‫شخصيـة النبـي محمد في الشـعر العربـي بين القديم والجديد‬

‫نجمــــــة حجّـــــار‬
‫باحثة وأكاديمية من لبنان تقيم في استراليا‬

‫شكّلت شخصيـة النبـي محمد (صلّى ال عليه وسلّم) منذ‬
‫بدايات الدعوة السلميـة محورًا هامـًا للشـعر العربـي‪ ،‬أعرق‬
‫وكانت شخصيـة الرسـول دائمـًا موضوعـًا‬
‫الفنـون العربيـة‪.‬‬
‫اسـاسـيًا لحد أهمّ النواع الشـعريـة العربيـة‪ ،‬وهو الشـعر‬
‫الدينـي الذي يتناول موضوعات مثل الوحدانيـة والعشق اللـهي‬
‫ومدح النبـي وآل بيته‪.‬‬
‫وإذا كانت بدايات مديـح النبـي تعود الى أوائل سنوات الهجرة‪،‬‬
‫فإن هذا الفـنّ تطوّر على يد عدد من الشـعراء على مـرّ العصور‬
‫السلميـة حتـى أصبح اليوم فنـًا قائمـًا بذاته له خصائصه‬
‫وغدا المديـح النبـوي يشكّل أحد أهمّ الفنـون في‬
‫وطرقه‪.‬‬
‫المجتمعات السلميـة الحديثـة‪.‬‬

‫يعالج هذا البحث (وهو واحد من سلسلة أبحاث أعدّها في هذا‬
‫المجال) أهميـة المديـح النبـوي في الشـعر العربـي‪ .‬ويتتبّـع‬
‫بشكل خاص تطوّر شخصيـة النبـي في شـعر المديـح في الطار‬
‫التاريخي والسياسي والجتماعي على ثلث مراحل‪:‬‬

‫المرحلة التأسيسيـة في العصر النبـوي‬
‫مع التركيـز على «بـردة كعب»‪،‬‬
‫والمرحلة الوسـيطة‬
‫مع التركيـز على"بـردة البوصيـري"‬
‫واللتفات الى مساهمة عائشـة الباعونيّـة كشـاعرة متخصّصـة‬
‫في المديـح النبـوي‪،‬‬
‫وأخيـرًا المرحلة الحديثـة‪.‬‬
‫يقول ابن خلدون (ت سنة ‪ ٨٠٨‬هـ ‪ 1406 /‬مـ) «إن فـنّ الشـعر‬
‫من بين الكلم كان شريفـًا عند العرب ولذلك جعلوه ديوان‬
‫علومهم وأخبارهم»‪ )١(.‬والشـعر هو التعبيـر البداعي الوّل عن‬
‫تجربة العرب النفعاليـة والفكريـة والثقافيـة قبل السـلم‪.‬‬
‫وبالتالي أصبح الشـعر العربـي أوّل الفنـون السلميـة ليس فقط‬
‫لن العرب شكّلوا النواة الولـى للمجتمع السـلمي‪ ،‬ولكن ايضـًا‬
‫بسبب الدور الذي لعبه الشـعر في بدايات الدعوة السلميـة‪،‬‬
‫وفي نشر لغة السـلم والثقافة العربيـة السلميـة في العصور‬
‫اللحقة‪.‬‬
‫تعود بدايات المديـح النبـوي في الصل الى الجدال التاريخي‬
‫الذي نشأ بين شـعراء من قريش الذين تجنّدوا للدفاع عن الزعامة‬
‫القرشيـة المناهضة لدعوة السـلم من جهة‪ ،‬والنبـي محمد‬
‫(ص) وصحابته من جهة ثانية‪.‬‬
‫فالرسـول ما كان شـاعرًا وما قال شـعرا‪ .‬ولكن الحملت‬
‫العدائيـة الشـعريـة‪ ،‬وتقديره لتأثيـر الشـعر والشـعراء في‬
‫المجتمع الجاهلي‪ ،‬جعلت الرسـول يستعين بشـعراء المسلمين‬
‫للردّ على حملت اعدائه بسلح الشـعر نفسه‪ .‬ومن المعروف أنّ‬
‫الرسـول كان «يتعهّد» هؤلء الشـعراء «بالعناية والرعاية‪ ،‬فيرفع‬
‫من مكانتهم ويفضّلهم في العطاء‪ ،‬وذلك لهميـة الدور الذي كانوا‬
‫يقومون به في دحض دعاوى مشركي مكة وشـعرائهم‪)٢(.‬‬
‫في هذا السياق تطوّر فـنّ المديـح النبـوي في الشـعر العربـي‪،‬‬

‫أوّل على يد هؤلء الشـعراء الذين دافعوا عن السـلم ورسـوله‪.‬‬
‫وكان منهم حسّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد ال بن رواحة‪،‬‬
‫ومن النساء ميمونة بنت عبد ال البلويـة‪ )٣(،‬ولكن ل نعرف إذا‬
‫قالت شـعرًا في مدح النبـي‪.‬‬
‫من أوّل الذين مدحوا الرسـول في شـعرهم حسّان بن ثابت‪ .‬كان‬
‫من الشـعراء البارزين في الجاهليـة‪ ،‬فلما دخل السـلم بدأ‬
‫ينشد شـعرا يمدح فيه الرسـول ويهجو أعداءه فسمّي لذلك‬
‫بـ«شـاعر الرسـول»‪ .‬ولكن مقارنة بشـعره الجاهلي‪ ،‬أعتُبـر شـعر‬
‫حسّان السـلمي أقلّ إبداعـًا‪ ،‬وأكثرَ ليونة (برأي الصمعي)‪،‬‬
‫خاصة انـه بعد دخوله السـلم كان يتقيّد بحدود الدين ويتجنّب‬
‫التعبير عن أيّ نزعة خاصة تتعارض مع العقيدة السلميـة‪)٤( .‬‬
‫عملت شخصيـة الرسـول وتعاليمه وتوجيهاته للشـعراء على‬
‫تثبيت القيم الدينيـة الجديدة في شـعرهم‪ ،‬إضافة الى المثل‬
‫الخلقيـة المألوفة من العصر الجاهلي التـي أقرّها السـلم في‬
‫القـرآن وسـنّة النبـي‪ .‬فخفّت أو اختفت لهجة الهجاء والمديـح‬
‫والفخر القبلي في الشـعر السـلمي الجديد الى حدّ كبير‪.‬‬
‫ولكن يبدو أنّ الشـعراء وجدوا في شخصيـة الرسـول وتسامحه‬
‫وفي هدايته الروحيـة متنفّسـًا جديدًا لطاقة المديـح المتأصّلة‬
‫فيهم‪ .‬فأتى مديـحهم للنبـي تعويضـًا عن مديـحهم في‬
‫الجاهليـة واستمرارًا له‪ ،‬إن لم يكن في منحاه الدينـي فعلى‬
‫القلّ في بنائه الفنّـي والكثير من موضوعاته‪ .‬ورغم التحفّظ‪،‬‬
‫وأحيانـًا الغضب‪ ،‬الذي كان يبديه الرسـول على بعض شـعر‬
‫العتذار والمديـح بسبب الفخر الذاتـي وضعف الروح الدينيـة فيه(‬
‫‪ )٥‬فإنّ شـعر تلك الفترة شكّل البدايات الولى والتأسيسيـة لفـنّ‬
‫المديـح النبـوي الذي تطوّر على مـرّ العصور السلميـة متّخذا من‬
‫شـعر تلك المرحلة نموذجـًا ومثـالً‪.‬‬
‫بـردة النبـي وتأصـيل المديـح‬
‫من أهمّ قصـائد المديـح النبـوي في المرحلة التأسيسيـة‪ ،‬من‬
‫المنظور التاريخي‪ ،‬هي لميّـة كعب بن زهيـر بن أبـي سلمى‬
‫ومطلعها‪:‬‬
‫بانَت سُـعادُ فَقَلبـي اليومَ مَتبولُ‬

‫م َتيّـمٌ إثـرَها لم يُفدَ مَكبول‪.‬‬
‫ُ‬
‫وهي التـي اشتهرت باسـم«بانَت سُـعاد» لكنها عُرفت ايضـًا‬
‫باسـم «البـردة» لن النبـي وهب كعبـًا بـردته حين مدحه بهذه‬
‫القصيدة‪ .‬وتعد من أشـهر قصـائد الشـعر العربـي حتـى قيل «ل‬
‫يكاد ناطق بالضاد ل يسمع بـها»‪ )٦(.‬وفي ما يخص موضوعنا‪،‬‬
‫تكتسب بـردة كعب أهميتها ليس فقط من الظروف التاريخيـة‬
‫التـي أنتجتها‪ ،‬ولكن ايضـًا من حيث أصالتها والثـر الذي تركته في‬
‫شـعر المديـح النبـوي حتـى غدت بذاتـها تقليدًا يتبعه الشـعراء‬
‫موضوعيـًا وفنيـًا‪.‬‬
‫والمعروف أنّ كعبـًا كان قد هجا النبـي والمسلمين في قصـائد‬
‫لذعة فأهدر الرسـول دمه‪ .‬وبعد فتح مكة أتى كعب مجلسَ‬
‫الرسـول في المدينة تائبـًا‪ ،‬معتذرًا‪ ،‬ومُسلِمـًا ثم أنشده قصيدته‪.‬‬
‫ويقول الرواة انـه لـما وصل كعب الى قوله‪ :‬إنّ الرسـولَ لَنـورٌ‬
‫يُستَضـاءُ بِـهِ‬
‫هنّـدٌ مِن سُيـوفِ الِ مَسلـول‬
‫مُ َ‬
‫عفا عنه الرسـول «ورمى ببـردته على كتفيه هبة منه له‪)٧(».‬‬
‫ومن جملة ما قاله كعب في لميّتـه‪)٨(:‬‬
‫ُنبّئـتُ أنّ رَسـولَ الِ أَوعَـدَنـي‬
‫والعَفـوُ عِندَ رَسـولِ الِ مَأمـولُ‬
‫مَهلً هَـداكَ الذي أَعطـاكَ نافِلةَ الـ‬
‫قُـرآنِ فيـها مَواعيـظٌ وَتَفصيـلُ‬
‫خذَنّـي ِبأَقـوالِ الوُشـاةِ وَلـمَ‬
‫ل تَأ ُ‬
‫أُذنِب وَلَو َكثُـرَت فِـيّ الَقاويـلُ‬

‫إنّ الرسـولَ لَنـورٌ يُستَضـاءُ بِـهِ‬
‫هنّـدٌ مِن سُيـوفِ الِ مَسلـولُ‬
‫مُ َ‬
‫ونلحظ أنّ مديـح كعب للنبـي استغرق أبياتـًا قليلة من القصيدة‬
‫وكان واحدًا من جملة مواضيع عالجها الشـاعر‪ .‬فقد استهلّ‬
‫الشـاعر قصيدته بمطلع الغزل على عادة شـعراء العصر (ثلثة‬
‫عشر بيتـًا)‪ ،‬ثمّ انتقل الى وصف الناقة الذي شغل المساحة‬
‫الشعريـة الكبـر في القصيدة (واحد وعشرين بيتـًا)‪ ،‬وبعدها‬
‫تخلّص الى المديـح (أربعة أبيات)‪ ،‬وأخيرًا مدح النبـي بثلثة عشر‬
‫بيتـًا والمهاجرين القرشيين (دون النصـار) بسبعة أبيات‪ .‬وما‬
‫يلفت النظر طبعـًا ليس فقط صغر المساحة التـي يشغلها مديـح‬
‫النبـي‪ ،‬وهو الغرض الذي من أجله أنشئت القصيدة‪ ،‬ولكن ايضـًا‬
‫قلّـة الشـارات للرسـالة الجديدة‪ .‬ففي القصيدة‪ ،‬على طولها‪،‬‬
‫عبارات معدودة مثل «رسـول ال» و«أسـلموا» ونافلة القـرآن‪.‬‬
‫وإن كان العفو والسيف‪ ،‬والمقصود بالسيف هنا البطولة‬
‫والشجاعة والنخوة والمروءة والدفاع عن الحق‪ ،‬كلّـها من الصفات‬
‫النسانيـة المعروفة قبل السـلم والتـي كان يعتزّ بـها العرب‪.‬‬
‫وما يميّـز هذا المديـح أنّ صاحبه‪ ،‬أي النبـي‪ ،‬الذي عُرف بسعة‬
‫الخلق والحلم والرحمة إنّما حباه ال بـهذه الصفات الحميدة‪.‬‬
‫فعفوه مأمـول لنـه مأذون به من عند ال‪ .‬وقد زاده القـرآن حين‬
‫أُنزل عليه سكينةً رسوليـة‪ ،‬وجعله مُـزيلً للخوف واليأس وباعثـًا‬
‫للرجـاء والمـل‪.‬‬
‫ل شكّ أنّ هذه الشـارات على قلّـتها‪ ،‬نظـرًا لقرب العهد‬
‫بالسـلم ولجـدّة إسـلم كعب بالذات‪ ،‬في غاية الهميـة إذا‬
‫اعتبـرناها من المنظـور التاريخـي والجتماعـي‪ .‬فهي وإن دلّت‬
‫على سطحيـة معرفـة الشـاعر بالسـلم‪ ،‬إنّما تـدلّ ايضـًا على‬
‫ميّـزه ال‬
‫النظـرة التـي كانت سـائدة يومها الى النبـي‪ ،‬كإنسـان َ‬
‫فجعله رسـوله وحاملً نور هدايتـه لعصبته (لهلـه وهنا قريش)‪.‬‬
‫ولـهذا اقتصـر مديـح الشـاعر على الصفات المعهـودة للنبـي‪،‬‬
‫وهي صفاتـه النسـانيـة والرسـوليـة‪ ،‬ولم يتعـدّاهـا الى إضفـاء أو‬
‫«ابتـداع» صفات أخرى جديدة كالصفات الروحانيـة أو القدسـية‬
‫التـي أضفـاها عليه المدّاحـون في العصـور اللحقـة‪.‬‬

‫رغم انـها قيلت في مديـح النبـي وبعد أن أعلن الشـاعر إسـلمه‪،‬‬
‫إلّ أنّ «بـردة كعب» تبقى قصيدة «جاهليـة» من حيث التقليد‬
‫والتباعيـة‪ ،‬وطبيعة بنائها الشـعري‪ ،‬ومن حيث حركتها الداخليـة‬
‫وإيقاعها الغنائي‪ ،‬وغناها بالتشابيه والصور الماديـة (مثلً تشبيه‬
‫النبـي بالسد)‪ .‬ولكن أَهمّ ما يميّـز «بانت سـعاد» عن سائر‬
‫شـعر المدح عامة‪ ،‬والمديـح النبـوي خاصة‪ ،‬الذي سبقها على‬
‫قلّته أو الذي قيل من بعدها‪ ،‬هو ذلك الرتباط العضوي بين‬
‫القصيدة وقصـة شـاعرها من جهة‪ ،‬والدللة التاريخيـة للقصيدة‬
‫من جهة أخرى‪ .‬فالقصيدة تجلو لنا طرفـًا من أخلق النبـي‬
‫وتضعنا في أجواء العصر الذي عاش فيه كل من المادح‬
‫والممدوح‪ .‬بلجوئه إليه فقط تأكّد للشـاعر أنّ النبـي حليم‪ ،‬واسـع‬
‫الرحـمة وكريـم‪ .‬وبمدحه إيّـاه خبـر استعداده للستماع إليه بصدر‬
‫رحب وقبولـه في عـداد المسلمين رغم السـاءة التـي سبق‬
‫للشـاعر أن بادره بـها‪ .‬وفوق هذا كلّـه تبيّـن له بحـقّ كـرم النبـي‬
‫وجـوده‪ ،‬وهو طبعًـا كـرم أخلقي معنوي أكثر مما هو مادي‪،‬‬
‫عندما منحه بـردته‪.‬‬
‫من جهة ثانية‪ ،‬تعيد القصيدة‪ ،‬وقصتها‪ ،‬خلق الظروف الجتماعيـة‬
‫والسياسيـة التـي دفعت بالرسـول الى إهدار دم الشـاعر ومن‬
‫ثمّ العفو عنه‪ .‬وكشاهد حيّ على تلك الفترة التاريخيـة الهامّـة‪،‬‬
‫فإنّ القصيدة وثيقة شاهدة على البيئة العامة التـي نشأ فيها‬
‫الدين الجديد والطريق الذي سلكته الدعوة السلميـة في‬
‫بداياتها‪ .‬كما انـها تضيء جوانب هامّـة من السياسة السمحة‬
‫المتفهّمة والمنفتحة التـي اتّبعها الرسـول في نشر دعوته بين‬
‫العرب‪.‬‬
‫يقول أدونيس عن القصيدة الجاهليـة انـها «شـعر ممتزج بقدر‬
‫النسان ومصيره‪ ،‬وأيّـامه وأشيائه الليفة‪ :‬شـعر شخصي‪ ،‬لكنّه‬
‫لجميع الشخاص‪ )٩(».‬ول تخرج قصيدة كعب عن هذا المفهوم‪.‬‬
‫ولكن هذا ل يفقدها قيمتها الفنيـة والتاريخيـة كقصيدة مخضرمة‬
‫وكباكورة الفنـون السلميـة‪ .‬لنـها مع «جاهليّتهـا» من الناحية‬
‫الفنيـة تبقى أكثر شـعر المديـح النبـوي أصالة واستمراريـة‪ ،‬ليس‬
‫لنوعيـة أو حجم المديـح الذي تضمّنته كما سبق وبيّنـا‪ ،‬ولكن‬
‫لكونها من أوائل المدائـح التـي أُنشدت في حضرة النبـي نفسه‪،‬‬
‫وللثـر الذي تركته على الممدوح والمادح والمدّاحين منذ حوالي‬
‫أربعة عشر قرنـًا‪ .‬أُعجب النبـي بالمديـح فلم يكتفِ بمنح مادحه‬

‫حياة زمنيـة جديدة‪ ،‬بل وهبه بَرَكـة لما بعد ذلك عندما ألقى عليه‬
‫بـردته‪ ،‬مع كل ما ترمـز اليه «بـردة النبـي» في المجالين الدينـي‬
‫والدنيوي‪ )10(.‬وبرأيـي أنّ ارتباط «بانت سـعاد» بالبـردة النبويـة‬
‫هو الذي أعطى هذه القصيدة قيمتها وجعلها تقليدًا شـعريـًا‬
‫استمرّ في فـنّ المديـح النبـوي منذ ذلك التاريخ على القل في‬
‫قصيدتين مدحيّتيـن مشهورتين حملتا نفس السم‪« :‬بـردة‬
‫البوصيـري» و«نـهج البـردة» لشـوقي‪١١ .‬‬
‫البـردة بين كعب والبوصيـري‬
‫«بـردة البوصيـري» نظمها الشـاعر محمد بن سعيد بن حمّاد‬
‫الصنهاجي البوصيـري (ت في السكندريـة بين ‪ ٦٩٦-694‬هـ ‪/‬‬
‫‪ 1297-1249‬مـ) تحت عنوان «الكواكب الدريـة في مدح خيـر‬
‫البريـة»‪ .‬ول شكّ انـها أهمّ القصـائد التـي استوحت قصيدة‬
‫كعب‪ ،‬أو ربّما «جـو» القصيدة‪ ،‬إذا لم نـرد القول انـها محاكاة‬
‫لـ«بـردة كعب» و«تجربة مستبطنة» عنها‪ )12(.‬وقد غلب اسم‬
‫«البـردة» على قصيدة البوصيـري بالذات لتمييزها عن قصيدة‬
‫كعب التـي اشتهرت أكثر باسمبانت سـعاد‪.‬‬
‫كان البوصيـري واحدًا من أهم المتصوّفة المصريين في عصره‪(.‬‬
‫‪ )13‬واشـتهر بكونـه خطّاطـا احترف النسخ وفقيهـًا عالمـًا‬
‫بالحديث النبـوي وقارئـًا مُجيـدًا للقرآن الكريم‪( .‬وأنا أعتقد أن‬
‫لتجويده القـرآن علقة وثيقة بإنشاد قصـائده المدحيـة‪ ،‬خاصة‬
‫البـردة التـي كأنّـما كتبت من أجل النشاد‪ )14().‬لكن اسـمه‬
‫ارتبط بالشـعر وبشكل خاص بالمديـح النبـوي حتـى اعتبـر «من‬
‫الشـعراء الذين مثّلوا تطـوّرا بارزًا في التّجاه الدينـي» ضمن‬
‫الحركة الدبيـة والفكريـة التـي نشطت في عهد المماليك في‬
‫مصر والشام‪ ،‬وعهد التتـر ‪ -‬المغـول في العراق منذ أواسط القرن‬
‫الثالث عشر ميلدي‪(15(.‬‬
‫تمعّن البوصيـري بالسيرة النبـويـة وأفرغ طاقتة الشعريـة ومعرفته‬
‫الدقيقة بأخبار النبـي وصفاته في قصـائد مطوّلة وقفها على مدح‬
‫النبـي وآل البيت والصحابة‪ ،‬كانت «البـردة» أهمّها على الطلق‪،‬‬
‫إن لم تكن أطولها (‪ 160‬بيتـًا)‪ .‬وهي القصيدة التـي «خلّدت‬
‫اسـمه»‪ )16(.‬نظم البوصيـري «بـردته» بعد حوالي ستمائة سنة‬
‫من عصر النبـوّة ومن زمن قصيدة البـردة الولى أو الصليـة لكعب‬

‫بن زهيـر‪ .‬وقد اشتهرت «بـردة البوصيـري» دون غيرها من‬
‫قصـائده في مدح النبـي بسبب ما رواه الشـاعر نفسه عن انـه‬
‫نظمها بعد أن أُصيب بفالج‪ ،‬فاستشفع بها الى ال وكرّر إنشادها‬
‫ودعا وتوسّل للنبـي‪ .‬ثم رأى النبـي في منامه يمسح وجهه‬
‫بيده المباركة ويلقي عليه بـردة‪ ،‬فشفي من مرضه‪ .‬لهذا عُرفت‬
‫ايضـًا بـ«البَـرأة»‪ ،‬وذاع صيتهـا على انـها «تُقرأ لتفريج الشدائد‬
‫وتيسيـر كل أمر عسيـر كما يقول المتحمّسون لها من مريدي‬
‫الشـاعر والمؤمنين بقصيدته‪ ».‬وقد غالـى بعض المتحّمسين‬
‫فيها فجعلوا لبياتـها بركـة خاصة وما زالت الى اليوم تستعمل في‬
‫الـرّقى وتنشد عند المدافن‪)17(.‬‬
‫يرى الدكتور زكي مبارك صاحب كتاب المدائـح النبـويـة في الدب‬
‫العربـي أنّ البوصيـري هو الذي «ابتكر هذا النوع أو هو الذي‬
‫بسطه وأطال فيه القصيدة» وأنّ «البـردة» هي «أوّل قصيدة قيّمة‬
‫في مدح الرسـول‪ ».‬ومع تقديره لقيمتها المدحيـة‪ ،‬يشكّك مبارك‬
‫في القيمة التاريخيـة والعلميـة لقصّة ‪ -‬أو «حكاية» ‪ -‬البـردة‬
‫البوصيـريـة ويُدرجها في جملة «وساوس المتأخّـرين»‪ ،‬وينتقد ما‬
‫ذكره بعض الشـرّاح من أن لكل بيت من أبياتـها فائدة معيّنة‬
‫كالمان من الفقر ومن الطاعون على انـه نوع قديم «من‬
‫الغفلة‪)18(».‬‬
‫ل شكّ انـه مهما اختلفت وجهات النظر الى قصة «البـردة»‬
‫البوصيـرية ‪ -‬من ناحية التشكيك أو الصدق على عكس قصّة‬
‫«البـردة الصليـة» لكعب ‪ -‬فانـه ل يمكن البحث في موضوع‬
‫المديـح النبـوي في الشـعر والغناء العربـي في العصر الحديث‬
‫دون اعتبار مكانة البوصيـري وقصيدة «البـردة» بالذات‪ .‬في‬
‫دراسة لـي موسّعة عن بدايات المديـح النبـوي‪ ،‬أسلوبه وغايته‪،‬‬
‫حاولت تتبّـع المنهج أو السلوب الذي سلكه البوصيـري في‬
‫«البـردة» للوصول الى غايته من المديـح‪)19(.‬وهنا أكتفي‬
‫بالشارة الى بعض النقاط التـي تخصّ موضوع هذا البحث‪.‬‬
‫صيغت «بـردة البوصيـري» على وزن وقافية وروي قصيدة «هل نار‬
‫ليلـى بدت ليل» للشـاعر الصوفي المشهور عمر بن الفارض (ت‬
‫في القاهرة سنة ‪ 632‬هـ ‪ 1234 /‬مـ)‪.‬‬
‫يقول ابن الفارض في مطلع قصيدته‪)20(:‬‬

‫سلَـمِ‬
‫هل نـارُ لَيلى َبدَت لَيلً بِذي َ‬
‫ق لحَ في الـزّوراءِ فال َعلَـمِ‬
‫أَم با ِر ٌ‬
‫ويستهل البوصيـري «قصيدة البـردة» كما يلي‪:‬‬
‫سلَـمِ‬
‫أَمِـن َتذَكّـرِ جيـرانٍ بِذي َ‬
‫مَزَجتَ دَمعـًا جَرى مِن مُقلةٍ بِـدَمِ‬
‫هبّـتِ الريحُ مِن تِلقـاءِ كاظِمـةٍ‬
‫أَم َ‬
‫مضَ البَـرقُ في الظّلماءِ مِن إضَمِ‬
‫َوأَو َ‬
‫ليس هناك أدنى شكّ بالقرابة العروضيـة والموسيقيـة وأوجه‬
‫الشبه في بعض المعانـي وأسماء المكنة بين قصيدة ابن الفارض‬
‫و«بـردة البوصيـري» و«نـهج البـردة» لشوقي‪ ،‬كما أشار اليها‬
‫فاروق شوشة‪ )21(.‬ولكن قصيدة ابن الفارض‪ ،‬على ما فيها من‬
‫حب وشوق للمواضع المرتبطة بسيـرة النبـي ومناسك الحج‪،‬‬
‫ليست مدحـًا للنبـي بالمعنـى التقليدي من حيث انـه تعداد‬
‫لصفات الرسـول ‪ -‬خَلقه وأخلقه ‪ -‬وتمجيد لرسالته والدفاع‬
‫عنهما‪ .‬تدخل قصيدة «هل نار ليلـى بدت ليل»‪ ،‬وقصـائد أخرى‬
‫لبن الفارض كـ«التائيـة الكبـرى» و«ترنيمة الحب»‪ )٢٢(،‬في باب‬
‫الناشيد الصوفيـة والعشق اللـهي‪ ،‬خاصة إذا قرأنا شـعره قـراءة‬
‫صوفيـة وفهمنا عشق الشـاعر لليلـى على انـه عشق روحي‪،‬‬
‫و«ليلـى» عند الصوفيين رمز للجمال اللـهي‪ )23(.‬ولذلك ل يمكن‬
‫إدراجها في فـنّ المديـح النبـوي بسبب غياب المديـح المباشـر‬
‫للرسـول‪ ،‬واحتجاب الممدوح خلف الرموز الصوفيـة المكثّفـة‪.‬‬
‫وهذا ما دفعنـي الى اعتبار «بـردة البوصيـري» امتدادًا لـ«بـردة‬
‫كعب» بن زهيـر ليس فقط في الغرض السـاسي من نظم‬
‫القصيدة‪ ،‬وهو مديـح النبـي لكتساب رضاه وشفاعته‪ ،‬ولكن ايضـًا‬
‫في الطريق ‪ -‬أو السلوب ‪ -‬الذي سلكه الشـاعر للوصول الى‬
‫غرضه‪.‬‬
‫البوصيـري بين التصوّف واليمان الشعبـي‬

‫يستهلّ البوصيـري قصيدته‪ ،‬كما فعل ابن الفارض وكعب بن زهيـر‬
‫قبله‪ ،‬بشكوى الحبّ والردّ على اللئميـن‪ .‬والسائد أنّ البوصيـري‬
‫ابتدأ قصيدته بمطلع الغزل الكلسيكي من باب «المحاكاة‬
‫والتقليد» الشـعري للعادة العربيـة القديمة في افتتاح الشـعر‬
‫بالتشبيب والنسيب‪ )24(.‬وبرأيي أنّ الشـاعر اعتمد العمود‬
‫الشـعري للقصيدة (مطلع الغزل ووحدة البيت والوزن والقافية‬
‫والروي) ليس فقط من باب التقليد الذي اتبّعه معظم الشـعراء‬
‫العرب حتـى العقود الولى من القرن العشرين‪ ،‬ولكن أيضـًا‬
‫والهمّ ابتغاء للصـالة‪ .‬وهذه تتحقّق بالعودة الى الصل الشـعري‬
‫والدينـي‪ ،‬وكلهما هنا مرتبط عضويـًا بالخر‪ .‬فإذا كان التقرّب من‬
‫الرسـول هو الغاية من المديـح‪ ،‬فالعودة الى حضرة النبـي تفترض‬
‫خلق جـوّ شـعري شبيـه بالجـوّ الذي عاش فيه شـعراء السـلم‬
‫الوائل الذين مدحـوا النبـي ونالوا رضـاه وبالخص صاحب البـردة‬
‫الصليـة كعب بن زهيـر‪ .‬هكذا كانت العموديـة الشعريـة‬
‫التقليديـة السـلوب الكثـر أصـالة‪ ،‬لنـه القـرب للوصـول الى‬
‫الغاية من المديـح‪ .‬وهذا برأيـي ما يجعل ابتداء البوصيـري‬
‫بـ«الغـزل» و«النسيب» امتـدادًا للبدايات المدحيـة الولى وإن‬
‫كنت أرى أنّ غـزله ‪ -‬وهو على الصحّ في حب النبـي ‪ -‬يقترب من‬
‫روحانيـة ابن الفارض الصوفـي أكثر من دنيويـة غـزل كعب‬
‫الجاهلي (أو المخضرم)‪.‬‬
‫مِمّا قاله البوصيـري في مدح الرسـول‪:‬‬
‫سيّـدُ الكَونَيـنِ والثّقَلـ‬
‫مُحَمّـدٌ َ‬
‫ينِ والفَريقَينِ مِن عُـربٍ ومِن عَجَـمِ‬
‫عتُـهُ‬
‫هُـوَ الحبيبُ الذي تُرجـى شَفا َ‬
‫ِلكُـلّ هَولٍ منَ الهـوالِ مُقتَحِـمِ‬
‫فـاقَ النبـيينَ في خَلـقٍ وَفي خُلُـقٍ‬
‫َولَـم يُدانـوهُ في عِلـمٍ ول كَـ َرمِ‬
‫مسٌ‬
‫َو ُكلّهُـم مِـن رَسـولِ الِ مُلتَ ِ‬

‫منَ الدّيَمِ‬
‫منَ البَحرِ أَو رَشفـًا ِ‬
‫غَـرفًا ِ‬
‫فَهـوَ الذي تَـمّ مَعنـاهُ وَصورتُـهُ‬
‫ثُـمّ اصطَفـاهُ حَبيبـًا بارئُ النّسَـم‬
‫منَـ ّزهٌ عَـن شَـريكٍ في مَحاسِـنِه‬
‫ُ‬
‫فَجَوهَـرُ الحُسنِ فيـهِ غَيـرُ مُقتَسِمِ‬
‫فَمَبلَـغُ العِلـمِ فيـهِ انـه بَشَــرٌ‬
‫وَانـه خَيــ ُر خَلــقِ الِ ُكلّهِـمِ‬
‫كَفـاكَ بِالعِلـمِ في الُمّـيّ مُعجِـزةً‬
‫في الجاهِليـة وَالتّـأديبِ فـي ال ُيتُـمِ‬
‫وفي قصيدته يُشيد البوصيـري بصفات الرسـول وشـمائله‬
‫الخلقيـة (المدح المباشـر)‪ ،‬ويتغنّـى بمولد النبـي ومعجزاته ومنها‬
‫هداية القـرآن‪ ،‬وبإسرائـه ومعراجه وجهاده‪ ،‬ثم يتوسّل الى النبـي‬
‫ويتشفّع‪ ،‬ويختتم قصيدته بالمناجاة والتضرّع وعرض الحاجات‬
‫والصلة على النبـي والترضّي عن الخلفاء الراشدين الربعة وآل‬
‫البيت والصحابة والتابعين من أهل التقى‪.‬‬
‫في «قـراءة ثانيـة» لبـردة البوصيـري للكشف عمّا فيها من البعاد‬
‫الصوفيـة (دراسة لي قيد النشر)‪ ،‬ناقشت كيف أنّ الشـاعر يرفع‬
‫النبـي محمد الى منـزلة تقترب جـدّا من مرتبة اللـوهة‪ ،‬ولكن‬
‫دون أن تبلغها‪ ،‬ودون أن يتوحّد النبـي عنده بال كما عند بعض‬
‫الصوفيـة‪ .‬فالنبـي عنده بشـر مخلوق‪ ،‬وإن كان يعتقد انـه‬
‫مخلوق واحد غير منقسم منـزّه عن أن يكون له أي شريك في‬
‫محاسنه‪ .‬وهو خيـر خلق ال كلهم‪ ،‬فاق سائر البشر وجميع‬
‫النبياء في خلقه وخلقه وعلمه وكرمه‪ .‬ميلده هـزّ العالم وزعزع‬
‫عروش الظلم‪ ،‬فسطع نوره في الكون حقـّا وفرحـًا للعالمين‪ .‬ونزل‬
‫عليه القـرآن‪ ،‬ذروة المعجزات‪ ،‬آيـات حق من الرحمن‪ ،‬قديمة‬

‫أزليـة قدم الزمان‪ .‬ومعجزات النبـي تجلّت أيضًا في سيرته بكل‬
‫دقائقها‪ ،‬في أميّته وفقره‪ ،‬وفي دعوته ورسالته وهجرته‪ ،‬واسرائه‬
‫ومعراجه فوق متـن البـراق الذي ارتقى به الى منـزلة أقرب ل‬
‫من قاب قوسين‪.‬‬
‫ومع أنّ البوصيـري يردّ عن النبـي صفة اللوهـة في البـردة‪ ،‬فانـه‬
‫يذهب في اعتقاده بمثاليـة النبـي وبتمام «معناه وصورته» ‪ -‬أو‬
‫كماله ‪ -‬الى حدّ القول انـه أوّل الخلئق‪ ،‬بل انـه السبب والغاية‬
‫من الخلق الكونـي‪ ،‬كما قال بعض الصوفيـة‪ ،‬وإنّ النبـي محمد‬
‫أوّل نـور إلـهي وهو نـور النـوار‪ ،‬وهي المسألة التـي عبّـر عنها‬
‫سهل التُستَري (ت سنة ‪ 823‬هـ ‪ 896 /‬مـ) بفكرة «النور‬
‫المحمدي»‪)25(.‬‬
‫وتجدر الشارة الى أنّ البوصيـري لم يصل في شـعره المدحي‬
‫إلى عمق المستوى الفكري والفلسفي الذي وصل اليه بعض‬
‫ل (ت سنة‬
‫الصوفيـة الذين عاصرهم كمحي الدين ابن عربـي مث ً‬
‫‪ 638‬هـ ‪1240 /‬مـ) في نظريـة «النسان الكامل» وحلول العـزّة‬
‫اللـهيـة في شخص النبـي‪-‬النسان‪ ،‬أو «الحقيقة المحمديـة»‬
‫و«الكلمة المحمديـة»‪ )26(.‬ورغم أنّ البوصيـري قال بتفوّق النبـي‬
‫محمد وكماله و ِقدَمه‪ ،‬وأكّد على أنّ النبـي ملذه الوحيد‪ ،‬على‬
‫غيـر ما ورد في حرفيـة النصّ القرآنـي‪ ،‬بقيت صورة النبـي عنده‬
‫قريبة للصورة البشريـة المعروفة في السـلم التقليدي والسـلم‬
‫الشعبـي‪.‬‬
‫أقول السـلم الشعبـي لن حبّ البوصيـري للنبـي‪ ،‬وهو أهم ما‬
‫في مديحه‪ ،‬ل يقوده بالضرورة الى بلوغ الحبّ اللـهي (كما عند‬
‫ابن الفارض)‪ ،‬وما كانت غايته التحاد بالذات اللـهية من خلل‬
‫«الفـناء في الرسـول» (أو «التصوّف المحمدي» كما عند ابن‬
‫عربـي ومن جاء بعده من المتصوّفين)‪ .‬بل بقي حبّه للنبـي أقرب‬
‫الى المستوى الشعبـي «للتصوّف المحمدي»‪ .‬وقد تطوّر التصوّف‬
‫الشعبـي منذ أواخـر القـرن الخامس هجري (الحـادي عشر‬
‫ميلدي) الى نوع من «التقديس» بلغ درجة قريبة جـدّا من‬
‫العبادة والتأليـه‪ ،‬واتّخذ شـكلً مميّـزا في احتفالت المـولد النبـوي‬
‫في ‪ 12‬ربيع الوّل من كل سنة (الشهر الثالث من السنة‬
‫القمريـة)‪ .‬وكانت هذه الحتفالت مناسبة للمؤمنين لظهار‬
‫حبّهم العميق للنبـي في صلوات وأشعار وأناشيد وأغنيات‬

‫يؤكّدون فيها إيـمانـهم ورجاءهم وثقتهم بنعمة النبـي وتوسّله‬
‫لنقاذهم وخلصهم يوم القيامة‪ .‬وقصيدة البـردة للبوصيـري أول‬
‫وأهمّ المدائح التـي نظمت في هذه الفترة وكانت تنشد بمناسبة‬
‫المولد النبـوي في حلقات الذكر الصوفيـة والحتفالت الشعبيـة‪(.‬‬
‫‪ )27‬ول شك أن ارتباطها بالمولد النبـوي من أهم العوامل التـي‬
‫ساهمت في شعبيتها وانتشارها منذ عهدها الوّل ليس فقط‬
‫في أوساط المهتمّين بالدب والمتصوّفين ولكن ايضـًا في الوساط‬
‫الشعبيـة‪)28(.‬‬
‫«الحبّ النبـوي» إذن هو الساس الكامن وراء «بـردة البوصيـري»‬
‫وهو ما يميّـزها عن «بـردة كعب»‪ ،‬لن كعب في الساس مدح‬
‫النبـي ل حبـّا به بل خوفـًا منه‪ ،‬وإن كان صادقـًا في مديحـه إل أنّ‬
‫صدقه نابع من الرهبة وهذه ليست حـبّا‪ .‬من هذه الوجهة‬
‫اختلفت نظرة البوصيـري الى النبـي محمد الذي ‪ -‬كما جاء في‬
‫البـردة ‪ -‬اصطفاه ال ليكون رجاء لمحبّيـه وليصلوا بواسطته الى‬
‫ال‪ .‬وحبّ النبـي هو الواسطة أو الوسيلة التـي تجيز للشـاعر‬
‫التوسّـل اليه ليشفع له أمام الحضرة اللـهيـة‪ ،‬ويزيد من رجاء‬
‫الشـاعر بشفاعة النبـي انـه سـميّه‪.‬‬
‫ولكن مهما بالغ البوصيـري في تقدير المحبوب و«تقديسه» حتـى‬
‫العبادة‪ ،‬لم يكن حبّـه مجـرّدا عن الغايـة أو الكسب المعنوي أو‬
‫المحسوس‪ ،‬بالخص إذا صدّقنا حكاية البـردة التـي نظمها‬
‫الشـاعر في الساس لغاية الشفاء‪ .‬وهكذا وإن كان مديـح‬
‫البوصيـري صادرًا عن حبّ (قد يكون صادقـًا) ففي غايتـه ل يختلف‬
‫كثيـرًا عن كعب بن زهيـر الذي ابتغى من مديحه البقاء في الحياة‬
‫الدنيا‪ ،‬ول يختلف عن غيـره من شـعراء المسلمين الوائـل الذين‬
‫كانوا يمدحون النبـي عن حبّ وولء له ولكنهم كانوا يرجون من‬
‫المديـح كسب بـركة النبـي في حياته والنعمة في الحياة‬
‫الخـرة‪ .‬وبهذا يعود مديـح البوصيـري الى «بدايـات» المديـح‬
‫النبـوي في «الغايـة والسـلوب»‪ ،‬حيث يطمح البوصيـري الى‬
‫القتراب من الصل الشـعري والدينـي‪.‬‬
‫بـردة البوصيـري في ميزان النقد الحديث‬
‫نوّه الكثيرون بـ«بـردة البوصيـري» التـي شغلت الشرّاح‬
‫والمفسرين والنقاد (في العالم السـلمي وخارجه) منذ عهدها‬

‫الوّل‪ )29(.‬وفي العصر الحديث‪ ،‬بالضافة الى الدراسـات‬
‫المتخصّصة‪ ،‬ل تخلو مجموعة شـعريـة أو كتاب أو دراسة عن‬
‫الشـعر العربـي خاصة الشـعر الدينـي من التطرّق الى البـردة‬
‫البوصيـريـة‪ )30(.‬وقد زاد من انتشارها‪ ،‬وانتشار أخبارها‬
‫والتعليقات عليها‪ ،‬تطوّر وسائل التصال الحديثة فل تخلو اليوم أي‬
‫من شبكات النترنت الدوليـة الهامّـة للمعلومات السلميـة من‬
‫نصّ لها أو تعليق عليها أو دراسة أو تسجيل صوتـي لنشادها‪.‬‬
‫وفيما يخص فـنّ المديـح النبـوي والنشاد الدينـي على العموم‪،‬‬
‫تحتلّ مدائـح البوصيـري مركز الريادة على القل من حيث الشهرة‬
‫والتداول إن لم يكن من حيث القيمة الفنيـة والجماليـة والفكريـة‪.‬‬
‫في مقالة بعنوان «المام البوصيـري ‪ . . .‬رائد المدائـح النبـويـة‬
‫نشرتها أون لين نت‪ ،‬وهي من أهمّ الشبكات الدوليـة للمعلومات‬
‫السلميـة‪ ،‬كتب سمير حلبـي أنّ مدائـح البوصيـري «ذاعت‬
‫شهرتها في الفاق‪ ،‬وتميّـزت بروحها العذبة وعاطفتها الصادقة‪،‬‬
‫وروعة معانيها‪ ،‬وجمال تصويرها‪ ،‬ودقّـة ألفاظها‪ ،‬وحسن سبكها‪،‬‬
‫وبراعة نظمها؛ فكانت بحقّ مدرسة لشـعراء المدائـح النبـويـة من‬
‫بعده‪ ،‬ومثالً يحتذيه الشـعراء ‪ . . .‬فظهرت قصـائد عديدة في فـنّ‬
‫المدائـح النبويـة‪ ،‬أمتعت عقل ووجدان مليين المسلمين على مرّ‬
‫العصور‪ ،‬ولكنها كانت دائمـًا تشهد بريادة المام البوصيـري‬
‫وأستاذيتـه لهذا الفـنّ بل منازع‪)31(».‬‬
‫تقابل هذه النظرة التبجيليـة مواقف انتقاديـة حادة ومآخذ على‬
‫مديـح البوصيـري كان للبـردة النصيب الكبر منها خاصة بسبب‬
‫الشك بصحّة حكايتها ‪ -‬وربّما ايضـًا بسبب الشهرة التـي نالتها‬
‫دون غيرها من قصـائد المديـح النبـوي‪ .‬وقد تبارى النقّـاد في‬
‫تفـنّيد مآخذهم الفنيـة والعقائدية ‪ -‬أو «العقديـة» كما سـمّاها‬
‫البعض ‪ -‬على البـردة‪ .‬وتنافس المدافعون في الر ّد عليهم‪)32(.‬‬
‫ول نبالغ إذا اعتقدنا أنّ العمليـة النقديـة بالذات ‪ -‬النقد والردّ على‬
‫النقد والردّ على الردّ ‪ -‬كما تداولتها وسائل النشر والتواصل‬
‫العصرية هي التـي ساهمت في ازدياد شهرة البـردة ‪ -‬أو إحيائها‬
‫وعصرنتها ‪ -‬وانتشارها في كافة أنحاء العالم السـلمي اليوم‪.‬‬
‫حتـى أنّ أكثر مواقع النترنت السلميـة مثلً تنشر نصّ «البـردة»‬
‫والنقد عليها أو الـردّ على النقد أحيانـًا بغضّ النظر عن الموقف‬
‫العقائدي للموقع ‪ -‬وأحيانـًا عن جهل لمضمون المقال أو طبيعة‬
‫النقد!‬

‫تراوحت «انتقادات النترنت» العقائدية بين اتهام الشـاعر‬
‫بـ«المبالغة» و«الغلـو» و«الشطح الصوفـي» في مديـح النبـي‪،‬‬
‫وصولً الى إسقاط ورفض البـردة كاملة كقصيدة مدحيـة ووصفها‬
‫بـ«الشركيـة الكفريـة» واتّهـام الشـاعر بالشـرك والكفـر بسببها‪(.‬‬
‫‪ )٣٣‬وتمحورت أكثر مآخذ النقاّد على قول البوصيـري إن النبياء‬
‫السابقين أخذوا علمهم عن النبـي محمد‪ ،‬ومسألة التماس‬
‫الشـاعر واستجارته والستغاثة بالنبـي دون ال‪ ،‬واعتقاده بأن‬
‫الدنيا بمن فيها لم تخلق إلّ من أجل النبـي‪ .‬وقد عدّ قوله‪:‬‬
‫وَكَيفَ تَدعو الى الدّنيا ضَرورةُ مَن‬
‫منَ ال َعدَم‬
‫لَولهُ لَم تَخ ُرجِ الدّنيا ِ‬
‫من باب «الغلو الشنيع» في حق النبـي الذي نحا فيه البوصيـري‬
‫نحو «غيره من غلة الصوفيـة»‪(34(.‬‬
‫مهما اختلفت الراء حول مديـح البوصيـري للنبـي فل بـدّ أن ننظـر‬
‫اليه ليس فقط من الجانب الدينـي ‪ -‬اليمانـي أو العقائدي‪ ،‬ولكن‬
‫ايضـًا على انـه نتاج مرحلة تاريخيـة معيّنة وانـه صادر عن معاناة‬
‫إنسانيـة فرديـة للواقع الجتماعـي والسياسي والثقافـي (أو‬
‫الفكـري والدينـي) الذي عاش فيه الشـاعر‪ .‬يجب أل يغيب عن‬
‫بالنا الحرمان المادي الذي عاشه البوصيـري على المستوى‬
‫الشخصي الفردي والعائلي‪ )35(،‬والواقع المأزوم الذي عاصره‬
‫نتيجة الكوارث الطبيعية (حرائق وفيضانات وجوع وأمراض) والنكبات‬
‫التـي أصيب بها العالم السـلمي بعد الحروب الصليبية والجتياح‬
‫المغولي‪ .‬ول يغيب عن بالنا ايضـًا تطوّر الحركة الصوفيـة التـي‬
‫ساهم فيها البوصيـري في إطار السياق الراهن للمجتمعات‬
‫السلميـة آنذاك‪ .‬وكما يقول عالم السـلميّات محمد أركون‪،‬‬
‫«الصوفيـة مثلها مثل الدين في مجمله مرتبطة بالنظام الثقافي‬
‫والسياسي الذي تتجلّى داخله‪ )36(».‬في هذه الفترة كان‬
‫التصوّف السـلمي قد أخذ منحى سلوكيـًا طرائقيـًا‪ ،‬وتحوّل الى‬
‫تقاليد وطقوس شكلية تطغى على الجانب الفكري الفلسفي‪،‬‬
‫ولعبت الطرق الصوفيـة دورًا هامـًا وخطيـرًا في عملية «التخديـر‬
‫الجتماعي»‪ ،‬كما يقول حسين مروة‪)37(.‬‬

‫فإذا اخذنا بعين العتبار «الزمة» التـي عاشها البوصيـري ومن‬
‫جاءوا بعده‪ ،‬والموقف شبه العاجز للمسلمين‪ ،‬شعوبـًا وحكامـًا‪،‬‬
‫في مواجهة هذه الزمات‪ ،‬يمكننا أن نفهم جانبـًا من الخلفيـة‬
‫الفكريـة لقصيدة البـردة‪ .‬ويمكننا أيضًا أن نفهم أساس الوهام‬
‫والحكايات التـي صاحبتها‪ ،‬بدءًا بحكايـة نظمها وصولً الى تقاليد‬
‫إنشادها وتلقّيها‪ ،‬فنحكم بالتالي ليس على قيمتها الفنيـة أو‬
‫الدينيـة فحسب ولكن ايضـًا على الحالة النفعاليـة والشعوريـة‬
‫التـي أنتجت القصيدة ونتجت عنها‪ .‬ويمكن كذلك أن نحكم على‬
‫قيمة البـردة بناء على الحالة النفسيـة أو الروحانيـة التـي يثيرها‬
‫المديـح النبـوي عند الشـاعر والمنشدين والمتلقّيـن معـًا‪ .‬فاذا‬
‫صدّقنا حكاية البـردة يكون مديح النبـي قد أثار عند الشـاعر‬
‫شعورًا بالرتياح والسعادة أو حالة من «البسط» النفسي‬
‫والروحي ساعدته على الشفاء الجسدي‪ .‬وكأن البـردة التـي‬
‫ألقاها النبـي عند سماعه المديـح على كتفي الشـاعر (في‬
‫رؤياه أو المنام) أنعشت روح الشـاعر وأثارت الدفء في أوصاله‬
‫فـ«انبسطت»‪ ،‬وانبعثت الحياة في جسده أو جزئه المفلوج‪.‬‬
‫وحالة البسط الروحي من الحالت الصوفيـة الهامـّة التـي أوحت‬
‫لكثيرين ممن أسكرهم العشق اللـهي بشـعر نقلوا بواسطته‬
‫حالة النشوة عندهم الى الخرين فرأوا الكون بأكمله في ضوء‬
‫جديد عبر هذا الشـعر‪ )38(.‬وقد تكون «حالة البسط» هذه هي‬
‫التـي أوحت للبوصيـري بنظم قصيدته في بداية المسار‪ .‬وهي‬
‫ايضـًا الغاية الولى التـي يرجوها المنشدون والمتلقّون من‬
‫المديـح النبـوي في مرحلة ما من مسيرتهم الروحانيـة‪ .‬وهنا‪،‬‬
‫ضمن إطار العبادة الصوفيـة والشعبيـة‪ ،‬ندخل في مفهوم الوسيلة‬
‫أو الشفاعة بحيث تصبح بركة البـردة هي الوسيلة التـي بها‬
‫يستشفع المؤمنون النبـي للتواصل مع ال عن طريق النشاد‬
‫والسماع‪.‬‬
‫المديـح النبـوي ما بعد البـردة‬
‫نالت بـردة البوصيـري اهتمامـًا لم تنله أي قصيدة مدحيـة أخرى‬
‫في الوساط الفكريـة والصوفيـة والشعبيـة‪ ،‬وخاصة عند علماء‬
‫اللغة والشـعراء الذين توالوا على شرحها والتعليق عليها والنظم‬
‫على منوالها‪ ،‬وكأنّهم بذلك يتبـرّكون بها‪ .‬ويذكرنا الهتمام‪ ،‬أو‬
‫التبـرّك بالبـردة عند الشـعراء والمؤلفين المسلمين باهتمام‬

‫الفنّانين المسيحيين برسم صورة السيّدة العذراء المبتهلة أو‬
‫العذراء والطفل يسوع‪ ،‬حيث نجد في فـنّ الرسم البيزنطي وفـنّ‬
‫عصر النهضة في أوروبا مثلً النموذج الواحد يتكرّر عند عدد من‬
‫الفنّانين في مرحلة ما من حياتهم التدريبيـة وكذلك عندما‬
‫ينطلقون في رحلة البداع الفنّـي‪ )39(.‬على أنّ إبداع الفنّانين‬
‫المسيحيين تشكيل بصري في حين أنّ إبداع الشـعراء والشرّاح‬
‫المسلمين رسم بالكلمات‪.‬‬
‫والملفت للنظر فيما يخص بـردة البوصيـري أن بعض الشرّاح‬
‫والشـعراء الذين أعجبوا بها وتتبّعوا أثرها لم يُعرفوا أساسـًا في‬
‫جملة اللغويين أو الشـعراء‪ .‬من هؤلء مثلً ابن خلدون الذي‬
‫اقترن اسـمه في العصر الحديث بالتأريخ وعلم الجتماع والبداع‬
‫في الفكر العربـي والسـلمي‪ .‬اهتمّ ابن خلدون بالبـردة منذ‬
‫دراسته الولى في تونس على أستاذ كان قد شرح البـردة‪)40(.‬‬
‫ثمّ شرحها ابن خلدون بدوره «شرحـًا بديعـًا»‪ ،‬كما قال المقّري‬
‫التلمسانـي‪ )41(،‬وقدّمها لتيمورلنك كجزء من هديـة له عندما‬
‫التقى به في دمشق على رأس وفد للتفاوض في الصلح‪٤٢ .‬‬
‫وربّما تكون بـردة البوصيـري ايضـًا هي التـي أوحت لبن خلدون‬
‫بخوض تجربة الشـعر فنظم إحدى أولى قصـائده في المديـح‬
‫النبـوي‪ ،‬وأنشدها سلطان المغرب أبي سالم بمدينة فاس ليلة‬
‫المولد النبـوي سنة ‪ 763‬هـ ‪1362 /‬م(‪ )43‬وتبعـًا للتقليد الذي‬
‫جرت عليه «المولِـديّات» (قصـائد المديـح التـي تنظم بمناسبة‬
‫المولد النبـوي)‪ )٤٤(،‬استوحى ابن خلدون «بـردة البوصيـري»‬
‫(و«بـردة كعب») فاستهلّ «مولِديّـته» بمطلع النسيب‬
‫أَسـرَفـنَ في هَجـري وَفي تَعذيبـي‬
‫وَأطَلـنَ مَوقِفَ عَبرَتـي وَنَحيبـي‪،‬‬
‫وتخلّص الى مديح النبـي ثم الى مدح السلطان والدعاء له‪.‬‬
‫بالضافة الى حب النبـي والشوق الى أماكن الحضرة النبـويـة‬
‫والدعاء «للحبيب» لنـه «خيـر مدعو» و«مجيب»‪ ،‬في القصيدة‬
‫إشارات الى مسائل فكريـة كمعجزة القرآن وكمال النبـي وحقيقة‬
‫النبـوّة المحمديـة‪ .‬والنبـوّة عنده «آيـة» من آيـات ال والسرّ‬
‫اللـهي العجيب الدائم ابدًا الذي تجلّـى في شخص النبـي‪.‬‬

‫وهذه من البعاد الصوفيـة الهامة ل سيما أن ابن خلدون كان له‬
‫توجّه صوفـي في مرحلة ما من حياته‪ ،‬كما يبدو من كتابه شفاء‬
‫السائل‪)45(.‬‬
‫والجدير بالذكر أن ابن خلدون‪ ،‬الكاتب المرسِل‪ ،‬كان يجد‬
‫«استصعابـًا ‪ . . .‬في نظم الشـعر»‪ ،‬على حدّ قوله‪ )46(.‬وكأنـه‬
‫بمناسبة المولد النبـوي «أخذ» نفسه بالشـعر ونظم مولديّتـه‬
‫في مدح النبـي من باب التبـرّك‪ .‬وبذا يكون المديـح الشـعري‪،‬‬
‫كما عند المدّاحين الذين سبقوه‪ ،‬أسلوبه للوصول الى غاية‪.‬‬
‫وغاية ابن خلدون من التبـرّك بالمولد النبـوي ربّما تكون الستئذان‬
‫من السلطان (وهذه غاية زمنيـة) لداء فريضة الحج (وهذه غاية‬
‫روحيـة)‪ .‬وكأنـه بمديح النبـي يسعى الى خلق الجواء الروحانيـة‬
‫الملئمة كجزء من «تهيئة أسباب الحج» الذي كان يرجو القيام به‬
‫ولم يتمّ له إل سنة ‪ ٧٩٧‬هـ ‪ 1394 /‬مـ (أي بعد حوالي ثلثين‬
‫سنة من مدحته)‪)٤٧ (.‬‬
‫لبن خلدون مدائح أخرى أنشدها سلطان غرناطة في الندلس‬
‫ليلة المولد النبـوي التـي كان يحتفل فيها آنذاك (سنة ‪ 765‬هـ ‪/‬‬
‫‪ 1363‬مـ) بـ«الدعوة وإنشاد الشـعر اقتداء بملوك المغرب‪)48(».‬‬
‫هذه الحتفالت التـي ابتدأت في مصر أيّـام الخلفاء الفاطميّيـن‬
‫في القرن الرابع الهجري ‪ /‬العاشر ميلدي بشكل احتفالت‬
‫رسميـة في «البلط»‪ ،‬أصبحت ظاهرة شعبيـة مميّـزة خاصة في‬
‫القرن السادس الهجري ‪ /‬الثانـي عشر ميلدي‪ .‬وكان‬
‫«للمولديّات» الشعريـة وإنشادها دللة خاصة ليس فقط في‬
‫الحتفالت الشعبيـة والصوفيـة التـي بلغت أوجها في القرن‬
‫السابع الهجري ‪ /‬الثالث عشر ميلدي (في زمن البوصيـري‬
‫و«بـردته» من المدائح التـي تتمتّع بمكانة مميّزة في احتفالت‬
‫المولد النبـوي)‪ ،‬ولكن أيضًا في الحتفالت التـي كانت تقام في‬
‫بلطات الملوك والمراء والسلطين في أنحاء العالم السـلمي‬
‫ويشارك فيها كبار الموظفين كجزء من مهماتهم الرسميـة‪.‬‬
‫ويمكن أن ندخل مولديّـات ابن خلدون في هذا الباب‪.‬‬
‫وما زالت ذكرى المولد النبـوي حتـى الن مناسبة لشـعراء‬
‫المسلمين للتبـرّك بمديح النبـي‪ .‬وعند البحث في دواوين‬
‫الشـعر العربـي حتـى الحديث منه تستوقفنا قصـائد مدحيـة‬
‫كثيـرة قيلت بهذه المناسبة (وبموسم الحجّ ايضـًا) لدعاء النبـي‬

‫وطلب الشفاعة منه لدى ال ليرحم العرب والمسلمين ويخفّف‬
‫عنهم وطأة المصائب التـي ألَمّت بهم بعد عهود العـزّ والنصر‪.‬‬
‫ل شك أن ارتباط «بـردة البوصيـري» بالمولد النبـوي جعل منها‬
‫القصيدة الكثر شعبيـة بين المدائـح النبويـة عامة‪ ،‬والتـي تركت‬
‫الثـر البعد على فـنّ المديـح النبـوي خاصة في الشـعر والغنـاء‪.‬‬
‫منذ عهدها الوّل أصبحت «البـردة» نموذجـًا لمدح الرسـول‬
‫فتنافس الشـعراء على معارضتها وتشطيـرها وتخميسها‬
‫وتسبيعها وتعشيـرها‪ .‬ونجد في المكتبات اليوم مئات القصـائد‬
‫لشـعراء معروفين ومجهولين حاكوا «البـردة» أو تأثروا بها ونهجوا‬
‫منهج البوصيـري في هذا الفـنّ‪ )49(.‬طبعت «الصناعة» الشعريـة‬
‫للبـردة بشكل خاص المديـح النبـوي بعد البوصيـري فعمد‬
‫الشـعراء الى فـنّ البديـع نظموا فيه قصـائدهم المدحيـة التـي‬
‫عُرفت بـ«البديعـيّات» (أشهر هؤلء صفي الدين الحلّـي (ت ‪750‬‬
‫هـ ‪1349 /‬مـ) وعبد الرحيم البُـرَعي اليمانـي (ت ‪ 803‬هـ ‪/‬‬
‫‪1400‬مـ) وابن حجّة الحموي (ت ‪ ٧٣٨‬هـ ‪١٤٣٤ /‬مـ) وعائشـة‬
‫الباعونيّـة (توفيت في دمشق سنة ‪ ٩٢٢‬هـ ‪1516 /‬مـ)‪)50( .‬‬
‫عائشة الباعونيّـة‪ :‬البعد النثـوي في الحبّ النبـوي‬
‫أهم قصـائد المديـح في المرحلة الوسـيطة بديعيـة «الفتح المبين‬
‫في مدح المين» للعالمة المتصوّفة الشيخة عائشـة الباعونيّـة‬
‫(يقال لها ايضـًا بنت الباعونـي)‪ .‬ولهذه المدحيـة أهميـة خاصة‬
‫كونها من نظم امرأة هي أغزر الشـاعرات العربـيات حتـى القرن‬
‫العشرين‪ ،‬وقد ارتبط اسمها بشـعر المديـح النبـوي وهي مع‬
‫البوصيـري أهمّ من اشتهروا بهذا الفـنّ‪ .‬ويبدو أن الباعونيّـة‬
‫كرّست جلّ انتاجها الدبي شـعرًا ونثرًا لموضوع مدح الرسـول‬
‫والمولد النبـوي‪ .‬وبديعيّتها «الفتح المبين» المعارِضة لبـردة‬
‫البوصيـري أهم أعمالها‪ ،‬وجاءت في مئة وثلثين بيتـًا ومطلعها‬
‫سلَمِ‬
‫في حُسنِ مَطلَعِ أَقماري بِذي َ‬
‫أَصبَحتُ في زُمرةِ العُشّاق كَال َعلَمِ‪(51( .‬‬
‫للباعونيّـة مدحيـة أخرى مشهورة أورد صاحب الكشكول أبياتـًا‬
‫منها أوّلها‬

‫سعدُ إن جئتَ ثنيّات اللّوَيّ‬
‫عنّـي الحيّ من آلِ لُـؤَيّ‪)52( .‬‬
‫حَـيّ َ‬
‫فيها وفي «الفتح المبين»‪ ،‬توظّف الباعونيـة فـنّ البديـع لمدح‬
‫النبـي (كالحلّـي وابن حجّة)‪ ،‬وفي شـعرها شبه لشـعر‬
‫البوصيـري وابن الفارض من الناحية الفنيـة والفكريـة‪ .‬ولكن ما‬
‫يميّـز مديح الباعونيّـة عن مديح الشـعراء الرجال هو البعد‬
‫العاطفي لدرجة تجعلنـي أميل الى اعتبارها رائدة الرومنسيـة‬
‫الروحيـة في الشـعر العربـي‪.‬‬
‫من خلل التكثيف البيانـي (المترادفات والتشابيه والكنايات‬
‫وغيرها) والرموز الدالّة على الذات النبويـة‪ ،‬يتجلى شـعر‬
‫الباعونيـة في أنّ مدح النبـي مبعثه الحبّ وغايته الحبّ‪ .‬ففي‬
‫شـعرها الممدوح تجسّد الحبّ فهو الحبيب والحبّ معـًا‪ .‬وعلى‬
‫عكس البوصيـري وابن الفارض‪ ،‬ليس هناك أدنى شكّ في أن‬
‫النبـي هو حبيب الشـاعرة الذي «نزل» «ربع» قلبها و«أقام» في‬
‫«حشاها» و«قيّدها» بهواه فعجزت عن حبّ سواه‪ .‬وهو‬
‫المعشوق الذي تسلّط على فكرها وروحها وأصاب حبّـه القلب‬
‫منها والحشا فـ«كواها» و«أسقمها»‪ .‬وحبّ الشـاعرة للنبـي‬
‫ي يتعدّى درجة المحبّـة والمودّة والكرامة‪ ،‬ليصل الى مرتبة‬
‫قو ّ‬
‫الهوى والعشق‪ ،‬مع كل ما في معانـي الهوى والعشق من‬
‫الفراط في الحبّ والخروج عن المسموح والسيطرة والتملّك وبذل‬
‫الذات من أجل المعشوق‪ )53(.‬فحبّ النبـي تملّك كيان الشـاعرة‬
‫وسيطر عليها عقلً وجسدًا وروحًا‪ .‬وعشقها له مرض ل شفاء‬
‫منه‪ ،‬وهو مبعث حياتها ورجاؤها الخيـر والوحيد قبل موتها‪.‬‬
‫في هذا المديـح تتناوب على الشـاعرة حالت الحبّ والعشق‬
‫(حالة «العشق» اللـهي من المراتب الصوفيـة المتقدّمة‪ ،‬أمّا عند‬
‫الباعونيّـة‪ ،‬وهي شيخة متصوّفـة‪ ،‬فعشقها في النبـي)‪ .‬ويبلغ بها‬
‫الحبّ مرتبة تشتهي عندها قرب الحبيب‪ .‬ومع انـها تدرك‬
‫استحالة القرب‪ ،‬يبقى الحبيب لديها «منتهى المل»‪ .‬وجمال‬
‫الحبيب وكماله يقرب بالعاشقة الى مرتبة الحلول والفرح‬
‫بالمعشوق فل تعود ترى غيـره‪ .‬وبهذا الفرح يتجدّد رجاؤها‬
‫بالتئـام الشمل‪ ،‬كيف ل والحبيب «كامل الحسن»‪ ،‬كريم جـواد‪،‬‬

‫كرمه غيث دائم بل حدود‪ ،‬ولمسة راحته رحمة‪ ،‬وريقه يروي‬
‫الظمأ ويمحو المِحن‪ .‬ويستهويها العشق فتقترب من حدّ الخروج‬
‫عن المشروع ولكن دون أن تتعدّاه‪ ،‬إذ «لول سـنّة سبقت»‪ ،‬أو ما‬
‫يقول به الشرع‪ ،‬لكرّرت ذكر الحبيب لتُبعث فيها الحياة من جديد‪.‬‬
‫في هذه المسألة بالذات تبدو الباعونيّـة أكثر محافظة من‬
‫البوصيـري‪ .‬هل لنـها امرأة؟‬
‫ناقشت في دراسة موسّعة لي البعد النثوي في مديح‬
‫الباعونيّـة للنبـي وسأكتفي هنا ببعض النقاط‪ .‬رغم محافظته في‬
‫الظاهر على بعض التقاليد الفنيـة والفكريـة والدينيـة‪ ،‬ينطوي‬
‫شـعر الباعونيّـة على منحى ضمني لتخطّي التقاليد الشعريـة‬
‫التـي وضع الرجل أصولها‪ ،‬نظمـًا وشرحـًا ونقدًا‪ .‬فالباعونيـة مثلً‬
‫ل تجد حرجـًا في الحديث عن عاطفتها الجيّاشة التـي تتدفّق في‬
‫كل البيات وتمتدّ الى ما بعد «مطلع النسيب التقليدي» ما يجعل‬
‫قصيدة المديـح بكاملها شـعر غزل من الدرجة الولى‪ .‬ولنـها‬
‫تتعدّى التقليد‪ ،‬عاطفتها صادقة تغلي في الصدر وتفيض بالدمع‪،‬‬
‫وهي عاطفة متحرّكة مضطربة ترضى بالسلوان حينـًا وحينـًا‬
‫تشتهي اللقاء‪.‬‬
‫ل شك أن الحبّ العذري لمعشوق مثالي هو شخص النبـي‬
‫هو القوة المحـرّكة للصدق والحريـة في التعبيـر عن العاطفة‬
‫الجيّاشة‪ .‬وربّما تكون روحانيـة الحبّ وقدسيـة المحبوب مصدر‬
‫التسامي والتجـرّد في حبّ الشـاعرة وفي مديحها‪ .‬وتجـرّد الحبّ‬
‫عن الغاية هو برأيي ما يعطي شـعرها بعدًا أنثويـًا (إضافة الى‬
‫الوصف «النثـوي» لحالة العشق التـي تعيشها‪ ،‬كالسهد والرق‬
‫والضنـى والسقم والذل الذي أصابها من هوى المحبوب!)‪.‬‬
‫بلغ حبّ الباعونيّـة للنبي درجة من السيطرة والتملّك أصبح معها‬
‫العطاء والتفانـي في خدمة المعشوق سبيلها للوصول الى‬
‫سيادة المعالي‪ .‬صحيح أن الشـاعرة تلوذ بالنبـي وترجو‬
‫شفاعته‪ ،‬لكن اقصى غايتها للقرب منه ان تكون أفضل خدمه‪.‬‬
‫في هذا الشـعر الذي يقرب مما يمكن تسميته بـ«الغزل‬
‫المملوكي»‪ - )٤٥(،‬ول ننسى أن الباعونيّـة من عائلة عريقة‬
‫تفانت في خدمة سلطين المماليك وهي نفسها استمرّت في‬
‫ولئها المملوكي حتـى آخر ملوكهم ‪ -‬يبدو الحبّ شكلً من‬
‫أشكال بذل الذات في سبيل المحبوب‪ .‬وهكذا يكون العشق‬

‫النبـوي عند الباعونيّـة في بذل ما لها وتحمّل ما عليها‪ ،‬كالعشق‬
‫اللـهي عند أهل السلوك أو الصوفيـة‪ .‬ولكن في حين يسعى‬
‫الصوفي الى «الفـناء في الرسـول» للتوحّد بال‪ ،‬تسعى‬
‫الباعونيّـة الى الفـناء «من أجل» الرسـول‪ .‬وهذه برأيـي ذروة‬
‫التصوّف المحمدي‪.‬‬
‫هذه البعاد النثويـة التـي تميّـز مديح الباعونيّـة عن المديـح‬
‫النبـوي عند الشـعراء الرجال (من جهة السلوب والغاية)‪ ،‬نجد‬
‫استمرارًا لها في شـعر المديـح النسوي الحديث‪ .‬لكن المؤسف‬
‫أن البعد العاطفي في بعض هذا الشـعر استعصى على‬
‫«القارئ» لدرجة تدعو الى الستغراب‪ ،‬فلم يُقرأ إطلقـًا في باب‬
‫المديـح النبـوي‪ .‬مثلً قصيدة «إنـي أحبّك سيّدي» للشـاعرة‬
‫العراقيـة عاتكة وهبـي الخزرجي المين (ولدت سنة ‪ )1924‬التـي‬
‫قرأها الدكتور بدوي طبّانة على انـها «استعطاف وغزل» في‬
‫«واحد من ولة المور»‪« ،‬جبّـار» و«عنيد»‪ ،‬رغم الرموز والصفات‬
‫الدالة على الذات النبويـة (الرحمة والعطف وحسن الصورة‬
‫والشمائل والهيبة والخشية والسماحة والندى والتقى والتسبيح‬
‫والحمد)؛ ورغم المعانـي الصوفيـة في بعض أبياتها‪:‬‬
‫لك في كيانـي صورة‬
‫منها حياتـي تسـتمد‪،‬‬
‫ومعنىً من الحسـن الذي‬
‫فيه المعانـي ل تحـد‬
‫وسبحـانك اللّهم! هذا‬
‫واحـد في الخلق فـرد‪)٥٥( .‬‬
‫من منطلق تقصيـر «القارئ» التقليدي عن رصد البعد العاطفي‬
‫عند الشـاعرة العربيـة أعيد قـراءة عدد من القصـائد النسويـة‪،‬‬
‫وأتساءل الى أي حدّ ساهم «القارئ» و«الشارح» و«الناقد»‬
‫التقليدي (دائمـًا بصيغة المذكر!) في إضعاف الحضور النسائي‬
‫في فـنّ المديـح النبـوي؟ ومن هذا المنطلق ايضـًا أتقصّى البعد‬

‫النثـوي في مديح الباعونيّـة للنبـي بمنظار آخر يختلف عن منظار‬
‫«الشارح» التقليدي‪ .‬واسأل هل تفوّق البوصيـري‪ ،‬شهرة وفعلً‬
‫وتأثيـرًا‪ ،‬مردّه فقط تقدّم البوصيـري زمنيـًا وفنيـًا؟ أم سببه خروج‬
‫مديح الباعونيّـة النثـوي عن التقليد الذي وضعت أصوله «بـردة‬
‫كعب» و«بـردة البوصيـري»؟‬
‫ل شك أن الباعونيّـة كانت امرأة فريدة في زمانـها‪ .‬حفظت القرآن‬
‫الكريم ولها من العمر ثمانـي سنوات‪ ،‬وتلقّت النسك والتصوف‬
‫على شيوخ معروفين‪ .‬وخرجت أو رحلت (مثل الرجال)في طلب‬
‫العلم‪ ،‬فدرست في القاهرة حيث نالت حظـًا وافـرًا من العلوم‬
‫وأجيزت بالفتاء والتدريس‪ .‬وفوق هذا اهتمّت بالشأن العام‬
‫(وهي من عائلة مرموقة في هذا المجال)‪ ،‬فالتقت رجال الحكم‬
‫خاصة قانصوه الغوري آخر سلطين المماليك‪ .‬لكن شـعرها على‬
‫غزارته لم ينشر منه إل القليل‪ ،‬وبقيت هي في ظلّ البوصيـري‬
‫وغيره من الشـعراء الذين سبقوها (ابن الفارض والحلّـي وابن‬
‫حجّة) والذين جاؤوا بعدها‪.‬‬
‫قد يُفسّر «عامل الصـالة» في مديـح الباعونيّـة‪ ،‬أو بالحرى‬
‫البتعاد عن الصـالة الشعريـة والدينيـة‪ ،‬زمنيـًا وفنيـًا‪« ،‬تهميش»‬
‫مساهمتها في فـنّ المديـح النبـوي شـعرًا وغنـاء‪ .‬أقول‬
‫«تهميش» لن الباعونيّـة لم تلقَ من النقاد والشـعراء الهتمام‬
‫الذي أولوه للبوصيـري‪ ،‬حتـى في العصر الحديث‪ .‬والذين أعجبوا‬
‫بمديحها لم يخلُ إعجابهم من النقد‪ .‬مثلً القطب الصوفي والعالم‬
‫الدمشقي الشهيـر الشيخ عبد الغنـي النابلسي (ت ‪ 1134‬هـ ‪/‬‬
‫‪ ١٧٣١‬م)‪ )٥٦ (،‬الذي نظم بديعية «نسمات الزهار» إعجابـًا‬
‫ومعارضة لمدحيـة الباعونيّـة «الفتح المبين»‪ ،‬في شرحه‬
‫الشخصي على بديعيته (الشرح بعنوان «نفحات السحار») يقيم‬
‫النابلسي مقارنة مع بديعيـة الباعونيّـة مدّعيـا انـه أبرع منها‪(.‬‬
‫‪ )٥٧‬ل يستغرب ادّعاء النابلسي وقد قال شـعر مديح في ذاته‬
‫دلّ على اعتداده بنفسه‪ )٥٨(،‬لكن لهذا الدعاء دللة خاصة على‬
‫نظرة الشـعراء «الدونيّـة»‪ ،‬إذا صحّ التعبيـر‪ ،‬الى مديح الباعونيّـة‪.‬‬
‫وهنا يحضرنـي السؤال هل كان صاحب الكشـكول‪ ،‬بـهاء الدين‬
‫العاملي المتشيّع (ت في أصفهان سنة ‪ ١ 03 ١‬هـ ‪ 1622 /‬مـ)‪،‬‬
‫اهتمّ بحفظ ونقل أبيات «رايقة» للباعونيّـة «تمدح بها الحبيب‬
‫العظم» لول ما فيها من مدح ظاهر لل البيت؟ رغم الدللة‬
‫الهامّـة لسم مُحَمّد‪ ،‬ل يرد اسم النبـي في البيات المختارة‬

‫وفيها تشيـر الشـاعرة الى «الحبيب» بأسـماء آلـه‪ ،‬وتصفه‬
‫بــ«خيـر مبعوث» و«صاحب الجاه» و«كمال الحسـن» وبأنـه جـدّ‬
‫الحسنين‪.‬‬
‫مديح آل البيت‪:‬‬
‫لبـهاء الدين العاملي المعروف بتشيّعه لل البيت اهتمام واضح‬
‫بمديح النبـي وآلـه وقد ضمّن كشكـوله مدائح عديدة منها قصيدة‬
‫الباعونيّـة المذكورة وقصيدة من شـعره الخاص يمدح فيها آل‬
‫البيت بعنوان «الفوز والمان في مدح صاحب الزمان»‪ ،‬وهي مديح‬
‫في المهدي المنتظر (‪ 63‬بيتـًا)‪ ،‬وقصيدة لوالده حسين بن‬
‫عبدالصمد العاملي في مدح الرسـول وعلي والئمّـة‪ ،‬وهي‬
‫معارَضة لبـردة البوصيـري (‪ 69‬بيتـًا) ومطلعها‬
‫أسِحرُ بابلَ في جَفنيك أم سَ َقمِ‬
‫َأمِ السّيوفُ لِقَتلِ العُربِ والعَجَم‪)59(.‬‬
‫ومديح آل البيت تعود بداياته الى الشـعر السياسي الذي قيل‬
‫تأييدًا لحق علي بن أبـي طالب وبنيه في الخلفة‪ ،‬ومنه شـعر‬
‫للكُميت الزدي وكُثيّـر عزّة ودعبل الخزاعي‪ .‬وتبقى أهم مدائح‬
‫آل البيت في المرحلة التأسيسيـة قصيدة الفرزدق في زين‬
‫العابدين التـي يقول فيها‪:‬‬
‫هـذا الذي تَع ِرفُ البَطحـاءُ وَطأَتَـهُ‬
‫وَالبَيـتُ يَعـرِ ُفهُ وَالحِـلّ والحَـ َرمُ‬
‫هلَـه‬
‫هـذا ابنُ فاطمـةٍ إن كُنتَ جا ِ‬
‫ختِمـــوا‬
‫ِبجَـدّهِ أَنبِيـاءُ الِ قَد ُ‬
‫تطوّر مديح آل البيت في الشـعر العربـي خصوصـًا في العراق‬
‫حيث استقر الشيعة‪ .‬فتأثـر بنشاطهم السياسي والعقائدي‬
‫واتخذ «طابعه الثائر الحزين»‪ ،‬خاصة بعد مقتل الحسين ونكبة آله‬
‫في كربلء التـي تسبّبت بكثير من السى للعلويين‪« ،‬وأثارت‬

‫شـعرا حزينًا وقصصًا طويل»‪ ،‬بتعبير أحمد الشايب‪ )60(.‬وأكثر ما‬
‫يميّـز الشـعر الشيعي انـه مزيج من المديـح للرسول وآل بيته‬
‫(من أبناء علي وفاطمة) والرثاء والبتهال الى ال والحتجاج‬
‫السياسي والعقلي (أو الدينـي)‪ .‬وبالضافة الى موضوعه‬
‫السياسي والمذهبي‪ ،‬وهو حقّ آل البيت «المسلوب» بالخلفة‬
‫والمامة‪ ،‬ركّز هذا الشـعر على قرابة الئمّـة بالرسـول من جهة‬
‫ابنته فاطمة‪ .‬و«صلة الرحم» بالنبـي هي برأيـي البعد‬
‫الساسي والجوهري لمديـح ورثاء آل البيت في الشـعر العربـي‬
‫الحديث (وفي النشاد)‪.‬‬
‫شـعر المديح في العصر الحديث‬
‫في إطار البحث عن تطور الشـعر العربـي الحديث في العراق‪،‬‬
‫يجد علي عباس علوان أن مديـح ومراثي آل البيت شكّل مع‬
‫مديـح النبـي والشـعر الصوفـي اتجاهـًا رئيسيًا في شـعر القرن‬
‫التاسع عشر‪ .‬وفيما كان معظم الذين مدحوا الرسـول من‬
‫السـنّة‪ ،‬إختصّ شـعراء الشيعة بمديـح آل البيت‪ ،‬ومنهم عبد‬
‫الباقي العمري الذي حظي باهتمام مميّـز ومكانة عالية بعد ان‬
‫نشر مجموعة من قصـائده في مدح آل البيت سـمّاها «الباقيات‬
‫الصالحات»‪ ،‬ركّـز فيها على تصوير مقاتل آل البيت ونكباتهم‪.‬‬
‫ويبدو أن الشـعراء وجدوا في اسشهاد الحسين خاصة ونكبات آل‬
‫البيت عامة متنفسًا لهم عن سوء أوضاع الشيعة في العراق في‬
‫ظل الحكم العثمانـي في أواخر القرن التاسع عشر‪ .‬فعمرت‬
‫دواوينهم بالشـعر الحزين «المليء باللم والحزان والدموع»‪.‬‬
‫حتـى غدا رثاء آل البيت ومدحهم غرضـًا تقليديـًا «لستدرار‬
‫الدموع» على آل البيت على منابر العزاء‪)٦١ (.‬‬
‫من جانبهم عمد شـعراء السـنّة الى تقليد المديـح الذي وضع‬
‫أصوله البوصيـري (كما فعل غيرهم في أقطار عربيـة أخرى)‪.‬‬
‫فانحصر همّهم في تخميس وتشطير مدائحه وبعض قصـائد عمر‬
‫بن الفارض‪ ،‬وكرّروا الموضوعات والمعاني والصور التقليديـة‪ .‬لكن‬
‫جديدهم قصّر عن اللحاق بالصل في جمالية الخيال وصدق‬
‫العاطفة والحاسيس‪ .‬فجاءت مدائحهم نظمـًا لسيرة الرسـول‪،‬‬
‫وسردًا لصفاته وأخلقه‪ ،‬وصلت أحيانـًا حدّ إضافة الخرافات‬
‫لشخصيـة النبـي‪( .‬ل ننسى أن بـردة البوصيـري ايضـًا احتوت‬
‫على معتقدات صوفيـة وشعبيـة كثيـرة اعتبـرت من «المخالفات‬

‫الشرعيـة» في نظر بعض الفقهاء)‪ .‬وأخذ علوان على الشـعراء‬
‫العراقيين ابتعادهم عمّا يمكن ان توحيه سيرة الرسـول وأحاديثه‬
‫لمواجهة القضايا الراهنة فلم يلتفتوا مثلً الى شخصيـة النبـي‬
‫«باعتباره ثائـرًا ومجدّدا ومصلحـًا وداعية ‪ . . .‬الى حياة جديدة‬
‫وآفاق انسانيـة رحبة‪ )62(».‬وهكذا بقي شـعر المديـح النبـوي‬
‫في القرن التاسع عشر بمعزل عن التجربة النفعاليـة بقضايا‬
‫العصر الجتماعيـة والسياسيـة والفكريـة‪ .‬ول تختلف التجربة‬
‫العراقيـة كثيرًا عن سائر القطار العربيـة‪.‬‬
‫من أهمّ قصـائد المديـح النبـوي لكبار شـعراء مصر في هذه الفترة‬
‫قصيدة محمود سـامي البارودي (‪« )1905-1840‬كشف الغمّـة‬
‫بمديـح سـيّد المّـة»‪ ،‬ومطلعها‬
‫رائدَ البـرقِ يَمّم دارةَ ال َعلَـمِ‬
‫سلَـم‪.‬‬
‫وَاحدُ الغَمـامَ الى حَـيّ بِـذي َ‬
‫وهي قصيدة طويلة جداً في ‪ ٧٤٤‬بيتًا على وزن وقافية وروي‬
‫بـردة البوصيـري‪ ،‬وإن لم تكن معارِضة لها تمامـًا‪ .‬يُعتبـر البارودي‬
‫«أول المجدّدين في الشـعر العربـي الحديث» من حيث التعبيـر‬
‫الصادق عن التجربـة النفعاليـة المعاصرة‪ ،‬وبعث السـلوب القديم‬
‫لتعود للشـعر جزالته ورصانته‪ )63(.‬من هذه الوجهة يمكن أن‬
‫نعتبـر قصيدة البارودي من باب المديح النبـوي «المتجدّد»‪ ،‬خاصة‬
‫إذا ما قارنّـاها بالبديعيّـات وبالشـعر الذي قلّد بـردة البوصيـري‪ ،‬أو‬
‫حتـى بالبـردة نفسها‪ .‬ولكن رغم بعض الصور الشعريـة والتجديد‬
‫اللغـوي (عدم اللتزام بنظم البديـع مثلً)‪ ،‬تبقى قصيدة البارودي‬
‫من نوع المديـح الكلسيكي التقليدي السلفي ليس فقط بسبب‬
‫محاكاته أساليب القدماء من فحول الشـعراء في الجاهليـة‬
‫والعصر العباسـي (خاصة في قوة اللفاظ والوصف والستطراد)‪،‬‬
‫ولكن ايضـًا لنـه بنـاها على غرار بـردة البوصيـري (الستهلل‬
‫بالنسيب وتعـدّد الموضوعات) وكـرّر معانيـها‪ ،‬ولو بتفاصيل أدقّ‬
‫(وصف الغار وجيش الرسـول)‪ ،‬فأتت قصيدته وكأنـها نظم شـعري‬
‫للسيـرة النبويـة‪ .‬وكما فعل البوصيـري اختتم البارودي مدحته‬
‫بالتوسّـل الى النبـي أن «اقبل رجائي فمالي من ألوذ به سواك»‬
‫(وهذه محاكاة شبه حرفـية لنصّ البـردة)‪ ،‬وطلب الشفاعة منه‬
‫«لدى الهوال والقحم» ولمغفرة الذنوب يوم «الحشر والنار‪(».‬‬

‫‪ )64‬وهكذا من جهة الغاية والسـلوب معـًا بقي البارودي ‪ -‬رائد‬
‫التجديد الشـعري ‪ -‬تابعـًا للتقليد البوصيـري في المديـح النبـوي‪.‬‬
‫وعلى نهج البارودي المجدّد في تقليد البوصيـري سار أحمد‬
‫شوقي كما سنرى‪.‬‬
‫بتطوّر الحركة الشعريـة في القرن العشرين‪ ،‬أصبح مديـح‬
‫النبـي وآل البيت بابـًا يطرقه الشـعراء في مناسبات معينة الى‬
‫جانب مواضيع دينيـة واجتماعيـة وسياسيـة أخرى شغلت بالهم‪.‬‬
‫وبتأثيـر من ثقافتهم التراثيـة‪ ،‬الشـعرية والدينيـة‪ ،‬استوحوا في‬
‫معالجتهم لهذه القضايا العامة تعاليم القـرآن وسيرة الرسـول‬
‫ومـآثر آل البيت‪ .‬ففي «ملحمة» شـعرية صغيرة بعنوان «ثورة في‬
‫الجحيم» مثلً‪ ،‬يثيـر الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي‬
‫الزهاوي (‪ )1936-1863‬فكرة العدل اللـهي والحبّ الذي يحوّل كل‬
‫ما يلمسه جمال في الدنيا والخرة‪ .‬فجاء وصفه للجنة مطابقـًا‬
‫لصورة الجنة في القـرآن‪ )65(.‬وفي قصيدة بعنوان «أم عوف»‬
‫هي من أجمل قصـائده‪ ،‬يصف الشاعر الكبيـر محمد مهدي‬
‫الجواهري (ولد في النجف حوالي ‪ 1899‬وتوفـي في دمشق‬
‫‪ )1997‬نزوله على راعية غنم أكرمته وأحسنت ضيافته‪ .‬وتعبق‬
‫القصيدة بالصور والتلميحات الدالة الى حادثة «أم معبد» التـي‬
‫أضافت الرسـول وأكرمته حين كان مطاردًا‪ .‬وفي قصيدة اخرى‬
‫بعنوان «عاشوراء» يصوّر الجواهري استشهاد المام الحسين في‬
‫كربلء مؤكدًا مبادئه الدينيـة وقيمه التـي ثار من اجلها‪.‬‬
‫والجديـر بالذكر أن الجواهري‪ ،‬وهو آخـر شـعراء الكلسيكيـة‬
‫العربيـة‪ ،‬التزم بالهموم النسانيـة والقضايا الوطنيـة الكبرى‪،‬‬
‫فغنّـى الثورات والنتفاضات التـي عاشها أو قادها‪ .‬وارتبط شـعره‬
‫بالجماهيـر العربيـة التـي شاركها المعاناة من منفاه في مدن‬
‫الوطن العربـي‪ ،‬فاتّسم بالواقعيـة الشديدة والثوريـة دون أن تغيب‬
‫عنه الروح الدينيـة التـي تشرّبـها الشـاعر في نشأته الولى في‬
‫النجف‪ .‬فكان لثقافته الدينيـة حضورها المميّـز في وقفاته‬
‫الشعريـة على منعطفات حاسـمة من تاريخ وطنه العربـي الكبيـر‬
‫(منها مثلً قصيدته في ثورة الشريف حسين وفيصل وأخرى في‬
‫استشهاد شقيق الشاعر (جعفر) أثناء النتفاضة العراقية ضد‬
‫النكليز سنة (‪ )٦٦(.)1948‬فل نستغرب أن يستوحي شـاعر‬
‫كبيـر كالجواهري مناسـبات مفصليـة أخرى في التاريخ العربـي‬
‫السـلمي كسيـرة الرسـول واستشهاد الحسين‪.‬‬

‫إل أن أهمّ المناسبات التـي أوحت بمدائـح ل تحصى في كافة‬
‫أنحاء العالم السـلمي فتبقى احتفالت المولد النبـوي التـي‬
‫استفاد منها الشـعراء للتعبير عن انفعالتهم الشخصيـة وتجاربهم‬
‫الفكرية والنسانية في أجواء دينية ل يمكن فصلها عن الطار‬
‫الجتماعي والسياسي العام‪ .‬تكتسب بعض هذه المدائـح‬
‫الحديثة (زمنيـًا وفنيـًا) أهميّتها بشكل خاص كونها من نظم‬
‫شـعراء انشغلوا بالهموم الجتماعيـة والوطنيـة والنسانيـة‬
‫العامة‪ ،‬أو بالمسائل الدنيويـة أكثر من الدينيـة‪ ،‬لكنهم وجدوا في‬
‫مولد النبـي مناسبة للتبـرّك واستنهاض الهمم للرجوع عن‬
‫«الضلل» وجمع الشمل وردّ الظلم بهداية النبـي وشفاعته‪ .‬من‬
‫هذه «المولديات» نذكر على سبيل المثال ل الحصر قصيدتين‬
‫للشـاعرين العراقيين معروف الرصافي (‪ )1945-1875‬وبدر شاكر‬
‫السـيّاب (‪ ،)1964-1926‬وهما من أهمّ شـعراء العربيـة‬
‫المحدثين‪ .‬اشتهر الوّل بشـعره الفلسفي والكونـي العلمانـي‬
‫وبجرأة آرائه السياسية‪ )67(،‬وارتبط اسم السـيّاب بشكل خاص‬
‫بتيّـار الحداثة و«اللتزام القومي والنسانـي العام» في الشـعر‬
‫العربـي المعاصر‪)68(.‬‬
‫إذا قرأنا المديـح النبـوي من المنظور الواقعي‪ ،‬كون الشـعر تعبيـرًا‬
‫عن موقف انفعالـي وفكري بواقع اجتماعي وسياسي وثقافـي‪ ،‬ل‬
‫يمكن فصل مديح الرصافي‪ ،‬وسائر شـعره‪ ،‬عن تربيته الدينيـة‬
‫والتزامه بالتصوّف لعدّة سنوات في مطلع شبابه قبل انصرافه الى‬
‫العمل السياسي المناهض للنتداب (في الثلثينات كان عضوًا‬
‫في مجلس النواب العراقي)‪ )69(.‬وسعة التجربة النفعالية‬
‫وتنوّعها تفسّر تعدّد موضوعاته الشـعرية وامتدادها من الكونيات‬
‫والفلسفيات‪ ،‬الى التاريخيات والسياسيات والنسائيات (وهذه في‬
‫الدفاع عن حقوق المراة)‪ ،‬مرورًا بالجتماعيات التـي أُدرجت فيها‬
‫قصيدته «في حفلة المولد النبـوي» (‪ ٤٤‬بيتـًا) والتـي استهلّها بـ‪:‬‬
‫وضح الحق واستقام السبيل‬
‫بعظيم هو النبـي الرسـول ‪)70(.‬‬
‫استفاد الرصافي من معرفته الدقيقة ونظرته الناقدة الى سيرة‬
‫النبـي‪ ،‬أو «القوة الناقدة» بتعبير معاصره المفكر الكبير امين‬

‫الريحاني‪ )71(،‬في معالجة مسائل فكريـة وعقائديـة واجتماعيـة‬
‫كانت تشغله‪ .‬في قصيدته اشارات نقديـة الى المسائل التـي‬
‫استغرقت الشـعر الصوفي والمديـح النبـوي في زمانه‪ .‬فالرصافي‬
‫يعتقد بمسألة التفوّق المحمدي ولكن من جهة توضيح الحق‬
‫وتقويم السبيل والدعوة الى الهدى «بكتاب عربي قرآنـه ترتيل»‬
‫(اشارة الى أميّة الرسـول) ولجهة «عزة» النبـي وعلو «همته»‬
‫و«مقامه الرفيع» بين من جاء «قبله» من النبياء‪ .‬وتكمن‬
‫«عظمة» النبـي في انـه رسـول ال و«سيفه» الذي جرّده‬
‫«للحق»‪ ،‬وغير ذلك من الصفات النسانيـة التـي جاءت في كتب‬
‫السيرة كالـ«عزم» و«الصطبار» وصواب «الرأي» و«الدهاء» في‬
‫مواجهة «دواهي الدهر»‪ ،‬وفي أن «كل أوصافه الجليلة ِبدْعٌ (أي‬
‫أصيلة لم يُسبَق اليها) ‪ ...‬فهو من عبقرية مجبول»‪.‬‬
‫تجلّت «عبقرية» النبـي في منجزات يمكن أن نصفها‬
‫بـ«العلمانيـة»‪ ،‬بمعنـى العِلم والعالمية والعقلنية‪ .‬فالرصافي‬
‫يركّـز على أن الرسـول «أطلق الناس من تقاليد جهل» كانوا فيه‬
‫مغلولين مقيّدين‪ ،‬و«أنهض القوم للعلء» بعد أن «شفاهم بهديه‬
‫من ضلل» كان علّتهم أجمعين‪ .‬ويؤكد الشـاعر بنفَس عروبـي‬
‫أن «نهضة» السـلم «العالمية» قامت بـ«همم يعربية وعقول»‪،‬‬
‫فهي إذن نهضة «للعقل» و«الهدى» شهدت لها الدول وأقرّت بها‬
‫الديان‪ .‬صاحَبَ هذا الموقف النقدي العلنـي الرافض للسائد من‬
‫الفكار والمعتقدات غير المعقولة حملة على طقوس «العبادة»‬
‫الشعبيـة كـ«حج القبور» وما صاحبها‪ ،‬وممارسات «التزمير‬
‫والتطبيل» في «الدعاوى في الحق«‪ .‬هذه «ال ِبدَع» وأفعال‬
‫«الشرك» التـي حادت عن «دين التوحيد» و«النهج» الذي خطّه‬
‫النبـي وأتى به القـرآن‪ ،‬هي برأيه التـي أنزلت «غضب ال» على‬
‫المسلمين فصارت «حالهم» الى «رجوع» و«نزول» واختلف‬
‫و«تفرقة» مما اساء الى الرسـول والسـلم‪.‬‬
‫في ختام القصيدة‪ ،‬يتوجّه الرصافي بلسان الرسـول الى‬
‫المسلمين (بدل التوسّـل الى الرسـول بلسان المسلمين)‬
‫يطالبهم بإعادة «حبل الخاء» «الوثيق» مع «إخوة دين» لهم‬
‫جاءهم به «التنـزيل»‪ ،‬مؤكدًا انـه (أي الرسـول) لم ييأس من‬
‫«نهوضهم» «المأمول» ولو «بعد فترة»‪ ،‬شرط أن يـ«جمعوا‬
‫الشمل ناهضين» لن «عجزكم والخمول» هو «الكفر في‬
‫الدين»‪ .‬بذا اختلف مديح الرصافي عن المديـح النبـوي التقليدي‬

‫في الغاية وفي السلوب‪ ،‬فكريـًا وفنيـًا (لم يستهل بمطلع الغزل‬
‫أو حب النبـي)‪ ،‬لن غايته من المديـح ليست التوسّـل والتشفّع‬
‫الى النبـي لنيل المغفرة وإنما لتوطيد المل بالنهضة العربيـة‬
‫القائمة على أساس الرابطة القوميـة التـي تجمع بين المسلمين‬
‫على اختلف فرقهم وإخوتهم في الدين (في القصيدة وفي‬
‫شـعره عامة دللت على «عروبة» فكره)‪.‬‬
‫أمّا قصيدة بدر شاكر السـيّاب «مولد المختار» المتأخرة زمنيـًا‬
‫(حوالي سنة ‪ )١٩٦١‬ومطلعها‪:‬‬
‫دموع اليتامى في دجى الليل تقطرُ‬
‫ونوح الثكالى عاصفٌ فيه يصفر»‪)٧٢(،‬‬
‫ففيها إشارات الى نكبة «فلسطين المدماة» و«الكيد اليهودي»‪،‬‬
‫والى الجزائر المحتلة‪« ،‬وهران والرض حولها»‪ ،‬و«العلوج» الذين‬
‫«أباحوا واستباحوا ودمروا»‪ .‬وفيها يرجو الشـاعر أن يكون مولد‬
‫«نبـي الهدى» و«نفحة ال» و«خير ما جاد الزمان» الموعد‬
‫المنتظر لـ«ميلد أمّـة وميعاد بعث» مُقدّر‪ .‬ويستغلّ السـيّاب هذه‬
‫المناسبة لثارة الهمم و«الجهاد على اسم ال»‪ ،‬ولطلب‬
‫الشفاعة لنفسه لنـه «ككل الناس» «تمرّس بالثام‪:‬‬
‫ولكنّ من ينجده طه فقد نجا‬
‫ومن يهده ‪ -‬وال ‪ -‬هيهات يخسر‪.‬‬
‫والملفت للنتباه أن يلجأ السـيّاب في أواخـر سني حياتهأصيب‬
‫سنة ‪ 1960‬بمرض عضال توفي منه سنة ‪ )1964‬الى التقليد‬
‫الدينـي والشـعري وهو الذي انشغل بهموم الحداثة والتجديد في‬
‫الشـعر العربـي‪ ،‬بدليل انفعاله بمناسبة دينية وشعبية كالمولد‬
‫النبـوي في سياق التعبيـر عن معاناته النسانيـة والقوميـة‪.‬‬
‫والواقع أن شـعراء آخرين غيـر السـيّاب من أصحاب الرؤيا الجديدة‬
‫في الشـعر العربـي عمدوا الى تجريب رؤاهم الفكرية والفنيـة‬
‫في المديـح النبـوي‪ .‬من التجارب التـي سبقت السـيّاب زمنيـًا‬
‫قصيدة «أشواق الحجاز» للشـاعر الفلسطينـي ابراهيم طوقان‬

‫ث حبه للنبـي وأشواقه‬
‫(نابلس‪ ،‬فلسطين ‪ )١٩٤١ -1905‬فيها يب ّ‬
‫لماكن الحضرة النبـوية‪ 73.‬كان طوقان شـاعرًا مجدّدا فكريـًا‬
‫وبيانيـًا‪ ،‬وله قصيدة مشهورة عارض فيها شوقي واعترض على‬
‫«تبجيله» للمعلمين‪ .‬إلّ أن قصيدته «أشواق الحجاز» بعيدة كل‬
‫البعد عن شعر شوقي ومدائـحه التقليديـة‪( .‬ولو اتّسع المجال‬
‫لكانت قصيدة طوقان حَريّـة بالمقارنة مع قصيدة تقليديـة بعنوان‬
‫«مكـة» للشـاعر السعودي المعاصر حسن عبدال القرشـي‪،‬‬
‫وهي متأخّرة زمنيـًا عن قصيدة طوقان نشرها القرشـي لول مرة‬
‫سنة (‪)74(.)1964‬‬
‫في «أشواق الحجاز»‪ ،‬يتنقل طوقان في نظام القصيدة من بيت‬
‫الشطرين الى السطر الواحد بلغة شـعرية جديدة وأسلوب مبتكر‬
‫(ل بكاء على الطلل ول شكوى اللئمين)‪ .‬وبموسيقى غنائية‬
‫تتنوّع فيها الوزان والقوافي والروي يصف الشـاعر هيامه بحبّ‬
‫«النبـي المين» وحنينه الى «بلد الحجاز»‪ ،‬بلد الكرام‬
‫و«شموس الهدى»‪ ،‬و«مشرق نور الكتاب المبين»‪« ،‬عماد‬
‫الحياة» «وركن العل»‪ ،‬و«ربوع النبـي» و«صحبه الهداة»‪ .‬وما زال‬
‫إيقاع النشيد‪:‬‬
‫ذكـرى الهادي والمجـادِ‬
‫مِـلءُ الوادي والَنْجـادِ‬
‫أَثَـرُ الهِمَمِ منـذُ القِـدَمِ‬
‫حولَ الحَـرَمِ أَبَـدًا بـادِ‬
‫مطبوعـًا في ذاكرتنا الطفوليـة‪ ،‬إذ كنا نردّده أثناء اللعب دون أن‬
‫ندري حتـى مَن وضعه‪ ،‬أو فيمن قيلت معانـي الهدى والمجد‬
‫والقدم فيه‪.‬‬
‫طبعـًا لم يشتهر أيّ من طوقان أو السـيّاب أو الرصافي في‬
‫فـنّ المديـح النبـوي‪ .‬فهؤلء من الشـعراء الذين تميّز شـعرهم‬
‫بـ«العلمانيـة»‪ ،‬أو النشغال بهموم العالم الدنيـوي لتمييزه عن‬
‫التجاه الدينـي الخالص‪ .‬وطوقان والسـيّاب بشكل خاص من روّاد‬
‫«الدب الجديد» الذي‪ ،‬بتعبيـر الناقد أنطون غطّـاس كـرم‪،‬‬

‫«استقلّ عن تقليد الساليب التباعيـة الى حدّ‪ ،‬واستوحى ثقافة‬
‫غربيـة مفارقة للموروث العربـي‪ ،‬وتفاعل مع محصول التراث‬
‫النسانـي أدبـًا‪ ،‬وفنـًا‪ ،‬وفلسفة ونمطـًا تعبيـريًا‪ 75».‬وهذا برأيـي‬
‫ما يعطي قصائدهم المدحيـة أهميـة خاصة لنـها تعكس‬
‫هاجسهم الروحانـي والدينـي الى جانب همومهم الجتماعيـة‬
‫والسياسيـة والفكريـة والفنيـة‪ .‬وتعكس ايضـًا مدى تقديـرهم‬
‫للتراث العربـي‪ ،‬الدبـي والدينـي‪ ،‬في التـزامهم بقضايا أمّتـهم‬
‫وتفاعلهم مع التراث النسانـي الذي استلهموه‪ .‬ورغم انشغالها‬
‫بالقضايا الزمنيـة وبهمّ الحداثة ‪-‬وهذه من أهمّ قضايا الدب‬
‫العربـي(‪ )76‬تبقى هذه القصـائد استمرارًا لمسيـرة المديـح‬
‫النبـوي‪ ،‬مع بعض التبدّل في السلوب والغاية بحسب إطار الزمان‬
‫والمكان الذي تحرّك فيه الشـعراء‪.‬‬
‫ليس غريبـًا أن تبرز هذه المواضيع العلمانيـة الى جانب التجاه‬
‫الدينـي في الشـعر العربـي الحديث‪ .‬يقول أمين الريحاني الذي‬
‫عاصر النهضة الدبيـة العربيـة وساهم فيها في بدايات القرن‬
‫العشرين‪« ،‬وما الشـعر العربـي الحديث في مجمله غير أصداء‬
‫لصوات الشـعر الماضية‪ ،‬وأشباح للوانه وأشكاله‪ .‬فهاكم‬
‫القصيدة بوجوهها القديمة كلها ‪ -‬بمحاسنها اللغويـة والبيانيـة‪،‬‬
‫وبمصادر وحيها‪ ،‬وبقوالبها القاسية‪ ،‬وبمواضيعها البديـة ‪ -‬المديح‬
‫والرثاء‪ ،‬والغزل والستجداء‪ .‬أمّـا في الجيّد من هذا الشـعر فقد‬
‫يغلب في هذا الزمان الحماسة الوطنيـة‪ ،‬والمنازع القوميـة‪،‬‬
‫والكتئاب والنحيب‪ ...‬الصوت العلى لشـاعر اليوم‪ ،‬إن كان في‬
‫القدس او في بيروت‪ ،‬في بغداد او في النجف‪ ،‬في مكة او في‬
‫القاهرة‪ ...‬يهزّ من النفس أصولها وفروعها‪ ،‬بل يضرم فيها نار‬
‫الغيرة على أمّـة مستضعفة‪ ،‬ووطن مستعبَد‪ ،‬ويحبّب اليها الجهاد‬
‫في السبيل الشرف‪ ،‬سبيل الستقلل والحرية‪)٧٧(».‬‬
‫في هذا السياق أقرأ مديح الشـعراء المحدثين الذين لم تغب‬
‫الروح الدينية عن شـعرهم رغم «وطنيـة» وعلمانيـة أغراضهم‬
‫ومواضيعهم‪ .‬من جهة أخرى‪ ،‬ومن منظار المديـح من حيث هو‬
‫للشفاعة والتوسّـل للنبـي أقرأ قصيدة «أيتها العروبة» للشـاعرة‬
‫الوطنيـة العراقيـة أم نـزار (ولدت سنة ‪ )1908‬التـي نظمتها سنة‬
‫‪ 1938‬وفيها تنادي بضمّ الشمل تحت «راية العروبة» وتدعو‬
‫«رسول الهدى» ليجيـر القدس «السامي» وينقذ «مسراه» من‬
‫كل «تهديد» (قبل نكبة فلسطين سنة ‪)78(.)1948‬‬

‫غير ان اللتزام بقضايا الوطن‪ ،‬و«الرؤية» الجديدة للشـعر الحديث‬
‫كونه‪ ،‬بتعبيـر ادونيس‪« ،‬تمرّدا على الشكال والطرق الشـعرية‬
‫القديمة‪ ،‬ورفضـًا لمواقفه وأساليبه التـي استنفذت أغراضها‪(»،‬‬
‫‪ )79‬لم يمنع الشـعراء المحدثين من الستفادة من التراث خاصة‬
‫حتـى منتصف القرن العشرين‪ .‬فأفرد شـعراء ُوصِفَ منحاهم‬
‫بـ«التقليد والسلفية» مساحة‪ ،‬كبيرة او صغيرة‪ ،‬لمديـح النبـي‬
‫مثّل هذا التجاه كما رأينا بأعمال محمد مهدي‬
‫وآل البيت‪ .‬وتَ َ‬
‫الجواهري في العراق والبارودي وأحمد شوقي في مصر‪)80(.‬‬
‫وقد اسـتمرّ اتجاه التقليد في الزمن الراهن‪ ،‬فنظم مؤخرًا الشـاعر‬
‫المراكشي إسماعيل زويريق قصيدة معارضة لداليـة ابـي العلء‬
‫المعرّي «في الرد على من أساء الى الرسـول برسوماته‬
‫الكاريكاتوريـة»‪ .‬وله ايضـًا معارضات لكلّ من «بـردة كعب» و«بـردة‬
‫البوصيـري»‪ )81(.‬ومع ذلك تبقى قصـائد شوقي أهمّ المدائـح‬
‫النبـوية الحديثـة‪.‬‬
‫أحمد شوقي‪ :‬أمير شـعراء المديـح النبـوي الحديث‬
‫كان شوقي‪ ،‬مع الجواهري‪ ،‬من الشـعراء المميزين الذين‬
‫ُوصِفوا بانـهم «حالت خاصة‪ :‬تتمادى في نتاجهم‪ ،‬بشكل او آخر‪،‬‬
‫الطرق الشـعرية القديمة نظرًا وتعبيرًا‪ ،‬ال انـهم في مستوى‬
‫القدماء صناعة وتمكنـًا‪ )82(».‬وشـعر شوقي في مديـح النبـي‬
‫يدخل في هذا الطار من ناحية إحياء القديم مع الحرص على‬
‫الجمالية والبداعية الشـعريـة‪.‬‬
‫نظم شوقي اكثر من قصيدة في مدح النبـي والسـلم‬
‫والمسلمين‪ .‬وليس هذا غريبـًا‪ .‬فصحيح انـه كان لفترة «شـاعر‬
‫الميـر» قبل ان يكون «اميـر الشـعراء»‪ ،‬ال ان ارتباطه بالقضايا‬
‫النسانيـة كان وثيقـًا‪ ،‬حتـى قيل بحقّ انـه «ما المت خلل حياته‬
‫بمصر او بأي بلد من بلدان العرب والشرق محنة‪ ،‬او انبثقت‬
‫نهضة‪ ،‬او انتفض شعب‪ ،‬ال اهتزت نفسه واهتاجت شـاعريته‪(».‬‬
‫‪ )83‬ولكن الى جانب عاطفته الوطنيـة والنسانيـة كانت عاطفة‬
‫شوقي السلميـة «اشد اتقادًا»‪ ،‬على حدّ تعبيـر مارون عبوّد‪،‬‬
‫فوضع الدين فوق كل شيء‪ ،‬حتـى مصر‪ ،‬واستمدّ وحيـًا كثيًرا من‬
‫التراث العربـي والسلمي بما فيه مكة والقـرآن وسيـرة الرسـول‪.‬‬
‫(‪)84‬‬

‫مدح شوقي النبـي محمد في قصـائد مطولة اهمها «نهج‬
‫البـردة» (‪ 190‬بيتـًا) التـي استهلّها بـ‪:‬‬
‫ريـمٌ على القـاعِ بيـن البـانِ وال َعلَـم‬
‫َأحَـلّ سَـفكَ دَمي في الشهُرِ الحُــرُم‪،‬‬
‫و«ذكرى المولد» (سنة ‪ 71 ،١٩١٤‬بيتـًا) ومطلعها‪:‬‬
‫سلوا قلبـي غداةَ سل وثابا‬
‫لعلّ على الجمال له عتابا‪،‬‬
‫و«الهمزيـة النبويـة» (‪ ١٣١‬بيتـًا) ومطلعها‪:‬‬
‫ت ضِياءُ‬
‫وُِلدَ الهُدى فالكائنا ُ‬
‫َوفَمُ الزّمانِ َتبَسّمٌ َوثَناء‪)85(.‬‬
‫في المدحيـة الخيـرة‪ ،‬وإن لم يشتهر بذلك‪ ،‬سار شوقي (فكرًا‬
‫وبنـاء وفي الوزن والقافية والروي)‪ ،‬على نهج «همزيـة»‬
‫البوصيـري المسمّاة بـ«أم القرى» التـي مطلعها‪:‬‬
‫كَيفَ تَـرقى في رُ ِقيّـك النبِياءُ‬
‫يا سَـماءً ما طاوَلَتها سَـماءُ‬
‫ومن المعروف أنـه في «نهج البـردة» حاكى شوقي بـردة‬
‫البوصيـري ولم يدّع معارضتها‪ ،‬وإن كان قد سـعى للتبـرّك بها‬
‫مثلما فعل سابِقوه‪ .‬وقد نظمها وهو في مطلع شبابه على وزن‬
‫البـردة وقافيتها ورويّها‪ ،‬وقدّمها للخديوي عبّاس الثانـي تذكارًا لحجّ‬
‫الخيـر سنة ‪ 1227‬هـ ‪ ١٩١٠ /‬مـ‪ ،‬كما ذكر في رسالة الهداء‬
‫التـي وجّهها للخديوي‪.‬‬
‫أجرى كلّ من الدكتور زكي مبارك والدكتور أحمد الحوفـي موازنة‬

‫بين مديـح شوقي والبوصيـري‪ ،‬وخصائصه المشـتركة من النواحي‬
‫الدينيـة والمعنويـة والفنيـة‪ .‬وركّـزت موازنة الحوفـي بالتفصيل‬
‫على المعالم البارزة في شخصيـة النبـي كما عرضت لها مدائـح‬
‫شوقي والبوصيـري‪ ،‬تحت عناوين ‪..‬حاجة البشر الى رسالة‪،‬‬
‫«البتهاج بمولده»‪« ،‬خوارق صاحبت مولده»‪« ،‬تبتله بغار حراء»‪،‬‬
‫«البعثة»‪« ،‬بعض منجزاته»‪« ،‬أخلق النبـي وشمائله»‪« ،‬خير‬
‫النبياء»‪« ،‬بلغة الرسول»‪« ،‬رجالت السـلم»‪ ،‬و«الشفاعة»‬
‫للشـاعر وللمسلمين‪)86( .‬‬
‫ل يتّسع هذا البحث لمناقشة كل ما جاء في مدائـح شوقي‪،‬‬
‫وسأكتفي هنا ببعض النقاط‪ .‬تثيـر شخصيـة النبـي في شـعر‬
‫مدّة من النص القرآنـي‬
‫شوقي الكثيـر من المعانـي المست َ‬
‫والسيـرة النبـوية‪ .‬ويتراوح أسلوبه في التعبيـر عن هذه المعانـي‬
‫القديمة بين السرد المباشر والتلميح الشـعري بحسب قصر‬
‫القصيدة او طولها‪ .‬ففي همزيـة «ولد الهدى»‪ ،‬وهي أقصر من‬
‫«نهج البـردة»‪ ،‬إشارات مكثّفة الى البشارة التـي تضمّنتها الكتب‬
‫المقدّسة وتحقّقت‪ ،‬فتبسّم الزمان ثناء بمولد النبـي‪ .‬هو الهدى‬
‫الذي جاء من الرب ضياءً للكائنات وليُخرج الناسَ من الظلمات الى‬
‫النور (كما جاء في سورة النجم‪ .)53 : 23 ،‬وهو بشارة ال للدين‬
‫سلَه الى الرض «ف ُزيّنت» السماء (سورة‬
‫والدنـيا بعث بها رُ ُ‬
‫صلَت‪ )12 : 41 ،‬و«تضوعت» الرض مسكـًا‪ .‬وهو «خيـر من جاء‬
‫فُ ّ‬
‫الوجود» من المرسلين‪ ،‬اسرى به ال الى المسجد القصى ثم‬
‫عرّج به الى سدرة المنتهى العصماء (سورة النجم‪.)16-13 :23 ،‬‬
‫والى كمال الصفات النبـوية‪ ،‬يشيـر شوقي الى الصفات‬
‫النسانـية في شخصية محمد الذي كمّلته العناية الربانـية‪ .‬فهو‬
‫الكريم الذي بلغ المدى جوده‪ ،‬وهو القادر الذي ل يُستَهان بعفوه‬
‫لنـه مقدّر من ال‪ .‬وهو الرحيم رحمة الوالدين في الدنـيا‪ ،‬غضبته‬
‫عن حق بل بغضاء‪ ،‬ورضاه صادق بل رياء لن غضبه ورضاه من‬
‫ال‪ .‬هو الخطيب الذي تهـزّ المنابرَ وتُبكي القلوبَ فصاحتُه‪ ،‬وهو‬
‫الذي يقضي بحكم السماء فل يجد الخصومُ في قضائه حرجـًا ول‬
‫ارتيابـًا‪ ،‬وهو الذي يحفظ العهود ذمة ووفاء‪.‬‬
‫أما في «نهج البـردة» فتتعدّد الغراض ويسترسل الشـاعر في‬
‫الحديث عن صفات الرسـول النبـوية والنسانـية بنفس شـعري‬
‫يكاد يكون ملحميـًا‪ .‬في هذه القصيدة‪ ،‬يستشفع شوقي «أميـر‬

‫النبياء» الذي «يمسك بمفتاح باب ال»‪ .‬فهو صاحب «كل فضل‬
‫واحسان»‪ .‬وهو «صاحب الحوض»‪ ،‬به «بشّـر» «الرسل» و«الروح‬
‫القدس»‪ ،‬وعليه نزل وحي ال تعالى فأتى بمعجزة القرآن التـي‬
‫لم ينطق بها فم من قبل‪ ،‬فحيـرت آياته العالمين بجلل العتق‬
‫والقدم‪ ،‬وأوصت بالحق والتقوى والرحمة‪ .‬ومحمد هو المين في‬
‫خلُقـًا‪ .‬وهو أفصح العرب‪،‬‬
‫قومه والهادي الذي فاق النبياء خَلقـًا و ُ‬
‫سرت بشائر نوره في المشرق والمغرب فأحلّ العدل مكان الظلم‪،‬‬
‫والحق مكان البغي‪.‬‬
‫يتناول شوقي شخصية النبـي من كافة جوانبها‪ .‬فمحمد في‬
‫شـعره صاحب الشخصية النسانية الكاملة‪ ،‬وهو الرسـول ‪-‬‬
‫النسان الكامل الذي بعثه ال بأسـمى وآخر رسـالة سماوية‬
‫لهداية النسان وخير البشـرية جمعاء‪ .‬ول يخفى ما في هذا من‬
‫شـبه بأفكار البوصيـري‪ .‬إل أن البعض (الدكتور أحمد كمال زكي‬
‫مثلً) يؤكد أن شوقي وإن كان قد رفع النبـي عن مستوى‬
‫الدميـة العاديـة‪ ،‬فإنـه فعل ذلك «دون تأليه ودون افتئات على‬
‫ذات الباري‪ ،‬ودون تقديس‪)87(».‬‬
‫مما جاء في نهج البـردة‪:‬‬
‫متُــهُ‬
‫د صَفـوةُ البــاري‪ ،‬وَ َرحْ َ‬
‫محمّـ ٌ‬
‫َوبُغيـةُ الِ مـن خَلــقٍ ومـن َنسَـمِ‬
‫مَشـيئـةُ الخـاِلقِ البــاري َوصَن َعتُـهُ‬
‫َوقُـدرةُ الِ فَـوقَ الشّـكّ والتّـهَــمِ‬
‫حتّـى َبلَغـتَ سَـما ًء ل يُطـارُ لَـهـا‬
‫َ‬
‫عَلى جَنـاحٍ ول يُسـعى عَلـى قَــدَمِ‬
‫وَقيــلَ كُـلّ نَبــيّ عِنـدَ رُتبتِــهِ‬
‫ويـا مُحَمّـدُ هـذا العـرشُ فَاسـ َتلِـمِ‬

‫خَطَطـتَ لِلدّيــن والدّنيـا عُلومَهُمـا‬
‫قلَـمِ‬
‫يا قا ِرئَ اللّـوحِ‪ ،‬بَـل يا لمِـسَ ال َ‬
‫َأحَطـتَ بَينَهُمـا بالسّـرّ وَانكَشَـفَت‬
‫حكَـمِ‬
‫لَـكَ الخَـزائنُ مِـن عِلـمٍ َومِن ِ‬
‫في «نهج البـردة» ما يؤكد وجهة نظري من أن الشـعراء الذين‬
‫قلّدوا «بـردة البوصيـري» في مدح النبـي إنّما فعلوا ذلك من باب‬
‫التبـرّك بها‪ .‬فها هو شوقي يبـرّر الدافع الى التقليد صدق‬
‫مشـاعره التـي أملتها «البـردة الفيحاء»‪ ،‬والرجاء في بلوغ بعض‬
‫الغبطة التـي بلغها صاحب البـردة‪« ،‬ولـي» الرسـول‪:‬‬
‫يا أَحمَـدَ الخَيـرِ‪ ،‬لـي جـاهٌ بتسميَتـي‬
‫وكَيفَ ل َيتَسـامى بالرسـول سَـمي؟‬
‫المـادِحـونَ وَأربـابُ الهَـوى َتبَــعٌ‬
‫لِصـاحِبِ البُـردة الفَيحـاءِ ذي القِـدَمِ‬
‫ب خـالصٌ َوهَوىً‬
‫ك حُـ ّ‬
‫مَديـحُـُه في َ‬
‫كلِـمِ‬
‫وَصـا ِدقُ الحُـبّ يُملـي صا ِدقَ ال َ‬
‫هدُ أَنّــي ل أُعـا ِرضُــهُ‬
‫الُ يَشــ َ‬
‫مَـن ذا يُعـارِض صَوبَ العارِضِ العَـرِمِ‬
‫وإنّمـا أنـا بَعـضُ الغابطيـن‪ ،‬ومَـن‬
‫ك ل يُذمَــم وَل ُيلَــمِ‬
‫يَغبِـط وَِليّـ َ‬
‫وإذا كان هذا هو الدافع الى المديـح عند شوقي فغايته كذلك‬
‫كغاية البوصيـري هي الشـفاعة والتوسّـل‪ .‬ولكن بمقابل‬

‫«أنانيـة» البوصيـري في تشفّعه لنفسه تأتـي «شـمولية»‬
‫شوقي الذي يتعدّى توسّـله الذات ليشمل جميع المسلمين‪،‬‬
‫فيختتم «بـردته» بمناجاة ال أن يتكرّم بحكمه على المسلمين‬
‫ويلطف بهم «من أجل» الرسـول الذي أحسن البدء بـه ويـ«تـمّم‬
‫الفضل» بمنحهم «حسن مختتم»‪ .‬ربّما لهذا وصف الدكتور محمد‬
‫حسين هيكل اختتام شوقي لقصيدته بـ«حسن الختام‪٨٨».‬‬
‫هبّـت شُـعوبٌ مِـن مَن ّيتِـها‬
‫يا َربّ‪َ ،‬‬
‫واسـتَيقَظَت أُمَـمٌ مـن رَقـدةِ العَـدَمِ‬
‫فَالطُـف لَجـلِ رَسـولِ العالَميـنَ بِنا‬
‫ول تَـزِد قَومَــه خَسـفـًا ول تَسِـمِ‬
‫يا ربّ‪ ،‬أَحسَـنتَ بَـدءَ المسـلمينَ بِـهِ‬
‫َفتَمّـمِ الفَضلَ وامنَـح حُسـنَ مُخ َتتَـمِ‬
‫تظهر «غيـرية» شوقي في التشفّع لكافة المسلمين في سائر‬
‫مدائحه النبـوية‪ .‬وطبعـًا لغيـرته السلميـة ما يبـرّرها إذا قرأنا‬
‫شـعره في سياق تجربته الشخصيـة والجتماعيـة والسياسيـة‪،‬‬
‫نظرًا لكتفائه على المستوى المادي والجتماعي ولمكانته‬
‫كشاعر الميـر‪ ،‬وعلمـًا انـه كان على وعي بقضايا أمته وبتفاقم‬
‫الزمات في العالم العربـي والسلمي‪ .‬والجديـر بالتذكيـر انـه‬
‫عندما نظم شوقي «نهج البـردة» ومدائحه الخرى‪ ،‬كان مؤمنـًا‬
‫بفكرة الجامعة السلميـة وبالخلفة العثمانيـة‪ .‬ول يستبعد أن‬
‫تكون هذه المدائـح من باب «المجاراة» أو «المجاملة»‪ ،‬او كما‬
‫يقول أنطون غطّاس كرم‪« ،‬تعبيـرًا عن عقيدة أعطيها جاهزة ولم‬
‫يعشها تجربة دينيـة‪ »،‬بعكس البوصيـري الذي «عانـى مأساة‬
‫اليمان حيث لم يكن لشوقي مأساة‪)٨٩ (».‬‬
‫إل اذا استثنينا الشارة الى ما تمثله شخصية الرسـول من هداية‬
‫ونور للبشرية التـي ضلّت طريق الحق‪ ،‬جاءت هذه الشخصيـة‬
‫عند شوقي بغاية الوضوح‪ .‬ربّما لن شوقي قصد التعبيـر عن‬
‫الشخصية النبـوية بإفاضة وتفصيل بعيدًا عن التلميح والرمزية‪ ،‬لما‬

‫يتطلّبه الرمز والمجاز من الغوص في الفكار البعيدة لسبـر‬
‫أغوارها‪ ،‬مما ل يحتمله الموضوع ول يريده الشـاعر أو يتذوقه‬
‫جمهوره‪ .‬وربّما لن شـعره في مدح النبـي كسائر شـعره مقلّد‬
‫للشـعر القديم‪« ،‬إستعار» موسيقاه ونغمه الرنّـان دون نغمه‬
‫الوجدانـي الداخلي‪ ،‬فقام على الطراب والنشاد ل على ابتكار‬
‫المعانـي والبداع الفريد‪.‬‬
‫طبعـًا ما كان شوقي مبتكرًا‪ )90(.‬ال ان مدائـحه تميّزت بفخامة‬
‫اللفاظ وعذوبتها‪ ،‬وبجمال الموسيقى وقوّة النسج في العبارات‬
‫(رغم التفكّك في وحدة القصيدة الداخليـة)‪ .‬ويبقى أن «عبقرية‬
‫فـنّه»‪ ،‬كما يقول حسين مروة‪ ،‬مكّنت شوقي من ان يقيم‬
‫«شـعرًا عربيـًا جديدًا انبعث به فـنّ الفصحى انبعاثـًا من مراقد‬
‫التاريخ‪ )91(».‬وهذا برأيـي ما يساعد على تجديد الهتمام‬
‫الحالي بشـعره في مدح النبـي من جهة‪ ،‬وبفـنّ المديـح النبـوي‬
‫وبالمدائـح النبـوية الكلسيكية (خاصة مدائـح البوصيـري) من‬
‫جهة ثانية‪ .‬والملفت للنظر أن مديح شوقي والبوصيـري أصبح‬
‫اليوم نموذجـًا يتبعه مدّاحو النبـي من شـعراء العربيـة حتـى غيـر‬
‫المسلمين كما يبدو من همزيـة بعنوان «نبـي الرحمة» نشرتها‬
‫مجلّة الحـجّ والعمرة الصادرة عن وزارة الحـجّ في المملكة العربيـة‬
‫السعوديـة‪ .‬والقصيدة لشـاعر سوري يبدو من اسـمه‪ ،‬جاك‬
‫صبـري شـمّاس‪ ،‬ومن شـعره انـه «من نصارى يعرب»‪ ،‬وهي‬
‫على وزن وقافية وروي «همزيـة» كل من شوقي والبوصيـري‪(.‬‬
‫‪)92‬‬
‫ل شك أن مدائـح شوقي توفّـر لها انتشار أوسع وبقاء أطول‬
‫عندما تحوّلت الى أناشيد غنائيـة جمعت الى جلل الكلمة جمال‬
‫الصوت وفخامة النغم‪ .‬ففي عصر اتسع فيه عالم السـلم وبقيت‬
‫الكلمة حكرًا على نخبة من الشـعراء والمثقفين‪ُ ،‬قدّر لمدائـح‬
‫شوقي ان تنشدها «سيدة الغناء العربـي»‪« ،‬كوكب الشرق»‬
‫السيدة ام كلثوم‪ ،‬فحملتها فوق موجات الثيـر‪ ،‬واليوم عبـر‬
‫شبكات النترنت‪ ،‬الى أقاصي الشرق والغرب‪.‬‬
‫خلصـة‪:‬‬
‫عن طريق الغناء ووسائل التصال اللكتروني‪ ،‬دخل شعر المديح‬
‫النبوي والشعر الدينـي عصر العولمة (هذا موضوع مقالة أخرى‬

‫أعدّها في هذا المجال)‪ .‬لكنه وإن «ركب الحضارة» الغربيـة‬
‫وسيلة للنتشار‪ ،‬بقي هذا الشـعر بمعزل عن التلقيح الثقافـي‬
‫الغربـي‪ ،‬لدرجة يمكن معها القول ان الشـعر العربـي في مدح‬
‫النبـي ما زال وحده الفـنّ السـلمي الخالص في العصر‬
‫اللكترونـي‪ .‬حافظ هذا الشـعر على مكانته الولى بين الفنون‬
‫السلميـة‪ ،‬وبعد ان كان أقدمها تطوّر مع الحداثة (بالكلمة‬
‫والصوت والصورة) ليصبح أوّل هذه الفنون انتشارًا في العالم‬
‫السـلمي وخارجه‪ ،‬وأكثرها توفّـرا لدى المسلمين وغيرهم‪.‬‬
‫وهو ايضـًا أكثر هذه الفنون رواجـًا وشـعبية لقربه موضوعـًا وفنـًا‬
‫من افئدة الشعوب السلميـة‪ ،‬ولقدرتهم على التفاعل معه في‬
‫كافة الظروف وعلى اختلف أجناسهم وأعمارهم ومستوياتهم‬
‫الفكريـة أو ثقافتهم الفنيـة‪.‬‬
‫في مسيرته الطويلة لكثر من أربعة عشر قرنـًا فقد شـعر المديـح‬
‫النبـوي جوهر المديـح بغياب الممدوح الصلي‪ .‬لكنه لم يفقد‬
‫أصالته لن الذات الشـاعرة‪ ،‬المقلّدة والمجدّدة‪ ،‬كانت في سـعي‬
‫دائم للتقاط اللحظة الشـعرية التـي تدنيها من الصل القديم‪.‬‬
‫وبهذا السـعي نحو الصالة الدينيـة والشـعرية‪ ،‬أصبح المديـح‬
‫النبـوي أكثر الفنون السلميـة ثباتـًا واستمراريـة (زمنيـًا وفنيـًا)‪،‬‬
‫وربّما أقلّ الفنون الدبيـة العربيـة تحوّل‪.‬‬
‫بفضل البعد الزمانـي والمكانـي حدث تحوّل في المديـح النبـوي‬
‫فكرًا وفنـًا‪ ،‬تبعـًا لنفعال الذات الشاعرة وتفاعلها مع الواقع الذي‬
‫تحرّكت فيه‪ .‬ومع ذلك حافظ المديـح في أكثره على السـلوب‬
‫الذي وضع أصوله المدّاحون الوائل‪ ،‬فاعتمد معظم الشـعر‪ ،‬القديم‬
‫والجديد‪ ،‬العموديـة الشـعرية (باستثناءات قليلة مثل قصيدة‬
‫ابراهيم طوقان ربما لنـه وضعها للنشاد في إذاعـة فلسطين في‬
‫ثلثينات القرن الماضي)‪ .‬فكريـًا وعقائديـًا‪ ،‬بقيت شخصية النبـي‬
‫ثابتـة الى حدّ‪ ،‬فكرّر معظم الشـعراء الصفات الرسـوليـة‬
‫النسانيـة (خيـر الخلق‪ ،‬المّـي المين العادل الهادي والشفيع)‪،‬‬
‫باستثناء بعض المعجزات التـي اضيفت اليه في عصر الخوارق مع‬
‫مديـح البوصيـري ومن قلّدوه‪ .‬وقد يعود هذا التجاه نحو الخوارق‬
‫ليطغى على المديـح في الزمن الحاضر‪ ،‬عصر العجز والحباط‬
‫العربـي الراهن‪.‬‬
‫ولكن رغم التحوّلت‪ ،‬بقي مدح النبـي وسيلة لغاية اختلفت‬

‫باختلف التجربة النفعاليـة الشـعرية‪ .‬فالمديـح ما كان يومـًا‬
‫مجردًا عن غاية التوسّـل والشفاعة سواء القديم منه أو الحديث‪،‬‬
‫التقليدي أو الجديد‪ .‬ولكن تبعـًا للتجربة الشـعرية تراوحت الغاية‬
‫بين الذاتيـة و«النانيـة»‪ ،‬التوسّـل من أجل «النا» (تقريبـًا كل‬
‫الشـعراء بدءًا بكعب والبوصيـري) والخرويـة الشاملة‪ ،‬أو طلب‬
‫الشفاعة للذات وللخرين معـًا (شوقي والسـيّاب)‪ .‬فسعى بعض‬
‫الشـعراء الى كسب رضى النبـي في الحياة الدنيا (كعب‬
‫والبوصيـري والرصافي مثلً) وتاق آخرون الى الرضى الروحـي‬
‫والمغفرة في الخرة أو الثنين معـًا‪.‬‬
‫ل تعنـي الغاية انتفاء الصدق في النفس الشاعرة أو حضوره‬
‫بالضرورة‪ ،‬وأكثر ما تطرح هذه المسألة على مديح المناسبات‪.‬‬
‫ومع أن البعد العاطفي‪ ،‬خاصة حب النبـي‪ ،‬موجود في معظم‬
‫المدائح النبوية وهو ما يميّزها عن سائر المديـح‪ ،‬هذا ل يعني انـه‬
‫دائمـًا حب خالص‪ ،‬ربّما باستثناء المديح النسوي الذي تمثّله‬
‫الشيخة المتصوّفة عائشة الباعونيّـة‪.‬‬
‫يبقى الدافع الى المديـح النبـوي‪ ،‬وهو برأيي تأرجح الذات‬
‫الشاعرة بين الخوف والرجاء‪ ،‬العنصر الكثر ثباتـًا في هذا الشـعر‪.‬‬
‫ل ننسى في الصل أن كعبـًا لم يمدح النبـي حبـًا به بل خوفـًا‬
‫منه على حياته ورجاء بعفوه؛ والبوصيـري نظم بـردته خوفـًا من‬
‫المرض ورجاء بالشفاء وبشفاعة النبـي لغفران ذنوبه قبل أن تأتي‬
‫ساعته‪ .‬وعندما تفاقمت الزمات (زمن البوصيـري وبعده) وانقطع‬
‫الرجاء بالحلول الرضية الزمنيـة‪ ،‬لجأ الشـعراء الى النبـي خوفـًا‬
‫على المصيـر راجين «حلول» بركته بعيد مولده او زيارة حضرته‬
‫(بتعدّد معانـي «الحلول ‪.‬‬
‫في زمن الحداثة اتبّع شعراء التقليد القديم نصـًا وروحـًا‪ .‬وفيما‬
‫عقد شـعراء «النهضة» الرجاء على نهوض عقلنـي عِلمانـي‬
‫جديد لرسالة النبـي القديمة (الرصافي)‪ ،‬ترقّب شـعراء «التجديد»‬
‫انبعاث روح النبـي الجهاديـة القديمة حياة جديدة في أمّتـه‬
‫العربيـة المحتضرة (السـّياب في حضرة الموت وهو من الشـعراء‬
‫«التمّوزيين‪.‬‬
‫تراوح الخوف بين الذاتي والشمولي والدنيوي والمصيري‪ ،‬وتنقّل‬
‫الرجاء بين الرضي (عفو النبـي) والسماوي (رحمة ال) وما‬

‫بينهما‪ ،‬وكأن كل ذات مادحة نفس متصوّفـة‪ .‬وتحرّك الشعر بين‬
‫الثابت والمتحوّل والقديم والجديد‪ .‬وبقي الباعث الى المديح‪:‬‬
‫كالنفس المتصوّفـة‪ ،‬تتأرجح الذات الشـاعرة بين حالت الخوف‬
‫والرجاء في حركيّـة منفعلة‪ ،‬متفاعلة‪ ،‬وفاعلة دائمـًا‪.‬‬
‫الهوامش‬
‫‪ -١‬ابن خلدون‪ ،‬مقدمة ابن خلدون‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار القلم‪ ،1978 ،‬ص‬
‫‪.570‬‬
‫‪ -٢‬عبد العزيز صالح الهلبي‪« ،‬الحياة العلميـة والدبيـة في عهد‬
‫الرسـول والخلفاء الراشدين»‪ ،‬في الجزيرة العربيـة في عصر‬
‫الرسـول والخلفاء الراشدين‪ ،‬المحرّر عبد الرحمن الطيب‬
‫النصاري‪ ،‬الكتاب الثالث ‪ -‬الجزء الثاني‪ ،‬الرياض‪ ،‬جامعة الملك‬
‫سعود‪ ،١٩٨٩ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪ -٣‬أحمد الشايب‪ ،‬تاريخ الشـعر السياسي الى منتصف القرن‬
‫الثاني‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار القلم‪ ،‬الطبعة السادسة‪ ،‬بدون تاريخ ترجيحًا‬
‫‪ ،1976‬ص ‪ 100‬و ‪١٢١‬؛ عادل جاسم البياتي‪« ،‬الشـعر ونضال‬
‫الوحدة في صدر السـلم»‪ ،‬في سعدون حمادي وآخرون‪ ،‬دور‬
‫الدب في الوعي القومي العربـي‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،‬بيروت‪ ،‬مركز‬
‫دراسات الوحدة العربيـة‪ ،1984 ،‬ص ‪113‬؛ ذُكر بعض شـعرميمونة‬
‫في‪ ،‬ابن هشام‪ ،‬سيرة النبـي‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الفكر‪،‬‬
‫بدون تاريخ ترجيحًا ‪ ،1937‬ص ‪.435-٤٣٤‬‬
‫‪ -٤‬حول شعر حسّان يراجع‪ ،‬إحسان عبّاس‪ ،‬تاريخ النقد الدبي‬
‫عند العرب‪ :‬نقد الشـعر من القرن الثاني حتـى القرن الثامن‬
‫الهجري‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الثقافة‪ ،١ 98 ١ ،‬ص ‪.49‬‬
‫‪ -٥‬عادل جاسم البياتي‪« ،‬الشـعر ونضال الوحدة في صدر‬
‫السـلم»‪ ،‬في سعدون حمادي وآخرون‪ ،‬دور الدب في الوعي‬
‫القومي العربـي‪ ،‬ص ‪.112-١١١‬‬
‫سيَر‬
‫‪ -٦‬مارون عبود‪ ،‬أدب العرب‪ :‬مختصر تاريخ نشأته وتطوّره و ِ‬
‫مشاهير رجاله وخطوط أولى من صورهم‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،‬بيروت‪،‬‬

‫دار الثقافة‪ ،١٩٧٩ ،‬ص ‪.120‬‬
‫‪ - ٧‬للمراجعة‪ ،‬اتيين دينيه وسليمان بن ابراهيم‪ ،‬محمد رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلّم‪ ،‬ترجمة عبد الحليم محمود ومحمد عبد‬
‫الحليم‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪ ،‬ص ‪304‬؛ أيضًا سميح عاطف‬
‫الزين‪ ،‬خاتم النبـيين‪ :‬محمد‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ /‬المجلد الثاني‪،‬‬
‫بيروت‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪ ،1986 ،‬ص ‪.693‬‬
‫‪ -٨‬يراجع نصّ القصيدة في سيرة النبـي لبن هشام‪ ،‬الجزء‬
‫الرابع‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬بدون تاريخ ترجيحًا ‪ ،1937‬ص ‪.169-152‬‬
‫‪ -٩‬أدونيس (علي أحمد سعيد)‪ ،‬مقدمة للشـعر العربـي‪ ،‬الطبعة‬
‫الثالثة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العودة‪ ،١٩٧٩ ،‬ص ‪.32‬‬
‫‪ -١٠‬تقول بعض الروايات إنّ معاوية بن أبـي سفيان بعد أن تولّى‬
‫الخلفة بذل آلف الدراهم لشراء البـردة وما كان له ذلك إلّ بعد‬
‫وفاة كعب فاشتراها من أهله بمبلغ ضخم وتوارثها الخلفاء من‬
‫بعده‪ ،‬وهي البـردة التـي كانوا يلبسونها في العيدين‪ .‬طه‬
‫حسين‪ ،‬من تاريخ الدب العربـي‪ :‬العصر الجاهلي والعصر‬
‫السـلمي‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ /‬المجلّد الوّل‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العلم‬
‫للمليين‪ ،1975 ،‬ص ‪.114‬‬
‫‪ -١١‬توالى علماء اللغة والشـعراء المسلمين على شرح «بانت‬
‫سعاد» واختصارها وتخميسها وتقليدها‪ .‬وهناك ما ل يقل عن‬
‫خمسين شرحًـا لها بالعربيـة‪ .‬ولها شـروح باللغات التركيـة‬
‫والورديـة‪ ،‬وترجمات الى اليطالية والفرنسية‪ .‬توجد تفاصيل‬
‫مخطوطات هذه الشروح في‪ ،‬فؤاد سيزكين‪ ،‬تاريخ التراث العربـي‪،‬‬
‫الذي كتبه باللمانيـة‪:‬‬
‫‪Fuat Sezgin, Geschichte des Arabischen Schrifttums, Band‬‬
‫‪.II )Poesie(, Leiden, Brill, 1975, pp. 229-235‬‬
‫تراجع أيضًا موسوعة الدراسات السلميـة‪:‬‬
‫‪R. Basset, ))Ka'b B. Zuhayr((, in Encyclopaedia of Islam:‬‬

‫‪.Brill Online‬‬
‫‪ -12‬علي عباس علوان‪ ،‬تطور الشـعر العربـي الحديث في‬
‫العراق‪ ،‬بغداد‪ ،‬منشورات وزارة العلم‪ ،1975 ،‬ص ‪.٣٣‬‬
‫‪ -13‬للمراجعة‪ ،‬موسوعة الدراسات السلميـة‪ ،‬ودراسة تريمنغام‬
‫بعنوان الطرق الصوفية في السـلم‪:‬‬
‫((‪Al-Busiri((, in Encyclopaedia of Islam: Brill Online; J.‬‬
‫‪Spencer Trimingham, The Sufi Orders in Islam, with a new‬‬
‫‪foreword by John, O. Voll, New York and Oxford, Oxford‬‬
‫‪.University Press, 1998, pp. 44-45‬‬
‫‪ -14‬مثلً مقالة بعنوان «الشيخ العطواني ‪ . .‬من أجله كتب‬
‫البوصيـري البـردة»‪ ،‬موقع منتديات شمس قطر‪:‬‬
‫‪http://www.shamsqatar.com/vb/showthread.php?t=17267‬‬
‫‪ -15‬عمر فرّوخ‪ ،‬تاريخ الفكر العربـي الى أيّام ابن خلدون‪ ،‬الطبعة‬
‫الرابعة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العلم للمليين‪ ،1983 ،‬ص ‪.559‬‬
‫‪ -16‬مقالتا «البـردة» و«البوصيـري» في موسوعة الدراسات‬
‫السلميـة‪:‬‬
‫((‪Burda(( & ))Al-Busiri((, in Encyclopaedia of Islam: Brill‬‬
‫‪.Online‬‬
‫من مدائحه الخرى اللميـة بعنوان «ذخـر المعـاد» (‪ 195‬بيتـًا)‬
‫المعارضة لـ«بانت سـعاد»‪ ،‬و«الهمزيـة النبـويـة» (‪ 458‬بيتـًا)‪،‬‬
‫و«القصيدة المضريـة في مدح خيـر البريـة» (‪ 40‬بيتـًا)‪.‬‬
‫‪ -17‬للمراجعة‪ ،‬زكي مبارك‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬إعداد وتقديم كريمة‬
‫زكي مبارك‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الهيئة المصريـة العامة للكتاب‪ ،1977 ،‬ص‬
‫‪159‬؛ عمر فرّوخ‪ ،‬تاريخ الدب العربـي‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ /‬الجزء‬
‫الثالث‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العلم للمليين‪ ،1979 ،‬ص ‪680-673‬؛ احمد‬
‫الحوفي‪ ،‬السـلم في شـعر شوقي‪ ،‬القاهرة‪ ،‬المجلس العلى‬

‫للشؤون السلميـة‪ ،1972 ،‬ص ‪٧٧‬؛ سعدية مفرح‪« ،‬البوصيـري‬
‫والبـردة‪ ..‬نقطة على السطر»‪ ،‬العربـي‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد ‪،٥٧٥‬‬
‫اوكتوبر ‪ ،2006‬ص ‪14‬؛ مقالة «البـردة» في موسوعة الدراسات‬
‫السلميـة‪:‬‬
‫‪...Burda(, in Encyclopaedia of Islam: Brill Online‬‬
‫‪ -18‬زكي مبارك‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬ص ‪.160-158‬‬
‫‪ -19‬الدراسة بعنوان «بدايات المديـح النبـوي‪ :‬أسلوبه وغايته»‪،‬‬
‫وهي قيد النشر‪.‬‬
‫‪ -20‬تراجع القصيدة في ابن الفارض‪ ،‬ديوان ابن الفارض‪ ،‬بيروت‪،‬‬
‫دار بيروت للطباعة والنشر‪ ،1983 ،‬ص ‪.129-128‬‬
‫‪ -21‬فاروق شوشة‪«« ،‬هو الحب»‪ :‬ترنيمة عمر بن الفارض»‪،‬‬
‫العربـي‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد ‪ ،٥٧٥‬اكتوبر ‪ ،2006‬ص ‪.166‬‬
‫‪ -٢٢‬تراجع هذه القصـائد في ديوان ابن الفارض‪ ،‬ص ‪،116-46‬‬
‫‪.139-134 ،140‬‬
‫‪ -23‬للمراجعة دراسة آن ماري شيميل‪:‬‬
‫‪Annemarie Schimmel, Mystical Dimensions of Islam,‬‬
‫‪Chapel Hill, The University of North California Press, 1975,‬‬
‫‪.pp. 275, 279, 292‬‬
‫‪ -24‬زكي مبارك‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬ص ‪164‬؛ أحمد الحوفي‪،‬‬
‫السـلم في شـعر شوقي‪ ،‬ص ‪295‬؛ وفي موسوعة الدراسات‬
‫السلميـة‪:‬‬
‫((‪.Burda((, in Encyclopaedia of Islam: Brill Online‬‬
‫‪ -25‬حول هذه الفكرة تراجع دراسة سامر عكاش القيّمة‪:‬‬
‫‪Samer Akkach, Cosmology and Architecture in Premodern‬‬

‫‪Islam: An Architectural Reading of Mystical Ideas, New‬‬
‫‪.York, State University of New York Press, 2005, pp. 93-94‬‬
‫‪ -26‬للمراجعة‪ ،‬محيي الدين ابن عربي‪ ،‬فصوص الحكم‪« ،‬فص‬
‫حكمة فردية في كلمة محمدية»‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الكتاب العربـي‪،‬‬
‫‪.1980‬‬
‫‪ -72‬حول التصوّف المحمدي والمولد النبوي وبردة البوصيري‪،‬‬
‫تراجع دراسات شيميل وتريمنغام‪:‬‬
‫‪Annemarie Shimmel, Mystical Dimensions of Islam, pp.‬‬
‫‪215-218; J. Spencer Trimingham, The Sufi Orders in‬‬
‫‪.Islam, pp. 27 and 207‬‬
‫‪ 28‬ناقشت أثر بـردة البوصيـري في الفنون الشعبية في‬
‫دراستي الموسّعة عن بدايات المديح النبوي‪ ،‬وهي قيد النشر‪.‬‬
‫‪ -29‬كُتب فيها حتـى الن ما يتجاوز التسعين شرحـًا أو تعليقـًا‬
‫باللغات العربيـة والفارسيـة والتركيـة والبربريـة‪ .‬وفي الغرب‪،‬‬
‫نُشرت ترجمات للبـردة الى اللغات اللتينيـة واللمانيـة‬
‫والفرنسيـة واليطاليـة والنكليزيـة مع تعليقات وحواشي‪.‬‬
‫للتفاصيل‪ ،‬تراجع مقالتا «البـردة» و«البوصيـري» في موسوعة‬
‫الدراسات السلميـة‪:‬‬
‫((‪Burda(( & ))Al-Busiri((, in Encyclopaedia of Islam: Brill‬‬
‫‪Online. See also a translation of al-Burda into English in‬‬
‫‪Robert Irwin, The Penguin Anthology of Classical Arabic‬‬
‫‪.Literature, London, Penguin Books, 1999, pp.333-345‬‬
‫‪ -30‬مثلً‪ :‬أحمد عبد التواب عوض‪ ،‬البـردة للبوصيري‪( ،‬قدّم لها‬
‫وعلّق عليها)‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار الفضيلة‪1996 ،‬؛ أحمد عمر هاشم‪،‬‬
‫بـردة المديـح المباركة‪( ،‬شـرح)‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار المقطم للنشر‬
‫والتوزيع‪1995 ،‬؛ علي نجيب عطوي‪ ،‬البوصيـري شـاعر المدائح‬
‫النبـويـة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الكتب العلميـة‪1995 ،‬؛ «بـردة البوصيـري‪:‬‬
‫قراءة أدبية وفولكلورية» في حوليّات الداب والعلوم الجتماعية‪،‬‬
‫على العنوان‪:‬‬

Annals of the Arts and Social Sciences,
htpp://pubcouncil.kuniv.edu.kw/aass/Arabic/kashaf.asp
‫ودراسات سوزان بينكني ستيتكوفيتش المنشورة في مجلة‬
:‫الدب العربـي‬
Suzanne Pinckney Stetkevych, ))From Sirah to Qasidah:
Poetics and Polemics in al-Busiri's Qasidat al-Burdah
)Mantle Ode(,(( in Journal of Arabic Literature, 38, no. 1
)2007(; also available online - www.brill.nl; Suzanne
Pinckney Stetkevych, ))From Text to Talisman: Al-Busiri's
Qasidat al-Burdah )Mantle Ode( and the Supplicatory
Ode,(( in Journal of Arabic Literature, 37, no. 2 )2006(, pp.
.145-189
،»‫ رائد المدائح النبـوية‬. .‫ «المام البوصيـري‬،‫ سمير حلبي‬-31
‫نت‬.‫أون لين‬
www.islamonline.net/Arabic/history/1422/12/article16.sht
ml
‫ مقال‬:‫ بعض ما نشر على شبكة النترنت من النقد والرد‬-32
‫ «قوادح عقديـة‬،‫للشيخ الدكتور عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف‬
:‫ نشر على موقع‬،»‫في بـردة البوصيـري‬
http://saaid.net/arabic/ar20.htm
‫ «بـردة البوصيـري في ميزان‬:‫نفس المقال نشر تحت عنوان‬
:‫ على موقع الصوفيـة‬.»‫العقيدة‬
www.alsoufia.com/articles.aspx?id=877&page_id=0&page
_size=a5&links=False&gate_id=0
‫((قوادح عقدية في بـردة البوصيـري» من كتاب حقوق النبـي‬
‫ على موقع‬،‫لمجموعة من كتّاب مجلة البيان السلميـة الشهرية‬
:‫اصحاب كول‬

‫‪www.as7apcool.com.sera/poetry.php?poetry=page04‬‬
‫سليمان بن عبد العزيز الفريجي‪« ،‬مظاهر الغلو في قصـائد‬
‫المديـح النبـوي»‪ ،‬على موقع منتدى قرية عمارة‪:‬‬
‫‪www.3amara.com/forum/archive/index.php/t-8896.html‬‬
‫«قصيدة البوصيـري الـشركية الكفرية والرد على ما فيها من‬
‫مخالفات»‪ ،‬موقع الدفاع عن السنة‪:‬‬
‫‪www.d-sunnah.net/forum/showthread.php?t=13710‬‬
‫في غلو البوصيـري‪ ،‬مقال نشر في باب «جديد‪ :‬فتوى المولد»‬
‫على موقع تونس المسلمة‪:‬‬
‫‪htpp://www.tunisalmoslima.com/modules.php?name=New‬‬
‫‪s&file=article&sid=70‬‬
‫وفي الردّ على الردّ‪ ،‬مقال بعنوان‪« :‬دفاعًا عن الشيخ ابن عثيمين‬
‫في نصرة العقيدة»‪ ،‬على موقع طريق القرآن‪:‬‬
‫=‪htpp://www.quranway.net/dboard/showthread.asp?Lang‬‬
‫‪&forumid=4&threaded=793‬‬
‫‪ -٣٣‬قصيدة البوصيـري الـشركية الكفرية والرد على ما فيها من‬
‫مخالفات»‪ ،‬موقع الدفاع عن السنة‪:‬‬
‫‪www.d-sunnah.net/forum/showthread.php?t=13710‬‬
‫‪ -34‬للمراجعة بشكل خاص مقال الدكتور عبد العزيز محمد آل‬
‫عبد اللطيف‪« ،‬قوادح عقديـة في بـردة البوصيـري»‪ ،‬نشر على‬
‫موقع‪:‬‬
‫‪http://saaid.net/arabic/ar20.htm‬‬

‫ومقال السيد علوي بن عبد القادر السقّاف‪« ،‬قراءة في بـردة‬
‫البوصيـري وشـعره»‪ ،‬مقالة مؤرخة ‪ ،18/04/2007‬نشرت على‬
‫موقع آل البيت على العنوان‪:‬‬
‫‪Htpp://www.alalbayt.com/index.php?option=com_content‬‬
‫‪&task=view&id=3110&Itemid=80‬‬
‫‪ -35‬له شـعر يشكو فيه من الفقر والحرمان‪ ،‬ورد في زكي‬
‫مبارك‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬ص ‪.158-157‬‬
‫‪ -36‬محمد أركون‪ ،‬الفكر السـلمي‪ :‬نقد واجتهاد‪ ،‬ترجمة هاشم‬
‫صالح‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬بيروت ولندن‪ ،‬دار الساقي‪ ،1992 ،‬ص ‪.159‬‬
‫‪ -37‬حسين مروة‪ ،‬التزعات الماديـة في الفلسفة العربيـة‬
‫السلميـة‪ ،‬الطبعة الخامسة ‪ /‬الجزء الثاني‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الفارابي‪،‬‬
‫‪ ،1985‬ص ‪ .315‬تراجع ايضـًا دراسة تريمنغام‪:‬‬
‫‪.J. Spencer Trimingham, The Sufi Orders in Islam, pp. 10ff‬‬
‫‪ -38‬حول حالة البسط في الشـعر الصوفي‪ ،‬تراجع دراسة آن‬
‫ماري شيميل‪:‬‬
‫‪Annemarie Schimmel, Mystical Dimensions of Islam, pp.‬‬
‫‪.128-129‬‬
‫‪ -39‬لنماذج من هذه الرسومات‪ ،‬يمكن العودة لعمال اندريه‬
‫غرابار وليونيللو فينتوري‪:‬‬
‫‪André Grabar, Byzantine Painting, Geneva, Skira, 1953‬‬
‫‪)and London, Macmillan, 1979(; Lionello Venturi,‬‬
‫‪Renaissance Painting, 2 volumes, Geneva & New York,‬‬
‫‪.Skira, 1979‬‬
‫‪ -40‬ابن خلدون‪ ،‬التعريف بابن خلدون‪ ،‬نشر تحت عنوان «التعريف‬
‫بابن خلدون مؤلّف هذا الكتاب» في تاريخ ابن خلدون‪ ،‬الجزء‬
‫السابع‪ ،‬بيروت‪ ،‬منشورات مؤسسة العلمي للمطبوعات‪،١٩٧١ ،‬‬

‫ص ‪.384‬‬
‫‪ -41‬المقّري التلمساني‪ ،‬نفح الطيب‪ ،‬تحقيق إحسان عبّاس‪،‬‬
‫المجلد السادس‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار صادر‪ ،1968 ،‬ص ‪.180‬‬
‫‪ -42‬وردت في زكي مبارك‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬ص ‪١٦١-160‬؛ عن‬
‫لقاء ابن خلدون بتيمورلنك‪ ،‬عمر فروّخ‪ ،‬تاريخ الفكر العربـي الى‬
‫أيّام ابن خلدون‪ ،‬ص ‪.692‬‬
‫‪ -43‬ابن خلدون‪« ،‬التعريف» في تاريخ ابن خلدون‪ ،‬الجزء السابع‪،‬‬
‫ص ‪.405‬‬
‫‪ -٤٤‬مقالة «مولد» و«مولديـة» في موسوعة الدراسات‬
‫السلميـة‪:‬‬
‫‪A. Salmi, ))Mawlidiyya(( and J. Knappert, ))Mawlid((, in‬‬
‫‪.Encyclopaedia of Islam: Brill Online‬‬
‫‪ -45‬ابن خلدون‪ ،‬شفاء السائل لتهذيب المسائل‪ ،‬نشره وعلّق‬
‫عليه الب اغناطيوس عبده خليفه‪ ،‬بيروت‪ ،‬المطبعة الكاثوليكيـة‪،‬‬
‫‪.1959‬‬
‫‪ -46‬ابن خلدون‪ ،‬مقدّمة ابن خلدون‪ ،‬ص ‪579‬؛ و«التعريف» في‬
‫تاريخ ابن خلدون‪ ،‬الجزء السابع‪ ،‬ص ‪.405‬‬
‫‪ 47‬ابن خلدون‪« ،‬التعريف» في تاريخ ابن خلدون‪ ،‬الجزء السابع‪،‬‬
‫ص ‪ 451‬و ‪.462‬‬
‫‪ -48‬ابن خلدون‪« ،‬التعريف» في تاريخ ابن خلدون‪ ،‬ص ‪.415-412‬‬
‫‪ -49‬لعناوين بعض القصـائد‪ ،‬يراجع‪ ،‬هادي حسن حمّودي‬
‫(تنسيق وتبويب)‪ ،‬المخطوطات العربيـة في مكتبة باريس‬
‫الوطنيـة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الفاق العربية الجديدة‪ ،1986 ،‬خاصة ص ‪-36‬‬
‫‪. 40‬‬
‫‪ -50‬للمزيد من المعلومات عن هؤلء الشـعراء ونماذج من‬

‫شـعرهم يراجع عمر فروخ‪ ،‬تاريخ الدب العربـي‪ ،‬ص ‪،٧٧٧-772‬‬
‫‪.930-844،926-839 ،823-821‬‬
‫‪ -51‬بالضافة الى المولديّات‪ ،‬ألّفت الباعونيـة مختصرات شـعريـة‬
‫منها «القول البديع في الصلة على الحبيب الشفيع» للسخاوي‬
‫(ت ‪ 902‬هـ ‪ 1497 /‬مـ) و«المعجزات والخصائص النبـويـة»‬
‫للسيوطي (ت ‪ 911‬هـ ‪ 1505 /‬مـ)‪ .‬ولكن لم ينشر للباعونية من‬
‫أعمالها الكثيرة ال «الفتح المبين في مدح المين» و«المورد‬
‫الهنى في المولد السنى»‪ ،‬تحقيق العلوي‪ ،‬دمشق ‪.1994‬‬
‫عن الباعونيـّة‪ ،‬تراجع المقالت التالية في موسوعة الدراسات‬
‫السلميـة‪:‬‬
‫‪W. Khalidi, ))Al-Ba'uni((, in Encyclopaedia of Islam: Brill‬‬
‫‪Online. EI2, vol. I, pp. 1109-1110; Th. E. Homerin,‬‬
‫‪))'Aisha al-Ba'uniyya((, in Encyclopaedia of Islam Three:‬‬
‫‪Brill Online; A. Arazi & ???dem Balim, ))Shi'r(( )Poetry(, in‬‬
‫‪.Encyclopaedia of Islam: Brill Online‬‬
‫‪ -52‬وردت القصيدة في بهاء الدين العاملي‪ ،‬الكشكول‪ ،‬تحقيق‬
‫الطاهر أحمد الزاوي‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬بدون ناشر ترجيحًا دار إحياء‬
‫الكتب العربيـة ليبيا‪ ،‬وبدون تاريخ ترجيحًا ‪ ،1961‬ص ‪.361-360‬‬
‫‪ -53‬لمعانـي الحب والهوى والعشق يراجع الفيروزآبادي‪،‬‬
‫القاموس المحيط‪ ،‬ضبط وتوثيق يوسف الشيخ محمد البقاعي‪،‬‬
‫طبعة جديدة موثقة ومصححة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الفكر‪1999 ،‬؛ بطرس‬
‫البستاني‪ ،‬محيط المحيط‪ :‬قاموس مطوّل للغة العربيـة‪ ،‬بيروت‪،‬‬
‫مكتبة لبنان ناشرون‪ ،‬طبعة جديدة ‪ ،1987‬إعادة طبع ‪.1993‬‬
‫‪ -54‬وردت هذه العبارة في قصيدة أحمد الشبول‪« ،‬مقدّمة‬
‫لحلم السندباد»‪ ،‬جريدة النهار‪ ،‬سدني‪.١١/٩/1993 ،‬‬
‫‪ -٥٥‬بدوي طبّانة‪ ،‬أدب المرأة العراقيـة في القرن العشرين‪،‬‬
‫بيروت‪ ،‬دار الثقافة‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،1974 ،‬ص ‪.١٦١-160‬‬
‫‪ -56‬عن عبد الغني النابلسي المتصوف وأحد رواد التنوير‬
‫السـلمي تراجع دراسة سامر عكاّش‪:‬‬

‫‪Samer Akkach, 'Abd al-Ghani al-Nabulusi: Islam and the‬‬
‫‪.Enlightenment, Oxford, Oneworld, 2007‬‬
‫‪ -57‬للمراجعة مقالة وليد الخالدي في موسوعة الدراسات‬
‫السلميـة‪:‬‬
‫‪W. Khalidi, ))Al-Ba'uni((, in Encyclopaedia of Islam: Brill‬‬
‫‪.Online; also EI2, vol. I, pp. 1109-1110‬‬
‫‪ -58‬نجد له شيئًا من هذا الشـعر وردّ معاصريه عليه في مارون‬
‫عبود‪ ،‬روّاد النهضة الحديثة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الثقافة‪ ،‬طبعة جديدة‬
‫‪ ،٧٧٩١‬ص ‪.١٥-٠٥‬‬
‫‪ -59‬تراجع هذه القصـائد في بهاء الدين العاملي‪ ،‬الكشكول‪،‬‬
‫الجزء الول‪ ،‬ص ‪.203-199 ،179-176‬‬
‫‪ - 60‬أحمد الشايب‪ ،‬تاريخ الشـعر السياسي‪ ،‬ص ‪.320-229‬‬
‫‪ - 61‬علي عباس علوان‪ ،‬تطور الشـعر العربـي الحديث في‬
‫العراق‪ ،‬ص ‪.36-34‬‬
‫‪ -62‬علي عباس علوان‪ ،‬تطور الشـعر العربـي الحديث في‬
‫العراق‪ ،‬ص ‪.35-34‬‬
‫‪ - 63‬شوقي ضيف‪ ،‬الدب العربي المعاصر في مصر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار‬
‫المعارف بمصر‪ ،‬الطبعة السادسة‪ ،1976 ،‬ص ‪.١٩‬‬
‫‪ -64‬نشرت أبيات من القصيدة على النترنت على موقع «مدونات‬
‫مكتوب»‪:‬‬
‫‪http://muhamadadnan.maktoobblog.com/?post=271275‬‬
‫‪ -65‬لقراءة نقدية للقصيدة‪ ،‬امين الريحاني‪ ،‬قلب العراق‪ ،‬العمال‬
‫العربيـة الكاملة‪ ،‬المجلد الرابع‪ ،‬بيروت‪ ،‬المؤسسة العربيـة‬
‫للدراسات والنشر‪ ،1980 ،‬ص ‪.249-241‬‬

‫‪ - ٦٦‬للقصائد يراجع‪ ،‬محمد مهدي الجواهري‪ ،‬ديوان الجواهري‪،‬‬
‫دمشق‪ ،‬وزارة الثقافة والرشاد القومي‪.1980 ،‬‬
‫‪ -67‬تراجع هذه المواضيع في ديوانـه تحت باب «الكونيات»‬
‫و«الفلسفيّات»‪ .‬عن الرصافي يراجع‪ ،‬امين الريحاني‪ ،‬قلب‬
‫العراق‪ ،‬ص ‪ ،255-250‬وموسوعة الدراسات السلميـة‪:‬‬
‫‪S. Moreh, ))Ma'ruf AL-Rusafi )1875-1945(((, in‬‬
‫‪.Encyclopaedia of Islam: Brill Online‬‬
‫‪ -68‬أنطون غطـّاس كرم‪ ،‬في الدب العربـي الحديث والمعاصر‪،‬‬
‫بيروت‪ ،‬دار النهار للنشر‪ ،2004 ،‬ص ‪.169-165‬‬
‫‪ -69‬وردت في أمين الريحانـي‪ ،‬قلب العراق‪ ،‬ص ‪ .251‬وورد في‬
‫موسوعة الدراسات السلميـة أن الرصافي درس التصوف على‬
‫الشيخ شكري اللوسي الذي أطلق عليه اسم الرصافي مقارنة‬
‫بالعالم الصوفي معروف الكرخي الذي ينتسب الى الضفة الغربية‬
‫من نهر دجلة‪ ،‬ومعروف الرصافي من ضفة النهر الشرقية‪.‬‬
‫‪ - 70‬ديوان الرصافي‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العودة‪ ،1986 ،‬ص‬
‫‪.496-490‬‬
‫‪ -71‬يقول الريحاني الذي ربطته صداقة مميّـزة بالشـاعر‪ ،‬انـه‬
‫اطلع على مخطوط كتاب نثري للرصافي في سيرة النبـي‬
‫ادهشته فيه «القوة الناقدة‪ ،‬والمقدرة على التحليل والستخراج‪،‬‬
‫والتفلسف في عقائد ل تستقيم بغير اليمان والجرأة والصراحة»‪.‬‬
‫أمين الريحاني‪ ،‬قلب العراق‪ ،‬ص ‪.253‬‬
‫‪ -72‬تراجع قصيدة «مولد المختار»‪ ،‬في ديوان بدر شاكر السيّاب‪،‬‬
‫المجلّد الثانـي‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العودة‪ ،1989 ،‬ص ‪.581-573‬‬
‫‪ -73‬لنبذة سريعة عن ابراهيم طوقان وقصيدته يراجع أحمد أبو‬
‫زيد‪« ،‬ابراهيم طوقان ‪ . .‬شاعر فلسطين»‪ ،‬في مجلة الحج‬
‫والعمرة‪ ،‬الرياض‪ ،‬العدد العاشر‪ ،‬شوال ‪ 1428‬هـ‪ ،‬ص ‪.81-78‬‬

‫‪ -74‬نشرت قصيدة «مكة» في ديوان حسن عبدال القرشـي‪،‬‬
‫المجلد الثاني‪ ،‬بيروت دار العودة‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،1983 ،‬ص ‪-233‬‬
‫‪ .235‬ونشرت لول مرة في ديوانه نداء الدماء سنة ‪.1964‬‬
‫للقرشي ايضًا مدحية بمناسبة المولد النبوي نشرت في ديوانه‪،‬‬
‫المجلد الول‪ ،‬ص ‪ .٥٨٥-573‬عن شعر القرشي يراجع‪ ،‬حافظ‬
‫المغربي‪« ،‬روحانيات مكية في شعر حسن القرشي»‪،‬مجلة‬
‫الحج والعمرة‪ ،‬الرياض‪ ،‬العدد الحادي عشر‪ ،‬ذو القعدة ‪ 1425‬هـ‪،‬‬
‫ص ‪.79-76‬‬
‫‪ -75‬أنطون غطّاس كرم‪ ،‬في الدب العربي الحديث والمعاصر‪ ،‬ص‬
‫‪.175‬‬
‫‪ -76‬لمناقشة جديدة لهموم الحداثة في الدب العربي تراجع‬
‫مقالتا أحمد الشبول (في الشعر) ونجمة حجّـار (في الرواية‬
‫والسيرة الذاتية)‪:‬‬
‫‪Ahmad Shboul, ))The Arab Poet and the City: Modernism‬‬
‫‪and Alienation((, in Literature and Aesthetics, Sydney, vol.‬‬
‫‪15, No. 2, December 2005, pp. 59-74; and Nijmeh Hajjar,‬‬
‫‪))The Humanity of a Modern Arab City: A Novelist's‬‬
‫‪Biography of Amman((, in Literature and Aesthetics )same‬‬
‫‪.details(, pp. 75-89‬‬
‫‪ -٧٧‬امين الريحاني‪ ،‬قلب العراق‪ ،‬ص ‪.238‬‬
‫‪ -78‬هي والدة الشـاعرة المجدّدة المعروفة نازك الملئكة التـي‬
‫ولدت سنة ‪ .1923‬وردت أبيات أم نزار في بدوي طبّانة‪ ،‬أدب‬
‫المرأة العراقيـة في القرن العشرين‪ ،‬ص ‪.85-84‬‬
‫‪ - 79‬ادونيس‪ ،‬زمن الشـعر‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الطليعة‪ ،1975 ،‬ص ‪.٩‬‬
‫‪ -80‬ادونيس‪ ،‬مقدمة للشـعر العربـي‪ ،‬ص ‪79 ،٧٧‬؛ حليم بركات‪،‬‬
‫المجتمع العربـي في القرن العشرين‪ :‬بحث في تغير الحوال‬
‫والعلقات‪ ،‬بيروت‪ ،‬مركز دراسات الوحدة العربيـة‪ ،2000 ،‬ص ‪-690‬‬
‫‪.691‬‬

‫‪ -81‬جميل حمداوي‪« ،‬شعر المديح النبوي في الدب العربي»‪،‬‬
‫جريدة بابل‪ ،‬على موقع‪:‬‬
‫‪http://www/babil.info/printVersion.php?mid=7926‬‬
‫‪ -82‬ادونيس‪ ،‬مقدمة للشـعر العربـي‪ ،‬ص ‪.96‬‬
‫‪ -83‬حسين مروه‪ ،‬عناوين جديدة لوجوه قديمة في تراثنا الدبي‬
‫والفكري‪ ،‬بيروت‪ ،‬الدار العالمية للطباعة والنشر‪ ،1984 ،‬ص ‪.182‬‬
‫‪ - 84‬مارون عبود‪ ،‬أدب العرب‪ ،‬ص ‪.495‬‬
‫‪ -85‬تراجع هذه القصائد في أحمد شوقي‪ ،‬الشوقيّات‪ ،‬مع‬
‫مقدمة بقلم محمد حسين هيكل‪ ،‬الجزء الول‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العودة‪،‬‬
‫‪.802-190 ،72-68 ،41-34 ،1988‬‬
‫‪ -86‬زكي مبارك‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬ص ‪211-155‬؛ وأحمد الحوفي‪،‬‬
‫السـلم في شعر شوقي‪ ،‬ص ‪.211-82‬‬
‫‪ 87‬ورد رأي الدكتور احمد كمال زكي في شلتاغ عبود شرّاد‪ ،‬أثر‬
‫القرآن في الشـعر العربـي الحديث‪ ،‬دمشق‪ ،‬دار المعرفة‪،1987 ،‬‬
‫ص ‪.175‬‬
‫‪ ٨٨‬تعليق محمد حسين هيكل على «نهج البـردة»‪ ،‬في‬
‫الشوقيّات‪ ،‬ص ‪ ،208‬هامش رقم ‪.٣‬‬
‫‪ -89‬أنطون غطذاس كرم‪ ،‬في الدب العربي الحديث والمعاصر‪،‬‬
‫ص ‪.118-117‬‬
‫‪ - 90‬أنطون غطّاس كرم‪ ،‬في الدب العربي الحديث والمعاصر‪ ،‬ص‬
‫‪ 126 ،118-117 ،83-80‬وما بعدها؛ مارون عبود‪ ،‬أدب العرب‪ ،‬ص‬
‫‪492‬؛ محمد احمد فتوح‪« ،‬الشـعر العربـي الحديث‪ :‬جدليات‬
‫القديم والحديث والصيل والوافد»‪ ،‬الدب العربـي تعبيره عن‬
‫الوحدة والتنوع‪ ،‬بيروت‪ ،‬مركز دراسات الوحدة العربيـة‪ ،٧٨٩١ ،‬ص‬
‫‪.32-31‬‬

‫‪ -91‬حسين مروه‪ ،‬عناوين جديدة لوجوه قديمة‪ ،‬ص ‪.185‬‬
‫‪ -92‬جاك صبري شمّاس‪« ،‬نبـي الرحمة»‪- ،‬مجلة الحجّ والعمرة‪،‬‬
‫الرياض‪ ،‬العدد الرابع‪ ،‬ربيع الخر‪ 1428 ،‬هــ‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫تم بحمد ال‬
‫شخصيـة النبـي محمد في الشـعر العربـي بين القديم والجديد‬
‫نجمــــــة حجّـــــار‬
‫باحثة وأكاديمية من لبنان تقيم في استراليا‬
‫تقديم‬
‫منتدى المودة العالمى‬
‫إعداد الفنان قدرى‬