You are on page 1of 24

‫مصطلح التربية السلمية و مفهومها‬

‫تُعد التربية السلمية أحد فروع علم التربية الذي يُعن بتربية وإعداد النسان‬
‫ف متلف جوانب حياته من منظور الدين السلمي النيف ‪ .‬وعلى الرغم من شيوع‬
‫مصطلح " التربية السلمية " ف عصرنا الاضر ؛ إل أنه ل يكن مُستخدما وشائعا ف‬
‫كتابات سلفنا الصال ‪ ،‬ول يكن معروفا ف تُراثهم العلمي الكبي ؛ وإن كانت قد‬
‫وردت الشارة إليه عند بعض الهتمي بذا الجال من الفقهاء والعُلماء و الفكرين ‪.‬‬
‫وفيما يلي ماول ٌة لتسليط الضوء على بعض الرادفات الت استُخدمت ‪ -‬قديا ‪-‬‬
‫للدللة على مصطلح " التربية السلمية " ‪ ،‬وبيا ٌن لعناه ‪ ،‬ومفهومه ‪ ،‬وتعريفه ‪.‬‬

‫معنى التربية في اللغة والصطلح ‪:‬‬


‫يعود أصل كلمة التربية ف اللغة إل الفعل ( َربَـا ) أي زاد ونا ‪ ،‬وهو ما‬
‫يدل عليه قوله تعال ‪ :‬وترى الرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الاء اهتزت وربت‬
‫( الج ‪. ) 5 :‬‬ ‫وأنبتت من كل زوجٍ بيج‬
‫كما أن كلمة تربية مصدر للفعل ( ربّى ) أي نشَّأ و نَمّى ‪ ،‬وقد ورد هذا العن‬
‫( السراء ‪ .)24:‬وف قوله‬ ‫ف قوله تعال ‪ :‬وقل رب ارحهما كما ربيان صغيا‬
‫( الشعراء ‪. ) 18 :‬‬ ‫عز وجل ‪ :‬أل نُربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سني‬
‫وهذا يعن أن كلمة التربية ل ترج ف معناها اللغوي عن دائرة النمو و‬
‫الزيادة والتنشئة ‪ .‬وف ذلك يقول الشاعر العرب القدي ‪:‬‬
‫بمكةَ منـزِلي وبها رَبيتُ‬ ‫فمن َيكُ سائلً عني فإني‬
‫ولن العاجم اللغوية تُرجع الكلمة إل حروفها الصلية للقاء الضوء على مفهومها ؛‬
‫فإن كلمة " تربية " الت تتكون من خسة حروف تعود ف أصلها إل حرفي أصليي ها‬
‫الراء والباء ( رب ) ‪ ،‬ولذين الرفي عند اجتماعهما العديـد من العان الت أشار‬
‫إليها ( ممد خي عرقسوسي ‪1419 ،‬هـ ‪ ،‬ص ص ‪ )19 - 18‬بقوله ‪:‬‬
‫" وهكـذا ند أن ( الراء و الباء ) يتمعان على معن السمو والصلح ‪،‬‬
‫وتقوية الوهر ‪ ،‬مع فروق طفيفة ف تدرج هذا العن حيث يُستعمل للمور الادية‬

‫‪1‬‬
‫( ربا يربو ) تعبيا عن زيادةٍ ماديةٍ ف جسم الشياء ‪ ،‬بينما يُستعمل للنسان واليوان‬
‫( ربّى يُرب ) مثل َخفّي يُخفي ‪ ،‬بعن ترعرع ف بيئة معينة ؛ ويستعمل للمور العنوية‬
‫( ربأ يربأ ) لتكري النفس عن الدنايا ‪ ،‬ويُستعمل للرُقي بالوهر ‪ :‬ربّ َي ُربُ على‬
‫وزن مدّ ُي ّد ‪ ،‬حت نصل إل (الرّب ) وهو خالق كل شيءٍ وراعيه ومصلحه ؛ فهو‬
‫التربية الكاملة "‪.‬‬
‫وانطلقا من ذلك فقد كانت تعريفات سلفنا الصال للتربية متقارب ًة ومتشابةً‬
‫إل حدٍ ما لنا اعتمدت ف ذلك على العن اللغوي للكلمة ؛ فقد عرّفها ( ناصر الدين‬
‫البيضاوي ‪ ،‬د ‪ .‬ت ‪ ،‬ص ‪ ) 3‬بقوله ‪:‬‬
‫" الرب ف الصل مصدر بعن التربية ‪ .‬وهـي تبليغ الشيء إل كماله شيئا‬
‫فشيئا "‪.‬‬
‫و يُعرّفها الشيخ الرئيس ابن سينا ؛ كما أورد ذلــك ( مقداد يالن ‪،‬‬
‫‪1406‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 22‬بقوله ‪:‬‬
‫"التربية هي العادة ‪ ،‬وأعن بالعادة فعل الشيء الواحد مرارا كثي ًة ‪ ،‬وزمانا‬
‫ت مُتقاربة " ‪ .‬كما أنه أورد تعريفا آخر يرى فيه أن التربية " إبلغ‬
‫ل ف أوقا ٍ‬
‫طوي ً‬
‫الذات إل كمالا الذي خُلقت له " ‪.‬‬
‫ف حي يُعرّفها ( الراغب الصفهان ‪1412 ،‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 336‬بقوله‪:‬‬
‫" الرب ف الصل التربيَ ُة ‪ ،‬وهو إنشا ُء الشي ِء حا ًل فحالً إل حَ ّد التمام ‪ ،‬يُقالُ‬
‫ش َأحَبّ ِإَليّ ِم ْن أَ ْن َيرُبّنِي‬
‫َرّبهُ ‪ ،‬و َربّاهُ ‪ ،‬و َربَّب ُه ‪ .‬وقيل ‪ ( :‬ل ْن َيرُبّنِي َرجُ ٌل ِمنْ ُق َريْ ٍ‬
‫َر ُجلٌ ِم ْن هَوَازِ َن )‪.. .‬ول يُقالُ ال ّربّ مُطْلَقا إل ل تعال ‪ ..‬وبالضافة يُقالُ له ولغَيْـ ِرهِ‬
‫"‪.‬‬
‫أما العن الصطلحي لكلمة التربية فعلى الرغم من كونه يعتمد كثيا على‬
‫العن اللغوي ؛ إل أنه يتلف من عصرٍ إل عصر ‪ ،‬ومن مكانٍ إل آخر ‪ ،‬وما ذلك إل‬
‫لن العملية التربوية كثيا ما تتأثر بالعوامل والتغيات الزمانية والكانية والجتماعية‬
‫الت تؤثر بصور ٍة مباشرة أو غي مباشرة على شخصية النسان ف متلف جوانبها على‬
‫اعتبار أن كل نشاط ‪ ،‬أو مهود ‪ ،‬أو عمـل يقوم به النسان يؤثر بطبيعة الال ف‬

‫‪2‬‬
‫تكوينه ؛ أو طباعه ‪ ،‬أو تعامله ‪ ،‬أو تكيفه مع البيئة الت يعيش فيها ويتفاعل مع من‬
‫فيها وما فيها ؛ إما سلبا أو إيابا ‪.‬‬
‫لذلك كله فإن للتربية معان اصطلحية كثية ومتنوعة يُشي إليها ( عبد‬
‫الرحن بن حجر الغامدي ‪1418 ،‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 3‬بقوله ‪:‬‬
‫ي من رجال التربية والتعليم أن مصطلح " التربية " ل يضع لتعريفٍ‬
‫"يرى كث ٌ‬
‫مدد ‪ ،‬بسبب تعقد العملية التربوية من جانب ‪ ،‬وتأثرها بالعادات ‪ ،‬والتقاليد ‪،‬‬
‫والقيم ‪ ،‬والديان ‪ ،‬والعراف ‪ ،‬والهداف من جانبٍ آخر ‪ .‬بالضافة إل أنا عملية‬
‫متطورة متغية بتغي الزمان والكان ‪ ،‬ويكن القول بأن التربية تدخل ف عداد السائل‬
‫الية لنا تتسم باصية النمو"‪.‬‬
‫وعلى الرغم من ذلك إل أنه يكن القول ‪ :‬إن العن الصطلحي للتربيــة‬
‫ـ عموما ـ ل يرج عن كونا تنمية الوانب الُختلفة لشخصية النسان ‪ ،‬عن‬
‫طريق التعليم ‪ ،‬والتدريب ‪ ،‬والتثقيف ‪ ،‬والتهذيب ‪ ،‬والمارسة ؛ لغرض إعداد‬
‫النسان الصال لعمارة الرض وتقيق معن الستخلف فيها ‪.‬‬

‫مفهوم التربية السلمية وتعريفها ‪:‬‬


‫ل شك ف أن هناك فرقا بي الفهوم والتعريف ؛ فالفهوم كما جاء ف‬
‫( العجم الوجيز ‪1400 ،‬هـ ‪ ،‬ص ‪ " : ) 483‬مموع الصفات والصائص الوضحة‬
‫لعن كلّي " ‪ .‬أما التعريف فيُقصد به كما أشار إل ذلك ( العجم الوجيز ‪1400 ،‬هـ‬
‫‪ ،‬ص ‪ " : ) 415‬تديد الشـيء بذكر خواصه الُميزه " ‪ .‬ومعن هذا أن الفهوم‬
‫ل ‪ ،‬وواسعا ‪ ،‬ومعتمدا على ما يتم استيعابه عن طريق العقل ‪ .‬أما التعريف‬
‫يكون شام ً‬
‫ف لشي ٍء مُحدد ودقيق ومتفق عليه إل حدٍ ما ‪ .‬وعلى الرغم من كثرة‬
‫فهو توصي ٌ‬
‫الكتابات حول مفهوم التربية وتعريفها عند الهتمي ف اليدان التربوي ؛ إل أن هناك‬
‫ي من الكُتاب والباحثي ‪ ،‬فهناك من يتحدث عن‬
‫تداخلً فيما بي الصطلحي عند كث ٍ‬
‫الفهوم ث ل يلبث أن ينتقل مباشرةً إل التعريف ف تداخل ل يكن معه الفصل‬
‫بينهما ‪ ،‬والعكس صحيح ‪ .‬وفيما يلي ماولةٌ لبيان وتوضيح القصود من مصطلح‬

‫‪3‬‬
‫مفهوم " التربية السلمية " كعملي ٍة شامل ٍة ونظا ٍم متكام ٍل ‪ ،‬ث تديدٍ دقي ٍق لتعريفها‬
‫كمصطلحٍ علميٍ مستقل ‪.‬‬

‫أولً ‪ :‬مفهوم التربية السلمية ‪:‬‬


‫هناك اختلفٌ بي الهتمي بالقضايا التربوية حول مفهوم التربية حيث تتعدد‬
‫الراء ووجهات النظر ف هذا الشأن ؛ نظرا لتعدد الطراف الُشاركة ف العملية‬
‫التربوية ‪ ،‬واختلف الزوايا الت يُنظر من خللا لذه العملية ؛ إضافةً إل اختلف‬
‫التاهات ‪ ،‬والراء ‪ ،‬والثقافات ‪ ،‬والفلسفات ‪ ،‬واختلف ظروف الزمان ‪ ،‬والكان ‪،‬‬
‫والوانب الت يتم معالتها ‪ ،‬ونو ذلك من العوامل الخرى ‪.‬‬
‫ومع أن هذا الختلف ف تديد مفهوم التربية يُعد أمرا مقبو ًل ‪ -‬نسبيّا ‪ -‬عند‬
‫أصحاب الفلسفات والنظريات والفكار التربوية البشرية ؛ إل أنه ينبغي أ ّل يكون‬
‫كذلك ف ميدان التربية السلمية ‪ .‬وهو ما ألح إليه ( مقداد يالن ‪1406 ،‬هـ ‪،‬‬
‫ص ‪ )23‬بقوله ‪:‬‬
‫" إذا نظرنا إل الدراسات التربوية العاصرة وجدنا مفهوم التربية السلمية ل‬
‫يكن موضع التفاق بي الدارسي بعد ‪ .‬ويكن إجال أغلب الفاهيم ف النقاط التالية ‪:‬‬
‫‪ )1‬أنه منهج مقررات الواد السلمية ف الدارس ‪.‬‬
‫‪ )2‬أنه تاريخ التعليم ‪ ،‬أو تاريخ الؤسسات التعليمية ‪ ،‬أو تاريخ أعلم الفكر التربوي‬
‫والتعليمي ف العال السلمي ‪.‬‬
‫‪ )3‬أنه تعليم العلوم السلمية ‪.‬‬
‫‪ )4‬أنه نظام تربوي مستقل ؛ ومنبثق من التوجيهات والتعاليم السلمية الصيلة ‪،‬‬
‫ويتلف عن النظم التربوية الخرى شرقيةً كانت أو غربية "‪.‬‬
‫ومن الؤكد أن معظم هذه الفاهيم قد حصرت " التربية السلمية " ف نطاقٍ ضيقٍ‬
‫ل يتفق مع ما ينبغي أن يكون عليه هذا الفهوم من شوليةٍ واتساع لكل ما يهم‬
‫النسان ف حياته وبعد ماته ؛ فهو مفهومٌ ينظر إل النسان نظر ًة شوليةً لكل جوانب‬
‫شخصيته وأبعادها الختلفة ‪ .‬وهو مفهومٌ يُعن بميع مراحل النمو عند النسان ‪ ،‬وهو‬

‫‪4‬‬
‫مفهو ٌم يوازن بي مطالب الفرد وحاجات الجتمع ‪ ،‬ويهتم بميع الفراد والفئات ‪،‬‬
‫ويوائم بي الاضي والاضر ‪ .‬إضاف ًة إل أنه يُشي إل نظامٍ تربوي مُستقلٍ ومتكاملٍ ‪،‬‬
‫يتاز بأصوله الثابتة ‪ ،‬ومناهجه الصيلة ‪ ،‬وأهدافه الواضحة ‪ ،‬وغاياته السامية ‪،‬‬
‫ومؤسساته الختلفة ‪ ،‬وأساليبه التنوعة‪...‬إل ‪ .‬الت تُميزه عن غيه ‪ ،‬وتوسع دائرته‬
‫ليُصبح منهجا كاملً وشاملً لميع مالت الياة ‪.‬‬
‫واللصة أن مفهوم التربية السلمية يتضح ف كونا أحد فروع علم التربية‬
‫الذي يتميز ف مصادره الشرعية ( التمثلة ف القرآن الكري و السّنة النبوية الطهرة ‪،‬‬
‫وتُراث السلف الصال ) ؛ و غاياته ( الدينية الدنيوية ) ‪ ،‬ويقوم على نظا ٍم تربوي‬
‫مُستقل و مُتكامل ‪ ،‬ويعتمد اعتمادا كبيا على فقه الواقع ‪ ،‬ولبد له من متخصصي‬
‫يمعون بي علوم الشريعة وعلوم التربية ؛ حت تتم معالة القضايا التربوية الختلفة من‬
‫خلله معالةً إسلميةً صحيحةً ومناسب ًة لظروف الزمان والكان ‪.‬‬

‫ثانياً ‪ :‬تعريف التربية السلمية ‪:‬‬


‫انطلقا من الختلف ‪ -‬الذي سبقت الشارة إليه ‪ -‬بي الهتمي ف الجال‬
‫التربوي حول مفهوم التربية فإن هناك اختلفا مشابا ف تديد تعريف " التربية‬
‫السلمية " كمصطلحٍ علمي حيث إن معظم من كتب ف هذا اليدان من سلفنا‬
‫الصال ل يرصوا على إيراد تعريفٍ مددٍ لذا الصطلح بقدر اهتمامهم وحرصهم على‬
‫معالة الوضوعات والقضايا التربوية الختلفة ‪ .‬ولذلك فإن تعريفات الباحثي‬
‫العاصرين الذين اهتموا بالكتابة والبحث ف ميدان التربية السلمية جاءت متلفةً رغم‬
‫اتفاقهم ف الطار العام لا ؛ إل أنم ل يصلوا إل صيغةٍ واحد ٍة يتفقون عليها جيعا‬
‫ف مد ٍد وواضحٍ لذا الصطلح ‪ ،‬ولعل ذلك راجعٌ إل اختلف مشاربم ‪ ،‬وتباين‬
‫لتعري ٍ‬
‫تصصاتم ‪ ،‬وتعدد وجهات نظرهم التفصيلية ‪ .‬وهو ما يُمكن أن نلحظه ف عرضنا‬
‫التال لبعض التعريفات الت اجتهد فيها أصحابا ‪ ،‬فقد عرّفها ( مقداد يالن ‪،‬‬
‫‪1409‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 20‬بأنا ‪:‬‬

‫‪5‬‬
‫ل من جيع النواحي ف جيع مراحل نوه للحياة‬
‫" إعداد السلم إعدادا كام ً‬
‫الدنيا والخرة ف ضؤ البادئ والقيم وطرق التربية الت جاء با السلم "‪.‬‬
‫وعرّفها ( زغلول راغب النجار ‪1416 ،‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 85‬بأنا ‪ ":‬النظام‬
‫التربوي القائم على السلم بعناه الشامل "‪.‬‬
‫أما ( عبد الرحن النقيب ‪1417 ،‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 17‬فيى أن القصود بالتربية‬
‫السلمية ‪ " :‬ذلك النظام التربوي والتعليمي الذي يستهدف إياد إنسان القرآن‬
‫والسُنة أخلقا وسلوكا مهما كانت حرفته أو مهنته " ‪.‬‬
‫ف حي يرى ( عبد الرحن النحلوي ‪1403 ،‬هـ ‪ ،‬ص ‪ ) 21‬أن " التربية‬
‫السلمية هي التنظيم النفسي والجتماعي الذي يؤدي إل اعتناق السلم وتطبيقه‬
‫كُليا ف حياة الفرد والماعة " ‪.‬‬
‫وهنا يكن القول بأن التعريفات السابقة تؤكد جيعا على أن التربية السلمية‬
‫ل دينيا و دُنيويا ف ضوء‬
‫نظا ٌم تربويٌ شام ٌل يهتم بإعداد النسان الصال إعدادا متكام ً‬
‫مصادر الشريعة السلمية الرئيسة ‪.‬‬
‫المزايا والهداف‬

‫ومزايا التربية السلمية تَتّصف بكونها‪:‬‬

‫‪ 1‬سس مسسؤولية فرديسة‪ :‬فطلُب العلم يُعتسبر فرضا على كسل مسسلم‬
‫ض عين بالنسبة لما يجب تعلّمُه من العلوم الدينية‪ ،‬وفر ضَ‬
‫ومسلمة‪ ،‬فر َ‬
‫كفايسة بالنسسبة لغيرهسا مسن العلوم‪ .‬ومعنسى ذلك أن النسسان البالغ الراشسد‬
‫ي أم ِر الط فل م سؤول ع نه‬
‫م سؤول في ال سلم عن ترب ية نف سه‪ ،‬وأ نّ ول ّ‬
‫وعن تربيته‪ ،‬حتى يبلغ رُشده‪ ،‬والدول َة السلمية مسؤولة عن توفير سبل‬
‫التربية لبنائها إذا هم عجزوا عن ذلك‪.‬‬

‫‪ 2‬س ترب ية شاملة‪ :‬لتت فق مع شمول نظرة ال سلم إلى الن سان ف قد‬
‫جمعست التربيسة السسلمية منسذ أول ظهور السسلم بيسن تأديسب النفسس‪،‬‬

‫‪6‬‬
‫وتصفية الروح‪ ،‬وتثقيف العقل‪ ،‬وتقوية الجسم‪ ،‬فهي تُعني بالتربية الدينية‬
‫والخلقية والعلمية والجسدية‪ ،‬دون تضحية بأي نوع منها‪.‬‬

‫‪ 3‬س تربية متكاملة‪ :‬بمعنى أنها ل تقتصر على مكان دون آخر‪ ،‬فهي‬
‫تتم في المدرسة والمسجد والشارع والبيت ومَيْدان القتال وساحة القضاء‪.‬‬
‫و كل إن سان في هذه الترب ية المتكاملة معلّم‪ ،‬طال ما كان لد يه ما يعط يه‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلّم قال‪" :‬الحكمة ضالّة المؤمن‪ ،‬أنّى وجدها‪،‬‬
‫ف هو أَوْلى الناس ب ها" رواه الترمذي ب سند ضع يف‪ ،‬ومعناه صحيح‪ .‬فال كل‬
‫في السلم مسؤول‪ .‬والتربية في ال سلم عطاء و من ثم ف كل قادر على‬
‫العطاء معلّم‪.‬‬

‫‪ 4‬س ترب ية علم ية‪ :‬يمارس في ها المتعلّم ما يتعلّ مه‪ .‬و قد كان صحابة‬
‫الر سول صلى ال عل يه و سلّم يحفظون آيات القرآن‪ :‬ع شر آيات‪ ،‬ع شر‬
‫آيات‪ ،‬يعملون ب ها ويترجمون ها إلى وا قع ح يّ و سلوك عملي‪ ،‬لينتقلوا بعدُ‬
‫إلى اليات العشر التالية‪.‬‬

‫‪ 5‬س تربية تقوم على الحرية‪ :‬سبيلها القناع والقدوة الحسنة‪ .‬وأبرز‬
‫ما يُظ هر هذه المزيّة أ نه "لم ت كن هناك سلطة دين ية أو سياسية‪ ،‬تحظّر‬
‫الراء أو تحكسسم على أصسسحابها بالعدام أو الحراق بسسل كان علماء‬
‫الشّريعسة يتصسدّوْن للرد على المنحرف منهسا وبيان زيفهسا وبطلنهسا‪،‬‬
‫بالحجة والبرهان"‪.‬‬

‫‪ 6‬س ترب ية تقوم على النفتاح‪ :‬بمع نى أنها ت ستفيد من كل نافع لدى‬
‫الحضارات الخرى‪.‬‬

‫‪ 7‬س تربية تقوم على مسؤولية الجماعة عن التعليم‪:‬‬

‫‪7‬‬
‫ولي ست هذه مناقِ ضة لم سؤولية الفرد (النق طة الولى) بل لعل ها مكمّلة‬
‫ض في ال سلم ب ين الفرد والجما عة‪ ،‬فالفرد في ال سلم‬
‫ل ها ل نه ل تناقُ َ‬
‫"مسؤول عن الجماعة‪ ،‬يعمل ويوجّه وينقد ويصحّح‪ ،‬منفردا‪ ،‬وضمن فئة‬
‫مَنْ يدركون ويستطيعون‪ ،‬وعليه أن يستنفِدَ في ذلك كلّه أقصى قدرته"‪.‬‬

‫"والجماعة مسؤولة عن أعضائها وعملها‪ ،‬على أن ل تطغى على ذات‬


‫الفرد‪ ،‬وت سلبه حرّيّتَ ُه وحقوقَه بدعوى حماي ته أو الو صاية عل يه‪ ،‬ك ما أن‬
‫الفرد م سؤول عن ذا ته‪ ،‬على أن ل ين سى الجما عة‪ ،‬في غَمْرَة حِرْ صه‬
‫واستمساكه بحقوقه ومصالحه القريبة"‪.‬‬

‫أهداف التربية السلمية‪:‬‬

‫اختفلت الكتابات التي تبيّن أغراض أو أهداف التربية السلمية‪ ،‬فمن‬


‫الكُتّاب والمؤلّفيسن مسن يركّسز على الهدف الدينسي الذي يقوم على تعلّم‬
‫القرآن ومعر فة العبادات المفرو ضة وأحكام ال سلم الخرى‪ .‬وهذا هدف‬
‫كبير يم كن أن يش مل الترب ية ال سلمية كل ها باعتبار أ نّ الد ين ال سلمي‬
‫ديسن ودولة‪ ،‬و"بعضهسم ل سسيما ال ُمحْدَثون يفصسّلون هذه الهداف إلى‬
‫أهداف دين ية وعقل ية وثقاف ية ونف سية‪ ،‬وآخرون إلى أهداف دين ية وعقل ية‬
‫واجتماعية ومادية"‪ .‬وواضح أن هناك اشتراكا كبيرا وشِبْ َه اتّفاق على هذه‬
‫الهداف‪ .‬فالسلم كما سبق وبيّنّا يدور حول محور أساسي وهو النسان‬
‫حيسث يعمسل على تهذيسب روح وعقله وجسسده‪ .‬أي إن هدف التربيسة‬
‫ال سلمية ال ساس هو بناء شخ صية الم سلم وذل كَ من خلل ثلث نقاط‬
‫رئيسة هي‪:‬‬

‫‪8‬‬
‫س بلوغ الكمال النساني‪ :‬فالسلم نفسه يمثّل بلوغ الكمال الديني فهو‬
‫خاتم الرسالت وأكملها‪ ،‬يقول ال تعالى‪{ :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ‬
‫عليكم نعمتي ورضيتُ لكم السلم دينا}‪ ،‬ويقول‪{ :‬كنتم خير أمة أُخرجت‬
‫للناس}‪.‬‬

‫ومسن تمام الكمال النسساني مكارمُس الخلق‪ ،‬وقسد صسحّ عسن الرسسول‬
‫ّمس مكارم الخلق"‪ .‬فإذن ضمسن‬
‫ُعثتس لُتم َ‬
‫صسلى ال عليسه وسسلّم‪" :‬إنمسا ب ُ‬
‫أهداف الرسسول صسلى ال عليسه وسسلّم إتمام مكارم الخلق وبالتالي‬
‫فالكمال النساني يُعتبر هدفا رئيسا لبناء شخصية المسلم‪.‬‬

‫‪ 2‬س تنشئة النسان تنشئة روحية‪ :‬فالتربية السلمية تهدف إلى تربية‬
‫ك عن طريق العلم‪ ،‬وهو سبيل‬
‫النسان على مخافة ال تعالى وخشيته وذل َ‬
‫التقوى الصحيحة والمدخل إلى معرفة ال عز وجل‪ .‬ولذل كَ نرى السلم‬
‫ث على العلم وال سعي في طل به وفضّل أهلَه على غير هم ورفع هم‬
‫قد ح ّ‬
‫درجات‪ .‬ويتصل بذلك أيضا دور النسان في تعمير الرض وتسخير ما‬
‫أودعه ال فيها من ثروات لخدمة حياة الن سان وتحق يق الخ ير للناس مع‬
‫ك من ا ستخدام للعلوم المختل فة كالعلوم الن سانية والطبيع ية‬
‫ما يتطلّ به ذل َ‬
‫التي ينبغي أن تُكتب من منظور إسلمي لخدمة حقائق السلم ومن أجل‬
‫حياة أفضل للنسانية‪ .‬ومهمّة التربية توجيه فطرة المسلم على أساس هذا‬
‫اليمان الصحيح وخشية ال وعبادته‪.‬‬

‫‪ 3‬س تقوية الروابط السلمية بين المسلمين‪ :‬ويتم ذلك عن طريق ما‬
‫تقوم به من توح يد للفكار والتجاهات والقِيَم ب ين الم سلمين في مشارق‬
‫الرض ومغارب ها‪ .‬و قد نبّ ه ال سلم إلى ب عض الحقوق المتوجّ ب اتّباعُ ها‬

‫‪9‬‬
‫في سبيل مجت مع نموذج يّ فر يد في آدا به الجتماع ية‪ .‬و من هذه الداب‬
‫على سسسبيل المثال ل الحصسسر‪ :‬أدب الطعام والشراب‪ ،‬أدب السسسلم‪،‬‬
‫الستئذان‪ ،‬المجلس‪ ،‬الحديث‪ ،‬أدب عياة المريض‪ ،‬أدب التعزية‪ .‬وكل هذه‬
‫الداب تندرج ض من أحاديث تح ثّ على توجيهات وإرشادات من رسولنا‬
‫الكر يم سيدنا مح مد صلى ال عليه وسلّم ليلتزم بها الم سلم ويصطبغ بها‬
‫المجت مع‪ .‬و من بين الشرائع الموجودة على الرض لم ت ستطع أي شريعة‬
‫أن توحّد وتجمع أبناءَها كما فعل الدين السلمي‪.‬‬

‫فالسلم دين التوحّد والتضامن واجتماع المسلمين مع بعضهم بعضا‪.‬‬


‫فعلى صعيد الحي الواحد يجتمع المسلمون في المسجد خلل اليوم خم سَ‬
‫مرات لداء فري ضة ال صلة‪ ،‬و في ال سبوع يجتمعون على صعيد البلدة‬
‫كلّ ها في صلة يوم الجم عة‪ ،‬و في ال سّنَة وخلل أداء منا سك ال حج على‬
‫صعيد البلد والمم السلمية جميعها‪ .‬فهل هناك نظام يستوي فيه الغني‬
‫والفق ير‪ ،‬والقوي والضع يف كهذا النظام؟ وأك ثر ما يظ هر هذا النظام في‬
‫المجت مع ال سلمي خلل ش هر رمضان ح يث يتجلّى بأروع مظاهره في‬
‫شعائر هذا الشهسر وعباداتسه لدى القطار المسسلمة كلّهسا‪ .‬فهذه روابسط‬
‫وأنظمة ل مثيل لها في أمّة من المم وذلك لكي يبقى المسلمون مترابطين‬
‫في كل بقاع الرض ومجتمعين في وقت واحد‪.‬‬

‫إن هدف التربية السلمية الرئيس هو إعداد "النسان" الصالح إعدادا‬


‫شاملً ل تترك ف يه شيئا ول تغ فل عن ش يء‪ ،‬وذلك عبر الروح والج سد‬
‫ن واحد ممتزج مترابط‪ ،‬وكلّها‬
‫والعقل لن "الروح والعقل والجسم كلّها كيا ٌ‬
‫تعمل ممتزجة مترابطة في واقع الحياة وقد يغلب أحد جوانب الكيان في‬
‫لح ظة وتتوارى بقيّة الجوا نب أو تنح سر ولكن ها ل تنف صل ق طّ وإلّ فإن ها‬

‫‪10‬‬
‫تموت"‪ .‬فاليد وحدها تعمل وتتحرك وتمسك وتدع‪ ،‬ولكنها ل تعمل مستقلة‬
‫عسن بقيسة الجسسم‪ .‬إنهسا متربطةٌ بسه بالعروق والدماء والعصساب‪ .‬ولو‬
‫ن كلّه؛ كل جزء منه‬
‫انفصلت لحظة َفقَدَ تْ القدرة على الحياة‪ .‬وكذلك الكيا ُ‬
‫كاليسد مسن الجسسم‪ :‬جزء مسستقل فسي الظاهسر‪ ،‬وفسي الواقسع متصسل أوثقَس‬
‫اتصال‪ .‬والسلم يجاري الفطرة في تركيبها‪ ،‬يجاريها في السماح ببروز‬
‫بعسض الجوانسب أحيانا وانحسسار بعسض‪ ،‬فيجعسل سساع ًة للعبادة‪ ،‬وسساعةً‬
‫للتف كر‪ ،‬و ساع ًة للع مل‪ ،‬و ساع ًة للّعِب‪ .‬ولك نه يجاري ها كذلك في ترا بط‬
‫الجوان بِ كلّها وامتزاجها‪ ،‬فل ي سمح بفصل جانب عن بقية الجوانب‪ ،‬أو‬
‫ت الجوانب الخرى في أيّ وقت من الوقات‪.‬‬
‫إبراز جانب بكَ ْب ِ‬

‫ساعة العبادة ليست تهويمةَ روح خالصة‪ ،‬وإنما هي حركة جسم وحركة‬
‫عقل وانطلقه روح‪ ،‬والصلة تظهر فيها بوضوح هذه الحقيقة‪ ،‬فهي‬
‫تشمل الجسم والعقل والروح كلها في آن‪ ،‬ثم كل عمل في عرف السلم‬
‫عبادة ما دام يتجه به النسان إلى ال‪.‬‬

‫و ساعة التفكّر س أيّا كان لو نه وهد فه س ل تنق طع عن ال صلة بال‬


‫واستشعار عظمته‪ ،‬وبالتالي ل تنقطع عن صلتها بالروح‪.‬‬

‫وسساعة الجسسد الخالصسة ل يفصسلها السسلم عسن الروح‪ ،‬فإن ْس كانست‬


‫طعاما أو شرابا ف هي با سم ال وال صلة بال هي صلة الروح‪ ،‬وإن كا نت‬
‫مُتْع َة جنس س بالحلل س فهي كذلك‪ ،‬تبدأ باسم ال‪ .‬ويقول فيها الرسول‬
‫الكر يم‪" :‬إن في بُضْع أحد كم س معاشر ته لزوج ته س لجرا! فق يل‪ :‬يا‬
‫أرأيتس لو‬
‫َ‬ ‫رسسول ال‪ ،‬أيأتسي أحدُنسا شهوتَه ثسم يكون عليهسا أجسر؟ قال‪:‬‬

‫‪11‬‬
‫وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلل فله عليها‬
‫أجر!" رواه مسلم‪.‬‬

‫نماذج تطبيقية لثر التربية السلمية‬


‫لقد أثرت التربية السلمية في المسلمين تأثيراً ما كان أحد يتوقع حدوثه‬
‫في الرض‪ ،‬لم يتوقعه أحد ممن لم يذق طعم السلم وما يحدثه في‬
‫النفوس من تغيير‪ ،‬وسلوك أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم يدل‬
‫على مدى ذلك التأثير‪.‬‬
‫ونضرب لذلك ببعض المثلة‪:‬‬
‫المثال الول‪:‬‬
‫سرعة التنفيذ اختياراً وامتثالً‪.‬‬
‫إن المور التي يعتادها الناس لمدة طويلة وهي مما تشتهيه النفوس‪،‬‬
‫يصعب على تلك النفوس أن تتركها‪ ،‬وإذا حاول القليل أن يتركها تشبّث بها‬
‫أكثر الناس‪ ،‬ولكن النفوس المؤمنة التي تربت على طاعة ال ورسوله ل‬
‫يصعب عليها القلع عمّا ألفت إذا أراد ال منها ذلك القلع؛ وإنما‬
‫يصعب عليها أن تبقى على ما ألفت حياء من ال وخوفاً من سخطه‪.‬‬
‫فقد كان كثير من أصحاب رسول ال صلى اله عليه وسلم مازالوا يشربون‬
‫الخمر في المدينة قبل أن ينزل تحريمها صريحاً في كتاب ال وسنة رسوله‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلما نزل تحريمها سارعوا إلى اجتنابها مسارعة‬
‫الراغب في رضا ال تعالى‪ ،‬الذي في يده الكأس لم يرفعها إلى فيه‪ ،‬والذي‬
‫قد أخذ جرعة في فمه لم يستسغ إنزالها إلى جوفه‪ ،‬بل مجّها من فوره‪،‬‬
‫والذي قد شرب منها شيئاً حاول أن يستقيئ ليطهر جوفه من الرجس الذي‬
‫حرمه ال‪ ،‬وجرت سكك المدينة بالخمور التي أهرقوها من دنانها‪ ،‬حتى ل‬
‫يبقى شيء منها أمام أعينهم‪.‬‬
‫كما روى أنس بن مالك‪ ،‬رضي ال عنه قال‪" :‬كنت ساقي القوم يوم حرمت‬
‫الخمر‪ ،‬في بيت أبي طلحة‪ ،‬وما شرابهم إل الفصيخ والبسر والتمر‪ ،‬فإذا‬
‫منادٍ ينادي‪ ،‬فقال‪ :‬اخرج فانظر‪ ،‬فخرجت فإذا منادٍ ينادي‪ :‬أل إن الخمر قد‬
‫حرمت‪ ،‬قال‪ :‬فجرت في سكك المدينة‪ ،‬فقال لي أبو طلحة‪ :‬اخرج فأهرقها‪،‬‬
‫فهرقتها ‪[ "..‬البخاري (‪ )242-6/241‬ومسلم (‪ )3/1570‬واللفظ له‪،‬‬
‫وغيرهما من أهل السنن‪.‬‬

‫‪12‬‬
‫رجل واحد ينادي بأمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بتحريم الخمر‪،‬‬
‫فيسرع الناس بإهراق القلل المملوءة به – كما ورد في بعض روايات‬
‫أنس‪" :‬أهرق هذه القلل" – في شوارع المدينة حتى تجري فيها لكثرتها‪،‬‬
‫ولم يتردّدوا في ذلك مع ما عرف من صعوبة إقلع شاربي الخمر عنها‪،‬‬
‫ثم لم يراجعوها بعد ذلك ول سألوا عنها‪ ،‬ولم يكن ذلك لقوة السلطة المادية‬
‫من المطاردة‪ ،‬وفتح السجون والغرامات وغيرها‪ ،‬وإنما كان بسبب السلطة‬
‫الربانية – أي القوة اليمانية المغروسة في النفوس – إنه امتثال أمر ال‬
‫ورسوله عن رضا واطمئنان‪.‬‬

‫المثال الثاني من النماذج التطبيقية لثر التربية السلمية‪:‬‬


‫سرعة تنفيذ النساء المؤمنات أمرهن بالحجاب‬
‫إنه من الصعوبة بمكان أن يتحول المرء من عادة ألفها فترة طويلة من‬
‫حياته إلى عادة أخرى لم يألفها‪ ،‬ولكن اليمان والتربية السلمية تجعله‬
‫يتحول بسرعة‪- ،‬راضياً مطمئنا‪ ً-‬من عادته الولى إلى الثانية‪ .‬وهذا ما‬
‫حصل من النساء المؤمنات عندما علمن أن ال أمرهن بالحجاب‪ ،‬فقد‬
‫استبطأن أن تعد كل واحدة منهن خمارًا لذلك‪ ،‬فشققن مروطهن واختمرن‬
‫بها‪ ،‬كما في حديث وليضربن‪‬عائشة‪ ،‬رضي ال عنها‪ ،‬قالت‪(( :‬يرحم ال‬
‫نساء المهاجرات الُوَل لما نزل الية‪ ،‬شققن مروطهن فاختمرن بها))‬
‫[البخاري (‪ )6/13‬والية في‪‬بخمرهن على جيوبهن سورة النور‪.]31 :‬‬

‫المثال الثالث من النماذج التطبيقية لثر التربية السلمية‪:‬‬


‫سهولة إثبات الجريمة بإقرار الجاني خوفاً من ال تعالى‪،‬‬
‫ولو أدى إقراره إلى حرمانه الحياة أو حرمان أقرب المقربين إليه‪،‬‬
‫ونسوق لهذا المثال حديثين‪:‬‬
‫‪" :‬عن أبي هريرة وزيد بن خالد الدهني رضي ال عنهما‪ ،‬قال ‪ :‬جاء‬
‫أعرابي فقال يا رسول ال اقض بيننا بكتاب ال‪ .‬فقام خصمه فقال‪ :‬صدق‬
‫اقض بيننا بكتاب ال فقال العرابي‪ :‬إن ابني كان عسيفا على هذا‪ ،‬فزنى‬
‫بامرأته‪ ،‬فقالوا لي‪ :‬على ابنك الرجم‪ ،‬ففديت ابني منه بمائة من الغنم‬
‫ووليدة‪ ،‬ثم سألت أهل العلم فقالوا‪ :‬إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام‬
‫فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪(( :‬لقضين بينكما بكتاب ال أما الوليدة‬
‫والغنم فرد عليك‪ ،‬وعلى ابنك جلد مائة وتغريب‪ ،‬عام وأما أنت يا أنيس‬

‫‪13‬‬
‫لرجل فاغد على امرأة هذا‪ ،‬فإن اعترفت فارجمها‪ ،‬فغدا عليها أنيس‬
‫فاعترفت فأمر بها رسول ال صلى ال عليه وسلم فرجمت" [البخاري (‬
‫‪ )8/24‬ومسلم (‪.])3/1324‬‬
‫تأمل كيف يسعى من له علقة بالمعصية للعثور على حكم ال فيها وتطبيقه‬
‫على قريبته‪ ،‬من التصال بأهل العلم وسؤالهم‪ ،‬وكيف يأخذ البنَ أبوه إلى‬
‫من ينفذ فيه حكم ال‪ ،‬ويقرّ الزوج على امرأته بالزنى‪ ،‬وفيه ما فيه من‬
‫العار وسوء السمعة عليه‪ ،‬وكيف يعترف العاصي بمعصيته‪ ،‬وإن كان في‬
‫اعترافه مفارقة الحياة‪ ،‬كل ذلك للحرص على البعد عن سخط ال‪ ،‬وطلب‬
‫رضاه الذي هو هدفه الول في هذه الحياة‪ ،‬بسبب التربية السلمية التي‬
‫تدور كلها حوله‪.‬‬
‫المثال الرابع من النماذج التطبيقية لثر التربية السلمية‪:‬‬
‫الورع العالي‬
‫كما في قصة تقيؤ أبي بكر رضي ال عنه ما أكله عندما علم أنه من كسب‬
‫حرام‪.‬‬
‫"عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬قالت‪ :‬كان لبي بكر غلم يخرج له الخراج‪،‬‬
‫وكان أبو بكر يأكل من خراجه‪ ،‬فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر‪ ،‬فقال‬
‫له الغلم‪ :‬تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر‪ :‬وما هو؟ قال‪ :‬كنت تكهنت لنسان‬
‫في الجاهلية وما أحسن الكهانة إل أني خدعته‪ ،‬فلقيني فأعطاني بذلك‪ ،‬فهذا‬
‫الذي اختلفا منه‪ ،‬فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري (‬
‫‪.])4/236‬‬
‫تأمل صنيع أبي بكر هذا‪ ،‬أكل لقمة من سعي غلمه‪ ،‬وهو جائع قبل أن‬
‫يسأل عن مصدر الكسب‪ ،‬والظاهر من الثر أنه كان من عادته أن يسأل‬
‫قبل أن يأكل احتياطاً‪ ،‬فلمّا أخبره الغلم بسبب كسبه وعرف أنه غير‬
‫مشروع لم يطق أن يختلط غذاؤه بتلك اللقمة الخبيثة بدمه‪ ،‬فاستقاء‬
‫ليخرجها وما اختلطت به في بطنه‪ ،‬وما كان رضي ال عنه مكلفاً أن يفعل‬
‫ذلك‪ ،‬وقد أكلها دون أن يعلم أنها من كسب خبيث‪ ،‬ولكن التربية السلمية‬
‫التي تربّاها على يد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هي التي أوصلته إلى‬
‫ذلك الورع العالي الذي ل يصل إليه إل من بلغ درجة المتقين الذين يدَعُون‬
‫ما ل بأسس به خشية مما به بأس‪ ،‬أليس كان يكفي أبا بكر أن يستغفر ال‬
‫ويتوب إليه ويدع ما بقي من ذلك الكسب غير المشروع؟ بلى ولكن الورع‬
‫العالي لم يدعه يكتفي بذلك‪.‬‬
‫إن الذي لم بُربّ التربية السلمية على طاعة ال ليلتمس الحصول على ما‬
‫ليس له فيه حق‪ ،‬ليسطو عليه في غفلة عن صاحبه‪ ،‬وإن كثيراً ممن ولهم‬

‫‪14‬‬
‫ال أمور الناس ليسلكون سبلً شتى في العتداء على حقوق الناس‪،‬‬
‫ل آخر وهو‬ ‫مستغلين قوتهم وسلطانهم‪ ،‬ولكن سلطان ال يسلك بأهله سبي ً‬
‫تقوى ال وعدم إضرار الناس‪.‬‬
‫فأين هذا الورع العالي الذي ضرب له أبو بكر رضي ال عنه أروع مثال‪،‬‬
‫بإخراج لقمة الرزق الخبيث مع ما اختلطت به من الرزق الحلل‪ ،‬وكان‬
‫أكلها وهو جائع ول علم له بها؟‬
‫أين هذا من جباة الحرام وطالبي العتداء على حقوق الناس؟!‪.‬‬
‫هذا وليعلم أن تربية الفرد بالعلم النافع والعمل الصالح لتستغرق كل أوقات‬
‫حياته بأصول اليمان وما تفرع عنها‪ ،‬وأصول السلم وما تفرع عنها‪،‬‬
‫وكل أصل من أصول اليمان وفروعه‪ ،‬وكل أصل من أصول السلم‬
‫وفروعه له أثره العظيم على حياة الفرد إذا جاء به على مراد ال ومراد‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يجعل ذلك الفرد صالحاً مصلحاً‪ ،‬يحب‬
‫الصلح والمصلحين ويكره الفساد والمفسدين‪ ،‬ويسعى قدر طاقته أن يزداد‬
‫الصالحون صلحاً‪ ،‬وأن يقلع المفسدون عن فسادهم ويكونوا مع‬
‫الصالحين‪.‬‬
‫ومن تتبع منهاج حياة المسلم الذي شرعه ال تعالى له سواء فيما يتعلق‬
‫بصلته بربه أم صلته بالخرين‪ ،‬وجد أنه ل يوجد للمسلم فراغ يرتكب فيه‬
‫ما حرم ال أو يترك ما أمر ال به‪[ .‬راجع إن شئت قسم الجهاد المعنوي‬
‫في الفصل الثاني من الباب الول من كتاب للمؤلف بعنوان‪ :‬الجهاد في‬
‫سبيل ال حقيقته وغايته (‪ )437-1/274‬الطبعة الولى‪ ،‬نشر دار المنار‬
‫في جدة]‬
‫ويشمل ذلك قلب النسان وعقله وجسمه [راجع بحث ضرورة حفظ العقل‬
‫في كتابنا السلم وضرورات الحياة‪ .‬وكذلك الجهاد في سبيل ال (‬
‫‪.])473 -1/438‬‬

‫وصايا لقمان وما تضمنته من جوانب التربية السلمية‬


‫‪.‬‬

‫ينبغي أن يكون السلم هو المصدر الساسي الذي يستمد منه المجتمع فكره‬
‫التربوي‪ ،‬وأهدافه التربوية‪ ،‬وأسس مناهجه‪ ،‬وأساليب تدريسه‪ ،‬وسائر‬
‫عناصر العملية التعليمية‪،‬‬
‫وفي هذه الدراسة نستخلص أصول التربية السلمية للنسان المسلم من‬
‫خلل وصايا لقمان كما وردت في سورة لقمان‪.‬‬

‫‪15‬‬
‫أولً‪:‬وصايا لقمان لبنه‪ :‬وقد بينها لنا القرآن الكريم بأسلوبه ومعانيه‬
‫المعجزة الخالدة‪ ،‬فكانت وصاياه أنموذجا يتوافر فيه الخلص والصواب‪،‬‬
‫وعلى الباء أن يسلكوا مسلكه في تنشئة أبنائهم تنشئة إسلمية صحيحة‪،‬‬
‫وفق ما تعرضه اليات الكريمة من كتاب ال والتي ذكرت بها وصايا‬
‫لقمان‪:‬‬
‫ن الْحِكْمَ َة أَنِ اشْكُرْ لِّ وَ َمنْ يَشْكُ ْر َفإِنّمَا يَشْكُرُ‬ ‫قال تعالى‪َ { :‬وَلقَدْ آتَيْنَا ُلقْمَا َ‬
‫ظهُ يَا‬ ‫ل ُلقْمَانُ لِبْنِهِ وَ ُهوَ يَعِ ُ‬ ‫ي حَمِيدٌ[‪َ ]12‬وإِ ْذ قَا َ‬ ‫ن الَّ غَنِ ّ‬ ‫لِ َنفْسِهِ وَمَنْ َكفَ َر َفإِ ّ‬
‫ظلْمٌ عَظِيمٌ[‪]13‬وَ َوصّيْنَا الِْ ْنسَانَ بِوَالِدَيْ ِه حَ َملَتْهُ‬ ‫ك لَ ُ‬‫بُنَيّ لَ ُتشْ ِركْ بِالِّ إِنّ الشّ ْر َ‬
‫ي الْمَصِيرُ[‬ ‫ك ِإلَ ّ‬
‫ن أَنِ اشْكُ ْر لِي َولِوَالِدَ ْي َ‬ ‫علَى وَ ْهنٍ َو ِفصَالُ ُه فِي عَامَيْ ِ‬ ‫أُمّهُ وَهْنًا َ‬
‫طعْهُمَا‬‫علْ ٌم فَلَ تُ ِ‬ ‫س َلكَ بِهِ ِ‬ ‫ن جَاهَدَاكَ عَلى َأنْ تُشْ ِركَ بِي مَا لَيْ َ‬ ‫‪َ ]14‬وإِ ْ‬
‫ن أَنَابَ ِإلَيّ ثُ ّم ِإلَيّ مَ ْرجِعُكُمْ‬ ‫َوصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا َمعْرُوفًا وَاتّبِعْ سَبِيلَ مَ ْ‬
‫ل فَتَ ُكنْ‬ ‫ن خَرْ َد ٍ‬ ‫ل حَبّةٍ مِ ْ‬ ‫ي إِنّهَا إِنْ َتكُ ِم ْثقَا َ‬ ‫َفأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْ َملُونَ[‪]15‬يَا بُنَ ّ‬
‫ف خَبِيرٌ[‬ ‫ن الَّ لَطِي ٌ‬ ‫فِي صَخْرَ ٍة أَ ْو فِي السّمَاوَاتِ أَ ْو فِي الَْرْضِ َيأْتِ بِهَا الُّ ِإ ّ‬
‫علَى مَا‬ ‫ن الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ َ‬ ‫ي َأقِ ِم الصّلَةَ َوأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَ ِ‬ ‫‪]16‬يَا بُنَ ّ‬
‫ش فِي‬ ‫ك لِلنّاسِ وَلَ تَمْ ِ‬ ‫ك إِنّ َذِلكَ مِنْ عَ ْزمِ الُْمُورِ[‪ ]17‬وَلَ ُتصَعّ ْر خَ ّد َ‬ ‫َأصَا َب َ‬
‫ل َفخُورٍ[‪]18‬وَا ْقصِ ْد فِي مَشْ ِيكَ‬ ‫حبّ ُكلّ ُمخْتَا ٍ‬ ‫ن الَّ لَ ُي ِ‬ ‫الَْرْضِ مَ َرحًا إِ ّ‬
‫ت الْحَمِيرِ[‪[}]19‬سورة‬ ‫لْصْوَاتِ َلصَ ْو ُ‬ ‫ن أَنْكَرَ ا َ‬‫ك إِ ّ‬‫ن صَوْ ِت َ‬ ‫غضُضْ مِ ْ‬ ‫وَا ْ‬
‫لقمان]‪ .‬من خلل العرض السابق لليات الكريمة يمكن توضيح الوصايا في‬
‫النقاط التالية‪:‬‬

‫الوصية الولى‪ :‬توحيد ال وإفراده بالعبادة ل وحده ل شريك له في ذلك‪،‬‬


‫عظِيمٌ}‪.‬‬‫ظلْمٌ َ‬
‫ك لَ ُ‬
‫لّ إِنّ الشّ ْر َ‬
‫فهو المستحق للعبادة وحده‪{:‬يَا بُنَيّ ل تُشْ ِركْ بِا ِ‬
‫الوصية الثانية‪ :‬برّ البناء لبائهم‪{:‬وَ َوصّيْنَا الِ ْنسَانَ بِوَالِدَيْه‪.}...‬‬
‫الوصية الثالثة‪ :‬أن يراقب العبد ال سبحانه في حركاته وسكناته وجميع‬
‫أعماله‪ ،‬فال عزوجل ل تخفى عليه خافية ل في الرض‪ ،‬ول في السماء‪:‬‬
‫ن خَرْ َدلٍ‪ }...‬الية‪.‬‬ ‫ي إِنّهَا إِنْ َتكُ مِ ْثقَالَ حَبّةٍ مِ ْ‬
‫{يَا بُنَ ّ‬
‫الوصية الرابعة‪ :‬المر بإقامة الصلة‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن‬
‫ي َأقِ ِم الصّلةَ‬
‫المنكر‪ ،‬والصبر على تحمل المشاق في سبيل ذلك‪{ :‬يَا بُنَ ّ‬
‫ن الْمُنْكَرِ‪ }...‬الية‪.‬‬
‫َوأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَ ِ‬
‫الوصية الخامسة‪ :‬التواضع لعباد ال‪ ،‬والقبال عليهم بوجه طليق‪ ،‬والبتعاد‬
‫عن مظاهر الكبر والغرور‪ ،‬وخفض الصوت أثناء الحديث معهم‪ ،‬وعدم‬
‫غضُضْ ِمنْ‬ ‫ك لِلنّاسِ …‪}.‬الية {وَا ْقصِدْ فِي َمشْ ِيكَ وَا ْ‬ ‫رفعه‪{:‬وَل ُتصَعّ ْر خَ ّد َ‬

‫‪16‬‬
‫صَوْتِك……} الية‪ .‬تلك هي وصايا لقمان الحكيم لبنه ذكرها لنا القرآن‬
‫الكريم للتفكر والعتبار‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬جوانب التربية السلمية المتضمنة لوصايا لقمان لبنه‪:‬‬


‫أولً‪ :‬الدعوة إلى غرس عقيدة التوحيد‪ :‬والسرة المسلمة هي المدرسة‬
‫الولى التي تقوم بتوجيه وتربية البناء تربية صالحة‪ ،‬فالبناء أمانة في‬
‫ن آمَنُوا قُوا‬
‫أعناقهم يسألون عنهم أمام ال‪ ،‬قال عز وجل‪ {:‬يَا أَيّهَا الّذِي َ‬
‫علَيْهَا مَلَئِ َكةٌ غِلَظٌ شِدَادٌ لَ‬ ‫حجَارَةُ َ‬
‫أَ ْنفُسَكُمْ َوأَ ْهلِيكُمْ نَارًا َوقُودُهَا النّاسُ وَالْ ِ‬
‫ن الَّ مَا أَمَرَهُمْ وَ َيفْ َعلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[‪[}]6‬سورة التحريم]‪.‬‬ ‫يَ ْعصُو َ‬

‫فأول واجب يجب على البوين القيام به‪ ،‬والهتمام بأمره دون كلل‪ :‬هو‬
‫غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل‪ ،‬وتوجيه عواطفه نحو حب ال‬
‫ورسوله‪ ،‬وإخباره بأن ال يجب أن يكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه‪،‬‬
‫والِيمان بال الذي ل إله غيره‪ ،‬وبملئكته ورسله‪ ،‬وتوحيد ال في اللوهية‪،‬‬
‫والربوبية‪ ،‬والقوامة‪ ،‬والسلطان‪ ،‬والحاكمية؛ لن اليمان بال هو الموجه‬
‫لسلوك النسان‪ ،‬والدافع له إلى اتجاه الخير‪ ،‬والنصير له‪ ،‬كما أنه الذي‬
‫يصرفه عن طريق الشر‪ ،‬ويجعله متحليًا بالفضائل‪ ،‬وحسن الخلق‪.‬‬
‫وأما السنة‪ :‬فقد ذكرت أركان اليمان مجتمعة في حديث جبريل عليه‬
‫السلم‪ -‬وهو مشهور‪.-‬‬

‫إن اليمان بال هو الموجه للسلوك والضابط له‪ ،‬والمتصل اتصالً وثيقًا‬
‫بالعمال الصادرة من الِنسان‪ ،‬فإن التربية الِسلمية تربط دائمًا بين العمل‬
‫والسلوك‪ ،‬ثم بين العمل الصادر من هذا اليمان وبين الجزاء‪ ،‬قال تعالى‪{:‬‬
‫ن آمَنُوا وَعَ ِملُوا الصّاِلحَاتِ‬
‫ل الّذِي َ‬
‫خسْرٍ[‪]2‬إِ ّ‬
‫ن َلفِي ُ‬
‫وَالْ َعصْرِ[‪]1‬إِنّ الِْ ْنسَا َ‬
‫وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ َوتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ[‪[}]3‬سورة العصر]‪.‬‬

‫ثانيًا‪:‬بر الوالدين‪ :‬إن عطف الباء على البناء من أبرز صور الرحمة‪،‬‬
‫وهو يفرض على البناء أن يقابلوا رحمة والديهم لهم بأن يرعوهم كباراً‪،‬‬
‫فيخفضوا لهم جناح الذل من الرحمة‪ ،‬والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة بهم‪.‬‬

‫‪17‬‬
‫ففي الية الكريمة يأمر ال تعالى بعبادته‪ ،‬وينهى عن الشرك به‪ ،‬ثم يتبعه‬
‫المر بالحسان للوالدين وبرهما لما لهما من الفضل على البن منذ أن كان‬
‫نطفة في رحم أمه حتى صار كبيراً يعتمد على نفسه‪.‬‬
‫ويعرض لقمان الحكيم في وصيته لبنه العلقة بين الوالدين والولد في‬
‫أسلوب رقيق‪ ،‬وفي صورة موحية بالعطف والرقة‪ ،‬ومع هذا فإن رابطة‬
‫العقيدة مقدمة على تلك العلقة الوثيقة؛ ولهذا كان شكر الوالدين بعد شكر‬
‫ال؛ لنه المنعم الول‪.‬‬

‫ووصية النسان بوالديه تتمثل في‪ :‬طاعتهما‪ ،‬وطاعة الوالدين ل تكون في‬
‫ركوب كبيرة‪ ،‬ول في ترك فريضة على العيان‪ ،‬وتلزم طاعتهما في‬
‫المباحات‪..‬مما سبق يمكن القول أن علقة البناء بالوالدين يجب أن تكون‬
‫علقة قوية مبنية على التقدير والحترام؛ ذلك أن فضلهم على أبنائهم ل‬
‫يدرك مداه‪ ،‬ول يستطيع أحد أن يقدره‪ .‬ومن هنا كان توصية البناء بآبائهم‬
‫تتكرر في القرآن الكريم‪ ،‬والسنة المطهرة؛ لما في ذلك من حاجة لتذكيرهم‬
‫بواجب الجيل الذي نفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف‪ ،‬ومما لشك فيه أن‬
‫النسان ل يفي والديه حقهما عليه مهما أحسن إليهما‪ ،‬لنهما كانا يحسنان‬
‫إليه حينما كان صغيراً وهما يتمنيان له كل خير‪ ،‬ويخشيان عليه من كل‬
‫سوء‪ ،‬ويسألن ال له السلمة وطول العمر‪ ،‬ويهون عليهما من أجله كل‬
‫بذل مهما عظم ويسهران على راحته دون أن يشعر بأي تضجر من‬
‫مطالبه‪ ،‬ويحزنان عليه إذا آلمه أي شيء‪ ،‬أما الولد فإذا قام بما يجب عليه‬
‫من الحسان لوالديه‪ ،‬فإن مشاعره النفسية نحوهما ل تصل إلى مثل مشاعر‬
‫أنفسهما التي كانت نحوه ول تصل إلى مثل مشاعره هو نحو أولده إل في‬
‫حالت نادرة جداً‪.‬‬

‫ي إِنّهَا إِنْ‬
‫ثالثًا‪ :‬التربية على الِيمان بقدرة ال عز وجل‪ :‬قال تعالى‪ {:‬يَا بُنَ ّ‬
‫صخْرَةٍ أَ ْو فِي السّمَاوَاتِ أَ ْو فِي الَْ ْرضِ‬
‫ن فِي َ‬
‫ن خَرْ َدلٍ فَتَ ُك ْ‬
‫َتكُ مِ ْثقَالَ حَبّةٍ ِم ْ‬
‫ف خَبِيرٌ[‪[}]16‬سورة لقمان]‪.‬‬ ‫لّ لَطِي ٌ‬
‫نا َ‬ ‫لّ إِ ّ‬
‫َي ْأتِ بِهَا ا ُ‬

‫في الية الكريمة يعلم لقمان ابنه مدى قدرة ال تعالى‪ ،‬حيث قيل‪ :‬إن الحس‬
‫ل يدرك للخردلة ثقلً‪ ،‬إذ ل ترجح ميزانًا‪ .‬أي لو كان للنسان رزق مثقال‬
‫حبة خردل في هذه المواضع جاء ال بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه‪،‬‬

‫‪18‬‬
‫أي ل تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض‪ ،‬وعن إتباع سبيل من‬
‫أناب إليّ‪.‬‬

‫والية الكريمة السابقة توجه النسان إلى قدرة ال الواسعة‪ ،‬وأن ال قد أحاط‬
‫بكل شيء علمًا‪ ،‬وأحصى كل شيء عددًا‪ ،‬فسبحانه ل شريك له‪ .‬وهناك‬
‫آيات بينات من كتاب ال تدل على سعة علم ال‪ ،‬وقدرته العظيمة‬
‫ن خَرْدَل}‪ ،‬إشارة إلى دقة الحساب‪ ،‬وعدالة‬ ‫وفي قوله تعالى‪{:‬حَبّةٍ مِ ْ‬
‫الميزان‪ ،‬ما يبلغه هذا التعبير المصور حبة من خردل‪ ،‬صغيرة ضائعة ل‬
‫صخْرَة} أي صلبة محشورة فيها ل تظهر‪ ،‬ول‬ ‫ن فِي َ‬‫وزن لها ول قيمة {فَتَكُ ْ‬
‫يتوصل إليها {أَ ْو فِي السّمَاوَاتِ‪ }...‬في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو‬
‫فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة‪ ،‬أو ذرة تائهة {أَو ْفِي‬
‫الَرْض} ضائعة في ثراها وحصاها ل تبين { َي ْأتِ ِبهَا الُّ} فعلمه يلحقها‬
‫وقدرته ل تفلتها [في ظلل القرآن ‪.]5/2789‬‬

‫ويدرك النسان من معرفته لقدرة‪ :‬مراقبة ال الدائمة له في كل تصرف‪،‬‬


‫مراقبة ال له في الصغيرة والكبيرة‪ ،‬وفي الجهر والخفاء؛ ولذا فهو يراقب‬
‫ال وهم يعمل‪ ...‬فل يعمل شيئاً بغير إخلص‪ ،‬ل يعمل شيئاً يقصد الشر‪...‬‬
‫ل يعمل مستهتراً ول مستهينًا بالعواقب‪ ،‬ول يعمل شيئا لغير ال‪ ،‬فال‬
‫سبحانه وتعالى يحاسبه على النية بعد العمل‪ ،‬وعلى الخلص فيه‪ .‬هذا وال‬
‫ل يقبل أن يكون شيء من العمل لغير وجهه‪..‬‬

‫وكذلك يراقبه وهو يفكر ويحس‪ ...‬فال يعلم السر‪ ،‬وأخفى من السر الهاجسة‬
‫في باطن النفس لم يطلع عليها أحد؛ لنها مطمورة في العماق يراقبه فل‬
‫يحس بإحساس غير نظيف‪ ،‬يراقبه فينظف مشاعره أولً بأول‪ :‬ل يحسد ول‬
‫يحقد‪ ،‬ول يكره للناس الخير‪ ،‬ول يتمنى أن يحرمهما منه‪ ،‬ويستحوذ هو‬
‫عليه‪ ،‬ول يشتهى الشهوات الباطلة‪ ،‬والمتاع الدنس‪.‬‬
‫وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه ال‪ ،‬لتستقيم النفس‪،‬‬
‫ويستقيم المجتمع‪ ،‬وتستقيم جميع المور‪ ،‬ويعيش المجتمع نظيفاً من‬
‫الجريمة‪ ،‬نظيفاً من الدنس‪ ،‬نظيفاً من الحقاد؛ لنه ل يتعامل في الحقيقة‬
‫بعضه مع بعض وإنما يتعامل أول مع ال ‪.‬‬

‫وبناء على ما سبق ذكره‪ :‬ينبغي على الباء والمهات‪ ،‬وكذلك العاملين في‬
‫مجال التربية والتعليم أن يغرسوا في قلوب أبنائهم وتلميذهم مراقبة ال‬

‫‪19‬‬
‫تعالى في أعمالهم وسائر أحوالهم‪ ،‬لتصبح هذه المراقبة اللهية سلوكًا لزمًا‬
‫لهم في كل تصرفاتهم‪ ،‬ويتم ذلك بترويض الولد على مراقبة ال وهو يعمل‪،‬‬
‫فيتعلم الخلص ل في كل أقواله‪ ،‬وأعماله‪ ،‬وسائر تصرفاته‪ ،‬ويكون ممن‬
‫ن لَ ُه الدّينَ‪[...‬‬
‫خِلصِي َ‬
‫ل لِيَعْبُدُوا الَّ ُم ْ‬
‫شملهم القرآن بقوله تعالى‪َ { :‬ومَا أُمِرُوا إِ ّ‬
‫‪[}]5‬سورة البينة]‪.‬‬

‫وكذلك ترويضه على مراقبة ال وهو يفكر‪ :‬ليتعلم الفكار التي تقربه من‬
‫خالقه العظيم‪ ،‬والتي بها ينفع نفسه‪ ،‬ومجتمعه‪ ،‬والناس أجمعين‪.‬‬

‫وأيضاً ترويضه على مراقبة ال وهو يحس‪ :‬فيتعلم كل إحساس نظيف‬


‫وليتربى على كل شعور طاهر‪ ..‬وهذا النمط من التربية والمراقبة قد وجه‬
‫إليه المربي الول عليه الصلة والسلم في إجابته السائل عن الحسان‪َ[ :‬أنْ‬
‫ن لَمْ تَكُنْ تَرَا ُه َفإِنّهُ يَرَاكَ] رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫تَعْبُ َد الَّ َكأَ ّنكَ تَرَا ُه َفإِ ْ‬

‫وحينما ينهج المربون في تربية الولد هذا النهج‪ ،‬ويسير الباء والمهات‬
‫في تأديب البناء على هذه القواعد؛ يستطيعون بإذن ال في فترة يسيرة من‬
‫الزمن أن يكوّنوا جيلً مسلمًا مؤمنًا بال‪ ،‬معتزًا بدينه‪ ،‬مفتخرًا بتاريخه‬
‫وأمجاده‪ ،‬ويستطيعون كذلك أن يكوّنوا مجتمعًا نظيفًا من اللحاد والميوعة‬
‫والحقد‪ ،‬ونظيفاً من الجريمة‪.‬‬

‫رابعًا‪ :‬التوجه إلى ال تعالى بالصلة‪ ،‬والتوجه إلى الناس بالدعوة إليه‬
‫تعالى‪ ،‬والصبر في سبيل الدعوة ومتاعبها‪:‬‬
‫ي َأقِ ِم الصّلةَ}‪ .‬فرض ال‬ ‫أ‪ -‬المر بإقامة الصلة‪ :‬يقول لقمان لبنه‪{ :‬يَا بُنَ ّ‬
‫على عباده عبادات لها أثرها في تهذيب سلوك النسان‪ ،‬وإصلح القلوب‬
‫ومن هذه العبادات‪ :‬الصلة‪ ،‬وهي الركن الثاني من أركان السلم وعموده‬
‫الذي ل يقوم إل به‪ ،‬وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة‪ ،‬وقد بلغ من‬
‫عناية السلم بالصلة أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر‪ ،‬والمن‬
‫صلَوَاتِ وَالصّلَ ِة الْوُسْطَى َوقُومُوا لِّ‬ ‫علَى ال ّ‬ ‫والخوف قال تعالى‪ { :‬حَافِظُوا َ‬
‫علّمَكُمْ مَا‬
‫ل أَوْ رُكْبَانًا َفإِذَا أَمِنْتُ ْم فَاذْكُرُوا الَّ كَمَا َ‬
‫خفْتُمْ فَ ِرجَا ً‬
‫ن ِ‬
‫قَانِتِينَ[‪َ ]238‬فإِ ْ‬
‫لَمْ تَكُونُوا تَ ْعلَمُونَ[‪[}]239‬سورة البقرة]‪.‬‬

‫‪20‬‬
‫إن المتمعن بالعبادات التي فرضها ال عموماً‪ ،‬والصلة خصوصاً؛ يدرك‬
‫أثرها التربوي في إشراقة النفوس‪ ،‬وطمأنينة القلوب‪ ،‬وإصلح الفرد‬
‫والجماعة‬
‫ب‪ -‬بعد ما أمر لقمان ابنه بالِيمان بال ‪ ،‬وعدم الشراك به‪ ،‬والقيام ببر‬
‫الوالدين‪ ،‬والثقة بعدالة الجزاء‪ ،‬والتوجه إلى ال بالصلة‪ ،‬أمره بالقيام‬
‫بالمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر؛ لما في ذلك من آثار حب الفضيلة‪،‬‬
‫وأساس من أسس صلح المجتمع‪ ،‬وإذا تضامن الناس في ذلك ‪ -‬كما هو‬
‫الواجب شرعاً ‪ -‬ووجد تضامن الناس على الفضيلة فل تضيع بينهم‪ ،‬ووجد‬
‫تضامنهم على استنكار الرذيلة فل توجد بينهم‪.‬‬

‫جـ‪ -‬تتطلب الدعوة إلى ال تعالى الصبر من الداعي في سبيل ما يلقاه من‬
‫أعداء دعوته‪ :‬ذلك لن الناس أعداء لما جهلوا‪ ،‬وتحويلهم من عقيدة‬
‫اعتنقوها فترة من الزمن‪ -‬ولو كانت باطلة‪ -‬إلى عقيدة أخرى لم يألفوها‪-‬‬
‫وإن كانت هي الحق‪ -‬أمر صعب على النفوس‪ ،‬ولهذا أوصى لقمان ابنه‬
‫علَى مَا‬
‫بالصبر يقول الحق تبارك وتعالى على لسان لقمان‪{ :‬وَاصْبِرْ َ‬
‫ك إِنّ َذِلكَ مِنْ عَ ْزمِ الُمُورِ}‪،‬‬
‫َأصَا َب َ‬

‫خامسًا‪ :‬الداب الجتماعية‪ :‬يستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن‬


‫هنا إلى آداب الداعية إلى ال‪ ،‬فالدعوة إلى الخير ل تجيز التعالي على الناس‬
‫والتطاول عليهم باسم قيادتهم إِلى الخير‪ ،‬ومن باب أولى يكون التعالي‬
‫والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل‪.‬‬
‫ش فِي الَْرْضِ‬ ‫ك لِلنّاسِ وَلَ تَمْ ِ‬ ‫يقول لقمان وهو يعظ ابنه‪َ {:‬ولَ ُتصَعّرْ خَ ّد َ‬
‫غضُضْ ِمنْ‬ ‫ل َفخُورٍ[‪]18‬وَا ْقصِ ْد فِي مَشْ ِيكَ وَا ْ‬ ‫حبّ ُكلّ ُمخْتَا ٍ‬ ‫ن الَّ لَ ُي ِ‬
‫مَ َرحًا إِ ّ‬
‫ت ا ْلحَمِيرِ[‪[ } ]19‬سورة لقمان]‪ .‬فمن‬ ‫ت َلصَوْ ُ‬ ‫لْصْوَا ِ‬ ‫ن أَنْكَرَ ا َ‬
‫ك إِ ّ‬
‫صَوْ ِت َ‬
‫اليتين الكريمتين السابقتين يتضح أن الداب المتضمنة في تلك الموعظة‬
‫هي كالتالي‪:‬‬
‫ك لِلنّاس} ينهى ابنه عن الكبر‪ ،‬هذا المعنى بقوله‪[ :‬وَمَا‬ ‫‪{ ]1‬وَل ُتصَعّرْ خَ ّد َ‬
‫تَوَاضَعَ َأحَدٌ لِّ إِلّ َرفَعَ ُه الُّ] رواه مسلم‪.‬‬
‫فظهر بهذا أن أولى الخلق التي يرغب لقمان في غرسها في ابنه‪ :‬عدم‬
‫التكبر على الناس‪ ،‬والتواضع لهم‪.‬‬

‫‪21‬‬
‫ش فِي الَرْضِ مَرَحاً‪ }...‬يعني‪ :‬ول تمش في الرض مشية‬ ‫‪{ ]2‬وَل تَمْ ِ‬
‫ن الَّ ل‬
‫تبختر واختيال‪ ،‬ولذلك ختم ال الية بما يناسب هذا المعنى فقال‪{ :‬إِ ّ‬
‫حبّ ُكلّ ُمخْتَالٍ َفخُورٍ}‬ ‫ُي ِ‬
‫‪{ ]3‬وَاقْصِ ْد فِي َمشْ ِيكَ‪ }...‬بعدما نهى لقمان ابنه عن مشيه المرح وصعر‬
‫غضُضْ مِنْ‬ ‫الخد أمره بالمشية المعتدلة القاصدة‪ ،‬فقال‪{:‬وَاقْصِ ْد فِي َمشْ ِيكَ وَا ْ‬
‫ت ا ْلحَمِيرِ} والقصد هنا من القتصاد‪،‬‬ ‫ت َلصَوْ ُ‬
‫لصْوَا ِ‬
‫ن أَنْكَرَ ا َ‬
‫ك إِ ّ‬
‫صَوْ ِت َ‬
‫وعدم الِسراف‪ ،‬ولقد نهى ال تعالى المسلم أن يسير مسرع الخطى وهو‬
‫يلهث‪ ،‬كما نهاه أن يبطئ في مشيه وهو خامل كسول‪ ،‬إنما عليه أن يتوسط‬
‫في مشيه‪.‬‬

‫فإذا وضعت أسس التربية على أساس من التوازن والعتدال‪ -‬كما‬


‫أوضحتها النظرة السلمية‪ -‬لعتدل المر‪ ،‬وما تحولت الوسائل إلى‬
‫غايات‪ ،‬وما انحرفت بنا الطريق بين غلو وتقصير‪ ،‬وإفراط وتفريط‪.‬‬
‫والتربية الِسلمية تهتم بالتركيز على التوازن بين إشباعات النفس‪،‬‬
‫ومطالبها‪ ،‬وبين عفتها وقناعتها‪ ،‬وهذا وارد في قوله تعالى‪ { :‬وَلَ َتجْ َعلْ‬
‫ل الْبَسْطِ … [‪[}]29‬سورة السراء]‪.‬‬ ‫يَ َدكَ مَ ْغلُولَ ًة ِإلَى عُ ُن ِقكَ وَلَ تَ ْبسُطْهَا ُك ّ‬

‫ت َلصَ ْوتُ ا ْلحَمِيرِ} أي‪ :‬ل‬ ‫لصْوَا ِ‬ ‫ن أَنْكَرَ ا َ‬


‫ك إِ ّ‬
‫ن صَوْ ِت َ‬
‫غضُضْ مِ ْ‬
‫‪{ ]4‬وَا ْ‬
‫تتكلف رفع صوتك‪ ،‬وخذ منه ما تحتاج إليه‪ ،‬فإن الجهر بأكثر من الحاجة‬
‫لصْوَاتِ َلصَ ْوتُ ا ْلحَمِيرِ}‪.‬‬
‫ن أَنْكَرَ ا َ‬
‫تكلف يؤذي‪ ،‬والمراد بذلك التواضع إِ ّ‬

‫فالوصايا السابقة هي منهج الداب السامية التي يؤدب ال عباده ذلك؛ لن‬
‫في امتثالها فلحهم دنيا وآخرة هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى فإنهم‬
‫يرون آثارها التربوية في توجيه وتهذيب سلوكهم‪ ،‬وتعمل على زيادة‬
‫اللفة و المحبة بينهم كما يؤدي هذا إلى تماسك مجتمعهم‪.‬‬

‫‪22‬‬
‫المراجع‬

‫‪ -1‬مرادفات مصطلح التربية السلمية و مفهومها‬


‫د‪ :‬صالح بن علي أبو عرّاد الشهري‬

‫‪-2‬أثر التربية السلمية في امن المجتمع السلمي‬


‫د ‪ .‬عبد ال قادري الهدل‬

‫‪-3‬من بحث‪ ':‬معالم أصول التربية السلمية من خلل وصايا لقمان لبنه'‬
‫د‪:‬عبد الرحمن بن محمد عبد المحسن النصاري‬

‫‪-4‬موقع جمعية التحاد السلمي‬


‫‪/http://www.itihad.org‬‬

‫‪23‬‬
‫الفهرس‬
‫‪1‬‬ ‫مصطلح التربية السلمية و مفهومها‬
‫‪6‬‬ ‫المزايا والهداف‬
‫‪12‬‬ ‫نماذج تطبيقية لثر التربية السلمية‬
‫‪15‬‬ ‫وصايا لقمان وما تضمنته من جوانب التربية السلمية‬
‫‪24‬‬ ‫المراجع‬

‫‪24‬‬