You are on page 1of 10

‫‪ .....‬سيكولوجية العنف ‪ ......

‬والعلج‬

‫العنـــف ‪ .......‬ذلك السلوك المقترن باستخدام القوة الفيزيائية وهو ذلك الفيروس الحامل‬
‫للقسوة والمانع للمودة‪ .‬لم يكن العنف في يوم من اليام ولن يكون فطريا بل كان دوما قدرا‬
‫أحمقا مكتسبا في النفس البشرية‪ .‬فلم يكن النسان عنيفا يوم ولدته أمه بل أن عنف الطبيعة‬
‫وعسر الحياة والتربية وعنف الباء هو الذي يغرز العنف في خليا الدماغ حتى حملته‬
‫صبغاته الوراثية فكاد أن يكون موروثا‪.‬‬

‫وليس لنا في الحقيقة إل التمييز والتفريق بين عنف الطبيعة في زلزلها وبراكينها‬
‫وزمهريرها‪ ،‬والعنف إل لهي في سلسله وسعيره وصقره‪ ،‬والعنف الحكومي بإرهابه‬
‫وهراواته ورصاصه‪ ...‬وعنف النسان للحيوان بتعذيبه وسلخ جلده وقتله وعنف النسان‬
‫لخيه النسان الذي يشمل ضمنا عنف الب ضد أبناءه وعنف الرجل ضد المرأة وعنف‬
‫الرجل ضد الرجل وعنف النسان لنفسه وما يهمنا في هذه الدراسة هو عنف النسان لخيه‬
‫النسان وعنف النسان لنفسه وهو الموضوع الذي قل ما يستعرض في التحليلت النفسية‬
‫نظرا لبعده الواقعي وليس النظري عن مفهوم الجريمة والمفهوم القانوني وسنحاول في هذه‬
‫المقالة دراسة مساراته وسبر أغواره‪ .‬ونظرا لتساع جوانب العنف وأسبابه وأبعاده أخذ علماء‬
‫الجتماع في تقسيم الموضوع وتصنيفه إلى العنف المدرسي والعنف العائلي والعنف العلمي‬
‫والعنف الحكومي‪ ...‬الخ‪ .‬وكلها تدخل في مضمار العنف الجتماعي وعلى أساس نوعي آخر‬
‫يتم تصنيف العنف إلى ثلثة أنواع هي العنف النفسي والعنف اللفظي والعنف الجسمي‪ .‬عنف‬
‫النسان لخيه النسان ما يزال قيد التحقيق والدراسة وسيبقى ويظل موجودا ما دام التعقل‬
‫والجنون موجودين وسيظل مرهونا بالصراع المتواجد بين العقل والجنون‪ .‬ولن يكتب لهذا‬
‫العنف أن يهدأ في النفس النسانية إل إذا أمكن التلعب هندسيا بجينات النسان وصبغاتها‬
‫الوراثية‪ .....‬ولكن يمكن انحساره كما وكيفا إلى درجاته الدنيا‪.‬‬
‫عنف النسان لنفسه هو الخر لم ينته بعد من تجارب العلماء والمحققين وهو في حقيقته‬
‫بعيد عن الصفة العدوانية ضد الغير أو لنقل ضمور الغريزة العدوانية ضد الغير في هذا النوع‬
‫من العنف‪ .‬وعلى أية حال فإننا نجد أن العنف في وجه من وجوهه معصية ل ولرسوله وعدم‬
‫اللتزام بأوامره ونواهيه وسننه وهو وسيلة لرضاء الشيطان وسخط الرحمن وفي أسلوبه‬

‫‪1‬‬
‫جريمة يعاقب عليها المجتمع والقانون‪ .‬وللعنف مناظير أخرى فالعنف برأي الدكتور مصطفى‬
‫حجازي هو لغة التخاطب الخيرة الممكنة مع الواقع ومع الخرين حين يحس المرء بالعجز‬
‫عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي وحين تترسخ القناعة لديه بالفشل في إقناعهم‬
‫بالعتراف بكيانه وقيمته‪ .‬كما يشير الدكتور حسنين توفيق إبراهيم في كتابه ظاهرة العنف‬
‫السياسي في النظم العربية إن العنف هو ظاهرة مركبة لها جوانبها السياسية والقتصادية‬
‫والجتماعية والنفسية وهو ظاهرة عامة تعرفها كل المجتمعات البشرية بدرجات متفاوتة‪ .‬أما‬
‫ساندا بول روكنغ فيقول‪ :‬بأن العنف هو الستخدام غير الشرعي للقوة أو التهديد باستخدامها‬
‫للحاق الذى والضرر بالخرين ‪ ...‬وقد يقترن العنف بالقوة أو الكراه أو القسر أو التكليف‬
‫والتقييد وهو سلوك نقيض للرفق وقد يقال عنه بأنه صورة من صور القوة المبذولة على نحو‬
‫غير قانوني بهدف إخضاع طرف لرادة طرف آخر أو هو الستعمال غير القانوني لوسائل‬
‫وأساليب القسر المادي أو البدني ابتغاء تحقيق أهداف شخصية أو جماعية‪.‬‬
‫والذي يبدو في هذه التعريفات أنها توازي بين العنف ومخالفة القانون فقط في الوقت‬
‫الذي قد ل نعطي القانون اغلب جوانب العنف في نفس الوقت الذي نجد أنها ل تعبر بصورة‬
‫حقيقية عن مفهوم العنف أساسا إذ أننا نستطيع التساؤل عندئذ بأن تطبيق القانون بالكراه‬
‫والقوة والمصلحة الدولية يعتبر مخالفا للقانون أم ل؟ ولربما يربط البعض بين العنف‬
‫والعدوانية التي يعتبرها البعض أحد الجزاء المكونة للغريزة الجنسية ‪ ....‬والعنف هو أحد‬
‫أوجه الروح السادية الكابتة في الفرد وانعكاس من انعكاسات النا والنانية لديه حتى وإن كان‬
‫في حالة الدفاع كما أشار (دينستن) إلى أن العنف السياسي هو استخدام وسائل القوة والقهر أو‬
‫التهديد باستخدامها للحاق الذى والضرر بالشخاص والممتلكات وذلك من اجل تحقيق‬
‫أهداف غير قانونية أو مرفوضة اجتماعيا‪.‬‬
‫أما تعريف العنف برأي (ايسنارد) فهو كغيره من أشكال السلوك وهو نتاج مأزق‬
‫علئقي بحيث يصيب التدمير ذات الشخص في نفس الوقت الذي ينصب فيه على الخر‬
‫لبادته فتشكل العدوانية طريقة معينة للدخول في علقة مع الخر‪ ،‬ويعرفه عدد من علماء‬
‫السلوك بأنه نمط من أنماط السلوك الذي ينبع عن حالة إحباط مصحوب بعلمات التوتر‬
‫ويحتوي على نية سيئة للحاق ضرر مادي ومعنوي بكائن حي أو بديل عن كائن حي‪ .‬ومن‬
‫التعاريف السابقة للعنف والتي اتصفت ببعض الجوانب الخاصة كالقانون والسياسية‬
‫والقتصاد‪ .....‬نستطيع التعميم بالقول بأن العنف قد يوجه من الشخص لنفسه وليس‬
‫بالضرورة من الشخص لطرف آخر كما أن العنف قد يكون مصاحبا بقوة خفية غير ظاهرة‬
‫المعالم كالكهرباء والسم وبهذا نذهب إلى أكثر وأعمق مما ذهبت إليه بعض تلك المصاديق‬

‫‪2‬‬
‫التعريفية كما يحلو للبعض تسميتها بعنف المصلحة الذي يخدم مصلحة الشخص العنيف‬
‫بخلف العنف الشخصي الناتج عن عقوبة الذات وتأنيب الضمير‪.‬‬
‫سيكولوجية العنف ‪....‬‬
‫العنف صورة من صور القصور الذهني حيال موقف‪ ،‬والعنف وجه آخر من أوجه‬
‫النقص التقني في السلوب والبداع في حل ومواجهة معضلة وقد يصل العنف لمراحل‬
‫النهيار العقلي والجنون كما قد يكون وسيلة من وسائل العقوبة والتأديب أو صورة من صور‬
‫تأنيب الضمير على جرم أو خطيئة مرتكبة ولن يتعدى في كل أحواله القصور الذهني‬
‫والفكري لدى النسان وهو في حالة من حالته اضطراب في إفرازات الغدد الهرمونية في‬
‫جسم الفرد وعدم تناسب أو انتظام في التوزيع الهرموني داخل الجسم الذي قد ينتج أحيانا عن‬
‫سوء في التغذية أو سوء اختيار نوعيتها‪ .‬وأيا ما تكون العلة الفيزيولوجية أو البيئية فالعنف‬
‫مرفوض حضاريا وأخلقيا وسلوكيا واجتماعيا ولكن ما اقتنع مجتمع أو فرد بالعنف إل وكانت‬
‫له جذور‪ .‬العنف دليل من دلئل النفس غير المطمئنة وصورة للخوف من الطرف الخر مهما‬
‫تعددت أشكال ذلك الخوف‪ ،‬وانعكاس للقلق وعدم الصبر والتوازن‪ ،‬ووجه من وجوه ضيق‬
‫الصدر وقلة الحيلة وقد يلم العنف بصاحبه فتراه يضرب نفسه أو ينطح رأسه بالجدار أو يقطّع‬
‫شعر رأسه ألما وانتقاما من فكرة أو وسوسة في الدماغ قد ل يكون لها أساس من الصحة‬
‫والمنطق‪ .‬وهو أي العنف في مثل هذه المراحل يكون مؤشرا لضعف الشخصية ونقصان في‬
‫رباطة الجأش وتوازن السلوك‪ .‬والعنف في وجه من وجوهه حلوى مسمومة للصغار والطفال‬
‫ومدرسة سلبية للشباب في سنين المراهقة وخداع لعقولهم في خط الحياة والمستقبل وتضليل‬
‫لمسار الفكر النساني في عقولهم وتطبيع نفوسهم على القسوة الكامنة في العنف والتي قد‬
‫تتحول في النفس إلى عنف من نوع آخر ل تحده حدود غير الحقد والكراهية مثل حالت القتل‬
‫الجماعي والتمثيل الجسماني‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫القسوة والفظاظة الكامنة في العنف قد تتحول من صفة الكتساب إلى صفة الوراثة‬
‫ل لن يخلفا إل كمدا ولن يزرعا إل اضطرابا وحسرة في‬
‫فالغتصاب والقسوة الجنسية مث ً‬
‫النفس المتلقية والجنين المولود ‪....‬وبذلك تخلق معادلة الكآبة وتستمر ل تنتهي بانتهاء الحياة‬
‫بل تتوالد من جديد في أصلب قادمة‪.‬‬
‫وهكذا خلف الجداد العنف في أرحام نسائهم وأورثناه نحن في أولدنا وهلم جر‪...‬‬
‫وإن كان كامنا في صبغة من أصباغ مليين الحيوانات المنوية‪.‬‬
‫إن لتربية السرة وسلوكية البوين أثرا بالغا على تحديد الشخصية العنيفة العدوانية إذ‬
‫يتوخى الطفال الذكور تقليد الب والنجرار خلف سلوكياته والتطبع بها من دون مراعاة للقيم‬

‫‪3‬‬
‫التي قد ل يعرفونها بعكس الناث اللواتي يتوخين تقليد سلوكيات أمهاتهن من دون مراعاة‬
‫للقيم التي قد ل يعرفنها أيضا‪ .‬وبديهي أن هذا النجرار يصاحبه مباركة من البوين أو لنقل‬
‫التغاضي عنهما ‪...‬أما المهاترات والضرب العائلي فينتقل بصورة ل إرادية وبالمحاكاة إلى‬
‫الطفال ليصبح سلوكية البناء بالروح العدوانية والتهجمية المصاحبة للعنف وعليه ينصح‬
‫علماء الجتماع بعدم استعراض أي من تلك الحالت أمام الطفال ولتكن بمعزل عنهم‪.‬‬
‫وعلى الرغم من اختلف تأثير الحرمان المومي وحتى البوي من طفل لخر ومن‬
‫مجتمع لخر علوة على التمييز والتفريق بين الطفال يبعضهم البعض ‪ ،‬وعلى الرغم من أن‬
‫الكثير من الطفال المحرومين ينشئون بصورة سلوكية سوية بعدئذ إل أن الحرمان المومي‬
‫والبوي بكافة جوانبه المادية والمعنوية يعتبر من أهم حوافز ومولدات العنف والسلوك غير‬
‫الهادئ وذلك نظرا لما يتركه هذا الحرمان من آثار عميقة في المجالت الذهنية والجتماعية‬
‫والعضوية أحيانا وحتى على كيمياويات الفرازات الهرمونية في جسم الفرد ـ وتتجلى آثار‬
‫الحرمان المومي والبوي كظاهرة منتشرة في دراسة بيرز واوبرز (‪ )1950‬على عينة من‬
‫‪ 38‬مراهقا سبق وأن دخلوا مؤسسات الرعاية الجتماعية بين السبوع الثالث والسنة الثالثة‬
‫من عمرهم حيث لوحظت تلك النتائج بصورة جلية في أعمارهم بين السنة السادسة عشرة‬
‫والثامنة عشرة حيث تعرض ‪ 21‬شخصا منهم إلى اضطرابات وطبيعة عدوانية وشراسة حادة‬
‫بينما عانى أربعة فتيان من العينة ذاتها من التخلف العقلي وعاقد اثنان منهم العصاب ولم ينج‬
‫إل سبعة مراهقين حيث كان سلوكهم مقبولً‪.‬‬
‫وتتجلى انعكاسات الحرمان المومي بصورة واضحة على التوأم وكذلك الطفال‬
‫المولودين بصورة متعاقبة وبفاصل زمني متقارب‪ .‬وليس هذا فقط بل إن الصدمات النفسية‬
‫المبكرة والعداد غير السليم لوضع المراهقين والنشاط الجسمي وعدم القدرة على تحقيق‬
‫الرغبات كل ذلك يزيد النفعالية الناتجة عن عدم النتظام في الفرازات الهرمونية في خليا‬
‫الجسم والذي يؤدي بدوره إلى السلوكية العدوانية والعنف‪.‬‬
‫القهر الجتماعي هو الخر من أحد أهم مكونات العنف ليس للفرد فحسب بل في‬
‫المجتمع أيضا إذ أن مسألة الزدراء والسخرية والستهزاء بالشخصية خصوصا بين الطفال‬
‫والشباب أو حتى في السرة الواحدة كفيلة بأن تزيد الفرازات الهرمونية العصبية والعدوانية‬
‫في الجسم لتثير في الفرد روح العنف والحقد والكراهية واستخدام القوة للرد ورفع القهر الناتج‬
‫عن الستهزاء إذ تشير العديد من التقارير المدرسية بأن أكثر المشاكل العنيفة بين الطلب‬
‫كانت بسبب السخرية والستهزاء وتسلط الكبار على الصغار كما تذكر تقارير من اليابان بأن‬
‫هذا القهر الناتج عن الستهزاء أدى إلى انتحار تسعة طلب دون الرابعة عشرة من العمر في‬
‫العام ‪1985‬م كان احدهم فتى هادئا وديعا‪ .‬إن القهر الجتماعي ل يتوقف عند السخرية‬

‫‪4‬‬
‫ل أخرى متعددة فمن عدم المساواة الشخصية والنبذ‬
‫والستهزاء بل يتعدى ذلك ليأخذ أشكا ً‬
‫الجتماعي واغتصاب الحقوق واختلف اللغة أو القهر اللغوي وعدم العدالة في بعض المواقف‬
‫الدارية والتربوية والقانونية كلها عناصر مولدة للعنف والعدوان الفردي والجتماعي‪ ،‬فكثيرا‬
‫ما نلحظ أن القهر الداري يدفع الموظف لركل الطاولة أو إغلق الباب بعنف وقوة أو‬
‫النفجار بالسباب أحيانا كثيرة‪.‬‬
‫ول ننسى أن نشير هنا إلى أن العنف هو صورة النا والنانية في الفرد وأن العلقة‬
‫بينهما مضطردة فكلما زادت ألنا كان العنف هناك فالتهمة الشخصية كالتكفير والزندقة‬
‫والتهجم وإهانة الشخصية كلها عوامل تذكي النا العدوانية عند الفرد وتزيد من حساسيتها‪.‬‬
‫وعلى الرغم من كثرة البحوث التي تشير إلى سلبية تأثير وسائل العلم كافة واعتبارها أحد‬
‫أهم وسائل انتشار العنف المكتسب لدى الطفال والمراهقين شأنها بذلك شأن الفلم الجنسية‬
‫المثيرة للمراهقين إل أن تلك الوسائل العلمية ومن يقف ورائها من الناشرين والمخططين ما‬
‫زالت تتخذ من مادة العنف والجريمة‪ ،‬والقتل وحوادث العتداء والتفجيرات والغتيالت وقتل‬
‫الطفال‪ ...‬الخ مادة دسمة لخبارها وإعلمها حتى بلغت نسبة هذه الحداث ‪ %75‬من المادة‬
‫الخبارية في الوقت الذي تبلغ فيه المادة العلمية ‪ %25‬في مجمل المادة الخبارية ‪.....‬وحبذا‬
‫لو تتغير النسبة ويتغير أسلوب العرض الخباري؟؟! حرصا على الجيال القادمة ولنسجل‬
‫بذلك سبقا صحفيا وإعلميا وسيكولوجيا على الغرب ‪.‬‬
‫إن الشيء الملفت للنظر والجدير بالشارة هو أن التنشئة الجتماعية وحتى السرية‬
‫للفرد مبنية على تركيز رفع درجات الحقد والكراهية والنتقام ضد السرة المعارضة أو‬
‫المجتمع المعارض في الطرف الخر متناسين العوارض الجانبية لهذا التركيز حيث أن الحقد‬
‫والكراهية والنتقام قد تتأصل في النفس أو المجتمع وتعود على بعضه بالوبال وبذلك ينطبق‬
‫المثل القائل (على نفسها جنت براقش) ومتناسين بذلك أيضا أن الكذب وعدم العدالة من أسرع‬
‫الصفات السلبية التي تتأصل في النفس البشرية ومن أهم مقومات العنف‪.‬‬
‫يعتبر الستفزاز في الكثير من الدراسات العالمية من أهم محفزات ومكونات العنف‬
‫سواء كان ذلك للطفال والشيوخ والحوامل وحتى الحيوانات إذ أن تأثيره غير العادي على‬
‫تغيير إفرازات الغدد الجسمية للطرف الخر كفيل بخلق الضطراب النفسي والفكري‬
‫المصاحب للعنف والعدوانية حيث تجد الكثير من أولئك الذين يدفعهم الستفزاز للعتداء‬
‫وتحطيم الثاث والسيارات وكل شيء أمامهم أو ركل الكرسي وتحطيم النوافذ وإغلق الباب‬
‫بقوة وغضب كرد فعل عنيف للحباط وعدم الرضا والقهر أحيانا أخرى‪ .‬وهاتان الخصلتان‬
‫الستفزاز والتنشئة الجتماعية المنزلية (ال َقدْح) كانتا السبب لدى الكثير في رفع الروح‬
‫العدوانية والعنف المدرسي فالتنشئة الجتماعية المنزلية المبنية على الردع والذم والسباب‪..‬‬

‫‪5‬‬
‫الخ تخلق الروح العدوانية المكبوتة لدى الطفل بينما يساعد الستفزاز على تأجيج تلك الروح‬
‫العدوانية لدى الطفل وهو ما يؤدي إلى أكثر تلك الصراعات المدرسية قبل بداية الدوام وعند‬
‫انتهاء الدوام وخروجهم إلى المنازل‪.‬‬
‫إذ تشير الدراسات التربوية المدرسية إلى أن نسبة ‪ %85‬من تلك الصراعات الطلبية‬
‫العدوانية ترجع إلى كل من الستفزاز والسخرية والتربية أو التنشئة المنزلية إذ أن ‪ %75‬من‬
‫هؤلء هم من ذوي العائلت ذات المشاكل السرية الغير سليمة‪.‬‬
‫عنف التربية لنستعرض هنا قليلً من موارد العنف الناتج عن سوء التربية تاركين‬
‫العنف الموروث مكبوتا في حيامنه والذي كان في زمن ولى ومضى عنفا مكتسبا بالتربية‪.‬‬
‫وتكثر البدائل ولكن الختيار لم يكن إل اختيارا للعنف السيئ المصاحب للقصور الذهني‬
‫والتقنية التربوية‪ .‬كتلك المرأة التي كانت تضرب رأسها بالجدار لتعديل درجة النسيان‬
‫والوسوسة في داخل نفسها عند كل خطأ ترتكبه في صلتها وكأنها تعاقب نفسها أو ذلك‬
‫الرأس على ذلك الخطأ تاركة كل البدائل الممكنة من التسبيح والبوصلة واستخدام جهاز‬
‫التسجيل للصلة بأكملها أو الئتمام بالخرين لعلج هذه المشكلة ‪......‬أيضا تلك المرأة التي‬
‫كانت تشقق ثوبها وتلك التي كانت تقطع شعرها جزعا وخوفا ورعبا لدى كل مشكلة غير‬
‫محتملة لديها ومهما كانت بسيطة وكأن ذلك السلوك يهدئ من روعها ويحل معضلتها وكم كان‬
‫الرعب يصيب الطفال عند مشاهدة تلك المناظر وكم يقيسون عندئذ بأن ضرب الرأس‬
‫وتقطيع الشعر وتمزيق الثياب قد يكون حلً للمعضلة‪ .‬كما لن أنسى‪ ،‬ذلك الطفل الذي يسقط‬
‫على الرض ونظره متعلق بأمه ثم بدأ بالصراخ والعويل ل لسقوطه على الرض بل لفزع‬
‫أمه عليه وجزعها في نظرتها إليه وصراخها من هلعها عليه وكم كان موقف الب جريئا‬
‫وتربويا عندما طلب من الطفل أن ينهض وينظف ملبسه الجديدة من التراب الذي علق عليها‬
‫ل من البكاء والعويل‪ .‬ونتذكر ذلك البن المرعوب جراء تأنيب وتعزيز والديه‬
‫جرّاء السقوط بد ً‬
‫له على كل خطأ قد يرتكبه وإن كان عفويا‪.‬‬
‫وتلك الحكومة التي كانت تعاقب أبناءها ومواطنيها لمجرد التفكير بأسلوب مغاير أو‬
‫حتى موازٍ لمسارها والكل يعلم أن التفكير من العمليات اللإرادية في دماغ النسان وتلك‬
‫الحكومة التي اتبعت سياسة العنف وسيلة للحكم واستقرت على رعب المواطن وخوفه أدى إلى‬
‫نشوء المراض والعقد النفسية لدى أجيال متعددة يتوارثونها جيلً بعد جيل‪ .‬وأتذكر ذلك الب‬
‫الذي يحتقر ويزدري زوجته أمام أولده وكم يزرع في نفس الذكور منهم نفس الزدراء وذات‬
‫السلوك ضد أمهم وأخواتهم الناث اللواتي ينتابهن الخوف والحباط والجزع والتسليم للمر‬
‫الواقع‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫وكم نتذكر لنكتب عن عنف التربية في العالم العربي والسلمي وكم ندرس لنبحث‬
‫فالكل يعرف ويشكو التربية والعنف المصاحب لها وتأثيرها السلبي والكل ل يبالي ويبرر!!!‬

‫والعلج‪:‬‬ ‫ميكانيكية الردع‬


‫إن مرض العنف النفسي في حاجته إلى العلج ل يختلف عن المراض‬
‫الجسمية الخرى‪ ،‬كما ل يختلف عن المراض النفسية المتعددة فقد سبق أن أوضحنا أنه مزيج‬
‫جسمنفساني وذهني في آن واحد ‪،‬وليس من السهل زمنيا وتقنيا تحقيق النتائج المطلوبة ولكن‬
‫بتطبيق الرشادات الطبية والعلجات الروحانية والدراسات العلمية الجتماعية علوة على‬
‫التوعية الثقافية المتواصلة نستطيع الوصول إلى مرحلة ل نقول باندثار العنف فيها ‪ ،‬بل نقول‬
‫بتضاؤله أو وقوفه عند حد ل يتصاعد بعده‪.‬‬
‫وبهذا يمكننا تلخيص تلك الميكانيكيات العلجية بالنقاط التالية‪:‬‬
‫•الكلمة الطيبة الوادعة‪:‬‬
‫جاء في الحديث أن الكلمة الطيبة صدقة تدفع العنف والكراهية وتربي نفس الفرد على المودة‬
‫وتساعده على حسن السلوك‪ .‬وبإشاعة روح الكلمة الطيبة في المجتمع سوف لن يجد العنف‬
‫مجالً للنمو والترعرع‪.‬‬
‫•النظرات الهادئة الناعسة‪:‬‬
‫توحي النظرات الناعسة والهادئة للطرف الخر بالطمأنينة وعدم الرتياب والخوف وعدم‬
‫التشنج بعكس تلك النظرات القاسية المشككة والتي تثير الستفزاز ولربما تؤدي النظرات‬
‫الهادئة والناعسة إلى انتظام إفراز الهرمونات في الخليا الجسمية المولدة للعنف ‪ ،‬وهذا‬
‫يتضح من مراقبة بسيطة وتحليل لمواقف بعض الحيوانات إذ أنها تستطيع أن تقرأ أو تفهم‬
‫روح العداء والعنف من عيون ونظرات الحيوان الخر‪ .‬فلحركة العيون في النسان اثر‬
‫واضح في رد العنف والعدوان إذ نجد أنه كلما تناعست العيون أي قلت وخفت حدة نظراتها‬
‫قل العنف والعنف المضاد في النسان ‪ ،‬وهو ما يظهر بوضوح وجلء عند المرضى‬
‫والكهول والشيوخ‪.‬‬
‫•العتدال الغذائي‪:‬‬
‫المتناع عن تناول الطعمة المثيرة للحساسية فمما ل شك فيه أنها تساعد على سوء الهضم‬
‫وعدم انتظام أو قصور الفرازات الهرمونية في الجسم المر الذي يؤدي بالفرد إلى التوتر‬
‫والعصبية المصاحبة للعنف وحبذا لو يستشار الطبيب بذلك‪.‬‬

‫•الهوايات الفردية والترويح النفسي‪:‬‬

‫‪7‬‬
‫تساعد الهوايات الجسمية والنفسية على امتصاص عدم التوازن الهرموني في الجسم والمؤثر‬
‫في السلوك النساني وتوجيهه باتجاه معاكس للعنف والعدوانية فهواية القراءة‪ ،‬وجمع‬
‫الطوابع‪ ،‬والنقود‪ ،‬والموسيقى‪ ،‬والركض ولعب الكرة بأنواعها‪ ...‬إلى غيرها من الهوايات‬
‫التي تركن لها النفوس من دون حصر وكذلك إطلق الحرية في اختيار الهواية المناسبة‬
‫للطفال والشباب حسب أعمارهم كالسباحة وركوب الخيل والدراجات والسيارات‪ ...‬الخ‬
‫تساعد على تحويل العنف إلى علقات جسمية أو نفسية هادئة وديعة كما تصرف الذهن‬
‫ج الفرد‬
‫وخلياه عن التفكير بالعنف لنشغالها وانغماسها بتلك الهوايات وتطويرها وإن دم ّ‬
‫إحدى هذا الهوايات أو أكثرها كان من واجب علماء النفس والتربية ومتصدي الصلح في‬
‫المجتمع خلق هوايات أخرى تتماشى وتوجهات ذلك المجتمع وعلقته بالعنف‪ .‬ولربما نستطيع‬
‫التأكيد على أن من أهم الهوايات التي تقلل العنف أو تمنعه هي السباحة ومع السف نجد أن‬
‫الكثير من البلدان السلمية ولزمنة قريبة مثل ليبيا وإيران والسعودية واليمن ل تهتم‬
‫بالسباحة بل تتركها للفرد والقدر وللستثمار من دون إعطائها تلك الميزة التربوية على الرغم‬
‫من توجيه وتوصية السلم بها فمع السف نجد أن اغلب المسابح أو كلها مسابح صيفية في‬
‫الوقت الذي نلحظ ندرتها في الشتاء وكأن العنف لديهم مرهون بفصل الصيف دون فصل‬
‫الشتاء‪ .‬كما تشير الحصائيات الكثيرة إلى انعدام العنف أو تضاؤله عند أولئك الذين‬
‫يمارسون هواية السباحة بشكل متواصل دون انقطاع حيث تقضي السباحة على التوتر‬
‫الفكري والعصبي عند النسان وبصورة مباشرة‪ .‬وحبذا لو يتم توسيع هذه الهوايات وإعطائها‬
‫الطابع السلمي وتبينها من قبل المراجع والمسئولين عن تربية المجتمع وتوجيههم الصحيح‬
‫بدلً من العنف المصاحب لتأجيج العواطف واستفزازها‪.‬‬
‫إن هواية تربية الحيوانات والطيور المنزلية خصوصا للطفال والشباب تولّد فيهم روح‬
‫العناية والرعاية وحب الطرف الخر وتغيير السلوك العدائي إلى سلوك التعايش السلمي كما‬
‫تنمي موهبة التعامل لدى الفرد والطفل مع من هم أقل واقصر منه تحمّل وتحليل بعض‬
‫السلوك القاصر الصادر من مثل هذه الحيوانات وتعلم كيفية تربيتها وتدجينها ودراسة‬
‫سلوكياتها وأخلقياتها مما يصرف الفرد أو الطفل عن روح العداء والتذمر والكثير من‬
‫السلبيات الناتجة عن ضيق الصدر‪ ..‬ولعلنا نستطيع القول وبحزم بأن من واجب الباء دفع‬
‫أبنائهم لممارسة واعتناق إحدى الهوايات أو عددا منها ولربما نذهب بعيدا ونطالب الباء‬
‫والمسئولين والمتصدين للتربية وعلم الجتماع إلى وضع دراسات اجتماعية وخلق هوايات‬
‫جديدة تتناسب مع ذات المجتمع وعواطفه وميوله من دون تقليد للخرين ونختم هذه الفقرة‬
‫ت وإن كلّت عَميتْ)‪.‬‬
‫بما روي عن المام علي… قوله (روّح النفس ساعة فإنها إن ملّتْ كلّ ْ‬

‫‪8‬‬
‫•السترخاء‪ :‬تفيد علميات السترخاء كثيرا في التقليل من حالت العنف المصاحب‬
‫للغضب وعملية السترخاء تعني ترك العضو الجسمي كاليد أو الرجل من دون حركة‬
‫لفترة زمنية وبصورة ل يتدفق فيها الدم إلى العضو الجسمي بكميات كبيرة وهو أشبه‬
‫إلى التخدير منه إلى النوم‪.‬‬
‫•تقوى ال‪:‬‬
‫إن تقوى ال وهو الملذ الكبر في نهاية المطاف يمنع القسوة والغلظة وهو بالتالي‬
‫يردع العنف رغم حق القصاص الفردي الذي قد يتضاءل أمام مفهوم العفو والصلح‬
‫ومصداقية الفرد المؤمن‪.‬‬
‫•الصلوات والتوجه إلى ال‪:‬‬
‫تمثل الصلوات وسيلة من وسائل ردع العنف عند الشخص بينما يساعد التوجه إلى ال‬
‫على توازن وانتظام الفرازات الهرمونية الجسمية عند الفرد بإبعاده عن مكونات الثارة‬
‫والستفزاز‪.‬‬
‫•الجواء البيئية‪:‬‬
‫للبيئة تأثير كبير على تصعيد درجة العنف عند الفرد فالصحراء والطبيعة القاسية والنحيب‬
‫والضجيج وعدم الستقرار والهدوء وحتى التلوث البيئي لي سبب من السباب يعتبر من‬
‫إحدى المقومات الستفزازية الباعثة والمسببة للعنف أو حتى تقبّله بصورة طبيعية إذ أن‬
‫النتظام الهرموني والسلوكي مرهون بالتأثرات والتغيرات البيئية المحيطة بالفرد وعليه‬
‫ينصح العلماء باختبار البيئة الجوية والجتماعية المناسبة لتقليل العنف المصاحب للتوتر في‬
‫مثل هذه الحالت‪.‬‬
‫•رفع القهر الجتماعي‪:‬‬
‫لحظنا أن القهر الجتماعي في الفقرة السابقة هو أحد مكونات العنف عند الفرد وبالتالي لبد‬
‫من إتباع الوسائل التي تقلل من تأثيرات هذا القهر وينصح العلماء بأن المشاركات الجتماعية‬
‫والنضمام للجمعيات الصلحية ومساندتها مثل جمعيات حقوق النسان وجمعيات الرفق‬
‫بالحيوان وجمعيات الدفاع عن حقوق المرأة وجمعيات الرعاية الصحية وجمعيات الحسان‬
‫الخيرية ونقابات العمال والفلحين‪ ...‬الخ تعتبر من الوسائل المهمة في تقليل العنف‬
‫المصاحب للقهر الجتماعي‪.‬‬

‫•النضج السلوكي‪:‬‬

‫‪9‬‬
‫تكليف الشباب والصغار بمسؤوليات ومهام منزلية‪ ،‬أو إدارية يساعد كثيرا في النضج‬
‫السلوكي لديهم عن غيرهم ممن لم يحضوا بهذه الخصوصية‪ .‬إن معاملة الصغير بأسلوب‬
‫كبير يساعد على نضجه السلوكي المر الذي يقلل من انفعاليته وعنفه‪.‬‬
‫•الحركات الكشفية‪:‬‬
‫إن مشاركة الشباب والطفال بالحركات الكشفية أصبحت في الوقت الحالي ضرورة من‬
‫ضروريات المعاملة الكفوءة مع الحداث اليومية للحياة ‪ ،‬ويلحظ أن مردودها النفسي يفيد‬
‫كثيرا في التقليل من العنف لدى الفراد حتى بعد تركهم تلك الحركات الكشفية‪.‬‬
‫•نظرية امتصاص العنف بالعنف‪:‬‬
‫يؤمن البعض بأن العنف ذاته قد يشكل رادعا للعنف إذا تم استخدامه بصورة علمية ومدروسة‬
‫مثل مباريات الملكمة والمصارعة وكرة اليد هي من اللعاب والهوايات العنيفة التي وضعت‬
‫وفق أسس أخلقية واجتماعية تجارية وتربوية قادرة على تحويل العنف السلبي إلى عنف‬
‫رياضي إيجابي يكتسب الحترام‪ .‬كما أن أفلم العنف أيضا تشكل مثلً آخرا على نظرية‬
‫امتصاص العنف بالعنف والتخلص من المحاربين بالحرب‪ ...‬وهكذا تطغى التجارة حتى على‬
‫عقول الطفال والمراهقين الذين ليست لهم القدرة على استيعاب فكرة امتصاص العنف‬
‫بالعنف المضاد‪ .‬والحقيقة أن المثلة السابقة ل تقدم دليلً على امتصاص أو تقليل العنف‬
‫بالعنف بل يمكن تكليف الشخص بأعمال عضلية عنيفة مثل الركض ورفع الثقال وتقطيع‬
‫الشجر وتكسير الحجر‪.‬‬
‫•الحب والزواج‪:‬‬
‫الحب نقيض الكراهية وهي إحدى مقومات ومولدات العنف في النفس البشرية وفي مجتمعاتنا‬
‫حيث ينظر للحب بمنظار سلبي ترتفع نزعات الحقد والكراهية والتطرف الناتج عن الكبت‬
‫العاطفي المثير للعنف الجنسي والعدوانية وبإطالة فترة الخطوبة بين الجنسين يتعلم الطرفان‬
‫خلها تغليب سلوك الحب ومراعاة الطرف الخر علوة على ايجابيات أخرى نحصد في‬
‫محصلتها انتفاء الكراهية والعنف بين الطرفين وفي كل المجتمع‪.‬‬

‫إلى هنا ‪ ........‬وللحديث بقية‬

‫أ‪ .‬عطا أحمد شقفة _ أستاذ علم النفس ‪ -‬غزة فلسطين‬

‫‪10‬‬