You are on page 1of 109

‫محاكمة دعاة العدل والشورى(الدستور السلمي) في السعودية‬

‫ملحق الدفاع(‪)5-2‬‬

‫عوائق ضمانات نزاهة‬


‫القضاء السعودي العشرين‬
‫(أوإستقلل القضاء السعودي‬
‫عوائقه وكيفية تعزيزه)‬
‫نواة هذا الكتاب بحث قدم إلى (مؤتمر العدالة الثاني) المنعقد في القاهرة‬
‫خلل ‪24-22‬فبراير ‪2003‬م‪/‬في موضوع (استقلل القضاء السعودي‪ :‬عوائقه‬
‫وكيفية تعزيزه)‪ ،‬ثم سعى الكاتب الى توثيقه وتعميقه‪ ،‬مستفيدا من أبحاث‬
‫المؤتمر وغيرها‪.‬‬
‫ملحظة ‪ :1‬هذا (أصل النسخة المؤرخة ‪10/10/1425‬هـ(‪22/11/2004‬م)‬
‫ملحظة ‪ :2‬مطابقة النسخة التي أرفقها محامو الكاتب إلى مجلس القضاء العلى)مع الدفاع عن الكاتب(‬
‫‪)8/5/2005//29/3/1426‬‬
‫ملحظة ‪ :3‬مطابقة النسخة التي طبعتها اللجنة العربية لحقوق‬
‫النسان (حزيران‪/‬تموز ‪)2005‬‬
‫د‪ /‬أبو بلل عبد الله الحامد‬
‫الستاذ السابق في جامعة المام‪/‬الرياض‪.‬‬
‫نسخة مهذبة معدة لطبعة ثانية‬
‫‪1427 /06 /06‬هـ‪2006 /07 /02 //‬م‬

‫‪1‬‬
‫[‪]1‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم نبدأ وبه نستعين‬


‫وصلى ال وسلم على النبي البشير النذير‬
‫وعلى آلـه وصـحبه وأتبـاعه أجمعـين‬

‫[‪]2‬‬

‫شــــكــــر‬

‫‪2‬‬
‫أشكر العلماء والباحثين من القضاة والفقهاء والمحامين‪ ،‬الذين تكرموا‬
‫بقراءة مسودة البحث‪،‬وزودوني بملحظاتهم‪ ،‬فاستفدت من ثمرة قراءتهم‪ ،‬في‬
‫الطبعة الولى وأخص بالذكر منهم‪:‬‬
‫‪-1‬المحامي‪ /‬سليمان بن صالح الرشودي‪ :‬القاضي السابق وأحد مؤسسي‬
‫أول لجنة أهلية لحقوق النسان(في السعودية) سنة ‪1413‬هـ‪1994/‬م‬
‫‪-2‬المحامي‪/‬عبد ال بن محمد الناصري‪/‬الناشط الحقوقي‪/‬متخصص بالفقه‬
‫والقضاء السلمي‪.‬‬
‫‪ -3‬المحامي والمستشار القانوني‪:‬فيصل بن محمد اللزام‬
‫‪-4‬المحامي‪:‬إبراهيم المبارك‪ /‬متخصص بالفقه والقضاء السلمي‬
‫وأخص بالذكر منهم‪-‬في الطبعة الثانية‪:-‬‬
‫‪-5‬القاضي‬
‫‪-6‬المحامي‬
‫‪-7‬المحامي‬

‫[‪]3‬‬

‫فاتحة‪:‬‬

‫‪3‬‬
‫ما في استقلل القضاء السعودي من قصور‪ ،‬ليس نبتة خارج الثقافة‬
‫العربية المعاصرة‪ ،‬وجذورها القديمة‪ ،‬وبنائها التراكمي في ظلل الختلل‬
‫السياسي القديم‪.‬‬
‫وعندما تكون الكتابة وصف واقع؛ فإن على الكاتب أن يتكلم من دون وجل‪،‬‬
‫على أنه ليس؛ بمعصوم عن الزلل في المعلومات فضل عن الراء‪ ،‬وهو يعترف‬
‫بأنه إنما يقدم اجتهادا‪ ،‬ل يصادر به اجتهاد الخرين‪ ،‬ول يحتكر به الصواب‪.‬‬
‫كل ما يصر عليه أن من حقه كغيره أن يطمح إلى ماهو أفضل وأعدل‪ ،‬وكل‬
‫ما يرجوه أن يتعود المسئولون على سماع الرأي غير الرسمي دون تشكيك في‬
‫النيات والجتهادات‪ ،‬ولبد من جو الحوار المفتوح‪ ،‬قبل أن يهلك بقية حواسنا‬
‫الدوار‪ ،‬و بقية هويتنا الدمار‪ ،‬وفي ظلل البحث والحوار يمكن للناس أن تفرق‬
‫في فقه الشريعة بين ماهو وحي يجب له الذعان‪ ،‬وما هو اجتهاد ل يجوز‬
‫التسليم له إل ببرهان‪.‬‬
‫من أجل ذلك ينبغي أن أحيي القيادة السعودية مجسدة بخادم الحرمين‬
‫الشريفين الذي أعلن أن الصلح آت ل ريب فيه‪ ،‬وجسد إعلنه المير عبدال‬
‫بن عبد العزيز ولي العهد‪ ،‬ونائب رئيس مجلس والوزراء‪ ،‬عندما دشن فن‬
‫الحوار السياسي‪ ،‬لدى استقباله عشرات من الصلحيين المئة‪ ،‬المطالبين‬
‫بالدستور‪ ،‬و لسيما عندما أثاروا حقوق النسان واستقلل القضاء‪ ،‬وأكد إيمانه‬
‫بالمشاركة السياسية الشعبية‪ ،‬عندما قال للصلحيين‪" :‬رؤيتكم هي‬
‫مشروعي"‪.‬وأبان عن روح إصلحية وشفافية ووضوح‪.‬‬
‫والمنتظر من القيادة أن تجسد القوال بخطة تحولها إلى أفعال‪ ،‬فالناس‬
‫جميعا‪-‬ليس الصلحيون وحدهم‪ -‬ينتظرون تطويرا جديا من نظام الحكم الملكي‬
‫القائم المطلق الصلحيات‪ ،‬الذي هو صيغة أموية وعباسية‪ ،‬من أنماط الحكم‬
‫الجبري‪ ،‬ل بد أن ينمو فيها الجور والفساد إلى نظام ملكي دستوري نيابي محدد‬

‫‪4‬‬
‫الصلحيات يقوم على توزيع السلطات الى ثلث سلطات‪ ،‬والفصل بين السلطات‬
‫الثلث‪.‬‬
‫لنه ل يمكن الحديث أصل عن استقلل للقضاء‪ ،‬خارج إطار النظام‬
‫الدستوري‪ ،‬فأساس الحكم في كل الشعوب هو العدالة‪ ،‬ول يمكن أن تتحقق‬
‫العدالة‪ ،‬خارج إطار حكم شوري‪:‬‬
‫والبيت ل يبتنى إل على عمد‬
‫ول عماد إذا لم ترس أوتاد‬
‫وصدق ال العظيم ((وأن ليس للنسان ال ما سعى‪ ،‬وأن سعيه سوف‬
‫يرى))‬
‫((وقل اعملوا فسيرى ال عملكم ورسوله والمؤمنون‪ ،‬وستردون الى عالم‬
‫الغيب والشهادة‪ ،‬فينبئكم بما كنت تعملون))‪.‬‬

‫[‪]4‬‬
‫المقالة الولى‬
‫تعريف استقلل القضاء‬
‫‪5‬‬
‫أ‪-‬للعدالة معايير قياسبة في القواعد‪ ،‬وإجراءات‬
‫يقاس بها التطبيق‬
‫الدولة العربية المعاصرة تعلن في أنظمتها‪ ،‬استقلل القضاء‪ ،‬ولكن هل يكون‬
‫استقلل القضاء مجرد إعلن في ديباجة مرسوم أو قرار؟‪ ،‬وهل يمكن أن ينهض‬
‫مفهوم استقلل القضاء‪ ،‬دون ضمانات إجرائية‪ ،‬تجسد استقلل القضاء‪ ،‬تسد أبواب‬
‫التدخلت؟‪.‬‬
‫إن من السهل على الناس ‪ ،‬النشغال بالتعريفات والعبارات الرنانة‪ ،‬مثل‬
‫قضاء مستقل ‪ ،‬قضاء القانون ‪ ،‬وتطبيق الشريعة (انظر‪ :‬إطار برنامج استقلل‬
‫القضاء‪:‬أريك جانسون جانسون‪ )200:‬ولكن ليس العلن المبادئ جدوى ما لم‬
‫ينتصب جهاز هيكلي قضاء منظم ‪ ،‬بطريقة تضمن هذه الحقوق ‪ ،‬وإيصالها إلى‬
‫أصحابها بقطع النظر عن أي اعتبار وأي ضغوط ‪( .‬غازي الغرايري ‪ ،‬استقلل‬
‫القضاء في تونس‪. )10:‬‬
‫والحكم على أي بلد بمدى استقلل قضائه يعتمد على درجتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬إعلن نظريات الحقوق والجراءات العملية لتنفيذها‪ ،‬نصوصا في‬
‫الدستور‪ ،‬أو في نظام القضاء‪.‬‬
‫الدرجة الثانية‪ :‬مدى تطبيقها‪.‬‬

‫ومن أجل ذلك لبد من أسلوب قياسي ‪ ،‬يحدد معاني هذه المصطلحات ( انظر‬
‫‪ :‬جانسون ‪ )200 :‬مبني على علقة القضاء بالقتصاد والمجتمع والثقافة والتاريخ‬
‫‪ ،‬لبد من منهج عملي يعتمد على أبحاث علم الجتماع ‪ ،‬لستقاء أدلة وأقيسة‪ ،‬عبر‬
‫دراسات مسحية تجريبية تشمل‪. :‬‬
‫‪-1‬فحص سجلت الدعاوي من أجل فهم دوافع الخصوم ‪.‬‬
‫‪-2‬جودة التسبيب القضائي ‪.‬‬
‫‪-3‬معدلت التبرنة ‪.‬‬
‫‪-4‬تنفيذ الحكام ‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫‪-5‬تحليل الميزانية ‪.‬‬
‫‪-6‬دراسات مسحية ‪.‬‬
‫‪-7‬استفتاء الرأي العام ( انظر جانسون ‪. )201 :‬‬
‫ول مجرد تطبيق أنماط قضائية تصلح لمجتمع قديم بسيط‪ ،‬على مجتمع حديث‬
‫تعقدت فيه المور‪ ،‬لبد فيه أن "تحدث للناس‪ -‬كما قال عمر بن عبد العزيز‪-‬‬
‫أقضية‪ ،‬بمقدار ما أحدثوا من الفجور"‪ .‬ليس الفجور فحسب‪ ،‬بل كثرة المشكلت‬
‫والتعقيدات‪ ،‬التي اتسمت بها المجتمعات الحديثة والقتصاد‪.‬‬
‫إن المسألة ليست هل كان تدخل وزير العدل مثلً في مصلحة العدالة أم‬
‫ل‪ ،‬بل هي أنه يجب سد جميع المنافذ التي تسمح باحتمالت تدخل وزير العدل‪ ،‬حتى‬
‫ولو كان تدخله أو تدخل السلطة التنفيذية أصوب ‪ ،‬لنها أن أصابت مرة لم تصب‬
‫المرة الخرى ‪ ،‬لن صوابها ذاتي ‪ ،‬وليس منهجيا ‪ .‬وإذا كان القضاة يحتاجون إلى‬
‫تدخل السلطة التنفيذية(ورعايتها) من أجل تحقيق العدالة‪ ، ،‬فإن ذلك خلل في‬
‫القضاء ينبغي تحديده وعلجه‪:‬‬
‫‪-1‬هل الخلل في عدالة نظريات الحقوق؟ ‪.‬‬
‫‪-2‬هل هو بسبب أن الموارد المالية في المحاكم ضعيفة؟‪.‬‬
‫‪-3‬هل سلب القضاء شخصيته المعنوية ‪ ،‬بحيث ل يستطيع أن يحقق‬
‫العدالة‪.‬‬
‫‪-4‬هل إجراءات المحاكم وهياكلها سليمة ‪.‬‬
‫وإذن ينبغي إصلح القضاء من الداخل ل من الخارج‬

‫[‪]5‬‬

‫ب‪-‬المفهوم والمصطلح‪:‬‬

‫‪7‬‬
‫يقصد باستقلل القضاء أن يكون محققا كل ما يضمن حقوق الناس‪ ،‬من‬
‫قواعد المباديء العادلة‪ ،‬في حقوق النسان والمتهم‪ ،‬وما يلزم لتحقيق العدالة من‬
‫إجراءات وآليات وهياكل‪.‬‬
‫المقصود بالستقلل‪ ،‬أن تكون هناك ضمانات لعدالة القوانين والقواعد‬
‫القضائية‪ ،‬وضمانات لنزاهة التطبيق‪.‬‬
‫أما وضع هذه ضمانات العدالة والنزاهة تحت مصطلح (الستقلل)‪ ،‬ففيه‬
‫إشارة إلى أن أبرز مظاهر العدوان على عدالة القضاء وأخطرها‪ ،‬هو تدخلت‬
‫السلطين المستبدين وأهوائهم‪.‬‬
‫وعندما ينادى بالقضاء المستقل؛ فإن المعنى اليجابي الساسي هو استقلله‬
‫عن الحكومة‪ ،‬فلكي يكون القضاء عادل‪ ،‬لبد أن يكون مستقل الشخصية‪ ،‬فل تستبد‬
‫الحكومة‪ ،‬في تعيين قضاته‪ ،‬فتعين من داهنها ‪ ،‬وترقّي من باع ضميره وحكم لها‬
‫عند الخلف‪ ،‬وتعزل من عرفه الناس بالنصاف و بقوة الشخصية‪.‬‬
‫وأن يستقل القضاء في ميزانيته المالية وكوادره الدارية‪ ،‬فيقدر ماليته‬
‫بنفسه‪ ،‬ول تكون نفقاته شحيحة‪ ،‬تقلل من فعاليته‪ ،‬وأن تعاقب أي جهة من السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬تحاول مجرد محاولة أن تؤثر على قراراته‪ ،‬وأن تكون للقضاة حريتهم‬
‫في التجمع والنشر‪ ،‬والتعبير عن موقف القضاء تجاه أي قضية‪ ،‬وأن يكون من حق‬
‫القاضي رفض ونقض أي قانون أو أمر يخالف العدالة‪ ،‬مهما كانت منزلة مصدره‪.‬‬
‫وأن ل يسجن سجين إل بحكم قضائي‪ ،‬وأن يشرف على السجون فيخرج من‬
‫السجن كل متهم ل حكم عليه‪ ،‬و أن يضمن القضاء مواصفات للسجون تليق‬
‫بالكرامة النسانية‪ ،‬وأن تنفذ أحكامه في وقت قياسي‪ ،‬وأن يكون قادرا على أن يلزم‬
‫السلطة التنفيذية‪ ،‬بتنفيذ كل حكم يصدره‪ ،‬وأن يضمن التنفيذ السريع‪ ،‬كأن يقوم هو‬
‫نفسه بالتنفيذ‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى ركز على جعل استقلل القضاء عنوان العدالة‪ ،‬لن أي قضاء‬
‫ل يستقل عن الدولة‪ ،‬ل يضمن أن يكون عادلً‪ .‬وهذه المعايير ضمنتها الدول‬

‫‪8‬‬
‫الحديثة هذا المصطلح‪ ،‬حتى صار مصطلحا عالميا عابرا القارات‪،‬كالديمقراطية‬
‫وحقوق النسان وحقوق المتهم‪.‬‬
‫إذن يقصد باستقلل القضاء "أن ل يخضع القضاة في ممارساتهم لعملهم‪،‬‬
‫لسلطان أي جهة أخرى وأن يكون عملهم خالصا لقرار الحق والعدل‪،.....،‬‬
‫ويقتضي ذلك الحيلولة دون تدخل أي جهة مهما كانت طبيعتها ووظيفتها‪ ،‬لتوجهه‬
‫وجهة أخرى‪ ،‬أو لتعرقل مسيرته‪ ،‬أو لتعرض عن أحكامه‪ ،‬كما يقتضي أن يحاط‬
‫القضاة بسياج من الضمانات‪ ،‬يقيهم كل تجاوز أو اعتداء من شأنه أن يخدش مبدأ‬
‫العدالة‪ ،‬التي لتنمو إل في حوض الستقلل (معالم استقلل القضاء في‬
‫الشريعة‪:‬عمار التهامي ‪.‬مجلة البحوث الفقهية ربيع الول ‪1417‬هـ ص‪.):227:‬‬
‫وإذن فإن الدعوة إلى استقلل القضاء ‪ ،‬ل تعني أن يكون القضاة أسيادا‬
‫على المة ‪ ،‬بل خدما لها ‪ ،‬كما عبرت إحدى المحاكم الكندية " القضاة خادمون‬
‫للشعب ‪ ،‬وليسوا أسيادا عليه " ‪ .‬وهذا يعني أن استقلل القضاء ‪ ،‬ل يعنى أن تكون‬
‫أيديهم مطلقة ‪ ،‬بل هو استقلل تصحبه المسئولية ‪ ،‬ويصحبه مبدأ المحاسبة‬
‫(استقلل القضاء في العالم العربي‪.‬ناثان ج‪.‬براون وعادل عمر شريف‪. ) 15 :‬‬
‫ويتضح من ذالك أن مفهوم استقلل القضاء مفهوم محوري‪ ،‬تدور حوله قيم‬
‫وهياكل في مداره‪ ،‬وأنه ليعنى ما يفهم أول وهلة‪:‬أن يكون القاضي حر التصرف‬
‫من دون ضوابط‬
‫والحكم على أي بلد بمدى استقلل قضائه يعتمد على درجتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬إعلن نظريات الحقوق والجراءات العملية لتنفيذها‪ ،‬نصوصا في‬
‫الدستور‪ ،‬أو في نظام القضاء‪.‬‬
‫الدرجة الثانية‪ :‬مدى تطبيقها‪.‬‬
‫بعبارة أخرى يقصد باستقلل القضاء مجموعة من المبادئ والنظريات‪،‬‬
‫والجراءات والهياكل التي تعزز مستوى العدالة‪ ،‬تتوزع في حقلين‬

‫‪9‬‬
‫الول‪( :‬المضمون)‪ :‬وهو حفظ الحقوق الفردية والجماعية‪،‬كحقوق المواطنين‬
‫السياسية‪ ،‬وقوامه عدالة القواعد القضائية‪ ،‬ووضوحها وتحديدها وتوحيدها‬
‫وشمولها‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الهياكل والجراءات والتفريعات‪ ،‬التي تضمن تنفيذ المضمون‪.‬‬
‫[‪]6‬‬

‫المقالة الثانية‪:‬‬
‫معايير استقلل القضاء العشرون‪:‬‬
‫لقد أصبح لستقلل في العصر الحديث معايير دولية‪ ،‬يقاس بها القضاء في‬
‫كل دولة‪ ،‬وبحسب تطبيق هذه المعايير‪ ،‬يحكم على القضاء في بلد ما بنجاحه الكبير‬
‫أو القليل في تعزيز استقلل القضاء‪ ،‬وبحسب إخلله بهذه المعايير‪ ،‬يحكم بفشل‬
‫السلطة التنفيذية أو إخفاقها عن تحقيق الستقلل‪.‬‬
‫وهذه المعايير منها ما يتصل بنظرية (الحقوق) أي العدالة ومنها ما يتصل‬
‫بإجراءات إحقاق الحقوق (أي النزاهة)‪ ،‬ومنها ما يتصل بالهياكل المقامة‪ ،‬وحيث‬
‫إنه من الصعب إعطاء تعريف محدد لستقلل القضاء لختلف الثقافات وأنظمة‬
‫الحكم‪ ،‬صار من المناسب إعداد معايير عالمية تناسب جميع النظم السياسية‬
‫والقضائية في العالم (شريف وبراون ‪.)3 :‬‬
‫وقد صادقت المم المتحدة؛ على عدد من الوثائق‪ ،‬في حقوق النسان‪،‬‬
‫وحقوق المتهم‪ ،‬وحقوق اللجئين‪ ،‬ومنع الجريمة ومعاملة المجرمين‪ ،‬وعلى‬
‫المبادئ الساسية لستقلل القضاء ) سنة ‪1985‬م(هاشم مناع‪ :‬المعان في حقوق‬
‫النسان‪ :‬ملحق المجلد الثاني)‪ ،‬وهذه المبادئ في الجملة‪-‬لبالجملة‪ ،-‬من ما أقره‬
‫السلم قبل أربعة عشر قرنا من تنادي المم إليه‪ ،‬ويمكن بلورة العناصر الساسية‬
‫فيها‪ ،‬في نيف وعشرين نقطة تجسد استقلل القضاء‪:‬‬
‫المعيار الول‪ :‬إقرار حقوق النسان‪:‬‬

‫‪10‬‬
‫بإعلن نظريات للحقوق محددة واضحة‪ ،‬أي تقرر الدولة في أنظمة ولوائح‬
‫مدونة معلومة للكافة‪ ،‬معايير ما للناس‪ ،‬أفرادا وجماعات‪ ،‬من حقوق اقتصادية‬
‫ومدنية واجتماعية وثقافية‪ ،‬وسياسية‪ ،‬من ما اهتدت إليه الطبائع البشرية بالفطرة‬
‫والخبرة‪ ،‬وأكدته وهذبته وكملته الشرائع السماوية‪.‬‬
‫المعيار الثاني ‪ :‬إقرار حقوق المتهم‪:‬‬
‫بأن تكون هذه الحقوق وضماناتها وإجراءاتها العملية معلنة في الدستور‪،‬‬
‫وفق المعايير الدولية‪ ،‬التي أصدرتها المم المتحدة‪ ،‬وهي أقل من ما أعلن السلم‬
‫مبادئه العامة‪ ،‬وطبق عصر صدر السلم ماناسب زمانهم ومكانهم من تفريعات‪،‬‬
‫قبل أربعة عشر قرنا‪ ،‬من إعلن وثائق المم المتحدة‪.‬‬
‫المعيار الثالث‪ :‬الهيكل الدستوري ‪/‬الفصل بين السلطات الثلث‪:‬‬
‫بأن ينص في الدستور على فصل السلطات الثلث‪:‬السلطة التنفيذية والنيابية‬
‫والقضائية‪.‬‬
‫المعيار الرابع‪ :‬وجود محكمة دستورية عليا (محكمة العدل العليا)‪:‬‬
‫تستطيع أن تراقب ما تصدره السلطة التنفيذية من لوائح وقرارات وما‬
‫تصدره السلطة النيابية من قوانين وأنظمة‪ ،‬لكي لتكون يد الحاكم مطلقة التصرف‪،‬‬
‫في سن قوانين تسيء التصرف في أموال المة وأخلقها‪ ،‬ونظام تربيتها‪،‬‬
‫وعلقاتها الخارجية‪.‬‬
‫المحكمة مختصة بالنظر في دستورية القوانين التي تصدرها السلطة النيابة‬
‫أو التنفيذية استثنادا إلى مرجعية الدستور‪.‬‬
‫المعيار الخامس‪:‬أن ل تنفرد السلطة التنفيذية بالتعيين والتشكيل‪ :‬بأن‬
‫تشترك أكثر من سلطة‪ ،‬في تعيين قضاة المحاكم و تشكيل المجالس القضائية الثانية‬
‫والعليا‪ ،‬لكي يسد باب احتمال التدخلت‪ .‬وتستقل السلطة القضائية بتعيين قضاة‬
‫المحاكم الولى‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫المعيار السادس‪ :‬حصانة القضاة من التعسف ‪ :‬تفتيشا وتأديبا وعزل و ترقية‬
‫ونقل‪ :‬لن فعالية هيئات التفتيش والمساءلة والمتابعة والتأديب تحاسب المقصرين‪،‬‬
‫وهي أيضا تدحض ما يوجه من تهم إلى القضاة العادلين‪ ،‬عندما تمكنهم من الدفاع‬
‫عن أنفسهم‪ ،‬فتسهم في حفظ كرامتهم‪ ،‬بإزالة الشبه عنهم‪.‬‬
‫ولذلك ينبغي حصانة القاضي من التعسف تأديبا وعزل‪ ،‬بل وترقية ونقل‪ .‬بأن‬
‫تساعد مدة بقائه في الوظيفة‪ ،‬على حصانة القضاة من شبح العزل التعسفي‪ .‬أي‬
‫حصانة القاضي حتى من الترقية والنقل‪ ،‬من دون رغبته‪ ،‬فضل عن حمايته من أي‬
‫تعسف‪ ،‬تأديبا وفصل‪ ،،‬إل بأدلة برهانية قاطعة ‪ ،‬تثبت عدم قدرته على أداء‬
‫وظيفته‪ .‬وحصانة القضاة ضد الهجوم عليهم شخصيا أو مهنيا‪ ،‬فل يجوز أن يطلب‬
‫منهم التعويض النقدي‪ ،‬على أي حكم صدر منهم ‪ ،‬مادام تطبيقا تسمح به قواعد‬
‫القضاء‪.‬‬
‫ويكون سياق الدلة ضمن إجراءات محددة معلومة ‪ .‬وأن يكون الجهاز الذي‬
‫يتولى التأديب مستقل عن الجهة التي تتولى التفتيش وتكتب تقارير الكفاية‪ ،‬وأن‬
‫يكون أعلى منها‪ .‬وأن يكون التفتيش القضائي من داخل السلطة القضائية‪ ،‬ل من‬
‫خارجها كما أوصى إعلن بيروت في المؤتمر العربي الول للعدالة سنة ‪1999‬م‬
‫(استقلل القضاء في العالم العربي‪.‬ناثان ج‪.‬براون وعادل عمر شريف ‪.)23 :‬‬
‫المعيار السابع‪ :‬اللتزام بالقضاء الطبيعي و إلغاء القضاء الستثنائي ‪:‬‬
‫بأن يمنح القضاء الختصاص في جميع المسائل ذات الطبيعة القضائية ‪،‬‬
‫وأن يكون وحده صاحب السلطة ‪ ،‬وأن ل يتحاكم الناس إلى محاكم استثنائية ‪،‬‬
‫تنتزع اختصاص القضاة‪ .‬وتخل بمبدأ مساواة الخصوم بين يدي القضاء‪ ،‬وأن ل‬
‫يحال أي متهم إلى محاكم استثنائية‪ ،‬بل يضمن حقه في الجلوس أمام القضاء‬
‫الطبيعي‪.‬‬
‫المعيار الثامن‪ :‬استقلل القضاء في الفصل في القضايا وانعدام التدخلت‪:‬‬

‫‪12‬‬
‫بكف يد السلطة التنفيذية عن التدخل في شئون القضاء ‪.‬وأن يحاسب أي‬
‫مسئول من السلطة التنفيذية ‪ ،‬يثبت أنه حاول التأثير على القضاة‪ ،‬ول يكفي أن‬
‫يتقرر ذلك نظاما‪ ،‬بل لبد من التطبيق الفعال له‪ ،‬كما أوصى مؤتمر العدالة العربي‬
‫الول ‪.‬‬
‫المعيار التاسع‪ :‬هيئة التحقيق و الدعاء العام تتبع القضاء أو يشرف‬
‫عليها‪:‬‬
‫بأن ل تكون هيئة التحقيق والدعاء مرتبطة بوزير الداخلية‪ ،‬لن كل من‬
‫التحقيق والدعاء العام قضاء‪ ،‬ينبغي أن ل يستثنى من ارتباطه بالقضاء‪ ،‬كي‬
‫يضمن القضاء أن التحقيق يتم وفق مبادئ وإجراءات عادلة‪ ،‬ل تعذيب فيها‪.‬‬
‫المعيار العاشر‪ :‬إلحاق السجون بوزارة العدل‪:‬بأن تكون السجون أيضا‬
‫مرتبطة بالقضاء‪،‬أو بوزارة العدل‪ ،‬ل بالسلطة التنفيذية‪ ،‬لن السجن إما إيقاف من‬
‫أجل التحقيق‪ ،‬أو عقوبة يقضيها السجين‪ ،‬وكل المرين من شئون القضاء‪ ،‬ولكي‬
‫يضمن القضاء عدم افتئات السلطة التنفيذية على حقوق الناس‪ ،‬ولكي يضمن توافر‬
‫المعايير التي تليق بكرامة النسان في السجون‪.‬‬
‫المعيار الحادي عشر‪ :‬ولكي يضمن القضاء تنفيذ أحكامه بسرعة ودقة‪،‬‬
‫ينبغي ينفذ الحكام القضائية بنفسه‪ ،‬فيتواجد (قاض تنفيذي) في كل محكمة‪،‬‬
‫وظيفته تنفيذ جميع الحكام في وقت سريع‪ ،‬أو على القل قاض لمتابعة التنفيذ‪،‬‬
‫حفظا لكرامة القضاء ونزاهته وحقوق الناس‪..‬‬
‫المعيار الثاني عشر‪ :‬رقابة القضاء على السلطة التنفيذية والنيابية‪:‬‬
‫أن يستطيع القضاء مراقية قرارات السلطة التنفيذية والنيابية وأوامرها‪،‬‬
‫ويبت في سلمتها‪ ،‬وأن يستطيع القاضي رفض تطبيق أي قرار أو أمر أو قانون‬
‫يخالف دستور المة‪ .‬وليس هذا فحسب‪ ،‬بل أيضا يكون من حقه إبطال أي قرار أو‬
‫أمر أو قانون يخالف الدستور ‪.‬إذ ل يمكن استقلل القضاء ‪ ،‬إل بأن تكون له سلطة‬
‫مراقبة السلطتين التنفيذية والنيابية‪ ،‬وإبطال ما تصدران من أنظمة وقرارات‬

‫‪13‬‬
‫وأوامر‪ ،‬تخالف الدستور‪ ،‬من أجل ذلك ل يكون للقضاء استقلل‪ ،‬من دون فصل‬
‫بين السلطات الثلث ‪ ،‬كي ل يكون هيئة تابعة الخرى ‪ ،‬وذلك يحول دون هيمنة‬
‫سلطة على أخرى ‪ .‬ويسمح بأن تراقب سلطة القضاء السلطتين التنفيذية أو‬
‫النيابية‪ ،‬ويضمن التعاون القائم على الندية ‪ ،‬وتحاشى التبعية ( انظر الشريف‬
‫وبراون ‪.)9 :‬‬
‫المعيار الثالث عشر‪ :‬وضوح الساس القانوني ‪:‬‬
‫بأن تكون القواعد القضائية والجراءات التي تطبق على الوقائع‪ ،‬ذات صفات‬
‫أربع‪ :‬محددة موحدة مدونة منشورة للكافة‪ ،‬لكي ل يتم الخلل بها من أجل تفادي‬
‫نوعية الحكم‪ ،‬أو اللتفاف على تنفيذه‪.‬‬
‫المعيار الرابع عشر‪ :‬علنية المحاكمة بأن تصبح القاعدة السائدة؛هي العلنية‬
‫في جلسات المحاكم وقراراتها ومعلوماتها وكل إجراءاتها القضائية‪ ،‬ول سيما في‬
‫المحاكمات السياسية‪.‬‬
‫المعيار الخامس عشر‪ :‬الشفافية‪:‬‬
‫بأن تكون هناك معايير موضوعية ذات شفافية‪ ،‬في كل أعمال القضاء‪،‬‬
‫ليتمكن الناس من تشجيع القضاء العادل‪ ،‬وأن تتوافر الشفافية‪ ،‬في توزيع رئيس‬
‫المحكمة القضايا على القضاة‪ ،‬وأن تكون القاعدة هي الشفافية‪ ،‬في تعيين القضاة‬
‫ونقلهم وترقيتهم‪،‬وفي سجلت المحاكم‪ ،‬وفي أحكامها‪ ،‬وأن يعلن القضاة عن دخلهم‬
‫سدا لذرائع الفساد‪.‬‬
‫المعيار السادس عشر‪ :‬البت في القضايا ‪،‬دون أي تأخير‪.‬‬
‫بأن يكون هناك معدل قياسي للفصل في القضايا‪ .‬باعتبار التأخير في الفصل‬
‫لغير سبب قوي‪ ،‬فضل عن تأخير التنفيذ‪ ،‬نوعا من أنواع الظلم غير المباشر‪ .‬وأن‬
‫تتولى كل محكمة متابعة القضايا‪ ،‬من أجل ضمان عدم تأخر البت‬
‫المعيار السابع عشر‪ :‬تجنب المركزية‪:‬‬

‫‪14‬‬
‫للمحاكمات ول سيما الجنائية مراحل أربع‪:‬الولى‪ :‬التحقيق مع المتهم الثانية‪:‬‬
‫توجيه التهام الثالثة‪ :‬تطبيق الوقائع على القواعد ‪ ،‬الرابعة‪ :‬الحكم‪ .‬ولتضمن‬
‫العدالة إذا قام بالمراحل الربع قاض واحد‪.‬‬
‫المعيار الثامن عشر‪ :‬كفاية النفقات واستقلله بشئونه الدارية والمالية‬
‫إن القضاء ل يحتاج إلى الستقلل عن السلطة التنفيذية في المسائل القضائية‬
‫فحسب‪ ،‬بل ينبغي أن تكون له القدرة على إدارة شئونه كلها وتنظيمها في إطار‬
‫مؤسساته‪ ،‬ولسيما شئون المالية والدارية‪.‬‬
‫وهذا يضمن أن يتلقى الموارد الوافية التي تجعله قادرا على أداء مهماته‬
‫بكفاءة عالية‪،‬في عدد القضاة والموظفين والتجهيز والمباني‪ ،‬وسائر الخدمات‪.‬‬
‫المعيار التاسع عشر‪ :‬التأكيد على كفاية القضاة(مهنيا ومسلكيا)‬
‫بأن يتم تعيين القاضي على أسس معايير مهنية‪ ،‬تنحصر بالجدارة المهنية‬
‫الموضوعية والمسلكية‪.‬من دون أي تمييز سياسي أو مذهبي‪ ،‬أو عنصري أو‬
‫إقليمي‪ ،‬ماعدا كونه متمتعا بجنسية الدولة‪ ،‬وأن يكون للقضاة مؤهلت كافية ذوي‬
‫ثقافة حقوقية كافية‪ ،‬وأن يتم تدريبهم تدريبا كافيا في الجامعات‪ ،‬وأن يكونوا‪.‬‬
‫المعيار العشرون‪ :‬تكامل الهياكل القضائية‪:‬‬
‫بأن توجد هياكل وإجراءات‪ ،‬تضمن تنفيذ هذه (المبادئالدستورية كالفصل بين‬
‫السلطات الثلث‪ ،‬وإنشاء المحكمة الدستورية العليا‪ .‬والمجلس العلى للقضاء‬
‫وهيئة التحقيق والدعاء)‪ .‬وأن تقسم المحاكم هرميا درجات‪ :‬محاكم ابتدائية‬
‫ومحاكم استئناف ونقض‪ .‬وأن تقسم المحاكم موضوعيا حسب الختصاص وكثرة‬
‫القضايا‪،‬كالقضاء الجنائي والداري والتجاري والمدني والحوال الشخصية‬
‫والعقاري وقضاء المطبوعات‪.‬‬
‫المعيار الحادي و العشرون‪ :‬الجر المتساوي الوافي الذي يحفظ كرامة‬
‫القاضي‪:‬‬

‫‪15‬‬
‫الجر الوافي يسهم في ضمان كرامة القاضي‪ ،‬وهيبته وحصانته‪ ،‬وهذه‬
‫المور تسهم في استقلله‪ ،‬بأن يعمل القاضي حتى سن التقاعد‪ ،‬بأجر واف‪ ،‬أكثر‬
‫من من يحملون مثل مؤهله‪ ،‬أو يعملون في منطقته‪ ،‬في السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫المعيار الثاني و العشرون‪ :‬توافر جمعيات للقضاة ‪:‬‬
‫بأن يكون للقضاة الحق في تشكيل النوادي والجمعيات ‪ ،‬أو أي تنظيمات‬
‫يكون الهدف منها تمثيل مصالحهم ‪ ،‬وحماية استقللهم ‪ ،‬ويكون لهذه النوادي حق‬
‫إصدار المنشورات والمطبوعات‪ ،‬وعقد المؤتمرات ‪ .‬وحرية الجتماع والتجمع‬
‫وحرية التفكير والتعبير‪ ،‬والمشاركة العامة‪ ،‬على أن يتصرفوا بشكل يحفظ هيبة‬
‫مناصبهم واستقلل القضاء ‪.‬‬
‫المعيار الثالث و العشرون‪ :‬تفاعل تجمعات المجتمع المدني الهلية‬
‫ليس ضمان نزاهة القضاء في نص عادل وقاض ذي ضمير وعلم فحسب‪،‬‬
‫بل هو أن يجد القضاة العدول‪ ،‬على الخير أعوانا من المجتمع‪ ،‬يساندونهم‪،‬‬
‫فالقاضي العادل من دون دعم المجتمع كما قال عمرو بن معدي كرب‪:‬‬
‫فلو أن قومي أنطقتني رماحهم‬
‫نطقت ولكن الرمــــاح أجرت‬
‫ول تضمن عدالة قواعد القضاء ول نزاهة القضاة‪،‬مالم يكن الجمهور جاهزا‬
‫للدفاع عن القضاة‪ ،‬عندما تحيق بهم أهواء المراء والرؤساء‪ ،‬ول يتكتل تفاعل‬
‫الجمهور إل من خلل التجمع المدني الهلي‪.‬‬
‫من أجل ذلك ينبغي للقضاة أن يقووا علقتهم بالجمهور‪ ،‬من خلل إقناعه‬
‫بعدالة أحكامهم‪ ،‬ول يكفي أن يعتقد القضاة أنهم عادلون مستقلون‪ ،‬بل لبد من أن‬
‫يقنعوا الناس بذلك‪ ،‬فالناس شهود ال في أرضه‪ ،‬كما يقول الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫من أجل ذلك صار من حق جماعات التجمعات المدنية الهلية‪،‬أن تتابع أحكام‬
‫القضاء‪ ،‬وتعبر عن وجهة نظرها فيها‪ ،‬وتكشف مافيه من إخلل‪ ،‬ولسيما‬

‫‪16‬‬
‫المحامون ودعاة حقوق النسان والعلميون‪ ،‬لن متابعة هذه الجماعات؛ تقوي‬
‫استقلل القضاء‪ ،‬كما أن دعمها القضاء العادل‪ ،‬يحمى القضاة من تدخل الدولة‪.‬‬

‫[‪]7‬‬
‫المقالة الثالثة‬
‫المعضلة في جذور الفكر‬
‫القضائي العباسي‪:‬‬
‫قبل القضاء السعودي‪:‬‬
‫أ‪-‬الصياغة العباسية للحقوق أخلت بنظام السلم‪:‬‬
‫إن أمام أي حكومة إسلمية حديثة تريد أن تطبق قضاء إسلميا مشكلة‬
‫تراثية في جذور الفكر القضائي أي في الصياغة العباسية للثقافة السلمية‪،‬‬
‫وهي في المبادئ والجراءات والهياكل معا‪ ،‬وهذه المشكلة تبدو آثارها على‬
‫القضاء‪ ،‬ول يمكن الخلص منها إل باجتهاد قضائي أصولي‪ ،‬يعيد بناء القضاء‬
‫على الكتاب والسنة نصوصا و استقراءا‪ ،‬ويأخذ من اجتهادات الفقهاء ومن‬
‫المعايير الدولية لستقلل القضاء ما اتسق معه‪.‬‬
‫والتجديد الفقهي والقضائي المأمون؛ لن يصل إليه المحاولون ما لم‬
‫يستطيعوا الفرز الكافي بين ما في التراث الفقهي في شق الشريعة المدني من‬
‫قطعيات يجب لها التسليم‪ ،‬تطبيقا لقوله تعالى "وما كان لمؤمن ول مؤمنة؛ إذا‬
‫قضى ال ورسوله أمرا‪ ،‬أن يكون لهم الخيرة من أمرهم "‪ ،‬وتلبية لقوله تعالى‪:‬‬
‫"يأيها الذين آمنوا استجيبوا ل والرسول؛ إذا دعاكم لما يحييكم‪.‬‬
‫وبين ما بني عليه من اجتهادات‪ ،‬هي من قبيل الرأي المعرض للخطأ‬
‫والصواب فهو بضعة مستويات‪ ،‬ينبغي فرزها وتصفيتها‪.‬‬

‫[‪]8‬‬
‫ب‪-‬فحص التراث في مصباح الشريعة ومشكاة النبوة‪:‬‬

‫‪17‬‬
‫إذا تأملنا الموروث العباسي في مرءاة الكتاب والسنة‪ ،‬وجدناه يرسخ‬
‫مفاهيم ونظريات‪ ،‬فيها شيء من الختلل ولكنه جوهري‪ ،‬نتج في عصور‬
‫الختلل السياسي ‪ ،‬وتوقف إنتاج الطر منذ ألف عام‪ ،‬وفيه نظريات وأفكار ل‬
‫تنسجم مع معايير العدل السلمي‪ ،‬وقد تبناها القضاء السعودي‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪-1‬أنه في كثير من القواعد القضائية (القانونية) سواء في شق تحديد‬
‫الجريمة‪ ،‬أو شق تحديد العقوبة‪ ،‬يعتمد على اجتهاد القاضي الشخصي‪ ،‬الذي‬
‫مهما حاول الموضوعية‪ ،‬لن يبرأ من الذاتية‪ ،‬التي هي في النهاية الضمير‬
‫الفردي‪ ،‬بدل من اعتماده على أساس قانوني(قواعد قضائية)‪ .‬موحدة مدونة‬
‫محددة‪.‬‬
‫‪-2‬ومستوى العدالة منخفض في منظومة حقوق الناس أفرادا وجماعات‬
‫ومجتمعا‪.‬‬
‫‪-3‬وهو يكبر حقوق السلطة التنفيذية‪ ،‬ويخص رأس الدولة بـ(ولي المر)‪،‬‬
‫وهو مصطلح أموي عباسي‪ .‬كان يطلق على كل ذي ولية‪ ،‬كالقاضي وصاحب‬
‫ديوان المظالم وللمحتسب ثم استقل بمفهومه المير والملك‪ ،‬فصار ذا مضمون‬
‫استبدادي‪ ،‬ألغى سلطة المة‪ ،‬وهمش مفهوم استقلل القضاء‪ ،‬فأضاع حقوق‬
‫الناس‪.‬‬
‫‪-4‬وهو يركز تطبيق الشريعة على جانب العقوبات والواجبات‪ ،‬ويهمش‬
‫جانب الحقوق‪ ،‬و لسيما إقامة فريضة العدالة الجتماعية‪ ،‬وهو أكثر ما أخل به‬
‫القضاء الموي والعباسي‪ ،‬في مجال العدالة الجتماعية وضابطها الشورى‬
‫الشعبية الملزمة‪ ،‬وقيم المجتمع المدني وتجمعاته الهلية‪.‬‬
‫‪-5‬وهو يركز القضاء على النزاعات الفردية بين الناس‪ ،‬ول يستطيع أن‬
‫يمتنع عن تطبيق القانون الجائر‪ ،‬الذي قد تصدره السلطة التنفيذية‪ ،‬فضل عن‬
‫أن يكون له سلطة إلغاء القانون الجائر‪.‬‬

‫‪18‬‬
‫‪-6‬وليس فيه إجراءات كافية‪،‬تضبط صلحيات السلطة التنفيذية‪ ،‬من أن‬
‫تحل محل السلطة النيابية‪.‬‬
‫‪-7‬وليس فيه ضمانات كافية‪،‬تمنع تدخل السلطة التنفيذية في القضاء‪.‬‬
‫‪-8‬وليس فيه ضمانات وإجراءات صارمة‪ ،‬تمنع انتهاك حقوق المواطنين‪،‬‬
‫ثقافية ومدنية واجتماعية وسياسية واقتصادية‪،‬عند ضعف الضمير والغفلة عن‬
‫حقوق النسان في السلم‪.‬‬
‫‪ -9‬وهو ينحو منحى التشدد في العقوبات‪ ،‬في اختيار أحد الرأيين من‬
‫المور التي فيها خلف فقهي معتبر‪.‬‬
‫‪-10‬وهو ل يقدم ضمانات كافية للمتهمين عامة‪ ،‬ولسيما المتهمين بتهم‬
‫سياسية‪.‬‬
‫‪-11‬وهو يعاقب على التهمة‪ ،‬عند عدم كفاية الدلة(بما يسميه التعزير على‬
‫الشبهة‪ ،‬وليس لذلك مستند شرعي‪ ،‬فعمر بن الخطاب لم يعزر المغيرة بن شعبة‬
‫رغم قوة الشبهة)‪.‬‬
‫‪-12‬والنظام السياسي يجعل تعيين القضاة بيد الخليفة‪ ،‬من دون ضمانات‬
‫على اعتماد معايير مهنية محضة‪ ،‬ول ضمانات إجرائية‪ ،‬ويجعل عزلهم بيده‪،‬‬
‫ول يحتوى على ضمانات كافية ضد التعسف في العزل‪ ،‬ول يكفي لستقلل‬
‫القضاء؛ أن يوجد قاضي قضاة أو مجلس أعلى القضاء يقوم بالترشيح‪.‬‬
‫وهذه إشارة عجلي للموروث القضائي العباسي‪ ،‬الذي سار القضاء‬
‫السعودي على نهجه‪ .‬وعلى مثل هذا التراث المترهل‪ ،‬ل يمكن أن تقام دولة‬
‫إسلمية شورية عادلة‪ ،‬في الزمن القديم فضلً عن الحديث‪.‬‬

‫[‪]9‬‬
‫ج‪-‬مشكلة القضاء السعودي جوهرية في الجذور‪:‬‬
‫حقا لقد تعزز استقلل القضاء السعودي؛ بعد صدور النظمة التالية‪ :‬نظام‬
‫المرافعات الشرعية ونظام الجراءات الجزائية‪ ،‬ونظام المحاماة‪،‬وارتقت بهذه‬

‫‪19‬‬
‫النظمة ضمانات حقوق المواطنين‪ ،‬و لسيما المتهم‪ ،‬ولكن المشكلة ل زالت‬
‫قائمة لثلثة أسباب‪:‬‬
‫الولى‪:‬أنه ليس ثمة كوابح مؤسسية‪ ،‬تمنع الدولة من التراجع عن هذه‬
‫الضمانات‪ ،‬فالجهات التي أصدرت هذه النظمة‪ ،‬غير مخولة دستوريا‪ ،‬بإجراءات‬
‫محددة موضوعية‪ ،‬فلم تصدر من مرجعية ذات قوة دستورية‪ ،‬كمجلس النواب‪،‬‬
‫وليس لها حماية شعبية‪ ،‬عبر تجمعات المجتمع المدني الهلية‪ ،‬إن اعتقالت‬
‫دعاة الدستور والمجتمع المدني‪ ،‬سنة ‪1425‬هـ (‪ )2004‬من أبرز الدلة على‬
‫أن الحكومة ل تطبق القوانين التي أصدرت فضلً عن التفاف القضاء على معيار‬
‫علنية المحاكمة لمثال هؤلء‪ ،‬عندما جرت لهم أول محاكمة علنية سياسية‬
‫منذ إنشاء السعودية‪.‬‬
‫الثانية‪:‬تطبيقية‪ :‬فالنظام يقرر أن الجهة المختصة بسجن شخص أو الفراج‬
‫عنه هي هيئة التحقيق والدعاء‪ ،‬ولكن إمارات المناطق‪ ،‬فضل عن ما فوقها من‬
‫سلطات لزالت تستأثر بصلحية السجن والفراج غالبا‪ .‬والنظام يقرر علنية‬
‫محاكمة الجلسات‪ ،‬وحق المتهم في توكل محام‪ ،‬ولكن ل يقع تطبيق هذه‬
‫الضوابط‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن المشكل القضائي جوهري بنيوي‪ ،‬منهجيا وموضوعا‪ ،‬ل يمكن‬
‫أن يصلح بالترقيع والترميم‪ ،‬بل ل بد من بناء جديد‪.‬‬
‫من أجل ذلك فإنه ينبغي قبل أن نقول‪:‬تطبيق الشريعة‪ ،‬أو نقول السلم هو‬
‫الحل‪ ،‬أن ندرك أن أمثال هذه الترقيعات لن تكون هي الحل‪ ،‬إذ ليمكن بناء‬
‫نظرية الستقلل على هذا التراث القضاء الموي والعباسي‪ ،‬الذي يخل بمفهوم‬
‫طبيعة التعاقد الجتماعي(البيعة)‪ ،‬بين المجتمع والدولة‪ ،‬فالمشكل القضائي‪،‬‬
‫متفرع عن مشكل دستوري‪ ،‬كما سيبين البحث في الفصول التالية‪:‬‬

‫‪20‬‬
‫[‪]10‬‬
‫المقالة الرابعة‬
‫مدى انتهاك حقوق النسان‬
‫أ‪-‬نموذج القضاء العباسي ينتهك الحقوق باسم‬
‫السلم‪:‬‬
‫عندما يحاول باحث أن يزن استقلل القضاء في المملكة العربية السعودية‪،‬‬
‫بالمعايير الدولية لستقلل القضاء‪ ،‬يحتاج إلى مقدمة يقارب فيها موضوع‬
‫الستقلل‪ ،‬وتكون هي الميزان‪ ،‬وتتكون المقدمة من خطوتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬تصفية المعايير الدولية‪ ،‬في مصفاة الشريعة السلمية‪ ،‬التي هي‬
‫نص القرآن والسنة‪ ،‬وتطبيق النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وخلفائه الراشدين‪.‬‬
‫الثانية‪:‬تصفية الجتهادات التراثية الموية والعباسية‪ ،‬في مصفاة الشريعة‪.‬‬
‫وقد قارب الباحث هاتين في كتابه (معايير استقلل القضاء الدولية في بوتقة‬
‫الشريعة السلمية‪ ،‬الدار العربية للعلوم‪ ،‬بيروت‪1425 ،‬هـ (‪2004‬م) وسيحيل‬
‫إليه كثيرا في هذا البحث)‪.‬‬
‫إن في تراث القضاء العباسي آراءا وأفكارا‪ ،‬تجد إخللً صريحا بحقوق‬
‫النسان‪ ،‬التي كفلتها الشريعة‪.‬‬
‫أولها‪ :‬الخلل بالعدالة القتصادية‪ ،‬فهي تفتح الباب أمام الخلل بالعدالة‬
‫القتصادية؛ حينما تجعل امتلك الرض للسكنى أو الزراعة؛ بيد إمام الدولة‪ ،‬فتمنع‬
‫إحياء الرض الموات إل بإذنه‪ ،‬والمام ذو سلطة مطلقة‪ ،‬واحتمالت الجور في كل‬
‫سلطة مطلقة متوقعة‪ ،‬كما قيل‪ :‬السلطة المطلقة مفسدة مطلقة‪ ،‬وذلك فتح الباب لكي‬
‫تصبح أراضي المسلمين؛ نهبا في أيدي النخبة الجشعة‪ ،‬فليس للقضاء دور في سن‬
‫أنظمة تكفل تحقيق العدل في توزيع الراضي‪ ،‬ووجوه صرف المال العام‪ ،‬ول دور‬
‫في الرقابة فضل عن المحاسبة‪.‬‬

‫‪21‬‬
‫ثانيها‪ :‬الخلل بالعدالة الجتماعية‪ ،‬ومن مظاهرها أنها تنال من حقوق المرأة‬
‫التي كفلتها الشريعة‪ ،‬وأظهر نموذج لذلك مسألة مطالبة المرأة عند الخلع بدفع أكثر‬
‫من مهرها‪ ،‬وقاعدة المخالعة بأكثر من المهر ثابتة في الشريعة‪ ،‬ولكن في تطبيقاتها‬
‫المعاصرة اخللت عديدة‪ ،‬أبرزها أن المرأة الثيب ل تكاد تجد زوجا مناسبا‪ ،‬فضلً‬
‫عن المرأة التي تجر خلفها أولدا‪ ،‬فكيف يأخذها الرجل بكرا ويخالعها ثيبا أو فوق‬
‫ذلك ذات أولد‪ ،‬مطالبا بالمهر أو أكثر منه‪ ،‬لن اختلف العادات يدعو الى أن‬
‫تناسبها الحكام كما ذكر الفقهاء كابن عابدين وهناك قوانين عديدة‪ ،‬تحد من نشاط‬
‫المرأة الجتماعي والتجاري والثقافي والعلمي‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬وفي تراثنا العباسي اجتهادات تخل بالحقوق والحريات المشروعة‪،‬‬
‫كقمع المخالفين في الرأي‪ ،‬واعتبار اجتهادهم‪-‬المشروع من حيث الصل‪-‬فسوقا‪.‬‬
‫من حق كل إنسان أن يعتبر المخالفين في أصول الدين من أهل البدع‪ ،‬ولكن كيف‬
‫يجاز قمعهم وقتل دعاتهم؟ واجتهادهم مشروع من حيث الصل؟ وذلك مخالف سنن‬
‫الراشدين‪ ،‬ولسيما تعامل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب مع الخوارج‪ ،‬وهم أكثر‬
‫أهل البدع غلوا‪ ،‬كما قال المام أحمد رحمنا ال وإياه‪.‬‬

‫وتقرر جواز قتل الزنديق والمنافق(الذي يظهر اليمان ويبطن الكفر)‪ ،‬مخالفة‬
‫ما طبق المصطفى عليه السلم على المنافقين‪ ،‬ونص عليه القرآن‬
‫الكريم‪.‬‬
‫وفوق هذا وذاك أجازت قتل الزنديق التائب أيضا‪ ،‬مخالفة تطبيق النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وما نص عليه القرآن الكريم إذ ل يجوز بأي حال من الحوال‪،‬‬
‫وإن قال به من قال‪ ،‬لن ال يقبل توبة كل من تاب‪.‬‬
‫رابعها‪ :‬وهو المشكلة الكبرى الخرى في القضاء السعودي؛ الخلل بهدي‬
‫السلم في مجال حقوق النسان السياسية‪ ،‬إخلل بحرية التفكير والتعبير والتجمع‪،‬‬
‫إذ يعتبر نقد السلطة التنفيذية فتنة يعاقب عليها القضاء‪ ،‬ويعتبر إنشاء لجنة للدفاع‬

‫‪22‬‬
‫عن حقوق النسان‪ ،‬مبررا العزل من الوظيفة والسجن‪ ،‬ويعتبر نقد المام‬
‫ومعارضته الرأي محذورا شرعيا ‪ .‬أما التجمع والعتصام والمظاهرات والضراب‪،‬‬
‫فهي من الفتن الموجبة أشد العقوبات‪(.‬وهو إخلل توارثه القضاء السعودي عن‬
‫الفكر الفقهي العباسي وزاد فيه)‪.‬‬

‫من أجل ذلك صارت الحالة إلى القضاء السعودي شبحا مصلتا يلوح‪ ،‬فوق‬
‫رؤوس دعاة الصلح السياسي السلمي وحقوق النسان والمجتمع المدني‪ ،‬لن‬
‫القضاء يسمح بمصادرة حقوقهم في النصيحة والتجمع وإنشاء الجماعات‬
‫والجمعيات السلمية‪ ،‬وفي المر بالمعروف السياسي والنهي عن المنكر‪ ،‬ويعتبر‬
‫حقوق الناس الفكرية والجتماعية والسياسية التي أقرتها الشريعة واعتبرتها من‬
‫الواجبات؛ من المنكرات والبدع‪ ،‬أو الخلل بالمن والفتن‪ ،‬إن لم يعتبر السياسية‬
‫من الخروج على المام‪.‬‬
‫وإذا أمعنا النظر في مثل هذه الفكار‪ ،‬وجدنا أنها تشرع الظلم وتنتهك الحقوق‬
‫التي قررها السلم‪ ،‬وبذلك قد تصبح لفتة تطبيق الشريعة؛ غطاء للرهاب والقمع‬
‫السياسي‪ ،‬وتقنين القمع الجتماعي والسياسي‪،‬عبر قانون ديني‪ ،‬على حد قول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫حواشيه حتى صار ظلما منظما‬ ‫لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت‬
‫وترجمة هذه العراف الثقافية‪ ،‬إلى قانون قضائي‪ ،‬يجرم حرية الكلمة‬
‫والتعبير‪ ،‬والتجمع والتعددية الثقافية والجتماعية‪،‬وفي ظلل هذا التراث العباسي؛‬
‫يصبح القضاة وهم ل يشعرون‪،‬أسلحة قمع للصلح عامة والصلح السياسي‬
‫خاصة‪ ،‬وقمع لحقوق النسان المشروعة‪ ،‬قمعا سياسيا واجتماعيا وفكريا وتمييزا‬
‫طائفيا‪ ،‬تحت لفتة تطبيق الشريعة‪.‬‬
‫إذن ل يمكن تحقيق عدالة قضائية؛ إل في ظلل نظرية للحقوق عادلة‪،‬‬
‫تقرر حقوق الناس أفرادا وجماعات ومجتمعات‪،‬ثقافية واقتصادية وسياسية‬

‫‪23‬‬
‫ومهنية ومدنية‪ ،‬وفي ظلل نظرية تقرر أن دور الحاكم إنماهو تنفيذي باتخاذ‬
‫الجراءات المناسبة لحفظ هذه الحقوق(انظر‪ :‬معايير استقلل القضاء الدولية في‬
‫بوتقة الشريعة السلمية المعيار الول‪.)46-37 :‬‬

‫[‪]11‬‬
‫ب‪-‬النظمة السعودية والخلل في السس‬
‫والضمانات‪:‬‬
‫جاءت ضمانات عديدة لحفظ حقوق الناس‪،‬تنص على احترام حرية الفراد‬
‫وحقوقهم‪ ،‬في النظمة السعودية التي صدرت بعد عام ‪1420‬هـ‪2000/‬م‪-‬‬
‫كالنظام الساسي للحكم‪ ،‬ونظام الجراءات الجزائية‪ ،‬ونظام المحاماة‪ ،‬وقرر نظام‬
‫الجراءات الجزائية بطلن أي إجراء تتخذه السلطة التنفيذية ضد الفراد‪ ،‬إذا‬
‫أخل بالضمانات التي نصت عليها هذه النظمة(انظر نظام الجراءات الجزائية‪:‬‬
‫المواد‪ )192-188:‬ولكن هذه الضمانات ل تكفي للسباب التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬لم تقرر حقوق النسان القتصادية والثقافية والمدنية‪ ،‬على شكل‬
‫منظومة متكاملة‪ .‬و لسيما في التعبير والتجمع‪.‬‬
‫‪ -2‬لم يقرر النظام الحريات السياسية والمدنية التي أقرها السلم قبل‬
‫أربعة عشر قرنا من تنادي المم المتحدة إليها‪ ،‬و لسيما حرية الرأي والتعبير‬
‫والتجمع‪.‬‬
‫‪-3‬لم يجر إصدار هذه الحقوق من هيئة شرعية دستورية مستقلة عن‬
‫الحكومة‪.‬‬
‫‪ -4‬لم تضع الحكومة برامج تنشر ثقافة حقوق النسان‪ ،‬وقيم المجتمع‬
‫المدني تعلم الناس بحقوقهم و واجباتهم‪ .‬وتوعيهم بالسبل التي يسلكونها‬
‫للحصول عليها‪ ،‬ولم تسمح الحكومة من خلل هذه النظمة بإنشاء تجمعات‬
‫المجتمع المدني الهلية لسيما جمعيات حقوق النسان‪ ،‬لكي تقوم هذه التجمعات‬
‫بتوعية الناس بهذه الحقوق‪..‬‬

‫‪24‬‬
‫‪-5‬لم تلزم الحكومة‪-‬حتى الن‪ -‬الجهات المسئولة عن تطبيق هذه النظمة‬
‫بها‪ ،‬ولم تثقفها‪.‬‬
‫‪-6‬عدم التزام الجهات القضائية‪-‬حتى الن‪-‬بتنفيذ هذه النظمة‪ ،‬وأبرز مثل‬
‫لذلك المحاكمة العلنية‪ ،‬فمنذ إنشاء الدولة‪ ،‬لم تجر محاكمة سياسية علنية‪.‬‬
‫‪ -7‬والدهى من ذلك أن النظمة جوزت للقاضي‪ ،‬تقرير صحة الجراء‬
‫الباطل‪ ،‬وبذلك لم يعد للبطلن الذي قرره النظام من قيمة عملية‪ .‬مثال ذلك‪ :‬إذا‬
‫قبض على المتهم‪ ،‬من دون أن تراعي الجهة القابضة عليه ما نص عليه النظام‬
‫من ضوابط‪ ،‬كإصدار مذكرة قبض من الجهة المختصة‪ ،‬وهي هيئة التحقيق‬
‫والدعاء العام‪ ،‬التي هي المخول النظامي‪ ،‬باصدار ذلك‪ ،‬فإن القاضي يملك إقرار‬
‫صحة القبض‪ ،‬ول يفرج عن المتهم بناء على بطلن اجراءات القبض‪ ،‬فيصبح‬
‫هذا القيد عديم الجدوى‪ ،‬في مثل العتقال السياسي‪ .‬مع أن هذا مخالف‬
‫للجراءات الشرعية فقد أبطل عمر الخطاب التهمة‪ ،‬المبنية على إجراء باطل‪،‬‬
‫عند ما تسور على مجتمعين على شراب (انظر حقوق المتهم للكاتب)‪ .‬وإجراء‬
‫القضاة مخالف أيضا للنظمة الجارية في الدول الدستورية‪.‬‬
‫[‪]12‬‬
‫ج‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫أن تشكل لجنة شرعية‪ ،‬من الفقهاء والقضاة المحامين ودعاة حقوق‬
‫النسان‪ ،‬المشهود لهم بالشجاعة والنزاهة والعلم والرأي‪ ،‬بالعودة إلى صريح‬
‫نصوص القرآن الكريم والسنة‪ ،‬وتطبيقات النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬و تلتزم بما‬
‫وقعته الدولة من مواثيق دولية أو إقليمية تنسجم مع السلم‪ ،‬مثل ميثاق حقوق‬
‫النسان الذي أصدره المجلس السلمي الوربي‪ ،‬وميثاق حقوق النسان في‬
‫السلم الذي وقعته المملكة‪ ،‬وإقرار الهياكل والجراءات الحديثة‪ ،‬التي جاء‬
‫السلم بمبادئها‪ ،‬قبل أربعة عشر قرنا من تنادي المم إليها‪ ،‬وبناء منظومة ما‬

‫‪25‬‬
‫للمواطنين أفرادا وجماعات ومجتمعا‪،‬من حقوق ثقافية واجتماعية ومدنية‬
‫وسياسية‪،‬وطبيعية واقتصادية‪ ،‬وإصدار قانون بها من مجلس النواب‪.‬‬

‫[‪]13‬‬
‫المقالة الخامسة‬
‫مدى انتهاك حقوق المتهم‪:‬‬
‫أ‪-‬حقوق المتهم في السلم والشرائع العادلة‬
‫الدستورية‪:‬‬
‫أقرت المواثيق الدولية عديدا من المبادئ والجراءات التي تضمن حقوق‬
‫المتهمين‪ ،‬وهذه المور (في الجملة)من ما سبق إليه السلم أو من الوسائل التي‬
‫لها وجوب المقصد الشرعي‪ ،‬لن المقصد ل يتجسد إل بها‪ ،‬أو من ما ينسجم مع‬
‫نظريته في العدل منها‪ ،‬وفيها مبادئ تتعارض مع مبادئ السلم ينبغي نبذها (انظر‬
‫تأصيل ذلك وتفصيله في كتاب‪ :‬معايير استقلل القضاء الدولية في بوتقة الشريعة‬
‫السلمية المعيار الثاني‪ :‬حقوق المتهم‪ )51-46 :‬ومن هذه المعايير المشروعة ما‬
‫يلي‪:‬‬
‫‪-1‬المنع من اليقاف التعسفي‪.‬‬
‫‪ -2‬ووجوب إبلغ من يقبض عليه فورا بالتهمة الموجهة إليه‪.‬‬
‫‪-3‬معاملة الشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية كريمة وحظر‬
‫سوء المعاملة واللتزام بحسنها أثناء التوقيف ‪.‬‬
‫‪ -4‬تواجد رقابة قضائية على اليقاف‪.‬‬
‫‪-5‬اعتبار السجن عقوبة إذا زادت مدته عن المدة المقبولة في العراف‬
‫الدولية‪ ،‬حتى لوسمي إيقافا أو حجزا مؤقتا‪ ،‬والعقوبة ل تجوز إل بحكم محكمة‪.‬‬
‫‪ -6‬من حق المتهم المقبوض عليه أن يفرج عنه فورا‪ ،‬إذا لم يحاكم خلل‬
‫الزمن المتعارف عليه دوليا‪ ،‬وهو ل يزيد عن ثلثة اشهر‪.‬‬

‫‪26‬‬
‫‪ -7‬للسجن مواصفات دولية‪ ،‬ل يجوز الخلل بها‪ ،‬ويجب أن يضمنها القضاء‪.‬‬
‫السجن (تعويق) عن الحركة وليس بـ(تضييق) يضير الجسام والنفوس والعقول‬
‫كما أكد الفقهاء‪.‬‬
‫‪-8‬حق كل شخص ولسيما من يتعرض لي شكل من إشكال الحجز أو‬
‫السجن‪ ،‬أن يحاكم حضوريا‪ ،‬أو بمساعدة قانونية يختارها بارادته الحرة‪.‬‬
‫‪ -9‬حق المتهم في الحصول على الوقت والتسهيلت الكافية لعداد دفاعه ‪،‬‬
‫والتصال بمن يختاره من المحامين والحصول على مشورتهم‪ ،‬لحماية حقوقه‬
‫وللدفاع عنه‪ ،‬خلل مال يزيد عن ‪ 48‬ساعة من احتجازه‪.‬‬
‫‪-10‬وللتحقيق والستجواب والتهام معايير دولية‪ ،‬يجب أن يضمنها‬
‫القضاء‪.‬‬
‫‪-11‬وحق كل موقوف ليس له مورد رزق يمكنه من دفع أجرة المحامي‪ ،‬أن‬
‫تتولى الدولة أجرة المحامي‪.‬‬
‫‪-12‬اعتبار العتراف سيد الدلة‪ ،‬وأن ل يلزم المتهم بالشهادة ضد نفسه أو‬
‫العتراف بأنه مذنب‪.‬‬
‫‪-13‬تجريم التعذيب‪ ،‬سواء كان بدنيا أم نفسيا وعقليا‪.‬‬
‫‪-14‬وعدم قبول أي اعترافات ناتجة عنه التعذيب‪ .‬وبطلن اعترافات المكره‬
‫والمجبر‪.‬‬
‫‪ -15‬وجوب تقديم المقبوض عليه بتهمة جزائية فورا أمام القاضي‪.‬‬
‫‪-16‬عدم جواز سجن إنسان على أساس عدم قدرته على الوفاء بالتزام‬
‫تعاقدي‪.‬‬
‫‪ -17‬اعتبار المتهم بريئا حتى تثبت عليه التهمة‪ ،‬وليس عليه أن يثبت‬
‫براءته‪ ،‬وأن الشبهة تسقط العقوبة‪.‬‬
‫‪-18‬ل عقوبة على الشبهة‪ ،‬حتى إذا كانت قوية‪.‬‬

‫‪27‬‬
‫‪ -19‬وعدم جواز محاكمة أحد أو معاقبته مرة ثانية ‪ ،‬عن جريمة سبق أن نال‬
‫حكما نهائيا عنها ‪ ،‬أو أفرج عنه‪.‬‬
‫‪-20‬إخضاع الذين يخلون بحقوق المتهم للمحاسبة‪.‬‬
‫‪-21‬ضمان محاكمة علنية للمتهم‪ ،‬على أساس القاعدة الذهبية‪ ،‬كل محاكمة‬
‫عادلة‪ ،‬فأول شروطها أن تكون علنية‪ ،‬وكل محاكمة غير علنية – ول سيما إذا‬
‫كانت سياسية ‪ -‬فإنما هي محاكمة ظالمة‪ .‬فهي في السلم وشرائع العدل باطلة‪.‬‬
‫‪ -22‬ل يجوز ايقاع أي عقوبة ال بشرطين‪ ،‬نص يجرم الفعل‪ ،‬ونص آخر‬
‫يحدد العقوبة‪.‬‬

‫[‪]14‬‬
‫ب‪-‬أين هذه الحقوق في القوانين السعوديةوهي‬
‫تقرر تعذيب المتهم‪:‬‬
‫‪-1‬أهم هذه الحقوق الواردة في الفصل السابق ليس مقررا في النظمة‬
‫السعودية فضل عن جانب التطبيق‪ ،‬لن الصياغة العباسية للثقافة القضائية؛ ل‬
‫تؤسس لها‪ ،‬والدليل على أنها لم ترسخ في ثقافة القضاء هو أعمال ندوة المتهم‬
‫وحقوقه في الشريعة السلمية‪ ،‬التي عقدها المركز العربي للدراسات المنية‬
‫والتدريب بالرياض سنة ‪1406‬هـ(‪1986‬م)‪ ،‬وقد أقيم باشراف وزارة الداخلية‪،‬‬
‫فقد حفلت الندوة بدفاع فقهاء سعوديين معتبرين‪ ،‬عن نظرية تعذيب المتهم‪،‬‬
‫منهم قضاة كبار‪ ،‬كالقاضي صالح اللحيدان رئيس ديوان المظالم والقاضي‬
‫عبدال بن منيع عضو هيئة كبار العلماء‪ ،‬والقاضي عبدالرحمن البسام رئيس‬
‫محكمة التمييز في جده‪.‬‬
‫وقد تأسست نظرية تعذيب المتهم في الفكر العباسي الموروث ‪ ،‬وقال بها‬
‫عديد من الفقهاء كمالك والماوردي وابن تيمية وابن القيم في الطرق الحكمية‪،‬‬
‫(انظر مناقشة حكم التعذيب في كتاب حقوق المتهم في السلم) للكاتب‪.‬‬

‫‪28‬‬
‫وكانت بداية ظهور هذه الجتهادات على أنها من فقه الضرورة‪ ،‬الذي اعتبر‬
‫أن تحقيق العدل‪ ،‬ل يتم إل بشيء من الظلم‪ ،‬وأنه مادام التعذيب يوصل إلى‬
‫الحقيقة‪ ،‬فإن الضرورات تبيح المحظورات‪ ،‬وهي آراء ليس لها من السلم مستند‪،‬‬
‫فالنصوص السلمية‪ ،‬متظافرة على تحريم التعذيب‪ ،‬وأن الوصول إلى الحقيقة؛‬
‫ليجوز أن يكون عبر إباحة التعذيب‪.‬‬
‫وقد جرت هذه النظرية إلى مفردات التفريط بحقوق المتهم‪ ،‬عندما امتطى‬
‫بعض الفقهاء مطية (المصالح المرسلة)‪ ،‬وهي قاعدة رجراجة‪ ،‬توسع فيها بعض‬
‫المالكية‪ ،‬وأسيء تطبيقها كثيرا‪ ،‬فأدت إلى ما وصفه ابن حجر في غير هذا السياق‬
‫بـ"تشريع ما ليس بشرع"‪ ،‬ورسخت السترسال في مفهوم المصالح المرسلة بعض‬
‫النظريات المجانبة للعدالة ومقاصد الشريعة‪.‬‬
‫‪ -2‬وقد يحتج القضاة بأدلة غير مسلمة‪ ،‬بجواز ضرب المتهم‪ ،‬إذا كانت‬
‫التهمة قوية ولكنهم يدلسون في أمرين الول‪ :‬ليت القضاء حين أجازوا التعذيب؛‬
‫أشرف على تقديره وتنفيذه‪ ،‬ولكنه ترك التقدير والتنفيذ للجهزة المنية‪ ،‬وترك‬
‫التحقيق لجهزة البوليس من دون رقابة قضائية‪ :‬تفريط كبير بحقوق المواطنين‪،‬‬
‫مع أنه ل يجوز في الشريعة أن تنفرد الجهات البوليسية بالتحقيق مع المتهمين في‬
‫القضايا الدارية‪ ،‬فضل عن الجنائية عن التي تعتبرها السلطة التنفيذية(‬
‫سيادية)‪،‬لن الجهات البوليسية غير مؤهلة شرعيا‪ ،‬و التحقيق جزء من القضاء‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬تركوا تقديره أيضا لجهزة البوليس‪،‬‬

‫‪ -3‬وفوق هذا وذاك ل يستطيع القاضي حماية السجناء إذا قالوا‪ :‬إن‬
‫اعترافاتنا تحت التعذيب‪ ،‬بل يصادق على اعترافاتهم‪ ،‬أو يعيدهم إلى السجون‪ ،‬حيث‬
‫يسمح الجو بتعذيبهم حتى يعترفوا‪ ،‬أو تدفعهم الكآبة وطول البقاء في السجن‪ ،‬إلى‬
‫اعترافات الكره‪ ،‬و ليس للقضاء سلطة نافذة في الشراف على السجون‪ ،‬تتيح له‬
‫التأكد من صحة العتراف‪ ،‬وسلمته من الكراه الذي يسلب الرادة أو الختيار أو‬

‫‪29‬‬
‫هما معا‪ ،‬والقضاء في مثل هذه الحالت‪ ،‬يمارس دور هيئة‪ ،‬تصادق على أوراق‬
‫اعترافات‪ ،‬ل دور سلطة لها حق الفحص والنقض‪ ،‬والتأكد من صحة العتراف‪،‬‬
‫ومن واقع السجن‪ ،‬ول يستطيع القضاء أيضا أن يتفقد السجن‪ ،‬أو أن يقول عن‬
‫السجناء للدولة‪ :‬أخرجيهم أو قدميهم إلى القضاء‪.‬‬
‫و يدرك القضاة أن هذه المور مخلة بالعتراف‪ ،‬يدركون أن التهديد بالتعذيب‪،‬‬
‫والحبس النفرادي أكثر من شهر أيضا مخل بالعتراف الشرعي‪ ،‬ولكن وزارة‬
‫الداخلية ل تسمح لهم بالقيام بدورهم‪.‬‬
‫إنها ثلث دواه‪ :‬تشريع التعذيب‪ ،‬وتركه من دون إشراف قضائي‪ ،‬وقبول‬
‫العترافات الصادرة تحت التعذيب‪ .‬في ظلل هذه الثقافة يمكن أن يصير القضاء‬
‫سلحا يدعم الخلل بحقوق النسان عامة وحقوق المتهم خاصة؛ بدل من أن‬
‫يضمنها‪.‬‬

‫[‪]15‬‬
‫ج‪-‬و ترفض قاعدة الصل براءة المتهم‪:‬‬
‫"المتهم بريء حتى تثبت عليه التهمة" هذه القاعدة من قواعد العدالة‬
‫السلمية وقد صارت الن قاعدة قضائية دولية‪ ،‬رغم ذلك ل نجد للقضاء السعودي‬
‫موقفا واضحا يتبناها‪ ،‬بل نجد لبعض القضاة الكبار تشكيكا بها‪ ،‬يقول أحد قضاة‬
‫محكمة التمييز بمكة "فلو قلنا ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته؛ لتعين علينا طرح‬
‫قرائن التهام‪...،‬ول ضطررنا إلى تعطيل الكثير من روافد الثبات‪ ،‬من قرائن‬
‫وأحوال وملبسات‪ ،‬و لكان حبس المتهم ومسه بالعذاب عند التحقيق معه؛ ضربا‬
‫من الظلم والطغيان"(انظر‪ :‬نظرية براءة المتهم حتى تثبت إدانته‪.‬بحث‪ .‬ضمن كتاب‬
‫المتهم وحقوقه في الشريعة السلمية‪1/274:‬وانظر أيضا‪ :‬مدى صلحية القرائن‬
‫في إدانة المتهم‪ :‬لحد قضاة محكمة التمييز بمكة عبد ال البسام أيضا في نفس‬
‫الكتاب‪ 341 /1:‬وما بعدها) و(انظر‪ :‬معايير‪ ،)51:‬و(حقوق المتهم في السلم)‬
‫للكاتب‪.‬‬

‫‪30‬‬
‫[‪]16‬‬
‫د‪-‬التعزير على الشبهة‪ :‬والقضاء ل يعطي المتهم أو وكيله مجال‬
‫كافيا‪ ،‬لتفنيد المزاعم التي يقدمها المدعي العام‪ ،‬وإنما تعرض القضية على القاضي‪،‬‬
‫ويطلب شهود المدعي العام‪ ،‬فإن وجدوا حكم على المتهم‪ ،‬وإن لم يوجدوا ولم‬
‫يعترف المتهم حكم القاضي بالتعزير على الشبهة‪ ،‬وفي ظلل هذه الثقافة‪ ،‬ليصبح‬
‫المتهم بريئا حتى لو لم تثبت عليه جريمة‪ ،‬بل إن خلصة ذلك أن المتهم يعاقب‬
‫بالشبهة‪.‬‬
‫وهذا بسبب عدم وجود قواعد الثبات‪ ،‬الموجودة في الدول الخرى‪ ،‬ويذكر‬
‫عديد من المحامين أنهم ل يذكرون أن القضاء خلل تاريخه أصدر حكما يقول‪:‬‬
‫حكمنا ببراءة المتهم من التهم التي وجهتها إليه وزارة الداخلية‪ ،‬أو هيئة التحقيق‬
‫والدعاء العام‪ ،‬بل لبد من أن يعاقب‪ ،‬أو أن يعزر على الشبهة‪.‬‬
‫على أغلب المور التي تعتبرها الدولة جرائم‪ ،‬هي من ما أباحه الشرع‬
‫المطهر‪ ،‬أو أوجبه من حرية الرأي السياسية المشروعة‪.‬‬

‫[‪]17‬‬
‫هـ‪-‬كيفية تعزيز حقوق المتهم‪:‬‬
‫ل يتعزز استقلل القضاء‪ ،‬إل بصياغة شرعية دستورية مدونة‪ ،‬من أجل وضع‬
‫منظومة متكاملة لحقوق المتهم ينبغي أن تشكل لجنة شرعية مستقلة‪ ،‬من الفقهاء‬
‫والقضاة والحقوقيين والمحامين الشرعيين ودعاة حقوق النسان والمجتمع المدني‬
‫وعلماء السياسة والقانون الدستوري وعلم الجريمة‪ ،‬من المستقلين المشهود لهم‬
‫بالشجاعة والنزاهة والعلم والرأي‪ .‬تقوم هذه اللجنة بالعودة إلى صريح نصوص‬
‫القرآن الكريم والسنة‪ ،‬وتطبيقات النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬و ما وافقت عليه الدولة‬
‫في مجال حقوق المتهم و لسيما السجين في المواثيق الدولية‪،‬وإقرار الهياكل‬
‫والجراءات الحديثة‪ ،‬التي جاء السلم بمبادئها‪ ،‬قبل ألف عام من تنادي المم‬
‫إليها‪ ،‬لتقرر ما نادى بها السلم قبل أربعة عشر قرنا من تنادى المم إليه‪ .‬من‬

‫‪31‬‬
‫حقوق سياسية ومدنية واجتماعية واقتصادية وثقافية‪ .‬واصدار قانون باعتماد هذه‬
‫الحقوق من مجلس النواب المنتخب‪.‬‬
‫ول يكون القضاء شرعيا‪ ،‬في هذا المجال ما لم يتأكد من سلمة الجراءات‬
‫التي تتخذها السلطة التنفيذية على المتهمين‪ ،‬في القبض والعتقال والتحقيق؛‬
‫ويتأكد من ظروف حياة السجناء في السجون بأن السجن (تعويق) وليس‬
‫بـ(تضييق)‪ ،‬ويتأكد من سلمة العتراف من الكراه الذي يسلب الرادة أو الختيار‬
‫أو هما معا‪ ،‬كأن تكون له سلطة الفراج عن الموقوفين من دون محاكمة‪ .‬وأن‬
‫تكون له سلطة تخوله مناقشة ما يمكن أن يخل بالعتراف الشرعي‪ ،‬وأن يكون له‬
‫سلطة في بحث دعاوى تظلم المتهمين من هذه السلطة من دون إذنها‪ ،‬و ل بد من‬
‫أن تكون له آلية يتابع بها السلطة التنفيذية‪ ،‬في تنفيذ أحكامه‪ ،‬ول بد له من أن‬
‫يلزم السلطة التنفيذية‪ ،‬بالفراج عن أي متهم‪ ،‬خلل ستة أشهر وهي المدة التي‬
‫حددتها الدولة للتوقف‪ ،‬أو محاكمته‪ .‬وسنتحدث عن ضوابط ضمان ذلك في مناقشة‬
‫قانون النيابة العامة وهيئة التحقيق والدعاء‪ :‬فقرة ‪ 55‬و ‪. 56‬‬

‫[‪]18‬‬
‫المقالة السادسة‬
‫لمن السلطة للمة أم للملك‬
‫(ولي المر) الذي هوأدرى‬
‫بالمصلحة؟‪::‬‬
‫أ‪-‬أسلمة الستبداد والظلم‪:‬‬
‫جرى نظام الحكم والقضاء السعودي‪ ،‬على الرأي السائد في الثقافة‬
‫العباسية‪ ،‬وهي أن "المام أدرى بالمصلحة"‪ ،‬ولذلك صار من المألوف أن يجمع‬
‫بين السلطات الثلث‪ ،‬وأن له الفصل في الخلف‪،‬عندما يكون في المسألة قولن‬
‫أو أكثر‪ .‬وأن القاضي إنما هو نائب عن السلطان‪،‬فإذا حل المام وهو القاضي‬
‫الصيل محل النائب والوكيل؛ فذلك هو المر الطبيعي‪ ،‬وليس هو المشكلة‪ ،‬وقد‬

‫‪32‬‬
‫اعتبر الجمع بين السلطات الثلث من هدي النبوة والخلفاء الراشدين‪،‬وقد فند‬
‫الباحث هذه النظرية(انظر المعايير الدولية لستقلل القضاء في بوتقة الشريعة‬
‫السلمية المعيار الثالث‪ ،)56-51 :‬وكتيب (الدستور السلمي منقذا من‬
‫الكسروية والعلمانية معا)‪.‬‬
‫ونتج عن الخلل عدد من السلبيات‪:‬‬
‫الخلل الولى‪ :‬سعة حجم المنطقة‪ ،‬التي أباح فيها نظام الحكم للمام أن يلزم‬
‫الناس فيها باجتهاده‪ ،‬أو اجتهاد من يعينهم‪ ،‬ويجسدون اتجاه رأيه‪.‬‬
‫وليس من صلحية القضاة أن يحكم بعدم مشروعية أي نظام(قانون)‪.‬‬
‫والقضاة في القضاء العام‪ ،‬يطبقون (النظام)القانون‪ ،‬حتى ولو كان في تقديرهم‬
‫ل يحقق ما هو أولى أو أصح أو أصوب‪ ،‬بل ولو كان مخالفا روح الشريعة في‬
‫العدالة ‪ ،‬مادام في المخالفة قولن أو أكثر‪،‬لنهم يعتبرون أن حكم ولي المر‬
‫يرفع الخلف‪ ،‬لن ولي المر‪ -‬في ثقافتهم القضائية السائدة ‪-‬هو المخول‬
‫الصيل بالقضاء‪ ،‬وليس القضاة إل وكلء‪.‬‬
‫[‪]19‬‬
‫ب‪-‬تحويل القضاء إلى هيئة من دون سلطة على‬
‫الحكومة‪:‬‬
‫وفي ظل قاعدة ولي المر أدرى بالمصلحة؛ صار دور القضاة والهيئات‬
‫الدارية الرسمية والهلية استسلميا‪ ،‬تجاه القوانين والوامر‪،‬‬
‫ولو كانت مظنة مخالفة مبدأ العدالة الجتماعية أو القضائية‪-‬مادام قد أصدرها‬
‫ولي المر‪ ،‬فليس لحد سلطة إلغائها‪ ،‬ليس لحد قدرة على الحد من تجاوزاتها‪،‬‬
‫لن السلطة التنفيذية وضعتهم في قالب" النظمة المرعية"‪.،‬‬
‫في القضاء العام صار من النادر أن يقوم القاضي بما يسمى (رقابة المتناع‬
‫عن تطبيق القانون)‪ ،‬الذي يعتبره مخالفا نص مبادئ العدالة في الشريعة أو‬
‫روحها‪ ،‬كما في تصرفات بعضهم تجاه نظام (قانون) إحياء الرض الموات‪،‬‬

‫‪33‬‬
‫ونظام توزيع الراضي البور‪ ،‬الذي يحظر تملك الرض بالحياء‪ ،‬إل بإذن إمام‬
‫الدولة‪ ،‬الذي اشترط إذن أن يكون الحياء قبل عام ‪1387‬هـ‪ .‬بناء على رأي‬
‫مالك بن أنس‪ ،‬الذي يحصر الحياء بإذن المام ‪ ،‬مع أن المتقرر في المذهب‬
‫الحنبلي‪ ،‬وهو المرجع المعتمد للقضاء السعودي‪ ،‬جواز الحياء‪ ،‬من دون إذن‬
‫المام‪ ،‬كما قرر ذلك إمام المذهب‪ :‬أحمد بن حنبل‪ ،‬الذي استند إلى الحديث‬
‫الصحيح الصريح" من أحيا أرضا ميتة فهي له"‪ .‬وهذا يتواكب مع المبدأ‬
‫السلمي من أن الرض والثروة مـلك للمواطنين من حيث الصل‪ ،‬فهم‬
‫مشتركون فيها‪ ،‬ومن أخذ من شيء له نصيب منه فأخذه جائز‪ ،‬ل سيما اذا كان‬
‫الحكم جبريا جائرا‪.‬‬
‫ومستند القضاة في ترك هذه الرقابة‪ ،‬أنهم يرون أنه يجب عليهم طاعة‬
‫الحاكم‪ ،‬إذا ولهم القضاء واشترط عليهم أن يطبقوا مذهبا معينا؟‪ ،‬وهو الرأي‬
‫السائد في الثقافة القضائية لن المام هو القاضي الصيل‪ ،‬وليس القاضي في‬
‫المحكمة إل وكيل‪ ،‬ولن القاعدة الفقهية المسلمة" ولي المر أدرى بالمصلحة"‪.‬‬

‫الخلل الرابع‪ :‬وبناء على أن ولي المر أدرى بالمصلحة‪ ،‬هناك قاعدة فقهية‬
‫مسلمة تقول"رأي المام يحسم الخلف والتنازع بين الجهات"‪ ،‬ويمكن بناءا‬
‫على هذه القاعدة؛ أن يختار إمام الدولة من أقوال الفقهاء ما يشاء ولو كان رأيا‬
‫مرجوحا‪ ،‬يتناقض مع مقاصد الشريعة‪ ،‬أو سائلها ول يعد هذا الرأي متعارضا‬
‫مع أحكام الشريعة‪ ،‬مادام قد قال به بعض الفقهاء‪ ،‬وما أكثر أقوال الفقهاء‬
‫المرجوحة‪ ،‬في شق الشريعة المدني‪.‬‬
‫على أن القول بأن حكم المام يحسم النزاع‪ ،‬غير مسلم به‪ ،‬فالحاكم الذي‬
‫يحسم حكمه الخلف‪ ،‬إنما هو القاضي‪ ،‬والنزاع الذي ينحسم هو الخصومة بين‬
‫خصمين في حق خاص‪ ،‬وإعطاء إمام الدولة هذا الحق؛ قول ليستند إلى دليل‬
‫معتبر‪ ،‬إنما هو من الوهام الشائعة‪.‬وقد أدت هذه القاعدة إلى اتساع حجم‬

‫‪34‬‬
‫المنطقة‪ ،‬التي أباحت فيها السلطة التنفيذية لنفسها‪ ،‬أن تلزم المجتمع والدارة‬
‫باجتهادها‪.‬‬
‫إن مثل هذه النتهاكات لحقوق المة؛ جاءت متساوقة مع القاعدة الفقهية‬
‫العباسية المسلمة‪ ،‬التي تقول‪":‬ولي المر أدرى بالمصلحة"‪ ،‬ومن المسلم به في‬
‫الشريعة‪ ،‬أن الحاكم(ونستبعد مصطلح ولي المر‪ ،‬لن تطبيقاتها تجسيد لنظام‬
‫الستبداد) إنما هو وكيل عن المة في إدارة شئونها‪ ،‬أما تقرير ما فيه مصلحة‬
‫المة فهو لما تجمع عليه المة عبر ممثليها وخبرائها‪ ،‬كل حسب اختصاصه‪.‬‬
‫[‪]20‬‬
‫ج‪ -‬استحواذ الملك على دور السلطة النيابية‪:‬‬
‫ونتج عن قاعدة(ولي المر أدرى بالمصلحة)ترك مشاورة المة‪ ،‬في القرارات‬
‫الكبرى‪ ،‬التي اتخذتها الدولة‪ ،‬في السياسة الداخلية‪ ،‬نتج عنه اختلل كبير في تحديد‬
‫مصالحها‪ ،‬في الدارة والتربية والعلم والتعليم وفي القتصاد وهدر للمال العام‪.‬‬
‫وفي السياسة الخارجية‪ ،‬من خلل معاهدات وعلقات وتحالفات‪ ،‬يدفع الشعب اليوم‬
‫فواتير نتائجها‪ ،‬ويتأثر بذلك مستقبله ومصيره‪ ،‬وهو لم يستشر في شيء منها‪.‬‬

‫ففي النظام الساسي للحكم؛ يعتبر الملك مرجع السلطات الثلث‪ :‬التنفيذية‬
‫والقضائية والتشريعية(التي تسمى التنظيمية) فتقول(المادة الرابعة والربعون)‪:‬‬
‫"تتكون السلطات في الدولة من ‪:‬السلطة القضائية السلطة التنفيذية السلطة‬
‫التنظيمية‪ ،‬وتتعاون هذه السلطات في أداء وظائفها وفقا لهذا النظام وغيره من‬
‫النظمة‪ ،‬والملك هو مرجع السلطات"‪.‬‬
‫من أجل ذلك نجد أن النصوص الساسية في النظام القضائي ونظام‬
‫الحكم‪ ،‬مخلة إخلل صريحا بمبدأ استقلل القضاء‪ ،‬فضل عن عدم وجود سلطة‬
‫تشريعية‪،‬لن نظام الحكم لم يؤسس على الفصل بين السلطات الثلث‪.‬‬

‫‪35‬‬
‫السلطة التنظيمية نوع من أنواع السلطات‪ ،‬غير موجود في أنظمة الحكم‬
‫الدستورية‪ ،‬وهي هيئة ل وجود لها في هيكل الحكم‪ ،‬فليس فيه كيان مستقل‬
‫اسمه‪:‬السلطة التنظيمية‪ .‬هل يمكن وجود سلطة ليس لها هيكل‪ ،‬ول جهاز‬
‫إداري‪ ،‬إنها مسألة صورية توحي بأن السعودية تقر نظام الفصل بين السلطات‪،‬‬
‫ولكنها صورة ذهنية غير واقعية‪ ،‬ل ندري هل جاءت عبارة‪ :‬السلطة التنظيمية‪،‬‬
‫لعطاء انطباع بأن السلطات ثلث‪ .‬أم إمكان قيامها مستقبل؟‪ ،‬نعم في هيكل‬
‫الحـكم توجد جهات تنظيمية‪ ،‬كهيئة الخبراء في مجلس الوزراء‪ ،‬ولكنها هيئة‬
‫تقترح‪ ،‬وليست سلطة تقرر‪ ،‬ولو افترضنا أن لها سلطة‪ ،‬لما كانت لها قوة‬
‫السلطة التشريعية المنتخبة‪ ،‬في الدول الدستورية‪ ،‬ففي الهيكل هناك القضاء‪،‬‬
‫وهناك مجلس الوزراء‪ ،‬الذي يبت في النظمة‪ ،‬وتسميتها تنظيمية تسمية‬
‫غامضة‪ ،‬فهل هي محاولة للخروج من تبعات تسميتها بـ(السلطة التشريعية)‪،‬‬
‫الدالة على طبيعتها ووظيفتها في الحكم الدستوري‪ ،‬ول نظن مجرد إيحاء الكلمة‬
‫بالتشريع؛ وهو أمر غير جيد اليحاء في الثقافة الدينية الشائعة في السعودية؛‬
‫سببا كافيا لهذا المسمى‪ ،‬إذ يمكن تسميتها (السلطة النيابية التشريعية)‪ ،‬وذلك‬
‫اسم ينسجم مع طبيعتها ووظيفتها‪ ،‬ويأتلف مع مجموعة المصطلحات الفقهية‬
‫السلمية الدستورية‪.‬‬
‫استحواذ السلطة التنفيذية على صلحيات السلطة النيابية‪ ،‬أفضى ذلك إلى‬
‫قيام الهيئات التنظيمية‪ ،‬بإصدار توصيات واقتراحات تشريعية‪ ،‬يضطر القضاء‬
‫للعمل بها‪ ،‬لن نظام القضاء ينص على أن المرجعية هي الشريعة والنظمة‬
‫المرعية‪.‬‬
‫[‪]21‬‬
‫د‪ -‬إبهام عبارة‪:‬النظمة المرعية وإيهامها‪:‬‬
‫عبارة النظمة المرعية عبارة تعطف في الغالب على عبارة اللتزام‬
‫بالشريعة‪ ،‬فيقال مثل(نظام هيئة التحقيق والدعاء‪ :‬الباب الثاني‪:‬المادة‬

‫‪36‬‬
‫الثانية)"يتمتع أعضاء الهيئة بالستقلل التام‪ ،‬ول يخضعون في عملهم إل لحكام‬
‫الشريعة‪ ،‬والنظمة المرعية"‪.‬‬
‫عبارة النظمة المرعية‪ ،‬يراد بها إمكان سن القوانين التنظيمية‪ ،‬التي تجسد‬
‫مقاصد الشريعة‪ ،‬ولكن هذه العبارة إذا لم تضبط تضعف عبارة الخضوع للشريعة‬
‫السلمية‪ ،‬وهي تحتوي على قدر كبير من البهام واليهام معا‪ .‬فهل النظمة‬
‫مرعية لنها من التفصيلت الظنية في الشريعة السلمية‪ ،‬التي تتسق في إطار‬
‫الكلية؟‪ ،‬أم هي أنظمة مرعية في المعايير الدولية؟ أم هي مرعية في العراف‬
‫الجتماعية والسياسية والحقوقية السائدة؟ لقد جاء التأكيد على مشروعيتها‬
‫بأنها "المرعية"‪ ،‬ولكن العبارة فضفاضة‪ ،‬توسع مجال السلطة التنفيذية في سن‬
‫النظمة‪ ،‬والسلطة التنفيذية غير مخولة دستوريا بذلك‪ ،‬وهي باب تدخل منه‬
‫رياح التدخلت‪ ،‬التي تحمل لفتة المصلحة العامة‪ ،‬من دون تفريق بين مصلحة‬
‫حقيقية وأخرى متوهمة‪.‬‬
‫والنظمة المرعية هي القوانين التي تصدر من السلطة التنفيذية‪ ،‬فيعتمدها‬
‫مجلس الوزراء‪ .‬ثم يصدر بها مرسوم ملكي‪ ،‬ومجلس الوزراء ليس له أن‬
‫يمارس سلطة تشريعية‪ ،‬فيسن قوانين‪ ،‬يطلب تطبيقها من جهات أعلى منه‬
‫دستوريا‪ ،‬كالسلطة القضائية‪ ،‬لنه ل يخول ذلك دستوريا‪ ،‬فهو جهاز تنفيذي‪.‬‬
‫إن السلطة التنفيذية غير مخولة دستوريا؛ بإصدار ما تراه مناسبا‪ ،‬إذ إن‬
‫التخويل الدستوري؛ يقتصر على السلطة النيابية (أهل الرأي المتشكلة من الذين‬
‫يجمعون ثلثية القوة المعرفية والجتماعية و الخلقية إنهم هم المخولون‪-‬‬
‫شعبيا‪ -‬بالحل والعقد )‪ ،‬في تقرير مصالح المة‪ ،‬على ضوء الكتاب والسنة‪ .‬ول‬
‫يكفي أن يقر مجلس الشورى (المعين) القوانين‪ ،‬لسببين‪ :‬الول‪ :‬أن قراره‬
‫استشاري غير ملزم‪ ،‬والثاني‪ :‬ليست له سلطة دستورية‪ ،‬لنه ليس مفوضا‬
‫تفويضا شعبيا‪.‬‬

‫‪37‬‬
‫[‪]22‬‬

‫المقالة السابعة‬
‫نظام الحكم (المكتوب)يخل‬
‫بشرطي البيعة على الكتاب‬
‫والسنة‪ :‬العدل والشورى‬
‫أ‪-‬العدل أساس الحكم في كل دولة وأمة وملة‪:‬‬
‫إذن هوأصل من أصول الدين القطعية الكبرى‪:‬‬
‫إن العدل هو أساس الحكم‪ ،‬وما هو أساس للحكم فهو أساس في السلم‪،‬‬
‫واعتبار العدل من مقاصد الشريعة وكلياتها الكبري القطعية‪ ،‬من ما صرح به‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬كما في قوله تعالى " يا داوود إنا جعلناك خليفة في الرض فاحكم‬
‫بين الناس بالحق ول تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ال‪ ،‬إن الذي يضلون عن سبيل‬
‫ال؛لهم عذاب شديد‪ ،‬بما نسوا يوم الحساب"(سورة ص‪.)26:‬‬
‫بل إن القرآن صرح أن الهدف من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو إقامة ميزان‬
‫القسط والنصاف‪.‬‬
‫فالقرآن نص على أن ال أنزل الكتب وأرسل الرسل لقامة ميزان العدالة‪ ،‬كما‬
‫في قوله تعالى"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات‪ ،‬وأنزلنا معهم الكتاب والميزان‪ ،‬ليقوم‬
‫الناس بالقسط‪ ،‬وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس‪ ،‬وليعلم ال من ينصره‬
‫بالغيب‪ ،‬إن ال لقوي عزيز"(الحديد‪.)25:‬‬

‫[‪]23‬‬

‫ب‪ -‬ل يمكن العدل إل في نظام حكم شوري‪:‬‬

‫فالشريعة جعلت إقامة العدل فريضة كبرى‪ ،‬وأصبح تحقيق هذه الفريضة ل‬
‫يتمكن منه إل بوسائل‪ ،‬ل يمكن تحقيق العدالة‪ ،‬من دون ترسيخ مبدأ الشورى‪ ،‬هذا‬
‫يؤكد أنه ل يكون تطبيق الشريعة شامل ول تاما ول فعال ول بريئا من التجزئة‬

‫‪38‬‬
‫والهوى‪ ،‬إل بإقامة الحكم الشوري‪ .‬ولو افترضنا أنه يمكن تحقيق العدل في الدولة‬
‫القديمة دون النظام الشوري‪ ،‬أو يمكن تحول مساوئ الستبداد إلى أمور ثانوية‪،‬‬
‫لوجدنا خطورة الجمع بين أعنة السلطات الثلث في الدولة السلمية الحديثة‪ ،‬ماثلة‬
‫للعيان‪ ،‬ليكاد يختلف فيها اثنان‪: :‬‬
‫لن الدولة الحديثة تختلف عن الدولة القديمة في طبيعتها ووظيفتها؛ فقد كثرت‬
‫تنظيمات الدولة‪ ،‬التي تقيد حرية الفراد‪ ،‬في القامة والسفر‪ ،‬والبناء والبيع‬
‫والشراء‪ ،‬والحوال المدنية والمرور‪ .‬لقد أصدرت الدولة عديدا من النظمة‬
‫والقوانين‪ ،‬التي تمس حياة جمهور الناس‪ ،‬وهذه النظمة قد تحد من حرياتهم التي‬
‫أعطاهم ال‪ ،‬أو تضايقهم في أرزاقهم‪ ،‬أو تحرم عليهم ما أحل ال من حقوق‬
‫سياسية وثقافية‪ ،‬أو تفرض عليهم رسوما وضرائب‪.‬‬
‫أو على أقل تقدير لم تقررها جهة مفوضة من الناس بتقرير مصالح ليس لها‬
‫ضرورة‪ ،‬أو ل تنبع من أساس موضوعي لمعالجة المشكلة‪.‬‬
‫وصارت للدولة الحديثة أجهزة أمن تقنية ‪ ،‬وتقنيات متطورة في التحري‬
‫والمراقبة‪ ،‬تنشد بها حفظ المن والسلمة‪ ،‬ولكنها قد تنال من حرية الفراد‬
‫والجماعات المشروعة‪ ،‬التي إنما دور الدولة حمايتها‪ ،‬فأصبحت بحاجة إلى‬
‫ضوابط‪ ،‬لكي ل تضر بحقوق الفراد‪.‬‬
‫وصارت الدولة ذات علقات خارجية سياسية واقتصادية معقدة مركبة‪ ،‬وكثرت‬
‫التصالت والمواصلت‪ ،‬وتضخم السكان وكثرت المدائن‪ .‬من أجل ذلك صارت‬
‫للدولة أنظمة وقوانين‪ ،‬تنشد التنظيم والمن‪ .‬فصارت شورى أهل الحل والعقد‪ ،‬أمرا‬
‫ل مناص منه‪.‬‬

‫[‪]24‬‬
‫ج‪-‬نحوالدولة السعودية الرابعة‬
‫لقد قامت الدولة السعودية على اتفاق بين المامين‪ :‬محمد بن عبد الوهاب‬
‫ومحمد بن سعود‪،‬على رعاية شطري العقيدة السمو الروحي والسمو المدني‪،‬‬

‫‪39‬‬
‫السمو الروحي بإقامة‪ :‬شعائر المناسك ورأسها التوحيد‪ ،‬والسمو المدني‪ ،‬و أهم‬
‫مجالته إقامة الحكومة المدنية مؤسسة على العدالة‪ ،‬في مجتمع صحراوي وقروي‪،‬‬
‫كل قرية فيه كانت تشكل كيانا منفصل وكل قبيلة كانت تشكل كيانا مستقلً‪ ،‬وهذا‬
‫التفاق هو أساس مشروعية الحكم‪.‬‬
‫وكانت الدولة السعودية الولى رائدة في هذا التجاه‪ ،‬ولذلك نجحت‪ ،‬وسقوطها‬
‫لم يكن بسبب الخلل بهذا المبدأ القيم‪ .‬إنما كان لنها لم تراع طبيعة التغيرات‬
‫العالمية والقليمية‪ ،‬وما جد من وقائع‪ ،‬تحتاج إلى ابتكار حلول ول المعادلت‬
‫الدولية‪ ،‬فتصرفت وهي دولة عادية تصرفات الدول الكبرى مع الجيران‪ ،‬وهذا هو‬
‫سر سقوطها‪ .‬ولم تظهر للدولة السعودية الثانية قائمة‪ ،‬لنها أرادت أن تعيش‬
‫بنفس المشروع الول‪ ،‬ولم تراع ماجد من النوازل والوقائع‪ ،‬من أجل ذلك سقطت‬
‫لنها واجهت المشكلت الجديدة الوليدة بحلول عقيمة‪ .‬ولم تكن الظروف الجتماعية‬
‫سانحة لبناء الدولة بنفس القوة الولى‪.‬‬
‫وقامت الدولة السعودية الثالثة‪ ،‬بقيادة الملك عبد العزيز رحمنا ال وإياه‪،‬‬
‫وعاصرت أحداثا عظاما‪ ،‬على تراث العدل‪ ،‬الذي جذب الناس إلى الملك عبد العزيز‪،‬‬
‫ولكن العدل من دون شورى تآكل شيئا فشيئا‪ ،‬فجمد الفكر الداري‪ ،‬في ظلل‬
‫ضغوط ومتغيرات عالمية ومحلية‪ ،‬وحاولت الدولة التجديد والمرونة‪ ،‬ولكن الفكر‬
‫السياسي والقضائي قيد خطاها‪ ،‬مهما حاولت تجديد القوالب والهياكل القديمة‪،‬‬
‫ومواكبة المتغيرات‪.‬‬
‫[‪]25‬‬
‫د‪ -‬ل تقوم شورى(أولي المر من أهل الرأي والعقل)‬
‫دون مجلس نواب منتخب لهل العقد والحل ‪:‬‬
‫ول يكفي لتجسيد مقصود الشريعة في العدل والشورىاليوم تطبيق أنماط غير‬
‫قادرة على حل النوازل‪ ،‬ول على استيعاب ماجد من الوقائع‪ ،‬ول تطبيق أنماط‬
‫إدارية تصلح لمجتمع قديم بسيط‪ ،‬على مجتمع حديث تعقدت فيه المور‪ ،‬ول تطبيق‬

‫‪40‬‬
‫أنماط تبدو أمام أنماط الدول الدستورية هشة خاملة‪ ،‬ول سيما عندما تقدم على أنها‬
‫من الشريعة لبد فيه أن "تحدث للناس‪ -‬كما قال عمر بن عبد العزيز‪ -‬أقضية‪،‬‬
‫بمقدار ما أحدثوا من الفجور"‪ .‬ليس الفجور فحسب‪ ،‬بل كثرة المشكلت والتعقيدات‪،‬‬
‫التي اتسمت بها المجتمعات الحديثة‪.‬‬
‫وقيام مجلس نيابي انتخابي‪ ،‬في أي دولة إسلمية حديثة؛ من الجراءات‬
‫والليات والهياكل التي ل يمكن تحقيق العدل والحق من دونه اليوم‪ ،‬وحيث إن‬
‫القيام بالحق والعدل والشورى فرائض إسلمية كبرى‪ ،‬فإن مال تتم الفريضة‬
‫الكبرى إل به‪ ،‬من وسائل وآليات وأطر وهياكل فإنما هو فريضة‪ ،‬ولو لم يصرح‬
‫القرآن والسنة به‪ ،‬ولو لم يفعله النبي صلى ال عليه وسلم والخلفاء الراشدون كما‬
‫قرر تلك القاعدة المحققون من العلماء وابن عقيل‪ ،‬كما نص على ذلك ابن القيم في‬
‫مطلع كتاب (الطرق الحكمية)‪.‬‬

‫وازدادت المتغيرات اليوم‪ ،‬وكبرت وظائف الدولة‪ ،‬فتعقدت طبيعتها‪ ،‬ولسيما‬


‫منذ نصف قرن‪ ،‬لكن الدولة لم تواكب هذه المستجدات المتراكمة بحلول جديدة‬
‫وقصر الطار الفكري الديني عن تقديم فكر يحل المشكلت المستجدة فصار الطار‬
‫السياسي من دون رؤية سياسية كافية‪ ،‬فظهرت كثير من المعالجات عقيمة‪ ،‬وظلت‬
‫معالجاتها الدينية مستمدة من التراث الذي تمثله(الدرر السنية)‪ ،‬وهي اجتهادات‬
‫فيها خير كثير‪ ،‬ولكنها في المور الستجدة‪ ،‬تقدم معالجات قديمة أو وقتية‪ ،‬لمور‬
‫تغيرت طبيعتها ووظيفتها‪ .‬ولم تنتبه الى أن التراث السياسي والقضائي العباسي‬
‫الذي جارى ظروف الحكم الجبري الجائر‪ ،‬لن يستطيع العتماد عليه بناء دولة‬
‫حديثة‪.‬‬
‫ولبد إذن من تجديد الهياكل والجراءات‪ ،‬التي تواكب التحديات‪ ،‬فدعوة‬
‫المامين هي صيغة واقعية‪ ،‬لتحديد العلقة بين المجتمع والقيادة‪ ،‬من أجل تجسيد‬
‫نموذج إسلمي‪ ،‬يربط بين شطري العقيدة الروحي والمدني‪.‬‬

‫‪41‬‬
‫لكي تستمر البلد قبلة المسلمين نموذجا إسلميا‪ ،‬يتواكب مع الوقائع‪،‬‬
‫وينظر إليه الناس‪ ،‬لبد أول من تجديد مفهوم البيعة الشرعية؛ بأنها مبنية على‬
‫اللتزام بشرطي العدل والشورى‪.‬‬
‫[‪]26‬‬
‫هـ‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫يبدأ الحل من فوق بإنشاء مجلس نيابي حر منتخب من جميع أفراد المة‬
‫رجال ونساءا‪ ،‬في الحواضر والقرى والبوادي‪ ،‬يحل محل السلطة التنفيذية في‬
‫تفعيل مبادئ الشريعة‪ ،‬في ما نصت عليه من عبادات محضة وعبادات غير محضة‪،‬‬
‫ويسهم في تقرير ما للناس أفرادا وجماعات‪ ،‬من حقوق مدنية وثقافية واجتماعية‬
‫وسياسية واقتصادية‪ ،‬وإصدار النظمة واللوائح والقوانين‪ ،‬التي تكفل للناس صلح‬
‫المعاش والمعاد‪ ،‬فالسلطة النيابية هي الجراء الحديث‪،‬لتجسد مفهوم أهل الحل‬
‫والعقد‪ ،‬الذين صاروا أهل الحل والعقد(بالمفهوم العباسي) أو أولي المر(بالمصطلح‬
‫القرآني والمفهوم الراشدي)‪ ،‬لنهم يجسدون إجماع المة‪،‬المخولة بنص القرآن‬
‫بتقرير مصيرها‪ ،‬وتحديد مصالحها‪ ،‬وتفويض (واليٍ) ل (ولي أمر) في إدارة‬
‫شئونها‪.‬‬
‫وبذلك يمارس المجلس النيابي؛ الرقابة على السلطة التنفيذية‪ ،‬بجانب‬
‫رقابة السلطة القضائية‪.‬‬
‫ول يغني عنه مجلس الشورى الحالي‪ ،‬الستشاري المعين‪ ،‬لنه مجلس‬
‫خبراء يستشارون فيشيرون ويوصون ول يقررون‪ ،‬وليس لهم سلطة تمثيلية‪ ،‬ولكل‬
‫منهما وظيفة‪ ،‬فوظيفة مجلس الشورى‪ ،‬الذي ينبغي أن يضم العلماء والخبراء في‬
‫كافة الشئون‪ ،‬إنما يقدم مشورة يوصي بها‪ .‬ورأس الدولة خاصة والسلطة التنفيذية‬
‫عامة‪ ،‬لنه جهاز من أجهزتها‪.‬‬
‫وطبيعة تشكيل مجلس الشورى المعين من الخبراء‪ ،‬ووظيفته الستشارية‪ ،‬ل‬
‫تجعل هيكله مناسبا لحتضان مجلس نيابي‪ ،‬فلبد من إنشاء (مجلس نواب) منتخب‬

‫‪42‬‬
‫ذي سلطة‪ ،‬يحل محل السلطة التنفيذية في إصدار النظمة واللوائح والقوانين‪ ،‬على‬
‫ضوء الشريعة‪ ،‬لكي تمارس الرقابة على السلطة التنفيذية‪ ،‬بجانب رقابة السلطة‬
‫القضائية‪.‬‬

‫إذن ل يمكن في الدولة السلمية الحديثة تطبيق مبدأ الشورى النيابية‪ ،‬من‬
‫دون مجلس لهل الحل والعقد ‪ ،‬ينتخب فيه أهل الرأي والعقل منتخبا من جميع‬
‫الناس رجال ونساءا‪ ،‬لضمان إصدار أنظمة ل تخالف روح الشريعة في العدل‬
‫وتحري المصالح العامة‪ ،‬وثوابتها القطعية‪ ،‬وليقر المجلس ما تتبناه السلطة‬
‫التنفيذية من قوانين وأنظمة‪ ،‬من حيث أصل المشروعية أول‪ ،‬ومن حيث استجابة‬
‫النظمة لمصالح الناس ثانيا‪ ،‬ويراقب أداء الحكومة ويحاسب على الخلل‬
‫والتقصير‪.‬‬

‫[‪]27‬‬

‫المقالة الثامنة‬
‫الفصل بين السلطات هو‬
‫الضامن لشعار (حكم إسلمي) في‬
‫أي دولة إسلمية اليوم‬
‫أ‪-‬اللت والوسائل لها حكم المقاصد والغايات‬
‫الوسائل لها حكم الغايات‪ ،‬كما قرر الصوليون‪ -‬ما لم تعارض الوسائل تحقيق‬
‫المقاصد‪ ،‬فإذا عارضت الوسائل مقصدا شرعيا فل عبرة بها‪ ،‬كمسألة تعذيب‬
‫المتهم‪ ،‬فالتعذيب قد يؤدي إلى معرفة المجرم‪ ،‬ولكن الوسيلة مرفوضة شرعا‪،‬‬
‫لسببين‪ :‬الول قد يعذب مئة من دون وجه حق‪ ،‬بسبب جريمة واحدة‪ ،‬الثاني ان‬
‫المتهم يقر تحت التعذيب بما نسب إليه لو لم يفعله‪ .‬حاصل ذلك أن هياكل الحكم‬

‫‪43‬‬
‫الدستوري كضمانات استقلل القضاء واجبة‪ ،‬لن العدل ل يتحقق في الدولة الحديثة‬
‫إل بها‪ .‬من أجل ذلك فإن من الفقه في الدين؛ أن ينادى بالفصل بين السلطات‪.‬‬

‫[‪]28‬‬
‫ب‪-‬النظام الدستورى إطار تطبيق شرطي العدل‬
‫والشورى‪:‬‬
‫ول يمكن استقلل القضاء من دون تطوير نظام الحكم الملكي من صيغة‬
‫مطلقة الصلحية إلى "صيغة دستورية" مقيدة بالختصاص والمساءلة‪ ،‬يقرر‬
‫الدستور فيها أن المة هي المخولة بتحقيق مقاصد الشريعة ويقرر أن السلطة‬
‫التشريعية لنواب المة‪ ،‬وتحدد فيها سلطات السلطة التنفيذية‪ ،‬يفصل بين‬
‫السلطات الثلث‪ ،‬ويحدد مرجعية كل سلطة‪ ،‬ويمايز بين صلحياتها وتنتشر قيم‬
‫المجتمع المدني‪ ،‬وتقوم هياكله الهلية‪ .‬إن النظام الدستوري نظام محايد‪ ،‬فهو‬
‫الوسيلة المناسبة لقامة ميزان العدل والمشاركة الشعبية‪ ،‬سواء كانت الدولة‬
‫إسلمية أم غير إسلمية‪ ،‬سواء كان النظام ملكيا أم جمهوريا‪ ،‬سواء أسمي‬
‫الملك إماما أم خليفة أم أميرا للمؤمنين‪.‬‬
‫والرئيس أو الملك فيه هو رأس الدولة كلها‪ ،‬فهو رأس الدولة عامة‬
‫والتنفيذية خاصة‪ ،‬وهو الممثل السمى للدولة‪ ،‬وهو المام المكلف بسياسة‬
‫الدولة وحراسة الملة‪ ،‬وهو رمز وحدة الدولة والمة والوطن‪ ،‬وهو رمز شرعية‬
‫الحكم‪ ،‬وراعي حقوق المواطنين وحرياتهم‪ ،‬أفرادا وجماعات‪ ،‬وهو الذي يعين‬
‫الوزراء وهو القائد العلى للقوات المسلحة‪ ،‬وهو الذي يعين الموظفين المدنيين‬
‫والعسكريين والممثلين السياسيين‪ ،‬وهو الذي يبرم المعاهدات الدولية‪ ،‬وهو‬
‫الذي يعلن حالة الطوارئ‪ ،‬وهو الذي يعين القضاة‪ ،‬وأعضاء المحكمة الدستورية‬
‫العليا‪ ،‬ورئيس ديوان المحاسبة‪ .‬ويملك الحق في إيقاف مجلس المة‪ ،‬عندما‬
‫يتعذر التعاون بين الملك والسلطة التنفيذية من جانب‪ ،‬ومجلس المة من جانب‬
‫آخر‪ ،‬ميزة النظام الدستوري أنه يضبط هذه الصلحيات بتوازنات‪.‬‬

‫‪44‬‬
‫ول يمكن تحقيق العدل والشورى إل من خلل النظام الدستوري‪ ،‬ول يمكن أن‬
‫يقوم الحكم الدستوري من دون أن يتعزز استقلل القضاء‪ ،‬فاستقلل القضاء واجب‪،‬‬
‫لن ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪.‬‬

‫وهو يجدد وسائل تطبيق الشريعة‪ ،‬بآليات وإجراءات وهياكل حديثة‪ ،‬وهذه‬
‫الجراءات الدستورية الخمسة منها استقلل القضاء‪ ،‬واستقلل القضاء ل يتعزز إل‬
‫في إطار الفصل بين السلطات الثلث‪ ،‬وقيام السلطة النيابية‪ ،‬وتحديد السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬وانتشار ثقافة المجتمع المدني قيما ونظما وهياكل أهلية‪.‬‬

‫[‪]29‬‬
‫ج‪-‬أركان الدستور الخمسة‪:‬‬
‫يقوم النظام الشوري على أن سلطة المة التمثيلية إنماهي لهل الرأي والعقل‬
‫والخبرة على العموم ‪-‬ل للفقهاء والمراء على الخصوص‪ -‬في تحقيق مقاصد‬
‫الشريعة‪ ،‬فالمة هي المخاطبة بالتكليف‪ ،‬ولن الوسائل المباشرة ليست ممكنة ول‬
‫عملية في إطار الدولة‪ ،‬صار من الضروري النابة والوكالة‪،‬فصار الحاكم وكيل عن‬
‫المة‪ .‬ولكن لكي ل ينحرف الحاكم من وكيل للمة إلى وكيل عليها‪ ،‬يستخدم جيشها‬
‫وبوليسها لتخويفها وتدميرها‪ ،‬ومالها وأراضيها لله وحاشيته‪ ،‬ل بد من توزيع‬
‫مقاليد السلطة؛ كا يلي‪:‬‬
‫‪-1‬أن يكون القضاء سلطة مستقلة عن سلطة الحاكم‪ ،‬تعيينا للقضاة‬
‫ونقل وفصل وتقاعدا‪ ،‬وقواعد قضائية وتطبيقا‪.‬‬
‫‪-2‬قيام سلطة نيابية تمثل المة‪ ،‬هي مجلس نواب المة‪ ،‬بتشريع النظم‬
‫المعمول بها في الدولة‪ ،‬ومراقبة أداء الجهزة الحكومية‪ ،‬ومحاسبة من يخل‬
‫بواجبات الوظيفة العامة‪.‬‬
‫‪-3‬حصر وظيفة السلطة التنفيذية بالتنفيذ‪.‬‬

‫‪45‬‬
‫‪ -4‬والفصل بين السلطات الثلث‪ .‬وتقرير هذه الحقوق بقوانين يقرها مجلس‬
‫نواب المة‪.‬‬
‫‪-5‬قيام المة بحراسة مجلس النواب واستقلل القضا‪ ،‬عبر تواجدها في‬
‫جماعات مدنية أهلية‪ ،‬وعبر تفاعل جماعات المجتمع المدني الهلية‪ ،‬وحرية المة‬
‫في تكوين جمعيات ونشاطات‪ ،‬وتعبيرها الحر عن مصالحها‪ ،‬عبر وسائل الثقافة‬
‫والعلم‪ ،‬وقيامها بالتعبير عن ارادتها عبر التجمع والتظاهر والعتصام ونحوها‬
‫من الوسائل السلمية‪ ،‬لن هذه الوسائل الشعبية هي السور الذي يضمن ما عداها‬
‫من وسائل غير مباشرة‪.‬وهذا هو أساس قيام المة‪ ،‬بتوزيع السلطة‪ ،‬إلى ثلث‬
‫شعب‪ ،‬بد ًل من الحكم الفردي المطلق و الفصل بين السلطات الثلث مقتضى الحكم‬
‫بالحق‪ ،‬وهو نقيض إتباع الهوى ‪ ،‬لن في ذلك سعادة الدارين‪.‬‬
‫[‪]30‬‬
‫د‪-‬كيفية تعزيز شرطي البيعة‪ :‬العدل والشورى‪:‬‬
‫أركان الحكم الدستوري الخمسة‪ ،‬هي الوسيلة المناسبة اليوم لتحقيق العدل‪،‬‬
‫والبعد عن الهوى‪ ،‬في الدولة الحديثة‪ ،‬والعدل له وسائل جربتها المم القديمة‬
‫والحديثة (سواء سميت جمهورية أو ملكية)‪ ،‬فلم تجد أنجع من مفهوم الحكم‬
‫الدستوري‪:‬‬
‫من أجل ذلك فإن الخذ بالجراءات الحديثة التي ابتكرتها دول متقدمة‪ ،‬حققت‬
‫قدرا كبيرا من العدالة ‪ ،‬إنما هو من ما دلت عليه الشريعة ‪ ،‬وليس من المصالح‬
‫المرسلة‪ ،‬التي لم يدلل عليها الشرع بنفي ول إثبات‪ ،‬لكي يكون في مشروعيته‬
‫قولن‪.‬‬
‫ول يمكن أن توجد‪ ،‬مصلحة مرسلة من العتبار ول مفسدة مرسلة من اللغاء‬
‫لم تذكرها الشريعة‪ ،‬بل هي ملغاة من التفصيل كما قرر ابن تيمية‪.‬‬
‫فكل المصالح التي دل على أصلها الشرع‪ ،‬فالشرع دل على استقلل القضاء‪،‬‬
‫وبين أن الهوى إذا لم يتبع الحق إنما هو سبب الفساد‪ ،‬وذم ال الهوى الفاسد في‬

‫‪46‬‬
‫كتابه مرارا‪ ،‬والهوى ضد النصاف والعدل‪ ،‬والسداد‪ ،‬واستقلل القضاء هو سلمته‬
‫من الهوى‪ ،‬وكل الوسائل التي تؤدي إلى سد الثغرات‪ ،‬التي يدخل منها الهوى‬
‫الفاسد‪ ،‬وتضمن الحكم بالقواعد الشرعية مشروعة‪ .. .‬تماما كالتعليم فوجوب‬
‫التعليم نص عليه السلم‪ ،‬ول يتحقق التعليم اليوم في الدولة الكبيرة؛إل بوسائل‬
‫وإجراءات فللتعليم مبادئ نص عليها السلم‪ ،‬وللتعليم هياكل‪ ،‬كالمدارس والفصول‬
‫والكتب والمدرسين والدارة المدرسية‪ ،‬والهياكل من الجراءات والنظريات‪ ،‬التي ل‬
‫يمكن تنفيذ مبدأ التعليم من دونها‪ ،‬وكذلك مبدأ العدل في القضاء‪.‬‬
‫إن رفض نظرية(الفصل بين السلطات الثلث) تحت شعار الدفاع عن الشريعة‪،‬‬
‫إنما هو غفلة عن الوسائل المستجدة الكثر ضمانا لتطبيق الشريعة والعدالة معا‪ ،‬قد‬
‫يمتطيها الغافلون عن التمييز بين ما هو مقصد شرعي وما هو وسائل المقصود‬
‫الشرعي‪ ،‬و بين الجراءات والهياكل التي ناسبت العصور الموية والعباسية‪،‬‬
‫فخلطوا المقاصد بالوسائل‪ ،‬فلم يثمنوا الجراءات والهياكل التي تناسب العصور‬
‫الحديثة‪ ،‬فأسهم ذلك في تثبيت تخلف المة‪ ،‬ودعم هياكل وإجراءات نشر الظلم‬
‫والجحاف باسم تطبيق الشريعة‪ ،‬فقدموا السلم ظهيرا للدكتاتورية والستبداد وأكل‬
‫أموال الشعوب‪ ،‬ففتحوا البواب لدخول قوى العلمنة والمبريالية والستعمار‪ ،‬التي‬
‫حلقت بجناحي العدالة والحرية‪ ،‬فرضت هيمنتها على الناس‪ ،‬بحرية براقة وعدل‬
‫جذاب‬

‫[‪]31‬‬
‫المقالة التاسعة‬
‫نظام القضاء وزئبقية مصطلحي‬
‫"تطبيق الشريعة" و"الحكم بما‬
‫أنزل الله"‬

‫‪47‬‬
‫هـ‪-‬تطبيقات عبارة‪:‬اللتزام بالشريعة السلمية‪:‬‬
‫تتكرر وتكثر في القوانين السعودية‪ ،‬عبارة اللتزام بأحكام الشريعة‬
‫السلمية‪ ،‬وهو اتجاه حسن في الزمنة الحديثة‪ ،‬التي جرت فيها أغلب الدول‬
‫السلمية‪ ،‬على الحكم بغير ما أنزل ال‪ ،‬وتهميش الشريعة‪.‬‬
‫لكن عبارة سلطان أحكام الشريعة السلمية‪ ،‬التي تفيد قوة استقلل‬
‫القضاء‪ ،‬أو اللتزام بأحكام السلم‪ ،‬غير منضبطة بمرجعية فقهية مستقلة‪ ،‬تحدد‬
‫ما هو دستوري أي شرعي وما هو من العوائد التي جرت عليها الحكومات‬
‫الجبرية‪ ،‬بعد عصر الراشدين وأدخل في الشريعة عبر التأويل والتحريف‬
‫والنصوص الفقهية التي تجعل للمام سلطة الجتهاد في سن النظمة مخلة‬
‫بمبدأ استقلل القضاء وتحكيم الشريعة معا‪ ،‬فالسلطة التنظيمية تصدر أنظمة يجب‬
‫أن تكون مرعية‪ ،‬أي أن على القضاء وسائر مرافق الدولة أن يعملوا بها‪ ،‬فيقرر‬
‫نظام المرافعات المشار إليه آنفا أن‪" :‬تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أحكام‬
‫الشريعة السلمية‪ ،‬وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وما يصدره ولي المر من‬
‫أنظمة ل تتعارض مع الكتاب والسنة"‪ .‬ويقول نظام القضاء " القضاة مستقلون‪ ،‬ل‬
‫سلطان عليهم في قضائهم لغير احكام الشريعة السلمية والنظمة المرعية‪ ،‬وليس‬
‫لحد التدخل في القضاء" (المادة ‪. )1‬‬
‫العبارة ضعيفة في التعبير عن الستقلل‪ ،‬فاستقلل القضاء له مفهوم محدد‪،‬‬
‫هو أنه استقلل نظام ل استقلل اشخاص‪ ،‬واستقلل القضاة (اشخاصا) ل يغنى عن‬
‫النص على استقلل القضاء (نظاما) أي النص على أنه سلطة مستقلة‪.‬‬
‫وهذه العبارة عليها ثلثة مآخذ‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن العبارة ضعيفة في التعبير عن الستقلل والعبارة المعيارية‪ ،‬أن‬
‫يقال‪ :‬القضاء سلطة مستقلة وليس لي سلطة أخرى سلطان عليه‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬من يحدد اعتبار هذا القانون أو ذاك من أحكام الشريعة‪ ،‬في ظل ثقافة‬
‫فقهية ل تكاد تجد فيها في أي مسألة قولً (نظريا) واحدا‪ ،‬فضلً عن كيفيات‬

‫‪48‬‬
‫التطبيق‪،‬؟ ول بد لضبط ذلك من أن ينص على دور المحكمة الشرعية الدستورية‬
‫العليا‪ ،‬مرجعا في تحديد ما هو شرعي من ما هو غير شرعي‪.‬‬
‫ولم يحدد النظام هيئة تشكل مرجعية معتبرة من الفقهاء الخبراء في‬
‫الشئون المدنية‪ ،‬مستقلة الرادة‪ ،‬ل تسيطر الدولة على تشكيلها‪،‬تنخل الراء‬
‫الكثيرة المتقاربة والمتناقضة‪ ،‬لكي تحسم مسألة اعتبار هذا الرأي أو ذاك من‬
‫أحكام الشريعة المعتبرة‪ ،‬وعدم مخالفتها الشريعة أول‪ .‬ولكي تحسم‪-‬ثانيا‪-‬‬
‫التنازع بين السلطة التنفيذية والجهات الخرى‪ ،‬فأدت قوة سلطة ولي المر من‬
‫حيث التطبيق‪ ،‬إلى ضعف مرجعية الشريعة‪ ،‬في الحفاظ على مقومات حياة‬
‫المجتمع‪ ،‬في التربية وسيادته والدارة والقتصاد‪.‬‬
‫[‪]32‬‬
‫ب‪-‬زئبقية مفهوم‪:‬لتتعارض مع أحكام الشريعة‪:‬‬
‫وعبارة ل تتعارض مع الكتاب والسنة؛ ل تكفي للدللة على استقلل‬
‫القضاء الشرعي‪ ،‬عن تدخلت السلطة التنفيذية‪ ،‬ل في مبادئ نظرية الحقوق ول‬
‫في إجراءات تطبيق المبادئ للسباب التالية‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن كثيرا من النظمة؛ ل تكاد تتعارض صراحة مع نص قطعي‬
‫صريح‪ ،‬ولكن النصوص القطعية الصريحة؛ في شق الشريعة المدني ‪ ،‬مجال‬
‫حياة المة أفرادا ومجتمعا ودولة قليلة‪ ،‬وهي في المسألة الدارية والسياسية‬
‫نصوص مبادئ ثابتة مجملة محصورة‪ ،‬ويمكن أن تنشأ عليها نظريات وكيفيات‬
‫وآليات تفصيلية متغيرة كثيرة غير محصورة‪ ،‬وتقوم على هذه الكيفيات‬
‫والنظريات حياة الناس‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن النصوص المجملة يمكن أن تتعرض لتأويلت وتفسيرات شتى‪،‬‬
‫والفقه الجتهادي السلمي المتراكم عبر الزمنة‪ ،‬ليس في مستوى واحد‪ ،‬من‬
‫التساق مع عدل الشريعة‪ ،‬وهو مليء بالراء المتباينة في مجال الحياة المدنية‪،‬‬
‫وحقوق النسان‪ .‬ففيه آراء عادلة معيارية‪ ،‬تنسجم مع كليات الشريعة‬

‫‪49‬‬
‫ومقاصدها وروحها‪ ،‬وفيه آراء مضطربة‪،‬ترعرعت في أجواء الختلل‪ ،‬مخلة‬
‫بحقوق النسان‪ ،‬التي جاء بها السلم قبل أربعة عشر قرنا؛ من تنادي المم‬
‫إليها في العصر الحديث‪ ،‬كتجويز تعذيب المتهم‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬عبارة النظمة المرعية عبارة ملبسة‪ ،‬تفتح المجال‪ ،‬لكي تخل الحكومة‬
‫بسلطان القضاء‪ ،‬ما دام النظام قد نص على أن سلطان النظمة المرعية فوق‬
‫سلطان القضاة‪.‬‬
‫هناك تدخل مباشر في استقلل القضاء؛ فالنص على استقلل القضاء‪ ،‬لم‬
‫تبن عليه إجراءات كافية‪ ،‬تضمن قوة مبدأ الستقلل ‪ ،‬ومفهوم استقلل القضاء‬
‫السعودي؛ أقل بكثير من ما هو متعارف عليه‪ ،‬في القانون الدستوري‪ ،‬ومن ما‬
‫هو مطلوب في السلم لستقلل القضاء‪.‬‬
‫ومع أن النظام نص على أن ل تناقض الشريعة‪ ،‬فإن الواقع يشير إلى‬
‫أمرين‪ :‬الول أن عددا منها غير قليل؛ يخالف كليات الشريعة ومقاصدها‬
‫القطعية؛ يخالف نصوصها أو روحها‪ ،‬في تجسيد مبدأ المساواة‪ ،‬ككثرة الرسوم‬
‫والضرائب مع تكاثر الثروة النفطية‪ ،‬وعدم الشفافية في أرقام موارد المال العام‬
‫و لسيما النفط‪ ،‬والتسيب في طرق مصروفات المال العام‪ ،‬الثاني‪ :‬عدم وضع‬
‫جهات ول آليات كافية لنقض هذه النظمة أو رفضها أو التظلم منها‪.‬‬
‫[‪]33‬‬
‫ج‪-‬أسلمة الستبداد والظلم والهوى‪:‬‬
‫عدم إمكانية التثبيت من صلحية هذه النظمة والقوانين فقد تحقق مصلحة‬
‫حقيقية‪ ،‬وقد تحقق مصالح متوهمة‪ .‬أمكن‪-‬تحت هذا اللبس‪ -‬إمرار تجاوزات‬
‫أخلت بمقاصد الشريعة في تجسيد مبدأ العدالة والمساواة‪ ،‬ونظام (قانون) توزيع‬
‫الراضي السكنية والزراعية أوضح دليل على ذلك‪ ،‬فقد صدر نظام يمنع امتلك‬
‫الرض الموات بالسكنى والزراعة‪ ،‬وجعل التملك مشروطا بإذن (المام)‪ ،‬وهذا‬

‫‪50‬‬
‫نظام ظاهره العدالة‪ ،‬و هو مبني على قول مرجوح للفقهاء‪ ،‬ولكنه عند التطبيق‬
‫أخل بالعدالة‪.‬‬
‫عندما أصدر ولي المر آلف الوامر‪ ،‬التي أمر بها السلطة القضائية‪،‬‬
‫بإصدار ألوف الصكوك‪ ،‬كل صك بمليين المتار وألوفها‪ ،‬في مواقع ثمينة‪،‬‬
‫منحت ذوي النفوذ والمقربين فازداد الغنياء غنى‪ ،‬وازداد الفقراء فقرا‪ ،‬وجسد‬
‫ذلك إخلل في استقلل القضاء لن القضاة صاروا مجبرين على تنفيذ الوامر‪،‬‬
‫وليس لهم حق الرفض فضل عن النقض‪ ،‬وليس هناك مرجعية يحتكمون إليها‬
‫في كون هذا المر أو المرسوم شرعيا‪ ،‬وقد جسد ذلك إخلل كبيرا بالعدالة‬
‫القتصادية‪.‬‬

‫[‪]34‬‬
‫المقالة العاشرة‬
‫ل رقابة للقضاء على السلطة‬
‫التنفيذية وكيف حلت السلطة‬
‫التنفيذية محل المحكمة الدستورية‬
‫العليا؟‪:‬‬
‫أ‪ -‬منبع الختلل‪ :‬تفرد الملك والمراء بالتشريع‪:‬‬

‫من المقرر علميا أن رقابة السلطة القضائية على السلطات الخرى؛ تعد‬
‫جزءا من ولية القضاء‪ ،‬بل تعد المظهر العملي لستقلل السلطة القضائية‪ ،‬في‬
‫الدول الدستورية (انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار الرابع‪ :‬وجود محكمة دستورية عليا‪:‬‬
‫‪)64-61‬‬

‫‪51‬‬
‫‪ -‬ول يستقل القضاء ما لم تكن له سلطة رقابية على السلطة‬
‫التنفيذية والسلطة النيابية معا في جانب محدد هو دستورية ما يصدر من قوانين‬
‫وقرارات‪ ،‬بأن يكون من الحقوق المرعية للفراد والجماعات؛ حرية رفع‬
‫الدعوى مباشرة إلى القضاء‪ ،‬ضد أي شخص طبيعي أو اعتباري‪ ،‬وضد أي‬
‫نشاط إداري تقوم به السلطة التنفيذية‪ ،‬وضد أي نظام أو لئحة يصدرها مجلس‬
‫النواب‪.‬‬

‫أما القضاء في السعودية فليس له سلطة رقابية‪ ،‬تتيح له أن يعترض على‬


‫دستورية(النظمة) القوانين‪ ،‬وما أصدره ديوان المظالم من من أحكام تتعلق‬
‫بالسلطة التنفيذية ل يكفي‪.‬‬

‫اعتبار الملك مرجعية السلطات الثلث‪ ،‬يفسر قيام السلطة التنفيذية عبر‬
‫مجلس الوزراء؛ بتفسير بعض النصوص النظامية المشكلة‪ ،‬والفصل في تنازع‬
‫الختصاص‪ ،‬والبت في الطعون المقدمة حول دستورية بعض نصوص النظمة‬
‫والقوانين‪ ،‬أو الحكام الصادرة من القضاء الداري‪.‬‬
‫وعندما حل ولي المر محل السلطة النيابية‪ .‬صار من صلحياته أن‬
‫يصدر من التنظيمات والقوانين ما يراه مناسبا‪ ،‬وسوغ له الفقهاء ذلك‪ ،‬وصاغوا‬
‫مبدأ التسويغ بعبارة متداولة" ولي المر أدرى بالمصلحة"‪ ،‬وصار واجبا على‬
‫القضاة ورؤساء الدواوين والمواطنين؛ أن ينفذوا هذه النظمة‪.‬‬
‫وهذا يشير إلى مدى تضخم دور السلطة التنفيذية‪ ،‬فهي ل تقوم بوظيفة‬
‫السلطة النيابية فحسب‪ ،‬بل وبوظيفة المحكمة العليا في النظم الدستورية‪.‬‬

‫[‪]35‬‬
‫ب‪-‬على القاضاة أن ينفذوا ول يعترضوا‬

‫‪52‬‬
‫وفي ظل هذه الثقافة والتصورات؛ ل يمكن أن تنشأ نظرية لستقلل‬
‫القضاء‪ ،‬فضل عن ضماناتها الجرائية‪ ،‬فضل عن التطبيق‪ ،‬ولذلك ظهرت‬
‫الخللت التالية‪:‬‬
‫ولنعدام المحكمة الدستورية‪ ،‬ليس للقضاء سلطة رقابية‪ ،‬على تصرفات‬
‫السلطة التنفيذية‪ ،‬ل في مدى مشروعية القرارات أو القوانين أو الوامر‪ ،‬ول‬
‫في مدى سلمة التنفيذ‪.‬‬
‫فليس من صلحية القضاة أن يحكم بعدم مشروعية أي نظام(قانون)‪.‬‬
‫والقضاة في القضاء العام‪ ،‬يطبقون (النظام)القانون‪ ،‬حتى ولو كان في تقديرهم‬
‫ل يحقق ما هو أولى أو أصح أو أصوب‪ ،‬بل ولو كان مخالفا روح الشريعة في‬
‫العدالة‪.‬‬
‫وصار دور القضاة والهيئات الدارية الرسمية والهلية‬
‫استسلميا‪ ،‬تجاه القوانين والوامر‪ ،‬ولو كانت مظنة مخالفة مبدأ العدالة‬
‫الجتماعية أو القضائية‪-‬مادام قد أصدرها ولي المر‪ ،‬فليس لحد سلطة إلغائها‪،‬‬
‫ليس لحد قدرة على الحد من تجاوزاتها‪ ،‬لن السلطة التنفيذية وضعتهم في‬
‫قالب" النظمة المرعية"‪.،‬‬
‫في القضاء العام صار من النادر أن يقوم القاضي بما يسمى (رقابة المتناع‬
‫عن تطبيق القانون)‪ ،‬الذي يعتبره مخالفا نص مبادئ العدالة في الشريعة أو‬
‫روحها‪.‬‬
‫[‪]36‬‬
‫ج‪-‬أعمال السيادة فوق سلطة القضاء وليس فيها‬
‫محاسبة‪:‬‬
‫وقد أدى انعدام المحكمة الدستورية ورقابتها على القوانين والوامر‬
‫والقرارات إلى مظالم كبرى‪ ،‬لنه ليس هناك سلطة تستطيع أن تلزم الحكومة‬
‫بضوابط تحفظ أموال الشعب وممتلكاته‪ ،‬ول سيما أن الحكومة لم تنشء (ديوان‬
‫المحاسبة) الذي يقوم بمثل هذه الوظيفة في الدول الخرى‪ ،‬ول بضوابط تلزم‬

‫‪53‬‬
‫الحكومة في التصرفات الكبرى في المجالت الداخلية والخارجية‪ .‬وأظهر نموذج‬
‫لذلك نظام(قانون) توزيع الراضي السكنية ‪ ،‬فقد صدر نظام يمنع امتلك الرض‬
‫الموات بالسكنى والزراعة‪ ،‬وجعل التملك مشروطا بإذن ولي المر‪ ،‬وهذا نظام‬
‫ظاهره العدالة‪ ،‬وإن كان مبنيا على قول مرجوح للفقهاء‪ ،‬ولكنه عند التطبيق‬
‫أخل بالعدالة‪ ،‬فبناء على أوامر ولي المر أصدرت السلطة القضائية‪ ،‬ألوف‬
‫الصكوك‪ ،‬كل صك بمليين المتار وألوفها‪ ،‬في مواقع ثمينة‪ ،‬منحت ذوي النفوذ‬
‫والمقربين‪ ،‬فصار لباب الراضي في المدن ‪ ،‬نهبا في يدي النخبة الجشعة من‬
‫الكبراء‪ ،‬وساعد ذلك على تضخم ثروة النخبة السياسية والمحاسيب وشدة فقر‬
‫عموم المواطنين‪ ،‬وجسد ذلك إخلل في استقلل القضاء‪ ،‬وإخلل كبيرا بالعدالة‬
‫القتصادية‪ .‬وتطبيقات هذا النظام تخالف روح الشريعة في العدل‪.‬‬
‫على أن أعظم علمة على ضعف القضاء؛ عدم قدرته على نقض أمثال‬
‫تلك القوانين والوامر أصل‪ ،‬أو المتناع عن إصدار صكوك بمقتضاها‪.‬‬
‫وهذا يشير إلى مدى تضخم دور السلطة التنفيذية فهي ل تقوم بوظيفة‬
‫السلطة النيابية فحسب‪ ،‬بل وبوظيفة المحكمة الدستورية أيضا‪.‬‬
‫وواقع القضاء أنه ليس له صلحية تتيح له سماع دعوى أي تظلم‬
‫من ممارسات هذه الجهزة البوليسية‪ ،‬ما لم يستأذنها‪ ،‬ولن يتأكد استقلل‬
‫القضاء‪،‬حتى يستطيع القاضي أن يسمع الدعوى ضد أي جهة‪ ،‬من جهات‬
‫السلطة التنفيذية عامة‪ ،‬و لسيما الجهات المنية‪ ،‬من دون إذنها المسبق‪.‬‬

‫و للدولة سلطة واسعة‪ ،‬في القبض والتفتيش ودخول المنازل ومراقبة‬


‫التصالت والتوقيف الحتياطي؛ وأمام هذه السلطات الواسعة؛ ليس هناك سلطة‬
‫قضائية مستقلة‪ ،‬تراقب مدى التزام السلطة التنفيذية بما صدر من أنظمة‪ ،‬وتتأكد‬
‫من عدم إساءة السلطة التنفيذية؛ استعمال هذه السلطات الواسعة‪ ،‬وتمنع‬
‫تعسفها‪ ،‬إن الجهة التي استقرت عليها النظمة الدستورية‪ ،‬لحفظ التوازن بين‬

‫‪54‬‬
‫وظيفة الدولة العامة في حفظ أمن المجتمع وحقوقه‪ ،‬ومصلحة الفراد في حماية‬
‫حرياتهم وحقوقهم الخاصة‪ ،‬هي القضاء‪ ،‬الذي ينظر إلى المدعي (فردا أو‬
‫جماعة) والمدعى عليه(وزارة أو مؤسسة حكومية)‪ ،‬على أنهما خصمان‪ ،‬على‬
‫كل منهما أن يثبت حقه الخاص أو العام‪ ،‬وفق أساس قضائي (قانوني‪/‬نظام)‬
‫موحد القواعد مدون معلن واضح‪.‬‬

‫من المور التي عززت استقلل القضاء صدور نظام الجراءات الجزائية‪،‬‬
‫مؤخرا‪ ،‬الذي خول القضاء سلطة الشراف على أعمال وإجراءات السلطة‬
‫التنفيذية‪،‬من بحث وتحر‪ ،‬وقبض وتفتيش‪ ،‬وتوقيف وسجن وتنصت‪ ،‬أعطى‬
‫القضاء صلحية إبطال أي إجراء يخالف الضمانات‪ ،‬لكن المشكلة أنه ليس هناك‬
‫تفعيل ول تطبيق لهذه الجراءات‪،‬وعدم ممارسة القضاء دوره الرقابي‪ ،‬بسبب‬
‫ضعف القضاء والقضاة أمام السلطة التنفيذية‪ ،‬وعدم استقرار عرف قضائي‬
‫يؤكد حقهم في إبطال أي إجراء ل يتفق والضمانات القانونية‪ ،‬المنصوص عليها‬
‫في نظام الجراءات‪ ،‬وهذا أخل بوظيفة القضاء الرقابية‪،‬باعتباره سلطة تراقب‬
‫مدى التزام السلطة التنفيذية‪ ،‬بما صدر من أنظمة‪ ،‬وتتأكد من عدم إساءة‬
‫السلطة التنفيذية؛ استعمال هذه السلطات الواسعة‪ ،‬وتسد منافذ التعسف‪.‬‬
‫ول يستقل القضاء ما لم تكن له سلطة رقابية على السلطة التنفيذية‬
‫والسلطة النيابية معا‪ ،‬بأن يكون من الحقوق المرعية للفراد والجماعات؛ حرية‬
‫رفع الدعوى مباشرة إلى القضاء‪ ،‬ضد أي شخص طبيعي أو اعتباري‪ ،‬وضد أي‬
‫نشاط إداري تقوم به السلطة التنفيذية‪ ،‬وضد أي نظام أو لئحة يصدرها مجلس‬
‫النواب‪.‬‬

‫[‪]37‬‬
‫د‪-‬كيفية التعزيز إنشاء (محكمة عليا للعدل )‪:‬‬

‫‪55‬‬
‫إن إعلن مبدأ عدم مخالفة القوانين والوامر الشرعية؛ ل يكفي ما لم‬
‫يرتبط بضمانات إجرائية‪،‬من أجل ذلك تحتاج البلد إلى إنشاء محكمة شرعية‬
‫دستورية عليا مستقلة عن الدولة‪ ،‬جهة مستقلة عن ولي المر‪( ،‬ول تكون‬
‫سلطة الملك مطلقة في تعيينها)‪ ،‬من فقهاء وقضاة‪ ،‬من الفقهاء المتمكنين في‬
‫الفقه الدستوري والداري والقانوني وحقوق النسان ومفهوم المجتمع المدني)‪.‬‬
‫لتراجع هذه النظمة‪ ،‬وتحدد ما يخالف الشريعة من ما يوافقها‪ ،‬وما يحقق‬
‫المصلحة العامة من ما يناقضها‪ ،‬وتحدد مدى شرعية الوامر و(النظمة)‬
‫القوانين التي يصدرها ولي المر ‪،‬وتحدد ما هو من النظمة المرعية شرعا‪،‬من‬
‫ما ليس منها‪ ،‬وتقر منها ما ينسجم مع مقاصد الشريعة‪ ،‬في إقامة الحق والعدل‪،‬‬
‫وتلغي وتعدل‪ .‬كما هو الحال في المحاكم الدستورية العليا‪ ،‬في البلدان‬
‫الدستورية‪ .‬التي أقامت ميزان العدل‪ ،‬ولعل مصطلح (محكمة العدل العليا) أوضح‬
‫وأدرج‪.‬‬
‫وإنشاء المحكمة الشرعية الدستورية العليا ضروري لحسم التنازع بين‬
‫السلطات الثلث‪ ،‬والبت في دستورية النظمة وتفسيرها‪ ،‬ومراقبة ما تصدر‬
‫السلطتان التنفيذية والنيابية من قوانين وقرارات‪ .‬من أجل استقلل حقيقي‬
‫للقضاء وللمحكمة الدستورية العليا‪ ،‬اختصاصات خمسة‪ ،‬معروفة في الدول‬
‫الدستورية‪:‬‬
‫الولى‪ :‬التأكد من (دستورية) القوانين والقرارات التي تصدرها السلطة‬
‫التنفيذية أو النيابية‪ ،‬بالفصل في الدعاوى و الدفوع المتعلقة بعدم دستورية‬
‫القوانين واللوائح والنظمة والوامر والقرارات‪ ،‬بل ينبغي أن يكون من حق‬
‫المحكمة الدستورية؛ أن تبادر إلى إلغاء أي قانون أو أمر يتعارض مع‬
‫الدستور‪(،‬المؤسس على الشريعة) من دون أن تنتظر مبادرات الفراد من‬
‫غيرها‪ ،‬بل تبادر بنفسها‪ ،‬لن هذا الجراء يجعل قرارات السلطة التنفيذية‬

‫‪56‬‬
‫وأوامرها خاضعة للمراجعة‪ ،‬ويشطب المبدأ السائد ‪ :‬على القضاة أن ينفذوا‬
‫النظمة وأن ل ينتقدوها"‬
‫الثانية‪ :‬حسم التنازع بين السلطات الثلث‪ ،‬والبت في دستورية النظمة‬
‫وتفسيرها‪ ،‬والفصل في تنازع الختصاصات بين الجهات الحكومية‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬البت في الطعون المتعلقة بالنتخابات النيابية والبلدية‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬الفصل في الحكام النهائية‪ ،‬في القضايا المدنية والتجارية‬
‫والجنائية ‪ ،‬والحوال الشخصية والمنازعات الدارية والدعاوى التأديبية ‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬تفسير القوانين والنظمة‪.‬‬
‫ويمكن أن يضاف إلى وظائفها في مثل المملكة؛وظيفة سادسة‪ :‬محاكمة‬
‫المسئولين الكبار‪ ،‬الذين يخلون بالدستور‪ ،‬كرئيس الوزراء ونوابه والوزراء‬
‫ونوابهم كما في المحاكم الدستورية في مثل الردن واليمن(انظر‪:‬المعايير الدولية‪،‬‬
‫لستقلل القضاء المعيار الرابع‪.)64-61 :‬‬
‫وبذلك يصبح من حق القاضي أن يحتكم إلى الدستور‪ ،‬فيمتنع عن تطبيق‬
‫القوانين والوامر‪ ،‬التي تخالف الدستور‪ ،‬سواءا صدرت من مجلس النواب‪ ،‬أم من‬
‫السلطة التنفيذية‪ ،‬وترفع القضية عند النزاع إلى المحكمة الدستورية الشرعية‬
‫العليا‪ ،‬وحكم المحكمة الدستورية العليا‪ ،‬نهائي في البت في النزاع‪.‬‬

‫[‪]38‬‬
‫المقالة الحادية عشرة‬
‫انفراد السلطة التنفيذية‬
‫بالتعيين والتشكيل‪:‬‬
‫أ‪-‬اعتبار الملك مرجع السلطة القضائية‪ ،‬مخالف‬
‫للعدل الذي استقر في الطبائع‪ ،‬وقررته الشرائع‪:‬‬
‫في النظام الساسي للحكم؛ يعتبر الملك مرجع السلطة القضائية أيضا‬
‫فيقول(المادة الرابعة والربعون)‪:‬‬

‫‪57‬‬
‫"تتكون السلطات في الدولة من ‪:‬السلطة القضائية السلطة التنفيذية السلطة‬
‫التنظيمية‪ ،‬وتتعاون هذه السلطات في أداء وظائفها وفقا لهذا النظام وغيره من‬
‫النظمة‪ ،‬والملك هو مرجع السلطات"‪.‬‬
‫وهذا أكبر علمة على الخلل الصريح بمفهوم استقلل القضاء؛‬
‫اعتبار الملك مرجع السلطة القضائية‪ ،‬فإذا وجدت سلطة يرجع إليها القضاء؛‬
‫فذلك نص على عدم الستقللية‪(،‬وفي هذا النص صدى اعتبار القاضي وكيل‬
‫عن المام‪ ،‬فمادام الملك هو المخول الصلي بالقضاء‪ ،‬وليس القضاة إل وكلء‪،‬‬
‫فإن استقلل القضاء أرق من الهباء‪( ،‬انظر‪ :‬معايير استقلل القضاء‪ :‬المعيار‬
‫الخامس‪ )71-64 :‬والدليل على ذلك أن النظام نص على أن للملك سلطة مطلقة‬
‫في تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وفصلهم‪ .‬بناءا على اقتراح المجلس العلى‬
‫للقضاء؛ يقول النظام الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م‪ )64/‬وتاريخ‬
‫‪14/7/1395‬هـ " يجوز خلل السبع السنوات التالية لنفاذ هذا النظام أن تشكل‬
‫بأمر ملكي هيئة من أعضاء المجلس العلى للقضاء‪ ،‬ورجال القضاء الخرين‪،‬‬
‫يرأسها وزير العدل للنظر في إحالة من ترى عدم صلحيته لتولى القضاء على‬
‫التقاعد‪ ،‬ويصدر قرار الحالة على التقاعد في هذه الحالة بأمر ملكي"‬
‫فالهيئة يختار الملك أعضاءها‪ ،‬ويرأسها وزير العدل الذي ليست له صفات‬
‫مهنية (كما هي فحوى نظام القضاء) اذ لم ينص النظام على اشتراط أن يكون‬
‫وزير العدل قاضيا سابقا أو فقيها وليست له صفة دستورية ايضا‪ ،‬لن منصبه‬
‫سياسي ل قضائي‪ ،‬وقراراتها ل تصدر ال بأمر ملكي‪.‬‬
‫وهو أمر مخل باستقلل القضاء‪.‬‬
‫ولم يحدد النظام آلية تفض النزاع بين الملك والمجلس العلى للقضاء‪،‬‬
‫حينما ل يوافق الملك على المرشحين‪ ،‬كأن يقال‪ :‬إذا استمر النزاع؛ ينظر‬
‫المجلس العلى كرة أخرى‪ ،‬في المرشحين الذين لم يوافق الملك عليهم؛ ويبت‬
‫فيهم بالغلبية‪ ،‬ويعتبر بته نهائيا ملزما‪ ،‬كما جرت العادة في النظم الدستورية‪.‬‬

‫‪58‬‬
‫جذر المشكلة في الرأي السائد في كتب الفقه العباسية التي صيغت في ظلل‬
‫الحكم الجبري‪ ،‬اذ يجيز انفراد المام بتعيين القضاة وعزلهم؛ وهو مخالف‬
‫للمفهوم الدستوري السلمي في الحكم‪ ،‬و هو إجراء كان مناسبا عندما كان‬
‫المام خليفة راشدا والدولة صغيرة‪ ،‬والمشكلت بسيطة والنظم نامية‪ ،‬أما في ما‬
‫أتى من تاريخ المسلمين‪ ،‬عندما تضخمت الدولة وكثرت القاليم والسكان‪،‬‬
‫وتراكمت المشكلت فإنه إجراء ل يتحقق به العدل‪ ،‬الذي هو روح الشريعة‪،‬‬
‫والوسائل والجراءات إذا لم تؤد إلى تحقيق المبدأ الشرعي المقصود‪ ،‬فالقول‬
‫بلزومها تقليد وجمود‪ ،‬إذ يستحيل قياس الحاكم في الدولة السلمية الحديثة‪،‬‬
‫على النبي صلى ال عليه وسلم وخلفائه الراشدين‪ ،‬وتلك مغالطة في معيار علم‬
‫أصول الفقه‪ ،‬فهو قياس مع الفارق‪ ،‬وكل قياس مع الفارق فهو غير مسلم به‪،‬‬
‫(انظر‪ :‬معايير‪.)70:‬‬

‫[‪]39‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز ‪:‬‬
‫‪ -1‬صحيح أن رئيس الحكومة‪ ،‬سواء سمي اماما أو ملكا هو أيضا رئيس‬
‫الدولة ولكن وظيفة السلطة التنفيذية التي ل شريك لها فيها هي تنفيذ ما يقرره‬
‫المجلس النيابي المنتخب‪،‬الذي هو أدرى بمصالح الشعب‪ ،‬وما تقرره السلطة‬
‫القضائية‪ ،‬ولذلك سميت تنفيذية‪ ،‬و سواءا سمي رأسها رئيسا أو ملكا‪ ،‬فإن‬
‫سلطتها في تعيين القضاة ليست مطلقة‪.‬‬
‫من أجل ذلك ينبغي أن تشاركها السلطات الخرى في تعيين القضاة‬
‫وتطبيقا لذلك ينبغي تحديد مفهوم المام مرجعا للسلطة القضائية‪ ،‬بأن يكون‬
‫تعيين الملك القضاة أو العتراض مبنيا على درجتين‪ :‬الولى أن تكون القرارات‬
‫لمجلس القضاء العلى بالتولية أو العزل والترقية‪ ،‬والثانية لمجس النواب‬
‫العتراض على ترشيح مجلس القضاء أو التوصية بذلك‪.‬‬

‫‪59‬‬
‫‪-2‬تعديل نظام تشكيل مجلس القضاء العلى؛ بأن يكون الوصول إلى عضويته‬
‫وفق معايير مهنية أو أن يكون انتخابيا‪ ،‬أو يزاوج بين معايير مهنية وانتخابية معا‪،‬‬
‫وهذا أفضل‪ .‬فالمعايير المهنية هي القدمية والخبرة وتقارير الكفاية والتراتبية‪ ،‬بأن‬
‫يتقدم الكفأ القدم على من عداه‪ .‬والنتخاب يكون من جمعيات أو هيئات قضائية‬
‫وحقوقية‪ ،‬وعلى كل حال ينبغي أن تشترك السلطات الثلث قضائية ونيابية وتنفيذية‬
‫في تشكيل المجالس القضائية‪ ،‬والتعيين في مناصب القضاء الكبرى‪ ،‬على أن يكون‬
‫للسلطة القضائية نصيب السد‪ ،‬فتكون لها القرارات‪ ،‬ولمجلس النواب العتراض أو‬
‫التوصية وللملك التعيين أو العتراض‪.‬‬

‫[‪]40‬‬
‫المقالة الثانيةعشرة‬
‫ضعف حصانة القضاة من‬
‫التعسف ‪ :‬تفتيشا وتأديبا وعزل و‬
‫ترقية ونقل ‪:‬‬
‫أ‪-‬مبدأ حصانة القاضي ليس له ضمانات‪:‬‬
‫ثمة ضمانات قررتها اللوائح والنظمة السعودية‪ ،‬لكنها ل تكفي من حيث‬
‫النصوص المكتوبة‪ ،‬بصرف النظر عن التطبيقات‪ ،‬لمنع التعسف ضد أي قاض تحت‬
‫لفتة المصلحة العامة‪ ،‬لنها لم تحدد إجراءات كافية لضمان حصانة القضاة‪ ،‬وفق‬
‫المعايير الدولية‪ ،‬التي تنسجم مع مقاصد الشريعة الكلية‪ ،‬وعندما تسهل اقالة‬
‫القاضي أو نقله‪ ،‬تؤثر على قدرة القضاة على التصرف بنزاهة‪.‬‬
‫والقاضي عندما تنتهي مدة خدمته العادية‪ ،‬يصبح التمديد له بعد التقاعد مدخل‬
‫للتأثير الحكومي عليه‪.‬‬

‫‪60‬‬
‫وتولية القاضي مدى الحياة ايضا مسألة قد تضعف فعاليته‪ ،‬فتسهل السيطرة‬
‫عليه وتضعف من شعوره بالمسئولية‪.‬‬
‫[‪]41‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫هناك اجراءات سلكتها دول دستورية عديدة‪ ،‬تسهم في حصانة القضاة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬تثبيت سن التقاعد للقضاة بـ ‪ 65‬سنة‪ .‬وعدم التجديد البتة‪.‬‬
‫‪ -2‬عدم نقل القاضي إلى منصب أعلى ال بموافقته‪.‬‬
‫‪ -3‬المناصب العليا فترتها واحدة من دون تجديد‪ ،‬ويمكن تحديد مدة أعضاء‬
‫المجلس العلى للقضاء‪ ،‬وأعضاء المحكمة الدستورية العليا‪ ،‬بخمس سنوات أو‬
‫سبع‪ ،‬من دون تجديد‪.‬‬
‫‪ -4‬الغاء مفهوم أن القاضي وكيل‪ ،‬وأن المام هو القاضي الصيل‪ ،‬لن هذا‬
‫المفهوم يفتح أبواب التدخل في شئون القضاء‪ ،‬ول يستقيم في ظله للقضاء‬
‫استقلل‪.‬‬
‫‪ -5‬ينبغي ربط التفتيش والتقييم والنتداب بمجلس القضاء العلى‪ ،‬لن‬
‫اشراف وزارة العدل على هذه المور‪ ،‬يفتح مسارب التدخل‪.‬‬
‫‪ -6‬ازدياد الشفافية‪ ،‬لنها توفر حماية للقضاة المستقلين الذين هم عرضة‬
‫لتدني التقارير‪ ،‬بسبب ضغط رؤسائهم عليهم‪ ،‬أو لسباب سياسية‪ ،‬أو لهجوم من‬
‫المحامين والخصوم (انظر المعايير الدولية لستقلل القضاء‪ :‬المعيار السادس‪:‬‬
‫‪)81-72‬‬

‫[‪]42‬‬
‫المقالة الثالثة عشرة‬

‫كثرة المحاكم المستثناة من‬


‫شروط القضاء الطبيعي‪:‬‬

‫‪61‬‬
‫أ‪ -‬اللجان القضائية‪ :‬التحايل للخروج عن مظلة‬
‫القضاء‬
‫تكثر أنماط القضاء الستثنائي‪ ،‬ففي المملكة أكثر من ثلثين لجنة قضاء‬
‫استثنائي‪ ،‬موزعة على الوزارات منها‪:‬‬
‫‪-1‬لجان الوراق التجارية‪ .‬ويصادق على أحكامها وزير التجارة(بعد‬
‫تدقيقها من لجنة قانونية بالوزارة)‪ .‬وتصبح أحكامها نهائية بعد ذلك‪.‬‬
‫‪-2‬اللجان الزكوية والضريبية(البتدائية والستئنافية)والجمركية التي‬
‫يصادق على أحكامها وزير المالية ‪.‬‬
‫‪-3‬لجان عمالية في وزارة العمل‪.‬‬
‫‪-4‬لجنة مصرفية في مؤسسة النقد‪ ،‬وهي مخصصة للنظر في مابين‬
‫البنوك وعملئها من قضايا‪ ،‬ومقرها مؤسسة النقد في الرياض‪ ،‬وهي من‬
‫درجة واحدة‪ ،‬وهي لجنة تسوية وصلح‪ ،‬ولكن أحكامها ملزمة‪،‬تنفذ بواسطة‬
‫المارة أو الشرطة‪.‬‬
‫‪-5‬اللجان العسكرية والمنية‪ :‬وتختص بما يسمى أعمال السيادة‪ ،‬وهي‬
‫أبرز مثال على القضاء الستثنائي‪.‬‬
‫ولجان القضاء الستثنائي؛ تقوم بوظيفة القضاء‪ ،‬على الرغم من عدم‬
‫وجود قواعد للثبات فيها‪ ،‬كما أن بعضها من دون لئحة إجراءات ومرافعات‪.‬‬
‫وهي تحكم في نفس مقار وزاراتها ويكون للوزير المختص سلطة قوية‪،‬وتعتمد‬
‫أحكامها بمصادقته لكن لمندوب وزارة الداخلية‪-‬إذا كانت لها عضوية‪ -‬تأثير‬
‫بارز في أحكامها‪،‬‬
‫وعدد من لجان القضاء الستثنائي؛ تصدر أحكاما نهائية‪ ،‬غير قابلة‬
‫للنقض‪ ،‬إذا صادق على أحكامها الوزير المختص‪ ،‬ويضفي عليها نظامها‪ ،‬أو‬
‫قرار مجلس الوزراء صيغة نهائية‪ ،‬فل يجوز التظلم من أحكامها أمام ديوان‬
‫المظالم‪.‬‬

‫‪62‬‬
‫من هذه اللجان‪ :‬المجالس التأديبية لقوات المن الداخلي‪ ،‬ولجان تسوية‬
‫الخلفات العمالية‪ ،‬واللجان الجمركية و الزكوية والضريبية‪ ،‬ولجان الفصل في‬
‫منازعات الوراق التجارية‪ ،‬والمجلس التأديبي لعضو هيئة التحقيق والدعاء‬
‫(المحامي عبدال الناصري‪:‬اللجان القضائية في المملكة العربية السعودية‪-5:‬‬
‫‪.)6‬‬

‫[‪]43‬‬
‫ب‪ -‬وجه إخللها باستقلل القضاء‪:‬‬
‫مقتضى استقلل القضاء أن يكون شاملً‪ ،‬وأن تكون له ولية على كافة‬
‫المنازعات‪ ،‬فل معنى لستقلل القضاء‪ ،‬إذا لم تكن سلطته شاملة كافة‬
‫المنازعات (انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار السابع‪.)87-81 :‬‬
‫والقضاء الستثنائي لم يعرف في الفقه السلمي القديم وسوابق القضاء‬
‫السلمي‪ ،‬تدل على بطلن القضاء الستثنائي‪ ،‬فهو مرفوض في الشريعة‬
‫السلمية‪ ،‬لن محاكمة أي شخص‪-‬في السلم‪ -‬ينبغي أن تكون أمام محكمة‬
‫قضائية تتوافر فيها شروط استقلل القضاء‪ ،‬وأمام قضاء شرعي‪ ،‬فذلك هو‬
‫القضاء الطبيعي الذي تتوافر فيه مؤهلت القاضي‪،‬علما وسلوكا‪ ،‬لن ذلك هو‬
‫مقتضى حماية حقوق الناس‪.‬‬
‫إن كثرة لجان القضاء الستثنائي؛ برهان على أن السلطة التنفيذية حددت‬
‫مجال القضاء الشرعي المستقل‪ ،‬وأخرجت موضوعات قضائية عن اختصاصه‪،‬‬
‫وهو تصرف يخل باستقلل القضاء‪ ،‬الذي نص عليه النظام الساسي للحكم‪.‬‬
‫ولجان القضاء الستثنائي؛ تتيح للفردية والهواء والجتهادات النطباعية‬
‫مجال‪.‬‬

‫[‪]44‬‬
‫ج‪-‬القضاة طالبوا بتصحيح الخلل‪:‬‬

‫‪63‬‬
‫وقد طالب المهتمون والقضاة منذ زمن بعيد بحل الشكال‪ ،‬كما فعل رئيس‬
‫القضاة عبد العزيز بن عبد ال بن حسن آل الشيخ‪ ،‬عندما انتقد وجود هيئات‬
‫قضائية تابعة السلطة التنفيذية‪ ،‬واعتبر هذا الرتباط"من وجوه الخلل باستقلل‬
‫القضاء"(لمحات من تاريخ القضاء‪ ،)143:‬ومثله من بعده الشيخ محمد بن‬
‫إبراهيم آل الشيخ‪ ،‬حسب ما جاء في فتاواه‪ ،‬التي جمعها محمد بن عبد الرحمن‬
‫بن قاسم‪.‬‬
‫ولكن من الواقعية أن نشير إلى أمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن كثرة لجان القضاء الستثنائي‪ ،‬مظهر يدل على ازدواجية نظام‬
‫القضاء‪،‬وهي مشكلة في مناهج التعليم‪ ،‬قبل أن تكون في نظام القضاء‪ ،‬وهي‬
‫تجسد عجز مناهج التعليم الجامعي الديني عن تجديد فقه الوسائل والفروع‪ ،‬في‬
‫الجراءات والهياكل‪ ،‬و بطئها في مواكبة التغيرات الحديثة الكبرى‪،‬ول سيما‬
‫القتصادية والدارية‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن لجان القضاء الستثنائي‪-‬في الجملة ل بالجملة‪ ، -‬أقرب إلى الروح‬
‫العملية والنجاز‪ ،‬و لسيما إذا اعتبرنا‪-‬وهو اعتبار صحيح‪ -‬سرعة البت والحزم‬
‫في التطبيق جزءا من العدالة‪ ،‬من أحكام عديد من قضاة المحاكم‪ ،‬الذين ليس لهم‬
‫ثقافة دراية شرعية كافية في حقوق النسان‪ ،‬فضل عن الدارة والمال والقتصاد‪.‬‬
‫حتى اللجان العسكرية والمنية في وزارة الداخلية‪-‬على كونها مظنة التفريط‬
‫بحقوق النسان‪-‬تصدر أحكاما على موظفيها أقل من قسوة بعض القضاة‪ ،‬ليس هذا‬
‫عيبا في أشخاص القضاة‪ ،‬ولكن قضاة القضاء الشرعي؛ يحتاجون إلى تأهيل‬
‫خاص‪ ،‬بطبيعة موضوعات هذه اللجان‪ ،‬بالضافة إلى أنه يحتاجون إلى تأهيل كاف‬
‫بالمفهوم الدستوري للحكم‪ ،‬و لسيما في مجال ثقافة حقوق النسان؛ وهذا النقص‬
‫يمكن أن يتم بالدورات‪ ،‬ولكن مع ذلك ينبغي مراجعة خطط معهد القضاء العالي‬
‫أيضا‪ .‬لنها جوهر المشكلة نقص تدريب وتأهيل‪ ،‬في مراكز إعدادهم (انظر في هذا‬
‫الكتاب مقالة‪:‬ضعف الضوابط الموضوعية التي تضمن كفاية القضاة مهنيا)‪.‬‬

‫‪64‬‬
‫[‪]45‬‬
‫د‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫أول‪ :‬تحويل اللجان المستثناة إلى محاكم خاصة‪:‬‬
‫يمكن تصحيح وضع اللجان القضائية؛ بتحويلها من قضاء استثنائي‪ ،‬إلى‬
‫قضاء خاص‪ .‬فليس ثمة مانع من تشكيل محاكم خاصة‪ ،‬عسكرية أو مدنية‪،‬‬
‫تستجيب لمور ضرورية‪ ،‬في التنظيم السياسي والجتماعي والقتصادي والمالي‬
‫والمدني‪ ،‬وتخفف عبء القضاء العادي‪ ،‬وتسرع الفصل في القضايا‪ ،‬وتقلل‬
‫المصروفات‪ .‬ولكن ينبغي أن تخضع هذه المحاكم‪ ،‬لشراف مجلس القضاء‬
‫العلى في ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يختار مجلس القضاء العلى قضاتها‪.‬‬
‫‪ -2‬وأن يعامل القضاة وفق ضوابط حصانة القضاة‪.‬‬
‫‪ -3‬وأن تكون لهم مؤهلت الكفاية والعدالة المشروطة في القضاء‪.‬‬
‫‪-4‬وأن تتوافر فيها ضمانات التقاضي‪.‬‬
‫‪-5‬وأن يكون القانون المطبق هو نظام القضاء الشرعي‪،‬في ما نصت عليه‬
‫الشريعة‪ ،‬وما ينسجم مع روحها ول يتعارض‪ ،‬من أنظمة إدارية‪ ،‬بشرط أن تقر‬
‫النظمة سلطة شرعية دستورية‪،‬مستقلة عن السلطة التنفيذية‪ ،‬ول يكون ذلك‬
‫من دون إنشاء (المحكمة الدستورية العليا)‬
‫‪-6‬أن يكون التقاضي في المحاكم الخاصة على درجتين‪ :‬محكمة ابتدائية‬
‫ومحكمة استئناف‪.‬‬
‫ثانيا‪:‬لجان القضاء الستثنائي؛حلول عملية للمشكلت‪ ،‬ولو أضيفت هذه اللجان‬
‫إلى القضاء‪-‬في حاله الحاضرة‪-‬؛ لما استطاع القضاء أيضا تحقيق المرونة‬
‫المطلوبة‪ ،‬ولكن هذه المبررات تجيز إنشاء اللجان‪ ،‬بصفتها من باب الضرورة‪،‬‬
‫ولكن باب الضرورة ينبغي أن يكون حل مؤقتا‪.‬‬

‫‪65‬‬
‫والتجاه الصحيح لحل هذا الخلل‪ ،‬هو التخطيط المستقبلي لتجاوز الضرورة‪،‬‬
‫بسعي السلطة القضائية؛ إلى التعاون مع الجامعات التي تخرج القضاة‪ ،‬وتأكيد‬
‫السلطة التنفيذية ذلك‪ ،‬لرفع مستوى برامج إعداد القضاة وتأهيلهم‪ ،‬وتجديد الفكر‬
‫القضائي العام‪ ،‬وتلفي عيوبه الجوهرية في الجذور‪ .‬لن مسئولية إنشاء اللجان‬
‫القضائية سببها ضعف تأهيل القضاة من خريجي كليات الشريعة‪ ،‬عن الحاطة‬
‫والفعالية والمرونة والبتكار‪ ،‬أمام القضايا المستجدة‪ ،‬وهي مجالت النزاعات‬
‫المعروضة على هذه اللجان(انظر الفصل السابع عشر‪:‬ضعف الضوابط الموضوعية‬
‫التي تضمن كفاية القضاة مهنيا) ‪.‬‬

‫[‪]46‬‬
‫المقالة الرابعةعشرة‬
‫كثرة تدخلت الحكومة في فصل‬
‫القضايا ‪:‬‬
‫أ‪-‬تدخلت الحكومة في القضاء العام‪:‬‬
‫تنص المعايير الدولية لنزاهة القضاء على كف يد السلطة التنفيذية عن التدخل‬
‫في شئون القضاء ‪.‬وأن يحاسب أي مسئول من السلطة التنفيذية ‪ ،‬يثبت أنه حاول‬
‫التأثير على القضاة‪ ،‬ول يكفي أن يتقرر ذلك نظاما‪ ،‬بل لبد من التطبيق الفعال له‬
‫كما أوصى مؤتمر العدالة العربي الول‪ ،‬ومن البديهي أن هذا من مبادئ العدل‬
‫المسلم بها في القضاء السلمي‪ ،‬على مر العصور‪.‬‬
‫مبدأ استقلل القضاء معلن‪ ،‬إذ ينص النظام الساسي للحكم‪( ،‬في المادة‬
‫السادسة والربعين)؛ على أن"القضاء سلطة مستقلة‪ ،‬ول سلطان على القضاة‬
‫في قضائهم‪ ،‬لغير سلطان الشريعة السلمية"‪.‬‬
‫ولكن هذا النص لم يفعل نظريا بإجراءات كافية‪ ،‬فضل عن التطبيقات؛‬
‫فليس ثمة ضمانات كافية تضمن حصانة القضاء من التدخلت‪ ،‬لن صراحة هذا‬

‫‪66‬‬
‫العلن تضمر في النظمة الجرائية فضل عن الممارسات‪ ،‬بعبارة أخرى‪ :‬مبدأ‬
‫استقلل القضاء مقرر في ديباجة النظام الساسي للحكم‪ ،‬ولكن المبدأ لم يجسد‪-‬‬
‫عمليا‪ -‬بالجراءات والهياكل‪ ،‬المتوقع إيجادها لتنفيذ مبدأ الستقلل‪،‬ويسمح‬
‫بإجراءات وتطبيقات‪ ،‬تفضي إلى إضعاف استقلل القضاء منها‪::‬‬
‫‪ -1‬تنص المادة الولى من نظام المرافعات الشرعية‪ ،‬الصادر بالمرسوم‬
‫الملكي رقم م‪ 21/‬وتاريخ ‪20/5/1421‬هـ‪( ،‬المادة الولى) على مايلي‪" :‬تطبق‬
‫المحاكم على القضايا المعروضة عليها أحكام الشريعة السلمية‪ ،‬وفقا لما دل‬
‫عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وما يصدره ولي المر من أنظمة‪ ،‬ل تتعارض مع الكتاب‬
‫والسنة"‪ ،‬وليس هناك ضابط معياري‪ ،‬يمنع من أن يكون ما يصدره ولي المر‬
‫مخل باستقلل القضاء‪ ،‬أو مخالف أحكام الشريعة‪.‬‬
‫‪-2‬مادام بيد السلطة التنفيذية؛ كل قرار نهائي في تعيين القضاة ونقلهم‬
‫وترقيتهم ونقلهم ومحاكمتهم وفصلهم وتقاعدهم‪ ،‬فليس هناك ضامن من أن‬
‫تفتح هذه القرارات باب التدخلت‪ .‬ونظرا لضعف صرامة إجراءات التعبير عن‬
‫الستقلل‪،‬‬
‫‪ -3‬صار لولي المر ونوابه(المقام السامي)؛أن يأمر القضاء بإعادة‬
‫سماع الدعوى التي شطبها القضاء؛ وترجمة ذلك أن للـ(المقام السامي) سلطة‬
‫قضائية وهذا وذاك يجسد إخلل بمبدأ استقلل القضاء في الفصل في‬
‫القضايا‪.‬وهو تدخل في سلطان القضاء‪ ،‬لن الضامن من التدخلت أن يكون المر‬
‫بإعادة سماع الدعوى؛ مقتصرا على سلطة قضائية‪ ،‬كالمجلس العلى للقضاء‪.‬‬
‫‪ -4‬ومن مظاهر ضعف استقلل القضاء في فصل القضايا؛ أنه ليس له‬
‫سلطة تتيح التأكد من خلو التحقيق من التعذيب أو التهديد بالتعذيب أو هما معا‪.‬‬
‫‪ -5‬الشائع لدى الناس؛ أن الدولة توحي إلى القضاء بما تريد من حكم‪ ،‬في‬
‫القضايا التي تعتبرها سيادية أو أمنية‪ ،‬إما عبر اليعاز بإحالة القضية إلى قاض‬
‫معين‪ ،‬أو إعادة الحكم من الجهات العليا‪ ،‬مشفوعا بطلب زيادة العقوبة‪.‬‬

‫‪67‬‬
‫‪-6‬وأهم من ذلك كله أنه ليس للقضاء سلطة‪ ،‬تتيح له التأكد من صحة‬
‫العتراف وسلمته‪ ،‬من الكراه الذي يسلب الرادة أو الختيار أو هما معا‪،‬‬
‫والقضاء في مثل هذه الحالت‪ ،‬يمارس دور هيئة‪ ،‬تصادق على أوراق اعترافات‬
‫جاهزة‪ ،‬ل دور سلطة تتعامل مع أشخاص‪.‬‬
‫‪-7‬القضاء ل يعطي المتهم أو وكيله مجال كافيا‪ ،‬لتفنيد المزاعم التي‬
‫يقدمها المدعي العام‪ ،‬وإنما تعرض القضية على القاضي‪ ،‬ويطلب شهود المدعي‬
‫العام‪ ،‬فإن وجدوا حكم على المتهم‪ ،‬وإن لم يوجدوا ولم يعترف المتهم‪ ،‬حكم‬
‫القاضي بالتعزير للشبهة‪ .‬وهذا بسبب عدم وجود قواعد الثبات‪ ،‬الموجودة في‬
‫الدول الدستورية ‪.‬‬
‫‪-8‬ومن مظاهر التدخل في السلطة القضائية؛ قيام هيئة الرقابة‬
‫والتحقيق‪،‬بالتحقيق مع الموقوفين‪ ،‬في جرائم الرشوة والتزوير‪ ،‬والتحقيق عمل‬
‫من أعمال القضاء‪ ،‬واستثناء جرائم الرشوة والتزوير‪ ،‬وإناطتها بهيئة الرقابة‬
‫والتحقيق يسلب القضاء جزءا من اختصاصه‪ ،‬وهو باب تهب منه رياح التدخل‪.‬‬
‫‪-9‬ومن مظان التدخل نقل بعض القضاة أو ترقيتهم أو تمديد خدماتهم‪ ،‬و‬
‫لسيما رؤساء المحاكم‪.‬‬
‫‪ -10‬بعض الدعاوى التي تبحثها المارات إلى المحاكم‪ ،‬قد ل تحال إل‬
‫برغبة المارة أو بأمر من المقام السامي‪.‬‬
‫‪ -11‬قد تطلب السلطة التنفيذية المعاملة متذرعة بالطلع عليها أو نقص‬
‫التحقيقات ثم ل يستطيع القاضي استعادتها‪.‬‬
‫‪-12‬ل يوجد تنظيم موحد محدد معلن‪ ،‬يسري على الجميع في قضايا‬
‫الحدود‪.‬‬
‫‪-13‬ومن علمات التدخل أن من يصدر بحقهم أحكام قضائية؛يتجهون إلى‬
‫الملك إما لنقضها‪ ،‬أو لتعميد محكمة أخرى‪ ،‬أو لتشكيل لجنة قضائية‪.‬‬

‫‪68‬‬
‫بعبارة أخرى‪ :‬مبدأ استقلل القضاء مقرر في ديباجة النظام الساسي‬
‫للحكم‪ ،‬ولكن المبدأ لم يجسد‪-‬عمليا‪ -‬بالجراءات‪ ،‬التي تمنع من مسارب‬
‫تدخلت الحكومة‪.‬‬

‫[‪]47‬‬
‫ب‪-‬مظاهر التدخل في القضاء الداري‪:‬‬
‫واضح تدخل السلطة التنفيذية في القضاء العام‪ ،‬وأوضح منه تدخلها في نظام‬
‫ديوان المظالم (القضاء الداري)‪،‬فللديوان وظيفة قضائية وهي الفصل في‬
‫المنازعات التي تكون الدولة طرفا فيها (قباني ‪. )15 :‬‬
‫فهو يفصل بين الدولة والجهات الخرى‪ ،‬أشخاصا وهيئات ‪ .‬ولكنه صيغ‬
‫(النظام) بطريقة تضمن تدخل السلطة التنفيذية المباشر‪.‬‬
‫إذ تنص المادة الثالثة من نظام ديوان المظالم على مايلي ‪:‬‬
‫أ‪(-‬يعين رئيس الديوان وتنهي خدماته بأمر ملكي‪ ،‬وهو مسئول مباشرة‬
‫أمام جللة الملك)‪.‬‬
‫ب‪(-‬ويعين نواب رئيس الديوان وتنهي خدماتهم بأمر ملكي بناء على‬
‫اقتراح رئيس الديوان)‪.‬‬
‫ج‪(-‬ويختار رئيس الديوان رؤساء الفروع من بين أعضاء الديوان مع‬
‫مراعاة درجات العاملين بالفرع)‪.‬‬
‫د‪ -‬وكما تنص المادة (‪ )28‬من نظام ديوان المظالم على ما يلي‪ (:‬مع عدم‬
‫الخلل بما لعضاء الديوان من حياد واستقلل يكون لرئيس الديوان حق‬
‫الشراف على جميع الدوائر والعضاء ولرئيس كل دائرة حق الشراف على‬
‫العضاء التابعين لها)‪ ،‬فعبارة الشراف لم تضبط بما يمنع مسارب التأثيرات‪.‬‬
‫معُلقة الرئيس بأي هيئة هي علقة مقدم بين أنداد‪ ،‬ل علقة مشرف ومشرف‬
‫عليهم‪.‬‬

‫‪69‬‬
‫نظام ديوان المظالم ينص على الحياد والستقلل‪ ،‬فإن هذا العلن ل‬
‫يحتوي على إجراءات تضمن الحياد والستقلل‪ ،‬كما يتبين من الملحظات‬
‫التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬أن النظام قد صيغ بطريقة تجعله غير مختص بالنظر في ما هو من‬
‫أعمال السيادة‪ ،‬كالتظلم من السجن والتعذيب‪ ،‬وقضايا التعبير والنشر والحقوق‬
‫السياسية‪ ،‬ونتيجة ذلك أنه ليس من حق الديوان؛ أن يقبل دعاوى الفراد في ما‬
‫يسمى أعمال السيادة‪ ،‬وليس هناك جهة قضائية أخرى تقبل الستماع إلى هذه‬
‫الدعاوى‪.‬‬
‫فتركت مسائل السيادة مغفلة مبهمة‪ ،‬وهنا تعميم يوقع في اللبس‪ ،‬لن ليس‬
‫كل ما هو سيادي في النظام السعودي‪ ،‬سيادي فعل في النظمة الشورية‪.‬‬
‫‪ -2‬وليس في النظام ما يحدد الضوابط الموضوعية لعزل رئيس الديوان‪،‬‬
‫ورئيس الديوان أحوج إلى الحصانة‪ ،‬من رئيس القضاء العلى‪ ،‬وهو بحكم‬
‫عمله يفصل في القضايا الدارية‪ ،‬على وزارات ومؤسسات وشخصيات‪ ،‬ذات قوة‬
‫معنوية غير عادية‪ ،‬كوزارة الداخلية والدفاع ‪ ،‬فهو أحوج إلى الحصانة من‬
‫العزل التعسفي‪ ،‬وعمله قد يدخله في خصومات مع أناس كبار‪ ،‬يستغلون أسرع‬
‫فرصة لعزله‪.‬‬
‫‪ -3‬وسلطة رئيس ديوان المظالم أيضا‪ ،‬غير محددة بمعايير موضوعية‬
‫كافية‪ ،‬توفر ضمانات لستقلل قضاة الديوان عنه‪ ،‬لسيما ورئيس ديوان‬
‫المظالم؛ هو الذي يقوم بتشكيل الدوائر القضائية‪ ،‬ويشرف على أعضائها‪ ،‬وينقل‬
‫القضاة من دائرة إلى أخرى‪ ،‬وهذا يتيح له أن يغير في تشكيل الدوائر‪ ،‬حتى‬
‫وهي لزالت تبحث في قضايا قائمة‪ ،‬ول ريب في أن إعادة تشكيل دائرة من‬
‫الدوائر‪ ،‬ونقل بعض العضاء منها أو إليها؛ مظنة التدخل غير المباشر في‬
‫قراراتها‪.‬‬

‫‪70‬‬
‫‪ -4‬من وظائف الديوان أن يحكم في النزاع بين السلطة التنفيذية‪ ،‬والجهات‬
‫والشخاص الخرين‪ ،‬فإذا كانت السلطة التنفيذية‪ ،‬هي التي تعين فيه وتعزل‬
‫وترقي‪ ،‬فإن هذا مظنة عدم الحياد والستقلل‪ .‬إن القضاء الداري إذا كانت السلطة‬
‫التنفيذية هي مرجعيته‪،‬ل يمكن ضمان حياده في النزاعات التي تكون الدولة خصما‬
‫فيها‪ ،‬لن السلطة التنفيذية ل يلزم أن تكون خصما موضوعيا منصفا ‪ ،‬ول يضمن‬
‫أن ل تستخدم نفوذها في عدم التنفيذ ‪ ،‬في مثل أحكام التجنيس أو قرارات المنع‬
‫وعدم المنع من السفر ‪ ،‬أو طلبات التعويض ( استقلل القضاء في البحرين‪ .‬زينات‬
‫المنصوري‪.)16:‬‬
‫‪-5‬بسبب ضعف استقلل ديوان المظالم؛ صار نظامه ليلزم السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬بأن تحيل إليه تهم الختلس الكبرى من المال العام ول التفريط الجسيم‪،‬‬
‫التي يتهم بها الكبراء‪ ،‬وبذلك تكاد أن تكون قوة سلطة ديوان المظالم محصورة في‬
‫المور الصغرى‪ ،‬وعلى صغار الموظفين‪ ،‬وصار مظنة التردد في إصدار أحكام على‬
‫الجهات التنفيذية القوية‪.‬‬

‫[‪]48‬‬
‫ج‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫‪ -1‬قسمة هيئة الرقابة والتحقيق إلى شقين‪ :‬تنفيذي إداري و قضائي‪:‬‬
‫هيئة الرقابة التحقيق أنيط بها أمران‪:‬‬
‫الرقابة‪ :‬إذ تقوم بمراقبة أداء الجهزة الحكومية‪ ،‬وتقوم بالتحريات وتجمع‬
‫المعلومات‪ ،‬عن المخالفات‪ ،‬وتأخذ أقوال المشتبه بهم‪ ،‬وذوي العلقة‪ ،‬فإذا لم‬
‫تجد ما يشير إلى وقوع مخالفة‪ ،‬حفظت القضية‪ .‬وإذا ترجح وقوع مخالفة؛‬
‫أحيلت القضية إلى سلطة التحقيق‪ ،‬ومن الواضح من توصيف وظيفتها أنها‬
‫وظيفة تفتيش إداري‪ ،‬من اختصاص الجهة التنفيذية‪ ،‬في مثل المباحث والشرطة‬
‫وهيئة المر بالمعروف‪ ،‬وأجهزة التحري المختصة بالجرائم الخاصة‪،‬‬
‫كالجوازات‪.‬‬

‫‪71‬‬
‫التحقيق‪:‬وهو يشمل المر بالقبض والتفتيش والتحفظ على المستندات‪،‬‬
‫والستجواب‪ ،‬وليس مجرد تحر وجمع معلومات‪ .‬ومن الواضح من توصيف‬
‫وظيفتها أنها وظيفة قضائية‪ ،‬وهي ما يسمى في الدول الخرى كمصربـ"النيابة‬
‫الدارية"‪.‬‬
‫من أجل ذلك ينبغي إعادة هيكلة هيئة الرقابة والتحقيق‪ ،‬ببقاء الرقابة‬
‫ضمن السلطة التنفيذية‪،‬لنها تفتيش إداري‪ ،‬وتسميتها بـ(التفتيش الداري)‪.‬‬
‫‪ -2‬ضم التحقيق إلى المحاسبة وتسميتها(النيابة المالية والدارية)‪ ،‬وضمها‬
‫إلى هيئة الدعاء العام‪:‬‬
‫على أنها نيابة إدارية مالية خاصة‪ ،‬ولن هيئة الدعاء العام نيابة عامة‪،‬‬
‫ولن الخاصة والعامة هيئتان قضائيتان مستقلتان‪ ،‬و ينبغي ضمها إلى السلطة‬
‫القضائية‪ ،‬وتعيين قضاتهما‪ ،‬وفق ضوابط تعيين قضاة القضاء العام‪ ،‬على أن‬
‫يوافق على نظامهما مجلس النواب‪ ،‬لتكون وظيفتهما وطبيعة تشكيلهما‬
‫وإجراءاتهما أقدر على تحقيق العدالة‪ ،‬ويستقل عن تدخلت السلطة التنفيذية‪،‬‬
‫كما هي عليه الحال في الدول الحديثة‪.‬‬
‫‪-3‬تعزيز استقلل ديوان المظالم‪ ،‬وإلحاقه بالسلطة القضائية‪ .‬لن كون‬
‫السلطة التنفيذية مرجعا لديوان المظالم‪،‬إخلل بالمفهوم الدستوري‪ ،‬للفصل بين‬
‫السلطات‪ ،‬فديوان المظالم هيئة قضائية‪ ،‬واعتبار السلطة التنفيذية مرجعا له؛‬
‫يجعله مظنة الميل‪ ،‬مادام قاضيا‪ ،‬في خصومة أحد طرفيها السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫كما أن من الجراءات العادلة‪ ،‬أن ل يقتصر فيه القضاء درجة أولى‪ ،‬وأن ل‬
‫يكتفي بهيئة لتدقيق الحكام‪ ،‬بل ينبغي أن تنشأ محكمة درجة ثانية أعلى منه‬
‫مستقلة عنه‪ ،‬لستئناف أحكامه أمامها‪ ،‬ومن ثم تصبح أحكام محكمة الدرجة‬
‫الثانية نهائية‪.‬‬
‫‪-4‬التداخلت في أي هيكل تفتح رياح التدخلت‪ ،‬فالتداخل بين ما هو‬
‫تشريعي وما هو قضائي وما هو تنفيذي‪ ،‬أدى إلى ضعف استقلل القضاء‪.‬‬

‫‪72‬‬
‫فإعادة تنظيم هيكل الدولة‪ ،‬وإعادة ما هو قضائي إلى مظلة القضاء‪ ،‬والفصل‬
‫بين السلطات‪ ،‬وإنشاء مجلس نيابي‪ ،‬ونحو ذلك من الجراءات‪ ،‬يسد منافذ‬
‫التدخلت‪.‬‬
‫‪-5‬من الضروري قيام محكمة دستورية عليا بمراجعة النظمة التي‬
‫تصدرها الدولة‪ ،‬لسد جميع المنافذ التي تهب منها رياح التدخلت‪.‬‬
‫‪ -6‬ومن الضروري تعزيز استقلل القضاء‪ ،‬بإجراءات فعالة تضمن كف يد‬
‫السلطة التنفيذية‪ ،‬عن التدخل في شئون القضاء ‪،‬بأن يحاسب أي مسئول من‬
‫السلطة التنفيذية ‪ ،‬يثبت أنه حاول التأثير على القضاة ‪ ،‬ول يكفي أن يتقرر ذلك‬
‫نظاما‪ ،‬بل لبد من التطبيق الفعال ‪ .‬وهذه الجراءات من بديهيات الوسائل‬
‫المشروعة‪ ،‬لتحقيق المقاصد الشرعية‪ ،‬وهي أمور جربتها الدول الدستورية في هذا‬
‫العصر‪ ،‬فاعترفت بدورها في تقوية القضاء‪ .‬من أجل ذلك نصت عليها المعايير‬
‫الدولية لستقلل القضاء‪.‬‬

‫[‪]49‬‬
‫المقالة الخامسةعشرة‬
‫ربط هيئة التحقيق و الدعاء‬
‫العام بوزير الداخلية أبرز علمات‬
‫القضاء البوليسي‬
‫أ‪-‬سيطرة وزارة الداخلية على القضاء‪:‬‬
‫من المثلة البارزة على تدخل السلطة التنفيذية في استقلل القضاء‪،‬‬
‫ربط هيئة التحقيق والدعاء العام بوزير الداخلية ‪.‬‬
‫ويلحظ على هيئة الدعاء والتحقيق العام أمران‪:‬‬

‫‪73‬‬
‫‪-1‬أن السلطة التنفيذية‪-‬وزارة الداخلية‪ -‬هي التي صاغت نظام الهيئة‪،‬‬
‫فهو مثل جميع أنظمة الدولة‪-‬لم يشرع من قبل هيئة شرعية متخصصة مستقلة‬
‫عن الدولة‪ ،‬كهيئة شرعية نيابية‪ ،‬أو هيئة فقهية قانونية مستقلة‪ ،‬أو ما يقوم‬
‫مقام المحكمة الدستورية العليا‪ ،‬من أجل ذلك فإن نظامها لم يعترف بكل ما‬
‫قررته الشريعة السلمية‪ ،‬قبل أربعة عشر قونا من تنادي الدول الدستورية‬
‫إليه‪ ،‬من حقوق طبيعية واجتماعية واقتصادية وسياسية‪ ،‬وثقافية ومدنية‪.‬‬
‫‪-2‬أن القضاء‪-‬حسب لئحة الجراءات الجزائية‪-‬مخول الشراف على‬
‫إجراءاتها‪ ،‬ولكن ليس ثمة تطبيق فعال لهذا الشراف‪ ،‬فهو ل يمارس سلطة‬
‫على سير التحقيق فيها‪ ،‬وليس من ما ينم عن استقلل القضاء أن تنفرد الجهات‬
‫التنفيذية‪ ،‬ولسيما أجهزتها المنية بالتحقيق مع المسجونين‪ ،‬على ذمة بعض‬
‫القضايا‪ ،‬ما لم تكن للقضاء سلطة تتيح له التأكد من مشروعية الجراءات‪ ،‬أو‬
‫مشروعية العتقال‪ ،‬أو ثبوت الدلة المادية‪،‬التي تضبط بحوزة المتهم‪ ،‬أو في‬
‫سير التحقيق‪.‬‬

‫[‪]50‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫إن وزارات الداخلية في أي بلد‪ ،‬وظيفتها الساسية حفظ أمن المجتمع‪،‬‬
‫وليست هي التي تقرر حقوق الناس‪ ،‬فتقرير حقوق الناس إنما تقوم به الجهات‬
‫التي وظيفتها تقرير مبادئ العدالة‪.‬‬
‫ثم إن التحقيق إنما هو قضاء‪ ،‬كما قرر السلم قبل أربعة عشر قرنا من‬
‫ظهور المعايير الدولية للعدالة‪ ،‬ووزارة الداخلية ليس لها تخويل بأمور القضاء‪،‬‬
‫وهذه الهيئة تمارس دور قاضي التحقيق‪ ،‬ووظيفتها وطبيعتها قضائية‪ ،‬ومن‬
‫المعروف أن قضاتها يسمون في بعض النظم الدستورية‪ ،‬كفرنسا (القضاة‬
‫الواقفين) تمييزا لهم عن قضاة المحاكم الذين يسمون(القضاة الجالسين)‪ ،‬وأن‬
‫انتقال أحد من سلك قضاء التحقيق إلى سلك المحاكم أمر طبيعي‪ ،‬لن كل‬

‫‪74‬‬
‫النوعين قضاء‪ ،‬كما في فرنسا ولبنان و غيرهما‪ .‬فمناطها الطبيعي‪-‬إذن‪-‬‬
‫السلطة القضائية‪ .‬وقد درجت أغلب الدول الدستورية على ربطها بالقضاء‪.‬‬
‫وليمكن تجنب هذا الضعف الذي يفتح باب التفريط بحقوق المواطنين‪ ،‬ول‬
‫سيما حقوقهم السياسية‪ :‬حرية التعبير والنشر والتجمع‪ ،‬كما ليمكن ضمان‬
‫استقلل القضاء؛ إل بأمرين‪:‬‬
‫‪-1‬إقرار أنظمة وإجراءات هيئة الدعاء والتحقيق‪ ،‬من هيئة شرعية‬
‫مستقلة‪ ،‬من الفقهاء والمحامين الشرعيين من ذوي العلم والرأي والخبرة‬
‫المطلعين على ما مافي المواثيق الدولية‪ ،‬من إجراءات وهياكل‪ ،‬تنسجم مع‬
‫مبادئ السلم‪ ،‬التي ضمنت حقوق المتهم قبل أربعة عشر قونا من تنادي هيئة‬
‫المم المتحدة إليها‪ ،‬ومن ثم إقرارها من المجلس النيابي‪.‬‬
‫‪ -2‬إن هيئة الدعاء والتحقيق العام‪-‬كما ذكرنا في الفصل ‪( -8‬نيابة‬
‫عامة) ل علقة لها بوزارة الداخلية‪ ،‬فهي هيئة قضائية مستقلة‪،‬ولذلك ينبغي‬
‫اعتبارها نيابة قضائية عامة‪ ،‬مستقلة عن جهاز القضاء العام‪ ،‬ولكنها مرتبطة‬
‫برئاسة جهاز القضاء(المجلس العلى للقضاء)‪ ،‬لكي تصير لها سلطة فعلية‬
‫مرعية‪ ،‬على جمبع مراحل التحقيق‪ ،‬وعلى التحقيق مع المتهمين‪ ،‬وتتثبت من‬
‫عدم تعذيبهم‪ ،‬وعدم تعرضهم للذى الحسي الملموس‪ ،‬أوالذى النفسي‬
‫والمعنوي‪ ،‬وتتأكد من عدم إكراههم على العتراف‪ ،‬تحريا للعدل والنزاهة‬
‫والنصاف‪.‬‬
‫ويعين قضاتها‪ ،‬وفق ضوابط تعيين قضاة القضاء العام‪ ،‬على أن يوافق‬
‫على نظامها مجلس النواب‪ ،‬لتكون وظيفتها وطبيعة تشكيلها وإجراءاتها أقدر‬
‫على تحقيق العدالة‪ ،‬وتستقل عن تدخلت السلطة التنفيذية‪ ،‬كما هي الحال في‬
‫الدول الدستورية‪( .‬أنظر معايير استقلل القضاء الدولية‪ :‬المعيار التاسع‪-88 :‬‬
‫‪)89‬‬

‫‪75‬‬
‫[‪]51‬‬

‫المقالة السادسةعشرة‬
‫تبعية السجون لوزارة الداخلية‬
‫وشل القضاء عن الشراف‬
‫أعظم إخلل بحقوق المتهم‬
‫والسجين‪:‬‬
‫السجين بين أحد احتمالين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن يكون موقوفا (أو محتجزا من أجل التحقيق معه وهو المسجون‬
‫استظهارا بمصطلح الفقهاء) من قبل هيئة الرقابة والتحقيق‪ ،‬والتحقيق من‬
‫وظائف القضاء‪ ،‬والقضاء هيكله المساعد إداريا هو وزارة العدل‪.‬‬
‫الثاني‪:‬أن يكون السجن عقوبة‪ ،‬والعقوبة ل تتقرر ول تنفذ إل بحكم‬
‫قضائي‪.‬‬
‫والقضاء مسئول عن صحة شروط تنفيذ السجن‪ ،‬سواء أكان السجين‬
‫محجوزا(على ذمة التحقيق) توقيفا مؤقتا‪ ،‬أم تنفيذ عقوبة‪ .‬لكي يشرف القضاء‬
‫على تنفيذ شروطهما المقررة شرعا‪ ،‬وعلى مواصفات السجون‪ ،‬وعلى معاملة‬
‫المساجين‪.‬‬
‫والقضاء في العادة ليقوم بهذه الوظيفة بنفسه‪ ،‬بل يقوم بها هيكله الذي‬
‫يساعده إداريا وهو وزارة العدل‪ .‬وزارة العدل هي الجهة الطبيعية في الشراف‬
‫على أحوال السجون والمساجين‪ ،‬كما هو مالوف في عديد من الدول الدستورية‪،‬‬
‫وذلك أضمن لحقوق المساجين من متهمين ومعاقبين‪ ،‬ول يكفى أن يقوم رجال‬
‫القضاء‪ ،‬بالمرور على السجون‪.‬‬
‫ومن وسائل تعزيز القضاء؛ أن تنقل إدارة السجون من وزارة الداخلية‪ ،‬إلى‬
‫وزارة العدل‪ ،‬لن وزارة العدل هي الجهة الطبيعية في الشراف على أحوال‬

‫‪76‬‬
‫السجون والمساجين‪ ،‬كما هو مالوف في عديد من الدول الدستورية‪ ،‬ول يكفي‬
‫تطبيق النموذج العباسي الذي يقوم فيه رجال القضاء بالشراف على أحوالها‪ ،‬لن‬
‫ذلك معالجة من فقه الضرورة‪ ،‬لجأ إليه القضاة من أجل التخفيف من الظلم‪ ،‬في‬
‫عهود الحكم الجبري‪(.‬انظر‪ :‬معايير‪ :‬المعيار العاشر‪)90 :‬‬

‫[‪]52‬‬
‫المقالة السابعةعشرة‬

‫تعثر تطبيق أحكام القضاء‬


‫لنه ل قاضي تنفيذيا في كل‬
‫محكمة‪:‬‬
‫أ‪-‬ضعف تنفيذ الحكام القضائية‪:‬‬
‫جرت العادة على أن تنفيذ أحكام القضاء‪ ،‬يكون على يدي السلطة التنفيذية‪،‬‬
‫ممثلة بالمارات والشرطة‪ ،‬ونحو ذلك من تشكيلت وزارة الداخلية‪ ،‬وصار من‬
‫الطبيعي‪-‬عندما يصبح التنفيذ بيدي السلطة التنفيذية‪ -‬أن لتنفذ كل أحكام القضاء‪،‬‬
‫وأن ليتم التنفيذ بفاعلية وسرعة قياسية‪ ،‬لن السلطة التنفيذية؛ لتمارس حزما‬
‫كافيا تجاه المماطلين والمتهربين عن تنفيذ الحكم‪ ،‬وهم كثير‪ .‬ولسيما إذا كانوا من‬
‫الكبراء وذوي الجاه والمحسوبية‪ ،‬ولذلك صار التهرب من الحقوق ظاهرة مألوفة‪،‬‬
‫عبر المماطلة والتسويف والتأجيل تارة‪ ،‬والتعطيل تارة أخرى‪ .‬وأوضح دليل على‬
‫ذلك ظاهرة إصدار شيكات من دون رصيد‪.‬‬
‫وليس هناك جهاز يلزم السلطة التنفيذية بأوامر القضاء‪ ،‬وقد جر ذلك إلى‬
‫سلبيات لم تضعف القضاء فحسب‪ ،‬بل أخلت بضمان هيبته وسلطته واحترامه‪.‬‬
‫وقد درجت كثير من الدول الدستورية؛ على إحداث قسم للتنفيذ في كل‬
‫محكمة‪ ،‬يرأسه قاض تنفيذي‪ ،‬يباشر تنفيذ الحكام‪ ،‬كما هو معروف في المعايير‬

‫‪77‬‬
‫الدولية لستقلل القضاء (انظر‪ :‬معايير‪:‬استقلل القضاء‪ :‬المعيار الحادي عشر‪:‬‬
‫‪)90‬‬
‫[‪]53‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫ل يكفي في مثل ظروف القضاء السعودي‪ ،‬وجود قسم متابعة برئاسة قاض‬
‫في كل محكمة كبرى‪ ،‬لمتابعة تنفيذ أحكامه‪ ،‬لن القضاء لم يرسخ فيه مفهوم‬
‫الستقلل‪ ،‬ومن أجل ذلك فإن (قسم المتابعة) لن يكون دوره فعال في التنفيذ‪.‬‬
‫السلوب العملي والمعالجة الصحيحة؛ أن يستحدث في كل محكمة؛ جهاز‬
‫تنفيذي يرأسه قاض (تنفيذي)‪ ،‬يعاونه ملزمون وكتبة ضبط وشرطة قضائية‪،‬‬
‫ليقوم بإلزام كل من يصدر بحقه حكم قضائي‪ ،‬بتنفيذ الحكم‪ ،‬سواءا أكان المدان‬
‫كبيرا أم صغيرا‪ ،‬فردا أو هيئة‪ ،‬أو الدولة نفسها‪ ،‬وتكون له سلطة المعاقبة على‬
‫تسويف ومماطلة الغنياء والكبراء‪ ،‬غرامة وتوقيفا‪ ،‬ليكون تنفيذ الحكام بيده‪،‬‬
‫وليكون أمره إلزاميا على السلطة التنفيذية‪ ،‬لتنفذ أحكامه في وقت قياسي‪،‬بعيدا‬
‫عن الروتين والتدخلت‪ ،‬ويأخذ الضعيف والمستحق حقه غير متعتع ‪.‬‬

‫[‪]54‬‬
‫المقالة الثامنةعشرة‬

‫القواعد (القضائية)‬
‫لم تحدد ولم توحدولم تدون ولم‬
‫وتعلن‬
‫أ‪-‬المشكلة الكبرى في القضاء السعودي‪:‬‬

‫‪78‬‬
‫هي عدم تحديد القواعد القضائية وتدوينها وتوحيدها وإعلنها ‪(،‬وكذالك‬
‫قاعدة التعزيرات‪ ،‬التي تمتد من ضربة سوط إلى ضربة سيف) وقد ورث القضاء‬
‫السعودي هذه المشكلة عن القضاء الموي والعباسي(انظر‪ :‬معايير‪:‬استقلل‬
‫القضاء‪ :‬المعيار الثالث عشر‪)120-93:‬‬
‫إذا كانت القاعدة القضائية محددة موحدة مدونة معلنة؛ عرف كل خصم‬
‫مركزه‪،‬وتوقع الحكم كما ونوعا‪ ،‬ومدى كونه له أو عليه‪،‬وحسمت نزاعات كثيرة‬
‫خارج المحاكم‪ ،‬ووفر ذلك على المتقاضين والقضاة شيئا كثيرا من عناء‬
‫الخصومات‪ ،‬ووفر عليهم‪ ،‬وعلى هيئة التمييز أيضاء عناء كثرة التظلمات‪.‬‬
‫من ما يضر بالعدالة؛ ترك كثير من القواعد من دون تحديد ول توحيد ول‬
‫تدوين ول إعلن‪ ،‬لنه ينتج اضطراب الحكام بل تناقضها في دولة واحدة‪ ،‬بل‬
‫في محكمة واحدة‪ ،‬بل من قاض واحد‪ .‬وهذا يجعل المتقاضين أمام مفاجآت غير‬
‫محسوبة‪ ،‬لن المتقاضين ليستطيعون التنبؤ بالقاعدة التي يجتهد القاضي في‬
‫تقعيدها قبل تطبيقها‪ ،‬وكل منهم ل يعرف مركزه القضائي قبل المحاكمة‪.‬‬
‫من أجل ذلك لجأت بعض الشركات الجنبية‪ ،‬التي لها مصالح في المملكة‬
‫العربية السعودية إلى ما سمته بـ"التأمين ضد أحكام الشريعة السلمية"‪ ،‬لن‬
‫الخصوم‪-‬حسب وصف أحد المحامين السعوديين‪ -‬يدخلون ميدانا ذا ألغام‪،‬‬
‫ومادام ليس معهم خارطة‪ ،‬فربما انفجر بهم لغم وهم ل يحتسبون‪ .‬وحرية‬
‫القاضي في حالت نقص الخبرة ‪ ،‬أو ضعف إدراك الواقع والوقائع‪ ،‬تفضي إلى‬
‫الخلل بالعدالة والظلم‪ ،‬تحت لفتة تطبيق حكم ال‪.‬‬
‫و ظلل التدخلت والهوى‪ ،‬تتيح الفرصة لضعاف النفوس للعدوان على‬
‫العدالة‪ ،‬تحت لفتة حرية الجتهاد‪ ،‬فيصبح الجتهاد ذريعة لهواء القضاة‬
‫والولة‪ ،‬وثمة مخاطر ومفاسد حقيقية عامة‪ ،‬ينتجها ترك الساس القانوني من‬
‫دون تحديد ول توحيد ول تدوين ول إعلن‪.‬‬

‫‪79‬‬
‫وهي تنتج اضطراب الحكام بل تناقضها في دولة واحدة‪ ،‬بل في محكمة‬
‫واحدة‪ ،‬بل من قاض واحد‪ .‬وهذا يجعل المتقاضين أمام مفاجآت غير محسوبة‪.‬‬

‫[‪]55‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫لو قلنا إن وجهة نظر الفقهاء الذين يرون أفضلية الخذ بحرية القاضي‬
‫في الجتهاد راجحة‪ ،‬في الزمنة القديمة‪ ،‬لكانت في الدولة السلمية الحديثة‬
‫مرجوحة؛ ل تحقق مقاصد الشريعة الكلية‪ ،‬في تجسيد مبادئ العدالة‪ ،‬لن‬
‫مضارها المتيقنة؛ أكثر بكثير جدا من محاسنها المحدودة المتوهمة ‪ ،‬وهي‬
‫أسلوب يسم الشريعة بالقصور‪ ،‬في الدولة الحديثة‪ ،‬التي تكثر فيها القضايا‬
‫والمنازعات‪ ،‬ويقل فيها مستوى الجتهاد‪ ،‬أو ضعف إدراك الواقع والوقائع‪،‬وهي‬
‫تؤدي إلى تأخير البت في القضايا‪ ،‬وإلى فتح أبواب التدخلت والهوى‪ ،‬تتيح‬
‫الفرصة لضعاف النفوس للعدوان على العدالة‪.‬‬
‫إن كون أغلب قواعد القضاء غير محددة ول موحدة ول مدونة ول معلنة؛‬
‫أسهم في لجوء الدولة إلى لجان القضاء الستثنائي‪ ،‬لن تحديد قواعد القضاء؛‬
‫أسلوب عملي في التعاملت المالية والقتصادية والدارية‪ ،‬التي لها علقة‬
‫بسلمة القتصاد وإدارة شئون الدولة‪ ،‬لكي ل يكون في المسائل الدارية‬
‫والمالية والقتصادية الكبرى قولن‪ ،‬ذلك أسلوب غير ناجع في التعامل في‬
‫القضايا الكبرى‪.‬‬
‫ومن يتأمل العواقب‪ ،‬يعلم علم اليقين؛ ل علم الظنون والتخمين‪ ،‬أنه ل‬
‫يتصور أن يكون للقضاء استقلل‪ ،‬ما لم يكن الساس القانوني(القاعدة‬
‫القضائية)متسما بسمات أربع‪:‬التحديد والتوحيد والتدوين ونشره للجمهور‪ .‬لكي‬
‫ينحصر اجتهاد القاضي في تطبيق القاعدة على الوقائع‪،‬ما لم تكن القاعدة‬
‫مخالفة روح الشريعة( ولتفصيل ذلك انظر‪ :‬معايير‪ ،)2/13:‬ومن يمار في هذا‬
‫من القضاة فإننا نطالبهم‪ ،‬ببرهان الحصاء والتجريب‪ ،‬فليضعوا قواعد محددة‬

‫‪80‬‬
‫موحدة مدونة معلنة‪ ،‬في محكمة كبرى في إحدى المدن‪ ،‬وليخضعوا نتائج‬
‫الحصاء والتجريب‪ ،‬للتحليل الموضوعي المحايد‪ ،‬وسيدركون أي السبيلين أهدى‬
‫وأقوم‪.‬‬

‫[‪]56‬‬
‫المقالة التاسعةعشرة‬

‫ضعف العلنية والشفافية‬


‫وعلقتهما بغياب الرقابة الشعبية‪:‬‬
‫أ‪ -‬ضعف العلنية والشفافية سمة عامة في الدولة‬
‫والقضاء‪:‬‬
‫العلنية والشفافية هما إحدى سمات القضاء السلمي عبر العصور‪ ،‬ولذلك‬
‫ألف أن يكون القضاء في المساجد؛ إن عنصر العلنية والشفافية من المعايير‬
‫الدولية لستقلل القضاء‪ ،‬التي يقتضيها الحكم بالعدل‪ ،‬في الدول الدستورية(انظر‪:‬‬
‫معايير‪:‬المعيار الرابع عشر والخامس عشر‪.)115-110 :‬‬
‫إن معيار العلنية والشفافية غير مستقر في إدارة الدولة السعودية عامة‪،‬‬
‫ومن ضمنها القضاء‪ ،‬سواء في أنظمة اختيار القضاء‪ ،‬أو في الطلع على سجلت‬
‫الجراءات‪ ،‬ونشر الحكام‪ .‬وفي الختيار والتعيين والترقي والجزاءات‪ ،‬بالضافة‬
‫إلى القضايا المتعلقة بمدة البقاء في المنصب والخلقيات ‪ ،‬والفصاح عن الدخل ‪،‬‬
‫ونشر القرارات ‪ ،‬وإطلع العامة على المعلومات‪.‬‬
‫ومن ملمح نقص العلنية والشفافية في القضاء السعودي؛ أنه ليس فيه‬
‫ضمانات صارمة؛ على أن تكون إحالة القضايا على القضاة ذات طابع قضائي‬
‫موضوعي محض‪ ،‬ل صلة لها بنوع الحكم المتوقع من قاض دون آخر‪ ،‬فليس هناك‬
‫ضوابط كافية‪ ،‬في توزيع رئيس المحكمة القضايا على القضاة‪ ،‬ويؤثر ذلك على‬
‫الشفافية‪ ،‬ويعزز سيطرة المنصب العلى على الدنى‪ ،‬ويتيح فرص تدخل السلطة‬

‫‪81‬‬
‫التنفيذية‪ ،‬فيخل ذلك بميزان العدل ولسيما في الحكام في القضايا السياسية‪ ،‬عن‬
‫طريق التفاهم مع رئيس المحكمة لحالة بعض القضايا إلى قضاة محددين‪.‬‬

‫[‪]57‬‬
‫ب‪-‬تجنب العلنية والشفافية في المحاكمات‪:‬‬
‫نظام القضاء السعودي ينص على علنية المحاكمات‪ ،‬فالسرية استثناء في‬
‫حالت خاصة محددة في النظام‪ ،‬لكن أغلب القضاة السعوديين ل يرتاحون لحضور‬
‫الجمهور‪ ،‬وبعضهم يغلقون البواب من دون أن يكون في الجلسة ما يستدعي‬
‫السرية‪ ،‬ويأمرون الحاضرين بالخروج طوعا أو كرها‪ ،‬وأوضح ما يكون ذلك في‬
‫القضايا السياسية‪ ،‬التي جرت العادة في الدول التي تعلن الدستور ولو ظاهريا‪ ،‬أن‬
‫يحظر المحاكمة الجمهور وأهل العلم والمحامون‪.‬‬
‫مع فوائد حضور الجمهور كثيرة‪ ،‬ولسيما المحامون‪ ،‬الذين يتمكنون من أخذ‬
‫العبر والخبرات والدروس‪ ،‬وأهم من ذلك أن الجمهور ‪ ،‬ول سيما أهل الصحافة‬
‫والعلم‪ ،‬شهود ال في ارضه‪ ،‬على مدى عدالة القضاء‪.‬‬
‫على أن ضعف الشفافية في أي إدارة؛ يفتح النوافذ لتكاثر الخطاء والغلط‪،‬‬
‫وحشرات الفساد‪ ،‬كما أنه يسهم في النيل من سمعة القضاء والقضاة ‪ ،‬ول يدرك‬
‫كثير من القضاة أنه ل يكفى أن يكونوا عادلين من وجهة نظرهم‪ ،‬بل ينبغي أن‬
‫يقتنع الجمهور بعدالتهم‪ ،‬أي أن يعتبرهم جمهور الناس عادلين‪ ،‬فالناس شهود ال‬
‫في أرضه‪،‬كما جاء في الحديث الصحيح‪ ،‬ولن يتأكد الجمهور من كونهم عادلين‪،‬‬
‫ماداموا يؤثرون بت القضايا في غرف مقفلة البواب‪ ،‬ومخلين بمبدأ علنية‬
‫وشفافية القضاء‪ .‬و لن يتأكد الجمهور من كونهم عادلين‪ ،‬مادام ل يراهم يطبقون‬
‫الوقائع‪ ،‬على أسس قضائية محددة موحدة مدونة معلنة‪ ،‬بحيث تتجانس الحكام إذا‬
‫تجانست القضايا‪ ،‬من دون تذرع بالجتهاد‪.‬‬
‫والقضاة عندما يميلون إلى السرية‪ ،‬ويزورون عن بناء علقة إيجابية مع‬
‫الجمهور‪ ،‬تقنع الجمهور‪ ،‬بإخلصهم للعدالة‪ ،‬يفتقدون عنصرا مهما جدا‪ ،‬في الحفاظ‬

‫‪82‬‬
‫على استقللهم‪ ،‬إذ ل يمكن أن يستقل القاضي و يأمن من التعسف في النقل‬
‫والعزل‪ ،‬ما لم يكن الجمهور المقتنع بعدالته‪ ،‬حاضرا للدفاع عنه‪ ،‬إن أول إجراء‬
‫يدل على عدالة المحاكمة هو أن تكون علنية‪ ،‬وكل محاكمة سرية فإنها غير‬
‫عادلة‪.‬‬

‫[‪]58‬‬
‫ج‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫‪-1‬اللتزام باحترام حقوق المتقاضين‪ ،‬التي قررتها الشريعة‪ ،‬وبلورتها أنظمة‬
‫الحكم الشورية‪ ،‬في إجراءات محددة‪،‬لدارة الجلسات‪ ،‬كاللتزام بتنظيم الجلسات‬
‫وضبطها‪،‬وحصر نظر جميع القضاة المشتركين في القضية عليها‪ ،‬أثناء وقت‬
‫الجلسة‪ ،‬وتفعيل مبدأ شفوية وعلنية المرافعات‪.‬‬
‫‪-2‬نشر الحكام القضائية‪.‬‬
‫‪-3‬اللتزام بعلنية الجلسات‪ ،‬واعتبار السرية استثناء ل يقرره القاضي وحده‪،‬‬
‫ول يلجأ إليه إل برضا الطرفين‪ .‬ولن تضمن الشفافية و العلنية‪ ،‬ما لم يكن‬
‫الجمهور حاضرا‪ ،‬عبر أهل العلم والمحامين وأعضاء حقوق النسان ونحوهم‬
‫فلتجمعات المجتمع المدني الهلية و لسيما العلميون والمحامون ودعاة حقوق‬
‫النسان دور كبير في شفافية القضاء والحفاظ على استقلله‪.‬‬

‫[‪]59‬‬
‫المقالة العشرون‬

‫بطء البت في القضايا و‬


‫التنفيذ‬
‫من معايير استقلل القضاء ‪ ،‬أن تنهى الجراءات القضائية في وقت‬
‫قياسي(أي معقول عرفا) ‪ ،‬وهذا من مقاصد الشريعة المنصوص عليها‪ ،‬فالعدالة‬
‫المتأخرة ظلم وإن كان الظلم غير صريح‪ ،‬لن من شروط القضاء العادل ؛ أن ينال‬
‫‪83‬‬
‫صاحب الحق حقه دون مشقة غير عادية‪ ،‬كما في الحديث الصحيح" إن ال ليقدس‬
‫أمة ليأخذ فيها الضعيف حقه من القوي و هو غير متعتع"‪،‬أي من غير أن يصيبه‬
‫أذى يقلقه ويزعجه‪(،‬انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار السادس عشر‪.)118-115 :‬‬
‫عديد من الناس في السعودية‪ ،‬يشعرون أن القضاء السعودي في غالب‬
‫أحواله بطيء البت في القضايا‪،‬فالدعاوى التي تستمر سنين عديدة كثيرة‪ ،‬ول ريب‬
‫أن بطء البت في القضايا‪ ،‬إذا تجاوز زمن القضية ما هو معقول عرفا فإنما هو ظلم‬
‫غير صريح‪ ،‬فتأخير نيل الحقوق يؤدي إلى فساد كبير‪ ،‬ويضطر الناس إلى مشقات‬
‫كثيرة‪ ،‬تضطرهم إلى ترك حقوقهم أو الصلح المجحف‪ ،‬بدلً من اللجوء إلى المحاكم‪،‬‬
‫وهذا مضر بأصحاب الحقوق عامة ‪ ،‬وهو يؤدي إلى ضياع حقوق الضعاف خاصة‪،‬‬
‫ولعل أهم أسباب البطء عدم تناسب حجم العمل الكبير‪ ،‬مع عدد القضاة‬
‫والكتبة والموظفين‪ ،‬قد تكون لها أسباب إدارية‪ ،‬كقلة الخدمات الدارية‪ ،‬و الروتين‬
‫والبيروقراطية‪ ،‬أو شح النفقات‪ ،‬وعلى كل حال ليس في القضاء السعودي ضمانات‬
‫لسرعة البت في القضايا‪ ،‬ولعل من أسبابها ضعف أو فقدان أجهزة قياس النجاز‬
‫والمتابعة‪ .‬ولتعزيز البت في القضايا من دون تأخير‪ ،‬ينبغي أن يكون لحسم القضايا‬
‫وقت قياسي معقول عرفا‪ ،‬ولمراقبة ذلك ينبغي إنشاء أجهزة لقياس النجاز وتفعيل‬
‫أجهزة المتابعة الدورية‪.‬‬
‫وقياس النجاز‪ :‬يعتمد على أربعة عناصر‪:‬‬
‫أ‪-‬المدة التي استغرقتها الدعوى حتى الفصل فيها ‪.‬‬
‫ب‪-‬مقارنة عدد الدعاوى المقامة ‪ ،‬بالدعاوى التي فصل فيها ‪.‬‬
‫ج‪-‬تحاشي تراكم الدعاوى ‪.‬‬
‫د‪-‬انتظام الجلسات‬
‫‪-2‬المتابعة‪ :‬كل ستة اشهر‪ ،‬لسؤال القضاة عن القضايا التي لم يفصلوا فيها ‪،‬‬
‫لتبرير عدم الفصل‪ ،‬وذلك يشجع القضاة على الفصل في الدعاوى بسرعة‬
‫مناسبة(انظر‪ :‬معايير‪.)118:‬‬

‫‪84‬‬
‫[‪]60‬‬
‫المقالة الحادية والعشرون‬
‫أخطر أنواع المركزية‪:‬‬
‫ليس في القضاء السعودي مركزية‪ ،‬ولكن طريقة توزيع القضايا على القضاة‪،‬‬
‫تحتاج إلى مزيد من الضوابط الموضوعية‪ ،‬ولكن حرية القاضي في تحديد الساس‬
‫القانوني(القاعدة القضائية)‪ ،‬تجعل القاضي يمارس دورين‪ :‬وضع القواعد وتطبيق‬
‫القواعد على الوقائع‪ ،‬وذلك أخطرأنواع المركزية‪.‬‬

‫[‪]61‬‬
‫المقالة الثانية والعشرون‬
‫تضخم دور وزارة العدل الداري‬
‫والمالي من أخل بنزاهة القضاء‪:‬‬
‫أ‪-‬ضخامة قوة السلطة التنفيذية السعودية‪:‬‬
‫هناك نظامان دوليان للمسألة المالية والدارية ‪ :‬الول ‪ :‬نظام قضائي مستقل‬
‫ماليا وإداريا‪ ،‬عن الحكومة‪ ،‬يقوم بإدارة نفسه بنفسه ويعتبر تقديره في تحديد‬
‫ميزانيته المالية وشؤونه الدارية‬
‫الثاني‪ :‬نظام قضائي يتمتع باستقلل في اتخاذ القرارات ‪ ،‬وإصدار الحكام ‪.‬‬
‫لكنه إداريا وماليا يعتمد على وزارة العدل(انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار الثامن عشر‪:‬‬
‫‪)125-120‬‬
‫غير أنه في ظلل ضخامة قوة السلطة التنفيذية في المملكة‪ ،‬وعدم وجود‬
‫سلطة نيابية موازنة؛ وعدم تكامل عناصر استقلل القضاء؛ صار الدور الذي تقوم‬
‫به وزارة العدل‪ ،‬ل يساعد على تعزيز استقلل القضاء‪ ،‬وصار دور وزارة العدل من‬
‫السباب الجوهرية في تعويق استقلل القضاء‪.‬‬
‫لن منصب وزير العدل في أي دولة‪ ،‬إنما هو سياسي‪ ،‬أي أنه جزء من‬
‫السلطة التنفيذية‪ ،‬ومن أجل ذلك صار الوزير عضوا في مجلس الوزراء‪ ،‬من أجل‬

‫‪85‬‬
‫ذلك لم ينصص نظام القضاء السعودي (الصادر برقم ‪ 9/64‬وتاريخ‬
‫‪14/7/1395‬هـ) على شرط الكفاية المهنية في وزير العدل‪ ،‬بينما نص على شروط‬
‫الكفاية المهنية في وكيل وزارة العدل فقال (المادة ‪ " )38‬يختار وكيل وزارة العدل‬
‫من بين رجال القضاء العاملين أو السابقين"‬
‫وهذا دليل على أن وزير العدل ليست له صفات مهنية تحوله الشراف‬
‫القضائي‪ ،‬وانما ينحصر إشرافه بالمور المالية والدارية‪ ،‬كإنشاء المباني وشئون‬
‫الموظفين العادية‪.‬‬
‫[‪]62‬‬
‫ب‪-‬وزارة العدل مشرفة على القضاء لخادمة‪:‬‬
‫لكن نظام القضاء نص على وظائف لوزير العدل تتجاوز المجال المالي‬
‫والداري‪ ،‬ووزير العدل فوق رئيس مجلس القضاء العلى‪ ،‬وهذا أمر يخل اخللً‬
‫واضحا باستقلل القضاء‪ ،‬ونذكر نماذج من ما صرح به النظام‪:‬‬
‫‪ -1‬المبادئ العامة‪ :‬سلطة مجلس القضاء في اصدار ما يخص القضاء‪ ،‬من‬
‫قرارات‪ ،‬محددة بطلب ولي المر (الذي هو الملك) أو زير العدل (المادة ‪" )8‬يتولى‬
‫مجلس القضاء العلى بالضافة الى الختصاصات المبينة في هذا النظام ما يلي‪( :‬‬
‫‪ )1‬النظر في المسائل الشرعية التي يرى وزير العدل ضرورة تقرير مبادئ عامة‬
‫شرعية فيها‪ )2( .‬النظر في المسائل التي يرى ولي المر ضرورة النظر فيها من‬
‫قبل المجلس‪ )3( .‬إبداء الرأي في المسائل المتعلقة بالقضاء بناء على طلب وزير‬
‫العدل"‬
‫‪ -2‬التعيينات‪ :‬يقول نظام القضاء "يتم تسمية نواب رئيس محكمة التمييز‪،‬‬
‫بقرار من وزير العدل‪ ،‬بناء على اقتراح مجلس القضاء العلى" (المادة ‪ )13‬ويقول‬
‫أيضا" تؤلف المحكمة العامة من قاض أو أكثر‪ ،‬ويكون تاليفها وتعيين مقرها‬
‫وتحديد اختصاصها بقرار من وزير العدل بناء على اقتراح مجلس القضاء العلى"‬
‫(المادة ‪. )22‬‬

‫‪86‬‬
‫ويقول أيضا" تتألف المحكمة الجزئية من قاض أو أكثر‪ ،‬ويكون تأليفها وتعيين‬
‫مقرها وتحديد اختصاصها بقرار من وزير العدل بناء على اقتراح المجلس العلى"‬
‫(المادة ‪)24‬‬
‫ترى أي استقلل للقضاء في ظل تهميش دور أعلى سلطة قضائية‪ ،‬وتضخيم‬
‫دور موظف سياسي؟ ‪ ،‬لقد صار وزير العدل فوق المجلس العلى في مسألة‬
‫قضائية‪ ،‬فالمجلس يقترح والوزير الذي ليس له كفاية مهنية يوافق‪.‬‬
‫إن نظام القضاء واضح في تقرير دور مركزي سلطوي‪ ،‬على القضاء بصورة‬
‫عامة‪ ،‬بيد أنها في مسائل الترقية والتفتيش أصرح وأوضح‪ ،‬اذ يقول النظام" مع‬
‫عدم الخلل بما للقضاة من حياد واستقلل في القضاء‪ ،‬يكون لوزير العدل حق‬
‫الشراف على جميع المحاكم والقضاة" (المادة ‪ .)71‬ترى أي استقلل يمكن أن‬
‫يكون للقضاء‪ ،‬ما دام القضاء خاضعا لموظف سياسي ليست له كفاية مهنية ول‬
‫صفة دستورية‪ ،‬وكيف يضمن حياد القضاة واستقللهم‪ ،‬وأمور تعيينهم من ولي‬
‫المر‪ ،‬وأمور ترقيتهم وتشكيلهم وتعيينهم في المحاكم‪ ،‬والتفتيش القضائي عليهم‬
‫لوزير العدل!! إن دور وزير العدل من أوضح الدلئل وأصرحها‪ ،‬على انفتاح الباب‬
‫الموارب‪ ،‬للتدخلت الظاهرة‪ ،‬فضلً عن الباطنة التي تقع عبر ما يسمى بـ‬
‫التدخلت الهاتفية)‪.‬‬
‫[‪]63‬‬
‫ج‪-‬وزير الداخلية له سلطة تقرير الحقوق‪:‬‬
‫وسلطة وزير العدل في المور الحقوقية مرتبطة بموافقة وزير الداخلية‪ ،‬حتى‬
‫في النظمة الحدث التي أصدرتها الدولة كنظام الجراءات الجزائية‪ ،‬يقول نظام‬
‫الجراءات الجزائية "يصدر مجلس الوزراء اللئحة التنفيذية لهذا النظام‪ ،‬بناء على‬
‫اقتراح وزير العدل‪ ،‬بعد التفاق مع وزير الداخلية" (المادة ‪ )223‬ويصرح الخطاب‬
‫الملكي بأن تحديد الحقوق ل يتم ال بموافقة وزير الداخلية (رقم ‪/14190‬ر) وتاريخ‬
‫‪2/8/1422‬هـ " علما بأن مجلس الوزراء وافق على اقتراح اللجنة العامة لمجلس‬

‫‪87‬‬
‫الوزرء بأن يضمن نص يقتضي بوجوب تعريف المتهم بما له من حقوق‪ ،‬ابتداء‬
‫بمشروع اللئحة التنفيذية لنظام الجراءات الجزائية‪ ،‬التي سترفع ان شاء ال‬
‫تعالى في وقت لحق من معاليكم بعد التفاق عليها مع وزير الداخلية"‪.‬‬
‫من يحدد الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف؟ إنه ليس مجلس النواب ول‬
‫وزير العدل فضلً عن رئيس المجلس العلى للقضاء‪ ،‬إنه وزير الداخلية‪ ،‬كما يقول‬
‫نظام الجراءات الجزائية "يحدد وزير الداخلية بناء على توصية رئيس هيئة‬
‫التحقيق والدعاء العام ما يعد من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف" (المادة ‪)112‬‬
‫هذا لوزير الداخلية‪ ،‬على أن هيئة التحقيق والدعاء العام مرتبطة بوزير الداخلية‪،‬‬
‫كما نص على ذلك النظام‪.‬‬
‫ويظهر تهميش المجلس العلى للقضاء حتى في النظمة العدلية الحدث‬
‫صدورا‪ ،‬كنظام الجراءات الجزائية (الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م‪ )39/‬وتاريخ‬
‫‪28/7/1422‬هـ ‪ ،‬إذ يقول "تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام‬
‫الشريعة السلمية‪ ،‬وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وما يصدره ولي المر من‬
‫أنظمة‪ ،‬ل تتعارض مع الكتاب والسنة‪ ،‬وتتقيد في إجراءات نظرها بما ورد في هذا‬
‫النظام" (المادة الولى)‪.‬‬
‫إن من أوضح الدلئل على ضعف استقلل القضاء‪ ،‬أن هذا النظام ل يصدر‬
‫ل عن أن يصدر من هيئة دستورية مخولة‪ ،‬وأن تكون‬
‫من هيئة قضائية‪ ،‬فض ً‬
‫مرجعيته ولي المر المجسد بالملك أو وزير الداخلية‪ ،‬وأن ينص فيه‪ ،‬على أن‬
‫لئحته التنفيذية إنما هي اقتراح من وزير العدل‪ ،‬مشروط بموافقة وزير الداخلية‪،‬‬
‫وليس لمجلس القضاء فيه ذكر‪.‬‬

‫[‪]64‬‬
‫المقالة الثالثة والعشرون‬
‫ضعف ضوابط كفاية‬
‫القضاة(مهنيا ) ‪:‬‬
‫‪88‬‬
‫أ‪ -‬مظاهر الخلل المهني‪:‬‬
‫من الناحية المسلكية يمتاز رجال القضاء السعودي في الجملة؛ بمستوى عال‬
‫جدا من الورع والصدق‪ ،‬والخلق النموذجية‪ ،‬والحفاظ على الشعائر الدينية‪ ،‬ومن‬
‫البديهي أن يكون كذلك قضاة الشريعة‪ ،‬و هو أفضل القضاة في العالم في هذه‬
‫السمة‪ .‬والصفات المسلكية ل تحتاج إلى تعزيز يذكر في القضاء السعودي‪ ،‬بل الذي‬
‫يحتاج إلى تعزيز هي شروط الكفاية المهنية‪.‬‬
‫إن أهم أسباب الضعف والخلل باستقلل القضاء‪ ،‬في مجال (الكفاية‬
‫المهنية)تظهر في ثلثة أمور‪:‬‬
‫‪-1‬إبهام في القواعد القضائية‪ ،‬لن أغلبها لم يحدد ويوحد ويدون ويعلن‪.‬‬
‫‪-2‬كثرة اللجان القضائية‪ ،‬في المجالت الدارية والمالية والمصرفية‬
‫والجمركية يعانيه القضاء‪ .‬إن السبب الكبر في إنشاء اللجان القضائية سببه ضعف‬
‫تأهيل القضاة في مراكز للتأهيل ككليات الشريعة‪ ،‬والمعهد العالي للقضاء عن‬
‫الحاطة والفعالية والمرونة والبتكار‪ ،‬أمام القضايا المستجدة‪ ،‬وهي مجالت‬
‫النزاعات المعروضة على هذه اللجان‪.‬‬
‫‪-3‬ودخول معايير غير مهنية‪ ،‬كالمذهبية(الوهابية والحنبلية أو هما معا)‪ :‬حيث‬
‫تكثر نسبة القضاة الحنابلة‪ ،‬ومثل ذلك دخول القليمية ‪ :‬حيث تغلب نسبة العناصر‬
‫النجدية نسب القاليم الخرى ‪،‬وهم أكثر القضاة في السلك القضائي‪ .‬وقد يكون ذلك‬
‫ناتجا عن تفضيل مقصود‪ ،‬أو عن تركيز التخصصات القضائية في المدن النجدية‪،‬‬
‫وقد يكون ناتجا عن حرص النجديين على التعليم الديني أكثر من غيرهم‪ ،‬وهو على‬
‫كل حال متأثر بالطار الداري العام‪ ،‬حيث تعمل النزعة القليمية في الجهزة‬
‫الحكومية كالوزارات والدوائر‪ ،‬على جذب عناصر من إقليم أو حتى بلدة معينة‪،‬‬
‫وهي مؤشر على ضعف رسوخ مفهوم المواطنة‪ ،‬ولكن سلبياتها في القضاء‪ ،‬الذي‬
‫هو عنوان العدالة والنصاف؛ أكثر ضررا وأثرا‪ ،‬لنها ليست محصورة بالخلل‬

‫‪89‬‬
‫بتكافؤ الفرص أمام المواطنين‪ ،‬بل هي من مداخل رياح الهوى القليمية والمذهبية‬
‫الخفية‪.‬‬
‫ودخول معيار القرابة‪ ،‬فهناك قضاة وإداريون في المحاكم من أسر محددة‪ ،‬ل‬
‫يحتمل أن اجتماعهم في القضاء جاء مصادفة‪.‬‬

‫[‪]65‬‬
‫ب‪-‬ضعف تكوين القضاة في الجامعة‪ ،‬والنموذج‬
‫العباسي للحقوق‪:‬‬
‫وهذه الثلثة مظهر من إفراز خلل جوهري في مراكز تأهيل القضاة وتدريبهم‪،‬‬
‫هو ضعف الثقافة القضائية‪ ،‬التي يحصل عليها القضاة في الكليات والجامعات‬
‫والدراسات العليا‪ ،‬وهي تجسد بطء مناهج التعليم الجامعي الديني عن التجديد في‬
‫الوسائل والفروع‪ ،‬والجراءات والهياكل‪ ،‬وبطأها عن مواكبة التغيرات الحديثة‬
‫الكبرى‪،‬ولسيما القتصادية والدارية والمالية‪ ،‬وضيقا في الفق المعرفي‬
‫والجتماعي والثقافي‪ ،‬وتلكؤا في النفتاح والمرونة والمساواة وتكافؤ الفرص‪،‬‬
‫وتكاد تشير إلى ضعف التسامح مع الجتهادات الخرى‪ ،‬بصورة توحي بقضاء‬
‫تسيطر على مراكزه العليا‪ :‬النزعة القليمية(النجدية) والمذهبية(الوهابية والحنبلية)‬
‫معا‪،‬فلم تسع الدولة إلى تنشيط تيار تجديد الفكر القضائي في كليات الشريعة‪،‬‬
‫ولسيما المعهد العالي للقضاء ‪.‬‬
‫ولم تكن جادة في السعي إلى تحديد القاعدة القضائية‪ ،‬لكي يتخرج جيل من‬
‫القضاة أكثر قدرة على استنباط حلول شرعية‪ ،‬لما وجد من وقائع ونوازل‬
‫ومشكلت‪ ،‬وقد وكلت التعليم الديني الجامعي إلى العناصر الميالة إلى المحافظة‪،‬‬
‫وقامت هذه العناصر المحافظة‪ ،‬بمحاربة التجديد ومضايقة المجددين‪.‬‬
‫وأغلب كتب مراكز إعداد القضاة متون قديمة‪ ،‬ألفت في عصور ضمور‬
‫الجتهاد في مجال فقه الحقوق المالي والقتصادي والداري‪ ،‬في ظلل الحكم‬
‫الجبري‪ ،‬فصارت هذه المناهج ل تكفي‪ ،‬لبناء وسائل نظريات وتفريعات وآليات‬

‫‪90‬‬
‫وهياكل‪ ،‬في عديد من القضايا المالية والقتصادية والمصرفية‪ ،‬التي استجدت في‬
‫المجتمعات الحديثة‪ ،‬من أجل ذلك صارت هذه المناهج ل تؤهل بصورة مثلى‪ ،‬قضاة‬
‫ول مستشارين ول محامين‪.‬‬

‫فاستقرت مراكز إعداد القضاة(ككلية الشريعة أو المعهد العالي‬


‫للقضاء)؛على المحافظة والركود‪ ،‬وصارت قليلة التجديد‪ ،‬وأغلب المواد‬
‫المدروسة فيها مواد عامة في دراسة الدين‪ ،‬وفي الفقه العام‪ ،‬ولكنها ل تتوسع‬
‫ول تتعمق في الفكر القضائي الذي يتفاعل مع ماجد من شئون المجتمع والحياة‪.‬‬
‫إن أهم ما يعانيه القضاء السعودي‪ ،‬هو ضعف الثقافة القضائية الجامعية ول‬
‫سيما في المجالت التية‪ :‬الثقافة الحقوقية‪ :‬ليس فيها مقررات على قدر كاف‬
‫من الوضوح والدقة والصحة والمنهجية ؛ في الثقافة الحقوقية والقانونية‪،‬‬
‫كحقوق النسان وحقوق المتهم‪.‬‬
‫بل فيها إخلل بنظرية الحقوق نفسها‪ ،‬اجتماعية واقتصادية وطبيعية‬
‫وشخصية ومدنية وثقافية وسياسية‪ ،‬للناس أفرادا وجماعات ومجتمعا‪ ،‬ولسيما‬
‫مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والتعددية والكرامة‪ ،‬وهو خلل يرجع إلى جذور‬
‫الفكر الحقوقي‪ ،‬الذي نبت في مناخ الحكم الجبري‪ ،‬قبل أكثر من ألف عام وأغلب‬
‫كتبها من متون قديمة‪ ،‬ألفت بعد توقف عصر الجتهاد والبداع الحضاري‬
‫السلمي‪ ،‬إن كتابا مثل الحكام السلطانية لبي يعلى أو للماوردي ل تكفي لتخريج‬
‫‪.)133-126‬‬ ‫قاض ذي ثقافة حقوقية صحيحة(انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار التاسع عشر‪:‬‬

‫[‪]66‬‬
‫ج‪-‬أعجب العجب غيبة تفريعات مفهوم الحكم‬
‫الشرعي من كليات الشريعة‪:‬‬
‫إن أي نظام حكم يوصف بأنه شرعي أو إسلمي‪ ،‬أو أنه يطبق الشريعة‪ ،‬أو‬
‫أنه يحكم بما أنزل ال؛ مؤسس –حتما‪-‬على المفهوم الشوري للحكم‪ :‬هناك ضبابية‬

‫‪91‬‬
‫في مفهوم الحكم الشورة‪ ،‬استدعت غفلة عن ضمانات الشورى وإجراءاتها‪ ،‬التي‬
‫يطلق عليها الهيكل الدستوري‪.‬‬
‫غفلة عجيبة عن أن هياكل(النظام الدستوري)‪ ،‬ليمكن من دونها تجسيد‬
‫المفهوم الشوري‪ ،‬الذي طبقه النبي صلى ال عليه وسلم و الراشديون بالوسائل‬
‫المتاحة آنذاك‪ ،‬قبل ثلثة عشر قرنا من قيام الثورة الفرنسية‪ ،‬فليس فيها مقررات‬
‫على قدر كاف من الوضوح والدقة والصحة والمنهجية ؛ في طبيعة الحكم‬
‫الدستوري وهياكله كسلطة المة في تحقيق مقاصد الشريعة‪ ،‬كالفصل بين‬
‫السلطات‪ ،‬وقيام المجلس النيابي‪ ،‬ومفهوم استقلل القضاء‪ ،‬وقيم المجتمع المدني‬
‫وجماعاته الهلية‪ ،‬وليس فيها ما يدرك به الدارسون أن الحكم الدستوري‪ ،‬في‬
‫المة المسلمة هو إطار التطبيق الصحيح للشريعة السلمية‪ ،‬في الدولة الحديثة ‪.‬‬
‫فصار هذا المفهوم بحاجة إلى تأصيل إسلمي‪.‬لن من عوائق هذا التأصيل ذلك‬
‫الموروث الفقهي القضائي‪ ،‬الذي صيغ في مناخ الحكم الجبري العباسي والموي‪.‬‬

‫ضمانات نزاهة القضاء‪ :‬ول يمكن أن يتحقق للقضاء استقلل‪ ،‬ما دامت‬
‫ضمانات معايير عدالة القضاء العشرون‪ ،‬لم توضع مادة في مناهج إعداد القضاة‪،‬‬
‫ليكون قضاة المستقبل؛ على دراية تامة بما ينسجم مع السلم من المواثيق الدولية‬
‫وحقوق النسان‪ ،‬وعلى دراية بأنها في الجملة(ل بالجملة) تنسجم مع الشريعة‪ ،‬بل‬
‫إنها هي الجراءات المناسبة اليوم‪ ،‬لتحقيق مقاصد القضاء السلمي‪ ،‬في إقامة‬
‫ميزان العدالة‪ ،‬ليكونوا على دراية بكيفية تطبيقها في أحكامهم‪ ،‬تجسيد هذه المعايير‬
‫في القواعد والممارسات ‪ ،‬يسهم في تعزيز ضمانات الجراءات القضائية‪ ،‬ويضمن‬
‫وجود قضاء يتمتع بالستقلل والنزاهة‪ .‬بل إنه ل يمكن أن يتحقق للقضاء‬
‫استقلل‪ ،‬ما لم يكن القضاة على وعي واف بمفهوم استقلل القضاء الدولي‬
‫وكونه‪-‬في الجملة ل بالجملة‪ -‬هو الطار الصحيح لتطبيق الشريعة‪ ،‬في الدولة‬
‫السلمية الحديثة‪( .‬انظر‪ :‬المعايير‪:‬المعيار الثالث‪.)61-51 :‬‬

‫‪92‬‬
‫ازدواجية التعليم‪ :‬هناك جذور تعليمية لزدواجية القضاء‪،‬مابين قضاء عام‪،‬‬
‫ولجان قضائية منتشرة في الوزارات‪ ،‬ول يحتمل حسم ازدواجية القضاء ما لم‬
‫تحسم ازدواجية التعليم الحقوقي والقانوني‪ ،‬التي تسبب الرتباك‪ ،‬بين خريجي‬
‫قانون مدني متجدد‪ ،‬أقدر على حلول القضايا القتصادية والمصرفية‬
‫ونحوها‪،‬وخريجي قضاء شرعي صاروا مثار البطء والتذمر في مثل هذه القضايا‪،‬‬
‫إن تجديد مناهج كليات الشريعة‪ ،‬لكي تكون محضن الفكر القانوني في المجالت‬
‫المالية والمصرفية والمدنية وغيرها‪ ،‬هو الحل السلمي في دولة تتحرى تطبيق‬
‫الشريعة‪ ،‬وهو المهمة التي ينبغي أن يترجم بها العلماء والفقهاء؛ أقوال حرصهم‬
‫على تطبيق الشريعة إلى أفعال‪ ،‬من خلل مبادراتهم إلى إنتاج اجتهادات عملية في‬
‫التفصيل والفروع والجراءات والهياكل‪ ،‬تصد تحديات القوانين غير الشرعية التي‬
‫تتكاثر يوما بعد يوم‪.‬‬
‫إن مراكز إعداد القضاة(كلية الشريعة أو المعهد العالي للقضاء)؛ قليلة‬
‫التجديد‪ ،‬وأغلب المواد المدروسة فيها مواد عامة في دراسة الفقه العام‪ ،‬ول‬
‫تتوسع في الفكر القضائي‪،‬‬
‫وأخطر من ذلك كله سيطرة السلوب النظري والتلقيني المحافظ ‪ ،‬في التعليم‬
‫السعودي عامة‪ ،‬والديني خاصة‪ ،‬والتعليم التلقيني والنظري‪ ،‬ل يحتمل أن ينميا‬
‫المنطق القضائي‪ ،‬و ل التفكير النقدي ‪.‬‬
‫إن الوسيلة الفعالة لتعزيز استقلل القضاء هي الحد من ثقافة التقليد‬
‫والتلقين التي تستوطن عادة نظام التعليم الجامعي عامة والديني خاصة؛ في كليات‬
‫الشريعة وأصول الدين‪ .‬فإصلح التعليم القضائي على مستوى الجامعة ‪ ،‬أقوى‬
‫ضامن لستقلل القضاء على المدى البعيد‪ ،‬وأي فرص للتدريب ل توازى اكتساب‬
‫أساس سليم من التعليم ‪ ،‬أثناء دراسة القانون الرسمية ‪ ،‬ولسيما في مجال المنطق‬
‫القانوني والتفكير النقدي والبعاد الخلقية والمهنية‬

‫‪93‬‬
‫والتدريب الذي جرى عليه القضاء للقضاة‪ ،‬هو أن يكون المرشح للقضاء‬
‫(ملزما) أحد القضاة المتمكنين سنتين أو ثلثا‪ ،‬وهذا برنامج غير فعال ول كاف‪،‬‬
‫لن نقص التأهيل ليس محصورا في كيفية التطبيق والجراءات‪ ،‬بل أغلبه في‬
‫جانب المعلومات والمهارات‪.‬‬

‫[‪]67‬‬
‫د‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫‪ -1‬إن إصلح التعليم القضائي في كليات الشريعة؛ هو الوسيلة الضرورية‬
‫لرفع مستوى القضاة ‪ ،‬وتحقيق الدقة والشفافية‪ ،‬وتعميق الستقلل على المدى‬
‫البعيد‪ ،‬وأي فرص للتدريب ل توازى اكتساب أساس سليم من التعليم‪ ،‬أثناء‬
‫الدراسة القانونية الشرعية ‪ ،‬ولسيما في مجال‪ ،‬بناء مهارة المنطق‬
‫القانوني(القدرة على التسبيب والتحليل)‪ ،‬ومهارة التفكير النقدي‪ ،‬فضل عن البعاد‬
‫الخلقية والمهنية الخرى‪ .‬من أجل ذلك ينبغي تجديد مناهج الدراسة في كليات‬
‫الدراسات الشرعية بصورة عامة‪ ،‬وما يتصل منها بالحقوق خاصة‪ ،‬كالمعهد العالي‬
‫للقضاء‪.‬‬
‫‪- 2‬ومن ذلك حقوق المواطنين على الدولة‪ :‬أي ما فرضه ال للناس أفرادا‬
‫وجماعات ومجتمعا من حقوق اجتماعية واقتصادية ومدنية وثقافية وسياسية‪ .‬لن‬
‫هذه الحقوق لم تتكامل في الفكر الحقوقي‪ ،‬الذي نبت في مناخ الحكم الجبري‬
‫العباسي‪ ،‬قبل أكثر من ألف عام‪.‬‬
‫‪-3‬المفهوم الدستوري للحكم‪ :‬من عوامل تقوية التعليم في كليات الشريعة‬
‫التي تعد القضاة؛ أن يكون المعدون للقضاء على دراية تامة‪ ،‬بالمعايير الستورية‬
‫التي قررتها الشريعة أو أقرتها‪ ،‬ونمذجتها التطبيقات النبوية والراشدية‪ ،‬في‬
‫مجالت العلقات الدولية‪ ،‬ومفهوم الدولة الحديثة ووظيفتها‪ ،‬وطبيعة التعاقد بين‬
‫الدولة والمجتمع‪ ،‬وما يتصل بها من مبادئ القانون الدستوري‪،‬والفصل بين‬
‫السلطات الثلث‪ ،‬وهي من المقاصد التي قررها السلم‪ ،‬قبل أربعة عشر قرنا من‬

‫‪94‬‬
‫تنادي الدول الحديثة إليها‪ ،‬أو الوسائل الحسنة التي أصبحت في العصر الحديث‬
‫ضرورية للقيام بالمقاصد‪ ،‬وكل الوسائل التي ل يتم المقصد الواجب إل بها‪ ،‬فهي‬
‫واجبة كوجوب المقصد‪.‬‬
‫ول يمكن ادراك مفاهيم الدولة الدستورية والحقوق ‪ ،‬في إطار كتب نبتت في‬
‫مناخ الحكم الجبري‪ ،‬تعتبر الحاكم الذي هو وكيل المة ونائبها وكيلً عليها‬
‫وتعتبره (ولي أمر) على المة‪ ،‬وتعتبره أدرى بالمصلحة‪ ،‬وتعتبره القاضي الصيل‬
‫وليس القضاة إل وكلء‪ ،‬وتراه محكمة دستورية تبت في الخلف‪ .‬والتعويل على‬
‫أمثال هذه المتون؛ لن يخرج قاضيا ذا ثقافة إسلمية حقوقية صحيحة‪.‬‬
‫‪ -4‬ومن الفضل إنشاء أقسام قانون شرعي في كليات الشريعة‪ ،‬تقوم بإعداد‬
‫القضاة؛ قضاة المحاكم وقضاة التحقيق والدعاء معا‪ ،‬والمستشارين القانونيين‬
‫والمحامين أيضا‪.‬‬
‫‪-5‬ول يمكن أن يتحقق للقضاء استقلل‪ ،‬ما لم يكن القضاة على وعي‬
‫واف بمفهوم استقلل القضاء الدولي وكونه‪-‬في الجملة ل بالجملة‪ -‬هو الطار‬
‫الصحيح لتطبيق الشريعة‪ ،‬في الدولة السلمية الحديثة‪.‬‬
‫‪-6‬إن الوسيلة الفعالة لتعزيز ثقافة القضاء هي الحد من ثقافة التقليد‬
‫والتلقين التي تستوطن نظام التعليم النظري الجامعي عامة والديني خاصة؛ في‬
‫الكليات والمعاهد الشرعية‪.‬‬
‫‪-7‬ومن المهم أن تقوم كليات دراسة الشريعة‪ ،‬بتدريس أخلقيات الوظائف‬
‫القانونية الشرعية‪ ،‬كالقضاء والمحاماة ‪ ،‬من خلل التركيز على المهارات التطبيقية‬
‫والعملية ‪ ،‬كالقدرة على التسبيب‪ ،‬بذلك يمكن أن يتخرج القضاة والمحامون الكفأ‪.‬‬
‫‪-8‬ومن الضروري إنشاء مركز لتدريب القضاة‪ ،‬فل ينبغي أن يكون‬
‫القضاة أقل حظا من المعلمين ‪ ،‬فالمعلمون لهم معاهد إعداد ومراكز تدريب خاصة ‪،‬‬
‫تدرس فيها طرق التعليم ونظرياته ‪ ،‬وعلوم النفس والجتماع والمناهج‪ ،‬ول بد‬
‫من التدريب والتأهيل المستمر‪ ،‬ليكون القضاة أكثر تأسيسا علي قطعيات الشريعة‬

‫‪95‬‬
‫وتطبيقاتها النبوية والراشدية‪ ،‬أوسع أفقا وأكثر انفتاحا على متغيرات العصر‪،‬‬
‫وأقدر على مواكبة تطوراته بحلول شرعية عملية‪ ،‬وأقدر على مجابهة تحدياته‬
‫بفكر اجتهادي فعال ‪ ،‬والقاضي معني أكثر من غيره ؛ بالتحولت القتصادية‬
‫والجتماعية ‪ ،‬التي تجتاح عالم اليوم ‪ ،‬وما تطرحه التحولت من موضوعات‬
‫ومنازعات مستجدة معقدة ‪ ،‬يتطلب حلها مؤهلت خاصة ‪ ،‬وربما تحتاج إلى‬
‫تخصص نوعي في مجالت متعددة‪.‬‬
‫‪-9‬من أجل ذلك يصبح تجديد مناهج كليات الشريعة ضرورة شرعية‪ ،‬لكي‬
‫تسد الحاجة إلى القضاة في مجالت اللجان المستثناة وغيرها‪ ،‬ولكي تمد البلد‬
‫بالقضاة والمحققين القضائيين والمحامين والمستشارين القانونيين أيضا‪.‬ول يمكن‬
‫الدولة أن تضم اللجان القضائية المستثناة؛ مالم يتوافر في خريجي كليات الشريعة‪،‬‬
‫ثقافة شرعية قضائية‪ ،‬في مجالت اللجان الكثيرة‪.‬‬
‫من المهم إصلح التعليم الحقوقي‪ ،‬على مستوى الجامعة عامة ومعهد‬
‫القضاء العالي خاصة‪ ،‬لنه الوسيلة الجود والضمن‪ ،‬لرفع مستوى القضاة ‪،‬‬
‫وتحقيق الستقلل والنزاهة‪.‬‬
‫‪-5‬لكي يتمكن القضاة من تطبيق قانون عادل ينبغي أن يكونوا على دراية تامة‬
‫بأساس القانون(القواعد القضائية) التي يطبقون‪ ،‬بأن تكون القواعد القضائية‬
‫محددة موحدة مدونة منشورة‪ ،‬لن القضاة غير المتمكنين من فقه القواعد‬
‫القضائية‪ ،‬أكثر عرضة للخضوع للضغوط الخارجية‪ ،‬وأقل استقللية‪.‬‬

‫[‪]68‬‬
‫المقالة الرابعة والعشرون‬
‫نقص هياكل القضاء‬
‫وشيخوختها‪:‬‬
‫أ‪-‬اضطراب تحديد جهات حسم القضايا‬

‫‪96‬‬
‫هناك حقوق للناس كثيرة تضيع بسبب كثرة عدد القضايا وقلة المحاكم وبطء‬
‫الحيوية والحركة في جهاز القضاء‪ ،‬ضعف وضوح الجهة التي تتولى حسم القضية‪،‬‬
‫وأكثر ما يتضح ذلك في قضايا الصحافة والخطابة والعلم والنشر‪ ،‬إذ‬
‫يتعرض لصنوف من المعوقات‪ ،‬عديد من الكتاب والصحفيين وخطباء المساجد‪،‬‬
‫والمتحمسين للصلح والمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعاة المجتمع المدني‬
‫والمهتمون بالشأن العام‪ ،‬من جهات متعددة‪ ،‬من قبل وزارة الداخلية والمارات‪،‬‬
‫والعلم والشئون السلمية‪ ،‬إيقافا وتهديدا وطردا من أعمالهم‪ ،‬وحرمانا من‬
‫أرزاقهم‪ -،‬على أنه ل يجوز في السلم حرمان أحد من رزقه ومعاشه مهما كان‬
‫خطؤه‪ ،‬من دون أن تكون ثمة قواعد قضائية تحدد ما هو خطأ يحاسب القائل‬
‫عليه‪،‬ومن دون لئحة تحدد العقوبات‪ ،‬ومن دون إجراءات موضوعية‪ ،‬لثبات‬
‫الخطأ‪ ،‬ومن دون حصرها بجهة قضائية شرعية‪.‬‬
‫ولقد اتجهت الدول ذات القضاء المستقل‪ ،‬إلى ضمان الستقلل إجرائيا‬
‫وهيكليا‪،‬بإنشاء هياكل قضائية ذات وظائف قضائية محددة‪ ،‬من أجل تعزيز‬
‫سرعة البت ودقة الحكام (انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار العشرون‪.)137-133 :‬‬
‫ول ينبغي للناس اليوم أن يبرروا الهياكل القضائية المتوارثة في العصور‬
‫السوالف‪ ،‬فالتطبيق الفعال للشريعة؛ هو اتخاذ الجراءات والليات والهياكل التي‬
‫تحقق الستقلل‪،‬الذي لبد منه لتحقيق العدالة‪ ،‬فما أدى إلى الهدف من الوسائل‬
‫والليات والجراءات والهياكل المباحة فهو من الشريعة‪ ،‬كما قال ابن القيم وابن‬
‫عقيل‪ ،‬في غير هذا السياق(انظر الطرق الحكمية)‪.‬‬

‫[‪]69‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫ولدى مقارنة الهيكل القضائي السعودي بالهياكل المعروفة في الدول الحديثة؛‬
‫يلحظ أن التشكيل السعودي يحتاج إلى التجديد الهيكلي‪ ،‬رأسيا وأفقيا‪،‬ومن أجل‬
‫ذلك تشتد الحاجة إلى إعادة هيكل القضاء‪ ،‬سواء في تقسيمه الرأسي إلى درجات أم‬

‫‪97‬‬
‫الطولي إلى تخصصات‪،‬كإنشاء محاكم عمالية وتجارية وعقارية ومرورية‪ .‬باحداث‬
‫الوحدات الضرورية التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬محكمة العدل العليا‪:‬‬
‫وقد فصلت طبيعتها وظيفتها و في مقالة سابقة‪.‬‬
‫‪-2‬انشاء ديوان للمحاسبة‪:‬‬
‫وهو يختص بمراقبة استعمال الموال ‪ ،‬ومدى انطباق الستعمال على‬
‫القوانين والنظمة الرسمية الجراء ‪ ،‬وصحة وقانونية معاملتها وحساباتها‪،‬‬
‫ومحاكمة المسئولين عن مخالفة القوانين والنظمة المتعلقة بها‬
‫(انظر‪:‬القباني ‪ ،)15 :‬وديوان المراقبة الحالي ليكفي‪،‬لن المراقبة إجراء‬
‫تفتيشي‪ ،‬والمحاسبة إجراء قضائي‪.‬‬
‫‪ -3‬إلحاق ديوان المظالم بالقضاء‪،‬‬
‫ومسماه الوضح‪ :‬ديوان القضاء الداري‪.‬‬
‫‪ -4‬ضم هيئة التحقيق والدعاء العام الى القضاء‪.‬‬
‫وتسميتها الوضح ‪ :‬النيابة العامة‪.‬‬
‫‪ -5‬وفي القضاء العام‪:‬‬
‫ينبغي توزيع السلطة القضائية حسب تنوع القضايا والمتقاضين وكثرتها‪ ،‬ومن‬
‫هياكل ذالك‪:‬‬
‫أول‪:‬القضاء الجنائي‪.‬‬
‫ثانيا‪-:‬القضاء المدني العادي في القضايا المدنية ‪ ،‬وتشتد الحاجة إلى توزيعه‬
‫في محاكم مستقلة‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫‪ -‬والقضاء العقاري ‪ ،‬ومهمته البت في القضايا العقارية وهي أكبر القضايا‬
‫في السعودية‪.‬‬
‫‪-‬والقضاء العمالي يتناول الخلفات الحاصلة بين أرباب العمل‪ ،‬والصرف من‬
‫الخدمة والحد الدنى من الجور‪.‬‬

‫‪98‬‬
‫‪-‬والقضاء المروري‪ :‬يتناول قضايا السير بالمركبات‪.‬‬
‫‪ -‬وقضاء المطبوعات والنشر والرأي‪ :‬ومن المحاكم الضرورية محكمة‬
‫لقضايا السياسة والرأي والنشر‪ :‬من أجل ذلك ينبغي أن يصدر مجلس النواب‬
‫مدونة تقرر حقوق النسان القتصادية والثقافية والمدنية‪ ،‬على شكل منظومة‬
‫متكاملة‪ .‬وتقرر الحقوق السياسية التي أقرها السلم قبل أربعة عشر قرنا من‬
‫تنادي المم المتحدة إليه‪ ،‬كحرية الرأي والتعبير‪ .‬فضل عن التجمع والعتصام‬
‫والتظاهر‪ ،‬فضل عن إنشاء الجمعيات والنقابات المهنية والقتصادية والجتماعية‬
‫والثقافية‪.‬و تحدد ماهو ممنوع وما درجات عقوبته وما وسائل إثباته‪.‬‬
‫ومن ثم ينبغي إنشاء محكمة شرعية للقضايا السياسية وقضايا الرأي‬
‫والتعبير تطبق ذلك النظام‪ ،‬لكي ل تضرب حقوق الناس التي قررتها الشريعة‪ ،‬باسم‬
‫الحكم بالشريعة‪.‬‬
‫لتنظر في الدرجة الولى في قضايا المطبوعات والسياسة والنشر‪ ،‬وتراجع‬
‫أحكامها محكمة التمييز‪ ،‬لن الصحفيين والكتاب وخطباء المساجد‪ ،‬يعانون من‬
‫الجراءات المتعسفة التي تتخذ ضدهم‪،‬من جهات شتى كالمباحث والمارات ووزارة‬
‫العلم والوقاف‪.‬‬
‫‪ -‬وقضاء للحوال الشخصية‪.‬‬
‫وغير ذلك من المحاكم التي ينبغي أن تنشأ‪ ،‬حسب كثرة القضايا‪ ،‬وحاجة بعض‬
‫القضايا إلى تأهيل خاص‪ ،‬عند تصحيح وضع لجان القضاء‪،‬ووضعها تحت مظلة‬
‫القضاء العام‪ ،‬عند تحويلها من مستثناة إلى قضاء خاص‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬القضاء التجاري‪:‬‬
‫رابعا‪ :‬القاضي التنفيذي‪ :‬ينبغي إحداث وظيفة قاض تنفيذي في كل محكمة‪،‬‬
‫يقوم بتنفيذ أحكام القضاء‪ ،‬ويلزم أي جهة صدرت ضدها أحكام بتنفيذ الحكم‪ ،‬كما‬
‫وضح البحث‪.‬‬

‫‪99‬‬
‫[‪]70‬‬
‫المقالة الخامسة والعشرون‬
‫البطش بالتجمعات المدنية‬
‫شل الجمهور عن حراسة‬
‫القضاء‬
‫أ‪-‬خطورة غياب الجمهور عن دعم القضاء‪:‬‬
‫من المور المهمة في استقلل القضاء دعم الجمهور‪ ،‬القضاء يستمد قوته‬
‫من داخله كرسوخ نظامه وصلبته‪ ،‬و من نزاهة القاضي وصلبة حياده‪ ،‬ولكن أهم‬
‫عامل في استقلل القضاء هو دعم الشعب القضاة والقضاء‪ ،‬فل يستطيع قاض أن‬
‫يأمن التدخلت والمضايقات‪ ،‬و ل التعسف نقل وعزل‪ ،‬إل بوقوف الجماهير معه‪،‬‬
‫وقد وقفت الجماهير وقفات مشرفة مع عديد من القضاة‪ ،‬خلل تاريخنا السلمي‪،‬‬
‫فحمت كرامتهم وكرامتها‪ ،‬وقد دافع الجمهور السعودي عن عديد من القضاة‪ ،‬فثنى‬
‫الحكومة عن الجور والتعسف‪ ،‬كحمد بن عتيق وعبد ال بن حميد‪.‬‬
‫ولكن ذلك لم يكن هو القاعدة‪ ،‬بل كان حالت نادرة‪ ،‬وذلك لسببين في المجتمع‬
‫السعودي‪:‬‬
‫الول‪ :‬لم تتبلور ثلثية المجتمع المدني خلل تاريخنا السلمي‪ :‬قيما وهياكل‬
‫مدنية وهيكل دستوريا‪ ،‬ل في مجال التنظير الفكري‪ ،‬ول في مجال التطبيق العملي‪،‬‬
‫وورثت الدولة السعودية تهميش الرأي العام‪ ،‬ودعمت ذلك بخطاب ديني(انظر‪:‬‬
‫معايير‪:‬المعيار الثالث والعشرون‪.)148-142 :‬‬
‫الثاني‪ :‬إن من الخطاء الشائعة عند القضاة السعوديين؛ أنهم ل يثمنون مبدأ‬
‫التفاعل مع الجمهور‪ ،‬إذ ل يدرك كثير من القضاة أنه ل يكفى أن يكونوا عادلين‬
‫من وجهة نظرهم‪ ،‬بل ينبغي أن يعتبرهم جمهور الناس عادلين‪ ،‬فالناس شهود ال‬
‫في أرضه‪،‬كما جاء في الحديث الصحيح‪.‬‬

‫‪100‬‬
‫ولن يقتنع الجمهور بعدالة القضاة‪ ،‬ولن يدعمهم مادام ل يراهم يطبقون‬
‫الوقائع‪ ،‬على أسس قضائية محددة موحدة معلنة‪ ،‬بحيث تتجانس الحكام إذا‬
‫تجانست القضايا‪ ،‬من دون تذرع بالجتهاد‪،‬‬
‫لن تمتين العلقة بين القضاة و الجمهور؛ مبدأ لم يستقر في الثقافة القضائية‬
‫السعودية خاصة؛ والتراثية العباسية عامة‪ ،‬وهذا من أسباب سهولة عزلهم ونقلهم‬
‫وفصلهم‪ ،‬طوال العصور‪ ،‬لن عزوف القضاة عن العلنية والشفافية‪ ،‬يفقدهم دعم‬
‫الجمهور‪.‬‬

‫[‪]71‬‬
‫ب‪-‬الدولة تغتال التجمعات الهلية‪:‬‬
‫وثالثة ألثافي أن الدولة منذ أربعين عاما(‪1384‬هـ) دأبت على تفكيك تجمعات‬
‫المجتمع المدني البسيطة شيئا فشيئا‪ ،‬لبنة لبنة‪ ،‬كما وقع لمجلس‬
‫الشورى(الستشاري المعين) الذي أنشأه الملك عبد العزيز‪ ،‬وطفقت تلغي كل شكل‬
‫ولو كان بسيطا من تجمعات المجتمع المدني‪ ،‬كما وقع للمجالس البلدية‪ ،‬ولنظام‬
‫النتخاب في الجامعات‪ ،‬بل لقد أغرقت في تفكيك البنى الهلية مدنية وغير مدنية‪،‬‬
‫وفوق هذا وذاك منعت نشوء أي شكل من أشكال تجمعات المجتمع المدني‬
‫الجديدة‪.‬في عملية قسرية نتيجتها القضاء على أي شكل من أشكال المجتمع الهلية‬
‫مدنيا أو غير مدني‪ ،‬فألغت قنوات المشاركة الشعبية‪ ،‬وهي التي لها الدور الكبر‬
‫في حماية استقلل القضاء‪.‬‬
‫فخوف المحامين شل عقولهم عن متابعة القضاء‪ ،‬ونقصان حرية العلم‬
‫كتف أيدي العلميين عن كشف ستائر الفساد‪ ،‬بل انتهكت حقوقهم هم‪ ،‬وما يجري‬
‫للصحفيين والكتاب وخطباء المساجد‪،‬من فصل وحرمان من الرزاق‪ ،‬وشلت الدولة‬
‫الجمهور حتى أصبح غير قادر على ممارسة دوره الطبيعي‪ ،‬في حماية استقلل‬
‫القضاء‪ ،‬فالقضاء ل تقتصر حماية استقلله‪ ،‬على إجراءات وضمانات العدالة‬

‫‪101‬‬
‫والقضاء‪ ،‬ول على نزاهة وحياة القضاة‪ ،‬فكل هذه المور لن تحصن القضاء ول‬
‫القضاة؛ إذا لم تتوافر له ولهم حماية شعبية‪.‬‬
‫ومن أوضح الدلة على وأد الدولة‪ ،‬أي تجمع أهلي قصة حظر جماعة الدفاع‬
‫عن حقوق النسان‪ ،‬التي أنشأها ستة من الفقهاء و أساتذة الجامعات ‪1413‬هـ (‬
‫‪1993‬م)‪،‬فقد فصلت الدولة أعضائها من أعمالهم وسجنت أكثرهم؛ واستصدرت‬
‫فتوى من هيئة كبار العلماء بأن عملهم افتئات على ولي المر ومحظور شرعا؛ بل‬
‫هي أوضح برهان على تفكيك تجمعات المجتمع المدني ‪ ،‬وعدم الذن بنشوء‬
‫تجمعات لحقة‪ ،‬وأن القضاء مشارك للحكومة في القمع بإصدار القضاة صكوكا‬
‫بتجريم دعاة الصلح السياسي السلمي أو سكوته عن توقيفهم الذي يمتد إلى بضع‬
‫سنين‪ ،‬وهذا دليل على أن القضاء الذي ل يستند إلى حماية شعبية؛ يفقد استقلله‬
‫ل عن المحتسبين الذين يدافعون‬
‫فيجرم الذين يمارسون حقوقهم المشروعة‪ ،‬فض ً‬
‫عن الحقوق العامة‪.‬‬
‫[‪]72‬‬
‫ج‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫لبد لضمان استقلل القضاء من إقرار الدولة مشروعية قيام تجمعات‬
‫المجتمع المدني الهلية‪ ،‬بأنواعها الخمسة‪ :‬اقتصادية واجتماعية‪ ،‬وثقافية ومهنية‬
‫وسياسية‪ ،‬وإن أجلت الجمعيات السياسية إلى غد‪.‬‬

‫[‪]73‬‬
‫المقالة السادسة والعشرون‬
‫ل جمعيات للقضاة تدافع عن‬
‫حقوقهم‪:‬‬
‫أ‪-‬القاضي الذي ليضمن حقوقه كيف يضمن حقوق‬
‫الناس‪:‬‬

‫‪102‬‬
‫ل نجد في النظمة السعودية؛ إقرارا‪-‬ولو نظريا‪-‬بتجمعات المجتمع المدني‬
‫الهلية‪ ،‬لي حرفة أو مهنة‪ ،‬بما فيها مهنة القضاء‪ .‬ولن يستطيع القضاء أن يتعزز‬
‫ما لم تتقرر حقوق الناس عامة والقضاة خاصة‪ ،‬في إنشاء الجمعيات الهلية‪ ،‬لما‬
‫لها من عظيم الثر في إقرار الشورى واستقلل القضاء (انظر‪ :‬معايير‪:‬المعيار‬
‫الثاني والعشرون‪.)42-40 :‬‬
‫ولن يعتبر جمهور الناس القضاة عادلين‪ ،‬ما دام ل يراهم مستقلين‬
‫يمارسون حقوقهم في حربة التعبير والتفكير والجتماع‪ ،‬ومادام ل يرى حصانتهم‬
‫مصانة‪،‬ومادام ل يرى أن كل تدخل في شئونهم يعلن‪ ،‬ويحاسب مقترفه‪ ،‬وما دام‬
‫يرى القضاة‪ ،‬يوبخون أو ينقلون ويعزلون‪ ،‬لنهم كتبوا نصيحة سرية أو علنية‬
‫للدولة ‪ ،‬فعبروا عن وجهة نظرهم‪ ،‬تجاه أمر من شئون المجتمع العامة‪ ،‬أو شئون‬
‫القضاء الخاصة‪.‬‬
‫ولن يستقل أي قضاء ما لم يتقرر حق إنشاء الجمعيات‪ ،‬للناس عامة‬
‫والقضاة خاصة‪ ،‬فلجمعيات القضاة أثر كبير في الدفاع عن مصالحهم العامة‪ ،‬بل‬
‫ولها دور في تجديد إجراءات وضمانات وهياكل القضاء‪ ،‬فجمعيات القضاة في بلدان‬
‫عديدة كفرنسا؛ هي التي قادت اتجاهات تجديد القضاء ودافعت عن استقلله‬
‫(معايير‪ .)142 :‬والنظمة السعودية تحظر تجمعات المجتمع المدني الهلية‪ ،‬لي‬
‫حرفة أو مهنة أو نشاط اجتماعي أو ثقافي‪ ،‬بما فيها مهنة القضاء‪ ،‬ولن يستطيع‬
‫القضاة أن يضمنوا حقوق الناس؛ إذا كانت حقوقهم فضل عن حقوق الناس منتهكة‬
‫في مجال التعبير عن الرأي والتعبير عنه والتجمع‪.‬‬

‫[‪]74‬‬
‫ب‪-‬كيفية التعزيز‪:‬‬
‫أن تصدر الدولة نظاما بمشروعية بتجمعات المجتمع المدني الهلية عامة‪،‬‬
‫والقضاة خاصة‪.‬‬

‫‪103‬‬
‫المصادر والمراجع‬

‫استقلل القضاء في الردن ‪ ،‬بحث فاروق الكيلني (أبحاث مؤتمر العدالة‬ ‫‪.1‬‬
‫الثاني‪ .‬وهو مرجع كل البحاث التالية التي لم يذكر مكانها‪.‬‬
‫استقلل القضاء في السلم‪ ،‬شحاته‪.‬‬ ‫‪.2‬‬
‫استقلل القضاء في البحرين‪ .‬بحث‪ :‬زينات المنصوري‪.‬‬ ‫‪.3‬‬
‫استقلل القضاء في تونس‪ .‬بحث‪ :‬غازي الغرايري‪.‬‬ ‫‪.4‬‬
‫استقلل القضاء في الجزائر‪ ،‬بحث‪ :‬جادي عبدالكريم‪.‬‬ ‫‪.5‬‬
‫استقلل القضاء في سورية‪ ،‬بحث‪ :‬هاشم مناع‪.‬‬ ‫‪.6‬‬
‫استقلل القضاء في العالم العربي‪ ،‬بحث‪ :‬ناتان‪.‬ج‪.‬بروان وعادل عمر‬ ‫‪.7‬‬
‫الشريف‪.‬‬
‫استقلل القضاء في العراق‪ ،‬بحث‪ :‬عبدالحسين شعبان‪.‬‬ ‫‪.8‬‬
‫استقلل القضاء في لبنان‪ ،‬بحث‪ :‬خالد القباني‪.‬‬ ‫‪.9‬‬
‫استقلل القضاء في مصر‪ ،‬بحث‪ :‬محمد كامل عبيد‪.‬‬ ‫‪10‬‬
‫‪.‬‬
‫استقلل القضاء في المغرب‪ ،‬بحث‪ :‬أحمد السراج‪.‬‬ ‫‪11‬‬
‫‪.‬‬
‫دليل تعزيز استقلل القضاء‪ .‬ترجمة ونشر المؤسسة الدولية لنظمة‬ ‫‪12‬‬
‫‪.‬‬
‫النتخابات بإسهام من برنامج المم المتحدة للنماء‪ .‬يناير ‪.2003‬‬
‫‪ 13‬المعان في حقوق النسان‪ ،‬هيثم مناع‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 14‬تبصرة الحكام‪ ،‬ابن فرحون‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 15‬تفسير الفخر الرازي‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪104‬‬
‫‪ 16‬تفسير ابن سعدي‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 17‬تفسير المنار‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 18‬تفسير النيسابوري‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 19‬جامع الصول‪ ،‬ابن الثير‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 20‬حقوق النسان في السلم‪ .‬أبو بلل عبدال الحامد‪ .‬لندن ‪1415‬هـ (‬
‫‪.‬‬
‫‪.)1994‬‬
‫‪ 21‬حقوق المتهم في السلم بين ظلل الحكم الراشد والجائر‪ .‬مخطوط أبو بلل‬
‫‪.‬‬
‫عبدال الحامد‪.‬‬
‫‪ 22‬دستور الردن‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 23‬دستور البحرين الصادر سنة ‪1422‬هـ (‪.)2002‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 24‬دستور تونس‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 25‬دستور الكويت الصادر سنة ‪1382‬هـ (‪.)1962‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 26‬الدستور المصري الصادر سنة ‪1971‬م‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 27‬دستور المغرب‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 28‬الطرق الحكمية‪ ،‬ابن القيم‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 29‬الفروق‪ ،‬القرافي‪.‬‬

‫‪105‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 30‬القانون الدستوري والنظام الدستوري الردني‪ .‬د‪ .‬عادل الحياري (‬
‫‪.‬‬
‫‪1392‬هـ (‪1972‬م)‪.‬‬
‫‪ 31‬لمحات من تاريخ القضاء في السعودية‪ ،‬عبدالعزيز آل الشيخ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 32‬اللجان القضائية في السعودية‪ ،‬بحث‪ :‬عبدال بن محمد الناصري‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 33‬مدى صلحية القرائن في ادانة المتهم‪ ،‬بحث‪ :‬عبدال البسام‪ ،‬بحوث ندوة‬
‫‪.‬‬
‫حقوق المتهم‪ .‬الرياض‪.‬‬
‫‪ 34‬معالم استقلل القضاء في الشريعة السلمية‪ ،‬بحث‪ :‬عمار التهامي‪ ،‬مجلة‬
‫‪.‬‬
‫البحوث الفقهية‪ .‬ربيع الولى ‪1417‬هـ‪.‬‬
‫‪ 35‬معايير استقلل القضاء الدولة في بوتقة الشريعة‪ .‬ابو بلل عبدال الحامد‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫الدار العربية للعلوم‪ .‬بيروت ‪1425‬هـ (‪.)2004‬‬
‫‪ 36‬نظام ديوان المظالم السعودي‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 37‬نظام الجراءات الجزائية السعودي الصادر سنة ‪1422‬هـ ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 38‬نظام القضاء السعودي الصادر سنة ‪1395‬هـ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 39‬نظام المحاماة السعودي الصادر سنة ‪1422‬هـ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 40‬نظام المرافعات الشرعية السعودي‪ .‬الصادر سنة ‪1421‬هـ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ 41‬نظرية براءة المتهم‪ .‬بحث‪ :‬عبدال بن منيع‪ ،‬بحوث ندوة حقوق المتهم‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫الرياض‪.‬‬
‫‪ 42‬النظام الساسي للحكم السعودي‪ .‬الصادر سنة ‪1412‬هـ‪.‬‬

‫‪106‬‬
‫‪.‬‬

‫الفهرس‬
‫رقم‬
‫المقالة‪.................................................../‬رقم‬
‫الفقرة‬

‫‪=1/‬شــــكــــر‪]2[........................................................‬‬
‫‪=2/‬فاتحة‪3[......................................................................:‬‬
‫]‬
‫‪=3/‬تعريف استقلل القضاء‪]4[....................................................:‬‬
‫‪ =4/‬معايير استقلل القضاء العشرون‪]6[..........................................:‬‬
‫‪ =5/‬المعضلة في جذور الفكر القضائي العباسي قبل القضاء السعودي‪]7[..........:‬‬
‫‪ =6/‬مدى انتهاك حقوق النسان‪]10[..............................................:‬‬
‫‪ =7/‬مدى انتهاك حقوق المتهم‪]13[................................................:‬‬
‫‪ =8/‬لمن السلطة للمة أم للملك(ولي المر) الذي هوأدرى بالمصلحة؟‪]18[:‬‬

‫‪=9/‬نظام الحكم (المكتوب)يخل بشرطي البيعة على الكتاب والسنة‪ :‬العدل والشورى‪:‬‬
‫‪]22[. .............................................................................‬‬
‫‪ =10/‬الفصل بين السلطات هو الضامن لشعار (حكم إسلمي) في أي دولة إسلمية‬
‫اليوم‪]27[.........................................................................:‬‬
‫‪=11/‬نظام القضاء وزئبقية مصطلح "تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل ال‪]31[......:‬‬

‫‪107‬‬
‫‪ =12/‬ل رقابة للقضاء على السلطة التنفيذية وكيف حلت السلطة التنفيذية محل‬
‫المحكمة الدستورية العليا؟‪]34[....................................................:‬‬
‫‪=13/‬انفراد السلطة التنفيذية بالتعيين والتشكيل‪]38[...............................:‬‬
‫‪=14/‬ضعف حصانة القضاة من التعسف‪:‬تفتيشا وتأديبا وعزل و ترقية ونقل‪]40[.:‬‬
‫‪=15/‬كثرة المحاكم المستثناة من شروط القضاء الطبيعي‪]42[......................:‬‬
‫‪=16/‬كثرة تدخلت الحكومة في فصل القضايا‪]46[................................:‬‬
‫‪=17/‬ربط هيئة التحقيق و الدعاء العام بوزير الداخلية أبرز علمات القضاء‬
‫البوليسي‪]49[.....................................................................:‬‬
‫‪=18/‬تبعية السجون لوزارة الداخلية وشل القضاء عن الشراف أعظم إخلل بحقوق‬
‫المتهم والسجين‪]51[...............................................................:‬‬
‫‪=19/‬ل قاضي تنفيذيا في كل محكمة‪]52[.........................................:‬‬
‫‪ =20/‬القواعد (القضائية) لم تحدد ولم توحد ولم تدون ولم وتعلن‪]54[............:‬‬
‫‪=21/‬ضعف العلنية والشفافية وعلقتهما بغياب الرقابة الشعبية‪]56[...............:‬‬
‫‪=22/‬بطء البت في القضايا و التنفيذ‪]59[........................................:‬‬
‫‪=23/‬أخطر أنواع المركزية‪]60[..................................................:‬‬
‫‪=24/‬تضخم دور وزارة العدل الداري والمالي من أخل بنزاهة القضاء‪]61[......:‬‬
‫‪=25/‬ضعف ضوابط كفاية القضاة(مهنيا )‪]64[....................................:‬‬
‫‪=26/‬نقص الهياكل القضائية‪]68[..................................................:‬‬
‫‪=27/‬البطش بالتجمعات المدنية شل الجمهور عن حراسة القضاء‪]70[..............:‬‬
‫‪ =28/‬ل جمعيات للقضاة تدافع عن حقوقهم‪]73[..................................:‬‬
‫‪=29/‬المراجع‪]75[.................................................................‬‬

‫‪108‬‬
109