عند الدارقطني‪« :‬الركبة من‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ 191/3:‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،6/1:‬المغني‪ ،596/1،598:‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪:‬‬
‫‪.221/1‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،397-375/1:‬تبيين الحقائق للزيلعي‪.....97-95/1:‬‬
‫(‪ )3‬هذا مأخوذ من أحاديث ثلثة‪ :‬الول ‪ -‬حديث الدارقطني وأحمد وأبي داود عن عمرو بن شعيب‬
‫عن أبيه عن جده «‪ ..‬فإذا زوج أحدكم أمته‪ ،‬عبده أو أجيره‪ ،‬فل ينظر إلى ما دون السرة وفوق‬
‫الركبة‪ ،‬فإن تحت السرة إلى الركبة من العورة» وهو ضعيف‪ .‬والثاني ‪ -‬حديث الحاكم عن عبد ال‬
‫بن جعفر«مابين السرة إلى الركبة عورة» وهو موضوع‪ ،‬الثالث ـ حديث الدارقطني عن أبي أيوب‪:‬‬
‫«ما فوق الركبتين من العورة‪ ،‬وما أسفل السرة من العورة» وهو غريب (نصب الراية‪-296/1:‬‬
‫‪.)297‬‬

‫( ‪)1/654‬‬

‫‪ :‬العورة» (‪. )1‬‬
‫ب ـ المَة (الرقيقة)‪ :‬كالرجل في العورة‪ ،‬مع ظهرها وبطنها وجنبها‪ ،‬لقول عمر رضي ال‪« :‬ألق‬
‫عنك الخمار يا دفار‪ ،‬أتتشبهين بالحرائر» (‪ ، )2‬ولنها تخرج لحاجة مولها في ثياب مهنتها عادة‪،‬‬
‫فاعتبرت كالمحارم في حق الجانب عنها دفعا للحرج‪.‬‬
‫جـ ـ المرأة الحرة ومثلها الخنثى‪ :‬جميع بدنها حتى شعرها النازل في الصح‪ ،‬ما عدا الوجه‬
‫والكفين‪ ،‬والقدمين ظاهرهما وباطنهما على المعتمد لعموم الضرورة‪ ،‬والصوت على الراجح (‪ )3‬ليس‬
‫بعورة‪ ،‬لكن ظهر الكف عورة على المذهب‪ ،‬والصح أن باطن الكفين وظاهرهما ليسا بعورة‪.‬‬
‫والقدمان ليسا بعورة في حق الصلة على المعتمد‪ ،‬والصحيح أنهما عورة في حق النظر والمس‪.‬‬
‫واستدلوا بقوله تعالى‪{ :‬ول يبدين زينتهن إل ما ظهر منها} [النور‪ ]31/24:‬والمراد محل زينتهن‪ ،‬وما‬
‫ظهر منها‪ :‬الوجه والكفان‪ ،‬كما قال ابن عباس وابن عمر‪ ،‬وبقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬المرأة‬
‫عورة‪ ،‬فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (‪ )4‬وبحديث عائشة السابق‪« :‬يا أسماء‪ ،‬إن المرأة إذا بلغت‬
‫المحيض‪ ،‬لم يصلح أن يرى منها إل هذا وهذا‪ ،‬وأشار إلى وجهه وكفه» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصب الراية‪297/1:‬‬
‫(‪ )2‬قال عنه الزيلعي‪ :‬غريب وبمعناه روى عبد الرازق عن عمر‪ ،‬ورواه البيهقي‪ ،‬وقال‪ :‬الثار بذلك‬
‫عن عمر صحيحة (نصب الراية‪.)300/1:‬‬
‫(‪ )3‬لكن نغمة المرأة ‪ ،‬وتليينه أي تمطيط الصوت عورة في الذان وغيره‪ ،‬فل يحل سماعه‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الترمذي عن عبد ال بن مسعود‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح غريب‪ ،‬ورواه ابن حبان أيضا‬
‫(نصب الراية‪.)298/1:‬‬
‫(‪ )5‬أخرجه أبو داود‪ ،‬وهو حديث مرسل‪.‬‬

‫( ‪)1/655‬‬
‫وبحديث عائشة المتقدم أيضا‪« :‬ل يقبل ال صلة حائض إل بخمار» والخمار‪ :‬ما يغطى به رأس‬
‫المرأة‪.‬‬
‫وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال‪ ،‬ل لنه عورة‪ ،‬بل لخوف الفتنة‪ ،‬أي الفجور بها‪ ،‬أو‬
‫الشهوة‪ .‬والمعنى أنها تمنع من الكشف خوفا أن يرى الرجال وجهها‪ ،‬فتقع الفتنة؛ لنه مع الكشف قد‬
‫يقع النظر إليها بشهوة‪.‬‬

‫ول يجوز النظر إلى وجه المرأة والفتى المرد بشهوة‪ ،‬إل لحاجة‪ ،‬كقاض أو شاهد أو للشهادة عليها‪،‬‬
‫وخاطب يريد زواجها‪ ،‬فينظر ولو عن شهوة‪ ،‬بنية العمل بالسنة‪ ،‬ل قضاء الشهوة‪ ،‬وكذا في حال‬
‫المداواة إلى موضع المرض بقدر الضرورة‪.‬‬
‫والمعتمد عند الحنفية‪ :‬أن كشف ربع عضو من أعضاء العورة (الغليظة وهي القبل والدبر وما‬
‫حولهما‪ ،‬أو المخففة‪ :‬وهي ما عدا السوأتين) (‪ )1‬إن استمر بمقدار أداء ركن‪ ،‬بدون تعمد‪ ،‬وإنما‬
‫سهوا‪ ،‬يبطل الصلة؛ لن ربع الشيء له حكم الكل‪ ،‬كما تقدم سابقا‪ .‬ول تبطل بما دون ذلك‪ ،‬فمن‬
‫كشف ربع بطن أو فخذ أو شعر نزل من الرأس‪ ،‬أو دبر‪ ،‬أو ذكر‪ ،‬أو أنثيين‪ ،‬أو فرج بطلت صلته‪،‬‬
‫إن استمر مقدار أداء ركن‪ ،‬وإل ل يبطل‪.‬‬
‫مذهب المالكية (‪: )2‬‬
‫يجب ستر العورة عن أعين الناس إجماعا‪ ،‬أما في الصلة فالصحيح من المذهب وجوب ستر ما‬
‫يأتي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ل فرق بين العورتين إل من حيث أن حرمة النظر إلى الغليظة أشد‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،285/1:‬بداية المجتهد‪ ،111/1:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،53‬الشرح الكبير‪:‬‬
‫‪ ،217-211/1‬شرح الرسالة‪.98/1:‬‬

‫( ‪)1/656‬‬
‫أ ـ عورة الرجل في الصلة‪ :‬هي المغلظة فقط وهي السوأتان وهما من المقدم‪ :‬الذكر مع النثيين‪،‬‬
‫ومن المؤخر‪ :‬ما بين الليتين‪ .‬فيجب إعادة الصلة في الوقت لمكشوف الليتين فقط‪ ،‬أو مكشوف‬
‫العانة‪ .‬فليس الفخذ عورة عندهم‪ ،‬وإنما السوأتان فقط‪ ،‬لحديث أنس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫يوم خيبر حَسَر الزار عن فخذه‪ ،‬حتى إني لنظر إلى بياض فخذه» (‪. )1‬‬
‫ب ـ عورة المة هي السوأتان مع الليتين‪ ،‬فإذا انكشف منها شيء من ذلك أو كشفت فخذا كله أو‬
‫بعضه‪ ،‬أعادت أبدا في الوقت‪ ،‬كالرجل‪ .‬ووقت العادة في الظهر والعصر للصفرار‪ ،‬وفي المغرب‬
‫والعشاء‪ :‬الليل كله‪ ،‬وفي الصبح لطلوع الشمس‪.‬‬
‫جـ ـ عورة الحرة المغلظة‪ :‬جميع البدن ما عدا الصدر والطراف من رأس ويدين ورجلين‪ .‬وما‬
‫قابل الصدر من الظهر كالصدر‪ .‬فإن انكشف من العورة المخففة شيء من صدرها أو أطرافها‪ ،‬ولو‬
‫ظهر قدم ل باطنه‪ ،‬أعادت في الوقت الضروري السابق بيانه‪ :‬في الظهرين للصفرار‪ ،‬وفي‬

‫العشاءين الليل كله‪ ،‬وفي الصبح للطلوع‪.‬‬
‫هذا بالنسبة للصلة‪ .‬أما بالنسبة للرؤية والصلة أيضا فيجب ول يشترط ستر عورة الرجل وعورة‬
‫المة‪ .‬أما عورة الحرة أمام امرأة أخرى مسلمة أو كافرة‪ ،‬فهي للرؤية ما بين السرة والركبة‪.‬‬
‫كما يجب على الحرة أمام رجل أجنبي‪ ،‬أي ليس بمحرم لها ستر جميع البدن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبخاري (نيل الوطار‪ )64/2:‬ويؤيده حديث آخر رواه أحمد عن عائشة‪« :‬أن‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان جالسا كاشفا عن فخذه‪ ،‬فاستأذن أبو بكر فأذن له‪ ،‬وهو على‬
‫حاله‪،‬ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله‪ ،‬ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه‪( »..‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)63/2‬‬

‫( ‪)1/657‬‬
‫غير الوجه والكفين‪ ،‬أما هما فليسا بعورة‪ ،‬وإن وجب عليها سترها لخوف الفتنة‪ ،‬ول يجوز للرجل أن‬
‫يرى من المرأة المَحْرم ولو بمصاهرة ورضاع صدرها ونحوه غير الوجه والطراف وإن لم يلتذ‪،‬‬
‫خلفا للشافعية وغيرهم الذين أجازوا رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة‪ ،‬وذلك فسحة‪ ،‬والطراف‬
‫تشمل العنق والرأس وظهر القدم‪.‬‬
‫يتبين من ذلك أن العورة في الرجل والمرأة بالنسبة للصلة‪ :‬مغلظة ومخففة‪ .‬فالمغلظة للرجل‪:‬‬
‫السوأتان (القبل وحلقة الدبر)‪ ،‬والمخففة له‪ :‬ما زاد على السوأتين مما بين السرة والركبة‪ .‬والمغلظة‬
‫للمة‪ :‬الليتان وما بينهما من فم الدبر‪ ،‬والفرج وما واله من العانة‪ .‬والمخففة‪ :‬الفخذ وما فوق العانة‬
‫للسرة‪.‬‬
‫والمغلظة للحرة‪ :‬جميع بدنها ما عدا الطراف والصدر وما حاذاه من الظهر‪ ،‬والمخففة لها‪ :‬هي جميع‬
‫البدن ما عدا الوجه والكفين‪.‬‬
‫فمن صلى مكشوف شيء من العورة المغلظة مع الذّ كْر والقدرة على الراجح ولو بشراء أو إعارة‪،‬‬
‫بطلت صلته‪ ،‬ويعيد أبدا على المشهور‪.‬‬
‫ومن صلى مكشوف شيء من العورة المخففة‪ ،‬ل تبطل صلته‪ ،‬وإن كان كشفها مكروها ويحرم‬
‫النظر إليها‪ ،‬ولكن يستحب لمن صلى مكشوف العورة المخففة أن يعيد الصلة في الوقت الضروري‬
‫(في الظهرين للصفرار‪ ،‬وفي العشاءين‪ :‬الليل كله‪ ،‬وفي الصبح للطلوع)‪.‬‬

‫ويحرم النظر للعورة ولو بل لذة إذا كانت غير مستورة‪ ،‬أما النظر إليهما مستورة فهو جائز بخلف‬
‫جسها من فوق الساتر‪ ،‬فإنه ل يجوز‪.‬‬

‫( ‪)1/658‬‬
‫والعورة بالنسبة للرؤية‪ :‬للرجل ما بين السرة والركبة‪ ،‬وللمرأة أمام رجل أجنبي جميع بدنها غير‬
‫الوجه والكفين‪ ،‬وأمام محارمها جميع جسدها غير الوجه والطراف‪ :‬وهي الرأس والعنق واليدان‬
‫والرجلن‪ ،‬إل أن يخشى لذة‪ ،‬فيحرم ذلك‪ ،‬ل لكونه عورة‪ .‬والمرأة مع المرأة أو مع ذوي محارمها‬
‫كالرجل مع الرجل‪ :‬ترى ما عدا ما بين السرة والركبة‪ ،‬وأما المرأة في النظر إلى الجنبي فهي كحكم‬
‫الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والطراف (الرأس واليدين والرجلين)‪.‬‬
‫مذهب الشافعية (‪: )1‬‬
‫أ ـ عورة الرجل‪ :‬ما بين سُرّته وركبته (‪ )2‬في الصلة والطواف وأمام الرجال الجانب والنساء‬
‫المحارم‪ ،‬لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضي ال تعالى عنه‪ ،‬قال‪« :‬عورة‬
‫المؤمن ما بين سرته إلى ركبته» وروى البيهقي «وإذا زوج أحدكم أمته ـ عبده أو أجيره ـ فل‬
‫تنظر ـ أي المة ـ إلى عورته» وروي في ستر الفخذ أحاديث‪ ،‬منها‪« :‬ل تُبرز فخِذاك‪ ،‬ول تنظر‬
‫إلى فخذي حي ول ميت» (‪ )3‬ومنها قوله صلّى ال عليه وسلم لجَرْهد السلمي‪« :‬غطّ فخذك‪ ،‬فإن‬
‫الفخذ عورة» (‪. )4‬‬
‫فالسرة والركبة ليستا من العورة على الصحيح‪ ،‬لحديث أنس السابق في مذهب المالكية المتضمن‬
‫إظهار النبي صلّى ال عليه وسلم فخذه‪ .‬لكن يجب ستر شيء من الركبة لستر الفخذ‪ ،‬ومن السرة؛ لن‬
‫ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪ ،‬كما أبان الشافعية والحنابلة والمالكية في الصول (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،185/1:‬المهذب‪ ،64/1:‬المجموع‪.176-170/3:‬‬
‫(‪ )2‬السرة‪ :‬الموضع الذي يقطع من المولود‪ ،‬والركبة‪ :‬موصل ما بين أطراف الفخذ وأعالي الساق‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبزار‪ ،‬وفيه علة ( نيل الوطار‪.) 62/2:‬‬
‫(‪ )4‬رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حسن‪ ،‬وصححه ابن حبان (المصدر‬
‫السابق‪.)63/1:‬‬
‫(‪ )5‬شرح السنوي‪ ،127/1:‬المدخل إلى مذهب أحمد‪ :‬ص ‪ ،61‬مختصر ابن الحاجب‪ :‬ص ‪.38‬‬

‫( ‪)1/659‬‬

‫وأماعورة الرجل أمام النساء الجانب بالنسبة للنظر‪ ،‬فجميع بدنه‪ ،‬وفي الخلوة‪ :‬السوأتان فقط‪.‬‬
‫وقد رد على استدلل المالكية بحديث أنس وعائشة المتضمنين أن الفخذ ليست بعورة‪ ،‬بوجوه أربعة‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه حكاية فعل‪ ،‬وطرف الفخذ قد يتسامح في كشفه‪ ،‬ل سيما في مواطن الحرب ومواقف‬
‫الخصام‪،‬والمقرر في الصول‪ :‬أن القول أرجح من الفعل‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن حديث أنس وعائشة ل يقويان على معارضة تلك القوال الصحيحة العامة لجميع الرجال‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬حديث عائشة في رواية مسلم فيه تردد‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم مضطجعا في‬
‫بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه» والساق ليس بعورة إجماعا‪ ،‬فهو مشكوك في المكشوف‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬غاية ما في هذه الواقعة بكشف الفخذ‪ :‬أن يكون ذلك خاصا بالنبي صلّى ال عليه وسلم ؛ لنه‬
‫لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك‪ ،‬فيكون الواجب التمسك بالقوال الناصعة على أن‬
‫الفخذ عورة (‪. )1‬‬
‫ب ـ عورة المة كالرجل في الصح‪ ،‬إلحاقا لها بالرجل بجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة‪ ،‬ولن‬
‫الرأس والذراع مما تدعو الحاجة إلى كشفه‪.‬‬
‫جـ ـ عورة الحرة ومثلها الخنثى‪ :‬ما سوى الوجه والكفين‪ ،‬ظهرهما وبطنهما من رؤوس الصابع‬
‫إلى الكوعين (الرسغ أو مفصل الزند) لقوله تعالى‪ { :‬ول يبدين زينتهن إل ما ظهر منها } [النور‪:‬‬
‫‪ ،]31/24‬قال ابن عباس وعائشة رضي ال عنهم‪« :‬هو الوجه والكفان» ولن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم نهى المرأة الحرام (المحرمة بحج أو عمرة) عن لبس‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ ،64/2:‬المجموع ‪.176/3:‬‬

‫( ‪)1/660‬‬
‫القفازين والنقاب (‪ ، )1‬ولو كان الوجه عورة لما حرم سترهما في الحرام‪ ،‬ولن الحاجة تدعو إلى‬
‫إبراز الوجه للبيع والشراء‪ ،‬وإلى إبراز الكف للخذ والعطاء‪ ،‬فلم يجعل ذلك عورة‪.‬‬
‫وإذا انكشف بعض العورة في الصلة مع القدرة على سترها بطلت صلته‪ ،‬إل إن كشفها ريح أو‬
‫سهوا‪ ،‬فسترها في الحال فل تبطل‪ ،‬كما تقدم سابقا‪ .‬وإن كشفت بغير الريح أو بسبب بهيمة أو غير‬
‫مميز فتبطل‪.‬‬
‫ول يجب على الرجل ستر عورته عن نفسه‪ ،‬لكنه يكره نظره إليها‪.‬‬
‫وعورة المرأة الحرة بالنسبة للنظر‪ :‬خارج الصلة جميع بدنها أمام الرجال الجانب‪ ،‬وأمام النساء‬

‫الكافرات ما عدا ما يبدو عند المهنة أي الخدمة والشتغال بقضاء حوائجها‪ .‬وأما أمام النساء المسلمات‬
‫والرجال المحارم‪ :‬فعورتها كالرجل ما بين السرة والركبة‪.‬‬
‫ودليل العلماء كافة على وجوب ستر العورة وعدم جواز نظر الرجل إلى عورة الرجل‪ ،‬والمرأة إلى‬
‫عورة المرأة‪ :‬حديث أبي سعيد الخدري بلفظ‪« :‬ل ينظر الرجل إلى عورة الرجل‪ ،‬ول المرأة إلى‬
‫عورة المرأة في الثوب الواحد» (‪ )2‬وحديث َبهْز بن حََكيم عن أبيه عن جده قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪،‬‬
‫عوراتُنا ما نأتي منها‪ ،‬وما َنذَر؟ قال‪ :‬احفظ عورتَك إل من زوجك أو ما ملكت يمينك‪ ،‬قلتُ‪ :‬فإذا كان‬
‫القوم بعضهم في بعض؟ قال‪ :‬إن استطعت أل يراها أحد‪ ،‬فل يَرَينّها‪ ،‬قلت‪ :‬فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال‪:‬‬
‫فال تبارك وتعالى أحقُ أن يُسْتَحيا منه» (‪ )3‬فهو يدل على أن التعري في الخلء غير جائز‪ .‬ويؤيده‬
‫حديث ابن عمر عند الترمذي بلفظ‪« :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إياكم والتعري‪ ،‬فإن معكم‬
‫من ل يفارقكم إل عند الغائط» ‪ ،‬وحين يفضي الرجل إلى أهله‪ ،‬فاستحيوهم وأكرموهم» ‪.‬‬
‫واستدل البخاري على جواز التعري في الغسل بقصة موسى وأيوب‪.‬‬
‫مذهب الحنابلة (‪: )4‬‬
‫أ ـ عورة الرجل‪ :‬ما بين سرته وركبته‪ ،‬للحاديث السابقة التي استدل بها الحنفية والشافعية‪ ،‬وليست‬
‫سرته وركبتاه من عورته‪ ،‬لحديث عمرو بن شعيب السابق‪ ..« :‬فإن ما تحت السرة إلى الركبة‬
‫عورة» وحديث أبي أيوب النصاري بلفظ‪« :‬أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة» (‪ ، )5‬ولن‬
‫الركبة حد‪ ،‬فلم تكن من العورة كالسرة‪ .‬والخنثى المشكل كالرجل‪ ،‬إذ ل نوجب عليه الستر بأمر‬
‫محتمل متردد‪.‬‬
‫ويجب بالضافة لذلك لصحة الصلة في ظاهر المذهب‪ :‬أن يستر الرجل أحد منكبيه ‪ ،‬ولو بثوب‬
‫خفيف يصف لون البشرة؛ لن وجوب ستر المنكبين بالحديث‪ ،‬ولفظه‪« :‬ل يصلي الرجل في الثوب‬
‫الواحد‪ ،‬ليس على عاتقه منه شيء» (‪ )6‬وهذا نهي يقتضي التحريم‪ ،‬ويقدم على القياس‪ ،‬وروى أبو‬
‫داود عن بريدة قال‪« :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن يصلي في لحاف‪ ،‬ول يتوشح به» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي ال عنهما أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬ول‬
‫تنتقب المرأة المحرمة‪ ،‬ول تلبس القفازين» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم وأبو داود والترمذي (نيل الوطار‪.)61/2:‬‬
‫(‪ )3‬رواه الخمسة إل النسائى (المصدر السابق)‪.‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪ ،606-601 ،582-577/1:‬كشاف القناع‪ ،315-306/1 :‬غاية المنتهى‪.99-97/1 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو بكر بإسناده‪.‬‬

‫(‪ )6‬رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة‪.‬‬

‫( ‪)1/661‬‬
‫لكن من لم يجد إل ما يستر عورته فقط أو منكبيه فقط‪ ،‬ستر عورته وصلى قائما وجوبا‪ ،‬وترك ستر‬
‫منكبيه‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إذا كان الثوب واسعا‪ ،‬فخالف بين طرفيه‪ ،‬وإن كان ضيقا‬
‫حقْوك» (‪ )1‬أي خصرك‪.‬‬
‫فاشدده على َ‬
‫وعلى الرجل أن يستر عورته في الصلة عن النظر‪ ،‬حتى عن نفسه‪ ،‬فلو رأى عورته من جيب واسع‬
‫لقميصه‪ ،‬إذا ركع أو سجد‪ ،‬وجب زره ونحوه ليسترها‪ ،‬لعموم المر بستر العورة‪.‬‬
‫كما يجب عليه سترها ولو في خلوة أو ظلمة‪ ،‬لحديث َبهْز بن حكيم السابق «احفظ عورتك إل من‬
‫زوجتك‪ ،‬أو ما ملكت يمينك‪. »...‬‬
‫ول يجب سترها بحصير وحفيرة وطين وماء كدر؛ لن ذلك ل يثبت‪ ،‬وفي الحفيرة حرج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)1/662‬‬
‫وإن انكشف من العورة يسير‪ ،‬لم تبطل صلته‪ ،‬لما رواه أبو داود عن عمرو ابن سلمة الذي كانت‬
‫تنكشف عنه بردته لقصرها إذا سجد‪.‬‬
‫وإن انكشف من العورة شيء كثير‪ ،‬تبطل صلته‪ .‬والمرجع في التفرقة بين اليسير والكثير إلى‬
‫العرف والعادة‪.‬‬
‫لكن إن انكشف الكثير من العورة عن غير عمد‪ ،‬فستره في الحال‪ ،‬من غير تطاول الزمان‪ ،‬لم تبطل؛‬
‫لن اليسير من الزمان أشبه اليسير في القَدْر‪ .‬فإن طال كشفها‪ ،‬أو تعمد كشفها‪ ،‬بطلت الصلة مطلقا‪.‬‬
‫ب ـ عورة المة كالرجل‪ :‬ما بين السرة والركبة على الراجح‪ ،‬لحديث عمرو ابن شعيب السابق‬
‫مرفوعا‪« :‬إذا زوج أحدكم عبده ـ أمَتَه أو أجيره ـ فل ينظر إلى شيء من عورته‪ ،‬فإن ما تحت‬
‫السرة إلى ركبته عورة» ‪.‬‬
‫هذا بالنسبة لعورة المة في الصلة‪ ،‬بقصد التخفيف عنها‪ ،‬ودفع الحرج والتيسير عليها وعلى‬
‫الخرين‪ ،‬لنشغالها بخدمة سيدها‪ ،‬ولن من شأن المة البتذال والقيام بالعمال‪ ،‬ولضعف الميل إليها‬
‫غالبا‪ ،‬أما بالنسبة للنظر فيحرم على الناس غير السيد إدمان النطر إلى الماء‪ ،‬منعا من الفتنة‪ ،‬وللمر‬

‫بغض البصر عن جميع النساء‪.‬‬
‫جـ ـ عورة الحرة البالغة‪ :‬جميع بدنها سوى وجهها‪ ،‬وكفيها على الراجح ـ عند جماعة ـ من‬
‫الروايتين‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول يبدين زينتهن إل ماظهر منها} [النور‪ ،]31/24:‬قال ابن عباس وعائشة‪:‬‬
‫«وجهها وكفيها» (‪ )1‬وليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها في الصلة‪ ،‬بدليل الحاديث السابقة عند‬
‫الشافعية‪ .‬والدليل على وجوب تغطية القدمين‪ :‬ما روت أم سلمة قالت‪« :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أتصلي‬
‫المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها» (‪ )2‬وهذا يدل‬
‫على وجوب تغطية القدمين‪ ،‬ولنه محل ل يجب كشفه في الحرام‪ ،‬فلم يجز كشفه في الصلة‬
‫كالساقين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البيهقي‪ ،‬وفيه ضعف‪ ،‬وخالفهما ابن مسعود‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪ ،‬وقال‪ :‬وقفه جماعة على أم سلمة‪ ،‬ورفعه عبد الرحمن بن عبد ال بن دينار‪.‬‬
‫وروى الترمذي حديثا عن ابن عمر في موضوعه‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫( ‪)1/663‬‬
‫ويجزئ المرأة من اللباس ما سترها الستر الواجب‪ ،‬لحديث أم سلمة السابق والمستحب أن تصلي‬
‫المرأة في دِرْع (قميص سابغ يغطي قدميها) وخمار يغطي رأسها وعنقها‪ ،‬وجلباب تلتحف به من فوق‬
‫الدرع‪ .‬وحكم انكشاف شيء من عورة المرأة غير الوجه والكفين بالتفرقة بين اليسير والكثير‪ ،‬كحكم‬
‫الرجل سابقا‪.‬‬
‫وعورة المرأة مع محارمها الرجال‪ :‬هي جميع بدنها ما عدا الوجه والرقبة واليدين والقدم والساق‪.‬‬
‫وجميع بدن المرأة حتى الوجه والكفين خارج الصلة عورة كما قال الشافعية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم السابق‪« :‬المرأة عورة» ‪.‬‬
‫ويباح كشف العورة لنحو تداوٍ وتخل في الخلء‪ ،‬وختان‪ ،‬ومعرفة بلوغ‪ ،‬وبكارة وثيوبة‪ ،‬وعيب‪.‬‬
‫عورة المسلمة أمام الكافرة‪ :‬عورة الحرة المسلمة أمام الكافرة عند الحنابلة والمالكية كالرجل المحرم‪:‬‬
‫ما بين السرة والركبة‪ .‬وقال الحنفية والشافعية‪ :‬جميع البدن ماعدا مايظهر عند المهنة أي الشغال‬
‫المنزلية‪.‬‬
‫ومنشأ الخلف تفسير المراد من آية النور {ول يبدين زينتهن إل لبعولتهن} ‪ ..‬إلى أن قال‪{ :‬أو‬
‫نسائهن} [النور‪ ]31/24:‬فال الحنابلة وآخرون‪ :‬المراد بهن‪ :‬عموم النساء‪ ،‬بل فرق بين المسلمات‬

‫والكافرات‪،‬فيجور للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة‪.‬‬
‫وقال الحنفية والشافعية‪ :‬إن المراد بهن خصوص النساء المسلمات‪ ،‬أي المختصات بهن في الصحبة‬
‫والخوة في الدين‪ ،‬وعلى هذا فل يحل للمسلمة أن تبدي شيئا من زينتها الباطنة للكافرة (‪. )1‬‬
‫العورة المنفصلة‪ :‬يحرم النظر إلى عورة الرجل عند الحنفية والشافعية متصلة كانت أو منفصلة من‬
‫شعر أو ذراع أو فخذ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير آيات الحكام بالزهر‪.164/3:‬‬

‫( ‪)1/664‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬العورة المنفصلة ل يحرم