‫عدم الثقة مبد ًأ ديمقراطي ًا وطريق ًا إلى الثقة السليمة‬

‫صائب خليل‬
‫‪ 8‬شباط ‪2014‬‬
‫تدور في العراق أزمة ثقة عميقة جد ًا ‪ ،‬تقسم مجتمعه إلى أجزاء متخالفة ‪ ،‬بل متعادية ‪ ،‬منطلقة من تقسيمات ذات فواصل سياسية‬
‫وطائفية تتزايد حدتها وعداءها ويزداد عمق الهاوية بينها وبسرعة كبيرة مع الوقت ‪ ،‬والكل يصرخ مطالب ًا الخرين بالثقة به دون أن‬
‫يرى ضرورة لثقته بهم‪ .‬من أين جاءت تلك الزمة ‪ ،‬وكيف أصبح المجتمع العراقي متعادي ًا قومي ًا وسياسي ًا وطائفي ًا ‪ ،‬بل متعادي ًا حتى‬
‫ضمن الطائفة الواحدة ‪ ،‬إلى حد يقترب من القتال والحرب الهلية ‪ ،‬وما هو الحل؟‬
‫في رأيي أن مشكلة الثقة جاءت من مصدرين أساسيين ‪ ،‬وفي معرفتهما والتعامل معهما يكمن الحل‪ .‬هذان المصدران هما ‪ -1‬الحتلل‬
‫وسيطرته على البلد لفترة طويلة ‪ ،‬أتاحت له اختراق مؤسساتها وبناء مؤسسات جديدة تهدف إلى الشقاق الطائفي والسياسي‬
‫والستقطاب الشديد الذي يخلق بلد ًا يصعب حكمها من قبل أهلها ‪ ،‬يتيح له أن يفرض رأيه الذي يعلم ساسته أنهم لن يستطيعون إقناع‬
‫ل في ذلك الشقاق والصراع‪ .‬و ‪ -2‬أن الطريق الوحيد إلى بناء ثقة سليمة ‪ ،‬مبدأ‬
‫ل متمث ً‬
‫الشعب به ما لم يسلطون عليه ضغط ًا هائ ً‬
‫مجهول تمام ًا في الثقافة العراقية ‪ ،‬بل ان التثقيف يتم فقط في اتجاه نبذه واحتقاره ‪ ،‬وهو مبدأ "عدم الثقة"!‬
‫مما لشك فيه أن "الثقة" صفة جميلة وأساسية في الحياة الجتماعية إلى حد أن السلم حكم أن "بعض الظن" إثم‪ .‬لكن الثقة تتحول‬
‫إلى حماقة في الحياة السياسية ‪ ،‬ما لم تبنى بشكل بطيء وسليم وبحرص وحذر ‪ ،‬ومن خلل عملية فحص لسلسلة شكوك موسعة‪ .‬أن‬
‫تحويل "الثقة" من عالم الصداقة إلى عالم السياسة ‪ ،‬خلل كبير وكثير ًا ما يكون منافق ًا‪ .‬وهو مبدأ مناقض للديمقراطية التي تقوم على‬
‫عكسه تمام ًا ‪ :‬مبدأ عدم الثقة!‬
‫****‬
‫"هناك صمام أمان احتياطي يعرفه الحكماء ويصلح لمختلف المور ‪ ،‬ولكن بشكل خاص لحماية الديمقراطية من التحول إلى‬
‫دكتاتورية‪ .‬ماهو؟ إنه "عدم الثقة"!‪ - "....‬السياسي والفيلسوف اليوناني الكبير ديموسثين ‪ -‬القرن الرابع قبل الميلد‬
‫****‬
‫ل من ولوج هذا الطريق الى الثقة السليمة ‪ ،‬تكتفي كل جهة بالصراخ مطالبة الخرين بالثقة العمياء غير المدروسة وغير‬
‫وبد ً‬
‫المفحوصة ‪ ،‬ولكل شيء! ثقة بالجيش ‪ ،‬وثقة بالحكومة وثقة بالطائفة الخرى ‪ ،‬وثقة بالقوميات الخرى وثقة كل سياسي بالخر وكل‬
‫كاتب بالخر ‪ ...‬لكنها كلها تبقى صرخات فارغة لنها لن تغير قناعة أي إنسان بمن ل يثق به ‪ ،‬ويستمر الشق يغور أعمق وأعمق في‬
‫بدن المجتمع العراقي ‪ ،‬ويستمر الصراخ المطالب بالثقة!‬
‫أول ً يجب أن نتحمل الفكرة “غير الجميلة” ويكون واضح ًا تمام ًا لدينا أن الديمقراطية مؤسسة على “الشك” وليس على “الثقة” بالحكام ‪،‬‬
‫وأنه من المستحيل بناء ديمقراطية على "الثقة" ‪ ،‬لن "عدم الثقة" متأصل في روح وفكرة الديمقراطية‪ .‬قبل الديمقراطية منح الشعب‬
‫الثقة والسلطة )أو سلبت منه عنوة( للملوك ‪ ،‬فأساءوا استخدامها المرة تلو المرة ‪ ،‬وأدخلو بلدانهم في كوارث ملت التاريخ‪ .‬سحب‬
‫الشعب ثقته في الحاكم تلو الحاكم ‪ ،‬وفي كل مرة يتصور الشعب أن الخطأ يقع في الحاكم السابق ‪ ،‬فيثور عليه ويأتي بغيره ويعطيه‬
‫الثقة مجدد ًا ‪ ،‬وما هي إل بضعة سنوات حتى ينقلب عليه وحش ًا‪ .‬وتكرر الحال كثير ًا حتى وعى الشعب أن المشكلة ليست في الشخص‬
‫فقط ‪ ،‬وإنما أيض ًا في الطبيعة البشرية ‪ ،‬وأن ليس هناك طريقة لترك أي شخص أن يحكم "على الثقة"‪ .‬ولم يهنأ الشعب في التاريخ إل‬
‫بعد أن سحب تلك "الثقة" نهائي ًا ‪ ،‬وقرر أن يستلم السلطة بنفسه ويبقيها بشكل دائم تحت رقابته ‪ ،‬ووضع "عدم الثقة" مبد ًأ سياسي ًا ثابت ًا‬
‫من خلل مجموعة قوانين وتعارفات عديدة ‪ ،‬وللضمان ‪ ،‬جعل من تلك القوانين والتعارفات "دستور ًا" ثابت ًا ل يسهل تغييره‪.‬‬
‫السبب الساسي في ركون الشعوب إلى "عدم الثقة" هو أنها قد اكتشفت كل على حده ‪ ،‬أن السلطة نفسها "مفسدة" ‪ ،‬وأنتبه إلى أنها أكبر‬
‫خطر عليه لن إفسادها لقادته يجعلهم ينظرون إليه باحتقار حتى لو حاولوا التظاهر بالعكس وتحدثوا عن "الشعب العظيم"‪ .‬إنه‬
‫يحولهم إلى وحوش مراوغين ل يعودون يشعرون بشعور الشعب ول بالمسؤولية عن رفاهه وسعادته‪ .‬وفي النهاية فأن الشعوب التي‬
‫وعت التجربة ‪ ،‬تعاملت مع السلطة كعدو خطير وخبيث يجب تحصين القائد بكل السبل الممكنة ضده ‪ ،‬وإبقاء الطريق مفتوح ًا لبعاده‬
‫إن تطلب المر ‪ ،‬حتى ولو غصب ًا‪ .‬فلطالما جاء إلى الحكم رجل قضى حياته في الدفاع عن الشعب ‪ ،‬وما هي إل بضعة سنوات من‬
‫التعرض لجرثومة وباء السلطة حتى تنهار مقاومته الخلقية شيئ ًا فشيء ‪ ،‬ويتسرب إلى نفسه شعور بالفوقية والعظمة ل يستطيع‬
‫الصمود أمامه ‪ ،‬لكنه يخفيه دائم ًا كما يخفي المصابون باليدز حقيقة مرضهم ‪ ،‬فهو يدرك أنه لن يكون في صالحه إن عرف به الناس‪.‬‬
‫لكن إخفاء علمات الصابة بالمرض ليست سهلة ‪ ،‬والشعب المنتبه قادر بمؤسساته الرقابية ‪ ،‬إن كانت سليمة ‪ ،‬أن يرصد تلك‬
‫العراض ويدق جرس النذار‪ .‬واحتياط ًا فقد أوجد الشعب أدواته التي تضمن قدر المكان أن ل يتعرض من ينتخبه لجرعة كبيرة من‬
‫جراثيم السلطة ولفترة طويلة ‪ ،‬وأن ل يمنح الثقة إل بأضيق الحدود التي تتيح للمخول أن يقوم بواجبه‪ .‬المبدأ الساسي في الديمقراطية‬
‫أن يبقى الشعب في المراقبة ‪ ،‬ول يمكن لـ "مراقب" أبد ًا أن يعتمد الثقة ‪ ،‬دون أن يخون واجبه ويتخلى عن دوره!‬
‫جاءت الديمقراطية بمبدأ النتخابات ‪ ،‬الداة الولى التي تعبر عن مبدأ عدم الثقة‪ .‬فل يجب أن يوثق بأحد مهما كان رفيع الحسب‬
‫والنسب والذكاء والمال ‪ ،‬لتأمين مصالح الشعب ‪ ،‬وأن الشعب نفسه يجب أن ينتخب من يأتمنه على مصالحه وبلده ومستقبله‪ .‬ثم تبين‬
‫أن الشعب يمكن أن يخطئ الخيار ‪ ،‬كما أنه قد يحسن الختيار ‪ ،‬ثم يتغير المختار إلى شخص مختلف تمام ًا بتأثير مرض السلطة‪ .‬فقرر‬

‫الشعب أن يكون النتخاب دوري ًا ‪ ،‬يتكرر كل بضعة سنين ‪ ،‬يعيد فيها الشعب النظر في من قد انتخبه ‪ ،‬تمام ًا كما يعاد فحص سائقي‬
‫المركبات كل بضعة سنين للتأكد من استمرار صلحية اعضائهم وحواسهم للقيادة‪ .‬فإن كان الشعب راضي ًا ‪ ،‬اعاد انتخاب حاكمه ‪ ،‬وإن‬
‫لم يكن ‪ ،‬استبدله بآخر‪.‬‬
‫ثم تبين أن الحاكم كثرما يحصل على السلطة بالنتخاب ‪ ،‬لكنه يعود فيستخدم تلك السلطة لحرمان الشعب من القدرة على تغييره ‪،‬‬
‫فيحول النظام إلى الدكتاتورية! وبعد تجارب مريرة قرر الشعب أن يسمح للحاكم أن يمتلك سلطات كافية لقلب النظام‪ .‬فقسم الشعب‬
‫السلطات الكبرى التي عرفها في ذلك الوقت بين جهات مختلفة وأن ل يمتلك أي منها السلطة إل بأضيق نطاق ممكن يتيح لها تنفيذ‬
‫مهمتها ‪ ،‬متبع ًا نفس المبدأ الذي كان مقصور ًا على الحكام ضد الشعب ‪ ،‬مبدأ "فرق تسد"!‬
‫ومن الطبيعي أن تغير المجتمع يغير قوة "السلطات" فتضمحل أهمية سلطات وتزدهر سلطات أخرى‪ .‬ففي الغرب اضمحلت سلطة‬
‫الكنيسة ‪ ،‬وانتعشت بشكل مهول سلطة المال‪ .‬وقد أدرك المتنورون تلك الحقيقة وحذروا منها كثير ًا ‪ ،‬فقال أحدهم ‪" :‬يمكننا في هذا البلد ‪،‬‬
‫ان نحصل على الديمقراطية ‪ ،‬أو أن نحصل على تجميع للثروة في أيدي قلة من الناس ‪ ،‬ولكن ل يمكننا أن نحصل عليهما مع ًا"‪.‬‬
‫والشيء ذاته يقال عن سلطة العلم‪.‬‬
‫لكن المجتمع كان بطيئ ًا في رد فعله للتعامل مع السلطات الجديدة وخطرها على بلده وسلطته على مقدراتها ‪ ،‬فبقي يؤكد على فصل‬
‫السلطات القديمة مثل سلطة الكنيسة التي تراجعت ‪ ،‬دون أن يعي بشكل كاف بعد مدى خطورة السلطات المستحدثة فلم تدرج في‬
‫الدساتير كإحدى السلطات التي ل يجوز تركيزها ‪ ،‬وتسبب اليوم أشد الذى للديمقراطيات الحديثة ‪ ،‬في تركيزها للسلطة الفعلية في‬
‫ل من )أكثرية( الشعب‪.‬‬
‫ايدي القلة المالكة لتلك السلطات بد ً‬
‫لم يجلس الحكام ساكنين أمام الحواجز التي وضعها الشعب ومفكروه بينهم وبين السلطة الدائمة ‪ ،‬او الطويلة ‪ ،‬فوجدوا طرق ًا لللتفاف‬
‫ل ‪ ،‬والحصول على سلطات دكتاتورية ودائمة أو طويلة ‪ ،‬دون المساس بهيكل النظام‬
‫على عملية النتخابات دون إلغائها شك ً‬
‫الديمقراطي‪ .‬اكتشفوا أن الحروب يمكن أن تعرقل تغييرهم وتطيل سلطتهم‪ .‬ووجدوا أن خوف الشعوب من خطر خارجي يلعب دور ًا‬
‫ل إن سلط كم كاف من الكذب‬
‫في ذلك أيض ًا ‪ ،‬ووجدوا أن إقناع الشعوب بأنهم أفضل الموجود وأن لهم ميزات فوق طبيعية ليس مستحي ً‬
‫العلمي الذكي‪ .‬واكتشفوا أنهم يستطيعون إزاحة أي مرشح منافس لهم من خلل سلطاتهم السياسية والعسكرية والعلمية بالتهديد‬
‫أو بالهمال والتهميش ‪ ،‬أو بالقتل إن تطلب المر‪ .‬كل ذلك لكي يبدو للشعب أن ل بديل له عنهم ‪ ،‬وأن كل الخرين ل يصلحون للقيادة‬
‫إل هم ‪ ،‬وكأن ال قد خلقهم على غير ما خلق بقية الناس‪.‬‬
‫صاروا يرون الشعب كعدو منافس لهم على السلطة يجب إعلن الحرب السرية عليه‪ .‬وعلى قاعدة "أعرف عدوك" برع هؤلء في‬
‫دراسة الشعب وردود أفعاله على مختلف أفعال الحكام وخصصوا من الجواسيس لتسمع ما يقوله الناس والخبراء لتحليل ذلك وتحديد‬
‫متى يمكن توجيه الضربة إلى سلطته ومتى يجب النتظار ‪ ،‬وما الذي يجب عمله حتى ذلك الحين للتهيئة لتلك الضربة‪ .‬وجدوا أن‬
‫سيطرتهم على العلم أو المال واستعماله لرشوة المؤثرين على الشعب من إعلميين وغيرهم ‪ ،‬تعني سيطرتهم على ما يفكر الناس‬
‫به ‪ ،‬ويعطل راداراتهم عن تحسس الدكتاتورية الزاحفة بصمت ‪ ،‬كما يتحرك الفهد قبل أن ينطلق بكل قوة نحو فريسته ‪ ،‬عندما يقرر أنها‬
‫لن تتمكن من النجاة‪.‬‬
‫ما العمل؟ هل يجب تحديد حق الحكم لصاحب أعلى سلطة بفترة إنتخابية واحدة؟ عندذاك لن يجد الحاكم دافع ًا كافي ًا ليفي بوعده في‬
‫تلك الفترة‪ .‬مرتين؟ تبدو معقولة أكثر ‪ ،‬لكن ماذا لو أن الحاكم كان ممتاز ًا بالفعل ول يوجد من يماثله في قدرته على خدمة الشعب؟‬
‫توصلوا إلى موازنة مفادها أنه ل أكثر من فترتين متتاليتين فقط‪ .‬أي يجب وجود فترة يحكم فيها حاكم آخر لكي تكسر استمرارية‬
‫السلطة وتفتح ما قد يكون أحكم الحاكم غلقه لصالحه من أسلحة سرية محتملة ‪ ،‬فإن لم يتبين ما يضير ‪ ،‬فليعد الحاكم "الممتاز" في‬
‫الفترة التالية‪ .‬وهكذا اشترط الشعب وجود فترة انتخابية كاملة يحكمه فيها حاكم آخر لتأمين كسر الدكتاتورية إن كانت قد بدأت تؤسس‬
‫نفسها ‪ ،‬حتى لو كان الحاكم الول "ممتاز ًا" في حكمه بتقدير أغلبية الشعب إحتياط ًا وحذار ًا! هكذا نرى مبدأ "عدم الثقة" مبد ًأ مقدس ًا‬
‫يضحي الشعب من أجله حتى بحقه في الختيار ‪ ،‬ومهما كان واثق ًا منه ‪ ،‬لنه قد توصل إليه بعد تضحيات عظيمة ل يريد تكرارها!‬
‫"عدم الثقة" هو اللقاح المضاد لكل أنواع الفساد ‪ ،‬وليست الدكتاتورية إل فساد ًا سياسي ًا يجب تلقيح المجتمع ضده وتثقيفه بأهمية الدور‬
‫الذي يلعبه "عدم الثقة" في تأمين مستقبل البلد ‪ ،‬واعتباره حق ًا مقدس ًا في الديمقراطيات ‪ ،‬بل وأن ممارسته واجب يقع على عاتق‬
‫الشعب وعلى ممثليه ‪ ،‬ويحرضهم على مراقبة ومساءلة المسؤولين حتى في أقل المجتمعات فساد ًا كإجراء وقائي‪ .‬ففي هولندا مث ً‬
‫ل‬
‫يحق لكل عضو برلمان أن يطالب أي وزير بالجابة عن أسئلته ‪ ،‬وتعطى طرق متعددة كتابية وشفوية لذلك العضو من أجل أداء‬
‫واجبه الرقابي ‪) ،‬أنظر المادة ‪ 68‬من الدستور الهولندي( ول توجد تحديدات من اي شكل ‪ ،‬ولم أسمع يوم ًا بالمحكمة الدستورية‬
‫الهولندية منعت مساءلة البرلمان لوزير لعدم قناعتها بالسباب الموجبة ‪ ،‬كما يحدث في العراق لحماية الفاسدين الكبار ‪ ،‬بل إني لم‬
‫أسمع يوما بأحد سألها أن تفتي بذلك ‪ ،‬لن اختصاصها تفسير الدستور وليس الحكم على وجاهة أسباب المساءلة!! تلك "الوجاهة"‬
‫اعتبرت كافية إن اعتبرها أي ممثل للشعب كذلك‪ .‬ول يستطيع هؤلء إساءة استخدامها ضد وزير بريء دون أن تنقلب ضد من يسيء‬
‫استخدامها فيمنح الوزير فرصة مجانية للدفاع عن نفسه والترويج لسياسة كتلته! فالمساءلة ليست حكم ًا أو عقوبة أو طلب حجب ثقة‬
‫أو نزع حصانة لكي يشترط أن تكون دقيقة ووفق شروط معينة ‪ ،‬وإنما هي محاولة كشف لحقيقة ويجب أن ل توضع أمامها أية‬
‫شروط يمكن أن تمنع ممارستها ‪ ،‬وتستعمل حجة لحماية الفاسدين‪ .‬أما ما يحدث في العراق من حماية الكتل الكبيرة لممثليها من‬
‫المحاسبة ‪ ،‬وعلى رأس تلك الكتل كتلة الحكومة التي استخدمتها مرار ًا ليس فقط لمنع مساءلة ليس رئيس الحكومة فقط ‪ ،‬بل وأيض ًا‬
‫لصوص يكادون يكونون مدانين لشدة وضوح التهم المنسوبة إليهم مثل وزير الشباب ‪ ،‬فهو سيطرة تامة للفساد وضحك على ذقون‬
‫أبناء الشعب‪ .‬ول تقتصر ممارسة هذا العمل المدان على الحكومة بل تشترك به جميع الكتل الكبيرة من خلل سلطة رئيس البرلمان‬

‫ل‪ .‬وهكذا تحولت هذه الكتل إلى عصابات تتقاسم ثروة البلد بشكل مرعب ‪ ،‬رغم تظاهرها بالصراع فيما بينها‪ .‬فذلك "الصراع"‬
‫مث ً‬
‫يبقى ضمن إطار إختلف اللصوص على الحصص ‪ ،‬ويشترط أن ل يصيب لص ًا كبير ًا بأذى!‬
‫ليس من الغريب يطالب المناء بالثقة لنهاعلقة مريحة تسهل التعامل ‪ ،‬لكن ليس من الغريب أيض ًا أن تطالب اللصوص بـ "الثقة" ‪،‬‬
‫فأن مبدأ "عدم الثقة" عدوها اللدود الذي يعني المحاسبة والمكاشفة‪ .‬لهذا السبب الخير يصبح "عدم الثقة" أكثر ضرورة ‪ ،‬وجدير ًا‬
‫بالتضحية براحة التعامل من أجله ‪ ،‬وعلى الشعب أن يدافع عنه بكل ضرواة وعن حقه بمحاسبة المسؤولين بل إشكال إن أراد‬
‫الحتفاظ بسلطته على بلده‪ .‬ولكي تكون المحاسبة فعالة ويتمكن الشعب من لعب دوره في المراقبة الساسية للحكومة فأن "المعرفة"‬
‫ضرورة أخرى ل بد للشعب من امتلكها‪ .‬يرى أحد الباحثين في الديمقراطية أن "الديمقراطية تتطلب ناخب ًا يعرف الحقيقة‪ ".‬وبين‬
‫الرئيس المريكي السابق روزفلت ان "الديمقراطية ل يمكن أن تنجح ما لم يكن الناخب مهيئ ًا بالمعلومات ليقرر الخيار الصحيح"‪.‬‬
‫فالناخب الذي تنقصه المعرفة لما يدور حوله سيجد صعوبة كبرى خياره أو في القيام بواجبه في مراقبة سياسة الحكومة ‪ ،‬كما يعرقل‬
‫اتخاذ الحكومة للقرار الصحيح ‪ ،‬فهل يشعر أحد في العراق بأنه يعرف شيء؟ كيف يمكن للمواطن أن يحكم إن لم يكن يعلم كيف‬
‫تجري الحداث ولماذا؟ وكيف يمكن أن ينتخب إن لم يكن قد اتيح له حتى أن يعرف َمن ِمن النواب قد صوت على ماذا؟ إن التجهيل‬
‫الذي مورس على العراقي لم تعرفه حسب تقديري أية ديمقراطية في العالم ‪ ،‬بل ربما لم تعرفه معظم الدكتاتوريات في التاريخ! إن‬
‫السبب في ذلك هو الجهل الولي للشعب العراقي في حقه بالمعرفة ‪ ،‬وهو ما استغله من ائتمنهم على مصالحه أبشع استغلل ممكن ‪،‬‬
‫فل أعرف ول أتصور أن هناك شعب ًا آخر يقبل صامت ًا أن تحجب عنه قائمة المصوتين على كل قرار في برلمانه! وقد لعب العلم‬
‫العاهر الذي أسسه الحتلل دور ًا أساسي ًا في هذا التجهيل وتطبيعه في إهمال تام لهذه النقطة ‪ ،‬وكأنها غير موجودة ‪ ،‬فل أعرف أحد ًا‬
‫كتب عن حق الناخب بمعرفة قائمة المصوتين وعن مشاريع التصويت السري ‪ ،‬رغم أني أثرت الموضوع مرات عديدة وبتحذير شديد‬
‫حتى أني راسلت كل من أعرف حينها من الكتاب للكتابة حول الموضوع ‪ ،‬فلم يستجب إل واحد أو اثنين بمقالة يتيمة واحدة واستجاب‬
‫عدد أكبر للترويج لسرية التصويت! ها نحن نجد انفسنا على أبواب النتخابات ‪ ،‬ول ندري لمن نصوت ‪ ،‬لن اللصوص الذين‬
‫انتخبناهم قد نجحوا بحجب اتجاهات تصويتهم ‪ ،‬والشرفاء منهم أهملوا أن يميزوا انفسهم عن اللصوص ويقدموا تلك القوائم لناخبيهم ‪،‬‬
‫رغم أن النائب حنان الفتلوي كانت قد أثارت الموضوع في المجلس بقوة ضمن صراعها مع رئيس المجلس ‪ ،‬لكن قوة اللصوص‬
‫والمخاتلين حتى ضمن قائمتها ‪ ،‬لم تتح لمحاولتها أية فرصة للنجاح ‪ ،‬وهكذا تمكن اللصوص من خلط انفسهم بالقلة الشريفة ومنعوا‬
‫الشعب من تحديدهم! فكيف يطالب بالرقابة من ل تتاح الرؤية له؟ وكيف يطالب بحق السلطة من يتخلى عن حقه في الرقابة؟‬
‫هذه "المعرفة" ‪ ،‬الضرورية للرقابة تتطلب قدر ًا كبير ًا من الشفافية ‪ ،‬والتي هي بدورها ليست سوى إسم آخر لمبدأ "عدم الثقة" ‪ ،‬فمن‬
‫"يثق" ل يحتاج إلى أن "يرى" ما في الداخل ‪ ،‬ول يطالب بـ "شفافية" الشياء‪ .‬والشفافية تقف على النقيض تمام ًا من ثقافة "حرب‬
‫الملفات" التي تدور بين الحكومة وبقية أجزاء النظام السياسي في العراق ‪ ،‬بل بين أجزءا الحكومة نفسها أيض ًا‪ .‬تلك الثقافة التي تهدد‬
‫خصومها بكشف الفساد بين الحين والخر ول ترى أن "التهديد بكشف الفساد ‪ ،‬فساد" ‪ ،‬كما بينت في إحدى مقالتي تحت ذات العنوان‪.‬‬
‫فالتستر على الفساد جريمة يعاقب عليها القانون ‪ ،‬والتهديد بكشفه إعلن عن امتلك معلومات يخفيها الشخص ويمنعها عن القضاء‬
‫ويستخدمها كورقة ضغط ومساومة لصالحه الشخصي ‪ ،‬وهذا ليس من حق أي فرد ‪ ،‬بضمنهم رئيس الحكومة‪ .‬إن "افضل سلح‬
‫للدكتاتورية هو السرية ‪ ،‬لذلك فأن أفضل سلح للديمقراطية هو النفتاح" كما يقول نيلز بور‪ .‬فما الذي تبنيه حرب الملفات السرية في‬
‫بلدنا ‪ ،‬الديمقراطية الشفافة أم الدكتاتورية السرية؟‬
‫من كل هذا نرى أننا بأمس الحاجة إلى خلق واحترام ثقافة "عدم الثقة" إن أردنا الشفافية والمعلومات لبناء الديمقراطية في اي مجتمع‪.‬‬
‫لكن ليس كل شك و "عدم ثقة" ينتج بالضرورة شفافية ومعلومات‪ .‬فالشك ل يدفع المواطن غير المثقف بشكل سليم ‪ ،‬إلى فحص ما لم‬
‫يثق به ليتأكد من شكوكه ويحلها باليجاب أو السلب ‪ ،‬ويتخذ قرار ًا على ضوء نتائج ذلك الفحص ‪ ،‬كما يفعل المواطنون في المجتمعات‬
‫الحديثة ‪ ،‬بل يكتفي عادة برد فعل عاطفي بالكراهية وبعض الخوف تجاه المشكوك به ‪ ،‬ويكتفي بذلك‪ .‬الشك يجعله سريع التصديق لي‬
‫خبر يسيء لمن يشك به‪ .‬يجعله يتمنى القضاء عليه أو على القل البعد عنه قدر المكان ‪ ،‬لكنه لن يذهب إليه ليسأله ‪ ،‬وليفحص ظنونه‬
‫بل يعتبرها "نصف صحيحة" مسبق ًا ‪ ،‬ويحولها إلى "نصف إدانة" بل محاكمة ويكتفي بذلك‪ .‬أنت تشك بأن هذا السياسي فاسد ‪ ،‬وبد ً‬
‫ل‬
‫من أن تحل قضية هذا الشك بمساءلة وبمحكمة عادلة وحضارية وتنتهي من المر ‪ ،‬فأنت تعتبره "نصف فاسد" وتكرهه وتكتفي بذلك!‬
‫رغم أن الحقيقة قلما تكون كذلك ‪ ،‬فأما أن شكوكك واهمة والرجل شريف ‪ ،‬فتكون قد ظلمته ‪ ،‬أو هو فاسد حق ًا ‪ ،‬وتكون قد ظلمت نفسك‬
‫حين تركته دون أن تتأكد وتتخذ الجراءات الكفيلة بحماية نفسك منه‪ .‬إن نفس السيدة النائب التي طالبت رئيس المجلس بالشفافية في‬
‫الصوات ‪ ،‬رفضت بشدة غريبة دعوتي لها لطرح السئلة على وزير كانت توجه إليه تهم ًا بالفساد ‪ ،‬بحجة أن لديها معلوماتها التي تثق‬
‫بها عن ذلك ‪ ،‬وتبين فيما بعد أن كل تلك المعلومات كانت كاذبة وأنه تم توريطها في قصة تشهير سياسية كبيرة كان الوزير ضحيتها!‬
‫ل للشعب يرفض أن يطرح السئلة‪ ...‬يرفض أن "يعرف" ‪ ،‬لنه "يثق"‬
‫لقد دهشت لهذا التصرف ‪ ،‬فلول مرة في حياتي أرى ممث ً‬
‫بمعلوماته! ول شك أن نقص ثقافة "عدم الثقة" السليمة المتجهة إلى طرح السئلة والتأكد ‪ ،‬هو السبب في ذلك‪ .‬إنه نفس حال السنة‬
‫والشيعة ‪ ،‬فكل يعرف معلوماته التي "يثق" بها عن الخر ‪ ،‬ويرفض أن يذهب ويسأله للتأكد منها ‪ ،‬بل ربما هو سعيد بها ويخشى التأكد‬
‫منها!‬
‫نلخص ما جاء أعله بنقطتين ‪ ،‬الولى هي أن احترام مبدأ "عدم الثقة" لنفسنا يعني العتراف بحق الخر به وبأن يطالبنا بالتوضيح‬
‫ل ‪ ،‬فهؤلء إقناعهم سهل حتى بكذبة صغيرة ‪ ،‬وسيقبلونها حتى‬
‫المقنع له‪ .‬فل يجب أن تكتفي الحكومة بإقناع من يحبها ويتحيز لها أص ً‬
‫لو علموا أنها كذلك ‪ ،‬بل أن تأتي بالبيان الكافي لقناع من يقف ضدها أو على القل من يقف موقف ًا حيادي ًا منها ‪ ،‬وإن كنا مؤيدين‬
‫داعمين للحكومة فيجب أن نطالبها بإقناع هؤلء بدليل قوي ‪ ،‬ل أن نحميها من المساءلة ونكتفي أنفسنا بأتفه الحجج لنثق بما تقول‪.‬‬
‫علينا أن نفهم أن ليس لنا أن نطالب الخرين بالقتناع بحجة أصحابنا بالسهولة التي نقتنع بها نحن ‪ ،‬مثلما لنا الحق في "الشك"‬

‫بأصحابهم وعدم القتناع بما يقولون إل بالدليل القوي ‪ ،‬إن لم يكن القاطع‪ .‬ل يحق لنا أن نطالب بهذا الخير دون أن نمنح الخرين‬
‫نفس الحق بالشك وعدم الثقة‪.‬‬
‫النقطة الثانية هي أن نعتبر “الشك” سؤال مفتوح لم تتم الجابة عليه بعد ‪ ،‬وأن يكون رد فعلنا على الشك ‪ ،‬هو بذل الجهد للفحص ‪،‬‬
‫للوصول إلى الحقيقة ‪ ،‬وليس أن نستعمل هذا الشك مباشرة لنحدد من نكره ومن نحب ‪ ،‬ونحول شكوكنا إلى إدانات أو أنصاف إدانات‬
‫للمقابل ‪ ،‬دون السعي لتمييز الصحيح من الوهم منها‪.‬‬
‫إن النقطتين مترابطتين ‪ ،‬فإن اقتنعنا في داخلنا أن "حق عدم الثقة" هو حق طبيعي للخر )ولنا أيض ًا( فسوف يسهل علينا أن نجيب‬
‫على أسئلته بدون أن نتشنج ‪ ،‬وسيسهل علينا من الناحية الخرى أن نتجرأ ونذهب لسؤاله عما يقلقنا منه دون أن نخشى رد فعل سلبي‬
‫على سؤالنا ‪ ،‬على أن يكون السؤال مهذب ًا قدر المكان ‪ ،‬لكن دون أن يخجل من طرح الشكوك بحجمها الحقيقي‪ .‬إن من يسأل يجب أن‬
‫يشعر أنه يمارس حق ًا له ‪ ،‬ومن ُيسأل يجب أن يشعر أن تقديم الجواب واجب عليه‪.‬‬
‫هكذا فقط يتم استئصال عدم الثقة السلبي المثير للكراهية والخوف وإحلل محله ‪ ،‬ثقة ديناميكية متجددة بتنظيف نفسها المستمر ‪ ،‬ثقة لها‬
‫الجرأة على طرح السئلة والقوة اللزمة لتفرض على نفسها الجابة على السئلة ول تتعصب ضدها‪ .‬وعلينا أيض ًا أن نتعلم أن ل‬
‫نقابل شك ًا بـ "شك مقابل" وكأننا في حرب ملفات سيئة الصيت بين كتلنا السياسية ‪ ،‬وكأننا هواة لجمع الشكوك النائمة ‪ ،‬وبالتالي لجمع‬
‫الكراهية والتوتر والخوف والشقاق ‪ ،‬فتصير الفضائح أوراق ضغط ثمينة بيدنا ويصبح التآمر والتجسس والتشهير خلق ًا شائع ًا ومقبو ً‬
‫ل‬
‫في المجتمع ‪ ،‬ومن الواضح أن مجتمعنا قد سار طويل في هذا الطريق المخيف المؤدي إلى انتحاره‪ .‬لقد اكتشفت البشرية تلك الحقيقة‬
‫منذ زمن ديموسثين وليس لمن يريد البقاء على قيد الحياة أن يتخلف عن الركب بهذه المسافة‪.‬‬
‫‪Artikel 68 Nederlands Grondwet:‬‬

‫‪De ministers en de staatssecretarissen geven de kamers elk afzonderlijk en in verenigde vergadering mondeling‬‬
‫‪of schriftelijk de door een of meer leden verlangde inlichtingen waarvan het verstrekken niet in strijd is met het‬‬
‫‪belang van de staat.‬‬

‫أنظر أيض ًا‬

‫‪Controle Tweede Kamer - Parlement & Politiek‬‬
‫‪http://www.parlement.com/id/vh8lnhrpmxvm/controle_tweede_kamer‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful