You are on page 1of 2

‫مسؤولية الدولة عن الجرائم المرتكبة انتهاكا لحكام القانون الدولي‬

‫التاريخ‪Sunday, July 22 :‬‬


‫اسم الصفحة‪ :‬اراء وافكار‬

‫زهير كاظم عبود‬


‫باحث قانوني‪-‬السويد‬
‫في العديد من الحالت التي ترتكب فيها الدولة جريمة أو تحدث ضررا للفرد‪ ،‬فأن القانون الدولي هو الذي يحكم معيار الفعل‬
‫الجرمي والضرر‪ ،‬وغالبا ما يلجأ الفراد الى القانون الدولي في حال وجود الشخاص المتمسكين بالسلطة في الحكم‪ ،‬حيث يشكل‬
‫وجودهم في السلطة مانعا وعائقا يمنع مقاضاتهم أو تحميلهم التعويضات والحكام المقررة‪ ،‬كما من غير الممكن تطبيق القانون‬
‫الدولي من قبل القضاء الوطني‪ ،‬أو أن يقوم القضاء الوطني بالحالة الى القضاء الدولي ضمن تلك الظروف التي تمنع أقامة‬
‫الدعوى‪.‬‬
‫يقسم الفقه الجنائي الدولي الجرائم التي ترتكبها الدولة الى نوعين‪ ،‬الول ما يرتكبه بعض الفراد في أثناء توليهم المسؤولية في‬
‫الدولة‪ ،‬والثاني ماتقوم به الدولة من جرائم جراء سياستها تجاه جماعة من ابناء شعبها لهلكهم كليا أو جزئيا أو العمل على ابادتهم‬
‫وترويعهم وتعذيبهم واستعمال الساليب والوسائل غير القانونية التي تدخل في باب الجرائم‪،‬‬

‫ومنها جرائم البادة الجماعية والجرائم ضد النسانية وجرائم الحروب‪ .‬كما إن هناك ثمة اتفاقيات ومعاهدات ملزمة للدول‪ ،‬و هذا‬
‫اللزام ينسحب على التزامها في عدم استعمال السلحة المحرمة دوليا‪ ،‬ولهذا فأن الدولة المخالفة لهذه التفاقيات والمعاهدات لتقع‬
‫ضمن دائرة الدانة القانونية فقط‪ ،‬بل تخضع في مسؤوليتها المدنية الى تعويض الضحايا وورثتهم‪ ،‬ولهذا تلتزم الدولة ككيان قانونيًا‬
‫بتعويض المتضررين‪ ،‬وتكون مسؤوليتها مسؤولية مباشرة في تحمل الفعل في حال أتباع سياسة من شأنها أحداث جريمة أو أضرار‬
‫بحق الفراد ‪ ،‬غير أنها تكون مسؤولية بشكل غير مباشر في حال ارتكاب الفراد تلك الجرائم أثناء توليهم المسؤوليات في الدولة‪.‬‬
‫وفي كل الحوال فأن مسؤولية الدولة مسؤولية مدنية بالنظر لكون الدولة شخصًا معنويًا اعتباريًا ليمكن إنزال العقوبات المادية‬
‫التي تقع على الفراد عليها‪ ،‬فتتم مساءلة الدولة ايضا عن الضرار التي تنتج جراء الفعال العدوانية والجرائم التي حددها القانون‬
‫الدولي‪ .‬وحيث ليمكن إيقاع المسؤولية الجنائية على الدولة التي تقوم على فكرة الشخص المعنوي‪ ،‬وهي شخص غير حقيقي‪ ،‬و‬
‫لن العقوبات في كل الحوال تقع على الشخاص الذين تمت إدانتهم بارتكاب الفعل الجرامي‪ ،‬وثمة من يقول إن تحميل الدولة تلك‬
‫ل لم تقم به أصل‪،‬‬ ‫التعويضات ليمت للواقع بشيء حيث لم تكن للدولة أية إرادة في ارتكاب الفعل الضار‪ ،‬وبالتالي فهي تتحمل فع ً‬
‫وانما تم ارتكابه من قبل اشخاص يمتلكون الرادة والتصميم ‪ ،‬ومن الجدر تحميل هؤلء مسؤولية الجرائم والفعال الضارة ‪ ،‬ال‬
‫انه ليمكن ايقاع الجزاء كالعدام والسجن والحبس على الدولة‪ ،‬وان العقوبة بالغرامة أو التعويض ستنسحب على الشعب الذي لم‬
‫يكن له اية علقة بهذه الجرائم‪ ،‬بل قد تكون جماهير الشعب ممن ليتقبل هذه الفعال ويقاومها ويناضل بالضد منها‪ ،‬وبالتالي فأن‬
‫عقوبة العدام والحبس والسجن والغرامة ينبغي إن تقع على الفاعل الصلي الذي انتهك القانون الدولي والنساني‪ ،‬وان التجاه‬
‫السائد في الفقه الجنائي الدولي أن يتم اسناد المسؤولية الى الشخاص الطبيعيين وليس على الدولة‪ .‬وحيث إن الدولة شخص من‬
‫شخوص القانون الدولي فأن المسؤولية هنا تقع على الفراد الذين ارتكبوا تلك الفعال التي جرمتها القوانين والمعاهدات‪ ،‬بالضافة‬
‫الى ما تتحمله الدولة من تعويض الضرار الناتجة من فعل الفراد الذين كانوا يمثلون الدولة‪ ،‬أو كانوا في السلطة عند حدوث‬
‫الضرر‪.‬‬
‫اولى القانون الدولي اهتماما خاصا بجرائم البادة الجماعية التي روعت البشرية في الفترة الخيرة‪ ،‬وطبقا للتفاقية الدولية المؤرخة‬
‫في ‪ 9‬كانون الول ‪ ،1948‬وضعت السس والنصوص التي تعاقب مرتكبي هذا الفعل الجرامي‪ ،‬كما نصت اتفاقية جنيف المؤرخة‬
‫في ‪ 12‬آب ‪ 1949‬على جرائم الحرب‪ ،‬ومثل ذلك جاءت نصوص التفاقية التي منعت الجرائم ضد النسانية‪ ،‬ولهذا جاءت‬
‫النصوص التي تؤكد عدم اعتبار تلك الجرائم من الجرائم السياسية‪ ،‬فمثل هذه الجرائم البشعة ضد الجنس البشري ليمكن إن‬
‫تنضوي تحت غطاء العمل السياسي‪ ،‬كما أنها سحبت غطاء التقادم المسقط أو الحماية التي تضفيها الدساتير والقرارات على‬
‫المسؤولين المتهمين بهذه الجرائم‪ ،‬من خلل الحصانة والقرارات التي تمنع محاسبتهم أو محاكمتهم‪ ،‬إضافة الى التأكيد على عدم‬
‫جواز منح المتهمين بهذه الفعال الحماية واللجوء في الدول التي تحترم حقوق النسان والقانون الجنائي الدولي‪ ،‬على عكس ما‬
‫يحدث في منطقتنا العربية من خرق للتفاقيات والمعاهدات الدولية حيث يتم السماح للمتهمين باللجوء الى دول معينة لسباب مالية‬
‫أو سياسية أو طائفية‪.‬‬
‫المبدأ الساسي في قانون المعاهدات يرتكز على صفة اللزام التي تقوم عليها‪ ،‬وتظهر تلك اللتزامات عند تنفيذ بنود التفاقية‪ ،‬أو‬
‫عند خرق نصوص تلك التفاقيات حيث يعد الفعل غير مشروع ويرتب المسؤولية الدولية‪ ،‬والمسؤولية في هذا الحال أصل تنشأ من‬
‫الفعل الخاطيء الذي عده القانون الدولي انتهاكا خطرًا يدعو الى معاقبة مرتكبيه وأصلح ما حصل من أضرار‪ ،‬غير أنه في أحيان‬
‫كثيرة يصعب أعادة الحال عند قيام الدولة بإزهاق الرواح‪ ،‬كما إن التعويضات لتعني العقوبة بأي حال من الحوال ‪ .‬حيث أن‬
‫التفاقيات الدولية وخصوصا اتفاقية جنيف خاطبت الدول لتضمين قوانينها العقابية نصوصا تعاقب مرتكبي الجرائم ضد النسانية‬
‫وجرائم البادة الجماعية وجرائم الحروب‪ ،‬بما فيها القتل والنفي والبعاد القسري والحرمان الشديد واخذ الرهائن وقتل السرى‬
‫وغيرها‪ ،‬وأن تكون تلك النصوص التي يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي نصوصا وطنية‪ ،‬ولسمو للقانون الدولي على الوطني‬
‫في حال التطبيق‪ ،‬اما في حال الحالة على المحكمة الجنائية الدولية فأن المر يعتبر اكمال لدور المحاكم الوطنية في أنجاز‬
‫المحاكمات بحق مرتكبي تلك الجرائم‪ .‬ولهذا فأن العلقة تقوم وفقا للقانون الدولي بين الدولة والمجني عليهم المتضررين جراء‬
‫افعالها العدوانية التي جرمها القانون الدولي‪ ،‬وهذه العلقة تحكمها إقليمية القانون إضافة الى تطبيق الحكام العامة للقانون الجنائي‪،‬‬
‫وعليه فأن مبدأ قانونية الجرائم والعقوبة يجد اثره من خلل التزام تلك الدول بهذه التفاقيات والمعاهدات‪ ،‬كما تؤكد الشرائع الدينية‬
‫التي تقر بها الدولة من خلل التزامها الدستوري‪ ،‬بأن الفعال التي ارتكبتها الدولة بحق المجني عليهم تشكل جسامة الجريمة‬
‫‪1‬‬
‫ووحشيتها تعريضا للجنس البشري وانتهاكا للحياة النسانية وخرقا فاضحا لمسؤوليتها في الحفاظ على حياة المواطن‪ ،‬حيث تدعو‬
‫تلك الديانات الى تجريم الفاعل ومعاقبة المرتكب وفقا لجسامة الفعل الجرامي‪.‬‬
‫وحسنا فعل المشرع الجنائي الدولي حين تحوط الى مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي على الماضي‪ ،‬حيث إن الجريمة تخضع الى‬
‫القانون الذي وقعت في زمانه‪ ،‬ال إن الجرائم المستمرة تمتد لتدرك نفاذ القانون لتقع تحت سلطان القوانين الجديدة‪ ،‬كما إن القوانين‬
‫لتحمي المجرمين أنما جاءت لتمنع الجريمة وتعاقب الجاني‪ ،‬ولهذا لم يكن بإمكان المجرمين في قضايا الجرائم ضد النسانية‬
‫وجرائم البادة الجماعية وجرائم الحرب التمسك بتطبيق مبدأ عدم رجعية القوانين‪ ،‬ومن حق المشرع إن يخالف المبدأ فيخضع تلك‬
‫الجرائم للمحاسبة تطبيقا للعدالة‪ .‬وإذا كانت الجريمة بشكلها العام ظاهرة اجتماعية خطرة‪ ،‬فهي تعني تهديد العلقات الجتماعية‬
‫بسلوك جرمه القانون وهو سلوك غير مشروع‪ ،‬ولهذا فأن اركان الجريمة تتوفر ضمن تلك الجرائم التي جرمها القانون الدولي‪ ،‬في‬
‫ركنيها المادي والمعنوي‪ ،‬وكما يتوفر فيها القصد الجنائي‪ ،‬والعقوبات التي تقع على الفراد الذين ارتكبوا تلك الجرائم بأسم الدولة‪،‬‬
‫أو في اثناء توليهم المسؤولية في الدولة تمثل الردع والجراء المادي الذي يوقعه القانون على الجاني‪ .‬وظهرت مسؤولية الدولة‬
‫تجاه الفراد عن الجرائم المرتكبة في القانون الدولي بشكلها الواضح في جرائم النازية بعد الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وبرزت بشكل‬
‫اكثر وضوحا في الجرائم الناتجة عن الفعال الخاطئة بحق الفراد التي ترتكبها الدولة عن الفعال الجرامية العمدية التي ترتكبها‬
‫الدولة بحق الفراد‪ ،‬والتي تمس وتهدد الجنس البشري وتمس المصالح الساسية للمجتمع الدولي وترتقي الى مستوى الجريمة‬
‫الجنائية الدولية ‪.‬‬
‫ولعل الحكام الصادرة من المحكمة الجنائية العراقية الولى والثانية في قضيتي الدجيل والنفال تشيران الى حق ورثة الضحايا‬
‫والمتضررين عن الجرائم التي لحقت بهم المطالبة بحقوقهم القانونية أمام المحاكم المدنية‪ ،‬تجسد هذا الحق وتبرز مسؤولية‬
‫المجرمين عن الفعال التي تدخل ضمن جرائم البادة الجماعية والجرائم ضد النسانية وجرائم الحرب وانتهاك القانون‪ ،‬وهي‬
‫جميعها من الجرائم التي تدخل ضمن أحكام الفقرة ثانيا من المادة الولى من قانون المحكمة‪ ،‬ولذا فهي تقع ضمن اختصاص تلك‬
‫المحكمة قانونا‪ .‬وبالرغم من قيام المحاكم الجنائية الدولية ودورها في محاكمة مرتكبي جرائم البادة الجماعية والجرائم ضد‬
‫النسانية‪ ،‬ال إن هذا المر ليتقاطع مع اختصاص المحاكم الوطنية وليخل بدورها في تلك المحاكمات‪ ،‬مالم يجنح القضاء الوطني‬
‫الى اللجوء للمحاكم الجنائية الدولية لسباب حددتها التفاقيات حصرا‪ .‬ومن خلل التجارب الدولية في محاسبة مرتكبي مثل تلك‬
‫الجرائم‪ ،‬فأن المسؤولية الجنائية تقع على الفراد ممن ثبت ارتكابهم لتلك العمال البربرية‪ ،‬حيث ليمكن تحميل الدولة المسؤولية‬
‫الجنائية باعتبارها شخصا معنويا‪ ،‬غير إن المر ليلغي تحملها المسؤولية المدنية في تعويض المتضررين من تلك الفعال‪.‬‬

‫‪2‬‬