You are on page 1of 23

‫دراسات في القانون الجنائي الدولي‬

‫محمد بوبوش‬

‫لقد أصبح مرتكب التعذيب‪ ،‬مثل القرصان وتاجر الرقيق من قبله‪ ،‬عدوا ً"‬
‫‪".‬للبشرية بأسرها‬
‫محكمة الستئناف بالوليات المتحدة‪ ،‬الدائرة الثانية ـ قضية فيلرتيغا ضد‬
‫"بينا إيرال‬

‫أول‪ :‬بينوشيه والطغمة الحاكمة في شيلي عام ‪1973‬‬

‫في ليلة ‪ 16‬أكتوبر‪/‬تشرين الول ‪ 1998‬ألقت شرطة مدينة لندن القبض‬


‫على الجنرال أوغسطو بينوشيه‪ ،‬بناًء على أمر قضائي إسباني بالقبض‬
‫على الدكتاتور السابق بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق النسان في شيلي‬
‫إبان فترة حكمه التي دامت ‪ 17‬عامًا؛ ورفضت المحاكم البريطانية ما‬
‫زعمه بينوشيه من الحق في الحصانة‪ ،‬وحكمت بجواز تسليمه إلى إسبانيا‬
‫‪.‬لمحاكمته هناك‬
‫ولكن قضية بينوشيه لم تبدأ في أكتوبر‪/‬تشرين الول ‪ ،1998‬بل بدأت في‬
‫الواقع في أوائل سنوات حكم بينوشيه الدكتاتوري الذي استمر من عام‬
‫‪ 1973‬حتى عام ‪ ،1990‬عندما شرع دعاة حقوق النسان الشجعان في‬
‫رصد وتوثيق كل حالة من حالت التعذيب والقتل العمد و"الختفاء" التي‬
‫ارتكبتها قوات بينوشيه‪ .‬وعندما عادت الديموقراطية إلى شيلي تشكلت‬
‫لجنة رسمية لتقصي الحقيقة‪ ،‬فاستندت إلى ما أنجزه هؤلء في إعداد‬
‫البيانات التفصيلية الخاصة بما يربو على ‪ 2000‬حالة من حالت القتل‬
‫و"الختفاء"‪ .‬ولكن الجنرال بينوشيه كان قد أقام لنفسه ولمعظم شركائه‬
‫هيكل ً قانونيا ً يكفل لهم الفلت التام من العقاب ـ أو قل إن ذلك ما كان‬
‫‪.‬يتصوره‬

‫ففي عام ‪ ،1996‬قام المحامون الموكلون للدفاع عن ضحايا القمع‬


‫العسكري في الرجنتين وشيلي‪ ،‬بعد أن عجزوا عن رفع الدعوى في أي‬
‫منهما‪ ،‬برفع دعاوى جنائية في إسبانيا ضد الحكام العسكريين السابقين‬
‫لهاتين الدولتين‪ ،‬ومن بينهم الجنرال بينوشيه‪ .‬وعلى الرغم من أن معظم‬
‫تلك الجرائم كانت قد ارتكبت في الرجنتين وشيلي‪ ،‬فقد سمحت المحاكم‬
‫السبانية بنظر تلك الدعاوى في إسبانيا‪ ،‬عمل ً بمبدأ "عالمية الختصاص‬
‫القضائي" بنظر النتهاكات البشعة لحقوق النسان‪ ،‬وهو المبدأ الراسخ في‬
‫التشريع السباني وفي القانون الدولي‪ ،‬ولو أنه نادرا ً ما ُيطّبق أو يستند‬
‫‪.‬إليه‬
‫وفي أكتوبر‪/‬تشرين الول ‪ ،1998‬توجه بينوشيه إلى بريطانيا‪ ،‬وفي‬
‫السادس عشر من ذلك الشهر طلب القاضي بلتسار غارثون‪ ،‬الذي كان‬
‫يتولى التحقيق في إحدى القضايا السبانية‪ ،‬من السلطات البريطانية إلقاء‬
‫القبض على الدكتاتور السابق؛ ولم يلبث أن اعُتقل في مساء اليوم نفسه‬
‫في لندن؛ ثم قدمت إسبانيا طلبا ً رسميا ً بتسليم بينوشيه إليها‪ ،‬وحذت‬
‫حذوها كل من بلجيكا وفرنسا وسويسرا‪ .‬وطعن بينوشيه في أمر اعتقاله‬
‫بدعوى أنه يتمتع بالحصانة من العتقال والتسليم لبلد آخر باعتباره رئيس‬
‫دولة سابقًا‪ .‬ولكن مجلس اللوردات البريطاني‪ ،‬وهو أعلى محكمة في‬
‫بريطانيا‪ ،‬رفض مرتين مزاعم الحصانة التي قدمها بينوشيه؛ فقضى في‬
‫الحكم الول‪ ،‬الذي ألغاه فيما بعد‪ ،‬بأن رئيس الدولة السابق يتمتع‬
‫بالحصانة فيما يتعلق بالفعال التي يقوم بها في إطار ما يؤديه من وظائف‬
‫باعتباره رئيسا ً للدولة‪ ،‬ولكن الجرائم الدولية مثل التعذيب والجرائم‬
‫المرتكبة ضد النسانية ليست من "وظائف" رئيس الدولة‪ .‬أما في الحكم‬
‫الثاني‪ ،‬الذي كان ذا نطاق أضيق‪ ،‬فقد أفتى مجلس اللوردات بأنه ما دامت‬
‫بريطانيا وشيلي قد صادقتا على "اتفاقية مناهضة التعذيب" الصادرة عن‬
‫المم المتحدة‪ ،‬فليس من حق بينوشيه أن يطالب بالحصانة من المحاكمة‬
‫فيما يتعلق بالتعذيب‪ .‬ومن ثم حكم أحد القضاة البريطانيين بجواز تسليم‬
‫بينوشيه إلى إسبانيا بناًء على اتهامه بارتكاب التعذيب والتآمر لرتكاب‬
‫التعذيب‪ .‬ولكن الفحوص الطبية التي ُأجريت على بينوشيه أظهرت‪ ،‬فيما‬
‫قيل‪ ،‬أنه لم يعد يتمتع بالهلية العقلية اللزمة لمحاكمته؛ ومن ثم ُأفرج عنه‬
‫‪.‬في مارس‪/‬آذار ‪ 2000‬وعاد إلى وطنه شيلي‬
‫وقد وصفت منظمة "مراقبة حقوق النسان" اعتقال بينوشيه بأنه "رنين‬
‫الهاتف الذي يوقظ" الطغاة في كل مكان‪ ،‬ولو أن أحد الثار المترتبة على‬
‫هذه القضية‪ ،‬وهو ل يقل في أهميته عن ذلك‪ ،‬هو أنه يفتح باب المل أمام‬
‫الضحايا الخرين‪ ،‬في أن يتمكنوا من إحالة من عذبوهم إلى المحاكمة في‬
‫الخارج‪ .‬وسرعان ما تحقق ذلك إذ ساعدت منظمة "مراقبة حقوق‬
‫النسان" الضحايا من أبناء تشاد على رفع قضية جنائية في يناير‪/‬كانون‬
‫الثاني ‪ 2000‬في السنغال ضد حسين حبري‪ ،‬دكتاتور تشاد السابق المقيم‬
‫جه التهام إليه‪ ،‬وينتظر الن محاكمته بتهم تتعلق‬ ‫في المنفى‪ ،‬الذي وُ ّ‬
‫‪).‬بارتكاب التعذيب )انظر أدناه‬
‫ويحاول هذا الكتيب رسم الخطوط العريضة لهم عناصر قضية بينوشيه‬
‫باعتبارها سابقة قانونية‪ ،‬خصوصا ً "عالمية الختصاص القضائي"‪ ،‬وذلك‬
‫حتى يتمكن الضحايا والمدافعون عن حقوق النسان من مواصلة الجهد‬
‫لحالة سائر الساسة المجرمين إلى العدالة في الخارج‪ ،‬وحتى يتفهموا‬
‫‪.‬العراقيل الكثيرة التي تواجههم في هذا الجهد‬
‫ثانيا‪ :‬ما هي عالمية الختصاص القضائي؟‬
‫ً‬
‫كان أهم ملمح قضية بينوشيه هو أن قضائيا إسبانيا مارس سلطة المر‬
‫باعتقال بينوشيه بسبب الجرائم التي ارُتكب معظمها في شيلي‪ ،‬والتي‬
‫كان معظم ضحاياها من أبناء شيلي‪ .‬وتستند هذه السلطة إلى قاعدة‬
‫"عالمية الختصاص القضائي"‪ ،‬أي المبدأ الذي يقضي بأنه من مصلحة كل‬
‫دولة أن تحيل إلى العدالة مرتكبي جرائم معينة تهم المجتمع الدولي‬
‫بأسره‪ ،‬بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة‪ ،‬وبغض النظر عن جنسية‬
‫‪.‬مرتكبيها أو جنسية ضحاياها‬
‫ويعتمد الختصاص القضائي بجريمة ما‪ ،‬في الحوال العادية‪ ،‬على الصلة‬
‫بين الدولة التي ترفع الدعوى وبين الجريمة نفسها‪ ،‬وهي صلة إقليمية في‬
‫العادة؛ "أما في حالة الجرائم المرتكبة ضد النسانية"‪ ،‬على نحو ما أوضح‬
‫أحد كبار المحامين‪" ،‬فيكفي أن تكون هذه الصلة أننا جميعا ً من أبناء‬
‫البشر"‪ .‬والسبب الواقعي الرئيسي لنص القانون الدولي على عالمية‬
‫الختصاص القضائي هو أن يضمن عدم إتاحة "الملجأ المن" للمسؤولين‬
‫‪.‬عن ارتكاب أخطر الجرائم‬
‫وكانت جريمة القرصنة هي الجريمة "العالمية" المعهودة في سالف‬
‫الزمان‪ ،‬ثم أضيفت إليها تجارة الرقيق‪ .‬ولكن هذين اللونين من الجرائم‬
‫كانا يرتكبان عبر حدود الدول أو في عرض البحار‪ .‬وقد ازداد عدد الجرائم‬
‫التي تتطلب عالمية الختصاص القضائي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية‪،‬‬
‫وطالت القائمة فأصبحت تتضمن كثيرا ً من الفظائع التي ترتكب داخل‬
‫الحدود الوطنية‪ ،‬مثل جريمة البادة الجماعية‪ ،‬والتعذيب‪ ،‬والفصل‬
‫العنصري‪ ،‬وغيرها من "الجرائم المرتكبة ضد النسانية"‪ .‬وقد نظرت إحدى‬
‫محاكم الوليات المتحدة قضية هامة أصبحت من معالم تاريخ القضاء‪،‬‬
‫وهي قضية فيلرتيغا التي رفعت فيها أسرة شخص من باراغواي كان من‬
‫ضحايا التعذيب ثم انتقل للقامة في الوليات المتحدة‪ ،‬دعوى مدنية ضد‬
‫من قام بتعذيبه بعد أن انتقل هو أيضا ً إلى الوليات المتحدة؛ وقالت‬
‫المحكمة في حكمها‪" :‬لقد أصبح مرتكب التعذيب‪ ،‬مثل القرصان وتاجر‬
‫‪".‬الرقيق من قبله‪ ،‬عدوا ً للبشرية بأسرها‬

‫ثالثا‪ :‬ما هي الجرائم التي تنطبق عليها عالمية الختصاص القضائي؟‬


‫إذا أردنا تحديد الجرائم التي تنص عليها عالمية الختصاص القضائي‬
‫بموجب القانون الدولي‪ ،‬فعلينا أن ننظر في المعاهدات الدولية ـ مثل‬
‫"اتفاقية مناهضة التعذيب" الصادرة عن المم المتحدة‪ ،‬أو اتفاقيات جنيف‬
‫الخاصة بجرائم الحرب ـ وكذلك في العرف السائد بين الدول )أو بما‬
‫يسمى "بالقانون الدولي القائم على العرف"( وهي التي تعتبر‬
‫التعذيب‬
‫البادة الجماعية‬
‫الجرائم المرتكبة ضد النسانية‬
‫جرائم الحرب‬

‫رابعا‪ :‬بعض الجرائم التي تنطبق عليها عالمية الختصاص القضائي‬


‫جريمة البادة الجماعية و"الجرائم المرتكبة ضد النسانية" جرائم تنطبق‬
‫عليها عالمية الختصاص القضائي‪ .‬ولكننا نرى في كل حالة أن أساس البت‬
‫فيما إذا كان من الممكن إقامة الدعوى استنادا ً إلى عالمية الختصاص‬
‫القضائي هو قوانين الدولة التي تقام فيها الدعوى )والتي تسمى "دولة‬
‫الدعاء"(‪ .‬ومن بين الجرائم المرتكبة ضد حقوق النسان التي تنطبق عليها‬
‫‪:‬عالمية الختصاص القضائي‪ ،‬بموجب القانون الدولي‪ ،‬الجرائم التالية‬
‫التعذيب‬
‫تنص "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة‬
‫القاسية أو اللإنسانية أو المهينة"‪ ،‬التي أصدرتها المم المتحدة عام ‪1984‬‬
‫ـ والتي رفعت بموجبها الحصانة عن الجنرال بينوشيه وصدر الحكم بجواز‬
‫تسليمه إلى إسبانيا ـ على أن "تقوم الدولة الطرف التي يوجد في القليم‬
‫الخاضع لوليتها القضائية شخص ُيدعى ارتكابه ]للتعذيب[… بعرض القضية‬
‫على سلطاتها المختصة بقصد تقديم الشخص للمحاكمة‪ ،‬إذا لم تقم‬
‫بتسليمه"‪ .‬وكما قال اللورد براون ويلكنسون‪ ،‬كبير القضاة في قضية‬
‫بينوشيه "إن هدف التفاقية هو استحداث مبدأ التسليم أو العقاب‪ ،‬أي أن‬
‫على الدولة أن تتولى معاقبة الشخص إذا لم تقم بتسليمه"‪ .‬والقضية‬
‫السنغالية المرفوعة ضد حسين حبري تستند في المقام الول كذلك إلى‬
‫‪"".‬اتفاقية مناهضة التعذيب‬
‫وقد بلغ عدد الدول التي صادقت على "اتفاقية مناهضة التعذيب" ‪118‬‬
‫دولة حتى شهر فبراير‪ /‬شباط ‪2000‬؛ ولما كان المر الوارد في التفاقية‬
‫واضحا ً ل لبس فيه ول غموض‪ ،‬فربما كانت تهمة التعذيب أقرب التهم إلى‬
‫النجاح في القضايا المرفوعة في تلك الدول بصدد الجرائم المرتكبة خارج‬
‫إقليم الدول نفسها‪ ،‬على نحو ما اتضح في قضية بينوشيه وقضية حسين‬
‫‪.‬حبري‬
‫وتعّرف التفاقية التعذيب بأنه "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد‪،‬‬
‫جسديا ً كان أم عقليًا‪ ،‬يلحق عمدا ً بشخص ما بقصد الحصول من هذا‬
‫الشخص‪ ،‬أو من شخص ثالث‪ ،‬على معلومات أو على اعتراف‪ ،‬أو معاقبة‬
‫على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه‪ ،‬هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو‬
‫إرغامه هو أو أي شخص ثالث ـ أو عندما يلحق مثل هذا اللم أو العذاب‬
‫لي سبب من السباب يقوم على التمييز أيا ً كان نوعه‪ ،‬أو يحرض عليه أو‬
‫يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف‬
‫بصفته الرسمية"‪ .‬وتنص التفاقية على أل تقتصر العقوبة على الشخص‬
‫الذي يقوم فعل ً بارتكاب أعمال التعذيب‪ ،‬بل أن تشمل أيضا ً من يتواطأون‬
‫‪.‬معه أو يشاركونه في هذه العمال‬
‫البادة الجماعية‬
‫حظيت اتفاقية المم المتحدة لمنع جريمة البادة الجماعية والمعاقبة عليها‬
‫بالمصادقة على نطاق واسع‪ ،‬وهي تتضمن التعريف التالي لهذه الجريمة‪:‬‬
‫"تعني البادة الجماعية أيا ً من الفعال التالية‪ ،‬المرتكبة على قصد التدمير‬
‫الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه‪:‬‬
‫)أ( قتل أعضاء من الجماعة؛ )ب( إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير‬
‫بأعضاء من الجماعة؛ )ج( إخضاع الجماعة‪ ،‬عمدًا‪ ،‬لظروف معيشية يراد بها‬
‫تدميرها المادي كليا ً أو جزئيًا؛ )د( فرض تدابير تستهدف الحؤول دون‬
‫إنجاب الطفال داخل الجماعة؛ )ه( نقل أطفال من الجماعة‪ ،‬عنوة‪ ،‬إلى‬
‫جماعة أخرى"‪ .‬ومن المثلة القريبة العهد على جريمة البادة الجماعية‬
‫قتل أفراد طائفة التوتسي في رواندا‪ ،‬وقتل الكراد في العراق‪ ،‬وقتل‬
‫المسلمين في البوسنة‪ .‬وقد اتهمت إسبانيا الجنرال بينوشيه بارتكاب‬
‫جريمة البادة الجماعية استنادا ً إلى تعريف أوسع للبادة الجماعية‪ ،‬وهو‬
‫التعريف الوارد في نص القانون السباني‪ ،‬الذي يتضمن أيضا ً النص على‬
‫معاقبة كل من يحاول القضاء على الجماعات السياسية‪ ،‬ولكن بريطانيا لم‬
‫‪.‬تحتفظ بهذه التهمة في لئحة التهام‬
‫وعلى الرغم من عدم وجود نص محدد في اتفاقية منع البادة الجماعية‪،‬‬
‫فإنه يجوز لي دولة‪ ،‬استنادا ً إلى القانون الدولي القائم على العرف‪ ،‬أن‬
‫تحيل كل من يتهم بالبادة الجماعية إلى العدالة بموجب عالمية الختصاص‬
‫‪.‬القضائي‬
‫الجرائم المرتكبة ضد النسانية‬
‫لم يتخذ مفهوم "الجرائم المرتكبة ضد النسانية" شكل القانون المكتوب‬
‫إل بعد وضع "ميثاق محكمة نورمبرغ" التي أنشئت بعد الحرب العالمية‬
‫الثانية لمحاكمة قادة النازي‪ .‬أما القانون الساسي للمحكمة الجنائية‬
‫الدولية الناشئة فيتضمن )في المادة السابعة( تعريفا ً للجرائم المرتكبة ضد‬
‫النسانية قائل ً إنها أفعال معينة‪ ،‬مثل القتل العمد‪ ،‬والبادة‪ ،‬والتعذيب‪،‬‬
‫والسترقاق‪ ،‬و "الخفاء"‪ ،‬والغتصاب‪ ،‬والستعباد الجنسي‪ ،‬وما إلى ذلك‬
‫بسبيل‪ ،‬إذا ارتكبت في إطار "هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية‬
‫مجموعة من السكان المدنيين‪ ،‬وعن علم بالهجوم"‪ .‬وتوجد تعريفات‬
‫مماثلة لهذا المفهوم في النظام الساسي لكل من المحكمة الجنائية‬
‫الدولية الخاصة بيوغوسلفيا السابقة وتلك الخاصة برواندا‪ .‬والذي يجعل‬
‫جريمة ما في عداد الجرائم المرتكبة ضد النسانية هو ما تتسم به من‬
‫‪.‬اتساع نطاقها وطابعها المنهجي‬
‫ويقضي القانون الدولي القائم على العرف بعالمية الختصاص القضائي‬
‫بالنسبة للجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ .‬وهنا يجب أن نعرب عن ضرورة‬
‫الحذر؛ إذا ما أقل الدول التي انتهت من وضع تعريف للجرائم المرتكبة ضد‬
‫النسانية وإدراجها في نصوص قوانينها الوطنية )مثل بلجيكا وفرنسا‬
‫وإسرائيل(‪ .‬ولن تقدم دول كثيرة على رفع الدعوى القضائية أو قبولها إذا‬
‫كانت قائمة على جرائم غير منصوص عليها في قوانينها الوطنية‪ ،‬حتى ولو‬
‫كانت جريمة يعترف بها القانون الدولي‪ ،‬وتتضمن بعض الفعال المحظورة‬
‫بالفعل في القوانين الوطنية )مثل القتل العمد أو التعذيب(‪ .‬كما أن قضاة‬
‫المحاكم الوطنية ممن لم يتمرسوا في القانون الدولي‪ ،‬مثل قضاة مجلس‬
‫اللوردات البريطاني الذين نظروا قضية بينوشيه‪ ،‬ل يطمئنون إلى استعمال‬
‫مفاهيم القانون القائم على العرف اطمئنانهم لستخدام اللغة الواضحة‬
‫للمعاهدات‪ .‬وهكذا فإن النظرة الواقعية قد تجعل من "الجرائم المرتكبة‬
‫ضد النسانية" أسسا ً أقل ثباتا ً لرفع الدعوى القضائية خارج حدود البلد من‬
‫جرائم التعذيب أو جرائم الحرب التي تحظى بتعريفات واسعة النطاق في‬
‫‪.‬المعاهدات الدولية‪ ،‬بل وأصبح منصوصا ً عليها في التشريعات الوطنية‬
‫جرائم الحرب‬
‫كانت النظرة التقليدية إلى جرائم الحرب تقصر مفهومها على الجرائم‬
‫التي ترتكب في الصراعات الدولية المسلحة‪ ،‬أو كانت تقصره بتعبير أدق‬
‫على "النتهاكات الخطيرة" لتفاقيات جنيف الربع المعقودة عام ‪1949‬‬
‫والبروتوكول الضافي الول الذي ألحق بها عام ‪ .1977‬ولكن هناك من‬
‫يسوق الحجج على أن التطورات الخيرة أدت إلى توسيع هذا المفهوم‬
‫بحيث أصبح يشمل النتهاكات الخطيرة لعراف وقوانين الحرب‪ ،‬سواء ما‬
‫يرتكب منها في الصراعات المسلحة الدولية أو الصراعات المسلحة‬
‫الداخلية‪ .‬ول خلف على عالمية الختصاص القضائي بالنسبة للنتهاكات‬
‫الخطيرة لتفاقيات جنيف والبروتوكول الضافي الول الصادر عام ‪.1977‬‬
‫إذ إن كل اتفاقية من اتفاقيات جنيف الربع‪ ،‬وقد صادقت جميع البلدان‬
‫تقريبا ً عليها كلها‪ ،‬تنص على "أن يلتزم كل طرف متعاقد بملحقة المتهمين‬
‫باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو بالمر باقترافها‪ ،‬وبتقديمهم إلى‬
‫‪".‬محاكمه‪ ،‬أيا ً كانت جنسيتهم‬
‫و"النتهاكات الخطيرة" لتفاقيات جنيف والبروتوكول الضافي الول‬
‫تتضمن ما يلي على سبيل المثال‪ :‬القتل العمد‪ ،‬التعذيب أو المعاملة‬
‫اللإنسانية‪ ،‬بما في ذلك التجارب البيولوجية؛ وتعمد إحداث المعاناة‬
‫الشديدة‪ ،‬أو الذى الخطير للبدن أو للصحة؛ وتدمير الممتلكات والستيلء‬
‫عليها‪ ،‬دون مبرر من حيث الضرورة العسكرية‪ ،‬إذا حدث ذلك عمدا ً ودون‬
‫وجه حق؛ وإرغام أسير الحرب أو غيره ممن يتمتعون بالحماية على‬
‫الخدمة في قوات دولة معادية؛ وتعمد حرمان أسير الحرب أو غيره من‬
‫الشخاص المحميين من حقوق المحاكمة العادلة والمعتادة؛ واحتجاز‬
‫الرهائن؛ واتخاذ السكان المدنيين أو أي فرد من المدنيين هدفا ً للعتداء؛‬
‫وشن الهجوم دون تمييز مع الوعي بأنه سوف يتسبب في إحداث خسائر‬
‫أكثر مما ينبغي في الرواح‪ ،‬أو إحداث الصابات بالمدنيين أو الضرار‬
‫بأهداف مدنية؛ وقيام سلطات دولة الحتلل بنقل بعض سكانها المدنيين‬
‫إلى القليم الذي تحتله‪ ،‬أو نقل جميع أو بعض سكان القليم المحتل إلى‬
‫أمكنة أخرى داخل ذلك القليم أو خارجه‪ .‬ومن المرجح أن تكون عالمية‬
‫الختصاص القضائي سارية على النتهاكات الخطيرة للقوانين والعراف‬
‫الخاصة بالصراعات الدولية المسلحة‪ ،‬حتى ولم لو تكن تعتبر "انتهاكات‬
‫خطيرة" لتفاقيات جنيف‪ ،‬مما يسمح للدولة بملحقة المسؤولين عنها‪،‬‬
‫وإن لم تكن ملزمة بذلك‪ .‬وتتضمن هذه الفئة ما يلي‪ :‬تعمد شن الهجمات‬
‫على السكان المدنيين‪ ،‬وفق المفهوم السائد‪ ،‬أو على الفراد المدنيين‬
‫الذين ل يشاركون بصورة مباشرة في العمليات العسكرية؛ وتعمد توجيه‬
‫الهجمات إلى الهداف المدنية )أي الهداف التي ل تعتبر أهدافا ً عسكرية(‬
‫وشن العتداء مع الوعي بأنه قد يتسبب عََرضا ً في إحداث خسائر في‬
‫الرواح أو إصابة المدنيين أو إحداث الضرار بالهداف المدنية؛ والهجوم‬
‫ن ل يدافع عنها أحد وليست من الهداف العسكرية؛‬ ‫على بلدات أو مبا ٍ‬
‫وقتل المحاربين أو إصابتهم بجروح بعد استسلمهم؛ والتشويه البدني أو‬
‫إجراء التجارب الطبية أو العلمية على الفراد رغما ً عنهم؛ والسلب‬
‫والنهب؛ واستخدام أنواع معينة من السلحة التي ل تمٌيز بين الضحايا؛‬
‫والغتصاب؛ والسترقاق الجنسي والرغام على الدعارة؛ وتعمد تجويع‬
‫السكان؛ وتجنيد الطفال دون الخامسة عشرة من العمر أو إلحاقهم‬
‫بصفوف المقاتلين أو استخدامهم في العمليات العسكرية‪ .‬كما يضم‬
‫القانون الساسي للمحكمة الجنائية الدولية عددا ً كبيرا ً من جرائم الحرب‬
‫التي ترتكب في غمار الصراعات المسلحة الدولية والتي ل تعتبر من‬
‫‪"".‬النتهاكات الخطيرة‬
‫وقد شهدت السنوات الخيرة توسيع مفهوم جرائم الحرب بحيث أصبح‬
‫يتضمن ما ُيرتكب منها في غضون الصراعات الداخلية أيضا ً مما يعطي‬
‫الدولة الثالثة الحق في ممارسة الختصاص العالمي )وإن لم يكن يلزمها‬
‫بذلك بالضرورة(‪ .‬وقد حظيت المادة الثالثة المشتركة بين جميع اتفاقيات‬
‫جنيف بالقبول على أوسع نطاق باعتبارها المعيار المعتمد للسلوك في‬
‫الصراعات المسلحة غير الدولية‪ ،‬وهي التي تحّرم "العتداء على الحياة‬
‫والسلمة البدنية‪ ،‬وبخاصة القتل بجميع أشكاله‪ ،‬والتشويه‪ ،‬والمعاملة‬
‫القاسية‪ ،‬والتعذيب؛ وأخذ الرهائن؛ والعتداء على الكرامة الشخصية‪،‬‬
‫وعلى الخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة؛ وإصدار الحكام وتنفيذ‬
‫العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيل ً قانونيًا‪،‬‬
‫‪".‬وتكفل جميع الضمانات القضائية اللزمة في نظر الشعوب المتمدنة‬
‫وإلى جانب ذلك‪ ،‬فإن النظام الساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد عرف‬
‫الجرائم التي تقع في غمار الصراعات الداخلية بحيث تشمل أفعال ً من‬
‫قبيل‪ :‬تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد‬
‫مدنيين ل يشاركون مباشرة في العمال الحربية؛ وتعمد توجيه هجمات‬
‫ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل؛ ونهب أي بلدة أو‬
‫مكان؛ والغتصاب‪ ،‬والستعباد الجنسي‪ ،‬والكراه على ممارسة البغاء‪،‬‬
‫‪.‬والحمل القسري‪ ،‬والتعقيم القسري‬
‫خامسا‪ :‬ما هي الدول التي تسمح برفع الدعوى في الجرائم المرتكبة‬
‫خارج إقليمها؟‬
‫تختلف القوانين من دولة إلى أخرى‪ ،‬ولكنه ل يكفي ‪ -‬مع السف ‪ -‬أن‬
‫تصادق دولة ما على معاهدة تلزمها بمقاضاة من يزعم قيامهم بالتعذيب أو‬
‫ارتكابهم جرائم حرب‪ ،‬ول يكفي النص في القانون الدولي القائم على‬
‫العرف على مقاضاة مرتكبي جريمة البادة الجماعية وغيرها من الجرائم‬
‫المرتكبة ضد النسانية‪ ،‬حتى نضمن في كل الحوال أن تسمح قوانين تلك‬
‫‪.‬الدولة برفع الدعوى القضائية‬
‫ونرى في بلدان كثيرة أن المعاهدات )بل والقانون الدولي القائم على‬
‫العرف في بعض الحالت( تصبح بصورة تلقائية جزءا ً من القانون الوطني‪،‬‬
‫دون حاجة إلى إصدار تشريع محدد "بتنفيذ" تلك المعاهدات‪ ،‬وذلك أساسا ً‬
‫في البلدان التي استوحت قانونها المدني من تقاليد القانون المدني‬
‫الفرنسي‪ ،‬على نحو ما نشهده في بلدان إفريقيا الناطقة بالفرنسية وفي‬
‫مصر على سبيل المثال‪ .‬وهكذا فإذا كان القانون الدولي التقليدي أو‬
‫القائم على العرف ينص على عالمية الختصاص القضائي‪ ،‬فل بد أن يتوافر‬
‫لدى محاكم هذه الدول الساس الكافي لرفع الدعوى القضائية‪ .‬وعلى‬
‫غرار ذلك نجد أن الكثير من بلدان أمريكا اللتينية وأوروبا لديها من‬
‫القوانين ما يشير بصفة عامة إلى المعاهدات التي صادقت عليها تلك‬
‫البلدان؛ فعلى سبيل المثال‪ ،‬ينص قانون العقوبات في بنما على ما يلي‪:‬‬
‫"بغض النظر عن القانون الخاص بالمكان الذي ارتكب فيه الفعل‪ ،‬وبغض‬
‫النظر عن جنسية المتهم ‪ ،‬فإن القانون الجنائي في بنما يسري على كل‬
‫من يرتكب فعل ً ُيعاَقب عليه‪ ،‬مما هو منصوص عليه في المعاهدات الدولية‬
‫التي صادقت عليها جمهورية بنما"‪ .‬وهكذا نرى أنه‪ ،‬من حيث المبدأ‪ ،‬يخضع‬
‫مرتكب التعذيب في الخارج للعقاب في بنما بناًء على "اتفاقية مناهضة‬
‫التعذيب"‪ .‬وهذا هو المتبع في النمسا وبوليفيا والبرازيل وكوستاريكا‬
‫وقبرص وجمهورية التشيك والدانمرك وإكوادور والسلفادور وإثيوبيا‬
‫وفرنسا وجورجيا وألمانيا وغواتيمال وهندوراس وباراغواي وبيرو وروسيا‬
‫‪.‬وإسبانيا وسريلنكا‪ ،‬وسويسرا وأوروغواي وغيرها‬
‫ولكن بلدانا ً كثيرة أخرى تصر على ضرورة "إدماج" المعاهدات بصورة‬
‫محددة في القوانين الوطنية قبل الرتكان إليها؛ وكثيرا ً ما تقوم البلدان‬
‫بالمصادقة على المعاهدة ثم ل تصدر اللوائح التنفيذية لدماج المعاهدة في‬
‫القانون الوطني‪ .‬وفيما يلي عرض موجز لما نعرفه عن القوانين المحلية‬
‫في شتى البلدان‪ ،‬وإن كان على الضحايا أن يستشيروا المحامين في كل‬
‫‪.‬حالة في دولة الدعاء قبل اتخاذ أي خطوة من الخطوات‬
‫توجد في بلدان كثيرة تشريعات محددة تضع "اتفاقية مناهضة التعذيب"‬
‫موضع التنفيذ‪ ،‬مثل قانون العدالة الجنائية في المملكة المتحدة‪ ،‬وهو الذي‬
‫استمدت بريطانيا منه سلطة اعتقال بينوشيه؛ وهو ينص على ما يلي‪:‬‬
‫"تتوافر أركان جريمة التعذيب إذا تعمد مسؤول حكومي أو أي شخص‬
‫يمارس عمله باعتباره مسؤول ً حكوميًا‪ ،‬أيا ً كانت جنسيته‪ ،‬وسواء كان ذلك‬
‫في المملكة المتحدة أو في أي مكان آخر‪ ،‬إحداث ألم أو معاناة شديدة‬
‫لغيره‪ ،‬في غضون أدائه لواجباته الرسمية أو بقصد أدائه لهذه الواجبات"‪.‬‬
‫وتوجد تشريعات مماثلة فيما يتعلق بالتعذيب لدى دول أخرى من بينها‬
‫أستراليا وكندا وبلجيكا وفرنسا ومالطا‪ ،‬وهولندا‪ ،‬ونيوزيلندا والوليات‬
‫‪.‬المتحدة‬
‫وعلى غرار ذلك قامت بلدان كثيرة بإدماج اتفاقيات جنيف في قوانينها‬
‫الوطنية‪ ،‬وإن كان ذلك عادة دون التعميم الذي تتسم التفاقيات به؛ وهكذا‬
‫فإن قوانين الوليات المتحدة تقضي بمعاقبة "كل من يرتكب جريمة‬
‫حرب‪ ،‬سواء أكان ذلك داخل الوليات المتحدة أم خارجها"‪ ،‬وهي تحدد‬
‫جريمة الحرب هنا بأنها أي انتهاك خطير لتفاقيات جنيف أو أي انتهاك‬
‫للمادة الثالثة المشتركة بينها‪ .‬ولكن هذا النص ل ُيطّبق إل إذا كان الجاني‬
‫أو المجني عليه فردا ً من أفراد قوات الوليات المتحدة أو مواطنا ً من‬
‫مواطنيها‪ .‬وموقع النترنت الخاص باللجنة الدولية للصليب الحمر يتضمن‬
‫أسماء كثير من البلدان التي أدرجت في قوانينها الحكام الخاصة بجرائم‬
‫الحرب المرتكبة خارج إقليمها بعض البلدان التي تمنح محاكمها‬
‫الختصاصات والسلطة اللزمة لمحاكمة مرتكبي جرائم البادة الجماعية‬
‫خارج إقليمها‪ ،‬مثل بلجيكا وكوستاريكا وألمانيا ونيكاراغوا وإسبانيا‪ .‬وثمة‬
‫بلدان قليلة لديها من القوانين ما يسمح بصفة محددة بمحاكمة من يرتكب‬
‫جريمة ضد النسانية في الخارج‪ ،‬ومن بينها بلجيكا وفرنسا وإسرائيل‬
‫وفنزويل؛ كما إن بعض بلدان شمال أوروبا‪ ،‬مثل النرويج والسويد‪ ،‬تعتبر أن‬
‫جميع الجرائم المرتكبة في الخارج من الجرائم التي يعاقب عليها القانون‬
‫‪.‬مادام مرتكبها موجودا ً في دولة الدعاء‬
‫سادسا‪ :‬وما هو الحال إذا كانت هناك ضحايا من أبناء دولة الدعاء؟‬
‫بالضافة إلى عالمية الختصاص القضائي‪ ،‬تمنح بلدان كثيرة محاكمها‬
‫صلحية معاقبة من يرتكب جريمة في الخارج ضد أحد مواطنيها )وهو ما‬
‫يسمى بالختصاص القائم على أساس "الجنسية السلبية" أو "الشخصية‬
‫السلبية"(؛ وعادة ما يشترط في هذه الحالة أن يكون الفعل المرتكب من‬
‫الفعال التي تعتبر من الجرائم في البلد الذي تقع فيه أيضًا‪ ،‬وأل يكون‬
‫عوقب عليه‪ .‬وهكذا فإن القضايا المرفوعة ضد بينوشيه في‬ ‫مرتكبه قد ُ‬
‫بلجيكا وفرنسا وسويسرا كانت تستند إلى الشكاوى التي قدمها أفراد من‬
‫مواطني هذه الدول‪ ،‬وزعموا فيها أنهم تعرضوا للضرر على يدى بينوشيه‬
‫في شيلي‪ .‬ول شك أن وجود ضحايا من أبناء الدولة نفسها يزيد من‬
‫‪.‬المصلحة السياسية للدولة في إقامة الدعوى‬
‫مسألة الرادة السياسية‬
‫تعتبر الرادة السياسية للدولة التي ترفع الدعوى )أو التي تقوم بتسليم‬
‫الشخص( من العوامل التي تحسم إمكانية مقاضاته‪ ،‬خصوصا ً إذا كان‬
‫القانون ل يسمح للمجني عليهم بالشروع في إجراءات التقاضي الجنائي‬
‫بصورة مباشرة‪ .‬ففي حالة بينوشيه‪ ،‬قامت الشرطة البريطانية على الفور‬
‫بتنفيذ المر القضائي الذي أرسلته إسبانيا للقاء القبض عليه؛ كما قام‬
‫وزير الداخلية البريطاني جاك سترو مرتين باتخاذ القرار الصعب من‬
‫الناحية الدبلوماسية وهو قرار السماح بالمضي في إجراءات طلب التسليم‬
‫الذي قدمته إسبانيا‪ .‬وأغلب الظن أن بعض الدول الخرى‪ ،‬إذا واجهت مثل‬
‫هذا الموقف‪ ،‬ستميل إلى اتخاذ قرار يعفيها من الثمن السياسي الذي لبد‬
‫من دفعه مقابل الخروج على الوضاع الدولية الراهنة‪ ،‬على نحو ما حدث‬
‫مؤخرًا‪ ،‬حين قام عزة إبراهيم الدوري‪ ،‬أحد كبار مساعدي الرئيس العراقي‬
‫صدام حسين‪ ،‬بزيارة فيينا في أغسطس‪ /‬آب ‪ 1999‬بقصد العلج‪ ،‬إذ رفع‬
‫أحد أعضاء المجلس المحلي للمدينة دعوى جنائية عليه استنادا ً إلى الدور‬
‫النشيط الذي اضطلع به في حملة البادة الجماعية التي شنها العراق على‬
‫ن وأربعون ساعة حتى تركته الحكومة النمساوية‬ ‫ض ثما ٍ‬
‫الكراد؛ ولم تم ِ‬
‫يغادر البلد‪ ،‬فوضعت بذلك علقاتها مع العراق فوق التزاماتها بموجب‬
‫المعاهدات الدولية‪ .‬وفي نوفمبر‪ /‬تشرين الثاني ‪ ،1999‬قام طاغية إثيوبيا‬
‫السبق‪ ،‬منغستو هايلي ماريام‪ ،‬الذي تسعى السلطات الثيوبية لعتقاله‬
‫بتهمة البادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ ،‬بزيارة جنوب‬
‫إفريقيا بقصد العلج؛ وعلى الرغم من الصوات التي ارتفعت من‬
‫الجماعات المحلية والدولية للمطالبة باعتقاله‪ ،‬وعلى الرغم من السجل‬
‫المشرف لحقوق النسان في جنوب إفريقيا‪ ،‬فإنه لم يتعرض للعتقال بل‬
‫عاد إلى منفاه في زمبابوي‪ ،‬حيث تؤويه الحكومة منذ سقوطه‪ .‬وعندما‬
‫اعتقل أبو داود في فرنسا عام ‪ ،1976‬وهو المتهم في حادثة المذبحة التي‬
‫وقعت لفريق ألعاب القوى السرائيلي في دورة ميونيخ الوليمبية عام‬
‫‪ ،1972‬لم تأبه باريس لطلبات تسليمه التي قدمتها ألمانيا الغربية‬
‫‪.‬وإسرائيل‪ ،‬بل أطلقت سراحه بعد القبض عليه بأربعة أيام‬
‫ومن الواضح أن وجود حكومة ديموقراطية وسلطة قضائية مستقلة‪ ،‬وربما‬
‫وجود جالية كبيرة من أبناء البلد الذي ارتكبت فيه الجرائم ممن يعيشون‬
‫في المنفى‪ ،‬سوف يساعد على إيجاد المناخ السياسي المواتي الذي‬
‫يسمح بالسير في إجراءات القضية في دولة الدعاء‪ .‬ولم يكن من الممكن‬
‫أن ترفع الدعوى على بينوشيه في إسبانيا‪ ،‬حيث تتعرض حكومتها‬
‫المحافظة للضغط من شركائها التجاريين في أمريكا الجنوبية لغلق‬
‫القضية‪ ،‬إل بسبب استقلل السلطة القضائية في إسبانيا‪ ،‬ووجود جالية‬
‫كبيرة من أبناء شيلي الذين يعيشون في المنفى في إسبانيا‪ ،‬وقوة التأييد‬
‫الشعبي لمحاكمته‪ .‬كما سمحت السنغال بالسير في إجراءات الدعوى‬
‫المرفوعة على حسين حبري دون تدخل سياسي‪ ،‬ول غرو‪ ،‬إذ تفخر‬
‫السنغال بأنها كانت أول دولة في العالم تصادق على معاهدة إنشاء‬
‫المحكمة الجنائية الدولية‪ ،‬كما كان لها وجودها البارز في القضايا الدولية‬
‫لحقوق النسان‪ .‬ولكننا نرى‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬أنه من المستبعد أن ُترفع‬
‫الدعوى القضائية على عيدي أمين‪ ،‬دكتاتور أوغندا السابق‪ ،‬الذي يقيم حاليا ً‬
‫في المملكة العربية السعودية؛ فهي دولة ل تتمتع بأي مشاركة سياسية‬
‫ُتذكر‪ ،‬ول بسلطة قضائية مستقلة‪ ،‬ولم تستجب حكومتها للطلبات التي‬
‫قدمتها المنظمات غير الحكومية الدولية ومجموعات الضحايا لحالة عيدي‬
‫‪.‬أمين إلى العدالة‬
‫وقد تحاول حكومة البلد الذي ارتكبت فيه الجرائم منع رفع الدعوى‪ ،‬وإن‬
‫كان ذلك يتوقف ـ إلى حد ما ـ على ما إذا كان النظام الحاكم الذي ينتمي‬
‫إليه مرتكب الجريمة ما زال قائمًا؛ فقد تكون لذلك آثاره الهامة من حيث‬
‫إمكان الحصول على المعلومات وعلى الدلة‪ ،‬بل ومن حيث سلمة‬
‫الشهود والضحايا وأسرهم‪ .‬بل إن مثل تلك الحكومات قد تحاول أيضا ً‬
‫إغلق ملف القضية‪ ،‬على نحو ما فعلت شيلي في قضية بينوشيه؛ وعندها‬
‫قد تتوقف نتيجة الدعوى على الرادة السياسية لدولة الدعاء‪ ،‬وعلى‬
‫استقلل سلطتها القضائية‪ ،‬وعلى النفوذ المضاد الذي قد تتمتع به‬
‫‪.‬الجماعات ذات المصلحة‬
‫ً‬
‫والواقع أنه حتى إذا لم تكن السياسة الدولية تمثل عامل من عوامل رفع‬
‫الدعوى‪ ،‬فقد يكون من العسير إقناع النائب العام أو قاضي التحقيق في‬
‫بلد أجنبي بالشروع في التحقيق في جريمة ارتكبت خارج بلده‪ ،‬لن ذلك‬
‫يقتضي اقتطاع قدر من الموارد المالية والبشرية اللزمة للقضايا المحلية‪،‬‬
‫خصوصا ً بسبب التكاليف الباهظة للقضايا الدولية‪ ،‬واحتمال عدم الهتمام‬
‫محليا ً بالقضية المزمع رفعها‪ .‬وهكذا لبد من القيام بحملة توعية قوية؛‬
‫ومن بين الحجج التي قد يسوقها المؤيدون المحليون لرفع الدعوى أن‬
‫‪.‬بلدهم ل يجوز أن يصبح "ملجأ ً آمنًا" لمرتكبي جرائم حقوق النسان‬
‫وتسمح بعض البلدان للضحايا وللمنظمات غير الحكومية برفع الدعوى في‬
‫المحاكم مباشرة دون الحاجة إلى موافقة النيابة العامة‪ ،‬ولو أن هذه‬
‫‪.‬الصعوبات ذاتها قد تنشأ عند إقناع القاضي بنظر القضية‬
‫سابعا‪ :‬ما هي القضايا الخرى المرفوعة استنادا ً إلى مبدأ عالمية‬
‫الختصاص القضائي؟‬
‫عقد الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية الثانية آلف المحاكمات‬
‫في محاكمهم الوطنية للفراد من اللمان المتهمين بارتكاب جرائم ضد‬
‫السلم وجرائم الحرب وجرائم ضد النسانية‪ ،‬وكانت تستند أساسا ً إلى‬
‫مبدأ عالمية الختصاص القضائي‪ .‬ولكن العقود التالية لم تشهد إل عددا ً‬
‫محدودا ً من مثل هذه القضايا؛ ففي عام ‪ 1961‬قامت إسرائيل بمحاكمة‬
‫أدولف أيخمان وأدانته بتهمة ارتكاب جرائم ضد النسانية في أوروبا إبان‬
‫الحرب العالمية الثانية‪ ،‬واعتمدت في ذلك ‪ ،‬إلى حد ما‪ ،‬على مبدأ عالمية‬
‫الختصاص القضائي‪ .‬وفي عام ‪ 1985‬قضت إحدى محاكم الوليات‬
‫المتحدة بالسماح بتسليم جون ديميانيوك إلى إسرائيل‪ ،‬الذي ُزعم أنه‬
‫ارتكب جريمة البادة الجماعية وجرائم ضد النسانية أثناء الحرب العالمية‬
‫الثانية‪ ،‬بناًء على حق إسرائيل في رفع الدعوى الذي يستند إلى عالمية‬
‫الختصاص القضائي‪) .‬ولكن ديميانيوك ُأطلق سراحه‪ ،‬بعد محاكمته وصدور‬
‫الحكم بإعدامه في إسرائيل‪ ،‬وذلك على أساس عدالة الجراءات‪ ،‬بعد أن‬
‫أثارت الدلة المقدمة شكوكا ً في صحة إثبات التهمة المحددة التي أدت‬
‫‪).‬إلى تسليمه لسرائيل‬
‫وفي أعقاب جرائم البادة الجماعية التي وقعت في يوغوسلفيا السابقة‬
‫وفي رواندا‪ ،‬أحال عدد من البلدان الوروبية مرتكبيها إلى المحاكمة‬
‫استنادا ً إلى مبدأ عالمية الختصاص القضائي؛ ففي بلجيكا‪ ،‬اعتقلت‬
‫السلطات البلجيكية مواطنا ً روانديا ً ُيدعى فنسنت نتزيمانا‪ ،‬ووجهت إليه‬
‫تهمة ارتكاب جريمة البادة الجماعية‪ .‬وفي ألمانيا‪ ،‬حكمت محكمة عليا من‬
‫محاكم بافاريا على مواطن من صرب البوسنة يدعى نوفيسلف ديايتش‬
‫بالسجن خمس سنوات في عام ‪ ،1997‬بموجب اتفاقيات جنيف‪ ،‬بتهمة‬
‫المعاونة والتواطؤ في قتل ‪ 14‬رجل ً من مسلمي البوسنة في عام ‪.1992‬‬
‫وفي سبتمبر‪/‬أيلول ‪ 1997‬حكمت محكمة دوسلدورف العليا على نيكول‬
‫يورغيتش‪ ،‬الزعيم السبق لحدى الجماعات البرلمانية الصربية‪ ،‬بالسجن‬
‫المؤبد بعد إدانته بإحدى عشرة تهمة في إطار جريمة البادة الجماعية‪،‬‬
‫وثلثين تهمة بجريمة القتل العمد؛ ولكنها لم تبت بعد في قضية ثالثة‬
‫مرفوعة ضد رجل من صرب البوسنة متهم بجريمة البادة الجماعية‪ .‬وفي‬
‫الدانمرك‪ ،‬يقضي رجل من مسلمي البوسنة ُيدعى رفيق ساريتش حكما ً‬
‫جهت إليه تهمة‬ ‫بالسجن ثماني سنوات لرتكابه جرائم الحرب‪ ،‬بعد أن وُ ّ‬
‫تعذيب المعتقلين في أحد السجون التي كان يديرها الكرواتيون في‬
‫البوسنة عام ‪ ،1993‬وذلك بموجب اتفاقيات جنيف‪ .‬وفي إبريل‪/‬نيسان‬
‫‪ 1999‬أدانت إحدى المحاكم العسكرية السويسرية مواطنا ً روانديا‬
‫بارتكاب جرائم حرب في رواندا‪ .‬وتحاكم السلطات الهولندية حاليا ً رجل ً‬
‫من صرب البوسنة بتهمة ارتكاب جرائم حرب‪ ،‬أمام محكمة عسكرية‪ .‬كما‬
‫تحاكم السلطات الفرنسية حاليا ً قسا ً روانديا ً يدعى ونسيسلس‬
‫مونيشياكا‪ ،‬بتهمة البادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد النسانية‪،‬‬
‫والتعذيب‪ .‬كما قامت الشرطة الفرنسية في يوليو‪/‬تموز ‪ 1999‬باعتقال‬
‫ضابط موريتاني برتبة عقيد ُيدعى علي ولد داه‪ ،‬أثناء دراسته بإحدى‬
‫الكاديميات العسكرية الفرنسية‪ ،‬استنادا ً إلى أحكام "اتفاقية مناهضة‬
‫التعذيب"‪ ،‬وذلك عندما تعّرف عليه مواطنان موريتانيان يقيمان في‬
‫المنفى‪ ،‬وقطعا ً بأنه هو الذي قام بتعذيبهما‪ .‬وفي فبراير‪/‬شباط ‪2000‬‬
‫وجهت محكمة سنغالية إلى دكتاتور تشاد المنفي حسين حبري تهمة‬
‫‪.‬ارتكاب التعذيب‬

‫"ثامنا‪ :‬الدعوى المرفوعة على حسين حبري "بينوشيه الفريقي‬


‫في فبراير‪/‬شباط ‪ 2000‬وجهت محكمة سنغالية تهمة ارتكاب التعذيب إلى‬
‫حسين حبري‪ ،‬دكتاتور تشاد السابق المقيم في المنفى‪ ،‬ووضعته تحت‬
‫القامة الجبرية في منزله‪ ،‬وكانت تلك أول مرة تتهم فيها إحدى المحاكم‬
‫‪.‬في دولة إفريقية شخصا ً من دولة إفريقية أخرى بارتكاب الفظائع‬

‫حسين حبري ‪،‬بينوشيه الفريقي‬


‫وقد ظل حسين حبري يحكم تشاد منذ عام ‪ 1982‬حتى عام ‪ ،1990‬وهو‬
‫العام الذي خلعه فيه الرئيس الحالي إدريس ديبي‪ ،‬فاضطر إلى الفرار إلى‬
‫السنغال‪ .‬ومنذ سقوط حبري وأبناء تشاد يحاولون إحالته إلى العدالة‪،‬‬
‫فقامت "الرابطة التشادية لضحايا القمع السياسي والجريمة" بتجميع‬
‫المعلومات الخاصة بكل فرد من الضحايا البالغ عددهم ‪ ،792‬وهم من‬
‫تعرضوا لوحشية حبري‪ ،‬آملين النتفاع بما سجلوه عن هذه الحالت في‬
‫رفع الدعوى القضائية على حبري‪ .‬وفي عام ‪ 1992‬أصدرت لجنة تقصي‬
‫الحقيقة تقريرا ً يتضمن اتهام نظام حبري بارتكاب ‪ 40‬ألف جريمة من‬
‫جرائم القتل السياسي‪ ،‬و ‪ 200‬ألف حالة من حالت التعذيب‪ .‬ولما كان‬
‫عدد كبير من كبار المسؤولين في حكومة ديبي‪ ،‬ومن بينهم ديبي نفسه‪،‬‬
‫ضالعين في جرائم حبري‪ ،‬فإن الحكومة الجديدة لم تطلب من السنغال‬
‫‪.‬تسليمه إليها‬
‫وفي عام ‪ ،1999‬تقدمت "الرابطة التشادية لنصرة حقوق النسان‬
‫والدفاع عنها ـ وعينها على السابقة القانونية المتمثلة في حالة بينوشيه ـ‬
‫بطلب إلى منظمة "مراقبة حقوق النسان" ترجو فيه مساعدتها في إحالة‬
‫حبري إلى العدالة في السنغال‪ .‬وقام الباحثون في منظمة "مراقبة حقوق‬
‫النسان" بزيارة تشاد مرتين‪ ،‬واطلعوا على الوثائق التي أعدتها رابطة‬
‫الضحايا المذكورة في عام ‪ 1991‬واستفادوا منها‪ ،‬عاملين في الخفاء‪،‬‬
‫خشية قيام المسؤولين التشاديين بإبلغ حبري الذي قد يفر إثر ذلك من‬
‫السنغال؛ واجتمع الباحثون بالضحايا والشهود‪ ،‬ساعين للحصول على كل ما‬
‫من شأنه توثيق الجرائم التي ارتكبها حبري‪ .‬وفي غضون ذلك قامت‬
‫منظمة "مراقبة حقوق النسان"‪ ،‬دون إحداث ضجة‪ ،‬بتنظيم تآلف من‬
‫المنظمات غير الحكومية التشادية والسنغالية والدولية‪ ،‬تدعيما ً للشكوى‪،‬‬
‫وكان من بينها "التحاد الدولي لجمعيات حقوق النسان"‪ ،‬ومنظمة‬
‫"الحقوق الدولية" )إنتررايتس(‪ ،‬إلى جانب مجموعة من المحامين‬
‫السنغاليين الذين يمثلون مصالح الضحايا‪ .‬وكان من بين من رفعوا الدعوى‬
‫باعتبارهم أفرادا ً سبعة أفراد تشاديين‪ ،‬وأرملة فرنسية راح زوجها ضحية‬
‫‪.‬نظام حبري وكذلك رابطة الضحايا المذكورة‬
‫وتقدم الشاكون بالدعوى الجنائية التي رفعوها إلى محكمة داكار القليمية‪،‬‬
‫والتي يتهمون فيها حبري رسميا ً بارتكاب التعذيب وجرائم ضد النسانية‪،‬‬
‫كما حضر العديد منهم إلى السنغال خصيصا لهذا الغرض‪ .‬أما تهم التعذيب‬
‫فكانت تستند إلى القانون السنغالي الخاص بالتعذيب‪ ،‬وكذلك إلى "اتفاقية‬
‫مناهضة التعذيب" التي اعتمدتها المم المتحدة عام ‪ ،1984‬والتي صادقت‬
‫عليها السنغال في عام ‪ .1987‬كما أشارت هذه الجماعات أيضا ً إلى‬
‫التزامات السنغال بموجب القانون الدولي القائم على العرف‪ ،‬والتي‬
‫‪.‬تقضي برفع الدعوى على المتهمين بارتكاب جرائم ضد النسانية‬
‫وفي مستندات القضية المرفوعة إلى قاضي التحقيق‪ ،‬قدمت منظمة‬
‫"مراقبة حقوق النسان"‪ ،‬وغيرها من المنظمات‪ ،‬البيانات التفصيلية‬
‫الخاصة بسبع وتسعين حالة من حالت القتل السياسي‪ ،‬و ‪ 142‬حالة‬
‫تعذيب‪ ،‬و ‪ 100‬حالة "اختفاء"‪ ،‬و ‪ 736‬حالة اعتقال تعسفي‪ ،‬قامت بتنفيذ‬
‫معظمها "إدارة التوثيق والمن" التابعة لحسين حبري‪ ،‬والتي كانت تلقي‬
‫الرعب في القلوب‪ ،‬إلى جانب تقرير أعده فريق طبي فرنسي عام ‪1992‬‬
‫عن التعذيب في ظل نظام حبري‪ ،‬وكذلك تقرير "لجنة تقصي الحقيقة"‬
‫التشادية‪ .‬كما قدمت المنظمات أيضا ً الوثائق التي تبين كيف وضع حبري‬
‫"إدارة التوثيق والمن" تحت إشرافه المباشر‪ ،‬وعين فيها موظفين من‬
‫أقرب أصدقائه‪ ،‬وألزمها برفع تقاريرها إليه بصورة منتظمة‪ .‬كما قدمت‬
‫المنظمات أيضا ً الشهادة التي أدلى بها‪ ،‬بعد حلف اليمين‪ ،‬اثنان من‬
‫السجناء السابقين؛ وكانت اللجنة المذكورة قد أمرتهما بحفر قبور جماعية‬
‫لدفن خصوم حبري‪ .‬ووصف اثنان من الشاكين كيف تعرضا لسلوب من‬
‫مى "أربعة عشر"‪ ،‬وفيه‬ ‫أساليب التعذيب الواسعة النتشار‪ ،‬وهو الذي ُيس ّ‬
‫ُيشد ّ وثائق السجين بتقييد أطرافه الربعة خلف ظهره مما يعطل الدورة‬
‫‪.‬الدموية ويتسبب في الشلل‬
‫وعشية رفع الدعوى قابل ممثلو المنظمات غير الحكومية والشاكون وزير‬
‫العدل السنغالي الذي أكد لهم أنه لن يحدث أي تدخل سياسي في عمل‬
‫القضاء‪ .‬وكانت القضية مرفوعة باعتبارها شكوى تتخذ صفة الدعاء‬
‫الشخصي‪ ،‬وسارت إجراءاتها بسرعة مذهلة‪ .‬فأحال القاضي ملف القضية‬
‫أول ً إلى المدعي العام طلبا ً لمشورة غير ملزمة؛ وكان المدعي العام قد‬
‫ُأبلغ بضرورة السراع حتى ل تتاح الفرصة لحسين حبري للفرار من البلد‪،‬‬
‫وكذلك حتى يدلي الضحايا بأقوالهم قبل عودتهم إلى تشاد‪ ،‬ومن ثم أصدر‬
‫مشورته‪ ،‬التي يوافق فيها على إقامة الدعوى‪ ،‬في غضون يومين فقط‪.‬‬
‫وفي اليوم التالي أدلى الضحايا بشهادتهم أمام القاضي في جلسة مغلقة ـ‬
‫وهو ما كانوا ينتظرونه من تسع سنوات! وعندها أمر القاضي باستدعاء‬
‫حبري يوم ‪ 3‬فبراير‪/‬شباط ‪ ،2000‬وأعلنه بتهمة "التواطؤ لرتكاب‬
‫التعذيب"‪ ،‬وأمر بوضعه تحت القامة الجبرية في منزله‪ .‬كما أمر بفتح‬
‫التحقيق مع أشخاص تحدد أسماؤهم فيما بعد بتهم ارتكاب جرائم ضد‬
‫النسانية‪ ،‬والختفاء‪ ،‬والعمال الوحشية؛ بمعنى أنه يستطيع فيما بعد‬
‫‪.‬توجيه هذه التهم إلى حبري أو إلى غيره من الشخاص‬
‫وسوف يواصل القاضي الن التحقيق الذي يقوم به في القضية‪ ،‬وربما قام‬
‫بزيارة إلى تشاد في غضون ذلك‪ .‬وقد قام حبري بتوكيل بعض المحامين‬
‫لعداد الدفاع عنه‪ ،‬في حين تستمر منظمة "مراقبة حقوق النسان"‬
‫وشركاؤها في إجراء المزيد من البحوث‪ ،‬بعد أن انتفت الحاجـة الن إلى‬
‫التكتم‪ .‬وقد تعقد محاكمة حبري إما في أواخر عام ‪ 2000‬أو في عام‬
‫‪2001.‬‬
‫ويعتبر إقدام السنغال على السماح بالسير في إجراءات القضية عمل ً‬
‫فريدا ً إذ ربما تقاعست عنه بلدان كثيرة‪ .‬فالسنغال بلد ذا تقاليد‬
‫ديموقراطية‪ ،‬يتمتع القضاء فيها بدرجة عالية من الستقلل بالمقارنة بغيره‬
‫في إفريقيا؛ وهي تعتز بأنها كانت أول دولة في العالم تصادق على معاهدة‬
‫إنشاء المحكمة الجنائية الدولية‪ ،‬كما كان لها دورها البارز في مجال‬
‫الحقوق الدولية‪ .‬وعلى الرغم مما قيل من استثمارات حبري الكبيرة في‬
‫الصناعة السنغالية‪ ،‬فلم تكن هناك جماعات ضغط قوية تعمل لصالحه‪،‬‬
‫‪.‬سواء على المستوى الوطني أو الدولي‬
‫وقال ريد برودي‪ ،‬من منظمة "مراقبة حقوق النسان"‪ ،‬الذي عمل في‬
‫قضية بينوشيه وقضية حبري‪" :‬إن قضية بينوشيه قد أكدت من جديد مبادئ‬
‫القانون الدولي التي تقضي بأن بلدا ً ما يستطيع محاكمة مرتكب جريمة‬
‫التعذيب‪ ،‬بغض النظر عن مكان ارتكابها‪ ،‬وأنه ل حصانة من المحاكمة حتى‬
‫لرئيس دولة سابق؛ ولكنها أظهرت لنا أيضا ً أن هناك بلدانا ً يمكن تطبيق‬
‫هذه المبادئ السامية فيها عمليًا‪ ،‬ولنا أن نعد السنغال اليوم من بين هذه‬
‫‪".‬البلدان‬
‫ً‬
‫تاسعا‪ :‬هل يلزم أن يكون المتهم موجودا في دولة الدعاء؟‬
‫يتوقف ذلك على القوانين الخاصة بكل بلد‪ ،‬وعلى الغرض من إقامة‬
‫الدعوى‪ ،‬وإمكان تسليم المتهم آخر المر؛ ويجب أن نذكر أن بينوشيه كان‬
‫موجودا ً في وطنه شيلي عندما بدأت إجراءات إقامة الدعوى ضده في‬
‫‪.‬إسبانيا‬
‫وهل تشترط قوانين دولة الدعاء حضور المتهم؟ ل تتطلب بلدان كثيرة‬
‫وجود المتهم بارتكاب الجريمة في البلد قبل الشروع في التحقيق؛ ولكن‬
‫معظم البلدان تحظر إجراء المحاكمة في غياب المتهم‪ .‬كما يعتمد هذا‪،‬‬
‫إلى حد ما‪ ،‬على أساس الختصاص القضائي‪ .‬ففي الحالت التي يكون‬
‫فيها الختصاص القضائي قائما ً على جنسية المتهم )أساس الختصاص‬
‫ل‪ ،‬تسمح فرنسا وإيطاليا‬ ‫القضائي القائم على "الجنسية السلبية"( مث ً‬
‫دم ضابط بحري‬ ‫بإجراء المحاكمة غيابيًا‪ .‬وهذا هو ما حدث عندما قُ ّ‬
‫أرجنتيني يدعى ألفريدو أستيز للمحاكمة في فرنسا‪ ،‬بتهمة المشاركة في‬
‫حكم عليه‬ ‫ُ‬
‫تعذيب راهبتين فرنسيتين في الرجنتين‪ ،‬فأدين بهذه التهمة و ُ‬
‫بالسجن المؤبد رغم أنه لم يكن في فرنسا‪ .‬ولكن هاتين الدولتين أنفسهما‬
‫تتطلبان أن يكون المتهم بارتكاب الجريمة موجودا ً في القليم التابع لكل‬
‫‪.‬منهما في الدعاوى القائمة على الختصاص القضائي العالمي‬
‫وإذا كانت بعض البلدان تسمح بإجراء المحاكمات الغيابية‪ ،‬فإن منظمة‬
‫"مراقبة حقوق النسان" تعتقد أن النصاف يقتضي حضور المتهم في‬
‫المحكمة أثناء محاكمته حتى يمكنه تقديم دفاعه‪ .‬فإذا ُقبض على متهم بعد‬
‫إجراء محاكمة أدين فيها غيابيًا‪ ،‬فيجب في هذه الحالة إلغاء حكم الدانة‬
‫‪.‬وإجراء محاكمة جديدة تماما ً له‬
‫وعلى الضحايا بطبيعة الحال أن ينظروا فيما يمكن أن يعود عليهم من رفع‬
‫الدعوى على فرد غير موجود بشخصه في دولة الدعاء؛ أما الفائدة‬
‫العملية لذلك فقد تعتمد على إمكان الحكم بتسليمه‪ .‬ولكن رفع الدعوى‬
‫قد تكون له أيضا ً قيمة رمزية‪ ،‬أو قد تضع قيودا ً على انتقالته وأسفاره‬
‫المعتزمة‪ ،‬أو قد تتيح تجميد حساباته في المصارف الدولية وغير ذلك من‬
‫‪.‬الرصدة‬
‫تسليم الشخاص‬
‫إذا كان المتهم غير موجود في دولة الدعاء‪ ،‬فلبد من السعي لحتجازه؛‬
‫والسلوب التقليدي في هذه الحالة هو طلب تسليمه‪ ،‬وإن كانت هناك‬
‫بدائل مثل ترحيل أحد الجانب إلى البلد التي يحمل جنسيتها؛ وذلك ما‬
‫فعلته بوليفيا عندما رحلت كلوس باربي‪ ،‬المشهور باسم "سفاح ليون"‬
‫‪.‬في الحرب العالمية الثانية‪ ،‬إلى فرنسا لمحاكمته‬
‫وتسليم الشخاص هو المصطلح الذي يطلق على قيام إحدى الدول بتقديم‬
‫طلب إلى دولة أخرى بتسليم شخص إليها زاعمة أنها تتمتع بالحق في‬
‫‪.‬محاكمته‬
‫ول تقوم بعض الدول بتسليم الشخاص إل بناًء على معاهدة تسليم‬
‫معقودة مع دولة أخرى‪ ،‬ولذلك فلبد من التأكد من وجود مثل هذه‬
‫المعاهدة بين البلدين؛ ولو أن بلدانا ً كثيرة توافق على تسليم الشخاص‬
‫حتى دون وجود مثل تلك المعاهدة‪ ،‬استنادا ً إلى مبدأ المعاملة بالمثل ـ أي‬
‫تلبية كل من الدولتين لطلبات الدولة الخرى‪ .‬ومن ناحية أخرى نجد أن‬
‫الدستور في بلدان كثيرة يحظر تسليم أحد مواطنيها حتى في حالة وجود‬
‫‪.‬معاهدة معقودة لتسليم الشخاص‬
‫ً‬
‫وإذا كان الواقع العملي يتفاوت من حالة إلى أخرى‪ ،‬خصوصا بناًء على‬
‫أحكام المعاهدات المعقودة‪ ،‬فإن تسليم الشخاص عادة ما يتبع قواعد‬
‫‪:‬متماثلة‪ ،‬وهي‬
‫التجريم المزدوج‪ :‬ومعناه اشتراك البلدين في تجريم عمل ما‪ ،‬أي ‪1-‬‬
‫ضرورة النص على تجريم الفعال التي يزعم ارتكابها في قوانين كل من‬
‫الدولة التي تطلب تسليم الشخص والدولة التي تتلقى الطلب‪ .‬وتحدد‬
‫معظم معاهدات تسليم الشخاص الجرائم التي يسمح فيها بتسليم‬
‫الشخاص‪ .‬ولكن بعض المعاهدات الخرى تشير فحسب إلى فئات من‬
‫الجرائم أو إلى مستوى العقوبة )ولنقل‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬تلك الجرائم‬
‫‪).‬التي ُيعاقب مرتكبها بالحبس سنة واحدة على القل‬
‫وفي قضية بينوشيه فسر مجلس اللوردات هذه القاعدة بحيث تنص على‬
‫ضرورة اعتبار أفعال بينوشيه من الجرائم في بريطانيا في الوقت الذي‬
‫ارتكبت فيه‪ ،‬ل في الوقت الذي تلقت فيه بريطانيا طلب تسليم بينوشيه‪.‬‬
‫ولم تصبح جريمة التعذيب خارج إقليم البلد )أي التعذيب المرتكب "في‬
‫المملكة المتحدة أو في غيرها"‪ ،‬انظر ما تقدم( من الجرائم التي تسري‬
‫عليها عالمية الختصاص القضائي في المملكة المتحدة إل في عام ‪،1988‬‬
‫أي بعد أن أدمجت المملكة المتحدة "اتفاقية مناهضة التعذيب" في‬
‫نصوص قوانينها‪ ،‬في حين أن معظم حالت التعذيب التي ارتكبت في ظل‬
‫حكم بينوشيه قد وقعت قبل هذا التاريخ؛ ومن ثم فإن مجلس اللوردات قد‬
‫‪.‬قلل كثيرا ً من عدم الجرائم التي تجيز تسليم بينوشيه إلى إسبانيا‬
‫عبء الدلة‪ :‬تلتزم الدولة التي تطلب تسليم الشخص إليها‪ ،‬في الحوال ‪2-‬‬
‫العادية‪ ،‬بتقديم أدلة إثبات مبدئية ضد المشتبه فيه قبل تسليمه‪ ،‬وهو ما‬
‫يضمن عدم القبض على الشخاص وتسليمهم دون توافر الدلة اللزمة‪.‬‬
‫ولكن بعض المعاهدات ل تنص على هذا الشرط‪ ،‬إذ تكتفي التفاقية‬
‫ل‪ ،‬وهي التي استندت إليها إسبانيا‬‫الوربية الخاصة بتسليم الشخاص‪ ،‬مث ً‬
‫عندما طلبت من بريطانيا تسليم بينوشيه إليها‪ ،‬بالنص على تقديم إجراءات‬
‫التهام الرسمية‪ .‬والواقع أن التفاقية تنص بصورة محددة على أنه "ليس‬
‫من الضروري‪ ...‬إبلغ المحكمة‪ ...‬بالدلة الكافية التي تبرر محاكمة ذلك‬
‫‪".‬الشخص‬
‫استثناء "الجرائم السياسية"‪ :‬ل تقوم معظم البلدان بتسليم المشتبه ‪3-‬‬
‫في ارتكابه "جريمة سياسية"؛ أما معايير البت فيما يعتبر من "الجرائم‬
‫السياسية" فهي تتفاوت‪ ،‬وإن كانت تتضمن بصورة عامة التمرد على‬
‫الحكومة القائمة‪ ،‬وما يتصل بذلك من الجرائم‪ .‬أما الجرائم المرتكبة ضد‬
‫النسانية‪ ،‬والتعذيب‪ ،‬وإبادة الجنس وجرائم الحرب فليست من الجرائم‬
‫السياسية‪ .‬بل إن اتفاقية منع جريمة البادة الجماعية تنص صراحة على أن‬
‫هذه الجريمة ل تعتبر جريمة سياسية فيما يتعلق بتسليم الشخاص‪ .‬وتنص‬
‫"اتفاقية مناهضة التعذيب" على مثل هذا ضمنًا‪ ،‬إذ تستوجب إدراج التعذيب‬
‫في قائمة الجرائم التي يجوز فيها تسليم الشخاص فيما بين الدول‬
‫‪.‬الطراف في معاهدات تسليم الشخاص‬
‫مبدأ التخصيص‪ :‬ل يجوز للدولة التي تطلب تسليم شخص ما أن تحاكمه ‪4-‬‬
‫وتعاقبه إل على الجرائم التي استندت إليها الدولة الخرى في تسليمه‬
‫إليها‪ .‬ففي حالة بينوشيه مثل ً طلبت إسبانيا تسليم الجنرال إليها لتهامه‬
‫بجرائم الرهاب والبادة الجماعية واحتجاز الرهائن والتعذيب‪ .‬ولكن‬
‫مجلس اللوردات لم يسمح بتسليم بينوشيه إل استنادا ً إلى تهمة التعذيب‬
‫والتآمر على ارتكاب التعذيب بعد ديسمبر‪/‬كانون الول ‪ .1998‬فإذا تم‬
‫‪.‬تسليم بينوشيه إلى إسبانيا‪ ،‬فل يجوز محاكمته إل على هاتين الجريمتين‬
‫مشكلة الثبات في القضية‬
‫من الصعوبات الكأداء في إقامة الدعوى في الجرائم المرتكبة خارج إقليم‬
‫الدولة صعوبة جميع الدلة؛ إذ لن نجد الضحايا ومعظم الدلة في دولة‬
‫الدعاء بل في البلد الذي ارتكبت فيه الجرائم‪ ،‬ومن ثم فإن الثبات في‬
‫القضية سوف يقتضي نقل الضحايا والشهود والوثائق إلى دولة الدعاء‪،‬‬
‫مما قد يتسبب في مصاعب مالية هائلة وبعض قضايا المن‪ ،‬إلى جانب‬
‫بعض المشاكل الثقافية واللغوية والقانونية‪ .‬فإذا كانت حكومة البلد الذي‬
‫ارتكبت فيه الجرائم تعارض إقامة الدعوى‪ ،‬فسوف تزداد هذه العراقيل‬
‫‪.‬شدة‬
‫والمعروف عن منظمات حقوق النسان أنها عادة ما تفتقر إلى التجربة‬
‫ل‪ ،‬أو حتى في محاولة تحديد‬ ‫والخبرة اللزمتين لتجميع الدلة المقبولة شك ً‬
‫هوية مرتكبي الجرائم من الفراد‪ .‬والتحقيق المطلوب لثبات المسؤولية‬
‫الفردية عن انتهاك محدد يختلف تماما ً عن التحقيق اللزم لتوثيق مسؤولية‬
‫الدولة‪ .‬أو بتعبير آخر قد يكون من اليسير نسبيا ً إثبات تعرض شخص ما‬
‫للتعذيب في حجز الشرطة‪ ،‬ولكن تحديد أسماء جميع الشخاص الذين‬
‫يتحملون المسؤولية القانونية عن التعذيب‪ ،‬سواء من قاموا به بأنفسهم أو‬
‫‪.‬كانوا من المتواطئين فيه‪ ،‬قد تكتنفه صعوبات أكبر‬
‫قوانين التقادم‬
‫إذا كانت قد انقضت عدة سنوات على ارتكاب الجريمة‪ ،‬فربما نشأت‬
‫مشكلة تتعلق بقوانين التقادم؛ ذلك أن معظم الدول لديها قوانين تنص‬
‫على عدم جواز محاكمة مرتكبي جريمة ما إذا انقضى على ارتكابها عدد‬
‫معين من السنوات ـ ‪ 3‬أو ‪ 10‬أو ‪ ،15‬أو أي عدد آخر على حسب البلد‬
‫والجريمة‪ .‬والظاهر أن القانون الدولي القائم على العرف ل يقر قوانين‬
‫التقادم بالنسبة للجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ ،‬وقد صادقت ‪ 43‬دولة‬
‫على اتفاقية المم المتحدة الخاصة بعدم سريان قوانين التقادم على‬
‫جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ .‬وقد قطعت المحاكم‬
‫الفرنسية والبلجيكية بعدم جواز تطبيق قوانين التقادم على الجرائم‬
‫المرتكبة ضد النسانية تحديدًا‪ .‬كما أنه يجوز لنا أن نقول إن شروط قوانين‬
‫التقادم تعتبر "معطلة" )أي غير سارية( ما دام المتهم يتمتع فعليا ً بما يقيه‬
‫سيف العدالة؛ ومع ذلك فإن القضاة المحليين يقومون أول ً بالنظر في‬
‫القانون الوطني‪ ،‬فإذا وجدوا أن الحد الزمني المنصوص عليه في القانون‬
‫الذي ينطبق على الدعوى المرفوعة قد فات‪ ،‬فإن بلدانا ً كثيرة قد ترفض‬
‫‪.‬الدعوى شكل ً‬
‫ولكن قد يكون من اليسر تجنب قاعدة التقادم في حالت "الختفاء" مث ً‬
‫ل؛‬
‫فإعلن المم المتحدة بشأن حماية جميع الشخاص من الختفاء القسري‬
‫ينص على أن "الفعال التي تشكل اختفاًء قسريا ً تعتبر جريمة قائمة ما‬
‫دام مرتكبوها يستمرون في إخفاء مصير ومكان وجود الشخاص الذين‬
‫اختفوا‪ ،‬وطالما استمر الغموض الذي يكتنف مصيرهم ومكان وجودهم"‪.‬‬
‫وهذا منطقي‪ ،‬إذ إن عدم القرار باحتجاز الشخص المعتقل‪ ،‬أو عدم‬
‫الفصاح عما آل إليه مصيره أو عن مكان وجوده‪ ،‬تعتبر من الركان‬
‫الساسية في جريمة "الختفاء"‪ .‬وقد حكمت المحاكم في شيلي‬
‫والرجنتين مؤخرا ً بأن طابع الستمرارية الذي تتسم به جرائم "الختفاء"‬
‫معناه أن هذه الجرائم تظل قائمة حتى بعد صدور العفو العام الذي يحظر‬
‫رفع الدعوى في الجرائم التي ارتكبت قبل تاريخ محدد‪ .‬وبالضافة إلى‬
‫ذلك‪ ،‬فإنه لما كان الرأي السائد هو أن "الختفاءات" قد تؤدي إلى شكل‬
‫من أشكال التعذيب النفسي لحباء الشخص "المختفي"‪ ،‬مما قد يعتبر‬
‫أساسا ً قانونيا ً لتطبيق بعض الحكام الواردة في "اتفاقية المم المتحدة‬
‫لمناهضة التعذيب"‪ ،‬وهي الحكام الخاصة بضرورة "محاكمة الشخص أو‬
‫تسليمه"؛ وهكذا فإن القاضي الذي نظر في طلب تسليم بينوشيه قال إنه‬
‫على الرغم من قيام مجلس اللوردات بتحديد التهم الموجهة إليه وقصرها‬
‫على التعذيب والتآمر لرتكاب التعذيب بعد ديسمبر‪ /‬كانون الول ‪،1988‬‬
‫فإن أعضاء النيابة العامة السبانية قد يسعون لثبات أن مقصد بينوشيه‬
‫من جعل خصومه "يختفون" قبل عام ‪ ،1988‬وعدم الفصاح عن مكان‬
‫‪.‬وجودهم بعد ذلك‪ ،‬كان إنزال التعذيب النفسي المستمر بأقاربهم‬
‫الحصانة‬
‫يكاد يكون من المؤكد أن تنشأ مسألة الحصانة الحكومية عن رفع الدعوى‬
‫على مرتكب أي جريمة من الجرائم التي "ترعاها" الدولة في مجال حقوق‬
‫النسان‪ .‬فقد يدفع المتهم بالحصانة التي يتمتع بها باعتباره من المسؤولين‬
‫حاليًا‪ ،‬أو من المسؤولين العموميين‪ ،‬أو باعتباره دبلوماسيًا‪ ،‬أو باعتباره‬
‫رئيسا ً حاليا ً أو سابقا ً للدولة‪ .‬ولكن الحصانة‪ ،‬مهما تكن‪ ،‬تنتمي للدولة ل‬
‫للمتهم‪ ،‬ولذلك فمن حق الدولة أن تتنحى عنها‪ ،‬بل يجب الضغط عليها‬
‫‪.‬حتى تتنحى عنها‬
‫ويكاد يكون من المؤكد أن الرئيس الحالي لدولة ما‪ ،‬أو الدبلوماسي‬
‫المعتمد في بعثة رسمية‪ ،‬سوف يعتبر ذا حصانة تمنع اعتقاله في أي بلد‬
‫أجنبي )ولو أن ذلك ل ينطبق على المحاكم الدولية‪ ،‬مثل المحكمة الخاصة‬
‫بيوغوسلفيا السابقة‪ ،‬والمحكمة الخاصة برواندا‪ ،‬والمحكمة الجنائية‬
‫الدولية في المستقبل(‪ .‬فالحصانة المذكورة تستند إلى مكانة الشخص ل‬
‫إلى فئة الفعال المرتكبة؛ وهكذا رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي‬
‫تقدمت بها المنظمات الوروبية في نوفمبر‪ /‬تشرين الثاني ‪ 1998‬لمحاكمة‬
‫لوران كابيل‪ ،‬رئيس جمهورية الكونغو الديموقراطية‪ ،‬أثناء زيارته لتلك‬
‫‪.‬الدولتين‬
‫ولكن المسؤولين العموميين ل يتمتعون‪ ،‬بصفتهم هذه‪ ،‬بالحصانة وفقا ً‬
‫للقانون الدولي؛ بل إن "اتفاقية مناهضة التعذيب"‪ ،‬على سبيل المثال‪،‬‬
‫تعتبر مشاركة المسؤول الحكومي أو أي شخص يعمل بصفته مسؤول ً‬
‫‪.‬حكوميًا‪ ،‬ركنا ً من أركان جريمة التعذيب‬
‫أما موقف رئيس الدولة السابق فهو يتسم بالمزيد من التعقيد؛ فالقانون‬
‫الدولي القائم على العرف يعتبر أن رئيس الدولة السابق يتمتع بالحصانة‬
‫فقط فيما يقوم به من أفعال رسمية في حدود وظيفته كرئيس للدولة‪ .‬أما‬
‫البت فيما إذا كان يمكن اعتبار الجريمة المطروحة فعل ً رسميا ً أو جزءا ً‬
‫من وظائف الحاكم فهو المسألة التي نظرها مجلس اللوردات عند بحث‬
‫قضية بينوشيه؛ فقال اللوردات في الحكم الول أن جرائم التعذيب‬
‫والجرائم المرتكبة ضد النسانية ل تعتبر من "وظائف" رئيس الدولة‪) .‬أما‬
‫في حكمهم الثاني فقد استندوا إلى أساس أضيق‪ ،‬وهو أن مصادقة‬
‫المملكة المتحدة وشيلي على "اتفاقية مناهضة التعذيب" ينفي أي إمكانية‬
‫‪).‬للتمتع بالحصانة في قضايا التعذيب‬
‫ً‬
‫ويقول القانون الساسي للمحكمة الجنائية الدولية الناشئة‪ ،‬وفقا للمبادئ‬
‫التي أرسيت في نورمبرغ‪ ،‬إن "الصفة الرسمية للشخص باعتباره رئيسا ً‬
‫للدولة ل تعفيه بحال من الحوال من المسؤولية الجنائية"‪ .‬وتوجد أحكام‬
‫مماثلة في القانون الساسي للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين لرواندا‬
‫وليوغوسلفيا السابقة )وقد وجهت الخيرة التهام في عام ‪ 1999‬إلى‬
‫سلوبودان ميلوسيفيتش‪ ،‬رئيس جمهورية يوغوسلفيا التحادية(‪ .‬ولكن هذا‬
‫المبدأ لم يطبق بعد في المحاكم الوطنية‪ ،‬ولو أن القانون الجديد الذي‬
‫أصدرته بلجيكا بشأن الجرائم المرتكبة ضد النسانية وجرائم الحرب‬
‫‪.‬يرفض بصورة محددة أي حصانة حكومية‬
‫مسؤولية القيادة‬
‫ل يشارك كبار المسؤولين مشاركة شخصية في التعذيب أو القتل‪ ،‬في‬
‫معظم الحالت‪ ،‬وإن كان من الممكن محاكمتهم‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬إذا كانوا‬
‫قد أصدروا المر فعليا ً بارتكاب مثل هذه الجرائم‪ .‬وبالضافة إلى ذلك‪ ،‬فإن‬
‫مبدأ مسؤولية القيادة يقضي بإلقاء المسؤولية الجنائية على كل من يملك‬
‫السيطرة على مرؤوسيه وكان يعلم‪ ،‬أو كان عليه أن يعلم‪ ،‬بأن جريمة ما‬
‫توشك أن ُترتكب ثم لم يمنع وقوعها أو لم يحاول منعها‪ ،‬أو لم يعاقب‬
‫المسؤولين عنها‪ .‬وينطبق هذا المبدأ على السلطات العسكرية وعلى‬
‫‪.‬المدنيين الذين يتمتعون بمواقع السلطة القيادية‬
‫ولعله من اليسر‪ ،‬من وجهة النظر العملية بطبيعة الحال‪ ،‬إثبات وقوع‬
‫الجريمة‪ ،‬أو إقناع النيابة بالشروع في التحقيق إذا كان المتهم هو الذي‬
‫ارتكب الجريمة مباشرة‪ ،‬دون أن تضطر المحكمة إلى إجراء تحقيق معقد‬
‫في مسؤولية القيادة في بلد أجنبي‪ .‬ويبدو أن وجود اثنين من المجني‬
‫عليهم‪/‬الشهود المباشرين في فرنسا كان العامل الحاسم الذي جعل‬
‫فرنسا تلقي القبض على ضابط في الجيش الموريتاني برتبة نقيب بتهمة‬
‫‪.‬التعذيب عام ‪1999‬‬
‫وحيثما كانت القضية قائمة على مبدأ مسؤولية القيادة‪ ،‬فلبد في العادة‬
‫من وجود الشهود أو الوثائق اللزمة لثبات سلطة المتهم على مرؤوسيه‬
‫أو معرفته بالحداث‪ .‬فإذا كان الشهود أو كانت الوثائق في بلد أجنبي‪،‬‬
‫حيث ل تملك دولة الدعاء إرغام أحد على التيان بهم أو بها‪ ،‬فسوف تزداد‬
‫‪.‬صعوبة إعداد حجة الدعاء‬
‫عاشرا‪ :‬من يملك إقامة الدعوى؟‬
‫يتفاوت ذلك من بلد إلى بلد؛ ففي بعض البلدان‪ ،‬وأساسا ً في البلدان ذات‬
‫التقاليد القائمة على القانون العام النجلو أمريكي‪ ،‬يقتصر حق المر‬
‫بإجراء تحقيق جنائي على النيابة العامة‪ ،‬وتتمتع النيابة هنا بسلطة تقديرية‬
‫واسعة في أن تقرر تحريك الدعوى؛ ومن ثم يتعين على المجني عليهم‬
‫إقناع المدعي العام برفع الدعوى‪ ،‬وإن كان من المحتمل أل يبدي ذلك‬
‫المسؤول المحلي اهتمامًا‪ ،‬على نحو ما سبق تبيانه‪ ،‬بمتابعة الجرائم‬
‫المرتكبة بعيدا ً عن وطنه‪ .‬أما في بعض بلدان القانون المدني‪ ،‬فإن مسألة‬
‫"المبدأ القانوني" تفرض على المدعي العام أن يقوم بالتحقيق في أي‬
‫‪.‬جريمة يعلم بوقوعها‬
‫ونرى‪ ،‬على العكس من ذلك‪ ،‬في الكثير من بلدان القانون المدني‬
‫المستوحى من القانون الفرنسي‪ ،‬أن من حق الضحية أن يرفع الشكوى‬
‫مباشرة إلى قاضي التحقيق الذي يعتبر ملتزما ً في هذه الحالة بالشروع‬
‫في التحقيق‪ .‬وفي بعض الحالت يكون الضحية أو أحد أقاربه طرفا ً من‬
‫أطراف الجراءات الجنائية )أطراف مدنية(‪ ،‬وقد تحكم له المحكمة‬
‫بالتعويض عما أصابه‪ .‬ففي القضية السنغالية المرفوعة على حسين‬
‫حبري‪ ،‬أقام سبعة من الضحايا التشاديين‪ ،‬والرملة الفرنسية لمواطن‬
‫تشادي‪ ،‬ورابطة الضحايا التشادية‪ ،‬دعواهم باعتبارهم أطرافا ً مدنية‪ .‬أما‬
‫القضية السبانية المرفوعة على بينوشيه فقد اتخذت شكل الدعوى‬
‫الشعبية‪ ،‬وهو شكل إجرائي يسمح لي من المواطنين السبان بإقامة‬
‫دعوى جنائية خاصة في حالت تمس المصلحة العامة‪ ،‬بغض النظر عما إذا‬
‫‪.‬كانت قد عادت بالضرر على أحدهم شخصيا ً أم ل‬
‫وقد سمحت بعض بلدان أمريكا اللتينية في الونة الخيرة‪ ،‬مثل غواتيمال‬
‫وكوستاريكا‪ ،‬للضحايا باكتساب صفة "المدعين المرافقين" بحيث يكون‬
‫من حقهم صياغة التهم‪ ،‬واتخاذ قرارات الستئناف‪ ،‬وتوفير الدلة‪ .‬وبالنسبة‬
‫لبعض الجرائم‪ ،‬تعترف هذه البلدان بالمنظمات غير الحكومية والجمعيات‬
‫الهلية باعتبارها من قبيل "المدعين المرافقين" إذا كانت لها مصلحة‬
‫‪.‬مباشرة في القضية‪ ،‬وخصوصا ً فيما يتعلق بحقوق النسان‬

‫من المتهمين الخرين يقيم حاليا ً في الخارج؟‬ ‫ن ِ‬‫م ْ‬


‫حادي عشر‪َ :‬‬
‫فيما يلي بعض الزعماء السابقين المتهمين بارتكاب جرائم ضد النسانية‪،‬‬
‫‪:‬والذين يقيمون حاليا ً في بلدان أجنبية‬
‫من بين هؤلء عيدي أمين الذي تؤويه المملكة العربية السعودية؛ وكان‬
‫إبان حكمه المستبد في أوغندا من عام ‪ 1971‬إلى عام ‪ ،1979‬قد طرد‬
‫جميع السكان من ذوي الصول العرقية السيوية من أوغندا؛ كما قيل إن‬
‫نظام أمين كان مسؤول ً عن قتل عدد يتراوح بين ‪ 100‬ألف و ‪ 300‬ألف‬
‫شخص‪ ،‬وحين سئل أحد السفراء السعوديين عن إمكانية تسليم عيدي‬
‫أمين أو محاكمته‪ ،‬أوضح لمنظمة "مراقبة حقوق النسان" أن كرم‬
‫الضيافة البدوي معناه أنك إذا استقبلت ضيفا ً بالترحاب في خيمتك‪،‬‬
‫‪.‬فالواجب أل تطرده منها‬

‫ومن المعتقد أن عهد الرئيس التالي ملتون أوبوتي في أوغندا )‪- 1980‬‬
‫‪ (1985‬كان أشد وحشية من عهد سلفه عيدي أمين‪ .‬وتشير التقديرات‬
‫إلى أن المدنيين الذين قتلتهم قوات أوبوتي في منطقة مثلث لويرو‪ ،‬حول‬
‫العاصمة كمبال‪ ،‬يتراوح عددهم بين ‪ 100‬ألف و ‪ 300‬ألف؛ وكان السجناء‬
‫في الحجز العسكري يتعرضون للتعذيب بصفة منتظمة‪ .‬وبعد خلعه في‬
‫‪.‬النقلب العسكري عام ‪ ،1985‬فر أوبوتي إلى زامبيا حيث يقيم الن آمنا ً‬
‫أما منغستو هايلي ماريام فيقيم حاليا ً في زمبابوي التي رفضت الطلب‬
‫الذي قدمته إثيوبيا إليها لتسليمه ومحاكمته عن الجرائم التي ارتكبها في‬
‫الفترة من ‪ 1974‬إلى ‪1991‬؛ إذ قتل في تلك الفترة عشرات اللف من‬
‫المعارضين السياسيين‪ ،‬خصوصا ً إبان حملة "الرعب الحمر" في ‪ 1977‬ـ‬
‫‪ .1978‬كما زج بمئات اللف من معارضي الحكومة في غياهب السجون‬
‫ظلما ً وتعسفًا؛ ومن بينهم أفراد طائفة أورومو العرقية‪ ،‬وموظفو الحكومة‬
‫المبراطورية السابقة‪ ،‬والطلب الماركسيون‪ ،‬ونقاد الحكومة المسالمون؛‬
‫وكان تعذيب السجناء السياسيين يجري بصورة منتظمة وعلى نطاق‬
‫واسع‪ .‬وحينما ذهب منغستو إلى جنوب إفريقيا في نوفمبر‪/‬تشرين الثاني‪-‬‬
‫ديسمبر‪/‬كانون الول ‪ 1999‬لتلقي العلج‪ ،‬لم تستجب حكومة ذلك البلد‬
‫للطلبات التي قدمها دعاة حقوق النسان بالقبض عليه‪ ،‬ولم ترد على‬
‫الطلب الذي أرسلته إثيوبيا بتسليمه حتى عاد منغستو إلى زمبابوي‪) .‬ولم‬
‫تؤيد منظمة "مراقبة حقوق النسان" طلب تسليمه إلى إثيوبيـا خشية أل‬
‫‪).‬يتلقى منغستو محاكمة عادلة هنـاك‪ ،‬وأن ُيحكم عليه بالعدام‬
‫وفي عام ‪ 1991‬قاد اثنان من الجنرالت‪ ،‬هما راؤول سيدراس وفيليبي‬
‫بيامبي‪ ،‬انقلبا ً دمويا ً ضد رئيس هايتي جان برتراند أريستيد‪ ،‬الذي وصل‬
‫إلى الحكم عن طريق النتخابات الدستورية؛ ومن ثم قاما بفرض حكم‬
‫دكتاتوري في البلد‪ ،‬تعرض فيه اللف للقتل والتعذيب والغتصاب‪ .‬وعندما‬
‫أعيد الرئيس أريستيد إلى هايتي‪ ،‬فر الثنان إلى بنما حيث ظفرا باللجوء‬
‫السياسي‪ .‬ورفضت بنما الطلب الذي قدمته هايتي بتسليمهما إليها‪ ،‬على‬
‫الرغم من أن بنما قد صادقت على "اتفاقية مناهضة التعذيب" في عام‬
‫‪ ،1987‬ولديها من القوانين ما يسمح بمحاكمة مرتكبي جرائم التعذيب في‬
‫الخارج‪ .‬وفي عام ‪ 1999‬وجه أحد القضاة في هايتي التهام إلى الجنرالين‬
‫سيدراس وبيامبي بأنهما شاركا في المذبحة التي ارتكبت في إبريل‪/‬نيسان‬
‫‪ 1994‬في أحد الحياء الفقيرة‪ ،‬وهو حي رابوتو‪ ،‬والتي قامت فيها قوات‬
‫الجيش بقتل نحو ‪ 20‬شخصًا‪ .‬ورفضت وزارة الخارجية البنمية الطلب‬
‫الذي قدمته منظمة "مراقبة حقوق النسان" بمحاكمة الثنين أو‬
‫تسليمهما‪ ،‬وقالت في نوفمبر‪/‬تشرين الثاني ‪" :1999‬قد يصبح ذلك سابقة‬
‫خطيرة‪ ،‬أي أن نمنح حق اللجوء ابتغاء حل مشكلة سياسية في بلد من‬
‫‪".‬بلدان الجوار ثم نعود فننكر حقوق الذين منحوا حق اللجوء‬
‫ويقيم إيمانويل "توتو" كونستانت‪ ،‬قائد فرقة الغتيال التابعة "لجبهة الرقي‬
‫والتقدم في هايتي"‪ ،‬في نيويورك في الوقت الحاضر‪ ،‬وتسعى النيابة‬
‫العامة في هايتي للقبض عليه ومحاكمته بتهمة القتل العمد‪ ،‬والتعذيب‪،‬‬
‫وإشعال الحرائق عمدًا‪ ،‬إبان الفترة التي كان الجنرال سيدراس يمارس‬
‫فيها الحكم فعليًا‪ .‬وقد اعترف كونستانت بأنه كان يتلقى الموال والتشجيع‬
‫من وكالة المخابرات المركزية المريكية أثناء إنشائه شبكة الرعب في‬
‫هايتي‪ .‬وعندما أعيد أريستيد إلى السلطة‪ ،‬صدر المر بإحالة كونستانت‬
‫إلى المحكمة ولكنه فر إلى الوليات المتحدة حيث قبض عليه في‬
‫مارس‪/‬آذار ‪ .1995‬ووصف وزير الخارجية المريكي وارين كريستوفر‬
‫الجبهة المذكورة بأنها "منظمة شبه عسكرية غير شرعية"‪ ،‬وكان أعضاؤها‬
‫مسؤولين عن ارتكاب العديد من انتهاكات حقوق النسان في هايتي"‪،‬‬
‫ومن ثم طلب ترحيل كونستانت فورا ً إلى هايتي؛ ولكن الذي حدث هو أنه‬
‫أطلق سراحه بناًء على اتفاق سري بين حكومة الوليات المتحدة وبينه‪،‬‬
‫كشفت عنه صحيفة "بولتيمور صن"‪ ،‬يسمح لقائد فرقة الغتيال "بترحيل‬
‫نفسه" في أي وقت يشاء إلى بلد آخر يختاره بنفسه‪ ،‬مما أتاح له في‬
‫‪.‬الواقع أن يفر من وجه العدالة في هايتي التي كانت تطلب تسليمه إليها‬
‫ويقيم ألفريدو سترونسر‪ ،‬رئيس باراغواي السابق‪ ،‬في البرازيل اليوم؛‬
‫وكان حكمه الدكتاتوري )‪ 1954‬ـ ‪ (1989‬يستخدم التعذيب على نطاق‬
‫واسع ضد الخصوم السياسيين‪ .‬كما كان سترونسر حليفا ً للجنرال بينوشيه‬
‫فيما يسمى "بعملية الكندور"‪ ،‬وهي شبكة متعددة الجنسيات تقوم‬
‫بعمليات بوليسية وعسكرية في شتى أرجاء الرجنتين والبرازيل وشيلي‬
‫وباراغواي وأوروغواي؛ وقد دأب أفرادها على ممارسة التعذيب‪ ،‬والخفاء‪،‬‬
‫والقتل العمد‪ ،‬إلى جانب شن "حرب قذرة" ضد المشتبه في ميولهم‬
‫‪.‬اليسارية في المنطقة‬
‫عين "رئيسا ً مدى‬‫ويقيم جان كلود "بيبي دوك" دوفالييه‪ ،‬الذي كان قد ُ‬
‫الحياة" لجمهورية هايتي )‪ 1971‬ـ ‪ (1986‬في فرنسا الن‪ .‬وقد اّتهم‬
‫الحكم الدكتاتوري لهذا الرجل بارتكاب اللف من حالت القتل السياسي‬
‫والحتجاز التعسفي‪ .‬وفي سبتمبر‪/‬أيلول ‪ 1999‬قدم أربعة من ضحايا‬
‫التعذيب في هايتي شكاوى إلى المدعي العام الفرنسي يتهمون فيها‬
‫دوفالييه بارتكاب جرائم ضد النسانية؛ غير أن المدعي العام رفض هذه‬
‫الشكاوى استنادا ً إلى أنها ل تتفق مع التعريف الفرنسي الذي كان قائما ً‬
‫قبل عام ‪ 1994‬للجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ ،‬وهو الذي كان يقصرها‬
‫على الجرائم التي ارتكبت لصالح قوات المحور إبان الحرب العالمية‬
‫الثانية‪ ،‬وأن التهم التي انطوت عليها الشكاوى ل يسري عليها قانون‬
‫‪ 1994‬الخاص بالجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ ،‬لن ذلك القانون ل يمكن‬
‫‪.‬تطبيقه بأثر رجعي‬
‫ثاني عشر‪ :‬ما هي البدائل المتاحة للمحاكمة الجنائية في بلد أجنبي؟‬
‫المحاكمة الوطنية‬
‫دم مرتكبو الجرائم للمحاكمة أمام محاكم بلدانهم‬ ‫الوضع المثالي هو أن ُيق ّ‬
‫نفسها؛ فمن اليسر إثبات وقوع الجرائم في البلد الذي ارتكبت فيه‪ ،‬حيث‬
‫يوجد الضحايا والشهود والشركاء والدلة؛ كما أن العدالة التي تأخذ مجراها‬
‫في البلد نفسه تتيح للضحايا النهوض بأكبر دور ممكن‪ ،‬وربما كانت لها أكبر‬
‫دللة لهم‪ .‬فإذا كان المتهم بارتكاب الجريمة يقيم بالفعل خارج البلد‪،‬‬
‫‪.‬فيمكن التقدم بطلب تسليمه إليها‬
‫ً‬
‫ولكنه لما كانت أوسع انتهاكات حقوق النسان نطاقا قد ارتكبت باسم‬
‫الدولة‪ ،‬فمن المستبعد‪ ،‬دون حدوث تغيير سياسي شامل‪ ،‬أن تتمتع محاكم‬
‫تلك الدولة بالقدرة أو أن يتاح لها المجال السياسي اللزم لجراء تلك‬
‫المحاكمات‪ .‬بل إننا سوف نشهد في حالت كثيرة صدور مراسيم العفو‬
‫العام التي ترمي إلى عرقلة أو حظر المحاكمات‪ .‬وذلك هو ما حدث في‬
‫شيلي في قضية بينوشيه‪ ،‬وكذلك في بعض البلدان الخرى مثل البرازيل‬
‫‪.‬وغواتيمال والسلفادور وسيراليون وأوروغواي‬
‫المسؤولية المدنية‬
‫تسمح الوليات المتحدة برفع قضايا التعويض المدني عن انتهاكات حقوق‬
‫النسان المرتكبة في الخارج‪ .‬وينص قانون طلبات التعويض من الجانب‬
‫على أنه يجوز للضحايا من غير مواطني الوليات المتحدة أن يرفعوا دعوى‬
‫التعويض المادي والجزائي عن الضرار التي لحقت بهم ضد شخص موجود‬
‫في الوليات المتحدة بتهمة انتهاك ما يسمى "بقانون المم"‪ .‬وقد طبقت‬
‫محاكم الوليات المتحدة هذا القانون على جرائم التعذيب والقتل خارج‬
‫نطاق القضاء "والختفاء" وجرائم الحرب‪ ،‬والعتقال التعسفي‪،‬‬
‫والغتصاب‪ ،‬وحكمت بدفع مبالغ مالية ضخمة‪ .‬أما قانون حماية ضحايا‬
‫التعذيب فهو يسمح لمواطني الوليات المتحدة وللجانب أيضا ً بأن يرفعوا‬
‫الدعوى ضد التعذيب والعدام الفوري‪ ،‬وذلك أيضا ً عندما يكون المتهم‬
‫موجودا ً في الوليات المتحدة‪ .‬ولكن المتهمين كانوا في العادة من غير‬
‫المقيمين في الوليات المتحدة ودون أرصدة فيها‪ ،‬مما تسبب في ضآلة‬
‫عدد حالت الدفع الفعلي للتعويضات المالية‪ .‬أما في القضية المدنية التي‬
‫أقامها أحد أبناء الفلبين باسم من تعرضوا لنتهاكات حقوق النسان على‬
‫يدي فرديناند ماركوس‪ ،‬الدكتاتور السابق لذلك البلد‪ ،‬وكانت الدعوى‬
‫مرفوعة ضد أملك ماركوس الذي كانت له أرصدة كبيرة في الوليات‬
‫المتحدة‪ ،‬فقد تمكن الضحايا من الحصول على مبلغ كبير من المال‪ .‬ومثل‬
‫هذا القضايا تتيح للضحايا كذلك فرصة رسمية لسرد ما حدث لهم‪ ،‬وتتيح‬
‫للمحكمة التثبت من الجريمة المرتكبة‪ ،‬ومنع المذنبين من دخول الوليات‬
‫المتحدة أو البقاء فيها‬
‫ول يستطيع الضحايا في معظم البلدان التي تطبق القانون المدني بأن‬
‫يشاركوا في الدعاء باعتبارهم أطرافا ً مدنية أو بتحريك الدعوى المدنية‪.‬‬
‫وفي أي من هاتين الحالتين يستطيعون الحصول على التعويض المالي‬
‫‪.‬وليس التعويض الجزائي‬
‫الترحيلة‬
‫قد تلجأ بعض البلدان إلى ترحيل المسؤولين عن ارتكاب الفظائع إلى‬
‫البلدان التي يحملون جنسيتها بدل ً من محاكمتهم؛ وقد كان ذلك ل يزال‬
‫‪.‬التجاه الذي سارت فيه كندا على سبيل المثال‬
‫المحاكم الجنائية الدولية‬
‫أنشأ مجلس المن بالمم المتحدة محكمتين جنائيتين دوليتين ليوغوسلفيا‬
‫السابقة ورواندا؛ وتشمل الختصاصات القضائية لكل من هاتين المحكمتين‬
‫"المخصصتين" جرائم البادة الجماعية‪ ،‬وجرائم الحرب‪ ،‬والجرائم المرتكبة‬
‫ضد النسانية في هاتين الدولتين‪ .‬ولكن كان من المحال تكرار الحصول‬
‫على اتفاق الراء السياسي النادر الذي أدى إلى إنشاء هاتين المحكمتين‬
‫عندما طرأت أحوال مماثلة اقُترح فيها إنشاء محاكم من هذا اللون‪ ،‬على‬
‫نحو ما شهدنا في تيمور الشرقية‪ ،‬وفي كمبوديا‪ ،‬وفي مذبحة اللجئين من‬
‫‪.‬طائفة الهوتو في زائير في عام ‪1997-1996‬‬
‫‪ :‬المحكمة الجنائية الدولية‬
‫كانت الموافقة على النظام الساسي لمحكمة الجنايات الدولية الدائمة‬
‫في يوليو‪/‬تموز ‪ 1998‬من أهم الحداث وأبرزها في إطار الكفاح العالمي‬
‫ضد ظاهرة الفلت من العقاب‪ .‬وعندما يصل عدد الدول المصادقة على‬
‫ذلك النظام الساسي إلى ‪ ،60‬فسوف يشمل الختصاص القضائي لتلك‬
‫المحكمة كل حالة تقع في المستقبل من حالت البادة الجماعية‬

‫ثالث عشر‪:‬لمحكمة الجنائية الدولية‬


‫وجرائم الحرب‪ ،‬والجرائم المرتكبة ضد النسانية‪ ،‬إذا كانت المحاكم‬
‫الوطنية عاجزة أو عازفة عن محاكمة مرتكبيها‪ .‬ويجوز إحالة القضايا إلى‬
‫هذه المحكمة إما عن طريق مجلس المن أو عن طريق الدول الطراف‬
‫مباشرة‪ .‬كما أن المدعي العام لهذه المحكمة سوف يتمتع بسلطة تحريك‬
‫الدعوى القضائية بناًء على معلومات موثوق بها‪ ،‬بما في ذلك المعلومات‬
‫‪.‬المستقاة من الضحايا ومن المنظمات غير الحكومية‬
‫وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية سلحا ً ماضيا ً يستخدم في محاربة‬
‫أسوأ الفظائع‪ ،‬فإنها لن تلغي الحاجة إلى رفع الدعاوى خارج البلد الذي‬
‫ترتكبه فيه‪ ،‬استنادا ً إلى مبدأ عالمية الختصاص القضائي‪ .‬فالمحكمة‬
‫ل‪ ،‬لن تعمل بأثر رجعي‪ ،‬أي أنها تقتصر على نظر‬ ‫الجنائية الدولية‪ ،‬أو ً‬
‫الجرائم التي ترتكب بعد أن يصبح نظامها الساسي ساري المفعول؛ وهي‪،‬‬
‫ثانيًا‪ ،‬لن تستطيع التصدي إل لعدد محدود من القضايا‪ .‬وهي‪ ،‬ثالثًا‪ ،‬تعاني‬
‫من القيود المفروضة على اختصاصها القضائي؛ فإذا لم يكن مجلس المن‬
‫هو الذي أحال القضية إليها‪ ،‬فلبد أن تكون الدولة التي ارتكبت الجريمة‬
‫في إقليمها هي‪ ،‬أو الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها‪ ،‬من الدول الطراف‬
‫في نظامها الساسي أو أن توافق على اختصاصها القضائي‪ .‬ولما كانت‬
‫الدولة التي ُترتكب الجريمة في إقليمها هي‪ ،‬في الواقع العملي‪ ،‬الدولة‬
‫التي يحمل المتهم جنسيتها‪ ،‬ولما كان من المحتمل أل تكون هذه الدولة‬
‫من الدول الطراف‪ ،‬فمن الجائز أن ُترتكب في المستقبل فظائع كثيرة ل‬
‫‪.‬تستطيع يد المحكمة أن تصل إليها‬
‫المحتويات‬

‫‪http://www.ahewar.org/‬‬
‫الحوار المتمدن‬