‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬

‫(اضغط هنا للنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على النترنت)‬
‫الكتاب ‪ :‬الفِقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‬
‫الشّامل للدلّة الشّرعيّة والراء المذهبيّة وأهمّ النّظريّات الفقهيّة وتحقيق الحاديث‬
‫النّبويّة وتخريجها‬
‫المؤلف ‪ :‬أ‪.‬د‪ .‬وَهْبَة الزّحَيِْليّ‬
‫ي وأصوله‬
‫أستاذ ورئيس قسم الفقه السلم ّ‬
‫بجامعة دمشق ‪ -‬كلّيّة الشّريعة‬
‫الناشر ‪ :‬دار الفكر ‪ -‬سوريّة ‪ -‬دمشق‬
‫الطبعة ‪ :‬الطّبعة الرّابعة المنقّحة المعدّلة بالنّسبة لما سبقها‪ ،‬وهي الطّبعة الثّانية‬
‫عشرة لما تقدّمها من طبعات مصوّرة؛ لنّ الدّار النّاشرة دار الفكر بدمشق لتعتبر‬
‫التّصوير وحده مسوّغا لتعدّد الطّبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة‪.‬‬
‫عدد الجزاء ‪10 :‬‬
‫ـ الكتاب مقابل على المطبوع ومرقّم آليّا ترقيما غير موافق للمطبوع‪.‬‬
‫ـ مذيّل بالحواشي دون نقصان‪.‬‬
‫نال شرف فهرسته وإعداده للشّاملة‪ :‬أبو أكرم الحلبيّ من أعضاء ملتقى أهل الحديث‬
‫ل تنسونا من دعوة في ظهر الغيب ‪...‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬إن ادعى رب المال غلط الخارص‪ ،‬وكان ما ادعاه محتملً‪ ،‬قبل قوله بغير يمين‪،‬‬
‫وإن لم يكن محتملً مثل أن يدعي غلط النصف ونحوه‪ ،‬لم يقبل منه؛ لنه ل يحتمل‪ ،‬فيعلم كذبه‪ .‬وإن‬
‫قال‪ :‬لم يحصل في يدي غير هذا‪ ،‬قبل منه بغير يمين؛ لنه قد يتلف بعضها بآفة ل نعلمها‪.‬‬
‫الخامس ـ ما تسقط به زكاة النبات ‪:‬‬
‫قال الحنفية وغيرهم (‪ : )2‬تسقط هذه الزكاة بعد الوجوب بهلك الخارج من غير صنع المالك؛ لن‬
‫الواجب في الخارج‪ ،‬فإذا هلك هلك بما فيه‪ ،‬كهلك نصاب الزكاة بعد الحول‪.‬‬
‫وإن استهلك الثمر أو الزرع‪ :‬فإن استهلكه غير المالك‪ ،‬أخذ الضمان منه‪ ،‬وأدي عشره‪ .‬وإن استهلك‬
‫بعضه‪ ،‬أدى عشر القدر المستهلك من الضمان‪ .‬وإن استهلك المالك أو استهلك البعض‪ ،‬بأن أكله‪،‬‬
‫ضمن عشر الهالك‪ ،‬وصار دينا في ذمته في قول أبي حنيفة‪.‬‬

‫وتسقط الزكاة عند الحنفية خلفا لغيرهم بالردة؛ لن في العشر معنى العبادة‪ ،‬والكافر ليس من أهل‬
‫العبادة‪.‬‬
‫وكذلك تسقط هذه الزكاة عند الحنفية خلفا للجمهور بموت المالك من غير وصية‪ ،‬إذا كان استهلك‬
‫الخارج‪ ،‬كما في بقية أنواع الزكاة‪ .‬أما إن كان الخارج قائما بعينه‪ ،‬فيؤدى العشر منه في ظاهر‬
‫الرواية عند الحنفية‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ زكاة الحيوان أو النعام‪:‬‬
‫مشروعيتها‪ ،‬وشروطها‪ ،‬وأنواعها ونصاب كل نوع‪ ،‬وزكاة الخليطين في الماشية وغيرها‪ ،‬وأحكام‬
‫متفرقة في زكاة الحيوان (هل تجب الزكاة في العين أم في الذمة؟ دفع القيمة في الزكاة‪ ،‬ضم أنواع‬
‫الجناس إلى بعضها‪ ،‬كون الفرع أو النتاج يتبع الصل في الزكاة‪ ،‬المستفاد في أثناء الحول‪ ،‬الزكاة‬
‫في النصاب دون العفو‪ ،‬ما يأخذه الساعي العامل أو الجابي)‪.‬‬
‫أولً ـ مشروعية زكاة الحيوان‪:‬‬
‫تقررت فرضية زكاة الحيوان في السنة النبوية في أحاديث صحاح أو حسنة أشهرها اثنان‪:‬‬
‫الول ـ حديث أبي بكر (‪ )3‬المتضمن مقدار زكاة البل ونصابها‪ ،‬ومقدار زكاة الماشية ونصابها‪،‬‬
‫وكيفية زكاة الخليطين‪ ،‬وما يخرج من زكاة المواشي وهو أوسط النواع‪ ،‬ل الهَرِمة والعوراء‪ ،‬والذكر‬
‫إل أن يشاء المصدّق (‪ ، )4‬وما يجوز أخذ بعضه عن بعض في البل‪ ،‬وكون زكاة الفضة (الرّقة)‬
‫ربع العشر‪.‬‬
‫والثاني ـ حديث معاذ المتضمن نصاب زكاة البقر (‪. )5‬‬
‫وأجمع العلماء على فرضية الزكاة في النعام (‪ : )6‬البل والبقر والغنم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.708/2 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،65/2 :‬مغني المحتاج‪.387/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري والدارقطني عن أنس‪ ،‬ورواه أيضا أحمد وأبو داود‬
‫والترمذي عن الزهري عن سالم عن أبيه‪ ،‬وهو حديث حسن (نيل الوطار‪ ،131-124/4 :‬سبل‬
‫السلم‪.)124-121/2 :‬‬
‫(‪ )4‬المصدق‪ :‬المالك في رأي أبي عبيد‪ ،‬وجميع الرواة يرون أنه العامل‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) عن معاذ‪ ،‬ورواه أيضا أحمد عن‬
‫يحيى ابن الحكم أن معاذا قال‪( ...‬نيل الوطار‪ ،132/4 :‬سبل السلم‪.)124/2 :‬‬
‫(‪ )6‬النعام‪ :‬جمع َنعَم‪ ،‬وهو اسم جمع ل واحد له من لفظه‪ ،‬يذكر ويؤنث‪ ،‬سميت نعما لكثرة نعم ال‬

‫فيهاعلى خلقه‪ ،‬لنها تتخذ للنماء غالبا لكثرة منافعها‪.‬‬

‫( ‪)3/263‬‬
‫النسية‪ ،‬ل في الخيل والرقيق والبغال والحمير والظباء‪ ،‬وأوجب أبو حنيفة الزكاة في الخيل‪ ،‬خلفا‬
‫للصاحبين‪ ،‬فإنهما قال‪ :‬ل زكاة في الخيل‪ ،‬وبرأيهما يفتى‪.‬‬
‫ثانيا ـ شروط وجوب زكاة الحيوان‪:‬‬
‫اشترط الفقهاء لوجوب زكاة الحيوان خمسة شروط‪ ،‬على خلف في بعضها‪ ،‬وهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬أن تكون النعام وهي البل والبقر والغنم إنسية‪ ،‬ل وحشية‪ ،‬أما المتولد بين النسي والوحشي‪،‬‬
‫كالمتولد من الشاة والظبي أو المتولد من البقر الهلي والوحشي‪ :‬فل زكاة فيه عند الشافعية وفي‬
‫المشهور عند المالكية؛ لن الصل عدم الوجوب‪ ،‬ول نص ول إجماع في ذلك إذ ل يطلق عليه اسم‬
‫الشاة‪ ،‬وهو متولد من وحشي‪ ،‬فأشبه المتولد من وحشيين‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬تجب فيه الزكاة كالمتولد بين سائمة ومعلوفة‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬إن كانت الم أهلية‪ ،‬وجبت فيه الزكاة ويكمل به النصاب‪ ،‬وإل فل؛ لن ولد البهيمة‬
‫يتبع أمه (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 2‬أن تكون النعام بالغة نصابا شرعيا على النحو المبين في السنة‪ ،‬كما سيوضح في زكاة كل‬
‫نوع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 30/2:‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،502،509-494/1:‬الشرح الصغير‪،594-590/1 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 107‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 368/1 :‬ومابعدها‪ ،380-378،‬المهذب‪-142/1:‬‬
‫‪ ،150‬المغني‪ ،596،604،625-577،591-575/2 :‬كشاف القناع‪.212/2:‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 30/2:‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،432/1:‬مغني المحتاج‪ ،369/1 :‬المغني‪:‬‬
‫‪.595/2‬‬

‫( ‪)3/264‬‬
‫ً‪ - 4ً ، 3‬أن يحول عليها حول كامل في ملك صاحبها‪ :‬بأن يمضي على تملكها عام كامل من بدء‬
‫الملكية‪ ،‬ويبقى الملك فيها جميع الحول‪ ،‬فلو لم يمض الحول في ملكه‪ ،‬لم تجب عليه الزكاة‪ ،‬لحديث‪:‬‬
‫«ل زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (‪ ، )1‬ولنه ل يتكامل نماء المال قبل تمام الحول‪ ،‬وذلك‬

‫إل في النتاج فإنه يتبع المهات في الحول‪.‬‬
‫ولو زال الملك عن الماشية في الحول عن النصاب أو بعضه‪ ،‬ببيع أو غيره‪ ،‬فعاد بشراء أوغيره‪ ،‬أو‬
‫بادل بمثله مبادلة صحيحة ل للتجارة‪ ،‬كإبل بإبل‪ ،‬أو بجنس آخر كإبل ببقر‪ ،‬استأنف الحول أي بدأ‬
‫حولً جديدا لنقطاع الحول الول بما فعله‪ ،‬فصار ملكا جديدا‪ ،‬فل بد من حول جديد للحديث المتقدم‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬كونها سائمة أي راعية في معظم الحول‪ ،‬ل معلوفة‪ ،‬ول عاملة في حرث ونحوه‪ ،‬وهذا شرط‬
‫عند الجمهور غير المالكية‪ ،‬لحديث‪« :‬في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون» (‪ )2‬وحديث «وفي‬
‫صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة‪ :‬شاة» (‪ )3‬وتقاس البقر على البل والغنم‪.‬‬
‫والسائمة عندالحنفية والحنابلة‪ :‬هي التى ترعى العشب المباح في البراري في أكثر العام‪ ،‬بقصد الدر‬
‫أو النسل أو التسمين‪ ،‬فإن أسامها (رعاها) للذبح أو الحمل أو الركوب أو الحرث‪ ،‬فل زكاة فيها‪ .‬وإن‬
‫أسامها للتجارة ففيها زكاة التجارة‪ .‬ول يضر العلف اليسير؛ لن للكثر حكم الكل‪ .‬ولو علفها نصف‬
‫السنة أو أكثر من نصفها‪ ،‬فل زكاة فيها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪ ،‬وللترمذي عن ابن عمر‪« :‬من استفاد مالً‪ ،‬فل زكاة عليه حتى يحول عليه‬
‫الحول» (سبل السلم‪.)129/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وغيره‪ ،‬وقال الحاكم‪ :‬صحيح السناد‪ ،‬والراوي بهز بن حكيم عن أبيه (سبل‬
‫السلم‪.)126/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري في حديث أنس عن أبي بكر المتقدم‪.‬‬

‫( ‪)3/265‬‬
‫أما إن سامت (رعت) بنفسها بدون أن يقصد مالكها ذلك‪ ،‬فل زكاة فيها عند الحنفية‪ ،‬وفيها الزكاة عند‬
‫الحنابلة‪.‬‬
‫والسائمة عند الشافعية‪ :‬أن يرسلها صاحبها للمرعى في كل مباح في جميع الحول أو في الغالبية‬
‫العظمى منه‪ ،‬ول يضر علف يسير تعيش بدونه بل ضرر بيّن كيوم أو يومين؛ لن الماشية تصبر‬
‫اليومين ول تصبر الثلثة غالبا‪ ،‬فإن علفت معظم العام‪ ،‬أو في مدة ل تعيش بدونه‪ ،‬أو تعيش في تلك‬
‫المدة ولكن بضرر بيّن‪ ،‬فل تجب زكاتها‪ ،‬لوجود المؤنة (النفقة والمشقة)‪.‬‬
‫ولو سامت بنفسها‪ ،‬أوبفعل الغاصب أو المشتري شراء فاسدا‪ ،‬أو كانت عوامل في حَرْث و َنضْح‬
‫(حمل الماء للشرب) ونحوه‪ ،‬فل زكاة في الصح‪ ،‬لعدم إسامة المالك‪ ،‬وإنما اعتبر قصده دون قصد‬

‫العتلف؛ لن السوم يؤثر في وجوب الزكاة‪ ،‬فاعتبر فيه قصده‪ ،‬والعتلف يؤثر في سقوطها‪ ،‬فل‬
‫يعتبر قصده؛ لن الصل عدم وجوبها‪ .‬وبذلك يشترط عند الشافعية‪ :‬أن يكون كل السوم من المالك‪،‬‬
‫فل زكاة فيما سامت بنفسها أو أسامها غير المالك‪.‬‬
‫ومذهب المالكية (‪ : )1‬أن الزكاة تجب في النعام‪ ،‬سواء أكانت سائمة (راعية) أم معلوفة‪ ،‬أم عوامل‪،‬‬
‫لعموم حديث أبي بكر المتقدم في البل‪« :‬في كل خمس شاة» ‪.‬‬
‫ومنشأ الخلف بين الرأيين كما بين ابن رشد‪ :‬معارضة المطلق للمقيد‪ ،‬ومعارضة دليل الخطاب‬
‫للعموم‪ ،‬ومعارضة القياس لعموم اللفظ‪ ،‬أما المطلق فحديث‪« :‬في كل أربعين شاة شاة» وأما المقيد‬
‫فحديث «في سائمة الغنم الزكاة»‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،108‬بداية المجتهد‪ ،244/1:‬الشرح الكبير‪ ،432/1 :‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪.592/1‬‬

‫( ‪)3/266‬‬
‫فمن غلب المطلق على المقيد‪ ،‬وهم المالكية‪ ،‬قال‪ :‬الزكاة في السائمة وغير السائمة‪ .‬ومن غلّب المقيد‬
‫وهم الجمهور قال‪ :‬الزكاة في السائمة منها فقط‪ ،‬وتغليب المقيد علي المطلق أشهر من تغليب المطلق‬
‫على المقيد‪.‬‬
‫وأما دليل الخطاب (مفهوم المخالفة) فحديث «في سائمة الغنم» يقتضي أل زكاة في غير السائمة‪،‬‬
‫وعموم حديث «في أربعين شاةً شاةٌ» يقتضي أن السائمة في هذا بمنزلة غير السائمة‪ ،‬وقد أخذ‬
‫المالكية بمبدأ أن عموم اللفظ أقوى من دليل الخطاب‪.‬‬
‫وأما القياس المعارض لعموم حديث «في أربعين شاة شاة» ‪ :‬فهو أن السائمة هي التي يتحقق مقصود‬
‫الزكاة فيها وهو النماء والربح‪ ،‬وهو الموجود فيها أكثر ذلك‪ ،‬والزكاة إنما هي فضلت الموال‪،‬‬
‫والفضلت إنما توجد في الموال السائمة‪ ،‬ولذلك اشترط فيها الحول‪ ،‬فالجمهور خصصوا بهذا القياس‬
‫ذلك العموم‪ ،‬فلم يوجبوا الزكاة في غير السائمة‪ .‬والمالكية لم يخصصوا ذلك‪ ،‬ورأوا أن العموم أقوى‪،‬‬
‫فأوجبوا الزكاة في الصنفين جميعا‪.‬‬
‫ورأيي أن قول الجمهور أصح‪ ،‬لشتمال آخر الحديث صراحة على كون الماشية سائمة‪ ،‬وهو الذي‬
‫يجب حمل أول الحديث عن البل عليه‪ ،‬إذ ل يعقل تعارض آخر الحديث مع أوله‪ ،‬فحديث أنس‬
‫المتضمن كتاب أبي بكر في فرائض صدقة المواشي ذكر فيه أولً مقادير زكاة البل‪ ،‬ثم ذكر فيه‬

‫زكاة الغنم بلفظ «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومئة» ‪.‬‬
‫ثالثا ـ أنواع النعام التي تجب فيها الزكاة ونصاب كل نوع منها‪:‬‬
‫تجب الزكاة في البل والبقر والغنم‪ ،‬وأوجب أبو حنيفة خلفا لصاحبيه الزكاة في الخيول‪ ،‬والفتوى‬
‫على قولهما أنه ل زكاة في الخيل إل إذا كانت للتجارة‪.....‬‬

‫( ‪)3/267‬‬
‫زكاة البل‪:‬‬
‫البل‪ :‬الذكور والناث‪ ،‬الكبار والصغار‪ ،‬والصغار تبع للكبار‪ ،‬والمقصود منها السوائم عند غير‬
‫المالكية‪ ،‬وكذا المعلوفة عند المالكية‪ :‬ل زكاة فيما دون خمس من البل بإجماع المسلمين‪ ،‬لقول النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ومن لم يكن معه إل أربع من البل‪ ،‬فليس عليه فيها صدقة‪ ،‬إل أن يشاء‬
‫ربها» وقال‪« :‬ليس فيما دون خمس َذوْدٍ صدقة» (‪ )1‬وأجمع العلماء على أن في خمس من البل شاةً‪،‬‬
‫وفي العشر شاتين‪ ،‬وفي الخمس عشرة ثلث شياه‪ ،‬وفي العشرين أربع شياه (‪ ، )2‬لحديث أبي بكر‬
‫المتقدم‪ .‬ول يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة إل الجَذَع من الضأن والثني من المعز (‪ ، )3‬فيخرج‬
‫أحدهما بحسب غالب غنم البلد من المعز والضأن عند المالكية‪ ،‬ول يتعين عند الجمهور غالب غنم‬
‫البلد‪ ،‬لخبر «في كل خمس شاة» والشاة تطلق على الضأن والمعز‪.‬‬
‫وأجمعوا على أنه إذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلثين ( ‪ ) 35-25‬ففيها بنت مخاض (وهي‬
‫التي لها سنة من البل ودخلت في الثانية)‪ ،‬وأضاف الشافعية والمالكية‪ :‬أو ابن لبون له سنتان إن‬
‫فقدها‪.‬‬
‫وفي ست وثلثين إلى خمس وأربعين (‪ )45-36‬بنت لبون (وهي ماأتمت سنتين ودخلت في الثالثة‪.‬‬
‫حقّة (وهي ما أتمت ثلث سنين ودخلت في الرابعة)‪.‬‬
‫وفي ست وأربعين إلى ستين (‪ِ )60-46‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪ .‬والذود‪ :‬وهو من البل‪ :‬من الثلثة إلى العشرة‪ ،‬ل واحد له من لفظه‪.‬‬
‫(‪ )2‬انظر آراء الفقهاء في هذا النوع في فتح القدير‪ 494/1 :‬وما بعدها‪ ،‬البدائع‪ 31/2 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫الشرح الكبير‪ 432/1 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ 594/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،108‬‬
‫المهذب‪ 145/1 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 369/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 579/2 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف‬
‫القناع‪ 213/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫(‪ )3‬الجذع والثني‪ :‬هو ما أتم السنة ودخل في الثانية‪ ،‬واشترط الشافعية إتمام المعز سنتين‪ ،‬وأجاز‬
‫الحنابلة كون الجذع متما ستة أشهر‪.....‬‬

‫( ‪)3/268‬‬
‫وفي إحدى وستين إلى خمس وسبعين (‪ )75-61‬جَذَعة (وهي ما أتمت أربع سنين ودخلت في‬
‫الخامسة) (‪. )1‬‬
‫وفي ست وسبعين إلى تسعين (‪ )90-76‬بنتا لبون‪.‬‬
‫وفي إحدى وتسعين إلى مئة وعشرين (‪ )120-91‬حقتان‪ ،‬كما دلت كتب السنة في حديث أبي بكر‪..‬‬
‫وفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئة وتسع وعشرين (‪ )129-121‬ثلث بنات لبون عند الجمهور‪.‬‬
‫وعند الحنفية‪ :‬حقتان وشاة؛ لنه إذا زادت عن مئة وعشرين تستأنف عندهم الفريضة‪ ،‬فيكون في‬
‫الخمس من البل شاة مع الحقتين‪ ،‬وفي العشر شاتان‪ ،‬وفي خمس عشرة ثلث شياه‪ ،‬وفي العشرين‬
‫أربع شياه‪ ،‬وفي خمس وعشرين بنت مخاض مع الحقتين‪ ،‬فإذا بلغت مئة وخمسين فيكون فيها ثلث‬
‫حِقاق‪ ،‬فإذا زادت عن ذلك تستأنف الفريضة أيضا على النحو المذكور‪ ،‬ففي الخمس شاة مع ثلث‬
‫حقاق إلخ‪.‬‬
‫ويخير الساعي ل المالك عند المالكية في (‪ )129-121‬بين حقتين وبين ثلث بنات لبون إذا وجد‬
‫الصنفان عند المزكي‪ ،‬أو فقدا‪ ،‬ويتعين عليه أخذ ما وجد عند رب المال من الحقتين أو ثلث بنات‬
‫اللبون‪.‬‬
‫وفي مئة وثلثين فأكثر‪ :‬في كل أربعين عند الجمهور بنت لبون‪ ،‬وفي كل خمسة حقة‪ ،‬لقول النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬فإذا زادت على عشرين ومئة‪ ،‬ففي كل أربعين بنت لبون» (‪ )1‬وفي رواية‬
‫الدارقطني‪« :‬إلى عشرين ومئة‪ ،‬فإذا زادت واحدة ففي كل أربعين بنت لبون‪ ،‬وفي كل خمسين حقه»‬
‫‪.‬‬
‫وأما الحنفية فقالوا كما تقدم‪ :‬إذا زادت عن مئة وعشرين تستأنف الفريضة في مواضع ثلثة‪ ،‬أي أنه‬
‫ل يجب فيما زاد على مئة وعشرين حتى تبلغ الزيادة خمسا‪ ،‬فإذا بلغت خمسا كان فيها شاة مع‬
‫الواجب المتقدم‪ ،‬وهو الحقتان‪.‬‬
‫الموضع الول‪ :‬تستأنف الفريضة بعد الـ ‪:121‬‬
‫ففي ‪ 129-121‬تجب حقتان وشاة‪.‬‬
‫وفي ‪ 134-130‬تجب حقتان وشاتان‪.‬‬

‫وفي ‪ 139-135‬تجب حقتان وثلث شياه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يلحظ أن الحنابلة في تقدير العمار لم يشترطوا الدخول في السنة التالية‪ ،‬واكتفوا بإكمال السنة‬
‫السابقة‪.....‬‬

‫( ‪)3/269‬‬
‫وفي ‪ 144-140‬تجب حقتان وأربع شياه‪.‬‬
‫وفي ‪ 149-145‬تجب حقتان وبنت مخاض‪.‬‬
‫والموضع الثاني‪ :‬تستأنف الفريضة من ‪.150‬‬
‫ففي ‪ 154-150‬يجب الفريضة من ‪.150‬‬
‫وفي ‪ 159-155‬يجب ثلث حقاق وشاة‪.‬‬
‫وهكذا مع الثلث حقاق يكون في الخمس شاة‪ ،‬وفي العشر شاتان‪ ،‬وفي خمس عشرة ثلث شياه‪ ،‬وفي‬
‫عشرين أربع شياه‪ ،‬وفي خمس وعشرين بنت مخاض‪ ،‬وفي ست وثلثين بنت لبون‪ ،‬فإذا بلغت مئة‬
‫وستا وتسعين (‪ )196‬ففيها أربع حقاق‪ ،‬إلى مئتين (‪.)200‬‬
‫والموضع الثالث‪ :‬بعد المئتين تستأنف الفريضة أبدا كما تستأنف في الخمسين بعد المئة والخمسين (‬
‫‪ )150‬حتى يجب في كل خمسين حقة‪.‬‬
‫ول تجزئ عندهم ذكور البل إل بالقيمة للناث‪ ،‬بخلف البقر والغنم‪ ،‬فإن المالك مخير‪ .‬ودليلهم على‬
‫استئناف الفريضة‪ :‬ما وجد في كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتضمن ما يخرج من‬
‫فرائض البل حتى عشرين ومئة‪« :‬فإذا كانت أكثر من عشرين ومئة‪ ،‬فإنها تعاد إلى أول فريضة‬
‫البل» (‪. )2‬‬
‫اتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين من الفرائض المتقدمة وهو ما يسمى الوقاص معفو عنه‪،‬‬
‫فالخمس إلى التسع من البل فيها شاة واحدة‪،‬ول شيء في مقابل الزائد عن الخمس‪ ،‬لما روى أبو‬
‫عبيد عن يحيى بن الحكم أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إن الوقاص ل صدقة فيها» ولن العفو‬
‫مال ناقص عن نصاب‪.‬‬
‫حالة مصادفة الفرضين‪ :‬ذكر الشافعية (‪ : )3‬أنه لو اتفق فرضان في البل كمئتي بعير‪ ،‬ففيها أربع‬
‫حقاق أو خمس بنات لبون‪ ،‬فالمذهب عندهم‪ :‬ل يتعين أربع حقاق‪ ،‬بل هن‪ ،‬أو خمس بنات لبون؛ لن‬
‫المئتين أربع خمسينات أو خمس أربعينات‪ ،‬لحديث أبي داود وغيره عن كتاب رسول ال صلّى ال‬

‫عليه وسلم ‪« :‬فإذا كانت مئتين‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والترمذي‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود في المراسيل وإسحاق بن راهويه في مسنده والطحاوي في مشكل الثار عن حماد‬
‫بن سلمة‪.‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،373-371/1 :‬المهذب‪.....147/1 :‬‬

‫( ‪)3/270‬‬
‫ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون‪ ،‬أيّ السنّين وجدت أخذت» فإن وجد المالك بماله أحدهما أخذ‬
‫منه‪ ،‬وإن لم يجد فله تحصيل ما شاء من النوعين بشراء أو غيره‪.‬‬
‫وإن وجد الفرضين معا في ماله تعين الغبط (أي النفع للمستحقين بزيادة قيمة أوغيرها)‪ ،‬ول‬
‫يجزىء غير الغبط إن دلّس الدافع في إعطائه بأن أخفي الغبط‪ ،‬و قصر الساعي‪ ،‬وإن لم يدلس‬
‫الدافع ولم يقصر الساعي‪ ،‬فيجزئ المدفوع عن الزكاة مع وجوب قدر التفاوت بينه وبين قيمة الغبط؛‬
‫لنه لم يدفع الفرض بكماله‪ ،‬فوجب جبر نقصه‪.‬‬
‫الجبران حالة فقد أحد الفروض‪ :‬من فقد واجبه‪ ،‬كأن لزمه بنت مخاض‪ ،‬فلم يجدها عنده‪ ،‬صعد إلى‬
‫أعلى منه وأخذ من المدفوع له شاتين (‪ )1‬أو عشرين درهما (‪ ، )2‬عملً بما روى البخاري عن أنس‬
‫في كتاب أبي بكر المتقدم‪ ،‬أو نزل إلى أسفل من الواجب بدرجة وأعطى على حسب اختياره شاتين أو‬
‫عشرين درهما‪ .‬وهذا رأي الشافعية والحنابلة (‪ ، )3‬وقال الحنفية‪ :‬يدفع المالك في هذه الحالة قيمة ما‬
‫وجب عليه‪ ،‬أو يدفع ما دون السن الواجبة والفرق المطلوب من الدراهم‪ ،‬أو أخذ الساعي أعلى منها‬
‫ورد الفضل (‪. )4‬‬
‫وله صعود درجتين وأخذ جبرانين‪ ،‬كإعطاء بنت مخاض بدل الحقة بشرط تعذر وجود الدرجة القربى‬
‫في تلك الجهة‪ ،‬فل يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة‪ ،‬أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إل عند‬
‫تعذر بنت اللبون‪ ،‬لمكان الستغناء عن الجبران الزائد‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أنه يجوز أن يخرج المالك عن الواجب سنا أعلى من جنسه؛ لنه زاد على الواجب‬
‫من جنسه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي كالشاتين اللتين تجزئان في الضحية‪.‬‬

‫(‪ )2‬المراد بها الدراهم الشرعية من الفضة الخالصة‪.‬‬
‫(‪ )3‬المغني ‪ 587/2‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.219/2 :‬‬
‫(‪ )4‬الكتاب مع اللباب‪....146/1 :‬‬

‫( ‪)3/271‬‬
‫زكاة البقر‪:‬‬
‫ثبتت فرضية زكاة البقر كما تقدم بالسنة والجماع‪ ،‬أما السنة فمنها حديث معاذ‪ « :‬أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم بعثه إلى اليمن‪ ،‬وأمره أن يأخذ من كل ثلثين بقرة تبيعا أو تبيعة‪ ،‬ومن كل أربعين مُسِنّة‪،‬‬
‫عدْله َمعَافريا» (‪ )1‬والتبيع‪ :‬ذو الحول ذكرا كان أو أنثى‪ ،‬والمسنة‪ :‬ذات الحولين‪ ،‬والمعافر‪ :‬الثياب‬
‫أو َ‬
‫الممعافرية‪ ،‬نسبة إلى حي في اليمن تنسب إليهم هذه الثياب‪.‬‬
‫ومنها حديث أبي ذر‪« :‬ما من صاحب إبل ول بقر ول غنم ل تؤدى زكاتها إل جاءت يوم القيامة‬
‫أعظم ما كانت‪ ،‬وأسمن‪ ،‬تنطحه بقرونها‪ ،‬وتطؤه بأخفافها‪ ،‬كلما نفذت أخراها‪ ،‬عادت عليها أولها‪،‬‬
‫حتى يقضى بين الناس» (‪. )2‬‬
‫ول زكاة فيما دون الثلثين من البقر‪ ،‬لحديث معاذ السابق‪ ،‬ول زكاة عند الجمهور في غير السائمة‪،‬‬
‫وعند المالكية‪ :‬تجب الزكاة في المعلوفة والعوامل‪ ،‬كالبل‪ .‬والرجح كما تقدم رأي الجمهور‪ ،‬لحديث‪:‬‬
‫«ليس في البقر العوامل صدقة» (‪ . )3‬ولن صفة النماء معتبرة في الزكاة‪ ،‬ول يوجد إل في السائمة‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء (‪ )4‬عملً بحديث معاذ على أن أول نصاب البقر ومثله الجاموس ثلثون‪ ،‬ففي ثلثين‬
‫إلى تسع وثلثين (‪ )39-30‬بقرة‪ :‬تبيع أو تبيعة‪ ،‬وهو عند الجمهور‪ :‬ما أتم السنة ودخل في الثانية‪،‬‬
‫وعند المالكية‪ :‬ما أتم سنتين ودخل في الثالثة‪ ،‬وذلك إذا حال عليها الحول‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة واللفظ لحمد‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬وروى أبو داود عن علي‪ « :‬ليس على‬
‫العوامل ‪ -‬أي من البقر ‪ -‬شيء » ( سنن أبي داود‪.) 362/1 :‬‬
‫(‪ )4‬الدر المختار‪ ،24/2 :‬فتح القدير‪ 499/1 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،28/2 :‬الشرح الصغير‪،597/1 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،108‬مغني المحتاج‪ ،374/1 :‬المهذب‪ ،128/1 :‬المغني‪ ،592/2 :‬كشاف‬
‫القناع‪ 221/2 :‬ومابعدها‪....‬‬

‫( ‪)3/272‬‬
‫وأوجب الحنفية الزكاة في البقر والجاموس ولو متولدا من وحشي وأهلية بخلف عكسه ‪ ،‬أي المتولد‬
‫من أهلي ووحشية‪ ،‬كما بينت‪.‬‬
‫وفي أربعين إلى تسع وخمسين (‪ :)59-40‬مسنّة‪ :‬وهي عند الجمهور ما أتمت السنتين ودخلت في‬
‫الثالثة‪ ،‬وهي الثنية‪ .‬وقال المالكية‪ :‬هي ما أوفت ثلث سنين ودخلت في الرابع‪ .‬وأجاز الحنفية في هذا‬
‫النصاب دفع مُسنّ ذكر أو مسنة‪.‬‬
‫ثم في كل ثلثين بدءا من الستين تبيع‪ ،‬وفي كل أربعين مسنة‪ .‬ففي (‪ :)69-60‬تبيعان أو تبيعتان‪،‬‬
‫وفي (‪:)79-70‬مسنة وتبيع‪،‬يدفع عن ‪ 40‬مسنة وعن ‪ 30‬تبيع‪ ،‬وفي (‪ )89-80‬مسنتان‪ ،‬وفي (‪-90‬‬
‫‪ )99‬ثلثة أتبعة‪ ،‬وفي مئة تبيعتان ومسنة‪ ،‬عن ‪ 60‬تبيعان‪ ،‬وعن ‪40‬مسنة‪ ،‬وهكذا يتغير الفرض في‬
‫كل عشرة من تبيع إلى مسنة‪ ،‬عملً بحديث معاذ‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬في مئة وعشرين‪ ،‬يخير الساعي (آخذ الزكاة) بين أخذ ثلث مسنات أو أربعة أتبعة إذا‬
‫وجد الصنفان معا أو فقدا معا‪ .‬فإذا وجد أحدهما فقط عند المالك تعين أخذه‪.‬‬
‫العفو‪ :‬وما بين الفريضتين عفو إل فيما زاد على الربعين إلى الستين‪ ،‬فيجب عند أبي حنيفة في‬
‫الزيادة بقدر ذلك‪ ،‬ففي الواحدة‪ :‬ربع عشر مُسِنّة‪ ،‬وفي الثنين‪ :‬نصف عشر مسنة‪ ،‬وفي الثلثة‪ :‬ثلثة‬
‫عشْر مسنّة‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬وعلى رأيهما الفتوى‪ ،‬وقولهما هو‬
‫أرباع عُشْر مسنة‪ ،‬وفي الربع‪ُ :‬‬
‫المختار‪ :‬ل شيء في الزيادة على الربعين‪ ،‬حتى تبلغ إلى ستين‪ ،‬فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان ول‬
‫خلف في أن الجواميس والبقر سواء لتحاد الجنسية‪ ،‬إذ هو نوع منه‪.‬‬
‫ول يخرج الذكر في الزكاة أصلً إذا كانت الحيوانات ذكورا وإناثا؛ لن النثى أفضل‪ ،‬لما فيها من‬
‫الدر والنسل‪ ،‬إل في البقر‪ ،‬لنص حديث معاذ السابق‪ .‬فإن كان النصاب كله ذكورا‪ ،‬أجزأ الذكر في‬
‫جميع أنواع زكاة الحيوان من إبل أو بقر أو غنم؛ لن الزكاة وجبت مواساة‪ ،‬فل يكلفها من غير‬
‫ماله‪.....‬‬

‫( ‪)3/273‬‬
‫زكاة الغنم‪:‬‬
‫تشمل الضأن والمعز‪ ،‬ذكورا وإناثا‪:‬‬
‫وهي أيضا واجبة بالسنة والجماع كما تقدم‪ ،‬أما السنة فحديث أنس في كتاب أبي بكر المذكور فيه‪:‬‬

‫«وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاةٍ‪ :‬شاةٌ‪ ،‬فإذا زادت على عشرين‬
‫ومئة إلى مئتين‪ ،‬ففيها شاتان‪ ،‬فإذا زادت على مئتين إلى ثلث مئة‪ ،‬ففيها ثلث شياه‪ ،‬فإذا زادت على‬
‫ثلث مئة‪ ،‬ففي كل مئةٍ‪:‬شاة» ‪.‬‬
‫فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً عن أربعين شاةً‪ :‬شاةً واحدةً‪ ،‬فليس فيها صدقة‪ ،‬إل أن يشاء ربها‪.‬‬
‫ول يُجمع بين مُتفرّق‪ ،‬ول يُفرّق بين مُج َتمِِع خشية الصدقة (‪ . )1‬وما كان من خليطين‪ ،‬فإنهما‬
‫يتراجعان بينهما بالسوية (‪. )2‬‬
‫ول يُخرج في الصدقة هَرِمة ول ذات عُوار‪ ،‬ول تيس إل أن يشاء المصدّق (‪. )3‬‬
‫وبناء عليه اتفق الفقهاء (‪ )4‬على أنه ليس فيما دون أربعين من الغنم السائمة أكثر السنة صدقة‪ ،‬لعدم‬
‫بلوغ النصاب‪ ،‬ول زكاة عند الجمهور في المعلوفة والعوامل؛ لنها من الحوائج الصلية‪ .‬وسوى‬
‫المالكية بين المعلوفة والسائمة في وجوب الزكاة‪.‬‬
‫فإذا كانت أربعين إلى مئة وعشرين (‪ :)120-40‬شاة‪ ،‬وحال عليها الحول‪ ،‬ففيها شاة واحدة‪.‬‬
‫وفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين (‪ :)200-121‬شاتان‪.‬‬
‫وفي مئتين وواحدة إلى ثلث مئة وتسع وتسعين (‪ :)399-201‬ثلث شياه‪.‬‬
‫وفي أربع مئة (‪ : )400‬أربع شياه‪.‬‬
‫ثم في كل مئة‪ :‬شاة‪.‬‬
‫ول خلف في أن الضأن وال َمعِز سواء في النصاب والوجوب وأداء الواجب‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الجمع بين المفترق‪ :‬أن يكون لكل شريك من ثلثة شركاء أربعون شاة مقدار النصاب‪ ،‬فل يجمع‬
‫بين الحصص لخراج شاة واحدة فقط‪ .‬والتفريق بين مجتمع‪ :‬أن يكون لكل شريك من الشريكين مئة‬
‫وشاة‪ ،‬فيكون على كليهما ثلث شياه‪ ،‬فل يفرق غنمهما‪ ،‬حتى يخرج عن كل واحد منهما سوى شاة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫ل أربعون بقرة‪ ،‬وللخر ثلثون بقرة‪ ،‬ومالهما مشترك‪ ،‬فيأخذ الساعي‬
‫(‪ )2‬معناه أن يكون لشريك مث ً‬
‫عن الربعين مسنة وعن الثلثين تبيعا‪ ،‬ثم يرجع باذل المسنة بثلثة أسباعها على شريكه‪ ،‬وباذل‬
‫التبيع بأربعة أسباعه على شريكه‪.‬‬
‫(‪ )3‬المصدق‪ :‬هو المالك‪ ،‬والستثناءراجع إلى الخير وهو التيس‪.‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ 28/2:‬وما بعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 501/1 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،435/1 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،108‬المهذب‪ ،148/1:‬مغني المحتاج‪ ،374/1 :‬المغني‪ 596/2 :‬ومابعدها‪،605 ،‬‬
‫كشاف القناع‪.227-225/2 :‬‬

‫( ‪)3/274‬‬
‫ول يؤخذ إل الثني وهو ما تمت له سنة عند الجمهور‪ ،‬وشرط الشافعية في المعز أن يكون له سنتان‪،‬‬
‫واكتفى الحنابلة في جذع الضأن أن يكون مما له ستة أشهر‪ ،‬فإن تطوع المالك بأفضل منها في السن‪،‬‬
‫جاز‪ ،‬ودليل الحنابلة‪ :‬ما رواه مالك عن سويد ابن غفلة قال‪« :‬أتانا مصدّق رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم وقال‪ :‬أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن‪ ،‬والثنية من المعز» قال إبراهيم الحربي‪ :‬إنما أجزأ‬
‫الجذع من الضأن لنه يلقح‪ ،‬والمعز ليلقح‪ ،‬إل إذا كان ثنيا‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين في كل الحوال عفو‪ ،‬ل زكاة فيه‪.‬‬
‫والصح عند الشافعية‪ :‬أنه يجوز إخراج ضأن عن معز أو عكسه‪ ،‬بشرط رعاية القيمة‪ ،‬كأن تساوي‬
‫ثنية المعز في القيمة جَذَعة الضأن‪ ،‬وعكسه‪ ،‬لتحاد الجنس‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة أيضا إخراج ثنية المعز (وهي ما لها سنة كاملة) عن جذع الضأن‪ ،‬وإخراج جذع‬
‫الضأن (وهو ما له ستة أشهر فأكثر) عن ثنية المعز‪ ،‬ول يجبر أحدهما عن الخر بالقيمة‪ ،‬لعدم‬
‫وروده‪.‬‬
‫زكاة الخيل والبغال والحمير‪:‬‬
‫ل شيء من الزكاة في البغال إجماعا إل أن تكون للتجارة؛ لنها تصير من العروض التجارية‪ ،‬وتجب‬
‫الزكاة أيضا في الخيل إن كانت للتجارة بل خلف‪.‬‬
‫وأما الخيل غير التجارية‪ :‬فقال أبو حنيفة (‪ : )1‬إذا كانت سائمة ذكورا وإناثا‪ ،‬أو إناثا فقط‪ ،‬من أجل‬
‫الدر والنسل‪ ،‬فتجب فيها الزكاة‪ ،‬وصاحبها بالخيار‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الكتاب مع اللباب‪ 145/1 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،34/2 :‬فتح القدير‪ ،502/1 :‬الدر المختار‪25/2 :‬‬
‫وما بعدها‪.....‬‬

‫( ‪)3/275‬‬
‫إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا‪ ،‬وإن شاء قوّمها‪ ،‬وأعطى عن كل مئتي درهم خمسة دراهم‬
‫كعروض التجارة‪ ،‬وأما ذكور الخيل السائمة منفردة فل زكاة فيها‪ ،‬لعدم الرواية في السنة‪.‬‬
‫ودليله‪ :‬حديث جابر‪« :‬في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم» (‪ ، )1‬وروي أن عمر بن الخطاب‬
‫كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي ال عنهما في صدقة الخيل‪ :‬أن خيّر أربابها‪ ،‬فإن شاؤوا أدوا‬

‫من كل فرس دينارا‪ ،‬وإل ق ّومْها‪ ،‬وخذ من كل مئتي درهم خمسة دراهم (‪. )2‬‬
‫وقال الصاحبان‪ ،‬وبقولهما يفتى‪ :‬ل زكاة في الخيل ول في شيء من البغال والحمير إل أن تكون‬
‫للتجارة‪ .‬وهذا موافق لرأي بقية الئمة (‪ . )3‬بدليل حديث «ليس على المسلم صدقة في عبده ول‬
‫فرسه» (‪ ، )4‬وقال أبو هريرة‪ :‬سئل رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن الحمير‪ ،‬فيها زكاة‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬
‫جاءني فيها شيء إل هذه الية الفاذّة‪{ :‬فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‪ ،‬ومن يعمل مثقال ذرة شرا‬
‫يره} [الزلزلة‪ )5( ]8-7/99:‬وروى علي حديث « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق » (‪. )6‬‬
‫وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئا تبرعوا به‪ ،‬وسألوا أخذه‪ ،‬وعوضهم عنه برزق عبيدهم‪ .‬وهذا الرأي‬
‫هو الصحيح‪ .‬وبه يتبين أن ليس في السلم زكاة خيل وبغال وحمير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه البيهقي والدارقطني‪ ،‬وهو ضعيف جدا (نصب الراية‪ 357/2 :‬وما بعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬الثر مروي عند الدارقطني بنحو آخر مقارب للمذكور (نصب الراية‪.)358/2 :‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ ،243/1:‬الشرح الصغير‪ ،589/1 :‬مغني المحتاج‪ ،369/1 :‬المغني‪.620/2 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة عن أبي هريرة‪ ،‬ولبي داود‪« :‬ليس في الخيل والرقيق زكاة إل زكاة الفطر» (نيل‬
‫الوطار‪.)136/4 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد عن أبي هريرة‪ ،‬وفي الصحيحين معناه (المصدر السابق)‪.....‬‬
‫(‪ )6‬رواه الترمذي عن علي‪.‬‬

‫( ‪)3/276‬‬
‫رابعا ـ زكاة الخليطين في الماشية وغيرها‪:‬‬
‫ل يتأثر وجوب الزكاة عند الحنفية بالخلطة أي الشركة؛ لن ملك كل واحد دون النصاب‪ ،‬كما لو لم‬
‫يختلط بغيره‪ ،‬فإذا اختلطا في نصابين بأن كان كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم‪ ،‬وجبت على كل‬
‫واحد منهما شاة‪ ،‬للحديث النبوي‪« :‬في أربعين شاةً شاةٌ» ‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬للخلطة في الماشية تأثير في الزكاة‪ ،‬فيزكى الخليطان زكاة المالك الواحد‪ ،‬إل أن‬
‫المالكية قالوا‪ :‬إن اجتمع نصاب من مجموع حصة كليهما فل زكاة عليهما‪ ،‬والخلطة إنما تؤثر إذا كان‬
‫لكل واحد من الشركاء نصاب‪.‬‬
‫وتفصيل مذاهب الجمهور ما يأتي‪:‬‬
‫قال المالكية (‪ : )1‬خلطاء الماشية المتحدة النوع يكون حكمهم حكم المالك الواحد في الزكاة‪ ،‬كثلثة‬

‫لكل واحد أربعون من الغنم‪ ،‬فعليهم شاة واحدة‪ ،‬على كل ثلثها‪ ،‬فالخلطة أثرت فأوجذت التخفيف‪ ،‬أما‬
‫لو كانوا متفرقين فعلى كل واحد شاة ‪ .‬وقد تؤدي الخلطة إلى التثقيل‪ ،‬كما لو كان لحدهما مئة وشاة‬
‫وللخر مئة من الغنم وشاة‪ ،‬فعليهما ثلث شياه‪ ،‬ولول الخلطة لكان على كل منهما شاة واحدة‪،‬‬
‫فالخلطة أوجبت الثالثة‪ ،‬فل يفرق بين مجتمع‪ ،‬ول يجمع بين مفترق‪ ،‬خشية الزكاة‪.‬‬
‫ول تؤثر الخلطة إل إذا كان لكل واحد من الخليطين مقدار النصاب لو انفرد بنفسه‪ ،‬فإن اجتمع نصاب‬
‫من مجموع الحصتين‪ ،‬فل زكاة عليهما‪ .‬وإن لم يكمل من مجموعهما نصاب فل زكاة عليهما إجماعا‪.‬‬
‫وإن كان لحدهما نصاب وللخر أقل من نصاب‪ ،‬فيزكي صاحب النصاب وحده زكاة المنفرد‪.‬‬
‫والختلط المؤثر يكون بتوافر شروط أربعة‪:‬‬
‫أولها ـ عدم نية الفرار من الزكاة بالشتراك‪.‬‬
‫ثانيها ـ أن تكون ماشية كل واحد من الخليطين مما يضم بعضه إلى بعض كالضأن والمعز‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،602/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،108‬الشرح الكبير‪.439/1 :‬‬

‫( ‪)3/277‬‬
‫ثالثها ـ أن يكون كل واحد من الشريكين مخاطبا شرعا بالزكاة‪ :‬بأن يكون حرا‪ ،‬مسلما‪ ،‬ملك نصابا‪،‬‬
‫تم حوله‪ .‬فإن كان أحدهما تجب عليه الزكاة فقط والخر كافر مثلً‪ ،‬وجبت على الول وحده‪ ،‬حيث‬
‫توفرت الشروط‪ .‬وإن حال الحول على ماشية أحدهما دون الخر‪ ،‬زكى الخر زكاة المنفرد‪.‬‬
‫رابعها ـ أن يتم الختلط في الراعى والفحل والدلو والمسرح والمبيت‪ .‬بأن يكن لهما راع واحد أو‬
‫أكثر‪ ،‬فيشتركان في الرعي‪ ،‬أو يتعاونان ولو لم يحتج لهما‪ ،‬ويتم التلقيح في الجميع بفحل واحد‬
‫بإذنهما‪ ،‬وتشرب من ماء واحد مملوك لهما أو لحدهما ول يمنع الخر‪ ،‬وتسرح معا‪ ،‬وتبيت معا‪ ،‬إل‬
‫أنه إذا تعدد المسرح أو المبيت بشرط الحاجة فل يضر‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬إما أن تكون الخلطة أي الشركة في المواشي‪ ،‬أو في غيرها من‬
‫الموال‪.‬‬
‫أ ـ أما في غير المواشي وهي النقود (الثمان) والحبوب والثمار وعروض التجارة‪ ،‬فل تؤثر الخلطة‬
‫فيها عند الحنابلة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يجمع بين متفرق خشية الصدقة» لنه إنما تكون‬
‫الخلطة في الماشية‪ ،‬لن فيها منفعة أحيانا وضررا أحيانا‪ ،‬أما غير الماشية فل يتصور فيها غير‬
‫الضرر برب المال‪ ،‬لنه تجب فيها الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه‪ ،‬فل أثر لجمعها‪ ،‬أي ل‬

‫يعفى منها شيء بعد النصاب‪ ،‬وعليه فتؤخذ من كل واحد منهم زكاته على انفراد إذا كان ما يخصه‬
‫تجب فيه الزكاة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪ ،153-150/1 :‬مغني المحتاج‪ 376/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،619-607/2 :‬كشاف‬
‫القناع‪ ،235-227/2 :‬شرح المجموع‪ 408/5 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/278‬‬
‫وتؤثر الخلطة على الجديد في مذهب الشافعية في غير المواشي‪ ،‬لعموم الحديث السابق‪« :‬ل يجمع‬
‫بين متفرق ول يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» ‪،‬ولنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة في‬
‫زكاتها كالماشية‪ ،‬ولن المالين كالمال الواحد في المؤن (التكاليف) من مخزن وناطور وغيرهما‪ ،‬فهي‬
‫كالمواشي‪ ،‬فتخف المؤونة إذا كان المخزن والميزان والبائع واحدا‪ .‬والخلصة‪ :‬إن الحنابلة قالوا‪ :‬ل‬
‫منفعة للشركاء في الشركة في غير الماشية‪ ،‬وقال الشافعية‪ :‬المنفعة متوفرة‪ ،‬فيزكى المالن كالمال‬
‫الواحد‪.‬‬
‫ب ـ أما الخلطة في المواشي‪ :‬بأن اشترك أهل الزكاة في ماشية‪ ،‬فلها تأثير عند الشافعية والحنابلة‬
‫في الزكاة إيجابا وإسقاطا وتشديدا وتخفيفا‪ ،‬فتصير الموال كالمال الواحد‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬ل يجمع‬
‫بين متفرّق ول ُيفَرّق بين مجتمع‪ »..‬نهى المالك عن التفريق وعن الجمع خشية وجوب الزكاة أو‬
‫كثرتها‪ ،‬ونهى الساعي عنها خشية سقوطها أو قلتها‪.‬‬
‫والخلطة الجائزة المؤثرة نوعان‪ :‬خلطة شيوع أو أعيان‪ ،‬وخلطة مجاورة أو أوصاف‪.‬‬
‫أما خلطة العيان‪ :‬فهي أن يشترك أهل الزكاة في ماشية من جنس واحد بإرث أوشراء أو هبة أو‬
‫غيره‪ ،‬وهي نصاب‪ ،‬أو أقل ولحدهما نصاب فأكثر وداما على ذلك كإرث أخوين أربعين غنمة‪ ،‬أو‬
‫شراء اثنين معا ثلثين بقرة‪ .‬أو هي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما منها نصيب‬
‫مشاع‪ ،‬أي أن المالين هنا ممتزجان امتزاج شيوع‪ ،‬فل يتميز أحدهما عما يملكه الخر‪ ،‬وإنما لكل‬
‫منهما جزء غير متعين من المال المملوك بنسبة ما يملك‪.‬‬
‫وأما خلطة المجاورة أو الوصاف‪ :‬وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزا‪ ،‬فخلطاه واشتركا في‬
‫الوصاف التي نذكرها‪ ،‬سواء تساويا في الحصة أو اختلفا‪ ،‬مثل أن يكون لرجل شاة‪ ،‬ولخر تسعة‬
‫وثلثون‪ ،‬أو يكون لربعين رجلً أربعون شاة‪ ،‬لكل واحد منهم شاة‪ ،‬أي أن المالين هنا غير‬
‫ممتزجين‪ ،‬بل هما منفصلن متميزان‪.‬‬

‫( ‪)3/279‬‬
‫فل يشترط عندهم خلفا للمالكية أن تكون حصة كل منهم قبل الشتراك نصابا‪ ،‬ول تشترط نية‬
‫الخلطة؛ لن خفة المؤنة على الشركاء باتحاد المواقف ل تختلف قصدا وعدمه‪ ،‬أي أن المقصود‬
‫بالخلطة من الرتفاق يحصل بدونها‪ ،‬ولن النية ل تؤثر في الخلطة‪ ،‬فل تؤثر في حكمهما‪ .‬وإنما‬
‫اشترط التحاد في أمور ليجمع المالن كالمال الواحد‪ ،‬ولتخف المؤنة على المحسن بالزكاة‪.‬‬
‫وهذه الشركة بنوعيها قد تفيد الشريكين تخفيفا كالشتراك في ثمانين شاة على السواء‪ ،‬أو تثقيلً‬
‫كالشتراك في أربعين‪ ،‬أو تخفيفا على أحدهما وتثقيلً على الخر‪ ،‬كأن ملكا ستين لحدهما ثلثاها‬
‫وللخر ثلثها‪ ،‬وقد ل تفيد تخفيفا ول تثقيلً كمئتين على السواء‪.‬‬
‫وتجب الزكاة في مال الشركة كما تجب في مال الرجل الواحد بشروط‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يكون الشريكان من أهل وجوب الزكاة‪ ،‬ومن المعلوم أنه ل تجب الزكاة إل على حر مسلم‬
‫تام الملك‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يكون المال المختلط نصابا‪ ،‬فل زكاة على ما لم يبلغ مقدار النصاب‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يمضي عليهما حول كامل‪ ،‬وإل زكى كل منهما على انفراد بحسب مضي حوله‪ ،‬فإن كان‬
‫لرجل أربعون شاة‪ ،‬ومضى عليهما بعض الحول‪ ،‬ثم باع بعضها مشاعا‪ ،‬انقطع حول البائع فيما لم‬
‫يبع‪ ،‬ويستأنفان حولً جديدا من حين البيع‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أل يتميز مال أحدهما عن الخر في ستة أوصاف‪ :‬المسرح‪ ،‬والمبيت (المُراح) والمشرب (مكان‬
‫الشرب فقط)‪ ،‬والمحلب (موضع الحلب)‪ ،‬والفحل (‪ ، )1‬والراعي ؛ لنه إذا تميز مال كل واحد منهم‬
‫بشيء مما ذكر‪ ،‬لم يصيرا كمال واحد‪ ،‬والقصد بالخلطة (الشركة)‪ :‬أن يصير المالن كمال واحد‬
‫لتخف المؤنة (النفقة)‪ .‬ويجوز تعدد الرعاة قطعا بشرط أل تنفرد هذه عن هذه براع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المسرح‪ :‬الموضع الذي تجتمع فيه ثم تساق إلى المرعى‪ ،‬ويستتبع ذلك التحاد في المرعى‪ :‬وهو‬
‫الموضع الذي ترعى فيه‪ ،‬واتحاد المممر بينهما‪ .‬والمراح بضم الميم‪ :‬مأواها ليلً‪ ،‬واتحاد الفحل أو‬
‫الفحول‪ :‬أن تكون مرسلة فيها تنزو على كل من الماشيتين بحيث ل تختص ماشية هذا بفحل عن‬
‫ماشية الخر‪.‬‬

‫( ‪)3/280‬‬

‫والصل في هذه الشروط الحديث السابق‪« :‬ل يجمع بين متفرق‪ ،‬ول يفرق بين مجتمع خشية الصدقة‪،‬‬
‫وما كان من خليطين‪ ،‬فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» ولن المالين صارا كمال واحد في المؤن‪،‬‬
‫فوجب أن تكون زكاته زكاة المال الواحد ويؤيد ذلك حديث آخر‪« :‬والخليطان‪ :‬ما اجتمعا على الفحل‬
‫والرعي والحوض» (‪ )1‬فنص على هذه الثلثة‪ ،‬ونبّه على ما سواها‪.‬‬
‫ما يأخذه الساعي من مال الشركة (الخلطة) والتراجع فيما بينهم بالحصص‪:‬‬
‫قال الشافعية في الصح والحنابلة في ظاهر كلم أحمد (‪ : )2‬يأخذ الساعي فرض الزكاة من مال أي‬
‫الخليطين إن شاء‪ ،‬سواء دعت الحاجة إلى ذلك أم ل‪ ،‬مثال الحاجة‪ :‬أن تكون الفريضة عينا واحدة‪ ،‬ل‬
‫يمكن أخذها إل من أحد المالين‪ ،‬ومثال عدم الحاجة‪ :‬أن يجد فرض كل واحد من المالين فيه؛ لن‬
‫المالين بالخلطة جعل كالمال الواحد في وجوب الزكاة‪ ،‬فوجب أن يجوز الخذ منهما‪.‬‬
‫ودليل ذلك قول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يجمع بين متفرق‪ ،‬ول يفرق بين مجتمع خشية‬
‫الصدقة» وهما خشيتان‪ :‬خشية رب المال من زيادة الصدقة‪ ،‬وخشية الساعي من نقصانها‪ ،‬فليس‬
‫لرباب الموال أن يجمعوا أموالهم المتفرقة التي كان الواجب في كل واحد منها شاة‪ ،‬ليقل الواجب‬
‫فيها‪ ،‬ول أن يفرقوا أموالهم المجتمعة التي كان فيها باجتماعها فرض‪ ،‬ليسقط عنها بتفرقتها‪ ،‬وليس‬
‫للساعي أن يفرق بين الخلطاء لتكثر الزكاة‪ ،‬ول أن يجمعها إذا كانت متفرقة لتجب الزكاة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف عن سعد بن أبي وقاص‪.‬‬
‫(‪ )2‬المهذب‪ ،153/1 :‬شرح المجموع‪ 426/5 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 614/2 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ 234/2‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/281‬‬
‫ومتى أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما‪،‬رجع على شريكه بقدر حصته من الفرض‪ ،‬وهذا رأي‬
‫المالكية أيضا (‪ ، )1‬عملً بالحديث السابق عن أنس‪« :‬ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية»‬
‫فإذا كان لحدهما ثلث المال‪ ،‬وللخر ثلثاه‪ ،‬فأخذ الفرض من مال صاحب الثلث‪ ،‬رجع بثلثي قيمة‬
‫المخرج على صاحبه‪ ،‬وإن أخذه من الخر‪ ،‬رجع على صاحب الثلث بثلث قيمة المخرج‪.‬‬
‫والقول قول المرجوع عليه مع يمينه إذا اختلفا‪ ،‬وعدمت البينة؛ لنه غارم‪ ،‬فكان القول قوله‪،‬‬
‫كالغاصب إذا اختلف مع المالك في قيمة المغصوب بعد تلفه‪.‬‬
‫وإن أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل‪ ،‬مثل أن يأخذ شاتين مكان شاة‪ ،‬أو يأخذ جذعة مكان‬

‫حقة‪ ،‬لم يكن للمأخوذ منه الرجوع إل بقدر الواجب دون الزيادة؛ لنه ظلمه‪ ،‬فل يرجع به على غير‬
‫الظالم‪.‬‬
‫وإن أخذ أكثر من الحق بتأويل سائغ‪ ،‬كأن يأخذ الصحيحة عن المراض‪ ،‬والكبيرة عن الصغار‪ ،‬فإنه‬
‫يرجع على شريكه بنصف ما أخذ منه؛ لن ذلك اجتهاد من السلطان‪ ،‬فل ينقض ما فعله باجتهاده‪.‬‬
‫وكذلك يرجع عليه إن أخذ منه قيمة الفرض؛ لنه أخذها باجتهاده‪.‬‬
‫خامسا ـ أحكام متفرقة في زكاة الحيوان‪:‬‬
‫‪ - 1‬هل تجب الزكاة في العين أو في الذمة؟‬
‫للفقهاء رأيان (‪: )2‬‬
‫أ ـ قال الحنفية والمالكية والشافعي في مذهبه الجديد‪ :‬الزكاةتجب في العين دون الذمة‪ ،‬فإذا هلك‬
‫المال بعد وجوب الزكاة‪ ،‬ولو بعد مَنْع الساعي في الصح عند الحنفية‪ ،‬سقطت الزكاة عنه‪ ،‬لنه حق‬
‫يتعلق بالمال‪ ،‬فيسقط بهلكه‪ ،‬فيتعلق بعينه‪ ،‬كحق المضارب‪ .‬وإذا هلك بعض المال سقط حظه من‬
‫الزكاة‪.‬‬
‫أما الستهلك فل يسقط الزكاة؛ لنها بعد الوجوب بمنزلة المانة‪ ،‬فإذا استهلكها صاحبها ضمنها‬
‫كالوديعة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‪. 109.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ 27/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الكتاب مع اللباب‪ ،148/1 :‬شرح المجموع‪ 341/5 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫‪ 454‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،25-22/2 :‬المغني‪ ،679-678/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.99‬‬

‫( ‪)3/282‬‬
‫ب ـ وقال الحنابلة‪ :‬تجب الزكاة في الذمة بحلول الحول‪ ،‬وإن تلف المال فرط أو لم يفرط‪ ،‬وإذا حال‬
‫الحول على مال ولم يؤد زكاته‪ ،‬وجب أداؤها لما مضى‪.‬‬
‫وفرع الشافعية أيضا على مبدأ تعلق الزكاة بالعين دون الذمة‪ :‬أنه إذا باع المالك مال الزكاة بعد‬
‫وجوبها فيه‪ ،‬سواء أكان تمرا أم حبا أم ماشية أم نقدا أم غيره‪ ،‬قبل إخراجها‪ ،‬كان البيع باطلً في قدر‬
‫فرض الزكاة‪ ،‬وقدر الفرض للمساكين‪ ،‬فل يجوز بيعه بغير إذنهم؛ لنهم شركاء فيه‪.‬‬
‫وأجاز الحنفية والحنابلة بيع مال الزكاة‪ ،‬على أن يضمن البائع قدر الزكاة‪.‬‬
‫‪ - 2‬دفع القيمة في الزكاة‪:‬‬

‫أ ـ قال الحنفية (‪ )1‬تفريعا على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب إما صورة ومعنى‪،‬‬
‫أو معنى فقط‪ :‬يجوز دفع القيمة في الزكاة‪ ،‬وكذا في العشر والخراج وزكاة الفطرة والنذر والكفارة‬
‫غير العتاق‪ ،‬وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند المام أبي حنيفة‪ ،‬وعند الصاحبين‪ :‬يوم الداء‪ ،‬وفي‬
‫السوائم يوم الداء بالتفاق بينهم‪ ،‬ويُقوّم الواجب في البلد الذي فيه المال‪ ،‬فإن كان في مفازة ففي‬
‫أقرب المصار إليه‪ .‬ودليلهم أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى‪ ،‬وهو المالية‪ ،‬وأداء‬
‫القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال‪ ،‬ولن في ذلك تيسيرا على المزكي‪ ،‬وتوفيرا‬
‫لحرية الفقير في التصرف بالمال بحسب الحاجة‪.‬‬
‫وقد روي أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء (‪ ، )2‬فغضب على‬
‫المصدّق (العامل)‪ ،‬وقال‪ :‬ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس (‪ )3‬؟ فقال‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،25/2 :‬الدر المختار‪ ،29/2 :‬اللباب‪ ،147/1 :‬فتح القدير‪.507/1 :‬‬
‫(‪ )2‬أي مُشرفة السنام عاليته‪ ،‬فالكوماء‪ ،‬هي الناقة العظيمة السنام‪.‬‬
‫(‪ )3‬ورد النهي عن ذلك في حديث ابن عباس عند الجماعة بلفظ «فإياك وكرائم أموالهم» (نيل‬
‫الوطار‪.)114/4 :‬‬

‫( ‪)3/283‬‬
‫أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة‪ ،‬وفي رواية‪ :‬ارتجعتها‪ ،‬فسكت رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬فأخذ‬
‫البعير ببعيرين يكون باعتبار القيمة (‪. )1‬‬
‫ب ـ وقال الجمهور (‪ : )2‬ل يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة؛ لن الحق ل تعالى‪ ،‬وقد‬
‫علقه على ما نص عليه‪ ،‬فل يجوز نقل ذلك إلى غيره‪ ،‬كالضحية لما علقها على النعام‪ ،‬لم يجز نقلها‬
‫إلى غيرها‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬إن الزكاة قربة ل تعالى‪ ،‬وكل ما كان كذلك‪ ،‬فسبيله أن يتبع فيه أمر ال‬
‫تعالى‪ .‬وقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬في أربعين شاة شاة‪ ،‬وفي مئتي درهم خمسة دراهم» وهو‬
‫وارد بيانا لمجمل قوله تعالى‪{ :‬وآتوا الزكاة} [البقرة‪ ]277/2:‬فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة‬
‫المأمور بها‪ ،‬والمر يقتضي الوجوب‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى‬
‫اليمن‪« :‬خذ الحب من الحب‪ ،‬والشاة من الغنم‪ ،‬والبعير من البل‪ ،‬والبقرة من البقر» (‪ )3‬وهو نص‬
‫يجب التزامه‪ ،‬ول يتجاوز عنه إلى القيمة؛ لنه يكون أخذا من غير المأمور به في الحديث‪ ،‬ولن‬
‫مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص‪ ،‬فلم يجزئه‪ ،‬كما لو أخرج الرديء مكان الجيد‪ ،‬وهذا كله يدل‬

‫على أن الزكاة واجبة في العين‪.‬‬
‫قال الشافعية‪ :‬ل يجوز أخذ القيمة في الزكاة إل في خمس مسائل‪ :‬زكاة التجارة‪ ،‬والجُبران (وهو‬
‫شاتان أوعشرون درهما في البل في حال عدم وجود الواجب)‪ ،‬وفي حالة إخراج الشاة عن البل‬
‫دون الخمسة والعشرين‪ ،‬علما بأن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبيهقي‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ ،502/1 :‬بداية المجتهد‪ ،260/1 :‬المهذب‪ ،150/1 :‬شرح المجموع‪401/5 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،253/6،‬تحفة الطلب للنصاري‪ :‬ص ‪ ،95‬كشاف القناع‪ ،226/2 :‬المغني‪.66-65/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الوطار‪.)152/4 :‬‬

‫( ‪)3/284‬‬
‫الشاة وإن لم تكن قيمة فهي بمعناها‪ ،‬وفي حالة جبر التفاوت بين الغبط وغيره بنقد أو جزء من‬
‫الغبط فيما لو أخذ الساعي في اجتماع فرضين غير الغبط باجتهاده بل تقصير منه‪ ،‬ول تدليس من‬
‫المالك‪ .‬وفي حالة صرف المام للمستحقين ما أخذه من النقد من المستحق الذي استغنى بدلً عن زكاة‬
‫تعجلها‪ ،‬ولم يقع المعجل الموقع المطلوب لستغناء المستحقين‪.‬‬
‫وأرجح رأي الحنفية؛ لن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد حاجة المحتاج‪ ،‬وهذا يتحقق بأداء‬
‫القيمة‪ ،‬كما يحصل بأداء جزء من عين المال المزكى‪ ،‬ولن الفقير يرغب الن في القيمة أكثر من‬
‫رغبته في أعيان الموال‪ ،‬ولن إعطاء القيمة أهون على الناس وأيسر في الحساب‪.‬‬
‫‪ - 3‬ضم أنواع الجناس إلى بعضها ‪:‬‬
‫ل خلف بين أهل العلم في ضم أنواع الجناس‪ ،‬بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة (‪ ، )1‬فيضم‬
‫المعز إلى الضأن‪ ،‬والجواميس إلى البقر‪ ،‬والبُخْت (‪ )2‬من البل إلى العِرَاب‪.‬‬
‫ويخرج المزكي عند الجمهور الزكاة من أي النواع أحبّ‪ ،‬سواء دعت الحاجة إلى ذلك‪ :‬بأن يكون‬
‫الواجب واحدا‪ ،‬أو ل يكون أحد النوعين موجبا لواحد‪ ،‬أو لم تدع الحاجة‪ :‬بأن يكون كل واحد من‬
‫النوعين يجب فيه فريضة كاملة؛ لنهما نوعا جنس واحد‪ ،‬من الماشية‪ ،‬فجاز الخراج من أيهما شاء‪.‬‬
‫فإن كانت عشرين ضأنا‪ ،‬وعشرين معزا‪ ،‬أخذ من أحدهما ما يكون قيمته نصف شاة ضأن ونصف‬
‫معز‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬المغني‪ 605/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،108‬اللباب‪ ،143/1 :‬مغني المحتاج‪374/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،224/2 :‬الشرح الصغير‪.598/1 :‬‬
‫ختَ َنصّر‪ .‬والعراب‪ :‬جمع‬
‫(‪ )2‬البخت‪ :‬جمع البُختي وهو المتولد بين العربي والعجمي‪ ،‬منسوب إلى بُ ْ‬
‫عربي وهي جرد ملس حسان اللوان كريمة‪.‬‬

‫( ‪)3/285‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬إن اتحد نوع الماشية أخذ الفرض منه‪ ،‬كأن كانت إبله كلها من صفة واحدة أو بقرة‬
‫كلها جواميس‪ ،‬ويجوز في الصح أخذ ضأن عن معز أو عكسه بشرط رعاية القيمة‪ .‬وإن اختلف‬
‫النوع كضأن ومعز‪ ،‬فالظهر أن يخرج المالك ما شاء من النوعين‪ ،‬مقسّطا عليهما بالقيمة‪ ،‬فإذا وجد‬
‫ثلثون عنزا وعَشْر َنعَجات من الضأن‪ ،‬أخذ الساعي عنزا‪ ،‬أو نعجة بقيمة ثلثة أرباع عنز ورُبُع‬
‫نعجة‪،‬وفي عنز بقيمة ثلثة أرباع نعجة وربع عنز‪.‬‬
‫وبه يكون الشافعية في الحقيقة كباقي المذاهب إل في مراعاة فرق القيمة بين المعز والضأن‪.‬‬
‫‪ - 4‬كون الفرع أو النتاج يتبع الصل في الزكاة‪:‬‬
‫اتفق أئمة المذاهب الربعة (‪ )1‬على أن النتاج أو الفرع ـ أولد النعام يتبع المهات في الحول‪ ،‬فكل‬
‫ما نُتج أو تولد من المهات وتم انفصاله قبل تمام حول النصاب الصلي ولو بلحظة‪ ،‬يزكى بحول‬
‫الصل‪ ،‬لقول عمر رضي ال عنه لساعيه‪« :‬اعتد عليهم بالسخلة (‪ )2‬يروح بها الراعي على يديه‪،‬‬
‫ول تأخذها منهم» (‪ ، )3‬ولن الحول إنما اشترط لتكامل النماء الحاصل‪ ،‬والنتاج نماء في نفسه‪،‬‬
‫فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة‪.‬‬
‫فعلى هذا إذا كان عنده مئة وعشرون من الغنم‪ ،‬فولدت واحدة منها سخلة قبل الحول بلحظة‪،‬‬
‫والمهات كلها باقية‪ ،‬لزمه شاتان‪.‬‬
‫أما لو انفصل النتاج بعد الحول أو قبله‪ ،‬ولم يتم انفصاله إل بعده‪ ،‬كجنين خرج بعضه في الحول‪ ،‬ولم‬
‫يتم انفصاله إل بعد تمام الحول‪ ،‬لم يكن حول النصاب الصلي حوله‪ ،‬لنقضاء حول أصله‪ ،‬ولن‬
‫الحول الثاني أولى به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،31/2 :‬فتح القدير‪ ،504/1 :‬الدر المختار‪ ،26/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،109‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،591/1 :‬مغني المحتاج‪ ،378/1 :‬المغني‪ ،604 ،602/2 :‬الشرح الكبير‪.432/1 :‬‬

‫(‪ )2‬السخلة‪ :‬الصغيرة من أولد المعز والضأن ما لم تبلغ سنة‪ ،‬وتطلق على الذكر والنثى‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مالك في الموطأ (نصب الراية‪.)355/2 :‬‬

‫( ‪)3/286‬‬
‫زكاة الصغار‪ :‬يرى أبو حنيفة ومحمد أنه ليس في الفُصلن والحُملن والعجاجيل زكاة إل أن يكون‬
‫معها كبار ولو واحدا‪ ،‬ويجب ذلك الواحد مالم يكن جيدا‪ ،‬فيلزم الوسط‪ ،‬وعلى هذا فإنه يشترط أن تبلغ‬
‫الماشية سنا يجزئ مثله في الزكاة وهو السنة‪ ،‬بأن تكون كلها أو بعضها مسانّ‪ ،‬لن السن يتغيربه‬
‫الفرض‪ ،‬فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد‪ .‬وخالفهما باقي الئمة فأوجبوا فيها الزكاة‪ ،‬لن السخال‬
‫تعد مع غيرها‪ ،‬فتعد منفردة كالمهات‪ ،‬والعدد تزيد الزكاة بزيادته بخلف السن‪.‬‬
‫‪ - 5‬الحيوان المستفاد في أثناء الحول ‪:‬‬
‫قال الحنفية والمالكية (‪ : )1‬من كان له نصاب‪ ،‬فاستفاد في أثناء الحول شيئا من جنسه بشراء أو هبة‬
‫أو صدقة‪ ،‬ضمه إليه أي إلى النصاب‪ ،‬وزكاه معه‪ ،‬كربح مال التجارة ونتاج السائمة‪ ،‬ويعتبر حوله‬
‫حول أصله‪ ،‬لنه تبع له من جنسه‪ ،‬فأشبه النماء المتصل‪ ،‬وهو زيادة قيمة عروض التجارة‪ .‬وإن لم‬
‫يكن من جنسه ل يضم اتفاقا‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬ل يضم المملوك بشراء أو غيره كهبة أو إرث أو وصية إلى ما عنده‪،‬‬
‫في الحول‪ ،‬وإنما يبدأ له حول جديد؛ لنه ليس في معنى النتاج؛ لن الدليل قد قام على اشتراط‬
‫الحول‪ ،‬واستثني النتاج لقول عمر المتقدم‪ ،‬فبقي ما عداه على الصل‪ .‬ثم إن الولد والنتاج تابعة في‬
‫الملك‪ ،‬فتملك بملك الصل‪ ،‬بخلف المستفاد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،510/1 :‬الدر المختار‪ ،31/2 :‬اللباب‪ ،147/1 :‬الشرح الصغير‪ ،593/1 :‬حاشية‬
‫الدسوقي‪.432/1 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ، 379/1 :‬المغني‪.627/2 :‬‬

‫( ‪)3/287‬‬
‫ويتفرع على الخلف‪ :‬من كان عنده نصاب من النعم كخمس من البل‪ ،‬وثلثين من البقر‪ ،‬وأربعين‬
‫من الغنم فأكثر‪ ،‬فاستفاد بهبة أو صدقة‪ ،‬أو استحقاق في وقف‪ ،‬أو دين‪ ،‬أو بشراء قدر نصاب آخر أو‬
‫ما يكمل نصابا آخر‪ ،‬فإنه على رأي الحنفية والمالكية يضم للول الذي كان عنده‪ ،‬ويزكيه معه‪،‬‬

‫فيكون عليه شاتان بعد أن كان عليه واحدة مثلً‪ ،‬أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع‪ ،‬أو حقة مثلً‪.‬‬
‫ومثله‪ :‬من كان عنده نصاب نقدي في بدء الحول‪ ،‬ثم قبض رواتب شهرية‪ ،‬فيضم ما يدخره ولو من‬
‫آخر راتب إلى أصل النصاب‪ ،‬ويزكيه معه‪.‬‬
‫أما عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬فإنه يكون للمستفاد أو المتجدد من الدخل حول مستقل على حدة‪ ،‬كل‬
‫متجدد أو مدخر جديد له حوله‪.‬‬
‫‪ - 6‬الزكاة في النصاب دون العفو (الوقاص ) ‪:‬‬
‫الوقاص‪ :‬جمع وقص‪ :‬وهو ما بين الفريضتين من كل النعام‪.‬‬
‫ل زكاة في الوقاص‪ ،‬وهي عفو أي معفو عنها باتفاق المذاهب (‪ ، )1‬فل تتعلق به الزكاة‪ ،‬بل تتعلق‬
‫بالنصاب المقرر شرعا فقط‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن الوقاص ل صدقة فيها» (‪ ، )2‬ولن‬
‫العفو مال ناقص عن نصاب‪ ،‬يتعلق به فرض مبتدأ‪ ،‬فلم يتعلق به الوجوب قبله‪ ،‬كما لو نقص عن‬
‫النصاب الول‪.‬‬
‫فما دون النصاب عفو‪ ،‬وما فوقه إلى حد آخر عفو‪ ،‬فلو هلك العفو‪ ،‬وبقي النصاب‪ ،‬بقي كل الواجب‪،‬‬
‫كأن كان له تسع من البل‪ ،‬أو مئة وعشرون من الغنم‪ ،‬فهلك بعد الحول من البل أربع‪ ،‬ومن الغنم‬
‫ثمانون‪ ،‬لم يسقط من الزكاة شيء‪.‬‬
‫‪ - 7‬ما يأخذه الساعي ‪:‬‬
‫الساعي أو العامل أو المصدّق‪ :‬هو الموظف المخصص من الحاكم لجمع الزكاة وجبايتها من‬
‫المالكين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،511/1 :‬الشرح الصغير‪ ،599/1 :‬المهذب‪ ،145/1 :‬المغني‪ ،604/2 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪.219/2‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو عبيد في الموال عن يحيى بن الحكم‪.‬‬

‫( ‪)3/288‬‬
‫فإن كان في المال المزكى كرائم ولئام (‪ ، )1‬وسمان ومهازيل‪ ،‬وصحاح ومراض‪ ،‬وكبار وصغار‪،‬‬
‫وجب الوسط بقدر قيمة المالين‪ ،‬طلبا للتعديل بينهما‪ ،‬وهو عند الحنفية أعلى الدنى وأدنى العلى‪،‬فل‬
‫يؤخذ من خيار الموال ول من شرارها‪ ،‬ول من الولد‪ ،‬فإن كانت كلها جيادا فجيد عند الحنفية (‬
‫‪ ، )2‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في حديث معاذ المتقدم‪« :‬فإياك وكرائم أموالهم» وقوله أيضا‪« :‬إن‬

‫ال تعالى لم يسألكم خيره‪ ،‬ولم يأمركم بشره» (‪ ، )3‬ولن مبنى الزكاة على المواساة‪ ،‬وأخذ الصحيحة‬
‫عن المراض مثلً إخلل بالمواساة‪ ،‬ولن فيه مراعاة لجانبي المالك والمستحق‪.‬‬
‫وقد فرع الفقهاء بناء على هذا المبدأ تفريعات‪:‬‬
‫فقال الحنفية(‪ : ) 4‬ليس للساعي أن يأخذ الجيد ول الرديء إل من طريق التقويم برضا صاحب‬
‫المال‪ .‬ول يؤخذ الرّبّى (التي وضعت وهي تربي ولدها‪ ،‬يعني قريبة العهد بالولدة) ‪ ،‬ول الماخض‬
‫(التي قد حان ولدها أي في بطنها ولد) ‪ ،‬ول الكولة (التي تسمن للكل) ‪.‬‬
‫ويأخذ الساعي الوسط‪ ،‬سواء أكان النصاب من نوع واحد‪ ،‬أم من نوعين كالضأن والمعز‪ ،‬والبقر‬
‫والجواميس‪ ،‬والعراب والبخت‪ ،‬والوسط‪ :‬هو أن يكون أدنى من الرفع‪ ،‬وأرفع من الدون‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الكرائم‪ :‬جمع كريمة‪ ،‬وهي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن أو جمال صورة أو‬
‫كثرة لحم أو صوف‪ .‬واللئام‪ :‬جمع لئيمة وهي ضد الكريمة‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،34-32/2 :‬الدر المختار‪ 30/2 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،506/1،510 :‬اللباب‪،146/1 :‬‬
‫الشرح الكبير‪ ،436-434/1 :‬الشرح الصغير‪ ،598/1،604 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،108‬مغني‬
‫المحتاج‪ 375/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،147/1،150 :‬المغني‪ ،604-598/2 :‬كشاف القناع‪،213/2 :‬‬
‫‪ 223 ،219‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ ،‬المكان السابق‪.‬‬

‫( ‪)3/289‬‬
‫ول يأخذ الذكر في زكاة البل‪ ،‬فتتعين النوثة في الواجب في البل من جنسها من بنت المخاض‬
‫وبنت اللبون والحقة والجذعة‪ ،‬ول يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع‪،‬‬
‫إل بطريق التقويم؛ لن الواجب المنصوص عليه هو الناث‪ ،‬ودفع القيمة في الزكاة جائز عندهم‪.‬‬
‫أما في البقر فيجوز فيها الذكر والنثى‪ ،‬لورود النص بذلك‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫وليس في الصغار والذكور وحدها زكاة‪ ،‬فإذا وجدت الصغار والكبار عدّت مع بعضها‪ ،‬ويجب فيها‬
‫ما يجب في الكبار وهو المسنة‪.‬‬
‫وإذا فقد الساعي في مال المالك ما يجب أخذه‪ ،‬بأن وجب عليه سن فلم توجد عنده‪ ،‬أخذ أعلى منها‬
‫وردّ الفضل (قيمة الزيادة عن المدفوع) ‪ ،‬أو أخذ أدنى منها وأخذ الفضل‪ ،‬ول يقدر عندهم بشيء؛‬

‫لنه بحسب الوقات غلء ورخصا (‪. )1‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يتعين على الساعي أخذ الوسط من الواجب‪ ،‬فل يؤخذ من خيار الموال ول من‬
‫شرارها‪ ،‬حتى ولو كان عند المزكي خيار فقط أو شرار فقط‪ ،‬إل أن يرى الساعي أن أخذ المعينة‬
‫أحظ للفقراء لكثرة لحمها مثلً‪ .‬ول يؤخذ من الولد‪ .‬وإذا تساوى عدد الضأن والمعز أو غيرهما‪،‬‬
‫خيّر الساعي‪ ،‬فإن لم يتساويا أخذ من الكثر‪،‬كثلثين من الضأن وعشرة من المعز أو عكس ذلك‪،‬‬
‫وكعشرين من البقر وعشرة من الجواميس‪ ،‬فيأخذ من الكثر؛ لن الحكم للغالب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬خلفا للشافعية والحنابلة الذين قدروا الفضل الذي يرد بشاتين أو عشرين درهما‪.‬‬

‫( ‪)3/290‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ل تؤخذ مريضة‪ ،‬ول معيبة‪ ،‬إل من مثلها بأن كانت ماشيته كلها منها‪ ،‬ول يؤخذ ذكر؛‬
‫لن النص ورد في الناث إل إذا وجب كابن اللبون والتبيع في البقر‪ ،‬أو كانت ماشيته كلها ذكورا في‬
‫الصح‪ ،‬كما تؤخذ المريضة والمعيبةمن مثلها‪ .‬ويؤخذ من الصغار صغيرة في المذهب الجديد‪.‬ول‬
‫تؤخذ الرّبّى (الحديثة العهد بالنتاج) ول الكولة (المسمنة للكل) ول ماخض (حامل)‪ ،‬ول فحل الغنم‪،‬‬
‫ول خِيار‪ ،‬لحديث معاذ السابق «إياك وكرائم أموالهم» ولقول عمر رضي ال عنه‪« :‬ول تؤخذ‬
‫الكولة‪ ،‬ول الربى‪ ،‬ول الماخض‪ ،‬ول فحل الغنم» إل برضا المالك في جميع ما ذكر؛لنه محسن‬
‫بالزيادة‪ ،‬وقد قال تعالى‪{ :‬ما على المحسنين من سبيل} [التوبة‪.]91/9:‬‬
‫وقد عرفنا أنه بالنسبة للجبران‪ :‬إذا لم يجد الساعي الفرض المطلوب في البل كان للمالك الصعود‬
‫والنزول درجة أو درجتين‪ ،‬فدفع العلى أو الدنى مع أخذ الدافع شاتين أو عشرين درهما‪ ،‬وذلك‬
‫تخفيفا على المالك‪ ،‬حتى ليكلف الشراء‪ ،‬والخيار في الشاتين أو العشرين درهما للدافع سواء أكان‬
‫مالكا أم ساعيا‪ ،‬لحديث أنس في كتاب أبي بكر عند البخاري‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬ليؤخذ في الصدقة تيس ( ذكر ) ول هَرِمة‪ ،‬ول ذات عوار ((معيبة) إل ما شاء‬
‫المصدّق أي العامل‪ ،‬بأن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنس المذكورات‪ ،‬فيكون له أن يأخذ‬
‫من جنس المال‪ ،‬فيأخذ هرمة (كبيرة) من الهرمات‪ ،‬وذات عوار من أمثالها‪ ،‬وتيسا من التيوس‪ ،‬كما‬
‫قرر الشافعية‪ ،‬ودليلهم حديث أبي بكر عن أنس المتقدم‪.‬‬
‫ول يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح‪ ،‬وإن كثرت قيمتها‪ ،‬للنهي عن أخذها‪ ،‬ولما فيه من الضرار‬
‫بالفقراء‪.‬‬

‫ول تؤخذ الرّبّى ول الماخض ول الكولة‪ ،‬كما بينت في مذهب الشافعية‪ ،‬ول تؤخذ السخلة الصغيرة‬
‫إل إذا كانت الماشية كلها صغارا‪ ،‬فيجوز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب‪ ،‬كما قرر الشافعية‪.‬‬

‫( ‪)3/291‬‬
‫ورأيهم في الجبران كالشافعية أيضا‪ ،‬فمن وجبت عليه سن في الزكاة فعدمها‪ ،‬خيّر المالك دون‬
‫الساعي‪ ،‬أو الفقير ونحوه في الصعود إلى ما يليها في ملكه‪ ،‬ثم إلى ما يليه إن عدمه‪ ،‬وفي النزول إلى‬
‫ما يليها في ملكه ثم إلى ما يليه‪ ،‬إلى درجة ثالثة من فوق أو من أسفل‪ ،‬مع شاتين أو عشرين درهما‬
‫ويتضاعف الجبران مع زيادة الدرجة‪ ،‬ول مدخل للجبران في غير البل؛ لن النص إنما ورد فيها‪،‬‬
‫فيقتصر عليه‪ ،‬وليس غيرها في معناها‪ ،‬لكثرة قيمتها‪ ،‬ولن الغنم ل تختلف فريضتها باختلف سنها‪،‬‬
‫وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في البل‪ ،‬فامتنع القياس‪.‬‬
‫فمن عدم فريضة البقر أو فريضة الغنم‪ ،‬ووجد دونها‪ ،‬حرم إخراجها‪ ،‬ولزمه تحصيل الفريضة‬
‫وإخراجها‪ ،‬وإن وجد أعلى منها فدفعها بغير جبران‪ ،‬قبلت منه‪ ،‬وإن لم يفعل أي يدفع العلى عن‬
‫الواجب كُلّف شراء الفريضة من غير ماله‪ ،‬لكونه طريقا إلى أداء الواجب‪.‬‬
‫المبحث السادس ـ هل تجب الزكاة في العمارات والمصانع‪ ،‬وكسب العمل والمهن الحرة؟‬
‫أوضحت في بحث زكاة النقود حكم زكاة السهم والسندات‪ ،‬ويخصص هذا المبحث لزكاة الدخل أو‬
‫المورد الذي يحصل عليه النسان من طريق المباني المؤجرة والمعامل الصناعية‪ ،‬والعمال والمهن‬
‫الحرة‪ .‬وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ زكاة العمارات والمصانع ونحوها ‪:‬‬
‫اتجه رأس المال في الوقت الحاضر لتشغيله في نواحٍ من الستثمارات غير الرض والتجارة‪ ،‬وذلك‬
‫عن طريق إقامة المباني أو العمارات بقصد الكراء‪ ،‬والمصانع المعدة للنتاج‪ ،‬ووسائل النقل من‬
‫طائرات وبواخر (سفن) وسيارات‪ ،‬ومزارع البقار والدواجن وتشترك كلها في صفة واحدة هي أنها‬
‫ل تجب الزكاة في عينها وإنما في ريعها وغلتها أو أرباحها‪.‬‬

‫( ‪)3/292‬‬
‫وبالرغم من أن جمهور فقهائنا لم ينصوا على وجوب الزكاة في هذا النوع من المستغلت‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل‬
‫زكاة في دور السكنى وأثاث المنزل وأدوات الحرفة ودواب الركوب‪ ،‬كما ذكرت سابقا‪ ،‬فإني أرى‬
‫ضرورة الزكاة في غلة العقارات بشروطها التية‪ ،‬لوجود علة وجوب الزكاة فيها وهي النماء‪ ،‬والحكم‬

‫يدورمع علته وجودا وعدما‪ ،‬ولتوفر حكمة تشريع الزكاة فيها أيضا وهي التزكية والتطهير لرباب‬
‫المال أنفسهم‪،‬ومواساة المحتاجين‪ ،‬والمساهمة في القضاء على الفقر الذي يشغل أنظمة العالم‬
‫الحاضرة‪.‬‬
‫وقد قرر مؤتمر علماء المسلمين الثاني ومؤتمر البحوث السلمية الثاني عام ‪1385‬هـ ‪ 1965/‬م‪:‬‬
‫أن الموال النامية التي لم يرد نص ول رأي فقهي بإيجاب الزكاة فيها حكمها كالتي‪ :‬ل تجب الزكاة‬
‫في أعيان العمائر الستغللية والمصانع والسفن والطائرات وما أشبهها‪ ،‬بل تجب في صافي غلتها‬
‫عند توافر شروط النصاب‪ ،‬وحولن الحول‪.‬‬
‫ومقدار الزكاة‪ :‬هو ربع العشر في نهاية الحول‪ ،‬أي ربع عشر صافي الغلة في نهاية الحول (أي ‪5،‬‬
‫‪ )%2‬كزكاة التجارة والنقود‪ .‬وفي الشركات ل ينظر إلى مجموع أرباح الشركات‪ ،‬وإنما ينظر إلى ما‬
‫يخص كل شريك على حدة‪.‬‬
‫وهذا القرار يتفق مع المروي عن المام أحمد الذي يرى أنه تزكى هذه المستغلت من غلتها‬
‫وإيرادها‪ ،‬ومع رأي بعض المالكية الذين يرون تزكية فوائد المستغلت عند قبضها (‪. )1‬‬
‫ويرى ابن عقيل الحنبلي والهادوية من الزيدية وجوب الزكاة في المستغل من كل شيء لجل‬
‫الستغلل‪ ،‬فيشمل العقار المعد للكراء‪ ،‬وكل سلعة تؤجر وتعد للجارة أي يقوم رأس المال في كل‬
‫عام ويزكى زكاة التجارة (‪. )2‬‬

‫( ‪)3/293‬‬
‫المطلب الثاني ـ زكاة كسب العمل والمهن الحرة ‪:‬‬
‫العمل‪ :‬إما حر غير مرتبط بالدولة كعمل الطبيب والمهندس والمحامي والخياط والنجار وغيرهم من‬
‫أصحاب المهن الحرة‪.‬‬
‫وإما مقيد مرتبط بوظيفة تابعة للدولة أو نحوها من المؤسسات والشركات العامة أو الخاصة‪ ،‬فيعطى‬
‫الموظف راتبا شهريا كما هو معروف‪ .‬والدخل الذي يكسبه كل من صاحب العمل الحر أو الموظف‬
‫ينطبق عليه فقها وصف «المال المستفاد» (‪. )3‬‬
‫والمقرر في المذاهب الربعة أنه ل زكاة في المال المستفاد حتى يبلغ نصابا ويتم حولً‪ ،‬ويزكى في‬
‫رأي غير الشافعية المال المدخر كله ولو من آخر لحظة قبل انتهاء الحول بعد توفر أصل النصاب‪.‬‬
‫ويمكن القول بوجوب الزكاة في المال المستفاد بمجرد قبضه‪ ،‬ولو لم يمض عليه حول‪ ،‬أخذا برأي‬
‫بعض الصحابة (ابن عباس وابن مسعود ومعاوية) وبعض التابعين (الزهري والحسن البصري‬

‫ومكحول) ورأي عمر بن عبد العزيز‪ ،‬والباقر والصادق والناصر‪ ،‬وداود الظاهري‪ .‬ومقدار الواجب‪:‬‬
‫ل بعموم النصوص التي أوجبت الزكاة في النقود وهي ربع العشر‪ ،‬سواء حال‬
‫هو ربع العشر‪ ،‬عم ً‬
‫عليها الحول‪ ،‬أم كانت مستفادة‪ .‬وإذا زكى المسلم كسب العمل أو المهنة عند استفادته أو قبضه‬
‫ليزكيه مرة أخرى عند انتهاء الحول‪.‬‬
‫وبذلك يتساوى أصحاب الدخل المتعاقب مع الفلح الذي تجب عليه زكاة الزروع والثمار بمجرد‬
‫الحصاد والدياس‪.‬‬
‫المبحث السابع ـ مصارف الزكاة ‪:‬‬
‫فيه مطلبان‪ :‬الول ـ مستحقو الزكاة‪ ،‬والثاني ـ أحكام متفرقة في توزيع الزكاة‪.‬‬
‫المطلب الول ـ من هم مستحقو الزكاة؟‬
‫أولً ـ دليل تحديدهم ‪:‬‬
‫نصت الية القرآنية ‪ 60‬من سورة التوبة على أصناف ثمانية تستحق الزكاة وهي قوله تعالى‪{ :‬إنما‬
‫الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ال‬
‫وابن السبيل‪ ،‬فريضة من ال ‪ ،‬وال عليم حكيم} [التوبة‪ ]60/9:‬فدلت على أنه تصرف الزكاة إلى‬
‫الصناف الثمانية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،29/3،47:‬شرح الرسالة‪.329/1:‬‬
‫(‪ )2‬بدائع الفوائد لبن القيم‪ ،143/3 :‬البحر الزخار‪.147/2 :‬‬
‫(‪ )3‬انظر فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي‪.250-487/1 :‬‬

‫( ‪)3/294‬‬
‫وروى الجماعة عن ابن عباس أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن‬
‫«‪ ..‬فإن هم أطاعوك لذلك ـ أي القرار بوجوب الزكاة عليهم ـ فأعلمهم أن ال افترض عليهم‬
‫صدقة تؤخذ من أغنيائهم‪ ،‬فترد على فقرائهم‪ »..‬دل على أن الزكاة تؤخذ من قبل المام من أغنياء‬
‫المسلمين‪ ،‬وتصرف في فقرائهم‪ ،‬وكونها في فقرائهم استدل به لمذهب مالك وغيره بأنه يكفي إخراج‬
‫الزكاة في صنف واحد‪.‬‬
‫ثانيا ـ هل يجب تعميم الصناف الثمانية؟‬
‫قال الشافعية (‪ : )1‬يجب صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الموال إلى ثمانية‬

‫أصناف‪ ،‬عملً بالية الكريمة {إنما الصدقات‪[ }..‬التوبة‪ ]60/9:‬أضافت الية جميع الصدقات إلى هذه‬
‫الصناف بلم التمليك‪ ،‬وشركت بينهم بواو التشريك‪ ،‬فدلت على أن الصدقات كلها مملوكة لهم‪،‬‬
‫مشتركة بينهم‪ .‬فإن كان الذي يفرق الزكاة هو المام‪ ،‬قسمها على ثمانية أسهم‪ ،‬منها سهم العامل‪ ،‬وهو‬
‫أول ما يبدأ به؛ لنه يأخذه على وجه العوض‪ ،‬وأما غيره فيأخذه على وجه المواساة‪ .‬وإن كان مفرق‬
‫الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل‪ ،‬وصرفت إلى الصناف السبعة الباقية إن وجدوا‪ ،‬وإل‬
‫فللموجودين منهم‪ ،‬والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن‪ ،‬ول يجوز أن يصرف لقل من ثلثة من‬
‫كل صنف؛ لن أقل الجمع ثلثة‪ ،‬فإن دفع لثنين ضمن نصيب الثالث إل العامل‪ ،‬فإنه يجوز أن يكون‬
‫واحدا إن حصلت به الكفاية‪.‬‬
‫والغالب وجوده الن في البلد أربعة‪ :‬الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل‪ .‬وأجاز جمع من الشافعية‬
‫دفع زكاة الفطر لثلثة فقراء أو مساكين‪ ،‬واختار الرّوياني من الشافعية صرف الزكاة إلى ثلثة من‬
‫أهل السهمان‪ ،‬قال‪ :‬وهو الختيار من حيث الفتوى لتعذر العمل بمذهبنا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪ ،173-170/1:‬حاشية الباجوري‪ ،294-291/1 :‬مغني‪ 116/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/295‬‬
‫ومذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (‪ : )1‬جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد‪ ،‬وأجاز‬
‫الحنفية والمالكية صرفها إلى شخص واحد من أحد الصناف‪ .‬وندب عند المالكية صرفها إلى‬
‫المضطر أي أشدهم حاجة على غيره‪ .‬ويستحب صرفها في الصناف الثمانية خروجا من الخلف‬
‫وتحصيلً للجزاء يقينا‪ ،‬ول يجب الستيعاب‪.‬‬
‫ودليلهم أن الية تعني عدم جواز صرفها لغير هذه الصناف‪ ،‬وأما فيهم فهي تدل على التخيير‪ ،‬أي‬
‫إنها لبيان الصناف التي يجوز الدفع إليهم‪ ،‬ل لتعيين الدفع فيهم‪.‬‬
‫و أما دليل جواز القتصار على شخص واحد من أحد الصناف فهو أن الجمع المعرف بأل «الفقراء‬
‫‪ » ..‬ينبغي حملها على المجاز‪ ،‬وهو جنس الفقير‪ ،‬الذي يتحقق بواحد‪ ،‬لتعذر حملها على الحقيقة‪:‬‬
‫وهو الستغراق‪ ،‬أي الشمول لجميع الفقراء‪ ،‬إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير‪ ،‬وهو غير‬
‫معقول‪.‬‬
‫ثالثا ـ بيان الصناف الثمانية‪:‬‬
‫مستحقو الزكاة هم ثمانية أصناف‪ :‬وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها‪ ،‬والمؤلفة قلوبهم‪ ،‬وفي‬

‫الرقاب‪ ،‬والغارمون‪ ،‬وفي سبيل ال ‪ ،‬وابن السبيل (‪. )2‬‬
‫‪ - 1‬أما الفقراء‪ :‬أصحاب السهم الول‪ :‬فهم جمع فقير‪ ،‬والفقير في رأي الشافعية والحنابلة‪ :‬هو من‬
‫ليس له مال ول كسب يقع موقعا من كفايته‪ ،‬أو حاجته‪ .‬فليس له زوج ول أصل ول فرع يكفيه نفقته‪،‬‬
‫ول يحقق كفايته مطعما وملبسا ومسكنا كمن يحتاج إلى عشرة ول يجد إل ثلثة‪ ،‬حتى وإن كان‬
‫صحيحا يسأل الناس أو كان له مسكن وثوب يتجمل به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الكتاب مع اللباب‪ ،156/1 :‬فتح القدير‪ ،14/2 :‬البدائع‪ ،46/2 :‬الدر المختار‪ ،84/2 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ 110‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،267/1 :‬المغني‪ ،668/2 :‬الشرح الصغير‪،664/1 :‬‬
‫كشاف القناع‪ 335/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،46-43/2 :‬الدر المختار‪ ،84-79/1 :‬فتح القدير‪ ،20-14/2 :‬الشرح الكبير‪-492/1 :‬‬
‫‪ ،497‬الشرح الصغير‪ ،664-657/1 :‬بداية المجتهد‪ ،269-266/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪- 109‬‬
‫‪ ،111‬المهذب‪ ،173-170/1 :‬كشاف القناع‪ ،332-316/2 :‬المغني‪ 665/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/296‬‬
‫‪ - 2‬وأما المساكين أصحاب السهم الثاني فهم جمع مسكين‪ :‬والمسكين‪ :‬هو الذي يقدر على كسب ما‬
‫يسد مسدا من حاجته‪ ،‬ولكن ل يكفيه‪ ،‬كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية ل تكفيه الكفاية اللئقة‬
‫بحاله من مطعم وملبس ومسكن‪.‬‬
‫فالفقير عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أسوأ حالً من المسكين‪ ،‬فالفقير‪ :‬هو من ل مال له ول كسب أصلً‪ ،‬أو‬
‫كان يملك أو يكتسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته (ممونه) من غير إسراف‬
‫ول تقتير‪ .‬والمسكين‪ :‬هو من يملك أو يكتسب نصف ما يحتاجه فأكثر‪ ،‬ولكن لم يصل إلى قدر كفايته‪.‬‬
‫والمراد بالكفاية في حق المكتسب‪ :‬كفاية يوم بيوم‪ ،‬وفي حق غيره‪ :‬ما بقي من عمره الغالب وهو‬
‫اثنان وستون سنة‪.‬‬
‫ودليلهم على أن الفقير أسوأ حالً من المسكين‪ :‬بداءة ا ل تعالى بذكر الفقراء‪ ،‬وإنما يبدأ عادة بالهم‬
‫فالهم‪ .‬وقال تعالى‪{ :‬أما السفنية فكانت لمساكين‬
‫يعملون في البحر} [الكهف‪ ]79/18:‬فأخبر أن لهم سفينة يعملون فيها‪ ،‬وقد سأل النبي المسكنة واستعاذ‬
‫من الفقر‪ ،‬فقال‪« :‬اللهم أحيني مسكينا‪ ،‬وأمتني مسكينا‪ ،‬واحشرني في زمرة المساكين» (‪ ، )1‬ول‬
‫يجوز أن يسأل شدة الحاجة‪ ،‬ويستعيذ من حالة أصلح منها‪ .‬ولن الفقير هو المفقور لغة‪ :‬وهو الذي‬

‫نزعت فقرة من فقار ظهره‪ ،‬فانقطع صلبه‪.‬‬
‫ل من الفقير‪ ،‬كما نقل عن بعض أئمة اللغة‪ ،‬ولقوله تعالى‪:‬‬
‫وقال الحنفية والمالكية‪ :‬المسكين أسوأ حا ً‬
‫{أو مسكينا ذا متربة} [البلد‪ ]16/90:‬أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده‪ ،‬مما يدل على غاية‬
‫الضرر والشدة (‪ ، )2‬ولن المسكين‪ :‬هو الذي يسكن حيث يحل‪ ،‬لنه ل مسكن له‪ ،‬مما يدل على شدة‬
‫الضرر والبؤس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي‪.‬‬
‫(‪ )2‬ناقشهم الفريق الول بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقا‪ ،‬وأن هذا النعت ل يستحقه‬
‫بإطلق اسم المسكنة‪ .‬وناقش الفريق الثاني استدلل الولين بآية السفينة بأنه قيل لهم ‪ :‬مساكين‬
‫ترحما‪.‬‬

‫( ‪)3/297‬‬
‫‪ - 3‬والصنف الثالث ـ العاملون عليها‪ :‬وهم السعاة لجباية الصدقة‪ ،‬ويشترط فيهم العدالة والمعرفة‬
‫بفقه الزكاة‪،‬ويدخل العاشر والكاتب وقاسم الزكاة بين مستحقيها وحافظ المال‪ ،‬والحاشر‪ :‬الذي يجمع‬
‫أرباب الموال‪ ،‬والعريف‪ :‬الذي يعرف أرباب الستحاق‪ .‬وعدّاد المواشي والكيال والوزان والراعي‪،‬‬
‫وكل من يحتاج إليه في الزكاة لدخولهم في مسمّى «العامل» غير قاض ووال لستغنائهما بمالهما في‬
‫بيت المال‪ .‬أما أجرة الكيل والوزن في حال تسليم الزكاة من المالك ومؤنة دفعها‪ ،‬فعلى المالك؛ لن‬
‫تسليمها عليه‪ ،‬فكذلك مؤنته‪ .‬أما مؤنة ذلك حال الدفع إلى جباة الزكاة‪ ،‬فمن سهم العمال‪.‬‬
‫والذي يعطى للعامل‪ :‬هو بمثابة الجرة على العمل‪ ،‬فيعطاها ولو كان غنيا‪ ،‬أما لو اعتبرت زكاة أو‬
‫صدقة لما حلت للغني‪.‬‬
‫‪ - 4‬والصنف الرابع ـ المؤلفة قلوبهم‪ :‬منهم ضعفاء النية في السلم‪ ،‬فيعطون ليتقوى إسلمهم‪ .‬وهم‬
‫نوعان‪ :‬مسلمون وكفار‪.‬‬
‫أما الكفار فصنفان‪ :‬صنف يرجى خيره‪ ،‬وصنف يخاف شره‪ .‬وقد ثبت أن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫أعطى قوما من الكفار‪ ،‬يتألف قلوبهم ليسلموا‪ ،‬ففي صحيح مسلم‪ :‬أنه صلّى ال عليه وسلم أعطى أبا‬
‫سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والقرع بن حابس‪ ،‬وعباس بن مرداس‪ ،‬كل‬
‫إنسان منهم مئة من البل‪ .‬وأعطى أيضا علقمة ابن علثة من غنائم حنين (‪. )1‬‬
‫واختلف العلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفارا‪ ،‬فقال الحنابلة والمالكية‪:‬‬

‫يعطون ترغيبا في السلم؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم «أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين»‬
‫‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار ‪. 166/4 :‬‬

‫( ‪)3/298‬‬
‫وقال الحنفية والشافعية‪ :‬ل يعطى الكافر من الزكاة ل لتأليف ول لغيره‪ ،‬وقد كان إعطاؤهم في صدر‬
‫السلم في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم‪ ،‬وقد أعز ال السلم وأهله‪ ،‬واستغنى بهم عن تألف‬
‫الكفار‪ ،‬ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال عمر رضي ال عنه‪:‬‬
‫«إنا ل نعطي على السلم شيئا‪ ،‬فمن شاء فليؤمن‪ ،‬ومن شاء فليكفر» ‪.‬‬
‫وأما المسلمون من المؤلفة‪ :‬فهم أصناف يعطون بسبب احتياجنا إليهم‪:‬‬
‫‪ - 1‬ضعفاء النية في السلم‪ :‬يعطون ليتقوى إسلمهم‪.‬‬
‫‪ - 2‬الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلم نظرائه‪ ،‬فقد أعطى النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم أبا سفيان بن حرب وجماعة ممن ذكر‪ ،‬وأعطى الرسول صلّى ال عليه وسلم الزبرقان بن بدر‬
‫وعدي بن حاتم‪ ،‬لشرفهما في قومهما‪.‬‬
‫‪ - 3‬المقيم في ثغر في ثغور المسلمين المجاورة للكفار‪ ،‬ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال‪.‬‬
‫‪ - 4‬من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم‪ ،‬وإن لم يمنعوها‪ .‬وقد ثبت أن أبا بكر‬
‫أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬فقال الحنفية ومالك‪:‬‬
‫قد سقط سهم المؤلفة بانتشار السلم وغلبته؛ لن ال تعالى أعز السلم‪ ،‬وأغنى عنهم وعن استمالتهم‬
‫إلى الدخول فيه‪ .‬فيكون عدد الصناف سبعة ل ثمانية‪ ،‬وذلك بإجماع الصحابة‪ .‬قال مالك‪ :‬ل حاجة‬
‫إلى المؤلفة الن لقوة السلم‪.‬‬

‫( ‪)3/299‬‬
‫وقال الجمهور منهم خليل من المالكية‪ :‬حكم المؤلفة باق لم ينسخ‪ ،‬فيعطون عند الحاجة‪ ،‬ويحمل ترك‬
‫عمر وعثمان وعلي إعطاءهم‪ :‬على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلفتهم‪ ،‬ل لسقوط سهمهم‪ ،‬فإن‬
‫الية من آخر ما نزل‪ ،‬وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر‪ ،‬كما ذكرت‪ ،‬ولن المقصود‬

‫من دفعها إليهم ترغيبهم في السلم لجل إنقاذ مهجهم من النار‪ ،‬ل لعانتهم لنا حتى يسقط بفشو‬
‫السلم‪.‬‬
‫‪ - 5‬والصنف الخامس ـ في الرقاب‪ :‬وهم عند الحنفية والشافعية‪ :‬المكاتبون (‪ )1‬المسلمون الذي ل‬
‫يجدون وفاء ما يؤدون‪ ،‬ولو مع القوة والكسب؛ لنه ل يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته‬
‫إل إذا كان مكاتبا‪ ،‬ولو اشتري بالسهم عبيد‪ ،‬لم يكن الدفع إليهم‪ ،‬وإنما هو دفع إلى سادتهم‪ ،‬ولم يتحقق‬
‫التمليك المطلوب في أداء الزكاة‪ ،‬ويؤكده قوله تعالى‪{ :‬وآتوهم من مال ال الذي آتاكم} [النور‪]33/24:‬‬
‫وفسر ابن عباس «في الرقاب» بأنهم المكاتبون‪.‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة‪ :‬يشترى بسهمهم رقيق‪ ،‬فيعتق؛ لن كل موضع ذكرت فيه الرقبة‪ ،‬يراد بها‬
‫عتقها‪ ،‬والعتق والتحرير ل يكون إل في القن (العبد الخالص العبودية) كما في الكفارات‪.‬‬
‫وشرط إعطاء المكاتب هو كونه مسلما‪ ،‬محتاجا‪.‬‬
‫وبما أنه ل يوجد الن في العالم رقيق‪ ،‬للغائه وتحريمه دوليا‪ ،‬فإن هذا السهم ل وجود له حقيقة‪ ،‬وما‬
‫قد يوجد ليس له طريق شرعي جائز‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المكاتب‪ :‬من كاتبه سيده على أقساط معينة‪ ،‬فإذا وفاها صار حرا‪ .‬والكتابة مندوبة لقوله تعالى‪:‬‬
‫{فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } [النور‪ ]33/24:‬من أجل تحرير الرقاب‪.‬‬

‫( ‪)3/300‬‬
‫‪ - 6‬والصنف السادس ـ الغارمون‪ :‬وهم المدينون‪ ،‬سواء استدان المدين عند الشافعية والحنابلة لنفسه‬
‫أم لغيره‪ ،‬وسواء أكان دينه في طاعة أم معصية‪ .‬فإن استدان لنفسه لم يعط إل إذا كان فقيرا‪ ،‬وإن‬
‫استدان لصلح ذات البين ولو بين أهل ذمة‪ ،‬بسبب إتلف نفس أو مال أو نهب‪ ،‬فيعطى من سهم‬
‫الغارمين‪ ،‬ولو كان غنيا‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل تحل الصدقة لغني إل خمسة‪ :‬لغاز في‬
‫سبيل ال ‪ ،‬أو لعامل عليهم‪ ،‬أو لغارم‪ ،‬أو لرجل اشتراها بماله‪ ،‬أو لرجل له جار مسكين‪ ،‬فتصدق‬
‫على المسكين‪ ،‬فأهدى المسكين إليه» (‪. )1‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬الغارم‪ :‬من لزمه دين‪ ،‬ول يملك نصابا فاضلً عن دينه‪ .‬وقال المالكية‪ :‬الغارم‪ :‬هو من‬
‫فدحه الدين للناس في غير سفه ول فساد‪ ،‬أي من ليس عنده ما يوفي به دينه‪ ،‬إذا كان الدين في غير‬
‫معصية كشرب خمر وقمار‪ ،‬ولم يستدن لخذ الزكاة‪ ،‬كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في النفاق‬
‫بالدين لجل أن يأخذ من الزكاة‪ ،‬فل يعطى منها؛ لنه قصد مذموم‪ ،‬بخلف فقير استدان للضرورة‪،‬‬

‫ناويا الخذ من الزكاة‪ ،‬فإنه يعطى قدر دينه منها لحسن قصده‪.‬‬
‫لكن إن تاب من استدان لمعصية‪ ،‬أو بقصد ذميم‪ ،‬فإنه يعطى على الحسن‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه‪.‬‬

‫( ‪)3/301‬‬
‫‪ - 7‬والصنف السابع ‪ -‬في سبيل ال ‪ :‬وهم الغزاة المجاهدون الذين ل حق لهم في ديوان الجند؛ لن‬
‫السبيل عند الطلق هو الغزو‪ ،‬ولقوله تعالى‪{ :‬إن ال يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف‪:‬‬
‫‪ ]4/61‬وقوله‪{ :‬وقاتلوا في سبيل ال } [البقرة‪ ]190/2:‬وغير ذلك‪ ،‬فيدفع إليهم لنجاز مهمتهم وعونهم‬
‫ولو كانوا عند الجمهور أغنياء؛ لنه مصلحة عامة‪ .‬وأما من له شيء مقدر في الديوان فل يعطى؛‬
‫لن من له رزق راتب يكفيه‪ ،‬فهو مستغن به‪.‬‬
‫لكن ل يحج أحد بزكاة ماله‪ ،‬ول يغزو (يجاهد) بزكاة ماله‪ ،‬ول ُيحَج بها عنه‪ ،‬ول ُيغْزى بها عنه‬
‫لعدم اليتاء المأمور به‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬ل يعطى الغازي في سبيل ال إل إذا كان فقيرا‪.‬‬
‫والحج عند الحنابلة وبعض الحنفية من السبيل‪ ،‬فيعطى مريد الحج من الزكاة‪ ،‬لما روى أبو داود عن‬
‫ابن عباس‪« :‬أن رجلً جعل ناقة في سبيل ال ‪ ،‬فأرادت امرأته الحج‪ ،‬فقال لها النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬اركبيها‪ ،‬فإن الحج من سبيل ال » فيأخذ مريد الحج من الزكاة إن كان فقيرا‪ ،‬ما يؤدي به‬
‫فرض حج أو فرض عمرة‪ ،‬أو يستعين به في أداء الفرضين؛ لنه يحتاج إلى إسقاط الفرض‪ .‬وأما‬
‫التطوع فله عنه مندوحة‪.‬‬
‫‪ - 8‬والصنف الثامن ـ ابن السبيل ‪ :‬هو المسافر أو من يريد السفر في طاعة غير معصية‪ ،‬فيعجز‬
‫عن بلوغ مقصده إل بمعونة‪ ،‬والطاعة‪ :‬مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة‪.‬‬
‫يعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده‪ ،‬إذا كان محتاجا في سفره‪ ،‬ولو كان غنيا في وطنه‪.‬‬

‫( ‪)3/302‬‬
‫رابعا ـ هل تعطى الزكاة لغير هذه الصناف؟‬
‫اتفق جماهير فقهاء المذاهب (‪ )1‬على أنه ل يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر ال تعالى من بناء‬
‫المساجد والجسور والقناطر والسقايات وكري النهار وإصلح الطرقات‪ ،‬وتكفين الموتى‪ ،‬وقضاء‬

‫الدين‪ ،‬والتوسعة على الضياف‪ ،‬وبناء السوار وإعداد وسائل الجهاد‪ ،‬كصناعة السفن الحربية وشراء‬
‫السلح‪ ،‬ونحو ذلك من القرب التي لم يذكرها ال تعالى مما ل تمليك فيه؛ لن ال سبحانه وتعالى‬
‫قال‪{ :‬إنما الصدقات للفقراء} [التوبة‪ ]60/9:‬وكلمة «إنما» للحصر والثبات‪ ،‬تثبت المذكور وتنفي‬
‫ماعداه‪ ،‬فل يجوز صرف الزكاة إلى هذه الوجوه؛ لنه لم يوجد التمليك أصلً‪.‬‬
‫لكن فسر الكاساني في البدائع سبيل ا ل ‪ .‬بجميع القرب‪ ،‬فيدخل فيه كل من سعى في طاعة ال‬
‫وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا؛ لن «في سبيل ال » عام في الملك‪ ،‬أي يشمل عمارة المساجد‬
‫ونحوها مما ذكر‪ ،‬وفسر بعض الحنفية «سبيل ال بطلب العلم ولو كان الطالب غنيا » ‪ .‬قال أنس‬
‫والحسن‪« :‬ما أعطيت في الجسور والطرق‪ ،‬فهي صدقة ماضية» ‪.‬‬
‫وقال مالك‪ :‬سبل ال كثيرة‪ ،‬ولكني ل أعلم خلفا في أن المراد بسبيل ال ههنا الغزو‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،85 ،83 ،81/2 :‬البدائع‪ ،45/2 :‬الشرح الكبير‪ ،497/1 :‬المهذب‪:‬‬
‫‪ ،173 ،170/1‬المغني‪ ،667/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،111‬أحكام القرآن لبن العربي‪.957/2 :‬‬

‫( ‪)3/303‬‬
‫خامسا ـ مقدار ما يعطى لمستحقي الزكاة‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين (‪: )1‬‬
‫فقال الشافعية والحنابلة‪ :‬يجوز أن يدفع إلى كل منهما ما تزول به حاجته أو كفايته من أداة يعمل بها‬
‫إن كان فيه قوة‪ ،‬أو بضاعة يتجر فيها‪ ،‬حتى ولو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له‪،‬‬
‫ويحسن التجارة فيها؛ لن ال أثبت الصدقات لهؤلء الصناف دفعا لحاجتهم وتحصيلً لمصلحتهم‪،‬‬
‫فالمقصود من الزكاة سد الخلة ودفع الحاجة‪ ،‬فيعطى الفقير والمسكين ما يحقق حاجته وهو كفاية سنة‪.‬‬
‫وقال صلّى ال عليه وسلم في حديث قبيصة عند مسلم‪« :‬فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من‬
‫عيش‪ ،‬أو سِدادا من عيش» والسداد‪ :‬الكفاية‪.‬‬
‫وكره أبو حنيفة إعطاء إنسان نصاب الزكاة وهو قدر مئتي درهم‪ ،‬ويجزئ إعطاء أي قدر‪.‬‬
‫وأجاز مالك إعطاء نصاب‪ ،‬ويرد المر إلى الجتهاد‪ ،‬فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنيا‪ .‬لكن‬
‫ل يعطى عند المالكية أكثر من كفاية سنة‪.‬‬
‫ودليل أبي حنيفة ومالك أن الية ليس فيها تحديد مقدار ما يعطى كل واحد من الصناف‪.‬‬
‫وأما مقدار ما يعطى للعامل‪ :‬فاتفق الفقهاء (‪ )2‬على أنه يدفع إليه المام بقدر عمله‪ ،‬أي ما يسعه أو‬

‫يكفيه وأعوانه بالوسط‪ ،‬مدة ذهابهم وإيابهم‪ ،‬لكن قيد الحنفية ذلك بأل يزاد على نصف ما يقبضه‪.‬‬
‫وأما ما يعطى للغارم‪ :‬فبقدر ما عليه من الدين إذا كان في طاعة وفي غير سرف‪ ،‬بل في أمر‬
‫ضروري‪.‬‬
‫وكذلك ابن السبيل‪ :‬يعطى ما يوصله إلى بلده (‪. )3‬‬
‫سادسا ـ من سأل الزكاة وكان غير مستحق‪:‬‬
‫هذه مسألة تشترك فيها الصناف الثمانية كلها (‪ ، )4‬وهي من سأل الزكاة وعلم المام أنه ليس‬
‫مستحقا‪ ،‬لم يجز له صرف الزكاة إليه‪ .‬وإن علم استحقاقه‪ ،‬جاز الصرف إليه بل خلف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،88/2،93 :‬فتح القدير‪ ،28/2 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،494/1 :‬أحكام القرآن‬
‫لبن العربي‪ ،961/2 :‬المجموع‪ ،202/6 :‬المهذب‪ ،171/1 :‬مغني المحتاج‪ ،114/3 :‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ 268/1‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 317/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الكتاب مع اللباب‪ ،155/1 :‬الشرح الكبير‪ ،495/1 :‬بداية المجتهد‪ ،269/1 :‬المهذب‪،171/1 :‬‬
‫كشاف القناع‪ ،322/2 :‬الدر المختار‪.81/2 :‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ 268/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬المجموع‪ 214/6 :‬ومابعدها‪ ،‬وانظر الشرح الصغير‪ ،668/1 :‬كشاف القناع‪.334/2 :‬‬

‫( ‪)3/304‬‬
‫وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان‪ :‬خفية وجلية‪:‬‬
‫فالخفي‪ :‬الفقر والمسكنة‪ ،‬فل يطالب مدعيها ببينة لعسرها‪ ،‬فلو عرف له مال‪ ،‬وادعى هلكه‪ ،‬لم يقبل‬
‫إل ببينة‪ ،‬ولو ادعى عيالً فل بد من البينة في الصح‪.‬‬
‫والجلي‪ :‬نوعان‪ :‬أحدهما ـ يتعلق الستحقاق فيه بمعنى في المستقبل‪ ،‬وذلك في الغازي وابن السبيل‪،‬‬
‫فيعطيان بقولهما بل بينة ول يمين‪ .‬ثم إن لم يحققا ما ادعيا‪ ،‬ولم يخرجا‪ ،‬استرد منهما ما أخذا‪،‬‬
‫ويترصد للخروج بحسب المعتاد على وجه التقريب‪.‬‬
‫والثاني ـ يتعلق الستحقاق فيه بمعنى في الحال‪ ،‬وهذا النوع يشترك فيه بقية الصناف‪ ،‬فالعامل إذا‬
‫ادعى العمل طولب بالبينة‪ ،‬وكذلك المكاتب والغارم‪ .‬وأما المؤلف قلبه‪ :‬فإن قال‪ :‬نيتي ضعيفة في‬
‫السلم‪ ،‬قبل قوله؛ لن كلمه يصدقه‪ ،‬وإن قال‪ :‬أنا شريف مطاع في قومي‪ ،‬طولب بالبينة‪ .‬قال‬
‫الرافعي من الشافعية‪ :‬واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الصناف‪،‬‬

‫لحصول العلم أو الظن بالستفاضة‪.‬‬
‫سابعا ـ شروط المستحقين أو أوصافهم‪:‬‬
‫اشترط الفقهاء في مستحق الزكاة شروطا خمسة هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون فقيراً إل العامل فإنه يعطى ولو كان غنيا لنه يستحقه أجرة ولنه فرغ نفسه لهذا‬
‫العمل‪ ،‬فيحتاج إلى الكفاية‪ ،‬وإل ابن السبيل إذا كان له في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،48-43/2 :‬فتح القدير‪ ،29-21/2 :‬الفتاوى الهندية‪ ،176/1 :‬الدر المختار وحاشية ابن‬
‫عابدين‪ ،94 ،90-81/2 :‬الشرح الكبير‪ 494/1 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ 267/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،668-659/1 :‬مغني المحتاج‪ ،112/3 :‬بجيرمي الخطيب‪ ،319/2 :‬المهذب‪-174/1 :‬‬
‫‪ ،175‬المجموع‪ ،248-244/6 :‬حاشية الباجوري‪ ،295/1 :‬كشاف القناع‪ ،344-317/2 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،661 ،650-646/2‬أحكام القرآن لبن العربي‪.963-945/2 :‬‬

‫( ‪)3/305‬‬
‫وطنه مال‪ ،‬فهو بمنزلة الفقير؛ لن الحاجة هي المعتبرة‪ ،‬وهو الن فقير يدا‪ ،‬وإن كان غنيا ظاهرا‪،‬‬
‫وإل المؤلف والغازي في رأي الشافعية والحنابلة‪.‬‬
‫والفقر شرط عام لصرف جميع الصدقات المفروضة والواجبة كالعشور والكفارات والنذور وصدقة‬
‫الفطر‪ ،‬لعموم قوله تعالى‪{ :‬إنما الصدقات للفقراء} [التوبة‪.]60/9:‬‬
‫وعليه ل يجوز صرف الزكاة وغيرها من الواجبات لغني‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لتحل‬
‫الصدقة لغني‪ ،‬ول ذي مِرّة سوي» (‪ )1‬وجاز دفع الزكاة لربعة أو خمسة من الغنياء‪ :‬وهم العامل‪،‬‬
‫والمؤلف‪ ،‬والغازي‪ ،‬والغارم لصلح ذات البين عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«ل تحل الصدقة لغني إل لخمسة‪ :‬لعامل‪ ،‬أو رجل اشتراها بماله‪ ،‬أوغاز في سبيل ال ‪ ،‬أو لغارم‪ ،‬أو‬
‫مسكين تُصدّق عليه منها فأهدى منها لغني» (‪. )2‬‬
‫والغني عند الحنفية (‪ : )3‬هو من ملك قدر نصاب فارغ عن حاجته الصلية من أي مال‪ .‬فيعطى من‬
‫الزكاة من كان يملك أقل من نصاب شرعي‪ ،‬ولو كان صحيحا قويا قادرا على الكسب؛ لنه فقير‬
‫والفقراء هم المصارف‪ ،‬ولن حقيقة الحاجة ل يوقف عليها‪ ،‬فأدير الحكم على دليلها وهو فقد‬
‫النصاب‪ ،‬فل بأس أن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرس وسلح‬
‫وثياب البدن‪،‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والترمذي من حديث عمرو بن العاص‪ .‬والمرّة‪ :‬القوة والشدة‪ ،‬والسوي‪:‬المستوي‬
‫الخلْق‪ ،‬التام العضاء‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار‪ ،96، 88/2 :‬البدائع‪ ،48/2 :‬فتح القدير‪ 27/2 :‬ومابعدها‪ ،‬قالوا‪ :‬لو دفع الزكاة إلى‬
‫أخته‪ ،‬ولها على زوجها مهر يبلغ نصابا‪ ،‬وهو ملي مقر‪ ،‬ولو طلبت ل يمتنع عن الداء‪ ،‬ل تجوز‪،‬‬
‫وإل جاز‪.‬‬

‫( ‪)3/306‬‬
‫وكتب العلم إن كان من أهله؛ لن هذه الشياء من الحوائج الصلية اللزمة التي لبد منها للنسان‪،‬‬
‫فإن كان له فضل عن ذلك تبلغ قيمته مئتي درهم‪ ،‬حرم عليه أخذ الصدقة‪ .‬ويجوز أداء الزكاة للمكاتب‬
‫وإن حصل نصابا زائدا عن بدل الكتابة‪ ،‬ول يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصابا من أي مال كان؛‬
‫لن الغنى الشرعي مقدر به‪.‬‬
‫والغني عند المالكية (‪ : )1‬هو من ملك كفايته لمدة سنة‪ ،‬والفقير‪ :‬هو من ملك من المال أقل من كفاية‬
‫السنة‪ ،‬فيعطى من الزكاة ولو ملك نصابا فأكثر لكنه ل يكفيه لعامه‪ ،‬ولو كان قويا قادرا على الكسب‬
‫أي كسب ما يكفيه بصنعة تارك لها وغير مشتغل بها‪ ،‬ولو كان تركه التكسب بها اختيارا على‬
‫المشهور‪ .‬ومن لم يجد كفاية سنة ويقوم بالنفاق عليه نحو والد أو بيت مال بمرتب ل يكفيه من أكل‬
‫وكسوة‪ ،‬أو من صنعة ل تكفيه‪ ،‬فيعطى من الزكاة‪.‬‬
‫والغني عند الشافعية (‪ : )2‬من كانت عنده الكفاية في عمره الغالب وهو اثنان وستون سنة‪ ،‬إل إذا‬
‫كان له مال يتجر فيه‪ ،‬فيعتبر ربحه في كل يوم‪ ،‬فإن كان أقل من نصف الكفاية في ذلك اليوم‪ ،‬فهو‬
‫فقير‪ .‬وكذا إذا جاوز العمر الغالب فالعبرة بكل يوم على حدة‪ ،‬فإن كان له مال أو كسب ل يكفيه في‬
‫نصف اليوم فهو فقير‪.‬‬
‫والفقير‪ :‬هو من ل مال له أصلً ول كسب حلل‪ ،‬و له مال أو كسب حلل ل يكفيه بأن كان أقل من‬
‫نصف الكفاية‪ ،‬ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه كالزوج بالنسبة للزوجة‪ .‬والمعتبر‪ :‬كسب يليق بحاله‬
‫ومروءته‪ ،‬وأما ما ل يليق به فهو كالمعدوم‪ .‬وتحل الزكاة لطالب العلوم الشرعية؛ لن تحصيل العلم‬
‫فرض كفاية‪ ،‬ويخاف من القبال على الكسب النقطاع عن التحصيل‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الشرح الكبير وحاشية الدسوقي‪.494/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪ ،202-197/6 :‬مغني المحتاج‪.108،246-107/3 :‬‬

‫( ‪)3/307‬‬
‫والمسكين‪ :‬هو من قدر على مال أو كسب حلل يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب‪.‬‬
‫ول يعطى الفقير أو المسكين من الزكاة إذا كان قادرا على الكسب‪ ،‬للحديث السابق عند أبي داود‬
‫بإسناد صحيح‪« :‬ل حظ فيها لغني‪ ،‬ول لقوي مكتسب» ‪.‬‬
‫لكن تعطى الزكاة للعبد المكاتب ولو مع القدرة والكسب‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬ل يمنع الفقير مسكنه وثيابه وماله الغائب في مسافة مرحلتين (مسافة القصر) ودينه‬
‫المؤجل وكسب ل يليق به‪ ،‬وليشترط فيه الزمانة ول التعفف عن المسألة في الجديد‪ ،‬والمكفي بنفقة‬
‫قريب أو زوج ليس فقيرا في الصح‪ .‬ولو اشتغل بعلم والكسب يمنعه من اشتغاله بذلك‪ ،‬فهو فقير‪.‬‬
‫والغني عند الحنابلة (‪ )1‬في أظهر الروايتين عن أحمد‪ :‬هو من ملك خمسين درهما أو قيمتها من‬
‫الذهب‪ ،‬أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك‪ ،‬لحديث‬
‫أبي داود والترمذي‪« :‬الغنى‪ :‬خمسون درهما أو قيمتها من الذهب» والفقير‪ :‬من ل يجد شيئا البتة (أي‬
‫قطعا)‪،‬أو يجد شيئا يسيرا من الكفاية دون نصفها من كسب أو غيره‪ ،‬مما ل يقع موقعا من كفايته‪،‬‬
‫كدرهمين من عشرة‪ .‬والمسكين‪ :‬من يجد معظم الكفاية أو نصفها من كسب أو غيره‪ .‬فيعطى كل‬
‫منهما كفايته مع عائلته سنة‪ .‬ول يعطى كل منهما من الزكاة إذا كان قادرا على الكتساب إذ إنه لحظ‬
‫فيها لغني ول لقوي مكتسب‪ ،‬كما روى أبو داود‪ .‬لكن إذا تفرغ القادر على التكسب لطلب العلم‪،‬‬
‫وتعذر الجمع بين طلب العلم والتكسب‪ ،‬يعطى من الزكاة‪ ،‬ول يعطى إذا تفرغ للعبادة‪ ،‬لقصور نفعها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ 334 ،319 ،317/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.661/2 :‬‬

‫( ‪)3/308‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن المانع من الصدقة وهو الغنى‪ :‬هو أقل ما ينطلق عليه السم عند الشافعية والحنابلة‬
‫أخذا بالمعنى اللغوي للكلمة‪ ،‬وهو ملك النصاب عند الحنفية أخذا بالمعنى الشرعي؛ لن الشرع اعتبر‬
‫في حديث معاذ مالك النصاب هو الغني‪ .‬وقال مالك‪ :‬ليس في ذلك حد إنما هو راجع إلى الجتهاد‪،‬‬
‫وذلك يختلف باختلف الحالت والحاجات والشخاص والمكنة والزمنة‪.‬‬

‫ويحرم سؤال الزكاة أو صدقة التطوع أو الكفارة ونحوها‪ ،‬وله ما يغنيه أي يكفيه؛ لنه ل يحل له‬
‫أخذها إذن‪ ،‬ووسائل المحرم محرمة‪.‬‬
‫العلم بكون المدفوع زكاة‪ :‬إذا دفع المسلم الزكاة إلى من يظنه فقيرا أو رآه ظاهر الحاجة‪ ،‬لم يحتج‬
‫إلى إعلمه أنها زكاة‪.‬‬
‫إذا ظهر كونه غنيا أو غير مستحق‪ :‬إن دفعت إلى من ظاهره الفقر أو يظنه فقيرا‪ ،‬فبان غنيا‪ ،‬أو ظنه‬
‫مسلما‪ ،‬فبان كافرا ‪ ،‬لم يجزه ذلك عن الفرض ويجب ردها منه‪ ،‬في رأي المالكية والشافعية وفي‬
‫الراجح عند الحنابلة (‪ )1‬؛ لنه دفع الواجب إلى غير مستحقه‪ ،‬فلم يخرج من عهدته‪ ،‬كما لو دفعها‬
‫إلى كافر أو ذي قرابة‪ ،‬كديون الدميين‪ .‬ثم إن كان المال باقيا‪ ،‬استرجع منه‪ ،‬ودفع إلى فقير‪ ،‬وإن‬
‫كان فائتا‪ ،‬أخذ البدل‪ ،‬وصرف إلى فقير‪ .‬فإن لم يكن للمدفوع إليه مال‪ ،‬لم يجب على رب المال‬
‫ضمانه؛ لنه إذا دفعه إلى المام‪ ،‬سقط الفرض عنه بذلك‪ ،‬ول يضمنه المام؛ لنه أمين غير مفرط‪.‬‬
‫وإن كان الدافع هو رب المال نفسه‪ ،‬فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة واجبة‪ ،‬لم يكن له أن يرجع‪ ،‬لنه‬
‫قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع‪ .‬وإن كان قد بين أنها زكاة‪ ،‬رجع فيها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪ ،175/1 :‬المغني‪ 667/2 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،344/2 :‬الشرح الصغير‪،668/1 :‬‬
‫غاية المنتهى‪ 315/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/309‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الجمهور يقررون أنه ل تجزئ الزكاة إذا دفعت لغير مستحق إل المام‪ ،‬ومثله عند‬
‫المالكية نائب القاضي والوصي‪ ،‬فإنها تجزئ إن تعذر ردها؛ لنهم يدفعونها بالجتهاد‪ .‬واستثنى‬
‫الحنابلة حالة الدفع لغني ظنه فقيرا‪ ،‬فإنها تجزئه‪.‬‬
‫وقال الحنفية (‪ : )1‬إذا دفع الزكاة لنسان ثم بان أنه غني أو ذمي‪ ،‬أو أنه أبوه أو ابنه أو امرأته أو‬
‫هاشمي‪ ،‬ل يعيد الدفع؛ لنه أتى بما في وسعه‪ ،‬أي أتى بالتمليك الذي هو ركن الداء على قدر وسعه‪،‬‬
‫إذ ليس مكلفا بأكثر من التحري والبحث‪ ،‬فلو دفع بل تحرٍ‪ ،‬لم يجز؛ لنه أخطأ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون مستحق الزكاة مسلماً‪ :‬إل المؤلفة قلوبهم في رأي المالكية والحنابلة‪ :‬فل يجوز صرف‬
‫الزكاة إلى الكافر بل خلف‪ ،‬لحديث معاذ رضي ال عنه المتقدم‪« :‬خذها من أغنيائهم وردها في‬
‫فقرائهم» أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون‪ ،‬فل يجوز وضعها في‬
‫غيرهم‪.‬‬

‫وأما ما سوى الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور‪ ،‬فل شك في أن صرفها إلى فقراء المسلمين‬
‫أفضل؛ لن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطاعة‪ .‬وهل يجوز صرفها إلى أهل الذمة؟‬
‫قال أبو حنيفة ومحمد‪ :‬يجوز‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إن تبدوا الصدقات فنعما هي‪ ،‬وإن تخفوها وتؤتوها‬
‫الفقراء‪ ،‬فهو خير لكم‪ ،‬ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة‪ ]271/2:‬من غير تفرقة بين فقير وفقير‪،‬‬
‫وعموم هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم‪ ،‬إل أنه خص منه الزكاة لحديث معاذ‪ ،‬وقوله‬
‫تعالى في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،93/2 :‬الكتاب مع اللباب‪.157/1 :‬‬

‫( ‪)3/310‬‬
‫الكفارات‪{ :‬فكفارته إطعام عشرة مساكين‪[ }..‬المائدة‪ ]89/5:‬من غير تفرقة بين مسكين ومسكين‪ ،‬إل‬
‫أنه خص منه الحربي بدليل حتى ل يكون ذلك إعانة لهم على قتالنا‪ ،‬ولن صرف الصدقة إلى أهل‬
‫الذمة من باب إيصال البر إليهم‪ ،‬وما نهينا عن ذلك‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ل ينهاكم ال عن الذين لم يقاتلوكم‬
‫في الدين‪ ،‬ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم‪[ }...‬الممتحنة‪.]8/60:‬‬
‫وقال أبو يوسف وزفر والشافعي والجمهور‪ :‬ل يجوز صرف غير الزكاة أيضا إلى الذميين قياسا على‬
‫الزكاة‪ ،‬وعلى الحربي‪.‬‬
‫‪ - 3‬أل يكون المستحق من بني هاشم‪ :‬لن آل البيت تحرم عليهم الزكاة؛ لنها أوساخ الناس‪ ،‬ولهم‬
‫من خمس الخمس في البيت ما يكفيهم‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن هذه الصدقات إنما هي‬
‫أوساخ الناس‪ ،‬وإنها ل تحل لمحمد‪ ،‬ول لل محمد» (‪. )1‬‬
‫وبنو هاشم الذين تحرم عليهم الصدقات عند الكرخي من الحنفية والحنابلة (‪ : )2‬آل العباس‪ ،‬وآل علي‬
‫وآل جعفر وآل عقيل بني أبي طالب‪ ،‬وآل الحارث بن عبد المطلب‪ ،‬لعموم الحديث المتقدم (‪)3‬‬
‫وكذلك قال الشافعية (‪ : )4‬هم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعاً‪ ،‬وروى الخمسة (أحمد‬
‫وأصحاب السنن) عن أبي رافع‪« :‬إن الصدقة ل تحل لنا» (نصب الراية‪ ،403/2 :‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)174/4‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،49/2 :‬كشاف القناع‪.339/2 :‬‬

‫(‪ )3‬الهاشمي‪ :‬من لهاشم عليه ولدة‪ ،‬كأولد العباس وحمزة وأبي طالب وأبي لهب‪ ،‬وأولد فاطمة‪،‬‬
‫وقد أدخل الحنابلة آل أبي لهب بن عبد المطلب؛ لنه ثبت أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام‬
‫الفتح‪ ،‬وسر صلّى ال عليه وسلم بإسلمهما‪ ،‬ودعا لهما‪ ،‬وشهدا معه حنينا والطائف ولهما عقب عند‬
‫أهل النسب (نيل الوطار‪ )172/4 :‬وهاشم‪ :‬هو ثاني أجداد النبي صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو أبو عبد‬
‫المطلب‪.‬‬
‫(‪ )4‬شرح المجموع‪ 244/6 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/311‬‬
‫بنو هاشم وبنو المطلب لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد‪ ،‬وشبك‬
‫بين أصابعه» (‪. )1‬‬
‫وقال أبو حنيفة والمالكية (‪ : )2‬هم بنو هاشم فقط‪ ،‬وأما بنو المطلب أخو هاشم فليسوا عندهم من آل‬
‫البيت‪ ،‬فيعطون من الزكاة على المشهور‪.‬‬
‫هذا ‪ ...‬وقد نقل عن أبي حنيفة وعن المالكية وبعض الشافعية‪ :‬جواز إعطاء الهاشميين من الزكاة‪،‬‬
‫لنهم حرموا من بيت المال سهم ذوي القربي‪ ،‬منعا لتضييعهم ولحاجتهم‪ ،‬عملً بالمصالح المرسلة‪.‬‬
‫وإعطاؤهم ـ كما قال الدسوقي المالكي ـ حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم‪ .‬وتحل صدقة التطوع لهم‬
‫عند الكثرين‪.‬‬
‫‪ - 4‬أل يكون ممن تلزم المزكي نفقته من القارب والزوجات ولو في العدة‪ :‬لن ذلك يمنع وقوع‬
‫الداء تمليكا للفقير من كل وجه‪ ،‬بل يكون صرفا إلى نفسه من وجه‪ ،‬فهو يجلب لنفسه نفعا‪ ،‬وهو منع‬
‫وجوب النفقة عليه‪.‬فل تدفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا (أي الجداد) والمولودين وإن سفلوا (أي‬
‫الحفاد والسباط)‪ ،‬ول إلى الزوجات (حتى ولو كانت الزوجة مبانة في العدة ولو بثلث في مذهب‬
‫الحنفية)؛ بصفة الفقر أو المسكنة؛ لن نفقتهم واجبة على المزكي‪ ،‬والزكاة للحاجة‪، ،‬ول حاجة مع‬
‫وجوب النفقة‪ ،‬ولن أحدهم ينتفع بمال الخر‪ ،‬بل ول يجوز دفعها عند الشافعية لشخص ل تلزم‬
‫المزكي نفسه نفقته‪ ،‬وإنما تلزم غيره؛ لنه غير محتاج‪ ،‬كمكتسب كل يوم قدر كفايته‪ .‬وأجاز الحنفية‬
‫دفع الزكاة لمرأة فقيرة وزوجها غني؛ لنها ل تستحق على زوجها إل مقدار النفقة‪ ،‬فل تعد بذلك‬
‫القدر غنية‪ ،‬ول يجوز عندهم دفع زكاة الزاني لولده من الزنا إل إذا كان الولد من ذات زوج‬
‫معروف‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري عن جبير بن مطعم‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،659/1 :‬الشرح الكبير‪.493/1 :‬‬

‫( ‪)3/312‬‬
‫لكن يجوز دفعها لمن ذكر بصفة كونهم غارمين أو غزاة مجاهدين مثلً‪ .‬وأجاز الشافعية كما في‬
‫المجموع للنووي والمالكية وابن تيمية إعطاء الزكاة لولد أو والد لتلزم المزكي نفقته‪ ،‬إذا كان فقيرا؛‬
‫لنه حينئذ كالجنبي‪ ،‬وأباح المالكية للمرأة دفع زكاة فطرها ‪ -‬ل الزكاة الواجبة ‪ -‬إلى زوجها الفقير‪.‬‬
‫قال الستاذ أبو إسحاق الشيرازي في المهذب‪« :‬ول يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه نفقته من القارب‬
‫والزوجات من سهم الفقراء؛ لن ذلك إنما جعل للحاجة‪ ،‬ول حاجة بهم مع وجوب النفقة» ‪.‬‬
‫وقال النووي عن الصحاب‪ :‬ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين‬
‫والغزاة إذا كانوا بهذه الصفة‪ .‬ول يجوز أن يدفع إليه من سهم المؤلفة إن كان ممن يلزمه نفقته؛ لن‬
‫نفعه يعود إليه‪ ،‬وهو إسقاط النفقة‪ ،‬فإن كان ممن ل يلزمه نفقته‪،‬جاز رفعه إليه (‪ . )1‬وعلى هذا من‬
‫استقل من الولد بكسب ل يكفيه‪ ،‬وليس في منزل أبيه‪ ،‬يجوز إعطاؤه من الزكاة عند الشافعية‪.‬‬
‫وهل يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها؟‬
‫قال أبو حنيفة‪ ،‬والحنابلة على الراجح (‪ : )2‬ل يجوز؛ لن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها‪.‬‬
‫وقال الصاحبان والشافعية‪ ،‬والمالكية على الصحيح (‪ : )3‬يجوز له ولولدها‪ ،‬لحديث زينب امرأة ابن‬
‫مسعود‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪.247/6 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،90-86/2 :‬البدائع‪ ،40/2 :‬كشاف القناع‪ 338/2 :‬وما بعدها‪ ،‬الكتاب مع اللباب‪:‬‬
‫‪.156/1‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،40/2 :‬أحكام ابن العربي‪ ،960/2 :‬المجموع‪ ،247/6 :‬حاشية الصاوي‪.658/1 :‬‬

‫( ‪)3/313‬‬
‫«زوجُك وولدك أحق من تصدقت عليهم به» (‪ ، )1‬ولن نفقة الزوج والولد غير واجبة على‬
‫الزوجة والم‪.‬‬
‫ويجوز دفع الزكاة إلى بقية القارب الفقراء غير المذكورين كالخ والخت والعمة والعم والخالة‬

‫والخال ونحوهم‪ ،‬لحديث الطبراني عن سلمان بن عامر‪« :‬الصدقة على المسكين صدقة وهي لذي‬
‫الرحم اثنتان‪ :‬صدقة وصلة» بل إن القرابة أحق بزكاة المزكي‪ ،‬قال مالك‪ :‬أفضل من وضعت فيه‬
‫زكاتك قرابتك الذين ل تعول‪.‬‬
‫ويجوز دفع الزكاة لزوجة أبيه وابنه وزوج ابنته (الصهر)‪ .‬ولم يجز المالكية دفع الزكاة لمن كانت‬
‫نفقته لزمة عليه أو كان له مرتب في بيت المال يكفيه‪ .‬وكذلك لم يجز الحنابلة دفع الزكاة إلى‬
‫عمودي النسب في حال تجب نفقتهم فيه عليه أو ل تجب نفقتهم فيه‪ ،‬ورثوا أو لم يرثوا‪ ،‬حتى ذوي‬
‫الرحام منهم‪ ،‬كأبي الم وولد البنت‪.‬‬
‫أما صدقات التطوع(‪ : ) 2‬فيجوز دفعها للصول والفروع والزوجات والزواج‪ ،‬والدفع إليهم أولى؛‬
‫لن فيه أجرين‪ :‬أجر الصدقة وأجر الصلة‪.‬‬
‫وتجوز صدقة التطوع للغنياء والكفار‪ ،‬ولهم أخذها‪ ،‬وفيه أجر‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ويطعمون الطعام على‬
‫حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [النسان‪ ]8/76:‬ولم يكن السير يومئذ إل كافرا‪ ،‬وكسى عمر خاله مشركا‬
‫حلة كان النبي صلّى ال عليه وسلم كساه إياها‪ ،‬وقال النبي صلّى ال عليه وسلم لسماء بنت أبي بكر‬
‫التي استفتته في صلة أمها وهي مشركة‪« :‬صلي أمك» (‪ ، )3‬لكن يستحب للغني عن السؤال‪ ،‬مع‬
‫وجود حاجتهم‪ ،‬فقال‪{ :‬يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة‪ ]273/2 :‬فإن أخذها الغني مظهرا‬
‫للفاقة‪ ،‬حرم عليه ذلك‪ ،‬وإن كانت تطوعا‪ ،‬لما فيه من الكذب والتغرير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،50/2 :‬أحكام القرآن لبن العربي‪ ،960/2 :‬المجموع‪ 258/6 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ 345/2‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم وأبو داود‪.‬‬

‫( ‪)3/314‬‬
‫وإذا أخطأ المزكي كأن دفع الزكاة في ظلمة مثلً‪ ،‬فأداها إلى أحد أصوله أو فروعه‪ ،‬من غير أن‬
‫يعلم‪ ،‬فل إعادة عليه عند أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬وعليه العادة عند أبي يوسف والشافعي وأحمد‪.‬‬
‫‪ - 5‬أن يكون بالغا عاقلً حرا‪ :‬فل تجزئ لعبد اتفاقا‪ ،‬ول تجزئ عند الحنفية (‪ )1‬لصغير غير‬
‫مراهق (ما دون السابعة) ول مجنون إل إذا قبض عن الصغير والمجنون لهما من يجوز له قبضه‬
‫كالب والوصي وغيرهما‪ ،‬وتجوز عندهم لصبيان أقاربه المميزين في مناسبة عيد أوغيره‪ ،‬ول يجوز‬

‫دفع الزكاة لولد الغني إذا كان صغيرا‪ ،‬لن الولد الصغير يعد غنيا بغنى أبيه‪ ،‬ويجوز إعطاؤها له إذا‬
‫كان كبيرا فقيرا؛ لنه ليعد غنيا بمال أبيه‪ ،‬فكان كالجنبي‪ ،‬كما ل يعد الب غنيا بغنى ابنه‪ ،‬ول‬
‫الزوجة بغنى زوجها‪ ،‬ول الطفل بغنى أمه‪.‬‬
‫واشترط الشافعية (‪ )2‬أن يكون قابض الزكاة رشيدا‪ :‬وهو البالغ العاقل حسن التصرف‪ ،‬فل تجزئ‬
‫لصبي أو مجنون أو سفيه ديانة كتارك الصلة إل أن يقبضها له وليه لسفهه أو قصوره‪.‬‬
‫واشترط المالكية (‪ )3‬أن يكون عامل الزكاة بالغا‪ ،‬فل تعطى الزكاة لقاصر‪.‬‬
‫أما الحنابلة (‪ : )4‬فأجازوا دفع الزكاة إلى الكبير والصغير‪ ،‬سواء أكل الطعام أو لم يأكل‪ ،‬والمجنون‪،‬‬
‫لكن يقبضها ولي الصغير والمجنون عنهما‪ ،‬أو القيّم عليهما‪ ،‬روى الدارقطني عن أبي جحيفة قال‪:‬‬
‫«بعث رسول ال صلّى ال عليه وسلم ساعيا‪ ،‬فأخذ الصدقة من أغنيائنا‪ ،‬فردها في فقرائنا‪ ،‬وكنت‬
‫غلما يتيما ل مال لي‪ ،‬فأعطاني قَلُوصا» أي ناقة شابة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية ابن عابدين‪ 90 ،85 ،81/2 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪.47/2 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.112/3 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪.494/1 :‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.646/2 :‬‬

‫( ‪)3/315‬‬
‫وبناء على هذه الشروط‪ :‬ل يجوز دفع الزكاة لغني بمال أو كسب‪ ،‬ول لعبد‪ ،‬ول لبني هاشم‪ ،‬وبني‬
‫المطلب عند الجمهور غير المالكية وأبي حنيفة في الخير‪ ،‬ول لكافر‪ ،‬ول لمن تلزم المزكي أو غيره‬
‫نفقته‪ ،‬ول للصغار والمجانين بأنفسهم‪ ،‬ول لمن ليس في بلد الزكاة كما سأبين في مسألة نقل الزكاة‪.‬‬
‫وأضاف الحنفية‪ :‬ل يجوز صرف الزكاة لهل البدع كالمشبهة في ذات ال أو في الصفات‪ .‬وأجاز‬
‫الحنفية دفع الزكاة للفقراء في المواسم والعياد‪ ،‬أو لمن يأتيه ببشارة ونحوها‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ أحكام متفرقة في توزيع الزكاة‪:‬‬
‫أولً ـ دفع الزكاة إلى المام وإخراج النسان زكاة نفسه ‪:‬‬
‫دل قوله تعالى‪{ :‬والعاملين عليها} [التوبة‪ ]60/9:‬على أن أخذ الزكوات إلى المام‪ ،‬إذ لو جاز للمالك‬
‫أداء الزكاة إلى المستحقين‪ ،‬لما احتيج إلى عامل لجبايتها‪ .‬ويؤكده قوله تعالى‪{ :‬خذ من أموالهم صدقة}‬
‫[التوبة‪.]103/9:‬‬

‫ويجب على المام (‪ )1‬أن يبعث السعاة لخذ الصدقة؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم والخلفاء من‬
‫بعده كانوا يبعثون السعاة‪ ،‬ولن في الناس من يملك المال‪ ،‬ول يعرف ما يجب عليه‪ ،‬وفيهم من يبخل‪،‬‬
‫فوجب أن يبعث من يأخذ‪.‬‬
‫ول يبعث المام إل ساعيا حرا عدلً ثقة؛ لن هذا ولية وأمانة‪ ،‬والعبد والفاسق ليسا من أهل المانة‬
‫والولية‪ .‬ول يبعث إل فقيها؛ لنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما ل يؤخذ‪ ،‬ويحتاج إلى الجتهاد فيما‬
‫يعرض له من مسائل الزكاة وأحكامها‪.‬‬
‫وهناك آية تجيز لرباب الموال دفع الزكاة بأنفسهم إلى المستحقين وهي قوله تعالى‪{ :‬والذين في‬
‫أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج‪ ]25-24/70:‬لنه إذا كان ذلك الحق حقا للسائل‬
‫والمحروم‪ ،‬وجب أن يجوز دفعه إليهما مباشرة‪.‬‬
‫وعملً بما دلت عليه اليات فصل العلماء في بيان تفرقة الزكاة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪.168/1 :‬‬

‫( ‪)3/316‬‬
‫أ ـ فإن كان مال الزكاة خفيا أو باطنا‪ :‬وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها‪ ،‬جاز‬
‫للمالك أن يفرقها بنفسه‪ ،‬أو أن يدفعها إلى المام‪ ،‬لن رسول ال صلّى ال عليه وسلم طالب بزكاته‪،‬‬
‫وتبعه في ذلك أبو بكر وعمر‪ ،‬ثم طالب بها عثمان لمدة‪ ،‬ولما كثرت أموال الناس ورأى أن في تتبعها‬
‫حرجا على المة‪ ،‬فوض الداء إلى أربابها‪ .‬ودفعها إلى المام لنه نائب عن الفقراء‪ ،‬فجاز الدفع إليه‬
‫كولي اليتيم‪ ،‬ولن المام أعلم بمصارفها‪ ،‬ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا‪ ،‬لحتمال أن يكون غير‬
‫مستحق لها‪ ،‬ولنه يخرج من الخلف وتزول التهمة عنه‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان مال الزكاة ظاهرا‪ :‬وهو المواشي والزروع والثمار والمال الذي يمر به التاجر على‬
‫العاشر‪ ،‬فيجب عند الجمهور منهم الحنفية والمالكية (‪ )1‬دفعها إلى المام‪ ،‬فإن فرقها بنفسه‪ ،‬لم‬
‫يحتسب له ما أدى‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬خذ من أموالهم صدقة} [التوبة‪ ]103/9:‬أمر ال نبيه بأخذ الزكاة‪،‬‬
‫فدل أن للمام المطالبة بذلك والخذ‪ .‬ودل ذكر «العاملين عليها» في المصارف على أن للمام مطالبة‬
‫أرباب الموال بالصدقات‪.‬‬
‫وكان النبي يبعث المصدّقين (الجباة) إلى أحياء العرب والبلدان والفاق لخذ الصدقات من النعام‬
‫والمواشي في أماكنها (‪. )2‬‬

‫وتابعه على ذلك الخلفاء الراشدون‪ ،‬وقال أبو بكر رضي ال عنه لما امتنعت العرب عن أداء الزكاة‪:‬‬
‫ل كانوا يؤدونه إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬لحاربتهم عليه» (‪. )3‬‬
‫«وال لو منعوني عقا ً‬
‫لكن المالكية قالوا‪ :‬إذا كان المام عدلً‪ ،‬وجب دفع الزكاة إليه‪ ،‬وإن كان غير عدل‪ ،‬فإن لم يتمكن‬
‫المزكي صرفها عنه‪ ،‬دفعت إليه وأجزأت‪ .‬وإن تمكن صرفها عنه دفعها صاحبها لمستحقها‪ .‬ويستحب‬
‫أل يتولى دفعها بنفسه خوف الثناء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،35/2 :‬الشرح الصغير‪ ،670/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.111‬‬
‫(‪ )2‬ثبت ذلك في حديث أنس عن أبي بكر عند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري‪ ،‬وعند الخمسة‬
‫عن معاذ بن جبل‪ ،‬وعن رواة آخرين (نيل الوطار‪ 124/4 :‬ومابعدها‪ 132 ،‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل ابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الوطار‪.)119/4 :‬‬

‫( ‪)3/317‬‬
‫وقال الشافعي في الجديد (‪ : )1‬يجوز للمزكي أن يفرق زكاة الموال الظاهرة بنفسه كزكاة الباطن؛‬
‫لنها زكاة‪ ،‬فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )2‬يستحب للنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه‪ ،‬ليكون على يقين من وصولها إلى‬
‫مستحقها‪ ،‬سواء أكانت من الموال الظاهرة أم الباطنة‪ .‬قال أحمد‪ :‬أعجب إلي أن يخرجها‪ ،‬وإن دفعها‬
‫إلى السلطان فهو جائز‪ .‬ودليلهم أن المزكي دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه‪ ،‬فأجزأه‪ ،‬كما لو‬
‫دفع الدين إلى غريمه‪ ،‬وكزكاة الموال الباطنة‪ ،‬ولن المال الظاهر أحد نوعي الزكاة‪ ،‬فأشبه النوع‬
‫الخر‪ ،‬ولتوفير أجر العُمالة (رزق العامل)‪.‬‬
‫ولكن للمام أخذها‪ ،‬وهذا ل خلف فيه‪ ،‬لدللة الية‪{ :‬خذ من أموالهم صدقة} [التوبة‪،]103/9:‬‬
‫ومطالبة أبي بكر لهم بها بكونهم لم يؤدوها إلى أهلها‪ ،‬ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها‪.‬‬
‫وعلى كل حال فالواقع أن إخراج الزكاة أصبح منوطا بأرباب الموال‪ ،‬ويطلب اليوم سن تشريعات‬
‫فريضة الزكاة‪ ،‬وقيام الدولة بجبايتها‪ ،‬بسبب تقصير الكثير عن أدائها‪ ،‬على أن تصرف في المصارف‬
‫الشرعية‪ ،‬وأن يكون الحاكم عادلً أمينا على مصالح المسلمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪.168/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.641/2 :‬‬

‫( ‪)3/318‬‬
‫ثانيا ـ التوكيل في أداء الزكاة ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء (‪ )1‬على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة‪ ،‬بشرط النية من الموكل أو المؤدي‪ ،‬فلو نوى‬
‫عند الداء أو الدفع للوكيل عند الحنفية والشافعية‪ ،‬أو قبل الداء بزمن يسير عند الحنابلة‪ ،‬أو عند‬
‫العزل لدى المالكية والحنفية والشافعية‪ ،‬ثم أداها الوكيل إلى الفقير بل نية جاز؛ لن تفرقة الزكاة من‬
‫حقوق المال‪ ،‬فجاز أن يوكل في أدائه كديون الدميين‪ .‬وللوكيل أن يوكل غيره بل إذن ولو نوى‬
‫الوكيل ولم ينو الموكل‪ ،‬لم يجز؛ لن الفرض يتعلق به‪ ،‬والجزاء يقع عنه‪ ،‬وإن دفعها إلى المام ناويا‬
‫ولم ينو المام حال دفعها إلى الفقراء‪ ،‬جاز‪.‬‬
‫وبناء عليه يجوز في رأي الحنفية توكيل الذمي غير المسلم بأداء الزكاة للفقراء؛ لن المؤدي في‬
‫الحقيقة هو المسلم‪ .‬ولو قال الموكل‪ :‬هذا تطوع أوعن كفارتي‪ ،‬ثم نواه عن الزكاة قبل دفع الوكيل‪،‬‬
‫صح‪ .‬وللوكيل أن يدفع الزكاة لولده الفقير أو زوجته الفقيرة إذا لم يأمره بالدفع إلى شخص معين‪ ،‬ول‬
‫يجوز له أن يأخذ الزكاة لنفسه إل إذا قال له الموكل‪ :‬ضعها حيث شئت‪.‬‬
‫وإن أمره بالدفع إلى شخص معين‪ ،‬فدفعها الوكيل لغيره‪ ،‬فيه قولن عند الحنفية‪ :‬قول بأنه ل يضمن‪،‬‬
‫كمن نذر أن يتصدق على فلن معين‪ ،‬له أن يتصدق على غيره‪ ،‬وقول رجحه ابن عابدين‪ :‬يضمن؛‬
‫لن الوكيل يستمد سلطته بالتصرف من الموكل‪ ،‬وقد أمر بالدفع إلى فلن‪ ،‬فل يملك الدفع إلى غيره‪،‬‬
‫كمن أوصى لزيد بكذا‪ ،‬ليس للوصي الدفع إلى غيره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 40/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المحتار‪ 14/2 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ 666/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫المهذب‪ ،168/1 :‬المغني‪ 63/8/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/319‬‬
‫ثالثا ـ شرط المال المؤدى ‪:‬‬
‫يشترط أن يكون المؤدى مالً متقوما على الطلق‪ ،‬سواء أكان عند الحنفية (‪ )1‬منصوصا عليه أم ل‪،‬‬
‫من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة أم من غير جنسه‪ ،‬والصل عندهم أو القاعدة‪ :‬أن كل مال‬
‫يجوز التصدق به تطوعا‪ ،‬يجوز أداء الزكاة منه‪ ،‬ومال فل‪ .‬وعليه‪ :‬لو أعطى الفقير سلعة من السلع‬
‫كقماش أوخبز أوسكر أو سمن أو حذاء‪ ،‬ناويا الزكاة صح‪ .‬وعند غير الحنفية‪ :‬يتعين أداء المنصوص‬

‫عليه‪ ،‬وقد بحث الموضوع في إخراج القيمة في الزكاة‪.‬‬
‫رابعا ـ نقل الزكاة لبلد آخر غير بلد المزكي ‪:‬‬
‫القاعدة العامة أن تفرّق صدقة كل قوم فيهم‪ ،‬لحديث معاذ المتقدم‪« :‬خذها من أغنيائهم وردها في‬
‫فقرائهم» ‪ ،‬والمعتبر عند الحنفية والشافعية والحنابلة في زكاة المال‪ :‬المكان الذي فيه المال‪ ،‬والمعتبر‬
‫في صدقة الفطر‪ :‬المكان الذي فيه المتصدق اعتبارا بسبب الوجوب فيهما‪ ،‬وللفقهاء تفصيل في نقل‬
‫الزكاة من بلد إلى آخر (‪. )2‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬يكره تنزيها نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إل أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد‬
‫حاجتهم‪ ،‬أو إلى قوم هم أحوج إليها أوأصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين‪ ،‬أو من دار الحرب إلى دار‬
‫السلم‪ ،‬أو إلى طالب علم‪ ،‬أو إلى الزهاد‪ ،‬أو كانت معجلة قبل تمام الحول‪ ،‬فل يكره نقلها‪ .‬ولو نقلها‬
‫لغير هذه الحوال جاز؛ لن المصرف مطلق الفقراء‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬ل يجوز نقل الزكاة لبلد لمسافة القصر‪ ،‬فأكثر‪ ،‬إل لمن هو أحوج إليها‪ ،‬ويجوز نقلها‬
‫لمن هو دون مسافة القصر ( ‪ 89‬كم)؛ لنه في حكم موضع الوجوب‪ ،‬ويتعين تفرقتها فورا بموضع‬
‫الوجوب‪ :‬وهو في الحرث (الزرع والثمر) والماشية‪ :‬الموضع الذي جبيت منه‪ ،‬وفي النقود وعروض‬
‫التجارة‪ :‬موضع المالك‪ ،‬حيث كان‪ ،‬ما لم يسافر‪ ،‬ويوكل من يخرج عنه ببلد المال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.41/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،95-93/2 :‬الفتاوى الهندية‪ ،178/1 :‬الكتاب مع اللباب‪ ،158/1 :‬فتح القدير‪:‬‬
‫‪ 28/2‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،111‬الشرح الصغير‪ ،667 :‬أحكام القرآن لبن العربي‪:‬‬
‫‪ ،963/2‬المجموع‪ ،237/6 :‬مغني المحتاج‪ ،118/3 :‬بجيرمي الخطيب‪ ،318/2 :‬المهذب‪،173/1 :‬‬
‫المغني‪.674-671/2 :‬‬

‫( ‪)3/320‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الظهر منع نقل الزكاة‪ ،‬ويجب صرفها إلى الصناف في البلد الذي فيه المال‪ ،‬لحديث‬
‫معاذ المتقدم‪ ،‬فإن لم توجد الصناف في البلد الذي وجبت فيه الزكاة‪ ،‬أو لم يوجد بعضهم‪ ،‬أو فضل‬
‫شيء عن بعض وجد منهم‪ ،‬نقلت إلى أقرب البلد لبلد الوجوب‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬المذهب أنه ل يجوز نقل الصدقة من بلد مال الزكاة إلى بلد‬
‫مسافة القصر‪ ،‬أي يحرم نقلها إلى مسافة القصر‪ ،‬ولكن تجزئه‪ .‬ويجوز نقلها لقل من مسافة القصر‬

‫من البلد الذي فيه المال‪ .‬والمستحب تفرقة الصدقة في بلدها‪ ،‬ثم القرب فالقرب من القرى والبلدان‪.‬‬
‫خامسا ـ أخذ البغاة والخوارج الزكاة ‪:‬‬
‫إذا تغلبت فئة الخوارج والبغاة على بلد إسلمي‪ ،‬فأخذوا زكواتهم وعشور أراضيهم وخراجها‪ ،‬ثم‬
‫استعادها المام منهم أو أخذ السلطان الجائر الزكاة‪ ،‬أجزأ المدفوع عن أصحابه ول يثنّى عليهم‪،‬‬
‫وأجزأ دفع الخراج عن المكلف به‪ ،‬سواء عدل الخذ فيما أخذ أو جار‪ ،‬وسواء أخذها قهرا أو دفعت‬
‫ل بفعل الصحابة‪ ،‬ولن المعطي دفعها إلى أهل الولية‪ ،‬ولن حق الخذ للمام‬
‫إليه اختيارا‪ .‬وذلك عم ً‬
‫لجل الحفظ والحماية‪ ،‬ولم يوجد ذلك منه‪ ،‬فجاز دفعها لغيره (‪ . )1‬لكن قال الحنفية‪ :‬إل أن المعطين‬
‫يفتون فيما بينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشور ثانيا‪ .‬وقالوا أيضا‪ :‬لو أخذ السلطان الصدقات أو‬
‫الجبايات أو أخذ مالً مصادرة إن نوى المأخوذ منه الصدقة عند الدفع‪ ،‬جاز وبه يفتى‪ ،‬أو إذا دفع إلى‬
‫كل جائر بنية الصدقة يجزئ‪ ،‬والحوط العادة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،36/2 :‬فتح القدير‪ ،512/1 :‬المغني‪ 644/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.33/2 :‬‬

‫( ‪)3/321‬‬
‫سادسا ـ الحيلة لسقاط الزكاة ‪:‬‬
‫يحرم التحايل لسقاط الزكاة كأن يهب المال المزكى لفقير ثم يشتريه منه‪ ،‬أو يهبه لقريب قبل حولن‬
‫الحول ثم يسترده منه فيما بعد‪.‬‬
‫ولو أبدل النصاب بغير جنسه كإبدال الماشية بدراهم‪ ،‬فرارا من الزكاة‪ ،‬أو أتلف جزءا من النصاب‬
‫قصدا للتنقيص لتسقط عنه الزكاة‪ ،‬أو جعل السائمة علوفة‪ ،‬لم تسقط عنه الزكاة عند الحنابلة والمالكية‬
‫(‪ )1‬سدا للذرائع‪ ،‬لنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه‪ ،‬ولقوله تعالى‪{ :‬إنا بلوناهم كما‬
‫بلونا أصحاب الجنة‪ ،‬إذ أقسموا ليصرمُنّها مصبحين‪ ،‬ول يستثنون‪ ،‬فطاف عليها طائف من ربك‪ ،‬وهم‬
‫نائمون‪ ،‬فأصبحت كالصريم} [القلم‪ ]20-17/68:‬فعاقبهم ال تعالى بذلك‪ ،‬لفرارهم من الصدقة‪ .‬قال‬
‫أبو يوسف‪ :‬ل يحتال في إبطال الصدقة بوجه ول سبب‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة والشافعي‪ :‬تسقط عنه الزكاة؛ لنه نقص قبل تمام حوله‪ ،‬فلم تجب فيه الزكاة‪ ،‬كما لو‬
‫أتلف لحاجته‪.‬‬
‫سابعا ـ هل تجزئ الضريبة المدفوعة للدولة عن الزكاة؟‬
‫ل تجزئ أصلً الضريبة عن الزكاة؛ لن الزكاة عبادة مفروضة على المسلم شكرا ل تعالى وتقربا‬

‫إليه‪ ،‬والضريبة التزام مالي محض خال عن كل معنى للعبادة والقربة‪ ،‬ولذا شرطت النية في الزكاة‬
‫ولم تشرط في الضريبة‪ ،‬ولن الزكاة حق مقدر شرعا‪ ،‬بخلف الضريبة فإنها تخضع لتقدير السلطة‪،‬‬
‫ولن الزكاة حق ثابت دائم‪ ،‬والضريبة مؤقتة بحسب الحاجة‪ ،‬ولن مصارف الزكاة هي الصناف‬
‫الثمانية‪ :‬الفقراء والمساكين المسلمون إلخ‪ ،‬والضريبة تصرف لتغطية النفقات العامة للدولة‪ .‬وللزكاة‬
‫أهداف روحية وخلقية واجتماعية إنسانية‪ ،‬أما الضريبة فل يقصد بها تحقيق شيء من تلك الهداف (‬
‫‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،676/2 :‬مغني المحتاج‪ ،379/1 :‬حاشية ابن عابدين‪ ،45/2 :‬الخراج لبي يوسف‪ :‬ص‬
‫‪.80‬‬
‫(‪ )2‬فقه الزكاة للقرضاوي‪.1003-997 :‬‬

‫( ‪)3/322‬‬
‫ثامنا ـ حكم من مات وعليه زكاة أمواله‪ ،‬أو هل تسقط الزكاة بالموت؟‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك (‪ ، )1‬فقال المالكية والشافعية والحنابلة‪ :‬من وجبت عليه زكاة وتمكن من‬
‫أدائها‪ ،‬فمات قبل أدائها‪ ،‬عصى‪ ،‬ووجب إخراجها من تركته‪ ،‬وإن لم يوص بها‪ ،‬ول تسقط بموته؛‬
‫لنها حق واجب تصح الوصية به‪ ،‬أو حق مال لزمه في حال الحياة‪ ،‬فلم يسقط بالموت كدين الدمي‪.‬‬
‫ولكن تنفذ من ثلث التركة كالوصية في مشهور مذهب المالكية‪ ،‬ومن رأس مال التركة كلها في رأي‬
‫الشافعي وأحمد‪.‬‬
‫وإذا اجتمع في تركة الميت دين ل تعالى ودين لدمي‪ ،‬مثال الول‪ :‬زكاة وكفارة ونذر وجزاء صيد‬
‫حرمي وغير ذلك‪ ،‬فالصح عند الشافعية تقديم دين ال تعالى‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬تسقط عنه الزكاة بالموت‪ ،‬إل أن يوصي بها وصية‪ ،‬فتخرج من الثلث‪ ،‬ويزاحم بها‬
‫أصحاب الوصايا‪ ،‬وإذا لم يوص بها سقطت؛ لنها عبادة من شرطها النية‪ ،‬فسقطت بموت من هي‬
‫عليه كالصوم‪.‬‬
‫فتكون مسقطات الزكاة عند الحنفية ثلثة‪ :‬موت من عليه الزكاة من غير وصية‪ ،‬والردة‪ ،‬وهلك‬
‫النصاب بعد الحول قبل التمكن من الداء وبعده‪ ،‬خلفا للشافعي وغيره في المور الثلثة‪.‬‬
‫تاسعا ـ إسقاط الدين ل يقع عن الزكاة‪:‬‬
‫يترتب على اشتراط تمليك الزكاة للفقراء ونحوهم (‪ )2‬أن المسامحة بالدين ل‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ 241/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،175/1 :‬المجموع‪ 250/6 :‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪:‬‬
‫‪ 683/2‬ومابعدها‪ 80/3 ،‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ 52/2 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،39/2 :‬الدر المختار‪ ،85/2 :‬الفتاوى الهندية‪ ،178/1 :‬كشاف القناع‪.337/2 :‬‬

‫( ‪)3/323‬‬
‫تجزئ عند الحنفية عن الزكاة‪ ،‬وإنما يجب إعطاء الزكاة للفقير‪ ،‬ويمكن استيفاء الدين منه بعد ذلك‬
‫فيعطيه الزكاة‪ ،‬ثم بعد أن يستلمها يقول له‪ :‬أعطني ديني‪ ،‬وكذلك أجاز الحنابلة العطاء للمدين ثم‬
‫يستوفي منه حقه‪ ،‬ما لم يكن حيلة أي بأن شرط عليه أن يردها عليه من دينه‪ .‬ولو اشترى بالزكاة‬
‫طعاما‪ ،‬فأطعم الفقراء غداء وعشاء‪ ،‬ولم يدفع عين المال إليهم ليجوز‪ ،‬لعدم التمليك‪ ،‬ولو دفع الزكاة‬
‫للفقير ل يتم الدفع ما لم يقبضها بنفسه أو يقبضها له وليه أو وصيه‪.‬‬
‫ولو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة‪ ،‬لم يصح عن الزكاة؛ لنه لم يوجد التمليك من الفقير‪ ،‬لعدم‬
‫قبضه‪ ،‬لكن لو قضى دين فقير حي بأمره‪ ،‬جاز عن الزكاة‪ ،‬لوجود التمليك من الفقير؛ لنه لما أمره‬
‫به‪ ،‬صار وكيلً عنه في القبض‪ ،‬فصار كأن الفقير قبض الصدقة بنفسه‪ ،‬وملكها للغريم الدائن‪.‬‬
‫عاشرا ـ البراء من الدين على مستحق الزكاة واحتسابه منها واعتبار ما أخرج‪ ،‬على ظن الوجوب‪،‬‬
‫زكاة معجلة ‪:‬‬
‫هذا الموضوع‪« :‬البراء من الدين» ليقع عن الزكاة يثار البحث حوله من قديم‪ ،‬وتبرز الحاجة إلى‬
‫معرفة حكمه بنحو متميز في عصرنا حيث تلكأ الناس عن دفع الزكاة المفروضة‪ ،‬وأهملوا إخراجها‪،‬‬
‫ولجأ بعضهم إلى بعض الحيل للتخلص من أدائها‪.‬‬

‫( ‪)3/324‬‬
‫وقبل التعرف على الحكم الواجب التباع‪ ،‬يجب التذكر بأن منهج العالم وإفتائه يكون بما ترجح دليله‪،‬‬
‫وظهر وجه الحق فيه‪ ،‬كما قرر العلماء‪ ،‬كما أن ما أيدته القواعد الشرعية الكثيرة‪ ،‬واطمأن إليه العقل‬
‫وارتاحت له النفس‪ ،‬أو قال به أكثر العلماء‪ ،‬يكون مرجحا الخذ به‪ .‬ويفرح بعض الناس اليوم كلما‬
‫وجد رأيا في رحاب وزوايا الفقه السلمي‪ ،‬فيدعو للخذ به‪ ،‬وإن كان شاذا أو ضعيفا‪،‬من غير حاجة‬
‫ملحة أو ضرورة ملجئة‪ ،‬علما بأنه ما أكثر الراء والخلفات! فل تكاد تخلو مسألة من قولين فأكثر قد‬
‫تصل إلى عشرة أقوال‪ ،‬وليس التجديد أو الترجيح أو الجتهاد بإحياء الراء الشاذة‪.‬‬

‫وهذه المسألة موضوع البحث قد يبدو فيها لول وهلة دون مراعاة قواعد الشريعة‪ ،‬الميل للخذ بما‬
‫تيسر على الناس‪ ،‬فيؤدي الغني زكاة ماله عن طريق إبراء ما له من ديون في ذمم الخرين‬
‫المستحقين‪ ،‬واعتبار المدفوع زكاة معجلة على رأي جمهور الفقهاء غير الظاهرية والمالكية‪ ،‬الذين‬
‫يجيزون تعجيل الزكاة قبل الحول‪ ،‬ولعام واحد ل لعامين‪ ،‬وبعد ملك النصاب الشرعي؛ لنه أداء بعد‬
‫سبب الوجوب‪.‬‬
‫وهبة الدين لمن هو عليه يسمى إبراء؛ لن الهبة الحقيقية تكون لغير من عليه الدين (‪. )1‬‬
‫وأبين في هذا البحث آراء العلماء وأدلتهم‪ ،‬وما ترجح لدي منها بعد مناقشتها‪.‬‬
‫آراء العلماء في البراء من الدين واحتسابه من الزكاة ‪:‬‬
‫للفقهاء رأيان في هذا الموضوع‪ ،‬رأي بالجواز والجزاء‪ ،‬ورأي بعدم الجواز والجزاء‪.‬‬
‫أما الرأي الول‪ :‬فهو للظاهرية وبعض التابعين (الحسن البصري وعطاء) والشيعة الجعفرية‪.‬‬
‫وأما الرأي الثاني‪ :‬فهو للجمهور العظم‪ :‬أئمة المذاهب الربعة‪ ،‬والباضية والزيدية وسفيان الثوري‬
‫وأبي عبيد‪.‬‬
‫وأبدأ ببيان الرأي الول ذاكرا مقولة أنصاره وأدلتهم‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية الصاوي على الشرح الصغير‪.649/1 :‬‬

‫( ‪)3/325‬‬
‫أ ـ فقال ابن حزم الظاهري‪ :‬من كان له دين على بعض أهل الصدقات فتصدق عليه بدينه قبله‪،‬‬
‫ونوى بذلك أنه من زكاته‪ ،‬أجزأه ذلك‪ ،‬وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه‪ ،‬وأحاله به على‬
‫من هو له عنده‪ ،‬ونوى بذلك الزكاة‪ ،‬فإنه يجزئه‪.‬‬
‫برهان ذلك‪ :‬أنه مأمور بالصدقة الواجبة‪ ،‬وبأن يتصدق على أهل الصدقات من زكاته الواجبة بما‬
‫عليه منها‪ ،‬فإذا كان إبراؤه من الدين يسمى صدقة‪ ،‬فقد أجزأه‪ .‬ويؤيد ذلك ما رواه مسلم عن أبي سعيد‬
‫الخدري قال‪« :‬أصيب رجل على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم في ثمار ابتاعها‪ ،‬فكثر دينه‪،‬‬
‫فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬تصدّقوا عليه‪. )1( »..‬‬
‫لكن الحديث واضح في بذل الصدقات وأداء المال بالفعل من القادرين الغنياء لهذا الرجل المديون‬
‫الذي استغرقت الديون ماله‪ ،‬سواء أكان المتصدق دائنا له أم ل‪ .‬ول شك بأن دفع المال صدقة يختلف‬
‫عن البراء من الدين الذي هو إسقاط الدين‪ ،‬فإن الصدقات سبيل للغناء‪ ،‬وتمكين من وفاء الديون‪،‬‬

‫وعون للمدين على التخلص من أزمة الدين أو الفلس‪ ،‬بسداد الديون لصحابها مما تجمع لديه من‬
‫الصدقات‪ ،‬والبراء من الدين إسقاط ل تمليك عند أكثر الفقهاء كما سيأتي‪ ،‬وهو إن اعتبر صدقة‬
‫تطوع على المدين المعسر‪ ،‬إل أنه يتعذر اعتباره زكاة؛ لشتراط كون النية عند أداء الزكاة مقارنة‬
‫للداء‪ ،‬كما سيأتي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المحلى لبن حزم‪ 105/6 :‬ومابعدها‪ ،‬ف‪ ،698/‬ط دار الفاق الجديدة بيروت‪.‬‬

‫( ‪)3/326‬‬
‫ب ـ وقال بعض التابعين (الحسن البصري وعطاء ) ‪ :‬يجزئ جعل الدين عن الزكاة لمدين معسر؛‬
‫لنه لو دفعه إليه‪ ،‬ثم أخذه منه‪ ،‬جاز‪ ،‬فكذا إذا لم يقبضه‪ ،‬كما لو كانت له عنده دراهم وديعة‪ ،‬ودفعها‬
‫عن الزكاة‪ ،‬فإنه يجزئه‪ ،‬سواء قبضها أم ل‪ ،‬فمن أراد ترك الدين الذي هو عليه‪ ،‬وأن يحسبه من زكاة‬
‫ماله الذي في يده‪ ،‬أجزأه عن الزكاة‪ ،‬بشرط أن يكون الذي عليه الدين من أهل الزكاة الذين يصح‬
‫دفعها إليهم‪ .‬قيل لعطاء بن أبي رباح‪ :‬لي على رجل دين‪ ،‬وهو معسر‪ ،‬أفأدعه له‪ ،‬وأحتسب به من‬
‫زكاة مالي؟ فقال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫وكان الحسن ل يرى بذلك بأسا إذا كان ذلك من قرض‪ ،‬ثم قال‪ :‬فأما بيوعكم هذه فل (‪ ، )1‬أي إذا‬
‫كان الدين ثمنا لسلعة‪ ،‬فل يراه الحسن مجزئا‪ ،‬حتى ل يكون ذلك ذريعة للتجار باحتساب ما تعذر‬
‫اقتضاؤه من الدين‪ ،‬وجعله من الزكاة‪.‬‬
‫لكن ناقش الحافظ أبو عبيد هذا الرأي قائلً‪ :‬وإنما نرى الحسن وعطاء كانا يرخصان في ذلك‪ ،‬أي في‬
‫احتساب الدين من الزكاة‪ ،‬لمذهبهما الخاص في الزكاة‪ ،‬وذلك أن عطاء كان ل يرى في الدين زكاة‪،‬‬
‫وإنْ على المليء‪ ،‬وإن الحسن كان ذلك رأيه في الدين الضمار‪ ،‬وهذا الذي على المعسر هو ضمار‪:‬‬
‫وهو الغائب الذي ل يرجى وصوله‪ ،‬فإذا رجي فليس بضمار (‪ ، )2‬وهذا الذي على المعسر هو‬
‫ضمار‪ ،‬ليرجوه‪ ،‬فاستوى قولهما ههنا‪ ،‬فلما رأيا أنه ل يلزم ربّ المال حقّ ال في ماله هذا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪ ،157/6 :‬مكتبة الرشاد ـ جدة‪ ،‬الموال لبي عبيد‪ :‬ص ‪،611 ،533‬‬
‫منشورات مكتبة الكليات الزهرية ودار الفكر بمصر‪.‬‬
‫(‪ )2‬ومن جملته‪ :‬المال المفقود‪ ،‬والبق‪ :‬والضال‪ ،‬والمغضوب إذا لم يكن عليه بينة‪ ،‬والدين الذي‬
‫جحده المدين‪.‬‬

‫( ‪)3/327‬‬
‫قال علي رضي ال عنه‪« :‬ل زكاة في المال الضمار» ولن السبب هو المال النامي‪ ،‬ول نماء إل‬
‫بالقدرة على التصرف‪ ،‬ول قدرة عليه‪ .‬الغائب‪ ،‬جعله كزكاة قد كان أخرجها‪ ،‬فأنفذها إلى هذا‬
‫المعسر‪ ،‬وبانت من ماله‪ ،‬فلم يبق عليه إل أن ينوي بها الزكاة‪ ،‬وأن يبرئ صاحبه منها‪ ،‬فرأياه مجزئا‬
‫عنه إذا جاءت النية والبراء‪ .‬وهذا مذهب ل أعلم أحدا يعمل به‪ ،‬ول يذهب إليه أحد من أهل الثر‬
‫وأهل الرأي (‪. )1‬‬
‫وإذا كان في هذا القول تيسير على صاحب الدين وعلى المدين جميعا‪ ،‬فإن محل التيسير وحالته شرط‬
‫ضروري لكل يسر‪ ،‬فالصلة تقصر في حال السفر‪ ،‬مثلً‪ ،‬والصيام ل يطلب من المسافر والمريض‪،‬‬
‫لوجود ظرف السفر والمرض‪ ،‬فإن لم يتوافر للتيسير مجال أو محل أو حالة مقبولة شرعا كما في هذا‬
‫البراء عن دين المعسر‪ ،‬كان ذلك عبثا في شرع ال ودينه‪ ،‬كما أن فيه إخللً بأحكام الزكاة‬
‫وشروطها‪.‬‬
‫جـ ـ وقال الشيعة المامية (الجعفرية ) ‪ :‬إذا كان على إنسان دين‪ ،‬ول يقدر على قضائه‪ ،‬وهو‬
‫مستحق للزكاة‪ ،‬جاز له أن يقاصّه من الزكاة‪ ،‬وكذلك إن كان الدين على ميت‪ ،‬جاز له أن يقاصّه‬
‫منها‪ .‬سأل رجل جعفر الصادق قائلً‪ :‬لي دين على قوم قد طال حبسه عندهم‪ ،‬ل يقدرون على‬
‫قضائه‪ ،‬وهم مستوجبون للزكاة‪ :‬هل لي أن أدعه‪ ،‬فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال‪ :‬نعم (‪. )2‬‬
‫وهذا رأي يحتاج إلى الدليل‪ ،‬وقواعد الشرع تأباه؛ لنه ل يعدو أن يكون دين المعسر مالً ساقطا‬
‫ضائعا يتعذر الوفاء به‪ ،‬فيجعل أداة لجزائه عن الزكاة‪ ،‬وحيلة لغنائه عنها‪ ،‬وهو في جميع الحوال‬
‫مال ميؤوس من الحصول عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الموال‪ ،‬المرجع السابق ‪.533‬‬
‫(‪ )2‬الفقه على المذاهب الخمسة‪ :‬ص ‪ 175‬ومابعدها للستاذ محمد جواد مغنيّة‪ ،‬الطبعة الخامسة‪ ،‬دار‬
‫العلم للمليين ـ بيروت‪ ،‬فقه المام جعفر‪ ،‬للستاذ مغنيّة‪ ،88/2 :‬النهاية في مجرد الفقه والفتاوى‬
‫لشيخ الطائفة محمد بن الحسن علي الطوسي (‪ 460-385‬هـ ) ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت‪:‬‬
‫ص ‪.188‬‬

‫( ‪)3/328‬‬

‫وأما أنصار الرأي الثاني وهم الجمهور العظم فيقولون‪ :‬إن البراء من الدين عن المدين المعسر أو‬
‫إسقاط الدين أو المسامحة بالدين ل يقع عن الزكاة بحال‪ ،‬ول يجزئ عنها‪ ،‬وإنما يجب إعطاء الزكاة‬
‫ل للفقير‪ ،‬كما لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة‪ ،‬لم يصح عن الزكاة‪ ،‬لنه ل يوجد التمليك من‬
‫فع ً‬
‫الفقير‪ ،‬لعدم قبضه‪ .‬لكن لو قضى دين فقير حي بأمره‪ ،‬جاز عن الزكاة‪ ،‬لوجود التمليك من الفقير؛‬
‫لنه لما أمره به‪ ،‬صار وكيلً عنه في القبض‪ ،‬فصار كأن الفقير قبض الصدقة لنفسه‪ ،‬وملّكها للغريم‬
‫الدائن‪.‬‬
‫وأذكر عبارة كل مذهب من هؤلء‪:‬‬
‫أ ـ قال الحنفية‪ :‬تتعلق الزكاة بعين المال المزكى‪ ،‬كتعلق حق الرهن بالمال المرهون‪ ،‬ول يزول هذا‬
‫الحق إل بالدفع إلى المستحق (‪ . )1‬ول يجوز أداء الزكاة إل بنية مقارنة للداء أو مقارنة لعزل‬
‫مقدار الواجب؛ لن الزكاة عبادة‪ ،‬فكان من شرطها النية‪ ،‬والصل فيها القتران‪ ،‬إل أن الدفع يتفرق‪،‬‬
‫فاكتفي بوجودها ـ أي النية ـ حالة العزل تيسيرا كتقديم النية في الصوم‪.‬‬
‫وعلى هذا لو كان لشخص دين على فقير‪،‬فأبرأه عنه‪ ،‬ناويا به الداء عن الزكاة‪ ،‬لم يجزئه؛ لن‬
‫البراء إسقاط‪ ،‬والساقط ليس بمال‪ ،‬فل يجزئ أن يكون الساقط عن المال الواجب في الذمة‪ ،‬وبناء‬
‫عليه قالوا‪ :‬ل يجوز الداء في صورتين‪ ،‬يهمنا منهما الصورة الولى‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وقال الشافعية والمالكية والمامية‪ :‬إن الزكاة تجب في عين المال‪ ،‬والفقير شريك حقيقي للمالك‪،‬‬
‫بدليل قوله تعالى‪ { :‬وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات‪ ]19/51:‬وقد تواترت الحاديث أن‬
‫ال أشرك بين الغنياء والفقراء في الموال‪ ،‬ولكن قد أجاز الشرع رفقا بالمالك أن يؤدي هذا الحق‬
‫من الموال الخرى التي ل زكاة فيها‪.‬‬

‫( ‪)3/329‬‬
‫الولى ـ أداء الدين عن العين‪ ،‬كجعله ما في ذمة مديونه زكاة لماله الحاضر بخلف ما إذا أمر فقيرا‬
‫بقبض دين له على آخر عن زكاة دين عنده‪ ،‬فإنه يجوز‪ :‬لنه عند قبض الفقير يصير عينا‪ ،‬فكان عينا‬
‫عن عين‪ ،‬أي فكان قبض الدين الذي تحول بالقبض إلى شيء معين مجزئا عن قبض عين مال الزكاة‬
‫المستحق للفقير في مال الغني‪.‬‬
‫الثانية ـ أداء دين عن دين سيقبض‪ :‬كما لوأبرأ الفقير عن بعض النصاب ناويا به الداء عن الباقي؛‬
‫لن الباقي يصير عينا بالقبض‪ ،‬فيصير مؤديا بالدين عن العين (‪. )1‬‬

‫ب ـ وكذلك قال المالكية‪ :‬تجب نية الزكاة عند الدفع إلى الفقير‪ ،‬ويكفي عند عزلها‪ ،‬ول يجب إعلم‬
‫الفقير‪ ،‬بل يكره‪ ،‬لما فيه من كسر قلب الفقير‪ ،‬وأضافوا أنه ل يجوز إخراج الزكاة قبل الحول؛ لنها‬
‫عبادة تشبه الصلة‪ ،‬فلم يجز إخراجها قبل الوقت‪ ،‬ولن الحول أحد شرطي الزكاة‪ ،‬فلم يجز تقديم‬
‫الزكاة عليه‪ ،‬كالنصاب‪ ،‬ويكره تقديم الزكاة أو تعجيلها قبل وجوبها بنحو شهر فقط‪،‬ل أكثر في عين‬
‫(ذهب أو فضة) وما شية‪ ،‬ل ساعي لها‪ ،‬فتجزئ مع الكراهة‪ ،‬بخلف ما لها ساع‪ ،‬وبخلف الحرث‪،‬‬
‫فل تجزئ‪ .‬وقالوا أيضا‪ :‬لو سرق مستحق بقدر الزكاة‪ ،‬فل تكفي‪ ،‬لعدم النية (‪. )2‬‬
‫وجاء في المعيار المعرب للونشريسي بعنوان‪ :‬ل يقتطع الدين الذي على الفقراء في الزكاة‪ :‬وسئل‬
‫عمن له دين على فقراء‪ ،‬هل يقطعه عليهم فيما وجب له عليهم من زكاته‪ ،‬أم ل؟ فأجاب‪ :‬ل يجوز‬
‫فعله‪ ،‬ول يجزئ إن فعل (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،39/2 :‬فتح القدير‪ ،171-169/2 :‬ط دار الفكر ـ بيروت‪ ،‬حاشية ابن عابدين‪-270/2 :‬‬
‫‪ ،271‬الطبعة الثانية‪ ،‬طبعة البابي الحلبي بمصر‪ ،‬الفتاوى الهندية‪.178/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،666/1،669،671 :‬الشرح الكبير‪ ،431/1 :‬بداية المجتهد‪ ،266/1 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪.99‬‬
‫(‪ )3‬المعيار المعرب‪.389/1 :‬‬

‫( ‪)3/330‬‬
‫جـ ـ وقال الشافعية أيضا‪ :‬تجب النية عند الدفع إلى الفقير أو عند التفريق‪ ،‬ولو عزل مقدار الزكاة‪،‬‬
‫ونوى عند العزل‪ ،‬جاز‪ ،‬فإن لم ينو المالك عند الدفع للسلطان‪ ،‬لم يجزئ على الصحيح (‪. )1‬‬
‫وجاء في المجموع للنووي (‪ : )2‬إذا كان لرجل على معسر دين‪ ،‬فأراد أن يجعله عن زكاته‪ ،‬وقال‬
‫له‪ :‬جعلته عن زكاتي‪ ،‬فوجهان حكاهما صاحب البيان‪ :‬أصحهما‪ :‬ل يجزئه‪ ،‬وبه قطع الصيمرى‪ ،‬وهو‬
‫مذهب أبي حنيفة وأحمد‪ :‬لن الزكاة في ذمته‪ ،‬فل يبرأ إل بإقباضها‪ .‬والثاني يجزئه‪ ،‬وهو مذهب‬
‫الحسن البصري وعطاء؛ لنه لو دفعه إليه‪ ،‬ثم أخذه منه جاز‪ ،‬فكذا إذا لم يقبضه‪...‬الخ ما ذكر سابقا‪.‬‬
‫أما إذا دفع الزكاة إليه بشرط أن يردها إليه عن دينه‪ ،‬فل يصح الدفع‪ ،‬ول تسقط الزكاة بالتفاق‪ ،‬ول‬
‫يصح قضاء الدين بذلك بالتفاق‪ ،‬ممن صرح بالمسأله القفّال في الفتاوى وصاحب التهذيب في باب‬
‫الشرط في المهر‪ ،‬وصاحب البيان هنا‪ ،‬والرافعي وآخرون‪ .‬ولو نويا ذلك‪،‬ولم يشرطاه‪ ،‬جاز بالتفاق‪،‬‬
‫وأجزأه عن الزكاة‪ ،‬وإذا رده إليه عن الدين برئ منه‪.‬‬

‫قال البغوي‪ :‬ولو قال المدين‪ :‬ادفع إلي عن زكاتك حتى أقضيك دينك‪ ،‬ففعل أجزأه عن الزكاة‪ ،‬وملكه‬
‫القابض‪ ،‬ول يلزمه دفعه إليه عن دينه‪ ،‬فإن دفعه أجزأه‪.‬‬
‫قال القفال‪ :‬ولو قال رب المال للمدين‪ :‬اقض ما عليك على أن أرده عليك عن زكاتي‪ ،‬فقضاه‪ ،‬صح‬
‫القضاء‪ ،‬ول يلزمه رده إليه‪ ،‬وهذا متفق عليه‪ .‬وذكر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )2‬السراج الوهاج شرح المنهاج‪ :‬ص ‪ ،134‬ط دار المعرفة ـ بيروت‪.‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪.157/6 :‬‬

‫( ‪)3/331‬‬
‫الرّوياني في البحر‪ :‬أنه لو أعطى مسكينا زكاة‪ ،‬وواعده أن يردها إليه ببيع أو هبة أو ليصرفها‬
‫المزكي في كسوة المسكين ومصالحه‪ ،‬ففي كونه قبضا صحيحا احتمالن‪ :‬قلت ـ أي النووي ـ‬
‫الصح ل يجزئه‪ ،‬كما لو شرط أن يرد إليه عن دينه عليه‪ .‬قال القفال‪ :‬ولو كانت له حنطة عند فقير‬
‫وديعة‪ ،‬فقال‪ُ :‬كلْ منها لنفسك كذا‪ ،‬ونوى ذلك عن الزكاة‪ ،‬ففي إجزائه عن الزكاة وجهان‪ :‬وجه المنع‪:‬‬
‫أن المالك لم َيكِلْه‪ ،‬وكَيْل الفقير ل يعتبر‪ ،‬ولو كان وكّله بشراء ذلك القدر‪ ،‬فاشتراه وقبضه‪ ،‬ثم قال له‬
‫الموكل‪ :‬خذه لنفسك‪ ،‬ونواه زكاة‪ ،‬أجزأه؛ لنه ل يحتاج إلى كيله‪ .‬وال تعالى أعلم‪.‬‬
‫د ـ وقال الحنابلة‪ :‬تشترط النية في أداء الزكاة‪ ،‬ويجوز تقديمها على الداء بالزمن اليسير كسائر‬
‫العبادات فل بد من نية مقارنة أو مقاربة‪ ،‬ويجب إعطاء الزكاة للفقير‪ ،‬لكن لو أعطى المدين‪ ،‬ثم‬
‫استوفى منه حقه‪ ،‬جاز‪ ،‬ما لم يكن حيلة‪ ،‬أي بأن شرط عليه أن يردها عليه من دينه (‪ ، )1‬كما ذكر‬
‫النووي‪.‬‬
‫قال في كشاف القناع‪ :‬ول يكفي إبراء من دينه بنية الزكاة‪ ،‬سواء كان المخرج عنه دينا أو عينا‪ ،‬ول‬
‫تكفي الحوالة بها؛ لن ذلك ليس إيتاء لها‪ ،‬وكذا الحوالة عليها؛ لنه ل دين له يحيل عليه‪ ،‬إل أن تكون‬
‫بمعنى الذن في القبض (‪. )2‬‬
‫هـ ـ وقال الباضية‪ :‬إن قال الدافع أي الذي لزمته الزكاة‪ ،‬وكان بصدد دفعها للمدين‪ :‬قضيت لك‬
‫مالي عليك من دين أو تباعة‪ ،‬فاقبله ول تعطه ـ أي الدين ـ لي‪ ،‬أو على فلن‪ ،‬فخذه منه في زكاة‬
‫مالي أي لزكاة أو بدل زكاة مالي‪ ،‬لم تجزه أيضا عند بعض؛ إذ ذلك كبيع دين بدين‪ ،‬وهو ل يجوز إن‬
‫شاء ال تعالى‪ ،‬وإن‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬المغني‪ 638/2 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ - 337/2 :‬ط مكة‪ ،‬الشرح الكبير مع المغني‪.533/2 :‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ ،269/2 :‬ط عالم الكتب ـ بيروت‪.‬‬

‫( ‪)3/332‬‬
‫قضاه ثم تصدق به عليه جاز‪ .‬وقيل‪ :‬يجزيه إذ هي كالهبة لما في الذمة‪ ،‬وهبة ما في الذمة جائزة‪،‬‬
‫والول مختار «الديوان» وقيل‪ :‬يجزيه إذا قال‪ :‬قضيت ما لي عليك‪ ،‬بشرط أن يجد من أين يتخلص‬
‫مما عليه‪ ،‬وإن لم يجد فقولن أيضا (‪. )1‬‬
‫و ـ وقال الزيدية‪ :‬ول يجوز ول يجزئ البراء للفقير عن دين عليه لرب المال بنية جعل الدين زكاة‬
‫المبري‪ ،‬بل يقبضه رب المال من الفقير‪ ،‬ثم يصرفه فيه‪ ،‬أو يوكله بقبضه من نفسه‪ ،‬ثم يصرفه في‬
‫نفسه أو يوكل الفقير رب المال بأن يقبض له زكاة من نفسه‪ ،‬ثم يقبضه عن دينه‪ ،‬ويحتاج إلى‬
‫قبضين‪ :‬الول للزكاة‪ ،‬والثاني للقضاء‪ .‬والعلة في عدم إجزاء البراء‪ :‬أنه أخرج من غير العين‪ ،‬ومن‬
‫شرطه أيضا التمليك‪ ،‬ولن الدين ناقص‪ ،‬فل يجزئ عن الكامل‪ ،‬يعني ل تصير زكاة‪ .‬وأما الفقير فقد‬
‫برئ من الدين‪ ،‬ول يقال‪ :‬هو على غرض ولم يحصل‪ ،‬لن الغرض من جهة نفسه ل يمنع حصوله‬
‫من صحة البراءة‪ .‬وقيل‪ :‬هو ل يبرأ إذ هو في مقابلة الجزاء ولم يحصل‪ ،‬إل أن يبرئه عالما ًبعدم‬
‫الجزاء ‪ ،‬فتصح البراءة‪.‬‬
‫وشرطوا في صرف رب المال ما يقبضه من الفقير المدين في الدين‪ :‬أن يكون المقبوض من جنس‬
‫الدين‪ ،‬وأما إذا كان من غير جنسه‪ ،‬فهو بيع‪ ،‬فل يصح أن يتولى الطرفين واحد‪ .‬وقيل‪ :‬يصح مطلقا‪،‬‬
‫وغايته‪ :‬أن يكون فاسدا‪ ،‬وهو يملك بالقبض (‪. )2‬‬
‫ز ـ كان سفيان الثوري يكره احتساب الدين من الزكاة‪ ،‬ول يراه مجزئا‪ ،‬كما ذكر أبو عبيد (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫طفَيّش‪ 251/3 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )1‬شرح النيل وشفاء الغليل للعلمة محمد بن يوسف أ ّ‬
‫(‪ )2‬شرح الزهار لبي الحسن عبد ال بن مفتاح‪ ،542-541/1 :‬مطبعة حجازي بالقاهرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬الموال لبي عبيد‪ :‬ص ‪.533‬‬

‫( ‪)3/333‬‬
‫ح ـ كذلك لم ير أبو عبيد إجزاء الزكاة بجعلها عن الدين‪ ،‬واستدل على ذلك بأدلة ثلثة هي‪:‬‬
‫الول ـ أن سنة رسول ال صلّى ال عليه وسلم في الصدقة (الزكاة) كانت على خلف هذا الفعل؛‬

‫لنه إنما كان يأخذها من أعيان المال عن ظهر أيدي الغنياء (أي مقبوضا منهم) ثم يردها في‬
‫الفقراء‪ .‬وكذلك كانت الخلفاء بعده‪ ،‬ولم يأتنا أحد منهم أنه أذن لحد في احتساب دين من زكاة‪ ،‬وقد‬
‫علمنا أن الناس قد كانوا يتداينون في دهرهم‪.‬‬
‫الثاني ـ أن هذا مال تاو (والتوى‪ :‬الهلك والضياع والخسارة) غير موجود قد خرج من يد صاحبه‬
‫على معنى القرض والدين‪ ،‬ثم هو يريد تحويله بعد التواء إلى غيره بالنية‪ ،‬فهذا ليس بجائز في‬
‫معاملت الناس بينهم‪ ،‬حتى يقبض ذلك الدين‪ ،‬ثم يستأنف الوجه الخر‪ ،‬فكيف يجوز فيما بين العباد‬
‫وبين ال عز وجل؟ أي لن حقوق العباد مبنية على المشاحّة‪ ،‬وحقوق ال عز وجل مبناها على‬
‫المسامحة‪.‬‬
‫الثالث ـ أن هذا المزكي ل يؤمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدين الذي قد يئس منه‪ ،‬فيجعله‬
‫ردءا لماله يقيه به‪ ،‬إذا كان منه يائسا‪ ،‬وليس يقبل ال تبارك وتعالى إل ما كان له خالصا (‪. )1‬‬
‫الترجيح‪ :‬تبين لنا ضعف الدلة التي اعتمد عليها أنصار الرأي الول الذين يرون احتساب الدين من‬
‫الزكاة‪ ،‬وأدركنا قوة أدلة الرأي الثاني الذين يرون أن إسقاط الدين أو البراء منه ل يقع عن الزكاة‪،‬‬
‫ويمكن تلخيص أدلتهم فيما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬كون الدين في الذمة غير مملوك للمزكي الدائن؛ لن الدين ل يملك إل بالقبض‪.‬‬
‫‪ - 2‬عدم توافر القبض الذي يحقق معنى إعطاء الزكاة للمستحقين‪.‬‬
‫‪ - 3‬يشترط في الزكاة وغيرها مقارنة النية للداء دائما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الموال لبي عبيد‪ :‬ص ‪.534-533‬‬

‫( ‪)3/334‬‬
‫‪ - 4‬التمليك شرط لصحة أداء الزكاة بأن تعطى للمستحقين‪ ،‬فل يكفي فيها الباحة أو الطعام إل‬
‫بطريق التمليك‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إنما الصدقات للفقراء} [التوبة‪ ]60/9:‬والتصدق تمليك‪ ،‬واللم في كلمة‬
‫«للفقراء» لم التمليك‪ .‬والدّين ل يملك إل بالقبض‪ ،‬كما قال المامية أنفسهم (‪. )1‬‬
‫ل للملك‪ ،‬وتمليكا‬
‫والبراء عند الحنفية والحنابلة إسقاط ل تمليك‪ ،‬وإذا كان البراء عند المالكية نق ً‬
‫للمدين ما في ذمته في الجديد عند الشافعية‪ ،‬فإن هذا ل ينطبق عندهم على حالة البراء من الدين‬
‫لحتسابه من الزكاة‪ ،‬كما قرروا فيما سبق؛ لن المسامحة بالدين ل تعد تمليكا‪.‬‬
‫‪ - 5‬إن هذا البراء يعد حيلة للتهرب من الزكاة‪ ،‬وطريقا للتخلص من حقوق الفقراء‪.‬‬

‫‪ - 6‬يعد هذا البراء مثل بيع دين في دين‪ ،‬كما ذكر الباضية‪ ،‬وهو ل يجوز‪.‬‬
‫‪ - 7‬هذا عمل مخالف للسنة النبوية ولفعل الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين‪.‬‬
‫‪ - 8‬إن المال الموجود عند المدين مال تاو‪ ،‬أي تالف ضائع هالك‪.‬‬
‫‪ - 9‬أراد المزكي وقاية ماله بهذا الدين الذي صار ميئوسا منه‪.‬‬
‫‪ - 10‬قد تتحول صفة القبض كالهبة للوديع أو المستعير دون حاجة لتجديد القبض كماذكر الحنفية‪،‬‬
‫لكن يتعذر القول بهذا في الزكاة لفوات وقت النية‪ ،‬وهو مقارنتها للداء والقباض‪ .‬وال أعلم‪ ،‬والحمد‬
‫ل رب العالمين‪.‬‬
‫المبحث الثامن ـ آداب الزكاة وممنوعاتها ‪:‬‬
‫قال ابن جزي المالكي (‪ : )2‬ممنوعات الزكاة ثلثة‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن تبطل بالمن والذى؛ لن المن بالصدقة يحبطها أي يمنع ثوابها لية‪{ :‬ياأيها الذين آمنوا ل‬
‫تبطلوا صدقاتكم بالمن والذى} [البقرة‪ ]264/2:‬كذلك ل يستعظم مقدارها؛ لن ذلك محبط للعمال‪.‬‬
‫‪ - 2‬وأن يشتري الرجل صدقته‪.‬‬
‫‪ - 3‬وأن يحشر المصدّق (الساعي) الناس إليها‪ ،‬بل يزكيهم بمواضعهم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الفقه على المذاهب الخمسة للستاذ محمد جواد مغنية‪ :‬ص ‪.167‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 99‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/335‬‬
‫ووافق الحنابلة المالكية في الممنوع الثاني قائلين (‪ : )1‬ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه‪،‬‬
‫حمَلتُ على فرس في سبيل ال ‪ ،‬فأضاعه الذي كان عنده‪ ،‬وظننت أنه‬
‫لما روي عن عمر أنه قال‪َ « :‬‬
‫باعه برخص‪ ،‬فأردت أن أشتريه» فسألت رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪« :‬ل تبتعه‪ ،‬ول تعد‬
‫في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم‪ ،‬فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (‪. )2‬‬
‫وقال الشافعي وغيره‪ :‬يجوز استرداد الزكاة بالشراء وغيره؛ لقول النبي صلّى ال عليه وسلم السابق‪:‬‬
‫«ل تحل الصدقة لغني إل لخمسة‪ :‬رجل ابتاعها بماله‪ )3( »...‬قال النووي (‪ )4‬عن حديث عمر‪ :‬هذا‬
‫نهي تنزيه ل تحريم‪ ،‬فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من‬
‫القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يهبه أو يتملكه باختياره منه‪ ،‬فأما إذا ورثه منه‪ ،‬فل كراهة‬
‫فيه‪.‬‬

‫وأضاف ابن جزي قائلً‪ :‬إن آداب الزكاة ستة‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يخرجها طيبة بها نفسه‪.‬‬
‫‪ - 3 ،2‬وأن تكون من أطيب كسبه ومن خياره ‪ ،‬أي أحله وأجوده وأحبه إليه‪ ،‬لكن يأخذ الساعي ـ‬
‫كما بينت ـ أوسط المال‪.‬‬
‫‪ - 4‬أن يسترها عن أعين الناس‪ ،‬وهذا رأي الحنفية أيضا‪ ،‬فالسرار بإخراجها أفضل‪ ،‬لكونه أبعد عن‬
‫الرياء‪ ،‬وعن إذلل الفقير‪ ،‬إل إذا كان غنيا‪ ،‬ليقتدي به غيره من الغنياء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.651/2 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن زيد بن أسلم عن أبيه‪ :‬ومعنى « حملت‪ »...‬أي تصدقت به ووهبته لمن يقاتل‬
‫عليه في سبيل ال‪ ،‬فأضاعه صاحبه‪ ،‬أي قصر في القيام بعلفه ومؤنته (شرح مسلم‪.)62/11 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وغيره‪.‬‬
‫(‪ )4‬شرح مسلم‪.62/11 :‬‬

‫( ‪)3/336‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬الفضل في الزكاة‪ :‬إظهار إخراجها‪ ،‬ليراه غيره‪ ،‬فيعمل عمله‪ ،‬ولئل‬
‫يساء الظن به وذلك بالنسبة للمالك في غير الموال الباطنة‪ ،‬وللمام مطلقا‪ .‬أما صدقة التطوع‬
‫فالفضل السرار بها اتفاقا‪ ،‬لحديث السبعة الذين يستظلون بظل العرش‪ ،‬والذي منهم‪« :‬من أخفى‬
‫صدقته حتى ل تعلم شماله ما تنفق يمينه» (‪ )2‬وأضاف الشافعية‪ :‬إنْ أظهرها مقتدى به ليقتدى به‪،‬‬
‫ولم يقصد رياء ول سمعة ول تأذى به الخذ‪ ،‬كان الظهار أفضل‪.‬‬
‫‪ - 5‬وأن يوكل في إخراجها‪ ،‬خوف الثناء‪.‬‬
‫‪ - 6‬وأن يدعو المزكي عند دفعها‪ ،‬فيقول‪« :‬اللهم اجعلها مغنما‪ ،‬ول تجعلها مغرما» ويقول الخذ‬
‫والعامل‪« :‬آجَرَك ال فيما أعطيت‪ ،‬وبارك لك فيما أبقيت‪ ،‬وجعله لك طهورا» ‪.‬‬
‫ويمكن إضافة آداب أخرى منها (‪. )3‬‬
‫‪ - 7‬أن يختار لداء الزكاة من اتصف بالتقوى والعلم وإخفاء الفقر والقرابة أو الرحم؛ لن في إعطاء‬
‫المال عونا على طاعة ال ‪ ،‬وتحصيل العلم‪ ،‬وتحقيق التعفف‪ ،‬ولن الصدقة على القارب فيها أجران‬
‫لكونها صدقة وصلة‪.‬‬
‫‪ - 8‬المبادرة لخراج الزكاة‪ ،‬امتثالً لمر ال ‪ ،‬علما بأنها تجب على الفور‪ ،‬فلو أخرها ليدفعها إلى‬

‫من هو أحق بها من ذي قرابة أو ذي حاجة شديدة‪ ،‬قال الحنابلة‪ :‬فإن كان شيئا يسيرا‪ ،‬فل بأس‪ ،‬وإن‬
‫كان كثيرا‪ ،‬لم يجز‪ .‬قال أحمد‪« :‬ل يجزي على أقاربه من الزكاة في كل شهر» يعني ل يؤخر‬
‫إخراجها حتى يدفعها إليهم متفرقة في كل شهر شيئا‪ .‬فإن عجلها فدفعها إليهم أو إلى غيرهم متفرقة أو‬
‫مجموعة‪ ،‬جاز؛ لنه لم يؤخرها عن وقتها‪.‬‬
‫‪ - 9‬يندب عند الحنفية الدفع إلى الفقير بما يغنيه عن سؤال جميع ما يحتاجه في يومه لنفسه وعياله‪.‬‬
‫‪ - 10‬ل حاجة لعلم الفقير بكون المدفوع له هو زكاة‪ ،‬كما ذكر سابقا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ ،253/6 :‬غاية المنتهى‪.302/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مالك والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد‪ ،‬ورواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة‬
‫ورواه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد معا‪.‬‬
‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪ ،314/1 :‬المغني‪ ،685/2 :‬الدر المختار‪ ،95/2 :‬فتح القدير‪.28/2 :‬‬

‫( ‪)3/337‬‬
‫مبحثان ملحقان بمصارف الزكاة ‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة ‪:‬‬
‫إن من الثمار اليانعة للصحوة السلمية المباركة العناية بفريضة الزكاة وترشيد صرفها إلى‬
‫المستحقين المحتاجين أو الذين هم نتاج نمو الدعوة السلمية في أرجاء العالم‪ ،‬للدللة على إسهام‬
‫شريعة ال تعالى في تحقيق التكافل أو التضامن الجتماعي‪ ،‬وحل مشكلت القتصاد العالمية‬
‫والمحلية‪ ،‬على أساس من الوعي الديني الصحيح‪ ،‬والدافع الذاتي القوي المتفاعل مع تطلعات‬
‫واحتياجات المجتمع‪ ،‬دون حاجة إلى الجبار والكراه‪ ،‬أو القسر والضغط والتهديد بعقوبات رادعة‬
‫زاجرة‪.‬‬
‫وإذا كان من أصول السياسة الشرعية الحكيمة وجود قواعد الستحسان والستصلح وسد الذرائع‪،‬‬
‫فإن من أهم تطبيقاتها تخصيص أحد مصارف الزكاة الثمانية‪ ،‬وهو سهم المؤلفة قلوبهم‪ ،‬لعلج ظاهرة‬
‫اجتماعية وهي الحاجة إلى تثبيت الىمان والسلم في قلوب الذين يدخلون حديثا في السلم‪ ،‬أو‬
‫استمالة نفوس بعض المترددين في العتقاد الذي ينتظرون من يقدم لهم شيئا من الموال والمنافع‬
‫والخدمات‪ ،‬أو تسخير طاقاتهم المادية والمعنوية في سبيل الدفاع عن حرمات السلم ومبادئه وقضايا‬

‫المة المصيرية في معركتها المستمرة مع العداء الحاقدين‪ ،‬والكتاب المغرضين‪ ،‬وأصحاب المواقف‬
‫المشبوهة‪.‬‬
‫تعليق المستخدم ‪:‬تنبيه‪ :‬في المجلد الخير للكتاب‪10/543 :‬‬

‫ملحق‪ :‬فتاوى وتوصيات مؤتمر الزكاة الول‬
‫*أبو أكرم الحلبيّ‬

‫( ‪)3/338‬‬
‫وإني أبين هنا بكل وضوح حقيقة مصرف «المؤلفة قلوبهم» أحد مصارف الزكاة الثمانية التي نصت‬
‫عليها الية (‪ )60‬من سورة التوبة‪ ،‬وهي‪{ :‬إنما الصدقات للفقراء‪ ،‬والمساكين‪ ،‬والعاملين عليها‪،‬‬
‫والمؤلفة قلوبهم‪ ،‬وفي الرقاب‪ ،‬والغارمين‪ ،‬وفي سبيل ال‪ ،‬وابن السبيل‪ ،‬فريضةً من ال ‪ ،‬وال عليم‬
‫حكيم} [التوبة‪.]60/9:‬‬
‫خطة البحث ‪:‬‬
‫‪ - 1‬معنى المؤلف قلوبهم‪ ،‬وهل نسخ سهمهم بعد موت الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬أو مازال باقيا‬
‫لم ينسخ؟‬
‫‪ - 2‬الحوال التي يستعمل فيها هذا السهم‪ ،‬ومدى حاجة السلم والمسلمين إليه في هذا الزمان‪.‬‬
‫‪ - 3‬تأليف قلوب الذين يؤمل إسلمهم أو تأثيرهم في توجيه المجتمع لصالح الدعوة السلمية‪.‬‬
‫‪ - 4‬استخدام هذا المصرف في إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد‪.‬‬
‫‪ - 5‬تأليف قلوب بعض الحكومات والدول غير السلمية‪ ،‬والتي تحوي جاليات إسلمية لتحقيق‬
‫المن لها‪ ،‬أو بعض الدول غير السلمية التي تعارض إقامة مشاريع إسلمية على أرضها‪.‬‬
‫‪ - 6‬المشاركة في سهم المؤلفة قلوبهم في التبرعات التي تجمع للكوارث والنكبات التي تصيب بعض‬
‫الدول غير السلمية كالزلزل والفيضانات‪.‬‬
‫‪ - 7‬صرف جزء من سهم المؤلفة قلوبهم في المور الدعائية لتحسين النظرة إلى السلم والمسلمين‪.‬‬
‫وأبدأ ببيان هذه العناصر تباعا‪.‬‬
‫‪ - 1‬معنى المؤلفة قلوبهم‪ ،‬وهل نسخ سهمهم بعد موت الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬أو مازال باقيا‬
‫لم ينسخ؟‬
‫المؤلفة قلوبهم‪ :‬هم قوم من الكفار يراد بإغراء المال استمالة قلوبهم إلى السلم فيرجى خيرهم‪ ،‬أو‬
‫منع أذاهم وضررهم بسبب الخوف من شرهم‪ ،‬أو جماعة من المسلمين ضعفاء النية في السلم‬

‫يعطون من الزكاة لتقوية إسلمهم وتثبيتهم على الدين‪ ،‬أو ترغيب نظرائهم في السلم‪ ،‬أو لجباية‬
‫الصدقات من قومهم‪ ،‬أو لقتال من يليهم ويجاورهم من الكفار (‪ . )1‬أو هم كما قال الحسن وابن‬
‫جريح‪ :‬الذين كانوا يتألفون بالعطية‪ ،‬ول حسبة لهم في السلم (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪ 206/6 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الموال‪ :‬ص ‪.606‬‬

‫( ‪)3/339‬‬
‫وعرفهم الطبري بأنهم قوم كانوا يتألفون على السلم‪ ،‬ممن لم تصح نصرته‪ ،‬استصلحا به نفسه‬
‫وعشيرته‪ ،‬كأبي سفيان بن حرب‪ ،‬وعيينة بن بدر‪ ،‬والقرع بن حابس ونظرائهم من رؤساء القبائل‪،‬‬
‫وبنحو الذي قلنا في ذلك‪ ،‬قال أهل التأويل (‪. )1‬‬
‫وعرفهم القرطبي بقوله‪ :‬هم قوم كانوا في صدر السلم ممن يظهر السلم‪ ،‬يتألفون بدفع سهم من‬
‫الصدقة إليهم لضعف يقينهم (‪. )2‬‬
‫وقد ورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من مال ال عز‬
‫وجل‪ ،‬منها إعطاؤه صلّى ال عليه وسلم أبا سفيان بن حرب‪ ،‬وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن‪،‬‬
‫والقرع بن حابس‪ ،‬وعباس بن مرداس‪ ،‬ومالك بن عوف النضري وحكيم بن حزام وغيرهم‪ ،‬كل‬
‫إنسان منهم مئة من البل (‪ )3‬إل عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى‪ ،‬فإنه أعطى كل‬
‫رجل منهما خمسين‪ .‬وهؤلء جميعا قوم من رؤساء قريش وصناديد العرب الطلقاء لهم شوكة وقوة‬
‫وأتباع كثيرون‪ ،‬بعضهم أسلم حقيقة‪ ،‬وبعضهم أسلم ظاهرا ل حقيقة وكان من المنافقين‪ ،‬وبعضهم كان‬
‫من المسالمين‪.‬‬
‫وروي أيضا أنه صلّى ال عليه وسلم أعطى عَلْقمة بن عُلَثة مئة من البل‪ ،‬ثم قال للنصار لما‬
‫عتبوا عليه‪« ،‬أل ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبل‪ ،‬وتذهبون برسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫إلى رحالكم؟» ثم قال لما بلغه أنهم قالوا‪ :‬يعطي صناديد نجد ويدعنا؟ «إنما فعلت ذلك لتألفهم» كما‬
‫في صحيح مسلم (‪. )4‬‬
‫وأخرج المام أحمد بإسناد صحيح عن أنس رضي ال عنه‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم لم‬
‫يكن يُسأل شيئا على السلم إل أعطاه‪ ،‬قال‪ :‬فأتاه رجل فسأله‪ ،‬فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء‬
‫الصدقة‪ ،‬قال فرجع إلى قومه‪ ،‬فقال‪ :‬يا قوم أسلموا‪ ،‬فإن محمدا يعطي عطاء من ل يخشى الفاقة» ‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير الطبري‪.112/10 :‬‬
‫(‪ )2‬تفسير القرطبي‪.178/8 :‬‬
‫(‪ )3‬نيل الوطار‪ ،166/4 :‬فتح القدير‪.14/2 :‬‬
‫(‪ )4‬المرجع السابق والمكان السابق‪.‬‬

‫( ‪)3/340‬‬
‫وأخرج أحمد والبخاري عن عمرو بن َتغْلِب‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أتي بمال أو سبي‪،‬‬
‫فقسمه‪ ،‬فأعطى رجالً‪ ،‬فبلغه أن الذين ترك عتبوا‪ ،‬فحمد ال وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أما بعد‪ ،‬فوال ‪ ،‬إني‬
‫لعطي الرجل‪ ،‬وأدع الرجل‪ ،‬والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي‪ ،‬ولكني أعطي أقواما لما أرى في‬
‫قلوبهم من الجزع والهلع‪ ،‬وأكل أقواما إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن‬
‫تغلب‪،‬فوال ما‬
‫حمْر النعم» ‪ .‬وقال الزهري حينما سئل عن المؤلفة‬
‫أحب أن لي بكلمة رسول ال صلّى ال عليه وسلم ُ‬
‫قلوبهم‪ :‬هم من أسلم من يهودي أو نصراني‪ ،‬وإن كان غنيا (‪. )1‬‬
‫تدل هذه الحاديث وغيرها دللة واضحة على أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يعطي بعض الكفار‬
‫ومن لم يرسخ اليمان في قلبه من الزكاة مال ال عز وجل‪ .‬ثم امتنع أبو بكر وعمر رضي ال عنهما‬
‫من إعطاء المؤلفة قلوبهم‪ ،‬أما أبو بكر فامتنع من إعطاء أبي سفيان وعيينة والقرع وعباس بن‬
‫مرداس‪ ،‬وقال عمر‪« :‬إنا ل نعطي على السلم شيئا‪ ،‬فمن شاء فليؤمن‪ ،‬ومن شاء فليكفر» ‪.‬‬
‫وفي ضوء هذا الواقع برز خلف بين العلماء في مدى بقاء سهم المؤلفة قلوبهم‪ ،‬هل ما زال باقيا لم‬
‫ينسخ‪ ،‬أو أنه نسخ بعد وفاة الرسول صلّى ال عليه وسلم ؟‬
‫انقسم العلماء في هذا الشأن فريقين‪ :‬فريق يقول بالنسخ‪ :‬وأنه ل سهم لحد في الصدقة المفروضة إل‬
‫لذي حاجة إليها‪ .‬وفريق آخر يقول بأن حكم المؤلفة باق لم ينسخ‪ ،‬فهم في كل زمان ولهم حق في‬
‫الصدقات (‪. )2‬‬
‫ويحتاج المر إلى إيراد آراء المذاهب‪ ،‬كل مذهب على حدة‪ ،‬لوجود الخلف أحيانا في المذهب‬
‫الواحد‪ ،‬ووجود تفصيل في بعض المذاهب‪.‬‬
‫ذهب الحنفية (‪ )3‬إلى سقوط سهم المؤلفة قلوبهم‪ ،‬وانتساخ سهمهم وذهابه بعد وفاة النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬إما لزوال علة الحكم وهي إعزاز الدين والحاجة إليهم في صدر السلم حال ضعف‬

‫المسلمين‪ ،‬فبعد أن اعتز السلم زالت الحاجة‪ ،‬فهو من قبيل انتهاء الحكم لنتهاء علته‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير الطبري‪.112/10 :‬‬
‫(‪ )2‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.113‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،44/2 :‬رد المحتار على الدر المختار‪ ،83-82/2 :‬فتح القدير مع الهداية‪.2/41 :‬‬

‫( ‪)3/341‬‬
‫الغائية التي كان لجلها الدفع أو العطاء‪ ،‬فإن الدفع كان لعزاز الدين‪ ،‬وقد أعز ال السلم وأغنى‬
‫عنهم‪ ،‬كما قال ابن عابدين نقلً عن البحر الرائق‪ .‬وقال المرغيناني في الهداية‪ :‬وقد سقط سهم المؤلفة‬
‫قلوبهم‪ ،‬لن ال تعالى أعز السلم‪ ،‬وأغنى عنهم‪ ،‬وعلى ذلك انعقد الجماع‪.‬‬
‫أو سقط سهمهم‪ ،‬لن الحكم نسخ بقوله صلّى ال عليه وسلم لمعاذ في آخر المر عن الزكاة‪« :‬خذها‬
‫من أغنيائهم‪ ،‬وردها في فقرائهم» (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ .‬ويروى أن عمر بن الخطاب حين جاءه عُيينة بن‬
‫حقّ مِنْ رَ ّبكُمْ‪َ ،‬فمَنْ شاءَ فَلْ ُي ْؤمِنْ‪َ ،‬ومَنْ شاءَ فَلْي ْكفُرْ } [الكهف‪.]29/18:‬‬
‫حصن قال‪{ :‬ال َ‬

‫( ‪)3/342‬‬
‫أو لن الناسخ كما ذكر الكاساني هو إجماع الصحابة على ذلك‪ ،‬فإن أبا بكر وعمر رضي ال عنهما‬
‫ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات‪ ،‬ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬فإنه‬
‫روي أنه لما قبض رسول ال صلّى ال عليه وسلم جاؤوا إلى أبي بكر‪ ،‬واستبدلوا الخط منه لسهامهم‬
‫(أي إصدار كتاب رسمي بحقوقهم) فبدل لهم الخط‪ ،‬ثم جاؤوا إلى عمر رضي ال عنه‪ ،‬وأخبروه‬
‫بذلك‪ ،‬فأخذ الخط من أيديهم ومزقه‪ ،‬وقال‪« :‬إن رسول ال كان يعطيكم ليؤلفكم على السلم‪ ،‬فأما‬
‫اليوم‪ ،‬فقد أعز ال دينه‪ ،‬فإن ثَبَتّم على السلم‪ ،‬وإل فليس بيننا وبينكم إل السيف» فانصرفوا إلى أبي‬
‫بكر‪ ،‬فأخبروه بما صنع عمر رضي ال عنهما‪ ،‬وقالوا‪« :‬أنت الخليفة أم هو؟ فقال‪ :‬إن شاء ال هو» ‪،‬‬
‫ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله‪ ،‬وبلغ ذلك الصحابة‪ ،‬فلم ينكروا‪ ،‬فيكون إجماعا منهم على ذلك‪ ،‬ولنه‬
‫ثبت باتفاق المة أن النبي صلّى ال عليه وسلم إنما كان يعطيهم ليتألفهم على السلم‪ ،‬ولهذا سماهم‬
‫ال «المؤلفة قلوبهم» والسلم يومئذ في ضعف‪ ،‬وأهله قلة‪ ،‬وأولئك كثير‪ ،‬ذوو قوة وعدد‪ ،‬واليوم‬

‫بحمد ال عزّ السلم وكثر أهله‪ ،‬واشتدت دعائمه‪ ،‬ورسخ بنيانه‪ ،‬وصار أهل الشرك أذلّء‪ .‬والحكم‬
‫متى ثبت معقولً بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك المعنى‪.‬‬
‫يعني‪ :‬ليس اليوم مؤلفة‪.‬‬
‫وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال‪« :‬إنما كانت المؤلفة على عهد النبي صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬فلما‬
‫ولّي أبو بكر انقطعت» ‪.‬‬

‫( ‪)3/343‬‬
‫ويرى بعض المالكية ( القاضي عبد الوهاب وصححه ابن بشير وابن الحاجب واعتمده العلمة خليل‬
‫في مختصره‪« :‬أن حكم المؤلّف قلبه (وهو كافر يعطى من الزكاة ليسلم‪ ،‬وقيل‪ :‬مسلم حديث عهد‬
‫بإسلم ليتمكن إسلمه) باق لم ينسخ‪ ،‬أي أن تأليفه بالدفع إليه ما يزال معمولً به‪ ،‬لن المقصود من‬
‫دفع الزكاة إليه ترغيبه في السلم لجل إنقاذ مهجته من النار» ‪.‬‬
‫والمشهور من المذهب والراجح انقطاع سهم المؤلفة قلوبهم‪ ،‬بعزة السلم‪ ،‬لن المقصود من دفع‬
‫الزكاة إليهم ترغيبهم في السلم لجل إعانتهم لنا‪.‬‬
‫هذا إذا كان المؤلف كافرا يعطى ترغيبا له في السلم‪ ،‬فإن كان حديث عهد بإسلم‪ ،‬فحكمه باق‬
‫اتفاقا‪ ،‬ليتمكن إسلمه (‪. )1‬‬
‫وعليه‪ ،‬فإن المالكية يوافقون الحنفية في القول بنسخ سهم المؤلفة للكفار‪ ،‬ويخالفونهم فيما إذا كانوا‬
‫حديثي العهد بالسلم‪ ،‬فالحكم باق فيهم‪ .‬وهو قول عمروالحسن البصري والشعبي وغيرهم‪ ،‬فإنهم‬
‫قالوا‪( :‬نقطع هذا الصنف بعز السلم وظهوره) (‪ ، )2‬وهو أيضا رأي الباضية الذين قالوا‪ :‬هو‬
‫عندنا سقوطه ما دام المام قويا‪ ،‬وعنهم غنيا‪ ،‬وجاز إن نزل قوم بالسلم منزلة خيف منهم ضعفه‪،‬‬
‫تألفهم لدفع شرهم عنه وجلب نفعهم له (‪. )3‬‬
‫ومذهب الشافعية كالمالكية في التفصيل‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬إن المؤلفة قلوبهم من الكفار ل يعطون شيئا من‬
‫الزكاة بل خلف لكفرهم‪ ،‬والصحيح أنهم ل يعطون شيئا البتة من خمس الخمس التي من الغنائم‬
‫والفيء‪ ،‬والمرصد للمصالح العامة؛ لن ال تعالى قد أعز السلم وأهله عن تألف الكفار‪ ،‬والنبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم إنما أعطاهم حين كان السلم ضعيفا‪ ،‬وقد زال ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه‪ ،495/1 :‬الشرح الصغير‪.660/1 :‬‬

‫(‪ )2‬تفسير القرطبي‪.181/8:‬‬
‫(‪ )3‬شرح النيل‪.233/3:‬‬

‫( ‪)3/344‬‬
‫وأما مؤلفة السلم‪ ،‬فصنف دخلوا في السلم‪ ،‬ونيتهم ضعيفة‪ ،‬فيعطون تألفا ليثبتوا‪ ،‬وصنف آخر لهم‬
‫شرف في قومهم نطلب بتأليفهم إسلم نظائرهم‪ ،‬وصنف إن أعطوا جاهدوا من يليهم أو يقبضوا الزكاة‬
‫من مانعيها‪ ،‬والمذهب أنهم يعطون‪ ،‬وال أعلم (‪. )1‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أن حكم المؤلف باق‪ :‬وهو السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلمه أو يخشى‬
‫شره كخوارج‪ ،‬أو يرجى بعطيته قوة إيمانه أو إسلم نظيره‪ ،‬أو جبايتها ممن ل يعطيها‪ ،‬أو دفع عن‬
‫المسلمين‪ ،‬أو نصح في الجهاد‪ ،‬ويعطى ما يحصل به التأليف‪ ،‬ويقبل قوله في ضعف إسلمه‪ ،‬أي أنه‬
‫يعطى عند الحاجة‪.‬‬
‫ودليلهم واضح وهو العمل بنص الية في مصارف الزكاة‪ ،‬والنبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إن ال‬
‫تعالى حكم فيها‪ ،‬فجزأها ثمانية أجزاء» وكان يعطي المؤلفة كثيرا في أخبار مشهورة‪ ،‬ولم يزل كذلك‬
‫حتى مات‪ ،‬ول يجوز ترك كتاب ال وسنة رسوله إل بنسخ‪ ،‬والنسخ ل يثبت بالحتمال‪ ،‬كما ل يصح‬
‫النسخ بعد وفاة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم على عدم‬
‫الحاجة إلى إعطائهم في خلفتهم‪ ،‬ل لسقوط سهمهم‪ ،‬فإن الية من آخر ما نزل‪ ،‬وأعطى أبو بكر‬
‫عدي بن حاتم والزّبْرِقان بن بدر‪ ،‬ولن المقصود من دفعها إليهم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كفاية الخيار‪ ،381/1 :‬ط قطر‪ ،‬المهذب‪.172/1 :‬‬

‫( ‪)3/345‬‬
‫ترغيبهم في السلم لجل إنقاذ مهجهم من النار‪ ،‬ل لعانتهم لنا حتى يسقط بفشو السلم (‪ . )1‬قال‬
‫الزهري‪ :‬ل أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة‪.‬‬
‫ويوافق الشيعة الجعفرية والزيدية على هذا الرأي وهو أن حكم المؤلفة باق لم ينسخ ولم يبدل (‪. )2‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن المؤلفة الكفار يعطون من الزكاة في رأي‪ ،‬ول يعطون منها في رأي آخر‪ ،‬وأما‬
‫المؤلفة المسلمون فيعطون من الزكاة اتفاقا إذا كانوا حديثي عهد بإسلم ليتمكن السلم في نفوسهم‬
‫كما ذكر الدسوقي‪ ،‬لكن يلحظ أن هذا التفاق منقوض بمخالفة الحنفية الذين قالوا بنسخ سهم المؤلفة‬

‫قلوبهم مطلقا كما تقدم‪.‬‬
‫والراجح لدي أن سهم المؤلفة باق لم ينسخ‪ ،‬ويعطون من الزكاة أو من سهم المصالح عند الحاجة‪،‬‬
‫سواء أكانوا مسلمين أم كفارا‪ .‬قال أبو عبيد في كتاب الموال‪ :‬وأما ما قال الحسن وابن شهاب‪ ،‬فعلى‬
‫أن المر ماض أبدا‪ ،‬وهذا هو القول عندي‪ ،‬لن الية محكمة‪ ،‬ل نعلم لها ناسخا من كتاب ول سنة (‬
‫‪. )3‬‬
‫وقال الشوكاني رحمه ال ‪ :‬والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه‪ ،‬فإذا كان في زمن المام قوم ل‬
‫يطيعونه إل للدنيا‪ ،‬ول يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب‪ ،‬فله أن يتألفهم‪ ،‬ول يكون لفشو‬
‫السلم تأثير؛ لنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة‪ ،‬وقد عدّ ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في‬
‫جزء مفرد‪ ،‬فبلغوا نحو الخمسين َنفْسا (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،666/2 :‬كشاف القناع‪ ،325/2 :‬غاية المنتهى‪ ،310/1 :‬نيل المآرب‪.319/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المختصر النافع في فقه المامية‪ :‬ص ‪ ،83‬البحر الزخار‪.180-179/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الموال‪ :‬ص ‪.607‬‬
‫(‪ )4‬نيل الوطار‪ 166/4 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/346‬‬
‫وقال الطبري بعد أن أورد الخلف بين العلماء في بقاء أو نسخ سهم المؤلفة‪ :‬والصواب من القول في‬
‫ذلك عندي أن ال جعل الصدقة في معنيين‪:‬‬
‫أحدهما ـ سد خَلّة المسلمين‪ ،‬والخر ـ معونة السلم وتقويته‪ ،‬فما كان في معرفة السلم وتقوية‬
‫أسبابه‪ ،‬فإنه يعطاه الغني والفقير‪ ،‬لنه ل يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه‪ ،‬وإنما يعطاه معونة للدين‪،‬‬
‫وذلك كما يعطاه بالجهاد في سبيل ال ‪ ،‬فإنه يعطى ذلك غنيا كان أو فقيرا للغزو ـ الجهاد ـ ل لسد‬
‫خلته‪ ،‬وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك‪ ،‬وإن كانوا أغنياء‪ ،‬بإعطائهموه أمر السلم وطلب تقويته‬
‫وتأييده‪ ،‬وقد أعطى النبي صلّى ال عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح ال عليه‬
‫الفتوح وفشا السلم وعز أهله‪ ،‬فل حجة لمحتج بأن يقول‪ :‬ل يتألف اليوم على السلم أحد لمتناع‬
‫أهله بكثرة العدد ممن أرادهم‪ ،‬وقد أعطى النبي صلّى ال عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي‬
‫وصفت (‪. )1‬‬
‫‪ - 2‬الحوال التي يستعمل فيها هذا السهم‪ ،‬ومدى حاجة السلم والمسلمين إليه في هذا الزمان‪:‬‬

‫المؤلفة قلوبهم كما ذكر النووي وغيره قسمان‪ :‬مسلمون وكفار (‪ . )2‬أما الكفار فنوعان‪ :‬نوع يرجى‬
‫خيره‪ ،‬وآخر يخاف شره‪ .‬وقد كان النبي صلّى ال عليه وسلم يعطيهم‪ ،‬وقد أوضحت أن الراجح دوام‬
‫إعطائهم عند الحاجة بعد النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬إذ لم يثبت النسخ بدليل معتبر‪ ،‬والحاجة تتكرر‬
‫في كل زمان‪ ،‬وتقتضيها أحوال النفوس في القوة والضعف‪.‬‬
‫وأما المسلمون فهم أربعة أنواع‪:‬‬
‫أحدها ـ قوم لهم شرف وهم السادة المطاعون في عشائرهم‪ :‬فيعطون ليرغب نظراؤهم في السلم؛‬
‫لن النبي صلّى ال عليه وسلم أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير الطبري‪.113/10 :‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪ 206/6 :‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 325/2 :‬وما بعدها‪ ،‬ونقل ذلك السيد رشيد رضا في‬
‫تفسير المنار‪ 574/10 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/347‬‬
‫والثاني ـ قوم أسلموا‪ ،‬ونيتهم في السلم ضعيفة‪ :‬فيعطون لتقوى نيتهم‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب‪ ،‬وصفوان بن أمية‪ ،‬والقرع بن حابس‪ ،‬وعيينة بن حصن‪ ،‬لكل منهم‬
‫مئة من البل‪ ،‬كما تقدم‪ .‬ويعطون بعد النبي صلّى ال عليه وسلم ؛ لن المعنى الذي به أعطوا قد‬
‫يوجد بعد النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫والثالث ـ قوم يليهم قوم من الكفار أن أعطوا قاتلوهم‪.‬‬
‫والرابع ـ قوم يليهم قوم من أهل الصدقات أن أعطوا جبوا الصدقات‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬يكون مجموع الفريقين ستة أصناف‪.‬‬
‫يتبين من هذا أن أحوال استعمال سهم المؤلفة قلوبهم كثيرة‪ ،‬ويقدر ولي المر المسلم المصلحة في‬
‫إعطائهم في كل زمان أخذا برأي الحنابلة والشيعة مطلقا‪ ،‬وعملً باتفاق الفقهاء إذا كانوا مسلمين‬
‫حديثي عهد بالسلم‪ ،‬ليتمكن السلم في قلوبهم‪.‬‬
‫ويمكن إيراد أمثلة واقعية في عصرنا لحوال المؤلفة‪:‬‬
‫أولً ـ درء المخاطر والمفاسد عن المسلمين‪ :‬إذا كان بعض غير المسلمين في موقع استراتيجي‬
‫حيوي يمكن أن ينفذ منه العداء‪،‬ويدخلوا إلى بلد السلم‪ ،‬فيجوز إعطاؤهم من الزكاة لدفع الخطار‬
‫وحماية البلد ورعاية المصالح السلمية‪ .‬فقد نص الفقهاء على إعطاء المؤلفة إذا كان يرجى‬

‫بعطائهم النصح في الجهاد‪ ،‬أو الدفع عن المسلمين‪ ،‬بأن كانوا في الثغور أطراف بلد السلم‪ ،‬أو كف‬
‫شرهم كالخوارج ونحوهم‪ .‬ثانيا ـ الستعانة بغير المسلمين في الجهاد‪ :‬إذا احتاج المسلمون إلى‬
‫الستعانة بغيرهم في الحروب‪ ،‬إما لضعف في المسلمين‪ ،‬أو لتوافر خبرة فنية عسكرية في غيرهم‪ ،‬أو‬
‫لغراض حربية أخرى‪ ،‬فيجوز صرف جزء من الزكاة في هذا المجال‪ ،‬للضرورة والمصلحة‪.‬‬

‫( ‪)3/348‬‬
‫ثالثا ـ جباية الصدقات ونحوها‪ :‬إذا تعذرت جباية الصدقات ونحوها من ضرائب الخراج والعشور‬
‫(الرسوم الجمركية) وأمكن استيفاؤها من طريق بعض الكفار‪ ،‬فل مانع من إعطائهم شيئا من الزكاة‪،‬‬
‫لن بهذا العطاء يحصل المسلمون على أموال أخرى متعذرة التحصيل أو ميئوسة الدفع‪ .‬والفقهاء‬
‫نصوا على إعطاء المؤلفة إذا كان لهم قوة على جباية الزكاة ممن ل يعطيها إل بالتخويف والتهديد ‪.‬‬
‫رابعا ـ نشر الدعوة السلمية ومقاومة وسائل التبشير‪ :‬إن إرساليات التبشير بالنصرانية وحملت‬
‫التنصير في بعض البلد السلمية كأفريقيا وأندونيسيا وغيرها‪ ،‬تحتاج لمزيد من المقاومة والحد منها‬
‫وإيقاف أنشطتها بمختلف الوسائل‪ ،‬وحينئذ يمكن صرف جزء كبير من الزكاة في هذا المجال‪ ،‬كما‬
‫يجوز إعطاء الزكاة في سبيل نشر الدعوة السلمية بمختلف الطرق‪ ،‬سواء بالمبعوثين المتخصصين‪،‬‬
‫أم بطباعة الكتب الصغيرة التي تعرّف بالسلم وترد على اتهامات ودسائس وشبهات المغرضين‪،‬‬
‫لن الهدف الصلي من تشريع سهم المؤلفة هو الترغيب في السلم وتثبيت عقيدته بين الناس‪.‬‬
‫خامسا ـ السهام في تخفيف ويلت الكوارث من زلزل وفيضانات ومجاعات على أن تكون مقرونة‬
‫بالدعوة إلى السلم‪ :‬إذا كان المبشرون وبعض الدول النصرانية يستغلون هذه الحالت‪ ،‬ويبادرون‬
‫إلى تقديم بعض المساعدات المادية والغذائية للمحتاجين‪ ،‬فأولى بنا نحن المسلمين أن نسهم بأقصى ما‬
‫وسعنا من الدعم المادي المقرون ببيان سريع لفضائل السلم وبساطة عقيدته ويسر أحكامه في أوقات‬
‫الشدة والرخاء‪ ،‬لن المقصود من الزكاة سد حاجة المحتاجين‪ ،‬وإعانة المسلمين وتقوية السلم‪.‬‬

‫( ‪)3/349‬‬
‫سادسا ـ إغراء رؤساء الدول الفقيرة أو القوام المتخلفة‪ ،‬أو القبائل والعشائر البائسة ببعض المنح‬
‫والمبالغ المالية أو الهدايا‪ ،‬لتأليف قلوبهم أو رجاء إسلمهم أو كف شرهم‪ ،‬أو تقليد رعاياهم واتّباعهم‬
‫لهم في الدخول بالسلم‪ ،‬كما كان يفعل النبي صلّى ال عليه وسلم مع رؤساء قريش وصناديد‬
‫العرب‪ ،‬كما تقدم‪ .‬وقد نص الفقهاء على إعطاء المؤلفة رجاء إسلم نظرائهم‪ ،‬وأعطى أبو بكر عدي‬

‫بن حاتم والزبرقان بن بدر‪ ،‬مع حسن نياتهما وإسلمهما‪ ،‬رجاء إسلم نظرائهما‪.‬‬
‫سابعا ـ تقوية ضعاف اليمان‪ :‬نص فقهاؤنا ومنهم الحنابلة على أنه يعطى سهم المؤلفة لمسلم يرجى‬
‫بعطيته قوة إيمانه‪ ،‬لما روى أبو بكر في كتاب التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى‪ { :‬والمؤلفة‬
‫قلوبهم } [التوبة‪ ]60/9:‬قال‪« :‬هم قوم كانوا يأتون رسول ال صلّى ال عليه وسلم وكان رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم يرضخ لهم من الصدقات‪ ،‬فإذا أعطاهم من الصدقة قالوا‪ :‬هذا دين صالح‪ ،‬وإن‬
‫كان غير ذلك عابوه» (‪. )1‬‬
‫‪ 3‬ـ تأليف قلوب الفراد الذين يؤمل إسلمهم أو تأثيرهم في توجيه المجتمع لصالح الدعوة السلمية‬
‫‪:‬‬
‫إن الهدف الصلي من تخصيص سهم المؤلفة في مصارف الزكاة هو نشر الدعوة السلمية‬
‫بإغراءات مالية تجتذب بعض النفوس الضعيفة التي يستهويها المال وحب النفع المادي‪ ،‬ويكثر هذا‬
‫الصنف في المجتمعات الفقيرة أو الضعيفة أو قليلة النتاج أو محدودة الدخل‪.‬‬
‫فإذا لوحظ وجود هذا الميل عند بعض الفراد الذين يرجى إسلمهم‪،‬أو كان لهم شيء من النفوذ‬
‫والتأثير في مجتمعاتهم لصالح الدعوة السلمية‪ ،‬لزمت المبادرة لعطائهم شيئا من مال ال تعالى‪،‬‬
‫سواء على مستوى بعض الحكومات غير المسلمة‪ ،‬أو بعض الهيئات والتجمعات والقبائل‪ ،‬أو بعض‬
‫الفراد العاديين‪ ،‬أو الخطباء والكتاب ونحوهم ممن يرجى تأثيرهم في توجيه المجتمع نحو دعوة ال‬
‫للحق والخير والتوحيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير الطبري‪.112/10 :‬‬

‫( ‪)3/350‬‬
‫ونص فقهاؤنا كما تقدم على أن من أنواع المؤلفة‪ :‬من يعطى ليقوى إيمانه‪ ،‬أو إسلم نظيره‪ ،‬أو‬
‫نصحه في الجهاد‪ ،‬أو الدفع عن المسلمين ونحوه‪ ،‬وكان النبي صلّى ال عليه وسلم يعطي من الزكاة‬
‫صنفا أسلموا ونيتهم في السلم ضعيفة‪ ،‬فيتألفون لتقوى نيتهم ويثبتوا (‪. )1‬‬
‫‪ - 4‬استخدام هذا المصرف في إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد ‪:‬‬
‫يجوز للمزكي دفع الزكاة لوكيل عنه يتولى صرفها في بعض أو جميع مستحقيها أو مصارفها‬
‫المنصوص عليهم في القرآن الكريم‪ ،‬لكن يجب دفع الزكاة على الفور باتفاق الفقهاء‪.‬‬
‫وبناء عليه يمكن تخصيص أو إيجاد مؤسسات عامة ينفق عليها من سهم العاملين‪ ،‬وتتولى تفقد أحوال‬

‫المسلمين الجدد في أنحاء العالم‪ ،‬وإمدادهم بما يحتاجون‪ ،‬ورعايتهم ماديا ومعنويا‪ ،‬صحيا وثقافيا‪،‬‬
‫بإعطائهم شيئا من أموال الزكاة‪ ،‬لتثبيتهم على الدين وتشجيعهم وإشعارهم بالنصرة والعون أمام‬
‫أقوامهم‪ ،‬لن المهم هو رعاية من أسلم والحفاظ عليه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فإذا كان قوم‪ ،‬هذه حالهم‪ ،‬ل رغبة لهم في السلم إل للنيل‪ ،‬وكان في ردتهم‬
‫ومحاربتهم إن ارتدوا ضرر على السلم‪ ،‬لما عندهم من العز والمنعة‪ ،‬فرأى المام أن يرضخ لهم‬
‫من الصدقة‪ ،‬فعل ذلك لخلل ثلث ـ إحداهن ـ الخذ بالكتاب والسنة‪.‬‬
‫والثانية ـ البقيا على المسلمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،326/2 :‬المجموع‪ ،209/6 :‬تفسير ابن كثير‪.365/2 :‬‬

‫( ‪)3/351‬‬
‫والثالثة ـ أنه ليس بيائس أن تمادى بهم السلم أن يفقهوه وتحسن فيه رغبتهم (‪. )1‬‬
‫وقال السيد رشيد رضا‪ :‬الولى من المرابطين في الثغور وحدود بلد العداء بالتأليف في زماننا‪ ،‬قوم‬
‫من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم‪ ،‬أو في دينهم‪ ،‬فإننا نجد دول الستعمار الطامعة‬
‫في استعباد جميع المسلمين وفي ردهم عن دينهم‪ ،‬يخصصون من أموال دولهم سهما للمؤلفة قلوبهم‬
‫من المسلمين‪ ،‬فمنهم من يؤلفون لجل تنصيره وإخراجه من حظيرة السلم‪ ،‬ومنهم من يؤلفونه لجل‬
‫الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول السلمية أو الوحدة السلمية‪ ،‬ككثير من أمراء جزيرة العرب‬
‫وسلطينها !! أفليس المسلمون أولى بهذا منهم (‪. )2‬‬
‫‪ - 5‬تأليف قلوب بعض الحكومات والدول غير السلمية‪ ،‬والتي تحوي جاليات إسلمية لتحقيق‬
‫المن لها‪ ،‬أو بعض الدول غير السلمية التي تعارض إقامة مشاريع إسلمية على أرضها ‪:‬‬
‫إن أي دعم للسلم والمسلمين أمر مطلوب شرعا‪ ،‬سواء فيما يتعلق باعتناق السلم دينا‪،‬أو رعاية‬
‫المسلمين‪ ،‬والحفاظ على وجودهم وأمنهم وهويتهم الشخصية الذاتية‪ ،‬أو حماية المصالح السلمية‬
‫بنشر الدعوة إلى ال ‪ ،‬وإقامة المساجد والمراكز السلمية‪ ،‬وتوفير مختلف المكانات لتعليم القرآن‪،‬‬
‫ونشر التربية السلمية‪ ،‬وتوعية الشباب والفتيات‪ ،‬وتحذيرهم من مخاطر ذوبان الشخصية السلمية‪،‬‬
‫والتأثر بتقاليد وعادات غير المسلمين‪.‬‬
‫لذا كان مشروعا إنفاق المال في هذا السبيل‪ ،‬وإعطاء شيء من المساعدات من الزكاة وغيرها لبعض‬
‫الحكومات والدول غير السلمية لحماية الجاليات السلمية وتحقيق المن لها وتمكينها من ممارسة‬

‫شعائر السلم‪ ،‬وإبقاء الصبغة السلمية في السماء‪ ،‬والممارسات السلوكية‪ ،‬وتطبيق أحكام الشريعة‬
‫السلمية في قضايا الزواج والطلق واليمان والنذور ونحوها من المور الخاصة اللصيقة‬
‫بالشخصية‪ ،‬والمميزة لوضاع المسلمين عن غيرهم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الموال‪ :‬ص ‪.607‬‬
‫(‪ )2‬تفسير المنار‪.574/10 :‬‬

‫( ‪)3/352‬‬
‫كما يكون مشروعا تقديم بعض المعونات لبعض الدول غير السلمية للسماح للمسلمين بإقامة بعض‬
‫المشاريع السلمية على أرضها‪ ،‬كبناء المساجد والمراكز والمدارس السلمية‪ ،‬ففي ذلك حماية‬
‫للمسلمين أنفسهم من الضياع والنحراف وتشوه الصبغة السلمية النقية‪ ،‬وحفظ الطابع السلمي‬
‫والعقيدة السلمية في نفوس أبنائها‪ ،‬فإن أخطر ما يهدد وجود الجاليات السلمية في أمريكا وأوربا‬
‫وغيرهما من بلد العالم هو ذوبان الصبغة السلمية من نفوس الجيل الثاني الذي ولد أو تربى في‬
‫تلك البلد غير السلمية‪ .‬أما الباء والمهات الذين هاجروا إلى تلك البلد (المغتربون) وهم الجيل‬
‫الول‪ ،‬فيغلب عليهم تمسكهم بشيء من الدين والخلق السلمية أو العربية‪ ،‬والعتزاز باللغة‬
‫العربية في كلمهم وكتاباتهم‪.‬‬
‫‪ - 6‬المشاركة في سهم المؤلفة قلوبهم في التبرعات التي تجمع للكوارث والنكبات التي تصيب بعض‬
‫الدول غير السلمية كالزلزل والفيضانات ‪:‬‬
‫إن تحسين العلقات بين المسلمين وغيرهم في مختلف البلد غير السلمية أمر محمود في مضمار‬
‫السياسة الشرعية؛ لن تحسن العلقات يخدم المصالح السلمية‪ ،‬وتعكر العلقات وتوترها يضر‬
‫بمصلحة المسلمين‪ ،‬وعلى التخصيص في حال الضعف‪ ،‬وفي ظروفنا الراهنة‪ .‬وإذا كان الهدف من‬
‫الجهاد في السلم هو الوصول إلى توطيد العلقات السلمية‪ ،‬وحماية الوضاع والظروف المنية‪،‬‬
‫وإقرار المصالح المشروعة عن طريق المعاهدات‪ ،‬فإن كل ما يؤدي إلى هذه الغاية يكون جائزا‬
‫شرعا‪.‬‬
‫لكن نظرا لكون فريضة الزكاة ذات صلة وثقى وأصيلة برعاية أحوال المسلمين المحتاجين وتحقيق‬
‫التكافل الجتماعي بين المسلمين‪ ،‬وكونها مصبوغة بصبغة العبادات‪ ،‬فإنه يقتصر بقدر المكان على‬

‫هذه النواحي وعلى مصارف الزكاة المنصوص عليها صراحة في القرآن الكريم‪ ،‬ول يصح حينئذ دفع‬
‫شيء من أموال الزكاة لتخفيف كوارث المم الخرى‪.‬‬

‫( ‪)3/353‬‬
‫لكن ل مانع شرعا من دفع شيء من أموال المسلمين العامة من غير الزكاة لغيرهم لدفع شرهم ورفع‬
‫ضررهم ورجاء خيرهم‪ ،‬كما صرح الفقهاء‪ ،‬فيجوز أن ندفع شيئا من أموالنا بصفة تبرعات في‬
‫أوقات المحن والزمات‪ ،‬والكوارث والنكبات كالزلزل والفيضانات‪ ،‬ففي ذلك نوع من الوقاية وسد‬
‫الذرائع‪ .‬وقد أجاز بعض الشافعية إعطاء الكفار من موارد بيت المال العامة‪ ،‬لتأليف قلوبهم‪ ،‬وهو‬
‫خمس الخمس من الفيء وغيره‪ ،‬لنه مرصد للمصالح العامة‪ ،‬وهذا منها‪.‬‬
‫وأما غير الشافعية الذين أجازوا دفع الزكاة للكفار لتأليف قلوبهم عند الحاجة‪ ،‬فل ينطبق قولهم على‬
‫هذه الحول‪ ،‬وإنما أرادوا أن يكون التأليف مؤديا بطريق مباشر أو غير مباشر إلى الدخول في‬
‫السلم‪ ،‬قال قتادة‪« :‬المؤلفة قلوبهم‪ :‬هم أناس من العراب ومن غيرهم كان نبي ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا» (‪ . )1‬ويبعد في تصور المنكوبين وحكوماتهم المعاصرة في الغالب‬
‫التجاه نحو السلم من قريب أو بعيد في مثل هذه الحوال‪ ،‬كل ما في المر أنهم يقدرون الدوافع‬
‫النسانية الخيّرة في المشاركة في التبرعات من أجل تخفيف وطأة الكوارث العامة‪ ،‬وتوجه عادة‬
‫خطابات شكر دبلوماسية على تلك المبادرات الطيبة المصحوبة بالشعور النساني الكريم والعاطفة‬
‫الخوية بين أبناء المجتمع النساني‪ ،‬لن الخلْق كلهم عيال ال ‪ ،‬وأحبهم إلى ال تعالى أنفعهم لعياله‪،‬‬
‫كما ثبت في السنة النبوية‪ ،‬ولن السلم دين الرحمة العامة للعالمين‪.‬‬

‫( ‪)3/354‬‬
‫‪ - 7‬صرف جزء من سهم المؤلفة قلوبهم في المور الدعائية لتحسين النظرة إلى السلم والمسلمين‬
‫‪:‬‬
‫نحن اليوم في العالم المعاصر نتأثر كثيرا بأساليب الدعاية والعلم وبما يكتبه مشاهير الكتاب‪،‬‬
‫وتتصدره الصحف اليومية والمجلت المتداولة‪ ،‬لذا كان لزاما علينا أن نتفاعل بمعطيات العصر‪،‬‬
‫ونستفيد منها في اليجابيات والسلبيات‪ ،‬فنعرض أجمل ما لدينا من أفكار ومبادئ ونظريات وقيم‬
‫خلقية شخصية واجتماعية‪ ،‬إنسانية ومادية‪ ،‬ونحارب كل مايحاك ضد شريعتنا وأخلقنا ونظمنا من‬
‫مؤامرات‪ ،‬ويوجه إليها من مفتريات واتهامات‪ ،‬ويعرض في ثناياها من شبهات وتأويلت باطلة‪.‬‬

‫ونكون في الحالين إيجابا وسلبا في حركة جهاد يمليه علينا الواجب ويقتضيه الدين‪ ،‬أخرج المام أحمد‬
‫وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك رضي ال عنه أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال‪« :‬جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» ‪.‬‬
‫ول مانع بالضافة لما تجود به نفوس المسلمين بالتبرع بالموال في سبيل ال ‪ ،‬من صرف جزء من‬
‫أموال الزكاة من سهم «في سبيل ال » أو من سهم «المؤلفة قلوبهم» لصحاب القلم واللسنة‬
‫لتحسين النظرة إلى السلم والمسلمين‪ ،‬وبيان حكمة التشريع‪ ،‬والدفاع عن السلم وقضايا المسلمين‬
‫الوطنية والجتماعية في أنحاء العالم ضد الفتراءات والتهامات‪ ،‬ولتفنيد الشبهات‪ ،‬وصد التيارات‬
‫وغزوات الفكر والثقافة المشوهة‪ ،‬وقد تبين سابقا أن الطبري أجاز صرف سهم المؤلفة لتقوية‬
‫السلم‪.‬‬
‫ويفضل شرعا أن يكون صرف شيء من أموال المسلمين في الجانب الدعائي أو العلمي من موارد‬
‫بيت المال العامة؛ لن تلك الموارد مرصدة للمصالح العامة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير الطبري‪.112/10 :‬‬

‫( ‪)3/355‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن صرف شيء من أموال الزكاة في أي مجال يحتاج لتقدير واع من ولي المر العادل‪،‬‬
‫واستشارة العلماء المتخصصين أهل الرأي والمشورة‪.‬وإذا أهملت الحكومات هذا الجانب‪ ،‬جاز‬
‫للجمعيات أو المؤسسات السلمية العامة‪ ،‬ل للفراد‪ ،‬القيام بهذا الواجب وتأليف غير المسلمين‬
‫بالساليب المختلفة للدفاع عن السلم ونشر الدعوة السلمية ورعاية أموال المسلمين الجدد‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬مصرف الزكاة ( في الرقاب ) ‪:‬‬
‫إن لفريضة الزكاة شأنا كبيرا في السلم‪ ،‬وهي تقترن دائما بفريضة الصلة ‪ ،‬لتصلح العلقة مع ال‬
‫تعالى بالصلة‪ ،‬والعلقة مع أبناء المجتمع المسلم بالزكاة‪ ،‬ول يكون أداء الزكاة محقّقا الهدف المنشود‬
‫منها ما لم يلتزم المزكي صرفها حسبما أمر ال تعالى به في قوله‪ { :‬إنما الصدقات للفقراء‪،‬‬
‫والمساكين‪ ،‬والعاملين عليها‪ ،‬والمؤلفة قلوبهم‪ ،‬وفي الرقاب‪ ،‬والغارمين‪ ،‬وفي سبيل ال ‪،‬فريضةً من‬
‫ال وال عليم حكيم} [التوبة‪.]60/9:‬‬
‫ومصرف «وفي الرقاب» هو المصرف الخامس من مصارف الزكاة الثمانية التي حددتها الية‪،‬‬
‫وأبانت أوصاف مستحقي الزكاة‪.‬‬

‫وبالرغم من أن الغالب وجوده الن في عصرنا في البلد السلمية أربعة أنواع وهم الفقير والمسكين‬
‫والغارم وابن السبيل‪ ،‬فإن هناك حاجة ماسة للتعرف على مصرف «في الرقاب» بعد إلغاء الرق من‬
‫العالم في العصر الحديث‪ ،‬ووجود حالت تقتضي صرف الزكاة فيها مثل استعباد الشعوب السلمية‪،‬‬
‫وإنقاذ المسلمين من أشكال الستعمار المختلفة‪ ،‬ومن أهمها الستعمار الستيطاني‪ ،‬ومساعدة السرى‬
‫على الفتداء من براثن العدو‪ ،‬وإطلق سراح السجناء والمسلمين من معتقلت العداء الجماعية‬
‫والفردية وما فيها من معاملة وحشية منافية لبسط مبادئ النسانية وحقوق النسان‪ ،‬كما في فلسطين‬
‫المحتلة من قبل اليهود الذين أقاموا فيها على حساب الشعب الفلسطيني دولة إسرائيل بالتعاون مع‬
‫الدول الكبرى‪ ،‬وبالدعم المتواصل لها‪.‬‬

‫( ‪)3/356‬‬
‫خطة البحث ‪:‬‬
‫يمكن بحث مصرف «في الرقاب» في ضوء الخطة التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬معنى ‪ :‬في الرقاب‪.‬‬
‫‪ - 2‬غياب الرق في العصر الحالي‪.‬‬
‫‪ - 3‬السوابق التاريخية في العهود السلمية لستخدام هذا المصرف في غير المكاتبين‪.‬‬
‫‪ - 4‬من مصارف «في الرقاب» في هذا الزمان «فكاك السرى» وتفصيل المذاهب الفقهية في سهم‬
‫«في الرقاب» ‪.‬‬
‫‪ - 5‬التطبيق الصلي لهذا المصرف في إعانة المكاتب لتحرير نفسه من الرق‪.‬‬
‫‪ - 6‬هل تعطى الشعوب السلمية التي تئن تحت وطأة الحكومات الكافرة لتحرير نفسها من الحتلل‬
‫الذي تخضع له؟‬
‫‪ - 1‬معنى في الرقاب ‪:‬‬
‫إن ظاهر الكلمة وإطلقها يقتضي تعميم المعنى بحيث يشمل تحرير النفس البشرية وعتقها وتخليصها‬
‫من قيد العبودية للبشر‪ ،‬وفك الرقاب من الكتابة أو الرق أو السر‪ ،‬كما ذكر الزمخشري في الكشاف (‬
‫‪. )1‬وقال الزجاج في قوله تعالى‪« :‬وفي الرقاب» ‪ :‬وفيه محذوف‪ ،‬والتقدير‪ :‬وفي فك الرقاب (‪. )2‬‬
‫وإنما عبر ال تعالى في الصناف الربعة الولى باللم‪{ :‬إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين‬
‫عليها والمؤلفة قلوبهم} [التوبة‪ ]60/9:‬وفي الصناف الربعة الخيرة بـ «في» ‪{ :‬وفي الرقاب‬
‫والغارمين وفي سبيل ال وابن السبيل} [التوبة‪ ]60/9:‬لليذان بأن الربعة الخيرة أرسخ في استحقاق‬

‫التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لن «في» كما جاء في الكشاف للوعاء‪ ،‬فنبّه على‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الكشاف‪ ،198/2 :‬طبع طهران‪.‬‬
‫(‪ )2‬تفسير الرازي‪ ،114/16 :‬ط دار الفكر في بيروت‪....‬‬

‫( ‪)3/357‬‬
‫أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات‪ ،‬ويجعلوا مظنّة لها ومصبّا (‪ . )1‬وكذلك في فك الغارمين من‬
‫الغرم تخليص لهم وإنقاذ‪ ،‬وهكذا الشأن في مصرف‪« :‬في سبيل ال » إنقاذ جماعي للمة بالجهاد‪،‬‬
‫وكذا «ابن السبيل» ننقذه من أزمة وقوعه في الفلس‪ ،‬وانقطاعه في أثناء السفر إلى بلده‪.‬‬
‫وقال البجيرمي الشافعي‪ :‬أضاف ال تعالى في الية الكريمة الصدقات إلى الصناف الربعة بلم‬
‫الملك‪ ،‬وإلى الربعة الخيرة بـ «في» الظرفية للشعار بإطلق الملك في الربعة الولى‪ ،‬وتقييده‬
‫في الربعة الخيرة‪ ،‬حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها‪ ،‬استرجع‪ ،‬بخلفه في الولى (‪. )2‬‬
‫وقال الرازي في تفسيره‪ :‬ولما ذكر ال تعالى الرقاب أبدل بحرف اللم حرف «في» فقال‪« :‬وفي‬
‫الرقاب» فل بد لهذا الفرق من فائدة‪ ،‬وتلك الفائدة هي أن تلك الصناف الربعة المتقدمة يدفع إليهم‬
‫نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا‪ ،‬وأما «في الرقاب» فيوضع نصيبهم في تخليص‬
‫رقبتهم عن الرق‪ ،‬ول يدفع إليهم‪ ،‬ول يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا‪ ،‬بل يوضع‬
‫«في الرقاب» بأن يؤدى عنهم‪ .‬وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم‪ ،‬وفي الغزاة‬
‫يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو‪ ،‬وابن السبيل كذلك‪ .‬والحاصل‪ :‬أن في الصناف‬
‫الربعة الولى يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا‪،‬وفي الربعة الخيرة ل يصرف‬
‫المال إليهم‪ ،‬بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لجلها استحقوا سهم الزكاة (‬
‫‪ )3‬أي أنه ل يشترط التمليك‪.‬‬
‫وأكثر العلماء على أن المراد بقوله تعالى‪{ :‬وفي الرقاب} [التوبة‪ ]60/9:‬المكاتبون (‪ )4‬المسلمون‬
‫الذين ل يجدون وفاء ما يؤدون‪ ،‬ولو مع توافر القدرة والقوة والكسب‪ ،‬لنه ل يمكن الدفع إلى‬
‫الشخص الذي يراد فك رقبته إل إذا كان مكاتبا‪ ،‬ولو اشتري بالسهم عبيد‪ ،‬لم يكن الدفع إليهم وإنما هو‬
‫دفع إلى سادتهم‪ ،‬ولم يتحقق التمليك المطلوب في أداء الزكاة‪ ،‬ويؤكده تعالى‪{ :‬وآتوهم من مال ال‬
‫الذي آتاكم} [النور‪ ]33/24:‬وفسر ابن عباس «في الرقاب» بأنهم المكاتبون ‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الكشاف‪ ،‬المرجع والمكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬بجيرمي علي الخطيب‪ ،313/2 :‬ط دار المعرفة في بيروت‪.‬‬
‫(‪ )3‬التفسير الكبير‪ ،115/16 :‬المجلد ‪.8‬‬
‫(‪ )4‬المكاتب‪ :‬هو العبد الذي كاتبه سيده على أقساط معينة‪ ،‬فإذا وفّاها صار حرا‪ .‬والكتابة مندوبة‬
‫لتحرير العبيد وإعتاقهم لقوله تعالى‪ { :‬فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } [النور‪ ]33/24:‬أي من أجل‬
‫تحرير الرقاب‪.‬‬

‫( ‪)3/358‬‬
‫ويرى المامان مالك وأحمد وغيرهما أنه يشترى بسهم «في الرقاب» رقيق‪ ،‬فيتعين‪ ،‬لن كل موضع‬
‫ذكرت فيه الرقبة‪ ،‬يراد بها عتقها‪ .‬والعتق والتحرير ل يتصور إل في القن (العبد الخالص العبودية)‬
‫كما في الكفارات‪.‬‬
‫وشرط إعطاء المكاتب‪ :‬هو كونه مسلما محتاجا ‪ ،‬كما تقدم بيانه‪.‬‬
‫وتخصيص سهم للرقاب في الزكاة دليل واضح على تشوف وتعطش السلم إلى التحرير والحرية أو‬
‫فك الرقاب من قيد العبودية؛ ومن حكمة ال تعالى أنه نص في القرآن على التحرير أو العتق‪ ،‬ولم‬
‫ينص على السترقاق‪ ،‬لن السلم أول من نادى بتخليص العالم من ظاهرة الرق بفتح منافذ العتق‬
‫والترغيب فيه؛ لن النسان خلق حرا‪ ،‬فإذا طرأ في الماضي بعض الحوال العارضة التي تقتضي‬
‫المصلحة العامة فيها أن يكون السير رقيقا‪ ،‬جاز الرق على سبيل المعاملة بالمثل مع العداء‪ ،‬إذ ل‬
‫يعقل أل يسترق المسلمون أحيانا بعض السرى‪ ،‬والعداء يسترقون أسرى المسلمين‪.‬‬
‫‪ - 2‬غياب الرق في العصر الحالي ‪:‬كان الرق مشروعا عند المم القديمة والفلسفة وأهل الكتاب من‬
‫اليهود والنصارى‪ ،‬وكان الرومان أول من استعبد السرى وسخر الشعوب المغلوبة‪ ،‬وكانت وجوه‬
‫السترقاق عندهم بالذات متعددة‪.‬‬
‫وكان الرق عماد الحركة التجارية والزراعية‪ ،‬وعدّ نظاما أساسيا في حياة الشعوب القديمة ودعامة في‬
‫كيانها القتصادي والجتماعي‪.‬‬
‫ولم ير أهل السلم المجتهدون ـ والحالة هذه ‪ -‬إلغاء الرق في العالم‪ ،‬حتى ل تصطدم دعوة السلم‬
‫مع مألوف النفوس‪ ،‬ولئل تضطرب الوضاع الجتماعية والقتصادية‪ ،‬فيكثر المجادلون‬
‫والمعارضون‪،‬وينتشر الفقر والعوز في المجتمع‪ ،‬وتتعدد حينئذ جرائم العبيد قبل تحريرهم‪.‬‬

‫( ‪)3/359‬‬

‫وبما أن الصل في النسان وفي تشريع السلم هو الحرية‪ ،‬وأن الحرية مما يحرص السلم على‬
‫وجودها وحمايتها‪ ،‬فإن السلم عالج قضية الرق بالتدريج‪ ،‬وهيأ أسبابا للقضاء على الرق‪ ،‬ومنع‬
‫سائر مصادره ما عدا رق السر بسبب الحرب العادلة لدفع العدوان وحفظ التوازن مع المم الخرى‪،‬‬
‫ومعاملة بالمثل‪ ،‬وما عدا الرق بسبب الوراثة‪ ،‬ثم فتح منافذ عديدة لنهاء الرق ورغّب فيها من طريق‬
‫العتق والتحرير إما قربة مجردة ل تعالى وطريق نجاة في الخرة‪ ،‬وإما كفارة عن كثير من الجرائم‬
‫والذنوب كالقتل واليمين التي حنث بها الحالف‪ ،‬والظهار من الزوجة‪ ،‬وجعل مصير السرى في‬
‫الغالب إما المن (إطلق السراح بدون مقابل) وإما الفداء أو المفاداة (تبادل السرى)‪ .‬وأوصى بمعاملة‬
‫الرقيق بالحسنى‪ ،‬وخصص سهما من الصدقات التي تجبى لتنفق في سبيل تحرير الرقاب‪.‬‬
‫وأثمرت توجيهات السلم في تهيئة الضمير البشري للحساس بهذه الظاهرة المرضية والعمل على‬
‫القضاء عليها تدريجا‪ ،‬بدلً من مفاجأة العالم بالتحريم الفوري البات‪.‬‬
‫وأدى هذا إلى إثبات حقيقة واضحة ماثلة للعيان هي أن السلم ل يتعارض مع إلغاء الرق من العالم‪،‬‬
‫بل يحض عليه‪ ،‬ويرغب في استئصال موارده‪ ،‬علما بأنه ل يجوز استرقاق حر أصلً‪ ،‬ويمقت ما‬
‫عرف بتجارة الرقيق والنخاسة‪ ،‬ويحرم كل ما كان حاصلً في أواسط أفريقيا من اصطياد الرقيق‬
‫ومعاملتهم أسوأ المعاملة‪ ،‬ول يقر بحالٍ استعبادَ الشعوب واستعمارها الذي حل بصفة جماعية محل‬
‫الرق الفردي‪ ،‬كما ل يجيز بديلً آخر لدى أمريكا وبريطانيا وهو التفرقة العنصرية بين البيض‬
‫والسود‪.‬‬

‫( ‪)3/360‬‬
‫وهكذا ظل نظام الرقيق معمولً به في العصور الوسطى وما بعدها إلى أن استنكرت الدول الوربية‬
‫التجار في الرقيق بصفة عامة في مؤتمر فيينا سنة ‪1815‬م‪ ،‬ووقعت اتفاقيات كثيرة بعد هذا التاريخ‪،‬‬
‫آخرها اتفاقية جنيف الضافية في ‪ 7‬أيلول (سبتمبر) ‪ 1956‬التي ألغت الرق وتجارة الرقيق والحالت‬
‫المماثلة للرق (‪. )1‬‬
‫‪ - 3‬السوابق التاريخية في العهود السلمية لستخدام هذا المصرف في غير المكاتبين ‪:‬‬
‫رغب السلم في العتق وتحرير الرقاب بصفة عامة‪ ،‬وجعل أساس النجاة في الخرة فك رقبة‪ ،‬قال‬
‫ال تعالى‪{ :‬فل اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة} [البلد‪ .]13-11/90:‬وروى ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬أيما مؤمن أعتق مؤمنا في الدنيا‪،‬‬
‫أعتق ال تعالى بكل عضو منه عضوا من النار» (‪. )2‬‬

‫و بادر الصحب الكرام كأبي بكر الصديق إلى إعتاق نفوس المسلمين المستضعفين الذين كانوا يعذبون‬
‫من قبل زعماء قريش في صدر السلم‪ ،‬مثل بلل الحبشي وكذلك فعل عبد ال بن عمر‪ ،‬فإنه ما‬
‫مات حتى أعتق ألف رقبة‪.‬‬
‫ولجأ بعض الخلفاء المسلمين إلى استخدام مصرف «في الرقاب» في إعتاق الرقيق غير المكاتبين‪،‬‬
‫كما حدث في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز‪ ،‬قال يحيى بن سعيد‪ :‬بعثني عمر بن عبد العزيز على‬
‫صدقات إفريقية‪ ،‬فاقتضيتها‪ ،‬وطلبت فقراء نعطيها لهم‪ ،‬فلم نجد بها فقيرا‪ ،‬ولم نجد من يأخذها مني‪،‬‬
‫قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس‪ ،‬فاشتريت بها رقابا‪ ،‬فأعتقتهم‪ ،‬وولؤهم للمسلمين (‪. )3‬‬
‫ول شك بأن هذا الفعل أصبح في تقديري قدوة فعلية سار على منواله أئمة المسلمين وعامتهم في‬
‫العصور المختلفة‪.‬‬
‫وسيأتي بيان وقائع أخرى في هذا الموضوع في بحث أدّلة المذاهب على كيفية صرف سهم « في‬
‫الرقاب» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع كتابي‪ :‬آثار الحرب في الفقه السلمي ـ دراسة مقارنة‪ :‬ص ‪. 445-441‬‬
‫(‪ )2‬رواه الطبراني عن عمرو بن عَبْسة بلفظ‪ ..« :‬وأيما رجل أعتق مسلما‪ ،‬فكل عضو من المعتِق‬
‫بعضو من المعتَق فداء له من النار» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬سيرة عمر بن عبد العزيز لبن عبد الحكم‪ :‬ص ‪ ،59‬ط مكتبة وهبة بمصر‪.....‬‬

‫( ‪)3/361‬‬
‫‪ - 4‬من مصارف « في الرقاب » في هذا الزمان «فكاك السرى» وتفصيل المذاهب الفقهية في سهم‬
‫« في الرقاب » ‪:‬‬
‫يحسن في هذا الموضوع بيان آراء العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم بصفة عامة‪ ،‬ثم بيان‬
‫المذاهب الفقهية وأدلتها‪.‬‬
‫آراء العلماء في بيان المقصود من الرقاب بصفة عامة ‪:‬‬
‫للعلماء أقوال أربعة في تفسير الرقاب (‪: )1‬‬
‫القول الول‪ :‬إن المراد بقوله «في الرقاب» في فك الرقاب‪ ،‬فهذا السهم موضوع لعتق الرقاب‪،‬‬
‫يشترى به عبيد فيعتقون‪ ،‬وهو قول ابن عباس وابن عمر والحسن‪ ،‬وأبي عبيد‪ ،‬ومذهب مالك وأحمد‬
‫وإسحاق وعبيد ال بن الحسن العنبري‪ ،‬فيجوز للمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة‪ ،‬يعتقها عن‬

‫المسلمين‪ ،‬ويكون ولؤهم لجماعة المسلمين في رأي المالكية‪.‬‬
‫وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز‪.‬‬
‫والقول الثاني‪ :‬إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به‪ ،‬فل يبتاع من الرقاب صاحب الزكاة‬
‫نسمة يعتقها بج ّر ولء‪ .‬وهذا قول أبي موسى الشعري ومقاتل وسعيد بن جبير والليث بن سعد وابن‬
‫وهب وابن زيد‪ ،‬وهو مذهب الشافعي وأبي ثور‪ ،‬ورواية عن مالك‪ .‬واحتجوا بما روي عن ابن عباس‬
‫رضي ال عنها أنه قال‪ :‬قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة‪ ]60/9:‬يريد المكاتب‪ ،‬وتأكد هذا بقوله‬
‫تعالى‪{ :‬وآتوهم من مال ال الذي آتاكم} [النور‪.]33/24:‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬والصحيح الول‪ :‬لن ال عز وجل قال‪{ :‬وفي الرقاب} [التوبة‪ ]60/9:‬فإذا كان للرقاب‬
‫سهم من الصدقات‪ ،‬كان له أن يشتري رقبة‪ ،‬فيعتقها‪ ،‬ول خلف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري‬
‫الفرس فيحمل عليه في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير الرازي‪ 114/16 :‬وما بعدها‪ ،‬ط دار الفكر في بيروت‪ ،‬تفسير القرطبي‪182/8 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬طبع دار الكاتب العربي بالقاهرة‪ ،‬تفسير ابن كثير‪ .365/2 :‬أضواء البيان للشيخ محمد‬
‫المين الشنقيطي‪ 470/2 :‬وما بعدها‪ ،‬ط عالم الكتب في بيروت‪ ،‬الموال لبي عبيد‪ :‬ص ‪ 797‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬ط مكتبة الكليات الزهرية ‪.....‬‬

‫( ‪)3/362‬‬
‫سبيل ال ‪ ،‬فإذا كان له أن يشتري فرسا بالكمال من الزكاة‪ ،‬جاز أن يشتري رقبة بالكمال‪ ،‬ل فرق‬
‫بين ذلك‪.‬‬
‫والقول الثالث‪ :‬قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي‪ :‬أنه ل يعتق من الزكاة رقبة‬
‫كاملة‪ ،‬ولكن يعتق منها في رقبة‪ ،‬ويعان بها مكاتب‪ ،‬أي أنها لعتاق العبد المبعض والمكاتب؛ لن‬
‫قوله تعالى‪{ :‬وفي الرقاب} [التوبة‪ ]60/9:‬يقتضي أن يكون له فيه مدخل‪ ،‬وذلك ينافي كونه تاما فيه‪.‬‬
‫والولى جعل القولين الثاني والثالث قولً واحدا‪.‬‬
‫والقول الرابع‪ :‬قول الزهري‪ ،‬قال‪ :‬سهم الرقاب نصفان‪ :‬نصف للمكاتبين من المسلمين‪ ،‬ونصف‬
‫يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا‪ ،‬وقدم إسلمهم‪ ،‬فيعتقون من الصلة‪ .‬وهو رأي أبي عبيد‪.‬‬
‫وأضاف الشافعية أصحاب القول الثاني إلى ما سبق قولهم‪ :‬والحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد‬
‫بإذن المكاتب‪ ،‬والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للصناف الربعة الذين تقدم ذكرهم بلم‬

‫التمليك‪ ،‬وهو قوله‪ { :‬إنما الصدقات للفقراء‪[ }...‬التوبة‪.]60/9:‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن العلماء ما عدا المالكية والحنابلة اتفقوا على صرف سهم « في الرقاب » في إعتاق‬
‫العبد المكاتب‪ ،‬واختلفوا في أمرين‪ :‬إعتاق الرقاب‪ ،‬وفك السارى‪ .‬أما إعتاق الرقاب فقال الكيا‬
‫الطبري‪ :‬إن العتق إبطال ملك‪ ،‬وليس بتمليك‪ ،‬وما يدفع إلى المكاتب تمليك‪ ،‬ومن حق الصدقة أل‬
‫تجزي إل إذا جرى فيها التمليك‪ .‬وهذا رأي الحنفية والشافعية‪ ،‬فل يصرف شيء من الزكاة في إعتاق‬
‫العبد القن (الخالص العبودية)‬

‫( ‪)3/363‬‬
‫ورأى المالكية والحنابلة أنه يمكن المساهمة بشيء من الزكاة في إعتاق الرقاب مطلقا‪ .‬وإليه مال‬
‫البخاري وابن المنذر‪ .‬قال القرطبي‪ :‬قد ورد حديث ينص على جواز عتق الرقبة‪ ،‬وإعانة المكاتب‬
‫معا‪ ،‬أخرجه أحمد والدارقطني عن البراء بن عازب قال‪ :‬جاء رجل إلى النبي صلّى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فقال‪« :‬دلّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار‪ ،‬قال‪ :‬لئن كنت أقصرت الخطبة‪ ،‬لقد‬
‫أعرضت المسألة‪ ،‬أعتق النسمة وفك الرقبة‪ :‬فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬أوليستا واحدة؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬عتق‬
‫النسمة أن تنفرد بعتقها‪ ،‬وفك الرقبة‪ :‬أن تعين في ثمنها» ‪ .‬وناقشه الحنفية بقولهم‪ :‬ليس فيه ما يستلزم‬
‫كون هذا هو معنى «وفي الرقاب» المذكور في الية‪.‬‬
‫ويؤيده في المكاتب حديث آخر رواه الخمسة إل أبا داود (‪ )1‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ :‬أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬ثلثة حق على ال عونهم‪ :‬المجاهد في سبيل ال‪ ،‬والمكاتب الذي‬
‫يريد الداء‪ ،‬والناكح الذي يريد العفاف» ‪.‬‬
‫وأما فك السارى‪:‬فقال أصبغ وابن القاسم‪:‬ل يجوز صرف الزكاة في فكاك السرى‪ .‬والمشهور عند‬
‫المالكية أنه ل تجزئ الزكاة في فك أسير‪ ،‬وهذا قول الحنفية والشافعية‪ .‬وقال ابن حبيب وابن عبد‬
‫الحكم‪ :‬يجوز؛ لنها رقبة ملكت بملك الرق‪ ،‬فهي تخرج من رق إلى عتق‪ ،‬وكان ذلك أحق وأولى من‬
‫فك الرقاب الذي بأيدينا؛ لنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة‪ ،‬وجائزا من الصدقة‪ ،‬فأحرى‬
‫وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله‪ .‬وهذا قول الحنابلة‪.‬‬
‫تفصيل المذاهب الفقهية في سهم «في الرقاب» وأدلتهم ‪:‬‬
‫اتجهت المذاهب الفقهية اتجاهين في بيان سهم «في الرقاب» التجاه الول المضيق للحنفية والشافعية‪:‬‬
‫وهو قصر صرف هذا السهم على المكاتبين‪ ،‬والتجاه الثاني الموسع ـ للمالكية والحنابلة‪ :‬وهو‬
‫صرف هذا السهم في تحرير الرقاب وإعتاق‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الخمسة‪ :‬أحمد وأصحاب السنن الربعة‪ .‬ورواه أيضا الحاكم‪.‬‬

‫( ‪)3/364‬‬
‫العبيد مطلقا‪ ،‬سواء في مذهب الحنابلة أكانوا مكاتبين أم خالصي العبودية‪ .‬أما صرف شيء منه في‬
‫فكاك السرى فأجازه الحنابلة دون المالكية في المشهور لديهم‪.‬‬
‫وأذكر خلصة رأي كل مذهب على حدة ثم أعقبه بأدلة التجاهين‪:‬‬
‫‪ - 1‬قال الحنفية (‪ : )1‬الصنف الخامس «في الرقاب» هم المكاتبون غير الهاشميين‪ ،‬فيعان المكاتبون‬
‫من الزكاة في فك رقابهم‪ ،‬وإن ملك المكاتب نصابا زائدا على بدل الكتابة‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال الشافعية (‪ : )2‬الصنف الخامس‪ :‬الرقاب‪ :‬وهم المكاتبون كتابة صحيحة لغير مزك‪،‬‬
‫فيعطون‪ ،‬ولو بغير إذن ساداتهم‪ ،‬أو قبل حلول النجوم (القساط) ما يعينهم على العتق‪ ،‬إن لم يكن‬
‫معهم ما يفي بنجومهم‪ .‬أما مكاتب المزكي فل يعطى من زكاته شيئا لعود الفائدة إليه مع كونه ملكه‪.‬‬
‫‪ - 3‬وقال المالكية (‪ : )3‬تصرف الزكاة لرقيق مؤمن ل كافر‪ ،‬يعتق منها‪ ،‬بأن يشترى منها رقيق‬
‫فيعتق‪ ،‬أو يكون عنده عبد أو أمة يقوّمه قيمة عدل ويعتقه عن زكاته‪ ،‬وهذا معنى قوله تعالى‪{ :‬وفي‬
‫الرقاب} [التوبة‪.]60/9:‬‬
‫ويشترط في الرقيق أن يكون خالصا‪ ،‬لم تنعقد حرىة فيه كمكاتب‪ ،‬ومدبر‪ ،‬ومعتق لجل‪ ،‬وأم ولد‪،‬‬
‫وإل فل يجزئ‪ ،‬والمشهور أن العتق صحيح‪ ،‬وإن لم يجزئ عن الزكاة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أحكام القرآن للجصاص‪ ،125/3:‬ط بيروت‪ ،‬فتح القدير‪ ،263/2 :‬ط دار الفكر في بيروت‪،‬‬
‫حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار)‪ ،341/2 :‬ط البابي الحلبي بمصر‪.‬‬
‫(‪ )2‬شرح المجموع للنووي‪ 146/6 :‬وما بعدها‪ ،‬مطبعة المدني بالقاهرة‪ ،‬بجيرمي علي الخطيب‪:‬‬
‫‪ 313/2‬وما بعدها‪ ،‬ط دار المعرفة في بيروت ‪.‬‬
‫(‪ )3‬مواهب الجليل للحطاب‪ ،350/2 :‬الطبعة الثانية ‪ ،1978‬الشرح الصغير للدردير وحاشية‬
‫الصاوي عليه‪.661/1 :‬‬

‫( ‪)3/365‬‬

‫ويشترط أيضا أل يعتق الرقيق بالملك نفسه على رب المال‪ ،‬كالبوين والولد والحواشي القريبة‪:‬‬
‫الخوة والخوات‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ـ فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه‬
‫والحاكم عن سمرة ـ «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» ‪ .‬فإن اشترى رب المال من زكاته من يعتق‬
‫عليه فل يجزئه إل أن يدفعها المام‪ ،‬فيشتري بها والد ربّ المال ولده‪ ،‬ويعتقه‪ ،‬فيجزئ حيث ل‬
‫تواطؤ‪.‬‬
‫ويكون ولء المعتق إذا عتق من الزكاة للمسلمين‪ ،‬سواء صرح المعتق بذلك أو سكت‪ ،‬بل ولو شرطه‬
‫لنفسه‪ ،‬وأما لو قال‪ :‬أنت حر عني وولؤك للمسلمين‪ ،‬فل تجزئه عن الزكاة‪ ،‬والعتق لزم‪ ،‬والولء‬
‫له؛ لن الولء لمن أعتق‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكية أنه ل تجزئ الزكاة في فك السير‪ ،‬وقال ابن حبيب‪ :‬هو أحق وأولى من فك‬
‫الرقاب التي بأيدينا‪ ،‬ووافقه ابن عبد الحكم‪.‬‬
‫‪ - 4‬ومذهب الحنابلة(‪ ) 1‬كما ذكروا في كتبهم المعتمدة‪ :‬أن الصنف الخامس‪ :‬الرقاب‪ :‬وهم المكاتبون‬
‫المسلمون الذين ل يجدون وفاء ما يؤدون‪ ،‬ولو مع القوة والكسب‪ ،‬لعموم قوله تعالى‪{ :‬وفي الرقاب}‬
‫[التوبة‪ .]60/9:‬قال في المبدع‪ :‬ل يختلف المذهب أنهم‪ ،‬أي المكاتبون من الرقاب‪ ،‬بدليل قوله‪ :‬أعتقت‬
‫رقابي‪ ،‬فإنه يشملهم؛ وفي قوله تعالى‪{ :‬فكاتبوهم} [النور‪ ]33/24:‬إشعار به ولنه يملك المال على‬
‫سيده‪ ،‬ويصرف إليه أرش جنايته‪ ،‬فكان العطاء له إعطاء لسيده‪ ،‬ل في الرقاب‪.‬‬
‫وللمكاتب الخذ قبل حلول نجم (قسط) لئل يؤدي إلى فسخ الكتابة عند حلول النجم‪ ،‬ول شيء معه‪.‬‬
‫والولى دفع الزكاة إلى سيد المكاتب‪ ،‬من دفع الزكاة إلى المكاتب ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع للبهوتي‪ 279/2 :‬وما بعدها‪ ،‬ط عالم الكتب في بيروت‪ ،‬الروض المربع بشرح زاد‬
‫المستنقع للشيخ منصور بن يونس البهوتي‪ :‬ص ‪ ،151‬المغني والشرح الكبير‪.709/2 :‬‬

‫( ‪)3/366‬‬
‫ويجوز أن يشتري المزكي من الزكاة رقبة ل تعتق عليه‪ .‬فيعتقها‪ ،‬لقول ابن عباس‪ .‬ويجوز أن يعتق‬
‫قِنّه أو مكاتَبه عنها؛ لنه فك رقبة السير‪ ،‬فهو كفك رقبة العبد من الرق‪ ،‬ولن فيه إعزازا للدين‪،‬‬
‫أشبه ما يدفع إلى الغارم لفك رقبته من الدين‪.‬‬
‫والولء عند الحنابلة للمعتق‪ :‬لما رواه الشيخان عن عائشة رضي ال عنهما أن رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم قال‪« :‬إنما الولء لمن أعتق» ‪ .‬أما ما أعتقه الساعي من الزكاة أو المام منها‪ ،‬فولؤه‬

‫للمسلمين‪ ،‬لنه نائب عنهم‪.‬‬
‫أدلة المذاهب ‪:‬‬
‫أدلة التجاه الول للحنفية والشافعية ومن وافقهم من السلف ‪:‬‬
‫استدل هؤلء على أن سهم «في الرقاب» يصرف في مساعدة المكاتبين على تحرير أنفسهم بما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن قوله عز وجل‪{ :‬وفي الرقاب} [التوبة‪ ،]60/9:‬كقوله تعالى‪{ :‬وفي سبيل ال} [التوبة‪]60/9:‬‬
‫وهناك يجب الدفع إلى المجاهدين‪ ،‬فكذا يجب هنا الدفع إلى الرقاب‪ ،‬ول يكون دفعا إليهم إل على‬
‫مذهبنا أي للمكاتبين‪.‬‬
‫وأما من قال‪ :‬يشترى به عبيد‪ ،‬فليس بدفع إليهم‪ ،‬وإنما هو دفع إلى ساداتهم‪ ،‬ولن في جميع الصناف‬
‫يسلم السهم إلى المستحق ويملكه إياه‪ ،‬فينبغي أن يكون كذلك هنا‪ ،‬ولن ما قالوه يؤدي إلى تعطيل هذا‬
‫السهم في حق كثير من الناس؛ لن من الناس من ل يجب عليه من الزكاة لهذا السهم ما يشتري به‬
‫رقبة يعتقها‪ ،‬وإن أعتق بعضها قوّم عليه الباقي‪ ،‬ول يلزمه صرف زكاة الموال الباطنة إلى المام‬
‫بالجماع‪ ،‬فيؤدي إلى تفويته‪ .‬وأما على مذهبنا فيمكنه صرفه إليهم‪ ،‬ولو كان درهما‪.‬‬
‫وتخصص كلمة «في الرقاب» بالمكاتبين لعدم وجود قرينة لصرف الزكاة إلى القن‪ ،‬وقد وجدت‬
‫القرينة في الكفارة بالعبد القن‪ ،‬وهي أن التحرير ل يكون إل في القن‪ ،‬ولم توجد هذه القرينة في‬
‫مسألتنا‪ ،‬فحملناه على المكاتبين لما ذكرناه أولً (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬شرح المجموع‪.147 - 146/6:‬‬

‫( ‪)3/367‬‬
‫وخلصة هذا الدليل اشتراط التمليك لمستحق الزكاة‪ ،‬وهذا يتصور في المكاتب دون العبد القن‬
‫(الخالص العبودية) فل تصرف الزكاة في العتاق‪ ،‬أي إعتاق الرقبة من الزكاة‪ ،‬وإنما يعان المكاتبون‬
‫من الزكاة على الكتابة‪ .‬ويلحظ أن اختلف التعبير بين الصناف الربعة الولى وبين الربعة‬
‫الخيرة دليل على عدم اشتراط التمليك المطلق في الخيرة كما ذكر الرازي‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن عتق الرقبة ل يسمى صدقة‪ ،‬وما أعطي في ثمن الرقبة فليس بصدقة‪ ،‬لن بائعها أخذه ثمنا‬
‫لعبد‪ ،‬فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة‪ ،‬وال تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب‪ ،‬فما ليس بصدقة فهو‬
‫غير مجزئ (‪. )1‬‬
‫وأيضا فإن الصدقة تقتضي تمليكا‪ ،‬والعبد لم يملك شيئا بالعتق‪ ،‬وإنما سقط عن رقبته‪ ،‬وهو ملك‬

‫للمولى‪ ،‬ولم يحصل ذلك الرق للعبد‪ ،‬لنه لو حصل له‪ ،‬لوجب أن يقوم فيه مقام المولى‪ ،‬فيتصرف في‬
‫رقبته‪ ،‬كما يتصرف المولى‪ ،‬فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى‪ ،‬وإنه لم يملك‬
‫بذلك شيئا‪ ،‬فل يجوز أن يكون ذلك مجزيا من الصدقة‪ ،‬إذ شرط الصدقة وقوع الملك للمتصدق عليه‪.‬‬
‫وأيضا فإن العتق واقع في ملك المولى غير منتقل إلى الغير‪ ،‬ولذلك ثبت ولؤه منه‪ ،‬فغير جائز‬
‫وقوعه عن الصدقة‪ .‬ولما قامت الحجة عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن الولء لمن أعتق‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أحكام القرآن للجصاص الرازي‪.135/3 :‬‬

‫( ‪)3/368‬‬
‫وجب أل يكون الولء لغيره‪ ،‬فإذا انتفى أن يكون الولء إل لمن أعتق‪ ،‬ثبت أن المراد به المكاتبون (‬
‫‪ . )1‬والجواب عن اشتراط التمليك ذكر سابقا‪.‬‬
‫‪ - 3‬روى عبد الرحمن بن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من‬
‫أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته‪ ،‬أو مجاهدا في سبيله‪ ،‬أظله ال في ظله يوم ل ظل إل‬
‫ظله» فثبت بذلك أن الصدقة على المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا‪ ،‬وذلك موافق لقوله‬
‫تعالى‪ { :‬وفي الرقاب } [التوبة‪.]60/9:‬‬
‫فلما قال‪ { :‬وفي الرقاب } [التوبة‪ ]60/9:‬كان الولى أن يكون في معونتها بأن يعطى المكاتب حتى‬
‫يفك العبد رقبته من الرق‪ ،‬وليس هو ابتياعها وعتقها؛ لن الثمن حينئذ يأخذه البائْع‪ ،‬وليس في ذلك‬
‫قربة (‪ ، )2‬وإنما القربة في أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته‪ ،‬وذلك ل يكون إل بعد الكتابة‪،‬‬
‫لنه قبلها يحصل للمولى‪ ،‬وإذا كان مكاتبا فما يأخذه ل يملكه المولى‪ ،‬وإنما يحصل للمكاتب‪ ،‬فيجزي‬
‫من الزكاة (‪. )3‬‬
‫‪ - 4‬إن عتق الرقبة يسقط حق المولى عن رقبته من غير تمليك‪ ،‬ول يحتاج فيه إلى إذن المولى‪،‬‬
‫فيكون بمنزلة من قضى دين رجل بغير أمره‪ ،‬فل يجزي من زكاته‪ ،‬وإن دفعه إلى الغارم‪ ،‬فقضى به‬
‫دين نفسه‪ ،‬جاز‪ ،‬كذلك إذا دفعه إلى المكاتب‪ ،‬فملكه‪ ،‬أجزأه عن الزكاة‪ ،‬وإذا أعتقه لم يجزه؛ لنه لم‬
‫يملكه‪ ،‬وحصل العتق بغير قبوله ول إ ذنه (‪. )4‬‬
‫‪ - 5‬أخرج عن الحسن البصري والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قالوا‪ :‬في الرقاب هم‬
‫المكاتبون (‪. )5‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬المرجع والمكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬وهذا كلم عجيب‪ ،‬أليس بذل المال في سبيل إعتاق الرقيق من أعظم القربات عند ال تعالى؟ قال‬
‫ال تعالى‪{ :‬وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة} [البلد‪.]13-12/90:‬‬
‫(‪ )3‬المرجع السابق‪....‬‬
‫(‪ )4‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )5‬فتح القدير‪.263/2 :‬‬

‫( ‪)3/369‬‬
‫‪ - 6‬أخرج الطبري في تفسيره من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري‬
‫أن مكاتبا قام إلى أبي موسى الشعري‪ ،‬وهو يخطب يوم الجمعة‪ ،‬فقال له‪ :‬أيها المير‪ ،‬حث الناس‬
‫عليّ‪ ،‬فحث عليه أبو موسى‪ ،‬فألقى الناس عليه‪ ،‬هذا يلقي عمامة‪ ،‬وهذا يلقي ملءة‪ ،‬وهذا يلقي خاتما‬
‫حتى ألقى الناس عليه سوادا كبيرا‪ ،‬فلما رأى أبو موسى ما ألقي عليه قال‪ :‬اجمعوه‪ ،‬ثم أمر به فبيع‪،‬‬
‫فأعطى المكاتب مكاتبته‪ ،‬ثم أعطى الفضل في الرقاب‪ ،‬ولم يرد على الناس‪ .‬وقال‪ :‬إن هذا الذي‬
‫أعطوه في الرقاب‪.‬‬
‫وهذا في تقديري ل يمنع من صرف الزكاة في إعتاق الرقبة‪.‬‬
‫أدلة التجاه الثاني للمالكية والحنابلة ومن وافقهم من السلف ‪:‬‬
‫استدل هؤلء على صرف سهم «في الرقاب» في إعتاق الرقيق بما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن الرقاب أعم من أن يعطى المكاتب أو يشتري المزكي رقبة فيعتقها استقللً‪ ،‬فهو تعبير مطلق‬
‫يؤخذ فيه على إطلقه‪.‬‬
‫‪ - 2‬لو اختصت الرقاب بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين؛ لنه غارم‪.‬‬
‫‪ - 3‬إن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب؛ لنه قد يعان ول يعتق‪ ،‬لن المكاتب عبد ما بقي‬
‫عليه درهم‪ ،‬ولن الشراء يتيسر في كل وقت‪ ،‬بخلف الكتابة‪.‬‬

‫( ‪)3/370‬‬
‫الرأي الراجح ‪:‬‬
‫يتبين من مقارنة أدلة المذاهب المتقدمة رجحان رأي أصحاب التجاه الثاني؛ لن قوله تعالى‪{ :‬وفي‬
‫الرقاب} [التوبة‪ ]60/9:‬مطلق‪ ،‬والمطلق يجري على إطلقه‪ .‬والذي أرجحه من الراء هو قول ابن‬

‫عباس وابن عمر والحسن البصري والزهري وأبي عبيد ومذهب الحنابلة‪ :‬وهو جعل «في الرقاب»‬
‫في معونةالمكاتبين وفي عتق الرقاء جميعا وفي فكاك السرى‪ ،‬عملً بإطلق التعبير القرآني‪« :‬في‬
‫الرقاب» ‪ .‬قال ابن عباس‪ :‬الرقاب أعم من المكاتبين‪ ،‬فل بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة‪ .‬ول خوف‬
‫من أن يصير إلى المزكي ميراث عتيقة بالولء‪ ،‬لن صاحب الولء يتحمل دية وأرش وتعويض‬
‫الجنايات التي يرتكبها المعتَق‪ ،‬فيكون أحدهما بالخر‪ ،‬أي الغنم بالغرم‪ .‬وإذا كان يجوز عود الزكاة‬
‫إلى القارب ميراثا للمزكي في سنة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فل مانع من رجوع الولء للمزكي‪،‬‬
‫قال أبو عبيد‪ :‬فإذا كانت السعة منه صلّى ال عليه وسلم في رجوع الصدقة بعينها ميراثا للمزكي‪،‬‬
‫فرجوع وراثة الولء أوسع وأحرى بالجواز (‪. )1‬‬
‫وهذا التجاه يجمع بين الراء المختلفة‪ ،‬وهو الظاهر وهو الحق‪ ،‬لن الية تحتمل المرين (المكاتب‬
‫والرقيق القن) وحديث البراء المتقدم فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها‪ ،‬وعلى أن العتق وإعانة‬
‫المكاتبين على مال الكتابة من العمال المقربة من الجنة‪ ،‬والمبعدة من النار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الموال‪ :‬ص ‪.799‬‬

‫( ‪)3/371‬‬
‫‪ - 5‬التطبيق الصلي لهذا المصرف في إعانة المكاتب لتحرير نفسه من الرق ‪:‬‬
‫رغب ال تعالى في كتابة العبد على أقساط معينة مؤجلة ليتمكن من عتق نفسه واسترداد حريته‪ ،‬في‬
‫قوله تعالى‪{ :‬والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا‪ ،‬وآتوهم من مال‬
‫ال الذي آتاكم} [النور‪ ]33/24:‬وقد أخرج النسائي من حديث علي رضي ال عنه مرفوعا أنه صلّى‬
‫ال عليه وسلم قال‪« :‬في الية ربع الكتابة» (‪ . )1‬وقد فسر قوله تعالى‪{ :‬وفي الرقاب} [التوبة‪]60/9:‬‬
‫بإعانة المكاتبين‪ .‬وأخرج ابن جرير وغيره عن علي رضي ال عنه أنه قال‪ :‬أمر ال السيد أن يدع‬
‫الربع للمكاتب من ثمنه‪ .‬وهذا تعليم من ال وليس بفريضة‪ ،‬ولكن فيه أجر‪ .‬وقد أوردتُ أحاديث في‬
‫أدلة المذاهب لعون المكاتب‪ .‬وعملً بهذا المر اللهي والحاديث الواردة في ترغيب السيد بمكاتبة‬
‫عبده‪ ،‬بادر الناس في الماضي إلى مساعدة المكاتب من الزكاة وغيرها لتحرير رقبته من العبودية‪،‬‬
‫حتى وإن ملك نصابا زائدا على بدل الكتابة‪ ،‬كما يرى الحنفية‪ ،‬وبشرط أل يكون مع المكاتب ما يفي‬
‫بنجومه (أقساطه) كما يرى الشافعية والحنابلة‪ ،‬فيعطى المكاتب وفاء دينه لعجزه عن وفاء ما عليه‪،‬‬
‫ولو مع قدرته على التكسب ولو قبل حلول أجل ميعاد تسديد النجم (القسط)‪ .‬ويعطى من الصدقات‬

‫غير الزكاة في مذهب المالكية‪.‬‬
‫والتطبيق الفعلي لسهم «في الرقاب» وصرفه في المكاتبين كان في الغالب يتم بإعطائهم من الزكاة‬
‫النقدية أو العينية‪ ،‬كالزروع والثمار والنعام‪ ،‬أو من الصدقات‪ ،‬كما دل عليه الحديث السابق في أدلة‬
‫المذاهب عن الحسن البصري أن مكاتبا قام إلى أبي موسى الشعري‪ ،‬وهو يخطب يوم الجمعة‪،‬‬
‫عارضا حاجته‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وليس في الية تعرض لمقدار ما يعطى المكاتب‪ ،‬إنما فيها المر بالمساعدة‪ ،‬ولهذا قال النسائي‪:‬‬
‫والصواب وقفه‪.‬‬

‫( ‪)3/372‬‬
‫وطلب حث الناس على مساعدته‪ ،‬فاستجاب أبو موسى لطلبه‪ ،‬وأمر الناس بمعاونته‪ ،‬فبادروا إلى إلقاء‬
‫بعض أمتعتهم عليه‪ ،‬فجمعت ثم بيعت وأعطى ـ أبو موسى ـ المكاتب مكاتبته‪ ،‬ثم أعطى الفضل‬
‫الزائد في مكاتبين آخرين‪ ،‬ولم ترد المتعة على الناس‪.‬‬
‫والقصد من المساعدة واضح وهو تمكين المكاتب من تحرير نفسه من الرق‪ ،‬وتصفية آثار العبودية؛‬
‫لن السلم شجع على العتق‪ ،‬وتخليص الرقاء من الرق‪ .‬ول سبيل إلى التحرير إذا لم يعتقه سيده إل‬
‫بالمعاوضة‪ ،‬أي الكتابة على أقساط معينة‪ ،‬أخرج أبو داود بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه‬
‫عن جده عن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» ‪.‬‬
‫‪ - 6‬هل تعطى الشعوب السلمية التي تئن تحت وطأة الحكومات الكافرة لتحرير نفسها من الحتلل‬
‫الذي تخضع له؟‬
‫الصطلح الشرعي لكلمة «الرقاب» واضح في أن المراد بهم تحرير الرقاء من العبودية‪ ،‬فردا‬
‫كانوا أو جماعة‪ .‬أما الستعمار وأشكاله العنصرية البغيضة فل ينطبق عليه مفهوم السترقاق أو الرق‬
‫المعروف‪ ،‬لذا يصعب القول بأن الستعمار كالسترقاق‪ ،‬أو أن تعطى الشعوب المستعمرة من سهم‬
‫«الرقاب» لتحرير نفسها من الستعمار‪ .‬ولكن رأينا السيد الشيخ رشيد رضا يجيز إعطاء الشعوب‬
‫المستعمرة من الزكاة للتحرر من الستعباد وإعادة مجد السلم‪ ،‬بل لعادة ما سلبه الجانب من دار‬
‫السلم‪ ،‬إذا لم يكن مصرف «في الرقاب» مستعملً في تحرير الفراد بسبب إلغاء الرق من العالم (‬
‫‪ . )1‬وتابعه على ذلك أستاذنا المرحوم الشيخ محمود شلتوت في كتابه‪ « :‬السلم عقيدة وشريعة »‬
‫وسبب هذا التجاه أن الصرف حينئذ‬

‫‪---------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير المنار‪ ،515/10 :‬ط دار المعرفة في بيروت‪.‬‬

‫( ‪)3/373‬‬
‫يعد إنقاذا للمسلمين من رق الكفار‪ ،‬وما الزكاة المعطاة إل بذل العشر أو ربع العشر مما فضل عن‬
‫حاجة الغنياء‪.‬‬
‫وهذا توسع في فهم مدلول «الرقاب» ومجاز في توجيه الكلمة نحو نظام مستحدث يختلف شرعا‬
‫وعملً عن الرق المألوف‪ ،‬وإن أشبهه في عيوبه ومثالبه‪ ،‬فليس للمستعمرين أي حكم شرعي من‬
‫أحكام الرق يمكن تطبيقه ما عدا وجوب جهادهم وطردهم من البلد‪.‬‬
‫ويمكن مساعدة الشعوب المضطهدة أو المستعمرة أو التي احتلت أراضيها بالقوة والظلم والغتصاب‬
‫من مصرف «في سبيل ال » أي مصرف الجهاد‪ ،‬ولكن بقدر محدود ومن الصدقات الخرى الحرة‪،‬‬
‫ومن موارد الدولة العامة التي تنفق على المصالح العامة وتجبى على أساس آخر غير الزكاة‪.‬‬
‫خاتمة البحث‬
‫تبين من البحث أن مصرف «في الرقاب» أحد مصارف الزكاة يشمل بإطلقه تحرير الرقاء من‬
‫الرق‪ ،‬ومعونة المكاتبين على تحرير أنفسهم‪ ،‬وفكاك السرى المسلمين من قيد السر وأغلل الحبس‬
‫في بلد الكفار‪.‬‬
‫وبما أن الرق انتهى ول الحمد من العالم‪ ،‬فيمكن تخصيص جزء من الزكاة لفك السرى المسلمين‬
‫أخذا بمذهب المام أحمد رضي ال عنه؛ لنه فيه فك رقبة من السر‪.‬‬
‫كما يمكن إعانة الشعوب المستعمرة من مصرف الجهاد‪« :‬في سبيل ال » لتتمكن من طرد‬
‫المستعمرين وتحرير البلد من رجسهم‪ ،‬وتخليصهم من ويلت الستعمار‪.‬‬

‫( ‪)3/374‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬صَ َد َق ُة الفِطْرِ‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مباحث خمسة‪:‬‬
‫المبحث الول ـ مشروعيتها وحكمها ومن يؤمر بها‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ وقت وجوبها وحكم تعجيلها وتأجيلها‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ جنس الواجب وصفته ومقداره‪.‬‬

‫المبحث الرابع ـ مندوباتها ومباحاتها‪.‬‬
‫المبحث الخامس ـ مصرفها أو من يأخذها‪.‬‬
‫المبحث الول ـ مشروعية صدقة الفطر وحكمها ومن يؤمر بها ‪:‬‬
‫شرعت زكاة الفطر في شعبان في السنة الثانية من الهجرة‪ ،‬عام فرض صوم رمضان‪ ،‬قبل الزكاة‪،‬‬
‫وأدلة وجوبها أخبار ‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬خبر ابن عمر‪ :‬فيما رواه الجماعة إل ابن ماجه‪« :‬فرض رسول ال صلّى ال عليه وسلم زكاة‬
‫الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر‪ ،‬أو صاعا من شعير‪ ،‬على كل حر أو عبد‪ ،‬ذكر أو‬
‫أنثى من المسلمين» والصاع قدح وثلث بالكيل المصري الحالي‪ ،‬وبالقديم قدحان‪ ،‬أو ثُمن مد دمشقي‬
‫وهو المعروف بالثمنية ويساوي (‪ 2751‬غم) وعند الحنفية (‪ 3800‬غم)‪ ،‬وفي الخبر دليل على‬
‫اشتراط السلم في وجوب الفطرة‪ ،‬فل تجب على الكافر‪.‬‬
‫‪ - 2‬وخبر أبي سعيد‪« :‬كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول ال صلّى ال عليه وسلم صاعا من‬
‫طعام‪ ،‬أو صاعا من تمر‪ ،‬أو صاعا من شعير‪ ،‬أو صاعا من زبيب‪ ،‬أو صاعا من َأقِط‪ ،‬فل أزال‬
‫أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت» (‪ )1‬والمراد بالطعام هنا الحنطة‪ ،‬والقط‪ :‬لبن يابس غير منزوع‬
‫الزبد‪ ،‬كما فسره الشوكاني‪ .‬والمشهور أنه منزوع الزبد‪.‬‬
‫طهْرة للصائم من اللغو‬
‫‪ - 3‬وخبر ابن عباس‪« :‬فرض رسول ال صلّى ال عليه وسلم زكاة الفطر ُ‬
‫طعْمة للمساكين‪ ،‬فمن أداها قبل الصلة فهي زكاة مقبولة‪ ،‬ومن أدّاها بعد الصلة فهي‬
‫وال ّرفَث‪ ،‬و ُ‬
‫صدقة من الصّدَقات» (‪ . )2‬والرفث‪ :‬الفحش من الكلم‪ ،‬والطعمة‪ :‬هو الطعام الذي يؤكل‪ .‬وفيه دليل‬
‫على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة‪.‬‬
‫‪ - 4‬وخبر عبد ال بن ثعلبة‪ « :‬خطب رسول ال صلّى ال عليه وسلم قبل يوم الفطر بيوم أو يومين‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أدّوا صاعا من بُرّ أو قمح أو صاعا من تمر أو شعير عن كل حر أو عبد صغير أو كبير » (‬
‫‪. )3‬‬
‫وهي تدل على أن مقدار الفطرة صاع من حنطة أو شعير أو تمر‪ ،‬وخصص بعضهم هذه الخبار‬
‫بأحاديث أخرى تدل على الكتفاء بنصف صاع من قمح‪ ،‬منها حديث ابن عباس مرفوعا عند الحاكم‪،‬‬
‫بلفظ‪« :‬صدقة الفطر‪ :‬مدان من قمح» وأخرج نحوه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‬
‫مرفوعا أيضا‪ ،‬وغير ذلك (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة ( نيل الوطار‪.) 179/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وابن ماجه ( المرجع السابق‪.) 184/4 :‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه عبد الرزاق‪ .‬ورواه أبو داود وغيره عن الزهري من وجوه ( نصب الراية‪.) 406/2 :‬‬
‫(‪ )4‬انظر نيل الوطار‪. 183/4 :‬‬

‫( ‪)3/375‬‬
‫وحكمتها‪ :‬جبر نقص الصوم ‪ ،‬وإغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد ‪ ،‬قال وكيع بن الجراح ‪ ( :‬زكاة‬
‫الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلة ) ‪ ،‬تجبر نقصان الصوم ‪ ،‬كما يجبر السجود نقصان‬
‫الصلة ) وورد (أغنوهم عن الطوف في هذا اليوم ) (‪ )1‬أي أغنوا الفقراء عن السؤال في يوم العيد‪.‬‬
‫وحكمها‪ :‬الوجوب على كل حر مسلم‪ ،‬قادر عليها وقته (‪ ، )2‬للوامر السابقة في الحاديث‪ ،‬قال ابن‬
‫المنذر‪ :‬أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض‪ .‬وقال إسحاق‪ :‬هو‬
‫كالجماع من أهل العلم‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفية(‪ : ) 3‬واجبات السلم سبعة‪ :‬الفطرة‪ ،‬ونفقة ذي الرحم‪ ،‬ووتر‪ ،‬وأضحية‪ ،‬وعمرة‪،‬‬
‫وخدمة أبويه‪ ،‬والمرأة لزوجها‪ .‬والمعنى أن هذه السبعة من واجبات السلم‪،‬وهناك واجبات أخرى‬
‫كصلة الجماعة والعيدين وغيرهما‪.‬‬
‫والمأمور بها أو من تجب عليه‪ :‬هو عند الحنفية (‪ : )4‬كل حر مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى‪،‬‬
‫عاقل أو مجنون‪ ،‬إذا كان مالكا لمقدار النصاب (من أي مال كان) الفاضل عن حاجته الصلية‪( :‬من‬
‫مسكن وثياب وأثاث ـ متاع البيت ـ وفرس وسلح وخادم‪ ،‬ومن حوائج عياله أيضا‪ ،‬ومن دينه‬
‫كذلك) ‪ .‬وعلى الجد أن يخرج صدقة الفطر عن أولد ابنه دون أولد ابنته إذا كانوا فقراء عند فقد‬
‫أبيهم‪.‬‬
‫فيشترط لوجوبها أمور ثلثة (‪ : )5‬السلم والحرية وملك النصاب الفاضل‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارقطني وابن عدي والحاكم في علوم الحديث عن ابن عمر‪)2( .‬‬
‫الدر المختار‪ 98/2 :‬وما بعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ ،179/1 :‬الشرح الصغير‪ ،627/1 :‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،269/1‬مغني المحتاج‪ ،402/1 :‬المهذب‪ ،163/1 :‬المغني‪ ،55/3 :‬كشاف القناع‪.287/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار ورد المحتار‪.109/2 :‬‬
‫(‪ )4‬الكتاب مع اللباب‪ 159/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.101 ،99/2 :‬‬
‫(‪ )5‬فتح القدير‪ ،31-29/2 :‬الدر المختار‪ ،99/2 :‬الفتاوى الهندية‪.181-179/1 :‬‬

‫( ‪)3/376‬‬

‫عن حاجته الصلية‪ ،‬أما المران الول والثاني فللحاديث السابقة‪ ،‬وأما ملك النصاب‪ ،‬فلقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬ل صدقة إل عن ظهر غنى» (‪ )1‬وقدر اليسار بالنصاب؛ لن الشرع قدره به‪،‬‬
‫فاضلً عما ذكر من الحوائج الصلية؛ لن المستحق بالحاجة الصلية كالمعدوم‪.‬‬
‫ويؤديها من وجبت عليه عن نفسه وأولده الصغار‪ ،‬والمعتوهين والمجانين الفقراء‪ ،‬وعن مماليكه‬
‫للخدمة‪ ،‬ل للتجارة‪ ،‬ويؤدي المولى المسلم الفطرة عن عبده الكافر؛ لن السبب قد تحقق‪ ،‬والمولى من‬
‫أهل الوجوب‪.‬‬
‫ول يجب عليه أن يؤديها عن أبيه وأمه‪ ،‬وإن كانا في عياله؛ لن ل ولية له عليهم كالولد الكبار‪.‬‬
‫ول يجب أن يؤدي عن إخوته الصغار؛ ول عن قرابته‪ ،‬وإن كانوا في عياله‪ .‬ول يؤدي عن زوجته‬
‫ول عن أولده الكبار‪ ،‬وإن كانوا في عياله‪ ،‬لكن لو أدى عنهم أو عن زوجته بغير أمرهم‪ ،‬أجزأهم‬
‫استحسانا‪.‬‬
‫وعدم أدائها عن الزوجة لقصور الولية والمؤنة‪ ،‬فإنه ل يليها في غير حقوق الزواج‪ ،‬ول يمونها في‬
‫غير النفقات الدورية كالمداواة‪ ،‬والصل العام عندهم‪ :‬أن صدقة الفطر متعلقة بالولية والمؤنة‪ ،‬فكل‬
‫من كان عليه وليته ومؤنته ونفقته‪ ،‬فإنه تجب عليه صدقة الفطر فيه‪ ،‬وإل فل‪.‬‬
‫وقال الجمهور(‪ : ) 2‬زكاة الفطر على كل حر صغير أو كبير‪ ،‬ذكر أو أنثى من المسلمين‪ ،‬أي كما‬
‫قال الحنفية‪ ،‬فل فطرة على كافر‪ ،‬إل عند الشافعية والمالكية في عبده وقريبه المسلم في الصح‪ ،‬ول‬
‫فطرة عند المالكية والشافعية على رقيق‪ ،‬ل عن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة‪ ،‬وهو في الصحيحين «خير الصدقة ما كان عن ظهر‬
‫غنى» (نصب الراية‪.)411/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ ،506-504/1 :‬مغني المحتاج‪ ،407 ،404-402/1 :‬كشاف القناع‪-287/2 :‬‬
‫‪ ،290‬المغني‪.69/3،71،76 :‬‬

‫( ‪)3/377‬‬
‫نفسه ول عن غيره‪ ،‬لعدم ملكه‪ .‬وعليه الفطرة عند الحنابلة‪ ،‬لعموم الحديث السابق‪« :‬فرض رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم زكاة الفطر على كل حر أو عبد‪ ،‬ذكر أو أنثى من المسلمين» وتجب عند‬
‫الجمهور خلفا للحنفية على كل من ملك قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه‪ ،‬فمن ملك‬
‫فاضلً عما يحتاجه لنفسه ولمن تلزمه مؤنته من مسكن وخادم يحتاج إليه ودابة وثياب ونحوها من‬

‫الحاجات الصلية‪ ،‬وجبت عليه الفطرة‪ ،‬حتى عند المالكية لو كان قادرا على الفطرة بالستدانة مع‬
‫رجاء الوفاء؛ لنه قادر حكما‪.‬‬
‫ومن لزمه فطرة نفسه‪ ،‬لزمه فطرة من تلزمه نفقته بقرابة كوالديه الفقيرين‪ ،‬أو زوجية أو ملك رقيق‬
‫إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم‪ ،‬لحديث مسلم‪« :‬ليس على المسلم في عبده صدقة إل صدقة‬
‫الفطر» والباقي بالقياس عليها‪ ،‬ول تلزم المسلم فطرة القريب والزوجة والعبد الكفار‪ ،‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم في الخبر السابق‪« :‬من المسلمين» وذلك خلفا للحنفية في العبد الكافر‪.‬‬
‫ويظل الب ملزما بفطرة أولده الصغار حتى البلوغ‪ ،‬وعند المالكية‪ :‬يستمر اللزام للناث حتى وقت‬
‫الدخول بالزواج أو طلب الدخول من غير مانع‪ .‬وذكر الحنابلة أن الفطرة تجب في مال الصغير إذا‬
‫لزمته مؤنة نفسه لغناه بمال أو كسب‪ ،‬ويخرجها أبوه منه‪.‬‬

‫( ‪)3/378‬‬
‫ويشمل ذلك عند المالكية والحنابلة زوجة الب الفقير وخادمه أيضا‪ ،‬وخادم الزوجة إن لزمته نفقته‪:‬‬
‫لن الفطرة تابعة للنفقة‪ ،‬لعموم حديث ابن عمر عند الدارقطني‪« :‬أمرنا النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫بصدقة الفطر‪ :‬عن الصغير والكبير‪ ،‬والحر والعبد‪ ،‬ممن تمونون» ‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬ل يلزم في‬
‫الصح البن فطرة زوجة أبيه‪ ،‬وإن وجبت نفقتها على الولد؛ لن الولد يتحمل ما يلزم الب حال‬
‫إعساره وهو النفقة‪ ،‬أما الفطرة فل تلزم حال العسار‪ ،‬ولو أخرج الرجل من ماله فطرة ولده الصغير‬
‫الغني جاز‪ ،‬كأجنبي أذن‪ ،‬أما الكبير فل بد من إذنه‪ .‬ول خلف في أن من وجبت فطرته على غيره‬
‫كالزوجة عند غير الحنفية تؤدى عنها ولو من غير إذن‪ ،‬سواء أكان حاضرا أم غائبا علمت حياته‪.‬‬
‫هل تجب زكاة الفطر عند الحنفية بقدرة ممكّنة أو ميسّرة؟‬
‫القدر الممكّنة‪ :‬هي ما يجب بمجرد التمكن من الفعل‪ ،‬فل يشترط بقاؤها لبقاء الوجوب‪.‬‬
‫والقدر الميسرة‪ :‬هي ما يجب بعد التمكن بصفة اليسر‪ ،‬فيشترط بقاؤها لبقاء الوجوب‪.‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬تجب الفطرة والضحية‪ ،‬ونفقة المحارم على الراجح بقدرة ممكنة‪ ،‬فل يشترط بقاء‬
‫هذه القدرة وهي النصاب الشرعي هنا لبقاء الوجوب؛ لنها شرط محض‪ ،‬ل بقدرة ميسرة‪ ،‬فل تسقط‬
‫الفطرة وكذا الحج بهلك المال بعد الوجوب‪ ،‬فلو هلك المال بعد فجر يوم الفطر ل تسقط الفطرة‪،‬‬
‫بخلف الزكاة والعشر والخراج فإنها تسقط بهلك المال‪ ،‬لشتراط بقاء القدرة الميسرة‪ :‬وهي وصف‬
‫النماء‪.‬‬
‫لكن إذا مات من عليه زكاة أو فطرة أو كفارة أو نذر‪ ،‬لم يؤخذ من تركته إل أن يتبرع ورثته بذلك‪،‬‬

‫وهم من أهل التبرع‪ ،‬فإن امتنعوا لم يجبروا عليه‪ ،‬وإن أوصى بذلك يجوز‪ ،‬وينفذ من ثلث ماله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ 99/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪. 182/1 :‬‬

‫( ‪)3/379‬‬
‫وقال الجمهور (‪ : )1‬إن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها‪ ،‬أخرجت من تركته؛ لن حق ال‬
‫سبحانه وحق الدمي إذا تعلقا بمحل واحد‪ ،‬فكانا في الذمة أو كانا في العين‪ ،‬تساويا في الستيفاء‪ ،‬أي‬
‫إن الزكاة حق مال لزم في حال الحياة‪ ،‬فلم يسقط بالموت كدين الدمي‪ .‬و هذا هو الراجح عندي‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ وقت وجوب زكاة الفطر وحكم تعجيلها وتأجيلها ‪:‬‬
‫للفقهاء رأيان في وقت وجوب الفطرة وما يتبعه‪ ،‬فقال الحنفية (‪: )2‬تجب الفطرة بطلوع الفجر من يوم‬
‫عيد الفطر؛ لن الصدقة أضيفت إلى الفطر‪ ،‬والضافة للختصاص‪ ،‬والختصاص للفطر باليوم دون‬
‫الليل؛ إذ المراد فطر يضاد الصوم‪ ،‬وهو في اليوم دون الليل؛ لن الصوم فيه حرام‪ .‬فمن مات قبل‬
‫ذلك أي طلوع الفجر‪ ،‬لم تجب فطرته‪ ،‬ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته‪.‬‬
‫ويصح تعجليها وتأخيرها‪ ،‬فيجوز أداء صدقة الفطر إذا قدمه بعد دخول رمضان على وقت الوجوب‬
‫وهو يوم الفطر‪ ،‬أو تأخيره عنه‪ ،‬أما جواز التقديم فلوجود سبب الوجوب‪ ،‬فصار كأداء الزكاة بعد‬
‫وجوب النصاب‪ ،‬ول تفصيل فيه بين مدة ومدة‪ .‬وأما جواز الداء بعد يوم الفطر فلنه قربة مالية‬
‫معقولة المعنى‪ ،‬فل تسقط بعد الوجوب إل بالداء كالزكاة‪ .‬والخلصة‪ :‬أنه يجوز تقديمها قبل يوم‬
‫الفطر ولو قبل دخول رمضان‪ ،‬وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط‪ ،‬وكان عليهم إخراجها‪ ،‬وكونها‬
‫قبل دخول رمضان هو ظاهر الرواية‪ ،‬لكن المفتى به اشتراط دخول رمضان‪ ،‬فل يجوز تقديمها عن‬
‫رمضان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 80/3 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪. 175/1 :‬‬
‫(‪ )2‬تبيين الحقائق‪ 310/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ ،179/1 :‬فتح القدير‪ ،41/2 :‬اللباب‪161/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.106/2 :‬‬

‫( ‪)3/380‬‬

‫وقال الجمهور (‪ : )1‬تجب زكاة الفطر بغروب شمس ليلةعيد الفطر‪ ،‬أي أول ليلة العيد؛ لنها مضافة‬
‫في الحاديث المتقدمة إلى الفطر من رمضان‪ ،‬فكانت واجبة به؛ لن الضافة تقتضي الختصاص‪،‬‬
‫وأول فطر يقع من جميع رمضان ول صوم بعده بمغيب الشمس من ليلة الفطر‪ ،‬وانقضاء الصوم‬
‫بغروب الشمس‪ ،‬وسبب الخلف بين الجمهور والحنفية‪ :‬هل زكاة الفطر عبادة متعلقة بيوم العيد؛ أو‬
‫بخروج شهر رمضان؛ لن ليلة العيد ليست من شهر رمضان‪.‬‬
‫فمن مات بعد الغروب تجب عليه‪ ،‬أما من ولد أو أسلم بعد الغروب أو كان معسرا وقت الوجوب ثم‬
‫أيسر بعده‪ ،‬فل فطرة عليه عند الجمهور‪ ،‬لعدم وجود سبب الوجوب وعليه الفطرة عند الحنفية‪ .‬ول‬
‫تسقط عند الجمهور بعد وجوبها بموت ول غيره‪ ،‬وتبقى في ذمته أبدا حتى يخرجها‪.‬‬
‫أما تعجيلها‪ :‬فيجوز عند الشافعية تقديم الفطرة من أول شهر رمضان؛ لنها تجب بسببين‪:‬‬
‫صوم شهر رمضان‪ ،‬والفطر منه‪ ،‬فإذا وجد أحدهما‪ ،‬جاز تقديمها على الخر‪ ،‬كزكاة المال بعد ملك‬
‫النصاب وقبل الحول‪ ،‬ول يجوز تقديمها على شهر رمضان؛ لنه تقديم على السببين‪ ،‬فل يجوز‬
‫كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب‪.‬‬
‫ويجوز عند المالكية والحنابلة تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين‪ ،‬ل أكثر من ذلك‪ ،‬لقول ابن عمر‪:‬‬
‫«كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين» (‪ )2‬ول تجزئ قبل ذلك‪ ،‬لفوات الغناء المأمور به في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،273/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،112‬الشرح الصغير‪ 677/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ 401/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،165/1 :‬كشاف القناع‪ ،294/2 :‬المغني‪ ،69-67/3 :‬الشرح‬
‫الكبير‪.508/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري‪.‬‬

‫( ‪)3/381‬‬
‫قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أغنوهم عن الطلب هذا اليوم» (‪ ، )1‬بخلف زكاة المال‪.‬‬
‫وأما تأخيرها عن صلة العيد ‪:‬‬
‫فقال الشافعية‪ :‬المستحب أل تؤخر عن صلة العيد‪ ،‬للمر بها قبل الخروج إليها في الصحيحين‪ ،‬فإن‬
‫أخرت استحب الداء أول النهار للتوسعة على المستحقين‪ ،‬ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بل عذر‪،‬‬
‫كغيبة ماله أو المستحقين‪ ،‬لفوات المعنى المقصود‪ ،‬وهو إغناؤهم عن الطلب في يوم السرور‪ ،‬فلو أخر‬
‫بل عذر‪ ،‬عصى وقضى‪ ،‬لخروج الوقت على الفور‪ ،‬لتأخيره من غير عذر‪ .‬أما تأخير زكاة المال عن‬

‫التمكين فتكون أداء‪ ،‬والفرق أن الفطرة مؤقتة بزمن محدود كالصلة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة مثل الشافعية‪ :‬آخر وقت الفطرة‪ :‬غروب الشمس يوم الفطر‪ ،‬للحديث المتقدم‪« :‬أغنوهم‬
‫عن الطلب هذا اليوم» فإن أخرها عن يوم العيد‪ ،‬أثم لتأخيره الواجب عن وقته‪ ،‬ولمخالفته المر‪،‬‬
‫وعليه القضاء؛ لنها عبادة‪ ،‬فلم تسقط بخروج الوقت‪ ،‬كالصلة‪ .‬والفضل إخراج الفطرة يوم العيد‬
‫قبل الصلة أو قدرها في موضع ل يصلى فيه العيد‪ ،‬كما سأوضح‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يجوز إخرجها بعد صلة العيد يوم الفطر‪ ،‬ول تسقط الفطرة بمضي زمنها‪ ،‬بل هي‬
‫باقية في الذمة أبدا حتى يخرجها‪ ،‬كغيرها من الفرائض‪ ،‬وأثم إن أخرها عن يوم الفطر مع القدرة‪،‬‬
‫فإن مضى زمنها مع العسر تسقط عنه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارقطني‪.‬‬

‫( ‪)3/382‬‬
‫المبحث الثالث ـ جنس الواجب وصفته ومقداره ‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬تجب زكاة الفطر من أربعة أشياء‪ :‬الحنطة والشعير والتمر والزبيب‪ ،‬وقدرها‬
‫نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر أو زبيب‪ ،‬والصاع عند أبي حنيفة ومحمد ثمانية‬
‫أرطال بالعراقي‪ ،‬والرطل العراقي مئة وثلثون درهما‪ ،‬ويساوي ‪ 3800‬غراما؛ لنه عليه السلم كان‬
‫يتوضأ بالمد رطلين‪ ،‬ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال (‪ ، )2‬وهكذا كان صاع عمر رضي ال عنه (‪)3‬‬
‫وهو أصغر من الهاشمي‪ ،‬وكانوا يستعملون الهاشمي‪.‬‬
‫ودليلهم على تقدير الفطرة بصاع أو نصفه‪ :‬حديث ثعلبة بن صعير العذري أنه قال‪ :‬خطبنا رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم فقال‪« :‬أدوا عن كل حر وعبد نصف صاع من بُرّ‪ ،‬أو صاعا من تمر‪ ،‬أو صاعا‬
‫من شعير» (‪. )4‬‬
‫دفع القيمة عندهم‪ :‬يجوز عند الحنفية أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوسا أو‬
‫عروضا أو ما شاء؛ لن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أغنوهم عن‬
‫المسألة في مثل هذا اليوم» والغناء يحصل بالقيمة‪ ،‬بل أتم وأوفر وأيسر؛ لنها أقرب إلى دفع‬
‫الحاجة‪ ،‬فيتبين أن النص معلل بالغناء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 72/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ ،179/1 :‬فتح القدير‪ ،41-36/2 :‬الكتاب مع اللباب‪:‬‬

‫‪ ،147/1،160‬تبيين الحقائق‪ 308/1 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث أنس عند الدارقطني من ثلثة طرق‪ ،‬ومن حديث جابر عند ابن عدي‪ ،‬وهو‬
‫ضعيف‪ ،‬والصحيح ما روي عن أنس أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل‬
‫إلى خمسة أمداد‪ ،‬كما ذكر البيهقي (نصب الراية‪.)430/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن أبي شيبة عن حسن بن صالح (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود‪ ،‬وروي أيضا عن ابن عباس في معناه (نيل الوطار‪ ،183/4 :‬نصب الراية‪:‬‬
‫‪ 406/2‬وما بعدها‪ )418 ،‬وهو حديث معلول مضطرب‪ ،‬بسبب الختلف في اسم أبي صعير‪ ،‬وفي‬
‫اللفظ‪.‬‬

‫( ‪)3/383‬‬
‫وقال الجمهور (‪ : )1‬تؤدى زكاة الفطر من الحبوب والثمار المقتاتة وهي صاع‪ ،‬وتفصيل كلمهم ما‬
‫يأتي‪.‬‬
‫يرى المالكية‪ :‬أنها تجب من غالب قوت البلد من أصناف تسعة فقط‪ :‬قمح أو شعير أو سُلت (نوع من‬
‫الشعير) أو ذرة أو َدخَن أو تمر أو زبيب أو أقط‪ :‬وهو يابس اللبن المخرج زبده‪ ،‬فيتعين الخراج مما‬
‫غلب القتيات منه من هذه الصناف التسعة‪ ،‬ول يجزئ الخراج من غيرها‪ ،‬ول منها إن كان غالب‬
‫القوت غيره‪ ،‬إل أن يخرج الحسن‪ ،‬كالقمح بدل الشعير‪ .‬وزكاة الفطر صاع (أربعة أمداد) والمد‪:‬‬
‫حفنة ملء اليدين المتوسطتين‪.‬‬
‫وذهب الشافعية إلى أنها تجب من غالب قوت البلد أو المحل؛ لن ذلك يختلف باختلف النواحي‪،‬‬
‫والمعتبر في غالب القوت غالب قوت السنة‪ ،‬ويجزئ العلى عن الدنى‪ ،‬ل العكس‪ ،‬وذلك بزيادة‬
‫القتيات في الصح ل بالقيمة‪ ،‬فالبُرّ خير من التمر والرُزّ‪ ،‬والصح أن الشعير خير من التمر‪ ،‬وأن‬
‫التمر خير من الزبيب‪ ،‬ول يبعّض الصاع المخرج عن الشخص الواحد من جنسين‪ ،‬ولو كان في بلد‬
‫أقوات ل غالب فيها تخير‪ ،‬والفضل أشرفها‪ ،‬والواجب‪ :‬الحب السليم‪ ،‬فل يجزئ المسوس والمعيب‬
‫وإن كان يقتاته‪ .‬ومقدارها صاع وهو في الصح ست مئة درهم وخمسة وثمانون درهما وخمسة‬
‫أسباع درهم ( ‪ 685‬و ‪ )8/5‬أو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي‪ ،‬وأربعة أرطال ونصف وربع رطل‬
‫وسبع أوقية بالمصري‪.‬‬
‫وقرر الحنابلة‪ :‬أنه يجب المنصوص عليه من البر والشعير والتمر والزبيب والقط‪ ،‬فإن لم توجد هذه‬
‫الصناف يجزئه كل مقتات من الحبوب والثمار‪ ،‬وليجزئ المقتات من غيرها كاللحم واللبن‪.‬وظاهر‬

‫المذهب أنه ل يجوز له العدول عن هذه الصناف مع القدرة عليها‪ ،‬سواء كان المعدول إليه قوت بلده‬
‫أو لم يكن‪ ،‬ويجوز إخراج الدقيق والسويق‪ .‬ول يجوز إخراج الخبز‪ ،‬ومن أي الصناف المنصوص‬
‫عليها أخرج جاز‪ ،‬وإن لم يكن قوتا له‪ ،‬أو كان قوته غالب قوت البلد‪.‬‬
‫ومقدارها صاع عراقي وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة؛ لنه الذي أخرج به في عهده‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويقدر كما سبق عند الجمهور بـ (‪ 1572‬غم) وعند جماعة‪ 6712 ( :‬غم )‬
‫وهو ما اعتمدته في تقدير الوسق الخمسة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ 675/1 :‬وما بعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،272/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،112‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،407-405/1 :‬المهذب‪ ،165/1 :‬المغني‪،65-60/3 :‬كشاف القناع‪.297-295/2 :‬‬

‫( ‪)3/384‬‬
‫ودليل الجمهور‪ :‬الحاديث السابقة‪ ،‬وهي أصح من أحاديث الحنفية‪ ،‬ومنها حديث أبي سعيد الخدري‪:‬‬
‫«كنا نخرج زكاة الفطر‪ ،‬إذ كان فينا النبي صلّى ال عليه وسلم صاعا من طعام‪ ،‬أو صاعا من شعير‪،‬‬
‫أو صاعا من تمر‪ ،‬أوصاعا من زبيب‪ ،‬أوصاعا من أقط» وروى الدارقطني عن مالك بن أنس أن‬
‫صاع النبي صلّى ال عليه وسلم خمسة أرطال وثلث بالعراقي‪.‬‬
‫دفع القيمة عندهم‪ :‬ل يجزئ عند الجمهور إخراج القيمة عن هذه الصناف‪،‬فمن أعطى القيمة لم‬
‫تجزئه‪ ،‬لقول ابن عمر‪« :‬فرض رسول ال صلّى ال عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر‪ ،‬وصاعا‬
‫من شعير» (‪ )1‬فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ مندوباتها ومباحاتها ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء (‪ )2‬على أنه يستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر بعد الفجر قبل الصلة‪ ،‬لحديث ابن‬
‫عمر‪ « :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة ( نيل الوطار‪.) 179/4 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،42/2 :‬اللباب‪ ،162/1 :‬حاشية ابن عابدين‪ ،107/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،112‬‬
‫الشرح الصغير‪ ،677/1 :‬المهذب‪ ،165/1 :‬مغني المحتاج‪ ،402/1 :‬كشاف القناع‪ ،294/2 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ 66/3‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/385‬‬

‫الصلة» (‪ )1‬ولحديث ابن عباس‪« :‬من أداها قبل الصلة فهي زكاة مقبولة‪ ،‬ومن أداها بعد الصلة‬
‫فهي صدقة من الصدقات» (‪ )2‬والمراد بالزكاة‪ :‬صدقة الفطر‪ ،‬والمراد بالصدقة‪ :‬أنها التي يتصدق بها‬
‫في سائر الوقات‪ ،‬وأمر القبول فيها متوقف على مشيئة ال تعالى‪.‬‬
‫إل أن أكثرية الفقهاء ذهبوا إلى أن إخراجها قبل صلة العيد إنما هو مستحب فقط‪ ،‬وجزموا بأنها‬
‫تجزئ إلى آخر يوم الفطر‪ ،‬فمن أخرها عن الصلة‪ ،‬ترك الفضل؛ لن المقصود منها الغناء عن‬
‫الطواف والطلب في هذا اليوم‪ ،‬لحديث‪« :‬أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» فمتى أخرها لم يحصل‬
‫إغناؤهم في جميعه‪ ،‬ل سيما في وقت الصلة‪ ،‬فدل على أن تأخيرها عن الصلة مكروه تنزيها‪ ،‬وأن‬
‫المر بإخراجها قبل الصلة للندب‪ .‬ويحرم بالتفاق تأخيرها عن يوم العيد؛ لنها زكاة‪ ،‬فوجب أن‬
‫يكون في تأخيرها إثم‪ ،‬كما في إخراج الصلة عن وقتها‪.‬‬
‫وذكر المالكية أنه يندب إخراجها من قوته الحسن من قوت أهل البلد‪ .‬وندب عدم زيادة على الصاع‪،‬‬
‫بل تكره الزيادة؛ لن الشارع إذا حدد شيئا كان ما زاد عليه بدعة‪ ،‬والبدعة تارة تقتضي الفساد‪ ،‬وتارة‬
‫تقتضي الكراهة‪ ،‬ومحل الكراهة إن تحققت الزيادة‪ ،‬وإل فيتعين أن يزيد ما يزيل به الشك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة إل ابن ماجه (نيل الوطار‪.)183/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الوطار‪.)184/4 :‬‬

‫( ‪)3/386‬‬
‫المبحث الخامس ـ مصرفها أو من يأخذها ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء (‪ )1‬على أن مصرف زكاة الفطر هو مصارف الزكاة المفروضة؛ لن صدقة الفطر‬
‫زكاة‪ ،‬فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات؛ ولنها صدقة‪ ،‬فتدخل في عموم قوله تعالى‪{ :‬إنما‬
‫الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة‪ ]60/9:‬ول يجوز دفعها إلى من ل يجوز دفع زكاة المال إليه‪،‬‬
‫ول يجوز عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) دفعها إلى ذمي؛ لنها زكاة‪ ،‬فلم يجز دفعها إلى‬
‫غير المسلمين‪ ،‬كزكاة المال‪ ،‬ول خلف في أن زكاة المال ل يجوز دفعها إلى غير المسلمين‪ ،‬قال ابن‬
‫المنذر‪ :‬أجمع أهل العلم على أل يجزئ أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬صدقة الفطر كالزكاة في المصارف وفي كل حال‪ ،‬إل في جواز الدفع إلى الذمي مع‬
‫الكراهة‪ ،‬وعدم سقوطها بهلك المال‪ ،‬لكن الفتوى على قول أبي يوسف وهو عدم جواز صرفها‬
‫للذمي‪ ،‬كزكاة الموال‪ ،‬للحديث المتقدم في الزكاة‪« :‬صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» ‪.‬‬

‫وعليه‪ :‬تدفع صدقة الفطر بالتفاق لكل حر مسلم فقير‪ ،‬غير هاشمي لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس‪،‬‬
‫لكن في الوقت الحاضر تعطى الزكوات للهاشمي لنقطاع موردهم من بيت المال‪.‬‬
‫فإن لم يقدرالمسلم إل على بعض الصاع ـ بعض الفطرة‪ ،‬أوبعض ما وجب عليه إن وجب أكثر من‬
‫فطرة‪ ،‬أخرجه وجوبا‪ ،‬محافظة على الفطرة بقدر المكان‪ ،‬ويبدأ بنفسه‪ ،‬ثم بمن يعول‪ ،‬ويقدم ممن‬
‫يعول عند الجمهور الزوجة لن نفقتها آكد‪ ،‬والظهر عند المالكية والحنابلة تقديم الوالد على الولد‪،‬‬
‫ودليل الترتيب قوله عليه السلم‪« :‬ابدأ بنفسك‪ ،‬ثم بمن تعول» (‪ )2‬ولن الفطرة تنبني على النفقة‪،‬‬
‫فكما يبدأ بنفسه في النفقة‪ ،‬فكذلك في الفطرة‪.‬‬
‫ويقدم عند الشافعية نفسه ثم زوجته‪ ،‬ثم ولده الصغير‪ ،‬ثم الب‪ ،‬ثم الم‪ ،‬ثم الولد الكبير‪ ،‬لخبر مسلم‪:‬‬
‫«ابدأ بنفسك فتصدق عليها‪ ،‬فإن فضل شيء فلهلك‪ ،‬فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك» ‪.‬‬
‫ويجوز أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله‪ ،‬ول يعطي منها غنيا‪ ،‬ول ذا قربى‬
‫تجب عليه نفقته‪ ،‬ول أحدا ممن منع أخذ زكاة المال‪ .‬ويجوز صرفها في الصناف الثمانية؛ لنها‬
‫صدقة‪ ،‬فأشبهت صدقة المال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،108-107/1 :‬بداية المجتهد‪ ،273/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،112‬‬
‫الشرح الصغير‪ 677/1:‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،170/1 :‬حاشية الباجوري‪ ،291/1 :‬المغني‪،78 ،74/3 :‬‬
‫‪ ،79‬مغني المحتاج‪.405/1 :‬‬
‫(‪ )2‬هذا مجموع حديثين‪ :‬الشق الول منه رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر‪ ،‬والثاني‬
‫مروي عن حكيم بن حزام عند الطبراني‪ ،‬وعن طارق المحاربي عند النسائي (نيل الوطار‪،321/6 :‬‬
‫‪.)327‬‬

‫( ‪)3/387‬‬
‫وظاهر المذهب الشافعي أنه يجب دفعها للصناف الثمانية‪ ،‬وفيه عسر‪ ،‬واختار بعض الشافعية‬
‫صرفها إلى واحد‪ ،‬ول بأس بتقليده في زماننا هذا‪ ،‬كما قال الباجوري‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬لو كان الشافعي‬
‫حيا لفتى به‪.‬‬
‫وأجازالفقهاء دفع صاع واحد لمساكين يقتسمونه‪ ،‬وأباح غير الشافعي دفع آصع متعددة لواحد من‬
‫الفقراء‪ ،‬ودفع كل شخص فطرته إلى مسكين أو مساكين‪ ،‬أي إن الجمهور أجازوا إعطاء الواحد ما‬
‫يلزم الجماعة‪ ،‬والجماعة ما يلزم الواحد‪ ،‬أي دفع صدقة جماعة إلى مسكين واحد‪ ،‬لكن ل خلف بين‬

‫الفقهاء في إعطاء‬
‫الجماعة ما يلزم الواحد؛ لنه صرف صدقته إلى مستحقها‪ ،‬فبرئ منها كما لو دفعها إلى واحد‪.‬‬
‫أما إعطاء الواحد صدقة الجماعة‪ :‬فإن الشافعي أوجب تفرقة الصدقة على ستة أصناف‪ ،‬ودفع حصة‬
‫كل صنف إلى ثلثة منهم‪ ،‬كما ذكر في مصارف الزكاة‪ .‬والراجح رأي الجمهور؛ لنها صدقة لغير‬
‫معين‪ ،‬فجاز صرفها إلى واحد‪ ،‬فيجوز أن يأخذ الواحد زكاة أكثر من واحد‪.‬‬

‫( ‪)3/388‬‬
‫ص َدقَةُ التّطوّع‬
‫صلُ الثّالث‪َ :‬‬
‫ال َف ْ‬
‫الكلم عن أحكام صدقة التطوع‪ :‬يشمل استحبابها‪ ،‬السرار بها‪ ،‬التصدق بجميع المال‪ ،‬الولى في‬
‫الصدقة‪ ،‬المتصدق عليه (الغني‪ ،‬الكافر‪ ،‬القريب‪ ،‬صاحب الحاجة الشديدة‪ ،‬الصدقة على الميت) صدقة‬
‫المديون ومن عليه نفقة‪ ،‬نية جميع المؤمنين‪ ،‬التصدق من المال الحرام‪ ،‬كراهة استرداد الصدقة بشراء‬
‫أو غيره‪ ،‬وحرمة السؤال لغير حاجة‪ ،‬وكراهة السؤال بوجه ال تعالى‪.‬‬
‫أولً ـ حكم صدقة التطوع ‪:‬‬
‫صدقة التطوع مستحبة في جميع الوقات‪ ،‬وسنة بدليل الكتاب والسنة (‪ . )1‬أما الكتاب‪ :‬فقوله تعالى‪:‬‬
‫{من ذا الذي يقرض ال قرضا حسنا‪ ،‬فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة‪ ]245/2:‬وأمر ال سبحانه‬
‫بالصدقة في آيات كثيرة‪ .‬وأما السنة‪ :‬فأحاديث عديدة منها قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من أطعم‬
‫جائعا أطعمه ال من ثمار الجنة‪ ،‬ومن سقى مؤمنا على ظمأ‪ ،‬سقاه ال عز وجل يوم القيامة من‬
‫خضْر الجنة» (‪. )2‬‬
‫الرحيق المختوم‪ ،‬ومن كسا مؤمنا عاريا‪ ،‬كساه ال من ُ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،120/3 :‬المغني‪.81/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد‪ ،‬وخضر الجنة بضم الخاء وإسكان الضاد‪ :‬ثيابها الخضر‪.‬‬

‫( ‪)3/389‬‬
‫ومنها قوله عليه السلم‪« :‬إن العبد إذا تصدّق من طيّب‪ ،‬تقبلها ال منه‪ ،‬وأخذها بيمينه‪ ،‬فرباها كما‬
‫يُربّي ُمهْره أو فصيله‪ ،‬وإن الرجل ليتصدق بالّلقْمة فتربُو في يد ال ‪ ،‬أو في كف ال ‪ ،‬حتى تكون‬
‫مثل الجبل‪ ،‬فتصدقوا» (‪ )1‬وقد تصبح الصدقة حراما‪ :‬كأن يعلم أن آخذها يصرفها في معصية‪ .‬وقد‬
‫تجب الصدقة‪ :‬كأن وجد مضطرا‪ ،‬ومعه ما يطعمه فاضلً عن حاجته‪.‬‬

‫ثانيا ـ السرار بها ودفعها في رمضان ‪:‬‬
‫صدقة السر أفضل من صدقة العلنية أو الجهر‪ ،‬فالفضل السرار بصدقة التطوع بخلف الزكاة‪،‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي‪ ،‬وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم‪ ،‬ويكفر عنكم‬
‫من سيئاتكم} [البقرة‪ ،]271/2:‬ولما في الصحيحين عن أبي هريرة في خبر السبعة الذين يظلهم ال‬
‫تحت ظل عرشه يوم ل ظل إل ظله‪« :‬ورجل تصدق بصدقة‪ ،‬فأخفاها حتى ل تعلم شماله ما تنفق‬
‫يمينه» وروى الطبراني في الصغير‪« :‬صدقة السر تطفئ غضب الرب» ‪.‬‬
‫ودفعها في رمضان أفضل من دفعها في غيره‪ ،‬لما رواه الترمذي عن أنس رضي ال عنه‪« :‬سئل‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬أي الصدقة أفضل؟ قال‪ :‬صدقة في رمضان» ولن الفقراء فيه‬
‫يضعفون ويعجزون عن الكسب بسبب الصوم‪ ،‬ولن الحسنات تضاعف فيه‪.‬‬
‫وتتأكد في اليام الفاضلة كعشر ذي الحجة وأيام العيد‪ ،‬وكذا في الماكن الشريفة كمكة والمدينة‪ ،‬وفي‬
‫الجهاد والحج‪ ،‬وعند المور المهمة كالكسوف والمرض والسفر‪.‬‬
‫وتتأكد الصدقة بالماء إن كان الحتياج إليه أكثر من الطعام؛ لخبر أبي داود‪« :‬أي الصدقة أفضل؟‬
‫قال‪ :‬الماء» ‪ ،‬فإن كانت الحاجة إلى الطعام فهو أفضل‪ ،‬وتتأكد أيضا بالمنيحة‪ :‬وهي الشاة اللبون‬
‫ونحوها يعطيها المحتاج يشرب لبنها ما دامت لبونا ثم يردها إليه‪ ،‬لما في ذلك من مزيد البر‬
‫والحسان‪.‬‬
‫ويستحب الكثار من الصدقة في أوقات الحاجات‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬أو إطعام في يوم ذي مسغبة} [البلد‪:‬‬
‫‪.]14/90‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة‪ ،‬ورواية البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي‬
‫هريرة بلفظ «من تصدّق ب ِعدْل تمرة من كسب طيب‪ ،‬ول يقبل ال إل الطيب‪ ،‬فإن ال يقبلها بيمينه‪ ،‬ثم‬
‫يربّيها‪ ،‬لصاحبها‪ ،‬كما يربّي أحدكم فَُلوّه حتى تكون مثل الجبل» وعدل‪ :‬مقدار‪ ،‬والخذ باليمين معناه‬
‫القبول والرضا‪ ،‬والمهر‪ :‬هو الفلو‪ ،‬والفصيل‪ :‬هو ولد الناقة إذا فطم‪ .‬وال طيب‪ :‬أي منزه عن‬
‫النقائض‪.‬‬

‫( ‪)3/390‬‬
‫ويسن التصدق عقب كل معصية‪ ،‬وتسن التسمية عند التصدق؛ لن الصدقة عبادة (‪. )1‬‬
‫ثالثا ـ التصدق بجميع المال ‪:‬‬

‫إن كان الرجل وحده‪ ،‬أو كان مسؤولً عمن يمون كفايتهم‪ ،‬فأراد الصدقة بجميع ماله‪ ،‬وكان ذا‬
‫مكسب‪ ،‬أو كان واثقا من نفسه بحسن التوكل‪ ،‬والصبر على الفقر‪ ،‬والتعفف عن المسألة‪ ،‬فهو حسن‪،‬‬
‫وإل فل يجوز بل يكره (‪ )2‬؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم سئل‪« :‬أي الصدقة أفضل؟ قال‪ :‬س ّر إلى‬
‫جهْد من مُقلّ» (‪ ، )3‬وروي عن عمر رضي ال عنه قال‪ :‬أمرنا رسول ال صلّى ال عليه‬
‫فقير أو َ‬
‫وسلم أن نتصدق‪ ،‬فوافق ذلك مالً عندي‪ ،‬فقلت‪ :‬اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما‪ ،‬فجئته بنصف‬
‫مالي‪ ،‬فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪ :‬ما أبقيت لهلك؟ قلت‪ :‬أبقيت لهم مثله‪ ،‬فأتاه أبو بكر بكل‬
‫ماعنده‪ ،‬فقال له‪ :‬ما أبقيت لهلك؟ قال‪ :‬ال ورسوله‪ ،‬فقلت‪ :‬ل أسابقك إلى شيء بعده أبدا (‪ . )1‬فهذا‬
‫كان فضيلة في حق أبي بكر رضي ال عنه‪ ،‬لقوة يقينه وكمال إيمانه‪ ،‬وكان أيضا تاجرا ذا مكسب‪.‬‬
‫رابعا ـ الولى في الصدقة ‪:‬‬
‫الولى أن يتصدق المرء من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام‪ ،‬وإن تصدق بما ينقص‬
‫من مؤنة من يمونه أثم (‪ ، )5‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في الولى‪« :‬خير الصدقة‪ :‬ما كان عن ظهر‬
‫غنى‪ ،‬وابدأ بمن تعول» (‪ )6‬أي عن غنى النفس وصبرها على الفقر‪ ،‬ولقوله عليه السلم في حالة‬
‫الثم‪« :‬كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» (‪. )7‬‬
‫خامسا ـ استحباب التصدق بما فضل عن الحاجة ‪:‬‬
‫يستحب أن يتصدق بما فضل عما يلزمه من النفقات (‪ ، )8‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ليتصدق‬
‫الرجل من ديناره‪ ،‬وليتصدق من درهمه‪ ،‬وليتصدق من صاع بره‪ ،‬وليتصدق من صاع تمره» (‪. )9‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،123 ،121/3 :‬المغني‪ ،82/3 :‬المجموع‪.260-258/6 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،96/2 :‬مغني المحتاج‪ ،122/3 :‬المغني‪.83/3 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والطبراني عن أبي أمامة‪ ،‬وفي إسناده علي بن يزيد ( الترغيب والترهيب‪.)32/2 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الترمذي وصححه‪.‬‬
‫(‪ )5‬المجموع‪ ،253/6 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،175/1 :‬الدر‪ ،‬ومغني المحتاج‪ ،‬المغني‪ :‬المكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )6‬متفق عليه‪ ،‬وروى القسم الول منه أبو داود وصححه الحاكم‪.‬‬
‫(‪ )7‬حديث حسن رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة‪ ،‬والقوت‪ :‬مايقوم به بدن النسان من الطعام‪.‬‬
‫(‪ )8‬المجموع‪ 255/6 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪. 175/1 :‬‬
‫(‪ )9‬حديث صحيح رواه مسلم عن جرير بن عبد ال‪.‬‬

‫( ‪)3/391‬‬

‫سادسا ـ التصدق بما تيسر ‪:‬‬
‫يستحب أن يتصد ق بما تيسر‪ ،‬ول يستقله‪،‬ول يمتنع من الصدقة به لقلته وحقارته‪ ،‬فإن قليل الخير‬
‫كثير عند ال تعالى‪ ،‬وما قبله ال تعالى وبارك فيه‪ ،‬فليس هو بقليل (‪ ، )1‬قال ال تعالى‪{ :‬فمن يعمل‬
‫مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة‪ ،]7/99:‬وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم‪« :‬اتقوا النار ولو بشق‬
‫تمرة» وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة‪« :‬يا نساء المسلمات ل تحقرِنّ جارة أن تهدي لجارتها‬
‫ولو فِرْسن شاة» والفرسن من البعير والشاة كالحافر من غيرهما‪ .‬وروى النسائي وابن خزيمة وابن‬
‫حبان عن أبي هريرة‪« :‬سَبَق درهم مئة ألف درهم‪ ،‬فقال رجل‪ :‬وكيف ذاك يا رسول ال ؟ قال‪ :‬رجل‬
‫له مال كثير أخذ من عُرْضه ‪ -‬جانبه‪ -‬مئة ألف درهم تصدق بها‪ ،‬ورجل ليس له إل درهمان‪ ،‬فأخذ‬
‫أحدهما‪ ،‬فتصدق به » ‪.‬‬
‫سابعا ـ التصدق على الصلحاء ‪:‬‬
‫يستحب أن يخص بصدقته الصلحاء‪ ،‬وأهل الخير والمروءات والحاجات (‪. )2‬‬
‫ثامنا ـ المتصدق عليه (‪: )3‬‬
‫أ ـ القارب‪ :‬الفضل أن يخص بالصدقة القارب‪ ،‬ثم الجيران‪ ،‬فهم أولى من الجانب‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{يتيما ذا مقربة} [البلد‪ ]15/90:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم لزينب‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪. 261/6 :‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪.261/6 :‬‬
‫(‪ )3‬المجموع‪ ،262-258/6 :‬المهذب‪ ،176/1:‬مغني المحتاج‪ 120/3 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.82/3 :‬‬

‫( ‪)3/392‬‬
‫امرأة عبد ال بن مسعود‪« :‬زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» (‪ ، )1‬ولقوله عليه السلم في‬
‫حديث حسن رواه أحمد وابن ماجه والترمذي‪« :‬الصدقةعلى المسكين صدقة‪ ،‬وهي على ذي الرحم‬
‫اثنتان‪ :‬صدقة وصلة» » ولخبر البخاري عن عائشة‪« :‬إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ فقال‪ :‬إلى‬
‫أقربهما منك بابا» وهكذا الحكم في الزكوات والكفارات والنذور والوصايا والوقاف وسائر جهات‬
‫البر‪ ،‬يستحب فيها تقديم القارب إذا كانوا مستحقين‪ .‬ويستحب أن يقصد بصدقته من أقاربه أشدهم له‬
‫عداوة ليتألف قلبه ويرده إلى المحبة واللفة‪.‬‬
‫ب ـ صاحب الحاجة الشديدة‪ :‬تستحب الصدقة على من اشتدت حاجته لقول ال تعالى‪{ :‬أو مسكينا ذا‬

‫متربة} [البلد‪.]16/90:‬‬
‫جـ ـ الغني والهاشمي والكافر والفاسق‪ :‬تحل الصدقة لغني ولو من ذوي القربى‪ ،‬لقول جعفر بن‬
‫محمد عن أبيه‪ :‬أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة‪ ،‬فقيل له‪ :‬أتشرب من الصدقة؟ فقال‪:‬‬
‫«إنما حرّم ال علينا الصدقة المفروضة» (‪ ، )2‬وأقر النبي صلّى ال عليه وسلم في حديث الصحيحين‬
‫عن أبي هريرة صدقة رجل على سارق وزانية وغني‪ ،‬وفيه‪« :‬أما صدقتك على سارق فلعله أن‬
‫يستعف عن سرقته‪ ،‬وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها‪ ،‬وأما الغني فلعله يعتبر‪ ،‬وينفق مما آتاه ال‬
‫تعالى» ‪ .‬لكن يستحب للغني التنزه عنها‪ ،‬ويكره له التعرض لخذها‪.‬‬
‫وأما الصدقة على الهاشمي‪ :‬فقد عرفنا في الزكاة جوازها في رأي أكثرية العلماء‪ ،‬فهي تحل‬
‫للهاشميين دونه صلّى ال عليه وسلم تشريفا له‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وفيه جواب عن وضع الصدقة في زوجها وبني أخ لها يتامى‪« :‬نعم لها‬
‫أجران‪ :‬أجر القرابة وأجر الصدقة» (نيل الوطار‪.)176/4:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الشافعي والبيهقي‪.‬‬

‫( ‪)3/393‬‬
‫وتحل الصدقة أيضا على فاسق‪ ،‬وكافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي‪ ،‬ذمي أو حربي‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪ { :‬ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [النسان‪ ]8/76:‬ومعلوم أن السير‬
‫حربي‪ .‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة فيمن سقى الكلب العطشان‪« :‬في‬
‫كل كبد رطبة أجر» وأما حديث‪« :‬ل يأكل طعامك إل تقي» فأريد به الولى‪.‬‬
‫د ـ الصدقة على الميت‪ :‬ينفع الميت ـ كما قدمنا في الجنائز ـ صدقة عليه من أكل أو شرب أو‬
‫كسوة أو درهم أو دينار‪ ،‬وينفعه أيضا دعاء له بنحو‪« :‬اللهم اغفر له» «اللهم ارحمه» بالجماع‪ ،‬ول‬
‫يتصدق عليه بالعمال البدنية كأن تهب له ثواب صلة أو صوم (‪ ، )1‬وأما قراءة القرآن كالفاتحة‪،‬‬
‫فقال مالك والشافعي‪ ،‬ل ينتفع بها‪ ،‬ورأي الكثرين‪ :‬أنه ينتفع‪.‬‬
‫تاسعا ـ صدقة المديون ومن عليه نفقة (‪: )2‬‬
‫يستحب أل يتصدق من عليه دين‪ ،‬أو من تلزمه نفقة لنفسه أو عياله‪ ،‬حتى يؤدي ما عليه‪ .‬والصح‬
‫عند الشافعية تحريم الصدقة من مدين ل يجد لدينه وفاء‪ ،‬أو من ملزم بنفقة بما يحتاج إليه لنفقته أو‬
‫نفقة من عليه نفقته في يومه وليلته؛ لنه حق واجب‪ ،‬فلم يجز تركه بصدقة التطوع‪ ،‬فيقدم الدين لن‬

‫أداءه واجب‪ ،‬فيتقدم على المسنون‪ ،‬فإن رجا له وفاء من جهة أخرى ظاهرة‪ ،‬فل بأس بالتصدق به‪،‬‬
‫إل إن حصل بذلك تأخير‪ ،‬وكان الواجب وفاء الدين على الفور بمطالبة أو غيرها‪ .‬وأما تقديم ما‬
‫يحتاجه للنفقة‪ ،‬فللحديث السابق‪« :‬كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪.580/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار ‪ ،96/2‬مغني المحتاج‪ ،122/3 :‬المجموع‪ ،253/6 :‬المهذب‪.175/1 :‬‬

‫( ‪)3/394‬‬
‫وابدأ بمن تعول» (‪ ، )1‬ولن كفاية العيال فرض‪ ،‬وهو مقدم على النفل‪ ،‬والضيافة كالصدقة‪.‬‬
‫وأما خبر النصاري الذي نزل به الضيف‪ ،‬فأطعمه قوته وقوت صبيانه‪ ،‬فمحمول على أن الصبيان لم‬
‫يكونوا محتاجين حاجة شديدة حينئذ إلى الكل‪ .‬وأما الرجل والمرأة فتبرعا بحقهما‪ ،‬وكانا صابرين‪،‬‬
‫وإنما قال فيه لمّهم‪ :‬نوميهم خوفا من أن يطلبوا الكل على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة‪.‬‬
‫عاشرا ـ نية جميع المؤمنين ‪:‬‬
‫الفضل أن ينوي بالصدقة النافلة جميع المؤمنين والمؤمنات؛ لنها تصل إليهم‪ ،‬ول ينقص من أجره‬
‫شيء (‪. )2‬‬
‫أحد عشر ـ التصدق من المال الحرام ‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )3‬إذا تصدق بالمال الحرام القطعي‪ ،‬أو بنى من الحرام بعينه مسجدا ونحوه مما يرجو‬
‫به التقرب‪ ،‬مع رجاء الثواب الناشئ عن استحلله‪ ،‬كفر؛ لن استحلل المعصية كفر‪ ،‬والحرام ل‬
‫ثواب فيه‪ .‬ول يكفر إذا أخذ ظلما من إنسان مئة‪ ،‬ومن آخر مئة‪ ،‬وخلطهما‪ ،‬ثم تصدق به؛ لنه ليس‬
‫بحرام بعينه قطعا لستهلكه بالخلط‪ ،‬ولنه ملكه بالخلط ‪ ،‬ثم يضمنه‪ .‬والخلصة‪ :‬أن شرط الكفر‬
‫شيئان‪ :‬قطعية الدليل‪ ،‬وكونه حراما لعينه مثل لحم الميتة‪ ،‬أما مال الغير فهو حرام لغيره‪ ،‬ل لعينه‪،‬‬
‫فل يكون أخذه عند الحنفية حراما محضا‪ ،‬وإن كان ل يباح النتفاع به قبل أداء البدل‪.‬‬
‫اثنا عشر ـ ما يحرم وما يكره وما يستحب في الصدقة ‪:‬‬
‫يحرم السؤال على الغني بمال أو كسب‪ ،‬ويحرم عليه إظهار الفاقة وإن لم يسأل (‪ ، )4‬وعلى هذا‬
‫المعنى الخير حملوا خبر الذي مات من أهل الصّفة‪ ،‬وترك دينارين‪ ،‬فقال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«كيّتان من نار» ‪.‬‬
‫والمن بالصدقة يحبطها‪ ،‬أي يمنع ثوابها‪،‬لقوله تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا لتبطلوا صدقاتكم بالمن‬

‫والذى} [البقرة‪.]264/2:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد صحيح‪ ،‬ورواه مسلم بمعناه‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار ورد المحتار‪.97/2 :‬‬
‫(‪ )3‬المرجع السابق‪.35/2 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،120/3 :‬الحضرمية‪ :‬ص ‪.109‬‬

‫( ‪)3/395‬‬
‫ويكره تعمد الصدقة بالرديء‪ ،‬لقول ال تعالى‪{ :‬ول تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة‪،]267/2:‬‬
‫ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه (‪ ، )1‬لقوله سبحانه‪{ :‬لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل‬
‫عمران‪.]92/3:‬‬
‫وتكره الصدقة بما فيه شبهة‪ ،‬ويستحب أن يختار أجل ماله وأبعده عن الحرام والشبهة (‪ ، )2‬لحديث‬
‫أبي هريرة المتقدم في الصحيحين‪« :‬من تصدق بعِدْل تمرة من كسب طيب‪ ،‬ول يقبل ال إل الطيب‪،‬‬
‫فإن ال يقبلها بيمينه‪ ،‬ثم يربّيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَُلوّه حتى تكون مثل الجبل» ‪.‬‬
‫ويستحب أن تكون الصدقة مقرونة بطيب نفس وبشر‪ ،‬لما فيه من تكثير الجر وجبر القلب‪ .‬وتسن‬
‫التسمية عند الرفع إلى المتصدق عليه؛ لنها عبادة‪ ،‬قال العلماء‪ :‬ول يطمع المتصدق في الدعاء من‬
‫المتصدق عليه‪ ،‬لئل ينقص أجر الصدقة‪ ،‬فإن دعا له استحب أن يرد عليه مثلها لتسلم له صدقته (‪)3‬‬
‫‪.‬‬
‫ويكره لمن تصدق بصدقةأو دفع لغيره زكاة أو كفارة أو عن نذر وغيرها من وجوه الطاعات‪ :‬أن‬
‫يأخذ صدقته أو يتملك ممن أعطاه ببيع أو معاوضة أو هبة‪ ،‬أو غيره‪ ،‬ول يكره تملكه منه بالرث‪،‬ول‬
‫حمَلتُ على فرس‬
‫يكره أيضا أن يتملكه من غيره إذا انتقل إليه‪ ،‬لحديث عمر السابق في الصحيحين‪َ « :‬‬
‫في سبيل ال ‪ ،‬فأضاعه الذي كان عنده‪ ،‬فأردت أن أشتريه منه‪ ،‬وظننت أنه بائعه برخص‪ ،‬فسألت‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم عن ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬ل تشتره‪ ،‬وإن أعطاكه بدرهم‪ ،‬فإن العائد في صدقته‬
‫كالكلب يعود في قيئه» ‪.‬‬
‫ويلحظ أن من دفع إلى وكيله أو ولده أوغلمه أو غيرهم شيئا يعطيه لسائل أو غيره صدقة تطوع‪،‬‬
‫لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه المبعوث إليه‪ ،‬فإن لم يدفعه إلى من عينه‪ ،‬استحب له أل يعود فيه‪ ،‬بل‬
‫يتصدق به على غيره‪ ،‬فإن استرده وتصرف فيه‪ ،‬جاز؛ لنه باق على ملكه (‪. )4‬‬

‫ويكره للنسان أن يسأل بوجه ال غير الجنة‪ ،‬وأن يمنع من سأل بال ‪ ،‬وتشفع به (‪ ، )5‬لخبر «ل‬
‫يسأل بوجه ال إل الجنة» (‪ )6‬وخبر‪« :‬من استعاذ بال فأعيذوه‪ ،‬ومن سألكم بال فأعطوه‪ ،‬ومن‬
‫استجار بال فأجيروه‪ ،‬ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه‪ ،‬فإن لم تجدوا فادعوا له‪ ،‬حتى تعلموا أن قد‬
‫كافأتموه» (‪ )7‬أي جازيتموه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪.262/6 :‬‬
‫(‪ )2‬المرجع والمكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،123/3 :‬الحضرمية‪ :‬ص ‪.109‬‬
‫(‪ )4‬المجموع‪.263/6 :‬‬
‫(‪ )5‬مغني المحتاج‪.122/3:‬‬
‫(‪ )6‬رواه أبو داود والضياء في المختارة عن جابر بن عبد ال‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬
‫(‪ )7‬رواه أبو داود ‪ ،‬والنسائي واللفظ له‪ ،‬وابن حبان في صحيحه والحاكم‪ ،‬وقال‪ :‬صحيح على‬
‫شرطهما‪ ،‬من حديث عبد ال بن عمرو‪.‬‬

‫( ‪)3/396‬‬
‫ج وال ُعمْرة‬
‫البَابُ الخامسُ ‪ :‬الح ّ‬
‫فيه فصول ثلثة‪:‬‬
‫الفصل الول ـ أحكام الحج والعمرة‪.‬‬
‫الفصل الثاني ـ خصائص الحرمين ـ مكة والمدينة‪.‬‬
‫الفصل الثالث ـ آداب السفر للحج وغيره وآداب الحاج العائد بعد رجوعه من سفره‪.‬‬
‫ويلحظ أنني أخرت بحث الحج عن الصلة والزكاة والصوم؛ لن الصلة عماد الدين ولشدة الحاجة‬
‫إليها لتكررها كل يوم خمس مرات‪ ،‬ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع في القرآن‪ ،‬ثم‬
‫الصوم لتكرره كل سنة‪ ،‬وأما الحج ففي العمر مرة‪.‬‬
‫ج والعُمرة‬
‫صلُ الوّل‪ :‬أحكامُ الح ّ‬
‫ال َف ْ‬
‫وهو يشتمل على أمور ثلثة‪:‬‬
‫الول ـ بيان مقدمات هذه العبادة بمعرفة حكم كل من الحج والعمرة وشروطهما‪.‬‬
‫والثاني ـ مقومات الحج والعمرة وهي الفعال المطلوبة والمتروكات بالحرام‪ ،‬وفيه توضيح الركان‬

‫والواجبات والسنن‪.‬‬
‫والثالث ـ اللواحق وهي أحكام الفعال التابعة للحرام‪ ،‬من إحصار وفوات‪ ،‬وجزاء جنايات‪ ،‬وهدي‪.‬‬
‫وهذا الفصل هو صلب موضوع هذا الباب الذي خصصته لبيان الدعامة الرابعة من دعائم السلم بعد‬
‫بيان الدعامات الثلث‪ :‬وهي الصلة والصوم والزكاة‪.‬‬
‫ويمكن بحث موضوعاته في المباحث الثلثة عشر التالية‪:‬‬

‫( ‪)3/397‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الحج والعمرة ومكانتهما في السلم وحكمتهما وحكمهما‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروط الحج والعمرة (شروط الوجوب والصحة أو الداء) وموانعهما‪ .‬المبحث‬
‫الثالث ـ مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي صلّى ال عليه وسلم وعمرته‪.‬‬
‫المبحث الخامس ـ أركان الحج والعمرة‪.‬‬
‫المبحث السادس ـ واجبات الحج‪.‬‬
‫المبحث السابع ـ سنن الحج والعمرة‪.‬‬
‫المبحث الثامن ـ كيفية أداء الحج والعمرة‪.‬‬
‫المبحث التاسع ـ كيفية التحلل من الحج‪.‬‬
‫المبحث العاشر ـ محظورات الحرام ومباحاته‪.‬‬
‫المبحث الحادي عشر ـ جزاء الجنايات في الحج أو العمرة‪.‬‬
‫المبحث الثاني عشر ـ الحصار والفوات‪.‬‬
‫المبحث الثالث عشر ـ الهدي‪.‬‬
‫وأبدأ ببيانها على الترتيب المذكور‪.‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الحج والعمرة ومكانتهما في السلم وحكمتهما وحكمهما ‪:‬‬
‫أولً ـ تعريف الحج والعمرة ‪:‬‬
‫الحج لغة‪ :‬القصد مطلقا‪ ،‬وعن الخليل قال‪ :‬الحج‪ :‬كثرة القصد إلى من تعظمه‪.‬‬
‫وشرعا‪ :‬قصد الكعبة لداء أفعال مخصوصة‪ ،‬أو هو زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص‬
‫بفعل مخصوص‪ .‬والزيارة‪ :‬هي الذهاب‪ .‬والمكان المخصوص‪ :‬الكعبة وعرفة‪ .‬والزمن المخصوص‪:‬‬
‫هو أشهر الحج ‪ :‬وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة‪ ،‬والعشر الوائل من ذي الحجة‪ ،‬ولكل فعل زمن‬

‫خاص‪ ،‬فالطواف مثلً عند الجمهور‪ :‬من فجر النحر إلى آخر العمر‪ ،‬والوقوف بعرفة‪ :‬من زوال‬
‫الشمس يوم عرفة لطلوع فجر يوم النحر‪.‬والفعل المخصوص‪ :‬أن يأتي مُحْرما بنية الحج إلى أماكن‬
‫معينة (‪. )1‬‬
‫وتاريخ مشروعيته على الصحيح‪ :‬أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة‪ ،‬وأن آية فرضه‬
‫هي قوله تعالى‪{ :‬ول على الناس حج البيت} [آل عمران‪ ]97/3:‬نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع‬
‫وهو رأي أكثر العلماء‪ ،‬وأنه صلّى ال عليه وسلم لم يؤخر الحج بعد فرضه عاما واحدا‪ ،‬وإنما أخره‬
‫عليه السلم للسنة العاشرة لعذر‪ ،‬وهو نزول الية بعد فوات الوقت (‪ ، )2‬فكان حجه بعد الهجرة حجة‬
‫واحدة سنة عشر‪ ،‬كما روى أحمد ومسلم‪.‬‬
‫والعمرة لغة‪ :‬الزيارة‪ ،‬وقيل‪ :‬القصد إلى مكان عامر‪ ،‬وسميت بذلك؛ لنها تفعل في العمر كله‪.‬‬
‫وشرعا‪ :‬قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي (‪ . )3‬وليغني عنها الحج وإن اشتمل عليها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،189/2:‬اللباب‪ ،177/1 :‬فتح القدير‪ ،120/2 :‬مغني المحتاج‪ 459/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫المغني‪ ،217/3 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،2/2 :‬كشاف القناع‪.437/2 :‬‬
‫(‪ )2‬حاشية ابن عابدين نقلً عن ابن القيم‪.190/2 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،460/1 :‬كشاف القناع‪ 436/2:‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/398‬‬
‫ثانيا ـ مكانة الحج والعمرة في السلم وحكمتهما ‪:‬‬
‫الحج‪ :‬هو الركن الخامس من أركان السلم‪ ،‬فرضه ال تعالى على المستطيع‪ ،‬والعمرة مثله‪ ،‬فهما‬
‫أصلن عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{وأتموا الحج والعمرة ل } [البقرة‪ ]196/2:‬وهي سنة عند المالكية والحنفية‪ ،‬كما سأبين‪ ،‬وقد اعتمر‬
‫عمَر‪ ،‬كلهن في ذي القعْدة إل التي مع حَجّته (‪ : )1‬الولى من‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أربع ُ‬
‫الحديبية سنة ست من الهجرة‪ ،‬والثانية سنة سبع وهي عمرة القضاء‪ ،‬والثالثة سنة ثمان عام الفتح‪،‬‬
‫والرابعة مع حجته سنة عشر‪ ،‬وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي الحجة‪.‬‬
‫قال القاضي حسين من الشافعية‪ :‬الحج أفضل العبادات لشتماله على المال والبدن‪ ،‬وقال الحليمي‪:‬‬
‫الحج يجمع معاني العبادات كلها‪ ،‬فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل ال‬
‫وغزا‪ ،‬ولنا دعينا إليه‪ ،‬ونحن في أصلب الباء كاليمان الذي هو أفضل العبادات‪.‬‬

‫والراجح عند الشافعية والحنابلة أن الصلة أفضل منه (‪ )2‬؛ لن الصلة عماد الدين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم عن أنس (شرح مسلم‪ 234/8 :‬وما بعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬المرجعان والمكانان السابقان رقم (‪.)3‬‬

‫( ‪)3/399‬‬
‫وهل الحج أفضل من الجهاد؟‬
‫اختلفت الحاديث المشتملة على بيان فاضل العمال من مفضولها‪ ،‬فتارة تجعل الفضل الجهاد‪ ،‬وتارة‬
‫اليمان‪ ،‬وتارة الصلة‪ ،‬وتارة غير ذلك‪ ،‬من هذه الحاديث‪ :‬حديث الشيخين عن أبي هريرة قال‪:‬‬
‫«سئل رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬أي العمال أفضل؟ قال‪ :‬إيمان بال وبرسوله‪ ،‬قيل‪ :‬ثم ماذا؟‬
‫قال‪ :‬ثم الجهاد في سبيل ال ‪ ،‬قيل‪ :‬ثم ماذا؟ قال‪ :‬ثم حج مبرور» ‪،‬ومنها حديث الجماعة إل أبا داود‬
‫عن أبي هريرة أيضا‪« :‬العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما‪ ،‬والحج المبرور ليس له جزاء إل الجنة»‬
‫والمبرور‪ :‬المقبول‪ ،‬ورجح النووي أنه الذي ل يخالطه شيء من الثم‪.‬‬
‫قال الشوكاني (‪ : )1‬وأحق ما قيل في الجمع بين الحاديث‪ :‬أن بيان الفضيلة يختلف باختلف‬
‫المخاطب‪ ،‬فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال‪ ،‬وقوة مقارعة البطال‪ ،‬قيل له‪ :‬أفضل العمال‪:‬‬
‫الجهاد‪ ،‬وإذا كان كثير المال‪ ،‬قيل له‪ :‬أفضل العمال‪ :‬الصدقة‪ ،‬ثم كذلك يكون الختلف على حسب‬
‫اختلف المخاطبين‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬الحج ولو تطوّعا أفضل من الجهاد‪ ،‬إل في حالة الخوف من العدو‪ ،‬فيفضل‬
‫الجهاد على حج التطوع‪.‬‬
‫حكمة المشروعية‪ :‬يتحقق بالحج والعمرة فرض الكفاية وهو إحياء الكعبة كل سنة بالعبادة‪ ،‬وتمتاز‬
‫العمرة عن الحج بإمكانها في كل أيام العام أو العمر‪ ،‬فهي أيسر من الحج الذي يتقيد بأيام معلومات‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ 282/4 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪.10/2 :‬‬

‫( ‪)3/400‬‬

‫وللحج فوائد شخصية وجماعية‪ ،‬أما أهم فوائده الشخصية فهي ما يأتي‪ :‬يكفّر الحج الذنوب الصغائر‬
‫ويطهر النفس من شوائب المعاصي‪ ،‬وقال بعض العلماء كبعض الحنفية‪ :‬والكبائر أيضا‪ ،‬بدليل‬
‫الحديث السابق‪« :‬العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إل الجنة» فل‬
‫يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه‪ ،‬بل ل بد أن يدخل الجنة‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم أيضا‪« :‬من حج‪ ،‬فلم يرفُث‪ ،‬ولم يفسُق‪ ،‬رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمّه» (‪ )1‬أي بغير ذنب‪.‬‬
‫وقال عليه السلم‪« :‬الحجاج وال ُعمّار وفد ال ‪ ،‬إن دعوه أجابهم‪ ،‬وإن استغفروه غفر لهم» (‪ )2‬وقال‬
‫أيضا‪ُ « :‬ي ْغفَر للحاج‪ ،‬ولمن استغفر له الحاج» (‪. )3‬‬
‫قال القاضي عياض‪ :‬أجمع أهل السنة أن الكبائر ل يكفرها إل التوبة‪ ،‬ول قائل بسقوط الدين‪ ،‬ولو حقا‬
‫ل تعالى‪ ،‬كدين الصلة والزكاة‪.‬‬
‫فالحج يغفر الذنوب‪ ،‬ويزيل الخطايا إل حقوق الدميين‪ ،‬فإنها تتعلق بالذمة‪ ،‬حتى يجمع ال أصحاب‬
‫الحقوق‪ ،‬ليأخذ كل حقه‪ ،‬ومن الجائز أن ال تعالى يتكرم‪ ،‬فيرضي صاحب الحق بما أعد له من النعيم‬
‫وحسن الجزاء‪ ،‬فيسامح المدين تفضلً وتكرما‪ ،‬فل بد من أداء حقوق الدميين‪ ،‬أما حقوق ال فمبنية‬
‫على تسامح الكريم الغفور الرحيم‪.‬‬
‫والحج يطهر النفس‪ ،‬ويعيدها إلى الصفاء والخلص‪ ،‬مما يؤدي إلى تجديد الحياة‪ ،‬ورفع معنويات‬
‫النسان‪ ،‬وتقوية المل وحسن الظن بال تعالى‪.‬‬
‫ويقوي الحج اليمان‪ ،‬ويعين على تجديد العهد مع ال ‪ ،‬ويساعد على التوبة الخالصة الصدوق‪،‬‬
‫ويهذب النفس‪ ،‬ويرقق المشاعر ويهيج العواطف نحو بيت ال العتيق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه عن أبي هريرة البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه‪ ،‬والترمذي إل أنه قال‪« :‬غفر له‬
‫ماتقدم من ذنبه» والرفث‪ :‬الفحش من القول‪ ،‬وقيل‪ :‬هو الجماع‪ .‬والفسق‪ :‬المعصية‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه عن أبي هريرة النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما‪ ،‬ولفظهما‪« :‬وفد‬
‫ال ثلثة‪ :‬الحاج‪ ،‬والمعتمر‪ ،‬والغازي» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البزار والطبراني في الصغير‪ ،‬وابن خزيمة في صحيحه والحاكم‪ ،‬ولفظهما‪« :‬اللهم اغفر‬
‫للحاج‪ ،‬ولمن استغفر له الحاج» ‪.‬‬

‫( ‪)3/401‬‬

‫ويذكر الحج المؤمن بماضي السلم التليد‪ ،‬وبجهاد النبي صلّى ال عليه وسلم والسلف الصالح الذين‬
‫أناروا الدنيا بالعمل الصالح‪.‬‬
‫والحج كغيره من السفار يعوّد النسان على الصبر وتحمل المتاعب‪ ،‬ويعلم النضباط والتزام‬
‫الوامر‪ ،‬فيستعذب اللم في سبيل ال تعالى‪ ،‬ويدفع إلى التضحية واليثار‪.‬‬
‫وبالحج يؤدي العبد لربه شكر النعمة‪ :‬نعمة المال‪ ،‬ونعمة العافية‪ ،‬ويغرس في النفس روح العبودية‬
‫الكاملة‪ ،‬والخضوع الصادق الكيد لشرع ال ودينه‪ ،‬قال الكاساني (‪ : )1‬في الحج إظهار العبودية‬
‫وشكر النعمة‪ ،‬أما إظهار العبودية فهو إظهار التذلل للمعبود‪ ،‬وفي الحج ذلك؛ لن الحاج في حال‬
‫إحرامه يظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والرتفاق‪ ،‬ويظهر بصورة عبد سخط عليه موله‪،‬‬
‫فيتعرض بسوء حاله لعطف موله‪ .‬وأما شكر النعمة‪ :‬فلن العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية‪،‬‬
‫والحج عبادة ل تقوم إل بالبدن والمال‪ ،‬ولهذا ل يجب إل عند وجود المال وصحة البدن‪ ،‬فكان فيه‬
‫شكر النعمتين‪ ،‬وشكر النعمة ليس إل استعمالها في طاعة المنعم‪ ،‬وشكر النعمة واجب عقلً وشرعا‪.‬‬
‫وأما أهم فوائد الحج الجماعية‪ :‬فهو أنه يؤدي بل شك إلى تعارف أبناء المة على اختلف ألوانهم‬
‫ولغاتهم وأوطانهم‪ ،‬وإمكان تبادل المنافع القتصادية الحرة فيما بينهم‪ ،‬والمذاكرة في شؤون المسلمين‬
‫العامة‪ ،‬وتعاونهم صفا واحدا أمام أعدائهم‪ ،‬وغير ذلك مما يدخل في معنى قوله تعالى‪{ :‬ليشهدوا منافع‬
‫لهم} [الحج‪.]28/22:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.118/2 :‬‬

‫( ‪)3/402‬‬
‫ويُشعر الحج بقوة الرابطة الخوية مع المؤمنين في جميع أنحاء الرض المعبر عنها في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ إنما المؤمنون إخوة } [الحجرات‪ ]10/49:‬ويحس الناس أنهم حقا متساوون‪ ،‬ل فضل لعربي على‬
‫أعجمي‪ ،‬ول لبيض على أسود إل بالتقوى‪.‬‬
‫ويساعد الحج على نشر الدعوة السلمية ودعم نشاط الدعاة في أنحاء المعمورة‪ ،‬على النحو الذي بدأ‬
‫به النبي نشر دعوته بلقاء وفود الحجيج كل عام‪.‬‬
‫وأما العتماد على موسم الحج ليكون مؤتمرا شعبيا عاما لمخاطبة المؤمنين‪ ،‬فهو غير مطلوب شرعا؛‬
‫لن المعول في السياسة السلمية على رأي أهل الخبرة والختصاص والمشورة‪ ،‬فهم المرجع‬
‫والمقصد‪ ،‬ولن كثرة المسلمين الهائلة تمنع تحقيق الفائدة المرجوة‪ ،‬ولن تخطيط السياسة ووضع‬

‫المنهج السلمي منوط برأي الحكام المسلمين‪ ،‬ولم يعد بيد أحد من الفراد العاديين شيء من النفوذ‬
‫أو السلطة لتحقيق شيء يذكر‪.‬‬
‫ثالثا ـ حكم الحج والعمرة ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على فرضية الحج مرة في العمر‪ ،‬بدليل الكتاب والسنة‪.‬‬
‫أما الكتاب‪ :‬فقول ا ل تعالى‪{ :‬ول على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلً‪ ،‬ومن كفر فإن ال‬
‫غني عن العالمين} [آل عمران‪ ]97/3:‬روي عن ابن عباس‪« :‬ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب»‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل} [البقرة‪ ]196/2:‬وقال سبحانه‪{ :‬وأذن في الناس بالحج يأتوك‬
‫رجالً‪ ،‬وعلى كل ضامر‪ ،‬يأتين من كل فج عميق‪ ،‬ليشهدوا منافع لهم‪ ،‬ويذكروا اسم ال في أيام‬
‫معلومات} [الحج‪.]28-27/22:‬‬
‫وأما السنة‪ :‬فقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬بني السلم على خمس‪ :‬شهادة أن ل إله إل ال ‪،‬‬
‫وأن محمدا رسول ال ‪ ،‬وإقامِ الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وحج البيت‪ ،‬وصوم رمضان» (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما ‪.‬‬

‫( ‪)3/403‬‬
‫كون فريضة الحج مرة‪ :‬الدليل على فرضية الحج مرة واحدة في العمر بأصل الشرع‪ :‬هو حديث أبي‬
‫هريرة‪ ،‬قال‪« :‬خطبنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬قد فرض ال عليكم الحج‬
‫فحجّوا‪ ،‬فقال رجل‪ :‬أكلّ عام يا رسول ال ؟ فسكت‪ ،‬حتى قالها ثلثا‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪ :‬لو قلت‪ :‬نعم‪ ،‬لوجَبَت ولما استطعتم» (‪ )1‬وحديث ابن عباس بمعناه‪ ،‬وفيه تعيين الرجل وهو القرع‬
‫بن حابس‪ ،‬وفيه أيضا «من زاد فهو تطوع» (‪ ، )2‬ويؤكده أن المر ل يقتضي التكرار‪ ،‬فل يكون‬
‫المر القرآني مفيدا تكرار الحج‪.‬‬
‫وأما حديث البيهقي وابن حبان المر بالحج في كل خمسة أعوام فمحمول على الندب‪ ،‬ونصه عن‬
‫الخدري‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪ :‬يقول ال عز وجل‪ :‬إن عبدا صحّحت له جسمه‪،‬‬
‫ووسّعت عليه في المعيشة‪ ،‬تمضي عليه خمسة أعوام‪ ،‬ل َيفِد إلي لمحروم» أي من جمع له الصحة‬
‫والقوة واليسار مندوب له الحج كل خمس سنين‪ ،‬وإل كان محروما من الجر ومطرودا من رضوان‬
‫ال تعالى‪.‬‬
‫وأجمع العلماء على أن الحج ل يجب إل مرة (‪ ، )3‬والزائد عن ذلك تطوع‪ ،‬قال صلّى ال عليه وسلم‬

‫‪« :‬تابعوا بين الحج والعمرة‪ ،‬فإنهما ينفيان الفقر والذنوب‪ ،‬كما ينفي الكير خَبَث الحديد والذهب‬
‫والفضة‪ ،‬وليس للحجة المبرورة ثواب إل الجنة» (‪. )4‬‬
‫وقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض‪ :‬كنذر بأن يقول‪ :‬ل علي حجة؛ لن النذر من أسباب الوجوب‬
‫في العبادات والقرب المقصودة‪ ،‬وكذلك يجب في حالة القضاء عند إفساد التطوع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم والنسائي (نيل الوطار‪ ،279/4 :‬شرح مسلم‪.)101/9 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والنسائي (نيل الوطار‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬شرح مسلم‪ ،101/9:‬المجموع‪ ،8/7:‬نيل الوطار‪ ،280/4 :‬الدر المختار‪ ،190/2 :‬فتح القدير‪:‬‬
‫‪.122/2‬‬
‫(‪ )4‬رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود‪.‬‬

‫( ‪)3/404‬‬
‫وقد يحرم الحج كالحج بمال حرام‪ ،‬وقد يكره كالحج بل إذن ممن يجب استئذانه (‪ ، )1‬كأحد أبويه‬
‫المحتاج إلى خدمته‪ ،‬والجداد والجدات كالبوين عند فقدهما‪ ،‬وكالدائن الغريم لمدين ل مال له يقضي‬
‫به‪ ،‬وكالكفيل لصالح الدائن‪ ،‬فيكره خروجه بل إذنهم أي الب والدائن‪ .‬والكراهة عند الحنفية‬
‫تحريمية‪.‬‬
‫وذكر المالكية والشافعية والحنفية أنه مع عصيان الحاج بمال حرام‪ ،‬فإنه يصح الحج فرضا أو نفلً‬
‫بالمال الحرام كالصلة في الرض المغصوبة‪ ،‬ويسقط عنه الفرض والنفل‪ ،‬إذ ل منافاة بين الصحة‬
‫والعصيان‪ .‬وخالف الحنابلة فلم يجيزوا الحج بالمال الحرام‪ ،‬إذ ل تصح عندهم الصلة في الرض‬
‫المغصوبة‪.‬‬
‫نوع الفرضية‪ :‬الُنسُك إما فرض عين‪ ،‬وهو على من لم يحج بالشروط التية‪ ،‬وإما فرض كفاية‪ :‬وهو‬
‫إحياء الكعبة كل سنة بالحج والعمرة‪ ،‬وإما تطوع محض‪ ،‬ول يتصور إل في الرقاء والصبيان‪ ،‬وإما‬
‫مندوب كل خمس سنوات‪.‬‬
‫تكرار العمرة‪ :‬ل بأس عند الشافعية والحنابلة والحنفية أن يعتمر في السنة مرارا (‪ )2‬؛ لن عائشة‬
‫اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي صلّى ال عليه وسلم عمرة مع قرانها‪ ،‬وعمرة بعد حجها‪ ،‬ولن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم قال فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة‪« :‬العمرة إلى العمرة كفارة‬
‫لما بينهما» ‪.‬‬

‫وكره المالكية تكرار العمرة في السنة‪ ،‬وقال النخعي‪ :‬ما كانوا يعتمرون في السنة إل مرة‪ ،‬ولن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم لم يفعله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،223/2 :‬مغني المحتاج‪ ،460/1،470 :‬الشرح الكبير‪.10/2 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،226/3:‬شرح مسلم‪.118/9 :‬‬

‫( ‪)3/405‬‬
‫هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟‬
‫للعلماء في ذلك اتجاهان‪:‬‬
‫قال أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية في أرجح القولين والحنابلة (‪ : )1‬يجب الحج بعد توافر‬
‫الستطاعة وبقية الشروط التية على الفور في العام الول‪ ،‬أي في أول أوقات المكان‪ ،‬فيفسق وترد‬
‫شهادته بتأخيره سنينا؛ لن تأخيره معصية صغيرة‪ ،‬وبارتكابه مرة ل يفسق إل بالصرار‪ ،‬لن‬
‫الفورية ظنية‪ ،‬بسبب كون دليلها ظنيا كما قال الحنفية‪ ،‬ويدل عليه أنه لو تراخى كان أداء‪ ،‬وإن أثم‬
‫بموته قبله‪ ،‬وقالوا‪ :‬لو لم يحج حتى أتلف ماله‪ ،‬وسعه أن يستقرض ويحج‪ ،‬ولو غير قادر على وفائه‪،‬‬
‫ويرجى أل يؤاخذه ا ل بذلك إذا كان ناويا الوفاء لو قدر‪ .‬وذكر الحنابلة أن من فرط فيه حتى توفي‬
‫أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة‪ .‬واستدلوا بقوله تعالى‪ { :‬ول على الناس حج البيت من‬
‫استطاع إليه سبيلً } [آل عمران‪ ]97/3:‬وقوله‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل } [البقرة‪ ]196/2:‬والمر‬
‫على الفور عندهم‪.‬‬
‫واستدلوا أيضا بأحاديث منها‪« :‬حجوا قبل أن ل تحجوا» (‪ )2‬وحديث «تعجّلوا إلى الحج يعني‬
‫الفريضة‪ ،‬فإن أحدكم ل يدري ما يعرِض له» (‪ )3‬وحديث «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو‬
‫مشقة ظاهرة أو سلطان جائر‪ ،‬فلم يحج‪ ،‬فليمت‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 191/2 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،119/2 :‬الشرح الصغير‪ ،4/2 :‬كشاف القناع‪،465/2 :‬‬
‫المغني‪.241 ،208/3 :‬‬
‫(‪ )2‬حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن علي‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو القاسم الصبهاني عن ابن عباس‪ ،‬وفي سنده أبو إسرائيل ضعيف الحفظ (نيل‬
‫الوطار‪.)284/4:‬‬

‫( ‪)3/406‬‬
‫إن شاء يهوديا‪ ،‬وإن شاء نصرانيا» (‪ )1‬ورواية الترمذي‪« :‬من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت ال ‪،‬‬
‫ولم يحج فل عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا‪ ،‬وذلك لن ال تعالى قال في كتابه‪ { :‬ول على الناس‬
‫حج البيت من استطاع إليه سبيل } (‪[ )2:‬آل عمران‪ ]97/3:‬وهي مع غيرها تدل على وجوب الحج‬
‫على الفور‪ ،‬فإنه ألحق الوعيد بمن أخر الحج عن أول أوقات المكان؛ لنه قال‪« :‬من ملك‪ ..‬فلم‬
‫يحج» والفاء للتعقيب بل فصل‪ ،‬أي لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة‪ ،‬بل فاصل‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ )3‬ومحمد من الحنفية‪ :‬وجوب الحج على التراخي‪ ،‬وليس معناه تعين التأخير‪ ،‬بل‬
‫بمعنى عدم لزوم الفور‪ ،‬ويسن لمن وجب عليه الحج أوالعمرة بنفسه أو بغيره أل يؤخر ذلك عن سنة‬
‫المكان‪ ،‬مبادرة إلى براءة ذمته‪ ،‬ومسارعة إلى الطاعات‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فاستبقوا الخيرات} [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]148/2‬ولنه إذا أخره عرّضه للفوات ولحوادث الزمان‪ .‬ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة؛ لن‬
‫فريضة الحج نزلت على المشهور عندهم سنة ست‪ ،‬فأخر النبي صلّى ال عليه وسلم إلى سنة عشر‬
‫من غير عذر‪ ،‬فلو لم يجز التأخير لما أخره‪.‬‬
‫وهذا الرأي أولى ليسره على الناس وعدم الحكم بالتأثيم‪ ،‬ولن الحاديث التي احتج بها الجمهور كلها‬
‫ضعيفة‪ ،‬والحج فرض سنة ست عند نزول سورة آل عمران‪ ،‬كما حقق الشافعية‪ ،‬ومن قال‪ :‬إنه فرض‬
‫سنة عشر فقد أخطأ؛ لن السورة نزلت قبلها قطعا‪ ،‬لكن تعجيل الحج ضروري للحتياط‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة مرفوعا‪ ،‬وفيه ليث بن أبي سليم‬
‫ضعيف (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )2‬قال الترمذي‪ :‬غريب‪ ،‬في إسناده مقال‪ ،‬وفيه ضعف‪.‬‬
‫(‪ )3‬شرح المجموع‪ 82/7 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،199/1 :‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،17‬مغني المحتاج‪،460/1 :‬‬
‫‪.470‬‬

‫( ‪)3/407‬‬
‫حكم العمرة‪ :‬قال الحنفية على المذهب والمالكية على أرجح القولين (‪ : )1‬العمرة سنة (مؤكدة) مرة‬
‫واحدة في العمر؛ لن الحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعداد فرائض السلم لم يذكر منها‬
‫العمرة‪ ،‬مثل حديث ابن عمر‪« :‬بني السلم على خمس» فإنه ذكر الحج مفردا‪ ،‬وروى جابر أن‬

‫أعرابيا جاء إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ « :‬يا رسول ال ‪ ،‬أخبرني عن العمرة‪،‬‬
‫أواجبة هي؟ فقال‪ :‬ل‪ ،‬وأن تعتمر خير لك» (‪ )2‬وفي رواية «أولى لك» ‪.‬‬
‫وروى أبو هريرة‪« :‬الحج جهاد والعمرة تطوع» (‪. )3‬‬
‫وقال الشافعية في الظهر‪ ،‬والحنابلة (‪ : )4‬العمرة فرض كالحج‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة‬
‫ل } [البقرة‪ ]196/2:‬أي ائتوا بهما تامين ومقتضى المر الوجوب‪ ،‬ولخبر عائشة رضي ال عنها‬
‫قالت‪« :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬هل على النساء جهاد؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬جهاد ل قتال فيه‪ :‬الحج والعمرة» (‪. )5‬‬
‫ويظهر لي أن الرأي الثاني أصح‪ ،‬لدللة هذه الية‪ ،‬ولضعف أحاديث الفريق الول‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،206/2 :‬فتح القدير‪ ،306/2 :‬البدائع‪ ،226/2 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،126‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،4/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،142‬بداية المجتهد‪ .1312/1 :‬ويلحظ أن الكاساني في البدائع‬
‫اختار القول بوجوب العمرة كصدقة الفطر والضحية والوتر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وصححه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد (نيل الوطار‪)281/4 :‬‬
‫لكن في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف‪ ،‬وتصحيح الترمذي له فيه نظر؛ لن الكثر على‬
‫تضعيف الحجاج‪ ،‬قال النووي‪ :‬اتفق الحفاظ على ضعفه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الدارقطني والبيهقي وابن حزم‪ ،‬وإسناده ضعيف‪ ،‬كما قال الحافظ ابن حجر‪ ،‬وقال أيضا‪:‬‬
‫ول يصح من ذلك شيء (نيل الوطار‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،460/1 :‬اليضاح في مناسك الحج للنووي‪،‬ص ‪ ،71‬المغني‪ 223/3:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة‪.‬‬

‫( ‪)3/408‬‬
‫وذكر الحنابلة عن أحمد‪ :‬أنه ليس على أهل مكة عمرة‪ ،‬بدليل أن ابن عباس كان يرى العمرة واجبة‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬يا أهل مكة‪ ،‬ليس عليكم عمرة‪ ،‬إنما عمرتكم طوافكم بالبيت‪ .‬وروي أيضا عن عطاء‪ ،‬لن‬
‫ركن العمرة ومعظمها بالطواف بالبيت‪ ،‬وهم يفعلونه‪ ،‬فأجزأ عنهم‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروط الحج والعمرة وموانعهما ‪:‬‬
‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ شروط الحج والعمرة ‪:‬‬
‫الشروط‪ :‬إما عامة للرجال والنساء‪ ،‬أو خاصة بالنساء‪ ،‬وهي إن توفرت وجب الحج وأداؤه‪ ،‬وإل فل‪.‬‬

‫أما الشروط العامة‪ :‬فمنها ما هو شرط وجوب وصحة أو أداء‪ :‬وهو السلم والعقل‪ ،‬ومنها ما هو‬
‫شرط للوجوب والجزاء وليس بشرط للصحة‪ :‬وهو البلوغ والحرية‪ ،‬ومنها ما هو شرط للوجوب‬
‫فقط‪ :‬وهو الستطاعة‪.‬‬
‫وهذه الشروط هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬السلم‪ :‬فل يجب الحج على الكافر وجوب مطالبة به في الدنيا حال كفره‪ ،‬ول يصح منه‪ ،‬لعدم‬
‫أهليته لداء العبادة‪ ،‬فلو حج الكافر‪ ،‬ثم أسلم يجب عليه حجة السلم‪ ،‬ول يعتد بما حج في حال‬
‫الكفر‪ .‬وكذا ل يجب عند الحنفية على الكافر في حق أحكام الخرة‪ ،‬فل يؤاخذ بالترك‪ ،‬لعدم خطاب‬
‫الكافر بفروع الشريعة‪ ،‬ويؤاخذ عند الجمهور‪ ،‬لنه مخاطب بالفروع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،123،160-120/2 :‬فتح القدير‪ 120/2:‬ومابعدها‪ ،‬الد ر المختار‪ ،199-193/2:‬اللباب‪:‬‬
‫‪ ،177/1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،127‬الشرح الصغير‪ ،13-6/2:‬بداية المجتهد‪ 308/1:‬وما بعدها‪،‬‬
‫المجموع‪ ،25-17/7:‬مغني المحتاج‪ ،465-461/1:‬المهذب‪ 195/1،198:‬كشاف القناع‪-440/2:‬‬
‫‪ ،450‬المغني‪ ،250-248 ،222،241-208/3 :‬متن اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪ ،99‬المجموع‪-17/1 :‬‬
‫‪ ،47‬غاية المنتهى‪.361-350/1:‬‬

‫( ‪)3/409‬‬
‫ويرى المالكية أن السلم شرط صحة ل وجوب‪ ،‬فيجب الحج على الكافر ول يصح منه إل بالسلم‪.‬‬
‫والشافعية أوجبوا الحج على المرتد ول يصح منه إل إذا أسلم‪ ،‬أما الكافر الصلي فل يجب عليه‪.‬‬
‫‪ - 2‬التكليف أي البلوغ والعقل‪ :‬فل يجب على الصغير والمجنون؛ لنهما غير مطالبين بالحكام‬
‫الشرعية‪ ،‬فل يلزمهما الحج‪ ،‬ول يصح الحج أو العمرة أيضا من المجنون؛ لنه ليس أهلً للعبادة‪ ،‬ولو‬
‫حجّا ثم بلغ الصغير‪ ،‬وأفاق المجنون‪ ،‬فعليهما حجة السلم‪ ،‬وما فعله الصبي قبل البلوغ يكون‬
‫تطوعا‪ .‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن النائم حتى يستيقظ‪ ،‬وعن الصبي‬
‫حتى يشب‪ ،‬وعن المعتوه حتى يعقل» (‪ ، )1‬وقال أيضا‪« :‬أيّما صبي حج به أهله‪ ،‬فمات أجزأت عنه‪،‬‬
‫فإن أدرك فعليه الحج‪ ،‬وأيما رجل مملوك حج به أهله‪ ،‬فمات‪ ،‬أجزأت عنه‪ ،‬فإن أُعتق فعليه الحج» (‬
‫‪. )2‬‬
‫ول يبطل الحرام بالجنون والغماء والموت والسكر والنوم كالصوم‪.‬‬
‫ولو حج الصبي‪ ،‬صح حجه‪ ،‬ولم يجزئه عن حجة السلم‪.‬‬

‫ولو حج المجنون والصبي الذي ل يعقل (غير المميز) لم يصح أداؤه منهما‪ ،‬لن أداءه يتوقف على‬
‫العقل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه‪ ،‬والترمذي وقال‪ :‬حديث حسن‪ ،‬وهو من رواية علي‪.‬‬
‫(‪ )2‬ذكره أحمد مرسلً‪ ،‬ورواه الحاكم عن ابن عباس‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬ولم‬
‫يخرجاه ( نصب الراية‪ ،6/3 :‬نيل الوطار‪ ) 293/4 :‬ورواه أيضا الشافعي وسعيد بن منصور‪.‬‬

‫( ‪)3/410‬‬
‫إحجاج الصغير والمجنون ‪:‬‬
‫أ ـ قال الشافعية والمالكية والحنابلة (‪ : )1‬للولي من أب أو جد مثلً حللً كان أو محرما‪ ،‬حج عن‬
‫نفسه أم ل‪ ،‬أن يحرم عن الصغير المميز أو عن غير المميز‪ ،‬أو عن المجنون‪ ،‬فينوي الولي بقلبه‬
‫جعل كل منهما محرما‪ ،‬أو يقول‪ :‬أحرمت عنه‪ ،‬ول يشترط حضورهما ول مواجهتهما بالحرام‪ ،‬ول‬
‫يصير الولي بذلك محرما‪ .‬ول يجوز الحرام عن المغمى عليه والمريض‪.‬‬
‫والدليل على جواز الحرام عن الصغير والمجنون‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم لقي َركْبا‬
‫بال ّروْحاء‪ ،‬فقال‪ :‬من القوم؟ قالوا‪ :‬المسلمون‪ ،‬فقالوا‪ :‬من أنت؟ فقال‪ :‬رسول ال‪ ،‬ف َرفَعت إليه امرأة‬
‫صبيا‪ ،‬فسألت‪ :‬ألهذا حج؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ولكِ أجر» (‪. )2‬‬
‫إذن الولي‪ :‬ل يجوز للصبي المميز أن يحرم إل بإذن وليه وهو الب‪ ،‬أو الجد عند عدم الب‪،‬‬
‫والوصي والقيم كالب على الصحيح عند الشافعية‪ ،‬ول يتوله الخ والعم والم على الصح عندهم‬
‫إذا لم يكن له إيصاء ول ولية من الحاكم‪.‬‬
‫وللولي أن يأذن لمن يحرم عن الصبي‪.‬‬
‫وحيث صار الصبي غير المميز أو المجنون محرما فعل الولي ما ل يتأتى منه‪ ،‬ول يكفي فيه فعل‬
‫الولي فقط‪ ،‬بل لبد من استصحابه معه‪ ،‬فيطوف به ويسعى‪ ،‬ولكن يركع عنه ركعتي الحرام‬
‫والطواف‪ ،‬وإن أركبه الولي في الطواف والسعي‪ ،‬فليكن سائقا أو قائدا للدابة‪ ،‬فإن لم يفعل لم يصح‬
‫طوافه‪.‬‬
‫ويجب على الصغير طهارة الخبث وستر العورة في الطواف‪ ،‬ول يشترط طهارة الحدث (الوضوء)‪.‬‬
‫ويحضر الولي الصغير والمجنون المواقف‪ ،‬وجوبا في الواجبة‪ ،‬وندبا في المندوبة‪ ،‬فإن قدر الصغير‬
‫ونحوه على الرمي رمى وجوبا‪ ،‬وإن عجز عن تناول الحجار‪ ،‬ناولها له وليه‪ .‬وإن عجز عن الرمي‪،‬‬

‫استحب للولي أن يضع الحجر في يده‪ ،‬ثم يرمي به بعد رميه عن نفسه‪ ،‬فإن لم يكن رمى عن نفسه‪،‬‬
‫وقع الرمي عن نفسه‪ ،‬وإن نوى به الصبي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 461/1:‬ومابعدها‪ ،‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،99‬المجموع‪ 34/7:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،10/2‬المغني‪.254-252/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس (نيل الوطار‪ )293/4 :‬وفي معناه حديث‬
‫ضعيف عن جابر‪ ،‬قال‪« :‬حججنا مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان‪ ،‬فلبينا‬
‫عن الصبيان‪ ،‬ورمينا عنهم» ‪ ،‬رواه الترمذي وابن ماجه‪ ،‬وعن ابن عمر قال‪« :‬كنانحج بصبياننا‪،‬‬
‫فمن استطاع منهم رمى‪ ،‬ومن لم يستطع رمي عنه» ‪.‬‬

‫( ‪)3/411‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن كل ما أمكن الصبي فعله بنفسه‪ ،‬لزمه فعله‪ ،‬ول ينوب غيره عنه‪ ،‬كالوقوف والمبيت‬
‫بمزدلفة ونحوهما‪ ،‬وما عجز عنه‪ ،‬عمله الولي عنه‪.‬‬
‫ولو فرّط المميز في شيء من أعمال الحج‪ ،‬كان وجوب الدم في مال الولي‪ ،‬ويجب عليه منعه من‬
‫محظورات الحرام‪ .‬أما غير المميز فل فدية في ارتكابه محظورا على أحد‪.‬‬
‫والنفقة الزائدة بسبب السفر في مال الولي في الصح؛ لنه المورط له في ذلك‪.‬‬
‫وإذا جامع الصبي في حجه‪ ،‬فسد وقضى ولو في حال الصبا‪ ،‬كالبالغ المتطوع بجامع صحة إحرام كل‬
‫منهما‪ ،‬فيعتبر فيه لفساد حجه ما يعتبر في البالغ‪ ،‬من كونه عامدا عالما بالتحريم‪ ،‬مختارا مجامعا قبل‬
‫التحللين‪.‬‬
‫ويكتب للصبي ثواب ما عمل من الطاعات‪ ،‬ول يكتب عليه معصية بالجماع‪ .‬ب ـ وقال أبو حنيفة‬
‫في المشهور عنه‪ :‬ل يصح حج الصبي‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن الصبي حتى‬
‫يبلغ‪ »..‬الخ وقياسا على النذر‪ ،‬فإنه ل يصح منه‪ ،‬ولنه ل يجب عليه‪ ،‬ول يصح منه‪ ،‬ولنه لو صح‬
‫منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده‪ ،‬ولنه عبادة بدنية‪ ،‬فل يصح عقدها من الولي للصبي كالصلة‪.‬‬
‫‪ - 3‬الحرية‪ :‬فل يجب الحج على العبد؛ لنه عبادة تطول مدتها‪ ،‬وتتعلق بقطع مسافة‪ ،‬وتشترط لها‬
‫الستطاعة بالزاد والراحلة‪ ،‬ويضيع حقوق سيده المتعلقة به‪ ،‬فلم يجب عليه كالجهاد‪.‬‬
‫حكم الحج حال الصبا والرق‪ :‬وبناء على هذا الشرط وما قبله (‪ : )1‬من حج وهو غير بالغ‪ ،‬فبلغ‪ ،‬أو‬
‫كان عبدا فعتق‪ ،‬بعد انتهاء وقت عرفة‪ ،‬فعليه الحج كما تقدم‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬أيما صبي حج به‬

‫أهله‪ ...‬فإن أدرك فعليه الحج‪ ،‬وأيما مملوك حج به أهله‪ ...‬فإن أعتق فعليه الحج» ‪.‬‬
‫وإن بلغ الصبي‪ ،‬أو عتق العبد قبل الوقوف بعرفة‪ ،‬فأحرما ووقفا بعرفة‪ ،‬وأتما المناسك‪ ،‬أجزأهما عن‬
‫حجة السلم‪ ،‬بل خلف؛ لنه لم يفتهما شيء من أركان الحج‪ ،‬ول فعل شيئا منها قبل وجوبه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،121/2:‬الشرح الصغير‪ ،10/2:‬المجموع ‪ ،47-43/7:‬المغني‪ ،250-248/3:‬كشاف‬
‫القناع‪ ،442/2:‬اللباب‪ 177/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/412‬‬
‫وإن حدث البلوغ قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف‪ ،‬وهما محرمان‪ ،‬أجزأهما الحج عند‬
‫الشافعية والحنابلة أيضا عن حجة السلم؛ لن الواحد منهما أدرك الوقوف حرا بالغا‪ ،‬فأجزأه‪ ،‬كما لو‬
‫أحرم تلك الساعة‪.‬‬
‫ولم يجزئهما عند المالكية والحنفية؛ لنه يشترط لداء الحج أن يكون المحرم وقت الحرام حرا مكلفا‬
‫(أي بالغا عاقلً)‪ ،‬وإحرامهما انعقد لداء النفل‪ ،‬فل ينقلب لداء الفرض‪.‬‬
‫لكن قال الحنفية‪ :‬لو جدد الصبي الحرام قبل الوقوف بأن لبى أو نوى حجة السلم وأتم أعمال الحج‬
‫من وقوف وطواف زيارة وسعي وغيرها‪ ،‬جاز‪ ،‬أما العبد لو فعل ذلك فلم يجز؛ لن إحرام الصبي‬
‫ل للنتقاض‪ ،‬فإذا جدد الحرام بحجة السلم‪،‬‬
‫وقع صحيحا غير لزم‪ ،‬لعدم الهلية‪ ،‬فكان محتم ً‬
‫انتقض‪ .‬وأما إحرام العبد فإنه وقع لزما‪ ،‬لكونه أهلً للخطاب‪ ،‬فانعقد إحرامه تطوعا‪ ،‬فل يصح‬
‫إحرامه الثاني إل بفسخ الول‪ ،‬وإنه ليحتمل النفساخ‪ .‬وبه يختلف إحرامهما عن الكافر والمجنون‪،‬‬
‫فإنه ل ينعقد إحرامهما أصلً لعدم الهلية‪.‬‬
‫الذن للصبي وللعبد وللزوجة‪ :‬ليس للصبي المميز الحرام بالحج إل بإذن وليه ول يصح إحرامه‬
‫بغير إذنه؛ لنه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم‪ ،‬فلم ينعقد عند غير الحنفية بنفسه كالبيع‪.‬‬
‫وليس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده بل خلف‪ ،‬لنه يفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما‬
‫ليس بواجب‪ ،‬فإن فعل انعقد إحرامه صحيحا؛ لنها عبادة بدنية‪ ،‬فصح من العبد الدخول فيها بغير إذن‬
‫سيده‪ ،‬كالصلة والصوم‪ ،‬ولسيده تحليله في الصح عند الشافعية والحنابلة (‪ )1‬؛ لن في بقائه عليه‬
‫تفويتا لحقه من منافعه بغير إذنه‪ ،‬فلم يلزم ذلك سيده كالصوم المضر ببدنه‪ ،‬ويكون حينئذ كالمحصر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ ،41-36/7 :‬كشاف القناع‪ ،449-442/2:‬المغني‪.250/3 :‬‬

‫( ‪)3/413‬‬
‫وليس للزوجة الحرام نفلً (تطوعا) إل بإذن زوج‪ ،‬لتفويت حقه‪ ،‬وللزوج إن أحرمت زوجته بغير‬
‫إذنه تحليلها منه؛ لن حقه لزم‪ ،‬فملك إخراجها من الحرام كالعتكاف‪ ،‬وتكون كالمحصر؛ لنها في‬
‫معناه‪.‬‬
‫وليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر‪ ،‬ول تحليله منه‪ ،‬ول يجوز للولد طاعتهما فيه‪ ،‬أي‬
‫جمَع‪ ،‬والسفر للعلم‬
‫في ترك الحج الواجب أو التحليل‪ ،‬وكذا في كل ما وجب‪ ،‬كصلة الجماعة‪ ،‬وال ُ‬
‫الواجب؛ لنها فرض‪ ،‬فلم يعتبر إذن البوين فيها‪ ،‬كالصلة‪.‬‬
‫‪ - 4‬الستطاعة البدنية والمالية والمنية الموجبة للحج‪ :‬وهي القدرة على الوصول إلى مكة‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬ول على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلً} [آل عمران‪ ،]97/3:‬لكن للفقهاء بعض‬
‫الختلفات في حدود ووجوه الستطاعة‪.‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬الستطاعة أنواع ثلثة‪ :‬بدنية ومالية وأمنية‪ ،‬أما الستطاعة البدنية‪:‬فهي صحة‬
‫البدن‪ ،‬فل حج على المريض وال ّزمِن وال ُم ْقعَد والمفلوج والعمى وإن وجد قائدا‪ ،‬والشيخ الكبير الذي‬
‫ل يثبت على الراحلة بنفسه‪ ،‬والمحبوس‪ ،‬والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج؛‬
‫لن ال تعالى شرط الستطاعة لوجوب الحج‪ ،‬والمراد منها استطاعة التكليف‪ :‬وهي سلمة السباب‬
‫ووسائل الوصول‪ .‬ومن جملة السباب‪:‬سلمة البدن عن الفات المانعة من القيام بما ل بد منه في‬
‫سفر الحج‪ ،‬فسر ابن عباس {من استطاع إليه سبيلً} [آل عمران‪ ]97/3:‬أن السبيل أن يصح بدن‬
‫العبد‪ ،‬ويكون له ثمن زاد وراحلة‪ ،‬من غير أن يحجب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،125-121/2:‬اللباب‪ ،177/1 :‬الدر المختار‪.199-194/2 :‬‬

‫( ‪)3/414‬‬
‫وأما الستطاعة المالية‪ :‬فهي ملك الزاد والراحلة‪،‬بأن يقدر على الزاد ذهابا وإيابا‪ ،‬وعلى الراحلة ـ‬
‫وسيلة الركوب‪ ،‬زائدا ذلك عن حاجة مسكنه وما ل بد منه كالثياب وأثاث المنزل والخادم ونحو ذلك؛‬
‫لنها مشغولة بالحاجة الصلية‪ ،‬وزائدا أيضا عن نفقة عياله الذين تلزمه نفقاتهم إلى حين عودته‪.‬‬
‫ويشترط في القدرة على الراحلة شروط‪:‬‬
‫أ ـ أن تكون مختصة به‪ ،‬فل يكفي القدرة على راحلة مشتركة يركبها مع غيره على التعاقب‪.‬‬

‫والقدرة اليوم بالشتراك في السيارات أو البواخر أو الطائرات‪.‬‬
‫ب ـ أن تكون بحسب أحوال الناس‪ :‬فمن ل يستطيع الركوب على القتَب (وهو الرّحْل أو الكاف‬
‫الصغير حول سنام البعير) ولم يجد شيئا آخر كالهودج أو المحمل‪ ،‬ليجب عليه الحج‪.‬‬
‫جـ ـ أن تطلب بالنسبة للفاقي‪ :‬وهو من كان بعيدا عن مكة بثلثة أيام فأكثر‪ .‬أما المكي أو القريب‬
‫من مكة (وهو من كان بينه وبين مكة أقل من ثلثة أيام)‪ ،‬فيجب عليه الحج متى قدر على المشي‪.‬‬
‫وأما الستطاعة المنية‪ :‬فهي أن يكون الطريق آمنا بغلبة السلمة ولو بالرشوة؛ لن استطاعة الحج ل‬
‫تثبت بدونه‪ ،‬وهو شرط وجوب‪ ،‬في المروي عن أبي حنيفة‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬إنه شرط أداء‪.‬‬
‫صهْريّة‪،‬‬
‫وأمن المرأة‪ :‬أن يكون معها أيضا مَحْرم بالغ عاقل أو مراهق مأمون غير فاسق‪ ،‬برحم أو ِ‬
‫أو زوج‪ ،‬يحج بها على نفقتها‪ ،‬ويكره تحريما أن تحج المرأة بغير المحرم أو الزوج‪ ،‬إذا كان بينها‬
‫وبين مكة مدة سفر‪ :‬وهي مسيرة ثلثة أيام ولياليها فصاعدا‪،‬فلو حجت بل محرم جاز مع الكراهة‪،‬‬
‫والصح أنه ل يجب عليها التزوج عند فقد المحرم‪ ،‬ووجود المحرم شرط وجوب‪ ،‬وقيل‪ :‬شرط أداء‪.‬‬
‫لكن لتسافر المرأة مع أخيها رضاعا في زماننا لغلبة الفساد‪ ،‬لكراهة الخلوة بها كالصهرة (الحماية )‬
‫الشابة‪.‬‬

‫( ‪)3/415‬‬
‫والذي اختاره الكمال بن الهمام في الفتح أن وجود المحرم مع توافر الصحة وأمن الطريق شروط‬
‫وجوب الداء‪ ،‬فيجب اليصاء إن منع المرض أو خوف الطريق‪ ،‬أو لم يوجد زوج ول محرم‪.‬‬
‫ثم إن شرط وجوب الحج من الزاد والراحلة وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده‪ ،‬فإن جاء‬
‫وقت الخروج والمال في يده‪ ،‬فليس له أن يصرفه في غيره‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬الستطاعة‪ :‬هي إمكان الوصول إلى مكة بحسب العادة‪ ،‬إما ماشيا أو راكبا‪ ،‬أي‬
‫الستطاعة ذهابا فقط‪ ،‬ول تعتبر الستطاعة في الياب إل إذا لم يمكنه القامة بمكة أو في أقرب بلد‬
‫يمكنه أن يعيش فيه‪ ،‬ول يلزم رجوعه لخصوص بلده‪.‬‬
‫وتكون الستطاعة بثلثة أشياء‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫أ ـ قوة البدن‪ :‬أي إمكان الوصول لمكة إمكانا عاديا بمشي أو ركوب‪ ،‬ببرّ أو بحر‪ ،‬بل مشقة فادحة‪،‬‬
‫أي عظيمة خارجة عن العادة‪ ،‬أما المشقة المعتادة فل بد منها‪ ،‬إذ السفر قطعة من العذاب‪.‬‬
‫والستطاعة بالقدرة على المشي مما تفرد به المالكية‪ .‬حتى إن العمى القادر على المشي يجب عليه‬
‫الحج إذا وجد قائدا يقوده‪ .‬ويكره للمرأة الحج بمشي بعيد‪.‬‬

‫ب ـ ووجود الزاد المبلّغ بحسب أحوال الناس وبحسب عوائدهم‪ ،‬ويقوم مقام الزاد الصنعة إذا كانت‬
‫ل تزري بصاحبها وتكفي حاجته‪.‬‬
‫ويدل ذلك على أن المالكية لم يشترطوا وجود الزاد والراحلة بالذات‪ ،‬فالمشي يغني عن الراحلة لمن‬
‫قدر عليه‪ ،‬والصنعة التي تدر ربحا كافيا تغني عن اصطحاب الزاد أو النفقة عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،10-5/2 :‬الشرح الصغير‪ ،13-10/2:‬بداية المجتهد‪ ،309/1:‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪.127‬‬

‫( ‪)3/416‬‬
‫وتتحقق الستطاعة بالقدرة على الوصول إلى مكة‪ ،‬ولو بثمن شيء يباع على المفلس من ماشية‬
‫وعقار وكتب علم وآلة صانع ونحوها‪ ،‬أو حتى ولو صار فقيرا بعد حجه‪ ،‬أو ولو ترك أولده ومن‬
‫تلزمه نفقته للصدقة عليهم من الناس إن لم يخش عليهم هلكا أو أذىً شديدا‪ ،‬بأن كان الشأن عدم‬
‫الصدقة عليهم أو عدم من يحفظهم‪.‬‬
‫ول يجب الحج بالستدانة ولو من ولده إذا لم يرج وفاء‪ ،‬وبالعطية من هبة أو صدقة بغير سؤال‪ ،‬ول‬
‫بالسؤال مطلقا أي سواء أكانت عادته السؤال أم ل‪ ،‬لكن الراجح أن من عادته السؤال بالحضر‪ ،‬وعلم‬
‫أو ظن العطاء في السفر ما يكفيه‪ ،‬يجب عليه الحج‪ ،‬أي أن معتاد السؤال في بلده يجب عليه الحج‬
‫بشرط ظن العطاء‪ ،‬وإل فل يجب عليه‪.‬‬
‫جـ ـ توافر السبيل‪ :‬وهي الطريق المسلوكة بالبر أو بالبحر متى كانت السلمة فيه غالبة‪ ،‬فإن لم‬
‫تغلب فل يجب الحج إذا تعين البحر طريقا‪ .‬ويكره للمرأة الحج في ركوب بحر إل أن تختص بمكان‬
‫في السفينة‪.‬‬
‫وهذا يتطلب كون الطريق آمنا على النفس والمال من غاصب وسارق وقاطع طريق‪ :‬إذا كان المال ذا‬
‫شأن بالنسبة للمأخوذ منه‪ ،‬فقد يكون الدينار ذا بال بالنسبة لشخص‪ ،‬ول شأن له بالنسبة لخر‪ .‬ويزاد‬
‫في حق المرأة‪ :‬أن يكون معها زوج أو محرم بنسب أو رضاع أو صهرية (‪ )1‬من محارمها‪ ،‬أو رفقة‬
‫مأمونة عند عدم الزوج أو المحرم في حج الفرض ومنه النذر والحنث‪ ،‬سواء أكانت الرفقة نساء فقط‪،‬‬
‫أم مجموعا من الرجال والنساء‪ .‬وإذا كانت المرأة معتدة من طلق أو وفاة وجب عليها البقاء في بيت‬
‫العدة‪ ،‬فلو فعلت صح حجها مع الثم‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬للستطاعة المباشرة بالنفس بحج أو عمرة لمن كان بعيدا عن مكة مسافة القصر‬

‫(‪ 89‬كم) شروط سبعة تشمل أنواع الستطاعة الثلثة السابقة‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يحل لمرأة تؤمن بال واليوم الخر أن تسافر يوما وليلة إل‬
‫ومعها مَحْرم» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،0470-463/1:‬المهذب‪ ،198-196/1:‬اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪. 17-16‬‬

‫( ‪)3/417‬‬
‫الول ـ القدرة البدنية‪ :‬بأن يكون صحيح الجسد‪ ،‬قادرا أن يثبت على الراحلة بل ضرر شديد أو‬
‫مشقة شديدة‪ ،‬وإل فهو ليس بمستطع بنفسه‪ .‬وعلى العمى الحج والعمرة إن وجد قائدا يقوده ويهديه‬
‫عند نزوله‪ ،‬ويركبه عند ركوبه‪ .‬والمحجور عليه بسفه يجب عليه الحج كغيره‪ ،‬لكن ل يدفع المال إليه‬
‫لئل يبذره‪ ،‬بل يخرج معه الولي بنفسه إن شاء لينفق عليه في الطريق بالمعروف‪ ،‬أو يرسل معه‬
‫شخصا ثقة ينوب عن الولي‪ ،‬ولو بأجرة مثله‪ ،‬إن لم يجد متبرعا كافيا‪ ،‬لينفق عليه بالمعروف‪.‬‬
‫الثاني ـ القدرة المالية‪ :‬بوجود الزاد وأوعيته‪ ،‬ومؤنة (كلفة) ذهابه لمكة وإيابه (أي رجوعه منها إلى‬
‫بلده‪ ،‬وإن لم يكن له فيها أهل وعشيرة) ‪.‬‬
‫فإن كان يكتسب كل يوم ما يفي بزاده‪ ،‬وسفره طويل (مرحلتان فأكثر أي ‪ 98‬كم) ‪ ،‬لم يكلف الحج‪،‬‬
‫حتى ولو كسب في يوم كفاية أيام؛ لنه قد ينقطع عن‬
‫الكسب لعارض‪ ،‬وإذا قدر عدم النقطاع‪ ،‬فالجمع بين تعب السفر والكسب‪ ،‬فيه مشقة عظيمة‪ .‬وذلك‬
‫خلفا لمذهب المالكية السابق في الكتفاء بالصنعة أثناء السفر‪ .‬أما إن كان السفر قصيرا‪ ،‬كأن كان‬
‫بمكة‪ ،‬أو على دون مرحلتين منها‪ ،‬وهو يكتسب في يوم كفايةأيام‪ ،‬كُلّف الحج‪ ،‬لقلة المشقة حينئذ‪.‬‬
‫الثالث ـ وجود الراحلة (وسيلة الركوب) الصالحة لمثله بشراء بثمن المثل‪ ،‬أو استئجار بأجرة المثل‪،‬‬
‫لمن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر‪ ،‬قدر على المشي أم ل‪ ،‬خلفا للمالكية‪ ،‬ولكن يستحب للقادر‬
‫على المشي الحج خروجا من خلف من أوجبه‪ .‬وهذا الشرط من القدرة المالية أيضا‪.‬‬

‫( ‪)3/418‬‬
‫ومن كان بينه ومن مكة دون مرحلتين‪ ،‬وهو قوي على المشي‪ ،‬يلزمه الحج‪ ،‬فإن ضعف عن المشي‪،‬‬
‫بأن عجز أو لحقه ضرر ظاهر‪ ،‬فهو كالبعيد‪ ،‬فيشترط في حقه وجود الراحلة‪.‬‬
‫ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه الحال أو المؤجل‪ ،‬لدمي أم ل تعالى كنذر وكفارة‪،‬‬

‫وعن مؤنة (‪ )1‬أي نفقة من تلزمه نفقته مدة ذهابه وإيابه‪ ،‬لئل يضيعوا‪ ،‬وقد قال صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪« :‬كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» (‪. )2‬‬
‫والصح كون الزاد والراحلة فاضلين أيضا عن مسكنه اللئق به وعن خادمه المحتاج إليه لمنصب أو‬
‫عجز‪ ،‬لحتياجه لهما في الحال‪.‬‬
‫والصح أنه يلزم المرء صرف مال تجارته إلى الزاد والراحلة وتوابعهما‪ .‬ويلزم من له مستغلت‬
‫(أماكن أو دور للستثمار) يحصل منها نفقته أن يبيعها ويصرفها لما ذكرفي الصح‪ ،‬كما يلزمه‬
‫صرفها لوفاء دينه‪.‬‬
‫الرابع ـ وجود الماء والزاد وعلف الدابة في المواضع المعتاد حمله منها‪ ،‬بثمن المثل‪ :‬وهو القدر‬
‫المناسب به في ذلك الزمان والمكان‪ ،‬وإن غلت السعار‪ .‬فإن لم يوجدوا‪ ،‬أو وجد أحدهم‪ ،‬أو وجد‬
‫بأكثر من ثمن المثل‪ ،‬لم يلزمه النسك (الحج والعمرة)‪ .‬وهذا شرط أيضا في القدرة المالية‪.‬‬
‫الخامس ـ الستطاعة المنية‪ :‬أمن الطريق ولو ظنا على نفسه وماله في كل مكان بحسب ما يليق‬
‫به‪ ،‬والمراد هو المن العام‪ ،‬فلو خاف على نفسه أو زوجه أو ماله سبعا أو عدوا أو رَصديّا (وهو من‬
‫يرصد أي يرقب من يمر ليأخذ منه شيئا)‪ ،‬ول طريق له سواه‪ ،‬لم يجب الحج عليه‪ ،‬لحصول الضر‪.‬‬
‫وإذا تحقق المن بالخفارة أو الحراسة في غالب الظن‪ ،‬وجب استئجار الحارس على الصح‪ ،‬إن كان‬
‫قادرا على أجر المثل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬التعبير بالمؤنة‪ :‬أي الكلفة يشمل النفقة والكسوة والخدمة والسكنى وإعفاف الب (تزويجه)‪ ،‬وكذا‬
‫أجرة الطبيب وثمن الدوية للقريب المحتاج إليها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬

‫( ‪)3/419‬‬
‫السادس ـ أن يكون مع المرأة زوج‪ ،‬أو َمحْرم بنسب أو غيره‪ ،‬أو نسوة ثقات؛ لن سفرها وحدها‬
‫حرام‪ ،‬وإن كانت في قافلة أو مع جماعة‪ ،‬لخوف استمالتها وخديعتها‪ ،‬ولخبر الصحيحين‪« :‬ل تسافر‬
‫المرأة يومين إل ومعها زوجها أو ذو محرم» ول يشترط كون الزوجة والمحرم ثقة؛ لن الوازع‬
‫الطبيعي أقوى من الشرعي‪.‬‬
‫وأما النسوة فيشترط فيهن الثقة لعدم المن‪ ،‬والبلوغ‪ ،‬لخطر السفر‪ ،‬ويكتفى بالمراهقات في رأي‬
‫المتأخرين‪ ،‬وأن يكنّ ثلثا غير المرأة؛ لنه أقل الجمع‪،‬ول يجب الخروج مع امرأة واحدة‪ .‬وهذا كله‬

‫شرط للوجوب‪ .‬أما الجواز فيجوز للمرأة أن تخرج لداء حجة السلم (الفرض) مع المرأة الثقة على‬
‫الصحيح‪ .‬والصح أنه ل يشترط وجود محرم لحداهن‪ ،‬والصح أنه يلزم المرأة أجرة المحرم إذا لم‬
‫يخرج إل بها‪ .‬أما حج التطوع وغيره من السفار التي ل تجب‪ ،‬فليس للمرأة أن تخرج إليه مع امرأة‪،‬‬
‫بل ول مع النسوة الخلص‪ ،‬لكن لو تطوعت بحج‪ ،‬ومعها محرم‪ ،‬فمات‪ ،‬فلها إتمامه‪ ،‬ولها الهجرة من‬
‫بلد الكفر وحدها‪.‬‬
‫السابع ـ إمكان المسير‪ :‬وهو أن يبقى من وقت الحج بعد القدرة بأنواعها ما يكفي لدائه‪ .‬وتعتبر‬
‫الستطاعة عند دخول وقته وهو شوال إلى عشر ذي الحجة‪ ،‬فل يجب الحج إذا عجز في ذلك الوقت‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬الستطاعة المشترطة‪ :‬هي القدرة على الزاد والراحلة؛ لن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم فسر الستطاعة بالزاد والراحلة‪ ،‬فوجب الرجوع إلى تفسيره‪« :‬سئل النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫ما السبيل؟ قال‪ :‬الزاد والراحلة» (‪ )2‬روى ابن عمر‪« :‬جاء رجل إلى النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬مايوجب الحج؟ قال‪ :‬الزاد والراحلة» (‪. )3‬‬
‫واتفق الشافعية في الصح والحنابلة على أنه ل يلزم الحج إذا بذل المال ولد أو أجنبي‪ ،‬ول يجب‬
‫قبوله‪ ،‬لما في قبول المال من المنة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،222-218/3:‬كشاف القناع‪.454-450/2:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني عن جابر وابن عمر وابن عمرو وأنس وعائشة رضي ال عنهم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬

‫( ‪)3/420‬‬
‫ورأى الحنابلة كالشافعية أن من تكلف الحج ممن ل يلزمه‪ ،‬وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره‪،‬‬
‫مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة ونحوها‪ ،‬وليسأل الناس‪ ،‬استحب له الحج‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يأتوك‬
‫رجالً وعلى كل ضامر} [الحج‪ ]27/22:‬فقدم الرجال أي المشاة‪ ،‬ولن في ذلك مبالغة في طاعة ال‬
‫عز وجل‪ ،‬وخروجا من الخلف‪ .‬ويكره الحج لمن حرفته السؤال‪.‬‬
‫والزاد المشروطة عند الحنابلة كالشافعية‪ :‬وهو ما يحتاج إليه في ذهابه‬
‫ورجوعه‪ ،‬من مأكول ومشروب وكسوة‪ ،‬ويلزمه شراؤه بثمن المثل‪ ،‬أو بزيادة يسيرة ل تجحف بماله‪.‬‬
‫ويلزمه حمل الزاد والماء وعلف البهائم إن لم يجده في طريقه‪ ،‬فإن وجده في المنازل المعتادة‪ ،‬لم‬
‫يلزمه حمله؛ لن هذا يشق عليه ولم تجر العادة به‪.‬‬

‫ويشترط أيضا القدرة على وعاء الزاد والماء؛ لنه ل بد منه‪.‬‬
‫ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه؛ لنه ل بد منه‪ ،‬فإن لم يحتج إليه لم يعتبر‪.‬‬
‫وأما الراحلة أو المركوب‪ :‬فيشترط أن تكون صالحة لمثله‪ ،‬إما بشراء أو بكراء لذهابه ورجوعه‪ ،‬وأن‬
‫يجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله‪ .‬ويطلب وجود الراحلة مع بعد المسافة فقط عن مكة‪،‬‬
‫ولو قدر على المشي‪ ،‬لن الستطاعة هي الزاد والراحلة‪ ،‬وبعد المسافة‪ :‬ما تقصر فيه الصلة‪ ،‬أي‬
‫مسيرة يومين معتدلين‪ ،‬ول تعتبر الراحلة فيما دون مسافة القصر‪ ،‬من مكي وغيره بينه وبين مكة‬
‫دون المسافة‪ ،‬ويلزمه المشي للقدرة على المشي فيها غالبا‪ ،‬ولن مشقتها يسيرة‪ ،‬ول يخشى فيها‬
‫المشي للقدرة على المشي فيها غالبا‪ ،‬ول يخشى فيها عطب إذا حدث انقطاع بها‪ ،‬إل مع عجز لكبر‬
‫ونحوه كمرض‪ ،‬فتعتبر الراحلة‪ ،‬حتى فيما دون المسافة للحاجة إليها إذن‪ .‬ول يلزمه السير حبوا وإن‬
‫أمكنه لمزيد مشقته‪.‬‬

‫( ‪)3/421‬‬
‫ويشترط أن يكون الزاد والراحلة فاضلً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم في مضيه‬
‫ورجوعه‪ ،‬دون ما بعد رجوعه؛ لن النفقة متعلقة بحقوق الدميين‪ ،‬وهم أحوج‪ ،‬وحقهم آكد‪ ،‬وقد قال‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» (‪. )1‬‬
‫وأن يكون ذلك فاضلً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لبد منه‪ ،‬وأن يكون فاضلً‬
‫عن قضاء دينه؛ لن قضاء الدين من حوائجه الصلية‪ ،‬ويتعلق به حقوق الدميين‪ ،‬فهو آكد‪.‬‬
‫وإن احتاج إلى الزواج وخاف على نفسه العنت (الثم والمر الشاق) قدم التزويج‪ ،‬لنه واجب عليه‬
‫ول غنى به عنه‪ ،‬فهو كنفقته‪ ،‬وإن لم يخف قدم الحج؛ لن الزواج تطوع‪ ،‬فل يقدم على الحج‬
‫الواجب‪.‬‬
‫ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه‪ ،‬أو سكنى عياله‪ ،‬أو يحتاج إلى أجرته‪ ،‬لنفقة نفسه أو عياله‪ ،‬أو‬
‫بضاعة متى نقصها اختل ربحها‪ ،‬لم يكفهم‪ ،‬أو سائمة يحتاجون إليها‪ ،‬لم يلزمه الحج‪ ،‬فإن كان له من‬
‫ذلك شيء فاضل عن حاجته‪ ،‬لزمه بيعه في الحج‪ .‬وإن كان له كتب يحتاج إليها‪ ،‬لم يلزمه بيعها في‬
‫الحج‪ ،‬وإن كانت مما ل يحتاج إليها‪ ،‬باع منها ما يكفيه للحج‪.‬‬
‫وإن كان له دين على مليء باذل له يكفيه للحج‪ ،‬لزمه الحج؛ لنه قادر‪ ،‬وإن كان على معسر أو تعذر‬
‫استيفاؤه عليه‪ ،‬لم يلزمه‪.‬‬
‫ويشترط أيضا أمن الطريق بحيث ل يوجد مانع من عدو ونحوه‪ .‬ووجود زوج أو محرم للمرأة‪ ،‬فل‬

‫يجب عليها الحج ما لم يكن معها أحدهما‪ .‬وإمكان المسير وهو أن تكمل فيه هذه الشرائط والوقت‬
‫متسع يمكنه الخروج إلى الحج (‪ . )2‬وهذا موافق لمذهبي الحنفية والشافعية أيضا‪ ،‬لكن عند الحنابلة‬
‫روايتان في هذين الشرطين‪ :‬رواية أنهما من شرائط الوجوب كالحنفية والشافعية‪ ،‬فل يجب الحج‬
‫بدونهما‪ ،‬ورواية أنهما من شرائط لزوم السعي إلى الحج‪ ،‬فمن مات يجب الحج‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد ال بن عمرو‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪..... 124-123/2 :‬‬

‫( ‪)3/422‬‬
‫عنه بعد موته لثبوته في ذمته‪ ،‬أما على الرواية الولى فلم يجب عليه شيء‪ ،‬وهذا هو المذهب‪.‬‬
‫وليس للرجل منع امرأته من حجة السلم عند أكثر العلماء‪ ،‬وهو قول للشافعي؛ لنه فرض‪ ،‬فلم يكن‬
‫له منعها منه‪ ،‬كصوم رمضان والصلوات الخمس‪ .‬ويستحب أن تستأذنه في ذلك‪ ،‬فإن أذن وإل‬
‫خرجت بغير إذنه‪ .‬فأما حج التطوع فله منعها منه‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬للزوج منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون؛ لن حقه على الفور‪ ،‬والنسك على‬
‫التراخي‪ ،‬وليس له منعها من الصوم والصلة‪ ،‬والفرق‪ :‬طول مدة الحج‪ ،‬بخلفهما‪.‬‬
‫الشروط الخاصة بالنساء‪ :‬أما الشروط الخاصة بالنساء فهي اثنان تفهم مما سبق بيانه في المذاهب‬
‫وهما‪:‬‬
‫أحدهما ـ أن يكون معها زوجها أو مَحْرم لها‪ ،‬فإن لم يوجد أحدهما ل يجب عليها الحج‪ .‬وهذا متفق‬
‫عليه للحديث السابق‪« :‬ل تسافر المرأة ثلثة إل ومعها ذو محرم» (‪ )1‬ولحديث‪« :‬ل تحجن امرأة إل‬
‫ومعها زوج» (‪ ، )2‬وأوجب الشافعية على المرأة الحج مع نسوة ثقات‪ ،‬ل مع واحدة فقط‪ ،‬وأوجب‬
‫المالكية عليها الحج مع رفقة مأمونة من النساء فقط أو الرجال فقط‪ ،‬أو المجموع من الجنسين‪ .‬ودليل‬
‫الشافعية والمالكية عموم آية‪{ :‬ول على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلً} [آل عمران‪]97/3:‬‬
‫فإذا أمنت المرأة الفساد على نفسها لزمها الحج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه عند البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر (نيل الوطار‪.)290/4:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني وصححه أبو عوانة (نيل الوطار‪.)491/4 :‬‬

‫( ‪)3/423‬‬

‫وضابط المحرم عند العلماء‪ :‬من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها أي بنسب أو‬
‫رضاع أو مصاهرة‪ .‬فخرج بالتأبيد‪ :‬زوج الخت وزوج العمة‪ ،‬وخرج بالمباح‪ :‬أم الموطوءة بشبهة‬
‫وبنتها‪ ،‬وخرج بحرمتها‪ :‬الزوجة الملعنة (‪ )1‬هذا ويلحظ أن الخلف بين الشافعية والمالكية وبين‬
‫باقي الفقهاء محصور في سفر الفريضة ومنه سفر الحج‪ ،‬فل يقاس عليه سفر الختيار بالجماع‪،‬‬
‫خطب النبي صلّى ال عليه وسلم فقال‪« :‬ل يخلون رجل بامرأة إل ومعها ذو محرم‪ ،‬ول تسافر المرأة‬
‫إل مع ذي محرم‪ ،‬فقام رجل‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن امرأتي خرجت حاجة‪ ،‬وإني اكتتبت في غزوة‬
‫كذا وكذا‪ ،‬فقال‪ :‬انطلق‪ ،‬فحج مع امرأتك» (‪. )2‬‬
‫والثاني ـ أل تكون معتدة عن طلق أو وفاة؛ لن ال تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله عز‬
‫وجل‪{ :‬ل تخرجوهن من بيوتهن ول يخرجن} [الطلق‪ ]1/65:‬ولن الحج يمكن أداؤه في وقت آخر‪،‬‬
‫فأما العدة فإنها تجب في وقت مخصوص وهو ما بعد الطلق أو الوفاء مباشرة‪ ،‬فكان الجمع بين‬
‫المرين أولى‪.‬‬
‫ويلحظ أن هذين الشرطين مع شروط سلمة البدن من الفات المانعة من السفر كالمرض والعمى‪،‬‬
‫وزوال المانع الحسي كالحبس‪ ،‬وأمن الطريق هي شروط وجوب الداء عند الحنفية وهي خمسة‪ ،‬أما‬
‫شروط الوجوب أو الفرضية فهي ثمانية عندهم‪ :‬وهي السلم والعقل والبلوغ والحرية والوقت‬
‫والقدرة على الزاد ولو بمكة‪ ،‬والقدرة على الراحلة والقوة بل مشقة‪.‬‬
‫ولو تكلف واحد ممن له عذر فحج عن نفسه‪ ،‬أجزأه عن حجة السلم إذا كان عند الحنفية بالغا عاقلً‬
‫حرا؛ لنه من أهل الفرض‪ ،‬إل أنه لم يجب عليه‪،‬دفعا للحرج عنه‪ ،‬فإذا تحمل الحرج وقع الحج‬
‫موقعه‪.‬‬
‫ومنع الحنابلة خروج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة‪ ،‬وأجازوا لها الخروج في عدة الطلق المبتوت؛‬
‫لن لزوم المنزل والمبيت فيه واجب في عدة الوفاة‪ ،‬والطلق المبتوت ل يجب فيه ذلك‪ .‬وأما عدة‬
‫الرجعية إن خرجت للحج فتوفي زوجها‪ ،‬رجعت لتعتد في منزلها إن كانت قريبة‪ ،‬ومضت في سفرها‬
‫إن كانت بعيدة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.291/4 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن ابن عباس‪ ،‬واللفظ لمسلم (سبل السلم‪.)183/2:‬‬

‫( ‪)3/424‬‬

‫النيابة في الحج والحج عن الغير (‪: )1‬‬
‫بحث هذا الموضوع يقتضي ما يأتي‪:‬‬
‫أولً ـ ما يقبل النيابة من العبادات وما ل يقبلها ‪:‬‬
‫العبادات أنواع ثلثة (‪: )2‬‬
‫أ ـ عبادة مالية محضة كالزكاة والكفارة وتوزيع الضاحي‪ :‬يجوز النيابة فيها بالتفاق في حالتي‬
‫الختيار والضرورة؛ لن المقصود انتفاع أهلها بها‪ ،‬وذلك حاصل بأي شخص‪ ،‬أصيل أو نائب‪.‬‬
‫ب ـ عبادة بدنية محضة كالصلة والصوم‪ :‬ل تجوز النيابة فيها؛ لن المقصود وهو إتعاب النفس ل‬
‫يحصل بالنابة‪.‬‬
‫جـ ـ عبادة مركبة ـ بدنية ومالية معا ـ كالحج‪ :‬يجوز فيها عند الجمهور (غير المالكية) النيابة‬
‫عند العجز أو الضرورة؛ لن المشقة المقصودة تحصل بفعل النفس‪ ،‬وتحصل أيضا بفعل الغير إذا‬
‫كان بماله‪ ،‬فهذه العبادة تختلف عن الصلة باشتمالها على القربة المالية غالبا بالنفاق في السفار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال بعض أئمة النحاة‪ :‬منع قوم إدخال أل على غير وكل وبعض؛ لن هذه ل تتعرف بالضافة‬
‫فل تتعرف باللف واللم‪ ،‬وقال ابن عابدين‪ :‬إنها تدخل عليها؛ لن اللف واللم هنا ليست للتعريف‪،‬‬
‫ولكنها المعاقبة للضافة‪( .‬رد المحتار‪.)323/2:‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ 308/2:‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ 212/2:‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ ،85-83/2:‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ 326/2‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،10/2:‬الشرح الصغير‪ ،15-14/2:‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،128‬الفروق للقرافي‪ ،205/2:‬مغني المحتاج‪ ،468/1 :‬متن اليضاح‪ :‬ص ‪ ،17‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪ ،358/1‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪ ،318‬المغني‪.230-227/3:‬‬

‫( ‪)3/425‬‬
‫وقال المالكية على الصحيح‪ :‬ل تجوز النيابة عن الحي في حج الفرض أو النفل‪ ،‬بأجرة أو ل‪،‬‬
‫والجارة فيه فاسدة‪ ،‬لنه عمل بدني ل يقبل النيابة‪ ،‬كالصلة والصوم‪ ،‬إذ المقصود منه تأديب النفس‬
‫بمفارقة الوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد‪ ،‬من لبس المخيط وغيره لتذكر المعاد والخرة والقبر‪،‬‬
‫وتعظيم شعائر ال في تلك البقاع‪ ،‬وإظهار النقياد من النسان لما لم يعلم حقيقته‪ ،‬كرمي الجمار‪،‬‬
‫والسعي بين الصفا والمروة وغيرهما‪ ،‬وهذه مصالح ومقاصد ل تتحقق إل لمن باشرها بنفسه‪.‬‬
‫أما الميت إذا أوصى بالحج فيصح عنه مع الكراهة‪ ،‬ويكره التطوع عنه بالحج‪.‬‬

‫ثانيا ـ إهداء ثواب العمال للميت ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة والهدي للميت‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬إذا مات النسان‪،‬‬
‫انقطع عمله إل من ثلث‪ :‬صدقة جارية‪ ،‬أو علم يُنتفع به‪ ،‬و ولد صالح يدعو له» (‪. )1‬‬
‫وقال جمهور أهل السنة والجماعة (‪ : )2‬للنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلة أو صوما أو‬
‫صدقة أو تلوة قرآن‪ ،‬بأن يقول‪ :‬اللهم اجعل ثواب ما أفعل لفلن‪ ،‬لما روي أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم «ضحى بكبشين أملحين‪ ،‬أحدهما عن نفسه‪ ،‬والخر عن أمته‪ ،‬ممن أقر بوحدانية ال تعالى‪،‬‬
‫وشهد له بالبلغ» (‪ )3‬فإنه جعل تضحية إحدى الشاتين لمته‪ .‬ولما روي أن رجلً سأل النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم فقال‪ « :‬كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما‪ ،‬فكيف لي ببرهما بعد موتهما؛ فقال له عليه‬
‫الصلة والسلم‪ :‬إن من البر بعد البر‪ :‬أن تصلي لهما مع صلتك وأن تصوم لهما مع صيامك» (‪)4‬‬
‫‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم عن أبي هريرة (رياض الصالحين‪ :‬ص ‪.)347‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )3‬روي فيه سبعة أحاديث وهي عن عائشة وأبي هريرة‪ ،‬وجابر وأبي رافع وحذيفة بن أسيد‬
‫الغفاري وأبي طلحة النصاري وأنس‪ ،‬فحديث عائشة وأبي هريرة رواه ابن ماجه (انظر نصب‬
‫الراية‪.)154-151/2:‬‬
‫(‪ )4‬رواه الدارقطني‪ ،‬ويؤكده مارواه أيضا عن علي‪ « :‬من مر على المقابر وقرأ‪ :‬قل هو ال أحد‪،‬‬
‫إحدى عشرة مرة‪ ،‬ثم وهب أجرها للموات‪ ،‬أعطي من الجر بعدد الموات » وروى أبو داود عن‬
‫معقل بن يسار‪ « :‬اقرؤوا على موتاكم سورة يس » ‪.‬‬

‫( ‪)3/426‬‬
‫وأما قوله تعالى‪{ :‬وأن ليس للنسان إل ما سعى} [النجم‪ ]39/53:‬فيراد به‪ :‬إل إذا وهبه له‪ ،‬كما حققه‬
‫الكمال بن الهمام‪ ،‬أو أنه ليس له من طريق العدل‪ ،‬وله من طريق الفضل‪ ،‬ويؤكده مضمون آية‬
‫أخرى‪ { :‬والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذ ريتَهم} [الطور‪. ]21/52:‬‬
‫وأما حديث «إذا مات النسان انقطع عمله إل من ثلث» فل يدل على انقطاع عمل غيره‪ .‬وأما‬
‫حديث‪« :‬ل يصوم أحد عن أحد‪ ،‬ول يصلي أحد عن أحد» فهو في حق الخروج عن العهدة‪ ،‬ل في‬
‫حق الثواب‪.‬‬

‫وليس في ذلك شيء مما يستبعد عقلً‪ ،‬إذ ليس فيه إل جعل ما له من الجر‬
‫لغيره‪ ،‬وال تعالى هو الموصل إليه‪ ،‬وهو قادر عليه‪ ،‬ول يختص ذلك بعمل دون عمل‪.‬‬
‫وقال المعتزلة‪ :‬ليس للنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره‪ ،‬ول يصل إليه‪ ،‬ولينفعه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وأن‬
‫ليس للنسان إل ما سعى‪ ،‬وأن سعيه سوف يرى} [النجم‪ ]40-39/53:‬ولن الثواب هو الجنة‪ ،‬وليس‬
‫في قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلً عن غيره‪.‬‬
‫وقال مالك والشافعي‪ :‬يجوز جعل ثواب العمل للغير في الصدقة والعبادة المالية وفي الحج‪ ،‬ول يجوز‬
‫في غيره من الطاعات كالصلة والصوم وقراءة القرآن وغيره‪.‬‬

‫( ‪)3/427‬‬
‫ثالثا ـ مشروعية النيابة في الحج وأقوال الفقهاء فيما يجوز منها ‪:‬‬
‫يجوز الحج عن الغير الذي مات ولم يحج‪ ،‬أو عن المريض الحي الذي عجز عن الحج لعذر وله مال‪،‬‬
‫وآراء الفقهاء هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض ونحوه‪ ،‬وله مال‪ ،‬يلزمه أن يُحج رجلً‬
‫عنه‪ ،‬ويجزئه عن حجة السلم‪ ،‬أي أنه تجوز النيابة في الحج عند العجز فقط ل عند القدرة‪ ،‬بشرط‬
‫دوام العجز إلى الموت‪ .‬وأما المقصر الذي مات فتصح منه بل تجب الوصية بالحجاج عنه ويكون‬
‫من بلده‪ ،‬إن لم يعين مكانا آخر‪ ،‬فهما حالتان‪ :‬العجز وبعد الموت بالوصية‪.‬‬
‫والمعتمد عند المالكية‪ :‬أن النيابة عن الحي ل تجوز‪ ،‬ول تصح مطلقا إل عن ميت أوصى بالحج‪،‬‬
‫فتصح مع الكراهة وتنفذ من ثلث ماله‪ .‬ول حج على المعضوب إل أن يستطيع بنفسه‪ ،‬للية {من‬
‫استطاع إليه سبيلً} [آل عمران‪ ]97/3:‬وهذا غير مستطيع‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية الحج عن الغير في حالتين‪:‬‬
‫أ ـ حالة المعضوب‪ :‬وهو العاجز عن الحج بنفسه لكبر أو زمانة أو غير ذلك‪ ،‬الذي ل يثبت على‬
‫الراحلة‪ .‬بل يلزمه الحج إن وجد من يحج عنه بأجرة المثل بشرط كونها فاضلة عن حاجاته المذكورة‬
‫فيمن حج بنفسه‪ ،‬لكن ل يشترط نفقة العيال ذهابا وإيابا؛ لنه مستطيع بغيره؛ لن الستطاعة كما‬
‫تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال‪ ،‬فيجب على من عجز عن الحج بنفسه لهرم أو مرض‬
‫ل يرجى برؤه الستنابة إن قدر عليها بماله أو بمن يطيعه بأن كان متبرعا موثوقا به‪.‬‬
‫ب ـ وحالة من يأتيه الموت ولم يحج‪ ،‬فيجب على ورثته الحجاج عنه من تركته‪ ،‬كما يقضى منها‬
‫دينه‪ ،‬ويلزمهم أن يخرجوا من ماله بما يحج به عنه‪ ،‬بالنفقة الكافية ذهابا وإيابا‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،212 ،124/2 :‬الدر المختار‪ ،333-326/2 :‬الشرح الصغير‪ ،15/2:‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،309/1‬مغني المحتاج‪ 468/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 227/3 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪،244-241 :‬‬
‫‪. 459-455/2‬‬

‫( ‪)3/428‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الستطاعة للحج نوعان عند الشافعية‪ :‬استطاعة مباشرة بنفسه‪ ،‬واستطاعة تحصيله‬
‫بغيره‪ ،‬أما الولى فيشترط لها المور السابقة‪ :‬الراحلة لمن كان بينه وبين مكة مسافة القصر‬
‫(مرحلتان) فصاعدا‪ ،‬والزاد‪ ،‬وأمن الطريق‪ ،‬وصحة البدن‪ ،‬وإمكان المسير‪ :‬وهو أن يبقى من الزمان‬
‫بعد وجود الزاد والراحلة ما يمكن فيه السير المعهود إلى الحج‪.‬‬
‫وأما الثانية‪ :‬فهي أن يعجز عن الحج بنفسه بموت أو كبر‪ ،‬أو زمانة أو مرض ليرجى زواله أو هرم‬
‫بحيث ل يستطيع الثبوت على الراحلة إل بمشقة شديدة‪ .‬وهذا العاجز الحي يسمى معضوبا‪.‬‬
‫وتجب الستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته‪ ،‬ولم يحج‪ ،‬إذا كان له تركة‪ ،‬وإل فل يجب‬
‫على الوارث‪ .‬ويجوز للوارث والجنبي الحج عنه سواء أوصى به أم ل‪.‬‬
‫وأما المعضوب فل يصح عنه الحج بغير إذنه‪ ،‬وتلزمه الستنابة إن وجد مالً يستأجر به من يحج‬
‫عنه فاضلً عن حاجته يوم الستئجار خاصة‪ ،‬سواء وجد أجرة راكب أو ماش‪ ،‬بشرط أن يرضى‬
‫بأجر المثل‪ .‬وإن لم يجد مالً ووجد من يتبرع عنه بالحج من أولده الذكور أو الناث‪ ،‬لزمه استنابته‪.‬‬
‫وتجوز الستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الصح‪.‬‬
‫ولو استناب المعضوب من يحج عنه‪ ،‬ثم زال العضب وشفي‪ ،‬لم يجزه على الصح‪ ،‬بل عليه أن يحج‬
‫( ‪. )1‬‬
‫وعلى هذا‪ :‬من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات ينظر‪:‬‬
‫إن مات قبل أن يتمكن من الداء سقط فرضه‪ ،‬ولم يجب القضاء‪.‬‬
‫وإن مات بعد التمكن من الداء‪ ،‬لم يسقط الفرض‪ ،‬ويجب قضاؤه من تركته‪ ،‬ويجب قضاؤه عنه من‬
‫الميقات؛ لن الحج يجب من الميقات‪ ،‬ويجب من رأس المال؛ لنه دين واجب‪ ،‬فكان من رأس المال‬
‫كدين الدمي‪ .‬وإن اجتمع الحج ودين الدمي‪ ،‬والتركة ل تتسع لهما‪ ،‬الصح أنه يقدم الحج (‪. )2‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬كتاب اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪ 16‬ومابعدها‪ ،‬طبعة الجمالية بمصر‪ ،‬المهذب‪.199/1:‬‬
‫(‪ )2‬المهذب‪ ،199/1:‬المجموع‪ 89/7:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/429‬‬
‫وأجاز الحنابلة كالشافعية الحج عن الغير في حالتين أيضا‪:‬‬
‫‪ - 1‬المعضوب‪ :‬وهو من عجز عن السعي إلى الحج والعمرة لكبر أو زمانة‪ ،‬أو مرض ل يرجى‬
‫برؤه‪ ،‬أو ثقل ل يقدر معه الركوب على الراحلة إل بمشقة غير محتملة‪ ،‬أو أيست المرأة من محرم‪.‬‬
‫يلزم كل من هؤلء الحج إن وجد من ينوب عنه حرا‪ ،‬ومالً يستنيبه به‪ ،‬فيحج عنه ويعتمر على الفور‬
‫من بلده‪ ،‬أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده‪.‬‬
‫ويجوز أن يكون النائب رجلً عن امرأة وبالعكس‪ :‬امرأة عن رجل‪ ،‬بل خلف بين العلماء‪ ،‬لكن يكره‬
‫عند الحنفية إحجاج المرأة لشتمال حجها عادة على نوع من النقصان‪ ،‬فإنها ل ترمل في الطواف‬
‫وفي السعي بين الصفا والمروة‪ ،‬ولتحلق‪.‬‬
‫وإن لم يجد مالً يستنيب به‪ ،‬فل حج عليه بغير خلف؛ لن الصحيح (غير المريض) لو لم يجد ما‬
‫يحج به‪ ،‬لم يجب‪ ،‬فالمريض أولى‪ .‬وإن وجد مالً ولم يجد من ينوب عنه‪ ،‬فعلى الروايتين السابقتين‬
‫في إمكان المسير‪ :‬هل هو من شرائط الوجوب وهو المذهب‪ ،‬فل يجب عليه شيء بعد الموت‪ .‬أم من‬
‫شرائط لزوم السعي للحج‪ ،‬فيجب الحج عنه بعد موته‪.‬‬
‫ومن يرجى زوال مرضه وفك حبسه‪ ،‬ليس له أن يستنيب‪ ،‬فإن فعل لم يجزئه؛ لنه يرجو القدرة على‬
‫الحج بنفسه‪ ،‬فلم يكن له الستنابة‪ ،‬ول تجزئه إن فعل كالفقير‪.‬‬
‫وإن عوفي المعضوب قبل إحرام النائب لم يجزئه حج النائب عنه اتفاقا للقدرة على المبدل قبل‬
‫الشروع في البدل‪ ،‬كالمتيمم يجد الماء‪ .‬ومتى أحج المعضوب عن نفسه‪ ،‬ثم عوفي‪ ،‬لم يجب عليه حج‬
‫آخر؛ لنه أتى بما أمر به‪ ،‬فخرج عن العهدة‪ ،‬كما لو لم يبرأ‪ .‬وقال الشافعية والحنفية‪ :‬يلزمه حج‬
‫آخر؛ لن هذا بدل إياس‪ ،‬فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوسا منه‪ ،‬فلزمه الصل‪ ،‬كاليسة إذا اعتدت‬
‫بالشهور‪ ،‬ثم حاضت‪ ،‬ل تجزئها تلك العدة‪.‬‬

‫( ‪)3/430‬‬
‫ول يجوز الحج والعمرة عن حي إل بإذنه فرضا كان أو تطوعا؛ لنها عبادة تدخلها النيابة‪ ،‬فلم تجز‬
‫عن البالغ العاقل إل بإذنه كالزكاة‪.‬‬

‫‪ - 2‬الميت الذي وجب عليه الحج‪ :‬من وجب عليه الحج‪ ،‬لستكمال الشرائط السابقة المطلوبة‪ ،‬ثم‬
‫توفي قبله‪ ،‬فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر‪ ،‬أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجى برؤه أو لحبس أو‬
‫أسر أو نحوه‪ ،‬أخرج عنه من جميع ما له حجة وعمرة‪ ،‬ولو لم يوص به‪ .‬ويكون الحجاج عنه من‬
‫حيث وجب عليه‪ ،‬ل من حيث مكان موته؛ لن القضاء يكون بصفة الداء‪ ،‬بل يجب أل يكون النائب‬
‫من خارج بلده التي تبعد فوق مسافة القصر‪ ،‬ويجوز من نائب من بلد آخر دون مسافة القصر؛ لن ما‬
‫دونها في حكم الحاضر‪ .‬وإن مات من وجب عليه الحج في الطريق أو مات نائبه في الطريق‪ ،‬حج‬
‫ل وفعلً‪.‬‬
‫عنه من حيث مات هو أو نائبه‪ ،‬فيما بقي مسافة وقو ً‬
‫ويسقط الحج عن الميت بحج أجنبي عنه‪ ،‬ولو بل إذن وليه؛ لنه صلّى ال عليه وسلم شبّهه بالدين‪،‬‬
‫أي إن الحج عن الميت يجوز عنه بغير إذنه واجبا كان أو تطوعا‪ ،‬بخلف الحي؛ لنه صلّى ال عليه‬
‫وسلم أمر بالحج عن الميت‪ ،‬مع العلم أنه ل إذن له‪ ،‬وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة‪.‬‬
‫وإن وصى المسلم بحج نفل ولم يعين محل الستنابة‪ ،‬جاز أن يحج عنه من الميقات أي ميقات بلد‬
‫الموصي‪ ،‬ما لم تمنع منه قرينة بأن يوصي أن يحج بقدر يكفي للنفقة من بلده‪ ،‬فيتعين منها‪ ،‬فإن ضاق‬
‫ل يفي به‪ ،‬أو كان عليه دين‪،‬أخذ للحج بحصته‪ ،‬وحج به من‬
‫ماله عن الحج من بلده بأن لم يخلف ما ً‬
‫حيث يبلغ‪ ،‬لشبهه بالدين‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن المالكية والحنفية يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى وتنفذ الوصية من ثلث المال‪،‬‬
‫وأجاز الجمهور غير المالكية عن الحي العاجز لمرض ونحوه‪ .‬وحج النائب يكون عند الحنفية‬
‫والحنابلة من بلد المنوب عنه‪ ،‬وعند الشافعية من الميقات‪.‬‬
‫وتنفذ الوصية عند الشافعية والحنابلة من رأس المال‪ ،‬ل من الثلث فقط‪.‬‬

‫( ‪)3/431‬‬
‫وحج النائب عن الميت يكون على الفور عند الجمهور‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل }‬
‫[البقرة‪{ ]196/2:‬ول على الناس حج البيت} [آل عمران‪ ]97/3:‬والمر على الفور‪ ،‬وعند الشافعي‪:‬‬
‫على التراخي‪ ،‬وللنائب تأخيره؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم أمّر أبا بكر على الحج وتخلف‬
‫بالمدينة‪ ،‬ل محاربا ول مشغولً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج‪ ،‬فدل على أن وجوبه‬
‫على التراخي‪.‬‬
‫أدلة المشروعية‪ :‬استدل الفقهاء على مشروعية النيابة في الحج بحديث ابن عباس وغيره‪« :‬أن امرأة‬
‫من خَ ْثعَم‪ ،‬قالت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن أبي أدركته فريضة ال في الحج شيخا كبيرا‪ ،‬ل يستطيع أن‬

‫حجّي عنه» (‪ )1‬فدل على جواز الحج عن الوالد غير القادر على‬
‫يستوي على ظهر بعيره؟ قال‪ :‬ف ُ‬
‫الحج‪ ،‬علما بأن ذلك كان في حجة الوداع‪.‬‬
‫وعن ابن عباس أيضا‪« :‬أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالت‪ :‬إن أمي‬
‫حجّي عنها‪ ،‬أرأيتِ لو كان على أمّك‬
‫نذرت أن تحج‪ ،‬فلم تحج‪ ،‬حتى ماتت‪ ،‬أفأحج عنها؟ قال‪ :‬نعم‪ُ ،‬‬
‫دين أكنت قاضيتَه؟ اقضوا ال ‪ ،‬فال أحق بالوفاء» (‪. )2‬‬
‫ورواه الدارقطني بلفظ‪« :‬أتى النبي صلّى ال عليه وسلم رجل‪ ،‬فقال‪ :‬إن أبي مات‪ ،‬وعليه حجة‬
‫السلم‪ ،‬أفأحج عنه؟ قال‪ :‬أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه‪ ،‬أقضيتَه عنه؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فاحجُجْ عن‬
‫أبيك» ‪ .‬دل على إجزاء الحج عن الميت من الولد‪ ،‬وشبّهه بالدين‪ ،‬ودلت روايات أخرى على صحة‬
‫الحج عن الميت من الوارث وغيره‪ ،‬إذ فيها «إن أختي نذرت أن تحج» ولم يستفصله أوارث هو أم‬
‫ل؟‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن عباس‪ ،‬وروى أحمد والترمذي وصححه‬
‫مثله عن علي‪ ،‬ورواه أحمد‪ ،‬والنسائي بمعناه عن عبد ال بن الزبير بلفظ «جاء رجل من خثعم»‬
‫يصف حال أبيه الكبير (نيل الوطار‪ 285/4:‬وما بعدها‪ ،‬سبل السلم‪........)181/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري‪ ،‬والنسائي بمعناه عن ابن عباس (المرجعان السابقان‪ ،286/4:‬و ‪.)182/2‬‬

‫( ‪)3/432‬‬
‫ودلت السنة أيضا على اشتراط كون النائب قد حج عن نفسه‪ ،‬عن ابن عباس‪« :‬أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم سمع رجلً يقول‪ :‬لبّيك عن شُبْرمة‪ ،‬قال‪ :‬من شُبْرمة؟ قال‪ :‬أخ لي‪ ،‬أوقريب لي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حججت عن نفسك؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬حجّ عن نفسك‪ ،‬ثم حج عن شبرمة» (‪. )1‬‬
‫رابعا ـ الستئجار على الحج ‪:‬‬
‫لم يجز متقدمو الحنفية (‪ )2‬الستئجار على الحج والذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه من القربات‬
‫الدينية لختصاص فاعلها بها‪ ،‬فلو قال رجل لخر‪« :‬استأجرتك على أن تحج عني بكذا» لم يجز‬
‫حجه‪ ،‬والمذهب وقوع الحج عن المحجوج عنه‪ .‬وإنما يقول‪ :‬أمرتك أن تحج عني‪ ،‬بل ذكر إجارة‪،‬‬
‫وتكون له نفقة مثله بطريق الكفاية؛ لنه فرغ من نفسه لعمل ينتفع به المستأجر‪ .‬وإنما جاز الحج عنه؛‬
‫لنه لما بطلت الجارة‪ ،‬بقي المر بالحج‪ .‬والزائد عن نفقة المثل في الطريق وغيره يرد على المر‬
‫إل إذا تبرع به الورثة‪ ،‬أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج‪.‬‬

‫ودليلهم على عدم جواز الجارة على الحج وبقية الطاعات‪ :‬أن أبي بن كعب كان يعلّم رجلً القرآن‪،‬‬
‫فأهدى له قوسا‪ ،‬فسأل النبي صلّى ال عليه وسلم عن ذلك‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه‪ ،‬وقال‪« :‬فاجعل هذه عن نفسك‪ ،‬ثم احجج عن شبرمة» والدارقطني‬
‫وفيه قال‪ « :‬هذه عنك وحج عن شبرمة » (نيل الوطار‪.)292/4:‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪. 329/2:‬‬

‫( ‪)3/433‬‬
‫«إن سرك أن تتقلد قوسا من نار‪ ،‬فتقلدها» (‪ ، )1‬وقال النبي صلّى ال عليه وسلم لعثمان بن أبي‬
‫العاص‪« :‬واتخذ مؤذنا ل يأخذ على أذانه أجرا» (‪ )2‬ولنها عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل‬
‫القربة‪ ،‬فلم يجز أخذ الجرة عليها كالصلة والصوم ‪.‬‬
‫وأجاز جمهور الفقهاء (‪ )3‬ومتأخرو الحنفية‪ :‬الجارة على الحج وبقية الطاعات‪ ،‬لقول النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتابُ ال » (‪ ، )4‬وأخذ أصحاب النبي صلّى ال عليه‬
‫جعْل على الرّقية بكتاب ال ‪ ،‬وأخبروا بذلك النبي‪ ،‬فصوبهم فيه (‪ ، )5‬ولنه يجوز أخذ النفقة‬
‫وسلم ال ُ‬
‫على الحج‪ ،‬كما أقر متقدمو الحنفية أنفسهم‪ ،‬فجاز الستئجار عليه‪ ،‬كبناء المساجد والقناطر‪.‬‬
‫وفائدة الخلف بين الرأيين‪ :‬أنه متى لم يجز أخذ الجرة على الحج‪ ،‬فل يكون إل نائبا محضا‪ ،‬وما‬
‫يدفع إليه من المال‪ ،‬يكون نفقة لطريقه‪ ،‬فلو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق‪ ،‬لم يلزمه‬
‫الضمان لما أنفق؛ لنه إنفاق بإذن صاحب المال‪ .‬وما يلزم من الدماء للنائب بفعل محظور‪ ،‬فعليه في‬
‫ماله؛ لنه لم يؤذن له في الجناية‪ ،‬فكان موجبها عليه‪ ،‬كمالو لم يكن نائبا‪ .‬وإن أفسد الحجة فالقضاء‬
‫عليه‪ ،‬ويرد ما أخذ؛ لن الحجة لم تجزئ عن المستنيب لتفريطه وجنايته‪ ،‬وكذلك إن فاته الحج‬
‫بتفريطه‪ .‬أما إن فاته بغير تفريط احتسب له بالنفقة؛ لنه لم يفت بفعله‪ ،‬فلم يكن مخالفا‪ ،‬كما لو مات‪.‬‬
‫وإن مات في بعض الطريق فإنه يحج عنه من حيث انتهى‪ ،‬وما فضل معه من المال‪ ،‬رده‪ ،‬إل أن‬
‫يؤذن له في أخذه‪ ،‬وينفق على نفسه بقدر الحاجة ولتقتير‪ .‬وإذا سلك النائب طريقا يمكنه سلوك أقرب‬
‫منه‪ ،‬ففاضل النفقة في ماله‪ ،‬وإن أقام بمكة مدة القصر‪ ،‬بعد إمكان السفر راجعا‪ ،‬أنفق من مال نفسه ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه (نيل الوطار‪.)286/5:‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وابن ماجه (المرجع السابق)‪.‬‬

‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،128‬الشرح الصغير‪ ،15/2 :‬مغني المحتاج‪ 469/1:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪:‬‬
‫‪ 231/3‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري عن ابن عباس (المرجع السابق‪ :‬ص ‪.)289‬‬
‫(‪ )5‬رواه الجماعة إل النسائي عن أبي سعيد الخدري (المرجع السابق)‪.‬‬

‫( ‪)3/434‬‬
‫وإن جاز الستئجار على الحج عن حي أو ميت‪ ،‬اعتبر فيه شروط الجارة من معرفة الجرة‪ ،‬وعقد‬
‫الجارة‪ ،‬وما يأخذه أجرة له يملكه‪ ،‬ويباح له التصرف فيه‪ ،‬والتوسع به في النفقة وغيرها‪ ،‬وما فضل‬
‫فهو له‪ .‬وإن أحصر أو ضل الطريق‪ ،‬أو ضاعت النفقة منه‪ ،‬فهو في ضمانه والحج عليه‪ .‬وإن مات‬
‫انفسخت الجارة؛ لن المعقود عليه تلف‪ ،‬فانفسخ العقد‪ ،‬كما لو ماتت البهيمة المستأجرة‪ ،‬ويكون الحج‬
‫أيضا من موضع بلغ إليه النائب‪ ،‬وما لزمه من الدماء فعليه؛ لن الحج عليه‪.‬‬
‫الجارة على الحج عند المالكية‪ :‬هؤلء وإن أجازوا الجارة على الحج عن الميت الذي أوصى به‪،‬‬
‫لكنهم قالوا بكراهة إجارة النسان نفسه في عمل ل تعالى‪ ،‬حجا أو غيره‪ ،‬كقراءة وإمامة وتعليم علم‪،‬‬
‫إل تعليم كتاب ال تعالى‪ ،‬وتصح إن أجر نفسه‪ .‬والجارة على الحج عندهم نوعان‪:‬‬
‫الول ـ إجارة بأجرة معلومة تكون ملكا للجير‪ ،‬كسائر الجارات‪ ،‬فما عجز عن كفايته‪ ،‬وفاه من‬
‫ماله‪ ،‬وما فضل كان له‪ .‬الثاني ـ البلغ‪ :‬وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه‪ ،‬فإن احتاج إلى زيادة‪،‬‬
‫أخذها من المستأجر‪ ،‬وإن فضل شيء رده إليه‪.‬‬
‫وإذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله‪ ،‬وكان صَرُورة (لم يحج)‪ ،‬نفذت الوصية من ثلث ماله‪ ،‬وإن‬
‫لم يوص سقط عنه‪.‬‬
‫وينوي الجير الحج لمن حج عنه‪ ،‬ويجوز أن يكون الجير على الحج لم يحج حجة الفريضة عندهم‬
‫وعند الحنفية‪ ،‬خلفا للشافعية والحنابلة‪ ،‬كما سأبيّن في الشروط‪.‬‬
‫خامسا ـ شروط الحج عن الغير ‪:‬‬
‫اشترط الحنفية (‪ )1‬عشرين شرطا للحج عن الغير أذكرها مع آراء الفقهاء الخرين ‪:‬‬
‫‪ - 1‬نية النائب عن الصيل عند الحرام؛ لن النائب يحج عن الصيل لعن نفسه‪ ،‬فل بد من نيته‪،‬‬
‫والفضل أن يقول بلسانه‪ :‬أحرمت عن فلن‪ ،‬ولبيت عن فلن‪ ،‬فيقول مثلً‪ :‬نويت الحج عن فلن‬
‫وأحرمت به ل تعالى‪ ،‬ولبيك عن فلن‪ ،‬كما إذا حج عن نفسه‪ ،‬ولو نسي اسمه فنوى عن الصيل‬
‫صح‪ ،‬وتكفي نية القلب‪ .‬وهذا الشرط متفق عليه‪.....‬‬

‫( ‪)3/435‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون الصيل عاجزا عن أداء الحج بنفسه‪ ،‬وله مال‪ .‬فإن كان قادرا على الداء‪ ،‬بأن كان‬
‫صحيح البدن‪ ،‬وله مال‪ ،‬ل يجوز حج غيره عنه‪ .‬وهذا باتفاق الجمهور غير المالكية‪ ،‬أما المالكية فلم‬
‫يجيزوا الحج عن الحي مطلقا‪ ،‬وعليه‪ :‬ل يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج‬
‫بنفسه إجماعا‪.‬‬
‫وأجاز الكل الحج عن الميت‪ ،‬لكن إذا أوصى عند الحنفية والمالكية‪ ،‬أو وإن لم يوص عند الخرين‪،‬‬
‫ويجب الحج عنه إن كان قادرا ومات مفرطا عند الشافعية والحنابلة‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن يستمر العجز كالحبس والمرض إلى الموت‪ :‬وهذا باتفاق الحنفية والشافعية؛ فلو زال العجز‬
‫قبل الموت‪ ،‬لم يجزئه حج النائب؛ لن جواز الحج عن الغير ثبت بخلف القياس لضرورة العجز‬
‫الذي ل يرجى برؤه‪ ،‬فيتقيد الجواز به‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يجزئه؛ لنه أتى بما أمر به‪ ،‬فخرج عن العهدة‪ ،‬كما لو لم يزل عذره‪.‬‬
‫‪ - 4‬وجوب الحج‪ :‬فلو أحج الفقير أو غيره ممن لم يجب عليه الحج عن الفرض‪ ،‬لم يجز حج غيره‪،‬‬
‫وإن وجب بعد ذلك‪.‬‬
‫‪ - 5‬وجود العذر قبل الحجاج‪ :‬فلو أحج صحيح غيره‪ ،‬ثم عجز‪ ،‬ل يجزيه‪ .‬وهذان الشرطان‬
‫مفهومان بداهة‪.‬‬
‫‪ - 6‬أن تكون النفقة من مال الصيل‪ ،‬كلها أو أكثرها عند الحنفية‪ ،‬إل الوارث إذا تبرع بالحج عن‬
‫مورثه‪ ،‬تبرأ ذمة الميت‪ ،‬إذا لم يكن قد أوصى بالحجاج عنه ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،333-327/2:‬فتح القدير‪ ،321-317/2:‬البدائع‪ 212/2:‬ومابعدها‪،‬‬
‫الشرح الصغير‪ ،15/2:‬الشرح الكبير‪ ،18/2:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،128‬شرح المحلي‪ ،90/2 :‬كتاب‬
‫اليضاح‪ :‬ص ‪ ، 17،18‬المهذب‪ ، 1/199 :‬المجموع‪ ، 7/98 :‬مغني المحتاج‪1/470 :‬وما بعدها ‪،‬‬
‫المغني‪ ، 245-3/230،243 :‬كشاف القناع‪ 2/462 :‬وما بعدها‪.....‬‬

‫( ‪)3/436‬‬
‫فإن تطوع النائب بالحج من مال نفسه‪ ،‬لم يقع عند الحنفية عن الميت‪ ،‬وكذا إذا أوصى الميت المورث‬
‫أن يحج عنه بماله‪ ،‬ومات‪ ،‬فتطوع عنه وارثه بمال نفسه‪ ،‬ليجزئ الميت؛ لن الفرض تعلق بماله‪،‬‬

‫فإذا لم يحج بماله‪ ،‬لم يسقط عنه الفرض‪ .‬وأجاز الشافعية والحنابلة التطوع بالحج من الوارث أو‬
‫الجنبي عن الغير مطلقا‪ ،‬سواء أوصى الميت أم لم يوص أو لم يأذن الوارث للجنبي‪ ،‬كمن يتبرع‬
‫بقضاء دين غيره‪.‬‬
‫‪ - 7‬أن يحرم من الميقات على النحو الذي طالب به الصيل‪ :‬فلو اعتمر‪ ،‬وقد أمره بالحج‪ ،‬ثم حج‬
‫من مكة‪ ،‬ل يجوز‪ ،‬ويضمن‪ ،‬أي لو أمره بالفراد بالحج‪ ،‬فتمتع بالعمرة‪ ،‬لم يقع حجه عنه‪ ،‬ويضمن‬
‫باتفاق الحنفية‪ ،‬ولو أمره بالفراد فقرن بالحج والعمرة فهو مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة‪،‬‬
‫ويجوز ذلك عند الصاحبين عن الصيل استحسانا‪.‬‬
‫وإن أوصى الميت بالحج‪ ،‬وحدد المال أو المكان‪ ،‬فالمر على ما حدده وعينه‪ ،‬وإن لم يحدد شيئا‬
‫فيحج عنه من بلده قياسا ل استحسانا‪ ،‬والعمل على القياس‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يجب على النائب الحج من ميقات الصيل؛ لن الحج يجب من الميقات‪ .‬ولو أمره‬
‫بالفراد فقرن عن المر‪ ،‬فيقع ذلك عن المر كما قال الصاحبان‪ .‬أما إذا أمره بالفراد فتمتع عن‬
‫المر‪ ،‬لم يقع حجه عنه‪ ،‬وليجوز ذلك عن حجة السلم‪ ،‬كما قال الحنفية‪ .‬وسوى المالكية بين القران‬
‫والتمتع إذا فعل‪ ،‬وكان الفراد يجزئ‪ ،‬إن كان الشرط من الوصي ل الصيل‪.............‬‬

‫( ‪)3/437‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يجب على النائب الحج من بلد الصيل؛ لن الحج واجب على العاجز أو الميت من‬
‫بلده‪ ،‬فوجب أن ينوب عنه منه؛ لن القضاء يكون على وفق الداء‪ ،‬كقضاء الصلة والصيام‪ .‬وكذلك‬
‫الحكم في حج النذر والقضاء‪ .‬وصحح الحنابلة الحج عن الصيل في كل الحالت إفرادا وقرانا‬
‫وتمتعا‪ ،‬ويرجع على الجير بفرق أجرة المسافة‪ ،‬أو توفير الميقات‪ .‬فإن كان للصيل وطنان‪ ،‬استنيب‬
‫من أقربهما‪ .‬وإن خرج الشخص للحج‪ ،‬فمات في الطريق‪ ،‬حج عنه من حيث مات؛ لنه أسقط بعض‬
‫ما وجب عليه‪ ،‬فلم يجب ثانيا‪ .‬وكذلك إن مات نائبه‪ ،‬استنيب من حيث مات كذلك‪.‬‬
‫ولو أحرم شخص بالحج‪ ،‬ثم مات‪ ،‬صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك؛ سواء أكان إحرامه لنفسه‬
‫أم لغيره؛ لنها عبادة تدخلها النيابة‪ ،‬فإذا مات بعد فعل بعضها‪ ،‬قضى عنه باقيها كالزكاة‪.‬‬
‫فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج من بلده‪ ،‬حج عنه من حيث تبلغ‪.‬‬
‫وإن أوصى ميت بحج تطوع‪ ،‬فلم يف ثلثه بالحج من بلده‪ ،‬حج به من حيث بلغ‪ ،‬أو يعان به في الحج‪.‬‬
‫ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد‪ ،‬إل أن يرضى الورثة بزيادة‪ ،‬أو يكون قد أوصى بشيء‪،‬‬
‫فيجوز ما أوصى به ما لم يزد على الثلث‪.‬‬

‫‪ - 8‬المر بالحج‪ :‬شرط الحنفية أن يأمر الصيل بالحج عنه‪ ،‬فل يجوز الحج عن الغير بغير إذنه‪ ،‬إل‬
‫الوارث‪ ،‬فإنه يجوز أن يحج عن المورث بغير إذنه‪ ،‬وتبرأ ذمة الميت إذا لم يكن أوصى بالحج عنه‪،‬‬
‫ودليلهم حديث الخثعمية السابق‪ .‬وفي نطاق المشيئة اللهية‪ :‬لو حج عنه أجنبي تسقط عنه حجة‬
‫السلم إن شاء ال تعالى؛ لنه إيصال للثواب‪ ،‬وهو ل يختص بأحد من قريب أو بعيد‪ ،‬قال أبو‬
‫حنيفة‪ :‬يجزيه إن شاء ال ‪ ،‬وبعد الوصية يجزيه من غير المشيئة‪.....................‬‬

‫( ‪)3/438‬‬
‫‪ - 9‬وشرط الحنفية أيضا عدم اشتراط الجرة‪ ،‬فل يجوز كما تقدم عندهم الستئجار على الحج‪ ،‬فلو‬
‫استأجر رجلً‪ ،‬بأن قال‪ :‬استأجرتك على أن تحج عني بكذا‪ ،‬لم يجز حجه عنه والمعتمد أنه يقع عنه‪،‬‬
‫وإنما يقول‪ :‬أمرتك أن تحج عني‪ ،‬بل ذكر إجارة‪ .‬وأجاز الجمهور كما بينا الستئجار على الحج‪.‬‬
‫وأبان الحنابلة أنه يستحب أن يحج النسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ لن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم أمر أبا رزين فقال‪« :‬حج عن أبيك واعتمر» و «سألت امرأة رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم عن أبيها مات ولم يحج‪ ،‬فقال‪ :‬حج عن أبيك» وعن جابر‪« :‬من حج عن أبويه أو قضى عنهما‬
‫مغرما‪ ،‬بعث يوم القيامة مع البرار» ‪)1( .‬‬
‫ويستحب البداءة بالحج عن الم إن كان تطوعا أو واجبا عليهما؛ لن الم مقدمة في البر‪ ،‬قال أبو‬
‫هريرة‪« :‬جاء رجل إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم فقال‪ :‬من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال‪:‬‬
‫ُأمّك‪ ،‬قال‪ :‬ثم من؟ قال‪ُ :‬أمّك‪ ،‬قال‪ :‬ثم من؟ قال‪ :‬أمّك‪ ،‬قال‪ :‬ثم من؟ قال‪ :‬أبوك» (‪ . )2‬وإن كان الحج‬
‫واجبا على الب دون الم‪ ،‬بدأ به؛ لنه واجب‪ ،‬فكان أولى من التطوع‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬من أهل بحجة عن أبويه‪ ،‬يجزيه أن يجعله عن أحدهما؛ لن من حج عن غيره بغير‬
‫إذنه‪ ،‬يجعل ثواب حجه له بعد أداء الحج‪ ،‬فلغت نيته قبل أدائه‪ ،‬وصح جعل ثوابه لحدهما بعد الداء‪،‬‬
‫بخلف المأمور بالحج‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫‪ - 10‬أهلية النائب لصحة الحج‪ :‬بأن يكون مكلفا (بالغا عاقلً) بالتفاق وأجاز الحنفية كون النائب‬
‫مميزا (مراهقا) فل يصح عندهم إحجاج صبي غير مميز‪.‬‬
‫حج الصّرُورة‪ :‬الصرورة‪ :‬من لم يحج عن نفسه‪ ،‬أجاز الحنفية مع الكراهة التحريمية حج الصرورة‬
‫ولم يشترطوا أن يكون النائب قد حج عن نفسه‪ ،‬عملً بإطلق حديث الخثعمية‪« :‬حجي عن أبيك» من‬
‫غير استفسار عن سبقها الحج عن نفسها‪ ،‬وترك الستفصال في وقائع الحوال ينزل منزلة عموم‬
‫المقال أو الخطاب‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى الدارقطني كل تلك الحاديث‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والبخاري‪.‬‬

‫( ‪)3/439‬‬
‫أما سبب الكراهة فهو أنه تارك فرض الحج‪.‬‬
‫وكذلك قال المالكية‪ :‬يكره الحج عن غيره أي في حالة الوصية بالحج قبل أن يحج عن نفسه‪ ،‬بناء‬
‫على أن الحج واجب على التراخي‪ ،‬وإل منع على القول بأنه على الفور وهو المعتمد عندهم‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬ل يصح الحج عن الغير ما لم يكن النائب قد حج عن نفسه حجة السلم‪،‬‬
‫للحديث السابق الذي أمر به النبي صلّى ال عليه وسلم رجلً يلبي عن شبرمة‪ ،‬فقال له‪« :‬حج عن‬
‫نفسك‪ ،‬ثم عن شبرمة» ويحمل ترك الستفصال في حديث الخثعمية على علمه عليه السلم بأنها‬
‫حجت عن نفسها أولً‪ ،‬وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك‪ ،‬جمعا بين الدلة كلها‪ ،‬كما قال الكمال بن‬
‫الهمام‪.‬‬
‫ويؤيده حديث آخر‪« :‬ل صرورة في السلم» (‪. )1‬‬
‫كذلك ل يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة‪ ،‬وعليه فرضهما‪ ،‬ول يحج ول يعتمر عن النذر‪ ،‬وعليه فرض‬
‫حجة السلم؛ لن النفل والنذر أضعف من حجة السلم‪ ،‬فل يجوز تقديمهما عليها‪ ،‬كحج غيره على‬
‫حجه‪ .‬فإن أحرم عن غيره‪ ،‬وعليه فرضه‪ ،‬انعقد إحرامه لنفسه عما عليه‪ ،‬للرواية السابقة عن ابن‬
‫عباس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لمن يحج عن شبرمة‪ :‬حججت عن نفسك؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فاجعل هذه عن نفسك‪ ،‬ثم احجج عن شبرمة» ‪.‬‬
‫وعليه لو اجتمع على إنسان حجة السلم وقضاء ونذر‪ ،‬قدمت حجة السلم‪ ،‬ثم القضاء ثم النذر‪ ،‬ولو‬
‫أحرم بغيرها وقع عنها‪ ،‬ل عما نوى‪.‬‬
‫‪ - 11‬أن يحج النائب راكبا؛ لن المفروض عليه هو الحج راكبا‪ ،‬فينصرف‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد صحيح‪ ،‬بعضه على شرط مسلم‪ ،‬وباقيه على شرطه البخاري‪،‬قال الشافعي‪:‬‬
‫أكره أن يسمى من لم يحج صرورة‪ .‬وسمي صرورة؛ لنه صرّ بنفسه عن إخراجها في الحج‪ .‬وكذلك‬
‫قال الحنابلة‪ :‬تكره تسمية من لم يحج صرورة‪ ،‬للحديث المذكور‪« :‬ل صرورة في السلم» ‪.‬‬

‫( ‪)3/440‬‬

‫مطلق المر بالحج إليه‪ ،‬فإذا حج ماشيا فقد خالف‪ ،‬فيضمن النفقة‪ ،‬فمن أمر غيره بالحج عنه‪ ،‬فحج‬
‫ماشيا‪ ،‬ضمن النفقة‪.‬‬
‫والمعتبر عند الحنفية‪ :‬ركوب أكثر الطريق‪ ،‬إل إن ضاقت النفقة‪ ،‬فحج ماشيا‪ ،‬جاز‪ .‬وكون وجوب‬
‫الحج راكبا هو رأي الجمهور غير المالكية‪ .‬أما المالكية فيوجبون الحج ماشيا بل مشقة شديدة‪ ،‬كما‬
‫عرفنا‪.‬‬
‫‪ - 12‬أن يحج النائب عن الصيل من وطنه إن اتسع ثلث التركة‪ ،‬في حالة الوصية بالحج‪ ،‬وإن لم‬
‫يتسع يحج عنه من حيث يبلغ‪ .‬هذا رأي الحنفية‪.‬‬
‫ورأى الشافعية والحنابلة أنه يحج عنه من جميع مال الميت؛ لنه دين واجب‪ ،‬فكان من رأس المال‪،‬‬
‫كدين الدمي‪.‬‬
‫‪ - 13‬أن يحج النائب بنفسه إن عينه الصيل‪ ،‬بأن قال‪ :‬يحج عني فلن‪ ،‬ل غيره‪ ،‬فل يجوز حج‬
‫غيره‪ ،‬ول يقع الحج عن الميت‪ ،‬ويضمن الحاج الول والثاني نفقة الحج‪ .‬أما إن فوض الصيل‬
‫النائب‪ ،‬فقال له‪ :‬اصنع ماشئت‪ ،‬فله حينئذ أن يدفع المال إلى غيره‪ ،‬ويقع الحج عن المر‪.‬‬
‫‪ - 14‬أل يفسد النائب حجه‪ :‬فلو أفسده‪ ،‬لم يقع عن المر‪ ،‬وإن قضاه عند الحنفية‪ ،‬كما سأبين؛ لنه‬
‫أمره بحجة صحيحة‪ :‬وهي الخالية عن الجماع‪ ،‬ولم يفعل ذلك‪ ،‬فصار مخالفا‪ ،‬فيضمن ما أنفق‪ ،‬ويقع‬
‫الحج له ل عن الصيل؛ لن من أفسد حجة يلزمه قضاؤه‪.‬‬

‫( ‪)3/441‬‬
‫‪ - 15‬عدم المخالفة‪ :‬فلو أمره بالفراد‪ ،‬فقرن أو تمتع‪ ،‬ولو عن الميت‪ ،‬لم يقع عنه‪ ،‬ويضمن النفقة‪.‬‬
‫ولو أمره بالعمرة فاعتمر‪ ،‬ثم حج عن نفسه‪ ،‬أو بالحج‪ ،‬فحج‪ ،‬ثم اعتمر عن نفسه‪ ،‬جاز‪ ،‬إل أن نفقة‬
‫إقامته للحج أو العمرة عن نفسه في ماله‪ ،‬فإذا فرغ عادت في مال الميت‪ ،‬وإن عكس لم يجز‪- 16 .‬‬
‫أن يحرم بحجة واحدة‪ :‬فلو أهل بحجة عن المر‪ ،‬ثم بأخرى عن نفسه‪ ،‬لم يجز‪ ،‬إل إن رفض الثانية‪.‬‬
‫‪ - 17‬أن يفرد الحج عن واحد لو أمره رجلن بالحج‪ ،‬فلو أهل عنهما‪ ،‬ضمن‪.‬‬
‫‪ - 19 ، 18‬إسلم النائب والصيل وتوفر العقل لديهما‪ ،‬فل يصح الحج من المسلم للكافر‪ ،‬ول من‬
‫المجنون لغيره‪ ،‬ول عكسه‪ ،‬لكن لو وجب الحج عن المجنون قبل طروء جنونه‪ ،‬صح الحجاج عنه‪.‬‬
‫‪ - 20‬عدم الفوات أي عدم تفويت الوقوف بعرفة‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫الحج النفل عن الغير‪ :‬هذه الشرائط كلها عند الحنفية في الحج الفرض‪ ،‬أما الحج النفل عن الغير‪ ،‬فل‬
‫يشترط فيه شيء منها إل السلم والعقل والتمييز‪ ،‬وكذا الستئجار عليه‪ ،‬لتساع باب النفل‪ ،‬فإنه‬

‫يتسامح في النفل ول يتسامح في الفرض (‪. )1‬‬
‫سادسا ـ مخالفة النائب ‪:‬‬
‫الصل في النائب بالحج عن الغير أن يلتزم ما وكله به الصيل أو أمره به‪ ،‬فإذا خالف المر‪ ،‬ما‬
‫الحكم؟‬
‫قال الحنفية (‪ : )2‬يصير المأمور بالحج مخالفا في الحالت التالية‪:‬‬
‫أ ـ إذا أمره بحجة مفردة أو بعمرة مفردة‪ ،‬فقرن بينهما‪ :‬فهو مخالف ضامن عند أبي حنيفة؛ لنه لم‬
‫يأت بالمأمور به؛ لنه أمر بسفر على نحو معين‪ ،‬ل غير‪ ،‬ولم يأت به‪ ،‬فخالف أمر المر‪ ،‬فضمن‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬يجزئ ذلك عن المر استحسانا‪ ،‬ول يُضمن فيه دم القران على الحاج؛ لنه فعل‬
‫المأمور به‪ ،‬وزاد خيرا‪ ،‬فكان مأذونا في الزيادة دللة‪ ،‬فلم يكن مخالفا‪ ،‬فهي مخالفة إلى خير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية ابن عابدين‪. 329/2 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪. 216-213/2 :‬‬

‫( ‪)3/442‬‬
‫ب ـ لو أمره بالحج عنه‪ ،‬فاعتمر‪ :‬ضمن؛ لنه خالف‪ .‬ولو اعتمر‪ ،‬ثم حج من مكة‪ ،‬يضمن النفقة‬
‫باتفاق الحنفية‪ ،‬لمره له بالحج بسفر‪ ،‬وقد أتى بالحج من غير سفر‪.‬‬
‫جـ ـ لوأمره أن يعتمر‪ ،‬فأحرم بالعمرة واعتمر‪ ،‬ثم أحرم بالحج عن نفسه‪ ،‬لم يكن مخالفا؛ لنه فعل‬
‫ما أمر به‪ :‬وهو أداء العمرة بالسفر‪ ،‬وحجه عن نفسه بعدئذ كاشتغاله بعمل آخر من التجارة وغيرها‪،‬‬
‫لكن النفقة في حجه تكون من ماله‪ ،‬لنه عمل لنفسه‪.‬‬
‫د ‪ -‬إذا أمره أن يحج عنه‪ ،‬فحج عنه ماشيا‪ ،‬يضمن؛ لنه خالف؛ لن المر بالحج ينصرف إلى الحج‬
‫المتعارف في الشرع وهوالحج راكبا؛ لن ال تعالى أمر بذلك‪ ،‬فعند الطلق ينصرف إليه‪ .‬فإذا حج‬
‫ماشيا‪ ،‬فقد خالف‪.‬‬
‫هـ ـ لو أمره اثنان بالحج عنهما‪ ،‬فأحرم عنهما معا‪ ،‬فهو مخالف‪ ،‬ويقع الحج عنه‪ ،‬ويضمن النفقة‬
‫لهما إن أنفق من مالهما؛ لن كل واحد منهما أمره بحج تام ولم يفعل‪ ،‬فصار مخالفا لمرهما‪ ،‬فلم يقع‬
‫حجه عنهما‪ ،‬فيضمن لهما‪ .‬ووقع الحج عن الحاج؛ لن الصل أن يقع كل فعل عن فاعله‪ ،‬وإنما يقع‬
‫لغيره بجعله‪ ،‬فإذا خالف لم يصر لغيره‪ ،‬فبقي فعله له‪.‬‬
‫وإن أحرم بحجة عن أحدهما بعينه‪ ،‬وقع عنه‪ ،‬ويضمن للخر النفقة‪ ،‬وإن أحرم بحجة عن أحدهما‬

‫بغير تعيين‪ ،‬فله أن يجعله عن أحدهما أيهما شاء‪ ،‬ما لم يتصل بها الداء‪ .‬وكذلك لو أحرم البن بالحج‬
‫عن أحد أبويه‪ ،‬صح وإن لم يكن معينا‪ ،‬ثم يعين أحدهما؛ لن الحرام ليس من الداء‪ ،‬بل هو شرط‬
‫جواز أداء أفعال الحج‪.‬‬
‫وإن أمره أحدهما بحجة‪ ،‬وأمره الخر بعمرة‪ :‬فإن أذنا له بالجمع وهو القران‪ ،‬فجمع‪ ،‬جاز‪ .‬وإن لم‬
‫يأذنا له بالجمع‪ ،‬فجمع‪ ،‬جاز عند الكرخي‪ ،‬ولم يجز عند القدوري وهو الرجح؛ لنه خالف؛ لنه أمره‬
‫بسفر ينصرف كله إلى الحج‪ ،‬وقد صرفه إلى الحج والعمرة‪ ،‬فصار مخالفا‪.‬‬

‫( ‪)3/443‬‬
‫جزاء المخالفة‪ :‬إذا فعل المأمور بالحج ما يوجب الدم (ذبح شاة مثلً) أو غيره‪ ،‬فهو عليه‪ .‬ولو قرن‬
‫عن المر بأمره‪ ،‬فدم القران عليه‪ .‬والحاصل‪ :‬أن جميع الدماء المتعلقة بالحرام في مال الحاج‪ ،‬إل دم‬
‫الحصار خاصة‪ ،‬فإنه في مال المحجوج عنه؛ لنه هو الذي أدخل الحاج في هذه العهدة‪ ،‬فكان من‬
‫جنس النفقة والمؤنة‪ ،‬وذلك من مال المحجوج عنه‪.‬‬
‫فإن جامع الحاج القائم بالحج عن غيره قبل الوقوف بعرفة‪ ،‬فسد حجه‪ ،‬ويمضي فيه‪ ،‬والنفقة في ماله‪،‬‬
‫ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك‪ ،‬وعليه القضاء من مال نفسه‪.‬‬
‫و ـ من حج عن غيره‪ ،‬فمرض في الطريق‪ ،‬لم يجز له أن يدفع النفقة إلى من يحج عن الميت إل أن‬
‫يكون أذن له في ذلك؛ لنه مأمور بالحج‪ ،‬ل بالحجاج‪.‬‬
‫ز ـ لو أحج رجلً يؤدي الحج‪ ،‬ويقيم بمكة‪ ،‬جاز؛ لن فرض الحج‪ ،‬صار مؤدىً بالفراغ عن أفعاله‪.‬‬
‫والفضل أن يحج‪ ،‬ثم يعود إليه‪ ،‬لنه كلما كانت النفقة أكثر‪ ،‬كان الثواب للمر أكثر وأوفر‪ .‬وإذا فرغ‬
‫المأمور بالحج من الحج‪ ،‬ونوى القامة خمسة عشر يوما فصاعدا‪ ،‬أنفق من مال نفسه؛ لن نية‬
‫القامة قد صحت‪ ،‬فصار تاركا للسفر‪ ،‬فلم يعد مأذونا بالنفاق من مال المر‪ ،‬ولو أنفق ضمن؛ لنه‬
‫أنفق مال غيره بغير إذنه‪.‬‬
‫فإن أقام أياما بمكة من غير نية القامة‪ :‬فإن أقام إقامة معتادة كثلثة أيام‪ ،‬فالنفقة في مال المحجوج‬
‫عنه‪ ،‬وإن زاد على المعتاد‪ ،‬فالنفقة من ماله‪.‬‬
‫والقامة للتجارة والجارة ل يمنعان جواز الحج‪ ،‬ويجوز حج التاجر والجير والمكاري‪ ،‬لقوله عز‬
‫وجل‪{ :‬ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلً من ربكم} [البقرة‪.]198/2:‬‬

‫( ‪)3/444‬‬

‫وقال الحنابلة(‪: ) 1‬‬
‫أ ـ إذا أمره بحج‪ ،‬فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات‪ ،‬ثم حج‪ :‬فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه‬
‫بالحج‪ ،‬جاز ول شيء عليه‪ ،‬وهو مذهب الشافعي أيضا؛ لنه إذا أحرم من الميقات‪ ،‬فقد أتى بالحج‬
‫صحيحا من ميقاته‪ .‬وإن أحرم بالحج من مكة‪ ،‬فعليه دم لترك ميقاته‪ ،‬ويرد من النفقة بقدر ما ترك من‬
‫إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة؛ لن إخلله كان بما يجبره الدم‪ ،‬فلم تسقط نفقته‪ ،‬كما لو تجاوز‬
‫الميقات غير محرم‪ ،‬فأحرم دونه‪.‬‬
‫ب ـ وإن أمره بالفراد‪ ،‬فقرن‪ ،‬لم يضمن شيئا عند الحنابلة والشافعية‪ ،‬وهو رأي الصاحبين‪ ،‬خلفا‬
‫لرأي أبي حنيفة المتقدم؛ لنه مخالف‪ .‬ودليلهم أنه أتى بما أمر به وزيادة‪ ،‬فصح ولم يضمن‪ ،‬كما لو‬
‫أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما دينارا‪.‬‬
‫ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج‪ ،‬ففعلها‪ ،‬فل شيء عليه‪ ،‬وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها‪.‬‬
‫جـ ـ وإن أمره بالتمتع‪ ،‬فقرن‪ ،‬وقع عن المر عند الحنابلة والشافعية؛ لنه أمر بهما‪ ،‬وإنما خالف‬
‫في أنه أمره بالحرام بالحج من مكة‪ ،‬فأحرم به من الميقات‪ ،‬ول يرد شيئا من النفقة‪.‬‬
‫وإن أفرد‪ ،‬وقع عن الصيل أيضا‪ ،‬ويرد نصف النفقة؛ لنه أخل بالحرام بالعمرة من الميقات‪ ،‬وقد‬
‫أمره به‪ ،‬وإحرامه بالحج من الميقات زيادة ل يستحق به شيئا‪.‬‬
‫د ـ إن أمره بالقران‪ ،‬فأفرد أو تمتع‪ ،‬صح‪،،‬ووقع النسكان عن المر‪ ،‬ويرد من النفقة بقدر ما ترك‬
‫من إحرام النسك الذي تركه من الميقات‪.‬‬
‫هـ ـ إن استنابه رجلن‪ :‬أحدهما للحج والخر للعمرة‪ ،‬وأذنا له في القران‪ ،‬ففعل‪ ،‬جاز؛ لنه نسك‬
‫مشروع‪ .‬وإن قرن من غير إذنهما‪ ،‬صح ووقع عنهما‪ ،‬خلفا للحنفية‪ ،‬ويرد من نفقة كل واحد منهما‬
‫نصفها؛ لنه جعل السفر عنهما بغير إذنهما‪ ،‬وقد أتى بما أمر به‪ ،‬وإنما خالف في صفته‪ ،‬ل في‬
‫أصله‪ ،‬فأشبه من أمر بالتمتع فقرن‪.‬‬
‫وإن أذن أحدهما دون الخر‪ ،‬رد على غير المر نصف نفقته وحده‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.236-234/3 :‬‬

‫( ‪)3/445‬‬
‫ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه‪ ،‬لعدم الذن في سببه‪ .‬ويكون الدم على من وكله‪ ،‬إن أذنا‪،‬‬
‫لوجود الذن في سببه‪ .‬فإن أذن أحدهما دون الخر‪ ،‬فعلى الذن نصف الدم‪ ،‬ونصفه على النائب‪.‬‬

‫و ـ إن أمر بالحج‪ ،‬فحج‪ ،‬ثم اعتمر لنفسه‪ ،‬أو أمره بعمرة‪ ،‬فاعتمر‪ ،‬ثم حج عن نفسه‪ ،‬صح‪ ،‬ولم يرد‬
‫شيئا من النفقة؛ لنه أتى بما أمر به على وجهه‪ .‬وإن أمره بالحرام من ميقات‪ ،‬فأحرم من غيره‪،‬‬
‫جاز؛ لنهما سواء في الجزاء‪.‬‬
‫وإن أمره بالحرام من بلده‪ ،‬فأحرم من الميقات‪ ،‬جاز؛ لنه الفضل‪.‬‬
‫وإن أمره بالحرام من الميقات‪ ،‬فأحرم من بلده‪ ،‬جاز؛ لنه زيادة ل تضر‪.‬‬
‫وإن أمره بالحج في سنة‪ ،‬أو بالعتمار في شهر‪ ،‬ففعله في غيره‪ ،‬جاز؛ لنه مأذون فيه في الجملة‪.‬‬
‫ز ـ إن استنابه اثنان في نسك‪ ،‬فأحرم به عنهما‪ ،‬وقع عن نفسه دونهما‪ ،‬كما قال الحنفية؛ لنه ل‬
‫يمكن وقوعه عنهما‪ ،‬وليس أحدهما بأولى من صاحبه‪.‬‬
‫وإن أحرم عن نفسه وغيره‪ ،‬وقع عن نفسه؛ لنه إذا وقع عن نفسه أيضا‪ ،‬ولم ينوها‪ ،‬فمع نيته أولى‪.‬‬
‫وإن أحرم عن أحدهما غير معين‪ ،‬احتمل أن يقع عن نفسه أيضا؛ لن أحدهما ليس أولى من الخر‪،‬‬
‫فأشبه ما لو أحرم عنهما‪ .‬واحتمل أن يصح؛لن الحرام يصح بالمجهول‪ ،‬فصح عن المجهول‪ ،‬وإل‬
‫صرفه إلى من شاء منهما‪.‬فإن لم يفعل حتى طاف شوطا‪ ،‬وقع عن نفسه‪ ،‬ولم يكن له صرفه إلى‬
‫أحدهما؛ لن الطواف ل يقع عن غير معين‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ موانع الحج ‪:‬‬
‫يفهم من المطلب السابق في شروط الحج أن هناك موانع للحج هي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - ً 1‬البوة‪ :‬للبوين وإن عل أحدهما منع الولد غير المكي من الحرام بتطوع حج أو عمرة‪ ،‬وليس‬
‫لهما المنع من الفرض؛ لن خدمة البوين جهاد كما في الصحيحين‪ .‬ويسن استئذانهما في الفرض‬
‫أيضا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 140‬ومابعدها‪ ،‬الحضرمية‪ :‬ص ‪ 136‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪-446/2:‬‬
‫‪ ،450‬المغني‪ ،240/3 :‬البدائع‪ ،120/2:‬الدر المختار‪.200/2 :‬‬

‫( ‪)3/446‬‬
‫‪ - ً 2‬الزوجية‪ :‬للزوج عند الشافعية منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون؛ لنه حقه على الفور‪،‬‬
‫والنسك عندهم على التراخي‪ ،‬ويسن لها أن تحرم بغير إذنه‪ .‬وقال الجمهور‪ :‬ليس للزوج منع الزوجة‬
‫من الفرض؛ لنه واجب على الفور‪ ،‬ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها إل أن يضر ذلك به‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬الرق‪ :‬للسيد منع عبده من الحج الفرض والمسنون‪ ،‬ويتحلل إذا منعه كالمحصر‪ ،‬وليس له منعه‬

‫من التمام إذا أحرم بإذنه‪ ،‬ودليل جواز المنع أن منافع العبد مستغرقة للسيد‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الحبس ظلما أو بدين وهو معسر‪ ،‬فله التحلل‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬استحقاق الدين‪ :‬للمستحق الدائن منع الموسر من السفر‪ ،‬وليس له التحليل‪ ،‬وليس للمدين أن‬
‫يتحلل‪ ،‬بل يؤدي الدين‪ .‬فإن كان الدين مؤجلً لم يمنعه الدائن من السفر‪.‬‬
‫‪ - ً 6‬الحجر‪ :‬فل يحج السفيه إل بإذن وليه أو وصيه‪ .‬وقد ذكر المالكية دون غيرهم هذه الحالة‪.‬‬
‫‪ - ً 7‬الحصار بسبب عدو بعد الحرام‪ :‬بأن يمنع المحرم عن المضي في نسكه من جميع الطرق إل‬
‫بقتال أو بذل مال‪ ،‬فللمحصر التحلل إجماعا بعد أن ينتظر مدة يرجى فيها كشف المانع‪.‬‬
‫فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره‪ ،‬ول هدي عليه عند المالكية‪ ،‬وإن كان معه هدي‬
‫نحره‪ .‬وقال الجمهور‪ :‬يتحلل بذبح ما يجزئ في الضحية‪ :‬شاة أو سُبْع بقرة أو سُبْع بدنة‪ ،‬ويحلق أو‬
‫يقصر عند الشافعية‪ ،‬ول قضاء عليه عندهم‪ ،‬ول عمرة ‪ ،‬فإن كان صرورة (لم يحج) فعليه حجة‬
‫السلم‪ .‬وعليه الحلق إن كان في الحرم‪ ،‬ول حلق عليه إن كان الحصار في الحل عند الحنفية‪،‬‬
‫وعليه القضاء عندهم وعند المالكية والحنابلة‪ ،‬كما سيأتي بيانه‪ ،‬ول حلق عليه في الراجح عند‬
‫الحنابلة‪ .‬ويتحلل بالنية أيضا عند الشافعية والحنابلة‪.‬‬

‫( ‪)3/447‬‬
‫وللمحصر خمس حالت كما ذكر المالكية‪ :‬يصح الحلل في ثلث‪ :‬وهي أن يكون العذر طارئا بعد‬
‫الحرام‪ ،‬أو متقدما ولم يعلم به‪ ،‬أوعلم وكان يرى أنه ليصده‪ .‬ويمتنع الحلل في حالة رابعة‪ ،‬وهي‬
‫إن صد عن طريق وهو قادر على الوصول من غيره‪.‬‬
‫ويصح في حالة خامسة‪ :‬وهي إن شرط التحلل لفراغ زاد‪ ،‬أو مرض أو شك هل يصدونه أو ل‪ ،‬أو‬
‫غير ذلك‪.‬‬
‫‪ - ً 8‬المرض‪ :‬من أصابه المرض بعد الحرام‪ ،‬لزمه عند المالكية والحنابلة والشافعية أن يقيم على‬
‫إحرامه حتى يبرأ‪ ،‬وإن طال ذلك‪.‬‬
‫وأجاز الحنفية التحلل بالمرض كالمحصر بالعدو‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية ‪:‬‬
‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ وقت الحج والعمرة ‪:‬‬
‫‪ - 1‬وقت الحج‪ :‬للحج وقت معين‪ ،‬أشار إليه القرآن الكريم في آية‪{ :‬يسألونك عن الهلة قل‪ :‬هي‬

‫مواقيت للناس والحج} [البقرة‪ ]189/2:‬وقوله تعالى‪{ :‬الحج أشه ٌر معلومات} [البقرة‪ ]179/2:‬أي‬
‫معظمه في أشهر معلومات‪.‬‬
‫وأشهر الحج عند المالكية (‪ : )1‬هي الشهر الثلثة كلها‪ :‬وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (‪، )2‬‬
‫فهي كلها محل للحج‪ ،‬لعموم قوله سبحانه‪{ :‬الحج أشهرٌ معلومات} [البقرة‪ ]197/2:‬فوجب أن يطلق‬
‫على جميع أيام ذي الحجة؛ لن أقل الجمع ثلثة‪ .‬ويبتدئ وقت الحرام من أول شوال في أول ليلة‬
‫عيد الفطر‪ ،‬ويمتد لفجر يوم النحر (الضحى)‪ ،‬فمن أحرم قبل فجر الضحى بلحظة‪ ،‬وهوبعرفة‪ ،‬فقد‬
‫أدرك الحج‪ ،‬وبقي عليه طواف الفاضة والسعي بعدها؛ لن الركن عندهم الوقوف بعرفة ليلً‪ ،‬وقد‬
‫حصل‪.‬‬
‫ويكره الحرام قبل بدء شوال‪ ،‬لكنه ينعقد ويصح عندهم‪ ،‬كما يكر ه الحرام قبل مكانه المخصص له‬
‫التي بيانه‪ .‬والسبب في صحة الحرام قبل ميقاته الزماني والمكاني‪ :‬أنه وقت كمال‪ ،‬ل وقت وجوب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،315/1:‬الشرح الصغير‪ 17/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ 21/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬قال عمر وابنه وابن عباس‪« :‬أشهر الحج‪ :‬شوال‪ ،‬وذو القعدة‪ ،‬وذو الحجة» ‪.‬‬

‫( ‪)3/448‬‬
‫ويجزئ تأخر طواف الفاضة إلى آخر شهر ذي الحجة‪.‬‬
‫فالمدة من بدء شوال لما قبيل فجر يوم الضحى‪ :‬وقت لجواز ابتداء الحرام بالحج‪ .‬ومن طلوع فجر‬
‫الضحى لخر ذي الحجة‪ :‬وقت لجواز التحلل من الحج‪ .‬والفضل لهل مكة الحرام من أول ذي‬
‫الحجة على المعتمد‪.‬‬
‫وأشهر الحج عند الحنفية والحنابلة (‪ : )1‬شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة‪ ،‬لما روي عن‬
‫العبادلة الربعة (ابن مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وابن الزبير) ولقول النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪« :‬يوم الحج الكبر‪ :‬يوم النحر» (‪ ، )2‬فكيف يجوز أن يكون يوم الحج الكبر ليس من أشهره؟ ولن‬
‫يوم النحر فيه ركن الحج‪ ،‬وهو طواف الزيارة‪ ،‬وفيه كثير من أفعال الحج‪ ،‬كرمي جمرة العقبة‬
‫والنحر والحلق والطواف والسعي والرجوع إلى منى‪ ،‬ولن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة‪ ،‬ومع‬
‫بقاء الوقت ل يتحقق الفوات‪.‬‬
‫وهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى‪{ :‬الحج أشهرٌ معلومات} [البقرة‪ ]197/2:‬شهران وبعض‬
‫الثالث‪ ،‬ل كله‪ .‬وما بعد عشر ذي الحجة ليس من أشهره؛ لنه ليس بوقت لحرامه ول لركانه‪ ،‬فهو‬

‫كالمحرّم‪.‬‬
‫ول يمتنع التعبير بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث‪ ،‬كالقروء الثلثة يحتسب منها الطهر الذي‬
‫طلقها فيه‪ ،‬وقوله تعالى في الية السابقة‪ { :‬فمن فرض فيهن الحج } أي في أكثرهن‪.‬‬
‫فإن قدم الحرام بالحج على هذه الشهر‪ ،‬جاز إحرامه ‪ ،‬وانعقد حجا ‪ ،‬ول ينقلب عمرة ‪ ،‬لعموم قوله‬
‫تعالى ‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل } [البقرة‪]196/2:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 220/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الكتاب مع اللباب‪ ،198/1 :‬المغني‪ ،295 ،271/3 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪.472/2‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود ‪ ،‬وروى البخاري أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر‪« :‬هذا‬
‫يوم الحج الكبر» ‪.‬‬

‫( ‪)3/449‬‬
‫لكن ل يجوز له شيء من أفعال الحج إل في أشهره‪ ،‬فمتى أحرم انعقد إحرامه؛ لنه مأمور بالتمام‪،‬‬
‫ولن الحرام عند الحنفية شرط‪ ،‬فأشبه الطهارة في جواز التقديم على الوقت‪ ،‬ولن الحرام تحريم‬
‫أشياء وإيجاب أشياء‪ ،‬وذلك يصح في كل زمان‪ ،‬فصار كتقديم الحرام على الميقات المكاني‪ ،‬فهم‬
‫شبهوا ميقات الزمان بميقات المكان‪ ،‬وعلى كل‪ :‬يكره الحرام بالحج قبل أشهر الحج‪ ،‬لما أخرجه‬
‫البخاري عن ابن عباس‪« :‬من السنة أل يُحرَم بالحج إل في أشهر الحج» ‪.‬‬
‫وأما الشافعية (‪ )1‬فقالوا كالحنفية والحنابلة‪ :‬أشهر الحج‪ :‬شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة‪:‬‬
‫وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر‪ ،‬لكنهم رأوا أنه إن أحرم شخص بالحج في غير أشهره‪ ،‬انعقد‬
‫إحرامه بالعمرة؛ لنها عبادة مؤقتة‪ ،‬فإذا عقدها في غير وقتها‪ ،‬انعقد غيرها من جنسها‪ ،‬كصلة الظهر‬
‫إذا أحرم بهاقبل الزوال‪ ،‬فإنه ينعقد إحرامه بالنفل‪ ،‬فهم شبهوا ميقات الزمان بوقت الصلة‪ ،‬فل يقع‬
‫الحج قبل الوقت‪ .‬ودليلهم الية‪{ :‬الحج أشه ٌر معلومات} [البقرة‪ ]197/2:‬تقديره وقت الحج أشهر‪ ،‬أو‬
‫أشهر الحج أشهر معلومات‪ ،‬فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه‪ ،‬ومتى ثبت أنه وقته‪ ،‬لم يجز‬
‫تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات‪.‬‬
‫ول يصح في السنة الواحدة أكثر من حجة؛ لن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة‪ ،‬فل يمكن أداء‬
‫الحجة الخرى‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقت العمرة‪ :‬اتفق العلماء (‪ )2‬على أن العمرة تجوز في أي وقت من أوقات السنة‪ ،‬في أشهر‬

‫الحج وغيرها‪ ،‬أي إن ميقات العمرة الزماني جميع العام‪ ،‬فهو وقت لحرام العمرة‪ ،‬لعدم المخصص‬
‫لها بوقت دون آخر‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،471/1 :‬المهذب‪.200/1 :‬‬
‫(‪ )2‬اللباب‪ ،215/1:‬بداية المجتهد‪ ،315/1 :‬المجموع‪ 133/7 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،200/1 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،471/1 :‬كشاف القناع‪ ،472/2 :‬المغني‪ ،226/3 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.130‬‬

‫( ‪)3/450‬‬
‫اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال (‪ ، )1‬وقال عليه الصلة والسلم‪« :‬عمرة في رمضان تعدل‬
‫حجة» (‪ )2‬وقال فيما رواه مسلم‪« :‬دخلت العمرة في الحج ـ مرتين‪ ،‬ل بل لبد أبد» ومعناه في‬
‫أصح القوال أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة‪ ،‬والمقصود به إبطال ماكانت‬
‫الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج‪.‬‬
‫تفصيل القول في تكرار العمرة‪ :‬ل يكره عند الجمهور تكرار العمرة في السنة‪ ،‬فل بأس أن يعتمر في‬
‫السنة مرارا‪ ،‬لحديث عائشة السابق من اعتماره عليه السلم عمرتين في ذي القعدة وشوال‪ ،‬أي في‬
‫آخر شوال وأول ذي القعدة‪.‬‬
‫وحديث أنس في الصحيحين‪« :‬اعتمر صلّى ال عليه وسلم أربع عمر‪ ،‬كلهن في ذي القعدة التي مع‬
‫حجته» وحديث أبي هريرة في الصحيحين أيضا‪« :‬العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» وبناء عليه‬
‫قال الشافعية‪ :‬يسن الكثار من العمرة‪ ،‬ولو في اليوم الواحد‪ ،‬إذ هي أفضل من الطواف على المعتمد‪،‬‬
‫لكن حديث عائشة هو أقوى الدلة‪ ،‬وأما الحاديث الخرى فليست دللتها ظاهرة من سنة واحدة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬تكره العمرة في السنة أكثر من مرة؛ لنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي‪،‬فل تفعل‬
‫في السنة إل مرة‪ ،‬كالحج‪ .‬ونوقش ذلك بأن الحج مؤقت ل يتصور تكراره في السنة‪ ،‬والعمرة غير‬
‫مؤقتة‪ ،‬فتصور تكرارها كالصلة‪.‬‬
‫متى تكره العمرة؟ يكره فعل العمرة كراهة تحريم عند الحنفية في يوم عرفة (الوقفة) ويوم النحر‬
‫(العيد) وأيام التشريق الثلثة عقب العيد؛ لنها أيام الحج‪ ،‬فكانت متعينة له‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عائشة‪.‬‬

‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أم معقل الصحابية رضي ال عنها‪ ،‬ورواه‬
‫البخاري ومسلم عن ابن عباس‪.‬‬

‫( ‪)3/451‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يستثنى المحرم بحج من كون وقت العمرة جميع العام‪ ،‬فل يصح إحرامه بعمرة إل إذا‬
‫فرغ من جميع أفعال الحج من طواف وسعي ورمي لجميع الجمرات‪ ،‬إن لم يتعجل ‪ ،‬وبقدر رميها من‬
‫اليوم الرابع بعد الزوال إن تعجل‪ ،‬أي إنه ل يصح إحرامه بالعمرة إل بعد الفراغ بالفعل من رمي‬
‫اليوم الرابع إن لم يتعجل‪ ،‬أو بقدره إذا تعجل بأن قدم طوافه وسعيه‪.‬‬
‫وكره الحرام بعد رميه اليوم الرابع إلى الغروب منه‪ ،‬فإن أحرم بها بعد الرمي في اليوم الرابع وقبل‬
‫الغروب صح إحرامه ووجب عليه تأخير طوافه وسعيه بعد الغروب‪ ،‬وإل لم يعتد بفعله على المذهب‪،‬‬
‫وأعادهما بعده‪ ،‬وإل فهو باق على إحرامه أبدا‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يمتنع على الحاج الحرام بالعمرة‪ ،‬ما دام عليه شيء من أعمال الحج‪ ،‬كالرمي؛ لن‬
‫بقاء حكم الحرام كبقاء الحرام نفسه‪ ،‬ول تكره في وقت‪ ،‬ول يكره تكرارها كما تقدم بيانه‪.‬‬
‫ورأى الحنابلة‪ :‬أنه ل كراهة للعمرة بالحرام بها يوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق‪ ،‬كالطواف‬
‫المجرد؛ إذ الصل عدم الكراهة‪ ،‬ول دليل عليها‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ ميقات الحج والعمرة المكاني ‪:‬‬
‫الميقات لغة‪ :‬الحد‪ ،‬وشرعا‪ :‬موضع وزمان معين لعبادة مخصوصة‪ .‬ول يجوز للنسان أن يجاوز‬
‫الميقات إل محرما بحج أو عمرة‪ ،‬وإل وجب عليه دم أو العودة إليه‪ .‬فإن قدم الحرام على الميقات‬
‫جاز بالتفاق‪ .‬وهو أفضل عند الحنفية إن أمن اقتراف المحظورات‪ .‬ودليل الجواز والفضلية قوله‬
‫تعالى‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل } [البقرة‪ ]196/2:‬وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله‪ ،‬كما قال‬
‫علي وابن مسعود‪،‬ولن إتمام الحج مفسر به‪ ،‬والمشقة فيه أكثر والتعظيم أوفر‪.‬‬

‫( ‪)3/452‬‬
‫ويختلف نوع الميقات بين من كان بمكة وبين الفاقي‪ :‬القادم لمكة من غير أهلها (‪.)1‬‬
‫ل ـ ميقات من كان مقيما بمكة‪ :‬من كان بمكة مكيا أو آفاقيا فميقاته في الحج‪ :‬الحَرم ـ مكة‬
‫أو ً‬
‫نفسها؛ لن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أمر أصحابه أن يحرموا بالحج من جوف مكة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫«حتى أهل مكة يهلّون منها» (‪ )2‬ومثله من منزله في الحرم خارج مكة‪ ،‬وندب إحرامه في المسجد‬

‫الحرام‪.‬‬
‫ل ولو بأقل من خطوة من أي جانب شاء‪ ،‬ليتحقق وقوع السفر؛ لن‬
‫حّ‬
‫وميقاته في العمرة‪ :‬من أدنى ال ِ‬
‫أداء الحج في عرفة‪ ،‬وهي في الحل‪ ،‬فيكون الحرام من الحرم‪ ،‬وأداء العمرة في الحرم‪ .‬فيكون‬
‫حلّ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم‪ ،‬إذ هو شرط في كل إحرام‪ .‬فإن أحرم بها في‬
‫الحرام من ال ِ‬
‫الحرم‪ ،‬انعقد وعليه دم إل إن خرج بعد إحرامه إليه‪.‬‬
‫جعْرانة عند الشافعية؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم اعتمر‬
‫وأفضل بقاع الحل للحرام بالعمرة‪ :‬ال ِ‬
‫منها‪ ،‬كما روى الشيخان‪ ،‬ثم التنعيم لمره صلّى ال عليه وسلم عائشة بالعتمار منه‪ ،‬ثم الحديبية (‪)3‬‬
‫‪ .‬وأفضلها عند الحنفية والحنابلة‪ :‬التنعيم؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم « أمر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،134-131/2 :‬البدائع‪ ،167 -163/2 :‬اللباب‪ 178/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،130‬حاشية الباجوري‪ ،328/1 :‬الشرح الكبير‪ ،22/2 :‬الشرح الصغير‪ ،25-18/2 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،476-473/1 :‬المهذب‪ ،204-202/1 :‬كشاف القناع‪ ،469-466/2 :‬المغني‪-257/3 :‬‬
‫‪.267‬‬
‫(‪ )2‬رواه الشيخان‪ .‬وروى مسلم عن جابر‪« :‬أمرنا النبي صلّى ال عليه وسلم لما حللنا أن نحرم من‬
‫البطح» (نصب الراية‪.)16/3 :‬‬
‫(‪ )3‬الجعرانة‪ :‬قرية في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكة‪ .‬والتنعيم‪ :‬المكان المعروف بمساجد‬
‫عائشة‪ .‬والحديبية‪ :‬بئر بين طريقي جدة والمدينة على ستة فراسخ من مكة‪.‬‬

‫( ‪)3/453‬‬
‫عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة من التنعيم» (‪ )1‬لنها أقرب الحل إلى مكة‪ ،‬ثم الجعرانة‪ ،‬ثم‬
‫الحديبية‪.‬‬
‫وللشخص عند المالكية‪ :‬أن يحرم من الجعرانة أو التنعيم‪.‬‬
‫ثانيا ـ أهل الحل ‪:‬‬
‫وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة كأهل بستان بني عامر وغيرهم‪ ،‬فهم داخل المواقيت‬
‫وخارج الحرم‪.‬‬
‫قال المالكية‪ :‬من كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات‪ ،‬فميقاته من منزله في الحج أو العمرة‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬من سلك طريقا ل ينتهي إلى ميقات‪ ،‬أحرم من محاذاته في بر أو بحر‪ ،‬فإن‬

‫حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه‪ ،‬فإن استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من‬
‫مكة‪ ،‬وإن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلتين من مكة‪ .‬ومن مسكنه بين مكة والميقات‪ ،‬فيمقاته مسكنه‪.‬‬
‫ومن جاوز ميقاتا وهو غير مريد للنسك‪ ،‬ثم أراده‪ ،‬فميقاته موضعه‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬ميقات أهل الحل للحج أو العمرة دويرة أهلهم‪ ،‬أو من حيث شاؤوا من الحل الذي بين‬
‫دويرة أهلهم وبين الحرم‪ ،‬لقوله عز وجل‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل } [البقرة‪ ]196/2:‬وقد فسرها‬
‫علي وابن مسعود بأن تحرم بهما من دويرة أهلك‪ .‬فل يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة‬
‫إل محرمين‪ .‬والحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد‪ ،‬فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء‬
‫الحل‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن ميقات الحج والعمرة لمن كان داخل المواقيت هو بالتفاق‪ :‬الحل وذلك من أماكنهم‪،‬‬
‫ويجوز لهم عند الحنفية دخول مكة لحاجة من غير إحرام‪.‬‬
‫ثالثا ـ الفاقي أو أهل الفاق ‪:‬‬
‫وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقّت لهم ولمن مر عليها من غيرهم ممن أراد الحج أو‬
‫العمرة رسول ُ ال صلّى ال عليه وسلم وهي خمسة‪ ،‬كما في حديث الصحيحين عن ابن عباس‪« :‬أنه‬
‫حلَيفة‪ ،‬ولهل الشام الجُحْفة‪ ،‬ولهل نجد قَرْن المنازل‪،‬‬
‫صلّى ال عليه وسلم وقّت لهل المدينة ذا ال ُ‬
‫ولهل اليمن يََلمْلَم‪ ،‬وقال‪ :‬فهنّ لهنّ‪ ،‬ولمن أتى عليهن من غير أهلهن‪ ،‬لمن كان يريد الحج والعمرة‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)3/454‬‬
‫فمن كان دونهن فمهَلّه من أهله‪ ،‬وكذلك حتى أهل مكة يُهلّون منها» (‪ )1‬فإنه شمل أربعة مواقيت‪.‬‬
‫وأما ذات عرق‪ :‬ففي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا قال‪َ « :‬م َهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة‬
‫والطريقِ الخر من الجحفة‪ ،‬ومَهلّ أهل العراق من ذات عِرْق» (‪. )2‬‬
‫هذه هي المواقيت الخمسة لغير المقيم بمكة‪ ،‬منقسمة بحسب جهات الحرم‪ ،‬ول يجوز أن يتجاوزها‬
‫النسان مريدا مكة بالحج أو بالعمرة‪ ،‬إل محرما بأحد هذين النسكين وهي ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬ميقات أهل المدينة‪ :‬ذو الحليفة (آبار علي)‪ :‬مكان على ستة أميال من المدينة‪ ،‬وعشر مراحل من‬
‫مكة‪ ،‬فهو أبعد المواقيت (‪ 460‬كم)‪.‬‬
‫‪ - 2‬ميقات أهل الشام ومصر والمغرب كله‪ :‬الجُحفة (رابغ)‪ :‬موضع على ثلث مراحل من مكة (‬

‫‪ 187‬كم)‪ .‬وبما أن أهل الشام الن يمرون بميقات أهل المدينة وبهذا الميقات‪ ،‬فيخيرون بالحرام‬
‫منهما؛ لن الواجب على من مرّ بميقاتين أل يتجاوز آخرهما إل محرما‪ ،‬ومن الول أفضل‪.‬‬
‫‪ - 3‬ميقات أهل العراق وغيرهم من أهل المشرق‪ :‬ذات عِرْق‪ :‬قرية على مرحلتين من مكة مشرفة‬
‫على وادي العقيق‪ ،‬في الشمال الشرقي من مكة (‪194‬كم)‪.‬‬
‫‪ - 4‬ميقات أهل اليمن وتهامة والهند‪ :‬يََلمْلَم‪ :‬جبل جنوبي مكة على مرحلتين منها‪.‬‬
‫‪ - 5‬ميقات أهل نجد والكويت والمارات والطائف‪ :‬قَرْن المنازل‪ :‬جبل على مرحلتين من مكة‪ ،‬ويقال‬
‫له أيضا قرن الثعالب‪ .‬وهو قريب من المكان المسمى الن بالسيل (‪ 94‬كم)‪.‬‬
‫ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه الدم إل إذا عاد إليه‪ ،‬ول يسقط عنه الدم عند المالكية‪،‬‬
‫وإن رجع إليه بعد إحرامه‪ ،‬على تفصيل سيأتي‪ .‬وإذا تجاوز الميقات بنية القامة في مكان غير‬
‫الحرم‪ ،‬جاز له ذلك إذا نوى القامة مدة خمسة عشر يوما عند الحنفية‪ ،‬فهي أقل مدة القامة في‬
‫مذهبهم؛ لن حكم الوطن ل يثبت إل بنية القامة لتلك المدة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.295/4 :‬‬
‫(‪ )2‬نيل الوطار‪.295/4 :‬‬

‫( ‪)3/455‬‬
‫من حاذى الميقات ومن لم يحاذه‪ :‬من سلك طريقا في بر أو بحر أو جو بين ميقاتين‪ ،‬فإنه يجتهد حتى‬
‫يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب‪ ،‬ويحرم من محاذاة أقرب الميقاتين إليه‪ ،‬وإن‬
‫كان الخر أبعد إلى مكة‪ .‬فإن استويا في القرب إليه‪ ،‬أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة‪ .‬وإن لم‬
‫يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه‪ ،‬احتاط فأحرم من بعد‪ ،‬بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إل‬
‫محرما؛ لن الحرام قبل الميقات جائز‪ ،‬وتأخيره عنه ل يجوز‪ ،‬فالحتياط فعل ما ل شك فيه‪ .‬وإن لم‬
‫يحاذ ميقاتا مما سبق‪ ،‬أحرم على مرحلتين (‪ 89‬كم) من مكة‪ ،‬إذ ل ميقات أقل مسافة من هذا القدر‪.‬‬
‫حكم الداخل إلى مكة بعد أن حج واعتمر‪ :‬قال الشافعية (‪ : )1‬من حج واعتمر حجة السلم وعمرته‪،‬‬
‫ثم أراد دخول مكة لحاجة ل تتكرر‪ ،‬كزيارة أوتجارة أو رسالة‪ ،‬أو كان مكيا مسافرا‪ ،‬فأراد دخولها‬
‫عائدا من سفره‪ ،‬فهل يلزمه الحرام بحج أو عمرة؟ فيه تفصيل‪:‬‬
‫أ ـ إن دخلها لقتال بغاة أو قطاع طريق أو غيرهما من القتال الواجب أوالمباح‪ ،‬أو دخلها خائفا من‬
‫ظالم أو غريم يمسه‪ ،‬وهو معسر ل يمكنه الظهور لداء النسك إل بمشقة ومخاطرة‪ ،‬لم يلزمه الحرام‬

‫بل خلف؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام (‪ )2‬؛ لنه كان ل يأمن أن‬
‫يقاتل‪.‬‬
‫ب ـ يستحب لكل داخل إلى مكة ل يتكرر دخوله الحرام‪ ،‬ويكره الدخول بغير إحرام‪ ،‬فمن دخل‬
‫مكة لحاجة ل تتكرر كالتجارة والزيارة وعيادة المريض‪ ،‬فالصح عند الشافعية أنه يستحب له‬
‫الحرام‪ ،‬ول يجب مطلقا‪ .‬وقال مالك وأحمد‪ :‬يلزمه‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬إن كانت داره في الميقات أو‬
‫أقرب إلى مكة‪ ،‬جاز دخوله بل إحرام‪ ،‬وإل فل‪.‬‬
‫جـ ـ من كان يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد والسقّاء والبريد والسائقين ونحوهم‪ ،‬يجوز‬
‫دخوله بغير نسك‪ ،‬لما روى ابن عباس‪« :‬ل يدخل أحد‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ ،16-10/7 :‬المهذب‪ ،195/1 :‬الدر المختار‪ 212/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،24/2‬المغني‪ 268/3 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والنسائي عن جابر (نيل الوطار‪.)300/4 :‬‬

‫( ‪)3/456‬‬
‫مكة إلمحرما‪ ،‬ورخص للحطابين» (‪ )1‬ولن في إيجاب الحرام على هؤلء مشقة‪.‬‬
‫وأما أهل الحرم‪ :‬فل إحرام عليهم بالدخول إلى مكة بل خلف‪ ،‬كما ل تشرع تحية المسجد لمن انتقل‬
‫من موضع منه إلى موضع آخر منه‪.‬‬
‫ومن أراد دخول الحرم ولم يرد دخول مكة‪ ،‬فحكمه حكم دخول مكة‪ ،‬على التفصيل والخلف السابق‪.‬‬
‫وإذا وجب الحرام لدخول الحرم‪ ،‬فدخل بغير إحرام‪ ،‬عصى‪ ،‬ول يلزمه القضاء عند الشافعية على‬
‫المذهب‪ ،‬خوفا من التسلسل‪ ،‬قال بعض الشافعية‪ :‬كل عبادة واجبة إذا تركها لزمه القضاء أو الكفارة‬
‫إل الحرام لدخول مكة‪،‬وإمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان‪ ،‬فمن ترك مع أنه يجب عليه‬
‫إمساكه‪ ،‬لم يلزمه قضاء المساك ول الكفارة‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬يلزمه القضاء؛ إذ يجب قضاء كل الواجبات‪.‬‬
‫د ـ من ل يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق العبد أو بلغ الصبي أو أسلم الكافر‪ ،‬وأرادوا‬
‫الحرام‪ :‬فإنهم عند الحنابلة والمالكية يحرمون من موضعهم ول دم عليهم؛ لنهم أحرموا من الموضع‬
‫الذي وجب عليهم الحرام معه‪ ،‬فأشبهوا المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها‪.‬‬
‫ويجب على جميعهم الدم عند الشافعية؛ لن كل واحد منهم ترك الواجب عليه‪.‬‬

‫وقال الحنفية‪ :‬ل دم على الكافر الذي يسلم‪ ،‬والصبي الذي يبلغ‪ ،‬وأما العبد فعليه دم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن أبي شيبة‪ ،‬وفيه راو ضعيف (المرجع السابق‪ ،‬نصب الراية‪.)15/3 :‬‬

‫( ‪)3/457‬‬
‫هل الحرام من الميقات أفضل أو من دار أهله؟‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬الحرام من بلده أفضل إن كان في أشهر الحج‪ ،‬وأمن على نفسه‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{وأتموا الحج والعمرة} [البقرة‪ ]196/2:‬قال علي وابن مسعود‪ :‬إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة‬
‫أهلك‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من أحرم من المسجد القصى إلى المسجد الحرام بحج‬
‫أوعمرة‪ ،‬غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‪ ،‬أو وجبت له الجنة» (‪ ، )2‬ولنه أكثر عملً‪ ،‬وأحرم‬
‫عمر من إيليا (القدس)‪ ،‬وقال للضبّي بن معبد الذي أحرم من داره‪« :‬هديت لسنة نبيك صلّى ال عليه‬
‫وسلم » (‪. )3‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء (‪ : )4‬الحرام من الميقات أفضل‪ ،‬لنه الموافق للحاديث الصحيحة‪ ،‬ولفعل‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم وأصحابه‪ ،‬فإنهم أحرموا من الميقات‪ ،‬ول يفعلون إل الفضل‪ ،‬وأحرم النبي‬
‫بحجة الوداع من الميقات بالجماع‪ ،‬وكذا في عمرة الحديبية‪ ،‬كما رواه البخاري في المغازي‪ ،‬ولن‬
‫في مصابرة الحرام بالتقدم عن الميقات عسرا وتغريرا بالعبادة‪ ،‬وإن كان جائزا‪.‬‬
‫ويدل له قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬يستمتع أحدكم بحله ما استطاع‪ ،‬فإنه ل يدري ما يعرض له في‬
‫إحرامه» (‪ ، )5‬وروى الحسن «أن عمران بن حصين أحرم من مصره‪ ،‬فبلغ ذلك عمر‪ ،‬فغضب‪:‬‬
‫وقال‪ :‬يتسامع الناس أن رجلً من أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم أحرم من مصره » وقال‪:‬‬
‫«إن عبد ال بن عامر أحرم من خراسان‪ ،‬فلما قدم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائْع‪ ،164/2 :‬اللباب‪.178/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود وأحمد عن أم سلمة‪ ،‬وفي لفظ رواه ابن ماجه‪« :‬من أهل بعمرة من بيت المقدس‬
‫غفر له» وهو ضعيف (نيل الوطار‪.)298/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه النسائي وأبو داود‪.‬‬
‫(‪ )4‬بداية المجتهد‪ ،314/1 :‬مغني المحتاج‪ ،475/1 :‬المغني‪.264/3 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب‪.‬‬

‫( ‪)3/458‬‬
‫على عثمان‪ ،‬لمه فيما صنع‪ ،‬وكرهه له» (‪ )1‬قال البخاري‪« :‬كره عثمان أن يحرم من خراسان أو‬
‫كرمان» ‪.‬‬
‫وهذا هو الرجح لدي دفعا للمشقة عن النفس‪ ،‬وبعدا عن التعرض لفعل محظورات الحرام‪ .‬وأما‬
‫حديث الحرام من بيت المقدس فيه ضعف‪ ،‬وأما قول عمر للضبي‪« :‬هديت لسنة نبيك» فإنه يعني في‬
‫القران بين الحج والعمرة‪ ،‬ل في الحرام من قبل الميقات‪ ،‬فإن سنة النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫الحرام من الميقات‪ .‬وأما قول عمر وعلي‪« :‬إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك» فمعناه أن تنشئ لها‬
‫سفرا من بلد ك‪ ،‬تقصد له‪ ،‬ليس أن تحرم بها من دويرة أهلك‪ .‬وهذا ما فسره به سفيان وأحمد‪ ،‬ول‬
‫يصح أن يفسر بالحرام نفسه‪ ،‬فإن النبي صلّى ال عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم‪.‬‬
‫جزاء من تجاوز الميقات بدون إحرام‪ :‬لو جاوز الشخص ميقاتا من المواقيت الخمسة‪ ،‬يريد الحج أو‬
‫العمرة‪ ،‬بغير إحرام‪ ،‬ثم عاد قبل أن يحرم‪ ،‬وأحرم من الميقات‪ ،‬وجاوزه محرما‪ ،‬ل يجب عليه دم‬
‫بالجماع؛ لنه لما عاد إلى الميقات قبل أن يحرم‪،‬وأحرم‪ ،‬التحقت تلك المجاوزة بالعدم‪ ،‬وصار هذا‬
‫ابتداء إحرام منه‪.‬‬
‫أما لو أحرم بعدما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئا من أفعال الحج‪ ،‬ثم عاد إلى الميقات‪ ،‬ففيه آراء‬
‫للفقهاء (‪ ، )2‬علما بأن هذه الراء تنطبق عند الحنفية على المكي الذي ترك ميقاته‪ ،‬فأحرم للحج من‬
‫الحل‪ ،‬والعمرة من الحرم‪:‬‬
‫‪ - 1‬قال أبو حنيفة‪ :‬إن عاد إلى الميقات‪ ،‬ولبى‪ ،‬سقط عنه الدم‪ ،‬وإن لم يلب ل يسقط‪ ،‬لقول ابن عباس‬
‫للذي أحرم بعد الميقات‪« :‬ارجع إلى الميقات‪ ،‬فلبّ‪ ،‬وإل فل حج لك» أوجب التلبية من الميقات‪ ،‬فلزم‬
‫اعتبارها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواهما سعيد والثرم‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،167-165/2 :‬الشرح الصغير‪ 24/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ 24/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ 474/1 :‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪.266 ،261/3 :‬‬

‫( ‪)3/459‬‬

‫‪ - 2‬قال الصاحبان والشافعية والحنابلة‪ :‬من جاوز الميقات‪ ،‬فأحرم‪ ،‬لزمه دم إن لم يعد‪ ،‬وإن أحرم ثم‬
‫عاد قبل تلبسه بنسك كالطواف سقط عنه الدم‪ ،‬لبى أو لم يلب‪ ،‬علم تحريم ذلك أو جهله؛ لن حق‬
‫الميقات في مجاوزته إياه محرما‪ ،‬ل في إنشاء الحرام منه‪ ،‬وسقوط الدم عنه لما روى ابن عباس عن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬من ترك نسكا‪ ،‬فعليه دم» (‪ . )1‬وإن تجاوز الميقات بغير إحرام‬
‫لزمه العود ليحرم منه‪ ،‬إل إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفا‪.‬‬
‫وينطبق هذا على المكي بالحرم إن لم يخرج إلى الميقات‪ ،‬وأتى بأفعال العمرة‪ ،‬عليه دم‪ ،‬وأجزأته‪ ،‬فلو‬
‫خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم‪ ،‬كما لو جاوز الميقات ثم عاد إليه محرما‪.‬‬
‫ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه‪ ،‬لم يسقط عنه الدم عند الحنابلة والشافعية‪ .‬وقال الحنفية‪:‬‬
‫يسقط؛ لن القضاء واجب‪.‬‬
‫‪ - 3‬وقال المالكية‪ :‬من تجاوز الميقات وأحرم‪ ،‬لم يلزمه الرجوع إليه‪ ،‬وعليه الدم‪ ،‬لتعديه الميقات‬
‫حللً‪ ،‬ول يسقط عنه رجوعه له بعد الحرام‪ ،‬لتعديه‪.‬‬
‫فإن لم يكن أحرم وجب الرجوع للميقات إل لعذر كخوف فوات لحجة لو رجع‪ ،‬أو فوات رفقة‪ ،‬أو‬
‫خاف على نفس أو مال أو عدم قدرة على الرجوع‪ ،‬فل يجب عليه الرجوع حينئذ‪ ،‬ويجب عليه الدم‬
‫لتعديه الميقات حللً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روي موقوفا ومرفوعا‪ ،‬والموقوف رواه مالك وغيره بإسناد صحيح‪ ،‬بلفظ‪ « :‬من نسي من نسكه‬
‫شيئا أو تركه‪ ،‬فليهرق دما» ‪.‬‬

‫( ‪)3/460‬‬
‫المبحث الرابع ـ أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي وعمرته ‪:‬‬
‫أولً ـ أعمال الحج‪ :‬عشرة وهي ما يأت (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬الحرام‪ :‬نية الحج أو العمرة أو هما‪ ،‬بأن يقول‪ :‬نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها ل‬
‫تعالى‪ .‬وإن حج أو اعتمر عن غيره‪ ،‬قال‪ :‬نويت الحج أو العمرة عن فلن‪ ،‬وأحرمت به أو بها ل‬
‫تعالى‪ .‬ثم يلبي عقيب صلة ركعتي الحرام‪.‬‬
‫‪ - 2‬دخول مكة من أعلها وهي كَدَاء‪ ،‬ثم دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة‪ ،‬ثم طواف القدوم‬
‫بالبتداء بالركن السود‪.‬‬
‫‪ - 3‬الطواف‪ :‬وهو ثلثة‪ :‬طواف القدوم‪ ،‬وطواف الفاضة‪ ،‬وطواف الوداع‪.‬‬

‫‪ - 4‬السعي بين الصفا والمروة‪.‬‬
‫‪ - 5‬الوقوف بعرفة وبمنى‪ :‬يخرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية (‪، )2‬‬
‫فيصلي فيها الظهر والعصر‪ ،‬ويبيت بها‪ ،‬ثم يروح إلى عرفة بعد طلوع الشمس‪ ،‬فيجمع في اليوم‬
‫التاسع بين الظهر والعصر مع المام في مسجد نمرة أو في غيره‪ ،‬ثم يقف بعرفة حيث يقف الناس‪.‬‬
‫‪ - 6‬المبيت بمزدلفة‪ :‬وهي ما بين منى وعرفة‪ ،‬ويجمع الحجاج بالمزدلفة بين المغرب والعشاء‬
‫مقصورة بعد مغيب الشفق في ليلة العيد‪ .‬ويصلون الفجر في المشعر الحرام‪ :‬وهو آخر أرض‬
‫المزدلفة‪ ،‬ويقفون للتضرع والدعاء‪ ،‬ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى‪.‬‬
‫‪ - 7‬رمي الجمار‪ :‬يرمي الحاج يوم النحر بمنى جمرة العقبة (وهي الجمرة الكبرى) بعد طلوع‬
‫الشمس قدر رمح‪ ،‬بسبع حصيات‪.‬‬
‫ويرمي سائر الجمرات الثلث في أيام منى‪ :‬وهي ثاني العيد وثالثه ورابعه‪ ،‬كل جمرة سبع حصيات‪،‬‬
‫مبتدئا بالجمرة الولى (الصغرى) وهي التي تلي مسجد الخيف من جهة عرفات‪ ،‬ثم الوسطى‪ ،‬ثم‬
‫جمرة العقبة‪ ،‬بين الزوال والغروب‪.‬‬
‫‪ - 8‬الحلق أو التقصير‪ ،‬والول أفضل للرجال‪ .‬وتقص المرأة ول تحلق‪ ،‬وتقطع من جميع شعرها‬
‫نحو النملة‪ ،‬ويدعو عند الحلق‪ ،‬وذلك يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة والذبح إن كان معه هدي‪ .‬ثم‬
‫يأتي مكة‪ ،‬فيطوف طواف الفاضة وهو المفروض‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪. 135-131‬‬
‫(‪ )2‬سمي يوم التروية‪ ،‬لن إبراهيم عليه السلم لما أمر بذبح ولده‪ ،‬رأى ليلة التروية‪ ،‬فلما أصبح‬
‫تروى في نفسه‪ ،‬أي فكر من الصباح إلى الرواح‪ ،‬أمن ال هذا الحلم أم من الشيطان‪ ،‬فسمي ذلك اليوم‬
‫يوم التروية‪ ،‬أو لن الناس يتزودون فيه بالماء للري في عرفة‪.‬‬

‫( ‪)3/461‬‬
‫‪ - 9‬الذبح‪ :‬يذبح بعد رمي الجمرة الكبرى‪ ،‬ويجوز الحلق قبل الذبح‪ ،‬والذبح قبل الجمرة‪ .‬ويجوز ذبح‬
‫الهدي قبل طلوع الشمس‪.‬‬
‫‪ - 10‬طواف الوداع‪ :‬مستحب عند المالكية‪ ،‬واجب عند الجمهور‪.‬‬
‫ول يؤمر به أهل مكة ول من أقام بها من غير أهلها‪.‬‬
‫وإذا حاضت المرأة بعد الفاضة خرجت قبل الوداع عند المالكية‪.‬‬

‫ثانيا ـ أعمال العمرة‪ :‬أربعة وهي ‪:‬‬
‫الحرام‪ ،‬والطواف‪ ،‬والسعي بين الصفا والمروة‪ ،‬والحلق أو التقصير‪.‬‬
‫ثالثا ـ عمرة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫عمَر (‪ )1‬في ذي ال َقعْدة‬
‫روى الشيخان وأحمد عن أنس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم اعتمر أربع ُ‬
‫جعْرانة حيث قسم غنائم‬
‫إل التي اعتمر مع حَجَتّه‪ :‬عُمرَته من الحُدَيْبِية‪ ،‬ومن العام ال ُمقْبل‪ ،‬ومن ال ِ‬
‫حنين‪ ،‬وعمرته مع حَجته» فهي أربع عمر‪ :‬عمرة الحديبية لزيارة البيت الحرام في السنة السادسة من‬
‫الهجرة‪ ،‬وعمرة القضاء من السنة السابعة‪ ،‬وعمرة الجعرانة في السنة الثامنة في وادي حنين بين مكة‬
‫والطائف‪ ،‬على بعد ثلث ليال من مكة‪ ،‬والعمرة التي مع حجة الوداع في السنة التاسعة‪.‬‬
‫رابعا ـ حجة النبي صلّى ال عليه وسلم ـ حجة الوداع ‪:‬‬
‫روى مسلم وغيره (‪ )2‬صفة حجة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو حديث عظيم مشتمل على جمل‬
‫من الفوائد‪ ،‬ونفائس من مهمات القواعد‪ ،‬وأحكام الفقه التي بلغت نيفا وخمسين نوعا‪ ،‬كما ذكر المام‬
‫النووي رحمه ال عن أبي بكر بن المنذر رحمه ال ‪.‬‬
‫ونص الحديث‪ :‬قال جعفر بن محمد عن أبيه‪ :‬دخلنا على جابر بن عبد ال ‪ ،‬فسأل عن القوم حتى‬
‫انتهى إليّ‪ ،‬فقلت‪ :‬أنا محمد بن علي بن حسين‪ ،‬فأهوى بيده إلى رأسي‪ ،‬فنزع زِرّي العلى‪ ،‬ثم نزع‬
‫زري السفل‪ ،‬ثم وضع كفه بين ثَدْيي‪ ،‬وأنا يؤمئذ غلم شاب‪ ،‬فقال‪ :‬مرحبا بك ياابن أخي‪ ،‬سل عما‬
‫حضَر وقت الصلة‪ ،‬فقام في َنسَاجة (‪ )3‬ملتحفا بها كلما وضعها على‬
‫شئت‪ ،‬فسألته‪ :‬وهو أعمى‪ ،‬و َ‬
‫مَنْكبه‪ ،‬رجع طرفاها إليه من صغَرها‪ ،‬ورداؤه إلى جَنْبه على ال ِمشْجَب (‪، )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ثبت مثل هذا من حديث عائشة وابن عمر عند البخاري وغيره (نيل الوطار‪.)298/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أيضا أبو داود والنسائي والدارمي وابن أبي شيبة (انظر شرح مسلم‪.)195-170/8 :‬‬
‫(‪ )3‬هي ثوب مُلفّق على هيئة الطيلسان‪.‬‬
‫(‪ )4‬المشجب‪ :‬اسم لعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت‪.‬‬

‫( ‪)3/462‬‬
‫فصلى بنا (‪ )1‬فقلت‪ :‬أخبرني عن حَجّة رسول ال صلّى ال عليه وسلم (‪ ، )2‬فقال بيده‪ ،‬فعقد ِتسْعا‬
‫فقال‪:‬‬
‫إن رسول ال صلّى ال عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج‪ ،‬ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول‬

‫ال صلّى ال عليه وسلم حاجّ‪ ،‬فقدِم المدينةَ بشر كثير‪ ،‬يلتمس أن يأتمّ برسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬ويعمل مثل عمله (‪. )3‬‬
‫عمَيس محمد بن أبي بكر‪ ،‬فأرسلتْ إلى رسول‬
‫فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة‪ ،‬فولدت أسماءُ بنت ُ‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬كيف أصنع؟ قال‪ :‬اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي (‪. )4‬‬
‫فصلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم في المسجد (‪ ، )5‬ثم ركب ال َقصْواء (‪ ، )6‬حتى إذا استوت به‬
‫ناقته على البيداء‪ ،‬نظرتُ إلى مدّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ‪ ،‬وعن يمينه مثلَ ذلك‪ ،‬وعن‬
‫يساره مثلَ ذلك‪ ،‬ومن خلفه مثلَ ذلك‪ ،‬ورسول ال صلّى ال عليه وسلم بين أظهرنا‪ ،‬وعليه ينزل‬
‫القرآن‪ ،‬وهو يعرف تأويله‪ ،‬وما عمل به من شيء عملنا به‪ .‬فأ َهلّ بالتوحيد (‪ : )7‬لبيك اللهم لبيك‪،‬‬
‫لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا المقطع ترحيب بالزائر وملطفة له مما يليق به وتأنيسه‪.‬‬
‫(‪ )2‬المراد حجة الوداع‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذا يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ لنه صلّى ال عليه وسلم أحرم بالحج‪.‬‬
‫(‪ )4‬الستثفار‪ :‬هو أن تشد المرأة في وسطها شيئا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد‬
‫طرفيها من قدامها ومن ورائها‪.‬‬
‫(‪ )5‬فيه استحباب ركعتي الحرام‪.‬‬
‫(‪ )6‬قال ابن قتيبة‪ :‬كانت للنبي صلّى ال عليه وسلم نوق‪ :‬القصواء (التي قطع طرف أذنها) والجدعاء‬
‫(التي قطع من أذنها أكثر من القصواء) والعضباء (مشقوقة الذن)‪ ،‬وقال محمد بن إبراهيم التيمي‬
‫التابعي وغيره‪ :‬إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫(‪ )7‬يعني قوله‪« :‬لبيك ل شريك لك» ‪ .‬والتلبية معناها‪ :‬إجابة إلى الدعاء‪ ،‬وإشعار للقامة عليها‪.‬‬

‫( ‪)3/463‬‬
‫والنعمة لك والمُلك‪ ،‬ل شريك لك‪ .‬وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به‪ ،‬فلم يردّ رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم شيئا منه‪ ،‬ولزم رسول ل صلّى ال عليه وسلم تلبيته (‪. )1‬‬
‫قال جابر‪ :‬لسنا ننوي إل الحج‪ ،‬لسنا نعرف العمرة (‪ ، )2‬حتى إذا أتينا البيت معه‪ ،‬استلم الركن (‪، )3‬‬
‫فَرَمل ثلثا‪ ،‬ومشى أربعا (‪ ، )4‬ثم َنفَذ إلى َمقَام إبراهيم عليه السلم‪ ،‬فقرأ‪{ :‬واتخِذوا من مقام إبراهيم‬

‫ُمصَلّى} [البقرة‪ ،]125/2:‬فجعل ال َمقَام بينه وبين البيت (‪. )5‬‬
‫فكان أبي يقول ـ ول أعلم ذكَره إل عن النبي صلّى ال عليه وسلم ـ كان يقرأ في الركعتين‪{ :‬قل‪:‬‬
‫هو ال أحد} [الخلص‪ ]1/112:‬و {قل‪ :‬يا أيها الكافرون} [الكافرون‪ .]1/109:‬ثم رجع إلى الركن‬
‫فاستلمه‪ ،‬ثم خرج من الباب إلى الصفا (‪ ، )6‬فلما دنا من الصفا قرأ‪{ :‬إن الصفا والمروة من شعائر‬
‫ال } [البقرة‪ ،]2/158:‬أبدأ بما بدأ ال به‪ ،‬فبدأ بالصفا‪ ،‬ف َرقَى عليه‪ ،‬حتى رأى البيت‪ ،‬فاستقبل القبلة‪،‬‬
‫فوحّد ال وكبّره‪ ،‬قال‪ :‬ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد‪ ،‬وهوعلى كل شيء قدير‪،‬‬
‫ل إله إل ال وحده‪ ،‬أنجز وعده‪ ،‬ونصر عبده‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فيه دليل على استحباب القتصار على تلبية رسول ال ‪ ،‬كما قال أكثر العلماء منهم مالك‬
‫والشافعي‪ .‬دون زيادة‪ ،‬كقول ابن عمر‪ :‬لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل‪ .‬وعن‬
‫أنس‪ :‬لبيك حقا تعبدا ورقا‪.‬‬
‫(‪ )2‬فيه دليل لمن قال بترجيح الفراد‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي مسح الحجر بيده‪ ،‬في بدء الطواف‪ .‬وفيه أن يسن لمن دخل مكة قبل الوقوف بعرفات طواف‬
‫القدوم‪.‬‬
‫(‪ )4‬فيه سنية الرمل في الشواط الثلثة الول والمشي على العادة في الربع الخيرة‪ .‬والرمل‪ :‬أسرع‬
‫المشي مع تقارب الخطا‪.‬‬
‫(‪ )5‬فيه سنية صلة ركعتي الطواف خلف المقام‪ ،‬أو في الحِجْر أو في المسجد‪ ،‬أو في مكة وسائر‬
‫الحرم‪.‬‬
‫(‪ )6‬فيه استحباب العود بعد صلة ركعتي الطواف لستلم الحجر‪ ،‬ثم يخرج من باب الصفا ليسعى‪.‬‬

‫( ‪)3/464‬‬
‫ث مرات‪.‬‬
‫وهزم الحزاب وحده (‪ ، )1‬ثم دعا بين ذلك‪ ،‬قال مثلَ هذا ثل َ‬
‫ثم نزل إلى المَرْوة‪ ،‬حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي‪ ،‬سعى‪ ،‬حتى إذا صعدتا‪ ،‬مشى حتى أتى‬
‫المروة‪ ،‬ففعل على المروة كما فعل على الصفا (‪. )2‬‬
‫فقال‪ :‬لو أني استقبلت من أمري ما استدبرتُ‪ ،‬لم أسق الهدي (‪ ، )3‬وجعلتها عمرة‪ ،‬فمن كان منكم‬
‫حلّ وليَجْعلْها عمرة‪.‬‬
‫ليس معه هَدْي‪ ،‬فلَي ِ‬
‫جعْشم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬ألعامنا هذا أم لبد؟ فشبّك رسول ال صلّى ال‬
‫فقام سراقة بن مالك بن ُ‬

‫عليه وسلم أصابعه واحدة في الخرى‪ ،‬وقال‪ :‬دخلت العمرة في الحج (‪ )4‬ـ مرتين‪ ،‬ل بل لبد أبد‪.‬‬
‫حلّ‪ ،‬ولبست ثيابا صبيغا‬
‫وقدم علي من اليمن ببُدْن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فوجد فاطمة ممن َ‬
‫واكتحلت‪ ،‬فأنكر ذلك عليها (‪ . )5‬فقالت‪ :‬إن أبي أمرني بهذا‪ ،‬قال‪ :‬فكان علي يقول بالعراق‪ :‬فذهبت‬
‫إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم مُحَرّشا على فاطمة‪ ،‬للذي صنعت‪ ،‬مستفتيا لرسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم فيما َذكَرت عنه‪ ،‬فأخبرتُه أني أنكرت ذلك عليها‪ ،‬فقالت‪ :‬صَد َقتْ صدقت‪ ،‬ماذا قلتَ حين‬
‫ضتَ الحج (‪ )6‬؟ قال‪ :‬قلتُ‪ :‬اللهم إني أُ ِهلّ بما أَ َهلّ به رسولك (‪، )7‬قال‪ :‬فإن معي الهدي‪ ،‬فل‬
‫فَ َر ْ‬
‫حلّ‪.‬‬
‫تِ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬معناه هزمهم بغير قتال من الدميين ول بسبب من جهتهم‪ .‬والحزاب‪ :‬الذين تحزبوا على رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم يوم الخندق في شوال سنة أربع هجرية‪.‬‬
‫(‪ )2‬فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثلما يسن على الصفا‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي لو علمت آخرا ما علمت أولً لما سقت الهدي‪.‬‬
‫(‪ )4‬معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة‪ ،‬فأبطل ذلك عادة العرب وزعمهم أن‬
‫العمرة في أشهر الحج ممنوعة (شرح مسلم‪ 166/8 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )5‬فيه جواز إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها‪،‬لنه ظن أن ذلك ل يجوز‬
‫فأنكره‪.‬‬
‫(‪ )6‬أي أوجبته على نفسك‪ ،‬والمقصود‪ :‬ماذا نويت؟‬
‫(‪ )7‬فيه جواز تعليق الحرام بإحرام كإحرام فلن‪.‬‬

‫( ‪)3/465‬‬
‫قال‪ :‬فكان جماعةُ الهدي الذي قدم به علي من اليمن‪ ،‬والذي أتى به النبي صلّى ال عليه وسلم مئةً‪،‬‬
‫قال‪ :‬فحلّ الناس كلّهم‪ ،‬وقصّروا (‪ ، )1‬إل النبي صلّى ال عليه وسلم ومن كان معه هدي‪.‬‬
‫فلما كان يوم التروية (‪ ، )2‬توجّهوا إلى منى‪ ،‬فأهلّوا بالحج (‪ ، )3‬وركب رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر (‪ ، )4‬ثم مكث قليلً حتى طلعت‬
‫شعَر تضرب له بنمِرة (‪. )5‬‬
‫الشمس‪ ،‬وأمر بقُبّة من َ‬
‫فسار رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول تشك قريش إل أنه واقف عند المشعر الحرام‪ ،‬كما كانت‬
‫قريش تصنع في الجاهلية (‪ ، )6‬فأجاز رسول ال صلّى ال عليه وسلم (‪ )7‬حتى أتى عرفة (‪، )8‬‬

‫فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة‪ ،‬فنزل بها (‪ ، )9‬حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء ف ُرحِلَت له (‬
‫‪ ، )10‬فأتى بطن الوادي (‪ ، )11‬فخطب الناس (‪ )12‬وقال‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كلهم أي معظمهم؛ لن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي‪ .‬والتقصير مع أن الحلق أفضل‬
‫لبقاء شعر يحلق في الحج‪.‬‬
‫(‪ )2‬هو اليوم الثامن من ذي الحجة‪.‬‬
‫(‪ )3‬فيه أن الفضل لمن كان بمكة وأراد الحرام بالحج أن يحرم يوم التروية‪ ،‬وهومذهب الشافعي‬
‫وموافقيه‪.‬‬
‫(‪ )4‬فيه سنية أداء الصلوات الخمس بمنى‪.‬‬
‫(‪ )5‬نمرة‪ :‬موضع بجنب عرفات وليست من عرفات‪.‬‬
‫(‪ )6‬معناه أن قريشا كانت في الجاهلية تقف في المشعر الحرام‪ :‬وهو جبل في المزدلفة‪ ،‬يقال له‪:‬‬
‫قزح؛ لن المزدلفة من الحرم‪.‬‬
‫(‪ )7‬أي جاوز المزدلفة‪ ،‬ولم يقف بها‪ ،‬وتوجه إلى عرفات‪.‬‬
‫(‪ )8‬أي قارب عرفات‪ ،‬بدليل إقامة القبة له في نمرة‪.‬‬
‫(‪ )9‬أي بنمرة‪ ،‬وفيه أن دخول عرفات قبل صلتي الظهر والعصر جمعا خلف السنة‪.‬‬
‫(‪ )10‬أي جعل عليها الرحل بعد زوال الشمس أي دخول وقت الظهر‪.‬‬
‫(‪ )11‬هو وادي عُرَنة‪ ،‬ليست عرنة من أرض عرفات عند العلماء إل مالكا فقال‪ :‬هي من عرفات‪.‬‬
‫(‪ )12‬فيه استحباب الخطبة للمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع‪ ،‬وهو سنة باتفاق جماهير‬
‫العلماء إل المالكية‪.‬‬

‫( ‪)3/466‬‬
‫إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (‪ ، )1‬أل كلّ شيء‬
‫من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع‪ ،‬ودماء الجاهلية موضوعة‪ ،‬وإن أول دم أضَع من دمائنا‪ :‬دم‬
‫ابن ربيعة بن الحارث‪ ،‬كان ُمسْتَرضَعا في بني هُذَيل‪ ،‬فقتلته هذيل‪ ،‬وربا الجاهلية موضوع‪ ،‬وأول ربا‬
‫أضع ربانا ـ ربا عبّاس بن عبد المطلب‪ ،‬فإنه موضوع كله (‪. )2‬‬
‫فاتقوا ال في النساء‪ ،‬فإنكم أخذتموهن بأمان ال (‪ ، )3‬واستحللتم فروجهن بكلمة ال (‪ ، )4‬ولكم‬
‫عليهن أل يُوطئن فُرُشكم أحدا تكرهونه‪ ،‬فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرّح (‪ ، )5‬ولهن‬

‫عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (‪. )6‬‬
‫وقد تركت فيكم ما لَنْ تضلوا بعده إن اعتصمتم به‪ :‬كتابُ ال ‪ ،‬وأنتم تُسألون عني‪ ،‬فما أنتم قائلون؟‬
‫قالوا‪ :‬نشهد أنك قد بلّغت وأديت ونصحت‪ .‬فقال بإص ِبعَه السبّابة يرفعها إلى السماء‪ ،‬وينكُتُها إلى‬
‫الناس (‪ : )7‬اللهم اشهد‪ ،‬ثلث مرات‪.‬‬
‫ثم أذّن‪ ،‬ثم أقام‪ ،‬فصلى الظهر‪ ،‬ثم أقام‪ ،‬فصلى العصر‪ ،‬ولم يصل بينهما شيئا (‪. )8‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬معناه متأكدة التحريم شديدته‪.‬‬
‫(‪ )2‬فيه إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل بها قبض‪ .‬وقوله عليه السلم‪« :‬تحت قدمي»‬
‫إشارة إلى إبطاله‪ .‬وكون الربا موضوع كله‪ :‬معناه الزائد على رأس المال باطل يرد إلى أصحابه‪،‬‬
‫فالوضع‪ :‬الرد والبطال‪.‬‬
‫(‪ )3‬فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف‪.‬‬
‫(‪ )4‬أي بإباحة ال‪ ،‬والكلمة‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء‪.]3/4:‬‬
‫(‪ )5‬المراد أل يأذن لحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم‪ ،‬سواء أكان أجنبيا أم أحدا‬
‫من محارم الزوجة أو امرأة‪ .‬والضرب غير المبرح أي الذي ليس بشديد ول شاق‪.‬‬
‫(‪ )6‬فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها‪.‬‬
‫(‪ )7‬أي يقلبها ويرددها إلى الناس‪ ،‬مشيرا إليهم‪.‬‬
‫(‪ )8‬فيه مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بإجماع المة في ذلك اليوم‪ ،‬وهو إما بسبب النسك عند‬
‫أبي حنيفة أو بسبب السفر عند الشافعي‪.‬‬

‫( ‪)3/467‬‬
‫ثم ركب رسول ال صلّى ال عليه وسلم حتى أتى الموقف (‪ ، )1‬فجعل بطن ناقته القصواء إلى‬
‫الصخَرَات (‪ ، )2‬وجعل حَبْل المشاة بين يديه‪ ،‬واستقبل القبلة (‪ ، )3‬فلم يَزَل واقفا حتى غَرَبت الشمسه‬
‫صفْرة قليلً حتى غاب القُرْص‪ ،‬وأردف أسامة خلفه (‪ ، )5‬ودفَع رسول ال صلّى ال‬
‫(‪ ، )4‬وذهبت ال ّ‬
‫عليه وسلم وقد شَنَق للقصواء الزّمام‪ ،‬حتى إن رأسها ليُصيب َموْرِك رَحْله (‪ ، )6‬ويقول بيده اليمنى‪:‬‬
‫صعَد‪.‬‬
‫أيها الناس‪ ،‬السكينةَ السكينةَ‪ ،‬كلما أتى حَبْلً من الحبال (‪ ، )7‬أرخى لها قليلً حتى َت ْ‬
‫حتى أتى المزدلفة‪ ،‬فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئا (‪. )8‬‬
‫ثم اضطجع رسول ال صلّى ال عليه وسلم حتى طلع الفجر (‪ ، )9‬وصلى الفجر حتى تبيّن له الصبح‬

‫بأذان وإقامة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي مكان الوقوف بعرفة مقابل الصخرات أمام الجبل‪======== .‬‬

‫( ‪)3/468‬‬
‫‪............................................................................‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫========‬
‫(‪ )2‬يستحب أن يقف عند الصخرات المفترشات في أسفل جبل الرحمة‪ :‬وهو الجبل الذي بوسط أرض‬
‫عرفات‪ ،‬وأما ما اشتهر بين العوام من العتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه ل يصح الوقوف إل فيه‬
‫فغلط‪ ،‬بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات‪.‬‬
‫(‪ )3‬فيه استحباب استقبال الكعبة في الوقوف‪ .‬وحبل المشاة‪ :‬أي مجتمعهم‪.‬‬
‫(‪ )4‬يندب الوقوف إلى ما بعد المغرب‪ ،‬وهو مذهب الجمهور‪ ،‬وقال مالك‪ :‬ل يصح الوقوف في النهار‬
‫منفردا‪ ،‬بل ل بد من الليل وحده‪.‬‬
‫(‪ )5‬فيه جواز الرداف إذا كانت الدابة مطيقة‪.‬‬
‫(‪ )6‬شنق‪ :‬ضم وضيق‪ .‬ومورك الرحل‪ :‬هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة‬
‫الرحل إذا مل من الركوب‪ .‬وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب‬
‫الضعيفة‪.‬‬
‫(‪ )7‬أي ألزموا السكينة‪ ،‬وهي الرفق والطمأنينة‪ .‬ففيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة‪ ،‬فإذا وجد‬
‫فرجة أسرع‪ ،‬كما في الحديث الخر‪ .‬والحبل‪ :‬التل اللطيف من الرمل الضخم‪.‬‬
‫(‪ )8‬فيه استحباب جمع التأخير بين المغرب والعشاء‪ ،‬وهو عند أبي حنيفة بسبب النسك فيجوز لهل‬
‫مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم‪ ،‬وعند الشافعية بسبب السفر فل يجوز إل لمسافر مسافة مرحلتين‪.‬‬
‫ومعنى «لم يسبح» لم يصل بينهما نافلة‪ ،‬والنافلة تسمى سبحة لشتمالها على التسبيح‪.‬‬
‫(‪ )9‬فيه أن المبيت بالمزدلفة نسكٌ واجب‪ ،‬والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إل‬
‫الضعفة فالسنة لهم الدفع قبل الفجر‪.‬‬

‫( ‪)3/469‬‬

‫ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (‪ ، )1‬فاستقبل القبلة‪ ،‬فدعاه وكبّره وهلّله ووحدّه‪ ،‬فلم يزل‬
‫واقفا حتى أسفر (‪ )2‬جدا‪ ،‬فدفع قبل أن تطلع الشمس‪ ،‬وأردف الفضل بن عبّاس‪ ،‬وكان رجلً حسن‬
‫ظعُن (‪ )4‬يجرين‪،‬‬
‫شعْر أبيض وسيما (‪ ، )3‬فلما دفع رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬مرّت به ُ‬
‫ال ّ‬
‫فطفِق الفضل ينظر إليهن‪ ،‬فوضع رسول ال صلّى ال عليه وسلم يده على وجه الفضل (‪ ، )5‬فحوّل‬
‫الفضل وجهه إلى الشق الخر‪ ،‬فحوّل رسول ال صلّى ال عليه وسلم يده من الشق الخر على وجه‬
‫الفضل‪ ،‬يصرف وجهه من الشق الخر ينظر‪ ،‬حتى أتى بطن ُمحَسّر (‪ ، )6‬فحرّك قليلً‪.‬‬
‫ثم سلك الطريق الوسطى (‪ )7‬التي تخرج على الجمرة الكبرى‪ ،‬حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة (‬
‫خذْف (‪ ، )9‬رمى من بطن الوادي‪.‬‬
‫‪ . )8‬فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى ال َ‬
‫ثم انصرف إلى المنحر‪ ،‬فنحر ثلثا وستين بيده‪ ،‬ثم أعطى عليا‪ ،‬فنحر ما‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هو جبل معروف في المزدلفة وهو قُزَح‪ ،‬وقال جمهور المفسرين وأهل السير والحديث‪ :‬المشعر‬
‫الحرام جميع المزدلفة‪.‬‬
‫(‪ )2‬يعود الضمير إلى الفجر ومعناه إسفارا بليغا‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي حسنا والمقصود أنه بصفة من تفتتن النساء به لحسنه‪.‬‬
‫(‪ )4‬الظعن جمع ظعينة‪ ،‬وأصل الظعينة‪ ،‬البعير الذي عليه امرأة‪ ،‬ثم تسمى به المرأة مجازا لملبستها‬
‫البعير‪.‬‬
‫(‪ )5‬فيه الحث على غض البصر عن الجنبيات وغضهن عن الرجال الجانب‪.‬‬
‫(‪ )6‬سمي بذلك لن فيه أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكل‪.‬‬
‫(‪ )7‬فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة‪.‬‬
‫(‪ )8‬الجمرة الكبرى‪ :‬هي جمرة العقبة وهي التي عند الشجرة‪ ،‬وفيه أن السنة البدء بهذه الجمرة‪ ،‬ول‬
‫يفعل شيئا قبل رميها‪.‬‬
‫(‪ )9‬هو نحو حبة الباقلء‪ ،‬وينبغي أل تكون أكبر ول أصغر‪ ،‬بشرط كونها حجرا وهو رأي الجمهور‪،‬‬
‫جوز أبو حنيفة الرمي بكل ما كان من أجزاء الرض ولو من المعادن‪.‬‬

‫( ‪)3/470‬‬
‫غبرَ (‪ ، )1‬وأشركه في َهدْيه (‪ ، )2‬ثم أمَر من كل َبدَنة بِبضْعة‪ ،‬فجعلت في قِدْر‪ ،‬فطبخت‪ ،‬فأكل من‬
‫لحمها‪ ،‬وشربا من مَرَقها (‪. )3‬‬

‫ثم ركب رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬فأفاض إلى البيت (‪ ، )4‬فصلى بمكة الظهر‪ ،‬فأتى بني عبد‬
‫المطلب يسقون على زمزم‪ ،‬فقال‪ :‬انزِعوا بني عبد المطلب (‪ ، )5‬فلول أن يغلِبكم الناس على سقايتكم‬
‫لنزعت معكم (‪ ، )6‬فناولوه دَلْوا فشرب منه (‪. )7‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي ما بقي‪ ،‬وفيه استحباب تكثير الهدي‪ ،‬واستحباب ذبح المهدي بنفسه‪ ،‬وجواز الستنابة فيه‪،‬‬
‫وذلك جائز بالجماع إذا كان النائب مسلما‪ .‬ويجوز عند الشافعية كون النائب كتابيا بشرط نية المهدي‬
‫عند الدفع إليه أو عند ذبحه‪ .‬والظاهر أن النبي صلّى ال عليه وسلم نحر البدن التي جاءت معه من‬
‫المدينة‪ ،‬وأعطى عليا البدن التي جاءت معه من اليمن‪.‬‬
‫(‪ )2‬ظاهره أنه أشركه في نفس الهدي‪ ،‬وقال القاضي عياض‪ :‬وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة‪ ،‬بل‬
‫أعطاه قدرا يذبحه‪.‬‬
‫(‪ )3‬البضعة‪ :‬القطعة من اللحم‪ ،‬وفيه استحباب الكل من هدي التطوع وأضحيته‪.‬‬
‫(‪ )4‬هذا طواف الفاضة‪ ،‬وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين‪ ،‬وأول وقته عند الشافعية‪ :‬من‬
‫نصف ليلة النحر‪.‬‬
‫(‪ )5‬أي استقوا بالدلء وانزعوها بالرشاء (الحبل)‪ ،‬ويسقون على زمزم‪ :‬معناه يغرفون بالدلء‬
‫ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبّلونه للناس‪ .‬وزمزم‪ :‬البئر المشهورة في المسجد الحرام‪ ،‬بينها‬
‫وبين الكعبة ثمانية وثلثون ذراعا‪.‬‬
‫(‪ )6‬معناه لول خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم‬
‫عن الستقاء لستقيت معكم‪.‬‬
‫(‪ )7‬فيه استحباب شرب ماء زمزم‪.‬‬

‫( ‪)3/471‬‬
‫خامسا ـ أحكام أعمال الحج عند الفقهاء ‪:‬‬
‫للحج عند الفقهاء‪ :‬أركان وواجبات وسنن‪ ،‬أذكرها هنا بإيجاز ثم أعقبها بجدول مقارن بين المذاهب‪.‬‬
‫المذهب الول ـ قال الحنفية (‪: )1‬‬
‫ركن الحج نوعان‪ :‬الوقوف بعرفة‪ ،‬وهو الركن الصلي للحج‪ ،‬وطواف الفاضة (الزيارة) ‪ .‬وفوت‬
‫الركن يوجب الفساد والبطلن‪ ،‬والركن أو الفرض‪ :‬هو ما ثبت بدليل مقطوع به‪ .‬أما الواجب‪ :‬فهو ما‬
‫ثبت بدليل ظني‪ ،‬فإن تركه لعذر فل شيء عليه‪ ،‬وإن تركه لغير عذر لزمه دم‪.‬‬

‫وواجبات الحج كثيرة أهمها خمسة‪ :‬السعي بين الصفا والمروة‪ ،‬والوقوف بمزدلفة ولو بمقدار لحظة‬
‫في النصف الثاني من الليل‪ ،‬ورمي الجمار‪ ،‬والحلق أو التقصير‪ ،‬وطواف الصّدَر (الوداع) ‪ .‬علما بأن‬
‫الحلق والطواف بالبيت بعد الذبح‪ ،‬والذبح يختص بأيام النحر ل يجوز قبلها‪.‬‬
‫وسنن الحج‪ :‬غسل الحرام والتطيب له (‪ ، )2‬والنطق بما نوى بأن يقول المفرد‪ :‬اللهم إني أريد الحج‬
‫فيسره لي وتقبله مني‪ ،‬ويقول المعتمر‪ :‬اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي‪ ،‬وتقبلها مني‪ ،‬ويقول القارن‪:‬‬
‫اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني‪.‬‬
‫والتلبية عقب كل صلة فريضة أو نافلة بأن يقول‪« :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن‬
‫الحمد والنعمة لك والملك‪ ،‬ل شريك لك» وهي تلبية رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ودخول مكة ليلً أو نهارا‪ ،‬ثم دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة‪ ،‬والقول عند رؤية الكعبة في‬
‫الخفاء‪« :‬سبحان ال والحمد ل ول إله إل ال وال أكبر‪ ،‬اللهم هذا بيتك عظمته وشرفته وكرمته فزده‬
‫تعظيما وتشريفا وتكريما» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 143 ،133 ،125/2 :‬ومابعدها‪.148 ،‬‬
‫(‪ )2‬البقاء على التطيب ل يسمى تطيبا فل يكره‪.‬‬

‫( ‪)3/472‬‬
‫ويبدأ غير المكي المفرد أو القارن بطواف القدوم من الحجر السود‪ ،‬مستقبلً له‪ ،‬مكبرا رافعا يديه‬
‫كما يرفعهما في الصلة‪ ،‬حذو منكبيه‪ ،‬والفضل أن يقبله اتباعا للنبي صلّى ال عليه وسلم إن أمكنه‬
‫من غير أن يؤذي أحدا‪ ،‬وإل استقبله وكبر وهلل وحمد ال وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم كما يصلي عليه في الصلة‪.‬‬
‫ثم يطوف سبعة أشواط يرمل في الثلثة الول‪ ،‬ويمشي على هيئته في الربعة الباقية‪ ،‬ويستلم الحجر‬
‫في كل شوط يفتتح به إن استطاع من غير أن يؤذي أحدا‪ ،‬ولَيس استلم الركن اليماني سنة‪ ،‬لكن إن‬
‫استلمه فحسن‪ ،‬أي فهو مستحب وليس بسنة عند أبي حنيفة خلفا لمحمد‪.‬‬
‫ثم يصلي ركعتين في نهاية المطاف عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر عليه من المسجد‪ ،‬وركعتا‬
‫الطواف صلة واجبة عند الحنفية خلفا لغيرهم‪.‬‬
‫ومن السنن‪ :‬خطبة المام في ثلثة مواضع‪ :‬في اليوم السابع قبل يوم التروية‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬وفي اليوم‬
‫الحادي عشر من ذي الحجة‪ ،‬وهي خطبة واحدة بعد صلة الظهر إل خطبة عرفة فهي خطبتان بعد‬

‫الزوال قبل الصلة‪.‬‬
‫وصفة الخطبة‪ :‬هي أن يحمد ال تعالى‪ ،‬ويثني عليه‪ ،‬ويكبر ويهلل‪ ،‬ويعظ الناس‪ ،‬فيأمرهم بما أمر ال‬
‫عز وجل وينهاهم عما نهاهم ال عنه‪ ،‬ويعلمهم مناسك الحج من الوقوف بعرفة والفاضة منها‬
‫والوقوف بمزدلفة‪.‬‬
‫ثم يصلي المام بالناس الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم بأذان واحد وإقامتين‪ ،‬ولم‬
‫يتنفل قبلهما ول بعدهما‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬ويخفي المام القراءة فيهما بخلف‬
‫الجمعة والعيدين‪ ،‬فإنه يجهر فيهما بالقراءة‪ ،‬وذلك سواء المكي المحرم وغيره‪ .‬ثم يروح المام والناس‬
‫إلى عرفات‪ ،‬عقيب الصلة‪ ،‬يقفون فيها حتى غروب الشمس‪ ،‬يكبرون ويهللون ويحمدون ال تعالى‬
‫ويثنون عليه ويصلون على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويسألون ال تعالى حوائجهم ويتضرعون إليه‬
‫بالدعاء‪.‬‬

‫( ‪)3/473‬‬
‫ومن السنن‪ :‬البقاء في المزدلفة حتى يسفر ضوء النهار‪.‬‬
‫ومنها المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة (يوم عرفة) وأداء خمس صلوات فيها‪ ،‬كما فعل النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم في حجة الوداع‪ .‬وكذلك المبيت بمنى ليلتين‪ :‬ليلة الول من أيام التشريق والثاني‬
‫من أيام الرمي‪ ،‬ويكره أن يبيت في غير منى من أيام منى‪ ،‬فإن فعل ل شيء عليه‪ ،‬ويكون مسيئا؛‬
‫لنه البيتوتة بمنى ليست واجبة‪ ،‬بل هي سنة؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم أرخص للعباس أن يبيت‬
‫بمكة للسقاية (‪. )1‬‬
‫والسنة أن يرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر قبل الزوال بسبع حصيات مثل حصى‬
‫الخذف‪ ،‬بوضع كل حصاة على السبابة والبهام‪ ،‬كأنه يخذف بها‪.‬‬
‫وترمى الجمرات الثلث بعد الزوال من اليوم الثاني والثالث‪ ،‬ويكبر مع كل حصاة‪ ،‬مبتدئا بالجمرة‬
‫الولى التي تلي مسجد الخيف‪ ،‬ثم الوسطى‪ ،‬ثم الكبرى جمرة العقبة‪ ،‬فإذا فرغ منها عند كل جمرة‬
‫يقف عندها فيكبر ويهلل ويحمد ال تعالى‪ ،‬ويثني عليه‪ ،‬ويصلي على النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫ويسأل ال تعالى حوائجه‪.‬‬
‫وتؤخذ الجمار من مزدلفة أو من الطريق‪ ،‬اتباعا لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وإن رمى بحصاة‬
‫أخذها من الجمرة أجزأه وقد أساء‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ـ فيما يرويه البخاري ومسلم ـ «ارم‬
‫ول حرج» مطلقا‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حديث متفق عليه عن ابن عباس (نيل الوطار‪.)79/5 :‬‬

‫( ‪)3/474‬‬
‫وتقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم قطع التلبية عند‬
‫أول حصاة رمى بها جمرة العقبة (‪. )1‬‬
‫ومن السنن‪ :‬التحصيب‪ :‬وهو النزول بوادي المحصب أو البطح‪ ،‬وهو موضع بين منى ومكة عند‬
‫مدخل مكة بين الجبلين‪ ،‬إلى المقبرة المسماة بالحجون‪ ،‬ينزل به ساعة‪ ،‬فإنه سنة؛ لن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي ال عنهم نزلوا بالبطح (‪. )2‬‬
‫أعمال العمرة‪ :‬وأما العمرة عند الحنفية (‪ : )3‬فركنها الطواف‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت العتيق}‬
‫[الحج‪.]29/22:‬‬
‫وواجباتها اثنان‪ :‬السعي بين الصفا والمروة‪ ،‬والحلق أو التقصير‪.‬‬
‫وسنتها‪ :‬أن يقطع التلبية إذا استلم الحجر عند أول شوط من الطواف‪.‬‬
‫المذهب الثاني ـ مذهب المالكية(‪: ) 4‬‬
‫للحج أركان وواجبات وسنن ومندوبات‪ .‬والركن أو الفرض‪ :‬هو ما لتحصل حقيقة الحج أو العمرة‬
‫إل به‪ ،‬والواجب‪ :‬ما يحرم تركه اختيارا لغير ضرورة‪ ،‬ول يفسد النسك بتركه وينجبر بالدم‪.‬‬
‫أركان الحج أربعة ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحرام‪ :‬وهو النية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج‪ ،‬كالتلبية والتوجه إلى الطريق‪ .‬والرجح‬
‫أنه ينعقد بمجرد النية‪.‬‬
‫‪ - 2‬السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط‪ :‬وهو كما ذكر الجهوري أفضل من الوقوف بعرفة‪،‬‬
‫لقربه من البيت‪ ،‬وتبعيته للطواف الفضل من الوقوف‪ ،‬لتعلقه بالبيت المقصود بالحج‪.‬‬
‫‪ - 3‬الحضور بعرفة ليلة النحر‪ ،‬ولو بالمرور بها‪ ،‬إن علم أنه عرفة ونوى الحضور الركن‪.‬‬
‫‪ - 4‬طواف الفاضة سبعة أشواط بالبيت‪.‬‬
‫وأركان العمرة ثلثة ‪:‬‬
‫إحرام من المواقيت أو من الحل‪ ،‬وطواف بالبيت سبعا‪ ،‬وسعي بين الصفا والمروة سبعا‪ .‬وأما حلق‬
‫الرأس فهو واجب‪ ،‬ويكره تكرارها في العام الواحد‪.‬‬
‫وللحرام واجبات وسنن ومندوبات‪ ،‬علما بأنه ل دم في ترك السنن‪:‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مفهوم من حديث جابر الطويل في حجة الوداع‪ ،‬ورواه البيهقي صراحة عن ابن مسعود (نصب‬
‫الراية‪.)79/2 :‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه مسلم عن ابن عمر أن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالبطح‬
‫(المرج السابق‪ :‬ص ‪ )88‬ورواه الزهري عن سالم‪ ،‬ولكن ورد عن عائشة‪« :‬نزول البطح ليس بسنة‪،‬‬
‫إنما نزله رسول ال صلّى ال عليه وسلم؛ لنه كان أسمحَ لخروجه إذا خرج» (نيل الوطار‪-83/5 :‬‬
‫‪.)84‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 226/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الصغير‪ ،72 ،60 ،53 ،39 ،16/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.134-131‬‬

‫( ‪)3/475‬‬
‫أما واجباته‪ :‬فهي التجرد من المخيط وكشف الرأس للذكر‪ ،‬والتلبية‪ ،‬ووصلها بالحرام‪ ،‬فمن تركها‬
‫رأسا أو فصل بينها وبين الحرام بفاصل طويل‪ ،‬فعليه دم‪.‬‬
‫وسنن الحرام‪ :‬غسل متصل به‪ ،‬ولبس إزار وسطه‪ ،‬ورداء على كتفيه‪ ،‬ونعلين في رجليه‪ ،‬فلو التحف‬
‫برداء أو كساء أجزأ وخالف السنة‪.‬‬
‫ويسن ركعتان بعد الغسل وقبل الحرام‪ ،‬ويجزئ عنهما الفرض‪ ،‬وفاته الفضل‪ .‬ويندب للراكب‬
‫الحرام إذا استوى على ظهر دابته‪ ،‬وللماشي إذا مشى‪.‬‬
‫ويندب للمحرم إزالة شعثه قبل الغسل‪ ،‬بأن يقص أظفاره وشاربه ويحلق عانته‪ ،‬وينتف شعر إبطه‪،‬‬
‫ويرجل شعر رأسه أو يحلقه إذا كان من أهل الحلق‪ ،‬ليستريح بذلك من ضررها‪ ،‬وهو محرم‪.‬‬
‫ويندب القتصار على تلبية الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهي «لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك‬
‫لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك‪ ،‬والملك‪ ،‬ل شريك لك» (‪. )1‬‬
‫ويندب تجديدها لتغير حال‪ ،‬كقيام وقعود وصعود وهبوط ورحيل وحط ويقظة من نوم أو غفلة‪،‬‬
‫وخلف صلة ولو نافلة‪ ،‬وعند ملقاة رفاق‪.‬‬
‫وندب توسط في علو صوته‪ ،‬فل يسرّها‪ ،‬ول يرفع صوته جدا‪.‬‬
‫وندب توسط في تردادها‪ ،‬فل يترك حتى تفوته الشعيرة‪ ،‬ول يوالي حتى يلحقه الضجر‪.‬‬
‫ويلبي المحرم من مكة في المكان الذي أحرم منه‪ ،‬سواء في المسجد أم في غيره‪.‬‬
‫ويلبي الفاقي المعتمر من الميقات وكذا المعتمر الذي فاته الحج لحصار أو مرض إلى أن يصل إلى‬

‫الحرم المكي العام‪.‬‬
‫ويلبي المعتمر من دون الميقات كالجعرانة إلى أن يصل لبيوت مكة‪.‬‬
‫ويلبي المحرم من الميقات بالحج ولو قارنا حتى يصل لبيوت مكة أو حتى يبدأ بطواف القدوم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشيخان عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬ومعناه‪ :‬إجابة بعد إجابة‪ ،‬أي أجبتك الن‬
‫كما أجبتك حين أذن إبراهيم به في الناس‪ ،‬وحين خاطبت الرواح بـ «ألست بربكم» والحسن ما‬
‫قاله النووي في المجموع‪ :‬معنى لبيك‪ :‬إجابة لك بعد إجابة‪ ،‬في جميع أمرك وكل خطاباتك‪.‬‬

‫( ‪)3/476‬‬
‫وواجب السعي‪ :‬أن يسعى بعد طواف واجب كالقدوم والفاضة‪ .‬وأن يقدمه على الوقوف بعرفة إن‬
‫وجب عليه طواف القدوم‪ ،‬وإل أخره عقب طواف الفاضة‪.‬‬
‫حلّ‪ ،‬إذا لم يزاحمه الوقت‬
‫ويجب طواف القدوم بشروط ثلثة‪ :‬على المفرد أو القارن المحرم من ال ِ‬
‫وخشي فوات الحج لو اشتغل به‪ ،‬ولم يردف الحج على العمرة بحرم‪ ،‬أي لم ينو الحج بعد الحرام‬
‫بالعمرة قبل الشروع في طوافها‪ .‬ويعذر الحائض والنفساء والمغمى عليه والمجنون في ترك طواف‬
‫القدوم‪ ،‬كما في حالةالخوف من فوات الحج‪.‬‬
‫وواجب الطواف‪ :‬ركعتان بعد الفراغ منه‪ ،‬يقرأ فيهما ندبا بعد الفاتحة بالكافرون في الركعة الولى‪،‬‬
‫وبالخلص في الثانية‪ .‬وندب إيقاع الركعتين في مقام إبراهيم‪.‬‬
‫ويجب ابتداء الطواف من الحجر السود‪ ،‬والمشي لقادر عليه كالسعي‪ ،‬وإل لزمه دم‪.‬‬
‫وندب دعاء بعد تمام الطواف قبل الركعتين بالملتزم‪ :‬حائط البيت بين الحجر السود وباب البيت‪،‬‬
‫يضع صدره عليه‪ ،‬ويفرش ذراعيه عليه‪ ،‬ويدعو بما شاء‪ ،‬ويسمى الحطيم أيضا‪.‬‬
‫وندب كثرة شرب ماء زمزم‪ ،‬لنه بركة‪ ،‬بنية حسنة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ماء زمزم لما‬
‫شرب له» (‪ ، )1‬وندب نقله إلى بلده وأهله للتبرك به‪.‬‬
‫وسنن الطواف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬تقبيل الحجر‪ ،‬بل صوت‪ ،‬ندبا‪ ،‬أوله قبل الشروع فيه إذا لم تكن زحمة‪ ،‬وإل لمس باليد أو‬
‫بالعود‪ ،‬ووضعا على الفم‪ ،‬ويندب أن يكبر مع كل تقبيل ونحوه قائلً‪ ( :‬بسم ال وال أكبر‪ ،‬اللهم إيمانا‬
‫بك‪ ،‬وتصديقا بكتابك‪ ،‬ووفاء بعهدك‪ ،‬واتباعا لسنة نبيك محمد )ص ( ^*^) ‪.‬‬
‫‪ - 2‬واستلم الركن اليماني أول شوط‪ ،‬بأن يضع يده اليمنى عليه‪ ،‬ويضعها على فمه‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه عن جابر‪ :‬احمد وابن ماجة والبيهقي وابن أبي شيبة‪.‬‬
‫تعليق المستخدم ‪)^*^ (:‬‬

‫(بسم ال وال أكبر‪ ،‬اللهم إيمانا بك‪ ،‬وتصديقا بكتابك‪ ،‬ووفاء بعهدك‪ ،‬واتباعا لسنة نبيك محمد)‬
‫سلّمَ‬
‫ي صَلّى اللّهُ عَلَيْ ِه وَ َ‬
‫‪َ -1‬روَاهُ الشّا ِف ِعيّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ ‪ :‬أُخْبِ ْرتُ { أَنّ َب ْعضَ َأصْحَابِ النّ ِب ّ‬

‫قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ كَ ْيفَ َنقُولُ ‪ :‬إذَا اسْتََلمْنَا ؟ قَالَ ‪ :‬قُولُوا ‪ِ :‬بسْمِ اللّهِ ‪ ،‬وَاَللّهُ َأكْبَرُ إيمَانًا بِاَللّهِ ‪ ،‬وَ َتصْدِيقًا‬
‫سعِيدِ بْنِ سَالِمٍ ‪ ،‬عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ‪.‬‬
‫حمّدٌ } ‪ ،‬قُلْت ‪ :‬وَ ُهوَ فِي الْأُمّ عَنْ َ‬
‫ِبمَا جَاءَ ِبهِ مُ َ‬
‫عمَرَ ‪ :‬أَنّهُ كَانَ إذَا اسْتََلمَ ا ْلحَجَرَ قَالَ‬
‫وَ َروَى الْبَ ْي َهقِيّ ‪ ،‬وَالطّبَرَا ِنيّ فِي الَْأوْسَطِ ‪ ،‬وَالدّعَاءِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ ُ‬
‫‪ِ :‬بسْمِ اللّهِ ‪ ،‬وَاَللّهُ َأكْبَرُ ‪ ،‬وَسَنَ ُد ُه صَحِيحٌ ‪ ،‬وَرَوَى ا ْل ُعقَيِْليّ مِنْ حَدِي ِثهِ أَ ْيضًا ‪ :‬أَنّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْ َتلِمَ‬
‫َيقُولُ ‪ :‬الّلهُمّ إيمَانًا بِك ‪ ،‬وَ َتصْدِيقًا ِبكِتَابِك ‪ ،‬وَاتّبَاعًا لِسُنّةِ نَبِيّك ‪ُ ،‬ثمّ ُيصَلّي عَلَى النّ ِبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ‬
‫وَسَلّمَ ‪ ،‬ثُمّ يَسْتَِلمُهُ ‪ ،‬وَ َروَاهُ ا ْلوَاقِ ِديّ فِي ا ْل َمغَازِي مَ ْرفُوعًا ‪.‬‬
‫حجَرِ‬
‫عوَرِ ‪ ،‬عَنْ عَِليّ أَنّهُ كَانَ إذَا مَرّ بِالْ َ‬
‫ي وَالطّبَرَا ِنيّ فِي الَْأوْسَطِ وَالدّعَاءِ عَنْ الْحَا ِرثِ الْأَ ْ‬
‫وَ َروَاهُ الْبَ ْي َهقِ ّ‬
‫سوَدِ فَرَأَى عَلَيْهِ زِحَامًا ‪ ،‬اسْ َتقْبَلَهُ ‪َ ،‬وكَبّرَ ‪ُ ،‬ثمّ قَالَ ‪ :‬الّلهُمّ إيمَانًا بِك ‪ ،‬وَ َتصْدِيقًا ِبكِتَابِك ‪ ،‬وَاتّبَاعًا‬
‫الَْأ ْ‬
‫ِلسُنّةِ نَبِيّك ‪.‬‬
‫التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ‪)3/199( ) 19 ( - 1026 - 1026‬‬
‫‪ -2‬عن علي أن كان إذا استلم الحجر قال اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباع سنة نبيك صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫رواه الطبراني في الوسط وفيه الحارث وهو ضعيف وقد وثق‪.‬‬
‫وعن نافع قال كان ابن عمر إذا استلم الحجر قال اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك وسنة نبيك ثم يصلي‬
‫على النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫رواه الطبراني في الوسط ورجاله رجال الصحيح‪ .‬مجمع الزوائد‪)3/240( :‬‬
‫( ^*^) أبو أكرم الحلبي عضو في ملتقى أهل الحديث‪.‬‬

‫( ‪)3/477‬‬
‫‪ - 3‬ورمَل َذكَر ولوغير بالغ في الشواط الثلثة الول فقط في غير زحمة‪ ،‬لمن أحرم من الميقات‪،‬‬
‫والرمل‪ :‬السراع في المشي دون الجري‪ ،‬وذلك في طواف القدوم وطواف العمرة إن أحرم من‬
‫الميقات‪ .‬فإن لم يحرم من الميقات فيندب الرمل في طواف الفاضة لمن لم يطف طواف القدوم لعذر‬

‫أو نسيان‪.‬‬
‫‪ - 4‬الدعاء بما يحب من طلب عافية وعلم وتوفيق وسعة رزق بما يفتح عليه‪ ،‬دون تحديد في ذلك‪.‬‬
‫والولى الدعاء بقوله تعالى‪{ :‬ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]201/2‬وبالمأثور مثل «اللهم إني آمنت بكتابك الذي أنزلت‪ ،‬وبنبيك الذي أرسلت‪ ،‬فاغفر لي ما‬
‫قدمت وماأخرت» (‪. )1‬‬
‫وسنن السعي أربع ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬تقبيل الحجر السود قبل الخروج له وبعد صلة ركعتي الطواف‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الصعود على الصفا والمروة‪ .‬وتصعد المرأة إن خل الموضع من الرجال‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬السراع بين الميلين الخضرين فوق الرمَل ودون الجري‪ ،‬في الذهاب إلى المروة‪ ،‬وفي العودة‬
‫إلى الصفا‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬الدعاء على الصفا والمروة‪ ،‬سواء رقي أو لم يرقَ‪ ،‬قام أو جلس‪.‬‬
‫ومندوبات الطواف‪ :‬رمل في الثلثة الول لمحرم من دون المواقيت كالتنعيم والجعرانة‪ ،‬في طواف‬
‫الفاضة إن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان‪ .‬وتقبيل الحجر السود واستلم الركن اليماني في‬
‫غير الشوط الول‪.‬‬
‫ومندوبات السعي‪ :‬شروط الصلة من طهارة وستر عورة‪ ،‬ووقوف على الصفا والمروة‪ ،‬والجلوس‬
‫مكروه أو خلف الولى‪.‬‬
‫وواجب الوقوف بعرفة‪ :‬طمأنينة‪ ،‬أي استقرار بقدر الجلسة بين السجدتين‪ ،‬قائما أو جالسا أو راكبا‪،‬‬
‫والركوب أفضل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬

‫( ‪)3/478‬‬
‫وسنن الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬خطبتان كالجمعة بعد الزوال بمسجد نمرة‪ ،‬يعلمهم الخطيب بهما بعد الحمد والشهادتين ما عليهم‬
‫من المناسك‪ ،‬قبل الذان للظهر‪ ،‬من جمع وقصر ورمي الجمار وطواف الفاضة والتقاط الجمرات‬
‫من المزدلفة والمبيت بها وصلة الصبح فيها‪ ،‬والنفر إلى الوقوف بالمشعر الحرام إلى قرب طلوع‬
‫الفجر‪ ،‬ثم السير لمنى لرمي جمرة العقبة‪ ،‬والسراع ببطن محسر‪ ،‬ثم الحلق أو التقصير ‪ ،‬والذبح أو‬

‫نحر الهدايا‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الجمع بين الصلتين جمع تقديم بين الظهر والعصر في نمرة وقصرهما ما عدا أهل عرفة‬
‫فيتمون‪ .‬والجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة وقصرهما إل أهل مزدلفة‪ ،‬فيتمون‪.‬‬
‫والحاصل أن أهل مكة ومنى ومزدلفة وعرفة يتمون الصلة في محلهم ويقصر غيرهم‪.‬‬
‫ومندوبات الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الوقوف بجبل الرحمة‪ :‬مكان معلوم شرقي عرفة عند الصخرات العظام‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الوقوف مع الناس؛ لن في جمعهم مزيد الرحمة والقبول‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬الركوب حال الوقوف‪ ،‬ثم القيام على القدمين إل لتعب فيجلس‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬الدعاء بما أحب من خيري الدنيا والخرة‪ ،‬والتضرع إلى ال ‪ ،‬أي الخشوع والبتهال‪ ،‬حتى‬
‫الغروب؛ لنه أقرب للجابة‪.‬‬
‫أما الوقوف بالمزدلفة فواجب بقدر حط الرحال وصلة العشاءين‪ ،‬وتناول شيء فيها من أكل أو‬
‫شرب‪ ،‬فإن لم ينزل فدم‪.‬‬
‫ومندوباته‪:‬‬
‫‪ - 1‬المبيت بها‪ ،‬وارتحاله منها بعد صلة الصبح فيها بغلس قبل أن تتعارف الوجوه‪.‬‬
‫‪ - 2‬والوقوف بالمشعر الحرم (محل يلي مزدلفة جهة منى) للدعاء بالمغفرة وغيرها والثناء على ال‬
‫للسفار مستقبلً للبيت جهة المغرب؛ لن هذه الماكن كلها شرقي مكة‪.‬‬
‫‪ - 3‬والسراع ببطن ُمحَسّر (واد بين المشعر الحرام ومنى‪ ،‬بقدر رمية الحجر بالمقلع من قويّ)‪.‬‬

‫( ‪)3/479‬‬
‫ومندوبات الرمي بمنى وما بعده ‪:‬‬
‫‪ - 1‬رمي العقبة ولو راكبا بمجرد الوصول لها أول يوم النحر من طلوع الشمس إلى الزوال‪ ،‬بسبع‬
‫حصيات يلتقطها من المزدلفة مثل حصى الخذف‪ ،‬ورمي غير العقبة إثر الزوال قبل صلة الظهر‬
‫متوضئا‪ ،‬مبتدئا بالجمرة الولى التي تلي مسجد الخيف‪ ،‬ثم الوسطى‪ ،‬ثم العقبة‪ ،‬فإن خالف هذا‬
‫الترتيب لم يصح الرمي‪.‬‬
‫‪ - 2‬مشي الرامي في غير جمرة العقبة يوم النحر‪.‬‬
‫‪ - 3‬التكبير بأن يقول‪ ( :‬ال أكبر ) أو ( بسم ال ‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬رغما للشيطان وحزبه‪ ،‬ورضاء الرحمن‬
‫) مع رمي كل حصاة من العقبة أوغيرها‪ ،‬والوقوف على يسار الجمرة الوسطى والدعاء والثناء على‬

‫ال مستقبلً القبلة قدر قراءة سورة البقرة إثر رمي الجمرتين الولى والوسطى‪ ،‬والنصراف بعد‬
‫جمرة العقبةلضيق محلها‪.‬‬
‫‪ - 4‬تتابع الحصيات بالرمي‪ :‬فل يفصل بينهما شاغل من كلم أو غيره‪.‬‬
‫‪ - 5‬التقاط الحصى بنفسه أو غيره من أي مكان‪ ،‬إل حصى العقبة فمن المزدلفة‪.‬‬
‫‪ - 6‬ذبح الهدي والحلق قبل الزوال إن أمكن‪.‬‬
‫‪ - 7‬تأخير الحلق أو التقصير عن الذبح‪ .‬أما التقصير بقدر النملة فللمرأة من جميع شعرها‪ ،‬ويجزئ‬
‫الرجل إما قريبا من أصل الشعر‪ ،‬أو من الطراف‪ ،‬بنحو النملة‪ .‬ول يجزئ حلق بعض شعر الرأس‬
‫للذكر‪ ،‬ول تقصير البعض للنثى‪.‬‬
‫‪ - 8‬التحصيب‪ :‬نزول غير المتعجل بعد رمي جمار اليوم الثالث بالمحصب (بطحاء خارج مكة)‬
‫ليصلي فيه أربع صلوات‪ :‬الظهر والعصر والمغرب والعشاء‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وأما المتعجل فل يندب له ذلك‪ .‬فإذا رمى العقبة ونحر وحلق أو قصر‪ ،‬نزل من منى لمكة لطواف‬
‫الفاضة‪ .‬ول تسن صلة العيد بمنى ول بالمسجد الحرام؛ لن الحاج ل عيد له‪ .‬وما يقع الن من‬
‫صلة العيد بالمسجد الحرام بعد رمي جمرة العقبة‪ ،‬فعلى غير مذهب المالكية‪.‬‬
‫واجبان في رمي العقبة‪ :‬الواجب تقديم رمي العقبة على الحلق؛ لنه إذا لم يرمها لم يحصل له تحلل‪،‬‬
‫فل يجوز له حلق ول غيره من محرمات الحرام‪.‬‬

‫( ‪)3/480‬‬
‫ويجب تقديم الرمي المذكور أيضا على طواف الفاضة‪ .‬فإن أخر الرمي عن الحلق أو على الفاضة‬
‫فعليه دم‪ .‬أما تقديم الرمي على النحر‪ ،‬وتقديم النحر أو الحلق على الفاضة‪ ،‬فليس بواجب بل مندوب‪.‬‬
‫والحاصل أن الذي يفعل يوم النحر أربعة‪ :‬الرمي‪ ،‬فالنحر‪ ،‬فالحلق‪ ،‬فالفاضة‪.‬‬
‫ومندوبات طواف الفاضة ‪:‬‬
‫أن يفعل في ثوبي إحرامه‪ ،‬ليكون جميع أركان الحج بهما‪.‬‬
‫وأن يفعل عقب الحلق بل تأخير إل بقدر قضاء حاجته‪.‬‬
‫المذهب الثالث ـ مذهب الشافعية (‪: )1‬‬
‫أعمال الحج ثلثة أنواع‪ :‬أركان وواجبات وسنن‪ .‬أما الركان‪ :‬فل يتم الحج ول يجزئ حتى يأتي‬
‫بجميعها‪ ،‬ول يحل من إحرامه مهما بقي منها شيء‪ ،‬حتى لو أتى بالركان كلها إل أنه ترك طوفة من‬
‫السبع‪ ،‬أو مرة من السعي‪ ،‬لم يصح الحج‪ ،‬ولم يحصل التحلل الثاني‪ ،‬وكذا لو حلق شعرتين لم يتم‬

‫حجه‪ ،‬ول يحل حتى يحلق أو يقصر شعرة ثالثة‪ .‬ول يجبر شيء من الركان بدم ول غيره‪ ،‬بل ل بد‬
‫من فعلها‪.‬‬
‫والطواف والسعي والحلق‪ :‬ل آخر لوقتها‪ ،‬بل ل تفوت مادام حيا‪ ،‬ول يختص الحلق بمنى والحرم‪،‬‬
‫بل يجوز في الوطن وغيره‪.‬‬
‫والترتيب بين الركان واجب‪ ،‬فيقدم الحرام على جميعها‪ ،‬والوقوف على طواف الفاضة والحلق‪،‬‬
‫ويشترط كون السعي بعد طواف صحيح‪ ،‬ويصح السعي بعد طواف القدوم‪ .‬ول يجب الترتيب بين‬
‫الطواف والحلق‪.‬‬
‫وأما الواجبات‪ :‬فمن ترك شيئا منها لزمه دم‪ ،‬ويصح الحج بدونه‪ ،‬سواء تركها عمدا أوسهوا‪ ،‬لكن يأثم‬
‫العامد‪.‬‬
‫وأما السنن‪ :‬فمن تركها ل شيء عليه‪ ،‬ل إثم ول دم ول غيره‪ ،‬لكن فاته الكمال والفضيلة وعظيم‬
‫ثوابها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية الباجوري‪ ، 334-323/1 :‬كتاب اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪ ،70-69‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪.513/1‬‬

‫( ‪)3/481‬‬
‫‪ - 1‬الركان‪ :‬أركان الحج خمسة‪ :‬الحرام‪ ،‬والوقوف بعرفة‪ ،‬والطواف‪ ،‬والسعي‪ ،‬والحلق أو التقصير‬
‫( ‪. )1‬‬
‫وأركان العمرة أربعة‪ :‬الحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير‪.‬‬
‫‪ - 2‬الواجبات‪ :‬واجبات الحج خمسة‪ :‬أولها ـ الحرام من الميقات الزماني والمكاني‪ ،‬فميقات الحج‬
‫الزماني‪ ( :‬شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة)‪ ،‬وميقات العمرة‪ :‬جميع السنة‪ ،‬فإن كل‬
‫أجزاء العام وقت لحرامها‪ .‬والميقات المكاني للحج‪:‬مكة نفسها للمقيم بها مكيا كان أو آفاقيا‪ ،‬وأما غير‬
‫المقيم فيحرم من أحد المواقيت الخمسة السابق ذكرها (ذو الحليفة لهل المدينة‪ ،‬والجحفة لهل الشام‬
‫ومصر والمغرب‪ ،‬ويلملم لهل اليمن‪ ،‬وقَرْن المنازل لهل نجد‪ ،‬وذات عِرْق لهل المشرق)‪.‬‬
‫وثانيها ـ رمي الجمار الثلث‪ :‬يبدأ بالولى الصغرى (‪ )2‬وهي التي تلي مسجد الخيف‪ ،‬ثم الوسطى‪،‬‬
‫ثم جمرة العقبة (وهي التي تلي مكة)‪ ،‬في كل يوم من أيام التشريق‪ .‬ورمي جمرة العقبة فقط يوم‬
‫النحر‪.‬‬

‫وثالثها ـ المبيت في المزدلفة‪ ،‬وهذا على الراجح في المذهب أنه واجب ل سنة‪.‬‬
‫رابعها ـ المبيت بمنى‪ ،‬وهذا على الراجح في المذهب‪.‬‬
‫خامسها ـ طواف الوداع عند إرادة الخروج من مكة لسفر‪ ،‬حاجا كان أو ل‪ ،‬طويلً كان السفر أو‬
‫قصيرا‪ ،‬والقول بوجوبه هو الظهر‪.‬‬
‫‪ - 3‬السنن‪ :‬سنن الحج العامة ثمانٍ أو أكثر‪ :‬وهي كل ما عدا الركان والواجبات‪:‬‬
‫أحدها ـ الفراد‪ :‬وهو تقديم الحج على العمرة‪ ،‬بأن يحرم أولً بالحج من ميقاته ثم يفرغ منه‪ ،‬ثم‬
‫يحرم بالعمرة من أدنى الحل‪ ،‬وأفضل بقاعه ـ كما تقدم ـ الجعرانة‪ ،‬ثم التنعيم‪ ،‬ثم الحديبية‪.‬‬
‫ثانيها ـ التلبية‪ :‬ولفظها‪ ( :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اعتبار الحلق ركنا عند الشافعية هو القو ل المشهور والمعتمد في المذهب‪ ،‬فل يجبر تركه بدم‬
‫كالطواف‪ ،‬ويتوقف التحلل عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬يلحظ أن الجمرة الكبرى هي جمرة العقبة‪ ،‬وورد في بعض كتب الشافعية والحنابلة خطأ أن‬
‫الولى هي الكبرى‪.‬‬

‫( ‪)3/482‬‬
‫الحمد والنعمة لك والملك‪ ،‬ل شريك لك) (‪ )1‬ومن ل يحسنها بالعربية يأتي بها بغيرها‪ ،‬وتجوز‬
‫الترجمة عنها بغير العربية‪ ،‬مع القدرة على العربية‪ ،‬على الوجه‪ .‬ويسن الكثار منها في أثناء‬
‫الحرام‪ ،‬ويرفع الرجل صوته بها‪.‬‬
‫وإذا فرغ من التلبية صلى على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وسأل ال الجنة ورضوانه‪ ،‬واستعاذ به‬
‫من النار‪.‬‬
‫ثالثها ـ طواف القدوم‪ :‬للحاج الذي دخل مكة قبل الوقوف بعرفة‪ .‬أما المعتمر إذا طاف للعمرة أجزأه‬
‫عن طواف القدوم‪.‬‬
‫رابعها ـ ركعتا الطواف بعد الفراغ منه‪ ،‬خلف المقام‪ ،‬يسر بالقراءة فيهما نهارا‪ ،‬ويجهر بهما ليلً‪.‬‬
‫حجْر (حجر إسماعيل)‪ ،‬وإل ففي المسجد‪ ،‬وإل ففي أي موضع شاء‬
‫فإذا لم يصلهما خلف المقام ففي ال ِ‬
‫من الحرم وغيره‪.‬‬
‫خامسها ـ التجرد عند إرادة الحرام (‪ )2‬عن المخيط من الثياب وعن منسوجها ومعقودها ولو بعضو‬
‫من أعضاء البدن‪ ،‬وعن غير الثياب من خف ونعل ساتر أصابع الرجلين‪ ،‬بخلف ما ل يستر ذلك‪ .‬ثم‬

‫لبس إزار ورداء أبيضين جديدين وإل فنظيفين‪ ،‬لخبر «البسوا من ثيابكم البياض» وخبر أبي عوانة‬
‫في صحيحه‪« :‬ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» ‪.‬‬
‫سادسها ـ إلقاء المام أربع خطب (‪ : )3‬الولى ـ يوم السابع من ذي الحجة‪ ،‬يخطب عند الكعبة بعد‬
‫صلة الظهر‪ .‬والثانية ـ يوم عرفات ببطن عرنة‪ ،‬وتحدث‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المعنى‪ :‬أنا مقيم على إجابتك حيث دعوتنا للحج‪ ،‬إجابة بعد الجابة‪ ،‬وإقامة بعد إقامة‪.‬‬
‫(‪ )2‬يلحظ أن التجرد عن المخيط ونحوه حالة الحرام واجب على المعتمد‪ ،‬أما السنية فهي عند إرادة‬
‫الحرام‪.‬‬
‫(‪ )3‬شرح مسلم للنووي‪ ،182/8 :‬مغني المحتاج‪ 495/1 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/483‬‬
‫عادة في مسجد نمرة‪ ،‬والثالثة ـ يوم النحر‪ .‬والرابعة ـ في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد صلة‬
‫الظهر‪ ،‬يعلمهم فيها فيها جواز النفر وما بعدها من طواف الوداع وغيره‪ ،‬ويودعهم ويحثهم على‬
‫طاعة ال تعالى‪ ،‬وعلى أن يختموا حجهم بالستقامة‪ ،‬والثبات على طاعة ال تعالى‪ ،‬وأن يكونوا بعد‬
‫الحج خيرا منهم قبله‪ ،‬وأل ينسوا ما عاهدوا ال عليه من خير‪ .‬ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما‬
‫يحتاجون إليه إلى الخطبة الخرى‪.‬‬
‫وكل هذه الخطب أفراد أي خطبة واحدة‪ ،‬وبعد صلة الظهر‪ ،‬إل التي يوم عرفات‪ ،‬فإنها خطبتان قبل‬
‫الصلة‪.‬‬
‫سابعها ـ الغسال المسنونة في الحج وهي سبعة ‪:‬‬
‫يسن الغسل لحد أمور سبعة‪ - 1 :‬للحرام (‪ ، )1‬فإن عجز مريد الحرام عن الغسل لفقد الماء أو‬
‫عدم قدرته على استعماله تيمم‪ - 3 ،2 .‬ولدخول الحرم ولدخول مكة ولو حللً (‪ - 4 . )2‬وللوقوف‬
‫بعرفة‪ ،‬والفضل كونه بنمرة ‪ - 5 .‬وللوقوف بمزدلفة عند المشعر الحرام بعد فجر يوم النحر‪- 6 .‬‬
‫ولكل يوم من أيام التشريق الثلثة بعد الزوال للرمي لثار وردت فيها‪ ،‬ولنها مواضع اجتماع كغسل‬
‫الجمعة‪ - 7 .‬ولدخول المدينة‪.‬‬
‫ثامنها ـ شرب ماء زمزم ولو لغير حاج ومعتمر‪ ،‬والتضلع منه واستقبال القبلة عند شربه‪ ،‬وأن‬
‫يقول‪ ( :‬اللهم إنه بلغني عن نبيك صلّى ال عليه وسلم أن ماء زمزم لما شرب له‪ ،‬وأنا أشربه لسعادة‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬اللهم فافعل)‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي عند إرادة الحرام بحج أو عمرة أو بهما‪ ،‬من رجل أو امرأة ولو حائضا أو نفساء‪ ،‬رواه‬
‫الترمذي‪ ،‬وحسنه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الشيخان في المحرم‪ ،‬والشافعي في الحلل‪.‬‬

‫( ‪)3/484‬‬
‫وكان ابن عباس إذا شرب يقول‪« :‬اللهم إني أسألك علما نافعا‪ ،‬ورزقا واسعا‪ ،‬وشفاء من كل داء» (‪)1‬‬
‫ويسن أن يسمي ال تعالى ويشرب ويتنفس ثلثا‪ ،‬وأن ينضح منه على رأسه ووجهه وصدره‪.‬‬
‫وهناك سنن أخرى خاصة في كل عمل من أعمال الحج‪:‬‬
‫أولً ـ سنن الحرام (‪: )2‬‬
‫يسن الغسل له كما تقدم‪ ،‬وتطييب البدن‪ ،‬وكذا الثوب في الصح‪ ،‬وأن تخضّب المرأة يديها‪ ،‬وأن‬
‫يصلي ركعتين للحرام قبله‪ ،‬اتباعا لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم كما روى الشيخان‪ ،‬يقرأ في‬
‫الولى «الكافرون» وفي الثانية الخلص‪ ،‬والفضل أن يحرم الشخص بمجرد التحرك بسير الدابة‬
‫ونحوها إذا كان راكبا‪ ،‬وببدء المشي إذا كان ماشيا‪ ،‬والكثار من التلبية ورفع الصوت بها وعند تغاير‬
‫الحوال كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلط ُرفْقة‪ .‬ويسن عند الشافعيةاستقبال القبلة عند بدء‬
‫الحرام‪ ،‬ويقول‪ ( :‬اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي ) ‪.‬‬
‫ثانيا ـ سنن الطواف (‪: )3‬‬
‫أن يطوف ماشيا ولو امرأة اتباعا للسنة كما روى مسلم‪ ،‬ويستلم أول طوافه وفي كل طوفة الحجر‬
‫السود بيده اليمنى ويقبّله ويضع جبهته عليه‪ ،‬اتباعا للسنة كما روى الشيخان‪ ،‬فإن عجز أشار إليه‬
‫بيده‪ .‬ول يستلم الركنين الشاميين ( وهما اللذان عند الحِجْر ) ول يقبلهما‪ ،‬لما في الصحيحين عن ابن‬
‫عمر‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم كان ل يستلم إل الحجَر والركن اليماني» ويستلم بيده الركن اليماني‬
‫ول يقبله؛ لنه لم ينقل‪.‬‬
‫ويقول عند بدء الطواف مقابل الحجَر‪ ( :‬بسم ال ‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك‪ ،‬ووفاء‬
‫بعهدك‪ ،‬واتباعا لسنة نبيك محمد صلّى ال عليه وسلم )‪.‬‬
‫ويقول قبالة باب الكعبة‪ ( :‬اللهم إن البيت بيتك‪ ،‬والحرم حرمك‪ ،‬والمن أمنك‪ .‬وهذا مقام العائذ بك‬
‫من النار ) أي هذا الملتجئ المستعيذ بك من النار‪.‬‬
‫ويقول بين الركنين اليمانيين‪ ،‬أي اليماني وركن الحجَر‪« :‬اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة‬

‫وقنا عذاب النار» ‪.‬‬
‫ويدعو في جميع طوافه بما شاء‪ ،‬ومأثور الدعاء أفضل من غير المأثور‪ ،‬والقرآن أفضل الذكر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال الحاكم‪ :‬صحيح السناد‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.483-478/1 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.492-487/1 :‬‬

‫( ‪)3/485‬‬
‫ويرمل في الشواط الثلثة الولى في كل طواف يعقبه سعي‪ ،‬بأن يسرع الطائف مشيه مقاربا خطاه‪،‬‬
‫ويمشي في الباقي من طوافه على هينته‪ ،‬لما روى الشيخان عن ابن عمر‪« :‬كان رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم إذا طاف بالبيت طواف الول خبّ ثلثا‪ ،‬ومشى أربعا» وليقل أثناء الرمل‪« :‬اللهم اجعله‬
‫حجا مبرورا‪ ،‬وذنبا مغفورا‪ ،‬وسعيا مشكورا» ‪.‬‬
‫ويضطبع ال ّذكَر ولو صبيا في الطواف‪ ،‬والسعي على الصحيح اتباعا للسنة كما رواه أبو داود‪ :‬وهو‬
‫جعل وسط ردائه تحت منكبه اليمن وطرفيه على اليسر‪ .‬ول ترمل المرأة ول تضطبع‪.‬‬
‫ويوالي بين الطوفات السبع خروجا من خلف من أوجبها‪ ،‬فيكره التفريق بل عذر‪ ،‬ومن العذار‪:‬‬
‫إقامة الجماعة وعروض حاجة ل بد منها‪ ،‬ويكره قطع الطواف المفروض لصلة جنازة أو سنة‬
‫راتبة‪.‬‬
‫ويقرب من البيت لشرفه‪ ،‬ولنه أيسر في الستلم والتقبيل‪ .‬والقرب من البيت بل رمَل عند الزحمة‬
‫أولى من البعد عنه‪ ،‬والرمل مع البعد أولى من القرب‪ .‬ويصلي بعد الطواف ركعتين خلف المقام‪ ،‬لما‬
‫ثبت في الصحيحين «أنه صلّى ال عليه وسلم صلهما خلف المقام‪ ،‬وقال‪ :‬خذوا عني مناسككم» يقرأ‬
‫في الركعة الولى «الكافرون» وفي الثانية « الخلص » ويجهر ليلً بهما‪.‬‬
‫ويكثر من دخول الحِجْر والصلة فيه والدعاء‪ .‬وتسن النية في طواف النسك‪ ،‬وتجب في طواف لم‬
‫يشمله نسك وفي طواف الوداع‪.‬‬
‫ثالثا ـ سنن السعي ‪:‬‬
‫يسن أن يستلم الساعي بيده الحجر السود بعد انتهاء الطواف وصلة ركعتيه (‪ ، )1‬ثم يخرج من باب‬
‫الصفا للسعي بين الصفا والمروة (‪. )2‬‬
‫ويستحب أن يرقى الذكَر على الصفا والمروة قدر قامة إنسان معتدل‪ ،‬وأن يشاهد البيت؛ لنه «صلّى‬

‫ال عليه وسلم رقى على كل منهما حتى رأى البيت» (‪. )3‬‬
‫فإذا رقى قال‪ ( :‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ول الحمد‪ ،‬ال أكبر على ما هدانا‪ ،‬والحمد ل على ما أولنا‪ ،‬ل‬
‫إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد‪ ،‬يحيي ويميت‪ ،‬بيده الخير‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‬
‫) ( ل إله إل ال وحده‪ ،‬أنجز وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬ول نعبد إل‬
‫إياه‪ ،‬مخلصين له الدين‪ ،‬ولو كره الكافرون )‪.‬‬
‫ثم يدعو بما يشاء دينا ودنيا‪ ،‬ويعيد ال ّذكْر والدعاء السابقين‪ ،‬ثانيا وثالثا (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم‪ .‬وباب الصفا‪ :‬هو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم‪.‬‬

‫( ‪)3/486‬‬
‫ويسن أن يمشي أول السعي وآخره‪ ،‬ويعدو الذكَر (يسعى سعيا شديدا فوق الرمل) في الوسط الذي بين‬
‫الصفا والمروة بين الميلين الخضرين (‪. )1‬‬
‫ويقول الذكر في عدوه‪ ( :‬رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم‪ ،‬إنك أنت العز الكرم )‪.‬‬
‫رابعا ـ سنن الوقوف بعرفة (‪: )2‬‬
‫يسن أن يخطب المام بعد زوال اليوم التاسع (أي بعد الظهر) خطبتين‪ ،‬ثم يصلي بالناس الظهر‬
‫والعصر قصرا وجمع تقديم اتباعا للسنة كما رواه مسلم‪.‬‬
‫ويسن الوقوف إلى الغروب (‪ ، )3‬والفضل كونه بعد الغروب حتى تزول الصفرة قليلً‪.‬‬
‫ويسن أن يذكر الحجاج ال تعالى ويدعونه‪ ،‬وأن يكثروا التهليل لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬خير‬
‫الدعاء دعاء يوم عرفة‪ ،‬وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي‪ :‬ل إله إل ال وحده‪ ،‬ل شريك له‪ ،‬له الملك‬
‫وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير» (‪ )4‬وزاد البيهقي‪« :‬اللهم اجعل في قلبي نورا‪ ،‬وفي سمعي‬
‫نورا‪ ،‬وفي بصري نورا‪ ،‬اللهم اشرح لي صدري‪ ،‬ويسر لي أمري» ‪.‬‬
‫ويسن الكثار من الصلة على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول يتكلف السجع في الدعاء‪ ،‬ول بأس‬
‫بالسجع إذا كان محفوظا‪ ،‬أو كان من غير قصد له‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 496/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الترمذي عن عبد ال بن عمرو‪.‬‬

‫( ‪)3/487‬‬
‫ويسن قراءة القرآن‪ .‬ويستحب أن يكثر من قراءة سورة الحشر في عرفة‪ ،‬وقراءة سورة الخلص‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من قرأ قل هو ال أحد ألف مرة يوم عرفة‪ ،‬أُعطي ماسأل» (‪. )1‬‬
‫ويسن رفع اليدين في الدعاء (‪ ، )2‬وأن يقف مستقبل القبلة متطهرا‪ ،‬ول يُفرط في الجهر بالدعاء أو‬
‫غيره‪.‬‬
‫والفضل للرجل أن يقف راكبا‪ ،‬على الظهر‪.‬‬
‫ول فضيلة في صعود جبل الرحمة‪.‬‬
‫ومن أدعية عرفة المختار‪ ( :‬ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة‪ ،‬وقنا عذاب النار‪ ،‬اللهم إني‬
‫ظلمت نفسي ظلما كثيرا‪ ،‬ول يغفر الذنوب إل أنت‪ ،‬فاغفر لي مغفرة من عندك‪ ،‬وارحمني‪ ،‬إنك أنت‬
‫الغفور الرحيم‪.‬‬
‫اللهم انقلني من ذلّ المعصية إلى عز الطاعة‪ ،‬واكفني بحللك عن حرامك‪ ،‬وأغنني بفضلك عمن‬
‫سواك‪ ،‬ونور قلبي وقبري‪ ،‬واهدني وأعذني من الشر كله‪ ،‬واجمع لي الخير‪ ،‬اللهم إني أسألك الهدى‬
‫والتقى والعفاف والغنى )‪.‬‬
‫وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اللهم اغفر للحاج‪ ،‬ولمن استغفر‬
‫له الحاج» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬من كتاب الدعوات للمستغفري عن ابن عباس مرفوعا‪ .‬قال الحسن البصري‪ :‬الدعاء مستجاب في‬
‫مواضع‪ :‬في الطواف‪ ،‬وعند الملتزم‪ ،‬وتحت الميزاب‪ ،‬وفي البيت‪ ،‬وعلى الصفا والمروة‪ ،‬وفي‬
‫السعي‪ ،‬وخلف المقام‪ ،‬وفي عرفات‪ ،‬والمزدلفة‪ ،‬وعند الجمرات‪.‬‬
‫(‪ )2‬لخبر‪« :‬ترفع اليدي في سبعة مواطن‪ :‬عند افتتاح الصلة‪ ،‬واستقبال البيت‪ ،‬والصفا والمروة‪،‬‬
‫والموقفين‪ ،‬والجمرتين» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الحاكم وقال‪ :‬صحيح السناد‪.‬‬

‫( ‪)3/488‬‬
‫يجب المبيت بمزدلفة بعد الدفع من عرفة اتباعا للسنة (‪ ، )1‬فإن لم يكن بها في النصف الثاني أراق‬
‫دما‪ ،‬ويسن جمع المغرب والعشاء فيها جمع تأخير (‪ )2‬اتباعا للسنة (‪. )3‬‬
‫خامسا ـ سنن الوقوف بمزدلفة ‪:‬‬
‫ضعَفة بعد نصف الليل إلى منى‪ ،‬ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مُغلّسين‪،‬‬
‫ويسن تقديم النساء وال ّ‬
‫اتباعا للسنة (‪ ، )4‬ثم يدفعون إلى منى‪ ،‬ويأخذون من مزدلفة حصى الجمار وهي سبعون حصاة‪ ،‬لما‬
‫روى النسائي والبيهقي بإسناد صحيح عن الفضل بن العباس‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫قال له غداة يوم النحر‪ :‬التقط لي حصى‪ ،‬قال‪ :‬فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف» ‪ ،‬ولن بها‬
‫جبلً في أحجاره رخاوة‪ ،‬ولن السنة أنه إذا أتى إلى منى ل يعرج على غير الرمي‪ ،‬فسنّ له أن يأخذ‬
‫الحصى من مزدلفة‪ ،‬حتى ل يشغله عنه‪.‬‬
‫ويسن الوقوف عند المشعر الحرام في الطريق إلى منى‪ ،‬مع ذكر ال تعالى‪ ،‬والدعاء إلى السفار‬
‫مستقبلين القبلة للتباع (‪ ، )5‬ويكثرون من قولهم‪ ( :‬اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة‪ ،‬وفي الخرة‬
‫حسنة‪ ،‬وقنا عذاب النار ) ويضيف له‪ ( :‬اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه‪ ،‬فوفقنا لذكرك كما هديتنا‪،‬‬
‫واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق‪{ :‬فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ال عند المشعر‬
‫الحرام‪ ،‬واذكروه كما هداكم‪ ،‬وإن كنتم من قبله لمن الضالين‪ .‬ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‬
‫واستغفروا ال ‪ ،‬إن ال غفور رحيم} [البقرة‪.) ]199-198/2:‬‬
‫ويقول أيضا‪ ( :‬ال أكبر ـ ثلثا ـ ل إله إل ال وال أكبر ول الحمد )‪.‬‬
‫ثم يسير الحجاج قبل طلوع الشمس بسكينة ووقار‪ ،‬وشعارهم التلبية والذكر‪ ،‬ويكره تأخير السير حتى‬
‫تطلع الشمس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.501-498/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان‪.‬‬
‫(‪ )4‬تقديم الضعفة رواه الشيخان عن عائشة‪ ،‬وقال ابن عباس‪« :‬أنا ممن قدم النبيُ صلّى ال عليه‬
‫وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» ‪ .‬والتغليس رواه الشيخان أيضا‪ ،‬وهو مستحب كل يوم وليس‬
‫خاصا بمزدلفة‪ .‬والتغليس‪ :‬السير بغلس ـ وهو ظلمة آخر الليل‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه مسلم‪.‬‬

‫( ‪)3/489‬‬
‫حسّر (‪ )1‬سواء أكان الحاج ماشيا أم راكبا‪.‬‬
‫ويسرعون في وادي مُ َ‬
‫سادسا ـ سنن الرمي في منى ‪:‬‬
‫يرمي كل شخص بعد طلوع شمس يوم النحر سبع حصيات جمرة العقبة (الجمرة الكبرى) (‪. )2‬‬
‫ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي‪ ،‬وهذا الرمي تحية منى‪ ،‬فل يبتدئ فيها بغيره‪.‬‬
‫والسنة لرامي هذه الجمرة أن يستقبلها‪ ،‬ويجعل مكة عن يساره‪ ،‬ومنى عن يمينه‪ ،‬كما فعل النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬ويكبر مع كل حصاة بدل التلبية (‪ ، )3‬فيقول‪:‬‬
‫( ال أكبر ـ ثلثا ـ ل إله إل ال وال أكبر‪ ،‬ول الحمد )‪.‬‬
‫ويسن أن يرمي بيده اليمنى رافعا لها حتى يرى بياض إبطيه‪ ،‬ول ترفع المرأة‪ ،‬ول يقف الرامي‬
‫للدعاء عند هذه الجمرة‪.‬‬
‫ويسن الترتيب في يوم العيد بين هذه المور الربعة‪ :‬الرمي للعقبة‪ ،‬ثم الذبح (ذبح الهدي)‪ ،‬ثم الحلق‬
‫أو التقصير‪ ،‬ثم طواف الفاضة‪ ،‬ويدخل وقت هذه المور بنصف ليلةالنحر‪ ،‬ويبقى وقت الرمي إلى‬
‫آخر يوم النحر‪ .‬ويختص الذبح بوقت الضحية‪ .‬ول آخر لوقت الحلق والطواف والسعي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وادي محسر‪ :‬خمس مئة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا وهو موضع فاصل بين مزدلفة ومنى‪،‬‬
‫والسراع فيه رواه مسلم‪ ،‬لنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت‪ ،‬وسمي به لن‬
‫فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا‪.‬‬
‫(‪ )2‬للتباع‪ ،‬رواه مسلم‪ ،‬وهذه الجمرة ليست من منى‪ ،‬بل حد منى من الجانب الغربي جهة مكة‪.‬‬
‫(‪ )3‬للتباع رواه مسلم‪.‬‬

‫( ‪)3/490‬‬
‫ويرمي الحاج أيضا الجمرات الثلث كل جمرة سبع حصيات في أيام التشريق الثلثة‪ ،‬وهي حادي‬
‫عشر الحجة وتالياه (‪ ، )1‬بعد زوال الشمس من كل يوم إلى الغروب‪ ،‬مبتدئا بالولى ثم الوسطى ثم‬
‫جمرة العقبة‪ ،‬التي هي ليست من منى‪ ،‬بل منى تنتهي إليها‪.‬‬
‫والسنة أن يرمي بقدر حصى الخذف‪ :‬وهو دون النملة طولً وعرضا في قدر الباقلء‪ ،‬فلو رمى‬
‫بأكبر منه أو بأصغر‪ ،‬كره‪ ،‬وأجزأه‪.‬‬

‫المذهب الرابع ـ مذهب الحنابلة (‪: )2‬‬
‫أركان الحج أربعة ‪:‬‬
‫‪ - 1‬إحرام وينعقد بمجرد النية ‪ - 2‬ووقوف بعرفة ‪ - 3‬وطواف زيارة‪ ،‬فلو تركه وخرج من مكة‪،‬‬
‫رجع معتمرا ‪ - 4‬وسعي بين الصفاة والمروة‪.‬‬
‫وأركان العمرة ثلثة‪ - 1 :‬إحرام‪ -2 ،‬وطواف‪ -3 ،‬وسعي‪.‬‬
‫فمن ترك ركنا لم يصح الحج أو العمرة أو لم يتم نسكه إل به‪ ،‬ومن ترك الحرام لم ينعقد نسكه‪.‬‬
‫وواجبات الحج سبعة ‪:‬‬
‫إحرام من الميقات‪ ،‬ووقوف بعرفة نهارا للغروب‪ ،‬ومبيت بمزدلفة لبعد نصف الليل إن وافاها قبله‪،‬‬
‫ومبيت بمنى‪ ،‬ورمي الجمرات مرتبا يبدأ بالولى‪ ،‬ثم الثانية (الوسطى) ثم الثالثة (جمرة العقبة)‪،‬‬
‫وحلق أو تقصير‪ ،‬وطواف وداع (وهو طواف الصّدر) (‪. )3‬‬
‫وواجبات العمرة‪ :‬شيئان‪:‬‬
‫حلق أو تقصير‪ ،‬وإحرام من الحل أو الميقات‪.‬‬
‫فمن ترك واجبا ولو سهوا أو جهلً‪ ،‬فعليه دم‪ ،‬فإن عجز عنه صام عشرة أيام كالمتمتع‪.‬‬
‫والسنن‪:‬‬
‫كمبيت بمنى ليلة عرفة‪ ،‬وطواف قدوم‪ ،‬ورمل‪ ،‬واضطباع‪ ،‬وتلبية‪ ،‬واستلم الركنين (السود‬
‫واليماني)‪ ،‬وتقبيل الحجر‪ ،‬ومشي وسعي في مواضعهما‪ ،‬وخطب وأذكار‪ ،‬ودعاء‪ ،‬ورقي بصفا‬
‫ومروة‪ ،‬واغتسال‪ ،‬وتطيب في بدن‪ ،‬وصلة ركعتين قبل الحرام‪ ،‬وعقب طواف‪ ،‬واستقبال قبلة عند‬
‫رمي‪.‬‬
‫ول شيء في ترك ذلك كله‪ ،‬ويجب بالنذر‪.‬‬
‫وسنن الحرام (‪: )4‬‬
‫الغسل‪ ،‬أو التيمم عند العجز أو العذر كما ذكر في غاية المنتهى‪ ،‬وأخذ الشعر والظفر وقطع الرائحة‬
‫الكريهة‪ ،‬وتطيب بنحو مسك وعود وماء ورد‪ ،‬وخضاب للمرأة بحناء‪.‬‬
‫ولبس إزار ورداء أبيضين نظيفين‪ ،‬ونعلين‪ ،‬بعد تجرد الذكَر عن المخيط‪ ،‬والحرام بعد صلة فرض‬
‫أو ركعتين نفلً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬للتباع المعلوم من الخبار الصحيحة‪ ،‬مع خبر «خذوا عني مناسككم» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ ،605/2 :‬غاية المنتهى‪ 421/1 :‬وما بعدها‪ ،‬المحرر في الفقه الحنبلي لبن تيمية‪:‬‬
‫ص ‪.245-242‬‬

‫(‪ )3‬سمي بذلك‪ ،‬لن الصدر رجوع المسافر من مقصده‪ ،‬ولنه يفعل بعده‪.‬‬
‫(‪ )4‬غاية المنتهى‪ 365/1 :‬ومابعدها‪ ،371 ،‬كشاف القناع‪ 488/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/491‬‬
‫والتلبية عقب الحرام على الصح‪ ،‬والكثار منها (‪ )1‬في الرتفاع والهبوط ودبر الصلوات‬
‫المكتوبات‪ ،‬وعند إقبال الليل وإدبار النهار‪ ،‬ولقاء الرفقة‪ ،‬ورفع الصوت بها (‪ ، )2‬ولكن ل يجهد نفسه‬
‫في رفعه زيادة عن الطاقة خشية ضرر يصيبه‪ .‬ويسن الدعاء بعد التلبية‪ ،‬فيسأل ال الجنة‪ ،‬ويعوذ به‬
‫من النار (‪ ، )3‬ويدعو بما أحب‪ ،‬ويسن عقبها الصلة على النبي صلّى ال عليه وسلم ؛ لنه موضع‬
‫يشرع فيه ذكر ال تعالى‪ ،‬فشرعت فيه الصلة عليه صلّى ال عليه وسلم كالصلة‪ ،‬ول يرفع صوته‬
‫بالدعاء والصلة على النبي عقب التلبية‪ ،‬لعدم وروده‪ .‬وكره لنثى الجهر بها بأكثر مما تسمع‬
‫رفيقتها‪ ،‬ولطائف بالبيت‪.‬‬
‫وصفة التلبية بالجماع‪ ( :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك والملك‪ ،‬ل‬
‫شريك لك ) ول تستحب الزيادة عليها‪ ،‬اتباعا لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ول تشرع التلبية بغير العربية لقادر على العربية‪ ،‬لنه ذكر مشروع‪ ،‬فإن عجز عن العربية‪ ،‬لبى‬
‫بلغته كالتكبير في الصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لخبر سهل بن سعد‪« :‬ما من مسلم يلبي إل لبّى ما عن يمينه وشماله‪ ،‬من شجر أو حجر‪ ،‬أو‬
‫مدر‪ ،‬حتى تنقطع الرض من ههنا وههنا» رواه الترمذي بإسناد جيد‪ ،‬وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬لقول أنس‪« :‬سمعتهم يصرخون بها صراخا» رواه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )3‬لما رواه الدارقطني عن خزيمة بن ثابت‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته‪،‬‬
‫سأل ال مغفرته ورضوانه‪ ،‬واستعاذ برحمته من النار» ‪.‬‬

‫( ‪)3/492‬‬
‫وسنن الطواف (‪: )1‬‬
‫استلم الحجر بيده اليمنى‪ ،‬وتقبيله ونحوه‪ ،‬واضطباع‪ ،‬ورمل في الشواط الثلثة الولى (وهو سرعة‬
‫المشي ومقاربة الخطا) ‪ ،‬ومشي في مواضعه ودعاء وذكر ودنو من البيت‪ ،‬وصلة ركعتين بعده‪.‬‬
‫والرمل أولى من الدنو للبيت‪ ،‬ول يسن رمل ول اضطباع في غير طواف الفاضة‪.‬‬

‫فإن شق تقبيل الحجر استلمه بيده اليمنى وقبلها‪ ،‬فإن شق الستلم أشار إليه بيده أو بشيء ول يقبله‪.‬‬
‫ويسن استقبال الحجر بوجهه‪ ،‬ويقول‪« :‬بسم ال وال أكبر‪ ،‬اللهم إيمانا بك و تصديقا بكتابك‪ ،‬ووفاء‬
‫بعهدك‪ ،‬واتباعا لسنة نبيك محمد صلّى ال عليه وسلم » يقول ذلك كلما استلمه‪ ،‬وزاد جماعة «ال‬
‫أكبر‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ول الحمد» ‪.‬‬
‫ويقرب طائف جانبه اليسر للبيت‪.‬‬
‫ويستلم الركن اليماني (‪ )2‬ول يقبله‪ ،‬وذلك في كل شوط‪ ،‬ول يستلم الشامي والغربي‪.‬‬
‫ويقول بين الركنين اليماني والسود‪ { :‬ربنا آتنا في الدنيا حسنة‪ ،‬وفي الخرة حسنة‪ ،‬وقنا عذاب‬
‫النار } [البقرة‪.]201/2:‬‬
‫ويقول في بقية طوافه‪ ( :‬اللهم اجعله حجا مبرورا‪ ،‬وسعيا مشكورا‪ ،‬وذنبا مغفورا‪ ،‬ربنا اغفر وارحم‪،‬‬
‫واهدني السبيل القوم‪ ،‬وتجاوز عما تعلم‪ ،‬وأنت العز الكرم ) ‪ ،‬ويذكر ويدعو بما أحب‪ ،‬وسن‬
‫قراءة فيه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪.402-399/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الطائف عن يسار البيت أول ركن يمر به يسمى الشامي والعراقي (وهو جهة الشام)‪ ،‬ثم يليه‬
‫الركن الغربي (وهو جهة الغرب)‪ ،‬ثم اليماني (جهة اليمن)‪.‬‬

‫( ‪)3/493‬‬
‫وسنن السعي (‪: )1‬‬
‫كما ذكر عند الشافعية‪ ،‬يخرج للسعي من باب الصفا (وهو طرف جبل أبي قبيس) ويرقى الذكَرالصفا‬
‫ليرى البيت‪ ،‬فيستقبله‪ ،‬ويكبر ثلثا‪ ،‬ويقول ثلثا‪( :‬الحمد ل على ما هدانا‪ ،‬ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريك له‪..‬إلخ) المذكور سابقا ويدعو بما أحب‪ ،‬ثم ينزل من الصفا‪ ،‬ويمشي ثم يرمل بين الميلين‬
‫الخضرين‪ .‬ثم يرقى المروة‪ ،‬ويقول عليها ما قال على الصفا‪ .‬ول ترقى المرأة ول ترمل‪.‬‬
‫وخلصة سننه‪ :‬طهارة حدث وخبث وستر عورة‪ ،‬وذكر ودعاء‪ ،‬وإسراع ومشي بمواضعه‪ ،‬ورقي‪،‬‬
‫وموالة بينه وبين طواف‪ .‬فإن طاف بيوم‪ ،‬وسعى في آخر‪ ،‬فل بأس‪.‬‬
‫وسنن الوقوف بعرفة (‪: )2‬‬
‫كالمذكور عند الشافعية أيضا‪ ،‬وأهمها خطبة المام بنمرة (قبيل عرفة) خطبة قصيرة (‪ )3‬مفتتحة‬
‫بالتكبير‪ ،‬يعلمهم فيها الوقوف بعرفة ووقته‪ ،‬والدفع منه‪ ،‬والمبيت بمزدلفة ونحوه‪ ،‬والجمع تقديما بين‬

‫الظهر والعصر‪.‬‬
‫ويسن الوقوف راكبا بخلف سائر المناسك‪ ،‬مستقبل القبلة عند الصخرات الكبار المفترشة أسفل جبل‬
‫الرحمة‪ ،‬ول يشرع صعوده‪.‬‬
‫ويكثر من الدعاء مع رفع اليدي‪ ،‬والستغفار ‪ ،‬والتضرع‪ ،‬والخشوع‪ ،‬وإظهار الضعف‪ ،‬والفتقار‪،‬‬
‫واللحاح في الدعاء‪ ،‬وتكرار الدعاء ثلثا‪ .‬ويكثر من قول‪« :‬ل إله إل ال وحده ل شريك له‪..‬إلخ»‬
‫المذكور عند الشافعية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪.406-404/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المرجع السابق‪ 407/1 :‬ومابعدها‪.415 ،412 ،‬‬
‫(‪ )3‬يخطب المام أيضا بمنى يوم النحر‪ ،‬وفي ثاني أيام التشريق‪ .‬ويدعو بما أحب‪ ،‬ويكثر البكاء مع‬
‫ذلك‪ ،‬فهناك تسكب العبرات‪ ،‬وتقال العثرات‪.‬‬

‫( ‪)3/494‬‬
‫وسنن الوقوف بمزدلفة (‪: )1‬‬
‫الدفع إليها بعد غروب اليوم التاسع بسكينة واستغفار‪ ،‬علما بأنه يجب المبيت بها لنصف الليل‪ ،‬وجمع‬
‫العشاءين بها جمع تأخير‪ ،‬وصلة الصبح بها بغلس‪ ،‬ثم إتيان المشعر الحرام (‪ ، )2‬فيرقى عليه أو‬
‫يقف عنده مع حمد ال وتكبيره‪ ،‬والدعاء إليه إلى السفار جدا‪ ،‬كما ذكر عند الشافعية‪ ( :‬اللهم كما‬
‫وقفتنا فيه وأريتنا إياه‪ ،‬فوفقنا لذكرك كما هديتنا‪..‬إلخ ) ‪.‬‬
‫والسراع في وادي محسّر‪ ،‬ماشيا أو راكبا‪.‬‬
‫ويأخذ الحاج من المزدلفة سبعين حصاة أكبر من الحمص ودون البندق‪ ،‬كحصى الخَذْف‪ ،‬ويكره أخذ‬
‫الحصى من منى وسائر الحرم‪ .‬ول يسن غسل غير نجس‪ ،‬وتجزئ حصاة نجسة مع الكراهة‪.‬‬
‫وسنن الرمي في منى (‪: )3‬‬
‫البدء برمي جمرة العقبة بسبع حصيات وهو تحية منى‪ ،‬بعد نصف ليلة النحر كالطواف‪ .‬ويندب‬
‫الرمي بعد الشروق‪ ،‬وأن يكبر مع كل حصاة قائلً‪:‬‬
‫( اللهم اجعله حجا مبرورا‪ ،‬وذنبا مغفورا‪ ،‬وسعيا مشكورا ) وأن يستبطن الوادي‪ ،‬ويستقبل القبلة‪،‬‬
‫ويرمي على جانبه اليمن‪ ،‬ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه‪ ،‬ول يقف عندها‪ ،‬بل يرميها ماشيا‪ ،‬وله‬
‫رميها من فوقها‪ ،‬ويقطع التلبية عند أول الرمي‪.‬‬

‫ويسن الحلق بعد ذبح الهدي‪ ،‬والحلق أفضل من التقصير‪ ،‬والسنة ترتيب أربعة أمور يوم النحر‪:‬‬
‫الرمي‪ ،‬ثم النحر‪ ،‬ثم الحلق‪ ،‬ثم الطواف‪ ،‬كما وصف جابر في حج النبي صلّى ال عليه وسلم (‪، )4‬‬
‫فإن أخل بترتيبها ناسيا أو جاهلً بالسنة‪ ،‬فل شيء عليه في قول أكثر العلماء‪ ،‬خلفا لبي حنيفة‪ ،‬فإنه‬
‫يوجب الدم إن قدم الحلق على الرمي‪ ،‬أو على النحر‪.‬‬
‫ويسن أخذ ظفر وشارب وشعر إبط وأنف وعانة‪ ،‬وتطيب عند تحلل من الحج‪.‬‬
‫وتسن الخطبة يوم عرفة‪.‬‬
‫ويندب أن يخطب المام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير ويعلمهم فيها النحر والفاضة‬
‫والرمي‪.‬‬
‫ويسن رمي الجمرات في أيام التشريق قبل أداء صلة الظهر‪ ،‬مع وجوب البدء بالجمرة الولى وهي‬
‫ل القبلة‪ ،‬ويرمي‪ ،‬ثم يتقدم قليلً‪،‬‬
‫التي تلي مسجد الخيف وأبعدهن عن مكة‪ ،‬فيجعلها عن يساره مستقب ً‬
‫لئل يصيبه حصى‪.‬‬
‫ثم يقف يدعو دعاء طويلً رافعا يديه‪.‬‬
‫ثم يرجم الجمرة الوسطى‪ ،‬فيجعلها عن يمينه مستقبلً القبلة‪ ،‬ثم يقف عندهم فيدعو‪ .‬ثم يرجم جمرة‬
‫العقبة ويجعلها عن يمينه مستقبلً القبلة‪ ،‬ويستبطن الوادي‪ ،‬ول يقف عندها‪ .‬وترتيب رجمها شرط‪.‬‬
‫ويندب أن يخطب المام ثاني أيام التشريق‪ ،‬خطبة يعلمهم حكم التعجيل والتأخير‪ ،‬وتوديعهم‪ ،‬ويحثهم‪.‬‬
‫ويجوز لغير المام التعجيل في اليوم الثاني‪ ،‬وهو النفر الول‪ ،‬فإن غربت الشمس وهو في منى لزمه‬
‫مبيت ورمي من غد ‪ .‬ويسقط رمي اليوم الثالث عن متعجل‪ ،‬ويدفن حصاه في المرمى‪.‬‬
‫ويسن إذا نفر من منى النزول بالبطح (وهو المحصّب‪ :‬وهو مابين الجبلين إلى المقبرة) فيصلي به‬
‫الظهرين والعشاءين‪ ،‬ويهجع يسيرا‪ ،‬ثم يدخل مكة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪ 409/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬جبل صغير بالمزدلفة‪ ،‬هو جبل قزح‪ ،‬وتسمى المزدلفة كلها مشعرا‪.‬‬
‫(‪ )3‬غاية المنتهى‪ 410/1 :‬ومابعدها‪ 414 ،‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.446/3 :‬‬

‫( ‪)3/495‬‬

‫‪......................‬جدول بأهم أحكام أعمال الحج في المذاهب‪.........................‬‬
‫‪........‬العمل‪.........................‬الحنفية‪..........‬المالكية‪........‬الشافعية‪........‬الحنابلة‬
‫‪-1‬حكم الحج‪.......‬فرض فورا على المستطيع‪...‬فرض فورا‪...‬فرض على التراخي‪...‬فرض فورا‬
‫‪-2‬حكم العمرة‪...‬سنة مؤكدة‪....‬سنة مؤكدة على المشهور‪...‬فرض على التراخي‪...‬فرض فورا‬
‫‪-3‬الحرام بالحج(نيته)‪.................‬شرط‪...........‬ركن‪.............‬ركن‪.........‬ركن‬
‫‪-4‬الحرام بالعمرة(بيتها)‪...............‬شرط‪...........‬ركن‪.............‬ركن‪.........‬ركن‬
‫‪-5‬الحرام من الميقات‪.................‬واجب‪..........‬واجب‪..........‬واجب‪.......‬واجب‬
‫‪-6‬اقتران الحرام بالتلبية‪..............‬واجب‪..........‬واجب‪............‬سنة‪..........‬سنة‬
‫‪-7‬الغسل للحرام‪......................‬سنة‪.............‬سنة‪.............‬سنة‪..........‬سنة‬
‫‪-8‬التطيب للحرام‪.....................‬سنة‪.............‬سنة‪.............‬سنة‪..........‬سنة‬
‫‪-9‬التلبية‪.............................‬واجبة‪...........‬واجبة‪.............‬سنة‪..........‬سنة‬
‫‪-10‬طواف القدوم للمفرد والقارن‪....‬سنة‪.....‬واجب على الصح‪.......‬سنة‪...........‬سنة‬
‫‪-11‬نية الطواف‪......................‬شرط‪............‬واجب‪...........‬سنة‪...........‬سنة‬
‫‪-12‬بدء الطواف من الحجر السود‪....‬واجب‪..........‬واجب‪..........‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-13‬جعل البيت عن يسار الطائف‪.....‬واجب‪..........‬شرط‪............‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-14‬المشي في الطواف للقادر عليه‪....‬واجب‪...........‬واجب‪...........‬سنة‪...........‬شرط‬
‫‪-15‬الطهارة من الحدثين في الطواف‪...‬واجب‪...........‬شرط‪...........‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-16‬طهارة البدن والثوب والمكان‪......‬سنة‪.............‬شرط‪...........‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-17‬كون الطواف من وراء الحطيم أو الحجر‪...‬واجب‪...‬شرط‪..........‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-18‬كون الطواف في المسجد‪.........‬شرط‪.............‬شرط‪..........‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-19‬كون الطواف سبعة أشواط‪......‬واجب‪............‬شرط‪..........‬شرط‪...........‬شرط‬
‫‪-20‬الموالة بين أشواط الطواف‪.......‬سنة‪.............‬واجب‪...........‬سنة‪..........‬واجب‬
‫‪-21‬ستر العورة في الطواف‪.........‬واجب‪.............‬شرط‪...........‬شرط‪..........‬شرط‬
‫‪-22‬ركعتا الطواف‪.................‬واجب ‪...........‬واجب‪...........‬سنة‪............‬سنة‬
‫‪-23‬طواف العمرة‪..................‬ركن‪..............‬ركن‪...........‬ركن‪............‬ركن‬
‫‪-24‬السعي بين الصفا والمروة‪.......‬واجب‪.............‬ركن‪..........‬ركن‪.............‬ركن‬
‫‪-25‬وقوع السعي بعد الطواف‪.....‬واجب‪............‬واجب‪.........‬شرط‪............‬شرط‬
‫‪-26‬نية السعي‪....................‬واجب‪.............‬شرط‪...........‬شرط‪...........‬شرط‬

‫‪-27‬بدء السعي بالصفا وحتمه بالمروة‪...‬واجب‪........‬شرط‪...........‬شرط‪...........‬شرط‬
‫‪-28‬المشي في السعي للقادر‪........‬واجب‪............‬واجب‪..........‬سنة‪.............‬شرط‬
‫‪-29‬كون السعي سبعة أشواط‪.....‬واجب‪.............‬شرط‪..........‬شرط‪............‬شرط‬
‫‪-30‬الموالة بين أشواط السعي‪.......‬سنة‪..............‬شرط‪..........‬سنة‪..............‬شرط‬
‫‪-31‬الحلق أو التقصير في العمرة‪...‬واجب‪............‬واجب‪....‬ركن على المشهور‪.....‬واجب‬
‫‪-32‬المبيت بمنى ليلة عرفة‪...........‬سنة‪..............‬سنة‪..............‬سنة‪.............‬سنة‬
‫‪-33‬الوقوف بعرفة‪................‬ركن‪..............‬ركن‪.............‬ركن‪............‬ركن‬
‫‪-34‬وقت الوقوف بعرفة‪...‬من بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر بالتفاق(‪)1‬‬
‫‪-35‬امتداد الوقوف لما بعد الغروب إن وقف نهارا‪...‬واجب‪...‬واجب‪....‬سنة‪...........‬واجب‬
‫‪-36‬الدفع من عرفة مع المام أو نائبه‪..............‬واجب‪...‬واجب‪....‬سنة‪...........‬واجب‬
‫‪-37‬الجمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء تقديما‪.......‬واجب‪....‬سنة‪.....‬سنة‪.............‬سنة‬
‫‪-38‬الوقوف بمزدلفة‪...‬واجب ولو لحظة‪......‬واجب ويكفي‪...‬واجب ويكفي‪...‬المبيت واجب‬
‫‪.......................‬بعد الفجر‪......‬مقدار حط الرحال‪.....‬لحظة في‪...‬لما بعد منتصف الليل‬
‫‪....******.......................‬وجمع الصلتين وتناول شيء‪...‬النصف الثاني‪******......‬‬
‫‪....******....................‬من الطعام والشراب‪،‬والمبيت مندوب‪...‬من الليل‪******....‬‬
‫‪-39‬الوقوف بمزدلفة عندالمشعر‪...‬مستحب‪...‬مندوب والمعتمد أنه سنة‪....‬سنة‪..........‬سنة‬
‫الحرام من الفجر إلى الشروق‪..............................................................‬‬
‫‪-40‬رمي جمرة العقبة يوم النحر‪......‬واجب‪..........‬واجب‪..........‬واجب‪.......‬واجب‬
‫‪-41‬الحلق أو التقصير في الحج‪.......‬واجب‪.....‬ركن على المعتمد‪.....‬واجب‪.......‬واجب‬
‫‪-42‬الترتيب بين الرمي والذبح والحلق‪...‬واجب‪......‬سنة‪..............‬سنة‪...........‬سنة‬
‫‪-43‬طواف الفاضة‪...‬أكثره ركن(ثلثة وأكثر الرابع)‪...‬ركن‪..........‬ركن‪..........‬ركن‬
‫‪-44‬كون طواف الفاضةفي أيام النحر‪...‬واجب‪...‬واجب في ذي الحجة‪...‬سنة‪...‬سنةيوم العيد‬
‫‪-45‬تأخير طواف الفاضة عن رمي العقبة‪...‬سنة‪......‬واجب‪..........‬سنة‪.........‬واجب‬
‫‪-46‬رمي الجمار الثلث في أيام التشريق‪....‬واجب‪....‬واجب‪.........‬واجب‪.......‬واجب‬
‫‪-47‬عد تأخير الرمي إلى الليل‪..............‬سنة‪......‬واجب‪...........‬سنة‪......‬واجب على‬
‫‪******........******......******......................‬غير سقاة ورعاة فيرمون ليلً‬
‫ونهارا‬
‫‪-48‬المبيت بمنى ليالي التشريق‪...‬سنة‪...‬واجب إل لراعي البل والسقّاء‪...‬واجب لغير‪...‬واجب‬

‫‪...................******.......******.....................‬الرعاء وأهل السقاية‪******...‬‬
‫‪-49‬طواف الوداع‪............‬واجب‪..........‬مندوب‪..........‬واجب على المعتمد‪...‬واجب‬
‫‪-50‬أداء العمرة في أيام التشريق‪...‬مكروه تحريما‪...‬ل يصح ويكره‪...‬يصح بغير كراهة‪ ...‬يصح‬
‫‪...******..............‬بعد رمي اليوم الرابع إلى الغروب‪...‬بعد إنهاء أعمال الحج‪...‬بغير كراهة‬
‫‪-51‬ترتيب الجمار‪............‬سنة‪.............‬واجب‪............‬واجب‪..............‬واجب‬
‫(الولى فالوسطى فالعقبة)‪...................................................................‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اتفقوا على آخر وقت الوقوف‪ ،‬واختلفوا في بدئه‪ ،‬فقال الحنابلة‪ :‬يبدء الوقوف من طلوع فجر يوم‬
‫عرفة ( المغني‪.)415/3 :‬‬

‫( ‪)3/496‬‬
‫المبحث الخامس ‪ -‬أركان الحج والعمرة‪:‬‬
‫أركان الحج‪ :‬عرفنا أن للحج عند الحنفية ركنين فقط هما‪ :‬الوقوف بعرفة وطواف الفاضة‪ .‬وأركان‬
‫الحج عند المالكية والحنابلة أربعة‪ :‬الحرام والوقوف بعرفة‪ ،‬وطواف الفاضة‪ ،‬والسعي‪ .‬وأركانه عند‬
‫الشافعية خمسة‪ :‬الحرام‪ ،‬والوقوف بعرفة‪ ،‬والطواف والسعي ‪،‬والحلق أو التقصير‪.‬‬
‫أركان العمرة‪ :‬ركن العمرة عند الحنفية‪ :‬الطواف بالبيت‪.‬‬
‫وللعمرة عند المالكية والحنابلة أركان ثلثة‪ :‬الحرام‪ ،‬والطواف‪ ،‬والسعي‪.‬‬
‫وأركانها عند الشافعية أربعة‪ :‬الحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير‪.‬‬
‫ويلحظ أن الحلق أو التقصير عند الجمهور غير الشافعية واجب ل ركن‪.‬‬
‫وأبحث هذه المور تفصيلً‪:‬‬
‫المطلب الول ـ الحرام ‪:‬‬
‫حقيقته‪ :‬الدخول في الحرمة ‪ ،‬والمراد هنا نية الدخول في النسك من حج أو عمرة‪ ،‬أو الدخول في‬
‫حرمات مخصوصة أي التزامها‪ .‬وإذا تم الحرام ل يخرج عنه إل بعمل النسك الذي أحرم به‪ ،‬فإن‬
‫أفسده وجب قضاؤه‪ ،‬وإن فاته الوقوف بعرفة أتمه عمرة‪ ،‬وإن أحصر أي منع عن إكماله‪ ،‬ذبح هديا‬
‫وقضاه‪.‬‬
‫والكلم فيه يشمل ما يصير به الشخص محرما‪ ،‬صفة الحرام‪ ،‬والحرام كإحرام فلن‪ ،‬مكان الحرام‬
‫وزمانه‪ ،‬ومايفعله مريد الحرام‪ ،‬ومايحرم به من حج أو عمرة أو بهما‪ ،‬وإضافة الحرام إلى الحرام‪،‬‬

‫وإدخال العمرة على الحج وعلى العكس‪ ،‬وفسخ الحرام‪.‬‬
‫أولً ‪ -‬مايصير به الشخص محرما ‪:‬‬
‫ل خلف في أنه إذا نوى حجا أو عمرة‪ ،‬وقرن النية بقول أو فعل من خصائص الحرام‪ ،‬يصير‬
‫محرما‪ ،‬بأن لبى ناويا به الحج‪ ،‬أو العمرة‪ ،‬أو بهما معا‪.‬‬
‫ول خلف بين الشافعية والحنابلة وفي الرجح عند المالكية أن الحرام ينعقد بمجرد النية‪ ،‬لكن يلزمه‬
‫عند المالكية دم في ترك التلبية‪ ،‬والتجرد من المخيط ونحوه‪ ،‬حين النية‪ .‬أما قرن النية بقول أو فعل‪،‬‬
‫فقال الحنفية‪:‬‬
‫ل يصيرشارعا في الحرام بمجرد النية‪ ،‬ما لم يأتِ بالتلبية‪ ،‬أي أن الحرام ليثبت بمجرد النية ما لم‬
‫يقترن بها قول أوفعل هو من خصائص الحرام أو دلئله‪ ،‬والنية ليست بركن عندهم‪ ،‬بل هي شرط‪،‬‬
‫وإذا لبى ناويا فقد أحرم عندهم‪.‬‬
‫وعبارة المالكية‪ :‬الحرام‪ :‬ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج‪ ،‬كالتلبية والتوجه إلى‬
‫الطريق‪ ،‬لكن الرجح أنه ينعقد بمجرد النية‪ ،‬ويلزمه دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط حين‬
‫النية‪.‬‬
‫وعبارة الشافعية والحنابلة‪ :‬الحرام‪ :‬بأن ينوي الدخول في النسك‪ ،‬فل ينعقد بدون النية‪ ،‬فإن اقتصر‬
‫على النية‪ ،‬ولم يلب‪ ،‬أجزأه‪ ،‬وإن لبى بل نية لم ينعقد إحرامه ول يشترط قرن النية بالتلبية؛ لنها من‬
‫الذكار‪ ،‬فلم تجب في الحج كسائر الذكار‪.‬‬
‫والحاصل أن الحرام ينعقد بالنية عند الجمهور‪ ،‬ول ينعقد بمجردها عند الحنفية وإنما ل بد من قرنه‬
‫بقول أوفعل من خصائص الحرام‪ ،‬كالتلبية أو التجرد من المخيط ونحوه (‪. )1‬‬
‫ول يصح الحرام إل بالنية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما‬
‫نوى» (‪ )2‬ولنه عبادة محضة‪ ،‬فلم تصح من غير نية‪ ،‬كالصوم والصلة‪.‬‬
‫ومحل النية‪ :‬القلب‪ ،‬والحرام‪ :‬النية بالقلب‪ ،‬والفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه؛ لما روى‬
‫أنس رضي ال عنه قال‪« :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪ :‬لبيك بحجة وعمرة» (‪)3‬‬
‫ولنه إذا نطق به كان أبعد عن السهو‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 161/2 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 134/2 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ 179/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،131‬الشرح الصغير‪ 16/2 :‬وما بعدها‪ ،25 ،‬مغني المحتاج‪ ،478-476/1 :‬المهذب‪:‬‬
‫‪ 204/1‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪ ،365/1 :‬المجموع‪ 226/7 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.288-281/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم عن عمر رضي ال عنه‪.‬‬

‫(‪ )3‬رواه مسلم‪ ،‬قيل‪ :‬وقع الشتباه لنس‪ ،‬ل لمن دونه‪ ،‬في القران بين الحج والعمرة‪.‬‬

‫( ‪)3/497‬‬
‫فيقول‪ :‬نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها ل تعالى‪ ،‬أو يقول‪ :‬اللهم إني أريد الحج أو العمرة‪،‬‬
‫فيسره لي وتقبله مني‪ .‬وإن أراد القران قال‪ :‬اللهم إني أريد العمرة والحج‪ ،‬ثم يجب أن يلبي عند‬
‫الحنفية عقيب صلته‪ ،‬لنه صلّى ال عليه وسلم «لبى في د ُبُر صلته» ويستحب التلبية عند الجمهور‬
‫بعد الحرام أي مع النية‪.‬‬
‫وإن حج أو اعتمر عن غيره قال‪« :‬نويت الحج أو العمرة عن فلن وأحرمت به أو بها ل تعالى» ‪.‬‬
‫وإن كان مفردا الحرام بالحج نوى بتلبيته الحج؛ لنه عبادة‪ ،‬والعمال بالنيات‪.‬‬
‫والتلبية كما بينت في المبحث السابق أن يقول‪« :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد‬
‫والنعمة لك والمُلْك‪ ،‬ل شريك لك» وهي المنقولةعن رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬ول ينبغي أن‬
‫يخل بشيء من هذه الكلمات‪ ،‬لنه هو المنقول باتفاق الرواة‪ ،‬فل ينقص عنه‪ ،‬فإن زاد عليها جاز بل‬
‫كراهة‪.‬‬
‫ثانيا ـ صفة الحرام تعيينا وإطلقا وإحالة واشتراطا (‪: )1‬‬
‫الفضل أن يعين المحرم ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما معا‪ ،‬فالتعيين أفضل من الطلق؛ لن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أمر أصحابه بالحرام بنسك معين‪ ،‬فقال فيما روته عائشة‪« :‬من شاء منكم‬
‫أن يهل بحج وعمرة فليهل‪ ،‬ومن أراد أن يهل بحج فليهل‪ ،‬ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل» (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،163/2 :‬الشرح الصغير‪ 25/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،205/1 :‬مغني المحتاج‪-1/674 :‬‬
‫‪ ،874‬المغني‪ ،487-284/3 :‬الشرح الكبير‪ 26/2 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن عائشة (نيل الوطار‪ 308/4 :‬ومابعدها) ومعنى الهلل‪ :‬رفع الصوت بالتلبية‬
‫من قولهم‪ :‬استهل الصبي‪ :‬إذا صاح‪ ،‬والصل فيه‪ :‬أنهم كانوا إذا رئي الهلل صاحوا‪ ،‬فيقال‪ :‬استهل‬
‫الهلل‪ ،‬ثم قيل لكل صائح‪ :‬مستهل‪.‬‬

‫( ‪)3/498‬‬
‫ورأى الحنفية‪ :‬أنه لو أحرم بالحج‪ ،‬ولم يعين حجة السلم‪ ،‬وعليه حجة السلم‪ ،‬يقع عنها استحسانا؛‬
‫لن الظاهر من حاله أنه ل يريد بإحرام الحج حجة التطوع‪ ،‬ويبقي نفسه في عهدة الفرض‪ ،‬فيحمل‬

‫على حجة السلم بدللة حاله‪ ،‬فكان الطلق فيه تعيينا كما في صوم رمضان‪ .‬ولو نوى التطوع يقع‬
‫عن التطوع؛ لن دللة حاله ل تفيد مع التعيين الصريح‪.‬‬
‫وكذلك قال الشافعية‪ :‬ليس التعيين شرطا في انعقاد النسك‪ ،‬فلو أحرم بنسك نفل وعليه نسك فرض‪،‬‬
‫انصرف إلى الفرض‪.‬‬
‫وينعقد الحرام معينا‪ :‬بأن ينوي حجا أو عمرة أو كليهما بالجماع‪ ،‬ولحديث عائشة المتقدم‪ ،‬وينعقد‬
‫أيضا مطلقا بأل يزيد على الحرام نفسه‪ ،‬بأن ينوي الدخول في النسك الصالح للنواع الثلثة‪ ،‬أو‬
‫يقتصر على قوله‪« :‬أحرمت» ‪ ،‬بدليل ما روى الشافعي‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم خرج هو‬
‫وأصحابه مهلّين ينتظرون القضاء (أي نزول الوحي) فأمر من ل هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة‪،‬‬
‫ومن معه هدي أن يجعله حجا» ‪.‬‬
‫وفي حالة الطلق هذه قال الحنفية‪ :‬يمضي في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطا‪ ،‬فإن طاف‬
‫شوطا‪ ،‬كان إحرامه عن العمرة؛ لن الطواف ركن في العمرة‪ ،‬وطواف القدوم سنة‪ ،‬فإيقاعه عن‬
‫الركن أولى‪ ،‬وتتعين العمرة بفعله كما تتعين بقصده‪.‬‬

‫( ‪)3/499‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬إن أبهم نية الحرام بأن لم يعين شيئا بأن نوى النسك ل تعالى من غير ملحظة حج‬
‫أو عمرة أو هما‪ ،‬ندب صرفه أي تعيينه لحج فيكون مفردا‪ ،‬والقياس صرفه لقران؛ لنه أحوط‬
‫لشتماله على النسكين كالناسي لما عينه‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬إن أحرم مطلقا في أشهر الحج‪ ،‬صرفه بالنية إلى ما شاء من النساك‪ ،‬ثم‬
‫اشتغل بالعمال‪ ،‬فلو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عند الشافعية عن القدوم‪ ،‬وإن أطلق الحرام‬
‫في غير أشهر الحج‪ ،‬فالصح عند الشافعية انعقاده عمرة‪ ،‬فل يصرفه إلى الحج في أشهره‪.‬‬
‫والولى عند الحنابلة‪ :‬صرف الحرام إلى العمرة؛ لنه إن كان في غير أشهر الحج‪ ،‬فالحرام بالحج‬
‫مكروه أو ممتنع‪ ،‬والول أرجح عندهم‪ ،‬وإن كان في أشهر الحج‪ ،‬فالعمرة أولى؛ لن التمتع عندهم‬
‫أفضل‪ ،‬وقد أمر النبي صلّى ال عليه وسلم أبا موسى حين أحرم بما أهل به رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم أن يجعله عمرة‪.‬‬
‫تعليق الحرام أو الحرام بما أحرم به فلن (‪ )1‬أو إبهام الحرام‪ :‬يصح إبهام الحرام‪ :‬وهو أن يحرم‬
‫به بما أحرم به فلن‪ ،‬لما روى أبو موسى قال‪« :‬قدمت على رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كيف أهللت؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬لبيك بإهلل كإهلل رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال‪ :‬أحسنت‪ ،‬فأمرني‬

‫فطفت بالبيت وبالصفا والمروة‪ ،‬ثم قال‪ :‬حل» (‪ . )2‬فإن لم يكن فلن محرما‪ ،‬انعقد إحرامه مطلقا‪،‬‬
‫وإن كان محرما بنسك معين انعقد إحرامه كإحرامه‪ ،‬وإن تعذر معرفة إحرامه بموته كان حكمه‬
‫كالناسي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا هو المراد بالحالة أي بإحالة الحرام على إحرام فلن‪ ،‬وهو أن يحرم بإحرام كإحرام فلن‪،‬‬
‫فيصير محرما مثل إحرام فلن (شرح مسلم ‪ 198/8‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه (شرح مسلم ‪ 198/8‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)3/500‬‬
‫حكم نسيان ما عينه‪ :‬إذا أحرم بنسك‪ ،‬ثم نسي ما عينه‪ ،‬أهو حج أو عمرة أو هما‪ ،‬قبل الطواف‪ ،‬فله‬
‫عند الحنابلة صرفه إلى أي نسك شاء‪ .‬ويكون قرانا عند المالكية والحنفية والشافعية في الجديد؛ لنه‬
‫تلبس بالحرام يقينا‪ ،‬فل يتحلل إل بيقين التيان بالمشروع فيه‪ ،‬فيعمل أعمال النسكين ليتحقق الخروج‬
‫عما شرع فيه‪ ،‬فتبرأ ذمته من الحج بعد إتيانه بأعماله‪ ،‬ول تبرأ ذمته من العمرة لحتمال أنه أحرم‬
‫بالحج‪ ،‬ويمتنع إدخالها عليه ول دم عليه‪ ،‬فيبرأ من الحج فقط‪ ،‬وعليه عند المالكية تجديد نية الحج‪.‬‬
‫ومنشأ الخلف بين الرأيين‪ :‬هو فسخ الحج إلى العمرة‪ ،‬فإنه جائز عند الحنابلة‪ ،‬وغير جائز عند‬
‫الجمهور‪.‬‬
‫الشتراط في الحرام (‪ : )1‬أجاز الشافعية والحنابلة الشتراط في الحرام‪ ،‬وهو التحلل لمانع مرضي‬
‫ونحوه‪ ،‬ول يجوز التحلل مع عدم الشتراط‪ ،‬بدليل حديث ابن عباس‪« :‬أن ضُبَاعة بنت الزبير قالت‪:‬‬
‫يا رسول ال ‪ ،‬إني امرأة ثقيلة (‪ ، )2‬وإني أريد الحج‪ ،‬فكيف تأمرني؟ فقال‪ :‬أَهِلّي واشتراطي أن‬
‫َمحِلّي (‪ )3‬حيث حبستني‪ ،‬قال‪ :‬فأدْركَت» (‪. )4‬‬
‫وقال أبو حنيفة ومالك‪ :‬ل يصح الشتراط‪ ،‬عملً برأي ابن عمر‪ ،‬وقال عن الحاديث‪ :‬إنها قصة‬
‫عين‪ ،‬وإنها مخصوصة بضباعة‪ .‬ومنشأ الخلف‪ :‬هل خطابه صلّى ال عليه وسلم لواحد يكون غيره‬
‫فيه مثله أو ل؟‬
‫من أحرم بحجتين أو عمرتين‪ :‬إن أحرم‪ ،‬انعقد بإحداهما‪ ،‬ولغت الخرى عند الحنابلة؛ لنهما عبادتان‬
‫ل يلزمه المضي فيهما‪ ،‬فلم يصح الحرام بهما كالصلتين‪ ،‬فلو أفسد حجته أو عمرته‪ ،‬لم يلزمه إل‬
‫قضاؤها‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ ،4/803 :‬المغني‪ 282/3 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬في رواية عائشة «وجيعة» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي مكان إحللي‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل البخاري‪ ،‬وللنسائي في رواية «فإن لكِ على ربّك ما استثنيت» (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ )307/4‬وله روايات أخرى‪ :‬عن عائشة في المتفق عليه‪ ،‬وعن عكرمة عند أحمد‪.‬‬

‫( ‪)3/501‬‬
‫وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي‪ :‬ينعقد بهما‪ ،‬وعليه قضاء إحداهما‪ ،‬لنه أحرم بها ولم يتمها‪ ،‬وإن‬
‫أفسد ما نواه يلزمه قضاؤهما معا بناء على صحة إحرامه بهما‪.‬‬
‫ثالثا ـ مكان الحرام وزمانه ‪:‬‬
‫مكان الحرام‪ :‬هو المسمى بالميقات‪ .‬وزمان الحرام هو وقت الحج والعمرة وقد بحثت المرين في‬
‫المبحث الثالث‪.‬‬
‫وتبيّن فيه أن وقت العمرة بالتفاق‪ :‬جميع أجزاء السنة ما عدا يوم العيد (عيد النحر) وأيام التشريق‬
‫عند الحنفية والمالكية‪.‬‬
‫ووقت الحج في أشهر ثلثة معينة‪ :‬هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عند الجمهور‪ ،‬وذو‬
‫الحجة كله عند المالكية‪.‬‬
‫والناس في حق المواقيت أصناف ثلثة (‪: )1‬‬
‫الصنف الول ـ أهل الفاق‪ :‬وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقّت لهم رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم وهي خمسة ثابتة في السنة‪ ،‬وهي ذو الحليفة لهل المدينة‪ ،‬والجحفة لهل الشام‪ ،‬وقرن‬
‫المنازل لهل نجد‪ ،‬ويلملم لهل اليمن‪ ،‬وذات عرق لهل العراق‪.‬‬
‫والصنف الثاني ـ أهل الحل‪ :‬وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم كأهل بستان‬
‫بني عامر وغيرهم‪ ،‬وميقاتهم دويرة أهلهم‪ ،‬أو حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين‬
‫الحرم‪.‬‬
‫والصنف الثالث ـ أهل مكة الحرم‪ :‬وميقاتهم للحج الحرم‪ ،‬وللعمرة الحل‪ ،‬فيحرم المكي من دويرة‬
‫أهله للحج‪ ،‬أو حيث شاء من الحرم‪ ،‬ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أوغيره‪.‬‬
‫رابعا ـ ما يفعله مريد الحرام ‪:‬‬
‫إذا أراد الشخص الحرام يفعل السنن المذكورة سابقا في بحث أعمال الحج وأهمها ما يأتي (‪ . )2‬أما‬

‫ما يجتنبه المحرم من اللباس والحذاء وغيرهما فيعرف في بحث محظورات الحرام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.167-163/2 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،140-134/2 :‬اللباب‪ 179/1 :‬ومابعدها‪ ،188 ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،131‬الشرح‬
‫الصغير‪ 29/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،501 ،482-478/1 :‬المهذب‪ 204/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫المجموع‪ ،226-211/7 :‬المغني‪ ،430 ،325 ،301 ،293-288 ،275-270/3 :‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪ 365/1‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/502‬‬
‫‪ - 1‬يغتسل تنظفا‪ ،‬أو يتوضأ‪ ،‬والغسل أفضل؛ لنه أتم نظافة‪ ،‬ولنه عليه الصلة والسلم اغتسل‬
‫لحرامه (‪ ، )1‬وهو للنظافة ل للطهارة‪ ،‬ولذا تفعله المرأة الحائض والنفساء‪ ،‬لما روى ابن عباس‬
‫مرفوعا إلى النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم‪ ،‬وتقضي المناسك‬
‫كلها‪ ،‬غير أن ل تطوف بالبيت» (‪ )2‬وأمر النبي صلّى ال عليه وسلم أسماء بنت عميس‪ ،‬وهي نفساء‬
‫أن تغتسل (‪. )3‬‬
‫فدل على أن الغتسال مشروع للنساء عند الحرام‪ ،‬كما يشرع للرجال؛ لنه نسك‪ ،‬وهو في حق‬
‫الحائض والنفساء آكد‪ ،‬لورود الخبر فيهما‪.‬‬
‫وهذا متفق عليه‪ .‬فإن لم يجد ماء تيمم عند الشافعية؛ لن الغسل يراد للقربة والنظافة‪ ،‬فإذا تعذر‬
‫أحدهما يبقى الخر‪ ،‬ولن التيمم ينوب عن الغسل الواجب‪ ،‬فعن المندوب أولى‪ .‬ولو وجد ماء ل يكفيه‬
‫للغسل ويكفيه للوضوء‪ ،‬توضأ به وتيمم عن الغسل‪.‬‬
‫ول يسن له التيمم في رأي ابن قدامة؛ لنه غسل مسنون‪ ،‬فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة‪،‬‬
‫والفرق بين الواجب والمسنون؛ أن الواجب يراد لباحة الصلة‪ ،‬والتيمم يقوم مقامه في ذلك‪،‬‬
‫والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة‪ ،‬والتيمم ل يحصّل هذا‪ ،‬بل يزيد شعثا وتغييرا‪ ،‬والراجح عند‬
‫الحنابلة جواز التيمم كما في غاية المنتهى‪.‬‬
‫شعَث (الوسخ من غبار وغيره) وقطع‬
‫ويستحب التنظيف أيضا بأزالة ال ّ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الدارمي والترمذي وغيرهما عن زيد بن ثابت‪ :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم اغتسل‬
‫لحرامه (نصب الراية‪.)17/3 :‬‬

‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس (نيل الوطار‪.)303/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم عن جابر‪.‬‬

‫( ‪)3/503‬‬
‫الرائحة‪ ،‬ونتف البط‪ ،‬وقص الشارب‪ ،‬وقلم الظفار‪ ،‬وحلق العانة وترجيل الشعر؛ لن الحرام أمر‬
‫يسن له الغتسال والطيب‪ ،‬فيسن له هذا كالجمعة‪.‬‬
‫‪ - 2‬يتجرد الذكر من المخيط‪ ،‬ويلبس ثوبين نظيفين‪ :‬إزارا ورداءا جديدين ثم مغسولين‪ ،‬ونعلين‪،‬‬
‫خفّين‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين‪ ،‬فإن لم يجد نعلين فلْيلبَس ُ‬
‫ولْ َيقْطَعهما أسفل من الكعبين» (‪ ، )1‬ول يلزم قطعهما في المشهور عن أحمد‪ ،‬لحديث ابن عباس‪:‬‬
‫«ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين» (‪. )2‬‬
‫والمرأة‪ :‬إحرامها في كشف وجهها باتفاق الفقهاء‪ ،‬فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا‬
‫منها‪ ،‬فإنها عند الحنابلة تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها؛ لفعل عائشة ومحرمات أخريات مع‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم (‪. )3‬‬
‫‪ - 3‬يتطيب في بدنه قبل الحرام عند الجمهور‪ ،‬ل في الثوب عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬لنه مباين له‪،‬‬
‫وكذا في ثوبه في الصح عند الشافعية‪ ،‬لحديث عائشة‪« :‬كنت أطيّب النبي صلّى ال عليه وسلم عند‬
‫إحرامه بأطيبِ ما أجد» (‪ )4‬أي في وقت إحرامه‪ .‬ولبأس باستدامة أثر الطيب بعد الحرام‪،‬لحديث‬
‫الصحيحين عن عائشة‪« :‬كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول ال صلّى ال عليه وسلم »‬
‫والوبيص‪ :‬هو البريق‪ ،‬والمفرق‪ :‬وسط الرأس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد عن ابن عمر‪ ،‬والكعبان‪ :‬العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)305/4‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪ ،‬فيكون هذا ناسخا لحديث ابن عمر المتقدم (نيل الوطار‪.)4/5 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود والثرم عن عائشة‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وللنسائي‪ :‬حين أراد الحرام‪.‬‬

‫( ‪)3/504‬‬

‫ل أتى‬
‫ول يتطيب عند المالكية‪ ،‬ويكره الطيب قبل الغسل أو بعده بما تبقى رائحته‪ ،‬لما روي أن رج ً‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ‬
‫بطيب؟ فسكت النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬يعني ساعة‪ ،‬ثم قال «‪ :‬اغسل الطيب الذي بك ـ ثلث‬
‫مرات ـ وانزع عنك الجبة‪ ،‬واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (‪ ، )1‬ولنه يمنع من ابتداء‬
‫الطيب‪ ،‬فمنع استدامته كاللبس‪.‬‬
‫والظاهر جواز التطيب قبل الحرام؛ لن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة‬
‫ثمان‪،‬وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر‪ ،‬فيكون ناسخا للحديث الول‪ ،‬وفعل النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم حجة على ابن عمر الذي كان ينهى عن الطيب عند الحرام‪.‬‬
‫ويسن عند الشافعية والحنابلة أن تخضب المرأة للحرام يديها إلى الكوع (الرسغ) بالحناء‪ ،‬لما روى‬
‫ابن عمر أن ذلك من السنة‪.‬‬
‫‪ - 4‬يصلي صلة ركعتي الحرام بعد الغسل وقبل الحرام بالتفاق‪ ،‬أو يكون الحرام عند المالكية‬
‫والحنابلة عقب صلة مفروضة‪ ،‬أما الول فلما روى الشيخان أنه «صلّى ال عليه وسلم صلى بذي‬
‫الحليفة ركعتين‪ ،‬ثم أحرم» (‪ . )2‬ويحرمان في وقت الكراهة في غير حرم مكة‪ ،‬ويسن أن يقرأ في‬
‫الركعة الولى‪{ :‬قل يا أيها الكافرون} [الكافرون‪ ]1/109:‬وفي الثانية‪ ( :‬الخلص)‪.‬‬
‫وأما الحرام عقب صلة مكتوبة وهو الولى عند الحنابلة‪ ،‬فلما روى أبو داود والثرم عن سعيد بن‬
‫المسيب عن ابن عباس قال‪ « :‬أوجب رسول ال صلّى ال عليه وسلم الحرام حين فرغ من‬
‫صلته‪. »..‬‬
‫ويجوز عند الحنابلة على السواء الحرام عقيب الصلة‪ ،‬أو إذا استوت به راحلته‪ ،‬أو بدأ بالسير‪ ،‬فإذا‬
‫استوى على راحلته لبى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه عن يعلى بن أمية‪.‬‬
‫(‪ )2‬نصب الراية‪ 20/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/505‬‬
‫والفضل عند المالكية والشافعية أن يحرم إذا سارت به راحلته‪ ،‬لما رواه الشيخان‪ ،‬أو إذا توجه‬
‫لطريقه ماشيا‪ ،‬لما روى مسلم عن جابر‪« :‬أمرنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم لما أهللنا ـ أي‬
‫أردنا أن نهل ـ أن نحرم إذا توجهنا» ‪.‬‬

‫‪ - 5‬يلبي‪ ،‬والتلبية عقيب الصلة عند الحنفية‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم «لبى في دُبُر صلته»‬
‫(‪ )1‬وهو الفضل‪ ،‬و يلبي بعد ما استوت به راحلته‪ ،‬ثم ينوي‪ ،‬فإن كان مفردا الحرام بالحج‪ ،‬نوى‬
‫بتلبيته الحج؛ لنه عبادة‪ ،‬والعمال بالنيات‪.‬‬
‫ويلبي عند الشافعية مع النية‪ ،‬لخبر مسلم‪« :‬إذا توجهتم إلى منى‪ ،‬فأهلوا بالحج» والهلل‪ :‬رفع‬
‫الصوت بالتلبية‪ ،‬والعبرة بالنية ل بالتلبية‪ ،‬فلو لبى بغير مانوى‪ ،‬فالعبرة بما نوى‪.‬‬
‫ويلبي عند المالكية والحنابلة إذا استوى على راحلته‪ ،‬وأخذ في المشي‪ ،‬لما روى البخاري عن أنس‬
‫وابن عمر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم لما ركب راحلته‪ ،‬واستوت به أهلّ» وقال ابن عباس‪:‬‬
‫«أوجب رسول ال صلّى ال عليه وسلم الحرام حين فرغ من صلته‪ ،‬فلما ركب راحلته‪ ،‬واستوت به‬
‫قائمة‪ ،‬أهل» يعني لبى‪ ،‬ومعنى الهلل‪ :‬رفع الصوت بالتلبية‪.‬‬
‫ويجدد التلبية عند كل هبوط وصعود‪ ،‬وحدوث حادث ولقاء رفقة‪ ،‬وخلف الصلوات‪ ،‬وعند سماع من‬
‫يلبي‪.‬‬
‫ويستحب إكثار التلبية‪ ،‬ورفع الصوت بها أثناء إحرامه دون إسراف إل للنساء‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عباس (نصب الراية‪.)21/3 :‬‬

‫( ‪)3/506‬‬
‫«أفضل الحج‪ :‬العج والثج» (‪ )1‬فالعج‪ :‬رفع الصوت بالتلبية‪ ،‬والثج ‪ :‬إراقة الدم‪.‬‬
‫وصيغة التلبية كما سبق‪ ( :‬لبيك اللهم (‪ )2‬لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك‬
‫والملك‪ ،‬ل شريك لك ) والمستحب أل يزيد عليها‪ ،‬فإن زاد فيها‪ ،‬جاز‪.‬‬
‫فإذا لبى ناويا فقد أحرم عند الحنفية‪.‬‬
‫متى يقطع التلبية؟ يقطع التلبية عند المالكية إذا أخذ في الطواف‪ ،‬ويعاودها بعد الفراغ من السعي‪ ،‬إلى‬
‫أن يقطعها إذا زالت الشمس من يوم عرفة‪ ،‬عملً بما روي عن علي وأم سلمة‪ :‬أنهما كانا يلبيان حتى‬
‫تزول الشمس يوم عرفة‪ .‬ويقطع التلبية عند الجمهور (غير المالكية) عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة‬
‫يوم العيد بأول حصاة يرميها؛ لنه صلّى ال عليه وسلم لم يزل ملبيا حتى رماها (‪ ، )3‬ولنه يتحلل‬
‫بالرمي‪.‬‬
‫هذا عند الحنفية إن رمى قبل الحلق‪ ،‬فإن حلق قبل الرمي‪ ،‬قطع التلبية؛ لنها ل تثبت مع التحلل‪.‬‬

‫أما المعتمر فيقطع التلبية عند الشروع بالطواف‪.‬‬
‫خامسا ـ ما يحرم به من حج أو عمرة أو بهما ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على أن أوجه أداء الحج والعمرة‪ ،‬أو ما يحرم به في الصل‪ ،‬ثلثة أنواع‪ :‬الفراد‪،‬‬
‫والتمتع‪ ،‬والقران‪ ،‬أي أداء الحج وحده‪ ،‬والعمرة وحدها‪ ،‬والعمرة مع الحج‪ ،‬والشخاص المحرمون‬
‫ثلثة‪ :‬مفرد بالحج‪ ،‬ومفرد بالعمرة‪ ،‬وجامع بينهما‪ ،‬الول‪ :‬هو المفرد‪ ،‬والثاني‪ :‬المتمتع‪ ،‬والثالث‪:‬‬
‫القارن‪.‬‬
‫والمفرد بالحج‪ :‬هو الذي يحرم بالحج ل غير‪ ،‬فيؤدي الحج أولً‪ ،‬ثم يحرم بالعمرة‪.‬‬
‫والمتمتع‪ :‬هو الذي يحرم بالعمرة أولً في أشهر الحج ويتمها‪ ،‬ثم يحرم بالحج في سنته وأشهره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر‪ ،‬ورواه الترمذي عن أبي بكر الصديق‪ ،‬ورواه أبو القاسم‬
‫الصبهاني عن جابر‪ ،‬ورواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن ابن مسعود (نصب الراية‪.)34/3 :‬‬
‫(‪ )2‬أصله يا ال‪ ،‬حذف حرف النداء‪ ،‬وعوض عنه الميم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان من حديث الفضل بن عباس‪.‬‬

‫( ‪)3/507‬‬
‫والقارن‪ :‬هو الفاقي (غير المكي) الذي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل وجود ركن العمرة‬
‫وهو الطواف‪ ،‬فيأتي بالعمرة أولً‪ ،‬ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير‪ ،‬سواء‬
‫جمع بين الحرامين بكلم موصول أو مفصول‪ ،‬فلو أحرم بالعمرة‪ ،‬ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل‬
‫الطواف للعمرة (أو أكثره عند الحنفية) كان قارنا‪ ،‬لوجود معنى القران‪ :‬وهو الجمع بين الحرامين‪،‬‬
‫ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره ل يكون قارنا‪ ،‬بل يكون متمتعا‪ ،‬لوجود معنى‬
‫التمتع‪ :‬وهو أن يكون إحرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله عند الحنفية وهو الطواف‪ ،‬والسعي‬
‫بعده عند الجمهور‪ ،‬والحلق أو التقصير أيضا عند الشافعية على المعتمد (‪. )1‬‬
‫واختلف فقهاء المذاهب في الفضل من هذه الوجه على أقوال ثلثة‪:‬‬
‫‪ - 1‬فقال الحنفية (‪ : )2‬القران (وهو الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد) أفضل من التمتع‬
‫والفراد؛ لن فيه استدامة الحرام بهما من الميقات إلى أن يفرغ منهما‪ ،‬ول كذلك التمتع‪ ،‬فكان‬
‫القران أولى منه‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬البدائع‪ ،167/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،135‬مغني المحتاج‪ 513/1 :‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪ 366/1‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ 199/2 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب مع الكتاب‪ 192/1 :‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪40/2 :‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/508‬‬
‫«أهلّوا يا آل محمد بعمرة في حجة» (‪ . )1‬وقال أنس‪« :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يلبي‬
‫بالحج والعمرة يقول‪ :‬لبيك عمرة وحجة» (‪. )2‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية والشافعية (‪ : )3‬الفراد بالحج أفضل من القران والتمتع‪ ،‬إن اعتمر عامه؛ لنه ل‬
‫يجب معه هدي‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم حج مفردا على الصح‪ ،‬قالت عائشة‪« :‬خرجنا مع‬
‫ل بعمرة‪ ،‬ومنا من أّهل بحج وعمرة‪،‬‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم عام حجة الوداع‪ ،‬فمنا من أ َه ّ‬
‫وأهل رسول ال صلّى ال عليه وسلم بالحج» (‪ ، )4‬وروي الفراد عن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫عن جابر بن عبد ال من طرق شتى متواترة صحاح‪ ،‬وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة‬
‫وجابر‪.‬‬
‫ثم القران عند المالكية يلي الفراد في الفضل‪ ،‬وللقران صورتان‪:‬‬
‫أولهما ـ بأن ينوي القران أو العمرة والحج بنية واحدة‪ ،‬ويجب تقديم العمرة في النية والملحظة إن‬
‫رتب بينهما‪ ،‬ويندب تقديمها في اللفظ إن تلفظ‪.‬‬
‫والثانية ـ أن ينوي العمرة‪ ،‬ثم يبدو له فيردف الحج عليها‪ ،‬ول يصح إرداف عمرة على حج‪ ،‬لقوته‪،‬‬
‫فل يقبل غيره‪.‬‬
‫والتمتع عند الشافعية بعد الفراد‪ ،‬ثم القران؛ لن المتمتع يأتي بعملين كاملين غير أنه ل ينشئ لهما‬
‫ميقاتين‪ .‬وأما القارن فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد‪ .‬فالشافعية ينظرون لكثرة العمال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الطحاوي عن أم سلمة (نصب الراية‪.)99/3 :‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه البخاري ومسلم عن أنس (المرجع السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ ،34/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،135‬بداية المجتهد‪ ،324/1 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،514/1‬المهذب‪ 200/1:‬ومابعدها‪ ،‬المجموع‪ ،199-137/7 :‬الشرح الكبير‪.29-27/2 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫( ‪)3/509‬‬
‫‪ - 3‬وقال الحنابلة (‪ : )1‬التمتع أفضل‪ ،‬فالفراد‪ ،‬فالقران‪ ،‬أي عكس الترتيب عند الشافعية بين الول‬
‫والثاني‪ .‬والتمتع‪ :‬أن يحرم بعمرة في أشهر الحج‪ ،‬ثم يحرم بالحج في عامه من أين شاء بعد فراغه‬
‫منها‪.‬‬
‫ودليلهم أن النبي صلّى ال عليه وسلم كان متمتعا‪ ،‬لما قال ابن عمر‪« :‬تمتع رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج‪ ،‬وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة» (‪. )2‬‬
‫وقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي‪ ،‬ولجعلتها‬
‫عمرة» (‪. )3‬‬
‫هذه هي أقوال الفقهاء في بيان الفضلية بين هذه النواع‪ ،‬والسبب في اختلفهم‪ :‬اختلفهم فيما فعل‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم من ذلك‪ ،‬ولكل رأي ما يؤيده من الروايات الصحيحة‪ ،‬وأرجح الرأي‬
‫الثاني؛ لن رواة أحاديثه أكثر‪ ،‬ولن جابرا منهم أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك‪ ،‬وبالجماع‬
‫على أنه ل كراهة في الفراد‪ ،‬وبأن التمتع والقران يجب فيهما بالدم جبرا للنقص‪ ،‬بخلف الفراد‪.‬‬
‫قال النووي في المجموع (‪ : )4‬والصواب الذي نعتقده أنه صلّى ال عليه وسلم أحرم بحج‪ ،‬ثم أدخل‬
‫عليه العمرة‪ ،‬فصار قارنا‪ ،‬وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا‪ ،‬وعلى الصح ل‬
‫يجوز لنا‪ ،‬وجاز للنبي صلّى ال عليه وسلم تلك السنة للحاجة‪ ،‬وأمر به في قوله‪« :‬لبيك عمرة في‬
‫حجة» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪. 366/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (نصب الراية‪.)113/3 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد ال (جمع الفوائد‪ 469/1 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬المجموع‪.150/7 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه مسلم عن أنس‪.‬‬

‫( ‪)3/510‬‬
‫سادسا ـ إضافة الحرام إلى الحرام وإدخال الحج على العمرة وبالعكس وفسخ الحج إلى العمرة ‪:‬‬
‫إضافة الحرام إلى الحرام ‪:‬‬

‫قال الحنفية(‪ : ) 1‬إضافة الحرام إلى الحرام من المكي ونحوه جناية‪ ،‬وكذلك إضافة إحرام العمرة‬
‫إلى إحرام الحج من الفاقي جناية أيضا توجب الدم‪ .‬أما إضافة الحج إلى العمرة فجائز ل جناية فيه‪.‬‬
‫وتفصيل الكلم كما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬ضم الحج إلى العمرة‪ :‬إذا أحرم المكي بعمرة‪ ،‬فأدخل عليها إحرام حجة‪ ،‬فهناك ثلثة احتمالت‪:‬‬
‫أ ـ إما أن يدخله قبل أن يطوف‪ ،‬فترتفض عمرته اتفاقا بين أئمة الحنفية‪ ،‬ولو فعل هذا آفاقي (غير‬
‫مكي) كان قارنا‪.‬‬
‫ب ـ أو يدخله بعد أن يطوف أكثر الشواط‪ ،‬فترتفض حجته اتفاقا‪ ،‬ولو فعل هذا آفاقي كان متمتعا إن‬
‫كان الطواف في أشهر الحج‪.‬‬
‫جـ ـ أو يدخله بعد أن يطوف القل من الشواط كثلثة مثلً‪ ،‬فهي محل خلف بين المام‬
‫وصاحبيه‪ ،‬قال أبو حنيفة‪ :‬يرفض الحج‪ ،‬لما يلزم رفض العمرة من إبطال العمل‪ ،‬وقد تأكد إحرام‬
‫العمرة بأداء شيء من أعمالها‪ ،‬وإحرام الحج لم يتأكد‪ ،‬ورفض غير المتأكد أيسر‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬ترفض العمرة‪ ،‬لنها أدنى حالً‪ ،‬إذ ليس من جنسها فرض‪ ،‬بخلف الحج‪ ،‬ولن‬
‫العمرة أقل أعمالً‪ ،‬وأيسر قضاء لعدم توقيتها وقلة أعمالها‪.‬‬
‫ولو فعل هذا آفاقي كان قارنا‪ .‬وكل من رفض نسكا فعليه دم‪ ،‬لما روى أبو حنيفة عن عبد الملك بن‬
‫عمير عن عائشة رضي ال عنها‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر لرفضها العمرة بدم» ‪.‬‬
‫وفي رفض العمرة قضاؤها فقط‪ ،‬وفي رفض الحج قضاء الحج والعمرة جميعا‪ ،‬أما قضاء الحج فلنه‬
‫صح شروعه فيه ثم رفضه‪ ،‬وأما العمرة فهي في معنى فائت الحج‪ ،‬وفائت الحج يتحلل بأفعال‬
‫العمرة‪ ،‬وقد تعذر التحلل بأفعالها ههنا؛ لنه في العمرة‪ ،‬والجمع بين العمرتين منهي عنه‪ ،‬فيجب عليه‬
‫قضاء الحج والعمرة جميعا‪.‬‬
‫وإذا لم يرفض المكي ومن بمعناه العمرة أو الحج‪ ،‬ومضى عليهما وأداهما‪ ،‬أجزأه؛ لنه أدى أفعالهما‬
‫كما التزمهما‪ ،‬غير أنه منهي عنهما‪ ،‬أي عن إحرام الحج وإحرام العمرة جميعا؛ لن الجمع بين‬
‫إحرامي الحج أو إحرامي العمرة بدعة‪ ،‬والنهي ل يمنع تحقق الفعل‪ ،‬وعليه دم لجمعه بينهما‪ ،‬لرتكابه‬
‫المنهي عنه ووجود النقصان في عمله‪.‬‬
‫‪ - 2‬ضم الحج لحجة أخرى‪ :‬من أحرم بالحج‪ ،‬ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،294-288/2 :‬تبيين الحقائق‪.76-74/2 :‬‬

‫( ‪)3/511‬‬

‫أ ـ فإن حلق في الحجة الولى‪ ،‬لزمته الخرى ول شيء عليه؛ لنه حل من الول وأحرم للثاني‬
‫بعده‪.‬‬
‫ب ـ وإن لم يحلق في الولى‪ ،‬لزمته الخرى ويقضيها‪ ،‬وعليه دم لصحة شروعه فيه سواء عند أبي‬
‫حنيفة حلق بعد الحرام الثاني أو لم يحلق؛ لنه إن حلق يكون جانيا على الحرام الثاني‪ ،‬وإن لم يحلق‬
‫يكون مؤخرا للحلق في الحج الول عن أيام النحر‪ ،‬وهو يوجب الدم عنده‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬إن لم‬
‫يحلق أو يقصر بعد ما أحرم بالحج الثاني‪ ،‬فل شيء عليه؛ لن تأخير الحلق عندهما عن أيام النحر ل‬
‫يوجب شيئا عندهما‪ ،‬وإن حلق بعد الحرام بالثاني يجب عليه الدم‪ ،‬لجنايته عليه‪.‬‬
‫‪ - 3‬ضم العمرة إلى العمرة‪ :‬من فرغ من عمرته إل التقصير‪ ،‬فأحرم بأخرى‪ ،‬فعليه دم باتفاق‬
‫الحنفية‪ ،‬لحرامه قبل الوقت؛ لن وقته بعد الحلق للحرام الول‪ ،‬ولم يوجد‪ ،‬ولنه جمع بين إحرامي‬
‫العمرة‪ ،‬وهكذا مكروه‪ ،‬فيلزمه دم‪ ،‬وهو دم جبر وكفارة‪.‬‬
‫‪ - 4‬ضم العمرة إلى الحج‪ :‬من أهل بالحج‪ ،‬ثم أحرم بالعمرة‪ ،‬لزمه الثنان‪ ،‬لن الجمع بينهما مشروع‬
‫في حق الفاقي‪ ،‬فيصير قارنا‪ ،‬لكنه أخطا السنة فيصير مسيئا؛ لن السنة إدخال الحج على العمرة‪ ،‬ل‬
‫إدخال العمرة على الحج‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬فمن تمتع بالعمرة إلى الحج‪[ }...‬البقرة‪ ]2/196:‬الية‪ ،‬جعل‬
‫الحج آخر الغايتين‪ ،‬لكن لما لم يؤد الحج صح‪.‬‬
‫ومن أحرم بحج‪ ،‬ثم بعمرة‪ ،‬ثم وقف بعرفات قبل أن يدخل مكة‪ ،‬فقد رفض عمرته بالوقوف‪ ،‬وإن لم‬
‫يقف بعرفة ل يصير رافضا؛ لنه يصير قارنا بالجمع بين الحج والعمرة‪ ،‬وهو مشروع في حق‬
‫الفاقي‪ ،‬لكنه مسيء بتقديم إحرام الحج على إحرام العمرة‪ ،‬لكونه أخطأ السنة؛ لن السنة في القران‪:‬‬
‫أن يحرم بهما معا‪ ،‬أو يقدم إحرام العمرة على إحرام الحج‪.‬‬

‫( ‪)3/512‬‬
‫وإن طاف للحج طواف القدوم‪ ،‬ثم أحرم بعمرة‪ ،‬ومضى عليهما بأن يقدم أفعال العمرة على أفعال‬
‫الحج‪ ،‬وجب عليه دم‪ ،‬لجمعه بينهما؛ لنه قارن‪ ،‬ولكنه أساء أكثر من الول حيث أخر إحرام العمرة‬
‫عن طواف الحج‪ .‬ويستحب أن يرفض عمرته؛ لن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله‪ ،‬وإذا رفض‬
‫عمرته يقضيها لصحة الشروع فيها‪ ،‬وعليه دم لرفضها‪ .‬وإن أهلّ الحاج بعمرة يوم النحر أو في أيام‬
‫التشريق‪ ،‬لزمته العمرة‪ ،‬ولزمه رفضها‪ :‬لنه قد أدى ركن الحج‪ ،‬فيصير بانيا أفعال العمرة على أفعال‬
‫الحج من كل وجه‪ ،‬فكان خطأ محضا لكراهة العمرة في هذه اليام تعظيما لمر الحج‪ ،‬فترفض‬
‫العمرة‪ ،‬وإذا رفضها وجب عليه دم للتحلل منها قبل أوانه‪ .‬ويجب عليه قضاؤها لصحة الشروع فيها‪.‬‬

‫فإن مضى على العمرة التي أحرم لها يوم النحر وأدى أفعالها أجزأه‪ ،‬وعليه دم لجمعه بين أعمالها‬
‫وأعمال الحج الباقية إن كان الحرام بها بعد الحلق‪ ،‬أو لجمعه بينهما في الحرام إن كان الحرام بها‬
‫قبل الحلق‪.‬‬
‫ومن فاته الحج‪ ،‬فأحرم بعمرة أو بحجة‪ ،‬فإنه يرفض التي أحرم بها؛ لن فائت الحج يتحلل بأفعال‬
‫العمرة‪ ،‬من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة‪ ،‬فيصير جامعا بين العمرتين في الفعال‪ ،‬وهو بدعة‪،‬‬
‫فيرفضها‪ ،‬كما لو أحرم بحجتين‪ ،‬وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها‪ ،‬وعليه دم لرفضها بالتحلل قبل‬
‫أوانه‪.‬‬
‫رأي الجمهور في إدخال الحج على العمرة وبالعكس ‪:‬‬
‫أجاز جمهور الفقهاء (‪ )1‬إدخال الحج على العمرة بشرط أن يكون الدخال قبل الشروع في طواف‬
‫العمرة‪ ،‬وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة‪ ،‬ويكون قارنا بل خلف‪.‬‬
‫فإن أدخله على العمرة بعد الطواف فليس له ذلك ول يصير قارنا؛ لنه شارع في التحلل من العمرة‪،‬‬
‫فلم يجز إدخال الحج عليها‪.‬‬
‫ودليلهم‪ :‬فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة‪ ،‬ثم جمع معها حجة‪ ،‬ثم قال‪ :‬هكذا صنع النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ ،318/4 :‬الشرح الصغير‪ ،35/2 :‬المغني‪ ،484/3 :‬اللباب‪.193/10 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه عن نافع (نيل الوطار‪.)317/4 :‬‬

‫( ‪)3/513‬‬
‫ول يجوز إدخال العمرة على الحج‪ ،‬كما أبنت في مذهب الحنفية‪ ،‬لكنه عندهم يصير قارنا‪ ،‬وعند‬
‫الجمهور‪ :‬ل يصح الدخال ول يصير قارنا؛ لما رواه الثرم أن عليا منع من أراد ذلك‪ ،‬ولن إدخال‬
‫العمرة على الحج ل يفيد إل ما أفاده الحرام الول كتكرر الستئجار على عمل في المدة‪.‬‬
‫فسخ الحج إلى العمرة ‪:‬‬
‫أي تحويل النية من الحرام بالحج إلى العمرة‪ .‬اتفق العلماء على أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫أمر أصحابه عام حجه بفسخ الحج إلى العمرة وقال‪« :‬أحلوا من إحرامكم‪ ،‬فطوفوا بالبيت وبين الصفا‬
‫سقْت الهدي‪ ،‬لفعلت مثل الذي أمرتكم به‪،‬‬
‫والمروة‪ ،‬وقصّروا وأقيموا حللً‪ ..‬إلى أن قال‪ :‬لول أني ُ‬
‫حلّ مني حَرام حتى يبلغ الهدي مَحِلّه» (‪ )1‬والرواية المشهورة‪« :‬لو استقبلت من أمري ما‬
‫ولكن ل يَ ِ‬

‫استدبرت لما سقت الهدي‪ ،‬ولجعلتها عمرة» فإنه عليه السلم أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن‬
‫يفسخ إهلله بالحج إلى العمرة‪ .‬ثم اختلف العلماء في هذا الفسخ‪ ،‬هل هو خاص للصحابة في تلك‬
‫السنة خاصة‪ ،‬أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة (‪ )2‬؟‪.‬‬
‫فقال الحنابلة والظاهرية‪ :‬ليس خاصا‪ ،‬بل هو باق إلى يوم القيامة‪ ،‬فيجوز لكل من أحرم بحج‪ ،‬وليس‬
‫معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة‪ ،‬ويتحلل بأفعالها‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪ ،‬منهم (المالكية والحنفية والشافعية)‪ :‬هو مختص بهم في تلك السنة‪ ،‬ل يجوز بعدها‪،‬‬
‫وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج‪ ،‬بدليل‬
‫حديث أبي ذر عند مسلم‪« :‬كانت المتعة في الحج لصحاب محمد صلّى ال عليه وسلم » يعني فسخ‬
‫الحج إلى العمرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا لفظ رواية مسلم عن موسى بن نافع (شرح مسلم‪.)166/8 :‬‬
‫(‪ )2‬شرحُ مسلم‪ ،167/8 :‬بداية المجتهد‪ ،322/1 :‬المغني‪.287/3 :‬‬

‫( ‪)3/514‬‬
‫وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلل عن أبيه قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬فسخ الحج لنا خاصة أم‬
‫للناس عامة؟ فقال‪ :‬بل لنا خاصة‪.‬‬
‫وقال عمر‪ :‬متعتان على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم أنا أنهى عنهما‪ ،‬وأعاقب عليهما‪ :‬متعة‬
‫النساء (زواج المتعة)‪ ،‬ومتعة الحج‪.‬‬
‫وقال عثمان أيضا‪ :‬متعة الحج كانت لنا‪ ،‬وليست لكم‪.‬‬
‫وقال أبو ذر‪ :‬ما كان لحد بعدنا أن يحرم بالحج‪ ،‬ثم يفسخه في عمرة‪.‬‬
‫ويؤكد ذلك ظاهر قوله تعالى‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة ل } [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫المطلب الثاني ـ الطواف‬
‫أنواعه وحكم كل نوع‪ ،‬وشروطه (ومنها مكانه‪ ،‬وزمانه‪ ،‬ومقداره) وسننه‪.‬‬
‫أولً ـ أنواع الطواف وحكم كل نوع (‪: )1‬‬
‫الطوفة المشروعة في الحج ثلثة‪ :‬طواف القدوم‪ ،‬وطواف الفاضة (أو الزيارة‪،‬أو طواف الركن) ‪،‬‬
‫وطواف الوداع (أو طواف الصّدَر) وهو طواف آخر العهد بالبيت‪ ،‬سمي بذلك لنه يودّع البيت‬
‫ويصدُرُ به‪ .‬وما زاد على هذه الطوفة فهو نفل‪ .‬أما السعي فواحد‪ ،‬ول يكون السعي إل بعد طواف‪،‬‬

‫فإن سعى مع طواف القدوم لم يسْع بعده‪ ،‬وإن لم يسْع معه‪ ،‬سعى مع طواف الزيارة‪.‬‬
‫هذا ‪ ..‬وقد أجمعوا على أن المكي ليس عليه إل طواف الفاضة‪ .‬كما أجمعوا على أنه ليس على‬
‫المعتمر إل طواف العمرة‪ ،‬فليس عليه طواف قدوم‪ .‬وأجمعوا على أن المتمتع عليه طوافان‪ :‬طواف‬
‫للعمرة لحله منها‪ ،‬وطواف للحج‪ ،‬يوم النحر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 127/2:‬ومابعدها‪ 142 ،‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ ،191 ،189 ،184/1 :‬شرح المجموع‪12/8 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،132‬الشرح الكبير‪ 33/2 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪،60 ،42/2 :‬‬
‫‪ ،70‬مغني المحتاج‪ 509 ،503 ،484/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪-458 ،444 ،442 ،440 ،370/3 :‬‬
‫‪ ،465‬حاشية الباجوري‪ ،334/1 :‬كتاب اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪ ،77-76‬غاية المنتهى‪،395/1 :‬‬
‫‪ 416 ،413‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪.332/1 :‬‬

‫( ‪)3/515‬‬
‫أما المفرد للحج فليس عليه إل طواف واحد يوم النحر‪ ،‬ويجب عليه عند المالكية القدوم أيضا إن اتسع‬
‫الوقت له‪ ،‬ويسن ذلك عند الجمهور‪.‬‬
‫وأما القارن فيجزئه عند الجمهور طواف واحد وسعي واحد‪ ،‬عملً بمذهب ابن عمر وجابر‪ ،‬وقال‬
‫الحنفية‪ :‬على القارن طوافان وسعيان عملً بمذهب علي وابن مسعود‪.‬‬
‫وأجمعوا على أن الواجب من هذه الطوفة الثلثة الذي يفوت الحج بفواته‪ :‬هو طواف الفاضة‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪ ]92/22:‬وأنه ل يجزئ عنه دم‪.‬‬
‫وأجمعوا ما عدا طائفة من المالكية على أنه ل يجزئ طواف القدوم عن طواف الفاضة إذا نسي‬
‫طواف الفاضة‪ ،‬لكونه قبل يوم النحر‪.‬‬
‫ورأى جمهور العلماء أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الفاضة إن لم يكن طاف طواف الفاضة؛‬
‫لنه طواف بالبيت معمول في وقت الوجوب الذي هو طواف الفاضة‪ ،‬بخلف طواف القدوم الذي‬
‫هو قبل وقت طواف الفاضة‪.‬‬
‫والحاصل أن العمرة ليس فيها طواف قدوم‪ ،‬وإنما فيها طواف واحد‪ ،‬يقال له طواف الفرض وطواف‬
‫الركن‪ ،‬وإذا طاف للعمرة أجزأه عن طواف القدوم وطواف الفرض‪.‬‬
‫والقارن والمفرد بالحج يطوف ثلثة أطوفة‪ :‬طواف القدوم‪ ،‬وطواف الفاضة‪ ،‬وطواف الوداع‪ .‬وهناك‬
‫طواف رابع متطوع به غير ما ذكر‪ ،‬ول يكفي القارن عند الحنفية طواف واحد‪ ،‬بل عليه طوافان‬

‫للعمرة وللحج وطواف القدوم للمفرد والقارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلها قبل الوقوف‬
‫بعرفة‪.‬‬
‫أما طواف القدوم‪ :‬فهو سنة عند جمهور الفقهاء لحاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة‪ ،‬سواء أكان مفردا‬
‫أم قارنا‪ ،‬وليس على أهل مكة طواف القدوم‪،‬لنعدام القدوم في حقهم‪ ،‬وأما غير أهل مكة فسنة لهم‬
‫بدليل الثابت في خبر الصحيحين‪ ،‬ول يسن للحاج بعد الوقوف بعرفة‪ ،‬ول للمعتمر؛ لنه دخل وقت‬
‫طوافهما المفروض‪.‬‬

‫( ‪)3/516‬‬
‫وعليه فيسقط طواف القد وم عن ثلثة‪ :‬المكي ومن في حكمه وهو من كان منزله دون المواقيت‪،‬‬
‫والمعتمر والمتمتع ولو آفاقيا‪ ،‬ومن قصد عرفة رأسا للوقوف‪ .‬وقال المالكية‪ :‬يجب على من أحرم من‬
‫ل ولو كان مكيا‪ ،‬وتجب الفدية على من قصد عرفة وترك طواف القدوم وكان الوقت متسعا‪ ،‬وقال‬
‫حّ‬
‫ال ِ‬
‫الحنابلة‪ :‬يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف الفاضة‪ ،‬ثم يطوف طواف الفاضة‪.‬‬
‫ويسن أيضا عند الشافعية طواف القدوم للحلل (غير المحرم) الداخل إلى مكة؛ لنه يسمى طواف‬
‫القادم والورود والوارد والتحية‪.‬‬
‫والحكمة منه‪ :‬أن الطواف تحية البيت‪ ،‬ل المسجد‪ ،‬فيبدأ به ل بصلة تحية المسجد؛ لن القصد من‬
‫إتيان المسجد البيت‪ ،‬وتحيته الطواف‪ .‬ول يبدأ بالطواف إذا خاف فوات الصلة المفروضة‪ ،‬أو السنة‬
‫المؤكدة‪ ،‬أو وجد جماعة قائمة‪ ،‬أو تذكر فائتة مكتوبة‪ ،‬فإنه يقدم ذلك على الطواف‪.‬‬
‫ولو أقيمت الصلة وهوفي أثناء الطواف قطعه وصلى‪ ،‬وكذا لو حضرت جنازة قطعه إن كان نفلً‪.‬‬
‫ويستحب للمحرم أول دخوله مكة أل يعرج على استئجار منزل أو غيره قبل أن يطوف طواف‬
‫القدوم‪.‬‬
‫لكن لو قدمت امرأة نهارا هي ذات جمال أو شرف‪ ،‬وهي التي ل تبرز للرجال‪ ،‬سنّ لها أن تؤخره‬
‫إلى الليل‪.‬‬
‫ولو دخل المسجد الحرام وقد منع الناس من الطواف‪ ،‬صلى تحية المسجد‪.‬‬
‫ول يفوت طواف القدوم بالجلوس في المسجد‪ ،‬كما تفوت به تحية المسجد‪ ،‬لكنه يفوت بالوقوف‬
‫بعرفة‪ ،‬ل بالخروج من مكة‪.‬‬
‫ويطوف القارن عند الحنفية طواف القدوم بعد إنهاء أعمال العمرة‪ ،‬أي بعد طواف العمرة والسعي بين‬
‫الصفا والمروة‪.‬‬

‫( ‪)3/517‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يجب طواف القدوم لمن دخل المسجد الحرام‪ ،‬وينوي وجوبه ليقع واجبا‪ ،‬فإن نوى‬
‫بطوافه نفلً‪ ،‬أعاده بنية الوجوب‪ ،‬وأعاد السعي الذي سعاه بعد النفل ليقع بعد واجب‪ ،‬وذلك ما لم يخف‬
‫فوتا لحجه إن اشتغل بالعادة‪ ،‬فإن خاف الفوات ترك العادة لطوافه وسعيه‪ ،‬وأعاد السعي بعد‬
‫الفاضة‪ ،‬وعليه دم لفوات طواف القدوم إن كان الوقت متسعا‪ ،‬فإن خشي فوات الوقوف لو اشتغل‬
‫بطواف القدوم سقط عنه ول فدية عليه‪.‬‬
‫والحاصل‪ :‬أن طواف القدوم واجب عند المالكية بشروط ثلثة‪ :‬إن أحرم المفرد أو القارن من الحل‬
‫ولو كان مقيما بمكة؛ ولم يزاحمه الوقت بحيث يخشى فوات الحج إن اشتغل بالقدوم‪ ،‬فإن خشيه خرج‬
‫لعرفة وتركه؛ ولم يُردف الحج على العمرة في حرم‪ .‬فإن اختل شرط من الثلثة لم يجب عليه طواف‬
‫القدوم ولدم عليه‪ .‬ووجوب الدم على من ترك طواف القدوم بشرطين‪ :‬أولهما ـ أن يقدم السعي بعد‬
‫ذلك الطواف على الفاضة‪ .‬وثانيهما ـ أل يعيد سعيه بعد الفاضة حتى رجع لبلده‪ .‬فإن أعاده بعد‬
‫الفاضة‪ ،‬فل دم عليه‪.‬‬
‫وأما طواف الفاضة أوالزيارة (‪ : )1‬فهو ركن باتفاق الفقهاء‪ ،‬ل يتم الحج إل به‪ ،‬لقوله عز وجل‪:‬‬
‫{وليطّوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪ ]29/22:‬قال ابن عبد البر‪ :‬هو من فرائض الحج‪ ،‬ل خلف في ذلك‬
‫بين العلماء‪ .‬وقالت عائشة‪« :‬حججنا مع النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأفضنا يوم النحر‪ ،‬فحاضت‬
‫صفية‪ ،‬فأراد النبي صلّى ال عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إنها‬
‫حائض‪ ،‬قال‪ :‬أحابستنا هي؟ قالوا‪:‬يا رسول ال ‪ ،‬إنها قد أفاضت يوم النحر‪ ،‬قال‪ :‬اخرجوا» (‪ )2‬فدل‬
‫على أن هذا الطواف ل بد منه‪ ،‬وأنه حابس لمن لم يأت به‪ ،‬ولن الحج أحد النسكين‪ ،‬فكان الطواف‬
‫ركنا كالعمرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬سمي طواف الفاضة‪ :‬لنه يؤتى به عند الفاضة من منى إلى مكة‪ ،‬وسمي طواف الزيارة لن‬
‫الحاج يأتي من منى فيزور البيت ول يقيم‪ ،‬وإنما يبيت بمنى‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه (نيل الوطار‪.)88/5 :‬‬

‫( ‪)3/518‬‬

‫فمن ترك طواف الزيارة‪ ،‬رجع من بلده متى أمكنه محرما‪ ،‬ل يجزئه غير ذلك‪ ،‬لقصة صفية‬
‫المتقدمة‪ ،‬فإنه صلّى ال عليه وسلم قال بعد أن حاضت‪« :‬أحابستنا هي؟ قيل‪ :‬إنها قد أفاضت يوم‬
‫النحر‪ ،‬قال‪ :‬فلتنفر إذا» ‪ .‬فهذا يدل على أن هذا الطواف ل بد منه‪ ،‬وأنه حابس لمن لم يأت به‪ ،‬فإن‬
‫نوى التحلل ورفض إحرامه‪ ،‬لم يحل بذلك؛ لن الحرام ل يخرج منه بنية الخروج‪ .‬وعلى هذا فإذا‬
‫فات طواف الفاضة عن أيام النحر ل يسقط‪ ،‬بل يجب أن يأتي به؛ لن سائر الوقات وقته‪.‬‬
‫وأما طواف الوداع (‪ )1‬لمن أراد الخروج من مكة‪ :‬فهو مندوب عند المالكية؛ لكل من خرج من مكة‬
‫ولو كان مكيا؛ لنه ل يجب على الحائض والنفساء‪ ،‬ولو كان واجبا لوجب عليهما كطواف الزيارة‪.‬‬
‫وواجب عند باقي المذاهب يجبر تركه بدم‪ ،‬لما قال ابن عباس‪« :‬أمر الناس أن يكون آخر عهدهم‬
‫بالبيت‪ ،‬إل أنه خفف عن الحائض» (‪ )2‬وفي لفظ لمسلم «كان الناس ينصرفون من كل وجه‪ ،‬فقال‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬ل ينفرن أحد‪ ،‬حتى يكون آخر عهده بالبيت» ‪ ،‬وأخرج الترمذي‬
‫عن عمر‪« :‬من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت‪ ،‬إل الحيّض‪ ،‬ورخص لهن رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم » (‪ ، )3‬وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوّز سقوطه لغيره‪ ،‬كالصلة تسقط عن‬
‫الحائض‪ ،‬وتجب على غيرها‪ ،‬بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها‪.‬‬
‫جزاء ترك الوداع‪ :‬إذا ثبت وجوبه‪ ،‬فإنه ليس بركن بغير خلف‪ ،‬ويجبر تركه بدم كسائر الواجبات‪،‬‬
‫فلو خرج الحاج من مكة أو منى بل وداع عامدا أو ناسيا أو جاهلً بوجوبه‪ ،‬وعاد بعد خروجه قبل‬
‫مسافة القصر من مكة‪ ،‬وطاف للوداع‪ ،‬سقط وجوبه عند الشافعية والحنابلة؛ لن من دون مسافة‬
‫القصر في حكم الحاضر في أنه ل يقصر ول يفطر‪ ،‬وهو معدود من حاضري المسجد الحرام‪،‬‬
‫وروي أن عمر «رد رجلً من مَرّ الظهران إلى مكة ليكون آخر عهده بالبيت» (‪ )4‬وعليه أن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬سمي بذلك لنه لتوديع البيت‪ ،‬وسمي بطواف الصدر لنه عند صدور الناس من مكة ورجوعهم‬
‫إلى وطنهم‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬وكذلك رواه النسائي والحاكم‪ ،‬والشافعي وزاد فيه‪« :‬فإن آخر‬
‫النسك‪ :‬الطواف بالبيت» (نصب الراية‪.)89/3 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه سعيد بن منصور في سننه‪.‬‬

‫( ‪)3/519‬‬

‫يرجع إن كان قريبا من مكة‪ ،‬والقريب‪ :‬هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر‪ ،‬وإن كان بعيدا‬
‫بعث بدم‪ ،‬والبعيد‪ :‬من بلغ مسافة القصر‪.‬‬
‫شرائطه‪ :‬لطواف الوداع شرائط وجوب‪ ،‬وصحة أو جواز‪.‬‬
‫فمن أهم شرائط الوجوب اثنان‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون من أهل الفاق‪ :‬فليس عند الحنفية على أهل مكة ومن في حكمهم وهو من كان منزله‬
‫داخل المواقيت طواف وداع إذا حجوا؛ لن هذا الطواف إنما وجب توديعا للبيت‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬من‬
‫كان منزله في الحرم فهو كالمكي ل وداع عليه‪ ،‬ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فل يخرج‬
‫حتى يودع‪ ،‬لعموم الحديث السابق‪« :‬ل ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (‪ )1‬وقال الشافعية‪:‬‬
‫يجب الوداع لكل من أراد الخروج من مكة لسفر ولو مكيا سواء أكان السفر طويلً أم قصيرا‪ ،‬لحديث‬
‫ابن عباس المتقدم‪« :‬ل ينفرن أحد‪ . »..‬ولحديث أنس‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم لما فرغ من أعمال‬
‫الحج طاف للوداع» وهذا العموم للمكي مندوب عند المالكية كما عرفنا‪.‬‬

‫( ‪)3/520‬‬
‫‪ - 2‬الطهارة من الحيض والنفاس‪ :‬فل يجب على الحائض والنفساء‪ ،‬ول يجب عليهما الدم بتركه‪،‬‬
‫للحديث السابق‪« :‬رخص للحيّض» ترك هذا الطواف‪ ،‬ل إلى بدل‪ ،‬فدل على أنه ليس واجبا عليهن‪ ،‬إذ‬
‫لو كان واجبا لما جاز تركه إل إلى بدل‪ ،‬وهو الدم‪ ،‬فإذا حاضت المرأة قبل أن تودع‪ ،‬خرجت ول‬
‫وداع عليها ول فدية بالتفاق‪ ،‬لحديث عائشة المتقدم‪ :‬أن صفية حاضت‪ ،‬فأمرها النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم أن تنصرف بل وداع‪.‬‬
‫ولم يشترط لوجوب هذا الطواف الطهارة عن الحدث والجنابة‪ ،‬وإنما يجب على المحدث والجنب؛ لنه‬
‫يمكنهما إزالة الحدث والجنابة‪.‬‬
‫وشرطا صحة طواف الوداع ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬النية؛ لنه عبادة‪ ،‬فل بد له من النية‪ .‬لكن تعيين النية ليس بشرط عند الحنفية‪ ،‬فلو طاف بعد‬
‫طواف الزيارة‪ ،‬دون أن يعين شيئا‪ ،‬أو نوى تطوعا‪ ،‬كان طواف صدر؛ لن الوقت تعين له‪،‬‬
‫فينصرف مطلق النية إليه كصوم رمضان‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يكون بعد طواف الزيارة‪ :‬فلو طاف بعد النفر من عرفات ل ينوي شيئا‪ ،‬أو نوى تطوعا أو‬
‫نوى طواف الصدر‪ ،‬وقع عن الزيارة ل عن الصدر؛ لن الوقت له‪ ،‬وطواف الصدر مرتب عليه‪.‬‬
‫ويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الفاضة وطواف العمرة‪ ،‬وحصل له ثوابه إن نواه بهما‬

‫كتحية المسجد تؤدى بالفرض‪.‬‬
‫قدره وكيفيته وسننه‪ :‬كسائر الطوفة التي سأذكرها‪.‬‬
‫وقته‪ :‬بعد فراغ المرء من جميع أمور الحج‪ ،‬وحين إرادته السفر من مكة‪ ،‬ليكون آخر عهده بالبيت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه‪ ،‬وفي رواية متفق عليها‪« :‬أُمر الناس أن يكون آخر‬
‫خفّف عن المرأة الحائض » ‪ ،‬وروى أحمد عن ابن عباس أن النبي صلّى ال‬
‫عهدهم بالبيت‪ ،‬إل أنه ُ‬
‫عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الفاضة‪.‬‬

‫( ‪)3/521‬‬
‫وهذا عند الحنفية بيان الوقت المستحب أو الفضل‪ ،‬فلو أطال القامة بمكة ولم يستوطنها صح طوافه‬
‫وإن أقام سنة بعد الطواف‪ ،‬ويجوز طواف الوداع عند الحنفية في أيام النحر وبعدها‪ ،‬ويكون أداء ل‬
‫قضاء‪.‬‬
‫وقال الجمهور (غير الحنفية)‪ :‬يكون طواف الوداع عند خروج الحاج ليكون آخر عهده بالبيت‪ ،‬فإن‬
‫طاف للوداع‪ ،‬ثم اشتغل بتجارة وإقامة‪ ،‬فعليه إعادته‪ ،‬للحديث المتقدم‪« :‬ل ينفرن أحد حتى يكون آخر‬
‫عهده بالبيت» ‪ ،‬ولنه إذا أقام بعده‪ ،‬خرج عن أن يكون وداعا في العادة‪ ،‬فلم يجزه‪،‬كما لو طافه قبل‬
‫حل النفر‪.‬‬
‫فأما إن قضى حاجة في طريقه‪ ،‬أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه‪ ،‬لم يعد؛ لن ذلك ليس‬
‫بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت‪.‬‬
‫مكانه‪ :‬حول البيت‪ ،‬ل يجوز إل به‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من حج هذا البيت‪ ،‬فليكن آخر‬
‫عهده به الطواف» والطواف بالبيت‪ :‬هو الطواف حوله‪ ،‬فإن نفر ولم يطف‪ ،‬يجب عليه أن يرجع‬
‫ويطوف ما لم يجاوز الميقات عند الحنفية‪ ،‬ومن دون مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة؛ لنه ترك‬
‫طوافا واجبا‪ ،‬وأمكنه أن يأتي به من غير حاجة إلى تجديد الحرام‪ .‬وإن جاوز الميقات عند الحنفية أو‬
‫مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬ل يجب عليه الرجوع‪ ،‬والولى أل يرجع‪ ،‬ويريق دما مكان‬
‫الطواف؛ لن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه‪ ،‬لما فيه من دفع مشقة السفر‪ ،‬وضرر التزام الحرام‬
‫بعمرة‪ ،‬لنه إذا رجع أحرم بعمرة‪ ،‬فطاف طواف العمرة‪ ،‬وسعى‪ ،‬ثم يطوف الوداع‪ ،‬ول شيء عليه‬
‫عند الحنفية‪ ،‬والحنابلة في الصح‪ ،‬لتأخيره عن مكانه‪.‬‬

‫ول يسقط عنه الدم على الصحيح عند الشافعية والقاضي أبي يعلى الحنبلي‪ .‬إن عاد بعد مسافة‬
‫القصر؛ لنه قد استقرعليه الدم بالسفر الطويل‪ ،‬أي بلوغه مسافة القصر‪.‬‬

‫( ‪)3/522‬‬
‫صلة ركعتين‪ ،‬والوقوف في الملتزم والحطيم والدعاء وشرب ماء زمزم وتقبيل الحجر بعد طواف‬
‫الوداع ‪:‬‬
‫إذا فرغ المودع من طوافه سبعا ومن جميع أموره‪ ،‬صلى ركعتين كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬ويستحب أن يقف المودع في الملتزم (وهو ما بين الركن ـ الحجر السود ـ والباب قدر أربعة‬
‫أذرع) فيلتزمه ملصقا به صدره ووجهه ويبسط يديه عليه‪ ،‬ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو‬
‫الحجر‪ ،‬ويدعو ال عز وجل‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم (‪. )1‬‬
‫ويأتي الحطيم أيضا‪ :‬وهو تحت الميزاب‪ ،‬ثم يشرب من زمزم‪ ،‬ويستلم الحجر ويقبله‪.‬‬
‫قال منصور‪ :‬سألت مجاهدا إذا أردتُ الوداع كيف أصنع؟ قال‪ :‬تطوف بالبيت سبعا‪ ،‬وتصلي ركعتين‬
‫خلف المقام‪ ،‬ثم تأتي زمزم‪ ،‬فتشرب من مائها‪ ،‬ثم تأتي الملتزم ما بين الحجَر والباب‪ ،‬فتستلمه‪ ،‬ثم تد‬
‫عو‪ ،‬ثم تسأل حاجتك‪ ،‬ثم تستلم الحجر‪ ،‬وتنصرف‪.‬‬
‫وقال الفقهاء (‪ : )2‬يقول في دعائه عند الملتزم‪ « :‬اللهم هذا بيتُك وأنا عبدك وابن عبدك‪ ،‬حملْتني‬
‫على ما سخّرت لي من خ ْلقِك‪ ،‬وسيرتني في بلدك‪ ،‬حتى بلّغتني بنعمتك إلى بيتك‪ ،‬وأعنْتَني على أداء‬
‫ُنسُكي‪ ،‬فإن كنت رضيتَ عني‪ ،‬فازدد عني رضا‪ ،‬وإل فمُنّ الن قبل أن تنأى عن بيتك داري‪ ،‬فهذا‬
‫أوان انصرافي‪ ،‬إن أذنت لي‪ ،‬غير مستَبدِل بك ول ببَيْتك‪ ،‬ول راغبٍ عنك ول عن بيتك‪ ،‬اللهم‬
‫فأصْحِبني العافيةَ في بدني‪ ،‬والصحة في جسمي‪ ،‬والعصمة في ديني‪،‬وأحسن منقلبي‪ ،‬وارزقني طاعتك‬
‫أبدا ما أبقيتني‪ ،‬واجمع لي بين خيري الدنيا والخرة‪ ،‬إنك على كل شيء قدير» ‪.‬‬
‫أما المرأة إذا كانت حائضا‪ ،‬فل تدخل المسجد‪ ،‬ووقفت على بابه‪ ،‬فدعت بذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان‪ ،‬وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪.‬‬
‫(‪ )2‬هو من كلم المام الشافعي‪ ،‬أخرجه البيهقي‪.‬‬

‫( ‪)3/523‬‬

‫كيفية الرجوع‪ :‬المذهب الصحيح عند الشافعية وباقي المذاهب‪ :‬أن المودع يخرج ويولي ظهره إلى‬
‫الكعبة‪ ،‬ول يمشي قهقرى‪ ،‬كما يفعله كثير من الناس‪ ،‬قالوا‪ :‬بل المشي قهقرى مكروه‪ ،‬فإنه ليس فيه‬
‫سنة مروية ول أثر محكي‪ ،‬وما ل أصل له ل يعرج عليه‪ .‬قال مجاهد‪ :‬إذا كدت تخرج من باب‬
‫المسجد‪ ،‬فالتفت‪ ،‬ثم انظر إلى الكعبة‪ ،‬ثم قل‪ :‬اللهم ل تجعله آخر العهد‪.‬‬
‫وكان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا انصرف من حج أو عمرة أو غزو يقول‪« :‬آيبون تائبون عابدون‪،‬‬
‫لربنا حامدون‪ ،‬صدق ال وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده» ‪.‬‬
‫أخذ شيء من الحرم‪ :‬ل يجوز أخذ شيء من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلده ول إلى غيره من‬
‫الحل‪ ،‬ول يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة‪ ،‬ل للتبرك ول لغيره‪ ،‬ومن أخذ شيئا من ذلك لزمه رده‬
‫إليها؛ ول يجوز قطع شيء من سترة الكعبة ول نقله ول بيعه ول شراؤه ول وضعه بين أوراق‬
‫المصحف‪ ،‬ومن حمل من ذلك شيئا لزمه رده‪.‬‬
‫ويحرم إتلف صيد الحرم على الحلل والمحرم وتملكه وأكله‪.‬‬
‫ويجوز إخراج ماء زمزم من جميع مياه الحرم ونقله إلى جميع البلدان؛ لن الماء يستخلف‪ ،‬بخلف‬
‫التراب والحجر‪.‬‬

‫( ‪)3/524‬‬
‫ثانيا ـ شروط الطواف أو واجباته ‪:‬‬
‫يشترط لصحة الطواف خمسة شروط عند الحنفية‪ ،‬وسبعة شروط عند المالكية‪ ،‬وثمانية شروط عند‬
‫الشافعية‪ ،‬وأربعة عشر شرطا عند الحنابلة‪:‬‬
‫أما شروط الطواف عند الحنفية‪ ،‬فهي ما يلي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬نية الطواف‪ :‬يشترط توافر أصل النية بالطواف دون حاجة لتعيين النية حال وجود الطواف في‬
‫وقته‪ ،‬فلو لم ينو أصلً‪ ،‬بأن طاف هاربا‪ ،‬أو طالبا لغريم‪ ،‬لم يجز‪ .‬والفرق بين الطواف وبين الوقوف‬
‫بعرفة في اشتراط النية للول دون الثاني‪ :‬هو أن الوقوف ركن يقع في حال قيام الحرام نفسه‪ ،‬فتكفيه‬
‫النية السابقة وهي نية الحج‪ ،‬كالركوع والسجود في الصلة‪ .‬أما الطواف فل يؤتى به في حال قيام‬
‫الحرام نفسه‪ ،‬لنه يقع به التحلل من الحج‪ ،‬ول إحرام حال وجود التحلل‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يطوف القادر ماشيا‪ ،‬ل راكبا إل من عذر‪ :‬فلو طاف راكبا من غير عذر فعليه العادة ما‬
‫دام بمكة‪ ،‬وإن عاد إلى أهله يلزمه دم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪]29/22:‬‬
‫والراكب ليس بطائف حقيقة‪ ،‬فأوجب ذلك نقصا فيه‪ ،‬فوجب جبره بالدم‪.‬‬

‫ً‪ - 3‬مكانه‪ :‬أن يقع حول البيت في المسجد‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪]29/22:‬‬
‫والطواف بالبيت هو الطواف حوله‪ ،‬فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريبا من البيت أو بعيدا عنه‪،‬‬
‫بشرط أن يكون في المسجد‪ ،‬فلو طاف من وراء زمزم قريبا من حائط المسجد‪ ،‬أجزأه‪ ،‬لوجود‬
‫الطواف بالبيت‪ .‬ولو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد‪ ،‬لم يجز؛ لن حيطان‬
‫المسجد حاجزة‪ ،‬فلم يطف بالبيت‪ ،‬لعدم الطواف حوله‪.‬‬
‫ويطوف من خارج الحطيم؛ لن الحطيم من البيت على لسان رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،132-128/2 :‬فتح القدير‪.182-180/2 :‬‬

‫( ‪)3/525‬‬
‫ً‪ - 4‬زمانه‪ :‬زمان طواف الفاضة يبدأ حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر‪ ،‬فل يجوز قبله‪ ،‬وليس‬
‫لخره زمان معين موقت به فرضا‪ ،‬بل جميع الليالي واليام وقته فرضا‪ ،‬فلو أخره عن يوم النحر ل‬
‫شيء عليه‪ ،‬لطلق حديث‪« :‬افعل ول حرج» ‪ ،‬لكن عليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة‪.‬‬
‫وإن رجع إلى أهله رجع إلى مكة بإحرامه الول‪ ،‬ول يحتاج إلى إحرام جديد‪ ،‬وعليه دم لتأخيره‪ .‬وأما‬
‫إنه ل يجوز قبل فجر النحر فلن ليلة النحر وقت ركن آخر وهو الوقوف بعرفة‪ ،‬فل يكون وقتا‬
‫للطواف؛ لن الوقت الواحد ل يكون وقتا لركنين‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬مقداره المفروض منه هو أكثر الشواط‪ :‬وهو ثلثة أشواط وأكثر الشوط الرابع‪ ،‬فأما الكمال‬
‫إلى سبعة أشواط فواجب‪ ،‬وليس بفرض‪.‬‬
‫أما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط عند الحنفية لجواز الطواف‪ ،‬وليست‬
‫بفرض‪ ،‬بل واجبة‪ ،‬حتى يجوز الطواف بدونها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪]29/22:‬‬
‫أمر بالطواف مطلقا عن شرط الطهارة‪ ،‬وليجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد‪ ،‬فيحمل حديث‪:‬‬
‫«الطواف صلة إل أن ال تعالى أباح فيه الكلم» (‪ )1‬على التشبيه‪ ،‬كما في قوله تعالى‪{ :‬وأزواجه‬
‫أمهاتهم} [الحزاب‪ ]6/33:‬أي كأمهاتهم‪ ،‬ومعناه الطواف كالصلة‪ ،‬إما في الثواب‪ ،‬أو في أصل‬
‫الفرضية‪.‬‬
‫فإذا طاف من غير طهارة فما دام بمكة تجب عليه العادة‪ ،‬لجبر الشيء بجنسه‪ ،‬وإن أعاد في أيام‬
‫النحر فل شيء عليه‪ ،‬وإن أخره عنها فعليه دم عند أبي حنيفة‪ .‬وإن لم يعد ورجع إلى أهله فعليه الدم‪،‬‬
‫غير أنه إن كان محدثا فعليه شاة لكون النقصان يسيرا‪ ،‬وإن كان جنبا فعليه بدنة‪ ،‬لكون النقصان‬

‫فاحشا‪.‬‬
‫وأما الموالة في الطواف فليست بشرط عند الحنفية‪ ،‬فلو صلى الطائف صلة جنازة أو مكتوبة أو‬
‫ذهب لتجديد الوضوء‪ ،‬ثم عاد‪ ،‬بنى على طوافه‪ ،‬ول يلزمه الستئناف‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت‬
‫العتيق} [الحج‪ ]29/22:‬مطلقا عن شرط الموالة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس بلفظ‪« :‬الطواف بالبيت صلة‪ ،‬إل أن ال قد أحل فيه‬
‫النطق‪ ،‬فمن نطق فيه فل ينطق إل بخير» وأخرجه الترمذي بلفظ ‪« :‬الطواف حول البيت مثل‬
‫الصلة» (نصب الراية‪.)57/3 :‬‬

‫( ‪)3/526‬‬
‫وليس البتداء من الحجر السود بشرط أيضا عند الحنفية‪ ،‬بل هو سنة في ظاهر الرواية‪ ،‬فلو افتتح‬
‫من مكان آخر من غير عذر‪ ،‬أجزأه مع الكراهة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪:‬‬
‫‪ ]29/22‬مطلقا عن شرط البتداء بالحجر السود‪.‬‬
‫ول بأس أن يطوف وعليه خفاه أو نعله إذا كانا طاهرتين‪ ،‬لما روي عن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫أنه طاف مع نعليه‪ ،‬كما ذكر الكاساني‪.‬‬
‫وشروط الطواف عند المالكية سبعة هي ما يلي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة كالصلة‪ ،‬إل أنه يباح فيه الكلم‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الموالة بل فصل كثير بين الشواط‪ ،‬فإن فصل كثيرا لحاجة أو لغيرها ابتدأه من أوله‪.‬‬
‫ويجب أن يقطع طوافه لقامة صلة فريضة مع إمام راتب‪ :‬وهو إمام مقام إبراهيم‪ ،‬وهو المعروف‬
‫بمقام الشافعي‪ .‬ول يقطعه مع إمام غير راتب‪ .‬وإذا أقيمت الصلة أثناء شوط‪ ،‬ندب له كمال الشوط‬
‫الذي هو فيه‪ ،‬بأن ينتهي للحجَر ليبني على طوافه المتقدم من أول الشوط‪ ،‬فإن لم يكمله ابتدأ من‬
‫موضع خروجه‪ ،‬ويبني على ما فعله من طوافه بعد سلمه‪ ،‬وقبل تنفله‪.‬‬
‫والحاصل‪ :‬أن صلة الفريضة ل تبطل الطواف‪ ،‬وتبطله النافلة والجنازة‪ ،‬وليبطله الفصل لعذر‬
‫كرعاف‪ ،‬فإنه يبني على ما سبق بعد غسل الدم بشرط أل يتعدى موضعا قريبا لبعد منه‪ ،‬وأل يبعد‬
‫المكان في نفسه‪ ،‬وأل يطأ نجاسة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬الترتيب‪ :‬وهو أن يجعل البيت عن يساره ويبتدئ بالحجر السود‪.‬‬
‫حجْر‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت‪ ،‬فل يمشي على الشاذروان ول على ال ِ‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،132‬الشرح الصغير‪ ،48،60-46/2 :‬بداية المجتهد‪ 330/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/527‬‬
‫ً‪ - 5‬أن يطوف بداخل المسجد‪ :‬فل يجزئ خارجه‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬كون الطواف سبعة أشواط من الحجر السود إلى الحجر‪ ،‬فل يجزئ أقل من سبعة‪ ،‬فلو اقتصر‬
‫على ستة مثلً لم تجزه‪ .‬فإن شك في عدد الشواط هل طاف ثلثة أو أربعة‪ ،‬بنى على القل‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬صلة ركعتين بعد الطواف‪.‬‬
‫أما المشي لقادر عليه‪ :‬فهو واجب عند المالكية كالمشي في السعي‪ ،‬فإن لم يمش بأن ركب أو حمل‪،‬‬
‫فعليه دم إن لم يُعدْه وقد خرج من مكة‪ ،‬فإن أعاده ماشيا بعد رجوعه له من بلده‪ ،‬فل دم عليه‪ .‬ول دم‬
‫على العاجز عن المشي ول إعادة عليه‪.‬‬
‫وكذلك البتداء من الحجر السود واجب عند المالكية‪ ،‬فإن ابتدأ من غيره لزمه دم‪.‬‬
‫وأما وقت طواف الفاضة عند المالكية فهو من طلوع فجر يوم النحر‪ ،‬كما قال الحنفية‪ ،‬فل يصح‬
‫قبله‪ ،‬كما ل يصح رمي جمرة العقبة قبل فجر النحر‪.‬‬
‫وواجبات الطواف عند الشافعية بما يشمل الشروط والركان ثمان وهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬ستر العورة كسترها في الصلة‪ :‬لما في الصحيحين‪« :‬ل يطوف بالبيت عريان» ‪ .‬فإن عجز‬
‫عنها‪ ،‬طاف عاريا‪ ،‬وأجزأه كما لو صلى كذلك‪.‬‬
‫ً‪ 2‬و ً‪ - 3‬طهارة الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان؛ لن الطواف في البيت صلة‪ ،‬كما نطق‬
‫به الخبر المتقدم‪ ،‬فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه بغير معفو عنه‪ ،‬أو عري مع القدرة على‬
‫الستر في أثناء الطواف‪ ،‬تطهر وستر عورته‪ ،‬وبنى على طوافه‪ ،‬حتى وإن تعمد ذلك وطال الفصل‪،‬‬
‫إذ ل تشترط الموالة فيه عندهم كالوضوء‪ ،‬ويسن الستئناف‪.‬‬
‫لكن غلبة النجاسة في المطاف أصبحت مما عمت به البلوى‪ ،‬فيعفى عما يشق الحتراز عنه أيام‬
‫الموسم وغيره‪ ،‬بشرط أل يتعمد المشي عليها‪ ،‬وأل يكون فيها رطوبة‪.‬‬
‫والوجه أن للمتيمم والعاجز عن الماء طواف الركن ليستفيدا به التحلل‪ ،‬ثم إن عادا إلى مكة‪ ،‬لزمتهما‬
‫إعادته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.487،504-485/1 :‬‬

‫( ‪)3/528‬‬
‫ً‪ - 4‬أن يجعل الطائف البيت عن يساره‪ ،‬مارّا تلقاء وجهه إلى جهة الباب‪ ،‬اتباعا للسنة كما رواه‬
‫مسلم‪ ،‬مع خبر‪« :‬خذوا عني مناسككم» فإن خالف ذلك لم يصح طوافه لمعارضته الشرع‪ .‬ولو طاف‬
‫مستلقيا على ظهره‪ ،‬أو على وجهه‪ ،‬مع مراعاة كون البيت عن يساره‪ ،‬صح‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬البتداء من الحجر السود‪ :‬اتباعا للسنة كما رواه مسلم‪ ،‬ومحاذاته له بجميع بدنه‪ ،‬أي جميع شقه‬
‫اليسر بحيث ل يتقدم من الشق اليسر على جزء من الحجر‪ ،‬فلو لم يحاذه أو لم يحاذ بعضه بجميع‬
‫شقه‪ ،‬كأن جاوزه ببعض شقه إلى جهة الباب‪ ،‬لم يصح طوافه‪ .‬فإذا انتهى إليه‪ ،‬ابتدأ منه‪.‬‬
‫ويشترط أن يكون الطواف خارج البيت وحجر إسماعيل والشاذَ ْروَان (‪ ، )1‬فلو مشى على الشاذَ ْروَان‬
‫أو مسّ الجدار الكائن في موازاته‪ ،‬أوأدخل جزءا منه في هواء الشاذروان أو دخل من إحدى فتحتي‬
‫الحِجْر (‪ )2‬وخرج من الفتحة الخرى‪ ،‬أو خلف منه قدر الذي من البيت وهو ستة أذرع‪ ،‬واقتحم‬
‫الجدار‪ ،‬وخرج من الجانب الخر‪ ،‬لم يصح طوافه‪ .‬أما كون الطواف في غير الحجر‪ ،‬فلقوله تعالى‪:‬‬
‫{وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج‪ ]29/22:‬وإنما يكون طائفا به إذا كان خارجا عنه‪ ،‬وإل فهو طائف‬
‫فيه‪.‬‬
‫وأما الحِجْر‪ :‬فلنه صلّى ال عليه وسلم إنما طاف خارجه‪ ،‬وقال‪« :‬خذوا عني مناسككم» ولخبر مسلم‬
‫حجْر‪ ،‬أمن البيت هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قلت‪ :‬فما بالهم‬
‫عن عائشة رضي ال عنها‪« :‬سألت رسول ال عن ال ِ‬
‫لم يدخلوه في البيت؟ قال‪ :‬إن قومك قصرت بهم النفقة‪ ،‬قلت‪ :‬فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال‪ :‬فعل ذلك‬
‫قومك ليدخلوا من شاؤوا‪ ،‬ويمنعوا من شاؤوا‪ ،‬ولول أن قومك حديثو عهد بجاهلية‪ ،‬فأخاف أن تنكر‬
‫قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت‪ ،‬وأن ألصق بابه بالرض لفعلت» وظاهر الخبر أن الحِجرجميعه‬
‫من البيت‪ ،‬لكن الصحيح أنه ليس كذلك‪ ،‬بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع تتصل بالبيت‪ ،‬ومع‬
‫ذلك يجب الطواف خارجه؛ لن الحج باب اتباع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هو القدر الذي ترك من عرض الساس خارجا عن عرض الجدار‪ ،‬مرتفعا عن وجه الرض قدر‬
‫ثلثي ذراع أي هو الجدار القصير المسنم بين الركنين الغربي واليماني‪ ،‬تركته قريش لضيق النفقة‪،‬‬
‫وهو جزء من البيت‪.‬‬
‫(‪ )2‬هو ما بين الركنين الشاميين من جهة الشمال‪ ،‬المحوط بجدار قصير بينه وبين كل من الركنين‬
‫فتحة‪ ،‬والن أغلقت الفتحة الغربية‪ ،‬وهو قدر ستة أذرع‪.‬‬

‫( ‪)3/529‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬هو الجزء السفل اللصق لجدار البيت والذي هو محاذٍ لجدارها كالرصيف‪ ،‬وهو ما‬
‫فضل منها عند بنائها‪ .‬ويلحظ أن من قبّل الحجر السود‪ ،‬فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت‪،‬‬
‫فيلزمه أن يقر قدميه في محلهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬أن يطوف بالبيت سبعا ولو في الوقات المنهي عن الصلة فيها للتباع‪ ،‬فلو ترك من السبع‬
‫شيئا‪ ،‬وإن قل‪ ،‬لم يجزه‪ ،‬فلو شك في العدد أخذ بالقل‪ ،‬كعدد ركعات الصلة‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬أن يكون الطواف داخل المسجد‪ :‬للتباع أيضا‪ ،‬فل يصح حوله بالجماع‪ .‬ويصح داخل المسجد‬
‫وإن وسّع‪ ،‬وحال حائل بين الطائف والبيت كالسواري‪ ،‬ويصح على سطح المسجد‪ ،‬وإن كان سقف‬
‫المسجد أعلى من البيت‪ ،‬كالصلة على جبل أبي قبيس‪ ،‬مع ارتفاعه عن البيت‪ ،‬وهذا هو المعتمد‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬نية الطواف إن استقل‪ :‬بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات‪ ،‬كالطواف المنذور والمتطوع به‪ .‬أما‬
‫الذي شمله نسك وهو طواف الركن للحج أو العمرة وطواف القدوم‪ ،‬فل يحتاج إلى نية‪ ،‬لشمول نية‬
‫النسك له‪.‬‬
‫ول بد لطواف الوداع من نية؛ لنه يقع بعد التحلل‪ ،‬ولنه ليس من المناسك عند الشيخين (الرافعي‬
‫والنووي)‪ .‬ول بد في النية من التعيين‪.‬‬
‫أما وقت طواف الفاضة ومثله رمي العقبة والذبح والحلق فيدخل بنصف ليلة النحر؛ لنه صلّى ال‬
‫عليه وسلم «أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر‪ ،‬ثم أفاضت» (‪. )1‬‬
‫وأما المشي في الطواف فليس عند الشافعية شرطا بل هو سنة‪ ،‬كما رواه مسلم‪ ،‬ويسن أن يكون حافيا‬
‫في طوافه عند عدم العذر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬

‫( ‪)3/530‬‬
‫وأما صلة ركعتي الطواف فسنة عندهم‪ .‬وللطواف واجبات دينية‪ :‬منها أن يصون نفسه عن كل‬
‫مخالفة في وقت الطواف‪ ،‬ومنها ـ أن يصون قلبه عن احتقار من يراه‪ ،‬ومنها ـ أن يلتزم الدب‪،‬‬
‫ومنها ـ أن يحفظ يده وبصره عن كل معصية‪.‬‬
‫وشروط الطواف عند الحنابلة‪ :‬أربعة عشر (‪: )1‬‬

‫إسلم وعقل‪ ،‬ونية معينة‪ ،‬ودخول وقت‪ ،‬وستر عورة لقادر‪ ،‬وطهارة حدث ل لطفل‪ ،‬وطهارة خبث‪،‬‬
‫وتكميل السبْع يقينا‪ ،‬فإن شك أخذ باليقين‪ ،‬ويقبل في بيان عدد الشواط قول عدلين‪ ،‬وجعل البيت عن‬
‫يساره‪ ،‬غير متقهقر‪ ،‬ومشي لقادر‪ ،‬وموالته‪ ،‬وكونه داخل المسجد ل يخرج عنه‪ ،‬وأن يبتدئه من‬
‫الحجر السود فيحاذيه‪ ،‬وأل يدخل في شيء من البيت كالحِجْر والشاذروان‪.‬‬
‫أما وقت طواف الفاضة‪ :‬فيدخل من نصف ليلة النحر‪ ،‬كما قال الشافعية‪.‬‬
‫وأما ركعتا الطواف فسنة كما قرر الشافعية‪.‬‬
‫خلصة آراء الفقهاء في شروط الطواف ‪:‬‬
‫يمكن تلخيص ماسبق من بيان الراء الفقهية في شروط الطواف على النحو التالي‪:‬‬
‫‪ - 1‬الطهارة عن الحدث والنجس ليست بشرط عند الحنفية‪ ،‬وإنما هي واجب‪ ،‬وشرط عند باقي‬
‫المذاهب‪.‬‬
‫‪ - 2‬نية الطواف‪ :‬أصل النية ل تعيينها شرط عند الحنفية‪ ،‬وليست بشرط عند المالكية‪ ،‬والنية مع‬
‫التعيين شرط عند الشافعية إن استقل الطواف عن نسك يشمله‪ ،‬والنية المعينة شرط عند الحنابلة‪.‬‬
‫‪ - 3‬المشي للقادر شرط عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬واجب عند المالكية‪ ،‬وليس بشرط عند الشافعية‪ ،‬وإنما‬
‫هو سنة‪.‬‬
‫‪ - 4‬كون الطواف في المسجد شرط بالتفاق‪.‬‬
‫‪ - 5‬البتداء بالحجر السود‪ :‬ليس بشرط وإنما هو واجب عند الحنفية‪ ،‬وعند المالكية‪ ،‬وشرط عند‬
‫الشافعية والحنابلة‪ .‬وترك الواجب يوجب الدم فيما لو ابتدأ من غير الحجر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪ ،402/1 :‬المغني‪ 440/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/531‬‬
‫‪ - 6‬الترتيب أو جعل البيت عن يسار الطائف‪ :‬واجب لدى الحنفية يلزم دم بتركه‪ ،‬وشرط عند باقي‬
‫المذاهب؛ لن الطائف كالمؤتم بالكعبة‪ ،‬والواحد يقف عن يمين المام‪ ،‬ويساره له‪.‬‬
‫‪ - 7‬الموالة‪ :‬ليست شرطا عند الحنفية والشافعية‪ ،‬وشرط عند المالكية والحنابلة‪.‬‬
‫‪ - 8‬كون الطواف سبعة أشواط‪ :‬شرط عند الجمهور (غير الحنفية) واجب لشرط عن الحنفية‪ ،‬وإنما‬
‫الفرض أكثر الشواط‪.‬‬
‫‪ - 9‬زمان طواف الفاضة‪ :‬بعد فجر يوم النحر في مذهبي الحنفية والمالكية‪ ،‬ويجوز بعد منتصف‬

‫ليلة النحر في مذهبي الشافعية والحنابلة‪.‬‬
‫‪ -10‬صلة ركعتي الطواف‪ :‬واجب عند المالكية‪ ،‬وواجب في وقت مباح فيه الصلة ل كراهة‬
‫فيه‪،‬عند الحنفية‪ .‬وسنة عند الشافعية والحنابلة‪.‬‬
‫حج المرأة الحائض ‪:‬‬
‫إذا حاضت المرأة أو نفست عند الحرام اغتسلت للحرام وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج‪ ،‬غير‬
‫أنها ل تطوف بالبيت حتى تطهر‪ ،‬وإذا حاضت المرأة أو نفست فل غسل عليها بعد الحرام‪ ،‬وإنما‬
‫يلزمها أن تشد الحفاظ الذي تضعه كل أنثى على محل الدم‪ ،‬لمنع تسربه للخارج‪ .‬ثم تفعل سائر‬
‫مناسك الحج إل الطواف بالبيت؛ لن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أمر عائشة رضي ال عنها أن‬
‫تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت (‪ . )1‬وقال في حديث صحيح لسماء بنت عميس‪:‬‬
‫«اصنعي ما يصنع الحاج غير أل تطوفي بالبيت» ‪.‬‬
‫وعلى هذا فل تلزم بطواف القدوم ول بقضائه؛ لنه سنة عند الجمهور (غير المالكية) وإذا كانت‬
‫متمتعة ثم حاضت قبل الطواف للعمرة‪ ،‬لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لن الطواف بالبيت صلة‪،‬‬
‫وهي ممنوعة من دخول المسجد‪ ،‬فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها‪ ،‬وتصير قارنة‬
‫عند الجمهور‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ترفض العمرة وتهل بالحج‪ ،‬عملً بحديث عائشة عند مسلم‪« :‬انقضي‬
‫رأسك‪ ،‬وامتشطي‪ ،‬وأهلي بالحج‪ ،‬ودعي العمرة» ثم قال عليه السلم لها بعد أن اعتمرت من التنعيم‪:‬‬
‫«وهذه عمرة مكان عمرتك» فدل كل هذا على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه عن جابر‪ ،‬وروى مسلم عن عائشة أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمرها بالعراض‬
‫عن أفعال العمرة‪ ،‬وأن تحرم بالحج‪ ،‬فتصير قارنة وتقف بعرفات‪ ،‬وتفعل المناسك كلها إل الطواف‪،‬‬
‫فتؤخره حتى تطهر (شرح مسلم‪ ،140-134/8 :‬نيل الوطار‪.)318/4 :‬‬

‫( ‪)3/532‬‬
‫وحجة الجمهور‪ :‬حديث جابر أنه صلّى ال عليه وسلم أمر عائشة أن تهل بالحج‪ ،‬فأصبحت قارنة‪،‬‬
‫حتى إذا طهرت طافت بالكعبة‪ ،‬وبالصفا والمروة‪ .‬ثم قال لها‪« :‬قد حللت من حجتك وعمرتك»‬
‫والعتمار من التنعيم لم يأمرها به النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وإنما فعلت ذلك زيارة زارت بها‬
‫البيت‪ ،‬وإدخال الحج على العمرة جائز بالجماع من غير خشية الفوات‪ ،‬فمع خشية الفوات أولى‪ .‬ول‬
‫يصح الخروج من الحج أو العمرة بعد الحرام بنية الخروج‪ ،‬وإنما يخرج منها بالتحلل بعد فراغها‪.‬‬

‫ومعنى «دعي العمرة» أي ارفضي العمل فيها‪ ،‬وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير‬
‫شعر الرأس‪ ،‬فإنها تدخل في أفعال الحج‪.‬‬

‫( ‪)3/533‬‬
‫وإذا حاضت المرأة بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة‪ ،‬انصرفت من مكة‪ ،‬ولشيء عليها لطواف‬
‫الصدَر‪ ،‬فليس على المرأة الحائض وداع ول فدية إذا حاضت قبل أن تودع‪ ،‬باتفاق فقهاء المصار‪،‬‬
‫بدليل حديث صفية المتقدم حين قالوا‪« :‬يارسول ال ‪ ،‬إنها حائض! فقال‪ :‬أحابستنا هي؟ قالوا‪ :‬يا‬
‫رسول ال ‪ ،‬إنها قد أفاضت يوم النحر‪ ،‬قال‪ :‬فلتنفر إذا» ولم يأمرها بفدية ول غيرها‪ .‬وفي حديث ابن‬
‫عباس السابق‪« :‬إل أنه ـ أي طواف الوداع ـ خفف عن المرأة الحائض» والنفساء مثل الحائض في‬
‫الحكم؛ لن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يوجب ويسقط‪ .‬وإذا اضطرت المرأة اضطرارا شديدا‬
‫لمغادرة مكة قبل انتهاء مدة الحيض أو النفاس‪ ،‬ولم تكن قد طافت طواف الفاضة‪ ،‬فتغتسل وتشد‬
‫الحفاظ الموضوع في أسفل البطن شدا محكما‪ ،‬ثم تطوف بالبيت سبعا طواف الفاضة‪ ،‬ثم تسعى بين‬
‫الصفا والمروة سبعا‪ ،‬وعليها ذبح بدنة (وهي ما أتم خمس سنين من البل أو أتم سنتين من البقر)‬
‫وذلك تقليدا للحنفية الذين يقولون بصحة الطواف حينئذ‪ ،‬مع الحرمة‪ ،‬ووجوب إهداء البدنة (‪. )1‬‬
‫ثالثا ـ سنن الطواف ‪:‬‬
‫أبنت سنن الحج في كل مذهب على حدة ‪،‬وألخص هنا منها سنن الطواف (‪: )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع الموضوع في شرح مسلم‪ 139/8 :‬وما بعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،331/1:‬فتح القدير‪:‬‬
‫‪ ،224-222/2‬مغني المحتاج‪ ،514/1 :‬المغني‪ 481 ،461/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،233-227/2 :‬البدائع‪ ،131/2 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ ،124‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،132‬الشرح الصغير‪ ،52-48/2 :‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،44-34‬مغني المحتاج‪ ،492-487/1 :‬غاية‬
‫المنتهى‪ ،402/1 :‬المغني‪.376،379،383-372/3 :‬‬

‫( ‪)3/534‬‬
‫‪ - ً 1‬استلم الحجر السود ( أي لمسه بيده اليمنى أو بكفيه) أول طوافه وفي بدء كل شوط وتقبيله‬
‫بل صوت‪ ،‬ووضع جبهته عليه عند الشافعية بل إيذاء‪ ،‬إذا لم تكن زحمة‪ ،‬فإن لم يتمكن من الستلم‬
‫باليد استلم بعود ونحوه مع استقباله بجميع بدنه‪ ،‬فإن عجز أشار بيده‪ ،‬ثم وضع العود أو يده على فيه‬

‫بعد اللمس بأحدهما بل صوت‪ ،‬فإذا أظهر الصوت جاز على الرجح عند المالكية‪ ،‬وكره مالك‬
‫السجود وتمريغ الوجه على الحجر‪ ،‬ويسن عند الشافعية أن يكون التقبيل ووضع الجبهة ثلثا‪.‬‬
‫ويكبر ويهلل ويحمد ال تعالى‪ ،‬ويصلي على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ودليل التقبيل فعل الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما رواه الشيخان‪ ،‬ودليل وضع جبهته عليه اتباع‬
‫السنة كما رواه البيهقي‪ .‬ودليل الستلم باليد دون إيذاء‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ :‬ياعمر‪،‬‬
‫إنك رجل قوي‪ ،‬ل تزاحم على الحجر‪ ،‬فتؤذي الضعيف‪ ،‬إن وجدت خلوة‪ ،‬وإل فهلل وكبر (‪. » )1‬‬
‫ولن ترك اليذاء واجب‪ ،‬وتقبيل ما استلمه به من يد أو نحو عصا‪ ،‬لخبر الصحيحين‪« :‬إذا أمرتكم‬
‫بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولما روى مسلم بن نافع قال‪« :‬رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬ما تركته منذ رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يفعله» ‪.‬‬
‫وتكرار الستلم والتقبيل في كل طوفة من الطوفات السبع‪ ،‬لحديث «أنه صلّى ال عليه وسلم كان ل‬
‫يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر السود في كل طوفة» (‪. )2‬‬
‫ولو استقبل الحجر مطلقا‪ ،‬ونوى الطواف عند من اشترط النية وهم الحنفية والحنابلة‪ ،‬كفى في تحقيق‬
‫المقصود الذي هو البتداء من الحجر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشافعي وأحمد عن عمر رضي ال عنه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي ال عنهما‪.‬‬

‫( ‪)3/535‬‬
‫ول يستلم بيده الركنين الشاميين (وهما اللذان عندهما الحِجْر) ول يقبلهما‪ ،‬ويستلم الركن اليماني (وهو‬
‫الذي يسبق ركن الحجر) في آخر كل شوط‪ ،‬وليقبله‪ ،‬لنه لم ينقل‪ ،‬لما في الصحيحين عن ابن عمر‪:‬‬
‫«أنه صلّى ال عليه وسلم كان ل يستلم إل الحَجَر والركن اليماني» ‪.‬‬
‫ويستحب للمرأة عند الحنابلة إذا قدمت مكة نهارا تأخير الطواف إلى الليل ليكون أستر لها‪ ،‬ول‬
‫يستحب لها مزاحمة الرجال لستلم الحجر‪ ،‬لكن تشير بيدها إليه كالذي ل يمكنه الوصول إليه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬الدعاء‪ :‬وليس بمحدود ويدعو بما يشاء‪ .‬وأفضله الدعاء المأثور‪ ،‬فيقول في أول كل طوفة‪:‬‬
‫( بسم ال وال أكبر‪ ،‬اللهم إيمانا بك‪ ،‬وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك (‪ ، )1‬واتباعا لسنة نبيك محمد‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وليقل قبالة باب الكعبة‪ ( :‬اللهم إن ا لبيت بيتك‪ ،‬والحرمَ حرمك‪ ،‬والمن أمنك‪ ،‬وهذا مقام العائذ بك‬

‫من النار (‪.) )2‬‬
‫وليقل بين الركنين اليمانيين‪ ( :‬اللهم آتنا في الدنيا حسنة‪ ،‬وفي الخرة حسنة‪ ،‬وقنا عذاب النار )‪.‬‬
‫ومأثور الدعاء أفضل من قراءة القرآن‪ ،‬للتباع‪ ،‬والقراءة أفضل من غير مأثور الدعاء؛ لن الموضع‬
‫موضع ذكر‪ ،‬والقرآن أفضل الذكر‪ ،‬وفي الحديث القدسي يقول الرب سبحانه وتعالى‪« :‬من شغله‬
‫ذكري عن مسألتي‪ ،‬أعطيته أفضل ماأعطي السائلين‪ ،‬وفضلُ كلم ال تعالى على سائر الكلم كفضل‬
‫ال تعالى على سائر خلقه» (‪ ، )3‬لكن تكره القراءة عند المالكية‪.‬‬
‫ويسن السرار بالذكر والقراءة؛ لنه أجمع للخشوع‪.‬‬
‫ويراعي ذلك أيضا في كل طوفة اغتناما للثواب‪ ،‬والدعاء في الولى ثم في الوتار آكد‪ ،‬كتقبيل الحجر‬
‫واستلمه‪ ،‬لحديث‪« :‬إن ال وتر يحب الوتر» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو الميثاق الذي أخذه ال تعالى علينا بامتثال أمره واجتناب نهيه‪.‬‬
‫(‪ )2‬أي نفس الداعي‪ :‬أي هذا الملتجئ المستعيذ بك من النار‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الترمذي وحسنه‪.‬‬

‫( ‪)3/536‬‬
‫ويكره إنشاد الشعر‪ ،‬والتحدث في الطواف للحديث السابق‪« :‬الطواف بالبيت صلة فأقلوا في الكلم»‬
‫وفي رواية «فمن نطق فيه فل ينطق إل بخير» ولن ذلك يشغله عن الدعاء‪.‬‬
‫لوَل‪ ،‬وهو عند الحنفية‬
‫‪ - ً 3‬ال ّرمَل (‪ )1‬للرجال أو الصبيان دون النساء في الشواط الثلثة ا ُ‬
‫والشافعية سنة في كل طواف يعقبه سعي بأن يكون بعد طواف قدوم أو ركن يعقبه سعي ‪ ،‬وهذا هو‬
‫المشهور‪ ،‬ول يرمل إذا كان طاف طواف القدوم أو اللقاء‪ ،‬وسعى عقيبه‪ .‬فإن كان لم يطف طواف‬
‫القدوم أو كان قد طاف لكنه لم يسع عقبيه‪ ،‬فإنه يرمل من طواف الزيارة‪ ،‬وطواف العمرة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يسن الرمل لمحرم بحج أو عمرة في طواف القدوم وطواف العمرة؛ لن ما رمل فيه‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم كان للقدوم وسعى عقبه‪.‬‬
‫ومحل استنان الرمل إن أحرم بحج أو عمرة أو بهما من الميقات بأن كان آفاقيا أو كان من أهله‪ ،‬وإل‬
‫فيندب‪ .‬أي يندب لمحرم بحج أو عمرة من دون المواقيت كالتنعيم والجعرانة‪ ،‬وفي طواف الفاضة‬
‫لمن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان‪ ،‬وأحرم من الميقات‪ .‬ول يندب الرمل في طواف تطوع‬
‫ووداع‪.‬‬

‫وكذلك قال الحنابلة مثل المالكية‪ :‬ل يسن الرمل في غير طواف القدوم أو طواف العمرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الرمل أو الخبب‪ :‬السراع في المشي دون الجري أو السراع في المشي مع مقاربة الخطو من‬
‫غير عدو فيه ول وثب‪ ،‬وهذا الرمل مما زال سببه وبقي حكمه‪ ،‬فإن سببه رفع التهمة عن أصحاب‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم حين قدموا مكة بعمرة‪ ،‬فكان كفار مكة يظنون فيهم الضعف بسبب‬
‫حمى المدينة‪ ،‬وكانوا يقولون‪ :‬قد أوهنتهم حمى يثرب‪ ،‬فأمروا بالرمل في ابتداء الشواط‪ ،‬لمنع تهمة‬
‫الضعف‪.‬‬

‫( ‪)3/537‬‬
‫ويمشي في الشواط الباقية من طوافه على هينته‪ ،‬لما رواه الشيخان عن ابن عمر قال‪« :‬كان رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الول خبّ ثلثا‪ ،‬ومشى أربعا» وروى مسلم عنه‬
‫قال‪« :‬رمل النبي صلّى ال عليه وسلم من الحَجَر ومشى أربعا» ‪.‬‬
‫فإن طاف راكبا أو محمولً‪ ،‬حرك الدابة‪ ،‬ورمل به الحامل‪ ،‬ويكره ترك الرمل بل عذر‪ ،‬ولو تركه‬
‫في شيء من الثلثة‪ ،‬لم يقضه في الر بعة الباقية؛ لن هيئتها السكون‪ ،‬فل يغير‪ ،‬كما لو ترك الجهر‬
‫في الركعتين الوليين‪ ،‬فل يقضى بعدهما لتفويت سنة السرار‪.‬‬
‫وليقل في أثناء الرمل‪« :‬اللهم اجعله حجا مبرورا‪ ،‬وذنبا مغفورا‪ ،‬وسعيا مشكورا» ‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬الضطباع عند الجمهور غير مالك‪ :‬وهو جعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى‪ ،‬ورد طرفيه‬
‫على كتفه اليسرى‪ ،‬وإبقاء كتفه اليمنى مكشوفة‪ .‬لما روى يعلى ابن أمية‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم طاف مضطبعا» (‪ ، )1‬وروى ابن عباس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم وأصحابه اعتمروا‬
‫جعْرانة‪ ،‬فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم‪ ،‬ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» (‪. )2‬‬
‫من ال ِ‬
‫وهو سنة عند الحنفية والشافعية والحنابلة كالرمل في جميع كل طواف يرمل فيه‪ ،‬ول يسن في طواف‬
‫ل رمل فيه‪ ،‬وكذا يضطبع عند الشافعية على الصحيح في السعي قياسا على الطواف بجامع قصد‬
‫مسافة مأمور بتكريرها‪ ،‬سواء اضطبع في الطواف قبله أم ل‪ .‬ول يستحب في الصح في ركعتي‬
‫الطواف‪ ،‬لكراهة الضطباع في الصلة‪ ،‬فيزيله عند إرادتها‪ ،‬ويعيده عند إرادة السعي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد صحيح وابن ماجه‪ ،‬والترمذي وصححه (نيل الوطار‪.)38/5 :‬‬

‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود‪ ،‬وقوله‪ :‬تحت آباطهم‪ :‬أن يجعله تحت عاتقه اليمن‪ ،‬وقذفوها أي طرحوا‬
‫طرفيها‪ ،‬وعواتقهم جمع عاتق وهو المنكب (نيل الوطار‪.)38/5 :‬‬

‫( ‪)3/538‬‬
‫ول يضطبع عند الحنفية والحنابلة في غير الطواف‪ ،‬فإن فرغ من الطواف سوى رداءه؛ لن‬
‫الضطباع غير مستحب في الصلة‪ ،‬ول في السعي‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم لم يضطبع فيه‪،‬‬
‫والسنة في القتداء به‪.‬‬
‫ول ترمُل المرأة ول تضطبع‪ ،‬أي ل يطلب منها ذلك؛ لن بالرمل تتبين أعطافها‪ ،‬وبالضطباع‬
‫ينكشف ما هو عورة منها‪.‬‬
‫ل بقول ابن عباس وابن عمر‪.‬‬
‫وليس على أهل مكة رمل‪ ،‬عم ً‬
‫‪ - ً 5‬الدنو أو القرب من البيت للذكور‪ :‬لشرفه ولنه المقصود‪ ،‬ولنه أيسر في الستلم والتقبيل‪.‬‬
‫والولى كما قال بعضهم أن يجعل بينه وبين البيت ثلث خطوات ليأمن مرور بعض جسده على‬
‫الشاذَرْوان‪ .‬وإن تأذى غيره بنحو زحمة‪ ،‬فالبعد أولى‪.‬‬
‫أما المرأة والخنثى فيكونان في حاشية المطاف‪ ،‬فإن طافا خاليين فكالرجل في استحباب القرب‪.‬‬
‫وهذا مستحب عند الشافعية والحنابلة‪،‬لكن الرمل عند الشافعية مع البعد أولى من الدنو‪ ،‬فإن كان ل‬
‫يتمكن من الرمل أيضا أو يخاف صدم النساء أو الختلط بهن‪ ،‬فالدنو أولى‪.‬‬
‫ومن سنن الطواف المؤكدة أيضا عند الشافعية والحنابلة‪ :‬المشي لقادر عليه‪ ،‬وصلة ركعتي الطواف‬
‫بعده خلف مقام إبراهيم‪ ،‬ثم في الحِجْر تحت الميزاب‪ ،‬ثم في المسجد الحرام‪ ،‬ثم في الحرم حيث شاء‬
‫من المكنة في أي زمان‪ .‬وهذان واجبان عند المالكية والحنفية‪ .‬وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه‬
‫أجزأته عن ركعتي الطواف عند الحنابلة؛ لنهما ركعتان شرعتا للنسك‪ ،‬فأجزأت عنهما المكتوبة‬
‫كركعتي الحرام‪ ،‬ول تجزئ عنهما المكتوبة عند الحنفية والمالكية كركعتي الفجر‪.‬‬
‫ومن سننه أيضا الموالة بين الشواط عند الحنفية والشافعية‪ ،‬وهي شرط عند المالكية والحنابلة‪.‬‬
‫وتسن النية عند الشافعية في طواف النسك‪ ،‬وتجب في طواف لم يشمله نسك وفي طواف وداع‪.‬‬

‫( ‪)3/539‬‬
‫المطلب الثالث ـ السعي ‪:‬‬
‫السعي واجب عند الحنفية‪ ،‬ركن عند باقي الئمة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اسعوا فإن ال كتب‬

‫عليكم السعي» و «كتب عليكم السعي فاسعوا» (‪ )1‬وأما قوله تعالى‪{ :‬إن الصفا والمروة من شعائر‬
‫ال ‪ ،‬فمن حج البيت أو اعتمر فل جناح عليه أن يطّوف بهما} [البقرة‪ ]158/2:‬فهو لرفع الثم على‬
‫من تطوف بهما‪ ،‬ردا على ما كان في الجاهلية من التحرج من السعي بينهما‪ ،‬لنه كان عليهما‬
‫صنمان‪.‬‬
‫وأبحث هنا واجباته‪ ،‬وسننه وحكم تأخره عن وقته الصلي (‪. )2‬‬
‫أولً ـ واجبات السعي أو شروطه ‪:‬‬
‫للسعي بين الصفا والمروة شروط أو واجبات هي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬أن يتقدمه طواف صحيح بحيث ل يتخلل بينهما الوقوف بعرفة‪ ،‬اتباعا للسنة‪ ،‬وقد قال صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬خذوا عني مناسككم» ولن السعي تبع للطواف‪ .‬ومن سعى بعد طواف قدوم لم يُعده‪،‬‬
‫والفضل للقارن عند الحنفية تقديم السعي‪.‬‬
‫وأجاز الحنفية أن يكون السعي بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه؛ لن للكثر حكم الكل‪.‬‬
‫ويصح كونه بعد طواف مطلقا ولو مسنونا عند الجمهور‪ ،‬وأن يكون بعد طواف ركن أو قدوم عند‬
‫الشافعية‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬الترتيب‪ :‬بأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لنه صلّى ال عليه وسلم بدأ بالصفا‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواهما أحمد‪ ،‬الول عن حبيبة بن أبي تِجراة‪ ،‬والثاني عن صفية بنت شيبة (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)50/5‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 134/2:‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،234/2:‬الشرح الصغير‪ 50/2:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪:‬‬
‫‪ ،41/2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،132‬مغني المحتاج‪ 493/1:‬ومابعدها‪ ،‬الحضرمية‪ :‬ص ‪،128‬‬
‫اليضاح‪ :‬ص ‪ ،47-44‬غاية المنتهى‪ ،406-404/1 :‬المغني‪.389-385:‬‬

‫( ‪)3/540‬‬
‫«ابدؤوا بما بدأ ال به» (‪ )1‬وهو قوله تعالى‪{ :‬إن الصفا والمروة من شعائر ال } [البقرة‪ ]158/2:‬فإذا‬
‫بدأ بالمروة إلى الصفا ل يعتد بذلك الشوط‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬أن يكون سبعة أشواط‪ :‬بأن يقف على الصفا أربع مرات‪ ،‬وعلى المروة أربعا ويختم بها‪،‬‬
‫ويحسب الذهاب إلى المروة مرة‪ ،‬والعود منها إلى الصفا مرة أخرى‪ .‬فإن شك في العدد بنى على‬
‫القل‪ .‬ودليل هذا المقدار‪ :‬إجماع المة‪ ،‬وفعل رسول ال صلّى ال عليه وسلم (‪. )2‬‬

‫‪ - ً 4‬استيعاب ما بين الصفا والمروة‪ :‬يجب أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة‪ ،‬فلو بقي منها‬
‫بعض خطوة لم يصح سعيه‪ ،‬اقتداء بفعل النبي صلّى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ - ً 5‬الموالة بين الشواط‪ :‬شرط عند المالكية والحنابلة‪ ،‬سنة عند غيرهم‪ ،‬كالطواف‪.‬‬
‫وأضاف الحنابلة شروطا أخرى فتصبح شروط السعي عندهم تسعة وهي‪:‬‬
‫إسلم‪ ،‬وعقل‪ ،‬ونية معينة‪ ،‬ومشي لقادر‪.‬‬
‫وأما الطهارة عن الجنابة والحيض‪ :‬فليست بشرط للسعي كالوقوف بعرفة‪ ،‬فيجوز سعي الجنب‬
‫والحائض بعد أن كان طوافه بالبيت في حال طهارة عن الجنابة والحيض ؛ لن هذا نسك غير متعلق‬
‫بالبيت‪.‬‬
‫ثانيا ـ سنن السعي ‪:‬‬
‫يسن للسعي بين الصفا والمروة ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬استلم الحجر السود وتقبيله بعد النتهاء من الطواف وصلة ركعتي الطواف‪ ،‬ثم الخروج من‬
‫باب الصفا (وهو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين) للسعي بين الصفا والمروة‪ ،‬اتباعا للسنة كما‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬اتصاله بالطواف‪ :‬أي الموالة بين الطواف والسعي‪ ،‬وكذا الموالة في مرات السعي‪ .‬ويكره‬
‫للساعي أن يقف أثناء سعيه لحديث أو غيره‪ ،‬فإن طاف بيوم وسعى في آخر‪ ،‬جاز‪ ،‬ول تسن عقبه‬
‫صلة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬الطهارة له من الحدث والخبث وستر العورة‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬المشي للقادر ل الركوب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم‪ ،‬وهو في مسلم بلفظ «أبدأ»على الخبر ل المر‪ ،‬ورواه‬
‫أصحاب السنن الربعة بلفظ «نبدأ»‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الشيخان‪.‬‬

‫( ‪)3/541‬‬
‫ً‪ - 5‬الصعود للذكر دون غيره على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة من الباب‪ ،‬وذلك بقدر قامة‬
‫عند الشافعية‪ .‬ويسن الصعود للمرأة إن خل الموضع من الرجال‪ ،‬وإل وقفت أسفلهما‪ - 6ً .‬الدعاء‬
‫بما شاء والذكار‪ ،‬وتكرارها ثلثا بعد كل مرة عند الشافعية‪ ،‬مستقبلً البيت‪ ،‬داعيا بصوت مرتفع‪،‬‬

‫رافعا يديه إلى نحو السماء (‪ ، )1‬والدعاء بالمأثور أفضل‪ ،‬فيكبر ويهلل ويصلي على النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ويقول‪:‬‬
‫«ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر ول الحمد‪ ،‬ال أكبر على ما هدانا‪ ،‬والحمد ل على ما أولنا (‪ ، )2‬ل‬
‫إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬له المُلْك وله الحمد‪ ،‬يحيي ويميت‪ ،‬بيده (‪ )3‬الخير‪ ،‬وهو على كل شيء‬
‫قدير‪ .‬ل إله إل ال وحده‪ ،‬أنجز وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬ول نعبد‬
‫إل إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» اتباعا للسنة كما رواه مسلم‪« .‬اللهم اجعل في قلبي نورا‬
‫وفي بصري نورا‪ ،‬اللهم اشرح لي صدري‪ ،‬ويسر لي أمري‪ ،‬اللهم لك الحمد كالذي نقول‪ ،‬وخيرا مما‬
‫نقول» ‪.‬‬
‫ثم يدعو بما شاء من أمري الدين والدنيا‪ ،‬ويستحب فيه قراءة القرآن‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬السراع (أو العَدْو) للذكور في وسط المسعى ما بين الميلين الخضرين الملصقين لجدار‬
‫المسجد‪ ،‬فوق الرمَل‪ ،‬ودون الجري (‪ ، )4‬في ذهابه إلى الصفا‪ ،‬وعودته من المروة‪ ،‬اتباعا للسنة كما‬
‫رواه مسلم‪ .‬وأما النثى والخنثى فتمشي في الكل‪.‬‬
‫ويقول الذكر في عدوه‪ ،‬وكذا المرأة والخنثى في محله‪ ( :‬رب اغفر وارحم‪ ،‬وتجاوز عما تعلم‪ ،‬إنك‬
‫أنت العز الكرم ) وإن كان راكبا‪ ،‬حرك المركوب من غير أن يؤذي أحدا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ترفع اليدي إلى ال تبارك وتعالى في سبعة مواطن‪ :‬في الحرام بالصلة‪ ،‬وأول ما ينظر إلى‬
‫الكعبة‪ ،‬وعلى الصفا‪ ،‬وعلى المروة‪ ،‬وبعرفات‪ ،‬وبالمزدلفة‪ ،‬وعند الجمرتين الولى والوسطى‪.‬‬
‫(‪ )2‬من نعمه التي ل تحصى‪.‬‬
‫(‪ )3‬أي قدرته‪.‬‬
‫(‪ )4‬وهذه هي الهرولة‪.‬‬

‫( ‪)3/542‬‬
‫ً‪ - 8‬الفضل ـ كما ذكر النووي ـ أن يتحرى زمن الخلوة لسعيه وطوافه‪ ،‬وإذا كثرت الزحمة‪،‬‬
‫فينبغي أن يتحفظ من إيذاء الناس‪ ،‬وترك هيئة السعي أهون من إيذاء المسلم و من تعريض نفسه إلى‬
‫الذى‪ .‬وإذا عجز عن السعي الشديد في موضعه بين الميلين للزحمة‪ ،‬تشبه في حركته بالساعي‪ ،‬كما‬
‫هو الشأن في الرمل‪.‬‬
‫ثالثا ـ حكم تأخير السعي عن وقته الصلي ‪:‬‬

‫إذا أخر السعي عن وقته الصلي وهي أيام النحر‪ ،‬بعد طواف الزيارة (‪: )1‬‬
‫أ ـ فإن كان لم يرجع إلى أهله‪ ،‬فإنه يسعى‪ ،‬ول شيء عليه؛ لنه أتى بما وجب عليه‪ ،‬ول يلزمه‬
‫بالتأخير شيء؛ لنه فعله في وقته الصلي‪ :‬وهو ما بعد طواف الزيارة‪ .‬ول يضره عند الحنفية إن‬
‫كان قد جامع لوقوع التحلل بطوف الزيارة‪ ،‬إذ السعي ليس بركن عندهم حتى يمنع التحلل‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان رجع إلى أهله‪ ،‬فعليه عند الحنفية دم‪ ،‬لتركه السعي بغير عذر‪ ،‬والسعي عندهم واجب‬
‫ل ركن‪ ،‬وإن أراد أن يعود إلى مكة‪ ،‬يعود بإحرام جديد؛ لن إحرامه الول قد ارتفع بطواف الزيارة‬
‫لوقوع التحلل به‪ ،‬فيحتاج إلى تجديد الحرام‪ ،‬وإذا عاد وسعى‪ ،‬سقط عنه الدم؛ لنه تدارك الترك‪.‬‬
‫والسعي ـ كما بينت ـ ركن عند الجمهور ل يتم الحج إل به‪ ،‬ول يجبر تركه بدم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.135/2:‬‬

‫( ‪)3/543‬‬
‫المطلب الرابع ـ الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫حكمه‪ ،‬مكانه‪ ،‬زمانه‪ ،‬مقداره‪ ،‬سننه‪ ،‬حكمه إذا فات عن وقته (‪. )1‬‬
‫أولً ـ حكم الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫أجمع العلماء على أنه الركن الصلي من أركان الحج‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الحج عرفة» (‬
‫‪ )2‬أي الحج‪ :‬الوقوف بعرفة‪ ،‬وأجمعت المة على كون الوقوف ركنا في الحج‪ ،‬ل يتم إل به‪.‬‬
‫فمن فاته فعليه حج من عام قابل‪ ،‬والهدي في قول أكثرهم‪.‬‬
‫ثانيا ـ مكان الوقوف ‪:‬‬
‫عرفة كلها موقف‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬قد وقفت ههنا‪ ،‬وعرفة كلها موقف» (‪ )3‬فمن‬
‫وقف بعرفة في أي مكان‪ ،‬والفضل عند جبل الرحمة‪ ،‬فقد تم حجه مطلقا من غير تعيين موضع دون‬
‫موضع‪ .‬إل أنه ينبغي أل يقف في بطن عرنة؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن ذلك‪ ،‬وأخبر‬
‫أنه وادي الشيطان‪ ،‬قال النبي‪« :‬كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة» (‪ )4‬فليس وادي عُرَنة من‬
‫الموقف‪ ،‬ول يجزئ الوقوف قبل عرفة كنمرة مثلً‪ ،‬قال ابن عبد البر‪ :‬أجمع العلماء عل أن من وقف‬
‫به ل يجزئه‪.‬‬
‫وحد عرفة‪ :‬من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر‪ .‬وهي‬
‫الن معروفة بحدود معينة‪ ،‬وليس منها عرنة ول َنمِرة ومسجد إبراهيم عليه السلم‪ ،‬فإن آخره منها‬

‫وصدره عن عرنة‪.‬‬
‫والمستحب أن يقف عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة‪ ،‬ويستقبل القبلة‪ ،‬لما جاء‬
‫في حديث جابر المتقدم‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات‪،‬‬
‫وجعل منها جبل المشاة بين يديه‪ ،‬واستقبل القبلة» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،127-125/2:‬الدر المختار‪ 237/2 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ 191/1 :‬وما بعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،57-53/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،133‬بداية المجتهد‪ ،337-235/1 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،496/1،513‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،47‬المغني‪ ،416-407/3 :‬غاية المنتهى‪.408/1:‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه ابن ماجه‪.‬‬

‫( ‪)3/544‬‬
‫ثالثا ـ زمان الوقوف ‪:‬‬
‫يقف الحاج بالتفاق من حين زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر‪ ،‬لن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم وقف بعرفة بعد الزوال وقال‪ :‬خذوا عني مناسككم‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يبدأ‬
‫وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«من شهد صلتنا هذه‪ ،‬ووقف معنا حتى ندفع‪ ،‬وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلً أو نهارا‪ ،‬فقد تم حجه‪،‬‬
‫وقضى تفثه» (‪. )1‬‬
‫فن وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال ل يعتد بوقوفه بالجماع‪ ،‬وفاته الحج إن لم يرجع‬
‫فيقف بعد الزوال أو جزءا من ليلة النحر قبل طلوع الفجر‪.‬‬
‫ومن وقف بعرفات ولو مرورا أو نائما أو مغمى عليه‪ ،‬و لم يعلم أنها عرفة‪ ،‬في هذا الوقت‪ ،‬أجزأه‬
‫ذلك عند الحنفية عن الوقوف‪ .‬قال عبد الرحمن بن َي ْعمُر الديلي‪ « :‬أتيت رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم بعرفة‪ ،‬فجاء نفر من أهل نجد‪ ،‬فقالوا‪ :‬يارسول‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسةعن عروة بن مضرس‪ ،‬والمشهور أن التفث‪ :‬ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير‬
‫شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف البط وغيره من خصال الفطرة‪.‬‬

‫( ‪)3/545‬‬
‫جمْع‪ ،‬فقد تم حجه» (‪. )1‬‬
‫ال‪ ،‬كيف الحج؟ قال‪ :‬الحج عرفة‪ .‬فمن جاء قبل صلة الفجر ليلة َ‬
‫واشترط المالكية في المار شرطين وهما أن يعلم أنه عرفة‪ ،‬وأن ينوي الحضور الركن‪ ،‬وأجازوا كون‬
‫الواقف نائما أو مغمى عليه كالحنفية‪.‬‬
‫واشترط الشافعية والحنابلة كون الواقف عاقلً أهلً للعبادة‪ ،‬سواء فيه الصبي والنائم وغيرهما؛ لن‬
‫النائم في حكم المستيقظ‪ .‬وأما المغمى عليه والسكران فل يصح وقوفهما؛ لنهما ليسا من أهل العبادة‪،‬‬
‫وكل منهما زائل العقل بغير نوم‪ ،‬فمن كان من أهل العبادة وحصل في جزء يسير من أجزاء عرفات‬
‫في لحظة لطيفة من وقت الوقوف المذكور (وهو ما بين زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من‬
‫يوم النحر عند الجمهور‪ ،‬ومن طلوع فجر يوم عرفة عند الحنابلة) صح وقوفه‪ ،‬سواء حضر عمدا أو‬
‫وقف مع الغفلة‪ ،‬أو مع البيع والشراء‪ ،‬أو التحدث واللهو‪ ،‬أو في حال النوم‪ ،‬أو اجتاز بعرفات مارا‬
‫في وقت الوقوف‪ ،‬وهو جاهل ل يعلم أنها عرفات‪ ،‬ولم يلبث أصلً‪ ،‬بل اجتاز مسرعا في طرف من‬
‫أرضها المحدودة‪ ،‬أو اجتازها في طلب غريم هارب أو بهيمة شاردة أو كان نائما على بعيره‪ ،‬فانتهى‬
‫به البعير إلى عرفات‪ ،‬فمر بها البعير‪ ،‬أو غير ذلك مما هو في معناه‪ ،‬يصح وقوفه في جميع ذلك‪،‬‬
‫ولكن يفوته كمال الفضيلة‪.‬‬
‫ويجب عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) الوقوف إلى غروب الشمس‪ ،‬ليجمع بين الليل‬
‫والنهار في الوقوف بعرفة‪ ،‬فإن النبي صلّى ال عليه وسلم وقف بعرفة حتى غابت الشمس‪ ،‬في حديث‬
‫جابر السابق‪ .‬وفي حديث علي وأسامة‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم دفع حين غابت الشمس» فإن‬
‫دفع قبل الغروب فحجه صحيح تام عند أكثر أهل العلم‪ ،‬وعليه دم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه‪ ،‬وليلة جمع‪ :‬هي ليلة المبيت بالمزدلفة (نيل الوطار‪.)59/5 :‬‬

‫( ‪)3/546‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يسن الجمع بين الليل والنهار فقط‪ ،‬اتباعا للسنة‪ ،‬فل دم على من دفع من عرفة قبل‬
‫الغروب‪ ،‬وإن لم يعد إليها بعده‪ ،‬لما في الخبر الصحيح‪« :‬أن من أتى عرفة قبل الفجر ليلً أو نهارا‪،‬‬
‫فقد تم حجه» (‪ )1‬ولو لزمه دم لكان حجه ناقصا‪ ،‬نعم‪ ،‬يسن له دم‪ ،‬وهو دم ترتيب وتقدير‪ ،‬خروجا‬
‫من خلف من أوجبه‪.‬‬

‫وقال المالكية‪ :‬الركن الحضور بعرفة ليلة النحر‪ ،‬على أي حالة كانت‪ ،‬ولو بالمرور بها‪ ،‬إن علم أنه‬
‫عرفة‪ ،‬ونوى الحضور‪ ،‬وهذان شرطان في المار فقط كما تقدم‪ ،‬أو كان مغمى عليه‪ .‬فمن وقف بعرفة‬
‫بعد الزوال‪ ،‬ثم دفع منها قبل غروب الشمس‪ ،‬فعليه حج قابل‪ ،‬إل أن يرجع قبل الفجر‪ .‬لكن إن دفع‬
‫من عرفة قبل المام وبعد غروب الشمس أجزأه‪ .‬وبهذا يكون شرط صحة الوقوف عندهم‪ :‬هو أن‬
‫يقف ليلً‪ ،‬ودليلهم أنه صلّى ال عليه وسلم وقف بعرفة حين غربت الشمس‪ ،‬وروى ابن عمر‪ :‬أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من أدرك عرفات بليل‪ ،‬فقد أدرك الحج‪ ،‬ومن فاته عرفات بليل‪ ،‬فقد‬
‫فاته الحج‪ ،‬فليحل بعمرة‪ ،‬وعليه الحج من قابل» ‪.‬‬
‫ونوقش الدليل الول بأن فعله عليه السلم على جهة الفضل؛ لنه كان مخيرا بين ذلك‪ .‬وأن الحديث‬
‫الثاني هو بيان آخر وقت الوقوف‪.‬‬
‫والحاصل أن الجمهور يقولون‪ :‬يجزئ الوقوف ليلً أو نهارا بعد الزوال‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬الواجب‬
‫الوقوف ليلً‪ ،‬فمن تركه فينجبر بالدم‪ ،‬كما أن الحنفية والحنابلة يوجبون الدم على من ترك الوقوف‬
‫ليلً‪ ،‬والشافعية قالوا‪ :‬يسن له الدم فقط‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الربعة ) وصححه الترمذي عن عروة بن ُمضَرّس بن‬
‫أوس‪ .‬وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف ( نيل الوطار‪ ) 58/5 :‬لكن قرر العلماء على‬
‫أن المراد بقوله عليه السلم في هذا الحديث « نهارا » أنه بعد الزوال‪ .‬ويلحظ أن الحنابلة أجازوا‬
‫الوقوف من الفجر يوم عرفة‪ ،‬عملً بظاهر هذا الحديث‪.‬‬

‫( ‪)3/547‬‬
‫رابعا ـ مقدار الوقوف ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة‪ ،‬ولو في لحظة لطيفة‪ ،‬وأوجب المالكية‬
‫الطمأنينة بعد الغروب في الوقوف أي الستقرار بقدر الجلسة بين السجدتين قائما أو جالسا أو راكبا‪.‬‬
‫فالقدر المفروض من الوقوف‪ :‬هو وجوده بعرفة ساعة من هذا الوقت‪ ،‬سواء أكان عالما بها أم جاهلً‪،‬‬
‫نائما أم يقظان مفيقا‪ ،‬أم مغمى عليه أم سكران أم مجنونا في رأي الحنفية والمالكية‪ ،‬وسواء وقف بها‬
‫أو مرّ‪ ،‬وهو يمشي أو على الدابة‪ ،‬أو محمولً؛ لنه أتى بالقدر المفروض‪ :‬وهو وجوده كائنا بها‪،‬‬
‫للحديث السابق‪« :‬من وقف بعرفة‪ ،‬فقد تم حجه» ‪ .‬والمشي والسير ل يخلو عن وقفة‪ ،‬سواء نوى‬
‫الوقوف أم لم ينو‪.‬‬

‫ول خلف في أنه ل يشترط للوقوف طهارة ول ستارة ول استقبال القبلة ولنية‪ ،‬فيصح كون الواقف‬
‫محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء‪ .‬قال ابن المنذر‪ :‬أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن‬
‫من وقف الوقوف بعرفة غير طاهر مدرك للحج‪ ،‬ول شيء عليه‪.‬‬
‫بدليل قول النبي صلّى ال عليه وسلم لعائشة‪« :‬افعلي ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت» ووقفت‬
‫عائشة بعرفة حائضا بأمر النبي‪ ،‬لكن يستحب كما سأبين أن يكون طاهرا‪.‬‬
‫خامسا ـ حكم الحاج إذا فاته الوقوف ‪:‬‬
‫إذا فات الوقوف بعرفة‪ ،‬فات الحج في تلك السنة‪ ،‬ول يمكن استداركه فيها‪ ،‬لن ركن الشيء ذاته‪،‬‬
‫وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال‪.‬‬
‫وذكر النووي في اليضاح (ص ‪ :)54‬إذا غلط الحجاج‪ ،‬فوقفوا في غير يوم عرفة نظر‪ :‬إن غلطوا‬
‫بالتأخير‪ ،‬فوقفوا في العاشر من ذي الحجة‪ ،‬أجزأهم وتم حجهم‪ ،‬ول شيء عليهم‪ ،‬سواء بان الغلط بعد‬
‫الوقوف أو في حال الوقوف‪.‬‬
‫ولو غلطوا فوقفوا في الحادي عشر‪ ،‬أو غلطوا في التقديم‪ ،‬فوقفوا في الثامن من ذي الحجة‪ ،‬أوغلطوا‬
‫في المكان‪ ،‬فوقفوا في غير أرض عرفات‪ ،‬فل يصح حجهم بحال‪.‬‬
‫ولو وقع الغلط بالوقوف في العاشر لطائفة يسيرة‪ ،‬ل للحجيج العام‪ ،‬لم يجزهم على الصح‪.‬‬

‫( ‪)3/548‬‬
‫ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلل ذي الحجة‪ ،‬فردت شهادتهم‪ ،‬لزم الشهود الوقوف في التاسع‬
‫عندهم‪ ،‬وإن كان الناس يقفون بعده‪.‬‬
‫سادسا ـ سنن الوقوف بعرفة وآدابه ‪:‬‬
‫يسن التجاه أو الرواح إلى منى في يوم التروية ـ الثامن من ذي الحجة ـ والمكث أو المبيت بها‬
‫إلى فجر عرفة‪ ،‬ثم الرواح إلى عرفات بعد طلوع الشمس‪ ،‬فيقيم الحجاج بنمرة قرب عرفات اتباعا‬
‫للسنة كما روى مسلم‪ ،‬ول يدخلون عرفات‪ ،‬وقال الحنابلة‪ :‬إن شاؤوا أقاموا بعرفة حتى تزول‬
‫الشمس‪ ،‬ثم يخطب المام قبل صلة الظهر خطبتين كالجمعة‪ ،‬يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع‬
‫الوقوف ووقته والدفع من عرفات‪ ،‬ومبيتهم بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار‪ ،‬لحديث جابر المتقدم‬
‫أن النبي صلّى ال عليه وسلم فعل ذلك‪.‬‬
‫ثم يؤذن المؤذن‪ ،‬ويصلي المام بالناس الظهر والعصر جمع تقديم مع قصرهما اتباعا للسنة كما روى‬
‫مسلم‪ ،‬بأذان وإقامتين وقراءة سرية‪ ،‬دون أن يفصل بينهما بشيء‪ ،‬ول يصلى عند الحنفية بعد أداء‬

‫العصر في وقت الظهر‪ .‬وهذا الجمع نسك من أعمال الحج عند الحنفية‪ ،‬فيشمل المقيم والمسافر‪ ،‬لكن‬
‫لو كان مقيما كإمام مكة صلى بهم صلة المقيمين‪ ،‬ول يجوز له القصر‪ ،‬ول للحجاج القتداء به‪.‬‬
‫ورأى المالكية أيضا أنه يسن الجمع بين الظهرين جمع تقديم حتى لهل عرفة‪ .‬ويسن قصرهما إل‬
‫لهل عرفة بأذان ثان وإقامة للعصر من غير تنفل بينهما‪ ،‬ومن فاته الجمع مع المام جمع في رحله‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة أيضا الجمع لكل من بعرفة من مكي وغيره‪ ،‬أما قصر الصلة فل يجوز لهل مكة‪.‬‬
‫والحاصل أن الجمهور يرون جواز هذا الجمع لكل حاج‪ ،‬أما القصر فل يجوز لهل عرفة وأهل مكة‪،‬‬
‫وأجاز المالكية القصر لهل مكة‪.‬‬

‫( ‪)3/549‬‬
‫ورأى الشافعية‪ :‬أن هذا الجمع والقصر وفي المزدلفة أيضا للسفر ل للنسك‪ ،‬فهما جائزان للمسافر‬
‫فقط‪ ،‬ويختصان بسفر القصر‪ ،‬فيأمر المام المكيين ومن لم يبلغ سفره مسافة القصر (‪89‬كم) بالتمام‬
‫سفْر‪ .‬وإذا دخل‬
‫وعدم الجمع‪ ،‬كأن يقول لهم بعد السلم‪ :‬ياأهل مكة ومن سفره قصير أتموا‪ ،‬فإنا قوم َ‬
‫الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعة أيام لزمهم التمام‪ ،‬فإذا خرجوا يوم التروية إلى منى‪ ،‬ونووا‬
‫الذهاب إلى أوطانهم عنذ فراغ مناسكهم‪ ،‬كان لهم القصر من حين خرجوا؛ لنهم أنشؤوا سفرا تقصر‬
‫فيه الصلة‪.‬‬
‫ثم بعد الفراغ من الصلة يذهبون إلى الموقف‪ ،‬ويعجلون السير إليه‪ ،‬وسنن الوقوف وآدابه‪ :‬هي ما‬
‫يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬الغتسال بنمرة‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أل يدخل أحد عرفات إل بعد الزوال والصلتين‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يخطب المام خطبتين ويجمع الصلتين‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬تعجيل الوقوف عقب الصلتين‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬الفضل كون الوقوف عند الصخرات الكبار في أسفل جبل الرحمة‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس‪ ،‬فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار‪ ،‬بل هو‬
‫واجب عند الجمهور غير الشافعية‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬الفضل أن يقف راكبا‪ ،‬وهو أفضل من الماشي‪ ،‬اقتداء برسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولنه‬
‫أعون على الدعاء‪ ،‬وهو المهم في هذا الموضع‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬استقبال القبلة مع التطهير وستر العورة ونية الوقوف بعرفة (‪ ، )2‬فلو وقف محدثا أو جنبا أو‬

‫حائضا أو عليه نجاسة‪ ،‬أو مكشوف العورة‪ ،‬صح وقوفه‪ ،‬وفاتته الفضيلة‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬الفضل للواقف أل يستظل‪ ،‬بل يبرز للشمس‪ ،‬إل لعذر‪ ،‬بأن يتضرر أو أن ينقص دعاؤه‬
‫واجتهاده‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬أن يكون مفطرا؛ لن الفطر أعون على الدعاء‪ ،‬وقد ثبت في الصحيح أن رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم وقف مفطرا‪.‬‬
‫ً‪ - 11‬أن يكون حاضر القلب‪ ،‬فارغا من الشواغل عن الدعاء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اليضاح‪.54-51 :‬‬
‫(‪ )2‬سبب التفرقة عند الحنفية والحنابلة بين الطواف والوقوف باشتراط النية في الطواف دون‬
‫الوقوف‪ :‬أن النية عند الحرام تضمنت جمبع ما يفعل فيه‪ ،‬والوقوف يفعل في حالة الحرام‪ ،‬وأما‬
‫الطواف فيقع به التحلل‪ ،‬فاشترط فيه عند الحنفية أصل النية دون تعيينها‪.‬‬

‫( ‪)3/550‬‬
‫‪ - 12‬الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلم القبيح‪ ،‬بل ينبغي أن يحترز عن الكلم المباح‬
‫ما أمكنه‪ ،‬فإنه تضييع للوقت المهم فيما ل يعني‪.‬‬
‫‪ - 13‬الستكثار من عمل الخير في يوم عرفة وسائر أيام ذي الحجة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم‪« :‬ما‬
‫العمل في أيام أفضل منه في هذه اليام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا‪ :‬ول الجهاد؟ قال‪ :‬ول الجهاد‪ ،‬إل‬
‫رجل خرج يخاطر بماله ونفسه‪ ،‬فلم يرجع بشيء» (‪. )1‬‬
‫‪ - 14‬الكثار من الدعاء والتهليل وقراءة القرآن والستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف‬
‫والفتقار‪ ،‬واللحاح في الدعاء‪ ،‬وتكرار الدعاء ثلثا‪ ،‬والتسبيح والتحميد والتكبير‪ ،‬ويكثر البكاء مع‬
‫ذلك‪ ،‬فهنالك تسكب العبرات‪ ،‬وتقال العثرات‪.‬‬
‫وأفضل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬أفضل الدعاء يوم‬
‫عرفة‪ ،‬وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي‪ :‬ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد‪،‬‬
‫وهو على كل شيء قدير» ‪.‬‬
‫وفي كتاب الترمذي عن علي رضي ال عنه قال‪ :‬أكثر ما دعا به النبي صلّى ال عليه وسلم يوم‬
‫عرفة في الموقف‪:‬‬
‫«اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول‪ ،‬اللهم لك صلتي ونسكي ومحياي ومماتي‪ ،‬وإليك‬

‫مآبي‪ ،‬ولك ربي تراثي» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري عن ابن عباس‪ .‬وأيام العشر‪ :‬هي اليام المعلومات‪ .‬وأيام التشريق هي المعدودات‪،‬‬
‫وقال ابن جزي المالكي في قوانينه‪ :‬ص ‪ :143‬اليام المعلومات‪ :‬هي أيام النحر الثلثة‪ ،‬واليام‬
‫المعدودات‪ :‬هي أيام منى‪ ،‬وهي أيام التشريق‪ :‬وهي الثلثة بعد يوم النحر‪ ،‬فيوم النحر معلوم غير‬
‫معدود ‪ ،‬والثاني والثالث معلومان معدودان‪ ،‬والرابع معدود غير معلوم‪.‬‬

‫( ‪)3/551‬‬
‫اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات المر‪ .‬اللهم إني أعوذ بك من شر ما‬
‫تجيء به الريح‪.‬‬
‫ومن الدعية المختارة‪ ( :‬اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب النار‪ .‬اللهم إني‬
‫ظلمت نفسي ظلما كثيرا‪ ،‬وإنه ل يغفر الذنوب إل أنت‪ ،‬فاغفر لي مغفرة من عندك‪ ،‬وارحمني‪ ،‬إنك‬
‫أنت الغفور الرحيم‪ .‬اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين‪ ،‬وارحمني رحمة‬
‫منك أسعد بها في الدارين‪ ،‬وتب علي توبة نصوحا ل أنكثها أبدا‪ ،‬وألزمني سبيل الستقامة ل أزيغ‬
‫عنها أبدا‪ ،‬اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة‪ ،‬وأغنني بحللك عن حرامك‪ ،‬وبطاعتك عن‬
‫معصيتك‪ ،‬وبفضلك عمن سواك‪ ،‬ونور قلبي وقبري‪ ،‬وأعذني من الشر كله‪ ،‬واجمع لي الخير كله‪،‬‬
‫استودعتك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي‪ ،‬وجميع ما أنعمت به علي وعلى جميع أحبائي‬
‫والمسلمين أجمعين )‪.‬‬
‫ويستحب أن يكثر من التلبية رافعا بها صوته‪ ،‬ومن الصلة على رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وينبغي أن يأتي بهذه النواع كلها‪ ،‬فتارة يدعو‪ ،‬وتارة يهلل‪ ،‬وتارة يكبر‪ ،‬وتارة يلبي‪ ،‬وتارة يصلي‬
‫على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وتارة يستغفر ويدعو منفردا‪ ،‬ومع جماعة‪.‬‬
‫وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه وسائر من أحسن إليه وسائر‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ويستحب الكثار من الستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات‪ ،‬مع العتقاد بالقلب‪ ،‬وأن يكثر من‬
‫البكاء مع الذكر والدعاء‪ ،‬فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات‪.‬‬

‫( ‪)3/552‬‬

‫وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد ال المخلصين وخواصه المقربين‪ ،‬وهو أعظم‬
‫مجامع الدنيا‪ ،‬وثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي ال عنها أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫قال‪« :‬ما من يوم أكثر من أن يعتق ال تعالى فيه عبدا من النار من يوم عرفة‪ ،‬وإنه يباهي بهم‬
‫الملئكة‪ ،‬يقول‪ :‬ما أراد هؤلء» ‪.‬‬
‫المبحث السادس ‪ -‬واجبات الحج ‪:‬‬
‫واجبات الحج والعمرة التي يجزئ الدم بتركها مختلف فيها بين الفقهاء كما عرفنا‪ :‬فواجبات الحج عند‬
‫الحنفية اثنان وعشرون وأوصلها في كتاب اللباب إلى خمسة وثلثين‪ ،‬منها‪ : :‬السعي‪ ،‬والوقوف‬
‫بالمزدلفة ولو بمقدار لحظة في النصف الثاني من الليل‪ ،‬ورمي الجمار‪ ،‬والحلق أو التقصير‪ ،‬وطواف‬
‫الوداع‪ .‬وذلك عند الحنفية للفاقي غير الحائض ‪،‬أي من هو خارج المواقيت ‪.‬‬
‫وواجبات العمرة عندهم اثنان‪ :‬السعي‪ ،‬والحلق أو التقصير‪.‬‬
‫وواجبات الحج عند المالكية خمسة‪ :‬طواف القدوم على الصح‪ ،‬والوقوف بالمزدلفة‪ ،‬ورمي الجمار‪،‬‬
‫والحلق أو التقصير على المشهور والمبيت بمنى‪ ،‬وواجب العمرة هو الحلق أو التقصير‪.‬‬
‫وواجبات الحج عند الشافعية خمسة‪ :‬الحرام من الميقات الزماني والمكاني‪ ،‬ورمي الجمار‪ ،‬والمبيت‬
‫في المزدلفة أي الوقوف فيها‪ ،‬والمبيت بمنى على الراجح‪ ،‬وطواف الوداع‪ .‬وأعمال العمرة كلها‬
‫أركان عندهم‪ ،‬إل الحرام من الحل فإنه واجب‪ ،‬كما أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة‬
‫على المشهور‪.‬‬
‫وواجبات الحج عند الحنابلة ستة‪ :‬إحرام من الميقات‪ ،‬ووقوف بعرفة نهارا للغروب‪ ،‬ومبيت بمزدلفة‬
‫لبعد نصف الليل‪ ،‬ومبيت بمنى‪ ،‬ورمي الجمرات مرتبا‪ ،‬وحلق أو تقصير‪ ،‬وطواف وداع‪.‬‬
‫وواجبات العمرة اثنان‪ :‬حلق أوتقصير‪ ،‬وإحرام من الحل‪ .‬وقد بينت أحكام الحرام من الميقات‪،‬‬
‫والسعي‪ ،‬وأنواع الطواف‪ ،‬وبقي علينا بحث الواجبات الخرى فيما يلي‪:‬‬

‫( ‪)3/553‬‬
‫المطلب الول ـ الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬
‫صفته الشرعية‪ ،‬ركنه‪ ،‬مكانه‪ ،‬زمانه‪ ،‬حكم فواته عن وقته‪ ،‬سننه (‪. )1‬‬
‫أولً ـ صفة الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬
‫الوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب ل ركن‪ ،‬فمن تركه لزمه دم‪ ،‬والمبيت بها واجب عند‬
‫الحنابلة‪ ،‬سنة عند الحنفية ‪ ،‬والمالكية‪ ،‬وعند الشافعية قولن‪ :‬واجب أو سنة‪ ،‬والراجح عند النووي‬

‫والسبكي الوجوب‪ ،‬ومحل القولين‪ :‬حيث ل عذر‪ ،‬أما المعذور فل دم عليه جزما‪ ،‬ومن المعذورين‪:‬‬
‫من جاء عرفة ليلً فاشتغل بالوقوف عنه‪ ،‬ومن أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن وفاته الوقوف‬
‫بمزدلفة‪ ،‬قال الذرعي ‪ :‬وينبغي حمله على من لم يمكنه الدفع إلى المزدلفة‪ ،‬أي بل مشقة‪ ،‬فإن أمكنه‬
‫وجب جمعا بين الواجبين‪ .‬ومن المعذورين‪ :‬ما لو خافت المرأة طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى‬
‫مكة بالطواف‪ .‬وفي كفاية الختيار‪ :‬المبيت بالمزدلفة سنة‪ ،‬وقدر الواجب عند الحنفية‪ :‬ساعة ولو‬
‫لطيفة ولو مارا‪ ،‬كما في عرفة‪ ،‬وقدر السنة‪ :‬امتداد الوقوف إلى السفار جدا‪.‬‬
‫وعند الحنابلة‪ :‬البقاء بها لما بعد منتصف الليل‪ ،‬فإن دفع بعد نصف الليل فل شيء عليه‪ ،‬وعند‬
‫الشافعية‪ :‬الحصول بها لحظة فيما بعد منتصف الليل‪.‬‬
‫وعند المالكية‪ :‬بقدر حط الرحال وصلة العشاءين‪ ،‬وتناول شيء من أكل أو شرب فيها‪ .‬ورأي‬
‫الجمهور غير الحنابلة أيسر المذاهب الذي يسع الناس الن لكثرة الحجيج وصعوبة المبيت‪.‬‬
‫وأما إتيان المشعر الحرام‪ :‬وهو جبل قُزَح في المزدلفة فهو مستحب عند الحنفية‪ ،‬سنة على المعتمد‬
‫عند المالكية‪ ،‬وسنة عند الشافعية والحنابلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 135/2:‬ومابعدها‪ 155،‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،245-214/2:‬فتح القدير‪،173-169/2:‬‬
‫اللباب‪ 186/1:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ 57/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،133‬اليضاح‪ :‬ص‬
‫‪ 55‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 499/1:‬ومابعدها‪ 409/1،‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪،456-426،450-417/2:‬‬
‫شرح المجموع‪ ،120/8 :‬كفاية الختيار‪.430/1 :‬‬

‫( ‪)3/554‬‬
‫ودليل وجوب المبيت بالمزدلفة‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬فإذا أفضتم من عرفات‪ ،‬فاذكروا ال عند المشعر‬
‫الحرام} [البقرة‪ ]198/2:‬وقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من شهد صلتنا هذه ـ أي صلة الفجر‬
‫ـ ووقف معنا حتى ندفع‪ ،‬وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلً أو نهارا‪ ،‬فقد تم حجه‪ ،‬وقضى تفثه» رواه‬
‫الخمسة وصححه الترمذي‪.‬‬
‫جمْع والمشعر الحرام‪،‬وحد المزدلفة‪ :‬من مأزمي عرفة إلى قرن محسّر‪،‬‬
‫وللمزدلفة أسماء‪ :‬مزدلفة و َ‬
‫وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب‪ ،‬ففي أي موضع منها وقف أجزأه‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬المزدلفة موقف» (‪. )1‬‬
‫ثانيا ـ ركن الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬

‫قال الحنفية‪ :‬ركنه‪ :‬كينونته بمزد لفة‪ ،‬سواء أكان بفعل نفسه أم فعل غيره‪ ،‬بأن يكون محمولً بأمره‪،‬‬
‫أو بغير أمره وهو نائم أومغمى عليه‪ ،‬أو مجنون أو سكران‪ ،‬نواه أو لم ينو‪ ،‬علم بها أو لم يعلم‪ ،‬ولو‬
‫مارا كالوقوف بعرفة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يجب النزول بالمزدلفة بقدر حط الرحال وصلة العشاءين‪ ،‬وتناول شيء من أكل أو‬
‫شرب فيها‪ ،‬فإذا لم ينزل فدم‪ ،‬والوقوف بالمشعر الحرام سنة على المعتمد‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الواجب الذي يكفي في المبيت بالمزدلفة الحصول بها لحظة‪ ،‬كالوقوف بعرفة‪ ،‬فيكفي‬
‫المرور بها‪ ،‬وإن لم يمكث‪ ،‬ووقته بعد نصف الليل‪ .‬ويسن تقديم النساء والضعَفَة بعد نصف الليل إلى‬
‫منى‪ ،‬وشعارهم‪ :‬التلبية والتكبير تأسيا به صلّى ال عليه وسلم (‪ ، )2‬ويبقى غيرهم حتى يصلوا‬
‫الصبح مغلّسين‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬المبيت بمزدلفة واجب‪ ،‬من تركه فعليه دم‪ ،‬ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل منتصف‬
‫الليل‪ ،‬فإن دفع بعده فل شيء عليه‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬خذوا عني مناسككم» وإنما أبيح‬
‫الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه‪ ،‬قال ابن عباس‪« :‬كنت فيمن قدم النبي صلّى ال عليه‬
‫ضعَفة أهله من مزدلفة إلى منى» وكذلك رخص لسماء (‪. )3‬‬
‫وسلم في َ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الشيخان (نصب الراية‪.)72/3:‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)3/555‬‬
‫ول تشترط الطهارة عن الجنابة والحيض‪ ،‬ولنه عبادة ل تتعلق بالبيت‪ ،‬فتصح من غير طهارة‬
‫كالوقوف بعرفة ورمي الجمار‪.‬‬
‫ثالثا ـ مكان الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬
‫المزدلفة (وهي ما بين منى وعرفة) كلها موقف إل بطن مُحَسّر (وهو واد بين منى ومزدلفة)‪ ،‬فيصح‬
‫الوقوف في أي جزء من أجزاء مزدلفة‪ ،‬وينزل في أي موضع شاء منها إل وادي محسر‪ ،‬لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬عرفات كلها موقف‪ ،‬إل بطن عُرَنة‪ ،‬ومزدلفة كلها موقف إل وادي محسر» (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه خمسة من الصحابة‪ :‬جابر عند ابن ماجه‪ ،‬وجبير بن مطعم عند أحمد‪ ،‬وابن عباس عند‬

‫الطبراني والحاكم‪ ،‬وابن عمر عند ابن عدي‪ ،‬وأبو هريرة عند ابن عدي‪ ،‬وهو ضعيف إل حديث ابن‬
‫عباس قال عنه الحاكم‪ :‬صحيح على شرط مسلم‪ ،‬ويراجع‪ ،‬ولفظه «عرفه كلها موقف‪ ،‬وارفعوا عن‬
‫بطن عرنة‪ ،‬والمزدلفة كلها موقف‪ ،‬وارفعوا عن بطن محسر» (نصب الراية‪ 60/3 :‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)3/556‬‬
‫ويكره النزول في المحسر عند الحنفية‪ ،‬لكن لو وقف به أجزأ مع الكراهة‪.‬‬
‫والفضل أن يكون وقوفه خلف المام على الجبل الذي يقف عليه المام وهو جبل قُزَح (المشعر‬
‫الحرام وهو آخر المزدلفة)؛ لنه روي أنه صلّى ال عليه وسلم وقف عليه‪ ،‬وقال‪« :‬خذوا عني‬
‫مناسككم» (‪. )1‬‬
‫رابعا ـ زمان الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬
‫للفقهاء رأيان‪:‬‬
‫‪ - 1‬رأي الحنفية‪ :‬هو أن زمان الوقوف هو ما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس؛ لن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم في حديث جابر وابن عمر دفع قبل طلوع الشمس‪ ،‬فمن وقف بها قبل‬
‫طلوع الفجر‪ ،‬أو بعد طلوع الشمس ل يعتد به‪ .‬وقد ر الواجب منه ساعة ولو لطيفة‪ ،‬وقدر السنة‪:‬‬
‫امتداد الوقوف إلى السفار جدا‪ ،‬والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة‪ ،‬والبيتوتة ليست بواجبة‪ ،‬إنما‬
‫الواجب هو الوقوف‪ ،‬والفضل أن يكون وقوفه بعد الصلة‪ ،‬فيصلي صلة الفجر بغلس‪ ،‬ثم يقف عند‬
‫المشعر الحرام‪ ،‬فيدعو ال تعالى‪ ،‬ويسأله حوائجه إلى أن يسفر‪ ،‬ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى‬
‫منى‪ ،‬ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلة الفجر‪ ،‬فقد أساء ول شيء عليه لتركه السنة‪.‬‬
‫‪ - 2‬ورأي الجمهور‪ :‬هو أن زمان الوقوف هو الليل‪ ،‬وتفصيل ذلك ما يأتي‪:‬‬
‫قال المالكية‪ :‬زمان الوقوف في أي جزء من أجزاء الليل بقدر حط الرحال وصلة العشاءين وتناول‬
‫شيء من الكل أو الشرب‪ .‬والسنة‪ :‬المبيت بالمزدلفة ليلة النحر‪ ،‬فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس‪،‬‬
‫ثم نهضوا إلى المشعر الحرام (وهو آخر المزدلفة وجبل صغير فيها) وذلك سنة على المعتمد‪ ،‬فيقفون‬
‫للتضرع والدعاء إلى السفار‪ ،‬ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى‪ ،‬ويسرعون في وادي‬
‫محسر‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬وقت الوقوف بالمزدلفة بعد نصف الليل‪ ،‬فمن لم يكن فيها في النصف الثاني‪ ،‬أراق‬
‫دما‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه جابر في حديثه الطويل المتقدم‪.‬‬

‫( ‪)3/557‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬المبيت بالمزدلفة حتى يطلع الفجر واجب‪ ،‬من تركه فعليه دم‪ ،‬فإذا صلى الصبح في‬
‫أول وقته وقف عند المشعر الحرام‪ ،‬فيرقى عليه إن أمكنه‪ ،‬وإل وقف عنده فذكر ال تعالى ودعا‬
‫واجتهد‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فإذا أفضتم من عرفات‪ ،‬فاذكروا ال عند المشعر الحرام} [البقرة‪ ]198/2:‬وفي‬
‫حديث جابر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أتى المشعر الحرام‪ ،‬فرقى عليه‪ ،‬فدعا ال ‪ ،‬وهلله‬
‫وكبره‪ ،‬ووحده» ‪ .‬ومن بات بالمزد لفة لم يجز له الدفع قبل نصف الليل‪ ،‬فإن دفع بعده فل شيء‬
‫عليه‪.‬‬
‫خامسا ـ حكم فوات الوقوف بالمزدلفة عن وقته ‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن فات الوقوف فإن كان لعذر‪ ،‬فل شيء عليه‪ ،‬لنه صلّى ال عليه وسلم قدم ضعفة‬
‫أهله‪ ،‬ولم يأمرهم بالكفارة‪ ،‬وإن كان فواته لغير عذر‪ ،‬فعليه دم؛ لنه ترك الواجب من غير عذر‪ ،‬وإنه‬
‫يوجب الكفارة‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬ترك الوقوف بالمزدلفة يوجب الدم‪.‬‬
‫سادسا ـ سنن الوقوف بالمزدلفة ‪:‬‬
‫يستحب في المزدلفة ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الغتسال فيها بالليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعيد‪ ،‬ولما فيها من الجتماع‪ ،‬فمن لم يجد ماء‬
‫تيمم‪ ،‬كما ذكر النووي في اليضاح‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الجمع بين صلتي المغرب والعشاء جمع تأخير‪ ،‬بإقامة لكل صلة‪ ،‬كجمع التقديم في نمرة‪،‬‬
‫ويجمع منفردا أو مع المام‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬إحياء هذه الليلة بالعبادة من الصلة والتلوة والذكر والدعاء والتضرع‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬التأهب بعد نصف الليل وأخذ حصى الجمار من المزدلفة‪ ،‬لجمرة العقبة يوم النحر وهي سبع‬
‫حصيات‪ ،‬وليام التشريق الثلثة ثلثا وستين حصاة‪ ،‬فصار المجموع سبعين حصاة‪ ،‬بقدر حصى‬
‫الخَذْف وهي دون أنملة‪ ،‬نحو حبة الباقل‪ ،‬ويكره أن يكون أكبر من ذلك‪ ،‬ويكره كسر الحجارة له إل‬
‫لعذر بل يلتقطها صغارا‪ ،‬وقد ورد نهي عن كسرها ههنا‪ ،‬لنه يفضي إلى الذى‪.‬‬

‫( ‪)3/558‬‬

‫ومن أي موضع أخذ جاز‪ ،‬لكن يكره من المسجد ومن المواضع النجسة ومن الجمرات التي رمي بها‪،‬‬
‫لقول ابن عباس‪« :‬ما تقبل منها رفع‪ ،‬وما لم يتقبل ترك‪ ،‬ولول ذلك لسد ما بين الجبلين» ‪.‬‬
‫ول يكره غسل حصى الجمار‪ ،‬واستحب النووي وبعض الحنابلة أن يغسلها‪ ،‬لنه روي عن ابن عمر‬
‫أنه غسله‪ ،‬وقال في غاية المنتهى للحنابلة‪ :‬ل يسن غسل غير نجس‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬الوقوف بالمشعر الحرام‪ ،‬والصعود عليه إن أمكنه‪ ،‬وإل وقف عنده أو تحته‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬صلة الصبح في أول وقتها‪ ،‬والمبالغة في التبكير بها في هذا اليوم آكد من باقي اليام‪ ،‬اقتداء‬
‫برسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وليتسع الوقت لوظائف أخرى‪ ،‬فإنها كثيرة في هذا اليوم‪ ،‬فليس في‬
‫أيام الحج أكثر عملً منه‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬الوقوف عند المشعر الحرام بعد صلة الفجر مستقبل الكعبة‪ ،‬فيدعو ويحمد ال تعالى ويكبره‬
‫ويهلله ويوحده ويكثر من التلبية‪ ،‬ويستحب أن يقول في دعائه‪:‬‬
‫( اللهم كما أوقفتنا فيه‪ ،‬وأريتنا إياه‪ ،‬فوفقنا لذكرك كما هديتنا‪ ،‬واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك‪،‬‬
‫وقولك الحق‪ { :‬فإذا أفضتم من عرفات‪ ،‬فاذكروا ال عند المشعر الحرام‪ ،‬واذكروه كما هداكم‪ ،‬وإن‬
‫كنتم من قبله لمن الضالين‪ .‬ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‪ ،‬واستغفروا ال ‪ ،‬إن ال غفور رحيم }‬
‫[البقرة‪ ،]199-198/2:‬ويقول أيضا‪ (:‬ال أكبر ـ ثلثا ـ ل إله إل ال ‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ول‬
‫الحمد )‪.‬‬
‫ويقف حتى يسفر جدا‪ ،‬لما في حديث جابر المتقدم‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم لم يزل واقفا حتى‬
‫أسفر جدا» ثم يدفع قبل طلوع الشمس اتباعا لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وشعاره التلبية والذكر‪،‬‬
‫للية السابقة‪:‬‬

‫( ‪)3/559‬‬
‫{فإذا أفضتم من عرفات‪[ }...‬البقرة‪ ]198/2:‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى‬
‫الجمرة (‪. )1‬‬
‫ضعَفة من النساء وغيرهن قبل طلوع الفجر إلى منى ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة‬
‫ً‪ - 8‬تقديم ال ّ‬
‫الناس‪ ،‬ويكون تقديمهم بعد نصف الليل‪ .‬وهذه هي السنة عند الشافعية‪.‬‬
‫أما غيرهم فيمكثون حتى يصلوا الصبح بمزدلفة‪ ،‬كما سبق‪ ،‬فإذا صلوها‪ ،‬دفعوا متوجهين إلى منى‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬السراع في وادي مُحَسّر (وهو واد فاصل بين مزدلفة ومنى) (‪ )2‬إن كان ماشيا‪ ،‬وتحريك دابته‬
‫من كان راكبا‪ ،‬بقدر رمية حجر‪ ،‬حتى يقطعوا عرض الوادي‪ ،‬للتباع في الراكب‪ ،‬كما روى مسلم‪،‬‬

‫ويقاس الماشي عليه‪ ،‬ولنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت‪.‬‬
‫وفيما عدا ذلك المستحب التيان إلى المزدلفة والدفع منها بالسكينة والوقار لما في حديث جابر‬
‫السابق‪« :‬أيها الناس السكينة السكينة» (‪. )3‬‬
‫المطلب الثاني ـ رمي الجمار في منى وحكم المبيت فيها ‪:‬‬
‫أما الرمي فأبين معناه‪ ،‬ووجوبه والنابة فيه‪ ،‬ووقته‪ ،‬ومكانه‪ ،‬وشروطه‪ ،‬أو عدد الجمار وقدرها‬
‫وجنسها ومأخذها‪ ،‬ومقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع‪ ،‬وكيفية الرمي وما يسن في ذلك وما‬
‫يكره‪ ،‬وحكمه إذا تأخر عن وقته (‪ . )4‬ثم أبيّن حكم المبيت بمنى‪.‬‬
‫ل ـ معنى رمي الجمار وحكمته وحد منى ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫رمي الجمار في اللغة‪ :‬هو القذف بالحجار الصغار وهي الحصى‪ ،‬إذ الجمار جمع جمرة‪ ،‬والجمرة‪:‬‬
‫هي الحجر الصغير وهي الحصاة‪ ،‬وفي الشرع‪ :‬هو القذف بالحصى في زمان مخصوص ومكان‬
‫مخصوص وعدد مخصوص كما سيأتي‪ .‬فلو وضع الحصى وضعا لم يجزئ‪ ،‬لعدم الرمي وهو‬
‫القذف‪ .‬وإن طرحها طرحا أجزأه‪ ،‬لوجود الرمي‪ ،‬إل أنه رمي خفيف‪ ،‬يقصد به رجم إبليس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه عن الفضل بن عباس‪.‬‬
‫(‪ )2‬ويسمى وادي النار أيضا‪ ،‬وهو خمس مئة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا‪.‬‬
‫(‪ )3‬وروى البخاري عن ابن عباس‪« :‬أيها الناس‪ ،‬عليكم السكينة‪ ،‬فإن البر ليس باليضاع» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ ،159-139،156-136/2:‬الدر المختار‪ ،249-245/2:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،134‬‬
‫اللباب‪ ،190-188/1:‬الشرح الصغير‪ 58/2 :‬ومابعدها ‪ ،69-63 ،‬مغني المحتاج‪،504 ،501/1 :‬‬
‫‪ ،509-506‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،60-58‬المغني‪ ،430-424/3 :‬غاية المنتهى‪.414 ،411-410/1 :‬‬

‫( ‪)3/560‬‬
‫وحكمته‪ :‬أنه عمل رمزي يمثل مقاومة الشيطان الذي يريد إيقاع الناس بالمعاصي‪ ،‬بالفعل المادي‪،‬‬
‫ليس في وقته فحسب وإنما في كل وقت؛ لن المحسوس يدل على المعقول‪ ،‬وهو أيضا اقتداء بفعل‬
‫سيدنا إبراهيم عليه السلم وزوجته هاجر وابنه إسماعيل حينما أوحي إلى إبراهيم بذبح ولده‪ ،‬فكان كل‬
‫منهم يرمي إبليس بحصيات لنهاء وساوسه بأل يفعل الذبح‪ ،‬ولتحقيق امتثال أمر ال ‪ ،‬دون تردد أو‬
‫تثبيط عنه‪.‬‬
‫شعْب طوله نحو ميلين‪ ،‬وعرضه يسير‪ ،‬أما‬
‫وحد منى‪ :‬ما بين وادي مُحْسّر وجمرة العقبة‪ ،‬ومنى‪ِ :‬‬

‫الجبال المحيطة به فما أقبل منها عليه فهو من منى‪ ،‬وما أدبر منها فليس من منى‪.‬‬
‫والجمرات ثلث‪ :‬الولى ( أو الصغرى )‪ ،‬والوسطى‪ ،‬وجمرة العقبة (أو الكبرى أو الخيرة)‪،‬‬
‫والولى تلي مسجد الخَيْف‪ ،‬ومسجد الخيف أو مسجد إبراهيم عليه السلم على أقل من ميل عن مكة‪.‬‬
‫وجمرة العقبة‪ :‬في آخر منى من جهة مكة‪ ،‬وليست العقبة التي تنسب إليها هذه الجمرة من منى‪ ،‬وهي‬
‫الجمرة التي بايع رسول ال صلّى ال عليه وسلم النصار عندها قبل الهجرة وهي صخرة عظيمة في‬
‫أول منى بالنسبة للتي من مكة‪ ،‬وهي كلها تقع في وسط الشارع‪ .‬وتبعد الخيرة عن الوسطى نحو‬
‫‪ 551‬مترا‪ ،‬ويبدأ الحاج بالولى‪ ،‬ويختم بالثالثة‪.‬‬
‫ثانيا ـ وجوب الرمي والنابة فيه ‪:‬‬
‫رمي الجمار (جمرة العقبة يوم النحر‪ ،‬والجمار الثلث أيام التشريق) واجب اتفاقا‪ ،‬اتباعا لفعل النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال جابر‪« :‬رأيت النبي صلّى ال عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم‬
‫النحر‪ ،‬ويقول‪ :‬لتأخذوا عني مناسككم‪ ،‬فإني ل أدري لعلي ل أحُجّ بعد حَجّتي هذه» (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم والنسائي ( نيل الوطار‪.)65/5:‬‬

‫( ‪)3/561‬‬
‫وتجوز النابة في الرمي لمن عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس‪ ،‬أو كبر سن أو حمل المرأة‪،‬‬
‫فيصح للمريض بعلة ل يرجى زوالها قبل انتهاء وقت الرمي‪ ،‬وللمحبوس وكبير السن والحامل أن‬
‫يوكل عنه من يرمي عنه الجمرات كلها‪ ،‬ويجوز التوكل عن عدة أشخاص‪ ،‬على أن يرمي الوكيل عن‬
‫نفسه أولً كل جمرة من الجمرات الثلث‪ ،‬ويستحب أن يناول النائب الحصى إن قدر‪ ،‬ويكبر هو‪،‬‬
‫فيقول‪ ( :‬ال أكبر ـ ثلثا ـ ل إله إل ال ‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ول الحمد ) كما نقل عن الشافعي‬
‫رحمه ال ‪.‬‬
‫ولكن يجب عند المالكية على الموكل دم‪ ،‬وفائدة الستنابة‪ :‬سقوط الثم عن الموكل‪ ،‬ويبقى ملزما‬
‫بإراقة دم‪ .‬وتوكيل المرأة غيرها في حال الزحمة الشديدة أولى من المرض في تقديري‪.‬‬
‫ثالثا ـ وقت الرمي ‪:‬‬
‫أ ـ رمي جمرة العقبة (أو الكبرى ) ‪ :‬يدخل وقته عند الشافعية والحنابلة من نصف ليلة النحر‪،‬‬
‫والفضل أن يكون بعد طلوع الشمس؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر‪ ،‬فرمت‬
‫جمرة العقبة قبل الفجر‪ ،‬ثم مضت فأفاضت (‪ . )1‬ورميها هو تحية منى فل يبتدأ فيها بغيره‪.‬‬

‫ووقته عند المالكية والحنفية‪ :‬بعد طلوع الشمس يوم العيد‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل ترموا‬
‫حتى تطلع الشمس» (‪ )2‬ويقطع المفرد بالحج والقارن التلبية عند الجمهور عند ابتداء رمي هذه‬
‫الجمرة عند أول حصاة‪ ،‬لما رواه الجماعة عن الفضل بن عباس‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواهاه أبو داود‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الربعة ) عن ابن عباس‪ ،‬وصححه الترمذي ولفظه‪« :‬قدّم‬
‫ض َعفَة أهله‪ ،‬وقال‪ :‬ل ترموا حتى تطلع الشمس» ( نيل الوطار‪.) 67/5 :‬‬

‫( ‪)3/562‬‬
‫جمْع إلى منى‪ ،‬فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة‬
‫قال‪« :‬كنت رديف النبي صلّى ال عليه وسلم من َ‬
‫العقبة» (‪ )1‬والمعتمر يقطع التلبية عند بدء الطواف‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬تقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة إذا راح إلى الموقف‪ .‬ويستمر وقت رمي‬
‫هذه الجمرة إلى آخر النهار ‪ -‬نهار العيد‪ ،‬لما روى البخاري‪« :‬أن رجلً قال للنبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬إني رميت بعدما أمسيت‪ ،‬فقال‪ :‬ل حرج» والمساء‪ :‬بعد الزوال‪.‬‬
‫ب ـ رمي الجمرات الثلث أيام التشريق‪ :‬بعد زوال الشمس في كل يوم أي بعد الظهر بالتفاق‪،‬‬
‫لقول ابن عباس‪« :‬رمى رسول ال صلّى ال عليه وسلم الجمار حين زالت الشمس» (‪ )2‬فل يجوز‬
‫الرمي قبل الزوال‪ ،‬ويستمر الوقت للغروب‪.‬‬
‫وإن أخر الرمي إلى الليل كان قضاء عند المالكية‪ ،‬لخروج وقت الداء وهو النهار الذي يجب فيه‬
‫الرمي‪ ،‬وعليه دم بالتأخير‪ ،‬والواجب دم واحد في تأخير حصاة فأكثر‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬إن أخر الرمي إلى الليل‪ ،‬ورمى قبل طلوع الفجر‪ ،‬جاز‪ ،‬ول شيء عليه؛ لن الليل‬
‫وقت الرمي في أيام الرمي‪ .‬ويجوز عند أبي حنيفة الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق‪ ،‬وهو‬
‫اليوم الرابع من أيام الرمي‪ ،‬قبل الزوال‪ ،‬لقول ابن عباس‪ « :‬إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق‬
‫جاز الرمي » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬ل يجزئ رمي إل نهارا بعد الزوال‪ ،‬غير سقاة ورعاة فيرمون ليلً ونهارا‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬وقت الرمي‪ :‬من الزوال إلى الغروب‪ ،‬فلو ترك رمي يوم تداركه في باقي اليام‪،‬‬
‫وعلى هذا يبقى وقت الرمي في أيام التشريق إ لى الغروب من كل يوم‪ ،‬ولكن لو أخر رمي يوم ومنه‬
‫رمي جمرة العقبة إلى ما بعده من أيام الرمي يقع أداء‪ ،‬فل يخرج وقت الرمي بالغروب على المعتمد‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.322/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (نيل الوطار‪.)79/5 :‬‬

‫( ‪)3/563‬‬
‫ولرعاء البل وأهل السقاية (‪ )1‬تأخير الرمي عن وقت الختيار يوما فقط‪ ،‬ويؤدونه في تاليه قبل‬
‫رميه‪ ،‬ل رمي يومين متواليين‪.‬‬
‫وإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال‪ ،‬فأراد أن ينفر من منى إلى مكة‪ ،‬وهو المراد‬
‫من النفر الول‪ ،‬فله ذلك‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فمن تعجل في يومين فل إثم عليه} [البقرة‪ ]2/203:‬أي بترك‬
‫الرمي في اليوم الثالث‪ ،‬والفضل أل يتعجل‪ ،‬بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق‪ ،‬وهو اليوم الثالث منها‪،‬‬
‫فيستوفي الرمي في اليام كلها‪ ،‬ثم ينفر‪ ،‬وهو معنى النفر الثاني في قوله تعالى‪{ :‬ومن تأخر فل إثم‬
‫عليه} [البقرة‪. ]203/2:‬‬
‫قال ابن عباس في هذه الية‪ « :‬فمن تعجل في يومين غفر له‪ ،‬ومن تأخر غفر له » ‪.‬‬
‫وكذا قال ابن مسعود في قوله تعالى‪{ :‬فل إثم عليه} [البقرة‪ :]203/2:‬رجع مغفورا له‪ ،‬وذلك مشروط‬
‫بالتقوى‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬لمن اتقى} [البقرة‪.]203/2:‬‬
‫ووقت التعجيل عند الجمهور في ثاني أيام التشريق‪ ،‬وهو النفر الول‪ ،‬يكون قبل غروب الشمس للية‬
‫السابقة‪ ،‬وحديث عبد الرحمن بن يعمر عند أبي داود وابن ماجه‪« :‬أيام منى ثلثة‪ ،‬فمن تعجل في‬
‫يومين فل إثم عليه‪ ،‬ومن تأخر فل إثم عليه» واليوم‪ :‬اسم للنهار‪ ،‬فمن أدركه الليل‪ ،‬فما تعجل في‬
‫يومين‪ ،‬فإن غربت الشمس وهو بها لم يخرج حتى يرمي من غد بعد الزوال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أهل السقاية‪ :‬موضع بالمسجد الحرام يسقى فيه الماء‪ ،‬ويجعل في حياض يسبل للشاربين‪ ،‬فيسقط‬
‫عنهم المبيت‪ ،‬لنه صلّى ال عليه وسلم رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى‪ ،‬لجل السقاية‪ ،‬رواه‬
‫الشيخان‪.‬‬

‫( ‪)3/564‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬للحاج أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام العيد‪ ،‬فإذا طلع الفجر‪ ،‬لم يكن‬
‫له أن ينفر لدخول وقت الرمي (‪. )1‬‬

‫رابعا ـ مكان الرمي ‪:‬‬
‫الرمي في يوم النحر‪ :‬عند جمرة العقبة‪ ،‬وفي اليام الخر عند ثلثة مواضع‪ :‬عند الجمرة الولى‪،‬‬
‫والوسطى‪ ،‬والعقبة‪ ،‬بشروط وقوع ذلك كله مكان وقوع الجمرة‪ ،‬ل مكان الرمي‪ ،‬فلو رمى الجمرة من‬
‫مكان بعيد‪ ،‬فوقعت الحصاة عند الجمرة‪ ،‬أجزأه‪ ،‬وإن لم تقع عندها‪ ،‬لم تجزئه‪ ،‬إل إذا وقعت عند‬
‫الحنفية بقرب منها؛ لن ما يقرب من ذلك المكان‪ ،‬كان في حكمه‪ ،‬لكونه تبعا له‪.‬‬
‫خامسا ـ شروط الرمي‪ :‬يشترط لصحة الرمي مطلقا ما يأتي ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يكون الرمي بيد‪ ،‬ويكون المرمي عند الجمهور حجرا اتباعا للسنة‪ ،‬فل يكفي الرمي بقوس‪،‬‬
‫ول الرمي بالرجل ول بالمقلع‪ ،‬ول بالطين‪ ،‬ول بغير الحصى كجوهر وذهب وزبرجد وفيروزج‬
‫وياقوت ونحاس وغير ذلك من المعادن‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الرض‬
‫كالحجر والمدر والطين وكل ما يجوز التيمم به‪ ،‬ولو كفا من تراب‪ ،‬فيقوم مقام حصاة واحدة‪ ،‬ول‬
‫يجوز بخشب وعنبر ولؤلؤ وجواهر؛ لنه إعزاز ل إهانة‪ ،‬ول بذهب وفضة‪ ،‬لنه يسمى نثارا ل‬
‫رميا‪ ،‬ول بعر؛ لنه ليس من جنس الرض‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يكون الحصى كحصى الخذف (‪ : )2‬وهو أكبر من الحمص ودون البندق‪ ،‬كالفولة أو النواة‪،‬‬
‫ول يجزئ صغير جدا كالحمصة ويكره كبير ويجزئ‪ .‬وهذا شرط عند المالكية‪ ،‬سنة عند غيرهم‪ ،‬لن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أمر الصحابة أن يرموا بمثل حصى الخذف (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،298/2 :‬الشرح الصغير‪ ،64/2 :‬السراج الوهاج‪ :‬ص ‪ ،165‬كشاف القناع‪،511/2 :‬‬
‫طبع بيروت‪ ،‬المغني والشرح الكبير‪ ،479/3 :‬ط بيروت‪.‬‬
‫(‪ )2‬الخذف‪ :‬هو رمي الحصى بالصبعين‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي عن جابر (نيل الوطار‪.)64/5 :‬‬

‫( ‪)3/565‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يسمى الفعل رميا‪ :‬فل يكفي الوضع في المرمى؛ لنه ل يسمى رميا‪ ،‬ولنه خلف الوارد‪،‬‬
‫ويشترط قصد الجمرة (‪ )1‬بالرمي‪ ،‬فلو رمى إلى غيرها كأن رمى في الهواء‪ ،‬فوقع في المرمى‪ ،‬لم‬
‫يكف‪ .‬ولو وقع الرمي على الحائط الذي بجمرة العقبة‪ ،‬كما يفعله كثير من الناس فأصابه‪ ،‬ثم وقع في‬
‫المرمى ل يجزئ‪ .‬كما ل يجزئ لو وقعت الحصاة دون الجمرة التي هي محل الرمي‪ ،‬ولم تصل‬
‫الحصاة إليها‪ ،‬ولو وقعت الحصاة في شق من بناء الجمرات أجزأت على التحقيق‪.‬‬

‫ً‪ - 4‬أن يقع الحصى في المرمى‪ ،‬فإن وقع دونه‪ ،‬لم يجزئه بالتفاق؛ لنه مأمور بالرمي ولم يرم‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬رمي السبع واحدة واحدة أي سبع رميات‪ ،‬وترتيب الجمرات بأن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد‬
‫الخيف‪ ،‬وهي أولهن من جهة عرفات‪ ،‬ثم الوسطى‪ ،‬ثم جمرة العقبة‪ ،‬اتباعا للسنة‪ ،‬كما روى‬
‫البخاري‪ .‬وهذا عند الجمهور‪ ،‬فلو خالف الترتيب بأن قدم العقبة أو الوسطى‪ ،‬لم يجزئ؛ لن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم رتبها في الرمي‪ ،‬وقال‪« :‬خذوا عني مناسككم» وليس عدد السبع شرطا عند‬
‫الحنابلة‪ ،‬فإن نقص حصاة أو حصاتين فل بأس‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬الترتيب بين الجمرات سنة‪.‬‬
‫وإن شك في عدد الحصيات السبع‪ ،‬بنى على القل‪ ،‬وحقق المطلوب يقينا‪ ،‬وإن رمى دفعة واحدة لم‬
‫يجزئ‪ ،‬وحُسب ذلك واحدة‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬أن يكون الرمي من المُحرم بنفسه‪ ،‬ويستنيب لعجزه كما بينت‪ ،‬ويشترط في النائب أن يكون‬
‫رمى عن نفسه أولً‪ ،‬فلو لم يرم وقع عن نفسه كأصل الحج‪ ،‬ويندب أن يناول النائب الحصى‪ ،‬ويكبر‬
‫إن أمكن‪ ،‬وإل تناولها النائب وكبر بنفسه‪.‬‬
‫ول يشترط بقاء الحجر في المرمى‪ ،‬ول كون الرامي خارجا عن الجمرة‪ ،‬ول الطهارة‪ ،‬ول طهارة‬
‫الحصى‪ ،‬فتجزئ حصاة نجسة مع الكراهة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الجمرة‪ :‬هي البناء أو السارية الن وما حوله من موضع الحصى‪.‬‬

‫( ‪)3/566‬‬
‫مأخذها‪ :‬وتؤخذ حصى الجمار من مزدلفة أو من الطريق من محسر وغيره أو من أي مكان غير‬
‫نجس‪ ،‬لما روي أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر ابن عباس رضي ال عنهما أن يأخذ الحصى من‬
‫مزدلفة (‪ ، )1‬وعليه فعل المسلمين‪ .‬وأخذ الحصى من مزدلفة‪ :‬سنة فقط‪ .‬ويكره عند الحنابلة أخذ‬
‫الحصى من منى وسائر الحرم‪ ،‬ومن المرحاض‪.‬‬
‫وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه مع الكراهة عند الحنفية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في‬
‫الصحيحين‪« :‬ارم ول حرج» مطلقا‪ ،‬والكراهة لنها مردودة لما روي‪« :‬من قبلت حجته رفعت‬
‫جمرته» ‪.‬‬
‫ول يجزئه في رأي الفقهاء الخرين؛ لنها حصى مستعملة‪ ،‬ولن ما تقبّل رفع‪ ،‬كما ورد وشوهد (‪)2‬‬
‫‪ ،‬ولول ذلك لسد الحصى على التوالي الزمان المتطاولة ما بين الجبلين‪.‬‬

‫مقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع‪ :‬ترمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات‪ ،‬وترمى كل‬
‫جمرة من الجمرات الثلث في أيام التشريق بسبع حصيات‪ ،‬فيكون المرمي في كل يوم إحدى‬
‫وعشرين حصاة‪ .‬ففي حديث جابر عند مسلم «أنه صلّى ال عليه وسلم رمى جمرة العقبة بسبع‬
‫حصيات‪ ،‬يكبر مع كل حصاة منها» ‪ .‬وفي حديث ابن عمر عند البخاري « أنه صلّى ال عليه وسلم‬
‫رمى كل جمرة بسبع حصيات ‪ ،‬يكبر كلما رمى بحصاة» ‪.‬‬
‫سادسا ـ كيفية الرمي وسننه ‪:‬‬
‫‪ - 1‬يرفع الرجل أو الصبي يده بالرمي حتى يرى بياض إبطه‪ ،‬بخلف المرأة والخنثى‪.‬‬
‫‪ - 2‬يكون الرمي باليد اليمنى‪.‬‬
‫‪ - 3‬يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي‪ ،‬فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه‪ ،‬ويستقبل العقبة‪ ،‬ثم‬
‫يرمي‪ ،‬ول يقف عندها؛ لنه ل رمي بعده‪ ،‬والصل أن كل رمي بعده رمي يقف عنده‪ ،‬ويدعو‪ ،‬وما‬
‫ليس بعده رمي ل يقف عنده‪ ،‬عملً‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن عدي وأحمد والحاكم والنسائي ( نصب الراية‪ ،) 76/3 :‬وروى أحمد ومسلم عن‬
‫الفضل ابن عباس أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة »‬
‫(نيل الوطار‪.)62/5:‬‬
‫(‪ )2‬روى الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه قال‪ « :‬قلت‪ :‬يارسول‬
‫ال‪ ،‬هذه الجمار التي نرمي بها كل عام‪ ،‬فنحسب أنها تنقص‪ ،‬فقال‪ :‬إن مايقبل منها رفع‪ ،‬ولول ذلك‬
‫لرأيتها أمثال الجبال» وقال ابن عباس‪« :‬أما علمت أن من يقبل حجه يرفع حصاه» (نصب الراية‪:‬‬
‫‪ 78/3‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)3/567‬‬
‫بفعل النبي صلّى ال عليه وسلم (‪ . )1‬ويستقبل القبلة في رمي الجمرات أيام التشريق‪ ،‬ويرمي‬
‫الجمرتين الوليين من علوّ‪ ،‬ويدنو من الجمرة في رمي أيام التشريق بحيث ل يبلغه حصى الرامين‪،‬‬
‫وفي حال الستقبال تكون مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه‪ .‬والحاصل أنه يرمي الجمرتين الوليين‬
‫من فوقهما‪ ،‬والعقبة من أسفلها‪ ،‬ويدعو بعد الجمرة الولى والثانية وينصرف بعد جمرة العقبة من غير‬
‫دعاء‪.‬‬
‫‪ - 4‬يرمي عند الشافعية راجلً‪ ،‬ل راكبا إل في يوم النفر‪ ،‬فالسنة أن يرمي راكبا لينفر عقبه‪ ،‬وثبت‬

‫في الصحيح عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم « أنه يرمي راكبا إن كان أتى منى راكبا » ‪ .‬وقال‬
‫ل كيفما شاء؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم «رماها على راحلته (‪)2‬‬
‫الحنابلة‪ :‬يرميها راكبا أو راج ً‬
‫» ‪ .‬وقال الحنفية والمالكية‪ :‬الفضل الرمي ماشيا‪ ،‬أو راكبا‪.‬‬
‫‪ - 5‬يكبر مع كل حصاة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫( ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر كبيرا والحمد ل كثيرا‪ ،‬وسبحان ال بكرة وأصيلً‪ ،‬ل إله إل ال وحده‬
‫ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير‪ .‬ل إله إل ال ‪ ،‬ول نعبد إل‬
‫إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون‪ .‬ل إله إل ال وحده صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم‬
‫الحزاب وحده‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬وال أكبر ) ودليل التكبير‪ :‬ما ثبت في أحاديث جابر المتقدم وابن‬
‫مسعود وابن عمر (‪ . )3‬وإن قال‪« :‬اللهم اجعله حجا مبرورا‪ ،‬وذنبا مغفورا‪ ،‬وعملً مشكورا»‬
‫فحسن؛ لن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولن نحو ذلك‪.‬‬
‫ثم يقف مستقبل القبلة ويدعو‪ ،‬ويذكر ال تعالى‪ ،‬ويهلل ويسبح بعد رمي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى البخاري عن ابن عمر قال مبينا فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ثم يأتي الجمرة التي‬
‫عند العقبة‪ ،‬فيرميها بسبع حصيات‪ ،‬يكبر كلما رماها بحصاة‪ ،‬ثم ينصرف‪ ،‬ول يقف عندها» (نصب‬
‫الراية‪.)77/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل‪ ،‬ورواه أحمد عن ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )3‬نصب الراية‪ 76/3:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/568‬‬
‫بفعل النبي صلّى ال عليه وسلم (‪ . )1‬ويستقبل القبلة في رمي الجمرات أيام التشريق‪ ،‬ويرمي‬
‫الجمرتين الوليين من علوّ‪ ،‬ويدنو من الجمرة في رمي أيام التشريق بحيث ل يبلغه حصى الرامين‪،‬‬
‫وفي حال الستقبال تكون مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه‪ .‬والحاصل أنه يرمي الجمرتين الوليين‬
‫من فوقهما‪ ،‬والعقبة من أسفلها‪ ،‬ويدعو بعد الجمرة الولى والثانية وينصرف بعد جمرة العقبة من غير‬
‫دعاء‪.‬‬
‫‪ - 4‬يرمي عند الشافعية راجلً‪ ،‬ل راكبا إل في يوم النفر‪ ،‬فالسنة أن يرمي راكبا لينفر عقبه‪ ،‬وثبت‬
‫في الصحيح عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم « أنه يرمي راكبا إن كان أتى منى راكبا » ‪ .‬وقال‬
‫ل كيفما شاء؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم «رماها على راحلته (‪)2‬‬
‫الحنابلة‪ :‬يرميها راكبا أو راج ً‬

‫» ‪ .‬وقال الحنفية والمالكية‪ :‬الفضل الرمي ماشيا‪ ،‬أو راكبا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى البخاري عن ابن عمر قال مبينا فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ثم يأتي الجمرة التي‬
‫عند العقبة‪ ،‬فيرميها بسبع حصيات‪ ،‬يكبر كلما رماها بحصاة‪ ،‬ثم ينصرف‪ ،‬ول يقف عندها» (نصب‬
‫الراية‪.)77/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل‪ ،‬ورواه أحمد عن ابن عمر‪.‬‬

‫( ‪)3/569‬‬
‫‪ - 5‬يكبر مع كل حصاة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫( ال أكبر‪ ،‬ال أكبر‪ ،‬ال أكبر كبيرا والحمد ل كثيرا‪ ،‬وسبحان ال بكرة وأصيلً‪ ،‬ل إله إل ال وحده‬
‫ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير‪ .‬ل إله إل ال ‪ ،‬ول نعبد إل‬
‫إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون‪ .‬ل إله إل ال وحده صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم‬
‫الحزاب وحده‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬وال أكبر ) ودليل التكبير‪ :‬ما ثبت في أحاديث جابر المتقدم وابن‬
‫مسعود وابن عمر (‪ . )1‬وإن قال‪« :‬اللهم اجعله حجا مبرورا‪ ،‬وذنبا مغفورا‪ ،‬وعملً مشكورا»‬
‫فحسن؛ لن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولن نحو ذلك‪.‬‬
‫ثم يقف مستقبل القبلة ويدعو‪ ،‬ويذكر ال تعالى‪ ،‬ويهلل ويسبح بعد رمي الجمرة الولى‪ ،‬بقدر قراءة‬
‫سورة البقرة‪ ،‬وكذا بعد رمي الثانية‪ ،‬ل الثالثة‪ ،‬بل يمضي في طريقه بعد رميها للتباع في ذلك‪ ،‬كما‬
‫روى البخاري‪ ،‬إل بقدر سورة البقرة‪ ،‬فرواه البيهقي من فعل ابن عمر‪.‬‬
‫‪ - 6‬يقطع التلبية عند الجمهور مع أول حصاة في رمي جمرة العقبة‪ ،‬إن رمى قبل الحلق‪ ،‬وإن حلق‬
‫قبل الرمي قطع التلبية؛ لنها ل تثبت مع التحلل كما ثبت في حديث جابر الطويل المتقدم وغيره‪.‬‬
‫وقال المالكية كما بينا‪ :‬يقطع التلبية من ظهر يوم عرفة‪.‬‬
‫‪ - 7‬يستحب أن يكون الحجر عند الجمهور مثل حصى الخذف‪ ،‬ل أكبر ول أصغر‪ .‬وشرط المالكية‬
‫ذلك‪ ،‬فلو رمى بأكبر منه كره وأجازه بالتفاق‪ ،‬وكذا لو رمى بأصغر منه أجزأه مع الكراهة عند‬
‫الجمهور‪ ،‬ول يجزئ صغير جدا عند المالكية‪.‬‬
‫‪ - 8‬ويستحب أن يكون الحجر طاهرا‪ ،‬فلو رمى بنجس كره وأجزأه‪ .‬ويكره أن يرمي بما أخذه من‬
‫المسجد أو من الحرم أو من الموضع النجس‪ ،‬أو بما رمى به غيره‪ ،‬ولو رمى بشيءٍ من ذلك أجزأه‪.‬‬
‫ويندب عند المالكية وغيرهم تتابع الحصيات بالرمي ‪ ،‬فل يفصل بينها بشاغل من كلم أو غيره‪ ،‬ول‬

‫تجب موالة الرمي‪.‬‬
‫سابعا ـ حكم تأخيرر الرمي عن وقته ‪:‬‬
‫رمي الجمار واجب كما عرفنا‪ ،‬فإن تأخرعن وقته أو فات‪ ،‬وجب دم‪ ،‬على النحو المقرر فقها‪ ،‬فقال‬
‫الحنفية (‪ : )2‬إذا ترك من جمار يوم النحر حصاة أو حصاتين أو ثلثا إلى الغد‪ ،‬فإنه يرمي ما ترك‬
‫أو يتصدق لكل حصاة نصف صاع من حنطة (‪ )3‬إل أن يبلغ قدر الطعام دما فينقص ما شاء‪.‬‬
‫والصل أن ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة‪ ،‬فلو ترك الرمي كله إلى الغد‪ ،‬كان عليه دم‬
‫عند أبي حنيفة‪ ،‬فإذا ترك أقله تجب عليه الصدقة إل أن يبلغ دما‪ ،‬وإن ترك الكثر منها فعليه دم في‬
‫قول أبي حنيفة؛ لن في جميعه دما عنده‪ ،‬فكذا في أكثره‪.‬‬
‫وإن ترك الرمي كله في سائر اليام إلى آخر أىام الرمي‪ ،‬وهو اليوم الرابع‪ ،‬فإنه يرميها فيه على‬
‫الترتيب‪ ،‬وعليه دم عند أبي حنيفة؛ لن الرمي مؤقت عنده‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصب الراية‪ 76/3:‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ، 2/138 :‬اللباب‪.1/205 :‬‬
‫(‪ )3‬الصاع الشرعي أو البغدادي ‪ 2751‬غراما‪.‬‬

‫( ‪)3/570‬‬
‫ولو ترك رمي الكل وهو الجمار الثلث لزمه دم عند أبي حنيفة؛ لن جنس الجناية واحد‪ ،‬حظرها‬
‫إحرام واحد‪ ،‬فيكفيها دم واحد‪ ،‬كما لو حلق ربع رأسه‪ ،‬فإنه يجب عليه دم واحد‪ ،‬ولو حلق جميع رأسه‬
‫يلزمه دم واحد أيضا‪ ،‬وكذا لو طيب عضوا واحدا أو طيب أعضاءه كلها‪ ،‬أو لبس ثوبا واحدا أو لبس‬
‫ثيابا كثيرة‪ ،‬ل يلزمه في ذلك كله إل دم واحد‪.‬‬
‫فإذا ترك رمي الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق وهو آخر أيام الرمي‪ ،‬يسقط عنه‬
‫الرمي‪ ،‬وعليه دم واحد باتفاق الحنفية‪ ،‬لفوات وقته‪ ،‬وتعذر القضاء‪ ،‬وتركه الواجب عن وقته‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬إذا أخر رمي حصاة فأكثر من الجمار لليل أو ليوم بعده‪ ،‬وجب عليه دم‪ ،‬لخروج‬
‫وقت الداء وهو النهار‪ ،‬ودخول وقت القضاء‪.‬‬
‫ويقضي رمي جمرة العقبة أو اليوم الثاني أو الثالث قبل غروب شمس اليوم الرابع‪ ،‬سواء أخره لعذر‬
‫أم ل‪ ،‬أو خالف ترتيب الجمرات‪ ،‬وعليه دم‪.‬‬
‫ويفوت الرمي بغروب الرابع‪ ،‬وعليه دم‪ .‬ويلزم الدم أيضا العاجز إذا استناب في الرمي‪ ،‬ويأثم أيضا‬

‫إذا لم يستنب لتقصيره‪ ،‬وعلى النائب دم ثان إن أخر الرمي لليل لغير عذر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،68 ،63/2 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ 47/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/571‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬إذا ترك رمي يوم أو رمي جمرة العقبة يوم النحر‪ ،‬تداركه في باقي اليام من‬
‫أيام التشريق في الظهر‪ ،‬عملً بنص الحديث المبيح لتأخير الرمي للرعاء وأهل السقاية‪ ،‬وبالقياس‬
‫عليهم في غيرهم‪ ،‬إذ ل فرق بين المعذور وغيره‪ ،‬كما في الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة‪ ،‬ول دم‬
‫عليه إن تداركه لحصول النجبار بالمأتي به‪ ،‬وإن لم يتداركه فعليه دم في رمي يوم أو يومين أو‬
‫ثلثة أو يوم النحر مع أيام التشريق‪ ،‬لتحاد جنس الرمي‪ ،‬فأشبه حلق الرأس‪ .‬والمذهب وجوب دم‬
‫كامل في ترك ثلث حصيات؛ لن الثلث أقل الجمع‪ ،‬كما لو أزال ثلث شعرات متواليات‪ ،‬وروى‬
‫البيهقي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال‪« :‬من ترك نسكا فعليه دم» وفي ترك الحصاة الواحدة‬
‫مدّ‪ ،‬وفي الثنتين مدّان‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )2‬إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده‪ ،‬أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق‪ ،‬ترك‬
‫السنة‪ ،‬ول شيء عليه‪ ،‬كما قال الشافعية‪ ،‬إل أنه يقدم بالنية رمي اليوم الول ثم الثاني‪ ،‬ثم الثالث؛ لن‬
‫أيام التشريق وقت للرمي‪ ،‬فإن أخره من أول وقته إلى آخره‪ ،‬لم يلزمه شيء‪ ،‬كما لو أخر الوقوف‬
‫بعرفة إلى آخر وقته‪ ،‬ولنه وقت يجوز الرمي فيه‪ ،‬فجاز في آخره كاليوم الول‪.‬‬
‫ول يكون رميه في اليوم الثاني قضاء وإنما هو أداء‪ ،‬مع ترك الفضل؛ لنه وقت واحد‪.‬‬
‫فإن ترك الرمي أو خالف ترتيب الجمرات‪ ،‬وجب دم‪.‬‬
‫وإن نقص حصاة أو حصاتين فل بأس‪ ،‬ول ينقص أكثر من ذلك‪ ،‬قال ابن عمر‪« :‬ما أبالي رميت‬
‫بست أو سبع» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 508/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ 455/3 :‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪.421 ،415 ،414 ،410/1 :‬‬

‫( ‪)3/572‬‬

‫حكم المبيت بمنى‪ :‬المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة اتفاقا‪ ،‬لكن للفقهاء رأىان في المبيت‬
‫بمنى في ليالي التشريق‪ :‬رأي أنه سنة‪ ،‬ورأي أنه واجب (‪. )1‬‬
‫أما الرأي الول فهو للحنفية‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة‪ ،‬وكذلك المبيت‬
‫بمنى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة سنة أيضا‪ ،‬فإن أقام بمنى لجل الرمي فعل‬
‫الفضل‪ ،‬وإن تركه ل شيء عليه‪ ،‬ويكون مسيئا؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم أرخص للعباس أن‬
‫يبيت بمكة للسقاية‪ ،‬كما أوضحت سابقا‪.‬‬
‫وأما الرأي الثاني فهو للجمهور‪ :‬وهو أن المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب‪ ،‬فمن تركه كان عليه دم‬
‫عند المالكية والشافعية‪ ،‬وتفصيل رأي كل مذهب ما يأتي‪:‬‬
‫قال المالكية‪ :‬المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر واجب‪ ،‬لكن رخص مالك جوازا لراعي البل‬
‫فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه‪ ،‬ويترك المبيت في هاتين الليلتين‪ ،‬ويأتي اليوم‬
‫الثالث من أيام النحر‪ ،‬فيرمي لليومين‪ ،‬اليوم الثاني الذي فاته‪ ،‬وهو في رعيه‪ ،‬والثالث الذي حضر‬
‫فيه‪ ،‬ثم إن شاء أقام لرمي الثالث من أيام الرمي‪.‬‬
‫وكذا رخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة‪ ،‬فل بد من أن يأتي نهارا للرمي‪ ،‬ثم ينصرف؛‬
‫لن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلً‪ ،‬ويفرغه في الحياض‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب اتباعا للسنة مع خبر «خذوا عني مناسككم»‬
‫والواجب معظم الليل‪ ،‬خلفا للمبيت بمزدلفة الذي يكتفى فيه بساعة في النصف الثاني بمزدلفة‪،‬‬
‫للتخفيف في أداء المناسك في تلك الليلة‪ ،‬فمن ترك المبيت في منى وجب عليه دم‪.‬‬
‫ويسقط مبيت منى ومزدلفة والدم عن المعذورين وهم الرّعاء وأهل السقاية؛ لنه صلّى ال عليه وسلم‬
‫رخص لرعاء البل أن يتركوا المبيت بمنى‪ ،‬وقيس بمنى مزدلفة‪ ،‬ولنه صلّى ال عليه وسلم رخص‬
‫للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى‪ ،‬لجل السقاية‪ ،‬كما روى الشيخان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ، :‬اللباب‪ ،183/2 :‬الشرح الصغير وحاشيته‪ ،65/2 :‬مغني المحتاج‪505/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،449/3 :‬اليضاح‪ :‬ص ‪ 66‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/573‬‬
‫ويسقط مبيت منى ومزدلفة أيضا عمن له عذرآخر كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو‬
‫يخاف على نفسه أو مال معه أو له مريض يحتاج إلى تعهده‪ ،‬أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو‬

‫نحو ذلك‪.‬‬
‫ويسقط مبيت مزدلفة لوانتهى ليلة العيد إلى عرفات‪ ،‬فاشتغل بالوقوف عن المبيت فيها‪ ،‬وإنما يؤمر‬
‫بالمبيت المتفرغون‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى؛ لن «النبي صلّى ال عليه وسلم أفاض‬
‫يوم النحر‪ ،‬ثم رجع‪ ،‬فصلى الظهر بمنى» (‪ )1‬وقالت عائشة‪« :‬أفاض رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫من آخر يومه حين صلى الظهر‪ ،‬ثم رجع إلى منى‪ ،‬فمكث بها ليالي أيام التشريق» (‪. )2‬‬
‫والمبيت بمنى ليالي منى واجب ‪ ،‬لكن إن ترك المبيت بمنى‪ ،‬فل شيء عليه كما قال الحنفية؛ لن‬
‫الشرع لم يرد فيه بشيء‪ .‬وروي عن أحمد أيضا‪ :‬في الليالي الثلث دم‪ ،‬لقول ابن عباس‪« :‬من ترك‬
‫من نسكه شيئا‪ ،‬أو نسيه فليهرق دما» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)3/574‬‬
‫المطلب الثالث ـ الحلق أو التقصير ‪:‬‬
‫هو إزالة شعر الرأس أو التقصير في حج أو عمرة في وقته‪.‬‬
‫وأبحث هنا وجوبه‪ ،‬مقدار الواجب‪ ،‬زمانه ومكانه‪ ،‬أثره المترتب عليه‪ ،‬حكم تأخيره عن زمانه ومكانه‬
‫( ‪. )1‬‬
‫أولً ـ وجوب الحلق أو التقصير‪ :‬رأى الجمهور‪ :‬أن الحلق أو التقصير نسك واجب‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{ثم ليقضوا تفثهم} [الحج‪ ]29/22:‬والتفث ـ كما قال ابن عمر‪« :‬حلق الشعر ولبس الثياب وما يتبع‬
‫ذلك » ‪ ،‬ولما روى أنس‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أتى منى‪ ،‬فأتى الجمرة‪ ،‬فرماها‪ ،‬ثم‬
‫أتى منزله بمنى ونحر‪ ،‬ثم قال للحلق‪ :‬خذ‪ ،‬وأشار إلى جانبه اليمن‪ ،‬ثم اليسر‪ ،‬ثم جعل يعطيه‬
‫الناس» (‪ ، )2‬وقال أبو هريرة‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اللهم اغفر للمُحلّقين ‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫يا رسول ال‪ ،‬وللمقصرين؟ قال‪ :‬اللهم اغفر للمحلقين‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬وللمقصرين؟ قال‪:‬‬
‫وللمقصرين (‪. » )3‬‬
‫ورأى الشافعية‪ :‬أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة؛ لنه نُسُك على المشهور؛ لن الحلق‬
‫أفضل من التقصير للذكر‪ ،‬والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات‪ ،‬وروى ابن حبان في‬

‫صحيحه أنه صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬لكل من حلق رأسه‪ ،‬بكل شعرة سقطت‪ :‬نور يوم القيامة» ‪.‬‬
‫ول حلق على المرأة بالتفاق‪ ،‬وإنما عليها التقصير‪ ،‬فهو سنة المرأة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«ليس على النساء الحلق‪ ،‬إنما على النساء التقصير» (‪ )4‬وأخرج الترمذي عن علي حديث‪« :‬نهى أن‬
‫تحلق المرأة رأسها» (‪ )5‬وتقصيرها بأن تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة ‪ ،‬لما روي عن عمر‬
‫رضي ال عنه حينما قيل له‪ « :‬كم تقصر المرأة؟ فقال‪ :‬مثل هذه » ‪ ،‬وأشار إلى أنملته‪.‬‬
‫وليس على الحاج عند الحنفية إذا حلق أن يأخذ شيئا من لحيته؛ لن الواجب حلق الرأس بالنص وهو‬
‫قوله تعالى‪{ :‬لقد صدق ال رسوله الرؤيا بالحق لتدخُلُنّ المسجد الحرام إن شاء ال آمنين محلّقين‬
‫رؤوسكم ومقصرين} [الفتح‪ ]27/48:‬وقال الشافعية‪ :‬يسن أن يأخذ من شاربه أو لحيته شيئا‪ ،‬ليكون قد‬
‫وضع من شعره شيئا ل تعالى‪.‬‬
‫والصلع الذي ل شعر على رأسه يجب عند الحنفية أن يُمر الموسى على رأسه‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬وما أمرتكم به‪ ،‬فأتوا منه ما استطعتم» (‪ )6‬فصاحب الشعر يجب عليه إزالته‪ ،‬وإمرار‬
‫الموسى على رأسه‪ ،‬فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الخر‪ ،‬فإذا عجز عن تحقيق الحلق‪ ،‬فلم يعجز‬
‫عن التشبه بالحالقين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،142-140/2 :‬بداية المجتهد‪ ،340/1 :‬الشرح الكبير‪ ،46/2 :‬الشرح الصغير‪،59/2 :‬‬
‫‪ ،73 ،62‬مغني المحتاج‪ ،513 ،502/1 :‬المغني‪ ،439-434/3 :‬غاية المنتهىِ‪ ،412/1 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،134‬الىضاح‪ :‬ص ‪.63 ،58‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد ومسلم وأبو داود (نيل الوطار‪.)68/5 :‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه (نيل الوطار‪.)69/5 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الدارقطني وأبو داود عن ابن عباس (نيل الوطار‪.)70/5 :‬‬
‫(‪ )5‬وروت عائشة مثله‪ « :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى المرأة أن تحلق رأسها » ‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة‪ ،‬ولفظه‪« :‬ما نهيتكم عنه فاجتنبوه‪ ،‬وما أمرتكم به‪. »...‬‬

‫( ‪)3/575‬‬
‫ويستحب عند الجمهور إمرار الموسى على رأس الصلع‪ ،‬لقول ابن عمر‪« :‬من جاء يوم النحر‪ ،‬ولم‬
‫يكن على رأسه شعر‪ ،‬أجرى الموسى على رأسه» ‪.‬‬
‫ثانيا ـ مقدار الواجب ‪:‬‬

‫الفضل حلق جميع الرأس بالتفاق‪ ،‬لقوله تعالى‪ُ { :‬محَلّقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح‪ ]27/48:‬فإن‬
‫العرب تبدأ بالهم والفضل‪ ،‬ولحديث أبي هريرة المتقدم‪ ،‬الذي جعل فيه التقصير في المرتبة الثالثة‬
‫بعد الحلق‪.‬‬
‫والرأس يقع على جميعه‪ ،‬فإن حلق بعض الرأس لم يجزه عند الحنفية أقل من الربع‪ ،‬وإن حلق ربع‬
‫الرأس أجزأه مع الكراهة؛ لن ربع الرأس يقوم مقام كله في القربات المتعلقة بالرأس‪ ،‬كمسح ربع‬
‫الرأس في الوضوء‪ ،‬والكراهة لترك المسنون‪ :‬وهو حلق جميع الرأس‪.‬‬
‫وأما تقدير التقصير‪ :‬فهو عند المالكية والحنابلة بقدر النملة أو أزيد أو أنقص بيسير‪ ،‬والنملة‪ :‬رأس‬
‫الصبع من المفصل العلى‪.‬‬
‫وأوجب الحنفية ما يزيد على قدر النملة‪ ،‬حتى يحقق التقصير من جميع الشعر‪ ،‬ويتيقن من استيفاء‬
‫قدر الواجب‪ ،‬فيخرج عن العهدة بيقين‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬أقل إزالة شعر الرأس أو التقصير‪ :‬ثلث شعرات‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬محلّقين رؤوسكم}‬
‫[الفتح‪ ]27/48:‬أي شعر رؤوسكم؛ لن الرأس ل يحلق‪ ،‬والشعر جمع‪ ،‬وأقله ثلث‪ ،‬أو أن يقدر لفظ‬
‫الشعر منكرا فيكتفى في الوجوب بمسمى الجمع‪ .‬ولو لم يكن هناك إل شعرة وجب إزالتها‪.‬‬
‫والزالة‪ :‬إما حلقا أو تقصيرا و إحراقا أو نتفا‪.‬‬
‫ومن ل شعر برأسه يستحب إمرار الموسى عليه‪ ،‬وعند الحنفية‪ :‬يجب كما تقدم‪.‬‬

‫( ‪)3/576‬‬
‫ثالثا ـ زمان الحلق ومكانه ‪:‬‬
‫يرى أبو حنيفة‪ :‬أن الحلق يختص بالزمان والمكان‪ ،‬فزمانه‪ :‬أيام النحر‪ ،‬ومكانه الحرم‪ ،‬فلو أخر الحلق‬
‫عن أيام النحر أو حلق خارج الحرم‪ ،‬يجب عليه دم؛ لنه صلّى ال عليه وسلم حلق في أيام النحر في‬
‫الحرم‪ ،‬فصار فعله بيانا لمطلق الكتاب‪ ،‬ويجب عليه بتأخيره دم؛ لن تأخير الواجب بمنزلة الترك في‬
‫حق وجوب الجابر‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬لو أخر الحلق ولو سهوا لبلده‪ ،‬ولو قربت‪ ،‬فعليه دم‪.‬‬
‫أما لو أخر الحلق عن أيام الرمي الثلثة بعد يوم النحر‪ ،‬ففي قول ضعيف عليه دم‪ ،‬والمقرر في‬
‫المدونة أل دم عليه‪ ،‬فإن حلق بمكة أيام التشريق‪ ،‬أو بعدها‪ ،‬أو حلق في الحل في أيام منى‪ ،‬فل شيء‬
‫عليه‪.‬‬
‫وقال الشافعية ‪ ،‬والحنابلة في الراجح من الروايتين عندهم‪ :‬يدخل وقت الرمي والذبح والحلق بنصف‬

‫ليلة النحر‪ ،‬لكن السنة تقديم رمي‪ ،‬فنحر‪ ،‬فحلق‪ ،‬فطواف إفاضة‪.‬‬
‫والحلق والطواف والسعي ل آخر لوقتها‪ ،‬فل دم على من أخر الحلق عن أيام منى أو قدمه على‬
‫رمي‪ ،‬أو نحر أو طاف قبل رمي ولو كان عالما ‪ ،‬ودليلهم أن ال تعالى بيّن أول وقت الحلق بقوله‪{ :‬‬
‫ول تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلّه} [البقرة‪،]196/2:‬ولم يتبين آخره‪ ،‬فمتى أتى به أجزأه‬
‫كطواف الزيارة والسعي‪ ،‬ولن الصل عدم التأقيت‪ ،‬ويبقى الحاج محرما حتى يأتي بما عليه من‬
‫الحلق والطواف والسعي‪ ،‬لكن الفضل فعلها يوم النحر‪ ،‬ويكره تأخيرها عن يوم النحر‪ ،‬ويكون‬
‫تأخيرها عن أيام التشريق أو عن خروجه عن مكة أشد كراهة‪.‬‬

‫( ‪)3/577‬‬
‫رابعا ـ الثر المترتب على الحلق أو التقصير أو حكمه ‪:‬‬
‫حكم الحلق أو التقصير‪ :‬صيرورة المحرم حللً‪ ،‬فيحل له كل شيء إل النساء عند الحنفية‪ ،‬أي إن‬
‫المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق‪ ،‬حل له كل ما كان محظورا بالحرام إل النساء‪ ،‬فيبقى ما كان‬
‫محرما عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة‪ ،‬وعقد الزواج عند الجمهور غير الحنفية‪،‬‬
‫ويحل له ماسواه‪ ،‬فإن حلق أو قصر ورمى العقبة‪ ،‬حل له عندهم كل شيء إل النساء‪ ،‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬إذا رميتم وحلقتم‪ ،‬فقد حل لكم الطيب والثياب‪ ،‬وكل شيء إل النساء» (‪ )1‬وفي لفظ‬
‫«إذا رمى أحدكم جمرة العقبة‪ ،‬وحلق رأسه‪ ،‬فقد حل له كل شيء إل النساء» (‪ ، )2‬أي الوطء‬
‫والمباشرة فيما دون الفرج‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬يحل كل شيء بالرمي والحلق إل عقد النكاح (‪ ، )3‬والوطء‪ ،‬والمباشرة فيما‬
‫دون الفرج‪ ،‬لحديث‪« :‬إذا رميتم الجمرة‪ ،‬فقد حل لكم كل شيء إل النساء» (‪. )4‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يحل بالرمي والحلق كل شيء إل النساء والصيد والطيب‪ ،‬ول يحل شيء من هذه‬
‫المور إل بطواف الفاضة‪.‬‬
‫ويقال للتحلل بعد الحلق‪ :‬التحلل الول‪ ،‬وبعد الطواف‪ :‬التحلل الكبر كما سنبين‪.‬‬
‫خامسا ـ حكم تأخير الحلق عن الزمان والمكان ‪:‬‬
‫إذا أخر الحلق عن زمانه أو مكانه‪ ،‬وجب الدم عند أبي حنيفة‪ ،‬ويجب الدم عند المالكية فقط إذا رجع‬
‫إلى بلده جاهلً أو ناسيا‪ ،‬والراجح أل يجب شيء بالتأخير عن أيام التشريق الثلثة بعد يوم النحر‪ ،‬ما‬
‫لم يرجع لبلده‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة وأبو يوسف‪ :‬ل يجب الدم بتأخير الحلق عن أيام الرمي‪ ،‬أو لما بعد العودة‬

‫إلى البلد‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه سعيد عن عائشة‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الثرم وأبو داود‪ ،‬إل أنه قال‪ :‬هو ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )3‬وهذا على الظهر عند الشافعية‪ ،‬كما رجح النووي رحمه ال‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه النسائي بإسناد جيد‪.‬‬

‫( ‪)3/578‬‬
‫المبحث السابع ـ سنن الحج والعمرة ‪:‬‬
‫ذكرت تفصيلً سنن الحج والعمرة في كل مذهب‪ ،‬وأهم هذه السنن إجمالً‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الغسل‪ ،‬والتطيب للحرام‪ ،‬وركعتا الحرام‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬التلبية عقب الحرام وبعد كل صلة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬طواف القدوم عند الجمهور‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬إنه واجب‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬ركعتا الطواف عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬وأداؤها واجب عند الحنفية والمالكية‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬المبيت بمنى ليلة يوم عرفة وأداء خمس صلوات بمنى يوم التروية‪ ،‬وهي الظهر والعصر‬
‫والمغرب والعشاء والفجر‪ ،‬اتباعا للسنة‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬المبيت بالمزدلفة ليلة يوم النحر والسفار بها قبل طلوع الشمس سنة عند الحنفية‪ ،‬وإنما الواجب‬
‫عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر‪ ،‬اتباعا للسنة في حديث جابر المتقدم‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬المبيت‬
‫واجب‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬الوجوب بمقدار حط الرحال‪ ،‬وقال الشافعية‪ :‬يكفي في المبيت بالمزدلفة لحظة‬
‫في النصف الثاني من الليل‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬المبيت بمنى ليالي التشريق سنة عند الحنفية‪ ،‬واجب عند الئمة الخرين‪ ،‬لغير ذوي العذار‪،‬‬
‫اتباعا لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم فيما رواه أبو داود‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬التحصيب‪ :‬وهو النزول بوادي المحصّب بعد النفر من منى إلى مكة فيما بين الجبلين عن‬
‫طريق مقبرة الحجون‪ ،‬سنة عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬مستحب عند غيرهم‪ ،‬مع التفاق أنه ليس من‬
‫المناسك التي يلزم فعلها‪.‬‬
‫ودليل السنية‪ :‬قول أسامة بن زيد في حجة النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أين‬
‫تنزل غدا؟ قال‪ :‬هل ترك لنا عقيل منزل ً؟ » ثم قال‪ « :‬نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت‬

‫قريش على الكفر» (‪ )1‬والخيف‪ :‬هو المحصب أي الوادي‪.‬‬
‫ودليل الستحباب حديث عائشة‪« :‬إنما نزل رسول ال صلّى ال عليه وسلم المحصب ليكون أسمح‬
‫لخروجه‪ ،‬وليس بسنة‪ ،‬فمن شاء نزله‪ ،‬ومن شاء لم ينزله» (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 9‬خطب الحج‪ :‬هي خطبة واحدة بعد الظهر‪ ،‬إل خطبة عرفة فهي خطبتان بعد الزوال قبل‬
‫الصلة‪ .‬وللفقهاء رأيان في عدد خطب الحج (‪ : )3‬رأي إنها ثلثة‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‪ ،‬والمقاسمة‪ :‬هي تحالف قريش وبني كنانة‬
‫على أل يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ول يبايعوهم‪ ،‬ول يؤوهم حتى يسلّموا إليهم رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم (نيل الوطار‪.)84/5 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه (نيل الوطار‪ 83/5 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 151/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ 236/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،133‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،54/2 :‬مغني المحتاج‪ 495/1 :‬وما بعدها‪ ،‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،47‬غاية المنتهى‪،412/1 :‬‬
‫‪ ،315‬المغني‪ ،456 ،445 ،407/3 :‬المحرر‪.249/1 :‬‬

‫( ‪)3/579‬‬
‫ورأي إنها أربعة‪ .‬أما الرأي الول فهو للحنفية والمالكية والحنابلة‪ :‬أن الخطب ثلثة‪:‬‬
‫الخطبة الولى ـ في السابع من ذي الحجة‪ :‬تسن هذه الخطبة في مكة عند الكعبة في سابع ذي الحجة‬
‫بعد صلة الظهر‪ ،‬وهي خطبة واحدة ل يجلس فيها بالتفاق‪ ،‬وهي أول الخطب‪ ،‬يعلمهم فيها المام‬
‫مناسك الحج‪.‬‬
‫وكون هذه الخطبة هي الولى هو مذهب الجمهور‪ ،‬بدليل حديث ابن عمر‪« :‬كان رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم إذا كان قبل التروية بيوم‪ ،‬خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم» (‪. )1‬‬
‫واعتبر الحنابلة خطبة يوم عرفة هي الولى‪.‬‬
‫وإذا كان يوم التروية يوم جمعة‪ ،‬خرج بهم المام عند الشافعية قبل الفجر؛ لن السفر يومها بعد الفجر‬
‫وقبل الزوال حرام‪ ،‬وإذا كان يوم عرفة يوم جمعة‪ ،‬جاز خروج الحجاج بعد الفجر‪ ،‬ولم يصل النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم الجمعة بعرفة‪ ،‬مع أنه قد ثبت في الصحيحين أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم كان يوم جمعة‪.‬‬
‫وجاز الخروج مطلقا يوم التروية وغيره عند الحنابلة‪ ،‬سواء قبل الفجر أم قبل الزوال‪ ،‬فإن شاء الحاج‬

‫خرج‪ ،‬وإن شاء أقام حتى يصلي‪.‬‬
‫الخطبة الثانية ـ يوم عرفة ‪:‬‬
‫وهي خطبتان خفيفتان بعرفات قبل الصلة اتفاقا‪ ،‬يجلس بينهما الخطيب كما في الجمعة‪ ،‬يعلمهم في‬
‫الولى المناسك من موضع الوقوف بعرفة ووقته والدفع‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه البيهقي بإسناد جيد‪.‬‬

‫( ‪)3/580‬‬
‫من عرفات‪ ،‬ومبيتهم في المزدلفة‪ ،‬وأخذ الحصى لرمي الجمار‪ ،‬ويحثهم على إكثار الذكر والدعاء‬
‫بالموقف‪ ،‬لحديث جابر المتقدم أن النبي صلّى ال عليه وسلم فعل ذلك‪.‬‬
‫قال المالكية والشافعية‪ :‬يبدأ المؤذن والمام يخطب أو بعد فراغه من الخطبة‪ ،‬ويفرغ من الخطبة‬
‫الثانية مع فراغ المؤذن‪ ،‬وقال الحنابلة‪ :‬يأمر المام بالذان بعد الخطبة‪.‬‬
‫ثم يصلي المام بالناس الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم‪ ،‬اتباعا للسنة كما روى مسلم‪ ،‬وذلك بأذان‬
‫واحد وإقامتين وقراءة سرية‪ ،‬دون أن يصلي بينهما شيئا من السنن‪ ،‬ول بعد أداء العصر في وقت‬
‫الظهر عند الحنفية‪.‬‬
‫الخطبة الثالثة عند الشافعية وهي الثانية عند الحنابلة‪ :‬يوم النحر (العيد) بمنى ‪:‬‬
‫وهي خطبة واحدة‪ ،‬يعلم المام فيها الناس مناسكهم من النحر والفاضة والرمي‪ ،‬لما روى ابن عباس‪:‬‬
‫«أن النبي صلّى ال عليه وسلم خطب الناس يوم النحر‪ ،‬يعني بمنى» (‪. )1‬‬
‫وعن رافع بن عمرو المزني قال‪« :‬رأيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يخطب الناس بمنى‪ ،‬حين‬
‫ارتفع الضحى على بغلة شهباء‪ ،‬وعلى بعير عنه‪ ،‬والناس بين قائم وقاعد» (‪. )2‬‬
‫ولن يوم النحر تكثر فيه أفعال الحج‪ ،‬ويحتاج الناس إلى تعلم أحكام ذلك‪ ،‬فكانت الخطبة محتاجا إليها‬
‫لجل هذا الغرض‪ ،‬كيوم عرفة‪.‬‬
‫الخطبة الثالثة عند الجمهور‪ ،‬وهي الرابعة عند الشافعية‪ :‬ثاني أيام منى ‪:‬‬
‫وهي خطبة واحدة متفق عليها‪ ،‬يعلم المام فيها الناس حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم‪ ،‬لما روي عن‬
‫رجلين من بني بكر قال‪:‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)3/581‬‬
‫«رأينا رسول ال صلّى ال عليه وسلم يخطب بين أوساط أيام التشريق‪ ،‬ونحن عند راحلته» (‪، )1‬‬
‫ولن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم‪ :‬كيف يتعجلون‪ ،‬وكيف يودعون‪ ،‬بخلف اليوم الول من أيام منى‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الخطب أربعة عند الشافعية وهي خطبة السابع‪ ،‬وخطبة التاسع من ذي الحجة يوم‬
‫عرفة‪ ،‬ويوم العيد بمنى‪ ،‬وفي اليوم الحادي عشر‪ :‬ثاني أيام التشريق بمنى‪.‬‬
‫وهي ثلثة عندالحنابلة‪ :‬يوم عرفة‪ ،‬ويوم النحر‪ ،‬وثاني أيام منى‪.‬‬
‫وكذلك هي ثلثة عند الحنفية والمالكية‪ :‬سابع ذي الحجة في المسجد الحرام‪ ،‬ويوم عرفة بعد الزوال‬
‫قبل الصلة‪ ،‬وفي اليوم الحادي عشر‪.‬‬
‫وكلها مفردة إل خطبة يوم عرفة فهي خطبتان‪ ،‬ومتفق عليها كما يلحظ‪.‬‬
‫المبحث الثامن ـ كيفية أداء الحج والعمرة ‪:‬‬
‫عرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالت ثلث‪ :‬الفراد‪ ،‬التمتع‪ ،‬القران (‪ ، )2‬وبينت الفضل منها في‬
‫المذاهب في بحث أركان الحج والعمرة‪.‬‬
‫ل ـ كيفية الفراد‪ :‬الفراد أن يحرم بالحج وحده‪ ،‬ثم ل يعتمر حتى يفرغ من حجه‪.‬‬
‫أو ً‬
‫وكيفيته‪ :‬أن يغتسل أو يتوضأ قبل الحرام‪ ،‬والغسل أفضل منه‪ ،‬ويلبس ثوبين جديدين أوغسيلين إزارا‬
‫ورداء‪ ،‬ويتطيب‪ ،‬ويصلي ركعتي الحرام‪ ،‬في غير وقت الكراهة‪ ،‬ويقول‪ ( :‬اللهم إني أريد الحج‬
‫فيسّره لي وتقبله مني )‪ ،‬ثم يلبي عقب صلته‪ ،‬ناويا بتلبيته الحج‪ ،‬ويكثر من التلبية عقيب الصلوات‪،‬‬
‫وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة‪ ،‬وبالسحار‪.‬‬
‫فإذا لبى ناويا فقد أحرم‪ ،‬فيمتنع عما نهى ال عنه من الرّفث والفسوق والجدال (‪ ، )3‬ول يقتل صيدا‬
‫ول يشير إليه‪ ،‬ول يدل عليه‪ ،‬ول يلبس مخيطا ول خفا‪ ،‬ول يغطي رأسه ول وجهه‪ ،‬ول يمس طيبا‪،‬‬
‫ول ينتف أو يقص شعرا ول ظفرا‪.‬‬
‫ول بأس أن يغتسل بغير صابون؛ لنه نوع طيب‪ ،‬وله أن يستظل بالبيت والمظلة‪ ،‬وأن يشد في‬
‫وسطه ال ِهمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط) ومثله المنطقة‪.‬‬
‫فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته‪ ،‬داخلً ـ كماذكر الحنفية ـ من باب السلم‬
‫خاشعا متواضعا‪ ،‬ملحظا عظمة البيت وشرفه‪ ،‬فإذا عاين البيت كبر ال تعالى وهلل ثلثا ودعا بما‬

‫أحب‪ ،‬فإنه من أرجى مواضع الجابة‪.‬‬
‫ثم يطوف غير المكي طواف القدوم؛ لنه تحية البيت‪ ،‬مبتدئا بالحجر السود‪ ،‬مستقبلً له‪ ،‬مكبرا مهللً‬
‫(‪ ، )4‬رافعا يديه كرفعهما للصلة‪ ،‬مستلما له بباطن كفيه‪ ،‬ثم مقبّلً له إن استطاع من غير أن يؤذي‬
‫مسلما (‪ ، )5‬ثم يدور حول الكعبة عن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪ ،‬وروى الدارقطني مثله عن سرّاء بنت نبهان‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع فتح القدير‪ ،224-134/2 :‬اللباب شرح الكتاب‪ ،199-179/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،135-131‬المهذب‪ ،232-220/1 :‬غاية المنتهى‪.412-407/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الرفث‪ :‬الجماع‪ ،‬أو الكلم الفاحش‪ ،‬والفسوق‪ :‬المعاصي‪ :‬والجدال‪ :‬الخصام مع الرفقة وغيرهم‪.‬‬
‫(‪ )4‬يقول‪ (:‬ل إله إل ال‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬اللهم أنت السلم‪ ،‬ومنك السلم‪ ،‬وإليك يعود السلم‪ ،‬فحينا ربنا‬
‫بالسلم‪ ،‬اللهم إيمانا بك‪ ،‬وتصديقا بكتابك‪،‬ووفاء بعهدك‪ ،‬واتباعا لسنة نبيك محمدصلّى ال عليه‬
‫وسلم ) ‪.‬‬
‫(‪ )5‬يقول في أثناء الطواف‪ ( :‬ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم‬
‫الحزاب وحده )‪.‬‬

‫( ‪)3/582‬‬
‫حجْر)‪ ،‬ويستلم الحجَر والركن اليماني في‬
‫يساره‪ ،‬ويطوف بالبيت سبعة أشواط‪ ،‬من وراء الحطيم (ال ِ‬
‫كل شوط يمر بهما‪ ،‬ويختم الطواف بالستلم كما ابتدأ به‪ ،‬ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر‬
‫من المسجد‪ ،‬في وقت مباح غير مكروه‪.‬‬
‫وليس على أهل مكة طواف القدوم‪ ،‬وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها‪ ،‬سقط‬
‫عنه طواف القدوم‪ ،‬ول شيء عليه لتركه‪.‬‬
‫ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعا‪ ،‬يصعد على كل منهما‪ ،‬ويستقبل البيت‪ ،‬مكبرا مهللً‪ ،‬مصليا على‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬داعيا ال تعالى بحاجته‪ ،‬ويرمل بين الميلين الخضرين‪ ،‬مبتدئا بالصفا‪،‬‬
‫مختتما بالمروة‪.‬‬
‫ثم يقيم بمكة محرما‪ ،‬يطوف بالبيت كلما بدا له‪ ،‬ثم يخرج في ثامن ذي الحجة إلى منى‪ ،‬فيبيت فيها‪،‬‬
‫ويصلي فيها خمس صلوات (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)‪.‬‬

‫( ‪)3/583‬‬

‫وفي اليوم التاسع يتوجه إلى عرفات‪ ،‬فيصلي مع المام أو منفردا في مسجد نمرة صلة الظهر‬
‫والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم‪ ،‬مستمعا للخطبة بأذان واحد وإقامتين‪ .‬ويستحب أن يغتسل‬
‫قبل الوقوف‪.‬‬
‫ثم يتوجه إلى الموقف‪ ،‬فيقف بقرب الجبل‪ ،‬وعرفات كلها موقف إل بطن عُرَنة‪ ،‬وينبغي للمام أن‬
‫يقف بعرفة على راحلته‪ ،‬ويدعو‪ ،‬ويعلم الناس المناسك‪ ،‬ويستحب أن يجتهد في الدعاء‪ .‬ومن أدرك‬
‫الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر‪ ،‬فقد أدرك الحج‪.‬‬
‫ومن مرّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه‪ ،‬أو لم يعلم أنها عرفة‪ ،‬أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف‪.‬‬
‫فإذا غربت الشمس‪،‬أفاض المام والناس معه على هينتهم على طريق المأزمين‪ ،‬حتى يأتوا المزدلفة‪،‬‬
‫فينزلوا بها‪.‬والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام‪ .‬ويصلي المام بالناس المغرب‬
‫والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء‪ ،‬بأذان واحد‪ ،‬وإقامة واحدة عند الحنفية‪ ،‬ول يجوز عند أبي‬
‫حنيفة ومحمد أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة‪ ،‬وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر‪.‬‬
‫فإذا طلع الفجر يوم النحر‪ ،‬صلى المام بالناس الفجر بغَلَس لجل الوقوف‪ ،‬ثم وقف بمزدلفة وجوبا‬
‫عند الحنفية ولو لحظة‪ ،‬ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس‪ ،‬ووقف الناس معه‪ ،‬فدعا وكبر‬
‫وهلل ولبى وصلى على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويلتقط حصى الرمي سبعين من المزدلفة‪.‬‬
‫حسّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة)‪.‬‬
‫والمزدلفة كلها موقف إل بطن مُ َ‬
‫ثم أفاض المام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى‪ ،‬فيرمي جمرة العقبة من بطن الوادي‬
‫حصَيات مثل حصى الخذف‪ ،‬ويكبر مع كل حصاة‪ ،‬ول يقف عندها؛ لنه ل رمي بعدها‪ ،‬ويقطع‬
‫بسبع َ‬
‫التلبية مع أول حصاة (‪، )1‬إن رمى قبل الحلق‪ ،‬فإن حلق قبل الرمي قطع التلبية؛ لنها ل تثبت مع‬
‫التحلل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا رأي الجمهور‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬تقطع التلبية بزوال الشمس من يوم عرفة‪.‬‬

‫( ‪)3/584‬‬
‫ثم يذبح تطوعا إن أحب لنه مفرد‪ ،‬ثم يحلق أو يقصر بمقدار النملة‪ ،‬والحلق أفضل من التقصير‪،‬‬
‫فيحل له حينئذ كل شيء إل النساء‪ ،‬وإل الصيد والطيب عند المالكية‪.‬‬
‫ثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين‪ ،‬فيطوف طواف الزيارة (وهو طواف الفرض) سبعة‬
‫أشواط‪ ،‬ثم يسعى بين الصفا والمروة‪ ،‬إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم‪ ،‬ويرمل الذكر في‬

‫الشواط الثلثة الولى من الطواف‪ ،‬ويضطبع (‪ )1‬فيه إن سعى الن؛ لن الرمل والضطباع‬
‫مشروعان في كل طواف بعده سعي‪.‬‬
‫ويكره تأخير الطواف عن اليام الثلثة (وهي يوم العيد ويومان بعده)‪ ،‬فإن أخره عنها‪ ،‬لزمه دم عند‬
‫أبي حنيفة‪.‬‬
‫ثم يعود إلى منى‪ ،‬فيقيم بها لجل الرمي ووقته ما بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام النحر‪ ،‬مبتدئا‬
‫برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات‪ ،‬يكبر مع كل حصاة‪ ،‬ويقف عندها ويدعو؛ لن‬
‫بعده رمي‪ ،‬ثم يرمي الجمرة الوسطى‪ ،‬ويقف عندها ويدعو‪ ،‬ثم يرمي جمرة العقبة‪ ،‬ولكنه ل يقف‬
‫عندها؛ لنه ليس بعدها رمي‪.‬‬
‫ثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلث بعد زوال الشمس‪ ،‬وله أن يتعجل النفر إلى مكة بعدئذ أو يقيم‬
‫حصّب (‪ )2‬عند نفره‬
‫لرمي الجمار الثلث في اليوم الرابع بعد الزوال بعد طلوع الفجر‪ .‬وينزل بالمُ َ‬
‫إلى مكة‪.‬‬
‫وإذا أراد الحاج مغادرة مكة‪ ،‬طاف بالبيت سبعة أشواط ل يرمل فيها طواف الوداع أو الصّدَر‪ ،‬وهو‬
‫واجب عند الجمهور غير المالكية إل على أهل مكة‪ ،‬ثم يعود إلى أهله‪ ،‬لفراغه من أعمال الحج‪.‬‬
‫والمرأة والخنثى المشكل في جميع ماسبق كالرجل‪ ،‬غير أنها ل تكشف رأسها‪ ،‬وتكشف وجهها‪ ،‬ول‬
‫ترفع صوتها بالتلبية‪ ،‬ول ترمُل في الطواف‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الرمل‪ :‬أن يسرع الطائف مشيه مقاربا خطاه‪ ،‬والضطباع‪ :‬جعل وسط ردائه تحت منكبه اليمن‬
‫ويكشفه إن تيسر‪ ،‬ويلقي طرفيه على عاتقه اليسر‪ ،‬ول يسن ذلك في ركعتي الطواف لكراهته في‬
‫الصلة‪ ،‬ثم يعيده عند إرادة السعي‪.‬‬
‫(‪ )2‬يقال له‪ :‬البطح وخيف بن كنانة‪.‬‬

‫( ‪)3/585‬‬
‫ولتهرول بين الميلين الخضرين‪ ،‬ول تحلق رأسها‪ ،‬ولكن تقصّر‪ ،‬وتلبس المخيط والخفين‪ .‬وإذا كانت‬
‫حائضا أو نفساء فعلت كل أفعال الحج غير الطواف بالبيت‪ ،‬فإنها تنتظر حتى تطهر‪.‬‬
‫وإن حاضت المرأة عند الحرام اغتسلت وأحرمت‪ ،‬وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة‪،‬‬
‫انصرفت من مكة‪ ،‬ول شيء عليها لترك طواف الصدر‪.‬‬
‫ثانيا ـ كيفية التمتع ‪:‬‬

‫التمتع لغة‪ :‬النتفاع‪ ،‬وشرعا عند الحنفية‪ :‬الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها‪ ،‬أو أكثرها‪ ،‬وإحرام الحج‬
‫وأفعاله‪ ،‬في أشهر الحج‪ ،‬من غير إلمام صحيح بأهله‪.‬‬
‫والمتمتع نوعان عند الحنفية‪ :‬متمتع يسوق الهدي‪ ،‬ومتمتع ل يسوق الهدي‪ .‬وحكم الول كالقارن إذا‬
‫دخل مكة طاف وسعى‪ ،‬ول يتحلل بعد العمرة‪ ،‬بل يظل محرما‪ ،‬حتى يحرم بالحج يوم التروية‪،‬‬
‫وينحر الهدي يوم النحر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في حديث جابر المتقدم‪« :‬لو استقبلت من أمري‬
‫ما استدبرت‪ ،‬لما سقت الهدي‪ ،‬ولجعلتها عمرة» فهذا يفيد أن التحلل ل يتأتى إل بإفراد العمرة‪ ،‬وعدم‬
‫سوق الهدي‪ ،‬ولو كان التحلل يجوز مع سوق الهدي لكتفى بقوله‪« :‬لجعلتها عمرة» وتحللت (‪. )1‬‬
‫وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي‪ ،‬أحرم‪ ،‬وساق هديه‪.‬‬
‫وصفة التمتع‪ :‬أن يبتدئ من الميقات‪ ،‬فيحرم بعمرة‪ ،‬ويدخل مكة‪ ،‬فيطوف