You are on page 1of 89

‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.

net -‬‬

‫التاريخ‬ ‫بين فكي‬

‫إبراهيم عيساوي‬ ‫سهيل‬

‫كتاب قدمه مؤلفه مشكورا لموقع ‪:‬‬


‫‪Anfasse.net‬‬

‫الهداء‬
‫إلى شهداء السيف ‪.‬‬ ‫‪‬‬
‫‪-1-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ ‬إلى شهداء الكلمة ‪.‬‬


‫‪ ‬إلى شهداء الفكر ‪.‬‬
‫‪ ‬إلى أبطال كتابي الذين حاول الطغاة إزهاق أرواحهم‬
‫وطمس فكرهم وإقصاءهم عن مواقع التأثير ‪.‬‬
‫‪ ‬إلى كل من يحب الوجه الخر للحقيقة ‪.‬‬
‫‪ ‬إلى كل الذين يسيرون نحو الشمس ‪.‬‬
‫دسون الحقيقة ويشيدون معبدها‬ ‫‪ ‬إلى كل الذين يق ّ‬
‫وُيقتلون عند محرابها ‪.‬‬

‫سهيل إبراهيم عيساوي‬

‫البوابة الولى‬

‫‪" - 1‬ل يستوي الخبيث والطّيب ولو أعجبك كثرة الخبيث"‬


‫)سورة المائدة ‪(100‬‬
‫‪" - 2‬فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في‬
‫الرض"‬
‫)سورة الرعد ‪(17‬‬

‫‪-2-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪" - 3‬إن ينصركم الله فل غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي‬
‫ينصركم من بعده" )سورة النفال ‪.(43‬‬
‫‪" - 4‬وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا‬
‫موقنين" )سورة السجدة(‪.‬‬
‫وا ً في الرض ول‬ ‫‪" - 5‬تلك الدار الخرة نجعلها للذين ل يريدون عل ّ‬
‫فسادا ً والعاقبة للمّتقين" )سورة البقرة ‪.(83‬‬
‫‪" - 6‬ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من‬
‫دلوا تبديل" )سورة الحزاب‬ ‫قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ب ّ‬
‫‪.(23‬‬

‫البوابة الثانية‪:‬‬

‫ع لهم‬ ‫لو تعرف الشمس من تش ّ‬


‫ما طلعت يوما ً على البشر‬
‫)أحمد الصافي النجفي(‬
‫بنيت لهم بالسيف مجدا ً مشّيدا ً‬
‫فلما تناهى مجدهم ‪ ..‬هدموا مجدي‬
‫)عنترة العبسي(‬
‫ن صدقا ً ل أحـ ّ‬
‫س بـه‬ ‫إ ّ‬
‫ذبـا‬‫هو صدق يشبه الك َ ِ‬
‫)إيليا أبو ماضي(‬
‫طروا‬ ‫ف ِ‬‫مذ ُ‬ ‫وهكذا كان أهل الرض ُ‬
‫ل أنهم فسدوا‬ ‫ن جهو ٌ‬ ‫فل يظ ّ‬
‫ب ُيقال على المنابـر دائمـا ً‬ ‫كذ ٌ‬
‫أفل يميل ِلما ُيقال المنبـر؟‬
‫)أبو العلء المعّري(‬
‫ي شخصا ً‬ ‫ن إل ّ‬
‫ولو برَز الزما ُ‬
‫حسامي‬ ‫ضب شعر مفرقه ُ‬ ‫لخ ّ‬

‫‪-3-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫)أبو الطيب المتنبي(‬


‫ن لو سمعوا‬‫والعدل في الرض ُيبكي الج ّ‬
‫ت لو نظروا‬ ‫ه ويستضح ُ‬
‫ك الموا َ‬ ‫ب ِ‬
‫)جبران خليل جبران(‬

‫الشهادة‪:‬‬

‫جسدي في الغياب‬
‫وروحي حضوٌر‪ ،‬وصوتي‬
‫أنا الطفل ما اخترت للجسد الحتراقَ‬
‫ك‬
‫ب عن ِ‬ ‫ر التغّر ِ‬
‫بنا ِ‬
‫ولكنه وطني اختار صوتي‬
‫وأطلقني في عيون المنافي‬
‫بكاءً وجرحا ً‬
‫خَر موت دمي‬ ‫وأ ّ‬
‫ربما احتاجني ‪..‬‬
‫خرني وطني للشهادة‬ ‫حين أ ّ‬
‫)عبد العزيز المقالح(‬

‫البوابة الثالثة‬

‫المعزوفة الولى‪:‬‬

‫أنا ل أعرف متى أموت‬


‫ولكنني اعرف‪:‬‬
‫ف الحبر وينفذ المداد‬
‫حين يج ّ‬
‫كن مني‬ ‫يكون الموت قد تم ّ‬
‫وقهرني للمرة الولى‬

‫‪-4-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫المعزوفة الثانية‪:‬‬
‫أنت وغد‪..‬‬
‫وما دامت عينك الثالثة‬
‫تلحقنا في كل شارع وزقاق‬
‫في ليلة القدر‬
‫ل نطلب من الله‬ ‫سنظ ّ‬
‫أن يخرس قلمك‪..‬‬
‫ما بال الرب‬
‫ل يصغي لهمساتنا؟!‬
‫المعزوفة الثالثة‪:‬‬
‫آه منك ‪..‬‬
‫لو يعود ضميرك من إجازته‬
‫ولو لجزء من الثانية‬
‫آه ‪..‬‬
‫لو ولدت في زمن آخر‬
‫في ثوب آخر ‪..‬‬
‫المعزوفة الرابعة‪:‬‬
‫إن صودر القلم ‪..‬‬
‫ت لكم بدمي البيض ‪..‬‬ ‫كتب ُ‬
‫بسنا الشمس‬
‫كي ل تموت الحقيقة‬
‫)س‪ .‬إ ع(‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬


‫مقدمة‬

‫‪-5-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫دائمًا‪ ،‬وفي جميع مراحل دراستي للتاريخ‪ ،‬كنت أتعاطف مع بعض‬


‫الشخصيات‪ ،‬وأشعر أن المكائد حيكت حولها‪ ،‬وان الشّر ترّبص بها‪.‬‬
‫وما كانت تلك الشخصيات تستحق كل هذا المكر‪ ...‬وكان الكائدون‬
‫الحاقدون‪ ..‬يصافحون بيد دافئة وقلب كبير وابتسامة ساحرة‪،‬‬
‫تحسبها صادقة‪ ،‬ويضربون بيد من حديد وقلوب مسكونة بالحقد‪،‬‬
‫وابتسامات صفراء جوفاء‪..‬‬
‫ترتوي الرض بالدماء الطاهرة‪ ..‬دماء من جعلوا لنفسهم قضية‬
‫يعيشون من اجلها وينذرون عمرهم في سبيلها‪ ..‬فحاربهم‬
‫الكائدون‪..‬‬
‫ترتوي الرض بالدماء‪ ..‬دماء نسوة يولولن هنا‪ ..‬وأطفال يبكون‬
‫طر أروع أساطير الفداء‬‫هناك‪ ...‬ويطوي التاريخ صفحة بطل س ّ‬
‫والنصر‪ ..‬ولم يكن جهاده في سبيل ملك أو مجد أو عظمة‪ ،‬وإنما‬
‫لدفع عجلة التاريخ والنسانية بضع خطوات إلى المام‪.‬‬
‫وأمام صمت المؤّرخ‪ ..‬وذاكرة النسان الصغيرة الغافلة‪ ،‬قررت‬
‫الكتابة عن هؤلء البطال العباقرة‪ ،‬كي ل يضيع دمهم هدرا‪ ،‬في‬
‫محاولة لصيانة تاريخهم وأعمالهم والحفاظ عليها‪ ،‬ولو على‬
‫الورق‪ ،‬وحتى تبقى ذكراهم الطيبة شذا يعبق في سماء الحرية‪..‬‬
‫جه من قبل أصحاب‬ ‫ويعرف القارىء المتفهم جيدا ً ‪ ،‬أن التاريخ يو ّ‬
‫المر‪ ،‬مما يؤثر على أمور مستقبلية‪ ،‬ويرفع معنويات قوميات‬
‫معينة‪ ،‬ويركل في نفس الوقت إلى زاوية بعيدة من التاريخ أمجاد‬
‫أمم أخرى بغير حق‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال ل الحصر‪ ،‬فإن منهاج تدريس جميع المواضيع‪،‬‬
‫بما في ذلك السياسة والتاريخ في المدارس العربية في البلد‪،‬‬
‫يخلو من كلمة فلسطين!! ول ذكر لبطال فلسطين مثل عز‬
‫الدين القسام والشاعر إبراهيم نوح‪ ،‬ول ذكر لشعراء فلسطين‪،‬‬
‫وقصائدهم ممنوعة في مدارسنا وفي كلياتنا ومسموعة في بلد‬
‫ما وراء البحار‪.‬‬
‫أين قصائد توفيق زياد‪ ،‬وسميح القاسم‪ ،‬وراشد حسين‪ ،‬ومحمود‬
‫درويش‪ ،‬ومحمود دسوقي‪،‬وجمال قعوار‪ ،‬وطه محمد علي؟ أين‬

‫‪-6-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫قصص غسان كنفاني ورسومات ناجي العلي‪ ،‬وكل الذين كتبوا‬


‫جميع ألوان الحقيقة غير منقوصة؟!‬
‫والحال في الوطن العربي الكبير ليست بأحسن من هنا‪،‬‬
‫فالقصائد الجياشة بالصدق والوطنية لشوقي وحافظ والبارودي‬
‫ن‬‫طويت وألقيت في سلة النسيان! وعلى سبيل المثال فإ ّ‬
‫واضعي المقررات الدراسية يحذفون عن عمد قول أبي الطيب‬
‫المتنبي لسيف الدولة‪:‬‬
‫ولكنه السلم للشرك‬ ‫ولست مليكا ً هازما ً لنظيره‬
‫م‬
‫هاز ُ‬
‫ويقينا ً إن مسؤولي التربية في الردن لن يجيزوا تدريس مواد عن‬
‫مذابح أيلول السود‪ ،‬وفي سوريا لن يذكروا مذابح حماة!‬
‫ك فيه أن أعداء الحق يسيطرون على مساحات واسعة‬ ‫ومما ل ش ّ‬
‫من الفق ‪ ...‬من القلم‪ ...‬من القلوب‪ ...‬من الضمائر‪ ...‬وقّلة من‬
‫البشر يحملون رايات الحقيقة وصوتها المميز‪ ،‬ويسيرون بها في‬
‫غابة مظلمة‪ ...‬يتحّينون الفرص وينتظرون الوقت للجهر بما‬
‫اشتعلت به قلوبهم ورؤوسهم‪.‬‬

‫وليس يهم من هم مثل هؤلء أن يموتوا‪ ،‬فهم يموتون كي ل‬


‫تموت الحقيقة في بطن الرض ‪.‬‬
‫وربما أكون في كتابي هذا قد أهملت بعض السماء التي لقت‬
‫الويلت في سعيها ليصال كلمة الحق‪ ...‬والتي تستحق أن تدخل‬
‫كتابي‪ ،‬فالمعذرة‪ ..‬فنسياني ل ينقص من حقها التاريخي ومن‬
‫ل هذا البحث المتواضع يفتح الطريق أمام‬ ‫مجدها النساني‪ .‬ولع ّ‬
‫كل الذين يبحثون عن الحقيقة ليس ّ‬
‫طروا لنا ألوانها الحقيقية‪..‬‬

‫المؤلف‪ :‬سيل إبراهيم عيساوي‬


‫آب ‪1999‬‬

‫‪-7-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ي ابن أبي طالب‬


‫المام عل ّ‬
‫كّرم الله وجهه‬

‫ي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ‪ .‬أمه فاطمة‬ ‫هو عل ّ‬


‫بنت أسد بن هاشم ‪ .‬وهو ابن عم النبي محمد صلى الله عليه‬
‫وسّلم ‪ ،‬وزوج فاطمة الزهراء ابنة الرسول ‪ .‬رزق منها ثلثة من‬
‫الذكور هم‪ :‬الحسن‪ ،‬والحسين‪ ،‬ومحسن وبنتين هما ‪ :‬زينب وأم‬
‫كلثوم ‪.‬‬
‫ول من أسلم من‬ ‫ي في مكة سنة ‪ 601‬م‪ ،‬وهو أ ّ‬ ‫ولد المام عل ّ‬
‫ي كّرم الله وجهه"‪.‬‬ ‫الصبيان ولم يسجد لصنم‪ .‬لهذا نقول "عل ّ‬
‫اشترك في جميع الغزوات عدا تبوك ‪ .‬وامتاز بكونه شاعرا ً وخطيبا ً‬
‫بارعا ً ويعدّ من الخلفاء الراشدين الصالحين ‪.‬‬
‫وتعتقد طائفة من الشيعة أن علي ّا ً معصوم عن الكبائر والصغائر ‪،‬‬
‫وأن فيه جزءا لله اّتحد بعبده ‪ ،‬وأنه يعلم الغيب‪.‬‬
‫ي أحسن السلم علما ً وفقها ً ‪.‬‬ ‫والصحيح أن المام عل ّ‬
‫‪-8-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫بعد وفاة النبي بويع أبو بكر بالخلفة ‪ ،‬وأوصى بها قبل وفاته‬
‫لعمر بن الخطاب ‪ .‬وبعد مقتل عمر انتقلت الخلفة إلى عثمان بن‬
‫فان ‪ .‬إل ّ انه ‪ ،‬وبسبب سياسته ‪ ،‬قتل سنة )‪ (656‬م ‪ ،‬واستلم‬ ‫ع ّ‬
‫ي الخلفة ‪ ،‬فيما الصعاب والمؤامرات أحاطت به من كل‬ ‫عل ّ‬
‫جانب ‪ .‬فكانت معركة الجمل ‪ ،‬وهي المعركة التي وقعت بين‬
‫الفريق الذي جمع أنصار المام علي وبين فريق طلحة والزبير‬
‫ي‬
‫وعائشة الذين طالبوا بدم عثمان ‪ ،‬ووضعوا اللوم على عل ّ‬
‫مهم إلى صفوف جيشه ‪.‬‬ ‫واتهموه بقبول دعوة الثوار ‪ ،‬ومن ثم ض ّ‬
‫ي‪.‬‬ ‫وكان النصر في هذه المعركة حليف عل ّ‬
‫بعد أن انتهى من حرب الحجازيين ‪ ،‬كانت معركة صفين )عام ‪657‬‬
‫م( بينه وبين معاوية بن أبي سفيان ‪ .‬وكاد علي أن ينتصر لول‬
‫خدعة عمرو بن العاص الذي دعا إلى رفع المصاحف على أسّنة‬
‫ي التحكيم‬‫الرماح ‪ ،‬أي جعل القرآن حكما ً بين الناس ‪ .‬وقد قبل عل ّ‬
‫تحت ضغط جنده المر الذي أضعف مركزه ‪.‬‬
‫ي على يد خارجي يدعى عبد‬ ‫في سنة ‪ 661‬استشهد المام عل ّ‬
‫الرحمن بن ملجم‪.‬‬
‫ي بين ف ّ‬
‫كي التاريخ‬ ‫المام عل ّ‬
‫ي لقى الويلت أثناء حكمه من جميع‬ ‫مما ل شك فيه أن المام عل ّ‬
‫عرف عنه من كرم وشجاعة‬ ‫الطراف ‪ .‬وقد استطاع بما ُ‬
‫الستمرار والثبوت ‪.‬‬
‫ن أهل العراق خذلوه ‪ ،‬والخوارج اغتالوه ‪ .‬فاتجهت عجلة‬ ‫لك ّ‬
‫التاريخ اتجاها ً لم يكن يرغبه المام الذي سار إلى موقعة الجمل‬
‫وصفين محاول ً إحقاق الحق وتوحيد صفوف المسلمين ‪ ،‬لكنه‬
‫أخفق ‪ ،‬بعد أن لم يستطع حسم المعركة ضد معاوية ‪.‬‬
‫وهناك الكثير من الباحثين العرب والمستشرقين الذين يتهمون‬
‫المام علي بأنه لم يكن رجل سياسة ناجحا ً ‪ ،‬وانه أكثر من‬
‫الخطاء وخاصة عندما عزل معاوية بن أبي سفيان ‪ ،‬والي الشام‬
‫منذ زمن عثمان بن ع ّ‬
‫فان ‪.‬‬
‫‪-9-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫لكننا حين نقّلب صفحات التاريخ نستطيع أن نقول إن المام عل ّ‬


‫ي‬
‫سر أن‬ ‫كان رجل دولة وإنسانا ً ذكيا ً وشجاعا ً ‪ .‬وإل ّ فكيف نف ّ‬
‫الخلفاء الراشدين عمر وأبا بكر وعثمان اتخذوه مستشارا ً لهم؟!‬
‫كما أن صفاته تدلنا على مدى قوته الجسدية والنفسية ‪ ،‬فهو‬
‫يميل إلى القصر ‪ ،‬آدم ‪ ،‬أصلع مبيض الرأس ‪ ،‬طويل الرقبة‪ ،‬ثقيل‬
‫العينين في دعج وسعة ‪ ،‬حسن الوجه ‪ ،‬واضح البشاشة ‪ ،‬عريض‬
‫المنكبين لهما مشاش ‪ ،‬ضخم العضلة ‪ ،‬ضخم الذراع ‪ ،‬تمّتع بقوة‬
‫بالغة ‪ ،‬فربما رفع الفارس بيده فجلد به الرض غير جاهد ‪ .‬وقد‬
‫اشتهر عنه انه لم يصارع أحدا ً إل صرعه ‪ .‬ولم يبارز أحدا ً إل قتله ‪.‬‬
‫وهو ل يهاب الموت ‪ .‬فقد اجترأ وهو فتى ناشئ على عمرو بن‬
‫ورد فارس الجزيرة العربية الذي كان يقوم بألف رجل ‪ .‬وكان ذلك‬
‫يوم وقعة الخندق أو الحزاب ‪ ،‬حين خرج عمرو مقنعا بالحديد‬
‫ينادي جيش المسلمين ‪" :‬من يبارز؟ " فصاح علي ‪ " :‬أنا يا رسول‬
‫الله " فقال له الرسول " اجلس انه عمرو " ‪ .‬وفي النهاية أذن له‬
‫ن عليا قتله ‪.‬‬
‫الرسول ‪ ،‬فنظر إليه عمرو فاستصغره ‪ ،‬لك ّ‬
‫أل يحق لعلي ما يحق لغيره من الخلفاء الراشدين؟‬
‫ي بن أبي طالب بعزل ولة عثمان ‪ .‬ومعروف أن‬ ‫نعم‪ ،‬لقد قام عل ّ‬
‫ذروا الموال ‪ .‬والحقيقة إن العزل لم‬ ‫عثمان وّلى أقرباءه الذين ب ّ‬
‫يتم إل في حق معاوية بن أبي سفيان وخالد بن أبي العاص والي‬
‫مكة‪.‬‬
‫وقد قام عمر الفاروق رضي الله عنه بعزل خالد بن الوليد‬
‫والمثنى بن الحارثة ‪ ،‬وهما قائدان كبيران ‪ .‬وكذلك وّلى عمر بن‬
‫الخطاب عمرو بن العاص مصر وهو الذي فتحها ‪ ،‬وولى المغيرة‬
‫بن شعبة على الكوفة ‪ ،‬فعزلهما عثمان ‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن لكل خليفة ظروفه واعتباراته واجتهاده في تعيين‬
‫الولة لضمان نجاعة العمل‪.‬‬
‫ي هم من كبار الصحابة ولهم‬ ‫ن الولة الذين عّينهم المام عل ّ‬ ‫ثم إ ّ‬
‫فضل في السلم مثل ‪ :‬سهل بن حنيف ‪ ،‬قيس بن سعد بن‬
‫طلب ‪.‬‬‫عبادة ‪ ،‬عبد الله بن عباس بن عبد الم ّ‬

‫‪-10-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫مهزلة التحكيم ‪...‬‬

‫اجتمع الحكمان بدومة الجندل‪ ،‬التي وقع عليها الختيار لكونها‬


‫وسطا بين العراق والشام ‪ .‬وقد مّثل المام علي ّا ً أبو موسى‬
‫الشعري الذي كان شيخا ً طاعنا ً في السن ‪ ،‬أما معاوية فمّثله‬
‫عمرو بن العاص الملقب بثعلب العرب ‪.‬‬
‫وكان القرار معروفا ً لمن عرف الحكمين ‪ ،‬فأبو موسى الشعري‬
‫أراد حقن دماء المسلمين ووقف القتال ‪ ،‬لذا رأى انه يجب عزل‬
‫علي ومعاوية ‪ .‬ويرجع هذا القرار لعمرو بن العاص الذي اقنع أبا‬
‫موسى الشعري بذلك ‪ ،‬والذي لجأ إلى هذه الحيلة لرضاء صاحبه‬
‫معاوية ‪.‬‬
‫أراد أبو موسى الشعري تولية عبد الله بن عمر خليفة ‪ ،‬وأراد‬
‫ي‬
‫عمرو بن العاص تولية ابنه عبد الله ‪ .‬وكاد أبو موسى الشعر ّ‬
‫يوافقه ولذا قررا خلع الثنين دون التفاق على غيرهما ‪.‬‬
‫دم أبو موسى الشعري وقال " نخلع عليا ومعاوية ونستقبل‬ ‫تق ّ‬
‫ّ‬
‫المة بهذا المر فيولوا منهم من أحّبوا عليهم ‪ ..‬وإني قد خلعت‬
‫عليا ً ومعاوية فاستقبلوا أمركم ووّلوا عليكم من رأيتموه لهذا‬
‫المر أهل ً "‪.‬‬
‫وتله عمرو فقال‪ ..." :‬إن هذا قال ما سمعتم وخلع صاحبه ‪ ،‬وأنا‬
‫ي عثمان بن‬ ‫اخلع صاحبه كما خلعه ‪ ،‬واثّبت صاحبي معاوية فإّنه ول ّ‬
‫ق الناس بمقامه "‪.‬‬ ‫فان رضي الله عنه ‪ ،‬والمطالب بدمه أح ّ‬ ‫ع ّ‬
‫ت‬‫فقك الله غدر َ‬ ‫فغضب أبو موسى وصاح به ‪" :‬ما لك ل و ّ‬
‫وفجرت؟ إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وان تتركه‬
‫يلهث"‪.‬‬
‫فابتسم عمرو بن العاص وهو يقول‪ " :‬إنما مثلك كمثل الحمار‬
‫يحمل أسفارا "‪.‬‬
‫وهنا ‪ ..‬انتهت المهزلة ‪ ،‬ورجع الخلف إلى ما كان عليه في‬
‫ي في كمين ‪ ،‬لنه وافق على التحكيم ‪،‬‬ ‫السابق ‪ .‬ووقع المام عل ّ‬
‫‪-11-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫المر الذي رفع من مكانة معاوية وجعله ندا مساويا ً له ‪ ،‬وهو‬


‫خليفة المسلمين ورابع الخلفاء الراشدين ‪.‬‬
‫كما أضعف موقفه أن يمّثله رجل طاعن في السن مثل أبي‬
‫موسى الشعري وأن يمّثل معاوية رجل هو داهية العرب وصاحب‬
‫فين ‪ .‬ومن الطبيعي أن يبدع رجل‬ ‫ص ّ‬
‫مشورة رفع المصاحف في ِ‬
‫كهذا مكرا ً آخر ‪.‬‬
‫ثم ماذا كانت صلحيات الحكمين لعزل علي أو معاوية أو‬
‫ي السياسية ‪ ،‬وهو‬ ‫ن هذا التحكيم أضعف من مكانة عل ّ‬ ‫أحدهما ؟! إ ّ‬
‫ربح آخر لمعاوية وعمرو بن العاص ‪ .‬زد على ذلك خروج الخوارج‬
‫ي وانشغاله بقتالهم ومن ثم استشهاده على يد واحد‬ ‫من جيش عل ّ‬
‫منهم ‪.‬‬

‫ي )‪ 661‬م(‬
‫استشهاد المام عل ّ‬

‫ي بن أبي‬ ‫اجتمع ثلثة رجال من الخوارج واّتفقوا على قتل عل ّ‬


‫طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ‪ .‬وقد أخذ عبد‬
‫ي‪.‬‬‫الرحمن بن ملجم على عاتقه قتل عل ّ‬
‫دخل بن ملجم المسجد في بزوغ الفجر وجعل يكرر الية ‪" :‬ومن‬
‫ن‬
‫ي وظ ّ‬ ‫الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله "‪ ،‬فاقبل عل ّ‬
‫أن الرجل ينسى نفسه فيها ‪ ،‬فقال ‪" :‬والله رؤوف بالعباد " ثم‬
‫ي ناحية عبد الرحمن بن ملجم ‪ ،‬وعندها ضربه بالسيف‬ ‫انصرف عل ّ‬
‫المسموم على رأسه ‪ .‬فقال علي ‪ " :‬احبسوه ثلثا ً وأطعموه‬
‫ت فاقتلوه ول تمّثلوا به‬ ‫واسقوه ‪ ،‬فإن أعش أَر فيه رأيي ‪ ،‬وإن م ّ‬
‫ي مات من الضربة ‪ ،‬فأخذه عبد الله بن جعفر‬ ‫ن المام عل ّ‬
‫"‪ .‬لك ّ‬
‫فقطع يديه ورجليه ثم قطع لسانه وضرب عنقه ‪.‬‬
‫أما الخارجي الثاني الحرث بن عبد الله التميمي الذي أخذ على‬
‫عاتقه قتل معاوية‪ ،‬فلم يجد إلى ذلك سبيل ‪.‬‬

‫‪-12-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أما الخارجي الثالث عمرو بن بكير التميمي فنوى قتل عمرو بن‬
‫العاص لكن لسوء حظه وحسن حظ عمرو بن العاص ‪ ،‬انه أرسل‬
‫مكانه للصلة رجل ً يقال له خارج فضربه الخارجي وقتله‪.‬‬
‫قال الحسن صبيحة تلك الليلة‪ :‬أيها الناس انه قتل فيكم رجل‬
‫كان رسول الله صّلى الله عليه وسّلم يبعثه فيكتنفه جبريل عن‬
‫يمينه وميكائيل عن يساره فل ينثني حتى يفتح الله له ‪ .‬وما ترك‬
‫إل ثلثمائة درهم ‪.‬‬
‫وها نحن نرى كيف تتجلى عظمة الرجل حتى وهو يموت ‪ ،‬وذلك‬
‫من خلل معاملته لقاتله ‪ ،‬الذي ضربه بالسيف في المسجد في‬
‫شهر رمضان ‪ ...‬فهو يأمر قبل موته بان يتم سجن القاتل ‪ ،‬فإذا‬
‫مّثل به ‪ .‬ورغم كونه خليفة ‪ ،‬وهو الذي‬ ‫مات فليقتل على أن ل ي ُ َ‬
‫يدير شؤون الدولة السلمية إل انه عاش فقيرا ً ومات فقيرا ً ‪،‬‬
‫ولم يترك إل ثلثمائة درهم ‪.‬‬
‫وأروع ما ترك لنا المام علي عدا سيرته الطيبة كتاب " نهج‬
‫البلغة " الذي جمعه الشريف الرضي ‪ .‬وإن نظرة سريعة للكتاب‬
‫ذة ‪ ،‬صاحب الخيال الواسع‬‫ي الف ّ‬‫تكشف شخصية المام عل ّ‬
‫واليمان الراسخ بالله تعالى ‪ ،‬الذي يحمل الرأي السديد في الدين‬
‫والجتماع ‪.‬‬
‫ي خطبة الجهاد المعروفة ‪.‬‬ ‫ومن روائع المام عل ّ‬

‫ي‬
‫قصة عن شجاعة المام عل ّ‬

‫ل على شجاعة المام علي بن‬ ‫ونورد فيما يلي هذه القصة التي تد ّ‬
‫أبي طالب ومهابة الفرسان منه ‪.‬‬
‫ي‬‫ده بين جيش عل ّ‬‫في معركة صفين ‪ ،‬وبينما كان القتال على أش ّ‬
‫وجيش معاوية ‪ ،‬كان لمعاوية مولى يدعى حريث ‪ ،‬وكان حريث‬
‫ده لكل مبارزة ولكل عظيم ‪ .‬وكان‬ ‫هذا فارس معاوية الذي يع ّ‬
‫حريث يلبس سلح معاوية ‪ ،‬متشبها ً به‪ ،‬فإذا قاتل قال الناس ذاك‬
‫معاوية ‪.‬‬

‫‪-13-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وقد دعاه معاوية في معركة صفين وقال له‪ :‬يا حريث ‪ ..‬ضع‬
‫ق عليا ًً ‪.‬‬ ‫رمحك حيث شئت‪ ،‬لكن ات ّ ِ‬
‫ن عمرو بن العاص المعروف بمكره قال له ‪ :‬لو كنت قريشيا ً‬ ‫ولك ّ‬
‫ب معاوية أن تقتل عليا ً ولكنه كره أن يكون لك حظها ‪ ،‬فإن‬ ‫لح ّ‬
‫دم ‪...‬‬ ‫رأيت فرصة فأق ِ‬
‫ي هل لك‬ ‫وخرج علي أمام الخيل وحمل عليه حريث فنادى ‪ :‬يا عل ّ‬
‫ي وهو يقول ‪:‬‬ ‫في المبارزة؟ فأقدم عل ّ‬
‫ب‬ ‫نحن لعمر الله أولى بالك ُت ُ ْ‬ ‫ب‬‫ي وابن عبـد المطّل ِ ْ‬ ‫أنا عل ّ‬
‫ب‬ ‫ج ْ‬ ‫ح ُ‬‫أهل اللواء والمقام وال ُ‬ ‫ب‬‫ي المصطفى غير كذ ْ‬ ‫منا النب ّ‬
‫ب‬
‫يا أيها العبد الضرير المنتدَ ْ‬ ‫ب‬ ‫ل العر ْ‬ ‫نحن نصرناه على ج ّ‬
‫ي فقتله فجزع عليه معاوية وعاتب عمرو بن العاص‬ ‫ثم ضربه عل ّ‬
‫وقال له ‪:‬‬
‫س‬ ‫ً‬ ‫م وجهل ُ َ‬
‫ن علي ّا للفوار ِ‬ ‫بأ ّ‬ ‫ك ضائُر‬ ‫م تعل ْ‬‫ث أل ْ‬‫حري ُ‬ ‫ُ‬
‫هُر‬ ‫قا ِ‬
‫من الناس إل أقعدته‬ ‫س‬
‫ن علّيا لم يبارزه فار ٌ‬ ‫وإ ّ‬
‫الظافر‬
‫ح‬‫دك إذ لم تقبل النص َ‬ ‫فج ّ‬ ‫ً‬
‫أمرتك أمرا حازما فعصيتني‬ ‫ً‬
‫عاثر‬
‫غرورا ً وما جّرت عليك‬ ‫مة‬ ‫لك عمرو والحوادث ج ّ‬ ‫ود ّ‬
‫المقاِدر‬
‫وقد يهلك النسان من ل‬ ‫ه‬ ‫ن عمروا ً نصي َ‬
‫ح ُ‬ ‫ن حريث أ ّ‬ ‫وظ ّ‬
‫يحاذر‬

‫من أقواله المأثورة‪:‬‬

‫ل رأي لمن ل يطاع ‪.‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪1‬‬


‫القناعة كنز ل يفنى ‪.‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪2‬‬
‫ل من رمى أصاب ‪.‬‬ ‫ليس ك ّ‬ ‫‪-‬‬ ‫‪3‬‬
‫التواضع نعمة ل يفطن إليها الحاسد ‪.‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪-14-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ - 5‬ل قرين كحسن الخلق ‪.‬‬


‫‪ - 6‬ل علم كالتفكير ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ل ميراث كالدب ‪.‬‬
‫‪ - 8‬ل إيمان كالحياء والصبر ‪.‬‬
‫‪ - 9‬الناس أعداء ما جهلوا ‪.‬‬
‫‪ - 10‬ل تطلب الحياة لتأكل ‪ ،‬بل أطلب الكل لتحيا ‪.‬‬

‫ي‬
‫الحسن بن عل ّ‬
‫ي الرابع علي بن أبي طالب وأمه فاطمة‬ ‫أبوه الخليفة الراشد ّ‬
‫بنت رسول الله‪ .‬ولد في المدينة في شهر رمضان سنة ثلث‬
‫ماه الرسول "الحسن‪.‬‬‫للهجرة‪ ،‬وهو بكر أبويه‪ .‬س ّ‬
‫كان كثير الزواج والطلق‪ .‬وكان له خمسة عشر ولدا بين ذكر‬
‫وأنثى وهم‪ :‬زيد والحسن وعمرو والقاسم وعبد الله وعبد‬
‫الرحمن والحسن الكرم وطلحة وأم الحسن وأم الحسين وفاطمة‬
‫وأم سلمة ورقية وأم عبد الله وفاطمة ‪.‬‬

‫صفاته‪:‬‬

‫‪-15-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ث‬‫كان أبيض اللون مشّربا ً بحمرة أدعج العينين‪ ،‬سهل الحديث‪ ،‬ك ّ‬
‫اللحية‪ ،‬جعد الشعر‪ ،‬ذا وفرة‪ ،‬حسن البدن‪ ،‬بعيد ما بين المنكبين‪،‬‬
‫ليس بالطويل وليس بالقصير‪.‬‬

‫أخلقه‪:‬‬

‫قال ابن الزبير‪" :‬والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن‬


‫ي"‪ .‬وقال محمد بن اسحق‪" :‬ما بلغ أحد من الشرف بعد‬ ‫عل ّ‬
‫ي"‪.‬‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم ما بلغه الحسن بن عل ّ‬
‫كان كريما يجيب السائل‪ .‬قال‪:‬‬
‫يرفع فيه الرجاء‬ ‫ض ْ‬
‫ل‬ ‫خ ِ‬‫س سؤالنا َ‬
‫نحن أنا ٌ‬
‫ل‬‫والمـ ْ‬
‫خوفا ً على ماء وجه من‬ ‫تجود قبل السؤال أنفسنا‬
‫س ْ‬
‫ل‬ ‫ي َ‬

‫بيعة الحسن‪:‬‬

‫بعد اغتيال علي‪ ،‬بايع أهل العراق الحسن في شهر رمضان سنة‬
‫‪ 40‬هجرية‪ ،‬فكتب إليه ابن عباس يقول‪ :‬إن الناس قد وّلوك‬
‫وك‪.‬‬‫ي‪ .‬فاشدد عن يمينك وجاهد عد ّ‬ ‫أمرهم بعد عل ّ‬
‫وكان علي بن أبي طالب‪ ،‬وهو يصارع الموت‪ ،‬قد أمره بان يصلي‬
‫ي المر‬‫ي أنت ول ّ‬
‫في الناس‪ ،‬وأوصى إليه عند وفاته قائل‪" :‬يا بن ّ‬
‫ي الدولة"‪ .‬وبايعه الناس راغبين من أهل العراق والحجاز‬ ‫وول ّ‬
‫واليمن وفارس‪.‬‬
‫وجاء في خطابه بعد البيعة‪:‬‬
‫"نحن حزب الله الغالبون‪ .‬وعشرة رسول الله القربون‪ .‬وأهل‬
‫ن طاعتنا مفروضة‪ ،‬اذا‬ ‫بيته الطيبون الطاهرون‪ .‬فأطيعونا فإ ّ‬
‫كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة"‪.‬‬

‫‪-16-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫بعد البيعة أخذت تظهر عناصر مفتنة في الكوفة عاصمة أبيه‪ .‬وقد‬
‫جعها على ذلك وجود معاوية والي الشام‪ ،‬الذي كان يغدق على‬ ‫ش ّ‬
‫المعارضين بوفير المال والوعود‪ .‬كما أن وجود الخوارج في‬
‫جج الوضع‪.‬‬
‫الكوفة أ ّ‬
‫ونهم‪ ،‬فل‬ ‫أراد الحسن القتال فجمع جيشا وفيرا لكّنه خاف من تل ّ‬
‫يمكن الثقة بمثل هذا الجيش الذي تحركه الشائعات‪ ،‬بل ويفتعل‬
‫الشائعات‪ ،‬وفيه قسم كبير أراد من الحرب الحصول على الغنائم‪.‬‬
‫ذرا من الحرب نظرا لتجربة أبيه مع مثل هذا‬ ‫وكان الحسن ح ِ‬
‫هزه وسار به نحو الشام يبلغ نحو‬ ‫ي الذي ج ّ‬
‫الجيش‪ .‬وكان جيش عل ّ‬
‫)‪ (40‬ألفا‪ .‬أما الحسن فأضاف إليه )‪ (16‬ألفا‪ ،‬وقيل إن العدد كان‬
‫أكثر من ذلك‪.‬‬
‫والرجح أن عدد الجيش كان حول هذا الرقم‪ .‬ونعرف ذلك من‬
‫ن ابن‬ ‫خلل جواب زياد بن أبيه لتهديدات معاوية له‪ ،‬الذي قال‪" :‬إ ّ‬
‫عدني‬ ‫آكلة الكباد ‪ ،‬وكهف النقاق ‪ ،‬وبقية الحزاب‪ ،‬كتب يتو ّ‬
‫ويتهددني وبيني وبينه أبناء رسول الله في تسعين ألفا‪ ،‬واضعي‬
‫قبائع سيوفهم تحت أذقانهم‪ ،‬ل يلتفت احدهم إلى الخر"‪.‬‬
‫لما رأى الحسن نفاق جيشه أراد الصلح مع معاوية فراسله‪ ،‬ووضع‬
‫شروطه على كتاب ابيض وطلب أن يختم بأسفله بختم معاوية‪.‬‬
‫وفيما يلي نص الوثيقة كما ترويها المصادر السلمية‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫ي بن أبي طالب‪ ،‬معاوية بن أبي‬ ‫"هذا ما صالح عليه الحسن بن عل ّ‬
‫سفيان‪ .‬صالحه على أن يسّلم إليه ولية أمر المسلمين على أن‬
‫يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الخلفاء‬
‫الصالحين‪ .‬وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد من بعده عهدا ً ‪.‬‬
‫ن الناس‬‫بل يكون المر من بعده شورى بين المسلمين‪ .‬وعلى أ ّ‬
‫آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم‬
‫ويمنهم‪ .‬وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم‬
‫وأموالهم ونسائهم وأولدهم‪ .‬وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك‬
‫عهد الله وميثاقه‪ .‬وما أخذ الله بمكر أحد من خلقه بالوفاء‪ .‬وبما‬

‫‪-17-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أعطى الله من نفسه‪ ،‬وعلى أن ل يبقي للحسن بن علي ول‬


‫لخيه الحسين ول لحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسّلم غائلة سرا ول جهرا‪ .‬ول يخيف أحدا ً منهم في أفق من‬
‫الفاق‪ .‬يشهد عليه فلن ابن فلن بذلك‪ .‬وكفى بالله شهيدا"‪.‬‬

‫شروط الصلح‪:‬‬

‫فيما يلي ما يمكن فهمه من شروط الصلح مما جاء في تلك‬


‫الوثيقة‪:‬‬
‫‪ - 1‬تسليم المر إلى معاوية بشرط أن يعمل بكتاب الله وسّنة‬
‫رسوله الكريم‪.‬‬
‫‪ - 2‬المر من بعده للحسن‪.‬‬
‫‪ -3‬ل يقوم معاوية بإيذاء أهل العراق‪ ،‬حيث الغلبية هناك هم‬
‫أنصار الحسن‪ ،‬ول في أي ارض من ارض السلم )الحجاز والشام‬
‫واليمن(‪.‬‬
‫‪ -4‬ل يسمى أمير المؤمنين‪.‬‬
‫‪ -5‬ضمان المان لشيعة علي والحسن من بعده وضمان أن ل‬
‫تمس أموالهم أو نساؤهم بسوء‪.‬‬
‫‪ -6‬أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة‪.‬‬
‫ي أو لخيه الحسين أو لهل‬ ‫‪ -7‬إن ل يبغي الشر للحسن بن عل ّ‬
‫بيت رسول الله صلى الله عليه وسّلم‪.‬‬
‫قِبل الصلح ليقبض له‬ ‫ويذهب بعض المؤرخين للقول إن الحسن َ‬
‫ن‬
‫من الدنيا بضعة آلف من الدراهم‪ .‬والصحيح انه تنازل ل ّ‬
‫الظروف حّتمت عليه ذلك‪ .‬فلو قاتل معاوية في تلك الفترة لفني‬
‫جيشه وشيعة أبيه ونفر كثير من المؤمنين‪ .‬لهذا أراد حقن دماء‬
‫المسلمين وأراد الصلح وتوحيد كلمة المسلمين من جديد‪ ،‬بعد أن‬
‫تفّرقوا من بعد مقتل عثمان‪.‬‬
‫زد على ذلك تخاذل أهل الكوفة الذين ل أمان لهم‪ .‬فقد غدروا به‬
‫كما غدروا من قبل بأبيه‪.‬‬

‫‪-18-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫معاوية يخون المانة‪:‬‬

‫كان معاوية يفكر في طريقة لحصر الحكم في بيته‪ .‬غير انه كانت‬
‫أمامه عقبة كبيرة هي المام الحسن الذي عقد راية الصلح معه‬
‫على أن يكون الحكم من بعده له‪.‬‬
‫ن لله جنودا من العسل" وقد نجح‬ ‫وكان معاوية يؤمن بفكرة "إ ّ‬
‫بالتخلص من سعد بن أبي وقاص‪ ،‬ومالك والشتر النخعي قائد‬
‫ي بن أبي طالب يوم صفين‪ ،‬والذي استطاع أن‬ ‫جيش المام عل ّ‬
‫يهزم معاوية وجنده شّر هزيمة‪.‬‬
‫ومن اجل ضمان أن يؤول الحكم من بعده للمويين‪ ،‬فقد دّبر‬
‫معاوية للحسن مؤامرة لقتله بواسطة السم‪ .‬وقيل إن معاوية‬
‫حصل على السم من بلد الروم‪ ،‬ووجد بين زوجات الحسن من‬
‫تقبل بتنفيذ الجريمة‪ ،‬وهي جعدة بنت الشعت‪ .‬وكان أبوها ممن‬
‫ي لقبول التحكيم‪ .‬زد على ذلك أنها لم تكن قد‬ ‫ضغطوا على عل ّ‬
‫أنجبت أولدا ً للحسن‪.‬‬
‫وقد نقل إليها السم مروان بن الحكم‪ ،‬على أن تحصل على مائة‬
‫وج من يزيد بن معاوية‪ .‬وقد وضعت جعدة‬ ‫ألف درهم وان تتز ّ‬
‫السم للمام الحسن في صحن لبن‪ ،‬فتناول المام منه جرعة‪،‬‬
‫س بألم شديد فعرف ما حدث فقال‪" :‬إّنا لله وإّنا‬ ‫وكان صائمًا‪ ،‬فأح ّ‬
‫إليه راجعون‪ .‬الحمد لله على لقاء الحبيب محمد سّيد المرسلين‪،‬‬
‫وأبي سّيد الوصيين‪ ،‬وأمي سيدة نساء العالمين‪ ،‬وعمي جعفر‬
‫الطّيار‪ ،‬وحمزة سّيد الشهداء"‪.‬‬
‫وة الله‪ ،‬قتلتني قت ََلك الله‪ ،‬والله ل تصيبين‬ ‫ثم قال لقاتلته‪" :‬يا عد ّ‬
‫مني خلفا‪ .‬لقد غّرك ‪ -‬يعني معاوية ‪ -‬وسخر منك يخزيك ويخزيه"‪.‬‬
‫مات الحسن في المدينة وهو ابن ست وأربعين سنة‪ .‬وصّلى عليه‬
‫سعيد بن العاص والي المدينة‪ .‬وأوصى أن يدفن مع جده في بيت‬
‫ده إلى البقيع‪.‬‬
‫عائشة‪ ،‬فمنع مروان بن الحكم ذلك‪ ،‬فر ّ‬

‫‪-19-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫فلما مات الحسن‪ ،‬بعث معاوية إلى الزوجة القاتلة بالمال‪ .‬أما‬
‫ب‬
‫بالنسبة لوعده إياها بتزويجها إلى يزيد فقد كان ردّ معاوية‪" :‬نح ّ‬
‫حياة يزيد‪ ،‬ولول ذلك لوفينا لك بتزويجك به"‪.‬‬
‫ويصح الفتراض هنا أن رأي معاوية في هذه المرأة صائب تماما‪.‬‬
‫س السم لحفيد رسول الله يمكن أن تضع السم‬ ‫ن من قامت بد ّ‬ ‫فإ ّ‬
‫في طعام ابن معاوية‪.‬‬

‫ي بين ف ّ‬
‫كي التاريخ‬ ‫الحسن بن عل ّ‬
‫ي وأبيه من قبله‪ ،‬تكون الخلفة الراشدية قد‬ ‫بمقتل الحسن بن عل ّ‬
‫انطوت‪ ،‬وبدأ النتقال إلى الحكم الملكي الوراثي‪.‬‬
‫وخلل فترة حكمه القصيرة عانى الحسن الكثير الكثير من‬
‫الدسائس والمكائد وحرب العصاب ومحاولة العزل عن العالم‬
‫السلمي والتهميش لبعاد الناس عنه‪ .‬فقد ظّلت سياسة معاوية‪،‬‬
‫ي من على المنابر قائمة‪ .‬وظّلت‬ ‫التي تقضي بأن يلعن عل ّ‬
‫المناطق الواسعة التي خضعت لحكمه تسير حسب هذه الوامر‪..‬‬
‫دخر معاوية‬ ‫كان الصراع بين الحسن ومعاوية صراع مبادىء‪ .‬ولم ي ّ‬
‫حيلة من اجل الفوز بالملك وإقصاء الحسن وآل البيت‪.‬‬
‫وقد قام الحسن بخطوة هامة في التاريخ السلمي‪ ،‬هي التنازل‬
‫عن الملك في سبيل توحيد كلمة المسلمين وتوجيه قوتهم‬
‫وسيوفهم نحو الروم وبلد ما وراء البحار‪ .‬وبتنازله هذا حقن دماء‬
‫المسلمين وصان وجوههم من الذل والسر والبادة‪.‬‬
‫د‪" :‬ما أردت‬‫وقد اتهمه بعض أتباعه بأّنه أذّلهم‪ ،‬ولكنه ير ّ‬
‫بمصالحتي معاوية إل ّ أن ادفع عنكم القتل"‪ .‬ولو التقى الجمعان‬
‫لوقعت مذبحة رهيبة في صفوف أتباعه لنهم كانوا قلة وفيهم‬
‫المنافق والمتذبذب‪ .‬وبقبوله الصلح كان المام الحسن هو الذي‬
‫فرض شروط ذلك‪ ،‬وهذا ما يفعله المنتصر‪.‬‬
‫ويذكر بعض المؤرخين إن شروط الصلح كانت مادية‪ ،‬وهذا غير‬
‫صحيح‪ .‬إذ لول موافقة معاوية على ترك المر للحسن بعد موته‪،‬‬

‫‪-20-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫لما كان وافق على الصلح‪ ،‬فهو لن يقبل بحصر الخلفة في‬
‫السرة الموية‪.‬‬
‫فذ شروط الصلح‪ .‬فقد قتل من قتل‪ ،‬وعمل‬ ‫ولكن معاوية لم ين ّ‬
‫كل شيء في سبيل أن تؤول الخلفة من بعده لبنه يزيد‪ .‬كما انه‬
‫ي على المنابر‪ ،‬ولم ينتهج سياسة الخلفاء‬ ‫ب عل ّ‬‫لم يوقف س ّ‬
‫الراشدين‪ ،‬وكان كل ذلك من شروط الصلح‪.‬‬
‫وحتى يضمن معاوية نجاح خطته‪ ،‬سعى لقتل الحسن نفسه‪،‬‬
‫بواسطة التغرير بزوجته‪ ،‬واستمالتها إلى جانبه بإغرائها بالزواج‬
‫وجها بيزيد‪.‬‬
‫فذت جريمة القتل‪ .‬ولكنه لم يز ّ‬ ‫من يزيد إن ن ّ‬
‫وقد أوصى الحسن وهو على فراش الموت أن يدفن إلى جانب‬
‫ن مروان بن الحكم عارض ذلك ومنع دفنه‬ ‫جده رسول الله ‪ ،‬لك ّ‬
‫هناك‪.‬‬
‫وباغتيال الحسن انطوت صفحة أخرى من سلسلة الغدر المنظم‬
‫في زمن الفوضى‪ ...‬وباغتياله تم اغتيال مبدأ المصالحة واللجوء‬
‫إلى العقل لحل النزاعات بين المسلمين‪ ،‬من اجل حقن دمائهم‪.‬‬
‫ح عند البخاري والترمذي حديث عن أبي بكر انه سمع‬ ‫وقد ص ّ‬
‫ل الله‬‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬ابني هذا سّيد ولع ّ‬
‫يصلح به بين فئتين من المسلمين"‪.‬‬

‫ي‬
‫الحسين بن عل ّ‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسّلم‪" :‬الحسن والحسين سيدا‬
‫شباب أهل الجنة"‪.‬‬
‫وقال أيضا ً ‪" :‬من أحبهما فقد أحبني‪ ،‬ومن أبغضهما فقد‬
‫أبغضني" ويعني الحسن والحسين‪.‬‬
‫وقال الشاعر الفرزدق في الحسين‪:‬‬
‫هذا الذي تعرف البطحاء وطأتـه‬
‫‪-21-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫م‬
‫ل والحر ُ‬ ‫والبيت يعرفـه والح ّ‬
‫م‬
‫هـ ُ‬ ‫ّ‬
‫هذا ابن خير عبـاد الله كل ِ‬
‫ي الطاهُر العَلـ ُ‬
‫م‬ ‫ي التق ّ‬
‫هذا النق ّ‬
‫قـة من رسول الله نسبتـه‬ ‫مشت ّ‬
‫م‬‫شب ِ ُ‬ ‫طابت عناصره والخيم وال ّ‬
‫ه إذا‬‫وليـ ِ‬‫من يعرف الله يعرف أ ّ‬
‫فالدين من بيت هذا ناله أمـم‬
‫هو البن الثاني لعلي بن أبي طالب من فاطمة بنت الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ولد الحسين بن علي رضي الله عنه لخمس خلون من شعبان سنة‬
‫أربع من الهجرة وقتل يوم الجمعة‪ ،‬يوم عاشوراء‪ ،‬في المحّرم‬
‫سنة إحدى وستين للهجرة‪.‬‬
‫ق من يزيد بها‪،‬‬ ‫رأى الحسين أن الخلفة حق لبيت علي‪ ،‬وانه أح ّ‬
‫فلّبى نداء أهل الكوفة الذين طالبوه بانتزاع الخلفة من المويين‬
‫واعدين إّياه بنصرته‪.‬‬
‫ذره العارفون ببواطن المور في العراق أل ّ يثق‬ ‫وقد ح ّ‬
‫بالعراقيين‪ ،‬وان للمويين أنصار هناك‪ ،‬وان أهل العراق قد خذلوا‬
‫أباه عليا ً بن أبي طالب وأخاه الحسن قبل ذلك‪ ..‬ويقال انه صادق‬
‫الشاعر الفرزدق وسأله عنهم فقال له‪" :‬قلوبهم معك وسيوفهم‬
‫مع بني أمية"‪.‬‬
‫نزل الحسين ومن معه من أصحابه وأهل بيته في كربلء‪ ،‬فلما‬
‫أحيط بجيوش المويين قال‪ :‬ما اسم هذا الموضع؟ قالوا كربلء‪.‬‬
‫ب وبلء‪.‬‬‫قال‪ :‬صدق رسول الله صلى الله عليه وسّلم هي كر ٌ‬
‫أرسل إليه عبيد الله بن زياد بن أبيه وكان عامل يزيد على العراق‬
‫ومن أشدّ الناس عداوة لهل البيت‪ ،‬رسالة جاء فيها‪" :‬أما بعد يا‬
‫ي أمير المؤمنين‬ ‫حسين‪ ،‬فقد بلغني نزولك كربلء وقد كتب إل ّ‬
‫ُ‬
‫سد الوثير ول أشبع من الخمير أو ألحقك اللطيف‬ ‫يزيد أن ل أتو ّ‬
‫الخبير أو تنزل على حكمي وحكم يزيد والسلم"‪.‬‬

‫‪-22-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ولما قرأ الحسين الكتاب رماه من يده وقال‪" :‬ل أفلح قوم‬
‫اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق"‪ .‬وقال لرسول زياد‪" :‬ما‬
‫قت عليه كلمة العذاب"‪.‬‬ ‫له عندي جواب لّنه ح ّ‬
‫فغضب ابن زياد‪ ،‬وأمر عمر بن سعد بالخروج إلى كربلء‪ ،‬على‬
‫رأس جيش كان معسكرا ً في )حمام أعين( قوامه أربعة آلف‪ .‬ثم‬
‫خطب ابن زياد في مسجد الكوفة فقال‪:‬‬
‫"أيها الناس ‪ ..‬إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون‪.‬‬
‫هذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة محمود‬
‫الطريقة محسنا إلى الرعية يعطي العطاء في حقه‪ ،‬وقد أمنت‬
‫السبل في عهده‪ .‬وكذلك كان أبوه معاوية في عصره‪ .‬وهذا ابنه‬
‫يزيد يكرم العباد ويبقيهم بالموال‪ .‬وقد زادكم في أرزاقكم مائة‪.‬‬
‫وه الحسين‬ ‫وأمرني أن أوفرها عليكم وأخرجكم إلى حرب عد ّ‬
‫فاسمعوه وأطيعوه"‪.‬‬
‫وفي خطبته اخذ ابن زياد يجمع الناس بالترهيب والترغيب‬
‫لمقاتلة الحسين‪ ،‬وأخذت الجيوش تتجه نحو كربلء‪ .‬وقيل إنها‬
‫بلغت نحو ثلثين ألفًا‪ .‬وانزل ابن سعد الخيل على الفرات فحمى‬
‫رجاله الماء وحالوا بينه وبين الحسين وأصحابه حتى أضّر بهم‬
‫العطش‪.‬‬
‫قال الحسين‪" :‬اللهم إّنا عترة نبّيك محمد قد أخرجنا وطردنا‬
‫دت بنو أمّية علينا‪ .‬اللهم فخذ لنا بح ّ‬
‫قنا‬ ‫وأزعجنا عن حرم جدنا‪ ،‬وتع ّ‬
‫وانصرنا على القوم الظالمين"‪.‬‬
‫م الحسين‬ ‫وبالرغم من الحصار والجوع والعطش وقّلة الناصر ه ّ‬
‫و فأنشد يقول‪:‬‬ ‫بمقاتلة العد ّ‬
‫هـَزم فغير مهّزمينـا‬ ‫ن نُ ْ‬
‫وإ ْ‬ ‫م فهّزامـون قدمـا‬ ‫ز ْ‬
‫فإن نه ِ‬
‫سيلقى الشامتون كما لقينا‬ ‫فقل للشامتين بنا أفيقـوا‬
‫خ بآخرينـا‬ ‫ه أنا َ‬
‫بكلكلـ ِ‬ ‫س‬
‫ع عن أنا ٍ‬ ‫إذا ما الموت ُر ّ‬
‫ف َ‬
‫دم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال‪:‬‬ ‫تق ّ‬
‫ول من رمى‪ ...‬ثم رمى جنده فلم يبق‬ ‫اشهدوا لي عند المير أّني أ ّ‬
‫من أصحاب الحسين أحد إل أصابه من سهامهم‪ .‬فقال عليه‬

‫‪-23-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫السلم لصحابه‪":‬قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي ل بدّ منه‪.‬‬


‫هذه السهام رسل القوم إليكم"‪ .‬فحمل أصحابه حملة واحدة‬
‫واقتتل الفريقان ساعة فما انجلت الغبرة إل والحسين قد فقد‬
‫من أصحابه خمسين شهيدا‪.‬‬
‫فقال الحسين‪" :‬اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا‪.‬‬
‫واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلثة واشتدّ غضبه على‬
‫المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتدّ غضبه على القوم‬
‫الذين اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبّيهم‪ .‬أما والله ل‬
‫ضب بدمي"‪.‬‬ ‫أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخ ّ‬
‫ب عن حرم رسول‬ ‫ب يذ ّ‬
‫م صاح‪" :‬أما من مغيث يغيثنا؟ أما من ذا ّ‬ ‫ث ّ‬
‫الله"؟! فبكت النساء‪ ،‬وسقط آل أبي طالب واحدا تلو الخر‪.‬‬
‫دع الحسين عياله والتحف ببردة رسول الله صلى الله‬ ‫وعندها و ّ‬
‫عليه وسّلم وتقّلد بسيفه‪ .‬وطلب ثوبا ل يرغب فيه أحد يضعه‬
‫تحت ثيابه لئل يجّرد منه‪ ،‬فقد عرف انه مقتول مسلوب‪ .‬فأتوه‬
‫بثوب فلم يرغب فيه لنه من لباس الذلة وأخذ ثوبا خلقا ولبسه‬
‫تحت ثيابه‪.‬‬
‫ثم حمل على القوم يقتل منهم وهو يقول‪:‬‬
‫والعار أولى من دخول النار‬ ‫الموت أولى من ركوب العار‬
‫ثم صاح عمر بن سعد بالجمع‪" :‬هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه‬
‫من كل جانب"‪ .‬فأصابوه بالنبال‪ ،‬وسقط على الرض وهم حوله‪،‬‬
‫دم إليه زرعة بن شريك‪ ،‬فضربه‬ ‫وترددت كل قبيلة في قتله‪ .‬فتق ّ‬
‫على عاتقه‪ ،‬وطعنه سنان بن أنس في ترقوته ثم في بواقي‬
‫صدره ثم رماه بسهم في نحره‪ ،‬وطعنه صالح بن وهب في جنبه‪.‬‬
‫مداه‪ ..‬وا أبتاه‪ ..‬وا علّياه‪ ..‬وا جعفراه‪ ..‬وا‬‫ونادت أم كلثوم‪" :‬وا مح ّ‬
‫حمزتاه‪ ..‬هذا الحسين بالصحراء صريع بكربلء"‪ .‬ثم نادت‪" :‬ليت‬
‫السماء أطبقت على الرض وليت الجبال تدكدكت على السهل"‪.‬‬
‫ثم صاحت فيهم‪" :‬ويحكم أما معكم مسلم"؟ فلم يجبها أحد‪.‬‬
‫ونزل إليه أحدهم وضربه بالسيف اثني عشرة ضربة واحتّز رأسه‪.‬‬
‫وقد قتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون رجل‪.‬‬

‫‪-24-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫واقبل القوم على سلبه فأخذ اسحق بن حوية قميصه واخذ‬


‫الخنس بن مرشد بن علقمة الحضرمي عمامته واخذ السود بن‬
‫خالد نعليه‪ ،‬واخذ سيفه السود بن حنظلة‪ ،‬وآخر رأى الخاتم في‬
‫إصبعه والدماء عليه فقطع إصبعه واخذ الخاتم‪.‬‬
‫ي رضي الله عنهما اخذوا رأسه‪،‬‬ ‫قيل لما قتل الحسين بن عل ّ‬
‫وقعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ ويلعبون بالرأس‪ .‬فخرج‬
‫عليهم قلم من حديد من حائط فكتب بسطر دم‪:‬‬
‫ده يوم الحساب‬ ‫شفاعة ج ّ‬ ‫مة قتلت حسينا ً‬ ‫أترجو أ ّ‬
‫فهربوا وتركوا الرأس ثم رجعوا‪.‬‬
‫ولزينب بنت عقيل بن أبي طالب هذه البيات من الشعر حول‬
‫مقتل الحسين‪:‬‬
‫ماذا تقولون إن قال الرسول لكـم‬
‫ماذا فعلتم وأنتم آخـر المـم ِ‬
‫بأهل بيتـي وأنصـاري وذّريتـي‬
‫مّزجـوا بدم ِ‬ ‫منهم أسارى وقتلى ُ‬
‫فقال أبو السود الدؤلي‪ :‬نقول "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر‬
‫ن من الخاسرين" )سورة العراف ‪ ،‬الية ‪.(23‬‬ ‫لنا وترحمنا لنكون ّ‬
‫ي برأس الحسين بن علي إلى عبيد الله بن زياد جعل ينكث‬ ‫ولما أت َ‬
‫بقضيب في يده ويقول‪ :‬انه كان لحسن الثغر‪ .‬فصاح به احد‬
‫الرجال أن ل يفعل ذلك قائل‪" :‬لقد رأيت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسّلم يقّبل موضع قضيبك من فيه"‪.‬‬
‫ده ليدفن مع‬ ‫ثم وصل رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية فر ّ‬
‫الجسد في كربلء‪.‬‬

‫ي بين ف ّ‬
‫كي التاريخ‬ ‫الحسين بن عل ّ‬
‫كانت معركة كربلء غير متكافئة‪ .‬فقد كان جيش المويين يزيد بـ‬
‫)‪ (30‬ألف عن أنصار الحسين بن علي‪ ،‬لذا فهي مذبحة في وضح‬
‫وته قليلة من حيث الجند‪،‬‬
‫النهار‪ .‬وواضح أن الحسين عرف أن ق ّ‬
‫‪-25-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫لكن إيمانه كان كبيرا بدينه‪ ،‬فهو سّيد الثائرين والشهداء لنه ثار‬
‫من أجل إصلح الوضع والطاحة بحكم يزيد‪.‬‬
‫والغريب ما ذهب إليه بعض المؤرخين بأن الحسين أخطأ‪ ،‬وانه‬
‫ن‬
‫خرج ولم يعدّ نفسه لهذه الموقعة‪ ،‬وكأنه خرج يطلب الملك‪ .‬ولك ّ‬
‫الحسين خرج ليقول كلمة الحق‪.‬‬
‫وقد كتب ابن خلدون يقول‪" :‬فقد تبّين لك غلط الحسين إل انه‬
‫في أمر دنيوي ل يضره الغلط فيه‪ .‬وأما الحكم الشرعي فلم يغلط‬
‫فيه لنه منوط بظنه‪ .‬وكان ظنه القدرة على ذلك‪ .‬ولقد عذله ابن‬
‫عباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية وأخوه وغيره في‬
‫مسيرة الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما هو بسبيله‬
‫لما أراده الله"‪.‬‬
‫ويقول الذهبي‪" :‬اغتّر الحسين وسار في أهل بيته فقتل"‪.‬‬
‫ي يقول‪" :‬المام الحسين الذي ثار ضدّ الذين نصحوه‬ ‫والموسو ّ‬
‫بالبقاء في مدينة الرسول ومنعوه من السير إلى العراق"‪.‬‬
‫ق العون من شيعته الذين لم يهّبوا‬‫وهنا نرى أن الحسين لم يل َ‬
‫لنجدته في ساحة الميدان‪ ،‬حين مّزقت الرماح والسهام والسيوف‬
‫جسده‪ .‬وبعد موته مّثل القوم به وسلب ما كان عليه من حل ّ‬
‫ي‬
‫وملبس وسلح‪ .‬وبعد أن دفن ينهش المؤرخون لحمه ويكتبون انه‬
‫ل لمر دنيوي‪ ،‬وانه قاتل بغير حق‪ ،‬وانه خرج على الخليفة‬ ‫قات َ َ‬
‫الشرعي يزيد‪ ..‬ويتجاهلون انه لم يخرج طلبا للخلفة بل لتطبيق‬
‫حكم الله وسنة رسوله‪ ،‬وإبعاد الناس عن الفسق والضلل الذي‬
‫ساد ويسود في كل زمان‪.‬‬
‫وبموته نستطيع القول إن السلم تجّزأ إلى سنة وشيعة‪ ،‬وان‬
‫خطوة ابن زياد بن أبيه هذه كانت من اكبر الخطاء التاريخية‪ ،‬لن‬
‫هذه المذبحة جّرت وراءها ألف مذبحة ومذبحة‪ ،‬قتل فيها مئات‬
‫اللوف من المسلمين الذين كان من المفروض أن يقاتلوا أعداء‬
‫السلم‪ ،‬والذين اقتتلوا فيما بينهم حتى سخر منهم العداء‪.‬‬
‫يقول السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء"‪" :‬لعن الله قاتله وابن‬
‫زياد ومعه يزيد"‪ .‬باستشهاد الحسين ينطوي الفصل الثالث من‬

‫‪-26-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ي والمام الحسن ثم المام‬ ‫سلسلة الغدر بعد استشهاد المام عل ّ‬


‫الحسين‪ .‬وقد يقول بعضهم إن الحسين شهيد الشيعة‪ ،‬وأقول انه‬
‫شهيد النسانية‪.‬‬
‫ول ينكر عاقل ومتابع للمور إن سبب قتله‪ ،‬وعلى هذه الصورة‪،‬‬
‫دة الحكم ومركز القوة‬ ‫هو من اجل إبعاده هو وذريته عن س ّ‬
‫والتأثير في الدولة السلمية‪.‬‬
‫دت إلى القضاء‬‫كما أن مقتله يعتبر من السباب الهامة التي أ ّ‬
‫على الدولة الموية خلل فترة قصيرة من الزمن‪ .‬فقد قتل المام‬
‫الحسين في ‪ 680 / 10 / 10‬ميلدية‪ ،‬وسقطت الدولة الموية بعد‬
‫ذلك بنحو سبعين عامًا‪ ،‬وذلك في عام ‪ 749‬م‪ ،‬بعد معركة الزاب‬
‫ي الخير مروان الثاني‬ ‫العلى التي قتل فيها الخليفة المو ّ‬
‫دة صبره‪.‬‬ ‫المل ّ‬
‫قب بـ "الحمار" لش ّ‬
‫وقد قتل مروان الثاني بعد أن كان فاّرا ً ومختبئا ً في كنيسة في‬
‫الفيوم في شمال القاهرة‪.‬‬

‫عبد الله بن الزبير‬


‫)‪ 692 - 620‬م (‬

‫وام وأسماء بنت أبي بكر الصديق‪.‬‬


‫هو عبد الله بن الزبير بن الع ّ‬
‫اشترك في الفتوحات السلمية في بلد فارس ومصر وشمال‬
‫أفريقيا‪ .‬وحارب في معركة الجمل إلى جانب أبيه وخالته عائشة‪،‬‬

‫‪-27-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ي بن أبي طالب‪ .‬وكان ضمن الطاقم الذي أشرف‬ ‫ضد الخليفة عل ّ‬


‫على جمع القرآن الكريم زمن عثمان بن عفان‪.‬‬
‫وكان عبد الله بن الزبير خامس خمسة من كبار صحابة رسول‬
‫الله‪ ،‬من الذين امتنعوا عن البيعة بولية العهد ليزيد بن معاوية‪.‬‬
‫فلما مات معاوية‪ ،‬كتب يزيد لواليه في المدينة أن يأخذ البيعة من‬
‫ل عنقه ويديه ويرسله إليه‪ .‬وكان ذلك‬ ‫عبد الله بن الزبير‪ ،‬وأن يغ ّ‬
‫ن يزيد كان يخشى الزبير أكثر من الجميع‪ ،‬حتى من الحسين‪.‬‬ ‫ل ّ‬
‫أعلن بن الزبير نفسه خليفة على الحجاز ووّلى أخاه مصعبا ً على‬
‫العراق سنة ‪ 687‬م‪.‬‬
‫حاول يزيد قتل عبد الله بن الزبير إل انه خلل حصار مكة بقيادة‬
‫الحصين بن نمير‪ ،‬جاء خبر وفاة يزيد‪ .‬وعندها عظم أمر ابن الزبير‬
‫في الحجاز واليمن‪.‬‬
‫وكانت الكعبة قد احترقت عند حصار جند الشام لها‪ ،‬لن الجند‬
‫ضربوها بالمنجنيق‪ .‬وقام ابن الزبير بترميمها‪.‬‬
‫دخل العراق في بيعة الزبير‪ ،‬وفي معركة مسكن سنة ‪ 71‬هجرية )‬
‫‪ 691‬ميلدية( هزم جيش مصعب على يد جيش عبد الملك بن‬
‫ن‬‫مروان ‪ ،‬فأرسل عبد الملك إلى مصعب يقترح عليه المان‪ .‬ولك ّ‬
‫ن مثلي ل ينصرف عن مثل هذا الموقف إل غالبا َ‬ ‫مصعبا ً أجابه "إ ّ‬
‫أو مغلوبا ً "‪ .‬وهكذا تواصلت الحرب واشتدّ الحصار على مصعب‬
‫وثقلت به الجراح‪ .‬وعندها نزل إليه رجل فاحتّز رأسه وجاء به‬
‫فطرحه عند عبد الملك‪ ،‬الذي أنشد عندها‪:‬‬
‫نطيع ملوك الرض ما قسطوا لنا‬
‫وليس علينا قتلهم بمحّرم‬
‫كان لمصعب من العمر لما قتل )‪ (36‬عاما ً ‪ .‬ولما علم عبد الله بن‬
‫حم عليه ووصف أهل العراق بالنفاق‪ ،‬وقال‬ ‫الزبير بمقتل أخيه تر ّ‬
‫ل الثمن‪ ،‬وقال‪" :‬ما نموت إل قصفا ً بالرماح وموتا ً‬ ‫إنهم باعوه بأق ّ‬
‫تحت ظلل السيوف"‪.‬‬
‫جه الحجاج بعد مقتل مصعب على رأس جيش كبير من عشرين‬ ‫تو ّ‬
‫ً‬
‫ألف من جند الشام إلى الحجاز وضرب حصارا على مكة‪ .‬فأصاب‬

‫‪-28-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أهل مكة مجاعة كبيرة‪ ،‬فيما كانت بيوت ابن الزبير مليئة‬
‫بالمؤونة‪ ،‬التي بخل أن يوّزعها على أصحابه المحاربين‪ .‬وقد‬
‫تسبب هذا الموقف منه إلى تخّلي أنصاره عنه واحدا ً بعد واحد‪،‬‬
‫حتى إن ولديه حمزة وخبيب كانا من ضمن الذين تركوه وانضموا‬
‫إلى الحجاج‪.‬‬
‫وراح عبد الله بن الزبير يسأل أمه أسماء بنت أبي بكر ماذا يفعل‬
‫ض‬ ‫ّ‬
‫وقد تخلى عنه الناس؟ فقالت له‪" :‬إن كنت على حق فام ِ‬
‫ت إنما أردت الدنيا فبئس‬ ‫كن غلمان بني أمّية‪ .‬وإن كن َ‬‫لشأنك ل تم ّ‬
‫العبد أنت‪ ،‬أهلكت نفسك ومن معك‪ ..‬القتل أحسن"‪.‬‬
‫ن‬
‫ت‪ ..‬إني أخاف إن قتلوني أن يمثلوا بي"‪ .‬قالت‪" :‬إ ّ‬ ‫فقال‪" :‬يا أم ِ‬
‫الشاة ل يضّرها سلخها بعد ذبحها"‪.‬‬
‫أمضى عبد الله بن الزبير ليلته الخيرة يصّلي‪ ،‬وقال لمن حوله‬
‫"صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم"‪ .‬ثم قال‪" :‬احملوا على‬
‫بركة الله"‪ .‬فحملوا وحمل معهم حتى بلغ معهم الحجون فرمى‬
‫ي‪ ،‬فلما وجد سخونة الدم‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫م َ‬
‫بآجّرة في وجهه فأرعش ودَ ِ‬
‫منا‬ ‫لسنا على العقاب تدمي ُ‬
‫كلو ُ‬
‫ولكن على أقدامنا نقطُر الدما‬
‫فحملوا عليه حتى هوى ميتًا‪ .‬ووصل الخبر إلى الحجاج فسجد‬
‫شكرا ً !!! وأمر باجتزاز رأسه‪ ،‬وأرسله إلى عبد الملك‪.‬‬
‫وكان عمر بن الزبير يوم استشهاده ‪ 72‬سنة‪ ،‬وقد دامت خلفته‬
‫نحو تسع سنين‪.‬‬

‫عبد الله بن الزبير بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫لما قتل ابن الزبير خطب الحجاج في الناس فقال‪" :‬كان ابن‬
‫الزبير من خيار هذه المة حتى رغب في الخلفة ونازعها أهلها‬
‫َ‬
‫وأل ْ َ‬
‫حدَ في الحرم فأذاقه الله من عذابه الليم‪ .‬وإن آدم كان أكرم‬
‫على الله من ابن الزبير وكان في الجنة وهي أشرف من مكة‪،‬‬
‫فلما خالف أمر الله وأكل من الشجرة التي نهي عنها أخرجه الله‬
‫من الجنة"‪.‬‬
‫‪-29-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ل على أخلق‬ ‫ولسنا نقدر أن نهضم هذه المحاججة التي تد ّ‬


‫الحجاج! فمن الملحد حقا ً ؟! أهو الحجاج الذي قتل أكثر من )‬
‫‪ (300,000‬عراقي خلل مدة حكمه التي دامت ‪ 20‬سنة من‬
‫الظلم‪ ،‬والذي ضرب الكعبة بالمنجنيق‪ ،‬أم عبد الله بن الزبير‪ ،‬أحد‬
‫أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسّلم‪ ،‬الذي خرج على طغاة‬
‫بني أمّية الذين ابتعدوا عن السلم الصحيح؟! أم أنه‪ ،‬ولمجّرد‬
‫قيام عبد الله بن الزبير بمحاولة تقويم المسيرة‪ ،‬لم يعد من خيار‬
‫هذه المة؟!‬
‫حقد الحجاج‬

‫كان عبد الله بن الزبير يستعمل الصبر والمسك قبل قتله لئل‬
‫ما صلبه الحجاج فاحت من جثته رائحة المسك‪ .‬وقيل إن‬ ‫ينتن‪ .‬فل ّ‬
‫طي الرائحة النتنة‬ ‫الحجاج صلب معه كلبا ً أو سّنورا ً ميتا ً حتى تغ ّ‬
‫للسنور على رائحة المسك‪.‬‬
‫وقيل إن الجثة ظّلت مصلوبة حتى مّر بها عبد الله بن عمر‪،‬‬
‫واما ً‬
‫فقال‪ :‬رحمة الله عليك يا أبا خبيب‪ .‬أما والله لقد كنت ص ّ‬
‫واما ً "‪ .‬ثم قال‪" :‬أما آن لهذا الراكب أن ينزل"؟ فبعث الحجاج‪،‬‬ ‫ق ّ‬
‫فأنزلت الجثة ودفن‪.‬‬
‫وهنا نرى شدة حقد الحجاج وعبد الملك بن مروان على عبد الله‬
‫بن الزبير‪ ،‬فقد قتله ثم صلباه ومّثل به حتى بعد سقوطه‪ ،‬كما‬
‫قع‪ .‬وقد فعلوا هذا لنه خرج عليهم‪.‬‬ ‫كان ابن الزبير قد تو ّ‬
‫فر لبني أمّية من مال‪ ،‬ولو أنه لم‬ ‫فر لبن الزبير بعض ما تو ّ‬ ‫ولو تو ّ‬
‫شف أكثر من اللزم‪ ،‬وقام بتوزيع المال والذهب‬ ‫يكن قد تق ّ‬
‫والعطايا على جنده وعلى الناس‪ ،‬مثلما فعل المويون‪ ،‬لكانت‬
‫جل في‬ ‫الكفة رجحت لصالحه‪ ،‬ولما خرج عليه جنده وولداه مما ع ّ‬
‫هزيمته‪.‬‬

‫‪-30-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫عمر بن عبد العزيز‬


‫)‪ 681‬ـ ‪ 720‬م(‬

‫ولد عمر بن عبد العزيز في حلوان بمصر‪ ،‬وقيل في المدينة‪ .‬أبواه‬


‫عبد العزيز بن مروان بن الحكم وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر‬
‫بن الخطاب‪.‬‬
‫ه في الدين في المدينة المنورة‪.‬‬ ‫ق َ‬‫حفظ القرآن في صغره وتف ّ‬
‫حين توفي والده استدعاه عبد الملك بن مروان إلى دمشق فأقام‬
‫وجه من ابنته فاطمة‪.‬‬‫عنده وز ّ‬
‫توّلى ولية المدينة ثم عزل‪ ،‬ثم استوزره سليمان‪ .‬وبعهد من‬
‫سليمان توّلى الخلفة سنة ‪ 99‬هجرية‪ ،‬وبويع له في مسجد‬
‫دمشق‪.‬‬
‫وكان تعيينه الحل الوسط لحل النزاعات داخل البيت الموي‬
‫ليحافظ على ملك بني أمية‪ .‬وكان أول ما قام به وقف الحروب‬
‫الخاسرة ضد البيزنطيين‪ ،‬وحاول مصالحة الموالي الذين عانوا من‬
‫سياسة الخلفاء المويين السابقين‪ .‬وفي زمنه صار الموالي‬
‫ض‪.‬‬
‫يستطيعون الوصول إلى منصب قا ٍ‬
‫ي بن أبي‬ ‫وحاول أيضا ً مصالحة آل البيت‪ ،‬فأمر بوقف س ّ‬
‫ب عل ّ‬
‫فف‬ ‫طالب من على المنابر‪ ،‬وأعاد لبني هاشم أملكهم‪ ،‬وخ ّ‬
‫من‬‫الضرائب عن الموالي والفرس والنصارى‪ ،‬ورفع الخراج ع ّ‬
‫أسلم من أهل الذمة‪ .‬كما حاول تعويض النصارى عن مصادرة‬
‫كنيسة القديس يوحنان‪ ،‬إذ أعاد لهم كنيسة توما في دمشق‪.‬‬
‫كان عمر بن عبد العزيز زاهدا ً فلم يقرب ما تركه الخليفة السابق‪،‬‬
‫ب‬‫عرف له من ممتلكات عند استخلفه‪ .‬ورفض الدوا ّ‬ ‫وما ُ‬
‫‪-31-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫والسرادقات والجواري والثياب‪ .‬وأعاد هذه الشياء إلى بيت مال‬


‫المسلمين‪.‬‬
‫وكان يحرص على عدم تبذير أموال بيت مال المسلمين حتى أنه‬
‫كان يقرأ القرآن على ضوء شمعة حتى ل يأخذ ثمن الزيت من‬
‫بيت المال لنارة السراج‪ .‬ومما يروى عنه أنه قال لزوجته فاطمة‪،‬‬
‫ابنة الخليفة التي أورثها أبوها الحلي‪:‬‬
‫ما أن تأذني لي في‬ ‫دي حليك إلى بيت المال وإ ّ‬ ‫ما أن تر ّ‬
‫"اختاري إ ّ‬
‫فراقك"‪ .‬فقالت‪" :‬بل أختارك"‪.‬‬
‫ومما يروى عنه أيضًا‪ ،‬انه أبطأ يوما ً عن صلة الجمعة قلي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ف"‪.‬‬ ‫فعوتب في ذلك‪ ،‬فقال‪" :‬إنما انتظرت قميصا ً غسلته أن يج ّ‬
‫ازداد في فترته عدد الذين اعتنقوا السلم وقد أّثر هذا سلبيا ً‬
‫على خزينة الدولة‪ .‬ولم تعجب هذه السياسة بني أمية لنهم خافوا‬
‫على ملكهم من بعده‪.‬‬

‫عمر بن عبد العزيز بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫كان عمر بن عبد العزيز عادل ً حتى إن الناس سموا هذا الخليفة‬
‫العادل "الخليفة الراشدي الخامس" وذلك من كثرة عدله وحب‬
‫الناس له ولسس حكمه‪ .‬كما أنه عرف بتقشفه‪ ،‬وباّتباعه سياسة‬
‫التسامح حتى مع أعدائه وأعداء بني أمية‪.‬‬
‫وكان قد جّرد بني أمية من امتيازاتهم الخاصة‪ ،‬فطلبوا منه‬
‫سوا له السم وهو في دير سمعان من أرض‬ ‫إعادتها فرفض‪ .‬فد ّ‬
‫المعرة‪ ،‬فأرسل له ملك الروم رئيس أساقفته ليعالجه‪ ،‬فرفض‬
‫ذلك‪ ،‬واستدعى المّتهم بسمه‪ ،‬وسأله‪" :‬ما حملك على ما صنعت"؟‬
‫خّلوه"‪ ،‬وتركه‬ ‫عو ُ‬
‫غّر‪َ ...‬‬ ‫خد َ‬
‫ت" فقال عمر‪ُ " :‬‬‫ت وغّرْر ُ‬
‫ع ُ‬
‫د ْ‬
‫خ ِ‬
‫قال‪ُ " :‬‬
‫حرا ً ‪.‬‬
‫ومات عمر بن عبد العزيز‪ ،‬وقد حكم مدة سنتين وأربعة اشهر‬
‫وعدة أيام‪ ...‬ولو امتدّ العمر بالخليفة الصالح مدة كافية من‬
‫الزمن‪ ،‬فلربما كان استطاع إصلح أحوال الدولة الموية وإعادتها‬
‫‪-32-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫إلى ثوابت الحكم الراشدي ونشر العدل في أرجاء الدولة‬


‫السلمية وإنصاف الموالي وأهل الكتاب‪.‬‬
‫ن هذه السياسة كانت تتعارض وسياسة بني أمية فسارعوا إلى‬ ‫لك ّ‬
‫التخّلص منه بالسم‪.‬‬
‫ي العهد يزيد بن عبد الملك‪ ،‬فابتعد عن سياسة عمر بن عبد‬ ‫أما ول ّ‬
‫العزيز وعزل الولة الصالحين‪ ،‬وقسا على البربر وع ّ‬
‫ذب آل‬
‫موسى بن نصير وأعاد سياسة الحجاج والبطش في الناس‪.‬‬
‫حى بنو‬‫ده الخوارج وباعوا نساء بني مهّلب‪ ،‬فقيل‪" :‬ض ّ‬ ‫لهذا ثار ض ّ‬
‫أمّية يوم كربلء بالدين ويوم الـعقير بالكرم"‪.‬‬

‫الملك المملوكي قطز‬

‫في سنة ثمانية وخمسين وستمائة هجرية‪ ،‬كاتب بيبرس‬


‫فر قطز صاحب مصر‪ ،‬فمنحه الملك قطز‬ ‫البندقدار الملك المظ ّ‬
‫المان‪ .‬وحين أقبل عليه‪ ،‬أنزله قطز في دار الوزارة وأقطعه‬
‫أماكن كثيرة‪.‬‬
‫معركة عين جالوت )‪1260‬م(‬

‫‪-33-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫فر قطز‪ ،‬ملك مصر‪ ،‬وجمع‬ ‫في هذه السنة خرج الملك المظ ّ‬
‫عساكره من التراكمة والشهرزوية لقتال ك َت ُْبغا ومن معه من‬
‫التتر‪ .‬فسار في بداية شهر رمضان المبارك قاصدا ً بلد الشام‪.‬‬
‫ولما وصل خبر قدوم المسلمين إلى كتبغا‪ ،‬الذي كان نائب هولكو‬
‫على الشام‪ ،‬جمع عساكره‪ ،‬والتقى الجمعان في عين جالوت‬
‫بالقرب من بيسان‪ .‬وجرت هناك معركة حامية الوطيس‪ ،‬وانهزم‬
‫سر ابنه‪ .‬وهرب منهم‬ ‫ُ‬
‫التتر هزيمة قبيحة‪ ،‬وقتل قائدهم كتبغا‪ ،‬وأ ِ‬
‫الكثيرون أو أسروا‪ ،‬ولحق ركن الدين الظاهر بيبرس البندقدار‬
‫بفلولهم‪.‬‬
‫فر قطز إلى الشام يرّتب المور هناك‪ ،‬حتى‬ ‫ثم سار الملك المظ ّ‬
‫خلت الشام من التتر‪ ،‬الذين كانوا قد استولوا على الشام مدة‬
‫سبعة اشهر‪.‬‬

‫مقتل الملك قطز‬


‫فر قطز في طريق عودته إلى مصر‪ ،‬اّتفق‬ ‫لما كان الملك المظ ّ‬
‫بيبرس البندقداري مع جماعة من المماليك الصالحية على قتله‪.‬‬
‫فلما حانت الفرصة حمل عليه بيبرس البندقداري الصالحي‬
‫وضربه بالسيف‪ ،‬واجتهد الجميع عليه ورموه عن فرسه وقتلوه‬
‫بالنشاب‪.‬‬
‫فر قطز مدة‬ ‫وكان هذا سنة ‪ 658‬هجرية‪ .‬وقد حكم الملك المظ ّ‬
‫أحد عشر شهرا ً وثلثة عشر يوما ً ‪.‬‬

‫ما سبب القتل؟‬

‫كان بيبرس قد سأل الملك المظفر قطز أن يجعله واليا ً لولية‬


‫حلب‪ ،‬فلم يجبه لطلبه هذا‪ ،‬ولهذا أضمر له الغدر‪.‬‬

‫يقتل الملك ويجلس مكانه !‬

‫‪-34-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫لما وصل بيبرس ومن معه إلى الدهليز بالصالحية‪ ،‬كان هناك نائب‬
‫السلطنة فارس الدين أقطاي‪ .‬فسألهم أقطاي‪" :‬أيهم منكم الذي‬
‫قتل الملك"؟ فقال له بيبرس‪" :‬أنا قتلته"‪ .‬فقال له أقطاي‪:‬‬
‫"اجلس في مرتبة السلطنة"‪ .‬فجلس وحلفت له العساكر في‬
‫اليوم الذي قتل فيه الملك قطز‪ .‬وأطلق على نفسه لقب "الملك‬
‫الظاهر بيبرس"‪.‬‬

‫القاهرة المسكينة‬

‫وكانت القاهرة وسائر مدن مصر قد زّينت احتفال ً باستقبال‬


‫فر قطز‪ ،‬الذي حقق النصر على التتر‪ .‬فكانت زينتها‬ ‫الملك المظ ّ‬
‫احتفال ً باستقبال قاتله ومغتصب عرشه!‬

‫الملك قطز بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫فر قطز أنقذ العالم‬‫إن العمل العظيم الذي قام به الملك المظ ّ‬
‫السلمي كله من مذابح التتر الذين كانوا قد اعملوا السيف في‬
‫رقاب الناس في بغداد وهاجموا دار الخلفة وقتلوا كل من كان‬
‫فيها من الشراف‪ .‬ولم يسلم من القتل إل من كان صغيرا ً ‪ ،‬فأخذ‬
‫أسيرا ً ‪.‬‬
‫وقد دام القتل والنهب في بغداد نحو أربعين يومًا‪ ،‬وكان الخليفة‬
‫المستعصم من بين القتلى‪ ،‬وقيل غرق‪ ،‬وقيل رموه تحت أرجل‬
‫ب‪ ،‬وقيل رفسوه حتى الموت‪.‬‬ ‫الدوا ّ‬
‫وهذا كان أيضا ً مصير مدن الشام‪ :‬حلب وحماة ودمشق ونابلس‬
‫وعجلون وغيرها‪ .‬وقد أنقذ قيام الملك قطز بتوحيد جيوش مصر‬
‫والسير لمقاتلة التتار وانتصاره عليهم في عين جالوت بلد‬
‫المسلمين من وحوش هولكو‪.‬‬

‫‪-35-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ن هذا الملك الذي أنقذ البلد‪ ،‬كان مصيره القتل غدرا ً على‬‫ولك ّ‬
‫ي بيبرس الذي أتاه صفر اليدين من الشام‪ ،‬فعطف عليه‬ ‫يد ّ‬
‫وأحسن إليه وأقطعه الراضي ورفع مكانته الحربية‪.‬‬
‫وقد قتله بيبرس وانتزع الحكم منه وعاد من الشام للقاهرة وكأنه‬
‫وق نشوة‬ ‫هو قاهر التتر! وحرم صاحب النصر الحقيقي من تذ ّ‬
‫النصر وهتاف الهالي وولء المراء !‬

‫ابن المق ّ‬
‫فع‬
‫)‪ 724‬ـ ‪ 759‬م(‬

‫فع‪ ،‬وكان اسمه روزبه قبل أن يسلم‪ .‬ولد‬ ‫هو عبد الله بن المق ّ‬
‫فع لتشّنج أصابع يديه على‬‫قب أبوه بالمق ّ‬ ‫في حور في فارس‪ ،‬ل ّ‬
‫اثر تنكيل الحجاج به بتهمة مدّ يده إلى أموال الدولة‪.‬‬
‫درس الفارسية وتعّلم العربية في كتب الدباء واشترك في سوق‬
‫المربد‪.‬‬
‫رافق الزمات السياسية في زمن الدولتين الموية والعباسية‪.‬‬
‫دبك"؟ فقال‪" :‬نفسي‪ .‬إذا رأيت من غيري‬ ‫فع "من أ ّ‬ ‫سئل ابن المق ّ‬‫ُ‬
‫حسنا آتيه‪ ،‬وإن رأيت قبيحا أب َْيته"‪.‬‬

‫صفاته‪:‬‬
‫كان فاضل ونبيل وكريما ووفيا‪ .‬ونستطيع أن نعرف عنه صدقه‬
‫من خلل كتاباته‪.‬‬

‫‪-36-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫قتل مروان بن‬ ‫ل على صدقه ووفائه‪ ،‬انه لما ُ‬ ‫من القصص التي تد ّ‬
‫عث َِر عليه‬
‫محمد‪ ،‬آخر خلفاء بني أمية‪ ،‬اختفى عبد الحميد الكاتب‪ ،‬ف ُ‬
‫فع‪ ،‬وكان صديقه‪ .‬وعندما سِئل الرجلن‪ :‬أّيكما عبد‬ ‫عند ابن المق ّ‬
‫الحميد؟ قال كل واحد منهما "أنا" خوفا على صاحبه‪.‬‬

‫سبب مقتله‪:‬‬
‫فع بعيسى بن علي عم‬ ‫في ظل الدولة العباسية اتصل ابن المق ّ‬
‫السفاح والمنصور واستمر يعمل في خدمته حتى قتله سفيان بن‬
‫معاوية والي البصرة من قبل المنصور‪.‬‬
‫والرجح أن سبب مقتله يعود إلى المبالغة في صيغة كتاب المان‬
‫قع عليه أبو جعفر المنصور‪ ،‬أمانا ً لعبد‬ ‫الذي وضعه ابن المقفع ليو ّ‬
‫ي عم المنصور‪ .‬وكان ابن المقفع قد أفرط في‬ ‫الله بن عل ّ‬
‫الحتياط عند كتابة هذا الميثاق بين الرجلين )عبد الله بن علي‬
‫والمنصور( حتى ل يجد المنصور منفذا ً للخلل بعهده‪ .‬ومما جاء‬
‫ل المنصور بشرط من شروط المان كانت‬ ‫في كتاب المان‪ :‬إذا أخ ّ‬
‫ل من بيعته"‪ ،‬مما أغاظ‬‫"نساؤه طوالق‪ ،‬وكان الناس في ح ّ‬
‫المنصور فقال‪" :‬أما من أحد يكفينيه"؟ وكان سفيان بن معاوية‬
‫يبّيت لبن المقفع الحقد‪ ،‬فطلبه‪ ،‬ولما حضر قّيده وأخذ يقطعه‬
‫عضوا ً فعضوا ً ويرمي به في التنور‪.‬‬

‫فع بين ف ّ‬
‫كي التاريخ‬ ‫ابن المق ّ‬
‫فع كقولهم إن مذهبه‬ ‫يحاول البعض النقاص من شأن ابن المق ّ‬
‫مجوسي من أتباع زرادشت‪ ،‬وانه لم يسلم إل للمحافظة على‬
‫روحه وللتقرب إلى العباسيين‪ ،‬ويّتهمونه كذلك بالزندقة‪.‬‬
‫در الصداقة حق قدرها‪.‬‬ ‫ن الحقيقة انه صاحب نفس شريفة‪ ،‬يق ّ‬ ‫ولك ّ‬
‫وقد رأى بالصدقاء عماد الحياة ومرآة النفس‪ ،‬لذا نصح بالدقة‬
‫في اختيار الصدقاء‪.‬‬

‫‪-37-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫فع صاحب علم واسع‪ ،‬وعرف الثقافة العربية‬ ‫وكان ابن المق ّ‬
‫فع اظهر عيوب‬ ‫والفارسية واليونانية والهندية‪ .‬وإذا كان ابن المق ّ‬
‫ضل النظم الدارية الفارسية‪،‬‬ ‫ظم الدارية في عصره وف ّ‬ ‫الن ّ ُ‬
‫فالحقيقة إن العرب كانوا بعيدين عن النظم الدارية‪ .‬فبعد قيام‬
‫الدولة السلمية في عهد الرسول‪ ،‬أخذ الفاروق عمر بن الخطاب‬
‫الكثير من النظم الدارية عن الفرس‪ ،‬واستطاع بهذا بناء دولة‬
‫ور الدولة العربية‪.‬‬
‫قوية‪ .‬وكان لهذا أثره الكبير في تط ّ‬
‫فع وهو في مقتبل العمر‪ ،‬ولم يتجاوز السادسة‬ ‫قتل ابن المق ّ‬
‫والثلثين عند موته‪ .‬إل انه خّلف لنا من الثار الكثيرة ما يشهد‬
‫على سعة عقله وعبقريته‪ ،‬وانه صاحب المدرسة الرائدة في‬
‫النثر‪.‬‬

‫مؤلفاته‪:‬‬

‫فع نقل من الفارسية واليونانية والهندية‪.‬‬ ‫بعض مؤلفات ابن المق ّ‬


‫ومن مؤلفاته‪:‬‬
‫‪ -‬الدرة الثمينة والجوهرة المكنونة‪.‬‬
‫‪ -‬مزدك‪.‬‬
‫‪ -‬باري ترمينياس‪.‬‬
‫‪ -‬أنالوطيقا ـ تحليل القياس‪.‬‬
‫‪ -‬أيين نامة ـ في عادات الفرس‪.‬‬
‫‪ -‬التاج ـ في سيرة أنو شروان‪.‬‬
‫‪ -‬أيساغوجي ـ المدخل‪.‬‬
‫‪ -‬الدب الصغير‪.‬‬
‫‪ -‬رسالة الصحابة‪.‬‬
‫‪ -‬كليلة ودمنة ـ نقله عن الهندية‪.‬‬
‫فع وبقيت الكتب التي كتبها أو نقلها عن الفارسية‬ ‫بقي ابن المق ّ‬
‫ن الكتب الصلية ضاعت‪.‬‬ ‫أو الهندية أو اليونانية مرجعا ل ّ‬

‫‪-38-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫مر‬ ‫وقد ترك لنا ابن المق ّ‬


‫فع الكثير من الكنوز رغم انه لم يع ّ‬
‫مر‪.‬‬
‫مر وسيع ّ‬‫ن أدبه ع ّ‬
‫طويل‪ ...‬لك ّ‬

‫المام أحمد بن حنبل‬


‫)‪ 780‬ـ ‪ 855‬م(‬

‫‪-39-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫هو أحمد بن حنبل بن هلل الذهلي الشيباني المزوزي ولد في‬


‫قل بين الحجاز واليمن ودمشق‪ .‬سمع من كبار المحدثين‬ ‫بغداد وتن ّ‬
‫ونال قسطا ً وافرا ً من العلم والمعرفة‪ ،‬حتى قال فيه المام‬
‫الشافعي‪" :‬خرجت من بغداد فما خّلفت بها رجل ً أفضل ول أعلم‬
‫ه من ابن حنبل"‪.‬‬ ‫ول أف َ‬
‫ق َ‬
‫فهو إذن‪ ،‬إمام أئمة السلم‪.‬‬
‫ن‬
‫وعن إبراهيم الحربي‪ ،‬قال‪" :‬رأيت أحمد ابن حنبل‪ ،‬فرأيت كأ ّ‬
‫ولين والخرين من كل صنف يقول ما يشاء‬ ‫الله جمع له علم ال ّ‬
‫ما يشاء"‪ .‬ولم يكن ابن حنبل يخوض في شيء مما‬ ‫ويمسك ع ّ‬
‫يخوض فيه الناس من أمر الدنيا‪.‬‬

‫مذهبه‪:‬‬
‫مذهب ابن حنبل من أكثر المذاهب السنية محافظة على النصوص‬
‫وابتعادا ً عن الرأي‪ .‬لذا تم ّ‬
‫سك بالنص القرآني ثم بالبّينة ثم بإجماع‬
‫الصحابة‪ ،‬ولم يقبل بالقياس إل في حالت نادرة‪.‬‬

‫محنته‪:‬‬
‫اعتقد المأمون برأي المعتزلة في مسألة خلق القرآن‪ ،‬وطلب من‬
‫ولته في المصار عزل القضاة الذين ل يقولون برأيهم‪.‬‬
‫ول الله سبحانه‬ ‫وقد رأى أحمد بن حنبل ان رأي المعتزلة يح ّ‬
‫قُلها فدافع ابن حنبل عن‬ ‫وتعالى إلى فكرة مجّردة ل يمكن تع ّ‬
‫الذات اللهية ورفض قبول رأي المعتزلة‪ ،‬فيما أكثر العلماء‬
‫والئمة أظهروا قبولهم برأي المعتزلة خوفا ً من المأمون وولته‪.‬‬
‫وألقي القبض على المام ابن حنبل ليؤخذ إلى الخليفة المأمون‪.‬‬
‫عد بقتل المام‬‫ن المأمون تو ّ‬ ‫وطلب المام من الله أن ل يلقاه ‪ ،‬ل ّ‬
‫أحمد‪.‬‬
‫وفي طريقه إليه‪ ،‬وصل خبر وفاة المأمون‪ ،‬فتم ردّ المام أحمد‬
‫ي الخلفة المعتصم‪ ،‬الذي امتحن المام‪،‬‬ ‫ول ِ َ‬
‫حبس و َ‬
‫إلى بغداد و ُ‬
‫م تعرضه للضرب بين يديه‪.‬‬ ‫وت ّ‬
‫‪-40-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وقد ظل المام محبوسا ً طيلة ثمانية وعشرين شهرا ً ‪ .‬ولما تولى‬


‫الخلفة الواثق‪ ،‬وهو أبو جعفر هارون بن المعتصم‪ ،‬أمر المام أن‬
‫يختفي‪ ،‬فاختفى إلى أن تو ّ‬
‫في الواثق‪.‬‬
‫كل ابن الواثق إلى السلطة‪ ،‬خالف ما كان عليه‬ ‫وحين وصل المتو ّ‬
‫المأمون والمعتصم والواثق من العتقاد بخلق القرآن‪ ،‬ونهى عن‬
‫الجدل في ذلك‪ .‬وأكرم المتوكل المام أحمد ابن حنبل‪ ،‬وأرسل‬
‫ن المام رفض قبول عطايا الخليفة‪.‬‬ ‫إليه العطايا‪ ،‬ولك ّ‬

‫وفاته‪:‬‬
‫توفي المام يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة ‪،‬‬
‫وله من العمر سبع وسبعون سنة‪ .‬وقد اجتمع الناس يوم جنازته‬
‫حتى ملوا الشوارع‪ .‬وحضر جنازته من الرجال مائة ألف ومن‬
‫النساء ستين ألفًا‪ ،‬غير من كان في الطرق وعلى السطوح‪ .‬وقيل‬
‫أكثر من ذلك‪.‬‬
‫وقد دفن المام أحمد بن حنبل في بغداد‪ .‬وقيل انه أسلم يوم‬
‫ن جميع‬‫مماته عشرون ألفا ً من اليهود والنصارى والمجوس ‪ ،‬وأ ّ‬
‫الطوائف حزنت عليه‪ ،‬وأنه كانت له كرامات كثيرة وواضحة‪.‬‬
‫فعن ابنه عبد الله‪ ،‬قال‪ :‬رأيت أبي حّرج على النمل أن تخرج من‬
‫داره‪ ،‬ثم رأيت النمل قد خرجت نمل ً أسود‪ ،‬فلم أرها بعد ذلك‪.‬‬
‫وعن المام أبي الفرج الجوزي ‪ ،‬قال‪ :‬لما وقع الغريق ببغداد سنة‬
‫أربع وخمسين وخمسمائة وغرقت كتبي ‪ ،‬سلم لي مجلد فيه‬
‫ورقات من خط المام أحمد بن حنبل‪.‬‬

‫المام ابن حنبل بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫كانت وقفة المام احمد بن حنبل في وجه الظلم وفي وجه حملة‬
‫تحريف الدين السلمي وفي وجه هرطقة المعتزلة وتخّبطهم في‬
‫علوم وخفايا الدين وقفة عظيمة‪ .‬وقد صمد المام بالرغم من‬
‫التعذيب والضرب بالسياط والحبس والملحقة والغراء‪.‬‬
‫‪-41-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫من أشعاره وهو في السجن ‪:‬‬

‫لعمرك ما يهوى لحمد نكبـة‬


‫وُر‬
‫غـ ِ‬
‫م ْ‬ ‫من الناس إل ّ ناقص العقل ُ‬
‫هو المحنة اليوم الذي ُيبتلى بـه‬
‫فيعتبـر السّنـي فينـا ويسُبـُر‬
‫ى في حلوق الملحدين وقّرةٌ‬ ‫شج ً‬
‫مـُر‬ ‫ف مشـ ّ‬ ‫لعين أهل النسك ع ّ‬
‫لريحانة القّراء تبغون عـثـرة‬
‫م من جيفـة الكلب أقـذُر‬ ‫وكل ّك ُ ُ‬
‫فيا أيها الساعي ليدرك شأوه‬
‫صـُر‬‫رويدك عـن إدراكـه ستق ّ‬
‫وقال عنه المام الشافعي‪:‬‬
‫ة مبرورةً‬ ‫ج ً‬‫أضحى ابن حنبل ح ّ‬
‫ك‬‫س ُ‬ ‫ف المـتن ّ‬ ‫ب أحمدَ ُيعـَر ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫وب ِ ُ‬
‫قصـا ً‬ ‫وإذا رأيت لحمـد متن ّ‬
‫ك‬ ‫هّتـ ُ‬‫ستـوَرهُ ست ُ َ‬‫ن ُ‬ ‫فاعلم بـأ ّ‬

‫مؤلفاته‪:‬‬

‫‪ -‬المسند‪ .‬ويحوي أكثر من أربعين ألف حديث‪.‬‬


‫‪ -‬الناسخ والمنسوخ‪.‬‬
‫‪ -‬العلل‪.‬‬
‫‪ -‬السنن في الفقه‪.‬‬
‫خلصة‬
‫كان المام أحمد عليما ً بالحاديث المر الذي و ّ‬
‫فر له ثروة هائلة‬
‫سع باب القياس مما‬ ‫كنته من الستنباط‪ .‬وقد و ّ‬ ‫في العلم م ّ‬

‫‪-42-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫جعل الحكام أقرب إلى مرامي الشارع ومقاصده المستوحاة من‬


‫أعمال الرسول وأقواله‪ .‬وكانت هناك حاجة ماسة إلى أحكامه‪،‬‬
‫ن العرب تفّرقوا بين المصار التي فتحوها وفيها أمم وشعوب‬ ‫ل ّ‬
‫دم المام أحمد الحديث على الرأي والقياس ولو‬ ‫مختلفة‪ .‬وقد ق ّ‬
‫كان ضعيفا ً ‪ .‬كما انه أكمل مشوار الشافعي من ناحية تعظيم دور‬
‫السنة في البناء الفقهي‪.‬‬
‫وكانت شخصية المام أحمد رمزا ً للصمود والثبات على اليمان‬
‫الراسخ ورفض الفكار الدخيلة على السلم والعقيدة السلمية‪.‬‬

‫‪-43-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ابن رشـد‬
‫)‪ 1126‬ـ ‪ 1198‬م(‬

‫هو محمد بن احمد بن محمد بن احمد بن رشد‪ .‬كان والده قاضي‬


‫قرطبة وكان جده قاضي قضاة الندلس‪ .‬ولد في قرطبة ودرس‬
‫القرآن والفقه والطب والفلسفة‪ُ .‬أسند إليه القضاء في اشبيلية‪،‬‬
‫ثم صار قاضي قضاة قرطبة‪ .‬وبعد وفاة ابن عقيل‪ ،‬الطبيب‬
‫والفيلسوف المعروف‪ ،‬استوزره أبو يعقوب بن عبد المؤتمن‪ ،‬لكن‬
‫الوشاة والحساد أوغروا صدر ابن أبي زيد عليه‪ ،‬فأمر بمحاكمته‬
‫وإحراق كتبه بتهمة الكفر‪ .‬وقد نفي ابن رشد حوالي سنة‪ ،‬ثم‬
‫صدر العفو عنه‪ .‬لكنه عزف عن الحياة السياسية والجتماعية‪.‬‬
‫مات في مراكش ودفن فيها ثم نقل رفاته إلى قرطبة‪.‬‬

‫ابن رشد بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫هذا العالم والمفكر الذي حظي بشهرة عالمية‪ ،‬نفي وعزل عن‬
‫الحياة السياسية بعد أن كان وزيرا ً وقاضيًا‪ ،‬وأحرقت معظم كتبه‪.‬‬
‫وقد أّلف ابن رشد أكثر من سبعين كتابا ً ورسالة‪ .‬وإن د ّ‬
‫ل هذا‬
‫ل على سعة إطلعه ومعرفته والمقام العظيم‬ ‫على شيء فإنما يد ّ‬
‫الذي استحقه‪.‬‬
‫أما المتاعب والمصاعب التي لقاها في حياته فقد كانت بحجم‬
‫ساده والساعون إلى عزله‪،‬‬ ‫قيمته وأهميته وفكره‪ .‬فقد كثر ح ّ‬
‫لنهم كانوا يعرفون انه أفضل منهم‪.‬‬

‫أهم كتبه‪:‬‬

‫‪ -‬تهافت التهافت ـ رد على الغزالي‪.‬‬


‫‪ -‬جوامع سياسة أفلطون‪.‬‬
‫‪-44-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ -‬أرسطو‬
‫‪ -‬شرح أرجوزة ابن سينا‪.‬‬
‫‪ -‬بداية المجتهد ونهاية المقتصد‪.‬‬
‫‪ -‬الكشف عن مناهج الدّلة في عقائد المّلة‪.‬‬
‫م به الغرب بفضل‬ ‫مون ابن رشد ‪ Averroes‬وقد اهت ّ‬ ‫وفي الغرب يس ّ‬
‫شرحه لكتب أرسطو وتظهيرها من الراء الدخيلة عليها‪ .‬وهو‬
‫يسمي أرسطو " النسان الكثر كمال ً "‪ .‬وقد درست أوروبا كتب‬
‫ابن رشد مئات السنين‪.‬‬
‫ضل‬‫ن الفلسفة هي الطريق للوصول إلى الله‪ ،‬وف ّ‬ ‫آمن ابن رشد أ ّ‬
‫الحقيقة العقلية على الحقيقة الدينية‪ ،‬ودافع عن الفلسفة وآمن‬
‫ن‬‫ان الجمهورية الفاضلة هي دولة الخلفاء الراشدين‪ ،‬ورأى أ ّ‬
‫بإمكان المرأة القيام بالدوار التي يقوم بها الرجل‪ ،‬مثل السياسة‬
‫وغيرها‪ ،‬وأن المجتمع يظلمها‪ ،‬وبظلمها حرم فضل تفكيرها‪.‬‬
‫وكان رأيه في الدين انه أحكام شرعية ل مذاهب نظرية‪.‬‬

‫خلصة‪:‬‬

‫كان ابن رشد عبقري عصره وعبقري كل العصور‪ .‬وقد اعتمد‬


‫الغرب على علمه قرونا‪ ..‬لكنه أهين ونفي وأحرقت كتبه القيمة‬
‫في الشرق فحرمنا من علمه‪.‬‬
‫ومن النزر اليسير الذي وصلنا يمكننا القول إن ابن رشد هو‬
‫الفيلسوف الول والفقيه الكبير والطبيب المبتكر والسياسي‬
‫الحكيم‪.‬‬

‫‪-45-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫عمر بن الخّيام‬
‫)‪ 1040‬ـ ‪ 1131‬م(‬

‫ق‬
‫ولد في نيسابور سنة ‪ 1040‬م وكان أبوه صانع خيام فاشت ّ‬
‫اسمه من حرفته‪.‬‬
‫وكان أثناء صباه يدرس مع صديقين حميمين‪ ،‬وتعاهد ثلثتهم على‬
‫أن يساعد من يؤاتيه الحظ الخرين‪ ،‬وهذا ما كان ‪..‬‬
‫ص عمر بن‬
‫فقد وصل إلى الوزارة نظام الملك )الطوسي( فخ ّ‬
‫الخّيام عندها بمائتين وألف مثقال يتقاضاها من بيت المال كل‬
‫عام‪.‬‬
‫وهكذا صار لعمر بن الخيام الوقت الكافي للتفكير بأمور وأسرار‬
‫فرت له أسباب المعيشة‪.‬‬ ‫الحياة ‪ ،‬بعد أن تو ّ‬
‫يقول‪:‬‬
‫ت عمري في اكتناه القضـاء‬ ‫أفني ُ‬

‫‪-46-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وكشف ما يحجبـه في الخـفاء‬


‫فلم أجـد أسـراره وانقضـى‬
‫عمري وأحسست دبيب الفـناء‬
‫ويقول في رباعياته‪:‬‬
‫ست َ َ‬
‫شـْر‬ ‫ُ‬
‫ت ثوب العمر لـم أ ْ‬ ‫لبس ُ‬
‫وحرت فيه بيـن شّتـى الفكـر‬
‫وسوف أنضو الثوب عني ولـم‬
‫ت أيـن المقـر‬ ‫ك لمـاذا جئـ ُ‬ ‫أدر ْ‬
‫لـم يبرح الداء فؤادي العليـل‬
‫ولـم أنل قصدي وحان الرحيـل‬
‫وفـات عمـري وأنا جاهـل‬
‫كتاب هذا العمر حسم الـفصول‬
‫وهو يعجب لهذا الفناء السريع للشباب والحياة فيقول‪:‬‬
‫تناثرت أّيـام هـذا العـمر‬
‫تناثـر الوراق حول الشـجر‬
‫ذاتـهـا‬ ‫فانعم من الدنيـا بل ّ‬
‫ف القدر‬‫من قبل أن تسقيك ك ّ‬
‫فىءْ لظى القلب ببرد الشراب‬ ‫أط ْ ِ‬
‫فإنمـا اليام مثــل السحاب‬
‫وفي موضع آخر يتدارك نفسه فيقول‪:‬‬
‫يا عالم السرار علـم اليقين‬
‫يا كاشف الضّر عن البائـسين‬
‫يا قابـل العذار فئنــا إلى‬
‫ظّلك فاقبـل توبـة التائبيـن‬
‫من هنا نرى أن رباعيات الخيام تتراوح بين اليمان واللحاد وبين‬
‫الدعوة للمجون والدعوة للهو وبين طلب العفو من الله عّز وج ّ‬
‫ل‬
‫وإعلن التوبة‪.‬‬

‫‪-47-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫لذا اختلف العلماء في تصنيف عمر الخيام والرجح أنه لم يخرج‬


‫عن المألوف إنما هي صرخة في وجه الظلم والمور الدخيلة على‬
‫الدين السلمي في عصره‪.‬‬
‫ول ما ظهرت‬ ‫ولم يف ّ‬
‫كر أحد ممن عاصره في جمع الرباعيات‪ .‬فأ ّ‬
‫سنة ‪ 865‬هـ‪ ،‬أي بعد رحيله بثلثة قرون ونصف‪ .‬ولعّلهم كانوا‬
‫يخشون جمعها لما حوته من جرأة وحكمة‪.‬‬
‫ول ترجمة للرباعيات كانت للغة النجليزية‪ ،‬وظهرت سنة‬ ‫وأ ّ‬
‫‪ ،1859‬أما الترجمة العربية من الفارسية فقام بها الشاعر‬
‫المصري أحمد رامي‪ .‬وهناك ترجمة أخرى للشاعر العراقي أحمد‬
‫الصافي النجفي‪.‬‬

‫عمر الخيام بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫ن‬
‫من أبرز حوادث التزوير في التاريخ أن معظم الناس يقولون بأ ّ‬
‫الخيام لم يكن إل شاعرًا‪ .‬والصحيح انه كان من أكبر علماء‬
‫الرياضيات في عصره‪ ،‬واشتهر بالجبر واشتغل في تحديد التقويم‬
‫السنوي للسلطان ملكشاه‪.‬‬
‫ول من اخترع طريقة حساب المثّلثات والمعادلت الجبرية‬ ‫وهو أ ّ‬
‫من الدرجة الثالثة بواسطة قطع الـمخروط‪.‬‬
‫وقد وضع الخيام تقويما سنويا ً أدقّ من التقويم السنوي الذي‬
‫نعمل به اليوم‪.‬‬
‫وفه اتهم باللحاد‬‫وبسبب الفهم الخاطىء لفلسفته ولتص ّ‬
‫ن‬
‫والزندقة وأحرقت كتبه‪ ،‬ولم يصلنا منها سوى الرباعيات ل ّ‬
‫القلوب أحّبتها وحفظتها من الضياع‪ .‬غير أن الخيام كان عالما ً‬
‫عبقريا ً وملما ً ومبدعا ً أكثر بكثير من كونه شاعرا ً ‪ .‬وضياع كتبه في‬
‫الرياضيات والفلسفة حرم النسانية من الستفادة من الطلع‬
‫على ما وضعه في علوم الجبر والرياضيات‪.‬‬
‫من جهة أخرى تم الكشف عن جزء بسيط فقط من عبقريته‪ ،‬من‬
‫خلل ما تبقى لنا من رباعياته‪ .‬ولو لم تحرق كتبه لساهمت في‬
‫‪-48-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫صلوا لما في كتبه بعد‬ ‫الكشف عما خفي على العلماء‪ ،‬وربما تو ّ‬
‫صل إليه‪..‬‬ ‫قرون وربما لم يهتدوا حتى الن إلى ما تو ّ‬
‫هل أهل السلطة والقرار في إحراق الكتب القيمة ‪....‬‬ ‫آه لو تم ّ‬
‫فقد احرقوا على سبيل المثال ل الحصر كتاب الغزالي "إحياء‬
‫علوم الدين" بحجة الكفر وحجج أخرى‪ ،‬وما لبث هذا الكتاب أن‬
‫أصبح بعد سنين الكتاب من أهم الكتب السلمية !‬
‫ويذكر هنا أن القدار شاءت أن يموت الخيام‪ ،‬وهو الذي اتهم‬
‫باللحاد وأحرقت كتبه‪ ،‬بشكل ملفت للنظر ‪ ...‬مؤكدا ً إيمانه‬
‫بالله ‪ ...‬فقد مات الخيام بعد أن صلى ركعتين‪.‬‬

‫‪-49-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫المام حسن البّنا‬


‫)‪ 1906‬ـ ‪ 1945‬م(‬

‫هو مؤسس حركة "الخوان المسلمين" في مصر‪ .‬وهي منظمة‬


‫سياسية إسلمية مكافحة تهدف إلى تطبيق الشريعة السلمية‬
‫في الحياة اليومية‪ ،‬وإعادة الحكم السلمي كما كان زمن الخلفاء‬
‫الراشدين‪ .‬قال المام حسن البنا "إن السلم عقيدة وعبادة‬
‫ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف"‪.‬‬
‫في ظل تشتت المة السلمية ووقوعها تحت نير الستعمار‬
‫البريطاني والفرنسي واليطالي والغزو الفكري الوروبي للوطن‬
‫العربي أخذ المام حسن البنا يدعو الناس إلى العودة إلى السلم‬
‫ونشر مبادىء السلم في جميع المدن المصرية والريف‪.‬‬
‫نشأ المام البنا في أسرة متعلمة‪ ،‬وكان والده الشيخ احمد عبد‬
‫الرحمن من علماء الحديث الفذاذ‪ .‬وهو مؤلف كتاب "الفتح‬
‫الرباني لترتيب مسند المام احمد بن حنبل"‪.‬‬
‫ول مقال نشره المام حسن البنا كان سنة ‪ 1928‬في جريدة‬ ‫وأ ّ‬
‫"الفتح" تحت عنوان "الدعوة إلى الله"‪ .‬وآخر مقال نشره قبل‬
‫استشهاده كان "بين المنعة والمحنة" ونشر في كانون أول عام‬
‫‪ 1948‬في جريدة الخوان اليومية قبيل صدور قرار بحل جماعة‬
‫الخوان المسلمين في نفس الشهر‪.‬‬

‫جماعة "الخوان المسلمين"‪:‬‬

‫تأسست جماعة الخوان في آذار سنة ‪ ،1928‬حيث زار المام‬


‫حسن البنا في منزله‪ ،‬حافظ عبد الحميد‪ ،‬واحمد المصري‪ ،‬وفؤاد‬
‫إبراهيم‪ ،‬وعبد الرحمن حبيب الله‪ ،‬وإسماعيل عز‪ ،‬وزكي المغربي‪،‬‬
‫الذين تأّثروا من محاضراته‪ ،‬وقالوا له ـ كما يروي في مذكراته ـ‬
‫"لقد سمعنا ووعينا‪ ،‬وتأّثرنا ول ندري ما الطريق العملية إلى عزة‬
‫السلم وخير المسلمين‪ .‬لقد سئمنا هذه الحياة‪ ،‬حياة الذلة‬
‫‪-50-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ن العرب والمسلمين في هذا البلد ل ح ّ‬


‫ظ‬ ‫والقيود‪ .‬وها أنت ترى أ ّ‬
‫دون مرتبة لجراء التابعين‬ ‫لهم من منزلة أو كرامة‪ ،‬وأنهم يع ّ‬
‫دم لك ما نملك لتبرأ‬ ‫لهؤلء الجانب‪ ...‬وكل الذي نريده الن أن نق ّ‬
‫ي الله‪ .‬وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا‪ .‬كما‬ ‫من التبعة بين يد ّ‬
‫يجب أن نعمل جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه‬
‫وتموت في سبيله‪ ،‬ل تبغي بذلك إل وجهه وجديرة أن تنصر‪ ،‬وإن‬
‫دتها"‪.‬‬ ‫ل عددها وقّلت ُ‬
‫ع ّ‬ ‫ق ّ‬
‫م تأسيس "مدرسة‬ ‫فوافق المام البنا‪ ،‬وكانت البيعة‪ .‬ثم ت ّ‬
‫التهذيب" لحفظ القرآن وشرح السور‪ ،‬وحفظ وشرح الحاديث‬
‫النبوية وآداب السلم‪ .‬وصارت المدرسة مقرا للخوان‪ .‬وخّرجت‬
‫هذه المدرسة الدفعة الولى من "الخوان" وكان عددهم أكثر من‬
‫سبعين‪.‬‬
‫وبدأ عمل "الخوان" ينتشر في نواحي حياتية واسعة مثل بناء‬
‫المساجد ونشر العلم ومساعدة المحتاجين‪.‬‬
‫س الدسائس بواسطة تقديم‬ ‫وكان للمام ولصحابه أعداء حاولوا د ّ‬
‫عرائض إلى رئيس الحكومة آنذاك‪ ،‬صدقي باشا‪ ،‬تتهمه بأّنه مدّرس‬
‫شيوعي‪ ،‬يتصل بموسكو‪ ،‬أو وفدي يسعى للطاحة بالحكومة‪ ،‬أو‬
‫وه ضد الملك فؤاد‪ ،‬أو يجمع المال بصورة غير قانونية‪.‬‬ ‫يتف ّ‬

‫من أفكار المام‪:‬‬

‫جاء في خطبته الولى في مسجد "الخوان"‪:‬‬


‫"إذا كان احدنا يحرص على محبة الكبراء وإرضاء الرؤساء‪ ،‬والمة‬
‫تجتلب مرضاة الدول‪ ،‬وتوثيق العلئق فيما بينها وبين الحكومات‬
‫الخر‪ ،‬وتنفق في ذلك الموال‪ ،‬وتنشىء له السفارات‬
‫ضى دولة السماء‪،‬‬‫والقنصليات‪ ،‬أفل يجدر بنا ويجب علينا أن نتر ّ‬
‫وعلى رأسها رب العالمين الذي له جنود السموات والرض‪ ،‬وبيده‬
‫المر كله؟! نترضاه بإنشاء المساجد وعمارتها‪ ،‬وأداء الصلوات‬
‫دنا بجنده الذي ل يغلب وجيشه الذي ل يقهر"‪.‬‬ ‫فيها لوقاتها فيم ّ‬

‫‪-51-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أسس المام البنا الفروع لجماعة "الخوان المسلمين" ووضع‬


‫ظم والهيئات الدارية للخوان المسلمين‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫الن ّ ُ‬
‫‪ (1‬المرشد العام‬
‫‪ (2‬مكتب الرشاد العام‬
‫ون من نواب المناطق‪.‬‬ ‫‪ (3‬مجلس الشورى الذي يتك ّ‬
‫‪ (4‬نواب المناطق والقسام‬
‫‪ (5‬نواب الفروع‬
‫‪ (6‬مجالس الشورى المركزية‬
‫‪ (7‬مؤتمرات المناطق‬
‫‪ (8‬مندوبو المناطق‬
‫‪ (9‬مندوبو المكتب‬
‫‪ (10‬فرق الرحلت‬
‫‪ (11‬فرق الخوات‬
‫ل هذا التفكير على عبقرية وإلمام المام بالعمل الجماهيري‪.‬‬ ‫ويد ّ‬

‫موقفه من فلسطين‪:‬‬

‫كان المام البنا يرسل إلى الحكومة المصرية رسائل حول قضايا‬
‫عديدة مثل السفراء والتعليم والقضاء وتعديل الدستور وإصلح‬
‫السرة وقضايا المرأة ومشاكل الشباب والقضية الفلسطينية‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫ومما جاء في رسالة للمام البنا إلى علي ماهر باشا‪ ،‬رئيس‬
‫الحكومة المصرية‪:‬‬
‫"‪ ....‬إن هذا المسعى النساني المشكور ]قرار المعونة المصرية‬
‫ن‬
‫للشعب الفلسطيني[ ليس هو كل شيء في القضية العربية‪ ،‬فإ ّ‬
‫حوا بالموال والرواح في سبيل غاية‬ ‫الفلسطينيين المجاد ض ّ‬
‫سليمة معلومة وهي أن يصلوا إلى استقللهم وحريتهم وان‬
‫ينقذوا وطنهم من خطر الطغيان اليهودي الصهيوني‪ .‬وقد‬
‫شاركهم المسلمون والعرب في كل أقطار الدنيا هذا الشعور‬

‫‪-52-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وأّيدوهم فيه‪ .‬وكان للحكومة المصرية‪ ،‬وكان لرفعتكم بالذات‬


‫نصيب في الجهاد المبرور‪.‬‬
‫م بكثير‬
‫وعلى هذا فالمسعى السياسي لحل قضية فلسطين أه ّ‬
‫من هذا المسعى النساني على جلله ورحمته‪ .‬وليس عليكم يا‬
‫رفعة الرئيس إل أن تكاشفوا الساسة البريطانيين بوضوح وجلء‬
‫بحقيقة الموقف‪."...‬‬

‫الوصايا العشر للمام البنا‪:‬‬

‫‪ - 1‬قم للصلة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف‪.‬‬


‫ل القرآن وطالع أو استمع أو اذكر الله‪ ،‬ول تصرف جزءا من‬ ‫‪ - 2‬أ ُت ْ ُ‬
‫وقتك في غير فائدة‪.‬‬
‫ن ذلك من شعائر السلم‪.‬‬ ‫‪ - 3‬اجتهد أن تتكّلم العربية الفصحى فإ ّ‬
‫ن الهراء ل‬ ‫ي شأن من الشؤون أّيا كان‪ ،‬فإ ّ‬ ‫‪ - 4‬ل تكثر الجدل في أ ّ‬
‫يأتي بخير‪.‬‬
‫ن القلب الموصول بالله ساكن وقور‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ل تكثر من الضحك فإ ّ‬
‫ن المة المجاهدة ل تعرف إل الجد‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ل تمازح فإ ّ‬
‫‪ - 7‬ل ترفع صوتك أكثر مما يحتاج إليه السامع فإنه رعونة وإيذاء‪.‬‬
‫‪ - 8‬تجّنب غيبة الشخاص وتجريح الهيئات ول تتكّلم إل بخير‪.‬‬
‫‪ - 9‬تعّرف إلى من تلقاه من إخوانك وإن لم يطلب منك ذلك‪.‬‬
‫‪ - 10‬الواجبات أكثر من الوقات فعاون غيرك على النتفاع‬
‫جز في قضائها‪.‬‬‫بوقته‪ .‬وإن كان لك مهمة فأو ِ‬

‫المام حسن البنا بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫في ‪ 1949 / 2 / 12‬داهمت رصاصات الغدر المام‪ ،‬بعد أن قّرر‬
‫أعوان النظام المتعاون مع النجليز تصفيته جسديا ً ‪ ،‬من أجل‬
‫ضرب حركة الخوان المسلمين‪.‬‬
‫ومن المؤسف أن ما كتبه المام ‪ ،‬بالضافة إلى الشرطة‬
‫والمحاضرات والرسائل‪ ،‬حالت الظروف السياسية واعتقال‬
‫‪-53-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أصحاب المطابع ومصادرة الكتب من صدوره مدة من الزمن‪،‬‬


‫وبقي منشورا ً في صحف الخوان ومذكراته‪.‬‬
‫صحيح أن المام البنا مات لكنه أسس أشهر حركات الدعوة في‬
‫كل أقطار العالم‪.‬‬

‫قيل عنه‪:‬‬

‫"الرجل الفذ" ‪) -‬الشيخ محمد الغزالي(‬


‫"فكرة تحيا في رجل" ‪) -‬الستاذ أبهى الخولي(‬
‫"شجرة ظلها وافر" ‪ -‬الشيخ محمد متولي شعراوي(‬
‫قتل المام البنا مرتين‪ :‬مرة في ‪ 1949 / 12 / 12‬ومرة أخرى‬
‫عندما منع علمه من النشر ولوحق أنصاره‪ .‬واليوم تتحاشى‬
‫وزارات المعارف في كل القطار العربية تدريس فكره خوفا ً على‬
‫النظمة الرجعية!!‬

‫‪-54-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫سيد قطب‬

‫هو سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي‪ ،‬ولد في قرية "موشة"‬


‫وهي إحدى قرى محافظة أسيوط بتاريخ ‪1906 / 10 / 9‬‬
‫قى دراسته البتدائية في قريته‪ .‬في سنة ‪ 1920‬سافر إلى‬ ‫تل ّ‬
‫ولية ونال منها شهادة‬ ‫القاهرة‪ ،‬والتحق بمدرسة المعلمين ال ّ‬
‫ولي‪ .‬ثم التحق بتجهيزية دار العلوم‪.‬‬ ‫الكفاءة للتعليم ال ّ‬
‫في سنة ‪ 1932‬حصل على شهادة البكالوريوس في الداب من‬
‫كلية دار العلوم‪ .‬وعمل مدرسا حوالي ست سنوات‪ ،‬ثم شغل عدة‬
‫وظائف في الوزارة‪.‬‬
‫عين بعد سنتين في وزارة المعارف بوظيفة "مراقب مساعد"‬
‫بمكتب وزير المعارف آنذاك ـ إسماعيل القباني ـ‪ ،‬وبسبب خلفات‬
‫دم استقالته على خلفية عدم تبنيهم‬ ‫مع رجال الوزارة‪ ،‬ق ّ‬
‫لقتراحاته ذات الميول السلمية‪.‬‬
‫وقبل مجلس ثورة يوليو الستقالة سنة ‪ ،1954‬وفي نفس السنة‬
‫تم اعتقال السيد قطب مع مجموعة كبيرة من زعماء "الخوان‬
‫المسلمين"‪ .‬وحكم عليه بالسجن لمدة )‪ (15‬سنة‪ .‬ولكن الرئيس‬
‫خل لدى الرئيس المصري جمال عبد‬ ‫العراقي عبد السلم عارف تد ّ‬
‫الناصر‪ ،‬فتم الفراج عنه بسبب تدهور حالته الصحية سنة ‪.1964‬‬
‫وفي سنة ‪ 1965‬اعتقل مرة أخرى بتهمة التآمر على قلب نظام‬
‫الحكم واغتيال جمال عبد الناصر واستلم الخوان المسلمين‬
‫الحكم في مصر‪.‬‬

‫‪-55-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وقد صدر حكم العدام على سيد قطب بتاريخ ‪ 1966 / 8 / 21‬وتم‬
‫تنفيذه بسرعة بعد أسبوع واحد فقط )في ‪ (1966 / 8 / 29‬قبل‬
‫خل أحد الزعماء العرب!!‬
‫أن يتد ّ‬

‫سيد قطب الصحفي‬

‫لسيد قطب علقة وثيقة مع الصحف والمجلت‪ .‬فقد بدأ بنشر‬


‫نتاجه وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره‪ .‬وقد نشر أولى‬
‫مقالته في صحيفة "البلغ" و"الحياة الجديدة" و"السبوع"‬
‫و"الهرام" و"الجهاد"‪.‬‬
‫وكان السيد قطب غزير النتاج‪ ،‬يكتب المقالت الدبية والنقدية‬
‫والتربوية والجتماعية والسياسية‪.‬‬
‫ففي المجلت كتب في "الكاتب المصري" و"الكتاب" و"الوادي"‬
‫و"الشؤون الجتماعية" و"الديب" و"الرسالة" و"الثقافة" و"دار‬
‫العلوم" وغيرها‪ .‬وقد اشرف على مجلتي "الفكر الجديد" و"العالم‬
‫العربي"‪ ،‬كما اشرف على مجلة "الخوان" التي لحقتها السلطات‬
‫وفرضت عليها الرقابة دون غيرها من الصحف وأوقفتها عن‬
‫الصدور في ‪.1954 / 8 / 5‬‬
‫وبسبب نشاطه الخواني أغلقت كثير من الصحف أبوابها بوجه‬
‫إبداعه فكتب يشكو أن الصحف المصرية ـ إل النادر القليل منها ـ‬
‫هي مؤسسات دولية‪ ،‬ل مصرية ول عربية‪ ،‬مؤسسات تساهم فيها‬
‫أقلم المخابرات البريطانية والفرنسية والمصرية والعربية أخيرًا‪.‬‬
‫وفي موقع آخر كتب ليعّرف الجمهور الكادح الفقير انه ليس هو‬
‫ول الجريدة بقروشه‪:...‬‬ ‫الذي يم ّ‬
‫"تعتمد هذه الصحف على إعلنات تملكها شركات رأسمالية‬
‫ضخمة‪ ،‬وتخدم بدورها المؤسسات الرأسمالية‪ ..‬وتعتمد ثانيا على‬
‫المصروفات السرية المؤقتة أو الدائمة التي تدفعها الوزارات‬
‫لصحافتها الحزبية أو للصحف التي تريد شراءها أو ضمان حيادها‪..‬‬
‫وتعتمد ثالثا على المصروفات السرية لقلم المخابرات الدولية‬
‫وبخاصة إنكلترا وأمريكا‪."..‬‬
‫‪-56-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫سيد قطب الديب‬

‫سيد قطب أديب له مكانته في عالم الدب والنقد وله علقات مع‬
‫عدة أدباء منهم طه حسين وأحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم‬
‫ويحيى حقي ومحمود تيمور ونجيب محفوظ وغيرهم‪.‬‬
‫ولكن علقته المميزة كانت مع عباس محمود العقاد‪ .‬وهو أستاذ‬
‫سيد قطب واّثر كثيرا ً على مسار تفكير سيد قطب الدبي‬
‫والنقدي والحزبي‪.‬‬
‫كان سيد قطب يكتب عن جميع كتب العقاد ويمدحه ويشير إلى‬
‫عبقرية الرجل واعتبره شاعر العالم أجمع‪ .‬لكنه في سنة ‪1948‬‬
‫خرج نهائيا ً من مدرسة العقاد‪ .‬وكان سيد قطب قد دفع الثمن‬
‫غاليا ً بسبب دفاعه المستميت عن العقاد وأدبه من قبل الصحف‬
‫الوفدية )بعد خروجهما من الحزب( والمسؤولين في وزارة‬
‫المعارف‪.‬‬

‫سيد قطب والحزاب‬

‫م سيد قطب إلى حزب الوفد ثم انفصل‬ ‫كما أشرت سابقًا‪ ،‬انض ّ‬
‫عنه‪ ،‬وانضم إلى حزب السعديين ‪ -‬نسبة إلى سعد زغلول ‪ -‬لكنه‬
‫ل من الحزاب ورجالها وعلل موقفه هذا قائ ً‬
‫ل‪:‬‬ ‫م ّ‬
‫"لم أعد أرى في حزب من هذه الحزاب ما يستحق عناء الحماسة‬
‫له والعمل من أجله"‪.‬‬
‫سيد قطب في ظلل الفكر الحركي السلمي‬

‫منذ سنة ‪ 1953‬انضم سيسد قطب عمليا لحركة الخوان‬


‫المسلمين وكّلفه الخوان بتحرير لسان حالهم جريدة "الخوان‬
‫المسلمين" وإلقاء أحاديث ومحاضرات إسلمية‪ .‬كما مّثل الخوان‬
‫خارج مصر في سوريا والردن اللتين منع من دخولهما‪ ،‬ثم‬
‫القدس‪.‬‬
‫‪-57-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫سيد قطب وثورة الضباط الحرار‬

‫مما ل شك فيه انه كان للخوان المسلمين تنظيم قوي قبيل قيام‬
‫الثورة‪ ،‬وأنهم لم يكونوا بمعزل عن المور والتطورات في مصر‪،‬‬
‫وان تنظيمهم الفكري والجتماعي والسياسي كان أكثر نضوجا ً‬
‫من تنظيم الضباط الحرار‪ .‬زد على ذلك أن بعض الضباط‬
‫السلميين كانوا شركاء حقيقيين مع الضباط الحرار بقيادة‬
‫جمال عبد الناصر‪ ،‬وزد عليه محاولة محمد نجيب الرئيس الول‬
‫لمصر بعد الجلء البريطاني التقرب من الخوان المسلمين من‬
‫اجل احتواء قوتهم‪ .‬لكن مطلبه هذا كلفه العزل من منصبه‬
‫ك أسره‬ ‫وفرض القامة الجبرية عليه‪ ،‬حتى جاء السادات وف ّ‬
‫المنزلي‪.‬‬
‫وتروي لنا بعض المصادر الشحيحة إن الضباط الحرار قبيل الثورة‬
‫كانوا يتشاورون مع سيد قطب حول الثورة وأسس نجاحها‪.‬‬
‫كد ذلك انه تم تعيينه من قبل قيادة الثورة مستشارا ً‬ ‫والذي يؤ ّ‬
‫للثورة في أمور داخلية وأوكلت له مهمة تغيير مناهج التعليم التي‬
‫مل بها في مصر‪ ،‬والتي أكل الدهر عليها وشرب‪.‬‬ ‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫كما أن ل أحد ينكر قيمة المقالت التي نشرها سيد قطب والتي‬
‫دعا فيها الشعب المصري للخروج على سياسة القهر والرجعية‬
‫المصرية‪.‬‬
‫وقد حاول سيد قطب التوفيق بين عبد الناصر والخوان‪ .‬وانحاز‬
‫سيد قطب إلى الخوان ورفض جميع المناصب التي عرضها عليه‬
‫عبد الناصر مثل وزير المعارف‪ ،‬ومدير سلطة الذاعة ‪...‬‬

‫نهاية مفكر‬

‫جه في السجن فرأى أهوال‬ ‫تم إلقاء القبض على سيد قطب وز ّ‬
‫التعذيب من قبل المحققين‪ .‬وكان قد قتل من جراء التعذيب عدد‬
‫من أعضاء تنظيم الخوان‪.‬‬
‫‪-58-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وكان سيد قطب جريئا ً أثناء محاكمته القصيرة‪ ،‬والتي منع‬


‫محامون أجانب وممثلو هيئات الدفاع عن حقوق السجين من‬
‫المرافعة عنه فيها‪ ،‬وعن باقي أعضاء التنظيم‪.‬‬
‫وفي ليلة تنفيذ الحكم‪ ،‬طلب منه أن يقبل بالمساومة والعتذار ‪،‬‬
‫أو أن يكتب سطرا ً واحدا ً يطلب فيه الرحمة من الرئيس جمال عبد‬
‫الناصر فرفض‪ .‬وفي نفس الوقت حاول ملك السعودية التوسط‬
‫لدى عبد الناصر بالعدول عن إعدام سيد قطب‪ ،‬ولكن عبد الناصر‬
‫رفض‪.‬‬
‫وقد أعدم سيد قطب في فجر يوم ‪1966 / 8 / 29‬‬

‫سيد قطب بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫دم خدماته‬‫إن إعدام مفكر عربي إسلمي مثل السيد قطب الذي ق ّ‬
‫الفكرية في الدب والدين والجتماع والسياسة‪ ،‬بهذه الصورة‬
‫الوحشية وغير المنصفة‪ ،‬يعتبر من اكبر أخطاء نظام جمال عبد‬
‫الناصر‪ .‬ل سيما وان الرجل قدم خدمات جليلة لقيادة الثورة‪ ،‬ولو‬
‫انه قبل بالموال والمناصب‪ ،‬لصار عندهم قائدا ً وطنيًا‪.‬‬
‫والذي يزيد الجرح نزيفا ً قيام بعض الجهات باتهام سيد قطب‬
‫بالعمالة لمريكا أو بالتخطيط لقلب نظام الحكم ‪ ،‬مع العلم انه‬
‫رأى أن الوقت غير مناسب لقلب النظام وتحويله إلى نظام‬
‫إسلمي صرف‪.‬‬
‫إن صمود هذا الرجل في سجنه ومحنته المستمرة والمتكررة‬
‫وعدم قبوله بالمناصب وإيمانه برسالته يجعله في صفوف الرجال‬
‫العظماء في هذا العصر‪.‬‬
‫مقتطفات من كتابه "معالم في الطريق"‬
‫يعتبر هذا الكتاب من أهم كتب السيد قطب‪ .‬وقد كتبه في السجن‬
‫على شكل رسائل جمعت وصدرت في كتاب‪ .‬واخترت لكم منه‬
‫هذه الفكار الخالدة‪:‬‬

‫‪-59-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ن قيادة الرجل الغربي للبشرية‬ ‫"ل بدّ من قيادة للبشرية جديدة‪ ،‬إ ّ‬
‫قد أوشكت على الزوال‪ ...‬لن النظام الغربي قد انتهى دوره لنه‬
‫لم يعد يملك رصيدا من القيم يسمح له بالقيادة"‬
‫وفي موقع آخر يقول عن سر نجاح المة السلمية‪:‬‬
‫"لقد اجتمع في السلم المتفوق‪ ،‬العربي والفارسي والشامي‬
‫والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني‬
‫والغريقي والندونيسي والفريقي إلى آخر القوام والجناس‬
‫معت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في‬ ‫وتج ّ‬
‫بناء المجتمع السلمي والحضارة السلمية‪ .‬ولم تكن هذه‬
‫الحضارة الضخمة يوما ما ]عربية[ إنما كانت دائما ً ]إسلمية[ ولم‬
‫تكن ]قومية[ إنما كانت دائما ً ]عقيدية["‪.‬‬
‫أما عن رأيه بالشيوعية العالمية فيقول‪:‬‬
‫طى حواجز‬ ‫"وأرادت الشيوعية ان تقيم تجمعا من نوع آخر‪ ،‬يتخ ّ‬
‫الجنس والقوم والرض واللغة واللون‪ ،‬ولكنها لم تقمه على‬
‫قاعدة إنسانية عامة‪ ،‬إنما أقامته على القاعدة "الطبقية" فكان‬
‫مع الروماني القديم‪ .‬هذا تجمع‬ ‫هذا المجتمع هو الوجه الخر للتج ّ‬
‫على قاعدة طبقة ]الشراف[ وذلك تجمع على قاعدة طبقة‬
‫الصعاليك ]البروليتاريا["‪...‬‬
‫وعند تصور سيد قطب للدولة ونظام حكمها يقول‪:‬‬
‫"ومملكة الله في الرض ل تقوم بان يتوّلى الحاكمية في الرض‬
‫رجال بأعينهم ـ وهم رجال دين ـ كما كان المر في سلطة‬
‫الكنيسة‪ ،‬ول رجال ينطقون باسم اللهة كما كان الحال فيما‬
‫يعرف باسم "الثيوقراطية" أو الحكم اللهي المقدس!! ولكنها‬
‫تقوم بان تكون شريعة الله هي الحاكمة وان يكون مردّ المر إلى‬
‫الله وفق ما قرره من شريعة مبّينة"‪.‬‬

‫رأيه في الستعمار العالمي‬

‫ومما جاء في هذا الكتاب أيضًا‪ ،‬رأي السيد قطب في الستعمار‬


‫العالمي الذي تغلغل عميقا في المة السلمية‪" :‬ونحن نشهد‬
‫‪-60-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫نموذجا ً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية اليوم أن‬


‫ور التاريخ‪ ،‬فتزعم لنا أن‬
‫تخدعنا عن حقيقة المعركة‪ ،‬وان تز ّ‬
‫الحروب الصليبية كانت ستارا ً للستعمار‪ ...‬كل‪ ...‬إنما الستعمار‬
‫الذي جاء متأخرا ً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد قادرة‬
‫طمت‬ ‫على السفور كما كانت في القرون الوسطى! والتي تح ّ‬
‫على صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر‪ ،‬وفيهم‬
‫صلح الدين الكردي‪ ،‬ونوران شاه المملوكي‪ ،‬العناصر التي نسيت‬
‫قوميتها وذكرت عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة"‪.‬‬
‫وهذا غيض من فيض‪ .‬وللمزيد عن سيد قطب وأدبه وأفكاره‬
‫ونضاله واستشهاده يمكن الرجوع للكتب التي أّلفها‪ ،‬وبعضها‬
‫م جمعها وإصدارها في كتاب بعد إعدامه‪:‬‬ ‫مقالت ت ّ‬
‫‪ - 1‬التصور الفني في القرآن‪.‬‬
‫‪ - 2‬خصائص التصور السلمي‪.‬‬
‫‪ - 3‬دراسات إسلمية‪.‬‬
‫‪ - 4‬السلم العالمي والسلم‪.‬‬
‫‪ - 5‬في ظلل القرآن )ثمانية مجلدات(‪.‬‬
‫‪ - 6‬كتب وشخصيات‪.‬‬
‫‪ - 7‬لماذا أعدموني؟‬
‫‪ - 8‬المدينة المسحورة‪.‬‬
‫‪ - 9‬معركتنا مع اليهود‪.‬‬
‫‪ - 10‬مشاهد القيامة في القرآن‪.‬‬
‫‪ - 11‬مهمة الشاعر في الحياة‪.‬‬
‫‪ - 12‬النقد الدبي أصوله ومنهجه‪.‬‬
‫‪ - 13‬معالم في الطريق‪.‬‬
‫أما أهم الكتب التي صدرت عنه‪:‬‬
‫‪ - 1‬سيد قطب أو ثورة الفكر السلمي‪ ،‬محمد علي قطب‪.‬‬
‫‪ - 2‬سيد قطب حياته وأدبه‪ ،‬عبد الباقي محمد حسين‪.‬‬
‫‪ - 3‬سيد قطب الشهيد الحي‪ ،‬د‪ .‬صباح عبد الفتاح الخالدي‪.‬‬
‫‪ - 4‬سيد قطب من القرية إلى المشنقة‪ ،‬عادل حمودة‪.‬‬

‫‪-61-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ - 5‬مذابح الخوان في سجون ناصر‪ ،‬جابر رزق‪.‬‬


‫طرفة بن العبد‬

‫هو عمرو بن العبد‪ .‬و"طرفة" لقب غلب عليه‪ .‬ولد في البحرين‬


‫سنة ‪ 543‬م‪ ،‬وقتل في عهد عمرو بن هند‪ ،‬ملك الحيرة سنة ‪569‬‬
‫م‪ .‬فيكون قد عاش ستة وعشرين عاما فقط‪ ،‬ولهذا عرف باسم‬
‫"الغلم القتيل"‪.‬‬
‫وينتمي طرفة لسرة عرفت بكثرة شعرائها من جهة الب والم‪.‬‬
‫وكان في صباه عاكفا على حياة اللهو‪ ،‬يعاقر الخمر وينفق ماله‬
‫عليها‪ .‬ولكن مكانه في قومه جعله جريئا على الهجاء‪ .‬وقد مات‬
‫أبوه وهو صغير فأبى أعمامه أن يقسموا ماله وظلموه‪.‬‬
‫دت عليه وطأة التمرد عاد إلى قبيلته وراح يرعى إبل‬ ‫ولما اشت ّ‬
‫ً‬
‫أخيه "معبد" إل أنها سرقت منه‪ .‬ولما قصد مالكا ابن عمه نهره‪.‬‬
‫فعاد مجددا ً إلى الغارة والغزو‪.‬‬

‫موته‪:‬‬

‫توجه طرفة إلى بلط الحيرة حيث الملك عمرو بن هند‪ ،‬وكان فيه‬
‫مس )جرير بن عبد المسيح(‪.‬‬ ‫خاله المتل ّ‬
‫وكان طرفة في صباه معجبا ً بنفسه يتخّلج في مشيته‪ .‬فمشى‬
‫ي الملك عمرو بن هند فنظر إليه نظرة‬ ‫تلك المشية مرة بين يد ّ‬
‫مس‪:‬‬ ‫مس حاضرا ً ‪ ،‬فلما قاما قال له المتل ّ‬‫كادت تبتلعه‪ .‬وكان المتل ّ‬
‫"يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك"‪ .‬فقال طرفة‪" :‬كل"‪...‬‬
‫مس كتابا ً إلى‬
‫بعدها كتب عمرو بن هند لكل من طرفة والمتل ّ‬
‫المكعبر عامله في البحرين وعمان‪ ،‬وإذ كانا في الطريق بأرض‬
‫بالقرب من الحيرة‪ ،‬رأيا شيخا ً دار بينهما وبينه حديث‪ .‬ونّبه الشيخ‬
‫مس‬ ‫مس إلى ما قد يكون في الرسالة‪ .‬ولما لم يكن المتل ّ‬ ‫المتل ّ‬
‫يعرف القراءة‪ ،‬فقد استدعى غلما ً من أهل الحيرة ليقرأ الرسالة‬
‫له‪ ،‬فإذا فيها‪:‬‬

‫‪-62-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫"باسمك اللهم‪ ..‬من عمرو بن هند إلى المكعبر‪ ..‬إذا أتاك كتابي‬
‫مس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا"‪.‬‬ ‫هذا من المتل ّ‬
‫مس الصحيفة في النهر‪ ،‬ثم قال لطرفة أن ي ّ‬
‫طلع‬ ‫فألقى المتل ّ‬
‫على مضمون الرسالة التي يحملها هو أيضا ً فلم يفعل‪ ،‬بل سار‬
‫حتى قدم عامل البحرين ودفع إليه بها‪.‬‬
‫فلما وقف المكعبر على ما جاء في الرسالة أوعز إلى طرفة‬
‫بالهرب لما كان بينه وبين الشاعر من نسب ‪ ،‬فأبى ‪ .‬فحبسه‬
‫الوالي وكتب إلى عمرو بن هند قائل ً ‪" :‬ابعث إلى عملك من تريد‬
‫فاني غير قاتله"‪.‬‬
‫فبعث ملك الحيرة رجل ً من تغلب‪ ،‬وجيء بطرفة إليه فقال له‪:‬‬
‫"إني قاتلك ل محالة ‪ ..‬فاختر لنفسك ميتة تهواها"‪.‬‬
‫فقال‪" :‬إن كان ول بدّ فاسقني الخمر وأفصدني"‪ .‬ففعل به ذلك‪.‬‬

‫شعره‪:‬‬

‫ل‪ .‬ولكنه حافل بذكر الحداث‪،‬‬ ‫شعر طرفة قليل لنه لم يعش طوي ً‬
‫ويعكس أفكاره وخواطره بالحياة وبالموت‪ ،‬وتبرز فيه الدعوة‬
‫لقطف ثمار اللذة الجسدية والمعنوية قبل فوات العمر‪.‬‬
‫وقد ترك لنا طرفة ديوانا ً من الشعر أشهر ما فيه "المعّلقة"‪.‬‬
‫ويحوي الديوان ‪ 657‬بيتا ً ‪ ،‬أما المعلقة فيبلغ عدد أبياتها )‪(104‬‬
‫بيتا ً وهي على البحر الطويل‪ .‬ومن موضوعاتها‪:‬‬
‫‪ - 1‬الغزل ‪ -‬الوقوف على الطلل ووصف خولة‪.‬‬
‫‪ - 2‬وصف الناقة‪.‬‬
‫‪ - 3‬يعّرف نفسه ثم يعاتب ابن عمه‪.‬‬
‫‪ - 4‬ذكر الموت‪ ،‬ووصيته لبنة أخيه أن تندبه‪.‬‬
‫مختارات من معلقة طرفة بن العبد‬
‫فيما يلي بعض البيات المختارة من معلقة طرفة تدور حول عدة‬
‫مواضيع‪:‬‬

‫بببب‪:‬‬
‫‪-63-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫د‬
‫لخولة أطلل ببرقـة ثهمــ ِ‬
‫د‬
‫تلوح كبـاقي الوشم في ظاهر الي ِ‬
‫ي مطّيهم‬ ‫وقوفـا ً بها صحبي عل ّ‬
‫ى وتجـل ّ ِ‬
‫د‬ ‫يقولون ل تهلـك أسـ ً‬

‫بب ببب‪:‬‬
‫ت أنني‬‫إذا القوم قالوا ‪ :‬من فتى؟ خل ُ‬
‫د‬ ‫ّ‬
‫عنيت فلم اكسل ولـم اتـبـل ِ‬ ‫ُ‬
‫ة‬‫ع مـخـاف ً‬ ‫ت بحل ّ ِ‬
‫ل التـل ِ‬ ‫ولس ُ‬
‫د‬
‫فـ ِ‬
‫م أر ِ‬ ‫د القـو ُ‬
‫ولكن متى يسترف ِ‬

‫ببببب ببببب‪:‬‬
‫أل أيهـذا اللئمي أحضر الوغـى‬
‫خِلدي؟‬ ‫م ْ‬ ‫ت‪ ،‬هل انت ُ‬ ‫ن أشهدَ اللذا ِ‬ ‫وأ ْ‬
‫ع مـنيـتي‬ ‫ع دف َ‬ ‫ت ل تسطي ُ‬ ‫فإن كن َ‬
‫ت يدي‬ ‫فدعني أباِدْرهـا بـمـا ملك َ ْ‬
‫ة الفتـى‬ ‫ن من لـذّ ِ‬ ‫ثه ّ‬ ‫ولول ثل ٍ‬
‫ودي‬ ‫ع ّ‬‫ل متـى قام ُ‬ ‫ك لـم أحف ْ‬ ‫وجدّ َ‬
‫ة‬
‫ت بشـربـ ٍ‬ ‫ن سبقي العاذل ِ‬ ‫فمنه ّ‬
‫د‬‫ء ت ُْزب ِ ِ‬‫ل بالـما ِ‬‫عـ َ‬ ‫ت مـتى ما ت ُ ْ‬ ‫كُ َ‬
‫مي ْ ٍ‬
‫ببب‪:‬‬
‫ة‬
‫م ذوي القربى أشدّ مضاض ً‬ ‫وظل ُ‬
‫د‬
‫ع الحسام ِ المهن ّ ِ‬ ‫ق ِ‬‫و ْ‬‫ء مـن َ‬ ‫على المر ِ‬
‫ت جاهل ً‬‫م ما كن َ‬ ‫ستبدي ل َ‬
‫ك اليا ُ‬
‫وِد‬ ‫ر مـن لم ت َُز ّ‬ ‫ك بـالخبـا ِ‬ ‫ويأتي َ‬

‫طرفة بين ف ّ‬
‫كي التاريخ‬

‫‪-64-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫طرفة الشاعر الجاهلي المبدع عانى من ظلم القرباء وهو أشنع‬


‫ن أننا‬
‫ضروب الستبداد لنه يأتي من اليدي التي نحبها والتي نظ ّ‬
‫نأمن شّرها‪ .‬ولم تمهله المؤامرات التي حيكت ضده كثيرا فمات‬
‫في ربيع عمره عن ‪ (26)0‬عاما‪ ،‬حيث قتل بوحشية ل لذنب‬
‫اقترفه سوى إبداعه وإن كان بالهجاء‪.‬‬
‫حت الرواية‬ ‫سقط الشاعر ضحية لخلف شخصي مع الملك‪ .‬وإذا ص ّ‬
‫ن هذا يد ّ‬
‫ل‬ ‫حول موته وأنه حمل الكتاب الذي يحوي أمرا ً بقتله‪ ،‬فإ ّ‬
‫على مدى عّزة النفس والثقة التي كان طرفة يتمّتع بها‪ ،‬وإن‬
‫كانت في آخر المر‪ ،‬سبب مقتله‪.‬‬
‫بمقتل طرفة بن العبد في ربيع عمره وفي بداية عطائه حرم‬
‫عشاق الدب العربي والباحثين في علوم الصحراء والبداوة وتاريخ‬
‫ودهم بالمعلومات التي‬ ‫العرب من مصدر خصب كان يمكن أن يز ّ‬
‫يحتاجونها‪ ،‬وحرموا من عطاء خيال مبدع‪.‬‬
‫وتبقى معّلقة الشاعر شاهدا على مجد صاحبها وعلى الظلم‬
‫والنهاية المؤلمة للشاعر‪.‬‬

‫‪-65-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أبو فراس الحمداني‬

‫هو الحارث بن سعيد بن حمدان‪ ،‬كنيته "أبو فراس"‪ .‬ولد في‬


‫الموصل واغتيل والده وهو في الثالثة من عمره على يد ابن أخيه‬
‫ن سيف الدولة قام برعاية أبي فراس‪.‬‬ ‫جّراء طموحه السياسي‪ ،‬لك ّ‬
‫استقّر أبو فراس في بلد الحمدانيين في حلب‪ .‬درس الدب‬
‫والفروسية‪ ،‬ثم توّلى منبج وأخذ يرصد تحّركات الروم‪ .‬وقع مرتين‬
‫في أسر الروم‪ .‬وطال به السر وهو أمير ‪ ،‬فكاتب ابن عمه سيف‬
‫ن سيف الدولة تباطأ وظ ّ‬
‫ل يهمله‪.‬‬ ‫الدولة ليفتديه‪ ،‬لك ّ‬
‫كانت مدة السر الولى سبع سنين وأشهرا ً على الرجح‪ .‬وقد‬
‫استطاع النجاة بأن فّر من سجنه في خرشنة‪ ،‬وهي حصن على‬
‫الفرات‪ .‬أما السر الثاني فكان سنة ‪ 962‬م‪ .‬وقد حمله الروم إلى‬
‫القسطنطينية‪ ،‬فكاتب سيف الدولة وحاول استعطافه وحّثه على‬
‫افتدائه‪ ،‬وراسل الخصوم ‪ .‬وفي سنة )‪ (966‬م تم تحريره‪.‬‬
‫وفي سجنه نظم الروميات‪ ،‬وهي من أروع الشعر النساني‬
‫وأصدقه‪.‬‬

‫خر سيف الدولة في تحريره؟‬


‫لماذا تأ ّ‬

‫علم سيف الدولة أن أبا فراس فارس طموح‪ ،‬فخاف على ملكه‬
‫ط من قدره وان يكسر شوكته ويخذله ويذّله‬‫منه‪ ،‬ولهذا أراد أن يح ّ‬
‫بإبقائه أطول فترة ممكنة في السر‪.‬‬
‫ولهذا قام بمساواته مع باقي السرى‪ ،‬رغم انه ابن عمه‪ ،‬وله‬
‫صولت وجولت في الكرم والدفاع عن حدود الدولة وخدمة سيف‬
‫الدولة الحمداني‪.‬‬

‫‪-66-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أبو فراس الحمداني بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫سقوط الفارس في ساحة الميدان‪:‬‬
‫بعد سنة من افتداء الشاعر‪ ،‬توفي سيف الدولة )‪ (967‬م وخلفه‬
‫ابنه أبو المعالي سعد الدولة‪ ،‬وهو ابن أخت الشاعر‪ .‬وكان أبو‬
‫المعالي صغير السن فجعل غلمه التركي فرعويه وصيا ً عليه‪.‬‬
‫وعندها عزم أبو فراس الحمداني على الستيلء على حمص‪،‬‬
‫ول‬‫جه إليه أبو المعالي موله فرعويه‪ ،‬فسقط الشاعر في أ ّ‬ ‫فو ّ‬
‫اشتباك في الرابع من نيسان سنة ‪ 968‬م وهو في السادسة‬
‫والثلثين من عمره‪.‬‬
‫ن رأي سيف الدولة الحمداني فيه كان صادقا ً وفي‬‫وهكذا نجد أ ّ‬
‫محله‪ .‬فقد كان أبو فراس الحمداني طموحا ً المر الذي جّر عليه‬
‫الويلت‪.‬‬

‫أشعاره ‪:‬‬

‫من آخر أشعاره مخاطبته ابنة أخيه‪:‬‬


‫ب‬‫كل النام إلى ذهـــا ْ‬ ‫أبنّيتـي ل تـحزنـي‬
‫ب‬
‫للجليل مـن الـمـصا ْ‬ ‫أبنّيتـي صبرا ً جـميل ً‬
‫ب‬
‫ك والحجا ْ‬ ‫ف ستر ِ‬ ‫من خل ِ‬ ‫ة‬
‫ي بحسـر ٍ‬ ‫نوحي علـ ّ‬
‫ب‬
‫ت عـن ردّ الجوا ْ‬ ‫وعيي ُ‬ ‫قولـي إذا ناديتنـي‬
‫ب‬
‫ع بالشبــــا ْ‬ ‫لم يمت ّ ْ‬ ‫س‬
‫زين الشباب أبو فرا ٍ‬

‫ومن روائع شعره ما كتبه لمه وهو في السر‪:‬‬


‫ه‬
‫ما خفت أسباب المنّيـ ْ‬ ‫ج‬
‫لول العجوز بـمنب ٍ‬
‫ه‬
‫من فدا نفـس أبــي ّ ْ‬ ‫ما سألت‬ ‫ولكان لي ع ّ‬

‫وفي قصيدة أخرى إلى والدته وهو يئن من الجراح والسر‪،‬‬


‫يقول‪:‬‬
‫‪-67-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ن الله سوف يدي ُ‬


‫ل‬ ‫وظني بأ ّ‬ ‫مصابي جليل والعزاء جمي ُ‬
‫ل‬
‫م َ‬
‫ك؟ أّنـي بعدها لحمو ُ‬
‫ل‬ ‫أه ّ‬ ‫ة‬
‫جراح وأسر واشتياقٌ وغرب ٌ‬

‫بببببب بببب بب ببببببببببب ببب ببب ببب بببببب بببب‪:‬‬


‫بمن يثق النسان فـيمـا نواه؟‬
‫ومن أين للحّر الكريم صحاب؟‬

‫ببب ببببب "بببب ببببببببب" ببببببب بببب‪:‬‬


‫ي الدمع شيمتك الصبر‬ ‫أراك عص ّ‬
‫ي عليك ول أمر؟‬ ‫أما للهوى نه ٌ‬
‫ة‬
‫ي لوع ٌ‬ ‫نعم أنا مشتاق وعنـد َ‬
‫ن مثلي ل ُيذاع له سـّر‬ ‫ولك ّ‬
‫ت يدَ الهوى‬‫إذا الليل أضواني بسط ُ‬
‫ه الك ِب ُْر‬ ‫ً‬
‫ت دمعا من خلئق ِ‬ ‫وأذلل ُ‬
‫كلمة أخيرة‬
‫أبو فراس الحمداني الشاعر والفارس الذي ل يهاب الموت عاني‬
‫ب‬
‫الكثير من سيف الدولة الذي خاف من فروسيته وشعبيته فأح ّ‬
‫أن يبقيه في أسر الروم‪ .‬أما نحن القراء فأمتعنا ما كتبه الشاعر‬
‫من كتابة صادقة في الحب والفخر والرثاء والشكوى‪.‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫ب‬‫ج ْ‬ ‫ومديح آبائي الن ّ ُ‬ ‫لم أعدُ فـيـه مفاخري‬
‫ب‬
‫ن ول اللع ْ‬ ‫ول المجو ِ‬ ‫ء‬
‫ل في المديح ول الهجا ِ‬
‫ن يد‬
‫ولما تحرر من أسره حاول ردّ اعتباره واستعادة مجده لك ّ‬
‫الموت كانت أطول ‪ .‬وفي معركة غير متكافئة سقط شاعرنا‬
‫ومات وهو يلفظ الشعر الصادق‪ ،‬فهو لم يكن يكتب الشعر‬
‫سب مثل شعراء العصر العباسي وشعراء البلط في عصرنا‪.‬‬ ‫للتك ّ‬

‫‪-68-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أبو ذر الغفاري‬

‫هو أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري‪ .‬كان من السابقين إلى‬


‫السلم‪ .‬وهو أول من حيا النبي صلى الله عليه وسّلم بتحية‬
‫السلم‪ .‬وكان قد امتنع عن بيعة أبي بكر‪ ،‬ثم بايعه كارهًا‪.‬‬
‫رفض كل الموال التي بذلت له في سبيل تغيير رأيه أو كتم‬
‫أفكاره المعارضة للسلطة الموية‪ ،‬وقد اعترض على سيرة الحكام‬
‫في بيت المال‪ ،‬فقام عثمان بنفيه إلى الشام‪.‬‬
‫وقد فشل معاوية بتطويق أمره وثنيه عن سلوكه فكتب إلى‬
‫عثمان بأمره‪ ،‬فأمره أن يحمله إليه على قنب يابس ‪ ،‬وان يعّنفوا‬
‫به السير ‪ ..‬ففعل‪ .‬ولم يصل أبو ذر إلى المدينة إل بعد أن تسّلخ‬
‫لحم فخذيه‪ .‬ثم نفاه عثمان إلى الربذة ‪ .‬فبقي هناك حتى مات‬
‫قهرا ً وفقرا ً وذل ً ‪.‬‬
‫وكان ما أصاب أبو ذر من معاملة عثمان له أحد أسباب نقمة‬
‫المسلمين عليه وخروجهم عن طاعته‪.‬‬

‫فكر أبي ذر الغفاري‪:‬‬

‫‪-69-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫بسبب موقفه الصحيح من بيت المال والغنى الفاحش ‪ ،‬ينظر‬


‫بعض المؤرخين الجدد إليه على انه من أنصار الشتراكية أو‬
‫الشيوعية‪.‬‬
‫والحقيقة أن أبا ذر مصلح اجتماعي أراد محاربة السلطة بالطرق‬
‫السلمية من خلل شرح موقفه المستند إلى القرآن والسنة‬
‫النبوية‪ .‬لهذا كان يدعو إلى التقشف وعدم التبذير‪ .‬وهذا المر لم‬
‫يرق لمعاوية وأهل بيته‪.‬‬
‫كان أبو ذر يعتقد انه ل يجوز لمسلم بان يكون له في ملكه أكثر‬
‫من قوت يومه وليلته‪ ،‬مستندا ً على الية الكريمة "والذين يكنزون‬
‫شرهم بعذاب‬‫الذهب والفضة ول ينفقونها في سبيل الله فب ّ‬
‫أليم"‪.‬‬
‫وكان يخطب في أهل الشام فيقول‪:‬‬
‫شر الذين يكنزون الذهب والفضة‬ ‫"يا معشر الغنياء والفقراء‪ ..‬ب ّ‬
‫و من نار تكوى بها جباههم‬‫ول ينفقونها في سبيل الله بمكا ٍ‬
‫وجنوبهم وظهورهم ‪."..‬‬

‫محنة أبي ذر‪:‬‬

‫‪ - 1‬حاول بنو أمية إّتباع أسلوب التهديد والوعيد والفقر والجوع‬


‫والقتل‪ ..‬وكان ردّ أبي ذّر‪" :‬إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل‪،‬‬
‫ي من الغنى"‪.‬‬‫ب إل ّ‬‫ي من ظهرها والفقر أح ّ‬ ‫ب إل ّ‬
‫ولبطن الرض أح ّ‬
‫‪ - 2‬كما حاول بنو أمية نبذ أبي ذر اجتماعيا ً وإبعاد الناس عنه )كما‬
‫ي بن أبي طالب مثل ً (‪ ،‬لهذا منعوا الناس‬‫فعلوا مع غيره‪ ،‬مثل عل ّ‬
‫من القتراب إليه‪ ،‬ووصل المر أن الناس كانوا يفّرون منه عندما‬
‫يقبل!‬
‫‪ - 3‬تم نفيه إلى الشام في زمن الخليفة عثمان بن عفان‪ ،‬وذلك‬
‫حتى يكون تحت مراقبة معاوية والي الشام وأعوانه‪.‬‬
‫‪ - 4‬محاولة إعطائه الموال بغير حق وذلك كي يتم فضحه أمام‬
‫المل‪.‬‬
‫‪ - 5‬قطع عطاء أبي ذر وذلك من أجل الضغط القتصادي عليه‪.‬‬
‫‪-70-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ب هذا المكان‪.‬‬
‫‪ - 6‬النفي إلى الربذة‪ ،‬وكان أبو ذر ل يح ّ‬

‫أبو ذر بين ف ّ‬
‫كي التاريخ‬
‫سك بدين الله ورسوله‬ ‫كان أبو ذر رمزا للصحابي المثالي الذي يتم ّ‬
‫ول يحيد عنه قيد أنملة ‪ ،‬رغم كل الضغوطات القتصادية‬
‫والجتماعية والنفي والمقاطعة‪.‬‬
‫حارب الفساد بغير السيف‪ ..‬لنه لم يرغب بإراقة دم المسلم ‪..‬‬
‫ولم يكن رجل حرب‪ ..‬والغريب تجاهل العديد من المؤرخين العرب‬
‫لقضيته النسانية ولثورته الجتماعية والتي تعتبر من الثورات‬
‫الولى في صدر السلم‪.‬‬
‫ي عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي‬ ‫وهنالك من حاول تنظيف يد ّ‬
‫سفيان من قضية محاربته وعزله‪.‬‬
‫وأخيرا ً ‪ :‬كانت أفكار أبي ذر إسلمية خالصة‪ ،‬وكان القرآن مرجعه‬
‫الول يضاف إليه الحاديث النبوية الشريفة التي سمعها وحفظها‬
‫عن ظهر قلب من الرسول مباشرة‪.‬‬

‫‪-71-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫خالد بن الوليد‬
‫)ت ‪ 642‬م(‬

‫هو خالد بن المغيرة المخزومي‪ .‬اسلم في السنة الثامنة من‬


‫الهجرة بعد أن كان شديدا ً على المسلمين ‪ ..‬استلم قيادة الجيش‬
‫في سرية مؤتة بعد استشهاد القواد الذين عّينهم الرسول‪ .‬ل ّ‬
‫قبه‬
‫الرسول "سيف الله المسلول"‪.‬‬
‫استطاع خالد بحكمته النسحاب بجيش المسلمين بنجاح وإنقاذه‬
‫من جيش الروم ‪ .‬وفي حروب الردة برع خالد في القضاء على‬
‫المرتدين مثل مسيلمة بن ثمامة وطلحة بن خويلد‪.‬‬
‫ساهم خالد بن الوليد بفتح العراق في زمن الخليفة الراشدي‬
‫الول أبي بكر الصديق ‪ ،‬ثم طلب منه الخليفة التوجه إلى الشام‬
‫لملقاة الروم ‪ ،‬فاستطاع خالد الذي كان معه عشرة آلف مقاتل‪،‬‬
‫الوصول إلى اليرموك خلل ‪ 18‬يوما ً ‪ ،‬في مسيرته الشهيرة التي‬
‫استطاع بها قطع بادية الشام‪.‬‬
‫ن الروم وساوس الشيطان‬ ‫ُ‬
‫سي َ ّ‬
‫قال عنه أبو بكر الصديق‪" :‬والله لن ِ‬
‫بخالد بن الوليد"‪.‬‬
‫حد الفرق السلمية‪ .‬وكان جيش المسلمين‬ ‫لما وصل اليرموك و ّ‬
‫أربعين ألف فارس مقابل مائتي ألف مقاتل رومي‪.‬‬
‫رّتب خالد الجيش السلمي إلى كراديس‪ ،‬كل كردوس من ألف‬
‫مقاتل على رأسه رجل خبير بالحرب‪ .‬وكان من نتائج ذلك تفّرق‬
‫الروم الذين سقط فرسانهم وتركوا وراءهم أكثر من مائة‬
‫وخمسين ألف قتيل ‪ ،‬بينما فقد المسلمون في هذه المعركة ثلثة‬
‫آلف قتيل ‪.‬‬
‫وقد عزل خالد بن الوليد من قبل الخليفة الجديد عمر بن‬
‫الخطاب‪ .‬وكان ذلك حين كان في الشام‪ .‬وهناك جاء البريد إلى‬
‫خالد حامل ً معه خبر وفاة أبي بكر الصديق واستلم عمر بن‬
‫‪-72-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫الخطاب الخلفة‪ ،‬وأمر عمر بعزله عن قيادة الجيش وتولية أبي‬


‫عبيدة الجراح مكانه‪.‬‬

‫خالد بن الوليد بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫لقد ساهمت عبقرية خالد بن الوليد في كسر جحافل الفرس‬
‫من‬‫والروم والقضاء على المرتدين في الجزيرة العربية‪ .‬وقد ث ّ‬
‫له قيادة‬ ‫الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق عطاءه وحكمته فو ّ‬
‫الجيش في الشام‪ .‬وبفضل حكمته انتصرت جيوش المسلمين‪.‬‬
‫ولكن الخليفة عمر بن الخطاب عزله‪.‬‬
‫لماذا ؟!‬
‫ُيقال إن عمر بن الخطاب كان يضمر العداء الشخصي لخالد‪.‬‬
‫ويقول عمر بن الخطاب عن سبب العزل‪:‬‬
‫خموه‬ ‫ن الناس ف ّ‬ ‫ة ولك ّ‬
‫ة ول خيان ٍ‬‫"إني لم اعزل خالدا ً عن سخط ٍ‬
‫فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه‪ ،‬فحببت أن يعلموا أن الله هو‬ ‫و ُ‬
‫الصانع وان ل يكونوا بعرض فتنة"‪.‬‬
‫أما خالد بن الوليد فاستأنف الجهاد في صفوف جيش أبي عبيدة‬
‫ي جندي‪ ،‬وقال جملته المشهورة‪:‬‬ ‫بن الجراح مثله مثل أ ّ‬
‫ب عمر"‪.‬‬ ‫"أنا ل أقاتل من أجل عمر‪ ،‬وإنما أقاتل لرضاء ر ّ‬
‫وعندما كان على فراش الموت في مدينة حمص قال‪:‬‬
‫"ما في جسدي شبر إل وفيه ضربة أو رمية سهم‪ .‬وها أنا أموت‬
‫على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير ‪ ..‬فل نامت أعين‬
‫الجبناء"‪.‬‬
‫مات خالد بن الوليد سنة )‪ (642‬م في مدينة حمص‪ ،‬ولم يترك‬
‫وراءه ثروة مع انه فتح بلد الشام وفيها الثروات الهائلة‪.‬‬

‫‪-73-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫طارق بن زياد‬
‫)ت ‪ 720‬م(‬

‫طارق بن زياد بربري من قبيلة الصدف‪ .‬وكانت مضارب خيام هذه‬


‫القبيلة في جبال المغرب العالية‪ .‬وهي قبيلة شديدة البأس‪،‬‬
‫ديانتها وثنية‪ .‬وكان طارق بن زياد فارسا ً شجاعا ً مقداما ً ‪ ،‬وكان‬
‫غازيا ً بطاشًا‪.‬‬
‫ولم يصل المسلمون إلى شمال أفريقيا إل في عهد الخليفة‬
‫كل موسى بن نصير بهذه المهمة‪.‬‬ ‫الوليد بن عبد الملك ‪ ،‬الذي و ّ‬
‫وقد دخلت القبائل الوثنية في السلم ‪ ،‬ومن بينها قبيلة طارق‬
‫بن زياد‪ ،‬ذلك الفارس الشاب الذي أعجب موسى بن نصير‬
‫بشجاعته وقوته‪ ،‬ولهذا عهد إليه بفتح شمال أفريقيا ‪ .‬وحارب‬
‫طارق المشركين ودخل الكثيرون منهم في السلم وتم أسر من‬

‫‪-74-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫لم يسلم منهم‪ .‬وبعد هذا النجاح عينه موسى بن نصير واليا على‬
‫طنجة‪.‬‬

‫فتح الندلس‪:‬‬

‫كان الحلم الكبر الذي يراود طارق بن زياد هو اجتياز الماء إلى‬
‫الجهة الخرى واجتياح أسبانيا ‪ ،‬التي كانت تحت حكم ملك القوط‬
‫لذريق‪ .‬وكان حاكم سحبة يناصب لذريق هذا العداء‪ ،‬ولهذا قام‬
‫بالتصال بطارق بن زياد وموسى بن نصير وأخذ يحثهما على غزو‬
‫أسبانيا مبديا استعداده لمساعدتهما‪.‬‬
‫وبعد مراسلت مع الخليفة في الشام وافق الخليفة على ذلك‪.‬‬
‫وقاد طارق بن زياد جيش المسلمين واجتاز المضيق الذي يفصل‬
‫بين شمال أفريقيا وأوروبا‪ ،‬والذي أصبح يعرف فيما بعد باسمه‬
‫)مضيق طارق بن زياد(‪ ،‬والتقى الجمعان بالقرب من نهر لكه‪.‬‬
‫ووقف طارق بن زياد يومها أمام جنوده وألقى خطبته المشهورة‪:‬‬
‫"أيها الناس أين المفّر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم‪،‬‬
‫ذركم أمرا ً أنا عنه‬ ‫وليس لكم والله إل الصدق والصبر‪ ..‬وإني لم أح ّ‬
‫ق قليل ً استمتعتم‬ ‫بنجوة‪ ..‬واعلموا إنكم إن صبرتم على الشـ ّ‬
‫ت فاحملوا وإن وقفت فقفوا‪ .‬ثم‬ ‫ه اللذّ طويل ً ‪ ..‬وإن حمل ُ‬
‫بالرف ِ‬
‫كونوا كهيئة رجل واحد في القتال‪ .‬أل وإني عامد إلى طاغيتهم‬
‫ت فل تهنوا‬ ‫ل دونه‪ .‬فإن قِتل ُ‬ ‫بحيث ل أتهيبه حتى أخالطه أو ُأقت َ َ‬
‫ول تحزنوا ول تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وتوّلوا الدبر‬
‫ددوا بين قتيل وأسير"‪.‬‬ ‫وكم فتب ّ‬ ‫لعد ّ‬
‫ب الرعب في قلوبهم‪.‬‬ ‫هجم المسلمون على جيش القوط فد ّ‬
‫وب رمحه نحوه‬ ‫أما قائدهم لذريق فلمحه طارق بن زياد وص ّ‬
‫وأرداه قتيل ً يتخّبط في دمائه التي صبغت لون النهر‪ .‬وعندها صاح‬
‫طارق بن زياد‪" :‬قتلت الطاغية‪ ..‬قتلت لذريق"‪..‬‬
‫وبعد هذه المعركة صارت الطريق ممهدة أمام المسلمين لفتح‬
‫البلد‪ .‬وفتح طارق المدن السبانية واحدة تلو الخرى ‪ .‬لكنه احتاج‬

‫‪-75-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫إلى المدد فكاتب موسى بن نصير قائل ً ‪" :‬إن المم قد تداعت‬
‫علينا من كل ناحية فالغوث الغوث"‪.‬‬
‫سارع موسى بن نصير ووصل الندلس على رأس جيش قوامه ‪18‬‬
‫ألف مقاتل من العرب والبربر وذلك سنة ‪ .712‬واتحد الجيش مع‬
‫جيش طارق بن زياد‪ ،‬حيث خاض الجيش الموحد معركة "وادي‬
‫موسى" التي هزم المسلمون فيها جموع القوط ودانت لهم بعد‬
‫هذا النصر الندلس كلها‪.‬‬

‫طارق بن زياد بين فكي التاريخ‬


‫لطارق بن زياد فضل كبير في إخضاع القبائل البربرية في شمال‬
‫أفريقيا وفي فتح الندلس وهزم القوط في "معركة نهر لكه"‬
‫و"معركة وادي موسى"‪.‬‬
‫ح المساعدات‪ ،‬وبالرغم من المصاعب‬ ‫وبالرغم من قلة جنده وش ّ‬
‫ول مرة‪ ،‬إل انه استطاع فتح‬ ‫التي واجهها في بلد يدخلها ل ّ‬
‫الندلس وتحقيق النتصار‪ .‬إل أن كل هذا لم يشفع له عند موسى‬
‫دم‬‫بن نصير الذي ربما يكون قد توجه للندلس عام ‪ 712‬ل ليق ّ‬
‫المساعدات لطارق بن زياد بعد رسالته إليه‪ ،‬وإنما لينسب فتح‬
‫الندلس لنفسه‪.‬‬
‫دم أكثر مما‬ ‫ً‬
‫لقد كان موسى بن نصير حاقدا على طارق لنه تق ّ‬
‫أراد !! وبدل ً من تهنئته قام بإهانته وتوبيخه ثم عزله وسجنه ولم‬
‫خل الخليفة الوليد !!‬‫يطلق سراحه إل بعد تد ّ‬

‫نهاية البطل‪:‬‬

‫توجه طارق بن زياد بصحبة موسى بن نصير إلى دمشق ومعه‬


‫أربعمائة من أفراد السرة المالكة وجموع من السرى والعبيد‬
‫والعديد من النفائس‪.‬‬

‫‪-76-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ولما وصل طبريا في فلسطين‪ ،‬طلب منهما سليمان ولي العهد‬


‫خر حتى يموت الخليفة الوليد الذي كان يصارع الموت‪ .‬لكنهما‬ ‫التأ ّ‬
‫دمهما ودخل مع الغنائم إلى دمشق‪.‬‬ ‫تابعا تق ّ‬
‫وبسبب هذا غضب عليهما سليمان‪ ،‬لنه كان يريد أن ينسب الفتح‬
‫والغنائم لنفسه ‪..‬‬
‫وعندما توّلى سليمان الخلفة ‪ ،‬عزل موسى وأولده ‪ ،‬وقتل ابنه‬
‫عبد العزيز بن موسى الذي شارك في فتح الندلس ‪ .‬أما طارق‬
‫ل وبقي بدون شأن ومات‬ ‫م َ‬
‫بن زياد جالب النصر والغنائم فأه ِ‬
‫فقيرا ً سنة ‪ 720‬م‪.‬‬
‫عانى طارق بن زياد من الظلم والحبس عند موسى بن نصير‪،‬‬
‫فحسب أن العدل عند الخليفة الوليد ‪ ..‬لهذا توجه إلى الشام ‪.‬‬
‫ولكن بعد وصوله مع موسى بن نصير إلى دمشق‪ ،‬مات الخليفة‬
‫ي العهد الذي كان يتوعدهما‪،‬‬ ‫بعد أربعين يوما ً ‪ ،‬وتسّلم السلطة ول ّ‬
‫والذي انتقم من كليهما‪.‬‬
‫ول‬‫مات طارق بن زياد معدما ً ‪ .‬وقيل انه شوهد في آخر أيامه يتس ّ‬
‫ق أن يكون واليا ً على البلد التي‬‫أمام المسجد !! وكان يستح ّ‬
‫فتحها مثله مثل عمرو بن العاص الذي فتح مصر وتولى‬
‫وليتها ‪....‬‬

‫‪-77-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫أبو مسلم الخراساني‬

‫هو إبراهيم أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم‪ .‬أصله فارسي‪ .‬عرف‬
‫بعدائه للمويين ‪ ،‬وانضم إلى الدعوة العباسية واستطاع جمع‬
‫الفلحين والمؤيدين من الفرس حوله‪ ،‬لهذا تقّرب منه أبو العباس‬
‫السفاح الذي صار الخليفة العباسي الول‪.‬‬
‫كان أبو مسلم الخراساني في بداية الدولة العباسية مقربا ً من‬
‫ن الخليفة الثاني )أبو جعفر المنصور(‬ ‫الخليفة العباسي الول ‪ ،‬لك ّ‬
‫خشي من تعاظم قوته وكثرة مؤيديه فدّبر مؤامرة لقتله‪.‬‬

‫أبو مسلم الخراساني بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫كان أبو مسلم الخراساني المحّرك الساسي للدعوة العباسية في‬
‫بلد فارس‪ ،‬وعرف بنو العباس كيف يكسبونه لصفهم ‪ ،‬وعرف هو‬
‫كيف يجمع حوله الموالي والشيعة الناقمين على حكم بني أمية‬
‫الجائر‪.‬‬
‫كان من المفروض أن يتقاسم أبو مسلم الخراساني السلطة هو‬
‫حوا في سبيل إقامة الدولة العباسية وهدم الدولة‬
‫وأعوانه ممن ض ّ‬
‫الموية‪ .‬لقد كان أبو مسلم مهندس الثورة ‪ ،‬غير أن الخليفة‬
‫الثاني أصدر أوامره بتصفيته ‪ .‬وبهذا زادت نقمة الشيعة والموالي‬
‫الذين عانوا الكثير وفعلوا الكثير من أجل الطاحة بالبيت الموي ‪،‬‬

‫‪-78-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫والذين كانوا عماد الثورة العباسية‪ ،‬التي ما كانت لتنتصر‬


‫بدونهم ‪...‬‬
‫قصة اغتيال أبي مسلم الخراساني‬
‫يورد المسعودي قصة خداع أبي مسلم ثم اغتياله فيقول‪:‬‬
‫دم أبو‬‫بعث المنصور إلى أبي مسلم الخراساني لمذاكرته‪ .‬فتق ّ‬
‫مسلم الخراساني إلى مضرب المنصور‪ .‬وكان المنصور قد أخبر‬
‫صاحب حرسه وأمرهم أن يقوموا خلف السرير الذي وراء أبي‬
‫فق بيد‬‫مسلم الخراساني‪ .‬وأمرهم أل ّ يظهروا إذا عاتبه‪ ،‬فإذا ص ّ‬
‫على يد فليظهروا وليضربوا عنقه وما أدركوا منه بسيوفهم ‪.‬‬
‫جلس المنصور فقام أبو مسلم من موضعه ودخل فسّلم عليه فر ّ‬
‫د‬
‫عليه وأذن له بالجلوس ‪ ،‬وحادثه ساعة ‪ ،‬ثم أقبل يعاتبه ‪.‬‬
‫فقال أبو مسلم ‪ :‬ليس يقال هذا لي بعد بلئي وما كان مني ‪.‬‬
‫فقال له المنصور‪ :‬يا ابن الخبيثة‪ ..‬إنما فعلت هذا بجدنا وحظوظنا‬
‫‪ ..‬ألست الكاتب الذي تبدأ بنفسك وتزعم انك ابن سليط بن عبد‬
‫الله بن العباس؟‬
‫فأخذ أبو مسلم يعتذر إليه ‪ ،‬فقال له المنصور ‪ :‬قتلتني إن لم‬
‫أقتلك ‪...‬‬
‫فق المنصور بإحدى يديه على الخرى فخرج إليه القوم‬ ‫ثم ص ّ‬
‫واعتورته السيوف فتخّلطت أجزاؤه‪ ..‬وأتوا عليه والمنصور يصيح ‪:‬‬
‫اضربوا قطع الله أيديكم ‪...‬‬
‫وكان أبو جعفر المنصور قد أعدّ صرر المال ‪ .‬فما أن فرغ من‬
‫قتل أبي مسلم حتى خرج الخزانون بالمال ونثروه على‬
‫الخراسانيين ‪ ،‬فانشغل هؤلء بالمال ولم يسألوا عن أبي مسلم ‪.‬‬
‫وكان أبو جعفر يريد إقصاء أبي مسلم الخراساني عن خراسان‬
‫حيث أهله‪ ،‬وأراد أن يعهد له بولية مصر والشام ‪ .‬ونسي أبو‬
‫جعفر المنصور أن أبا مسلم الخراساني هو من قضى على ثورة‬
‫عمه عبد الله بن علي الذي طلب الخلفة لنفسه‪ ،‬والذي كاد يطيح‬
‫بخلفة المنصور لول أبي مسلم الخراساني الذي أسره وجاء به‬
‫إلى المنصور فقتله‪.‬‬

‫‪-79-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫عبد الله أوجلن الكردي‬

‫ولد عبد الله أوجلن لسرة فلحين عام ‪ 1949‬في بلدة أوميزلي‬
‫في محافظة سانلي الواقعة على الحدود التركية السورية‪ .‬درس‬
‫في جامعة أنقرة‪ ،‬وهناك بدأ نضاله‪ .‬سجن سنة ‪ 1972‬لمدة سبعة‬
‫أشهر بحجة نشاطه المؤيد للكراد‪.‬‬
‫في سنة ‪ 1978‬أسس عبد الله أوجلن حزب العمال الكردستاني‪.‬‬
‫وفي سنة ‪ 1980‬غادر تركيا ليعمل من المنفى وخاصة من دمشق‬
‫وسهل البقاع اللبناني‪ ،‬الذي يخضع للسيطرة السورية‪.‬‬
‫في سهل البقاع أقام أوجلن معسكرات التدريب لعضاء حزبه‪،‬‬
‫ن هذه المعسكرات سرعان ما أغلقت بضغط من أنقرة‪.‬‬ ‫لك ّ‬
‫حاول أوجلن إقناع حكومة تركيا بفتح حوار مع الكراد وهو على‬
‫هد بان يتم وقف إطلق النار من حزب العمال‬ ‫رأسهم‪ ،‬وتع ّ‬
‫ن أنقرة ظّلت‬ ‫الكردستاني إذا استجابت تركيا إلى هذا الطلب‪ .‬لك ّ‬
‫ترفض مطالبه ومطالب حزبه‪.‬‬
‫في تشرين أول ‪ 1998‬تم إبعاد أوجلن من سوريا‪ ،‬وذلك تحت‬
‫ول إلى حرب بين‬ ‫الضغوط التركية الشديدة‪ ،‬التي كادت أن تتح ّ‬
‫البلدين‪ ،‬بحجة اتهام تركيا لسوريا انها تسمح لوجلن ولحزب‬
‫العمال الكردستاني بالتدرب والنطلق من أراضيها ومن سهل‬
‫البقاع اللبناني‪.‬‬
‫وقد اضطّر أوجلن عندها أن يتوجه إلى أوروبا‪ ،‬حيث حاول‬
‫الحصول على حق اللجوء السياسي لكنه أخفق‪.‬‬
‫وقد نجحت المخابرات التركية باعتقاله يوم ‪ 1999 / 2 / 15‬في‬
‫نيروبي‪ ،‬عاصمة كينيا‪ .‬ويتهم الكراد المخابرات السرائيلية‬
‫بالضلوع في عملية رصده وتعقبه بواسطة الهاتف النقال )الهاتف‬
‫النقال كان أيضا ً سبب اغتيال المهندس يحيى عياش (‪.‬‬
‫‪-80-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫محاكمته‪:‬‬

‫بعد خطفه نقل عبد الله أوجلن إلى جزيرة امرالي وسط‬
‫إجراءات أمنية مشددة‪ .‬وقد دفع منظر أوجلن وهو مختطف‬
‫ومكّبل أنصاره وأنصار القضية الكردية إلى التظاهر في العواصم‬
‫الوروبية أمام السفارات السرائيلية والمريكية والتركية‪.‬‬
‫ودّلت هذه المظاهرات على مدى حب الشعب الكردي لزعيمه‪ .‬أما‬
‫الدول الوروبية وإسرائيل فأخذت جميعها الحيطة والحذر من‬
‫نقمة الكراد‪ .‬ل سيما وان لها باع في مثل هذه العمال‪.‬‬
‫وخلل المحاكمة قام أوجلن‪ ،‬وبصورة مفاجئة‪ ،‬بتقديم العتذار‬
‫لسر الضحايا من التراك الذين قتلوا في أعمال العنف التي‬
‫فذها حزبه‪ .‬كما طالب أعضاء حزبه بتسليم السلح وترك أعمال‬ ‫ن ّ‬
‫المقاومة المسلحة‪ ،‬وأبدى استعداده لن يكون وسيطا بين تركيا‬
‫وبين الكراد بشرط عدم إعدامه ‪.‬‬
‫ورغم هذا العرض الرخيص من جانبه‪ ...‬إل أن المحكمة العسكرية‬
‫م تشكيلها خصيصا ً لمحاكمته‪ ،‬رفضت عرضه‪،‬‬ ‫التركية‪ ،‬التي ت ّ‬
‫وأصدرت عليه قرار الحكم بالعدام شنقًا‪.‬‬
‫وقد لقى هذا القرار الرضى والتأييد في تركيا ‪ ،‬وأّيدته الوليات‬
‫المتحدة المريكية التي اعتبرت أن أوجلن هو " إرهابي دولي"‪.‬‬
‫وواضح طبعا ً أن من تتهمه واشنطن بالعمالة ل بدّ أن يكون وطنيا ً‬
‫‪ ،‬وأن من تتهمه بالرهاب هو حتما ً مناضل معاٍد لها ولسياساتها‪.‬‬
‫أما الدول الوروبية فطالبت بعدم تنفيذ حكم العدام خوفا ً من‬
‫قيام الكراد بمظاهرات عارمة تهّز أمن هذه الدول المضيفة‬
‫لهم!!‬

‫حزب العمال الكردي‪:‬‬

‫هو منظمة ماركسية ـ لينينية أسسها عبد الله أوجلن‪ .‬ويسعى‬


‫هذا الحزب إلى أقامة دولة كبرى للكراد‪ ،‬الذين يبلغ عددهم نحو )‬
‫‪-81-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ (22‬مليون كردي‪ ،‬والذين يعيشون في الراضي التركية والسورية‬


‫والعراقية واليرانية‪.‬‬
‫ن الهجوم على مواقع‬ ‫ويّتخذ الحزب من شمال العراق مقرا له لش ّ‬
‫الجيش التركي‪ ،‬الذي ترفض حكومته العسكرية إجراء أي حوار مع‬
‫الكراد أو العتراف بهم كشعب‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت يتعّرض الكراد في شمال العراق لقصف‬
‫القوات التركية‪.‬‬
‫وقد حظرت فرنسا وألمانيا نشاط حزب العمال الكردستاني على‬
‫أراضيها‪ ،‬وذلك بعد عملياته ضد المصالح التركية عام ‪.1993‬‬
‫ويخشى الكثيرون أن يؤدي إعدام أوجلن‪ ،‬فيما لو تم تنفيذه‪ ،‬إلى‬
‫ردود فعل عنيفة من قبل حزب العمال‪ ،‬ردا ً على إعدام زعيمه‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى‪ ،‬من البديهي أن إعدام أوجلن هو ضربة قاصمة‬
‫لهذا الحزب الذي سيفقد زعيمه التاريخي‪.‬‬

‫عبد الله أوجلن بين ف ّ‬


‫كي التاريخ‬
‫في نظري وفي نظر أبناء شعبه وفي نظر الشعوب التي تتطّلع‬
‫ب‬
‫ن عبد الله أوجلن هو إنسان وطني ومناضل يح ّ‬ ‫إلى الحرية فإ ّ‬
‫شعبه‪ ،‬ويناضل من اجل تحقيق حكم ذاتي لشعبه ومن ثم‬
‫ل شعبه صباحا ً ومساء ‪ ...‬وإقامة‬
‫النفصال عن الدولة التي تذ ّ‬
‫دولة للكراد ‪.‬‬
‫ويجتر العالم "الديمقراطي" الصمت‪ ،‬فيما يقوم الجيش التركي‬
‫بذبح الكراد لمجّرد رغبتهم بإنشاء وطن قومي على أرضهم‪...‬‬
‫وما المانع في ذلك طالما أنهم شعب مثل باقي الشعوب ولهم‬
‫لغة وحضارة وتاريخ يؤهلهم لن يكونوا أحرارا ً على أرضهم وان‬
‫يتمّتعوا بحق تقرير المصير؟!‬
‫أما العالم الغربي فيصمت على جرائم تركيا الحديثة لنها تنتمي‬
‫للحلف الطلس‪ ،‬وتحاول التقّنع بالقناع الغربي حتى يتم‬

‫‪-82-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫احتسابها دولة الرجل البيض وحتى تمحو من الذاكرة التاريخية‬


‫أي علقة لها بالسلم والعرب والشرق‪ ..‬وآسيا‪.‬‬
‫وللتذكير فقط فإن تركيا بثوبها القديم والجديد ل تحب الشعوب‬
‫الخرى وخاصة الشعوب السلمية منها‪ .‬ول ننسى أن تركيا‬
‫كم بمياه الفرات وتحرم سوريا والعراق من مياهه ومن‬ ‫تتح ّ‬
‫حصصهما الطبيعية من هذه المياه‪.‬‬
‫كما إننا ل ننسى تركيا في ظل حكم "تركيا الفتاة" أي تركيا‬
‫الطورانية التي حاولت تتريك العرب وعممت سياسة الجهل‬
‫والفساد في محيط المة العربية والدويلت التي وقعت تحت‬
‫سيطرتها‪.‬‬
‫ن عدم تمّتع التراك بالقيم العليا جعلهم غير قادرين على حمل‬ ‫إ ّ‬
‫الرسالة التاريخية والنسانية ورفع راية السلم بصدق‪.‬‬
‫وبعد انفصال المناطق العربية عن تركيا‪ ،‬وبعد تحطيم الحلم‬
‫التركي الطوراني‪ ،‬ذلك الحلم الذي سعى إلى تتريك العرب‬
‫والشعوب البلقانية وإنشاء المملكة التركية ما قبل السلم!! زاد‬
‫الحقد التركي على المة العربية وصار يترجم يوميا من خلل‬
‫علقة تركيا بالعرب‪ ،‬والتي هي علقات فاترة‪ ،‬ومن خلل عقد‬
‫التفاقيات ضد العرب والتحالف الستراتيجي مع الغرب ومع‬
‫إسرائيل والتآمر على وحدة العراق واقتطاع لواء السكندرونة‬
‫العربي من سوريا‪.‬‬

‫عبد الله أوجلن‬


‫أسير المؤامرات العالمية وسجين الحرية‬

‫إن اعدموا أوجلن فلن يعدموا شعبا ً يصل تعداده إلى )‪ (22‬مليون‬
‫نسمة‪ ..‬أي نصف تعداد أتراك تركيا‪ ...‬ولن يستطيعوا القضاء على‬
‫قضية إنسانية من الدرجة الولى هي قضية شعب محروم من‬
‫أدنى شروط العيش بكرامة مثل باقي الشعوب‪.‬‬
‫وصمت العالم الوروبي والعربي والسلمي‪ ..‬مؤسف ومذ ّ‬
‫ل‪ ..‬كما‬
‫أن للكراد ضلعا ً في عدم انتشار قضيتهم بالشكل المطلوب‬
‫‪-83-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫وروا اللغة الدبلوماسية والخطاب‬‫والملئم‪ ،‬لنهم لم يط ّ‬


‫السياسي‪ ،‬ولم يسعوا لستغلل العلم العالمي بالشكل الذي‬
‫يضمن لهم تطور قضيتهم واستقطاب التأييد العالمي لها‪.‬‬
‫إن الكفاح المسّلح وحده ل يكفي‪ ،‬فالكراد بحاجة للية حوار‬
‫تخاطب العالم الصم ‪ ...‬ولسنا ندري إن كان أوجلن فطن إلى‬
‫ذلك فقط في زنزانته لنقاذ رقبته كما يتهمه البعض ‪ ،‬أم لنه‬
‫فهم أن الحوار كفيل بإيجاد حل لقضية الشعب الكردي‪ ،‬خاصة‬
‫وان التراك عرفوا بسالة المقاتلين الكراد ‪ ،‬وعرفوا تصميمهم‬
‫على التمسك بقضيتهم والنضال المستمر حتى إيجاد حل عادل‬
‫لها‪.‬‬

‫للدم ‪ ..‬لون واحد‪ ،‬للسيف عدة ألوان‬


‫القواسم المشتركة بين جميع من تناولناهم في هذا الكتاب هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬جميعهم تعرضوا للملحقة‪ ،‬وفي اغلب الحيان للتصفية‬
‫الجسدية‪.‬‬
‫‪ - 2‬خذلهم وغدر بهم من عملوا لجلهم‪.‬‬
‫‪ - 3‬قسم من هؤلء كان مضطهدا لكونه من أبناء القلية الفارسية‬
‫في الدولة السلمية‪ ،‬وُرمي معظمهم بشبهة الكفر والزندقة‪.‬‬
‫ي بن أبي طالب‬ ‫‪ - 4‬القتل بصورة وحشية‪ :‬فقد قتل المام عل ّ‬
‫بسيف مسموم‪ ،‬أما الحسين فاجتمع على قتله عشرة من‬
‫فع قطعت‬ ‫الفرسان‪ ،‬والحلج صلب وقطعت أعضاؤه‪ ،‬وابن المق ّ‬
‫أعضاء جسمه ورميت بالتنور‪ ،‬وأبو مسلم الخراساني هوت عليه‬
‫سيوف حراس أبي جعفر المنصور كالمطر‪...‬‬
‫‪ - 5‬المان والغدر‪ :‬من البطال من وثق بقاتله مثل الحسن بن‬
‫س له السم في الطعام‪ ،‬وأبي‬ ‫علي الذي وثق بزوجته وهي من د ّ‬
‫مسلم الخراساني الذي جاء إلى أبي جعفر المنصور مصالحا‪..‬‬
‫دق انها‬‫وقتل‪ ..‬وطرفة بن العبد الذي حمل رسالة موته ولم يص ّ‬

‫‪-84-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫ن أنها تحمل له العطايا‪ ..‬لكنها حملت‬ ‫تحمل طلبا ً بقتله بل ظ ّ‬


‫المنايا‪..‬‬
‫‪ - 6‬التصميم على قتال الفئة الضالة حتى الشهادة‪ :‬إذ لم يتراجع‬
‫كل هؤلء عن مبادئهم‪ ،‬ولو تراجعوا لنجوا من الموت البشع‪...‬‬
‫فقد قاتل الحسين في معركة خاسرة عسكريا ورابحة معنويا‪...‬‬
‫وقاتل ابن الزبير حتى تخّلى عنه عشرون ألف من أصحابه وحتى‬
‫ل يقاتل رغم أنهم كانوا يعرضون عليه أمور‬ ‫تخّلى عنه أولده وظ ّ‬
‫الدنيا ومتاعها إذا استلم‪ ..‬ولكنه لم يقبل ذلك‪...‬‬
‫‪ - 7‬ثوار السيف ثاروا على السلطة من اجل تصحيح مسار المة‬
‫السلمية والعربية‪ ،‬ولو تم لهم المر لتغّير وجه التاريخ‪ .‬ومن‬
‫هؤلء‪ :‬الحسين بن علي‪ ،‬والحسن بن علي‪ ،‬وعلي بن أبي طالب‪،‬‬
‫وعبد الله بن الزبير‪.‬‬
‫‪ - 8‬تعرضهم للغتيال للتخلص منهم وطمس ذكرهم فقد قتل‬
‫ي وهو ذاهب إلى صلة الصبح‬ ‫الحسن مسموما‪ ،‬وقتل المام عل ّ‬
‫وقتل الخليفة عمر بن عبد العزيز مسموما‪ ،‬وقتل المام حسن‬
‫البنا بعد إعدامه بإطلق ست رصاصات في قلبه‪.‬‬
‫‪ - 9‬محاولة طمس آثار المفكرين من شهداء الفكر‪ .‬فقد أحرقت‬
‫كتبهم ومنع الخطاطون من نقل وتداول كتبهم‪ ،‬مثل الحلج وابن‬
‫فع وابن رشد وعمر بن الخيام‪.‬‬ ‫المق ّ‬
‫‪ - 10‬الموت في ريعان الشباب‪ ،‬كما حدث مع أبي فراس‬
‫الحمداني والحسن بن علي وطرفة بن العبد ‪ ...‬وبهذا حرمنا من‬
‫عطائهم الذي كان سيدفع المسيرة النسانية إلى المام‪.‬‬
‫‪ - 11‬تمتع أغلبهم بمواهب الشعر والخطابة إلى جانب قوتهم‬
‫الشخصية‪ .‬الشعر‪ :‬صدق‪ ،‬والخطابة‪ :‬رجولة وفروسية‪.‬‬
‫‪ - 12‬كان موتهم أقوى من الحياة‪ ،‬فقد قتلوا بصورة وحشية‬
‫بشعة‪ ،‬ولكنهم استقبلوا الموت كمن يستقبل أعّز الصدقاء ‪،‬‬
‫المر الذي خّلدهم في ذاكرة البشرية وتاريخها‪ .‬وبعضهم قامت‬
‫من بعد مقتلهم فرق ومدارس تنشط حتى اليوم‪ .‬فشيعة علي‬
‫عشر المسلمين اليوم‪ ،‬وحركة الخوان‬ ‫والحسين أكثر من ُ‬

‫‪-85-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫المسلمين تنشط في عشرات الدول‪ ،‬وللحلج عشاق من الدباء‬


‫والتصوفين‪ ،‬وأبو ذر شغل الناس بفكره‪ ،‬وعبد الله أوجلن وضع‬
‫قضية الكراد أمام الرأي العام‪.‬‬
‫‪ - 13‬تعّرضوا لمؤامرات تزييف تاريخهم وسيرتهم‪ .‬فمعظم‬
‫المؤرخين في العصر الموي أو العباسي أو التركي‪ ،‬اسُتكِتبوا ولم‬
‫يكتبوا ما يجب كتابته‪ ،‬ول ما تمليه عليه ضمائرهم‪ ،‬بل كتبوا ما‬
‫يريد السلطان وما تقتضيه الحاجة‪ .‬وهكذا أهمل المؤرخون‬
‫البطال ورفعوا من شأن القتلة والطغاة‪ .‬بل إن المر لم يقف‬
‫عند حد الهمال المتعمد وإنما تجاوز ذلك إلى حد مهاجمة هؤلء‬
‫العظماء واتهامهم باتهامات باطلة وإنهم ساروا إلى الموت‬
‫بأقدامهم ‪ ..‬وإنهم خرجوا على الخليفة الشرعي والسلطة‬
‫الشرعية‪ ...‬فيما كتب المؤرخون بتوسع عن الملوك والمراء‬
‫وأهملوا أحوال العامة والبطال الذين خرجوا من هذه الجموع‪.‬‬
‫‪ - 14‬عدم التحقيق الكافي في النهايات الغامضة للبطال مثل‬
‫طارق بن زياد وخالد بن الوليد ‪ ،‬وعدم معالجة خاتمة البطال‬
‫بطريقة موضوعية‪ .‬إذ كان المؤرخ يكتب صفحات عديدة عن أحد‬
‫العلم‪ ،‬وفي نهاية المطاف يكتب‪" :‬مات مسموما ً عام كذا والله‬
‫اعلم ‪ !!"...‬دون أن يجهد نفسه بمحاولة الجابة على السئلة التي‬
‫ل بد أن تثور مثل‪ :‬لماذا قتل مسموما؟ ما هي دوافع القتل؟ ومن‬
‫يقف وراء هذا العمل؟!‬
‫مرت مئات‬ ‫‪ - 15‬بعضهم غّير وجه التاريخ وقضى على ممالك ع ّ‬
‫السنين‪ ،‬لكنه عجز عن تغيير وإزالة الحقد من القلوب‪ ...‬ويبدو أن‬
‫هذا النجاح الذي أصابه هو السبب في كثرة أعدائه ومبغضيه الذين‬
‫ظلوا يحيكون المؤامرات ضده حتى إزاحته من طريقهم‪ ...‬ومن‬
‫هؤلء نذكر المام أحمد بن حنبل الذي استطاع بثباته منع تبني‬
‫الدولة السلمية لفكرة المعتزلة‪ ،‬وخالد بن الوليد الذي قضى‬
‫على المرتدين وهزم الفرس والروم‪ ،‬وطارق بن زياد الذي وصل‬
‫القارة الوروبية واخضع بلد القوط لحكم السلم ‪..‬‬

‫‪-86-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ - 16‬بعضهم قتل بسبب تشدده في أمور الدين ومحاولة نشر‬


‫الدين السلمي بصورة أفضل‪ ،‬مثل المام حسن البنا والسيد‬
‫قطب‪ .‬وبعضهم اتهم بالزندقة والخروج عن الدين السلمي مثل‬
‫الحلج وابن رشد وابن المق ّ‬
‫فع وعمر بن الخيام‪.‬‬
‫‪ - 17‬رفض أبطالنا في زمنهم‪ ،‬ولكن‪ ،‬وبعد حقبة من الزمن‪ ،‬تم‬
‫إعادة العتبار لهم ومنحهم التعظيم الذي يستحقونه‪.‬‬
‫المصادر‪:‬‬

‫‪ - 1‬محمد عزة دروزة‪ :‬تاريخ الجنس العربي‪ ،‬الجزء الثامن‪،‬‬


‫المكتبة العصرية‪ ،‬بيروت‪.1964 ،‬‬
‫‪ - 2‬محمد عزة دروزة‪ :‬تاريخ الجنس العربي‪ ،‬الجزء السابع‪ ،‬ط ‪،1‬‬
‫صيدا ـ لبنان‪.‬‬
‫‪ - 3‬ابن عبد ربه الندلسي‪ :‬العقد الفريد‪ ،‬ج ‪ ،5‬بيروت‪،‬‬
‫‪ - 4‬عبد السلم هارون‪ :‬نوادر المخطوطات‪ ،‬ج ‪ ،2‬دار الجيل ـ‬
‫بيروت‪.‬‬
‫‪ - 5‬محمد مخزون‪ :‬تحف مواقف الصحابة في الفتنة‪ ،‬ج ‪ ،2‬مصر‪.‬‬
‫‪ - 6‬عباس محمود العقاد‪ :‬عبقرية علي‪ ،‬القاهرة‪.‬‬
‫‪ - 7‬فؤاد دوارة‪ :‬شعر وشعراء‪ ،‬القاهرة‪.1957 ،‬‬
‫‪ - 8‬ابن سباط الغربي‪ :‬تاريخ ابن سباط‪ ،‬ج ‪ ،1‬طرابلس‪ ،‬لبنان‪،‬‬
‫‪.1993‬‬
‫‪ - 9‬محمد ابراهيم الصفيري‪ :‬حاسة سادسة‪ ،‬دار الكتاب العربي‪،‬‬
‫سوريا‪.‬‬
‫‪ - 10‬الحلج‪ :‬الديوان‪ ،‬تحقيق‪ :‬كامل مصطفى الشيعي‪ ،‬ألمانيا‪،‬‬
‫‪.1997‬‬
‫‪ - 11‬سهيل عيساوي‪ :‬نظارتي‪ ،‬كفر مندا‪.1996 ،‬‬
‫‪ - 12‬ابن شطي‪ :‬مختصر طبقات الحنابلة‪ ،‬دار الكتاب العربي‪،‬‬
‫بيروت‪.1986 ،‬‬
‫‪ - 13‬د‪ .‬محمد أمين فروخ‪ :‬موسوعة عباقرة السلم‪ ،‬الجزاء ‪ 1‬ـ‬
‫‪ ،5‬دار الفكر العربي‪ ،‬بيروت‪.1989 ،‬‬

‫‪-87-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ - 14‬عطا الله قبطي‪ :‬تاريخ العرب السياسي من الجاهلية حتى‬


‫قيام الدولة العباسية‪ ،‬حيفا‪.1993 ،‬‬
‫‪ - 15‬غازي عبد الرحمن القصيبي‪ :‬في خيمة شاعر‪ ،‬ج ‪ ،2‬لندن‪،‬‬
‫‪.1994‬‬
‫‪ - 16‬حسن البنا‪ :‬الدعوة والداعية‪ ،‬مذكرات‪ ،‬القاهرة‪.1990 ،‬‬
‫صلح الحسن‪ ،‬مؤسسة النعمان‪ ،‬بيروت‪،‬‬ ‫‪ - 17‬راضي آل ياسين‪ُ :‬‬
‫‪.1991‬‬
‫‪ - 18‬باقر شريف القرشي‪ :‬حياة المام الحسن بن علي‪ ،‬الجزء‬
‫الثاني‪ ،‬دار البلغة‪ ،‬بيروت‪.1993 ،‬‬
‫‪ - 19‬حنا الفاخوري‪ :‬تاريخ الدب العربي‪.‬‬
‫‪ - 20‬السيد هادي المدرسي‪ :‬عاشوراء‪ ،‬دار الهلل‪ ،‬بيروت‪.1985 ،‬‬
‫‪ - 21‬المام الطيراني‪ :‬مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب‪ ،‬دار‬
‫الوراد‪.1992 ،‬‬
‫‪ - 22‬المام الطبري‪ :‬استشهاد الحسن‪ ،‬ط ‪ ،8‬دار الديان للتراث‪،‬‬
‫مصر‪.1988 ،‬‬
‫‪ - 23‬ابن تيمية‪ :‬رأس الحسين‪ ،‬دار الديان للتراث‪ ،‬مصر‪.1988 ،‬‬
‫‪ - 24‬فريال بنت عبد الله بن محمود الهديب‪ :‬صورة يزيد بن‬
‫معاوية في الروايات الدبية‪ ،‬دار أجا للتوزيع‪ ،‬الرياض‪.1990 ،‬‬
‫‪ - 25‬هزاع بن عيد الشمري‪ :‬يزيد بن معاوية الخليفة المفترى‬
‫عليه‪ ،‬دار أجا‪ ،‬الرياض‪.1993 ،‬‬
‫‪ - 26‬د‪ .‬يوسف الغيث‪ :‬تاريخ عصر الخلفة العباسية‪ ،‬دار الفكر‬
‫المعاصر‪ ،‬بيروت ـ دار الفكر‪ ،‬دمشق‪.1996 ،‬‬
‫‪ - 27‬محمد سمارة‪ :‬تاريخ العرب السياسي‪ ،‬الطيرة‪.1991 ،‬‬
‫‪ - 28‬سعيد برغوثي‪ ،‬يوسف زعبي‪ :‬دروس في التاريخ‪ ،‬وزارة‬
‫المعارف‪ ،‬القدس‪.1989 ،‬‬
‫‪ - 29‬جوني منصور‪ ،‬عماد بهو‪ :‬أسماء ومصطلحات‪ :‬اعبلين‪،‬‬
‫‪.1990‬‬
‫‪ - 30‬محمد الغزالي‪ :‬سر تأخر العرب والمسلمين‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫‪-88-‬‬
‫منشورات أنفاس نت ‪anfasse.net -‬‬

‫‪ - 31‬جرجي زيدان‪ :‬تاريخ آداب اللغة العربية‪ ،‬الجزء الول‪ ،‬دار‬


‫الهلل‪ ،‬القاهرة‪.1957 ،‬‬
‫‪ - 32‬طه حسين‪ :‬في الدب الجاهلي‪ ،‬القاهرة‪.1933 ،‬‬
‫‪ - 33‬الوافي في الفكر العربي‪ ،‬دار الفكر اللبناني‪ ،‬بيروت‪،‬‬
‫‪.1994‬‬
‫‪ - 34‬غازي التوبة‪ :‬جذور ازمة المسلم المعاصر ـ الجانب النفسي‪،‬‬
‫الكويت‪.1996 ،‬‬
‫‪ - 35‬جبر مرتضى العاملي‪ :‬دراسات وبحوث في التاريخ‬
‫السلمي‪ ،‬ج ‪ ،1‬بيروت‪.1993 ،‬‬
‫‪ - 36‬محسن المين‪ :‬أعيان الشيعة‪ ،‬ج ‪ ،1‬دار الثقافة‬
‫والمطبوعات‪ ،‬بيروت‪.1986 ،‬‬
‫‪ - 37‬صلح عبد الفتاح الخالدي‪ :‬سيد قطب من ميلده إلى‬
‫استشهاده‪ ،‬دمشق ـ بيروت‪.1991 ،‬‬
‫‪ - 38‬سيد قطب‪ :‬معالم في الطريق )بدون تاريخ(‪.‬‬
‫صحف‪:‬‬
‫‪ - 1‬صوت الحق والحرية‪ ،‬الجمعة ‪ 1999 / 2 / 12‬ام الفحم‪.‬‬
‫‪ - 2‬الصنارة‪ ،‬الجمعة‪ ،1999 / 7 / 1 ،‬الناصرة‪.‬‬
‫‪ - 3‬كل العرب‪ ،‬الجمعة‪ ،1999 / 7 / 1 ،‬الناصرة‪.‬‬

‫‪-89-‬‬