‫شيخ ابو الهدى محمد اليعقوبي الحسني‬

‫خطبة الجمعة‪/2 :‬شعبان‪1430/‬هـ الموافق‪/24 :‬تموز‪2009/‬م‬

‫آداب الفتوى‬

‫أيها الخوة المؤمنون‪ ..‬وعدنا أن نتحدث عن آداب‬
‫الفتوى‪ ،‬ول شك ول ريب أن هذا الموضوع من أهم‬
‫المواضيع للعامة والعلماء‪ ،‬للمفتين والمستفتين على‬
‫السواء‪ ،‬والفتوى هي بيان حكم الله تبارك وتعالى في‬
‫من‪) :‬أفتى – يفتي( والفعل الثلثي منه ف)َت َوَ( و‬
‫المسألة‪ِ ،‬‬
‫ت منه‪) :‬الَفتوى( و )الُفتيا(‪ ،‬فهو واوي‬
‫ي(‪ ،‬ولذلك اشُتق ْ‬
‫ف)َت َ َ‬
‫ويائي‪ ،‬فيقال‪) :‬فتوى( بالواو ويقال‪) :‬فتيا( بالياء‪.‬‬
‫وقد جاء هذا الفعل في كتاب الله تبارك وتعالى‪ ،‬ففي‬
‫قصة سيدنا يوسف نقرأ قول الله تبارك وتعالى حكاية عن‬
‫قوم يوسف ‪ ‬يوس ُ َ‬
‫ق أَ ْ‬
‫ع‬
‫فت َِنا ِ‬
‫ص ّ‬
‫في َ‬
‫ف أي ّ َ‬
‫ُ ُ‬
‫دي ُ‬
‫ها ال ّ‬
‫سب ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫بَ َ‬
‫ف ‪] ‬يوسف‪ [46،‬أفتنا‬
‫جا ٌ‬
‫ع ِ‬
‫ت ِ‬
‫قَرا ٍ‬
‫ع َ‬
‫سب ْ ٌ‬
‫ن َ‬
‫ن ي َأك ُل ُ‬
‫ه ّ‬
‫س َ‬
‫ما ٍ‬
‫مشك ِ َ‬
‫ض‪،‬‬
‫ن ال ُ‬
‫ن الغام َ‬
‫ل‪ ،‬بي ّ َ‬
‫أي‪ :‬بّين لنا‪ ،‬فأفتى أي‪ :‬بّين‪ ،‬بي ّ َ‬
‫ه‪ ،‬شرح المَر‪ ،‬ومنه بيان حكم الله تعالى‪ ،‬وقد‬
‫كشف الوج َ‬
‫يكون لغير المشكل أيضًا‪ ،‬وأكثر ما جاء في القرآن جاء‬
‫بذكر اللف والسين والتاء‪ ،‬أي‪ :‬للطلب‪ ،‬استفتى‪ :‬أي طلب‬
‫بيان الحكم‪ ،‬أو طلب بيان الجواب‪ ،‬لن اللف والسين والتاء‬
‫في اللغة العربية للطلب‪) ،‬غفر( أي‪ :‬محا الذنب‪) ،‬استغفر(‬
‫أي‪ :‬طلب المغفرة من الله تبارك وتعالى‪ ،‬ط) َِعم( إذا أكل‪،‬‬
‫)استطعم( إذا طلب الطعام من غيره‪ ،‬فاستفتى أي‪ :‬طلب‬
‫بيان الفتوى أو طلب بيان الحكم أو شرح المشكل‪ ،‬وهذا‬
‫هو حال عامة الناس من الس ّ‬
‫ؤال الذين يسألون عن‬
‫كل‪ ،‬وقد جاء في القرآن‬
‫الغامض ويريدون بيان المش ِ‬
‫فُتون َ َ‬
‫ه يُ ْ‬
‫ك ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫م ‪] ‬النساء‪] [176،‬‬
‫الكريم‪ ] :‬ي َ ْ‬
‫فِتيك ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ق ِ‬
‫فُتون َ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ساء ‪] ‬النساء‪ [127،‬وقد جاء في‬
‫ك ِ‬
‫في الن ّ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ست َ ْ‬
‫القرآن الكريم من هذا أشياء واسعة‪َ  ،‬‬
‫م‬
‫مأ ُ‬
‫فا ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فت ِ ِ‬
‫َ‬
‫خل َ ْ‬
‫أَ َ‬
‫قَنا ‪] ‬الصافات‪ [11،‬وهذا ليس‬
‫ن َ‬
‫د َ‬
‫ش ّ‬
‫م ْ‬
‫خْلقا ً أم ّ‬
‫كل إطلقًا‪ ،‬وذكره العلماء مثال ً للسؤال عن غير‬
‫بمش ِ‬

‫المشكل‪ ،‬وبيان أن الفتوى تكون عن المشكل وعن غيره‪،‬‬
‫لن النسان قد يسأل المفتي عن أمر مشكل حقًا‪ ،‬كأن‬
‫تكون قضية إرث فيها شيء من الرد أو العول‪ ،‬وفيها كثرة‬
‫الورثة‪ ،‬وصعوبة تقسيم النصباء على الورثة‪ ،‬وقد يسأل‬
‫عن حكم السهو في الصلة‪ ،‬فهذا سؤال وهذا سؤال‪ ،‬لن‬
‫المشكل يختلف أمره فيما بين الناس بحسب مراتب‬
‫الناس في العلم‪ ،‬فهذا هو أصل معنى الفتوى في اللغة‪ ،‬أي‪:‬‬
‫معرفة حكم الله تبارك وتعالى وكشف المشكل من‬
‫الحكام‪.‬‬
‫والواجب على كل عبد من عباد الله قبل أن يأتي أمرا ً أو‬
‫يذره أن يعلم حكم الله عز وجل فيه‪ ،‬كما جاء عن المام‬
‫الشافعي رحمه الله تعالى )إن لله تعالى في كل حادثة‬
‫حكما ً يجب على المكلف طلبه( فإذا تعلم يجلس في حلق‬
‫العلم فيتعلم‪ ،‬فل يقال فيه مستفت‪ ،‬لنه متعلم طالب علم‪،‬‬
‫يمسك بمتن الغاية والتقريب في فقه المام الشافعي‬
‫فيتعلم أحكام العبادات‪ ،‬يمسك بمختصر المام الخرقي في‬
‫مذهب المام أحمد بن حنبل فيتعلم أحكام العبادات‬
‫والمعاملت‪ ،‬يمسك بكتاب من كتب التجويد فيتعلم أحكام‬
‫تلوة القرآن الكريم‪ ،‬يمسك ببيان عقيدة أهل السنة‬
‫والجماعة للمام الطحاوي أو أم البراهين للمام السنوسي‬
‫فيعلم ما يجب لله تعالى من الصفات وما يجوز عليه وما‬
‫يستحيل عليه سبحانه وتعالى‪ ،‬فهو عندئذ طالب علم‪ ،‬وإذا‬
‫سأل شرح كلمة أو بيان مشكل فهو سائل ل مستفت في‬
‫مثل هذه الصورة‪ ،‬أما إذا لم يكن طالب علم وعرضت له‬
‫قضية من القضايا وجاء إلى العالم يسأله فهو مستفت‪،‬‬
‫وفعله استفتاء‪ ،‬أي طلب الفتوى‪ ،‬وطلب الفتوى أصل ً إنما‬
‫يكون في بيان الحلل والحرام‪ ،‬في بيان أحكام الفقه من‬
‫العبادات والمعاملت‪ ،‬لكنه قد يكون أيضا ً لبيان بعض‬
‫المشكل في التفسير في الحديث في أركان العقيدة مث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫لذلك فإن المام السيوطي جمع كتابا ً سماه‪) :‬الحاوي‬
‫للفتاوى( طبع في مجلدين‪ ،‬فيه فتاوى في العبادات وفتاوى‬
‫في المعاملت‪ ،‬فيه فتاوى في النكاح والطلق‪ ،‬فيه فتاوى‬
‫في الربا‪ ،‬وفيه فتاوى في تفسير القرآن‪ ،‬وفيه فتاوى في‬

‫الحديث النبوي الشريف‪ ،‬وفيه فتاوى في التصوف في‬
‫التزكية والحسان‪ ،‬لن الفتوى إجابة للسؤال وشرح وبيان‪،‬‬
‫فمن هذا الباب جعلت عامة لكل ما يحتاج إليه النسان‪.‬‬
‫أيها الخوة‪ ..‬الناس في هذا العصر انصرفوا عن‬
‫الستفتاء وطلب الفتوى لحل المشكلت‪ ،‬وأنا أحببت أن‬
‫أخصص خطبة لداب الفتوى ‪-‬مع أن القلة ممن يحضر‬
‫خطبة الجمعة هم من أهل الفتوى‪ -‬حثا ً للناس على طلب‬
‫الفتوى مع بيان آداب الفتوى لعل الله تبارك وتعالى يهيئ‬
‫لطلب العلم ممن يستمعون لهذه الخطب في المسجد‬
‫وعبر النترنت التمسك بآداب الفتوى‪ ،‬لكني أقصد أول ً ‪-‬أيها‬
‫الخوة‪ -‬إلى حث الناس على الستفتاء‪ ،‬الستفتاء غير‬
‫السؤال مشافهة‪ ،‬الستفتاء كتابة السؤال خطا ً وتقديمه‬
‫للمفتي أو للشيخ لطلب بيان الحكم‪ ،‬ثم أخذ الجواب خطا ً‬
‫وجعله مرجعا ً في المسألة في المشكلة في المعضلة‪،‬‬
‫وكثيرا ً ما يتنازع الشركاء في قضايا مالية‪ ،‬فيذهب كل واحد‬
‫من الشركاء إلى أحد المشايخ يسأله شفاهًا‪ ،‬فيحمل عنه‬
‫الجواب‪ ،‬ويتضاد جواب هذا الشيخ مع جواب ذلك الشيخ‪،‬‬
‫مع أنه ل خلف في الشرع‪ ،‬الحكم واحد غالبا ً في المسائل‬
‫المتفق عليها بين الئمة‪ ،‬فلماذا يختلف قول هذا مع قول‬
‫ذاك؟ لختلف رواية النسان لنص السؤال‪ ،‬أو لختلف‬
‫حفظ النسان للجواب‪ ،‬يقول العلماء‪ :‬من قواعد العلم‬
‫)الجواب على قدر السؤال( فقد تسأل سؤال ً فتأخذ‬
‫الجواب عليه‪ ،‬فتذهب إلى شيخ آخر فتصوغ السؤال بصيغة‬
‫أخرى فيكون الجواب مختلفًا‪ ،‬فتقول‪ :‬لماذا هذا أفتاني‬
‫وقال هذا حلل‪ ،‬وذاك أفتاني وقال هذا حرام؟!‪ ..‬أنت لم‬
‫تلحظ اختلف صيغة السؤال‪ ،‬وهذا غالبا ً ما يكون في‬
‫المور المالية وفي المور المتعلقة باللفاظ كالطلق مثل ً‬
‫أو كاليمان والنذور‪ ،‬فباختلف اللفاظ تختلف الحكام‪.‬‬
‫لذلك أنا أحث الناس على الستفتاء‪ ،‬أي‪ :‬كتابة السؤال‪،‬‬
‫أن يكتب النسان السؤال وأن يقدمه إلى الشيخ أو أن‬
‫يذهب إلى المفتي إذا كانت المسألة متنازعا ً فيها‪ ،‬كأن‬
‫تكون مسألة رضاع مثل ً أو تكون مسألة طلق‪ ،‬هل ُ‬
‫ت‬
‫طلق ْ‬

‫زوجته منه أو لم تطلق؟ فهذا ربما يختلف المشايخ في‬
‫الفتوى في حقه‪ ،‬فهذا يذهب إلى المفتي‪ ،‬في كل مدينة‬
‫من مدن السلم مفت يفتي‪ ،‬قد نصبه الحاكم مفتيا ً لقطع‬
‫النزاع فيما بين الناس في الفتوى إذا اختلف العلماء في‬
‫الحكام‪ ..‬فتقدم إليه السؤال مكتوبًا‪ ،‬وعند ذلك تأخذ‬
‫ة فيما بينك وبين الله تعالى‪ ،‬وتجعله‬
‫الجواب فتجعله حج ً‬
‫ة فيما بينك وبين الخصوم إن اختلفت مع شركائك أو‬
‫حج ً‬
‫اختلفت مع أهلك في مسألة من المسائل‪.‬‬
‫كتابة الفتوى أيها الخوة‪ ،‬يقول العلماء‪) :‬العلم صيد‬
‫والكتابة قيده( ولو أنك تسأل كل جمعة سؤال ً مكتوبا ً‬
‫وتطلب جوابا ً خطيا ً لشتغل الناس بعلم الفقه‪ ،‬ولكان‬
‫عندك بعد عشر سنين مئة فتوى أو مئتا فتوى‪ ،‬ربما تصلح‬
‫أن تكون كتابا ً ينشر يصدر للناس يكون فيه العلم والخير‪،‬‬
‫مع هذه السئلة والجوبة والفتاوى‪ ،‬ولذلك كان‬
‫أي ج ّ‬
‫المفتون قديما ً يجمعون هذه الفتاوى‪ ،‬تسمى كتب الفتوى‬
‫في مذهب المام أبي حنيفة في مذهب المام الشافعي‬
‫في مذهب المام أحمد في مذهب المام مالك‪ ،‬عند‬
‫المالكية تسمى‪) :‬كتب النوازل( لنها جواب عن حكم الله‬
‫تعالى في مسألة نزلت‪ ،‬فتسمى‪) :‬نازلة( ويسمون الفقيه‬
‫المفتي في مثل هذه الحالة )الفقيه النوازلي( نسبة إلى‬
‫الجمع على غير قياس‪ ،‬لنه يفتي فيما نزل بالمسلمين من‬
‫القضايا‪ ،‬وهناك مجموعات من الفتاوى تبلغ مجلدات‬
‫واسعة‪ ،‬ربما تجد بعض الفتاوى كفتاوى ابن تيمية رحمه الله‬
‫تعالى في سبعة وثلثين جزءًا‪ ،‬وهي فتاوى في التفسير‬
‫وفتاوى في الحديث وفتاوى في العقيدة وفتاوى في الفقه‬
‫وفتاوى في قضايا مختلفة‪ ..‬مع أنه ينبغي للنسان أن يحذر‬
‫من أخطاء ابن تيمية في العقيدة لمخالفته لجماهير علماء‬
‫المسلمين من الشاعرة والماتريدية‪ ..‬ترجع إلى فتاوى‬
‫مفتي فاس كالشيخ محمد المهدي الوّزاني رحمه الله‬
‫تعالى )المعيار الجديد( وهي في ثلثة عشر مجلدًا‪ ،‬ربما‬
‫تصل إلى نحو عشرة آلف صفحة‪ ،‬تجدون فيها تقييدات‬
‫وتوثيقا ً للمسائل التي عرضت عليه والجوبة‪ ،‬وهذه مراجع‬
‫للمفتين مراجع للعلماء‪ ،‬كأنها في حق القضاة أقضية‬

‫سابقة‪ ،‬تعرفون القضاة يرجعون إلى سجلت القضاء‬
‫السابقة والحكام التي صدرت من قبل للمراجعة‪ ،‬وكذلك‬
‫علماء الفقه يرجعون إلى كتب الفتوى‪.‬‬
‫وقد وضع العلماء لكتابة الفتوى آدابًا‪ ،‬يقولون إذا أراد‬
‫النسان أن يسأل سؤال ً يقول‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم ‪،‬‬
‫الحمد لله وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم‪ ،‬ما‬
‫قول علماء الدين؟‪ ..‬ما حكم الله تبارك وتعالى في كذا‬
‫وكذا؟‪ ..‬ما قولكم في كذا؟‪ ..‬يعني يسأل ويشير في السؤال‬
‫إلى أنه يريد معرفة حكم الله عز وجل‪ ،‬وإن كان )ما قولكم‬
‫في كذا( يعني‪) :‬ما قول الشرع في كذا(‪ ،‬لن المفتي ‪-‬كما‬
‫يقول العلماء‪ -‬مخبر عن الله تبارك وتعالى في الحكم‪.‬‬
‫وهنا قاعدة ‪-‬أتوجه بهذا الكلم للطلبة للمفتين‪ -‬إذا سئل‬
‫المفتي سؤال ً ل يجوز له أن يفتي برأيه‪ ..‬في هذا العصر‬
‫ليس هناك مفت مجتهد‪ ،‬قديما ً في العصور الولى كان‬
‫يشترط في المفتي أن يكون مجتهدًا‪ ،‬وعلى ذلك كلم‬
‫من قبله‪ ،‬كان‬
‫الئمة قديما ً أئمة الصول كالمام الشاطبي و َ‬
‫المفتون في العصور الولى من أهل الجتهاد‪ ،‬أي ينظرون‬
‫في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وينظرون في أقوال الصحابة‪ ،‬عندهم أهلية الجتهاد‪ ،‬أي‪:‬‬
‫العلوم الضرورية للمجتهد‪ ،‬أن يحيط بتفسير آيات الحكام‪،‬‬
‫أن يحيط بتفسير أحاديث الحكام‪ ،‬أن يحيط بأقوال‬
‫الصحابة‪ ،‬أن يعرف اللغة العربية‪ ،‬وأن يعرف الخاص والعام‬
‫والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يحتاج‬
‫إليه‪ ..‬وأن يعرف حروف المعاني وما يتوارد على معنى‬
‫واحد‪ ،‬وما يحل محل حرف آخر من الحروف والدوات‪،‬‬
‫فالعلوم التي يحتاج إليها المجتهد ‪-‬كما يقول المام ابن‬
‫جزي الكلبي في كتابه التفسير في أوله‪ -‬ثمانية عشر علمًا‪.‬‬
‫قديما ً كان المفتون من أهل الجتهاد‪ ،‬وكان ل يعين مفت‬
‫إل إذا كان مجتهدًا‪ ،‬أو ل يتصدر مفت للفتوى إل إذا كان‬
‫مجتهدًا‪ ،‬وتعيين المفتين بهذه الرسوم إنما حدث في‬
‫القرون المتأخرة‪ ،‬وأما قديما ً فكان يفتي كل من بلغ رتبة‬

‫الجتهاد‪ ،‬الن المفتون من أهل التقليد ل من أهل الجتهاد‪،‬‬
‫لنهم لم يصلوا إلى تلك الرتبة‪ ،‬مع أن باب الجتهاد مفتوح‪،‬‬
‫وقد اجتهد العلماء‪ ،‬لكن ل اجتهاد في مورد النص‪ ،‬أي‪:‬‬
‫قضايا أحكام الصلة وأحكام الوضوء وأحكام الطهارات‬
‫وأحكام المعاملت مما اجتهد فيه العلماء وجاءت فيه‬
‫النصوص ل اجتهاد فيه‪ ،‬الجتهاد فيه تحصيل حاصل‪ ،‬وإنما‬
‫يكون الجتهاد في المسائل المستجدة للمسلمين‪ ،‬كقضايا‬
‫زرع العضاء ونقل العضاء‪ ..‬هذا مما يجتهد فيه المجتهدون‬
‫في هذا العصر‪ ،‬وهناك جماعة هم أه ٌ‬
‫ل للجتهاد في هذه‬
‫المسائل الخاصة‪ ،‬كقضايا المصارف السلمية وما أنتجته‬
‫الن البنوك السلمية من منتجات إسلمية أو سلع إسلمية‪،‬‬
‫كالمرابحة والبيع مع اليجار مث ً‬
‫ل‪ ،‬أو الجارة المنتهية‬
‫بالتمليك‪ ،‬وأمثال هذا‪ ..‬هذا مما يبحث فيه الفقهاء في هذا‬
‫العصر‪ ،‬وهناك ثلة هم أهل للجتهاد والنظر في هذه‬
‫رغ منها‪ ،‬قضايا‬
‫المسائل‪ ،‬لكن قضايا الربا ل اجتهاد فيها‪ ،‬فُ ِ‬
‫رغ منها‪ ،‬ل اجتهاد في مورد‬
‫الصلة والصيام ل اجتهاد فيها‪ ،‬فُ ِ‬
‫النص‪ ،‬أي ‪:‬ل يستطيع أن يأتي مجتهد في هذا العصر‬
‫ويخالف الفقهاء قبله في أركان الصلة ويقول‪ :‬قد اجتهدت‬
‫وتبين لي أن أركان الصلة كذا وكذا‪ ..‬وأن يخالف أبا حنيفة‬
‫والشافعي وأحمد ومالكًا‪ ،‬أو في أركان الوضوء أو في وقت‬
‫الصيام‪ ..‬هذه المور قد فرغ منها‪ ،‬الجتهاد إنما يكون فيما‬
‫يستجد للناس من الحكام والقضايا‪ ،‬مما لم يكن أو لم‬
‫يحدث في العصور السابقة‪.‬‬
‫فيجب على المفتي ‪-‬أيها الخوة‪ -‬إذا ً إذا كان مقلدا ً أن‬
‫يبين حكم الله تبارك وتعالى‪ ،‬أي ‪:‬ل رأيه هو‪ ،‬أي‪ :‬أن ينقل‬
‫بأمانة وصدق‪ ،‬فإذا جئت إلى الشيخ تسأله‪ :‬ما تقول؟ هذا‬
‫حلل أو حرام؟ ينبغي أن ينقل قول الفقهاء ممن كان قبله‪،‬‬
‫قول المام أبي حنيفة‪ ،‬قول المام الشافعي‪ ،‬قول المام‬
‫أحمد‪ ،‬قول المام مالك‪ ،‬ممن يعتد بقوله‪ ،‬ل أن يفتيك برأيه‬
‫هو‪ ،‬وما أدرانا؟ ربما كان أحمق! ربما كان جاهل ً! ربما كان‬
‫بنصف عقل! ربما كان لم ينظر ربما لم يطلع‪ ..‬نحن ل نريد‬
‫رأيه‪ ،‬وإنما نريد حكم الشرع‪ ،‬حكم الله تبارك وتعالى في‬
‫المسألة‪ ،‬فالمفتي أمين على الشرع‪ ،‬المفتي مخبر عن الله‬

‫تبارك وتعالى‪ ،‬بل يقول بعض العلماء‪ :‬المفتي نائب يقف‬
‫بينك وبين الله تبارك وتعالى‪ ،‬يقول لك‪ :‬هذا حلل وهذا‬
‫حرام‪ ،‬ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في‬
‫حديث أخرجه المام الدارمي‪) :‬أجرؤكم على الفتيا‬
‫أجرؤكم على النار( وكان السلف الصالح قديما ً‬
‫يتورعون عن الجابة على كل سؤال‪ ،‬كان ابن عباس رضي‬
‫الله تعالى عنه ُيسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة‬
‫ويأبى الجواب عن تسع مسائل‪ ،‬المام مالك رحمه الله‬
‫تعالى سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع مسائل‪،‬‬
‫وقال في ست وثلثين ‪:‬ل أدري ل أدري ل أدري‪ ..‬حتى‬
‫المام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى يقول في‬
‫دثا ً بكل ما سمع ومجيبا ً عن كل ما‬
‫حكمه‪) :‬من رأيتموه مح ّ‬
‫سئل‪ ،‬فاستدل بذلك على جهله( يجب أن يتورع وأن يقف‬
‫موقفا ً ما وأن يقول‪ :‬أبحث‪ ،‬أراجع‪ ،‬ل أدري‪ ،‬أراجع‬
‫المسألة‪ ..‬عند ذلك تعرف أنه يتحرى وأنه يريد الصواب وأنه‬
‫ل يتسرع‪.‬‬
‫من أجل ذلك ‪-‬أيها الخوة‪ -‬أنا أحذر الناس من العتماد‬
‫على الذاعات والفضائيات في الستفتاء‪ ،‬لن الذي يقف‬
‫خلف الشاشة )الكاميرا( ويحدث المليين من الناس ربما‬
‫ل أدري( والناس في هذا العصر إذا‬
‫يستحيي أن يقول ‪) :‬‬
‫سمعوا الشيخ يقول ‪:‬ل) أدري( يقولون‪ :‬جاهل! قديما ً كانوا‬
‫إذا سمعوا الشيخ يقول ‪:‬ل) أدري( يقولون‪ :‬هذا عالم‪ ،‬يعني‬
‫هذا وَِرع‪ ،‬هذا يتحرى‪ ،‬يفتي بما يعلم ويراجع فيما ل يعلم‪،‬‬
‫يسأل غيره‪ ،‬يراجع الكتب‪ ،‬يبحث فيما ل يعلم‪ ،‬الن نادرا ً ما‬
‫ل أدري( كأنه يستحيي أن‬
‫نرى على الشاشات رجل ً يقول ‪) :‬‬
‫ينسب إلى الجهل أمام مليين الناس‪ ،‬فيتسرع في الفتوى‪،‬‬
‫وربما ُيعرض عليه السؤال ولم يمر عليه من قبل فيفتي‬
‫خطأ‪ ،‬ويصر على خطئه بعد ذلك‪ ،‬لنه ل يريد أن يتهمه‬
‫الناس بالخطأ‪ ،‬مليين الناس يشاهدونه يقولون‪ :‬أخطأ‬
‫فلن‪ ،‬فلن جاهل‪ ،‬صحح له طالب من الطلب‪ ،‬أحد‬
‫المستمعين اتصل وصحح له الفتوى!‪ ..‬لذلك يتسرع الناس‬
‫خلف الشاشات ممن يتصدر للفتوى‪.‬‬

‫ومعظم من يتصدر للفتوى خلف الشاشات ليس من‬
‫أهل الفتوى‪ ،‬لذلك إذا أردت أيها الخ المسلم أن تستفتي‬
‫في حكم الله تبارك وتعالى أحدا ً فاختر العالم الفقيه الورع‪،‬‬
‫العالم الفقيه أي‪ :‬المتمكن في الفقه العالم الورع‪ ،‬أما‬
‫)العالم الفقيه( فقد يكون النسان فصيحا ً ول يكون فقيهًا‪،‬‬
‫وقد يكون عالما ً بالتفسير تفسير كتاب الله عز وجل ول‬
‫يكون فقيهًا‪ ،‬وقد يكون محدثا ً ول يكون فقيهًا‪ ،‬وقد يكون‬
‫أديبا ً شاعرا ً متكلما ً نظارا ً ول يكون فقيهًا‪ ،‬الفقه اختصاص‪،‬‬
‫يدرس النسان الفقه ويتوسع فيه وفي معرفة تفاصيل‬
‫الحكام حتى يعرف به‪ ،‬فاسأل فقيهًا‪ ،‬ول يكفي أن تجد‬
‫صفة الفقه في النسان بل لبد من الورع‪ ،‬من يخاف الله‬
‫عز وجل‪ ،‬من يتحرى لدينك‪ ،‬من يخاف عليك أن تهوي في‬
‫نار جهنم‪ ،‬من يخاف عليك أن تأكل الحرام أو تقع فيه‪ ،‬ل‬
‫من يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل‪.‬‬
‫صارت الفتوى في العصور المتأخرة يتقرب بها الناس‬
‫للحكام والسلطين‪ ،‬فيفتون بغير ما أنزل الله تبارك‬
‫وتعالى‪ ،‬لكن بقيت بقية كانت في العصور السابقة‪ ،‬كانت‬
‫هناك ثلة من أهل العلم والفتوى ممن أدركناهم‪ ،‬كانوا‬
‫يجهرون بالحق ول يخافون في الله لومة لئم‪ ،‬ومن هؤلء‬
‫ينبغي أن نذكر خاتمة المفتين في بلد الشام العلمة‬
‫الطبيب الشيخ محمدا ً أبا اليسر عابدين‪ ،‬توفي قبل ثلثين‬
‫سنة‪ ،‬هذا الرجل عاش أربعة وتسعين سنة‪ ،‬وكان علمة‬
‫فقيها ً مفتيا ً ابن مفت‪ ،‬أبوه الشيخ محمد أبو الخير عابدين‪،‬‬
‫كان مفتي الشام‪ ،‬وجده أحمد عابدين كان أمين الفتوى‪،‬‬
‫وعم جده محمد أمين بن عابدين صاحب حاشية ابن‬
‫عابدين‪) :‬رد المحتار على الدر المختار( أعظم كتاب في‬
‫فقه أبي حنيفة‪ ،‬هذا الرجل كان يجهر بالحق ول يخاف في‬
‫الله لومة لئم‪ ،‬لما سأله أحد الحكام في عصره )جمال عبد‬
‫الناصر( لما أصدر قرارات التأميم‪ ،‬سأله أن يفتي بجواز‬
‫التأميم‪ ،‬فأبى‪ ،‬وقال‪ :‬التأميم حرام في السلم‬
‫)المصادرة( ‪ ،‬يعني ليس في السلم عقوبة تسمى مصادرة‬
‫ت هذا في خطب قديمة‪ ،‬وقلت‪ :‬أبواب‬
‫الموال‪ ،‬وقد بين ُ‬
‫العقوبات في السلم ‪-‬أي القانون الجزائي والجنائي في‬

‫السلم‪ -‬أبواب مفصلة‪ ،‬وليس في السلم عقوبة تسمى‪:‬‬
‫)مصادرة المال(‪ ،‬فلما سأله حاكم ذلك العصر أن يفتي بغير‬
‫ما أنزل الله وأن يبيح التأميم ‪-‬أي مصادرة الملك‬
‫والموال‪ -‬أبى‪ ،‬فأقاله‪ ..‬أقيل من منصبه وبقي عزيزًا‪ ،‬وبقي‬
‫عالمًا‪ ،‬وصان دينه‪ ،‬كان هناك من يقف ول يخاف في الله‬
‫لومة لئم‪ ،‬ول يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل‪ ،‬يخاف على‬
‫دين الناس‪ ،‬يخاف أن يحرف دين الله تبارك وتعالى‪ ،‬يخاف‬
‫أن ُيسأل يوم القيامة وهو يقف بين يدي الله تبارك وتعالى‪.‬‬
‫فمثل هؤلء المفتين ُيسألون‪ ،‬ومثل هؤلء العلماء‬
‫والمفتين يرجع إليهم‪ ،‬وفي كل عصر وفي كل حي جماعة‬
‫من هؤلء بفضل الله تبارك وتعالى‪ ،‬والله تبارك وتعالى ل‬
‫يخلي المة من هؤلء العلماء الثقات‪ ،‬العلماء ورثة النبياء‪،‬‬
‫ما‬
‫هؤلء هم الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم‪ ] :‬إ ِن ّ َ‬
‫خ َ‬
‫ماء ‪] ‬فاطر‪ [28،‬وهؤلء هم‬
‫يَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫عل َ َ‬
‫شى الل ّ َ‬
‫الذين قال النبي عليه الصلة والسلم فيهم‪) :‬يحمل هذا‬
‫العلم من كل خلف عدوله‪ ،‬ينفون عنه كيد‬
‫الكائدين وتحريف الغالين( فإذا أردت أن تستفتي في‬
‫دين الله عز وجل فاسأل فقيها ً متمكنا ً في الحكم‪ ،‬وأن‬
‫يكون ورعا ً تقيا ً يخشى عليك أن تقع في الحرام أو تقع في‬
‫نار جهنم‪ ،‬واكتب السؤال وخذ الجواب مكتوبًا‪ ،‬يكون لك‬
‫وثيقة فيما بينك وبين الله وحجة فيما بينك وبين الناس‪.‬‬
‫أيها الخوة‪ ..‬ينبغي لنا أن نرجع لحياء طلب العلم‪،‬‬
‫ولحياء الورع‪ ،‬ولحياء هذه الصول التي كانت عند آبائنا‪،‬‬
‫كان النسان قديما ً يتوقف في المال إذا أتاه ويبقيه شهرا ً‬
‫يسأل العلماء‪ ،‬هل يتصرف فيه أو ل يتصرف‪ ،‬كان النسان‬
‫إذا أراد أن يأتي حادثة أو حكما ً كان يقوم من الليل من‬
‫الفجر ويطرق أبواب العلماء ويأتي إلى المساجد يسأل‬
‫المشايخ هل يجوز هذا أو ل يجوز إذا حدث له حكم‪ ،‬الناس‬
‫الن ماذا جرى لهم؟ يستشيرون المحامين من أجل القضايا‬
‫القانونية‪ ،‬يستشيرون الختصاصيين بالضرائب والمحاسبين‬
‫من أجل الميزانيات ومن أجل الهروب من الضرائب‬

‫العامة‪ ،‬ولكنهم قّلما يرجعون إلى استشارة العلماء‬
‫واستفتاء أهل العلم‪.‬‬
‫ينبغي أن أختم ‪-‬أيها الخوة‪ -‬هذه الخطبة بحديث للنبي‬
‫صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه المام أحمد في مسنده‬
‫والدارمي في سننه التي تمسى المسند‪ ،‬وأشار المام‬
‫النووي إلى أنه حديث حسن‪ ،‬يقول النبي عليه الصلة‬
‫والسلم‪) :‬الثم ما حاك في الصدر‪ ،‬وإن أفتاك‬
‫الناس وأفَتوك( بعض الناس يحتال لخذ فتوى في قضية‬
‫من القضايا المالية‪ ،‬وهو يعلم أنه قد َزّين السؤا َ‬
‫ل للمفتي‬
‫)للشيخ( ‪ ،‬وأنه قد احتال في سرقة الجواب‪ ،‬ويريد أكل ذلك‬
‫المال حل ً‬
‫ل‪ ،‬هنا نطبق قول النبي صلى الله عليه وآله سلم‪،‬‬
‫إذا قال لك الشيخ‪ :‬هذا حلل‪ ،‬وأنت تعلم في حقيقة نفسك‬
‫أنك لم تذكر جميع وجوه السؤال للشيخ‪ ،‬ولم تشرح له كل‬
‫المسألة‪ ،‬وأن في نفسك منه شيئًا‪ ،‬فط َّبق هذا الحديث‬
‫النبوي‪) :‬الثم ما حاك في الصدر( والله كل واحد منا ‪-‬أيها‬
‫الخوة‪ -‬يعلم الحلل من الحرام‪ ،‬لن النبي عليه الصلة‬
‫والسلم قال في الحديث الصحيح حديث النعمان بن بشير‬
‫رضي الله عنهما‪) :-‬الحلل بين والحرام بين‪ ،‬وبينهما‬‫أمور مشتبهات‪ ،‬فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ‬
‫لدينه وعرضه( لكن الطمع في الدنيا‪ ،‬الطمع في المال‬
‫هو الذي يحمل النسان على الحتيال في طلب الفتوى‪،‬‬
‫فهذا وإن أفتاك المفتي ينبغي لك أن تتورع‪ ،‬وأن تنظر‪:‬‬
‫)الثم ما حاك في الصدر‪ ،‬وإن أفتاك الناس وأفتوك( نسأل‬
‫الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا‪ ،‬إنه سميع قريب‬
‫مجيب‪ ،‬أقول قولي هذا‪ ،‬وأستغفر الله العظيم لي ولكم‪،‬‬
‫فاستغفروه‪....‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful