‫فلسفة القانون عند ىابرماس‬

‫ينطلق ىابرماس (مولود ‪ )9191‬في نظريتو في القانون من أساس نظري سابق عليو يمثلو ماكس‬
‫فيبر ونظريتو في التحديث والشرعية‪ .‬تذىب ىذه النظرية إلى أن شرعية أي نظام قانوني في عصر‬
‫الحداثة األوروبية لم تعد تتمثل في أفكار دينية أو ميتافيزيقية‪ ،‬بل في العقالنية الداخلية التي يعبر‬
‫عنها ىذا النظام ا لقانوني من حيث االتساق والمنطقية وتحقيق الهدف المرتجى منو‪ .‬فبعد أن كانت‬
‫شرعية القانون تعتمد على كونو آتياً من عند اهلل أو معبراً عن اإلرادة اإللهية (وىذه ىي الشرعية‬
‫الالىوتية الدينية الي كانت سائدة في العصور الوسطى وحتى عصر النهضة)‪ ،‬وبعد أن كان القانون‬
‫يستمد شرعيتو من أفكار الحق الطبيعي والعقد االجتماعي في بداية عصر الحداثة األوروبية‪ ،‬صار في‬
‫العصر الحالي معتمداً على عقالنيتو الداخلية وحدىا بعد أن كان مصدر شرعيتو خارجياً‪.‬‬
‫وعلى أساس نظرية فيبر ىذه أقام ىابرماس نظريتو الخاصة في القانون والشرعية والقانونية‬
‫‪ . Legality‬إذ تساءل ىابرماس عن ذلك األساس العقالني الذي يستمد منو القانون شرعيتو‬
‫وقانونيتو‪ .‬رفض ىابرماس العديد من النظريات التي فسرت سبب عقالنية النظام القانوني‪ ،‬مثل النظرية‬
‫اإلجرائية القائلة إن القانون يكون صحيحاً وشرعياً إذ كانت إجراءات صياغتو تتوافر فيها العقالنية‪،‬‬

‫وىذه ىي النظرية المسماة بالنظرية اإلجرائية في عقالنية القانون‪ ،‬وىي النظرية األنجلوساكسونية ذات‬
‫المالمح الليبرالية الواضحة على النمط اإلنجليزي واألمريكي‪ ،‬والتي تؤدي في النهاية إلى‬
‫الديموقراطية الشكلية الفارغة من أي معنى اجتماعي‪ .‬لكن يرفض ىابرماس ىذه النظرية من منطلق‬
‫أنها لم تنجح في تحديد جوىر ومضمون عقالنية القانون واكتفت بوصف عام وشكلي لكيفية إحداث‬
‫ىذه العقالنية‪ .‬ىذا النمط من عقالنية القانون يسمى بالعقالنية اإلجرائي‬

‫‪Procedural‬‬

‫‪.Rationality‬‬
‫كما رفض ىابرماس نظرية أخرى في عقالنية القانون (والعقالنية ىنا تعني الشرعية والمشروعية‬
‫والقانونية‪ ،‬أي قوة اإللزام القانوني للنظام القانوني نفسو) ترجع إلى الفقيو القانوني األلماني كارل‬
‫شميت (‪ .)9111-9111‬نصت ىذه النظرية على أن شرعية القانون ىي كونو معبراً عن قوة الدولة‬

‫(من حيث أن ىذه القوة ىي قوة الشعب نفسو مركزة في الكيان السياسي المسمى بالدولة) وقدرتها‬
‫‪1‬‬

‬تأخذ ىذه النظرية جانباً من العقالنية اإلجرائية وجانباً آخر من العقالنية‬ ‫الجوىرية التي تركز على القيم والمعايير واألىداف والغايات النهائية التي يجب على كل نظام قانوني‬ ‫التعبير عنها‪ .‬وسميت نظرية شميت‬ ‫ىذه بالنزعة التنفيذية ‪ ،Decisionism‬أي النزعة التي تولي كل اىتمامها بقوة الدولة على اتخاذ‬ ‫القرارات الحاسمة والسريعة والطارئة واالستثنائية‪ .‬‬ ‫أما ىابرماس فقد أراد من نظريتو أال تكون إجرائية على النمط األنجلوساكسوني الليبرالي الفج‪،‬‬ ‫وأال تكون تنفيذية تمجد الدولة وتضع الدولة فوق القانون كما فعل كارل شميت‪ .‬فهي تتمثل في قيم القانون بدور النظام الذي يحمي‬ ‫المجتمع من الوقوع في الصراعات والخالفات حول القيم والمبادئ العليا وطرق تحققها من جهة‪،‬‬ ‫‪2‬‬ .‬قبل عصر الحداثة األوروبية كانت‬ ‫المجتمعات األوروبية تنظر إلى ىذه المبادئ على أنها متحققة من خالل الرؤية الدينية للعالم ومن‬ ‫خالل النظام الديني الذي تمثلو الكنيسة‪ .Communicative Rationality‬تتمثل ىذه العقالنية في‬ ‫أن القانون يكون شرعياً وقانونياً ‪ Legal‬طالما كان صانعوه قادرين على تبريره منطقياً على أساس ما‬ ‫يتبنونو من قيم ومعايير‪ .‬لكن بعد عصر الحداثة وانتهاء الدين عن أن يقوم بوظائفو‬ ‫السابقة‪ ،‬وبعد أن زاد تمايز الوظائف االقتصادية والسياسية والعلمية وظهور السوق المستقل عن‬ ‫الدولة والمجتمع‪ ،‬وظهر الجامعة المستقلة في إنتاجها للمعرفة وكذلك ظهور البيروقراطية الحديثة‪،‬‬ ‫فقد زادت احتماالت الصراع في المجتمع نتيجة للخالف حول األىداف وحول طرق تحقيقها‪،‬‬ ‫وغياب المنظام القادر على حل ىذه الصراعات‪ ،‬بغياب الكنيسة والدولة السلطوية‪ .‫اتهمت نظرية شميت ىذه باتهامات‬ ‫على فرض النظام واألمن وحماية الشعب وموارده وحدوده‪ .‬وقد ُ‬ ‫عديدة منها أنها مهدت للنازية في ألمانيا بوضعها للقانون في أيدي الدولة وفي تأليو الدولة ووضعها‬ ‫أمام الشعب والحقوق الفردية‪ ،‬والعصف بالتراث الديموقراطي الليبرالي للغرب‪ .‬ومن ىنا تأتي‬ ‫الوظيفة الجدية للقانون في نظر ىابرماس‪ .‬وقد تم تفسير ظهور ىذه النظرية على يد شميت‬ ‫إلى الظروف القاسة التي كانت تعيشها ألمانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين‪.‬وىذه الشرعية قائمة‬ ‫على أساس تحقق مبادئ الصدق والحق والخير في ىذا المجتمع‪ .‬لكن كيف توصل ىابرماس إلى ىذه النظرية؟‬ ‫ذىب ىابرماس إلى أن القانون ىو وسيلة ضمان استقرار المجتمع لفترات ممتدة من التاريخ‪.‬نظرية ىابرماس في‬ ‫القانون ىي العقالنية التواصلية ‪ .‬‬ ‫ويكون المجتمع مستقراً طالما كان أعضاءه ينظرون إليو على أنو يمثل الشرعية‪ .

‬وال يكون األفراد مستقلين إال إذا كانوا كاملي األىلية‪ .Substantial‬وكي يكون القانون شرعياً يجب أن يخضع الختبار على أساس كل‬ ‫ىذه القواعد الثالث‪ .‬ىذا االختبار ينظر إليو ىابرماس على أنو عملية اجتماعية موسعة تتم داخل‬ ‫المجتمع كلو ال داخل البرلمان والمؤسسات السياسية وحدىا‪ ،‬وعلى أنو عملية تواصل اجتماعي‬ ‫عميق وواسع وليس مجرد إجراء قانوني بين المتخصصين‪ .‬‬ ‫‪3‬‬ .‬ىذه المبادئ والقواعد ىي‪:‬‬ ‫‪ )9‬قاعدة الصدق أو الصالحية‪ ،‬وىي أن تكون إجراءات صنع القانون صالحة وقانونية لصنع‬ ‫ىذا القانون وأن يأتي القانون بأىدافو التي وضعت لو؛‬ ‫‪ )9‬أن يأتي القانون معبراً عن القناعات األخالقية للناس ونظراتهم حول العدل والحق‬ ‫‪ )3‬أن يكون القانون معبراً عن األىداف االجتماعية المشتركة بين الناس باعتبارىم أمة لها تاريخ‬ ‫وتراث مشترك وخيارات وتوجهات تاريخية معينة‪.‬‬ ‫ويذىب ىابرماس إلى أن ىذه القواعد تشكل األسس التي يجب أن يقاس عليها أي قانون‪ ،‬وبالتالي‬ ‫تكون إجرائية ‪ ،Procedural‬وىي أيضاً المعايير التي يجب أن يضمن تحققها أي قانون‪ ،‬وبالتالي‬ ‫تكون جوىرية ‪ .‬وىو أيضاً تعبير عن عملية ممارسة‬ ‫السياسة بمعناىا التواصلي الحديث كما يفهمها ىابرماس‪.‫ومواجهة ىذه الصراعات في حال ظهورىا من جهة أخرى‪ .‬لكن كيف يتم ذلك؟‬ ‫يتم بأن يكون القانون الحديث ضامناً للحريات الفردية وضامناً ألن ال تتعدى ىذه الحريات على‬ ‫النظام المؤسسية والسياسية الموجودة مسبقاً في المجتمع‪ .‬وبالتالي فإن مصدر شرعية القانون ىو أن يكون مصنوعاً من قبل أولئك‬ ‫الذين يخضعون لو‪ .‬وبذلك تكون الشرعية في المشاركة السياسية ألفراد أحرار مستقلين في صنع‬ ‫القانون‪ .‬أي أن القانون في العصر الغربي الحديث‬ ‫يقوم بوظيفة معالجة سلبيات الحداثة التي رافقت عمليات التحديث في الغرب‪ .‬ويكونون كاملي األىلية إذا شاركوا في‬ ‫صنع القانون الذي يحكمهم‪ .‬فشرعية القانون تأتي من ضمانو الستقالل‬ ‫األفراد‪ .‬والوسيلة الوحيدة لضمان مثل ىذه العملية في صنع القانون ىو ما يسميو ىابرماس العقالنية‬ ‫التواصلية‪ ،‬وىي مجموعة من المعايير والمبادئ والقواعد التي تضمن أن يأتي القانون معبراً عن‬ ‫صانعيو‪ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful