‫مجموع فتاوى ابن تيمية – ‪ – 05‬الجزء الخامس‬

‫)العقيدة(‬
‫شيخ السلم تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني‬
‫•‬

‫السماء والصفات‬
‫سئل شيخ السلم‪ :‬ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات؟‬
‫‪o‬‬
‫فصل في أن وصف الله ل يتجاوز القرآن والسنة‬
‫‪o‬‬
‫وصية المام العارف معمر بن أحمد الصبهاني ]شيخ الصوفية[‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في مخالفات المعتزلة‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والحرورية‬
‫‪o‬‬
‫جماع المر في القسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها‬
‫‪‬‬
‫سئل شيخ السلم ـ قدس الّله روحه ـ عن علو الّله ـ تعالى ـ واستوائه على‬
‫‪o‬‬
‫عرشه‬
‫قول ابن عربي‪ :‬في معنى اسمه ‪-‬تعالى‪] -‬العلي[‬
‫‪‬‬
‫إنكار جماعة على أبي طالب بعض كلمه في الصفات‬
‫‪‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سئل شيخ السلم ـ رحمه الله ـ عن علو الله على سائر مخلوقاته‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل في قول المعتزلة والجهمية والحرورية‪ :‬إن الستواء معناه الستيلء‬
‫‪o‬‬
‫والملك والقهر‬
‫فصـــل في إبطال تأويل من تأول الستواء بمعنى الستيلء‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في الخبار بكروية الرض‬
‫‪o‬‬
‫قاعدة عظيمة في إثبات علوه تعالى‬
‫‪o‬‬
‫سئل شيخ السلم عن مسألة الثبات للصفات‪ ،‬والجزم بإثبات العلو على‬
‫‪o‬‬
‫العرش‬
‫فصــل في وجوب إثبات العلو لّله ـ تعالى ـ‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل‪ :‬في معنى الحقيقة‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في الجمع بين ]علو الرب ـ عز وجل ـ وبين قربه[ من داعيه وعابديه‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في تمام الكلم في القرب‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه‬
‫‪o‬‬
‫ما يحصل لصاحب المحبة والذكر والتأله‬
‫‪‬‬
‫ّ‬
‫سئل شيخ السلم ـ رحمه الله ـ عن رجلين اختلفا في العتقاد‬
‫‪o‬‬
‫قول الشافعي في أول خطبة ]الرسالة[‬
‫‪‬‬
‫سئل شيخ السلم عمن يعتقد ]الجهة[‪ :‬هل هو مبتدع أو كافر أو ل؟‬
‫‪o‬‬
‫سئل شيخ السلم ـ رحمه الّله ـ عن هذه البيات‪:‬‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في مباينة الله لخلقه وعلوه على عرشه‬
‫‪o‬‬
‫سئل شيخ السلم في رجلين تنازعا في ]حديث النزول[‪ :‬أحدهما مثبت‪،‬‬
‫‪o‬‬
‫والخر ناف‬
‫فصــل في معرفة أنا ل نعلم ما غاب عنا إل بمعرفة ما شهدناه‬
‫‪o‬‬

‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪‬‬

‫فصـــل في علمنا بصفاته تعالى وجهلنا بكيفيتها‬
‫سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في ]أقوال أهل السنة[‬
‫فصـــل في تأول قوم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ حديث النزول‬
‫اختلق كلم على المام أحمد يناقض المنقول المتواتر عنه‬
‫كفر من زعم أن الرب مركب مؤلف‬
‫كلم في لفظ الجسم من حيث ]اللغة[‬
‫‪‬‬
‫زعم ابن حزم أن ]العود[ لم يروه إل زاذان عن البراء‬
‫ما‬
‫معنى وسع ربنا كل شيء عل ً‬
‫فصــل في معنى أن الله هو العلي العلى‬
‫صــل في نزاع الناس في معنى ]حديث النزول[‬
‫فَ ْ‬
‫قولن ضعيفان للجهمية ونحوهم‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم الحمد ل وحده والصلة والسلم على من ل نبي بعده‬
‫السماء والصفات‬
‫سئل شيخ السلم‪:‬‬
‫العالم الرباني تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلم بن تيمية رحمه ال تعالى‪ .‬ما قول السادة العلماء أئمة‬
‫سَماَواتِ‬
‫ق ال ّ‬
‫خَل َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن َرّبُكُم ا ُّ‬
‫سَتَوى{ ]طـه‪ [5:‬وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫الدين في آيات الصفات كقوله تعالى‪} :‬الّر ْ‬
‫خْل ُ‬
‫ق‬
‫ت ِبَأْمِرِه َأل َلُه اْل َ‬
‫خَرا ٍ‬
‫سّ‬
‫جوَم ُم َ‬
‫س َواْلَقَمَر َوالّن ُ‬
‫شْم َ‬
‫حِثيثًا َوال ّ‬
‫طُلُبُه َ‬
‫ل الّنَهاَر َي ْ‬
‫شي الّلْي َ‬
‫ش ُيْغ ِ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫َوا َْ‬
‫طْوعًا َأْو‬
‫ض اْئِتَيا َ‬
‫لْر ِ‬
‫ل َلَها َوِل َْ‬
‫ن َفَقا َ‬
‫خا ٌ‬
‫ي ُد َ‬
‫سَماِء َوِه َ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫ن{ ]لعراف‪ [54:‬وقوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫ل َر ّ‬
‫ك ا ُّ‬
‫لْمُر َتَباَر َ‬
‫َوا َْ‬
‫طاِئِعيَن{ ]فصلت‪ [11:‬إلى غير ذلك من آيات الصفات و أحاديث الصفات كقوله‪ :‬صلى ال عليه وسلم‬
‫َكْرهًا َقاَلَتا َأَتْيَنا َ‬

‫)إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن( وقوله‪) :‬يضع الجبار قدمه في النار( إلى غير ذلك وما قالت‬
‫العلماء فيه وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫فأجاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪:-‬‬
‫الحمد ل رب العالمين‪ .‬قولنا فيها ما قاله ال ورسوله صلى ال عليه وسلم والسابقون الولون‪ :‬من المهاجرين‬
‫والنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وهذا‬
‫هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره؛ فإن ال سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى ال عليه وسلم بالهدى‬
‫ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه‬
‫ل َوَما َأَنا ِم َ‬
‫ن‬
‫ن ا ِّ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫ن اّتَبَعِني َو ُ‬
‫صيَرٍة َأَنا َوَم ِ‬
‫عَلى َب ِ‬
‫ل َ‬
‫عو ِإَلى ا ِّ‬
‫سِبيِلي َأْد ُ‬
‫ل َهِذِه َ‬
‫بإذنه وسراجا منيرا وأمره أن يقول‪ُ} :‬ق ْ‬
‫اْلُمْشِرِكيَن{ ]يوسف‪ . [108 :‬فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج ال به الناس من‬
‫الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه‬
‫من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وهو يدعو إلى ال وإلى سبيله بإذنه على بصيرة وقد أخبر ال بأنه‬
‫أكمل له ولمته دينهم وأتم عليهم نعمته ‪ -‬محال مع هذا وغيره‪ :‬أن يكون قد ترك باب اليمان بال والعلم به ملتبسا‬
‫مشتبها ولم يميز بين ما يجب ل من السماء الحسنى والصفات العلى وما يجوز عليه وما يمتنع عليه‪ .‬فإن معرفة هذا‬
‫أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول فكيف يكون ذلك‬
‫الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق ال بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقول ومن المحال أيضا أن يكون‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة وقال‪) :‬تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ل‬
‫يزيغ عنها بعدي إل هالك( وقال فيما صح عنه أيضا‪) :‬ما بعث ال من نبي إل كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما‬
‫يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم(‪ .‬وقال أبو ذر‪ :‬لقد توفي رسول ال صلى ال عليه وسلم وما طائر يقلب‬
‫جناحيه في السماء إل ذكر لنا منه علما‪ .‬وقال‪ :‬عمر بن الخطاب‪) :‬قام فينا رسول ال صلى ال عليه وسلم مقاما فذكر‬
‫بدء الخلق؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه( رواه البخاري‪.‬‬
‫ومحال مع تعلىمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين ‪ -‬وإن دقت ‪ -‬أن يترك تعلىمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه‬
‫في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية‬
‫المطالب‪ .‬بل هذا خلصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة اللهية فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة‬
‫أن ل يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ثم إذا كان قد وقع ذلك منه‪ :‬فمن المحال أن يكون خير‬
‫أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه‪ .‬ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة‬
‫ القرن الذي بعث فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ‪ -‬كانوا غير عالمين وغير‬‫قائلين في هذا الباب بالحق المبين لن ضد ذلك إما عدم العلم والقول وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلف الصدق‪.‬‬
‫وكلهما ممتنع‪ .‬أما الول‪ :‬فلن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب‬
‫والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه؛ أعني بيان ما ينبغي اعتقاده ل معرفة كيفية الرب‬
‫وصفاته‪ .‬وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا المر‪ .‬وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية‬
‫فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي ‪ -‬الذي هو من أقوى المقتضيات ‪ -‬أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في‬
‫مجموع عصورهم هذا ل يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضا عن ال وأعظمهم إكبابا على طلب الدنيا والغفلة‬
‫عن ذكر ال تعالى؛ فكيف يقع في أولئك؟ وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه‪ :‬فهذا ل يعتقده مسلم ول‬

‫عاقل عرف حال القوم‪ .‬ثم الكلم في هذا الباب عنهم‪ :‬أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى وأضعافها يعرف ذلك‬
‫من طلبه وتتبعه ول يجوز أيضا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما قد يقوله بعض الغبياء ممن لم يقدر قدر‬
‫السلف؛ بل ول عرف ال ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها‪ :‬من أن ]طريقة السلف أسلم وطريقة‬
‫الخلف أعلم وأحكم[ ‪ -‬وإن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يعني بها معنى صحيحا‪ .‬فإن هؤلء‬
‫المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف‪ :‬إنما أتوا من حيث ظنوا‪:‬‬
‫أن طريقة السلف هي مجرد اليمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الميين الذين قال ال فيهم‪:‬‬
‫ي{ ]البقرة‪ :‬من الية ‪ [78‬وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص‬
‫ل َأَماِن ّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ن ل َيْعَلُمو َ‬
‫}َوِمْنُهْم ُأّمّيو َ‬
‫المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات‪ .‬فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ‬
‫السلم وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة‬
‫السلف في الكذب عليهم‪ .‬وبين الجهل والضلل بتصويب طريقة الخلف‪ .‬وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس المر‬
‫صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات‬
‫في نفس المر وكان مع ذلك ل بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين اليمان باللفظ وتفويض المعنى ‪ -‬وهي التي‬
‫يسمونها طريقة السلف ‪ -‬وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف ‪ -‬وهي التي يسمونها طريقة الخلف ‪ -‬فصار هذا‬
‫الباطل مركبا من فساد العقل والكفر بالسمع؛ فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات‬
‫والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه‪ .‬فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين‪ :‬كانت النتيجة‬
‫استجهال السابقين الولين واستبلههم واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة؛ لم يتبحروا في‬
‫حقائق العلم بال ولم يتفطنوا لدقائق العلم اللهي وأن الخلف الفضلء حازوا قصب السبق في هذا كله‪ .‬ثم هذا القول‬
‫إذا تدبره النسان وجده في غاية الجهالة؛ بل في غاية الضللة‪ .‬كيف يكون هؤلء المتأخرون ‪ -‬ل سيما والشارة‬
‫بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة ال حجابهم وأخبر الواقف‬
‫على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول ‪:‬‬
‫لعمري لقد طفت المعاهد كلها ** وسيرت طرفي بين تلك المعالم‬
‫فلم أر إل واضعا كف حائر ** على ذقن أو قارعا سن نادم‬
‫وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم‪.‬‬
‫نهاية إقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلل‬
‫وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وحاصل دنيانا أذى ووبال‬
‫ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا‬
‫لقد تأملت الطرق الكلمية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي علىل ول تروي غليل ورأيت أقرب الطرق طريقة‬
‫صاِلُح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪:‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫سَتَوى{ ]طـه‪ِ} [5:‬إَلْيِه َي ْ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫القرآن‪ .‬اقرأ في الثبات‪} :‬الّر ْ‬
‫طوَن ِبِه ِعْلمًا{ ]طـه‪ [110:‬ومن‬
‫حي ُ‬
‫صيُر{ ]الشورى‪َ} [11:‬ول ُي ِ‬
‫سِميُع اْلَب ِ‬
‫يٌء َوُهَو ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫‪ [10‬واقرأ في النفي‪َ} :‬لْي َ‬
‫جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ا هـ‪ .‬ويقول الخر منهم‪ :‬لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل السلم‬
‫وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه والن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلن وها أنا أموت على عقيدة‬
‫أمي ا هـ‪ .‬ويقول الخر منهم‪ :‬أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلم‪ .‬ثم هؤلء المتكلمون المخالفون للسلف إذا‬
‫حقق عليهم المر‪ :‬لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بال وخالص المعرفة به خبر ولم يقعوا من ذلك على عين ول أثر‬
‫كيف يكون هؤلء المحجوبون المفضلون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون‪ :‬أعلم بال وأسمائه وصفاته‬
‫وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الولين من المهاجرين والنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة النبياء‬
‫وخلفاء الرسل وأعلم الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين‬
‫وهبهم ال من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع النبياء فضل عن سائر المم الذين ل كتاب لهم وأحاطوا‬
‫من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لستحيا من يطلب المقابلة ثم كيف يكون خير‬
‫قرون المة أنقص في العلم والحكمة ‪ -‬ل سيما العلم بال وأحكام أسمائه وآياته ‪ -‬من هؤلء الصاغر بالنسبة إليهم؟ أم‬
‫كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلل اليهود والنصارى والصابئين‬

‫وأشكالهم وأشباههم‪ :‬أعلم بال من ورثة النبياء وأهل القرآن واليمان وإنما قدمت ]هذه المقدمة[ لن من استقرت‬
‫هذه المقدمة عنده عرف طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره وعلم أن الضلل والتهوك إنما استولى على كثير‬
‫من المتأخرين بنبذهم كتاب ال وراء ظهورهم وإعراضهم عما بعث ال به محمدا صلى ال عليه وسلم من البينات‬
‫والهدى وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة ال ممن لم يعرف ال بإقراره على نفسه‬
‫وبشهادة المة على ذلك وبدللت كثيرة؛ وليس غرضي واحدا معينا وإنما أصف نوع هؤلء ونوع هؤلء‪ .‬وإذا كان‬
‫كذلك‪ :‬فهذا كتاب ال من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم من أولها إلى آخرها ثم عامة كلم الصحابة‬
‫والتابعين ثم كلم سائر الئمة‪ :‬مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن ال سبحانه وتعالى هو العلى العلى وهو‬
‫ب َواْلَعَملُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫فوق كل شيء وهو على كل شيء وإنه فوق العرش وأنه فوق السماء‪ :‬مثل قوله تعالى‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫سَماِء َأ ْ‬
‫ن‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ي{ ]آل عمران‪ :‬من الية ‪َ} [55‬أَأِمْنُتْم َم ْ‬
‫ك ِإَل ّ‬
‫ك َوَراِفُع َ‬
‫صاِلحُ َيْرَفُع{ ]فاطر‪ :‬من الية ‪ِ} [10‬إّني ُمَتَوّفي َ‬
‫ال ّ‬
‫ف َنِذيِر{ ]الملك‪:‬‬
‫ن َكْي َ‬
‫سَتْعَلُمو َ‬
‫صبًا َف َ‬
‫حا ِ‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫ل َ‬
‫سَ‬
‫ن ُيْر ِ‬
‫سَماِء َأ ْ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ي َتُموُر{ ]الملك‪َ} [16:‬أْم َأِمْنُتْم َم ْ‬
‫ض َفِإَذا ِه َ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َْ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫َي ْ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫ن‬
‫ح ِإَلْيِه{ ]المعارج‪ :‬من الية ‪ُ} [4‬يَدّبُر ا َْ‬
‫ج اْلَملِئَكُة َوالّرو ُ‬
‫ل ِإَلْيِه{ ]النساء‪ :‬من الية ‪َ} [158‬تْعُر ُ‬
‫ل َرَفَعُه ا ُّ‬
‫‪َ} [17‬ب ْ‬
‫عَلى‬
‫سَتَوى َ‬
‫ن َرّبُهْم ِمنْ َفْوِقِهْم{ ]النحل‪ :‬من الية ‪ُ} {50‬ثّم ا ْ‬
‫خاُفو َ‬
‫ج ِإَلْيِه{ ]السجدة‪ :‬من الية ‪َ} [5‬ي َ‬
‫ض ُثّم َيْعُر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماِء ِإَلى ا َْ‬
‫ال ّ‬
‫صْرحًا َلَعّلي‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫سَتَوى{ ]طـه‪َ} [5:‬يا َهاَما ُ‬
‫عَلى اْلَعْرشِ ا ْ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ش{ ]لعراف‪ :‬من الية ‪ [54‬في ستة مواضع }الّر ْ‬
‫اْلَعْر ِ‬
‫ظّنُه َكاِذبًا{ ]غافر‪ :‬من الية ‪َ} [37‬تْنِزي ٌ‬
‫ل‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب{ ]غافر‪ :‬من الية ‪َ} [36‬أ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫َأْبُلُغ ا َْ‬
‫ق{ ]النعام‪ :‬من الية ‪ [114‬إلى أمثال ذلك مما ل يكاد‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫حِميٍد{ ]فصلت‪ :‬من الية ‪ُ} [42‬مَنّز ٌ‬
‫حِكيٍم َ‬
‫ن َ‬
‫ِم ْ‬
‫يحصى إل بكلفة‪ .‬وفي الحاديث الصحاح والحسان ما ل يحصى إل بالكلفة مثل قصة معراج الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم إلى ربه ونزول الملئكة من عند ال وصعودها إليه؛ وقوله في الملئكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار‪:‬‬
‫فيخرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم‪ .‬وفي الصحيح في حديث الخوارج‪) :‬أل تأمنوني وأنا أمين‬
‫من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء( وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره )ربنا ال الذي في‬
‫السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الرض اغفر لنا حوبنا‬
‫وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع( قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم )إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل‪ :‬ربنا ال الذي في السماء( وذكره‪ .‬وقوله في حديث الوعال‬
‫)والعرش فوق ذلك وال فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه( رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وقوله في الحديث‬
‫الصحيح للجارية )أين ال؟( قالت في السماء قال‪) :‬من أنا؟( قالت‪ :‬أنت رسول ال قال‪) :‬أعتقها فإنها مؤمنة(‪ .‬وقوله‬
‫في الحديث الصحيح‪) :‬إن ال لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي(‬
‫وقوله في حديث قبض الروح )حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها ال تعالى(‪ .‬وقول عبد ال بن رواحة الذي أنشده‬
‫للنبي صلى ال عليه وسلم وأقره عليه‪:‬‬
‫شهدت بأن وعد ال حــق ** وأن النار مثوى الكافرينا‬
‫وأن العرش فوق الماء طاف ** وفوق العرش رب العالمينا‬
‫وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى ال عليه وسلم هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال‪ :‬آمن‬
‫شعره وكفر قلبه حيث قال‪- :‬‬
‫مجدوا ال فهو للمجـد أهل ** ربنا في السماء أمسى كبيرا‬
‫بالبناء العلى الذي سبق النا ** س وسوى فوق السماء سريرا‬
‫شرجعا ما يناله بصر العيـ ** ـن ترى دونـه الملئك صورا‬
‫وقوله في الحديث الذي في المسند‪) :‬إن ال حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا(‪ .‬وقوله‬
‫في الحديث‪) :‬يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب(‪ .‬إلى أمثال ذلك مما ل يحصيه إل ال مما هو من أبلغ‬
‫المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول صلى ال عليه وسلم المبلغ‬
‫عن ال ألقى إلى أمته المدعوين ‪ -‬أن ال سبحانه على العرش وأنه فوق السماء كما فطر ال على ذلك جميع المم‬
‫عربهم وعجمهم في الجاهلية والسلم؛ إل من اجتالته الشياطين عن فطرته‪ .‬ثم عن السلف في ذلك من القوال ما لو‬
‫جمع لبلغ مائين أو ألوفا‪ .‬ثم ليس في كتاب ال ول في سنة رسوله صلى ال عليه وسلم ول عن أحد من سلف المة ‪-‬‬

‫ل من الصحابة ول من التابعين لهم بإحسان ول عن الئمة الذين أدركوا زمن الهواء والختلف ‪ -‬حرف واحد‬
‫يخالف ذلك ل نصا ول ظاهرا‪ .‬ولم يقل أحد منهم قط إن ال ليس في السماء ول إنه ليس على العرش ول إنه بذاته‬
‫في كل مكان ول إن جميع المكنة بالنسبة إليه سواء ول إنه ل داخل العالم ول خارجه و ل إنه ل متصل ول منفصل‬
‫ول إنه ل تجوز الشارة الحسية إليه بالصابع ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد ال أن )النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول صلى ال عليه وسلم جعل‬
‫يقول‪ :‬أل هل بلغت؟ فيقولون‪ :‬نعم‪ .‬فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول‪ :‬اللهم اشهد غير مرة( وأمثال ذلك‬
‫كثيرة‪ .‬فلئن كان الحق ما يقوله هؤلء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة؛ من هذه العبارات ونحوها؛‬
‫دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصا وإما ظاهرا فكيف يجوز على ال تعالى ثم على رسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫ثم على خير المة‪ :‬أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص وإما ظاهر في خلف الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده ل‬
‫يبوحون به قط ول يدلون عليه ل نصا ول ظاهرا؛ حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى‬
‫والفلسفة يبينون للمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها‪ .‬لئن كان ما يقوله هؤلء‬
‫المتكلمون المتكلفون هو العتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم وأن يدفعوا بما اقتضى‬
‫قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا؛ لقد كان ترك الناس بل كتاب ول سنة‪ :‬أهدى لهم وأنفع على‬
‫هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين‪ .‬فإن حقيقة المر على ما يقوله هؤلء‪ :‬إنكم‬
‫يا معشر العباد ل تطلبوا معرفة ال عز وجل وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا ل من الكتاب ول من السنة ول من‬
‫طريق سلف المة‪ .‬ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به ‪ -‬سواء كان موجودا في الكتاب‬
‫والسنة أو لم يكن ‪ -‬وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فل تصفوه به‪ .‬ثم هم ههنا فريقان‪ :‬أكثرهم يقولون‪ :‬ما لم تثبته‬
‫عقولكم فانفوه ‪ -‬ومنهم من يقول‪ :‬بل توقفوا فيه ‪ -‬وما نفاه قياس عقولكم ‪ -‬الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلفا‬
‫أكثر من جميع من على وجه الرض ‪ -‬فانفوه وإليه عند التنازع فارجعوا‪ .‬فإنه الحق الذي تعبدتكم به؛ وما كان‬
‫مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم ‪ -‬على طريقة أكثرهم ‪ -‬فاعلموا أني‬
‫أمتحنكم بتنزيله ل لتأخذوا الهدى منه؛ لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة ووحشي اللفاظ وغرائب الكلم‪ .‬أو‬
‫أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى ال مع نفي دللته على شيء من الصفات؛ هذا حقيقة المر على رأي هؤلء‬
‫المتكلمين‪ .‬وهذا الكلم قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم وهو لزم لجماعتهم لزوما ل محيد عنه ومضمونه‪ :‬أن‬
‫كتاب ال ل يهتدي به في معرفة ال وأن الرسول معزول عن التعليم والخبار بصفات من أرسله وأن الناس عند‬
‫التنازع ل يردون ما تنازعوا فيه إلى ال والرسول؛ بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية وإلى مثل ما يتحاكم إليه‬
‫من ل يؤمن بالنبياء كالبراهمة والفلسفة ‪ -‬وهم المشركون ‪ -‬والمجوس وبعض الصابئين‪ .‬وإن كان هذا الرد ل يزيد‬
‫المر إل شدة؛ ول يرتفع الخلف به؛ إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم وقد أمروا أن يكفروا بهم‪ .‬وما‬
‫ن َقْبِل َ‬
‫ك‬
‫ل ِم ْ‬
‫ك َوَما ُأْنِز َ‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫ن َأّنُهْم آَمُنوا ِبَما ُأْنِز َ‬
‫عُمو َ‬
‫ن َيْز ُ‬
‫أشبه حال هؤلء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى‪َ} :‬أَلْم َتَر ِإَلى اّلِذي َ‬
‫ل َلُهْم‬
‫ل َبِعيدًا{ ]النساء‪َ} [60:‬وِإَذا ِقي َ‬
‫ضل ً‬
‫ضّلُهْم َ‬
‫ن َأنْ ُي ِ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ن َيْكُفُروا ِبِه َوُيِريُد ال ّ‬
‫ت َوَقْد ُأِمُروا َأ ْ‬
‫غو ِ‬
‫طا ُ‬
‫حاَكُموا ِإَلى ال ّ‬
‫ن َيَت َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ُيِريُدو َ‬
‫صيَبٌة ِبَما َقّدَم ْ‬
‫ت‬
‫صاَبْتُهْم ُم ِ‬
‫ف ِإَذا َأ َ‬
‫صُدودًا{ ]النساء‪َ} [61:‬فَكْي َ‬
‫ك ُ‬
‫عْن َ‬
‫ن َ‬
‫صّدو َ‬
‫ن َي ُ‬
‫ت اْلُمَناِفِقي َ‬
‫ل َرَأْي َ‬
‫سو ِ‬
‫ل َوِإَلى الّر ُ‬
‫ل ا ُّ‬
‫َتَعاَلْوا ِإَلى َما َأْنَز َ‬
‫ل ِإْن َأَرْدَنا ِإّل ِإْحَسانًا َوَتْوِفيقًا{ ]النساء‪ .[62:‬فإن هؤلء إذا دعوا إلى ما أنزل ال من الكتاب‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫حِلُفو َ‬
‫ك َي ْ‬
‫جاُءو َ‬
‫َأْيِديِهْم ُثّم َ‬
‫وإلى الرسول ‪ -‬والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته ‪ -‬أعرضوا عن ذلك وهم يقولون‪ :‬إنا قصدنا الحسان علما‬
‫وعمل بهذه الطريق التي سلكناها والتوفيق بين الدلئل العقلية والنقلية‪ .‬ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلئل‪:‬‬
‫إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل‬
‫جَر َبْيَنُهْم ُثّم ل‬
‫شَ‬
‫ك ِفيَما َ‬
‫حّكُمو َ‬
‫حّتى ُي َ‬
‫ن َ‬
‫ك ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫فلن وفلن أو عمن قال كقولهم؛ لتشابه قلوبهم‪ .‬قال ال تعالى‪َ} :‬فل َوَرّب َ‬
‫ن َوُمْنِذِري َ‬
‫ن‬
‫شِري َ‬
‫ن ُمَب ّ‬
‫ل الّنِبّيي َ‬
‫ث ا ُّ‬
‫حَدًة َفَبَع َ‬
‫س ُأّمًة َوا ِ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫سِليمًا{ ]النساء‪َ} [65:‬كا َ‬
‫سّلُموا َت ْ‬
‫ت َوُي َ‬
‫ضْي َ‬
‫حَرجًا ِمّما َق َ‬
‫سِهْم َ‬
‫جُدوا ِفي َأْنُف ِ‬
‫َي ِ‬
‫س ِفيَما اْخَتَلُفوا ِفيِه{ ]البقرة‪ :‬من الية ‪ [213‬الية‪ .‬ولزم هذه المقالة‪ :‬أن ل يكون‬
‫ن الّنا ِ‬
‫حُكَم َبْي َ‬
‫ق ِلَي ْ‬
‫حّ‬
‫ب ِباْل َ‬
‫ل مََعُهُم اْلِكَتا َ‬
‫َوَأْنَز َ‬
‫الكتاب هدى للناس ول بياًنا ول شفاء لما في الصدور ول نورا ول مردا عند التنازع لنا نعلم بالضطرار أن ما‬
‫يقوله هؤلء المتكلفون‪ :‬إنه الحق الذي يجب اعتقاده‪ :‬لم يدل عليه الكتاب والسنة ل نصا ول ظاهرا‪ .‬وإنما غاية‬
‫المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله‪َ} :‬وَلْم َيُكْن َلُه ُكُفوًا َأَحٌد{ ]الخلص‪َ} [4:‬هْل َتْعَلُم َلُه َسِمّيا{ ]مريم‪ :‬من الية ‪.[65‬‬
‫وبالضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن ال ليس على العرش ول فوق السموات ونحو ذلك بقوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫ل‬
‫َتْعَلُم َلُه َسِمّيا{ ]مريم‪ :‬من الية ‪ [65‬لقد أبعد النجعة وهو إما ملغز وإما مدلس لم يخاطبهم بلسان عربي مبين‪ .‬ولزم‬
‫هذه المقالة‪ :‬أن يكون ترك الناس بل رسالة‪ :‬خيرا لهم في أصل دينهم‪ .‬لن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد؛ وإنما‬
‫الرسالة زادتهم عمى وضللة‪ .‬يا سبحان ال كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ول أحد من سلف المة‪ :‬هذه اليات‬
‫والحاديث ل تعتقدوا ما دلت عليه‪ .‬ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم أو اعتقدوا كذا وكذا‪ .‬فإنه الحق وما خالف‬
‫ظاهره فل تعتقدوا ظاهره أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه وما ل فتوقفوا فيه أو انفوه ؟‪ .‬ثم رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلث وسبعين فرقة فقد علم ما سيكون‪ .‬ثم قال‪) :‬إني تارك فيكم ما‬
‫إن تمسكتم به لن تضلوا‪ :‬كتاب ال(‪ .‬وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية‪) :‬هم من كان على مثل ما أنا عليه‬
‫اليوم وأصحابي(‪ .‬فهل قال من تمسك بالقرآن أو بدللة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب العتقادات‪:‬‬
‫فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلثة ‪ -‬في هذه المقالة‬
‫ وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين‪ .‬ثم أصل هذه المقالة ‪ -‬مقالة التعطيل للصفات ‪ -‬إنما هو مأخوذ‬‫عن تلمذة اليهود والمشركين وضلل الصابئين؛ فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في السلم ‪ -‬أعني أن ال‬
‫سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة وأن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك ‪ -‬هو الجعد بن درهم وأخذها عنه‬
‫الجهم بن صفوان؛ وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه‪ .‬وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان‬
‫عن طالوت بن أخت لبيد بن العصم وأخذها طالوت من لبيد بن العصم‪ :‬اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬وكان الجعد بن درهم هذا ‪ -‬فيما قيل ‪ -‬من أهل حران وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلسفة ‪-‬‬
‫بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرىن في سحرهم ‪ -‬ونمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين‬
‫المشركين كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس وفرعون ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة وبطليموس ملك اليونان‬
‫وقيصر ملك الروم‪ .‬فهو اسم جنس ل اسم علم‪ .‬فكانت الصابئة ‪ -‬إل قليل منهم ‪ -‬إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم هم‬
‫ن آَمُنوا َواّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫الفلسفة وإن كان الصابئ قد ل يكون مشركا؛ بل مؤمنا بال واليوم الخر كما قال ال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن{‬
‫حَزُنو َ‬
‫عَلْيِهْم َول ُهْم َي ْ‬
‫ف َ‬
‫خْو ٌ‬
‫عْنَد َرّبِهْم َول َ‬
‫جُرُهْم ِ‬
‫صاِلحًا َفَلُهْم َأ ْ‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫خِر َو َ‬
‫لِ‬
‫ل َواْلَيْوِم ا ْ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ن آَم َ‬
‫ن َم ْ‬
‫صاِبِئي َ‬
‫صاَرى َوال ّ‬
‫َهاُدوا َوالّن َ‬
‫خْو ٌ‬
‫ف‬
‫صاِلحًا َفل َ‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫خِر َو َ‬
‫لِ‬
‫ل َواْلَيْوِم ا ْ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫صاَرى َمنْ آَم َ‬
‫ن َوالّن َ‬
‫صاِبُئو َ‬
‫ن َهاُدوا َوال ّ‬
‫ن آَمُنوا َواّلِذي َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫]البقرة‪ .[62:‬وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫َعَلْيِهْم َول ُهْم َيْحَزُنوَن{ ]المائدة‪ . [69:‬لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفارا أو مشركين؛ كما أن كثيًرا من اليهود‬

‫والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفارا أو مشركين فأولئك الصابئون ‪ -‬الذين كانوا إذ ذاك ‪ -‬كانوا كفارا أو مشركين‬
‫وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل‪ .‬ومذهب النفاة من هؤلء في الرب‪ :‬أنه ليس له إل صفات سلبية أو‬
‫إضافية أو مركبة منهما وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلى ال عليه وسلم؛ فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة‬
‫الفلسفة‪ .‬وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلسفة الصابئين تمام فلسفته وأخذها الجهم أيضا ‪ -‬فيما‬
‫ذكره المام أحمد وغيره ‪ -‬لما ناظر ]السمنية[ بعض فلسفة الهند ‪ -‬وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات‬
‫ فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من‬‫المشركين‪ .‬ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية‪ :‬زاد البلء؛ مع ما ألقى الشيطان في قلوب‬
‫الضلل ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم‪ .‬ولما كان في حدود المائة الثالثة‪ :‬انتشرت هذه المقالة التي كان‬
‫السلف يسمونها مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته وكلم الئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن‬
‫المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم‪ :‬كثير في ذمهم‬
‫وتضليلهم‪ .‬وهذه التأويلت الموجودة اليوم بأيدي الناس ‪ -‬مثل أكثر التأويلت التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب‬
‫التأويلت وذكرها أبو عبد ال محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه ]تأسيس التقديس[ ويوجد كثير منها في‬
‫كلم خلق كثير غير هؤلء مثل أبي على الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء‬
‫بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم ‪ -‬هي بعينها تأويلت بشر المريسي التي ذكرها في كتابه؛ وإن كان قد يوجد في‬
‫كلم بعض هؤلء رد التأويل وإبطاله أيضا ولهم كلم حسن في أشياء‪ .‬فإنما بينت أن عين تأويلتهم هي عين‬
‫تأويلت بشر المريسي ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الئمة المشاهير في زمان‬
‫البخاري صنف كتابا سماه‪] :‬رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على ال في التوحيد[ حكى فيه هذه‬
‫التأويلت بأعيانها عن بشر المريسي بكلم يقتضي أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلء‬
‫المتأخرىن الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلم إذا طالعه العاقل الذكي‪ :‬علم‬
‫حقيقة ما كان عليه السلف وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم‪ .‬ثم إذا رأى الئمة ‪ -‬أئمة الهدى ‪-‬‬
‫قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول الساري في هؤلء المتأخرىن هو‬
‫مذهب المريسي‪ :‬تبين الهدى لمن يريد ال هدايته ول حول ول قوة إل بال‪ .‬والفتوى ل تحتمل البسط في هذا الباب‬
‫وإنما أشير إشارة إلى مبادئ المور والعاقل يسير وينظر‪ .‬وكلم السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة ل يمكن‬
‫أن نذكر ههنا إل قليل منه؛ مثل كتاب السنن لللكائي والبانة لبن بطة والسنة لبي ذر الهروي والصول لبي‬
‫عمرو الطلمنكي وكلم أبي عمر بن عبد البر والسماء والصفات للبيهقي وقبل ذلك السنة للطبراني ولبي الشيخ‬
‫الصبهاني ولبي عبد ال بن منده ولبي أحمد العسال الصبهانيين‪ .‬وقبل ذلك السنة للخلل والتوحيد لبن خزيمة‬
‫وكلم أبي العباس بن سريج والرد على الجهمية لجماعة‪ :‬مثل البخاري وشيخه عبد ال بن محمد بن عبد ال الجعفي‬
‫وقبل ذلك السنة لعبد ال بن أحمد والسنة لبي بكر بن الثرم والسنة لحنبل وللمروزي ولبي داود السجستاني ولبن‬
‫أبي شيبة والسنة لبي بكر بن أبي عاصم وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري وكتاب الرد على الجهمية لعثمان بن‬

‫سعيد الدارمي وغيرهم‪ .‬وكلم أبي العباس عبد العزيز المكي صاحب الحيدة في الرد على الجهمية وكلم نعيم بن‬
‫حماد الخزاعي وكلم غيرهم وكلم المام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن سعيد ويحيى بن يحيى‬
‫النيسابوري وأمثالهم‪ .‬وقبل‪ :‬لعبد ال بن المبارك وأمثاله وأشياء كثيرة‪ .‬وعندنا من الدلئل السمعية والعقلية ما ل يتسع‬
‫هذا الموضع لذكره‪ .‬وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة ولكن ل يمكن ذكرها في الفتوى فمن نظر فيها‬
‫وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير‪ .‬فإذا كان أصل هذه المقالة ‪ -‬مقالة التعطيل والتأويل ‪ -‬مأخوذا عن تلمذة‬
‫المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن ‪ -‬بل نفس عاقل ‪ -‬أن يأخذ سبيل هؤلء المغضوب عليهم أو‬
‫الضالين ويدع سبيل الذين أنعم ال عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟!‬
‫فصل‬
‫ثم القول الشامل في جميع هذا الباب‪ :‬أن يوصف ال بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به‬
‫السابقون؛ الولون ل يتجاوز القرآن والحديث قال المام أحمد رضي ال عنه‪ :‬ل يوصف ال إل بما وصف به نفسه‬
‫أو وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم ل يتجاوز القرآن والحديث‪ .‬ومذهب السلف‪ :‬أنهم يصفون ال بما وصف به‬
‫نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ول تعطيل ومن غير تكييف ول تمثيل ونعلم أن ما وصف ال به من‬
‫ذلك فهو حق ليس فيه لغز ول أحاجي؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلمه؛ ل سيما إذا كان‬
‫المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدللة والرشاد‪ .‬وهو‬
‫سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء ل في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ول في أفعاله فكما نتيقن أن ال‬
‫سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة‪ :‬فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء ل في ذاته ول في صفاته ول‬
‫في أفعاله وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن ال منزه عنه حقيقة فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي ل غاية فوقه‬
‫ويمتنع عليه الحدوث لمتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولفتقار المحدث إلى محدث ولوجوب‬
‫وجوده بنفسه سبحانه وتعالى‪ .‬ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل فل يمثلون صفات ال بصفات خلقه كما ل يمثلون‬
‫ذاته بذات خلقه ول ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله‪ .‬فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلىا‬
‫ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء ال وآياته‪ .‬وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل‪ :‬فهو جامع بين‬
‫التعطيل والتمثيل‪ .‬أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء ال وصفاته إل ما هو اللئق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي‬
‫تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل مثلوا أول وعطلوا آخرا وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه‬
‫وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من السماء والصفات اللئقة بال سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬فإنه إذا قال القائل‪ :‬لو كان ال فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا وكل ذلك‬
‫من المحال ونحو ذلك من الكلم‪ :‬فإنه لم يفهم من كون ال على العرش إل ما يثبت لي جسم كان على أي جسم كان‬
‫وهذا اللزم تابع لهذا المفهوم‪ .‬إما استواء يليق بجلل ال تعالى ويختص به فل يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي‬
‫يجب نفيها كما يلزم من سائر الجسام وصار هذا مثل قول المثل‪ :‬إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرا أو‬
‫عرضا‪ .‬وكلهما محال؛ إذ ل يعقل موجود إل هذان‪ .‬وقوله‪ :‬إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لستواء النسان‬
‫على السرير أو الفلك؛ إذ ل يعلم الستواء إل هكذا فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف ال به نفسه وامتاز‬
‫الول بتعطيل كل اسم للستواء الحقيقي وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين‪ .‬والقول الفاصل‪:‬‬
‫هو ما عليه المة الوسط؛ من أن ال مستو على عرشه استواء يليق بجلله ويختص به فكما أنه موصوف بأنه بكل‬
‫شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك‪ .‬ول يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص العراض‬
‫التي لعلم المخلوقين وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ول يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق‬
‫ولوازمها‪ .‬واعلم أنه ليس في العقل الصريح ول في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصل؛‬
‫لكن هذا الموضع ل يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل‬
‫يسير‪ .‬ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف المة ‪ -‬من المتأولين لهذا الباب ‪ -‬في أمر مريج فإن من أنكر الرؤية يزعم‬
‫أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل ومن يحيل أن ل علما وقدرة وأن يكون كلمه غير مخلوق ونحو ذلك‬
‫يقول‪ :‬إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل؛ بل من ينكر حقيقة حشر الجساد والكل والشرب الحقيقي في الجنة‪:‬‬
‫يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل ومن يزعم أن ال ليس فوق العرش‪ :‬يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه‬
‫مضطر إلى التأويل‪ .‬ويكفيك دليل على فساد قول هؤلء‪ :‬إنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم‬
‫من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعي الخر أن العقل أحاله‪ .‬فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟‬
‫فرضي ال عن المام مالك بن أنس حيث قال‪) :‬أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم لجدل هؤلء(‪ .‬وكل من هؤلء مخصوم بما خصم به الخر وهو من وجوه‪ - :‬أحدها بيان أن‬
‫العقل ل تحيل ذلك‪ .‬و الثاني أن النصوص الواردة ل تحتمل التأويل‪ .‬والثالث أن عامة هذه المور قد علم أن الرسول‬

‫صلى ال عليه وسلم جاء بها بالضطرار كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان‪ .‬فالتأويل الذي يحيلها‬
‫عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات‪ .‬الرابع‪ :‬أن يبين أن‬
‫العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص؛ وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل‬
‫وإنما يعلمه مجمل إلى غير ذلك من الوجوه‪ .‬على أن الوجوه الساطين من هؤلء الفحول‪ :‬معترفون بأن العقل ل‬
‫سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب اللهية‪ .‬وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه‬
‫ومن المعلوم للمؤمنين أن ال تعالى بعث محمدا صلى ال عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله‬
‫وكفى بال شهيدا وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور اليمان بال واليوم الخر‪ .‬واليمان بال واليوم الخر‪:‬‬
‫ل آَمّنا‬
‫ن َيُقو ُ‬
‫س َم ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫يتضمن اليمان بالمبدأ والمعاد وهو اليمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى‪َ} :‬وِم َ‬
‫س َواِحَدة{ ]لقمان‪ :‬من الية ‪[28‬‬
‫ل َكَنْف ٍ‬
‫خْلُقُكْم َول َبْعُثُكْم ِإ ّ‬
‫ن{ ]البقرة‪ [8:‬وقال تعالى‪َ} :‬ما َ‬
‫خِر َوَما ُهْم ِبُمْؤِمِني َ‬
‫لِ‬
‫ل َوِباْلَيْوِم ا ْ‬
‫ِبا ِّ‬
‫ق ُثّم ُيِعيُدُه{ ]الروم‪ :‬من الية ‪ [27‬وقد بين ال على لسان رسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫خْل َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو اّلِذي َيْبدُأ اْل َ‬
‫من أمر اليمان بال واليوم الخر ما هدى ال به عباده وكشف به مراده‪ .‬ومعلوم للمؤمنين‪ :‬أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أعلم من غيره بذلك وأنصح من غيره للمة وأفصح من غيره عبارة وبيانا بل هو أعلم الخلق بذلك‬
‫وأنصح الخلق للمة وأفصحهم فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والرادة‪ .‬ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل‬
‫علمه وقدرته وإرادته‪ :‬كمل كلمه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان علمه وإما‬
‫لعدم إرادته البيان‪ .‬والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلغ المبين والغاية في قدرته على‬
‫البلغ المبين ‪ -‬ومع وجود القدرة التامة والرادة الجازمة‪ :‬يجب وجود المراد؛ فعلم قطعا أن ما بينه من أمر اليمان‬
‫بال واليوم الخر‪ :‬حصل به مراده من البيان وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه وعلمه بذلك أكمل العلوم‪ .‬فكل من‬
‫ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه أو أكمل بيانا منه أو أحرص على هدي الخلق منه‪ :‬فهو من الملحدين ل من‬
‫المؤمنين‪ .‬والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الستقامة‪ .‬وأما المنحرفون‬
‫عن طريقهم‪ :‬فهم ثلث طوائف‪ :‬أهل التخييل وأهل التأويل وأهل التجهيل‪ .‬فأهل التخييل‪ :‬هم المتفلسفة ومن سلك‬
‫سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه‪ .‬فإنهم يقولون‪ :‬إن ما ذكره الرسول من أمر اليمان بال واليوم الخر إنما هو‬
‫تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور ل أنه بين به الحق ول هدى به الخلق ول أوضح به الحقائق‪ .‬ثم هم على قسمين‪:‬‬
‫منهم من يقول‪ :‬إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه‪ .‬ويقولون‪ :‬إن من الفلسفة اللهية من علمها وكذلك من‬
‫الشخاص الذين يسمونهم الولياء من علمها ويزعمون أن من الفلسفة والولياء من هو أعلم بال واليوم الخر من‬
‫المرسلين‪ .‬وهذه مقالة غلة الملحدين من الفلسفة والباطنية‪ :‬باطنية الشيعة وباطنية الصوفية‪ .‬ومنهم من يقول‪ :‬بل‬
‫الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لن مصلحة الخلق في هذه‬
‫العتقادات التي ل تطابق الحق‪ .‬ويقول هؤلء‪ :‬يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل‬
‫وإلى اعتقاد معاد البدان مع أنه باطل ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل‪ .‬قالوا‪ :‬لنه ل‬
‫يمكن دعوة الخلق إل بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد‪ .‬فهذا قول هؤلء في نصوص اليمان بال‬
‫واليوم الخر‪ .‬وأما العمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى‪ .‬ويقول‪ :‬إنما يؤمر بها بعض الناس دون‬
‫بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية الملحدة والسماعيلية ونحوهم‪ .‬وأما أهل التأويل‬
‫فيقولون‪ :‬إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ولكن قصد بها معاني ولم‬
‫يبين لهم تلك المعاني ول دلهم عليها؛ ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك‬
‫النصوص عن مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلمه عن مدلوله‬
‫ومقتضاه ويعرف الحق من غير جهته وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك‪.‬‬
‫والذين قصدنا الرد في هذه الفتيا عليهم‪ :‬هم هؤلء؛ إذ كان نفور الناس عن الولىن مشهورا بخلف هؤلء فإنهم‬
‫تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم ‪ -‬في الحقيقة ‪ -‬ل للسلم نصروا ول للفلسفة كسروا؛ لكن أولئك‬
‫الملحدة ألزموهم في النصوص ‪ -‬نصوص المعاد ‪ -‬نظير ما ادعوه في نصوص الصفات‪ .‬فقالوا لهم‪ :‬نحن نعلم‬
‫بالضطرار أن الرسل جاءت بمعاد البدان وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه‪ .‬وأهل السنة يقولون لهم‪ :‬ونحن نعلم‬
‫بالضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات‪ .‬ونصوص الصفات في الكتب اللهية‪ :‬أكثر وأعظم من نصوص‬
‫المعاد‪ .‬ويقولون لهم‪ :‬معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول وناظروه‬
‫عليه؛ بخلف الصفات فإنه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب‪ .‬فعلم أن إقرار العقول بالصفات‪ :‬أعظم من إقرارها‬
‫بالمعاد وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما‬
‫أخبر به وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به وأيضا؛ فقد علم أنه صلى ال عليه وسلم قد ذم أهل الكتاب على‬
‫ما حرفوه وبدلوه ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان إنكار ذلك عليهم‬
‫أولى فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبا منهم وتصديقا لها ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل‬

‫ل َمْغُلوَلٌة{ ]المائدة‪ :‬من الية ‪ [64‬وقولهم‪ِ } :‬إنّ‬
‫الثبات مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك؛ بل عابهم بقولهم‪َ} :‬يُد ا ِّ‬
‫غِنَياُء{ ]آل عمران‪ :‬من الية ‪ [181‬وقولهم‪ :‬إنه استراح لما خلق السموات والرض فقال تعالى‪َ} :‬وَلَقْد‬
‫ن َأ ْ‬
‫حُ‬
‫ل َفِقيٌر َوَن ْ‬
‫ا َّ‬
‫ب{ ]ق‪. [38:‬‬
‫ن ُلُغو ٍ‬
‫سَنا ِم ْ‬
‫سّتِة َأّياٍم َوَما َم ّ‬
‫ض َوَما َبْيَنُهَما ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َْ‬
‫خَلْقَنا السَّماَوا ِ‬
‫َ‬

‫والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث‪ ،‬وليس فيها تصريح بالمعاد كما في‬
‫القرآن‪ .‬فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى‪ ،‬والثاني مما‬
‫يعلم بالضطرار من دين الرسول أنه باطل‪ ،‬فالول أولى بالبطلن‪.‬‬
‫وأما الصنف الثالث ـ وهم ]أهل التجهيل[ ـ فهم كثير من المنتسبين إلى السنة‪ ،‬واتباع السلف‪ ،‬يقولون‪ :‬إن الرسول‬
‫ل إليه من آيات الصفات‪ ،‬ول جبريل يعرف معاني اليات‪ ،‬ول‬
‫صلى ال عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل ا ّ‬
‫السابقون الولون عرفوا ذلك‪.‬‬
‫ل‪ ،‬مع أن الرسول تكلم بها ابتداًء‪ ،‬فعلى قولهم تكلم بكلم‬
‫وكذلك قولهم في أحاديث الصفات‪ :‬إن معناها ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل يعرف معناه‪.‬‬
‫ل{ ]آل عمران‪ ،[7:‬فإنه وقف أكثر السلف على قوله‪َ}:‬وَما‬
‫لا ّ‬
‫‪ /‬هؤلء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫ل ـ تعالى‬
‫ل{‪ .‬وهو وقف صحيح‪ ،‬لكن لم يفرقوا بين معنى الكلم وتفسيره‪ ،‬وبين ]التأويل[ الذي انفرد ا ّ‬
‫لا ّ‬
‫َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬

‫ل ـ تعالى ـ هو ]التأويل[ المذكور في كلم المتأخرين‪ ،‬وغلطوا في ذلك‪.‬‬
‫ـ بعلمه‪ ،‬وظنوا أن التأويل المذكور في كلم ا ّ‬
‫فإن لفظ ]التأويل[ يراد به ثلثة معان‪:‬‬
‫فالتأويل في اصطلح كثير من المتأخرين هو‪ :‬صرف اللفظ عن الحتمال الراجح إلى الحتمال المرجوح لدليل‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫ل على اصطلح هؤلء‪ ،‬وظنوا أن مراد ا ّ‬
‫يقترن بذلك‪ ،‬فل يكون معنى اللفظ الموافق لدللة ظاهره تأوي ً‬
‫ل ول يعلمه المتأولون‪.‬‬
‫ل يخالف مدلولها ل يعلمه إل ا ّ‬
‫بلفظ التأويل ذلك‪ ،‬وأن للنصوص تأوي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ثم كثير من هؤلء يقولون‪ :‬تجري على ظاهرها‪ ،‬فظاهرها مراد مع قولهم‪ :‬إن لها تأويل بهذا المعنى ل يعلمه إل ا ّ‬
‫وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلء المنتسبين إلى السنة‪ :‬من أصحاب الئمة الربعة وغيرهم‪.‬‬
‫والمعنى الثاني‪ :‬أن التأويل هو‪ :‬تفسير الكلم ـ سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه ـ وهذا هو التأويل في اصطلح‬
‫جمهور المفسرين‪ ،‬وغيرهم‪ .‬وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم‪ ،‬وهو موافق لوقف من وقف من‪ /‬السلف على‬
‫ل َوالّراِسُخوَن ِفي اْلِعْلِم{ ]آل عمران‪ ،[7:‬كما نقل ذلك عن ابن عباس‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬ومحمد بن‬
‫لا ّ‬
‫قوله‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫جعفر بن الزبير‪ ،‬ومحمد بن إسحاق‪ ،‬وابن قتيبة وغيرهم‪ ،‬وكل القولين حق باعتبار‪.‬كما قد بسطناه في موضع آخر؛‬
‫ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا‪،‬وكلهما حق‪.‬‬
‫ل به في الجنة ـ‬
‫والمعنى الثالث‪ :‬أن التأويل هو‪ :‬الحقيقة التي يئول الكلم إليها ـ وإن وافقت ظاهره ـ فتأويل ما أخبر ا ّ‬
‫من الكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك ـ هو الحقائق الموجودة أنفسها‪ ،‬ل ما يتصور من معانيها‬
‫ت َهـَذا‬
‫ل َيا َأَب ِ‬
‫في الذهان‪ ،‬ويعبر عنه باللسان‪ ،‬وهذا هو التأويل في لغة القرآن‪ ،‬كما قال تعالى عن يوسف أنه قال‪َ} :‬وَقا َ‬
‫سوُه‬
‫ن َن ُ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ل َتْأِويَلُه َيْوَم َيْأِتي َتْأِويُلُه َيُقو ُ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫حّقا{ ]يوسف‪ ،[100:‬وقال تعالى‪َ}:‬ه ْ‬
‫جَعَلَها َرّبي َ‬
‫ل َقْد َ‬
‫ي ِمن َقْب ُ‬
‫ل ُرْؤَيا َ‬
‫َتْأِوي ُ‬
‫ل ِإن‬
‫سو ِ‬
‫يٍء َفُرّدوُه ِإَلى الّ َوالّر ُ‬
‫ش ْ‬
‫عُتْم ِفي َ‬
‫ق{ ]العراف‪ ،[53 :‬وقال تعالى‪َ} :‬فِإن َتَناَز ْ‬
‫حّ‬
‫ل َرّبَنا ِباْل َ‬
‫سُ‬
‫ت ُر ُ‬
‫جاء ْ‬
‫ل َقْد َ‬
‫ِمن َقْب ُ‬
‫ل{ ]النساء‪.[59:‬‬
‫ن َتْأِوي ً‬
‫سُ‬
‫حَ‬
‫خْيٌر َوَأ ْ‬
‫ك َ‬
‫خِر َذِل َ‬
‫ل َواْلَيْوِم ال ِ‬
‫ن ِبا ّ‬
‫ُكنُتْم ُتْؤِمُنو َ‬
‫ل‪.‬‬
‫وهذا التأويل هو الذي ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ بعلمها‪ ،‬وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف ـ كمالك‬
‫وتأويل ]الصفات[ هو الحقيقة التي انفرد ا ّ‬
‫وغيره ـ‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهول‪ ،‬فالستواء معلوم ـ يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى ـ وهو من‪/‬‬
‫ل ـ تعالى‪.‬‬
‫التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم‪ ،‬وأما كيفية ذلك الستواء فهو التأويل الذي ل يعلمه إل ا ّ‬

‫وقد روى عن ابن عباس ـ ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه ـ أنه قال‪ :‬تفسير القرآن على أربعة أوجه‪:‬‬
‫ل ـ عز‬
‫تفسير تعرفه العرب من كلمها‪ ،‬وتفسير ل يعذر أحد بجهالته‪ ،‬وتفسير يعلمه العلماء‪ ،‬وتفسير ل يعلمه إل ا ّ‬
‫وجل ـ فمن ادعى علمه فهو كاذب‪.‬‬
‫ي َلُهم ّمن ُقّرِة َأْعُيٍن َجَزاء ِبَما َكاُنوا َيْعَمُلوَن{ ]السجدة‪ ،[17:‬وقال النبي صلى ال‬
‫خِف َ‬
‫س ّما ُأ ْ‬
‫ل َتْعَلُم َنْف ٌ‬
‫وهذا كما قال تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫شر[‪.‬‬
‫طر على َقْلب َب َ‬
‫خَ‬
‫ت‪ ،‬ول َ‬
‫سِمَع ْ‬
‫ن َ‬
‫عْين رأت‪ ،‬ول ُأُذ ٌ‬
‫ل تعالى‪ :‬أعددت لعبادي الصالحين ما ل َ‬
‫عليه وسلم‪) :‬يقول ا ّ‬
‫ل ـ تعالى‪.‬‬
‫عْلم وقت الساعة ونحو ذلك‪ ،‬فهذا من التأويل الذي ل يعلمه إل ا ّ‬
‫وكذلك ِ‬
‫عَلى‬
‫ن َأْم َ‬
‫ن اْلُقْرآ َ‬
‫ل َيَتَدّبُرو َ‬
‫وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به‪ ،‬ونفهم من الكلم ما قصد إفهامنا إياه‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬أَف َ‬
‫ت آَباءُهُم اَْلّوِليَن { ]المؤمنون‪ [68:‬فأمر بتدبر‬
‫جاءُهم ّما َلْم َيْأ ِ‬
‫ل َأْم َ‬
‫ب َأقَْفاُلَها{ ]محمد‪ ،[24:‬وقال‪َ} :‬أَفَلْم َيّدّبُروا اْلَقْو َ‬
‫ُقُلو ٍ‬

‫القرآن كله ل بتدبر بعضه‪.‬‬
‫ل بن مسعود‪ ،‬وغيرهما ـ‬
‫وقال أبو عبد الرحمن السلمي‪ :‬حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ـ عثمان بن عفان‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى ال عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميًعا‪.‬‬
‫ل عنهما ـ من فاتحته إلى خاتمته‪ ،‬أقف عند كل آية‬
‫‪ /‬وقال مجاهد‪ :‬عرضت المصحف على ابن عباس ـ رضي ا ّ‬
‫وأسأله عنها‪.‬‬
‫ل بيانها‪ .‬وقال مسروق‪ :‬ماسئل أصحاب محمد عن شيء إل وعلمه‬
‫وقال الشعبي‪ :‬ما ابتدع أحد بدعة إل وفي كتاب ا ّ‬
‫في القرآن‪ ،‬ولكن علمنا قصر عنه‪.‬‬
‫وهذا باب واسع قد بسط في موضعه‪.‬‬
‫والمقصود هنا التنبيه على ُأصول ]المقالت الفاسدة[ التي أوجبت الضللة في باب العلم واليمان بما جاء به الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي ُأنزل إليه‪ ،‬ول جبريل‪ ،‬جعله غير عالم‬
‫بالسمعيات‪ ،‬ولم يجعل القرآن هدى ول بياًنا للناس‪.‬‬
‫ثم هؤل ء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية‪ ،‬فل يجعلون عند الرسول وأمته في ]باب معرفة الّ عز وجل[ ل‬
‫علوًما عقلية ول سمعية‪ ،‬وهم قد شاركوا الملحدة في هذه من وجوه متعددة‪ ،‬وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإلى السلف‪ ،‬من الجهل‪ ،‬كما أخطأ في ذلك أهل التحريف‪ ،‬والتأويلت الفاسدة‪ ،‬وسائر أصناف‬
‫الملحدة‪.‬‬
‫ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم ـ إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع‬
‫ـ ما يعلم به مذهبهم‪.‬‬
‫‪ /‬روى أبو بكر البيهقي في ]السماء والصفات[ بإسناد صحيح‪ ،‬عن الوزاعي قال‪ :‬كنا ـ والتابعون متوافرون ـ‬
‫ل ـ تعالى ذكره ـ فوق عرشه‪ ،‬ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫وقد حكى الوزاعي ـ وهو أحد الئمة الربعة في عصر تابع التابعين‪ ،‬الذين هم ]مالك[ إمام أهل الحجاز‪ ،‬و‬
‫]الوزاعي[ إمام أهل الشام‪ ،‬و ]الليث[ إمام أهل مصر و]الثوري[ إمام أهل العراق ـ حكى شهرة القول في زمن‬
‫ل ـ تعالى ـ فوق العرش‪ ،‬وبصفاته السمعية‪.‬‬
‫التابعين باليمان بأن ا ّ‬
‫ل فوق عرشه‪ ،‬والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن‬
‫جْهم المنكر لكون ا ّ‬
‫وإنما قال الوزاعي هذا بعد ظهور مذهب َ‬
‫مذهب السلف خلف ذلك‪.‬‬

‫وروى أبو بكر الخلل في ]كتاب السنة[ عن الوزاعي قال‪ :‬سئل مكحول والزهري عن تفسير الحاديث فقال‪:‬‬
‫َأِمّروها كما جاءت‪.‬‬
‫ضا ـ عن الوليد بن مسلم قال‪ :‬سألت مالك بن أنس‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬والليث بن سعد والوزاعي‪ ،‬عن‬
‫وروى ـ أي ً‬
‫الخبار التي جاءت في الصفات‪ .‬فقالوا‪ :‬أِمّروها كما جاءت‪ .‬وفي رواية‪ :‬فقالوا‪ :‬أِمّروها كما جاءت بل كيف‪.‬‬
‫ل عنهم ـ‪] :‬أِمّروها كما جاءت[ رد على المعطلة‪ ،‬وقولهم‪] :‬بل كيف[ رد على الممثلة‪ .‬والزهري‬
‫فقولهم ـ رضي ا ّ‬
‫ومكحول‪ ،‬هما أعلم التابعين في زمانهم‪ /،‬والربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين‪ ،‬ومن طبقتهم حماد بن‬
‫زيد‪ ،‬وحماد بن سلمة وأمثالهما‪.‬‬
‫ل‪ ،‬قال‪ :‬سمعت مالك بن أنس ـ إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث‬
‫وروى أبوالقاسم الزجي بإسناده عن مطّرف بن عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وولة المر بعده سنًنا‪ ،‬الخذ بها‬
‫ن رسول ا ّ‬
‫سّ‬
‫الصفات ـ يقول‪ :‬قال عمر بن عبد العزيز‪َ :‬‬
‫ل ـ تعالى ـ تغييرها‪ ،‬ول النظر في‬
‫ل‪ ،‬ليس لحد من خلق ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وقوة على دين ا ّ‬
‫ل‪ ،‬واستكمال لطاعة ا ّ‬
‫تصديق لكتاب ا ّ‬
‫شيء خالفها‪ ،‬من اهتدى بها فهو مهتد‪ ،‬ومن استنصر بها فهو منصور‪ ،‬ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين وله‬
‫ل ما تولى‪ ،‬وأصله جهنم وساءت مصيًرا‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫وروى الخلل بإسناد ـ كلهم أئمة ثقات ـ عن سفيان بن عيينة‪ ،‬قال‪ :‬سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله‪:‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬كيف استوى؟ قال‪ :‬الستواء غير مجهول‪ ،‬والكيف غير معقول‪ ،‬ومن ا ّ‬
‫ل‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حمَ ُ‬
‫}الّر ْ‬
‫الرسالة‪ ،‬وعلى الرسول البلغ المبين‪ ،‬وعلىنا التصديق‪.‬‬
‫وهذا الكلم مروي عـن مالك بـن أنـس تلميـذ ربيعة بـن أبـي عبد الرحمن من غير وجه‪.‬‬
‫منها‪ :‬ما رواه أبو الشيخ الصبهاني‪ ،‬وأبو بكر البيهقي‪ ،‬عن يحيى بن يحيى‪ ،‬قال‪ :‬كنا عند مالك بن أنس‪ ،‬فجاء رجل‬
‫ضاء‬
‫ش اْسَتَوى{]طه‪ [5:‬كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى عله الّرحَ َ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل‪}/،‬الّر ْ‬
‫فقال‪ :‬يا أبا عبد ا ّ‬
‫]أي‪ :‬العرق[‪ ! .‬ثم قال‪ :‬الستواء غيرمجهول‪ ،‬والكيف غيرمعقول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪ ،‬وما‬
‫أراك إل مبتدعا‪ ،‬ثم أمر به أن يخرج‪.‬‬
‫فقول ربيعة ومالك‪] :‬الستواء غير مجهول‪ ،‬والكيف غير معقول‪ ،‬واليمان به واجب[‪ ،‬موافق لقول الباقين‪ :‬أِمّروها‬
‫كما جاءت بل كيف‪ ،‬فإنما نفوا علم الكيفية‪ ،‬ولم ينفوا حقيقة الصفة‪.‬‬
‫ل ـ لما قالوا‪ :‬الستواء غير مجهول‪،‬‬
‫ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه ـ على ما يليق با ّ‬
‫والكيف غير معقول‪ ،‬ولما قالوا‪ :‬أِمّروها كما جاءت بل كيف‪ ،‬فإن الستواء ـ حينئذ ـ ل يكون معلوما بل مجهول‬
‫بمنزلة حروف المعجم‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإنه ل يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى‪ ،‬وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت‬
‫وأي ً‬
‫الصفات‪.‬‬
‫ل ليس‬
‫ضا‪ ،‬فإن من ينفي الصفات الخبرية ـ أو الصفات مطلًقا ـ ل يحتاج إلى أن يقول‪ :‬بل كيف‪ ،‬فمن قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫وأي ً‬
‫على العرش‪ ،‬ل يحتاج أن يقول‪ :‬بل كيف‪ ،‬فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس المر لما قالوا‪:‬بل كيف‪.‬‬
‫ن‪ ،‬فلو‬
‫ضا‪ ،‬فقولهم‪] :‬أِمّروها كما جاءت[ يقتضي إبقاء دللتها على ما هي عليه‪ ،‬فإنها جاءت ألفاظ دالة على معا ٍ‬
‫وأي ً‬
‫كانت دللتها منتفية لكان الواجب أن ‪ /‬يقال‪ :‬أِمّروا لفظها‪ ،‬مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد‪ ،‬أو أِمّروا لفظها مع‬
‫ل ل يوصف بما دلت عليه حقيقة‪ ،‬وحينئذ فل تكون قد أمرت كما جاءت‪ ،‬ول يقال حينئذ‪ :‬بل كيف؛ إذ نفي‬
‫اعتقاد أن ا ّ‬
‫الكيف عما ليس بثابت لغو من القول‪.‬‬
‫ل بن بطة في ]البانة[‪ ،‬وأبو عمرو الطلمنكي‪ ،‬وغيرهم بإسناد صحيح‪ ،‬عن‬
‫وروى الثرم في ]السنة[‪ ،‬وأبو عبد ا ّ‬
‫ل بن أبي سلمة الماجشون ـ وهو أحد أئمة المدينة الثلثة‪ ،‬الذين هم مالك بن أنس‪ ،‬وابن‬
‫عبد العزيز بن عبد ا ّ‬
‫الماجشون‪ ،‬وابن أبي ذئب ـ وقد سئل عما جحدت به الجهمية‪] :‬أما بعد‪ ،‬فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن‬

‫خلفها‪ ،‬في صفة الرب العظيم‪ ،‬الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر‪ ،‬وَكّلت اللسن عن تفسير صفته‪ ،‬وانحصرت‬
‫العقول دون معرفة قدرته‪ ،‬وردت عظمته العقول‪ ،‬فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وهي حسيرة‪ .‬وإنما ُأمروا بالنظر‬
‫ل‪،‬‬
‫حول‪ ،‬وليزول‪ ،‬ولم َيَز ْ‬
‫والتفكر فيما خلق بالتقدير‪ ،‬وإنما يقال‪] :‬كيف[ لمن لم يكن مرة ثم كان‪ ،‬فأما الذي ل ُي َ‬
‫وليس له مثل‪ ،‬فإنه ل يعلم كيف هو إل هو‪ .‬وكيف يعرف قدر من لم يبدأ‪ ،‬ومن ل يموت ول يبلى؟ وكيف يكون لصفة‬
‫شيء منه حد أو منتهى‪ ،‬يعرفه عارف أو يحد قدره واصف؟ على أنه الحق المبين ل حق أحق منه‪ ،‬ول شيء أبين‬
‫منه‪ .‬الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته‪ ،‬عجزها عن تحقيق ‪/‬صفة أصغر خلقه ل تكاد تراه صغًرا يجول‬
‫ويزول‪ ،‬ول يرى له سمع ول بصر؛ لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك‪ ،‬وأخفي عليك مما ظهر من سمعه‬
‫صيُر{ ]الشورى‪:‬‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫يٌء َوُهَو ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫ل أحسن الخالقين‪ ،‬وخالقهم وسيد السادة‪ ،‬وربهم }َلْي َ‬
‫وبصره‪ ،‬فتبارك ا ّ‬
‫‪.[11‬‬
‫ل ـ غناك عن َتكّلف صفة‪ ،‬ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها؛ إذا‬
‫اعرف ـ رحمك ا ّ‬
‫لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء‬
‫من معصيته؟‬
‫ض َحْيَراَن{ ]النعام‪ ،[71:‬فصار‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َ‬
‫طي ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫سَتْهَوْتُه ال ّ‬
‫فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمًقا وتكلًفا فقد }ا ْ‬
‫يستدل ـ بزعمه ـ على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال‪ :‬لبد إن كان له كذا من أن يكون له كذا‪ ،‬فعمى‬
‫عن البين بالخفي‪ ،‬فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها‪ ،‬فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد‬
‫لـ‬
‫ظَرٌة{]القيامة‪ [23 ،22:‬فقال‪ :‬ل يراه أحد يوم القيامة‪ ،‬فجحد ـ وا ّ‬
‫ضَرٌة ِإَلى َرّبَها َنا ِ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ ّنا ِ‬
‫ل عز وجل‪ُ}:‬و ُ‬
‫قول ا ّ‬
‫عنَد َمِلي ٍ‬
‫ك‬
‫ق ِ‬
‫صْد ٍ‬
‫ل التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم }ِفي َمْقَعِد ِ‬
‫أفضل كرامة ا ّ‬
‫ل يوم القيامة‬
‫ّمْقَتِدٍر{ ]القمر‪ [55:‬قد قضى أنهم ل يموتون‪ ،‬فهم بالنظر إليه ينضرون‪ .‬إلى أن قال‪ :‬وإنما جحد رؤية ا ّ‬
‫إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لنه قد ‪/‬عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين‪ ،‬وكان‬
‫له جاحًدا‪.‬‬
‫ضاّرون في رؤية‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪):‬هل ُت َ‬
‫ل‪ ،‬هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول ا ّ‬
‫وقال المسلمون‪ :‬يارسول ا ّ‬
‫الشمس ليس دونها سحاب؟[ قالوا‪ :‬ل‪ .‬قال‪) :‬فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟[ قالوا‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪) :‬فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك(‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه‪ ،‬فتقول‪ :‬قط قط‪ ،‬وينزوي بعضها‬
‫وقال رسول ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫ل مما فعلت بضيفك البارحة(‪ ،‬وقال فيما بلغنا‪) :‬إن ا ّ‬
‫إلى بعض(‪ ،‬وقال لثابت بن قيس‪) :‬لقد ضحك ا ّ‬
‫ليضحك من أزِلكم ]الْزل‪ :‬الشدة والضيق[‪ .‬وقنوطكم وسرعة إجابتكم(‪ .‬فقال له رجل من العرب‪ :‬إن ربنا ليضحك؟‬
‫قال‪) :‬نعم(‪ .‬قال‪ :‬ل نعدم من رب يضحك خيًرا(‪ .‬إلى أشباه هذا مما ل نحصيه‪.‬‬
‫صَنَع‬
‫عُيِنَنا{ ]الطور‪ ،[48:‬وقال تعالى‪َ} :‬وِلُت ْ‬
‫ك ِبَأ ْ‬
‫ك َفِإّن َ‬
‫حْكِم َرّب َ‬
‫صِبْر ِل ُ‬
‫صيُر{ ]الشورى‪َ} ،[11:‬وا ْ‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو ال ّ‬
‫جِميًعا‬
‫ض َ‬
‫لْر ُ‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وقال تعالى‪َ} :‬وا َْ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫جَد ِلَما َ‬
‫سُ‬
‫ك َأن َت ْ‬
‫عْيِني{ ]طه‪ ،[39:‬وقال تعالى‪َ} :‬ما َمَنَع َ‬
‫عَلى َ‬
‫َ‬

‫ن{ ]الزمر‪.[67:‬‬
‫شِرُكو َ‬
‫عّما ُي ْ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى َ‬
‫سْب َ‬
‫ت ِبَيِميِنِه ُ‬
‫طِوّيا ٌ‬
‫ت َم ْ‬
‫سماَوا ُ‬
‫ضُتُه َيْوَم اْلِقَياَمِة َوال ّ‬
‫َقْب َ‬
‫ل ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه‪ ،‬وما تحيط به قبضته‪ :‬إل صغر نظيرها منهم عندهم‪ ،‬إن ذلك الذي ألقى‬
‫فوا ّ‬
‫ل من نفسه وسماه على لسان رسوله صلى ال عليه وسلم سميناه‬
‫في روعهم‪ ،‬وخلق على معرفة قلوبهم‪ /،‬فما وصف ا ّ‬
‫كما سماه‪ ،‬ولم نتكلف منه صفة ماسواه ـ ل هذا ول هذا ـ ل نجحد ما وصف ول نتكلف معرفة ما لم يصف‪.‬‬
‫ل ـ أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهي بك‪ ،‬ول تجاوز ما قد حد لك‪ ،‬فإن من قوام‬
‫اعلم ـ رحمك ا ّ‬
‫الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر‪ ،‬فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الفئدة‪ ،‬وذكر أصله في الكتاب والسنة‪،‬‬
‫وتوارثت علمه المة‪ ،‬فل تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيًبا‪ ،‬ول تتكلفن بما وصف لك من‬
‫ذلك قدًرا‪.‬‬
‫وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك‪ ،‬ول في حديث عن نبيك ـ من ذكر صفة ربك ـ فل تكلفن علمه بعقلك‪،‬‬
‫ول تصفه بلسانك‪ ،‬واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه؛ فإن تكلفك معرفة مالم يصف من نفسه مثل إنكار ما‬

‫وصف منها‪ ،‬فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه‪ ،‬فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم‬
‫يصف منها‪.‬‬
‫عّز المسلمون‪ ،‬الذين يعرفون المعروف وبهم يعرف‪ ،‬وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر؛ يسمعون ما‬
‫لـ َ‬
‫فقد ـ وا ّ‬
‫ل به نفسه من هذا في كتابه‪ ،‬وما بلغهم مثله عن نبيه‪ ،‬فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم‪ ،‬ول تكلف‬
‫وصف ا ّ‬
‫صفة قدره ول تسمية غيره من الرب مؤمن‪.‬‬
‫‪ /‬وما ذكر عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه سماه من صفة ربه‪ ،‬فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب ـ تعالى ـ من‬
‫نفسه‪.‬‬
‫والراسخون في العلم ـ الواقفون حيث انتهى علمهم‪ ،‬الواصفون لربهم بما وصف من نفسه‪ ،‬التاركون لما ترك من‬
‫ذكرها ـ ل ينكرون صفة ما سمى منها جحًدا‪،‬ول يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمًقا؛ لن الحق ترك ما ترك‪ ،‬وتسمية ما‬
‫صيًرا{‬
‫ت َم ِ‬
‫ساء ْ‬
‫جَهّنَم َو َ‬
‫صِلِه َ‬
‫ن ُنَوّلِه َما َتَوّلى َوُن ْ‬
‫ل اْلُمْؤِمِني َ‬
‫سِبي ِ‬
‫غْيَر َ‬
‫ن َلُه اْلُهَدى َوَيّتِبْع َ‬
‫ل ِمن َبْعِد َما َتَبّي َ‬
‫سو َ‬
‫ق الّر ُ‬
‫شاِق ِ‬
‫سمى }َوَمن ُي َ‬
‫ل لنا ولكم حكًما‪ ،‬وألحقنا بالصالحين‪.‬‬
‫]النساء‪ .[115 :‬وهب ا ّ‬
‫وهذا كله كلم ابن الماجشون المام‪ ،‬فتدبره‪ ،‬وانظر كيف أثبت الصفات ونفي علم الكيفية ـ موافقا لغيره من الئمة ـ‬
‫وكيف أنكر على من نفي الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا وكذا‪ ،‬كما تقوله الجهمية ـ‪ :‬إنه يلزم أن يكون جسما أو‬
‫ضا ]الَعَرض ـ في اصطلح المتكلمين ـ‪ :‬ما ل يقوم بنفسه‪ ،‬ول يوجد إل في َمحل يقوم به‪ ،‬وذلك نحو حُْمَرة‬
‫عَر ً‬
‫َ‬
‫جل[؛ فيكون محدًثا‪.‬‬
‫صْفَرة الَو َ‬
‫الخجل و ُ‬
‫وفي كتاب ]الفقه الكبر[ المشهور عند أصحاب أبي حنيفة؛ الذي رووه بالسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد ا ّ‬
‫ل‬
‫البلخي‪ ،‬قال‪ :‬سألت أبا حنيفة عن الفقة الكبر فقال‪ :‬ل تكفرن أحًدا بذنب‪ ،‬ول تنف أحًدا به من اليمان‪ ،‬وتأمر‬
‫بالمعروف وتنهى عن المنكر‪ ،‬وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك‪ ،‬وما أخطأك لم يكن ليصيبك‪ ،‬ول تتبرأ من أحد‬
‫ي إلى ال عز وجل‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول توالى أحًدا دون أحد‪ ،‬وأن ترد أمر عثمان وعل ّ‬
‫من أصحاب رسول ا ّ‬
‫‪/‬قال أبو حنيفة‪ :‬الفقه الكبر في الدين خير من الفقه في العلم‪ ،‬ولن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع‬
‫ل ـ قلت‪ :‬أخبرنى عن أفضل الفقه‪ .‬قال‪ :‬تعلم الرجل اليمان والشرائع‬
‫العلم الكثير‪ .‬قال أبو مطيع ـ الحكم بن عبد ا ّ‬
‫والسنن والحدود‪ ،‬واختلف الئمة‪ .‬وذكر مسائل ]اليمان[‪ ،‬ثم ذكر مسائل ]القدر[‪ ،‬والرد على القدرية بكلم حسن‬
‫ليس هذا موضعه‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬قلت‪ :‬فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة‪ ،‬هل‬
‫ل ورسوله بالمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬وهو فريضة واجبة؟ قال‪:‬‬
‫ترى ذلك؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قلت‪ :‬ولَم‪ ،‬وقد أمر ا ّ‬
‫هو كذلك‪ ،‬لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء‪ ،‬واستحلل الحرام‪ .‬قال‪ :‬وذكر الكلم في قتل الخوارج‬
‫والبغاة‪.‬‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل يقول‪} :‬الّر ْ‬
‫إلى أن قال‪ :‬قال أبوحنيفة عمن قال‪ :‬ل أعرف ربي في السماء‪ ،‬أم في الرض‪ :‬فقد كفر؛ لن ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وعرشه فوق سبع سموات‪.‬‬
‫اْلَعْر ِ‬

‫قلت‪ :‬فإن قال‪ :‬إنه على العرش استوى‪ ،‬ولكنه يقول‪ :‬ل أدري‪ ،‬العرش في السماء أم في الرض؟ قال‪ :‬هو كافر؛ لنه‬
‫أنكر أن يكون في السماء؛ لنه تعالى في أعلى عليين‪ ،‬وإنه يدعي من أعلى ل من أسفل ـ وفي لفظ ـ‪:‬سألت أبا حنيفة‬
‫سَتَوى{‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل‪ /‬يقول‪}:‬الّر ْ‬
‫عمن يقول‪ :‬ل أعرف ربي في السماء أم في الرض‪.‬قال‪ :‬قد كفر‪ .‬قال‪ :‬لن ا ّ‬
‫]طه‪ ،[5:‬وعرشه فوق سبع سموات‪ .‬قال‪ :‬فإنه يقول‪ :‬على العرش استوى‪ ،‬ولكن ل يدري‪ ،‬العرش في الرض أو في‬
‫السماء‪ .‬قال‪ :‬إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ‪.‬‬
‫ففي هذا الكلم المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه‪ :‬أنه كفر الواقف الذي يقول‪ :‬ل أعرف ربي في السماء أم في‬
‫الرض! فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول‪ :‬ليس في السماء‪ ،‬أو ليس في السماء ول في الرض؟ واحتج على‬
‫ش اْسَتَوى{‪ ،‬قال‪ :‬وعرشه فوق سبع سموات‪.‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫كفره بقوله‪} :‬الّر ْ‬

‫ل فوق السموات فوق العرش‪ ،‬وأن الستواء على‬
‫ش اْسَتَوى{ يبين أن ا ّ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫وبين بهذا أن قوله تعالى‪} :‬الّر ْ‬
‫ل بنفسه فوق العرش‪.‬‬
‫العرش دل على أن ا ّ‬
‫ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال‪ :‬إنه على العرش استوى‪ ،‬ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الرض‪،‬‬
‫ل في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى ل من أسفل‪.‬‬
‫قال‪ :‬لنه أنكر أنه في السماء؛ لن ا ّ‬
‫ل في أعلى عليين‪ ،‬وأنه‬
‫ل في السماء‪ ،‬واحتج على ذلك بأن ا ّ‬
‫وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون ا ّ‬
‫ل‪ /‬في‬
‫يدعى من أعلى ل من أسفل‪ ،‬وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية؛ فإن القلوب مفطورة على القرار بأن ا ّ‬
‫حا عنه بذلك‪ .‬فقال‪ :‬إذا أنكر أنه في السماء‬
‫العلو‪ ،‬وعلى أنه يدعى من أعلى ل من أسفل‪،‬وقد جاء اللفظ الخر صري ً‬
‫فقد كفر‪.‬‬
‫ضا ـ ابن‬
‫وروي هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ السلم أبو إسماعيل النصاري الهروي في ]كتاب الفاروق[‪ ،‬وروى ـ أي ً‬
‫ل الرازي ـ صاحب محمد بن الحسن ـ قاضى الّري ـ حبس رجل في التجهم فتاب؛‬
‫أبي حاتم‪ :‬أن هشام بن عبيد ا ّ‬
‫ل على عرشه بائن من خلقه؟‬
‫ل على التوبة‪ .‬فامتحنه هشام‪ ،‬فقال‪ :‬أتشهد أن ا ّ‬
‫فجيء به إلى هشام ليطلقه‪ ،‬فقال‪ :‬الحمد ّ‬
‫ل على عرشه‪ ،‬ول أدري ما بائن من خلقه‪ .‬فقال‪ :‬ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أشهد أن ا ّ‬
‫ل على العرش بائن من الخلق‪ ،‬وقد أحاط بكل شيء علما‪،‬‬
‫ضا ـ عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫وروى ـ أي ً‬
‫ل بخلقه‪ ،‬ويخلط منه‬
‫وأحصى كل شيء عدًدا‪ ،‬ل يشك في هذه المقالة إل جهمي رديء ضليل‪ ،‬وهالك مرتاب‪ ،‬يمزج ا ّ‬
‫الذات بالقذار والنتان ‪.‬‬
‫ل فوق السموات‬
‫ضا ـ عن ابن المدينى لما سئل‪ :‬ما قول أهل الجماعة؟ قال‪ :‬يؤمنون بالرؤية والكلم‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫وروى ـ أي ً‬
‫ل ُهَو َراِبُعُهْم{ ]المجادلة‪ ،[7:‬فقال‪ :‬اقرأ ما قبلها‪َ}:‬أَلْم َتَر‬
‫لَثٍة ِإ ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫على العرش استوى‪ ،‬فسئل عن قوله‪َ}:‬ما َيُكو ُ‬
‫ض{ ]المجادلة‪.[7:‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َيْعَلُم َما ِفي ال ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫َأ ّ‬
‫ضا ـ عن أبي عيسى الترمذي قال‪ :‬هو على العرش كما وصف في كتابه‪ ،‬وعلمه وقدرته وسلطانه في‬
‫‪ /‬وروى ـ أي ً‬
‫كل مكان‪.‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ [5:‬فقال‪ :‬تفسيره كما‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫حَمنُ َ‬
‫عة الرازي‪ :‬أنه لما سئل عن تفسير قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫وروي عن أبي ُزْر َ‬
‫ل‪.‬‬
‫يقرأ‪ ،‬هو على العرش‪ ،‬وعلمه في كل مكان‪ ،‬ومن قال غير هذا فعليه لعنة ا ّ‬
‫وروي أبو القاسم الللكائي الحافظ‪ ،‬الطبري‪ ،‬صاحب أبي حامد السفرائيني‪ ،‬في كتابه المشهور في ]أصول السنة[‬
‫بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة‪ ،‬قال‪ :‬اتفق الفقهاء كلهم ـ من المشرق إلى المغرب ـ على اليمان‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في صفة الرب ـ عز وجل ـ من غير‬
‫بالقرآن والحاديث‪ ،‬التي جاء بها الثقات عن رسول ا ّ‬
‫تفسير‪ ،‬ول وصف ول تشبيه‪ ،‬فمن فسر اليوم شيًئا منها فقد خرح مما كان عليه النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفارق‬
‫جْهم[ فقد فارق‬
‫الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا‪ ،‬ولم يفسروا‪ ،‬ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة‪ ،‬ثم سكتوا‪ ،‬فمن قال‪ :‬بقول‪َ ] :‬‬
‫الجماعة؛ لنه قد وصفه بصفة ل شيء‪.‬‬
‫محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء‪ ،‬وقد حكى هذا الجماع‪ ،‬وأخبر أن الجهمية تصفه‬
‫بالمور السلبية غالًبا‪ ،‬أو دائًما‪ .‬وقوله‪] :‬من غير تفسير[‪ :‬أراد به تفسير الجهمية المعطلة‪ ،‬الذين ابتدعوا تفسير‬
‫الصفات بخلف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الثبات‪.‬‬
‫‪/‬وروي البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن ]أبي عبيد القاسم بن سلم[ قال‪ :‬هذه الحاديث التي يقول فيها‪) :‬ضحك‬
‫ربنا من قنوط عباده وقرب غيره(‪ ،‬و)أن جهنم ل تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه(‪ ،‬و)الكرسي موضع القدمين(‪،‬‬
‫وهذه الحاديث في ]الرؤية[ هي عندنا حق‪ ،‬حملها الثقات بعضهم عن بعض‪ ،‬غير أّنا إذا سئلنا عن تفسيرها ل‬
‫نفسرها‪ ،‬وما أدركنا أحًدا يفسرها‪.‬‬

‫أبو عبيد‪ :‬أحد الئمة الربعة‪ ،‬الذين هم الشافعي‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬وأبو عبيد‪ ،‬وله من المعرفة بالفقه‪ ،‬واللغة‪،‬‬
‫والتأويل‪ ،‬ما هو أشهر من أن يوصف‪ ،‬وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والهواء‪ ،‬و قد أخبر أنه ما أدرك‬
‫أحًدا من العلماء يفسرها‪ ،‬أي تفسير الجهمية‪.‬‬
‫ل قال له‪ :‬يا أبا عبد الرحمن‪ ،‬إني أكره الصفة ـ‬
‫ل بن المبارك؛ أن رج ً‬
‫وروى الللكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد ا ّ‬
‫ل بن المبارك‪ :‬وأنا أشد الناس كراهية لذلك‪ ،‬ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به‪،‬‬
‫يعنى صفة الرب ـ فقال له عبد ا ّ‬
‫وإذا جاءت الثار بشيء جسرنا عليه‪ ،‬ونحو هذا‪.‬‬
‫ل من تلقاء أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والثار‪.‬‬
‫أراد ابن المبارك‪ :‬أنا نكره أن نبتدئ بوصف ا ّ‬
‫ل بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له‪ /:‬بماذا نعرف ربنا؟ قال‪ :‬بأنه فوق سمواته‬
‫وروى عبد ا ّ‬
‫على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬ول نقول كما تقول الجهمية‪ :‬إنه ههنا في الرض ـ وهكذا قال المام أحمد وغيره‪.‬‬
‫وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب المام‪ ،‬سمعت حماد بن زيد‪ ،‬وذكر هؤلء الجهمية‪ ،‬فقال‪ :‬إنما يحاولون‬
‫أن يقولوا‪ :‬ليس في السماء شيء‪.‬‬
‫وروى ابن أبي حاتم في كتاب ]الرد على الجهمية[ عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علًما وديًنا‪ ،‬من‬
‫ل من اليهود والنصارى‪ ،‬وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل‬
‫شيوخ المام أحمد ـ إنه ذكر عنده الجهمية‪ ،‬فقال‪ :‬أشر قو ً‬
‫ل على العرش‪ ،‬وهم قالوا‪ :‬ليس على شيء‪.‬‬
‫الديان مع المسلمين على أن ا ّ‬
‫ل فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه‪ ،‬وجب أن‬
‫وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة‪ ،‬إمام الئمة‪ :‬من لم يقل‪ :‬إن ا ّ‬
‫يستتاب‪ ،‬فإن تاب وإل ضربت عنقه‪ ،‬ثم ألقي على مزبلة‪ ،‬لئل يتأذى بريحه أهل القبلة ول أهل الذمة‪ ،‬ذكره عنه‬
‫الحاكم بإسناد صحيح‪.‬‬
‫ل بن المام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام ـ الواسطي إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد‬
‫وروى عبد ا ّ‬
‫ـ قال‪ :‬كلمت بشًرا المريسي وأصحاب بشر‪ ،‬فرأيت آخر كلمهم ينتهي أن يقولوا‪ :‬ليس في السماء شيء‪.‬‬
‫وعن عبد الرحمن بن مهدي المام المشهور‪ ،‬أنه قال‪ :‬ليس في أصحاب ‪ /‬الهواء شر من أصحاب جهم‪ ،‬يدورون‬
‫ل أل يناكحوا‪ ،‬ول يوارثوا‪.‬‬
‫على أن يقولوا‪ :‬ليس في السماء شيء‪ ،‬أرى وا ّ‬
‫وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في ]كتاب الرد على الجهمية[ عن عبد الرحمن بن مهدي قال‪ :‬أصحاب جهم‬
‫ل ليس على العرش‪ ،‬أرى‬
‫ل لم يكلم موسى‪ ،‬ويريدون أن يقولوا‪ :‬ليس في السماء شيء‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫يريدون أن يقولوا‪:‬إن ا ّ‬
‫أن يستتابوا‪ ،‬فإن تابوا وإل قتلوا‪.‬‬
‫ل على عرشه‪ .‬فقالت‪ :‬محدود على‬
‫وعن الصمعي قال‪ :‬قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين‪ ،‬فقال رجل عندها‪ :‬ا ّ‬
‫محدود‪ ،‬فقال الصمعي‪ :‬كفرت بهذه المقالة‪.‬‬
‫وعن عاصم بن على بن عاصم ـ شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما ـ قال‪ :‬ناظرت جهمًيا‪ ،‬فتبين من كلمه أل يؤمن أن‬
‫في السماء رًبا ‪.‬‬
‫ل بن نافع الصائغ قال‪:‬‬
‫سَرْيج بن النعمان قال‪ :‬سمعت عبد ا ّ‬
‫وروى المام أحمد بن حنبل الشيباني‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا ُ‬
‫ل في السماء‪ ،‬وعلمه في كل مكان‪ ،‬ل يخلو من علمه مكان‪.‬‬
‫سمعت مالك بن أنس يقول‪ :‬ا ّ‬
‫ل في السماء‪ ،‬وجمع عليه قلوب عباده‪.‬‬
‫وقال الشافعي‪ :‬خلفة أبي بكر الصديق حق قضاه ا ّ‬
‫‪/‬وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال‪ :‬كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى ال عليه وسلم تقول‪ :‬زوجكن‬
‫ل من فوق سبع سموات(‪ .‬وهذا مثل قول الشافعي‪.‬‬
‫أهاليكن وزوجني ا ّ‬

‫وقصة أبي يوسف ـ صاحب أبي حنيفة ـ مشهورة في استتابة بشر المريسي‪ ،‬حتى هرب منه لما أنكر أن يكون ا ّ‬
‫ل‬
‫فوق عرشه قد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره‪.‬‬
‫ل بن أبي زمنين‪ ،‬المام المشهور من أئمة المالكية‪ ،‬في كتابه الذي صنفه في ]أصول‬
‫ل محمد بن عبد ا ّ‬
‫وقال أبو عبد ا ّ‬
‫السنة[ قال فيه‪] :‬باب اليمان بالعرش[‬
‫ل ـ عز وجل ـ خلق العرش واختصه بالعلو والرتفاع فوق جميع ما خلق‪ ،‬ثم استوى‬
‫قال‪:‬ومن قول أهل السنة‪ :‬إن ا ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ت‬
‫ق ال ّ‬
‫خَل َ‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وقوله‪ُ}:‬هَو اّلِذي َ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫عليه كيف شاء‪ ،‬كما أخبر عن نفسه في قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ض{ الية ]الحديد‪.[4:‬‬
‫لْر َ‬
‫َوا َْ‬
‫ل‪ ،‬أين كان ربنا قبل‬
‫فسبحان من َبُعد وَقُرب بعلمه‪ ،‬فسمع النجوى‪ .‬وذكر حديث أبي َرِزين العقيلي‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ا ّ‬
‫أن يخلق السموات والرض؟‬
‫‪/‬قال‪) :‬في عماء‪ ،‬ما تحته هواء‪ ،‬وما فوقه هواء‪ ،‬ثم خلق عرشه على الماء(‪ .‬قال محمد‪ :‬العماء‪ :‬السحاب الكثيف‬
‫المطبق ـ فيما ذكره الخليل ـ وذكر آثاًرا أخر‪ ،‬ثم قال ]باب اليمان بالكرسي[‬
‫ل‪ :‬ومن قول أهل السنة‪ :‬إن الكرسي بين يدي العرش‪ ،‬وأنه موضع القدمين‪ .‬ثم ذكر حديث أنس‬
‫قال محمد بن عبد ا ّ‬
‫الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الخرة‪ ،‬وفيه‪) :‬فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه‪ ،‬ثم يحف الكرسي‬
‫على منابر من ذهب مكللة بالجواهر‪ ،‬ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها(‪ .‬وذكر ما ذكره يحيى بن سالم ـ صاحب‬
‫ل عنهما‬
‫التفسير المشهور ـ‪ :‬حدثني العلء بن هلل‪ ،‬عن عمار الدهني‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس ـ رضي ا ّ‬
‫ـ قال‪) :‬إن الكرسي الذي وسع السموات والرض لموضع القدمين‪ ،‬ول يعلم قدر العرش إل الذي خلقه(‪.‬‬
‫وذكر من حديث أسد بن موسي‪ ،‬ثنا حماد بن سلمة عن زر عن ابن مسعود قال‪) :‬ما بين السماء الدنيا والتي تليها‬
‫مسيرة خمسمائة عام‪ ،‬وبين كل سماء خمسمائة عام‪ ،‬وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام‪ ،‬وبين الكرسي‬
‫ل فوق العرش‪ ،‬وهو يعلم ما أنتم عليه(‪.‬‬
‫والماء خمسمائة عام‪ ،‬والعرش فوق الماء‪ ،‬وا ّ‬
‫ثم قال في ]باب اليمان بالحجب[‬
‫ل عما يقول الظالمون علًوا كبيًرا‪،‬‬
‫ل بائن ‪ /‬من خلقه يحتجب عنهم بالحجب‪ ،‬فتعالى ا ّ‬
‫قال‪ :‬ومن قول أهل السنة‪ :‬إن ا ّ‬
‫ت َكِلَمًة َتْخُرُج ِمْن َأْفَواِهِهْم ِإن َيُقوُلوَن ِإّل َكِذًبا{ ]الكهف‪ ،[5:‬وذكر آثاًرا في الحجب‪.‬‬
‫}َكُبَر ْ‬
‫ثم قال في‪]:‬باب اليمان بالنزول[‬
‫ل ينزل إلى سماء الدنيا‪ ،‬ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حًدا‪ ،‬وذكر الحديث من‬
‫قال‪ :‬ومن قول أهل السنة‪) :‬إن ا ّ‬
‫طريق مالك وغيره(‪ .‬إلى أن قال‪ :‬وأخبرني وهب‪ ،‬عن ابن وضاح‪ ،‬عن الزهري‪ ،‬عن ابن عباد‪ ،‬قال‪ :‬ومن أدركت‬
‫ضْيل بن عياض‪ ،‬وعيسى بن المبارك وَوِكيع‪ ،‬كانوا يقولون‪ :‬إن النزول حق‪ .‬قال ابن‬
‫من المشائخ‪ :‬مالك وسفيان‪ ،‬وُف َ‬
‫حّد فيه حًدا‪ ،‬وسألت عنه ابن معين‪ ،‬فقال‪ :‬نعم‬
‫ي عن النزول قال‪ :‬نعم أومن به‪ ،‬ول أ ِ‬
‫عِد ّ‬
‫ضاح‪ :‬وسألت يوسف بن َ‬
‫َو ّ‬
‫حّد فيه حًدا ‪.‬‬
‫ُأقّر به‪ ،‬ول أ ِ‬
‫ن في كتاب‬
‫ضا ـ َبّي ٌ‬
‫ل ـ عز وجل ـ على العرش في السماء دون الرض‪ ،‬وهو ـ أي ً‬
‫قال محمد‪ :‬وهذا الحديث يبين أن ا ّ‬
‫ج ِإَلْيِه{‬
‫ض ُثّم َيْعُر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال تعالى‪ُ} :‬يَدّبُر ا َْ‬
‫ل‪ ،‬وفي غير حديث عن رسول ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫عَلْيُكْم‬
‫ل َ‬
‫سَ‬
‫سَماء َأن ُيْر ِ‬
‫ي َتُموُر َأْم َأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ض َفِإَذا ِه َ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫]السجدة‪ ،[5:‬وقال تعالى‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ح َيْرَفُعُه{‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫جِميًعا ِإَلْيِه َي ْ‬
‫ن ُيِريُد اْلِعّزَة َفِلّلِه اْلِعّزُة َ‬
‫صًبا{ ]الملك‪ ،[17 ،16:‬وقال تعالى‪َ}:‬من َكا َ‬
‫حا ِ‬
‫َ‬
‫ي{ ]آل‬
‫ك ِإَل ّ‬
‫ك َوَراِفُع َ‬
‫سى ِإّني ُمَتَوّفي َ‬
‫عي َ‬
‫عَباِدِه{ ]النعام‪ [18:‬وقال تعالى‪َ} :‬يا ِ‬
‫ق ِ‬
‫]فاطر‪ ،[10:‬وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو اْلَقاِهُر َفْو َ‬
‫ل ِإَلْيِه{ ]النساء‪.[158:‬‬
‫عمران‪ [55:‬وقال‪َ}:‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬

‫ل؟( ‪ /‬قالت‪ :‬في السماء‪ .‬قال‪) :‬من أنا؟( قالت‪:‬‬
‫وذكر من طريق مالك قول النبي صلى ال عليه وسلم للجارية‪) :‬أين ا ّ‬
‫ل‪ .‬قال‪) :‬فاعتقها(‪ .‬قال‪ :‬والحاديث مثل هذا كثيرة جًدا‪ ،‬فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في‬
‫أنت رسول ا ّ‬
‫الرض‪ ،‬ل إله إل هو العلى العظيم‪.‬‬
‫ل وبما جاءت به أنبياؤه ورسله‪،‬‬
‫ل تعالى وأسمائه[ قال‪ :‬واعلم بأن أهل العلم با ّ‬
‫وقال قبل ذلك في ]اليمان بصفات ا ّ‬
‫يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علًما‪ ،‬والعجز عما لم يدع إليه إيماًنا‪ ،‬وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته‬
‫وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه‪.‬‬
‫شِهيٌد‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫شَهادًة ُق ِ‬
‫يٍء َأْكَبُر َ‬
‫ش ْ‬
‫ي َ‬
‫ل َأ ّ‬
‫جَهُه{ ]القصص‪ ،[88 :‬وقال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل َو ْ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫يٍء َهاِل ٌ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫وقد قال ـ وهو أصدق القائلين ـ‪ُ} :‬ك ّ‬
‫ت ِفيِه ِمن ّروِحي{ ]ص‪:‬‬
‫خ ُ‬
‫سّوْيُتُه َوَنَف ْ‬
‫سُه{ ]آل عمران‪ ،[28:‬وقال‪َ} :‬فِإَذا َ‬
‫ل َنْف َ‬
‫حّذُرُكُم ا ّ‬
‫ِبْيِني َوَبْيَنُكْم{ ]النعام‪ ،[19:‬وقال‪َ} :‬وُي َ‬
‫ت‬
‫غّل ْ‬
‫ل َمْغُلوَلٌة ُ‬
‫ت اليهود َيُد ا ّ‬
‫عْيِني{ ]طه‪ ،[93:‬وقال‪َ} :‬وَقاَل ِ‬
‫عَلى َ‬
‫صَنَع َ‬
‫عُيِنَنا{ ]الطور‪ ،[48:‬وقال‪َ} :‬وِلُت ْ‬
‫ك ِبَأ ْ‬
‫‪ [72‬وقال‪َ} :‬فِإّن َ‬
‫ضُتُه َيْوَم اْلِقَياَمِة{ الية ]الزمر‪،[67:‬‬
‫جِميًعا َقْب َ‬
‫ض َ‬
‫لْر ُ‬
‫ن{ ]المائدة‪ ،[64 :‬وقال‪َ} :‬وا َْ‬
‫طَتا ِ‬
‫سو َ‬
‫ل َيَداُه َمْب ُ‬
‫َأْيِديِهْم وَُلِعُنوْا ِبَما َقاُلوْا َب ْ‬
‫ل ُموَسى َتْكِليًما{ ]النساء‪.[164:‬‬
‫سَمُع َوَأَرى{ ]طه‪ ،[64:‬وقال‪َ} :‬وَكّلَم ا ّ‬
‫خاَفا ِإّنِني َمَعُكَما َأ ْ‬
‫ل َت َ‬
‫ل َ‬
‫وقال‪َ} :‬قا َ‬
‫ل َنْوٌم ّلُه َما‬
‫سَنٌة َو َ‬
‫خُذُه ِ‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫ي اْلَقّيوُم َ‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫ض{ الية ]النور‪ ،[35:‬وقال‪} :‬ا ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ُنوُر ال ّ‬
‫وقال تعالى‪} :‬ا ُّ‬
‫شاء‬
‫ل ِبَما َ‬
‫عْلِمِه ِإ ّ‬
‫ن ِ‬
‫يٍء ّم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫خْلَفُهْم َو َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫ل ِبِإْذِنِه َيْعَلُم َما َبْي َ‬
‫عْنَدُه ِإ ّ‬
‫شَفُع ِ‬
‫ض َمن َذا اّلِذي َي ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ِفي ال ّ‬
‫ظاِهرُ‬
‫خُر َوال ّ‬
‫لِ‬
‫ل َوا ْ‬
‫لّو ُ‬
‫ظيُم{ الية ]البقرة‪ ،[255:‬وقال‪ُ}:‬هَو ا َْ‬
‫ي اْلَع ِ‬
‫ظُهَما َوُهَو اْلَعِل ّ‬
‫حْف ُ‬
‫ل َيُؤوُدُه ِ‬
‫ض َو َ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫سّيُه ال ّ‬
‫سَع ُكْر ِ‬
‫َو ِ‬
‫طُن{ ]الحديد‪ ،[3:‬ومثل هذا في القرآن كثير‪.‬‬
‫َواْلَبا ِ‬

‫‪/‬فهو ـ تبارك وتعالى ـ نور السموات والرض‪ ،‬كما أخبرعن نفسه‪ ،‬وله وجه‪ ،‬ونفس‪ ،‬وغير ذلك مما وصف به نفسه‪،‬‬
‫ويسمع‪ ،‬ويرى‪ ،‬ويتكلم‪ ،‬هو الول ل شيء قبله‪ ،‬والخر الباقي إلى غير نهاية ول شيء بعده‪ ،‬والظاهر العالى فوق‬
‫سَنٌة ول نوم‪.‬‬
‫يٍء َعِليٌم{ ]الحديد‪ [3:‬قيوم حي ل تأخذه ِ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫كل شيء‪ ،‬والباطن‪ ،‬بطن علمه بخلقه فقال‪َ} :‬وُهَو ِبُك ّ‬
‫وذكر ]أحاديث الصفات[ ثم قال‪ :‬فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه‪ ،‬ووصفه بها نبيه‪ ،‬وليس في شيء‬
‫صيُر{ ]الشورى‪ .[11:‬لم تره العيون فتحده كيف هو‪،‬‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫يٌء َوُهَو ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫منها تحديد ول تشبيه‪ ،‬ول تقدير‪َ} :‬لْي َ‬
‫ولكن رأته القلوب في حقائق اليمان ا‪.‬هـ‪.‬‬
‫وكلم الئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره‪ ،‬وكذلك كلم الناقلين لمذهبهم‪ ،‬مثل ما ذكره أبو‬
‫سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في ]الغنية عن الكلم وأهله[ قال‪] :‬فأما ما سألت عنه من الصفات‪ ،‬وما جاء‬
‫منها في الكتاب والسنة‪ ،‬فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها‪ ،‬ونفي الكيفية والتشبيه عنها‪ ،‬وقد نفاها‬
‫ل‪ ،‬وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف‪ ،‬وإنما القصد في‬
‫قوم فأبطلوا ما أثبته ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه‪.‬‬
‫سلوك الطريقة المستقيمة بين المرين‪ ،‬ودين ا ّ‬
‫‪/‬والصل في هذا‪ :‬أن الكلم في الصفات فرع على الكلم في الذات‪ ،‬ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله‪ .‬فإذا كان معلوًما‬
‫أن إثبات الباري ـ سبحانه ـ إنما هو إثبات وجود ل إثبات كيفية‪ ،‬فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود ل إثبات‬
‫تحديد وتكييف‪.‬‬
‫ل لنفسه‪ ،‬ولسنا نقول‪ :‬إن معنى اليد القوة أو النعمة‪،‬‬
‫فإذا قلنا‪ :‬يد وسمع‪ ،‬وبصر وما أشبهها‪ ،‬فإنما هي صفات أثبتها ا ّ‬
‫ول معنى السمع والبصر العلم‪ ،‬ول نقول‪ :‬إنها جوارح‪ ،‬ول نشبهها باليدي والسماع والبصار‪ ،‬التي هي جوارح‬
‫وأدوات للفعل‪ ،‬ونقول‪ :‬إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لن التوقيف ورد بها‪ ،‬ووجب نفي التشبيه عنها؛ لن ا ّ‬
‫ل‬
‫ليس كمثله شيء‪ ،‬وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات[‪ .‬هذا كله كلم الخطابي ‪.‬‬
‫وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له‪ ،‬أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك‪.‬‬
‫وهذا الكلم الذي ذكره الخطابي قد نقل نحًوا منه من العلماء من ل يحصى عددهم‪ ،‬مثل أبي بكر السماعيلي‪ ،‬والمام‬
‫يحيى بن عمار السجزي‪ ،‬وشيخ السلم أبي إسماعيل الهروي صاحب ]منازل السائرين[‪ ،‬و]ذم الكلم[ وهو أشهر‬
‫من أن يوصف‪ ،‬وشيخ السلم أبي عثمان الصابوني‪ ،‬وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪/‬وقال أبو نعيم الصبهاني‪ ،‬صاحب ]الحلية[ في عقيدة له‪ ،‬قال في أولها‪] :‬طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة‪،‬‬
‫وإجماع المة[ قال‪] :‬فمما اعتقدوه أن الحاديث التي ثبتت عن النبي صلى ال عليه وسلم في العرش واستواء ا ّ‬
‫ل‬
‫يقولون بها‪ ،‬ويثبتونها‪ ،‬من غير تكييف‪ ،‬ول تمثيل‪ ،‬ول تشبيه‪ ،‬وأن الّ بائن من خلقه والخلق بائنون منه‪ ،‬ل يحل فيهم‬
‫ول يمتزج بهم‪ ،‬وهو مستو على عرشه في سمائه‪ ،‬دون أرضه وخلقه[‪.‬‬
‫ل فوق سمواته‪ ،‬عا ٍ‬
‫ل‬
‫وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه ـ ]محجة الواثقين‪ ،‬ومدرجة الوامقين[ تأليفه ـ‪] :‬وأجمعوا أن ا ّ‬
‫ل عليه كما تقول الجهمية أنه بكل مكان‪ ،‬خلًفا لما نزل في كتابه‪َ}:‬أَأِمنُتم ّمن ِفي‬
‫على عرشه‪ ،‬مستٍِو عليه‪ ،‬ل مستو ٍِ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬له العرش المستوى‬
‫ن عََلى اْلَعْر ِ‬
‫حَم ُ‬
‫ب{ ]فاطر‪} ،[10:‬الّر ْ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫سَماء{ ]الملك‪ِ} ،[16:‬إَلْيِه َي ْ‬
‫ال ّ‬
‫ض{ ]البقرة ‪. [255:‬‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫سّيُه ال ّ‬
‫سَع ُكْر ِ‬
‫عليه‪ ،‬والكرسي الذي وسع السموات والرض‪ ،‬وهو قوله‪َ}:‬و ِ‬
‫وكرسيه جسم‪ ،‬والرضون السبع والسموات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلة‪ ،‬وليس كرسيه علمه كما قالت‬
‫الجهمية‪ ،‬بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه‪ ،‬كما قاله النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأنه ـ تعالى‬
‫صّفا‬
‫ك َ‬
‫جاء َرّبكَ َواْلَمَل ُ‬
‫وتقدس ـ يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملئكة صّفا صّفا؛ كما قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ،[22:‬وزاد النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬و)إنه ـ تعالى وتقدس ـ يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين‬
‫َ‬
‫شاء{‬
‫ب َمن َي َ‬
‫شاء َوُيَعّذ ُ‬
‫عباده‪ ،‬فيغفر لمن يشاء من ‪ /‬مذنبي الموحدين‪ ،‬ويعذب من يشاء(‪ ،‬كما قال تعالى‪َ}:‬فَيْغِفُر ِلَمن َي َ‬
‫]البقرة‪.[284:‬‬
‫وقال المام العارف معمر بن أحمد الصبهاني ـ شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلده ـ قال ‪ :‬أحببت أن‬
‫أوصي أصحابي بوصية من السنة‪ ،‬وموعظة من الحكمة‪ ،‬وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والثر بل كيف‪ ،‬وأهل‬
‫ل استوى على عرشه بل كيف‪ ،‬ول تشبيه‪ ،‬ول‬
‫المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين‪ .‬قال فيها‪] :‬وأن ا ّ‬
‫تأويل‪ ،‬والستواء معقول والكيف فيه مجهول‪ ،‬وأنه ـ عز وجل ـ مستٍِو على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬والخلق منه‬
‫بائنون‪ ،‬بل حلول ول ممازجة ول اختلط‪ ،‬ول ملصقة؛ لنه الفرد البائن من الخلق‪ ،‬الواحد الغني عن الخلق ‪.‬‬
‫ل ـ عز وجل ـ سميع‪ ،‬بصير‪ ،‬عليم‪ ،‬خبير‪ ،‬يتكلم‪ ،‬ويرضى‪ ،‬ويسخط‪ ،‬ويضحك‪ ،‬ويعجب ‪،‬ويتجلى لعباده يوم‬
‫وأن ا ّ‬
‫القيامة ضاحًكا‪ ،‬وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء‪) ،‬فيقول‪ :‬هل من داع ـ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر‬
‫له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر(‪ ،‬ونزول الرب إلى السماء بل كيف ول تشبيه‪ ،‬ول تأويل‪ .‬فمن أنكر‬
‫النزول أو تأول فهو مبتدع ضال‪ ،‬وسائر الصفوة من العارفين على هذا[ ا‪.‬هـ ‪.‬‬
‫وقال الشيخ المام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلل في ]كتاب السنة[‪ :‬ثنا أبو بكر الثرم‪ ،‬ثنا إبراهيم بن‬
‫الحارث ـ يعني العبادي ـ حدثنا الليث‪ /‬بن يحيى قال ‪ :‬سمعت إبراهيم بن الشعث ـ قال أبو بكر‪ :‬هو صاحب الفضيل ـ‬
‫ل ـ تعالى ـ وصف نفسه فأبلغ فقال ‪:‬‬
‫ل كيف هو؛ لن ا ّ‬
‫قال‪ :‬سمعت الفضيل بن عياض يقول‪ :‬ليس لنا أن نتوهم في ا ّ‬
‫صَمُد َلْم َيِلْد َوَلْم ُيوَلْد َوَلْم َيُكن ّلُه ُكُفًوا َأَحٌد{ ]الخلص[ فل صفة أبلغ مما وصف به نفسه ‪.‬‬
‫ل ال ّ‬
‫حٌد ا ُّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ُهوَ ا ُّ‬
‫}ُق ْ‬
‫وكل هذا النزول والضحك‪ ،‬وهذه المباهاة‪ ،‬وهذا الطلع‪ ،‬كما يشاء أن ينزل‪ ،‬وكما يشاء أن يباهي‪ ،‬وكما يشاء أن‬
‫يضحك‪ ،‬وكما يشاء أن يطلع‪ ،‬فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف ‪ .‬فإذا قال الجهمي‪ :‬أنا أكفر برب يزول عن مكانه‪ ،‬فقل‬
‫‪ :‬بل أومن برب يفعل ما يشاء ‪.‬‬
‫ونقل هذا عن الفضيل جماعة‪ ،‬منهم البخاري في ]أفعال العباد[‪.‬‬
‫ونقل شيخ السلم بإسناده في كتابه ]الفاروق[ فقال ‪ :‬ثنا يحيي بن عمار‪ ،‬ثنا أبي‪ ،‬ثنا يوسف بن يعقوب‪ ،‬ثنا حََرم ّ‬
‫ي‬
‫بن على البخاري‪ ،‬وهانئ بن النضر‪ ،‬عن الفضيل‪.‬‬
‫وقال عمرو بن عثمان المكي ـ في كتابه الذي سماه ‪] :‬التعرف بأحوال العباد والمتعبدين[ ـ قال‪] :‬باب ما يجيء به‬
‫الشيطان للتائبين[ وذكر أنه يوقعهم في القنوط‪ ،‬ثم في الغرور وطول المل‪ ،‬ثم في التوحيد‪ .‬فقال ‪] :‬من أعظم ما‬
‫يوسوس في التوحيد بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه‪ ،‬أو بالجحد لها والتعطيل[‪ ،‬فقال بعد ذكر حديث‬
‫الوسوسة ‪:‬‬

‫عَرض[‪ .‬في مجاري فكرك‪ ،‬أو خطر في معارضات قلبك‪،‬‬
‫سَنح ]أي‪َ :‬‬
‫ل ما توهمه قلبك‪ ،‬أو َ‬
‫ل ـ أن ُك ّ‬
‫‪/‬واعلم ـ رحمك ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ بغير ذلك‪ ،‬بل هو‬
‫من حسن‪ ،‬أو بهاء‪ ،‬أو ضياء‪ ،‬أو إشراق أو جمال‪ ،‬أو سنح مسائل‪ ،‬أو شخص متمثل‪ ،‬فا ّ‬
‫حٌد{‬
‫يٌء{ ]الشورى‪ ،[11:‬وقوله‪َ} :‬وَلْم َيُكن ّلُه ُكُفًوا َأ َ‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫ـ تعالى ـ أعظم وأجل وأكبر‪ ،‬أل تسمع لقوله‪َ} :‬لْي َ‬
‫]الخلص‪ [4:‬أى‪ :‬ل شبيه ول نظير ول مساوي ول مثل‪ ،‬أو لم تعلم أنه لما تجلي للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ‬
‫ل في كتابه من نفسه عن نفسه‬
‫سلطانه؟ فكما ل يتجلى لشيء إل اندك‪ ،‬كذلك ل يتوهمه أحد إل هلك‪ .‬فرد بما بين ا ّ‬
‫التشبيه والمثل‪ ،‬والنظير والكفء ‪.‬‬
‫فإن اعتصمت بها وامتنعت منه‪ ،‬أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب ـ تعالى وتقدس ـ في كتابه وسنة رسوله محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال لك‪ :‬إذا كان موصوًفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لنه اللعين إنما يريد أن‬
‫يستزلك ويغويك‪ ،‬ويدخلك في صفات الملحدين‪ ،‬الزائغين‪ ،‬الجاحدين لصفة الرب ـ تعالى ‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ واحد ل كالحاد‪ ،‬فرد صمد‪ ،‬لم يلد ولم يولد‪ ،‬ولم يكن له كفًوا أحد ـ إلى أن‬
‫ل تعالى ـ أن ا ّ‬
‫واعلم ـ رحمك ا ّ‬
‫سِنّية‪ ،‬فكانت واقعة في قديم الزل بصدق الحقائق‪ ،‬لم يستحدث ـ تعالى ـ صفة كان منها‬
‫قال ـ ‪:‬خلصت له السماء ال ّ‬
‫خلًيا‪ ،‬واسًما كان منه برًيا‪ ،‬تبارك وتعالى‪ ،‬فكان هادًيا سيهدي‪ ،‬وخالًقا سيخلق‪ ،‬ورازًقا سيرزق‪ ،‬وغافًرا سيغفر‪،‬‬
‫وفاعلً سيفعل‪ ،‬ولم يحدث له ‪/‬الستواء إل وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل‪ ،‬فهو يسمي به في جملة فعله ‪.‬‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ [22:‬بمعنى‪ :‬أنه سيجيء‪ ،‬فلم يستحدث السم بالمجيء‪،‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ل تعالى ‪َ} :‬و َ‬
‫كذلك قال ا ّ‬
‫وتخلف الفعل لوقت المجيء‪ ،‬فهو جاء سيجيء‪ ،‬ويكون المجيء منه موجوًدا بصفة ل تلحقه الكيفية ول التشبيه؛ لن‬
‫ذلك فعل الربوبية فيستحسر العقل‪ ،‬وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود‪ ،‬فل تذهب في أحد‬
‫الجانبين‪ ،‬ل معطل ول مشبًها‪ ،‬وارض ل بما رضي به لنفسه‪ ،‬وقف عند خبره لنفسه مسلًما‪ ،‬مستسلًما‪ ،‬مصدًقا‪ ،‬بل‬
‫مباحثة التنفير‪ ،‬ول مناسبة التنقير ‪.‬‬
‫ل ل الشجرة‪ ،‬الجائي قبل أن يكون جائًيا‪ ،‬ل أمره‪ ،‬المتجلي لوليائه في‬
‫إلى أن قال‪:‬فهو ـ تبارك وتعالى ـ القائل‪ :‬أنا ا ّ‬
‫المعاد‪ ،‬فتبيض به وجوههم‪ ،‬وَتْفُلج ]أي‪ :‬تظهر وتثبت[‪ .‬به على الجاحدين حجتهم‪ ،‬المستوى على عرشه بعظمة‬
‫جّيا‪.‬‬
‫ل؛ لنه قربه َن ِ‬
‫جلله فوق كل مكان‪ ،‬تبارك وتعالى الذى كلم موسى تكليما‪ ،‬وأراه من آياته‪ ،‬فسمع موسى كلم ا ّ‬
‫تقدس أن يكون كلمهم مخلوًقا أو محدًثا أو مربوًبا‪ ،‬الوارث بخلقه لخلقه‪ ،‬السميع لصواتهم‪ ،‬الناظر بعينه إلى‬
‫أجسامهم‪ ،‬يداه مبسوطتان‪ ،‬وهما غير نعمته‪ ،‬خلق آدم ونفخ فيه من روحه ـ وهو أمره ـ تعالى وتقدس ـ أن يحل بجسم‬
‫أو يمازج بجسم أو يلصق به‪ ،‬تعالى عن ذلك علًوا كبيًرا‪ ،‬الشائي له المشيئة‪ ،‬العالم له العلم‪ ،‬الباسط يديه بالرحمة‪،‬‬
‫النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب‪ /‬إليه خلقه بالعبادة‪ ،‬وليرغبوا إليه بالوسيلة‪ ،‬القريب في قربه من حبل الوريد‪،‬‬
‫البعيد في علوه من كل مكان بعيد‪ ،‬ول يشبه بالناس ‪.‬‬
‫لْرضَ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ ،[10:‬القائل }َأَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫إلى أن قال‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫ف َنِذيِر{ ]الملك‪ ،[17، 16:‬تعالى وتقدس أن يكون‬
‫ن َكْي َ‬
‫سَتْعَلُمو َ‬
‫صًبا َف َ‬
‫حا ِ‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫ل َ‬
‫سَ‬
‫سَماء َأن ُيْر ِ‬
‫ي َتُموُر َأْم َأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫َفِإَذا ِه َ‬

‫في الرض كما هو في السماء‪ ،‬جل عن ذلك علًوا كبيًرا " ا‪.‬هـ ‪.‬‬
‫ل الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي‪ ،‬في كتابه المسمى ]َفْهم القرآن[‪ ،‬قال في كلمه على‬
‫وقال المام أبو عبد ا ّ‬
‫ل وصفاته‪ ،‬ول أسماءه‪،‬‬
‫الناسخ والمنسوخ‪ ،‬وأن النسخ ل يجوز في الخبار‪ ،‬قال ‪ :‬ل يحل لحد أن يعتقد أن مدح ا ّ‬
‫يجوز أن ينسخ منها شيء ‪.‬‬
‫إلى أن قال ‪ :‬وكذلك ل يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا‪ ،‬أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى‪ ،‬فيصف نفسه بأنه جاهل‬
‫ببعض الغيب‪ ،‬بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب‪ ،‬وأنه ل يبصر ما قد كان‪ ،‬ول يسمع الصوات‪ ،‬ول قدرة له‪ ،‬ول يتكلم‪،‬‬
‫ول كلم كان منه‪ ،‬وأنه تحت الرض‪ ،‬ل على العرش‪ ،‬جل وعل عن ذلك ‪.‬‬
‫فإذا عرفت ذلك واستيقنته‪ ،‬علمت ما يجوز عليه النسخ وما ل يجوز‪ ،‬فإن تلوت آية في ظاهر تلوتها تحسب أنها‬
‫حّتى‬
‫ت{ اليات ]يونس‪ ،[90:‬وقال‪َ} :‬وَلَنْبُلَوّنُكْم َ‬
‫ل آَمن ُ‬
‫ق َقا َ‬
‫حّتى ِإَذا َأْدَرَكُه اْلَغَر ُ‬
‫ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون‪َ } :‬‬
‫صاِبِريَن{ ]محمد‪.[31:‬‬
‫ن ِمنُكْم َوال ّ‬
‫جاِهِدي َ‬
‫َنْعَلَم اْلمُ َ‬

‫ل أن قوم فرعون‬
‫ل عنى أن ينجيه ببدنه من النار‪ ،‬لنه آمن عند الغرق‪ ،‬وقال‪ :‬إنما ذكر ا ّ‬
‫‪ /‬وقال‪ :‬قد تأول قوم‪ :‬أن ا ّ‬
‫ب{ ]غافر‪ ،[45:‬ولم يقل‪:‬‬
‫سوُء اْلَعَذا ِ‬
‫ن ُ‬
‫عْو َ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫حاقَ ِبآ ِ‬
‫ر{ ]هود‪ ،[98:‬وقال ‪َ} :‬و َ‬
‫يدخلون النار دونه وقال‪َ} :‬فَأْوَرَدُهُم الّنا َ‬
‫لُ َنَكاَل اْلِخَرِة َواُْلوَلى{ ]النازعات‪ [25:‬كذلك‬
‫خَذُه ا ّ‬
‫ل تعالى يقول‪َ} :‬فَأ َ‬
‫ل؛ لن ا ّ‬
‫بفرعون‪ .‬قال ‪ :‬وهكذا الكذب على ا ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ عن أن يستأنف‬
‫صَدُقوا{ ]العنكبوت‪ [3:‬فأقر التلوة على استئناف العلم من ا ّ‬
‫ن َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫قوله‪َ} :‬فَلَيْعَلَم ّ‬
‫ق َوُهَو‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫علًما بشيء؛ لنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه ـ نجده ضرورة ـ قال ‪َ} :‬أ َ‬
‫ف اْلَخِبيُر{ ]الملك‪ [14:‬قال ‪ :‬وإنما قوله‪َ} :‬حّتى َنْعَلَم اْلُمَجاِهِديَن{ ]محمد‪ [31:‬إنمايريد حتى نراه‪ ،‬فيكون معلوًما‬
‫طي ُ‬
‫الّل ِ‬
‫موجوًدا؛ لنه ل جائز أن يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن يكون‪ ،‬ويعلمه موجوًدا كان قد كان‪ ،‬فيعلم في وقت‬
‫واحد معدوًما موجوًدا وإن لم يكن‪ ،‬وهذا محال ‪.‬‬
‫وذكر كلًما في هذا في الرادة ‪.‬‬
‫إلى أن قال ‪ :‬وكذلك قوله‪ِ} :‬إّنا َمَعُكم ّمْسَتِمُعوَن{ ]الشعراء‪ ،[15:‬ليس معناه أن يحدث له سمًعا‪ ،‬ول تكلف بسمعما كان‬
‫عا في ذاته‪ ،‬فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع‬
‫من قولهم‪ ،‬وقد ذهب قوم من ]أهل السنة[ أن ل استما ً‬
‫عَمُلوْا‬
‫لا ْ‬
‫لما كان من قول؛ لن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت‪ ،‬وكذلك قوله‪َ} :‬وُق ِ‬
‫ل َعَمَلُكْم َوَرُسوُلُه{ ]التوبة‪ [105:‬ل يتحدث بصًرا محدًثا في ذاته‪ ،‬إنما يحدث الشيء فيراه مكوًنا‪ ،‬كما لم يزل‬
‫سَيَرى ا ّ‬
‫َف َ‬
‫يعلمه قبل كونه ‪.‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪،[5:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫عَباِدِه{ ]النعام‪ ،[18 :‬وقوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ق ِ‬
‫‪/‬إلى أن قال‪ :‬وكذلك قوله تعالى‪َ} :‬وُهَو اْلَقاِهُر َفْو َ‬
‫صاِلُح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪. [10:‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم الطّّي ُ‬
‫سَماء{ ]الملك ‪ ،[61:‬وقوله‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫وقوله‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫لِئَكُة َوالّروُح ِإَلْيِه{ ]المعارج‪،[4:‬‬
‫ج اْلَم َ‬
‫ج ِإَلْيِه{ ]السجدة ‪ [5:‬وقال‪َ} :‬تْعُر ُ‬
‫ض ُثّم َيْعُر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫وقال‪ُ} :‬يَدّبُر ا َْ‬
‫ن َكَفُروْا{ الية ]آل عمران‪ ،[55:‬وقال‪َ} :‬بل‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ك ِم َ‬
‫طّهُر َ‬
‫ي َوُم َ‬
‫ك ِإَل ّ‬
‫ك َوَراِفُع َ‬
‫سى ِإّني ُمَتَوّفي َ‬
‫عي َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫لا ّ‬
‫وقال لعيسى‪ِ} :‬إْذ َقا َ‬
‫ك َل َيْسَتْكِبُروَن َعْن ِعَباَدِتِه{ ]العراف‪.[206:‬‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ن ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل ِإَلْيِه{ ]النساء‪ [158:‬وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ّرَفَعُه ا ّ‬
‫لْبَتَغْوْا‬
‫ن ِإًذا ّ‬
‫ن َمَعُه آِلَهٌة َكَما َيُقوُلو َ‬
‫ل‪ ،‬حيث هو‪ ،‬فقال‪ُ} :‬قل ّلْو َكا َ‬
‫وذكر اللهة‪ ،‬أن لو كان آلهة لبتغوا إلى ذي العرش سبي ً‬
‫ك اَْلْعَلى{ ]العلى‪[1:‬‬
‫سَم َرّب َ‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫ل{ ]السراء‪ [24:‬أي طلبه‪ ،‬وقال‪َ } :‬‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬

‫ل ‪ :‬فلن ينسخ ذلك لهذا أبًدا ‪.‬‬
‫قال أبو عبد ا ّ‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبلِ اْلَوِريِد{ ]ق‪:‬‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫ض ِإَلٌه{ ]الزخرف‪ ،[84:‬وقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي ا َْ‬
‫كذلك قوله‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫ل ُهَو‬
‫لَثٍة ِإ ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫جهَرُكْم{ ]النعام‪ ،[3:‬وقوله‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫سّرُكْم َو َ‬
‫ض َيْعَلُم ِ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوِفي ا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫‪ ،[16‬وقوله‪َ} :‬وُهَو ا ّ‬
‫َراِبُعُهْم{ الية ]المجادلة ‪ ،[7:‬فليس هذا بناسخ لهذا‪ ،‬ول هذا ضد لذلك ‪.‬‬
‫ل أراد الكون بذاته‪ ،‬فيكون في أسفل الشياء‪ ،‬أو ينتقل فيها لنتقالها‪ ،‬ويتبعض‬
‫واعلم أن هذه اليات ليس معناها أن ا ّ‬
‫ل‪/‬‬
‫فيها على أقدارها‪ ،‬ويزول عنها عند فنائها‪ ،‬جل وعز عن ذلك‪ ،‬وقد نزع بذلك بعض أهل الضلل‪ ،‬فزعموا أن ا ّ‬
‫تعالى في كل مكان بنفسه كائًنا‪ ،‬كما هو على العرش‪ ،‬ل فرقان بين ذلك‪ ،‬ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه‬
‫في قولهم ما نفوه؛ لن كل من يثبت شيًئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه‪ ،‬واحتجوا بهذه اليات أن‬
‫ل ـ تعالى ـ في كل شيء بنفسه كائًنا‪ ،‬ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا ‪ :‬ل كالشيء في الشيء ‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫ل{ ]التوبة‪ [105:‬و}ِإّنا َمَعُكم ّمْسَتِمُعوَن{ ]الشعراء‪[15:‬‬
‫سَيَرى ا ّ‬
‫حّتى َنْعَلَم{ ]محمد‪َ} [31:‬ف َ‬
‫ل لنا قوله ‪َ } :‬‬
‫قال أبو عبد ا ّ‬
‫فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجوًدا‪ ،‬ويسمعه مسموعا‪ ،‬ويبصره مبصًرا‪ ،‬ل على استحداث علم ول‬
‫سمعول بصر ‪.‬‬
‫وأما قوله‪َ} :‬وِإَذا َأَرْدَنا{ ]السراء‪ : [16:‬إذا جاء وقت كون المراد فيه ‪.‬‬
‫ق ِعَبادِِه{ ]النعام‪َ} ،[18:‬أَأِمنُتم ّمن ِفي الّسَماء{]الملك‪:‬‬
‫سَتَوى{ ]طه‪َ} ،[5:‬وُهَو اْلَقاِهُر َفْو َ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫وأن قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫لِئَكُة َوالّروُح ِإَلْيِه{ ]المعارج‪[4:‬‬
‫ج اْلَم َ‬
‫ل{ ]السراء‪ [42:‬فهذا وغيره مثل قوله‪َ} :‬تْعُر ُ‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫‪ِ} ،[16‬إًذا ّ‬

‫ب{ ]فاطر‪ [10:‬هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش‪ ،‬فوق الشياء كلها‪ ،‬منزه عن الدخول في‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫}ِإَلْيِه َي ْ‬
‫سَماء‬
‫خلقه‪ ،‬ل يخفي عليه منهم خافية؛ لنه أبان في هذه اليات أنه أرادأنه بنفسه فوق عباده؛ لنه قال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ض{ ]الملك ‪ [16:‬يعني فوق العرش‪ ،‬والعرش على السماء؛ لن من قد كان فوق كل شيء على‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫َأن َي ْ‬
‫ض{ ]التوبة‪ [2:‬يعني‪ :‬على الرض‪ ،‬ل يريد الدخول‬
‫لْر ِ‬
‫حوْا ِفي ا َ‬
‫سي ُ‬
‫السماء‪ ،‬في السماء‪ ،‬وقد قال مثل ذلك في قوله‪َ} :‬ف ِ‬
‫ض{ ]المائدة‪ [26:‬يعني‪ :‬على الرض‪ ،‬ل يريد الدخول في جوفها وكذلك‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َ‬
‫سَنًة َيِتيُهو َ‬
‫في جوفها‪ ،‬وكذلك قوله‪َ } :‬‬
‫صّلَبّنُكْم ِفي ُجُذوِع الّنْخِل{ ]طه‪ [17:‬يعني‪ :‬فوقها عليها‪.‬‬
‫ل َ‬
‫قوله‪َ} :‬و َُ‬
‫ض{ ]الملك ‪ [16:‬ولم يصل‪ ،‬فلم يكن لذلك معنى ـ إذا‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء{ ثم فصل فقال‪َ} :‬أن َي ْ‬
‫‪/‬وقال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫فصل قوله‪ّ} :‬من ِفي الّسَماء{ ثم استأنف التخويف بالخسف ـ إل أنه على عرشه فوق السماء ‪.‬‬
‫ن‬
‫ح ِإَلْيِه ِفي َيْوٍم َكا َ‬
‫لِئَكُة َوالّرو ُ‬
‫ج اْلَم َ‬
‫ج ِإَلْيِه{ ]السجدة ‪ ،[5:‬وقال‪َ} :‬تْعُر ُ‬
‫ض ُثّم َيْعُر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫وقال تعالى‪ُ} :‬يَدّبُر ا َْ‬
‫ف َسَنٍة{ ]المعارج‪ ،[4:‬فبين عروج المر وعروج الملئكة‪ ،‬ثم وصف وقت صعودها بالرتفاع‬
‫ن َأْل َ‬
‫سي َ‬
‫خْم ِ‬
‫ِمْقَداُرُه َ‬
‫ف ّسّنة{ ]المعارج‪ [4:‬فقال‪ :‬صعودها إليه وفصله من قوله إليه‪ ،‬كقول‬
‫ن ّأل ّ‬
‫سي ّ‬
‫خم ٌ‬
‫ن ٌمًقّدارٍه ّ‬
‫صاعدة إليه فقال‪ٌ} :‬في ّيوُم ّكا ّ‬

‫القائل‪ :‬اصعد إلى فلن في ليلة أو يوم ‪ .‬وذلك أنه في العلو وإن صعودك إليه في يوم‪ ،‬فإذا صعدوا إلى العرش فقد‬
‫ل ـ عز وجل ـ‪ ،‬وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الرتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الرض‪،‬‬
‫صعدوا إلى ا ّ‬
‫ل ِإَلْيِه{ ]النساء‪ [158:‬ولم يقل‪ :‬عنده ‪.‬‬
‫وعرجوا بالمر إلى العلو‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫ك ُزّينَ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا َوَكَذِل َ‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫وقال فرعون‪َ} :‬يا َهاَما ُ‬
‫ظّنُه‬
‫لُ‬
‫ب{ ]غافر‪ ،[37، 36:‬ثم استأنف الكلم فقال‪َ} :‬وِإّني َ‬
‫ل ِفي َتَبا ٍ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫عْو َ‬
‫ل َوَما َكْيُد ِفْر َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫صّد َ‬
‫عَمِلِه َو ُ‬
‫سوُء َ‬
‫عْونَ ُ‬
‫ِلِفْر َ‬
‫َكاِذًبا{ ]غافر‪ [37:‬فيما قال لي أن إلهه فوق السموات ‪.‬‬

‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال‪ ،‬وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه‬
‫فبين ا ّ‬
‫ش‪ :‬البستان‪ ،‬ويطلق على‬
‫ح ّ‬
‫شه ]ال ُ‬
‫حّ‬
‫كاذب‪ ،‬ولو أن موسى قال ‪ :‬إنه في كل مكان بذاته‪ ،‬لطلبه في بيته‪ ،‬أو في بدنه‪ ،‬أو ُ‬
‫ل ضخًما[‪.‬‬
‫صْرح‪ :‬بيت واحد ُيبنى مفرًدا طوي ً‬
‫ل عن ذلك‪ ،‬ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح ]ال ّ‬
‫مخرج الغائط[‪ ،‬فتعالى ا ّ‬
‫ل ‪ :‬وأما الي التي يزعمون أنها قد وصلها ـ ولم يقطعها كما قطع الكلم الذي أراد به أنه على عرشه ـ‬
‫‪/‬قال أبو عبد ا ّ‬
‫سُهْم َو َ‬
‫ل‬
‫ساِد ُ‬
‫سٍة ِإلّ ُهَو َ‬
‫خْم َ‬
‫ل َ‬
‫ل ُهَو َراِبُعُهْم َو َ‬
‫لَثٍة ِإ ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫ض َما َيُكو ُ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َيْعَلُم َما ِفي ال ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫فقال‪َ} :‬أَلْم َتَر َأ ّ‬
‫يٍء َعِليٌم{ فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ِبُك ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫عِمُلوا َيْوَم اْلِقَياَمِة ِإ ّ‬
‫ن َما َكاُنوا ُثّم ُيَنّبُئُهم ِبَما َ‬
‫ل ُهَو َمَعُهْم َأْي َ‬
‫ل َأْكَثَر ِإ ّ‬
‫ك َو َ‬
‫َأْدَنى ِمن َذِل َ‬
‫يٍء َعِليٌم{ ]المجادلة‪.[7:‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ِبُك ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫مع كل مناج‪ ،‬ثم ختم الية بالعلم بقوله ‪ِ} :‬إ ّ‬
‫فبدأ بالعلم‪ ،‬وختم بالعلم‪ ،‬فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا‪ ،‬ل يخفون عليه‪ ،‬ول يخفي عليه مناجاتهم ‪ .‬ولو اجتمع‬
‫القوم في أسفل‪ ،‬وناظر إليهم في العلو‪ ،‬فقال ‪ :‬إني لم أزل أراكم‪ ،‬وأعلم مناجاتكم لكان صادًقا ـ ول المثل العلى أن‬
‫يشبه الخلق ـ فإن أَبْوا إل ظاهر التلوة وقالوا‪ :‬هذا منكم دعوى‪ ،‬خرجوا عن قولهم في ظاهر التلوة؛ لن من هو مع‬
‫الثنين فأكثر‪ ،‬هو معهم ل فيهم‪ ،‬ومن كان مع شيء خل جسمه‪ ،‬وهذا خروج من قولهم ‪.‬‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ ،[16:‬لن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء‪ ،‬ففي‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫وكذلك قوله تعالى ‪َ} :‬وَن ْ‬
‫ض ِإَلٌه{ ]الزخرف‪:‬‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي ا َْ‬
‫ظاهر التلوة على دعواهم أنه ليسفي حبل الوريد ‪ .‬وكذلك قوله ‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫ض{ ]الملك‪ [16:‬ـ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء{ثم قطع فقال ‪َ} :‬أن َي ْ‬
‫‪ [84‬لم يقل‪ :‬في السماء ثم قطع ـ كما قال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ض ِإَلٌه{ يعني‪ :‬إله أهل السماء وإله أهل الرض وذلك موجود في اللغة‪ ،‬تقول ‪:‬‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي ا َْ‬
‫فقال‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫فلن أمير في خراسان‪ ،‬وأمير في بلخ‪ ،‬وأمير في سمرقند؛ وإنما هو في موضع واحد‪ ،‬ويخفي عليه ما وراءه فكيف‬
‫العالي فوق الشياء‪ ،‬ل يخفي عليه شيء من الشياء يدبره‪ ،‬فهو إله فيهما ‪ /‬إذ كان مدبًرا لهما‪ ،‬وهو على عرشه‬
‫وفوق كل شيء‪ ،‬تعالى عن الشباه والمثال[ ‪ .‬ا‪.‬هـ ‪.‬‬
‫ل محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه ]اعتقاد التوحيد بإثبات السماء والصفات[‪ ،‬قال في آخر‬
‫وقال المام أبو عبد ا ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه‪ ،‬قول واحًدا‬
‫خطبته ‪] :‬فاتفقت أقوال المهاجرين والنصار في توحيد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ذلك حتى قال‪) :‬عليكم بسنتي( وذكر الحديث‪.‬‬
‫عا ظاهًرا‪ ،‬وهم الذين نقلوا عن رسول ا ّ‬
‫وشر ً‬
‫ل من أحدث حدًثا( قال ‪ :‬فكانت كلمة الصحابة على التفاق من غير اختلف ـ وهم الذين ُأمرنا بالخذ‬
‫وحديث )لعن ا ّ‬

‫ل تعالى في أحكام التوحيد‪ ،‬وأصول الدين من ]السماء والصفات[‪ ،‬كما اختلفوا في‬
‫عنهم؛ إذ لم يختلفوا بحمد ا ّ‬
‫الفروع‪ ،‬ولو كان منهم في ذلك اختلف لنقل إلينا‪ ،‬كما نقل سائر الختلف ـ فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم‬
‫وعامتهم‪ ،‬حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان‪ ،‬فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين‪ ،‬حتى نقلوا ذلك قرًنا بعد‬
‫ل المنة ‪.‬‬
‫قرن؛ لن الختلف كان عندهم في الصل كفر‪ ،‬و ّ‬
‫ل أقول ـ ‪ :‬إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر السماء والصفات على خلف منهج المتقدمين‪،‬‬
‫ثم إني قائل ـ وبا ّ‬
‫من الصحابة والتابعين‪ ،‬فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الثار‪ ،‬ولم يعقلوا قولهم بذكر الخبار‪ ،‬وصار معولهم‬
‫على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به‪ ،‬على مخالفة السنة والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما‬
‫وافق النفوس‪ ،‬فتأولوا على ما وافق هواهم ‪/‬وصححوا بذلك مذهبهم‪ :‬احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين‪ ،‬ومأخذ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أمته ومنع‬
‫المؤمنين‪ ،‬ومنهاج الولين؛ خوًفا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول ا ّ‬
‫المستجيبين له حتى حذرهم‪.‬‬
‫ن أحََدكم(‬
‫ل خروج النبي صلى ال عليه وسلم وهم يتنازعون في القدر وغضبه‪ ،‬وحديث )ل ُأْلَفَي ّ‬
‫ثم ذكرأبو عبد ا ّ‬
‫وحديث )ستفترق أمتي على ثلث وسبعين فرقة( فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه‪ ،‬ثم قال ‪ :‬فلزم المة قاطبة‬
‫معرفة ما كان عليه الصحابة‪ ،‬ولم يكن الوصول إليه إل من جهة التابعين لهم بإحسان‪ ،‬المعروفين بنقل الخبار ممن‬
‫ل يقبل المذاهب المحدثة‪ ،‬فيتصل ذلك قرًنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والمانة‪ ،‬الحافظين على المة مالهم وما‬
‫عليهم من إثبات السنة ـ إلى أن قال‪:‬‬
‫ل عز وجل[ في كتابه‪ ،‬وما بّين صلى ال عليه وسلم‬
‫فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر ]أسماء ا ّ‬
‫من ]صفاته[ في سنته‪ ،‬وما وصف به ـ عز وجل ـ مما سنذكر قول القائلين بذلك‪ ،‬مما ل يجوز لنا في ذلك أن نرده‬
‫إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك‪ ،‬ومما قد أمرنا بالستسلم له ـ إلى أن قال‪:‬‬
‫ل تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والقرار باللوهية‪ ،‬أن ذكر ـ تعالى ـ في كتابه بعد التحقيق‪ ،‬بما بدأ من‬
‫ثم إن ا ّ‬
‫ل‪ ،‬إلى أن‬
‫أسمائه وصفاته‪ ،‬وأكد ـ عليه السلم ـ بقوله‪/ ،‬فقبلوا منه كقبولهم لوائل التوحيد من ظاهر قوله ‪ :‬ل إله إل ا ّ‬
‫حّذُرُكُم‬
‫سي{ ]طه‪ ،[41:‬وقال‪َ} :‬وُي َ‬
‫ك ِلَنْف ِ‬
‫طَنْعُت َ‬
‫صَ‬
‫قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل‪ .‬فقال لموسى عليه السلم ‪َ} :‬وا ْ‬
‫ل َنْفَسُه{ ]آل عمران‪. [28،30:‬‬
‫ا ّ‬
‫لُم‬
‫عّ‬
‫ت َ‬
‫ك َأن َ‬
‫ك ِإّن َ‬
‫سَ‬
‫عَلُم َما ِفي َنْف ِ‬
‫ل َأ ْ‬
‫سي َو َ‬
‫ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ـ عليه السلم ـ فقال ‪َ} :‬تْعَلُم َما ِفي َنْف ِ‬
‫ب َرّبُكْم َعَلى َنْفِسِه الّرْحَمَة{ ]النعام ‪.[45:‬‬
‫ب{ ]المائدة ‪ ،[116:‬وقال عز وجل‪َ} :‬كَت َ‬
‫اْلُغُيو ِ‬

‫ل عز وجل ‪ :‬من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي(‪،‬‬
‫وأكد ـ عليه السلم ـ صحة إثبات ذلك في سنته فقال ‪) :‬يقول ا ّ‬
‫ل رضا نفسه(‪ ،‬وقال في محاجة آدم‬
‫وقال‪) :‬كتب كتاًبا بيده على نفسه‪ :‬إن رحمتي غلبت غضبي(‪ ،‬وقال‪) :‬سبحان ا ّ‬
‫سا‪ ،‬وأثبت له الرسول‬
‫ل واصطنعك لنفسه( فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نف ً‬
‫لموسى‪) :‬أنت الذي اصطفاك ا ّ‬
‫يٌء{‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫ل ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه‪ ،‬ويكون ذلك مبنًيا على ظاهر قوله‪َ} :‬لْي َ‬
‫ذلك‪ ،‬فعلى من صدق ا ّ‬
‫]الشورى‪. [11:‬‬
‫ثم قال ‪ :‬فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ـ عليه السلم ـ بنقل العدل عن العدل‪ ،‬حتى يتصل به‬
‫ل علينا في كتابه‪ ،‬ووصف به نفسه‪ ،‬ووردت السنة بصحة ذلك أن قال‪} :‬ا ُّ‬
‫ل‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإن مما قضى ا ّ‬
‫ض{ ]النور‪ [35:‬ثم قال عقيب ذلك ‪ّ} :‬نوٌر َعَلى ُنوٍر{ ]النور‪ ،[35:‬وبذلك دعاه ‪ /‬صلى ال عليه‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ُنوُر ال ّ‬
‫حاتُ‬
‫سُب َ‬
‫وسلم‪) :‬أنت نور السموات والرض( ثم ذكر حديث أبي موسى ‪) :‬حجابه النور ـ أو النار ـ لو كشفه لحرقت ُ‬
‫وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه( وقال‪ :‬سبحات وجهه‪ :‬جلله ونوره‪ ،‬نقله عن الخليل وأبي عبيد‪ ،‬وقال ‪ :‬قال عبد‬
‫ل بن مسعود‪ :‬نّور السموات نوُر وجهه ‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫ي اْلَقّيوُم{ ]البقرة‪ .[255:‬والحديث‪) :‬يا‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫ثم قال‪ :‬ومما ورد به النص أنه حي‪ ،‬وذكر قوله تعالى ‪} :‬ا ّ‬
‫ل إلى عباده أن وصف نفسه‪ ،‬أن له وجًها موصوًفا بالجلل‬
‫حي‪ ،‬يا قيوم‪ ،‬برحمتك أستغيث( ‪ ،‬قال‪ :‬ومما تعرف ا ّ‬
‫والكرام فأثبت لنفسه وجها ـ وذكر اليات ‪.‬‬

‫ل ـ عز وجل ـ ل ينام‪ ،‬موافق لظاهر الكتاب ‪:‬‬
‫ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم‪ ،‬فقال‪ :‬في هذا الحديث من أوصاف ا ّ‬
‫}َل َتْأخُُذُه ِسَنٌة َوَل َنْوٌم{ ]البقرة‪ ،[255:‬وأن له ]وجًها[ موصوًفا بالنوار‪ ،‬وأن له ]بصًرا[ كماعلمنا في كتابه أنه سميع‬
‫بصير ‪.‬‬
‫ثم ذكر الحاديث في إثبات الوجه‪ ،‬وفي إثبات السمع والبصر‪ ،‬واليات الدالة على ذلك‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ تعرف إلى عباده المؤمنين‪ ،‬أن قال ‪ :‬له يدان قد بسطهما بالرحمة‪ ،‬وذكر الحاديث في‬
‫ثم قال ‪ :‬ثم إن ا ّ‬
‫ذلك‪ ،‬ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت‪.‬‬
‫‪/‬ثم ذكر حديث ‪):‬يلقى في النار وتقول‪ :‬هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله( وهي رواية البخاري‪ ،‬وفي رواية أخرى‬
‫‪) :‬يضع عليها قدمه(‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وذكر قول‬
‫ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس‪ :‬أن الكرسي موضع القدمين‪ ،‬وأن العرش ل يقدر قدره إل ا ّ‬
‫مسلم البطين نفسه‪ ،‬وقول السدى‪ ،‬وقول وهب بن منبه‪ ،‬وأبي مالك‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬موضع قدميه‪ ،‬وبعضهم يقول‪:‬‬
‫واضع رجليه عليه‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فهذه الروايات قد رويت عن هؤلء من صدر هذه المة‪ ،‬موافقة لقول النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬متداولة في‬
‫القوال‪ ،‬ومحفوظة في الصدر‪ ،‬ول ينكر خلف عن السلف‪ ،‬ول ينكر عليهم أحد من نظرائهم‪ ،‬نقلتها الخاصة والعامة‬
‫ل صلى ال عليه وسلم عن‬
‫مدونة في كتبهم‪ ،‬إلى أن حدث في آخر المة من قلل ال عددهم‪ ،‬ممن حذرنا رسول ا ّ‬
‫مجالستهم ومكالمتهم‪ ،‬وأمرنا أل نعود مرضاهم‪ ،‬ول نشيع جنائزهم‪ ،‬فقصد هؤلء إلى هذه الروايات فضربوها‬
‫بالتشبيه‪ ،‬وعمدوا إلى الخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس‪ ،‬وكفر المتقدمين وأنكروا على الصحابة‬
‫والتابعين‪ ،‬وردوا على الئمة الراشدين‪ ،‬فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل ‪.‬‬
‫ثم ذكر المأثور عن ابن عباس‪ ،‬وجوابه لنجدة الحروري‪ ،‬ثم حديث ]الصورة[‪ ،‬وذكر أنه صنف فيه كتاًبا مفرًدا‪،‬‬
‫واختلف الناس في تأويله ‪ /.‬ثم قال ‪ :‬وسنذكر أصول السنة وما ورد من الختلف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل‬
‫ل‪.‬‬
‫الزيغ‪ ،‬وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة ـ إن شاء ا ّ‬
‫ثم ذكر الخلف في المامة واحتج عليها‪ ،‬وذكر اتفاق المهاجرين والنصار على تقديم ]الصديق[ وأنه أفضل المة ‪.‬‬
‫ثم قال ‪ :‬وكان الختلف في ]خلق الفعال[‪ :‬هل هي مقدرة أو ل؟ قال‪ :‬وقولنا فيها‪ :‬إن أفعال العباد مقدرة معلومة‪،‬‬
‫وذكر إثبات القدر ‪ .‬ثم ذكر الخلف في أهل ]الكبائر[ ومسألة ]السماء والحكام[ وقال ‪ :‬قولنا فيها إنهم مؤمنون على‬
‫ل‪ ،‬إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم ‪.‬‬
‫الطلق وأمرهم إلى ا ّ‬
‫وقال ‪ :‬أصل اليمان موهبة يتولد منها أفعال العباد‪ ،‬فيكون أصل التصديق والقرار والعمال‪ ،‬وذكر الخلف في‬
‫زيادة اليمان ونقصانه ‪ .‬وقال‪ :‬قولنا إنه يزيد وينقص ‪ .‬قال ‪ :‬ثم كان الختلف في القرآن مخلوقا وغير مخلوق‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وإليه يعود حكًما ‪ .‬ثم ذكر الخلف‬
‫ل‪ ،‬منه بدأ قو ً‬
‫ل غير مخلوق‪ ،‬وأنه صفة ا ّ‬
‫فقولنا وقول أئمتنا‪ :‬إن القرآن كلم ا ّ‬
‫ل يرى في القيامة‪ ،‬وذكر الحجة‪.‬‬
‫في الرؤية وقال ‪ :‬قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد إن ا ّ‬
‫ل ـ أني ذكرت أحكام الختلف على ما ورد من ترتيب المحّدثين في كل الزمنة‪ ،‬وقد بدأت‬
‫ثم قال ‪ :‬اعلم ـ رحمك ا ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ له عرش‪ ،‬وهوعلى عرشه فوق سبع‬
‫أن أذكر أحكام الجمل من العقود ‪ .‬فنقول ونعتقد‪ :‬إن ا ّ‬
‫ض{‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ُ} ،[5:‬يَدّبُر ا َْ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫سمواته‪/‬بكل أسمائه وصفاته؛ كما قال ‪} :‬الّر ْ‬
‫]السجدة ‪ ،[5:‬ول نقول‪ :‬إنه في الرض كما هو في السماء على عرشه لنه عالم بما يجري على عباده‪ُ} :‬ثّم َيْعُر ُ‬
‫ج‬
‫ِإَلْيِه{ ]السجدة‪. [5:‬‬
‫ل ـ تعالى ـ خلق الجنة والنار‪ ،‬وأنهما مخلوقتان للبقاء‪ ،‬ل للفناء‪ .‬إلى أن قال‪ :‬ونعتقد أن النبي‬
‫إلى أن قال‪ :‬ونعتقد أن ا ّ‬
‫ل قبض قبضتين فقال‪) :‬هؤلء للجنة‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم عرج بنفسه إلى سدرة المنتهي ‪ .‬إلى أن قال‪ :‬ونعتقد أن ا ّ‬
‫وهؤلء للنار( ‪.‬‬

‫ضا‪ ،‬ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع‪ .‬وذكر ]الصراط[ و ]الميزان[ و‬
‫ونعتقد أن للرسول صلى ال عليه وسلم حو ً‬
‫]الموت[ وأن المقتول قتل بأجله واستوفي رزقه ‪.‬‬
‫ل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الخر؛ فيبسط يده فيقول‪) :‬أل هل من‬
‫إلى أن قال‪ :‬ومما نعتقد أن ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ كلم‬
‫سائل( الحديث‪ ،‬وليلة النصف من شعبان‪ ،‬وعشية عرفة‪ ،‬وذكر الحديث في ذلك‪ .‬قال ‪ :‬ونعتقد أن ا ّ‬
‫خّلة غير الفقر‪ ،‬ل كما قال أهل البدع ‪.‬‬
‫موسى تكليًما‪ ،‬واتخذ إبراهيم خليل‪ ،‬وأن ال ُ‬
‫ل ـ تعالى ـ خص محمًدا صلى ال عليه وسلم بالرؤية‪ ،‬واتخذه خليل كما اتخذ إبراهيم خليل ‪ .‬ونعتقد أن‬
‫ونعتقد أن ا ّ‬
‫ل ِعنَدهُ ِعْلُم الّساَعِة{ الية ]لقمان‪.[43:‬‬
‫ن ا َّ‬
‫ل‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ اختص بمفتاح خمس من الغيب ل يعلمها إل ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫‪ /‬ونعتقد المسح على الخفين ثلًثا للمسافر‪ ،‬ويوًما وليلة للمقيم ‪ .‬ونعتقد الصبر على السلطان من قريش‪ ،‬ما كان من‬
‫جور أو عدل‪ ،‬ما أقام الصلة من الجمع والعياد‪ .‬والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة‪ ،‬والصلة في الجماعة حيث‬
‫ينادى لها واجب؛ إذا لم يكن عذر أو مانع‪ ،‬والتراويح سنة‪ ،‬ونشهد أن من ترك الصلة عمًدا فهو كافر‪ ،‬والشهادة‬
‫ل ينزلهم؛‬
‫والبراءة بدعة‪ ،‬والصلة على من مات من أهل القبلة سنة‪ ،‬ول ننزل أحًدا جنة ول ناًرا حتى يكون ا ّ‬
‫والمراء والجدال في الدين بدعة‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ونترحم على عائشة ونترضى عنها‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أمرهم إلى ا ّ‬
‫ونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول ا ّ‬
‫والقول في اللفظ والملفوظ‪ ،‬وكذلك في السم والمسمى بدعة‪ ،‬والقول في اليمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة ‪.‬‬
‫واعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجمل من غير استقصاء؛ إذ تقدم‬
‫القول من مشائخنا المعروفين من أهل البانة والديانة‪ ،‬إل أني أحببت أن أذكر ]عقود أصحابنا المتصوفة[‪ ،‬فيما‬
‫ل تعالى المذهب وأهله من ذلك‪.‬‬
‫أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه ا ّ‬
‫إلى أن قال‪ :‬وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سماه‪] :‬التبصير[‪ ،‬كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلف‬
‫ل ـ تعالى ـ فذكر عن‬
‫عندهم‪،‬وسألوه أن يصنف لهم‪ /‬ما يعتقده ويذهب إليه‪ ،‬فذكر في كتابه اختلف القائلين برؤية ا ّ‬
‫طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والخرة ‪.‬‬
‫ونسب هذه المقالة إلى ]الصوفية[ قاطبة لم يخص طائفة‪ ،‬فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم‪ ،‬وكان‬
‫ل أعلم محله عند المخلصين‪،‬‬
‫من نسب إليه ذلك القول ـ بعد أن ادعى على الطائفة ـ ابن أخت عبد الواحد بن زيد‪ ،‬وا ّ‬
‫فكيف بابن أخته‪ .‬وليس إذا أحدث الزائغ في نحلته قول نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث‬
‫قول في الفقه‪ ،‬وليس فيه حديث يناسب ذلك‪ ،‬ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين ‪.‬‬
‫واعلم أن لفظ ]الصوفية[ وعلومهم تختلف‪ ،‬فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم‪ ،‬ومرموزات وإشارات تجرى فيما‬
‫بينهم‪ ،‬فمن لم يداخلهم على التحقيق‪ ،‬ونازل ما هم عليه‪ ،‬رجع عنهم وهو خاسئ وحسير‪.‬‬
‫ل يقول‪ .‬وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما‬
‫ثم ذكر إطلقهم لفظ ]الرؤية[ بالتقييد‪ ،‬فقال ‪ :‬كثيًرا ما يقولون‪ :‬رأيت ا ّ‬
‫ل ثم عبدته ‪ .‬فقال السائل‪ :‬كيف رأيته؟ فقال ‪ :‬لم تره البصار بتحديد‬
‫ل حين عبدته؟ قال‪ :‬رأيت ا ّ‬
‫سئل ‪ :‬هل رأيت ا ّ‬
‫العيان‪ ،‬ولكن رؤية القلوب بتحقيق اليقان‪ ،‬ثم قال ‪ :‬وإنه تعالى يرى في الخرة كما أخبر في كتابه‪ ،‬وذكره رسوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫هذا قولنا وقول أئمتنا‪ ،‬دون الجهال من أهل الغباوة فينا ‪.‬‬
‫ل حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم‪ ،‬وذكر ذلك في حجة الوداع‪ ،‬فمن زعم أنه‬
‫‪/‬وإن مما نعتقده‪ :‬أن ا ّ‬
‫ل إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين إل المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس لو بلغ العبد ما‬
‫يبلغ مع ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وقائل ذلك قائل بالباحة‪ ،‬وهم المنسلخون من الديانة ‪.‬‬
‫بلغ من العلم والعبادات ـ فذلك كفر با ّ‬
‫ل ـ تعالى ‪ .‬وبين أن ذلك ل يجوز لشتقاقه ولعدم ورود الشرع‬
‫وأن مما نعتقده ‪:‬ترك إطلق تسمية ]العشق[ على ا ّ‬
‫ل من ذكر المحبة كفاية ‪.‬‬
‫به‪ ،‬وقال ‪:‬أدنى ما فيه أنه بدعة وضللة‪ ،‬وفيما نص ا ّ‬

‫ل ل يحل في المرئيات‪ ،‬وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته‪ ،‬بائن من خلقه مستو على عرشه‪،‬‬
‫وإن مما نعتقده ‪ :‬أن ا ّ‬
‫وأن القرآنكلمه غير مخلوق ـ حيثما تلي ودرس وحفظ ـ ونعتقد أن الّ تعالى اتخذ إبراهيم خليل واتخذ نبينا محمًدا‬
‫صلى ال عليه وسلم خليل وحبيبا‪ ،‬والخلة لهما منه‪ ،‬على خلف ما قاله المعتزلة‪ :‬إن الخلة الفقر والحاجة‪ .‬إلى أن‬
‫قال‪:‬‬
‫ل هو موصوف بهما‪ ،‬ول تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه‪ ،‬وصفات الخلق من المحبة‬
‫والخلة والمحبة صفتان ّ‬
‫والخلة جائز عليها الكيف‪ ،‬فأما صفاته ـ تعالى ـ فمعلومة في العلم‪ ،‬وموجودة في التعريف‪ ،‬قد انتفي عنهما التشبيه‪،‬‬
‫فاليمان به واجب‪ ،‬واسم الكيفية عن ذلك ساقط ‪.‬‬
‫ل الغش والظلم‪ ،‬وأما من قال بتحريم تلك‬
‫ل أباح المكاسب والتجارات والصناعات‪ ،‬وإنما حرم ا ّ‬
‫‪/‬ومما نعتقده‪ :‬أن ا ّ‬
‫المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء‪ ،‬إنما حرم ا ّ‬
‫ل‬
‫ورسوله الفساد‪ ،‬ل الكسبوالتجارات؛ فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة‪ ،‬وإن مما نعتقد‪ :‬أن ا ّ‬
‫ل‬
‫ل يأمر بأكل الحلل‪ ،‬ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة؛‬
‫والمعتقدأن الرض تخلو من الحلل‪ ،‬والناس يتقلبون في الحرام‪ ،‬فهو مبتدع ضال‪ ،‬إل أنه يقل في موضع ويكثر في‬
‫موضع‪ ،‬ل أنه مفقود من الرض ‪.‬‬
‫ومما نعتقده‪ :‬أنا إذا رأينا من ظاهره جميل ل نتهمه في مكسبه وماله وطعامه‪ ،‬جائز أن يؤكل طعامه‪ ،‬والمعاملة في‬
‫تجارته‪ ،‬فليس علينا الكشف عما قاله ‪ .‬فإن سأل سائل على سبيللحتىاط‪ ،‬جاز إل من داخل الظلمة ‪.‬‬
‫ومن ينزع عن الظلم‪ ،‬وأخذ الموال بالباطل ومعه غير ذلك‪ ،‬فالسؤال والتوقي؛ كما سأل الصديق غلمه‪ ،‬فإن كان‬
‫معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الموال فاختلطا‪ ،‬فل يطلق عليه الحلل ول الحرام‪ ،‬إل أنه مشتبه؛‬
‫فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق ‪ .‬وأجازابن مسعود وسلمان الكل منه وعليه التبعة‪ ،‬والناس طبقات‪ ،‬والدي ُ‬
‫ن‬
‫الحنيفيُة السمحة ‪.‬‬
‫وإن مما نعتقد‪ :‬أن العبد مادام أحكام الدار جارية عليه‪ ،‬فل يسقط عنه ‪ /‬الخوف والرجاء‪ ،‬وكل من ادعى ]المن[ فهو‬
‫ن{‬
‫سُرو َ‬
‫خا ِ‬
‫ل اْلَقْوُم اْل َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ن َمْكَر ا ّ‬
‫ل َيْأَم ُ‬
‫ل‪ ،‬وبما أخبر به عن نفسه‪َ} :‬ف َ‬
‫جاهل با ّ‬
‫]العراف‪ ،[99:‬وقد أفردت كشف عورات من قال بذلك‪.‬‬
‫ونعتقد أن العبودية ل تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه‪ ،‬فيبقى على أحكام القوة والستطاعة؛ إذ لم يسقط‬
‫ل ذلك عن النبياء‪ ،‬والصديقين‪ ،‬والشهداء‪ ،‬والصالحين‪ ،‬ومن زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء الحرية‬
‫ا ّ‬
‫سِدّية بعلئق الخرية‪ ،‬فهو كافر ل محالة‪ ،‬إل من اعتراه علة‪ ،‬أو‬
‫بإسقاط العبودية‪ ،‬والخروج إلى أحكام الحدية الم َ‬
‫رأفة‪ ،‬فصار معتوها أو مجنوًنا أو مبرسًما‪ ،‬وقد اختلط عقله أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل‪ ،‬وذهب عنه‬
‫التمييز والمعرفة‪ ،‬فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة ‪.‬‬
‫ل صلى ال‬
‫ل ـ بغير الوحي المنزل من قول رسول ا ّ‬
‫ومن زعم الشراف على الخلق‪ ،‬يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند ا ّ‬
‫عليه وسلم ـ فهو خارج عن الملة‪ ،‬ومن ادعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم‪ ،‬وعلى ماذا يموتون عليه ويختم لهم ـ‬
‫ل‪.‬‬
‫ل وقول رسوله ـ فقد باء بغضب من ا ّ‬
‫بغير الوحي من قول ا ّ‬
‫و]الفراسة[ حق على أصول ما ذكرناه‪ ،‬وليس ذلك مما رسمناه في شيء‪ ،‬ومن زعم أن صفاته تعالى بصفاته ـ ويشير‬
‫في ذلك إلى غير آية العظمة والتوفيق والهداية ـ وأشار إلى صفاته عز وجل القديمة‪ ،‬فهو حلولي قائل باللهوتية‪،‬‬
‫واللتحام‪ ،‬وذلك كفر ل محالة‪.‬‬
‫‪ /‬ونعتقد أن الرواح كلها مخلوقة‪ ،‬ومن قال‪ :‬إنها غير مخلوقة فقد ضاهي قول النصارى ـ النسطورية ـ في المسيح‪،‬‬
‫ل فقد كفر‪ ،‬والقرآن‬
‫ل حال في العبد‪ ،‬أو قال بالتبعيض على ا ّ‬
‫ل العظيم ‪ .‬ومن قال ‪ :‬إن شيئا من صفات ا ّ‬
‫وذلك كفر با ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ وليس الدرس‬
‫ل ليس بمخلوق‪ ،‬ول حال في مخلوق؛ وأنه كيفما تلي‪ ،‬وقرئ‪ ،‬وحفظ‪ ،‬فهو صفة ا ّ‬
‫كلم ا ّ‬

‫من المدروس‪ ،‬ول التلوة من المتلو؛ لنه ـ عز وجل ـ بجميع صفاته وأسمائه غير مخلوق‪ ،‬ومن قال بغير ذلك فهو‬
‫كافر ‪.‬‬
‫ونعتقد أن القراءة ]الملحنة[ بدعة وضللة ‪.‬‬
‫ل ونعمائه وإظهار نعت الصالحين‬
‫وأن ]القصائد[ بدعة‪ ،‬ومجراها على قسمين ‪ :‬فالحسن من ذلك من ذكر آلء ا ّ‬
‫ل والقرآن والعلم أولى به‪ ،‬وما جرى على وصف المرئيات‬
‫وصفة المتقين‪ ،‬فذلك جائز‪ ،‬وتركه والشتغال بذكر ا ّ‬
‫ل كفر‪ ،‬والرقص باليقاع ونعت‬
‫ل كفر‪ ،‬واستماع الغناء والربعيات على ا ّ‬
‫ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على ا ّ‬
‫الرقاصين على أحكامالدين فسق‪ ،‬وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب ‪.‬‬
‫وحرام على كل من يسمع القصائد والربعيات الملحنة ـ الجائي بين أهل الطباع ـ على أحكام الذكر‪ ،‬إل لمن تقدم له‬
‫ل ـ تعالى ـ من ذلك‪ ،‬وما ل يليق به ـ عز وجل ـ مما‬
‫العلم بأحكام التوحيد‪ ،‬ومعرفة أسمائه وصفاته‪ ،‬وما يضاف إلى ا ّ‬
‫هو منزه عنه‪ ،‬فيكون استماعه كما قال‪} :‬اّلِذيَن َيْسَتِمُعوَن اْلَقْوَل َفَيّتِبُعوَن أَْحَسَنُه{ الية ]الزمر ‪. [18:‬‬
‫ل على غير تفصيله فهو كفر ل محالة‪ ،‬فكل من جمع القول وأصغى‬
‫‪/‬وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على ا ّ‬
‫ل ونعمائه‪ ،‬وما هو موصوفبه ـ عز وجل ـ مما‬
‫ل فغير جائز‪ ،‬إل لمن عرف بما وصفت من ذكر ا ّ‬
‫بالضافة إلى ا ّ‬
‫ليس للمخلوقين فيه نعت ول وصف‪ ،‬بل ترك ذلك أولى وأحوط‪ ،‬والصل في ذلك أنها بدعة‪ ،‬والفتنة فيها غير مأمونة‬
‫على استماع الغناء ‪.‬‬
‫و]الربعيات[ بدعة‪ ،‬وذلك مما أنكره المطلبي ومالك والثوري‪ ،‬ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬والقتداء‬
‫بهم أولى من القتداء بمن ل يعرفون في الدين‪ ،‬ول لهم قدم عند المخلصين ‪.‬‬
‫وبلغني أنه قيل لبشر بن الحارث ‪ :‬إن أصحابك قد أحدثوا شيًئا يقال له‪ :‬القصائد‪ .‬قال ‪:‬مثل إيش؟ قال‪ :‬مثل قوله ‪:‬‬
‫اصبري يانفس حتى تسكني دار الجليل‬
‫ل الذي ل إله غيره ـ ل‬
‫فقال ‪ :‬حسن ‪ .‬وأين يكون هؤلء الذين يستمعون ذلك؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ببغداد ‪ .‬فقال‪ :‬كذبوا ـ وا ّ‬
‫يسكن ببغداد من يستمع ذلك ‪.‬‬
‫ل له كان‬
‫ل‪ :‬ومما نقول ـ وهو قول أئمتنا ـ ‪ :‬إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح ا ّ‬
‫قال أبو عبد ا ّ‬
‫حْبَله( الحديث‪،‬‬
‫أعلى‪ ،‬فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬أن يأخذ أحدكم َ‬
‫ونقول ‪ :‬إن ترك المكاسب غير جائز إل بشرائط موسومة من التعفف والستغناء ‪/‬عما في أيدي الناس‪ ،‬ومن جعل‬
‫السؤال حرفةـ وهو صحيح ـ فهو مذموم في الحقيقة خارج ‪.‬‬
‫ونقول ‪ :‬إن المستمع إلى )الغناء‪ ،‬والملهي( فإن ذلك كما قال ـ عليه السلم ـ‪) :‬الغناء ينبت النفاق في القلب(‪ ،‬وإن لم‬
‫يكفر فهو فسق ل محالة ‪.‬‬
‫والذي نختار ‪ :‬قول أئمتنا ‪ :‬أن ترك المراء في الدين‪ ،‬والكلم في اليمان مخلوق أو غير مخلوق‪ ،‬ومن زعم أن‬
‫ل‪ ،‬ومن قال بإسقاط الوسائط على‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم واسط يؤدى‪ ،‬وأن المرسل إليهم أفضل ـ فهو كافر با ّ‬
‫الجملة فقد كفر ‪ .‬ا‪.‬هـ ‪.‬‬
‫ومن متأخريهم الشيخ المام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلني‪ ،‬قال في كتاب ]الغنية[‪ :‬أما معرفة الصانع‬
‫ل واحد أحد ‪ .‬إلى أن قال ‪:‬‬
‫باليات والدللت على وجه الختصار‪ ،‬فهو أن يعرف ويتيقن أن ا ّ‬
‫صاِل ُ‬
‫ح‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫وهو بجهة العلو مستو على العرش‪ ،‬محتو على الملك‪ ،‬محيط علمه بالشياء }ِإَلْيِه َي ْ‬
‫ف َسَنٍة ّمّما َتُعّدوَن{ ]السجدة ‪[5:‬؛‬
‫ن ِمْقَداُرُه َأْل َ‬
‫ج ِإَلْيِه ِفي َيْوٍم َكا َ‬
‫ض ُثّم َيْعُر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ُ} ،[10:‬يَدّبُر ا َْ‬
‫سَتَوى{‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ول يجوز وصفه بأنه في كل مكان‪ ،‬بل يقال‪ :‬إنه في السماء على العرش‪ ،‬كما قال ‪} :‬الّر ْ‬

‫]طه‪.[5:‬‬

‫‪/‬وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال‪ :‬وينبغي إطلق صفة الستواء من غير تأويل‪ ،‬وأنه استواء الذات على العرش قال‪:‬‬
‫وكونه على العرش مذكوٌر في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بل كيف ‪ .‬وذكر كلما طويل ل يحتمله هذا‬
‫الموضع‪ ،‬وذكر في سائر الصفات نحو هذا ‪.‬‬
‫ولو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جًدا ‪.‬‬
‫قال أبوعمر بن عبد البر ‪ :‬روينا عن مالك بن أنس‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬وسفيان بن عيينة‪ ،‬والوزاعي‪ ،‬ومعمر بن‬
‫راشد ]في أحاديث الصفات[ أنهم كلهم قالوا ‪ :‬أِمّروها كما جاءت؛ قال أبو عمر‪ :‬ما جاء عن النبي صلى ال عليه‬
‫ل عنهم ـ فهو علم يَُدان به‪ ،‬وما أحدث بعدهم ـ ولم يكن له أصل‬
‫وسلم مننقل الثقات أو جاء عنه أصحابه ـ رضي ا ّ‬
‫فيما جاء عنهم ـ فهو بدعة وضللة ‪.‬‬
‫وقال في ]شرح الموطأ[ لما تكلم على حديث النزول‪ ،‬قال ‪ :‬هذا حديث ثابت النقل صحيح من جهة السناد‪ ،‬ول‬
‫يختلف أهل الحديث في صحته‪ ،‬وهو منقول من طرق ـ سوى هذه ـ من أخبار العدول عن النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ل في السماء على العرش استوى من فوق سبع سموات‪ ،‬كما قالت الجماعة‪ ،‬وهو من حجتهم على‬
‫وفيه دليل على أن ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ في كل مكان بذاته المقدسة ‪.‬‬
‫]المعتزلة[ في قولهم ‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل ـ وذكر بعض اليات ـ‪ /‬إلى أن قال‪ :‬وهذا أشهر وأعرف عند‬
‫قال‪ :‬والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول ا ّ‬
‫العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد‪ ،‬ول أنكره عليهم مسلم‪.‬‬
‫ضا‪ :‬أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله‪:‬‬
‫وقال أبو عمر بن عبد البر أي ً‬
‫لَثٍة ِإّل ُهَو َراِبُعُهْم{ ]المجادلة‪ :[7:‬هو على العرش وعلمه في كل مكان‪ ،‬وما خالفهم في‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫ض َما َيُكو ُ‬
‫لْر ِ‬
‫}ا َْ‬
‫ذلك من يحتج بقوله‪.‬‬
‫ضا‪ :‬أهل السنة مجمعون على القرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة‪ ،‬واليمان بها‪ ،‬وحملها‬
‫وقال أبوعمر أي ً‬
‫حّدون فيه صفة محصورة‪.‬‬
‫على الحقيقة‪ ،‬ل على المجاز‪ ،‬إل أنهم ل يكيفون شيئا من ذلك‪ ،‬ول َي ُ‬
‫وأما أهل البدع ـ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج ـ فكلهم ينكرونها‪ ،‬ول يحملون شيئا منها على الحقيقة‪ ،‬ويزعمون‬
‫ل وسنة رسول‬
‫أن من أقر بها مشبه‪ ،‬وهم عند من أقر بها نافون للمعبود‪ ،‬والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهم أئمة الجماعة‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫هذا كلم ابن عبد البر إمام أهل المغرب‪.‬‬
‫وفي عصره الحافظ أبوبكر البيهقي‪ ،‬مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الشعري‪ ،‬وذبه عنهم‪ ،‬قال‪ :‬في‬
‫كتابه ]السماء والصفات[‪:‬‬
‫س َما‬
‫ل َيا ِإْبِلي ُ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬قا َ‬
‫باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين ـ ل من حيث الجارحة ـ لورود خبر‪ /‬الصادق به‪ ،‬قال ا ّ‬
‫طَتاِن{ ]المائدة‪.[46:‬‬
‫سو َ‬
‫ل َيَداُه َمْب ُ‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وقال‪َ} :‬ب ْ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫جَد ِلَما َ‬
‫سُ‬
‫ك َأن َت ْ‬
‫َمَنَع َ‬

‫وذكر الحاديث الصحاح في هذا الباب‪ ،‬مثل قوله في غير حديث‪ ،‬في حديث الشفاعة‪) :‬يا آدم‪ ،‬أنت أبو البشر خلقك‬
‫ل بكلمه‪ ،‬وخط لك اللواح بيده(‪ ،‬وفي لفظ‪:‬‬
‫ل بيده(‪ ،‬ومثل قوله في الحديث المتفق عليه‪) :‬أنت موسى اصطفاك ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫)وكتب لك التوراة بيده(‪ ،‬ومثل ما في صحيح مسلم )أنه ـ سبحانه ـ غرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده( ‪ ،‬ومثل‬
‫خْبَزته في‬
‫خْبَزًة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم ُ‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬تكون الرض يوم القيامة ُ‬
‫خْبَزة‪ :‬هي عجين يوضع في الرماد الحار حتى ينضج‪ .‬والمعنى‪ :‬أن ال يميل الرض‬
‫السفر؛ ُنُزلً لهل الجنة( ]وال ُ‬
‫من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي كالرغيف العظيم‪ ،‬ويكون ذلك طعاًما نزل لهل الجنة[‪.‬‬
‫ل يبسط يده بالليل ليتوب‬
‫وذكر أحاديث مثل قوله‪) :‬بيدي المر(‪) ،‬والخير في يديك(‪) ،‬والذي نفس محمد بيده( و)إن ا ّ‬
‫ل على منابر من نور عن يمين‬
‫مسيء النهار‪ ،‬ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل(‪ ،‬وقوله‪) :‬المقسطون عند ا ّ‬

‫ل السموات يوم القيامة‪ ،‬ثم يأخذهن بيده اليمنى‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬أين‬
‫الرحمن‪ ،‬وكلتا يديه يمين(‪ ،‬وقوله‪) :‬يطوي ا ّ‬
‫الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الرضين بشماله ثم يقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟(‪.‬‬
‫حاء الليل والنهار‪ ،‬أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والرض‪ ،‬فإنه لم‬
‫سّ‬
‫ضها نفقة‪َ ،‬‬
‫ل ملى ل َيِغي ُ‬
‫وقوله‪) :‬يمين ا ّ‬
‫يغض ما في يمينه وعرشه على الماء‪ /،‬وبيده الخرى القسط يخفض ويرفع( وكل هذه الحاديث في الصحاح‪.‬‬
‫ل لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان‪:‬اختر أيهما شئت‪ .‬قال‪ :‬اخترت يمين ربي‪ ،‬وكلتا‬
‫ضا ـ قوله‪) :‬إن ا ّ‬
‫وذكر ـ أي ً‬
‫ل لما خلق آدم مسح على ظهره بيده( إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع‪.‬‬
‫يدىربي يمين مباركة(‪ ،‬وحديث‪) :‬إن ا ّ‬
‫ثم قال البيهقي‪ :‬أما المتقدمون من هذه المة‪ ،‬فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من اليات والخبار في هذا الباب‪ ،‬وكذلك قال‬
‫في ]الستواء على العرش[ وسائر الصفات الخبرية‪ ،‬مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين‪.‬‬
‫وقال القاضي أبو يعلى في كتاب ]إبطال التأويل[‪ :‬ل يجوز رد هذه الخبار ول التشاغل بتأويلها‪ ،‬والواجب حملها‬
‫ل‪ ،‬ل تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق‪ ،‬ول يعتقد التشبيه فيها‪ ،‬لكن على ما‬
‫على ظاهرها‪ ،‬وأنها صفات ا ّ‬
‫روى عن المام أحمد وسائر الئمة‪.‬‬
‫وذكر بعض كلم الزهري‪ ،‬ومكحول‪ ،‬ومالك‪ ،‬والثوري‪ ،‬والوزاعي والليث‪ ،‬وحماد ابن زيد‪ ،‬وحماد بن سلمة‪،‬‬
‫وسفيان بن عيينة‪ ،‬والفضيل بن عياض‪ ،‬وَوِكيع‪ ،‬وعبد الرحمن بن مهدي‪ ،‬والسود بن سالم‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪،‬‬
‫وأبي عبيد‪ ،‬ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا الباب‪ .‬وفي حكاية ألفاظهم طول‪ .‬إلى أن قال‪:‬‬
‫‪/‬ويدل على إبطال التأويل‪ :‬أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها‪ ،‬ولم يتعرضوا لتأويلها ول‬
‫صرفوها عن ظاهرها‪ ،‬فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة‪.‬‬
‫وقال أبو الحسن على بن إسماعيل الشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلم‪ ،‬في كتابه الذي صنفه‬
‫في ]اختلف المصلين‪ ،‬ومقالت السلميين[ وذكر فرق الروافض‪ ،‬والخوارج‪ ،‬والمرجئة‪ ،‬والمعتزلة وغيرهم‪.‬‬
‫ل وملئكته‪ ،‬وكتبه‬
‫ثم قال‪] :‬مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث[ جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة‪ :‬القرار با ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ل يردون شيئا من ذلك‪ ،‬وأن‬
‫ل تعالى‪ ،‬وما رواه الثقات عن رسول ا ّ‬
‫ورسله‪ ،‬وبما جاء عن ا ّ‬
‫ل واحد أحد‪ ،‬فرد صمد‪ ،‬ل إله غيره‪ ،‬لم يتخذ صاحبة ول ولًدا‪ ،‬وأن محمًدا عبده ورسوله‪ ،‬وأن الجنة حق‪ ،‬وأن‬
‫ا ّ‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل على عرشه‪ ،‬كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫ل يبعث من في القبور‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫النارحق‪ ،‬وأن الساعة آتية ل ريب فيها‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ن{‬
‫طَتا ِ‬
‫سو َ‬
‫ل َيَداُه َمْب ُ‬
‫ي{ ]ص‪ [75:‬وكما قال‪َ} :‬ب ْ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5 :‬وأن له يدين بل كيف‪ ،‬كما قال‪َ } :‬‬
‫اْلَعْر ِ‬
‫جُه َرّبكَ‬
‫عُيِنَنا{ ]القمر‪ ،[14:‬وأن له وجًها كما قال‪َ} :‬وَيْبَقى َو ْ‬
‫جِري ِبَأ ْ‬
‫]المائدة‪ ،[64:‬وأن له عينين بل كيف‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ت ْ‬
‫لِل َواِْلْكَراِم{ ]الرحمن‪.[27:‬‬
‫جَ‬
‫ُذو اْل َ‬
‫ل علًما‪ ،‬كما قال‪َ} :‬أنَزَلُه‬
‫ل‪ ،‬كما قالت المعتزلة والخوارج‪ .‬وأقروا أن ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ ل يقال‪ :‬إنها غير ا ّ‬
‫وأن أسماء ا ّ‬
‫ضُع ِإّل ِبِعْلِمِه{ ]فصلت‪ ،[47:‬وأثبتوا له السمع والبصر‪ ،‬ولم‬
‫ل َت َ‬
‫ن ُأنَثى َو َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫حِم ُ‬
‫ِبِعْلِمِه{ ]النساء‪ ،[166:‬وكما قال‪َ} :‬وَما َت ْ‬
‫ل اّلِذي َخَلَقُهْم ُهَو َأَشّد ِمْنُهْم ُقّوًة{ ]فصلت‪:‬‬
‫ن ا َّ‬
‫ل القوة‪ ،‬كما قال‪َ} :‬أَوَلْم َيَرْوا َأ ّ‬
‫ل كما نفته المعتزلة‪ ،‬وأثبتوا ّ‬
‫ينفوا ذلك عن ا ّ‬
‫‪ ،[15‬وذكر مذهبهم في القدر‪ .‬إلى أن قال‪:‬‬
‫ل غير مخلوق‪ ،‬والكلم في اللفظ والوقف‪ ،‬من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم‪ ،‬ل‬
‫ويقولون‪ :‬إن القرآن كلم ا ّ‬
‫ل يرى بالبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة‬
‫يقال‪ :‬اللفظ بالقرآن مخلوق ول يقال‪ :‬غير مخلوق‪ ،‬ويقرون أن ا ّ‬
‫ن{‬
‫جوُبو َ‬
‫حُ‬
‫عن ّرّبِهْم َيْوَمِئٍذ ّلَم ْ‬
‫ل ِإّنُهْم َ‬
‫ل محجوبون‪ ،‬قال عز وجل‪َ} :‬ك ّ‬
‫البدر‪ ،‬يراه المؤمنون ول يراه الكافرون؛ لنهم عن ا ّ‬
‫]المطففين‪ ،[15:‬وذكر قولهم في السلم واليمان والحوض والشفاعة وأشياء‪ .‬إلى أن قال‪:‬‬
‫ويقرون بأن اليمان قول وعمل‪ ،‬يزيد وينقص‪ ،‬ول يقولون‪ :‬مخلوق‪ ،‬ول يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار‪.‬‬
‫إلى أن قال‪:‬‬

‫وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل‪ ،‬ويتنازعون فيه من دينهم‪،‬‬
‫ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك‬
‫ل صلى ال عليه وسلم؛ ل يقولون‪ :‬كيف‪ ،‬ول لم؛ لن ذلك بدعة عندهم‪ .‬إلى أن قال‪:‬‬
‫إلى رسول ا ّ‬
‫ل يقرب من خلقه‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ،[22:‬وأن ا ّ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ل يجيء يوم القيامة‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ويقرون أن ا ّ‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ .[16:‬إلى أن قال‪:‬‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫سُه َوَن ْ‬
‫س ِبِه َنْف ُ‬
‫سِو ُ‬
‫ن َوَنْعَلُم َما ُتَو ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫خَلْقَنا ا ِْ‬
‫كيف شاء‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَلَقْد َ‬
‫ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة‪ ،‬والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الثار‪ ،‬والنظر في الثار‪ ،‬والنظر في الفقه‪ ،‬مع‬
‫الستكانة والتواضع‪ ،‬وحسن الخلق مع بذل المعروف‪ ،‬وكف الذى‪ ،‬وترك الغيبة والنميمة والشكاية‪ ،‬وتفقد المآكل‬
‫والمشارب‪.‬‬
‫قال‪ :‬فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه‪ ،‬وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب‪ ،‬وما توفيقنا إل‬
‫ل‪ ،‬وهو المستعان‪.‬‬
‫با ّ‬
‫ل ليس‬
‫ضا ـ في ]اختلف أهل القبلة في العرش[ فقال‪ :‬قال أهل السنة وأصحاب الحديث‪ :‬إن ا ّ‬
‫وقال الشعري ـ أي ً‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬ول نتقدم بين‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫حَمنُ َ‬
‫بجسم‪ ،‬ول يشبه الشياء‪ ،‬وأنه استوى على العرش‪ ،‬كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫لِل َوالِْْكَراِم{ ]الرحمن‪:‬‬
‫جَ‬
‫ك ُذو اْل َ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫ل في القول‪ ،‬بل نقول‪ :‬استوى بل كيف‪ ،‬وأن له وجًها‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَيْبَقى َو ْ‬
‫يدي ا ّ‬
‫‪.[27‬‬
‫عُيِنَنا{ ]القمر‪ ،[14:‬وأنه يجيء‬
‫جِري ِبَأ ْ‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وأن له عينين‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ت ْ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫وأن له يدين‪ ،‬كما قال‪َ } :‬‬
‫صّفا{ ]الفجر‪.[22:‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫يوم القيامة هو وملئكته‪ ،‬كما قال‪َ} :‬و َ‬
‫وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث‪ ،‬ولم يقولوا شيًئا إل ما وجدوه ‪/‬في الكتاب‪ ،‬أو جاءت به الرواية عن‬
‫ل استوى على العرش؛ بمعنى استولى‪ .‬وذكر مقالت أخرى‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬وقالت المعتزلة‪ :‬إن ا ّ‬
‫رسول ا ّ‬
‫ضا ـ أبوالحسن الشعري‪ ،‬في كتابه الذي سماه ]البانة في أصول الديانة[‪ ،‬وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب‬
‫وقال ـ أي ً‬
‫صنفه‪ ،‬وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫]فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة[‬
‫فإن قال قائل‪ :‬قد أنكرتم قول المعتزلة‪ ،‬والقدرية‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والحرورية‪ ،‬والرافضة‪ ،‬والمرجئة‪ ،‬فعرفونا قولكم الذي‬
‫به تقولون‪ ،‬وديانتكم التي بها تدينون‪.‬‬
‫قيل له‪ :‬قولنا الذي نقول به‪ ،‬وديانتنا التي ندين بها‪ :‬التمسك بكلم ربنا وسنة نبينا‪ ،‬وما ُروى عن الصحابة والتابعين‬
‫ل وجهه ورفع درجته‬
‫وأئمة الحديث‪ ،‬ونحن بذلك معتصمون‪ ،‬وبما كان يقول به أبو عبد الّ أحمد بن حنبل ـ نضر ا ّ‬
‫ل به الحق‪،‬‬
‫وأجزل مثوبته ـ قائلون‪ ،‬ولما خالف قوله مخالفون؛ لنه المام الفاضل‪ ،‬والرئيس الكامل‪ ،‬الذي أبان ا ّ‬
‫ل عليه من‬
‫ودفع به الضلل‪ ،‬وأوضح به المنهاج‪ ،‬وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين‪ ،‬وشك الشاكين‪ ،‬فرحمة ا ّ‬
‫إمام مقدم‪ ،‬وجليل معظم‪ ،‬وكبير مفهم!‬
‫ل صلى‬
‫ل‪ ،‬وبما رواه الثقات عن رسول ا ّ‬
‫ل وملئكته‪ ،‬وكتبه ورسله‪ ،‬وبما جاءوا به من عند ا ّ‬
‫وجملة قولنا أنا نقر با ّ‬
‫ل واحد ل إله إل هو‪ ،‬فرد صمد‪ ،‬لم يتخذ صاحبة ول ولًدا‪ ،‬وأن محمًدا‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ل نرد من ذلك شيًئا‪ /،‬وأن ا ّ‬
‫ظِهَرُه َعَلى الّديِن ُكّلِه{ ]الفتح‪ ،[28:‬وأن الجنة حق‪ ،‬والنار حق‪ ،‬وأن‬
‫عبده ورسوله‪ ،‬أرسله بالهدى ودين الحق }ِلُي ْ‬
‫ل يبعث من في القبور‪.‬‬
‫الساعة آتية‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫ك‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وأن له وجها‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَيْبَقى َو ْ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل مستٍو على عرشه‪ ،‬كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫وأن ا ّ‬
‫ل َيَداُه‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وكما قال‪َ} :‬ب ْ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫لِل َواِْلْكَراِم{ ]الرحمن‪ ،[27:‬وأن له يدين بل كيف كما قال‪} :‬خََلْق ُ‬
‫جَ‬
‫ُذو اْل َ‬
‫ف َيَشاء{ ]المائدة‪ ،[64:‬وأن له عينين بل كيف‪ ،‬كما قال‪َ} :‬تْجِري ِبَأْعُيِنَنا َجَزاء ّلَمن َكاَن ُكِفَر{ ]القمر‪:‬‬
‫ق َكْي َ‬
‫ن ُينِف ُ‬
‫طَتا ِ‬
‫سو َ‬
‫َمْب ُ‬

‫‪[14‬‬

‫ل‪ ،‬وذكر نحًوا مما ذكر في الفرق إلى أن قال‪:‬‬
‫ل غيره كان ضا ً‬
‫وأن من زعم أن أسماء ا ّ‬
‫ل يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الّ‬
‫ونقول‪ :‬إن السلم أوسع من اليمان‪ ،‬وليس كل إسلم إيماًنا‪ ،‬وندين بأن ا ّ‬
‫ـ عز وجل ـ وأنه ـ عز وجل ـ يضع السموات على إصبع‪ ،‬والرضين على إصبع‪ ،‬كما جاءت الرواية الصحيحة عن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬إلى أن قال‪:‬‬
‫رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬التي رواها‬
‫وأن اليمان قول وعمل‪ ،‬يزيد وينقص‪ ،‬ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ـ إلى أن قال‪ :‬ونصدق بجميع الروايات التي‬
‫الثقات عدل عن عدل‪ ،‬حتى ينتهي إلى رسول ا ّ‬
‫أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيـا‪ ،‬وأن الرب ـ عز وجل ـ يقول‪) :‬هل من سائل؟ هل من مستغفر؟(‪ ،‬وسائر‬
‫ما نقلوه وأثبتوه خلًفا لما قال أهل الزيغ والتضليل‪.‬‬
‫ل ما لم‬
‫‪/‬ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا‪ ،‬وسنة نبينا‪ ،‬وإجماع المسلمين وما كان في معناه‪ ،‬ول نبتدع في دين ا ّ‬
‫ل ما ل نعلم‪.‬‬
‫يأذن لنا به‪ ،‬ول نقول على ا ّ‬
‫ل يقرب من عباده كيف‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ،[22:‬وأن ا ّ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ل يجيء يوم القيامة‪ ،‬كما قال‪َ} :‬و َ‬
‫ونقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫ب َقْوَسْيِن َأْو َأْدَنى{ ]النجم‪،8:‬‬
‫ن َقا َ‬
‫ل اْلَوِريِد{ ]ق‪ ،[16:‬وكما قال‪ُ} :‬ثّم َدَنا َفَتَدّلى َفَكا َ‬
‫حْب ِ‬
‫ن َ‬
‫ب ِإَلْيِه ِم ْ‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫شاء‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَن ْ‬
‫‪.[9‬‬
‫إلى أن قال‪ :‬وسنحتج لما ذكرناه من قولنا‪ ،‬وما بقي مما لم نذكره باًبا باًبا‪.‬‬
‫ل يرى‪ ،‬واستدل على ذلك‪ ،‬ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق‪ ،‬واستدل على ذلك‪ ،‬ثم تكلم على من‬
‫ثم تكلم على أن ا ّ‬
‫وقف في القرآن وقال‪ :‬ل أقول‪ :‬إنه مخلوق‪ ،‬ول غير مخلوق‪ ،‬ورد عليه‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫]باب ذكر الستواء على العرش[‬
‫عَلى اْلَعْرشِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل مستٍو على عرشه‪ ،‬كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫فقال‪ :‬إن قال قائل‪ :‬ما تقولون في الستواء؟ قيل له‪ :‬نقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ ،[10:‬وقال تعالى‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫ل‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وقال تعالى‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫اْ‬
‫ض ُثّم َيْعُرُج ِإَلْيِه{ ]السجدة‪.[5:‬‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫ِإَلْيِه{ ]النساء‪ ،[158:‬وقال تعالى‪ُ} :‬يَدّبُر ا َْ‬
‫سى َوِإّني‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫وقال ـ تعالى ـ حكاية عن فرعون‪َ} :‬يا َهاَما ُ‬
‫ب{ ]غافر‪ [37 ،36 :‬كذب موسى في‬
‫ل ِفي َتَبا ٍ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫عْو َ‬
‫ل َوَما َكْيُد ِفْر َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫صّد َ‬
‫عَمِلِه َو ُ‬
‫سوُء َ‬
‫ن ُ‬
‫عْو َ‬
‫ن ِلِفْر َ‬
‫ك ُزّي َ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا َوَكَذِل َ‬
‫لُ‬
‫َ‬
‫ض{ ]الملك‪.[16 :‬‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫ل فوق السموات‪ ،‬وقال تعالى‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫قوله‪ :‬إن ا ّ‬

‫فالسموات فوقها العرش‪ ،‬فلما كان العرش فوق السموات قال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي الّسَماء{ ]الملك‪[16 :‬؛ لنه مستو على‬
‫سَماء{‬
‫العرش الذي هو فوق السموات‪ ،‬وكل ما عل فهو سماء فالعرش أعلى السموات‪ ،‬وليس إذا قال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ ذكر‬
‫]الملك‪ [16 :‬يعني جميع السموات‪ ،‬وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات‪ ،‬أل ترى أن ا ّ‬
‫السموات فقال تعالى‪َ} :‬وَجَعَل اْلَقَمَر ِفيِهّن ُنوًرا{ ]نوح‪ ،[16:‬ولم يرد أن القمر يملؤهن وإنه فيهن جميعا‪.‬‬
‫ل على عرشه الذي هو فوق السموات‪ ،‬فلول أن ا ّ‬
‫ل‬
‫ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لن ا ّ‬
‫على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش‪ ،‬كما ل يحطونها إذا دعوا إلى الرض‪.‬‬
‫ثم قال‪:‬‬
‫فصــل‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ :[5:‬أنه‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫وقد قال القائلون من المعتزلة‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والحرورية‪ :‬إن معنى قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ل على عرشه ـ كما قال أهل الحق ـ‬
‫ل ـ عز وجل ـ في كل مكان‪ ،‬وجحدوا أن يكون ا ّ‬
‫استولى وقهر وملك‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ل قادر على‬
‫وذهبوا في‪ /‬الستواء إلى القدرة‪ ،‬فلو كان كما ذكروه كان ل فرق بين العرش والرض السابعة؛ لن ا ّ‬

‫ل مستويا على العرش بمعنى‬
‫ل قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم‪ ،‬فلو كان ا ّ‬
‫كل شيء‪ ،‬والرض‪ ،‬فا ّ‬
‫الستيلء ـ وهو عز وجل مستول على الشياء كلها ـ لكان مستويا على العرش‪ ،‬وعلى الرض‪ ،‬وعلى السماء‪،‬‬
‫وعلى الحشوش‪ ،‬والقذار؛ لنه قادر على الشياء مستول عليها‪.‬‬
‫ل مستو على الحشوش والخلية ـ لم‬
‫وإذا كان قادًرا على الشياء كلها‪ ،‬ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫يجز أن يكون الستواء على العرش الستيلء الذي هو عام في الشياء كلها‪ ،‬ووجب أن يكون معنى الستواء يختص‬
‫العرش‪ ،‬دون الشياء كلها‪ .‬وذكر دللت من القرآن والحديث‪ ،‬والجماع والعقل‪.‬‬
‫ثم قال‪:‬‬
‫باب الكلم في الوجه والعينين والبصر واليدين‬
‫وذكر اليات في ذلك‪ .‬ورد على المتأولين لها بكلم طويل ل يتسع هذا الموضع لحكايته‪ :‬مثل قوله‪ :‬فإن سئلنا‪:‬‬
‫خَلْق ُ‬
‫ت‬
‫ل َفْوقَ َأْيِديِهْم{ ]الفتح‪ ،[10:‬وقوله تعالى‪ِ} :‬لَما َ‬
‫ل يدان؟ قيل‪ :‬نقول ذلك‪ ،‬وقد دل عليه قوله تعالى‪َ} :‬يُد ا ِّ‬
‫أتقولون ّ‬
‫ل مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته‪،‬‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وروى عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن ا ّ‬
‫ِبَيَد ّ‬
‫ل خلق‬
‫عْدن بيده‪ ،‬وكتب التوراة بيده(‪ ،‬وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬أن ا ّ‬
‫وخلق جنة َ‬
‫آدم بيده‪ ،‬وخلق جنة عدن بيده‪ ،‬وكتب التوراة بيده‪ ،‬وغرس شجرة طوبى بيده(‪.‬‬
‫ي‪ ،‬ويريد بها النعمة‪ ،‬وإذا كان‬
‫‪/‬وليس يجوز في لسان العرب ول في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل‪ :‬عملت كذا بيد ّ‬
‫ل إنما خاطب العرب بلغتها‪ ،‬وما يجري مفهوًما في كلمها‪ ،‬ومعقول في خطابها‪ ،‬وكان ل يجوز في خطاب أهل‬
‫ا ّ‬
‫ي‪ :‬النعمة‪.‬‬
‫ي ـ ويعني بها النعمة ـ بطل أن يكون معنى قوله تعالى‪ :‬بيد ّ‬
‫البيان أن يقول القائل‪ :‬فعلت كذا بيد ّ‬
‫ل في تقرير هذا ونحوه‪.‬‬
‫وذكر كلًما طوي ً‬
‫وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلني المتكلم ـ وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الشعري‪ ،‬ليس فيهم‬
‫ل وجًها ويًدا؟ قيل له‪ :‬قوله‪:‬‬
‫مثله ل قبله ول بعده ـ قال في ]كتاب البانة[ تصنيفه‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬فما الدليل على أن ّ‬
‫ي{ ]ص‪ [75:‬فأثبت‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫جَد ِلَما َ‬
‫سُ‬
‫ك َأن َت ْ‬
‫لْكَراِم{ ]الرحمن‪ ،[72:‬وقوله تعالى‪َ} :‬ما َمَنَع َ‬
‫ل َوا ِْ‬
‫لِ‬
‫جَ‬
‫ك ُذو اْل َ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫}َوَيْبَقى َو ْ‬
‫لنفسه وجًها ويًدا‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إن كنتم ل تعقلون وجًها ويًدا إل جارحة؟‬
‫قلنا‪:‬ل يجب هذا‪ ،‬كما ل يجب إذا لم نعقل حًيا عالما قادًرا إل جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الّ ـ سبحانه‬
‫وتعالى ـ وكما ل يجب في كل شيء كان قائًما بذاته أن يكون جوهًرا؛ لنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إل‬
‫ضا‬
‫كذلك‪ /،‬وكذلك الجواب لهم إن قالوا‪ :‬يجب أن يكون علمه وحياته‪،‬وكلمه وسمعه وبصره‪ ،‬وسائر صفات ذاته عر ً‬
‫واعتلوا بالوجود‪.‬‬
‫وقال‪] :‬فإن قال‪ :‬فهل تقولون‪ :‬إنه في كل مكان؟‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5 :‬وقال ا ّ‬
‫ل‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل‪ ،‬بل مستٍو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال‪} :‬الّر ْ‬
‫قيل له‪ :‬معاذ ا ّ‬
‫ض َفِإَذا‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ ،[10:‬وقال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫تعالى‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫ي َتُموُر{ ]الملك‪ .[16 :‬قال‪ :‬ولو كان في كل مكان لكان في بطن النسان وفمه‪ ،‬والحشوش والمواضع التي يرغب‬
‫ِه َ‬
‫عن ذكرها‪ ،‬ولوجب أن يزيد بزيادة المكنة إذا خلق منها ما لم يكن‪ ،‬وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان‪ ،‬ولصح‬
‫أن يرغب إليه إلى نحو الرض‪ ،‬وإلى خلفنا‪ ،‬وإلى يميننا‪ ،‬وإلى شمالنا‪ ،‬وهذا قد أجمع المسلمون على خلفه وتخطئة‬
‫قائله‪.‬‬
‫ضا ـ في هذا الكتاب‪ :‬صفات ذاته التي لم يزل ول يزال موصوفا بها‪ :‬هي الحياة‪ ،‬والعلم‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والسمع‪،‬‬
‫وقال ـ أي ً‬
‫والبصر‪ ،‬والكلم‪ ،‬والرادة‪ ،‬والبقاء‪ ،‬والوجه والعينان‪ ،‬واليدان‪ ،‬والغضب‪ ،‬والرضا‪.‬‬

‫وقال في ]كتاب التمهيد[ كلًما أكثر من هذا‪ ،‬لكن ليست النسخة حاضرة عندي‪ ،‬وكلمه وكلم غيره من المتكلمين‬
‫في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه‪ ،‬وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلم‪.‬‬
‫ل للعبد حكمة وإيماًنا‪ ،‬بحيث يكون له عقل ودين‪ ،‬حتى يفهم ويدين‪ ،‬ثم نور الكتاب والسنة‬
‫‪/‬وملك المر‪ :‬أن يهب ا ّ‬
‫يغنيه عن كل شيء‪ ،‬ولكن كثيًرا من الناس قد صار منتسًبا إلى بعض طوائف المتكلمين‪ ،‬ومحسًنا للظن بهم دون‬
‫غيرهم‪ ،‬ومتوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم؛ فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من‬
‫كلمهم‪.‬‬
‫ثم هم مع هذا مخالفون لسلفهم غير متبعين لهم‪ ،‬فلو أنهم أخذوا بالهدى‪ ،‬الذي يجدونه في كلم أسلفهم‪ ،‬لرجي لهم‬
‫مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى‪ ،‬ومن كان ل يقبل الحق إل من طائفة معينة‪ ،‬ثم ل يتمسك بما جاءت به‬
‫ن ِبَما‬
‫عَلْيَنا َوَيْكُفرو َ‬
‫ل َ‬
‫ن ِبَمآ ُأنِز َ‬
‫ل َقاُلوْا ُنْؤِم ُ‬
‫لا ّ‬
‫ل َلُهْم آِمُنوْا ِبَما َأنَز َ‬
‫ل فيهم‪َ} :‬وِإَذا ِقي َ‬
‫من الحق‪ ،‬ففيه شبه من اليهود الذين قال ا ّ‬
‫ل ِمن َقْبُل ِإن ُكنُتم ّمْؤِمِنيَن{ ]البقرة‪ [91:‬أي‪ :‬إن كنتم مؤمنين بما أنزل‬
‫ن َأنِبَياء ا ّ‬
‫ل َفِلَم َتْقُتُلو َ‬
‫صّدقًا ّلَما َمَعُهْم ُق ْ‬
‫ق ُم َ‬
‫حّ‬
‫َوَراءُه َوُهَو اْل َ‬
‫عليكم‪ ،‬يقول ـ سبحانه وتعالى ـ‪ :‬ل لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون‪ ،‬ول لما جاءتكم به سائر النبياء تتبعون‪ ،‬ولكن إنما‬
‫تتبعون أهواءكم‪ ،‬فهذا حال من لم يقبل الحق‪ ،‬ل من طائفته ول من غيرها‪ ،‬مع كونه يتعصب لطائفته بل برهان من‬
‫ل ول بيان‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه ]الرسالة النظامية[‪ :‬اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر‪ ،‬فرأى بعضهم‬
‫تأويلها‪ ،‬والتزم ذلك في آي‪ /‬الكتاب‪ ،‬وما يصح من السنن‪ ،‬وذهب أئمة السلف إلى النكفاف عن التأويل‪ ،‬وإجراء‬
‫الظواهر على مواردها‪ ،‬وتفويض معانيها إلى الرب‪ .‬فقال‪ :‬والذي نرتضيه رأًيا وندين ال به عقيدة‪ :‬اتباع سلف المة‪،‬‬
‫والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع المة وهو حجة متبعة‪ ،‬وهو مستند معظم الشريعة‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها ـ وهم صفوة السلم‬
‫وقد درج صحب رسول ا ّ‬
‫والمستقلون بأعباء الشريعة‪ ،‬وكانوا ل يألون جهًدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها‪ ،‬وتعليم الناس ما‬
‫غا أو محتوًما لوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم‬
‫يحتاجون إليه منها ـ فلو كان تأويل هذه الظواهر مسو ً‬
‫بفروع الشريعة‪ ،‬وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الضراب عن التأويل‪ ،‬كان ذلك هو الوجه المتبع‪ ،‬فحق‬
‫على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين‪ ،‬ول يخوض في تأويل المشكلت‪ ،‬ويكل معناها إلى الرب‬
‫لْكَراِم{‬
‫ل َوا ِْ‬
‫لِ‬
‫جَ‬
‫ك ُذو اْل َ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫ي{ ]ص‪َ}،[75:‬وَيْبَقى َو ْ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫تعالى‪ ،‬فليجر آية الستواء والمجيء‪ ،‬وقوله‪ِ} :‬لَما َ‬
‫عُيِنَنا{ ]القمر‪ [14:‬وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره‪ ،‬على ما‬
‫جِري ِبَأ ْ‬
‫]الرحمن‪ ،[27:‬وقوله‪َ} :‬ت ْ‬
‫ذكرناه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب‪ :‬ذكر ألفاظ بعض الئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب‪،‬‬
‫وليس كل من ذكرنا شيًئا من قوله ـ من المتكلمين وغيرهم ـ يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره‪ ،‬ولكن الحق‬
‫يقبل من كل من تكلم به؛ وكان معاذ بن جبل يقول في كلمه ‪ /‬المشهور عنه‪ ،‬الذي رواه أبو داود في سننه‪ :‬اقبلوا‬
‫الحق من كل من جاء به؛ وإن كان كافًرا ـ أو قال‪ :‬فاجًرا ـ واحذروا زيغة الحكيم‪ .‬قالوا‪ :‬كيف نعلم أن الكافر يقول‬
‫كلمة الحق؟ قال‪ :‬إن على الحق نوًرا‪ ،‬أو قال كلًما هذا معناه‪.‬‬
‫فأما تقرير ذلك بالدليل‪ ،‬وإماطة ما يعرض من الشبه‪ ،‬وتحقيًقا لمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين‪،‬‬
‫ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه‪ ،‬فما تتسع له هذه الفتوى‪ ،‬وقد كتبت شيًئا من ذلك قبل هذا‪ ،‬وخاطبت‬
‫ل ـ في ذلك ما يحصل به المقصود‪.‬‬
‫ببعض ذلك بعض من يجالسنا‪ ،‬وربما أكتب ـ إن شاء ا ّ‬
‫ل وسنة نبيه‪ ،‬وقصد‬
‫وجماع المر في ذلك‪ :‬أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب ا ّ‬
‫ل وآياته‪.‬‬
‫اتباع الحق‪ ،‬وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه‪ ،‬واللحاد في أسماء ا ّ‬
‫ضا البتة؛ مثل أن يقول القائل‪ :‬مافي الكتاب والسنة ـ من أن ا ّ‬
‫ل‬
‫ول يحسب الحاسب أن شيًئا من ذلك يناقض بعضه بع ً‬
‫فوق العرش ـ يخالفه الظاهر من قوله‪َ} :‬وُهَو َمَعُكْم َأْيَن َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪.[4:‬‬
‫ل ِقَبل وجهه(‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فإن هذا غلط‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬إذا قام أحدكم إلى الصلة فإن ا ّ‬

‫خَل َ‬
‫ق‬
‫ل بينهما في قوله سبحانه وتعالى‪ُ} :‬هَو اّلِذي َ‬
‫ل معنا حقيقة‪ ،‬وهو فوق العرش حقيقة‪ ،‬كما جمع ا ّ‬
‫‪/‬وذلك أن ا ّ‬
‫ج ِفيَها‬
‫سَماء َوَما َيْعُر ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫ج ِمْنَها َوَما َينِز ُ‬
‫خُر ُ‬
‫ض َوَما َي ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ج ِفي ا َْ‬
‫ش َيْعَلُم َما َيِل ُ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫صيٌر{ ]الحديد‪.[4:‬‬
‫ن َب ِ‬
‫ل ِبَما َتْعَمُلو َ‬
‫ن َما ُكنُتْم َوا ُّ‬
‫َوُهَو َمَعُكْم َأْي َ‬

‫فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء‪ ،‬وهو معنا أينما كنا‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم في حديث الوعال‪:‬‬
‫ل فوق العرش‪ ،‬وهو يعلم ما أنتم عليه(‪.‬‬
‫)وا ّ‬
‫وذلك أن كلمة ]مع[ في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إل المقارنة المطلقة‪ ،‬من غير وجوب مماسة أو‬
‫محاذاة عن يمين أو شمال‪ ،‬فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى‪ .‬فإنه يقال‪ :‬ما زلنا نسير‬
‫ل مع خلقه حقيقة‪ ،‬وهو‬
‫والقمر معنا أو والنجم معنا‪ .‬ويقال‪ :‬هذا المتاع معي لمجاعته لك‪ ،‬وإن كان فوق رأسك‪ .‬فا ّ‬
‫فوق عرشه حقيقة‪.‬‬
‫ج ِمْنَها{ إلى قوله‪َ} :‬وُهَو َمَعُكْم‬
‫خُر ُ‬
‫ض َوَما َي ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ثم هذه ]المعية[ تختلف أحكامها بحسب الموارد‪ ،‬فلما قال‪َ} :‬يْعَلُم َما َيِلجُ ِفي ا َْ‬
‫َأْيَن َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪ [4:‬دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم‪ ،‬شهيد عليكم‪ ،‬ومهيمن‬

‫عالم بكم‪ .‬وهذا معنى قول السلف‪ :‬أنه معهم بعلمه‪ ،‬وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته‪.‬‬
‫لَثٍة ِإّل ُهَو َراِبُعُهْم{ إلى قوله‪} :‬هَُو َمَعُهْم َأْيَن َما َكاُنوا{ ]المجادلة‪.[7:‬‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫‪/‬وكذلك في قوله‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫ضا ـ حًقا على‬
‫ل َمَعَنا{ ]التوبة‪ [40:‬كان هذا ـ أي ً‬
‫نا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫ولما قال النبي صلى ال عليه وسلم لصاحبه في الغـار‪َ } :‬‬
‫ظاهره‪ ،‬ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الطلع‪ ،‬والنصر والتأييد‪.‬‬
‫خاَفا‬
‫ل َت َ‬
‫ل َ‬
‫ن{ ]النحل‪ [128 :‬وكذلك قوله لموسى وهارون‪َ} :‬قا َ‬
‫سُنو َ‬
‫حِ‬
‫ن ُهم ّم ْ‬
‫ن اّتَقوْا ّواّلِذي َ‬
‫ل َمَع اّلِذي َ‬
‫نا ّ‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ِإّنِني َمعَُكَما َأْسَمُع َوَأَرى{ ]طه‪ .[46:‬هنا المعية على ظاهرها‪ ،‬وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد‪.‬‬

‫وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي‪ ،‬فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول‪ :‬ل تخف أنا معك أو أنا هنا‪ ،‬أو أنا‬
‫حاضر ونحو ذلك‪ .‬ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها‪ ،‬وربما‬
‫صار مقتضاها من معناها‪ ،‬فيختلف باختلف المواضع‪.‬‬
‫فلفظ ]المعية[ قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع‪ ،‬يقتضى في كل موضع أموًرا ل يقتضيها في الموضع‬
‫الخر‪ ،‬فأما أن تختلف دللتها بحسب المواضع‪ ،‬أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها ـ وإن امتاز كل موضع‬
‫بخاصية ـ فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ـ عز وجل ـ مختلطة بالخلق‪ ،‬حتى يقال‪ :‬قد صرفت عن‬
‫ظاهرها‪.‬‬
‫‪/‬ونظيرها من بعض الوجوه ]الربوبية‪ ،‬والعبودية[‪ ،‬فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية فلما قال‪ِ} :‬بَر ّ‬
‫ب‬
‫ب ُموَسى َوَهاُروَن{ ]الشعراء‪ [84 ،74 :‬كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية‬
‫ن َر ّ‬
‫اْلَعاَلِمي َ‬

‫ل من الكمال أكثر مما أعطى غيره‪ ،‬فقد ربه ورباه ربوبية وتربية أكمل من غيره‪.‬‬
‫العامة للخلق؛ فإن من أعطاه ا ّ‬
‫ل{ ]السراء‪.[1:‬‬
‫سَرى ِبَعْبِدهِ َلْي ً‬
‫ن اّلِذي َأ ْ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫جيًرا{ ]النسان‪ [6:‬و} ُ‬
‫جُروَنَها َتْف ِ‬
‫ل ُيَف ّ‬
‫عَباُد ا ِّ‬
‫ب ِبَها ِ‬
‫شَر ُ‬
‫عْيًنا َي ْ‬
‫وكذلك قوله‪َ } :‬‬
‫ض ِإّل آِتي الّرْحَمِن َعْبًدا{ ]مريم‪:‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َمن ِفي ال ّ‬
‫فإن العبد تارة يعنى به المعبد فيعم الخلق‪ ،‬كما في قوله‪ِ} :‬إن ُك ّ‬
‫‪ ،[93‬وتارة يعنى به العابد فيخص‪ ،‬ثم يختلفون‪ ،‬فمن كان أعبد علًما وحال كانت عبوديته أكمل‪ ،‬فكانت الضافة في‬
‫حقه أكمل‪ ،‬مع أنها حقيقة في جميع المواضع‪.‬‬
‫ومثل هذه اللفاظ يسميها بعض الناس ]مشككة[؛ لتشكك المستمع فيها‪ ،‬هل هي من قبيل السماء المتواطئة أو من‬
‫قبيل المشتركة في اللفظ فقط‪ .‬والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة؛ إذ واضع اللغة إنما وضع‬
‫صا من المتواطئة فل بأس بتخصيصها بلفظ‪.‬‬
‫اللفظ بإزاء القدر المشترك‪ ،‬وإن كانت نوعا مخت ً‬

‫ومن علم أن ]المعية[ تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات ـ كإضافة‪ /‬الربوبية مثل ـ وأن الستواء على الشيء‬
‫ل يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية‪ ،‬ول يوصف بالسفول ول بالتحتية قط‪ ،‬ل حقيقة ول مجاًزا‪،‬‬
‫ليس إل للعرش‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف‪.‬‬
‫ل في السماء‪ ،‬بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه‪ ،‬فهو كاذب ـ إن نقله عن غيره ـ وضال ـ إن‬
‫ثم من توهم أن كون ا ّ‬
‫اعتقده في ربه ـ وما سمعنا أحًدا يفهم هذا من اللفظ‪ ،‬ول رأينا أحًدا نقله عن واحد‪ ،‬ولو سئل سائر المسلمين‪ :‬هل‬
‫ل في السماء(‪ :‬أن السماء تحويه‪ ،‬لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول‪ :‬هذا شيء لعله‬
‫ل ورسوله‪) :‬إن ا ّ‬
‫تفهمون من قول ا ّ‬
‫لم يخطر ببالنا‪.‬‬
‫وإذا كان المر هكذا‪ ،‬فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيًئا محالً ل يفهمه الناس منه‪ ،‬ثم يريد أن يتأوله‪ ،‬بل عند‬
‫ل في العلو ل في‬
‫ل في السماء[‪] ،‬وهو على العرش[ واحد؛ إذ السماء إنما يراد به العلو‪ ،‬فالمعنى‪ :‬أن ا ّ‬
‫الناس ]أن ا ّ‬
‫السفل‪ ،‬وقد علم المسلمون أن كرسيه ـ سبحانه وتعالى ـ وسع السموات والرض‪ ،‬وأن الكرسي في العرش كحلقة‬
‫ل وعظمته‪ ،‬فكيف يتوهم بعد هذا أن خلًقا‬
‫ل ل نسبة له إلى قدرة ا ّ‬
‫ملقاة بأرض فلة‪ ،‬وأن العرش خلق من مخلوقات ا ّ‬
‫ض{ ]آل عمران‪:‬‬
‫لْر ِ‬
‫سيُروْا ِفي ا َ‬
‫ل{ ]طه‪ ،[71:‬وقال‪َ} :‬ف ِ‬
‫خِ‬
‫ع الّن ْ‬
‫جُذو ِ‬
‫صّلَبّنُكْم ِفي ُ‬
‫ل َ‬
‫يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه‪َ} :‬و َُ‬
‫‪ [137‬بمعنى ]على[ ونحو ذلك‪ ،‬وهو كلم عربي حقيقة ل مجاًزا‪ ،‬وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف‪،‬‬
‫وإنها متواطئة في الغالب ل مشتركة‪.‬‬
‫ل قبل وجهه‪ ،‬فل يبصق قبل وجهه( الحديث‪ ،‬حق‬
‫‪/‬وكذلك قوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬إذا قام أحدكم إلى الصلة فإن ا ّ‬
‫على ظاهره‪ ،‬وهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي‪ ،‬بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات‪.‬‬
‫ضا قبل‬
‫فإن النسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر‪ ،‬لكانت السماء والشمس والقمر فوقه‪ ،‬وكانت أي ً‬
‫وجهه‪.‬‬
‫ل المثل العلى‪ ،‬ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا‬
‫وقد ضرب النبي صلى ال عليه وسلم المثل بذلك ـ و ّ‬
‫وإمكانه‪ ،‬ل تشبيه الخالق بالمخلوق ـ فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬ما منكم من أحد إل سيرى ربه مخلًيا ]مخلًيا‪:‬‬
‫اسم فاعل من ]أخلى[ ومعنى مخليا‪ :‬أي منفرًدا برؤيته من غير مزاحمة[‪ .‬به(‪ ،‬فقال له أبو َرِزين العقيلي‪ :‬كيف يا‬
‫ل‪ ،‬هذا القمر كلكم‬
‫ل وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬سأنبئك بمثل ذلك في آلء ا ّ‬
‫رسول ا ّ‬
‫ل أكبر(‪ ،‬أو كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقال‪) :‬إنكم سترون ربكم كما‬
‫ل؛ فا ّ‬
‫يراه مخلًيا به‪ ،‬وهو آية من آيات ا ّ‬
‫ترون الشمس والقمر( فشبه الرؤية بالرؤية‪ ،‬وإن لم يكن المرئي مشابًها للمرئي‪ ،‬فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة‬
‫وناجوه‪ ،‬كل يراه فوقه قبل وجهه؛ كما يرى الشمس والقمر‪ ،‬ول منافاة أصل‪.‬‬
‫ل ـ يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد‪.‬‬
‫ل‪ ،‬والرسوخ في العلم با ّ‬
‫ومن كان له نصيب من المعرفة با ّ‬
‫‪/‬واعلم أن من المتأخرين من يقول‪ :‬مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به‪ ،‬مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد‪ ،‬وهذا‬
‫اللفظ ]مجمل[‪ ،‬فإن قوله‪] :‬ظاهرها غير مراد[ يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين‪ ،‬وصفات المحدثين مثل أن‬
‫ل معنا[ ظاهره‪ :‬أنه إلى جانبنا‪،‬‬
‫ل ِقَبل وجه المصلي[‪ :‬أنه مستقر في الحائط الذي يصلى إليه‪ ،‬وأن ]ا ّ‬
‫يراد بكون ]ا ّ‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬فل شك أن هذا غير مراد‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬إن مذهب السلف أن هذا غير مراد‪ ،‬فقد أصاب في المعنى‪ ،‬لكن أخطأ بإطلق القول بأن هذا ظاهر اليات‬
‫والحاديث‪ ،‬فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع‪ .‬الّلهم إل أن يكون هذا المعنى‬
‫الممتنع صار يظهر لبعض الناس‪ ،‬فيكون القائل لذلك مصيًبا بهذا العتبار‪ ،‬معذوًرا في هذا الطلق‪.‬‬
‫فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلف أحوال الناس‪ ،‬وهو من المور النسبية‪ ،‬وكان أحسن من هذا أن يبين لمن‬
‫ظا ومعنى‪.‬‬
‫ل وكلم رسوله حقه لف ً‬
‫اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر‪ ،‬حتى يكون قد أعطى كلم ا ّ‬
‫وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله‪] :‬الظاهر غير مراد عندهم[ أن المعاني التي تظهر من هذه اليات والحاديث‬
‫ل‪ ،‬أو جائزة عليه جواًزا ذهنًيا‪ ،‬أوجواًزا‬
‫ل وعظمته‪ ،‬ول يختص بصفة المخلوقين‪ ،‬بل هي واجبة ّ‬
‫مما يليق بجلل ا ّ‬

‫خارجًيا ‪ /‬غير مراد‪ ،‬فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف‪ ،‬أو تعمد الكذب‪ ،‬فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من‬
‫ل ليس له سمع ول بصر‪،‬‬
‫ل ليس فوق العرش‪ ،‬ول أن ا ّ‬
‫صا ول ظاهًرا ـ أنهم كانوا يعتقدون أن ا ّ‬
‫السلف ما يدل ـ ل ن ً‬
‫ول يد حقيقية‪.‬‬
‫وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ ولكن‬
‫السلف ـ بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه اليات والحاديث لم تدل على صفات ا ّ‬
‫السلف أمسكوا عن تأويلها‪ ،‬والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها‪ ،‬لمسيس الحاجة إلى ذلك‪ ،‬ويقولون‪ :‬الفرق بين‬
‫الطريقين أن هؤلء قد يعينون المراد بالتأويل‪ ،‬وأولئك‪ ،‬ليعينون لجواز أن يراد غيره‪.‬‬
‫ل ـ تعالىـ فوق‬
‫وهذا القول على الطلق كذب صريح على السلف‪ .‬أما في كثير من الصفات فقطًعا‪ :‬مثل أن ا ّ‬
‫العرش‪ ،‬فإن من تأمل كلم السلف المنقول عنهم ـ الذي لم يحك هنا عشره ـ علم بالضطرار أن القوم كانوا مصرحين‬
‫ل فوق العرش حقيقة‪ ،‬وأنهم ما اعتقدوا خلف هذا قط‪ ،‬وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك‪.‬‬
‫بأن ا ّ‬
‫صا‪ ،‬ول ظاهًرا‪،‬‬
‫ل يعلم أني بعد البحث التام‪ ،‬ومطالعة ما أمكن من كلم السلف‪ ،‬ما رأيت كلم أحد منهم يدل ـ ل ن ً‬
‫وا ّ‬
‫صا وإما‬
‫ول بالقرائن ـ على نفي الصفات الخبرية ‪ /‬في نفس المر‪ ،‬بل الذي رأيته أن كثيًرا من كلمهم يدل ـ إما ن ً‬
‫ظاهًرا ـ على تقرير جنس هذه الصفات‪ ،‬ول أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة؛ بل الذي رأيته أنهم يثبتون‬
‫جنسها في الجملة‪ ،‬وما رأيت أحًدا منهم نفاها‪.‬‬
‫ضا؛‬
‫ل بخلقه‪ ،‬مع إنكارهم على من ينفي الصفات أي ً‬
‫وإنما ينفون التشبيه‪ ،‬و ينكرون على المشبهة الذين يشبهون ا ّ‬
‫ل به نفسه فقد كفر‪،‬‬
‫ل بخلقه فقد كفر‪ ،‬ومن جحد ما وصف ا ّ‬
‫كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري‪ :‬من شبه ا ّ‬
‫ل به نفسه ول رسوله تشبيها‪.‬‬
‫وليس ما وصف ا ّ‬
‫طل؛ وهذا كثير جًدا في‬
‫وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا‪ :‬هذا جهمي ُمَع ّ‬
‫كلمهم‪ ،‬فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيًئا من الصفات مشبًها ـ كذًبا منهم وافتراء ـ حتى إن‬
‫ل وسلمه عليهم ـ بذلك‪ ،‬حتى قال ُثَمامة بن الشرس من رؤساء الجهمية‪:‬‬
‫منهم ]من[ غل ورمى النبياء ـ صلوات ا ّ‬
‫سي‬
‫ك{]العراف‪ ،[155 :‬وعيسى حيث قال‪َ} :‬تْعَلُم َما ِفي َنْف ِ‬
‫ل ِفْتَنُت َ‬
‫ي ِإ ّ‬
‫ن ِه َ‬
‫ثلثة من النبياء مشبهة؛ موسى حيث قال‪ِ} :‬إ ْ‬
‫ك{ ]المائدة‪ ،[116:‬ومحمد صلى ال عليه وسلم حيث قال‪) :‬ينزل ربنا(‪ .‬وحتى إن جل المعتزلة‬
‫سَ‬
‫عَلُم َما ِفي َنْف ِ‬
‫ل َأ ْ‬
‫َو َ‬
‫تدخل عامة الئمة؛ مثل مالك وأصحابه‪ ،‬والثوري وأصحابه‪ ،‬والوزاعي وأصحابه‪ ،‬والشافعي وأصحابه‪ ،‬وأحمد‬
‫وأصحابه‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وأبي عبيد وغيرهم‪ ،‬في قسم المشبهة‪.‬‬
‫‪/‬وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزًءا سماه‪] :‬تنزيه أئمة الشريعة عن اللقاب الشنيعة[‪،‬‬
‫ذكر فيه كلم السلف وغيرهم في معاني هذا الباب‪ ،‬وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب ]أهل السنة[ بلقب افتراه‬
‫ـ يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد ـ كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها‪.‬‬
‫فالروافض تسميهم نواصب‪ ،‬والقدرية يسمونهم مجبرة‪ ،‬والمرجئة تسميهم شكاكا‪ ،‬والجهمية تسميهم مشبهة‪ ،‬وأهل‬
‫سِفَلة الناس[‪ ،‬إلى أمثال‬
‫غْثًرا ]الُغْثر‪َ :‬‬
‫الكلم يسمونهم حشوية‪ ،‬وَنَوابت ]الّنوابت‪ :‬الغمار من الحداث[‪ .‬وغثاء‪ ،‬و ُ‬
‫ذلك‪ ،‬كما كانت قريش تسمي النبي صلى ال عليه وسلم تارة مجنوًنا‪ ،‬وتارة شاعًرا‪ ،‬وتارة كاهًنا‪ ،‬وتارة مفترًيا‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫قالوا‪ :‬فهذه علمة الرث الصحيح والمتابعة التامة‪ ،‬فإن السنة هي ما كان عليه رسول ا ّ‬
‫ل‪ ،‬فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة ـ وإن اعتقدوا‬
‫ل وعم ً‬
‫وأصحابه‪ ،‬اعتقاًدا واقتصاًدا وقو ً‬
‫صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة ـ فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات‪ ،‬باطًنا‬
‫وظاهًرا‪.‬‬
‫وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر‪ ،‬والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن‪،‬‬
‫صا يذمونهم به‪/،‬ويسمونهم‬
‫والذين وافقوه ظاهًرا وباطًنا بحسب المكان ـ فلبد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نق ً‬
‫ل عنه ـ وعمر‪ ،‬فقد أبغض‬
‫بأسماء مكذوبة ـ وإن اعتقدوا صدقها ـ كقول الرافضي‪:‬من لم يبغض أبا بكر ـ رضي ا ّ‬

‫علًيا؛ لنه ل ولية لعلي إل بالبراءة منهما‪ ،‬ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيا؛ بناء على هذه الملزمة الباطلة‪،‬‬
‫التي اعتقدها صحيحه أو عاند فيها وهو الغالب‪.‬‬
‫ل أراد الكائنات وخلق أفعال العباد‪ ،‬فقد سلب من العباد الختيار والقدرة‪ ،‬وجعلهم‬
‫وكقول القدري‪ :‬من اعتقد أن ا ّ‬
‫مجبورين كالجمادات التي ل إرادة لها ول قدرة‪.‬‬
‫ل فوق العرش‪ ،‬فقد زعم أنه محصور‪ ،‬وأنه جسم مركب محدود‪ ،‬وأنه مشابه لخلقه‪.‬‬
‫وكقول الجهمي‪ :‬من قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل علًما وقدرة‪ ،‬فقد زعم أنه جسم مركب‪ ،‬وإنه مشبه؛ لن هذه الصفات‬
‫وكقول الجهمية المعتزلة‪ :‬من قال‪ :‬إن ّ‬
‫أعراض‪ ،‬والَعَرض ل يقوم إل بجوهر متحيز‪ ،‬وكل متحيز جسم مركب‪ ،‬أو جوهر فرد‪ ،‬ومن قال ذلك فهو مشبه؛‬
‫لن الجسام متماثلة‪.‬‬
‫ومن حكى عن الناس ]المقالت[‪ ،‬وسماهم بهذه السماء المكذوبة ـ بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها ـ فهو‬
‫ل من ورائه بالمرصاد‪ ،‬ول يحيق المكر السيئ إل بأهله‪.‬‬
‫وربه وا ّ‬
‫‪/‬‬
‫القبلة‪:‬‬

‫وجماع المر‪ :‬أن القسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ]ستة أقسام[‪ ،‬كل قسم عليه طائفة من أهل‬

‫قسمان يقولن‪ :‬تجرى على ظواهرها‪.‬‬
‫وقسمان يقولن‪ :‬هي على خلف ظاهرها‪.‬‬
‫وقسمان يسكتون‪.‬‬
‫أما الولون فقسمان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين‪ ،‬فهؤلء المشبهة‪ ،‬ومذهبهم باطل‪،‬‬
‫أنكره السلف‪ ،‬وإليهم يتوجه الرد بالحق‪.‬‬
‫ل‪ ،‬كما يجرى ظاهر اسم العلىم والقدير‪ ،‬و الرب والله‪ ،‬والموجود‬
‫الثاني‪ :‬من يجريها على ظاهرها اللئق بجلل ا ّ‬
‫ل‪ ،‬فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث‪،‬‬
‫والذات‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬على ظاهرها اللئق بجلل ا ّ‬
‫وإما عرض قائم به‪.‬‬
‫فالعلم والقدرة‪ ،‬والكلم والمشيئة‪ ،‬والرحمة والرضا‪ ،‬والغضب ونحو ذلك‪ ،‬في حق العبد أعراض؛ والوجه واليد‬
‫ل موصوًفا عند عامة أهل الثبات بأن له علًما وقدرة‪ ،‬وكلًما ومشيئة ـ وإن لم‬
‫والعين في حقه أجسام‪ ،‬فإذا كان ‪ /‬ا ّ‬
‫ل ويداه صفات ليست أجساًما‪،‬‬
‫ضا‪ ،‬يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين ـ جاز أن يكون وجه ا ّ‬
‫يكن ذلك عر ً‬
‫يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين‪.‬‬
‫وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف‪ ،‬وعليه يدل كلم جمهورهم‪ ،‬وكلم الباقين ل يخالفه‪ ،‬وهو‬
‫ل ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات‪ ،‬فصفاته ثابتة‬
‫أمر واضح‪ ،‬فإن الصفات كالذات‪ ،‬فكما أن ذات ا ّ‬
‫حقيقية من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات‪.‬‬
‫فمن قال‪ :‬ل أعقل علًما ويًدا إل من جنس العلم واليد المعهودين‪ .‬قيل له‪ :‬فكيف تعقل ذاًتا من غير جنس ذوات‬
‫المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلئم حقيقته‪ ،‬فمن لم يفهم من صفات الرب ـ الذي‬
‫ليس كمثله شيء ـ إل ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه‪.‬‬
‫وما أحسن ما قال بعضهم‪ :‬إذا قال لك الجهمي‪ :‬كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬فقل له‪ :‬كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك‪ :‬ل يعلم ما هو إل هو‪ ،‬وكنه الباري ـ تعالى ـ غير معلوم للبشر‪ .‬فقل له‪:‬‬

‫فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف‪ ،‬فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف‪ /‬لم تعلم كيفيته‪ ،‬وإنما‬
‫تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك‪.‬‬
‫لـ‬
‫بل هذه ]المخلوقات في الجنة[ قد ثبت عن ابن عباس أنه قال‪ :‬ليس في الدنيا مما في الجنة إل السماء‪ ،‬وقد أخبر ا ّ‬
‫ت‪،‬‬
‫تعالى ـ أنه ل تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين‪ ،‬وأخبر النبي صلى ال عليه وسلم )أن في الجنة ما ل عين رأ ْ‬
‫ل كذلك فما ظنك بالخالق ـ‬
‫شر(‪ .‬فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق ا ّ‬
‫طر على قلب َب َ‬
‫خَ‬
‫ول ُأذن سمعت‪ ،‬ول َ‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وهذه ]الروح[ التي في بني آدم‪ ،‬قد علم العاقل اضطراب الناس فيها‪ ،‬وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها؛ أفل يعتبر‬
‫ل ـ تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في البدن‪ ،‬وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء‪،‬‬
‫العاقل بها عن الكلم في كيفية ا ّ‬
‫ل منه وقت النزع‪ ،‬كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة‪ ،‬ل نغالى في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم ـ‬
‫سّ‬
‫وأنها ُت َ‬
‫حيث نفوا عنها الصعود والنزول‪ ،‬والتصال بالبدن والنفصال عنه‪ ،‬وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن‬
‫وصفاته‪ ،‬فعدم مماثلتها للبدن ل ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها‪ ،‬إل أن يفسروا كلمهم بما يوافق‬
‫النصوص‪ ،‬فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وأنى لهم بذلك؟!‬
‫ل‪ ،‬أو صفة من ‪/‬صفات البدن والحياة‪ ،‬وأنها مختلفة‬
‫ول نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مث ً‬
‫الجساد‪ ،‬ومساوية لسائر الجساد في الحد والحقيقة‪ ،‬كما يقول طوائف من أهل الكلم‪ ،‬بل نتيقن أن الروح عين‬
‫موجودة غير البدن‪ ،‬وأنها ليست مماثلة له‪ ،‬وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة ل مجاًزا‪ ،‬فإذا كان مذهبنا‬
‫في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة‪ ،‬فكيف الظن بصفات رب العالمين؟‬
‫لل‬
‫ل تعالى قط‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها؛ أعني الذين يقولون‪ :‬ليس لها في الباطن مدلول هو صفة ا ّ‬
‫صفة له ثبوتية‪ ،‬بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما‪ ،‬أو يثبتون بعض الصفات ـ وهي الصفات السبعة‬
‫أو الثمانية أو الخمسة عشرـ أو يثبتون الحوال دون الصفات‪ ،‬ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون‬
‫الحديث‪ ،‬على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين ـ فهؤلء قسمان‪:‬‬
‫قسم يتأولونها ويعينون المراد؛ مثل قولهم‪ :‬استوى بمعنى‪ :‬استولى‪ ،‬أو بمعنى‪ :‬علو المكانة والقدر‪ ،‬أو بمعنى‪ :‬ظهور‬
‫نوره للعرش‪ ،‬أو بمعنى‪ :‬انتهاء الخلق إليه‪ ،‬إلى غير ذلك من معاني المتكلمين‪.‬‬
‫ل أعلم بما أراد بها‪ ،‬لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه‪:‬‬
‫وقسم يقولون‪ :‬ا ّ‬
‫وأما القسمان الواقفان‪:‬‬
‫ل ونحو ذلك‪ .‬وهذه‬
‫ل‪ ،‬ويجوز أل يكون المراد صفة ا ّ‬
‫‪ /‬فقوم يقولون‪ :‬يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللئق بجلل ا ّ‬
‫طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم‪.‬‬
‫وقوم يمسكون عن هذا كله ول يزيدون على تلوة القرآن وقراءة الحديث‪ ،‬معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه‬
‫التقديرات‪.‬‬
‫فهذه القسام الستة ل يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها‪.‬‬
‫لـ‬
‫والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها‪ ،‬القطُع بالطريقة الثابتة‪ ،‬كاليات والحاديث الدالة على أن ا ّ‬
‫سبحانه وتعالى ـ فوق عرشه‪ ،‬ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله‪ ،‬بدللة الكتاب والسنة والجماع على ذلك‪ ،‬دللة‬
‫ل تحتمل النقيض‪ ،‬وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض‪ ،‬وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما‬
‫ل له نوًرا فما له من نور‪.‬‬
‫يؤتاه من العلم واليمان‪ ،‬ومن لم يجعل ا ّ‬
‫ل عنها ـ قالت‪ :‬كان رسول الّ‬
‫ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره‪ ،‬فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم إذا قام يصلي من الليل قال‪] :‬اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل‪ ،‬فاطر السموات والرض‪،‬‬

‫عالم الغيب والشهادة‪ ،‬أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون‪ ،‬اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك‪ ،‬إنك تهدي‬
‫من تشاء إلى صراط مستقيم[‪ ،‬وفي رواية لبي داود‪ :‬أنه كان يكبر في صلته ثم يقول ذلك‪.‬‬
‫ل وكلم رسوله وكلم الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ـ‬
‫ل ودعاه‪ ،‬وأدمن النظر في كلم ا ّ‬
‫‪ /‬فإذا افتقر العبد إلى ا ّ‬
‫انفتح له طريق الهدى‪ ،‬ثم إن كان قد خبر نهايات أقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب‪ ،‬وعرف أن غالب ما‬
‫يزعمونه برهاًنا هو شبهة‪ ،‬ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى ل حقيقة لها‪ ،‬أو شبهة‪ ،‬مركبة من قياس‬
‫فاسد‪ ،‬أو قضية كلية ل تصح إلجزئية‪ ،‬أو دعوى إجماع ل حقيقة له‪ ،‬أو التمسك في المذهب والدليل باللفاظ‬
‫المشتركة‪.‬‬
‫ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلحهم ـ أوهمت الِغّر ]هو من ل تجربة له[‪ .‬ما‬
‫سَنه الضّد[‪ ،‬وكل من‬
‫حْ‬
‫ضّد ُيظِهر ُ‬
‫يوهمه السراب للعطشان ـ ازداد إيماًنا وعلًما بما جاء به الكتاب والسنة‪ ،‬فإن ]ال ِ‬
‫كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيًما‪ ،‬وبقدره أعرف إذا هدى إليه‪.‬‬
‫فأما المتوسطون من المتكلمين‪ ،‬فيخاف عليهم ما ل يخاف على من لم يدخل فيه‪ ،‬وعلى من قد أنهاه نهايته‪ ،‬فإن من لم‬
‫يدخل فيه فهو في عافية‪ ،‬ومن أنهاه فقد عرف الغاية‪ ،‬فما بقي يخاف من شيء آخر‪ ،‬فإذا ظهر له الحق وهو عطشان‬
‫إليه قبله‪ ،‬وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالت المأخوذة تقليًدا لمعظمة هؤلء‪.‬‬
‫وقد قال بعض الناس‪ :‬أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم‪ ،‬ونصف ‪ /‬متفقه‪ ،‬ونصف متطبب‪ ،‬ونصف نحوى‪ ،‬هذا يفسد‬
‫الديان‪ ،‬وهذا يفسد البلدان‪ ،‬وهذا يفسد البدان‪ ،‬وهذا يفسد اللسان‪.‬‬
‫ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب في قول مختلف‪ .‬يؤفك عنه من أفك‪ ،‬يعلم الذكي منهم‬
‫والعاقل‪ :‬أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة‪ ،‬وأن حجته ليست بينة وإنما هي كما قيل فيها‪:‬‬
‫حجج تهافت كالزجاج تخالها ** حًقا وكـــــــل كاسر مكســـــور‬
‫ل عنه ـ حيث قال‪ :‬حكمي في أهل الكلم‬
‫ويعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ـ رضي ا ّ‬
‫أن يضربوا بالجريد والنعال‪ ،‬ويطاف بهم في القبائل والعشائر‪ ،‬ويقال‪ :‬هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة‬
‫وأقبل على الكلم‪.‬‬
‫ومن وجه آخر‪ ،‬إذا نظرت إليهم بعين القدر ـ والحيرة مستولية عليهم‪ ،‬والشيطان مستحوذ عليهم ـ رحمتهم وترفقت‬
‫عْنُهْم‬
‫غَنى َ‬
‫را وأفئدة }َفَما َأ ْ‬
‫بهم‪ ،‬أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاًء وأعطوا فهوًما وما أعطوا علوًما‪ ،‬وأعطوا سمًعا وأبصا ً‬
‫ق ِبِهم ّما َكاُنوا ِبِه َيْسَتْهِزُؤون{ ]الحقاف‪.[26:‬‬
‫حا َ‬
‫ل َو َ‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫حُدو َ‬
‫جَ‬
‫يٍء ِإْذ َكاُنوا َي ْ‬
‫ش ْ‬
‫ل َأْفِئَدُتُهم ّمن َ‬
‫صاُرُهْم َو َ‬
‫ل َأْب َ‬
‫سْمُعُهْم َو َ‬
‫َ‬
‫ومن كان عليما بهذه المور‪ ،‬تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم‪/ ،‬حيث حذروا عن الكلم ونهوا عنه‪ ،‬وذموا‬
‫ل إل بعًدا‪.‬‬
‫أهله وعابوهم‪ ،‬وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من ا ّ‬
‫ل العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ول الضالين‪ .‬آمين‪.‬‬
‫فنسأل ا ّ‬
‫ل رب العالمين‪ ،‬وصلته وسلمه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫والحمد ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ واستوائه على عرشه‬
‫ل روحه ـ عن علو ا ّ‬
‫سئل شيخ السلم ـ قدس ا ّ‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫ل ـ تعالى ـ نفسه في كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله بالعلو والستواء على العرش‪ ،‬والفوقية‪ ،‬في كتابه في‬
‫قد وصف ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ عال على‬
‫آيات كثيرة‪ ،‬حتى قال بعض أكابرأصحاب الشافعي‪ :‬في القرآن ألف دليل أو أزيد‪ ،‬تدل على أن ا ّ‬
‫الخلق‪ ،‬وأنه فوق عباده‪.‬‬

‫سَماَوا ِ‬
‫ت‬
‫ك{ ]العراف‪َ}،[206:‬وَلُه َمن ِفي ال ّ‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ن ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وقال غيره‪ :‬فيه ثلثمائة دليل تدل على ذلك؛ مثل قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ض َوَمْن ِعنَدُه{ ]النبياء‪[91 :‬؛ فلو كان المراد بأن معنى عنده في قدرته ـ كما يقول الجهمي ـ لكان الخلق كلهم‬
‫لْر ِ‬
‫َوا َْ‬

‫عنده؛ فإنهم كلهم في قدرته ومشيئته‪ ،‬ولم يكن فرق بين من في السموات ومن في الرض ومن عنده‪.‬‬
‫كما أن الستواء على العرش لو كان المراد به الستيلء عليه‪ ،‬لكان مستويا على جميع المخلوقات‪ ،‬ولكان مستويا‬
‫على العرش قبل أن يخلقه دائًما‪ ،‬والستواء‪ /‬مختص بالعرش بعد خلق السموات والرض‪ ،‬كما أخبر بذلك في كتابه‪،‬‬
‫فدل على أنه تارة كان مستويا عليه‪ ،‬وتارة لم يكن مستويا عليه؛ ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع‬
‫العقل والشرع عند الئمة المثبتة‪ ،‬وأما الستواء على العرش‪ ،‬فمن الصفات المعلومة بالسمع فقط دون العقل‪.‬‬
‫والمقصود أنه ـ تعالى ـ وصف نفسه بالمعية وبالقرب‪ .‬والمعية معيتان‪ :‬عامة‪ ،‬وخاصة‪ .‬فالولى قوله تعالى‪َ} :‬وُهَو‬
‫ل َمَع اّلِذيَن اّتَقوْا ّواّلِذيَن ُهم ّمْحِسُنوَن{ ]النحل‪ ،[128 :‬إلى غير‬
‫نا ّ‬
‫َمَعُكْم َأْينَ َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪ .[4:‬والثانية قوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬

‫ذلك من اليات‪.‬‬
‫ب ِإَلْيِه ِمنُكْم{ ]الواقعة‪[58:‬‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫ب{ ]البقرة‪ ،[186:‬وقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫وأما القرب فهو كقوله‪َ} :‬فِإّني َقِري ٌ‬
‫وافترق الناس في هذا المقام أربع فرق‪:‬‬
‫فـ]الجهمية[ النفاة الذين يقولون‪ :‬ل هو داخل العالم ول خارج العالم‪ ،‬ول فوق ول تحت‪ ،‬ل يقولون بعلوه ول بفوقيته‪،‬‬
‫بل الجميع عندهم متأول أو مفوض‪ ،‬وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص؛كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة‬
‫وغيرهم‪ ،‬إل الجهمية‪ ،‬فإنه ليس معهم عن النبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي‪.‬‬
‫ولهذا قال ابن المبارك‪ ،‬ويوسف بن أسباط‪ :‬الجهمية خارجون عن‪ /‬الثلث وسبعين فرقة‪ ،‬وهذا أعدل الوجهين‬
‫ل بن حامد وغيره‪.‬‬
‫لصحاب أحمد‪ ،‬ذكرهما أبو عبد ا ّ‬
‫وقسم ثان‪ :‬يقولون‪ :‬إنه بذاته في كل مكان‪ ،‬كما يقول ذلك النجارية‪ ،‬وكثير من الجهمية عبادهم‪ ،‬وصوفيتهم‪،‬وعوامهم‪.‬‬
‫ويقولون‪ :‬إنه عين وجود المخلوقات‪ ،‬كما يقوله ]أهل الوحدة[ القائلون بأن الوجود واحد‪ ،‬ومن يكون قوله مركًبا من‬
‫الحلول والتحاد‪.‬‬
‫وهم يحتجون بنصوص المعية والقرب‪ ،‬ويتأولون نصوص العلو والستواء‪ ،‬وكل نص يحتجون به حجة عليهم؛ فإن‬
‫المعية أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه‪ ،‬وعندهم أنه في كل مكان‪ ،‬وفي نصوصهم ما يبين نقيض قولهم‪ ،‬فإنه قال‪:‬‬
‫ض َوُهَو اْلَعِزيُز اْلَحِكيُم{ ]الحديد‪ ،[1:‬فكل من في السموات والرض يسبح‪ ،‬والمسّبح غير‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َما ِفي ال ّ‬
‫ح ِّ‬
‫سّب َ‬
‫}َ‬
‫طُ‬
‫ن‬
‫ظاِهُر َواْلَبا ِ‬
‫خُر َوال ّ‬
‫لِ‬
‫ل َوا ْ‬
‫لّو ُ‬
‫ض{ ]الحديد‪ ،[2 :‬فبين أن الملك له‪ ،‬ثم قال‪ُ} :‬هَو ا َْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ك ال ّ‬
‫المسّبح‪ ،‬وقال‪َ} :‬لُه ُمْل ُ‬
‫يٍء َعِليٌم{ ]الحديد‪ .[3:‬وفي الصحيح‪) :‬أنت الول فليس قبلك شيء (‪ .. .‬إلخ‪.‬‬
‫ش ْ‬
‫َوُهَو ِبُكلّ َ‬
‫فإذا كان هو الول‪ ،‬كان هناك ما يكون بعده‪ ،‬وإذا كان آخًرا‪ ،‬كان هناك ما الرب بعده‪ ،‬وإذا كان ظاهًرا ليس فوقه‬
‫شيء‪ ،‬كان هناك ما الرب ظاهر عليه‪ ،‬وإذا كان باطًنا ليس دونه شيء‪ ،‬كان هناك أشياء نفي عنها أن تكون دونه‪.‬‬
‫ولهذا قال ابن عربي‪ :‬من أسمائه الحسنى ]العلي[ على من يكون علًيا‪ ،‬وما ثم إل هو؟! وعماذا يكون عليا وما‬
‫‪/‬‬
‫هو إل هو؟! فعلوه لنفسه‪ ،‬وهو من حيث الوجود عين الموجودات؛ فالمسمى محدثات هي العلية هي لذاتها‪ ،‬وليست‬
‫إل هو‪.‬‬
‫ل يعرف بجمعه بين الضداد‪ ،‬فهو‬
‫قال الخراز‪ :‬وهو وجه من وجوه الحق‪ ،‬ولسان من ألسنته‪ ،‬ينطق عن نفسه بأن ا ّ‬
‫عين ما ظهر‪ ،‬وهو عين ما بطن في حال ظهوره‪ ،‬وما ثم من تراه غيره‪ ،‬وما ثم من يبطن عنه سواه‪ ،‬فهو ظاهر‬
‫لنفسه‪ ،‬وهو باطن عن نفسه‪ ،‬وهو المسمى أبو سعيد الخراز‪ .‬ا‪.‬هـ‪.‬‬
‫والمعية ل تدل على الممازجة والمخالطة‪ ،‬وكذلك لفظ ]القرب[‪ ،‬فإن عند الحلولية أنه في حبل الوريد‪ ،‬كما هو عندهم‬
‫في سائر العيان‪ ،‬وكل هذا كفر وجهل بالقرآن‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬قول من يقول‪ :‬هو فوق العرش‪ ،‬وهو في كل مكان‪ ،‬ويقول‪ :‬أنا أقر بهذه النصوص‪ ،‬وهذه ل أصرف واحًدا‬
‫منها عن ظاهره‪ ،‬وهذا قول طوائف ذكرهم الشعري في ]المقالت السلمية[‪ ،‬وهو موجود في كلم طائفة من‬
‫جان وغيرهما‪ ،‬مع ما في كلم أكثرهم من‬
‫السالمية والصوفية‪ ،‬ويشبه هذا ما في كلم أبي طالب المكي‪ ،‬وابن َبّر َ‬
‫التناقض‪.‬‬
‫ولهذا كان أبوعلي الهوازي ـ الذي صنف مثالب ابن أبي بشر‪ ،‬ورد على أبي القاسم بن عساكر ـ هو من السالمية‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫وكذلك ذكر الخطيب البغدادي‪ :‬أن جماعة أنكروا على أبي طالب بعض كلمه في الصفات‪.‬‬

‫وهذا ـ الصنف الثالث ـ وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص‪ ،‬وأبعد عن مخالفتها من الصنفين الولين‪ ،‬فإن الول‬
‫لم يتبع شيًئا من النصوص‪ ،‬بل خالفها كلها‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬ترك النصوص الكثيرة‪ ،‬المحكمة المبينة‪ ،‬وتعلق بنصوص قليلة اشتبهت عليه معانيها‪.‬‬
‫ل بذاته في كل مكان فهو‬
‫ضا‪ ،‬فكل من قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫وأما هذا الصنف فيقول‪ :‬أنا اتبعت النصوص كلها‪ ،‬لكنه غالط أي ً‬
‫ل عليه عباده‪ ،‬ولصريح المعقول وللدلة‬
‫مخالف للكتاب والسنة‪ ،‬وإجماع سلف المة وأئمتها‪ ،‬مع مخالفته لما فطر ا ّ‬
‫الكثيرة‪.‬‬
‫وهؤلء يقولون أقوالً متناقضة‪ .‬يقولون‪ :‬إنه فوق العرش‪ .‬ويقولون‪ :‬نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف؛ كما‬
‫يذكر مثل ذلك أبو طالب وغيره‪ ،‬ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة واليمان‪ ،‬وما يتبع ذلك‪ .‬فإن قالوا‪ :‬إن‬
‫العرش كذلك نقضوا قولهم‪ :‬إنه نفسه فوق العرش‪ .‬وإن قالوا بحلوله بذاته في قلوب العارفين‪ ،‬كان ذلك قول بالحلول‬
‫الخاص‪.‬‬
‫‪/‬وقد وقع طائفة من الصوفية ـ حتى صاحب ]منازل السائرين[ في توحيده المذكور في آخر المنازل ـ في مثل هذا‬
‫الحلول؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون عن مثل هذا‪.‬‬
‫سئل الجنيد عن التوحيد‪ .‬فقال‪ :‬هو إفراد الحدوث عن الِقَدم‪ .‬فبين أنه لبد للموحد من التمييز بين القديم الخالق‬
‫والمحَدث المخلوق‪ ،‬فل يخلط أحدهما بالخر‪ .‬وهؤلء يقولون في أهل المعرفة ما قالته النصارى في المسيح‪،‬‬
‫والشيعة في أئمتها‪ ،‬وكثير من الحلولية والباحية ينكر على الجنيد وأمثاله ـ من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب‬
‫والسنة ـ ما قالوه من نفي الحلول‪ ،‬وما قالوه في إثبات المر والنهي‪ ،‬ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها‬
‫هو وأمثاله من الحلولية والباحية‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬هم سلف المة وأئمتها‪ ،‬أئمة أهل العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة‪ ،‬فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به‬
‫ل فوق سمواته على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬وهم‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬من غير تحريف للكلم عن مواضعه‪ ،‬أثبتوا أن ا ّ‬
‫بائنون منه‪.‬‬
‫ضا ـ قريب مجيب‪ ،‬ففي‬
‫ضا ـ مع العباد عموًما بعلمه‪ ،‬ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية‪ ،‬وهو ـ أي ً‬
‫وهو ـ أي ً‬
‫آية النجوى دللة على أنه عالم بهم‪.‬‬
‫وكان النبي صلى ال عليه وسلم يقول‪) :‬اللهم أنت الصاحب في السفر‪ / ،‬والخليفة في الهل( فهو مع المسافر في‬
‫ن َمَعُه{‬
‫ل َواّلِذي َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سو ُ‬
‫حّمٌد ّر ُ‬
‫سفره‪ ،‬ومع أهله في وطنه‪ ،‬ول يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم‪ ،‬كما قال‪ّ} :‬م َ‬
‫]الفتح‪ [29:‬أي‪ :‬على اليمان‪ ،‬ل أن ذاته في ذاتهم‪ ،‬بل هم مصاحبون له‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ عالم بعباده‪ ،‬وهو‬
‫ك َمَع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]النساء‪ [146:‬يدل على موافقتهم في اليمان وموالتهم‪ ،‬فا ّ‬
‫وَقوله‪َ} :‬فُأْوَلـِئ َ‬
‫جاد‪ ،‬عظيم الرماد‪ ،‬قريب البيت من‬
‫معهم أينما كانوا وعلمه بهم من لوازم المعية؛ كما قالت المرأة‪ :‬زوجي طويل الّن َ‬
‫الناد!! فهذا كله حقيقة‪ ،‬ومقصودها‪ :‬أن تعرف لوازم ذلك‪ ،‬وهو طول القامة‪ ،‬والكرم بكثرة الطعام؛ وقرب البيت من‬
‫موضع الضياف‪.‬‬

‫وفي القرآن‪َ} :‬أْم َيْحَسُبوَن َأّنا َل َنْسَمُع ِسّرُهْم َوَنْجَواُهم َبَلى َوُرُسُلَنا َلَدْيِهْم َيْكُتُبوَن{ ]الزخرف‪ ،[80:‬فإنه يراد برؤيته وسمعه‬
‫إثبات علمه بذلك‪ ،‬وأنه يعلم هل ذلك خير أو شر؟ فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات‪ .‬وكذلك إثبات القدرة‬
‫ن َيْعَمُلو َ‬
‫ن‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫س َ‬
‫حِ‬
‫سَماء{ ]العنكبوت‪ ،[22:‬وقوله‪َ} :‬أْم َ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫ض َو َ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َْ‬
‫جِزي َ‬
‫على الخلق؛ كقوله‪َ} :‬وَما َأنُتم ِبُمْع ِ‬
‫ت َأن َيْسِبُقوَنا َساء َما َيْحُكُموَن{ ]العنكبوت‪ ،[4:‬والمراد التخويف بتوابع السيئات ولوازمها من العقوبة والنتقام‪.‬‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ال ّ‬
‫وهكذا كثير مما يصف الرب نفسه بالعلم بأعمال العباد؛ تحذيًرا وتخويًفا ورغبة للنفوس في الخير‪ .‬ويصف نفسه‬
‫ضا ـ لزم ذلك المعنى‪ .‬فقد أريد ما يدل‬
‫بالقدرة‪ ،‬والسمع‪ ،‬والرؤية‪ ،‬والكتاب‪ .‬فمدلول اللفظ مراد منه‪ ،‬وقد أريد ـ أي ً‬
‫ل في اللزم فقط بل أريد به مدلوله الملزوم‪ ،‬وذلك‬
‫‪/‬عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة واللتزام؛ فليس اللفظ مستعم ً‬
‫حقيقة‪.‬‬
‫ب{ ]البقرة‪ ،[186:‬وفي الحديث‪:‬‬
‫جي ُ‬
‫ب ُأ ِ‬
‫عّني َفِإّني َقِري ٌ‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫سَأَل َ‬
‫وأما القرب فذكره تارة بصيغة المفرد‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وِإَذا َ‬
‫)اْرَبُعوا على أنفسكم( إلى أن قال‪) :‬إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته(‪.‬‬
‫ك{ ]القصص‪،[3:‬‬
‫عَلْي َ‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ ،[16:‬وهذا مثل قوله‪َ} :‬نْتُلوا َ‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫وتارة بصيغة الجمع كقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫ك{ ]يوسف‪ ،[3:‬و}ِإّن َعَلْيَنا َجْمَعُه َوُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ ،[17:‬و}ُثّم ِإّن َعَلْيَنا َبَياَنُه{ ]القيامة‪ ،[19:‬فالقراءة هنا‬
‫عَلْي َ‬
‫ص َ‬
‫حنُ َنُق ّ‬
‫و}َن ْ‬
‫حين يسمعه من جبريل‪ ،‬والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن‪.‬‬
‫لـ‬
‫ومذهب سلف المة وأئمتها وخلفها‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم سمع القرآن من جبريل‪ ،‬وجبريل سمعه من ا ّ‬
‫ص{ ونحوه‪ ،‬فهذه الصيغة في كلم العرب للواحد العظيم‪ ،‬الذي له أعوان‬
‫عز وجل‪ .‬وأما قوله‪َ} :‬نْتُلوا{‪ ،‬و}َنُق ّ‬
‫ل بأمره قال‪ :‬نحن فعلنا‪ .‬كما يقول الملك‪ :‬نحن فتحنا هذا البلد‪ .‬وهو منا هذا الجيش ونحو‬
‫يطيعونه‪ ،‬فإذا فعل أعوانه فع ً‬
‫ذلك‪.‬‬
‫س{ ]الزمر‪ ،[42:‬فإنه سبحانه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت‪،‬‬
‫لنُف َ‬
‫ل َيَتَوفى ا َْ‬
‫ومن هذا الباب قوله تعالى‪} :‬ا ُّ‬
‫ت{ ]السجدة‪ ،[11 :‬وكذلك ذوات الملئكة تقرب من‬
‫ك اْلَمْو ِ‬
‫ل َيَتَوّفاُكم ّمَل ُ‬
‫سُلَنا{ ]النعام‪ُ} ،[61 :‬ق ْ‬
‫كما قال‪َ} :‬تَوّفْتُه ُر ُ‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪.[16:‬‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫المحتضر‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫‪/‬فإنه ـ سبحانه وتعالى ـ هو وملئكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد‪ ،‬من حسنة وسيئة‪ ،‬والهم في النفس قبل العمل‪.‬‬
‫ل؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ [16:‬هو قرب ذوات الملئكة‪ ،‬وقرب علم ا ّ‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫فقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫ن{‬
‫من حبل الوريد؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض؛ ولهذا قال في تمام الية‪ِ} :‬إْذ َيَتَلّقى اْلُمَتَلّقَيا ِ‬
‫]ق‪ ،[17:‬فقوله‪] :‬إذ[ ظرف‪ .‬فأخبر أنهم أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول‪ .‬فهذا كله خبر عن‬
‫الملئكة‪.‬‬
‫ب{ ]البقرة‪ ،[186:‬و)هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته(‪ ،‬هذا إنما جاء في الدعاء‪ ،‬لم يذكر أنه‬
‫وقوله‪َ} :‬فِإّني َقِري ٌ‬
‫قريب من العباد في كل حال‪ ،‬وإنما ذكر ذلك في بعض الحوال‪ ،‬كما في الحديث‪) :‬أقرب ما يكون العبد من ربه وهو‬
‫ساجد( ونحو ذلك‪.‬‬
‫عا تقربت إليه باعا‪ ،‬ومن أتاني يمشي أتيته‬
‫ي ذرا ً‬
‫عا‪ ،‬ومن تقرب إل ّ‬
‫ي شبًرا تقربت إليه ذرا ً‬
‫وقوله‪) :‬من تقرب إل ّ‬
‫هرولة(‪ ،‬فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الخر منه‪ ،‬لكن قد يكون قرب الثاني هو اللزم من قرب الول‪،‬‬
‫ضا ـ قرب بنفسه‪.‬‬
‫ويكون منه ـ أي ً‬
‫فالول‪ :‬كمن تقرب إلى مكة‪ ،‬أو حائط الكعبة‪ ،‬فكلما قرب منه قرب الخر منه‪ ،‬من غير أن يكون منه فعل‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وتقريبه له‬
‫‪/‬والثاني‪ :‬كقرب النسان إلى من يتقرب هو إليه‪ ،‬كما تقدم في هذا الثر اللهي‪ .‬فتقرب العبد إلى ا ّ‬
‫ب{ ]السراء‪ [57:‬ونحو‬
‫سيَلَة َأّيُهْم َأْقَر ُ‬
‫ن ِإَلى َرّبِهُم اْلَو ِ‬
‫ن َيْبَتُغو َ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫نطقت به نصوص متعددة‪ ،‬مثل قوله‪ُ} :‬أوَلـِئ َ‬
‫ذلك‪ ،‬فهذا قرب الرب نفسه إلى عبيده‪ ،‬وهو مثل نزوله إلى سماء الدنيا‪.‬‬

‫عَرَفة‪ ،‬ويباهي الملئكة بأهل عرفة(‪ ،‬فهذا القرب كله خاص في‬
‫شّية َ‬
‫عِ‬
‫ل ـ تعالى ـ يدنو َ‬
‫وفي الحديث الصحيح‪) :‬أن ا ّ‬
‫بعض الحوال دون بعض‪ ،‬وليس في الكتاب والسنة ـ قط ـ قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال‪ ،‬فعلم بذلك‬
‫بطلن قول الحلولية؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عاًما مطلًقا‪ ،‬كما جعل إخوانهم التحادية ذلك في مثل‬
‫ل لمن‬
‫قوله‪) :‬كنت سمعه( وقوله‪) :‬فيأتيهم في صورة غير صورته(‪ ،‬وأن الَّ ـ تعالى ـ قال على لسان نبيه‪) :‬سمع ا ّ‬
‫حمده(‪ ،‬وكل هذه النصوص حجة عليهم‪.‬‬
‫ل بل ريب‬
‫ل ـ تعالى ـ والروح لها عروج يناسبها‪ .‬فتقرب إلى ا ّ‬
‫فإذا تبين ذلك؛ فالداعي والساجد يوجه روحه إلى ا ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ منها قريًبا قرًبا يلزم من تقربها‪ ،‬ويكون منه قرب آخر‪ ،‬كقربه‬
‫بحسب تخلصها من الشوائب‪ ،‬فيكون ا ّ‬
‫عا‪ .‬والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من‬
‫عشية عرفة‪ ،‬وفي جوف الليل‪ ،‬وإلى من تقرب منه شبًرا تقرب منه ذرا ً‬
‫التوجه‪ ،‬والتقرب‪ ،‬والرقة‪ ،‬مال يوجد في غير‪ /‬ذلك الوقت‪ .‬وهذا مناسب لنزوله إلى سماء الدنيا‪ ،‬وقوله‪) :‬هل من‬
‫داع؟ هل من سائل؟ هل من تائب؟(‪.‬‬
‫ثم إن هذا النزول‪ :‬هل هو كدنوه عشية عرفة‪ ،‬ل يحصل لغير الحاج في سائر البلد ـ إذ ليس بها وقوف مشروع‪ ،‬ول‬
‫مباهاة الملئكة‪ ،‬وكما أن تفتيح أبواب الجنة‪ ،‬وتغليق أبواب النار‪ ،‬وتصفيد الشياطين إذا دخل شهر رمضان‪ ،‬إنما هو‬
‫عَمُلوا َما‬
‫للمسلمين الذين يصومون رمضان؛ ل الكفار الذين ل يرون له حرمة‪ ،‬وكذلك اطلعه يوم بدر‪ ،‬وقوله لهم‪) :‬ا ْ‬
‫صا بأولئك ـ أم هو عام؟ فيه كلم ليس هذا موضعه‪ .‬والكلم في هذا القرب من جنس الكلم في نزوله‬
‫ِشْئُتْم( كان مخت ً‬
‫ك َمن ِفي الّناِر َوَمْن َحْوَلَها{ ]النمل‪.[8:‬‬
‫كل ليلة‪ ،‬ودنوه عشية عرفة‪ ،‬وتكليمه لموسى من الشجرة‪،‬وقوله‪َ} :‬أن ُبوِر َ‬
‫وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما قاله السلف في مثل ذلك؛ مثل حماد بن زيد‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬من‬
‫أنه ينزل إلى سماء الدنيا ول يخلو منه العرش‪ ،‬وبينا أن هذا هو الصواب‪ ،‬وإن كان طائفة ممن يدعى السنة يظن خلو‬
‫العرش منه‪.‬‬
‫وقد صنف أبوالقاسم عبد الرحمن بن مندة في ذلك مصنًفا‪ ،‬وزيف قول من قال‪ :‬ينزل ول يخلو منه العرش‪ ،‬وضعف‬
‫سّدد‪ ،‬وطعن في هذه الرسالة‪ .‬وقال‪ :‬إنها مكذوبة على أحمد‬
‫ما قيل في ذلك عن أحمد بن حنبل ‪ /‬في رسالته إلى ُم َ‬
‫وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد‪ .‬وقال‪ :‬إنه مجهول ل يعرف في أصحاب أحمد‪.‬‬
‫وطائفة تقف‪ ،‬ل تقول‪ :‬يخلو‪ ،‬ول‪ :‬ل يخلو‪ ،‬وتنكر على من يقول ذلك‪ .‬منهم‪ :‬الحافظ عبد الغني المقدسي‪.‬‬
‫وأما من يتوهم أن السموات تنفرج ثم تلتحم‪ ،‬فهذا من أعظم الجهل‪ ،‬وإن وقع فيه طائفة من الرجال‪.‬‬
‫ل ونهاًرا إلى أن يموت‪،‬‬
‫والصواب‪ :‬قول السلف؛ أنه ينزل ول يخلو منه العرش؟ وروح العبد في بدنه ل تزال لي ً‬
‫ووقت النوم تعرج‪ ،‬وقد تسجد تحت العرش‪ ،‬وهي لم تفارق جسده‪ .‬وكذلك أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد‪،‬‬
‫وروحه في بدنه‪ ،‬وأحكام الرواح مخالف لحكام البدان‪ ،‬فكيف بالملئكة؟! فكيف برب العالمين؟!‬
‫والليل يختلف‪ ،‬فيكون ثلث الليل بالمشرق قبل ثلثه بالمغرب‪ ،‬ونزوله الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلء في ثلث‬
‫ليلهم‪،‬وإلى سماء هؤلء في ثلث ليلهم‪،‬ل يشغله شأن عن شأن‪ ،‬وكذلك ـ سبحانه ـ ل يشغله سمع عن سمع‪ ،‬ول تغلطه‬
‫المسائل‪ ،‬بل هو سبحانه يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم‪ ،‬ل يشغله هذا عن هذا‪.‬‬
‫لـ‬
‫‪/‬وقد قيل لبن عباس‪ :‬كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة؟ قال‪ :‬كما يرزقهم كلهم في ساعة واحدة‪ .‬وا ّ‬
‫سبحانه ـ في الدنيا يسمع دعاء الداعين‪ ،‬ويجيب السائلين‪ ،‬مع اختلف اللغات‪ ،‬وفنون الحاجات‪ ،‬والواحد منا قد يكون‬
‫له قوة سمع يسمع كلم عدد كثير من المتكلمين‪ ،‬كما أن بعض المقرئين يسمع قراءة عدة‪ ،‬لكن ل يكون إل عدًدا قليلً‬
‫ل إلى بعض الناس الحاضرين والغائبين دون بعض‪ ،‬ويجد تفاوت ذلك‬
‫قريًبا منه‪ ،‬ويجد في نفسه قرًبا ودنًوا‪ ،‬ومي ً‬
‫الدنو والقرب‪.‬‬
‫والرب ـ تعالى ـ واسع عليم‪ ،‬وسع سمعه الصوات كلها‪ ،‬وعطاؤه الحاجات كلها‪.‬‬

‫ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن النسان‪ ،‬إذا مال إلى جهة انصرف عن الخرى‪ ،‬وهو يجد‬
‫عمل روحه يخالف عمل بدنه؛ فيجد نفسه تقرب من نفوس كثيرين من الناس‪ ،‬من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن‬
‫قربها إلى هذا‪.‬‬
‫وبالجملة فقرب الرب من قلوب المؤمنين‪ ،‬وقرب قلوبهم منه‪ ،‬أمر معروف ل يجهل؛ فإن القلوب تصعد إليه على قدر‬
‫ما فيها من اليمان والمعرفة‪ ،‬والذكر والخشية والتوكل‪ .‬وهذا متفق عليه بين الناس كلهم‪ ،‬بخلف القرب ‪ /‬الذي قبله؛‬
‫فإن هذا ينكره الجهمي‪ ،‬الذي يقول‪ :‬ليس فوق السموات رب يعبد‪ ،‬ول إله يصلى له ويسجد‪ ،‬وهذا كفر وَفَنٌد ]الَفَند‪:‬‬
‫خَرف والخطأ في الرأي والقول‪ ،‬والكذب[‪.‬‬
‫ال َ‬
‫والول ينكره الكلبية‪ ،‬ومن يقول‪ :‬ل تقوم المور الختيارية به‪ ،‬ومن أتباع الشعري من أصحاب أحمد وغيره‪ ،‬من‬
‫يجعل الرضا والغضب والفرح والمحبة هي الرادة‪ ،‬وتارة يجعلونها صفات أخر قديمة غير الرادة‪.‬‬
‫ل فعنده من اليمان بحسب ذلك‪ ،‬ثم من لم تقم عليه الحجة بما‬
‫ثم قال بعد كلم طويل‪ :‬هذا يبين أن كل من أقر با ّ‬
‫ل ورسوله‪ ،‬وإن اختلفت اعتقاداتهم في‬
‫جاءت به الخبار‪ ،‬لم يكفر بجحده‪ .‬وهذا يبين أن عامة أهل الصلة مؤمنون با ّ‬
‫معبودهم وصفاته‪ ،‬إل من كان منافًقا يظهر اليمان بلسانه‪ ،‬ويبطن الكفر بالرسول‪ ،‬فهذا ليس بمؤمن‪.‬‬
‫وكل من أظهر السلم ولم يكن منافقا فهو مؤمن‪ ،‬له من اليمان بحسب ما أوتيه من ذلك‪ ،‬وهو ممن يخرج من النار‪،‬‬
‫ولو كان في قلبه مثقال ذرة من اليمان‪،‬ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر‪ ،‬على اختلف‬
‫ل كما يعرفه نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم ـ أو‬
‫عقائدهم‪،‬ولو كان ل يدخل الجنة إل من يعرف ا ّ‬
‫أكثرهم ـ ل يستطيعون هذه المعرفة‪ ،‬بل يدخلون الجنة‪ ،‬وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم‪.‬‬
‫ل به‪ ،‬وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه الول‪ ،‬لم يحمل ما ل يطيق‪ ،‬وإن‬
‫‪/‬وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعبد ا ّ‬
‫يحصل له بذلك فتنة‪ ،‬لم يحدث بحديث يكون له فيه فتنة‪.‬‬
‫فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم‪ ،‬والخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها؛ كالقرآن‬
‫ل ـ تعالى ـ أعلم‪.‬‬
‫والحديث المشهور‪ ،‬وهم مختلفون في معنى ذلك‪ .‬وا ّ‬
‫‪/‬‬

‫ل على سائر مخلوقاته‪.‬‬
‫ضا ـ عن علو ا ّ‬
‫ل أي ً‬
‫وسئل شيخ السلم ـ رحمه ا ّ‬

‫فأجاب‪:‬‬
‫ل ـ تعالى ـ على سائر مخلوقاته‪ ،‬وأنه كامل السماء الحسنى والصفات العلى‪ ،‬فالذي يدل عليه منها الكتاب‪:‬‬
‫أما علو ا ّ‬
‫ك َوَراِفُع َ‬
‫ك‬
‫سى ِإّني ُمَتَوّفي َ‬
‫عي َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫لا ّ‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ ،[10:‬وقوله‪ِ} :‬إْذ َقا َ‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫قوله تعالى‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫سَ‬
‫ل‬
‫سَماء َأن ُيْر ِ‬
‫ي َتُموُر َأْم َأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ض َفِإَذا ِه َ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫ي { ]آل عمران‪ ،[55:‬وقوله‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ِإَل ّ‬
‫ح ِإَلْيِه{‬
‫لِئَكُة َوالّرو ُ‬
‫ج اْلَم َ‬
‫ل ِإَلْيِه{ ]النساء‪ ،[158:‬وقوله‪َ} :‬تْعُر ُ‬
‫صًبا{ ]الملك‪ ،[17 ،16:‬وقوله‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫حا ِ‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫َ‬
‫ن َرّبُهم ّمن َفْوِقِهْم{‬
‫خاُفو َ‬
‫ج ِإَلْيِه{ ]السجدة‪ ،[5 :‬وقوله‪َ} :‬ي َ‬
‫ض ُثّم َيْعُر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫]المعارج‪ ،[4 :‬وقوله‪ُ} :‬يَدّبُر ا َْ‬
‫]النحل‪.[50 :‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وقوله إخباًرا عن‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ش{ في ستة مواضع؛ وقوله‪} :‬الّر ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫وقوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُموَسى{ ]غافر‪،[37، 36:‬‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫ب السَّماَوا ِ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫ن َيا َهاَما ُ‬
‫عْو ُ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫فرعون‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ق { ]النعام‪ ،[114:‬وأمثال ذلك‪.‬‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ل ّمن ّرّب َ‬
‫حِميٍد{ ]فصلت‪ ،[42:‬وقوله‪ُ} :‬مَنّز ٌ‬
‫حِكيٍم َ‬
‫ن َ‬
‫ل ّم ْ‬
‫وقوله‪َ} :‬تنِزي ٌ‬
‫ل وصعودها إليه‪ ،‬وقوله في‬
‫‪/‬والذي يدل عليه من السنة‪ :‬قصة معراج الرسول إلى ربه‪ ،‬ونزول الملئكة من عند ا ّ‬
‫الملئكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار‪) :‬فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم(‪ .‬وفي حديث‬
‫ل الذي في السماء‪ ،‬تقدس اسمك(‪ ،‬وفي‬
‫الخوارج‪) :‬أل تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟(‪ ،‬وفي حديث الرقية‪) :‬ربنا ا ّ‬
‫ل فوق عرشه‪ ،‬وهو يعلم ما أنتم عليه(‪ ،‬وفي حديث قبض الروح‪) :‬حتى‬
‫حديث الوعال‪) :‬والعرش فوق ذلك‪ ،‬وا ّ‬
‫ل(‪.‬‬
‫يعرج بها إلى السماء التي فيها ا ّ‬

‫ل‪ ،‬جهدت‬
‫ي فقال‪ :‬يا رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أعراب ّ‬
‫وفي سنن أبي داود‪ :‬عن جبير بن مطعم قال‪ :‬أتى رسول ا ّ‬
‫ل عليك‪ ،‬فسبح رسول ا ّ‬
‫ل‬
‫ل‪ ،‬ونستشفع با ّ‬
‫ل لنا‪ ،‬فإنا نستشفع بك على ا ّ‬
‫النفس‪ ،‬وجاع العيال‪ ،‬وهلك المال‪ ،‬فادع ا ّ‬
‫ل ل ُيستشفع به على أحد‬
‫ل؟ إن ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال‪) :‬ويحك! أتدري ما ا ّ‬
‫ل على عرشه‪ ،‬وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا( وقال بأصابعه مثل‬
‫ل أعظم من ذلك‪ ،‬إن ا ّ‬
‫من خلقه‪ ،‬شأن ا ّ‬
‫القبة‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لما خطب خطبة عظيمة يوم عرفات في‬
‫ل؛ أن رسول ا ّ‬
‫وفي الصحيح عن جابر بن عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم جعل يقول‪) :‬أل هل بلغت؟( فيقولون‪ :‬نعم‪ .‬فيرفع إصبعه إلى‬
‫أعظم جمع حضره رسول ا ّ‬
‫ل؟( قالت‪ :‬في السماء‪ .‬فأمر‬
‫السماء‪ /‬وينكبها إليهم ويقول‪) :‬الّلهم اشهد( غير مرة‪ .‬وحديث الجارية لما سألها‪) :‬أين ا ّ‬
‫بعتقها (‪ ،‬وعلل ذلك بإيمانها‪ .‬وأمثاله كثيرة‪.‬‬
‫ل عنه ـ قال‪ :‬كانت زينب تفتخر على‬
‫وأما الذي يدل عليه من الجماع‪ :‬ففي الصحيح عن أنس بن مالك ـ رضي ا ّ‬
‫ل من فوق سبع سمواته‪.‬‬
‫أزواج النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬تقول‪ :‬زوجكن أهاليكن وزوجني ا ّ‬
‫ل بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك‪ ،‬أنه قيل له‪ :‬بم نعرف ربنا؟ قال‪ :‬بأنه فوق سمواته‬
‫وروى عبد ا ّ‬
‫على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬ول نقول كما قالت الجهمية‪ :‬إنه هاهنا في الرض‪.‬‬
‫وبإسناد صحيح عن سليمان بن حرب ـ المام ـ سمعت حماد بن زيد ـ وذكر الجهمية ـ فقال‪ :‬إنما يحاولون أن يقولوا‪:‬‬
‫ليس في السماء شيء‪.‬‬
‫وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي ـ إمام أهل البصرة علًما وديًنا ـ أنه ذكر عنده الجهمية فقال‪ :‬هم أشرّ‬
‫ل ـ تعالى ـ على العرش‪ ،‬وقالوا هم‪ :‬ليس‬
‫ل من اليهود والنصارى‪ ،‬وقد اجتمع أهل الديان مع المسلمين على أن ا ّ‬
‫قو ً‬
‫على العرش شيء‪.‬‬
‫ل فوق سمواته على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬وجب أن‬
‫وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة ـ إمام الئمة ـ من لم يقل‪ :‬إن ا ّ‬
‫يستتاب‪ ،‬فإن تاب وإل ضربت عنقه‪ ،‬ثم ألقى على مزبلة‪ ،‬لئل يتأذى به أهل القبلة ول أهل الذمة‪.‬‬
‫ل بن نافع الصائغ قال‪ :‬سمعت مالك بن أنس يقول‪:‬‬
‫‪/‬وروى المام أحمد قال‪ :‬إن شريح بن النعمان قال‪ :‬سمعت عبد ا ّ‬
‫ل في السماء‪ ،‬وعلمه في كل مكان‪ ،‬ل يخلو من علمه مكان‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫وحكى الوزاعي ـ أحد الئمة الربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز‪ ،‬والوزاعي إمام‬
‫أهل الشام‪ ،‬والليث إمام أهل البصرة‪ ،‬والثوري إمام أهل العراق ـ حكى شهرة القول في زمن التابعين باليمان بأن الّ‬
‫ل فوق عرشه النافي لصفاته‪،‬‬
‫جْهم‪ ،‬المنكر لكون ا ّ‬
‫ـ تعالى ـ فوق العرش وبصفاته السمعية‪ ،‬وإنما قاله بعد ظهور َ‬
‫ليعرف الناس أن مذهب السلف خلفه‪.‬‬
‫وروى الخلل بأسانيد ـ كلهم أئمة ـ عن سفيان بن عيينة قال‪ :‬سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى‪:‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ :[5:‬كيف استوى؟ قال‪ :‬الستواء غير مجهول‪ ،‬والكيف غير معقول‪ ،‬ومن ا ّ‬
‫ل‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حمَ ُ‬
‫}الّر ْ‬
‫الرسالة‪ ،‬ومن الرسول البلغ‪ ،‬وعلينا التصديق‪.‬‬
‫وهذا مروي عن مالك بن أنس ـ تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن ـ أو نحوه‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬خلفة أبي بكر حق‪،‬‬
‫ل ـ تعالى ـ في سمائه‪ ،‬وجمع عليه قلوب عباده‪.‬‬
‫قضاه ا ّ‬
‫ولو يجمع ما قاله الشافعي في هذا الباب لكان فيه كفاية‪ ،‬ومن أصحاب الشافعي عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي‪،‬‬
‫ل ـ تعالى ـ فوق عرشه‪ .‬والئمة في الحديث والفقه‬
‫له كتاب‪] :‬الرد على الجهمية[ وقرر فيه‪]/‬مسألة العلو[ وأن ا ّ‬
‫والسنة والتصوف المائلون إلى الشافعي ما من أحد منهم إل له كلم فيما يتعلق بهذا الباب ما هو معروف‪ ،‬يطول‬
‫ذكره‪.‬‬

‫ل‪ ،‬قال‪ :‬سألت أبا‬
‫وفي كتاب ]الفقه الكبر[ المشهور عن أبي حنيفة‪ ،‬يروونه بأسانيد عن أبي مطيع الحكم بن عبد ا ّ‬
‫حنيفة عن ]الفقه الكبر[ فقال‪ :‬ل تكفرن أحًدا بذنب‪ .‬إلى أن قال ـ عمن قال‪ :‬ل أعرف ربي في السماء أم في الرض‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وعرشه فوق سبع سموات‪ .‬قلت‪ :‬فإن قال‪ :‬إنه على‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل يقول‪} :‬الّر ْ‬
‫ـ فقد كفر؛ لن ا ّ‬
‫العرش‪ ،‬ولكن ل أدري‪ ،‬العرش في السماء أم في الرض‪ .‬قال‪ :‬هو كافر ـ وإنه يدعى من أعلى ل من أسفل‪.‬‬
‫ل ُهَو َراِبُعُهْم{‪] .‬المجادلة‪ [7:‬الية قال‪ :‬اقرأ ما قبله‪َ} :‬أَلْم َتَر‬
‫لَثٍة ِإ ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫ي بن المديني عن قوله‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫وسئل عل ّ‬
‫ض{ الية ]المجادلة‪.[7:‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َيْعَلُم َما ِفي ال ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫َأ ّ‬

‫وروى عن أبي عيسى الترمذي قال‪ :‬هو على العرش كما وصف في كتابه‪ ،‬وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان‪.‬‬
‫ل فوق عرشه‪ ،‬أراد ضربه فهرب‪ ،‬فضرب‬
‫وأبو يوسف لما بلغه عن المريسي أنه ينكر الصفات الخبرية‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫رفيقه ضرًبا بشًعا‪ .‬وعن أصحاب أبي حنيفة في هذا الباب ما ل يحصى‪.‬‬
‫ضا ـ عن مالك‪ :‬أنه نص على استتابة الدعاة إلى ]مذهب جهم[‪ ،‬ونهى عن الصلة خلفهم‪.‬‬
‫‪/‬ونقل ـ أي ً‬
‫ل بن أبي زمنين ـ المام المشهور ـ قال‪ :‬في الكتاب الذي صنفه في ]أصول السنة[‪:‬‬
‫ومن أصحابه محمد بن عبد ا ّ‬
‫باب اليمان بالعرش‬
‫ل خلق العرش وخصه بالعلو والرتفاع فوق جميع ما خلق‪ ،‬ثم استوى عليه كيف‬
‫قال‪ :‬ومن قول أهل السنة‪ :‬أن ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬إلى أن قال‪ :‬فسبحان من َبعَُد فل ُيرى‪،‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫شاء‪ ،‬كما أخبر عن نفسه في قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ب بعلمه وقدرته‪.‬‬
‫وَقُر َ‬
‫وأما أحمد بن حنبل وأصحابه فهم أشهر في هذا الباب‪ ،‬وبه ائتم أبو الحسن علي بن إسماعيل الشعري المتكلم ـ‬
‫صاحب الطريقة المنسوبة إليه ـ قال‪:‬‬
‫فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة‬
‫فإن قال قائل‪ :‬قد أنكرتم قول المعتزلة‪ ،‬والقدرية‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والحرورية والرافضة‪ ،‬والمرجئة‪ ،‬فعرفونا قولكم الذي‬
‫ل‪ :‬التمسك بكتاب ربنا‪ ،‬وسنة‬
‫تقولون‪ ،‬وديانتكم التي بها تدينون‪ .‬قيل له‪ :‬قولنا الذي نقول به وديانتنا التي بها ندين ا ّ‬
‫نبينا محمد‪ ،‬وما روى عن الصحابة والتابعين‪ ،‬وأئمة الحديث‪ .‬ونحن بذلك معتصمون‪ ،‬وبما كان يقول أبو عبد ا ّ‬
‫ل‬
‫ل وجهه‪ ،‬ورفع درجته‪ ،‬وأجزل مثوبته ـ قائلون‪ ،‬ولما خالف قوله مخالفون؛ لنه المام‬
‫أحمد بن حنبل ـ نضر ا ّ‬
‫ل به الحق عند ظهور الضلل‪ ،‬وأوضح به المنهاج‪ ،‬وَقَمع به بدع المبتدعين‪،‬‬
‫‪/‬الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان ا ّ‬
‫ل عليه من إمام ُمَقّدم‪ ،‬وجليل معظم‪ ،‬وكبير مفهم‪.‬‬
‫وزيغ الزائغين‪ ،‬وشك الشاكين‪ ،‬فرحمة ا ّ‬
‫ل وبما رواه الثقات عن رسول الّ‬
‫ل‪ ،‬وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬وبما جاؤوا به من عند ا ّ‬
‫وجملة قولنا‪ :‬بأنا نقر با ّ‬
‫ل واحد ل إله إل هو‪ ،‬فرد صمد‪ ،‬لم يتخذ صاحبة ول ولًدا‪ ،‬وأن‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ل نرد من ذلك شيًئا‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ل يبعث من في‬
‫محمًدا عبده ورسوله‪ ،‬أرسله بالهدى ودين الحق‪ ،‬وأن الجنة حق‪ ،‬وأن الساعة آتية ل ريب فيها‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬ونعود فيما اختلفنا فيه إلى كتاب‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل مستو على عرشه كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫القبور‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين‪ .‬إلى أن قال‪:‬‬
‫ل مستو على عرشه‬
‫باب ذكر الستواء على العرش إلى أن قال‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬فما تقولون في الستواء؟ قيل له‪ :‬إن ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪.[5:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫‪/‬‬

‫فصـــل‬

‫ش اْسَتَوى{‪ :‬أنه استولى وملك‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية‪ :‬إن معنى قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫وقهر‪ ،‬وأنه في كل مكان‪ .‬وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق‪ ،‬وذهبوا بالستواء إلى القدرة‪ ،‬فلو كان‬
‫ل قادر على كل شيء‪.‬‬
‫هذا كما ذكروا‪ ،‬كان ل فرق بين العرش والرض السابعة؛ لن ا ّ‬
‫إلى أن قال ـ وأكثر في هذا ـ‪ :‬وقد اتفق الئمة جميعهم من المشرق والمغرب على اليمان بالقرآن‪ ،‬والحاديث التي‬
‫ل صلى ال عليه وسلم في صفة الرب ـ عز وجل ـ من غير تفسير ول وصف ول تشبيه‪.‬‬
‫جاء بها الثقات عن رسول ا ّ‬
‫فمن فسر اليوم شيًئا من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى ال عليه وسلم وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم‬
‫يفسروا‪ ،‬ولكن أقروا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا‪ ،‬فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ فإنه وصفه بصفة ل‬
‫شيء‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫فصـــل‬

‫والمبطل لتأويل من تأول استوى بمعنى‪ :‬استولى‪ ،‬وجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن هذا التفسير لم يفسره أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين‪ ،‬فإنه لم يفسره أحد في‬
‫الكتب الصحيحة عنهم‪ ،‬بل أول من قال ذلك بعض الجهمية والمعتزلة؛ كما ذكره أبو الحسن الشعري في كتاب‬
‫]المقالت[ وكتاب ]البانة[‪.‬‬
‫حَم ُ‬
‫ن‬
‫الثاني‪ :‬أن معنى هذه الكلمة مشهور؛ ولهذا لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك ابن أنس عن قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ [5:‬قال‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪ .‬ول يريد‬
‫عَلى اْلعَْر ِ‬
‫َ‬

‫أن‪ :‬الستواء معلوم في اللغة دون الية ـ لن السؤال عن الستواء في الية كما يستوى الناس‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه إذا كان معلوًما في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلوًما في القرآن‪.‬‬
‫‪ /‬الرابع‪ :‬أنه لو لم يكن معنى الستواء في الية معلوًما لم يحتج أن يقول‪ :‬الكيف مجهول؛ لن نفي العلم بالكيف ل‬
‫ل‪ ،‬ونؤمن به‪ ،‬ول نعلم كيف هو‪.‬‬
‫ينفي إل ما قد علم أصله‪ ،‬كما نقول‪ :‬إنا نقر با ّ‬
‫الخامس‪ :‬الستيلء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك‪ ،‬هو عام في المخلوقات كالربوبية‪ ،‬والعرش وإن‬
‫سْبِع َوَر ّ‬
‫ب‬
‫ت ال ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫ل َمن ّر ّ‬
‫كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه ل تنفي نسبتها إلى غيره‪ ،‬كما في قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ظيِم{ ]المؤمنون‪ ،[86:‬وكما في دعاء الكرب؛ فلو كان استوى بمعنى استولى ـ كما هو عام في الموجودات‬
‫ش اْلَع ِ‬
‫اْلَعْر ِ‬
‫كلها ـ لجاز مع إضافته إلى العرش أن يقال‪ :‬استوى على السماء‪ ،‬وعلى الهواء‪ ،‬والبحار‪ ،‬والرض‪ ،‬وعليها ودونها‬
‫ونحوها؛إذ هو مستو على العرش‪ .‬فلما اتفق المسلمون على أنه يقال‪ :‬استوى على العرش ول يقال‪ :‬استوى على هذه‬
‫الشياء‪ ،‬مع أنه يقال‪ :‬استولى على العرش والشياء ـ علم أن معنى ]استوى[ خاص بالعرش‪ ،‬ليس عاًما كعموم‬
‫الشياء‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أنه أخبر بخلق السموات والرض في ستة أيام ثم استوى على العرش‪ ،‬وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل‬
‫ل ول شيء‬
‫خلقها‪ ،‬وثبت ذلك في صحيح البخاري عن عمران ابن حصين عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬كان ا ّ‬
‫غيره‪ ،‬وكان عرشه على الماء‪ ،‬وكتب في الذكر كل شيء‪ ،‬ثم خلق السموات والرض(‪ ،‬مع أن العرش كان مخلوًقا‬
‫قبل ذلك‪ ،‬فمعلوم أنه ما زال مستوليا عليه ‪ /‬قبل وبعد‪ ،‬فامتنع أن يكون الستيلء العام هذا الستيلء الخاص بزمان‬
‫صا بالعرش‪.‬‬
‫كما كان مخت ً‬
‫السابع‪ :‬أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى‪ :‬استولى؛ إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور‪.‬‬
‫ثم استوى بشر على العراق ** من غير سيف ول دم مهراق‬
‫ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي‪ ،‬وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنه بيت مصنوع ل يعرف في‬
‫ل صلى ال عليه وسلم لحتاج إلى صحته‪ ،‬فكيف ببيت من الشعر ل‬
‫اللغة‪ ،‬وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول ا ّ‬
‫يعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة‪ ،‬وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه ]الفصاح[ قال‪ :‬سئل‬

‫الخليل‪ :‬هل وجدت في اللغة استوى بمعنى‪ :‬استولى؟ فقال‪ :‬هذا ما ل تعرفه العرب‪ ،‬ول هو جائز في لغتها ـ وهو إمام‬
‫في اللغة على ما عرف من حاله ـ فحينئذ حمله على ما ل يعرف حمل باطل‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬أنه روى عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا‪ :‬ل يجوز استوى بمعنى‪ :‬استولى‪ ،‬إل في حق من كان عاجًزا ثم‬
‫ل ـ سبحانه ـ ل يعجزه شيء‪ ،‬والعرش ل يغالبه في حال‪ ،‬فامتنع أن يكون بمعنى‪ :‬استولى‪ .‬فإذا تبين هذا‬
‫ظهر‪ ،‬وا ّ‬
‫فقول الشاعر‪:‬‬
‫ثم استوى بشر على العراق **‬
‫‪/‬لفظ ]مجازي[ ل يجوز حمل الكلم عليه إل مع قرينة تدل على إرادته‪ ،‬واللفظ المشترك بطريق الولى‪ ،‬ومعلوم أنه‬
‫ليس في الخطاب قرينة أنه أراد بالية الستيلء‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فأهل اللغة قالوا‪ :‬ل يكون استوى بمعنى‪ :‬استولى‪ ،‬إل فيما كان منازعا مغالًبا‪ ،‬فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل‪:‬‬
‫وأي ً‬
‫ل لم ينازعه أحد في العرش‪ ،‬فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الخص مع النزاع في إرادة المعنى العم‪،‬‬
‫استولى‪ ،‬وا ّ‬
‫لم يجب حمله عليه بمجرد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم فيه‪ ،‬وهؤلء ادعوا أنه بمعنى‪ :‬استولى في اللغة مطلًقا‪،‬‬
‫ن اْلَقْوِم‬
‫جاَنا ِم َ‬
‫ل اّلِذي َن ّ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ك َفُق ِ‬
‫عَلى اْلُفْل ِ‬
‫ك َ‬
‫ت َوَمن ّمَع َ‬
‫ت َأن َ‬
‫سَتَوْي َ‬
‫والستواء في القرآن في غير موضع‪ ،‬مثل قوله‪َ} :‬فِإَذا ا ْ‬
‫ظُهوِرِه{ ]الزخرف‪ ،[13:‬وفي حديث‬
‫عَلى ُ‬
‫سَتُووا َ‬
‫ي{ ]هود‪ِ} ،[44:‬لَت ْ‬
‫جوِد ّ‬
‫عَلى اْل ُ‬
‫ت َ‬
‫سَتَو ْ‬
‫ن{ ]المؤمنون‪َ} ،[28 :‬وا ْ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ال ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أتى بدابته فلما وضع رجله في الَغْرِز قال‪) :‬بسم ال(‪ .‬فلما استوى على‬
‫عدي‪ :‬أن رسول ا ّ‬
‫جْلد أو خشب‪ .‬والمراد بوضع الرجل في الغرز‪:‬‬
‫ظهرها قال‪) :‬الحمد ل( ]والَغْرز‪ :‬ركاب كور الجمل إذا كان من ِ‬
‫السفر[‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب العرباء‪ ،‬ولو كان من لفظ بعض العرب‬
‫العرباء‪ ،‬لم يجب أن يكون من لغة رسـول صلى ال عليه وسلم وقولـه‪ ،‬ولـو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف في‬
‫الكتاب والسنة وهو الذي يراد به‪ ،‬ول يجوز أن يراد معنى آخر‪.‬‬
‫العاشر‪ :‬أنه لو حمل على هذا المعنى لدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الئمة‪ /‬عنه‪ ،‬فضل عن الصحابة‪ ،‬فض ً‬
‫ل‬
‫عن ال ورسوله‪ .‬فلو كان الكلم في الكتاب والسنة كلًما نفهم منه معنى‪ ،‬ويريدون به آخر‪ ،‬لكان في ذلك تدليس‬
‫وتلبيس‪ ،‬ومعاذ ال أن يكون ذلك! فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر في هذا اللفظ في هذا المعنى ليس حقيقة‬
‫بالتفاق؛ بل حقيقة في غيره‪ ،‬ولوكان حقيقة فيه للزم الشتراك المجازي فيه‪ ،‬وإذا كان مجاًزا عن بعض العرب أو‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أمته؟!‬
‫مجاًزا اخترعه من بعده‪ ،‬أفتترك اللغة التي يخاطب بها رسول ا ّ‬
‫الحادي عشر‪ :‬أن هذا اللفظ ـ الذي تكرر في الكتاب والسنة والدواعي متوفرة على فهم معناه من الخاصة والعامة‬
‫عادة وديًنا ـ إن جعل الطريق إلى فهمه ببيت شعر أحدث فيؤدي إلى محذور‪ ،‬فلو حمل على معنى هذا البيت للزم‬
‫ل ورسوله صلى ال‬
‫تخطئة الئمة الذين لهم مصنفات في الرد على من تأول ذلك‪ ،‬ولكان يؤدي إلى الكذب على ا ّ‬
‫ل امتحن عباده بفهم هذا دون هذا‪ ،‬مع ما تقرر في نفوسهم وما ورد به نص‬
‫عليه وسلم والصحابة والئمة‪ ،‬وللزم أن ا ّ‬
‫ل ورسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫سا إل وسعها‪ ،‬وهذا مستحيل على ا ّ‬
‫ل ـ سبحانه ـ ل يكلف نف ً‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وا ّ‬
‫والصحابة والئمة ‪.‬‬
‫الثانى عشر‪ :‬أن معنى الستواء معلوم علًما ظاهًرا بين الصحابة والتابعين وتابعيهم‪ ،‬فيكون التفسير المحدث بعده‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪/ [5 :‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫باطل قطًعا‪ ،‬وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي؛ فإنه قال‪ :‬إن من قال‪} :‬الّر ْ‬
‫خلف ما تقرر في نفوس العامة فهو جهمى‪ .‬ومنه قول مالك‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن‬
‫معلوم كما قال بعض الناس‪ :‬استوى أم ل ؟ أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة‪ .‬والسؤال عن النزول ولفظ‬
‫الستواء ليس بدعة ول الكلم فيه‪ ،‬فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون‪ ،‬وإنما البدعة السؤال عن الكيفية‪.‬‬
‫ومن أراد أن يزداد في هذه القاعدة نوًرا‪ ،‬فلينظر في شيء من الهيئة‪ ،‬وهي الحاطة والُكّرّية‪ ،‬ولبد من ذكر الحاطة‬
‫ليعلم ذلك‪.‬‬

‫فصــل‬
‫اعلم أن الرض قد اتفقوا على أنها كروية الشكل‪ ،‬وهي في الماء المحيط بأكثرها؛ إذ اليابس السدس وزيادة بقليل‪،‬‬
‫ضا ـ مقبب من كل جانب للرض‪ ،‬والماء الذي فوقها بينه وبين السماء كما بيننا وبينها مما يلى رؤوسنا‪،‬‬
‫والماء ـ أي ً‬
‫وليس تحت وجه الرض إل وسطها ونهاية التحت المركز ؛ فل يكون لنا جهة بينة إل جهتان‪ :‬العلو والسفل‪ ،‬وإنما‬
‫تختلف الجهات باختلف النسان ‪.‬‬
‫فعلو الرض وجهها من كل جانب‪ ،‬وأسفلها ما تحت وجهها ـ ونهاية المركز ـ هو الذي يسمى محط الثقال‪ ،‬فمن‬
‫طا‪ ،‬ومنه إلى وجهها صعوًدا‪ ،‬وإذا كانت سماء الدنيا فوق‬
‫وجه الرض والماء من كل وجهة إلى المركز يكون هبو ً‬
‫الرض محيطة بها فالثانية ُكّرية‪ ،‬وكذا الباقي‪ .‬والكرسي فوق الفلك كلها‪ ،‬والعرش فوق الكرسي‪ ،‬ونسبة الفلك‬
‫وما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في َفلة‪ ،‬والجملة بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلة ‪.‬‬
‫ل ِفي َفَل ٍ‬
‫ك‬
‫والفلك مستديرة بالكتاب والسنة والجماع‪ ،‬فإن لفظ ]الفلك[ يدل على الستدارة‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪َ} :‬وُك ّ‬
‫ك ثدى الجارية‪ :‬إذا استدار‪ ،‬وأهل الهيئة‬
‫َيْسَبُحوَن{ ]يس‪[40:‬؛ قال ابن عباس‪ :‬في فلكة كفلكة المغزل‪ ،‬ومنه قولهم‪َ :‬تَفّل َ‬

‫والحساب متفقون على ذلك ‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫‪/‬وأما ]العرش[ فإنه مقبب‪ ،‬لما روى في السنن لبي داود عن جبير بن مطعم قال‪ :‬أتى رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل‪ ،‬جهدت النفس‪ ،‬وجاع العيال‪ ،‬وذكر الحديث إلى أن قال رسول ا ّ‬
‫وسلم أعرابي فقال‪ :‬يارسول ا ّ‬
‫ل على عرشه‪ ،‬وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا( وقال بإصبعه مثل القبة ‪.‬‬
‫وسلم‪) :‬إن ا ّ‬
‫ولم يثبت أنه فلك مستدير مطلًقا‪ ،‬بل ثبت أنه فوق الفلك وأن له قوائم‪ ،‬كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد قال‪:‬‬
‫طم وجُهه فقال‪ :‬يامحمد‪ ،‬إن رجل من أصحابك َلطم‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قد ُل ِ‬
‫جاء رجل من إليهود إلى رسول ا ّ‬
‫ل‪ ،‬إني مررت‬
‫ت وجَهه؟( فقال‪ :‬يارسول ا ّ‬
‫وجهى‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬ادعوه( فدعوه‪ .‬فقال‪) :‬لم لطم َ‬
‫بالسوق وهو يقول‪ :‬والذي اصطفي موسى على البشر‪ ،‬فقلت‪ :‬يا خبيث‪ ،‬وعلى محمد‪ ،‬فأخذتني غضبة فلطمته‪ ،‬فقال‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل تخيروا بين النبياء‪ ،‬فإن الناس ُيصَعقون يوم القيامة‪ ،‬فأكون أول من يفيق‪ ،‬فإذا أنا‬
‫صْعَقة الطور؟(‪.‬‬
‫جوِزى ِب َ‬
‫بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فل أدري أفاق قبلي أم ُ‬
‫ل فاسألوه الفردوس‪ ،‬فإنه وسط الجنة وأعلها‪ ،‬وفوقه عرش‬
‫وفي ]علوه[ قوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬إذا سألتم ا ّ‬
‫الرحمن‪ ،‬ومنه تفجر أنهار الجنة(‪.‬‬
‫فقد تبين بهذه الحاديث أنه أعلى المخلوقات وسقفها‪ ،‬وأنه مقبب وأن له‪ /‬قوائم‪ ،‬وعلى كل تقدير فهو فوق‪ ،‬سواء كان‬
‫طا بالفلك أو غير ذلك‪ ،‬فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلى بالنسبة إلى الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ في غاية‬
‫محي ً‬
‫ق َقْدِرِه{ الية ]النعام‪ ،91:‬الزمر‪.[67 :‬‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫الصغر؛ لقوله تعالى‪َ} :‬وَما َقَدُروْا ا ّ‬
‫قاعدة عظيمة في إثبات علوه تعالى‪:‬‬
‫ل ول شيء معه ثم خلق العالم‪ ،‬فل‬
‫وهو واجب بالعقل الصريح‪ ،‬والفطرة النسانية الصحيحة‪ .‬وهو أن يقال‪ :‬كان ا ّ‬
‫ل عن مماسة القذار وغيرها‪ ،‬وإما أن يكون‬
‫يخلو‪ :‬إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه‪ ،‬وهذا محال‪ ،‬تعالى ا ّ‬
‫ضا‪ ،‬تعالى أن يحل في خلقه ـ وهاتان ل نزاع فيهما بين أحد من المسلمين‬
‫جا عنه ثم دخل فيه‪ ،‬وهذا محال أي ً‬
‫خلقه خار ً‬
‫ل إل هو‪.‬‬
‫جا عن نفسه الكريمة ولم يحل فيه‪ ،‬فهذا هو الحق الذي ل يجوز غيره‪ ،‬ول يليق با ّ‬
‫ـ وإما إن يكون خلقه خار ً‬
‫وهذه القاعدة للمام أحمد من حججه على الجهمية في زمن المحنة‪ .‬وذكر الشعري في ]المقالت[ مقالة محمد بن‬
‫ل فوق العالم‪ ،‬والستواء بالسمع‪ ،‬وبأخبار الرسل الذين بعثوا‬
‫ُكلب الذي ائتم به الشعري‪ :‬إنه يعرف بالعقل أن ا َّ‬
‫ل‪ ،‬وجاءت الشريعة بها‪ ،‬خلًفا لهل الضلل من الفلسفة وغيرهم فإنهم قلبوا‬
‫بتكميل الفطر‪ ،‬ول تبديل لفطرة ا ِّ‬
‫الحقائق‪.‬‬
‫ل ـ عن رجلين تباحثا‬
‫سئل شيخ السلم فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ـ َرحَمُه ا ّ‬
‫‪/‬‬
‫في ]مسألة الثبات للصفات‪ ،‬والجزم بإثبات العلو على العرش[‪.‬‬

‫فقال أحدهما‪ :‬ل يجب على أحد معرفة هذا‪ ،‬ول البحث عنه‪ ،‬بل يكره له‪ ،‬كما قال المام مالك للسائل‪ :‬وما أراك إل‬
‫ل تعالى واحد في ملكه‪ ،‬وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه‪ ،‬بل‬
‫رجل سوء‪ .‬وإنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن ا َّ‬
‫ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي‪.‬‬
‫فهل هذا القائل لهذا الكلم مصيب أم مخطئ؟ فإذا كان مخطًئا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات‬
‫الصفات والعلو على العرش ـ الذي هو أعلى المخلوقات ـ ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟‬
‫ل تعالى‪.‬‬
‫طا شافًيا يزيل الشبهات في هذا مثابين مأجورين إن شاء ا ّ‬
‫أفتونا وابسطوا القول بس ً‬
‫‪ /‬فأجاب‪:‬‬
‫ل رب العالمين‪ ،‬يجب على الخلق القرار بما جاء به النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فما جاء به القرآن العزيز أو‬
‫الحمد ِّ‬
‫ل عند العلم بالتفصيل؛ فل يكون الرجل مؤمًنا حتى يقر بما‬
‫السنة المعلومة وجب على الخلق القرار به جملة‪ ،‬وتفصي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وأن محمًدا رسول ا ِّ‬
‫جاء به النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو تحقيق شهادة ل إله إل ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة ؛إذ الكاذب‬
‫ل شهد أنه صادق فيما يخبر به عن ا ِّ‬
‫فمن شهد أنه رسول ا ّ‬
‫ن{‬
‫طْعَنا ِمْنُه اْلَوِتي َ‬
‫ن ُثّم َلَق َ‬
‫خْذَنا ِمْنُه ِباْلَيِمي ِ‬
‫لَ‬
‫ل َ‬
‫لَقاِوي ِ‬
‫ض ا َْ‬
‫عَلْيَنا َبْع َ‬
‫ل َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬وَلْو َتَقّو َ‬
‫ليس برسول فيما يكذبه‪ ،‬وقد قال ا ّ‬
‫]الحاقة‪44 :‬ـ ‪.[46‬‬
‫وبالجملة‪ ،‬فهذا معلوم بالضطرار من دين السلم‪ ،‬ل يحتاج إلى تقريره هنا‪ ،‬وهو القرار بما جاء به النبيصلى ال‬
‫سِهْم‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ل ّم ْ‬
‫سو ً‬
‫ث ِفيِهْم َر ُ‬
‫ن ِإْذ َبَع َ‬
‫عَلى اْلُمؤِمِني َ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬لَقْد َم ّ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وهو ما جاء به من القرآن والسنة‪ ،‬كما قال ا ّ‬
‫ن{ ]آل عمران‪ ،[164:‬وقال تعالى‪َ} :‬كَما‬
‫ل ّمِبي ٍ‬
‫ضل ٍ‬
‫ل َلِفي َ‬
‫حْكَمَة َوِإن َكاُنوْا ِمن َقْب ُ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫عَلْيِهْم آَياِتِه َوُيَزّكيِهْم َوُيَعّلُمُهُم اْلِكَتا َ‬
‫َيْتُلو َ‬
‫ب َواْلِحْكَمَة َوُيَعّلُمُكم ّما َلْم َتُكوُنوْا َتْعَلُموَن{ ]البقرة‪.[151:‬‬
‫عَلْيُكْم آَياِتَنا َوُيَزّكيُكْم َوُيَعّلُمُكُم اْلِكَتا َ‬
‫ل ّمنُكْم َيْتُلو َ‬
‫سو ً‬
‫سْلَنا ِفيُكْم َر ُ‬
‫َأْر َ‬
‫ظُكم ِبِه{ ]البقرة‪ ،[231:‬وقال تعالى‪َ} :‬وَما‬
‫حْكَمِة َيِع ُ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عَلْيُكْم ّم َ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيُكْم َوَما َأنَز َ‬
‫ل َ‬
‫تا ّ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬واْذُكُروْا ِنْعَم َ‬
‫جَر َبْيَنُهْم ُثّم َ‬
‫ل‬
‫شَ‬
‫ك ِفيَما َ‬
‫حّكُمو َ‬
‫ى ُي َ‬
‫حّت َ‬
‫ن َ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ك َ‬
‫ل َوَرّب َ‬
‫ل{ ]النساء‪ ،[64:‬وقال تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫نا ّ‬
‫ع ِبِإْذ ِ‬
‫طا َ‬
‫ل ِلُي َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫سو ٍ‬
‫سْلَنا ِمن ّر ُ‬
‫َأْر َ‬
‫طيُعوْا‬
‫ل َوَأ ِ‬
‫طيُعوْا ا ّ‬
‫ن آَمُنوْا َأ ِ‬
‫سِليًما{ ]النساء‪ ،[65 :‬وقال تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫سّلُموْا َت ْ‬
‫ت َوُي َ‬
‫ضْي َ‬
‫جا ّمّما َق َ‬
‫حَر ً‬
‫سِهْم َ‬
‫جُدوْا ِفي َأنُف ِ‬
‫َي ِ‬
‫ل َوالّرُسوِل{ ]النساء‪.[95 :‬‬
‫يٍء َفُرّدوُه ِإَلى ا ّ‬
‫ش ْ‬
‫عُتْم ِفي َ‬
‫لْمِر ِمنُكْم َفِإن َتَناَز ْ‬
‫ل َوُأْوِلي ا َ‬
‫سو َ‬
‫الّر ُ‬
‫ساِبُقو َ‬
‫ن‬
‫ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الولين؛ وعمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى‪َ} :‬وال ّ‬
‫ضوْا َعْنُه{ ]التوبة‪.[100 :‬‬
‫عْنُهْم َوَر ُ‬
‫ل َ‬
‫يا ّ‬
‫ضَ‬
‫ن ّر ِ‬
‫سا ٍ‬
‫حَ‬
‫ن اّتَبُعوُهم ِبِإ ْ‬
‫صاِر َواّلِذي َ‬
‫لن َ‬
‫ن َوا َ‬
‫جِري َ‬
‫ن اْلُمَها ِ‬
‫لّوُلونَ ِم َ‬
‫اَ‬
‫عَلْيُكْم ِنْعَمِتي‬
‫ت َ‬
‫ت َلُكْم ِديَنُكْم َوَأْتَمْم ُ‬
‫ومما جاء به الرسول إخباره بأنه ـ تعالى ـ قد أكمل الدين بقوله سبحانه‪} :‬اْلَيْوَم َأْكَمْل ُ‬
‫لَم ِديًنا{ ]المائدة‪.[3:‬‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫ت َلُكُم ا ِ‬
‫ضي ُ‬
‫َوَر ِ‬

‫لُغ اْلُمِبيُن{ ]العنكبوت‪،[18 :‬‬
‫ل اْلَب َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫سو ِ‬
‫عَلى الّر ُ‬
‫ل له بالبلغ المبين‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَما َ‬
‫ومما جاء به الرسول أمر ا ّ‬
‫ل َبّلْغ‬
‫سو ُ‬
‫ن { ]النحل‪ ،[44 :‬وقال تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها الّر ُ‬
‫ل ِإَلْيِهْم َوَلَعّلُهْم َيَتَفّكُرو َ‬
‫س َما ُنّز َ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ك الّذْكَر ِلُتَبّي َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬وَأنَزْلَنا ِإَلْي َ‬
‫س{ ]المائدة‪.[67:‬‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ك ِم َ‬
‫صُم َ‬
‫ل َيْع ِ‬
‫ساَلَتُه َوا ّ‬
‫ت ِر َ‬
‫ل َفَما َبّلْغ َ‬
‫ك َوِإن ّلْم َتْفَع ْ‬
‫ك ِمن ّرّب َ‬
‫َما ُأنِزلَ ِإَلْي َ‬
‫ل إليه يناقض موجب الرسالة؛ كما أن‬
‫ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيًئا؛ فإن كتمان ما أنزله ا ُّ‬
‫الكذب يناقض موجب الرسالة‪.‬‬
‫ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة‪ ،‬كما أنه معصوم من الكذب فيها‪ .‬والمة‬
‫ل بأنه قد أكمل الدين‪ ،‬وإنما ‪/‬كمل بما‬
‫ل‪ ،‬وبين ما أنزل إليه من ربه‪ ،‬وقد أخبر ا ّ‬
‫تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره ا ّ‬
‫ل لعباده كما قال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫بلغه؛ إذ الدين لم يعرف إل بتبليغه‪ ،‬فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه ا ّ‬
‫)تركتكم على البيضاء‪ ،‬ليلها كنهارها‪ ،‬ل يزيغ عنها بعدي إل هالك(‪.‬‬

‫وقال‪) :‬ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إل وقد حدثتكم به‪ ،‬وما من شيء يبعدكم عن النار إل وقد حدثتكم به(‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إل ذكر لنا منه علًما‪.‬‬
‫وقال أبو ذر‪ :‬لقد توفي رسول ا ِّ‬
‫ل وصفاته‪ ،‬مما جاء في‬
‫ل ـ تعالى ـ من أسماء ا ّ‬
‫إذا تبين هذا‪ ،‬فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن ا ّ‬
‫القرآن وفي السنة الثابتة عنه‪ ،‬كما كان عليه السابقون الولون من المهاجرين والنصار‪ ،‬والذين اتبعوهم بإحسان‪،‬‬
‫ل عنهم ورضوا عنه‪.‬‬
‫الذين رضي ا ُّ‬
‫فإن هؤلء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة‪ ،‬وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل‪ ،‬كما قال أبو عبد‬
‫ل بن مسعود وغيرهما‪ ،‬أنهم كانوا إذا‬
‫الرحمن السلمي‪ :‬لقد حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن‪ ،‬كعثمان بن عفان وعبد ا ّ‬
‫تعلموا من النبي صلى ال عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل‪ ،‬قالوا‪ :‬فتعلمنا‬
‫القرآن والعلم والعمل جميًعا‪.‬‬
‫ل بن عمرـ وهو من أصاغر الصحابة ـ في تعلم البقرة ثماني سنين‪ ،‬وإنما ذلك لجل الفهم والمعرفة‪.‬‬
‫وقد قام عبد ا ّ‬
‫وهذا معلوم من وجوه‪:‬‬
‫ظا ومعنى‪ ،‬بل‬
‫ل عليها بني آدم‪ ،‬توجب اعتناءهم بالقرآن ـ المنزل عليهم ـ لف ً‬
‫‪ /‬أحدها‪ :‬أن العادة المطردة التي جبل ا ّ‬
‫أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد‪ ،‬فإنه قد علم أنه من قرأ كتاًبا في الطب أو الحساب‪ ،‬أو النحو أو الفقه أو غير ذلك‪،‬‬
‫ل ـ تعالى ـ المنزل إليهم‪ ،‬الذي به هداهم‬
‫فإنه لبد أن يكون راغًبا في فهمه‪ ،‬وتصور معانيه‪ ،‬فكيف بمن قرؤوا كتاب ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وبه عرفهم الحق والباطل‪ ،‬والخير والشر‪ ،‬والهدى والضلل‪ ،‬والرشاد والغي؟!‬
‫ا ّ‬
‫فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات‪ ،‬بل إذا سمع المتعلم من العالم حديًثا فإنه يرغب في‬
‫ل من المبلغ عنه‪.‬‬
‫فهمه‪ ،‬فكيف بمن يسمعون كلم ا ِّ‬
‫بل ومن المعلوم أن رغبة الرسولصلى ال عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه‪،‬‬
‫فإن معرفة الحروف بدون المعاني ل تحصل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يراد للمعنى‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ} :‬كَتا ٌ‬
‫ب‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن ا ّ‬
‫ب{ ]ص‪.[29 :‬‬
‫لْلَبا ِ‬
‫ك ّلَيّدّبُروا آَياِتِه َوِلَيَتَذّكَر ُأْوُلوا ا َْ‬
‫ك ُمَباَر ٌ‬
‫َأنَزْلَناُه ِإَلْي َ‬
‫جاءُهم ّما َلْم َيْأ ِ‬
‫ت‬
‫ل َأْم َ‬
‫ب َأْقَفاُلَها{ ]محمد‪ ،[24 :‬وقال تعالى‪َ} :‬أَفَلْم َيّدّبُروا اْلَقْو َ‬
‫عَلى ُقُلو ٍ‬
‫ن َأْم َ‬
‫ن اْلُقْرآ َ‬
‫ل َيَتَدّبُرو َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬أَف َ‬
‫لًفا َكِثيًرا{‬
‫خِت َ‬
‫جُدوْا ِفيِه ا ْ‬
‫ل َلَو َ‬
‫غْيِر ا ّ‬
‫عنِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن َوَلْو َكا َ‬
‫ن اْلُقْرآ َ‬
‫ل َيَتَدّبُرو َ‬
‫ن{ ]المؤمنون‪ ،[68 :‬وقال تعالى‪َ} :‬أَف َ‬
‫لّوِلي َ‬
‫آَباءُهُم ا َْ‬

‫]النساء‪.[28:‬‬
‫فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره‪ ،‬علم أن معانيه مما يمكن‪ /‬الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها‪ ،‬فكيف ل‬
‫يكون ذلك ممكًنا للمؤمنين‪ ،‬وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم‪.‬‬
‫عَرِبّيا ّلَعّلُكْم‬
‫جَعْلَناهُ ُقْرآًنا َ‬
‫ن{ ]يوسف‪ ،[2:‬وقال تعالى‪ِ} :‬إّنا َ‬
‫عَرِبّيا ّلَعّلُكْم َتْعِقُلو َ‬
‫الوجه الثالث‪ :‬أنه قال تعالى‪ِ} :‬إّنا َأنَزْلَناُه ُقْرآًنا َ‬
‫َتْعِقُلوَن{ ]الزخرف‪ ،[3:‬فبين أنه أنزله عربًيا لن يعقلوا‪ ،‬والعقل ل يكون إل مع العلم بمعانيه‪.‬‬
‫سُتوًرا‬
‫جاًبا ّم ْ‬
‫حَ‬
‫خَرِة ِ‬
‫ن ِبال ِ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ك َوَبْي َ‬
‫جَعْلَنا َبْيَن َ‬
‫ن َ‬
‫ت اْلُقرآ َ‬
‫الوجه الرابع‪ :‬إنه ذم من ل يفهمه فقال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َقَرْأ َ‬
‫ك ِفي اْلُقْرآنِ َوْحَدهُ َوّلْوْا َعَلى َأْدَباِرِهْم ُنُفوًرا{ ]السراء‪،45:‬‬
‫ت َرّب َ‬
‫عَلى ُقُلوِبِهْم َأِكّنًة َأن َيْفَقُهوُه َوِفي آَذاِنِهْم َوْقًرا َوِإَذا َذَكْر َ‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫َو َ‬
‫ضا لكانوا‬
‫‪ .[46‬وقال تعالى‪َ} :‬فَما ِلَهـُؤلء اْلَقْوِم َل َيَكاُدوَن َيْفَقُهوَن َحِديًثا{ ]النساء‪ ،[87 :‬فلو كان المؤمنون ل يفقهونه أي ً‬

‫ل ـ تعالى ـ به‪.‬‬
‫مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم ا ّ‬
‫الوجه الخامس‪ :‬أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إل سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه‪ ،‬فقال تعالى‪َ} :‬وَمَثلُ‬
‫س ُ‬
‫ب‬
‫حَ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[171 :‬وقال تعالى‪َ} :‬أْم َت ْ‬
‫ل َيْعِقُلو َ‬
‫ي َفُهْم َ‬
‫عْم ٌ‬
‫صّم ُبْكٌم ُ‬
‫عاء َوِنَداء ُ‬
‫ل ُد َ‬
‫سَمُع ِإ ّ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ِبَما َ‬
‫ل اّلِذي َيْنِع ُ‬
‫ن َكفَُروْا َكَمَث ِ‬
‫اّلِذي َ‬
‫حّتى‬
‫ك َ‬
‫سَتِمُع ِإَلْي َ‬
‫ل{ ]الفرقان‪ ،[44 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وِمْنُهم ّمن َي ْ‬
‫سِبي ً‬
‫ل َ‬
‫ضّ‬
‫ل ُهْم َأ َ‬
‫لْنَعاِم َب ْ‬
‫ل َكا َْ‬
‫ن ُهْم ِإ ّ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ن َأْو َيْعِقُلو َ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ن َأْكَثَرُهْم َي ْ‬
‫َأ ّ‬

‫ل َعَلى ُقُلوِبِهْم َواّتَبُعوا َأْهَواءُهْم{ ]محمد‪ [16:‬وأمثال‬
‫طَبَع ا ُّ‬
‫ن َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ل آِنًفا ُأْوَلِئ َ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم َماَذا َقا َ‬
‫ك َقاُلوا ِلّلِذي َ‬
‫عنِد َ‬
‫ن ِ‬
‫جوا ِم ْ‬
‫خَر ُ‬
‫ِإَذا َ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪/‬وهؤلء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى ال عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا‪ :‬ماذا قال آنفا؟ أي الساعة‪ ،‬وهذا‬
‫ل َعَلى ُقُلوِبِهْم َواّتَبُعوا َأْهَواءُهْم{ ]محمد‪[16:‬‬
‫طَبَع ا ُّ‬
‫ن َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫كلم من لم يفقه قوله‪ ،‬فقال تعالى‪ُ} :‬أْوَلِئ َ‬
‫فمن جعل السابقين الولين من المهاجرين والنصار‪ ،‬والتابعين لهم بإحسان‪ ،‬غير عالمين بمعاني القرآن‪ ،‬جعلهم‬
‫ل ـ تعالى ـ عليه‪.‬‬
‫بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم ا ّ‬
‫ل عنهم ـ فسروا للتابعين القرآن‪ ،‬كما قال مجاهد‪ :‬عرضت المصحف على ابن‬
‫الوجه السادس‪ :‬أن الصحابة ـ رضي ا ّ‬
‫عباس من أوله إلى آخره‪ ،‬أقف عند كل آية منه وأسأله عنها‪.‬‬
‫ولهذا قال سفيان الثوري‪ :‬إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به‪.‬وكان ابن مسعود يقول‪ :‬لو أعلم أحًدا أعلم بكتاب‬
‫ل‪.‬‬
‫ل مني تبلغه البل لتيته‪ .‬وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما ل يحصيه إل ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلًفا كثيًرا‪ ،‬ولو كان ذلك معلوًما عندهم عن الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم لم يختلفوا فيه‪.‬‬
‫‪/‬فيقال‪ :‬الختلف الثابت عن الصحابة‪ ،‬بل وعن أئمة التابعين في القرآن‪ ،‬أكثره ل يخرج عن وجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن يعبر كل منهم عن معنى السم بعبارة غير عبارة صاحبه‪ ،‬فالمسمى واحد‪ ،‬وكل اسم يدل على معنى ل يدل‬
‫ل ـ تعالى ـ بأسمائه الحسنى‪ ،‬وتسمية الرسول صلى ال عليه‬
‫عليه السم الخر‪ ،‬مع أن كلهما حق‪ ،‬بمنزلة تسمية ا ّ‬
‫سَماء‬
‫لْ‬
‫عوْا َفَلُه ا َ‬
‫ن َأّيا ّما َتْد ُ‬
‫حَمـ َ‬
‫عوْا الّر ْ‬
‫ل َأِو اْد ُ‬
‫عوْا ا ّ‬
‫ل اْد ُ‬
‫وسلم بأسمائه‪ ،‬وتسمية القرآن العزيز بأسمائه‪ ،‬فقال تعالى‪ُ} :‬ق ِ‬
‫اْلُحْسَنى{ ]السراء‪.[110:‬‬
‫فإذا قيل‪ :‬الرحمن الرحيم‪ ،‬الملك القدوس السلم‪ ،‬فهي كلها أسماء لمسمى واحد ـ سبحانه وتعالى ـ وإن كان كل اسم‬
‫ل ـ تعالى ـ ل يدل عليه السم الخر‪.‬‬
‫يدل على نعت ّ‬
‫ومثال هذا التفسير كلم العلماء في تفسير ]الصراط المستقيم[ فهذا يقول‪ :‬هو السلم‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬هو القرآن‪ ،‬أي‪:‬‬
‫ل ورسوله‪.‬‬
‫اتباع القرآن‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬السنة والجماعة‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬طريق العبودية‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬طاعة ا ّ‬
‫ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها‪ ،‬ويسمى بهذه السماء كلها‪ ،‬ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على‬
‫النعت الذي به يعرف الصراط‪ ،‬وينتفع بمعرفة ذلك النعت‪.‬‬
‫‪ /‬الوجه الثاني‪ :‬أن يذكر كل منهم من تفسير ]السم[ بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب‪ ،‬ل على‬
‫سبيل الحصر والحاطة‪ ،‬كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ ]الخبز[ فأرى رغيًفا وقيل‪ :‬هذا هو‪ ،‬فذاك مثال للخبز‬
‫وإشارة إلى جنسه‪ ،‬ل إلى ذلك الرغيف خاصة‪.‬‬
‫ل اْلَكِبيُر{‬
‫ضُ‬
‫ل َذِلكَ ُهَو اْلَف ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ت ِبِإْذ ِ‬
‫خْيَرا ِ‬
‫ق ِباْل َ‬
‫ساِب ٌ‬
‫صٌد َوِمْنُهْم َ‬
‫سِه َوِمْنُهم ّمْقَت ِ‬
‫ظاِلٌم ّلَنْف ِ‬
‫ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى‪َ} :‬فِمْنُهْم َ‬

‫]فاطر‪.[32:‬‬
‫فالقول الجامع‪:‬أن ]الظالم لنفسه[‪ :‬هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور‪ ،‬و]المقتصد[‪ :‬القائم بأداء الواجبات وترك‬
‫ل بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق‪.‬‬
‫المحرمات‪ ،‬و]السابق بالخيرات[‪ :‬بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى ا ّ‬
‫عا من هذا‪ .‬فإذا قال القائل‪] :‬الظالم[‪ :‬المؤخر للصلة عن وقتها‪ ،‬و]المقتصد[‪ :‬المصلي لها في‬
‫ثم إن كل منهم يذكر نو ً‬
‫وقتها‪ ،‬و]السابق[‪ :‬المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل‪.‬‬

‫وقال آخر‪] :‬الظالم لنفسه[‪ :‬هو البخيل الذي ل يصل رحمه ول يؤدي زكاة ماله‪ ،‬و]المقتصد[‪ :‬القائم بما يجب عليه‬
‫من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والعطاء في النائبة‪ ،‬و ]السابق[‪ :‬الفاعل المستحب بعد الواجب كما ‪ /‬فعل‬
‫]الصّديق الكبر[ حين جاء بماله كله‪ ،‬ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيًئا‪.‬‬
‫وقال آخر‪] :‬الظالم لنفسه[‪ :‬الذي يصوم عن الطعام‪ ،‬ل عن الثام‪ ،‬و]المقتصد[‪ :‬الذي يصوم عن الطعام والثام‪،‬‬
‫ل ـ تعالى ـ وأمثال ذلك ـ لم تكن هذه القوال متنافية بل كل ذكر‬
‫و]السابق[‪ :‬الذي يصوم عن كل ما ل يقربه إلى ا ّ‬
‫عا مما تناولته الية‪.‬‬
‫نو ً‬
‫الوجه الثالث‪ :‬أن يذكر أحدهم لنزول الية سبًبا ويذكر الخر سبًبا آخر ـ ل ينافي الول ـ ومن الممكن نزولها لجل‬
‫السببين جميًعا‪ ،‬أو نزولها مرتين؛ مرة لهذا‪ ،‬ومرة لهذا‪.‬‬
‫وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه ]اختلف تناقض[‪ ،‬فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه‪ ،‬كما أن تنازعهم‬
‫في بعض مسائل السنة ـ كبعض مسائل الصلة والزكاة‪ ،‬والصيام والحج‪ ،‬والفرائض والطلق ونحو ذلك ـ ل يمنع أن‬
‫يكون أصل هذه السنن مأخوًذا عن النبي صلى ال عليه وسلم؛ وجملها منقولة عنه بالتواتر‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ أنزل عليه الكتاب والحكمة‪ ،‬وأمر أزواج نبيه صلى ال عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في‬
‫وقد تبين أن ا ّ‬
‫ل والحكمة‪.‬‬
‫بيوتهن من آيات ا ّ‬
‫‪ /‬وقد قال غير واحد من السلف‪ :‬إن ]الحكمة[ هي السنة؛ وقد قال صلى ال عليه وسلم‪) :‬أل إني أوتيت الكتاب ومثله‬
‫معه(‪.‬‬
‫فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه‪ ،‬سواء قيل‪:‬إنه في القرآن‪ ،‬ولم نفهمه نحن‪ ،‬أو قيل‪ :‬ليس في القرآن‪ ،‬كما أن ما‬
‫صا في السنة‬
‫اتفق عليه السابقون الولون‪ ،‬والذين اتبعوهم بإحسان‪ ،‬فعلينا أن نتبعهم فيه‪ ،‬سواء قيل‪:‬إنه كان منصو ً‬
‫ولم يبلغنا ذلك‪ ،‬أو قيل‪ :‬إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة‪.‬‬
‫فصــل‬
‫ل ـ تعالى ـ ونحوه‪ ،‬يتبين من وجوه‪:‬‬
‫فإذا تبين ذلك‪ ،‬فوجوب إثبات العلو ّ‬
‫أحدها‪ :‬أن يقال‪ :‬إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وغير المتواترة وكلم السابقين والتابعين‪ ،‬وسائر القرون‬
‫ل ـ تعالى ـ على عرشه بأنواع من الدللت‪ ،‬ووجوه من الصفات‪ ،‬وأصناف من‬
‫الثلثة ـ مملوء بما فيه إثبات العلو ّ‬
‫العبارات‪ ،‬تارة يخبر أنه خلق السموات والرض في ستة أيام‪ ،‬ثم استوى على العرش‪ .‬وقد ذكر الستواء على‬
‫العرش في سبعة مواضع‪.‬‬
‫ل َعِزيًزا َحِكيًما{ ]النساء‪:‬‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإَلْيِه َوَكا َ‬
‫وتارة يخبر بعروج الشياء وصعودها‪ ،‬وارتفاعها إليه‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫لِئَكُة َوالّروُح ِإَلْيِه{ ]المعارج‪ ،[4:‬وقوله‬
‫ج اْلَم َ‬
‫ي{ ]آل عمران‪َ} ،[55:‬تْعُر ُ‬
‫ك ِإَل ّ‬
‫ك َوَراِفُع َ‬
‫سى ِإّني ُمَتَوّفي َ‬
‫عي َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫لا ّ‬
‫‪ِ} ،[158‬إْذ َقا َ‬
‫صاِلُح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ [10:‬وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده‪ ،‬كقوله تعالى‪:‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫تعالى‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫ق{ ]النحل‪:‬‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫س ِمن ّرّب َ‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫ل َنّزَلُه ُرو ُ‬
‫ق{ ]النعام‪ُ} ،[114:‬ق ْ‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ل ّمن ّرّب َ‬
‫ن َأّنُه ُمَنّز ٌ‬
‫ب َيْعَلُمو َ‬
‫}َواّلِذينَ آَتْيَناُهُم اْلِكَتا َ‬
‫ل اْلَعِزيِز اْلَحِكيِم{ ]الحقاف‪.[2 ،1 :‬‬
‫ن ا ِّ‬
‫ب ِم َ‬
‫ل اْلِكَتا ِ‬
‫حيِم{ ]فصلت‪} ،[2 ،1 :‬حم َتْنِزي ُ‬
‫ن الّر ِ‬
‫حَم ِ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ل ّم َ‬
‫‪} ،[201‬حم َتنِزي ٌ‬
‫ظيُم{ ]البقرة‪:‬‬
‫ي اْلَع ِ‬
‫عَلى{ ]العلى‪ [1:‬وقوله‪َ} :‬وُهَو اْلَعِل ّ‬
‫لْ‬
‫ك ا َْ‬
‫سَم َرّب َ‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫‪ /‬وتارة يخبر بأنه العلى العلى‪ ،‬كقوله تعالى‪َ } :‬‬
‫‪.[255‬‬
‫سَماء َأن‬
‫ي َتُموُر َأْم َأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ض َفِإَذا ِه َ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫وتارة يخبر بأنه في السماء كقوله تعالى‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ف َنِذيِر{ ]الملك‪.[17 ،16 :‬‬
‫ن َكْي َ‬
‫سَتْعَلُمو َ‬
‫صًبا َف َ‬
‫حا ِ‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫ل َ‬
‫سَ‬
‫ُيْر ِ‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي‬
‫فذكر السماء دون الرض‪ ،‬ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها‪ ،‬كما ذكر في قوله تعالى‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫ض{ ]النعام‪.[3 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوِفي ا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫حِكيُم اْلَعِليُم{ ]الزخرف‪ ،[48 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو ا ّ‬
‫ض ِإَلٌه َوُهَو اْل َ‬
‫لْر ِ‬
‫ا َْ‬

‫ل( ؟ قالت‪ :‬في‬
‫وكذلك قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬أل تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟(‪ ،‬وقال للجارية‪) :‬أين ا ّ‬
‫السماء‪ .‬قال‪) :‬أعتقها فإنها مؤمنة(‪.‬‬
‫ض{ ]النبياء‪ ،[19 :‬ويخبر عمن‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬وَلُه َمن ِفي ال ّ‬
‫ك َل َيْسَتْكِبُروَن َعْن ِعَباَدِتِه َوُيَسّبُحوَنُه َوَلُه َيْسُجُدوَن{ ]العراف‪ ،[206:‬فلو كان‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ن ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫عنده بالطاعة‪ ،‬كقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫موجب )العندية( معنى عاًما‪ ،‬كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك ـ لكان كل مخلوق عنده‪ ،‬ولم يكن أحد‬
‫ن{‬
‫خِري َ‬
‫جَهّنَم َدا ِ‬
‫ن َ‬
‫خُلو َ‬
‫سَيْد ُ‬
‫عَباَدِتي َ‬
‫ن ِ‬
‫عْ‬
‫ن َ‬
‫سَتْكِبُرو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫حا له ساجًدا ‪ ،‬وقد قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫مستكبًرا عن عبادته‪ ،‬بل مسب ً‬
‫]غافر‪ ،[60:‬وهو‪ /‬سبحانه ـ وصف الملئكة بذلك رًدا على الكفار المستكبرين عن عبادته‪ ،‬وأمثال هذا في القرآن ل‬
‫يحصى إل بكلفة‪.‬‬
‫ل ـ تعالى‪.‬‬
‫وأما الحاديث والثار عن الصحابة والتابعين‪ ،‬فل يحصيها إل ا ّ‬
‫ل نفسه على خلقه هو الحق‪ ،‬أو الحق نقيضه؛‬
‫فل يخلو‪ ،‬إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو ا ّ‬
‫إذ الحق ل يخرج عن النقيضين‪ ،‬وإما أن يكون نفسه فوق الخلق‪ ،‬أو ل يكون فوق الخلق ـ كما تقول الجهمية ‪.‬‬
‫ثم تارة يقولون‪ :‬ل فوقهم ول فيهم‪ ،‬ول داخل العالم‪ ،‬ول خارجه‪ ،‬ول مباين‪ ،‬ول محايث‪ .‬وتارة يقولون‪ :‬هو بذاته في‬
‫كل مكان‪ ،‬وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه‪.‬‬
‫صا ول‬
‫فإما أن يكون الحق إثبات ذلك‪ ،‬أو نفيه‪ ،‬فإن كان نفي ذلك هو الحق‪ ،‬فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط ـ ل ن ً‬
‫ظاهًرا ـ ول الرسول‪ ،‬ول أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ ل أئمة المذاهب الربعة‪ ،‬ول غيرهم‪ ،‬ول‬
‫يمكن أحد أن ينقل عن واحد من هؤلء أنه نفي ذلك أو أخبر به‪.‬‬
‫وأما ما نقل من الثبات عن هؤلء‪ ،‬فأكثر من أن يحصى أو يحصر‪ / ،‬فإن كان الحق هو النفي ـ دون الثبات ـ‬
‫ل ـ لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا‬
‫والكتاب والسنة والجماع إنما دل على الثبات ولم يذكر النفي أص ً‬
‫صا وإما ظاهًرا ـ على الضلل والخطأ المناقض للهدى والصواب‪.‬‬
‫بالحق في هذا الباب‪ ،‬بل نطقوا بما يدل ـ إما ن ً‬
‫ن َلُه‬
‫ل ِمن َبْعِد َما َتَبّي َ‬
‫سو َ‬
‫ق الّر ُ‬
‫شاِق ِ‬
‫ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين‪ ،‬فله أوفر حظ من قوله تعالى‪َ} :‬وَمن ُي َ‬
‫صيًرا{ ]النساء‪.[115:‬‬
‫ت َم ِ‬
‫ساء ْ‬
‫جَهّنَم َو َ‬
‫صِلِه َ‬
‫ن ُنَوّلِه َما َتَوّلى َوُن ْ‬
‫ل اْلُمْؤِمِني َ‬
‫سِبي ِ‬
‫غْيَر َ‬
‫اْلُهَدى وََيّتِبْع َ‬

‫فإن القائل إذا قال‪ :‬هذه النصوص أريد بها خلف ما يفهم منها‪ ،‬أو خلف ما دلت عليه‪ ،‬أو أنه لم يرد إثبات علو ا ّ‬
‫ل‬
‫نفسه على خلقه‪ ،‬وإنما أريد بها علو المكانة ونحو ذلك‪ ،‬كما قد بسطنا الكلم على هذا في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫فيقال له‪:‬فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق به باطًنا وظاهًرا‪ ،‬بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا‬
‫الكلم لم يرد به مفهومه ومقتضاه؛ فإن غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة‪ ،‬والباطن المخالف للظاهر‪.‬‬
‫ومعلوم باتفاق العقلء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز‪ ،‬فلبد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي؛‬
‫فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم‪ ،‬يعلم أن المراد بالكلم خلف مفهومه ومقتضاه‪ ،‬كان‬
‫ل ل يجوز اعتقاده في‬
‫‪/‬عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد‪ ،‬ل سيما إذا كان باط ً‬
‫ل ما ل يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوًفا عليهم‪ ،‬ولو لم يخاطبهم بما يدل‬
‫ل‪ ،‬فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫على ذلك‪ ،‬فكيف إذا كان خطابه هوالذي يدلهم على ذلك العتقاد الذي تقول النفاة‪ :‬هو اعتقاد باطل ؟‬
‫ل‪ ،‬بل هم دائًما ل يتكلمون‬
‫فإذا لم يكن في الكتاب‪ ،‬ول السنة‪ ،‬ول كلم أحد من السلف والئمة ما يوافق قول النفاة أص ً‬
‫إل بالثبات‪ ،‬امتنع حينئذ أل يكون مرادهم الثبات‪ ،‬وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه‪ ،‬وهم لم يتكلموا به‬
‫قط ولم يظهروه‪ ،‬وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه‪ ،‬وهذا كلم مبين‪ ،‬ل مخلص لحد عنه‪ ،‬لكن للجهمية المتكلمة هنا‬
‫كلم‪ ،‬وللجهمية المتفلسفة كلم‪.‬‬

‫أما المتفلسفة‪ ،‬والقرامطة فيقولون‪ :‬إن الرسل كلموا الخلق بخلف ما هو الحق‪ ،‬وأظهروا لهم خلف ما يبطنون‪،‬‬
‫وربما يقولون‪ :‬إنهم كذبوا لجل مصلحة العامة‪ ،‬فإن مصلحة العامة ل تقوم إل بإظهار الثبات‪ ،‬وإن كان في نفس‬
‫ل‪.‬‬
‫المر باط ً‬
‫وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة‪ ،‬والكفر الواضح‪ ،‬قول متناقض في نفسه‪ ،‬فإنه يقال‪ :‬لو كان المر كما تقولون‪،‬‬
‫والرسل من جنس رؤسائكم‪/ ،‬لكان خواص الرسل يطلعون على ذلك‪ ،‬ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا المر‪،‬‬
‫فكان يكون النفي مذهب خاصة المة‪ ،‬وأكملها عقل وعلًما ومعرفة‪ ،‬والمر بالعكس؛فإن من تأمل كلم ]السلف‬
‫ل بن‬
‫والئمة[ وجد أعلم المةـ عند المة ـ كأبي بكر وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلى‪ ،‬وابن مسعود ومعاذ بن جبل‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫ل بن عمرو‬
‫ل بن عمر‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫ل بن عباس‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫سلم‪ ،‬وسلمان الفارسي‪ ،‬وأبي بن كعب‪ ،‬وأبي الدرداء‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫وأمثالهم‪ ،‬هم أعظم الخلق إثباًتا‪.‬‬
‫وكذلك أفضل التابعين‪ ،‬مثل سعيد بن المسيب وأمثاله‪ ،‬والحسن البصري وأمثاله‪ ،‬وعلي ابن الحسين وأمثاله‪،‬‬
‫وأصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عباس‪ ،‬وهم من أجل التابعين‪.‬‬
‫بل النقول عن هؤلء في الثبات‪ ،‬يجبن عن إثباته كثير من الناس‪ ،‬وعلى ذلك تأول يحيى بن عمار وصاحبه شيخ‬
‫ل‪ ،‬فإذا ذكروه لم‬
‫السلم أبو إسماعيل النصاري ما يروى‪) :‬إن من العلم كهيئة المكنون ل يعرفه إل أهل العلم با ّ‬
‫ل( تأولوا ذلك على ما جاء من الثبات؛‬
‫ينكره إل أهل الِغّرة ]أي‪ :‬أهل الغفلة‪ .‬انظر‪ :‬المصباح المنير‪ ،‬مادة غرر[ با ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والسابقين والتابعين لهم بإحسان‪ ،‬بخلف النفي فإنه ل يوجد‬
‫لن ذلك ثابت عن رسول ا ّ‬
‫عنهم‪ ،‬ول يمكن حمله عليه‪.‬‬
‫وقد جمع علماء الحديث من المنقول عن السلف في الثبات‪ ،‬ما ل يحصى‪ /‬عدده إل رب السموات‪ ،‬ولم يقدر أحد أن‬
‫يأتي عنهم في النفي بحرف واحد‪ ،‬إل أن يكون من الحاديث المختلقة‪ ،‬التي ينقلها من هو من أبعد الناس عن معرفة‬
‫كلمهم‪.‬‬
‫ومن هؤلء من يتمسك بمجملت سمعها‪ ،‬بعضها كذب‪ ،‬وبعضها صدق‪ ،‬مثل ما ينقلونه عن عمر أنه قال‪ :‬كان النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم وأبوبكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما‪ .‬فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالثر‪ .‬وبتقدير صدقه فهو‬
‫مجمل‪ .‬فإذا قال أهل الثبات كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل عنهما‪ ،‬كان أولى من قول النفاة أنهما‬
‫يتكلمان بالنفي‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم جرابين‪ :‬أما أحدهما فبثثته فيكم‪،‬‬
‫وكذلك حديث جراب أبي هريرة لما قال‪ :‬حفظت عن رسول ا ّ‬
‫وأما الخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم‪ .‬فإن هذا حديث صحيح‪ ،‬لكنه مجمل‪.‬‬
‫وقد جاء مفسًرا‪ :‬أن الجراب الخر كان فيه حديث الملحم والفتن‪ ،‬ولو قدر أن فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما‬
‫يدل على النفي‪ ،‬بل الثابت المحفوظ من أحاديث أبى هريرة كحديث ]إتيانه يوم القيامة[ وحديث ]النزول[ و]الضحك[‬
‫وأمثال ذلك‪ ،‬كلها على الثبات‪ ،‬ولم ينقل عن أبي هريرة حرف واحد من جنس قول النفاة‪.‬‬
‫وأما الجهمية المتكلمة فيقولون‪ :‬إن القرينة الصارفة لهم عما دل عليه الخطاب هوالعقل‪ ،‬فاكتفي بالدللة العقلية‬
‫الموافقة لمذهب النفاة‪.‬‬
‫ل‪ :‬فحينئذ إذا كان ما تكلم به إنما يفيدهم مجرد الضلل‪ ،‬وإنما يستفيدون الهدى من عقولهم‪ ،‬كان الرسول‬
‫‪/‬فيقال لهم أو ً‬
‫قد نصب لهم أسباب الضلل‪ ،‬ولم ينصب لهم أسباب الهدى‪ ،‬وأحالهم في الهدى على نفوسهم‪ ،‬فيلزم على قولهم أن‬
‫تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة‪ ،‬التي لم تنفعهم‪ ،‬بل ضرتهم‪.‬‬
‫ويقال لهم ثانًيا‪ :‬فالرسول صلى ال عليه وسلم قد بين الثبات الذي هو أظهر في العقل من قول النفاة؛ مثل ذكره لخلق‬
‫ل وقدرته‪ ،‬ومشيئته وعلمه‪ ،‬ونحو ذلك ـ من المور التي تعلم بالعقل ـ أعظم مما يعلم نفي الجهمية‪ ،‬وهو لم يتكلم بما‬
‫ا ّ‬
‫يناقض هذا الثبات‪ ،‬فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفي الذي هو أخفي وأدق؟ وكلمه لم يدل عليه‪ ،‬بل دل على‬
‫ل حسيبه على ما يقول ‪.‬‬
‫نقيضه وضده‪ ،‬ومن نسب هذا إلى الرسول صلى ال عليه وسلم فا ّ‬

‫والمراتب ثلث إما أن يتكلم بالهدى‪ ،‬أوبالضلل‪ ،‬أو يسكت عنهما‪ .‬ومعلوم أن السكوت عنهما خير من التكلم بما‬
‫يضل‪ ،‬وهنا يعرف بالعقل أن الثبات لم يسكت عنه؛ بل َبّينه‪ ،‬وكان ما جاء به السمع موافًقا للعقل‪ ،‬فكان الواجب فيما‬
‫ينفيه العقل أن يتكلم فيه بالنفي؛كما فعل فيما يثبته العقل‪ ،‬وإذا لم يفعل ذلك كان السكوت عنه أسلم للمة‪.‬‬
‫أما إذا تكلم فيه بما يدل على الثبات‪ ،‬وأراد منهم أل يعتقدوا إل النفي ؛لكون مجرد عقولهم تعرفهم به‪ ،‬فإضافة هذا‬
‫إلى الرسول صلى ال عليه وسلم من أعظم أبواب الزندقة والنفاق‪.‬‬
‫‪/‬ويقال لهم ثالثا‪ :‬من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب النفاة‪ ،‬بل العقل الصريح إنما يوافق ما أثبته الرسول‪ ،‬وليس‬
‫ل‪ ،‬وقد بسطنا هذا في مواضع‪ ،‬بينا فيها أن مايذكرون من‬
‫بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح تناقض أص ً‬
‫المعقول المخالف لما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إنما هو جهل وضلل تقلده متأخروهم عن متقدميهم‪،‬‬
‫وسموا ذلك عقليات‪ ،‬وإنما هي جهليات‪ ،‬ومن طلب منه تحقيق ماقاله أئمة الضلل بالمعقول لم يرجع إل إلى مجرد‬
‫تقليدهم‪.‬‬
‫فهم يكفرون بالشرع ويخالفون العقل‪ ،‬تقليًدا لمن توهموا أنه عالم بالعقليات‪ ،‬وهم مع أئمتهم الضلل كقوم فرعون‬
‫ن{‬
‫سِقي َ‬
‫عوُه ِإّنُهْم َكاُنوا َقْوًما َفا ِ‬
‫طا ُ‬
‫ف َقْوَمُه َفَأ َ‬
‫خ ّ‬
‫سَت َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬فا ْ‬
‫معه‪ ،‬حيث قال ا ّ‬
‫جُنوَدُه‬
‫خْذَناُه َو ُ‬
‫ن َفَأ َ‬
‫جُعو َ‬
‫ل ُيْر َ‬
‫ظّنوا َأّنُهْم ِإَلْيَنا َ‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫ض ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْر ِ‬
‫جُنوُدُه ِفي ا َْ‬
‫سَتْكَبَر ُهَو َو ُ‬
‫]الزخرف‪ ،[45:‬وقال تعالى عنه‪َ} :‬وا ْ‬
‫ن َوَأْتَبْعَناُهْم ِفي َهِذِه الّدْنَيا‬
‫صُرو َ‬
‫ل ُين َ‬
‫ن ِإَلى الّناِر َوَيْوَم اْلِقَياَمِة َ‬
‫عو َ‬
‫جَعْلَناُهْم َأِئّمًة َيْد ُ‬
‫ن َو َ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫عاِقَبُة ال ّ‬
‫ن َ‬
‫ف َكا َ‬
‫ظْر َكْي َ‬
‫َفَنَبْذَناُهْم ِفي اْلَيّم َفان ُ‬
‫َلْعَنًة َوَيْوَم اْلِقَياَمِة ُهم ّمَن اْلَمْقُبوِحيَن{ ]القصص‪39:‬ـ ‪ .[42‬وفرعون هو إمام النفاة‪.‬‬

‫ولهذا صرح محققو النفاة بأنهم على قوله‪ ،‬كما يصرح به التحادية من الجهمية النفاة؛ إذ هو أنكر العلو وكذب موسى‬
‫طِلَع ِإَلى‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫ن َيا َهاَما ُ‬
‫عْو ُ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫ل لموسى‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬وَقا َ‬
‫فيه‪ ،‬وأنكر تكليم ا ّ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا{ ]غافر‪.[37 ،36 :‬‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫ِإَلِه ُمو َ‬
‫ب اْلَعاَلِميَن{ ]الشعراء‪ [32:‬؟ وطلب أن‬
‫ل ـ تعالى ـ قد أخبر عن فرعون أنه أنكر الصانع بلسانه‪ ،‬فقال‪َ} :‬وَما َر ّ‬
‫‪/‬وا ّ‬
‫يصعد ليطلع إلى إله موسى‪ ،‬فلو لم يكن موسى أخبره أن إلهه فوق لم يقصد ذلك؛ فإنه هو لم يكن مقًرا به‪ ،‬فإذا لم‬
‫يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو ل منه ول من موسى ـ عليه الصلة والسلم ـ فل يقصد الطلع‪ ،‬ول يحصل به‬
‫ما قصده من التلبيس على قومه‪ ،‬بأنه صعد إلى إله موسى‪ ،‬ولكان صعوده إليه كنزوله إلى البار والنهار‪ ،‬وكان ذلك‬
‫أهون عليه‪ ،‬فل يحتاج إلى تكلف الصرح‪.‬‬
‫ونبينا صلى ال عليه وسلم لما عرج به ليلة السراء‪ ،‬وجد في السماء الولى آدم ـ عليه السلم ـ وفي الثانية يحيى‬
‫وعيسى‪ ،‬ثم في الثالثة يوسف‪ ،‬ثم في الرابعة إدريس‪ ،‬ثم في الخامسة هارون‪ ،‬ثم وجد موسى وإبراهيم‪ ،‬ثم عرج إلى‬
‫ربه ففرض عليه خمسين صلة‪ ،‬ثم رجع إلى موسى فقال له‪ :‬ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لمتك‪ ،‬فإن أمتك ل‬
‫تطيق ذلك‪ .‬قال‪) :‬فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف لمتي( وذكر أنه رجع إلى موسى‪ ،‬ثم رجع إلى ربه مراًرا‪،‬‬
‫فصدق موسى في أن ربه فوق السموات‪ ،‬وفرعون كذب موسى في ذلك‪.‬‬
‫والجهمية النفاة ‪ :‬موافقون لل فرعون أئمة الضلل‪.‬‬
‫حي َ‬
‫ن‬
‫صاِل ِ‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫ل َ‬
‫ب َناِفَلًة َوُك ّ‬
‫ق َوَيْعُقو َ‬
‫حَ‬
‫سَ‬
‫وأهل السنة والثبات‪ :‬موافقون لل إبراهيم أئمة الهدى‪ ،‬وقال تعالى‪َ} :‬وَوَهْبَنا َلُه ِإ ْ‬
‫لِة َوِإيَتاء الّزَكاِة َوَكاُنوا َلَنا َعاِبِديَن{ ]النبياء‪[73 ،72:‬‬
‫صَ‬
‫ت َوِإَقاَم ال ّ‬
‫خْيَرا ِ‬
‫ل اْل َ‬
‫حْيَنا ِإَلْيِهْم ِفْع َ‬
‫ن ِبَأْمِرَنا َوَأْو َ‬
‫جَعْلَناُهْم َأِئّمًة َيْهُدو َ‬
‫َو َ‬

‫ل عليهم أجمعين‪.‬‬
‫وموسى ومحمد من آل إبراهيم؛ بل هم سادات آل إبراهيم ـ صلوات ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫ل على السموات أن ـ يقال‪ :‬من المعلوم أن ا ّ‬
‫الوجه الثاني ـ في تبيين وجوب القرار بالثبات‪ ،‬وعلو ا ّ‬
‫ل وما ينزه عنه هو من أجل‬
‫ل أنزل الكتاب تبياًنا لكل شيء‪ ،‬وأن معرفة ما يستحقه ا ّ‬
‫أكمل الدين‪ ،‬وأتم النعمة‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫أمور الدين‪ ،‬وأعظم أصوله‪ ،‬وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء؛ فكيف يجوز أن يكون هذا الباب لم يبينه‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يفصله‪ ،‬ولم يعلم أمته ما يقولون في هذا الباب ؟! وكيف يكون الدين قد كمل وقد‬
‫تركوا على الطريقة البيضاء‪ ،‬وهم ل يدرون بماذا يعرفون ربهم‪ :‬أبما تقوله النفاة‪ ،‬أو بأقوال أهل الثبات؟!‬

‫الوجه الثالث‪ :‬أن يقال‪ :‬كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة‪ ،‬لبد أن يخطر بقلبه هذا الباب‪ ،‬ويقصد فيه‬
‫الحق‪ ،‬ومعرفة الخطأ من الصواب‪ ،‬فل يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا ل يسألون‬
‫عا‬
‫ل ونهاًرا ـ يتوجهون بقلوبهم إليه‪ ،‬ويدعونه تضر ً‬
‫عنه‪ ،‬ول يشتاقون إلى معرفته‪ ،‬ول تطلب قلوبهم الحق‪ ،‬وهم ـ لي ً‬
‫غًبا ورهًبا‪ ،‬والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم بهذا‪ ،‬ومعرفة الحق فيه‪ ،‬وهي مشتاقة إليه أكثر من‬
‫وخيفة‪ ،‬وَر َ‬
‫شوقها إلى كثير من المور‪ ،‬ومع الرادة الجازمة والقدرة يجب حصول‪ /‬المراد‪ ،‬وهم قادرون على سؤال الرسول‬
‫ضا‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسؤال بعضهم بع ً‬
‫وقد سألوه عما هو دون هذا؛ سألوه‪ :‬هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم‪ ،‬وسأله أبو َرِزين‪ :‬أيضحك ربنا؟ فقال‪) :‬نعم(‪.‬‬
‫فقال‪) :‬لن نعدم من رب يضحك خيًرا(‪.‬‬
‫ثم إنهم لما سألوه عن ]الرؤية[ قال‪) :‬إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر( فشبه الرؤية بالرؤية‪ ،‬ل المرئي‬
‫بالمرئي‪.‬‬
‫والنفاة ل يقولون‪ :‬يرى كما ترى الشمس والقمر‪ ،‬بل قولهم الحقيقي أنه ل يرى بحال‪ ،‬ومن قال‪ :‬يرى‪ ،‬موافقة لهل‬
‫سر الرؤية بمزيد علم‪ ،‬فل تكون كرؤية الشمس والقمر‪.‬‬
‫الثبات ومنافقة لهم‪ ،‬ف ّ‬
‫والمقصود هنا أنهم لبد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه‪ ،‬وإذا سألوه فلبد أن يجيبهم‪ .‬ومن المعلوم بالضطرار أن‬
‫ما تقوله الجهمية النفاة لم ينقل عن أحد من أهل التبليغ عنه‪ ،‬وإنما نقلوا عنه ما يوافق قول أهل الثبات‪.‬‬
‫ل يحب منا أن نعتقد قول النفاة‪ ،‬أو نعتقد قول أهل الثبات‪ ،‬أو ل نعتقد واحًدا‬
‫الوجه الرابع‪ :‬أن يقال‪ :‬إما أن يكون ا ّ‬
‫منهما‪ .‬فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول النفاة‪ :‬وهو أنه ل داخل العالم ول خارجه؛ وأنه ليس فوق‪ /‬السموات رب‪ ،‬ول‬
‫ل‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وإنما عرج به إلى السموات فقط ل إلى ا ّ‬
‫على العرش إله‪ ،‬وأن محمًدا صلى ال عليه وسلم لم يعرج به إلى ا ّ‬
‫ل ل ينزل منه شيء ول يصعد إليه شيء‪ ،‬وأمثال ذلك ‪.‬‬
‫ل بل إلى ملكوته‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫وأن الملئكة ل تعرج إلى ا ّ‬
‫وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام‪ ،‬كقولهم ليس بمتحيز ول جسم‪ ،‬ول جوهر‪ ،‬ول‬
‫هو في جهة‪ ،‬ول مكان‪ ،‬وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب ـ تعالى ـ عن النقائص‪ ،‬ومقصدهم بها‬
‫ل‪.‬‬
‫أنه ليس فوق السموات رب؛ ول على العرش إله يعبد ول عرج بالرسول إلى ا ّ‬
‫ل لنا أن نعتقد هذا النفي‪ ،‬فالصحابة والتابعون أفضل منا‪ ،‬فقد كانوا يعتقدون هذا‬
‫والمقصود‪ :‬أنه إن كان الذي يحبه ا ّ‬
‫ل ورسوله يرضاه لنا وهو إما واجب علينا أو مستحب‬
‫النفي‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم كان يعتقده‪ ،‬وإذا كان ا ّ‬
‫لنا‪ ،‬فلبد أن يأمرنا الرسول صلى ال عليه وسلم بما هو واجب علينا‪ ،‬ويندبنا إلى ماهو مستحب لنا‪ ،‬ولبد أن يظهر‬
‫ت َلُكْم‬
‫ل ومرضيه وما يقرب إليه‪ ،‬لسيما مع قوله عز وجل‪} :‬اْلَيْوَم َأْكَمْل ُ‬
‫عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحبوب ا ّ‬
‫ت َعَلْيُكْم ِنْعَمِتي{ ]المائدة‪ ،[3:‬ل سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين‪ ،‬وهو عندهم التوحيد الذي ل يخالفه‬
‫ِديَنُكْم َوَأْتَمْم ُ‬
‫إل شقي‪ ،‬فكيف ل يعلم الرسول صلى ال عليه وسلم أمته التوحيد؟ وكيف ل يكون ]التوحيد[ معروًفا عند الصحابة‬
‫والتابعين؟! والفلسفة والمعتزلة ومن اتبعهم يسمون مذهب ‪ /‬النفاة التوحيد‪ ،‬وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه‬
‫الموحدين؛ إذ عندهم مذهب النفاة هو التوحيد‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬كان من المعلوم أنه لبد أن يبينه الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد علم بالضطرار أن الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ لعباده‪.‬‬
‫فعلم أنه ليس بواجب ول مستحب‪ ،‬بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه ا ّ‬
‫ضا ـ أن يبين ذلك لنا‪ .‬ومعلوم أن في الكتاب والسنة‬
‫وإن كان يحب منا مذهب الثبات‪ ،‬وهو الذي أمرنا به‪ ،‬فلبد ـ أي ً‬
‫من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من إثبات الوضوء والتيمم‪ ،‬والصيام‪ ،‬وتحريم ذوات المحارم‪ ،‬وخبيث‬
‫المطاعم‪ ،‬ونحو ذلك من الشرائع‪.‬‬

‫ل‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم مبلًغا مبيًنا‪ ،‬والتوحيد عن السلف مشهوًرا‬
‫فعلى قول أهل الثبات يكون الدين كام ً‬
‫معروًفا‪.‬‬
‫ضا؛والسلف خير هذه المة وطريقهم أفضل الطرق‪.‬‬
‫والكتاب والسنة يصدق بعضه بع ً‬
‫والقرآن كله حق ليس فيه إضلل‪ ،‬ول دل على كفر ومحال‪ ،‬بل هو الشفاء والهدى‬
‫والنور‪ .‬وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة‪ ،‬فقولهم مؤتلف غير مختلف‪ ،‬ومقبول غير مردود‪.‬‬
‫ل منا أل نثبت ول ننفي‪ ،‬بل نبقى في الجهل البسيط‪ ،‬وفي ظلمات بعضها فوق بعض‪ ،‬ل نعرف‬
‫‪/‬وإن كان الذي يحبه ا ّ‬
‫الحق من الباطل ول الهدى من الضلل‪ ،‬ول الصدق من الكذب‪ ،‬بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى‬
‫ل يحب‬
‫ك َل ِإَلى َهـُؤلء َوَل ِإَلى َهـُؤلء{ ]النساء‪ ،[143:‬ل مصدقين ول مكذبين‪ ،‬لزم من ذلك أن يكون ا ّ‬
‫ن َذِل َ‬
‫ن َبْي َ‬
‫}ّمَذْبَذِبي َ‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ من الصفات‬
‫منا عدم العلم بما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعدم العلم بما يستحقه ا ّ‬
‫التامات‪ ،‬وعدم العلم بالحق من الباطل‪ ،‬ويحب منا الحيرة والشك‪.‬‬
‫ل ل يحب الجهل‪ ،‬ول الشك‪ ،‬ول الحيرة‪ ،‬ول الضلل‪ ،‬وإنما يحب الدين والعلم واليقين‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن ا ّ‬
‫سَتْهَوْتهُ‬
‫ل َكاّلِذي ا ْ‬
‫عَقاِبَنا َبْعَد ِإْذ َهَداَنا ا ّ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ضّرَنا َوُنَرّد َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َينَفُعَنا َو َ‬
‫ل َما َ‬
‫نا ّ‬
‫عو ِمن ُدو ِ‬
‫ل َأَنْد ُ‬
‫وقد ذم ]الحيرة[ بقوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ن َأِقيُموْا‬
‫ن َوَأ ْ‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫سِلَم ِلَر ّ‬
‫ى َوُأِمْرَنا ِلُن ْ‬
‫ل ُهَو اْلُهَد َ‬
‫ن ُهَدى ا ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫عوَنُه ِإَلى اْلُهَدى اْئِتَنا ُق ْ‬
‫ب َيْد ُ‬
‫حا ٌ‬
‫صَ‬
‫ن َلُه َأ ْ‬
‫حْيَرا َ‬
‫ض َ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َ‬
‫طي ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ي ِإَلْيِه ُتْحَشُروَن{ ]النعام‪.[72 ،71:‬‬
‫صلَة َواّتُقوُه َوُهَو اّلِذ َ‬
‫ال ّ‬
‫ن{‬
‫ضاّلي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَليِهْم َو َ‬
‫ب َ‬
‫ضو ِ‬
‫غيِر الَمغ ُ‬
‫عَليِهْم َ‬
‫ت َ‬
‫ن َأنَعم َ‬
‫ط اّلِذي َ‬
‫صَرا َ‬
‫ط الُمسَتِقيَم ِ‬
‫صَرا َ‬
‫ل تعالى أن نقول‪} :‬اهِدَنــــا ال ّ‬
‫وقد أمرنا ا ّ‬

‫] الفاتحة‪.[7 ،6 :‬‬
‫ل عنها ـ أن النبي صلى ال عليه وسلم ‪/‬كان إذا قام من الليل يصلي‬
‫وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ـ رضي ا ّ‬
‫يقول‪) :‬الّلهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل؛ فاطر السموات والرض‪ ،‬عالم الغيب والشهادة‪ ،‬أنت تحكم بين عبادك‬
‫فيما كانوا فيه يختلفون‪ .‬اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم(‪.‬‬
‫ل عدم الهدى في مسائل‬
‫فهو صلى ال عليه وسلم يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق‪ ،‬فكيف يكون محبوب ا ّ‬
‫ب ِزْدِني ِعْلًما{ ]طه‪.[114 :‬‬
‫ل تعالى له‪َ} :‬وُقل ّر ّ‬
‫الخلف؟ وقد قال ا ّ‬
‫وما يذكره بعض الناس عنه أنه قال‪] :‬زدني فيك تحيًرا[ كذب باتفاق أهل العلم بحديثه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل هذا‬
‫سؤال من هو حائر‪ ،‬وقد سأل المزيد من الحيرة‪ ،‬ول يجوز لحد أن يسأل ويدعو بمزيد الحيرة إذا كان حائًرا‪ ،‬بل‬
‫يسأل الهدى والعلم‪ ،‬فكيف بمن هو هادي الخلق من الضللة؟ وإنما ينقل مثل هذا عن بعض الشيوخ الذين ل يقتدى‬
‫بهم في مثل هذا إن صح النقل عنه‪ ،‬وقول هؤلء الواقفة الذين ل يثبتون ول ينفون‪ ،‬وينكرون الجزم بأحد القولين‪،‬‬
‫يلزم عليه أمور‪:‬‬
‫ظا ومعاني ل أصل لها في الكتاب‪ ،‬ول في السنة‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن من قال هذا‪ ،‬فعليه أن ينكر على النفاة‪ ،‬فإنهم ابتدعوا ألفا ً‬
‫وأما المثبتة إذا اقتصروا على النصوص‪ ،‬فليس له النكار عليهم‪ ،‬وهؤلء ‪ /‬الواقفة هم في الباطن يوافقون النفاة أو‬
‫يقرونهم‪ ،‬وإنما يعارضون المثبتة‪ ،‬فعلم أنهم أقروا أهل البدعة‪ ،‬وعادوا أهل السنة‪.‬‬
‫ل ورسوله‪ ،‬فهذا القول باطل‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يقال‪ :‬عدم العلم بمعاني القرآن والحديث ليس مما يحبه ا ّ‬
‫الثالث‪ :‬أن يقال‪ :‬الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين‪ .‬غاية ما في الباب أن من لم يكن عنده علم‬
‫بالنفي ول الثبات يسكت‪.‬‬

‫ل تعالى عليه وسلم ـ فليس للواقف الشاك الحائر أن ينكر على‬
‫فأما من علم الحق بدليله الموافق لبيان رسوله ـ صلى ا ّ‬
‫هذا العالم الجازم المستبصر المتبع للرسول‪ ،‬العالم بالمنقول والمعقول‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن يقال‪ :‬السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة‪ ،‬وقالوا بالثبات وأفصحوا به‪ ،‬وكلمهم في الثبات والنكار‬
‫على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان‪ ،‬وكلم الئمة المشاهير ـ مثل مالك‪ ،‬والثوري‪ ،‬والوزاعي‪ ،‬وأبي‬
‫حنيفة‪ ،‬وحماد بن زيد‪ ،‬وحماد بن سلمة‪ ،‬وعبد الرحمن بن مهدي‪ ،‬وَوِكيع بن الجراح‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪،‬‬
‫وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وأبي عبيد‪ ،‬وأئمة أصحاب مالك وأبي حنيفة‪ ،‬والشافعي وأحمد ـ موجود كثير ل يحصيه أحد‪.‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪[5:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل‪} ،‬الّر ْ‬
‫وجواب مالك في ذلك صريح في الثبات‪ ،‬فإن السائل قال له‪ :‬يا أبا عبد ا ّ‬
‫كيف استوى؟ فقال مالك‪ :‬الستواء ‪ /‬معلوم‪ ،‬والكيف مجهول‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬استواؤه معلوم ‪ -‬أو معقول ‪ -‬والكيف غير‬
‫معقول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪ .‬فقد أخبر ـ رضي الّ عنه ـ بأن نفس الستواء معلوم‪ ،‬وأن كيفية‬
‫الستواء مجهولة‪ ،‬وهذا بعينه قول أهل الثبات‪.‬‬
‫وأما النفاة‪ ،‬فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته‪ ،‬بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أن الستواء مجهول‪ ،‬غير معلوم‪،‬‬
‫وإذا كان الستواء مجهولً لم يحتج أن يقال‪ :‬الكيف مجهول‪ ،‬ل سيما إذا كان الستواء منتفًيا‪ ،‬فالمنتفي المعدوم ل‬
‫كيفية له حتى يقال‪ :‬هي مجهولة أو معلومة‪ .‬وكلم مالك صريح في إثبات الستواء‪ ،‬وأنه معلوم‪ ،‬وأن له كيفية‪ ،‬لكن‬
‫تلك الكيفية مجهولة لنا ل نعلمها نحن‪.‬‬
‫ولهذا بدع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية‪ ،‬فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا‪ ،‬ونحن ل نعلم كيفية استوائه‪،‬‬
‫وليس كل ما كان معلوًما وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا‪ ،‬يبين ذلك أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك‬
‫ل في السماء وعلمه في كل مكان‪ ،‬حتى ذكر ذلك مكي ـ خطيب قرطبةـ في ]كتاب التفسير[ الذي جمعه من‬
‫أنه قال‪ :‬ا ّ‬
‫ضا‬
‫عْمرو الطلمنكي‪ ،‬وأبو عمر بن عبد البر‪ ،‬وابن أبي زيد في المختصر‪ ،‬وغير واحد‪ ،‬ونقله أي ً‬
‫كلم مالك‪ ،‬ونقله أبو َ‬
‫ل‪ ،‬والثرم‪ ،‬والخلل‪ ،‬والجرى‪ ،‬وابن‬
‫عن مالك غير هؤلء ممن ل يحصى عددهم‪ :‬مثل أحمد بن حنبل‪ ،‬وابنه عبد ا ّ‬
‫بطة‪ ،‬وطوائف ‪/‬غير هؤلء من المصنفين في السنة‪ ،‬ولو كان مالك من الواقفه أو النفاة لم ينقل هذا الثبات‪.‬‬
‫والقول الذي قاله مالك قاله قبله ربيعة بن أبي عبد الرحمن ـ شيخه ـ كما رواه عنه سفيان بن عيينة‪.‬‬
‫ل‪ ،‬يقرر مذهب الثبات‪ ،‬ويرد على النفاة‪ ،‬قد ذكرناه‬
‫ل بن أبي سلمة الماجشون كلًما طوي ً‬
‫وقال عبد العزيز بن عبد ا ّ‬
‫في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫وكلم المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم‪ ،‬وكلم أئمة المالكية وقدمائهم في الثبات كثير مشهور‪ ،‬حتى‬
‫ل بذاته فوق عرشه‪ .‬وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر أئمة‬
‫علماءهم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن ا ّ‬
‫السلف‪ ،‬ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبى زيد في هذا‪ .‬وهو إنما ذكر هذا في مقدمة الرسالة لتلقن لجميع‬
‫المسلمين؛ لنه عند أئمة السنة من العتقادات التي يلقنها كل أحد‪.‬‬
‫ولم يرد على ابن أبى زيد في هذا إل من كان من أتباع الجهمية النفاة‪ ،‬لم يعتمد من خالفه على أنه بدعة‪ ،‬ول أنه‬
‫مخالف للكتاب والسنة‪ ،‬ولكن زعم من خالف ابن أبي زيد وأمثاله إن ما قاله مخالف للعقل‪ .‬وقالوا‪ :‬إن ابن أبي زيد لم‬
‫ل ـ عز وجل ـ وما ل يجوز‪.‬‬
‫يكن يحسن فن الكلم الذي يعرف فيه ما يجوز على ا ّ‬
‫‪/‬والذين أنكروا على ابن أبي زيد وأمثاله من المتأخرين تلقوا هذا النكار عن متأخري الشعرية ـ كأبي المعالي‬
‫وأتباعه ـ وهؤلء تلقوا هذا النكار عن الصول التي شاركوا فيها المعتزلة ونحوهم من الجهمية‪ ،‬فالجهمية ـ من‬
‫المعتزلة وغيرهم ـ هم أصل هذا النكار‪.‬‬
‫وسلف المة وأئمتها متفقون على الثبات‪ ،‬رادون على الواقفة والنفاة‪ ،‬مثل ما رواه البيهقي وغيره عن الوزاعي‬
‫ل فوق عرشه‪ ،‬ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته‪.‬‬
‫قال‪ :‬كنا ـ والتابعون متوافرون ـ نقول‪ :‬إن ا ّ‬

‫وقال أبو مطيع البلخي في كتاب ]الفقه الكبر[ المشهور‪ :‬سألت أبا حنيفة عمن يقول‪ :‬ل أعرف ربي في السماء أو في‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5 :‬وعرشه فوق سبع سمواته‪،‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل ـ عز وجل ـ يقول‪} :‬الّر ْ‬
‫الرض‪ .‬قال‪ :‬قد كفر؛ لن ا ّ‬
‫فقلت‪ :‬إنه يقول‪ :‬على العرش استوى ‪ ،‬ولكن ل يدري العرش في السماء أو في الرض‪ ،‬فقال‪ :‬إذا أنكر أنه في السماء‬
‫كفر؛ لنه ـ تعالى ـ في أعلى عليين‪ ،‬وأنه يدعى من أعلى ل من أسفل‪.‬‬
‫ل في السماء‪ ،‬وعلمه في كل مكان‪ .‬وقال َمْعَدان‪ :‬سألت سفيان‬
‫ل بن نافع‪ :‬كان مالك بن أنس يقول‪ :‬ا ّ‬
‫وقال عبد ا ّ‬
‫الثورى عن قوله تعالى‪َ} :‬وُهَو َمَعُكْم َأْيَن َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪ [4 :‬قال‪ :‬علمه‪.‬‬
‫ل بن أحمد وغيرهم ـ‪ :‬إنما‬
‫وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه ـ رواه ابن أبي حاتم والبخاري ‪/‬وعبد ا ّ‬
‫يدور كلم الجهمية على أن يقولوا‪ :‬ليس في السماء شيء‪.‬‬
‫ل بن المبارك‪ :‬بماذا نعرف ربنا؟ قال‪ :‬بأنه فوق سمواته على عرشه‪ ،‬بائن‬
‫شِقيق‪ :‬قلت لعبد ا ّ‬
‫وقال على بن الحسن بن َ‬
‫ضا ـ‬
‫حّد؟ قال‪ :‬بحد ل يعلمه غيره‪ ،‬وهذا مشهور عن ابن المبارك‪ ،‬ثابت عنه من غير وجه‪ ،‬وهو ـ أي ً‬
‫من خلقه‪ .‬قلت‪ :‬ب َ‬
‫صحيح ثابت عن أحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وغير واحد من الئمة‪.‬‬
‫ل من كثرة ما أدعو على الجهمية‪ .‬قال‪ :‬ل تخف‪ ،‬فإنهم‬
‫ل بن المبارك‪ :‬يا أبا عبد الرحمن‪ ،‬قد خفت ا ّ‬
‫وقال رجل لعبد ا ّ‬
‫يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء‪.‬‬
‫سم‪ ،‬وإنما يحاولون أن يقولوا‪ :‬ليس في السماء إله‪ .‬رواه‬
‫شْهد وآخره ُ‬
‫وقال جرير بن عبد الحميد‪ :‬كلم الجهمية أوله َ‬
‫ابن أبي حاتم‪ .‬ورواه هو وغيره بأسانيد ثابتة عن عبدالرحمن بن مهدي‪ ،‬قال‪ :‬إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الّ‬
‫ـ عز وجل ـ كلم موسى بن عمران‪ ،‬وأن يكون على العرش‪ ،‬أرى أن يستتابوا‪ ،‬فإن تابوا وإل ضربت أعناقهم‪ .‬وقال‬
‫ل على العرش استوى‪ ،‬على خلف ما يقر في قلوب العامة‪ ،‬فهو جهمي‪.‬‬
‫يزيد بن هارون‪ :‬من زعم أن ا ّ‬
‫ل من اليهود والنصاري‪ ،‬قد أجمع أهل الديان‬
‫وقال سعيد بن عامر الضبعي ـ وذكر عنده الجهمية ـ فقال‪ :‬هم أشر قو ً‬
‫ل على العرش‪ ،‬وقالوا هم‪ :‬ليس عليه شيء‪.‬‬
‫مع المسلمين على أن ا ّ‬
‫‪ /‬وقال عباد بن العوام الواسطي‪ :‬كلمت بشًرا المريسي وأصحابه‪ ،‬فرأيت آخر كلمهم ينتهي إلى أن يقولوا‪ :‬ليس في‬
‫ل أل يناكحوا ول يوارثوا‪ .‬وهذا كثير في كلمهم‪.‬‬
‫السماء شيء‪ ،‬أرى وا ّ‬
‫وهكذا ذكر أهل الكلم ـ الذين ينقلون مقالت الناس ـ مقالة ـ أهل السنة وأهل الحديث ـ كما ذكره أبو الحسن الشعري‬
‫في كتابه الذي صنفه في ]اختلف المصلين‪ ،‬ومقالت السلميين[‪ ،‬فذكر فيه أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة‬
‫والمرجئة وغيرهم‪.‬‬
‫ل ـ عز وجل ـ وملئكته‪ ،‬وكتبه ورسله‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬ذكر ]مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث[‪ ،‬وجملة قولهم‪ :‬القرار با ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ل يردون من ذلك شيًئا ـ إلى أن قال ـ‪:‬‬
‫ل‪ ،‬وبما رواه الثقات عن رسول ا ّ‬
‫وبما جاء من عند ا ّ‬
‫ت‬
‫خَلْق ُ‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ ،[5 :‬وأن له يدين بل كيف كما قال تعالى‪ِ} :‬لَما َ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل على عرشه كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫وأن ا ّ‬
‫ي{ ]ص‪.[75:‬‬
‫ِبَيَد ّ‬
‫ضُع ِإّل ِبِعْلِمِه{ ] فاطر‪،[11:‬‬
‫ل َت َ‬
‫ن ُأنَثى َو َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫حِم ُ‬
‫زَلُه ِبِعْلِمِه{ ]النساء‪َ} ،[166:‬وَما َت ْ‬
‫ل علما كما قال‪َ} :‬أن َ‬
‫وأقروا أن ّ‬
‫ل كما نفته المعتزلة‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنه ل يكون في الرض من خير ول شر إل‬
‫وأثبتوا السمع والبصر‪ ،‬ولم ينفوا ذلك عن ا ّ‬
‫ل{ ]النسان‪ [30:‬ـ إلى أن قال ـ‪:‬‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شاُؤو َ‬
‫ل‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَما َت َ‬
‫ل‪ ،‬وأن الشياء تكون بمشيئة ا ّ‬
‫ما شاء ا ّ‬
‫ل ‪/‬صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫ل غير مخلوق؛ ويصدقون بالحاديث التي جاءت عن رسول ا ّ‬
‫ويقولون إن القرآن كلم ا ّ‬
‫ل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول‪ :‬هل من مستغفر فأغفر له؟( كما جاء في الحديث‪.‬‬
‫مثل‪) :‬إن ا ّ‬
‫ل يقرب من خلقه كيف‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ، [22:‬وأن ا ّ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ل يجىء يوم القيامة كما قال‪َ} :‬و َ‬
‫ويقرون أن ا ّ‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ .[16:‬وذكر أشياء كثيرة‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬فهذه جملة ما يأمرون به‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫شاء‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَن ْ‬
‫ويستعملونه ويرونه‪ ،‬وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب‪.‬‬

‫ضا في ]مسألة الستواء[ قال أهل السنة وأصحاب الحديث‪ :‬ليس بجسم‪ ،‬ول يشبه الشياء‪ ،‬وأنه على‬
‫قال الشعري أي ً‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪.[5 :‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫عرشه‪ ،‬كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫خَلْق ُ‬
‫ت‬
‫ل ورسوله في القول‪ ،‬بل نقول‪ :‬استوى بل كيف‪ ،‬وأن له يدين بل كيف كما قال تعالى‪ِ} :‬لَما َ‬
‫ول نتقدم بين يدي ا ّ‬
‫ي{ ]ص‪.[75:‬‬
‫ِبَيَد ّ‬

‫ل ينزل إلى سماء الدنيا‪ ،‬كما جاء في الحديث‪.‬‬
‫وإن ا ّ‬
‫ضا ـ في كتابه ]البانة في أصول الديانة[‬
‫قال‪:‬وقالت المعتزلة‪ :‬استوى على عرشه بمعنى استولى‪ .‬وقال الشعري ـ أي ً‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل مستو على عرشه كما قال‪} :‬الّر ْ‬
‫في ]باب الستواء[‪:‬إن قال قائل‪:‬ما تقولون في الستواء؟ قيل‪:‬نقول له‪:‬إن ا ّ‬
‫ل ِإَلْيِه‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ ،[10:‬وقال‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ ،.[5 :‬وقال‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫شا ْ‬
‫اْلَعْر ِ‬
‫ل َعِزيًزا َحِكيًما{ ]النساء‪.[158 :‬‬
‫نا ّ‬
‫َوَكا َ‬
‫سى َوِإّني‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلغُ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫ن َيا َهاَما ُ‬
‫عْو ُ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫وقال حكاية عن فرعون‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي‬
‫ل فوق السموات‪ .‬وقال ا ّ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا{ ]غافر‪ [37، 36 :‬كذب فرعون موسى في قوله‪ / :‬إن ا ّ‬
‫لُ‬
‫َ‬
‫ي َتُموُر{ ]الملك‪ .[16:‬فالسموات فوقها العرش‪ ،‬وكل ما عل فهو سماء‪ ،‬وليس إذا‬
‫ض َفِإَذا ِه َ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫ال ّ‬
‫قال‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي الّسَماء{ يعني‪ :‬جميع السموات‪ ،‬وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات‪ ،‬أل ترى أنه ذكر‬
‫السموات فقال‪َ} :‬وَجَعَل اْلَقَمَر ِفيِهّن ُنوًرا{ ]نوح‪ ،[16:‬ولم يرد أنه يمل السموات جميًعا؟‬

‫ل مستٍو على العرش الذي هو فوق السموات‪ ،‬فلول‬
‫ورأينا المسلمين جميًعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لن ا ّ‬
‫ل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش‪.‬‬
‫أن ا ّ‬
‫ل في كل مكان‪،‬‬
‫وقد قال قائلون من المعتزلة‪ ،‬والجهمية والحرورية‪ :‬إن معنى استوى‪ :‬استولى وملك وقهر‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ل على عرشه كما قال أهل الحق‪ ،‬وذهبوا في الستواء إلى القدرة‪ ،‬فلو كان كما قالوا‪ ،‬كان ل فرق‬
‫وجحدوا أن يكون ا ّ‬
‫ل قادر عليها وعلى الحشوش والخلية‪ ،‬فلو‬
‫ل قادر على كل شيء‪ ،‬والرض فا ّ‬
‫بين العرش والرض السابعة؛ لن ا ّ‬
‫كان مستويا على العرش بمعنى الستيلء‪ ،‬لجاز أن يقال‪ :‬هو مستو على الشياء كلها‪ ،‬ولما لم يجز عند أحد من‬
‫ل مستو على الشياء كلها‪ ،‬وعلى الحشوش والخلية‪ ،‬بطل أن يكون معنى الستواء‪ ،‬على‬
‫المسلمين أن يقال‪ :‬إن ا ّ‬
‫العرش الستيلء الذي هو عام في الشياء كلها‪.‬‬
‫وقد نقل هذا عن الشعري غير واحد من أئمة أصحابه‪ ،‬كابن ُفوَرك والحافظ ابن عساكر في كتابه الذي جمعه في‬
‫]تبيين كذب المفترى‪ ،‬فيما ينسب‪ /‬إلى الشيخ أبي الحسن الشعري[‪ ،‬وذكر اعتقاده الذي ذكره في أول ]البانة[ وقوله‬
‫فيه‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬قد أنكرتم قول المعتزلة‪ ،‬والقدرية والجهمية‪ ،‬والحرورية‪ ،‬والرافضة‪ ،‬والمرجئة‪ ،‬فعرفونا قولكم‬
‫الذي به تقولون‪ ،‬وديانتكم التي بها تدينون‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وما‬
‫قيل له‪ :‬قولنا الذي به نقول‪ ،‬وديانتنا التي ندين بها‪ :‬التمسك بكتاب ا ّ‬
‫ل وجهه‬
‫روى عن الصحابة والتابعين‪ ،‬وأئمة الحديث‪ ،‬ونحن بذلك معتصمون‪ ،‬وبما كان عليه أحمد بن حنبل ـ نضرا ّ‬
‫ل به الحق عند ظهور‬
‫ـ قائلون‪ ،‬ولما خالف قوله مجانبون؛ لنه المام الفاضل‪ ،‬والرئيس الكامل‪ ،‬الذي أبان ا ّ‬
‫ل عليه من إمام‬
‫الضلل‪ ،‬وأوضح المنهاج به‪ ،‬وقمع به بدع المبتدعين‪ ،‬وزيغ الزائغين‪ ،‬وشك الشاكين‪ ،‬فرحمة ا ّ‬
‫مقدم‪ ،‬وكبير مفهم‪ ،‬وعلى جميع أئمة المسلمين‪.‬‬
‫ل صلى ال‬
‫ل‪ ،‬وما رواه الثقات عن رسول ا ّ‬
‫ل وملئكته‪ ،‬وكتبه ورسله‪ ،‬وما جاء من عند ا ّ‬
‫وجملة قولنا‪ :‬إنا نقر با ّ‬
‫عليه وسلم‪ .‬وذكر ما تقدم وغيره من جمل كثيرة أوردت في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ على عرشه فوق سمواته‪،‬‬
‫وقال أبو بكر الجري في ]كتاب الشريعة[ ‪:‬الذي يذهب إليه أهل العلم‪:‬أن ا ّ‬
‫وعلمه محيط بكل شيء‪ ،‬قد أحاط بجميع ما خلق في السموات العلى‪ ،‬وجميع ما في سبع أرضين‪ ،‬يرفع إليه أفعال‬
‫العباد‪.‬‬

‫لَثٍة ِإّل ُهَو َراِبعُُهْم َوَل َخْمَسٍة ِإّل ُهَو َساِدُسُهْم{ ]المجادلة‪ .[7:‬قيل‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫فإن قال قائل‪ :‬أي شيء معنى قوله‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫ل على عرشه وعلمه محيط ‪ /‬بهم‪ ،‬كذا فسره أهل العلم‪ .‬والية يدل أولها وآخرها أنه العلم‪ ،‬وهو على‬
‫له‪ :‬علمه‪ ،‬وا ّ‬
‫عرشه‪ .‬هذا قول المسلمين‪.‬‬
‫والقول الذي قاله الشيخ محمد بن أبي زيد ]وإنه فوق عرشه المجيد بذاته‪ ،‬وهو في كل مكان بعلمه[ قد تأوله بعض‬
‫ل هو المجيد بذاته‪ ،‬وهذا مع أنه جهل واضح‪ ،‬فإنه بمنزلة أن يقال‪ :‬الرحمن‬
‫المبطلين بأن رفع المجيد‪ .‬ومراده أن ا ّ‬
‫بذاته‪ ،‬والرحيم بذاته‪ ،‬والعزيز بذاته‪.‬‬
‫ضا‪:‬على العرش استوى‪ ،‬وعلى الملك احتوى ‪ ،‬ففرق بين الستواء‬
‫وقد قال ابن أبي زيد‪ :‬في خطبة ]الرسالة[ أي ً‬
‫ل في سمائه دون‬
‫والستيلء على قاعدة الئمة المتبوعين‪ ،‬ومع هذا فقد صرح ابن أبى زيد في ]المختصر[ بأن ا ّ‬
‫أرضه‪ ،‬هذا لفظه‪ ،‬والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من جميع الطوائف‪.‬‬
‫وقد ذكر أبو عمرو الطلمنكي المام في كتابه الذي سماه ]الوصول إلى معرفة الصول[‪ :‬إن أهل السنة والجماعة‬
‫ل استوى بذاته على عرشه‪ .‬وكذلك ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبة‪ ،‬حافظ الكوفة في طبقة‬
‫متفقون على أن ا ّ‬
‫البخاري ونحوه‪ ،‬ذكر ذلك عن أهل السنة و الجماعة‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني المام‪ ،‬في رسالته المشهورة في السنة التي كتبها إلى ملك بلده‪.‬‬
‫وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب ]البانة[ له‪ .‬قال‪ :‬وأئمتنا كالثوري‪ ،‬ومالك‪ ،‬وابن عيينة‪ ،‬وحماد بن‬
‫ل فوق العرش بذاته‪،‬‬
‫سلمة‪ ،‬وحماد بن زيد‪ ،‬وابن المبارك‪ ،‬وفضيل بن عياض‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬متفقون على أن ا ّ‬
‫وأن علمه بكل مكان‪ ،‬وكذلك ذكر شيخ السلم النصاري‪ ،‬وأبو العباس الطرقي‪ ،‬والشيخ عبد القادر الجيلي‪ ،‬ومن ل‬
‫ل من أئمة السلم وشيوخه‪.‬‬
‫يحصى عدده إل ا ّ‬
‫وقال الحافظ أبو نعيم الصبهاني ـ صاحب ]حلية الولياء[ وغير ذلك من المصنفات المشهورة في العتقاد الذي‬
‫ل بجميع‬
‫ل لم يزل كام ً‬
‫جمعه ـ‪ :‬طريقنا طريق السلف المتبعين الكتاب والسنة وإجماع المة‪ .‬قال‪ :‬ومما اعتقدوه‪ :‬أن ا ّ‬
‫صفاته القديمة ل يزول ول يحول‪ ،‬لم يزل عالًما بعلم‪ ،‬بصيًرا ببصر‪ ،‬سميًعا بسمع‪ ،‬متكلًما بكلم‪ ،‬وأحدث الشياء من‬
‫ل‪ ،‬وكذلك سائر كتبه المنزلة كلمه غير مخلوق‪ ،‬وأن القرآن من جميع الجهات مقروًءا‬
‫غير شيء‪ ،‬وأن القرآن كلم ا ّ‬
‫ل غير‬
‫ل حقيقة ل حكاية ول ترجمة‪ ،‬وأنه بألفاظنا كلم ا ّ‬
‫عا‪ ،‬ومكتوًبا‪ ،‬وملفوظا‪ ،‬كلم ا ّ‬
‫ظا ومسمو ً‬
‫ومتلوا‪ ،‬ومحفو ً‬
‫ل‪ ،‬فهو عندهم‬
‫مخلوق‪ ،‬وأن الواقفة واللفظية من الجهمية‪ ،‬وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلم ا ّ‬
‫من الجهمية‪ ،‬وأن الجهمي عندهم كافر‪ .‬وذكر أشياء إلى أن قال‪:‬‬
‫ل عليه[ يقولون بها ويثبتونها‪ ،‬من‬
‫‪/‬وإن الحاديث التي ثبتت عن النبى صلى ال عليه وسلم في ]العرش واستواء ا ّ‬
‫ل بائن من خلقه‪ ،‬والخلق بائنون منه‪ ،‬ل يحل فيهم ول يمتزج بهم‪ ،‬وهو مستٍو على‬
‫غير تكييف‪ ،‬ول تمثيل‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫عرشه في سمائه دون أرضه‪ .‬وذكر سائر اعتقاد السلف وإجماعهم على ذلك‪.‬‬
‫وقال يحيى بن عثمان]هو أبو زكريا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان السهمي المصري‪ ،‬العلمة الحافظ‬
‫الخباري‪ ،‬كان عالًما بأخبار مصر وبموت العلماء‪ ،‬مات في ذي القعدة سنة ‪282‬هـ[‪ .‬في ]رسالته[‪ :‬ل نقول كما‬
‫قالت الجهمية‪ :‬إنه بداخل المكنة‪ ،‬وممازج كل شيء‪ ،‬ول نعلم أين هو‪ ،‬بل نقول‪ :‬هو بذاته على عرشه‪ ،‬وعلمه محيط‬
‫بكل شيء‪ ،‬وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء‪ ،‬وهو معنى قوله‪َ} :‬وُهَو َمَعُكْم َأْيَن َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪.[4:‬‬
‫وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد ـ شيخ الصوفية في هذا العصرـ‪ :‬أحببت أن أوصى أصحابي بوصية من السنة‪،‬‬
‫وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين‪ .‬فذكر أشياء من الوصية إلى أن‬
‫ل استوى على عرشه بل كيف ول تأويل‪ ،‬والستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهول؛وأنه مستو على عرشه‪،‬‬
‫قال فيها‪ :‬وإن ا ّ‬
‫بائن من خلقه‪ ،‬والخلق بائنون منه‪ ،‬بل حلول ول ممازجة ول ملصقة‪ ،‬وأنه ـ عز وجل ـ سميع‪ ،‬بصير‪ ،‬عليم‪ ،‬خبير‪،‬‬
‫يتكلم‪ ،‬ويرضى‪ ،‬ويسخط‪ ،‬ويضحك‪ ،‬ويعجب‪ ،‬ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا‪ ،‬وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف‬
‫شاء‪ ،‬بل كيف ول تأويل‪ ،‬ومن أنكر النزول‪ ،‬أو تأول‪ ،‬فهو مبتدع ضال‪.‬‬

‫‪ /‬وقال المام أبوعثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري في كتاب ]الرسالة في السنة[ له‪ :‬ويعتقد‬
‫ل فوق سبع سمواته على عرشه‪ ،‬كما نطق به كتابه‪ ،‬وعلماء المة وأعيان سلف‬
‫أصحاب الحديث ويشهدون أن ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ على عرشه‪ ،‬وعرشه فوق سمواته‪.‬‬
‫المة‪ ،‬لم يختلفوا أن ا ّ‬
‫ل الشافعي احتج في كتابه ]المبسوط[ في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة‪ ،‬وإن الرقبة‬
‫قال‪ :‬وإمامنا أبو عبد ا ّ‬
‫الكافرة ل يصح التكفير بها‪ ،‬بخبر معاوية بن الحكم‪ ،‬وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة‪ ،‬وسأل النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم عن إعتاقه إياها‪ ،‬فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم ل ! فقال لها‪) :‬أين ربك(؟ فأشارت إلى السماء‪،‬‬
‫فقال‪) :‬أعتقها فإنها مؤمنة(‪ ،‬فحكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في السماء‪ ،‬وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية‪.‬‬
‫وقال الحافظ أبو بكر البيهقي‪ :‬باب القول في الستواء‪:‬‬
‫عَباِدِه‬
‫ق ِ‬
‫ش{ ]الفرقان‪َ} ،[59 :‬وُهَو اْلَقاِهُر َفْو َ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سَتَوى{ ] طه‪ُ} ،[5 :‬ثّم ا ْ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل تعالى‪} :‬الّر ْ‬
‫قال ا ّ‬
‫ن{‬
‫ن َما ُيْؤَمُرو َ‬
‫ن َرّبُهم ّمن َفْوِقِهْم َوَيْفَعُلو َ‬
‫خاُفو َ‬
‫خِبيُر{ ] النعام‪َ} ،[18:‬ي َ‬
‫حِكيُم اْل َ‬
‫َوُهَو اْل َ‬
‫سَماء{‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪َ} ،[10:‬أَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫]النحل‪ِ} ،[50:‬إَلْيِه َي ْ‬

‫صّلَبّنُكْم ِفي ُجُذوِع الّنْخِل{ ]طه‪ [71:‬بمعنى‪ :‬على جذوع النخل‪.‬‬
‫ل َ‬
‫] الملك‪ [16 :‬وأراد من فوق السماء؛ كما قال‪َ} :‬و َُ‬
‫ض{ ]التوبة‪ [2 :‬أي‪ :‬على الرض‪ ،‬وكل ما عل فهو سماء‪ ،‬والعرش أعلى السموات‪ .‬فمعنى‬
‫لْر ِ‬
‫حوْا ِفي ا َ‬
‫سي ُ‬
‫وقال‪َ} :‬ف ِ‬
‫الية‪ :‬أأمنتم من على العرش‪ ،‬كما صرح به في سائر اليات‪ .‬قال‪ /:‬وفيما كتبنا من اليات دللة على إبطال قول من‬
‫ل بذاته في كل مكان‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وُهَو َمَعُكْم َأْيَن َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪ :[4 :‬إنما أراد بعلمه ل بذاته‪.‬‬
‫زعم من الجهمية‪ :‬أن ا ّ‬
‫وقال أبو عمر بن عبد البر في ]شرح الموطأ[ ـ لما تكلم على حديث النزول ـ قال‪ :‬هذا حديث لم يختلف أهل الحديث‬
‫ل في السماء على العرش من فوق سبع سموات‪ ،‬كما قالت الجماعة‪ ،‬وهو من حجتهم على‬
‫في صحته‪ ،‬وفيه دليل أن ا ّ‬
‫المعتزلة ـ قال‪ :‬وهذا أشهر عند الخاصة والعامة‪ ،‬وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لنه اضطرار لم‬
‫يوقفهم عليه أحد‪ ،‬ول أنكره عليهم مسلم‪.‬‬
‫ن ِمن‬
‫ضا ـ‪ :‬أجمع علماء الصحابة والتابعين‪ ،‬الذين حمل عنهم التأويل‪ ،‬قالوا في تأويل قوله‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫وقال أبو عمر ـ أي ً‬
‫لَثٍة ِإّل ُهَو َراِبُعُهْم{ ]المجادلة‪ :[7:‬هو على العرش وعلمه في كل مكان‪ ،‬وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله‪.‬‬
‫جَوى َث َ‬
‫ّن ْ‬

‫فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف؛ إذ لم ينقل عنهم غير ذلك؛ إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه اليات القرآنية‪،‬‬
‫ل العظيم أن يختم لنا بخير ولسائر المسلمين‪ ،‬وأل يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا‪ ،‬بمنه وكرمه‪،‬‬
‫والحاديث النبوية‪ ،‬فنسأل ا ّ‬
‫ل وحده‪.‬‬
‫إنه أرحم الراحمين‪ ،‬والحمد ّ‬
‫ل روحه ونور‬
‫‪ /‬سئل شيخ السلم ـ ركن الشريعة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلم بن تيمية ـ قدس ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ] طه‪ ،[5 :‬وقوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬ينزل ربنا كل‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل عز وجل‪} :‬الّر ْ‬
‫ضريحه ـ عن قول ا ّ‬
‫ليلة إلى سماء الدنيا(‪ :‬هل الستواء والنزول حقيقة أم ل؟ وما معنى كونه حقيقة؟ وهل الحقيقة استعمال اللفظ فيما‬
‫وضع له كما يقوله الصوليون أم ل؟ وما يلزم من كون آيات الصفات حقيقة؟‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫ل بها نفسه في كتابه‬
‫ل رب العالمين‪ ،‬القول في الستواء والنزول كالقول في سائر الصفات‪ ،‬التي وصف ا ّ‬
‫الحمد ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ سمى نفسه بأسماء‪ ،‬ووصف نفسه بصفات‪ .‬سمى نفسه‬
‫وعلى لسان رسوله صلى ال عليه وسلم؛ فإن ا ّ‬
‫حّيا‪ ،‬عليًما‪ ،‬حكيًما‪ ،‬قديًرا‪ ،‬سميًعا‪ ،‬بصيًرا‪ ،‬غفوًرا‪ ،‬رحيًما‪ ،‬إلى سائر أسمائه الحسنى‪.‬‬
‫سعَ‬
‫شاء َو ِ‬
‫عْلِمِه ِإلّ ِبَما َ‬
‫ن ِ‬
‫يٍء ّم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫خفى{ ]طه‪ ،[7 :‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫سّر َوَأ ْ‬
‫ل َفِإّنُه َيْعَلُم ال ّ‬
‫جَهْر ِباْلَقْو ِ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬وِإن َت ْ‬
‫قال ا ّ‬
‫سَماء‬
‫ن{ ]الذاريات‪ ،[58 :‬وقال‪َ} :‬وال ّ‬
‫ق ُذو اْلُقّوِة اْلَمِتي ُ‬
‫ل ُهَو الّرّزا ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫ض{ ] البقرة‪/ ،[255:‬وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫سّيُه ال ّ‬
‫ُكْر ِ‬
‫يٍء{ ]العراف‪.[156:‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ت ُك ّ‬
‫سَع ْ‬
‫حَمِتي َو ِ‬
‫َبَنْيَناَها ِبَأْيٍد{ ]الذاريات‪ [47:‬أي‪ :‬بقوة‪ ،‬وقال‪َ} :‬وَر ْ‬

‫ت ُكلّ‬
‫سْع َ‬
‫ن آَمُنوا َرّبَنا َو ِ‬
‫ن ِلّلِذي َ‬
‫سَتْغِفُرو َ‬
‫ن ِبِه َوَي ْ‬
‫حْمِد َرّبِهْم َوُيْؤِمُنو َ‬
‫ن ِب َ‬
‫حو َ‬
‫سّب ُ‬
‫حْوَلُه ُي َ‬
‫ن َ‬
‫ش َوَم ْ‬
‫ن اْلَعْر َ‬
‫حِمُلو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫وقال عن ملئكته‪} :‬اّلِذي َ‬
‫عْنُه َذِل َ‬
‫ك‬
‫ضوا َ‬
‫عْنُهْم َوَر ُ‬
‫ل َ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ضَ‬
‫حيِم{ ]غافر‪ ،[7:‬وقال‪ّ} :‬ر ِ‬
‫جِ‬
‫ب اْل َ‬
‫عَذا َ‬
‫ك َوِقِهْم َ‬
‫سِبيَل َ‬
‫ن َتاُبوا َواّتَبُعوا َ‬
‫غِفْر ِلّلِذي َ‬
‫عْلًما َفا ْ‬
‫حَمًة َو ِ‬
‫يٍء ّر ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫عَلْيِهْم‬
‫ل َ‬
‫ب ا ُّ‬
‫ض َ‬
‫غ ِ‬
‫ظيُم{ ] التوبة‪ ،[72:‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫ك ُهَو اْلَفْوُز اْلَع ِ‬
‫ل َأْكَبُر َذِل َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ّم َ‬
‫ضَوا ٌ‬
‫ي َرّبُه{ ]البينة‪ ،[8:‬وقال‪َ} :‬وِر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫ِلَم ْ‬
‫حياِة الّدْنَيا{ ]العراف‪ ،[152 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَكّلَم ا ّ‬
‫ل‬
‫ب ّمن ّرّبِهْم َوِذّلٌة ِفي اْل َ‬
‫ض ٌ‬
‫غ َ‬
‫سَيَناُلُهْم َ‬
‫َوَلَعَنُهْم{ ] الفتح‪ ،[6 :‬وقال‪َ } :‬‬
‫صْدًقا َوَعْدًل{ ]النعام‪:‬‬
‫ك ِ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ت َكِلَم ُ‬
‫ل{ ]البقرة‪ ،[253:‬وقال‪َ} :‬وَتّم ْ‬
‫سى َتْكِليًما{ ]النساء‪ ،[164:‬وقال‪ّ} :‬مْنُهم ّمن َكّلَم ا ّ‬
‫ُمو َ‬
‫ك َأن‬
‫صيًرا{ ]النساء‪ ،[134:‬وقال‪َ} :‬ما َمَنَع َ‬
‫سِميًعا َب ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫سَمُع َوَأَرى{ ] طه‪ ،[46:‬وقال‪َ} :‬وَكا َ‬
‫‪ ،[115‬وقال‪ِ} :‬إّنِني َمَعُكَما َأ ْ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫حّبوَنُه{ ]المائدة‪ ،[54:‬وقال تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫حّبُهْم َوُي ِ‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وقال تعالى‪ُ} :‬ي ِ‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫جَد ِلَما َ‬
‫سُ‬
‫َت ْ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ،[22:‬وأمثال ذلك‪،‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ن اْلَغَماِم َواْلَملِئَكُة{ ]البقرة‪ ،[210 :‬وقال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ل ّم َ‬
‫ظَل ٍ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ا ّ‬

‫فالقول في بعض هذه الصفات كالقول في بعض‪.‬‬
‫ل بما وصف به نفسه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من غير‬
‫ومذهب سلف المة وأئمتها أن يوصف ا ّ‬
‫تحريف‪ ،‬ول تعطيل‪ ،‬ول تكييف‪ ،‬ول تمثيل‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ التي وصف بها نفسه‪ ،‬ول يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين‪ ،‬بل هو سبحانه }َلْي َ‬
‫س‬
‫فل يجوز نفي صفات ا ّ‬
‫صيُر{ ]الشورى‪ .[11:‬ليس كمثله شيء ل في ذاته‪ ،‬ول في صفاته‪ ،‬ول في أفعاله‪.‬‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫يٌء َوُهَو ال ّ‬
‫َكِمْثِلِه شَ ْ‬

‫ل به نفسه فقد كفر‪ ،‬وليس ما‬
‫ل بخلقه فقد كفر‪ ،‬ومن جحد ما وصف ا ّ‬
‫‪ /‬وقال نعيم بن حماد الخزاعي‪ :‬من شبه ا ّ‬
‫ل به نفسه ورسوله تشبيًها‪.‬‬
‫وصف ا ّ‬
‫س َكِمْثِلِه‬
‫ومذهب السلف بين مذهبين‪ ،‬وهدى بين ضللتين‪ :‬إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات‪ ،‬فقوله تعالى‪َ} :‬لْي َ‬
‫صيُر{ رد على أهل النفي والتعطيل‪ ،‬فالممثل أعشى‪،‬‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫يٌء{ رد على أهل التشبيه والتمثيل‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وُهَو ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬

‫والمعطل أعمى‪ ،‬الممثل يعبد صنما‪ ،‬والمعطل يعبد عدًما‪.‬‬
‫ل حي حقيقة‪ ،‬عليم حقيقة‪ ،‬قدير حقيقة‪ ،‬سميع حقيقة‪ ،‬بصير حقيقة‪ ،‬مريد حقيقة‪،‬‬
‫وقد اتفق جميع أهل الثبات على أن ا ّ‬
‫ل عليم‬
‫ل متكلم حقيقة؛ كما قالوا ـ مع سائر المسلمين‪ :‬إن ا ّ‬
‫متكلم حقيقة‪ ،‬حتى المعتزلة النفاة للصفات قالوا‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل مجاز للخلق‪.‬‬
‫حقيقة‪ ،‬قدير حقيقة‪ ،‬بل ذهب طائفة منهم كأبي العباس الناشي إلى أن هذه السماء حقيقة ّ‬
‫وأما جمهور المعتزلة مع المتكلمة الصفاتيةـ من الشعرية الكلبية‪ ،‬والَكّرامية‪ ،‬والسالمية‪ ،‬وأتباع الئمة الربعة من‬
‫الحنفية‪ ،‬والمالكية والشافعية والحنبلية‪ ،‬وأهل الحديث‪ ،‬والصوفية ـ فإنهم يقولون‪ :‬إن هذه السماء حقيقة للخالق ـ‬
‫ضا‪ .‬ويقولون‪ :‬إن له علًما حقيقة‪ ،‬وقدرة حقيقة‪ ،‬وسمًعا حقيقة‪،‬‬
‫سبحانه وتعالى ـ وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة أي ً‬
‫وبصًرا حقيقة‪.‬‬
‫‪ /‬وإنما ينكر أن تكون هذه السماء حقيقة النفاة من القرامطة السماعيلية الباطنية‪ ،‬ونحوهم من المتفلسفة الذين ينفون‬
‫ل السماء الحسنى‪ ،‬ويقولون‪ :‬ليس بحي ول عالم ول جاهل ‪ ،‬ول قادر ول عاجز‪ ،‬ول موجود‪ ،‬ول معدوم‪،‬‬
‫عن ا ّ‬
‫فهؤلء ومن ضاهاهم ينفون أن تكون له حقيقة! ثم يقول بعضهم‪ :‬إن هذه السماء لبعض المخلوقات‪ ،‬وأنها ليست له‬
‫حقيقة ول مجاًزا‪.‬‬
‫سَنى‬
‫حْ‬
‫سَماء اْل ُ‬
‫لْ‬
‫لا َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬و ِّ‬
‫ل وآياته وقد قال ا ّ‬
‫وهؤلء الذين يسميهم المسلمون الملحدة؛ لنهم ألحدوا في أسماء ا ّ‬
‫ن ِفي‬
‫حُدو َ‬
‫ن ُيْل ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[180:‬وقال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن َما َكاُنوْا َيْعَمُلو َ‬
‫جَزْو َ‬
‫سُي ْ‬
‫سَمآِئِه َ‬
‫ن ِفي َأ ْ‬
‫حُدو َ‬
‫ن ُيْل ِ‬
‫عوُه ِبَها َوَذُروْا اّلِذي َ‬
‫َفاْد ُ‬
‫حَم ِ‬
‫ن‬
‫جُدوا ِللّر ْ‬
‫سُ‬
‫ل َلُهُم ا ْ‬
‫ل عنهم بقوله‪َ} :‬وِإَذا ِقي َ‬
‫آَياِتَنا َل َيْخَفْوَن َعَلْيَنا{ ]فصلت‪ ،[40:‬وهؤلء شر من المشركين الذين أخبر ا ّ‬
‫ت ِمن َقْبِلَها ُأَمٌم‬
‫خَل ْ‬
‫ك ِفي ُأّمٍة َقْد َ‬
‫سْلَنا َ‬
‫ك َأْر َ‬
‫جُد ِلَما َتْأُمُرَنا َوَزاَدُهْم ُنُفوًرا{ ]الفرقان‪ ،[60:‬وقال تعالى‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫سُ‬
‫ن َأَن ْ‬
‫حَم ُ‬
‫َقاُلوا َوَما الّر ْ‬
‫ب{ ]الرعد‪.[30 :‬‬
‫ت َوِإَلْيِه َمَتا ِ‬
‫عَلْيِه َتَوّكْل ُ‬
‫ل ُهَو َ‬
‫ل ُهَو َرّبي ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ن ُق ْ‬
‫حَمـ ِ‬
‫ن ِبالّر ْ‬
‫ك َوُهْم َيْكُفُرو َ‬
‫حْيَنا ِإَلْي َ‬
‫ي َأْو َ‬
‫عَلْيِهُم اّلِذ َ‬
‫ّلَتْتُلَو َ‬

‫ل وصفاته؛ ولهذا كانوا عند المسلمين‬
‫فإن أولئك المشركين إنما أنكروا اسم الرحمن فقط‪ ،‬وهم ل ينكرون أسماء ا ّ‬
‫أكفر من اليهود والنصارى‪.‬‬

‫ل ليس بحي‪ ،‬ول عليم‪ ،‬ول قدير ‪ ،‬ول‬
‫ل وصفاته مجاًزا يصح نفيها عند الطلق‪ ،‬لكان يجوز أن ا ّ‬
‫ولو كانت أسماء ا ّ‬
‫سميع‪ ،‬ول بصير‪ ،‬ول يحبهم ول يحبونه‪ ،‬ول استوى على العرش‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ من السماء الحسنى‬
‫ومعلوم بالضطرار من دين السلم أنه ل يجوز إطلق النفي على ما أثبته‪ /‬ا ّ‬
‫والصفات‪ ،‬بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات‪ .‬وقد قال أبو عمر بن عبد البر‪ :‬أهل السنة مجمعون على‬
‫القرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة واليمان بها وحملها على الحقيقة ل على المجاز‪ ،‬إل أنهم ل يكيفون‬
‫شيًئا من ذلك‪ ،‬ول يحدون فيه صفة محصورة‪ ،‬وأما ]أهل البدع[ من الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ول‬
‫يحملونها على الحقيقة‪ ،‬ويزعمون أن من أقر بها مشبه‪ ،‬وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ل مثبتون‪ .‬والحق فيما‬
‫قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة‪ ،‬وهم أئمة الجماعة‪.‬‬
‫وهذا الذي حكاه ابن عبد البر ـ عن المعتزلة ونحوهم ـ هو في بعض ما ينفونه من الصفات‪ ،‬وأما فيما يثبتونه من‬
‫السماء والصفات كالحي والعليم والقدير والمتكلم فهم يقولون‪ :‬إن ذلك حقيقة‪ ،‬ومن أنكر أن يكون شيء من هذه‬
‫السماء والصفات حقيقة إنما أنكره لجهله مسمى الحقيقة‪ ،‬أو لكفره وتعطيله لما يستحقه رب العالمين‪ ،‬وذلك أنه قد‬
‫ل موجود حقيقة‪ ،‬والعبد‬
‫ل للخالق‪ .‬فيقال له‪ :‬هذا باطل؛ فإن ا ّ‬
‫يظن أن إطلق ذلك يقتضى أن يكون المخلوق مماث ً‬
‫ل ـ تعالى ـ له ذات حقيقة‪ ،‬والعبد له ذات حقيقة‪ ،‬وليس ذاته كذوات المخلوقات‪.‬‬
‫موجود حقيقة‪ ،‬وليس هذا مثل هذا‪ ،‬وا ّ‬
‫وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة‪ ،‬وللعبد علم وسمع وبصر حقيقة‪ ،‬وليس ‪ /‬علمه وسمعه وبصره مثل علم ا ّ‬
‫ل‬
‫ل كلم حقيقة‪ ،‬وللعبد كلم حقيقة‪ ،‬وليس كلم الخالق مثل كلم المخلوقين‪.‬‬
‫وسمعه وبصره‪ ،‬و ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ استواء على عرشه حقيقة‪ ،‬وللعبد استواء على الفلك حقيقة‪ ،‬وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين؛‬
‫و ّ‬
‫ل ل يفتقر إلى شيء ول يحتاج إلى شيء‪ ،‬بل هو الغني عن كل شيء‪.‬‬
‫فإن ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ يحمل العرش وحملته بقدرته‪ ،‬ويمسك السموات والرض أن تزول‪ .‬فمن ظن أن قول الئمة‪ :‬إن الّ‬
‫وا ّ‬
‫مستو على عرشه حقيقة‪ ،‬يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والنعام‪ ،‬لزمه أن يكون قولهم‪ :‬إن‬
‫ل له علم حقيقة‪ ،‬وسمع حقيقة‪ ،‬وبصر حقيقة‪ ،‬وكلم حقيقة‪ ،‬يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلمه مثل‬
‫ا ّ‬
‫المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلمهم‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫فصـــل‬

‫وأما قول السائل‪ :‬ما معنى كون ذلك حقيقة؟ فالحقيقة‪ :‬هواللفظ المستعمل فيما وضع له‪ ،‬وقد يراد بها المعنى‬
‫الموضوع للفظ الذي يستعمل اللفظ فيه‪ .‬فالحقيقة أو المجاز هي من عوارض اللفاظ في اصطلح أهل الصول‪ ،‬وقد‬
‫يجعلونه من عوارض المعاني لكن الول أشهر‪ ،‬وهذه السماء والصفات لم توضع لخصائص المخلوقين عند‬
‫ل ـ تعالى ـ ولكن عند الضافة إليهم‪.‬‬
‫الطلق‪ ،‬ول عند الضافة إلى ا ّ‬
‫سطِ‬
‫لِئَكُة َوُأْوُلوْا اْلِعْلِم َقآِئَمًا ِباْلِق ْ‬
‫ل ُهَو َواْلَم َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َأّنُه َ‬
‫شِهَد ا ّ‬
‫فاسم العلم يستعمل مطلًقا‪ ،‬ويستعمل مضاًفا إلى العبد‪ ،‬كقوله‪َ } :‬‬
‫شاء{‬
‫ل ِبَما َ‬
‫عْلِمِه ِإ ّ‬
‫ن ِ‬
‫يٍء ّم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫حِكيُم{ ]آل عمران‪ ،[18:‬ويستعمل مضاًفا إلى الّ كقوله‪َ} :‬و َ‬
‫ل ُهَو اْلَعِزيُز اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫َ‬

‫] البقرة‪ ،[255:‬فإذا أضيف العلم إلى المخلوق لم يصلح أن يدخل فيه علم الخالق ـ سبحانه ـ ولم يكن علم المخلوق‬
‫كعلم الخالق‪ ،‬وإذا أضيف إلى الخالق كقوله‪َ} :‬أنَزَلُه ِبِعْلِمِه{ ]النساء‪ [166:‬لم يصلح أن يدخل فيه علم المخلوقين‪ ،‬ولم‬
‫يكن علمه كعلمهم‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ :‬العلم مطلًقا أمكن تقسيمه‪ ،‬فيقال‪ :‬العلم ينقسم إلى العلم القديم والعلم المحَدث‪ ،‬فلفظ العلم عام فيهما‪ ،‬متناول‬
‫لهما بطريق الحقيقة‪ ،‬وكذلك إذا ‪ /‬قيل‪ :‬الوجود ينقسم إلى قديم وُمحَدث وواجب وممكن‪ ،‬وكذلك إذا قيل في الستواء‪:‬‬
‫ل ومحبته‬
‫ينقسم إلى استواء الخالق واستواء المخلوق‪ ،‬وكذلك إذا قيل‪ :‬الرادة والرحمة والمحبة تنقسم إلى إرادة ا ّ‬
‫ورحمته‪ ،‬وإردة العبد ومحبته ورحمته‪.‬‬
‫فمن ظن أن ]الحقيقة[ إنما تتناول صفة العبد المخلوقة المحدثة دون صفة الخالق‪ ،‬كان في غاية الجهل؛ فإن صفة ا ّ‬
‫ل‬
‫أكمل وأتم وأحق بهذه السماء الحسنى‪ ،‬فل نسبة بين صفة العبد وصفة الرب‪ ،‬كما ل نسبة بين ذاته وذاته‪ ،‬فكيف‬

‫يكون العبد مستحًقا للسماء الحسنى حقيقة‪ ،‬فيستحق أن يقال له‪ :‬عالم قادر سميع بصير‪ ،‬والرب ل يستحق ذلك إل‬
‫مجاًزا؟! ومعلوم أن كل كمال حصل للمخلوق فهو من الرب ـ سبحانه وتعالى ـ وله المثل العلى‪ ،‬فكل كمال حصل‬
‫ل ]المثل العلى[‪،‬‬
‫للمخلوق فالخالق أحق به‪ ،‬وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أحق أن ينزه عنه؛ ولهذا كان ّ‬
‫فإنه ل يقاس بخلقه ول يمثل بهم‪ ،‬ول تضرب له المثال‪ .‬فل يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل بمثل؛ ول في‬
‫ض{ ]الروم‪.[27 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫عَلى ِفي ال ّ‬
‫لْ‬
‫ل ا َْ‬
‫قياس شمول تستوي أفراده‪ ،‬بل }َوَلُه اْلَمَث ُ‬
‫ومن الناس من يسمى هذه السماء ]المشككة[؛ لكون المعنى في أحد المحلين أكمل منه في الخر‪ ،‬فإن الوجود‬
‫بالواجب أحق منه بالممكن‪ ،‬والبياض بالثلج أحق منه بالعاج‪ ،‬وأسماؤه وصفاته من هذا الباب؛ فإن الّ ـ تعالى ـ‬
‫يوصف بها على‪ /‬وجه ل يماثل أحًدا من المخلوقين وإن كان بين كل قسمين قدٌر مشترك‪ ،‬وذلك القدر المشترك هو‬
‫مسمى اللفظ عند الطلق‪ ،‬فإذا قيد بأحد المحلين تقيد به‪.‬‬
‫ل للخالق والمخلوق‪ ،‬وإن كان الخالق أحق به من المخلوق‪ ،‬وهو‬
‫فإذا قيل‪ :‬وجود وماهية وذات‪ ،‬كان هذا السم متناو ً‬
‫ل‪ ،‬ولم يبق للمخلوق دخول في هذا المسمى‪ ،‬وكان‬
‫ل وماهيته وذاته اختص هذا با ّ‬
‫حقيقة فيهما‪ .‬فإذا قيل‪ :‬وجود ا ّ‬
‫ل وحده‪ .‬وكذلك إذا قيل‪ :‬وجود المخلوق وذاته اختص ذلك بالمخلوق وكان حقيقة للمخلوق‪ .‬فإذا قيل‪ :‬وجود‬
‫حقيقة ّ‬
‫العبد وماهيته وحقيقته لم يدخل الخالق في هذا المسمى‪ ،‬وكان حقيقة للمخلوق وحده‪.‬‬
‫والجاهل يظن أن اسم الحقيقة إنما يتناول المخلوق وحده‪ ،‬وهذا ضلل معلوم الفساد بالضرورة في ]العقول[‬
‫و]الشرائع[ و]اللغات[‪ ،‬فإنه من المعلوم بالضرورة أن بين كل موجودين قدًرا مشترًكا وقدًرا مميًزا‪ ،‬والدال على ما‬
‫ل مستحق للسماء الحسنى‪،‬‬
‫به الشتراك وحده ل يستلزم ما به المتياز‪ ،‬ومعلوم بالضرورة من دين المسلمين أن ا ّ‬
‫وقد سمى بعض عباده ببعض تلك السماء‪ ،‬كما سمى العبد سميًعا بصيًرا‪ ،‬وحًيا وعليًما‪ ،‬وحكيًما‪ ،‬ورءوفا رحيًما‪،‬‬
‫وملًكا‪ ،‬وعزيًزا‪ ،‬ومؤمًنا ‪ ،‬وكريًما‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬مع العلم بأن التفاق في السم ل يوجب مماثلة الخالق بالمخلوق‪،‬‬
‫وإنما يوجب الدللة على أن بين المسميين قدًرا مشترًكا فقط‪ ،‬مع أن المميز الفارق أعظم من المشترك الجامع‪.‬‬
‫‪/‬وأما ]اللغات[ فإن جميع أهل اللغات ـ من العرب والروم‪ ،‬والفرس‪ ،‬والترك‪ ،‬والبربر‪ ،‬وغيرهم ـ يقع مثل هذا في‬
‫ل من العبد‪ ،‬وأن استحقاق اسم‬
‫ل أحق بأن يكون قادًرا فاع ً‬
‫لغاتهم‪ ،‬وهو حقيقة في لغات جميع المم‪ ،‬بل يعلمون أن ا ّ‬
‫الرب القادر له حقيقة أعظم من استحقاق العبد لذلك‪ ،‬وكذلك غيره من السماء الحسنى‪.‬‬
‫وقول الناس‪ :‬إن بين المسميين قدًرا مشترًكا‪ ،‬ل يريدون بأن يكون في الخارج عن الذهان أمر مشترك بين الخالق‬
‫والمخلوق؛ فإنه ليس بين مخلوق ومخلوق في الخارج شيء مشترك بينهما‪ ،‬فكيف بين الخالق والمخلوق‪ ،‬وإنما توهم‬
‫هذا من توهمه من أهل ]المنطق اليوناني[ ومن اتبعهم‪ ،‬حتى ظنوا أن في الخارج ماهيات مطلقة مشتركة بين العيان‬
‫المحسوسة‪ ،‬ثم منهم من يجردها عن العيان كأفلطون‪ ،‬ومنهم من يقول‪:‬ل تنفك عن العيان كأرسطو‪ ،‬وابن سينا‪،‬‬
‫وأشباههما‪.‬‬
‫وقد بسطنا الكلم على ذلك في غير هذا الموضع‪ ،‬وبينا ما دخل على من اتبعهم من الضلل في هذا الموضع في‬
‫]المنطق واللهيات[‪ ،‬حتى إن طوائف من النظار قالوا‪ :‬إنا إذا قلنا‪ :‬إن وجود الرب عين ماهيته ـ كما هو قول أهل‬
‫الثبات‪ ،‬ومتكلمة أهل الصفات‪ :‬كابن كلب‪ ،‬والشعري وغيرهما ـ يلزم من ذلك أن يكون لفظ ]الوجود[ مقو ً‬
‫ل‬
‫ل الرازي عن الشعري‪ ،‬وأبي الحسين البصري وغيرهم؛ وليس هذا‬
‫عليهما بالشتراك اللفظي‪ ،‬كما ذكره أبو عبد ا ّ‬
‫مذهبهم‪ / ،‬بل مذهبهم‪ :‬أن لفظ ]الوجود[ مقول بالتواطؤ‪ ،‬وأنه ينقسم إلى قديم وُمحَدث‪ ،‬مع قولهم‪ :‬إن وجود الرب‬
‫عين ماهيته‪ ،‬فإن لفظ الوجود عندهم كلفظ الماهية‪.‬‬
‫وكما أن الماهية والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة‪ ،‬وماهـية الـرب عـين ذاتـه‪ ،‬فكـذلك الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث‪،‬‬
‫ووجود الرب عين ذاته‪ ،‬ووجود العبد عين ذاته‪ ،‬وذات الشيء هي ماهيته‪.‬‬
‫فاللفظ من اللفاظ المتواطئة‪ ،‬ولكن بالضافة يخص أحد المسميين‪ ،‬والمسميان إذا اشتركا في مسمى الوجود والذات‬
‫والماهية‪ ،‬لم يكن بينهما في الخارج أمر مشترك يكون زائًدا على خصوصية كل واحد‪ ،‬كما يظنه أرسطو‪ ،‬وابن سينا‪،‬‬
‫والرازي‪ ،‬وأمثالهم‪ ،‬بل ليس في الخارج وجود مطلق‪ ،‬ول ماهية مطلقة‪ ،‬ول ذات مطلقة‪.‬‬

‫أما المطلق بشرط الطلق فقد اتفق هؤلء وغيرهم على أنه ليس بموجود في الخارج‪ ،‬وأن على تقدير ثبوته عن‬
‫أفلطون وأتباعه‪ ،‬هو قول باطل ضرورة‪.‬‬
‫وأما المطلق ل بشرط‪ ،‬فقد يظن أنه في الخارج وأنه جزء من المعين‪ ،‬وهذا غلط‪ ،‬بل ليس في الخارج إل المعينات‪،‬‬
‫وليس في الخارج مطلق يكون جزء معين‪ ،‬لكن هؤلء يريدون بالجزء ما هو صفة ذاتية للموصوف؛ بناء على أن‪/‬‬
‫الموصوف مركب من تلك الصفات التي يسمونها الجزاء الذاتية‪ .‬كما يقولون‪ :‬النسان مركب من الحيوان والناطق؛‬
‫أو من الحيوانية والناطقية‪ ،‬وهذا التركيب تركيب ذهني؛ فالماهية المركبة في الذهن مركبة من هذه المور وهي‬
‫أجزاء تلك الماهية‪.‬‬
‫وأما الحقيقة الموجودة في الخارج فهي موصوفة بهذه الصفات‪ ،‬ولكن كثيًرا من هؤلء اشتبه عليه الوجود الذهني‬
‫بالخارجي‪ ،‬وهذا الغلط وقع كثيًرا في أقوال المتفلسفة‪ ،‬فأوائلهم كأصحاب فيثاغورس كانوا يقولون بوجود أعداد‬
‫مجردة عن المعدودات في الخارج‪ ،‬وأصحاب أفلطون يقولون‪ :‬بوجود المثل الفلطونية‪ ،‬وهي الحقائق المطلقة عن‬
‫المعينات في الخارج‪ .‬وهذه الحقائق مقارنة للمعينات في الخارج كما أثبتوا جواهر عقلية‪ ،‬وهي المجردات‪ :‬كالمادة‪،‬‬
‫والهيولى؛ والعقول والنفوس على قول بعضهم‪.‬‬
‫ومن هذا الباب تفريقهم بين الصفات الذاتية المتقدمة للماهية‪ ،‬التي تتركب منها النواع ويسمونها الجناس والفصول‪،‬‬
‫ضا عامة‪ .‬وهذه الخمسة هي الكليات؛ وهي‬
‫صا وأعرا ً‬
‫وبين الصفات العارضة اللزمة للماهية التي يسمونها خوا ً‬
‫الجنس‪ ،‬والفصل‪ ،‬والنوع‪ ،‬والعرض العام‪ ،‬والخاصة‪ ،‬وقد وقع بسبب ذلك من الغلط في ]منطقهم[ وفي ]اللهيات[ ما‬
‫ضل به كثير من الخلق‪ ،‬وقد نبهنا على ذلك في غير هذا الموضع بما ل يتسع له هذا الموضع؛ ولهذا كان لفظ‬
‫المركب ‪ /‬عندهم يقال على خمسة معان‪ :‬على المركب من الوجود والماهية‪ ،‬والمركب من الذات والصفات‪،‬‬
‫والمركب من الخاص والعام‪ ،‬والمركب من المادة والصورة‪ ،‬والقائلون بالجوهر الفرد يثبتون التركيب من الجواهر‬
‫المفردة‪.‬‬
‫والمحققون من أهل العلم يعلمون أن تسمية مثل هذه المعاني تركيًبا أمر اصطلحي‪ ،‬وهو إما أمر ذهني ل وجود له‬
‫في الخارج‪ ،‬وإما أن يعود إلى صفات متعددة قائمة بالموصوف‪ ،‬وهذا حق‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ بل صفات الكمال لزمة لذاته‪ ،‬يمتنع ثبوت ذاته بدون‬
‫فإن مذهب أهل السنة والجماعة‪ :‬إثبات الصفات ّ‬
‫عِرّية عن جميع الصفات‪ ،‬وهذا كله مبسوط في غير هذا‬
‫صفات الكمال اللزمة له‪ ،‬بل يمتنع تحقق ذات من الذوات َ‬
‫الموضع‪.‬‬
‫والمقصود هنا أنه إذا قيل‪:‬هذا إنسان‪ ،‬فالمشار إليه بهذا المسمى بإنسان‪ ،‬وليس النسان المطلق جزًءا من هذا‪ ،‬وليس‬
‫النسان هنا إل مقيًدا وإنما يوجد مطلًقا في الذهن؛ ل في الخارج‪ .‬وإذا قيل هذا في النسانية فالمعنى‪ :‬أن بينهما تشابها‬
‫فيها؛ ل أن هناك شيًئا موجوًدا في العيان يشتركان فيه‪.‬‬
‫فليتدبر اللبيب هذا‪ ،‬فإنه يحل شبهات كثيرة‪ ،‬ومن فهم هذا الموضع تبين له غلط من جعل هذه السماء مقولة‬
‫ل ـ تعالى ـ أعلًما محضة ل تدل على معان‪ ،‬ومن زعم أن‬
‫بالشتراك اللفظي ل المعنوي‪ ،‬وغلط من جعل أسماء ا ّ‬
‫في الخارج ‪/‬حقائق مطلقة يشترك فيها العيان‪ ،‬وعلم أن ما يستحق الرب لنفسه ل يشركه فيه غيره بوجه من‬
‫الوجوه‪ ،‬ول يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات‪.‬‬
‫وأما المخلوق فقد يماثله غيره في صفاته‪ ،‬لكن ل يشركه في غير ما يستحقه منها‪ ،‬والسماء المتواطئة المقولة على‬
‫هذا وهذا حقيقة في هذا وهذا؛ فإذا كانت عامة لهما تناولتهما‪ ،‬وإن كانت مطلقة لم يمنع تصورهما من اشتراكهما‬
‫فيها‪ ،‬وإن كانت مقيدة اختصت بمحلها‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ورحمة ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وكلم ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وأرادة ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وبصر ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وسمع ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وقدرة ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وعلم ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وذات ا ّ‬
‫فإذا قال‪ :‬وجود ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫ل‪ ،‬وإرادة ال ونحو ذلك‪ ،‬كانت هذه السماء كلها حقيقة ّ‬
‫ل‪ ،‬ومحبة ا ّ‬
‫ل‪ ،‬ونزول ا ّ‬
‫ل واستواء ا ّ‬
‫وغضب ا ّ‬
‫من غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات‪ ،‬ومن غير أن يماثله فيها شيء من المخلوقات‪ .‬وإذا قال‪ :‬وجود العبد‬

‫وذاته‪ ،‬وماهيته‪ ،‬وعلمه‪ ،‬وقدرته‪ ،‬وسمعه‪ ،‬وبصره‪ ،‬وكلمه‪ ،‬واستواؤه‪ ،‬ونزوله‪ ،‬كان هذا حقيقة للعبد مختصة به‪ ،‬من‬
‫ل ـ تعالى‪.‬‬
‫غير أن تماثل صفات ا ّ‬
‫ل أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملبس والمناكح‪ ،‬ما ذكره في كتابه‪ ،‬كما أخبر‬
‫بل أبلغ من ذلك أن ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وخمًرا‪ ،‬ولحًما‪ ،‬وحريًرا‪ ،‬وذهًبا‪ ،‬وفضة‪ ،‬وحوًرا‪ ،‬وقصوًرا‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وقد قال ابن عباس‪:‬‬
‫أن فيها لبنا‪ ،‬وعس ً‬
‫ليس في الدنيا مما في الجنة إل السماء‪.‬‬
‫‪/‬فتلك الحقائق التي في الخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا‪ ،‬وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه‪،‬‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫والسم يتناولها حقيقة‪ ،‬ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق‪ ،‬فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته ا ّ‬
‫من أسمائه وصفاته مماثل لمخلوقاته؟ وأن يقال‪ :‬ليس ذلك بحقيقة‪ ،‬وهل يكون أحق بهذه السماء الحسنى والصفات‬
‫العليا من رب السموات والرض؟! مع أن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق‪.‬‬
‫والجاهل يضل بقول المتكلمين‪:‬إن العرب وضعوا لفظ الستواء لستواء النسان على المنزل أو الفلك‪ ،‬أو استواء‬
‫السفينة على الجودي‪ ،‬ونحو ذلك من استواء بعض المخلوقات‪ ،‬فهذا كما يقول القائل‪ :‬إنما وضعوا لفظ السمع والبصر‬
‫والكلم لما يكون محله حدقة وأجفانا وأصمخة وأذًنا وشفتين‪ ،‬وهذا ضلل في الشرع وكذب‪ ،‬وإنما وضعوا لفظ‬
‫الرحمة والعلم والرادة لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد‪ ،‬وهذا كله جهل منه‪.‬‬
‫فإن العرب إنما وضعت للنسان ما أضافته إليه‪ ،‬فإذا قالت‪ :‬سمع العبد‪ ،‬وبصره‪ ،‬وكلمه‪ ،‬وعلمه‪ ،‬وإرادته‪ ،‬ورحمته‪،‬‬
‫ل وبصره‪ ،‬وكلمه وعلمه‪ ،‬وإرادته ورحمته‪ ،‬كان هذا‬
‫فما يخص به يتناول ذلك خصائص العبد‪ .‬وإذا قيل‪ :‬سمع ا ّ‬
‫متناولً لما يخص به الرب‪ ،‬ل يدخل في ذلك شيء من خصائص المخلوقين‪ ،‬فمن ظن أن هذا الستواء إذا كان حقيقة‬
‫ل جًدا بدللت اللغات‪ ،‬ومعرفة الحقيقة‬
‫ل‪ ،‬كان جاه ً‬
‫يتناول شيًئا من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه با ّ‬
‫والمجاز‪.‬‬
‫‪/‬وهؤلء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق‪ ،‬ثم ينفون ذلك ويعطلونه‪ ،‬فل يفهمون من‬
‫ذلك إل ما يختص بالمخلوق‪ ،‬وينفون مضمون ذلك‪ ،‬ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته‪،‬‬
‫ل وآياته‪ ،‬وخرجوا عن القياس العقلي والنص الشرعي‪ ،‬فل يبقى بأيديهم ل معقول صريح ول‬
‫وألحدوا في أسماء ا ّ‬
‫منقول صحيح‪ ،‬ثم لبد لهم من إثبات بعض ما يثبته أهل الثبات من السماء والصفات‪ .‬فإذا أثبتوا البعض ونفوا‬
‫البعض قيل لهم‪ :‬ما الفرق بين ما أثبتموه ونفيتموه؟ ولم كان هذا حقيقة ولم يكن هذا حقيقة؟ لم يكن لهم جواب أصل‪،‬‬
‫عا وقدًرا‪.‬‬
‫وظهر بذلك جهلهم وضللهم شر ً‬
‫وقد تدبرت كلم عامة من ينفي شيًئا مما أثبته الرسل من السماء والصفات‪ ،‬فوجدتهم كلهم متناقضين؛ فإنهم يحتجون‬
‫لما نفوه بنظير ما يحتج به النافي لما أثبتوه‪ ،‬فيلزمهم إما إثبات المرين وإما نفيهما‪ ،‬فإذا نفوهما فل بد لهم أن يقولوا‬
‫بالواجب الوجود وعدمه جميًعا‪ .‬وهذا نهاية هؤلء النفاة الملحدة الغلة من القرامطة وغلة المتفلسفة‪ ،‬فإنهم إذا أخذوا‬
‫ينفون النقيضين جميًعا‪ ،‬فالنقيضان كما أنهما ل يجتمعان‪ ،‬فل يرتفعان‪.‬‬
‫ومن جهة أن ما يسلبون عنه النقيضين لبد أن يتصوروه وأن يعبروا عنه؛ فإن التصديق مسبوق بالتصور‪ ،‬ومتى‬
‫تصوروه وعبروا عنه كقولهم‪ :‬الثابت والواجب أو أي شيء قالوه‪ ،‬لزمهم فيه من إثبات القدر المشترك نظير ما‬
‫ل مقولة بالشتراك اللفظي فقط‪.‬‬
‫يلزمهم فيما نفوه‪/ ،‬ول يمكن أن يتصور شيء من ذلك مع قولهم‪ :‬أسماء ا ّ‬
‫فإن المشتركين اشتراًكا لفظًيا ل معنوًيا كلفظ ]المشتري[ المقول على الكوكب والمبتاع‪ ،‬وسهيل المقول على الكوكب‬
‫ل يقول له‪ :‬جاءني سهيل بن عمرو‪ ،‬وهذا هو المشتري لهذه السلعة‪ ،‬لم‬
‫وعلى ابن عمرو‪ ،‬فإنه إذا سمع المستمع قائ ً‬
‫ل‪ ،‬إل أن يعرف أن اللفظ موضوع له‪ ،‬فإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من‬
‫يفهم من هذا اللفظ كوكًبا أص ً‬
‫ل‪ ،‬إل أن يعرفوا ما يخص ذاته‪ ،‬وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته‪ ،‬فلم يعرفوا شيًئا‪.‬‬
‫أسمائه شيًئا أص ً‬
‫ثم إن العلم بانقسام الوجود إلى قديم ومحدث وأمثال ذلك علم ضروري‪ ،‬فالقادح سوفسطائي‪.‬‬

‫وكذلك العلم بأن بين السمين قدًرا مشترًكا علم ضروري‪ .‬وإذا قيل‪ :‬إن اللفظ حقيقة فيهما‪ ،‬لم يحتج ذلك إلى أن يكون‬
‫أهل اللغة قد تكلموا باللفظ مطلًقا‪ ،‬فعبروا عن المعنى المطلق المشترك؛ فإن المعاني التي ل تكون إل مضافة إلى‬
‫غيرها‪ :‬كالحياة والعلم‪ ،‬والقدرة والستواء؛ بل واليد وغير ذلك مما ل يكون إل صفة قائمة بغيره أو جسما قائًما بغيره‬
‫بحيث ل يوجد في الخارج مجرًدا عن محله‪ .‬ولكن أهل النظر لما أرادوا تجريد المعاني الكلية المطلقة عبروا عنها‬
‫باللفاظ الكلية المطلقة‪ ،‬وأهل اللغة في ابتداء خطابهم يقولون ـ مثل ـ‪ :‬جاء زيد‪ ،‬وهذا وجه زيد؛ ويشيرون إلى ما قام‬
‫به من المجيء والوجه‪ ،‬فيفهم المخاطب ذلك‪.‬‬
‫‪/‬ثم يقولون تارة أخرى‪ :‬جاء عمرو‪ ،‬ورأيت وجه عمرو‪ ،‬وجاء الفرس‪ ،‬ورأيت وجه الفرس‪ ،‬فيفهم المستمع أن بين‬
‫هذه قدًرا مشترًكا وقدًرا مميًزا‪ ،‬وأن لعمرو مجيًئا ووجًها نسبته إليه كنسبة مجىء زيد ووجهه إليه‪ ،‬فإذا علم أن عمًرا‬
‫مثل زيد‪ ،‬علم أن مجيئه‪ ،‬مثل مجيئه‪ ،‬ووجهه مثل وجهه‪ ،‬وإن علم أن الفرس ليست مثل زيد بل تشابهه من بعض‬
‫الوجوه‪ ،‬علم أن مجيئها ووجهها ليس مجيء زيد ووجهه‪ ،‬بل تشبهه في بعض الوجوه‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬جاءت الملئكة ورأت النبياء وجوه الملئكة‪ ،‬علم أن للملئكة مجيًئا ووجوًها نسبتها إليها كنسبة‬
‫مجيء النسان ووجهه إليه‪ ،‬ثم معرفته بحقيقة ذلك تبع معرفته بحقيقة الملئكة؛ فإن كان ل يعرف الملئكة إل من‬
‫جهة الجملة ول يتصور كيفيتهم‪ ،‬كان ذلك في مجيئهم ووجوههم ل يعرفها إل من حيث الجملة ول يتصور كيفيتها‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬جاءت الجن‪ ،‬فاللفظ في جميع هذه المواضع يدل على معانيها بطريق الحقيقة‪ ،‬بل إذا قيل‪ :‬حقيقة الملك‬
‫ل فيهما على سبيل الحقيقة‪ ،‬وكان من‬
‫وماهيته ليست مثل حقيقة الجني وماهيته كان لفظ الحقيقة والماهية مستعم ً‬
‫السماء المتواطئة‪ ،‬مع أن المسميات قد صرح فيها بنفي التماثل‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬خمر الدنيا ليس كمثل خمر الخرة‪ ،‬ول ذهبها مثل ذهبها‪ ،‬ول لبنها مثل لبنها‪ ،‬ول ‪ /‬عسلها مثل‬
‫عسلها‪ ،‬كان قد صرح في ذلك بنفي التماثل‪ ،‬مع أن السم مستعمل فيها على سبيل الحقيقة‪.‬‬
‫ونظائر هذا كثيرة؛ فإنه لو قال القائل‪ :‬هذا المخلوق ما هو مثل هذا المخلوق‪ ،‬وهذا الحيوان الذي هو الناطق ليس مثل‬
‫الحيوان الذي هو الصامت‪ ،‬أو هذا اللون الذي هو البيض ليس مثل السود‪ ،‬أو الموجود الذي هو الخالق ليس هو‬
‫مثل الموجود الذي هو المخلوق‪ ،‬ونحو ذلك ـ كانت هذه السماء مستعملة على سبيل الحقيقة في المسميين اللذين‬
‫صرح بنفي التماثل بينهما‪ ،‬فالسماء المتواطئة إنما تقتضي أن يكون بين المسميين قدًرا مشترًكا‪ ،‬وإن كان المسميان‬
‫مختلفين أو متضادين‪.‬‬
‫ل للمخلوقين‪ ،‬وأن صفاته مماثلة لصفاتهم‬
‫ل ـ تعالى ـ وصفاته إذا كانت حقيقة‪ ،‬لزم أن يكون مماث ً‬
‫فمن ظن أن أسماء ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ وصفاته‪،‬‬
‫ـ كان من أجهل الناس‪ ،‬وكان أول كلمه سفسطة‪ ،‬وآخره زندقة؛ لنه يقتضي نفي جميع أسماء ا ّ‬
‫و هذا هو غاية الزندقة واللحاد‪.‬‬
‫ضا في قوله‪ ،‬متهافًتا في مذهبه‪،‬‬
‫ومن فرق بين صفة وصفة‪ ،‬مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز‪ ،‬كان متناق ً‬
‫مشابًها لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض‪.‬‬
‫وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه المور‪ ،‬تبين له أن مذهب السلف والئمة ‪/‬في غاية الستقامة والسداد‪ ،‬والصحة‬
‫والطراد‪ ،‬وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح‪ ،‬وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف‪ ،‬الذي‬
‫ل يتم نعمته علىنا وعلى سائر‬
‫جا عن موجب العقل والسمع‪ ،‬مخالًفا للفطرة والسمع‪ ،‬وا ّ‬
‫يؤفك عنه من أفك‪ ،‬خار ً‬
‫إخواننا المسلمين المؤمنين‪ ،‬ويجمع لنا ولهم خير الدنيا والخرة‪.‬‬
‫سًدا ّلُه‬
‫جَ‬
‫ل َ‬
‫جً‬
‫عْ‬
‫حِلّيِهْم ِ‬
‫ن ُ‬
‫سى ِمن َبْعِدهِ ِم ْ‬
‫خَذ َقْوُم ُمو َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬واّت َ‬
‫ل ـ تعالى ـ قال بعضهم‪ :‬قد قال ا ّ‬
‫وهذا ل تعلق له بصفات ا ّ‬
‫ل من اتخذ إلًها جسًدا‪ ،‬و]الجسد[ هو الجسم؛‬
‫ل{ ]العراف‪ ،[148 :‬فقد ذم ا ّ‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫خَواٌر َأَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫ُ‬

‫ل قد ذم من اتخذ إلًها هو جسم‪.‬وإثبات هذه الصفات يستلزم أن يكون جسًما‪ ،‬وهذا منتف بهذا الدليل الشرعي‪.‬‬
‫فيكون ا ّ‬
‫فهذا خلصة ما يقوله من يزعم أنه يعتمد في ذلك على الشرع‪ ،‬فيقال له‪ :‬هذا باطل من وجوه‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن هذا إذا دل إنما يدل على نفي أن يكون جسًدا‪ ،‬ل على نفي أن يكون جسًما‪ ،‬والجسم في اصطلح هؤلء ـ‬
‫نفاة الصفات ـ أعم من الجسد؛ فإن الجسم ينقسم عندهم إلى كثيف ولطيف‪ ،‬بخلف الجسد‪.‬‬
‫فإن أردت بقولك الجسم اللغوي ـ وهو الذي قال أهل اللغة‪ :‬إنه هو‪ /‬الجسد ـ قيل لك‪ :‬ل يلزم من إثبات الستواء على‬
‫العرش أن يكون جسًدا‪ ،‬وهو الجسم اللغوي‪ .‬فإنا نعلم بالضرورة أن الهواء يعلو على الرض وليس هو بجسد‪،‬‬
‫والجسد هو الجسم اللغوي‪.‬‬
‫فقول القائل‪ :‬لو كان مستوًيا على العرش لكان جسًما‪ ،‬والجسم هوالجسد‪ ،‬والجسد منتف بالشرع ـ كلم ملبس‪.‬‬
‫ل ل يقول‪:‬إنه لو كان فوق العرش لكان جسًدا‪،‬‬
‫فإنه إن عنى بالجسم الجسد‪ ،‬كانت المقدمة الولى ممنوعة؛ فإن عاق ً‬
‫ول يقول عاقل‪ :‬إنه لو كان له علم وقدرة‪ ،‬لكان جسًدا‪ .‬ول يقول عاقل‪ :‬إنه لو كان يرى ويتكلم لكان جسًدا وبدًنا‪.‬‬
‫فإن الملئكة لهم علم وقدرة وترى وتتكلم‪ ،‬وكذلك الجن‪ ،‬وكذلك الهواء يعلو على غيره وليس بجسد‪.‬‬
‫وإن عنى بالجسم ما يعنيه أهل الكلم؛ من أنه الذي يشار إليه‪ ،‬وجعلوا كل ما يشار إليه جسًما‪ ،‬وكل ما يرى جسًما أو‬
‫كل ما يمكن أنه يرى أو يوصف بالصفات فهو جسم‪ ،‬أو كل ما يعلو على غيره ويكون فوقه فهو جسم فيقال له‪:‬‬
‫فالجسد والجسم بهذا التفسير الكلمي ليس هو جسًدا في لغة العرب‪ ،‬بل هو منقسم إلى غليظ ورقيق‪ ،‬إلى ما هو جسد‬
‫وإلى ما ليس بجسد‪.‬‬
‫‪ /‬ولذا يقول الفقهاء‪ :‬النجاسة إن كانت متجسدة كالميتة فحكمها كذا‪ ،‬وإن كانت غير متجسدة كالبول فحكمها كذا‪.‬‬
‫وإذا قدر أن الدليل دل على أنه ليس بجسد لم يلزم أل يكون جسًما بهذا الصطلح؛ لن الجسم أعم عندهم من الجسد‪،‬‬
‫ول يلزم من نفي الخاص نفي العام؛ كما إذا قلت‪ :‬ليس هو بإنسان‪ ،‬فإنه ل يلزم أنه ليس بحيوان‪.‬‬
‫فلفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعناه في عرف أهل الكلم؛ فإذا كان معناه في اللغة هو معنى الجسد ـ‬
‫وهذا منتف بما ذكر من الدليل ـ بطل قول من نفي الستواء بالذات؛ أو غيره من الصفات‪ ،‬بأنه لو كان موصوًفا بذلك‬
‫لكان جسًما‪ ،‬فإن التلزم حينئذ منتف‪ ،‬فإحدى المقدمتين باطلة؛ إما الولى وإما الثانية‪.‬‬
‫ل للعراض‪ ،‬وما كان محل للعراض فهو محل الفات‬
‫ونظير هذا أن يقول‪ :‬لو كان له علم وقدرة لكان مح ً‬
‫والعيوب‪ ،‬فل يكون قدوسا‪،‬ول سلًما؛لن أهل اللغة قالوا‪ :‬الَعَرض بالتحريك ما يعرض للنسان من مرض ونحوه‪،‬‬
‫صا‪ ،‬وهو ـ سبحانه ـ مقدس عن ذلك؛ إذ هو السلم القدوس‪.‬‬
‫فلو جاز أن تقوم به هذه لكان ـ تعالى وتقدس ـ معيًبا ناق ً‬
‫فيقال‪ :‬لفظ الَعَرض مشترك بين ما ذكر من معناه في اللغة‪ ،‬وبين معناه في عرف أهل الكلم‪ ،‬فإن معناه ـ عند من‬
‫ضا ـ‪ :‬ما قام بغيره كالحياة‪ ،‬والعلم‪ ،‬والقدرة والحركة‪ ،‬والسكون ونحو ذلك‪.‬‬
‫يسمى العلم والقدرة ‪ /‬مطلًقا عر ً‬
‫وآخرون يقولون‪ :‬هو ما ل يبقى زمانين‪ .‬ويقولون‪ :‬إن صفات الخالق باقية‪ ،‬بخلف ما يقوم بالمخلوقات من الصفات‪،‬‬
‫فإنها ل تبقى زمانين‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬وما قام به العرض قامت به الفات‪ ،‬كلم فيه تلبيس‪،‬‬
‫والمقصود هنا‪ :‬أنه إذا قال‪ :‬لو قام به العلم والقدرة لكان عر ً‬
‫فإن إحدى المقدمتين باطلة‪.‬‬
‫فإن لفظ الَعَرض إن فسر بالصفة‪ ،‬فالمقدمة الثانية باطلة‪ ،‬وإن فسر بما يعرض للنسان من المرض ونحوه‪ ،‬فالمقدمة‬
‫الولى باطلة‪.‬‬
‫ونظير ذلك أن يقول‪ :‬لو كان قد استوى على العرش لكان قد أحدث حدًثا‪ ،‬وقامت به الحوادث؛ لن الستواء فعل‬
‫لـ‬
‫حادث ـ كان بعد أن لم يكن ـ فلو قام به الستواء لقامت به الحوادث‪ ،‬ومن قامت به الحوادث فقد أحدث حدًثا‪ ،‬وا ّ‬
‫ل من أحدث حدًثا‪ ،‬أو آوى محدثا( ولقوله‪) :‬وإياكم‬
‫تعالى ـ منزه عن ذلك لقول النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬لعن ا ّ‬
‫ومحدثات المور‪ ،‬فإن كل بدعة ضللة(‪.‬‬

‫ل ـ تعالى ـ يفعل ما يشاء؛ فما من فعل يفعله إل وقد حدث بعد‬
‫فإنه يقال له‪ :‬الحادث في اللغة ما كان بعد أن لم يكن‪ ،‬وا ّ‬
‫أن لم يكن‪.‬‬
‫‪/‬وأما المحدثات التى ذكرها النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهي المحدثات في الدين‪ ،‬وهو أن يحدث الرجل بدعة في‬
‫ل يحدث ما يشاء ل معقب لحكمه‪.‬‬
‫ل‪ ،‬والحداث في الدين مذموم من العباد‪ ،‬وا ّ‬
‫الدين لم يشرعها ا ّ‬
‫فاللفظ المشتبه المجمل إذا خص في الستدلل وقع فيه الضلل والضلل‪ .‬وقد قيل‪ :‬إن أكثر اختلف العقلء من‬
‫جهة اشتراك السماء‪.‬‬
‫الوجه الثاني ـ في بيان بطلن ما ذكر من الستدلل‪ :‬أن يقال ـ‪ :‬إن الّ ـ سبحانه ـ منزه أن يكون من جنس شيء من‬
‫المخلوقات‪ :‬ل أجساد الدميين‪ ،‬ول أرواحهم‪ ،‬ول غير ذلك من المخلوقات؛ فإنه لو كان من جنس شيء من ذلك‬
‫بحيث تكون حقيقته كحقيقته‪ ،‬للزم أن يجوز على كل منهما ما يجوز على الخر‪ ،‬ويجب له ما يجب له‪ ،‬ويمتنع عليه‬
‫ما يمتنع عليه‪ ،‬وهذا ممتنع؛ لنه يستلزم أن يكون القديم الواجب الوجود بنفسه‪ ،‬غير قديم واجب الوجود بنفسه‪ ،‬وأن‬
‫لمور المتناقضة‪ ،‬والّ ـ تعالى ـ نزه‬
‫يكون المخلوق الذي يمتنع غناه غنًيا يمتنع افتقاره إلى الخالق‪ ،‬وأمثال ذلك من ا ُ‬
‫ي‪ ،‬أو ِنّد‪.‬‬
‫سِم ّ‬
‫نفسه أن يكون له ُكفو‪ ،‬ومثل‪ ،‬أو َ‬
‫ل ـ تعالى ـ أن يكون من جنس أجساد الدميين‪ ،‬أو غيرها من المخلوقات‪،‬‬
‫فهذه الدلة الشرعية والعقلية يعلم بها تنزه ا ّ‬
‫ل َجَسًدا ّلُه ُخَواٌر{ ]العراف‪ [148 :‬استدل بحجة‬
‫جً‬
‫عْ‬
‫حِلّيِهْم ِ‬
‫ن ُ‬
‫سى ِمن َبْعِدِه ِم ْ‬
‫خَذ َقْوُم ُمو َ‬
‫لكن المستدل على ذلك بقوله‪َ}/:‬واّت َ‬
‫ضعيفة؛ فإن ]الجسد[ وإن كان قد قال الجوهري وغيره‪ :‬إن الجسد هو البدن‪ ،‬يقال‪ :‬منه تجسد‪ ،‬كما يقال‪ :‬من الجسم‬
‫ضا ـ الزعفران ونحوه من الصبغ‪ ،‬وهو الدم أيضا؛ كما قال النابغة‪:‬‬
‫تجسم‪ ،‬والجسد ـ أي ً‬
‫وما أريـق على الصـنام مـن جسد فليس المراد بالجسد في القرآن ل هذا ول هذا‪ ،‬فليس المراد من العجل أن له بدًنا‬
‫مثل بدن الدميين‪ ،‬ول بدًنا كأبدان البقر‪ ،‬فإن العجل لم يكن كذلك‪ ،‬والعرب تقول‪ :‬جسد به الدم يجسد جسًدا‪ :‬إذا لصق‬
‫به‪ ،‬فهو جاسد وجسد‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ساعد به جسد مورس ** من الدماء مائع ويبــس‬
‫والجسد الحمر والمجسد ما أشبع صبغه من الثياب؛ لكمال ما لصق به من الصبغ‪ ،‬فاللفظ فيه معنى التكاثف‬
‫والتلصق؛ولهذا يقول الفقهاء‪ :‬نجاسة متجسدة وغير متجسدة‪ ،‬وهو في القرآن يراد به الجسد المصمت المتلصق‬
‫المتكاثف‪ ،‬أو الذي ل حياة فيه‪.‬‬
‫طَعاَم{ ]النبياء‪،[8:‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َيْأُكُلو َ‬
‫سًدا ّ‬
‫جَ‬
‫جَعْلَناُهْم َ‬
‫ل ـ تعالى ـ لفظة الجسد في أربعة مواضع‪ ،‬فقال تعالى‪َ} :‬وَما َ‬
‫وقد ذكر ا ّ‬
‫خَوارٌ‬
‫سًدا ّلُه ُ‬
‫جَ‬
‫ل َ‬
‫جً‬
‫عْ‬
‫حِلّيِهْم ِ‬
‫ن ُ‬
‫سى ِمن َبْعِدهِ ِم ْ‬
‫خذَ َقْوُم ُمو َ‬
‫ب{ ]ص‪ [34:‬وقال‪َ} :‬واّت َ‬
‫سًدا ُثّم َأَنا َ‬
‫جَ‬
‫سّيِه َ‬
‫عَلى ُكْر ِ‬
‫وقال تعالى‪َ}/:‬وَأْلَقْيَنا َ‬
‫سًدا َلُه‬
‫جَ‬
‫ل َ‬
‫جً‬
‫عْ‬
‫ج َلُهْم ِ‬
‫خَر َ‬
‫ن{ ]العراف‪ [148:‬وقال تعالى‪َ} :‬فَأ ْ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫خُذوُه َوَكاُنوْا َ‬
‫ل اّت َ‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫َأَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫ل له جسد‪ ،‬له‬
‫ُخَواٌر{ ]طه‪ [88 :‬كأنه عجل مصمت ل جوف له‪ .‬وقد يقال‪ :‬إنه ل حياة فيه‪ ،‬خار خورة‪ ،‬ولم يقل‪ :‬عج ً‬
‫بدن‪ ،‬له جسم؛ لنه من المعلوم أن كل عجل له جسد هو بدنه وهو جسمه‪ ،‬والعجل المعروف جسد فيه روح‪.‬‬
‫ن ما أخرجه كان جسًدا مصمًتا ل روح فيه حتى تبين نقصه‪ ،‬وأنه كان مسلوب الحياة والحركة‪.‬‬
‫والمقصود‪ :‬أ ّ‬
‫وقد روى أنه إنما خارخورة واحدة‪ ،‬وقد يقال‪ :‬إن أريد بالجسد المصمت أو الغليظ ونحوه‪ ،‬فلم قيل‪ :‬إن ذلك ذكر لبيان‬
‫ل{‪.‬‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫نقصه من هذا الوجه‪ ،‬بل من هذا الوجه ضلوا به‪ ،‬وإنما كان النقص من جهة}َأَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫]العراف‪ [148:‬وقد يقال‪ :‬إذا كان ل حياة فيه فالنقص كان فيه من جهة عدم الحياة‪ ،‬وغيرها من صفات الكمال‪ ،‬ل‬
‫من جهة كونه له بدن‪ ،‬أو ليس له بدن‪ ،‬فالدمي له بدن‪.‬‬

‫ضا له‬
‫ل أو غير ذلك من الحيوان ـ لكان أي ً‬
‫سا حًيا‪ ،‬أو جم ً‬
‫ل‪ ،‬أو فر ً‬
‫ل كسائر العجول‪ ،‬أو آدمًيا كام ً‬
‫ولو أخرج لهم عج ً‬
‫ل ـ سبحانه ـ بين أن المخرج كان موصوًفا بصفات‬
‫بدن‪ ،‬ولكان ذلك أعجوبة عظيمة‪ ،‬وكانت الفتنة به أشد‪ ،‬ولكن ا ّ‬
‫النقص يحقق ذلك‪.‬‬
‫ل{‪].‬العراف‪ [148:‬فلم يذكر فيما عابه به‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫‪ /‬الوجه الثالث‪ :‬وهو أنه سبحانه قال‪َ} :‬أَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫ل{‪] .‬العراف‪ ،[148:‬ولو كان مجرد كونه‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫كونه ذا جسد؛ ولكن ذكر فيما عابه به }َأَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫صا لذكر ذلك‪.‬‬
‫ذا بدن عيًبا ونق ً‬
‫صا‪ ،‬وهذه الحجة نظير‬
‫فعلم أن الية تدل على نقص حجة من يحتج بها‪ ،‬على أن كون الشيء ذا بدن عيًبا ونق ً‬
‫احتجاجهم بالفول‪ ،‬فإنهم غيروا معناه في اللغة‪ ،‬وجعلوه الحركة‪ ،‬فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب‬
‫العالمين‪ ،‬ولو كان كما ذكروه لكان حجة عليهم ل لهم‪.‬‬
‫ل{‪.‬‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫ل جسًدا له خوار‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬أَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫ل تعالى وصفه بكونه عج ً‬
‫الوجه الرابع ‪ :‬أن ا ّ‬
‫خَواٌر َفَقاُلوا َهَذا ِإَلُهُكْم َوِإَلُه‬
‫سًدا َلُه ُ‬
‫جَ‬
‫ل َ‬
‫جً‬
‫عْ‬
‫ج َلُهْم ِ‬
‫ي َفَأخَْر َ‬
‫ساِمِر ّ‬
‫ك َأْلَقى ال ّ‬
‫]العراف‪ ،[148:‬وقال في السورة الخرى‪َ} :‬فَكَذِل َ‬
‫ضّرا َوَل َنْفًعا{ ]طه‪87:‬ـ ‪ ،[89‬فلم يقتصر في وصفه على مجرد‬
‫ك َلُهْم َ‬
‫ل َيْمِل ُ‬
‫ل َو َ‬
‫جُع ِإَلْيِهْم َقْو ً‬
‫ل َيْر ِ‬
‫ن َأ ّ‬
‫ل َيَرْو َ‬
‫ي َأَف َ‬
‫سَ‬
‫سى فََن ِ‬
‫ُمو َ‬
‫كونه جسًدا‪ ،‬بل وصفه بأن له خواًرا‪ ،‬وبين أنه ل يكلمهم‪ ،‬ول يملك لهم ضًرا ول نفًعا‪.‬‬
‫فالموجب لنقصه إما أن يكون مجموع الصفات أو بعضها‪ ،‬أو كل واحد منها؛ فإن كان المجموع لم يدل على أن‬
‫نقصها واحدة نقص‪ ،‬وإن كان بعضها فليس كونه جسًدا بأولى من كونه له خوار‪ .‬وليس هذا وهذا بأولى من كونه‬
‫لـ‬
‫مسلوب‪ /‬التكلم والقدرة على النفع والضر‪ ،‬وإن كان كل منهما؛ فمعلوم أنهم إنما ضلوا بخواره ونحو ذلك‪ ،‬وا ّ‬
‫تعالى ـ إنما احتج عليهم بعدم التكلم والقدرة على النفع والضر‪.‬‬
‫الوجه الخامس‪ :‬أنه ليس في القرآن دللة على أن كونه جسًدا وكونه له خوار صفة نقص‪ ،‬وإنما الذي دل عليه القرآن‬
‫أن كونه ل يكلمهم ول يقدر على نفعهم وضرهم نقص‪ ،‬يبين ذلك‪ :‬أن الخوار هو الصوت والنسان الذي يصوت‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬خار يخور الثور‪ ،‬وهو يكلم غيره‪ ،‬وقد يهديه السبيل‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه ـ بين أن صفات العجل ناقصة عن صفات النسان‪ ،‬الذي يكلم غيره ويهديه‪ ،‬فالعابد أكمل من المعبود‪،‬‬
‫وا ّ‬
‫ضا مصوًتا‪ ،‬فلو كان ذكر الصوت لبيان نقصه لبطل الستدلل بقوله تعالى‪َ} :‬أَلْم َيَرْوْا َأّنُه‬
‫يبين هذا أنه لو كلمهم لكان أي ً‬
‫ل{‪] .‬العراف‪ [148:‬فإن تكليمه لهم لو كلمهم إنما كان يكون بصوت يسمعونه منه‪.‬‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫َ‬

‫فعلم أن ذكر التصويت لم يكن لكونه صفة نقص‪ ،‬فكذلك ذكر الجسد‪.‬‬
‫ل على نفي إلهيته؛ فقد قال على‬
‫وبالجملة‪ ،‬من ذكر أن القرآن دل على هذا وهذا هو العيب الذي عابه به‪ ،‬وجعله دلي ً‬
‫القرآن ما ل يدل عليه؛ بل هو على نقيضه أدل‪.‬‬
‫صُر َو َ‬
‫ل‬
‫ل ُيْب ِ‬
‫سَمُع َو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ت ِلَم َتْعُبُد َما َ‬
‫ل ـ تعالى ـ ذكر عن الخليل صلى ال عليه وسلم أنه قال‪َ} :‬يا َأَب ِ‬
‫‪ /‬الوجه السادس‪ :‬أن ا ّ‬
‫جْدَنا آَباءَنا َكَذِل َ‬
‫ك‬
‫ل َو َ‬
‫ن َقاُلوا َب ْ‬
‫ضّرو َ‬
‫ن َأْو َينَفُعوَنُكْم َأْو َي ُ‬
‫عو َ‬
‫سَمُعوَنُكْم ِإْذ َتْد ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫شْيًئا{ ]مريم‪ ،[24 :‬وقال تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫ك َ‬
‫عن َ‬
‫ُيْغِني َ‬
‫َيْفَعُلوَن{ ]الشعراء‪72 :‬ـ ‪ [74‬فاحتج على نفي إلهيتها بكونها ل تسمع ول تبصر‪ ،‬ول تنفع ول تضر‪ ،‬مع كون كل‬

‫منهما له بدن وجسم‪ ،‬سواء كان حجًرا أو غيره‪.‬‬
‫فلو كان مجرد هذا الحتجاج كافًيا لذكره إبراهيم الخليل وغيره من النبياء ـ عليهم أفضل الصلة والسلم ـ بل إنما‬
‫ل به من نفي صفات الكمال عنها؛ كالتكلم والقدرة‪ ،‬والحركة وغير ذلك‪.‬‬
‫احتجوا بمثل ما احتج ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ إما أن يكون دالً على أن الله ـ سبحانه ـ موصوف ببعض هذه‬
‫الوجه السابع‪ :‬أن يقال‪ :‬ما ذكره ا ّ‬
‫ل تعالى‪ ،‬وهو التكليم‬
‫الصفات؛ وإما أل يدل‪ .‬فإن لم يدل بطل ما ذكروه؛ وإن دل فهو يدل على إثبات صفات الكمال ّ‬
‫للعباد‪ ،‬والسمع والبصر والقدرة‪ ،‬والنفع والضر‪.‬‬

‫ل على إثبات الصفات‪ ،‬ل على نفيها‪ ،‬ونفاة الصفات إنما نفوها لزعمهم أن إثباتها‬
‫وهذا يقتضى أن تكون اليات دلي ً‬
‫يقتضى التجسيم‪ ،‬والتجسيد‪ .‬فاليات التي احتجوا بها هي عليهم ل لهم‪.‬‬
‫وهذا أمر قد وجدناه مطرًدا في عامة ما يحتج به نفاة الصفات من اليات‪ ،‬فإنما تدل على نقيض مطلوبهم‪ ،‬ل على‬
‫مطلوبهم‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ من الشمس والقمر‪ ،‬والكواكب‬
‫‪ /‬الوجه الثامن‪ :‬أنه إذا كان كل جسم جسًدا‪ ،‬وكل ما عبد من دون ا ّ‬
‫ل ذكر هذا في العجل لينفي به عنه اللهية‪ ،‬لزم أن يطرد هذا‬
‫والوثان وغير ذلك‪ ،‬أجساًما‪ ،‬وهي أجساد‪ ،‬فإن كان ا ّ‬
‫الدليل في جميع المعبودات‪.‬‬
‫ل لم يذكر هذا في غير العجل‪ .‬إنه ذكر كونه جسًدا لبيان سبب افتتانهم به‪ ،‬ل أنه جعل ذلك هو الحجة‬
‫ومعلوم أن ا ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫عليهم‪ ،‬بل احتج عليهم بكونه ل يكلمهم ول يهديهم سبي ً‬
‫ن ِبَها َأْم‬
‫صُرو َ‬
‫ن ُيْب ِ‬
‫عُي ٌ‬
‫ن ِبَها َأْم َلُهْم َأ ْ‬
‫شو َ‬
‫طُ‬
‫ن ِبَها َأْم َلُهْم َأْيٍد َيْب ِ‬
‫شو َ‬
‫ل َيْم ُ‬
‫جٌ‬
‫الوجه التاسع‪ :‬أنه ـ سبحانه ـ قال في العراف‪َ} :‬أَلُهْم َأْر ُ‬
‫َلُهْم آَذانٌ َيْسَمُعوَن ِبَها{ ]العراف‪ [195:‬وللناس في هذه الية قولن‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬أنه وصفهم بهذه النقائص ليبين أن العابد أكمل من المعبود‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه ذكر ذلك لن المعبود يجب أن يكون موصوًفا بنقيض هذه الصفات‪ ،‬فإن قيل بالقول الول‪ ،‬أمكن أن يقال‬
‫بمثله في آية العجل‪ ،‬فل يكون فيه تعرض لصفات الله‪ .‬وإن قيل بالثاني‪ ،‬وجب أن يتصف الرب ـ تعالى ـ بما نفاه‬
‫عن الصنام‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فإن كانت هذه المور أجساًما كانت هذه الدللة معارضة ‪ /‬لما ذكر في تلك الية‪ ،‬وإن لم تكن أجساًما بطل‬
‫ل ـ عز وجل ـ بما جاء به الكتاب والسنة‪ ،‬من اليدي وغيرها‪ ،‬ول‬
‫ل ـ تعالى ـ ووجب أن يوصف ا ّ‬
‫نفيهم لها عن ا ّ‬
‫يجب أن تكون أجساًما‪ ،‬ول يكون ذلك تجسيًما‪ ،‬وإذا لم يكن هذا تجسيًما فإثبات العلو أولى أل يكون تجسيًما‪ .‬فدل على‬
‫أنه ل يكون تجسيما‪ ،‬فدل على أن الشرع مناقض لما ذكروه‪.‬‬
‫الوجه العاشر‪ :‬أن يقال‪ :‬دللة الكتاب والسنة على إثبات صفات الكمال‪ ،‬وأنه نفسه فوق العرش أعظم من أن تحصر‪،‬‬
‫ل ِإَلْيِه{ ]النساء‪ ،[158:‬وقوله‪:‬‬
‫ح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪ ،[10:‬وقوله‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫صاِل ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫كقوله‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫ك{ ]العراف‪.[206:‬‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ن ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ح ِإَلْيِه{ ]المعارج‪ ،[4:‬وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫لِئَكُة َوالّرو ُ‬
‫ج اْلَم َ‬
‫}َتْعُر ُ‬
‫ل ـ تعالى‪.‬‬
‫وقد قيل‪ :‬إن ذلك يبلغ ثلثمائة آية‪ ،‬وهي دلئل جلية بينة‪ ،‬مفهومة من القرآن‪ ،‬معقولة من كلم ا ّ‬
‫ل جسًما‪ ،‬وجسًدا‪ ،‬لم يمكن دفع موجب هذه النصوص بما ذكر في قصة العجل؛‬
‫فإن كان إثبات هذا يستلزم أن يكون ا ّ‬
‫ل وجعله مانًعا من إلهيته ـ وإن كان إثبات العلو‬
‫لنه ليس فيها أن مجرد كونه جسًدا هو النقص ـ الذي عابه ا ّ‬
‫والصفات ل يستلزم أن يكون جسًما وجسًدا بطل أصل كلمهم‪ ،‬في ـ أن عمدتهم ـ أن إثبات العلو يقتضي التجسيم‬
‫والتجسد‪ ،‬فإذا سلموا أنه ل يستلزم التجسيم والتجسد‪ ،‬لم يكن لهم دليل على نفي ذلك‪.‬‬
‫‪ /‬وحينئذ‪ ،‬فإذا دلت قصة العجل أوغيرها على امتناع كون الرب ـ تعالى ـ جسًدا أو جسًما‪ ،‬لم يكن بين النصوص‬
‫منافاة‪ ،‬بل يوصف بأنه نفسه فوق العرش‪ ،‬وينفي عنه ما يجب نفيه عنه ـ سبحانه ـ وتعالى‪.‬‬
‫والمقصود أن الشرع ليس فيه ما يوافق النفاة للعلو وغيره من الصفات بوجه من الوجوه‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم‪.‬‬
‫وا ّ‬
‫قال شيخ السلم‪:‬‬
‫فصــل‬

‫في الجمع بين ]علو الرب ـ عز وجل ـ وبين قربه[ من داعيه وعابديه‬
‫فنقول‪:‬‬
‫ل نفسه في كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله بالعلو والستواء على العرش‪ ،‬والفوقية في كتابه في آيات كثيرة‪،‬‬
‫قد وصف ا ّ‬
‫ل على الخلق‪ ،‬وأنه فوق‬
‫ل عا ٍ‬
‫حتى قال بعض كبار أصحاب الشافعي‪ :‬في القرآن ألف دليل أو أزيد‪ ،‬تدل على أن ا ّ‬
‫عباده‪.‬‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ت‬
‫ك{ ]العراف‪َ} ،[206:‬وَلُه َمن ِفي ال ّ‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ن ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وقال غيره‪ :‬فيه ثلثمائة دليل تدل على ذلك‪ ،‬مثل قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ض َوَمْن ِعنَدُه{ ]النبياء‪ ،[19:‬فلو كان المراد بأن معنى ]عنده[ في قدرته ـ كما يقول الجهمية ـ لكان الخلق كلهم‬
‫لْر ِ‬
‫َوا َْ‬

‫في قدرته ومشيئته‪ ،‬لم يكن فرق بين من في السموات‪ ،‬ومن في الرض‪ ،‬ومن عنده‪ ،‬كما أن الستواء لو كان المراد‬
‫به الستيلء لكان مستوًيا على جميع المخلوقات‪ ،‬ولكان مستوًيا على العرش قبل أن يخلقه دائًما‪.‬‬
‫والستواء مختص بالعرش بعد خلق السموات والرض‪ ،‬كما أخبر بذلك في‪ /‬كتابه‪ ،‬فدل على أنه تارة كان مستوًيا‬
‫عليه‪ ،‬وتارة لم يكن مستوًيا عليه؛ ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل عند أئمة المثبتة‪ ،‬وأما‬
‫الستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع‪ ،‬ل بالعقل‪.‬‬
‫ضا بالمعية والقرب‪.‬‬
‫والمقصود أنه ـ تعالى ـ وصف نفسه أي ً‬
‫والمعية معيتان‪ :‬عامة‪ ،‬وخاصة‪.‬‬
‫ل َمَع اّلِذيَن اّتَقوْا ّواّلِذيَن ُهم ّمْحِسُنوَن{ ]النحل‪:‬‬
‫نا ّ‬
‫ن َما ُكنُتْم{ ]الحديد‪ ،[4 :‬والثانية‪ :‬كقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫فالولى‪ :‬كقوله‪َ} :‬وُهَو َمَعُكْم َأْي َ‬
‫‪ ،[128‬إلى غير ذلك من اليات‪.‬‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫ب‬
‫حُ‬
‫ل اْلَوِريِد{ ]ق‪َ} ،[16:‬وَن ْ‬
‫حْب ِ‬
‫ن َ‬
‫ب ِإَلْيِه ِم ْ‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫ب{ ]البقرة‪ ،[186:‬وقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫وأما القرب فهو كقوله‪َ} :‬فِإّني َقِري ٌ‬
‫صُروَن{ ]الواقعة‪.[85:‬‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫ِإَلْيِه ِمنُكْم َوَلِكن ّ‬

‫وقد افترق الناس في هذا المقام أربع فرق‪:‬‬
‫فالجهمية النفاة الذين يقولون‪ :‬ليس داخل العالم‪ ،‬ول خارج العالم‪ ،‬ول فوق‪ ،‬ول تحت‪ ،‬ل يقولون بعلوه ول بفوقيته‪،‬‬
‫بل الجميع عندهم متأول أو مفوض‪.‬‬
‫وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص‪ :‬كالخوارج‪ ،‬والشيعة‪ ،‬والقدرية‪ ،‬والرافضة‪ ،‬والمرجئة‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬إل‬
‫الجهمية فإنهم ليس معهم عن النبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي؛ ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن‬
‫ل بن‬
‫أسباط‪ /:‬إن الجهمية خارجون عن الثلث والسبعين فرقة‪ ،‬وهذا أحد الوجهين لصحاب أحمد‪ ،‬ذكرهما أبوعبد ا ّ‬
‫حامد وغيره‪.‬‬
‫وقسم ثان يقولون‪:‬إنه بذاته في كل مكان‪ ،‬كما يقوله النجارية‪ ،‬وكثير من الجهمية ـ عبادهم‪ ،‬وصوفيتهم‪ ،‬وعوامهم ـ‬
‫يقولون‪ :‬إنه عين وجود المخلوقات‪ ،‬كما يقوله ]أهل الوحدة[‪ ،‬القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون قوله مركًبا من‬
‫الحلول والتحاد‪ ،‬وهم يحتجون بنصوص ]المعية والقرب[؛ ويتأولون نصوص ]العلو‪ ،‬والستواء[‪ .‬وكل نص‬
‫يحتجون به حجة عليهم؛ فإن المعية أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه‪ ،‬وعندهم أنه في كل مكان‪.‬‬
‫ض َوُهَو اْلَعِزيُز اْلَحِكيُم{ ]الحديد‪ ،[1:‬فكل‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َما ِفي ال ّ‬
‫ح ِّ‬
‫سّب َ‬
‫وفي النصوص ما يبين نقيض قولهم؛ فإنه قال‪َ } :‬‬
‫ض{ ]الحديد‪ ،[2:‬فبين أن‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ك ال ّ‬
‫من في السموات والرض يسبح والمسبح غير المسبح‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬لُه ُمْل ُ‬
‫يٍء َعِليٌم{ ]الحديد‪.[3:‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ن َوُهَو ِبُك ّ‬
‫طُ‬
‫ظاِهُر َواْلَبا ِ‬
‫خُر َوال ّ‬
‫لِ‬
‫ل َوا ْ‬
‫لّو ُ‬
‫الملك له‪ ،‬ثم قال‪ُ} :‬هَو ا َْ‬
‫وفي الصحيح‪) :‬أنت الول فليس قبلك شيء‪ ،‬وأنت الخر فليس بعدك شيء‪ ،‬وأنت الظاهر فليس فوقك شيء‪ ،‬وأنت‬
‫الباطن فليس دونك شيء( ‪ ،‬فإذا كان هو الول كان هناك ما يكون بعده‪ ،‬وإذا كان آخًرا كان هناك ما الرب بعده‪ ،‬وإذا‬

‫كان ظاهًرا ليس فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهر عليه‪ ،‬وإذا كان باطًنا ليس دونه شيء كان هناك أشياء نفي عنها‬
‫أن تكون دونه‪.‬‬
‫‪ /‬ولهذا قال ابن عربي‪ :‬من أسمائه الحسنى‪] :‬العلي[ على من يكون علًيا‪ ،‬وما ثم إل هو‪ ،‬وعلى ماذا يكون علًيا‪ ،‬وما‬
‫يكون إل هو؟ فعلوه لنفسه‪ ،‬وهو من حيث الوجود عين الموجودات‪ ،‬فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها‪ ،‬وليست إل‬
‫ل يعرف بجمعه بين‬
‫هو‪.‬ثم قال‪ :‬قال الخراز‪:‬وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن ا ّ‬
‫الضداد؛ فهو عين ما ظهر‪ ،‬وهو عين ما بطن في حال ظهوره‪ ،‬وما ثم من تراه غيره‪ ،‬وما ثم من بطن عنه سواه‪،‬‬
‫فهو ظاهر لنفسه‪ ،‬وهو باطن عن نفسه‪ ،‬وهو المسمى أبو سعيد الخراز‪.‬‬
‫والمعية ل تدل على الممازجة والمخالطة‪ ،‬وكذلك لفظ القرب؛ فإن عند الحلولية أنه في حبل الوريد‪ ،‬كما هو عندهم‬
‫في سائر العيان‪ ،‬وكل هذا كفر وجهل بالقرآن‪.‬‬
‫والقسم الثالث‪ :‬من يقول‪ :‬هو فوق العرش‪ ،‬وهو في كل مكان‪ .‬ويقول‪ :‬أنا أقر بهذه النصوص‪ ،‬وهذه ل أصرف واحًدا‬
‫منها عن ظاهره‪ .‬وهذا قول طوائف ذكرهم الشعري في ]المقالت السلمية[ وهو موجود في كلم طائفة من‬
‫السالمية والصوفية‪.‬‬
‫جان وغيرهما‪ ،‬مع ما في كلم أكثرهما من التناقض؛ ولهذا لما كان‬
‫ويشبه هذا ما في كلم أبي طالب المكي‪ ،‬وابن َبّر َ‬
‫أبو على الهوازي ـ الذي صنف ]مثالب ابن أبي بشر[ ورد على أبي القاسم بن عساكر ـ هو من السالمية‪ ،‬وكذلك‬
‫ذكر الخطيب البغدادي‪ :‬أن جماعة أنكروا على أبي طالب كلمه في الصفات‪.‬‬
‫‪/‬وهذا الصنف الثالث‪ ،‬وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن مخالفتها من الصنفين الولين‪.‬فإن الول لم‬
‫يتبع شيًئا من النصوص‪ ،‬بل خالفها كلها‪.‬والثاني ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة‬
‫اشتبهت عليه معانيها‪.‬‬
‫وأما هذا الصنف فيقول‪ :‬أنا اتبعت النصوص كلها‪ ،‬لكنه غالط أيضا‪.‬‬
‫ل بذاته في كل مكان‪ ،‬فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف المة وأئمتها‪ ،‬مع مخالفته لما فطر‬
‫فكل من قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل متناقضة‪ ،‬يقولون‪ :‬إنه فوق العرش‪.‬‬
‫ل عليه عباده‪ ،‬ولصريح المعقول وللدلة الكثيرة‪ .‬وهؤلء يقولون أقوا ً‬
‫ا ّ‬
‫ويقولون‪ :‬نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف‪ ،‬كما يذكر مثل ذلك أبو طالب وغيره‪ .‬ومعلوم أن قلب العارف‬
‫نصيبه منه المعرفة واليمان وما يتبع ذلك‪ ،‬فإن قالوا‪ :‬إن العرش كذلك نقضوا قولهم‪ :‬إنه نفسه فوق العرش‪ .‬وإن قالوا‬
‫ل بالحلول الخالص‪.‬‬
‫بحلوله بذاته في قلوب العارفين كان هذا قو ً‬
‫وقد وقع في ذلك طائفة من الصوفية حتى صاحب ]منازل السائرين[ في توحيده المذكور في آخر المنازل في مثل‬
‫هذا الحلول؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون من مثل هذا‪ .‬سئل الجنيد عن التوحيد فقال‪ :‬هو إفراد الحدوث عن القدم‪.‬‬
‫فبين أنه لبد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق‪ / ،‬فل يختلط أحدهما بالخر‪ ،‬وهؤلء يقولون‬
‫في أهل المعرفة ما قالته النصارى في المسيح‪ ،‬والشيعة في أئمتها‪ ،‬وكثير من الحلولية والباحية ينكر على الجنيد‬
‫وأمثاله من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة ما قالوه من نفي الحلول‪ ،‬وما قالوه في إثبات المر والنهي‪،‬‬
‫ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها هو وأمثاله من الحلولية والباحية‪.‬‬
‫وأما القسم الرابع‪ ،‬فهم سلف المة وأئمتها؛ أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة‪ ،‬فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما‬
‫ل ـ تعالى ـ فوق سمواته‪ ،‬وأنه على عرشه‪ ،‬بائن من‬
‫جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم‪ ،‬أثبتوا أن ا ّ‬
‫ضا‬
‫ضا مع العباد عموًما بعلمه‪ ،‬ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية‪ ،‬وهو أي ً‬
‫خلقه وهم منه بائنون‪ ،‬وهو أي ً‬
‫جَوى دللة على أنه عالم بهم‪.‬‬
‫قريب مجيب‪ ،‬ففي آية الّن ْ‬
‫وكان النبي صلى ال عليه وسلم يقول‪]:‬اللهم أنت الصاحب في السفر‪ ،‬والخليفة في الهل[ ‪ ،‬فهوـ سبحانه ـ مع‬
‫ل ا ِّ‬
‫ل‬
‫سو ُ‬
‫حّمٌد ّر ُ‬
‫المسافر في سفره ومع أهله في وطنه‪ ،‬ول يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم‪ ،‬كما قال‪ّ} :‬م َ‬
‫ن{‬
‫ك َمَع اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن َمَعُه{ ]الفتح‪ :[29:‬أي معه على اليمان‪ ،‬ل أن ذاتهم في ذاته بل هم مصاحبون له‪ .‬وقوله‪َ} :‬فُأْوَلـِئ َ‬
‫َواّلِذي َ‬

‫ل ـ تعالى ـ عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا‪ ،‬وعلمه بهم‬
‫]النساء‪ [146:‬يدل على موافقتهم في اليمان وموالتهم‪ ،‬فا ّ‬
‫جاد‪ ،‬عظيم الّرماد‪ ،‬قريب البيت من الناد‪ .‬فهذا كله ‪/‬حقيقة‪،‬‬
‫من لوازم المعية؛ كما قالت المرأة‪ :‬زوجي طويل الّن َ‬
‫ومقصودها‪ :‬أن تعرف لوازم ذلك وهو طول القامة‪ ،‬والكرم بكثرة الطعام‪ ،‬وقرب البيت من موضع الضياف‪.‬‬
‫وفي القرآن‪َ} :‬أْم َيْحَسُبوَن َأّنا َل َنْسَمُع ِسّرُهْم{ الية ]الزخرف‪ ،[80:‬فإنه يراد برؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك‪ ،‬وأنه‬
‫يعلم هل ذلك خير أم شر‪ ،‬فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات‪.‬‬
‫ب‬
‫س َ‬
‫حِ‬
‫سَماء{ ]العنكبوت‪ ،[22:‬وقوله‪َ} :‬أْم َ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫ض َو َ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َْ‬
‫جِزي َ‬
‫وكذلك إثبات القدرة على الخلق كقوله‪َ} :‬وَما َأنُتم ِبُمْع ِ‬
‫ت َأن َيْسِبُقوَنا َساء َما َيْحُكُموَن{ ]العنكبوت‪ ،[4:‬والمراد التخويف بتوابع السيئات ولوازمها من العقوبة‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َيعَْمُلو َ‬
‫اّلِذي َ‬

‫والنتقام‪.‬‬
‫وهكذا كثيًرا ما يصف الرب نفسه بالعلم‪ ،‬وبالعمال‪ ،‬تحذيًرا‪ ،‬وتخويًفا‪ ،‬وترغيًبا للنفوس في الخير‪.‬‬
‫ضا لزم ذلك المعنى؛ فقد أريد ما‬
‫ويصف نفسه بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب‪ ،‬فمدلول اللفظ مراد منه‪ ،‬وقد أريد أي ً‬
‫ل في اللزم فقط‪ ،‬بل أريد به مدلوله الملزوم‬
‫يدل عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة وباللتزام‪ ،‬فليس اللفظ مستعم ً‬
‫وذلك حقيقة‪.‬‬
‫سَأَلكَ‬
‫وأما لفظ ]القرب[ فقد ذكره تارة بصيغة المفرد‪ ،‬وتارة بصيغة الجمع‪/ ،‬فالول إنما جاء في إجابة الداعي‪َ} :‬وِإَذا َ‬
‫ب َدْعَوَة الّداِع ِإَذا َدَعاِن{ ]البقرة‪ ،[186:‬وكذلك في الحديث‪) :‬ارَبُعوا على أنفسكم؛ فإنكم ل‬
‫جي ُ‬
‫ب ُأ ِ‬
‫عّني َفِإّني َقِري ٌ‬
‫عَباِدي َ‬
‫ِ‬

‫عُنق راحلته(‪ ،‬وجاء بصيغة‬
‫تدعون أصم ول غائًبا‪ ،‬إنما تدعون سميًعا قريًبا‪ ،‬إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من ُ‬
‫ن َنُق ّ‬
‫ص‬
‫حُ‬
‫ك{ ]القصص‪َ} ،[3:‬ن ْ‬
‫عَلْي َ‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ ،[16:‬وهذا مثل قوله‪َ} :‬نْتُلوا َ‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫الجمع في قوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫عَلْيَنا َبَياَنُه{‬
‫ك{ ]يوسف‪َ} ،[3:‬فِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ [18:‬و}ِإّن َعَلْيَنا َجمَْعُه َوُقْرآَنه{ ]القيامة‪ ،[17:‬و} َ‬
‫عَلْي َ‬
‫َ‬
‫]القيامة‪ .[19:‬فالقرآن هنا حين يسمعه من جبريل‪ ،‬والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن‪.‬‬
‫لـ‬
‫ومذهب سلف المة وأئمتها وخلفها‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم سمع القرآن من جبريل‪ ،‬وجبريل سمعه من ا ّ‬
‫عز وجل‪.‬‬
‫وأما قوله‪} :‬نتلو{ و}نقص{‪َ} ،‬فِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ ،[18:‬فهذه الصيغة في كلم العرب للواحد العظيم الذي‬
‫ل بأمره قال‪ :‬نحن فعلنا‪ :‬كما يقول الملك‪ :‬نحن فتحنا هذا البلد‪ ،‬وهزمنا هذا‬
‫له أعوان يطيعونه‪ ،‬فإذا فعل أعوانه فع ً‬
‫ل ـ تعالى ـ رب الملئكة‪ ،‬وهم ل يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون‪،‬‬
‫الجيش‪،‬ونحو ذلك؛ لنه إنما يفعل بأعوانه‪ ،‬وا ّ‬
‫ل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‪ ،‬وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم وهو غني عنهم‪ ،‬وليس‬
‫ول يعصون ا ّ‬
‫هو كالملك الذي يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه‪ ،‬فكان قوله لما فعله بملئكته‪ :‬نحن فعلنا‪ ،‬أحق وأولى‬
‫من قول بعض الملوك‪.‬‬
‫‪/‬وهذا اللفظ هو من المتشابه‪ ،‬الذي ذكر أن النصارى احتجوا به على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬على التثليث‪ ،‬لما‬
‫ل حيث تركوا المحكم من القرآن‪ :‬أن الله‬
‫ك َفْتًحا ّمِبيًنا{ ]الفتح‪ [1 :‬ونحو ذلك‪ ،‬فذمهم ا ّ‬
‫حَنا َل َ‬
‫وجدوا في القرآن }ِإّنا َفَت ْ‬
‫واحد‪ ،‬وتمسكوا بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره‪ ،‬والذي معه أعوانه الذين هم عبيده وخلقه‪ ،‬واتبعوا‬
‫ل والراسخون‬
‫المتشابه يبتغون بذلك الفتنة‪ ،‬وهي فتنة القلوب بتوهم آلهة متعددة‪ ،‬وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إل ا ّ‬
‫في العلم‪ ،‬فإنهما قولن للسلف وكلهما حق‪.‬‬
‫فمن قال‪ :‬إن الراسخين في العلم ل يعلمون تأويله قال‪:‬إن تأويله ما يئول إليه وهو ما أخبر القرآن عنه في قوله‪) :‬إنا(‬
‫ل‪ ،‬ول‬
‫و)نحن(‪ ،‬هم الملئكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والرض‪ ،‬وأولئك ل يعلم عددهم إل ا ّ‬
‫شِر{‬
‫ل ِذْكَرى ِلْلَب َ‬
‫ي ِإ ّ‬
‫ل ُهَو َوَما ِه َ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫جُنوَد َرّب َ‬
‫يعلم صفتهم غيره‪ ،‬ول يعلم كيف يأمرهم يفعلون إل هو‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬وَما َيْعَلُم ُ‬
‫ل من ذلك‪.‬‬
‫]المدثر‪ [31:‬وكل من الملئكة وإن علم حال نفسه وغيره‪ ،‬فل يعلم جميع الملئكة‪ ،‬ول جميع ما خلق ا ّ‬
‫ومن قال‪ :‬إن الراسخين يعلمون تأويله قال‪ :‬التأويل هوالتفسير‪ ،‬وهو إعلم الناس بالخطاب‪.‬‬

‫ل من معانيه‪ ،‬كما استفاضت بذلك الثار عن السلف‪،‬‬
‫فالراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن كله‪ ،‬وما بين ا ّ‬
‫ل فعل ذلك بملئكته‪ ،‬وإن كانوا ل يعرفون عدد الملئكة ول‬
‫فالراسخون في العلم يعلمون أن قوله‪)/:‬نحن( أن ا ّ‬
‫ظا ل‬
‫أسماءهم ولصفاتهم وحقائق ذواتهم‪ ،‬ليس الراسخون كالجهال الذين ل يعرفون )إنا( و)نحن(‪ ،‬بل يقولون ألفا ً‬
‫يعرفون معانيها‪ ،‬أو يجوزون أن تكون اللهة ثلثة متعددة‪،‬أو واحًدا ل أعوان له‪.‬‬
‫ن َمْوِتَها{ ]الزمر‪[42:‬؛ فإنه ـ سبحانه ـ يتوفاها برسله كما قال‪َ} :‬تَوّفْتُه‬
‫حي َ‬
‫س ِ‬
‫لنُف َ‬
‫ل َيَتَوفي ا َْ‬
‫ل تعالى‪} :‬ا ُّ‬
‫ومن هذا قول ا ّ‬
‫ت{ ]السجدة‪[11:‬؛ فإنه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت‪.‬‬
‫ك اْلَمْو ِ‬
‫ن{ ]النعام‪َ} ،[61:‬يَتَوّفاُكم ّمَل ُ‬
‫طو َ‬
‫ل ُيَفّر ُ‬
‫سُلَنا وَُهْم َ‬
‫ُر ُ‬
‫سَ‬
‫ل‬
‫ل قرأه بواسطة جبريل كما قال‪َ} :‬أْو ُيْر ِ‬
‫وقوله‪َ} :‬فِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ [18 :‬هو قراءة جبريل له عليه‪ ،‬وا ّ‬
‫ي ِبِإْذِنِه َما َيَشاء{ ]الشورى‪ ،[51:‬فهو مكلم لمحمد بلسان جبريل وإرساله إليه‪ ،‬وهذا ثابت للمؤمنين‪ ،‬كما‬
‫حَ‬
‫ل َفُيو ِ‬
‫سو ً‬
‫َر ُ‬
‫ل لهم إنما كان بواسطة محمد إليهم‪.‬‬
‫ل ِمْن َأْخَباِرُكْم{ ]التوبة‪ ،[94:‬وإنباء ا ّ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬قْد َنّبَأَنا ا ّ‬

‫ب َواْلِحْكَمِة{ ]البقرة‪ ،[231:‬فهو‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عَلْيُكْم ّم َ‬
‫ل َ‬
‫ل ِإَلْيَنا{ ]البقرة‪َ} ،[136:‬وَما َأنَز َ‬
‫ل َوَمآ ُأنِز َ‬
‫وكذلك قوله‪ُ} :‬قوُلوْا آَمّنا ِبا ّ‬
‫ُأنزل على المؤمنين بواسطة محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ [16:‬فإنه ـ سبحانه ـ هو‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫وكذلك ذوات الملئكة تقرب من ذات المحتضر‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫ل لملئكته‪:‬‬
‫وملئكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد‪ ،‬كما ثبت في الصحيحين‪) :‬إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال ا ّ‬
‫اكتبوها له حسنة‪ ،‬فإن عملها قال‪ :‬اكتبوها له عشر حسنات‪ ،‬وإذا َهّم بسيئة( ‪ /‬إلى آخر الحديث‪ .‬فالملئكة يعلمون ما‬
‫يهم به من حسنة وسيئة‪ ،‬و]الهم[ إنما يكون في النفس قبل العمل‪ .‬وأبلغ من ذلك أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى‬
‫الدم‪ ،‬وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه‪.‬‬
‫ل منه‪ ،‬وهو رب الملئكة‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ [16:‬هو قرب ذوات الملئكة وقرب علم ا ّ‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫فقوله‪َ} :‬وَن ْ‬
‫والروح‪ ،‬وهم ل يعلمون شيًئا إل بأمره؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد‪ ،‬فيجوز أن يكون بعضهم أقرب‬
‫عِتيٌد{‬
‫ب َ‬
‫ل ِإلّ َلَدْيِه َرِقي ٌ‬
‫ظ ِمن َقْو ٍ‬
‫ل َقِعيٌد َما َيْلِف ُ‬
‫شَما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َوعَ ِ‬
‫ن اْلَيِمي ِ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫إليه من بعض؛ ولهذا قال في تمام الية‪ِ} :‬إْذ َيَتَلّقى اْلُمَتَلّقَيا ِ‬
‫]ق‪ ،[18 ،17:‬وهذا كقوله‪َ} :‬أْم َيْحَسُبوَن َأّنا َل َنْسَمُع ِسّرُهْم َوَنْجَواُهم َبَلى َوُرُسُلَنا َلَدْيِهْم َيْكُتُبوَن{ ]الزخرف‪ ،[80:‬فقوله‪] :‬إذ[‬
‫ب ِإَلْيِه ِمْن َحْبِل اْلَوِريِد{ ]ق‪ [16:‬حين يتلقى المتلقيان‪ ،‬ما يقول }عن اليمين{ قعيد }وعن‬
‫ن َأْقَر ُ‬
‫حُ‬
‫ظرف‪ ،‬فأخبر أنهم }َوَن ْ‬
‫ب َعِتيٌد{ ]ق‪ [18 ،17:‬أي‪ :‬شاهد ل يغيب‪.‬‬
‫ل َلَدْيِه َرِقي ٌ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ظ ِمن َقْو ٍ‬
‫الشمال{ قعيد ثم قال‪َ} :‬ما َيْلِف ُ‬
‫ب{ ]البقرة‪ ،[186:‬و)هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته(‪ ،‬فهذا إنما‬
‫فهذا كله خبر عن الملئكة‪ ،‬فقوله‪َ} :‬فِإّني َقِري ٌ‬
‫جاء في الدعاء لم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال‪ ،‬وإنما ذكر ذلك في بعض الحوال‪ ،‬وقد قال في الحديث‪:‬‬
‫)أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد(‬
‫ب{ ]العلق‪ ،[19:‬والمراد القرب من الداعي في سجوده‪ ،‬كما قال‪) :‬وأما السجود فأكثروا‬
‫جْد َواْقَتِر ْ‬
‫سُ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬وا ْ‬
‫ن أن يستجاب لكم( ]أي‪ :‬فخليق وجدير[‪ ،‬فأمر‪ /‬بالجتهاد في الدعاء في السجود مع قرب العبد من‬
‫فيه من الدعاء‪َ ،‬فَقِم ٌ‬
‫ربه وهو ساجد‪ .‬وقد ُأمر المصلي أن يقول في سجوده‪) :‬سبحان ربي العلى(‪ .‬رواه أهل السنن‪.‬‬
‫وكذلك حديث ابن مسعود‪) :‬إذا سجد العبد فقال في سجوده‪ :‬سبحان ربي العلى ثلًثا فقد تم سجوده‪ ،‬وذلك أدناه(‪.‬‬
‫رواه أبو داود‪ .‬وفي حديث حذيفة الذي رواه مسلم‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم صلى بالليل صلة قرأ فيها بالبقرة‪،‬‬
‫والنساء‪ ،‬وآل عمران‪ ،‬ثم ركع‪ ،‬ثم سجد نحو قراءته‪ ،‬يقول في ركوعه‪) :‬سبحان ربي العظيم(‪ ،‬وفي سجوده‪) :‬سبحان‬
‫ل ـ وهو‬
‫ربي العلى( وذلك أن السجود غاية الخضوع والذل من العبد‪ ،‬وغاية تسفيله‪ ،‬وتواضعه بأشرف شيء فيه ّ‬
‫وجهه ـ بأن يضعه على التراب‪ ،‬فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه العلى‪ ،‬والعلى أبلغ من العلى؛ فإن العبد‬
‫ليس له من نفسه شيء؛ هو باعتبار نفسه عدم محض‪ ،‬وليس له من الكبرياء والعظمة نصيب‪.‬‬
‫وكذلك في ]العلو في الرض[ ليس للعبد فيه حق؛ فإنه ـ سبحانه ـ ذم من يريد العلو في الرض‪ ،‬كفرعون‪ ،‬وإبليس‪.‬‬
‫ن ِإن ُكنُتم‬
‫عَلْو َ‬
‫لْ‬
‫حَزُنوا َوَأنُتُم ا َ‬
‫ل َت ْ‬
‫ل َتِهُنوا َو َ‬
‫وأما المؤمن فيحصل له العلو باليمان‪ ،‬ل بإرادته له‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ّمْؤِمِنيَن{ ]آل عمران‪.[139 :‬‬

‫فلما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه العلى‪ ،‬فهو ـ سبحانه ـ العلى‪ ،‬والعبد السفل‪ ،‬كما أنه‬
‫الرب‪ ،‬والعبد العبد‪ ،‬وهو الغني‪ ،‬والعبد ‪ /‬الفقير‪ ،‬وليس بين الرب والعبد إل محض العبودية‪ ،‬فكلما كملها قرب العبد‬
‫إليه؛ لنه ـ سبحانه ـ بر‪ ،‬جواد محسن‪ ،‬يعطي العبد ما يناسبه‪ ،‬فكلما عظم فقره إليه كان أغنى‪ ،‬وكلما عظم ذله له كان‬
‫ل حتى تصير ملعونة بعيدة من‬
‫أعز؛ فإن النفس ـ لما فيها من أهوائها المتنوعة وتسويل الشيطان لها ـ تبعد عن ا ّ‬
‫الرحمة‪ .‬و]اللعنة[ هي البعد؛ ومن أعظم ذنوبها إرادة العلو في الرض‪ ،‬والسجود فيه غاية سفولها؛ قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن‬
‫اّلِذيَن َيسَْتْكِبُروَن َعْن ِعَباَدِتي َسَيْدُخُلوَن َجَهّنَم َداِخِريَن{ ]غافر‪.[60:‬‬
‫ك َأن َتَتَكّبَر‬
‫ن َل َ‬
‫ط ِمْنَها َفَما َيُكو ُ‬
‫وفي الصحيح‪) :‬ل يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من ِكْبر( وقال لبليس‪َ} :‬فاْهِب ْ‬
‫ي اْلُعْلَيا{ ]التوبة‪ ،[40:‬فهذا وصف لها ثابت‪ .‬لكن من أراد أن يعلى غيرها‬
‫ل ِه َ‬
‫ِفيَها{ ]العراف‪ ،[13:‬وقال‪َ} :‬وَكِلَمُة ا ّ‬

‫ل[ هي خبره‪ ،‬وأمره‪ ،‬فيكون أمره‬
‫ل( و]كلمة ا ّ‬
‫ل هي العليا فهو في سبيل ا ّ‬
‫جوهد‪ ،‬وقال‪) :‬من قاتل لتكون كلمة ا ّ‬
‫ل{ ]النفال‪ [39:‬و]الدين[‬
‫ن ُكّلُه ِّ‬
‫ن الّدي ُ‬
‫عا مقدًما على أمر غيره‪ ،‬وخبره مصدق مقدم على خبر غيره‪ ،‬وقال‪َ} :‬وَيُكو َ‬
‫مطا ً‬
‫ل‪ .‬كما قيل‪ :‬هو دان الرباب أذكر هو الديـ ** ـن‬
‫ن‪ :‬أي ذللته َفَذ ّ‬
‫هو العبادة والطاعة والذل‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬يقال‪ِ :‬دْنُته َفَدا َ‬
‫دراكا بغزوة وصيال‬
‫ثم دانت بعد الرباب وكانـت ** كعذاب عقوبـة القوال‬
‫‪/‬فإذا كانت العبادة والطاعة والذل له تحقق انه أعلى في نفوس العباد عندهم كما هو العلى في ذاته‪،‬كما تصير كلمته‬
‫هي العليا في نفوسهم كما هي العليا في نفسها‪ ،‬وكذلك التكبير يراد به أن يكون عند العبد أكبر من كل شيء‪ ،‬كما قال‬
‫ل؟ يا‬
‫ن إله إل ا ّ‬
‫ل؟ فهل تعلم ِم ْ‬
‫ي بن حاتم‪) :‬يا عدي‪ ،‬ما ُيِفّرك؟ أُيِفّرك أن يقال‪ :‬ل إله إل ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لَعِد ّ‬
‫ل؟( وهذا يبطل قول من جعل أكبر بمعنى كبير‪.‬‬
‫ل أكبر؟ فهل من شيء أكبر من ا ّ‬
‫عدي‪ ،‬ما ُيِفّرك؟ أُيِفّرك أن يقال‪ :‬ا ّ‬
‫ل‪ ،‬ل لغيره‪ ،‬بأن‬
‫وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إنا معاشر النبياء ديننا واحد( ‪ ،‬وهو السلم‪ ،‬وهو الستسلم ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫تكون العبادة والطاعة له والذل‪ ،‬وهو حقيقة ل إله إل ا ّ‬
‫ول ريب أن ما سوى هذا ل يقبل‪ ،‬وهو ـ سبحانه ـ يطاع في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان‪ ،‬فل إسلم بعد‬
‫مبعث محمد صلى ال عليه وسلم إل فيما جاء به وطاعته‪ ،‬وهي ملة إبراهيم التي ل يرغب عنها إل من سفه نفسه‪،‬‬
‫س ِإَماًما{‬
‫ك ِللّنا ِ‬
‫عُل َ‬
‫جا ِ‬
‫وهو ]المة[ الذي يؤتم به‪ ،‬كما أن ]القدوة[ هو الذي يقتدى به‪ ،‬وهو ]المام[ كما في قوله‪ِ} :‬إّني َ‬
‫ل دائًما‪ ،‬والحنيف المستقيم إلى ربه دون ما‬
‫]البقرة‪ ،[124:‬وهو ]القانت[‪ ،‬والقنوت دوام الطاعة‪ ،‬وهو الذي يطيع ا ّ‬
‫سواه‪.‬‬
‫عا‪ ،‬ومن أتاني يمشي أتيته‬
‫عا ‪/‬تقربت إليه با ً‬
‫ي ذرا ً‬
‫عا‪ ،‬ومن تقرب إل ّ‬
‫ي شبًرا تقربت إليه ذرا ً‬
‫وقوله‪) :‬من تقرب إل ّ‬
‫َهْرَوَلًة( ‪ ،‬فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الخر منه‪ ،‬لكن قد يكون قرب الثاني هو اللزم من قرب الول‪،‬‬
‫ضا قرب بنفسه‪ ،‬فالول كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة‪ ،‬فكلما قرب منه قرب الخر منه من غير‬
‫ويكون منه أي ً‬
‫أن يكون منه فعل‪ ،‬والثاني كقرب النسان إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم في هذا الثر اللهي‪ ،‬فتقرب العبد إلى ا ّ‬
‫ل‬
‫ب{ ]السراء‪:‬‬
‫سيَلَة َأّيُهْم َأْقَر ُ‬
‫ن ِإَلى َرّبِهُم اْلَو ِ‬
‫ن َيْبَتُغو َ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة‪ ،‬مثل قوله‪ُ} :‬أوَلـِئ َ‬
‫ن{‬
‫ل اْلَملِئَكُة اْلُمَقّرُبو َ‬
‫عيْنا ّيشّرب ٌبّها ًبٍمّقّرٍبون{ ]المطففين‪َ} ،[28:‬و َ‬
‫ن{ ]الواقعة‪ّ } ،[88:‬‬
‫ن اْلُمَقّرِبي َ‬
‫ن ِم َ‬
‫‪َ} ،[57‬فَأّما ِإن َكا َ‬
‫ن{ ]آل عمران‪) ،[45:‬وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه( الحديث‪ .‬وفي‬
‫ن اْلُمَقّرِبي َ‬
‫]النساء‪َ} ،[172:‬وِم َ‬
‫ف الليل الخر(‪.‬‬
‫جْو ِ‬
‫الحديث‪) :‬أقرب ما يكون العبد من ربه في َ‬
‫وقد بسطنا الكلم على هذه الحاديث ومقالت الناس في هذا المعنى في ]جواب السئلة المصرية على الفتيا‬
‫ل يدنو‬
‫الحموية[‪ ،‬فهذا قرب الرب نفسه إلى عبده‪ ،‬وهو مثل نزوله إلى السماء الدنيا‪ .‬وفي الحديث الصحيح‪]:‬إن ا ّ‬
‫عَرَفَة[ الحديث‪ ،‬فهذا القرب كله خاص‪ ،‬وليس في الكتاب والسنة قط قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل‬
‫شّية َ‬
‫عِ‬
‫َ‬
‫حال‪ ،‬فعلم بذلك بطلن قول الحلولية؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عاًما مطلًقا‪ ،‬كما جعل إخوانهم‬
‫ل قال على لسان‬
‫ت سمعه( ‪ ،‬وفي قوله‪) :‬فيأتيهم في صورة غير صورته(‪ ،‬وإن ا ّ‬
‫]التحادية[ ذلك في مثل قوله‪) :‬كن ُ‬
‫ل لمن حمده(‪.‬‬
‫نبيه‪) :‬سمع ا ّ‬

‫ل‪ ،‬والروح لها عروج‬
‫‪/‬وكل هذه النصوص حجة عليهم‪ ،‬فإذا فصل تبين ذلك‪ ،‬فالداعي والساجد يوجه روحه إلى ا ّ‬
‫ل ـ عز وجل ـ منها قريًبا قرًبا يلزم‬
‫ل ـ تعالى ـ بل ريب بحسب تخلصها من الشوائب‪ ،‬فيكون ا ّ‬
‫يناسبها‪ ،‬فتقرب من ا ّ‬
‫عا‪.‬‬
‫من قربها‪ ،‬ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة‪ ،‬وفي جوف الليل‪ ،‬وإلى من تقرب منه شبًرا تقرب منه ذرا ً‬
‫وفي الزهد لحمد عن عمران القصير؛ أن موسى ـ عليه السلم ـ قال‪) :‬يا رب‪ ،‬أين أبغيك؟ قال‪ :‬ابغني عند المنكسرة‬
‫عا‪ ،‬لول ذلك لنهدموا( ‪ ،‬فقد يشبه هذا قوله‪) :‬قسمت الصلة بيني وبين عبدي‬
‫قلوبهم‪ ،‬إني أدنو منهم كل يوم با ً‬
‫نصفين( إلى آخره‪.‬‬
‫ب{ ]البقرة‪ [186:‬يدل على أن القرب نعته‪ ،‬ليس هو مجرد ما يلزم من قرب الداعي‬
‫وظاهر قوله‪ّ} :‬فإَني ّقري ِ‬
‫والساجد ودنوه عشية عرفة‪ ،‬هو لما يفعله الحاج ليلتئذ من الدعاء‪ ،‬والذكر‪ ،‬والتوبة‪ ،‬وإل فلو قدر أن أحًدا لم يقف‬
‫بعرفة لم يحصل منه ـ سبحانه ـ ذلك الدنو إليهم؛ فإنه يباهي الملئكة بأهل عرفة‪ ،‬فإذا قدر أنه ليس هناك أحد لم‬
‫يحصل؛ فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم‪،‬كما دل عليه الحديث الخر‪.‬‬
‫والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما ل يوجد في غير ذلك الوقت‪ ،‬وهذا مناسب‬
‫لنزوله إلى السماء الدنيا‪ ،‬وقوله‪) :‬هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من تائب؟(‪.‬‬
‫ثم إن هذا النزول هل هو كدنوه عشية عرفة معلق بأفعال؟ فإن في بلد ‪ /‬الكفر ليس فيهم من يقوم الليل فل يحصل‬
‫لهم هذا النزول‪ ،‬كما أن دنوه عشية عرفة ل يحصل لغير الحجاج في سائر البلد؛ إذ ليس لها وقوف مشروع‪ ،‬ول‬
‫مباهاة الملئكة‪ ،‬وكما أن تفتيح أبواب الجنة‪ ،‬وتغليق أبواب النار‪ ،‬وتصفيد الشياطين إذا دخل شهر رمضان ـ إنما هو‬
‫للمسلمين الذين يصومونه ل الكفار الذين ل يرون له حرمة‪.‬‬
‫صا بأولئك أم هو عام؟ فيه كلم ليس هذا موضعه‪.‬‬
‫وكذلك اطلعه يوم بدر وقوله لهم‪) :‬اْعَمُلوا َما شْئُتْم( كان مخت ً‬
‫والكلم في هذا ]القرب[ من جنس الكلم في نزوله كل ليلة ودنوه عشية عرفة‪ ،‬وتكليمه لموسى من الشجرة‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫ك َمن ِفي الّناِر َوَمْن َحْوَلَها{ ]النمل‪ ،[8:‬وقد بسط الكلم على هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وذكرنا ما قاله السلف‬
‫}َأن ُبوِر َ‬
‫في ذلك‪ ،‬كحماد بن زيد‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬من أنه ينزل إلى السماء الدنيا ول يخلو منه العرش‪ ،‬وبينا أن هذا هو‬
‫الصواب‪ ،‬وإن كان طائفة ممن يدعى السنة يظن خلو العرش منه‪ ،‬وقد صنف أبوالقاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك‬
‫سّدٍد وقال‪:‬‬
‫ضّعفَ ما نقل في ذلك عن أحمد في رسالة ُم َ‬
‫مصنًفا‪ ،‬وَزّيف قول من قال‪ :‬إنه ينزل ول يخلو منه العرش‪ ،‬و َ‬
‫إنها مكذوبة على أحمد‪ ،‬وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد وقال‪ :‬إنه مجهول ل يعرف في أصحاب أحمد‪.‬‬
‫وطائفة تقف‪ ،‬ل تقول‪ :‬يخلو‪ ،‬ول‪ :‬ل يخلو‪ ،‬وتنكر على من يقول ذلك‪ /،‬منهم الحافظ عبد الغني المقدسي‪ ،‬وأما من‬
‫يتوهم أن السموات تنفرج ثم تلتحم‪ ،‬فهذا من أعظم الجهل‪ ،‬وإن وقع فيه طائفة من الرجال‪.‬‬
‫ل فوق العرش‪ ،‬فهو ل يعتقد نزوله‪ ،‬ل بخلو ول بغير خلو‪ ،‬وقال بعض أكابرهم لبعض‬
‫وأما من ل يعتقد أن ا ّ‬
‫المثبتين‪ :‬ينزل أمره‪ .‬فقال‪ :‬من عند من ينزل؟ أنت ليس عندك هناك أحد‪ .‬أثبت أنه هناك ثم قل‪ :‬ينزل أمره‪ .‬وهذا‬
‫ل بن طاهر‪.‬‬
‫نظير قول إسحاق بن راهويه بحضرة المير عبد ا ّ‬
‫ل ونهاًرا إلى أن يموت‪،‬‬
‫والصواب قول السلف‪ :‬أنه ينزل‪ ،‬ول يخلو منه العرش‪ ،‬وروح العبد في بدنه ل تزال لي ً‬
‫ووقت النوم تعرج وقد تسجد تحت العرش‪ ،‬وهي لم تفارق جسده‪ ،‬وكذلك )أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد(‬
‫وروحه في بدنه‪ ،‬وأحكام الرواح مخالف لحكام البدان؛ فكيف بالملئكة؟ فكيف برب العالمين؟‬
‫والليل يختلف‪ ،‬فيكون ثلثه بالمشرق قبل أن يكون ثلثه بالمغرب‪ ،‬ونزوله الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلء في‬
‫ثلث ليلهم‪ ،‬وإلى سماء هؤلء في ثلث ليلهم‪ ،‬ل يشغله شأن عن شأن‪ ،‬وكذلك قربه من الداعي المتقرب إليه والساجد‬
‫لكل واحد بحسبه حيث كان وأين كان‪ ،‬والرجلن يسجدان في موضع واحد ولكل واحد قرب يخصه ل يشركه فيه‬
‫الخر‪.‬‬
‫غا مبيًنا‪ ،‬هو أعلم الخلق بربه وأنصحهم لخلقه وأحسنهم‬
‫‪/‬والنصوص الواردة فيها الهدى والشفاء‪ ،‬والذي بلغها بل ً‬
‫ل عليه ببصيرة في‬
‫نا ّ‬
‫نمّ‬
‫غا‪ ،‬فل يمكن أحد أن يعلم ويقول مثل ما علمه الرسول وقاله‪ ،‬وكل َم ْ‬
‫بياًنا‪ ،‬وأعظمهم بل ً‬

‫صَراطِ‬
‫ق َوَيْهِدي ِإَلى ِ‬
‫حّ‬
‫ك ُهَو اْل َ‬
‫ك ِمن ّرّب َ‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم اّلِذي ُأنِز َ‬
‫قلبه تكون معه معرفة بهذا‪ ،‬ثم قال تعالى‪َ} :‬وَيَرى اّلِذي َ‬
‫عَلى‬
‫جَعْلُه َ‬
‫شْأ َي ْ‬
‫ضِلْلُه َوَمن َي َ‬
‫ل ُي ْ‬
‫شِإ ا ّ‬
‫ت َمن َي َ‬
‫ظُلَما ِ‬
‫صّم َوُبْكٌم ِفي ال ّ‬
‫ن َكّذُبوْا ِبآَياِتَنا ُ‬
‫حِميِد{ ]سبأ‪ [6:‬وقال في ضدهم‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫اْلَعِزيِز اْل َ‬
‫ط ّمْسَتِقيٍم{ ]النعام‪.[39:‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫ِ‬

‫ظَهُروُه{ ]الكهف‪ ،[97:‬ويقال‪:‬‬
‫عوا َأن َي ْ‬
‫طا ُ‬
‫سَ‬
‫هر{ ]الحديد‪ [3:‬ضمن معنى العالي‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فَما ا ْ‬
‫ظا ِ‬
‫وقوله تعالى‪} :‬ال ّ‬
‫ظهر الخطيب على المنبر‪ ،‬وظاهر الثوب أعله‪ ،‬بخلف بطانته‪ .‬وكذلك ظاهر البيت أعله‪ ،‬وظاهر القول ما ظهر‬
‫منه وبان‪ ،‬وظاهر النسان خلف باطنه‪ ،‬فكلما عل الشيء ظهر؛ ولهذا قال‪) :‬أنت الظاهر فليس فوقك شيء(‪ ،‬فأثبت‬
‫الظهور وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء‪ ،‬ولم يقل‪ :‬ليس شيء أبين منك ول أعرف‪.‬‬
‫‪0‬وبهذا تبين خطأ من فسر ]الظاهر[ بأنه المعروف كما يقوله من يقول‪ :‬الظاهر بالدليل‪ ،‬الباطن بالحجاب‪ ،‬كما في‬
‫ل ورسوله‪ ،‬وإن كان الذي ذكره له معنى صحيح‪ ،‬وقال‪) :‬أنت الباطن فليس‬
‫كلم أبي الفرج وغيره‪ ،‬فلم يذكر مراد ا ّ‬
‫دونك شيء( فيهما معنى الضافة‪ ،‬لبد أن يكون البطون والظهور لمن ‪ /‬يظهر ويبطن‪ ،‬وإن كان فيهما معنى التجلي‪،‬‬
‫سفول‪.‬‬
‫والخفاء‪ ،‬ومعنى آخر كالعلو في الظهور‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ ل يوصف بال ّ‬
‫وقد بسطنا هذا في الحاطة‪ ،‬لكن إنما يظهر من الجهة العالية علينا‪ ،‬فهو يظهر علًما بالقلوب وقصًدا له ومعاينة إذا‬
‫ل ليس فوقه شيء‪ ،‬ومن جهة أخرى يبطن فل يقصد منها ول يشهد‪ ،‬وإن لم يكن شيء‬
‫رؤى يوم القيامة‪ ،‬وهو باد عا ٍ‬
‫أدنى منه؛ فإنه من ورائهم محيط فل شيء دونه ـ سبحانه‪.‬‬
‫فصــل‬
‫في تمام الكلم في القرب‬
‫والرب ـ سبحانه ـ ل يشغله سمع عن سمع ول تغلطه المسائل‪ ،‬بل هو ـ سبحانه ـ يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم‪ ،‬ل‬
‫يشغله هذا عن هذا‪.‬‬
‫قيل لبن عباس‪ :‬كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة؟ قال‪ :‬كما يرزقهم في ساعة واحدة‪ ،‬وقد قال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪) :‬ما منكم من أحد إل سيخلو به ربه‪ ،‬كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر(‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه ـ في الدنيا يسمع دعاء الداعين‪ ،‬ويجيب السائلين؛ مع اختلف اللغات‪ ،‬وفنون الحاجات‪.‬‬
‫وا ّ‬
‫والواحد منا قد يكون له قوة سمع يسمع كلم عدد كثير من المتكلمين‪ ،‬كما أن بعض المقرئين يسمع قراءة عدة‪ ،‬لكن ل‬
‫ل إلى بعض الناس الحاضرين والغائبين‪،‬‬
‫ل قريًبا منه‪ ،‬والواحد منا يجد في نفسه قرًبا ودنًوا ومي ً‬
‫يكون إل عدًدا قلي ً‬
‫دون بعض‪ ،‬ويجد تفاوت ذلك الدنو والقرب‪ .‬والرب ـ تعالى ـ واسع عليم‪ ،‬وسع سمعه الصوات كلها‪ ،‬وعطاؤه‬
‫الحاجات كلها‪.‬‬
‫‪/‬ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن النسان‪ ،‬إذا مال إلى جهة انصرف عن الخرى‪ ،‬وهو يجد‬
‫عمل روحه يخالف عمل بدنه‪ ،‬فيجد نفسه تقرب من نفوس كثير من الناس‪ ،‬من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن‬
‫عا وإقبا ً‬
‫ل‬
‫عا لبعض الناس ومحبة ويجد فيها نأًيا وبعًدا عن آخرين‪ ،‬وارتفا ً‬
‫قربها إلى هذا‪ .‬وكذلك يجد في نفسه خضو ً‬
‫ضا عن قوم غير ما هو قائم بالبدن‪.‬‬
‫على قوم‪ ،‬وإعرا ً‬
‫ففي الجملة‪ ،‬ما نطق به الكتاب والسنة من قرب الرب من عابديه وداعيه هو مقيد مخصوص؛ ل مطلق عام لجميع‬
‫ب{ ]البقرة‪ [186 :‬فهذا قربه من داعيه‪.‬‬
‫عّني َفِإّني َقِري ٌ‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫سَأَل َ‬
‫الخلق‪ ،‬فبطل قول الحلولية‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وِإَذا َ‬
‫ب{ ]السراء‪.[57:‬‬
‫سيَلَة َأّيُهْم َأْقَر ُ‬
‫ن ِإَلى َرّبِهُم اْلَو ِ‬
‫ن َيْبَتُغو َ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫وأما قربه من عابديه ففي مثل قوله‪ُ}:‬أوَلـِئ َ‬
‫عا( فهذا قربه‬
‫ي شبًرا تقربت إليه ذرا ً‬
‫ي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه( وقال‪) :‬من تقرب إل ّ‬
‫وقوله‪) :‬ما تقرب إل ّ‬
‫إلى عبده‪ ،‬وقرب عبده إليه؛ ودنوه عشية عرفة إلى السماء الدنيا ل يخرج عن القسمين؛ فإنه صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪) :‬أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة( فدنوه لدعائهم‪.‬‬

‫وأما نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة؛ فإن كان لمن يدعوه ويسأله ويستغفره‪ ،‬فإن ذلك الوقت يحصل فيه من قرب الرب‬
‫إلى عابديه ما ل يحصل في غيره‪ / ،‬فهو من هذا‪ ،‬وإن كان مطلًقا فيكون بسبب الزمان؛ لكونه يصلح لهذا وإن لم يقع‬
‫فيه‪.‬‬
‫ونظيره ]ساعة الجابة[ يوم الجمعة‪ .‬روى أنها مقيدة بفعل الجمعة‪ ،‬وهي من حين يصعد المام على المنبر إلى أن‬
‫تنقضي الصلة؛ ولهذا تكون مقيدة بفعل الجمعة‪ ،‬فمن لم يصل الجمعة لغير عذر ويعتقد وجوبها لم يكن له فيها‬
‫نصيب‪ ،‬وأما من كانت عادته الجمعة ثم مرض أو سافر‪ ،‬فإنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم‪ ،‬وكذلك‬
‫المحبوس ونحوه‪ ،‬فهؤلء لهم مثل أجر من شهد الجمعة‪ ،‬فيكون دعاؤهم كدعاء من شهدها‪.‬‬
‫عَرَفَة وعلى من شهد الجمعة‪ ،‬تنتشر بركاتها إلى غيرهم من أهل‬
‫شّيَة َ‬
‫عِ‬
‫جاج َ‬
‫حّ‬
‫وقد تكون الرحمة التي تنزل على ال ُ‬
‫العذار‪ ،‬فيكون لهم نصيب من إجابة الدعاء وحظ مع من شهد ذلك‪،‬كما في شهر رمضان‪ ،‬فهذا موجود لمن يحبهم‬
‫ل‪ ،‬ويود لو كان معهم‪.‬‬
‫ويحب ما هم فيه من العبادة‪ ،‬فيحصل لقلبه تقرب إلى ا ّ‬
‫ضا وبًرا‪ ،‬بل هو معرض عن محبة ذلك وإرادته‪ ،‬فهذا‬
‫وأما الكافر والمنافق الذي ل يرى الحج بًرا‪ ،‬ول الجمعة فر ً‬
‫ل قريب من المحسنين‪ ،‬وهذا ليس منهم‪.‬‬
‫ل؛ فإن رحمة ا ّ‬
‫قلبه بعيد عن رحمة ا ّ‬
‫وروى في ساعة الجمعة أنها آخر النهار فيكون سببها الوقت‪.‬‬
‫وقد ثبت في الصحيح‪) :‬أن في الليل ساعة يستجاب الدعاء فيها كما في يوم الجمعة‪ ،‬وذلك كل ليلة‪ ،‬وأقرب ما يكون‬
‫العبد من ربه في جوف الليل الخر(‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫فصـل‬

‫وأما قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه‪ ،‬فهذا أمر معروف ل يجهل؛ فإن القلوب تصعد إليه على قدر‬
‫ما فيها من اليمان والمعرفة‪،‬والذكر والخشية والتوكل‪ ،‬وهذا متفق عليه بين الناس كلهم‪ ،‬بخلف القرب الذي قبله؛‬
‫فإن هذا ينكره الجهمي الذي يقول‪ :‬ليس فوق السموات رب يعبد‪ ،‬ول إله يصلى له ويسجد‪ ،‬وهذا كفر وفَنٌد ]أي‪:‬‬
‫خَرف وإنكار العقل لهرم أو مرض‪ ،‬والخطأ في القول والرأي والكذب[‪.‬‬
‫ال َ‬
‫والول تنكره الُكلبية ومن يقول‪ :‬ل تقوم المور الختيارية به‪.‬‬
‫ومن أتباع الشعري ـ من أصحاب أحمد وغيره ـ من يجعل الرضا‪ ،‬والغضب‪ ،‬والفرح‪ ،‬والمحبة هي الرادة‪ ،‬وتارة‬
‫يجعلونها صفات أخرى قديمة غير الرادة‪ ،‬وهذا القرب الذي في القلب المتفق عليه هو قرب المثال العلمي في‬
‫صا تمثل في قلبه‪ ،‬ووجده قريًبا إلى قلبه‪ ،‬وإذا ذكره حضر في قلبه‪،‬‬
‫الحقيقة‪ ،‬وذلك مستلزم لمحبته؛ فإن من أحب شخ ً‬
‫ت أنك أّني‪.‬‬
‫وقد يحصل للنسان بمحبوبه المخلوق فناء عن نفسه‪ ،‬كما قال القائل‪ :‬غبت بك عني فظنن ُ‬
‫‪/‬ومنه قول القائل‪:‬‬
‫حاضر في القلب ُأبصره ** لست أنساه فأذكـــــره‬
‫وقول الخر‪:‬‬
‫مثالك في عيني وذكرك في فمي ** ومثواك في قلبي فأين تغيب؟‬
‫لْر ِ‬
‫ض‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي ا َْ‬
‫عَلى{ ]الروم‪ ،[27:‬وكقوله‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫لْ‬
‫ل ا َْ‬
‫ل فيه‪َ}:‬وَلُه اْلَمَث ُ‬
‫وهذا هو]المثل العلى[ الذي قال ا ّ‬
‫ض{ ]النعام‪ ،[3:‬وهو ]المثل[ في قوله‪َ}:‬لْي َ‬
‫س‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوِفي ا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫حِكيُم اْلَعِليُم{ ]الزخرف‪َ} ،[84:‬وُهَو ا ّ‬
‫ِإَلٌه َوُهَو اْل َ‬
‫ل‪ ،‬فنفسه المقدسة ل يماثلها شيء من الموجودات‪،‬‬
‫يٌء{ ]الشورى‪ ،[11:‬فإنه ـ سبحانه ـ ل يماثله شيء أص ً‬
‫ش ْ‬
‫َكِمْثِلِه َ‬

‫وصفاتها ل يماثلها شيء من الصفات‪ ،‬وما في القلوب من معرفته ل يماثله شيء من المعارف‪ ،‬ومحبته ل يماثلها‬
‫شيء‪ ،‬فله ]المثل العلى[ كما أنه في نفسه العلى‪.‬‬

‫ل َوَتْثِبيًتا ّم ْ‬
‫ن‬
‫تا ّ‬
‫ضا ِ‬
‫ن َأْمَواَلُهُم اْبِتَغاء َمْر َ‬
‫ن ُينِفُقو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سَتْوَقَد َنارًا{ ] البقرة‪َ} ،[17:‬وَمَث ُ‬
‫ل اّلِذي ا ْ‬
‫وقد قال تعالى‪َ} :‬مَثُلُهْم َكَمَث ِ‬
‫صيٌر{ ] البقرة‪ [265:‬وغير‬
‫ن َب ِ‬
‫ل ِبَما َتْعَمُلو َ‬
‫ل َوا ّ‬
‫ل َفطَ ّ‬
‫صْبَها َواِب ٌ‬
‫ن َفِإن ّلْم ُي ِ‬
‫ضْعَفْي ِ‬
‫ت ُأُكَلَها ِ‬
‫ل َفآَت ْ‬
‫صاَبَها َواِب ٌ‬
‫جّنٍة ِبَرْبَوٍة َأ َ‬
‫ل َ‬
‫سِهْم َكَمَث ِ‬
‫َأنُف ِ‬

‫ذلك‪.‬‬
‫‪/‬ويشبه مثل هذا بمثل هذا‪ ،‬وذلك يتضمن تشبيه ذات هذا بذات هذا؛ فإن الخبر عن الشياء إنما يكون بعد معرفتها‪،‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ أخبر أولً عن ]المثل العلمي[ الذي يسمى الصورة الذهنية‪ ،‬ثم إذا كان الخبر صادًقا فإنه يستدل به‬
‫على أن الحقيقة مطابقة لما تصوره؛ ولهذا كان الناس إنما يعبرون عن الشيء ويصفونه بما يعرفونه‪ ،‬وتتنوع أسماؤه‬
‫عندهم لتنوع ما يعرفونه من صفاته‪.‬‬
‫حا رآه في‬
‫ل ـ عز وجل ـ في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرائي‪ ،‬إن كان صال ً‬
‫ومن رأى ا ّ‬
‫صورة حسنة؛ ولهذا رآه النبي صلى ال عليه وسلم في أحسن صورة‪.‬‬
‫و]المشاهدات[ التي قد تحصل لبعض العارفين في اليقظة‪ ،‬كقول ابن عمر لبن الزبيرـ لما خطب إليه ابنته في‬
‫ل ـ عز وجل ـ في طوافنا؟ ! وأمثال ذلك‪ ،‬إنما يتعلق بالمثال العلمي‬
‫الطواف ـ‪ :‬أتحدثني في النساء ونحن نتراءى ا ّ‬
‫المشهود‪ ،‬لكن رؤية النبي صلى ال عليه وسلم لربه فيها كلم ليس هذا موضعه؛ فإن ابن عباس قال‪ :‬رآه بفؤاده‬
‫مرتين‪ .‬فالنبي صلى ال عليه وسلم مخصوص بما لم يشركه فيه غيره‪.‬‬
‫لو‬
‫عا ل ينحصر؛ بل الخلق في إيمانهم با ّ‬
‫ل والمحبة له تنو ً‬
‫وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة با ّ‬
‫كتابه و رسوله متنوعون‪ / ،‬فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول مثال علمي بحسب معرفته مع اشتراكهم في اليمان‬
‫ل وبكتابه وبرسوله ـ فهم متنوعون في ذلك متفاضلون‪ .‬وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار وغير ذلك من أمور‬
‫با ّ‬
‫ضا من أمور الغيب هو كذلك‪ ،‬بل يشاهدون المور ويسمعون الصوات‪،‬‬
‫الغيب‪ .‬وكذلك ما يخبر به الناس بعضهم بع ً‬
‫وهم متنوعون في الرؤية والسماع‪ ،‬فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم يتبين للخر‪ ،‬حتى قد يختلفون‬
‫فيثبت هذا ما ل يثبت الخر‪ ،‬فكيف فيما أخبروا به من الغيب؟!‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم أخبرهم عن الغيب بأحاديث كثيرة وليس كلهم سمعها مفصلة‪ ،‬والذين سمعوا ما سمعوا‬
‫ليس كلهم فهم مراده‪ ،‬بل هم متفاضلون في السمع والفهم كتفاضل معرفتهم‪ ،‬وإيمانهم بحسب ذلك حتى يثبت أحدهم‬
‫أموًرا كثيرة والخر ل يثبتها‪ ،‬لسيما من علق بقلبه شبه النفاة‪ ،‬فهو ينفي ما أثبته الكتاب والسنة وما عليه أهل الحق‪.‬‬
‫ل وكتابه ورسوله واليوم الخر ـ وإن كانوا متفاضلين في اليمان ـ إل من‬
‫وهذا يبين لك أن هؤلء كلهم مؤمنون با ّ‬
‫شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين‪.‬‬
‫ل وذكًرا وعبادة‪ ،‬كان اليمان عنده أقوى وأرسخ من‬
‫ثم هم يتفاضلون في العلم والرادة‪ ،‬فإذا كان أحدهم أكثر محبة ّ‬
‫ل‪ ،‬وإن كان لغيره من العلم بالسماء والصفات ما ليس له‪.‬‬
‫حيث المحبة والعبادة ّ‬
‫‪/‬‬

‫فصاحب المحبة والذكر والتأله‪ ،‬يحصل له من حضور الرب في قلبه وُأنسه به ما ل يحصل لمن ليس مثله‪.‬‬

‫وكذلك اليمان بالرسول‪ ،‬قد يكون أحد الشخصين أعلم بصفاته والخر أكثر محبة له‪ ،‬وكذلك الشخاص ـ‬
‫جّندة‪ ،‬فما تعارف منها ائتلف‪،‬‬
‫المشهورون ـ قد يكون الرجل أعلم بما رأى‪ ،‬والخر أكثر محبة له‪ ،‬و)الرواح جنود ُم َ‬
‫وما تناكر منها اختلف( وتعارفها تناسبها‪ ،‬وتشابهها فيما تعلمه وتحبه وتكرهه‪.‬‬
‫ل بعينه؛ لنه لما استولى‬
‫وكثير من هؤلء العباد الذي يشهد قلبه الصورة المثالية ويفنى فيما شهده‪ ،‬يظن أنه رأى ا ّ‬
‫على قلبه سلطان الشهود لم يبق له عقل يميز به‪ ،‬والمشاهد للمور هو القلب‪ ،‬لكن تارة شاهدها بواسطة الحس‬
‫ضا يميز بين الشهودين‪ ،‬فإن غاب عن الفرق بين الشهودين ظن أنه رآه بعينه‪ ،‬وإن‬
‫الظاهر‪ ،‬وتارة بنفسه‪ ،‬فل يبقى أي ً‬
‫ل‪ ،‬وكما قال‬
‫جّبة إل ا ّ‬
‫غاب عن الفرق بين الشاهد والمشهود ظن أنه هو‪ ،‬كما يحكي عن أبى يزيد أنه قال‪ :‬ليس في ال ُ‬
‫ت أنك أّني‪ ،‬وكان المحبوب قد ألقى نفسه في الماء‪ ،‬فألقى المحب نفسه خلفه‪.‬‬
‫الخر‪ :‬غبت بك عني؛ فظنن ُ‬

‫وهذا كله‪ ،‬من قوة شهود القلب وضعف العقل‪ ،‬بمنزلة ما يراه النائم؛ فإنه لغيبة عقله بالنوم يظن أن ما يراه هو بعينه‬
‫الظاهرة‪ ،‬وما يسمعه يسمعه‪ /‬بإذنه الظاهرة‪ ،‬وما يتكلم به يتكلم به بلسانه بالحس الظاهر‪ ،‬وعينه مغمضة‪ ،‬ولسانه‬
‫ساكت‪ .‬وقد يقوى تصوره الخيالي في النوم حتى يتصل بالحس الظاهر؛ فيبقى النائم يقرأ بلسانه ويتكلم بلسانه تبًعا‬
‫لخياله‪ ،‬ومع هذا فعقله غائب ل يشعر بذلك‪ ،‬كما يحصل مثل ذلك للسكران والمجنون وغيرهما‪.‬‬
‫ولهذا جاءت الشريعة بأن القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمي عليه‪ ،‬ولم يختلفوا إل فيمن زال عقله بسبب‬
‫حّرم‪.‬‬
‫ُم َ‬
‫ل فعنده من اليمان بحسب ذلك‪ ،‬ثم من لم تقم عليه الحجة بماجاءت به الخبار لم يكفر‬
‫وهذا يبين أن كل من أقر با ّ‬
‫ل ورسوله ـ وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته ـ إل من‬
‫بجحده‪ ،‬وهذا يبين أن عامة أهل الصلة مؤمنون با ّ‬
‫كان منافًقا ـ يظهر اليمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول ـ فهذا ليس بمؤمن‪ ،‬وكل من أظهرالسلم ولم يكن منافًقا فهو‬
‫مؤمن‪ ،‬له من اليمان بحسب ما أوتيه من ذلك‪ ،‬وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من اليمان‪،‬‬
‫ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلف عقائدهم‪.‬‬
‫ل كما يعرفه نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم ـ أو أكثرهم‬
‫ولو كان ل يدخل الجنة إل من يعرف ا ّ‬
‫ـ ل يستطيعون هذه المعرفة‪ ،‬بل يدخلونها ‪/‬وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم‪ ،‬وإذا كان الرجل قد‬
‫ل به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحمل ما ل يطيق‪ ،‬وإن كان يحصل له بذلك فتنة‬
‫حصل له إيمان يعرف ا ّ‬
‫لم يحدث بحديث يكون له فيه فتنة‪.‬‬
‫فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها‪ ،‬كالقرآن والحديث‬
‫ل على محمد وآله وصحبه‪.‬‬
‫ل أعلم‪ ،‬وصلى ا ّ‬
‫المشهور‪ ،‬وهم مختلفون في معنى ذلك‪ ،‬وا ّ‬
‫ل ـ عن رجلين اختلفا في العتقاد‪ .‬فقال أحدهما‪ :‬من ل‬
‫سئل شيخ السلم أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رحمه ا ّ‬
‫‪/‬‬
‫ل ـ سبحانه ـ ل ينحصر في مكان‪ ،‬وهما‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ في السماء فهو ضال‪ .‬وقال الخر‪ :‬إن ا ّ‬
‫يعتقد أن ا ّ‬
‫ل عنه ـ وما الصواب في ذلك؟‬
‫شافعيان‪ ،‬فبينوا لنا ما نتبع من عقيدة الشافعي ـ رضي ا ّ‬
‫الجواب‪:‬‬
‫ل عنه ـ واعتقاد سلف السلم؛ كمالك‪ ،‬والثوري‪ ،‬والوزاعى‪ ،‬وابن المبارك‪،‬‬
‫ل‪ ،‬اعتقاد الشافعي ـ رضي ا ّ‬
‫الحمد ّ‬
‫ضيل بن عياض‪ ،‬وأبي سليمان الداراني‪،‬‬
‫وأحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالُف َ‬
‫سُتري‪ ،‬وغيرهم‪ .‬فإنه ليس بين هؤلء الئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين‪.‬‬
‫ل الّت ْ‬
‫وسهل بن عبد ا ّ‬
‫ل عليه ـ فإن العتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك‪ ،‬موافق لعتقاد هؤلء‪،‬‬
‫وكذلك أبو حنيفة ـ رحمة ا ّ‬
‫واعتقاد هؤلء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان‪ ،‬وهو ما نطق به الكتاب والسنة‪.‬‬
‫ل الذي هو كما وصف به نفسه‪ ،‬وفوق ما يصفه به خلقه‪ .‬فبين ـ‬
‫قال الشافعي في أول خطبة ]الرسالة[‪ :‬الحمد ّ‬
‫‪/‬‬
‫ل موصوف بما وصف به نفسه في كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل ـ أن ا ّ‬
‫رحمه ا ّ‬
‫ل إل بما وصف به نفسه‪ ،‬أو وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من غير‬
‫وكذلك قال أحمد بن حنبل‪ :‬ل يوصف ا ّ‬
‫تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومن غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬بل يثبتون له ما أثبته لنفسه من السماء الحسنى‪ ،‬والصفات العليا‪،‬‬
‫صيُر{ ] الشورى‪ :[11:‬ل في صفاته‪ ،‬ول في ذاته‪ ،‬ول في أفعاله‪.‬‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫يٌء َوُهَو ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫ويعلمون أنه }َلْي َ‬
‫إلى أن قال‪ :‬وهو الذي خلق السموات والرض وما بينهما في ستة أيام‪ ،‬ثم استوى على العرش‪ ،‬وهو الذي كلم موسى‬
‫جّلى للجبل فجعله َدّكا‪ ،‬ول يماثله شيء من الشياء في شيء من صفاته‪ ،‬فليس كعلمه علم أحد‪ ،‬ول كقدرته‬
‫تكليًما‪ ،‬وت َ‬
‫قدرة أحد‪ ،‬ول كرحمته رحمة أحد‪ ،‬ول كاستوائه استواء أحد‪ ،‬ول كسمعه وبصره سمع أحد ول بصره؛ ول كتكليمه‬
‫تكليم أحد‪ ،‬ول كتجّليه تجّلي أحد‪.‬‬
‫ل وماًء‪ ،‬وحريًرا وذهًبا‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه ـ قد أخبرنا أن في الجنة لحما ولبًنا‪ ،‬وعس ً‬
‫وا ّ‬

‫ل عنهما ـ‪ :‬ليس في الدنيا مما في الخرة إل السماء‪.‬‬
‫وقد قال ابن عباس ـ رضي ا ّ‬
‫‪/‬فإذا كانت هذه المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة ـ مع اتفاقها في السماء ـ فالخالق أعظم علوا‬
‫ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق‪ ،‬وإن اتفقت السماء‪.‬‬
‫وقد سمى نفسه حًيا عليما‪ ،‬سميًعا بصيًرا‪ ،‬وبعضها رؤوًفا رحيًما‪ ،‬وليس الحي كالحي‪ ،‬ول العليم كالعليم‪ ،‬ول السميع‬
‫كالسميع‪ ،‬ول البصير كالبصير‪ ،‬ول الرؤوف كالرؤوف‪ ،‬ول الرحيم كالرحيم‪.‬‬
‫ل في جوف السماء‪،‬‬
‫ل؟( قالت‪ :‬في السماء‪ ،‬لكن ليس معنى ذلك أن ا ّ‬
‫وقال في سياق حديث الجارية المعروف‪) :‬أين ا ّ‬
‫ل فوق سمواته‪،‬‬
‫وأن السموات تحصره وتحويه‪ ،‬فإن هذا لم يقله أحد من سلف المة وأئمتها‪ ،‬بل هم متفقون على أن ا ّ‬
‫على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬ليس في مخلوقاته شيء من ذاته‪ ،‬ول في ذاته شيء من مخلوقاته‪.‬‬
‫ل في جوف السماء‬
‫ل فوق السماء‪ ،‬وعلمه في كل مكان‪ .‬إلى أن قال‪ :‬فمن اعتقد أن ا ّ‬
‫وقد قال مالك بن أنس‪ :‬إن ا ّ‬
‫محصور محاط به‪ ،‬وأنه مفتقر إلى العرش‪ ،‬أو غيـر العرش ـ من المخـلوقات ـ أو أن استواءه على عرشه كاستواء‬
‫المخلوق على كرسيه ـ فهو ضال مبتدع جاهل‪ ،‬ومن اعتقد أنه ليس فوق السموات إله يعبد‪ ،‬ول على العرش رب‬
‫يصلى له ويسجد‪ ،‬وأن محمًدا لم يعرج به إلى ربه‪ ،‬ول نزل القرآن من عنده ـ فهو معطل فرعوني‪ ،‬ضال مبتدع‪.‬‬
‫ل في السماء فهو ضال‪ / :‬إن أراد بذلك‪ :‬من ل يعتقد أن‬
‫وقال ـ بعد كلم طويل ـ‪ :‬والقائل الذي قال‪ :‬من لم يعتقد أن ا ّ‬
‫ل في جوف السماء‪ ،‬بحيث تحصره وتحيط به‪ ،‬فقد أخطأ‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫ل فوق سمواته على‬
‫وإن أراد بذلك‪ :‬من لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة‪ ،‬واتفق عليه سلف المة وأئمتها‪ ،‬من أن ا ّ‬
‫عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬فقد أصاب؛ فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذًبا للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬متبًعا لغير سبيل‬
‫ل لربه نافًيا له؛ فل يكون له في الحقيقة إله يعبده‪ ،‬ول رب يسأله‪ ،‬ويقصده‪ .‬وهذا‬
‫المؤمنين‪ ،‬بل يكون في الحقيقة معط ً‬
‫ل قد فطر العباد ـ عربهم وعجمهم ـ على أنهم إذا دعوا ا ّ‬
‫ل‬
‫قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون المعطل‪ .‬وا ّ‬
‫توجهت قلوبهم إلى العلو‪ ،‬ول يقصدونه تحت أرجلهم‪.‬‬
‫ل‪ ،‬إل وجد في قلبه ـ قبل أن يتحرك لسانه ـ معنى يطلب العلو‪ ،‬ل‬
‫ولهذا قال بعض العارفين‪ :‬ما قال عارف قط‪ :‬يا ا ّ‬
‫سَرة‪.‬‬
‫يلتفت يمنة ول َي ْ‬
‫وذكر ـ من بعد كلم طويل ـ الحديث‪) :‬كل مولود يولد على الفطرة‪.(...‬‬
‫ل وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ .‬وما أجمع‬
‫ولهل الحلول والتعطيل في هذا الباب شبهات‪ ،‬يعارضون بها كتاب ا ّ‬
‫ل عليه عباده‪ ،‬وما دلت عليه الدلئل العقلية الصحيحة؛ فإن هذه الدلة كلها متفقة ‪/‬‬
‫سلف المة وأئمتها‪ ،‬وما فطر ا ّ‬
‫ل على ذلك العجائز والصبيان والعراب في الكتاب‪ ،‬كما فطرهم‬
‫ل فوق مخلوقاته‪ ،‬عال عليها‪ ،‬قد فطر ا ّ‬
‫على أن ا ّ‬
‫على القرار بالخالق ـ تعالى‪.‬‬
‫صَراِنه‪ ،‬أو‬
‫وقد قال صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح‪) :‬كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه ُيَهّوداِنه‪ ،‬أو ُيَن ّ‬
‫طَرَة ا ِّ‬
‫ل‬
‫عاء؟( ثم يقول أبو هريرة‪ :‬اقرؤوا إن شئتم‪ِ} :‬ف ْ‬
‫جْد َ‬
‫سون فيها من َ‬
‫حّ‬
‫جمَعاء هل ُت ِ‬
‫ساِنه‪ ،‬كما تنتج البهيمة بهيمة َ‬
‫جَ‬
‫ُِيَم ّ‬
‫ل{ ]الروم‪.[30 :‬‬
‫ق ا ِّ‬
‫خْل ِ‬
‫ل ِل َ‬
‫ل َتْبِدي َ‬
‫عَلْيَها َ‬
‫س َ‬
‫طَر الّنا َ‬
‫اّلِتي َف َ‬
‫ل عليه‪ ،‬فإن الّ‬
‫وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز‪ :‬عليك بدين العراب والصبيان في الكتاب‪ ،‬وعليك بما فطرهم ا ّ‬
‫فطر عباده على الحق‪ ،‬والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها‪ ،‬ل بتحويل الفطرة وتغييرها‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ويوردون على الناس شبهات‬
‫وأما أعداء الرسل ـ كالجهمية الفرعونية ونحوهم ـ فيريدون أن يغيروا فطرة ا ّ‬
‫بكلمات مشتبهات‪ ،‬ل يفهم كثير من الناس مقصودهم بها‪ ،‬ول يحسن أن يجيبهم‪.‬‬
‫وأصل ضللتهم َتَكّلُمهم بكلمات مجملة‪ ،‬ل أصل لها في كتابه‪ ،‬ول سنة رسوله‪ ،‬ول قالها أحد من أئمة المسلمين‪،‬‬
‫حّيز والجسم‪ ،‬والجهة ونحو ذلك‪.‬‬
‫كلفظ الّت َ‬

‫ل شبهاتهم َبّيَنَها‪ ،‬ومن لم يكن عارًفا بذلك فليعرض عن كلمهم‪ ،‬ول يقبل إل ما جاء به الكتاب‬
‫حّ‬
‫فمن كان عارًفا ب َ‬
‫ث َغْيِرِه{ ]النعام‪ .[68 :‬ومن‬
‫حِدي ٍ‬
‫ضوْا ِفي َ‬
‫خو ُ‬
‫حّتى َي ُ‬
‫عْنُهْم َ‬
‫ض َ‬
‫عِر ْ‬
‫ن ِفي آَياِتَنا َفَأ ْ‬
‫ضو َ‬
‫خو ُ‬
‫ن َي ُ‬
‫ت اّلِذي َ‬
‫والسنة‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وِإَذا َرَأْي َ‬
‫ل بالباطل‪.‬‬
‫ل وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة‪ ،‬فهو من الخائضين في آيات ا ّ‬
‫يتكلم في ا ّ‬
‫وكثير من هؤلء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه؛ فينسبون إلى الشافعي‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬ومالك‪ ،‬وأبي حنيفة‬
‫من العتقادات ما لم يقولوا‪ .‬ويقولون لمن اتبعهم‪ :‬هذا اعتقاد المام الفلني؛ فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الئمة‬
‫تبين كذبهم‪.‬‬
‫وقال الشافعي‪ :‬حكمي في أهل الكلم‪ :‬أن يضربوا بالجريد والنعال‪ ،‬ويطاف بهم في القبائل والعشائر‪ ،‬ويقال‪ :‬هذا‬
‫جزاء من ترك الكتاب والسنة‪ ،‬وأقبل على الكلم‪.‬‬
‫قال أبو يوسف القاضي‪ :‬من طلب الّدين بالكلم تزندق‪.‬‬
‫قال أحمد‪ :‬ما اْرَتَدى أحد بالكلم فأفلح‪.‬‬
‫عَدًما‪ ،‬والممّثل يعبد صنما‪ .‬المعطل أعمى‪ ،‬والممثل أعشى‪ ،‬ودين الّ بين الغالي فيه‬
‫طل يعبد َ‬
‫قال بعض العلماء‪ :‬الُمَع ّ‬
‫والجافي عنه‪.‬‬
‫طا{ ]البقرة‪ ،[143 :‬والسنة في السلم كالسلم في الملل‪.‬‬
‫سً‬
‫جَعْلَناُكْم ُأّمًة َو َ‬
‫ك َ‬
‫وقد قال تعالى‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫ل رب العالمين‪.‬‬
‫انتهى‪ ،‬والحمد ّ‬
‫سئل شيخ السلم عمن يعتقد ]الجهة[‪ :‬هل هو مبتدع أو كافر أو ل؟‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫ل في داخل المخلوقات تحويه المصنوعات‪ ،‬وتحصره السماوات‪ ،‬ويكون‬
‫أما من اعتقد الجهة؛ فإن كان يعتقد أن ا ّ‬
‫بعض المخلوقات فوقه‪ ،‬وبعضها تحته‪ ،‬فهذا مبتدع ضال‪.‬‬
‫ضا مبتدع ضال‪ .‬وكذلك إن جعل‬
‫ل يفتقر إلى شيء يحمله ـ إلى العرش‪ ،‬أو غيره ـ فهو أي ً‬
‫وكذلك إن كان يعتقد أن ا ّ‬
‫ل كاستواء المخلوق‪ ،‬أو نزوله كنزول المخلوق‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فهذا‬
‫ل مثل صفات المخلوقين‪ ،‬فيقول‪ :‬استواء ا ّ‬
‫صفات ا ّ‬
‫ل ل تماثله المخلوقات في شيء من الشياء‪ ،‬ودلت على أن‬
‫مبتدع ضال؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن ا ّ‬
‫ل عليها‪.‬‬
‫ل مباين للمخلوقات عا ٍ‬
‫ل غني عن كل شيء‪ ،‬ودلت على أن ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫وإن كان يعتقد أن الخالق ـ تعالى ـ بائن عن المخلوقات‪ ،‬وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته‪ ،‬ليس في‬
‫ل غني عن العرش وعن كل ما سواه‪ ،‬ل يفتقر إلى‬
‫مخلوقاته شيء من ذاته‪ ،‬ول في ذاته شيء من مخلوقاته‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫شيء من ‪/‬المخلوقات‪ ،‬بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش بقدرته‪ ،‬ول يمثل استواء ا ّ‬
‫ل‬
‫ل ليس‬
‫ل ما أثبته لنفسه من السماء والصفات‪ ،‬وينفي عنه مماثلة المخلوقات‪ ،‬ويعلم أن ا ّ‬
‫باستواء المخلوقين؛ بل يثبت ّ‬
‫كمثله شيء‪ ،‬ل في ذاته‪ ،‬ول في صفاته‪ ،‬ول أفعاله ـ فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف المة وأئمتها‪.‬‬
‫ل بما وصف به نفسه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من غير تحريف ول‬
‫فإن مذهبهم أنهم يصفون ا ّ‬
‫ل بكل شيء عليم‪ ،‬وعلى كل شيء قدير‪ ،‬وأنه خلق السموات‬
‫تعطيل‪ ،‬ومن غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬فيعلمون أن ا ّ‬
‫جّلى للجبل فجعله دًكا هشيًما‪.‬‬
‫والرض وما بينهما في ستة أيام‪ ،‬ثم استوى على العرش‪ ،‬وأنه كلم موسى تكليًما‪ ،‬وَت َ‬
‫ل عن صفات النقص والعيب‪ ،‬ويثبتون له‬
‫ل ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به نفسه‪ ،‬وينزهون ا ّ‬
‫ويعلمون أن ا ّ‬
‫صفات الكمال‪ ،‬ويعلمون أنه ليس له كفو أحد في شيء من صفات الكمال‪.‬‬

‫ل به نفسه فقد كفر‪ ،‬وليس فيما وصف‬
‫ل بخلقه فقد كفر‪ ،‬ومن جحد ما وصف ا ّ‬
‫قال نعيم بن حماد الخزاعي‪ :‬من شبه ا ّ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫ل به نفسه ول رسوله تشبيًها‪ ،‬وا ّ‬
‫ا ّ‬
‫‪/‬حكاية مناظرة في الجهة والتحيز‬
‫ل ورضي عنه ـ حين جىء به من دمشق على البريد‪ ،‬واعتقل‬
‫صورة ما طلب من الشيخ تقي الدين بن تيمية ـ رحمه ا ّ‬
‫بالجب بقلعة الجبل‪ ،‬بعد عقد المجلس بدار النيابة‪ ،‬وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان‪،‬‬
‫ل عليه !‬
‫وعقد المجلس يوم الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلة الجمعة‪ ،‬وفيه اعتقل رحمة ا ّ‬
‫ل حرف وصوت قائم به‪ ،‬بل هو‬
‫ل‪ ،‬والتحيز؛ وأل يقول‪ :‬إن كلم ا ّ‬
‫وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن ا ّ‬
‫معنى قائم بذاته‪ ،‬وإنه ـ سبحانه وتعالى ـ ل يشار إليه بالصابع إشارة حسية‪ ،‬ويطلب منه أل يتعرض لحاديث‬
‫الصفات وآياتها عند العوام‪ ،‬ول يكتب بها إلى البلد‪ ،‬ول في الفتاوى المتعلقة بها‪.‬‬
‫فأجاب عن ذلك‪:‬‬
‫ل والتحيز‪ ،‬فليس في كلمي إثبات هذا اللفظ؛ لن إطلق هذا‬
‫أما قول القائل‪ :‬يطلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن ا ّ‬
‫اللفظ نفيا بدعة‪ ،‬وأنا لم أقل إل ما جاء به الكتاب والسنة‪ ،‬واتفق عليه المة‪.‬‬
‫فإن أراد قائل هذا القول‪ :‬أنه ليس فوق السموات رب‪ ،‬ول فوق العرش ‪ /‬إله‪ ،‬وأن محمًدا لم يعرج به إلى ربه‪ ،‬وما‬
‫فوق العالم إل العدم المحض‪ ،‬فهذا باطل‪ ،‬مخالف لجماع سلف المة‪.‬‬
‫ل ل تحيط به مخلوقاته‪ ،‬ول يكون في جوف الموجودات‪ ،‬فهذا مذكور مصرح به في كلمي‪،‬‬
‫وإن أراد بذلك‪ :‬أن ا ّ‬
‫فإني قائله‪ ،‬فما الفائدة في تجديده؟‬
‫ضا‪ ،‬ول‬
‫ل حرف وصوت قائم به‪ ،‬بل هو معنى قائم بذاته‪ ،‬فليس في كلمي هذا أي ً‬
‫وأما قول القائل‪ :‬ل يقول‪ :‬إن كلم ا ّ‬
‫قلته قط‪ ،‬بل قول القائل‪ :‬إن القرآن حرف وصوت قائم به‪ ،‬بدعة‪ ،‬وقوله معنى قائم بذاته بدعة‪ ،‬لم يقل أحد من السلف‪،‬‬
‫ل غير‬
‫ل هذا ول هذا‪ ،‬وأنا ليس في كلمي شيء من البدع‪ ،‬بل في كلمى ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلم ا ّ‬
‫مخلوق‪.‬‬
‫وأما قول القائل‪ :‬ل يشار إليه بالصابع إشارة حسية‪ ،‬فليس هذا اللفظ في كلمي‪ ،‬بل في كلمي إنكار ما ابتدعه‬
‫ضا ـ بدعة‪.‬‬
‫المبتدعون من اللفاظ النافية‪ ،‬مثل قوله‪ :‬إنه ل يشار إليه‪ ،‬فإن هذا النفي ـ أي ً‬
‫ل ليس محصوًرا في المخلوقات‪ ،‬وغير ذلك من المعاني الصحيحة‪ :‬فهذا‬
‫فإن أراد القائل‪ :‬أنه ل يشار إليه من أن ا ّ‬
‫ل ل يرفع إليه يديه؛ فهذا خلف ما تواترت به السنن عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬وما‬
‫حق؛ وإن أراد أن من دعا ا ّ‬
‫ل في الدعاء‪.‬‬
‫ل عليه عباده من رفع اليدي إلى ا ّ‬
‫فطر ا ّ‬
‫ل يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفًرا(‪.‬‬
‫وقال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن ا ّ‬
‫‪/‬وإذا سمى المسمى ذلك إشارة حسية‪ ،‬وقال‪ :‬إنه ل يجوز‪ ،‬لم يقبل ذلك منه‪.‬‬
‫وأما قول القائل‪ :‬ل يتعرض لحاديث الصفات وآياتها عند العوام‪ :‬فأنا ما فاتحت عامًيا في شيء من ذلك قط‪.‬‬
‫ل به رسوله للمسترشد المستهدي؛ فقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬من سئل عن علم‬
‫وأما الجواب بما بعث ا ّ‬
‫ت َواْلُهَدى ِمن َبْعِد َما‬
‫ن اْلَبّيَنا ِ‬
‫ن َما َأنَزْلَنا ِم َ‬
‫ن َيْكُتُمو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل يوم القيامة بلجام من نار(‪ .‬وقال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫يعلمه فكتمه‪ ،‬ألجمه ا ّ‬
‫ل عليه‪ ،‬وا ّ‬
‫ل‬
‫لِعُنوَن{ ]البقرة‪ .[159 :‬ول يؤمر العالم بما يوجب لعنة ا ّ‬
‫ل َوَيْلَعُنُهُم ال ّ‬
‫ك َيلَعُنُهُم ا ّ‬
‫ب ُأوَلـِئ َ‬
‫س ِفي اْلِكَتا ِ‬
‫َبّيّناُه ِللّنا ِ‬
‫أعلم‪ ،‬والحمد ل رب العالمين‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫ل ـ عن هذه البيات‪:‬‬
‫سئل شيخ السلم ـ رحمه ا ّ‬

‫يا سـادة العلمــاء‪ :‬أفتونــا بمــــا ** يشــــفي الغليل فماء صبري آسـن‬
‫عْقد أصــل عقيـــدة** فـــي حق حق الحق ليس يداهـــن‬
‫عن قول ناظم ِ‬
‫يا منـــكًرا أن اللــــــه مبايــــن ** للخـــلق يا مفتون بل يا فاتــن‬
‫ضا بائــــــن‬
‫هب قد ضللت فأين أنت ؟ فإن تكـن ** أنـــت المباين فهو أي ً‬
‫أو قلت‪ :‬لست مبايًنا‪ .‬قلنــــا‪ :‬إذن ** فبــالتحاد أو الحلول تشاحــــــن‬
‫أو قلت‪ :‬يلزم منـــه شيء داخــــل ** قلنا‪ :‬نعم ما الرب فينا ساكـــــن‬
‫إن قلت‪ :‬يلــزم أنه فــــي حيــــز ** أو صار في جهة فعقـلك واهـــن‬
‫فلقد كذبت فإنـــــه ل حيـــــز ** إل مـــكان وهو منــه بائـــــن‬
‫وكذا الجهــات فإنهـــا عدميـــة ** فـي حقــه والحـق فــي ذا بائـــن‬
‫‪/‬إذ ليس فـوق الحـــق ذات غــيره ** حتـــى تقـدر وهـو فيـها قاطــن‬
‫أو قلت‪ :‬ما هــو داخـل أو خــارج ** هذا يـــدل بأن ما هو كـــــــائن‬
‫صا ووصـــــفته ** عدًما بها هل أنت عنها ضاعــــن‬
‫إذ قد جمعــت نقائ ً‬
‫ما قال‪ :‬ما هو ظاهر أو باطـــــن ** لكنـــه هو ظاهر هــــو باطــن‬
‫فارجع وتب مـن قـال مثلك إنـ ـه ** لمعطل والكــفر فيـــه كامـــــن‬
‫وتفضلـوا بجوابــه مــن نظمكم ** هل صادق فيما ادعى أو مايـــن‬
‫ل للـــ** ـمفتي المصيب بخير آخر ضامـــن‬
‫ل بفصل ظاهر فا ّ‬
‫فص ً‬
‫ل عنه‪:‬‬
‫فأجاب ـ رضي ا ّ‬
‫الحمد ل رب العالمين‪ .‬جواب المنازعين عن مثل هذا الكلم أنهم يقولون‪ :‬هذا الكلم يتضمن شيئين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬الستدلل على أن الرب ـ تعالى ـ مباين للعالم خارج عنه‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬الجواب عن حجة من نفي ذلك‪ ،‬واستدل بأن ذلك يستلزم القول بالتحيز والجهة وهما باطلن‪ ،‬وبطلن اللزم‬
‫يقتضي بطلن الملزوم‪.‬‬
‫ضا ـ أن‬
‫فأما استدلله‪ ،‬فإن مضمونه أنك إما أن تكون مباينا للخالق‪ ،‬وإما أل تكون مبايًنا‪ ،‬فإن قلت‪ :‬إنك مباين لزم ـ أي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫يكون مبايًنا لك؛ لن ‪ /‬المباينة من باب المفاعلة‪ ،‬التي يلزم من ثبوتها من أحد الجانبين ثوبتها في الجانب الخر عق ً‬
‫وكذلك هو في اللغة إل في مواضع قيل‪ :‬إنها مستثناة‪ ،‬بل متأولة‪ ،‬مثل قولهم‪ :‬عاقبت اللص‪ ،‬وداققت النعل‪ ،‬وعافاك‬
‫ل‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫فإن قلت‪ :‬لست مبايًنا له‪ ،‬لزمك القول بالحلول أو التحاد؛ فإنه ما لم يكن مبايًنا لغيره متميًزا عنه كان مجامًعا له‬
‫مداخلً له‪ ،‬بحيث هو يحايثه ويجامعه ويداخله‪ ،‬كما تحايث الصفة َمحَّلها الذي قامت به والصفة المشاركة لها بالقيام‬

‫ل طعمها ولونها ليس هو بمباين لها‪ ،‬بل هو محايث لها ومجامع لها‪ ،‬وذلك الطعم محايث اللون‪،‬‬
‫به؛ فإن التفاحة مث ً‬
‫والمباينة هي المفارقة وهي ضد المجامعة‪ ،‬فلما كانت الصفة التي تسمى العرض تحايث محلها ـ الذي يسمي الجسم ـ‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى؛ فإنه ليس بَعَرض ول صفة من‬
‫ضا آخر‪ ،‬كان من المعلوم أن مثل هذا منتف عن ا ّ‬
‫وتحايث عر ً‬
‫حل يقوم به‪ ،‬فل يجوز عليه محايثة المخلوقات والحلول؛ إذ القول بنفي‬
‫الصفات‪ ،‬بل هو قائم بنفسه مستغن عن َم َ‬
‫الجسم مع إثبات هذا التقسيم تناقض َبّين‪.‬‬
‫وإذا كان هذا القول مستلزًما للتجسيم‪ ،‬لزمه ما يلزم القائلين بالتجسيم‪ ،‬وقد خاطب نفاة ذلك بأنهم مفتونون وفاتنون‪،‬‬
‫وادعى أن من قال ذلك فإنه معطل‪ ،‬وأن )الكفر في قوله كامن(‪ .‬وهذا يستلزم تكفير من نفي التجسيم‪ ،‬وقد علم ما في‬
‫القول من الوبال العظيم‪.‬‬
‫قالت المثبتة‪ :‬نحن نجيبكم بجوابين‪ :‬إجمالي وتفصيلي‪.‬‬
‫‪/‬أما الجواب الجمالي‪ :‬فإنا نقول‪:‬‬
‫قولكم‪) :‬ل نسلم أن هذه القضية ضرورية( منع غير مقبول؛ فإن المقدمات الضرورية ل يجوز منعها‪ ،‬ولو جاز منع‬
‫الضروريات لم يمكن الستدلل ول إقامة حجة على منكر؛فإن المستدل غايته أن يستدل بدليل مؤلف من مقدمات‬
‫ضرورية‪ ،‬فلو جاز منع الضرورية لم يصح الستدلل‪،‬وكذلك ما ذكره من الستدلل على أنها ليست بضرورية‪ ،‬أو‬
‫ضا؛فإن الضروريات هي الصل للنظريات‪ .‬فلو جاز القدح في الضروريات بالنظريات‬
‫ليست بصحيحة ل يقبل أي ً‬
‫حا في الصل بفرعه‪ ،‬وذلك يستلزم بطلن الفرع والصل جميًعا؛ فإن الفرع إذا كان فاسًدا لم تجز‬
‫لكان ذلك قد ً‬
‫حا في الصل‪.‬‬
‫حا‪ ،‬فل يجوز أن يكون قاد ً‬
‫حا لزم أن يكون أصله صحي ً‬
‫المعارضة به‪،‬وإن كان صحي ً‬
‫فثبت أنه على التقديرين ل يجوز معارضة الضروريات بالنظريات‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فهب أنه ل يجوز في المقدمات الضرورية أن تمانع‪ ،‬ول أن تعارض بالنظريات؛ فإذا ادعى المستدل على‬
‫أن المقدمة ضرورية‪ ،‬فهل يكون قوله حجة على مناظره‪.‬‬
‫قيل‪ :‬ليس مجرد دعواه الضرورية حجة على خصمه‪ ،‬لكن من علم أن القضية ضرورية فقد حصل له العلم بذلك‪،‬‬
‫وهو ل يكابر نفسه‪ ،‬وسواء علمها غيره أو لم يعلمها‪ ،‬وسواء سلمها له أو نازعه فيها‪ .‬فما علمه هو ضرورة ل يمكنه‬
‫أن يشك فيه‪.‬‬
‫‪/‬وأما طريق إلزامه لمنازعه‪ ،‬فإنه يستشهد على ذلك بتسليم أرباب العقول السليمة‪ ،‬التي لم يعارضها عقد ول قصد‬
‫يخالف فطرتها‪ ،‬فإذا كان أهل العقول السليمة‪ ،‬التي ل هوى لها ول اعتقاد يخالف ذلك‪ُ ،‬تِقّر بأن هذه القضية معلومة‬
‫عندهم بالضرورة‪ ،‬علم أن المر كذلك‪ ،‬وأن المنازع فيها قد تغيرت فطرته التي فطر عليها لعتقاد أو هوى‪ ،‬فإن‬
‫الحس كما قد يعرض له ما يوجب غلطه‪ ،‬فكذلك العقل يعرض له ما يوجب غلطه‪.‬‬
‫ومما يبين أن هذه القضية حق‪ ،‬أن جميع الكتب المنزلة من السماء وجميع النبياء جاءوا بما يوافقها ل بما يخالفها‪،‬‬
‫وكذلك ]سلف هذه المة[ من الصحابة والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها‪ ،‬ل يخالفونها‪ .‬ولم يخالف هذه القضية‬
‫الضرورية من له في المة لسان صدق؛ بل أكثر أهل الكلم والفلسفة يقولون بموجبها‪ ،‬وإنما خالفها طائفة من‬
‫المتفلسفة‪ ،‬وطائفة من المتكلمين؛ كالمعتزلة ومن اتبعهم‪ ،‬والذين خالفوها عقلؤهم وعلماؤهم‪ ،‬تناقضوا في ذلك‪،‬‬
‫وادعوا الضرورة في قضايا من جنسها وهي أبين منها‪ ،‬ومن أنكر منهم ذلك أدى به المر إلى جحد عامة‬
‫الضروريات‪ ،‬والحسيات‪.‬‬
‫فالمنكر لهذه القضية الضرورية هو بين أمرين‪:‬إما أن يستلزم جحد عامة الضروريات‪ ،‬وإما أن يقر بقضايا ـ من‬
‫جنسها ضرورية ـ دون هذه في القوة والجلء‪ .‬يبين ذلك أن الذين قالوا‪ :‬إن الخالق ـ سبحانه ـ ليس هو جسم ول‬
‫متحيز تنازعوا بعد ذلك‪ :‬هل هو فوق العالم‪ ،‬أم ليس فوق العالم ؟ فقال طوائف ‪/‬كثيرة‪ :‬هو فوق العالم‪ ،‬بل هو فوق‬
‫العرش‪ ،‬وهو مع هذا ليس بجسم‪ ،‬ول متحيز‪ .‬وهذا يقوله طوائف من الُكلبية والَكّرامية والشعرية‪ ،‬وطوائف من‬

‫أتباع الئمة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية‪ ،‬وأهل الحديث والصوفية‪ .‬وهذا هو الذي حكاه الشعري عن‬
‫أهل الحديث والسنة‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ول فوق العرش شيء‪ .‬وهذا قول الجهمية والمعتزلة‪ ،‬وطوائف من‬
‫وقال طوائف منهم‪ :‬ليس فوق العالم شيء أص ً‬
‫متأخري الشعرية‪ ،‬والفلسفة النفاة‪ ،‬والقرامطة الباطنية‪ ،‬أو أنه في كل مكان بذاته‪ ،‬كما يقول ذلك طوائف من‬
‫عبادهم ومتكلميهم‪ ،‬وصوفيتهم وعامتهم‪.‬‬
‫ل فيه‪ ،‬وليس في مكان من المكنة‪ .‬فهؤلء ينفون عنه‬
‫جا عنه‪ ،‬ول حا ً‬
‫ل فيه ول خار ً‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬ليس هو داخ ً‬
‫الوصفين المتقابلين جميًعا‪ ،‬وهذا قول طوائف من متكلميهم ونظارهم‪.‬‬
‫والول هو الغالب على عامتهم وعبادهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم‪ ،‬والثاني هو الغالب على نظارهم ومتكلميهم‬
‫وأهل البحث منهم والقياس فيهم‪.‬‬
‫وكثير منهم يجمع بين القولين‪ ،‬ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما‪ ،‬فيقول‪ :‬ل هو داخل‬
‫العالم ول خارجه‪ .‬وفي حال تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان ول يخلو منه شيء‪ ،‬حتى يصرحون ‪ /‬بالحلول في‬
‫كل موجود ـ من البهائم وغيرها ـ بل بالتحاد بكل شيء‪ ،‬بل يقولون بالوحدة‪ ،‬التي معناها‪ :‬أنه عين وجود‬
‫الموجودات‪.‬‬
‫وسبب ذلك‪ :‬أن الدعاء والعبادة والقصد والرادة والتوجه يطلب موجوًدا‪ ،‬بخلف النظر والبحث والكلم؛ فإن العلم‬
‫والكلم والبحث والقياس والنظر يتعلق بالموجود والمعدوم‪ ،‬فإذا لم يكن القلب في عبادة وتوجه ودعاء سهل عليه‬
‫النفي والسلب‪ ،‬وأعرض عن الثبات‪ ،‬بخلف ما إذا كان في حال الدعاء والعبادة فإنه يطلب موجوًدا يقصده‪ ،‬ويسأله‬
‫ويعبده‪ ،‬والسلب ل يقتضى إل النفي والعدم‪ ،‬فل ينفي في السلب ما يكون مقصوًدا أو معبوًدا‪.‬‬
‫ظم إذا كان من النفاة للمتقابلين يقول‪ :‬أنا أقول‪ :‬ل هو مباين ول أقول بالحلول والتحاد‪،‬فلم قلت‪:‬إني‬
‫فالمخالف لهذا الّن ْ‬
‫إذا لم أقل بالمباينة يلزمني القول بالحلول أو التحاد؟ هذا هو الذي يقوله أئمة النفاة لمثل هذا الناظم‪ ،‬وحينئذ فيقول‬
‫المثبتة القائلون بالمباينة والخروج ـ ومن قال من النفاة إنه في كل مكان ـ وهو الظاهر من قولهم وقول محققيهم‬
‫وعارفيهم ـ‪:‬نحن نعلم بالضرورة أن الموجود إما أن يكون مبايًنا لغيره‪ ،‬وإما أن يكون محايًثا‪ ،‬ونعلم بالضرورة أن‬
‫جا عنه ـ مبايًنا له ـ فقد خالف ضرورة العقل؛‬
‫ل في الخرـ محايًثا له ول خار ً‬
‫من أثبت موجودين ليس أحدهما داخ ً‬
‫وهذا العلم مركوز في فطر جميع الناس‪ ،‬إل من يقلد قول النفاة‪.‬‬
‫جهًما مع القرامطة وغلة المتفلسفة‬
‫‪/‬ونفي هذين جميًعا هو من أقوال القرامطة الباطنية الذين هم أئمة الجهمية؛ فإن َ‬
‫يقولون‪ :‬ل نقول‪ :‬هو شيء‪ ،‬ول ليس بشيء‪ ،‬كما يقولون‪ :‬ل نقول‪ :‬هو موجود ول معدوم‪ ،‬ول حي ول ميت‪ ،‬ول‬
‫عالم ول جاهل‪ ،‬ول قديم‪ ،‬ول محدث‪ ،‬وأمثال ذلك‪.‬‬
‫وهذه المقالت فسادها معلوم بالضرورة العقلية‪ ،‬وإن كان قد تواطأ عليها جماعة كثيرة؛ فإن الجماعة الذين يقلدون‬
‫مذهًبا تلقاه بعضهم عن بعض ـ يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات‪ ،‬كما يجوز التفاق على الكذب مع المواطأة‬
‫والتفاق؛ ولهذا يوجد في أهل المذاهب الباطلة كالنصارى والرافضة والفلسفة من يصر على القول الذي يعلم فساده‬
‫بالضرورة‪.‬‬
‫وإنما الممتنع ما يمتنع على ]أهل التواتر[ وهو اتفاق الجماعة العظيمة على الكذب من غير مواطأة ول اتفاق‪ ،‬فيمتنع‬
‫عليهم جحد ما يعلم ثبوته بالضطرار‪ ،‬وإثبات ما يعلم نفيه بالضطرار؛ لن هذا اتفاق على الكذب‪ ،‬وأهل التواتر ل‬
‫ل بشبهة وحجج واعتقدوا صحته جاز أن يصروا على اعتقاده‪ ،‬وإن كان مخالًفا‬
‫يتصور منهم الكذب‪ ،‬فأما إذا لقنوا قو ً‬
‫ل تعالى‪:‬‬
‫ل على قلوب الكفار فل يعرفون الحق‪ ،‬قال ا ّ‬
‫لضرورة العقل‪ ،‬وإن كانوا جماعة عظيمة؛ ولهذا يطبع ا ّ‬
‫غوا‬
‫ن{ ]النعام‪ ،[110 :‬وقال تعالى‪َ } :‬فَلّما َزا ُ‬
‫طْغَياِنِهْم َيْعمَُهو َ‬
‫ل َمّرٍة َوَنَذُرُهْم ِفي ُ‬
‫صاَرُهْم َكَما َلْم ُيْؤِمُنوْا ِبِه َأّو َ‬
‫ب َأْفِئَدَتُهْم َوَأْب َ‬
‫}َوُنَقّل ُ‬
‫ن َأَتاُهْم َكُبَر‬
‫طا ٍ‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبَغْيِر ُ‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِفي آَيا ِ‬
‫جاِدُلو َ‬
‫ن ُي َ‬
‫ن{ ] الصف‪ ،[5 :‬وقال تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫سِقي َ‬
‫ل َيْهِدي اْلَقْوَم اْلَفا ِ‬
‫ل َ‬
‫ل ُقُلوَبُهْم َوا ُّ‬
‫غ ا ُّ‬
‫َأَزا َ‬
‫ب ُمَتَكّبٍر َجّباٍر{ ]غافر‪ /،[35:‬وإنما تؤخذ الضروريات من القلوب‬
‫ل َقْل ِ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫طَبُع ا ُّ‬
‫ك َي ْ‬
‫ن آَمُنوا َكَذِل َ‬
‫عنَد اّلِذي َ‬
‫ل َو ِ‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫َمْقًتا ِ‬
‫السليمة‪ ،‬والعقول المستقيمة‪ ،‬التي لم تمرض بما تقلدته من العقائد وتعودته من المقاصد‪.‬‬

‫طر ـ علم بالضرورة فساده‪ ،‬وكلما كان أذكى‬
‫والمثبتة يقولون‪ :‬من ذكر له قول النفاة ـ من أجناس بني آدم السليمة الِف َ‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫وأحد ذهًنا كان علمه بفساده أشد‪ ،‬بل هم يقولون‪ :‬إن العلم بالقضية المعينة المطلوب إثباتها ]وهو علو ا ّ‬
‫على العالم[ معلوم بالفطرة والضرورة‪ ،‬ويعلمون بطلن نقيضها بالفطرة والضرورة‪ ،‬فيعلمون بالضرورة القضية‬
‫العامة والقضية الخاصة‪ ،‬فيعلمون أن الخالق فوق العالم‪ ،‬ويعلمون امتناع وجود موجودين ليس أحدهما مبايًنا للخر‬
‫ل محايًثا‪ ،‬فيلزم الحلول والتحاد‪.‬‬
‫ول مداخل له‪ ،‬ويعلمون أنه إذا لم يكن مبايًنا كان مداخ ً‬
‫ول ريب أن هذا هو الذي عليه جماهير المم من بني آدم‪ ،‬أما من يثبت العلو والمباينة فقوله ظاهر‪ ،‬وأما الذين ل‬
‫يقرون بالعلو والمباينة‪ ،‬فجمهورهم ل يعلمون ضد ذلك إل أنه في كل مكان‪ ،‬ولو عرض عليهم نفي هذا وهذا لم‬
‫يتصوروه ولم يعقلوه‪ ،‬وبهذا احتج أهل الحلول والتحاد ـ من محققيهم ـ كالصدر القونوي وأمثاله ـ على نفاة ذلك‬
‫منهم‪،‬فقال‪ :‬قد سلمتم لنا أنه ليس خارج العالم ول مبايًنا له‪ ،‬وما لم يكن كذلك لم يعقل إل أن يكون وجود الممكنات‪،‬أو‬
‫في وجود الممكنات؛ إذا ل يعقل إل هذا‪ ،‬أو هذا‪ .‬ثم هذا وأمثاله يقولون‪ :‬هو الوجود المطلق‪ ،‬وإن فرق ما بينه وبين‬
‫الشياء فرق ما بين‪ /‬المطلق والمعين‪ ،‬وهذا يشبه الفرق بين جنس النسان وأعيان الناس‪ ،‬وجنس الحيوان وأعيان‬
‫الحيوان‪ ،‬فيكون الرب مثل الجنس أو الَعَرض العام لسائر الموجودات‪.‬‬
‫ومعلوم أن هذا ل يكون له وجود متميز بنفسه مباين للمخلوقات؛ إذ الكليات ـ كالجنس‪ ،‬والنوع‪ ،‬والفصل‪ ،‬والخاصة‪،‬‬
‫والَعَرض العام ـ ل توجد في الخارج منفصلة عن العيان الموجودة‪ .‬وهذا معلوم بالضرورة ومتفق عليه بين العقلء‪،‬‬
‫وإنما يحكى الخلف في ذلك عن شيعة ]أفلطون[ ونحوه‪ ،‬الذين يقولون بإثبات ]المثل الفلطونية[‪ ،‬وهي الكليات‬
‫المجردة عن العيان خارج الذهن‪ ،‬وعن شيعة ]فيثاغورس[ في إثبات العدد المطلق خارج الذهن‪.‬والمعلم الول‬
‫]أرسطو[ وأتباعه متفقون على بطلن قول هؤلء وهؤلء‪ ،‬فلو ظنوا أن الباري ـ تعالى ـ هو الوجود المطلق بهذا‬
‫ل ل يقول‪ :‬إن‬
‫العتبار لوقعوا فيما فروا منه؛ فإن هذا يستلزم مباينته لوجود المخلوقات وانفصاله عنها‪ ،‬مع أن عاق ً‬
‫صفة تكون مبدعة للموصوف‪ ،‬ول إن ]الكليات[ هي المبدعة لمعيناتها‪.‬‬
‫ل على خلقه‪ ،‬ومن نفاة ذلك‪ ،‬على اختلف أصنافهم ـ يقولون‬
‫والمقصود هنا أن جماهير الخلئق ـ من مثبتة علو ا ّ‬
‫ل؛ فإذا انتفي‬
‫بإثبات هذا التقسيم والحصر‪ ،‬وهو أن الشيء إما أن يكون مبايًنا لغيره‪ ،‬وإما أن يكون محايًثا مداخ ً‬
‫أحدهما ثبت الخر‪ .‬ويقولون‪ :‬إن هذا معلوم بالضرورة‪ ،‬قال النفاة‪ :‬ل نسلم أن هذه القضية ‪/‬ضرورية؛ بدليل أنا نعقل‬
‫ضا فإن‬
‫النسانية المشتركة بين الناسي وغيرها من الكليات المعقولة وغيرها‪ ،‬وليست داخل العالم ول خارجه‪ ،‬وأي ً‬
‫أرسطو وأتباعه من الفلسفة‪ ،‬وطائفة من أهل الكلم‪ ،‬أثبتوا أن النفس الناطقة كذلك والعقول والنفوس‪ ،‬ولم يكونوا‬
‫قائلين بما يعلم فساده بالضرورة‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإن العقل الصريح يعلم تقسيم الشيء إلى مباين ومحايث‪ ،‬وما ليس بمباين ول محايث‪ ،‬وتقسيمه إلى داخل‬
‫وأي ً‬
‫وخارج‪ ،‬وما ليس بداخل ول خارج‪ ،‬وتقسيمه إلى متحيز وقائم بالمتحيز‪ ،‬وما ليس بمتحيز ول قائم بمتحيز‪ .‬ول يعلم‬
‫فساد هذا التقسيم بالضطرار‪ ،‬كما يعلم أن الواحد نصف الثنين‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فهذا الذي ذكرتموه من لزوم المباينة والمحايثة والدخول والخروج‪ ،‬إنما يعقل فيما هوجسم متحيز‪ ،‬فإذا قدرنا‬
‫وأي ً‬
‫جا منه‪ ،‬فأما إذا قدرنا موجوًدا ليس بجسم ول متحيز‪ ،‬لم‬
‫ل في الخر أو خار ً‬
‫متحيزين لزم أن يكون أحدهما إما داخ ً‬
‫جا عنه‪ ،‬بل ينفي عن القسمين‪ ،‬وحينئذ فهذا التقسيم‬
‫ل فيه‪ ،‬ول خار ً‬
‫يمنع أن يكون مبايًنا لغيره ول محايًثا له‪ ،‬ول داخ ً‬
‫والحصر يستلزم كون الباري جسما متحيًزا في جهة‪ ،‬وذلك باطل‪.‬‬
‫ول نريد بالتحيز‪ :‬أن يكون قد أحاط به ]حيز[ وجودي كما أجاب عنه الناظم‪ ،‬ول بالجهة‪ :‬أن يكون في ]أين[ موجود‬
‫ضا‪ ،‬بل نريد بالتحيز الذي في الجهة‪ :‬أن يكون بحيث يشار إليه بالحس أنه هاهنا‪ ،‬أو هناك‪ /،‬ول‬
‫كما أجاب الناظم أي ً‬
‫ريب إنما كان فوق العالم فلبد أن يشار إليه بأنه هناك‪ ،‬وهذا هو القول بالتحيز والجهة عندنا‪.‬‬
‫حا‪ ،‬إل أن يكون القول بالجهة والتحيز‬
‫وإذا كان هذا التقسيم مستلزًما لثبات الجهة والتحيز لم يكن هذا التقسيم صحي ً‬
‫ل على صحة القول بالتحيز والجهة والجسم‪.‬‬
‫حا‪ ،‬والناظم لم يذكر دلي ً‬
‫صحي ً‬

‫ثم نقول‪ :‬الدلة النظرية الدالة على نفي التحيز والجهة والجسم تنفي صحة هذا التقسيم والحصر؛ فإنه إذا قدر موجود‬
‫ليس بجسم ول متحيز ول في جهة‪ ،‬أمكن أن يعقل أنه ليس مبايًنا لغيره ول محايًثا له‪ ،‬وإذا كان كذلك فكل ما ينفي‬
‫القول بالتجسيم يبطل هذا الستدلل‪.‬‬
‫وكذلك ]التحاد[‪ ،‬فإن التحاد إذا كان مع بقاء الثنين على ما كانا عليه فل اتحاد‪ ،‬بل هما اثنان باقيان على صفاتهما‬
‫عا ثالًثا‪ ،‬ل هو ماء‬
‫كما كانا‪ ،‬وإن عني به استحالة إلى نوع ثالث‪ ،‬كما يتحد الماء واللبن والماء والخمر‪ ،‬فيصيران نو ً‬
‫ل ـ تعالى ـ منزه عن ذلك؛ فإنه‬
‫محض ول لبن محض‪ ،‬فهذا ل يكون إل بعد استحالة أحدهما وفساد يعرض لذاته‪ ،‬وا ّ‬
‫هو واجب الوجود بنفسه‪ ،‬قديم بذاته وصفاته‪ ،‬ل يجوز عليه عدم شيء من صفاته‪ ،‬فيمتنع في حقه الستحالة والفساد‬
‫بمضمون الدليل‪ :‬أن المخلوق إما أن يكون مبايًنا للخالق والخالق مباين‪ ،‬وإما أن يلزم الحلول والتحاد‪ ،‬وهما باطلن‪،‬‬
‫فتعين الول‪.‬‬
‫‪/‬واعتراض المنازع على هذا يكون بعد بيان معنى المباينة‪ ،‬فإن أهل الكلم والنظر يطلقون المباينة بإزاء ثلثة معان‪،‬‬
‫بل أربعة‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬المباينة المقابلة للماثلة والمشابهة والمقاربة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬المباينة المقابلة للمحايثة والمجامعة والمداخلة والمخارجة والمخالطة‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬المباينة المقابلة للمماسة والملصقة‪ ،‬فهذه المباينة أخص من التى قبلها؛ فإن ما باين الشيء فلم يداخله قد‬
‫ل عنه غير مجاور له‪ ،‬هذه المباينة الثالثة ومقابلها تستعمل فيما يقوم‬
‫ل به‪ ،‬وقد يكون منفص ً‬
‫سا له متص ً‬
‫يكون مما ً‬
‫بنفسه خاصة؛ كالجسام‪ ،‬فيقال‪ :‬هذه العين إما أن تكون مماسة لهذه‪ ،‬وإما أن تكون مباينة‪.‬‬
‫وأما المباينة التي قبلها وما يقابلها‪ ،‬فإنها تعم ما يقوم بنفسه وما يقوم بغيره‪ ،‬والَعَرض القائم بنفسه ليس مبايًنا له‪ .‬ول‬
‫يقال‪ :‬إنه مماس له‪ ،‬فيقال‪ :‬هذا اللون إما أن يكون مبايًنا لهذه العين أو لهذا الطعم‪ ،‬وإما أن يكون محايًثا له مجامًعا‬
‫ل‪ ،‬ونحو ذلك من العبارات‪ ،‬وإن استعمل مستعمل لفظ المماسة والملصقة في قيام الصفة بموصوفها‪ ،‬كان ذلك‬
‫مداخ ً‬
‫عا لفظًيا‪.‬‬
‫نزا ً‬
‫وأما النوع الول‪ :‬فكما يروى عن الحسن البصري أنه قال‪ :‬رأيناهم متقاربين في العافية‪ ،‬فإذا جاء البلء تباينوا تبايًنا‬
‫عظيًما‪ ،‬أي‪ :‬تفاضلوا وتفاوتوا‪ .‬ويقال‪ :‬هذا قد بان عن نظرائه‪ ،‬أي‪ :‬خرج عن مماثلتهم ومشابهتهم ومقاربتهم بما‬
‫امتاز به من الفضائل‪ ،‬ويقال‪ :‬بين هذا وهذا بون بعيد وبين بعيد‪.‬‬
‫ل بن المبارك لما قيل له‪ :‬بماذا نعرف ربنا؟ قال‪ :‬بأنه فوق سمواته على عرشه‪ ،‬بائن من‬
‫‪/‬والنوع الثاني‪ :‬كقول عبد ا ّ‬
‫خلقه‪ ،‬ول نقول كما تقول الجهمية‪ :‬إنه هاهنا‪ .‬وكذلك قال أحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬والبخاري‪ ،‬وابن‬
‫ل عنهم ـ ولم ينقل عن أحد من السلف خلف ذلك‪.‬‬
‫خزيمة‪ ،‬وعثمان ابن سعيد‪ ،‬وخلق كثير من أئمة السلف ـ رضي ا ّ‬
‫ل حتى يقول‪ :‬الرحمن على العرش استوى‪ ،‬ثم‬
‫ل الرازي ـ صاحب محمد بن الحسن ـ رج ً‬
‫وحبس هشام بن عبيد ا ّ‬
‫أخرجه وقد أقر بذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أتقول‪ :‬إنه مباين ؟ فقال‪ :‬ل‪ .‬فقال‪ :‬ردوه‪ ،‬فإنه جهمي‪.‬‬
‫فالمباينة في كلم هؤلء الئمة وأمثالهم لم يريدوا بها عدم المماثلة؛ فإن هذا لم ينازع فيه أحد‪ ،‬ول ألزموا الناس بأن‬
‫يقروا بالمباينة الخاصة‪ ،‬فإنهم قالوا‪:‬بائن من خلقه‪،‬ولم يقولوا‪:‬بائن من العرش وحده‪ ،‬فجعلوا المباينة بين المخلوقات‬
‫عموًما‪ ،‬ودخل في ذلك العرش وغيره فإنه من المخلوقات‪ ،‬فعلم أنهم لم يتعرضوا في هذه المباينة لثبات ملصقة‪،‬‬
‫ول نفيها‪.‬‬
‫ولكن قد يقول بعض النفاة‪ :‬أنا أريد بالمباينة عدم المحايثة والمداخلة فقط‪ ،‬من غير أن أدخل في ذلك معنى الخروج‪.‬‬
‫صف المعدوم بمثل هذه المباينة فيقول‪ :‬إن المعدوم مباين للموجود بهذا العتبار‪ ،‬وهذا معنى ]رابع[ من معاني‬
‫وقد ُيو ِ‬
‫المباينة‪.‬‬

‫وإذا عرف أن ]المباينة[ قد يريد بها الناس هذا وهذا‪ ،‬فل ريب أن ‪ /‬المعنى الول ثابت باتفاق الناس؛ فإنهم متفقون‬
‫ل ـ تبارك وتعالى ـ ليس له مثل من الموجودات‪ ،‬وإن مباينته للمخلوقين في صفاتهم أعظم من مباينة كل‬
‫على أن ا ّ‬
‫ل لشيء من المخلوقات أو مقارًبا له في صفاته‪ ،‬لكن هذا المعنى‬
‫مخلوق لمخلوق‪ ،‬وأنه أعظم وأكبر من أن يكون مماث ً‬
‫ضا المعني الثالث؛ لنه جعل نفي المباينة يستلزم الحلول والتحاد‪ ،‬وهذا إنما‬
‫ليس هو الذي قصده الناظم‪ ،‬ول قصد أي ً‬
‫هو المعنى الثاني‪ ،‬وإل فالمعنى الثالث نفيه يستلزم الملصقة والمماسة‪ ،‬والناظم لم يذكر ذلك‪ .‬وهذا المعنى الثالث‬
‫يستلزم الثاني من غير عكس؛ فإن المباينة الخاصة المقابلة للملصقة صفة تستلزم المباينة العامة المقابلة للمداخلة‬
‫والمحايثة من غير عكس‪.‬‬
‫وإذا عرف أن الناظم أراد هذه المباينة العامة ـ وهي المباينة المشهورة في اللغة وكلم الناس وكلم العلماء ـ فإن‬
‫جا‬
‫المنازعين له يقولون‪ :‬ل نسلم أنه إذا لم يكن مبايًنا لزم الحلول أو التحاد؛ فإن هذا مثل قول القائل‪ :‬إذا لم يكن خار ً‬
‫ل فيه‪ ،‬وقد علم أن المخالف له يقول‪ :‬ل هو داخل العالم ول هو خارجه‪ ،‬فكذلك يقول‪ :‬ل مباين ول‬
‫عن العالم كان داخ ً‬
‫محايث‪ ،‬ول مجامع ول مفارق‪ ،‬ويقول‪ :‬إنما نفيت المباينة والمحايثة جميًعا‪ ،‬والحلول والتحاد يدخلن في المحايثة‪،‬‬
‫ي أو متحدا بي‪.‬‬
‫لف ِ‬
‫فل أسّلم إذا لم أكن مبايًنا للخالق أن يكون حا ً‬
‫جا عنه مبايًنا له‪ ،‬منهم من‬
‫وهذا معلوم من قول النفاة؛ فإن النفاة الذين يقولون‪ :‬إن الخالق ليس فوق العالم ول خار ً‬
‫يقول‪ :‬إنه حال فيه أو متحد به‪ / ،‬وقد وافقهم على ذلك طائفة من الحنفية‪ ،‬والمالكية‪ ،‬والشافعية‪ ،‬والحنبلية‪ ،‬ومتأخري‬
‫أهل الحديث‪ ،‬والصوفية‪.‬‬
‫ثم هؤلء الذين ينفون علوه بنفسه على العالم هم في رؤيته على قولين‪ :‬منهم من يقول‪ :‬إنه تجوز رؤيته‪ ،‬وذلك واقع‬
‫في الخرة‪ ،‬وهذا قول كل من انتسب إلى السنة والجماعة من طوائف أهل الكلم وغيرهم؛ كالُكلبية‪ ،‬و الَكّرامية‪،‬‬
‫والشعرية‪ ،‬وقول أهل الحديث قاطبة‪ ،‬وشيوخ الصوفية‪ ،‬وهو المشهور عند أتباع الئمة الربعة وغيرهم من‬
‫الفقهاء‪ ،‬وعامة هؤلء يثبتون الصفات‪ ،‬كالعلم والقدرة ونحو ذلك‪.‬‬
‫ومنهم طائفة ينفون الصفات‪ ،‬مع دعواهم أنهم يثبتون الرؤية؛ كابن حزم‪ ،‬وأبي حامد في بعض أقواله‪.‬‬
‫والقول الثاني قول من ينكر الرؤية؛ كالمعتزلة وأمثالهم من الجهمية المحضة من المتفلسفة والقرامطة وغيرهم‪،‬‬
‫وكذلك ينفون الصفات‪ ،‬ويقولون بإثبات ذات بل صفات‪ ،‬وهل يوصف بالحوال؟ على قولين‪.‬‬
‫أو يقولون بإثبات وجود مطلق بشرط الطلق‪ ،‬ل يوصف بشيء من المور الثبوتية؛ كما هو قول ابن سينا وأمثاله‪،‬‬
‫مع قولهم في أصولهم المنطقية‪ :‬إن المطلق بشرط الطلق يوجد في الخارج‪ ،‬لكنه هل هو نفس المعين أو كلي‬
‫مقارب للمعين؟‬
‫‪ /‬فالصواب عندهم هو الول‪ ،‬ولكن الثاني هو قول كثير من أهل المنطق‪،‬مع تناقض أقوالهم في ذلك‪ ،‬وبنوا على هذا‬
‫ل ـ تعالى ـ كما قد بسط في غير هذا الموضع‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬فإذا جعل هو الوجود‬
‫من الجهالت ما ل يحصيه إل ا ّ‬
‫المطلق ل بشرط‪ ،‬وقيل‪ :‬إن المطلق جزء من المعين ملزم له‪ ،‬كان الوجود الواجب جزًءا من الموجودات الممكنة‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ :‬ليس في الخارج مطلق مغاير للعيان الموجودة وهو الصواب؛ إذ ليس في هذا النسان جواهر بعدد ما‬
‫يوصف‪ .‬فإذا قيل‪ :‬هو جسم حساس قائم متحرك بالرادة ناطق‪ ،‬لم يكن في النسان المعين جواهر قائمة بأنفسها غير‬
‫ذلك المعين‪ ،‬وهذا المعلوم بالضرورة‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فإذا قيل‪ :‬إن الحق هو الوجود المطلق ل بشرط‪ ،‬كان الوجود الواجب هو عين وجود الممكنات‪ ،‬فل يكون‬
‫هناك موجودان أحدهما واجب والخر ممكن‪ ،‬وهذا قول أهل الوحدة‪ ،‬وهو تصريح بنفي واجب الوجود المبدع‬
‫للموجودات الممكنة‪ ،‬وتصريح بأن الوجود الواجب يقبل العدم والحدوث‪ ،‬كما نشاهده من حدوث الحوادث وعدمها‪،‬‬
‫وهذا مع أنه كفر صريح فهو من أعظم الجهل القبيح‪ ،‬وكل من قال‪ :‬إن الرب وجود مطلق لزمته هذه القوال ونحوها‬
‫التي مضمونها نفي وجوده‪ ،‬وكذلك إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات أمر يقدره الذهن‪ ،‬وإل فوجوده في الخارج‬
‫ممتنع‪ ،‬ولفظ ]ذات[ يقتضي ذلك؛ فإن ]ذات[ هي في الصل تأنيث ]ذو[‪ ،‬وأصل الكلمة ذات الصفات‪ ،‬أي‪ :‬النفس‬
‫ذات الصفات‪ ،‬فلفظ ]الذات[ معناه‪ :‬الصاحبة والمستلزمة للصفات‪ ،‬هذا من جهة اللفظ‪.‬‬

‫‪/‬وأما من جهة المعنى‪ :‬فلن كل موجود لبد له من حقيقة يختص بها يتميز بها عما سواه‪ ،‬وكل من الموجودات يقال‬
‫له‪ :‬ذات‪ ،‬فكلها مشتركة في مسمى الذات كما هي مشتركة في مسمى الوجود‪ ،‬فلبد أن يكون لكل من الذاتين ما‬
‫تختص به عن الخرى‪ ،‬كما أنه لبد لكل من الموجودين ما يميزه عن الخر‪ ،‬فإذا قدر ذات مطلقة ل اختصاص لها‬
‫كان ذلك ممتنًعا‪ ،‬كوجود مطلق ل اختصاص له‪ .‬فلبد أن تختص كل ذات بما يخصها‪ ،‬وذلك الذي يخصها ما‬
‫توصف به من الخصائص‪،‬فذات لحقيقة لها توصف بها محال‪.‬‬
‫والكلم على هذا مبسوط في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫والمقصود التنبيه على مجامع مقالت الناس في هذا المقام‪ ،‬وأن جميع الناس يلزمهم القول بهذه القضية الضرورية‬
‫جا عنه‪ ،‬ول مبايًنا له ول‬
‫التي ذكرها أهل الثبات‪ ،‬وهو امتناع وجود موجودين ليس أحدهما داخل في الخر ول خار ً‬
‫محايًثا له‪ ،‬وامتناع وجود موجود ل يشار إليه ول إلى محله‪ ،‬وأن من أنكر هذه القضية لزمه أحد أمرين‪ :‬إما القرار‬
‫بقضايا ضرورية هذه أبين منها‪ .‬وإما جحد عامة القضايا الضرورية الحسية‪ ،‬وذكرت مقالت الناس ليتبين مناظرة‬
‫بعضهم لبعض في هذا المقام‪.‬‬
‫ل‪ :‬مستٍو على عرشه‪ ،‬ليس بجسم ول متحيز‪ ،‬فاستواؤه على عرشه ثابت بالسمع‪ ،‬وعلوه‬
‫فيقول المثبتون لمباينة ا ّ‬
‫ومباينته معلوم بالعقل مع السمع‪ /.‬وإذا لم يكن متحيًزا بطلت دلئل النفاة لكونه على العرش‪ ،‬كقولهم‪ :‬إما أن يكون‬
‫أكبر من العرش‪ ،‬وإما أن يكون أصغر‪ ،‬وإما أن يكون مساوًيا للعرش‪ .‬وكقولهم‪ :‬إذا كان كذلك كان له مقدار‬
‫صا‪ ،‬ونحو ذلك؛ فإن المثبتة تقول لهم‪ :‬هذا إنما يلزم إذا كان جسًما متحيًزا‪ ،‬فأما إذا كان‬
‫مخصوص فيستدعي مخص ً‬
‫فوق العرش ولم يكن جسًما متحيًزا لم يلزم شيء من هذه اللوازم‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فنفاة العلو هم بين أمرين‪ :‬إن سلموا أنه على العرش مع أنه ليس بجسم ول متحيز‪ ،‬بطل كل دليل لهم على‬
‫نفي علوه على عرشه؛ فإنهم إنما بنوا ذلك على أن علوه على العرش مستلزم لكونه جسًما متحيًزا‪ ،‬واللزم منتف‪،‬‬
‫فينتفي الملزوم؛ فإذا لم تثبت الملزمة لم يكن لهم دليل على النفي‪ ،‬ول يبقى للنصوص الواردة في الكتاب والسنة ـ‬
‫بإثبات علوه على العالم ما يعارضها‪ ،‬وهذا هو المطلوب‪.‬‬
‫وإن قالوا‪ :‬متى قلتم‪ :‬على العرش‪ ،‬لزم أن يكون متحيًزا أو جوهًرا منفرًدا‪ ،‬وإثبات العلو على العرش مع نفي التحيز‬
‫معلوم الفساد بالضرورة‪.‬‬
‫قيل لهم‪ :‬ل ريب أن هذا القول أقرب إلى المعقول من إثبات موجود ل داخل العالم ول خارجه؛ فإنا إذا عرضنا على‬
‫عقول العقلء قول قائلين‪ :‬أحدهما يقول بوجود موجود خارج ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬وآخر يقول بوجود موجود‬
‫خارج العالم وليس بجسم‪ ،‬كان القول الول أبعد عن المعقول‪/ ،‬وكانت الفطرة والضرورة للول أعظم إنكاًرا‪ ،‬فإن‬
‫ل لم يجز إنكارهم للقول الثاني‪ ،‬وعلى‬
‫كان حكم هذه الفطرة والضرورة مقبول لزم بطلن الول‪ ،‬وإن لم يكن مقبو ً‬
‫التقديرين ل يبقى لهم حجة على أنه ليس بخارج العالم‪ ،‬وهو المطلوب‪.‬‬
‫وهذا تقرير ل حيلة لهم فيه‪ ،‬يبين به تناقض أصولهم‪ ،‬وأنهم يقبلون حكم الفطرة ويردونه بالتشهي والتحكم‪ ،‬بل يردون‬
‫من أحكام الفطرة والضرورة ما هو أقوى وأبين وأبده للعقول مما يقبلونه‪.‬‬
‫والمقصود هنا بيان أنه مباين للعالم خارج عنه‪ ،‬وهم إنما ينفون ذلك بأنه يستلزم أن يكون متحيًزا‪ :‬إما جسًما‪ ،‬وإما‬
‫جوهًرا منفرًدا‪ ،‬وذلك أنه إن كان ما يحاذي هذا الجانب من العرش غير ما يحاذي هذا الجانب كان منقسًما وكان‬
‫جسًما‪ ،‬وإن لم يكن غيره كان في الصغر بمنزلة الجوهر الفرد‪ ،‬وهذا ل يقوله عاقل‪.‬‬
‫فإذا قال لهم طوائف من المثبتة‪ :‬يمكن أن يكون فوق العرش ول يقبل إثبات هذه المحاذات ول نفيها؛ لن ذلك إنما‬
‫يكون أن لو كان متحيًزا؛ فإذا لم يكن متحيًزا أمكن أن يكون فوق العالم ول يوصف بإثبات ذلك ول بنفيه‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫إثبات العلو مع عدم المحاذات والمسامتة غير معقول‪ ،‬أو معلوم الفساد‪.‬‬

‫‪/‬فيقال لهم‪ :‬إثبات الوجود مع عدم المباينة والمحايثة والدخول والخروج أبعد عن العقل‪ ،‬وأبين فساًدا في المعقول‪،‬‬
‫وكل عاقل سليم الفطرة إذا عرضت عليه وجود موجود خارج العالم غير محايث للعالم‪ ،‬ووجود موجود ل داخل‬
‫العالم ول خارجه‪ ،‬تكون نفرة فطرته عن الثاني أعظم‪ ،‬وإن قدر أن فطرته تقبل الثاني فقبولها للول أعظم‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فما يذكره النفاة من إمكان وجود موجود ل داخل العالم ول خارجه‪ :‬إما أن يكون مقبول‪ ،‬وإما أل يكون‪ .‬فإن‬
‫لم يكن مقبولً بطل أصل قولهم‪ ،‬وإن كان مقبولً فكل ما دل على ذلك كانت دللته على إمكان وجود موجود خارج‬
‫العالم ليس بمتحيز أقوى وأظهر؛ فإنه إذا ثبت أن هذا ممكن في العقل فذاك أولى بالمكان‪ ،‬وإذا كان ذلك ممكًنا لم‬
‫يكن ما يذكرونه من الدلة على نفي التحيز نافيا لعلوه على العالم وارتفاعه على عرشه‪ ،‬فل يكون لهم دليل على نفي‬
‫ذلك‪ ،‬وهذا هوالمطلوب‪.‬‬
‫فإذا بطل ما ينفون به ذلك‪ ،‬فمعلوم أن السمعيات تدل على ذلك‪ ،‬إما دللة قطعية وإما ظاهرة‪ ،‬والظواهر التي ل‬
‫معارض لها ل يجوز صرفها عن ظواهرها؛ فكيف إذا قيل‪ :‬إن العلو والمباينة معلوم بالفطرة والضرورة والدلة‬
‫العقلية النظرية‪ ،‬كما هو مبسوط في موضعه؟!‬
‫ومما يوضح هذا أن النفاة إذا أثبتوا موجوًدا ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬فإنهم ل يثبتونه بضرورة ـ ل وجوده ول‬
‫إمكان وجوده ـ بل كلهما يثبتونه‪ /‬بالنظر‪ ،‬بخلف المثبتة فإنهم يقولون‪ :‬امتناع هذا معلوم بالضرورة‪ .‬وقد يقولون‪:‬‬
‫ضا ـ بالفطرة التي فطر الناس عليها ‪ ،‬التي هي من أقوى العلوم الضرورية؛ فإن ما فطر الناس‬
‫علو الخالق معلوم ـ أي ً‬
‫عليه من المعارف أقوى من كونهم مضطرين إليه من المعارف التي ل يضطرون إليها إل بعد تصور طرفيها‪ ،‬أو‬
‫بعد نوع من التأمل‪.‬‬
‫والضروري قد يفسر بما يلزم نفس المخلوق لزوًما ل يمكنه النفكاك عنه‪ ،‬وقد يفسر بما يحصل للعبد بدون كسبه‬
‫واختياره‪.‬‬
‫والمقصود أن القول بوجود موجود ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬لم يقل أحد من العقلء أنه معلوم بالضرورة‪ ،‬وكذلك‬
‫سائر لوازم هذا القول‪ :‬مثل كونه ليس بجسم ول متحيز ونحو ذلك‪ ،‬لم يقل أحد من العقلء‪ :‬إن هذا النفي معلوم‬
‫بالضرورة‪ ،‬بل عامة ما يدعى في ذلك أنه من العلوم النظرية‪ ،‬والعلوم النظرية لبد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية؛‬
‫ل لزم ]الدور القبلي[ و]التسلسل[ فيما له مبدأ حادث‪ ،‬وكل هذين معلوم الفساد بالضرورة‪ ،‬متفق على فساده بين‬
‫وإ ّ‬
‫العقلء‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬فما من مقدمة ضرورية يبنى عليها المكان أو الثبات؛ كوجود موجود ل داخل العالم ول خارجه‪،‬‬
‫إل وانتفاء هذه النتيجة أقوى في العقل من تلك المقدمة‪ ،‬والجزم بكونها ضرورية أقوى من الجزم بكون مقدمة الدليل‬
‫المعارض ضرورية‪.‬‬
‫‪ /‬يوضح ذلك‪ :‬أن المعارض غايته أن يقول‪ :‬لو كان خارج العالم لكان جسًما أو لكان متحيًزا‪ ،‬وذلك منتف فل يكون‬
‫خارج العالم‪ ،‬والدليل الذي ينفون به ذلك مقدماته فيها من الخفاء والشتباه ما ل يخفي على من نظر في ذلك‪.‬‬
‫وبسبب ما فيها من الخفاء والشتباه أحسن الظن بها كثير من الناس‪ ،‬وحسن ظنهم بها مستند إلى تقليد من قالها‪ ،‬ل‬
‫ل ـ تعالى ـ لزعمهم أن العقل‬
‫إلى جزم عقولهم بها؛ فهم ينهون العامة عن تقليد الرسل فيما أخبرت به من صفات ا ّ‬
‫عارضها‪ ،‬مع الجزم بأن الرسل ل تقول إل حًقا‪ ،‬وهم يقلدون رءوسهم في معارضة ذلك بمقدمات يزعمونها عقليات‪،‬‬
‫وأتباعهم لم تجزم بها عقولهم‪ ،‬لكنهم يقلدون رءوسهم فيها‪.‬‬
‫ولهذا تجدهم إذا حققوا المر فيها ونوزعوا فيها‪ ،‬وبين لهم مستند المنع فيــها‪ ،‬لجئوا إلى الجهل الصريح‪ ،‬فإما أن‬
‫يحيلوا بالجواب على من مات وغاب ـ وهو عند التحقيق أوغل منهم في الرتياب والضطراب ـ وإما أن يخرجوا‬
‫عما يجب في المناظرة والجدال إلى حال أهل الظلم وسفهاء الرجال‪ .‬وإما أن يتوهموا أن هذا كفر يخالف الدين‪ .‬وهم‬
‫في قولهم قد خالفوا الكتاب والرسول واتبعوا غير سبيل المؤمنين‪ ،‬وقالوا ما لم يقله أحد من الصحابة والتابعين ول‬
‫غيرهم من أئمة المسلمين‪.‬‬

‫ومما يوضح المر في ذلك‪ :‬أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على‪ /‬مقدماته‪ ،‬بل كل طائفة تقدح في دليل الخرى‪،‬‬
‫فالفلسفة تقدح في دليل المعتزلة على نفي الصفات‪ ،‬بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لن دليل المعتزلة مبني‬
‫ل للصفات والحركات فل يكون جسًما ول متحيًزا؛ لن الصفات أعراض‪ ،‬وهم يستدلون‬
‫على أن القديم ل يكون مح ً‬
‫على حدوث الجسم بحدوث العراض والحركات‪ ،‬وأن الجسم ل يخلو منها‪ ،‬وما لم يخل من الحوادث فهو حادث‪.‬‬
‫بل الشعري ـ نفسه ـ ذكر في رسالته إلى أهل الّثْغر‪:‬إن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم ـ وهو‬
‫الستدلل على حدوث الجسام بحدوث أعراضها ـ هو دليل محرم في شرائع النبياء‪ ،‬لم يستدل به أحد من الرسل‬
‫وأتباعهم‪ ،‬وذكر في مصنف له آخر بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم‪ ،‬وأبو حامد الغزالي‬
‫وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلسفة التي نفوا بها الصفات‪ ،‬وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه‬
‫جسم ‪ ،‬بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد‪ ،‬وإنه ل يمكن نفي الجسم إل بالطريق الول الذي هو طريق‬
‫المعتزلة‪ ،‬الذي ذكر فيه الشعري ما ذكر‪.‬‬
‫فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلئهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الخر الذي يزعم أنه بنى عليه النفي‪ ،‬كان في‬
‫هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات ل يمكن القدح فيها‪ .‬وإن قيل‪ :‬إن هؤلء‪ /‬قدحوا في‬
‫هذه المقدمات الضرورية‪ .‬قيل‪ :‬فإذا جوزتم على أئمة النفاة أن يقدحوا بالباطل في المقدمات الضرورية‪ ،‬فالتي يستدل‬
‫بها أهل الثبات أولى وأحرى‪.‬‬
‫وقد بسط في غير هذا الموضع الكلم على أدلة النفاة ومقدمات تلك الدلة على وجه التفصيل‪ ،‬بحيث يبين لكل ذي‬
‫سفسطوا في العقليات وَقْرَمطوا في السمعيات‪ ،‬ليس معهم على‬
‫عقل خروج أصحابها عن سواء السبيل‪ ،‬وأنهم قوم َ‬
‫ن‬
‫ظْمآ ُ‬
‫سُبُه ال ّ‬
‫حَ‬
‫ب ِبِقيَعٍة َي ْ‬
‫سَرا ٍ‬
‫نفيهم ل عقل ول سمع‪ ،‬ول رأي سديد ول شرع ‪ ،‬بل معهم شبهات يظنها من يتأملها بينات}َك َ‬
‫ب{ ]النور‪.[39 :‬‬
‫سا ِ‬
‫حَ‬
‫سِريُع اْل ِ‬
‫ل َ‬
‫ساَبُه َوا ُّ‬
‫حَ‬
‫عنَدُه َفَوّفاُه ِ‬
‫ل ِ‬
‫جَد ا َّ‬
‫شْيًئا َوَو َ‬
‫جْدُه َ‬
‫جاءُه َلْم َي ِ‬
‫حّتى ِإَذا َ‬
‫َماء َ‬
‫ولهذا تغلب عليهم الحيرة والرتياب‪ ،‬والشك والضطراب‪ .‬وقد صارت تلك الشبهات عندهم مقدمات مسلمة‪ ،‬يظنونها‬
‫عقليات أو برهانيات‪ ،‬وإنما هي مسلمات لما فيها من الشتراك والشتباه‪ ،‬فل تجد لهم مقدمة إل وفيها ألفاظ مشتبهة‪،‬‬
‫فيها من الجمال واللتباس ما يضل بها من يضل من الناس‪ ،‬وكيف تكون النتيجة المثبتة بمثل هذه المقدمات دافعة‬
‫لتلك القضايا الضروريات؟‬
‫وهذا الذي قد نبه عليه في هذا المقام‪ ،‬كلما أمعن الناظر فيه‪ ،‬وفيما تكلم أهل النفي فيه‪ ،‬ازداد بصيرة ومعرفة بما فيه‪،‬‬
‫فإنه ل يتصور أن يبنى النفي على مقدمات ضرورية تساوي في جزم العقل بها مقدمات أهل الثبات الجازمة ‪ /‬لفساد‬
‫نتيجتهم‪ ،‬وهو قولهم‪:‬إنه موجود ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬جزًما ل يساويه فيه جزم العقل بالمقدمات التي تبنى عليها‬
‫هذه النتيجة الثابتة‪ ،‬امتنع أن يزول ذلك الجزم العقلى الضروري بنتيجة مقدمات ليست مثله في الجزم‪.‬‬
‫وهذا الكلم قبل النظر في تلك المقدمات المعارضة لهذا الجزم‪ ،‬هل هي صحيحة أو فاسدة‪ .‬وإنما المقصود هنا أنه ل‬
‫يصلح للمناظرة ول يقبل في المناظرة أن يعارض هذا الجزم المستقر في الفطرة بما يزعمه من الدلة النظرية‪ ،‬وهذا‬
‫المقام كاف في دفعه‪ ،‬وإن لم تحل شبهاته‪ ،‬كما يكفي في دفع السوفسطائي أن يقال‪ :‬إنما تنفيه قضايا ضرورية فل يقبل‬
‫نفيها بما يذكر من الشبه النظرية‪.‬‬
‫وأما الجواب الثاني التفصيلي‪:‬‬
‫فهو بيان فساد حجج النفاة على إمكان ما ادعوه‪.‬‬
‫قالت المثبتة‪ :‬ما ذكرتموه من الحجج على إثبات موجود ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬حجج سوفسطائي‪.‬‬
‫أما النسانية المشتركة بين الناسي ونحوها من ]الكليات[‪ ،‬فهذه ل يقال‪ :‬إنها موجودة خارج الذهن ل داخل العالم ول‬
‫خارجه؛ فإنها أمور ثابتة في الذهن والتصور‪ ،‬وإذا قيل‪:‬إنها موجودة في الخارج فلبد أن تكون عيًنا قائمة بنفسها أو‬
‫صفة قائمة بالعين‪ ،‬ول ريب أنها ل توجد في الخارج كلية مطلقة بشرط ما هو معقول بشرط الطلق‪ ،‬وإنما توجد‬
‫في الخارج معينة مشخصة‪.‬‬

‫‪/‬فقول القائل إن التفتيش يخرج من المحسوس ما هو معقول‪ :‬إن أراد به أنه معقول ثابت في العقل‪ ،‬فما هو ثابت في‬
‫العقل ليس هو الموجود في الخارج بعينه‪.‬‬
‫ل ليس هو في الذهن‪ ،‬فهذا باطل؛ فليس في النسان المعين‬
‫وإن أراد أن في المحسوس الموجود في الخارج أمًرا معقو ً‬
‫إل ما هو معين‪ ،‬وهو هذا النسان المعين ـ بدنه‪ ،‬وروحه‪ ،‬وصفاته ـ وهذا كله أمر معين‪ ،‬مقيد مشخص‪ ،‬ليس هو كلًيا‬
‫ول مطلًقا‪.‬‬
‫سا ـ ل داخل العالم ول خارجه ليس بحجة‪ ،‬بل هم مخصومون بهذه الحجة‬
‫ل ونفو ً‬
‫وما ذكره من إثبات المتباينين ـ عقو ً‬
‫وغيرها‪ .‬كما يخصم بها نظراؤهم ‪ ،‬ل سيما وقولهم بذلك أبين فساًدا وأدحض حجة من أقوال نفاة الصفات والعلو‪،‬‬
‫فكيف يستدل على القول بما هو أضعف منه وأبعد عن الحق؟! وقد علم أن عامة العقلء من أهل الملل وغيرهم‬
‫يردون هذا عليهم‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬إنهم لم يكونوا بذلك قائلين ما يعلم فساده بالضرورة؛ فليس المر كذلك‪ ،‬بل المثبتة الذين يقولون‪ :‬إن‬
‫الموجودين لبد أن يكونا متباينين أو متحايثين يقولون‪ :‬إن ما ادعاه هؤلء مما يخالف‪ ،‬هذا معلوم الفساد بالضرورة‪.‬‬
‫بل أئمة أهل الكلم النافون للعلو‪ ،‬يدعون العلم الضروري‪ :‬بأن الممكن إما جسم أو قائم بجسم‪ ،‬وأن ما أثبته هؤلء‬
‫المتفلسفة من موجودات ‪ /‬ممكنة ليست أجساًما ول أعراضا قائمة بالجسام‪ :‬كالعقل والنفس‪،‬والهيولي‪ ،‬والصورة‪،‬‬
‫ضا لجسام؛ فإن أئمة ]أهل النظر[‬
‫التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن‪ ،‬ليست أجساًما ول أعرا ً‬
‫يقولون‪ :‬إن فساد هذا معلوم بالضرورة‪ .‬كما ذكر ذلك أبوالمعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلم‪.‬‬
‫ظروا الفلسفة مناظرة ضعيفة‪ ،‬ولم يثبتوا فساد‬
‫ومن لم يهتد لهذا كالشهرستاني‪ ،‬والرازي‪ ،‬والمدي ‪ ،‬ونحوهم‪ ،‬فهم نَا َ‬
‫أصولهم‪ ،‬كما بين ذلك أئمة النظر الذين هم أجل منهم‪ ،‬وسّلم هؤلء للفلسفة مناظرة ضعيفة‪ ،‬ولم يبينوا فساد‬
‫أصولهم‪ ،‬إلى مقدمات باطلة استزلوهم بها عن أشياء من الحق‪ ،‬بخلف أئمة أهل النظر كالقاضي أبي بكر‪ ،‬وأبي‬
‫ل ابن الهيصم الكرامي‪ ،‬وأبي الوفاء على‬
‫المعالي الجويني‪ ،‬وأبي حامد الغزالي ‪ ،‬وأبي الحسين البصري‪ ،‬وأبي عبد ا ّ‬
‫بن عقيل‪.‬‬
‫ومن قبل هؤلء‪ :‬مثل أبي على الجبائي‪ ،‬وابنه أبي هاشم‪ ،‬وأبي الحسن الشعري‪ ،‬والحسن بن يحيى النوبختي‪.‬‬
‫شر‪ ،‬وجعفر بن حرب‪ ،‬وأبي إسحاق النظام‪،‬‬
‫ل محمد بن َكّرام‪ ،‬وابن ُكلب‪ ،‬وجعفر بن ُمَب ّ‬
‫ومن قبل هؤلء‪ :‬كأبي عبد ا ّ‬
‫وأبي الُهَذيل الَعلف‪،‬وعمرو بن بحر الجاحظ‪ ،‬وهشام الجواليقي‪ ،‬وهشام بن الحكم‪ ،‬وحسين بن محمد النجار‪،‬‬
‫وضرار بن عمرو الكوفي‪ ،‬وأبي عيسى محمد بن عيسى‪ /‬برغوث‪ ،‬وحفص الفرد ‪ ،‬وغير هؤلء ممن ل يحصيهم إل‬
‫ل من أئمة أهل النظر والكلم؛ فإن مناظرة هؤلء للمتفلسفة خير من مناظرة أولئك‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫وهؤلء وغيرهم ل يسلمون للفلسفة إمكان وجود ممكن ل هو جسم ول قائم بجسم‪ ،‬بل قد صرح أئمتهم بأن بطلن‬
‫ل بن سعيد بن كلب إمام الصفاتية‪ :‬كأبي العباس‬
‫هذا ]القسم الثالث[ معلوم بالضرورة بل قد بين أبو محمد عبد ا ّ‬
‫ل بن مجاهد‪ ،‬وغيرهم من انحصار الموجودات في المباين والمحايث‪،‬‬
‫القلنسي‪ ،‬وأبي الحسن الشعري‪ ،‬وأبي عبد ا ّ‬
‫وإن قول من أثبت موجوًدا غير مباين ول محايث معلوم الفساد بالضرورة‪ ،‬مثلما بين أولئك انحصار الممكنات في‬
‫الجسام وأعراضها وأبلغ‪.‬‬
‫وطوائف من النظار قالوا‪ :‬ما ثم موجود إل جسم أو قائم بجسم ـ إذا فسر الجسم بالمعني الصطلحي‪ ،‬ل اللغوي ـ‬
‫ضا الئمة الكبار كالمام أحمد في‬
‫كما هو مستقر في فطر العامة‪ .‬وهذا قول كثير من الفلسفة أو أكثرهم‪ ،‬وكذلك أي ً‬
‫رده على الجهمية‪ ،‬وعبد العزيز المكي في رده على الجهمية‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬بينوا أن ما ادعاه النفاة من إثبات قسم ثالث‬
‫ليس بمباين ول محايث معلوم الفساد بصريح العقل‪ ،‬وأن هذه من القضايا البينة التي يعلمها العقلء بعقولهم‪ ،‬وإثبات‬
‫لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والئمة‪ ،‬كما لم يثبتوا ‪ /‬لفظ التحيز ول نفوه‪ ،‬ول لفظ الجهة ول‬
‫نفوه‪ ،‬ولكن أثبتوا الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة‪ ،‬ونفوا مماثلة المخلوقات‪.‬‬

‫ومن نظر في كلم الناس في هذا الباب‪ ،‬وجد عامة المشهورين بالعقل والعلم يصرحون بأن إثبات وجود موجود ل‬
‫محايث للخر ول مباين ونحو ذلك‪ ،‬معلوم بصريح العقل وضرورته‪.‬‬
‫وأما الحجة الثالثة‪ ،‬فقوله‪ :‬إن العقل يقسم المعلوم إلى مباين ومحايث‪ ،‬وما ليس بمباين ول محايث ونظائره‪ .‬فيقال له‪:‬‬
‫التقسيم المعلوم إلى واجب وممكن‪ ،‬وما ليس بواجب ول ممكن‪ ،‬وإلى قديم ومحدث‪ ،‬وما ليس بقديم ول محدث‪ ،‬وإلى‬
‫قائم بنفسه وقائم بغيره‪ ،‬وما ليس بقائم بنفسه ول بغيره‪ ،‬وأمثال ذلك من تقديرات الذهن‪.‬‬
‫ومعلوم أن مثل ذلك ل يدل على إمكان ذلك في الخارج ‪ ،‬فليس كل ما فرضه الذهن من القسام والتقديرات في‬
‫الذهان يكون ممكًنا أو موجوًدا في العيان‪ ،‬بل الذهن يقسم ما يخطر له إلى واجب وممتنع وممكن‪ ،‬وإلى موجود‬
‫ومعدوم؛ فالذهن يقدر كل ما يخطر بالبال‪ ،‬ومعلوم أن في ذلك من الممتنعات ما ل يجوز وجوده خارج الذهن‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬إن التقسيم إلى مباين ومحايث ل يعلم فساده كما ل يعلم فساد أن الواحد نصف الثنين‪ ،‬فنقول‪:‬إن القضايا‬
‫الضرورية ليس من شرطها أن‪ /‬تكون مفرداتها بينة لكل أحد‪ ،‬بل شرطها أن تكون مفرداتها إذا تصورت جزم العقل‬
‫بها‪ ،‬وتصور الواحد نصف الثنين بين لكل أحد؛ فلهذا كان التصديق التابع له أبين من غيره؛ ولهذا لم يكن هذا في‬
‫العقل كبيان أن خمسة وخمسين وربًعا وثمًنا ‪ ،‬نصف مائة وعشرة ونصف وربع‪ ،‬وكلهما ضروري‪.‬‬
‫ونظائر هذا كثيرة‪ ،‬ومعنى المباين والمحايث ليس بيًنا ابتداء‪ ،‬إذ اللفظ فيه إجمال كما تقدم‪ ،‬ولكن إذا بين معناه لهل‬
‫العقل جزموا بانتفاء ]قسم ثالث[‪ ،‬كما أن معنى القديم‪ ،‬والمحدث‪ ،‬والواجب‪ ،‬والممكن‪ ،‬والجوهر‪ ،‬والَعَرض‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬لما لم يكن بيًنا بنفسه لعامة العقلء‪ ،‬لم يجزموا بانحصار الموجود في هذين القسمين؛ فإذا بين لهم المعنى‬
‫جزموا بذلك‪.‬‬
‫ل فيه‪ ،‬ول بعيًدا ول قريًبا‬
‫جا عن الخر مبايًنا له ول داخ ً‬
‫فإذا قيل للعقلء‪ :‬موجودان قائمان بأنفسهما ل يكون هذا خار ً‬
‫منه‪ ،‬ول بعيًدا عنه‪ ،‬ول فوقه ول تحته‪ ،‬ول عن يمينه ول عن يساره‪ ،‬ول أمامه ول وراءه‪ ،‬ول يتصور أن يشير‬
‫أحدهما إلى الخر ول يذهب إليه‪ ،‬ول يقرب منه ول يبعد عنه‪ ،‬ول يتحرك إليه ول عنه‪ ،‬ول يقبل إليه ول يعرض‬
‫عنه‪ ،‬ول يحتجب عنه ول يتجلى له‪ ،‬ول يظهر لعينه ول يستتر عنه‪.‬‬
‫وأمثال هذه المعاني التي يقولها النفاة‪ ،‬علم العقلء بالضطرار امتناع وجود مثل هذين‪.‬‬
‫‪/‬وأما قول المعارض‪ :‬إن هذا إنما يعقل فيما هو جسم متحيز‪ ،‬فإذا قدر ما ليس بجسم ول متحيز خل عن هذين‬
‫القسمين‪ ،‬ولم تنحصر القسمة ـ حينئذ ـ في أحدهما‪.‬‬
‫ل لفظ ]الجسم[ و]الحيز[ و]الجهة[ ألفاظ فيها إجمال وإبهام‪ ،‬وهي ألفاظ ]اصطلحية[ وقد يراد بها معان‬
‫فيقال‪ :‬أو ً‬
‫متنوعة‪ ،‬ولم يرد الكتاب والسنة في هذه اللفاظ ل بنفي ول إثبات‪ ،‬ول جاء عن أحد من سلف المة وأئمتها فيها نفي‬
‫ل‪ ،‬فالمعارضة بها ليست معارضة بدللة شرعية‪،‬ل من كتاب ول من سنة ول إجماع؛ بل ول أثر ل‬
‫ول إثبات أص ً‬
‫عن صاحب أو تابع‪ ،‬ول إمام من المسلمين‪ ،‬بل الئمة الكبار أنكروا على المتكلمين بها‪ ،‬وجعلوهم من أهل الكلم‬
‫ل‪ :‬حكمي في أهل الكلم‪ :‬أن‬
‫ل غليظة معروفة عن الئمة‪ ،‬كقول الشافعي رحمه ا ّ‬
‫الباطل المبتدع‪ ،‬وقالوا فيهم أقوا ً‬
‫يضربوا بالجريد والنعال‪ ،‬ويطاف بهم في القبائل والعشائر‪ ،‬ويقال‪ :‬هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة‪ ،‬وأقبل على‬
‫الكلم‪.‬‬
‫وبالجملة‪ :‬فمعلوم أن اللفاظ ]نوعان[‪:‬‬
‫لفظ ورد في الكتاب والسنة أو الجماع‪ ،‬فهذا اللفظ يجب القول بموجبه‪ ،‬سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه؛ لن الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يقول إل حًقا‪ ،‬والمة ل تجتمع على ضللة‪.‬‬
‫‪/‬والثاني‪ :‬لفظ لم يرد به دليل شرعي‪ ،‬كهذه اللفاظ التي تنازع فيها أهل الكلم والفلسفة‪ ،‬هذا يقول‪ :‬هو متحيز‪ .‬وهذا‬
‫يقول‪ :‬ليس بمتحيز‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬هو في جهة‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬ليس هو في جهة‪ .‬وهذا يقول‪:‬هوجسم أوجوهر‪ .‬وهذا يقول‪:‬‬
‫ليس بجسم ول جوهر‪ .‬فهذه اللفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ول إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك‪ ،‬فإن بين‬

‫ل نفاه‪ ،‬وإن نفي حًقا لم ينفه‪ ،‬وكثير من هؤلء يجمعون في هذه‬
‫ل رده‪ ،‬وإن نفي باط ً‬
‫أنه أثبت حًقا أثبته‪ ،‬وإن أثبت باط ً‬
‫السماء بين الحق والباطل‪ :‬في النفي والثبات‪.‬‬
‫فمن قال‪ :‬إنه في جهة ‪ ،‬وأراد بذلك أنه داخل محصور في شيء من المخلوقات ـ كائًنا من كان ـ لم يسلم إليه هذا‬
‫الثبات‪ ،‬وهذا قول الحلولية‪.‬‬
‫وإن قال‪:‬إنه مباين للمخلوقات فوقها لم يمانع في هذا الثبات؛ بل هذا ضد قول الحلولية‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬ليس في جهة‪ ،‬فإن أراد أنه ليس مبايًنا للعالم ول فوقه‪ ،‬لم يسلم له هذا النفي‪.‬‬
‫وكذلك لفظ ]المتحيز[ يراد به ما أحاط به شيء موجود‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ} :‬أْو ُمَتَحّيزًا ِإَلى ِفَئٍة{ ]النفال‪ [16:‬ويراد به ما‬
‫ل متحيز ‪ /‬بالمعنى الول لم يسلم له ‪ ،‬ومن أراد أنه مباين للمخلوقات سلم له‬
‫انحاز عن غيره وباينه‪ .‬فمن قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫المعنى ‪ ،‬وإن لم يطلق اللفظ‪.‬‬
‫إذا تبين هذا‪ ،‬فإذا قال هذا القائل‪ :‬هذا التقسيم معلوم بالضطرار‪ ،‬فقيل له‪ :‬هذا إنما يعقل في متحيز أو ذي جهة ولم‬
‫حا فيما علم بالضطرار‪ ،‬بل يقول‪ :‬إما أن يكون هذا لزًما وإما أل يكون‪ .‬فإن لم يكن لزًما بطل السؤال‪،‬‬
‫يكن هذا قاد ً‬
‫وإن كان لزًما فلزم الضروري حق؛ فإن القضايا الضرورية إذا كانت مستلزمة لمور دل ذلك على صحة تلك‬
‫اللوازم‪ ،‬ولم يكن الستدلل على بطلنها بنفي تلك اللوازم؛ لن نفيها نظري والنظري ل يقدح في الضروري‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬إذا قدر موجود ليس بمتحيز ول في جهة يصح فيه هذا التقسيم ‪ ،‬فيقال له‪ :‬ثبوته على هذا التقدير ل يقتضى‬
‫ثبوته في نفس المر‪ ،‬إل أن يكون التقدير ثابًتا في نفس المر‪ ،‬وهذا التقسيم ينفي ثبوت هذا التقدير في نفس المر‪،‬‬
‫وإذا كان التقسيم معلوًما بالضطرار كان من لوازم ذلك انتفاء هذا التقدير‪ ،‬فل يقبل إثبات هذا التقدير بالنظر؛ لن‬
‫ذلك يتضمن القدح في الضروري بالنظري‪.‬‬
‫وإذا لم يكن إلى إثبات هذا التقدير سبيل لم يضر فساد التقسيم بتقدير ثبوته؛ لن ذلك يتضمن فساد التقسيم بتقدير ثبوت‬
‫ضا فلو قدر أن إثبات هذا التقدير ممكن كان هذا من باب المعارضة‪ ،‬ل من باب منع‬
‫ما لم يثبت ول يمكن إثباته‪ /،‬وأي ً‬
‫شيء من المقدمات‪ ،‬والمعارضة تحتاج إلى إقامة الدليل ابتداًء ‪،‬وسوف نتكلم على ذلك‪.‬‬
‫ولو قال المعترض‪ :‬أنا أمنع صحة التقسيم‪ ،‬وأجعل هذا سند منعي لم يصح؛ لنه يقال‪ :‬المنع إما أن يكون مقدمة لم‬
‫يدل عليها‪ ،‬والمستدل قد بين صحة التقسيم بالضرورة فل يصح منعه‪ ،‬لكن إذا أثبت إمكان وجود موجود ل داخل‬
‫العالم ول خارجه‪ ،‬كان هذا استدللً على نقيض قول المنازع‪ ،‬وحينئذ يكون غاصًبا لمنصب الستدلل؛ فإن الغصب‬
‫هو منع المقدمة بإثبات نقيض المطلوب‪.‬‬
‫وحقيقته أنه يقول‪ :‬لو صح دليل المستدل لفسد مذهبي‪ ،‬ومذهبي لم يفسد لكيت وكيت‪ ،‬فهذا غصب لمنصب الستدلل‬
‫فل يقبل‪ .‬وهكذا هذا‪ :‬إذا منع التقسيم بإثبات هذا التقدير‪ ،‬فهذا التقدير هو مذهبه؛ إذ يدعي وجود موجود ل يقبل هذا‬
‫التقسيم ‪ ،‬وهذا محل النزاع‪ .‬فإذا استدل على إمكانه كان غاصًبا فل يقبل منه‪ ،‬فتبين أن الدللة تامة‪.‬‬
‫وصار هذا العتراض بمنزلة أن يقال‪ :‬إذا قدر موجود ليس بقديم ول محدث‪ ،‬لم يصح تقسيم الموجود إلى محدث‬
‫وقديم‪ ،‬وإذا قدر موجود ليس بواجب ول ممكن‪ ،‬ول قائم بنفسه ول قائم بغيره‪ ،‬لم يصح تقسيم الموجود إلى الواجب‬
‫والممكن والقائم بنفسه والقائم بغيره‪ ،‬ومعلوم أن التقسيم المعلوم ‪ /‬بالضطرار ل يفسد بتقدير نقيضه أو مايستلزم‬
‫ضا‪ .‬فعلم‬
‫نقيضه‪ ،‬وإنما يفسد التقسيم بثبوت ما يناقضه‪ ،‬فإذا كان المناقض ل يعلم إل بالنظر‪ ،‬لم يصح أن يكون مناق ً‬
‫أن هذا من باب معارضة الضروري بالنظري‪ ،‬فل يكون مقبولً ول يكون حًقا‪.‬‬
‫ثم للناس في هذا المقام أربعة أجوبة‪:‬‬
‫قول من يقول‪ :‬هذا التقسيم معقول مطلًقا ـ وهذا التقدير ل أتكلم في ثبوته ول نفيه؛ لن ذلك يقدح في الضروريـات‬
‫بالنظريـات وذلـك غيـر مقبول بمنزلة حجج السوفسطائية؛ فإن ما علمناه بالضطرار وقدح فيه بعض الناس بالنظر‬

‫ل يبين حله‪ .‬بل يكفينا أن نعلم أنه فاسد لنه عارض‬
‫والجدل لم يكن علىنا أن نجيب عن المعارض جواًبا مفص ً‬
‫الضروري‪ ،‬وما عارضه فهو فاسد ـ وهذا جواب خلق كثير من أهل الحديث والفقه والكلم وغيرهم عن مثل هذا‪.‬‬
‫وهؤلء يقول أحدهم‪ :‬ل أقول‪ :‬إنه متحيز ول غير متحيز‪ ،‬ول في جهة ول في غير جهة‪ ،‬بل أعلم أنه مباين للعالم‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫وأنه يمتنع أن يكون لمبايًنا ول مداخ ً‬
‫وهذا كما قال القرمطي الباطني‪ :‬ل أقول‪ :‬هو موجود ول معدوم‪ ،‬ول عالم ول جاهل‪ ،‬ول قادر ول عاجز؛ لن ذلك‬
‫من صفات الجسام؛ فإن الجسم ينقسم إلى حي وميت‪ ،‬وعالم وجاهل ‪ ،‬وقادر وعاجز‪ ،‬وموجود ومعدوم‪ ،‬فإذا ‪ /‬قدرنا‬
‫ل‪ ،‬ول قادًرا ول عاجًزا‪ ،‬ول حًيا ول ميًتا‪ ،‬كان كلم القرمطي هذا بمنزلة كلم‬
‫ما ليس بجسم لم يكن عالًما ول جاه ً‬
‫هؤلء الجهمية؛ أنه ل داخل العالم ول خارجه‪.‬‬
‫وقول جهم والقرامطة من جنس واحد‪ ،‬كما نقله عن الفريقين أصحاب المقالت‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنه ل يقال‪ :‬هو شيء ول‬
‫ليس بشيء‪ .‬فمن نفي عنه هذه المتقابلت التي لبد للموجود من أحدهما لمن يمكنه قطع القرامطة؛ ولهذا كانت‬
‫مناظرة هؤلء للقرامطة مناظرة ضعيفة‪ ،‬كما هو مبسوط في موضعه‪.‬‬
‫الجواب الثاني‪ :‬قول من يقول‪ :‬بل أقول‪ :‬إنه ليس بمتحيز ول في جهة‪ ،‬وأقول مع ذلك‪ :‬إنه مباين للعالم‪ .‬وهذا قول من‬
‫يقول‪ :‬إنه فوق العالم وليس بجسم ول جوهر ول متحيز؛كما يقول ذلك من يقوله من الكلبية‪ ،‬والشعرية والكرامية‬
‫‪.‬ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الئمة الربعة‪ ،‬وأهل الحديث والصوفية‪.‬‬
‫ف لضرورة العقل‪ ،‬قالوا‪ :‬إثبات موجود ل محايث ول مباين أظهر‬
‫فإذا قيل لهؤلء‪ :‬إثبات مباين ليس بمتحيز مخال ٌ‬
‫فساًدا في ضرورة العقل من هذا؛ فإن كان قضاء العقل مقبول كان قولكم فاسًدا‪ ،‬وحينئذ حصل المطلوب من كونه‬
‫مباينا للعالم‪ .‬وإن كان قضاء العقل مردوًدا بطلت حجتكم على إبطال قولنا‪ :‬إنه فوق العالم مباين له ‪ ،‬وليس بجسم ول‬
‫جوهر‪ .‬وإذا لم يكن ثم حجة على بطلن ‪ /‬كونه فوق العالم لم يجز نفي ذلك‪ ،‬وحينئذ فالسمعيات قد دلت على ذلك مع‬
‫الفطرة‪ ،‬فلزم على هذا التقدير أن يكون مبايًنا للعالم‪.‬‬
‫ضا؛ فإن هؤلء النفاة يجعلون العقل حجة لهم ول يجعلونه حجة عليهم ‪،‬‬
‫فهذا تحقيق جيد قد تقدم التنبيه عليه أي ً‬
‫ويحتجون على خصومهم بقضايا ضرورية‪،‬ويخالفونهم في القضايا الضرورية فيما هو أبين منها‪ ،‬وكل ما يطعنون‬
‫به حجة على مخالفتهم؛ مثل قولهم‪ :‬هذا من قضايا الوهم والخيال‪ ،‬ل من قضايا العقل‪ ،‬فيطعن به في حجتهم هذه‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬نفيكم لوجود موجود مباين ليس بجسم ول متحيز هو من قضايا الوهم والخيال ل من قضايا العقل‪ ،‬فليتدبر‬
‫الفاضل هذا المقام‪.‬‬
‫الجواب الثالث‪ :‬قول من يلتزم أنه متحيز أو في جهة‪ ،‬أو أنه جسم‪ ،‬ويقول‪ :‬ل دللة على نفي شيء من ذلك‪ ،‬وأدلة‬
‫النفاة لذلك أدلة فاسدة؛ فإنهم متفقون على أن نفي ذلك ليس معلوًما بالضرورة وإنما يدعون النظر‪ ،‬ونفاة ذلك لم يتفقوا‬
‫على دليل واحد‪ ،‬بل كل واحد منهم يطعن في دليل الخر ـ فالفلسفة الذين ينفون ذلك بناء على نفي الصفات‪ ،‬يطعن‬
‫النفاة من أهل الكلم مع غيرهم ـ من العقلء وأهل الثبات ـ في أدلتهم بالطعون المعروفة التي تبين فساد أدلتهم‪،‬‬
‫والمتكلمون الذين ينفون ذلك يطعنون على الفلسفة النفاة ـ مع غيرهم من العقلء وأهل الثبات ـ في أدلتهم ‪ ،‬وهو‬
‫الدليل المبني على حدوث ما قامت به العراض والفعال‪.‬‬
‫‪/‬والكلم على أقوال أهل الثبات المثبتة لفساد أدلة النفاة‪ ،‬وما في هذه المواضع من القوال المشتبهة‪ ،‬والكلم الدقيق ‪،‬‬
‫والبحوث العقلية ـ مبسوط مذكور في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫الجواب الرابع‪ :‬جواب أهل الستفصال‪ ،‬وهم الذين يقولون‪ :‬لفظ ]التحيز[ و]الجهة[ و]الجوهر[ ونحو ذلك ‪ ،‬ألفاظ‬
‫ل ـ تعالى ـ‬
‫ل‪ ،‬ول قالها أحد من سلف المة وأئمتها‪ :‬في حق ا ّ‬
‫ل ول في سنة رسول ا ّ‬
‫مجملة ليس لها أصل في كتاب ا ّ‬
‫ل نفًيا ول إثباًتا‪.‬‬

‫وحينئذ‪ ،‬فإطلق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب ]أهل السنة والجماعة[ بل ريب‪ ،‬ول عليه دليل شرعي‪ ،‬بل‬
‫الطلق من الطرفين مما ابتدعه أهل الكلم الخائضون في ذلك‪ ،‬فإذا تكلمنا معهم بالبحث العقلي استفصلناهم عما‬
‫أرادوه بهذه اللفاظ‪.‬‬
‫فإن قال المثبت‪ :‬المراد بكونه متحيًزا وجسًما وفي جهة‪ :‬أنه في جوف المخلوقات‪ ،‬أو أن المخلوقات تحوزه‪ ،‬أو أنه‬
‫يماثلها‪ ،‬أو يجوز عليه ما يجوز عليها‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فهذا باطل‪ .‬ومباينته للعاَلم ل يقتضى أن يكون على هذا التقدير‬
‫متحيًزا ول في جهة ول جسًما‪.‬‬
‫وإن قال النافي لذلك‪ :‬إن ما كان فوق العالم فهو في جهة‪ ،‬وهو متحيز وهو جسم وذلك محال‪.‬‬
‫‪/‬قيل له‪ :‬نفي أنه مباين للعالم باطل‪ ،‬وملزوم الباطل باطل‪ ،‬فإذا كان نفي مسميات هذه اللفاظ ملزوًما لنفي المباينة‬
‫ل‪ ،‬والدلة المذكورة على نفي مسماها بهذا العتبار باطلة‪.‬‬
‫كان نفيها باط ً‬
‫ويقول المثبت‪ :‬نفي مباينته للعالم وعلوه على خلقه باطل ‪ ،‬بل هذه المور مستلزمة لتكذيب الرسول فيما أثبته لربه‬
‫ضا‪ ،‬لكن ليس كل من تكلم بالكفر يكفر‪ ،‬حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره‪ ،‬فإذا قامت‬
‫وأخبر به عنه‪ ،‬وهوكفر أي ً‬
‫عليه الحجة كفرحينئذ‪ ،‬بل نفي هذه المور مستلزم للتكفير للرسول فيما أثبته لربه وأخبر به عنه‪ ،‬بل نفي للصانع‬
‫وتعطيل له في الحقيقة‪.‬‬
‫وإذا كان نفي هذه الشياء مستلزًما للكفر بهذا العتبار‪ ،‬وقد نفاها طوائف كثيرة من أهل اليمان‪ ،‬فلزم المذهب ليس‬
‫ظا أو يثبتونها‪ ،‬بل ينفون معان أو يثبتونها‪،‬‬
‫بمذهب‪ ،‬إل أن يستلزمه صاحب المذهب‪ ،‬فخلق كثير من الناس ينفون ألفا ً‬
‫ويكون ذلك مستلزًما لمور هي كفر‪ ،‬وهم ل يعلمون بالملزمة بل يتناقضون‪ .‬وما أكثر تناقض الناس ‪،‬لسيما في‬
‫هذا الباب‪ ،‬وليس التناقض كفًرا‪.‬‬
‫ويقول الناظم‪ :‬أنا أخبرت‪ :‬أن من قال ذلك هو مفتون وفاتن ‪ ،‬وهذا حق؛ لنه فتن غيره بقوله وفتنه غيره‪ ،‬وليس كل‬
‫من فتن يكون كافًرا‪ ،‬وادعيت أن من قال ذلك كان قوله مستلزًما للتعطيل‪ ،‬فيكون الكفر كامًنا ‪/‬في قوله‪ .‬والكامن في‬
‫الشيء ل يجب أن يكون ظاهًرا فيه‪ ،‬ولو كان الكفر ظاهًرا في قوله للزم تكفير القائل ‪ ،‬أما إذا كان كامًنا وهو خفي لم‬
‫يكفر به من لم يعلم حقيقة ما تضمنه من الكفر‪ ،‬وإن كان متضمًنا للكفر ومستلزًما له‪.‬‬
‫وأما لفظ ]التجسيم[ فهذا لفظ مجمل ل أصل له في الشرع‪ ،‬فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫وأما إن قال المثبت لذلك‪ :‬المراد به أنه فوق العالم ومباين له‪ .‬قيل له‪ :‬هذا المعنى صحيح‪ .‬وإن قال النافي لذلك‪ :‬المراد‬
‫أنه ل تحوزه المخلوقات ول تماثله‪ .‬قيل له‪ :‬هذا المعنى صحيح‪ ،‬ول منافاة بين قوليكما؛ فإنه فوق العالم مباين له‪،‬‬
‫ل لها‪،‬‬
‫والمخلوقات ل تحصره ول تحوزه ول يفتقر إلى العرش ول غيره‪ ،‬مع أنه عال عليها مباين لها‪ ،‬وليس مماث ً‬
‫ول يجوز عليه ما يجوز عليها‪ .‬فهذه المعاني صحيحة من النافي والمثبت مقبولة؛ وتلك المعاني منهما مردودة‬
‫ل رب العالمين‪.‬‬
‫‪،‬والحمد ّ‬
‫ولن هذا الذي يجيب به أهل الثبات للدهرية‪ :‬من أنه ـ سبحانه ـ تقوم به الفعال التي يشاؤها ويقدر عليها ‪ ،‬وبذلك‬
‫ل أخبر أنه‬
‫ل عليهم ـ فإن ا ّ‬
‫يخلق المخلوقات المنفصلة عنه مطابق لما جاءت به الثار المأثورة عن الرسل ـ صلوات ا ّ‬
‫سَماء َوِه َ‬
‫ي‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫خلق السموات والرض في ستة أيام‪ ،‬ثم استوى على العرش‪ ،‬وقبل استوائه ‪ /‬على العرش‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫طاِئِعيَن{ ]فصلت‪ [11:‬فهذا ونحوه مما جاء في مبدأ الخلق‪.‬‬
‫عا َأْو َكْرًها َقاَلَتا َأَتْيَنا َ‬
‫طْو ً‬
‫ض ِاْئِتَيا َ‬
‫لْر ِ‬
‫ل َلَها َوِل َْ‬
‫ن َفَقا َ‬
‫خا ٌ‬
‫ُد َ‬
‫ت ِبَيِميِنهِ‬
‫طِوّيا ٌ‬
‫سماَواتُ َم ْ‬
‫ضُتُه َيْوَم اْلِقَياَمِة َوال ّ‬
‫جِميًعا َقْب َ‬
‫ض َ‬
‫ق َقْدِرِه َوالَْْر ُ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫وأما العادة‪ ،‬فقد قال تعالى‪َ} :‬وَما َقَدُروا ا َّ‬
‫ن{ ]الزمر‪.[76 :‬‬
‫شِرُكو َ‬
‫عّما ُي ْ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى َ‬
‫سْب َ‬
‫ُ‬
‫ل الرض‪ ،‬ويطوي السماء‬
‫وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ‪،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬يقبض ا ّ‬
‫بيمينه‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬أين ملوك الرض؟(‬

‫ل السموات‬
‫وفي الصحيحين عن ابن عمر‪:‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قرأ على المنبر هذه الية ثم قال‪) :‬يطوي ا ّ‬
‫بيمينه‪ ،‬ويقبض الرض بيده الخرى‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬أنا القدوس‪ ،‬أنا السلم‪ ،‬أنا المؤمن‪ ،‬أنا المهيمن‪ ،‬أنا العزيز‪،‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‬
‫أنا الجبار‪ ،‬أنا المتكبر‪ ،‬أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيًئا‪ ،‬أنا الذي أعيدها( وجعل رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم؟!‬
‫يقبض بيديه ويبسطهما‪ ،‬والمنبر يتحرك من أسفله‪ ،‬حتى إني لقول‪ :‬أساقط هو برسول ا ّ‬
‫وعن ابن عباس أنه قال‪ :‬ما السموات السبع والرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن‪ ،‬إل كخردلة في كف أحدكم‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ مع كونه ـ‬
‫وروى أنه قال‪ :‬يرمي بها كما يرمي الصبي بالكرة‪ .‬فهذا يبين أن الفلك ل نسبة لها إلى قدرة ا ّ‬
‫سبحانه وتعالى ـ يطوي السماء ويقبض الرض‪.‬‬
‫ل إذا كان يوم القيامة فإنه‬
‫ل من اليهود قال للنبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬إن ا ّ‬
‫‪/‬وفي الصحيحين عن ابن مسعود‪ :‬أن رج ً‬
‫يمسك السماء على إصبع‪ ،‬والرض على إصبع‪ ،‬والشجر والثرى على إصبع ‪ ،‬والجبال على إصبع‪ ،‬والخلئق على‬
‫حّ‬
‫ق‬
‫ل َ‬
‫إصبع‪ .‬قال‪ :‬فضحك النبي صلى ال عليه وسلم تعجًبا وتصديًقا لقول الحبر‪ ،‬ثم قرأ قوله تعالى‪َ} :‬وَما َقَدُروا ا َّ‬
‫َقْدِرِه{ الية ]الزمر‪.[76 :‬‬
‫فهذا بين من عمل الرب ـ تبارك وتعالى ـ ما يدفع شبه المتفلسفة‪.‬‬
‫فصــل‬
‫وهذا التقسيم الذي ذكره السائل هومعروف في كلم السلف‪ ،‬والئمة يحتجون به على الجهمية النفاة‪ :‬كمباينته لخلقه‬
‫وعلوه على عرشه‪ ،‬قال المام أحمد في كتابه الذي كتبه في ]الرد على الجهمية والزنادقة[‪] :‬بيان ما أنكرت الجهمية‬
‫خَل َ‬
‫ق‬
‫سَتَوى{ ]طه‪ ،[5:‬وقال‪ُ} :‬هَو اّلِذي َ‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل على العرش[‪ ،‬وقد قال تعالى‪} :‬الّر ْ‬
‫الضلل أن يكون ا ّ‬
‫ش{ ]الحديد‪ ،[4 :‬فقالوا‪ :‬هو تحت الرض السابعة كما هو على‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫العرش‪ ،‬فهو على العرش وفي السموات وفي الرض وفي كل مكان‪،‬ل يخلومنه مكان‪ ،‬ول يكون في مكان دون‬
‫ض{ ]النعام‪.[3 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوِفي ا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫مكان‪ ،‬ويتلون آيات من القرآن‪َ} :‬وُهَو ا ّ‬
‫قلنا‪ :‬قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظيم الرب شيء‪ ،‬فقالوا‪ :‬أى شيء؟ قلنا‪ :‬أحشاءكم‪ ،‬وأجوافكم‪،‬‬
‫وأجواف الخنازير والحشوش والماكن القذرة ليس فيها من عظيم الرب شيء؛ وقد أخبرنا أنه في السماء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ب{‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫ي َتُموُر{ ] الملك‪ ،[16:‬وقد قال جل ثناؤه‪ِ} :‬إَلْيِه َي ْ‬
‫ض َفِإَذا ِه َ‬
‫لْر َ‬
‫ف ِبُكُم ا َ‬
‫س َ‬
‫خِ‬
‫سَماء َأن َي ْ‬
‫}َأَأِمنُتم ّمن ِفي ال ّ‬
‫ي{ ] آل عمران‪ / ،[55:‬وقال تعالى‪َ} :‬بل ّرَفَعُه ا ّ‬
‫ل‬
‫ك ِإَل ّ‬
‫ك َوَراِفُع َ‬
‫سى ِإّني ُمَتَوّفي َ‬
‫عي َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫لا ّ‬
‫]فاطر‪ ، [10:‬وقال تعالى‪ِ} :‬إْذ َقا َ‬
‫ض َوَمْن ِعنَدهُ َل َيْسَتْكِبُروَن َعْن ِعَباَدِتِه{ الية ]النبياء‪،[91:‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ِإَلْيِه{ ]النساء‪ ،[158:‬وقال تعالى‪َ} :‬وَلُه َمن ِفي ال ّ‬
‫لِئَكُة‬
‫ج اْلَم َ‬
‫ج َتْعُر ُ‬
‫ل ِذي اْلَمَعاِر ِ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن{ ]النحل‪ ،[50:‬وقال تعالى‪ّ} :‬م َ‬
‫ن َما ُيْؤَمُرو َ‬
‫ن َرّبُهم ّمن َفْوِقِهْم َوَيْفَعُلو َ‬
‫خاُفو َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬ي َ‬
‫حِكيُم‬
‫عَباِدهِ َوُهَو اْل َ‬
‫ق ِ‬
‫سَنٍة{ ]المعارج‪ ،[4 ،3 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو اْلَقاِهُر َفْو َ‬
‫ف َ‬
‫ن َأْل َ‬
‫سي َ‬
‫خْم ِ‬
‫ن ِمْقَداُرُه َ‬
‫ح ِإَلْيِه ِفي َيْوٍم َكا َ‬
‫َوالّرو ُ‬
‫ظيُم{ ]البقرة‪.[255:‬‬
‫ي اْلَع ِ‬
‫خِبيُر{ ]النعام‪ ،[18:‬وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو اْلَعِل ّ‬
‫اْل َ‬
‫سَف ِ‬
‫ل‬
‫لْ‬
‫كا َ‬
‫ن ِفي الّدْر ِ‬
‫ن اْلُمَناِفِقي َ‬
‫ل أنه في السماء‪ .‬ووجدنا كل شيء في أسفل مذموًما ‪ ،‬يقول جل ثناؤه‪ِ} :‬إ ّ‬
‫قال‪:‬فهذا خبر ا ّ‬
‫ت َأْقَداِمَنا‬
‫ح َ‬
‫جَعْلُهَما َت ْ‬
‫س َن ْ‬
‫لن ِ‬
‫ن َوا ِْ‬
‫جّ‬
‫ن اْل ِ‬
‫لَنا ِم َ‬
‫ضّ‬
‫ن َأ َ‬
‫ن َكَفُروا َرّبَنا َأِرَنا اّلَذْي ِ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن الّناِر{ ] النساء‪ ،[145 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ِم َ‬
‫ِلَيُكوَنا ِمَن اَْلْسَفِليَن{ ]فصلت‪.[29 :‬‬

‫ل ليجتمع هو وإبليس في مكان‬
‫وقلنا لهم‪ :‬أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان ‪ ،‬والشياطين مكانهم مكان؟ فلم يكن ا ّ‬
‫ض{ ]النعام‪ [3:‬يقول‪ :‬هو إله من في السموات وإله‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوِفي ا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫واحد‪،‬ولكن معنى قوله عز وجل‪َ} :‬وُهَو ا ّ‬
‫ل مكان‪ ،‬ول يكون علم الّ‬
‫ل على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش‪ ،‬ل يخلو من علم ا ّ‬
‫من في الرض‪ ،‬وهو ا ّ‬
‫يٍء ِعْلًما{ ]الطلق‪.[12 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ط ِبُك ّ‬
‫حا َ‬
‫ل َقْد َأ َ‬
‫ن ا َّ‬
‫يٍء َقِديٌر َوَأ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫في مكان دون مكان‪ ،‬وذلك قوله‪ِ} :‬لَتْعَلُموا َأ ّ‬
‫ل كان في يده قدح من قوارير صاف‪ ،‬وفيه شيء صاف‪ ،‬لكان نظر ابن آدم قد‬
‫وقال‪ :‬من العتبار في ذلك‪ :‬لو أن رج ً‬
‫ل ـ وله المثل العلى ـ قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون‬
‫أحاط بالقدح من غير أن‪ /‬يكون ابن آدم في القدح ‪ ،‬وا ّ‬
‫في شيء من خلقه‪.‬‬

‫ل بنى داًرا بجميع مرافقها ‪ ،‬ثم أغلق بابها وخرج‪ .‬كان ابن آدم ل يخفي عليه كم بيت في‬
‫وخصلة أخرى‪ :‬لو أن رج ً‬
‫ل ـ عز وجل ـ وله المثل العلى ـ قد‬
‫داره‪ ،‬وكم سعة كل بيت ‪ ،‬من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار‪ ،‬فا ّ‬
‫أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو؟ وما هو؟ من غير أن يكون في شيء مما خلق‪.‬‬
‫ل ـ عز‬
‫لَثٍة ِإّل هَُو َراِبُعُهْم{ ]المجادلة‪ ،[7:‬فقالوا‪ :‬إن ا ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫ل عز وجل‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫وما تأول الجهمية من قول ا ّ‬
‫ض َما َيُكو ُ‬
‫ن‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َيْعَلُم َما ِفي ال ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل يقول‪َ} :‬أَلْم َتَر َأ ّ‬
‫وجل ـ معنا وفينا‪ .‬قلنا‪ :‬لم قطعتم الخبر من قوله؟ إن ا ّ‬
‫عِمُلوا‬
‫ن َما َكاُنوا ُثّم ُيَنّبُئُهم ِبَما َ‬
‫ل ُهَو َمَعُهْم َأْي َ‬
‫ل َأْكَثَر ِإ ّ‬
‫ك َو َ‬
‫ل َأْدَنى ِمن َذِل َ‬
‫سُهْم َو َ‬
‫ساِد ُ‬
‫ل ُهَو َ‬
‫سٍة ِإ ّ‬
‫خْم َ‬
‫ل َ‬
‫ل ُهَو َراِبُعُهْم َو َ‬
‫لَثٍة ِإ ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ِمن ّن ْ‬
‫يٍء َعِليٌم{ ]المجادلة‪ [7:‬ففتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه‪.‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ِبُك ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫َيْوَم اْلِقَياَمِة ِإ ّ‬

‫لـ‬
‫ل لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال نعم فقد زعم أن ا ّ‬
‫ل إذا كان معنا بعظمة نفسه‪ :‬هل يغفر ا ّ‬
‫ويقال للجهمي‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل حين زعم‬
‫تعالى ـ مباين خلقه‪ ،‬وإن خلقه دونه‪ .‬وإن قال‪ :‬ل‪ .‬كفر‪ .‬قال‪ :‬وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على ا ّ‬
‫ل كان ول شيء؟ ‪/‬فيقول‪ :‬نعم‪ .‬فقل له‪ :‬حين خلق‬
‫أنه في كل مكان ‪ ،‬ول يكون في مكان دون مكان ‪ ،‬فقل له‪ :‬أليس ا ّ‬
‫جا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلثة أقاويل‪:‬‬
‫الشيء خلقه في نفسه أو خار ً‬
‫ل خلق الخلق في نفسه‪ ،‬قد كفر‪ ،‬حين زعم أنه خلق الجن والنس والشياطين في نفسه‪.‬‬
‫واحد منها‪ :‬إن زعم أن ا ّ‬
‫ضا ـ كفًرا ‪ ،‬حين زعم أنه دخل في مكان رجس وقذر‬
‫جا من نفسه‪ ،‬ثم دخل فيهم‪ ،‬كان هذا ـ أي ً‬
‫وإن قال‪ :‬خلقهم خار ً‬
‫رديء‪.‬‬
‫جا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع‪ ،‬وهو قول أهل السنة‪.‬‬
‫وإن قال‪ :‬خلقهم خار ً‬
‫ل في نفسه‬
‫فقد بين المام أحمد ما هو معلوم بالعقل الصريح والفطرة البديهية؛ من أنه لبد أن يكون خلق الخلق داخ ً‬
‫جا عن نفسه فإما أن يكون حل فيه بعد ذلك‪ ،‬أو لم يزل مبايًنا‪ ،‬فذكر القسام الثلثة‪.‬‬
‫جا عنه‪ ،‬وأنه إذا كان خار ً‬
‫أو خار ً‬
‫ل أنه مع خلقه في كل شيء من غير‬
‫ضا ـ في أثناء كلمه‪ :‬فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على ا ّ‬
‫وقال ـ أي ً‬
‫سا؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قلنا‪ :‬فكيف يكون في شيء‪/‬‬
‫سا للشيء ول مبايًنا له ‪ ،‬فقلنا‪ :‬إذا كان غير مباين أليس هو مما ً‬
‫أن يكون مما ً‬
‫غير مماس له ول مباين؟ فلم يحسن الجواب‪ .‬فقال‪ :‬بل كيف‪ .‬فخدع الجهال بهذه الكلمة وَمّوه عليهم‪.‬‬
‫وكذلك قال عبد العزيز المكي ـ صاحب الشافعي ـ صاحب ]الحيدة[ المشهورة في ]كتاب الرد على الزنادقة‬
‫والجهمية[‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪.[5 :‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل تعالى‪} :‬الّر ْ‬
‫باب قول الجهمية في قول ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ إنما المعنى‪ :‬استولى‪ ،‬كقول العرب‪ :‬استوى فلن على‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل‪} :‬الّر ْ‬
‫زعمت الجهمية أن قول ا ّ‬
‫مصر‪ ،‬استوى على الشام‪ ،‬يريد‪ :‬استولى عليها‪.‬‬
‫باب البيان لذلك‬
‫ل بمستول عليه؟! فإذا قال‪ :‬ل‪ .‬قيل‪ :‬فمن زعم ذلك؟ قال‪ :‬من‬
‫ل أتت عليه مدة ليس ا ّ‬
‫يقال له‪ :‬أيكون خلق من خلق ا ّ‬
‫ل أخبر‬
‫ل بمستول عليه‪ ،‬وذلك أن ا ّ‬
‫زعم ذلك فهو كافر‪ .‬يقال له‪ :‬يلزمك أن تقول‪ :‬إن العرش قد أتت عليه مدة ليس ا ّ‬
‫أنه خلق العرش قبل خلق السموات والرض في ستة أيام‪ ،‬ثم استوى على عرشه بعد خلقه السموات والرض‪ ،‬قال‬
‫ش الّرْحَمُن َفاْسَأْل ِبِه َخِبيًرا{ ]الفرقان‪:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض َوَما َبْيَنُهَما ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫خَل َ‬
‫ل عز وجل‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ا ّ‬
‫سْبَع‬
‫ن َ‬
‫سّواُه ّ‬
‫سَماء َف َ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫حْمِد َرّبِهْم{ ]غافر‪ ، [7:‬وقوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫حو َ‬
‫سّب ُ‬
‫حْوَلُه ُي َ‬
‫ن َ‬
‫ش َوَم ْ‬
‫ن اْلَعْر َ‬
‫حِمُلو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫‪ ،[59‬وقوله‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ي ُدَخاٌن{ ]فصلت‪ ،[11:‬فأخبر أنه استوى على العرش‪،‬‬
‫سَماء َوِه َ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫ت{ ]البقرة‪ ،[29:‬وقوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫سَماَوا ٍ‬
‫َ‬
‫سَتَوى‬
‫ل بمستول عليه‪ ،‬إذ كان }ُثّم ا ْ‬
‫فيلزمك أن تقول‪ :‬المدة الذي كان العرش فيها قبل خلق السموات والرض ليس ا ّ‬
‫ش{ ]الفرقان‪ ،[59 :‬معناه عندك‪ :‬استولى‪ ،‬فإنما استولى بزعمك في ذلك الوقت ل قبله‪.‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫َ‬

‫وقد روى عن عمران بن حصين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬اقبلوا البشرى يا بني تميم(! قالوا‪ :‬بشرتنا‬
‫ل قبل كل‬
‫فأعطنا‪ .‬قال‪) :‬اقبلوا البشرى يا أهل اليمن(! قالوا‪ :‬قبلنا فأخبرنا عن أول هذا المر كيف كان؟ قال‪) :‬كان ا ّ‬
‫شيء‪ ،‬وكان عرشه على الماء‪ ،‬وكتب في اللوح ذكر كل شيء(‪ ،‬وروى عن أبي َرِزين الُعَقيلي ـ وكان يعجب النبى‬
‫ل‪ ،‬أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والرض؟ قال‪) :‬في عماء‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم مسألته ـ أنه قال‪ :‬يا رسول ا ّ‬
‫فوقه هواء‪ ،‬وتحته هواء(‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما يقول‪ :‬استوى فلن على السرير‪ ،‬فيكون السرير قد حوى فلًنا‬
‫ل وحده إذا كان عليه؛ لنا ل نعقل الشيء على الشيء إل‬
‫وحده إذا كان عليه؟ فيلزمك أن تقول‪ :‬إن العرش قد حوى ا ّ‬
‫هكذا‪.‬‬
‫ش{‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫ل ـ تعالى ـ ل يجري عليه كيف‪ ،‬وقد أخبرنا أنه }ُثّم ا ْ‬
‫‪ /‬فيقال‪ :‬أما قولك‪ :‬كيف استوى؟ فإن ا ّ‬

‫]الفرقان‪ [59:‬ولم يخبرنا كيف استوى‪.‬‬
‫لنه لم يخبرهم كيف ذلك ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت‪ ،‬وحرم عليهم أن يقولوا عليه ما ل يعلمون فآمنوا‬
‫ل تعالى‪.‬‬
‫بخبره عن الستواء ‪ ،‬ثم ردوا علم كيف استوى إلى ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ محدود وقد حوته الماكن‪ ،‬إذ زعمت في دعواك أنه في الماكن؛‬
‫ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫لنه ل يعقل شيء في مكان إل والمكان قد حواه‪ ،‬كما تقول العرب‪ :‬فلن في البيت والماء في الجب‪ ،‬فالبيت قد حوى‬
‫فلًنا‪ ،‬والجب قد حوى الماء‪.‬‬
‫ل ـ عز وجل ـ في عيسى‪،‬‬
‫ويلزمك أشنع من ذلك؛ لنك قلت أفظع مما قالت به النصارى‪ ،‬وذلك أنهم قالوا‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل إذ جعلتموه في بطن مريم‪ .‬وأنتم تقولون‪ :‬إنه في كل‬
‫وعيسى بدن إنسان واحد ‪ ،‬فكفروا بذلك‪ ،‬وقيل لهم‪ :‬ما عظمتم ا ّ‬
‫مكان وفي بطون النساء كلهن‪ ،‬وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم‪.‬‬
‫ل عن‬
‫ضا ـ أن تقول‪ :‬إنه في أجواف الكلب والخنازير‪ ،‬لنها أماكن‪ ،‬وعندك أنه في كل مكان ـ تعالى ا ّ‬
‫ويلزمك ـ أي ً‬
‫ذلك علًوا كبيًرا‪.‬‬
‫ل في كل مكان ل كالشيء ‪/‬في الشيء‪ ،‬ول كالشيء على الشيء‪ ،‬ول كالشيء‬
‫قال‪ :‬فلما شنعت مقالته قال‪ :‬أقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫جا عن الشيء‪ ،‬ول مبايًنا للشيء‪.‬‬
‫خار ً‬
‫قال‪ :‬يقال له‪ :‬أصل قولك القياس والمعقول‪ ،‬فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك ل تعبد شيًئا؛ لنه لو كان شيًئا داخلً‬
‫جا عنه‪ ،‬فلما لم يكن في قولك شيًئا استحال أن يكون الشيء‬
‫ل في الشيء أو خار ً‬
‫في القياس والمعقول لن يكون داخ ً‬
‫سا ل وجود له وهو دينك‪ ،‬وأصل مقالتك التعطيل‪.‬‬
‫جا من الشيء‪ ،‬فوصفت ـ لعمري ـ ملتب ً‬
‫في الشيء‪ ،‬أو خار ً‬
‫جا منه فإنه ل‬
‫ل في الشيء ول خار ً‬
‫فهذا عبد العزيز المكي‪ ،‬قد بين أن القياس والمعقول يوجب أن ما ل يكون داخ ً‬
‫يكون شيًئا‪ ،‬وإن ذلك صفة المعدوم الذي ل وجود له‪ ،‬فالقياس هو الدلة العقلية‪ ،‬والمعقول العلوم الضرورية‪.‬‬
‫ل بن سعيد بن ُكلب‪ ،‬إمام المتكلمة الصفاتية؛ كالقلنسي‪ ،‬والشعري وأتباعه فيما جمعه‬
‫وكذلك قال أبو محمد عبد ا ّ‬
‫ضا‪ ،‬فذكر ابن فورك كلم ابن كلب أنه قال‪ :‬وأخرج من النظر والخبر قول‬
‫أبو بكر بن ُفَورك من كلم الشعري أي ً‬
‫صْفه بالعدم ما َقَدر أن يقول فيه أكثر من‬
‫من قال‪ :‬ل هو في العالم ول خارج منه‪ ،‬فنفاه نفًيا مستوًيا؛ لنه لو قيل له‪ِ :‬‬
‫صا‪ ،‬وقال في ذلك ما ل يجوز في نص ول معقول‪ ،‬وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص‪ ،‬والنفي‬
‫لن ً‬
‫هذا‪ ،‬ورد أخبار ا ّ‬
‫الخالص عندهم هو الثبات الخالص‪ ،‬وهم عند أنفسهم قياسون‪.‬‬
‫‪/‬قال‪ :‬فإن قالوا‪ :‬هذا إفصاح بخلو الماكن منه وانفراد العرش به ‪ ،‬قيل‪ :‬إن كنتم تعنون بخلو الماكن من تدبيره‪ ،‬وأنه‬
‫عالم‪ ،‬فل‪.‬‬
‫ل على‬
‫وإن كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها‪ ،‬كما استوى على العرش‪ ،‬فنحن ل نحتشم أن نقول‪ :‬استوى ا ّ‬
‫العرش‪ ،‬ونحتشم أن نقول‪ :‬استوى على الرض ‪ ،‬واستوى على الجدار‪ ،‬وفي صدر البيت‪.‬‬

‫ضا‪ :‬يقال لهم‪ :‬أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا‪ :‬نعم‪ .‬قيل‪ :‬ما تعنون بقولكم‪ :‬إنه فوق ما خلق؟!‬
‫وقال أبو محمد بن كلب أي ً‬
‫فإن قالوا‪ :‬بالقدرة والعزة‪ .‬قيل لهم‪ :‬ليس هذا سؤالنا‪ .‬وإن قالوا‪ :‬المسألة خطأ‪ .‬قيل لهم‪ :‬فليس هو فوق‪ ،‬فإن قالوا‪:‬نعم‬
‫ليس هو فوق ‪ ،‬قيل لهم‪ :‬وليس هو تحت‪ ،‬فإن قالوا‪ :‬ول تحت‪ ،‬أعدموه؛ لن ما كان ل تحت ول فوق فعدم‪ .‬وإن قالوا‪:‬‬
‫هو تحت وهو فوق‪ ،‬قيل لهم‪ :‬فوق تحت‪ ،‬وتحت فوق‪.‬‬
‫ضا‪ :‬يقال لهم‪ :‬إذا قلنا‪ :‬النسان ل مماس ول مباين للمكان فهذا محال‪ ،‬فل بد من نعم‪ ،‬قيل لهم‪ :‬فهو‬
‫وقال ابن كلب أي ً‬
‫ل مباين ول مماس؟ فإذا قالوا نعم‪ ،‬قيل لهم‪ :‬فهو بصفة المحال الذي ل يكون ول يثبت في الوهم؟ فإذا قالوا‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قيل‪ :‬فينبغي أن يكون بصفة المحال من كل جهة‪ ،‬كما كان بصفة المحال من هذه الجهة‪.‬‬
‫وقيل لهم‪ :‬أليس ل يقال لما هو ثابت في النسان‪ :‬ل مماس ول مباين؟ ‪/‬فإذا قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قيل‪ :‬فأخبرونا عن معبودكم‪،‬‬
‫مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا‪ :‬ل يوصف بهما‪ ،‬قيل لهم‪ :‬فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق‪ ،‬فلم ل يقولون‪:‬‬
‫عدم‪ ،‬كما يقولون للنسان‪ :‬عدم‪ ،‬إذا وصفتموه بصفة العدم؟‪.‬‬
‫وقيل لهم‪ :‬إذا كان عدم المخلوق وجوًدا له كان جهل المخلوق علًما له؛ لنكم وصفتم العدم الذي هو للمخلوق وجوًدا‬
‫له‪ ،‬وإذا كان العدم وجوًدا كان الجهل علًما والعجز قدرة‪.‬‬
‫ل من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميًعا ـ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ـ وهو صفوة ا ّ‬
‫ضا‪ :‬ورسول ا ّ‬
‫وقال ابن ُكلب أي ً‬
‫يجيز ]الين[ ويقوله‪ ،‬ويستصوب قول القائل‪ :‬إنه في السماء وشهد له باليمان عند ذلك‪ .‬وجهم بن صفوان وأصحابه‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أحق بالنكار‬
‫ل يجيزون ]الين[ ويحرمون القول به‪ .‬قال‪ :‬ولو كان خطأ كان رسول ا ّ‬
‫له‪،‬وكان ينبغي أن يقول لها‪ :‬ل تقولي ذلك‪ ،‬فتوهمي أنه ـ عز وجل ـ محدود‪ ،‬وأنه في مكان دون مكان‪ ،‬ولكن قولي‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم مع علمه بما فيه‪،‬‬
‫إنه في كل مكان؛ لنه هو الصواب دون ما قلت‪ .‬كل !فلقد أجازه رسول ا ّ‬
‫وإنه أصوب اليمان‪ ،‬بل المر الذي يجب به اليمان لقائله‪ ،‬ومن أجله شهد لها باليمان حين قالته‪ ،‬وكيف يكون الحق‬
‫في خلف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له؟‬
‫قال‪ :‬ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إل ما ذكرنا ‪ /‬من هذه المور‪ ،‬لكان فيه ما يكفي‪ ،‬وقد‬
‫غرس في تبينه في الفطرة ومعارف الدميين من ذلك ما ل شيء أبين منه ول أوكد؛ لنك ل تسأل أحًدا من الناس‬
‫عنه‪ ،‬عربًيا ول عجمًيا ول مؤمًنا ول كافًرا‪ ،‬فتقول‪ :‬أين ربك؟ إل قال‪ :‬في السماء‪ ،‬إن أفصح‪ ،‬أو أوَمأ بيده‪ ،‬أو أشار‬
‫بطرفه‪ ،‬إن كان ل يفصح‪ ،‬ول يشير إلى غير ذلك من أرض ول سهل ول جبل‪.‬‬
‫ول رأينا أحًدا إذا دعاه إل رافًعا يده إلى السماء‪ ،‬ول وجدنا أحًدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول‪ :‬في كل مكان كما‬
‫يقولون‪ ،‬وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم‪ ،‬فتاهت العقول وسقطت الخبار‪ ،‬واهتدى جهم ورجلن معه‪ ،‬نعوذ با ّ‬
‫ل‬
‫من مضلت الفتن‪.‬‬
‫فهذا وأمثاله كلم ابن ُكلب وأبي الحسن الشعري وأتباعه‪ ،‬وعنه أخذ الحارث المحاسبي هذا‪ ،‬وقد ذكر الحارث‬
‫المحاسبي في كتاب ]فهم القرآن[ هو وغيره من ذلك ما هو مذكور في غير هذا الموضع؛ فإن كلم السلف والئمة‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫في ذلك كثير‪ ،‬وا ّ‬
‫ل روحه‪:‬‬
‫سئل شيخ السلم أحمد بن تيمية ـ قدس ا ّ‬
‫ل ورضي عنه ـ في رجلين تنازعا في ]حديث النزول[‪:‬‬
‫ما يقول سيدنا وشيخنا ـ شيخ السلم وقدوة النام ـ أيده ا ّ‬
‫أحدهما مثبت‪ ،‬والخر ناف‪.‬‬
‫فقال المثبت‪ :‬ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الخر‪ ،‬فقال النافي‪ :‬كيف ينزل؟ فقال المثبت‪:‬‬
‫ينزل بل كيف‪ ،‬فقال النافي‪ :‬يخلو منه العرش أم ل يخلو؟ فقال المثبت‪ :‬هذا قول مبتدع ورأى مخترع‪ ،‬فقال النافي‪:‬‬
‫حْيدة‪ :‬البعد والتنحي[‪.‬عن الجواب‪ ،‬فقال له المثبت‪ :‬هذا جوابك‪ ،‬فقال النافي‪ :‬إنما ينزل‬
‫حْيدة ]ال َ‬
‫ليس هذا جوابي‪ ،‬بل هو َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم ثلث‬
‫أمره ورحمته‪ ،‬فقال المثبت‪ :‬أمره ورحمته ينزلن كل ساعة‪ ،‬والنزول قد وقت له رسول ا ّ‬
‫الليل الخر‪ ،‬فقال النافي‪ :‬الليل ل يستوى وقته في البلد‪ ،‬فقد يكون الليل في بعض البلد ‪/‬خمس عشرة ساعة ونهارها‬

‫تسع ساعات‪ ،‬ويكون في بعض البلد ست عشرة ساعة والنهار ثماني ساعات‪ ،‬وبالعكس‪ ،‬فوقع الختلف في طول‬
‫الليل وقصره بحسب القاليم والبلد‪ ،‬وقد يستوى الليل والنهار في بعض البلد‪ ،‬وقد يطول الليل في بعض البلد حتى‬
‫يستوعب أكثر الربع والعشرين ساعة‪ ،‬ويبقي النهار عندهم وقت يسير؛ فيلزم على هذا أن يكون ثلث الليل دائًما‪،‬‬
‫ل إلى السماء‪,‬‬
‫ويكون الرب دائما ناز ً‬
‫والمسؤول إزالة الشبه والشكال‪ ،‬وقمع أهل الضلل‪.‬‬
‫ل عنه‪:‬‬
‫فأجاب ـ رضي ا ّ‬
‫ل رب العالمين‪ ,‬أما القائل الول الذي ذكر نص النبى صلى ال عليه وسلم فقد أصاب فيما قال‪ ،‬فإن هذا القول‬
‫الحمد ّ‬
‫الذي قاله قد استفاضت به السنة عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬واتفق سلف المة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث‬
‫على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول‪ ,‬ومن قال ما قاله الرسول صلى ال عليه وسلم فقوله حق وصدق‪ ,‬وإن كان ل يعرف‬
‫ل‪ ،‬وخير‬
‫حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني؛ كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني؛ فإن أصدق الكلم كلم ا ّ‬
‫الهدي هدي محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم قال هذا الكلم وأمثاله علنية‪ ،‬وبلغه المة تبليًغا‬
‫عاًما لم يخص به أحًدا دون أحد‪ ،‬ول كتمه عن أحد‪ ،‬وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتؤثره وتبلغه ‪/‬وترويه في‬
‫المجالس الخاصة والعامة‪ ،‬واشتملت عليه كتب السلم التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة‪ ،‬كصحيحي البخاري‬
‫ومسلم‪ ،‬و]موطأ مالك[‪ ،‬و]مسند المام أحمد[‪ ،‬و]سنن أبي داود[‪ ،‬و]الترمذي[‪ ،‬و]النسائي[‪ ،‬وأمثال ذلك من كتب‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ل عنه‪ ،‬كتمثيله بصفات المخلوقين‪ ،‬ووصفه بالنقص المنافي‬
‫لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه ا ّ‬
‫لكماله الذي يستحقه‪ ،‬فقد أخطأ في ذلك‪ ،‬وإن أظهر ذلك منع منه‪ ،‬وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد‬
‫ضا ـ في ذلك‪.‬‬
‫أخطأ ـ أي ً‬
‫فإن وصفه ـ سبحانه وتعالى ـ في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات؛ كوصفه بالستواء إلى السماء‬
‫وهي دخان‪ ،‬ووصفه بأنه خلق السموات والرض في ستة أيام ثم استوى على العرش‪ ،‬ووصفه بالتيان والمجىء في‬
‫ل َأن‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫ن اْلَغَماِم َواْلَملِئَكُة{ ]البقرة‪ ،[210:‬وقوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫ل ّم َ‬
‫ظَل ٍ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫مثل قوله تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫صّفا{]الفجر‪،[22:‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ك{ ]النعام‪ ،[158:‬وقوله‪َ} :‬و َ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ض آَيا ِ‬
‫ي َبْع ُ‬
‫ك َأْو َيْأِت َ‬
‫ي َرّب َ‬
‫َتْأِتيُهُم اْلَملِئَكُة َأْو َيْأِت َ‬
‫ش{ ]الفرقان‪ ،[59:‬وقوله‪:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض َوَما َبْيَنُهَما ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫خَل َ‬
‫وكذلك قوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫شَرَكاِئُكم ّمن‬
‫ل ِمن ُ‬
‫حِييُكْم َه ْ‬
‫خَلَقُكْم ُثّم َرَزَقُكْم ُثّم ُيِميُتُكْم ُثّم ُي ْ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن{ ]الذاريات‪ ،[47:‬وقوله‪} :‬ا ُّ‬
‫سُعو َ‬
‫سَماء َبَنْيَناَها ِبَأْيٍد َوِإّنا َلُمو ِ‬
‫}َوال ّ‬
‫ض ُثّم َيْعُرُج ِإَلْيِه{]السجدة‪ ،[5:‬وأمثال ذلك من‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلى ا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لْمَر ِم َ‬
‫يٍء{]الروم‪ ،[40:‬وقوله‪ُ} :‬يَدّبُر ا َْ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َذِلُكم ّمن َ‬
‫َيْفَع ُ‬
‫ل ـ تعالى ـ بها نفسه التي تسميها النحاة أفعالً متعدية‪ ،‬وهي غالب ما ذكر في القرآن‪ ،‬أو‬
‫الفعال التي ‪/‬وصف ا ّ‬
‫يسمونها لزمة لكونها ل تنصب المفعول به‪ ،‬بل ل تتعدى إليه إل بحرف الجر‪ ،‬كالستواء إلى السماء وعلى العرش‪،‬‬
‫والنزول إلى السماء الدنيا‪ ،‬ونحو ذلك‪,‬‬
‫لِئَكِة{‬
‫ك ِلْلَم َ‬
‫ل َرّب َ‬
‫ل وصف نفسه بهذه الفعال‪ ،‬ووصف نفسه بالقوال اللزمة والمتعدية في مثل قوله‪َ} :‬وِإْذ َقا َ‬
‫فإن ا ّ‬
‫ل ُموَسى َتْكِليًما{ ]النساء‪ ،[461 :‬وقوله تعالى‪َ} :‬وَناَداُهَما َرّبُهَما{ ]العراف‪ ،[22:‬وقوله‪:‬‬
‫]البقرة‪ ،[30:‬وقوله‪َ} :‬وَكّلَم ا ّ‬
‫ن{‬
‫سِلي َ‬
‫جْبُتُم اْلُمْر َ‬
‫ل َماَذا َأ َ‬
‫}َوَيْوَم ُيَناِديِهْم َفَيُقو ُ‬
‫جَمَعّنُكْم ِإَلى َيْومِ‬
‫ل ُهَو َلَي ْ‬
‫ل ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل{ ]الحزاب‪ ،[4 :‬وقوله‪} :‬ا ّ‬
‫سِبي َ‬
‫ق َوُهَو َيْهِدي ال ّ‬
‫حّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ل َيُقو ُ‬
‫]القصص‪ ،[65:‬وقوله‪َ} :‬وا ُّ‬
‫ث{ ]الزمر‪ ،[23:‬وقوله‪َ} :‬وَتّم ْ‬
‫ت‬
‫حِدي ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ل َنّز َ‬
‫حِديًثا{ ]النساء‪ ،[87:‬وقوله‪} :‬ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ق ِم َ‬
‫صَد ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ب ِفيِه َوَم ْ‬
‫اْلِقَياَمِة لَ َرْي َ‬
‫صْدًقا َوَعْدًل{ ]النعام‪:‬‬
‫ك ِ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ت َكِلَم ُ‬
‫صَبُروْا{ ]العراف‪ ،[137:‬وقوله‪َ} :‬وَتّم ْ‬
‫ل ِبَما َ‬
‫سَرآِئي َ‬
‫عَلى َبِني ِإ ْ‬
‫سَنى َ‬
‫حْ‬
‫ك اْل ُ‬
‫ت َرّب َ‬
‫َكِلَم ُ‬
‫ل َوْعَدُه{ ]آل عمران‪.[152 :‬‬
‫صَدَقُكُم ا ّ‬
‫‪ ،[115‬وقوله‪َ} :‬وَلَقْد َ‬
‫شاء{‬
‫عْلِمِه ِإلّ ِبَما َ‬
‫ن ِ‬
‫يٍء ّم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫وكذلك وصف نفسه بالعلم‪ ،‬والقوة‪ ،‬والرحمة‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬كما في قوله‪َ} :‬و َ‬
‫عْلًما{‬
‫حَمًة َو ِ‬
‫يءٍ ّر ْ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ت ُك ّ‬
‫سْع َ‬
‫ن{ ]الذاريات‪ ،[58:‬وقوله‪َ} :‬رّبَنا َو ِ‬
‫ق ُذو اْلُقّوِة اْلَمِتي ُ‬
‫ل ُهَو الّرّزا ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫]البقرة‪ ،[255:‬وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫يٍء{ ]العراف‪ ،[156 :‬ونحو ذلك مما وصف به نفسه في كتابه وما صح‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ت ُك ّ‬
‫سَع ْ‬
‫حَمِتي َو ِ‬
‫]غافر‪ ،[7:‬وقوله‪َ} :‬وَر ْ‬

‫عن رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإن القول في جميع ذلك من جنس واحد‪.‬‬

‫‪/‬ومذهب سلف المة وأئمتها‪ :‬أنهم يصفونه بما وصف به نفسه‪ ،‬ووصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم في النفي‬
‫والثبات‪.‬‬
‫صَمُد َلْم َيِلْد َوَلْم ُيوَلْد َوَلْم‬
‫ل ال ّ‬
‫حٌد ا ُّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ُهَو ا ُّ‬
‫ل تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ قد نفي عن نفسه مماثلة المخلوقين‪ ،‬فقال ا ّ‬
‫وا ّ‬
‫َيُكن ّلُه ُكُفًوا َأَحٌد{ ]سورة الخلص[‪ ،‬فبين أنه لم يكن أحد كفًوا له‪ ،‬وقال تعالى‪َ} :‬هْل َتْعَلُم َلُه َسِمّيا{ ]مريم‪ ،[65:‬فأنكر‬
‫ل اَلْمَثاَل{ ]النحل‪،[74:‬‬
‫ضِرُبوْا ِّ‬
‫ل َت ْ‬
‫ل َأنَدادًا{ ]البقرة‪ ،[22:‬وقال تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫جَعُلوْا ِّ‬
‫ل َت ْ‬
‫ي‪ ،‬وقال تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫أن يكون له سم ّ‬
‫يٌء{ ]الشورى‪.[11:‬‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬لْي َ‬

‫ي‪ ،‬والمثل‪ ،‬والّنّد‪ ،‬وضرب المثال له؛ بيان أن ل مثل له في‬
‫سِم ّ‬
‫ففيما أخبر به عن نفسه‪ ،‬من تنزيهه عن الكفء‪ ،‬وال ّ‬
‫صفاته‪ ،‬ول أفعاله‪ ،‬فإن التماثل في الصفات والفعال يتضمن التماثل في الذات‪ .‬فإن الذاتين المختلفتين يمتنع تماثل‬
‫ضا‬
‫صفاتهما وأفعالهما؛ إذ تماثل الصفات والفعال يستلزم تماثل الذوات‪ ،‬فإن الصفة تابعة للموصوف بها‪ ،‬والفعل ـ أي ً‬
‫ـ تابع للفاعل‪ ،‬بل هو مما يوصف به الفاعل‪ .‬فإذا كانت الصفتان متماثلتين كان الموصوفان متماثلين‪ ،‬حتى إنه يكون‬
‫بين الصفات من التشابه والختلف بحسب ما بين الموصوفين‪ ،‬كالنسانين كما كانا من نوع واحد‪ ،‬فتختلف‬
‫مقاديرهما وصفاتهما بحسب اختلف ذاتيهما‪ ،‬ويتشابه ذلك بحسب تشابه ذلك‪.‬‬
‫كذلك إذا قيل‪ :‬بين النسان والفرس تشابه‪ ،‬من جهة أن هذا حيوان وهذا ‪/‬حيوان‪ ،‬واختلف من جهة أن هذا ناطق‬
‫وهذا صاهل‪ ،‬وغير ذلك من المور‪ ،‬كان بين الصفتين من التشابه والختلف بحسب ما بين الذاتين؛ وذلك أن الذات‬
‫المجردة عن الصفة ل توجد إل في الذهن‪ ،‬فالذهن يقدر ذاًتا مجردة عن الصفة‪ ،‬ويقدر وجوًدا مطلًقا ل يتعين‪ ،‬وأما‬
‫الموجودات في أنفسها فل يمكن فيها وجود ذات مجردة عن كل صفة‪ ،‬ول وجود مطلق ل يتعين ول يتخصص‪ ,‬وإذا‬
‫ل زائدة على ذاته[‪ :‬فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها‬
‫قال من قال من أهل الثبات للصفات‪]:‬أنا أثبت صفات ا ّ‬
‫النفاة من الذات‪ .‬فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات‪ ،‬فقال أهل الثبات‪ :‬نحن نقول بإثبات صفات زائدة‬
‫على ما أثبته هؤلء‪.‬‬
‫ل‪ ،‬بل هذا بمنزلة من قال‪ :‬أثبت إنساًنا‪ ،‬ل حيواًنا‪،‬‬
‫وأما الذات نفسها الموجودة فتلك ل يتصور أن تتحقق بل صفة أص ً‬
‫ول ناطًقا‪ ،‬ول قائًما بنفسه‪ ،‬ول بغيره‪ ،‬ول له قدرة‪ ،‬ول حياة‪ ،‬ول حركة‪ ،‬ول سكون‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬أو قال‪ :‬أثبت‬
‫ف‪ ،‬ول غير ذلك؛ فإن هذا يثبت ما ل حقيقة له في الخارج‪ ،‬ول يعقل؛ ولهذا كان‬
‫نخلة ليس لها ساق‪ ،‬ول جْذع‪ ،‬ول ِلي ٌ‬
‫ل ـ تعالى ـ وإن كانوا هم قد ل يعلمون‬
‫طَلة[؛ لن حقيقة قولهم تعطيل ذات ا ّ‬
‫السلف والئمة يسمون نفاة الصفات ]ُمَع ّ‬
‫أن قولهم مستلزم للتعطيل‪ ،‬بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون‪ :‬هو موجود قديم واجب‪ ،‬ثم ينفون ‪/‬لوازم‬
‫وجوده‪ ،‬فيكون حقيقة قولهم‪ :‬موجود ليس بموجود‪ ،‬حق ليس بحق‪ ،‬خالق ليس بخالق‪ ،‬فينفون عنه النقيضين‪ ،‬إما‬
‫حا بنفيهما‪ ،‬وإما إمساكا عن الخبار بواحد منهما‪.‬‬
‫تصري ً‬
‫ولهذا كان محققوهم ـ وهم القرامطة ـ ينفون عنه النقيضين‪ ،‬فل يقولون‪ :‬موجود ول ل موجود‪ ،‬ول حي ول ل حي‪،‬‬
‫ول عالم ول لعالم‪ ,‬قالوا‪ :‬لن وصفه بالثبات تشبيه له بالموجودات‪ ،‬ووصفه بالنفي فيه تشبيه له بالمعدومات‪ .‬فآل‬
‫بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل‪.‬‬
‫ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه‪ ،‬بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس من‬
‫الموجود والمعدوم الممكن‪ .‬ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات‪ ،‬ووصفوه بصفات الممتنعات التي‬
‫ل تقبل الوجود‪ ،‬بخلف المعدومات الممكنات‪،‬وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات‬
‫الممكنات‪.‬‬
‫وما فر منه هؤلء الملحدة ليس بمحذور‪ ,‬فإنه إذا سمي حًقا موجوًدا قائًما بنفسه حًيا عليًما رءوًفا رحيًما‪ ,‬وسمى‬
‫ل لكل‬
‫ل‪ ،‬ولو كان هذا حًقا‪ ،‬لكان كل موجود مماث ً‬
‫ل للمخلوق أص ً‬
‫المخلوق بذلك‪ ،‬لم يلزم من ذلك أن يكون مماث ً‬
‫ل لكل ما ينفي عنه ذلك‬
‫ل لكل معدوم‪ ،‬ولكان كل ما ينفي عنه شيء من الصفات مماث ً‬
‫موجود‪ ،‬ولكان كل معدوم مماث ً‬
‫الوصف‪,‬‬
‫ل للسواد‪ .‬وإذا قلنا‪ :‬البياض معدوم‪ ،‬كنا قد‬
‫‪/‬فإذا قيل‪ :‬السواد موجود‪ ،‬كان على قول هؤلء قد جعلنا كل موجود مماث ً‬
‫ل للبياض‪ ,‬ومعلوم أن هذا في غاية الفساد‪ ،‬ويكفي هذا خزًيا لحزب اللحاد‪.‬‬
‫جعلنا كل معدوم مماث ً‬

‫وإذا لم يلزم مثل ذلك في السواد الذي له أمثال بل ريب‪،‬فإذا قيل في خالق العالم‪ :‬إنه موجود ل معدوم‪ ،‬حي ل يموت‪،‬‬
‫ل لكل موجود ومعدوم وحي وقائم‪ ،‬ولكل ما ينفي عنه العدم‬
‫قيوم ل تأخده سنة ول نوم‪ ،‬فمن أين يلزم أن يكون مماث ً‬
‫وما ينفي عنه صفة العدم‪ ،‬وما ينفي عنه الموت والنوم‪ ،‬كأهل الجنة الذين ل ينامون ول يموتون؟!‬
‫وذلك أن هذه السماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الجناس‪ ،‬سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت‬
‫كالسواد ونحوه؛ وسواء سميت مشككة‪ .‬وقيل‪ :‬إن المشككة نوع من المتواطئة ـ إما أن تستعمل مطلقة وعامة‪ ،‬كما إذا‬
‫قيل‪ :‬الموجود ينقسم إلى واجب وممكن‪ ،‬وقديم ومحدث‪ ،‬وخالق ومخلوق‪،‬والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث وإما أن‬
‫تستعمل ]خاصة معينة[ كما إذا قيل‪ :‬وجود زيد وعمرو‪ ،‬وعلم زيد وعمرو‪ ،‬وذات زيد وعمرو‪ .‬فإذا استعملت خاصة‬
‫معينة دلت على ما يختص به المسمى‪ ،‬لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج؛ فإن ما يختص به المسمى ل‬
‫شركة فيه بينه وبين غيره‪.‬‬
‫‪ /‬فإذا قيل‪:‬علم زيد‪ ،‬ونزول زيد‪ ،‬واستواء زيد‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬لم يدل هذا إل على ما يختص به زيٌد من علم ونزول‬
‫واستواء ونحو ذلك‪ ،‬لم يدل على ما يشركه فيه غيره‪ .‬لكن لما علمنا أن زيًدا نظير عمرو‪ ،‬وعلمنا أن علمه نظير‬
‫علمه‪ ،‬ونزوله نظير نزوله‪ ،‬واستواءه نظير استوائه‪ ،‬فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول والعتبار‪،‬ل من جهة‬
‫دللة اللفظ‪ ،‬فإذا كان هذا في صفات المخلوق؛ فذلك في الخالق أولى‪.‬‬
‫ل ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ونحو ذلك‪ ،‬لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من‬
‫ل وكلم ا ّ‬
‫فإذا قيل‪ :‬علم ا ّ‬
‫المخلوقين بطريق الولى‪ ،‬ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو؛ لنا هناك علمنا التماثل‬
‫ل ل مثل له ول كفو ول ند‪ ،‬فل يجوز أن نفهم من‬
‫من جهة العتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو‪ ،‬وهنا نعلم أن ا ّ‬
‫ذلك أن علمه مثل علم غيره‪ ،‬ول كلمه مثل كلم غيره‪ ،‬ول استواءه مثل استواء غيره‪ ،‬ول نزوله مثل نزول غيره‪،‬‬
‫ول حياته مثل حياة غيره‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ موصوف بصفات‬
‫ولهذا كان مذهب السلف والئمة إثبات الصفات‪ ،‬ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات‪ .‬فا ّ‬
‫الكمال الذي ل نقص فيه‪ ،‬منزه عن صفات النقص مطلًقا‪،‬ومنزه عن أن يمثاله غيره في صفات كماله‪ ،‬فهذان المعنيان‬
‫صَمُد{ ]الخلص‪ .[2 ،1:‬فالسم ]الصمد[ يتضمن‬
‫ل ال ّ‬
‫حٌد ا ُّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ُهَو ا ُّ‬
‫جمعا التنزيه‪ ،‬وقد دل عليهما قوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫صفات الكمال‪ ،‬والسم ]الحد[ يتضمن نفي المثل كما قد بسط الكلم على ذلك في تفسير هذه السورة‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ ليس كمثله شيء‪ ،‬ل في ذاته ول في صفاته ول في أفعاله‪ ،‬لكن‬
‫‪ /‬فالقول في صفاته كالقول في ذاته‪ ،‬وا ّ‬
‫ل وكلمه ونزوله واستواؤه‪،‬‬
‫يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها‪ .‬فعلم ا ّ‬
‫هو كما يناسب ذاته ويليق بها‪ ،‬كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها‪ ،‬ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات‬
‫العبد إلى ذاته؛ ولهذا قال بعضهم‪ :‬إذا قال لك السائل‪ :‬كيف ينزل‪ ،‬أو كيف استوى‪ ،‬أو كيف يعلم‪ ،‬أو كيف يتكلم ويقدر‬
‫ويخلق؟ فقل له‪ :‬كيف هو في نفسه؟ فإذا قال‪ :‬أنا ل أعلم كيفية ذاته؛ فقل له‪ :‬وأنا ل أعلم كيفية صفاته‪ ،‬فإن العلم بكيفية‬
‫الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف‪.‬‬
‫فهذا إذا استعملت هذه السماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين ـ وهذا هو الوارد في الكتاب والسنةـ وأما إذا‬
‫حدث‪ ،‬والعلم ينقسم إلى قديم وُمحَدث‪،‬‬
‫قيلت مطلقة وعامة ـ كما يوجد في كلم النظار‪ :‬الموجود ينقسم إلى قديم وُم ّ‬
‫ونحو ذلك ـ فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام‪ ،‬والعلم معنى مطلق وعام‪ ،‬والمعاني ل تكون مطلقة وعامة إل في‬
‫الذهان ل في العيان‪ ،‬فل يكون موجود وجوًدا مطلًقا أو عاًما إل في الذهن‪ ،‬ول يكون مطلق أو عام إل في الذهن‪،‬‬
‫ول يكون إنسان أو حيوان مطلق وعام إل في الذهن‪ ،‬وإل فل تكون الموجودات في أنفسها إل معينة مخصوصة‬
‫متميزة عن غيرها‪.‬‬
‫فليتدبرالعاقل هذا المقام الفارق فإنه زل فيه خلق من أولي النظرالخائضين ‪ /‬في الحقائق‪ ،‬حتى ظنوا أن هذه المعاني‬
‫ل ـ عز وجل ـ موجود حي عليم‪ ،‬والعبد‬
‫العامة المطلقة الكلية تكون موجودة في الخارج كذلك‪ ،‬وظنوا أنا إذا قلنا‪ :‬إن ا ّ‬
‫موجود حي عليم‪ ،‬أنه يلزم وجود موجود في الخارج يشترك فيه الرب والعبد‪ ،‬وأن يكون ذلك الموجود بعينه في العبد‬
‫والرب‪ ،‬بل وفي كل موجود‪ ،‬ول بد أن يكون للرب ما يميزه عن المخلوق‪ ،‬فيكون فيه جزآن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬لكل مخلوق‪ ،‬وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬يختص به‪ ،‬وهو المميز له عن سائر الموجودات‪ ،‬ثم ل يذكرون فيما يختص به إل ما يلزم فيه مثل ذلك‪ .‬فإذا‬
‫قالوا‪ :‬يمتاز بذاته أو بحقيقته أو ماهيته أونحو ذلك‪ ،‬كان ذلك بمنزلة قولهم‪ :‬يمتاز بوجوده؛ فإن الذات والحقيقة‬
‫والماهية تستعمل مطلًقا ومعيًنا كلفظ الوجود سواء‬
‫وهذا المقام حار فيه طوائف من أئمة النظار‪ ،‬حتى قال طائفة‪ :‬إن لفظ الوجود وغيره مقول بالشتراك اللفظي فقط‪،‬‬
‫وحكوا ذلك عن كل من قال بنفي الحوال ـ وهم عامة أهل الثبات ـ فصار مضمون نقلهم‪ :‬أن مذهب عامة أهل‬
‫السلم‪ ،‬ومتكلمة الثبات ـ كابن ُكلب‪ ،‬والشعري ‪ ،‬وابن َكّرام‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬بل ومحققي المعتزلة؛ كأبي الحسين‬
‫ل به ويسمى به المخلوق ـ إنما يقال بالشتراك اللفظي فقط من‬
‫البصري وغيره ـ أن لفظ الوجود وغيره ـ مما يسمى ا ّ‬
‫غير أن يكون بين المسميين معنى عام‪ :‬كلفظ ]المشتري[ إذا سمي به المبتاع والكوكب‪ ،‬ولفظ ]سهيل[ المقول على‬
‫الكوكب والرجل‪/ ,‬وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه عنه؛ فإن هؤلء متفقون على أن هذه السماء عامة متواطئة ـ‬
‫كالتواطؤ العام الذي يدخل فيه المشكك ـ تقبل التقسيم والتنويع‪ ،‬وذلك ل يكون إل في السماء المتواطئة‪ ،‬كما نقول‪:‬‬
‫الموجود ينقسم إلى قديم وُمحَدث‪ ،‬وواجب وممكن‪.‬‬
‫ل الرازي وأمثاله من المتأخرين ـ يجمعون في كلمهم بين دعوى الشتراك‬
‫بل هؤلء الناقلون بأعيانهم ـ كأبي عبد ا ّ‬
‫ظا‬
‫اللفظي فقط وبين هذا التقسيم في هذه السماء‪ ،‬مع قولهم‪ :‬إن التقسيم ل يكون إل في اللفاظ المتواطئة المشتركة لف ً‬
‫ومعنى‪ ،‬ل يكون في المشترك اشتراًكا لفظًيا‪ .‬ومن جملتها التي يسمونها المشككة ل يكون التقسيم في السماء التي‬
‫ليس بينها معنى مشترك عام‪.‬‬
‫فهذا تناقض هؤلء الذين هم من أشهر المتأخرين بالنظر والتحقيق للفلسفة والكلم‪ ،‬قد ضلوا في هذا النقل ـ وهذا‬
‫البحث في مثل هذا الصل ضللً ل يقع فيه أضعف العوام ـ وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق من القواعد‬
‫الفاسدة التي هي عن الهدي والرشد حائدة؛ حيث ظنوا أن الكليات المطلقة ثابتة في الخارج جزًءا من المعينات‪ ،‬وأن‬
‫ذلك يقتضي تركيب المعين من ذلك الكلي المشترك ومما يختص به‪ ،‬فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب ـ تعالى ـ‬
‫الواجب الوجود مركًبا من الوجود المشترك‪ ،‬ومما يختص به من الوجوب أو الوجود أو الماهية‪ ،‬مع أنه من المشهور‬
‫عند أهل المنطق أن الكليات إنما تكون كليات في الذهان ل في العيان‪.‬‬
‫ل‪ ،‬بل كل موجود متميز بنفسه وبما‬
‫ل ـ تعالى ـ يعلم أن الموجودات ل تشترك في شيء موجود فيها أص ً‬
‫‪/‬ومن هداه ا ّ‬
‫له من الصفات والفعال‪ ،‬وإّنا إذا قلنا‪ :‬إن هذا النسان حي متكلم‪ ،‬أو حيوان ناطق‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬لم يكن ما له من‬
‫الحيوانية أو الناطقية‪ ،‬أو النطق والحياة مشترًكا بينه وبين غيره‪ ،‬بل له ما يخصه ولغيره ما يخصه‪ ،‬ولكن تشابها‬
‫ل بحسب تشابه حيوانيتهما ونطقيتهما‪ ،‬وغير ذلك من صفاتهما‪.‬‬
‫وتماث ً‬
‫ومن قال‪ :‬إن النسان مركب مما به الشتراك ـ وهو الحيوانية ـ وما به من المتياز ـ وهو النطق ـ فإن أراد بذلك أن‬
‫هذا تركيب ذهني‪ ،‬فإنا إذا تصورنا في أذهاننا حيواًنا ناطًقا‪ ،‬كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهني‪ ،‬والنطق جزأه‬
‫الخر‪ ،‬وكان الحيوان جزًءا له أشباه أكثر من أشباه الناطق‪ ,‬وإذا تصورنا مسمى حيوان ومسمي ناطق‪ ،‬كان مسمى‬
‫الحيوان يعم النسان وغيره‪ ،‬وكان مسمى الناطق يخصه ـ فدعوى التركيب في هذه المعاني الذهنية صحيح‪ ،‬لكن‬
‫ل‪.‬‬
‫طا‪ ،‬بل هو بحسب ما يتصوره النسان سواء كان تصوره حًقا أو باط ً‬
‫ليس هذا ضاب ً‬
‫ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور‪ ،‬وبجزئها الخارج عنها اللزم لوجودها ما يدل عليه‬
‫هذا اللفظ بالتضمن واللتزام‪ ،‬وأراد بتمام الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة ـ فهذا صحيح‪ ،‬لكن هذا ل يقتضي أن‬
‫‪/‬تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة والعامة‪ ،‬ول أن يكون بعض صفاتها اللزمة داخلة‬
‫ضا لها‪ ،‬كما يزعمه أهل المنطق اليوناني‪,‬‬
‫جا عن الحقيقة عار ً‬
‫في الحقيقة ذاتًيا لها‪ ،‬وبعضها خار ً‬
‫وهذا الموضع مما ضلوا فيه‪ ،‬وضل بسبب ضللهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ذلك من النظار‪ ،‬وقلدهم في ذلك‬
‫من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه‪ ،‬ولم يتصوره تصوًرا تاًما‬
‫وإن أرادوا بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق ـ وإحدى الصفتين يوجد نظيرها في سائر الحيوان‪ ،‬والخرى‬
‫مختصة بالنسان ـ فهذا معنى صحيح‪.‬‬

‫وإن أرادوا به أن حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره‪ ،‬فقد غلطوا؛ فإن حيوانية كل حيوان كناطقية كل ناطق‪ ،‬وذلك‬
‫مختص بمحله‪.‬‬
‫وكذلك إن أرادوا بالتركيب أن هنا موجوًدا موصوًفا بأنه حيوان غير الموجود الموصوف بأنه ناطق وصاهل‪ ،‬وأن‬
‫النسان مركب من هذا الموجود وهذا الموجود‪ ،‬والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود‪ ،‬فقد غلطوا‪ ،‬بل ل‬
‫موجود إل هذا النسان الموصوف بأنه حيوان ناطق‪ ،‬وهذا الفرس الموصوف بأنه حيوان صاهل‪ ،‬وكذلك سائر‬
‫الحيوانات والموجودات‪ ،‬فقول القائل‪ :‬النسان مركب من هذا وهذا‪ ،‬إذا أريد به أن هنا شيًئا ‪ /‬مركًبا‪ ،‬وأن له جزئين‬
‫ل‪ ،‬بل هو شيء واحد موصوف بصفتين ل يوجد إل بصفتيه‪ ،‬ول توجد صفتاه إل‬
‫متباينين هو مركب منهما‪ ،‬كان جاه ً‬
‫به‪.‬‬
‫وهذا المعنى صحيح‪ ،‬وهو أن النسان موصوف بأنه حيوان‪ ،‬وأنه ناطق حقيقة‪ ،‬وأنه ذات مستلزمة لصفاتها‪ ،‬ل يوجد‬
‫الموصوف بدون صفته اللزمة له‪.‬‬
‫لكن هذا ليس في الخارج تركيًبا‪ ،‬وليس في الخارج صفة لزمة ذاتية‪ ،‬وأخرى عرضية لزمة للماهية‪ ،‬وأخرى‬
‫لزمة لوجوده‪ ،‬بل ليس في الخارج إل الموجود المعين‪ ،‬وصفاته‪ ،‬تنقسم إلى‪ :‬لزمة له‪ ،‬وعارضة‪ ،‬وهو ل يوجد‬
‫بدون شيء من صفاته اللزمة؛ فليس فيها ما هو لزم للذات الموجودة في الخارج‪ ،‬ولكن ليس بلزم لها بل لزم‬
‫للموجود في الخارج‪ ،‬كما يظن ذلك من يظنه من المنطقيين‪.‬‬
‫وأصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الذهان بما يوجد في العيان؛ فإن الذهن يتصور المثلث قبل وجوده‬
‫في الخارج‪ ،‬وظنوا أن الماهية مغايرة للوجود‪ ،‬وهو صحيح إذا فسرت الماهية بما يتصوره الذهن‪ .‬وأما أن يكون في‬
‫الخارج مثلث له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في الخارج؛ فهذا غلط بّين‪ .‬فإذا فهم هذا في صفة‬
‫المخلوق؛ فالخالق أبعد عما سماه هؤلء تركيًبا‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ حي عليم قدير‪ ،‬فهو موصوف بأنه الحي العليم القدير‪ .‬وإذا قيل‪ :‬هو موجود‬
‫‪ /‬فإذا قيل‪ :‬إن ا ّ‬
‫واجب بنفسه‪ ،‬فهو ـ سبحانه ـ موصوف بالوجود والوجوب‪ ،‬فل مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود‪ ،‬ول هو‬
‫مركب من جزأين‪ ،‬ول صفات مقومة تكون أجزاء لوجوده‪ ،‬ول نحو ذلك مما يدعي من التركيب الذي هو ممتنع في‬
‫عا‪.‬‬
‫المخلوق‪ ،‬فهو في الخالق أشد امتنا ً‬
‫ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل عند هؤلء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللزمة له‪ ،‬وليس هذا هو المعقول من‬
‫حا لهم في لفظ التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة‪ ،‬ول من طوائف أهل‬
‫لفظ التركيب‪ ،‬وهؤلء أحدثوا اصطل ً‬
‫العلم‪ ،‬فجعلوا لفظ التركيب يتناول خمسة أنواع‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬التركيب من الوجود والماهية؛ لظنهم أن وجود كل ممكن في الخارج غير ماهيته‪ ،‬ومتى أريد بجزء الماهية‬
‫الداخل فيها يدخل في هذا المتصور‪ ،‬ويلزمها الخارج عنها ما يلزم هذا التصور‪ ،‬وهذان المعنيان هما ما يدل عليه‬
‫اللفظ‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬التركيب من الجنس والفصل‪ ،‬كقولهم‪ :‬إن النسان مركب من الحيوانية والناطقية‪ ،‬وقد يضمون إلى ذلك‬
‫التركيب من المعنى العام والخاص‪ ،‬يسمى تركيًبا من جنس وفصل‪ ،‬أو من خاصة وعرض عام‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬التركيب من الذات والصفات‪ ،‬كمسمي الحي العالم القادر‪/ ،‬وتركيب الجسم من أجزائه الحسية‪ ،‬عند من يقول‪:‬‬
‫إنه مركب من الجواهر المفردة‪ ،‬أو تركيبه من الجزأين العقليين‪ ،‬عند من يقول‪ :‬إنه مركب من المادة والصورة‬
‫وأما التركيب ]الول[ و]الثاني[ فنازعهم جمهور العقلء في ثبوتهما في الخارج ويقولون‪ :‬ليس في الخارج تركيب‬
‫بهذا العتبار‪.‬‬
‫والتركيب ]الرابع[ و]الخامس[‪ :‬فيه نزاع مشهور بين العقلء‪ ،‬منهم من يثبت في الجسم أحد التركيبين‪ ،‬ومنهم من‬
‫يقول ليس مركًبا ل من هذا‪ ،‬ول من هذا‬

‫عا معنوًيا‪ ،‬لكن حكي عن طائفة من‬
‫وأما ]الرابع[ فيوافقهم على ثبوته جماهير العقلء‪ ،‬ما أعلم من ينازعهم فيه نزا ً‬
‫سان الصم وغيره‪ ،‬أنهم نفوا العراض ولم يثبتوا العراض زائدة على الجسم‪،‬‬
‫أهل النظر‪ ،‬كعبد الرحمن بن َكْي َ‬
‫ونفوا كون الحركة زائدة على الجسم‪ ,‬وخالفهم الكثرون في ذلك‪.‬‬
‫ل أعلم ـ نزاع لفظي‪ ،‬وهو أن مسمى الجسم هل يتناول الجسم بأعراضه أم تكون العراض زائدة على‬
‫وهذاـ وا ّ‬
‫مسمى الجسم؟ وإل فعاقل ل ينكر وجود الطعم واللون‪ ،‬والرائحة والحركة‪ ،‬وغير ذلك من الصفات القائمة‬
‫بالموصوفات‪.‬‬
‫‪/‬وهذا يشبه نزاع الناس في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم ل؟ فمن أراد بالذات ]الذات المجردة[ فالصفات‬
‫زائدة عليها‪ ،‬ومن أراد بالذات ]الذات الموصوفة[ فليست الصفات مباينة للذات الموصوفة بصفاتها اللزمة لها‪.‬‬
‫ثم إن هؤلء زعموا أنهم ينفون هذه النواع‪ ،‬فأما ]النواع الربعة[ فمن قال‪ :‬إنها منتفية عن المخلوق فهي عن‬
‫الخالق أشد انتفاًء‪ ،‬وأما ]النوع الرابع[‪ :‬فمن نازع في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم ل؟ فهذا نزاع لفظي‪،‬‬
‫ل علم وقدرة ومشيئة‪ ،‬وجعل هذه الصفة هي‬
‫ومن نازع في ثبوت هذه الصفات في نفس المر‪ ،‬ونفي أن يكون ّ‬
‫الخرى‪ ،‬والصفة هي الموصوف‪ ،‬فهذا قوله معلوم الفساد بعد التصور التام‪.‬‬
‫وإذا علم أنه ـ سبحانه ـ حي عليم قدير‪ ،‬ومعنى كونه حًيا ليس معنى كونه عليًما‪ ،‬ومعنى كونه عليًما ليس معنى كونه‬
‫قديًرا‪ ،‬فهذا هو إثبات الصفات‪.‬‬
‫فإن قال القائل‪ :‬إن معنى كونه عليًما هو معنى كونه مريًدا قديًرا حًيا‪،‬فهذا مكابرة‪ .‬وكذلك إذا ادعى أن هذه المعاني‬
‫ل مفتقًرا إلى ذوات أو‬
‫ل‪ ،‬وقال‪ :‬أنا أنفي أن يكون ا ّ‬
‫هي معنى الذات الموصوفة بها‪ .‬وإن اعترف بثبوت هذه المعاني ّ‬
‫معان بها يصير حًيا عالًما قادًرا‪ ،‬فهذا مناظرة منه لمثبتة الحوال ‪/‬كالقاضي أبى بكر وأبى َيْعَلى‪ ،‬وغيرهما ممن‬
‫يقول‪ :‬إن له علًما وعالمية‪ ،‬وعالميته معنى زائد على علمه‪.‬‬
‫وهذا القول‪ :‬قول بعض الصفاتية؛ وجمهورهم ينكرون هذا‪ ،‬ويقولون‪ :‬بل معنى العلم هو معنى العالم‬
‫وفي مسائل الصفات ثلثة أمور‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬الخبر عنه بأنه حي عليم قدير‪ ،‬فهذا متفق على إثباته‪ ،‬وهذا يسمى الحكم‪.‬‬
‫ضا ـ أثبته مثبتة الصفات ـ السلف والئمة‪ ،‬والمنتسبون إلى السنة من‬
‫والثاني‪ :‬أن هذه معان قائمة بذاته‪ ،‬وهذا ـ أي ً‬
‫عامة الطوائف‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬الحوال‪ ,‬وهو العالمية والقادرية‪ ،‬وهذه قد تنازع فيها مثبتو الصفات ونفاتها‪ ،‬فأبو هاشم وأتباعه يثبتون‬
‫الحوال‪ ،‬دون الصفات‪ ،‬والقاضي أبو بكر‪ ،‬وأتباعه يثبتون الحوال والصفات‪ ،‬وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون‬
‫الحوال والصفات‪.‬‬
‫وأما جماهير أهل السنة‪ ،‬فيثبتون الصفات دون الحوال‪ ،‬وهذا لبسطه موضع آخر‪.‬‬
‫ظا ومعنى‪ ،‬وبيان أن هؤلء لهم فيه اصطلح مخالف لجمهور العقلء‪ ،‬وأنهم‬
‫‪/‬والمقصود هنا الكلم على التركيب لف ً‬
‫مضطرون إلى القرار بثبوت ما نفوه‪ ،‬ولكن هؤلء يقولون‪ :‬هذا اشتراك‪ ،‬والشتراك تشبيه‪ ،‬ويقولون‪ :‬هذه أجزاء‪،‬‬
‫وهذا تركيب من هذه الجزاء‪ ،‬ثم إنهم ل يقدرون على نفي هذا الذي سموه اشتراكا وتشبيها‪ ،‬ول على نفي هذه‬
‫المور التي سموها أجزاًء وتركيًبا وتقسيًما‪ ،‬فإنهم يقولون‪ :‬هو عاقل ومعقول وعقل‪ ،‬ولذيذ ولذة وملتذ‪ ،‬وعاشق‬
‫ومعشوق وعشق‪.‬‬
‫وقد يقولون‪ :‬هو عالم قادر مريد‪ ،‬ثم يقولون‪ :‬العلم هو القدرة‪ ،‬والقدرة هي الرادة‪ ،‬فيجعلون كل صفة هي الخرى‪,‬‬
‫ويقولون‪ :‬العلم هو العالم ـ وقد يقولون‪ :‬هو المعلوم ـ فيجعلون الصفة هي الموصوف أو هي المخلوقات‪.‬‬

‫وهذه أقوال رؤسائهم‪ ،‬وهي في غاية الفساد في صريح المعقول‪ ،‬فهم مضطرون إلى القرار بما يسمونه تشبيًها‬
‫وتركيًبا‪ ،‬ويزعمون أنهم ينفون التشبيه والتركيب والتقسيم؛ فليتأمل اللبيب كذبهم وتناقضهم وحيرتهم وضللهم؛ ولهذا‬
‫ل ما وصف به نفسه‪ ،‬وما‬
‫يؤول بهم المر إلى الجمع بين النقيضين‪ ،‬أو الخلو عن النقيضين‪ .‬ثم إنهم ينفون عن ا ّ‬
‫وصفه به رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لزعمهم أن ذلك تشبيه وتركيب‪ .‬ويصفون أهل الثبات بهذه السماء‪ ،‬وهم‬
‫الذين ألزموها بمقتضى أصولهم‪ ،‬ول حيلة لهم في دفعها‪ .‬فهم كما قال القائل‪:‬‬
‫رمتـني بدائـها وانسلت**‪.‬‬
‫‪/‬وهم لم يقصدوا هذا التناقض‪ ،‬ولكن أوقعتهم فيه قواعدهم الفاسدة المنطقية التي زعموا فيها تركيب الموصوفات من‬
‫صفاتها‪ ،‬ووجود الكليات المشتركة في أعيانها‪ .‬فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التي جعلوها قوانين تمنع مراعاتها‬
‫الذهن أن يضل في فكره‪ ،‬أوقعتهم في هذا الضلل والتناقض ثم إن هذه القوانين فيها ما هو صحيح ل ريب فيه‪ ،‬وذلك‬
‫يدل على تناقضهم وجهلهم‪ ،‬فإنهم قد قرروا في القوانين المنطقية أن الكلي هو الذي ل يمنع تصوره من وقوع الشركة‬
‫ضا ـ أن الكليات ل تكون كلية إل في الذهان؛ دون العيان‪ .‬وأن المطلق بشرط‬
‫فيه‪ ،‬بخلف الجزئي‪ ,‬وقرروا ـ أي ً‬
‫الطلق ل يكون إل في الذهن‪ ،‬وهذه قوانين صحيحة‪.‬‬
‫ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم؛ أن الواجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الطلق عن كل أمر ثبوتي‪.‬‬
‫أو كما يقوله طائفة منهم‪ :‬أنه الوجود المطلق بشرط الطلق عن كل أمر ثبوتي وسلبي‪ ،‬كما يقول ذلك من يقوله من‬
‫الملحدة الباطنية‪ ،‬المنتسبين إلى التشيع‪ ،‬والمنتسبين إلى التصوف‪.‬‬
‫أو يقوله طائفة ثالثة‪ :‬إنه الوجود المطلق ل بشرط‪ ،‬كما تقوله طائفة منهم‪.‬‬
‫وهم متفقون على أن المطلق بشرط الطلق عن المور الوجودية والعدمية ‪/‬ل يكون في الخارج موجوًدا‪ ,‬فالمطلق‬
‫بشرط الطلق عن كل أمر ثبوتي‪ ،‬أولى أل يكون موجوًدا‪ .‬فإن المقيد بسلب الوجود والعدم نسبته إليهما سواء‪،‬‬
‫والمقيد بسلب الوجود يختص بالعدم دون الوجود‪ ،‬والمطلق ل بشرط إنما يوجد مطلًقا في الذهان‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ :‬هو موجود في الخارج؛ فذلك بمعنى أنه يوجد في الخارج مقيًدا‪ ،‬ل أنه يوجد في الخارج مطلًقا‪ ،‬فإن هذا‬
‫باطل‪ ،‬وإن كانت طائفة تدعيه‪ ،‬فمن تصور هذا تصوًرا تاًما‪ ،‬علم بطلن قولهم‪ ،‬وهذا حق معلوم بالضرورة‪ ,‬فهذا‬
‫القانون الصحيح لم ينتفعوا به في إثبات وجود الرب‪ ،‬بل جعلوه مطلًقا بشرط الطلق عن النقيضين‪ ،‬أو عن المور‬
‫الوجودية‪ ،‬أو ل بشرط‪ ،‬وذلك ل يتصور إل في الذهان‪.‬‬
‫والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان‪ ،‬وهم يفرون من التشبيه بوجه من الوجوه؛ ثم يقولون‪ :‬الوجود‬
‫ينقسم إلى‪ :‬واجب وممكن‪ ،‬فهما مشتركان في مسمى الوجود‪ ،‬وكذلك لفظ الماهية‪ ،‬والحقيقة‪ ،‬والذات‪ ,‬ومهما قيل‪ :‬هو‬
‫ينقسم إلى واجب وممكن‪ ،‬ومورد التقسيم مشترك بين القسام‪ ،‬فقد اشتركت القسام في المعنى العام الكلي الشامل لما‬
‫تشابهت فيه‪ ،‬فهذا تشبيه يقولون به‪ ،‬وهم يزعمون أنهم ينفون كل ما يسمى تشبيًها‪ ،‬حتى نفوا السماء‪ ،‬فكان الغلة من‬
‫الجهمية والباطنية ل يسمونه شيًئا فراًرا من ذلك‬
‫‪/‬وأي شيء أثبتوه‪ ،‬لزمهم فيه مثل ذلك‪ ،‬وإل لزم أل يكون وجود واجب الوجود ممكًنا‪ ،‬وقديًما ومحدًثا‪ ،‬وإن المحدث‬
‫والممكن لبد له من قديم‪ .‬ومن المعلوم بالضطرار أن الوجود فيه محدث ممكن‪ ،‬وأن المحدث الممكن لبد له من‬
‫قديم‪،‬واجب بنفسه‪ ،‬فثبوت النوعين ضروري لبد منه‪.‬‬
‫وحقيقة المر أن لفظ المطلق قد يعنى به ما هو كلي ل يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه‪ .‬ويمتنع أن يكون شيًئا‬
‫ل عن أن يكون رب العالمين الحد الصمد كذلك‪.‬‬
‫موجوًدا في الخارج قائًما بنفسه أو صفة لغيره بهذا العتبار‪ ،‬فض ً‬
‫وقد يراد بالمطلق‪ :‬المجرد عن الصفات الثبوتية‪ ،‬أو عن الثبوتية والسلبية جميًعا‪ ،‬والمطلق ل بشرط الطلق‪ ,‬وهذا‬
‫صا ل كلًيا‪ ،‬فإنه يمتنع وجوده في الخارج أعظم من امتناع الكليات المطلقة بشرط‪ ،‬لكونها كلية‪,‬‬
‫إذا قدر جعل معيًنا خا ً‬
‫فإن تلك الكليات لها جزئيات موجودة في الخارج‪ ،‬والكليات مطابقة لها‪.‬‬

‫وأما وجود شيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية وسلبية‪ ،‬فهذا يمتنع تحققه في الخارج كلًيا وجزئًيا‪ .‬وكذلك‬
‫المجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية‪ ،‬بل هذا أولى بالمتناع منه‪ .‬وإذا كان هذا قد شارك سائر الموجودات في مسمى‬
‫الوجود ولم يميز عنها إل بالقيود السلبية‪ ،‬وهي قد امتازت عنه بالقيود الوجودية‪/،‬كان كل ممكن في الوجود أكمل من‬
‫هذا الذي زعموا أنه واجب الوجود‪ ،‬فإن الوجود الكلي مشترك بينه وبينها‪ ،‬ولم يميز عنها إل بعدم‪ ،‬وامتازت عنه‬
‫بوجود‪ ،‬فكان ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها؛ إذ الوجود أكمل من العدم‪.‬‬
‫وأما إذا قيل‪ :‬هو الوجود ل بشرط‪ ،‬فهذا هو الوجود الكلي والطبيعي المطابق لكل موجود‪ ،‬وهذا ل يكون كلًيا إل في‬
‫الذهن‪ .‬وأما في الخارج‪ ،‬فل يوجد إل معيًنا‪ ,‬ومن الناس من قال‪ :‬إن هذا الكلى جزء من المعينات‪.‬‬
‫فإن كان الول هو الصواب‪ ،‬لزم أن يكون الموجود الواجب معدوًما في الخارج أو أن يكون عين الواجب عين‬
‫الممكن‪ ،‬كما يقوله من يقوله من القائلين بوحدة الوجود‪ ،‬وإن كان الثاني هو الصواب‪ ،‬لزم أن يكون وجوده جزًءا من‬
‫كل موجود‪ ،‬فيكون الواجب الوجود جزًءا من وجود الممكنات‪.‬‬
‫ل عن أن‬
‫ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشيء ل يكون هو الخالق له كله‪ ،‬بل يمتنع أن يكون خالًقا لنفسه‪ ،‬فض ً‬
‫يكون خالًقا لما هو بعضه؛ إذ الكل أعظم من الجزء‪ ،‬فإذا امتنع أن يكون خالًقا للجزء‪ ،‬فامتناع كونه خالًقا للكل أظهر‬
‫وأظهر‪.‬‬
‫ل َلهُ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع ِ‬
‫ل‪َ} ،‬وَمن ّلْم َي ْ‬
‫ل‪ ،‬وباطل المنطق أوقعهم في غاية الكذب والجهل با ّ‬
‫فصحيح المنطق لم ينتفعوا به في معرفة ا ّ‬
‫غو ُ‬
‫ت‬
‫طا ُ‬
‫ن َكَفُروْا َأْوِلَيآُؤهُُم ال ّ‬
‫ت ِإَلى الّنُوِر َواّلِذي َ‬
‫ظُلَما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫جُهم ّم َ‬
‫خِر ُ‬
‫ن آَمُنوْا ُي ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫ل َوِل ّ‬
‫ُنوًرا َفَما َلُه ِمن ّنوٍر{ ]النور‪ ،[40:‬و}ا ّ‬
‫ن ِلَيُقوَم‬
‫ب َواْلِميَزا َ‬
‫ت َوَأنَزْلَنا َمَعُهُم اْلِكَتا َ‬
‫سَلَنا ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫سلَْنا ُر ُ‬
‫ت{ ]البقرة‪ ،[257 :‬وهو القائل‪َ} :‬لَقْد َأْر َ‬
‫ظُلَما ِ‬
‫ن الّنوِر ِإَلى ال ّ‬
‫جوَنُهم ّم َ‬
‫خِر ُ‬
‫ُي ْ‬
‫ي َعِزيٌز{ ]الحديد‪،[25 :‬‬
‫ل َقِو ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫سَلُه ِباْلَغْي ِ‬
‫صُرُه َوُر ُ‬
‫ل َمن َين ُ‬
‫س َوِلَيْعَلَم ا ُّ‬
‫شِديٌد َوَمَناِفُع ِللّنا ِ‬
‫س َ‬
‫حِديَد ِفيِه َبْأ ٌ‬
‫ط َوَأنَزْلَنا اْل َ‬
‫سِ‬
‫س ِباْلِق ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫خَتَلُفوْا ِفيِه‬
‫س ِفيَما ا ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫حُكَم َبْي َ‬
‫ق ِلَي ْ‬
‫حّ‬
‫ب ِباْل َ‬
‫ل َمَعُهُم اْلِكَتا َ‬
‫ن َوَأنَز َ‬
‫ن َوُمنِذِري َ‬
‫شِري َ‬
‫ن ُمَب ّ‬
‫ل الّنِبّيي َ‬
‫ثا ّ‬
‫حَدًة َفَبَع َ‬
‫س ُأّمًة َوا ِ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫وهو القائل‪َ} :‬كا َ‬
‫ل َيْهِدي‬
‫ق ِبِإْذِنِه َوا ّ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫خَتَلُفوْا ِفيِه ِم َ‬
‫ن آَمُنوْا ِلَما ا ْ‬
‫ل الِّذي َ‬
‫ت َبْغًيا َبْيَنُهْم َفَهَدى ا ّ‬
‫جاءْتُهُم اْلَبّيَنا ُ‬
‫ن ُأوُتوُه ِمن َبْعِد َما َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ف ِفيِه ِإ ّ‬
‫خَتَل َ‬
‫َوَما ا ْ‬
‫ط ّمْسَتِقيٍم{ ]البقرة‪,[213 :‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫شاء ِإَلى ِ‬
‫َمن َي َ‬

‫وقد كان النبي صلى ال عليه وسلم يقول إذا قام من الليل ـ ما رواه مسلم في صحيحه ـ‪) :‬الّلهم رب جبرائيل وميكائيل‬
‫وإسرافيل‪ ،‬فاطر السموات والرض‪ ،‬عالم الغيب والشهادة‪ ،‬أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون‪ ،‬اهدني لما‬
‫اختلف فيه من الحق بإذنك‪ ،‬إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم(‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫فصــل‬

‫وتمام الكلم في هذا الباب‪ :‬أنك تعلم أنا ل نعلم ما غاب عنا إل بمعرفة ما شهدناه‪ ،‬فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر‬
‫أو الباطن‪ ،‬وتلك معرفة معينة مخصوصة‪ ،‬ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد‪ ،‬فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية‪ ،‬ثم‬
‫إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إل بمعرفة المشهود لنا‪.‬‬
‫طا‪ ،‬لم نعرف حقيقة ما‬
‫ضا وسخ ً‬
‫ضا‪ ،‬ولذة وألًما وِر ً‬
‫شا‪ ،‬وشبًعا وِرّيا وحًبا وبغ ً‬
‫عا وعط ً‬
‫فلول أنا نشهد من أنفسنا جو ً‬
‫نخاطب به إذا وصف لنا ذلك‪ ،‬وأخبرنا به عن غيرنا‪.‬‬
‫وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد؛ حياة وقدرة‪ ،‬وعلًما وكلًما‪ ،‬لم نفهم ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك‪ .‬وكذلك‬
‫لو لم نشهد موجوًدا‪ ،‬لم نعرف وجود الغائب عنا‪ ،‬فلبد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ‬
‫المتواطئ‪ .‬فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته‪ ،‬وهذا خاصة العقل‪.‬‬
‫ولول ذلك لم نعلم إل ما نحسه‪ ،‬ولم نعلم أموًرا عامة ول أموًرا غائبة عن أحاسيسنا الظاهرة والباطنة؛ ولهذا من لم‬
‫يحس الشيء ول نظيره لم يعرف حقيقته‪.‬‬
‫ل ـ تعالى ـ أخبرنا بما وعدنا به في الدار الخرة من النعيم والعذاب‪ ،‬وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح‬
‫‪/‬ثم إن ا ّ‬
‫ويفرش وغير ذلك‪ .‬فلول معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا‪ ،‬لم نفهم ما وعدنا به‪ ،‬ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق‬

‫ل عنه ـ‪ :‬ليس في الدنيا مما في الجنة إل السماء‪ ،‬وهذا تفسير قوله‪:‬‬
‫ليست مثل هذه‪ ،‬حتى قال ابن عباس ـ رضي ا ّ‬
‫}َوُأُتوْا ِبِه ُمَتَشاِبهًا{ ]البقرة‪ [25:‬على أحد القوال‪.‬‬
‫فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه‪ ،‬وبه فهمنا‬
‫المراد‪ ،‬وأحببناه ورغبنا فيه‪ ،‬أو أبغضناه ونفرنا عنه‪ ،‬وبينهما مباينة ومفاضلة ل يقدر قدرها في الدنيا‪ .‬وهذا من‬
‫ل[ حًقا‪،‬‬
‫ل ـ تعالى ـ ولهذا كان قول من قال‪] :‬إن المتشابه ل يعلم تأويله إل ا ّ‬
‫التأويل الذي ل نعلمه نحن‪ ،‬بل يعلمه ا ّ‬
‫وقول من قال‪] :‬إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله[ حًقا‪ .‬وكل القولين مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين لهم‬
‫بإحسان‪.‬‬
‫فالذين قالوا‪ :‬إنهم يعلمون تأويله‪ ،‬مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ومعناه‪ ،‬وإل فهل يحل لمسلم أن يقول‪ :‬إن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ما كان يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من اليات والحاديث؟! بل كان يتكلم بألفاظ لها معان ل‬
‫يعرف معانيها؟!‬
‫ل بعلمها؛ ولهذا كان السلف ـ كربيعة‪،‬‬
‫ومن قال‪ :‬إنهم ل يعرفون تأويله‪ ،‬أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص ‪ /‬ا ّ‬
‫ومالك بن أنس وغيرهما ـ يقولون‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهول‪ .‬وهذا قول سائر السلف ـ كابن الماجشون‪،‬‬
‫والمام أحمد بن حنبل‪ ،‬وغيرهم‪ .‬وفي غير ذلك من الصفات‪ .‬فمعنى الستواء معلوم‪ ،‬وهو التأويل والتفسير الذي‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫يعلمه الراسخون‪ ،‬والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم‪ ،‬الذي ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ي َلُهم ّمن‬
‫خِف َ‬
‫س ّما ُأ ْ‬
‫ل َتْعَلُم َنْف ٌ‬
‫ل به‪ ،‬وأما كيفيته فقد قال تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر ا ّ‬
‫ُقّرِة َأْعُيٍن َجَزاء ِبَما َكاُنوا َيْعَمُلوَن{ ]السجدة‪.[17:‬‬

‫ت‪،‬‬
‫ت لعبادي الصالحين ما ل عين رأ ْ‬
‫ل تعالى‪ :‬أعدد ُ‬
‫وقال النبي صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح‪) :‬يقول ا ّ‬
‫شر(‪.‬‬
‫طر على َقْلب َب َ‬
‫خَ‬
‫ت‪ ،‬ول َ‬
‫سِمع ْ‬
‫ن َ‬
‫ول أُذ ٌ‬
‫ل به من صفات المخلوقين نعلم تفسيره ومعناه‪ ،‬ونفهم الكلم الذي خوطبنا به‪ ،‬ونعلم معنى العسل واللحم‬
‫فما أخبرنا ا ّ‬
‫واللبن‪ ،‬والحرير والذهب والفضة‪ ،‬ونفرق بين مسميات هذه السماء وأما حقائقها على ما هي عليه‪ ،‬فل يمكن أن‬
‫ل ـ عز وجل ـ لعباده ل يعلمه ملك مقرب‪ ،‬ول نبي مرسل‪،‬‬
‫نعلمها نحن‪،‬ول نعلم متي تكون الساعة؟ وتفصيل ما أعد ا ّ‬
‫ل ـ تبارك وتعالى‪.‬‬
‫بل هذا من التأويل الذي ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل لخلقه وعظمته‪ ،‬وكبريائه‬
‫فإذا كان هذا في هذين المخلوقين‪ ،‬فالمر بين الخالق والمخلوق أعظم؛ ‪ /‬فإن مباينة ا ّ‬
‫وفضله‪ ،‬أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق‪.‬‬
‫فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق‪ ،‬بينهما من التفاضل والتباين ما ل نعلمه في الدنيا ـ‬
‫ل تبارك وتعالى ـ فصفات الخالق ـ عز وجل ـ أولى أن‬
‫ول يمكن أن نعلمه‪ ،‬بل هو من التأويل الذي ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل ـ تبارك وتعالى ـ وأن يكون هذا من التأويل‬
‫يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫الذي ل يعلمه كل أحد؛ بل منه ما يعلمه الراسخون‪ ،‬ومنه ما يعلمه النبياء والملئكة‪ ،‬ومنه ما ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل عنه ـ أنه قال‪ :‬إن التفسير على أربعة أوجه‪ :‬تفسير تعرفه العرب من كلمها‪،‬‬
‫كما روي عن ابن عباس ـ رضي ا ّ‬
‫ل‪ ،‬من ادعى علمه فهو كاذب‪.‬‬
‫وتفسير ل يعذر أحد بجهالته‪ ،‬وتفسير تعلمه العلماء‪ ،‬وتفسير ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ولفظ ]التأويل[ في كلم السلف ل يراد به إل التفسير‪ ،‬أو الحقيقة الموجودة في الخارج التي يئول إليها‪ :‬كما في قوله‬
‫ظُروَن ِإّل َتْأِويَلُه َيْوَم َيْأِتي َتْأِويُلُه{ الية ]العراف‪.[53:‬‬
‫ل َين ُ‬
‫تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫وأما استعمال التأويل بمعنى‪ :‬أنه صرف اللفظ عن الحتمال الراجح إلى الحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر‬
‫أو لمطلق الدليل‪ ،‬فهذا اصطلح ‪ /‬بعض المتأخرين‪ ،‬ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل هذا المعنى‪.‬‬
‫ل{ ]آل عمران‪:‬‬
‫لا ّ‬
‫ثم لما شاع هذا بين المتأخرين‪ ،‬صاروا يظنون أن هذا هو التأويل في قوله تعالى‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫‪.[7‬‬

‫ل‪ ،‬وقالت طائفة‪ :‬بل يعلمه الراسخون‪ .‬وكلتا الطائفتين غالطة؛ فإن هذا ل حقيقة له‪ ،‬بل‬
‫ثم طائفة تقول‪ :‬ل يعلمه إل ا ّ‬
‫ل يعلم انتفاءه وأنه لم يرده‪ .‬وهذا مثل تأويلت القرامطة الباطنية‪ ،‬والجهمية‪ ،‬وغيرهم من أهل اللحاد‬
‫هو باطل‪ ،‬وا ّ‬
‫والبدع‪.‬‬
‫ل ـ عز‬
‫ل لم يردها بكلمه‪ ،‬و ما لم يرده‪ ،‬ل نقول‪ :‬إنه يعلم أنه مراده‪ ،‬فإن هذا كذب على ا ّ‬
‫وتلك التأويلت باطلة وا ّ‬
‫لـ‬
‫ل ـ تبارك وتعالى ـ الكذب‪ ،‬وإن كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر ا ّ‬
‫وجل ـ والراسخون في العلم ل يقولون على ا ّ‬
‫ل يوصف بصفات الكمال‪ :‬موصوف بالحياة‪،‬‬
‫ل المثل العلى ـ أن ا ّ‬
‫عز وجل ـ عن نفسه ـ بل وبطريق العتبار أن ّ‬
‫والعلم‪ ،‬والقدرة‪ ،‬وهذه صفات كمال‪ .‬والخالق أحق بها من المخلوق‪ ،‬فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات الكمال دون‬
‫الخالق‪.‬‬
‫ولول أن هذه السماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي‪ ،‬يقتضى من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم‬
‫ل شيًئا‪ ،‬ول صار في قلوبنا إيمان به‪ ،‬ول علم‪ ،‬ول معرفة‪ ،‬ول محبة‪/ ،‬‬
‫ل‪ ،‬لم نكن قد عرفنا عن ا ّ‬
‫وتثبت هذه المعاني ّ‬
‫ول إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه‪ ،‬فإن جميع هذه المور ل تكون إل مع العلم‪ ،‬ول يمكن العلم إل‬
‫بإثبات تلك المعاني‪ ،‬التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا‪.‬‬
‫ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة‪ ،‬حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد واليمان‪،‬‬
‫ل عليهم‪ ،‬غير المغضوب‬
‫وانجاب عنه من الشبه والضلل و الحيرة ما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم ا ّ‬
‫ل[ كالقول في سائرها‪ ،‬وأن‬
‫عليهم ول الضالين‪ ،‬ومن سادة أهل العلم واليمان‪ ،‬وتبين له أن القول في بعض ]صفات ا ّ‬
‫القول في صفاته كالقول في ذاته‪ ،‬وأن من أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم مع مشاركة‬
‫ضا‪.‬‬
‫أحدهما الخرى فيما به نفاها‪ ،‬كان متناق ً‬
‫فمن نفي النزول والستواء‪ ،‬أو الرضى والغضب‪ ،‬أو العلم والقدرة‪ ،‬أو اسم العلىم أو القدير‪ ،‬أو اسم الموجود‪ ،‬فرارً‬
‫بزعمه من تشبيه وتركيب وتجسيم‪ ،‬فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبت المثبت‪.‬‬
‫فكل ما يستدل به على نفي النزول والستواء والرضى والغضب‪ ،‬يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي الرادة‪،‬‬
‫والسمع والبصر‪ ،‬والقدرة والعلم‪ .‬وكل ما يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع والبصر‪ ،‬يمكن منازعه أن يستدل‬
‫بنظيره على نفي العلىم والقدير‪ ،‬والسميع والبصير‪ .‬وكل ما يستدل به على نفي هذه السماء‪ ،‬يمكن منازعه أن‬
‫يستدل به على نفي الموجود والواجب‪.‬‬
‫‪/‬ومن المعلوم بالضرورة أنه ل بد من موجود قديم واجب بنفسه‪ ،‬يمتنع عليه العدم؛ فإن الموجود‪ :‬إما ممكن ومحدث‪،‬‬
‫وإما واجب وقديم‪ .‬والممكن المحدث ل يوجد إل بواجب قديم‪ ،‬فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات الثابتة يستلزم‬
‫نفي الموجود الواجب القديم‪ ،‬ونفي ذلك يستلزم نفي الموجود مطلًقا‪ ،‬علم أن من عطل شيًئا من الصفات الثابتة بمثل‬
‫هذا الدليل كان قوله مستلزًما تعطيل الموجود المشهود‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أنه إذا قال‪ :‬النزول والستواء ونحو ذلك من صفات الجسام‪ ،‬فإنه ل يعقل النزول والستواء إل لجسم‬
‫ل ـ سبحانه ـ منزه عن هذه اللوازم‪ ،‬فيلزم تنزيهه عن الملزوم‪ .‬أو قال‪ :‬هذه حادثة‪ ،‬والحوادث ل تقوم إل‬
‫مركب‪ ،‬وا ّ‬
‫بجسم مركب‪ ،‬وكذلك إذا قال‪ :‬الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك هو من صفات الجسام‪.‬‬
‫فإنه يقال له‪ :‬وكذلك الرادة‪ ،‬والسمع‪ ،‬والبصر‪ ،‬والعلم‪ ،‬والقدرة من صفات الجسام‪ ،‬فإنا كما ل نعقل ما ينزل‪،‬‬
‫ويستوى ويغضب ويرضى إل جسًم‪ ،‬لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد‪ ،‬ويعلم ويقدر إل جسًما‪.‬‬
‫فإذا قيل‪ :‬سمعه ليس كسمعنا‪ ،‬وبصره ليس كبصرنا‪ ،‬وإرادته ليست كإرادتنا‪ ،‬وكذلك علمه وقدرته‪.‬‬
‫قيل له‪ :‬وكذلك رضاه ليس كرضانا‪ ،‬وغضبه ليس كغضبنا‪ ،‬وفرحه ليس كفرحنا‪ ،‬ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا‬
‫واستوائنا‪.‬‬

‫‪/‬فإذا قال‪ :‬ل يعقل في الشاهد غضب إل غليان دم القلب لطلب النتقام‪ ،‬ول يعقل نزول إل النتقال‪ ،‬والنتقال يقتضى‬
‫تفريغ حيز وشغل آخر‪ ،‬فلو كان ينزل‪ ،‬لم يبق فوق العرش رب‪.‬‬
‫قيل‪ :‬ول يعقل في الشاهد إرادة إل ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه‪ ،‬ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره‪،‬‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه اللهي‪) :‬يا عبادي‪ ،‬إنكم لن تبلغوا َنْفِعي فتنفعوني‪ ،‬ولن‬
‫وا ّ‬
‫ضّري فتضروني(؛ فهو منزه عن الرادة التي ل يعقل في الشاهد إل هي‪.‬‬
‫تبلغوا ُ‬
‫خْرق الذن‪ ،‬ويطلق على الذن نفسها[ ‪،‬‬
‫صماخ‪َ :‬‬
‫صَماخ ]ال ّ‬
‫وكذلك السمع ل يعقل في الشاهد إل بدخول صوت في ال ّ‬
‫ل ـ سبحانه ـ أحد صمد منزه عن مثل ذلك‪ ،‬بل وكذلك البصر والكلم ل يعقل في‬
‫وذلك ل يكون إل في أجوف؛ وا ّ‬
‫ل ـ سبحانه ـ أحد صمد منزه عن ذلك‪.‬‬
‫الشاهد إل في محل أجوف‪ ،‬وا ّ‬
‫قال ابن مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬والحسن‪ ،‬وسعيد بن جبير‪ ،‬وخلق من السلف‪ :‬الصمد‪ :‬الذي ل جوف له‪ .‬وقال آخرون‪:‬‬
‫هو السيد الذي كمل في سؤدده‪ ،‬وكل القولين حق؛ فإن لفظ ]الصمد[ في اللغة يتناول هذا وهذا‪ ،‬والصمد في اللغة‬
‫ضا المصمد‪ ،‬والمصمد المصمت‪ ،‬وكلهما معروف في اللغة‪.‬‬
‫السيد‪ ،‬و]الصمد[ أي ً‬
‫ضا دليل آخر؛ فإنه إذا كانت الملئكة ـ وهم‬
‫‪/‬ولهذا قال يحيى بن أبي كثير‪ :‬الملئكة صمد‪ ،‬والدميون جوف‪ .‬وهذا أي ً‬
‫ل عنها ـ عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي ا ّ‬
‫صف لكم( ـ فإذا كانوا مخلوقين من نور‪ ،‬وهم ل‬
‫خِلق الجان من نار‪ ،‬وخلق آدم مما ُو ِ‬
‫ت الملئكُة من ُنور‪ ،‬و ُ‬
‫خِلَق ِ‬
‫)ُ‬
‫يأكلون ول يشربون‪ ،‬بل هم صمد ليسوا جوًفا كالنسان‪ ،‬وهم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون وينزلون كما‬
‫ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة‪ ،‬وهم مع ذلك ل تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات النسان وفعله؛ فالخالق ـ تعالى ـ‬
‫أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملئكة للدميين؛ فإن كليهما مخلوق‪ .‬والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من‬
‫المخلوق إلى الخالق ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وكذلك ]روح ابن آدم[‪ ،‬تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد‪ ،‬كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة‪ ،‬والمعقولت‬
‫الصريحة‪ ،‬ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله‪.‬‬
‫فإذا لم يجز أن يقال‪ :‬إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد‪ ،‬وهي مقرونة به وهما جميًعا‬
‫ل للجسم الذي هو بدنه‪ ،‬فكيف يجوز أن يجعل الرب ـ تبارك وتعالى ـ‬
‫النسان‪ ،‬فإذا لم يكن روح النسان مماث ً‬
‫وصفاته وأفعاله مثل الجسم وصفاته وأفعاله؟!‬
‫فإن أراد النافي التزام أصله؛ وقال‪ :‬أنا أقول‪ :‬ليس له كلم يقوم به‪ ،‬بل ‪/‬كلمه مخلوق‪ ،‬قيل له‪ :‬فيلزمك في السمع‬
‫والبصر‪،‬فإن البصريين من المعتزلة يثبتون الدراك‪ .‬فإن قال‪ :‬أنا أقول بقول البغداديين منهم‪ ،‬فل أثبت له سمًعا ول‬
‫بصًرا ول كلًما يقوم به‪ ،‬بل أقول كلمه مخلوق من مخلوقاته؛ لن إثبات ذلك تجسيم وتشبيه‪ ،‬بل ول أثبت له إرادة‬
‫كما ل يثبتها البغداديون‪ ،‬بل أجعلها سلًبا أو إضافة فأقول‪ :‬معنى كونه مريًدا أنه غير مغلوب ول مكره‪ ،‬أو بمعنى‬
‫كونه خالًقا وآمًرا‪ .‬قيل له‪ :‬فيلزمك ذلك في كونه حًيا عالًما قادًرا‪ ،‬فإن المعتزلة مطبقة على إثبات أنه حي عالم قادر‪،‬‬
‫وقيل له‪ :‬أنت ل تعرف حًيا عالًما قادًرا إل جسًما؛ فإذا جعلته حًيا عالًما قادًرا‪ ،‬لزمك التجسيم والتشبيه‪.‬‬
‫فإن زاد في التعطيل وقال‪ :‬أنا ل أقول بقول المعتزلة‪ ،‬بل بقول الجهمية المحضة‪ ،‬والباطنية من الفلسفة‪ ،‬والقرامطة‬
‫فأنفي السماء مع الصفات‪ ،‬ول أسميه حًيا ول عالًما ول قادًرا ول متكلًما إل مجاًزا بمعنى السلب والضافة‪ ،‬أي‪:‬هو‬
‫ل؛ فإن‬
‫ليس بجاهل ول عاجز‪ ،‬وجعل غيره عالًما قادًرا‪ .‬قيل له‪ :‬فيلزمك ذلك في كونه موجوًدا واجًبا بنفسه قديًما فاع ً‬
‫ل قادًرا؛ لن النسان عنده ليس بقادر ول فاعل‪ ،‬فل تشبيه عنده في ذلك‪.‬‬
‫جهًما قد قيل‪ :‬إنه كان يثبت كونه فاع ً‬
‫وإذا وصل إلى هذا المقام‪ ،‬فلبد له أن يقول بقول طائفة منهم‪ ،‬فيقول‪/ :‬أنا ل أصفه بصفة وجود ول عدم‪ ،‬فل أقول‬
‫موجود ول معدوم‪ ،‬أو ل موجود ول غير موجود‪ ،‬بل أمسك عن النقيضين فل أتكلم ل بنفي ول إثبات‪.‬‬
‫وإما أن يقول‪ :‬أنا ل أصفه قط بأمر ثبوتي بل بالسلبي؛ فل أقول‪ :‬موجود بل أقول‪ :‬ليس بمعدوم‪.‬‬

‫وإما أن يقال‪ :‬بل هو معدوم‪ ،‬فالقسمة حاصرة‪ .‬فإنه إما أن يصفه بأمر ثبوتي فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه‬
‫والتجسيم‪ ،‬وإما أن يقول‪ :‬ل أصفه بالثبوت بل بسلب العدم‪ ،‬فل أقول‪ :‬موجود بل ليس بمعدوم‪.‬‬
‫وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول‪ :‬ما ثم وجود واجب؛ فإن قال بالول وقال‪ :‬ل أثبت واحًدا من النقيضين؛ ل‬
‫الوجود ول العدم‪ .‬قيل‪ :‬هب أنك تتكلم بذلك بلسانك‪ ،‬ول تعتقد بقلبك واحًدا من المرين‪ ،‬بل تلتزم العراض عن‬
‫ل وعبادته وذكره‪ ،‬فل تذكره قط ول تعبده ول تدعوه ول ترجوه ول تخافه‪ ،‬فيكون جحدك له أعظم من جحد‬
‫معرفة ا ّ‬
‫إبليس الذي اعترف به‪ ،‬فامتناعك من إثبات أحد النقيضين ل يستلزم رفع النقيضين في نفس المر؛ فإن النقيضين ل‬
‫يمكن رفعهما‪ ،‬بل في نفس المر لبد أن يكون الشيء ـ أي شيء كان ـ إما موجوًدا وإما معدوًما ‪ ،‬إما أن يكون‪ ،‬وإما‬
‫أل يكون‪ ،‬وليس بين النفي والثبات واسطة أصل‪.‬‬
‫ونحن نذكر ما في نفس المر سواء جحدته أنت أو اعترفت به‪ ،‬وسواء‪ /‬ذكرته أو أعرضت عنه؛ فإعراض النسان‬
‫عن رؤية الشمس والقمر والكواكب والسماء ل يدفع وجودها‪ ،‬ول يدفع ثبوت أحد النقيضين‪ ،‬بل بالضرورة ]الشمس[‬
‫ل كيف يدفع وجوده ويوجب رفع النقيضين؟! فل بد أن‬
‫إما موجودة‪ ،‬وإما معدومة‪ ،‬فإعراض قلبك ولسانك عن ذكر ا ّ‬
‫يكون إما موجوًدا وإما معدوًما في نفس المر‪ .‬وكذلك من قال‪ :‬أنا ل أقول‪ :‬موجود؛ بل أقول‪ :‬ليس بمعدوم؛ فإنه يقال‪:‬‬
‫سلب أحد النقيضين إثبات للخر‪ ،‬فأنت غيرت العبارة؛ إذ قول القائل‪ :‬ليس بمعدوم‪ ،‬يستلزم أن يكون موجوًدا‪ ،‬فأما‬
‫إذا لم يكن معدوًما‪ ،‬إما أن يكون موجوًدا‪ ،‬وإما أل يكون ل موجوًدا ول معدوًما‪.‬‬
‫وهذا ]القسم الثالث[ يوجب رفع النقيضين‪ ،‬وهو مما يعلم فساده بالضرورة‪ ،‬فوجب أنه إذا لم يكن معدوًما أن يكون‬
‫موجوًدا‪.‬‬
‫ضا ـ أن منها‬
‫وإن قال‪ :‬بل التزم أنه معدوم‪ .‬قيل له‪ :‬فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات‪ ،‬ومن المعلوم ـ أي ً‬
‫ما هو حادث بعد أن لم يكن‪ ،‬كما نعلم نحن أنا حادثون بعد عدمنا‪ ،‬وأن السحاب حادث‪ ،‬والمطر والنبات حادث‪،‬‬
‫ف الّلْي ِ‬
‫ل‬
‫ل ِ‬
‫خِت َ‬
‫ض َوا ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫خْل ِ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ل ـ تعالى ـ عليها بقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫والدواب حادثة‪ ،‬وأمثال ذلك من اليات التي نبه ا ّ‬
‫ث ِفيَها ِمن ُك ّ‬
‫ل‬
‫ض َبْعَد َمْوِتَها َوَب ّ‬
‫حَيا ِبِه الْر َ‬
‫سَماء ِمن ّماء َفَأ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫لا ّ‬
‫س َوَما َأنَز َ‬
‫حِر ِبَما َينَفُع الّنا َ‬
‫جِري ِفي اْلَب ْ‬
‫ك اّلِتي َت ْ‬
‫َوالّنَهاِر َواْلُفْل ِ‬
‫ت ّلَقْوٍم َيْعِقُلوَن{ ]البقرة‪.[146 :‬‬
‫ض لَيا ٍ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء َوا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫خِر َبْي َ‬
‫سّ‬
‫ب اْلُم َ‬
‫حا ِ‬
‫سَ‬
‫ح َوال ّ‬
‫ف الّرَيا ِ‬
‫صِري ِ‬
‫َدآّبٍة َوَت ْ‬

‫وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها؛ فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه‪،‬‬
‫وهذه كانت معدومة ثم وجدت‪ ،‬فدل وجودها بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها‪ ،‬فإن كليهما قد تحقق‬
‫فيها‪ ،‬فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن‪ .‬فنقول حينئذ‪ :‬الموجود والمحدث الممكن لبد له من‬
‫موجد قديم واجب بنفسه‪ ،‬فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه‪ ،‬كما يمتنع أن يخلق النسان نفسه‪ ،‬وهذا من أظهر المعارف‬
‫الضرورية؛ فإن النسان بعد قوته ووجوده ل يقدر أن يزيد في ذاته عضًوا‪ ،‬ول قدًرا ‪ ،‬فل يقصر الطويل ول يطول‬
‫القصير‪ ،‬وليجعل رأسه أكبر مما هو ول أصغر‪ ،‬وكذلك أبواه ل يقدران على شيء من ذلك‪.‬‬
‫ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لبد له من محدث‪ ،‬وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة‪ ،‬حتى‬
‫للصبيان؛ فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل ل يبصره لقال‪ :‬من ضربني؟ فلو قيل له‪ :‬لم يضربك أحد‪ ،‬لم يقبل‬
‫عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث‪ ،‬بل يعلم أنه لبد للحادث من محدث‪ .‬فإذا قيل‪ :‬فلن ضربك‪ ،‬بكي حتى‬
‫غْيِر‬
‫ن َ‬
‫خِلُقوا ِم ْ‬
‫يضرب ضاربه‪ ،‬فكان في فطرته القرار ‪/‬بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى‪َ} :‬أْم ُ‬
‫يٍء َأْم ُهُم اْلَخاِلُقوَن{ ] الطور‪.[35 :‬‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫وفي الصحيحين‪ :‬عن جبير بن مطعم؛ أنه لما قدم في فداء أسارى بدر قال‪ :‬وجدت النبي صلى ال عليه وسلم يقرأ في‬
‫يٍء َأمْ ُهُم اْلَخاِلُقوَن{ أحسست بفؤادي قد انصدع‪.‬‬
‫ش ْ‬
‫غْيِر َ‬
‫ن َ‬
‫خِلُقوا ِم ْ‬
‫المغرب بالطور‪ .‬قال‪ :‬فلما سمعت هذه الية‪َ} :‬أْم ُ‬
‫ل بصيغة استفهام النكار‪ ،‬ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة ل يمكن‬
‫وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره ا ّ‬
‫يٍء{ أي‪ :‬من غير خالق خلقهم‪ ،‬أم هم خلقوا أنفسهم؟! وهم يعلمون أن كل النقيضين‬
‫ش ْ‬
‫غْيِر َ‬
‫ن َ‬
‫خِلُقوا ِم ْ‬
‫جحدها‪ ،‬يقول‪َ} :‬أْم ُ‬
‫باطل‪ ،‬فتعين أن لهم خالًقا خلقهم ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال‪ :‬الوجود إما قديم وإما محدث‪ ،‬والمحدث لبد له من قديم‪ ،‬والموجود إما واجب وإما‬
‫ممكن‪ ،‬والممكن لبد له من واجب ونحو ذلك‪ .‬وعلى كل تقدير‪ ،‬فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه‪،‬‬
‫وموجود ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن‪ .‬وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود‪ ،‬وهو ل يعقل موجود في الشاهد إل‬
‫جسًما‪ ،‬فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذي ادعاه‪.‬‬
‫ل بمثل هذه الطريقة‪ ،‬فإن نفيه باطل‪ /،‬ولو لم يرد الشرع بإثبات ذلك‪ ،‬ول دل ـ‬
‫فعلم أن من نفي شيًئا من صفات ا ّ‬
‫ضا ـ عليه العقل‪ .‬فكيف ينفي بمثل ذلك ما دل الشرع والعقل على ثبوته؟! فيتبين أن كل من نفي شيًئا من الصفات ـ‬
‫أي ً‬
‫ك‪ .‬وأيضا‪ ،‬فإذا كان هذا لزًما‬
‫لن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم ـ لزمه ما ألزم به غيره‪ .‬وحينئذ فيكون الجواب مشار ً‬
‫على كل تقدير‪ ،‬علم أن الستدلل به على نفي الملزوم باطل؛ فإن الملزوم موجود ل يمكن نفيه بحال؛ ولهذا ل يوجد‬
‫الستدلل بمثل هذا في كلم أحد من سلف المة وأئمتها‪ ،‬وإنما هو مما أحدثته الجهمية والمعتزلة‪ ،‬وتلقاه عنهم كثير‬
‫من الناس‪ :‬ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن الرب؛ مثل أن ينفي عنه النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها؛ كالجهل‪،‬‬
‫والعجز‪ ،‬والحاجة وغير ذلك‪ .‬وهذا تنزيه صحيح‪ ،‬ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه فيعارض بما‬
‫أثبته؛ فيلزمه التناقض‪.‬‬
‫ومن هنا دخلت ]الملحدة الباطنية[ على المسلمين‪ ،‬حتى ردوا عن السلم خلًقا عظيًما صاروا يقولون لمن نفي شيًئا‬
‫عن الرب ـ مثل من ينفي بعض الصفات‪ ،‬أو جميعها أو السماء الحسنى ـ‪ :‬ألم تنف هذا لئل يلزم التشبيه والتجسيم؟!‬
‫فيقول‪ :‬بلي ! فيقول‪ :‬وهذا اللزم يلزمك فيما أثبته‪ ،‬فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيًئا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى‬
‫ل بقلبه‪ ،‬ول يذكره بلسانه‪ ،‬ول يعبده‪ ،‬ول يدعوه وإن كان ل يجزم بعدمه‪ ،‬بل يعطل نفسه عن اليمان به‪،‬‬
‫أل يعرف ا ّ‬
‫وقد عرف تناقض هؤلء‪.‬‬
‫‪/‬وإن التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون‪ ،‬كان تناقضه أعظم؛ فإنه يقال له‪ :‬فهذا العالم الموجود إذا لم يكن له صانع‬
‫كان قديًما أزلًيا واجًبا بنفسه ـ ومن المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم ـ وحينئذ ففي الوجود قديم ومحدث وواجب‬
‫وممكن‪ ،‬وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان‪ :‬أحدهما قديم واجب‪.‬والخر‪ :‬محدث ممكن‪.‬‬
‫فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم‪ ،‬بل هذا يلزمك بصريح قولك‪ ،‬فإن العالم المشهود جسم تقوم به الحركات؛‬
‫فإن الفلك جسم‪ ،‬وكذلك الشمس والقمر والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات‪ ،‬فجحدت رب العالمين لئل‬
‫تجعل القديم الواجب جسًما تقوم به الصفات والحركات؟! ثم في آخر أمرك جعلت القديم الزلي الواجب الوجود بنفسه‬
‫أجساًم متعددة‪ ،‬تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم بها الصفات والحركات‪ ،‬مع ما فيها من الفتقار والحاجة‪ .‬فإن‬
‫الشمس والقمر والكواكب محتاجة إلى محالها التي هي فيها‪ ،‬ومواضعها التي تحملها وتدور بها‪ ،‬والفلك كل منها‬
‫محتاج إلى ما سواه‪ ،‬إلى غير ذلك من دلئل نقصها وحاجتها!‬
‫‪/‬والمقصود هنا أن هذا الذي فر من أن يجعل القديم الواجب موجوًدا ـ وموصوًفا بصفات الكمال‪ ،‬لئل يلزم ما ذكره‬
‫ل على نفي ما جعله ملزوًما له ـ لزمه في آخر المر ما فر منه من‬
‫من التشبيه والتجسيم‪ ،‬وجعل نفي هذا اللزم دلي ً‬
‫جعله الموجود الواجب جسًما يشبه غيره‪ ،‬مع أنه وصفه بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها‪ ،‬ومع أنه جحد‬
‫الخالق ـ جل جلله ـ فلزمه مع الكفر الذي هو أعظم من كفر عامة المشركين‪ ،‬فإنهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم‬
‫ضا‪.‬‬
‫ل ونظًرا‪ ،‬وأشدهم تناق ً‬
‫لما سواه‪ ،‬ولزمه مع هذا أنه من أجهل بني آدم وأفسدهم عق ً‬
‫ل بالذين يلحدون في أسمائه وآياته ـ مع دعوى النظر والمعقول والبرهان والقياس كفرعون وأتباعه ـ‬
‫وهكذا يفعل ا ّ‬
‫ق ِم ْ‬
‫ن‬
‫حّ‬
‫جاءُهم ِباْل َ‬
‫ب َفَلّما َ‬
‫حٌر َكّذا ٌ‬
‫سا ِ‬
‫ن َفَقاُلوا َ‬
‫ن َوَقاُرو َ‬
‫ن َوَهاَما َ‬
‫عْو َ‬
‫ن ِإَلى ِفْر َ‬
‫ن ّمِبي ٍ‬
‫طا ٍ‬
‫سْل َ‬
‫سى ِبآَياِتَنا َو ُ‬
‫سْلَنا ُمو َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬وَلَقْد َأْر َ‬
‫قال ا ّ‬
‫سى َوْلَيْد ُ‬
‫ع‬
‫ل ُمو َ‬
‫ن َذُروِني َأْقُت ْ‬
‫عْو ُ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫ل َوَقا َ‬
‫لٍ‬
‫ضَ‬
‫ل ِفي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ساءُهْم َوَما َكْيُد اْلَكاِفِري َ‬
‫حُيوا ِن َ‬
‫سَت ْ‬
‫ن آَمُنوا َمَعُه َوا ْ‬
‫عنِدَنا َقاُلوا اْقُتُلوا َأْبَناء اّلِذي َ‬
‫ِ‬
‫ن ِبَيْوِم‬
‫ل ُيْؤِم ُ‬
‫ل ُمَتَكّبٍر ّ‬
‫ت ِبَرّبي َوَرّبُكم ّمن ُك ّ‬
‫عْذ ُ‬
‫سى ِإّني ُ‬
‫ل ُمو َ‬
‫ساَد َوَقا َ‬
‫ض اْلَف َ‬
‫لْر ِ‬
‫ظِهَر ِفي ا َْ‬
‫ل ِديَنُكْم َأْو َأن ُي ْ‬
‫ف َأن ُيَبّد َ‬
‫خا ُ‬
‫َرّبُه ِإّني َأ َ‬
‫ك َكاِذًبا‬
‫ت ِمن ّرّبُكْم َوِإن َي ُ‬
‫جاءُكم ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫ل َوَقْد َ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ل َرّب َ‬
‫ل َأن َيُقو َ‬
‫جً‬
‫ن َر ُ‬
‫ن َيْكُتُم ِإيَماَنُه َأَتْقُتُلو َ‬
‫عْو َ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫نآِ‬
‫ن ّم ْ‬
‫ل ّمْؤِم ٌ‬
‫جٌ‬
‫ل َر ُ‬
‫ب َوَقا َ‬
‫سا ِ‬
‫حَ‬
‫اْل ِ‬
‫ن ِفي‬
‫ظاِهِري َ‬
‫ك اْلَيْوَم َ‬
‫ب َيا َقْوِم َلُكُم اْلُمْل ُ‬
‫ف َكّذا ٌ‬
‫ن ُهَو ُمسِْر ٌ‬
‫ل َيْهِدي َم ْ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ض اّلِذي َيِعُدُكْم ِإ ّ‬
‫صْبُكم َبْع ُ‬
‫صاِدًقا ُي ِ‬
‫ك َ‬
‫َفَعَلْيِه َكِذُبُه َوِإن َي ُ‬
‫ن َيا َقْوِم ِإّني‬
‫ل اّلِذي آَم َ‬
‫شاِد َوَقا َ‬
‫ل الّر َ‬
‫سِبي َ‬
‫ل َ‬
‫ل َما َأَرى َوَما َأْهِديُكْم ِإ ّ‬
‫ن َما ُأِريُكْم ِإ ّ‬
‫عْو ُ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫جاءَنا َقا َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫س ا ِّ‬
‫صُرَنا ِمن َبْأ ِ‬
‫ض َفَمن َين ُ‬
‫لْر ِ‬
‫ا َْ‬
‫ف عليكْم‬
‫خا ُ‬
‫ظْلًما ّلْلِعَباِد َوَيا َقْوِم ِإّني َأ َ‬
‫ل ُيِريُد ُ‬
‫ن ِمن َبْعِدهِْم َوَما ا ُّ‬
‫عاٍد َوَثُموَد َواّلِذي َ‬
‫ح َو َ‬
‫ب َقْوِم ُنو ٍ‬
‫ل َدْأ ِ‬
‫ب ِمْث َ‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫ل َيْوِم ا َْ‬
‫ف عليكم ّمْث َ‬
‫خا ُ‬
‫َأ َ‬
‫ت َفَما ِزْلُتْم ِفي‬
‫ل ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫ف ِمن َقْب ُ‬
‫س ُ‬
‫جاءُكْم ُيو ُ‬
‫ن َهاٍد َوَلَقْد َ‬
‫ل َفَما َلُه مِ ْ‬
‫ل ا ُّ‬
‫ضِل ِ‬
‫صٍم َوَمن ُي ْ‬
‫عا ِ‬
‫ن َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن َما َلُكم ّم َ‬
‫ن ُمْدِبِري َ‬
‫َيْوَم الّتَناِد َيْوَم ُتَوّلو َ‬
‫ل‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِفي آَيا ِ‬
‫جاِدُلو َ‬
‫ن ُي َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫ف ّمْرَتا ٌ‬
‫سِر ٌ‬
‫ن ُهَو ُم ْ‬
‫ل َم ْ‬
‫ل ا ُّ‬
‫ضّ‬
‫ك ُي ِ‬
‫ل َكَذِل َ‬
‫سو ً‬
‫ل ِمن َبْعِدِه َر ُ‬
‫ث ا ُّ‬
‫ك ُقْلُتْم َلن َيْبَع َ‬
‫حّتى ِإَذا َهَل َ‬
‫جاءُكم ِبِه َ‬
‫ك ّمّما َ‬
‫شّ‬
‫َ‬
‫حا‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫ن َيا َهاَما ُ‬
‫عْو ُ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫جّباٍر َوَقا َ‬
‫ب ُمَتَكّبٍر َ‬
‫ل َقْل ِ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫طَبُع ا ُّ‬
‫ك َي ْ‬
‫ن آَمُنوا َكَذِل َ‬
‫عنَد اّلِذي َ‬
‫ل َو ِ‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫ن َأَتاُهْم َكُبَر َمْقًتا ِ‬
‫طا ٍ‬
‫سْل َ‬
‫ِبَغْيِر ُ‬

‫ل َوَما‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫صّد َ‬
‫عَمِلِه َو ُ‬
‫سوُء َ‬
‫ن ُ‬
‫عْو َ‬
‫ن ِلِفْر َ‬
‫ك ُزّي َ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا َوكََذِل َ‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫ب{ ]غافر‪23 :‬ـ ‪.[37‬‬
‫ل ِفي َتَبا ٍ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫َكْيُد ِفْرعَْو َ‬
‫سوءُ‬
‫ن َمْعِذَرُتُهْم َوَلُهُم الّلْعَنُة َوَلُهْم ُ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ل َينَفُع ال ّ‬
‫شَهاُد َيْوَم َ‬
‫لْ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوَيْوَم َيُقوُم ا َْ‬
‫ن آَمُنوا ِفي اْل َ‬
‫سَلَنا َواّلِذي َ‬
‫صُر ُر ُ‬
‫وقال تعالى‪ِ} :‬إّنا َلَنن ُ‬
‫ح‬
‫سّب ْ‬
‫ك َو َ‬
‫سَتْغِفْر ِلَذنِب َ‬
‫ق َوا ْ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫عَد ا ِّ‬
‫ن َو ْ‬
‫صِبْر ِإ ّ‬
‫ب َفا ْ‬
‫لْلَبا ِ‬
‫لوِلي ا َْ‬
‫ب ُهًدى َوِذْكَرى ُِ‬
‫ل ْلِكَتا َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫سى اْلُهَدى َوَأْوَرْثَنا َبِني ِإ ْ‬
‫الّداِر َوَلَقْد آَتْيَنا ُمو َ‬
‫ل ِإّنُه ُهَو‬
‫سَتِعْذ ِبا ِّ‬
‫ل ِكْبٌر ّما ُهم ِبَباِلِغيِه َفا ْ‬
‫ن َأَتاُهْم ِإن ِفيُُدوِرِهْم ِإ ّ‬
‫طا ٍ‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبَغْيِر ُ‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِفي آَيا ِ‬
‫جاِدُلو َ‬
‫ن ُي َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫لْبَكاِر ِإ ّ‬
‫ي َوا ِْ‬
‫شّ‬
‫ك ِباْلَع ِ‬
‫حْمِد َرّب َ‬
‫ِب َ‬
‫صيُر{ ]غافر‪51 :‬ـ ‪.[56‬‬
‫سِميُع اْلَب ِ‬
‫ال ّ‬

‫ل تعالى ـ فإن هؤلء النفاة ل‬
‫‪ /‬وسبب ذلك‪ :‬أن لفظ ]الجسم[ و]التشبيه[ فيه إجمال واشتباه ـ كما سنبينه إن شاء ا ّ‬
‫يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو المراد بالجسم في اللغة‪ ،‬فإن الموصوف بالصفات ل يجب أن يكون هو الجسم الذي‬
‫في اللغة‪ ،‬كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلء‪ ،‬وسنأتي بذلك‪ ،‬وإنما يريدون بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء‪،‬‬
‫واعتقدوا أن كل ما تقوم به الصفات فهو مركب من أجزاء‪ ،‬وهذا العتقاد باطل‪ .‬بل الرب موصوف بالصفات‪ ،‬وليس‬
‫ل ـ تعالى ـ فل يلزم‬
‫جسًما مركًبا ل من الجواهر المفردة ول من المادة والصورة‪ ،‬كما يدعون‪ ،‬كما سنبينه إن شاء ا ّ‬
‫من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المحال‪ ،‬بل غلطوا في هذا التلزم‪ .‬وأما ما هو لزم ل ريب فيه‪ ،‬فذاك يجب‬
‫ل ـ تعالى ـ فكان غلطهم باستعمال لفظ مجمل‪ ،‬وإحدى المقدمتين باطلة‪ :‬إما الولى وإما‬
‫إثباته ل يجوز نفيه عن ا ّ‬
‫ل ـ تعالى‪ .‬وهذه قواعد مختصرة جامعة‪ ،‬وهي مبسوطة في مواضع أخرى‪.‬‬
‫الثانية‪ ،‬كما سيأتي إن شاء ا ّ‬
‫فصـــل‬
‫إذا تبين هذا فقول السائل‪ :‬كيف ينزل؟ بمنزلة قوله‪ :‬كيف استوى؟ وقوله‪ :‬كيف يسمع؟ وكيف يبصر؟ وكيف يعلم‬
‫ويقدر؟ وكيف يخلق ويرزق؟ وقد تقدم الجواب عن مثل هذا السؤال من أئمة السلم مثل‪ :‬مالك بن أنس‪ ،‬وشيخه‬
‫سَتَوى{‬
‫شا ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل سأل مالكًا عن قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ فإنه قد روى من غير وجه أن سائ ً‬
‫ضاء ]أي‪ :‬العرق[ ثم قال‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهول‪،‬‬
‫ح َ‬
‫]طه‪ :[5 :‬كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى عله الّر َ‬
‫واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪ ،‬وما أراك إل رجل سوء؛ ثم أمر به فأخرج‪.‬‬
‫ل عنها ـ موقوًفا‬
‫ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك‪ ،‬وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ـ رضي ا ّ‬
‫عا‪ ،‬ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه‪ ،‬وهكذا سائر الئمة‪ ،‬قولهم يوافق قول مالك‪ :‬في أنا ل نعلم كيفية استوائه‬
‫ومرفو ً‬
‫كما ل نعلم كيفية ذاته‪ ،‬ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب‪ ،‬فنعلم معنى الستواء‪ ،‬ول نعلم كيفيته‪ ،‬وكذلك نعلم‬
‫معنى النزول‪ ،‬ول نعلم كيفيته‪ ،‬ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة‪ ،‬ول نعلم كيفية ذلك‪ ،‬ونعلم معنى الرحمة‬
‫والغضب والرضا والفرح والضحك‪ ،‬ول نعلم كيفية ذلك‪.‬‬
‫‪/‬وأما سؤال السائل‪ :‬هل يخلو منه العرش أم ل يخلو منه؟ وإمساك المجيب عن هذا لعدم علمه بما يجيب به فإنه‬
‫إمساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته‪ ،‬وسؤال السائل له عن هذا إن كان نفًيا لما أثبته الرسول صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ل للمسؤول‪ ،‬فهذا فيه تفصيل؛ فإن المثبت الذي لم يثبت إل ما‬
‫فخطأ منه‪ ،‬وإن كان استرشاًدا ‪ ،‬فحسن‪ ،‬وإن كان تجهي ً‬
‫أثبته الرسول صلى ال عليه وسلم ونفي علمه بالكيفية‪ ،‬فقوله سديد ل يرد عليه سؤاله‪ ،‬والمعترض الذي يعترض‬
‫عليه بهذا السؤال‪ ،‬اعتراضه باطل؛ فإن ذلك ل يقدح في جواب المجيب‪.‬‬
‫وقول المسؤول‪ :‬هذا قول مبتدع ورأى مخترع ـ حيدة منه عن الجواب ـ يدل على جهله بالجواب السديد‪ ،‬ولكن ل يدل‬
‫هذا على أن نفي المعترض لما أخبر به الرسول حق‪ ،‬ول على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح‪.‬‬
‫ل فوق العرش‪ ،‬وإما أل يكون مقًرا بذلك‪ .‬فإن لم يكن مقًرا بذلك‪،‬‬
‫ومما يبين ذلك‪ :‬أن هذا المعترض إما أن يقر بأن ا ّ‬
‫ل؛ لن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش‪ ،‬وإن قال‬
‫كان قوله‪ :‬هل يخلو العرش منه أم ل يخلو؟ كلًما باط ً‬
‫المعترض‪ :‬أنا ذكرت هذا التقسيم لنفي نزوله وأنفي العلو؛ لنه إن قال‪ :‬يخلو منه العرش‪ ،‬لزم أن يخلو من استوائه‬
‫على العرش وعلوه عليه‪ ،‬وأل يكون وقت النزول هو العلي العلى‪ ،‬بل يكون في جوف العالم والعالم محيط به‪ .‬وإن‬
‫قال‪ :‬إن العرش ل يخلو منه‪ ،‬قيل له‪ :‬فإذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل‪ ،‬فإن نزوله بدون خلو العرش منه ل‬
‫يعقل‪ .‬فيقال لهذا المعترض ‪ :/‬هذا العتراض باطل ل ينفعك؛ لن الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ موجود بالضرورة‬

‫ل للعالم محايًثا‪ ،‬وإما أن يكون ل‬
‫والشرع والعقل والتفاق‪ ،‬فهو إما أن يكون مبايًنا للعالم فوقه‪ ،‬وإما أن يكون مداخ ً‬
‫هذا ول هذا‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬إنه محايث للعالم بطل قولك‪ ،‬فإنك إذا جوزت نزوله وهو بذاته في كل مكان‪ ،‬لم يمتنع عندك خلو ما فوق‬
‫العرش منه‪ ،‬بل هو دائًما خال منه‪.‬لنه هناك ليس عندك شيء‪ ،‬ثم يقال لك‪ :‬وهل يعقل مع هذا أن يكون في كل مكان‬
‫وأنه مع هذا ينزل إلى السماء الدنيا؟ فإن قلت‪:‬نعم‪ ،‬قيل لك‪ :‬فإذا نزل‪ ،‬هل يخلو منه بعض المكنة أو ل يخلو؟ فإن‬
‫قلت‪ :‬يخلو منه بعض المكنة‪ ،‬كان هذا نظير خلو العرش منه‪ .‬فإن قلت‪ :‬ل يخلو منه مكان‪ ،‬كان هذا نظير كون‬
‫العرش ل يخلو منه‪ .‬فإن جوزت هذا‪ ،‬كان لخصمك أن يجوز هذا‪.‬‬
‫فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك‪ ،‬بل قولك أبعد عن المعقول؛ لن نزول من هو فوق العالم أقرب إلى المعقول‬
‫من نزول من هو حال في جميع العالم‪ ،‬فإن نزول هذا ل يعقل بحال‪ ،‬وما فررت منه من الحلول وقعت في نظيره‪ ،‬بل‬
‫ل منك‪ ،‬ويقال له‪:‬‬
‫منازعك الذي يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم وينزل إلى العالم أشد تعظيًما ّ‬
‫هل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما أحدهما محايث للخر؟ فإن قال‪:‬ل‪ ،‬بطل قوله‪ .‬وإن قال‪ :‬نعم‪ ،‬قيل له‪ :‬فليعقل أنه‬
‫فوق العرش وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ول يخلو منه العرش‪ ،‬فإن هذا أقرب إلى العقل مما إذا قلت‪:‬إنه حال في‬
‫العالم‪.‬‬
‫‪/‬وإن قلت‪ :‬إنه ل مباين للعالم ول مداخل له‪ .‬قيل لك‪ :‬فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مبايًنا للخر‬
‫ول محايًثا له؟ فإن جمهور العقلء يقولون‪ :‬إن فساد هذا معلوم بالضرورة‪ ،‬فإذا قال‪ :‬نعم يعقل ذلك‪ ،‬فيقال له‪ :‬فإن‬
‫جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مبايًنا للعالم ول محايًثا له‪ ،‬فوجود مباين للعالم ينزل إلى العالم ول يخلو منه ما‬
‫فوق العالم أقرب إلى المعقول؛ فإنك إن كنت ل تثبت من الوجود إل ما تعقل له حقيقة في الخارج‪ ،‬فأنت ل تعقل في‬
‫ل في الخر ول محايًثا له‪ ،‬وإن كنت تثبت ما ل تعقل حقيقته في‬
‫الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما داخ ً‬
‫الخارج‪ ،‬فوجود موجودين أحدهما مباين للخر أقرب إلى المعقول‪ ،‬ونزول هذا من غير خلو ما فوق العرش منه‬
‫أقرب إلى المعقول من كونه ل فوق العالم ول داخل العالم‪ ،‬فإن حكمت بالقياس‪ ،‬فالقياس عليك ل لك‪ ،‬وإن لم تحكم‬
‫به‪ ،‬لم يصح استدللك على منازعك به‪.‬‬
‫حْيَدة عن الجواب‪ ،‬فيقال له‪ :‬الجواب على وجهين‪ :‬جواب معترض ناف‬
‫وأما قول السائل‪ :‬ليس هذا جوابي بل هو َ‬
‫لنزوله وعلوه‪ ،‬وجواب مثبت لنزوله وعلوه‪ ،‬وأنت لم تسأل سؤال مستفت‪ ،‬بل سألت سؤال معترض ناف‪ .‬وقد تبين‬
‫لك أن هذا العتراض ساقط ل ينفعك‪ ،‬فإنه سواء قيل‪ :‬إنه يخلو منه العرش أو قيل‪:‬ل يخلو منه العرش‪ ،‬ليس في ذلك‬
‫ما يصحح قولك‪ :‬إنه ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬ول قولك إنه بذاته في كل مكان‪ .‬وإذا ‪ /‬بطل هذان القولن تعين‬
‫الثالث‪ ،‬وهو‪ :‬أنه ـ سبحانه وتعالى ـ فوق سمواته على عرشه‪ ،‬بائن من خلقه‪ ،‬وإذا كان كذلك‪ ،‬بطل قول المعترض‪.‬‬
‫هذا إن كان المعترض غير مقر بأنه فوق العرش‪ ،‬وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو عن النزول‪ ،‬فقال‪ :‬ينزل أمره‪ .‬فقال‬
‫له السائل‪ :‬فممن ينزل؟ ما عندك فوق العالم شيء فممن ينزل المر؟ من العدم المحض !! فبهت‪.‬‬
‫ل فوق العرش‪ ،‬لكن ل يقر بنزوله‪ ،‬بل يقول بنزول ملك أو يقول‬
‫وإن كان المعترض من المثبتة للعلو‪ ،‬ويقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل في السماء‪ ،‬كما‬
‫ل محدًثا يحدثه ا ّ‬
‫بنزول أمره الذي هو مأمور به‪ ،‬وهو مخلوق من مخلوقاته؛ فيجعل النزول مفعو ً‬
‫يقال مثل ذلك في استوائه على العرش‪ ،‬فيقال له‪ :‬هذا التقسيم يلزمك فإنك إن قلت‪ :‬إذا نزل يخلو منه العرش‪ ،‬لزم‬
‫المحذور الول‪ ،‬وإن قلت‪ :‬ل يخلو منه العرش‪ ،‬أثبت نزولً مع عدم خلو العرش منه‪ ،‬وهذا ل يعقل على أصلك‪.‬‬
‫وإن قال‪ :‬إنما أثبت ذلك في بعض مخلوقاته‪ ،‬قيل له‪ :‬أي شيء أثبته مع عدم فعل اختياري يقوم بنفسه كان غير معقول‬
‫ل ‪ ،‬مع تحريف الكلم عن مواضعه‪ ،‬فجمعت بين شيئين‪ :‬بين أن ما أثبته ل‬
‫من هذا الخطاب؛ ل يمكن أن يراد به أص ً‬
‫يمكن أن يعقل من خطاب الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبين أنك حرفت كلم الرسول صلى ال عليه وسلم‪ .‬فإن‬
‫قلت‪ :‬الذي ينزل ملك‪ .‬قيل‪ :‬هذا باطل من وجوه‪:‬‬
‫عَلى َمن‬
‫ن َأْمِرِه َ‬
‫ح ِم ْ‬
‫ل اْلَملِئَكَة ِباْلّرو ِ‬
‫‪/‬منها‪ :‬أن الملئكة ل تزال تنزل بالليل والنهار إلى الرض‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ} :‬يَنّز ُ‬
‫ك{ ]مريم‪.[64:‬‬
‫ل ِبَأْمِر َرّب َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫عَباِدِه{ ]النحل‪ ،[2 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَما َنَتَنّز ُ‬
‫شاء ِمنْ ِ‬
‫َي َ‬

‫ل عنهما ـ عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬يتعاقبون‬
‫وفي الصحيحين‪ :‬عن أبي هريرة وأبي سعيد ـ رضي ا ّ‬
‫فيكم ملئكة بالليل وملئكة بالنهار‪ ،‬ويجتمعون في صلة الفجر وصلة العصر‪ ،‬ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم‪،‬‬
‫صّلون‪ ،‬وتركناهم وهم يصلون(‪.‬‬
‫فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم‪ :‬كيف تركتم عبادي؟ فيقولون‪ :‬أتيناهم وهم ُي َ‬
‫ضل‬
‫ل ملئكة سياحين ُف ْ‬
‫وكذلك ثبت في الصحيح‪ :‬عن أبي هريرة‪،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ ينادون‪َ :‬هُلّموا إلى حاجتكم َفيحّفونهم بأجنحتهم إلى‬
‫ً‪َ،‬يَتَتبعون مجالس الّذكر‪.‬فإذا َمّروا على قوم يذكرون ا ّ‬
‫السماء الدنيا(‪ .‬قال‪) :‬فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم بهم ـ‪:‬ما يقول عبادي؟( قال‪) :‬فيقولون‪ :‬يسبحونك ويكبرونك‬
‫ويحمدونك ويمجدونك(‪.‬‬
‫سا فيه ذكر‪،‬‬
‫ل عن كتاب الناس‪ ،‬يتبعون مجالس الذكر‪ ،‬فإذا وجدوا مجل ً‬
‫ل ملئكة سيارة‪ ،‬فض ً‬
‫وفي رواية لمسلم‪) :‬إن ّ‬
‫ضا حتى يملؤوا ما بينهم وبين سماء الدنيا‪ ،‬فإذا تفرقوا‪ ،‬عرجوا أو صعدوا إلى السماء(‪.‬‬
‫قعدوا معهم‪ ،‬وحف بعضهم بع ً‬
‫ل عز وجل ـ وهو أعلم بهم ـ‪ :‬من أين جئتم؟ فيقولون‪ :‬جئنا ‪/‬من عند عبادك في الرض‪ ،‬يسبحونك‬
‫قال‪) :‬فيسألهم ا ّ‬
‫ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك‪ ،‬ويسألونك(‪.‬الحديث بطوله‪.‬‬
‫الوجه الثاني أنه قال فيه‪) :‬من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفرله؟(‪ .‬وهذه العبارة ل‬
‫ل‪ ،‬بل الذي يقول الملك‪ :‬ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إذا‬
‫يجوز أن يقولها ملك عن ا ّ‬
‫ل يحب فلًنا فأحبوه‪ ،‬فيحبه‬
‫ل العبد نادى جبريل أني أحب فلًنا فأحبه‪ ،‬فيحبه جبريل‪ ،‬ثم ينادي في السماء أن ا ّ‬
‫أحب ا ّ‬
‫أهل السماء‪ ،‬ثم يوضع له القبول في الرض(‪ ،‬وذكر في البغض مثل ذلك‪.‬‬
‫ل أمر بكذا أوقال كذا‪ .‬وهكذا إذا أمر السلطان منادًيا‬
‫ل ل يتكلم بصيغة المخاطب‪ ،‬بل يقول‪:‬إن ا ّ‬
‫فالملك إذا نادى عن ا ّ‬
‫ينادي فإنه يقول‪ :‬يامعشر الناس‪ ،‬أمر السلطان بكذا‪ ،‬ونهى عن كذا‪ ،‬ورسم بكذا‪ ،‬ل يقول‪ :‬أمرت بكذا‪ ،‬ونهيت عن‬
‫كذا‪ ،‬بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته‪.‬‬
‫ل لموسى ـ عليه السلم ـ بأنه أمر ملًكا فكلمه‪ ،‬فقال لهم‬
‫وهذا تأويل من التأويلت القديمة للجهمية‪ ،‬فإنهم تأولوا تكليم ا ّ‬
‫لةَ ِلِذْكِري{ ]طه‪ ،[14:‬بل كان يقول كما قال‬
‫صَ‬
‫عُبْدِني َوَأِقِم ال ّ‬
‫ل َأَنا َفا ْ‬
‫ل ِإَلَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫أهل السنة‪ :‬لو كلمه ملك لم يقل‪ِ} :‬إّنِني َأَنا ا ُّ‬
‫ل َرّبي َوَرّبُكْم{ ]المائدة‪.[117 :‬‬
‫عُبُدوْا ا ّ‬
‫نا ْ‬
‫ل َما َأَمْرَتِني ِبِه َأ ِ‬
‫ت َلُهْم ِإ ّ‬
‫المسيح ـ عليه السلم‪َ} :‬ما ُقْل ُ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ل إلى النبياء تقول كما كان جبريل ـ عليه السلم ـ يقول‪/‬لمحمد صلى ال عليه وسلم‪َ} :‬وَما َنَتَنّز ُ‬
‫فالملئكة رسل ا ّ‬
‫ك{ ]مريم‪ [64:‬ويقول‪:‬إن الّ يأمرك بكذا ويقول كذا‪ ،‬ل يمكن أن يقول ملك‬
‫ن َذِل َ‬
‫خْلَفَنا َوَما َبْي َ‬
‫ن َأْيِديَنا َوَما َ‬
‫ك َلُه َما َبْي َ‬
‫ِبَأْمِر َرّب َ‬
‫ل َل ِإَلَه ِإّل َأَنا َفاْعُبْدِني{ ]طه‪ ،[14:‬ول يقول‪) :‬من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟‬
‫من الملئكة‪ِ} :‬إّنِني َأَنا ا ُّ‬

‫من يستغفرني فأغفر له؟(‪ ،‬ول يقول‪:‬ل يسأل عن عبادي غيري‪ ،‬كما رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما‪ ،‬وسندهما‬
‫صحيح أنه يقول‪) :‬ل أسأل عن عبادي غيري(‪.‬‬
‫ضا ـ مما يبطل حجة بعض الناس‪ ،‬فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث أنه يأمر منادًيا‬
‫وهذا ـ أي ً‬
‫فينادي‪ ،‬فإن هذا إن كان ثابًتا عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإن الرب يقول ذلك‪ ،‬ويأمر منادًيا بذلك‪ ،‬ل أن المنادي‬
‫يقول‪) :‬من يدعوني فأستجيب له؟(‪ ،‬ومن روى عن النبي صلى ال عليه وسلم أن المنادي يقول ذلك‪ ،‬فقد علمنا أنه‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ .‬فإنه ـ مع أنه خلف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته المة خلًفا عن‬
‫يكذب على رسول ا ّ‬
‫سلف ـ فاسد في المعقول‪ ،‬فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين‪ ،‬كما روى بعضهم ]ينزل[ بالضم‪ ،‬وكما قرأ بعضهم‪:‬‬
‫ل ُموَسى َتْكِليًما{ ]النساء‪ ،[164:‬ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى‪.‬‬
‫}َوَكّلَم ا ّ‬
‫ن قائمة بنفسها‪ ،‬وإما أن تكون‬
‫وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك‪ ،‬قيل‪ :‬الرحمة التي تثبتها إما أن تكون عي ً‬
‫صفة قائمة في غيرها‪.‬‬
‫‪/‬فإن كانت عيًنا وقد نزلت إلى السماء الدنيا‪ ،‬ل يمكن أن تقول‪ :‬من يدعوني فأستجيب له؟ كما ل يمكن الملك أن يقول‬
‫ذلك‪.‬‬

‫وإن كانت صفة من الصفات‪ ،‬فهي ل تقوم بنفسها‪ ،‬بل لبد لها من محل‪ .‬ثم ل يمكن الصفة أن تقول هذا الكلم ول‬
‫محلها‪ .‬ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا‪ ،‬فأي منفعة لنا في ذلك؟‬
‫وإن قال‪ :‬بل الرحمة ما ينزله على قلوب قّوام الليل في تلك الساعة‪ ،‬من حلوة المناجاة والعبادة‪ ،‬وطيب الدعاء‬
‫ل واليمان به وذكره وتجليه لقلوب أوليائه‪ ،‬فإن هذا أمر‬
‫والمعرفة‪ ،‬وما يحصل في القلوب من مزيد المعرفة با ّ‬
‫معروف يعرفه قّوام الليل‪ ،‬قيل له‪ :‬حصول هذا في القلوب حق‪ ،‬لكن هذا ينزل إلى الرض إلى قلوب عباده ل ينزل‬
‫إلى السماء الدنيا‪ ،‬ول يصعد بعد نزوله‪ ،‬وهذا الذي يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر‪ ،‬لكن هذا النور والبركة‬
‫والرحمة التي في القلوب‪ ،‬هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫عَرَفة في عدة أحاديث صحيحة‪ ،‬وبعضها في صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي الّ‬
‫شّية َ‬
‫عِ‬
‫كما وصف نفسه بالنزول َ‬
‫ل فيه عبًدا من النار من يوم عرفة‪ ،‬وأنه‬
‫عنها ـ عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬ما من يوم أكثر من أن يعتق ا ّ‬
‫ل عنه ـ قال‪ :‬قال‬
‫ل ـ رضي ا ّ‬
‫ـ عز وجل ـ ليدنو ثم يباهي بهم الملئكة فيقول‪ :‬ما أراد هؤلء؟(‪ ,‬وعن جابر بن عبد ا ّ‬
‫ل ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملئكة فيقول‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪) :‬إذا كان يوم عرفة أن ا ّ‬
‫رسول ا ّ‬
‫شْعث‪ :‬هو اغبرار الرأس‪ ,‬والَغَبُر‪ :‬هو التراب‪،‬‬
‫ج عميق( ]وال ّ‬
‫غْبًرا ‪ /‬ضاحين من كل َف ّ‬
‫شْعًثا ُ‬
‫انظروا إلى عبادي أتونى ُ‬
‫ل ينزل إلى السماء‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن ا ّ‬
‫ل عنها ـ قالت‪ :‬قال رسول ا ّ‬
‫والُغْبرة‪ :‬لونه[‪ .‬وعن أم سلمة ـ رضي ا ّ‬
‫غْبًرا( فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى‬
‫شْعًثا ُ‬
‫الدنيا يباهي بأهل عرفة الملئكة ويقول‪ :‬انظروا إلى عبادي‪ ،‬أتونى ُ‬
‫السماء الدنيا‪ ،‬ويباهي الملئكة بالحجيج فيقول‪) :‬انظروا إلى عبادي أتوني شعًثا غبًرا ما أراد هؤلء؟( فإنه من‬
‫المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من اليمان والرحمة والنور والبركة ما ل يمكن التعبير عنه‪ ،‬لكن‬
‫ليس هذا الذى في قلوبهم هو الذى يدنو إلى السماء الدنيا‪ ،‬ويباهي الملئكة بالحجيج‪.‬‬
‫ل بل فاعل‪ ،‬وهذا معروف من‬
‫والجهمية ونحوهم من المعطلة‪ ،‬إنما يثبتون مخلوًقا بل خالق‪ ،‬وأثًرا بل مؤثر‪ ،‬ومفعو ً‬
‫أصولهم‪ ،‬وهذا من فروع أقوال الجهمية‪.‬‬
‫سَتَوى‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫خَل َ‬
‫ضا‪ ,‬فيقال له‪ :‬وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه }ُهَو اّلِذي َ‬
‫وأي ً‬
‫ش{ ]الحديد‪ [4:‬وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان‪ ،‬وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫َ‬
‫ل َأن َتْأِتيُهُم‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ,[22:‬وقال‪َ} :‬ه ْ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫الشجرة‪ ,‬وبالمجيء والتيان في قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ك{ ]النعام‪.[158 :‬‬
‫ت َرّب َ‬
‫ض آَيا ِ‬
‫ي َبْع ُ‬
‫ك َأْو َيْأِت َ‬
‫ي َرّب َ‬
‫اْلَملِئَكةُ َأْو َيْأِت َ‬

‫والحاديث المتواترة عن النبي صلى ال عليه وسلم في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة‪ ,‬وكذلك إتيانه لهل الجنة يوم‬
‫الجمعة‪ ،‬وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث‪ ،‬فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث‪ ,‬كما احتج به‬
‫ل بن طاهرـ أمير خراسان‪.‬‬
‫إسحاق ‪/‬بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة المير عبد ا ّ‬
‫ل بن طاهر ذات يوم‪ ,‬وحضر إسحاق بن راهويه‪ ،‬فسئل‬
‫ل الّرَباطي‪ :‬حضرت يوًما مجلس المير عبد ا ّ‬
‫قال أبو عبد ا ّ‬
‫ل ينزل كل ليلة؟‬
‫ل‪ :‬يا أبا يعقوب‪ ,‬أتزعم أن ا ّ‬
‫عن حديث النزول‪ :‬أصحيح هو؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬فقال له بعض قواد عبد ا ّ‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬كيف ينزل؟ قال‪ :‬أثبته فوق‪ ,‬حتى أصف لك النزول‪ ,‬فقال له الرجل‪ :‬أثبته فوق‪ ,‬فقال له إسحاق‪ :‬قال‬
‫ل بن طاهر‪ :‬يا أبا يعقوب‪ ،‬هذا يوم القيامة !‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ [22:‬فقال المير عبد ا ّ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ا ّ‬
‫ل المير‪ ,‬ومن يجيء يوم القيامة‪ ,‬من يمنعه اليوم؟!‪.‬‬
‫فقال إسحاق‪ :‬أعز ا ّ‬
‫ثم بعد هذا‪ ،‬إذا نزل‪ :‬هل يخلو منه العرش أو ل يخلو؟ هذه مسألة أخرى تكلم فيها أهل الثبات‪.‬‬
‫سّدد‪ ،‬وعن إسحاق بن‬
‫فمنهم من قال‪ :‬ل يخلو منه العرش‪ ,‬ونقل ذلك عن المام أحمد بن حنبل في رسالته إلى ُم َ‬
‫راهويه‪ ،‬وحماد بن زيد‪ ،‬وعثمان بن سعيد الدارمي‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫ومنهم من أنكر ذلك‪ ،‬وطعن في هذه الرسالة‪ ,‬وقال‪ :‬راويها عن أحمد بن حنبل مجهول ل يعرف‪.‬‬
‫والقول الول معروف عند الئمة‪ ,‬كحماد بن زيد‪،‬وإسحاق بن راهويه ‪ /‬وغيرهما‪ ،‬قال الخلل في ]كتاب السنة[‪:‬‬
‫سّري حماد بن‬
‫حدثنا جعفر بن محمد الفريابي‪ ،‬ثنا أحمد بن محمد المقدمي‪ ،‬ثنا سليمان بن حرب‪ ،‬قال‪ :‬سأل بشر بن ال ّ‬

‫زيد فقال‪ :‬يا أبا إسماعيل‪ ،‬الحديث الذي جاء‪) :‬ينزل ربنا إلى سماء الدنيا( يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن‬
‫زيد‪ ,‬ثم قال‪ :‬هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء‪ .‬ورواه ابن بطة في كتاب ]البانة[ فقال‪ :‬حدثني أبو القاسم حفص‬
‫بن عمر الردبيلي‪ ،‬حدثنا أبو حاتم الرازي‪ ,‬حدثنا سليمان بن حرب‪ ،‬قال‪ :‬سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال‪ :‬يا‬
‫ل إلى سماء الدنيا( أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد‪ ,‬ثم قال‪:‬‬
‫أبا إسماعيل‪ ،‬الحديث الذي جاء )ينزل ا ّ‬
‫هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء‪ ,‬وقال ابن بطة‪ :‬وحدثنا أبو بكر النجاد‪ ،‬ثنا أحمد بن على البار ]هو أبو‬
‫العباس أحمد بن علي بن مسلم البار‪ ,‬الحافظ المتقن‪ ،‬من علماء الثر ببغداد‪ ,‬وكان من أزهد الناس‪ ،‬وتوفي سنة‬
‫شَرم ]هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ السكافي الثرم‪ ،‬أحد العلم ومصنف السنن‪ ،‬له‬
‫خْ‬
‫‪092‬هـ[‪ ،‬ثنا على بن َ‬
‫مصنفات في علل الحديث‪ ،‬و ثقه ابن حبان‪ ،‬وتكلم فيه غيره‪ ،‬مات سنة ‪273‬هـ وقيل غير ذلك[‪ ،.‬قال‪ :‬قال إسحاق بن‬
‫ل المير؟ قال‪:‬‬
‫ل بن طاهر‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذه الحاديث التي تروونها؟ قلت‪ :‬أي شيء‪ ،‬أصلح ا ّ‬
‫راهويه‪ :‬دخلت على عبد ا ّ‬
‫ل ينزل إلى السماء الدنيا؟! قلت‪ :‬نعم‪ ,‬رواها الثقات الذين يروون الحكام‪ .‬قال‪ :‬أينزل ويدع عرشه؟ قال‪:‬‬
‫تروون أن ا ّ‬
‫فقلت‪ :‬يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه‪ .‬قال‪ :‬نعم‪ .‬قلت‪ :‬ولم تتكلم في هذا؟!‬
‫ضا ـ بإسناد منقطع‪ ,‬واللفظ مخالف لهذا‪ .‬وهذا السناد أصح‪ ،‬وهذه والتي قبلها حكايتان‬
‫وقد رواها الللكائي ـ أي ً‬
‫صحيحتان رواتهما أئمة ثقات‪ .‬فحماد بن زيد يقول‪ :‬هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء‪ ,‬فأثبت قربه إلى خلقه مع‪/‬‬
‫ل فوق العرش‪،‬‬
‫ل بن طاهر ـ وهو من خيار من ولي المر بخراسان ـ كان يعرف أن ا ّ‬
‫كونه فوق عرشه‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫وأشكل عليه أنه ينزل‪ ،‬لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش‪ ،‬فأقره المام إسحاق على أنه فوق العرش‪ ،‬وقال‬
‫له‪ :‬يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له المير‪ :‬نعم‪ ,‬فقال له إسحاق‪ :‬لم تتكلم في هذا؟ يقول‪ :‬فإذا كان‬
‫قادًرا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه‪ ،‬فل يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش‪,‬‬
‫وكان هذا أهون من اعتراض من يقول‪ :‬ليس فوق العرش شيء‪ ،‬فينكر هذا وهذا‪.‬‬
‫ونظيره ما رواه أبو بكر الثرم في ]السنة[ قال‪ :‬حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني الُعَبادي ـ قال‪ :‬حدثني الليث بن‬
‫يحيى‪ ,‬قال‪ :‬سمعت إبراهيم بن الشعث يقول‪ :‬سمعت الفضيل بن عياض يقول‪ :‬إذا قال الجهمي‪ :‬أنا أكفر برب يزول‬
‫ل ـ مخالفة الجهمي الذي يقول‪ :‬إنه ل‬
‫عن مكانه‪ ،‬فقل‪ :‬أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء‪ .‬أراد الفضيل بن عياض ـ رحمه ا ّ‬
‫تقوم به الفعال الختيارية فل يتصور منه إتيان‪ ،‬ول مجيء‪ ،‬ول نزول‪ ،‬ول استواء‪ ،‬ول غير ذلك من الفعال‬
‫الختيارية القائمة به‪ .‬فقال الفضيل‪ :‬إذا قال لك الجهمي‪ :‬أنا أكفر بربيزول عن مكانه‪ ،‬فقل‪ :‬أنا أومن برب يفعل ما‬
‫شاء‪ .‬فأمره أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من الفعال القائمة بذاته التي يشاؤها‪ ,‬لم يرد من المفعولت المنفصلة‬
‫عنه‪.‬‬
‫ل ما يشاء‪ .‬قال الللكائي‪:‬‬
‫ومثل ذلك ما يروى عن الوزاعي وغيره من السلف‪ ،‬أنهم قالوا في حديث النزول‪ :‬يفعل ا ّ‬
‫حدثنا المسير بن عثمان‪ ,‬حدثنا ‪/‬أحمد بن الحسين‪ ،‬ثنا أحمد بن على الّبار‪ ،‬قال‪ :‬سمعت يحيى بن َمِعين يقول‪ :‬إذا‬
‫سمعت الجهمي يقول‪ :‬أنا أكفر برب ينزل‪ ,‬فقل‪:‬أنا أومن برب يفعل ما يريد‪ ،‬فإن بعض من يعظمهم وينفي قيام‬
‫عِقيل‪ ,‬والقاضي عياض‪ ,‬وغيرهم ـ يحمل كلمهم على‬
‫الفعال الختيارية به ـ كالقاضي أبي بكر‪ ,‬ومن اتبعه‪ ،‬وابن َ‬
‫ل‪ .‬وهذا أوجبه‬
‫ل عنه من دون أن يقوم به هو فعل أص ً‬
‫أن مرادهم بقولهم‪] :‬يفعل ما يشاء[ أن يحدث شيًئا منفص ً‬
‫أصلن لهم‪:‬‬
‫خَل َ‬
‫ق‬
‫أحدهما‪ :‬أن الفعل عندهم هو المفعول‪ ,‬والخلق هو المخلوق‪ ,‬فهم يفسرون أفعاله المتعدية‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫ض{ ]العراف‪ [54:‬وأمثاله‪ :‬أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته‪ ،‬بل حاله قبل أن‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ال ّ‬

‫يخلق وبعد ما خلق سواء‪ ،‬لم يتجدد عندهم إل إضافة ونسبة وهي أمر عدمي‪ ,‬ل وجودي‪ ,‬كما يقولون مثل ذلك في‬
‫كونه يسمع أصوات العباد‪ ،‬ويرى أعمالهم وفي كونه كلم موسى وغيره‪ ،‬وكونه أنزل القرآن‪ ،‬أو نسخ منه ما نسخ‪،‬‬
‫وغير ذلك؛ فإنه لم يتجدد عندهم إل مجرد نسبة وإضافة بين الخالق والمخلوق‪ ,‬وهي أمر عدمي‪ ,‬ل وجودي‪.‬‬
‫وهكذا يقولون في استوائه على العرش إذا قالوا‪ :‬إنه فوق العرش‪ ،‬وهذا قول ابن عقيل وغيره‪ ،‬وهو أول قولي‬
‫القاضي أبي يعلى‪ .‬ويسمى ابن عقيل هذه النسبة‪ :‬الحوال‪ ،‬ولعله يشبهها بالحوال التي يثبتها من يثبتها من النظار‪/،‬‬
‫ويقولون‪ :‬هي ل موجودة ول معدومة‪ ،‬كما يقول ذلك أبو هاشم‪ ,‬والقاضيان‪ :‬أبو بكر‪ ،‬وأبو يعلى‪ ,‬وأبو المعالي‬
‫الجويني في أول قوليه‪.‬‬

‫ل قائًما بذاته‪ ،‬وخلًقا غير المخلوق ـ ويسمى التكوين ـ‬
‫وأكثر الناس خالفوهم في هذا الصل‪ ,‬وأثبتوا له ـ تعالى ـ فع ً‬
‫ضَبِعي وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خَُزّيمة في‬
‫وهو الذي يقول به قدماء الُكلبية‪ ,‬كما ذكره الثقفي وال ّ‬
‫العقيدة؛ التي كتبوها وقرؤوها على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة؛ لما وقع بينهم النزاع في ]مسألة القرآن[‪.‬‬
‫وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية‪ ،‬وهو الذي ذكره البغوي في‬
‫]شرح السنة[ عن أهل السنة‪ ،‬وذكره البخاري إجماع العلماء‪ ،‬كما بسط ذلك في مواضع أخر‪.‬‬
‫والصل الثاني‪ :‬نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته‪ ،‬ويسمون ذلك‪] :‬حلول الحوادث[ فلما كانوا نفاة لهذا‪,‬‬
‫امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختياري‪ ,‬يحصل بقدرته ومشيئته‪ ,‬ل لزم ول متعد‪ ،‬ل نزول ول مجيء‪ ,‬ول استواء‬
‫ول إتيان‪ ،‬ول خلق‪ ،‬ول إحياء‪ ,‬ول إماتة‪ ،‬ول غير ذلك‪ .‬فلهذا فسروا قول السلف بالنزول بأنه يفعل ما يشاء‪ ,‬على أن‬
‫مرادهم حصول مخلوق منفصل‪ ،‬لكن كلم السلف صريح في أنهم لم يريدوا ذلك‪ ,‬وإنما أرادوا الفعل الختياري الذي‬
‫يقوم به‪.‬‬
‫ل ـ لم يرد أنه يخلو منه العرش‪ ,‬بل أراد مخالفة الجهمية؛ فإن قوله‪] :‬يفعل ما يشاء[ ل‬
‫‪/‬والفضيل بن عياض ـ رحمه ا ّ‬
‫يتضمن أنه لبد أن يكون تحت العرش بل كلمه من جنس كلم أمثاله من السلف‪ ،‬كالوزاعي‪ ,‬وحماد بن زيد‪,‬‬
‫سّدد‪ ,‬وقال‪ :‬راويها عن أحمد مجهول‪ ،‬ل يعرف في‬
‫وغيرهما‪ .‬ومنهم من أنكر ما روى عن أحمد في رسالته إلى ُم َ‬
‫ي‪.‬‬
‫عّ‬
‫أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد الَبْرَد ِ‬
‫وأهل الحديث في هذا على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫منهم من ينكر أن يقال‪ :‬يخلو أو ل يخلو‪ ,‬كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره‪.‬‬
‫ل بن محمد بن منده مصنًفا في‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬بل يخلو منه العرش‪ ،‬وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد ا ّ‬
‫ل في كل مكان‪ ،‬وعلى من زعم أن ا ّ‬
‫ل‬
‫النكار على من قال‪ :‬ل يخلو منه العرش‪ ,‬وسماه‪] :‬الرد على من زعم أن ا ّ‬
‫ليس له مكان‪ ،‬وعلى من تأول النزول على غير النزول[‪.‬‬
‫وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في ]أقوال أهل السنة[؛ عن أبي الحسن محمد بن على‬
‫عي‬
‫المروزي‪ ,‬عن محمد بن إبراهيم الدينوري‪ ،‬عن على بن أحمد بن محمد بن موسى‪ ،‬عن أحمد بن محمد الَبْرَد ِ‬
‫سّدد بن مسرهد أمر السنة‪ ،‬وما وقع فيه الناس من ]القدر[‪/‬و]الرفض[ و]العتزال[‬
‫التميمي‪ ،‬قال‪ :‬لما أشكل على ُم َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم فكتب إليه‪:‬‬
‫ى سنة رسول ا ّ‬
‫و]الرجاء[‪ ,‬و]خلق القرآن[ كتب إلى أحمد بن حنبل‪ :‬أن أكتب إل ّ‬
‫ل الرحمن الرحيم‬
‫بسم ا ّ‬
‫ل إلى السماء الدنيا ول يخلو منه العرش‪ ،‬وعن حديث روي عن إسحاق بن راهويه في‬
‫أما بعد‪ ,‬ثم ذكر فيها‪ :‬وينزل ا ّ‬
‫هذا المعنى‪.‬‬
‫وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما‪ ،‬وحكمه عند أهل الثر حكم حديث منكر‪،‬‬
‫ي مجهول‪ ،‬ل يعرف في أصحاب أحمدمن اسمه ]أحمد بن محمد[‪ ,‬فيمن روى عن أحمد‬
‫عّ‬
‫وقال‪ :‬أحمد بن محمد الَبْرَد ِ‬
‫بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ‪ ،‬وأبي بكر الثرم‪ ،‬وأحمد بن محمد بن الحجاج ]هو أحمد بن محمد بن‬
‫الحجاج‪ ،‬عالم بالفقه والحديث‪ ،‬وكان أجل أصحاب المام أحمد‪ ,‬وروى عنه مسائل كثيرة‪ ،‬ووصف بأنه كثير‬
‫حال صادق‪ ،‬من الثقات ببلخ‪ ،‬طوف وسمع‬
‫التصانيف‪ ،‬توفي سنة ‪275‬هـ[‪ ،‬وأبي بكر المروزي ]هو إمام محدث‪ ،‬ور ّ‬
‫الكثير‪ ،‬وخرج لنفسه معجًما‪ ،‬توفي سنة ‪376‬هـ[‪ ،‬وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي‪ ،‬وأحمد بن محمد‬
‫الصائغ‪ ,‬وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلم خليل‪ ،‬وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق‪.‬‬
‫وزاد ابن الجوزي‪ :‬أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي‪ ،‬وأحمد بن خالد أبا العباس البراني‪ ،‬وأحمد بن محمد بن‬
‫ل ابن صالح السدي‪ ,‬وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي‪ ،‬وأحمد بن‬
‫ل بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد ا ّ‬
‫عبد ا ّ‬
‫محمد بن يحيى الكحال‪ ,‬وأحمد بن محمد بن البخاري‪ ،‬وأحمد بن محمد بن بطة‪ /،‬وذكر أحمد ابن الحسن أبا الحسن‬
‫الترمذي‪ ,‬وأحمد بن سعيد وقيل‪ :‬أبو الشعبة الترمذي‪.‬‬

‫ضا‪ .‬قال‪ :‬وهذا الحديث‬
‫سّدد أي ً‬
‫وذكر في المحمدين‪ :‬محمد بن إسماعيل الترمذي‪ ,‬قال‪ :‬ولم يعد هذا فيمن روى عن ُم َ‬
‫رواه عن النبي صلى ال عليه وسلم جماعة من الصحابة على لفظ واحد منهم‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬وعلي بن أبي‬
‫ل بن عمر‪ ،‬وعثمان بن أبي العاص‪ ,‬ومعاذ بن جبل‪ ،‬وأبو‬
‫ل بن عباس‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫ل بن مسعود‪ ,‬وعبد ا ّ‬
‫طالب‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫سة‪ ،‬و أبو‬
‫عْب َ‬
‫ي‪ ،‬وعبادة بن الصامت‪ ،‬وعمر بن َ‬
‫عَرابة الجَهِن ّ‬
‫شِني‪ ،‬ورفاعة بن َ‬
‫خَ‬
‫عْقَبة بن عامر‪ ،‬وأبو ثعلبة ال ُ‬
‫أمامة‪ ،‬و ُ‬
‫طَعم‪ ،‬وأنس بن مالك‪ ،‬وعائشة‪ ,‬وأم‬
‫جبَْير بن ُم ْ‬
‫ل‪ ،‬و ُ‬
‫هريرة‪ ،‬وأبو الدرداء‪ ،‬وأبو موسى الشعري‪ ،‬وجابر بن عبد ا ّ‬
‫ل عنهم أجمعين ـ ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ‪ ,‬ول من رواه من الصحابة والتابعين والئمة‬
‫سلمة‪ ،‬وغيرهم ـ رضي ا ّ‬
‫بعدهم‪.‬‬
‫ثم ساق الحاديث بألفاظها‪ ،‬وذكر أن أحًدا منهم لم يقل هذا اللفظ‪ .‬قال‪ :‬وهو لفظ موافق لرأى من زعم أنه ل يخلو منه‬
‫مكان‪ ،‬ورأى من زعم أنه ليس له مكان‪.‬‬
‫قال‪ :‬وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال‪ :‬ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة‪ ,‬ولقوله‪ :‬فل‬
‫يزال كذلك إلى الفجر‪.‬‬
‫ضا أنه ل يخلو منه العرش أو يخلو منه‬
‫قلت‪ :‬القائلون بذلك لم يقولوا‪ :‬إن هذا اللفظ في الحديث‪ ,‬وليس في‪ /‬الحديث أي ً‬
‫العرش‪ ،‬كما يدعيه المدعون لذلك‪ ،‬فليس في الحديث ل لفظ المثبتين لذلك‪ ،‬ول لفظ النفاة له‪ .‬وهؤلء يقولون‪ :‬إنهم‬
‫ل يقوم به‪ ,‬ويجعل النزول مخلوًقا منفص ً‬
‫ل‬
‫يتأولون النزول على غير النزول‪ ,‬بل قد يكون من هؤلء من ينفي نزو ً‬
‫عنه‪ ،‬وعامة رد ابن منده المستقيم إنما يتناول هؤلء‪ ,‬لكنه زاد زيادات نسب لجلها إلى البدعة؛ ولهذا كانوا يفضلون‬
‫ل عليه‪ ،‬وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي وغيره يتكلمون فيه في ذلك‪ ،‬كما هو معروف‬
‫أباه أبا عبد ا ّ‬
‫عنهم‪.‬‬
‫قال عبد الرحمن‪ :‬قال أبي في الرد على من تأول النزول على غير النزول‪ ،‬واحتج في إبطال الخبار الصحاح‬
‫بأحاديث موضوعة‪ :‬وادعى المدبر أنه يقول بحديث النزول فحرفه على من حضر مجلسه‪ ،‬وأنكر في خطبته ما أنزل‬
‫ل في كتابه من حجته‪ ،‬وما بين الرسول صلى ال عليه وسلم من أنه ينزل بذاته‪ ،‬وتأول النزول على معنى المر‬
‫ا ّ‬
‫ل عن التنقلت‪ ،‬فأبطل جميع ما أخرج في‬
‫والنهي‪ ،‬ل حقيقة النزول‪ ،‬وزعم أن أئمتهم العارفين بالصول ينزهون ا ّ‬
‫هذا الباب إذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث‪ ،‬واعتماده على التأويل الباطل والمعقول الفاسد‪.‬‬
‫يٌء{ ]الشورى‪ ,[11:‬نفي التشبيه من جميع الجهات وكل المعاني‪ ,‬ولكن البائس المسكين لم‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬لْي َ‬
‫يجد الطريق إلى ثلب الئمة إل بهذا الطريق الذي هو‪ /‬به أولى‪ ,‬ثم قصد تعلىل حديث النزول بما ل يعد علة ول‬
‫خلًفا من قول الراوي ]ينزل[ و]يقول إذا مضى نصف الليل[ وقال بعضهم‪] :‬ثلث الليل‪ ،‬ونصف الليل[ قال ابن منده‪:‬‬
‫وليس هذا اختلًفا ولكنه جهل‪ ،‬واحتج معها بحديث محمد بن يزيد بن سنان‪ ،‬عن أبيه‪ ,‬عن زيد بن أبي أنيسة‪ ،‬عن‬
‫طارق‪ ,‬عن سعيد بن جبير‪ ,‬عن ابن عباس‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إنه يأمر منادًيا ينادي كل ليلة(‪.‬‬
‫وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه‪ .‬زعم أن يحيى بن سعيد القطان‪ ،‬وابن مهدي والبخاري ومسلًما‪ ،‬أخرجوا في‬
‫ل‪ ،‬وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص‪ .‬رواه محاضر‬
‫كتبهم مثل هؤلء الضعفاء المتروكين تردًدا منه وجه ً‬
‫ل ينزل كل ليلة[‪.‬‬
‫وغير واحد‪ ,‬قال‪] :‬إن ا ّ‬
‫سة‪ ,‬عن طارق‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن‬
‫ل بن عمر‪ ،‬عن زيد بن أبي أَنْي َ‬
‫وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد ا ّ‬
‫ل ينزل كل ليلة(‪.‬‬
‫عباس قوله‪) :‬إن ا ّ‬
‫وأما حديث الحسن‪ ،‬عن عثمان بن أبي العاص‪ ،‬فقد تقدم الكلم عليه فيما ذكرنا‪ ،‬وليس في هذه الحاديث ول رواتها‬
‫ل معرفته وأرسخ في قلبه تبطيل‬
‫ما يصح‪ ,‬قال‪ :‬ولو سكت عن معرفة الحديث كان أجمل به وأحسن؛ إذ قد سلب ا ّ‬
‫الخبار الصحاح‪ ،‬واعتماد معقوله الفاسد‪.‬‬
‫ل‪ .‬ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد‬
‫‪/‬قلت‪ :‬فهذا نقل عبد الرحمن لكلم أبيه‪ ،‬وأبوه أعلم منه وأفقه وأسد قو ً‬
‫ل بن محمد الوراق‪ ,‬ثنا زكريا بن يحيى الساجي‪ ،‬ثم‬
‫ل بن منده هذا‪ ,‬قال‪:‬حدثنا محمد بن محمد بن الحسن‪ ،‬ثنا عبد ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ي من أصحاب الكلم‬
‫قال عبد الرحمن‪:‬حدثني أحمد بن نصر قال‪ :‬كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلم ّ‬

‫ل ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال‪ :‬عن حماد بن زيد‪ :‬إن‬
‫ل على عرشه ل يزول‪ ،‬ثم تروون أن ا ّ‬
‫فقال له‪ :‬تقولون‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل على عرشه‪ ،‬ولكن يقرب من خلقه كيف شاء‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫قال عبد الرحمن‪ :‬ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب‪ ،‬أرادا بقولهما‪ :‬يقرب من خلقه كيف شاء؛ أرادا أل‬
‫يزول عن مكانه؛ فقد نسبهما إلى خلف ما ورد في الكتاب والسنة‪.‬‬
‫ل بن أحمد بن‬
‫قال‪ :‬وحدثنا عبد الصمد بن محمد المعاصمي ببلخ‪ ،‬أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا عبد ا ّ‬
‫حراش‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الحسن بن زياد‪ ،‬حدثنا إبراهيم بن الشعث قال‪ :‬سمعت الفضيل بن عياض يقول‪:‬إذا قال‬
‫لك الجهمي‪ :‬أنا ل أومن برب يزول عن مكانه‪ ،‬فقل له‪ :‬أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء‪.‬‬
‫ل يفعل ما ذهب إليه الزنادقة‪ ،‬فل يبقى خلف بين‬
‫قال‪ :‬رواه جماعة عن فضيل بن عياض‪ ،‬قال‪ :‬ولم يرد به أحد أن ا ّ‬
‫من يقول‪ :‬أنا أكفر برب ينزل ويصعد وبين من يقول‪ :‬أنا أومن برب ل يخلو منه العرش في إبطال ما نطق به‪/‬‬
‫الكتاب والسنة‪ .‬ثم روى بإسناده عن الفضيل بن عياض‪ :‬إذا قال الجهمي‪ :‬أنا أكفر برب ينزل ويصعد‪ ،‬فقل‪ :‬آمنت‬
‫برب يفعل ما يشاء‪.‬‬
‫قلت‪ :‬زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث‪ ،‬وكثير مما نقل‬
‫في كتاب ]مقالت السلميين[ من مذهب أهل السنة والحديث‪ ،‬وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق‬
‫العرش‪ ،‬وأنه يقرب من خلقه كيف شاء‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫ضا في بعض المخلوقات يسميها نزو ً‬
‫ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الفعال الختيارية بذاته‪ ،‬أنه يخلق أعرا ً‬
‫كما قال‪ :‬إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء‪ .‬وهو عند الشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به‬
‫فعل‪ ,‬بل يجعل أفعاله اللزمة كالنزول والستواء كأفعاله المتعدية كالخلق والحسان‪ ,‬وكل ذلك عنده هو المفعول‬
‫المنفصل عنه‪.‬‬
‫ل فوق العرش بذاته‪ ،‬ولكن يقولون في النزول‬
‫والشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون‪ :‬إن ا ّ‬
‫ونحوه من الفعال هذا القول بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به‪ ,‬والسلف الذين قالوا‪ :‬يفعل ما يشاء‪ ،‬وينزل‬
‫كيف شاء وكما شاء‪ ,‬والفضيل بن عياض الذي قال‪ :‬إذا قال لك الجهمي‪ :‬أنا أكفر برب يزول عن مكانه‪ ،‬فقل‪ :‬أنا‬
‫أومن برب يفعل ما يشاء ـ مرادهم نقيض هذا القول‪ .‬ورد أبي عبد الّ بن منده متناول لهؤلء‪ ,‬وعلى هذا فل يبقى‬
‫‪/‬خلف بين من يقول‪ :‬ينزل ويصعد‪ ,‬وبين من ينفي ذلك‪ ,‬وذلك لن الفعال المنفصلة لم ينازع فيها أحد من المسلمين‪،‬‬
‫فعلم أن مراد هؤلء إثبات الفعل الختياري القائم به؛ ولكنهم مع هذا ليس في كلمهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش‬
‫منه‪ ،‬وأنه ل يبقى فوق العرش؛ كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث‪.‬‬
‫ل بن أحمد بن حنبل قال‪ :‬أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن‪ ،‬حدثني أبي‪ ،‬ثنا‬
‫وروى بإسناده من ]كتاب السنة[ لعبد ا ّ‬
‫ل بن أحمد بن حنبل‪ ,‬ثنا أبي‪ ,‬ثنا موسى بن داود أبو معمر‪ ،‬ثنا عباد بن‬
‫أحمد بن محمد بن عمر اللبناني‪ ،‬ثنا عبد ا ّ‬
‫ل ينزل ليلة النصف من شعبان[‪ .‬قلنا‪ :‬إن قوًما ينكرون هذه‬
‫شِريك فسألته عن الحديث ]إن ا ّ‬
‫العوام‪ ،‬قال‪ :‬قدم علىنا َ‬
‫الحاديث !! قال‪ :‬فما يقولون؟ قلنا‪ :‬يطعنون فيها‪ ,‬فقال‪ :‬إن الذين جاءوا بهذه الحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن‬
‫ل إل بهذه الحاديث‪.‬‬
‫وبالصلة وبالحج وبالصوم‪ ،‬فما يعرف ا ّ‬
‫قال‪ :‬وأما حديث إسحاق بن راهويه‪ ,‬فرواه إسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي حاتم أنهم تكلموا فيه‪ .‬قال‪ :‬والحديث‬
‫ل بن محمد بن بشير‪ ،‬عن الترمذي‪ :‬سمعت ‪ /‬إسحاق بن‬
‫حدث به أحمد بن موسى بن ُبَرْيدة‪ ,‬عن أحمد ابن عبد ا ّ‬
‫ل بن طاهر يوًما فقالوا له‪ :‬أيها المير‪ ,‬إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه‪،‬‬
‫راهويه يقول‪ :‬اجتمعت الجهمية إلى عبد ا ّ‬
‫ل وبعث‬
‫ل ـ عز وجل ـ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش‪ .‬قال‪ :‬فغضب عبد ا ّ‬
‫وهو كافر يزعم أن ا ّ‬
‫إلى‪ ,‬فدخلت عليه وسلمت‪ ،‬فلم يرد على السلم غضًبا ولم يستجلسني‪ ،‬ثم رفع رأسه وقال لي‪ :‬ويلك يا إسحاق‪ ،‬ما‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه‬
‫يقول هؤلء؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ل أدري‪ ,‬قال‪ :‬تزعم أن ا ّ‬
‫العرش؟ فقلت‪:‬أيها المير‪ ،‬لست أنا قلته‪ ،‬قاله النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬ثنا أبو بكر بن عياش‪ ,‬عن إسحاق‪ ,‬عن‬
‫ل صلى ال عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫الغر بن مسلم أنه قال‪ :‬أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول ا ّ‬
‫ل إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول‪ :‬من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له(‬
‫)ينزل ا ّ‬

‫ولكن مرهم يناظروني‪ .‬قال فلما ذكرت له النبي صلى ال عليه وسلم‪ ,‬سكن غضبه‪ ،‬وقال لي اجلس‪ ،‬فجلست‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫مرهم أيها المير يناظروني‪ .‬قال‪ :‬ناظروه‪ ،‬قال‪ :‬فقلت لهم‪ :‬يستطيع أن ينزل ول يخلو منه العرش أم ل يستطيع؟ قال‬
‫‪:‬فسكتوا وأطرقوا رؤوسهم‪ .‬فقلت‪ :‬أيها المير‪ ،‬مرهم يجيبوا‪ ،‬فسكتوا‪ .‬فقال‪ :‬ويحك يا إسحاق‪ ،‬ماذا سألتهم؟ قال‪ :‬قلت‪:‬‬
‫أيها المير ! قل لهم يستطيع أن ينزل؛ول يخلو منه العرش أم ل؟ قال‪ :‬فإيش هذا؟ قلت‪ :‬إن زعموا أنه ل يستطيع أن‬
‫ل عاجز مثلي ومثلهم‪ ،‬وقد كفروا‪ .‬وإن زعموا أنه يستطيع ‪/‬أن ينزل‬
‫ينزل إل أن يخلو منه العرش‪ ،‬فقد زعموا أن ا ّ‬
‫ول يخلو منه العرش‪ ،‬فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء‪ ،‬ول يخلو منه المكان‪.‬‬
‫ل بن طاهر ما أخبرنا أبي‪ :‬ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الّ‬
‫قال عبد الرحمن‪ :‬والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد ا ّ‬
‫ل بن طاهر‪ :‬يا أبا يعقوب‪ ,‬هذه‬
‫خَلد يقول‪ :‬قال لي عبد ا ّ‬
‫البصري‪ ،‬ثنا محمد بن حاتم‪ ,‬سمعت إسحاق بن إبراهيم بن َم ْ‬
‫الحاديث التي تروونها في النزول ـ يعني وغير ذلك ـ ما هي؟ قلت‪ :‬أيها المير‪ ،‬هذه أحاديث جاءت مجيء الحكام‬
‫ل‪ :‬صدقت‪ ,‬ما كنت أعرف‬
‫والحلل والحرام‪ ,‬ونقلها العلماء‪,‬فل يجوز أن ترد‪ ،‬هي كما جاءت بل كيف‪ ,‬فقال عبد ا ّ‬
‫وجوهها إلى الن‪.‬‬
‫قال عبد الرحمن‪ :‬ول يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول‪ ,‬وتبطل قول من يقول‪ :‬هي كما جاءت بل كيف‪ ,‬فيقال‪ :‬بل‬
‫ل بن طاهر كان فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية؛ ولكن هذه‬
‫مخاطبة إسحاق لعبد ا ّ‬
‫المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما ل ينقل غيره‪ ,‬كما نقلوا في مناظرة أحمد بن حنبل وغيره‪ ,‬هذا ينقل ما ل‬
‫ل والمروزي وغيرهم وكلهم ثقات‪ ،‬وإسحاق بسط الكلم مع ابن طاهر‪.‬‬
‫ينقله هذا‪ ،‬كما نقل صالح وعبد ا ّ‬
‫قال الشيخ أبو عثمان النيسابوري الصابوني‪ ،‬الملقب بشيخ السلم‪ ،‬في رسالته في السنة قال‪ :‬ويعتقد أهل الحديث‬
‫خَل َ‬
‫ق‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن َرّبُكُم ا ّ‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ ‪/‬فوق سبع سمواته على عرشه‪ ،‬كما نطق به كتابه في قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ويشهدون أن ا ّ‬
‫ل في‬
‫ش{ ]العراف‪ [54:‬وذكر عدة آيات من ذلك؛ فإن هذا ذكره ا ّ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سّتِة َأّياٍم ُثّم ا ْ‬
‫ض ِفي ِ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ل ـ تعالى‪ ،‬ويؤمنون به ويصدقون الرب ـ جل‬
‫سبعة مواضع من القرآن‪ ،‬قال‪ :‬وأهل الحديث يثبتون في ذلك ما أثبته ا ّ‬
‫ل ـ سبحانهـ من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ظاهره‪ ،‬ويكلون علمه‬
‫جلله ـ في خبره‪ ،‬ويطلقون ما أطلقه ا ّ‬
‫ب{ ]آل عمران‪.[7:‬‬
‫ل ُأْوُلوْا الْلَبا ِ‬
‫عنِد َرّبَنا َوَما َيّذّكُر ِإ ّ‬
‫ن ِ‬
‫ل ّم ْ‬
‫ن آَمّنا ِبِه ُك ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ و}َيُقوُلو َ‬
‫إلى ا ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ [5:‬كيف استوى؟ فقال‪:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫وروى بإسناده من طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ل‪ ،‬وأمر أن‬
‫الستواء غير مجهول‪ ,‬والكيف غير معقول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪،‬وما أراك إل ضا ً‬
‫ل بن المبارك أنه قال‪ :‬نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته بائن من‬
‫يخرج من المجلس‪ .‬وروى بإسناده الثابت عن عبد ا ّ‬
‫خلقه‪ ،‬ول نقول كما قالت الجهمية‪ :‬بأنه هاهنا‪ ،‬وأشار بيده إلى الرض‪.‬‬
‫ل الحافظ ـ يعني الحاكم ـ في كتاب ]التاريخ[ الذي جمعه لهل نيسابور‪ ,‬وفي كتاب ]معرفة‬
‫وقال‪ :‬أخبرنا أبو عبد ا ّ‬
‫أصول الحديث[ اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما‪ ،‬قال‪ :‬سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ‪ ,‬سمعت المام‬
‫ل على عرشه قد ‪ /‬استوى فوق سبع سمواته‪ ،‬فهو كافر به‪،‬‬
‫أبا بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة يقول‪ :‬من لم يقر بأن ا ّ‬
‫حلل الدم يستتاب‪ ,‬فإن تاب‪ ،‬وإل ضربت عنقه‪ ،‬وألقى على بعض المزابل‪.‬‬
‫قال الشيخ أبو عثمان‪ :‬ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر‬
‫المخلوقين ول تمثيل ول تكييف‪ ,‬بل يثبتون ما أثبته رسول ا ّ‬
‫ل في كتابه من‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ وكذلك يثبتون ما أنزل ا ّ‬
‫الصحيح الوارد بذكره على ظاهره‪ ،‬ويكلون علمه إلى ا ّ‬
‫ظَلٍل ّمَن اْلَغَماِم{ ]البقرة‪ ،[210:‬وقوله‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫ذكر المجيء والتيان المذكورين في قوله تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪.[22:‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫عز وجل‪َ} :‬و َ‬
‫وقال‪ :‬أخبرنا أبو بكر بن زكريا‪ ,‬سمعت أبا حامد الشرقي‪ ,‬سمعت حمدان السلمى وأبا داود الخفاف‪ ،‬قال‪ :‬سمعنا‬
‫ل بن طاهر‪ :‬يا أبا يعقوب‪ ,‬هذا الحديث الذي ترويه عن‬
‫إسحاق بن إبراهيم الحنظلي‪ ،‬يقول‪ :‬قال لي المير عبد ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪) :‬ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا( كيف ينزل؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬أعز الّ المير‪ ،‬ل يقال‬
‫رسول ا ّ‬
‫لمر الرب‪ :‬كيف ! إنما ينزل بل كيف‪.‬‬

‫ل الحافظ يقول‪ :‬سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري‪ ،‬سمعت إبراهيم بن أبي طالب‪،‬‬
‫قال‪ :‬وسمعت أبا عبد ا ّ‬
‫ل بن طاهر ذات يوم‪/،‬‬
‫ل الّرَباطي يقول‪ :‬حضرت مجلس المير عبد ا ّ‬
‫سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد ا ّ‬
‫ل‪:‬‬
‫ل ـ فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ,‬فقال له بعض قواد عبد ا ّ‬
‫وحضر إسحاق بن إبراهيم ـ رحمه ا ّ‬
‫ل ينزل كل ليلة؟! قال‪:‬نعم‪ ،‬قال‪:‬كيف ينزل؟ فقال إسحاق‪ :‬أثبته فوق‪ .‬فقال‪ :‬أثبته فوق‪ .‬فقال‬
‫يا أبا يعقوب‪ ,‬أتزعم أن ا ّ‬
‫ل‪ :‬هذا يوم القيامة‪ ،‬فقال‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ،[22:‬فقال المير عبد ا ّ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ل عز وجل‪َ} :‬و َ‬
‫إسحاق‪ :‬قال ا ّ‬
‫ل المير‪ ،‬من يجىء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟!‪.‬‬
‫إسحاق‪ :‬أعز ا ّ‬
‫ل ينزل إلى السماء الدنيا‪ ،‬على ما صح به‬
‫وقال أبو عثمان‪ :‬قرأت في رسالة أبي بكر السماعيلي إلى أهل جيلن أن ا ّ‬
‫ظَلٍل ّمَن اْلَغَماِم{ِ ]البقرة‪:‬‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫ل عز وجل‪َ} :‬ه ْ‬
‫الخبر عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد قال ا ّ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ,[22:‬نؤمن بذلك كله على ما جاء بل كيف‪ ،‬فلو شاء ـ سبحانه ـ أن‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫‪ [210‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫عَلْي َ‬
‫ك‬
‫ل َ‬
‫ي َأنَز َ‬
‫يبين كيف ذلك فعل؛ فانتهينا إلى ما أحكمه‪ ,‬وكففنا عن الذي يتشابه‪ ,‬إذ كنا قد أمرنا به في قوله‪ُ} :‬هَو اّلِذ َ‬
‫شاَبَه ِمْنُه اْبِتَغاء اْلِفْتَنِة َواْبِتَغاء َتْأِويِلِه‬
‫ن َما َت َ‬
‫ن في ُقُلوِبِهمْ َزْيٌغ َفَيّتِبُعو َ‬
‫ت َفَأّما اّلِذي َ‬
‫شاِبَها ٌ‬
‫خُر ُمَت َ‬
‫ب َوُأ َ‬
‫ن ُأّم اْلِكَتا ِ‬
‫ت ُه ّ‬
‫حَكَما ٌ‬
‫ت ّم ْ‬
‫ب ِمْنُه آَيا ٌ‬
‫اْلِكَتا َ‬
‫ب{ ]آل عمران‪.[7 :‬‬
‫ل ُأْوُلوْا الْلَبا ِ‬
‫عنِد َرّبَنا َوَما َيّذّكُر ِإ ّ‬
‫ن ِ‬
‫ل ّم ْ‬
‫ن آَمّنا ِبِه ُك ّ‬
‫ن ِفي اْلِعْلِم َيُقوُلو َ‬
‫خو َ‬
‫سُ‬
‫ل َوالّرا ِ‬
‫لا ّ‬
‫َوَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬

‫وروى عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل‪ ,‬قال‪ :‬سألت إسحاق ابن إبراهيم‪ ,‬قلت‪ :‬حديث النبي صلى‬
‫ل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء‪ ،‬وقال ‪:/‬‬
‫ل إلى السماء الدنيا( قال‪ :‬نعم ينزل ا ّ‬
‫ال عليه وسلم )ينزل ا ّ‬
‫سَأ ُ‬
‫ل‬
‫ل ُي ْ‬
‫ل تعالى‪َ } :‬‬
‫ل ـ تعالى ـ كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين؛ لقول ا ّ‬
‫عن حرب‪ :‬ل يجوز الخوض في أمر ا ّ‬
‫َعّما َيْفَعُل َوُهْم ُيْسَأُلوَن{ ]النبياء‪.[23:‬‬
‫ضا ـ عن حرب قال‪ :‬هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والثر وأهل السنة المعروفين بها‪ ،‬وهو‬
‫وروى ـ أي ً‬
‫ل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا‬
‫مذهب أحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬والحميدي وغيرهم‪ .‬كان قولهم‪ :‬إن ا ّ‬
‫يٌء‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫جا َيْذَرُؤُكْم ِفيِه َلْي َ‬
‫لْنَعاِم َأْزَوا ً‬
‫ن ا َْ‬
‫جا َوِم َ‬
‫سُكْم َأْزَوا ً‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ل َلُكم ّم ْ‬
‫جَع َ‬
‫ض َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫طُر ال ّ‬
‫كيف شاء وكما شاء‪َ} ,‬فا ِ‬
‫صيُر{ ]الشورى‪.[11:‬‬
‫َوُهَو السِّميُع الَب ِ‬
‫ضا ـ عن حرب‪ :‬قال‪ :‬قال إسحاق بن إبراهيم‪ :‬ل يجوز لحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما‬
‫وروي ـ أي ً‬
‫يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين؛ وذلك أنه يمكن أن يكون موصوًفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى‬
‫السماء الدنيا كما شاء‪ ،‬ول يسأل كيف نزوله؛ لنه الخالق يصنع كيف شاء‪.‬‬
‫ل بن المبارك عن النزول ليلة النصف من شعبان؛ فقال‬
‫ضا ـ عن محمد بن سلم‪ ،‬قال‪ :‬سأل فضالُة عبَد ا ّ‬
‫وروى ـ أي ً‬
‫ل‪ :‬يا ضعيف‪ ,‬تجد خداي خوشيركن ينزل كيف شاء‪.‬‬
‫عبد ا ّ‬
‫وروى عن ابن المبارك قال‪ :‬من قال لك‪ :‬يا مشبه‪ ,‬فاعلم أنه جهمي‪.‬‬
‫وقال عبد الرحمنبن منده‪ :‬إياك أن تكون فيمن يقول‪ :‬أنا أومن برب يفعل ما يشاء‪ ،‬ثم تنفي ما في الكتاب والسنة مما‬
‫ل وأوجب على خلقه‪ /‬اليمان به‪ :‬أفاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا‪ ،‬والزنادقة‬
‫شاء ا ّ‬
‫ل ل يخلو منه مكان‪.‬‬
‫ينكرونه بزعمهم أن ا َّ‬
‫وروى حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد‪ ،‬عن جرير‪ ,‬عن ليث‪ ,‬عن بشر‪ ,‬عن أنس‪ :‬أن النبي صلى ال عليه‬
‫ل أن ينزل عن عرشه نزل بذاته(‪ .‬قلت‪ :‬ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمي وغيره من الحفاظ‬
‫وسلم قال‪) :‬إذا أراد ا ّ‬
‫عا‪ ،‬ورواه ابن الجوزي في ]الموضوعات[‪ ,‬وقال أبو القاسم التميمي‪] :‬ينزل[ معناه صحيح أنا أقر به‪,‬‬
‫هذا اللفظ مرفو ً‬
‫حا وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور‪ ,‬كما‬
‫عا إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وقد يكون المعنى صحي ً‬
‫لكن لم يثبت مرفو ً‬
‫ل هو بنفسه وبذاته خلق السموات والرض‪ ،‬وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليما‪ ،‬وهو بنفسه وذاته استوى‬
‫لو قيل‪:‬إن ا ّ‬
‫على العرش؛ ونحو ذلك من أفعاله التي فعلها هو بنفسه‪ ،‬وهو نفسه فعلها؛ فالمعنى صحيح‪ ،‬وليس كل ما بين به معنى‬
‫عا‪.‬‬
‫القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ومرفو ً‬
‫فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن منده‪،‬مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله‪) :‬ينزل ربنا كل‬
‫ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الول‪ ,‬فيقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني‬

‫فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فل يزال ‪/‬كذلك إلى الفجر(‪ .‬وفي لفظ‪) :‬إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط‬
‫الرب إلى سماء الدنيا( وفي لفظ‪) :‬حتى ينشق الفجر ثم يرتفع(‪ ،‬وفي رواية يقول‪) :‬ل أسأل عن عبادي غيري‪ ,‬من ذا‬
‫الذي يسألني فأعطيه(‪ ,‬وفي رواية عمرو بن عبسة‪) :‬أن الرب يتدلى في جوف الليل إلى السماء الدنيا(‪ ،‬وفي لفظ‪:‬‬
‫)حتى ينشق الفجر‪ ،‬ثم يرتفع( وذكر نزوله عشية عرفة من عدة طرق‪ ،‬وكذلك ليلة النصف من شعبان‪ ,‬وذكر نزوله‬
‫يوم القيامة في ظلل من الغمام‪ ،‬وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الخرة‪ ،‬وما فيه من ذكر نزوله وارتفاعه‪،‬‬
‫وأمثال ذلك منالحاديث‪ ،‬وهو ينكر على من يقول‪ :‬إنه ل يخلو منه العرش‪ ,‬ويجعل هذا مثل قول من يقول‪ :‬إنه في كل‬
‫مكان‪ ،‬ومن يقول‪ :‬إنه ليس في مكان‪.‬‬
‫ل يخلو منه العرش‪.‬‬
‫وكلمه من جنس كلم طائفة تظن أنه ل يمكن إل أحد القولين‪ :‬قول من يقول‪ :‬إنه ينزل نزو ً‬
‫ل كقول من يقول‪ :‬ليس له فعل يقوم بذاته باختياره‪.‬‬
‫وقول من يقول‪ :‬ما ثم نزول أص ً‬
‫وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إل النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر‪.‬‬
‫ل من هذا الجنس‪ ،‬يقتضى تفريغ مكان‬
‫ثم منهم من ينفي النزول عنه‪ ،‬ينزهه عن مثل ذلك‪ .‬ومنهم من أثبت له نزو ً‬
‫وشغل آخر‪ ،‬فأولئك يقولون‪ :‬هذا القول باطل‪ ,‬فتعين الول‪ ,‬كما يقول من يقابلهم‪ :‬ذلك القول باطل فتعين الثاني‪ .‬وهو‬
‫يحمل كلم السلف ]يفعل ‪/‬ما يشاء[ على أنه نزول يخلو منه العرش‪ ،‬ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن‬
‫ل‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫وفي الجملة‪ ،‬فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث‪ .‬وجمهورهم على أنه ل يخلو منه العرش‪،‬‬
‫وهو المأثور عن الئمة المعروفين بالسنة‪ ،‬ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ول ضعيف أن العرش يخلو منه‪،‬‬
‫وما ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق‪ ،‬فقد ذكرنا الرواية الخرى الثابتة التي رواها ابن بطة‬
‫ضا ـ اللفظ الثابت عن سليمان بن حرب‪ ،‬عن حماد بن زيد‪ ,‬رواه الخلل وغيره‪.‬‬
‫وغيره‪ ،‬وذكرنا ـ أي ً‬
‫سّدد بن مسرهد‪ ،‬فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم‪،‬‬
‫وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى ُم َ‬
‫ل بن بطة في كتاب ]البانة[‪ ،‬واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها‬
‫تلقوها بالقبول‪ ,‬وقد ذكرها أبو عبد ا ّ‬
‫بخطه‪.‬‬
‫فصـــل‬
‫وقد تأول قوم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ حديث النزول ـ وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب‬
‫اللزم؛ كالتيان والمجيء‪ ,‬والهبوط ونحو ذلك‪ ,‬ونقلوا في ذلك قول لمالك‪ ،‬ولحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من‬
‫أصحاب أحمد ـ كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره ـ عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين‪ ،‬بخلف غير هذا الباب‪,‬‬
‫عا‪.‬‬
‫فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزا ً‬
‫وطرد ابن عقيل الروايتين في ]التأويل[ في غير هذه الصفة‪ ،‬وهو تارة يوجب التأويل‪ ،‬وتارة يحرمه‪ ،‬وتارة يسوغه‪.‬‬
‫والتأويل عنده تارة للصفات الخبرية مطلًقا ويسميها الضافات ـ ل الصفات ـ موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة‪,‬‬
‫كأبي علي بن الوليد‪ ,‬وأبي القاسم بن الّتّبان ـ وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري ـ وأبو الفرج بن الجوزي مع‬
‫ابن عقيل على ذلك في بعض كتبه‪ ،‬مثل ]كف التشبيه بكف التنزيه[‪ ،‬ويخالفه في بعض كتبه‪.‬‬
‫عا في التأويل‪ ,‬ل في هذه الصفات ول في غيرها‪.‬‬
‫‪/‬والكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزا ً‬
‫ل في‬
‫وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية‪ ،‬أن أحمد لم يتأول إل ]ثلثة أشياء[‪) :‬الحجر السود يمين ا ّ‬
‫الرض(‪ ,‬و)قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن(‪ ،‬و)إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن(‪ :‬فهذه الحكاية‬
‫كذب على أحمد‪ ،‬لم ينقلها أحد عنه بإسناد‪ ,‬ول يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه‪ .‬وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو‬
‫حامد مجهول ل يعرف‪،‬ل علمه بما قال‪ ،‬و ل صدقه فيما قال‪.‬‬

‫ل نقل‬
‫ضا‪ ،‬وقع النزاع بين أصحابه‪ :‬هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والتيان‪ ،‬والنزول ونحو ذلك؟ لن حنب ً‬
‫وأي ً‬
‫غَماَمَتان‪،‬‬
‫عنه في ]المحنة[ أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬تجيء البقرة‪ ،‬وآل عمران‪ ،‬كأنهما َ‬
‫ف( ]والغياية‪ :‬كل شيء أظل النسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها‪ .‬وِفْرَقان‪ :‬أي‬
‫صَوا ّ‬
‫طْيٍر َ‬
‫غَياَيَتان‪ ،‬أو ِفْرَقان من َ‬
‫أو َ‬
‫قطعتان‪ .‬وصواف‪ :‬أي باسطات أجنحتها في الطيران[‪ .‬ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه‪ .‬وقالوا‬
‫له‪ :‬ل يوصف بالتيان والمجيء إل مخلوق؛ فعارضهم أحمد بقوله‪ :‬وأحمد وغيره من أئمة السنة ـ فسروا هذا الحديث‬
‫بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران‪ ،‬كما ذكر مثل ذلك من مجيء العمال في القبر وفي القيامة‪ ,‬والمراد‬
‫منه ثواب العمال‪.‬‬
‫غمامتان‪،‬‬
‫غَياَيتان‪ ،‬أو َ‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬اقرءوا البقرة وآل عمران‪ ,‬فإنهما يجيئان يوم القيامة كأنهما َ‬
‫ف‪ ,‬يحاجان‪ /‬عن أصحابهما( وهذا الحديث في الصحيح‪ :‬فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما‬
‫صَوا ّ‬
‫أو ِفْرقان من طير َ‬
‫يحاجان عن القارئ‪ ،‬علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله‪ ،‬وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلوة لهما في‬
‫الصورة التي ذكرها‪ ،‬كما أخبر بمجيء غير ذلك من العمال‪.‬‬
‫ل العمل جوهًرا قائًما بنفسه أم العراض ل تنقلب جواهر؟‬
‫وهذا فيه كلم مبسوط في غير هذا الموضع‪ :‬هل يقلب ا ّ‬
‫ح( ]أي بياضه أكثر من سواده[‪.‬‬
‫ش أْمَل َ‬
‫وكذلك قوله‪) :‬يؤتى بالموت في صورة َكْب ٍ‬
‫والمقصود هنا‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الخبار عن قراءة‬
‫القارئ التي هي عمله‪ ,‬وذلك هو ثواب قارئ القرآن‪ ,‬ليس المراد به أن نفس كلمه الذي تكلم به‪ ,‬وهو قائم بنفسه‬
‫يتصور صورة غمامتين‪ .‬فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه‪.‬‬
‫ن اْلَغَماِم{ ]البقرة‪:‬‬
‫ل ّم َ‬
‫ظَل ٍ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ن ِإلّ َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫ثم إن المام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى‪َ}:‬ه ْ‬
‫ل بن أحمد‪,‬‬
‫‪ .[210‬قال‪ :‬قيل‪ :‬إنما يأتي أمره هكذا نقل حنبل‪ ,‬ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في ]المحنة[ كعبد ا ّ‬
‫وصالح بن أحمد‪ ،‬والمروزي وغيره‪ ،‬فاختلف أصحاب أحمد في ذلك‪.‬‬
‫فمنهم من قال‪ :‬غلط حنبل‪ ،‬لم يقل أحمد هذا‪ .‬وقالوا‪ :‬حنبل له غلطات معروفة وهذا منها‪ ,‬وهذه طريقة أبي إسحاق بن‬
‫شاقل‪.‬‬
‫‪/‬ومنهم من قال‪ :‬بل أحمد قال ذلك على سبيل اللزام لهم‪ .‬يقول‪ :‬إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والتيان ولم يكن‬
‫ل على أنه مخلوق‪ ،‬بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره‪ ,‬فكذلك قولوا‪ :‬جاء ثواب القرآن‪ ,‬ل أنه نفسه هو الجائي‪,‬‬
‫ذلك دلي ً‬
‫فإن التأويل هنا ألزم‪ ,‬فإن المراد هنا الخبار بثواب قارئ القرآن‪ ،‬وثوابه عمل له لم يقصد به الخبار عن نفس‬
‫القرآن‪.‬‬
‫فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلن تتأولوا ذلك بمجيء‬
‫ثوابه بطريق الولى والحرى‪.‬‬
‫وإذا قاله لهم على سبيل اللزام لم يلزم أن يكون موافًقا لهم عليه‪ ،‬وهو ل يحتاج إلى أن يلتزم هذا‪ .‬فإن هذا الحديث له‬
‫نظائر كثيرة فيمجيء أعمال العباد‪ ،‬والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله‪ ،‬وأعمال العباد مخلوقة‪ ،‬وثوابها‬
‫مخلوق‪.‬‬
‫ولهذا قال أحمد‪ ,‬وغيره من السلف‪ :‬إنه يجيء ثواب القرآن‪ ,‬والثواب إنما يقع على أعمال العباد ل على صفات الرب‬
‫وأفعاله‪.‬‬
‫وذهب طائفة ثالثة من أصحاب أحمد إلى أن أحمـد قـال هـذا‪ :‬ذلـك الوقـت‪ ،‬وجعلوا هذا رواية عنه‪ ،‬ثم من يذهب منهم‬
‫إلى التأويل ـ كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما ـ يجعلون هذه عمدتهم؛ حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزي في‬
‫تفسيره‪ ،‬ول يذكر من كلم أحمد والسلف ما يناقضها‪.‬‬

‫ول ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية‪ ،‬ويبين أنه ل يقول‪ :‬إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره‪،‬‬
‫بل هو ينكر على من يقول ذلك‪.‬‬
‫والذين ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من ]الفعال[ لهم قولن‪:‬‬
‫منهم من يتأول ذلك بالقصد‪ ،‬كما تأول بعضهم قوله‪ُ} :‬ثّم اْسَتَوى ِإَلى السَّماء{ ]فصلت‪ [11:‬بالقصد‪ ،‬وهذا هو الذي ذكره‬
‫ابن الزاغوني‪.‬‬
‫ومنهم من يتأول ذلك بمجيء أمره ونزول أمره‪ ،‬وهو المذكور في رواية حنبل‪.‬‬
‫وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ـ كالقاضي أبي يعلى وغيره ممن يوافق أبا الحسن الشعري ـ على أن ]الفعل[ هو‬
‫المفعول؛ وأنه ل يقوم بذاته فعل اختياري‪ .‬يقولون‪ :‬معنى النزول والستواء وغير ذلك‪ :‬أفعال يفعلها الرب في‬
‫المخلوقات‪ .‬وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الشعري وغيره‪ ،‬قالوا‪ :‬الستواء فعل فعله في العرش كان به‬
‫مستوًيا‪ ،‬وهذا قول أبي الحسن بن الزاغوني‪.‬‬
‫وهؤلء يدعون أنهم وافقوا السلف‪ ،‬وليس المر كذلك‪ ،‬كما قد بسط في موضعه‪.‬‬
‫وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك‪ ،‬رويت من طريق كاتبه حبيب بن‪/‬أبي حبيب‪ ،‬لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم‬
‫بالنقل‪ ،‬ل يقبل أحد منهم نقله عن مالك‪ ،‬ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر‪ ،‬وفي إسنادها من ل نعرفه‪.‬‬
‫واختلف أصحاب أحمد وغيرهم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ في النزول والتيان‪ ،‬والمجيء وغير ذلك‪ :‬هل‬
‫يقال‪ :‬إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الثبات والنفي؟ على ثلثة أقوال‪ ،‬ذكرها القاضي‬
‫أبو يعلى في كتاب ]اختلف الروايتين والوجهين[‪:‬‬
‫ل بن حامد وغيره‪.‬‬
‫فالول‪ :‬قول أبي عبد ا ّ‬
‫والثاني‪ :‬قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته‪.‬‬
‫ل بن بطة وغيره‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬قول أبي عبد ا ّ‬
‫ثم هؤلء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى‪ ،‬وهو قول كثير منهم‪ ،‬كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد‬
‫الرحمن وغيره‪.‬‬
‫ل؛‬
‫ل‪ ،‬ومنهم من يتصوره مفص ً‬
‫ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ‪ ،‬وهم في المعنى منهم من يتصوره مجم ً‬
‫إما مع الصابة‪ ،‬وإما مع الخطأ‪.‬‬
‫والذين أثبتوا هذه رواية عن أحمد هم‪ ،‬وغيرهم ـ ممن ينتسب إلى السنة والحديث ـ لهم في تأويل ذلك قولن‪:‬‬
‫‪/‬أحدهما‪ :‬أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره‪.‬‬
‫ي ُدَخاٌن{ ]فصلت‪[11:‬‬
‫سَماء َوِه َ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫والثاني‪ :‬أن المراد بذلك عمده وقصده‪ .‬وهكذا تأول هؤلء قوله تعالى‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫قالوا‪ :‬قصد وعمد‪.‬‬
‫ل بن قتيبة‪ ،‬ذكر في كتاب ]مختلف الحديث[ له‪ ،‬الذي رد فيه‬
‫وهذا تأويل طائفة من أهل العربية‪ ،‬منهم أبو محمد عبد ا ّ‬
‫على أهل الكلم‪ ،‬الذين يطعنون في الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬قالوا‪ :‬حديث في التشبيه يكذبه القرآن والجماع‪ .‬قالوا‪ :‬رويتم أن‬
‫ل ـ تبارك وتعالى ـ إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الخر‪ ،‬فيقول‪:‬هل من‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬ينزل ا ّ‬
‫رسول ا ّ‬
‫داع فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له؟(‪ ،‬و)ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة(‪ .‬و)ينزل ليلة النصف من شعبان(‪.‬‬

‫ل ُهَو‬
‫ل َأْكَثَر ِإ ّ‬
‫ك َو َ‬
‫ل َأْدَنى ِمن َذِل َ‬
‫سُهْم َو َ‬
‫ساِد ُ‬
‫ل ُهَو َ‬
‫سٍة ِإ ّ‬
‫خْم َ‬
‫ل َ‬
‫ل ُهَو َراِبُعُهْم َو َ‬
‫لَثٍة ِإ ّ‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫وهذا خلف لقوله تعالى‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫ض ِإَلٌه{ ]الزخرف‪.[84 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي ا َْ‬
‫ن َما َكاُنوا{ ]المجادلة‪ ،[7:‬وقوله‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫َمَعُهْم َأْي َ‬

‫فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان‪ ،‬ول يشغله شأن عن شأن‪.‬‬
‫لَثٍة ِإّل ُهَو َراِبُعُهْم{ ]المجادلة‪ [7:‬أنه معهم بالعلم بما هم عليه‪ ،‬كما تقول‬
‫جَوى َث َ‬
‫ن ِمن ّن ْ‬
‫ونحن نقول في قوله‪َ} :‬ما َيُكو ُ‬
‫لرجل وجهته إلى بلد شاسع‪ ،‬ووكلته بأمر من أمرك‪ /:‬احذر التقصير والغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك‪ ،‬فإني معك؛‬
‫ى تقصيرك أو جدك بالشراف عليك‪ ،‬والبحث عن أمورك‪ ،‬فإذا جاز هذا في المخلوق والذي ل‬
‫يريد‪ :‬أنه ل يخفي عل ّ‬
‫يعلم الغيب‪ ،‬فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز‪.‬‬
‫وكذلك هو بكل مكان يراك‪ ،‬ل يخفي عليه شيء مما في الماكن‪ ،‬هو فيها بالعلم بها والحاطة‪ ،‬فكيف يسوغ لحد أن‬
‫ل تعالى‪َ} :‬فِإَذا‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ [5:‬أي‪ :‬استقر‪ ،‬قال ا ّ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫يقول‪ :‬إنه بكل مكان على الحلول‪ ،‬مع قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ظاِلِميَن{ ]المؤمنون‪ [28:‬أي‪ :‬استقررت‪ ،‬ومع قوله‪:‬‬
‫ن اْلَقْوِم ال ّ‬
‫جاَنا ِم َ‬
‫ل اّلِذي َن ّ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ك َفُق ِ‬
‫عَلى اْلُفْل ِ‬
‫ك َ‬
‫ت َوَمن ّمَع َ‬
‫ت َأن َ‬
‫سَتَوْي َ‬
‫اْ‬
‫صاِلُح َيْرَفُعُه{ ]فاطر‪.[10:‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ب َواْلَعَم ُ‬
‫طّي ُ‬
‫صَعُد اْلَكِلُم ال ّ‬
‫}ِإَلْيِه َي ْ‬
‫وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده؟ وكيف تعرج الملئكة والروح يوم القيامة؟ وتعرج‬
‫ل ذو المعارج‪ ،‬والمعارج‪ :‬الدرج‪ .‬فما هذه الدرج؟ فإلى من‬
‫بمعنى‪ :‬تصعد‪ ،‬يقال‪ :‬عرج إلى السماء‪ :‬إذا صعد‪ ،‬وا ّ‬
‫تؤدي الملئكة العمال إذا كان بالمحل العلى مثله بالمحل الدنى؟‬
‫ل هو العلي وهو العلى‪،‬‬
‫ت عليه خلقتهم‪ ،‬من معرفة الخالق‪ ،‬لعلموا أن ا ّ‬
‫ولو أن هؤلء رجعوا إلى فطرهم‪ ،‬وما ُرِكَب ْ‬
‫وبالمكان الرفيع‪ ،‬وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه‪ ،‬واليدي ترتفع بالدعاء إليه‪ .‬ومن العلو يرجى الفرج‪ ،‬ويتوقع‬
‫النصر والرزق‪.‬‬
‫عنَدُه لَ‬
‫ن ِ‬
‫ض َوَم ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل تبارك وتعالى‪َ} :‬وَلُه َمن ِفي ال ّ‬
‫‪/‬وهناك الكرسي والعرش‪ ،‬والحجب والملئكة‪ .‬يقول ا ّ‬
‫عنَد‬
‫حَياء ِ‬
‫ن{ ]النبياء‪ .[20، 19:‬وقال في الشهداء‪َ} :‬أ ْ‬
‫ل َيْفُتُرو َ‬
‫ل َوالّنَهاَر َ‬
‫ن الّلْي َ‬
‫حو َ‬
‫سّب ُ‬
‫ن ُي َ‬
‫سُرو َ‬
‫حِ‬
‫سَت ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫عَباَدِتِه َو َ‬
‫ن ِ‬
‫عْ‬
‫ن َ‬
‫سَتْكِبُرو َ‬
‫َي ْ‬
‫ل‪ ،‬واحدهم شهيد‪ ،‬كما يقال‪ :‬علىم‬
‫َرّبِهْم ُيْرَزُقوَن{ ]آل عمران‪ [169:‬قيل لهم‪ :‬شهداء؛ لنهم يشهدون ملكوت ا ّ‬

‫وعلماء‪ ،‬وكفيل وكفلء‪.‬‬
‫وقال عز وجل‪َ} :‬لْو َأَرْدَنا َأن ّنّتِخَذ َلْهًوا ّلّتَخْذَناُه ِمن ّلُدّنا{ ]النبياء‪ [17:‬أي‪ :‬لتخذنا ذلك عندنا ل عندكم؛ لن زوجة‬
‫الرجل وولده يكونان عنده بحضرته ل عند غيره‪.‬‬
‫ل ـ عز وجل ـ في السماء‪ ،‬ما تركت على فطرتها‪ ،‬ولم تنقل عن ذلك‬
‫والمم كلها ـ عجمها وعربها ـ تقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫بالتعليم‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ل أتى إلى النبي صلى ال عليه وسلم بأَمٍة أعجمية للعتق‪ ،‬فقال لها رسول ا ّ‬
‫وفي الحديث‪ :‬أن رج ً‬
‫ل‪ ،‬فقال‪) :‬هي مؤمنة( وأمره بعتقها‪.‬‬
‫ل؟( قالت‪ :‬في السماء‪.‬قال‪) :‬من أنا؟( قالت‪ :‬أنت رسول ا ّ‬
‫وسلم‪) :‬أين ا ّ‬
‫صْلت‪:‬‬
‫وقال أمية بن أبي ال ّ‬
‫مجـدوا الّلـه فهو للمجـد أهــل ** ربنا في السماء أمسى كبــــيًرا‬
‫بالبناء العلى الـذي سبـق النـا ** س وسوى فوق السماء سريرا‬
‫صــوًرا‬
‫جًعا مـا ينالـه بصــر العيـــ ** ـن ترى دونه الملئك ُ‬
‫شْر َ‬
‫َ‬
‫ل على كاهله‬
‫صَور‪ ،‬وهو المائل العنق‪ ،‬و هكذا قيل في حملة العرش صور‪ ،‬وكل من حمل شيًئا ثقي ً‬
‫صوًرا جمع أ ْ‬
‫‪/‬و ُ‬
‫أو على منكبه‪ ،‬لم يجد بًدا من أن يميل عنقه‪.‬‬

‫ل‪ .‬وقال للحواريين‪ :‬إن أنتم غفرتم‬
‫وفي ]النجيل[‪ :‬أن المسيح ـ عليه السلم ـ قال‪) :‬ل تحلفوا بالسماء فإنها كرسي ا ّ‬
‫للناس فإن أباكم ـ الذي في السماء ـ يغفر لكم كلكم‪ ،‬انظروا إلى طير السماء‪ ،‬فإنهن ل يزرعن‪ ،‬ول يحصدن‪ ،‬ول‬
‫يجمعن في الهواء‪ ،‬وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم‪ ،‬أفلستم أفضل منهن؟( ومثل هذا من الشواهد كثير‬
‫يطول به الكتاب‪.‬‬
‫ض ِإَلٌه{ ]الزخرف‪ ،[84 :‬فليس في ذلك ما يدل على‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء ِإَلٌه َوِفي ا َْ‬
‫قال ابن قتيبة‪ :‬وأما قوله تعالى‪َ} :‬وُهَو اّلِذي ِفي ال ّ‬
‫الحلول بهما‪ ،‬وإنما أراد أنه إله السماء ومن فيها وإله الرض ومن فيها‪ .‬ومثل هذا من الكلم قولك‪ :‬هو بخراسان‬
‫أمير‪ ،‬وبمصر أمير‪ ،‬فالمارة تجتمع له فيهما‪ ،‬وهو حال بأحدهما أو بغيرهما‪ .‬هذا واضح ل يخفي‪.‬‬
‫فإن قال لنا‪ :‬كيف النزول منه جل وعز؟ قلنا‪ :‬ل نحكم على النزول منه بشيء‪ ،‬ولكنا نبين كيف النزول منا‪ ،‬وما‬
‫ل أعلم بما أراد‪.‬‬
‫تحتمله اللغة من هذا اللفظ‪ ،‬وا ّ‬
‫‪/‬والنزول منا يكون بمعنيين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬النتقال من مكان إلى مكان‪ ،‬كنزولك من الجبل إلى الحضيض‪ ،‬ومن السطح إلى الدار‪.‬‬
‫والمعنى الخر‪ :‬إقبالك إلى الشيء بالرادة والنية‪ .‬كذلك الهبوط والرتفاع والبلوغ والمصير‪ ،‬وأشباه هذا من الكلم‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬إن سألك سائل عن محل قوم من العراب ـ وهو ل يريد المصير إليهم ـ فتقول له‪ :‬إذا صرت إلى جبل‬
‫ل هضبة‬
‫عُ‬
‫ل‪ ،‬وإذا سرت إلى أرض كذا َفا ْ‬
‫كذا فانزل منه وخذ يميًنا‪ ،‬وإذا صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شما ً‬
‫هناك حتى تشرف عليهم‪ ،‬وأنت ل تريد في شيء مما تقوله افعله ببدنك‪ ،‬إنما تريد افعله بنيتك وقصدك‪.‬‬
‫وقد يقول القائل‪ :‬بلغت إلى الحزاب تشتمهم‪ ،‬وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم‪ ،‬وجئت إلى العلم تزهد فيه‪ ،‬ونزلت‬
‫عن معالي الخلق إلى الدناءة‪ ،‬ليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم‪ ،‬وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالرادة‬
‫ل َمَع اّلِذيَن اّتَقوْا ّواّلِذيَن ُهم ّمْحِسُنوَن{ ]النحل‪ [128:‬ل يراد به أنه معهم بالحلول؛ ولكن‬
‫نا ّ‬
‫والعزم والنية‪ ،‬وكذلك قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫بالنصر والتوفيق والحياطة‪.‬‬
‫عا‪ ،‬ومن أتاني‬
‫عا تقربت منه با ً‬
‫عا‪ ،‬ومن تقرب مني ذرا ً‬
‫وكذلك قوله عز وجل‪) :‬من َتَقّرب مني شبًرا َتَقّربت منه ِذرا ً‬
‫يمشي أتيته َهْرَوَلًة(‪.‬‬
‫‪/‬قال‪ :‬وثنا عن عبد المنعم‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن وهب بن ُمَنّبه؛ أن موسى ـ عليه السلم ـ لما نودي من الشجرة }َفاخَْلْع‬
‫سا منه بالصوت‪ ،‬وسكوًنا إليه‪.‬‬
‫ك{ ]طه‪ [12:‬أسرع الجابة‪ ،‬وتابع التلبية‪ ،‬وما كان ذلك إل استئنا ً‬
‫َنْعَلْي َ‬
‫وقال‪ :‬إني أسمع صوتك‪ ،‬وأحس حسك‪ ،‬ول أدري مكانك‪ ،‬فأين أنت؟ قال‪) :‬أنا فوقك‪ ،‬وأمامك وخلفك‪ ،‬ومحيط بك‬
‫وأقرب إليك من نفسك( يريد‪ :‬إني أعلم بك منك؛ لنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ما وراءك‪ ،‬وإذا سموت‬
‫ي خافية منك في جميع أحوالك‪.‬‬
‫بطرفك إلى ماهو فوقك ذهب عنك علم ما تحتك‪ ،‬وأنا ل يخفي عل ّ‬
‫ب الدنيا‪ ،‬ولو تركوها لجالت في الملكوت‪ ،‬ثم‬
‫ح ّ‬
‫لبُ‬
‫شَغُلوا قلوبهم عن ا ّ‬
‫ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت‪َ :‬‬
‫رجعت إليهم بطرف الفائدة‪ ،‬ولم ترد أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول‪ ،‬ولكن تجول هناك بالفكر والقصد‬
‫والقبال‪.‬‬
‫وكذلك قول أبي ممندية العرابي قال‪ :‬اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم كظيظ‪ ،‬يعني التقاء‪ ،‬وأنشد فيه‪:‬‬
‫جياد بها صرعى لهن كظيظ **‬
‫ت أكثر أهلها الفقراء‪ ،‬واطلعت في‬
‫ت في الجنة‪ /،‬فرأي ُ‬
‫طَلْع ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪) :‬ا ّ‬
‫ولو قال قائل في قول رسول ا ّ‬
‫النار فرأيت أكثر أهلها النساء(‪ :‬إن اطلعه فيها كان بالفكرة والقبال كان حسًنا‪.‬‬

‫قلت‪ :‬وتأويل المجيء والتيان والنزول ونحو ذلك ـ بمعنى القصد والرادة ونحو ذلك ـ هو قول طائفة‪ .‬وتأولوا ذلك‬
‫في قوله تعالى‪ُ} :‬ثّم اْسَتَوى ِإَلى الّسَماء{ ]البقرة‪ [29:‬وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك‪ :‬هو إحدى الروايتين عن أحمد‪.‬‬
‫والصواب‪ :‬أن جميع هذه التأويلت مبتدعة‪ ،‬لم يقل أحد من الصحابة شيًئا منها‪ ،‬ول أحد من التابعين لهم بإحسان‪،‬‬
‫وهي خلف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث ـ أحمد بن حنبل‪ ،‬وغيره من أئمة السنة‪.‬‬
‫طا أو محرفة‪ ،‬كما تقدم‬
‫ولكن بعض الخائضين بالتأويلت الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الئمة‪ ،‬وتكون إما غل ً‬
‫من أن قول الوزاعي وغيره من أئمة السلف في النزول ]يفعل ال ما يشاء[ فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وأنهم أرادوا بقولهم‪] :‬يفعل ال ما يشاء[ هذا المعنى وليس المر كذلك‪ ،‬كما تقدمت الشارة إليه‪.‬‬
‫منفصل عن ا ّ‬
‫وآخرون ـ كالقاضي أبي يعلى في ]إبطال التأويل[ ـ قالوا‪ :‬لم يرد الوزاعي أن النزول من صفات الفعل‪ ،‬وإنما أراد‬
‫ن َ‬
‫ل‬
‫عَباٌد ّمْكَرُمو َ‬
‫ل ِ‬
‫حاَنُه َب ْ‬
‫سْب َ‬
‫ن َوَلًدا ُ‬
‫حَم ُ‬
‫خَذ الّر ْ‬
‫شاء{ وشبهوا ذلك بقوله تعالى‪َ} :‬وَقاُلوا اّت َ‬
‫ل َما َي َ‬
‫لا ّ‬
‫بهذا الكلم بقوله‪َ} :‬وَيْفَع ُ‬
‫ضى َوُهم ّمْن َخْشَيِتِه ُمْشِفُقوَن{ ]النبياء‪:‬‬
‫ن اْرَت َ‬
‫ل ِلَم ِ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شَفُعو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫خْلَفُهْم َو َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫ن َيْعَلُم َما َبْي َ‬
‫ل َوُهم ِبَأْمِرِه َيْعَمُلو َ‬
‫سِبُقوَنُه ِباْلَقْو ِ‬
‫َي ْ‬
‫‪26‬ـ ‪ ،[28‬فزعموا أن قوله ـ سبحانه ـ ليس تنزيًها له عن اتخاذ الولد ـ بناء على أصلهم الفاسد‪ ،‬وهو أن الرب ل ينزه‬
‫عن فعل من الفعال ـ بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه‪.‬‬
‫ل؛ لنه عندهم من صفات الذات ل من صفات‬
‫وكذلك جعلوا قول الوزاعي وغيره‪ :‬أن النزول ليس بفعل يشاؤه ا ّ‬
‫ل؛ فلو كان صفة فعل لزم أل يقوم بذاته‪ ،‬بل يكون‬
‫الفعل‪ ،‬بناء على أصلهم‪ ،‬وأن الفعال الختيارية ل تقوم بذات ا ّ‬
‫منفصلً عنه‪.‬‬
‫وهؤلء يقولون‪ :‬النزول من صفات الذات‪ ،‬ومع هذا فهو عندهم أزلي كما يقولون مثل ذلك في الستواء‪ ،‬والمجيء‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وإنها قديمة أزلية‪ ،‬ل‬
‫والتيان‪ ،‬والرضا‪ ،‬والغضب‪ ،‬والفرح‪ ،‬والضحك‪ ،‬وسائر ذلك‪ :‬إن هذا جميعه صفات ذاتية ّ‬
‫تتعلق بمشيئته واختياره؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلب‪ ،‬وهو أن الرب ل يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته‬
‫واختياره‪ ،‬بل من هؤلء من يقول‪ :‬إنه ل يتكلم بمشيئته وقدرته‪ ،‬ول يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره‪.‬‬
‫بل من هؤلء من يقول‪ :‬إن الفعل قديم أزلي‪ ،‬وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته وقدرته‪ ،‬وأكثر العقلء يقولون‪ :‬فساد هذا‬
‫معلوم بضرورة العقل؛ كما قالوا ‪ /‬مثل ذلك في قول من قال من المتفلسفة‪ :‬إن الفلك قديم أزلي‪ ،‬وأنه أبدعه بقدرته‬
‫ومشيئته‪.‬‬
‫ل بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزلًيا‪.‬‬
‫وجمهور العقلء يقولون‪ :‬الشيء المعين من العيان والصفات إذا كان حاص ً‬
‫فلما كان من أصل ابن كلب ومن وافقه‪ ،‬كالحارث المحاسبي‪ ،‬وأبي العباس القلنسي‪ ،‬وأبي الحسن الشعري‪،‬‬
‫والقضاة أبي بكر بن الطيب‪ ،‬وأبي يعلى بن الفراء‪ ،‬وأبي جعفر السماني‪ ،‬وأبي الوليد الباجي وغيرهم من العيان‪،‬‬
‫كأبي المعالي الجويني وأمثاله؛ وأبي الوفاء بن عقيل‪ ،‬وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما‪:‬أن الرب ل يقوم به ما‬
‫يكون بمشيئته وقدرته‪ ،‬ويعبرون عن هذا بأنه ل تحله الحوادث‪ ،‬ووافقوا في ذلك للجهم ابن صفوان‪ ،‬وأتباعه من‬
‫الجهمية والمعتزلة‪ ،‬صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب‪ ،‬على أحد قولين‪:‬‬
‫ل مخلوق بائن عنه‪ ،‬ل يقوم به كلم‪ .‬وكذلك رضاه‪،‬‬
‫إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه‪.‬فيقولون‪ :‬كلم ا ّ‬
‫وغضبه‪ ،‬وفرحه‪ ،‬ومجيئه وإتيانه‪ ،‬ونزوله وغير ذلك‪ ،‬هو مخلوق منفصل عنه‪ ،‬ل يتصف الرب بشيء يقوم به‬
‫عندهم‪.‬‬
‫ل بائنة‪ ،‬وهي مضافة إليه‪ ،‬ل أنها صفات قائمة‬
‫وإذا قالوا‪ :‬هذه المور من صفات الفعل‪ ،‬فمعناه‪ :‬أنها منفصلة عن ا ّ‬
‫به‪.‬‬
‫‪/‬ولهذا يقول كثير منهم‪ :‬إن هذه آيات الضافات وأحاديث الضافات‪ ،‬وينكرون على من يقول‪ :‬آيات الصفات‬
‫وأحاديث الصفات‪.‬‬

‫وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية‪ ،‬ويقولون‪ :‬نزوله ومجيئه‪ ،‬وإتيانه وفرحه‪ ،‬وغضبه ورضاه‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك‪ :‬قديم أزلي‪ ،‬كما يقولون‪ :‬إن القرآن قديم أزلي‪.‬‬
‫ثم منهم من يجعله معنى واحًدا‪ ،‬ومنهم من يجعله حروًفا‪ ،‬أو حروًفا وأصواًتا قديمة أزلية‪ ،‬مع كونه مرتًبا في نفسه‪.‬‬
‫ويقولون‪ :‬فرق بين ترتيب وجوده‪ ،‬وترتيب ماهيته‪ ،‬كما قد بسطنا الكلم على هذه المور في غير هذا الموضع على‬
‫هذه القوال وقائليها‪ ،‬وأدلتها السمعية والعقلية في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫والمقصود هنا‪ :‬أنه ليس شيء من هذه القوال قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ول قول أئمة المسلمين المشهورين‬
‫بالمامة ـ أئمة السنة والجماعة وأهل الحديث ـ كالوزاعي‪ ،‬ومالك بن أنس‪ ،‬وحماد بن زيد‪ ،‬وحماد بن سلمة‪ ،‬وعبد‬
‫ل بن المبارك‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وأمثالهم ـ بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين‬
‫ا ّ‬
‫لهم بإحسان‪ ،‬ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين‪ ،‬وعلماء المسلمين‪ ،‬موجودة في الكتب التي ينقل فيها أقوالهم بألفاظها‪،‬‬
‫بالسانيد المعروفة عنهم‪.‬‬
‫ل الجعفي‪ ،‬شيخ البخاري؛‬
‫كما يوجد ذلك في كتب كثيرة‪ ،‬مثل كتاب ]السنة[ و]الرد على الجهمية[ ‪/‬لمحمد بن عبد ا ّ‬
‫ل بن أحمد بن حنبل‪ ،‬ولبي بكر الثرم‪ ،‬ولحنبل بن إسحاق‪ ،‬ولحرب الكرماني‪،‬‬
‫ولبي داود السجستاني‪ ،‬ولعبد ا ّ‬
‫ولعثمان بن سعيد الدارمي‪ ،‬ولنعيم بن حماد الخزاعي‪ ،‬ولبي بكر الخلل‪ ،‬ولبي بكر بن خزيمة‪ ،‬ولعبد الرحمن بن‬
‫ل بن منده‪ ،‬ولبي عمرو الطلمنكي‪ ،‬وأبي‬
‫أبي حاتم‪ ،‬ولبي القاسم الطبراني‪ ،‬ولبي الشيخ الصبهاني‪ ،‬ولبي عبد ا ّ‬
‫عمر بن عبد البر‪.‬‬
‫سَنْيد‪ ،‬وابن جرير‬
‫حْيم و ُ‬
‫وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك‪ ،‬مثل تفسير عبد الرزاق‪ ،‬وعبد بن حميد‪ ،‬وُد َ‬
‫الطبري‪ ،‬وأبي بكر بن المنذر‪ ،‬وتفسير عبد الرحمن ابن أبي حاتم‪ ،‬وغير ذلك من كتب التفسير‪ ،‬التي ينقل فيها ألفاظ‬
‫الصحابة والتابعين‪ ،‬في معاني القرآن بالسانيد المعروفة‪.‬‬
‫فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم‪ ،‬وينبوع الهدى‪ ،‬وإل فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه‬
‫ل يكون له خبرة بشيء من هذا الباب‪ ،‬كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها‪ .‬أنه ل يفهم أحد‬
‫ل{ ]آل عمران‪ [7:‬مع نصرهم للوقف‬
‫لا ّ‬
‫معانيها؛ ل الرسول ول غيره‪ ،‬ويظنون أن هذا معنى قوله‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫على ذلك؛ فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآًنا ل يفهم معناه‪ ،‬بل تكلم بأحاديث الصفات وهو ل يفهم‬
‫معناها‪،‬وأن جبريل كذلك‪ ،‬وأن الصحابة والتابعين كذلك‪.‬‬
‫ل والرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ظن أهل التخييل‪ ،‬وظن‬
‫‪/‬وهذا ضلل عظيم‪ ،‬وهو أحد أنواع الضلل في كلم ا ّ‬
‫ل يهدينا وسائر إخواننا إلى‬
‫أهل التحريف والتبديل‪ ،‬وظن أهل التجهيل‪ .‬وهذا مما بسط الكلم عليه في مواضع‪ ،‬وا ّ‬
‫صراطه المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا‪.‬‬
‫والمقصود هنا الكلم على من يقول‪ :‬ينزل ول يخلو منه العرش‪ ،‬وإن أهل الحديث في هذا على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫منهم من ينكر أن يقال‪ :‬يخلو‪ ،‬أو ل يخلو‪ ،‬كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره‪.‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬بل يخلو منه العرش‪ ،‬وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنًفا في النكار على من قال‪ :‬ل يخلو من‬
‫العرش‪ ،‬أو ل يخلو منه العرش ـ كما تقدم بعض كلمه‪.‬‬
‫وكثير من أهل الحديث يتوقف عن أن يقول‪ :‬يخلو أو ل يخلو‪ .‬وجمهورهم على أنه ل يخلو منه العرش‪ .‬وكثير منهم‬
‫يتوقف عن أن يقال‪ :‬يخلو أو ل يخلو؛ لشكهم في ذلك‪ ،‬وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد المرين‪ ،‬وإما مع كون الواحد‬
‫منهم قد ترجح عنده أحد المرين لكن يمسك في ذلك؛ لكونه ليس في الحديث ‪ /‬ولما يخاف من النكار عليه‪ .‬وأما‬
‫الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إل عن طائفة قليلة منهم‪.‬‬
‫والقول الثالث ـ وهو الصواب وهو المأثور عن سلف المة وأئمتها ـ‪ :‬إنه ل يزال فوق العرش‪ ،‬ول يخلو العرش منه‪،‬‬
‫مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا‪ ،‬ول يكون العرش فوقه‪ .‬وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة‪ ،‬وليس نزوله‬

‫ل منزه عن ذلك‪ ،‬و سنتكلم عليه إن‬
‫كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الرض‪ ،‬بحيث يبقى السقف فوقهم‪،‬بل ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وهذه المسألة تحتاج إلى بسط‪.‬‬
‫شاء ا ّ‬
‫وأما قول النافي‪ :‬إنما ينزل أمره ورحمته‪ ،‬فهذا غلط لوجوه‪ ،‬وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من‬
‫المثبتة للعلو‪ .‬وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعا‪ ،‬فيجاب أيضا بوجوه‪:‬‬
‫أحدها‪:‬أن المر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملئكة‪ ،‬وإما أن يراد بها صفات وأعراض‪ .‬فإن أريد‬
‫الول‪ ،‬فالملئكة تنزل إلى الرض في كل وقت‪ ،‬وهذا خص النزول بجوف الليل‪ ،‬وجعل منتهاه سماء الدنيا‪،‬‬
‫والملئكة ل يختص نزولهم ل بهذا الزمان ول بهذا المكان‪ .‬وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب‬
‫العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلوة العبادة ونحو ذلك‪ ،‬فهذا حاصل في الرض ليس منتهاه السماء‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫‪/‬الثاني‪ :‬أن في الحديث الصحيح‪ :‬أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول‪) :‬ل أسأل عن عبادي غيري(‪ ،‬ومعلوم أن هذا‬
‫ل الذي ل يقوله غيره‪.‬‬
‫كلم ا ّ‬
‫الثالث‪ :‬أنه قال‪) :‬ينزل إلى السماء الدنيا‪ ،‬فيقول‪ :‬من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا‬
‫طُلَع الفجر(‪ ،‬ومعلوم أنه ل يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤله إل‬
‫الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى َي ْ‬
‫ل‪ ،‬وأمره ورحمته ل تفعل شيًئا من ذلك‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫الرابع‪ :‬نزول أمره ورحمته ل تكون إل منه‪ ،‬وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو فوق العالم‪ ،‬فنفس تأويله يبطل مذهبه؛‬
‫ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين‪ :‬ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت‪ :‬فممن ينزل؟! ما عندك فوق شيء؛ فل‬
‫ينزل منه ل أمر‪ ،‬ول رحمة ول غير ذلك؟! فبهت النافي وكان كبيًرا فيهم‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أنه قد روي في عدة أحاديث‪) :‬ثم يعرج( وفي لفظ )ثم يصعد(‪.‬‬
‫ل كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه )ينزل( من‬
‫السادس‪ :‬أنه إذا قدر أن النازل بعض الملئكة‪ ،‬وأنه ينادي عن ا ّ‬
‫ل فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه‪،‬‬
‫الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر منادًيا ينادي؛ لكان الواجب أن يقول‪ :‬من يدعو ا ّ‬
‫من يستغفره فيغفر له؟ كما ثبت في ]الصحيحين[‪ ،‬و]موطأ ‪/‬مالك[ و ]مسند أحمد بن حنبل[‪ ،‬وغير ذلك عن أبي‬
‫ل العبد نادى في السماء‪ :‬ياجبريل‪ ،‬إني‬
‫ل عنه ـ عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إذا أحب ا ّ‬
‫هريرة ـ رضي ا ّ‬
‫ل يحب فلنا فأحبوه‪ ،‬فيحبه أهل السماء‪ ،‬ثم يوضع له القبول‬
‫أحب فلًنا فأحبه‪ ،‬فيحبه جبريل‪ ،‬ثم ينادي جبريل‪ :‬إن ا ّ‬
‫في الرض(‪ ،‬وقال في البغض مثل ذلك‪.‬‬
‫ل‪) :‬يا جبريل‪ ،‬إني أحب فلًنا‬
‫ل ونداء جبريل‪ ،‬فقال في نداء ا ّ‬
‫فقد بين النبي صلى ال عليه وسلم الفرق بين نداء ا ّ‬
‫ل يحب فلًنا فأحبوه(‪ ،‬وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا‪ ،‬بل وموجب جميع‬
‫فأحبه(‪ ،‬وقال في نداء جبريل‪) :‬إن ا ّ‬
‫اللغات‪ ،‬فإن ضمير المتكلم ل يقوله إل المتكلم‪ .‬فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة‪ .‬وهم‬
‫ل بنداء السلطان ويقولون‪ :‬قد يقال‪ :‬نادى السلطان‪ ،‬إذا أمر غيره بالنداء ـ وهذا كما قالت الجهمية‬
‫يمثلون نداء ا ّ‬
‫ل لموسى‪ :‬إنه أمر غيره فكلمه‪ ،‬لم يكن هو المتكلم‪.‬‬
‫المحضة في تكليم ا ّ‬
‫فيقال لهم‪ :‬إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه؛ فإن المنادي ينادي‪ :‬معاشر الناس‪ ،‬أمر‬
‫السلطان بكذا‪ ،‬أو رسم بكذا‪ ،‬ل يقول‪ :‬إني أنا أمرتكم بذلك‪.‬‬
‫ولو تكلم بذلك لهانه الناس ولقالوا‪ :‬من أنت حتى تأمرنا؟! والمنادي كل ليلة يقول‪) :‬من يدعوني فأستجيب له؟ من‬
‫عُبْدِني َوَأِقِم‬
‫ل َأَنا َفا ْ‬
‫ل ِإَلَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟( كما في ندائه ‪/‬لموسى عليه السلم‪ِ} :‬إّنِني َأَنا ا ُّ‬
‫ل لو أمر ملًكا أن ينادي كل‬
‫ب اْلَعاَلِميَن{ ]القصص‪ .[30:‬ومعلوم أن ا ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫لَة ِلِذْكِري{ ]طه‪ ،[14 :‬وقال‪ِ} :‬إّني َأَنا ا ُّ‬
‫صَ‬
‫ال ّ‬
‫ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك‪) :‬من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟( ول‬
‫يقول‪ :‬ل أسأل عن عبادي غيري‪.‬‬

‫وأما قول المعترض‪ :‬إن الليل يختلف باختلف البلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر‪.‬‬
‫فيقال له‪ :‬الجواب عن هذا كالجواب عن قولك‪ :‬هل يخلو منه العرش‪ ،‬أو ل يخلو منه؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ول‬
‫يخلو منه العرش‪ ،‬فتقدم النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك‪ ،‬بناء على أن هذا نزول ل يقاس بنزول الخلق‪ .‬وجماع‬
‫المر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت‪ ،‬فإن‬
‫كان مما يحتج به من المعقول حجة صحيحة‪ ،‬لزم بطلن النفي‪ ،‬فيلزم الثبات؛ إذ الحق ل يخلو عن النقيضين‪ .‬وإن‬
‫ل‪ ،‬لم يبطل به الثبات‪ ،‬فل يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعة النبوية‪ ،‬وهذا كما إذا قال‪ :‬لو كان فوق‬
‫كان باط ً‬
‫العرش لكان جسًما‪ ،‬وذلك ممتنع‪ ،‬فيقال‪ :‬للناس هنا ثلثة أقوال‪:‬‬
‫‪/‬منهم من يقول‪ :‬هو فوق العرش وليس بجسم‪.‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬هو فوق العرش وهو جسم‪.‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬هو فوق العرش ول أقول‪ :‬هو جسم‪ ،‬ول ليس بجسم‪ ،‬ثم من هؤلء من يسكت عن هذا النفي‬
‫والثبات؛ لن كليهما بدعة في الشرع‪.‬‬
‫ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم‪ ،‬فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه وبين أن علوه على العرش ل يستلزم‬
‫ل منّزه عن ذلك‪ ،‬وأهل الكلم‬
‫ذلك‪ ،‬وإن فسر بما يتصف الرب به لم ينف ذلك المعنى‪ .‬فالجسم في اللغة هو البدن‪ ،‬وا ّ‬
‫قد يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة‪ .‬وكثير منهم ينازع في كون الجسام‬
‫المخلوقة مركبة من هذا وهذا‪ ،‬بل أكثر العقلء من بنى آدم عندهم أن السموات ليست مركبة‪ ،‬ل من الجواهر المفردة‪،‬‬
‫ل جسم‪ ،‬وأراد بالجسم هذا‬
‫ول من المادة والصورة‪ ،‬فكيف يكون رب العالمين مركًبا من هذا وهذا؟ فمن قال‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل‪ ،‬لكن ينبغي أن يذكر‬
‫ل‪ ،‬فقد أصاب في نفيه عن ا ّ‬
‫المركب‪ ،‬فهو مخطئ في ذلك‪ .‬ومن قصد نفي هذا التركيب عن ا ّ‬
‫عبارة تبين مقصوده‪.‬‬
‫ل منزه عن‬
‫ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب‪ ،‬أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع‪ ،‬أو أنه يقبل التفريق‪ ،‬وا ّ‬
‫ذلك كله‪.‬‬
‫‪/‬وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى أن اليدي ترفع إليه في الدعاء‪ ،‬وأنه يقال‪ :‬هو هنا وهناك‪ ،‬ويراد‬
‫ل موجود قائم بنفسه‪ ،‬وهو عند السلف وأهل السنة ترفع اليدي إليه‬
‫به القائم بنفسه‪ ،‬و يراد به الموجود‪ .‬ول ريب أن ا ّ‬
‫في الدعاء‪ ،‬وهو فوق العرش‪ .‬فإذا سمى المسمى ما يتصف بهذه المعاني جسًما‪ ،‬كان كتسمية الخر ما يتصف بأنه‬
‫حي عالم قادر جسًما‪ ،‬وتسمية الخر ما له حياة وعلم وقدرة جسًما‪.‬‬
‫ومعلوم أن هؤلء كلهم ينازعون في ثلث مقامات‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة‪ ،‬فل أهل اللغة يسمون هذا جسًما‪ ،‬بل الجسم‬
‫عندهم هو البدن‪ ،‬كما نقله غير واحد من أئمة اللغة‪ ،‬وهو مشهور في كتب اللغة‪ ،‬قال الجوهري في ]صحاحه[‬
‫المشهور‪ :‬قال أبو زيد‪ :‬الجسم‪ :‬الجسد‪ ،‬وكذلك الجسمان والجثمان‪ ،‬وقال الصمعي‪ :‬الجسم والجثمان‪ :‬الجسد‪،‬‬
‫والجثمان الشخص‪ ،‬قال‪ :‬والجسم الضخم بالبدن‪ ،‬وقال ابن السكيت‪ :‬تجسمت المر أي‪ :‬ركبت أجسمه‪ ،‬وجسيمه‬
‫أي‪ :‬معظمه‪ ،‬قال‪ :‬وكذلك تجسمت الرجل والجبل‪ ،‬أي ركبت أجسمه‪.‬‬
‫طًة ِفي اْلِعْلِم َواْلِجْسِم{ ]البقرة‪ ،[247:‬وفي‬
‫سَ‬
‫ل لفظ الجسم في موضعين من القرآن‪ ،‬في قوله تعالى‪َ} :‬وَزاَدُه َب ْ‬
‫وقد ذكر ا ّ‬
‫ك َأْجَساُمُهْم{ ]المناف