‫الفصل التاسع‬

‫المذهب الفلسفى وعلاقته بتاريخ الفلسفة‬
‫مقدمـــة‬
‫أول ً إشكالية البداية‬
‫‪:‬‬
‫‪ - 1‬فكرة المذهب‬
‫‪ - 2‬مفهوم هوسرل عن النسق الفلسفى‬
‫)العلم الكلى(‬
‫‪ - 3‬الفينومينولوجيا باعتبارها فلسفة أولى‬

‫ثانيا ً إشكالية المنهج‬
‫‪:‬‬
‫‪ - 1‬مفهوم هيجل عن المنهج‬
‫‪ - 2‬مفهوم هوسرل عن المنهج‬
‫‪ - 3‬التمييز بين المنهج وموضوعه‬
‫‪ - 4‬صعوبات تقديم فلسفة مثالية للجمهور‬

‫ثالثا ً استبعاد هوسرل للجانب التاريخى‬
‫‪:‬‬
‫رابعا ً المواقف الهيجلية الخيرة لهوسرل‬
‫‪:‬‬

‫الفصل التاسع‬

‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬

‫‪ - 1‬تماثل تشخيص الزمة الروحية‬
‫‪ - 2‬تاريخية المذهب‬

‫خاتمـــة‬

‫‪- 239 -‬‬

‫الفصل التاسع‬

‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬

‫مقدمـــة ‪:‬‬
‫قــامت فينومينولوجيــا هوســرل باســتبعاد منهجــى مقصــود‬
‫لتاريخ الفلسفة الســابق عليهــا تحــت مســمى البوخيــة‪ ،‬وكــان‬
‫موقفها ناقدا ً للنزعة التاريخية‪ .‬وهذا هــو الســبب فــى اســتبعاد‬
‫هوسرل لهيجل منذ مقال ” الفلسفة باعتبارهــا علم ـا ً دقيق ـا ً “‪،‬‬
‫لن هيجل هو الفيلسوف التاريخى عن أصالة‪ ،‬إذ قــدم فلســفته‬
‫باعتبارهــا النتيجــة الحتميــة والنهائيــة لتطــور الفكــر الفلســفى‬
‫السابق عليه‪ ،‬وذهب إلى أن فكرة الفلسفة الكلية ل تتحقــق إل‬
‫فى التاريخ‪ ،‬أى عبر تجليات جزئية فى مــذاهب مختلفــة‪ .‬وفــى‬
‫حين ينظر هيجل إلى فلسـفته علــى أنهـا نتيجـة تطـور تــاريخى‬
‫ومعبرة عن روح عصرها‪ ،‬نظر هوسرل إلى فلسفته على أنها ”‬
‫تأملت ديكارتية “‪ ،‬أى استئناف لنقطة إنطل ق ديكــارت وعــودة‬
‫إليها مرة أخرى؛ وهذا الموقف مستبعد لتاريخ الفلسفة الواقــع‬
‫بين ديكارت وهوســرل‪ ،‬ففــى حيــن يبــدو أنــه محاولــة لتأصــيل‬
‫الفينومينولوجيا بإرجاعها إلــى الحــدس الول لــديكارت‪ ،‬إل أنــه‬
‫ينطوى على نزعــة ل تاريخيــة تعتقــد أنــه لــم يحــدث شــئ فــى‬
‫الفلسفة من ديكارت إلى هوســرل‪ ،‬مــا عــدا محاولــة مبتســرة‬
‫على يد كانط لكتشاف المجال الفينومينولوجى تحــت مســمى‬
‫الترانسندنتالى‪ ،‬وهى المحاولــة الــتى لــم يقــدر لهــا أن تســتمر‬
‫وتكتمل فى صورة المذهب الفينومينولوجى الكامل إل على يــد‬
‫هوسرل‪.‬‬
‫يتناول هذا الفصل علقة هوسرل بتاريخ الفلسفة ومواقفه‬
‫منه‪ ،‬ورصد تحول هوسرل إلى اتجاه تاريخى بــل وانقلبــه إلــى‬
‫رؤية هيجلية فى النظر إلى فلسفته وعلقتهــا بتاريــخ الفلســفة‬
‫فــى آخــر مؤلفــاته ” أزمــة العلــوم الوروبيــة والفينومينولوجيــا‬
‫الترانسندنتالية “‪.‬‬

‫أول ً ‪ -‬إشكالية البداية ‪:‬‬
‫اعترض الكثيرون على هيجل لكونه يحكم على كل أشكال‬
‫الوعى وكل المواقــف المعرفيــة والثقافيــة الــتى يتناولهــا مــن‬
‫وجهــة نظــر المطلــق أو المعرفــة المطلقــة‪ ،‬ولكــونه يــدرس‬
‫‪- 240 -‬‬

‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫الوعى من منظور المعرفة المطلقــة‪ ،‬أى وهــو عــالم بــأن كــل‬ ‫أشــكال الــوعى الــتى يدرســها ســوف تــؤدى فــى النهايــة إلــى‬ ‫المعرفة المطلقة‪ .‬لكن ليس هذا عيبا ً فى الفينومينولوجيا الهيجلية بــل‬ ‫يبدو أنه مــن أســباب قوتهــا‪ .‬الحقيقــة أن‬ ‫وطريق الفينومينولوجيا ليس هو الطريــق الــذى قطعــه هيجــل‪.‬هـــذا الختلف بيـــن الطريـــق الـــذى ســـار فيـــه‬ ‫الفيلسوف نفسه والطريق الذى سيصفه لغيــره موجــود أيضـا ً‬ ‫لدى هوسرل‪ ،‬فهو قد توصل إلى الفينومينولوجيــا عــن وطريــق‬ ‫كانط وبرنتانو وفريجة‪ ،‬لكنه عندما يصف كيفيــة الوصــول إلــى‬ ‫منظور الفينومينولوجيا فهو ل يصف لنا الطريــق الــذى قطعــه‬ ‫هو‪ ،‬بل وطريــق آخــر فلســفى ومثــالى‪ ،‬وطريــق البوخيــة والــرد‬ ‫‪.‬إنهم بذلك يعترضون على نــوع مــن التحيــز‬ ‫من جانب هيجل للمعرفة المطلقة وعلى وصــفه لجميــع صــور‬ ‫وأشــكال الــوعى وتطــوراته علــى أنهــا تصــب فــى المعرفــة‬ ‫المطلقة‪ .241 -‬‬ .‬ذلــك لن المــر يفهــم علــى نحــو‬ ‫أفضل إذا استخدمنا أسطورة الكهف لدى أفلوطون‪ .‬‬ ‫وطريق هيجــل نحــو المعرفــة المطلقــة يختلــف ولــو قليل ً عــن‬ ‫وطريــق الفينومينولوجيــا‪ ،‬ووطريقــه هــو وطريقــه نحــو اكتشــاف‬ ‫فلسفة الهوية أو فلسفة التأمل‪ ،‬أى عن وطريق سبينوزا وفخته‬ ‫وشـــلنج وبتوســـط كـــانط فـــى الســـتنباط الترانســـندنتالى‬ ‫للمقـــولت‪ .‬‬ ‫إن هيجل يصف لنــا الطريــق المــؤدى إلــى المعرفــة المطلقــة‬ ‫التى حصل عليها هو أو ً‬ ‫ل‪ .‬إن هيجــل‬ ‫هو الفيلسوف أو الشخص الذى نجح فى فك اللغلل والخــروج‬ ‫خارج الكهف ورؤية شــمس الحقيقــة‪ ،‬أى المعرفــة المطلقــة‪،‬‬ ‫وقد دخل الكهف مرة أخرى وأخــذ يقنــع النــاس داخلــه بكيفيــة‬ ‫توصلهم مثله إلى المعرفة المطلقة أو رؤية شــمس الحقيقــة‪.‬لكن هل الطريق الذى يصــفه هيجــل‬ ‫فى الفينومينولوجيا هو الطريق الذى قطعه هو نفسه ؟ وطريق‬ ‫الفينومينولوجيا هــو وطريــق النســانية كلهــا ووطريــق الفلســفة‬ ‫والفكر على وجه الخصوص‪ ،‬يريد هيجل من ذلــك أن يقــول إن‬ ‫الفكر النسانى قد وصل إلى المرحلة التى يتمكن عنــدها مــن‬ ‫الحصول على المعرفــة المطلقــة‪ ،‬أو بــاب الكهــف‪ ،‬ومــا علينــا‬ ‫سوى أن ندلف فيه ونخرج لنرى شمس الحقيقة‪ .

‬فالبوخية والوضع بين قوسين ل ينتج عنه أى‬ ‫ضــرورة أو تــبرير منطقــى أو حــتى ترانســندنتالى للمعرفــة أو‬ ‫الخــبرة‪ ،‬وذلــك عكــس التحليــل الفينومينولــوجى منــذ أولــى‬ ‫صفحات فينومينولوجيا هيجل‪ ،‬الذى يوضح الضرورة فى عملية‬ ‫النتقال من شكل من أشكال الــوعى إلــى شــكل آخــر‪ ،‬والــذى‬ ‫يوضــح ظهــور العنصــر الكلــى مــن جزئيــة الــوعى وحســيته‬ ‫ومباشرته‪.‬يمكننا بنــاء علــى ذلــك تــوجيه نقــد هيجلــى‬ ‫لهوسرل بقولنا إن هوسرل ل يبدأ بالمباشر‪ ،‬فالوعى الخــالص‬ ‫الذى يبدأ به ليس مباشرا ً بل هو نتيجة لتوسط‪ ،‬وهذا التوســط‬ ‫هــو عمليــة الرفــع ذاتهــا أو البوخيــة والتخلــى عــن الموقــف‬ ‫الطبيعى‪ .‬‬ ‫العلــم الفينومينولــوجى لــديه يظهــر عنــدما يبــدأ فــى تــبرير‬ ‫المقولت‪ ،‬عندما يبدأ فى توضيح صدود العالم عن النا المطلق‬ ‫أو الوعى الخالص‪ ،‬وقبل ذلــك ل يصــل إلــى العلــم‪ ،‬فهــى كلهــا‬ ‫خطوات تمهيدية‪ .‬‬ ‫يصر هيجل على أن تكون البداية بالمباشــر‪ ،‬ولهــذا دللت‬ ‫عديدة من داخل فلسفته ذاتها‪ .‬وهذا‬ ‫يختلف عما يفعله هوســرل‪ ،‬فهــو يمــارس وضــعا ً بيــن قوســين‬ ‫وإبوخية ل تنتمى إلى العلم الفينومينولــوجى بــالمعنى الــدقيق‪.‬التحليـــل‬ ‫الفينومينولوجى إذن جزء من العلم‪ ،‬وجزء عضوى كذلك‪ .242 -‬‬ .‬فهيجــل يرفــض البــدء بــالوعى‬ ‫الخالص أو النا الخالص لنه لغير مباشر‪ ،‬ول يعنى هذا أنه يريــد‬ ‫أن يبدأ بالعينى لنه هو الخر لغير مباشر ول بسيط‪ ،‬فهــو ملــئ‬ ‫بالتعينات والتحديدات والصفات‪ ،‬أى أنه لغير مباشر ول بســيط‬ ‫بل ملئ بالوسائط‪ .‬الموقف الطبيعى نفسه هو المباشر بالنسبة للوعى‬ ‫وكـــان يجـــب عليـــه البـــدء بـــه كمـــا فعـــل هيجـــل فـــى أول‬ ‫الفينومينولوجيا‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫الماهوى والوضع بين القوسين والبناء أو التقوم واليضاح‪.‬‬ ‫إن التحليل الفينومينولوجى للطريق الذى يسير فيه الوعى‬ ‫نحو العلم هو ذاته جزء من العلــم‪ ،‬فليســت النتيجــة فقــط هــى‬ ‫العلـــم‪ ،‬بـــل العمليـــة كلهـــا‪ ،‬الرحلـــة وتحليلهـــا‪ .‬ومن هنا فإن مقولة الوجــود الخــالص هــى‬ ‫أنسب بداية عنده‪ .‬نلحظ هنــا أن بدايــة الفينومينولوجيــا تختلــف‬ ‫‪.

81.1‬فكرة المذهب ‪:‬‬ ‫‪Hegel: Science of Logic. I.‬فالمبدأ الذى يبدأ به المذهب هو مبدأ الهوية‬ ‫والتطابق أو الوحدة بين الفكر والوجــود أو الــذات والموضــوع‪،‬‬ ‫لكن يعود المذهب ذاته ليكــرر النفصــال التقليــدى بينهمــا وهــو‬ ‫بذلك ليس محققا ً لمبدئه‪ .243 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .(1‬وهيجــل يؤكــد‬ ‫على هذه النقطة فى مقابل فخته الذى ل يتحقــق مبــدأ مــذهبه‬ ‫فى باقى المذهب‪ .‬إذا كان الموقف الطــبيعى هــو أول مــا يقــابله الــوعى‪،‬‬ ‫الــوعى المباشــر‪ ،‬فلمــاذا يلغيــه هوســرل ويرفعــه ؟ إنــه فــى‬ ‫الحقيقــة ل يمــارس تحليل ً فينومينولوجيــا ً للــوعى المباشــر‬ ‫العادى ولموقفه الطبيعى‪ ،‬ول يعتبر أن هذا الموقــف الطــبيعى‬ ‫هو موقف للوعى المباشر‪ .‬المنطــق يبــدأ بالمباشــر والبســيط وهــو‬ ‫مقولـــة الوجـــود‪ ،‬والفينومينولوجيـــا كـــذلك تبـــدأ بالمباشـــر‬ ‫والبسيط‪ ،‬لكنــه شــئ يختلــف تمامـا ً عــن بدايــة المنطــق‪ ،‬إنــه‬ ‫الــوعى المباشــر أو اليقيــن الحســى‪ .‬المباشــر والبســيط فــى‬ ‫المنطق هو المباشر والبسيط فى ذاته ل بالنسبة للــوعى‪ ،‬أمــا‬ ‫المباشر والبسيط فى الفينومينولوجيا فهو المباشــر والبســيط‬ ‫بالنسبة للوعى المباشر‪ ،‬أو ما يتخذه الــوعى المباشــر العــادى‬ ‫باعتباره مباشرا ً وبسيطا ً ثم يكتشــف بعــد ذلــك عكــس ذلــك‪،‬‬ ‫يكتشف أنه متوسط وملئ بالوسائط وهو يكتشف فــى داخلــه‬ ‫الكلى‪ .‬‬ ‫‪ . Vol.‬‬ ‫‪.‬أما هيجل فيصر على أن يظل المبدأ‬ ‫محايثا ً للمذهب وطوال الطريق وحــتى النهايــة‪ . P.‬وهــو يقــرر بعــد‬ ‫ذلــك أن هــذا المبــدأ هــو الوجــود الخــالص‪ ،‬والحقيقــة أن كــل‬ ‫المنطق الهيجلى دراسة لهذا الوجود الخالص وللوجه المختلفة‬ ‫التى يتخذها والتحولت التى تجرى عليه‪.‬‬ ‫فى معرض تناول هيجل لشكالية البداية فى المذهب‬ ‫الفلسفى يذهب فى علم المنطق إلى أن هذا المبدأ يجب أن‬ ‫يكون محايثا ً ويبقى كذلك فــى المــذهب كلــه)‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫عــن بدايــة المنطــق‪ .‬لقد تقاعس هوسرل عن ممارســة‬ ‫منهجــه الفينومينولــوجى علــى الموقــف الطــبيعى‪ ،‬وممارســة‬ ‫البوخية عليه ليس تحليل ً فينومينولوجيًا‪.

(2‬‬ ‫ويذهب هيجل إلى أننا إذا كنا نسعى نحو المعرفــة الخالصــة‬ ‫‪Ibid: P.‬لكــن يجــب أن ننتبــه هنــا إلــى أن البدايــة‬ ‫الخالصة التى يتحدث عنها هى بدايــة علــم المنطــق علــى وجــه‬ ‫الخصـــوص وهـــى تفـــترض النقطـــة الـــتى انتهـــت إليهـــا‬ ‫الفينومينولوجيا‪ ،‬فقبل أن يعلــن هيجــل عــن ضــرورة أن تكــون‬ ‫البدايــة مباشــرة وخالصــة أعلــن صــراحة أن نقطــة إنطل ق‬ ‫المنطق هى النهاية التى وصلت إليهــا الفينومينولوجيــا‪ .‬ليســت‬ ‫بداية المنطق خالصة ومباشرة إل فــى دائــرة المنطــق نفســه‪،‬‬ ‫لكن الفينومينولوجيا هى التى سمحت لنــا بالوصــول إلــى مثــل‬ ‫هــذه البدايــة‪ .‬كما أن الوعى الخالص إذا كان هو مبدأ فلســفته فلــن‬ ‫يكون مبدأ للوجود فى نفس الوقت‪ ،‬إنه يريد له أن يكون كذلك‪،‬‬ ‫أو على القل مبدأ للمعرفة‪ ،‬لكــن ل يمكــن للــوعى الخــالص أن‬ ‫يكون ذلك أيضا ً)‪.‬فمبــدأ فلســفة هوســرل هــو‬ ‫البوخية‪ ،‬وهو بداية إجرائية منهجية بحته ل تعبر عن أى مضمون‬ ‫أنطولوجى‪ ،‬بل على العكس تلغى وضعا ً أنطولوجيا ً معين ـا ً وهــو‬ ‫الموقــف الطــبيعى للــوعى‪ .‬‬ ‫فالفكر شــئ والوجــود شــئ‪ ،‬والنســق الفكــرى لهوســرل شــئ‬ ‫ومحتواه النطولــوجى شــئ آخــر‪ . 81 .82.‬فلماذا كانت الفينومينولوجيا إذن الجــزء الول‬ ‫من المذهب ؟‬ ‫يذهب هيجل إلى أن مبدأ أى فلسفة يعبر عن بدايــة‪ ،‬وهــى‬ ‫بداية كــل شــئ‪ .‬يعبر هذا الرأى لهيجــل عــن فلســفته فــى الهويــة‪ . 79.‬وإذا‬ ‫رجعنا لهوسرل فــى هــذه النقطــة فلــن نجــد لــديه هــذا المبــدأ‪.‬الفينومينولوجيــا كلهــا هــى الــتى تتوســط نقطــة‬ ‫إنطل ق المنطق‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫يصر هيجل فى علم المنطق على أن البداية يجب أن تكون‬ ‫مباشرة وخالصة ولغير متوسطة بأى شئ وليست محــددة بــأى‬ ‫مضمون)‪ ،(1‬وهو فى ذلك يتبع تراث المثاليــة اللمانيــة الســابق‬ ‫عليــه وخاصــة فختــه‪ .244 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬مبــدأ الفكــر إذن هــو مبــدأ الوجــود فــى نفــس‬ ‫الوقت‪ .‬هوســرل يلغــى الوجــود لحســاب‬ ‫المعرفة‪ .‬‬ ‫‪.

.245 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ . Cit. 84.(2‬مــا تحتــاجه الفلســفة ليــس‬ ‫مســلمات تبــدأ منهــا بــل تــبريرا ً لموقفهــا‪ ،‬موقــف المعرفــة‬ ‫المطلقة‪ ،‬موقف الكلى الذى ســوف تــدرس منــه موضــوعاتها‪.(1‬وعلــى الجــانب الخــر نجــد أن‬ ‫هوســرل يبــدأ بشــئ آخــر خــالص أيضـا ً لكنــه الــوعى الخــالص‪.‬لكــن هوســرل علــى‬ ‫خطأ لنه يعتقد أن الوعى الخالص مباشر وأولى ولغيــر متوســط‬ ‫وبسيط‪ ،‬إنه ليس أى شئ مــن هــذه الشــياء‪ ،‬فهوســرل نفســه‬ ‫توصل إليه بتجريد ورفع ووضع بين قوسين‪ ،‬أى بالبوخية‪ ،‬وهذه‬ ‫كلها هى الوسائط التى توصل منهــا إلــى هــذا الــوعى الخــالص‪،‬‬ ‫فهو إذن لغير مباشر ول بسيط‪ ،‬البسيط والمباشر هــو الموقــف‬ ‫الطــبيعى الــذى رفعــه أمــا الــوعى الخــالص فمقولــة فــى لغايــة‬ ‫التعقيــد لنهــا مجـردة‪ ،‬ول يعنــى كونهــا مجــردة أنهــا بســيطة أو‬ ‫مباشرة‪ ،‬بل العكس يعنى تعقيدها‪.‬‬ ‫‪Hegel: Phenomenology of Mind.‬‬ ‫يذهب هيجل إلى أن الفلسفة كى تثبت أنها وجهة نظر كلية‬ ‫وأنهــا هــى الموقــف المطلــق للمعرفــة‪ ،‬والشــكل المطلــق‬ ‫للمعرفة يجب أل نستعير أى شئ من أى علم آخر أو أى موقف‬ ‫خارجها‪ ،‬إذ يجب أن تشمل كل شئ وتبرهن على مبــدأها‪ ،‬ل أن‬ ‫تأخذه كمسلمة من علم آخر أو برهان آخر قبلهــا‪ ،‬ولكــى تقــوم‬ ‫الفلسفة بذلك يجب أل تعتمد على أى مسلمة بمعنــى أى شــئ‬ ‫مسلم به‪ ،‬يجب أن تكون تفسيرا ً لكل شئ‪ ،‬وإذا كانت تفســيرا ً‬ ‫لمسلماتها ذاتها فعندئذ لــن تصــبح مســلمات بــل تصــبح مبــادئ‬ ‫مفسرة داخــل المــذهب نفســه)‪ . 24.‬‬ ‫وإذا قارنا هذا الكلم بهوسرل فسوف نجد اتفاقا ً واختلفًا‪ .‬‬ ‫‪. Op.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫فيجــب أن يكــون الوجــود الخــالص هــو بدايــة هــذه المعرفــة‬ ‫ومضمونها فى نفــس الــوقت)‪ .‬فمــا‬ ‫يقوله هيجل عن الفلسفة هنــا هــو وطمــوح الفلســفة لن تصــبح‬ ‫علمًا‪ ،‬هذا هو المثال العلمى للفلسفة عنــد هيجــل‪ ،‬وهــو نفــس‬ ‫المثــال والطمــوح لــدى هوســرل‪ ،‬لكــن يتوصــل هوســرل إلــى‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫هوســرل أيض ـا ً يعتنــق مبــدأ مشــابها ً للمبــدأ الهيجلــى وهــو أن‬ ‫المعرفة الخالصة يجب أن تبدأ بشـئ خـالص ومباشـر وبسـيط‪،‬‬ ‫وهمــا يختلفــان فــى اختيــار هــذا الشــئ‪ ،‬هيجــل يختــار الوجــود‬ ‫الخالص وهوسرل يختار الــوعى الخــالص‪ . P.

‬الحقيقــة أن‬ ‫الفقرات الولــى مــن تمهيــد الفينومينولوجيــا تنفــى عنــه تهمــة‬ ‫النزعة التأصيلية‪.‬فنقطــة البــدء فــى‬ ‫مذهب هيجل ليست هى المطلق أو الحقيقة المطلقة بــل هــى‬ ‫الــوعى التلقــائى اليــومى والمباشــر واليقيــن الحســى فــى‬ ‫الفينومينولوجيا‪ ،‬والمباشــرة والوجــود المباشــر فــى المنطــق‪.246 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬هيجل ل يــؤمن‬ ‫ببداية مطلقــة أو بحقيقــة أولــى ونهائيــة منــذ البــدء‪ ،‬بــل يــؤمن‬ ‫بتحققها التدريجى عبر مرحلة تطور جدلى‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫علمية الفلسفة بطريقة مختلفة تمامًا‪ .‬‬ ‫صحيح أن هيجل يؤمن بــالمطلق‪ ،‬إل أن هــذا المطلــق ل يظهــر‬ ‫عنده إل فى النهاية كنتيجة وخاتمة لحركة الجــدل‪ . 82.(1‬وبذلك يتفادى هيجل كل‬ ‫النقد الموجه للنزعات التأصيلية أو الجوهرية من قبل الفلسفة‬ ‫المعاصرين وخاصة أصحاب تيار ما بعد الحداثة‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫أتى هيجل بتصور جديد عن المطلق‪ ،‬فقد ذهبت الفلسفات‬ ‫السابقة عليه إلــى أن المطلــق يجــب أن يكــون مباشــرا ً وفــى‬ ‫البداية ووجوده سابق على كل شــئ ولــه الولويــة‪ ،‬أمــا هيجــل‬ ‫فــذهب إلــى أن المطلــق ل يــأتى إل بتوســط وكنتيجــة لمرحلــة‬ ‫تطور يكون هو آخرها‪ .‬صحيح أن المطلق هــو الول وهــو البــدء‬ ‫إل أنه ل يتحقق فعليا ً إل فى النهاية)‪ .‬فلكى يســتبعد هوســرل‬ ‫أى مسلمات أو فــروض ســابقة أوليــة فهــو يلجــأ إلــى البوخيــة‬ ‫ووضع كل العالم بين قوسين وصول ً إلــى موقــف أولــى ســابق‬ ‫على أى شئ آخر وهو الوعى الخالص‪ ،‬ويعتقد هوسرل أن هــذا‬ ‫الوعى الخالص هو الموقف المتحرر من أى مســلمات مســبقة‬ ‫سعيا ً وراء علمية الفلسفة‪ ،‬إل أنه خاوطئ من وجهة نظر هيجل‪،‬‬ ‫ذلك لنه أول ً صادر على المطلوب‪ ،‬فالوعى الخــالص باعتبــاره‬ ‫أساسا ً للمعرفة هو ما يجب إثباته فى المذهب ل ما يجب البدء‬ ‫به‪ ،‬وثانيا ً أن الوعى الخالص هذا هو فى حد ذاته مســلمة أولــى‬ ‫أو افتراض لغير مبرهن عليه‪ ،‬وإذا قال لنا هوســرل أن البرهــان‬ ‫عليه هو البوخية قلنا له أنت مخطئ‪ ،‬لن البرهــان عليــه وكمــا‬ ‫أشــرت أنــت نفســك يوجــد فــى الســتنباط الترانســندنتالى‬ ‫الكانطى‪.

‬ويتأالف ال إإدراك‬ ‫افكداددددره “) ‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫يذهب هيجـل إلـى أن المــذاهب الفلسـفية السـابقة كــانت‬ ‫تريد التعبير عن المطلق باعتباره ذاتا لذلك استخدمت مفــاهيم‬ ‫الله هو المحبة والنظام الخلقــى للعــالم أو الخالــد اللنهــائى‪.(1‬صـحيح أن‬ ‫يتفدقددد دمدعددد أ د‬ ‫واحدددددد دمدنددد أان دكدلدددد دمداددد ديقدادددل د‬ ‫والدتددددليل دفدىدد ت أداكدددددد دكدلدددد د‬ ‫هيجل ينقد هنا مفهوم اللفــة والفكــار المألوفــة أو الشــائعة‬ ‫وهدفه إثبات أن المعرفة الصحيحة ليست هــى المعرفــة بمــا‬ ‫هو مــألوف‪ ،‬إل أن الفقــرة تكشــف أيض ـا ً عــن نزعــة مضــادة‬ ‫للصول والجوهر والسس الولى الثابتة‪. 92..247 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ .‬لقــد كــان هيجــل واعيـا ً‬ ‫بمشكلة البداية هـذه‪ ،‬ولـذلك ففلسـفته تحتـوى علـى بـدايتين‪:‬‬ ‫بداية للحجة وهى الفينومينولوجيا‪ ،‬وبداية للمـذهب وهـى بدايـة‬ ‫المنطق‪ ،‬وبداية المنطق هذه ليست هى بداية العلم الفلســفى‬ ‫‪Ibid: P.‬إالخ تفترض بطريقة غير نقدية‬ ‫باعتبارها مأالوفة وصحيحة وتصبح نقاط ثابتة للبدء منها وللعودة إاليها أايض اً‪ ..‬هنــاك اختلف أصــلى بيــن‬ ‫بداية المذهب وبداية الحجة‪ ،‬وهوسرل يخلط بينهمــا ويعتبرهمــا‬ ‫شيئا ً واحــدًا‪ .‬‬ ‫نص آخر لهيجل يثبت رفضه للنزعــة التأصــيلية‪ ،‬إذ يقــول‬ ‫فــــــــــــــــــــــــــــى الفينومينولوجيــــــــــــــــــــــــــــا‪:‬‬ ‫” الذات والموضوع وال إإله والطبيعة والفهم والحس ‪ .‬‬ ‫إذا وطبقنا مشكلة البداية عند هيجل علـى فلســفة هوســرل‬ ‫وجدنا هوسرل لم يستطع التمييز بين بداية مذهبه وبداية حجته‬ ‫لعرض وشرح وإثبات هذا المــذهب‪ .‬‬ ‫ينتقد هيجل هذه المــذاهب لنهــا وضــعت المطلــق فــى البدايــة‬ ‫باعتباره شيئا ً مباشرا ً وجاهزا ً مع أنه حركة ذاتية وفاعلية ذاتيــة‬ ‫ل نقطة ثابتة‪.‬بدايــة المــذهب عنــد هوســرل هــى فــى البوخيــة‬ ‫والردود والوصول منها إلى الوعى الخالص والنا المطلــق‪ ،‬ثــم‬ ‫البحث فى تأسيس الموضوعية فى هـذا الـوعى المطلـق‪ ،‬فــى‬ ‫حيــن أن بدايــة الحجــة ليســت كــذلك‪ ،‬فبدايــة الحجــة بالنســبة‬ ‫للفينومينولوجيــا عنــد المنطــق الخــالص‪ ،‬أو عنــد التمييــز بيــن‬ ‫الحــدس الحســى والحــدس المقــولى‪ .‬وتطفو عملية‬ ‫المعرفة بين هاتين النقطتين الآإمنتين وبالتالى تطفو فوق السطح فقط‪ .‬‬ ‫‪.

.‬أمــا هيجــل فيفهــم العلــم علــى أنــه الكــل‬ ‫العضوى ‪ ،Organic Whole‬وعلى أنه كل المراحل الــتى يقطعهــا‬ ‫الوعى عــبر أشــكال معرفيــة عديــدة نحــو المطلــق‪ ،‬العلــم هـو‬ ‫معرفة الطريق الجدلى‪ ،‬التعبير النظرى عن الرحلة ولحظاتهــا‪.(1‬الفينومينولوجيـا‬ ‫منعكسددددد دفدى د د‬ ‫مطلقدةددد ددة‬ ‫وبصددددرة د‬ ‫الإفتراضددددت‪ ،‬دديد‬ ‫دداد‬ ‫دكدلدددد‬ ‫باعتبارها منهجا ً يجب عليها أن تكــون نقيــة وخالصــة وبــدون أى‬ ‫‪Husserl: Ideas.‬‬ ‫يذهب هوسرل فى الفكار إلى أن الفينومينولوجيا يجب‬ ‫أن تحصل على أقصى دقة منهجية‪ ،‬يجب أن تكون هى المنهــج‪،‬‬ ‫والمنهج الول‪ ،‬أى فلسفة أولى‪ ” :‬إان الفينومينولوجيا ‪ ..‬ويتبع ذلك ‪ ..‬أان الفينومينولوجيا مجبرة وفق ماهيتها‬ ‫)طبيعتها الماهوية( أاى تقيم دعوى بكونها فلسفة أاولى‪ ،‬وأانها بالتالى تطالب بالتحرر المطلق من‬ ‫علاقتهداددد دبدذدداتها “)‪ .‬لإ يجب عليها أان‬ ‫تطور منهجها وحسب‪ ،‬ولإ أان تفوز بأاشكال معرفية جديدة من مواد من نوعية جديدة وحسب‪،‬‬ ‫بل يجب عليها كذلك أان تصل إالى الوضوح الكامل فيما يتعلق بمعنى وصحة المنهج الذى‬ ‫يمكنها أان تدعم نفسها ضد أاى نقد ‪ ..2‬مفهوم هوسرل عن النسق الفلسفى ) العلم الكلى ( ‪:‬‬ ‫ينظــر هوســرل إلــى الفينومينولوجيــا علــى أنهــا الطريــق‬ ‫الموصل إلى العلم الكلى‪ ،‬وكذلك هيجل‪ ،‬وكلهما يصر على أن‬ ‫الفلسفة يجب أن تكون علمًا‪ ،‬لكــن مــا هــو العلــم لــدى هيجــل‬ ‫وهوسرل ؟ كيف فهم كل واحــد منهمــا العلــم ؟ فهــم هوســرل‬ ‫العلم على أنه الشكل المعرفى المحتوى على الساس الكلــى‬ ‫لكل موضوعية‪ ،‬وعلى الوضوح الذاتى‪ ،‬وعلى الفــتراض الكــبر‬ ‫الذى ليس بعده أى افتراض‪ ،‬أى النا المطلق والوعى الخــالص‬ ‫والحياة المعاشة‪ .‬بداية المنطق هى بداية للمنطق فقط ل لنسق‬ ‫الفلسفة الكلية‪ ،‬فهذه الخيرة بدون بداية لنها دائرة‪.‬‬ ‫‪..‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫الكلى لن هذا الخير دائــرى‪ ،‬بدايــة المنطــق هــى بدايــة دائــرة‬ ‫واحدة من دوائر العلم الفلسفى الذى يشكل الــدائرة الكــبيرة‪..‬‬ ‫ليس العلم الكلى علما ً بنقطة الوصول فقط‪ ،‬أو نقطــة البدايــة‬ ‫فقط‪ ،‬بل بالحركة كلها من البداية للنهائية‪. P.‬فهم هوسرل العلم على أنه علــم بالماهيــات‬ ‫والسس والصول‪ ،‬وهو فهم فيه مــن الرســطية والفلوطونيــة‬ ‫والكانطيــة كــذلك‪ . 188.‬‬ ‫هناك بدايتان فى فلسفة هيجل لنه كان على وعى بــأن البدايــة‬ ‫تشكل مشكلة‪ .248 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫‪ .

‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪Ibid: P.(2‬هوســرل إذن يريــد العــودة إلــى نــوع مــن‬ ‫الميتافيزيقا الصلية التى عرفها اليونان أو فلسفة أولى‪ ،‬وهــى‬ ‫لغير الميتافيزيقا السيئة التى نقدها كانط‪ .3‬الفينومينولوجيا باعتبارها فلسفة أولى ‪:‬‬ ‫فينومينولوجيـــا هوســـرل تطمـــح لن تكـــون ميتافيزيقـــا‬ ‫وفلسفة أولى‪ .‬وهنا بالضبط تختلــف عنهــا فينومينولوجيــا هيجــل‪،‬‬ ‫ذلك لنها بحث فــى جميــع الفــروض والمســلمات المســبقة ول‬ ‫تستبعد أى شئ‪ . 273.‬هوســرل إذن يجمــع‬ ‫مــن بيــن مــا يجمعــه فــى فلســفته الفلســفة الولــى بــالمعنى‬ ‫اليونانى‪.‬إذ يذهب إلى أن الفينومينولوجيا هى بحث عــن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫وم أو تؤســس‬ ‫الوحدات الذاتية ‪ ،‬أى العناصر الذاتية الــتى تق ـ ّ‬ ‫العالم على الطريقة الكانطيــة‪ ،‬ويــذهب إلــى أن نتائــج البحــث‬ ‫عن هذه العناصر أو الوحــدات الذاتيــة هــى نتائــج ميتافيزيقيــة‪،‬‬ ‫لكنها ليست ميتافيزيقا بالمعنى المفهوم لهذه الكلمــة‪ ،‬يقصــد‬ ‫بــالمعنى الســئ‪ ،‬بــل بــالمعنى الصــلى الصــيل الــذى يعنــى‬ ‫الفلسفة الولــى)‪ .‬‬ ‫فالسلب هو فعل الشك‪ ،‬الشك وهو يقوم بفعلــه فــى المعرفــة‬ ‫والوعى‪ ،‬كاشفا ً عن آليــات عملــه جــاعل ً منــه محــرك العمليــة‬ ‫الجدلية‪ ،‬أى ل يستبعده كما يفعل هوسرل‪. 272.‬‬ ‫هوســرل يتفــادى النزعــة الشــكية بممارســة نــوع مــن الشــك‬ ‫المحدود والمسيطر عليه والوصــول إلــى الــوعى الخــالص‪ ،‬أى‬ ‫إلى شئ ل يمكن الشك فيه‪ ،‬يتفادى خطر الشك بأن يلجــأ إلــى‬ ‫ما ل يمكن الشك فيه‪ ،‬وهذه هى وطريقة ديكارت فى الســاس‪،‬‬ ‫أمــا هيجــل فل يخــاف أن يتنــاول دعــاوى الشــك نفســه‪ ،‬يــدخل‬ ‫مباشرة فى تحليل عملية الشك ذاتهــا والــتى يســميها الســلب‪.‬‬ ‫‪ .‬الدقة المنهجية عند هوسرل تتمثل فى العودة‬ ‫إلــى الــذات أو الــوعى الخــالص المتحــرر مــن أى فــروض‬ ‫ومسلمات‪ ،‬أما هيجل فإن تحليله الفينومينولوجى يجعله يتناول‬ ‫كــل أشــكال الــوعى الزائفــة والواهمــة ول يســتبعد أى شــئ‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫افتراضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات‬ ‫أو مسلمات‪ .249 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .

‬وهــو هنــا يعــود مــرة أخــرى إلــى‬ ‫الفكرة أو النظرة القديمــة للفلســفة‪ ،‬لن هوســرل ينظــر إلــى‬ ‫الفلسفة الولى هى أنها فلسفة ماهيات ومبادئ أولــى وأســس‬ ‫وأصــول‪ ،‬وهــو نفــس التصــور القــديم‪ .‬والملحظ هنا أن هوسرل ينظر إلى الفلسفة باعتبارهــا‬ ‫علما ً على أنها فلسفة أولــى‪ .‬وهنا يكون هيجل أيضا ً‬ ‫سابقا ً على هوسرل فى تحقيق الهداف التى يضــعها فــى آخــر‬ ‫التأملت‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬إشكالية المنهج ‪:‬‬ ‫عامل هوسرل الفينومينولوجيا على أنها منهــج فــى البحــث‬ ‫الفلســـــــــــفى فهـــــــــــى منهـــــــــــج لتأســـــــــــيس‬ ‫” المنطــق الخــالص “ فــى ” أبحــاث منطقيــة “‪ ،‬ومنهــج فــى‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫)(‬ ‫هوسرل‪ :‬تأملت ديكارتية‪ ،‬ص ‪.‬وبعبارة أاخرى‪،‬‬ ‫فإان الطريق الذى يؤدى إالى معرفة الأإسس الأإخيرة بأاوسع معنى للكلمة‪ ،‬أاى بمعنى أان العلم‬ ‫الفلسفى هو الطريق نحو الوعى الكلى للذات بذاتها‪ ،‬أاى بالوحدة الذاتية )الموناد( أاولًإ‪ ،‬ثم‬ ‫بالإشددددراك بيددن د الوحدددددددات الذاتيددة د ثانيددًا د “)‪ .(2‬ويكـون ذلـك عـن وطريـق العـودة‬ ‫ددت‬ ‫المباشرة إلى الذات بالبوخية وفقدان العالم مؤقتًا‪ ،‬أمــا هيجــل‬ ‫فيقوم بنفس الشئ لكن عن وطريق لغير مباشر‪ ،‬الطريــق الــذى‬ ‫قطعته الذات نفســها فــى معاناتهــا وتيههــا فــى العــالم ووســط‬ ‫الموضــوعات حــتى عــادت إلــى ذاتهــا‪ .(1‬‬ ‫يقول هوسرل‪ ” :‬نجد أامامنا نظامًا من التعاليم الظاهرية التى تقوم على قاعدة‬ ‫أاساسية ليست هى بديهية الأإنا أافكر‪ ،‬بل الوعى الكامل التام والكلى للذات نفسها‪ .‬كمــا‬ ‫يظهــــــــــر هــــــــــذا واضــــــــــحا ً فــــــــــى مقــــــــــاله‬ ‫” الفلسفة باعتبارها علما ً دقيقا ً “)‪.‬هيجــل ل يبــدأ بالــذات‬ ‫المطلقة بل بحالة الضياع فى العالم واصل ً منهــا بالتدريــج إلــى‬ ‫كيفية عودة الذات لذاتها‪ ،‬من اللغتراب والتموضع والتشـيؤ إلـى‬ ‫الوفا ق وعودة النسجام والوعى الذاتى‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫ويــذهب هوســرل إلــى أن الفينومينولوجيــا الماهويــة هــى‬ ‫الصورة الوحيدة التى يتحقق بهــا العلــم الفلســفى أو الفلســفة‬ ‫الولى‪ .‬الجديــد الــذى يــأتى بــه‬ ‫هوســرل هــو أن الطريــق إلــى هــذه الفلســفة الولــى هــو‬ ‫الفينومينولوجيا‪ ،‬والفينومينولوجيا الماهويــة بــوجه خــاص‪ . 170.295‬‬ ‫‪.250 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .

251 -‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬‬ ‫‪ .‬هــذا النســق ليــس‬ ‫نسقا ً بمعنى نظرية علمية تبدأ بمسلمات ومصــادرات وتحتــوى‬ ‫على قضايا وبرهان وتنتهى بنتيجة‪ ،‬بل هو نســق بمعنــى عمليــة‬ ‫التكــوين المعرفــى الــتى تــؤدى إلــى الحقيقــة فــى النهايــة‪ ،‬أى‬ ‫الرحلة المعرفية)‪ .‬‬ ‫‪. Cit.‬‬ ‫‪Hegel: Phenomenology of Spirit. 70.‬وهنــاك ضــرورة‬ ‫داخلية تفرض على المعرفة أن تكون علمًا‪ ،‬أى أن يتــم التعــبير‬ ‫عنها فى صــورة نســق فلســفى‪ ،‬هــذه الضــرورة الداخليــة هــى‬ ‫عملية تطور الفكر الفلسفى ذاته‪ ،‬فعملية تطــوره هــذه عمليــة‬ ‫مقصودة ولغائيــة وعضــوية إذ أن كـل مــذهب يــؤدى إلــى الخــر‬ ‫الذى يليه عن ضرورة وبطريقة تراكمية)‪ . P.‬لكنه فى الحقيقة كان يؤسس مذهبا ً دون أن‬ ‫يقصـــد‪ ،‬فالفينومينولوجيـــا هـــى ذاتهـــا المـــذهب المثـــالى‬ ‫الترانسندنتالى الذى أراد تأسيسه‪ ،‬إنها مذهب متنكر فى صورة‬ ‫منهج‪ .‬‬ ‫‪Loc.(1‬ويذهب هيجــل إلــى أن الفلســفة يجــب أن‬ ‫نساعدها كى تقترب من شكل العلــم‪ ،‬أو يجــب أن تكــون علمـا ً‬ ‫كمــا يــذهب هوســرل‪ ،‬بــأن نكــف عــن اعتبارهــا حب ـا ً للمعرفــة‬ ‫ونمارسها باعتبارهــا معرفــة متحققــة بالفعــل‪ .1‬مفهوم هيجل عن المنهج ‪:‬‬ ‫العلم عند هيجل هو التعبير النسقى عن الحقيقة‪ ،‬الطريقــة‬ ‫الــــــــــــــتى توضــــــــــــــع بهــــــــــــــا الحقيقــــــــــــــة‬ ‫أو الصورة التى توضع فيها فى شكل نسق‪ .(2‬تاريخ الفلســفة هــو‬ ‫الذى يوضح أن هناك ضرورة داخلية لتحقق الفلسفة فى صورة‬ ‫علم أو مذهب‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫تأســــــيس ” مــــــذهب مثــــــالى ترانســــــندنتالى “ فــــــى‬ ‫” الفكــار “ و ” تــأملت ديكارتيــة “‪ ،‬وفــى تأســيس ” منطــق‬ ‫ترانســــندنتالى “ فــــى ” المنطــــق الصــــورى والمنطــــق‬ ‫الترانسندنتالى “‪ .‬وكانت فلســفة هوســرل بــذلك تحقــق الفكــرة الهيجليــة‬ ‫الشهيرة القائلة إن الطريق الذى يقطعه العلم هو ذاتــه العلــم‪،‬‬ ‫فالعلم عند هيجل‪ ،‬أى الفلســفة الشــاملة‪ ،‬ل يتمثــل فــى نتيجــة‬ ‫نهائية أو فى نقطة الوصول‪ ،‬بل فى الرحلة الــتى يقطعهــا بكــل‬ ‫مراحلها‪.

‬ويصف لور موقف هوسرل العدائى من المذهب ويقول‬ ‫إن المذهب فى نظره ينزع دائم ـا ً لن يتجــاوز البيانــات المقــام‬ ‫عليها‪ .2‬مفهوم هوسرل عن المنهج ‪:‬‬ ‫كان هوسرل دائم الرفض لن يكون قد أسس مذهبًا‪ ،‬وأنــه‬ ‫ليس لديه مذهب‪ .‬يريد أن يقول إن للمــذهب قــوة تفســيرية هائلــة تتعــدى‬ ‫نطا ق المجال الذى ينظر له وينشأ فيــه ليفســره‪ ،‬والحقيقــة أن‬ ‫‪.‬إنــه مشــغول‬ ‫بالبحث عن منهج للفلسفة‪ ،‬منهج خالص ونقى‪ ،‬ويســتمر وطــوال‬ ‫حياته فى تطويره وتحسينه‪ .252 -‬‬ .‬يجــب ممارســة المعرفــة للحكــم‬ ‫عليها بعد ذلك‪ ،‬بالضافة إلى أن نقــد أداة المعرفــة هــو فــى حــد‬ ‫ذاته معرفــة‪ ،‬ولــذلك يبــدأ هيجــل فــى الفينومينولوجيــا مباشــرة‬ ‫بفحص أشكال المعرفة أو الخبرة التى تحققت بالفعل‪ .‬هــل تنشــأ فينومينولوجيــا هوســرل‬ ‫من موضوع الفينومينولوجيا ؟ ل‪ .‬لن المنهج الفينومينولوجى هو‬ ‫الذى يصنع موضوعه ل العكس‪.‬لماذا ؟ لنه قدم منهجـا ً فقــط‪ ،‬لكننــا ســوف‬ ‫نثبت أن هذا المنهج هو فى حقيقته مــذهب متخــف فــى صــورة‬ ‫منهج‪ .‬وهـــل أداة المعرفـــة أو المنهـــج‬ ‫الفينومينولوجى متصل أو منفصل عن موضوعه ؟ كيف يتوصــل‬ ‫هوســرل إلــى منهجــه ؟ إذا كــان هنــاك إنفصــال بيــن المنهــج‬ ‫والموضوع فإن النقد الهيجلى أيضا ً سينطبق عليه‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫فــى مقدمــة الفينومينولوجيــا وجــه هيجــل نقــده لنظريــة‬ ‫المعرفة التقليدية وخاصة لكانط لكونه يريــد أن يتعلــم الســباحة‬ ‫قبل أن يقفز إلى الماء‪ ،‬يريــد أن يحــاكم ويفحــص أداة المعرفــة‬ ‫قبل ممارسة المعرفــة ذاتهــا‪ .‬ومــن‬ ‫هنا فإن نقد هيجل لنظرية المعرفة التقليديــة ولفختــه يمكــن أن‬ ‫ينطبـــق علـــى هوســـرل‪ .‬وبخصــوص‬ ‫المنهج الفلسفى يقول هيجل فى الموسوعة أنه يختلف عــن أى‬ ‫منهج آخر‪ ،‬إنه ل يأتى من الخــارج لينطبــق علــى موضــوعه‪ ،‬بــل‬ ‫ينشأ من هذا الموضوع ذاته‪ .‬إنه يصنع أورجانون للفلسفة‪ .‬الحقيقة‬ ‫أن هوسرل هو الخر مشغول بمسألة الداة هــذه‪ .‬إن أفضل مــا‬ ‫يمكن أن يقال فى هــذا الصــدد أن المنهــج الفينومينولــوجى هــو‬ ‫نفســه المعرفــة الــتى يقــدمها لنــا هوســرل‪ ،‬الداة هــى ذاتهــا‬ ‫المعرفة‪ ،‬أداة تحصيل المعرفة هــى المعرفــة ذاتهــا‪ .‬‬ ‫‪ .

75.‬والحقيقــة أن هنــاك تناقض ـا ً فــى‬ ‫فكــر هوســرل بخصــوص هــذه النقطــة بالــذات‪ ،‬فكيــف يصــف‬ ‫هوسرل فلسفته بأنها مثالية ومثاليــة ترانســندنتالية علــى وجــه‬ ‫الخصوص ول يعترف بالمذهب أو بأن لــديه مــذهبا ً ؟ إن مجــرد‬ ‫إعلنه عن مثــاليته الترانســندنتالية يجعــل مــن فلســفته مــذهبا ً‬ ‫على الفور‪ ،‬ويستمر لور فــى القــول بــأن هوســرل ل يتعــاوطف‬ ‫أبدا ً مع هيجل البانى العظيم للمذهب الفلسفى‪ ،‬فهو ينظر إلى‬ ‫مذهبه هذا على أنه لغير علمى ونسبى ويفتقد إلــى نقــد للعقــل‬ ‫ويؤدى فى النهاية إلى رد فعل وطــبيعى ‪ .‬يقول هوسرل إن مـذهب هيجـل‬ ‫لغير علمى وهـو يقصـد بـذلك أنـه ليـس مؤسسـا ً علـى أسـاس‬ ‫منهجى واضح بالمعنى الفلسفى‪ ،‬أى على منهج فلســفى علــى‬ ‫شــاكلة المنهــج الــديكارتى أو المنهــج الفينومينولــوجى ذاتــه‪.‬تاريخيــة‬ ‫فلسفة هيجل ينظر إليها هوسرل على أنها نزعة نســبية‪ ،‬لكنهــا‬ ‫هى ميزة وأفضلية فلسفة هيجل كلهــا‪ (3) .‬‬ ‫الحقيقــة أن لهيجــل منهجــا ً فلســفيا ً ويســمى بنفــس الســم‪:‬‬ ‫الفينومينولوجيا وهذه هى المفارقة الكبرى‪ ،‬كما أن لديه منهجا ً‬ ‫بمعنى أساسا ً من المبادئ الواضحة‪ ،‬وهذا هو منهجه الجدلى‪) .‬‬ ‫‪ (2‬يقول هوســرل أن مــذهب هيجــل نســبى‪ ،‬ويقصــد بــذلك أن‬ ‫فلسفة هيجل تحتوى على قدر كبير من التاريخية وتعترف بدور‬ ‫كــبير وهــام للتاريــخ فــى تشــكيل الحقيقــة الفلســفية‪ .(1)Naturalistic‬هــذه إذن‬ ‫أربع تهم تحتاج إلى تفنيد‪ (1) . Op.253 -‬‬ ‫‪1‬‬ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫هــذا ليــس عيب ـا ً فــى المــذهب بــل ميــزة‪ ،‬وهــو ليــس عيب ـا ً إل‬ ‫لفيلســوف تجريــبى إنجليــزى علــى وطــراز لــوك أو هيــوم‪ ،‬أو‬ ‫فيلسوف واقعى ضيق الفق‪ . Cit.‬إن فينومينولوجيـا هيجـل ذاتهـا مـن بيـن أهـدافها‬ ‫التى يـ ّ‬ ‫العديدة تجاوز إشكاليات نقد العقل‪ ،‬وممارسة فلسفية جديــدة‬ ‫)(‬ ‫‪Lauer: A Reading of Hegel’s Phenomenology of Spirit.‬يقــول هوســرل أن‬ ‫مذهب هيجــل يفتقــد إلــى نقــد للعقــل‪ ،‬لكــن هيجــل قــد رفــض‬ ‫تأسيس المذهب إنطلقا ً مــن نقــد للعقــل علــى شــاكلة كــانط‪،‬‬ ‫فبدل ً من تعلم السباحة قبل القفز إلــى المــاء قفــز هيجــل إلــى‬ ‫الماء مباشرة‪ ،‬كما أن نقد العقل هو فى حد ذاته معرفة وهــو ل‬ ‫يتمتع بالولوية والقبلية وانعدام المسلمات والمصادرات الولية‬ ‫دعيها‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪P.

‬‬ ‫‪ .‬وعلــى‬ ‫الجانب الخر سنجد أن هيجل قد ميز بدقة شــديدة بيــن موقــف‬ ‫الفيلسوف المراقب لحركة الوعى وهذا الوعى ذاته‪ .(1‬النقــاوة المتزايــدة لمجــال البحــث هــى فــى‬ ‫نفــس الــوقت نقــاوة وتجريــد مســتمر لداة البحــث‪ ،‬المنهــج‬ ‫الفينومينولوجى‪ .3‬التمييز بين المنهج وموضوعه ‪:‬‬ ‫فى عمليــات تجريــده المســتمر للــوعى الخــالص ولمجــال‬ ‫البحث الفينومينولوجى يقدم هوسرل فى نفــس الــوقت شــيئا ً‬ ‫آخر لغير ملحظ مباشرة ولول وهلة‪ ،‬إنــه ينقــى أداة البحــث أو‬ ‫المنهــج الفينومينولــوجى نفســه‪ ،‬فكلمــا عمــل علــى تخليــص‬ ‫موضوعه أو مجال بحثه وعلـى تجريــده أكـثر كلمــا فعـل نفـس‬ ‫الشئ بالمنهــج)‪ . 199.‬فهو يعنى أن الفينومينولوجى ل يأخــذ مــن موضــوعه‬ ‫مسافة فاصلة كافية لدراسته بموضــوعية وبــدون تحيــز‪ .‬يقــول هوســرل إن مــذهب هيجــل‬ ‫يؤدى إلى رد فعل ذى نزعة وطبيعية‪ ،‬وهو يقصــد بــذلك أنــه مــن‬ ‫فــرط مثاليـة هيجـل المطلقـة والمتطرفـة فإنهــا تـثير رد فعــل‬ ‫عكسـى وشـديد أيضـا ً نحـو النزعـة الطبيعيـة‪ ،‬وهـو يقصـد بهـا‬ ‫النزعات المادية التى ظهرت لدى فويربــاخ ومــاركس وإنجلــز‪،‬‬ ‫وردود الفعال التجريبية النجليزية على الهيجليــة الجديــدة فــى‬ ‫بريطانيــا‪ .‬ونقــول لهوســرل إن فويربــاخ ومــاركس وإنجلــز ل‬ ‫يمثلون ردود أفعال عكسية ضد هيجل بقدر ما يمثلون اتجاهات‬ ‫تولدت من داخل الفلسـفة الهيجليـة‪ ،‬وهـى عبــارة عــن تطــوير‬ ‫وتنمية للهيجلية ل رد فعل عكسى عليها كما أوحى هؤلء أو كما‬ ‫قدموا فلسفاتهم باعتبارها كذلك كنوع من الدعاية‪.254 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ .‬وليست هذه ميزة إيجابيـة بـل يمكـن أن تكـون عيبـا ً سـلبيًا‪،‬‬ ‫فهــى تعنــى أن البــاحث الفينومينولــوجى يتوحــد مــع موضــوعه‬ ‫ويتماهى معه؛ موقف الوعى المدروس وهو الوعى الخالص هــو‬ ‫نفسه موقـف الـدارس‪ ،‬وعـى البـاحث الفينومينولـوجى نفسـه‪،‬‬ ‫وهذا خطأ‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫تتجنب نقد العقل هذا وتبحث فــى البســتمولوجيا بطريــق آخــر‬ ‫لغير وطريق نقــد العقــل‪ (4) .‬المنهج هنا فى هويــة مــع موضــوعه ومسـاو ق‬ ‫له‪ .‬‬ ‫‪. P.‬صــحيح أن‬ ‫هيجل يدرس جميع أشكال الوعى إنطلقا ً مــن موقــف المعرفــة‬ ‫‪Husserl: Ideas.

4‬صعوبات تقديم فلسفة مثالية للجمهور ‪:‬‬ ‫إن ثلثة من أهم وأشهر كتب هوسرل تحمل نفس العنــوان‬ ‫الفرعى ” مقدمة فى الفينومينولوجيا “‪ ،‬وهى كتب تتوزع‬ ‫على فترات متباعدة تغطى كل مراحل تطور هوسرل الفكــرى‬ ‫) الفكار ‪ ،1913‬تأملت ديكارتية ‪ ،1927‬أزمة العلوم‬ ‫الوروبية ‪ .‬ل يعلن هيجل فى بداية تحليلــه أن هــذه التحليلت‬ ‫مقامة من وجهة نظر الوعى المطلق أو المعرفة المطلقــة‪ ،‬بــل‬ ‫يعلن أنه سوف يتتبع حركة الوعى العادى نفسه وســوف يشــرح‬ ‫موقفه ورحلته ذاتها حتى يصل معه إلى نهاية رحلتــه‪ ،‬الــتى هــى‬ ‫المعرفة المطلقة ذاتها‪ .‬‬ ‫‪ .‬إن إصــرار هيجــل‬ ‫على انه ملحظ ومراقب ومتابع دليل على أنــه ل يــدرس حركــة‬ ‫الوعى بناء على موقف المعرفة المطلقة بل يترك الوعى يصف‬ ‫رحلته بنفسه‪ .‬والملحظ أن هوسرل كلما حــدد مجــال‬ ‫الوعى الخالص فهو فى نفس الوقت يحدد المنهج نفسه‪ ،‬تحديــد‬ ‫المجال هو فى نفــس الــوقت تحديــد للمنهــج‪ .(1936‬تبلغ هذه الكتب نصف المؤلفات المنشورة‬ ‫لهوسرل‪ ،‬فلماذا كان عليه أن يقدم الفينومينولوجيــا بــأكثر مــن‬ ‫صيغة ؟ ولماذا كتب أكثر من مقدمــة لنفــس الفلســفة ؟ يرجــع‬ ‫الســبب فــى ذلـك إلــى تغيــر نظـرة هوسـرل للفينومينولوجيـا‪،‬‬ ‫فعندما كان يعتقد أنها برنامج عمل كتب الفكار سنة ‪،1913‬‬ ‫وعندما رأى أنها تصلح كمقدمة للفلسفة الولى كتب تأملت‬ ‫ديكارتية سنة ‪ ،1927‬وعندما اعتقد أخيرا ً أنها هى ذاتها‬ ‫المذهب الفلسفى ل مجرد أداة أو برنامج أو منهج كتب أزمة‬ ‫العلوم الوروبية سنة ‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫المطلقة‪ ،‬إل أنه يترك الوعى الطبيعى يسير فى وطريقه الجـدلى‬ ‫كاشفا ً عن تناقضاته وتحولته حتى يصل إلى المعرفــة المطلقــة‬ ‫التى هى موقف الفيلســوف الــدارس نفســه‪ .‬‬ ‫‪.1936‬كما يرجع سبب كثرة المقدمات‬ ‫إلى صعوبات تقديم مــذهب مثــالى للجمهــور‪ ،‬تلــك الصــعوبات‬ ‫التى واجهت المثاليين اللمان من قبل‪.255 -‬‬ .‬هوســرل ل يــزال‬ ‫يسيطر عليه النزعة المنهجية وليزال ينظر إلى المنهج باعتبــاره‬ ‫أداة‪.

210‬‬ ‫‪Fichte: Foundations of Transcendental Philosophy. Op.‬حسن حنفى‪ :‬المرجع السابقن ص ‪.‬فنظرا ً للتشابهات والتطابقات‬ ‫والتوازيات العديدة بين هوسرل والمثالية اللمانية وخاصة فخته‪،‬‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫أ‪.96‬هـو‬ ‫تقديم عـرض جديـد للمـذهب أوضـح مـن المنهـج الجديـد وأكـثر‬ ‫تفصيل ً)‪ .212‬‬ ‫‪.213 .‬د‪ .256 -‬‬ ‫)(‬ ‫‪21. Cit.(3‬كمــا أن مشــكلة‬ ‫عرض المذهب والتقديم له وتوضــيح المبــادئ‪ ،‬مبــادئ المــذهب‪،‬‬ ‫هى ما دفعت هيجل للمقارنـة بيـن مـذهبى فختـه وشـلنج‪ ،‬وهـى‬ ‫محاولة دفعته هو نفسه نحو تقـديم عـرض آخـر ومقدمـة أخـرى‬ ‫للمثالية الترانسندنتالية مختلفة تماما ً وهى الفينومينولوجيــا‪ .‬‬ ‫‪2‬‬ .‬ولم يكن فخته راضــيا ً عــن عرضــه للمــذهب فــى‬ ‫علم المعرفة‪ ،‬ويظهر ذلك واضحا ً فـى المنهـج الجديـد‪ ،‬فالهـدف‬ ‫من محاضرات المنهج الجديد وطـوال سـنوات ‪ 1799 .‬‬ ‫‪3‬‬ ‫)(‬ ‫أ‪.‬حسن حنفى‪ :‬فيشته فيلسوف المقاومة‪ ،‬ص ‪.‬لقــد‬ ‫كان بين المثاليين اللمان اتفا ق تام حــول المبــدأ العــام لمــذهب‬ ‫المثالية الترانسندنتالية واختلف مطلــق حــول وطريقــة اســتنباط‬ ‫هذا المبدأ وعرضه وكونه مبدأ لمذهب‪ ،‬وحول شكل هذا المذهب‬ ‫ومكانة المبــدأ منــه‪ .. P.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫واجهت المثالية اللمانية صعوبات كثيرة فى عرضــها علــى‬ ‫الناس‪ ،‬وحتى على وطلب الفلســفة‪ ،‬ففختــه قــدم لمــذهبه فــى‬ ‫عديد من المقدمات‪ ،‬واحدة للعامة وأخرى ” لمــن لهــم مــذهب‬ ‫فلسفى “ وذلك فى ” علم المعرفة “‪ ،‬ومقدمتين أخرتيــن فــى‬ ‫المنهج الجديد ‪ ،Nova Methodo‬ومقدمة أخرى فى ” عرض واضح‬ ‫وضوح النهار “)‪ ،(1‬وأخرى فــى ” رســالة النســان “ فــى صــورة‬ ‫حوار فلسفى‪ .‬والملحـظ أن‬ ‫هوسرل قد قام بنفس الشئ ورأى أيضا ً أن خير وطريقة هى فى‬ ‫استخدام المنهج الفينومينولوجى‪ .‬انتهــى هيجــل إلــى أن خيــر وطريقــة لتقــديم‬ ‫المثالية وتبريرهـا هـى الطريقـة الفينومينولوجيـة‪ .‬د‪ .(2‬وتردد فخته هذا هو ما جعل شلنج نفسه يقــدم عرضـا ً‬ ‫آخر لمذهب فخته فى كتاباته الولـى‪ ،‬وفـى نفـس الـوقت الـذى‬ ‫كان يقدم فيه فخته مذهب المثالية الترانسندنتالية فى مقــدمات‬ ‫وصور مختلفة‪ ،‬كان شلنج يفعل نفس الشـئ حـتى صـدور كتـابه‬ ‫‪ System of Transcendental Idealism‬والذى يعـد هـو الخـر محاولـة‬ ‫جديدة لعرض نفس المذهب ونفس المبادئ)‪ .

82.(1‬‬ ‫يدل هذا على أن المثالية اللمانية واجهت صعوبات كبيرة فــى‬ ‫تقديمها للنــاس بمــا فيهــم المتخصصــين‪ ،‬وهــذا مــا دفــع فختــه‬ ‫لتقديم أربعة مقدمات وعروض كــثيرة بطــر ق مختلفــة لنفــس‬ ‫الفكار‪ .1797‬ما الذى دفع فخته‬ ‫لكتابة مقدمتين لحقتين لعمل كتبــه بالفعــل ســابقا ً ؟ الواضــح‬ ‫أن كتاب السس كانت به درجة عالية مــن الصــعوبة والتعقيــد‬ ‫والتركيز مما دفعه إلى مزيد من التوضيح بكتابة مقدمة للعامة‬ ‫وأخــرى للمتخصصــين‪ .‬وهــذا دليــل علــى أن كلهمــا‪ ،‬العامــة‬ ‫والمتخصصين معًا‪ ،‬وجدوا صعوبة فى فهم علم المعرفــة‪ .‬وإذا‬ ‫إوطلعنا علــى محاضــراته ” المنهــج الجديــد “ الــتى ألقاهــا بيــن‬ ‫‪ 1796‬و ‪ 1799‬وجــدناه فيهــا لغيــر راض أيضــا ً عــن ” علــم‬ ‫المعرفــة “ ويقــدم عرض ـا ً آخــر لنفــس المــذهب يختلــف عــن‬ ‫المقدمتين‪ ،‬بل هو يضع فى محاضراته مقــدمتين مختلفــتين)‪.‬‬ ‫‪.‬وكان هيجل واعيا ً بهذه الصــعوبات‪ ،‬وأدرك أنهــا ترجــع‬ ‫إلــى المبــدأ المســتخدم فــى النســق وإلــى وطريقــه عرضــه‬ ‫والستدلل والبرهان عليه‪ .‬والفينومينولوجيا من هــذه الناحيــة‬ ‫تمثل عرضا ً جديــدا ً مبتكــرا ً للمثاليــة اللمانيــة‪ ،‬مقدمــة جديــدة‬ ‫أخــرى‪ ،‬والحقيقــة أنهــا أثبتــت أنهــا خيــر مقدمــة وأنجــح مــن‬ ‫مقدمات فخته العديدة‪ ،‬ومقدمات شلنج كذلك‪.‬‬ ‫كتب فخته ” أسس علم المعرفة “ ‪Foundation of Entire‬‬ ‫‪ Science of Knowledge‬سنة ‪ ،1794‬وكتب له مقدمتين‪ ،‬واحدة‬ ‫بين ‪ 1795‬و ‪ ،1796‬والخرى سنة ‪ .‬لقـد واجهـت فينومينولوجيـا‬ ‫‪Ibid: P.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫فإن هوسرل هو الخر يعد مقدما ً لطريقة جديدة لعـرض مــذهب‬ ‫المثالية الترانسندنتالية مثل شلنج وهيجل بالضبط‪ ،‬والملحظ أن‬ ‫وطريقته يسميها الفينومينولوجيا تماما ً كما سماها هيجل‪ ،‬وهذا هو‬ ‫المصدر الساسى أو أصل التشابه والتفا ق بينهما‪.‬‬ ‫يمكننا أن نستنتج من كثرة المقدمات الــتى كتبهــا هوســرل‬ ‫للفينومينولوجيا أنها كانت دائما ً فى حاجة إلى تحديــد هويتهــا‪ ،‬إذ‬ ‫لم تكن واضحة بالكامل‪ ،‬وهذا أيضا ً ينطبق على فلســفة فختــه‪،‬‬ ‫الذى قــدم مقــدمات عديــدة لفلســفته ابتــداء مــن ســنة ‪1794‬‬ ‫وحتى أوائل القـرن التاسـع عشـر‪ .257 -‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .

‬‬ ‫‪. Cit.(1‬لقد كان هوسرل وحــتى‬ ‫آخر يوم فى حياته مشــغول ً بهويــة الفينومينولوجيــا‪ ،‬وأعتقــد أن‬ ‫أزمة الهوية لدى الفينومينولوجيــا يرجــع إلــى وطابعهــا الخليطــى‬ ‫وإلى تناقضاتها الكامنــة الــتى تحــدث عنهــا أدورنــو‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫هوسرل صعوبات فى تحديد هويتها‪ ،‬وهذه الهويــة كــانت هويتهــا‬ ‫إزاء المحيـــط الفلســـفى‪ ،‬أى المـــذاهب الفلســـفية الخـــرى‬ ‫المعاصــرة لهــا‪ ،‬وكــذلك إزاء الــتراث الفلســفى الغربــى كلــه‪.‬وأعتقــد أن‬ ‫أزمة الهوية هذه راجعة أيضا ً إلى صعوبات واجههــا‪ ،‬أو صــعوبات‬ ‫تواجهها فلسفة ترانســندنتالية يــراد لهــا أن تظهــر وتثبــت ذاتهــا‬ ‫وتفرض سـيطرتها فـى عصـر انتهـت فيـه الفلسـفات المثاليـة‪..‬ســبب أزمــة الهويــة فــى‬ ‫فينومينولوجيا هوسرل هو قفزها على المثاليــة اللمانيــة وعــدم‬ ‫وعيها الكامل بصلتها الوثيقــة بالمثاليــة اللمانيــة‪ . Op.‬‬ ‫وجزء من أسباب هذه الزمة أيضا ً يرجع إلــى الطــابع المتنــاقض‬ ‫لفينومينولوجيــا هوســرل‪ ،‬إذ أنهــا فينومينولوجيــا بــدون جــدل‪،‬‬ ‫وهيجليــة بـدون هيجـل‪ ،‬تتظـاهر بأنهــا تفهـم جيـدا ً وعلـى وعــى‬ ‫بأصولها التاريخية فى الوقت الذى يتجاهــل فيــه تمام ـا ً المثاليــة‬ ‫اللمانية‪ ،‬تعتقد أنها الغاية والهدف الخير للتطور الفلسفى فــى‬ ‫حين أنها ل تنظر إلى فخته وهيجل علـى أنهمـا نقطـة إنطلقهـا‪،‬‬ ‫بــل تنظــر إلــى كــانط والنزعــة الســيكولوجية‪ ،‬أى الكانطيــة‬ ‫الجديــدة‪ ،‬علــى أنهــا نقطــة إنطلقهــا‪ . P.‬وأزمــة‬ ‫الهوية هذه هــى الــتى دفعــت هوســرل نحــو التأمــل الــديكارتى‬ ‫السادس‪ ،‬مقدمة أخرى وتحديد آخر لهوية الفينومينولوجيــا وقــد‬ ‫كتبه يوجين فنك آخر تلميذ هوسرل)‪ .258 -‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬والحقيقــة أن‬ ‫أزمة الهوية هذه‪ ،‬والتى بــدأت الفينومينولوجيــا تعــانى منهــا مــع‬ ‫ظهور هايدجر والوجودية فـى النصـف الثـانى مـن العشـرينات‪،‬‬ ‫هى الـتى دفعـت هوسـرل نحـو مواقـف أكـثر هيجليـة‪ ،‬أى نحـو‬ ‫المصدر الصلى للفينومينولوجيا وتطورهــا الخيــر لــدى هيجــل‪،‬‬ ‫‪Eugen Fink: Sixth Cartesian Meditation.‬‬ ‫وظلت فينومينولوجيا هوسرل تعانى من أزمة الهوية حتى وفــاة‬ ‫هوسرل نفســه‪ ،‬وخاصــة بظهــور هايــدجر الــذى فرضــت كتبــه‪:‬‬ ‫الوجــود والزمــان‪ ،‬وكــانط ومشــكلة الميتافيزيقــا ومــا هــى‬ ‫الميتافيزيقــا علــى هوســرل أن يعيــد تعريــف الفينومينولوجيــا‬ ‫وتحديد هويتها مرة أخرى‪ ،‬وهو ما نتج عنه كتاب الزمــة‪ . 2.

‬يتلخص نقد‬ ‫هوسرل للنزعة التاريخية عند هيجل فى التى‪ (1) :‬بــرر هيجــل‬ ‫شرعية كل فلسفة سابقة انطلقا ً من أنها تعــبير عــن عصــرها‪،‬‬ ‫فكر الفلسفات عنده صحيحة‪ .‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬استبعاد هوسرل للجانب التاريخى ‪:‬‬ ‫ظل هوسرل يستبعد تاريخ الفلسفة من مذهبه ابتداء من ”‬ ‫الفلسفة باعتبارها علما ً دقيقا ً “ )‪ (1911‬وحتى ” تأملت‬ ‫ديكارتية “ )‪ .‬لقــد‬ ‫دفعــت أزمــة الهويــة الفينومينولوجيــا نحــو مصــادرها الحقيقــة‬ ‫ونقاط انطلقها اللشعورية وإلــى الــوعى بمــا كــان فــى نطــا ق‬ ‫اللوعى‪.‬وهــذا بالضــبط مــن وجهــة نظــر‬ ‫هوسرل هو ما يجعل هيجل متهمـا ً بالنســبية‪ (2) .(1927‬أما فى ” أزمة العلوم الوروبية “ )‬ ‫‪ (1936‬فنشهد انقلبا ً فى موقف هوسرل من التاريخ ومحاولة‬ ‫إدخال الجانب التاريخى فى فلسفته والــتى تمثــل رجوع ـا ً عــن‬ ‫كل مواقفه الثابتة السابقة والتى ظل ملتزما ً بها وطوال مراحل‬ ‫تطوره الفكرى‪ .‬أدت فلســفة‬ ‫هيجل وخاصة فى تطوراتها التالية إلى ردود فعــل ســلبية علــى‬ ‫العلم والتطور العلمــى‪ (3) .‬‬ ‫قــدم هوســرل نقــده الساســى للنزعــة التاريخيــة فــى ”‬ ‫الفلسفة باعتبارها علما ً دقيقا ً “‪ ،‬وركز نقده على هيجل‬ ‫الفيلسوف التاريخى صاحب أقوى فلسفة تاريخية‪ .‬فلســفة هيجــل بإدعائهــا أنهــا هــى‬ ‫الصحيحة وهــى آخــر فلســفة‪ ،‬وأن منهجهــا هــو المنهــج الوحيــد‬ ‫الصحيح سدت الطريق أمام أى محاولة لجعل الفلســفى علم ـا ً‬ ‫دقيقًا‪ (4) .‬يتناول هذا العنصر موقف هوســرل المســتبعد‬ ‫للتاريخ‪ ،‬ويتناول العنصر التالى النقلب الذى حــدث فــى رؤيتــه‬ ‫وتحوله إلى النزعة التاريخية‪.259 -‬‬ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫حتى أصبح يتفلسف بالطريقة الهيجلية تماما ً فى الزمة ويعتنق‬ ‫فلسفة فى التاريخ ونظرة لتاريخ الفلسفة هيجليــة تمامـًا‪ ،‬وهـذا‬ ‫أيضا ً ما دفعه فى كتـاب الزمـة إلـى إدراك الصـلة مـع المثاليـة‬ ‫اللمانية ولو فى إشارتين عابرتين‪ ،‬ومــا دفــع تلميــذه فنــك إلــى‬ ‫التصريح بوضوح بهذه العلقة الوثيقة فى التأمل السادس‪ .‬اعترض هوسرل على النزعة المذهبية عنــد هيجــل‪،‬‬ ‫فالحقيقــة الفلســفية ل يصــح أن توضــح فــى صــورة مــذهب‬ ‫‪.

‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫فلسفى وفى شكل ‪ Doctrines‬ثابتة أزلية‪ .78‬إذ يــذهب إلــى أن ردود الفعــل‬ ‫الهيجليــة علــى العلــم الحــديث أتــت بعــد هيجــل مــن جــانب‬ ‫الهيجليين‪ ،‬أى أن فلسفة هيجل نفسه ل ذنب لها فى ذلك‪ ،‬كمــا‬ ‫يقول هوسرل فى نفس الصــفحة أن أى فلســفة تنكــر إمكانيــة‬ ‫قيــام فلســفة مطلقــة ونهائيــة أو فلســفة أولــى ل تســتحق أن‬ ‫تسمى فلسفة‪ ،‬لكن فلسفة هيجل من هذه الوجهة فــى النظــر‬ ‫ستكون مستحقة لسم الفلسفة عن جدارة‪ .‬والغريب أن التهامات السابقة يرد‬ ‫عليهــا هوســرل نفســه ص ‪ .‬‬ ‫وقد أدرك هايدجر عداء هوسرل للنزعة التاريخية منذ وقت‬ ‫مبكر )‪ ،(1927‬وذلك قبل أن يرجع هوسرل عــن مــوقفه ذلــك‬ ‫فى ” أزمة العلوم الوروبية “‪ .‬ولـذلك فـإن هوسـرل‬ ‫عمــل عــن قصــد علــى اســتبعاد هيجــل مــن فلســفته تمامــًا‪،‬‬ ‫واستبعاد أى عنصر هيجلى‪ .260 -‬‬ .‬يقبل هوسرل فكرة الفلســفة المطلقــة‬ ‫ويقــول أن اى فلســفة ل تعــترف بفكــرة الفلســفة المطلقــة ل‬ ‫تستحق اسم الفلسفة‪ ،‬وفى نفس الوقت يرفض فلسفة هيجل‬ ‫لنها أو لدعائها أنها فلســفة مطلقــة‪ ،‬والفلســفة المطلقــة مــن‬ ‫المنطقـــى أن تـــدعى أن منهجهـــا هـــو الصـــحيح وأنهـــا آخـــر‬ ‫الفلســفات‪ .‬كتب هايدجر عن ممارسة‬ ‫هوسرل للبحث الفينومينولوجى وتدريبه لتلميــذه علــى القيــام‬ ‫بالرؤيــــــــــــــــة الفينومينولوجيــــــــــــــــة أنهــــــــــــــــا‬ ‫” تتطلب من المرء التخلى عن الإستخدام اللامفحوص للمعرفة الفلسفية “ أى عدم‬ ‫القتراب من التراث الفلسفى السابق واستخدامه فـى التأمـل‬ ‫أو تــــــوظيفه أو الســــــتعانة بــــــه فــــــى الستشــــــهاد‬ ‫أو فى إثبات صحة فكرة أو تأمل معين‪ ،‬وكذلك ” التخلى عن إادخال‬ ‫‪.‬هوســرل إذن ينــاقض نفســه فــى نقــده لهيجلــن‬ ‫والحقيقة أن ما ينقده عند هيجل يقــوم بــه بنفســهن فهــو أيضـا ً‬ ‫يــدعى أن منهجــه هــو أصــح منهــج وأن فلســفته هــى الفلســفة‬ ‫المطلقة والنهائية والولى كذلك‪.‬هذا بالضافة إلــى‬ ‫أن فلسفة هيجــل بإدعائهــا أنهــا فلســفة مطلقــة ونهائيــة فمــن‬ ‫الطبيعى أن يكون منهجها هو المنهج الوحيد الصحيح وأنهــا آخــر‬ ‫المذاهب والفلسفات‪ .

(1‬وهذا هو السبب فى أن هوسرل‬ ‫وتلميــذه لــم يســتطيعوا ولــم يريــدوا أن يبحثــوا فــى القــرب‬ ‫والتشابه والتوازى بين الفينومينولوجيا والمثالية اللمانية‪ ،‬ولــم‬ ‫يــدركوا أن النتائــج الــتى توصــلوا إليهــا واحــدة أو علــى القــل‬ ‫متشابهة‪ . Cit.‬والحقيقــة أن الديكارتيــة تعرضــت للســتئناف وللنقــد‬ ‫‪Heiddeger: History of the Concept of Time. Op.261 -‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ويتوقــف هوســرل عنــد كــانط ول‬ ‫يــدرس مــاذا حــدث للفلســفة بعــده علــى يــدى فختــه وشــلنج‬ ‫وهيجــل‪ . P. 21.‬الحقيقة أن هوسرل قد رجــع عــن وطريقتــه هــذه‬ ‫فى الزمة عندما لجأ إلى التأمل التاريخى فى تاريــخ الفلســفة‪،‬‬ ‫وأيضا ً قبلها عنـدما أعلـن أن منهجـه يشــبه المنهـج الـديكارتى‪،‬‬ ‫لكنه فى الحقيقة ليس كذلك‪ ،‬إنه المنهج الفختى بحذافيره‪..‬لقد فرض عليهم هوسرل القيام بإبوخية على التراث‬ ‫الفلسفى وخاصة المثالية اللمانية‪ ،‬وكان هذا البوخية فى لغاية‬ ‫الضــرر لنــه قطــع إمكانيــة أى مقارنــة بيــن الفينومينولوجيــا‬ ‫والمثالية اللمانية‪ ،‬كما جعل من الباحثين التاليين لغيــر منتبهيــن‬ ‫لهذه الصلت‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫سلطة المفكرين الكبار فى النقاش “)‪ .‬هوســرل فقــط هــو الــذى تمكــن مــن‬ ‫استئناف الحدس الديكارتى للنا واستئناف مشروعه واكتشاف‬ ‫البعاد الفينومينولوجية لديه‪ .‬‬ ‫‪.‬أخطأ لوك الكوجيتو الــديكارتى بــأن‬ ‫أضفى على النا نزعة سيكولوجية وفاته البعد الفينومينولوجى‪،‬‬ ‫وكــذلك هيــوم وكــانط‪ .‬‬ ‫مــا يؤكــد وجهــة نظرنــا فــى موقــف هوســرل مــن تاريــخ‬ ‫الفلســفة مــن أنــه اســتعادى اســتئنافى ل تراكمــى وتقــدمى‬ ‫وتطورى وأن تاريخيته هى تاريخية العودة إلى الصل الديكارتى‬ ‫ أنه فى الزمة يعالج ديكــارت علــى أنــه فاتــح أو بــادئ البدايــة‬‫الصحيحة للفكر الحــديث بوضــعه للنــا أفكــر‪ ،‬وتفســيره للــوك‬ ‫وهيــوم وكــانط علــى أنهــم يمثلــون انحرافــات عــن الديكارتيــة‬ ‫الصلية‪ ،‬وعلى أنهــم فشــلوا أو أخطــأوا البعــد الفينومينولــوجى‬ ‫المتضمن فى الديكارتية ولــم يســتطيعوا اكتشــافه‪ ،‬وقــد أثبتنــا‬ ‫نحن ما فى النقد الكانطى من أبعاد فينومينولوجية لــم يســتطع‬ ‫أن يجدها هوسرل نفسه‪ :‬القصدية‪ ،‬الدور المعرفــى المؤســس‬ ‫للذاتية الترانسندنتالية‪ ،‬مواجهة علم النفس‪ ،‬البوخيــة‪ ،‬الزمــان‬ ‫الداخلى أو الحس الباوطن‪ .

262 -‬‬ .‬لقد كانت الديكارتيــة حاضــرة دائم ـا ً فــى‬ ‫الفلسفة الحديثة‪ ،‬وهذا الحضور الدائم والمطلــق ل يجعــل مــن‬ ‫رؤية هوسرل لتاريخ الفلسفة رؤية تاريخانية بل سكونية وثابتة‪،‬‬ ‫إنه العود البدى عند نتشه‪ ،‬فليست هناك حركة متطورة تعمــل‬ ‫على إنضاج الفكرة كما عنــد هيجــل وتعمــل علــى تقــدم الفكــر‬ ‫كلما استمر إلى المام‪ ،‬بل هنــاك لحظــة متكــررة التواجــد يتــم‬ ‫نسيانها أحيانا ً وتذكرها مع انحراف أو تحريف لها أحيان أخرى‪.‬‬ ‫تكشـف رؤيـة هوسـرل للديكارتيـة عـن أنـه ينظـر إليهـا أو‬ ‫يعتبرهـــــــــــــــــا ” راهنيـــــــــــــــــة مطلقـــــــــــــــــة “‬ ‫أو حضــور دائــم عــبر تاريــخ الفلســفة الحديثــة‪ ،‬فهــى البدايــة‬ ‫الحقيقية للبوخية والكوجيتو‪ ،‬وظلت هذه البداية حاضــرة لكــن‬ ‫مع تشوهات وانحرافــات لــديه مــع لــوك وهيــوم وكــانط‪ ،‬حــتى‬ ‫وصلت إلى هوسرل‪ .‬‬ ‫إن نظرة هوسرل لفلسفته على أنها استئناف للديكارتية ل‬ ‫تضفى البعد التاريخى على فلسفته‪ ،‬بل تلغيه تمامًا‪ ،‬وذلك لنها‬ ‫تبقى فى بنيتها ووطريقة تفكيرهـا ل تاريخيـة‪ ،‬تبقـى تحليل ً لبنـاء‬ ‫الوعى الخالص‪ ،‬الوعى اللتاريخى فى الساس‪ .‬إذا كنــت تريــد‬ ‫من التحليل الفينومينولوجى للوعى أن يكون تاريخيا ً فيجب أن‬ ‫تحلل أشكال الوعى العينى التى ظهرت فى التاريخ بالفعل‪ ،‬أى‬ ‫يجب أن تلجأ إلى فينومينولوجيا للروح‪ ،‬وقد فعل هيجل ذلك‪ ،‬ل‬ ‫إلــى فينومينولوجيــا للــوعى الخــالص‪ .‬تبقــى علقــة هوســرل‬ ‫بالتاريخية علقة خارجية فى الساس‪ ،‬فهى علقة تربط مــذهبه‬ ‫بمــذهب ديكــارت المتشــابه معــه فــى التــأملين الول والثــانى‪:‬‬ ‫الشك والنا أفكر‪ ،‬أى اليبوخية والرد والذاتية الترانسندنتالية أو‬ ‫الوعى الخالص أو النويس العلقة مــع ديكــارت والــتى يصــورها‬ ‫فتحى انفرد على أنها تدخل البعد التاريخى وتقيم صلة مع تاريخ‬ ‫الفلسفة فى فينومينولوجيا هوسرل ل تقدر علــى ذلــك بالفعــل‬ ‫لنها ليست إل علقة واحدة ذات وطرفيــن‪ :‬هوســرل وديكــارت‪،‬‬ ‫‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫على يدى فخته وهيجــل علــى التــوالى وكــل ذلــك لــم ينتبــه لــه‬ ‫هوسرل‪ ،‬والسبب أنه لم يكن دارسا ً جيدا ً لتاريخ الفلسفة‪ ،‬لنه‬ ‫قد مارس البوخية على هذا التاريخ منذ البداية‪.

‬‬ ‫ذهب هوسرل فى ” تأملت ديكارتية “ إلى ” ضرورة البدء بدءًا جذرياً‬ ‫الفلسدددة “)‪ .‬موقف هوســرل مــن‬ ‫تاريــخ الفلســفة مشــابه لموقــف الفكــر الــدينى اليهــودى‪،‬‬ ‫والسلمى أيضـًا‪ :‬اســتئناف أو اســتعادة البدايــة الولــى النقيــة‬ ‫والخالصــة‪ ،‬وإذا كــان لليبوخيــة بعــدا ً تاريخيـا ً فهــو يتمثــل فــى‬ ‫العودة إلى الصل‪ ،‬فاليبوخية يضـع كـل الفلسـفات المعاصـرة‬ ‫والســابقة بيــن قوســين ويصــل إلــى موقــف ديكــارتى‪ ،‬موقــف‬ ‫البداية الولى‪ ،‬ولذلك فتاريخية اليبوخية هى تاريخيــة اســتئناف‬ ‫واستعادة للصل وذلك بعزل كل ما بين هوسرل وهذا الصل أو‬ ‫البداية من مذاهب‪.‬هيجل ينظر إلى علقة فلسفته بتاريــخ‬ ‫الفلسفة علـى أنهـا تراكميـة‪ ،‬وينظـر إليهـا هوسـرل علـى أنهـا‬ ‫استعادية واستئنافية‪ ،‬إنها استعادة الصل المنســى والــتى يعــاد‬ ‫ظهورها لدى هايدجر‪ ،‬وهى كذلك شبيهه بالفكر الدينى اليهودى‬ ‫الذى كان يصــر دائمـا ً علــى العــودة إلــى الصــل وإلــى البدايــة‬ ‫الخالصة النقية أو استعادتها أو استئنافها‪ .‬‬ ‫كما أن قول هوسرل هذا مناقض لما سوف يقوم به هــو نفســه‬ ‫فى أزمة العلوم الوروبية إذ سيوضح أن الفينومينولوجيا نتيجــة‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫هوسرل‪ :‬تأملت ديكارتية‪ ،‬ص ‪.263 -‬‬ .(1‬هذه الفكرة لدى هوسرل تكشف عن موقفه‬ ‫جديدددًا فدىد دفد‬ ‫من تاريخ الفلسفة المناقض لموقف هيجل‪ ،‬فليس هنــاك بــدءا ً‬ ‫جذريا ً جديدا ً فى الفلسفة لدى هيجـل‪ ،‬فكـل فلسـفة تبــدأ مــن‬ ‫نقطة نهاية سابقتها‪ ،‬ذلــك لن تاريــخ الفلســفة تراكمــى ودائــم‬ ‫التقدم وسلسلة متصلة الحلقات‪ .103‬‬ ‫‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫وكل ما بينهمــا ل ينتمــى للعلقــة‪ ،‬إنهــا علقــة مـع أصــل وبدايـة‬ ‫واحدة ونقطة إنطل ق ل علقة مــع تاريــخ بــأكمله‪ ،‬ل علقــة مــع‬ ‫تاريخ بمعنى سلسلة متطورة ومتقدمة من أشكال الوعى ومن‬ ‫النكشاف التدريجى للحقيقة حــتى تفتحهــا الكامــل مــع هيجــل‬ ‫مث ً‬ ‫ل‪ ،‬بل هى علقـة ذات اتجـاه واحـد وترجـع إلـى نقطـة بدايـة‬ ‫واحـدة فقـط ُتسـتأنف وتسـتعاد مـع هوسـرل‪ ،‬إنهـا علقـة مـع‬ ‫الصل ل مع التاريخ كله‪ .‬يذهب هوسرل إلــى ضــرورة‬ ‫البدء جذريا ً فى الفلسفة بناء على فلسفته هو الــتى تبــدأ بالنــا‬ ‫الخالص والبوخية‪ ،‬فهذه المبادئ تتطلب بالفعل بدايــة جديــدة‪.

‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫وطبيعيــة ومنطقيــة لتطــور الفكــر الوروبــى وضــرورة تحتمهــا‬ ‫اتجاهات هذا التطور‪ ،‬كما أن لها إرهاصات أيضا ً فــى فلســفات‬ ‫سابقة مثــل ديكــارت وكــانط وبرنتنــانو‪ . 339.‬هوســرل ل يبــدأ بدايــة‬ ‫جذرية جديدة وهذا باعترافه هو‪ ،‬وأيضا ً بتحليل عميق لفلســفته‬ ‫والذى يكشف عن خلفيات كانطيــة جديــدة وأخــرى مــن دلتــاى‬ ‫وثالثة من فخته ويبدو أنه نفسه لغير واع لها‪.‬‬ ‫رابعا ً ‪ -‬الموقف الهيجلية الخيرة لهوسرل ‪:‬‬ ‫رجع هوسرل عن مواقفه السابقة من النزعة التاريخية فى‬ ‫” أزمة العلوم الوروبية “ )‪ (1936‬الذى هو آخر مؤلفاته‬ ‫المنشورة‪.‬المحايثــة‬ ‫موضوع مشترك لدى هيجل وهوسرل‪ ،‬وكذلك التطور المحايث‬ ‫أو الباوطنى لعلم الفلسفى الكلى‪.‬‬ ‫‪..‬‬ ‫وتأكيدا ً من هوسرل على الجانب التــاريخى فــى الفلســفة‬ ‫يقول‪ ” :‬إان تاريخ الفلسفة ننظر إاليه من الداخل‪ ،‬هو صراع أاجيال الفلاسفة‪ ،‬الذين هم‬ ‫حاملى ذلك التطور الروحى‪ ،‬العائشين والمستمرين فى الحياة فى جماعة روحية‪ ،‬فى الصراع‬ ‫المستمر للعقل “ المستيقظ ” لأإن يأاتى إالى نفسه‪ ،‬لفهم لذاته‪ ،‬لعقل يفهم ذاته عينياً فى فهمه‬ ‫الشدددملة الكليدةد “)‪ .‬‬ ‫يتضـــح مـــن كتـــاب الزمـــة كيـــف ينظـــر هوســـرل إلـــى‬ ‫الفينومينولوجيا على أنها لغاية محايثة للتطــور الفلســفى‪ ،‬وهنــا‬ ‫تظهر مقارنة مع هيجل‪ ،‬لن هيجل هــو الخــر ينظــر إلــى علمــه‬ ‫الفلسفى أو منطقه أو فلسفته فى الهوية على أنها لغاية محايثة‬ ‫ظلت تتكشف وتتحقق بالتدريج وطوال تطور الفلســفة وصــراع‬ ‫مذاهبها حتى اكتمل ظهورها النهائى على يــد هيجــل‪ .‬العقل الواعى بذاته يسعى نحــو فهــم ذاتــه‬ ‫عن وطريق فهمه للعالم‪. Cit.‬‬ ‫يتحدث هوسرل حديثا ً هيجليا ً عن تطــور الفلســفة الحقــة‪،‬‬ ‫‪Husserl: The Crisis of European Sciences.‬وهـو تاريـخ للتطـور‬ ‫الروحــى لهــؤلء الفلســفة الــذى هــو نفــس التطــور الروحــى‬ ‫للنسانية كلها‪ (3) . Op. P.264 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .(1‬تحتوى هذه الفقرة‬ ‫موجددددد فدى د حقيقتدهد داد‬ ‫كمددد هدوددد دو‬ ‫الموجددددد‪ ،‬دا‬ ‫للعدددلم دو‬ ‫دا‬ ‫علــى عــدد مــن الفكــار الهيجليــة الصــحيحة وهــى‪ (1) :‬تاريــخ‬ ‫الفلسفة تاريخ صراع أجيال الفلسفة‪ (2) .

Cit.‬يقول هوسرل‪ ” :‬ولذلك فالفلسفة الترانسندنتالية فى أاشكالها‬ ‫غير الناضجة الأإولى فى ال إإنجليزيةولدى كانط‪ ،‬على الرغم من أان هؤلإءالفلاسفةلم ينجزوا تأاسيسًا‬ ‫علميًا جادًا‪ ،‬وعلى الرغم من أان هيوم قد انسحب إالى شكية أاكاديمية غير صحية‪ ،‬لإ تشكل طريقًا‬ ‫خاطئًا‪ ،‬ولإحتى ” أاحد “ الطرق من بين طرق عديدة‪ ،‬بل الطريق الوحيد نحو المستقبل الذى‬ ‫كان يجب أان يأاخذه التطور الفلسفى بإاطلاقوذلك كى تتغلغل إالى الشكل المنهجى المحقق الذى‬ ‫من خلالهفقط يمكنها أان تكون علمية‪ ،‬فلسفة تعمل فى ظل الفهم الذاتى الواقعى لمعنى مهمتها ‪-‬‬ ‫إقرأ رسالتها ” الفختية “‪ ،‬هوسرل هنــا يحــدد للفلســفة رســالة‬ ‫على النمط الفختى(‪ ،‬بروح الكمال )التمام( ‪ -‬عاملة بيقيت ذاتى حول‬ ‫أاساسها‪ ،‬وأاهدافها‪ ،‬ومناهجها‪ . 192 .(2‬من الممكن العثور على جمل مطابقة لنفس هذه‬ ‫إشددداء دا‬ ‫ال أديد‬ ‫الفقرة فى فينومينولوجيا هيجل‪.‬هذا الشكل الناجز لإ يمكنه أان يدخل فى الواقعية التاريخية إالإ‬ ‫باعتباره نتيجة لأإكثر الإنعكاسات الذاتية راديكالية‪ ،‬فى شكل بداية أاولى‪ ،‬حيازة أاولى للمهمة‬ ‫الموضحة‪ ،‬وللأاساسالمؤكد والمنهج المؤدى إاليه‪ ،‬بداية أاولى لعزيمة نحو العمل‪ ،‬عمل البحث فى‬ ‫ذاتهددد “)‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.193.‬‬ ‫‪Ibid: Loc.‬لحــظ أن جميــع فلســفة المثاليــة اللمانيــة كــانوا‬ ‫أصحاب مذاهب ترانسندنتالية مثـل هوسـرل تمامـًا‪ ،‬ومـع ذلـك‬ ‫يستبعدهم‪ ،‬كما أن لحدهم كتابـا ً يســمى فينومينولوجيــا الــروح‬ ‫ويســتبعده هوســرل كــذلك ول يعتــبره تطــورا ً نحــو مــذهبه‬ ‫الفينومينولوجى‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫الفلسفة الواحدة الكلية‪ ،‬ويــذهب إلــى أنهــا ظلــت تتطــور لبــدا‬ ‫أنسا ق فلسفية عديدة‪ ،‬حــتى اكتملــت علــى يــده بــالطبع‪ ،‬وهــو‬ ‫يقف فى وصفه لهذا التطور عند كانط)‪ ،(1‬مما يجعلنا نذهب إلى‬ ‫أنـــــــه يـــــــأتى بعـــــــد كـــــــانط مباشـــــــرة‪ ،‬أمـــــــا‬ ‫المثالية اللمانية بعد كانط فقد اتبعت وطريقا ً خاوطئًا‪ ،‬أى أن كــل‬ ‫مسيرة الفلسفة حتى كانط كانت مسيرة ســليمة‪ ،‬ومــا اختلف‬ ‫المذاهب وتعارضها وصراعها إل المظهر الخارجى فقط لتطــور‬ ‫الفلسفة الترانسندنتالية الذى يسير فــى عمــق هــذه المــذاهب‬ ‫ومن وراء ظهورها‪ ،‬أما المثالية اللمانية فل تنتمــى لهــذا الخــط‬ ‫فى التطور لنها أخذت وطرق ـا ً خاوطئــة‪ .‬المثاليــة اللمانيــة هــى الكــابوس المزعــج لهوســرل‪،‬‬ ‫وهى النظير والمقابل لفلسفته‪ ،‬وهى التى تجعل فلســفته فــى‬ ‫خطر دائــم‪ .‬‬ ‫‪.‬تطــور الفلســفة الحقــة‬ ‫إذن ليس شامل ً ول يجمع كل المــذاهب‪ ،‬لنــه يســتبعد المثاليــة‬ ‫اللمانية‪ .265 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .

‬‬ ‫‪. 338.‬مواجهــة‬ ‫هايدجر هـى الـتى فرضـت علـى هوسـرل اللجـوء إلـى أرضـية‬ ‫هيجلية‪ ،‬أو إلى إضفاء الطابع الهيجلى على فلسفته‪ .(3‬هـذه الفقـرة أوردناهـا بكاملهـا علـى وطولهـا لنهـا هـى‬ ‫د‬ ‫الــدليل الواضــح علــى النقلب الهيجلــى الخيــر الــذى قــام بــه‬ ‫هوسرل‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫يأتى هوسرل بفقرة فى لغايــة الهميــة تكشــف عــن تماثــل‬ ‫أفكاره مع أفكار هيجل فى الفينومينولوجيــا‪ .‬وإذا حاولنا البحث عــن ســبب هــذا النقلب الهيجلــى‬ ‫لوجدنا احتمال ً فــى أن يكــون المواجهــة مــع هايــدجر‪ .‬فتقديم الفينومينولوجيــا عــن وطريــق‬ ‫مدخل تاريخى ل يعد عـودة إلـى الشـياء ذاتهـا بـل توجهـا ً إلـى‬ ‫‪Ibid: P.‬لكن كيــف‬ ‫تكون فينومينولوجيا هوســرل أقــدر علــى مواجهــة هايــدجر مــع‬ ‫تحولهـــا الهيجلـــى ؟ لن هوســـرل أدرك أن لهايـــدجر نظـــرة‬ ‫للفلسفة‪ ،‬نظرة موحدة لتاريخ الميتافيزيقا الغربية‪ ،‬ل يمكن أن‬ ‫تواجه إل بنظرة أخرى مضادة تنظر لتاريــخ الفلســفة علــى أنــه‬ ‫تراكمى ولغائى وذو هدف يتجه إليه‪ ،‬نحو تنمية الفلســفة الحقــة‬ ‫الواحدة‪ ،‬أى نظرة هيجلية لتاريخ الفلسفة‪ ،‬ونظرة هيجلية أيضا ً‬ ‫للتاريخ وللحضارة الغربيــة أساسـًا‪ ،‬لنهــا هــى الخــرى القــادرة‬ ‫على الوقوف أمام الفلسفة الهايدجريــة فــى التاريــخ‪ ،‬المتــأثرة‬ ‫بفشته وشلنج‪.‬‬ ‫إن كتاب الزمة يعد رجوعا ً من هوسرل عن مبــدأه القائــل‬ ‫بالعودة إلى الشياء ذاتها‪ .266 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪3‬‬ .‬يقــول هوســرل‪” :‬‬ ‫تسير الحياة ال إإنسانية الشخصية فى مراحل من الإنعكاس الذاتى والمسئولية الذاتية ابتداء من الأإفعال‬ ‫المنعزلة العرضية إالى مرحلة الإنعكاس الذاتى والمسئولية الذاتية الكليتان وحتى نقطة الحصول فى‬ ‫الوعى على فكرة التسيير الذاتى ‪ ،aut‬فكرة توجه ال إإرادة نحو صياغة حياة المرء الشخصية كلها‬ ‫فى الوحدة المركبة لحياة من المسئولية الذاتية الكلية‪ ،‬وبالتتابع‪ ،‬نحو صياغة المرء لنفسه إالى أانا‬ ‫حقيقى‪ ،‬الأإنا المسير ذاتياً الحر الذى يهدف تحقيقه عقله الباطن ‪ innate‬الجهد نحو أان يكون‬ ‫حقيقيًا لنفسه‪ ،‬وأان يكون قادرًا على أان يبقى فى تماهى مع نفسه باعتباره أانا عقلانى‪ ،‬لكن هناك‬ ‫صلة داخلية غير قابلة الإنفصال ‪ correlation‬بين الأإشخاص الفرديين والجماعات بفضل‬ ‫اتصالهم المتبادل ‪ interrelated‬المباشر وغير المباشر فى جميع مصالحهم ‪ -‬اتصالهم فى كل‬ ‫من الإنسجام والصراع ‪ -‬وأايضًا فى ضرورة تمكين العقل‬ ‫الفردى الشخصى من أان يأاتى إالى تحقق أاكثر كمالإ ً فقط باعتباره عقل جماعى ‪ -‬شخصى‬ ‫والعكدسدددد “)‪ .

(1‬إنه مناقشــة مدرســية وعاديــة جــدا ً‬ ‫لراء فلسفة آخرين‪ ،‬وهذه نقطة أخــرى لهوســرل‪ ،‬فلمــاذا لــم‬ ‫يطبق منهجه الفينومينولــوجى وهــذا الموضــوع ويمــارس تحليل ً‬ ‫فينومينولوجيا ً للمذاهب التى تناولها باعتبارها نمــاذج أو أشــكال‬ ‫مــن الــوعى الفلســفى ؟ وهنــا المفارقــة الكــبرى‪ ،‬ففيلســوف‬ ‫الفينومينولوجيا لم يتبع أسلوب تحليل الــوعى‪ ،‬ولــم يجعــل مــن‬ ‫دراسته للمذاهب الفلسفية تحليل ً للخبرة الفلســفية بالموضــوع‬ ‫الفلسفى وتحليل ً للوعى الفلسفى‪ . 70 .‬يقــول‬ ‫هوسرل‪ ” :‬إان مهمتنا توضيح الغائية فى الصيرورة التاريخية للفلسفة‪ ،‬وخاصة الفلسفة‬ ‫الحديثة )أاى كون الفينومينولوجيا هى هذه الغاية واكتمال رحلة الفلسفة الحديثة(‪ ،‬وفى نفس‬ ‫الوقت تحقيق وضوح ذاتى لأإنفسنا‪ ،‬التى هى حاملة هذه الغائية‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‬إذا كان قــام بــذلك فســوف‬ ‫يكـــون قـــد قـــام بفينومينولوجيـــا هيجليـــة‪ ،‬ســـوف تنقلـــب‬ ‫الفينومينولوجيا لديه إلى فينومينولوجيا الروح لهيجل‪ .‬المفارقــة‬ ‫أيضا ً أن هوسرل فى آخر تقديم له للفينومينولوجيا وفى أفضــل‬ ‫ما كتبه وطــوال حيــاته بــاعترافه نفســه يتبــع الســلوب الهيجلــى‬ ‫الغائى ‪ -‬التاريخى‪.‬وفدى د نقددددد دتد‬ ‫دا‬ ‫)أى الذى ينظر إلى التاريخ وتاريخ الفلسفة خاصة على أنه جزء‬ ‫‪Ibid: P.‬وعلوة على ذلــك فــإن الكتــاب يعــد مجــرد‬ ‫تحليل تاريخى عادى ينتمى إلى تاريخ الفكار ويهــدف إثبــات أن‬ ‫المشكلت التى بقيت بدون حل فى التراث الفلسفى تجــد لهــا‬ ‫حل ً فى الفينومينولوجيا)‪ .‬إانها النظرة الهيجلية للفلسفة‬ ‫شخصددددد)‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫الفينومينولوجيا عن وطريق آخر لغير مباشر‪ ،‬وطريق تحليل الراء‬ ‫الفلسفية لفلسفة آخرين‪ .‬كما أن كتاب الزمة يعد خروجا ً عن‬ ‫مبــدأ هوســرل فــى الوضــع بيــن قوســين بمــا فــى ذلــك أفكــار‬ ‫الفلسفة الخرين‪ .‬نحن نقدم على فهم الوحدة التى‬ ‫تجرى عبر كل المشاريع الفلسفية فى التاريخ والتى تعارض بعضها بعضًا وتعمل معًا فى أاشكالها‬ ‫المتغيرة‪) .‬فعلى الرغم من تعارض الفلسفات وصراعها إالإ أان بينها وحدة معينة‪ ،‬أاو تشكل هى‬ ‫ذاتها وحدة ما‪ ،‬وتتجه نحو غاية وهى الوصول إالى الفلسفة الحقة‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫يكاد هوسرل يقول أنه يمارس النقد المحايث‪ ،‬ويكاد يكــرر‬ ‫نفــس كلم هيجــل فــى مقدمــة فينومينولوجيــا الــروح‪ .71.267 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ . XXXII.(2‬‬ ‫دائمددد إالدىد المركدبدددد التداددريخى الكلدى د علدى د أاندهد مركدبدددد دى‬ ‫ينظدددد دًا‬ ‫مسدددمر در‬ ‫بعينهددد(‪ .

‬يريد هوســرل أن‬ ‫يبحث فــى تاريــخ الفلســفة باعتبارهــا تاريخـا ً للــوعى الحــديث‪،‬‬ ‫ولوعينــا نحــن الــذى هــو النتيجــة الخيــرة لتاريــخ هــذا الــوعى‬ ‫الحديث‪ ،‬إنه يمــارس فينومينولوجيــا هيجـل بالتمــام والكمـال(‪.‬وعندما نتعرف على أزمة الحيــاة الــتى‬ ‫‪life-crisis‬‬ ‫‪Ibid: Loc.‬‬ ‫وبهذه الطريقة فقط نستطيع‪ ،‬نحن الذين لإ نمتلك تراثًا روحيًا وحسب بل صرنا ما نحن عليه الآإن‬ ‫ددةددددد بدنددا د دبحددقددددد “)‪.(1‬‬ ‫خاص‬ ‫مهمددةدددد د‬ ‫نسدددددطيع أان ديكددوددددن دلدددددينا د‬ ‫دفددى د أداسددلددددوب دتدداددريخى ‪ -‬روحى‪ ،‬دددت‬ ‫فينومينولوجيــا هوســرل بهــذه الطريقــة تعــد إحيــاء للمثاليــة‬ ‫اللمانية بكل أعلمها‪ .‬لكن نحن‬ ‫نهدف إالى تلمسها من الداخل )وهذا هو النقد المحايث بعينه‪ .‬‬ ‫‪.‬يريد‬ ‫هوسرل أن يقول هنا أنه سوف يعالج تاريــخ الفكــر الحــديث أو‬ ‫الفلسفة الحديثة على أنه تاريخ تكون وتشكيل وعينــا المعاصــر‬ ‫بما أننا جزء من هذا التراث الفكرى ونتاج له‪ .268 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ . Cit.‬هذا بالضافة إلى أنها إعادة وطــرح وفــى شــكل وأســلوب‬ ‫جديد‪ ،‬لكن ل يصرح بذلك نهائيًا‪ ،‬بل العكس‪ ،‬ينظر هــذا الطــرح‬ ‫لنفسه على أنه جديــد ومبتكــر ولغيــر مســبو ق ونهايــة واكتمــال‬ ‫تاريخ الفلسفة والغاية النهائية‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫من الوعى الفردى‪ ،‬جزء مكون له‪ ،‬أو إلى تاريخ الفلسفة علــى‬ ‫أنه تاريخ شخصى‪ ،‬أى تاريخ للوعى بالفلسفة‪ ،‬وعــى الفلســفة‬ ‫بالفلسفة‪ ،‬أى فينومينولوجيا هيجلية( نحاول فى النهاية تحقيق المهمة‬ ‫التاريخية التى يمكن أان نعترف بها على أانها الوحيدة التى نمتلكها شخصيًا )وهذا يثبت‬ ‫تفسيرنا السابق( وهذا ما نهدف تحقيقه لإ من الخارج‪ ،‬من الوقائع‪ ،‬كما لو أان‬ ‫الصيرورة الزمنية التى تطورنا نحن أانفسنا منها كانت مجرد سلسلة علية خارجية‪ .‬المدنية اليونانية كــانت توحــد بيــن‬ ‫العــام والخــاص‪ ،‬الدولــة والفــرد‪ ،‬الــدين والفــن‪ ،‬السياســة‬ ‫والخل ق‪ ،‬وكذلك الكنيسة كانت تــوفر حيــاة جماعيــة مفتقــدة‬ ‫فى الحداثة الوروبية‪ .1‬تماثل تشخيص الزمة الروحية ‪:‬‬ ‫مــا يشخصــه هوســرل علــى أنــه أزمــة حيــاة‬ ‫للنسانية الوروبية هو ما شخصه هيجل على أنه فقدان القوة‬ ‫الموحدة من حياة الناس والناتجة عن افتقاد المدنية اليونانية‬ ‫وكنيسة العصور الوسطى‪ .‬‬ ‫‪ .‬فمع التشابهات العميقة بين هوسرل من‬ ‫جانب وكانط وفخته وهيجل من جــانب آخــر نســتطيع أن نقــول‬ ‫ذلك‪ .

‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫يتكلــم عنهــا هوســرل نكتشــف أنهــا تظهــر علــى المســتوى‬ ‫الفلســفى فــى صــورة الثنائيــة بيــن التجــاه المــادى والتجــاه‬ ‫المثالى‪ ،‬أو الموضوعانى الفيزيائى والسيكولوجى‪ ،‬وهو نفس‬ ‫النشــقا ق الــذى تحــدث عنــه هيجــل فــى بدايــة مقــال الفــر ق‬ ‫وبداية اليمان والمعرفة‪ .‬‬ ‫والحقيقــة أن فينومينولوجيــا هيجــل كلهــا تأخــذ علــى عاتقهــا‬ ‫معالجــة نفــس الزمــة ونفــس النشــقاقات باعتبارهــا وصــفا ً‬ ‫لطريق الناس‪ ،‬والتغلب عليه فى النهاية تعد خير مــن شــخص‬ ‫أزمــة الغــرب وقــدم لهــا حلــول ً فــى نفــس الــوقت‪ .Reconciliation‬‬ ‫ل يقــف التشــابه بيــن هيجــل وهوســرل عنــد النظــر إلــى‬ ‫الفلسفة على أنها علج للمراض الروحية للعصر ولزماته‪ ،‬بــل‬ ‫يتعدى ذلك إلى تشخيص هذه المراض والزمات‪ .‬والثنـان‬ ‫يذهبان إلى أن القضاء على هذه الثنائيات يجب أن يتجسد فــى‬ ‫علم فلســفى أو فــى معرفــة مطلقــة أو فــى علــم عــن الــذات‬ ‫المطلقة‪ .‬فكــل منهمــا‬ ‫ينظر إلى الزمة الروحية على أنها انقسام عبر ثنائيات‪ :‬الجسم‬ ‫والـــروح‪ ،‬الـــذات والموضـــوع‪ ،‬العقـــل والعـــالم‪ ،‬يظهـــر هـــذا‬ ‫التشخيص لدى هوسرل فى أزمة العلوم الوروبية‪ .‬يريد هوســرل مــن الفينومينولوجيــا‬ ‫أن تكون هــى حــل مشــكلة هــذه الثنائيــات المتعارضــة‪ ،‬وحل ً‬ ‫للزمــة الروحيــة للغــرب‪ ،‬تمام ـا ً كمــا كــانت فلســفة هيجــل‪.‬والحــل‬ ‫الهيجلى معروف ويهدف إلى إعادة الوفا ق ‪.269 -‬‬ .‬وليــس التفــا ق بينهمــا فــى تشــخيص وطبيعــة الزمــة‬ ‫الروحية وتشخيص وطبيعة الــدواء وهــو المعرفــة المطلقــة‪ ،‬بــل‬ ‫يتعدى ذلك إلــى تحديــد اســم المنهــج المســتخدم لقامــة هــذه‬ ‫المعرفة المطلقة‪ ،‬الفينومينولوجيا‪ .‬ويبدو أن هيجــل كــان أكــثر‬ ‫إخلصا ً فى السعى وراء هذا الهدف وتحقيقه‪ ،‬وأكثر دقــة‪ ،‬لنــه‬ ‫أوطلق على كتابه فينومينولوجيا الروح‪ ،‬فالروح هى الهدف وهى‬ ‫المقصودة بالعلج وهى المصابة بالزمة‪ ،‬ولنه لــم يقتصــر فــى‬ ‫‪.‬وإذا عرفنــا‬ ‫أن أزمــة العلــوم لهوســرل هــو توضــيح لفلســفته ومشــروعه‬ ‫الفكرى أدركنا أن منهجه الفينومينولــوجى هــدفه معالجــة هــذه‬ ‫الزمة بالذات‪ ،‬معالجة حالة النقسام والقضــاء علــى الثنائيــات‬ ‫فى الفكـر الغربـى‪ ،‬وهـذا هـو هـدف هيجـل بالضـبط‪ .

15.‬يذهب هيجــل إلــى‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪Ibid: P.270 -‬‬ ‫‪1‬‬ .2‬تاريخية المذهب ‪:‬‬ ‫إن تحقق المذهب الفلسفى عند هيجل يكشف عن ضرورة‬ ‫تاريخية‪ ،‬إذ أنه انكشاف للمطلق فى التاريخ‪ .‬يظهر ذلك فى الفقرة المتعلقة بالحاجة إلــى‬ ‫الفلسفة فى مقال الفر ق‪ ،‬ولــدى هوســرل فــى أزمــة النســان‬ ‫الغربى‪.‬‬ ‫ويأتى هوسرل بعبارة هيجلية تمامًا‪ ،‬إذ يقول‪ ” :‬إان الصراعات‬ ‫الروحية الأإصيلة لل إانسانية الأإوروبية تأاخذ شكل صراعات بين الفلسفات “)‪ (1‬لن الفلسفة‬ ‫هى أعلى تعبير روحى عن هــذه النســانية وهــى أعلــى مراتــب‬ ‫الثقافة الوروبية‪ ،‬ولكونها كذلك فــإن تــأمل ً لغائيـا ً تاريخيـا ً حــول‬ ‫الفلسفة يعد فى نفس الوقت تــأمل ً لغائي ـا ً تاريخي ـا ً حــول تاريــخ‬ ‫العلوم الوروبية ذاتهــا‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪.‬يســتعين هوســرل هنــا بــروح الفلســفة‬ ‫الهيجلية‪ ،‬ولذلك فالزمة هى تحليل هيجلــى تمام ـا ً لموضــوعها‪.‬‬ ‫الفلسفة عنـد هيجـل إذن تعمـل علـى التوحيـد والوفـا ق وتعيـد‬ ‫الوحدة المفتقدة‪ .‬‬ ‫لقد انتهى هوسرل هيجليًا‪.‬فهو يذهب‬ ‫إلــى أن الفلســفة هــى الــتى تســتطيع معالجــة حالــة الضــياع‬ ‫والفساد الخلقى أو الروحى للنسان الغربــى والــتى تســتطيع‬ ‫التعامل مع الزمة‪ ،‬تحديد دور علجى مقصد لزمة موجود أيضا ً‬ ‫لدى هيجل‪ ،‬وأزمــة روحيــة علــى الخصــوص‪ ،‬تتمثــل فــى حالــة‬ ‫النقسام فى الروح الغربى والــتى تظهــر فــى صــورة ثنائيــات‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫تحليلته الفينومينولوجية على الجانب البستمولوجى كما فعــل‬ ‫هوسرل‪ ،‬بل تعــدى ذلــك إلــى تحليــل جميــع الجــوانب الثقافيــة‬ ‫والتاريخيــة فــى الــروح الموضــوعى‪ ،‬والجــوانب الروحيــة فــى‬ ‫الروح المطلق‪ .‬‬ ‫إن محاضرات هوسرل حول أزمة النســان الغربــى وأزمــة‬ ‫العلوم الغربية ليست بعيدة عن روح فلسفة هيجل‪ .‬لقــد كــان هيجــل مــدركا ً أن الزمــة الروحيــة ل‬ ‫يمكن أن يقتصر علجها على الجانب البتسمولوجى كما اعتقــد‬ ‫هوسرل‪ ،‬بل يجب أن يمتد هذا العلج إلــى الجــانب الجتمــاعى‬ ‫والثقافى والتاريخى‪ ،‬وهو ما فعله هيجل فى الفينومينولوجيا‪.

‬ونشـــــهد هنـــــا أولـــــى ملمـــــح الزمانيـــــة‬ ‫أو التاريخية فى فكر هيجل والمختلطة فى هذا النص بالذات مع‬ ‫الفلسفة وعمليتهــا وســعيها نحــو المطلــق ووضــعه فــى صــورة‬ ‫مذهب‪ .271 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬‬ ‫لحظ أن هيجـل هنـا يأخـذ الزمـن حليفـا ً لـه‪ ،‬فسـوف يثبـت أن‬ ‫العملية الزمنيـة أو العصـر أو التاريـخ هـو مـا يتيـح للفلسـفة أن‬ ‫تكون علما ً نسقيا ً وما يتيح للمطلق أن يوضع فى صورة مــذهب‬ ‫فلســـــفى‪ . P.‬‬ ‫‪Husserl: The Crisis of European Sciences.‬نلحــظ هنــا‬ ‫كيف ينتقل هيجل مــن زمانيــة وتاريخيــة الفلســفة إلــى وطابعهــا‬ ‫النسقى أو المذهبى‪ .(1‬وتوضـيح هـذه الحقيقـة هـى ” الدتددبددرير ‪ justification‬الحق‬ ‫للمحاولإتالتى تهدف إاثبات أان الفلسفة يجب أان تتحصل على هذا الطابع )العلمى النسقى( “‪. P. 347.(2‬هوسرل‬ ‫الرياضددددد إالدىد تحقدقدد هائدلد در‬ ‫الطددديعى دى‬ ‫الرياضددددات الدقيقدةددد والعلدمد دبد‬ ‫فروعددد وهدىددد ديد‬ ‫ده‬ ‫يتناول فى هذه الفترة موضوعا ً جديدا ً ولو أنه عالجه فى الزمــة‬ ‫لكن دون أن يصرح بــأنه يــدرس هــذا الموضــوع وهــو المكانيــة‬ ‫‪Hegel: Phenomenology of Mind. 71.‬يريد هيجل أن يقول أن فى تعاقب الفلســفات ضــرورة‬ ‫تاريخية أو زمانية‪ ،‬أى اتجاهـا ً ضــروريا ً نحــو لغايــة وهــى التحقــق‬ ‫الكامل والنهــائى للمطلــق فــى صــورة علميــة‪ ،‬أى فــى مــذهب‬ ‫فلسفى‪ ،‬تاريخية الفلسفة أو زمانيتهــا هــى الــتى تفــرض عليهــا‬ ‫ضرورة التعبير عن ذاتها ومبدأها فى صورة مذهب‪ .‬‬ ‫تحمل فكرة هوسرل عن الفلسفة العلمية تطابقا ً مع رؤيــة‬ ‫هيجل للفلسفة الكلية‪ .‬لقد اسـتخدم هيجـل كمـا نـرى هنـا فكـرة‬ ‫الزمان وفى سيا ق تبرير مذهبه المثالى‪ ،‬وهــو اســتخدام يســبق‬ ‫هايدجر‪ ،‬كما يسبق هوسرل فى الزمة‪.‬‬ ‫‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫أن هناك ضرورتان تفرض على المطلق أو مبــدأ الهويــة أن يتــم‬ ‫التعبير عنه فى صورة علم‪ ،‬أى مذهب فلسفى‪ ،‬ضرورة داخليــة‪،‬‬ ‫وضرورة خارجية‪ ،‬والضرورة الداخلية تأتى من وطبيعة هذا المبدأ‬ ‫نفسه‪ ،‬أما الضــرورة الخارجيــة فيفرضــها الزمــن‪ ،‬هــى ضــرورة‬ ‫زمنية فى الساس‪ ،‬ذلك لن ” العملية الزمنية ترفع الفلسفة إالى مستوى النسق‬ ‫العلمددىددد “)‪ .‬يقول هوسرل‪ ” :‬إان المشكلة المصاغة بالتالى‬ ‫بطريقة عامة هى المشكلة الراديكالية التى تخص ال إإمكانية التاريخية للعلم الموضوعى‪ ،‬الفلسفة‬ ‫العلمية موضوعيًا ‪ -‬العلم الذى ظل موجودًا لزمن كواقعة تاريخية والذى وصلن على الأإقل فى أاحد‬ ‫مثمددد “)‪ .

‬لكن لن هوسرل ل يزال يتمسك بمثالية ذاتيــة‬ ‫وبفكرة الصل والساس فهو يبحث عن بداية لمثل هــذا البحــث‬ ‫عن المكانية التاريخية للعلم الكلى‪ ،‬ويجد هذه البداية فى نشأة‬ ‫الهندسة باعتبارها رياضيات خالصة‪.(1‬هوســرل يــذهب إلــى أن ســؤال المكــان‬ ‫الكانطى مرتبط بسؤال المكانيــة التاريخيــة الهيجلــى‪ ،‬ويــذهب‬ ‫بعد ذلك مباشرة إلى أن توضيح المكانية التاريخية هــذه ســوف‬ ‫يكون من المهام الساسية التالية‪ ،‬لكن هوسرل بالطبع لم يقــم‬ ‫بــذلك‪ ،‬ولــو كــان قــد قــام بــذلك لكــان قــد وجــد نفســه يكتــب‬ ‫فينومينولوجيا هيجلية‪ . 348.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وفى ملحق لكتاب ” أزمة العلوم الوروبية “ بعنوان‪ ” :‬إانكار‬ ‫الفلسفة العلمية‪ .‬موضوع المكانية التاريخية لعلم ما هـو موضـوع هيجلـى‬ ‫أصيل‪ .‬هيجـــل فـــى‬ ‫الفينومينولوجيا يستعيض عن سؤال السكان الكــانطى بســؤال‬ ‫المكــان التــاريخى‪ ،‬ويتنــاول المعرفــة بطريقــة أخــرى‪ ،‬وطريقــة‬ ‫إمكانا التاريخى الجدلى التطــورى التكــوينى‪ ،‬ل وطريقــة إمكانهــا‬ ‫الصورية القبلية الترانسـندنتالية علـى الطريقـة الكانطيـة‪ .‬ضرورة الإنعكاس‪ .‬لقد توصل هوســرل فــى هــذه العبــارات‬ ‫إلى نقطة لغنطل ق هيجل نحو الفينومينولوجيا وإلى أحد بــواعث‬ ‫تحــوله الفينومينولــوجى‪ ،‬وهــى أن ســؤال المــان الكــانطى‬ ‫البتسمولوجى الصـورى ل يمكـن أن يحـل أو يتـم تنـاوله بـدون‬ ‫تحـــويله إلـــى ســـؤال إمكـــان تـــاريخى جـــدلى‪ .‬ويستمر هوسرل فى القول بأن ” المشكلة الأإخرى المتعلقة بإامكانية‬ ‫المعرفة )وهنا يستطيع المرء أان يتكلم عن مشكلة ابستمولوجية خالصة( مرتبطة بتلك ال إإمكانية‬ ‫التاريخديددة د دلهددذددده المعردفددة د “)‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫التاريخية للفلسفة العلمية الموضــوعية‪ ،‬وفــى الفلســفة الكليــة‬ ‫الحقة‪ .‬كيف يجب أان يكون‬ ‫التاريخ ؟ “ يتحول هوسرل إلى هيجلى أصيل‪ ،‬فهو مثل هيجل‬ ‫يناقش دعاوى إنكـار الفلسـفة العلميـة باعتبارهـا العلـم الكلـى‪،‬‬ ‫ويــذهب إلــى أن الفلســفة العلميــة بجــب أن تكــون معرفــة‬ ‫‪Ibid: P.‬لقـد‬ ‫انتهى كانط من وطريقتـه الصـورية الترانسـندنتالية القبليـة إلـى‬ ‫عدم إمكان المعرفة المطلقة واســتحالة معرفــة المطلــق‪ ،‬أمــا‬ ‫هيجل فيوضح إمكان المعرفة المطلقة بطريقـة أخـرى تاريخيـة‬ ‫تكوينية تطورية‪ .272 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬الإنعكاس يجب أان يكون تاريخياً‪ .

‬‬ ‫‪. 392.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫بالمطلق‪ ،‬وأن هذا النوع من المعرفة كــان دائم ـا ً معرفــة بــالله‬ ‫لنــه هــو المطلــق واللمشــروط‪ ،‬ومعرفــة للعــالم فــى كليتــه‬ ‫وشموله لنه هو مجمــوع مـا يحـدث وكليــة كـل شـئ والمحيـط‬ ‫العلى والكلى والعم‪ ،‬وأن الفلســفة لهــذا الســبب اتحــدت مــع‬ ‫الرعية فى العصور الوسطى لن هـدفهما كــان قريبـا ً جــدًا‪ ،‬وأن‬ ‫ســبب إنكــار الفلســفة العلميــة الكليــة الن أن هــذه النســا ق‬ ‫الميتافيزيقية وهذا التحاد بين الفلسفة والدين قد انتهى إلى لغير‬ ‫رجعة‪ . 391.‬لكـن كيـف‬ ‫دمدنددد خلالوجوددندا د د‬ ‫نتعامل مع تاريخ الفلسفة بالطريقة التى يوصى بهــا هوســرل ؟‬ ‫بــأن نقــرأ كــل فيلســوف ووعينــا علــى لغــايته الخيــرة وتطــوره‬ ‫الخير‪ ،‬وأن نقرأ كل تاريخ الفلسفة باعتبارها سلســلة مترابطــة‬ ‫تتجه نحو لغاية‪ ،‬وبهذه الطريقة سوف نفهم أفلوطــون مثل ً فهم ـا ً‬ ‫جديدًا‪ ،‬وبالطبع فهـذا الفهـم هـو فهـم لـه باعتبـاره مرحلـة فـى‬ ‫التطور الفلسفى‪ ،‬مرحلة مرتبطــة بســابقتها ولحقتهــا‪ .‬ويقول هوسرل‪ ” :‬ليس من شك فى أاننا يجب أان‬ ‫نستغرق فى الإعتبارات التاريخية إاذا كنا نريد أان نكون قادرين على فهم أانفسنا كفلاسفةوفهم ما‬ ‫الفلسدفددددة دمدنددد خلالدندا د“)‪ (2‬أى يجـب أن نسـتغر ق فـى تأمـل‬ ‫تكددددن علديده د د‬ ‫دبددددد أان ددو‬ ‫ديج‬ ‫تاريخى مستخدمين تاريخ الفلسفة باعتباره تاريــخ تطورنــا نحــو‬ ‫كفلسفة‪ .273 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ .‬وان الفيلسـوف كـى يسـتطيع أن يتفلسـف جيـدا ً وعلـى‬ ‫أساس سليم يجب أن يكون واعيا ً بموقعه فــى التاريــخ‪ ،‬ونتيجــة‬ ‫تفلسفه هذا على التاريخ‪ ” ،‬فمن خلال انغماسنا فى المضمون المعاد للحياة للأانساق‬ ‫نشددددر بهدذدددا الددددليل “)‪) (1‬الذى يشير إلى حدوث‬ ‫نسدددطيع أان دع‬ ‫الفلسدددية التقليديدةد فقدطددد دتد‬ ‫دفد‬ ‫نجاحات صغيرة وجزئية فى الطريق المؤدى إلى العلم المطلق‬ ‫أو الفلسفة الكلية‪ ،‬ويشير كذلك إلى المكان والضرورة العلمية‬ ‫لظهور مثل هـذه الفلسـفة(‪ .‬هذا التأمل التاريخى ” يتعلق بوجودنا كفلاسفةوبالترابط‪ ،‬وجود الفلسفة‬ ‫الفلسدفددددى “)‪ (3‬أو وعينـا الفلسـفى الهيجلـى‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‬النجاحـات الصـغيرة الجزئيـة فـى‬ ‫الطريق نحو العالم الكلى‪ ،‬والدلئل الــتى تشــير إلــى الضــرورة‬ ‫والمكانيــة العلميــة لمثــل هــذا العلــم الكلــى هــو موضــوع‬ ‫فينومينولوجيا هيجل‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‬يوصــينا‬ ‫هوسرل هنا بقــراءة تاريــخ الفلســفة قــراءة فيبالوجيــة تكوينيــة‬ ‫‪Ibid: P. 389.

‬تبرير هوسرل لمنهجه ينقسم إلى تــبرير‬ ‫منطقى فى البحاث المنطقيــة‪ ،‬وتــبرير فلســفى فــى الفكــار‪،‬‬ ‫وتبرير تاريخى فى أزمة العلوم الوروبيــة‪ ،‬لكنــه ويالللســخرية‬ ‫والعجب ل يبرره تــبريرا ً فينومينولوجي ـًا‪ ،‬فهــو ل يمــارس تحليل ً‬ ‫فينومينولوجيا ً لظهـور المنهــج الفينومينولــوجى ذاتـه‪ ،‬وإذا قـام‬ ‫بذلك فسوف يجد نفسه يكتــب فينومينولوجيــا هيجليــة‪ .‬‬ ‫هوسرل إذن يعود إلى نفس وطريقة هيجل فى تــبرير فلســفته‪،‬‬ ‫فالفينومينولوجيا لديها نفس هدف أزمــة العلــوم الوروبيــة‪ ،‬أى‬ ‫تــبرير فلســفة أو منهــج بإثبــات ضــرورتها التاريخيــة وإلحاحهــا‬ ‫المعاصر‪ ،‬وأنها تتويج لحركة الفكر ذاته والتعــبير المعاصــر عــن‬ ‫تطور هذا الفكر‪ ،‬إنهمــا بــذلك يحتلن تكوينــان لظهــور المنهــج‬ ‫أو الفلسفة مثــل ” بنــاء الفعــل الجتمــاعى “ لبارســونز‪ .‬إل أن‬ ‫الختلف كــبير‪ ،‬فهيجــل يحقــق هــذا الهــدف بتحليلــه للــوعى‪،‬‬ ‫وهوســرل بتحليلــه للمــذاهب الفلســفة بطريقــة مدرســية أو‬ ‫أكاديمية تقليدية بحتة‪ .‬الملحــظ أن هوســرل الــذى كــان دائــم الســتبعاد‬ ‫للموضــوعات التاريخيــة فــى أعمــاله‪ ،‬أى الــتى تخــص تاريــخ‬ ‫الفلسفة‪ ،‬ودائم التجاهل لغيره مــن الفلســفة وخاصــة المثاليــة‬ ‫اللمانيــة‪ ،‬ينقلــب إلــى الموقــف المعــاكس تمامـا ً فــى الزمــة‪،‬‬ ‫ويتحول إلى التبرير التاريخى لمذهبه على الطريقــة الهيجليــةن‬ ‫ويعتبر تاريخ الفلسفة جزءا ً هاما ً من تأملت الفيلسوف وعمله‪.‬‬ ‫خاتمـــة ‪:‬‬ ‫لماذا كتب هوسرل أزمة العلــوم الوروبيــة ؟ ذلــك الكتــاب‬ ‫الضخم الذى ظهر فى أواخر حيــاته ؟ الحقيقــة أن هــذا الكتــاب‬ ‫يوضح ضرورة التوجه نحو الفينومينولوجيا انطلقـا ً مــن تفســير‬ ‫وتقييم تاريخ الفكر الوروبى كلــه وحــتى عصــر هوســرل‪ .‬الــدليل‬ ‫‪.274 -‬‬ .‬لكــن‬ ‫لمــاذا كــان لزام ـا ً علــى هوســرل أن يعــود إلــى تــبرير منهجــه‬ ‫وفلسفته مرة أخرى فــى أواخــر حيــاته ؟ ألــم يعطينــا مــبررات‬ ‫وحجج فلسفية بما يكفى وطوال حيــاته ؟ الحقيقــة أنــه اكتشــف‬ ‫نقصا ً خطيرا ً فى فكره‪ ،‬يتمثل هذا النقص فى مثل هذا التــبرير‬ ‫التاريخى لمنهجه وهو ما قــام بــه فــى أزمــة العلــوم الوروبيــة‪.‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫هيجلية فينومينولوجية )بالمعنى الهيجلى( ووعينا علــى تطورهــا‬ ‫اللحــق‪ .

275 -‬‬ .‬الصــراع مــع هايــدجر والرلغبــة فــى إضــفاء‬ ‫وطابع أكـثر إنسـانية علـى الفينومينولوجيـا وفـى توضـيح دللتهـا‬ ‫بالنســبة للوجــود النســانى هــو الــذى دفــع هوســرل نحــو تبنــى‬ ‫مواقف هيجلية فى أواخــر حيــاته‪ .‬هايدجر‬ ‫يريد تدمير الميتافيزيقــا الغربيــة كلهــا ليبــدأ مــن جديــد ويطــرح‬ ‫سؤال الوجود بعد أن تــم نســيانه‪ ،‬أمــا هوســرل هنــا فيقــول أن‬ ‫تاريخ الفلسفة منـذ اليونـان يكشـف عـن سـعى النسـانية نحـو‬ ‫تحقيق كيان روحى‪ .‬‬ ‫الحقيقة أن ما دفع هوســرل لتخــاذ المواقــف الســابقة هــو‬ ‫مواجهته لهايدجر‪ .‬فهوســرل فــى الزمــة يقـدم نظـرة مناقضــة‬ ‫لنظريـة هايـدجر لتاريـخ الفلسـفة الحديثـة وتاريـخ الميتافيزيقـا‬ ‫الغربية‪ .‬هايدجر يتهم الميتافيزيقا الغربية كلهــا بنســيان الوجــود‬ ‫ونسيان السؤال عنه ويمــارس تــدميرا ً لهــا ســوف يتحــول إلــى‬ ‫تفكيك لدى دريرا‪ ،‬أما هوسرل فيأخذ وجهــة النظــر المعاكســة‪،‬‬ ‫إنه يقول أن تاريخ الميتافيزيقا الغربية منذ اليونان يكشــف عــن‬ ‫حركة ضرورية داخلية ويعبر عن صــراع النســانية الروحــى‪ ،‬أى‬ ‫أنه تاريخ نسقى لغائى مترابط وضرورى ويكشــف عــن مســيرة‬ ‫العقل‪ ،‬عكس هايدجر الــذى ل يكشــف هــذا التاريــخ مــن وجهــة‬ ‫نظره عن شئ إل الضمحلل والنسيان‪ ،‬نسيان الوجود‪ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫علــى أن هوســرل لــم يحلــل ظهــور الفينومينولوجيــا أو يبررهــا‬ ‫فينومينولوجيا ً هو الختزال أو البوخية الفينومينولــوجى نفســه‪،‬‬ ‫فهو ل يبرر القيام به تبريرا ً فينومينولوجيًا‪.‬المشــروع الفلســفى لهوســرل كشــف فــى النهايــة عــن‬ ‫ملمحه الهيجلية التى كان يحرص هوسرل دائما ً علــى إخفائهــا‪.‬‬ ‫فالهداف الفلســفية الــتى أخــذ هوســرل علــى عــاتقه تحقيقهــا‬ ‫كانت أهدافا ً هيجلية منذ البداية‪ ،‬وهو قد لجأ إلى وطريقـة تحليـل‬ ‫خبرة الوعى أو الفينومينولوجيا كخطــوة أو مرحلــة فــى تحقيــق‬ ‫‪.‬والحقيقــة أن هــذه المواقــف‬ ‫الهيجلية التى ينتهى إليها هوسرل كــانت متضــمنة فــى فلســفته‬ ‫وطوال السنين السابقة على كتــاب الزمــة‪ ،‬فهــى متضــمنة منــذ‬ ‫‪ 1911‬فى ” الفلسفة باعتبارها علما ً دقيقا ً “‪ ،‬لكن الصــراع مــع‬ ‫هايدجر والسباب السابقة هى التى جعلت ما هو مضــمر يظهــر‬ ‫إلى العلن وما هو ضمنى يصبح صريحًا‪ ،‬وما كان خفيا ً يظهر إلى‬ ‫النور‪ .

‬التشابهات والتوازيات الــتى لحظناهــا وطــوال‬ ‫مراحــل تكــوين المــذهب وفــى كــل جزئيــاته بينــه وبيــن هيجــل‬ ‫اكتملت واتضحت أكثر بظهور النية الهيجليــة لفلســفة هوســرل‬ ‫فى النهاية‪ .‬‬ ‫‪.‬فلن ما يقوله فى الزمة هـو نيتـه الحقيقـة وبمثابـة‬ ‫اعتراف فلسفى‪ ،‬ظهرت كل هذه التشابهات والتوازيات‪.276 -‬‬ .‫الفصل التاسع‬ ‫المذهب الفلسفى وعلقته بتاريخ الفلسفة‬ ‫هــذه الهــداف‪ ،‬فالهــداف هيجليــة والطريقــة هيجليــة‪ ،‬وليــس‬ ‫بغريب أن يكشف هوسرل عن الطابع الهيجلى الذى كان مخفيا ً‬ ‫فى آخر عمل له‪ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful