‫شيخ ابو الهدى محمد اليعقوبي الحسني‬

‫سلسلة خطب الكبائر‬
‫الجمعة‪ 6 :‬شوال ‪1430‬هـ الموافق لـ ‪ 25‬أيلول ‪2009‬م‬

‫مقدمـة‬
‫أيها الخوة المؤمنون‪ ..‬قد مضى شهر رمضان وانقضى‪،‬‬
‫ذهبت أيامه ومرت لياليه وهي أشبه شيء بالحلم‪ ،‬وهكذا‬
‫ساعات الصفاء وأيام السعد وأوقات السرور‪ ،‬ما أسرع ما‬
‫تنقضي‪ ،‬وبضد ذلك أيام الهموم وأوقات المصائب تمر‬
‫اللحظة منها على النسان وكأنها جبل أشم بثقله ل يكاد‬
‫ينقضي‪.‬‬
‫قد مضى رمضان‪ ،‬فماذا بعد رمضان؟ الجواب‪ :‬الثبات‪،‬‬
‫الثبات على الطاعة‪ ،‬اجتناب المعصية‪ ،‬القبال على الله‬
‫تبارك وتعالى‪ ،‬تلوة القرآن‪ ،‬ذكر الله‪ ،‬مناجاته بالسحار‪،‬‬
‫قيام الليل‪ ،‬الصدقات‪ ،‬الصيام‪ ،‬أبواب الطاعات قد شرعت‬
‫للقاصدين وفتحت للطالبين‪.‬‬
‫أقام الله تبارك وتعالى ساعات الجابة كل يوم‪ ،‬أقام الله‬
‫تبارك وتعالى مواسم للطاعة والنابة في كل طرفة عين‪،‬‬
‫فل تحتاج إلى أن تنتظر إلى رمضان لكي تتوب أو ُتقَبل‬
‫توبتك‪ ،‬فكل ساعة تبسط فيها يديك إلى الله تبارك وتعالى‬
‫باضطرار وتذلل وافتقار هي ساعة إجابة‪ ،‬وكل وقت تقبل‬
‫فيه على مولك يقبل فيه عليك سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولكننا أيها الخوة نريد برنامج عمل بدل الكلم في‬
‫الفكار العامة‪ ،‬نريد وضع برنامج عمل ومنهاج حياة نخطو‬
‫فيه جمعة جمعة‪ ،‬لمداواة أمراض نفوسنا ومعالجة‬
‫أسقامنا‪ ،‬لعلنا نصل إلى رتب الصالحين المتقين‪ ،‬ولعلنا‬

‫نرقى بعد ذلك إلى مراتب البرار المقربين‪ ،‬وقد اخترت‬
‫لكم ‪-‬أيها الخوة ولنفسي بادئ ذي بدء وأول كل شيء‪-‬‬
‫موضوع الكبائر‪ ،‬ندرس في كل جمعة كبيرة من الكبائر وما‬
‫ورد في التحذير منها والتنفير منها والعقوبة عليها والوعيد‬
‫لمن فعلها والثواب لمن تركها‪.‬‬
‫فسنبدأ بعون الله تبارك وتعالى سلسلة الكبائر‪ ،‬لن من‬
‫أهم العقبات التي تعترض سبيل القاصد إلى الطاعة فيما‬
‫بعد رمضان أنه يرجع إلى المعصية فيقع فيها‪ ،‬ول يعرف‬
‫خطر المعصية ول ما في الوقوع في المعصية من التعدي‬
‫على حدود الله تبارك وتعالى وطرد من رحمته وغضب‬
‫ينزل عليه منه سبحانه وتعالى‪ ،‬ل يعرف الواحد منا عظيم‬
‫الجرم ول جليل الخطب فيما نرتكبه من المعصية‪.‬‬
‫ولذلك فإن النبي عليه الصلة والسلم بين بعض هذه‬
‫الذنوب ونبه إليها وسماها‪) :‬أكبر الكبائر( وسماها‪) :‬السبع‬
‫الموبقات( بل جاء هذا التفصيل في كلم الله تبارك‬
‫وتعالى‪ ،‬يقول المام الغزالي في بعض كلمه‪ :‬إن تقسيم‬
‫الذنوب إلى صغائر وكبائر مما جاء به الكتاب العزيز‪،‬‬
‫وتواتر فيما بين أهل العلم استنباطا ً من قول الله تعالى‪) :‬‬
‫م‪] ‬النساء‪:‬‬
‫ما ت ُن ْهَوْ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫م َ‬
‫سي َّئات ِك ُ ْ‬
‫ه ن ُك َّفْر عَن ْك ُ ْ‬
‫ن عَن ْ ُ‬
‫جت َن ُِبوا ك ََبائ َِر َ‬
‫‪ [31‬أي‪ :‬نكفر عنكم الصغائر‪ ،‬ومن قوله تبارك وتعالى‪) :‬‬
‫م‪] (..‬النجم‪[32:‬‬
‫وا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫جت َن ُِبو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م َ‬
‫ش إ ِّل الل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ن ك ََبائ َِر ال ِث ْم ِ َوال َْف َ‬
‫ذي َ‬
‫أي‪ :‬إل الصغائر مما ل يستطيع النسان التخلص منه إل‬
‫بمشقة‪.‬‬
‫وقد ثبت في الصحيحين من كلم النبي عليه الصلة‬
‫والسلم حديث جليل رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه‬
‫يقول النبي عليه الصلة والسلم‪) :‬اجتنبوا السبع‬
‫الموبقات( الموبقات أي‪ :‬المهلكات‪ ،‬من أوبق‪ :‬أهلك‪،‬‬

‫َ‬
‫ن‬
‫وهي من كلمات القرآن الكريم ‪ ‬أْو ُيوب ِْقهُ ّ‬
‫)اجتنبوا السبع الموبقات( أي‪ :‬المهلكات‪ ،‬لعظم الخطر‬
‫فيها‪ ،‬وعدها النبي عليه الصلة والسلم فقال‪) :‬الشراك‬
‫بالله‪ ،‬والسحر ‪-‬وفي رواية‪ :‬وعقوق الوالدين‪ ..-‬وعد النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم هذه السبع‪ ،‬وسنعد هذه السبع بإذن‬
‫الله‪ ،‬وسنخصص لكل واحدة منها خطبة‪.‬‬
‫‪] ‬الشورى‪[34:‬‬

‫ولكن المر ل يقف عند هذه السبع‪ ،‬في بعض الحاديث‬
‫ثلث‪ ،‬في حديث أبي بكرة عن أبيه رضي الله تعالى عنه‪،‬‬
‫وفي الصحيحين أن النبي عليه الصلة والسلم قال‪) :‬أل‬
‫أدلكم على أكبر الكبائر؟ قلنا‪ :‬بلى يا رسول الله‪،‬‬
‫لشراك بالله‪ ،‬وعقوق الوالدين‪ ،‬وجلس‬
‫قال‪ :‬ا ِ‬
‫وكان متكئا ً ]أي‪ :‬كان مائل ً على أحد شقيه عليه الصلة‬
‫والسلم فجلس‪ ،‬في اللغة العربية يقال للنائم‪ :‬جلس‪،‬‬
‫وللواقف‪ :‬قعد‪ ،‬فل يقال للواقف‪ :‬اجلس‪ ،‬يقال في العربية‬
‫للواقف اقعد‪ ،‬وللنائم أو المتكئ يقال له‪ :‬اجلس‪ ،‬هذا من‬
‫دقائق اللغة العربية[ فما زال يرددها‪ :‬أل وقول‬
‫الزور‪ ،‬أل وشهادة الزور‪ ..‬حتى قلنا‪ :‬ليته سكت (ل‬
‫ملل ً وإنما شفقة عليه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أي‪ :‬ما زال‬
‫يقول‪ :‬أل وقول الزور‪ ،‬أل وقول الزور‪ ،‬أل وقول الزور‪..‬‬
‫حتى أشفق الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫عدها ثلثًا‪.‬‬
‫لكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحققوا‬
‫من صحبته عليه الصلة والسلم‪ ،‬ومن أحاديثه وخطبه‪،‬‬
‫ومن فهمهم لكلم الله تبارك وتعالى والوعيد الشديد على‬
‫عدد من المعاصي في كلم الله عز وجل‪ ،‬وكذلك وعيد‬
‫النبي عليه الصلة والسلم واللعن والطرد الذي جاء في‬
‫بعض من يرتكب معاصي أخرى لم تذكر في هذه السبع‪..‬‬
‫فهم الصحابة أن الكبائر ل تنحصر في سبع‪ ،‬فكان ابن‬

‫عباس رضي الله عنه يقول‪ :‬هي إلى السبعين أقرب‪ .‬وفي‬
‫رواية عن سعيد بن جبير‪ ،‬وتعزى أيضا ً عند الطبراني لبن‬
‫عباس هي‪ :‬إلى السبعمائة أقرب‪ .‬أي ‪:‬ل تنحصر في سبع‪،‬‬
‫فالعدد ل مفهوم له هنا‪ ،‬والسبع بوجه خاص له اصطلح‬
‫عند العرب فيما قاله بعض العلماء‪ ،‬يرمز إلى الكثرة‬
‫مطلقًا‪ ،‬وقد ألف بعض العلماء فيما ورد في السبعة كتابا ً‬
‫سماه‪) :‬السطعة في السبعة( جمع فيه ما ورد من‬
‫السموات السبع والرضين السبع والشواط السبع في‬
‫الطواف وغير ذلك‪ ..‬والكبائر السبع‪ ،‬لكن المراد هنا التنبيه‬
‫إلى السبع التي خصها النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬والتنبيه‬
‫إلى أن من الذنوب كبائر تختلف عن الصغائر‪.‬‬
‫فنريد أن ندرس هذه الكبائر‪ ،‬لن من القواعد السلمية‬
‫الكبرى عند أهل السنة والجماعة أن اجتناب الكبائر يكفر‬
‫ن‬
‫الصغائر‪ ،‬وهذا من نعم الله عز وجل علينا أيها الخوة ‪ ‬إ ِ ْ‬
‫م‪] ‬النساء‪[31:‬‬
‫ما ت ُن ْهَوْ َ‬
‫تَ ْ‬
‫م َ‬
‫سي َّئات ِك ُ ْ‬
‫ه ن ُك َّفْر عَن ْك ُ ْ‬
‫ن عَن ْ ُ‬
‫جت َن ُِبوا ك ََبائ َِر َ‬
‫وباجتناب للكبائر تغفر** صغائر‪...‬‬
‫كما يقول الشيخ إبراهيم اللقاني في جوهرة التوحيد‪،‬‬
‫وهذا من نعم الله عز وجل علينا‪ ،‬وفي حديث النبي عليه‬
‫الصلة والسلم الصحيح‪) :‬الصلة إلى الصلة‪،‬‬
‫والجمعة إلى الجمعة‪ ،‬ورمضان إلى رمضان‪،‬‬
‫كفارة لما بينهما ما لم تغش الكبائر( أي‪ :‬كفارة‬
‫للصغائر‪ ،‬فالوضوء يكفر الصغائر‪ ،‬وتتساقط معه أو مع آخر‬
‫قطر الماء ذنوب العبد عند الوضوء‪ ،‬ولكنها الصغائر‪،‬‬
‫والصلة إلى الصلة تكفر الصغائر‪ ،‬والجمعة إلى الجمعة‬
‫تكفر الصغائر‪ ..‬ولكن الكبائر تحتاج إلى توبة خاصة‪ ،‬فمن‬
‫أذنب ذنبا ً عظيما ً ووقع في مهلكة من المهالك وأقدم على‬
‫موبقة من الموبقات عليه أن يتنبه وأن يتوب توبة خاصة‬
‫منها بشرائط التوبة المعروفة‪ ،‬والحديث اليوم ليس عن‬

‫التوبة‪ ،‬وما أظن أن شرائط التوبة تخفى على أحد يرد‬
‫المساجد‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬المقصود التنبيه إلى أنه تجب التوبة من الكبيرة‪،‬‬
‫الغيبة كبيرة من الكبائر‪ ،‬النميمة كبيرة من الكبائر‪ ،‬سب‬
‫النسان وشتمه أو سب والديه كبيرة من الكبائر‪ ..‬أضرب‬
‫لكم أمثلة سوى التي جاءت في حديث أبي هريرة رضي‬
‫الله تعالى عنه في حديث السبع الموبقات‪ ،‬لنه ما من أحد‬
‫ممن يرد المساجد يظن فيه أنه يشرك بالله أو يعق والديه‬
‫أو يقتل النفس أو يقذف المحصنات أو يرتكب السحر أو‬
‫يصنع شيئا ً من هذه السبع‪ ،‬لن هذه السبع صارت من‬
‫المشهورات‪ ،‬ورواد المساجد بفضل الله تبارك وتعالى‬
‫ممن يظن فيهم السلمة من هذه الموبقات‪ ،‬لكن‬
‫الموبقات والكبائر المهلكات أوسع من ذلك بكثير‪.‬‬
‫ربما ل نقتل النفس ول نزني ول نسرق ول نقذف‬
‫المحصنات ولكننا ننم ونغتاب ونسب ونشتم‪ ،‬ولكننا ‪-‬مثل ً‪-‬‬
‫نؤخر سداد الدين عند حلوله‪ ،‬إذا حل الجل وقد اقترضت‬
‫ما ً‬
‫ل‪ ،‬تؤخر سداد الدين‪ ،‬الوفاء‪ ،‬هذا التأخير كبيرة من‬
‫الكبائر‪ ،‬لماذا؟ لن النبي عليه الصلة والسلم سماه ظلمًا‪:‬‬
‫)مطل الغني ظلم( فهو كبيرة من الكبائر‪ ،‬يغفل عنها‬
‫بعض الناس‪ ،‬فالكبائر واسعة جدًا‪ ،‬فينبغي للنسان أن يتنبه‬
‫في أمور حياته وتجارته ومعاملته مع أهله وأولده وإخوانه‬
‫وأصحابه وجيرانه إلى هذه الكبائر‪.‬‬
‫وسنخصص خطبة كل جمعة نشرح فيها واحدة من هذه‬
‫الكبائر‪ ،‬وهذه السلسلة ستكون مختصرة بإذن الله تبارك‬
‫وتعالى‪ ،‬لن الموضوع ل يحتاج إلى شرح طويل ‪ ،‬وهذه‬
‫الكبائر جمعها المام الذهبي شمس الدين محمد بن‬
‫قايماز‪ ،‬هذا الحافظ الجليل وهو من قرية )كفر بطنة( في‬
‫غوطة دمشق جمع الكبائر في كتاب يعرف باسم‪) :‬الكبائر(‬

‫جمع فيه نحو السبعين‪ ،‬ثم جمع المام شهاب الدين ابن‬
‫حجر الهيتمي المكي الشافعي فألف كتابه الجليل‪:‬‬
‫)الزواجر عن اقتراف الكبائر( فأوصلها فيه إلى نحو‬
‫خمسمائة‪ ،‬ذكر كل كبيرة وما ورد فيها من القرآن الكريم‬
‫إن جاء ذكرها في القرآن الكريم أو السنة المطهرة ثم‬
‫الوعد والوعيد والعقوبة والحد وما إلى ذلك‪..‬‬
‫ما نحتاج إلى أن نبينه في هذه الخطبة ‪-‬أيها الخوة‪ -‬قبل‬
‫أن نبدأ هذه السلسلة هو الحد والفرق فيما بين الصغيرة‬
‫والكبيرة‪ ،‬ما هو الحد والفرق فيما بين الصغيرة والكبيرة؟‬
‫المثلة التي سقتها تعرف ببعض ذلك‪ ،‬قال العلماء‪ :‬كل ما‬
‫جاء عليه وعيد شديد بالعقوبة فهو من الكبائر‪ ،‬ما جاء فيه‬
‫الحد لفاعله فهو كبيرة من الكبائر‪ ،‬ما جاء اللعن لفاعله‬
‫فهو كبيرة من الكبائر‪ ،‬ما جاء التنفير الشديد منه فهو‬
‫كبيرة من الكبائر‪ ،‬فمث ً‬
‫ل‪:‬‬
‫• الوعيد الشديد بالعذاب في نار جهنم‪ :‬وصف النبي‬
‫عليه الصلة والسلم في حديث المعراج الذي أخرجه‬
‫البخاري وغيره وصف أصنافا ً من الناس يعذبون في‬
‫نار جهنم‪ ،‬فوصف ‪-‬مثل ً‪ -‬عالما ً لم يعمل بعلمه‪ ،‬تندلق‬
‫أقتابه‪ ..‬وصف العذاب هذا نسأل الله السلمة‬
‫والمخا َ‬
‫طب بذلك أول الناس هم نحن الذين نعلم‬
‫الناس نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العمل بالعلم‬
‫وإياكم جميعًا‪..‬‬
‫• الحد‪ :‬الجلد ثمانين جلدة لمن قذف امرأة بالزنا‪ ،‬أو‬
‫رمى رجل ً بالزنا‪ ،‬هذا القذف عقوبته الحد‪ ،‬فلما رتب‬
‫الشارع كما في كتاب الله عز وجل )والذين يرمون‬
‫المحصنات الغافلت المؤمنات( رتب الله تبارك‬
‫وتعالى عقوبة الجلد على من قذف رج ً‬
‫ل‪ ،‬أو رمى‬

‫امرأة بالزنا‪ ،‬أن القذف كبيرة من الكبائر‪ ،‬زد على هذا‬
‫ما سوى ذلك من الزنا والسرقة والحرابة وشرب‬
‫الخمر مما ترتبت عليه الحدود‪ ..‬فهذه المعاصي‬
‫والذنوب التي ترتبت عليها حدود عقوبات زواجر في‬
‫الدنيا هي من الكبائر‪.‬‬
‫•‬

‫•‬

‫اللعن‪ :‬مثل ً النبي عليه الصلة والسلم قال‪) :‬لعن‬
‫الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه( فتبين‬
‫أن من فعل شيئا ً من ذلك كان مرتكبا ً لكبيرة‪ ،‬فل‬
‫شك أن الربا كبيرة من الكبائر‪ ،‬ومن جملة الدلة على‬
‫أنه كبيرة هذا التنفير الشديد في الوصف الذي ساقه‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫الله تبارك وتعالى لنا‪ ) :‬ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫ن ي َأك ُُلو َ‬
‫ن الّرَبا ل ي َُقو ُ‬
‫ذي َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ه ال ّ‬
‫س‪( ..‬‬
‫ذي ي َت َ َ‬
‫ن ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫طا ُ‬
‫ما ي َُقو ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خب ّط ُ ُ‬
‫إ ِّل ك َ َ‬
‫م ّ‬
‫م َ‬
‫]البقرة‪ [275:‬انظروا إلى هذه الصورة وما فيها من‬
‫التنفير الشديد‪ ،‬فهذا دل على أن الربا كبيرة من‬
‫ور النسان‬
‫الكبائر‪ ،‬هذا التنفير‪ ،‬هذه الصورة التي يص ّ‬
‫فيها رجل ً قد أصابه مس الشيطان‪ ،‬فهو يتقلب على‬
‫الرض ويتلوى‪ ،‬ول يقوم إل ويقع على الرض كلما‬
‫قام‪ ،‬فهكذا شأن آكل الربا‪ ،‬لكن الحديث زاد في اللعن‬
‫لكل الربا وموكله ثم كاتبه وشاهديه‪ ،‬فدل على أن‬
‫الذي يكتب عقد الربا مرتكب لكبيرة من الكبائر أيضًا‪.‬‬
‫التحريم‪ :‬مما يدل على الكبائر أيها الخوة‪ ،‬مثل قول‬
‫ت‬
‫م الّرَبا ‪]‬البقرة‪ُ ) [275:‬‬
‫الله تبارك وتعالى‪ ) :‬وَ َ‬
‫حّر َ‬
‫م ْ‬
‫حّر َ‬
‫عَل َيك ُ ُ‬
‫م‪] ( ..‬النساء‪ [23:‬فالتحريم لفظ‬
‫م وَب ََنات ُك ُ ْ‬
‫مَهات ُك ُ ْ‬
‫م أ ّ‬
‫ْ ْ‬
‫يدل على أن من خالفه قد ارتكب كبيرة‪ ،‬وكذلك أيضا ً‬
‫لفظ الفرض‪ ،‬يدل على أن من خالفه قد ارتكب‬
‫َ‬
‫ن‬
‫كبيرة‪ ،‬فلما قال الله تبارك وتعالى‪َ ) :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ب عََلى ال ّ ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫مُنوا ك ُت ِ َ‬
‫صَيا ُ‬
‫م كَ َ‬
‫ب عَل َي ْك ُ ُ‬
‫آ َ‬
‫م ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬

‫ن ‪]‬البقرة‪ [183:‬كتب أي‪ :‬فرض‪ ،‬دل هذا‬
‫م ت َت ُّقو َ‬
‫م ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫قَب ْل ِك ُ ْ‬
‫خص‬
‫على أن من ترك الصيام مستطيعا ً قادرا ً غير متر ّ‬
‫بنحو سفر فقد ارتكب كبيرة من الكبائر‪ ،‬وأشار إلى‬
‫هذا تنفير النبي عليه الصلة والسلم من الفطر في‬
‫رمضان بحديث‪) :‬من أفطر يوما ً من رمضان‬
‫عامدا ً متعمدا ً لم يقضه صوم الدهر كله وإن‬
‫صامه( انظروا إلى هذه الصورة‪ ،‬وهذا التنفير‬
‫الشديد‪ ،‬لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه‪.‬‬
‫هذه وجوه وأمثلة سقتها من جوانب متعدد فيها علمات‬
‫الكبائر‪ ،‬حتى إذا قرأنا القرآن الكريم ومررنا بأحاديث النبي‬
‫عليه الصلة والسلم وأردنا التمييز نعرف أن هناك من‬
‫الذنوب والمعاصي ما جاء عليه وعد شديد‪ ،‬ما جاء فيه‬
‫حب أ َحدك ُ َ‬
‫َ‬
‫ن ي َأ ْك ُ َ‬
‫مي ًْتا‪‬؟‬
‫م أَ ِ‬
‫خي ِ‬
‫ل لَ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫تنفير من فعله‪ ) ..‬أي ُ ِ ّ َ ُ ْ‬
‫]الحجرات‪ [12:‬في الغيبة‪ ،‬انظروا إلى هذه الصورة وما فيها‬
‫من التنفير‪ ،‬فالغيبة من الكبائر‪ ..‬بل أقول لكم‪ :‬اللعب‬
‫بالنرد‪ ،‬اللعب بالطاولة الذي يتهاون فيه كثير من الناس‬
‫ويظنون أنهم يقضون الوقات فيه تسلية‪ ،‬يقول فيه النبي‬
‫عليه الصلة والسلم‪) :‬من لعب بالنرد فكأنما غمس‬
‫يده في لحم خنزير ودمه( وعد المام ابن حجر‬
‫الهيتمي اللعب بالنرد من الكبائر‪.‬‬
‫الكبائر واسعة‪ ،‬وسنعرض لكبر الكبائر إن شاء الله‬
‫تبارك وتعالى بحسب ترتيب الحاديث النبوية‪ ،‬أول ذلك‬
‫الشراك بالله كما أخبر النبي عليه الصلة والسلم الخطبة‬
‫القادمة إن شاء الله‪ ،‬ثم عقوق الوالدين‪ ،‬ثم حسب ترتيب‬
‫حديث أبي هريرة رضي الله عنه خطبة خطبة‪ ،‬قدر‬
‫المستطاع مع اليجاز والختصار‪ ،‬نسأل الله تبارك وتعالى‬
‫أن يعلمنا ما ينفعنا إنه سميع قريب مجيب‪ ،‬أقول قولي هذا‬
‫وأستغفر الله لي ولكم‪ ،‬فاستغفروه‪..........‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful