You are on page 1of 3

‫مناسبة غرق بعض أحٌاء بغداد فً األسبوع األخٌر من عام ‪ ،2102‬أود إضاءة جوانب إضافٌة لما ذكرته فً مقالتً‬

‫األولى عن الموضوع‪ ،‬والمنشورة فً جرٌدة الصباح البغدادٌة ٌوم ‪ 8‬كانون الثانً ‪ ،2102‬لعل ذلك ٌحفز من بٌدهم األمر‬
‫التخاذ ما ٌمكن من إجراءات عاجلة لتحسٌن أداء قطاع الخدمات فً هذا المٌدان‪ ،‬ولكً ال تتكرر تلك المأساة ‪ ،‬خاصة‬
‫وأن هذه السنة المائٌة تعتبر من السنوات الرطبة‪ ،‬وأن موسم األمطار ٌمتد حتى نهاٌة شهر آذار‪ ،‬مما ٌعنً أن بغداد‬
‫ومناطق العراق األخرى موعودة بالمزٌد من األمطار ونأمل أن ال ٌكون ذلك مصحوبا بالمزٌد من األضرار‪.‬‬

‫فقد ذكرت فً المقالة السابقة بأن العواصف المطرٌة المشابهة لتلك التً شهدتها بغداد ٌوم ‪ 22‬كانون األول ‪ٌ 2102‬مكن‬
‫أن تسبب فٌضانات وغرقا للعدٌد من الشوارع واألحٌاء فً الكثٌر من مدن العالم‪ ،‬لكن الفرق هو أن مدن العالم الكبرى‬
‫مجهزة بأنظمة تصرٌف لمٌاه األمطار‪ ،‬بحٌث ال تستمر حالة الغرق إال لساعات‪ .‬أما بغداد فنظرا لتوسعها األفقً الكبٌر‪،‬‬
‫ولزٌادة سكانها المضطردة والنقص الفادح بشبكة تصرٌف المٌاه وقِدمها‪ ،‬فإنها قد تعرضت إلى أضرار فادحة ستبقى فً‬
‫الذاكرة لفترة طوٌلة‪.‬‬
‫أوالا‪:‬‬
‫لقد ازداد عدد سكان بغداد بشكل سرٌع من (‪ )211‬ألف نسمة عام ‪ 0992‬إلى حوالً (‪ )7‬مالٌٌن نسمة اآلن (أي أربعة‬
‫عشر ضعفا خالل ستٌن عاما) وأن عدد سكانها حالٌا أكبر بمرتٌن ونصف المرة من عدد سكان العاصمة اإلٌطالٌة روما‪،‬‬
‫وبثالث مرات بقدر عدد سكان العاصمة الفرنسٌة بارٌس‪ ،‬وهو ٌمثل (‪ )%22‬من عدد سكان العراق‪ ،‬فً وقت ٌبلغ به‬
‫عدد التجمعات السكانٌة الحضرٌة التً تصنف على أنها مدن فً العراق حوالً (‪ )221‬مدٌنة‪.‬‬
‫وال مجال بالطبع للمقارنة بٌن البنى التحتٌة فً بارٌس وروما مع بغداد‪ ،‬ولكن لم ٌكن محتما أن تصبح بغداد بهذا المستوى‬
‫من التراجع الحضري لوال قلة االستثمار بالبنى التحتٌة‪ ،‬نتٌجة لدمار الحروب واإلهمال‪ ،‬وسوء صرف الموارد المالٌة‬
‫المتاحة‪ ،‬والنزوح الكثٌف من األطراف واألرٌاف‪ ،‬التً انعدمت فٌها وسائل المعٌشة‪ ،‬فامتدت المدٌنة أفقٌا على مساحة‬
‫شاسعة تزٌد على (‪ )911‬كم مربع‪ٌ ،‬صعب معها حتى فً الظروف العادٌة تقدٌم الخدمات البلدٌة بكلف معقولة‪ ،‬كما توقف‬
‫بها التطوٌر الحضري العمودي تقرٌبا‪ ،‬وتراجعت خدمات المجاري والصرف الصحً إلى مؤخرة قائمة األولوٌات منذ‬
‫اندالع الحرب العراقٌة اإلٌرانٌة ولحد الٌوم‪.‬‬
‫ثانٌا ا‪:‬‬
‫بالرغم من أن بغداد مدٌنة عرٌقة وقدٌمة إال أن تنفٌذ نظام تصرٌف المٌاه الثقٌلة الحدٌث بدأ فٌها فً بداٌة الستٌنات عند‬
‫إنشاء خطوط المجاري الرئٌسٌة (أي األنابٌب العمالقة بأقطار تصل إلى ثالثة أمتار) وهً الخط الشرقً الرئٌسً‪ ،‬الذي‬
‫ٌمتد شرق دجلة من األعظمٌة حتى محطتً معالجة المٌاه الثقٌلة فً الرستمٌة (الشمالٌة والجنوبٌة) جنوب بغداد‪ ،‬وكذلك‬
‫الخط الرئٌسً اآلخر الذي ٌسمى "زبلن" وهو ٌمتد تقرٌبا بموازاة الخط الشرقً وٌغطً مناطق إضافٌة ‪ ،‬منها مدٌنة‬
‫الصدر‪ ،‬ثم الخط الغربً فً جانب الكرخ وٌمتد من الكاظمٌة مرورا بالمنصور حتى جنوب منطقة الدورة حٌث أنشئت‬
‫عام ‪ 0972‬محطة الكرخ لمعالجة المٌاه الثقٌلة‪.‬‬
‫أما شبكة المجاري التً توصل البٌوت والشوارع واألحٌاء بالمجاري الرئٌسٌة فقد تم تجدٌدها وتوسٌعها فً مطلع‬
‫الثمانٌنات‪ ،‬وكان مخططا أن تغطى مدٌنة بغداد بكاملها بشبكات المجاري فً عام ‪ .2111‬ولكن عجلة التنمٌة توقفت‬
‫وبدأت سلسلة غٌر منقطعة من الحروب والعقوبات تلتها أعمال إرهاب وتفجٌرات وقتل لم ٌسلم منها حتى عمال النظافة‬
‫فً العاصمة فً فترة ظالمٌة قاتمة من تارٌخ بغداد الحدٌث‪.‬‬
‫ثالثا ا‪:‬‬
‫وصلت نسبة تغطٌة خدمات المجاري فً بغداد فً أحسن حاالتها إلى حوالً (‪ ، )%72‬وهً أعلى نسبة فً العراق‬
‫(ولدي شخصٌا تحفظات على هذا الرقم ألنه كبٌر) ‪،‬إذ أن نسبة التغطٌة بهذه الخدمات فً المدن األخرى‪ ،‬بما فٌها مراكز‬
‫المحافظات‪ ،‬متواضعة جدا وتبلغ على سبٌل المثال (‪ )%00‬فً مدٌنة البصرة ‪ ،‬وهً مدٌنة النفط والموانئ‪.‬‬
‫ونظراا الستواء أرض بغداد واتساع المساحات المبنٌة فقد أنشئت محطات ضخ كبٌرة زادت على (‪ )281‬محطة ضخ‬
‫بأحجام مختلفة للقٌام بتصرٌف المٌاه ودفعها إلى محطات المعالجة فً الرستمٌة أو الكرخ‪ ،‬وتلعب هذه المحطات دورا‬
‫أساسٌا فً تصرٌف المٌاه‪ ،‬وإن توقفها بسبب التقادم أو انعدام الصٌانة أو انقطاع التٌار الكهربائً ٌسبب طفحا وأضرارا‬
‫صحٌة وبٌئٌة كبٌرة‪.‬‬
‫رابعا ا‪:‬‬

2‬ملٌار دوالر أمرٌكً‬ ‫حسب أسعار عام ‪ .‬وعلى افتراض أن (‪ )%81‬من مٌاه الشرب‬ ‫تصبح مٌاها ا ثقٌلة‪ ،‬وبما أن عدد سكان العاصمة هو (‪ )7‬مالٌٌن نسمة‪ ،‬ستكون كمٌة المٌاه المطلوب تصرٌفها من األحٌاء‬ ‫ومعالجتها فً الظروف الجافة االعتٌادٌة (‪ )2.‬علما أن محطة معالجة المٌاه الثقٌلة فً الكرخ‪ ،‬المصممة لخدمة (‪ )0.‬ومن الطرٌف أن الوكٌل البلدي ألمانة العاصمة قد صرح مؤخرا لقناة العراقٌة بأن األمانة قامت بإزالة (‪)0211‬‬ ‫طن من األوساخ من أحد مقاطع خط زبلن مؤخرا‪ ،‬بإمكانات ذاتٌة محدودة (حسب قوله)‪ ،‬إال أنه لم ٌقل لماذا لم ٌستمر هذا‬ ‫العمل ولماذا لم تعزز تلك اإلمكانات المحدودة‪ ،‬وأغلب الظن فإن انحسار األمطار وحالة الجفاف الطوٌلة خالل العشرٌن‬ ‫عاما األخٌرة أدٌا إلى تراجع االهتمام بهذه القضٌة الهامة‪.‬ولو قٌض للمخطط األساس للمدٌنة أن ٌكتمل لما واجهت بغداد‬ ‫محنة الفٌضان األخٌر فً كانون األول المنصرم‪ .2119‬وأظن أن حساباتهم عقالنٌة ‪،‬ولو أن أمانة العاصمة قد شرعت بتطبٌق المقترح الٌابانً لكانت‬ ‫بغداد اآلن على مشارف تنفٌذ المرحلة الثالثة والنهائٌة من المشروع‪ .‬ولألسف فقد مرت ثمانً سنوات على المقترح‬ ‫والعاصمة تتحول تدرٌجٌا إلى قرٌة كبٌرة من حٌث الخدمات‪ ،‬واألسعار تتضاعف‪ ،‬وتنفٌذ المشارٌع ٌواجه صعوبات جمة‪،‬‬ ‫وال ٌمكن اختصار الزمن‪ ،‬أي إذا بدأنا فً عام ‪ 2102‬فسنكمل عام ‪ 2122‬ولكننا سندفع مبالغ أكبر‪.‬‬ ‫سابعا ا‪:‬‬ ‫لقد قدر الٌابانٌون أن تأهٌل وتوسٌع مجاري بغداد لتغطً المدٌنة بكاملها بحاجة إلى (‪ )02‬عاما على ثالثة مراحل‪،‬‬ ‫واقترحوا أن ٌبدأ التنفٌذ فً عام ‪ 2112‬وٌنتهً عام ‪ .‬‬ .‬‬ ‫مقترحات ضرورٌة‪:‬‬ ‫ال توجد حلول سهلة وسحرٌة للتطوٌر الحضري لمدٌنة بغداد ولغالبٌة بناها التحتٌة وباألخص مجاري المدٌنة‪ ،‬ولكن توجد‬ ‫حلول عملٌة ولكنها تتطلب وقتا ا وأمواالا‪ ،‬وقبل ذلك إراد اة سٌاسٌة حازمة‪ ،‬وأمانة عاصمة فاعلة وكفوءة وموضع ثقة‬ ‫المواطنٌن‪،‬كما تتطلب وعٌا شعبٌا ووطنٌا عاما ‪ ،‬خاصة لدى سكان بغداد‪ .9‬ملٌون متر مكعب ٌومٌا‪ ،‬وهذه كمٌة أكبر بكثٌر من استٌعاب محطتً‬ ‫المعالجة فً الرستمٌة (المحطة الشمالٌة والمحطة الجنوبٌة) باإلضافة إلى محطة الكرخ حتى فً حالة التشغٌل بالسعة‬ ‫التصمٌمٌة القصوى‪ ،‬ألن هذه المحطات الثالث مصممة لخدمة نصف عدد سكان بغداد الحالً‪ ،‬أو ما مقداره ملٌون متر‬ ‫مكعب بالٌوم‪ .‬‬ ‫خامسا ا‪:‬‬ ‫تزود أمانة العاصمة –حسب تقارٌرها‪ -‬سكان بغداد بمٌاه الشرب بمقدار (‪ )922‬لٌتر بالٌوم للشخص الواحد (على األقل‪،‬‬ ‫فهذا هو المعٌار الذي تعتمده األمانة فً تخطٌط وتنفٌذ مشارٌع مٌاه الشرب)‪ .8‬ملٌون نسمة‪ ،‬أي تقرٌبا نصف سكان‬ ‫جانب الكرخ‪ ،‬متوقفة منذ عام ‪ 2112‬وأن المٌاه الثقٌلة من جانب الكرخ تقذف مباشرة إلى نهر دجلة بدون معالجة لتزٌدها‬ ‫تلوثا ا وتشكل خطرا دائما على حٌاة المواطنٌن فً المدن العراقٌة التً تقع إلى الجنوب من بغداد‪.‬‬ ‫أما شبكة المجاري فقد أفٌد بأنها متضررة ومهشمة بنسبة (‪ )%91‬وهً بحاجة ماسة إلى التجدٌد والصٌانة والتوسٌع ألن‬ ‫المٌاه الثقٌلة تتسرب من الشبكة وتؤدي إلى األضرار بالصحة العامة والبٌئة‪.‬ومن المعلوم أن المخطط األساس لبغداد كان قد أعده مجلس اإلعمار فً‬ ‫الخمسٌنات وأقر فً السبعٌنات‪ ،‬وأظن أنه تم تحوٌره فً عام ‪ ،2111‬ولم ٌكن بوسع مجلس اإلعمار تخٌل أن عدد سكان‬ ‫بغداد سٌبلغ (‪ )7‬مالٌٌن نسمة‪.2108‬كما قدروا كلفة اإلنجاز بحوالً (‪ )0.‫حسب الدراسات والمسوحات التً أجرٌت‪ ،‬من قبل الوكالة الٌابانٌة للتنمٌة (جاٌكا) وفٌلق المهندسٌن األمرٌكً بالتعاون مع‬ ‫أمانة العاصمة‪ ،‬فإن الخطوط الرئٌسٌة (خط زبلن والخط الشرقً والخط الغربً) مغلقة بنسب تتراوح من (‪ )%91‬إلى‬ ‫(‪ )%81‬بالزٌوت والمخلفات الصناعٌة والقمامة والرواسب واألوحال‪ ،‬علما أن هذه المشكلة هً من أعقد المشكالت التً‬ ‫تواجه أنظمة التصرٌف‪ ،‬لذلك فهً بحاجة إلى عملٌات تنظٌف وصٌانة منتظمة ‪،‬فً حٌن أنها أهملت فً بغداد لفترات‬ ‫طوٌلة‪ .‬‬ ‫سادسا ا‪:‬‬ ‫فً مساحات شاسعة من الرصافة وبعض مناطق الكرخ ٌوجد نظامان منفصالن للمجاري أحدهما لمٌاه األمطار واآلخر‬ ‫للمٌاه الثقٌلة‪ ،‬أما فً بقٌة المناطق فنظام التصرٌف مزدوج‪ .‬علما أن نظام تصرٌف مٌاه األمطار قد صمم لٌستوعب‬ ‫أمطارا باحتماالت حدوث مرة واحدة كل عشرٌن عاما‪ ،‬وأن النظام المزودج لمٌاه األمطار والمٌاه الثقٌلة فقد صمم‬ ‫لٌستوعب أربعة أضعاف الجرٌان فً األوقات الجافة‪ .‬وٌمكن إٌجاز بعض الخطوات‪ ،‬ومنها ما هو‬ ‫آنً وعاجل‪ ،‬ومنها ذو طابع ستراتٌجً‪ ،‬بهدف اتخاذ خطوات لتحوٌل المدٌنة إلى مدٌنة صدٌقة لسكانها وزائرٌها ومحبٌها‪،‬‬ ‫وال أرٌد أن أحلم فأقول تحاكً تارٌخها ومجدها‪ ،‬كما ٌأتً‪:‬‬ ‫العمل الجاد وطوٌل األمد على تقلٌل سكان بغداد من (‪ )7‬مالٌٌن نسمة إلى (‪ )2‬مالٌٌن نسمة عن طرٌق تنمٌة األقالٌم‬ ‫والمحافظات وخلق فرص للعٌش الكرٌم فً مدن العراق األخرى وتشجٌع عودة النازحٌن والمقٌمٌن الجدد فً بغداد إلى‬ ‫مدنهم األصلٌة‪.

‬‬ ‫ضرورة استخدام التكنولوجٌا الحدٌثة التً تسمح بإنشاء شبكات المجاري فً األحٌاء المبنٌة دون حفر التربة وقطع الطرق‬ ‫وتشوٌه الساحات‪ ،‬وهً تكنولوجٌا متاحة ومستخدمة ولٌست غالٌة الكلفة وتسمى باإلنكلٌزٌة ( ‪Trenchless‬‬ ‫‪ )Technology‬وتجنب الطرق التقلٌدٌة بتنفٌذ المجاري‪ ،‬وهذه من اإلجراءات العاجلة‪.‫إعادة إعمار بعض أحٌاء بغداد وتنمٌتها عمودٌا وتحرٌم تحوٌل جنس األرض‪ ،‬وخاصة الزراعٌة إلى حضرٌة‪ ،‬والنظر‬ ‫بإلغاء الموافقات السابقة خالل العشرٌن عاما الماضٌة مع تعوٌض مناسب للمواطنٌن ومنحهم فرص االستقرار فً األماكن‬ ‫الجدٌدة ‪.‬‬ ‫لقد اقترحت فً مناسبات ومقاالت سابقة تحوٌل مٌاه مجاري منطقة الكرخ إلى المبزل الرئٌسً المسمى بالمصب العام‪،‬‬ ‫وذلك لحماٌة نهر دجلة من التلوث‪ ،‬خاصة أن محطة الكرخ لمعالجة المٌاه الثقٌلة عاطلة عن العمل‪ ،‬وأن المصب العام هو‬ ‫عبارة عن قناة مصممة أساسا لنقل مٌاه البزل المالحة والملوثة وال ٌستخدم ألغراض الشرب وغٌرها من االستخدامات‬ ‫الطبٌعٌة لنهر دجلة‪ ،‬وأرٌد هنا تكرار ذلك المقترح لما فٌه من خدمة كبٌرة للبالد وللمواطنٌن وللبٌئة‪.‬‬ ‫اإلسراع بتنفٌذ خطوط المجاري الرئٌسٌة فً العاصمة‪ ،‬وهً خط القدس وخط الخنساء فً جانب الرصافة‪ ،‬والخط‬ ‫الجنوبً‪ -‬الغربً فً الكرخ وغٌرها‪ ،‬وإزالة معوقات اإلنجاز بصورة فورٌة‪ ،‬والشروع بإعادة تأهٌل وتوسٌع محطة‬ ‫الكرخ أو بناء محطة جدٌدة بدٌلة‪.‬‬ .