You are on page 1of 342

‫تأليف‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫الطبعة الولى‬
‫‪1427‬هـ ‪2006 -‬م‬
‫رقم اليداع‪9846/2005 :‬‬
‫الترقيم الدولى‪I.S.B.N :‬‬
‫‪1 - 58 – 6119 – 977‬‬

‫مركز السلم للتجهيز‬
‫الفني‬
‫عبد الحميد عمر‬
‫‪010696‬‬
‫‪2647‬‬

‫مؤسسة اقرأ‬
‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة – بجوار حديقة الفسطاط‬
‫محمول‪5224207/010 :‬‬ ‫القاهرة ت‪5326610 :‬‬
‫‪www.iqraakotob.com‬‬
‫‪Email: info@iqraakotob.com‬‬
‫الهــــــــداء‬
‫إلى العلماء العاملين والدعاة المخلصين‪،‬‬
‫وطلب العلم المجتهدين‪ ،‬وأبناء المة الغيورين‬
‫أهدي هذا الكتاب‪ ،‬سائل ً المولى ‪-‬عز وجل‪ -‬بأسمائه‬
‫صا‬
‫الحسنى وصفاته الُعلى أن يكون خال ً‬
‫لوجهه الكريم‬

‫جو‬ ‫ن ي َْر ُ‬ ‫كا َ‬‫من َ‬ ‫ف َ‬ ‫قال تعالى‪َ + :‬‬
‫مل‬‫ع َ‬ ‫ل َ‬ ‫م ْ‬ ‫ع َ‬‫فل ْي َ ْ‬‫ه َ‬
‫قاءَ َرب ّ ِ‬ ‫لِ َ‬
‫ه‬
‫ة َرب ّ ِ‬‫عَبادَ ِ‬ ‫ك بِ ِ‬‫ر ْ‬ ‫ش ِ‬ ‫ول َ ي ُ ْ‬‫حا َ‬ ‫صال ِ ً‬ ‫َ َ‬
‫دا" ]الكهف‪.[110 :‬‬ ‫ح ً‬‫أ َ‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫المؤلف في سطور‬
‫علي محمد محمد الصلبي‬
‫ولد في مدينة بنغازي بليبيا عام ‪ 1383‬هـ ‪1963 /‬م‪.‬‬
‫حصل على درجة الجازة العالية »الليسانس« من كلية الدعوة‬
‫وأصول الدين من جامعة المدينة المنورة بتقدير ممتاز‪ ،‬وكان الول‬
‫على دفعته عام ‪1414‬هـ‪1993 /‬م‪.‬‬
‫نال درجة الماجستير من جامعة أم درمان السلمية‪ ،‬كلية أصول‬
‫الدين‪ ،‬قسم التفسير وعلوم القرآن‪ ،‬عام ‪ 1417‬هـ‪1996 /‬م‪.‬‬
‫نال درجة الدكتوراه في الدراسات السلمية‪.‬‬
‫صدرت له عدة كتب‪:‬‬
‫‪ -1‬من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -2‬الوسطية في القرآن الكريم »دار البيارق – دار النفائس«‪.‬‬
‫‪ -‬سلسلة »صفحات من التاريخ السلمي في الشمال‬
‫الفريقي«‪.‬‬
‫‪ -3‬صفحات من تاريخ ليبيا السلمي والشمال الفريقي »دار‬
‫البيارق«‪.‬‬
‫‪ -4‬عصر الدولتين الموية والعباسية وظهور فكر الخوارج »دار‬
‫البيارق«‪.‬‬
‫‪ -5‬الدولة العبيدية )الفاطمية( والرافضية »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -6‬فقه التمكين عند دولة المرابطين »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -7‬دولة الموحدين »دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -8‬الدولة العثمانية‪ ..‬عوامل النهوض وأسباب السقوط »دار‬
‫التوزيع والنشر السلمية«‪.‬‬
‫‪ -9‬الحركة السنوسية في ليبيا »دار البيارق«‪.‬‬
‫أ‪ -‬المام محمد بن علي السنوسي ومنهجه في التأسيس‪.‬‬
‫ب‪ -‬محمد المهدي السنوي‪ ،‬وأحمد الشريف‪.‬‬
‫ج‪ -‬إدريس السنوسي‪ ،‬وعمر المختار‪.‬‬
‫‪ -10‬فقه التمكين في القرآن الكريم »دار الوفاء‪ ،‬دار البيارق«‪.‬‬
‫‪ -11‬السيرة النبوية‪ ..‬عرض وقائع وتحليل أحداث »دار التوزيع‬
‫والنشر السلمية«‪.‬‬

‫‪4‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫مقدمة‬
‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا وسيئات أعمالنا‪ .‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل‬
‫هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن‬
‫دا عبده ورسوله‪.‬‬ ‫محم ً‬
‫ن إ ِل ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫موت ُ ّ‬ ‫ول َ ت َ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫قات ِ ِ‬ ‫ق تُ َ‬ ‫ح ّ‬ ‫ه َ‬ ‫قوا الل َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ِ‬ ‫َ ‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[102 :‬‬ ‫مو َ‬ ‫س ُ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫م ْ‬ ‫وأن ُْتم ّ‬ ‫َ‬
‫س‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫من ن ّف ٍ‬ ‫خلقكم ّ‬ ‫ذي َ‬ ‫م ال ِ‬ ‫س ات ّقوا َرب ّك ُ‬ ‫ها الّنا ُ‬ ‫خل َ‬
‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ساءً‬ ‫ون ِ َ‬ ‫َ‬ ‫جال ً ك َِثيًرا‬ ‫ر َ‬ ‫ِ‬ ‫ما‬‫َ‬ ‫ه‬
‫من ْ ُ‬ ‫ث ِ‬ ‫وب َ ّ‬ ‫َ‬ ‫ها‬‫ج َ‬ ‫و َ‬ ‫ْ‬ ‫ها َز‬ ‫من ْ َ‬ ‫ق ِ‬ ‫َ‬ ‫و َ‬ ‫ة َ‬ ‫حد َ ٍ‬ ‫وا ِ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ي‬
‫َ َ ْ ْ‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬
‫ْ َ َ ِ ّ‬ ‫م‬ ‫حا‬ ‫ر‬ ‫وال‬ ‫ه‬
‫َ ِ ِ َ‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫ء‬ ‫سا‬
‫َ َ َ‬ ‫ت‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫قوا‬ ‫ُ‬ ‫وات ّ‬ ‫َ‬
‫قيًبا" ]النساء‪.[1 :‬‬ ‫َر ِ‬
‫قوُلوا َ‬ ‫َ‬
‫دا ‪‬‬ ‫دي ً‬
‫س ِ‬ ‫ول ً َ‬ ‫ق ْ‬ ‫و ُ‬
‫ه َُ‬ ‫قوا الل َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫َ‬ ‫نآ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها َ ال ّ ِ‬ ‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ه‬
‫ع الل َ‬ ‫من ي ُطِ ِ‬ ‫و َ‬ ‫م َ‬ ‫م ذُُنوب َك ْ‬ ‫فْر ل َك ُ ْ‬ ‫غ ِ‬ ‫وي َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫مال َك ُ ْ‬ ‫ع َ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ح لََك ُ ْ‬ ‫صل ِ ْ‬ ‫يُ ْ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[71 ،70 :‬‬ ‫ظي ً‬ ‫ع ِ‬ ‫وًزا َ‬ ‫َ‬
‫ه فقدْ فاَز ف ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫سول ُ‬ ‫وَر ُ‬ ‫َ‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬لك‬
‫الحمد حتى ترضى‪ ،‬ولك الحمد إذا رضيت‪ ،‬ولك الحمد بعد الرضا‪.‬‬
‫كان شغفي بسيرة الصديق ‪ ‬منذ الطفولة‪ ،‬وكنت شديد الولع‬
‫بالقراءة والسماع لسيرته العطرة‪ ،‬ومضت اليام ومرت السنون‪،‬‬
‫وأكرمني الله تعالى بالدراسة في الجامعة السلمية بالمدينة‬
‫المنورة‪ ،‬وكان من ضمن المواد المقررة في مادة التاريخ السلمي‬
‫تاريخ الخلفاء الراشدين‪ ،‬وقد طلب الستاذ المحاضر أن ندرس كتاب‬
‫»البداية والنهاية« لبن كثير‪ ،‬و»الكامل« لبن الثير في ترجمة‬
‫ف بكتاب التاريخ السلمي للشيخ محمود شاكر‪،‬‬ ‫الصديق‪ ،‬ولم يكت ِ‬
‫فكانت لتلك الرشادات أثر ‪-‬بعد توفيق الله تعالى‪ -‬للتعرف على‬
‫حقيقة شخصية الصديق وعصره‪ .‬وعندما سجلت بجامعة أم درمان‬
‫السلمية رسالة الدكتوراه وكان عنوانها‪) :‬فقه التمكين في القرآن‬
‫الكريم وأثره في تاريخ المة(‪ ،‬استقر البحث على ثلثة أبواب‪ :‬فقه‬
‫التمكين في القرآن الكريم‪ ،‬فقه التمكين في السيرة النبوية‪ ،‬فقه‬
‫التمكين عند الخلفاء الراشدين‪ ،‬وكانت أوراق البحث قد جاوزت‬
‫‪ 1200‬صفحة‪ ،‬فرأى الدكتور المشرف أن نكتفي بفقه التمكين في‬
‫دل الخطة على هذا الساس‪ ،‬وقدم مقترحه‬ ‫القرآن الكريم‪ ،‬وع ّ‬
‫لمجلس الكلية فوافق على ذلك‪ ،‬وقال لي بعد المناقشة‪ :‬بإذن الله‬
‫تعالى تستطيع أن تخرج فقه التمكين في السيرة النبوية‪ ،‬وفقه‬
‫التمكين عند الخلفاء الراشدين كتًبا‪ ،‬لعل الله ينفع بها المسلمين‪.‬‬
‫وبتوفيق الله‪ ،‬وبسبب ما ساقه من أسباب‪ ,‬تطور كتاب فقه التمكين‬
‫في السيرة النبوية‪ ،‬وأصبح »السيرة النبوية‪ ..‬عرض وقائع وتحليل‬
‫أحداث«‪.‬‬
‫وهذا الكتاب الذي أقدم له الن »أبو بكر الصديق شخصيته‬
‫وعصره« يرجع الفضل في كتابته للمولى عز وجل‪ ،‬ثم للستاذ‬

‫‪5‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الدكتور المشرف على رسالة الدكتوراه‪ ،‬ومجموعة خيرة من‬
‫الدعاة والشيوخ والعلماء الذين شجعوني على الهتمام بدراسة‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬حتى إن أحدهم قال لي‪ :‬أصبحت هناك فجوة‬
‫كبيرة بين أبناء المسلمين وذلك العصر‪ ،‬وحدث خلط في ترتيب‬
‫الولويات؛ حيث صار الشباب يل ّمون بسير الدعاة والعلماء‬
‫والمصلحين أكثر من إلمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين‪ ،‬وأن ذلك‬
‫العصر غني بالجوانب السياسية والعلمية والخلقية والقتصادية‬
‫والفكرية والجهادية والفقهية التي نحن في أشد الحاجة إليها‪،‬‬
‫ونحتاج أن نتتبع مؤسسات الدولة السلمية‪ ،‬وكيف تطورت مع‬
‫مسيرة الزمن؛ كالمؤسسة القضائية والمالية ونظام الخلفة‬
‫والمؤسسة العسكرية وتعيين الولة‪ ،‬وما حدث من اجتهادات في‬
‫ذلك العصر عندما احتكت المة السلمية بالحضارة الفارسية‬
‫والرومانية‪ ،‬وطبيعة حركة الفتوحات السلمية‪.‬‬
‫كانت بداية هذا الكتاب فكرة أراد الله لها أن تصبح حقيقة‪ ،‬فأخذ الله‬
‫بيدي وسهل لي المور وذلل الصعاب‪ ،‬وأعانني على الوصول للمراجع‬
‫ما ّسيطر على مشاعري وتفكيري‬
‫ولم ُ‬ ‫والمصادر‪ ،‬وأصبح هذا العمل هَ‬
‫ل‬
‫ِ‬ ‫أبا‬ ‫الليالي‬ ‫له‬ ‫فسهرت‬ ‫الكبرى‪،‬‬ ‫وأحاسيسي‪ ،‬فجعلته من أهدافي‬
‫بالعوائق ول الصعاب‪ ،‬والفضل لله تعالى الذي أعانني على ذلك‪ ،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫وأظل أمضي غير مضطرب‬ ‫َ‬ ‫الهول في دربي وفي هدفي‬
‫ب‬
‫أو كنت من ربي على رِي َ ِ‬ ‫خوٍَر‬
‫ما كنت من نفسي على َ‬
‫ب‬
‫الله ملُء القصد والَر ِ‬ ‫ما في المنايا ما أحاذره‬

‫إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر‪ ،‬وهي‬
‫متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع‪ ،‬سواء كانت تاريخية أو‬
‫حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية‪ ،‬فنحن في أشد الحاجة لجمعها‬
‫وترتيبها وتوثيقها وتحليلها؛ فتاريخ الخلفة إذا أحسن عرضه يغذي‬
‫الرواح ويهذب النفوس وينور العقول‪ ،‬ويشحذ الهمم‪ ،‬ويقدم‬
‫الدروس‪ ،‬ويسهل العَِبر وينضج الفكار‪ ،‬فنستفيد من ذلك في إعداد‬
‫الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة‪ ،‬ونتعرف على حياة وعصر‬
‫ن‬‫ري َ‬
‫ج ِ‬‫ها ِ‬ ‫م َ‬ ‫ن ال ْ ُ‬‫م َ‬‫ن ِ‬ ‫وُلو َ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫قو َ‬ ‫ساب ِ ُ‬ ‫وال ّ‬ ‫فيهم‪َ + :‬‬ ‫ّ‬
‫من قال الله‬
‫ضوا‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫م‬
‫ْ ُ ْ َ َ َ ُ‬‫ه‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ي‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫ن‬ ‫سا‬
‫ِ ِ ْ َ ٍ ّ ِ َ‬ ‫ح‬ ‫إ‬ ‫ب‬ ‫هم‬ ‫ر َ ِ َ ّ َ ُ ُ‬
‫عو‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ذي‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫صا ِ‬ ‫َ‬ ‫والن ْ َ‬ ‫َ‬
‫دا‬
‫َ ً‬ ‫ب‬ ‫أ‬ ‫ها‬ ‫في‬ ‫ن‬
‫ِ ِ َ ِ َ‬ ‫دي‬ ‫ل‬‫خا‬‫َ‬ ‫ر‬ ‫ها‬
‫ْ َ ُ‬ ‫ن‬‫ال‬ ‫ها‬ ‫ت‬
‫َ ْ َ َ‬‫ح‬ ‫ت‬ ‫ري‬ ‫وْ ّ ُ ْ ْ َ ّ ٍ َ ْ ِ‬
‫ج‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫نا‬ ‫ج‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫د‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫أ‬ ‫ه َ‬ ‫عن ْ ُ‬
‫َ‬
‫م" ]التوبة‪.[100 :‬‬ ‫ظي ُ‬ ‫ع ِ‬‫وُز ال َ‬ ‫ف ْ‬ ‫ك ال َ‬ ‫ذَل ِ َ‬
‫عَلى‬ ‫داءُ َ‬ ‫ل الله وال ّذين مع َ‬ ‫سو ُ‬
‫ش ّ‬ ‫هأ ِ‬ ‫ِ َ ِ َ َ َ ُ‬ ‫مدٌ ّر ُ‬ ‫ح ّ‬‫م َ‬ ‫ْ وقال تعالى‪ُ + :‬‬
‫دا" ]الفتح‪.[29 :‬‬ ‫ج‬
‫ُ ّ ً‬ ‫س‬ ‫عا‬ ‫ّ‬ ‫ك‬
‫ْ ُ ً‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫را‬
‫ماءُ ب َي ْن َ ُ ْ َ‬
‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ح َ‬ ‫ر ُر َ‬ ‫فا ِ‬‫ال ك ُ ّ‬
‫فيهم رسول الله ×‪» :‬خير أمتي القرن الذي بعثت‬ ‫)‪(1‬‬
‫وقال‬
‫فيهم‪. «...‬‬

‫)‪ (2‬شرح السنة للبغوي‪.215 ،1/214 ،‬‬ ‫)( مسلم‪.2534 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪6‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وقال فيهم عبد الله بن مسعود‪» :‬من كان مستًنا فليستن بمن‬
‫قد مات؛ فإن الحي ل تؤمن عليه الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب محمد كانوا‬
‫فا‪ .‬قوم‬ ‫ما وأقلها تكل ً‬
‫والله أفضل هذه المة وأبّرها قلوبا وأعمقها عل ً‬
‫اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم‬
‫بما‪(1‬استطعتم من أخلقهم ودينهم‪ ،‬فإنهم كانوا‬ ‫)‬
‫في آثارهم‪ ،‬وتمسكوا‬
‫على الهدي المستقيم«‪.‬‬
‫فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام السلم ونشره في مشارق‬
‫الرض ومغاربها‪ ،‬فعصرهم خير العصور‪ ،‬فهم الذين علموا المة‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬ورووا لها السنن والثار عن رسول الله ×‪ ،‬فتاريخهم‬
‫هو الكنز الذي حفظ مدخرات المة في الفكر والثقافة والعلم‬
‫والجهاد وحركة الفتوحات والتعامل مع الشعوب والمم‪ ،‬فتجد‬
‫الجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في‬
‫الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد‪ ،‬وتعرف من خلله حقيقة‬
‫رسالتها ودورها في دنيا الناس‪ .‬وقد عرف العداء من اليهود‬
‫والنصارى والعلمانيين والماركسيين والروافض وغيرهم خطورة‬
‫التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات‪ ،‬فعملوا على‬
‫تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الجيال فيه؛ فقد لعبت فيه‬
‫اليدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر؛‬
‫ففي الماضي تعرض تاريخنا السلمي للتحريف والتشويه على أيدي‬
‫اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين أظهروا السلم وأبطنوا‬
‫الكفر‪ ،‬إذ رأوا أن كيد السلم على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله‪،‬‬
‫فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم السلم وتفتيت دولته‬
‫وتفريق أتباعه‪ ،‬وذلك عن طريق تزييف الخبار وترويج الشائعات‬
‫الكاذبة وتدبير الفتن ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ‪ ،‬فقام‬
‫عبد الله بن سبأ اليهودي وأتباعه بالدور الكبير في إشعال نار الفتنة‬
‫التي أودت بحياة الخليفة الراشد الثالث‪ ،‬وكذلك إشعال المعركة بين‬
‫المسلمين في موقعة الجمل بعد أن كاد يتم الصلح بين الطرفين‪،‬‬
‫إلى غير ذلك من التحركات والمؤامرات التي قصد بها النيل من‬
‫السلم وأتباعه‪ ،‬هذا بالضافة إلى الروايات الضعيفة والموضوعة‬
‫الواردة في مصادر التاريخ السلمي ‪-‬وهي تشوه سيرة الصحابة‪-‬‬
‫كرواية التحكيم التي تتهم بعضهم بالخداع أو الغباء أو التعلق بالجاه‬
‫والسلطة‪ ،‬والهدف من وضع هذه الروايات الطعن في السلم‬
‫بطريقة غير مباشرة؛ لن السلم لم يؤده لنا إل الصحابة‪ ،‬والتشكيك‬
‫في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة السلم‪.‬‬
‫هذا وقد استغل المستشرقون هذه الروايات الموضوعة ومن‬
‫سار على نهجهم من أذنابهم ممن يتكلمون بلغتنا‪ ،‬فركزوا على‬
‫ما تسابقوا إلى اقتسامه ما‬ ‫التوسع في البحث فيها؛ بل كانت مغن ً‬
‫أغراضهم للطعن في السلم والنيل من أعراض‬ ‫دامت تخدم‬
‫الصحابة الكرام‪ (2).‬لقد قام العداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم‬
‫المنحرفة‪ ،‬وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج‬
‫المستوردة‪ ،‬فأصبحت كتابتهم في العقود الماضية ترجمة حرفية لما‬
‫كتبه المستشرقون والماركسيون والروافض واليهود وغيرهم من‬
‫‪1‬‬

‫)( انظر‪ :‬مقدمة الستاذ سيد قطب لكتاب )خالد بن الوليد( للشيخ صادق‬ ‫‪2‬‬

‫عرجون‪ ،‬ص ‪.5‬‬

‫‪7‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫أعداء المة؛ وذلك لنهم ل يملكون تصورًا حقيقيًا لروح السلم‬
‫وطبيعته؛ حيث إن كتابة التاريخ السلمي تحتاج حتما إلى إدراك‬
‫طبيعة الفكرة السلمية ونظرتها إلى الحياة والحداث والشياء‪،‬‬
‫ووزنها للقيم التي عليها الناس‪ ،‬وتأثيرها في الرواح والفكار‬
‫وصياغتها للنفوس والشخصيات‪ ..‬ودراسة الشخصيات السلمية –‬
‫كا كامل ً لطبيعة استجابة تلك‬ ‫على وجه خاص‪ -‬تقتضي إدرا ً‬
‫الشخصيات السلمية ليحاءات الفكرة السلمية‪ ،‬فإن طريقة‬
‫استجابة تلك الشخصيات لهذه اليحاءات مسألة هامة في صياغة‬
‫شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة‪ ،‬وتفاعلها مع الحداث‪ ،‬ولن‬
‫يدرك طبيعة الفكرة السلمية ول طريقة استجابة الشخصيات‬
‫السلمية لها إل كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها من أعماقه‪،‬‬
‫عن‪(1‬تلبس ضميره بها ل عن رصدها من‬ ‫)‬
‫لكي يكون إدراكه لها ناشئًا‬
‫الخارج بالذهن المتجرد البارد‪.‬‬
‫وبسبب غياب ذلك المنهج وقع بعض المعاصرين من المؤرخين‬
‫والكتاب والدباء في تشويه صورة سلف هذه المة‪ ،‬وأظهروا‬
‫الصحابة بمظهر المتكالب على الدنيا وسفك الدماء للوصول إلى‬
‫الغايات التي ينشدونها من الستيلء على الحكم والتنكيل بخصومهم‪،‬‬
‫فتناولوا ذلك بعيدًا عن فهم حقيقة الجيل الذي تربى في مدرسة‬
‫المصطفى ×‪ ،‬وبعيدا عن تأثرهم بالسلم وعقيدته وأصوله‪ ،‬وبسبب‬
‫تلك الكتابات نشأ جيل ل يعرف عن تاريخه إل الحروب وسفك‬
‫الدماء والخداع والمكر والحيلة‪ ،‬وأصبحت صورة الصحابة ‪-‬رضوان‬
‫الله عليهم جميعًا‪ -‬مشوهة‪ ،‬مما جعل بعض المسلمين يرد تلك‬
‫مجرد أن تلك الباطيل مسطرة‬ ‫الباطيل دون أن يعي الحقيقة؛ بل‬
‫)‪(2‬‬
‫في كتاب زيد أو عمرو من الك ُّتاب‪.‬‬
‫إن إعادة كتابة التاريخ السلمي بمنهج أهل السنة والجماعة‬
‫أصبح ضرورة ملحة لبناء المة‪ ،‬وقد بدأت أقلم الباحثين والك ُّتاب‬
‫تصيغ التاريخ من هذا المنظور‪ ،‬وهم لم يبدأوا من فراغ؛ لن الله‬
‫حمى دينه وحمى أمته‪ ،‬فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه‬
‫ويصحح أخباره‪ ،‬ويكشف الستار عن الوضاعين والكذابين من ملفقي‬
‫الخبار‪ ،‬ويرجع الفضل في ذلك التصحيح إلى الله ثم أهل السنة‬
‫والجماعة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير‬
‫الشارات والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ما وضعه‬ ‫)‪(3‬‬
‫من‬
‫الملفقون‪.‬‬
‫ت على أصول منهج أهل السنة‪ ،‬فعكفت على المصادر‬ ‫سْر ُ‬ ‫وقد ِ‬
‫والمراجع القديمة والحديثة‪ ،‬ولم أعتمد في دراسة عصر الخلفاء‬
‫الراشدين على الطبري وابن الثير والذهبي وكتب التاريخ المشهورة‬
‫فقط؛ بل رجعت إلى كتب التفسير والحديث وشروحها وكتب‬
‫التراجم والجرح والتعديل وكتب الفقه‪ ،‬فوجدت فيها مادة تاريخية‬
‫غزيرة يصعب الوقوف على حقيقتها في الكتب التاريخية المعروفة‬
‫والمتداولة‪ ،‬وقد بدأت بالكتابة عن أبي بكر الصديق ‪ ‬متناول‬
‫)( المصدر السابق نفسه‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( انظر‪ :‬أبو بكر ‪ ،‬محمد مال الله‪ ،‬ص ‪.16 ،15‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( انظر‪ :‬المنهج السلمي لكتابة التاريخ‪ ،‬د‪ .‬محمد المحزون‪ ،‬ص ‪.4‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪8‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫شخصيته وعصره‪ ،‬فهو سيد الخلفاء الراشدين‪ ،‬وقد حثنا رسول الله‬
‫× وأمرنا باتباع سنتهم والهتداء بهديهم‪ ،‬قال ×‪» :‬عليكم بسنتي‬
‫وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي«‪ (1).‬فأبو بكر ‪ ‬سيد‬
‫الصديقين وخير الصالحين بعد النبياء والمرسلين‪ ،‬فهو أفضل‬
‫أصحاب رسول الله × وأعلمهم وأشرفهم على الطلق‪ ،‬فقد قال‬
‫ذا خليل ً لتخذت أبا بكر‪ ،‬ولكن أخي‬ ‫فيه رسول الله ×‪» :‬لو كنت متخ ً‬
‫الله × وفي عمر أيضا‪» :‬اقتدوا‬ ‫)‪(3‬‬
‫وصاحبي« ‪ (2).‬وقد قال فيه رسول‬
‫بالذين من بعدي‪ :‬أبي بكر وعمر«‪ .‬وشهد له عمر بن الخطاب‬
‫‪-‬رضي الله عنه‪ -‬بقوله‪ :‬أنت سيدنا وخيرنا‪ ،‬وأحبنا إلى رسول الله ×‪.‬‬
‫بن( الحنفية‬
‫)‪5‬‬
‫)‪ (4‬وقال عنه علي بن أبي طالب لما سأله ابنه محمد ا‬
‫بقوله‪ :‬أي الناس خير بعد رسول الله ×؟ قال‪ :‬أبو بكر‪.‬‬
‫إن حياة أبي بكر ‪ ‬صفحة مشرقة من التاريخ السلمي الذي‬
‫حوِ تواريخ المم مجتمعة بعض ما‬ ‫بهر كل تاريخ وََفاَقه‪ ،‬والذي لم ت َ ْ‬
‫حوى من الشرف والمجد والخلص والجهاد والدعوة لجل المبادئ‬
‫السامية‪ ،‬لذلك قمت بتتبع أخباره وحياته وعصره في المراجع‬
‫والمصادر‪ ،‬واستخرجتها من بطون الكتب‪ ،‬وقمت بترتيبها وتنسيقها‬
‫وتوثيقها وتحليلها؛ لكي تصبح في متناول الدعاة والخطباء والعلماء‬
‫والساسة ورجال الفكر وقادة الجيوش وحكام المة وطلب العلم‪،‬‬
‫لعلهم يستفيدون منها في حياتهم‪ ،‬ويقتدون بها في أعمالهم‪،‬‬
‫فيكرمهم الله بالفوز في الدارين‪.‬‬
‫لقد تتبعت صفات الصديق وفضائله ومشاهده في ميادين الجهاد‬
‫مع رسول الله ×‪ ,‬وحياته في المجتمع المدني‪ ،‬ومواقفه العظيمة‬
‫بعد وفاة رسول الله ×‪ ،‬وكيف ثّبت الله به المة‪ ،‬وسلطت الضواء‬
‫على سقيفة بني ساعدة وما تم فيها من حوار ونقاش بين‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬ونسفت الشبهات والباطيل التي ألصقت بتاريخ‬
‫سقيفة بني ساعدة من قَِبل المستشرقين والروافض ومن سار على‬
‫نهجهم‪ ،‬وبينت موقف الصديق من إرسال جيش أسامة‪ ،‬وما في هذا‬
‫الحدث العظيم من دروس في الشورى والدعوة والحزم والقتداء‬
‫برسول الله ×‪ ،‬ورد الخلف إلى الكتاب والسنة‪ ،‬وآداب الجهاد‬
‫وصورته المشرقة التي تمثلت في تعاليم الصديق لجيش أسامة‬
‫رضي الله عنهم‪ .‬وقد قمت بتوضيح أحداث الردة فتحدثت عن‬
‫أسبابها وأصنافها وبدايتها في أواخر العصر النبوي‪ ،‬وموقف الصديق‬
‫منها في خلفته وخطته التي وضعها للقضاء عليها‪ ،‬وأساليبه التي‬
‫استخدمها في حروبه ضد المرتدين‪ .‬وقد وقفت مع مؤهلت الصديق‬
‫التي توفرت في شخصيته والتي استطاع بها ‪-‬بعد توفيق الله‪ -‬أن‬
‫يسحق حركة الردة‪.‬‬
‫وقد تحدثت عن عصره وكيف تحققت شروط التمكين وأسبابه‪،‬‬
‫وصفات جيل التمكين في ذلك العهد الذي قاده الصديق‪ ،‬وأشرت‬
‫إلى سياسة الصديق في محاربة التدخل الجنبي في دولته‪ ،‬وذكرت‬
‫)( سنن أبي داود‪ .4/201 ،‬والترمذي‪ ،5/44 ،‬حديث حسن صحيح‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪.3656 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬صحيح سنن الترمذي لللباني‪.3/200 ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (3‬نفس المصدر‬ ‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪.3668 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫السابق‪ ،‬رقم‪.3671 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪9‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫أهم نتائج أحداث الردة؛ من تمييز السلم عما عداه من تصورات‬
‫وأفكار وسلوك‪ ،‬وضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع‪ ،‬وتجهيز‬
‫الجزيرة قاعدة للفتوح السلمية‪ ،‬والعداد القيادي لحركة الفتوح‪،‬‬
‫والفقه الواقعي للردة‪ ،‬وسنة الله في إحاقة المكر السيئ بأهله‪،‬‬
‫واستقرار النظام الداري في الجزيرة‪.‬‬
‫وتكلمت عن فتوحات الصديق فبينت خطته في فتح العراق‪،‬‬
‫وسرت مع خالد في فتوحاته حتى ضم جنوب العراق وشماله‬
‫بمعاركه العظيمة التي ظهرت فيها بطولت نادرة من المثنى بن‬
‫حارثة والقعقاع بن عمر وخالد بن الوليد وجيوشهم المظفرة‪ ،‬فكانت‬
‫تلك المعارك الخطوة الولى لمعارك الفتوح الكبرى التي جاءت بعد‬
‫عصر الصديق‪ ،‬والتي أنارت تاريخ المة في مشوارها الطويل لنشر‬
‫دين الله والجهاد في سبيله‪ ..‬قال الشاعر‪:‬‬
‫عب ًَرا تضيء بأطيب القوال‬
‫ِ‬ ‫فالقادسية ما يزال حديثها‬
‫فتجيبها حطين بالمنوال‬ ‫تحكي مفاخرَنا وتذكر مجدنا‬
‫دان الرجال لها بغير جدال‬ ‫صفحات مجد في الخلود‬
‫سطورها‬
‫وبكل كف لمع النصال‬ ‫وكأنني بابن الوليد وجنده‬
‫فغدا يظّلل أطهر الطلل‬ ‫نشروا على أرض الخليل‬
‫لواءهم‬
‫وأتى صلح الدين صوب شمال‬ ‫وعن اليمين أبو عبيدة قد أتى‬
‫لله بعد تسابق لقتال‬ ‫يسعى إليهم‪ ،‬قد شروا‬
‫أرواحهم‬
‫ما بعد قول الله من أقوال‬ ‫فهم العزة في كتاب خالد‬

‫هذا وقد حرصت على بيان وإظهار الرسائل التي كانت بين‬
‫الصديق وخالد بن الوليد وعياض بن غنم ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬المتعلقة‬
‫بفتوح العراق‪ ،‬وقد فصلت الخطوات التي سار عليها أبو بكر في‬
‫فتوحات الشام‪ ،‬فتحدثت عن عزمه في غزو الروم‪ ،‬ومشورته لكبار‬
‫الصحابة في جهادهم‪ ،‬وعن استنفارهم لهل اليمن‪ ،‬وخطته في‬
‫إرسال الجيوش‪ ،‬ووصاياه للقادة الذين بعثهم لفتح الشام ومتابعته‬
‫لهم وإمدادهم بالرجال والعتاد والتموين‪ ،‬ونقله لخالد من ميادين‬
‫العراق إلى قيادة جيوش الشام‪ ،‬وما تم في معركة أجنادين‬
‫واليرموك‪ ،‬واستخرجت من حركة الفتوحات بعض معالم الصديق في‬
‫سياسته الخارجية‪ ،‬من بذر هيبة الدولة في نفوس المم‪ ،‬ومواصلة‬
‫الجهاد الذي أمر به النبي ×‪ ،‬والعدل بين المم المفتوحة والرفق‬
‫بأهلها ورفع الكراه عنهم‪ ،‬وإزالة الحواجز البشرية بينهم وبين‬
‫الدعاة‪.‬‬
‫ووضحت بعض معالم التخطيط الحربي عند الصديق؛ في عدم‬
‫اليغال في بلد العدو حتى تدين للمسلمين‪ ،‬وعن قدرته في التعبئة‬

‫‪10‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وحشد القوات وتنظيم عملية المداد المستمرة وتحديد هدف‬
‫الحرب‪ ،‬وإعطائه الفضلية لمسارح العمليات‪ ،‬وعزله لميدان‬
‫المعركة‪ ،‬وتطويره لساليب القتال‪ ،‬وحرصه على سلمة خطوط‬
‫التصال بينه وبين قادة الجيوش‪ ،‬وبينت حقوق الله والقادة والجنود‬
‫من خلل وصاياه التي ألزم بها قادة حربه‪.‬‬
‫وتحدثت عن استخلفه لعمر‪ ،‬وعن أيامه الخيرة في هذه الحياة‬
‫الفانية‪ ،‬وعن آخر ما تكلم به َالصديق في هذه الدنيا بقول الله‬
‫ن"‬‫حي َ‬
‫صال ِ ِ‬
‫قِني ِبال ّ‬ ‫وأل ْ ِ‬
‫ح ْ‬ ‫ما َ‬
‫سل ِ ً‬
‫م ْ‬ ‫و ّ‬
‫فِني ُ‬ ‫تعالى‪+ :‬ت َ َ‬
‫]يوسف‪.[101 :‬‬
‫لقد حاولت في هذا الكتاب أن أبين كيف فهم الصديق السلم‬
‫وعاش به في دنيا الناس‪ ،‬وكيف أثر في مجريات المور في عصره‪،‬‬
‫وتحدثت عن جوانب شخصيته المتعددة؛ السياسية والعسكرية‬
‫والدارية‪ ،‬وعن حياته في المجتمع السلمي لما كان أحد رعاياه‪،‬‬
‫وبعد أن أصبح خليفة رسول الله‪ ،‬وركزت على دور أبي بكر الصديق‬
‫باعتباره رجل دولة مميز من الطراز النادر‪ ،‬وعن سياسته الداخلية‬
‫والخارجية وأساليبه الدارية‪ ،‬وعن مؤسسة القضاء كيف كانت بدايتها‬
‫في عصره لكي نستطيع متابعة التطورات التي حدثت لها ولغيرها‬
‫من مؤسسات الدولة عبر العصر الراشدي والتاريخ السلمي‪.‬‬
‫إن هذا الكتاب يبرهن على عظمة أبي بكر الصديق ‪ ،‬ويثبت‬
‫ما‬
‫ما بفكره‪ ،‬عظي ً‬ ‫ما بعلمه‪ ,‬عظي ً‬
‫للقارئ بأنه كان عظيما بإيمانه‪ ،‬عظي ً‬
‫ما بآثاره‪ ،‬فقد جمع الصديق العظمة من‬ ‫ما بخلقه‪ ،‬عظي ً‬ ‫ببيانه‪ ،‬عظي ً‬
‫أطرافها‪ ،‬وكانت عظمته مستمدة من فهمه وتطبيقه للسلم‪ ،‬وصلته‬
‫بالله العظيمة‪ ،‬واتباعه الشديد لهدي الرسول ×‪.‬‬
‫من الئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى‬ ‫إن أبا بكر ‪‬‬
‫الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة‪ ،‬فسيرته من أقوى مصادر‬
‫اليمان والعاطفة السلمية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين‪ ،‬فلذلك‬
‫اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي غير مدٍع‬
‫عصمة ول متبرئ من زلة‪ ،‬ووجه الله الكبير ل غيره قصدت وثوابه‬
‫أردت‪ ،‬وهو المسئول في المعونة عليه والنتفاع به‪ ،‬إنه طيب السماء‬
‫سميع الدعاء‪.‬‬
‫هذا وقد قمت بتقسيم هذا الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول‬
‫وخلصة‪ ،‬وهي كالتي‪:‬‬
‫المقدمة‪:‬‬
‫الفصل الول‪ :‬أبو بكر الصديق ‪ ‬في مكة‪ ،‬ويشتمل على‬
‫خمسة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته وأسرته‬
‫وحياته في الجاهلية‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬إسلمه ودعوته وابتلؤه وهجرته الولى‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬هجرته مع رسول الله إلى المدينة‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الصديق في ميادين الجهاد‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬الصديق في المجتمع المدني‪ ،‬وبعض‬

‫‪11‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫صفاته‪ ،‬وشيء من فضائله‪.‬‬
‫الفصل الثاني‪ :‬وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة‪،‬‬
‫ويشتمل على مبحثين‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية‪.‬‬
‫الثالثجيش أسامة وجهاد الصديق لهل الردة‪ ،‬ويشتمل‬ ‫‪:‬‬ ‫الفصل‬
‫على خمسة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬جيش أسامة ‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬جهاد الصديق لهل الردة‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬الهجوم الشامل على المرتدين‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬مسيلمة الكذاب وبنو حنيفة‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬أهم العبر والدروس والفوائد من حروب‬
‫الردة‪.‬‬
‫الرابعفتوحات الصديق واستخلفه لعمر ووفاته‪ ،‬ويشتمل‬ ‫‪:‬‬ ‫الفصل‬
‫على أربعة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬فتوحات العراق‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬فتوحات الصديق بالشام‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬استخلف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته‪.‬‬
‫هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الجمعة بعد صلة العشاء‬
‫بتاريخ الخامس من شهر المحرم لعام ‪1422‬هـ‪ ،‬الموافق للثلثين‬
‫من مارس من عام ‪2001‬م‪ ،‬والفضل لله من قبل‬
‫ومن بعد‪.‬‬
‫وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولً حسنًا‪ ،‬وأن‬
‫يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫س ْ‬
‫ك‬ ‫م ِ‬ ‫ما ي ُ ْ‬‫و َ‬‫ها َ‬ ‫ك لَ َ‬ ‫س َ‬ ‫م ِ‬ ‫م ْ‬ ‫فل َ ْ ُ‬ ‫ة َ‬ ‫م ٍ‬ ‫ح َ‬ ‫من ّر ْ‬ ‫س ِ‬ ‫ه ِللّنا ِ‬ ‫الل ُ‬ ‫ح‬ ‫فت َ ِ‬‫ما ي َ ْ‬ ‫‪َ +‬‬
‫م" ]فاطر‪.[2 :‬‬ ‫كي ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫زيُز ال َ‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫س‬‫ِ‬ ‫ر‬‫ْ‬ ‫م‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬
‫ول يسعني في نهاية هذه المقدمة إل أن أقف بقلب خاشع منيب‬
‫بين يدي الله عز وجل‪ ،‬معترفًا بفضله وكرمه وجوده؛ فهو المتفضل‬
‫ن به‬ ‫وهو المكرم وهو المعين وهو الموفق‪ ،‬فله الحمد على ما م ّ‬
‫ي أول وآخًرا‪ ،‬وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن‬ ‫عل ّ‬
‫صا ولعباده نافًعا‪ ،‬وأن يثيبني على كل حرف‬ ‫ً‬ ‫خال‬ ‫لوجهه‬ ‫عملي‬ ‫يجعل‬
‫كتبته ويجعله في ميزان حسناتي‪ ،‬وأن يثيب إخواني الذين أعانوني‬
‫بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع‪ ،‬ونرجو من كل‬
‫عفو ربه‬ ‫إلى‬‫الفقير َ‬ ‫العبد‬
‫ينسىرب أ َ‬ ‫مسلم يطلع على هذا الكتاب أن ل‬
‫شك َُر‬ ‫ن أَ ْ‬ ‫ع َِني أ ْ‬ ‫ز ْ‬ ‫َ ِ‬‫و‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫دعائه‪:‬‬ ‫ورحمته ورضوانه من‬ ‫ومغفرتهال ِّتي أ َ‬
‫حا‬‫صال ِ ً‬ ‫ل َ‬ ‫م َ‬‫ع َ‬‫نأ ْ‬ ‫وأ ْ‬ ‫ي َ‬ ‫وال ِدَ ّ‬ ‫عَلى َ‬ ‫و َ‬ ‫ي َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ت‬‫َ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫مت َ َ‬‫ع َ‬ ‫نِ ْ‬
‫ن" ]النمل‪.[19 :‬‬ ‫حي َ‬ ‫صال ِ ِ‬ ‫عَباِدك ال ّ‬ ‫َ‬ ‫في ِ‬ ‫مت ِك ِ‬‫َ‬ ‫ح َ‬ ‫خلِني ب َِر ْ‬ ‫وأدْ ِ‬ ‫ضاهُ َ‬ ‫ت َْر َ‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت‪ ،‬أستغفرك‬
‫وأتوب إليك‪ .‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫الفقير إلى عفو ربه‬

‫‪12‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫ومغفرته ورضوانه‬
‫علي محمد محمد‬
‫لبي‬‫ص ّ‬
‫ال ّ‬
‫‪ 1422 / 1 / 5‬هـ‬

‫‪13‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫الفصل الول‬
‫أبو بكر الصديق ‪ ‬في مكة‬
‫المبحث الول‬
‫اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفاته‬
‫وأسرته وحياته في الجاهلية‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وألقابه‪:‬‬
‫بن سعد بن‬ ‫هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب‬
‫تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي)‪ (,2()1‬ويلتقي‬
‫مع النبي × في النسب في الجد السادس مرة بن كعب ويكنى‬
‫والجمع بكارة وأبكر‪،‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫ي من البل‪،‬‬ ‫فت ِ ّ‬
‫بأبي بكر‪ ،‬وهي من البكر وهو ال َ‬
‫وقد سمت العرب بكًرا‪ ،‬وهو أبو قبيلة عظيمة‪.‬‬
‫ولقب أبو بكر ‪ ‬بألقاب عديدة‪ ،‬كلها تدل على سمو المكانة‪،‬‬
‫وعلو المنزلة وشرف الحسب‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬العتيق‪:‬‬
‫لقبه به النبي ×‪ ،‬فقد قال له ×‪» :‬أنت عتيق الله من النار«‪،‬‬
‫فسمي عتيقا‪ (4).‬وفي رواية عائشة قالت‪ :‬دخل أبو بكر الصديق على‬
‫الله( ×‪» :‬أبشر‪ ،‬فأنت عتيق الله من‬ ‫)‪6‬‬
‫الله ×‪ ،‬فقال له رسول‬ ‫)‪(5‬‬
‫رسول‬
‫أسباب‬ ‫المؤرخون‬ ‫ذكر‬ ‫وقد‬ ‫ا‪.‬‬ ‫عتيق‬
‫ً‬ ‫سمي‬‫ُ‬ ‫يومئذ‬ ‫فمن‬ ‫‪.‬‬‫النار«‬
‫قيل‪ :‬إنما سمي عتيقًا لجمال وجهه‪(9()7).‬وقيل‪:‬‬ ‫فقد‬ ‫اللقب‪،‬‬ ‫لهذا‬ ‫كثيرة‬
‫قديما في الخير‪ (8).‬وقيل‪ :‬سمي عتيقًا لعتاقة وجهه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لنه كان‬
‫م أبي بكر كان ل يعيش لها ولد‪ ،‬فلما ولدته استقبلت به‬ ‫وقيل‪ :‬إن أ ّ‬
‫الكعبة وقالت‪ :‬اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي‪ (10).‬ول مانع‬
‫للجمع بين بعض هذه القوال؛ فأبو بكر جميل الوجه‪ ،‬حسن النسب‪،‬‬
‫سابقة إلى الخير‪ ،‬وهو عتيق الله من النار بفضل بشارة‬ ‫)‪(11‬‬
‫صاحب يد‬
‫النبي × له‪.‬‬
‫ديق‪:‬‬
‫‪ -2‬الص ّ‬
‫)( الصابة لبن حجر‪ (2) .145 ،4/144 :‬سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي‬ ‫‪1‬‬

‫السيد‪ ،‬ص ‪.27‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬علي الطنطاوي‪ ،‬ص ‪.46‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الحسان في تقريب صحيح ابن حبان‪ ،15/280 ،‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( رواه الترمذي في المناقب‪ ،‬رقم‪ ،3679 :‬وصححه اللباني في السلسلة‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪.1574‬‬
‫)( أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري‪ (7) .1/59 ،‬المعجم الكبير للطبراني‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.1/52‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (9‬المعجم الكبير‪ ،1/53 :‬والصابة‪:‬‬ ‫)( الصابة‪.1/146 ،‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪.1/146‬‬ ‫‪9‬‬

‫)( الكني والسماء للدولبي‪ ،1/6 :‬نقل عن خطب أبي بكر‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪،‬‬ ‫‪10‬‬

‫جمال الكومي‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪/‬يسري محمد هاني‪،‬‬ ‫‪11‬‬

‫ص ‪.36‬‬

‫‪14‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫لقبه به النبي ×‪ ،‬ففي حديث أنس ‪ ‬أنه قال‪ :‬إن النبي × صعد‬
‫بهم‪(1‬فقال‪» :‬اثبت أحد‪،‬‬‫)‬
‫أحدا‪ ،‬وأبو بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬فرجف‬
‫فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان«‪.‬‬
‫وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي ×‪ ،‬وفي هذا تروي أم‬
‫المؤمنين عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬فتقول‪ :‬لما أسري بالنبي × إلى‬
‫المسجد القصى‪ ،‬أصبح يتحدث الناس بذلك‪ ،‬فارتد ناس كانوا آمنوا‬
‫به وصدقوه‪ ،‬وسعى رجال إلى أبي بكر‪ ،‬فقالوا‪ :‬هل لك إلى‬
‫صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال‪ :‬وقد قال‬
‫ذلك؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬لئن قال ذلك فقد صدق‪ .‬قالوا‪ :‬أو تصدقه أنه‬
‫ذهب الليلة إلى بيت المقدس‪ ،‬وجاء قبل أن يصبح؟!! قال‪ :‬نعم‪ ،‬إني‬
‫لصدقه فيما هو أبعد من ذلك‪ ،‬أصدقه)‪(2‬بخبر السماء في غدوة أو‬
‫روحة‪ ،‬فلذلك سمي أبو بكر‪ :‬الصديق‪.‬‬
‫بالصديق‪(3‬لنه بادر إلى تصديق الرسول‬ ‫وقد أجمعت المة على تسميته‬
‫أبدا‪).‬فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه‬ ‫ولزمه الصدق فلم تقع منه هناة ً‬‫‪×،‬‬
‫الشعراء‪ ،‬قال أبو محجن الثقفي‪:‬‬
‫سواك يسمى باسمه غير‬ ‫سميت صديقا وكل مهاجر‬ ‫و ُ‬
‫منكر‬
‫)‪(4‬‬
‫المشهر‬ ‫سبقت إلى السلم والله‬
‫شاهد‬
‫وأنشد الصمعي)‪ (5‬فقال‪:‬‬
‫وأعلم أن ذاك من الصواب‬ ‫ولكني أحب بكل قلبي‬
‫)‪(6‬‬
‫دا حسن الثواب‬
‫به أرجو غ ً‬ ‫رسولَ الله والصديقَ حّبا‬

‫‪ -3‬الصاحب‪:‬‬
‫د‬ ‫ف َ‬
‫ق ْ‬ ‫صُروهُ َ‬ ‫وجل‪ -‬في القرآن الكريم‪+ :‬إ ِل ّ َتن ُ‬ ‫ّ‬
‫لقبه به الله َ‪-‬عز‬
‫في‬ ‫ما ِ‬ ‫َ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫إ‬ ‫ن‬‫ْ ِ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ث‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫َ‬
‫ثا‬ ‫روا‬ ‫ُ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ذي‬
‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫خ َ َ ُ‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫ه إ ِذْ أ ْ‬ ‫صَرهُ الل ُ‬ ‫نَ ْ َ‬
‫ه‬ ‫الل‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫ز‬ ‫ن‬ ‫ف ِأ َ‬‫َ‬ ‫نا‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬ ‫ز‬ ‫ح‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫صا‬ ‫ل‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬
‫ُ‬ ‫ّ‬
‫َ‬ ‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ‬ ‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬ ‫ال َ ِ ِ‬
‫إ‬ ‫ر‬ ‫غا‬
‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫َ‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫و‬ ‫ها‬
‫ْ َ ْ ْ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫د‬
‫ٍ‬ ‫نو‬ ‫ُ‬ ‫ج‬
‫ُ‬ ‫ب‬
‫ُ ِ‬ ‫ه‬‫َ‬ ‫د‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫أ‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫كين َت َ ُ‬‫س ِ‬ ‫َ‬
‫زيٌز‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫والل‬ ‫َ‬ ‫يا‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ي‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫ة‬ ‫ُ‬ ‫م‬‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ك‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫ْ‬
‫ف‬ ‫س‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫روا‬ ‫ف ُ‬ ‫كَ َ‬
‫م"]التوبة‪.[40:‬‬ ‫كي ٌ‬‫ح ِ‬ ‫َ‬
‫)‪(7‬‬
‫وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبو بكر ‪‬‬
‫فعن أنس أن أبا بكر حدثه فقال‪ :‬قلت للنبي × وهو في الغار‪ :‬لو أن‬
‫أحدهم نظر إلى قدميه لبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي ×‪» :‬يا أبا‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬باب فضل أبي بكر‪.5/11 ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫أخرجه الحاكم‪ ،63 ،3/62 ،‬وصححه وأقره الذهبي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (6‬أسد الغابة‪.3/310 ،‬‬ ‫الطبقات الكبرى‪.2/172 ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫هو عبد الملك بن قريب الباهلي‪ ،‬رواية العرب ونابغة الدنيا في الحفظ‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫أبو بكر الصديق للطنطاوي‪ (2) .49 ،‬تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء‪ ،‬يسري‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫محمد هاني‪.39 ،‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪15‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫)‪(1‬‬
‫بكر‪ ،‬ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟«‪.‬‬
‫ه‬
‫صَر ُ‬ ‫ف َ‬
‫قد ْ ْ ن َ َ‬ ‫صُروهُ َ‬ ‫ابن حجر ‪-‬رحمه الله‪+ :-‬إ ِل ّ َتن ُ‬ ‫ه ال ّ‬
‫قال َالحافظ‬
‫ر إ ِذْ‬
‫غا ِ‬ ‫في ال َ‬ ‫ما ِ‬ ‫ن إ ِذْ ُ‬
‫ه َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ن‬‫ْ‬ ‫ث‬ ‫ا‬ ‫ي‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬‫ثا‬‫َ‬ ‫روا‬ ‫ُ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ج ُ‬‫خَر َ‬ ‫ه إ ِذْ أ ْ‬ ‫الل ُ‬
‫عَنا" ]التوبة‪ [40 :‬فإن المراد‬ ‫م‬
‫َ َ َ‬‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬
‫َ ْ َ ْ ِ)‪ّ(2‬‬ ‫ز‬ ‫ح‬‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ه‬
‫ل لِ َ ِ ِ ِ‬
‫ب‬‫ح‬ ‫صا‬ ‫قو ُ‬ ‫يَ ُ‬
‫كونه‪ (3‬كان معه في‬ ‫)‬
‫في‬ ‫والحاديث‬ ‫‪،‬‬ ‫منازع‬ ‫بل‬ ‫بكر‬ ‫أبو‬ ‫هنا‬ ‫بصاحبه‬
‫الغار كثيرة شهيرة‪ ،‬ولم يشركه في المنقبة غيره‪.‬‬
‫‪ -4‬التقى‪:‬‬
‫لقبه به الله ‪-‬عز وجل‪ -‬في القرآن الكريم في قوله تعالى‪:‬‬
‫قى" ]الليل‪ ، [17 :‬وسيأتي بيان ذلك في حديثنا‬ ‫ها الت ْ َ‬ ‫جن ّب ُ َ‬
‫سي ُ َ‬‫و َ‬ ‫‪َ +‬‬
‫عن المعذبين في الله الذين أعتقهم أبو بكر ‪.‬‬
‫‪ -5‬الواه‪:‬‬
‫لقب أبو بكر بالواه‪ ،‬وهو لقب يدل على الخوف والوجل‬
‫والخشية من الله تعالى‪ ،‬فعن إبراهيم النخعي قال‪ :‬كان أبو بكر‬
‫)‪(4‬‬
‫يسمى بالواه لرأفته ورحمته‪.‬‬
‫قّية‪.‬‬ ‫خل ْ ِ‬ ‫ثانًيا‪ :‬مولده وصفته ال ْ َ‬
‫لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل‪ ،‬وإنما اختلفوا في‬
‫المدة التي كانت بعد عام الفيل‪ ،‬فبعضهم قال بثلث سنين‪ ،‬وبعضهم‬
‫ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر‪ ،‬وآخرون قالوا‬
‫)‪(5‬‬
‫بسنتين وأشهر‪ ،‬ولم يحددوا عدد الشهر‪.‬‬
‫وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز‬
‫في قومهما‪ ،‬مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس‪ ،‬عزيز المكانة في‬
‫)‪(6‬‬
‫قومه‪.‬‬
‫خْلقية‪ ،‬فقد كان يوصف بالبياض في اللون‪ ،‬والنحافة‬ ‫وأما صفته ال َ‬
‫في البدن‪ ،‬وفي هذا يقول قيس بن أبي حازم‪ :‬دخلت على أبي بكر‪،‬‬
‫فا‪ ،‬خفيف اللحم أبيض‪ (7).‬وقد وصفه أصحاب السير‬ ‫وكان رجل نحي ً‬
‫من أفواه الرواة فقالوا‪ :‬إن أبا بكر ‪ ‬اتصف بأنه كان أبيض تخالطه‬
‫فا خفيف العارضين‪ ،‬أجنأ)‪ ،(8‬ل يستمسك‬ ‫صفرة‪ ،‬حسن القامة‪ ،‬نحي ً‬
‫إزاره يسترخي عن حقويه)‪ (9‬رقيقا معروق الوجه)‪ ،(10‬غائر العينين ‪،‬‬
‫)‪(11‬‬

‫أقنى)‪ ،(12‬حمش الساقين)‪ ،(13‬ممحوص الفخذين)‪ ،(14‬كان ناتئ الجبهة‪،‬‬
‫)‪ (4‬الصابة في تمييز الصحابة‪،‬‬ ‫)( البخاري‪ ،‬فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪.3653 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.4/148‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (6‬الطبقات الكبرى‪.3/171 ،‬‬ ‫)( المصدر السابق نفسه‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪ .29‬تاريخ الخلفاء‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الطبقات لبن سعد‪ ،3/188 ،‬إسناده صحيح‪ (4) .‬الجنأ‪ :‬ميل في الظهر‪.‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (6‬المعروق‪ :‬هو قليل‬ ‫)( حقويه‪ :‬الحقو هو معقد الزار‪ ،‬يعني الخصر‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫اللحم‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫)‪ (7‬غائر العينين‪ :‬دخلت في الرأس‪ (8) .‬أقنى واستقنى‪ :‬حفظ حياءه ولزمه‪.‬‬ ‫‪11‬‬
‫‪12‬‬

‫)( حمش الساقين‪ :‬دقيق الساقين‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫)( الممحوص‪ :‬هو الشديد الخلق في الفخذين‪ ،‬مع قلة اللحم بهما‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫‪16‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫)‪(2‬‬
‫عاري الشاجع)‪ ،(1‬ويخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬أسرته‪.‬‬
‫أما والده فهو عثمان بن عامر بن عمرو‪ ،‬يكنى بأبي قحافة‪،‬‬
‫أسلم يوم الفتح‪ ،‬وأقبل به الصديق على رسول الله × فقال‪» :‬يا‬
‫هو‪(3‬أولى أن يأتيك‬ ‫أبا بكر‪ ،‬هل تركته حتى نأتيه«‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫وبايع‪(4‬رسول الله × ) ‪ ،‬ويروى أن‬ ‫)‬
‫يا رسول الله‪ .‬فأسلم أبو قحافة‬
‫غيروا‬ ‫)‪(5‬‬
‫»‬ ‫بكر‪:‬‬ ‫لبي‬ ‫وقال‬ ‫‪،‬‬ ‫أبيه‬ ‫بإسلم‬ ‫رسول الله × هنأ أبا بكر‬
‫هذا من شعره«‪ ،‬فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة‪.‬‬
‫وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنه النبي × في توقير كبار‬
‫ذلك( قوله ×‪» :‬ليس منا من لم يوقر‬ ‫)‪6‬‬
‫السن واحترامهم‪ ،‬ويؤكد‬
‫كبيرنا ويرحم صغيرنا«‪.‬‬
‫وأما والدة الصديق‪ :‬فهي سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب‬
‫بن سعد بن تيم‪ ،‬وكنيتها أم الخير‪ ،‬أسلمت مبكرًا‪ ،‬وسيأتي تفصيل‬
‫)‪(7‬‬
‫ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر على النبي × على الظهور بمكة‪.‬‬
‫وأما زوجاته‪ :‬فقد تزوج ‪ ‬من أربع نسوة‪ ،‬أنجبن له ثلثة ذكور‬
‫وثلث إناث‪ ،‬وهن على التوالي‪:‬‬
‫‪ -1‬قتيلة بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن مالك‪:‬‬
‫اختلف في إسلمها )‪ ،(8‬وهي والدة عبد الله وأسماء‪ ،‬وكان أبو‬
‫بكر طلقها في الجاهلية وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن إلى ابنتها‬
‫أسماء بنت أبي بكر بالمدينة‪ ،‬فأبت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها‪،‬‬
‫فأرسلت إلى عائشة تسأل النبي × فقال النبي ×‪» :‬لتدخلها‪،‬‬
‫ن‬‫ع ِ‬‫ه َ‬ ‫م الل ُ‬ ‫هاك ُ ُ‬ ‫ولتقبل هديتها«‪ ،‬وأنزل الله ‪-‬عز وجل‪+ :-‬ل َ ي َن ْ َ‬
‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬
‫ِ َ ِ ْ‬ ‫ر‬‫يا‬ ‫د‬ ‫من‬ ‫ْ ّ‬ ‫كم‬ ‫ُ‬ ‫جو‬ ‫ر ُ‬ ‫خ ِ‬ ‫ول َ ْ‬
‫م يُ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫دي ِ‬‫في ال ّ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬ ‫قات ُِلوك ُ ْ‬ ‫م يُ َ‬ ‫ن لَ ْ‬‫ذي َ‬ ‫ا َل ّ ِ‬
‫ن"‬ ‫طي‬
‫ِ ِ َ‬ ‫س‬ ‫ق‬‫ْ‬ ‫م‬‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ب‬‫َ ُ ّ‬‫ح‬‫ِ‬ ‫ي‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫ِ ْ ِ ْ ِ ّ‬‫ي‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫طوا‬ ‫س‬
‫ِ‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫و‬‫ْ َ‬ ‫م‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫رو‬‫أن َ ّ‬
‫ب‬‫َ‬ ‫ت‬
‫]الممتحنة‪ ،[8 :‬أي‪ :‬ل يمنعكم الله من البر والحسان وفعل الخير إلى‬
‫الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء الضعيفة‬
‫منهم؛ كصلة الرحم‪ ،‬ونفع الجار‪ ،‬والضيافة‪ ،‬ولم يخرجوكم من‬
‫دياركم‪ ،‬ول يمنعكم أيضا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم؛ بأداء ما‬
‫لهم من الحق؛ كالوفاء لهم بالوعود‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وإيفاء أثمان‬
‫إن‪(9‬الله يحب العادلين ويرضى‬ ‫)‬
‫المشتريات كاملة غير منقوصة‪.‬‬
‫عنهم‪ ،‬ويمقت الظالمين ويعاقبهم‪.‬‬
‫)( الشاجع‪ :‬هو مفاصل الصابع‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬رقم‪ ،5895 :‬ومسلم‪ .2341 :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬مجدي السيد‪ ،‬ص‬ ‫‪2‬‬

‫‪.32‬‬
‫)‪(14‬السيرة النبوية في ضوء المصادر‬ ‫)( الصابة‪.4/375 ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫الصلية‪ ،‬ص ‪.577‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الصابة‪ ،4/375 :‬الثغامة‪ :‬نبات يشبه به الشيب‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (1‬الترمذي‪ ،‬كتاب البر‪ ،‬باب ‪.15‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (3‬الطبقات لبن سعد‪.8/249 ،3/169 ،‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( تفسير المنير للزحيلي‪.28/135 ،‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪17‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫‪ -2‬أم رومان بنت عامر بن عويمر‪:‬‬
‫من بني كنانة بن خزيمة‪ ،‬مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة‬
‫بمكة‪ ،‬فتزوجها أبو بكر‪ ،‬وأسلمت قديمًا‪ ،‬وبايعت‪ ،‬وهاجرت إلى‬
‫المدينة‪ ،‬وهي والدة عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهم‪ ،‬وتوفيت‬
‫)‪(1‬‬
‫في عهد النبي × بالمدينة سنة ست من الهجرة‪.‬‬
‫ميـس بن معبد بن الحارث‪:‬‬
‫‪ -3‬أسماء بنت ع ُ َ‬
‫أم عبد الله‪ ،‬من المهاجرات الوائل‪ ،‬أسلمت قديمً ا قبل‬
‫دخول دار الرقم‪ ،‬وبايعت الرسول × ‪ ،‬وهاجر بها زوجها جعفر‬
‫إلى الحبشة‪ ،‬ثم هاجرت معه إلى المدينة‬ ‫بن أبي طالب ‪‬‬
‫فاستشهد يوم مؤتة‪ ،‬وتزوجها الصديق فولدت له محمدا‪ .‬روى‬
‫عنها من الصحابة‪ :‬عمر‪ ،‬وأبو موسى‪ ،‬وعبد الله بن عباس‪،‬‬
‫وهو ابن اختها أم الفضل امرأة العباس‪ .‬وأمها هند بنت عوف‬
‫أصهار ا؛ فمن أصهارها‪ :‬رسول‬
‫ً‬ ‫ابن زهير وكانت أكرم الناس‬
‫)‪(2‬‬
‫الله وحمزة والعباس وغيرهم‬
‫‪ -4‬حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير‪:‬‬
‫النصارية‪ ،‬الخزرجية وهي التي ولدت لبي بكر أم كلثوم بعد‬
‫)‪(3‬‬
‫وفاته‪ ،‬وقد أقام عندها الصديق بالسنح‪.‬‬
‫وأما أولد أبي بكر ‪ ‬فهم‪:‬‬
‫‪ -1‬عبد الرحمن بن أبي بكر‪:‬‬
‫أسن ولد أبي بكر‪ ،‬أسلم يوم الحديبية‪ ،‬وحسن إسلمه‪ ،‬وصحب‬
‫رسول الله × وقد اشتهر بالشجاعة‪ ،‬وله مواقف محمودة ومشهودة‬
‫)‪(4‬‬
‫بعد إسلمه‪.‬‬
‫‪ -2‬عبد الله بن أبي بكر‪:‬‬
‫صاحب الدور العظيم في الهجرة‪ ،‬فقد كان يبقى في النهار بين أهل‬
‫مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل إلى الغار لينقل هذه الخبار‬
‫بسهم‬
‫)‪(5‬‬
‫وأبيه‪ ،‬فإذا جاء الصبح عاد إلى مكة‪ .‬وقد أصيب‬
‫لرسول الله ×‬
‫يوم الطائف‪ ،‬فماطله حتى مات شهيدا بالمدينة في خلفة الصديق‪.‬‬
‫‪ -3‬محمد بن أبي بكر‪:‬‬
‫)‪(6‬‬
‫أمه أسماء بنت عميس‪ ،‬ولد عام حجة الوداع وكان من فتيان‬
‫قريش‪ ،‬عاش في حجر علي بن أبي طالب‪ ،‬ووله مصر وبها قتل‪.‬‬
‫‪ -4‬أسماء بنت أبي بكر‪:‬‬
‫)‪ (2‬سير أعلم النبلء‪.2/282 ،‬‬ ‫)‪ (1‬الصابة‪.8/391 ،‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( منازل بني الحارث بن الخزوج في عوالي المدينة‪ (4) .‬البداية والنهاية‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.6/346‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( نسب قريش‪ ،‬ص ‪.275‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( نسب قريش‪ :‬ص ‪ ،277‬الستيعاب‪ (2) .3/1366 :‬سير أعلم النبلء‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.2/287‬‬

‫‪18‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫ذات النطاقين‪ ،‬أسن من عائشة‪ ،‬سماها رسول الله × ذات‬
‫النطاقين لنها صنعت لرسول الله × ولبيها سفرة لما هاجرا فلم‬
‫تجد ما تشدها به‪ ،‬فشقت نطاقها وشدت به السفرة‪ ،‬فسماها النبي‬
‫× بذلك‪ .‬وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت إلى المدينة وهي‬
‫حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة‪ ،‬فكان أول مولود في‬
‫السلم بعد الهجرة‪ ،‬بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء‪ ،‬ولم‬
‫ن‪ُ .‬روي لها عن الرسول × ستة وخمسون حديثا‪ ،‬روى‬ ‫س ّ‬
‫يسقط لها ِ‬
‫بن‪(1‬أبي‬ ‫الله‬ ‫وعبد‬ ‫وعروة‪،‬‬ ‫الله‬ ‫عبد‬ ‫وأبناؤها‬ ‫عباس‪،‬‬ ‫بن‬ ‫الله‬ ‫عنها عبد‬
‫مليكة وغيرهم‪ ،‬وكانت جوادة منفقة‪ ،‬توفيت بمكة سنة ‪ 73‬هـ ) ‪.‬‬ ‫ُ‬
‫‪ -5‬عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها‪:‬‬
‫الصديقة بنت الصديق‪ ،‬تزوجها رسول الله × وهي بنت ست‬
‫ستين‪ ،‬ودخل بها وهي بنت تسع سنين‪ ،‬وأعرس بها في شوال‪ ،‬وهي‬
‫كناها‪(2‬رسول الله × أم عبد الله‪ ،‬وكان حبه لها مثالً‬ ‫أعلم النساء‪،‬‬
‫للزوجية الصالحة ) ‪.‬‬
‫كان الشعبي يحدث عن مسروق أنه إذا تحدث عن أم المؤمنين‬
‫عائشة يقول‪ :‬حدثتني الصديقة بنت الصديق المبرأة حبيبة رسول‬
‫الله ×‪ ،‬ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث )‪ ،(2210‬اتفق‬
‫حديثا‪ ،‬وانفرد البخاري‬ ‫)‪(3‬‬
‫البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين‬
‫وعاشت ثلثًا‬ ‫‪،‬‬ ‫وستين‬ ‫بأربعة وخمسين‪ ،‬وانفرد مسلم بتسعة‬
‫وستين سنة وأشهرًا‪ ،‬وتوفيت سنة ‪ 57‬هـ‪ ،‬ول ذرية لها )‪.(4‬‬
‫‪ -6‬أم كلثوم بنت أبي بكر‪:‬‬
‫أمها حبيبة بنت خارجة‪ ،‬قال أبو بكر لم المؤمنين عائشة حين‬
‫حضرته الوفاة‪ :‬إنما هما أخواك وأختاك‪ ،‬فقالت‪ :‬هذه أسماء قد‬
‫خارجة‪ ،‬قد ألقى في خلدي‬ ‫عرفتها‪ ،‬فمن الخرى؟ قال‪ :‬ذو بطن بنت‬
‫أنها جارية‪ ،‬فكانت كما قال‪ :‬وولدت بعد موته‪ (5).‬تزوجها طلحة بن‬
‫عبيد الله وقتل عنها)‪(6‬يوم الجمل‪ ،‬وحجت بها عائشة في عدتها‬
‫فأخرجتها إلى مكة ‪.‬‬
‫هذه هي أسرة الصديق المباركة التي أكرمها الله بالسلم‪ ،‬وقد‬
‫اختص بهذا الفضل أبو بكر ‪ ‬من بين الصحابة‪ ،‬وقد قال العلماء‪ :‬ل‬
‫يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله × إل آل‬
‫أبي بكر الصديق‪ ،‬وهم‪ :‬عبد الله بن الزبير‪ ،‬أمه أسماء بنت أبي بكر‬
‫وأيضا محمد بن عبد‬ ‫بن أبي قحافة‪ ،‬فهؤلء الربعة صحابة متناسلون‪،‬‬
‫الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم )‪.(7‬‬
‫وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولده‪ ،‬وأدركوا النبي ×‬
‫وأدركه أيضا بنو أولده إل أبو بكر من جهة الرجال والنساء ‪-‬وقد‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (4‬سير أعلم النبلء‪:‬‬ ‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.34‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪.145 ،2/139‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( طبقات ابن سعد‪ ،58/58 :‬المنذر‪.4/5 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الطبقات‪.2/195 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( نسب قريش‪ :‬ص ‪ ،278‬الصابة‪ ،8/466 :‬تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء‬ ‫‪6‬‬

‫الراشدين‪ ،‬ص ‪.35‬‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد رشيد رضا‪ :‬ص ‪.7‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪19‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫بينت ذلك‪ -‬فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه‪ ،‬فهذا بيت الصديق‪ ،‬فأهله‬
‫أهل إيمان‪ ،‬ليس فيهم منافق ول يعرف في الصحابة مثل هذه لغير‬
‫بيت أبي بكر رضي الله عنهم‪.‬‬
‫وكان يقال‪ :‬لليمان بيوت وللنفاق بيوت‪ ،‬فبيت أبي بكر من بيوت‬
‫من المهاجرين‪ ،‬وبيت بني النجار من بيوت اليمان من‬‫)‪(1‬‬
‫اليمان‬
‫النصار‪.‬‬
‫خُلقي للصديق في المجتمع الجاهلي‪:‬‬
‫رابًعا‪ :‬الرصيد ال ْ ُ‬
‫كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم‬
‫وأحد رؤسائهم‪ ،‬وذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور‬
‫السلم إلى عشرة رهط من عشرة أبطن؛ فالعباس ابن عبد‬
‫لمطلب من بني هاشم‪ ،‬وكان يسقي الحجيج في الجاهلية‪ ،‬وبقي له‬
‫ذلك في السلم‪ ،‬وأبو سفيان بن حرب من بني أمية‪ ،‬وكان عنده‬
‫العقاب )راية قريش(‪ ،‬فإذا لم تجتمع قريش على واحد رأسوه هو‬
‫وقدموه‪ ،‬والحارث بن عامر من بني نوفل‪ ،‬وكانت إليه الرفادة‪ ،‬وهي‬
‫ما تدخره قريش من أموالها‪ ،‬وترصد به منقطع السبيل‪ ,‬وعثمان بن‬
‫طلحة بن زمعة بن السود من بني أسد‪ ،‬وكانت إليه المشورة‪ ،‬فل‬
‫ُيجمع على أمر حتى يعرضوه عليه‪ ،‬فإن وافق ولهم عليه‪ ،‬وإل تخير‬
‫وكانوا له أعوانا‪ .‬وأبو بكر الصديق من بني تيم وكانت إليه الشناق‪،‬‬
‫وهي الديات والمغارم‪ ،‬فكان إذا حمل شيئا فسأل فيه قريشا‬
‫صدقوه‪ ،‬وأمضوا حمالة من نهض معه‪ ،‬وإن احتملها غيره خذلوه‪,‬‬
‫وخالد بن الوليد من بني مخزوم‪ ،‬وكانت إليه القبة والعنة‪ ،‬وأما‬
‫القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش‪،‬‬
‫وأما العنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب‪ ,‬وعمر بن‬
‫الخطاب من بني عدي‪ ،‬وكانت إليه السفارة في الجاهلية‪ ,‬وصفوان‬
‫والحارث بن قيس من‬ ‫بن أمية من بني جمح‪ ،‬وكانت إليه الزلم‪،‬‬
‫بني سهم‪ ،‬وكانت إليه الحكومة وأموال آلهتهم )‪.(2‬‬
‫لقد كان الصديق في المجتمع الجاهلي شريفًا من أشراف‬
‫خيارهم‪ ،‬ويستعينون به فيما نابهم‪ ،‬وكانت له بمكة‬ ‫قريش‪ ،‬وكان من‬
‫ضيافات ل يفعلها أحد )‪.(3‬‬
‫وقد اشتهر بعدة أمور‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬العلم بالنساب‪ :‬فهو عالم من علماء النساب وأخبار‬
‫العرب‪ ،‬وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين‬
‫العرب‬ ‫كعقيل بن أبي طالب وغيره‪ ،‬وكانت له مزية حببته إلى قلوب‬
‫وهي‪ :‬أنه لم يكن يعيب النساب‪ ،‬ول يذكر المثالب بخلف غيره)‪،(4‬‬
‫كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها‪ ،‬وبما فيها من خير‬ ‫فقد‬
‫وشر‪ (5).‬وفي هذا تروي عائشة –رضي الله عنها‪ -‬أن رسول الله ×‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،1/280 :‬لمحمد مال الله‪ ،‬مستخرج من منهاج السنة لبن‬ ‫‪1‬‬

‫تيمية‪.‬‬
‫)( أشهر مشاهير السلم‪.1/10 ،‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( نهاية الرب‪ ،19/10 :‬نقل عن تاريخ الدعوة‪ ،‬يسري محمد‪ :‬ص ‪.42‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (4‬الصابة‪.4/146 :‬‬ ‫)( التهذيب‪.2/183 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪20‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫قال‪» :‬إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها« )‪.(1‬‬
‫بصرى من أرض الشام‬ ‫را‪ ،‬ودخل ُ‬ ‫‪ -2‬تجارته‪:‬كان في الجاهلية تاج ً‬
‫أربعين( ألف درهم‪ ،‬وكان‬ ‫ماله‬ ‫للتجارة‪ ،‬وارتحل بين البلدان‪ ،‬وكان رأس‬
‫عرف به في الجاهلية )‪. 2‬‬ ‫ينفق من ماله بسخاء وكرم ُ‬
‫‪ -3‬موضع اللفة بين قومه وميل القلوب إليه‪ :‬فقد ذكر‬
‫ابن إسحاق في »السيرة« أنهم كانوا يحبونه ويألفونه‪ ،‬ويعترفون‬
‫له بالفضل العظيم والخلق الكريم‪ ،‬وكانوا يأتونه ويألفونه لغير‬
‫واحد من المر‪ :‬لعلمه وتجارته وحسن مجالسته‪ (3).‬وقد قال له‬
‫العشيرة‪ ،‬وتعين على‬ ‫ابن الدغنة حين لقيه مهاجرا‪ :‬إنك لتزين‬
‫النوائب‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬وتفعل المعروف‪ (4).‬وقد علق ابن‬
‫حجر على قول ابن الدغنة فقال‪ :‬ومن أعظم مناقبه أن ابن‬
‫الدغنة سيد القارة لما ر ّ د عليه جواره بمكة وصفه بنظير ما‬
‫ي × لما بعث‪ ،‬فتوارد فيها نعت واحد من‬ ‫وصفت به خديج ُة النب ّ‬
‫غاية في مدحه؛ لن صفات النبي‬ ‫وهذه‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫غير أن يتواطأ على‬
‫× منذ نشأ كانت أكمل الصفات )‪.(5‬‬
‫‪4-‬لم يشرب الخمر في الجاهلية‪:‬فقد كان أعف الناس في‬
‫)‪(6‬‬
‫حتى إنه حرم على نفسه الخمر قبل السلم‪ ،‬فقد قالت‬ ‫الجاهلية‬
‫‪،‬‬
‫السيدة عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬حرم أبو بكر الخمر على نفسه‪ ،‬فلم‬
‫يشربها في جاهلية ول في إسلم‪ ،‬وذلك أنه مر برجل سكران يضع يده‬
‫في العذرة‪ ،‬ويدنيها من فيه‪ ،‬فإذا وجد ريحها صرفها عنه‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫إن هذا ل يدري ما يصنع‪ ،‬وهو يجد ريحها فحماها‪(7).‬وفي رواية لعائشة‪:‬‬
‫)‪(8‬‬
‫ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية‪.‬‬
‫وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟‬
‫م؟ قال‪ :‬كنت أصون عرضي‪ ،‬وأحفظ‬ ‫بقوله‪ :‬أعوذ بالله‪ ،‬فقيل‪ :‬ول ِ َ‬
‫مروءتي‪ ،‬فإن من شرب الخمر كان مضيًعا لعرضه ومروءته )‪.(9‬‬
‫‪ -5‬ولم يسجد لصنم‪ :‬ولم يسجد الصديق ‪ ‬لصنم قط‪ ،‬قال‬
‫أبو بكر ‪ ‬في مجمع من أصحاب رسول الله ×‪ :‬ما سجدت لصنم‬
‫قط‪ ،‬وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي‬
‫إلى مخدع فيه الصنام‪ ،‬فقال لي‪ :‬هذه آلهتك الشم العوالي‪ ،‬وخلني‬
‫وذهب‪ ،‬فدنوت من الصنم وقلت‪ :‬إني جائع فأطعمني فلم ُيجبني‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬إني عارٍ فاكسني فلم يجبني‪ ،‬فألقيت عليه صخرة فخّر‬
‫لوجهه‪.‬‬

‫)( مسلم رقم‪ ،2490 :‬الطبراني في الكبير رقم‪.3582 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬على الطنطاوي‪ :‬ص ‪ ,66‬التاريخ السلمي‪ ،‬الخلفاء‬ ‫‪2‬‬

‫الراشدين‪ ،‬محمود شاكر‪ :‬ص ‪.30‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.1/371 ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (1‬البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار‪ ،‬رقم‪.3905 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (3‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.48 :‬‬ ‫)( الصابة‪.4/174 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي‪ :‬ص ‪ (6) ,(5) .34‬تاريخ الخلفاء‬ ‫‪7‬‬

‫للسيوطي‪ :‬ص ‪.49‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪9‬‬
‫)( تاريخ الخلفاءـ للسيوطي‪:‬ـ ص ‪.49‬‬

‫‪21‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير وفطرته السليمة على‬
‫الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال‬
‫الجاهليين وأخلقهم التي تجانب الفطرة السليمة‪ ،‬وتتنافى مع العقل‬
‫الراجح والرجولة الصادقة‪ (1).‬فل عجب على من كانت هذه أخلقه أن‬
‫ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة‪ ،‬ويكون بعد إسلمه‬
‫أفضل رجل بعد رسول الله ×‪ ،‬فقد قال ×‪» :‬خياركم في‬
‫)‪(2‬‬
‫الجاهلية خياركم في السلم إذا فقهوا«‪.‬‬
‫وقد علق الستاذ رفيق العظم عن حياة الصديق في الجاهلية فقال‪:‬‬
‫اللهم إن امرأ نشأ بين الوثان حيث ل دين زاجر‪ ،‬ول شرع للنفوس قائد‪،‬‬
‫وهذا مكانه من الفضيلة‪ ،‬واستمساكه بعرى العفة والمروءة‪ ...‬لجدير بأن‬
‫يتلقى السلم بملء الفؤاد‪ ،‬ويكون أول مؤمن بهادي العباد‪ ،‬مبادر‬
‫بإسلمه لرغام أنوف أهل الكبير والعناد‪ ،‬ممهد سبيل الهتداء بدين الله‬
‫الرذائل من نفوس المهتدين بهديه‪،‬‬ ‫القويم‪ ،‬الذي يجتث أصول‬
‫المستمسكين بمتين سببه )‪.(3‬‬
‫لله در الصديق ‪ ،‬فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم‬
‫الرفيعة‪ ،‬والخلق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي‬
‫قبل السلم‪ ،‬وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم‬
‫الخلق والقيم والمثل‪ ،‬ولم ُيعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب‬
‫ول نقصه‬
‫ول استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين‪ ،‬ولم يكن له عندهم‬
‫عيب إل اليمان‬
‫بالله ورسوله )‪.(4‬‬
‫***‬

‫)( أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري‪1/58 :‬؛ الخلفاء الراشدين‪ ،‬محمود شاكر‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫ص ‪.31‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪ (2) .43‬أشهر مشاهير‬ ‫‪2‬‬

‫السلم‪.1/12 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( منهاج السنة لبن تيمية‪ ،289 ،4/288 :‬ونقل عن كتاب )أبو بكر الصديق‬ ‫‪4‬‬

‫أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة(‪ ،‬لمحمد عبد الرحمن قاسم‪ :‬ص ‪.19 ،18‬‬

‫‪22‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫المبحث الثاني‬
‫إسلمه ودعوته وابتلؤه وهجرته الولى‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫كان إسلم أبي بكر ‪ ‬وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن‬
‫الدين الحق الذي ينسجم مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها‪ ،‬ويتفق‬
‫مع العقول الراجحة والبصائر النافذة‪ ،‬فقد كان بحكم عمله التجاري‬
‫كثير السفار‪ ،‬قطع الفيافي والصحاري‪ ،‬والمدن والقرى في الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬وتنقل من شمالها إلى جنوبها‪ ،‬ومن شرقها إلى غربها‪،‬‬
‫وثيقا بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية‪،‬‬
‫ً‬ ‫واتصل اتصالً‬
‫لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد‪ ،‬راية‬ ‫النصات‬ ‫وكان كثير‬
‫البحث عن الدين القويم)‪ ،(1‬فقد حدث عن نفسه فقال‪ :‬كنت جالسًا‬
‫بفناء الكعبة‪ ،‬وكان زيد بن عمرو بن ُنفيل قاعدا‪ ،‬فمر ابن أبي‬
‫الصلت‪ ،‬فقال‪ :‬كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال‪ :‬بخير‪ ،‬قال‪ :‬وهل‬
‫وجدت؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫ما مضى في الحنيفية بور‬ ‫كل دين يوم القيامة إل‬

‫أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم‪ ،‬قال‪ :‬ولم أكن سمعت‬
‫قبل ذلك بنبي ُينتظر ويبعث‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت أريد ورقة بن نوفل‬
‫‪-‬وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر‪ -‬فاستوقفته‪ ،‬ثم‬
‫قصصت عليه الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬نعم يا ابن أخي‪ ،‬إنا أهل الكتب‬
‫والعلوم‪ ،‬أل إن هذا النبي الذي ُينتظر من أوسط العرب نسبًا ‪-‬ولي‬
‫علم بالنسب‪ -‬وقومك أوسط العرب نسبًا‪ ،‬قلت‪ :‬يا عم وما يقول‬
‫يظلم‪ ،‬ول ُيظلم ول ُيظالم‪،‬‬ ‫النبي؟ قال‪ :‬يقول ما قيل له؟ إل أنه ل‬
‫فلما ُبعث رسول الله × آمنت به وصدقته )‪ ،(3‬وكان يسمع ما يقوله‬
‫أمية بن أبي الصلت‪ ،‬في مثل قوله‪:‬‬
‫ما بعد غايتنا من رأس‬ ‫أل نبي لنا منا فيخبرنا‬
‫مجرانا‬
‫والرافعون لدين الله أركانا‬ ‫إني أعوذ بمن حج الحجيج له‬

‫لقد عايش أبو بكر هذه الفترة ببصيرة نافذة‪ ،‬وعقل نير‪ ،‬وفكر‬
‫متألق‪ ،‬وذهن وقاد‪ ،‬وذكاء حاد‪ ،‬وتأمل رزين مل عليه أقطار نفسه‪،‬‬
‫ولذلك حفظ الكثير من هذه الشعار‪ ،‬ومن تلك الخبار‪ :‬فعندما سأل‬
‫ما ‪-‬وفيهم أبو بكر الصديق‪ -‬قائل‪» :‬من‬‫الرسول الكريم × أصحابه يو ً‬
‫منكم يحفظ كلم قس بن ساعدة في سوق عكاظ؟«‪،‬‬
‫فسكت الصحابة‪ ،‬ونطق الصديق قائل‪ :‬إني أحفظها يا رسول الله‪,‬‬
‫كنت حاضًرا يومها في سوق عكاظ‪ ،‬ومن فوق جمله الورق وقف‬
‫قس يقول‪ :‬أيها الناس‪ ،‬اسمعوا وعوا‪ ،‬وإذا وعيتم فانتفعوا‪ ،‬إن من‬

‫)( مواقف الصديق مع النبي بمكة‪ ،‬د‪ :‬عاطف لماضة‪ ،‬ص ‪.6‬‬ ‫‪1‬‬

‫)(‪ (3) ,‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪23‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫عاش مات‪ ،‬ومن مات فات‪ ،‬وكل ما هو آت آت‪ .‬إن في السماء‬
‫لخبًرا‪ ،‬وإن في الرض لعِب ًَرا‪ ،‬مهاد موضوع‪ ،‬وسقف مرفوع‪ ،‬ونجوم‬
‫تمور‪ ،‬وبحار لن تغور‪ ،‬ليل داج‪ ،‬وسمات ذات أبراج!!‬
‫ُيقسم قس‪ :‬إن لله ديًنا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه‪.‬‬
‫ما لي أرى الناس يذهبون ول يرجعون‪ ،‬أرضوا بالمقام فأقاموا‪ ،‬أم‬
‫تركوا فناموا‪ ،‬ثم أنشد قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫من القرون لنا بصائره‬ ‫في الذاهبين الولين‬
‫للموت ليس لها مصادره‬ ‫لما رأيت مواردًا‬
‫يسعى الكابر والصاغره‬ ‫ورأيت قومي نحوها‬
‫)‪(1‬‬
‫لة حيث صار القوم صائره‬ ‫أيقنت أني ل محا‬
‫وبهذا الترتيب الممتاز‪ ،‬وبهذه الذاكرة الحديدية‪ ،‬وهي ذاكرة‬
‫المعاني‪ ،‬يقص الصديق ما قاله قس بن ساعدة على‬ ‫استوعبت هذه‬
‫رسول الله وأصحابه )‪.(2‬‬
‫وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصها على بحيرا الراهب )‪،(3‬‬
‫فقال له‪ :‬من أين أنت؟ قال‪ :‬من مكة‪ ،‬قال‪ :‬من أيها؟ قال‪ :‬من‬
‫قريش‪ ،‬قال‪ :‬فأي شيء أنت؟ قال‪ :‬تاجر‪ ،‬قال‪ :‬إن صدق الله رؤياك‪،‬‬
‫وزيره في حياته‪ ،‬وخليفته بعد‬ ‫فإنه يبعث بنبي من قومك‪ ،‬تكون‬
‫موته‪ ،‬فأسر ذلك أبو بكر في نفسه )‪.(4‬‬
‫لقد كان إسلم الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار‪ ،‬وقد ساعده‬
‫على تلبية دعوة السلم معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي × في‬
‫الجاهلية‪ ،‬فعندما نزل الوحي على النبي ×وأخذ يدعو الفراد إلى الله‪،‬‬
‫‪ ‬فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة‬ ‫وقع أول اختياره على الصديق ؛‬
‫بدماثة خلقه‪ ،‬وكريم سجاياه‪ ،‬كما يعرف أبو بكر النبي × بصدقه‪،‬‬
‫وأخلقه التي تمنعه من الكذب على الناس‪ ،‬فكيف يكذب على‬ ‫)‪(5‬‬
‫وأمانته‬
‫الله؟‪.‬‬
‫فعندما فاتحه رسول الله × بدعوة الله وقال له‪...» :‬إني‬
‫رسول الله ونبيه‪ ،‬بعثني لبلغ رسالته‪ ،‬وأدعوك إلى الله‬
‫وحده‬ ‫بالحق‪ ،‬فوالله إنه للحق‪ ،‬أدعوك يا أبا بكر إلى الله‬
‫ل شريك له‪ ،‬ول تعبد غيره‪ ،‬والموالة على طاعته«)‪.(6‬‬
‫فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر‪ ،‬وعاهد رسول الله‬
‫على نصرته‪ ،‬فقام بما تعهد‪ ،‬ولهذا قال رسول الله × في حقه‪» :‬إن‬
‫الله بعثني إليكم فقلتم‪ :‬كذبت وقال أبو بكر‪ :‬صدق‪،‬‬
‫وواساني بنفسه وماله‪ ،‬فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟«‬
‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.9‬‬ ‫)( مواقف الصديق مع النبي بمكة‪ ،‬ص ‪.8‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)(‪ (4) ,‬الخلفاء الراشدون‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.34‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.44‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( البداية والنهاية‪ ،3/31 :‬ط‪ :‬دار المعرفة بيروت‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪24‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫مرتين)‪.(1‬‬
‫وبذلك كان الصديق ‪ ‬أول من أسلم من الرجال الحرار‪ ،‬قال‬
‫إبراهيم النخعي‪ ،‬وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر‪:‬‬
‫أول من أسلم أبو بكر‪ ،‬وقال يوسف ابن يعقوب الماجشون‪ :‬أدركت‬
‫أبي ومشيختنا‪ :‬محمد بن المنكدر‪ ،‬وربيعة بن عبد الرحمن‪ ،‬وصالح‬
‫بن كيسان‪ ،‬وسعد بن إبراهيم‪ ،‬وعثمان بن محمد الخنس‪ ،‬وهم ل‬
‫يشكون أن أول القوم إسلما أبو بكر‪ (2).‬وعن ابن عباس ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬قال‪ :‬أول من صلى أبو بكر‪ ،‬ثم تمثل بأبيات حسان‪:‬‬
‫فاذكر أخاك أبا بكر بما فعل‬ ‫وا من أخي‬ ‫إذا تذكرت شج ً‬
‫ثقة‬
‫إل النبي وأوفاها بما حمل‬ ‫خير البرية أتقاها وأعدلها‬
‫)‪(3‬‬
‫الرسل‬ ‫الثاني التالي المحمود‬
‫مشهده‬
‫طاف العدو به إذ صعد الجبل‬ ‫وثاني اثنين في الغار المنيف‬
‫وقد‬
‫بهدى صاحبه الماضي وما‬ ‫وعاش حمدًا لمر الله متبًعا‬
‫انتقل‬
‫)‪(4‬‬
‫وكان حب رسول الله قد‬
‫علموا‬
‫هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلم الصديق‪ ،‬وهل كان ‪ ‬أول‬
‫من أسلم؛ فمنهم من جزم بذلك‪ ،‬ومنهم من جزم بأن علًيا أول من‬
‫أسلم‪ ،‬ومنهم من جعل زيد بن حارثة أول من أسلم‪ .‬وقد جمع المام‬
‫ابن كثير ‪-‬رحمه الله‪ -‬بين القوال جمًعا طيًبا فقال‪» :‬والجمع بين‬
‫القوال كلها‪ :‬أن خديجة أول من أسلم من النساء ‪-‬وقيل الرجال‬
‫أيضا‪ -‬وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة‪ ،‬وأول من أسلم من‬
‫الغلمان علي بن أبي طالب‪ ،‬فإنه كان صغيًرا دون البلوغ على‬
‫المشهور وهؤلء كانوا آنذاك أهل بيته ×‪ ،‬وأول من أسلم من الرجال‬
‫الحرار أبو بكر الصديق‪ ،‬وإسلمه كان أنفع من إسلم من تقدم‬
‫ما‪ ،‬وصاحب‬ ‫سا في قريش مكر ً‬ ‫ما‪ ،‬رئي ً‬
‫ذكرهم؛ إذ كان صدًرا معظ ً‬
‫مال وداعية إلى السلم‪ ،‬وكان محببا متآلفا يبذل المال في طاعة‬
‫الله ورسوله« ثم قال‪ :‬وقد أجاب أبو حنيفة ‪ ‬بالجمع بين هذه‬
‫القوال‪ ،‬فإن أول من أسلم من الرجال الحرار أبو بكر‪ ،‬ومن النساء‬
‫حارثة‪ ،‬ومن الغلمان علي بن أبي‬ ‫خديجة‪ ،‬ومن الموالي زيد بن‬
‫طالب‪ ،‬رضي الله عنهم أجمعين )‪.(5‬‬
‫م السرور قلب النبي ×؛ حيث تقول أم‬ ‫وبإسلم أبي بكر ع ّ‬
‫المؤمنين عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬فلما فرغ من كلمه )أي النبي‬
‫×( أسلم أبو بكر‪ ،‬فانطلق رسول الله × من عنده‪ ،‬وما بين‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي رقم‪.3661 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫صفة الصفوة‪1/237 :‬؛ أحمد فضائل الصحابة‪.3/206 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫ديوان حسان بن ثابت تحقيق وليد عرفات‪.1/17 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.28 ،3/26 :‬‬ ‫ديوان حسان‪.1/17 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪25‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلم أبي بكر )‪ .(1‬لقد كان أبو بكر‬
‫كنًزا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه‪ ،‬وكان من أحب قريش‬
‫لقريش‪ ،‬فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من‬
‫الموطئين أكنافا‪ ،‬من الذين يألفون ويؤلفون‪ ،‬والخلق السمح وحده‬
‫عنصر كاف للفة القوم‪ ،‬وهو الذي)‪(2‬قال فيه عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫»أرحم أمتي بأمتي أبو بكر« ‪.‬‬
‫وعلم النساب عند العرب‪ ،‬وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم‪،‬‬
‫ولدى أبي بكر الصديق ‪ ‬النصيب الوفر منهما‪ ،‬وقريش تعترف‬
‫للصديق بأنه أعلمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها‪ ،‬وما فيه من خير‬
‫علما ل تجده‬
‫ً‬ ‫وشر‪ ،‬فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه‬
‫عند غيره غزارة ووفرة وسعة‪ ،‬ومن أجل هذا كان الشباب النابهون‬
‫دائما‪ ،‬إنهم الصفوة الفكرية‬
‫ً‬ ‫والفتيان الذكياء يرتادون مجلسه‬
‫المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم‪ ،‬وهذا جانب آخر من‬
‫جوانب عظمته‪.‬‬
‫وطبقة رجال العمال ورجال المال في مكة‪ ،‬هي كذلك من رواد‬
‫مجلس الصديق؛ فهو إن لم يكن التاجر الول في مكة‪ ،‬فهو من أشهر‬
‫صاده‪ ،‬ولطيبته وحسن خلقه تجد‬ ‫تجارها‪ ،‬فأرباب المصالح هم كذلك قُ ّ‬
‫عوام الناس يرتادون بيته‪ ،‬فهو المضياف الدمث الخلق‪ ،‬الذي يفرح‬
‫طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند‬ ‫)‪(3‬‬
‫بضيوفه‪ ،‬ويأنس بهم‪ ،‬فكل‬
‫الصديق رضوان الله عليه‪.‬‬
‫كان رصيده الدبي والعلمي والجتماعي في المجتمع المكي عظيمًا‪،‬‬
‫ولذلك)‪(4‬عندما تحرك في دعوته للسلم استجاب له صفوة من خيرة‬
‫الخلق ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬دعوته‪.‬‬
‫أسلم الصديق ‪ ‬وحمل الدعوة مع النبي ×‪ ،‬وتعلم من رسول‬
‫اليمان ل يكمل‬ ‫الله × أن السلم دين العمل والدعوة والجهاد‪ ،‬وأن‬
‫حتى يهب المسلم نفسه وما يملك لله رب العالمين )‪ ،(5‬قال تعالى‪:‬‬
‫ب‬‫ه َر ّ‬
‫ْ‬
‫ما َِتي َ لل ِ‬ ‫م َ‬
‫و َ‬ ‫ي َ‬ ‫حَيا ُ َ‬ ‫م ْ‬ ‫و َ‬ ‫كي َ‬ ‫س ِ‬
‫َ‬
‫ون ُ ُ‬ ‫صل َِتي َ‬ ‫ن َ‬ ‫ل إِ ّ‬ ‫ق ْ‬
‫َ‬
‫‪ُ +‬‬
‫ن"‬‫َ‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫س‬
‫ُ ْ‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫و‬ ‫ّ‬ ‫أ‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫ت‬
‫ْ ُ َ‬ ‫ر‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫أ‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ب‬ ‫و‬
‫ُ َ ِ‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ري‬‫ِ‬ ‫َ‬
‫ش‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫عا‬‫ال ْ َ‬
‫]النعام‪ ،[163 ،162 :‬وقد كان الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة‪،‬‬
‫وكثير البركة‪ ،‬أينما تحرك أّثر وحقق مكاسب عظيمة للسلم‪ ،‬وقد‬
‫ل‬
‫سِبي ِ‬ ‫ع إ َِلى َ‬ ‫كان نموذجًا حّيا في تطبيقه لقول الله تعالى‪+ :‬ادْ ُ‬
‫ي‬‫َ َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫تي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫با‬
‫م ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫جاِدل ْ ُ‬‫و َ‬ ‫ة َ‬ ‫سن َ ِ‬‫ح َ‬ ‫ة ال ْ َ‬ ‫عظَ ِ‬ ‫وَِ‬ ‫م ْ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫ة َ‬ ‫م ِ‬ ‫حك ْ َ‬ ‫ك ِبال ْ ِ‬ ‫َرب ّ َ‬
‫م‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ع‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ل‬‫بي‬ ‫س‬ ‫عن‬ ‫ل‬‫ّ‬ ‫ض‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫ح‬ ‫َ‬
‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ َ‬‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ ِ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أ ْ‬
‫ن" ]النحل‪.[125 :‬‬ ‫دي َ‬ ‫هت َ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ِبال ْ ُ‬
‫كان تحرك الصديق ‪ ‬في الدعوة إلى الله بوضوح صورة من‬
‫صور اليمان بهذا الدين‪ ،‬والستجابة لله ورسوله‪ ،‬صورة المؤمن‬
‫الذي ل يقر له قرار‪ ،‬ول يهدأ له بال حتى يحقق في دنيا الناس ما‬
‫)‪ (4‬اللباني في صحيح الجامع الصغير‪) :‬‬ ‫)( نفس المصدر السابق‪.3/29 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ (2/8‬ج ‪.3‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( انظر‪ :‬التربية القيادية للغضبان‪ (2) .1/115 ،‬نفس المصدر السابق‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.1/116‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.87‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪26‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫آمن به‪ ،‬دون أن تكون انطلقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما‬
‫للسلم إلى‬ ‫تخمد وتذبل وتزول‪ ،‬وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسته‬
‫أن توفاه الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لم يفتر أو يضعف أو يمل أو يعجز )‪.(1‬‬
‫كانت أول ثمار الصديق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق‬
‫في السلم‪ ،‬وهم‪ :‬الزبير بن العوام‪ ،‬وعثمان بن عفان‪ ،‬وطلحة بن‬
‫عبيد الله‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬وعثمان بن مظعون‪ ،‬وأبو عبيدة بن‬
‫الجراح‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وأبو سلمة بن عبد السد‪ ،‬والرقم‬
‫ابن أبي الرقم رضي الله عنهم‪ .‬وجاء بهؤلء الصحابة الكرام فرادى‬
‫فأسلموا بين يدي رسول الله ×‪ ،‬فكانوا الدعامات الولى التي قام‬
‫دة الولى في تقوية جانب رسول الله‬ ‫عليها صرح الدعوة‪ ،‬وكانوا العُ ّ‬
‫× وبهم أعزه الله وأيده‪ ،‬وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا‪،‬‬
‫رجالً ونساء‪ ،‬وكان كل من هؤلء الطلئع داعية إلى السلم‪ ،‬وأقبل‬
‫معهم‪ ،‬رعيل السابقين‪ ،‬الواحد والثنان‪ ،‬والجماعة القليلة‪ ،‬فكانوا‬
‫وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ول‬ ‫)‪(2‬‬
‫على قلة عددهم كتيبة الدعوة‪،‬‬
‫يلحق بهم لحق في تاريخ السلم‪.‬‬
‫اهتم الصديق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبد الله وزوجته‬
‫أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة‪ ،‬لقد كانت الصفات الحميدة‬
‫والخلل العظيمة والخلق الكريمة التي تجسدت في شخصية‬
‫عامل مؤثرًا في الناس عند دعوتهم للسلم‪ ،‬فقد كان‬ ‫ً‬ ‫الصديق‬
‫رصيده الخلقي ضخمًا في قومه وكبيرًا في عشيرته‪ ،‬فقد كان رجلً‬
‫مؤلفا لقومه‪ ،‬محببًا لهم سهلً‪ ،‬أنسب قريش لقريش‪ ،‬بل كان فرد‬ ‫ً‬
‫زمانه في هذا الفن‪ ،‬وكان رئيسًا مكرمًا سخيً )ا‪(3‬يبذل المال‪ ،‬وكانت له‬
‫بمكة ضيافات ل يفعلها أحد‪ ،‬وكان رجل بليغًا ‪.‬‬
‫إن هذه الخلق والصفات الحميدة ل بد منها للدعاة إلى الله‪،‬‬
‫وإل أصبحت دعوتهم للناس صيحة في واد ونفخة في رماد‪ ،‬وسيرة‬
‫الصديق وهي تفسر لنا فهمه للسلم وكيف عاش به في حياته حدى‬
‫بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الفراد إلى الله تعالى‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬ابتلؤه‪:‬‬
‫إن سنة البتلء ماضية في الفراد والجماعات والشعوب والمم‬
‫والدول‪ ،‬وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام‪ ،‬وتحملوا‬
‫‪-‬رضوان الله عليهم‪ -‬من البلء ما تنوء به الرواسي الشامخات‪،‬‬
‫وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله‪ ،‬وبلغ بهم الجهد ما شاء الله‬
‫أن يبلغ‪ ،‬ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا البتلء‪ ،‬فلقد أوذي أبو‬
‫ب في المسجد الحرام‬ ‫بكر ‪ ‬وحثي على رأسه التراب‪ ،‬و ُ‬
‫ضرِ َ‬
‫يعرف‪(4‬وجهه من أنفه‪ ،‬وحمل إلى بيته في ثوبه وهو‬ ‫بالنعال‪ ،‬حتى ما‬
‫ما بين الحياة والموت) ‪ ،‬فقد روت عائشة ‪-‬رضي الله تعالى عنها‪-‬‬
‫أنه لما اجتمع أصحاب النبي × وكانوا ثمانية وثلثين رجلً ألح أبو بكر‬
‫‪ ‬على رسول الله × في الظهور‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا بكر إنا قليل‪،‬‬
‫فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله‪ ،‬وتفرق المسلمون في‬
‫)( الوحي وتبليغ الرسالة‪ ،‬د‪/‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.62‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬محمد رسول الله‪ ،‬صادق عرجون‪.1/533 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( السيرة الحلبية‪.1/442 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( التمكين للمة السلمية‪ :‬ص ‪.243‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪27‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫ل رجل في عشيرته‪ ،‬وقام أبو بكر في الناس‬ ‫نواحي المسجد ك ّ‬
‫خطيبا ورسول الله × جالس‪ ،‬فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى‬ ‫ً‬
‫وإلى رسوله ×‪ ،‬وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين‪،‬‬
‫طئ أبو بكر وضرب‬ ‫ضربا شديدًا‪ ،‬ووُ ِ‬ ‫ً‬ ‫فضربوه في نواحي المسجد‬
‫شديدا‪ ،‬ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين‬ ‫ً‬ ‫ضربا‬
‫ً‬
‫مخصوفتين وُيحرفهما لوجهه‪ ،‬ونزا على بطن أبي بكر ‪ ،‬حتى ما‬
‫ت المشركين‬ ‫جل َ ِ‬
‫يعرف وجهه من أنفه‪ ،‬وجاءت بنو تيم يتعادون‪ ،‬فأ ْ‬
‫عن أبي بكر‪ ،‬وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ول‬
‫يشكون في موته‪ ،‬ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا‪ :‬والله‬
‫لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة‪ ،‬فرجعوا إلى أبي بكر فجعل‬
‫أبو قحافة »والده« وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب‪ ،‬فتكلم آخر‬
‫النهار فقال‪ :‬ما فعل رسول الله ×؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه‪،‬‬
‫وقالوا لمه أم الخير‪ :‬انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه‪ ،‬فلما‬
‫خلت به ألحت عليه‪ ،‬وجعل يقول‪ :‬ما فعل رسول الله ×؟ فقالت‪:‬‬
‫والله ما لي علم بصاحبك‪ ،‬فقال‪ :‬اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب‬
‫فاسأليها عنه‪ ،‬فخرجت حتى جاءت أم جميل‪ ،‬فقالت‪ :‬إن أبا بكر‬
‫يسألك عن محمد بن عبد الله‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أعرف أبا بكر ول محمد‬
‫بن عبد الله‪ ،‬وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت‪ :‬نعم‪،‬‬
‫فا‪ ،‬فدنت أم جميل‪،‬‬ ‫صريعا دن ً‬
‫ً‬ ‫فمضت معها حتى وجدت أبا بكر‬
‫وأعلنت بالصياح وقالت‪ :‬والله إن قومًا نالوا منك لهل فسق وكفر‪،‬‬
‫إنني لرجو أن ينتقم الله لك منهم‪ ،‬قال‪ :‬فما فعل رسول الله ×؟‬
‫ساِلم‬
‫قالت‪ :‬هذه أمك تسمع‪ ،‬قال‪ :‬فل شيء عليك منها‪ ،‬قالت‪َ :‬‬
‫ي أن ل‬ ‫صاِلح‪ ،‬قال‪ :‬أين هو؟ قالت‪ :‬في دار الرقم‪ ،‬قال‪ :‬فإن لله عل ّ‬ ‫َ‬
‫أذوق طعاما ول أشرب شرابا أو آتي رسول الله ×‪ ،‬فأمهلتا حتى إذا‬
‫ل وسكن الناس‪ ،‬خرجتا به يتكئ عليهما‪ ،‬حتى أدخلتاه‬ ‫ج ُ‬ ‫هدأت الّر ْ‬
‫على رسول الله ×‪ ،‬فقال‪ :‬فأكب عليه رسول الله × فقّبله‪ ،‬وأكب‬
‫عليه المسلمون‪ ،‬ورقّ له رسول الله × رقة شديدة‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫بأبي وأمي يا رسول الله‪ ،‬ليس بي بأس إل ما نال الفاسق من‬
‫وجهي‪ ،‬وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله‪ ،‬وادع الله‬
‫بك‪(1‬من النار‪ ،‬قال‪ :‬فدعا لها رسول الله‬ ‫لها عسى الله أن يستنقذها‬
‫×‪ ،‬ودعاها إلى الله فأسلمت ) ‪.‬‬
‫إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم‬
‫حريص على القتداء بهؤلء الصحب الكرام‪ ،‬ونحاول أن نستخرج‬
‫بعض هذه الدروس التي منها‪:‬‬
‫‪ -1‬حرص الصديق على إعلن السلم وإظهاره أمام الكفار‪،‬‬
‫وقد تحمل الذى العظيم‪ ،‬حتى‬ ‫وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته‪،‬‬
‫شرب قلبه حب الله‬ ‫إن قومه كانوا ل يشكون في موته‪ .‬لقد أ ُ ْ‬
‫ورسوله أكثر من نفسه‪ ،‬ولم يعد يهمه بعد إسلمه إل أن تعلو راية‬
‫التوحيد‪ ،‬ويرتفع النداء‪ :‬ل إله إل الله محمد رسول الله في أرجاء‬
‫مكة حتى لو كان الثمن حياته‪ ،‬وكاد أبو بكر فعل أن يدفع حياته ثمنًا‬
‫لعقيدته وإسلمه‪.‬‬
‫‪ -2‬إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة السلم وسط الطغيان‬
‫)( السيرة النبوية لبن كثير‪ ،441 -1/439 :‬البداية والنهاية‪.3/30 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪28‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الجاهلي‪ ،‬رغبة في إعلم الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته‬
‫القلوب رغم علمه بالذى الذي قد يتعرض له وصحبه‪ ،‬وما كان ذلك‬
‫إل لنه خرج من حظ نفسه‪.‬‬
‫‪ -3‬حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر وتغلب على حبه‬
‫م به كان أول ما سأل عنه‪ :‬ما فعل‬ ‫لنفسه‪ ،‬بدليل أنه رغم ما أل َ ّ‬
‫رسول الله ×؟ قبل أن يطعم أو يشرب‪ ،‬وأقسم أنه لن يفعل حتى‬
‫عند‬ ‫ل الله ×‪ ،‬وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله ×‬ ‫يأتي رسو َ‬
‫)‪(1‬‬
‫كل مسلم؛ أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذلك نفسه وماله ‪.‬‬
‫إن‪ -‬العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه‬ ‫‪4‬‬
‫اختلف العقيدة‪ ،‬فهذه قبيلة أبي‬ ‫مع‬ ‫حتى‬ ‫الفراد‬ ‫مع‬ ‫والتعامل‬ ‫الحداث‬
‫بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر)‪.(2‬‬
‫‪ -5‬تظهر مواقف رائعة لم جميل بنت الخطاب‪ ،‬توضح لنا كيف‬
‫حب الدعوة والحرص عليها‪ ،‬وعلى الحركة لهذا الدين‪،‬‬ ‫تربت على ُ‬
‫فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت‪ :‬ما أعرف أبا بكر‬
‫ول محمد بن عبد الله‪ ،‬فهذا تصرف حذر سليم؛ لن أم الخير لم تكن‬
‫ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلمها‪ ،‬ول تود أن تعلم به‬
‫ذات‪(3‬الوقت أخفت عنها مكان الرسول × مخافة أن‬ ‫أم الخير‪ ،‬وفي‬
‫تكون عينًا لقريش ) ‪ ،‬وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن‬
‫تطمئن على سلمة الصديق‪ ،‬ولذلك عرضت على أم الخير أن‬
‫تصحبها إلى ابنها‪ ،‬وعندما وصلت إلى الصديق كانت أم جميل في‬
‫غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وأبلغت الصديق بأن رسول الله × سالم صالح)‪،(4‬‬
‫الناس عن دينهم في‬ ‫ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن‬
‫خروج الثلثة عندما )هدأت الرجل وسكن الناس( )‪.(5‬‬
‫‪ -6‬يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول‬
‫الله ×‪ :‬هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله‬
‫لها عسى أن يستنقذها بك من النار‪ .‬إنه الخوف من عذاب الله‬
‫والرغبة في رضاه وجنته‪ ،‬ولقد دعا رسول الله × لم أبي بكر‬
‫بالهداية فاستجاب الله له‪ ،‬وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن‬
‫الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى‪ .‬ونلمس‬
‫رحمة الله بعباده ونلحظ من خلل الحدث )قانون المنحة بعد‬
‫المحنة(‪.‬‬
‫إن من أكثر الصحابة الذين تعرضوا لمحنة الذى والفتنة بعد‬ ‫‪-7‬‬
‫نظرلصحبته الخاصة له‪ ،‬والتصاقه به‬ ‫رسول الله ×أبا بكر الصديق ‪ ‬ا ً‬
‫في المواطن التي كان يتعرض فيها للذى من قومه‪ ،‬فينبري الصديق‬
‫مع‬ ‫وفاديًإياه بنفسه‪ ،‬فيصيبه من أذى القوم وسفههم‪ ،‬هذا‬ ‫مدافعا عنه ا‬
‫ً‬
‫أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والحسان)‪.(6‬‬
‫استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬د‪/‬جمال عبد الهادي‪ :‬ص ‪.132 ،131‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬د‪ :‬سليمان السويكت‪ :‬ص ‪.79‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫السيرة النبوية‪ ..‬قراءة لجوانب الحذر والحماية‪ ،‬ص ‪.50‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫نفس المصدر السابق‪.51 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬د‪ :‬جمال عبد الهادي‪ ،‬ص ‪.132‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬د‪ :‬سليمان السويكت‪ ،‬ص ‪.75‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪29‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫رابًعا‪ :‬دفاعه عن النبي ×‪:‬‬
‫من صفات الصديق التي تميز بها الجرأة والشجاعة‪ ،‬فقد كان ل‬
‫يهاب أحدًا في الحق‪ ،‬ول تأخذه لومة لئم في نصرة دين الله والعمل‬
‫له والدفاع عن رسوله ×‪ ،‬فعن عروة بن الزبير قال‪ :‬سألت ابن‬
‫عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ×‬
‫فقال‪ :‬بينما النبي × يصلي في حجر الكعبة‪ ،‬إذ أقبل عقبة بن أبي‬
‫بكر حتى‬ ‫شديدا‪ ،‬فأقبل أبو‬
‫ً‬ ‫معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا‬
‫جل َأن‬ ‫أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي × )‪ (1‬وقال‪+ :‬أ َت َ ْ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ن َر ُ‬
‫ه" ]غافر‪ ،[28 :‬وفي رواية أنس ‪ ‬أنه قال‪ :‬لقد‬ ‫ي الل ُ‬ ‫ل َرب ّ َ‬ ‫يَ ُ‬
‫قو َ‬
‫ضربوا رسول الله × مرة حتى غشي عليه‪ ،‬فقام)‪(2‬أبو بكر ‪ ‬فجعل‬
‫ينادي‪ :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن يقول ربي الله؟! وفي حديث‬
‫أسماء‪ :‬فأتى الصريخ إلى أبي بكر‪ ،‬فقال‪ :‬أدرك صاحبك‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول‪ :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن‬
‫بكر‪ ،‬فرجع إلينا أبو بكر‬ ‫)‪(3‬‬
‫يقول ربي الله‪ ،‬فلهوا عنه وأقبلوا على أبي‬
‫فجعل ل يمس شيئا من غدائره إل رجع معه‪.‬‬
‫وأما في حديث علي بن أبي طالب ‪ ‬فقد قام خطيبًا وقال‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ ،‬من أشجع الناس؟ فقالوا‪ :‬أنت يا أمير المؤمنين‪ ،‬فقال‪ :‬أما إني‬
‫ما بارزني أحد إل انتصفت منه‪ ،‬ولكن هو أبو بكر‪ ،‬وإنا جعلنا لرسول‬
‫عريش فقلنا‪ :‬من يكون مع رسول الله × لئل يهوي عليه أحد‬ ‫اً‬ ‫الله ×‬
‫من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إل أبو بكر شاهرًا بالسيف على‬
‫رأس رسول الله ‪×،‬ل يهوي إليه أحد إل أهوى إليه فهذا أشجع الناس‪.‬‬
‫ده‪ ،‬وهذا يتلتله‬‫قال‪ :‬ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش‪ ،‬فهذا يحا ّ‬
‫واحدا‪ ،‬فوالله ما دنا منه أحد إل أبو بكر‬ ‫ً‬ ‫ويقولون‪ :‬أنت جعلت اللهة إلهًا‬
‫يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا‪ ،‬وهو يقول‪ :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن‬
‫يقول ربي الله‪ ،‬ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت‬
‫لحيته‪ ،‬ثم قال‪ :‬أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت‬
‫الرض( من‬ ‫القوم‪ ،‬فقال علي‪ :‬فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء‬
‫مؤمن آل فرعون‪ ،‬ذاك رجل يكتم إيمانه‪ ،‬وهذا رجل أعلن إيمانه )‪. 4‬‬
‫هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل‪،‬‬
‫مله الصديق من‬ ‫والهدى والضلل‪ ،‬واليمان والكفر‪ ،‬وتوضح ما تح ّ‬
‫اللم والعذاب في سبيل الله تعالى‪،‬كما تعطي ملمح واضحة عن‬
‫شخصيته الفذة‪ ،‬وشجاعته النادرة التي شهد له بها المام علي ‪‬‬
‫في خلفته‪ ،‬أي بعد عقود من الزمن‪ ،‬وقد تأثر علي ‪ ‬حتى بكى‬
‫وأبكى‪.‬‬
‫رسول الله ×‬ ‫إن الصديق ‪ ‬أول من أوذي في سبيل الله بعد‬
‫وأول من دافع عن رسول الله‪ ،‬وأول من دعا إلى الله )‪ ،(5‬وكان‬
‫الذراع اليمنى لرسول الله ×‪ ،‬وتفرغ للدعوة وملزمة رسول الله‬
‫وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم؛‬
‫البخاري‪ ،‬رقم‪.3856 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الصحيح المسند في فضائل الصحابة للعدوي‪ ،‬ص ‪.37‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫منهاج السنة‪ ،3/4 ،‬فتح الباري‪.7/169 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البداية والنهاية‪.272 ،3/271 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫انظر‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد عبد الرحمن قاسم‪ ،‬ص ‪.32 -30 ،29‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪30‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫فهذا أبو ذر ‪ ‬يقص لنا حديثه عن إسلمه‪ ،‬ففيه‪ ...» :‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫يا‪(1‬رسول الله في طعامه الليلة‪ ،‬وأنه أطعمه من زبيب‬ ‫)‬
‫ائذن لي‬
‫الطائف«‪.‬‬
‫وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر‬
‫على نفسه‪ ،‬ول يستهين بخطر يصيب النبي × قل أو كثر حيثما رآه‬
‫واستطاع أن يذود عنه العادين عليه‪ ،‬وإنه ليراهم آخذين بتلبيبه‬
‫فيدخل بينهم وبينه‪ ،‬وهو يصيح بهم‪» :‬ويلكم‪ ،‬أتقتلون رجل أن يقول‬
‫ربي الله؟« فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه‪ ،‬يجذبونه‬
‫من شعره فل)‪(2‬يدعونه إل‬
‫وهو صديع«‪.‬‬
‫سا‪ :‬إنفاقه الموال لتحرير المعذبين في الله‪:‬‬
‫خام ً‬
‫تضاعف أذى المشركين لرسول الله × ولصحابه مع انتشار‬
‫الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي‪ ،‬حتى وصل إلى ذروة العنف‬
‫وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين‪ ،‬فنكلت بهم لتفتنهم‬
‫عن عقيدتهم وإسلمهم‪ ،‬ولتجعلهم عبرة لغيرهم‪ ،‬ولتنفس عن حقدها‬
‫وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب‪ .‬وقد تعرض بلل ‪ ‬لعذاب‬
‫عظيم‪ ،‬ولم يكن لبلل ‪ ‬ظهر يسنده‪ ،‬ول عشيرة تحميه‪ ،‬ول سيوف‬
‫تذود عنه‪ ،‬ومثل هذا النسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل‬
‫ما من الرقام‪ ،‬فليس له دور في الحياة إل أن يخدم ويطيع ويباع‬ ‫رق ً‬
‫ويشترى كالسائمة‪ ،‬أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر‪ ،‬أو‬
‫صاحب دعوة أو صاحب قضية‪ ،‬فهذه جريمة شنعاء في المجتمع‬
‫الجاهلي المكي تهز أركانه‪ ،‬وتزلزل أقدامه‪ ،‬ولكن الدعوة الجديدة‬
‫التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار‬
‫لمست‪(3‬قلب هذا العبد المرمي المنسي‪ ،‬فأخرجته إنسانًا جديدًا في‬
‫الحياة ) ‪ ،‬قد تفجرت معاني اليمان في أعماقه بعد أن آمن بهذا‬
‫الدين وانضم إلى محمد × وإخوانه في موكب اليمان العظيم‪.‬‬
‫وعندما علم سيده أمية بن خلف‪ ،‬راح يهدده تارة ويغريه أطوارا‪،‬‬
‫فما وجد عند بلل غير العزيمة وعدم الستعداد للعودة إلى الوراء‪..‬‬
‫عذابا‬
‫ً‬ ‫إلى الكفر والجاهلية والضلل‪ ،‬فحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه‬
‫شديدا‪ ،‬فأخرجه إلى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه‬ ‫ً‬
‫الطعام والشراب يومًا وليلة‪ ،‬ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال‬
‫المحرقة الملتهبة‪ ،‬ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها‬
‫فوق صدر بلل وهو مقيد اليدين‪ ،‬ثم قال له‪ :‬ل تزال هكذا حتى‬
‫تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللت والعزى‪ ،‬وأجاب بلل بكل صبر‬
‫وثبات‪ :‬أحد أحد‪ ،‬وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بللً بتلك‬
‫الطريقة البشعة )‪ ،(4‬فقصد الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن‬
‫خلف وقال له‪» :‬أل تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! قال‪:‬‬
‫أنت أفسدته فأنقذه مما ترى‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬أفعل‪ ،‬عندي غلم أسود‬
‫أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به‪ ،‬قال‪ :‬قد قبلت‪ ،‬فقال‪ :‬هو‬
‫الفتح‪ ،7/213 :‬الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.156‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫عبقرية الصديق للعقاد‪ ،‬ص ‪ .87‬صديع‪ :‬المشقوق الثوب‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫التربية القيادية‪.1/136 ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫عتيق العتقاء »أبو بكر الصديق«‪ ،‬محمود البغدادي‪ ،‬ص ‪.40 ،39‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪31‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫)‪(1‬‬
‫وفي‬ ‫وأخذه فأعتقه«‪.‬‬ ‫لك‪ ،‬فأعطاه أبو بكر الصديق ‪ ‬غلمه ذلك‬
‫ذهبا )‪.(2‬‬
‫ً‬ ‫رواية‪ :‬اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية‬
‫ما أصبر بلل وما أصلبه ‪ !‬فقد كان صادق السلم‪ ،‬طاهر‬
‫صُلب ولم تلن قناته أمام التحديات وأمام صنوف‬ ‫القلب‪ ،‬ولذلك َ‬
‫العذاب‪ ،‬وكان صبره وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم‪ ،‬خاصة أنه كان‬
‫الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على السلم فلم‬
‫التوحيد بتحد ّ صارخ‪ ،‬وهانت‬ ‫يوات الكفار فيما يريدون‪ ،‬مرددا كلمة‬
‫عليه نفسه في الله‪ ،‬وهان على قومه‪ (3).‬وبعد كل محنة منحة؛ فقد‬
‫تخلص بلل من العذاب والنكال‪ ،‬وتخلص من أسر العبودية‪ ،‬وعاش‬
‫مع رسول الله بقية حياته ملزمًا له‪ ،‬ومات راضيًا عنه‪.‬‬
‫واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين‪،‬‬
‫وأصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة السلمية‬
‫عم الدعوة بالمال‬ ‫لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين‪ ،‬فد ّ‬
‫والرجال والفراد‪ ،‬فراح يشتري العبيد والماء والمملوكين من‬
‫المؤمنين والمؤمنات‪ ،‬منهم‪ :‬عامر بن فهيرة‪ ,‬شهد بدرا وأحدا‪ ،‬وقتل‬
‫يوم بئر معونة شهيدا‪ .‬وأم عبيس‪ ،‬وزنيرة‪ ،‬وأصيب بصرها حين‬
‫أعتقها‪ ،‬فقالت قريش‪ :‬ما أذهب بصرها إل اللت والعزى‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫كذبوا‪ ،‬وبيت الله ما تضر اللت والعزى وما تنفعان‪ ،‬فرد الله بصرها‪.‬‬
‫)‪ (4‬وأعتق النهدية وبنتها‪ ،‬وكانتا لمرأة من بني عبد الدار‪ ،‬مر بهما‬
‫أبدا‪ ،‬فقال‬
‫وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها‪ ،‬وهي تقول‪ :‬ل أعتقكما ً‬
‫أبو بكر ‪ :‬حل )‪ (5‬يا أم فلن‪ .‬فقالت‪ :‬حل أنت‪ ،‬أفسدتهما فأعتقهما‪،‬‬
‫قال‪ :‬فبكم هما؟ قالت‪ :‬بكذا وكذا‪ ،‬وقالت‪ :‬قد أخذتهما وهما حرتان‪،‬‬
‫طحينها‪ ،‬قالتا‪ :‬أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال‪:‬‬ ‫أرجعا إليها‬
‫وذلك إن شئتما )‪.(6‬‬
‫وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى السلم بين الصديق والجاريتين‬
‫حتى خاطبتاه خطاب الند للند‪ ،‬ل خطاب المسود للسيد‪ ،‬وتقبل‬
‫الصديق ‪-‬على شرفه وجللته في الجاهلية والسلم‪ -‬منهما ذلك‪ ،‬مع‬
‫أن له يدا عليهما بالعتق‪ ،‬وكيف صقل السلم الجاريتين حتى تخلقتا‬
‫بهذا الخلق الكريم‪ ،‬وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن‬
‫الحيوان والطير‪،‬‬ ‫تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح‪ ،‬أو يأكله‬
‫ضل‪ -‬إل أن تفرغا منه‪ ،‬وترداه إليها )‪.(7‬‬ ‫ولكنهما أبتا –تف ّ‬
‫مؤمّ )حي من بني عدي بن كعب( وكانت‬ ‫ومر الصديق بجارية بني ل‬
‫مسلمة‪ ،‬وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك السلم‪ ،‬وهو يومئذ مشرك‬
‫أتركك إل عن مللة‪،‬‬ ‫قال‪ :‬إني أعتذر إليك‪ ،‬إني لم‬‫يضربها‪ ،‬حتى إذالم ّ‬
‫فتقول‪ :‬كذلك فعل الله بك‪ ،‬فابتاعها أبو بكر فأعتقها )‪.(8‬‬
‫هكذا كان واهب الحريات‪ ،‬ومحرر العبيد‪ ،‬شيخ السلم الوقور‪،‬‬
‫ف في قومه بأنه يكسب المعدوم‪ ،‬ويصل الرحم‪ ،‬ويحمل‬ ‫الذي عُرِ َ‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (2) .1/394 ،‬التربية القيادية‪.1/140 ،‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬ص ‪.92‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (5) .1/393 :‬حل‪ :‬تحللي من يمينك‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (7) .1/393 :‬السيرة النبوية لبي شهبة‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.1/346‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.1/393 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪32‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الكل‪ ،‬ويقري الضيف‪ ،‬ويعين على نوائب الحق‪ ،‬ولم ينغمس في إثم‬
‫في جاهليته‪ ،‬أليف مألوف‪ ،‬يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء‬
‫والرقاء‪ ،‬أنفق جزءًا كبيرًا من ماله في شراء العبيد‪ ،‬وعتقهم لله‬
‫التشريعات السلمية المحببة في العتق‬ ‫وفي الله قبل أن تنزل‬
‫والواعدة عليه أجزل الثواب )‪.(1‬‬
‫كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر ‪ ‬الذي يبذل هذا المال كله‬
‫لهؤلء المستضعفين‪ ،‬أما في نظر الصديق فهؤلء إخوانه في الدين‬
‫الجديد‪ ،‬فكل واحد من هؤلء ل يساويه عنده مشركو الرض‬
‫العناصر وغيرها تبني دولة التوحيد‪ ،‬وتصنع حضارة‬ ‫وطغاتها‪ ،‬وبهذه‬
‫السلم الرائعة‪ (2).‬ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة ول‬
‫ها‪ ،‬ول دنيا‪ ،‬وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلل والكرام‪ .‬لقد قال‬ ‫جا ً‬
‫ضعافا‪ ،‬فلو أنك إذا‬ ‫ً‬ ‫له أبوه ذات يوم‪ :‬يا بني‪ ،‬إني أراك تعتق رقابًا‬
‫جلدا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫فعلت أعتقت رجالً‬
‫يا أبت‪ ،‬إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل‪ .‬فل عجب إذا كان الله‬
‫شأن الصديق قرآنا يتلى إلى يوم القيامة‪ ،‬قال‬ ‫من أ َ‬ ‫أنزل في‬ ‫فأ َ‬ ‫سبحانه‬
‫نى ‪‬‬ ‫س َ‬ ‫ِ ُ ْ‬ ‫ح‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫َ‬ ‫ق‬ ‫د‬
‫َ َ ّ‬‫ص‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫قى‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫وا‬ ‫َ َ‬ ‫طى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫ّ َ ْ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬
‫ب‬‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ذ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫نى‬ ‫َ‬ ‫غ‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫س‬
‫َ ْ‬ ‫وا‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫خ‬‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫من‬ ‫َ ّْ َ‬ ‫ما‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫رى‬ ‫ُ ْ َ‬ ‫س‬ ‫ي‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫سن ُي َ ّ ُ ُ‬
‫ه‬ ‫ر‬ ‫س‬ ‫ف َ‬ ‫َ‬
‫ه إِ َ‬
‫ذا‬ ‫ُ‬ ‫ل‬
‫ُ َُ َ ُ‬‫ما‬ ‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ني‬ ‫ِ‬ ‫غ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬
‫َ ََ ُ‬‫ما‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫رى‬ ‫ُ ْ َ‬‫س‬ ‫ع‬ ‫ل‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫ر‬ ‫س‬
‫َ َ ََ ّْ ُ ُ‬ ‫ي‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫نى‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ِ ُ ْ‬ ‫ح‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫با‬
‫والولى ‪‬‬ ‫َ‬ ‫خَرةَ‬ ‫ن ل ََنا ل َل ِ‬ ‫وإ ِ ّ‬ ‫َ‬ ‫دى ‪‬‬ ‫ه َ‬ ‫علي َْنا لل ُ‬ ‫ن َ‬ ‫دى ‪ ‬إ ِ ّ‬ ‫ت ََر َ ّ‬
‫ب‬‫ذي ك َذّ َ‬ ‫قى ‪ ‬ال ّ ِ‬ ‫ش َ‬ ‫ها إ ِل ّ ال ْ‬ ‫صل َ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫‪‬‬ ‫ظى‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫را‬ ‫ً‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ر‬ ‫َ‬
‫فأن ْ ّ ْ‬
‫ذ‬ ‫َ‬
‫ما‬
‫َ َ‬‫و‬ ‫‪‬‬ ‫كى‬ ‫ّ‬ ‫ز‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ه‬
‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ما‬ ‫تي‬ ‫ِ‬ ‫ؤ‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫‪‬‬ ‫قى‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫س‬ ‫َ َ‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫لى‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫و‬
‫لى ‪‬‬ ‫ع َ‬ ‫ه ال ْ‬ ‫ه َرب ّ ِ‬ ‫ج ِ‬ ‫و ْ‬ ‫غاءَ َ‬ ‫جَزى ‪ ‬إ ِل ّ اب ْت ِ َ‬ ‫ة تُ ْ‬ ‫م ٍ‬ ‫ع َ‬ ‫من ن ّ ْ‬ ‫عن ْدَهُ ِ‬ ‫د ِ‬ ‫ح ٍ‬ ‫ل َ‬
‫ضى"]الليل‪.[21 – 5 :‬‬ ‫َ ْ َ‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ول َ َ ْ‬
‫و‬ ‫س‬ ‫َ‬
‫لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقا لماله فيما يرضي الله‬
‫ورسوله‪.‬‬
‫كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة السلمية الولى قمة من‬
‫قمم الخير والعطاء‪ ،‬وأصبح هؤلء العبيد بالسلم أصحاب عقيدة‬
‫وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها‪ ،‬ويجاهدون في سبيلها‪ ،‬وكان‬
‫إقدام أبي بكر ‪ ‬على شرائهم ثم عتقهم دليلً على عظمة هذا‬
‫الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق ‪ ،‬وما أحوج المسلمين‬
‫اليوم إلى أن يحيوا هذا المثل الرفيع‪ ،‬والمشاعر السامية؛ ليتم‬
‫التلحم والتعايش والتعاضد بين أبناء المة التي يتعرض أبناؤها للبادة‬
‫الشاملة من قَِبل أعداء العقيدة والدين‪.‬‬
‫سا‪ :‬هجرته الولى وموقف ابن الدغنة منها‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫قالت عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬لم أعقل أبوي قط إل وهما‬
‫يدينان الدين‪ ،‬ولم يمر علينا يوم إل يأتينا فيه رسول الله × طرفي‬
‫النهار )بكرة وعشية(‪ ،‬فلما ابتلي المسلمون‪ ،‬خرج أبو بكر مهاجرًا‬
‫نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة‬
‫)‪ (3‬فقال‪ :‬أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر‪ :‬أخرجني قومي فأريد أن‬
‫أسيح في الرض وأعبد ربي‪ ،‬قال ابن الدغنة‪ :‬فإن مثلك يا أبا بكر ل‬
‫)( السيرة النبوية لبي شهبة‪.1/345 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( التربية القيادية‪.1/342 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪33‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫يخرج ول ُيخرج؛ إنك تكسب المعدوم‪ ،‬وتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪،‬‬
‫وتقري الضيف‪ ،‬وُتعين على نوائب الحق‪ .‬فأنا لك جار‪ ،‬ارجع واعبد‬
‫ربك ببلدك‪ ،‬فرجع وارتحل معه ابن الدغنة‪ ،‬فطاف ابن الدغنة عشية‬
‫في أشراف قريش‪ ،‬فقال لهم‪ :‬إن أبا بكر ل يخرج مثله ول ُيخرج‪،‬‬
‫أتخرجون رجل يكسب المعدوم‪ ،‬ويصل الرحم‪ ،‬ويحمل الكل‪ ،‬ويقري‬
‫الضيف‪ ،‬ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن‬
‫ص ّ‬
‫ل‬ ‫الدغنة‪ ،‬وقالوا لبن الدغنة‪ :‬مر أبا بكر فليعبد ربه في داره‪ ،‬فلي ُ‬
‫ست َعِْلن به‪ ،‬فإنا نخشى أن‬ ‫فيها وليقرأ ما شاء‪ ،‬ول يؤذينا بذلك ول ي َ ْ‬
‫يفتن نساءنا وأبناءنا‪ ،‬فقال ذلك ابن الدغنة لبي بكر‪ ،‬فلبث أبو بكر‬
‫بذلك يعبد ربه في داره‪ ،‬ول يستعلن بصلته ول يقرأ في غير داره‪،‬‬
‫ثم بدا لبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره‪ ،‬وكان يصلي فيه ويقرأ‬
‫القرآن‪ ،‬فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم‪ ،‬وهم يعجبون منه‬
‫وينظرون إليه‪.‬‬
‫كاء ل يملك عينه إذا قرأ القرآن‪ ،‬فأفزع ذلك‬ ‫وكان أبو بكر رجل ب ّ‬
‫أشراف قريش من المشركين‪ ،‬فأرسلوا إلى ابن الدغنة‪ ،‬فقدم‬
‫عليهم فقالوا‪ :‬إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في‬
‫داره‪ ،‬فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره‪ ،‬فأعلن بالصلة‬
‫والقراءة فيه‪ ،‬وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه‪ ،‬فإن أحب‬
‫أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل‪ ،‬وإن أبى إل أن يعلن بذلك‬
‫فرك‪ ،‬ولسنا بمقرين‬ ‫خ ِ‬
‫فسله أن يرد إليك ذمته‪ ،‬فإنا قد كرهنا أن ن ُ ْ‬
‫لبي بكر الستعلن‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر‬
‫فقال‪ :‬قد علمت الذي عاقدت لك عليه‪ ،‬فإما أن تقتصر على ذلك‬
‫ي ذمتي‪ ،‬فإني ل أحب أن تسمع العرب أني أخفرت‬ ‫وإما أن ترجع إل ّ‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬فإني أرد إليك جوارك‪ ،‬وأرضى‬ ‫له‪،‬‬ ‫في رجل عقدت‬
‫بجوار الله عز وجل‪ (1).‬وحين خرج من جوار ابن الدغنة )يعني أبو‬
‫بكر( لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على‬
‫ترابا‪ ،‬فمر بأبي بكر الوليد ُ بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال‬ ‫ً‬ ‫رأسه‬
‫له أبو بكر ‪ :‬أل ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال‪ :‬أنت فعلت ذلك‬
‫بنفسك‪(2)،‬وهو يقول‪ :‬ربي ما أحلمك‪ ،‬أي ربي ما أحلمك‪ ،‬أي ربي ما‬
‫أحلمك‪.‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬كان أبو بكر في عز من قومه قبل بعثة محمد ×‪ ،‬فها هو ابن‬
‫الدغنة يقول له‪ :‬مثلك يا أبا بكر ل يخرج ول ُيخرج‪ ،‬إنك تكسب‬
‫المعدوم‪ ،‬وتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على‬
‫طلبا لجاه أو سلطان‪،‬‬‫ً‬ ‫نوائب الحق‪ .‬فأبو بكر لم يدخل في دين الله‬
‫وما دفعه إلى ذلك إل حب الله ورسوله × مهما يترتب على ذلك من‬
‫ابتلءات؛ أي أنه لم يكن له تطلعات سوى مرضاة الله تعالى‪ .‬إنه‬
‫والوطن والعشيرة ليعبد ربه؛ لنه حيل بينه‬ ‫يريد أن يفارق الهل‬
‫وبين ذلك في وطنه )‪.(3‬‬
‫ابن الدغنة‪ :‬قيل اسمه الحارث بن يزيد‪ ،‬وقيل‪ :‬مالك‪ ،‬وقيل‪ :‬ربيعة بن رفيع‪.‬‬
‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫والقارة‪ :‬قبيلة من بني الهون بن خزيمة‪.‬‬
‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.3/95 :‬‬ ‫)( فتح الباري‪.7/274 :‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪.134 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪34‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫ن الكريم‪ ،‬ولذلك اهتم بحفظه‬ ‫‪ -2‬إن زاد الصديق في دعوته القرآ ُ‬
‫وفهمه وفقهه والعمل به‪ ،‬وأكسبه الهتمام بالقرآن الكريم براعة في‬
‫قا في الفكار‪ ،‬وتسلسلً‬ ‫تبليغ الدعوة‪ ،‬وروعة في السلوب‪ ،‬وعم ً‬
‫إليه‪ ،‬ومراعاة لحوال‬ ‫عقليا في عرض الموضوع الذي يدعو‬ ‫ً‬
‫السامعين‪ ،‬وقوة في البرهان والدليل )‪.(1‬‬
‫وكان الصديق يتأثر بالقرآن الكريم ويبكي عند تلوته‪ ،‬وهذا يدل‬
‫على رسوخ يقينه وقوة حضور قلبه مع الله عز وجل‪ ،‬ومع معاني‬
‫اليات التي يتلوها‪ ،‬والبكاء مبعثه قوة التأثر؛ إما بحزن شديد أو فرح‬
‫غامر‪ ،‬والمؤمن الحق يظل بين الفرح بهداية الله تعالى إلى الصراط‬
‫المستقيم‪ ،‬والشفاق من النحراف قليلً عن هذا الصراط‪ .‬وإذا كان‬
‫صاحب إحساس حي وفكر يقظ كأبي بكر ‪ ‬فإن هذا القرآن يذكر‬
‫بالحياة الخرة وما فيها من حساب وعقاب أو ثواب‪ ،‬فيظهر أثر ذلك‬
‫في خشوع الجسم وانسكاب العَب ََرات‪ ،‬وهذا المظهر يؤثر كثيرًا على‬
‫من شاهده‪ ،‬ولذلك فزع المشركون من مظهر أبي بكر المؤثر‬
‫وخشوا على نسائهم وأبنائهم أن يتأثروا به فيدخلوا في السلم )‪.(2‬‬
‫لقد تربى الصديق على يدي رسول الله ×‪ ،‬وحفظ كتاب الله‬
‫تعالى وعمل به في حياته‪ ،‬وتأمل فيه كثيرًا‪ ،‬وكان ل يتحدث بغير‬
‫أرض تسعني أو‬ ‫)‪(3‬‬
‫علم؛ فعندما سئل عن آية ل يعرفها أجاب بقوله‪ :‬أي‬
‫أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم ُيرد الله‪.‬‬
‫ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم‬
‫قوله‪ :‬إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم‬
‫هؤلء؟!( يعني‪ :‬حسنها‪ ،‬فيقول‬ ‫سيئها‪ ،‬فيقول الرجل‪ :‬أين أنا من‬
‫قائل‪ :‬لست من هؤلء‪ ،‬يعني وهو منهم )‪. 4‬‬

‫ل‬ ‫ه‬
‫ْ‬ ‫وتقدير أ َ‬
‫ي‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ما‬ ‫بأدبأ َ‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫استشكل عليه‬
‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ي‬‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ما‬ ‫فيمال َيس بأ َ‬ ‫‪+‬‬
‫وكان يسأل رسول الله ×‬
‫تعالى‪:‬‬ ‫واحترام‪ ،‬فلما نزل قوله‬
‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ول ِّيا‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ِ‬ ‫دو ِ‬ ‫من ُ‬ ‫ه ِ‬ ‫جد ْ ل َ ُ‬ ‫ول َ ي َ ِ‬
‫ه َ‬‫جَز ب ِ ِ‬
‫سوءً ي ُ ْ‬
‫ل ُ‬‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫من ي َ ْ‬ ‫ال ْك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫صيًرا" ]النساء‪ ،[123 :‬قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬قد جاءت‬ ‫ول َ ن َ ِ‬ ‫َ‬
‫قاصمة الظهر‪ ،‬وأي َّنا لم‬
‫يعمل سوًءا؟ فقال‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬ألست)‪(5‬تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست‬
‫تصيبك اللواء؟ فذلك مما تجزون به ‪.‬‬
‫ن‬
‫ذي َ‬‫ن ال ّ ِ‬ ‫وقد فسر الصديق بعض اليات‪ ،‬مثل قول الله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫فوا‬‫خا ُ‬ ‫ة أ َل ّ ت َ َ‬
‫مل َئ ِك َ ُ‬‫م ال ْ َ‬ ‫ه ُ‬ ‫ل َ َ‬
‫علي ْ ِ‬ ‫موا ت َت َن َّز ُ‬ ‫قا ُ‬ ‫ست َ َ‬ ‫ما ْ‬ ‫ه ثُ ّ‬ ‫قاُلوا َرب ّ َ‬
‫نا الل َ ُ‬ ‫َ‬
‫ن" ]فصلت‪ ،[30 :‬قال‬ ‫دو َ‬ ‫ع ُ‬
‫م ُتو َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ن‬‫ُ‬ ‫ك‬ ‫تي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ِ‬ ‫ة‬ ‫ّ‬ ‫ن‬‫ج‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫با‬
‫ِ‬ ‫روا‬‫ُ‬ ‫ش‬‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫أ‬‫و‬‫َ‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫ز‬
‫َ‬ ‫ح‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫و‬ ‫َ‬
‫فيها‪ :‬فلم يلتفتوا عنه يمنة ول يسرة‪ ،‬فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه ل‬
‫بالحب ول بالخوف‪ ،‬ول بالرجاء ول بالسؤال ول بالتوكل عليه؛ بل ل‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪.88 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪.20/209 ،19 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،117 :‬هذه الرواية فيها انقطاع‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الفتاوى لبن تيمية‪.6/212 ،‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( أحمد‪ ،1/11 :‬وقال الشيخ شاكر‪ :‬أسانيدها ضعاف‪ ،‬وهو صحيح بطرقه‬ ‫‪5‬‬

‫وشواهده‪ ،‬انظر‪) :‬مسند المام أحمد(‪ ،‬رقم‪.68 :‬‬

‫‪35‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫أنداد ول يحبون إل إياه؛ ل لطلب منفعة‪،‬‬
‫يحبون إل الله ول يحبون معه ا‪ً ،‬‬
‫كائنًمن كان‪ ،‬ول يسألون غيره‪ ،‬ول‬
‫غيره ا‬ ‫ول لدفع مضرة‪ ،‬ول يخافون‬
‫يتشرفون بقلوبهم إلى غيره‪(1).‬وغير ذلك من اليات‪.‬‬
‫إن الدعاة إلى الله عليهم أن يكونوا في صحبة مستمرة للقرآن‬
‫الكريم‪ ،‬يقرأونه ويتدبرونه ويستخرجون كنوزه ومعارفه للناس‪ ،‬وأن‬
‫ظهروا للناس ما في القرآن من إعجاز بياني وعلمي وتشريعي‪ ،‬وما‬ ‫يُ ْ‬
‫فيه من سبل إنقاذ النسانية المعذبة من مآسيها وحروبها‪ ،‬بأسلوب‬
‫يناسب العصر‪ ،‬ويكافئ ما وصل إليه الناس من تقدم في وسائل‬
‫الدعوة والدعاية‪ .‬ولقد أدرك أبو بكر ‪ ‬كيف تكون قراءة القرآن‬
‫المسجد على مل من قريش وسيلة مؤثرة من وسائل‬ ‫الكريم في‬
‫الدعوة إلى الله )‪.(2‬‬
‫سابًعا‪ :‬بين قبائل العرب في السواق‪:‬‬
‫قد علمنا أن الصديق ‪ ‬كان عالمًا بالنساب وله فيها الباع‬
‫الطويل؛ قال السيوطي ‪-‬رحمه الله تعالى‪ :-‬رأيت بخط الحافظ‬
‫الذهبي ‪-‬رحمه الله‪ -‬من كان فرد زمانه في فنه‪ ...‬أبو بكر في‬
‫النسب‪ (3).‬ولذلك استخدم الصديق هذا العلم الفياض وسيلة من‬
‫خَر ذلك في‬ ‫وسائل الدعوة؛ ليعلم كل ذي خبرة كيف يستطيع أن يس ّ‬
‫كان‬
‫)‪(4‬‬
‫سواء‬ ‫سبيل الله على اختلف التخصصات‪ ،‬وألوان المعرفة‪،‬‬
‫علمه نظريًا أو تجريبيًا‪ ،‬أو كان ذا مهنة مهمة في حياة الناس‪.‬‬
‫وسوف نرى الصديق يصحبه رسول الله × عندما عرض نفسه‬
‫على قبائل العرب ودعاهم إلى الله‪ ،‬كيف وظف هذا العلم لدعوة‬
‫ها له القدرة على توصيل المعاني‬ ‫الله؛ فقد كان الصديق خطيبًا مفو ً‬
‫بأحسن اللفاظ‪ ،‬وكان ‪ ‬يخطب عن النبي × في حضوره وغيبته‪،‬‬
‫فكان النبي × إذا خرج في الموسم يدعو )أي أبو بكر( الناس إلى‬
‫تمهيدا‪(5‬وتوطئة لما يبلغ الرسول‪ ،‬معونة له‪ ،‬ل تقدمًا بين‬
‫ً‬ ‫متابعة كلمه‬
‫يدي الله ورسوله‪ ).‬وكان علمه في النسب ومعرفة أصول القبائل‬
‫مساعدا له على التعامل معها‪ ،‬فعن علي بن أبي طالب ‪ ‬قال‪ :‬لما‬ ‫ً‬
‫أمر الله ‪-‬عز وجل‪ -‬نبيه × أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج‬
‫وأنا معه‪ ...‬إلى أن قال‪ :‬ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليه السكينة‬
‫والوقار‪ ،‬فتقدم أبو بكر فسلم‪ ،‬فقال‪ :‬من القوم؟ قالوا‪ :‬من بني‬
‫شيبان بن ثعلبة‪ ،‬فالتفت أبو بكر إلى رسول الله × وقال‪ :‬بأبي أنت‬
‫وأمي‪ ،‬ليس وراء هؤلء عذر من قومهم وهؤلء غرر الناس وفيهم‬
‫مفروق بن عمرو‪ ،‬وهانئ بن قبيصة‪ ،‬والمثنى بن حارثة والنعمان بن‬
‫شريك‪ ،‬وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم لسانًا وجمالً‪ ،‬وكان له‬
‫غديرتان تسقطان على تريبته‪ ،‬وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي‬
‫بكر‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق‪ :‬إنا ل نزيد على‬
‫اللف ولن تغلب اللف من قلة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬وكيف المنعة فيكم‪،‬‬
‫غضبا حين نلقى‪ ،‬وأشد ما نكون‬ ‫ً‬ ‫فقال مفروق‪ :‬إنا لشد ما نكون‬
‫)( الفتاوى‪.28/22 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الدعوة السلمية في عهد الخلفاء‪ ،‬ص ‪.95‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الخلفاء‪ :‬ص ‪ ،100‬نقل عن تاريخ الدعوة‪ :‬ص ‪.95‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (5‬أبو بكر الصديق‪ ،‬لمحمد عبد الرحمن‬ ‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.96‬‬ ‫‪4‬‬

‫قاسم‪ :‬ص ‪.92‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪36‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫لقاء حين نغضب‪ ،‬وإنا لنؤثر الجياد على الولد والسلح على اللقاح‪،‬‬
‫والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى‪ .‬لعلك أخو قريش؟‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬إن كان بلغكم أن رسول الله × فها هو ذا‪ ،‬فقال‬
‫مفروق‪ :‬إلم تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ×‪» :‬أدعوكم‬
‫إلى شهادة أن ل إله إل الله وحده ل شريك له وأني عبد‬
‫شا‬ ‫الله ورسوله‪ ،‬وإلى أن تؤووني وتنصروني‪ ،‬فإن قري ً‬
‫قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل‬
‫عن الحق‪ ،‬والله هو الغني الحميد«‪.‬‬
‫فقال مفروق‪ :‬وإلم تدعو أيضا يا أخا قريش‪ ،‬فوالله ما سمعت‬
‫وا‬‫عال َ ْ‬ ‫ل تَ َ‬ ‫ق ْ‬ ‫كلما أحسن من هذا؟ فتل رسول الله × قوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫َ ً‬
‫ن‬ ‫ي‬ ‫د‬ ‫ل‬
‫َ ُِ ُ َ ِ َ ْ ِ‬ ‫وا‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫و‬ ‫ً‬
‫ئا‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫ش‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ ِ‬ ‫ب‬ ‫كوا‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫أت ْ ُ َ َ ّ َ َ ّ ُ ْ َ َ ْ ْ‬
‫م‬ ‫ك‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ك‬‫ب‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫ح‬ ‫ما‬ ‫ل‬
‫م‬ ‫ه‬ ‫يا‬
‫ْ َ ُِ ّ ُ ْ‬ ‫إ‬‫و‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫ق‬ ‫ز‬ ‫ر‬ ‫ن‬
‫ٍ ّ ْ ُ َ ْ ُ‬‫ن‬ ‫ح‬ ‫ن‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫إ‬ ‫ن‬
‫َ ّ ْ ِ ْ‬ ‫م‬ ‫كم‬ ‫ُ‬ ‫ول َدَ‬ ‫قت ُلوا أ ْ‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫ساًنا َ‬ ‫ح َ‬ ‫إِ ْ‬
‫قت ُلوا‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫َُ َ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ط‬ ‫ب‬ ‫ما‬ ‫و‬
‫َ َ ِ ْ َ َ َ َ‬‫ها‬ ‫ن‬‫م‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫ظ‬ ‫ما‬ ‫ش‬
‫َ ِ َ َ‬ ‫ح‬ ‫وا‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫بوا‬ ‫ر‬ ‫ق‬
‫َ َ ُ‬‫ْ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫َ‬
‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ل‬‫ع‬ ‫َ‬ ‫ل‬
‫ْ ِ ِ َ‬ ‫ه‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫صا‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬
‫ُ ِ ِ َ ّ ِ ْ َ ّ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ق‬ ‫ح‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫م‬ ‫ر‬
‫َ ّ َ‬ ‫ح‬ ‫تي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫س‬
‫ّ ُ َ‬‫ْ‬
‫ف‬ ‫ن‬ ‫ال‬
‫ن" ]النعام‪ ،[151 :‬فقال مفروق‪ :‬دعوت والله إلى مكارم‬ ‫قلو َ‬ ‫ع ِ‬ ‫تَ ْ‬
‫الخلق ومحاسن العمال‪ ،‬ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك‪ ،‬ثم‬
‫رد المر إلى هانئ بن قبيصة فقال‪ :‬وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا‪،‬‬
‫فقال هانئ‪ :‬قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪ ،‬وإني أرى أن ت َْرك ََنا‬
‫ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ول آخر لذل في‬
‫الرأي وقلة نظر في العاقبة‪ ،‬إن الزلة مع العجلة وإنا نكره أن نعقد‬
‫عقدا‪ ،‬ولكن نرجع وترجع وننظر‪ ..‬ثم كأنه أحب أن‬ ‫ً‬ ‫على من وراءنا‬
‫يشركه المثنى بن حارثة فقال‪ :‬وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا‪،‬‬
‫فقال المثنى )وأسلم بعد ذلك(‪ :‬قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪،‬‬
‫والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك‪،‬‬
‫وإنا إنما نزلنا بين صيرين أحدهما اليمامة والخرى السمامة‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله ×‪» :‬وما هذا الصيران؟« فقال له‪ :‬أما أحدهما‬
‫فطفوف البر وأرض العرب‪ ،‬وأما الخر فأرض فارس وأنهار كسرى‪،‬‬
‫وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن ل نحدث حدًثا‪ ،‬ول نؤوي‬
‫محدثا‪ ،‬ولعل هذا المر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك‪ ،‬فأما ما‬
‫كان مما يلي بلد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول‪ ،‬وأما ما‬
‫كان يلي بلد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول‪،‬‬
‫فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»ما أسأتم في الرد؛ إذ أفصحتم بالصدق‪ ،‬وإن دين الله‬
‫‪-‬عز وجل‪ -‬لن ينصره إل من حاطه من جميع جوانبه‪.‬‬
‫أرأيتم إن لم تلبثوا إل قليل ً حتى يورثكم الله تعالى‬
‫أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم‪ ،‬أتسبحون الله‬
‫ك ذاك )‪.(1‬‬ ‫وتقدسونه؟«‪ .‬فقال له النعمان بن شريك‪ :‬اللهم فَل َ َ‬
‫وفي هذا الخبر دروس وعبر وفوائد كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ملزمة الصديق لرسول الله ×‪ ،‬وهذا جعله يفهم السلم‬
‫بشموله‪ ،‬وهيأه الله تعالى بأنه يصبح أعلم الصحابة بدين الله؛ فقد‬

‫)( البداية والنهاية‪ ،145 -143 ،3/142 :‬وفيها زيادات ليست عند الصالحي في‬ ‫‪1‬‬

‫سبيل الرشاد‪.597 ،2/596 :‬‬

‫‪37‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫تعلم من رسول الله × حقيقة السلم‪ ،‬وتربى على يديه في معرفة‬
‫معانيه‪ ،‬فاستوعب طبيعة الدعوة ومر بمراحلها المتعددة‪ ،‬واستفاد‬
‫من صحبته لرسول الله ×‪ ،‬وتشرب المنهج الرباني‪ ،‬فعرف المولى ‪-‬‬
‫عز وجل‪ -‬من خلله‪ ،‬وطبيعة الحياة‪ ،‬وحقيقة الكون‪ ،‬وسر الوجود‪،‬‬
‫وماذا بعد الموت‪ ،‬ومفهوم القضاء والقدر‪ ،‬وقصة الشيطان مع آدم‬
‫‪ ،‬وحقيقة الصراع بين الحق والباطل‪ ،‬والهدى والضلل‪ ،‬واليمان‬
‫الكفر‪ .‬وحببت إليه العبادات؛ كقيام الليل‪ ،‬وذكر الله‪ ،‬وتلوة القرآن‪،‬‬
‫فسمت أخلقه‪ ،‬وتطهرت نفسه‪ ،‬وزكت روحه‪.‬‬
‫‪ -2‬وفي رفقته لرسول الله × عندما كان × يدعو القبائل‬
‫للسلم استفاد الكثير؛ فقد عرف أن النصرة التي كان يطلبها رسول‬
‫الله × لدعوته من زعماء القبائل أن يكون أهل النصرة غير‬
‫مرتبطين بمعاهدات دولية تتناقض مع الدعوة ول يستطيعون التحرر‬
‫منها؛ وذلك لن احتضانهم للدعوة والحالة هذه ُيعرضها لخطر القضاء‬
‫عليها من قَِبل‬
‫الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات‪ ،‬والتي تجد في الدعوة‬
‫السلمية خطرًا عليها‬
‫وتهديدا لمصالحها)‪.(1‬‬
‫إن الحماية المشروطة أو الجزئية ل تحقق الهدف المقصود‪ ،‬فلن‬
‫يخوض بنو شيبان حرًبا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله‬
‫× وتسليمه‪ ،‬ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة رسول‬
‫الله × وأتباعه‪ ،‬وبذلك فشلت المباحثات )‪.(2‬‬
‫‪» -2‬إن دين الله لن ينصره إل من حاطه من جميع جوانبه«‪ ،‬كان‬
‫هذا الرد من‬
‫النبي × على المثنى بن حارثة؛ حيث عرض على النبي حمايته على‬
‫مياه العرب دون‬
‫مياه الفرس‪ ،‬فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة يرى بعد النظر‬
‫السلمي النبوي‬
‫)‪(3‬‬
‫الذي ل يسامى‪.‬‬
‫‪ -4‬كان موقف بني شيبان يتسم بالريحية والخلق والرجولة‪،‬‬
‫وينم عن تعظيم هذا‬
‫النبي ×‪ ،‬وعن وضوح في العرض‪ ،‬وتحديد مدى قدرة الحماية التي‬
‫يملكونها‪ ،‬وقد بينوا أن أمر الدعوة مما تكرهه الملوك‪ ،‬وقدر الله‬
‫لشيبان بعد عشر سنوات أو تزيد أن تحمل هي ابتداء عبء مواجهة‬
‫الملوك بعد أن أشرق قلبها بنور السلم‪ ،‬وكان المثنى بن حارثة‬
‫الشيباني صاحب حربهم وبطلهم المغوار الذي كان من ضمن قادة‬
‫الفتوح في خلفة الصديق‪ ،‬فكان وقومه من أجرأ المسلمين بعد‬
‫إسلمهم على قتال الفرس‪ ،‬بينما كانوا في جاهليتهم يرهبون الفرس‬
‫ول يفكرون في قتالهم؛ بل إنهم ردوا دعوة النبي × بعد قناعتهم بها‬

‫)( الجهاد والقتال في السياسة الشرعية‪ ،‬محمد هيكل‪.1/412 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( التحالف السياسي في السلم‪ ،‬منير الغضبان‪ :‬ص ‪.53‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.64‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪38‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫لحتمال أن تلجئهم إلى قتال الفرس‪ ،‬المر الذي لم يكونوا يفكرون‬
‫به أبدا‪ ،‬وبهذا تعلم عظمة هذا الدين الذي رفع الله به المسلمين في‬
‫الرض( مع ما ينتظرون في أخراهم من‬ ‫الدنيا؛ حيث جعلهم سادة‬
‫النعيم الدائم في جنات النعيم )‪. 1‬‬
‫***‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪ .3/69 :‬التربية القيادية‪.3/20 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪39‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫المبحث الثالث‬
‫هجرته مع رسول الله × إلى المدينة‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫اشتدت قريش في أذى المسلمين والنيل منهم؛ فمنهم من هاجر‬
‫إلى الحبشة مرة أو مرتين فرارًا بدينه‪ ،‬ثم كانت الهجرة إلى المدينة‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي × في الهجرة فقال له‪» :‬ل‬
‫تعجل‪ ،‬لعل الله يجعل لك صاحًبا« )‪ (1‬فكان أبو بكر يطمع أن يكون‬
‫في صحبة‬
‫النبي ×‪ .‬وهذه السيدة عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬تحدثنا عن هجرة‬
‫رسول الله × وأبيها ‪ ‬حيث قالت‪ :‬كان ل يخطئ رسول الله × أن‬
‫يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار‪ ،‬إما بكرة وإما عشية‪ ،‬حتى إذا‬
‫والخروج من‬ ‫كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله × في الهجرة‪،‬‬
‫مكة من بين ظهري قومه‪ ،‬أتانا رسول الله × بالهاجرة )‪ ،(2‬في‬
‫ساعة كان ل يأتي فيها‪ ،‬قالت‪ :‬فلما رآه أبو بكر‪ ،‬قال‪ :‬ما جاء رسول‬
‫الله × هذه الساعة إل لمر حدث‪ ،‬قالت‪ :‬فلما دخل تأخر له أبو بكر‬
‫عن سريره فجلس رسول الله ×‪ ،‬وليس عند أبي بكر إل أنا وأختي‬
‫أسماء بنت أبي بكر‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬أخرج عني من عندك«‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنما هما ابنتاي‪ ،‬وما ذاك فداك أبي وأمي!‬
‫فقال‪» :‬أنه قد أذن لي في الخروج والهجرة« ‪ ،‬قلت‪ :‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫الصحبة يا رسول الله؟ قال‪» :‬الصحبة« ‪ ،‬قالت فوالله ما شعرت‬
‫أحدا يبكي من الفرح‪ ،‬حتى رأيت أبا بكر يبكي‬ ‫ً‬ ‫قط قبل ذلك اليوم‬
‫يومئذ‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا نبي الله‪ ،‬إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا‪،‬‬
‫رجل من بني الديل بن بكر‪ ،‬وكانت‬ ‫ً‬ ‫فاستأجرا عبد الله بن أريقط‪,‬‬
‫على‬ ‫يدلهما‬ ‫ا‬‫ً‬ ‫مشرك‬ ‫وكان‬ ‫عمرو‪،‬‬ ‫أمه امرأة من بني سهم بن‬
‫الطريق‪ ،‬فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما )‪.(3‬‬
‫وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل‬
‫مهمة‪ ،‬وفي ذلك الحديث‪ ...:‬قالت عائشة‪ :‬فبينما نحن يومًا جلوسًا‬
‫في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة‪ ،‬قال قائل لبي بكر‪ :‬هذا رسول‬
‫الله × متقنعًا )‪ ،(4‬في ساعة لم يكن يأتينا فيها‪ ،‬فقال رسول الله ×‬
‫ن عندك« فقال أبو بكر‪ :‬إنما هم أهلك‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫م ْ‬
‫لبي بكر‪» :‬أخرج َ‬
‫»فإني قد أذن لي في الخروج« ‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬الصحبة بأبي أنت يا‬
‫رسول الله! قال رسول الله ×‪» :‬نعم« ‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬فخذ بأبي‬
‫أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين‪ ،‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫»بالثمن« ‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فجهزناهما أحسن الجهاز‪ ،‬ووضعنا لهم‬
‫سفرة في جراب‪ ،‬فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها‬
‫النطاقين‪ ،‬ثم لحق‬ ‫فربطت به على فم الجراب‪ ،‬فبذلك سميت ذات‬
‫رسول الله × وأبو بكر بغار في جبل ثور‪ ،‬فكمنا )‪ (5‬فيه ثلث ليالي‬

‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.107‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الهاجرة‪ :‬نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو العصر‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫متقنعا‪ :‬مغطيًا رأسه‪.‬‬
‫ً‬ ‫السيرة النبوية لبن كثير‪(4) .234 ،2/233 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫كمنا فيه‪ :‬أي‪ :‬استترا واستخفيا‪ ،‬ومنه‪ :‬الكمين في الحرب‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪40‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلم شاب ثقف)‪ ،(1‬لقن )‪،(2‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫يبيت‬
‫عندهما‪(4‬بسحر‪ ،‬فيصبح مع قريش بمكة كبائت‪ ،‬فل‬ ‫من‬ ‫فيدلج‬
‫يسمع أمرا يكتادان ) به إل وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط‬
‫من( العشاء‪ ،‬فيبيتان في‬ ‫الظلم‪ ،‬ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة‬
‫)وهو لبن منحهم ورضيفهما( )‪ (5‬ينعق )‪ 6‬بها عامر بن فهيرة‬ ‫رسل‬
‫بغلس )‪ ،(7‬يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلث‪ ،‬واستأجر‬
‫بني عبد ابن‬ ‫رسول الله × وأبو بكر رجلً من بني الديل وهو من‬
‫عدي هاديا خريتا )والخريت‪ :‬الماهر(‪ ،‬قد غمس حلفًا )‪ (8‬في آل‬
‫العاص بن وائل السهمي‪ ،‬وهو على دين كفار قريش‪ ،‬فأمناه فدفعا‬
‫إليه راحلتيهما‪ ،‬وواعده غار ثور بعد ثلث‬
‫ليال براحلتيهما صبح ثلث‪ ،‬وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل‪،‬‬
‫فأخذ بهم‬
‫طريق السواحل)‪.(9‬‬
‫أحد حين خرج إل علي بن أبي طالب‪،‬‬ ‫لم يعلم بخروج رسول الله ×‬
‫بكر‪ (،‬وجاء وقت الميعاد بين رسول الله × وأبي‬ ‫وأبو بكر الصديق‪ ،‬وآل أبي‬
‫)‪10‬‬
‫‪ ‬فخرجا من خوخة‬ ‫بكر ‪،‬‬
‫لبي بكر في ظهر بيته؛ وذلك للمعان في الستخفاء حتى ل تتبعهما‬
‫الليل على‬ ‫قريش وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة‪ ،‬وقد اتعدا مع‬
‫ثلث ليال )‪ ،(11‬وقد‬ ‫أن يلقاهما عبد الله بن أريقط في غار ثور بعد‬
‫دعا النبي × عند خروجه من مكة إلى المدينة )‪ ،(12‬ووقف عند‬
‫وقال‪» :‬والله إنك لخير أرض الله‬
‫)‪(13‬‬ ‫مكة أني أ ُ‬ ‫خروجه بالحزورة في سوق‬
‫ت منك ما خرجت« ‪.‬‬ ‫ِ ُ‬‫ج‬
‫ْ‬ ‫ر‬ ‫خ‬
‫ْ‬ ‫ولول‬ ‫وأحب أرض الله إلى الله‪،‬‬
‫ثم انطلق رسول الله وأبو بكر‪ ،‬والمشركون يحاولون أن يقتفوا‬
‫آثارهم حتى بلغوا الجبل –جبل ثور‪ -‬اختلط عليهم‪ ،‬فصعدوا الجبل‬
‫فمروا بالغار‪ ،‬فرأوا على بابه نسيج العنكبوت‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو دخل ها هنا‬
‫أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه )‪ ،(14‬وهذه من جنود الله ‪-‬عز‬
‫و" ]المدثر‪.[31 :‬‬‫ه َ‬ ‫ك إ ِل ّ ُ‬
‫جُنودَ َرب ّ َ‬ ‫عل َ ُ‬
‫م ُ‬ ‫ما ي َ ْ‬
‫و َ‬
‫وجل‪َ + :-‬‬
‫وبالرغم من كل السباب التي اتخذها رسول الله × فإنه لم‬
‫يرتكن إليها مطلقًا‪ ،‬وإنما كان كامل الثقة في الله‪ ،‬عظيم الرجاء في‬

‫)( ثقف‪ :‬ذو فطنة وذكاء‪ ،‬والمراد‪ :‬ثابت المعرفة بما يحتاج إليه‪ ،‬النهاية‪.1/216 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( لقن‪ :‬فهم حسن التلقي لما يسمعه‪ ،‬النهاية‪.4/266 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( يدلج‪ :‬أدلج إذا سار أول الليل‪ ،‬واّدلج بالتشديد‪ :‬إذا سار آخره‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( يكتادان‪ :‬أي‪ :‬يطلب لهما فيه المكروه‪ ،‬وهو من الكيد‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الرضيف‪ :‬اللبن المرضوف‪ ،‬وهو الذي طرحت فيه الحجارة المحماة‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( ينعق‪ :‬نعق بغنمه أي‪ :‬صاح بها وزجرها‪ ،‬القاموس المحيط‪.3/265 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الغلس‪ :‬ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح‪ ،‬النهاية‪.3/377 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫حلفا‪ :‬أي أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به‪.‬‬ ‫ً‬ ‫)( غمس‬ ‫‪8‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار‪ ،‬باب هجرة النبي‪ ،‬ص ‪.395‬‬ ‫‪9‬‬

‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.334‬‬ ‫‪10‬‬

‫)( خاتم النبيين لبي زهرة‪ ،1/659 :‬السيرة النبوية لبن كثير‪.2/234 :‬‬ ‫‪11‬‬

‫)‪ (3‬الترمذي‪ ،‬كتاب المناقب‪،‬‬ ‫)( السيرة النبوية لبن كثير‪.234 ،2/230 :‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪.‬‬ ‫باب فضل مكة‪5/722:‬‬ ‫‪13‬‬

‫)‪ (5‬الهجرة النبوية‬ ‫)( مسند المام أحمد‪.1/348 :‬‬ ‫‪14‬‬

‫المباركة‪ :‬ص ‪.72‬‬

‫‪41‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الدعاء بالصيغة التي علمه َالله إياها)‪ ،(1‬قال‬ ‫َ‬ ‫نصره وتأييده‪ ،‬دائم‬
‫ج‬
‫ُ َ َ‬‫ر‬ ‫خ‬
‫ْ‬ ‫م‬ ‫ني‬ ‫ِ ْ ِ‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫خ‬
‫ْ‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫ق‬
‫ُ ْ ْ َ ِ ْ ٍ َ‬ ‫د‬ ‫ص‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫خ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫م‬ ‫ني‬ ‫ْ‬
‫قل ّر ّ ْ ِ ِ‬
‫ل‬ ‫خ‬ ‫د‬ ‫أ‬ ‫ب‬ ‫و ُ‬ ‫تعالى‪َ + :‬‬
‫صيًرا" ]السراء‪.[80 :‬‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫نا‬
‫ً‬ ‫طا‬ ‫ل‬ ‫س‬
‫ُ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫د‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫لي‬ ‫ّ‬ ‫عل‬ ‫وا ْ َ‬ ‫ج‬ ‫ق َ‬ ‫صد ْ ٍ‬ ‫ِ‬
‫وفي هذه الية الكريمة دعاء ُيعلمه الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لنبيه ×‬
‫ليدعوه به‪ ،‬ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه‪ ،‬دعاء بصدق‬
‫المدخل وصدق المخرج‪ ،‬كناية عن صدق الرحلة كلها‪ ،‬بدئها وختامها‪،‬‬
‫أولها وآخرها‪ ،‬وما بين الول والخر‪ ،‬وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما‬
‫حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفتري على الله‬
‫غيره‪ ،‬وللصدق كذلك ظلله؛ ظلل الثبات والطمئنان والنظافة‬
‫صيًرا"‪ ،‬قوة وهيبة‬ ‫طاًنا ن ّ ِ‬ ‫سل ْ َ‬ ‫ك ُ‬ ‫من ل ّدُن ْ َ‬ ‫عل ّلي ِ‬ ‫ج َ‬ ‫وا ْ‬ ‫والخلص‪َ + :‬‬
‫من‬ ‫ِ‬ ‫‪+‬‬ ‫وكلمة‬ ‫المشركين‪،‬‬ ‫وقوة‬ ‫الرض‬ ‫سلطان‬ ‫على‬ ‫استعلى بهما‬
‫ك" تصور القرب والتصال بالله والستمداد من عونه مباشرة‬ ‫ل ّدُن ْ َ‬
‫ماه‪.‬‬ ‫ح َ‬ ‫واللجوء إلى ِ‬
‫وصاحب الدعوة ل يمكن أن يستمد السلطان إل من الله‪ ،‬ول‬
‫يمكن أن يهاب إل بسلطان الله‪ ،‬ل يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي‬
‫جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله‪ ،‬والدعوة‬
‫ما‬
‫قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه‪ ،‬فيصبحون لها جندًا وخد ً‬
‫وخدمه‪،‬‬ ‫فيفلحون‪ ،‬ولكنها هي ل تفلح إن كانت من جند السلطان‬
‫فهي من أمر الله‪ ،‬وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه )‪.(2‬‬
‫وعندما أحاط المشركون بالغار‪ ،‬وأصبح منهم رأي العين طمأن‬
‫الرسول × الصديق بمعية الله لهما‪ ،‬فعن أبي بكر الصديق ‪ ‬قال‪:‬‬
‫قدميه لبصرنا‪،‬‬ ‫قلت للنبي × وأنا في الغار‪ :‬لو أن أحدهم نظر تحت‬
‫فقال‪» :‬ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟«)‪.(3‬‬
‫د‬
‫ق ْ‬‫ف َ‬
‫صُروهُ َ‬ ‫وجل‪ -‬ذلك في قوله تعالى‪+ :‬إ ِل ّ َتن ُ‬ ‫ّ‬
‫وسجل الحق َ‪-‬عز‬
‫في‬ ‫ما ِ‬ ‫َ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫إ‬ ‫ن‬‫ْ ِ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ث‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ثا‬ ‫َ‬ ‫روا‬ ‫ُ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬ ‫خَر َ ُ‬‫ج‬ ‫ه إ ِذْ أ ْ‬ ‫صَره ُ الل ُ‬ ‫نَ ْ َ‬
‫ه‬ ‫الل‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫ز‬ ‫ن‬ ‫ف ِأ َ‬ ‫َ‬ ‫نا‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬ ‫ز‬ ‫ح‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫صا‬ ‫ل‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬
‫ُ‬ ‫ّ‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ‬ ‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬ ‫ال َ ِ ِ‬
‫إ‬ ‫ر‬ ‫غا‬
‫فُروا‬ ‫ن كَ َ‬ ‫َ‬ ‫ذي‬‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫َ‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫ْ ْْ َ ْ‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫د‬
‫ٍ‬ ‫نو‬ ‫ُ‬ ‫ج‬
‫ُ‬ ‫ب‬
‫ُ ِ‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫أ‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬‫َ‬ ‫ه‬
‫كين َت َ َ ُ‬ ‫س ِ‬ ‫َ‬
‫م" ]التوبة‪.[40 :‬‬ ‫ٌ‬ ‫كي‬ ‫ِ‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ز‬ ‫ٌ‬ ‫زي‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫والل‬ ‫َ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ُ‬ ‫ة‬ ‫م‬‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫ف‬‫ْ‬ ‫س‬‫ال ّ‬
‫وبعد ثلث ليال من دخول النبي × في الغار خرج رسول الله‬
‫× وصاحبه من الغار‪ ،‬وقد هدأ الطلب‪ ،‬ويئس المشركون من‬
‫الوصول إلى رسول الله‪ ،‬وقد قلنا‪ :‬إن رسول الله × وأبا بكر قد‬
‫رجل من بني الديل يسمى عبد الله بن أريقط‪ ،‬وكان‬ ‫ً‬ ‫استأجرا‬
‫مشرك ا وقد أمنا ُ ه فدفعا إليه راحلتيهما‪ ،‬وواعداه غار ثور بعد ثلث‬ ‫ً‬
‫فعل في الموعد المحدد‪ ،‬وسلك بهما‬ ‫ً‬ ‫ليال براحلتيهما‪ ،‬وقد جاءهما‬
‫قا غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار‬ ‫طري ً‬
‫)‪(4‬‬
‫قريش‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)( في ظلل القرآن‪.4/2247 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب مناقب المهاجرين‪ ،‬رقم‪،3653 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫ومسلم رقم‪.5381 :‬‬
‫)( المستفاد من قصص القرآن‪ ،‬عبد الكريم زيدان‪.2/101 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪42‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وفي أثناء الطريق إلى المدينة مر ّ النبي × بأم معبد )‪ (1‬في قديد )‪،(2‬‬
‫حيث مساكن خزاعة‪ ،‬وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى‬
‫كثير‪:‬‬ ‫قصتها‪ ،‬وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير‪ ،‬وقال عنها ابن‬
‫ضا« )‪.(3‬‬ ‫وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بع ً‬ ‫»‬
‫وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي × حّيا أو‬
‫ميتا فله مائة‬‫ً‬
‫ناقة‪ ،‬وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة‪،‬‬
‫وطمع سراقة بن‬
‫مالك بن جعشم في نيل المكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي‬
‫برسول الله × فأجهد نفسه لينال ذلك‪ ،‬ولكن الله بقدرته التي ل‬
‫يغلبها)‪(4‬غالب جعله يرجع مدافعًا عن رسول الله × بعد أن كان جاهدًا‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ×من مكة‪ ،‬كانوا‬
‫يفدون كل غداة إلى الحرة‪ ،‬فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة‪ ،‬فانقلبوا‬
‫أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على‬ ‫)‪(5‬‬
‫بعدما‬
‫ً‬ ‫يوم‬ ‫ا‬
‫ينظر إليه‪ ،‬فبصر رسول الله ×وأصحابه مبيضين‬ ‫)‪(7‬‬
‫لمر‬ ‫آطامهم‬ ‫من‬ ‫أطم‬
‫فلم( يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته‪ :‬يا‬ ‫)‪8‬‬
‫السراب‬
‫‪،‬‬ ‫)‪(6،‬يزول بهم‬
‫معشر العرب هذا جدكمالذي تنتظرون‪ ،‬فثار المسلمون إلى السلح‬
‫حتى نزل بهم‬ ‫)‪(10‬‬
‫فعدل بهم ذات اليمين‬
‫)‪(9‬‬
‫بظهر الحرة‪،‬‬ ‫فتلقوا رسول الله ×‬
‫فقام أبو بكر‬ ‫‪،‬‬ ‫الول‬ ‫ربيع‬ ‫شهر‬ ‫من‬ ‫ثنين‬
‫ا‬ ‫ال‬ ‫يوم‬ ‫في بني عوف‪ ،‬وذلك‬
‫حتى ظلل عليه بردائه‪ ،‬فعرف النا س رسول الله × عند ذلك )‪.(11‬‬
‫كان يوم وصول الرسول × وأبي بكر إلى المدينة يوم فرح‬
‫وابتهاج لم تَر المدينة يومًا مثله‪ ،‬ولبس الناس أحسن ملبسهم كأنهم‬
‫في يوم عيد‪ ،‬ولقد كان حقًا يوم عيد؛ لنه اليوم الذي انتقل فيه‬
‫السلم من ذلك الحيز الضيق في مكة إلى رحابة النطلق والنتشار‬
‫بهذه البقعة المباركة )المدينة(‪ ،‬ومنها إلى سائر بقائع الرض‪ .‬لقد‬
‫أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به‪ ،‬وبالشرف الذي‬
‫اختصهم الله به‪ ،‬فقد صارت بلدتهم موطًنا ليواء رسول الله‬
‫وصحابته المهاجرين‪ ،‬ثم لنصرة السلم‪ ،‬كما أصبحت موطنًا للنظام‬
‫السلمي العام التفصيلي بكل مقوماته‪ ،‬ولذلك خرج أهل المدينة‬
‫‪(12‬في فرح وابتهاج ويقولون‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬يا محمد يا رسول‬ ‫يهللون‬
‫الله‪ ).‬وبعد هذا الستقبال الجماهيري العظيم الذي لم ير مثله في‬
‫تاريخ النسانية سار رسول الله × حتى نزل في دار أبي أيوب‬
‫)( هي عاتكة بنت كعب الخزاعية‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( وادي قديد يبعد عن الطريق المعبد حوالي ثمانية كيلو مترات‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( البداية والنهاية‪.3/188 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( السيرة النبوية‪ ،‬عرض وقائع وتحليل أحداث‪.1/543 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (3‬مبيضين‪ :‬عليهم ثياب بيض‪.‬‬ ‫)( أطم‪ :‬كالحصن‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( السراب‪ :‬أي يزول بهم السراب عن النظر بسبب عروضهم له‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( جدكم‪ :‬حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( قال الحافظ ابن حجر‪ :‬هذا هو المعتمد‪ ،‬وشذ من قال‪ :‬الجمعة‪ ،‬الفتح‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪.4/544‬‬
‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪ (9) ,(8) .351‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص‬ ‫‪10‬‬

‫‪.352‬‬ ‫‪11‬‬

‫)‪ (10‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.354‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪43‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫النصاري ‪ ،(1) ‬ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي‬
‫النصاري‪.‬‬
‫وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات‪ ،‬فتغلب عليها‬
‫رسول الله × للوصول للمستقبل الباهر للمة والدولة السلمية‬
‫التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من‬
‫تغلبت على أقوى دولتين‬ ‫اليمان والتقوى والحسان والعدل‪ ،‬بعد أن‬
‫كانتا تحكمان في العالم‪ ،‬وهما الفرس والروم )‪ ،(2‬وكان الصديق ‪‬‬
‫الساعد اليمن لرسول الله × منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ×‪ .‬وكان‬
‫ة وإيمانًا‪ ،‬يقينًا‬ ‫أبو بكر ‪ ‬ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكم ً‬
‫ديقّية‪،‬‬ ‫ص ّ‬ ‫حا و ِ‬ ‫وإخلصا‪ ،‬فإذا هذه الصحبة تثمر صل ً‬ ‫ً‬ ‫وعزيمة‪ ،‬وتقوى‬
‫وتصميما‪ ،‬إخلصًا وفهمًا‪ ،‬فوقف‬ ‫ً‬ ‫ذكرًا ويقظة‪ ،‬حّبا وصفاء‪ ،‬عزيمة‬
‫مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله × في سقيفة بني ساعدة‬
‫الردة‪ ،‬فأصلح ما‬ ‫)‪(3‬‬
‫وغيرها من المواقف‪ ،‬وبعث جيش أسامة‪ ،‬وحروب‬
‫وم ما انحرف‪.‬‬ ‫هدم‪ ،‬وجمع ما تفرق‪ ،‬وق ّ‬ ‫فسد وبنى ما ُ‬
‫إن حادثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد‪،‬‬
‫منها‪:‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ج ُ‬‫خَر َ‬ ‫ه إ ِذْ أ ْ‬ ‫صَرهُ الل ُ‬ ‫قد ْ ْ ن َ َ‬ ‫ف َ‬ ‫صُروهُ َ‬ ‫ّ أول‪ :‬قال تعالى‪+ :‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ه‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫صا‬
‫َ ِ َ ِ ِ ِ‬ ‫ل‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬
‫ِ ِ َ‬ ‫ذ‬ ‫إ‬ ‫ر‬ ‫غا‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫ن إ ِذْ ُ َ ِ‬
‫ما‬ ‫ه‬ ‫ي اث ْن َي ْ َ ِ‬ ‫فُروا َثان ِ َ‬ ‫ن كَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ِ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫جُنوٍد‬ ‫ب‬ ‫ه‬ ‫د‬ ‫ي‬ ‫أ‬‫و‬ ‫ه‬
‫ُ َ ِ َ َ ُ َ ْ ِ َ ّ َ ُ ِ ُ‬‫ي‬ ‫ل‬‫ع‬ ‫ه‬ ‫ت‬ ‫ن‬ ‫كي‬ ‫س‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ز‬
‫ْ َ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ف‬ ‫نا‬ ‫ع‬ ‫م‬
‫َ َ َ َ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫لَ َ ْ َ ْ ِ ّ‬
‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬ ‫ز‬ ‫ح‬ ‫ت‬
‫ه‬‫ِ‬ ‫الل‬ ‫ة‬
‫ُ‬ ‫م‬ ‫ل‬
‫َ ِ َ‬‫َ‬ ‫ك‬ ‫و‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ف‬ ‫س‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫روا‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ن‬
‫ِ َ‬ ‫ذي‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ِ َ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫ها َ َ َ‬
‫ج‬ ‫و‬ ‫و َ‬‫م ت ََر ْ ْ‬ ‫لّ ْ‬
‫م" ]التوبة‪.[40 :‬‬ ‫كي‬
‫ِ ٌ َ ِ ٌ‬ ‫ح‬ ‫ز‬ ‫زي‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫والل‬ ‫يا‬
‫ُ َ َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬‫ع‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ي‬‫ه َ‬ ‫ِ‬
‫ففي هذه الية الكريمة دللة على أفضلية الصديق من سبعة‬
‫أوجه‪ ،‬ففي الية الكريمة من فضائل أبي بكر ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن الكفار أخرجوه‪:‬‬
‫الكفار أخرجوا الرسول »ثاني اثنين«‪ ،‬فلزم أن يكونوا‬
‫أخرجوهما‪ ،‬وهذا هو الواقع‪.‬‬
‫‪ -2‬أنه صاحبه الوحيد‪:‬‬
‫الذي كان معه حين نصره الله؛ إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو‬
‫بكر‪ ،‬وكان ثاني اثنين الله ثالثهما‪.‬‬
‫ن"‪ ،‬ففي المواضع التي ل يكون مع النبي ×‬ ‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫قوله‪َ+ :‬ثان ِ َ‬
‫مع أكابر الصحابة إل واحد يكون هو ذلك الواحد؛ مثل سفره في‬
‫الهجرة‪ ،‬ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إل أبو بكر‪،‬‬
‫ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى السلم كان يكون معه‬
‫من أكابر الصحابة أبو بكر‪ ،‬وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره‬
‫باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ×‪.‬‬
‫‪ -3‬أنه صاحبه في الغار‪:‬‬
‫الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن‪ ،‬وقد أخرجا في‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬انظر‪ :‬الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.355‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( في التاريخ السلمي‪ ،‬شوقي أبو خليل‪ ،‬ص ‪.226‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪44‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر ‪ ،‬قال‪ :‬نظرت إلى أقدام‬
‫المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬لو‬
‫أن أحدهم نظر إلى قدميه لبصرنا‪ .‬فقال ×‪» :‬يا أبا بكر‪ ،‬ما‬
‫ظنك باثنين الله ثالثهما«‪ (1).‬وهذا الحديث مع كونه مما اتفق‬
‫فلم يختلف في ذلك اثنان‬ ‫أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول‪،‬‬
‫منهم‪ ،‬فهو مما دل القرآن على معناه )‪.(2‬‬
‫‪ -4‬أنه صاحبه المطلق‪:‬‬
‫ه" ل يختص بمصاحبته في الغار؛ بل‬ ‫حب ِ ِ‬
‫صا ِ‬
‫ل لِ َ‬ ‫قوله‪+ :‬إ ِذْ ي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة‪ ،‬كما لم يشركه فيه غيره‬
‫فصار مختصا بالكملية من الصحبة‪ ،‬وهذا مما ل نزاع فيه بين أهل‬
‫قال من العلماء‪ :‬إن فضائل‬
‫)‪(3‬‬
‫العلم بأحوال النبي ×‪ ،‬ولهذا قال من‬
‫الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره‪.‬‬
‫‪ -5‬أنه المشفق عليه‪:‬‬
‫ن" يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محّبا‬ ‫قوله ‪+‬ل َ ت َ ْ‬
‫حَز ْ‬
‫له‪ ،‬ناصًرا له حيث يحزن‪ ،‬وإنما يحزن النسان حال الخوف على من‬
‫يحبه‪ ،‬وكان حزنه على النبي × لئل يقتل ويذهب السلم‪ ،‬ولهذا لما‬
‫كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة‪ ،‬ووراءه تارة‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أذكر الرصد فأكون أمامك‪ ،‬وأذكر‬ ‫فسأله النبي × عن‬
‫الطلب فأكون وراءك)‪ ،(4‬وفي رواية أحمد في كتاب »فضائل‬
‫الصحابة«‪ ...:‬فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه‪ ،‬فقال له‬
‫النبي ×‪» :‬ما لك؟« قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إذا كنت أمامك خشيت أن‬
‫تؤتى من وراءك‪ ،‬وإذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك‪ َ .‬قال‪:‬‬
‫مه‪..‬‬‫لما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كما أنت حتى أقُ ّ‬
‫مه‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول‬ ‫فلما رأى أبو بكر جحرًا في الغار فألقمها قد َ‬
‫الله‪ ،‬إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي )‪ .(5‬فلم يكن يرضى بمساواة‬
‫النبي؛ بل كان ل يرضى بأن يقتل رسول الله × وهو يعيش‪ ،‬كان‬
‫وماله‪ ،‬وهذا واجب على كل مؤمن‪،‬‬ ‫يختار أن يفديه بنفسه وأهله‬
‫والصديق أقوم المؤمنين بذلك)‪.(6‬‬
‫‪ -6‬المشارك له في معية الختصاص‪:‬‬
‫عَنا" صريح في مشاركة الصديق للنبي × في‬ ‫م َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬
‫قوله‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق‪.‬‬
‫وهي تدل على أنه معهما بالنصر والتأييد‪ ،‬والعانة على عدوهما‪.‬‬
‫فيكون النبي × قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر ويعيننا‬
‫سل ََنا‬‫صُر ُر ُ‬‫ومحبة‪ ،‬كما قال الله تعالى‪+ :‬إ ِّنا ل ََنن ُ‬ ‫عليهم‪ ،‬نصَر إكرام‬
‫د" ]غافر‪:‬‬ ‫ها ُ‬
‫َ‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫ال‬ ‫م‬‫ُ‬ ‫ُ‬
‫قو‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫َ‬
‫َ ْ َ‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫يا‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫ّ‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫يا‬
‫َ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫مُنوا ِ‬‫نآ َ‬ ‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫َ‬
‫‪ .[51‬وهذا غاية المدح لبي بكر إذا دل على أنه ممن شهد له‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة رقم‪ ،3653 :‬مسلم رقم‪.1854 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (3‬نفس المصدر السابق‪،4/245 :‬‬ ‫)( منهاج السنة‪.241 ،4/240 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪.252‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪ :‬ص ‪.43‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( منهاج السنة‪.263 ،4/262 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (1‬منهاج السنة‪.4/263 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪45‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الرسول‬
‫باليمان المقتضي نصَر الله له مع رسوله في مثل هذا الحال التي‬
‫عامة‪(1‬الخلق إل‬ ‫يخذل فيها‬
‫من نصره الله ) ‪.‬‬
‫وقال الدكتور عبد الكريم زيدان عن المعية في هذه الية‬
‫ه‬
‫ن الل َ‬ ‫الكريمة‪ :‬وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ن‬‫عَنا" أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬ ‫م َ‬
‫َ‬
‫ن" ]النحل‪[128 :‬؛ لن‬ ‫سُنو َ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫هم ّ‬
‫ن ُ‬ ‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫وا َ‬ ‫ن ات ّ َ‬
‫ق ْ‬ ‫ع ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫م َ‬
‫ه َ‬
‫الل َ‬
‫المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه‪ ،‬غير مقيدة بوصف هو عمل‬
‫برسوله( وصاحبه‪،‬‬ ‫لهما‪ ،‬كوصف التقوى والحسان بل هي خاصة‬
‫كمقولة هذه المعية بالتأييد باليات وخوارق العادات )‪. 2‬‬
‫‪ -7‬أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر‪:‬‬
‫عل َيه َ‬ ‫فأ َن َْز َ‬
‫جُنوٍد ل ّ ْ‬
‫م‬ ‫وأي ّدَهُ ب ِ ُ‬
‫ه َ ْ ِ َ‬‫كين َت َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ه َ‬
‫ل الل ُ‬ ‫قال تعالى‪َ + :‬‬
‫ها" ]التوبة‪ ،[40 :‬فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد‬ ‫و َ‬‫ت ََر ْ‬
‫فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى‪ ،‬فلم يحتج‬
‫أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدللة الكلم والحال عليها‪ ،‬وإذا‬
‫علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال‬
‫لصاحبه فيها أعظم مما‬ ‫السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس‬
‫لسائر الناس‪ ،‬وهذا من بلغة القرآن وحسن بيانه )‪.(3‬‬
‫ثانًيا‪ :‬فقه النبي × والصديق في التخطيط والخذ بالسباب‪:‬‬
‫إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الخذ‬
‫بالسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها‪ ،‬يدرك أن‬
‫التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله × كان قائمًا‪ ،‬وأن‬
‫التخطيط جزء من السنة النبوية‪ ،‬وهو جزء من التكليف اللهي في‬
‫كل ما طولب به المسلم‪ ،‬وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن‬
‫السنة‪(4،‬أمثال هؤلء مخطئون‬ ‫التخطيط وإحكام المور ليسا من‬
‫ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين ) ‪.‬‬
‫فعندما حان وقت الهجرة للنبي × في التنفيذ نلحظ التي‪:‬‬
‫أ‪ -‬وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ما كان يكتنفها‬
‫من صعاب وعقبات‪ ،‬وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا‬
‫دراسة وافية‪ ،‬فمثلً‪:‬‬
‫‪ -1‬جاء × إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر؛ الوقت الذي ل‬
‫يخرج فيه أحد؛ بل من عادته لم يكن يأتي له‪ ،‬لماذا؟ حتى ل يراه‬
‫أحد‪.‬‬
‫‪ -2‬إخفاء شخصيته × أثناء مجيئه للصديق وجاء إلى بيت الصديق‬
‫ما؛ لن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه‬ ‫متلث ً‬
‫)‪ (3‬المستفاد من قصص القرآن‪:‬‬ ‫)( نفس المصدر السابق‪.243 ،4/242 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.2/100‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( منهاج السنة‪.4/272 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الساس في السنة‪ ،‬سعيد حوى‪.3578 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪46‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫المتلثم )‪.(1‬‬
‫‪ -3‬أمر × أبا بكر أن يخرج من عنده‪ ،‬ولما تكلم لم ي ُِبن إل المر‬
‫بالهجرة دون‬
‫تحديد التجاه‪.‬‬
‫‪ -4‬وكان الخروج ليل ومن باب خلفي في بيت أبي بكر )‪.(2‬‬
‫‪ -5‬بلغ الحتياط مداه باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم‪ ،‬والستعانة‬
‫بذلك بخبير يعرف مسالك البادية‪ ،‬ومسارب الصحراء‪ ،‬وكان ذلك‬
‫الرسول‬ ‫الخبير مشركًا ما دام على خلق ورزانة‪ ،‬وفيه دليل على أن‬
‫× كان ل يحجم على الستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها‪ (3).‬وقد‬
‫يبين الشيخ عبد الكريم زيدان أن القاعدة والصل عدم الستعانة‬
‫بغير المسلم في المور العامة‪ ،‬ولهذه القاعدة استثناء‪ ،‬وهو جواز‬
‫الستعانة بغير المسلم بشروط معينة‪ ،‬وهي‪ :‬تحقيق المصلحة أو‬
‫رجحانها بهذه الستعانة‪ ،‬وأن ل يكون ذلك على حساب الدعوة‬
‫ومعانيها‪ ،‬وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به‪ ،‬وأن ل تكون‬
‫هذه الستعانة مثار شبهة لفراد المسلمين‪ ،‬وأن تكون هناك حاجة‬
‫حقيقية لهذه الستعانة على وجه الستثناء‪ ،‬وإذا لم تتحقق لم تجز‬
‫الستعانة‪ (4).‬وقد كان الصديق ‪ ‬قد دعا أولده للسلم ونجح بفضل‬
‫الله في هذا الدور الكبير والخطير‪ ،‬وقام بتوظيف أسرته لخدمة‬
‫السلم ونجاح هجرة رسول الله ×‪ ،‬فوزع بين أولده المهام‬
‫الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة‪:‬‬
‫‪ -1‬دور عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما‪:‬‬
‫فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو‪،‬‬
‫لقد ربى عبد الله على حب دينه‪ ،‬والعمل لنصرته ببصيرة نافذة‬
‫وفطنة كاملة وذكاء متوقد‪ ،‬يدل على العناية الفائقة التي اتبعها‬
‫سيدنا أبو بكر في تربيته‪ .‬وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام‬
‫به خير قيام‪ ،‬وكان يتمثل في التنقل بين مجالس أهل مكة يستمع‬
‫أخبارهم وما يقولونه في نهارهم‪ ،‬ثم يأتي الغار إذا أمسى‪ ،‬فيحكي‬
‫للنبي × ولبيه الصديق ‪ ‬ما يدور بعقول أهل مكة وما يدبرونه‪،‬‬
‫واحدا من‬
‫ً‬ ‫وقد أتقن عبد الله هذا الواجب بطريقة رائعة‪ ،‬فلم تأخذ‬
‫سا‪ ،‬حتى إذا اقترب‬ ‫الغار حار ً‬ ‫أهل مكة ريبة فيه‪ ،‬وكان يبيت عند‬
‫النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد )‪.(5‬‬
‫‪ -2‬دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما‪:‬‬
‫كان لسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة‪،‬‬
‫حيث قامتا عند قدوم النبي × إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز‬
‫طعام النبي × ولبيهما‪ ..‬تقول أم المؤمنين عائشة ‪-‬رضي الله‬
‫عنها‪ :-‬فجهزناهما )تقصد رسول الله × وأباها( أحسن الجهاز فصنعنا‬
‫لهما سفرة في جراب‪ ،‬فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به‬
‫)( السيرة النبوية‪ ..‬قراءة لجوانب الحذر والحيطة‪ :‬ص ‪.141‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( معين السيرة للشامي‪ :‬ص ‪ (4) .147‬الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.361‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( المستفاد من قصص القرآن‪ (2) .145 ،2/144 :‬السيرة الحلبية‪،2/213 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫البداية والنهاية‪.3/182 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪47‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫على فم الجراب‪ ،‬فلذلك سميت ذات النطاقين‪.‬‬
‫‪ -3‬دور أسماء في تحمل الذى وإخفاء أسرار المسلمين‪:‬‬
‫أظهرت أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬دور المسلمة الفاهمة لدينها‪،‬‬
‫المحافظة على أسرار الدعوة‪ ،‬المتحملة لتوابع ذلك من الذى‬
‫والتعنت‪ .‬فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول‪ :‬لما خرج رسول‬
‫الله × وأبو بكر ‪ ‬أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام‪،‬‬
‫فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬أين أبوك يا بنت‬
‫أبي بكر؟ قلت‪ :‬ل أدري والله أين أبي؟ قالت‪ :‬فرفع أبو جهل يده‬
‫فاحشً(ا خبيثًا‪ ،‬فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي‪ ،‬قالت‪ :‬ثم‬ ‫وكان‬
‫انصرفوا‪. 2)..‬‬
‫فهذا درس من أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬تعلمه لنساء المسلمين‬
‫جيل بعد جيل‪ ،‬كيف تخفي أسرار المسلمين عن العداء‪ ،‬وكيف تقف‬ ‫ً‬
‫صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم‪.‬‬
‫‪ -4‬دور أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬في بث المان والطمأنينة‬
‫في البيت‪:‬‬
‫خرج أبو بكر ‪‬مع رسول الله ×ومعه ماله كله‪ ،‬وهو ما تبقى من‬
‫رأسماله‪ ،‬وكان خمسة آلف أو ستة آلف درهم‪ ،‬وجاء أبو قحافة ليتفقد‬
‫بيت ابنه ويطمئن على أولده‪ ،‬وقد ذهب بصره‪ ،‬فقال‪ :‬والله إني لراه‬
‫قد فجعكم بماله مع نفسه‪ ،‬قالت‪ :‬كل يا أبت‪ ،‬ضع يدك على هذا المال‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فوضع يده عليه‪ ،‬فقال‪ :‬ل بأس‪ ،‬إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن‪.‬‬
‫وفي هذا بلغ لكم‪.‬ل والله ما ترك لنا شيئًا‪ ،‬ولكني أردت أن أس ّ‬
‫كن‬
‫الشيخ بذلك )‪.(3‬‬
‫وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها‪ ،‬وسكن قلب جدها‬
‫الضرير من غير أن تكذب‪ ،‬فإن أباها قد ترك لهم حقا هذه الحجار التي‬
‫كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ‪ ،‬إل أنه قد ترك لهم معها إيمانا بالله ل‬
‫تزلزله الجبال‪ ،‬ول تحركه العواصف الهوج‪ ،‬ول يتأثر بقلة أو كثرة في‬
‫يقينوثقة به ل حد لهما‪ ،‬وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي‬ ‫رثهم ا ً‬‫المال‪ ،‬و ّ‬
‫مثال عّز أن‬
‫ً‬ ‫المور‪ ،‬ول تلتفت إلى سفاسفها‪ ،‬فضرب بهم للبيت المسلم‬
‫يتكرر‪ ،‬وقل ّ أن يوجد نظيره‪.‬‬
‫لقد ضربت أسماء ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بهذه المواقف لنساء وبنات‬
‫س الحاجة إلى القتداء به‪ ،‬والنسج على‬ ‫ن في أم ّ‬ ‫المسلمين مثل ه ّ‬
‫منواله‪ ،‬وظلت أسماء مع أخواتها في مكة ل تشكو ضيقا‪ ،‬ول تظهر‬
‫حاجة‪ ،‬حتى بعث النبي × زيد بن حارثة وأبا رافع موله‪ ،‬وأعطاهما‬
‫بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة‪ ،‬فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم‬
‫ابنتيه‪ ،‬وسودة بنت زمعة زوجه‪ ،‬وأسامة بن زيد‪ ،‬وأمه بركة المكناة‬
‫عبد‪(4‬الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر‪ ،‬حتى‬ ‫بأم أيمن‪ ،‬وخرج معهما‬
‫قدموا المدينة مصطحبين ) ‪.‬‬
‫البداية والنهاية‪.3/184 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الهجرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.126‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫السيرة النبوية لبن هشام‪ ،2/102 :‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ الطبري‪ ،2/10 :‬الهجرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.128‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪48‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫‪ -5‬دور عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ‪:‬‬
‫من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم وقلة الكتراث‬
‫بأمره‪ ،‬لكن الدعاة الربانيين ل يفعلون ذلك‪ ،‬إنهم يبذلون جهدهم‬
‫لهداية من يلقونه‪ ،‬لذا أّدب الصديق ‪ ‬عامر بن فهيرة موله‬
‫وعلمه‪ ،‬فأضحى عامر جاهزًا لفداء السلم وخدمة الدين‪.‬‬
‫هامً في الهجرة‪ ،‬فكان يرعى‬ ‫دورا ا‬
‫ً‬ ‫وقد رسم له سيدنا أبو بكر ‪‬‬
‫الغنم مع رعيان مكة‪ ،‬لكن ل يلفت النظار لشيء‪ ،‬حتى إذا أمسى أراح‬
‫بغنم سيدنا أبي بكر على النبي ×فاحتلبا وذبحا‪ ،‬ثم يكمل عامر دور عبد‬
‫عائدا إلى‬
‫ً‬ ‫الله بن أبي بكر حين يغدو من عنده رسول الله × وصاحبه‬
‫عبد الله ليعفي عليها‪ ،‬مما يعد ذكاء وفطنة في العداد‬ ‫مكة‪ ،‬فيتتبع آثار‬
‫لنجاح الهجرة )‪.(1‬‬
‫وإنه لدرس عظيم يستفاد من الصديق لكي يهتم المسلمون‬
‫بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها‪ ،‬ويعاملونهم على‬
‫شًرا أولً‪ ،‬ثم يعلمونهم السلم‪ ،‬فلعل الله يجعل منهم من‬ ‫كونهم ب َ َ‬
‫يحمل هذا الدين كما ينبغي‪.‬‬
‫إن ما قام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة ×‬
‫في هجرته يدل على تدبير للمور على نحو رائع دقيق‪ ،‬واحتياط‬
‫للظروف بأسلوب حكيم‪ ،‬ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة‬
‫في مكانه المناسب‪ ،‬وسد ّ لجميع الثغرات‪ ،‬وتغطية بديعة لكل‬
‫مطالب الرحلة‪ ،‬واقتصار على العدد اللزم من الشخاص من غير‬
‫قويا‬
‫ً‬ ‫أخذًا‬ ‫زيادة ول إسراف‪ .‬لقد أخذ الرسول × بالسباب المعقولة‬
‫حسب استطاعته وقدرته‪ ،‬ومن ثم باتت عناية الله متوقعة )‪.(2‬‬
‫إن اتخاذ السباب أمر ضروري وواجب‪ ،‬ولكن ل يعني ذلك دائما‬
‫حصول النتيجة؛ ذلك لن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته‪ ،‬ومن هنا‬
‫كان التوكل أمرًا ضروريًا وهو من باب استكمال اتخاذ السباب‪.‬‬
‫إن رسول الله × أعد كل السباب واتخذ كل الوسائل‪ ،‬ولكنه في‬
‫ويستنصره‪(3‬أن يكلل سعيه بالنجاح‪ ،‬وهنا‬ ‫الوقت نفسه مع الله يدعوه‬
‫يستجاب الدعاء‪ ،‬ويكلل العمل النجاح ) ‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬جندية الصديق الرفيعة وبكاؤه من الفرح‪:‬‬
‫تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق ‪ ،‬فأبو بكر‬
‫‪ ‬عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله ×‪» :‬ل‬
‫تعجل‪ ،‬لعل الله يجعل لك صاحًبا«‪ ،‬فقد بدأ في العداد‬
‫والتخطيط للهجرة »فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما‬
‫إعداًدا لذلك«‪ .‬وفي رواية البخاري‪ :‬وعلف راحلتين كانتا عنده‪ ،‬ورق‬
‫السمر )وهو الخبط( أربعة أشهر‪ ،‬لقد كان يدرك بثاقب بصره ‪‬‬
‫قائدا( أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة‬ ‫ً‬ ‫)وهو الذي تربى ليكون‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.115‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( أضواء على الهجرة لتوفيق محمد‪ :‬ص ‪.397 -393‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( من معين السيرة‪ :‬ص ‪.148‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪49‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫خر أسرته لخدمة النبي‬ ‫ولذلك هيأ وسيلة الهجرة ورتب تموينها‪ ،‬وس ّ‬
‫×‪ ،‬وعندما جاء رسول الله × وأخبره أن الله قد أذن له في الخروج‬
‫والهجرة بكى من شدة الفرح‪ ،‬وتقول عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬في‬
‫أحدا يبكي من‬
‫ً‬ ‫هذا الشأن‪ :‬فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن‬
‫شري‪ ،‬أن‬ ‫الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ‪ ،‬إنها قمة الفرح البَ َ‬
‫يتحول الفرح إلى بكاء‪ ،‬ومما قال الشاعر عن هذا‪:‬‬
‫سيزورني فاستعبرت أجفاني‬ ‫وََرد َ الكتاب من الحبيب بأنه‬
‫من فرط ما قد سرني‬ ‫علي حتى إنني‬
‫ّ‬ ‫غلب السرور‬
‫أبكاني‬
‫تبكين من فرح ومن أحزان‬ ‫يا عين صار الدمع عندك‬
‫عادة‬
‫فالصديق ‪ ‬يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة‬
‫رسول رب العالمين بضعة عشر يومًا على القل‪ ،‬وهو الذي سيقدم‬
‫حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى ×‪ ،‬فأي فوز في هذا الوجود‬
‫ومن‬
‫)‪(1‬‬
‫يفوق هذا الفوز‪ ،‬أن ينفرد الصديق وحده من دون أهل الرض‬
‫دون الصحب جميعًا برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة‪.‬‬
‫وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من‬
‫أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلًلما ينبغي أن يكون عليه جندي‬
‫الدعوة الصادق مع قائده المين‪ ،‬حين يحدق به الخطر‪ ,‬من خوف‬
‫وإشفاق على حياته‪ ،‬فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه‬
‫الموت‪ ،‬ولو كان كذلك لما رافق رسول الله ×في هذه الهجرة‬
‫الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع‬
‫الكريم‪ ،×(2‬وعلى‬
‫)‬
‫رسول الله ‪×،‬ولكنه كان يخشى على حياة الرسول‬
‫مستقبل السلم إن وقع الرسول ×في قبضة المشركين‪.‬‬
‫ويظهر الحس المني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي × في‬
‫مواقف كثيرة منها‪ ،‬حين أجاب السائل‪ :‬من هذا الرجل الذي بين‬
‫يديك؟ فقال‪ :‬هذا هاد ٍ يهديني السبيل‪ ،‬فظن السائل بأن الصديق‬
‫على حسن‬ ‫يقصد الطريق‪ ،‬وإنما كان يقصد سبيل الخير‪ ،‬وهذا يدل‬
‫فرارا من الحرج أو الكذب‪ (3).‬وفي‬‫ً‬ ‫استخدام أبي بكر للمعاريض‬
‫إجابته للسائل تورية وتنفيذ‬
‫رسول الله ×؛ لن الهجرة كانت سّرا‪،‬‬ ‫من‬ ‫للتربية المنية التي تلقاها‬
‫وقد أقره الرسول × على ذلك )‪.(4‬‬
‫رابًعا‪ :‬فن قيادة الرواح وفن التعامل مع النفوس‪:‬‬
‫يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله‬
‫× في الهجرة‪ ،‬كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة‬
‫الحبيب المصطفى ×‪ ،‬وهذا الحب الرباني كان نابعا من القلب‬
‫)‪ (1‬التربية القيادية‪.192 ،2/191 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي‪.71 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬الهجرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.204‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬الهجرة النبوية‪ ،‬لبي‬ ‫)( السيرة النبوية دروس وعبر‪ ،‬للسباعي‪ :‬ص ‪.68‬‬ ‫‪4‬‬

‫فارس‪ :‬ص ‪.54‬‬

‫‪50‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫وبإخلص‪ ،‬ولم يكن حب نفاق أو نابعًا من مصلحة دنيوية‪ ،‬أو رغبة‬
‫من منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع‪ .‬ومن أسباب هذا الحب لرسول‬
‫الله × صفاته القيادية الرشيدة‪ ،‬فهو يسهر ليناموا‪ ،‬ويتعب‬
‫ليستريحوا‪ ،‬ويجوع ليشبعوا‪ ،‬كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم‪ ،‬فمن‬
‫سلك سنن الرسول × مع صحابته‪ ،‬في حياته الخاصة والعامة‪،‬‬
‫وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم‪ ،‬وكان عمله لوجه الله‪ ،‬أصابه‬
‫الحب( إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة‬ ‫هذا‬
‫السلم )‪. 1‬‬
‫وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهداوي عندما قال‪:‬‬
‫ظهرت عليه مواهب الفتاح‬ ‫ن عبده‬
‫فإذا أحب الله باط َ‬
‫)‪(2‬‬
‫مال العباد عليه بالرواح‬ ‫وإذا صفت لله نية مصلح‬
‫إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الرواح قبل كل‬
‫شيء‪ ،‬وتستطع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها‪ ،‬وعلى قدر‬
‫إحسان القيادة يكون إحسان الجنود‪ ،‬وعلى قدر البذل من القيادة‬
‫يكون الحب من الجنود‪ ،‬فقد كان × رحيمًا وشفوقًا بجنوده وأتباعه‪،‬‬
‫فهو لم يهاجر إل بعد أن هاجر معظم أصحابه‪ ،‬ولم يبق إل‬
‫المستضعفون والمفتونون‪ ،‬ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة )‪.(3‬‬
‫والجدير بالذكر أن حب الصديق لرسول الله ×كان لله‪ ،‬ومما يبين‬
‫الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر كان يحب النبي × مخلصًا لله‪،‬‬
‫وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه ل لله‪ ،‬فتقبل الله عمل أبي بكر‬
‫كى ‪‬‬
‫ع َ‬ ‫مال َ ُ‬
‫ه ي َت ََز ّ‬ ‫ؤِتي َ‬‫ذي ي ُ ْ‬ ‫قى ‪ ‬ال ّ ِ‬ ‫ها الت ْ َ‬ ‫جن ّب ُ َ‬
‫سي ُ َ‬ ‫و َ‬
‫وأنزل فيه قوله‪َ + :‬‬
‫لى ‪‬‬ ‫ه َرب ّه ِ ال ْ‬ ‫ج‬
‫َ ْ ِ‬‫و‬ ‫َ‬ ‫ء‬‫غا‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ا‬ ‫ّ‬ ‫ل‬‫ِ‬ ‫إ‬ ‫‪‬‬ ‫زى‬ ‫ج‬‫ُ‬ ‫ت‬
‫ْ َ ٍ ْ َ‬‫ة‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫من‬‫عن ْدَهُ ِ‬
‫حدٍ ِ‬‫ما ل َ‬ ‫و ََ‬
‫َ‬
‫‪[21‬وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله‪ ،‬بل‬ ‫ضى" ]الليل‪، -17 :‬‬ ‫ف ي َْر َ‬
‫و َ‬ ‫ول َ ْ‬
‫س‬ ‫َ‬
‫أدخله النار؛ لنه كان مشركًا عاملًلغير الله‪ ،‬وأبو بكر لم يطلب أجره‬
‫ول من غيره‪ ،‬بل آمن به وأحبه وكله وأعانه‬ ‫من الخلق‪ ،‬ل من النبي ×‬
‫وطالبًالجر من الله‪ ،‬ويبلغ عن الله أمره‬ ‫ا‬ ‫إلى الله‬ ‫متقرب بذلك‬
‫اً‬ ‫في الله‪،‬‬
‫ونهيه ووعده ووعيده )‪.(4‬‬
‫سا‪ :‬مرض أبي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة‪:‬‬
‫خام ً‬
‫وأصحابه عن البلد المين تضحية عظيمة عبر‬ ‫كانت هجرة النبي ×‬
‫إنك لخير أرض الله وأحب)‪(5‬أرض‬ ‫والله‬ ‫عنها النبي × بقوله‪» :‬‬
‫خرجت منك ما خرجت« ‪.‬‬ ‫الله إلى الله‪ ،‬ولول أني أ ُ ْ‬
‫وعن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬قالت‪ :‬لما قدم رسول الله ×‬
‫المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى‪ ،‬وكان واديها يجري‬
‫نجل )يعني ماء آجنا( فأصاب أصحابه منها بلء وسقم‪ ،‬وصرف الله‬
‫ذلك عن نبيه‪ ،‬قالت‪ :‬فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلل في بيت‬
‫‪1‬‬

‫الحركة السنوسية‪ ،‬للصلبي‪.2/7 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫السيرة النبوية المباركة‪ :‬ص ‪.205‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الفتاوى لبن تيمية‪.11/286 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الترمذي‪ ،‬كتاب المناقب‪ ،‬باب فضل مكة‪ ،5/722 :‬رقم‪.3925 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪51‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫واحد‪ ،‬فأصابتهم الحمى‪ ،‬فاستأذنت رسول الله × عيادتهم فأذن‪،‬‬
‫فدخلت إليهم أعودهم ‪-‬وذلك قبل)‪(1‬أن يضرب علينا الحجاب‪ -‬وبهم ما‬
‫ل يعلمه إل الله من شدة الوعك ‪ ،‬فدنوت من أبي بكر فقلت‪ :‬يا‬
‫أبت‪ ،‬كيف تجدك؟ فقال‪:‬‬
‫والموت أدنى من شراك‬ ‫كل امرئ مصبح في أهله‬
‫نعله‬
‫قالت‪ :‬فقلت‪ :‬والله ما يدري أبي ما يقول‪ ،‬ثم دنوت من عامر بن‬
‫فهيرة فقلت‪ :‬كيف تجدك يا عامر؟ فقال‪:‬‬
‫إن الجبان حتفه من فوقه‬ ‫لقد وجدت الموت قبل ذوقه‬
‫)‪(3‬‬ ‫)‪(2‬‬
‫كالثور يحمي جلده بروقه‬ ‫كل امرئ مجاهد بطوقه‬
‫وكان بلل إذا‬ ‫قالت‪ :‬قلت‪ :‬والله ما يدري عامر ما يقول‪ .‬قالت‪:‬‬
‫أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته )‪ ،(4‬ويقول‪:‬‬
‫بواد وحولي إذخر )‪ (5‬وجليل‬ ‫أل ليت شعري هل أبيتن ليلة‬
‫)‪(6‬‬
‫وطفيل‬ ‫وهل أرَِدن يوما مياه مجنة‬

‫قالت‪ :‬فأخبرت رسول الله × بذلك فقال‪» :‬اللهم حبب إلينا‬
‫المدينة كحبنا مكة أو أشد‪ ،‬اللهم وصححها وبارك لنا‬
‫ماها واجعلها بالجحفة« )‪.(7‬‬ ‫في مدها وصاعها‪،‬وانقل ح ّ‬
‫وقد استجاب الله دعاء نبيه ×‪ ،‬وعوفي المسلمون بعدها من‬
‫الوافدين والمهاجرين‬ ‫هذه الحمى‪ ،‬وغدت المدينة موطًنا ممتاًزا لكل‬
‫إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم )‪.(8‬‬
‫شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فآخى بين المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم أقام المسجد‪،‬‬
‫وأبرم المعاهدة مع اليهود‪ ،‬وبدأت حركة السرايا‪ ،‬واهتم بالبناء‬
‫القتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد‪ ،‬وكان أبو بكر‬
‫‪-‬رضي الله عنه‪ -‬وزير صدق لرسول الله × ولزمه في كل أحواله‪،‬‬
‫يغب عن مشهد من المشاهد‪ ،‬ولم يبخل بمشورة أو مال أو‬ ‫)‪(9‬‬
‫ولم‬
‫رأي‪.‬‬
‫***‬

‫)‪ (4‬بطوقه‪ :‬بطاقته‪.‬‬ ‫)( الوعك‪ :‬الحمى‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)‪ (5‬بروقه‪ :‬بقرنه‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( عقيرته‪ :‬صوته‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( إذخر‪ :‬نبات طيب الرائحة‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( شامة وطفيل‪ :‬جبلن مشرفان على مجنة على بريد مكة‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الدعوات‪ ،‬باب الدعاء برفع الوباء والوجع‪ ،‬رقم‪.6372 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( التربية القيادية‪.2/310 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ :‬ص ‪.121‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪52‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫المبحث الرابع‬
‫الصديق في ميادين الجهاد‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبا بكر شهد مع النبي × بدًرا‬
‫دا‪ ،‬وثبت مع رسول الله × يوم‬ ‫والمشاهد كلها‪ ،‬ولم يفته منها مشه ً‬
‫أحد حين انهزم)‪(1‬الناس‪ ،‬ودفع إليه النبي × رايته العظمى يوم تبوك‬
‫وكانت سوداء ‪.‬‬
‫الصديق ‪‬‬ ‫وقال ابن كثير‪ :‬ولم يختلف أهل السير في أن أبا بكر‬
‫لم يتخلف عن رسول الله × في مشهد من المشاهد كلها )‪.(2‬‬
‫وقال الزمخشري‪ :‬إنه )يعني أبا بكر ‪ (‬كان مضافًا لرسول الله‬
‫× إلى البد‪ ،‬فإنه صحبه صغيرًا وأنفق ماله كبيرًا‪ ،‬وحمله إلى المدينة‬
‫براحلته وزاده‪ ،‬ولم يزل ينفق عليه ماله في حياته‪ ،‬وزّوجه ابنته‪ ،‬ولم‬
‫يزل ملزمًا له سفرًا)‪(3‬وحضرًا‪ ،‬فلما توفي دفنه في حجرة عائشة‬
‫أحب النساء إليه × ‪.‬‬
‫وعن سلمة بن الكوع‪ :‬غزوت مع النبي × سبع غزوات‪ ،‬وخرجت‬
‫يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة علينا‬ ‫فيما‬
‫أسامة )‪.(4‬‬
‫ومن خلل هذا المبحث سنحاول أن نتتبع حياة الصديق ‪‬‬
‫الجهادية مع النبي ×‪ ،‬لنرى كيف جاهد الصديق بنفسه وماله ورأيه‬
‫في نصرة دين الله تعالى‪.‬‬
‫ل‪ :‬أبو بكر ‪ ‬في بدر الكبرى‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫شارك الصديق في غزوة بدر‪ ،‬وكانت في العام الثاني من‬
‫الهجرة وكانت له فيها مواقف مشهورة‪ ،‬من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬مشورة الحرب‪:‬‬
‫لما بلغ النبي من نجاة القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال‬
‫في‪ (6‬المر )‪ ،(5‬فقام أبو بكر‬ ‫النبي × استشار رسول الله × أصحابه‬
‫فقال وأحسن‪ ،‬ثم قام عمر فقال وأحسن ) ‪.‬‬
‫‪ -2‬دوره في الستطلع مع النبي ×‪:‬‬
‫قام النبي × ومعه أبو بكر يستكشف أحوال جيش المشركين‪،‬‬
‫خا من العرب‪ ،‬فسأله‬ ‫وبينما هما يتجولن في تلك المنطقة لقيا شي ً‬
‫رسول الله × عن جيش قريش وعن محمد × وأصحابه وما بلغه‬
‫من أخبارهم‪ ،‬فقال الشيخ‪ :‬ل أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‪،‬‬
‫فقال له رسول الله ×‪» :‬إذا أخبرتنا أخبرناك« فقال‪ :‬أو ذاك‬
‫الطبقات الكبرى‪ ،1/124 :‬صفة الصفوة‪.1/242 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (3‬خصائص العشرة الكرام البررة‪.41 :‬‬ ‫أسد الغابة‪.3/318 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب بعث النبي أسامة‪ ،‬رقم‪.4270 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (2‬السيرة النبوية لبن هشام‪.2/447 :‬‬ ‫صحيح البخاري‪ ،‬رقم‪.3952 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪53‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫دا وأصحابه‬ ‫بذاك؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬فقال الشيخ‪ :‬فإنه بلغني أن محم ً‬
‫خرجوا يوم كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان‬
‫شا‬‫كذا وكذا ‪ -‬للمكان الذي به جيش المسلمين‪ -‬وبلغني أن قري ً‬
‫خرجوا يوم كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان‬
‫كذا وكذا ‪-‬للمكان الذي فيه جيش المشركين فعل‪ -‬ثم قال الشيخ‪:‬‬
‫لقد أخبرتكما عما أردتما‪ ،‬فأخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»نحن من ماء«‪ ،‬ثم انصرف النبي × وأبو بكر)‪(1‬عن الشيخ‪ ،‬وبقي‬
‫هذا الشيخ يقول‪ :‬ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟‬
‫وفي هذا الموقف يتضح قرب الصديق من النبي ×‪ ،‬وقد تعلم أبو‬
‫بكر من رسول‬
‫سا كثيرة‪.‬‬
‫الله × درو ً‬
‫‪ -3‬في حراسة النبي × في عريشه‪:‬‬
‫الصفوف للقتال‪ ،‬رجع إلى مقر القيادة‬ ‫عندما رتب ×‬
‫وكان عبارة عن عريش على تل مشرف على ساحة القتال‪،‬‬
‫‪ ،‬وكانت ثلة من شباب النصار‬
‫)‪(2‬‬
‫وكان معه فيه أبو بكر ‪‬‬
‫بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله × ‪,‬‬
‫عن هذا الموقف فقال‪ :‬يا‬ ‫وقد تحدث علي بن أبي طالب ‪‬‬
‫أيها الناس‪ ،‬من أشجع الناس؟ فقالوا‪ :‬أنت يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬فقال‪ :‬أما إني ما بارزني أحد إل انتصفت منه‪،‬‬
‫ولكن هو أبو بكر؛ إنا جعلنا لرسول الله × عري ًشا‪ ،‬فقلنا‪:‬‬
‫لئل يهوي إليه أحد من‬ ‫من يكون مع رسول الله ×‬
‫المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إل أبو بكر شاه ًرا‬
‫إليه أحد من‬ ‫)‪(3‬‬
‫بالسيف على رأس رسول الله × ‪ ،‬ل يهوي‬
‫المشركين إل أهوى إليه‪ ،‬فهذا أشجع الناس‪.‬‬
‫‪ -4‬الصديق يتلقى البشارة بالنصر‪ ،‬ويقاتل بجانب رسول‬
‫الله ×‪:‬‬
‫بعد الشروع في الخذ بالسباب اتجه رسول الله × إلى ربه‬
‫يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعائه‪» :‬اللهم أنجز‬
‫لي ما وعدتني‪ ،‬اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل‬
‫دا«‪ .‬وما زال × يدعو‬ ‫السلم فل تعبد في الرض أب ً‬
‫ويستغيث حتى سقط رداؤه‪ ،‬فأخذه أبو بكر وَرّده على منكبيه وهو‬
‫يقول‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كفاك مناشدتكم ربك فإنه منجز لك ما وعدك‬
‫ب ل َك ُ ْ‬ ‫م َ‬‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫غيُثو َ‬ ‫وأنزل الله ‪-‬عز وجل‪+ :-‬إ ِذْ ت َ ْ‬
‫)‪(4‬‬
‫م"‬ ‫جا َ‬ ‫ست َ َ‬‫فا ْ‬ ‫ست َ ِ‬
‫وفي رواية ابن عباس قال‪ :‬قال النبي × يوم بدر‪» :‬اللهم إني‬
‫أنشدك عهدك ووعدك‪ ،‬اللهم إن شئت لم تعبد« فأخذ أبو‬
‫م‬‫هَز ُ‬‫سي ُ ْ‬‫بكر بيده‪ ،‬فقال‪ :‬حسبك الله‪ ،‬فخرج × وهو يقول‪َ + :‬‬
‫ن الدّب َُر"‪ (5).‬وقد خفق النبي × خفقة وهو في‬ ‫وّلو َ‬
‫وي ُ َ‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ج ْ‬
‫العريش ثم انتبه فقال‪ :‬أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله‪ ،‬هذا جبريل‬
‫)‪ (4‬نفس المصدر السابق‪.2/233 :‬‬ ‫سيرة ابن هشام‪.2/228 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫البداية والنهاية‪.272 ،3/271 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب المداد بالملئكة ببدر‪ ،‬رقم‪.1763 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب قصة بدر‪ ،‬رقم‪.3953 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪54‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫)يعني الغبار(‪ ،‬قال‪ :‬ثم‬ ‫آخذ بعنان فرسه يقوده‪ ،‬على ثناياه النقع‬
‫خرج رسول الله × إلى الناس فحّرضهم )‪.(1‬‬
‫ما في التجرد‬‫سا ربانًيا مه ً‬‫وقد تعلم الصديق من هذا الموقف در ً‬
‫النفسي وحظها‪ ،‬والخلوص واللجوء لله وحده‪ ،‬والسجود والجثي بين‬
‫خا في‬‫يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره‪ ،‬وبقي هذا المشهد راس ً‬
‫ذاكرة الصديق وقلبه ووجدانه يقتدي برسول الله × في تنفيذه في‬
‫مثل هذه الساعات وفي مثل هذه المواطن‪ ،‬ويبقى هذا المشهد‬
‫سا لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد يريد أن يقتدي بالنبي ×‬ ‫در ً‬
‫وصحابته الكرام‪.‬‬
‫ولما اشتد أوار المعركة وحمي وطيسها نزل رسول الله ×‬
‫يذكرون( الله تعالى‪ ،‬وقد‬ ‫وحرض على القتال والناس على مصافهم‬
‫دا وكان بجانبه الصديق )‪، 2‬‬ ‫قاتل × بنفسه قتال ً شدي ً‬
‫وقد ظهرت منه شجاعة وبسالة منقطعة النظير‪ ،‬وكان على استعداد‬
‫لمقاتلة كل كافر عنيد ولو كان ابنه‪ ،‬وقد شارك ابنه عبد الرحمن في‬
‫هذه المعركة مع المشركين‪ ،‬وكان من أشجع الشجعان بين العرب‪،‬‬
‫ما في قريش‪ ،‬فلما أسلم قال لبيه‪ :‬لقد أهدفت‬ ‫ومن أنفذ الرماة سه ً‬
‫فملت( عنك ولم‬ ‫بدر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫يوم‬ ‫«‬‫واضح‬ ‫كهدف‬ ‫أمامي‬ ‫لي »أي ظهرت‬
‫ل عنك )‪. 3‬‬ ‫م ْ‬
‫أقتلك‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬لو أهدفت لي لم أ ِ‬
‫‪ -5‬الصديق والسرى‪:‬‬
‫قال ابن عباس ‪ :‬فلما أسروا السارى قال رسول الله × لبي‬
‫بكر وعمر‪» :‬ما ترون في هؤلء السارى؟« فقال أبو بكر‪ :‬يا‬
‫نبي الله‪ ،‬هم بنو العم والعشيرة‪ ،‬أرى أن نأخذ منهم فدية فتكون لنا‬
‫قوة على الكفار‪ ،‬فعسى الله أن يهديهم إلى السلم‪ ،‬فقال رسول‬
‫الله ×‪» :‬ما ترى يا ابن الخطاب؟« قال‪ :‬ل والله‪ ،‬يا رسول الله‪،‬‬
‫ما أرى الذي يراه أبو بكر‪ ،‬ولكني أرى أن تمكننا منهم فنضرب‬
‫ن علّيا من عقيل فيضرب عنقه‪ ،‬وتمكنني من فلن‬ ‫أعناقهم‪ ،‬فتمك ّ َ‬
‫»نسيًبا لعمر« فأضرب عنقه‪ ،‬فإن هؤلء أئمة الكفر وصناديدها‪،‬‬
‫فهوى رسول الله × إلى ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت‪ ،‬فلما كان‬
‫الغد جئت فإذا برسول الله × وأبو بكر قاعدين يبكيان‪ ،‬فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك‪ ،‬فإن وجدت‬
‫بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫ي أصحابك من أخذهم الفداء‪ ،‬ولقد‬ ‫»أبكي للذي عرض عل ّ‬
‫)شجرة قريبة‬ ‫«‬ ‫الشجرة‬ ‫هذه‬ ‫من‬ ‫أدنى‬ ‫ي عذابهم‬ ‫عرض عل ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه‬ ‫كو َ‬ ‫ي َأن ي َ ُ‬‫ِ ّ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫ما‬
‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫وجل‪:-‬‬ ‫‪-‬عز‬ ‫الله‬ ‫وأنزل‬ ‫(‪،‬‬ ‫َمن النبي ×‬
‫لل طَي ًّبا"‬ ‫ح َ‬
‫م َ‬ ‫مت ُ ْ‬
‫غن ِ ْ‬ ‫ما َ‬‫م ّ‬‫ك ُُلوا ِ‬ ‫سَرى" ]النفال‪ ،[67 :‬إلى قوله‪َ + :‬‬
‫ف‬ ‫أ ْ‬
‫]النفال‪ ،[69 :‬فأحل الله لهم الغنيمة )‪.(4‬‬
‫وفي رواية عن عبد الله بن مسعود ‪ ‬قال‪ :‬لما كان يوم بدر‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬ما تقولون في هؤلء السرى؟« فقال‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ ،2/457 :‬نقل عن تاريخ الدعوة‪ :‬ص ‪.125‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البداية والنهاية‪.3/278 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص ‪ (2) .94‬مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.1763‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪55‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫قهم واستأن بهم؛ لعل الله‬ ‫أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬قومك وأهلك است َب ْ ِ‬
‫أن يتوب عليهم‪ .‬وقال عمر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أخرجوك وكذبوك‪ ،‬قربهم‬
‫فاضرب أعناقهم‪ .‬وقال عبد الله بن رواحة‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬انظر‬
‫وادًيا كثير الحطب‪ ،‬فأدخلهم فيه ثم اضرب عليهم ناًرا‪ ،‬فقال‬
‫العباس‪ :‬قطعت رحمك‪ .‬فدخل رسول الله × ولم يرد عليهم شيئا‪،‬‬
‫فقال ناس‪ :‬يأخذ بقول أبي بكر‪ ،‬وقال ناس‪ :‬يأخذ بقول عمر‪ ،‬وقال‬
‫ناس‪ :‬يأخذ بقول‬
‫عبد الله بن رواحة‪ ،‬فخرج عليهم رسول الله × فقال‪» :‬إن الله‬
‫ليلّين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن‪ ،‬وإن الله ليشد‬
‫قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة‪ ،‬وإن مثلك يا أبا بكر‬
‫فْر‬‫غ ِ‬ ‫وِإن ت َ ْ‬ ‫ك َ‬ ‫عَبادُ َ‬‫م ِ‬ ‫ه ْ‬‫فإ ِن ّ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫عذّب ْ ُ‬ ‫كمثل عيسى َ‪ ‬إذ قال‪ِ+ :‬إن ت ُ َ‬
‫م" ]المائدة‪ ،[118 :‬وإن َمثلك يا عمر‬ ‫كي ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫زيُز ال ْ َ‬ ‫ع ِ‬‫ت ال ْ َ‬ ‫ك أن َ‬ ‫فإ ِن ّ َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫لَ ُ‬
‫ن‬
‫م َ‬ ‫ض ِ‬ ‫َ‬ ‫ب ل ت َذَْر َ‬ ‫َ‬ ‫قا َ‬ ‫و َ‬
‫على الْر ِ‬ ‫ح ّر ّ‬ ‫ل ُنو ٌ‬ ‫كمثل نوح؛ إذ قال‪َ + :‬‬ ‫ال ْ َ‬
‫َ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫إذ‬ ‫موسى‬ ‫كمثل‬ ‫مثلك‬ ‫وإن‬ ‫‪،‬‬ ‫را" ]نوح‪[26 :‬‬ ‫ن دَّيا ً‬ ‫ري َ‬ ‫ف ِ‬ ‫كا ِ‬
‫وال‬ ‫م َ‬ ‫وأ ْ‬ ‫ة َ‬ ‫زين َ ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫قا َ‬ ‫و َ‬
‫ه ِ‬
‫ملئ ِ ِ‬ ‫و َ‬ ‫ن َ‬ ‫و َ‬ ‫ع ْ‬ ‫فْر َ‬ ‫ت ِ‬ ‫سى َرب َّنا إ ِن ّك آت َي ْ َ‬ ‫مو َ‬ ‫ل ُ‬ ‫‪َ +‬‬
‫عَلى‬ ‫س َ‬ ‫م ْْ‬ ‫ك َرب َّنا اطْ ِ‬ ‫سِبيل ِ َ‬ ‫عن َ‬ ‫ضّلوا َ‬ ‫ة الدّن َْيا َرب َّنا ل ِي ُ ِ‬ ‫حَيا ِ‬ ‫في ال ْ َ‬ ‫َِ‬
‫ب‬‫ذا َ‬ ‫ع َ‬ ‫وا ال َ‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫تى‬ ‫ح‬ ‫نوا‬ ‫م‬ ‫ؤ‬‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ب‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ق‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬ ‫د‬ ‫د‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫وا‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫أ ََ ِ‬
‫ِ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫م‬‫ْ‬
‫م" ]يونس‪ .(1)[88 :‬كان النبي × إذا استشار أصحابه أول من‬ ‫الِلي َ‬
‫يتكلم أبو بكر في الشورى‪ ،‬وربما تكلم غيره‪ ،‬وربما لم يتكلم غيره‬
‫فيعمل برأيه وحده‪ ،‬فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه‪.‬‬ ‫)‪(2‬‬

‫ثانًيا‪ :‬في أحد وحمراء السد‪:‬‬
‫سا صعًبا؛ فقد تفرقوا من حول‬ ‫في يوم أحد تلقى المسلمون در ً‬
‫النبي ×‪ ،‬وتبعثر الصحابة في أرجاء الميدان‪ ،‬وشاع أن الرسول ×‬
‫قتل‪ ،‬وكان رد الفعل على الصحابة متبايًنا‪ ،‬وكان الميدان فسيحًا‪،‬‬
‫وكل مشغول بنفسه‪ ،‬شق الصديق الصفوف‪ ،‬وكان أول من وصل‬
‫إلى رسول الله ×‪ ،‬واجتمع إلى رسول الله أبو بكر وأبو عبيدة بن‬
‫الجراح‪ ،‬وعلي‪ ،‬وطلحة‪ ،‬والزبير‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬والحارث بن‬
‫الصمة‪ ،‬وأبو دجانة‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬وغيرهم‪ ...‬رضي الله‬
‫الشعب من جبل أحد في محاولة‬ ‫عنهم‪ ،‬وقصدوا مع رسول الله ×‬
‫لسترداد قوتهم المادية والمعنوية )‪.(3‬‬
‫وكان الصديق إذا ذكر أحدً ا قال‪ :‬ذلك يوم كله لطلحة‪ ،‬ثم‬
‫أنشأ يحدث قال‪ :‬كنت أول من فاء يوم أحد‪ ،‬فرأيت رجل‬
‫يقاتل في سبيل الله دونه‪ ،‬قلت‪ :‬كن طلحة‪ ،‬حيث فاتني ما‬
‫فاتني‪ ،‬وكان بيني وبين المشركين رجل ل أعرفه‪ ،‬وأنا أقرب‬
‫منه‪ ،‬وهو يختطف المشي خطفً ا ل أخطفه‬ ‫إلى رسول الله ×‬
‫فإذا هو أبو عبيدة‪ ،‬فانتهينا إلى رسول الله × وقد كسرت‬
‫رباعيته وشج وجهه‪ ،‬وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق‬
‫المغفر‪ ،‬قال رسول الله × ‪ » :‬عليكما صاحبكما ‪ -‬يريد‬
‫«‪ ،‬فلم نلتفت إلى قوله‪ ،‬قال‪ :‬ذهبت لنزع‬ ‫طلحة ‪ -‬فقد نزف‬
‫)( مسند أحمد‪ ،1/373 :‬تفسير ابن كثير‪ (2) .2/325 :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد‬ ‫‪1‬‬

‫مال الله‪ :‬ص ‪325‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬د‪/‬عاطف لماضة‪ :‬ص ‪.27‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪56‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫من وجهه‪ ،‬فقال أبو عبيدة‪ :‬أقسم عليك بحقي لما تركتني‪،‬‬
‫فتركته فكره تناولها فيؤذي رسول الله × ‪ ،‬فأرزم عليه بفيه‬
‫فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته الخرى مع الحلقة‪،‬‬
‫فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هت ً ما‪ .‬فأصلحنا من شأن‬
‫‪ ،‬ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار‪ ،‬فإذا به‬ ‫رسول الله ×‬
‫طعنة ورمية وضربة‪ ،‬وإذا قد قطعت‬ ‫بين‬ ‫من‬ ‫وسبعون‬ ‫بضع‬
‫إصبعه فأصلحنا من شأنه)‪.(1‬‬
‫وتتضح منزلة الصديق في هذه الغزوة من موقف أبي سفيان‬
‫عندما سأل وقال‪ :‬أفي القوم محمد؟ ثلث مرات‪ ،‬فنهاهم النبي‬
‫× أن يجيبوه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلث مرات‪،‬‬
‫فنهاهم النبي × أن يجيبوه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي القوم ابن الخطاب؟‬
‫ثلث مرات‪ ،‬ثم رجع إلى أصحابه فقال‪ :‬أما هؤلء فقد قتلوا )‪.(2‬‬
‫فهذا يدل على ظن‬
‫أبي سفيان زعيم المشركين حينئذ بأن أعمدة السلم وأساسه؛‬
‫رسول الله ×‬
‫وأبو بكر وعمر )‪.(3‬‬
‫وعندما حاول المشركون أن يقبضوا على المسلمين‬
‫ويستأصلوا شأفتهم‪ ،‬كان التخطيط النبوي الكريم قد سبقهم‬
‫وأبطل كيدهم‪ ،‬وأمر رسول الله × المسلمين مع ما بهم من‬
‫جراحات وقرح شديد للخروج من إثر المشركين‪ ،‬فاستجابوا لله‬
‫ولرسوله مع ما بهم من البلء وانطلقوا‪ ،‬فعن عائشة ‪-‬رضي الله‬
‫جا ُبوا‬‫ست َ َ‬
‫ن َا ْ‬‫ذي َ‬‫عنها‪ -‬قالت لعروة بن الزبير َفي قوله تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫س ُنوا‬ ‫ْ َ‬ ‫ح‬ ‫أ‬ ‫ح ل ِل ّ ِ َ‬
‫ن‬ ‫ذي‬ ‫ر ُ‬ ‫م ال ْ َ‬
‫ق ْ‬ ‫ه ُ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ما أ َ‬‫د َ‬‫ع ِ‬
‫من ب َ ْ‬ ‫ل َ ِ‬‫سو ِ‬ ‫ر ُ‬‫وال ّ‬
‫ه َ‬‫لل ِ‬
‫م" ]آل عمران‪ ، [172 :‬يا ابن أختي كان‬ ‫ِ ٌ‬‫ظي‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ر‬ ‫ج‬
‫ْ ٌ‬ ‫أ‬ ‫وا‬ ‫َ‬
‫من ْ ُ ْ َ ّ ْ‬
‫ق‬ ‫ت‬‫وا‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ِ‬
‫أبوك منهم‪ :‬الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله × ما أصاب‬
‫يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال‪» :‬من‬
‫في( إثرهم؟« فانتدب منهم سبعين رجل‪ :‬كان فيهم أبو بكر‬ ‫يذهب‬
‫والزبير )‪. 4‬‬
‫ثالًثا‪ :‬في غزوة بين النضير وبني المصطلق وفي الخندق‬
‫وبني قريظة‪:‬‬
‫أ‪ -‬خرج النبي × إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين الذين‬
‫قتلهما عمرو بن أمية من بني عامر على وجه الخطأ؛ لن عمرًا لم‬
‫يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي ×‪ ،‬وكان بين بني النضير‬
‫وبني عامر حلف وعهد‪ ،‬فلما آتاهم النبي × قالوا‪ :‬نعم يا أبا القاسم‬
‫نعينك على ما أحببت‪ ،‬ثم خل بعضهم ببعض فقالوا‪ :‬إنكم لن تجدوا‬
‫الرجل على مثل حاله هذه‪ ،‬ورسول الله × إلى جنب جدار من‬
‫بيوتهم قاعد‪ ،‬قالوا‪ :‬فمن يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة‬
‫فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال‪ :‬أنا‬
‫لذلك‪ ،‬فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال‪ ،‬ورسول الله × في نفر‬
‫منحة المعبود‪ ،2/19 :‬نقل عن تاريخ الدعوة السلمية‪ :‬ص ‪.130‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الفتح‪ ،2/188 :‬الفتح‪.7/405 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬د‪ .‬عاطف لماضة‪ :‬ص ‪.28‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫مسلم‪ ،‬رقم‪.2418 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪57‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي‪ ،‬فأتى رسول الله × الخبر من‬
‫السماء مما أراد القوم‪ ،‬فقام وخرج إلى المدينة‪ ،‬فلما استلبث النبي‬
‫مقبل من المدينة فسألوه عنه‬‫ً‬ ‫أصحابه قاموا في طلبه‪ ،‬فرأوا رجلً‬
‫فقالوا‪ :‬رأيته داخلً المدينة‪ ،‬فأقبل أصحاب النبي × حتى انتهوا إليه‪،‬‬
‫فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به‪.‬‬
‫فبعث النبي × محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره‬
‫وبلده‪ ،‬فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم‬
‫بالنصر‪ ،‬فقويت نفوسهم‪ ،‬وحمى حيي بن أخطب‪ ،‬وبعثوا إلى رسول‬
‫الله × أنهم ل يخرجون‪ ،‬ونابذوه ينقض العهد‪ ،‬فعند ذلك أمر رسول‬
‫الله × الناس بالخروج إليهم‪ ،‬فحاصروهم خمس عشرة ليلة‬
‫فتحصنوا في الحصون‪ ،‬فأمر رسول الله × بقطع النخيل والتحريق‪،‬‬
‫لهم‪(1‬ما حملت البل من أموالهم إل الحلقة‪،‬‬ ‫ثم أجلهم على أن‬
‫فنزلت سورة الحشر ) ‪.‬‬
‫ب‪ -‬بنو المصطلق‪:‬‬
‫أراد بنو المصطلق أن يغزوا المدينة‪ ،‬فخرج لهم رسول الله في‬
‫أصحابه‪ ،‬فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق‬
‫)ويقال‪ :‬إلى عمار بن ياسر(‪ ،‬وراية النصار إلى سعد ابن عبادة‪ ،‬ثم‬
‫أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا‪ :‬ل إله إل الله‬
‫تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم‪ ،‬فأبوا‪ ،‬فتراموا بالنبل‪ ،‬ثم أمر رسول‬
‫الله × المسلمين فحملوا حملة رجل واحد‪ ،‬فما أفلت منهم رجل‬
‫عشرة وأسر سائرهم‪ ،‬ولم يقتل من المسلمين‬ ‫واحد‪ ،‬وقتل منهم‬
‫سوى رجل واحد )‪.(2‬‬
‫ج‪ -‬في الخندق وبني قريظة‪:‬‬
‫كان الصديق في الغزوتين مرافقا للنبي ×‪ ،‬وكان يوم الخندق‬
‫يحمل التراب في ثيابه‪ ،‬وساهم مع الصحابة للسراع في إنجاز حفر‬
‫قياسي‪ ،‬مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في‬ ‫الخندق في زمن‬
‫مواجهة المشركين )‪.(3‬‬
‫رابًعا‪ :‬في الحديبية‪:‬‬
‫خرج رسول الله × في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد‬
‫زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة‪،‬‬
‫وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه‪ ،‬وليعلم‬
‫الناس أنه إنما خرج زائرًا لتعظيم بيت الله الحرام‪ ،‬فبعث النبي ×‬
‫عينا له من خزاعة‪ ،‬فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصده‬ ‫ً‬
‫عن الكعبة‪ ،‬فقال‪» :‬أشيروا‬
‫ي أيها الناس«‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬خرجت عامدًا‬‫عل ّ‬
‫لهذا البيت ل تريد‬
‫حربه أو قتل أحد‪ ،‬فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه‪ ،‬قال‪» :‬امضوا‬
‫على اسم الله«‪ ،‬وقد ثارت قريش وحلفوا أن ل يدخل الرسول ×‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب حديث بني النضير‪ ،5/217 :‬مغازي الواقدي‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪ ،1/363‬البداية والنهاية‪.4/86 :‬‬
‫)‪ (3‬مواقف الصديق مع النبي في‬ ‫)( البداية والنهاية‪.4/157 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫المدينة‪ :‬ص ‪.23‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪58‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫مكة عنوة‪ ،‬ثم قامت المفاوضات بين أهل‬
‫× على إجابة أهل مكة على‬ ‫مكة ورسول الله ×‪ ،‬وقد عزم النبي‬
‫طلبهم إن أرادوا شيئًا فيه صلة رحم )‪.(1‬‬
‫أ‪ -‬في المفاوضات‪:‬‬
‫جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي ×‪ ،‬وكان أول من أتى بديل‬
‫بن ورقاء من خزاعة‪ ،‬فلما علم بمقصد النبي × والمسلمين رجع‬
‫إلى أهل مكة‪ ،‬ثم جاء مكرز بن حفص ثم الحليس ابن علقمة ثم‬
‫عروة بن مسعود الثقفي‪ ،‬فدار هذا الحوار بين النبي × وعروة بن‬
‫مسعود الثقفي‪ ،‬واشترك في هذا الحوار أبو بكر ‪ ‬وبعض أصحابه‬
‫)‪.(2‬‬
‫قال عروة‪ :‬يا محمد‪ ،‬أجمعت أوباش الناس ثم جئت بهم إلى‬
‫بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل‬
‫)أي‪ :‬خرجت رجال ونساء‪ ،‬صغارا وكبارا( قد لبسوا جلود النمور‬
‫يعاهدون الله أل تدخلها عليهم عنوة‪ ،‬وايم الله لكأني بهؤلء )يقصد‬
‫أصحاب النبي ×( قد انكشفوا عنك!!‪.‬‬
‫فقال أبو)‪(4‬بكر‪ :‬امصص بظر )‪ (3‬اللت ‪-‬وهي صنم ثقيف‪ -‬أنحن ن َفِّر‬
‫عنه وندعه؟ فقال‪ :‬من ذا؟ قالوا‪ :‬أبو بكر‪ ،‬قال‪ :‬أما والذي نفسي‬
‫بيده لول يد كانت لك عندي لم أجزك بها لجبتك‪ ،‬وكان الصديق قد‬
‫أحسن إليه قبل ذلك‪ ،‬فرعى حرمته ولم يجاوبه عن هذه الكلمة‪،‬‬
‫ولهذا قال من قال من العلماء‪ :‬إن هذا يدل على جواز التصريح‬
‫باسم العورة للحاجة والمصلحة‪ ،‬وليس من الفحش المنهي عنه )‪.(5‬‬
‫لقد حاول عروة بن مسعود أن يشن حرًبا نفسية على المسلمين‬
‫حتى يهزمهم معنويًا‪ ،‬ولذلك لوح بقوة المشركين العسكرية‪ ،‬معتمدا‬
‫على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش ل‬
‫محالة‪ ،‬وحاول أن يوقع الفتنة والرباك في صفوف المسلمين؛ وذلك‬
‫حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده‪ ،‬عندما قال للنبي ×‪:‬‬
‫خليقا أن يفروا ويدعوك‪ ،‬وكان رد الصديق‬ ‫ً‬ ‫أجمعت أوباشًا من الناس‬
‫ما ومؤثرا في معنويات عروة ونفسيته‪ ،‬فقد كان موقف الصديق‬ ‫صار ً‬
‫ول َ‬ ‫نوا‬ ‫ه‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫‪+‬‬ ‫فيها‪:‬‬ ‫الله‬ ‫قال‬ ‫التي‬ ‫اليمانية‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫فيَزُنوا وأ َن ْت ُم ال َ‬
‫العزة‬ ‫غاية‬
‫ن" ]آل عمران‪.[139 :‬‬ ‫مِني َ‬
‫ؤ ِ‬ ‫ن ك ُن ُْتم ّ‬
‫م ْ‬ ‫ن إِ ْ‬
‫و َ‬
‫ْ‬ ‫ل‬‫ع‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ح‬
‫تَ ْ‬
‫ب‪ -‬موقفه من الصلح‪:‬‬
‫ولما توصل المشركون مع رسول الله × إلى الصلح بقيادة سهل‬
‫بن عمرو‪ ،‬أصغى الصديق إلى ما وافق عليه رسول الله × من طلب‬
‫المشركين‪ ،‬رغم ما قد يظهر للمرء أن في هذا الصلح بعض التجاوز‬
‫ليقينه أن النبي ل‬ ‫أو الجحاف بالمسلمين‪ ،‬وسار على هدي النبي ×‬
‫ينطق عن الهوى‪ ،‬وأنه فعل لشيء أطلعه الله عليه )‪.(6‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪ (4) .136‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.137‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب‬ ‫ضع المرأة عند ختانها‪.‬‬‫)( البظر‪ :‬ما تقطعه الخاتنة من ُب ْ‬ ‫‪3‬‬

‫الشروط في الجهاد‪ ،‬رقم‪.2732 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ :‬ص ‪.350‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪.138 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪59‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫وقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله معلنًا‬
‫معارضته لهذه التفاقية‪ ،‬وقال لرسول الله ×‪ :‬ألست برسول الله؟‬
‫قال‪» :‬بلى« قال‪ :‬أو لسنا بالمسلمين؟ قال‪» :‬بلى« قال‪ :‬أو ليسوا‬
‫فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال‪:‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫بالمشركين؟ قال‪» :‬بلى« قال‪:‬‬
‫وفي رواية‪» :‬أنا عبد الله‬ ‫‪،‬‬ ‫أعصيه«‬ ‫»إني رسول الله ولست‬
‫ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني«)‪ ،(2‬قلت‪ :‬أو ليس كنت تحدثنا‬
‫أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال‪» :‬بلى‪ ,‬فأخبرتك أنا نأتيه هذا‬
‫العام؟«‪ .‬قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪» :‬فإنك آتيه ومطوف به« قال عمر‪ :‬فأتيت‬
‫أبا بكر فقلت له‪ :‬يا أبا بكر‪ :‬أليس برسول الله؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أو‬
‫لسنا بالمسلمين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أو ليسوا بالمشركين؟ قال‪ :‬بلى‪،‬‬
‫ناصحا الفاروق‬‫ً‬ ‫قال‪ :‬فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ‪-‬‬
‫رسول‬
‫)‪(3‬‬
‫أنه‬ ‫أشهد‬ ‫بأن يترك الحتجاج والمعارضة‪ :-‬الزم غرزه‪ ،‬فإني‬
‫الله‪ ،‬وأن الحق ما أمر به‪ ،‬ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله‪.‬‬
‫وكان جواب الصديق مثل جواب رسول الله ×‪ ،‬ولم يكن أبو بكر‬
‫يسمع جواب‬
‫النبي ×‪ ،‬فكان أبو بكر ‪ ‬أكمل موافقة لله وللنبي × من عمر‪ ،‬مع‬
‫المحدث؛ لن‬ ‫أن عمر ‪ ‬محدث‪ ،‬ولكن مرتبة الصديق فوق مرتبة‬
‫الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله )‪.(4‬‬
‫وقد تحدث الصديق فيما بعد عن هذا الفتح العظيم الذي تم في‬
‫الحديبية‪ ،‬فقال‪ :‬ما كان فتح أعظم في السلم من فتح الحديبية‪،‬‬
‫ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه‪ ،‬والعباد‬
‫يعجلون‪ ،‬والله ل يعجل كعجلة العباد حتى يبلغ المور ما أراد‪ .‬لقد‬
‫قائما عند المنحر يقرب‬ ‫ً‬ ‫نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع‬
‫إلى رسول الله × ب َد ََنة‪ ،‬ورسول الله × ينحرها بيده‪ ،‬ودعا الحلق‬
‫فحلق رأسه‪ ،‬وأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره‪ ،‬وأراه يضعه على‬
‫عينه‪ ،‬وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب‪ » :‬بسم الله‬
‫ويأبى( أن يكتب محمد رسول الله ×‪ ،‬فحمدت‬ ‫الرحمن الرحيم«‬
‫الله الذي هداه للسلم)‪. 5‬‬
‫رأيا وأكملهم عقلً )‪.(6‬‬‫سد ّ الصحابة ً‬‫لقد كان الصديق ‪ ‬أ َ‬
‫سا‪ :‬في غزوة خيبر‪ ،‬وسرية نجد وبني فزارة‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫أ‪ -‬في خيبر‪:‬‬
‫حصار ا على خيبر واستعد لقتالهم‪ ،‬فكان‬
‫ً‬ ‫ضرب رسول الله ×‬
‫أول قائد يرسله × أبا بكر ‪ ‬إلى بعض حصون خيبر‪ ،‬فقاتل ثم‬
‫رجع‪ ،‬ولم يكن فتح‪ ،‬وقد جهد‪ ،‬ثم بعث عمر فقاتل ثم رجع ولم‬
‫دا رجل ً يحب الله ورسوله«‪،‬‬
‫يكن فتح‪ ،‬ثم قال‪» :‬لعطين الراية غ ً‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.3/136 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪3/346 :‬؛ تاريخ الطبري‪.2/364 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (2) .3/346 :‬الفتاوى لبن تيمية‪.11/117 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( كنز العمال‪ ،30136 :‬نقل عن خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪.117‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.61 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪60‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫فكان علي بن أبي طالب ‪ ، (1) ‬وأشار بعض أصحاب النبي ×‬
‫بقطع النخيل حتى يثخن في اليهود ورضي النبي × بذلك‪ ،‬فأسرع‬
‫المسلمون في قطعه‪ ،‬فذهب الصديق إلى النبي × وأشار عليه‬
‫بعدم قطع النخيل لما في ذلك من الخسارة للمسلمين سواء‬
‫صلح ا‪ ،‬فقبل النبي × مشورة الصديق‪،‬‬‫ً‬ ‫فتحت خيبر عنوة أو‬
‫ونادى بالمسلمين‬
‫بالكف عن قطع النخيل فرفعوا أيديهم )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬في نجد‪:‬‬
‫أخرج ابن سعد عن إياس بن سلمة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬بعث‬
‫من‪(3‬هوازن‬ ‫سا‬
‫رسول الله × أبا بكر إلى نجد وأ ّمره علينا‪ ،‬فبيتنا نا ً‬
‫فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات‪ ،‬وكان شعارنا‪ :‬أمت‪ ..‬أمت ) ‪.‬‬
‫ج‪ -‬في بني فزارة‪:‬‬
‫روى المام أحمد من طريق إياس بن سلمة عن أبيه‪ ،‬حدثني‬
‫أبي‪ ،‬قال‪ :‬خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره النبي × علينا‪،‬‬
‫فغزونا بني فزارة‪ ،‬فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا‪ ،‬فلما‬
‫ن مر‬‫م ْ‬
‫صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء َ‬
‫قبلنا‪ ،‬قال سلمة‪ :‬ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء‬
‫نحو الجبل‪ ،‬فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل‪ ،‬قال‪ :‬فجئت بهم‬
‫أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء‪ ،‬وفيهم امرأة عليها قشع‬
‫من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب‪ ،‬قال‪ :‬فنفلني أبو بكر‪ ،‬فما‬
‫كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوبا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فلقيني رسول الله × في السوق فقال لي‪» :‬يا سلمة هب لي‬
‫المرأة« قال‪ :‬فقلت والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها‬
‫ثوبا‪ ،‬قال‪ :‬فسكت رسول الله‪ ،‬وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني‬
‫رسول الله في السوق فقال لي‪» :‬يا سلمة هب لي المرأة« قال‪:‬‬
‫فقلت‪ :‬والله يا رسول الله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول‬
‫وفي أيديهم أسارى‬ ‫الله‪ ،‬قال‪ :‬فبعث بها رسول الله إلى أهل مكة‬
‫من المسلمين ففداهم رسول الله بتلك المرأة )‪.(4‬‬
‫سا‪ :‬في عمرة القضاء وفي ذات السلسل‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫أ‪ -‬في عمرة القضاء‪:‬‬
‫كان الصديق ‪ ‬ضمن المسلمين الذين ذهبوا مع رسول الله ×‬
‫ليعتمروا عمرة القضاء مكان عمرتهم التي صدهم المشركون عنها‬
‫)‪.(5‬‬
‫ب‪ -‬في سرية ذات السلسل‪:‬‬
‫قال رافع بن عمرو الطائي ‪ :‬بعث رسول الله × عمرو بن‬

‫)( فتوح البلدان‪.1/26 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬المغازي للواقدي‪.2/644 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الطبقات الكبرى‪ ،1/124 :‬وأبو داود‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب في البيات‪.3/43 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( أحمد‪4/430 :‬؛ الطبقات‪ (4) .4/164 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪.142 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪61‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫العاص على جيش ذات السلسل )‪(2)،(1‬وبعث معه في ذلك الجيش أبا‬
‫سَراة أصحابه‪ ،‬فانطلقوا حتى نزلوا‬ ‫بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬و َ‬
‫رجل‪(3‬دليل بالطريق‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما‬ ‫إلى‬ ‫ي‪ ،‬فقال عمرو‪ :‬انظروا‬ ‫جبل ط َ ّ‬
‫نعلمه إل رافع بن عمرو‪ ،‬فإنه كان ربيل ) في الجاهلية‪ ،‬قال رافع‪:‬‬
‫المكان الذي كنا خرجنا منه‪ ،‬توسمت‬ ‫فلما قضينا غزاتنا وانتهيت إلى‬
‫خّلها عليه بخلل )‪،(5‬‬ ‫أبا بكر ‪ ،‬وكانت له عباءة فدكية )‪ ،(4‬فإذا ركب َ‬
‫وإذا نزل بسطها‪ ،‬فأتيته فقلت‪ :‬يا صاحب الخلل‪ ،‬إني توسمتك من‬
‫ي‬
‫بين أصحابك‪ ،‬فائتني بشيء إذا حفظته كنت مثلكم ول تطول عل ّ‬
‫فأنسى‪ ،‬فقال‪ :‬تحفظ أصابعك الخمس؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬تشهد أن ل‬
‫إله إل الله وأن محمدًا عبده ورسوله‪ ،‬وتقيم الصلوات الخمس‪،‬‬
‫وتؤتي زكاة مالك إن كان لك مال‪ ،‬وتحج البيت‪ ،‬وتصوم رمضان‪ :‬هل‬
‫ن على اثنين‪ ،‬قلت‪ :‬وهل‬ ‫مر ّ‬ ‫حفظت؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬وأخرى‪ ،‬ل يؤ ّ‬
‫تكون المرة إل فيكم أهل المدر؟ )‪ (6‬فقال‪ :‬يوشك أن تفشو حتى‬
‫تبلغك ومن هو دونك‪ ،‬إن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لما بعث نبيه × دخل الناس‬
‫في السلم‪ ،‬فمنهم من دخل لله فهداه الله‪ ،‬ومنهم من أكرهه‬
‫فارةُ )‪ (7‬الله‪ ،‬إن الرجل إذا‬ ‫خ َ‬
‫واذ الله وجيران الله و َ‬ ‫السيف‪ ،‬فكلهم عُ ّ‬
‫من بعض انتقم الله‬ ‫لبعضهم‬ ‫يأخذ‬ ‫فلم‬ ‫بينهم‬ ‫الناس‬ ‫كان أميرًا فتظالم‬
‫شاة جاره فيظل ناتئ )‪ (8‬عضلته غضبًا‬ ‫لتؤخذ‬ ‫منكم‬ ‫منه‪ ،‬إن الرجل‬
‫لجاره‪ ،‬والله من وراء جاره )‪.(9‬‬
‫ففي هذه النصيحة دروس وعبر لبناء المسلمين يقدمها الصحابي‬
‫الجليل أبو بكر الصديق الذي تربى على السلم وعلى يد رسول الله‬
‫×‪ ،‬من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬أهمية العبادات‪ :‬الصلة لنها عماد الدين‪ ،‬والزكاة والصوم‬
‫والحج‪.‬‬
‫‪ -2‬عدم طلب المارة »ول تكونن أميرًا« تمامًا كما أوصى رسول‬
‫»وإنها أمانة‪ ،‬وإنها يوم القيامة خزي وندامة‪،‬‬ ‫الله × أبا ذر الغفاري‪:‬‬
‫إل من أخذها بحقها«‪ (10).‬ولذلك فإن أبا بكر الفاهم الواعي لكلم‬
‫حبيبه محمد × جاء في رواية‪ :‬وأنه من يك أميرًا فإنه أطول الناس‬
‫ومن ل يكن أميرًا فإنه من أيسر الناس‬ ‫حسابا‪ ،‬وأغلظهم عذابًا‪،‬‬ ‫ً‬
‫حساًبا‪ ،‬وأهونهم عذابًا‪ (11).‬فهذا فهم الصديق لمقام المارة‪.‬‬
‫‪-3‬إن الله حرم الظلم على نفسه‪ ،‬ونهى عباده أن يتظالموا ‪-‬أن‬
‫كما‪(12‬نهى عن‬ ‫بعضا‪ -‬لن الظلم ظلمات يوم القيامة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يظلم بعضهم‬
‫ظلم المؤمنين‪» :‬من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب«‪ ).‬وهم‬
‫)( ذات السلسل‪ :‬مكان وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (3‬الربيل‪ :‬اللص يغزو وحده وي ُِغير على‬ ‫)( سراة‪ :‬شرفاء أصحابه‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫غيره‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( منسوبة إلى فدك‪ ،‬وهي قرية من خيبر بينها وبين المدينة ست ليال‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( خلها عليه بخلل‪ :‬أي جمع بين طرفيها بخلل من عود أو حديد‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( المدر‪ :‬الطين اللزج المتماسك‪ ،‬والمقصود سكان البيوت المبنية‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (8‬الناتئ‪ :‬المرتفع والمنتفخ‪.‬‬ ‫)( الخفارة‪ :‬الذمة والعهد والمان‪.‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( العضلة‪ :‬هي القطعة من اللحم الشديد‪ ،‬انظر‪ :‬مجمع الزوائد‪.5/202 :‬‬ ‫‪9‬‬

‫)( مسلم‪ :‬كتاب المارة‪ ،‬رقم‪.1825 :‬‬ ‫‪10‬‬

‫)‪ (3‬مسند أحمد‪:‬‬ ‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬جمال عبد الهادي‪.139 :‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪.6/256‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪62‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫جيران الله‪ ،‬وهم عواذ الله‪ ،‬والله أحق أن يغضب لجيرانه‪.‬‬
‫‪ -4‬على عهد الصدر الول كان أمراء المة خيارها‪ ،‬وجاء وقت‬
‫شوّ أمرها »المارة« وكثرت حتى نالها من ليس لها بأهل‪ .‬إن هذه‬ ‫فُ ُ‬
‫المارة ليسيرة‪ ،‬وقد أوشكت أن تفشو حتى ينالها من ليس لها‬
‫بأهل)‪.(2‬‬
‫‪-5‬وفي غزوة ذات السلسل ظهر موقف متميز للصديق في‬
‫على‬ ‫احترام المراء‪ ،‬مما يثبت أن أبا بكر كان صاحب نفس تنطوي‬
‫قوة هائلة‪ ،‬وقدرة متميزة في بناء الرجال‪ ،‬وتقديرهم واحترامهم )‪،(3‬‬
‫فعن عبد الله بن بريدة قال‪ :‬بعث رسول الله × عمرو بن العاص‬
‫في غزوة ذات السلسل وفيهم أبو بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬‬
‫فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن ل ينوروا نارا‪ ،‬فغضب‬
‫أن( الرسول × لم يستعمله‬ ‫م أن يأتيه‪ ،‬فنهاه أبو بكر‪ ،‬وأخبره‬
‫عمر وه ّ‬
‫عليك إل لعلمه بالحرب‪ ،‬فهدأ عنه عمر ‪. 4) ‬‬
‫سابًعا‪ :‬في فتح مكة وحنين والطائف‪:‬‬
‫أ‪ -‬في فتح مكة ‪ 8‬هـ‪:‬‬
‫وسبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكر ابن إسحاق قال‪ :‬حدثني‬
‫الزهري‪ ,‬عن عروة بن الزبير‪ ,‬عن المسور بن مخرمة‪ ,‬ومروان بن‬
‫الحكم أنهما حدثاه جميًعا قال‪ :‬في صلح الحديبية أنه من شاء أن‬
‫يدخل في عقد محمد دخل‪ ,‬ومن شاء أن يدخل في عقد قريش‬
‫وعهدهم دخل‪ ,‬فتواثبت خزاعة وقالوا‪ :‬نحن ندخل في عقد محمد‬
‫وعهده‪ ,‬وتواثبت بنو بكر وقالوا‪ :‬نحن ندخل في عقد قريش‬
‫وعهدهم‪ ,‬فمكثوا في ذلك نحو السبعة أو الثمانية عشر شهًرا‪ ,‬ثم إن‬
‫بني بكر وثبوا على خزاعة ليل ً بماء يقال له الوتير –وهو قريب من‬
‫مكة‪ -‬وقالت قريش ما يعلم بنا محمد‪ ,‬وهذا الليل وما يرانا من أحد‬
‫فأعانوهم عليهم بالكراع والسلح وقاتلوهم معهم للضغن على‬
‫رسول الله ×‪ ,‬فقدم عمرو بن سالم إلى المدينة فأنشد رسول الله‬
‫× قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫حلف أبينا وأبيك التلدا‬ ‫اللهم إني ناشد محمدا‬
‫وادع عباد الله يأتوا مددا‬ ‫فانصر هداك الله نصرا‬
‫أعتدا‬
‫فقال النبي ×‪» :‬نصرت يا عمرو بن سالم« )‪.(5‬‬
‫وتجهز النبي × مع صحابته للخروج إلى مكة‪ ،‬وكتم الخبر‪ ،‬ودعا‬
‫الله أن يعمي على قريش حتى تفاجأ بالجيش المسلم يفتح مكة‪،‬‬
‫)( استخلف أبي بكر‪ ،‬جمال عبد الهادي‪.140 :‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)‪ (6) ,(5‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪.382 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الحاكم في المستدرك‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬وقال‬ ‫‪4‬‬

‫الذهبي‪ :‬صحيح كتاب المغازي‪.3/42:‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.4/44 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪63‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫وخافت قريش أن يعلم النبي × بما حدث‪ ،‬فخرج أبو سفيان من‬
‫مكة إلى رسول الله فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أشدد العقد‪ ،‬وزدنا في المدة‪،‬‬
‫فقال النبي ×‪» :‬ولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم؟« فقال‪:‬‬
‫معاذ الله‪ ،‬نحن على عهدنا وصلحنا يوم الدية ل نغير ول نبدل‪ ،‬فخرج‬
‫من عند النبي × يقصد مقابلة الصحابة‬
‫عليهم الرضوان )‪.(1‬‬
‫‪ -1‬أبو بكر وأبو سفيان‪:‬‬
‫طلب أبو سفيان من أبي بكر ‪ ‬أن يجدد العقد ويزيدهم في‬
‫المدة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬جواري في جوار رسول الله ×‪ ،‬والله لو‬
‫وجدت الذر تقاتلكم لعنتها عليكم‪ .‬وهنا تظهر فطنة الصديق وحنكته‬
‫السياسية ثم يظهر اليمان القوي بالحق الذي هو عليه‪ ،‬ويعلن أمام‬
‫أبي سفيان دون خوف أنه مستعد لحرب قريش بكل ما يمكن‪ ،‬ولو‬
‫وجد الذر تقاتل قريشًا لعانها عليها )‪.(2‬‬
‫‪ -2‬بين عائشة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما‪:‬‬
‫دخل الصديق ‪ ‬على عائشة وهي تغربل حنطة‪ ،‬وقد أمرها‬
‫النبي × بأن تخفي ذلك‪ ..‬فقال لها أبو بكر‪ :‬يا بنية لم تصنعين هذا‬
‫الطعام؟ فسكتت‪ ،‬فقال‪ :‬أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫لعله يريد بني الصفر )أي الروم( فصمتت‪ ،‬فقال‪ :‬لعله يريد قريشا‪،‬‬
‫فصمتت‪ ،‬فدخل رسول الله × فقال الصديق له‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال‪» :‬نعم« قال‪ :‬لعلك تريد بني الصفر؟‬
‫قال‪» :‬ل« قال‪ :‬أتريد أهل نجد؟ قال‪» :‬ل«‪ ،‬قال‪ :‬فلعلك تريد‬
‫قريشا؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أليس بينك وبينهم‬‫ً‬
‫مدة؟ قال‪» :‬ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟«‪.‬‬
‫وهنا سلم أبو بكر للنبي × وجهز نفسه ليكون مع القائد × في‬
‫وذهب مع رسول الله × المهاجرون والنصار‬ ‫)‪(3‬‬
‫هذه المهمة الكبرى‪،‬‬
‫فلم يتخلف منهم أحد‪.‬‬
‫‪ -3‬الصديق في دخول مكة‪:‬‬
‫لما دخل النبي × مكة في عام الفتح وكان بجانبه أبو بكر رأى‬
‫النساء يلطمن وجوه الخيل‪ ،‬فابتسم إلى أبي بكر ‪ ‬وقال‪» :‬يا أبا‬
‫بكر كيف قال حسان؟« فأنشد أبو بكر‪:‬‬
‫داُء‬ ‫َ‬
‫تثير النقع موعدها ك َ‬ ‫مَنا خيلنا إن لم تروها‬
‫عَدِ ْ‬
‫ل الظماء‬ ‫عن أكتافها الس ُ‬ ‫ن السنة مصغيات‬ ‫يباري َ‬
‫)‪(4‬‬
‫ن بال ْ ُ‬
‫خمرِ النساُء‬ ‫تلطمهُ ّ‬ ‫ت‬ ‫تظل جيادنا متم ّ‬
‫طرا ٍ‬ ‫ّ‬

‫)( التاريخ السياسي والعسكري‪ ،‬د‪ .‬علي معطي‪ :‬ص ‪ ،365‬الطبري‪.3/43 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪.145 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬مغازي الواقدي‪.2/796 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الحاكم في المستدرك‪ :‬صحيح السناد‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.3/72 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪64‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫فقال النبي ×‪» :‬ادخلوها من حيث قال حسان« )‪ ،(1‬وقد‬
‫النعمة على الصديق في هذا الجو العظيم بإسلم أبيه أبي‬ ‫تمت‬
‫قحافة )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬في حنين‪:‬‬
‫أخذ المسلمون يوم حنين درسًا قاسيًا؛ إذ لحقتهم هزيمة في أول‬
‫المعركة جعلتهم يفرون من هول المفاجأة‪ ،‬وكانوا كما قال المام‬
‫الطبري‪ :‬فانشمروا ل يلوي أحد على أحد‪ (3).‬وجعل رسول الله ×‬
‫ي‪ ،‬أنا رسول الله‪ ،‬أنا رسول الله‪،‬‬ ‫يقول‪» :‬أين أيها الناس؟ هلموا إل ّ‬
‫أنا محمد بن عبد الله‪ ،‬يا معشر النصار أنا عبد الله ورسوله« ثم‬
‫نادى عمه العباس وكان جهوري الصوت‪ ،‬فقال له‪» :‬يا عباس ناد‪:‬‬
‫يا معشر النصار‪ ،‬يا أصحاب السمرة«‪ (4) .‬كان هذا هو حال‬
‫المسلمين في أول المعركة‪ ،‬النبي وحده لم يثبت معه أحد إل‬
‫قلة‪ ،‬ولم تكن الفئة التي صبرت مع النبي إل فئة من الصحابة‬
‫عزيز ا مؤزرًا‪.‬‬
‫ً‬ ‫يتقدمهم الصديق ‪ ، ‬ثم نصرهم الله بعد ذلك نصرً ا‬
‫)‪(5‬‬

‫وكانت هناك بعض المواقف للصديق منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬فتوى الصديق بين رسول الله ×‪:‬‬
‫قال أبو قتادة‪ :‬لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من‬
‫المسلمين يقاتل رجل من المشركين‪ ,‬وآخر من المشركين يختله‬
‫من ورائه ليقتله‪ ،‬فأسرعت إلى الذي يختله‪ ،‬فرفع يده ليضربني‬
‫شديد ا حتى‬
‫ً‬ ‫وأضرب يده فقطعتها‪ ،‬ثم أخذني فضمني ض ّما‬
‫تخوفت‪ ،‬ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته‪ ،‬وانهزم المسلمون‬
‫وانهزمت معهم‪ ،‬فإذا بعمر بن الخطاب في الناس‪ ،‬فقلت له‪ :‬ما‬
‫شأن الناس؟ قال‪ :‬أمر الله‪ ،‬ثم تراجع الناس إلى رسول الله‪،‬‬
‫فقال رسول الله‪» :‬من أقام بّينة على قتيل قتله فله سلبه« فقمت‬
‫أحد ا يشهد لي‪ ،‬فجلست‪ ،‬ثم بدا‬ ‫ً‬ ‫للتمس بينة على قتيلي فلم أ َر‬
‫لي فذكرت أمره لرسول الله × ‪ ،‬فقال رسول الله × رجل من‬
‫جلسائه‪ :‬سلح هذا القتيل الذي يذكر عندي‪ ،‬فأرضه منه‪ ،‬فقال أبو‬
‫بكر‪ :‬كل‪ ،‬ل يعطه )‪ (6‬أصيبغ من قريش ويدع )‪ (7‬أس ًدا من أسد الله‬
‫ي‪،‬‬
‫ورسوله × ‪ ،‬قال‪ :‬فقام رسول الله × فأداه إل ّ‬ ‫يقاتل عن الله‬
‫ر ًفا )‪ ، (8‬فكان أول مال تأ ّثلته‬
‫خ َ‬
‫فاشتريت منه َ‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ ،3/72 :‬الطبري‪ (4) .3/42 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫ص ‪.147‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.3/74 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( مسلم‪ :‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬باب في غزوة حنين‪ ،‬رقم‪.1775 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪.43 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( ل يعطيه‪ :‬أي ل يعطيه رسو ُ‬
‫ل الله‪ ،‬قوله‪ :‬أصيبغ‪ ،‬نوع من الطيور شبه له‬ ‫‪6‬‬

‫لعجزه وضعفه‪.‬‬
‫)( يدع‪ :‬يترك‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫بستانا‪ ،‬أقام الثمر مقام الصل‪.‬‬
‫ً‬ ‫)( خرًفا‪ :‬أي‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪65‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫في السلم)‪.(1‬‬
‫إن مبادرة الصديق في الزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في‬
‫حضور رسول الله ×‪ ،‬ثم يصدقه الرسول فيما قال‪ ،‬ويحكم بقوله‬
‫خصوصية شرف‪ ,‬لم تكن لحد غيره‪ (2).‬ونلحظ في الخبر السابق أن‬
‫أبا قتادة النصاري ‪ ‬حرص على سلمة أخيه المسلم وقتل ذلك‬
‫الكافر بعد جهد عظيم‪ ،‬كما أن موقف الصديق ‪ ‬فيه دللة على‬
‫حرصه على إحقاق الحق والدفاع عنه‪ ،‬ودليل على رسوخ إيمانه‬
‫يقينه‪ (،‬وتقديره لرابطة الخوة السلمية‪ ،‬وأنها بمنزلة رفيعة‬ ‫وعمق‬
‫بالنسبة له )‪. 3‬‬
‫‪ -2‬الصديق وشعر عباس بن مرداس‪:‬‬
‫حين استقل العباس بن مرداس عطاءه من غنائم حنين‪ ،‬قال‬
‫شعرا عاتب فيه رسول الله × حيث قال‪:‬‬
‫ب ِك َّري على المهر في الجرع‬ ‫كانت نهابا تلفيتها‬
‫إذا هجع الناس لم أهجع‬ ‫وإيقاظي القوم أن يرقدوا‬
‫)‪(4‬‬
‫بين عيينة والقرع‬ ‫فأصبح نهبي ونهب العبيد‬
‫فلم ُأعط شيئا ولم أمنع‬ ‫وقد كنت في الحرب ذا ُتدرأ‬
‫)‪(5‬‬
‫عديد قوائمها الربع‬ ‫إل أفائل أعطيتها‬
‫يفوقان شيخي في المجمع‬ ‫وما كان حصن ول حابس‬
‫)‪(6‬‬
‫ومن تضع اليوم ل ي ُْرفَِع‬ ‫وما كنت دون امرئ منهما‬
‫فأعطوه‬ ‫فقال رسول الله ×‪» :‬اذهبوا به‪ ،‬فأقطعوا عني لسانه«‪،‬‬
‫ضي‪ ،‬فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله × )‪.(7‬‬ ‫حتى َر ِ‬
‫وأتى العباس رسول الله ×‪ ،‬فقال له رسول الله ×‪ :‬أنت القائل‪:‬‬
‫»فأصبح نهبي ونهب العبيد بين القرع وعيينة«؟ فقال أبو بكر‪ :‬بين‬
‫عيينة والقرع‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬هما واحد«‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫غي‬ ‫ما َينب َ ِ‬‫و َ‬
‫عَر َ‬
‫ش ْ‬ ‫عل ّ ْ‬
‫مَناهُ ال ّ‬ ‫ما َ‬
‫و َ‬‫َأشهد أنك كما قال الله تعالى‪َ + :‬‬
‫و إ ِل ّ ِذك ٌْر َ‬
‫و ُ‬
‫)‪(8‬‬
‫ن" ]يس‪. [69 :‬‬ ‫مِبي ٌ‬
‫ن ّ‬
‫قْرآ ٌ‬ ‫ه َ‬
‫ن ُ‬ ‫ه إِ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ج‪ -‬في الطائف‪:‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪.4322 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬لبي جعفر محب الدين‪.185 ،‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪.8/26 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( العبيد‪ :‬اسم فرس عباس بن مرداس‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الفائل‪ :‬الصغار من البل‪ ،‬الواحد أفيل‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.4/147 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (6‬السيرة النبوية لبن هشام‪.4/147 :‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪66‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫في حصار الطائف وقعت جراحات في أصحاب النبي × وشهادة‪،‬‬
‫ورفع رسول الله × عن أهل الطائف الحصار ورجع إلى المدينة‪،‬‬
‫وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة‬
‫عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما‪ ،‬رمي بسهم فتوفي منه‬
‫بالمدينة بعد وفاة النبي × )‪.(1‬‬
‫وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلمهم‪ ،‬فما إن ظهر‬
‫الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن‬
‫يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول ×‪ ،‬وفاز الصديق بتلك‬
‫البشارة )‪ ،(2‬وبعد أن أعلنوا إسلمهم وكتب لهم رسول الله × كتابهم‬
‫وأرادأن يؤمر عليهم أشار أبو بكر بعثمان بن أبي العاص وكان‬
‫سنا‪ ،‬فقال الصديق‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني رأيت هذا الغلم من‬ ‫أحدثهم ً‬
‫)‪(3‬‬
‫أحرصهم على التفقه في السلم وتعلم القرآن‪ .‬فقد كان عثمان‬
‫بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة‪ ،‬عمد إلى رسول الله ×‬
‫فسأله في الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم‪ ،‬وكان‬
‫نائم عمد إلى أبي بكر‪ ،‬وكان يكتم ذلك عن‬ ‫إذا وجد رسول الله × ا ً‬
‫أصحابه‪ ،‬فأعجب ذلك رسول الله × وعجب منه وأحبه)‪.(4‬‬
‫وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصاب ابنه كانت له‬
‫مقولة تدل على عظمة إيمانه‪ ،‬فعن القاسم بن محمد قال‪ :‬رمي‬
‫عبد الله بن أبي بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬بسهم يوم الطائف‪،‬‬
‫فانتفضت به بعد وفاة رسول الله × بأربعين ليلة‪ ،‬فمات‪ ،‬فقدم عليه‬
‫وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده‪ ،‬فأخرجه إليهم فقال‪ :‬هل‬
‫يعرف هذا السهم منكم أحد؟ فقال سعيد ابن عبيد‪ ،‬أخو بني عجلن‪:‬‬
‫هذا سهم أنا ب ََريُته ورشته )‪ (5‬وعقبته )‪ ،(6‬وأنا رميت به‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫‪ :‬فإن هذا السهم الذي قتل عبد الله بن أبي بكر‪ ،‬فالحمد لله الذي‬
‫أكرمه بيدك‪ ،‬ولم يهنك بيده فإنه أوسع لكما )‪.(7‬‬
‫ثامًنا‪ :‬في غزوة تبوك‪ ،‬وإمارة الحج‪ ،‬وفي حجة الوداع‪:‬‬
‫أ‪ -‬في تبوك‪ :‬خرج رسول الله × بجيش عظيم في غزوة تبوك‬
‫بلغ عدده ثلثين ألفًا‪ ،‬وكان يريد قتال الروم بالشام‪ ،‬وعندما تجمع‬
‫المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله ×‪ ،‬اختار المراء‬
‫اللوية والرايات لهم‪ ،‬فأعطى لواءه العظم إلى أبي‬ ‫والقادة وعقد‬
‫بكر الصديق ‪ (8) .‬وفي هذه الغزوات ظهرت بعض المواقف‬
‫للصديق منها‪:‬‬
‫‪1-‬موقفه من وفاة الصحابي عبد الله ذي البجادين ‪ :‬قال‬
‫عبد الله بن مسعود ‪:‬قمت في جوف الليل وأنا مع رسول الله × في‬
‫غزوة تبوك‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت شعلة من نار من ناحية العسكر‪ ،‬قال فاتبعتها‬
‫)‪ (1‬السيرة النبوية لبن هشام‪ (2) .4/147 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪.152 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪ (4) .4/193 :‬تاريخ الدعوة السلمية‪.125 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( تاريخ السلم للذهبي‪ ،‬المغازي‪.670 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (7‬عقبته‪ :‬جذبته من عقبه‪.‬‬ ‫)( رشته‪ :‬صنعت فيه الريش‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪ ،118 :‬والرواية فيها انقطاع‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (2‬صحيح السيرة النبوية‪.598 :‬‬ ‫)( صفة الصفوة‪.1/243 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪67‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫وأبو بكر وعمر‪ ،‬وإذا عبد الله ذو البجادين‬ ‫أنظر إليها‪ ،‬فإذا رسول الله ×‬
‫المزني قد مات‪ ،‬وإذا هم قد حفروا له‪ ،‬ورسول الله في حضرته‪ ،‬وأبو‬
‫بكر وعمر يدليانه إليه‪ ،‬وهو يقول‪» :‬أدليا إلي ّ أخاكما«‪،‬فدلياه إليه‪ ،‬فلما‬
‫عنه«‪(1.‬قال‬ ‫هيأه بشقه قال‪»:‬اللهم إني أمسيت راضيا ً عنه فارض‬
‫الراوي )عبد الله بن مسعود(‪ :‬يا ليتني كنت صاحب الحفرة ) ‪.‬‬
‫بسم الله‪ ،‬وعلى‬ ‫وكان الصديق × إذا دخل الميت اللحد قال‪:‬‬
‫ملة رسول الله ×‪ ،‬وباليقين وبالبعث بعد الموت )‪.(2‬‬
‫‪ 2-‬طلب الصديق من رسول الله ×الدعاء للمسلمين‪ :‬قال‬
‫منزل وأصابنا‬‫ً‬ ‫عمر بن الخطاب‪ :‬خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد‪ ،‬فنزلنا‬
‫فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع‪ ،‬حتى إن الرجل لينحر بعيره‬
‫فيعتصر فرثه فيشربه‪ ،‬ثم يجعل ما بقي على كبده‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫خيرا‪ ،‬فادع الله‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الصديق‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن الله قد عودك في الدعاء‬
‫؟«‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬فرفع يديه فلم يردهما حتى قالت‬ ‫قال‪» :‬أتحب ذلك‬
‫ثم‬ ‫ا‪-‬‬‫ً‬ ‫خفيف‬ ‫ا‬‫مطر‬
‫ً‬ ‫أنزلت‬ ‫أي‪:‬‬ ‫‪-‬فأطلت‪-‬‬ ‫مائها‬ ‫لنزال‬ ‫السماء أي‪ :‬تهيأت‬
‫سكبت‪ ،‬فملوا ما معهم‪ ،‬ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر)‪.(3‬‬
‫‪ -3‬نفقة الصديق في تبوك‪ :‬حث رسول الله × الصحابة في‬
‫غزوة تبوك على النفاق بسبب بعدها وكثرة المشركين فيها‪ ،‬ووعد‬
‫وكان‬ ‫ل حسب مقدرته‪،‬‬ ‫المنفقين بالجر العظيم من الله‪ ،‬فأنفق ك ّ‬
‫عثمان ‪ ‬صاحب القدح المعلى في النفاق في هذه الغزوة )‪.(4‬‬
‫وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر‬
‫بذلك‪ ،‬ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال‪ :‬أمرنا رسول‬
‫الله × يومًا أن نتصدق‪ ،‬فوافق ذلك مالً عندي‪ ،‬فقلت‪ :‬اليوم أسبق‬
‫أبا بكر إن سبقته يومًا‪ ،‬فجئت بنصف مالي‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»ما أبقيت لهلك؟« قلت‪ :‬مثله‪ .‬وأتى أبو بكر ‪ ‬بكل ما عنده‪ ،‬فقال‬
‫لهلك؟« قال‪ :‬أبقيت لهم الله ورسوله‪،‬‬ ‫)‪(5‬‬
‫له رسول الله ×‪» :‬ما أبقيت‬
‫أبدا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ل أسابقك إلى شيء ً‬
‫كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحًا‪ ،‬ولكن‬
‫ل من المنافسة مطلقا ول ينظر‬ ‫الصديق ‪ ‬أفضل منه؛ لنه خا ٍ‬ ‫حال‬
‫إلى غيره )‪.(6‬‬
‫ب‪ -‬الصديق أمير الحج ‪ 9‬هـ‪ :‬كانت تربية المجتمع وبناء‬
‫الدولة في عصر النبي × مستمرة على جميع الصعدة والمجالت‬
‫العقائدية والقتصادية والجتماعية‪ ،‬والسياسية والعسكرية‬
‫والتعبدية‪ ،‬وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية‪،‬‬
‫وحجة عام ‪ 8‬هـ بعد الفتح كلف بها عتاب بن أسيد‪ ،‬ولم تكن قد‬
‫تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين )‪ ، (7‬فلما حل موسم‬
‫ج × ولكنه قال‪» :‬إنه يحضر البيت عراة مشركون‬ ‫الحج أراد الح َ‬
‫‪1‬‬

‫مصنف عبد الرزاق‪ ،3/497 :‬نقل عن موسوعة فقه الصديق‪.222 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫ابن حبان‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب غزوة تبوك‪.1707 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪.615 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫سنن أبي داود‪ ،‬كتاب الزكاة‪ ،‬رقم‪ ،1678 :‬وحسنه اللباني‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الفتاوى لبن تيمية‪.73 ،10/72 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫دراسات في عهد النبوة‪ ،‬عماد الدين خليل‪.222 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪68‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫يطوفون بالبيت‪ ،‬فل أحب أن أحج حتى ل يكون ذلك«‪ ،‬فأرسل النبي‬
‫× الصديق أميرً ا على الحج سنة تسع من الهجرة‪ ،‬فخرج أبو بكر‬
‫عليا‬
‫ً‬ ‫الصديق بركب الحجيج‪ ،‬ونزلت سورة براءة فدعا النبي ×‬
‫‪ ، ‬وأمره أن يلحق بأبي بكر × ‪ ،‬فخرج على ناقة رسول الله ×‬
‫العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي حليفة‪ ،‬فلما رآه الصديق‬
‫قال له‪ :‬أمير أم مأمور؟ فقال‪ :‬بل مأمور‪ ،‬ثم سار‪ ،‬فأقام أبو بكر‬
‫للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية‪ ،‬وكان‬
‫الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات‬
‫الصحيحة‪ ،‬ل في شهر ذي القعدة كما قيل‪ ،‬وقد خطب الصديق‬
‫قبل التروية‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬ويوم النحر‪ ،‬ويوم النفر الول فكان‬
‫يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم‪ ،‬ونحرهم‪ ،‬ونفرهم‪،‬‬
‫ورميهم للجمرات‪ ...‬إلخ‪ .‬وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل‬
‫موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة‪ ،‬ثم‬
‫ينادي في الناس بهذه المور الربعة‪» :‬ل يدخل الجنة إل مؤمن‪،‬‬
‫ول يطوف بالبيت عريان‪ ،‬ومن كان بينه وبين رسول الله عهد‬
‫فعهده إلى مدته‪ ،‬ول يحج بعد العام مشرك« )‪ .(1‬وقد أمر الصديق‬
‫رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب‬ ‫أبا هريرة في‬
‫في إنجاز مهمته )‪.(2‬‬
‫عليا بإعلن نقض العهود على مسامع‬ ‫ً‬ ‫وفد كلف النبي ×‬
‫المشركين في موسم الحج‪ ،‬مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما‬
‫بينهم من عقد العهود ونقضها أن ل يتولى ذلك إل سيد القبيلة أو‬
‫رجل من رهطه‪ ،‬وهذا العرف ليس فيه منافاة للسلم‪ ،‬فلذلك تدارك‬
‫النبي × المر وأرسل عليّا بذلك‪ ،‬فهذا هو السبب في تكليف علي‬
‫‪ ‬بتبليغ صدر سورة براءة‪ ،‬ل ما زعمته الرافضة من أن ذلك‬
‫للشارة إلى أن علّيا ‪ ‬أحق بالخلفة من أبي بكر‪ ،‬وقد علق على‬
‫ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال‪ :‬ول أدري كيف غفلوا عن قول‬
‫له‪(4:‬أمير أم مأمور؟ )‪ (3‬وكيف يكون المأمور أحق بالخلفة‬ ‫الصديق‬
‫من المير ) ‪.‬‬
‫وقد)‪(5‬كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة‬
‫الوداع‪ .‬لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الصنام قد انقضى‪،‬‬
‫وأن مرحلة جديدة قد بدأت‪ ،‬وما على الناس إل أن يستجيبوا لشرع‬
‫الله تعالى‪ ،‬فبعد هذا العلن الذي انتشر بين قبائل العرب في‬
‫انقضى‬ ‫الجزيرة‪ ،‬أيقنت تلك القبائل أن المر جد‪ ،‬وأن عهد الوثنية قد‬
‫فعل‪ ،‬فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلمها ودخلوها في التوحيد )‪.(6‬‬ ‫ً‬
‫ج‪ -‬في حجة الوداع‪:‬روى المام أحمد ‪‬بسنده إلى عبد الله بن‬
‫بكر قالت‪ :‬خرجنا مع رسول الله ×‬ ‫الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبي‬
‫× فجلست عائشة‬ ‫حجاج حتى إذا أدركنا )العرج( )‪(7‬نزل رسول الله ‪،‬‬
‫ا‪ً ،‬‬
‫وزمالة أبي بكر مع غلم لبي بكر فجل س أبو بكر ينتظر أن‬ ‫النبي ×‬
‫‪،‬‬ ‫جنب‬
‫يطلع عليه‪ ،‬فطلع ولي س معه بعيره!! فقال‪ :‬أين بعيرك؟ فقال‪ :‬أضللته‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪.625 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية لبي شهبة‪ (3) .2/537 :‬صحيح السيرة النبوية‪.524 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)(‪ (5) ,‬السيرة النبوية لبي شهبة‪.2/540 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( قراءة سياسية للسيرة النبوية‪ ،‬قلعجي‪.283 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( العرج‪ :‬واد فحل من أودية الحجاز التهامية‪ ،‬معجم المعالم الجغرافية‪.202 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪69‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫يضربه ورسول الله يبتسم‬ ‫البارحة! فقال أبو بكر‪ :‬بعير واحد تضله! فطفق‬
‫ويقول‪» :‬انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع« )‪.(8‬‬
‫***‬

‫)( مسند أحمد‪.6/344 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪70‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫المبحث الخامس‬
‫الصديق في المجتمع المدني‬
‫وبعض صفاته وشيء من فضائله‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر‪،‬‬
‫وتركت لنا نموذجًا حّيا لفهم السلم وتطبيقه في دنيا الناس‪ ،‬وقد‬
‫تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله × في‬
‫أحاديث كثيرة‪ ،‬وبّين فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله‬
‫عنهم أجمعين‪.‬‬
‫أول‪ :‬من مواقفه في المجتمع المدني‪:‬‬
‫‪ -1‬موقفه من )فنحاص( الحبر اليهودي‪:‬‬
‫واحد من ك ُّتاب السير والمفسرين أن أبا بكر ‪ ‬دخل‬ ‫ذكر غير‬
‫بيت المدراس )‪ (1‬على يهود‪ ،‬فوجد منهم ناسا قد اجتمعوا إلى رجل‬
‫وكان من علمائهم وأحبارهم‪ ،‬ومعه حبر من‬ ‫منهم يقال له فنحاص‪،‬‬
‫أحبارهم‪ ،‬يقال له أشيع )‪ ،(2‬فقال أبو بكر لفنحاص‪ :‬ويحك! اتق الله‬
‫وأسلم‪ ،‬فوالله إنك تعلم أن محمدًا لرسول الله‪ ،‬قد جاءكم بالحق‬
‫من عنده‪ ،‬تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والنجيل‪ .‬فقال فنحاص‬
‫لبي بكر‪ :‬والله يا أبا بكر‪ ،‬ما بنا إلى الله من فقر‪ ،‬وإنه إلينا لفقير‪،‬‬
‫وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا‪ ،‬وإنا عنه لغنياء وما هو عنا بغني‪،‬‬
‫ولو كان عنا غنيًا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم‪ ،‬ينهاكم عن‬
‫غنيا ما أعطانا الربا‪ .‬فغضب أبو بكر‪،‬‬ ‫الربا ويعطيناه‪ ،‬ولو كان عنا ً‬
‫ضربا شديدًا‪ ،‬وقال‪ :‬والذي نفسي بيده لول‬ ‫ً‬ ‫فضرب وجه فنحاص‬
‫العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله‪ .‬فذهب فنحاص‬
‫إلى رسول الله ×‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬انظر ما صنع بي صاحبك‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله × لبي بكر‪» :‬ما حملك على ما صنعت؟« فقال أبو بكر‪:‬‬
‫عظيما‪ ،‬إنه يزعم أن الله فقير‬ ‫ً‬ ‫قول‬
‫ً‬ ‫يا رسول الله‪ ،‬إن عدو الله قال‬
‫وأنهم أغنياء‪ ،‬فلما قال ذلك غضبت لله مما قال‪ ،‬وضربت وجهه‪،‬‬
‫فجحد ذلك فنحاص وقال‪ :‬ما قلت ذلك‪ ،‬فأنزل الله تعالى فيما قال‬
‫ن‬
‫ذي َ‬ ‫ل ال ّ ِ‬ ‫و َ‬ ‫ق ْ‬‫ه َ‬ ‫ع الل ُ‬ ‫م َ‬ ‫س ِ‬‫قد ْ َ‬ ‫فنحاص رّدا عليه وتصديقًا لبي بكر‪+ :‬ل َ َ‬
‫م‬‫ُ ُ‬‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ْ‬ ‫ت‬‫ق‬‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫لوا‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫قا‬ ‫ما‬ ‫ُْ َ‬ ‫ب‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫غن َِياءُ َ‬ ‫ن أَ ْ‬ ‫ح ُ‬ ‫ون َ ْ‬ ‫قيٌر َ‬ ‫ف ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫قا َُلوا إ ِ ّ‬ ‫َ‬
‫ق" ]آل عمران‪:‬‬ ‫ري‬
‫َ ِ ِ‬ ‫ح‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ذا‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫قوا‬ ‫ُ‬ ‫ذو‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫ق‬
‫ِ ْ ِ َ ّ َ‬ ‫ح‬ ‫ر‬ ‫ي‬‫غ‬‫َ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫يا‬‫ِ َ‬ ‫ب‬‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫ا‬
‫‪.[181‬‬
‫)‪(3‬‬
‫بلغه في ذلك من الغضب‬ ‫الصديق ‪ ،‬وما‬ ‫ونزل في أبي بكر‬
‫ن‬
‫م َ‬ ‫ن ِ‬ ‫ع ّ‬ ‫م َُ‬ ‫س َ‬‫ول َت َ ْ‬ ‫سك ُ َْ‬
‫م‬ ‫ف ِ‬ ‫وأ َن ْ ُ‬ ‫م‬ ‫وال ِك ُ‬ ‫م‬ ‫في أ َ‬ ‫ن ِ‬ ‫و ّ‬ ‫تعالى‪+ :‬ل َ ْت ُب ْل َ ُ‬
‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫قولهن ُ‬
‫ذى‬ ‫كوا أ ً‬ ‫شَر ُ‬
‫عْزم ال ُ‬
‫نأ ْ‬ ‫َ‬ ‫ذي‬‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ب‬‫َ‬ ‫تا‬‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫توا‬ ‫ُ‬ ‫أو‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫ر" ]آل‬ ‫ُ ِ‬‫مو‬ ‫ِ ْ َ ِ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ل‬
‫ِ ّ ِ‬‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫قوا‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ت‬
‫َ َ ّ‬ ‫و‬ ‫روا‬ ‫ب‬
‫َ ْ ِ ُ‬ ‫ص‬ ‫ت‬ ‫إن‬ ‫كَ ِ ً َ ِ‬
‫و‬ ‫را‬ ‫ثي‬

‫)( مكان يتلى فيه التوراة‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام‪.559 ،1/558 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (2‬الفتح‪ ،9/81 :‬الطبقات الكبرى‪:‬‬ ‫)( تفسير القرطبي‪.4/295 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.8/82‬‬

‫‪71‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫عمران‪.[186 :‬‬
‫‪ -2‬حفظ سر النبي ×‪:‬‬
‫قال عمر بن الخطاب‪ :‬تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة‪،‬‬
‫بدر ا‪ ،‬فلقيت عثمان بن عفان فقلت‪ :‬إن شئت‬ ‫ً‬ ‫وكان ممن شهد‬
‫أنكحتك حفصة‪ ،‬فقال‪ :‬أنظر‪ ،‬ثم لقيني فقال‪ :‬قد بدا لي أن ل‬
‫أتزوج يومي هذا‪ ،‬فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت‪ ،‬فكنت‬
‫عليه أوجد مني على عثمان‪ ،‬فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله‬
‫ي حين‬‫× فأنكحتها إياه‪ ،‬ثم لقيني أبو بكر فقال‪ :‬لعلك وجدت عل ّ‬
‫لم أرجع إليك؟ فقلت‪ :‬أجل‪ ،‬فقال‪ :‬إنه لم يمنعني أن أرجع إليك‬
‫إل أني علمت أن رسول الله × )‪(1‬قد ذكرها‪ ،‬فلم أكن لفشي سر‬
‫رسول الله × ولو تركها لنكحتها ‪.‬‬
‫‪ -3‬الصديق وآية صلة الجمعة‪:‬‬
‫قال جابر بن عبد الله‪ :‬بينما النبي ×يخطب يوم الجمعة‪ ،‬وقدمت‬
‫لم يبق معه إل اثنا‬ ‫َ‬ ‫الله ×حتى‬ ‫َ‬ ‫عير المدينة‪ ،‬فابتدرها أصحاب رسول‬
‫ضوا‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ن‬ ‫ا‬ ‫وا‬
‫ْ ْ ً ْ ّ‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫أ‬ ‫ً‬ ‫ة‬‫ر‬‫ذا َ ْ ِ َ َ‬
‫جا‬ ‫ت‬ ‫وا‬ ‫أ‬ ‫ر‬ ‫وإ ِ َ‬
‫عشر رجل‪ُ ،‬فنزلت هذه الية‪َ + :‬‬
‫ن‬ ‫م‬‫و‬ ‫و‬
‫ْ ِ َ ِ َ‬‫ه‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ر‬
‫ِ ْ ٌ ّ َ‬‫ي‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ما ِ ْ َ‬
‫د‬ ‫ن‬ ‫ع‬ ‫ق ْ‬
‫ل َ‬ ‫ما ُ‬‫قائ ِ ً‬‫ك َ‬‫وت ََركو َ‬ ‫ها َ‬‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ن"‬ ‫قي‬ ‫ز‬
‫ّ ِ ِ َ‬‫را‬ ‫ال‬ ‫ر‬ ‫ي‬
‫ُ ْ ُ‬‫خ‬
‫َ‬ ‫ه‬‫والل‬ ‫الت ّ َ َ ِ َ‬
‫ة‬ ‫ر‬ ‫جا‬
‫وقال‪ :‬في الثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله × أبو‬ ‫‪[11‬‬‫]الجمعة‪، :‬‬
‫بكر وعمر )‪.(2‬‬
‫‪ -4‬رسول الله × ينفي الخيلء عن أبي بكر‪:‬‬
‫قال عبد الله بن عمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫»من جر ثوبه خيلء لم ينظر الله إليه يوم القيامة«‪ .‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫أتعاهد ذلك منه‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬ ‫إن أحد شقي يسترخي إل أن‬
‫»إنك لست تصنع ذلك خيلء« )‪.(3‬‬
‫‪ -5‬الصديق وتحريه الحلل‪:‬‬
‫عن قيس ابن أبي حازم قال‪ :‬كان لبي بكر غلم‪ ،‬فكان إذا جاء‬
‫بغلته لم يأكل من غلته حتى يسأل‪ ،‬فإن كان شيًئا مما يحب أكل‪،‬‬
‫وإن كان شيًئا يكره لم يأكل‪ ،‬قال‪ :‬فنسي ليلة فأكل ولم يسأله‪ ،‬ثم‬
‫سأله‪(4‬فأخبره أنه من شيء كرهه‪ ،‬فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك‬
‫شيًئا) ‪.‬‬
‫فهذا مثال على ورع أبي بكر ‪‬؛ حيث كان يتحرى الحلل في‬
‫مطعمه ومشربه‪ ،‬ويتجنب الشبهات‪ ،‬وهذه الخصلة تدل على بلوغه‬
‫المطعم والمشرب‬ ‫عليا في التقوى‪ .‬ول يخفى أهمية طيب‬ ‫درجات ُ‬
‫والملبس في الدين‪ ،‬وعلقة ذلك بإجابة الدعاء )‪ ،(5‬كما في حديث‬
‫الشعث الغبر وفيه‪» :‬يمد يديه إلى السماء‪ :‬يا رب يا رب ومطعمه‬
‫غذي بالحرام‪ ،‬فأنى ُيستجاب‬‫حرام‪ ،‬ومشربه حرام‪ ،‬وملبسه حرام‪ ،‬و ُ‬
‫‪1‬‬

‫الحسان في تقريب صحيح ابن حبان‪ .15/300 :‬مسلم‪ ،‬رقم‪.863 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫البخاري رقم‪.3665 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫نقل عن التاريخ السلمي للحميدي‪.19/13 :‬‬
‫ً‬ ‫الزهد للمام أحمد‪،110 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫التاريخ السلمي للحميدي‪ (3) .19/13 :‬مسلم‪ ،‬رقم‪.1015 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪72‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫لذلك« )‪.(1‬‬
‫‪ -6‬أدخلني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما‪:‬‬
‫دخل أبو بكر الصديق ‪ ‬على النبي × فسمع صوت ابنته عائشة‬
‫عالًيا‪ ،‬فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقال‪ :‬أراك ترفعين صوتك‬
‫على رسول الله‪ ،‬فجعل رسول الله يحجزه‪ ،‬وخرج أبو بكر مغضًبا‪،‬‬
‫فقال النبي × لعائشة حين خرج أبي بكر‪» :‬أرأيت كيف أنقذتك من‬
‫ما ثم استأذن على رسول الله فوجدهما‬ ‫الرجل؟«‪ ،‬فمكث أبو بكر أيا ً‬
‫قد اصطلحا‪ ،‬فقال لهما‪ :‬أدخلني في)‪(2‬سلمكما‪ ،‬كما أدخلتماني في‬
‫حربكما‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬قد فعلنا« ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر‪:‬‬
‫دخل أبو بكر على عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬في أيام العيد‪،‬‬
‫وعندها جاريتان من جواري النصار تغنيان‪ ،‬فقال أبو بكر ‪:‬‬
‫أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ×؟ وكان رسول الله ×‬
‫الكريم إلى الحائط‪ ،‬فقال‪» :‬يا أبا‬ ‫ضا بوجهه عنهما‪ ،‬مقبل ً بوجهه‬
‫معر ً‬
‫دا‪ ،‬وهذا عيدنا« )‪.(3‬‬
‫ً‬ ‫عي‬ ‫قوم‬ ‫لكل‬ ‫إن‬ ‫بكر‪،‬‬
‫ففي الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي × وأصحابه‬
‫الجتماع عليه‪ ،‬ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان‪ ،‬والنبي × أقر‬
‫الجواري عليه معلل ً ذلك بأنه يوم‬
‫كما جاء في‬
‫)‪(4‬‬
‫العياد‪،‬‬ ‫في‬ ‫اللعب‬ ‫عيد‪ ،‬والصغار يرخص لهم في‬
‫الحديث‪» :‬ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة«‪.‬‬
‫وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة‬
‫استمع إلى ذلك‪،‬‬ ‫يلعبن معها‪ ،‬وليس في حديث الجاريتين أن النبي ×‬
‫والمر والنهي إنما يتعلق بالستماع ل بمجرد السماع‪ (5).‬ومن هذا‬
‫كالجاريتين‬ ‫نفهم أنه يرخص لمن صلح له اللعب أن يلعب في العياد‪،‬‬
‫الصغيرتين من النصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة )‪.(6‬‬
‫‪ -8‬إكرامه للضيوف‪:‬‬
‫قال عبد الرحمن بن أبي بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬أن أصحاب‬
‫سا فقراء‪ ،‬وأن رسول الله × قال مرة‪ :‬من كان‬ ‫الصفة كانوا أنا ً‬
‫عنده طعام اثنين فليذهب بثالث‪ ،‬ومن كان عنده طعام أربعة‬
‫فليذهب بخامس‪ ،‬وإن أبا بكر جاء بثلث‪ ...‬وإن أبا بكر تعشى عند‬
‫رسول الله × فجاء بعد أن مضى من الليل ما شاء الله تعالى‪ ،‬قالت‬
‫له امرأته‪ :‬ما حبسك عن أضيافك؟ أو قالت‪ :‬عن ضيفك‪ ،‬قال‪ :‬وما‬
‫وقد عرضوا عليهم فغلبوهم‪ .‬قال‪:‬‬ ‫عشيتهم؟ قالت‪ :‬أبوا حتى تجيء‪،‬‬
‫فذهبت أنا فاختبأت‪ ،‬فقال‪ :‬يا غنثر )‪ (7‬فجدع وسب‪ ،‬وقال‪ :‬كلوا هنيًئا‬
‫دا‪ ،‬وحلف الضيف أن ل يطعمه حتى يطعم أبو‬ ‫وقال‪ :‬والله ل أطعم أب ً‬ ‫‪1‬‬

‫)( أبو داود‪ ،‬رقم‪ ،4999 :‬ضعفه اللباني في ضعيف سنن أبي داود‪ .‬سيرة‬ ‫‪2‬‬

‫الصديق‪ ،‬مجدي السيد‪.136 :‬‬
‫)( مسلم في صلة العيدين‪ ،‬رقم‪.892 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الفتاوى‪ ،11/308 :‬مسند أحمد‪ 233 ،6/16 :‬عن عائشة‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)(‪ (3) ,‬نفس المصدر السابق‪.30/118 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( غنثر‪ :‬الثقيل الوخيم‪ ،‬وقيل الجاهل‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪73‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫بكر‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬هذه من الشيطان‪ ،‬قال‪ :‬فدعا بالطعام فأكل‪،‬‬
‫فقال‪ :‬وايم الله ما كنا نأخذ لقمة إل َرَبا من أسفلها أكثر منها‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك‪ ،‬فنظر إليها فإذا هي‬
‫كما هي وأكثر‪ ،‬فقال لمرأته‪ :‬يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت‪ :‬ل‬
‫وقرة عيني هي الن لكثر منها قبل ذلك بثلث مرات‪ ،‬فأكل أبو بكر‬
‫وقال‪ :‬إنما كان ذلك من الشيطان ‪-‬يعني يمينه‪ -‬ثم أكل منها لقمة ثم‬
‫حملها إلى رسول الله × فأصبحت عنده‪ ،‬وكان بيننا وبين القوم عقد‬
‫واحد منهم أناس الله‬ ‫فمضى الجل فتفرقنا اثني عشر رجل‪ ،‬مع كل‬
‫أعلم كم مع كل رجل منهم فأكلوا منها أجمعين )‪.(1‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬حرص الصديق على تطبيق اليات القرآنية والحاديث النبوية‬
‫م‬‫ه ْ‬ ‫قّرب َ ُ َ‬
‫ف َ‬
‫تحث ْعلى إكرام الضيف‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ه إ ِلي ْ ِ‬ ‫ل أ َل َ ت َأك ُ ُ‬
‫َ‬
‫التي‬
‫َ‬
‫وقول الرسول ×‪» :‬من كان يؤمن‬ ‫‪.‬‬ ‫ن" ]الذاريات‪[27 :‬‬‫َ‬ ‫لو‬ ‫قا‬
‫بالله واليوم الخر‪ ،‬فليكرم ضيفه« )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬وفي هذه القصة كرامة للصديق؛ حيث جعل ل يأكل لقمة إل‬
‫َرَبا من أسفلها أكثر منها فشبعوا‪ ،‬وصارت أكثر مما هي قبل ذلك‪،‬‬
‫فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت‪ ،‬فرفعها إلى‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا‪ (3).‬وهذه‬
‫الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله × في جميع‬
‫أحواله‪ ،‬وهي تدل على مقام الولية للصديق‪ ،‬فأولياء الله هم‬
‫المقتدون بمحمد ×‪ ،‬فيفعلون ما أمر به وينتهون عما زجر‪ ،‬ويقتدون‬
‫به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه‪ ،‬فيؤيدهم بملئكته وروح منه‪ ،‬ويقذف‬
‫من أنواره‪ ،‬ولهم الكرامات التي يكرم الله بها‬ ‫الله في قلوبهم‬
‫أولياءه المتقين )‪.(4‬‬
‫ج‪ -‬تقول السيدة عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬إن أبا بكر لم يحنث‬
‫في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليمين‪ ،‬فقال‪ :‬ل أحلف على‬
‫فرأيت غيرها خيًرا منها إل أتيت الذي هو خير وكفرت عن‬ ‫)‪(5‬‬
‫يمين‬
‫فكان‪(6‬إذا حلف على شيء ورأى غيره خيًرا منه كفر وأتى‬ ‫يميني‪.‬‬
‫الذي هو خير‪ ).‬وفي هذه القصة ما يدل على ذلك؛ حيث ترك يمينه‬
‫ما‪(7‬لضيوفه‬ ‫الولى إكرا ً‬
‫وأكل معهم ) ‪.‬‬
‫‪ -9‬ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر‪:‬‬
‫قالت عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬خرجنا مع رسول الله × في‬
‫بعض أسفاره‪ ،‬حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي‪،‬‬
‫فأقام رسول الله × على التماسه‪ ،‬وأقام الناس معه‪ ،‬وليس على‬
‫ماء وليس معهم ماء‪ ،‬فأتى الناس أبا بكر فقالوا‪ :‬أل ترى ما صنعت‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الشربة‪ ،‬رقم‪.2057 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬مسلم‪.3/1353 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3‬نفس المصدر السابق‪.11/125 :‬‬ ‫)( الفتاوى‪.11/135 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( سنن البيهقي‪ ،10/34 :‬نقل عن موسوعة )فقه أبي بكر(‪.240 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( مصنف ابن أبي شيبة‪ ،1/158 :‬نقل عن موسوعة فقه أبي بكر‪.240 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( موسوعة فقه أبي بكر‪.241 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪74‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫عائشة؟ أقامت برسول الله × وبالناس معه وليسوا على ماء وليس‬
‫معهم ماء‪ ،‬فجاء أبو بكر ورسول الله × واضع رأسه على فخذي قد‬
‫نام‪ ،‬فقال‪ :‬حبست رسول الله × والناس‪ ،‬وليسوا على ماء وليس‬
‫معهم ماء‪ ،‬قلت‪ :‬فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول‪ ،‬وجعل يطعنني‬
‫بيده في خاصرتي فل يمنعني من التحرك إل مكان رسول الله ×‬
‫على فخذي‪ ،‬فنام رسول الله × حتى أصبح على غير ماء‪ ،‬فأنزل الله‬
‫دا طَي ًّبا" ]النساء‪ .[43 :‬فقال أسيد بن‬ ‫عي ً‬ ‫ص ِ‬
‫موا َ‬‫م ُ‬ ‫آية التيمم‪َ + :‬‬
‫فت َي َ ّ‬
‫فقالت عائشة‪ :‬فبعثنا‬ ‫بكر‪،‬‬ ‫أبي‬ ‫آل‬ ‫يا‬ ‫بركتكم‬ ‫بأول‬ ‫حضير‪ :‬ما هي‬
‫البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته« )‪.(1‬‬
‫وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله‪،‬‬
‫وحساسيته الشديدة على أن ل يضايقه شيء‪ ،‬ول يقبل ذلك ولو كان‬
‫من أقرب الناس وأحبهم إلى رسول الله ×‪ ،‬كعائشة رضي الله‬
‫قدوة‪ (2‬للدعاة في الدب الجم مع النبي × ومع‬ ‫عنها‪ ،‬فقد كان ‪‬‬
‫نفسه ومع المسلمين ) ‪.‬‬
‫ي × للصديق ‪:‬‬ ‫‪ -10‬انتصار النب ّ‬
‫لقد ثبت من الحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي × كان‬
‫ينتصر لبي بكر وينهى الناس عن معارضته؛ فعن أبي الدرداء ‪‬‬
‫ثوبه‪(3‬حتى‬ ‫ذا بطرف‬ ‫سا مع النبي × إذ أقبل أبو بكر آخ ً‬ ‫قال‪ :‬كنت جال ً‬
‫أبدى عن ركبته‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬أما صاحبكم فقد غامر«) ‪،‬‬
‫فسلم‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء‬
‫ي‪ ،‬فأقبلت‬ ‫فأسرعت إليه ثم ندمت‪ ،‬فسألته أن يغفر لي فأبى عل ّ‬
‫إليك‪ ،‬فقال‪ :‬يغفر الله لك يا أبا بكر ثلثا‪ ،‬ثم إن عمر ندم فأتى منزل‬
‫أبي بكر فسأل‪ :‬أثم أبو بكر؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬فأتى النبي × فسلم عليه‪،‬‬
‫فجعل وجه رسول الله × يتمعر )‪ ،(4‬حتى أشفق أبو بكر ))‪ ((56‬فجثا على‬
‫ركبتيه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬والله أنا كنت أظلم مرتين ‪ ،‬فقال‬
‫بعثني( إليكم فقلتم‪ :‬كذبت‪ ،‬وقال أبو بكر‪ :‬صدق‪،‬‬ ‫النبي ×‪» :‬إن الله‬
‫بنفسه وماله)‪، 7‬فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟« مرتين‪ .‬فما‬ ‫وواساني‬
‫أوذي بعدها)‪.(8‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة‪ ،‬منها‪ :‬الطبيعة البشرية‬
‫للصحابة وما يحدث بينهم من خلف‪ ،‬وسرعة رجوع المخطئ وطلب‬
‫المغفرة والصفح من أخيه‪ ،‬وتواد الصحابة فيما بينهم‪ ،‬ومكانة‬
‫الصديق الرفيعة عند رسول الله × ثم أصحابه‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫‪ -11‬قل‪ :‬غفر الله لك يا أبا بكر‪.‬‬
‫قال ربيعة السلمي ‪ :‬كنت أخدم النبي ×‪ ...‬وذكر حديثًا ثم‬
‫أرضا‪،‬‬
‫ً‬ ‫قال‪ :‬إن رسول الله × أعطاني بعد ذلك أرضًا وأعطى أبا بكر‬
‫البخاري رقم‪.3672 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تاريخ الدعوة السلمية‪.403 ،402 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫غامر‪ :‬خاصم‪ .‬أي‪ :‬دخل في غمرة الخصومة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫يتمعر‪ :‬تذهب نضارته من الغضب‪ (5) .‬أن يكون لعمر من الرسول ما يكره‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫لنه هو الذي بدأ‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫لما أظهره النبي × من تعظيمه‪ ،‬البخاري‪ ،‬رقم‪.3661 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫‪75‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة‪ ،‬فقلت أنا‪ :‬هي في حدي‪ ،‬وقال‬
‫أبو بكر‪ :‬هي في حدي‪ ،‬فكان بيني وبين أبي بكر كلم‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫كلمة كرهها‪ ،‬وندم‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬لتقولن أو لستعدين عليك رسول‬
‫الله ×‪ ،‬فقلت‪ :‬ما أنا بفاعل‪ ،‬قال‪ :‬ورفض الرض )‪ ،(1‬وانطلق أبو بكر‬
‫‪ ‬إلى النبي ×‪ ،‬وانطلقت أتلوه‪ ،‬فجاء ناس من أسلم فقالوا لي‪:‬‬
‫رحم الله أبا بكر‪ ،‬في أي شيء يستعدي عليك رسول الله × وهو قد‬
‫قال لك ما قال؟ قلت‪ :‬أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق‪ ،‬هذا‬
‫ثاني اثنين‪ ،‬وهذا ذو شيبة المسلمين‪ ،‬إياكم ل يلتفت فيراكم‬
‫تنصروني عليه فيغضب‪ ،‬فيأتي رسول الله × فيغضب لغضبه‪،‬‬
‫فيغضب الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لغضبهما فيهلك ربيعة‪ ،‬قال‪ :‬ما تأمرنا؟ قال‪:‬‬
‫ارجعوا‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق أبو بكر ‪ ‬إلى رسول الله × فتتبعته وحدي‬
‫ي رأسه فقال‪ :‬يا‬ ‫حتى أتى النبي × فحدثه الحديث كما كان‪ ،‬فرفع إل ّ‬
‫ربيعة‪ ،‬ما لك وللصديق؟ قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كان كذا‪ ..‬كان كذا‪،‬‬
‫قال لي كلمة كرهها فقال‪ :‬قل لي كما قلت حتى يكون قصاصا‬
‫فأبيت‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬أجل فل ترد عليه‪ ،‬ولكن قل‪ :‬غفر الله‬
‫غفر‪(2‬الله لك يا أبا بكر‪ .‬قال الحسن البصري‪:‬‬ ‫لك يا أبا بكر«‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫ولى أبو بكر ‪ ‬وهو يبكي ) ‪.‬‬
‫لله أي وجدان هذا الوجدان‪ ،‬وأي نفس تلك النفس!! بادرة بدرت‬
‫تناهيا‬
‫ً‬ ‫ض إل اقتصاصه منها‪ ،‬وصفحه عنها‪،‬‬ ‫منها لمسلم فلم تر َ‬
‫بالفضيلة‪ ،‬واستمساكًا بالدب‪ ،‬وشعورًا تمكن من الجوانح‪ ،‬وأخذ‬
‫ما يتململ‬ ‫بمجامع القلوب‪ ،‬فكانت عنده زلة اللسان ‪-‬ولو صغيرة‪ -‬أل ً‬
‫منه الضمير فل يستريح إل بالقصاص منه‪ ،‬ورضا ذلك المسلم عنه‬
‫)‪.(3‬‬
‫كانت كلمة هينة‪ ،‬ولكنها أصابت من ربيعة موجعًا‪ ..‬فإذا أبو بكر‬
‫يزلزل من أجلها‪ ،‬ويأبى إل القصاص عليها‪ ،‬مع أنه يومئذ كان الرجل‬
‫الثاني في السلم بعد رسول الله ×‪ ،‬وهي كلمة ل يمكن أن تكون‬
‫أخلقه لم تسمح بهذا‪ ،‬ولم يؤثر عنه حتى‬ ‫من ُفحش القول ً‬
‫أبدا؛ لن‬
‫في الجاهلية شيء من هذا )‪.(4‬‬
‫لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة ولهذا اشتكى لرسول الله‪،‬‬
‫وهذا أمر عجيب‪ ،‬فإن أبا بكر قد نسي أرضه ونسي قضية الخلف‪،‬‬
‫وشغل باله أمر تلك الكلمة لن حقوق العباد ل بد فيها من عفو‬
‫صاحب الحق‪ (5) .‬وفي هذا درس للشيوخ والعلماء الحكماء والدعاة‬
‫في كيفية معالجة الخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها‬
‫بالرجل‪.‬‬
‫وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول‬
‫الله × وهو الذي قال ما قال‪ ،‬ولم يعلموا ما عمله أبو بكر من‬
‫لزوم إنهاء قضايا الخصومات‪ ،‬وإزالة ما قد يعلق في القلوب من‬
‫الموجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه‬
‫الحساب يوم القيامة‪.‬‬
‫)( أي‪ :‬فارق أبو بكر الرض‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (3‬أشهر مشاهير السلم‪.1/88 :‬‬ ‫)( مسند أحمد‪.59 ،4/58 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( خلفاء الرسول‪ ،‬خالد محمد خالد‪ (2) .103 :‬التاريخ السلمي‪.19/16 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪76‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وبالرغم مما ظهر من رضا ربيعة وتوجيه النبي × إلى عدم الرد‬
‫على أبي بكر‪ ،‬فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى‪ ،‬وهذا دليل‬
‫على قوة إيمانه‪ ،‬ورسوخ يقينه‪.‬‬
‫وأخيرًا موقف يذكر لربيعة بن كعب السلمي ‪ ،‬حيث قام‬
‫بإجلل أبي بكر ‪ ‬وأبى أن يرد عليه بالمثل‪ ،‬هذا من تقدير أهل‬
‫الفضل)‪(1‬والتقدم والمعرفة بحقهم‪ ،‬وهو دليل على قوة الدين ورجاحة‬
‫العقل ‪.‬‬
‫‪ -12‬مسابقته في الخيرات‪:‬‬
‫اتصف الصديق ‪ ‬بالخلق الحميدة‪ ،‬والصفات الرفيعة‬
‫ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة‪ ،‬وفي مكارم‬
‫الخلق أسوة‪ ،‬وكان حريصًا أشد الحرص على الخيرات‪ ،‬فقد أيقن‬
‫أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم قد يكون غير ممكن في الغد‪،‬‬
‫فاليوم عمل ول حساب‪ ،‬وغدًا حساب ول عمل‪ ،‬ولذلك كان من‬
‫المسارعين في الخيرات؛ فعن أبي هريرة ‪ ‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫ما؟« قال أبو بكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪» :‬فمن تبع‬
‫»من أصبح منكم اليوم صائ ً‬
‫منكم اليوم جنازة؟«‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪» :‬فمن أطعم منكم‬
‫اليوم مسكيًنا؟«‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪» :‬فمن عاد منكم اليوم‬
‫بكر‪(2:‬أنا‪ .‬فقال رسول الله ×‪» :‬ما اجتمعن في‬ ‫ضا؟«‪ .‬قال أبو‬
‫مري ً‬
‫امرئ إل دخل الجنة« ) ‪.‬‬
‫‪-13‬كظمه للغيظ‪:‬‬
‫قال أبو هريرة ‪ :‬إن رجلًشتم أبا بكر ورسول الله × جالس‪،‬‬
‫يعجب ويبتسم‪ ،‬فلما أكثر الرجل رد عليه أبو بكر بعض‬ ‫فجعل النبي ×‬
‫وقام‪ ،‬فلحقه أبو بكر وقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كان‬‫قوله‪ ،‬فغضب النبي ×‬
‫يشتمني وأنت جالس‪ ،‬فلما أكثر رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت!!‬
‫فقال عليه الصلة والسلم‪»:‬إنه كان معك ملك يرد عنك‪ ،‬فلما رددت‬
‫عليه بعض قوله وقع الشيطان‪ ،‬فلم أكن لقعد مع الشيطان«‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫»يا أبا بكر‪ ،‬ثلث كلهن حق‪ :‬ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله‬
‫‪-‬عز وجل‪ -‬إل أعز الله بها نصره‪ ،‬وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة‬
‫كثرة‪ ،‬وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إل زاده‬ ‫إل زاده الله بها‬
‫اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ما ظن أنه‬ ‫الله بها قلة«‪ (3).‬إن الصديق ‪‬‬
‫غبه النبي ×في الحلم والناة‪ ،‬وأرشده إلى‬‫به يسكت هذا الرجل‪ ،‬فر ّ‬
‫ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ‪ ،‬فإن الحلم وكظم الغيظ مما‬
‫يزيد المرء ويجمله في أعين الناس‪ ،‬ويرفع قدره عند الله تعالى‪.‬‬
‫ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق ‪ ‬على عدم‬
‫إغضاب النبي × والمسارعة إلى إرضائه‪ ،‬وفي ذم الغضب للنفس‪،‬‬
‫والنهي عنه والتحذير منه‪ ،‬واعتزال النبياء للمجالس التي يحضرها‬
‫الشيطان‪ ،‬وبيان الفضل للمظلوم الصابر المحتسب للجر والثواب‪،‬‬
‫وفيه حث على العطايا‪ ،‬وصلة الرحام‪ ،‬وذم للمسألة وأهلها‪.‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪.19/16 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬صحيح مسلم‪ ،‬رقم‪.1028 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الدر المنثور للسيوطي‪2/74 :‬؛ مجمع الزوائد‪ ،8/190 :‬حديث مرسل‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪77‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫عرف بالحلم‬ ‫وظل الصديق متمسكًا بالحلم وكظم الغيظ حتى ُ‬
‫والناة‪ ،‬ولين الجانب والرفق‪ ،‬وهذا ل يعني أن أبا بكر لم يكن‬
‫لله تعالى‪ ،‬فإذا رأى محارم الله قد انتهكت‬ ‫يغضب‪ ،‬وإنما كان غضبه‬
‫غضبا شديدًا )‪.(1‬‬ ‫ً‬ ‫غضب لذلك‬
‫متأمل ومتفكرًا وعاملً بقوله تعالى‪:‬‬ ‫ً‬ ‫لقد عاش بعد رسول الله ×‬
‫ت‬
‫وا ُ‬‫ما َ‬ ‫س َ‬ ‫ها ال ّ‬ ‫ض َ‬ ‫عْر ُ‬ ‫ة َ‬ ‫جن ّ ٍ‬ ‫و َ‬ ‫م َ‬ ‫من ّ ّرب ّك ُ ْ‬ ‫ة ّ‬ ‫فَر ٍ‬ ‫غ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫عوا إ َِلى ْ َ‬ ‫ر ُ‬ ‫سا ِ‬ ‫وَ َ‬ ‫‪َ +‬‬
‫ء‬
‫سّرا ِ‬ ‫في ال ّ‬ ‫ن ِ‬ ‫فقو َ‬ ‫ُ‬ ‫ن ي ُن ْ ِ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ‪ ‬ال ِ‬ ‫قي َ‬ ‫مت ّ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ت ل ِل‬ ‫عد ّ ْ‬ ‫ض أُ ِ‬ ‫ُ‬ ‫والْر‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫والل ُ‬ ‫س َ‬ ‫نا‬‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫عا‬ ‫َ‬ ‫وال ْ‬ ‫َ‬ ‫غي ْ َ‬
‫ظ‬ ‫َ‬ ‫ن ال ْ‬ ‫َ‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ظ‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫وال ْ‬‫َ‬ ‫ء‬
‫ِ‬ ‫را‬ ‫ّ‬ ‫ض‬
‫ّ‬ ‫وال‬ ‫َ‬
‫ِ‬ ‫ِ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[134 -133 :‬‬ ‫سِني َ‬ ‫ح ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ب ال ْ ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫يُ ِ‬
‫‪ -14‬بلى والله‪ ،‬إني أحب أن يغفر الله لي‪.‬‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬ي َُعول مسطح بن أثاثة‪ ،‬فلما قال في عائشة‬
‫أقسم بالله أبو بكر‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫‪-‬رضي الله عنها‪ -‬ما قال )حديث الفك المشهور(‬
‫ل‬‫ْ ِ‬ ‫ض‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫أو‬ ‫ل‬‫ول َ ْ ي َ َ ِ‬
‫ت‬ ‫أ‬ ‫وجل‪َ + :-‬‬ ‫فلما أنزل الله ُ ‪-‬عز‬ ‫أبدا‪،‬‬
‫أل ينفعه ً‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫ن‬ ‫كي‬
‫َ َ َ ِ َ‬ ‫سا‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫وا‬
‫ْ‬
‫بى‬ ‫ْ َ‬ ‫ر‬ ‫ق‬‫ُ‬ ‫ل‬
‫ْ‬
‫ا‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫أو‬ ‫توا‬ ‫ُ ُ‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫ي‬ ‫أن‬ ‫ة‬
‫وال ّ َ ِ‬
‫ع‬ ‫س‬ ‫م َ‬ ‫من ْك ُ ْ‬ ‫ِ‬
‫ن‬ ‫بو‬
‫ُ ِ ّ َ‬ ‫ح‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫حوا‬ ‫َ‬
‫ف‬
‫َ َ ْ ُ‬ ‫ص‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫فوا‬ ‫ُ‬ ‫ع‬
‫ِ َ َ ْ‬‫ي‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ل‬ ‫َ ِ ِ‬ ‫بي‬ ‫س‬ ‫في‬ ‫م َ ِ ِ َ ِ‬
‫ن‬ ‫ري‬ ‫ج‬ ‫ها‬ ‫ُ‬ ‫وال‬ ‫َ‬
‫م" ]النور‪ [22 :‬قال أبو بكر‪:‬‬ ‫حي ٌ‬ ‫فوٌر ّر ِ‬ ‫غ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫والل ُ‬ ‫م َ‬ ‫ه ل َك ُ ْ‬ ‫فَر الل ُ‬ ‫غ ِ‬ ‫َأن ي ّ ْ‬
‫والله إني أحب أن يغفر الله لي‪ .‬فرجع إلى النفقة التي كان ينفق‬
‫وقال‪ :‬والله ل أنزعها‬ ‫)‪(2‬‬
‫عليه‬
‫أبدا‪.‬‬ ‫منه ً‬
‫ولقد فهم الصديق من الية بأن على المؤمن التخلق بأخلق الله‪،‬‬
‫فالله يعفو عنه‬ ‫فيعفو عن الهفوات والزلت والمزالق‪ ،‬فإن فعل‬
‫ن َأن‬ ‫حّبو َ‬ ‫ويستر ذنوبه‪ ،‬وكما تدين تدان‪ ،‬والله سبحانه قال‪+ :‬أ َل َ ت ُ ِ‬
‫م"أي‪ :‬كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا‬ ‫ه ل َك ُ ْ‬ ‫فَر الل ُ‬ ‫غ ِ‬ ‫يّ ْ‬
‫لمن دونكم‪ (3).‬وكما أن في الية من حلف على شيء أل يفعله‪،‬‬
‫فرأى أن فعله أولى من تركه‪ ،‬أتاه وكفر عن يمينه‪ .‬وقال بعض‬
‫كتاب الله تعالى؛ من حيث لطف الله‬ ‫العلماء‪ :‬هذه أرجى آية في‬
‫بالقذفة العصاة بهذا اللفظ )‪.(4‬‬
‫لقد دلت هذه الية على أن أبا بكر أفضل الناس عند النبي ×؛‬
‫لن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الية‪ ،‬دلت على علو شأنه‬
‫الرازي ُفي تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من‬ ‫أورد ْ‬ ‫في الدين‪.‬‬
‫ة"منها‪ :‬أنه‬ ‫ع ِ‬ ‫س َ‬ ‫وال ّ‬ ‫م َ‬ ‫منك ُ ْ‬ ‫ل ِ‬ ‫ض ِ‬ ‫ف ْ‬ ‫ل أوُلو ال ْ َ‬ ‫ول َ ي َأت َ ِ‬ ‫هذه الية‪َ + :‬‬
‫وصفه بأنه صاحب الفضل على الطلق من غير تقييد لذلك بشخص‬
‫دون شخص‪ ،‬والفضل يدخل فيه الفضال‪ ،‬وذلك يدخل على أنه ‪‬‬
‫فاضل على الطلق‪ ،‬وكان مفضل على الطلق‪ ،‬ومنها أنه لما‬ ‫ً‬ ‫كان‬
‫وصفه تعالى بأنه )أولو الفضل والسعة( بالجمع ل بالواحد وبالعموم‬
‫خاليً‪5‬ا( عن‬ ‫ل بالخصوص على سبيل المدح‪ ،‬وجب أن يقال‪ :‬إنه كان‬
‫المعصية؛ لن الممدوح إلى هذا الحد ل يكون من أهل النار ) ‪.‬‬
‫‪ -15‬خروجه للتجارة من المدينة إلى الشام‪:‬‬
‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪.145 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬البخاري‪ ،‬رقم‪.4750 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)(‪ (3) ,‬تفسير المنير‪.18/190 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( تفسير الرازي‪.18/351 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪78‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫خرج أبو بكر الصديق ‪ ‬للتجارة إلى بصرى ببلد الشام في عهد‬
‫النبي ×‪ ،‬ما منعه حبه لملزمة النبي × من)‪(1‬الذهاب للتجارة‪ ،‬ول منع‬
‫النبي × الصديق من ذلك مع شدة حبه له‪ .‬وفي هذا أهمية أن‬
‫يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن سؤال الناس‪ ،‬بل ويساهم‬
‫بهذا الرزق في إغاثة الملهوف‪ ،‬وفك العاني‪ ،‬ويسارع في أبواب‬
‫النفاق التي‬
‫يحبها الله‪.‬‬
‫‪ -16‬غيرة الصديق ‪ ‬وتزكية النبي × لزوجه‪:‬‬
‫نفرا من بني هاشم دخلوا‬ ‫ً‬ ‫قال عبد الله بن عمرو بن العاص‪ :‬إنّ‬
‫على أسماء بنت عميس‪ ،‬فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ‬
‫فرآهم‪ ،‬فكره ذلك‪ ،‬فذكر ذلك لرسول الله‪ ،‬فقال‪ :‬إن الله تعالى قد‬
‫برأها من ذلك‪ ،‬ثم قام رسول الله × على المنبر فقال‪» :‬ل يدخل‬
‫)‪(2‬‬
‫رجل بعد يومي هذا على مغيبة إل ومعه رجل أو اثنان«‪.‬‬
‫‪ -17‬خوفه من الله تعالى‪:‬‬
‫عن أنس ‪‬قال‪ :‬خطبنا رسول الله ×خطبة ما سمعت مثلها قط‪،‬‬
‫فقال‪» :‬لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قلي ً‬
‫ل‪(3)،‬ولبكيتم كثيًرا« فغطى‬
‫أصحاب رسول الله ×وجوههم ولهم خنين ‪.‬‬
‫وقد كان الصديق ‪ ‬على جانب من الخوف والرجاء عظيم‪،‬‬
‫جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكمًا أو محكومًا‪ ،‬قائدًا أو‬
‫جنديا‪ ،‬يريد النجاح والفلح في الخرة‪ (4).‬فعن محمد بن سيرين قال‪:‬‬ ‫ً‬
‫لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي × من أبي بكر‪ .‬وعن قيس‬
‫قال‪ :‬رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول‪ :‬هذا الذي أوردني‬
‫الموارد‪ (5).‬وقد قال أبو بكر ‪ : ‬ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا)‪ ,(6‬وعن‬
‫ميمون بن مهران قال‪ :‬أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم‬
‫صيد َ من صيد ول عضدت من شجرة إل بما ضيعت من‬ ‫قال‪ :‬ما )‪ِ(7‬‬
‫قال‪ :‬قال أبو بكر‪ :‬والله لوددت أني كنت‬ ‫الحسن‬ ‫وعن‬ ‫التسبيح‪.‬‬
‫وتعضد‪ (8).‬وقال أبو بكر‪ :‬لوددت أن كنت شعرة‬ ‫تؤكل‬ ‫الشجرة‬ ‫هذه‬
‫في جنب عبد مؤمن‪ (9).‬وكان ‪ ‬يتمثل بهذا البيت من الشعر‪:‬‬
‫)‪(10‬‬
‫ل تزال تنعي حبيًبا حتى‬
‫تكونه‬
‫ثانًيا‪ :‬من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله‪:‬‬
‫)( الفتح الباري‪ ،4/357 :‬نقل عن )الخلفة الراشدة والدولة الموية( من فتح‬ ‫‪1‬‬

‫الباري‪.163 :‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬لبي جعفر أحمد الطبري‪.237 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التفسير‪ ،‬باب ل تسألوا عن أشياء‪.6/68 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ ،‬يسري محمد‪ (5) .369 :‬صفة الصفوة‪.2/253 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫)()الزهد( للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪.108 :‬‬
‫)‪ (9) ,(8‬نفس المصدر السابق‪.112 :‬‬ ‫)( نفس المصدر السابق‪.110 :‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪9‬‬
‫)( المصدر السابق‪:‬ـ ‪.112‬‬

‫)‪ (1‬الزهد‪ ،‬للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪ (2) .108 :‬فضائل الصحابة‪ ،‬للمام‬ ‫‪10‬‬

‫أحمد‪.1/173 :‬‬

‫‪79‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫إن شخصية الصديق ‪ ‬تعتبر شخصية قيادية‪ ،‬وقد اتصف ‪‬‬
‫بصفات القائد الرباني‪ ،‬ونجملها في أمور ونركز على بعضها‬
‫بالتفصيل‪ ،‬فمن أهم هذه الصفات‪ :‬سلمة المعتقد‪ ،‬والعلم الشرعي‪،‬‬
‫والثقة بالله‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والصدق‪ ،‬والكفاءة والشجاعة‪ ،‬والمروءة‪،‬‬
‫والزهد‪ ،‬وحب التضحية‪ ،‬وحسن اختياره لمعاونيه‪ ،‬والتواضع‪ ،‬وقبول‬
‫النصيحة‪ ،‬والحلم‪ ،‬والصبر‪ ،‬وعلو الهمة‪ ،‬والحزم‪ ،‬والرادة القوية‪،‬‬
‫والعدل‪ ،‬والقدرة على حل المشكلت‪ ،‬والقدرة على التعليم وإعداد‬
‫القادة‪ ،‬وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة‬
‫المكية في صحبته للنبي ×‪ ،‬وفي العهد المدني في غزواته مع‬
‫رسول الله وحياته في المجتمع‪ ،‬وظهر البعض الخر لما تسلم قيادة‬
‫الدولة وأصبح خليفة رسول الله ×؛ فقد استطاع بتوفيق الله تعالى‬
‫وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية أن يحافظ على‬
‫الدولة ويقمع حركة الردة‪ ،‬وينتقل بفضل الله وتوفيقه بالمة نحو‬
‫أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة‪ ،‬ومن أهم تلك الصفات التي‬
‫نحاول تسليط الضواء عليها في هذا المبحث‪ :‬إيمانه بالله العظيم‪،‬‬
‫وعلمه الراسخ‪ ،‬وكثرة دعائه وتضرعه لله تعالى‪.‬‬
‫‪ -1‬عظمة إيمانه بالله تعالى‪:‬‬
‫كان إيمان الصديق بالله عظيمًا‪ ،‬فقد فهم حقيقة اليمان‬
‫وتغلغلت كلمة التوحيد في نفسه وقلبه‪ ،‬وانعكست آثارها على‬
‫جوارحه‪ ،‬وعاش بتلك الثار في حياته‪ ،‬فتحلى بالخلق الرفيعة‪،‬‬
‫وتطهر من الخلق الوضيعة‪ ،‬وحرص على التمسك بشرع الله‬
‫والقتداء بهديه ×‪ ،‬وكان إيمانه بالله تعالى باعثًا له على الحركة‬
‫والهمة والنشاط والسعي‪ ،‬والجهد والمجاهدة‪ ،‬والجهاد والتربية‪،‬‬
‫والستعلء والعزة‪ ،‬وكان في قلبه من اليقين واليمان شيء عظيم ل‬
‫يساويه فيه أحد من الصحابة‪ .‬قال أبو بكر بن عياش‪(1):‬ما سبقهم أبو‬
‫بكر بكثرة صلة ول صيام ولكن بشيء وقر في قلبه‪ .‬ولهذا قيل‪:‬‬
‫لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الرض لرجح‪ ،‬كما في السنن عن‬
‫أبي بكرة عن النبي × قال‪» :‬هل رأى أحد منكم رؤيا؟« فقال رجل‪:‬‬
‫أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت‬
‫أنت بأبي بكر‪ ،‬ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر‪ ،‬ثم وزن عمر‬
‫رسول الله ×‪،‬‬ ‫وعثمان فرجع عمر‪ ،‬ثم رفع الميزان‪ ،‬فاستاء لها‬
‫فقال‪» :‬خلفة نبوة‪ ،‬ثم يؤتى الله الملك من يشاء« )‪.(2‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬صلى رسول الله × صلة الصبح‪ ،‬ثم‬
‫أقبل على الناس فقال‪» :‬بينا رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها‬
‫التفتت إليه البقرة‪ ،‬فقالت‪ :‬إني لم أخلق لهذا‪ ،‬ولكني خلقت للحرث‪،‬‬
‫فقال الناس‪ :‬سبحان الله! )تعجًبا وفزعا( أبقرة تتكلم؟ فقال رسول‬
‫الله ×‪ :‬فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر‪ .‬قال أبو هريرة‪ :‬قال رسول‬
‫الله ×‪» :‬وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة‪،‬‬
‫فطلب حتى كأنه استنقذها منه‪ ،‬فقال له الذئب‪ :‬هذا استنقذتها مني‪،‬‬
‫فمن لها يوم السبع‪ ،‬يوم ل راعي لها غيري؟ فقال الناس‪ :‬سبحان‬
‫الله‪ ،‬ذئب يتكلم؟ قال ×‪ :‬فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر وما‬
‫‪1‬‬
‫)(‬

‫)‪ (1‬أبو داود‪ ،‬رقم‪ ،4634 :‬الترمذي رقم‪.2288 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪80‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫هما ثم«‪ (1).‬ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه‬
‫وإخلصه للسلم أحبه النبي ×‪ ،‬وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند‬
‫النبي × على غيره من الصحابة‪.‬‬
‫فعن عمرو بن العاص ‪ :‬أن النبي × بعثه على جيش ذات‬
‫السلسل‪ ،‬قال‪ :‬فأتيته فقلت‪ :‬أي الناس أحب إليك؟ قال‪» :‬عائشة«‪،‬‬
‫قال‪» :‬أبوها«‪ ،‬قلت‪ :‬ثم من؟ قال‪» :‬عمر بن‬ ‫فقلت‪ :‬من الرجال؟‬
‫الخطاب«‪ .‬فعد رجالً )‪.(2‬‬
‫وبسبب هذا اليمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده‬
‫التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله‬
‫بالجنة‪ ،‬وأنه يدعى من جميع أبوابها‪ ،‬فعن أبي موسى الشعري أنه‬
‫توضأ في بيته ثم خرج‪ ،‬فقلت‪ :‬للزمن رسول الله × ولكونن معه‬
‫يومي هذا‪ .‬قال‪ :‬فجاء المسجد فسأل عن النبي × فقالوا‪ :‬خرج‬
‫أريس‪،‬‬
‫ٍ‬ ‫ووجه ها هنا‪ ،‬فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر‬
‫فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله × حاجته‬
‫فها‬‫فتوضأ‪ ،‬فقمت إليه‪ ،‬فإذا هو جالس على بئر أريسٍ وتوسط قُ ّ‬
‫وكشف عن ساقيه ودلهما في البئر‪ ،‬فسلمت عليه ثم انصرفت‬
‫فجلست عند الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬لكونن بواب رسول الله × اليوم‪ ،‬فجاء‬
‫أبو بكر فدفع الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا‪ ،‬فقال‪ :‬أبو بكر‪ ،‬فقلت‪ :‬على‬
‫رسلك‪ ،‬ثم ذهبت فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هذا أبو بكر يستأذن‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫»ائذن له وبشره بالجنة«‪ ،‬فأقبلت حتى قلت لبي بكر‪ :‬ادخل‬
‫ورسول الله يبشرك بالجنة‪ ،‬فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول‬
‫ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ×‬ ‫)‪(3‬‬
‫الله × معه في القف‬
‫وكشف عن ساقيه‪....‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬أن رسول الله × قال‪» :‬من أنفق زوجين‬
‫من شيء من الشياء في سبيل الله دعي من أبواب )أي الجنة( يا‬
‫عبد الله هذا خير‪ ،‬فمن كان من أهل الصلة دعي من باب الصلة‪،‬‬
‫ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد‪ ،‬ومن كان من أهل‬
‫الصدقة دعي من باب الصدقة‪ ،‬ومن كان من أهل الصيام دعي من‬
‫باب الصيام وباب الريان«‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬ما على هذا الذي ُيدعى‬
‫من تلك البواب‬ ‫من تلك البواب من ضرورة‪ ،‬وقال‪ :‬هل يدعى أحد‬
‫كلها؟ قال‪» :‬نعم‪ ،‬وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر« )‪.(4‬‬
‫‪ -2‬علمه ‪:‬‬
‫)‪(5‬‬
‫كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له‪ .‬وقد اتفق‬
‫السنة على أن أبا بكر أعلم المة‪ ،‬وحكى الجماع على ذلك غير‬ ‫أهل‬
‫واحد )‪ ،(6‬وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملزمته‬
‫ونهارا‪ ،‬وسفرًا وحضرًا‪ ،‬وكان‬
‫ً‬ ‫اجتماعا به ليلً‬
‫ً‬ ‫للنبي ×؛ فقد كان أدوم‬
‫يسمر عند النبي × بعد العشاء‪ ،‬يتحدث معه في أمور المسلمين‬

‫)( مسلم‪ ،‬رقم‪.2388 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( صحيح البخاري‪ ،‬رقم‪.3662 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬البخاري‪ ،‬رقم‪.3674 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ ،‬رقم‪.3666 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (4‬الفتاوى‪.13/127 :‬‬ ‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.559 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪81‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫دون غيره من أصحابه‪ ،‬وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو‬
‫غيره‪(1‬فيعمل برأيه‬ ‫بكر في الشورى‪ ،‬وربما تكلم غيره وربما لم يتكلم‬
‫وحده‪ ،‬فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه‪ ) .‬وقد‬
‫استعمله النبي × على أول حجة حجت من مدينة النبي ×‪ ،‬وعلم‬
‫المناسك أدق ما في العبادات‪ ،‬ولول سعة علمه لم يستعمله‪ ،‬وكذلك‬
‫الصلة استخلفه عليها ولول علمه لم يستخلفه‪ ،‬ولم يستخلف غيره ل‬
‫في حج ول في صلة‪.‬‬
‫وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر‬
‫وهو أصح ما روي فيها)‪ ،(2‬وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابه ما‬
‫هو متقدم منسوخ‪ ،‬فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة‪ ،‬ولم يحفظ‬
‫له قول يخالف فيه نصًا‪ ،‬وهذا يدل على غاية البراعة والعلم‪ .‬وفي‬
‫لبي‪ (3‬بكر مسألة في الشريعة غلط فيها‪ ،‬وقد عرف‬ ‫الجملة‪ :‬ل يعرف‬
‫لغيره مسائل كثيرة‪ ).‬وكان ‪ ‬يقضي ويفتي بحضرة النبي ×‬
‫ويقره‪ ،‬ولم تكن هذه المرتبة لغيره‪ ،‬وقد بينت ذلك في سلب أبي‬
‫قتادة بحنين‪ (4) .‬وقد ظهر فضل علمه وتقدمه على غيره بعد وفاة‬
‫الرسول ×‪ ،‬فإن المة لم تختلف في وليته في مسألة إل فصلها هو‬
‫بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة‪ ،‬وذلك لكمال‬
‫علم الصديق وعدله‪ ،‬ومعرفته بالدلة التي تزيل النزاع‪ ،‬وكان إذا‬
‫أمرهم أطاعوه‪ ،‬كما بين لهم موت النبي × وتثبيتهم على اليمان‪ ،‬ثم‬
‫بين لهم موضع دفنه‪ ،‬وبين لهم ميراثه‪ ،‬وبين لهم قتال مانعي الزكاة‬
‫لما استراب فيه عمر‪ ،‬وبين لهم أن الخلفة في قريش‪ ،‬وتجهيز‬
‫عبدا خيره الله بين الدنيا والخرة هو‬
‫ً‬ ‫جيش أسامة‪ ،‬وبين لهم أن‬
‫رسول الله × )‪ ،(5‬وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫ولقد رأى رسول الله × له رؤيا تدل على علمه؛ فعن عبد الله‬
‫سا مملوًءا‬ ‫بن عمر قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬رأيت كأني أعطيت عُ ّ‬
‫لبًنا‪ ،‬فشربت منه حتى تملت‪ ،‬فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد‬
‫واللحم‪ ،‬ففضلت منها فضلة‪ ،‬فأعطيتها أبا بكر«‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسول‬
‫تملت‪(6‬منه‪ ،‬فضلت فضلة‬
‫)‬
‫الله‪ ،‬هذا علم أعطاكه الله حتى إذا‬
‫فأعطيتها أبا بكر‪ ،‬فقال ×‪» :‬قد أصبتم«‪.‬‬
‫وكان الصديق ‪ ‬يرى أن الرؤيا حق‪ ،‬وكان يجيد تأويلها‪ ،‬وكان‬
‫يقول إذا أصبح‪ :‬من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها‪ .‬وكان يقول‪ :‬لن‬
‫ي من كذا وكذا‪.‬‬ ‫يرى رجل مسلم مسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إل ّ‬ ‫)‪(7‬‬

‫رجل أتى‬
‫ً‬ ‫ومما عبره × من الرؤى ما يلي‪ :‬عن ابن عباس ‪ ‬أن‬
‫رسول الله فقال‪ :‬إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن‬
‫والعسل‪ ،‬فأرى الناس يتكففون منها‪ ،‬فالمستكثر والمستقل‪ ،‬وإذا‬
‫سبب واصل من الرض إلى السماء‪ ،‬فأراك أخذت به فعلوت‪ ،‬ثم‬

‫أبو بكر الصديق‪ :‬محمد مال الله‪ (6) .335 ،334 :‬البخاري‪ ،‬رقم‪.1448 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪60 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (3‬نفس المصدر السابق‪.59 :‬‬ ‫نفس المصدر السابق‪.57 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫الحسان في تقريب صحيح ابن حبان‪.15/269 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد عاشور‪ ،‬جمال الكومي‪.155 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪82‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫صل‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬ ‫أخذ به رجل آخر فانقطع‪ ،‬ثم وُ ِ‬
‫بأبي أنت‪ ،‬والله لتدعني فأعبرهما‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬اعبرها«‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أما الظلة فالسلم‪ ،‬وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن‪،‬‬
‫حلوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل‪ ،‬وأما السبب‬
‫الواصل من السماء إلى الرض فالحق الذي أنت عليه‪ ،‬تأخذ به‬
‫ُفيعليك الله‪ ،‬ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به‪ ،‬ثم يأخذ رجل آخر فيعلو‬
‫به‪ ،‬فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت‪ ،‬أصبت أم أخطأت؟ قال النبي‬
‫ضا«‪ ،‬قال‪ :‬فوالله لتحدثني بالذي‬ ‫ضا وأخطأت بع ً‬ ‫×‪» :‬أصبت بع ً‬
‫أخطأت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫»ل تقسم«‪.‬‬
‫وعن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلثة‬
‫أقمار‪ ،‬فقصتها على أبي بكر ‪-‬وكان من أعبر الناس‪ -‬فقال‪ :‬إن‬
‫صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك من خير أهل)‪(2‬الرض ثلثة‪ ،‬فلما قبض‬
‫النبي × قال‪» :‬يا عائشة)‪(3‬هذا خير أقمارك«‪ .‬فقد كان الصديق ‪‬‬
‫أعبر هذه المة بعد نبيها ‪.‬‬
‫ومع كونه ‪ ‬من أعلم الصحابة إل أنه من أبعد الناس عن‬
‫و َ ِ َ ً‬
‫ة‬ ‫ه‬ ‫ك‬ ‫فا‬ ‫التكلف‪ ،‬فعن إبراهيم النخعي قال‪ :‬قرأ أبو بكر الصديق ‪َ +‬‬ ‫َ‬
‫ب؟ فقيل‪ :‬كذا وكذا‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬إن‬ ‫وأّبا" ]عبس‪ ،[31 :‬فقيل‪ :‬ما ال ّ‬ ‫َ‬
‫التكلف‪(4،‬أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب‬ ‫لهو‬ ‫هذا‬
‫الله ما ل أعلم ) ‪.‬‬
‫‪ -3‬دعاؤه وشدة تضرعه‪:‬‬
‫إن الدعاء باب عظيم‪ ،‬فإن فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات‬
‫وانهالت عليه البركات‪ ،‬ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله‬
‫وكثرة الدعاء‪ .‬كما أن الدعاء من أعظم وأقوى َعوامل النصر على‬
‫ن‬‫م إِ ّ‬ ‫ب ل َك ُ ْ‬ ‫ج ْ‬ ‫ست َ ِ‬‫عوِني أ ْ‬
‫ُ‬
‫م ادْ ُ‬ ‫ل َرب ّك ُ ْ‬ ‫قا َ‬ ‫و َ‬
‫العداء‪ ،‬قال ْتعالى‪َ + :‬‬
‫ن"‬ ‫ري‬ ‫خ‬ ‫دا‬
‫َ َ َ ّ َ َ ِ ِ َ‬ ‫م‬ ‫ن‬‫ه‬ ‫ج‬ ‫ن‬‫لو‬ ‫خ‬
‫ُ‬ ‫ع ْ ِ َ َ ِ َ َ َ ْ‬
‫د‬ ‫ي‬ ‫س‬ ‫تي‬ ‫د‬ ‫با‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫ن َ‬ ‫ست َكب ُِرو َ‬‫ن يَ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫ب‬ ‫ري‬
‫ِ ٌ‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫ني‬ ‫ِّ‬ ‫إ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ني‬ ‫ّ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫دي‬ ‫با‬
‫ِ َ ِ‬ ‫ع‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫أ‬‫س‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ذا‬ ‫إ‬
‫َ ِ‬‫و‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫وقال‬ ‫‪،‬‬ ‫[‬‫‪60‬‬ ‫]غافر‪:‬‬
‫ول ْي ُ ْ‬ ‫ُ‬
‫مُنوا ِبي‬ ‫ؤ ِ‬ ‫جيُبوا ِلي َ‬ ‫ست َ ِ‬ ‫فل ْي َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫عا ِ‬ ‫ذا دَ َ‬‫ع إِ َ‬
‫دا ِ‬‫وةَ ال ّ‬‫ع َ‬‫ب دَ ْ‬ ‫جي ُ‬‫أ َ ِّ‬
‫ن"‬
‫دو َ‬ ‫ش ُ‬‫م ي َْر ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫عل ُ‬‫ل َ‬
‫]البقرة‪.[186 :‬‬
‫ل الله × ورأى كيف كان رسول الله‬ ‫ولقد لزم الصديق رسو َ‬
‫يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه‪ ،‬وقد حرص الصديق‬
‫على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله ×‪ ،‬وأن يكون دعاؤه‬
‫وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله ×‪ ،‬ويرتضيها؛ إذ‬
‫ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح‬
‫والصلة على النبي × صيًغا أخرى‪ ،‬مهما كانت في ظاهرها حسنة‬
‫الخير‪ ،‬والهادي إلى‬ ‫اللفظ جيدة المعنى؛ لن رسول الله × هو معلم‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬وهو أعرف بالفضل والكمل‪ (5).‬وقد جاء في‬
‫)‪ (2‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.129 :‬‬ ‫البخاري‪ ،‬كتاب التعبير‪.7046 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫نفس المصدر السابق‪.130 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫فتح الباري‪ ،13/285 :‬فيه انقطاع بين إبراهيم النخعي وأبي بكر‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫أبو بكر الصديق‪ ،‬لعلي طنطاوي‪.207 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪83‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الصحيحين أن أبا بكر الصديق ‪ ‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬علمني دعاًء‬
‫ما كثيًرا‬ ‫أدعو به في صلتي‪ ،‬قال‪» :‬قل‪ :‬اللهم إني ظلمت نفسي ظل ً‬
‫أنت فاغفر لي مغفرة من عندك‪ ،‬وارحمني إنك‬ ‫ول يغفر الذنوب إل‬
‫أنت الغفور الرحيم« )‪.(1‬‬
‫ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى‬
‫المغفرة‪ ،‬وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه ل يقدر على هذا المطلوب‬
‫غيره‪ ،‬وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه‪ ،‬وفيه بيان المقتضي‬
‫وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة‪ ،‬فهذا ونحوه أكمل أنواع‬ ‫للجابة‪،‬‬
‫الطلب )‪.(2‬‬
‫وجاء في السنن عن أبي بكر ‪ ‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬علمني‬
‫دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت‪ ،‬فقال‪» :‬قل‪ :‬اللهم فاطر‬
‫السماوات والرض‪ ،‬عالم الغيب والشهادة‪ ،‬رب كل شيء ومليكه‪ ،‬أشهد‬
‫كه‪،‬‬ ‫شَر ِ‬ ‫أن ل إله إل أنت‪ ،‬أعوذ بك من شر نفسي‪ ،‬ومن شر الشيطان و َ‬
‫أجره إلى مسلم‪ ،‬قله إذا أصبحت وإذا‬ ‫)‪(3‬‬
‫وأن أقترف على نفسي سوًءا أو‬
‫أمسيت وإذا أخذت مضجعك«‪.‬‬
‫فقد تعلم الصديق من رسول الله × أنه ليس لحد أن يظن‬
‫استغناءه عن التوبة إلى الله والستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد‬
‫عَلى‬ ‫ةَ َ‬ ‫مان َ َ‬ ‫ضَنا ْال َ‬ ‫عَر ْ‬ ‫محتاج إلى ذلك َدائمًا‪ ،‬قال تعالى‪+َ :‬إ ِّنا َ َ‬
‫ن‬‫َ‬ ‫ق‬ ‫ْ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ش‬ ‫ْ‬ ‫أ‬‫و‬‫َ َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ح‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫أن‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫فأب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬ ‫جَبا ِ‬ ‫وال ْ ِ‬ ‫ض َ‬ ‫والْر ِ‬ ‫ت َ َ‬ ‫وا ِ‬ ‫م َ‬ ‫س َ‬ ‫ال ّ‬
‫ما‬‫ْ ً‬ ‫لو‬ ‫ظ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫ه‬ ‫ّ‬
‫ِ َ ْ ِ ُ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫سا‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ها‬ ‫من ْ َ َ َ َ‬
‫ل‬ ‫م‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫و‬ ‫ها‬ ‫ِ‬
‫ن‬‫كي َ‬ ‫ر ِ‬ ‫ِ‬ ‫ش‬ ‫ْ‬ ‫م‬
‫ْ َ ُ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫ت‬ ‫ِ‬ ‫قا‬‫َ‬ ‫ف‬
‫ِ‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ل‬
‫ْ َ ُ‬ ‫وا‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫قي‬‫ِ‬ ‫ف‬‫ِ‬ ‫نا‬‫َ‬ ‫م‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ب‬
‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ذ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬‫ِ‬ ‫ل‬ ‫‪‬‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫هو‬ ‫ُ‬ ‫ج‬
‫َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬ ‫و َ‬ ‫ت َ‬ ‫مَنا ِ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫م ْ‬‫وال ُ‬ ‫ن َ‬ ‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬‫م ْ‬ ‫عَلى ال ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ب الل ُ‬ ‫وي َُتو َ‬ ‫ت َ‬ ‫كا ِ‬ ‫ر َ‬ ‫ش ِ‬ ‫م ْ‬ ‫وال ْ ُ‬ ‫َ‬
‫ما" ]الحزاب‪ ،[73 ،72 :‬فالنسان ظالم جاهل‪ ،‬وغاية‬ ‫حي ً‬ ‫فوًرا ّر ِ‬ ‫غ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫الل ُ‬
‫المؤمنين‬
‫والمؤمنات التوبة‪.‬‬
‫وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته‬
‫لهم‪ ،‬وثبت في الصحيحين عن النبي × أنه قال‪» :‬لن يدخل الجنة‬
‫أنت يا رسول الله؟ قال‪» :‬ول أنا إل أن‬ ‫أحد بعمله«‪ ،‬قالوا‪ :‬ول‬
‫برحمته«‪ (4) .‬وهذا ل ينافي قوله تعالى‪+ :‬ك ُُلوا‬ ‫اللهِنيًئا بما أ َ‬ ‫يتغمدني‬
‫ة" ]الحاقة‪،[24 :‬‬ ‫خال ِي َ ِ‬ ‫في الّيام ِ ال ْ َ‬ ‫م ِ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫ف‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫س‬‫ْ‬ ‫ِ َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫بوا‬ ‫شَر ُ‬ ‫وا ْ‬ ‫َ‬
‫فإن الرسول نفى باء المقابلة والمعادلة‪ ،‬والقرآن أثبت باء السبب‪.‬‬
‫وقول من قال‪ :‬إذا أحب الله عبدًا لم تضره الذنوب‪ ،‬معناه‪ :‬أنه إذا‬
‫عبدا ألهمه التوبة والستغفار فلم يصر على الذنوب‪ ،‬ومن ظن‬ ‫ً‬ ‫أحب‬
‫أن الذنوب ل تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة‬
‫والئمة‪ ،‬فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره‪ ،‬ومن يعمل‬ ‫وإجماع السلف‬
‫مثقال ذرة شرًا يره )‪.(5‬‬
‫كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى‪ ،‬شديد التضرع‪ ،‬كثير التوجه‬
‫لله‪ ،‬ل ينفك عن الدعاء في كل أحيانه‪ .‬وقد نقل إلينا بعض أدعيته‬
‫مسلم‪ ،‬الذكر والدعاء‪ ،‬رقم‪ .2705 :‬البخاري‪ ،‬رقم‪.843 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الفتاوى‪.9/146 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫أبو داود في الدب‪ ،‬رقم‪ .5067 :‬الترمذي في الدعوات‪ ،‬رقم‪.3529 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البخاري في الرقاق‪ ،‬رقم‪.6463 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الفتاوى‪.11/142 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪84‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫وتضرعاته‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫أ‪ -‬أسألك تمام النعمة في الشياء كلها‪ ،‬والشكر لك عليها حتى‬
‫تكون إليه الخيرة‪ ,‬بجميع‬ ‫ترضى‪ ،‬وبعد الرضا‪ ،‬والخيرة في جميع ما‬
‫ميسور المور كلها‪ ،‬ل بمعسورها يا كريم )‪.(1‬‬
‫ب‪ -‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في‬
‫تعطيني من الخير رضوانك‬ ‫عاقبة الخير‪ .‬اللهم اجعل آخر ما‬
‫والدرجات الُعلى من جنات النعيم )‪.(2‬‬
‫اجعل خير عمري آخره‪ ،‬وخير‬ ‫ج‪ -‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم‬
‫عملي خواتمه‪ ،‬وخير أيامي يوم ألقاك )‪.(3‬‬
‫وكان إذا سمع أحدا يمدحه من الناس يقول‪ :‬اللهم أنت أعلم من‬ ‫د‪-‬‬
‫خيرًمما يظنون‪ ،‬واغفر لي‬ ‫اجعلني ا‬ ‫اللهم‬ ‫منهم‪،‬‬ ‫بنفسي‬ ‫أعلم‬ ‫وأنا‬ ‫نفسي‪،‬‬
‫ما ل يعلمون‪ ،‬ول تؤاخذني بما يقولون )‪.(4‬‬
‫وهذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليه باليجاز‪،‬‬
‫وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاة النبي ×‪،‬‬
‫وكيف قام مقامًا لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه‪ ،‬ثم تربيته‬
‫العميقة وإيمانه العظيم وعلمه الراسخ وتتلمذه على يدي رسول الله‬
‫×‪ ،‬فقد أحسن الجندية‪ ،‬وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده‬
‫العظيم عليه أفضل الصلة والسلم‪ ،‬فلما أصبح خليفة للمة استطاع‬
‫أن يقود سفينة السلم إلى شاطئ المان رغم العواصف الشديدة‪،‬‬
‫والمواج المتلطمة‪ ،‬والفتن المظلمة‪.‬‬
‫***‬

‫)( )الشكر( لبن أبي الدنيا‪ ،‬رقم‪ ،109 :‬نقل عن خطب أبي بكر‪.39 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( خطب أبي بكر الصديق‪.139 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (5‬أسد الغابة‪:‬‬ ‫)( كنز العمال رقم‪ ،5030 :‬نقل عن خطب أبي بكر‪.39 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.3/324‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪85‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫وفاة الرسول ×‪ ،‬وسقيفة بني ساعدة‪ ،‬وجيش‬
‫أسامة‬
‫المبحث الول‬
‫وفاة الرسول × وسقيفة بني ساعدة‬
‫ل‪ :‬وفاة الرسول ×‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫إن الرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض ما يكون مخبوءًا وراء‬
‫حجب الغيب بقدرة الله تعالى‪ ،‬والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث‬
‫صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان‪ ،‬والعقول‬
‫الذكية المستنيرة بنور اليمان لتدرك ما وراء اللفاظ والحداث من‬
‫الصفات الحظ الوفر‪،‬‬
‫)‪(1‬‬
‫إشارات وتلميحات‪ ،‬ولنبينا محمد × من هذه‬
‫وهو منها بالمحل الرفع الذي ل يسامى ول يطاول‪.‬‬
‫ولقد جاءت بعض اليات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي‬
‫×‪ ،‬وأنه كغيره من البشر‪ ،‬وسوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما‬
‫ذاقه من قبل إخوانه من النبياء‪ ،‬ولقد فهم × من بعض اليات‬
‫اقتراب أجله‪ ،‬وقد أشار × في طائفة من الحاديث الصحيحة إلى‬
‫اقتراب وفاته‪ ،‬منها ما هو صريح الدللة على الوفاة ومنها ما ليس‬
‫كذلك؛ حيث لم‬
‫يشعر ذلك منها إل الحاد من كبار الصحابة الجلء كأبي بكر والعباس‬
‫ومعاذ‬
‫رضي الله عنهم )‪.(2‬‬
‫مرض رسول الله × وبدء الشكوى‪:‬‬
‫رجع رسول الله × من حجة الوداع في ذي الحجة‪ ،‬فأقام‬
‫بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا من العام العاشر‪ ،‬فبدأ بتجهيز جيش‬
‫مر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة‪ ،‬وأمره أن يتوجه نحو‬ ‫أسامة وأ ّ‬
‫البلقاء وفلسطين‪ ،‬فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والنصار‪ ،‬وكان‬
‫أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة‪ ،‬وتكلم البعض في تأميره وهو‬
‫مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والنصار‪ ،‬فلم يقبل‬
‫الرسول × طعنهم في إمارة أسامة )‪ ،(3‬فقال ×‪» :‬إن يطعنوا في‬
‫قا للمارة‪،‬‬ ‫إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه‪ ،‬وايم الله إن كان لخلي ً‬
‫ي‬
‫ّ‬ ‫إل‬ ‫الناس‬ ‫ي‪ ،‬وإن ابنه هذا لمن أحب‬ ‫كان‪(4‬من أحب الناس إل ّ‬
‫)‬
‫وإن‬
‫بعده«‪.‬‬
‫وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدى رسول‬
‫انظر‪ :‬السيرة النبوية لبي شهبة‪.2/587 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫انظر‪ :‬مرض النبي ووفاته‪ ،‬خالد أبو صالح‪.33 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫انظر‪ :‬السيرة النبوية الصحيحة‪.2/552 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬رقم‪.4469 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪86‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الله × شكواه الذي ُقبض فيه‪ ،‬وقد حدثت حوادث ما بين مرضه‬
‫ووفاته‪ ،‬منها‪ :‬زيارته قتلى أحد وصلته عليهم))‪ ،((21‬واستئذانه أن يمرض‬
‫في بيت عائشة‪ ،‬وشدة المرض الذي نزل به ‪ ،‬وأوصى × بإخراج‬
‫الوفد)‪ (3‬ونهى عن اتخاذ قبره‬ ‫)‪(5‬‬
‫المشركين من جزيرة العرب وإجازة‬
‫وما ملكت‬ ‫)‪(7‬‬
‫بالصلة‬ ‫وأوصي‬ ‫بالله‬ ‫مسجدًا))‪ ،((64‬وأوصي بإحسان الظن‬
‫ين بأنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إل الرؤيا ‪ ،‬وأوصي‬ ‫أيمانكم ‪ ،‬وب ّ‬
‫دا‬‫بالنصار خيرًا)‪ (8‬وخطب × في أيام مرضه فقال‪» :‬إن الله خّير عب ً‬
‫بين الدنيا وبين ما عند الله‪ ،‬فاختار ذلك العبد ما عند الله«‪ ،‬فبكى أبو‬
‫بكر‪ ،‬فقال أبو سعيد الخدري ‪-‬رضي الله عنه‪ :-‬فعجبنا لبكائه أن يخبر‬
‫الرسول × عن خير‪ ،‬فكان رسول الله × هو المخير‪ ،‬وكان أبو بكر‬
‫ي صحبته وماله أبو‬ ‫ن الناس عل ّ‬ ‫م ّ‬
‫أعلمنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬إن أ َ‬
‫أخوة‬
‫)‪(9‬‬
‫ولكن‬ ‫بكر‪،‬‬ ‫أبا‬ ‫لتخذت‬ ‫ذا خليل ً غير ربي‬
‫بكر‪ ،‬ولو كنت متخ ً‬
‫السلم ومودته‪ .‬ل يبقين في المسجد باب إل باب أبي بكر« ‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر‪ :‬وكأن أبو بكر ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬فَِهم الرمز‬
‫الذي أشار به النبي × من قرينة ذكره ذلك في مرض موته‪،‬‬
‫فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى)‪ ،(10‬ولما اشتد المرض‬
‫بالنبي × وحضرته الصلة فأذّن بلل قال النبي ×‪» :‬مروا أبا بكر‬
‫فليصل«‪ ،‬فقيل‪ :‬إن أبا بكر رجل أسيف)‪ ،(11‬إذا قام مقامك لم يص ّ‬
‫ل‬
‫بالناس‪ ،‬وأعاد فأعادوا له الثالثة‪ ،‬فقال‪» :‬إنكن صواحب يوسف)‪، (12‬‬
‫مروا أبا بكر فليصل«‪ .‬فخرج أبو بكر فوجد النبي × في نفسه خفة‪،‬‬
‫فخرج يهادي بين رجلين‪ ،‬كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع‪،‬‬
‫فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي × أن مكانك‪ ،‬ثم أتي به حتى‬
‫جلس إلى جنبه‪ .‬قيل للعمش‪ :‬فكان النبي × يصلي بصلته والناس‬
‫يصلون بصلة أبي بكر‪ ،‬فقال برأسه‪ :‬نعم‪ (13).‬واستمر أبو بكر يصلي‬
‫بالمسلمين‪ ،‬حتى إذا كان يوم الثنين‪ ،‬وهم صفوف في صلة الفجر‪،‬‬
‫كشف النبي × ستر الحجرة ينظر إلى المسلمين وهم وقوف أمام‬
‫ربهم‪ ،‬ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده‪ ،‬وكيف نشأت أمة‬
‫تحافظ على الصلة‪ ،‬وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته‪ ،‬وقد قرت‬
‫عينه بهذا المنظر البهيج‪ ،‬وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داع‬
‫قبله‪ ،‬واطمأن أن صلة هذه المة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة‬
‫دائمة ل تقطعها وفاة نبيها‪ ،‬فمليء من السرور ما الله به عليم‪،‬‬
‫)‪(14‬‬
‫واستنار وجهه وهو منير‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬باب الصلة على الشهيد‪ ،‬رقم‪.1344 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (5‬البخاري‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫)( صحيح السيرة النبوية‪.695 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪.3053‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( صحيح السيرة النبوية ص ‪ .712‬البخاري‪ ،‬كتاب الصلة‪ ،‬رقم‪.435 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الجنة‪ ،‬رقم‪.288 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( سنن ابن ماجة‪ ،‬كتاب الوصايا‪ ،901 – 2/900 :‬رقم‪.2697 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (10‬البخاري‪ :‬كتاب مناقب النصار‪،‬‬ ‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الصلة‪.1/348 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫رقم‪.3799 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪ (12) .3654 :‬فتح الباري‪.7/16 :‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)( أسيف‪ :‬من السف‪ ،‬وهو شدة الحزن‪ ،‬والمراد أنه رقيق القلب‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫)( والمراد‪ :‬أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلف ما في الباطن‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الذان‪ ،‬رقم‪ (3) .712 :‬السيرة النبوية للندوي‪ :‬ص ‪.401‬‬ ‫‪13‬‬
‫‪14‬‬

‫‪87‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫يقول الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ :-‬كشف النبي × ستر حجرة‬
‫عائشة ينظر إلينا وهو قائم‪ ،‬وكأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم‬
‫يضحك‪ ،‬فهممنا أن نفتتن من الفرح‪ ،‬وظننا أن النبي × خارج إلى‬
‫الصلة فأشار إلينا أن أتموا صلتكم‪ ،‬ودخل الحجرة وأرخى الستر)‪،(1‬‬
‫وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم‪ ،‬ودخل أبو بكر على ابنته‬
‫عائشة وقال‪ :‬ما أرى رسول الله إل قد أقلع عنه الوجع‪ ,‬وهذا يوم‬
‫سنح)‪ ،(2‬فركب على‬ ‫زوجتيه‪ -‬وكانت تسكن بال ّ‬ ‫بنت خارجة ‪-‬إحدى‬
‫)‪(3‬‬
‫فرسه وذهب إلى منزله ‪.‬‬
‫واشتدت سكرات الموت بالنبي ×‪ ،‬ودخل عليه أسامة بن زيد‬
‫وقد صمت فل يقدر على الكلم‪ ،‬فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم‬
‫يضعها على أسامة‪ ،‬فعرف أنه يدعو له‪ ،‬وأخذت السيدة عائشة‬
‫ل الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها)‪ ،(4‬ونحرها‪ ،‬فدخل‬ ‫رسو َ‬
‫عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك‪ ،‬فجعل رسول الله ينظر إليه‪،‬‬
‫فقالت عائشة‪ :‬آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم‪ ،‬فأخذته من أخيها ثم‬
‫مضغته ولينته وناولته إياه‪ ،‬فاستاك به كأحسن ما يكون الستياك‪،‬‬
‫وكل ذلك وهو ل ينفك عن قوله‪» :‬في الرفيق العلى«‪ (5).‬وكان ×‬
‫بجانبه ركوة ماء أو علبة فيها ماء‪ ،‬فيمسح بها وجهه ويقول‪» :‬ل إله‬
‫إل الله‪ ...‬إن للموت سكرات« ثم نصب يده فجعل يقول‪» :‬في‬
‫الرفيق العلى«‪ ،‬حتى قبض ومالت يده‪ (6).‬وفي لفظ أن النبي ×‬
‫كان يقول‪» :‬اللهم أعني على سكرات الموت« )‪.(7‬‬
‫وفي رواية‪ :‬أن عائشة سمعت النبي × وأصغت إليه قبل أن‬
‫الظهر يقول‪» :‬اللهم اغفر لي وارحمني‪ ،‬وألحقني‬ ‫يموت وهو مسند‬
‫بالرفيق العلى« )‪.(8‬‬
‫وقد ورد أن فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬قالت‪ :‬واكرب أباه‪ ،‬فقال‬
‫لها‪» :‬ليس على أبيك كرب بعد اليوم«‪ ،‬فلما مات قالت‪ :‬يا أبتاه‪..‬‬
‫أجاب رّبا دعاه‪ ،‬يا أبتاه‪ ..‬جنة الفردوس مأواه‪ ،‬يا أبتاه‪ ..‬إلى جبريل‬
‫قالت لنس‪ :‬كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على‬ ‫ننعاه‪ .‬فلما دفن ×‬
‫رسول الله × التراب )‪.(9‬‬
‫فارق رسول الله × الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب‪ ،‬ويرهبه‬
‫ملوك الدنيا‪ ،‬ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولدهم وأموالهم‪ ،‬وما ترك‬
‫شيئا‪ ،‬إل بغلته‬
‫ً‬ ‫عند موته دينارًا ول درهمًا‪ ،‬ول عبدًا‪ ،‬ول أمة‪ ،‬ول‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪ (5) .4448 :‬السنح‪ :‬خارج المدينة‪ ،‬كان‬ ‫‪1‬‬

‫للصديق مال فيه وبيت‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫)( انظر‪ :‬السيرة النبوية لبي شهبة‪.2/593 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( السحر‪ :‬الرئة‪ .‬النحر‪ :‬الثغرة في أسفل العنق‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪ (2) .4437 :‬نفس المصدر السابق‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪.4449‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الترمذي‪ ،‬كتاب الجنائر‪ ،‬رقم‪ (4) .978 :‬البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪.4440‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪ (6) .4462 :‬نفس المصدر السابق‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪.4461‬‬

‫‪88‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫وأرضا جعلها صدقة‪.‬‬
‫ً‬ ‫البيضاء‪ ،‬وسلحه‬
‫صاعا من شعير)‪،(2‬‬ ‫ً‬ ‫وتوفي × ودرعه مرهونة عند يهودي بثلثين‬
‫سنة إحدى‬ ‫الول‬ ‫وكان ذلك يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع‬
‫عشرة من الهجرة بعد الزوال)‪ ،(3‬وله ثلثة وستون سنة‪ (4).‬وكان أشد‬
‫اليام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين‪ ،‬ومحنة كبرى للبشرية‪،‬‬
‫كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس‪ (5).‬يقول أنس ‪:‬‬
‫المدينة‪(6‬أضاء منها كل شيء‪،‬‬ ‫كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ×‬
‫فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء‪ ).‬وبكت أم أيمن‬
‫أن‪(7‬رسول الله‬ ‫فقيل لها‪ :‬ما يبكيك على النبي؟ قالت‪ :‬إني قد علمت‬
‫× سيموت‪ ،‬ولكن إنما أبكي على الوحي الذي ُرِفع عنا ) ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها‪:‬‬
‫قال ابن رجب‪ :‬ولما توفي رسول الله × اضطرب المسلمون؛‬
‫ومنهم‬ ‫فمنهم من دهش فخولط‪ ،‬ومنهم من أقعد فلم ُيطق القيام‪،‬‬
‫من اعتقل لسانه فلم يطق الكلم‪ ،‬ومنهم من أنكر موته بالكلية )‪.(8‬‬
‫قال القرطبي مبينًا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور‪:‬‬
‫من أعظم المصائب المصيبة في الدين‪ ..‬قال رسول الله ×‪» :‬إذا‬
‫)‪(9‬‬
‫أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنها أعظم المصائب«‪.‬‬
‫وصدق رسول الله ×؛ لن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب‬
‫بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي‪ ،‬وماتت النبوة‪،‬‬
‫وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك‪ ،‬وكان أول انقطاع‬
‫الخير وأول نقصانه )‪.(10‬‬
‫وقال ابن إسحاق‪ :‬ولما توفي رسول الله × عظمت به مصيبة‬
‫المسلمين‪ ،‬فكانت عائشة فيما بلغني تقول‪ :‬لما توفي النبي ×‬
‫ارتدت العرب‪ ،‬واشرأبت اليهودية والنصرانية‪ ،‬ونجم النفاق‪ ،‬وصار‬
‫المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم )‪.(11‬‬
‫وقال القاضي أبو بكر بن العربي‪ ... :‬واضطربت الحال‪ ،‬فكان‬
‫ي فاستخفى‬ ‫موت النبي × قاصمة الظهر ومصيبة العمر‪ ،‬فأما عل ّ‬
‫في بيت فاطمة‪ ،‬وأما عثمان فسكت‪ ،‬وأما عمر فأهجر وقال‪ :‬ما‬
‫مات رسول الله‪ ،‬وإنما واعده ربه كما واعد موسى‪ ،‬وليرجعن رسول‬
‫الله‪ ،‬فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم)‪ ،(12‬ولما سمع أبو بكر الخبر‬
‫أقبل على فرس من مسكنه بالسنح‪ ،‬حتى نزل‪ ،‬فدخل المسجد‪ ،‬فلم‬
‫يكلم الناس‪ ،‬حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله × وهو‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (8‬البداية والنهاية‪.4/223 :‬‬ ‫)( السيرة النبوية للندوي‪.403 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (10‬انظر‪ :‬السيرة النبوية للندوي‪.404 :‬‬ ‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الفضائل‪.4/825 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (12‬مسلم‪.4/1907 :‬‬ ‫)( الترمذي‪ ،5/549 :‬رقم‪.3618 :‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)‪ (2‬السلسلة الصحيحة لللباني‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫)( لطائف المعارف‪.114 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪.1106‬‬ ‫‪9‬‬

‫)‪ (4‬ابن هشام‪.4/323 :‬‬ ‫)( تفسير القرطبي‪.2/176 :‬‬ ‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫)‪ (6‬البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫)( العواصم من القواصم‪.38 :‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪.4452‬‬

‫‪89‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫شى بثوب حبرة‪ ،‬فكشف عن وجهه‪ ،‬ثم أكب عليه فقبله وبكى‪،‬‬ ‫مغ ّ‬
‫ثم قال‪ :‬بأبي أنت وأمي‪ ،‬والله ل يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة‬
‫التي كتبت عليك فقد متها)‪ ،(1‬وخرج أبو بكر وعمر يتكلم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫اجلس يا عمر‪ ،‬وهو ماض في كلمه وفي ثورة غضبه‪ ،‬فقام أبو بكر‬
‫في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه‪:‬‬
‫أما بعد‪ :‬فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات‪ ،‬ومن كان‬
‫مدٌ إ ِل ّ‬ ‫ح ّ‬
‫م َ‬ ‫ما ُ‬ ‫و َ‬ ‫يعبد الله فإن الله حي ل يموت‪ ،‬ثم تل َهذه الية‪َ َ + :‬‬
‫قت ِ َ‬
‫ل‬ ‫و ُ‬ ‫تأ ْ‬ ‫ما َ‬
‫فِإن ّ‬ ‫لأ َ‬ ‫س ُ‬ ‫ه الّر ُ‬ ‫من َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬ ‫ت ِ‬ ‫خل َ َ ْ‬ ‫ل َ‬
‫قد ْ َ‬ ‫سو ٌ‬ ‫َر ُ‬
‫ضّر‬ ‫َ‬
‫ه فلن ي ّ ُ‬ ‫َ‬ ‫قب َي ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫على َ‬‫َ‬ ‫ب َ‬ ‫َ‬
‫من ي َن ْقل ِ ْ‬ ‫و َ‬‫م َ‬ ‫ُ‬
‫عقاب ِك ْ‬‫َ‬ ‫على أ ْ‬ ‫َ‬ ‫م َ‬ ‫َ‬
‫قلب ْت ُ ْ‬ ‫ان ْ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ [144 :‬فنشج‬ ‫ري َ‬ ‫شاك ِ ِ‬‫ه ال ّ‬ ‫زي الل ُ‬ ‫ج ِ‬ ‫س(ي َ ْ‬ ‫و َ‬ ‫ً‬
‫شي ْئا َ‬ ‫ه َ‬ ‫الل َ‬
‫الناس يبكون )‪. 2‬‬
‫قال عمر‪ :‬فوالله ما سمعت أبا بكر تلها‪ ،‬فهويت إلى الرض ما‬
‫تحملني قدماي‪ ،‬وعلمت أن رسول الله قد مات‪ (3).‬قال القرطبي‪:‬‬
‫هذه الية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته؛ فإن الشجاعة‬
‫والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب‪ ،‬ول مصيبة أعظم‬
‫من موت النبي ×‪ ،‬فظهرت شجاعته وعلمه‪ ،‬قال الناس‪ :‬لم يمت‬
‫رسول الله ×‪ ،‬منهم عمر‪ ،‬وخرس عثمان‪ ،‬واستخفى علي‪،‬‬
‫واضطرب المر‪ ،‬فكشفه الصديق بهذه الية حين قدومه من مسكنه‬
‫بالسنح )‪.(4‬‬
‫وبهذه الكلمات القلئل‪ ،‬واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج‬
‫الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعًا‬
‫جميل‪ ،‬فالله هو الحي وحده الذي ل يموت‪ ،‬وأنه وحده الذي يستحق‬ ‫ً‬
‫)‪(5‬‬
‫العبادة‪ ،‬وأن السلم باق بعد موت محمد × ‪ ،‬كما جاء في رواية‬
‫من قول الصديق‪ :‬إن دين الله قائم‪ ،‬وإن كلمة الله تامة‪ ،‬وإن الله‬
‫ناصر من نصره‪ ،‬ومعز دينه‪ ،‬وإن كتاب الله بين أظهرنا‪ ،‬وهو النور‬
‫والشفاء‪ ،‬وبه هدى الله محمدًا × وفيه حلل الله وحرامه‪ ،‬والله ل‬
‫نبالي من أجلب علينا من خلق الله‪ .‬إن سيوف الله لمسلولة ما‬
‫وضعناها بعد‪ ،‬ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله‪ ،‬فل‬
‫يبغين أحد إل‬
‫على نفسه)‪.(6‬‬
‫شديد ا‪ ،‬ومن خللها‬
‫ً‬ ‫كان موت محمد × مصيبة عظيمة‪ ،‬وابتلءً‬
‫وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للمة‪ ،‬فذ ل نظير له ول‬
‫مثيل )‪ ، (7‬فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ‬
‫الحقائق فيه‪ ،‬فعرف حقيقة العبودية والنبوة والموت‪ ،‬وفي ذلك‬
‫‪1‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم‪ (2) .3668 :‬البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫رقم‪.4454 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (4‬استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬جمال عبد‬ ‫)( تفسير القرطبي‪.4/22 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫الهادي‪.160 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (6‬أبو بكر رجل الدولة‪ ،‬مجدي حمدي‪:‬‬ ‫)( دلئل النبوة للبيهقي‪.7/218 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.26 ،25‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪90‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الموقف العصيب ظهرت حكمته ‪ ، ‬فانحاز بالناس إلى التوحيد‬
‫»من كان يعبد الله فإن الله حي ل يموت«‪ ،‬وما زال التوحيد في‬
‫طري ا‪ ،‬فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا‬ ‫ً‬ ‫ضا‬‫قلوبهم غ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫إلى الحق‪.‬‬
‫تقول عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬فوالله لكأن الناس لم يكونوا‬
‫يعلمون أن الله أنزل هذه الية حتى تلها أبو بكر ‪ ،‬فتلقاها منه‬
‫الناس‪ ،‬فما يسمع بشر إل يتلوها )‪.(2‬‬
‫ثالًثا‪ :‬سقيقة بني ساعدة‪:‬‬
‫لما علم الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬بوفاة رسول الله × اجتمع‬
‫النصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه‪ ،‬وهو يوم الاثنين‬
‫الثاني عشر من شهر ربيع الول من السنة الحادية عشرة للهجرة‪،‬‬
‫وتداولوا المر بينهم في اختيار من يلي الخلفة من بعده )‪.(3‬‬
‫والتف النصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة ‪ ، ‬ولما بلغ‬
‫خبر اجتماع النصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين‪ ،‬وهم‬
‫مجتمعون مع أبي بكر الصديق ‪ ‬لترشيح من يتولى الخلفة )‪،(4‬‬
‫قال المهاجرون لبعضهم‪ :‬انطلقوا بنا إلى إخواننا من النصار‪ ،‬فإن‬
‫نصيبا‪ (5).‬قال عمر ‪ : ‬فانطلقنا نريدهم‪ ،‬فلما‬ ‫ً‬ ‫لهم في هذا الحق‬
‫دنونا منهم لقينا منهم رجلين صالحين‪ ،‬فذكر ما تمال عليه القوم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا‪ :‬نريد إخواننا هؤلء‬
‫من النصار‪ ،‬فقال‪ :‬ل عليكم أن ل تقربوهم‪ ،‬اقضوا أمركم‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫والله لنأتينهم)‪ ، (6‬فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة‪،‬‬
‫فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا؟ فقالوا‪ :‬هذا‬
‫قليل‬
‫ً‬ ‫سعد بن عبادة‪ ،‬فقلت‪ :‬ما له؟ قالوا‪ :‬يوعك‪ .‬فلما جلسنا‬
‫تش ّ هد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪ :‬أما بعد‪،‬‬
‫فنحن أنصار الله وكتيبة السلم‪ ،‬وأنتم ‪-‬معشر المهاجرين‪ -‬رهط‪،‬‬
‫وقد دفت دافة من قومكم)‪ ، (7‬فإذا هم يريدون أن يختزلونا من‬
‫أصلنا وأن يحضن ونا من المر )‪ (8‬فلما سكت أردت أن أتكلم‬
‫‪-‬وكنت قد ز ّورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي‬
‫بكر‪ -‬وكنت أدا ري منه بعض الحد‪ ،‬فلما أردت أن أتكلم قال أبو‬
‫س ِ لك‪ ،‬فكرهت أن أغضبه‪ ،‬فتكلم أبو بكر‪ ،‬فكان هو‬ ‫بكر‪ :‬على َر ْ‬
‫أحلم مني وأوقر‪ ،‬والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إل‬
‫قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت‪ ،‬فقال‪ :‬ما ذكرتم‬
‫فيكم من خير فأنتم له أهل‪ ،‬ولن يعرف هذا المر إل لهذا الحي‬
‫من قريش‪ ،‬هم أوسط العرب نسبا ودا ً را‪ ،‬وقد رضيت لكم هذين‬
‫الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ‪-‬فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح‬
‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪ (2) .160 :‬البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬رقم‪،1241 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.1242‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (4‬عصر الخلفة الراشدة للعمري‪.40 :‬‬ ‫)( التاريخ السلمي‪.9/21 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( عصر الخلفة الراشدة للعمري‪.40 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( الرجلن هما‪ :‬عويم بن ساعدة‪ ،‬ومعن بن عدي رضي الله عنهما‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (8‬أي‪ :‬يخرجونا من أمر الخلفة‪.‬‬ ‫)( أي‪ :‬عدد قليل‪.‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪91‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫وهو جالس بيننا‪ -‬فلم أكره مما قال غيرها‪ ،‬والله أن أقدم‬
‫فتضرب عنقي ل يقربني ذلك من إثم أحب إل ّي من أن أتأمر على‬
‫قوم فيهم أبو بكر‪ ،‬اللهم إل أن تسول إل ّي نفسي عند الموت‬
‫شيئ ا ل أجده الن‪.‬‬
‫ً‬
‫)‪(1‬‬
‫جب ‪،‬‬ ‫جذيلها المحكك‪ ،‬وعذيقها المر ّ‬ ‫فقال قائل من النصار‪ :‬أنا ُ‬
‫منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش‪ ،‬فكثر اللغط‪ ،‬وارتفعت‬
‫فقلت‪ :‬ابسط يدك‪ ،‬فبايعته‬ ‫الصوات‪ ،‬حتى فرقت من الختلف‬
‫وبايعه المهاجرين‪ ،‬ثم بايعته النصار )‪.(2‬‬
‫وفي رواية أحمد‪ ..»:‬فتكلم أبو بكر ‪ ‬فلم يترك شيئًا أنزل في‬
‫النصار ول ذكره رسول الله × من شأنهم إل وذكره‪ ،‬وقال‪ :‬ولقد‬
‫وادًيا وسلكت النصار‬ ‫علمتم أن رسول الله × قال‪» :‬لو سلك الناس‬
‫وادًيا سلكت وادي النصار«‪ ،‬ولقد علمت يا سعد)‪ (3‬أن رسول الله ×‬
‫قال وأنت قاعد‪» :‬قريش ولة هذا المر‪ ،‬فَب َّر الناس تبع لبرهم‪،‬‬
‫تبع لفاجرهم«‪ ،‬فقال له سعد‪ :‬صدقت‪ ،‬نحن الوزراء‬ ‫وفاجر الناس‬
‫وأنتم المراء )‪.(4‬‬
‫رابعا‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة‪:‬‬
‫‪ -1‬الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على القناع‪:‬‬
‫من رواية المام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصديق أبو بكر ‪‬‬
‫أن يدخل إلى نفوس النصار فيقنعهم بما رآه هو الحق‪ ،‬من غير أن‬
‫يعرض المسلمين للفتنة‪ ،‬فأثنى على النصار ببيان ما جاء في‬
‫فضلهم من الكتاب والسنة‪ .‬والثناء على المخالف منهج إسلمي‬
‫يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه‪ ،‬وانتزاع بواعث الثرة‬
‫والنانية في نفسه؛ ليكون مهيأ لقبول الحق إذا تبين له‪ .‬وقد كان في‬
‫هدي النبي × الكثير من المثلة التي تدل على ذلك‪ ،‬ثم توصل أبو‬
‫بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيرًا ل يعني أحقيتهم في‬
‫نص على أن المهاجرين من قريش هم‬ ‫الخلفة؛ لن النبي × قد‬
‫المقدمون في هذا المر‪ (5).‬وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر‬
‫استدل على أمر الخلفة في قريش بوصية رسول الله ×‪» :‬بالنصار‬
‫خيًرا‪ ،‬وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم«‪ ،‬احتج به أبو‬
‫بكر على النصار قوله‪ :‬إن الله سمانا »الصادقين« وسماكم‬
‫ن‬ ‫ري َ‬ ‫ج ِ‬ ‫ها ِ‬ ‫م َ‬ ‫ء ال ْ ُ‬ ‫قَرا ِ‬ ‫ف َ‬ ‫»المفلحين« إشارة إلى قوله تعالى‪+ :‬ل ِل ْ ُ‬
‫خرجوا من ديارهم َ‬ ‫ُ‬
‫ه‬‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫ضل ّ‬ ‫نف ْ‬ ‫َ‬ ‫غو َ‬ ‫م ي َب ْت َ ُ‬ ‫ه َْ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫وال ِ‬ ‫م ََ‬ ‫وأ ْ‬ ‫ِ َ ِ ِ ْ َ‬ ‫ِ‬ ‫نأ ْ ِ ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫ن‪‬‬ ‫صاِدقو َ‬ ‫ُ‬ ‫م ال ّ‬ ‫ه ُ‬ ‫َ‬
‫ه أولئ ِك ُ‬ ‫سول ُ‬ ‫وَر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫صُرو َ‬ ‫وَين ُ‬ ‫واًنا َ‬ ‫ض َ‬ ‫ر ْ‬ ‫و ِ‬ ‫َ‬
‫جَر‬‫ها َ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫ن َ‬ ‫حُّبو َ‬ ‫م يُ ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ب‬‫ق‬‫َ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ما‬
‫َ‬ ‫لي‬ ‫وا‬
‫َ‬ ‫ر‬
‫َ‬ ‫دا‬‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ءوا‬ ‫ُ‬ ‫و‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫ذي‬‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫وا‬
‫ن‬
‫ؤث ُِرو َ‬ ‫وي ُ ْ‬‫ما أوُتوا َ‬ ‫م ّ‬ ‫ة ّ‬
‫ِ‬
‫ج ً‬ ‫حا َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ر ِ‬ ‫دو ِ‬
‫ِ‬
‫ص ُ‬ ‫في ُ‬ ‫ن ِ‬ ‫دو َ‬ ‫ج ُ‬ ‫ِ‬ ‫ول َ ي َ‬ ‫َ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫إ ِ َل َ‬
‫لى أ َن ْ ُ‬ ‫َ ِ‬
‫ه‬
‫س ِ‬‫ف ِ‬ ‫ح نَ ْ‬ ‫ش ّ‬ ‫من ُيوقَ ُ‬ ‫و َ‬ ‫ة َ‬ ‫ص ٌ‬ ‫صا َ‬ ‫خ َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ن بِ ِ‬ ‫كا َ‬‫و َ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْْ‬ ‫ِ‬ ‫س‬‫ف ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬
‫ن" ]الحشر‪ ،[9 ،8 :‬وقد أمركم أن تكونوا معنا‬ ‫حو َ‬ ‫فل ِ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫م ال ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ك ُ‬ ‫فُأول َئ ِ َ‬ ‫َ‬

‫)( الجذيل‪ :‬عود ينصب للبل الجربى لتحتك به‪ ،‬والمحكك‪ :‬الذي يحتك به كثيرًا‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫أراد‪ :‬أنه يستشفي برأيه‪ ،‬والعذيق‪ :‬أي النخلة أي‪ :‬الذي يعتمد عليه‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الحدود‪ ،‬رقم‪ (3) .6830:‬يعني سعد بن عبادة الخزرجى ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( مسند أحمد‪1/5 :‬؛ والخلفة والخلفاء البهنساوي‪.50 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (2‬العواصم من القواصم‪.10 :‬‬ ‫)( التاريخ السلمي‪.9/24 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪92‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫َ‬
‫ع‬
‫م َ‬ ‫و ُ‬
‫كوُنوا َ‬ ‫ه َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا الل َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫حيثما كنا فقال‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫من‪(1‬القوال المصيبة والدلة‬ ‫)‬
‫ن" ]التوبة‪ ،[119 :‬إلى غير ذلك‬ ‫قي َ‬
‫صاِد ِ‬
‫ال ّ‬
‫القوية‪ ،‬فتذكرت النصار ذلك وانقادت إليه‪.‬‬
‫وبّين الصديق في خطابه أن من مؤهلت القوم الذين يرشحون‬
‫للخلفة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم‬
‫المور؛ حتى ل تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم‪ ،‬وأبان أن العرب ل‬
‫يعترفون بالسيادة إل للمسلمين من قريش‪ ،‬لكون النبي × منهم‪،‬‬
‫ولما استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم‪ .‬وبهذه‬
‫الكلمات النيرة التي قالها الصديق اقتنع النصار بأن يكونوا وزراء‬
‫مخلصين‪ ،‬كما كانوا في عهد النبي ×‪ ،‬وبذلك توحد‬ ‫معينين وجنوًدا‬ ‫ُ‬
‫صف المسلمين )‪.(2‬‬
‫‪ -2‬زهد عمر وأبي بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬في الخلفة‬
‫وحرص الجميع على وحدة المة‪:‬‬
‫بعد أن أتم أبو بكر حديثه في السقيفة قدم عمر وأبا عبيدة‬
‫للخلفة‪ ،‬ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد‪ :‬فلم أكره مما قال‬
‫يقربني ذلك من إثم‬ ‫غيرها‪ ،‬كان والله أن أقدم فتضرب عنقي ل ُ‬
‫ي من أن أتامر على قوم فيهم أبو بكر )‪.(3‬‬‫أحب إل ّ‬
‫وبهذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلفة قال له‪ :‬ابسط‬
‫يدك يا أبا بكر‪ ،‬فبسط يده‪ ،‬قال‪ :‬فبايعته وبايعه المهاجرون والنصار‪،‬‬
‫وجاء في رواية قال عمر‪ ...»:‬يا معشر النصار‪ :‬ألستم تعلمون أن‬
‫رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس‪ ،‬فأيكم تطيب نفسه أن‬
‫يتقدم أبا بكر ‪‬؟ فقالت النصار‪ :‬نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر )‪.(4‬‬
‫وهذا ملحظ مهم وُّفق إليه عمر ‪ ،‬وقد اهتم بذلك النبي × في‬
‫مرض موته فأصر على إمامة أبي بكر‪ ،‬وهو من باب الشارة بأنه‬
‫أحق من غيره بالخلفة‪ .‬وكلم عمر في غاية الدب والتواضع والتجرد‬
‫من حظ النفس‪ ،‬ولقد ظهر زهد أبي بكر في المارة في خطبته التي‬
‫اعتذر فيها من قبول الخلفة حيث قال‪ :‬والله ما كنت حريصًا على‬
‫يوما ول ليلة قط‪ ،‬ول كنت فيها راغبًا‪ ،‬ول سألتها الله ‪-‬عز‬
‫ً‬ ‫المارة‬
‫وجل‪ -‬في سر وعلنية‪ ،‬ولكني أشفقت من الفتنة‪ ،‬وما لي في‬
‫ول يد‬ ‫عظيما ما لي به من طاقة‬
‫ً‬ ‫المارة من راحة‪ ،‬ولكن قلدت أمرًا‬
‫إل بتقوية الله عز وجل‪ ،‬ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني )‪.(5‬‬
‫وقد ثبت أنه قال‪ :‬وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت‬
‫عنق( أحد الرجلين؛ أبي عبيدة أو عمر‪ ،‬فكان أمير المؤمنين‬ ‫المر في‬
‫وكنت وزيرًا )‪ , 6‬وقد تكررت خطب أبي بكر في العتذار عن تولي‬
‫الخلفة وطلبه التنحي عنها‪ ،‬فقد قال‪ ...»:‬أيها الناس‪ :‬هذا أمركم‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (4‬البخاري‪ ،‬كتاب المحاربين‪ ،‬رقم‪:‬‬ ‫)( التاريخ السلمي‪.9/24 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪.6830‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( ا‬

‫)( مسند أحمد‪ ،1/21 :‬وصحح إسناده أحمد شاكر‪ ،1/213 :‬رقم‪.133 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( المستدرك‪ ،3/66 :‬قال الحاكم‪ :‬حديث صحيح وأقره الذهبي‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( النصار في العهد الراشد‪ ،‬حامد محمد الخليفة‪ ،‬ص ‪ .108‬تاريخ الخلفاء‬ ‫‪6‬‬

‫للسيوطي‪ :‬ص ‪.91‬‬

‫‪93‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫إليكم تولوا من أحببتم على ذلك‪ ،‬وأكون كأحدكم‪ .‬فأجابه الناس‪:‬‬
‫قسما وحظًا‪ ،‬وأنت ثاني اثنين مع رسول الله ×‪ (1).‬وقد‬‫ً‬ ‫رضينا بك‬
‫قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلفته‪ ،‬واستحلفهم‬
‫على ذلك فقال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬أذكركم الله أيما رجل ندم على بيعتي‬
‫لما قام على رجليه‪ ،‬فقال على بن أبي طالب‪ ،‬ومعه السيف‪ ،‬فدنا‬
‫منه حتى وضع رجلً على عتبة المنبر والخرى على الحصى وقال‪:‬‬
‫والله ل نقيلك ول نستقيلك‪ ،‬قدمك رسول الله فمن ذا يؤخرك )‪(2‬؟‬
‫ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلفة والمسئولية بل‬
‫إنها روح العصر‪ .‬ومن هذه النصوص التي تم ذكرها يمكن القول‪ :‬إن‬
‫الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة ل يخرج عن هذا التجاه‪ ،‬بل‬
‫يؤكد حرص النصار على مستقبل الدعوة السلمية‪ ،‬واستعدادهم‬
‫المستمر للتضحية في سبيلها‪ ،‬فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا‬
‫سريعا لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه السباب‪ ،‬وإل فإن نظرة‬
‫الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج‬
‫العلمي‪ ،‬والدراسة الموضوعية‪ ،‬بل كانت دراستهم متناقضة مع روح‬
‫ذلك العصر‪ ،‬وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من النصار‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين‬
‫والنصار كما زعمه بعضهم)‪ ،(3‬فكيف قبل النصار بتلك النتيجة وهم‬
‫أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلفة أبي بكر ونفروا‬
‫شرقًا وغربًا مجاهدين لتثبيت أركانها لو لم يكونوا‬ ‫في جيوش الخلفة‬
‫متحمسين لنصرتها؟ )‪.(4‬‬
‫فالصواب اتضح من حرص النصار على تنفيذ سياسة الخلفة‬
‫والندفاع لمواجهة المرتدين‪ ،‬وأنه لم يتخلف أحد من النصار عن‬
‫بيعة أبي بكر فضلً عن غيرهم من‬
‫والنصار أكبر من تخيلت الذين‬ ‫المسلمين‪ ،‬وأن أخوة المهاجرين‬
‫سطروا الخلف بينهم في رواياتهم)‪ (5‬المغرضة‪.‬‬
‫‪ -3‬سعد بن عبادة ‪ ‬وموقفه من خلفة الصديق‪:‬‬
‫إن سعد بن عبادة ‪ ‬قد بايع أبا بكر ‪ ‬بالخلفة في أعقاب‬
‫النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة؛ إذ أنه نزل عن مقامة‬
‫الول في دعوى المارة وأذعن للصديق بالخلفة‪ ،‬وكان ابن عمه‬
‫بشير بن سعد النصاري أول من بايع الصديق ‪ ‬في اجتماع‬
‫السقيفة‪ ،‬ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات‪ ،‬ل بسيطة ول خطيرة‪،‬‬
‫ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلفة كما‬
‫زعم بعض كتاب التاريخ‪ ،‬ولكن الخوة السلمية ظلت كما هي‪ ،‬بل‬
‫توثقا كما يثبت ذلك النقل الصحيح‪ .‬ولم يثبت النقل الصحيح‬
‫ً‬ ‫ازدادت‬
‫تآمرا حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة لحتكار الحكم بعد وفاة‬
‫ً‬

‫)( الخلفة الراشدة للعمري‪ :‬ص ‪.13‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.108‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( انظر‪ :‬السلم وأصول الحكم‪ ،‬محمد عمارة‪ :‬ص ‪.74 -71‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (3،‬النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.109‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪94‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫رسول الله × )‪ ،(1‬فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك‪.‬‬
‫وقد حاول بعض الكتاب من المؤرخين أصحاب الهواء أن يجعلوا‬
‫من سعد بن عبادة ‪ ‬منافسًا للمهاجرين يسعى للخلفة بشّره‪،‬‬
‫ل أساليب‬‫ويدبر لها المؤامرات‪ ،‬ويستعمل في الوصول إليها ك ّ‬
‫التفرقة بين المسلمين‪ .‬هذا الرجل‪ ،‬إذا راجعنا تاريخه وتتبعنا مسلكه‪،‬‬
‫وجدنا مواقفه مع الرسول × تجعله من الصفوة الخيار‪ ،‬الذين لم‬
‫تكن الدنيا أكبر همهم ول مبلغ علمهم؛ فهو النقيب في بيعة العقبة‬
‫الثانية‪ ،‬حتى لجأت قريش إلى تعقبه قرب مكة وربطوا يديه إلى‬
‫بن عدي‪،‬‬ ‫عنقه وأدخلوه مكة أسيرًا حتى أنقذه منهم جبير بن مطعم‬
‫حيث كان يجيرهم في المدينة‪ .‬وهو من الذين شهدوا بدرا )‪ (2‬وحظى‬
‫بمقام أهل بدر ومنزلتهم عند الله‪ ،‬وكان من بيت جود وكرم وشهد‬
‫له ذلك رسول الله ×‪ ،‬وكان رسول الله × يعتمد عليه –بعد الله‪-‬‬
‫وعلى سعد بن معاذ كما في غزوة الخندق‪ ،‬عندما استشارهم في‬
‫إعطاء ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن)‪(3‬الفزاري‪ ،‬فكان رد السعدين‬
‫يدل على عمق اليمان وكمال التضحية‪.‬‬
‫فمواقف سعد مشهورة ومعلومة‪ ،‬فهذا الصحابي الجليل صاحب‬
‫الماضي المجيد في خدمة السلم والصحبة الصادقة لرسول الله‪ ،‬ل‬
‫يعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن ُيحيي العصبية الجاهلية في مؤتمر‬
‫السقيفة لكي يحصل في غمارها هذه الفرقة على منصب الخلفة‪،‬‬
‫كما أنه لم يثبت ولم يصح ما ورد في بعض المراجع من أنه –بعد‬
‫الحج‪(5‬بإفاضتهم)‪(4‬؛‬ ‫بيعة أبي بكر‪ -‬كان ل يصلي بصلتهم ول يفيض في‬
‫كأنما انفصل سعد بن عبادة ‪ ‬عن جماعة المسلمين ) ‪ ،‬فهذا باطل‬
‫سعدا بايع‬
‫ً‬ ‫ومحض افتراء‪ ،‬فقد ثبت من خلل الروايات الصحيحة أن‬
‫أبا بكر‪ ،‬فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة‪ ،‬فذكر فضل النصار وقال‪:‬‬
‫ولقد علمتم أن رسول الله قال‪» :‬لو سلك الناس وادًيا‪ ،‬وسلكت‬
‫النصار وادًيا أو شعًبا لسلكت وادي النصار أو شعب النصار« )‪ ،(6‬ثم‬
‫ذكر سعد بن عبادة بقول فصل وحجة ل ترد‪ ،‬فقال‪ :‬ولقد علمت يا‬
‫سعد أن رسول الله × قال وأنت قاعد‪» :‬قريش ولة هذا المر‪ ،‬فبر‬
‫الناس تبع لبرهم‪ ،‬وفاجرهم تبع لفاجرهم«‪ .‬قال سعد‪ :‬صدقت‪ ،‬نحن‬
‫الوزراء وأنتم المراء )‪ ،(7‬فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد‪ (8).‬وبهذا‬
‫ثبت بيعة سعد بن عبادة‪ ،‬وبها يتحقق إجماع النصار على بيعة‬
‫الخليفة أبي بكر‪ ،‬ول يعود أي معنى للترويج لرواية باطلة‪ ،‬بل‬
‫سيكون ذلك متناقضًا للواقع واتهامًا خطيرًا‪ ،‬أن ينسب لسيد النصار‬
‫العمل على شق عصا المسلمين‪ ،‬والتنكر لكل ما قدمه من نصرة‬
‫وجهاد وإيثار للمهاجرين‪ ،‬والطعن بإسلمه من خلل ما ينسب إليه‬
‫من قول‪ :‬ل أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي‪ ،‬وأخضب سنان‬
‫رمحي‪ ،‬وأضرب بسيفي‪،‬‬
‫)( استخلف أبي بكر‪ ،‬جمال عبد الهادي‪.53 -51 ،50 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الستيعاب في معرفة الصحاب‪.2/594 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬سالم البهنساوي‪.48 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (4،‬المصدر السابق‪.49 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التمني‪ ،‬رقم‪ (6) .7244 :‬مسند المام أحمد رقم‪،18 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫صحيح لغيره‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.102‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪95‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫بصلتهم ول يجمع بجامعتهم‪ ،‬ول يقضي بقضائهم‪ ،‬ول‬ ‫فكان ل يصلي‬
‫يفيض بإفاضتهم )‪ (1‬أي‪ :‬في الحج‪.‬‬
‫إن هذه الرواية التي استغلت للطعن بوحدة المهاجرين والنصار‬
‫وصدق أخوتهم‪ ،‬ما هي إل رواية باطلة للسباب التالية‪:‬‬
‫أن الراوي صاحب هوى وهو »إخباري تالف ل يوثق به« )‪ ,(2‬ول‬
‫سيما في المسائل الخلفية‪.‬‬
‫قال الذهبي عن هذه الرواية‪ :‬وإسنادها كما ترى )‪(3‬؛ أي‪ :‬في غاية‬
‫الضعف أما متنها‬
‫وما‪(4‬في عنقه من بيعة على السمع‬ ‫عبادة‪،‬‬ ‫بن‬ ‫سعد‬ ‫سيرة‬ ‫فهو يناقض‬
‫والطاعة‪ ،‬ولما روي عنه من فضائل ) ‪.‬‬
‫‪ -4‬ما يروى من خلف بين عمر والحباب بن المنذر‪:‬‬
‫أما ما يروي عن تنازع في السقيفة بين عمر والحباب بن المنذر‬
‫يغضب الحباب‬ ‫السلمي النصاري‪ ،‬فالراجح أنه غير صحيح‪ ،‬وأن عمر لم ُ‬
‫بن المنذر منذ عهد رسول الله ‪×،‬فقد روى عن عمر قال‪ :‬فلما كان‬
‫الحباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلم؛ لنه كان بيني‬
‫حياة رسول الله ×فنهاني عنه‪ ،‬فحلفت أن ل أكلمه‬ ‫وبينه منازعة في‬
‫أبدا )‪.(5‬‬
‫كلمة تسوؤه ً‬
‫عهد‬‫كما أن ما يروى عن الحباب في هذه المنازعة مخالف لما ُ‬
‫عنه من حكمة‪ ،‬ومن حسن تأنيه للمور؛ إذ كان يلقب‪» :‬بذي الرأي«‬
‫)‪(7‬‬
‫)‪ (6‬في عهد رسول الله ×؛ وذلك لقبول مشورته في بدر وخيبر‪.‬‬
‫وأما قول الحباب بن المنذر‪ :‬منا أمير ومنكم أمير‪ ،‬فقد سوغ ذلك‬
‫وأوضح أنه ل يقصد بذلك الوصول إلى المارة‪ ،‬فقال‪ :‬فإنا والله ما‬
‫ننفس عليكم هذا المر‪ ،‬ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم‬
‫وإخوانهم )‪ ،(8‬فقبل المهاجرون قوله وأقروا عذره ول سيما أنهم‬
‫شركاء في دماء من قتل من المشركين )‪.(9‬‬
‫‪ -5‬حديث الئمة من قريش وموقف النصار منه‪:‬‬
‫ورد حديث »الئمة من قريش« في الصحيحين وكتب‬
‫الحديث الخرى بألفاظ متعددة؛ ففي صحيح البخاري عن معاوية‬
‫قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬إن هذا المر في قريش ل يعاديهم أحد إل‬
‫)‪ (4‬تاريخ الطبري‪.4/42 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( ميزان العتدال في نقد الرجال للذهبي‪ ،2/2992 :‬والراوي هو لوط بن يحيى‬ ‫‪2‬‬

‫أبو مخنف متروك‪ ،‬ولم يعتد بأي مخنف ويعتبر بروايته ويعتمد عليها سوى‬
‫الشيعة‪ ،‬فقد كان من أعظم مؤرخي الشيعة على قول ابن القمي‪ .‬انظر‪:‬‬
‫مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري للدكتور يحيى اليحيى‪ :‬ص ‪.46 ،45‬‬
‫)‪ (4‬النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص‬ ‫)( سير أعلم النبلء‪.1/277 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.103 ،102‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (6‬الستيعاب‪.1/316 :‬‬ ‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.100‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( النصار في العصر الراشدي‪ :‬ص ‪.100‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (1‬النصار في العصر الراشدي‪.100 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫)‪ (3‬البخاري‪ ،‬كتاب الحكام رقم‪.7139 :‬‬ ‫)( المرجع السابق نفسه‪.100 :‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪96‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين«‪ (1) .‬وفي صحيح‬
‫مسلم‪» :‬ل يزال السلم عزيًزا بخلفاء كلهم من قريش«‪ (2).‬وعن‬
‫عبد الله بن عمر قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬ل يزال هذا المر في‬
‫قريش ما بقي منهم اثنان«‪ (3).‬وقال رسول الله ×‪» :‬الناس تبع‬
‫)‪(4‬‬
‫لقريش في هذا الشأن‪ ،‬مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم«‪.‬‬
‫وعن بكير بن وهب الجزري قال‪ :‬قال لي أنس بن مالك النصاري‪:‬‬
‫حديثا ما أحدثه كل أحد‪ ،‬كنا في بيت من النصار فجاء النبي‬ ‫ً‬ ‫أحدثك‬
‫)‪(5‬‬
‫× حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب ‪ ،‬فقال‪» :‬الئمة من قريش‪ ،‬إن‬
‫قا مثل ذلك‪ ،‬ما إن استرحموا‬ ‫قا‪ ،‬ولكم عليهم ح ً‬
‫لهم عليكم ح ً‬
‫فرحموا‪ ،‬وإن عاهدوا أوفوا‪ ،‬وإن حكموا عدلوا«‪ (6) .‬وفي »فتح‬
‫الباري« أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب‪ :‬المراء من قريش‪،‬‬
‫أسندها إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات‪ (7).‬فالحاديث في هذا‬
‫الباب كثيرة ل يكاد يخلو منها كتاب من كتب الحديث‪ ،‬وقد رويت‬
‫بألفاظ متعددة إل أنها متقاربة‪ ،‬تؤكد جميعها أن المرة المشروعة‬
‫في قريش‪ ،‬ويقصد بالمرة الخلفة فقط‪ ،‬أما ما سوى ذلك فتساوى‬
‫)‪(8‬‬
‫فيه جميع المسلمين‪.‬‬
‫وبمثل ما أوضحت الحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلفة في‬
‫قريش‪ ،‬فإنها حذرت من النقياد العمى لهم‪ ،‬وأن هذا المر فيهم ما‬
‫أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية‪ ،‬وكما جاء في حديث‬
‫أنس‪ :‬إن استرحموا فرحموا‪ ،‬وإن عاهدوا أوفوا‪ ،‬وإن حكموا عدلوا‪،‬‬
‫فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملئكة والناس أجمعين‪.‬‬
‫)‪ ،(9‬وبهذا حذرت الحاديث من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما‬
‫أنزل الله‪ ،‬فإن لم يمتثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط‪ ،‬فإنهم‬
‫سيصبحون خطرًا على المة‪ ،‬وحذرت الحاديث الشريفة من اتباعهم‬
‫على غير ما أنزل الله‪ ،‬ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم؛‬
‫لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير المة‪ ،‬قال‬
‫×‪»:‬إن هلك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش«‬
‫)‪ ،(10‬وعندما سئل ×‪ :‬فما تأمرنا؟ قال ×‪»:‬لو أن الناس اعتزلوهم«‬
‫)‪.(11‬‬
‫ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الئمة من قريش‪ ،‬وأن‬
‫النصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه السس‪ ،‬وهذا‬
‫ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله‪ » :‬على السمع والطاعة‪ ،‬والصبر‬
‫حا‬
‫على الثرة‪ ،‬وأن ل ينازعوا المر أهله‪ ،‬إل أن يروا كفرا بوا ً‬
‫‪1‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم‪ (5) .1821 :‬البخاري‪ ،‬كتاب الحكام رقم‪.7140 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم‪.1818 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الفتح الرباني للساعاتي‪ ،‬باب الخلفة‪:‬ج ‪5/23/65‬؛ ابن أبي شيبة‪.5/544 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (10) ,(9‬النصار في العصر الراشدي‪:‬‬ ‫)( المصنف لبي شيبة‪.5/544 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.111‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪8‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪:‬ـ ‪.111‬‬

‫)‪ (1‬مصنف ابن أبي شيبة‪.5/544 :‬‬ ‫‪9‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الفتن رقم‪.7058 :‬‬ ‫‪10‬‬

‫)( دلئل النبوة للبيهقي‪ ،6/464 :‬الحسان في تقريب صحيح ابن حبان رقم‪:‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪.6713‬‬

‫‪97‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫عندهم من الله فيه برهان«‪ (1).‬فقد كان للنصار تصور تام عن‬
‫مسألة الخلفة‪ ،‬وأنها لم تكن مجهولة عندهم‪ ،‬وأن حديث »الئمة من‬
‫قريش« كان يرويه كثير منهم‪ ،‬وأن الذين ل يعلمونه سكتوا عندما‬
‫رواه لهم أبو بكر الصديق‪ ،‬ولهذا لم يراجعه أحد من النصار عندما‬
‫استشهد به‪ ،‬فأمر الخلفة تم بالتشاور والحتكام إلى النصوص‬
‫الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها‪ ،‬ولم يسمع عن أحد‬
‫مما يؤكد‬‫)‪(2‬‬
‫من النصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا لنفسه بالخلفة‪،‬‬
‫اقتناع النصار وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج‪.‬‬
‫وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال‪ :‬إن حديث الئمة من قريش‬
‫شعار رفعته قريش لستلب الخلفة من النصار‪ ،‬أو أنه رأي لبي‬
‫حديثا رواه عن الرسول‪ ،‬وإنما كان فكرًا سياسيًا قرشيًا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫بكر وليس‬
‫كان شائعا في ذلك العصر‪ ،‬يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي‬
‫في ذلك الحين‪ .‬وعلى هذا فإن نسبة هذه الحاديث إلى أبي بكر‬
‫وأنها شعار لقريش‪ ،‬ما هي إل صورة من صور التشويه التي يتعرض‬
‫أساسا على‬
‫ً‬ ‫لها تاريخ العصر الراشدي وصدر السلم‪ ،‬الذي قام‬
‫جهود المهاجرين والنصار ومن تبعهم بإحسان‪ ،‬وعلى روابط الخوة‬
‫المتينة بين المهاجرين والنصار‪ ،‬حتى قال فيهم أبو بكر‪ :‬نحن‬
‫والنصار كما قال القائل‪:‬‬
‫)‪(3‬‬
‫تلقي الذين يلقون منا لملت‬ ‫أبوْا أن يملونا ولو أن أمنا‬
‫َ‬

‫‪ -6‬الحاديث التي أشارة إلى خلفة أبي بكر ‪:‬‬
‫الحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلفة أبي بكر ‪‬‬
‫كثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدللة‪ ،‬إما على وجه التصريح أو‬
‫صارت معلومة من الدين بالضرورة‬ ‫)‪(4‬‬
‫الشارة‪ ،‬ولشتهارها وتواترها‬
‫بحيث ل يسع أهل البدع إنكارها‪.‬‬
‫ومن تلك الحاديث‪:‬‬
‫ي × فأمرها أن ترجع‬‫أ‪ -‬عن جبير بن مطعم قال‪ :‬أتت امرأة النب ّ‬
‫ولم‪(5‬أجدك –كأنها تقول الموت‪ -‬قال ×‪:‬‬ ‫إليه‪ ،‬قالت‪ :‬أرأيت إن جئت‬
‫»إن لم تجديني فأتى أبا بكر« ) ‪.‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬وفي الحديث أن مواعيد النبي × كانت على من‬
‫رد( على الشيعة في زعمهم أنه‬ ‫يتولى الخلفة بعده تنجيزها‪ ،‬وفيه‬
‫نص على استخلف علي والعباس )‪. 6‬‬
‫جلوسا فقال‪» :‬إني ل أدري‬
‫ً‬ ‫ب‪ -‬عن حذيفة قال‪ :‬كنا عند النبي ×‬
‫ما قدر بقائي فيكم‪ ،‬فاقتدوا بالذين من بعدي )وأشار إلى أبي بكر‬

‫‪ () 1‬البخاري‪ ،‬كتاب الفتن‪ ،‬رقم‪.7056 :‬‬
‫)‪ (5‬النصار في العصر الراشدي‪.116 :‬‬‫‪2‬‬

‫‪ () 3‬النصار في العصر الراشدي‪ (2) .116 :‬عقيدة أهل السنة والجماعة في‬
‫الصحابة‪.2/539 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪ () 5‬مسلم‪ ،1857 ،4/1856 :‬البخاري رقم‪ (4) .3659 :‬فتح الباري‪.7/24 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪98‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وعمر(‪ ،‬وتمسكوا بعهد عمار‪ ،‬وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه« )‪.(1‬‬
‫فقوله ×‪» :‬اقتدوا بالذين من بعدي« أي‪ :‬بالخليفتين الذين‬
‫يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر‪ .‬وحث على القتداء بهما‬
‫لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما‪ ،‬وفي الحديث إشارة لمر الخلفة‬
‫)‪.(2‬‬
‫ج‪ -‬عن أبي هريرة ‪ ‬عن رسول الله × قال‪» :‬بينما أنا نائم‬
‫أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس‪ ،‬فجاءني أبو بكر فأخذ‬
‫الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر‬
‫له‪ ،‬فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم)‪(3‬أر نزع رجل قط أقوى منه حتى‬
‫تولى الناس والحوض ملن يتفجر« ‪.‬‬
‫قال الشافعي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬رؤيا النبياء وحي‪ ،‬وقوله‪) :‬وفي نزعة‬
‫ضعف( قصر‬
‫مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لهل الردة عن الفتتاح والتزيد‬
‫عمر في‬ ‫الذي بلغه‬
‫طول مدته)‪.(4‬‬
‫د‪ -‬قالت عائشة‪ :‬قال لي رسول الله × في مرضه‪» :‬ادعي لي‬
‫يتمنى متمن ويقول قائل‪:‬‬ ‫با‪،‬فإني أخاف أن‬‫أبا بكر‪ ,‬أخاك حتى أكتب كتا ً‬
‫أنا أولى‪ ،‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبا بكر« )‪.(5‬‬
‫دل هذا الحديث دللة واضحة على فضل الصديق ‪ ،‬حيث أخبر‬
‫النبي × بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق العلى‪ ،‬وأن‬
‫المسلمين يأبون عقد الخلفة لغيره ‪ ،‬وفي الحديث إشارة أنه‬
‫ذلك كما أخبر عليه الصلة والسلم‪ ،‬ثم‬ ‫سيحصل نزاع‪ ،‬ووقع كل‬
‫اجتمعوا على أبي بكر ‪.(6) ‬‬
‫هـ‪ -‬عن عبيد الله بن عبد الله قال‪ :‬دخلت على عائشة فقلت لها‪:‬‬
‫قل النبي ×‬ ‫أل تحدثيني عن مرض رسول الله ×؟ قالت‪ :‬بلى‪ ،‬ث ُ‬
‫قال‪:‬‬
‫)‪(8‬‬
‫الله‪.‬‬ ‫رسول‬ ‫فقال‪» :‬أصلى الناس؟« قلنا‪ :‬ل وهم ينتظرونك يا‬
‫»ضعوا لي ماء في المخضب« )‪ ،(7‬ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء‬
‫فأغمى عليه‪ ،‬ثم أفاق فقال‪» :‬أصلى الناس؟«‪ .‬قلنا‪ :‬ل وهم‬
‫ينتظرونك يا رسول الله‪ .‬فقال‪» :‬ضعوا لي ماء في المخضب«‪،‬‬
‫ففعلنا فاغتسل‪ ،‬ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال‪» :‬أصلى‬
‫الناس؟«‪ ،‬قلنا‪ :‬ل وهم ينتظرونك يا رسول الله! قالت‪ :‬والناس‬
‫عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله × لصلة العشاء الخرة‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فأرسل رسول الله × إلى أبي بكر أن يصلي بالناس‪ ،‬فأتاه‬
‫الرسول فقال‪ :‬إن رسول الله × يأمرك أن تصلي بالناس‪ ،‬فقال أبو‬
‫رجل رقيقًا‪ :‬يا عمر صل بالناس‪ .‬قال‪ :‬فقال عمر‪ :‬أنت‬ ‫ً‬ ‫بكر وكان‬
‫أحق بذلك‪ ،‬قالت‪ :‬فصلى بهم أبو بكر تلك اليام‪ ،‬ثم إن رسول الله‬
‫سلسلة الحاديث الصحيحة لللباني‪.236 – 3/233 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تحفة الحوذي بشرح الترمذي‪ (7) .10/147 :‬مسلم‪.1852 ،4/1861 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬مسلم‪.4/1857 :‬‬ ‫العتقاد للبيهقي‪.171 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/542 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫المخضب‪ :‬هي إجانة تغسل فيها الثياب‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫ينوء‪ :‬أي‪ :‬يقوم وينهض‪ ،‬شرح النووي‪.4/136 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫‪99‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫× وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلة‬
‫الظهر وأبو بكر يصلي بالناس‪ ،‬فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ‬
‫إليه النبي × أن ل يتأخر‪ ،‬وقال لهما‪» :‬أجلساني إلى جنبه« فأجلساه‬
‫إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلة النبي ×‬
‫والناس يصلون بصلة أبي بكر والنبي × قاعد‪ .‬قال عبيد الله‪:‬‬
‫فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له‪ :‬أل أعرض عليك ما‬
‫حدثتني عائشة عن مرض رسول الله × فقال‪ :‬هات‪ ،‬فعرضت‬
‫مت لك الرجل الذي‬ ‫س ّ‬
‫قال‪ :‬أ َ‬ ‫حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا‪ ،‬غير أنه‬
‫كان مع العباس؟ قلت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ ،‬هو علي )‪.(1‬‬
‫هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة‪ ،‬منها‪ :‬فضيلة أبي بكر‬
‫الصديق ‪ ‬وترجيحه على جميع الصحابة ‪-‬رضوان الله عليهم‬
‫أجمعين‪ -‬وتفضيله‪ ،‬وتنبيه على أنه أحق بخلفة رسول الله × من‬
‫غيره‪ ،‬ومنها أن المام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة‬
‫استخلف من يصلي بهم‪ ،‬وأنه ل يستخلف إل أفضلهم‪ ،‬ومنها فضيلة‬
‫عمر بعد أبي بكر ‪‬؛ لن أبا بكر ‪ ‬لم يعدل إلى غيره )‪.(2‬‬
‫و‪ -‬قال عبد الله بن مسعود ‪ :‬لما قبض رسول الله × قالت‬
‫النصار‪ :‬منا أمير ومنكم أمير‪ ،‬قال‪ :‬فأتاهم عمر ‪ ‬فقال‪ :‬يا معشر‬
‫النصار‪ ،‬ألستم تعلمون أن رسول الله × قد أمر أبا بكر أن يؤم‬
‫الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ‪‬؟ فقالت النصار‪:‬‬
‫نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر )‪.(3‬‬
‫ز‪ -‬روى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال‪ :‬قال علي‪ :‬لما قبض‬
‫النبي × نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي × قد قدم أبا بكر في الصلة‬
‫فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله × لديننا‪ ،‬فقدمنا أبا بكر )‪.(4‬‬
‫وقد علق أبو الحسن الشعري على تقديم رسول الله × لبي‬
‫بكر في الصلة فقال‪ :‬وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة في دين‬
‫السلم‪ .‬قال‪ :‬وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم‪ ،‬لما‬
‫ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله ×‬
‫قال‪» :‬يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله‪ ،‬فإن كانوا في القراءة سواء‬
‫فأعلمهم بالسنة‪ ،‬فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سّنا‪ ،‬فإن كانوا‬
‫ما«‪ .‬قال ابن كثير ‪-‬وهذا من كلم‬ ‫في السن سواء فأقدمهم إسل ً‬
‫الشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب‪ :-‬ثم قد‬
‫اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ‪ ‬وأرضاه )‪.(5‬‬
‫هذا ولهل السنة قولن في إمامة أبي بكر ‪ ‬من حيث الشارة‬
‫إليها بالنص الخفي أو الجلي‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬إن إمامة أبي بكر ‪‬‬
‫ثابتة بالنص الخفي والشارة‪ ،‬وهذا القول ينسب إلى الحسن‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪ .2/542 :‬مسلم رقم‪،418 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫البخاري رقم‪.687 :‬‬
‫)‪ (3‬المستدرك‪.3/67 :‬‬ ‫)( شرح النووي‪.4/137 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (5‬البداية والنهاية‪.5/265 :‬‬ ‫)( الطبقات لبن سعد‪.3/183 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪100‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫تعالى‪(2-‬وجماعة من أهل الحديث )‪ ،(1‬وهو رواية‬ ‫البصري ‪-‬رحمه الله‬
‫عن المام أحمد بن حنبل ) رحمة الله عليه‪ ،‬واستدل أصحاب هذا‬
‫القول بتقديم النبي × له في الصلة وبأمره × بسد البواب إل باب‬
‫أبي بكر‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬إن خلفة)‪(3‬أبي بكر ‪ ‬ثابتة بالنص الجلي‬
‫طائفة من أهل الحديث ‪ ،‬وبه قال أبو محمد بن حزم‬ ‫)‪(4‬‬
‫وهذا قول‬
‫الفريق بحديث المرأة التي قال لها‪» :‬إن‬ ‫هذا‬ ‫واستدل‬ ‫‪،‬‬ ‫الظاهري‬
‫لم تجديني فأتي أبا بكر« )‪ ،(5‬وبقوله لعائشة ‪-‬رضي الله عنها‪:-‬‬
‫»ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاًبا‪ ،‬فإني أخاف أن يتمنى‬
‫متمن ويقول قائل‪ :‬أنا أولى‪ ،‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبا بكر« )‪،(6‬‬
‫على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع‬ ‫وحديث رؤياه × أنه‬
‫الدلو من يده ليروحه )‪.(7‬‬
‫والذي أميل إليه ويظهر لي من خلل البحث‪ :‬أن المصطفى ×‬
‫يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر ‪ ،‬وإنما‬
‫دلهم عليه لعلم الله ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬له بأن المسلمين سيختارونه‬
‫القرآن والسنة وفاق بها‬ ‫لما له من الفضائل العالية التي ورد بها‬
‫غيره من جميع المة المحمدية ‪ ‬وأرضاه )‪.(8‬‬
‫قال ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ :-‬والتحقيق أن النبي × دل المسلمين‬
‫على استخلف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله‬
‫وأفعاله‪ ،‬وأخبر بخلفته إخبار رضى بذلك حامد له وعزم على أن‬
‫عهدا‪ ،‬ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب‬ ‫ً‬ ‫يكتب بذلك‬
‫اكتفاء بذلك‪ ...‬فلو كان التعيين مما يشتبه على المة لبينه رسول‬
‫بيانا قاطعًا للعذر‪ ،‬ولكن لما دلهم دللت متعددة على أن أبا‬‫الله × ً‬
‫بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود‪ ،‬ولهذا قال عمر بن‬
‫الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والنصار‪:‬‬
‫وليس فيكم من تقطع إليه العناق مثل أبي بكر‪ ...‬إلى أن قال‪:‬‬
‫فخلفة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها‬
‫ورضا الله ورسوله × له بها‪ ،‬وانعقدت بمبايعة المسلمين له‬
‫واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله‬
‫ورسوله‪ ،‬فصارت ثابتة بالنص والجماع جميعًا‪ ،‬لكن النص دل على‬
‫رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها‪ ،‬وأم‬
‫المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها؛ لنه حينئذ كان‬
‫يكون طريق ثبوتها مجرد العهد‪ ،‬وأما إذا كان المسلمين قد اختاروه‬
‫من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضي الله‬
‫دليل على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي‬ ‫ً‬ ‫ورسوله بذلك‪ ،‬كان‬
‫المسلمين به أنه أحقهم بالخلفة‪ ،‬فإن ذلك‬ ‫علم‬ ‫ما‬ ‫بان بها عن غيره‬
‫ل يحتاج فيه إلى عهد خاص )‪.(9‬‬
‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪:‬‬ ‫)( منهاج السنة لبن تيمية‪.135 ،1/134 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.1/134‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/547 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (5‬مسلم‪.1857 ،4/1856 :‬‬ ‫)( الفصل في الملل والهواء والنحل‪.4/107 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( مسلم‪ 4/1857 :‬حديث رقم‪ (7) .2387 :‬مسلم‪.1862 ،4/1861 :‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة‪.2/548 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( منهاج السنة‪141 – 1/139 :‬؛ مجمع الفتاوى‪.49 – 35/47 :‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪101‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫‪ -7‬انعقاد الجماع على خلفة الصديق ‪:‬‬
‫أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس‬
‫بالخلفة بعد النبي × أبو بكر الصديق ‪ ،‬لفضله وسابقته‪ ،‬ولتقديم‬
‫النبي × إياه في الصلوات على جميع الصحابة‪ .‬وقد فهم أصحاب‬
‫النبي × مراد المصطفى ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬من تقديمه في‬
‫الصلة‪ ،‬فأجمعوا على تقديمه في الخلفة ومتابعته ولم يتخلف منهم‬
‫أحد‪ ،‬ولم يكن الرب ‪-‬جل وعل‪ -‬ليجمعهم على ضللة‪ ،‬فبايعوه‬
‫)‪(1‬‬
‫طائعين وكانوا لوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه‪.‬‬
‫يوم مات رسول‬ ‫فعندما سئل سعيد بن زيد‪ :‬متى بويع أبو بكر؟ قال‪:‬‬
‫الله × كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة )‪ ،(2‬وقد نقل‬
‫جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من‬
‫أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر ‪ ‬أولى بالخلفة من كل أحد‬
‫)‪ ،(3‬وهذه بعض أقوال أهل العلم‪:‬‬
‫أ‪ -‬قال الخطيب البغدادي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬أجمع المهاجرون والنصار‬
‫على خلفة أبي بكر‪ ،‬قالوا له‪ :‬يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد‬
‫ل قال‬ ‫بعده خليفة‪ .‬وقيل‪ :‬إنه قبض النبي × عن ثلثين ألف مسلم ك ّ‬
‫لبي بكر‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬ورضوا به من بعده رضي الله عنهم‬
‫)‪.(4‬‬
‫ب‪ -‬وقال أبو الحسن الشعري‪ :‬أثنى الله ‪-‬عز وجل‪ -‬على‬
‫المهاجرين والنصار والسابقين إلى السلم‪ ،‬ونطق القرآن بمدح‬
‫المهاجرين والنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة‬
‫ن إِ ْ‬
‫ذ‬ ‫مِني َ‬
‫ؤ ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ع ِ‬
‫ه َ‬
‫ي الل ُ‬
‫ض َ‬ ‫الرضوان‪ ،‬فقال عز وجل‪+ :‬ل َ َ‬
‫قدْ َر ِ‬
‫ة" ]الفتح‪ [18 :‬قد أجمع هؤلء الذين أثنى‬ ‫جَر ِ‬ ‫ت ال ّ‬
‫ش َ‬ ‫ح َ‬ ‫عون َ َ‬
‫ك تَ ْ‬ ‫ي َُباي ِ ُ‬
‫عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ‪ ،‬وسموه خليفة‬
‫رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل‪ ،‬وكان أفضل‬
‫الجماعة‬
‫في جميع الخصال التي يستحق بها المامة في العلم والزهد‪ ،‬وقوة‬
‫وسياسة المة‪،‬‬ ‫الرأي‬
‫وغير ذلك)‪.(5‬‬
‫ج‪ -‬وقال عبد الملك الجويني‪ :‬أما إمامة أبي بكر ‪ ‬فقد ثبتت‬
‫لحكمه‪.‬‬ ‫بإجماع الصحابة‪ ،‬فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والنقياد‬
‫ي شراسًا )‪ ،(6‬وشماسًا )‪ (7‬في‬ ‫وما تخرص به الروافض من إبداء عل ّ‬
‫عقد البيعة له كذب صريح‪ ،‬نعم لم يكن ‪ ‬في السقيفة‪ ،‬وكان‬
‫الله( ×‪ ،‬ثم دخل فيما‬ ‫مستخليا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول‬ ‫ً‬
‫دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على مل من الشهاد)‪. 8‬‬

‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/550 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ ،‬إبراهيم شعوط‪.101 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.2/550 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ بغداد‪.131 ،10/130 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫البانة عن أصول الديانة‪.66 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الشراس‪ :‬شدة المعاملة‪ ،‬مختار الصحاح‪.346 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫وشماسا‪ :‬أي صعب الخلق‪ ،‬لسان العرب‪ (4) .6/111 :‬كتاب الرشاد‪.361 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪102‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫د‪ -‬وقال أبو بكر الباقلني في معرض ذكره للجماع على خلفة‬
‫الصديق ‪ :‬وكان ‪ ‬مفروض الطاعة لجماع المسلمين على‬
‫طاعته وإمامته وانقيادهم له‪ ،‬حتى قال أمير المؤمنين علي ‪ ‬مجيبًا‬
‫لقوله ‪ ‬لما قال‪ :‬أقيلوني فلست بخيركم‪ ،‬فقال‪ :‬ل نقيلك ول‬
‫نستقيلك‪ ،‬قدمك رسول الله × لديننا أل نرضاك لدنيانا‪ ،‬يعني بذلك‬
‫حين قدمه للمامة في الصلة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج‪،‬‬
‫إيمانا وأكملهم فهمًا‬
‫ً‬ ‫وكان ‪ ‬أفضل المة وأرجحهم‬ ‫فأمرك علينا‪.‬‬
‫وأوفرهم علمًا )‪.(1‬‬
‫‪ -8‬منصب الخلفة والخليفة‪:‬‬
‫الخلفة السلمية هي المنهج الذي اختارته المة السلمية‬
‫وأجمعت عليه طريقة وأسلوبًا للحكم تنظم من خلله أمورها وترعى‬
‫مصالحها‪ ،‬وقد ارتبطت نشأة الخلفة بحاجة المة لها واقتناعها بها‪،‬‬
‫ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله ×‪.‬‬
‫يقول المام أبو الحسن الماوردي‪ :‬إن الله جلت قدرته ندب للمة‬
‫زعيما خلف به النبوة وحاط به الملة‪ ،‬وفوض إليه السياسة ليصدر‬ ‫ً‬
‫التدبير عن دين مشروع‪ ،‬وتجتمع الكلمة على رأي متبوع‪ ،‬فكانت‬
‫العامة‬ ‫أصل عليه استقرت قواعد الملة‪ ،‬وانتظمت به مصالح‬ ‫ً‬ ‫المامة‬
‫حتى استثبتت به المور العامة‪ ،‬وصدرت عنه الوليات الخاصة )‪.(2‬‬
‫لقد كان على المة السلمية أن تواجه الموقف الصعب الذي‬
‫نشأ عن انتقال‬
‫الرسول × إلى الرفيق العلى‪ ،‬وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة‬
‫أفرادها‪ ،‬أو‬ ‫وأل تدع مجالً لنقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس‬
‫للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله × )‪.(3‬‬
‫ولما كانت الخلفة هي نظام حكم المسلمين‪ ،‬فقد استمدت‬
‫أصولها من دستور المسلمين؛ من القرآن الكريم ومن سنة النبي‬
‫)‪(5‬‬
‫×‪ (4).‬وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلفة السلمية فقالوا‬
‫بالشورى والبيعة وهما –أصلً‪ -‬قد أشير إليهما في القرآن الكريم ‪،‬‬
‫أحيانا يطلق عليه لفظ المامة أو المارة‪ .‬وقد أجمع‬ ‫ً‬ ‫ومنصب الخلفة‬
‫المسلمون على وجوب الخلفة‪ ،‬وأن تعيين الخليفة فرض على‬
‫المسلمين يرعى شئون المة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة‬
‫السلمية وعلى حماية الدين والمة بالجهاد‪ ،‬وعلى تطبيق الشريعة‬
‫وتوفير‪(6‬الحاجات الضرورية لكل‬ ‫وحماية حقوق الناس ورفع المظالم‬
‫فرد‪ ،‬وهذا ثابت بالقرآن والسنة والجماع ) ‪.‬‬
‫عوا‬ ‫وقد قال تعالى‪+ :‬يا أ َيها ال ّذين آمُنوا أ َطيعوا الله َ‬
‫طي ُ‬‫وأ ِ‬‫َ َ‬ ‫ِ ُ‬ ‫ِ َ َ‬ ‫َ ّ َ‬ ‫ل ُ‬
‫م"‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫ْ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫ر ِ‬
‫م ِ‬
‫وأوِلي ال ْ‬ ‫سو َ َ‬
‫الّر ُ‬
‫]النساء‪.[59 :‬‬
‫)( »النصاف فيما يجب اعتقاده ول يجوز الجهل به«‪.65 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫وتجدر الشارة إلي أن الذي ذكرت فيه النصوص التي فيها الشارة إلى خلفة‬
‫الصديق‪ ،‬اختصرتها من الكتاب القيم »عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‬
‫الكرام« للدكتور ناصر بن عائض حسن الشيخ‪.‬‬
‫)( الحكام السلطانية‪:‬ص ‪.3‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( عصر الخلفة والخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ :‬فتحية النبراوي‪:‬ص ‪.22‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( عصر الخلفاء الراشدين‪:‬ص ‪ (4) .23‬عصر الخلفاء الراشدين‪:‬ص ‪.23‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪:‬ص ‪ (6) .58‬ل حجة له في فعله ول تنفعه‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪103‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫ض‬ ‫في ا َ‬ ‫خِلي َ‬ ‫عل َْنا َ‬
‫لْر ِ‬ ‫ضل ّ َ‬
‫ة ِ‬ ‫ف ً‬ ‫ك َ‬
‫ْ‬
‫ج َ‬ ‫ودُ إ ِّنا َ‬ ‫دا ْ ُ‬
‫وقال تعالى‪َ+ :‬يا َ‬
‫عن‬ ‫ك َ‬ ‫ُ ِ‬
‫َ‬
‫ي‬‫ف‬‫َ‬ ‫وى‬ ‫ه‬
‫َ َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫ت‬
‫َ ّ ِ ِ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫س ِ َ ّّ َ‬
‫ق‬ ‫ح‬ ‫ل‬‫با‬ ‫ن الّنا ّ ِ‬ ‫م ب َي ْ َ‬ ‫حك ُ ْ‬
‫فا ْ‬ ‫َ‬
‫ب‬
‫ٌ‬ ‫َ‬
‫ذا‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫ِ ُ ْ‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ل‬ ‫بي‬
‫َ ِ ِ‬ ‫س‬ ‫عن‬ ‫َ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫لو‬ ‫ض‬ ‫ي‬
‫ِ َ َ ِ‬ ‫ن‬ ‫ذي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫إ‬
‫ِ ِ ّ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ل‬ ‫بي‬
‫َ ِ ِ‬ ‫س‬
‫ب"‬ ‫سا ِ‬ ‫ح َ‬ ‫م ال ْ ِ‬ ‫و َ‬‫سوا ي َ ْ‬ ‫ما ن َ ُ‬ ‫ديدُ ب ِ َ‬ ‫َ‬
‫ش ِ‬
‫]ص‪.[26 :‬‬
‫دا من طاعة لقي الله يوم القيامة ل حجة له‬ ‫وقال ×‪» :‬من خلع ي ً‬
‫)‪ ،(1‬ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية« )‪.(2‬‬
‫وأما الجماع فالصحابة ‪-‬رضوان الله عليهم‪ -‬لم ينتظروا حتى يتم‬
‫دفن الرسول ×‪ ،‬وتوافدوا للتفاق على إمام أو خليفة‪ ،‬وعلل أبو بكر‬
‫المانة وهو خوفه أن تكون فتنة )أي من عدم تعيين خليفة‬ ‫قبول هذه‬
‫للمسلمين(‪ (3).‬قال الشهرستاني في ذلك‪ :‬ما دار في قلبه ول في‬
‫قلب أحد أنه يجوز خلو الرض من إمام‪ ،‬فدل ذلك كله على أن‬
‫الصحابة وهم الصدر الول كانوا عن بكرة أبيهم متفقين على أنه ل‬
‫إمام‪ ،‬فذلك الجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب‬ ‫بد من‬
‫المام )‪.(4‬‬
‫أن الطمع في الرياسة‬ ‫هذا وليس صحيحًا ما يروجه الحاقدون‬
‫سبب النشغال بالخلفة عن دفن النبي × )‪.(5‬‬
‫هذا وقد عرف ابن خلدون الخلفة‪ :‬هي حمل الكافة على‬
‫مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الخروية والدنيوية الراجعة‬
‫إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارهم بمصالح‬
‫الحقيقة‪(6‬خلفة عن صاحب الشرع في حراسة هذا‬ ‫الخرة‪ ،‬فهي في‬
‫الدين وسياسة الدنيا به ) ‪.‬‬
‫وقد تحدث العلمة أبو الحسن الندوي عن شروط خلفة النبي ×‬
‫ومتطلباتها‪ ،‬وقد أثبت بالدلة والحجج من خلل سيرة الصديق بأن أبا‬
‫بكر كانت شروط خلفة النبي × متحققة فيه‪ ،‬ونذكر هذه الشروط‬
‫بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتها في هذا‬
‫الكتاب متناثرة‪ ،‬فأهم هذه الشروط‪:‬‬
‫يمتاز بأنه ظل طوال حياته بعد السلم متمتعا بثقة رسول الله × به‬ ‫أ‪-‬‬
‫وشهادته له‪ ،‬واستخلفه إياه في القيام ببعض أركان الدين الساسية‪ ،‬وفي‬
‫مهمات المور‪ ،‬والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة ل يستصحب فيها‬
‫النسان إل من يثق به كل الثقة‪ ،‬ويعتمد عليه كل العتماد‪.‬‬
‫ب‪ -‬يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه العاصير‬
‫والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه‪ ،‬وتحبط مساعي‬
‫صاحب رسالته‪ ،‬وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت‬
‫صحبتهم‪ ،‬ولكن يثبت هذا الفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات‪،‬‬
‫ويمثل دور خلفاء النبياء الصادقين الراسخين‪ ،‬ويكشف الغطاء عن‬
‫العيون‪ ،‬وينفض الغبار عن جوهر الدين وعقيدته الصحيحة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)( مسلم‪ ،3/1478 :‬رقم‪.1851 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪.59 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الملل والنحل للشهرستاني‪ .7/83 :‬نظام الحكم‪ ،‬محمود الخالدي‪– 327 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪.248‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ (5) .49 :‬المقدمة‪.191 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫‪104‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫ج‪ -‬يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق للسلم‪ ،‬ومعايشته له في‬
‫حياة النبي × على اختلف أطواره وألوانه من سلم وحرب‪ ،‬وخوف‬
‫وأمن‪ ،‬ووحدة واجتماع‪ ،‬وشدة ورخاء‪.‬‬
‫د‪ -‬يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ما كان‬
‫عليه في عهد نبيه‪ ،‬غيرة أشد من غيرة الرجال على العراض‬
‫والكرامات‪ ،‬والزواج والمهات‪ ،‬والبنين والبنات‪ ،‬ل يحوله عن ذلك‬
‫خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم‬
‫إليه‪.‬‬
‫دقيقا كل الدقة وحريصًا أشد الحرص على تنفيذ رغبات‬ ‫ً‬ ‫هـ‪ -‬يكون‬
‫الرسول الذي يخلفه في أمته بعد وفاته‪ ،‬ل يحيد عن ذلك قيد شعرة‪،‬‬
‫أحدا‪ ،‬ول يخاف‬
‫ً‬ ‫ول يساوم فيه‬
‫لومة لئم‪.‬‬
‫و‪ -‬يمتاز بالزهد فمتاع الدنيا والتمتع به‪ ،‬زهدًا ل يتصور فوقه إل‬
‫عند إمامه وهاديه سيد النبياء عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأن ل يخطر‬
‫بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورثته‪ ،‬كما‬
‫اعتادت ذلك السر الملوكية الحاكمة)‪(1‬في أقرب الدول والحكومات‬
‫من جزيرة العرب؛ كالروم والفرس ‪.‬‬
‫وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر ‪،‬‬
‫كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول × قبل الخلفة وبعد‬
‫ينكره‪ (2‬أو‬ ‫الخلفة إلى أن توفاه الله تعالى‪ ،‬بحيث ل يسع منكرا أن‬
‫مشككا يشكك في صحته‪ ،‬فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر) ‪.‬‬
‫هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة‬
‫رشحوه للناس في اليوم الثاني‪ ،‬وبايعته المة‬ ‫الصديق بيعة خاصة ثم‬
‫في المسجد البيعة العامة)‪.(3‬‬
‫وقد أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أن قيادة المة ل تقام إل بالختيار‪ ،‬وأن البيعة هي أصل من أصول‬
‫الختيار وشرعية القيادة‪ ،‬وأن الخلفة ل يتولها إل الصلب دينا والكفأ‬
‫إدارة‪ ،‬فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلمية وشخصية وأخلقية‪،‬‬
‫سبية أو القبلية‪ ،‬وإن إثارة‬
‫الن َ‬
‫وأن الخلفة ل تدخل ضمن مبدأ الوراثة ّ‬
‫واقعً يجب أخذه في‬
‫ا‬ ‫»قريش« في سقيفة بني ساعدة باعتباره‬
‫متعارضا مع أصول‬
‫ً‬ ‫الحسبان‪ ،‬ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن‬
‫السلم‪ ،‬وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة‬
‫المن النفسي السائد بين المسلمين؛ حيث ل هرج ول مرج‪ ،‬ول تكذيب‬
‫للنصوص التي تحكمهم‬ ‫ول مؤامرات ول نقض للتفاق‪ ،‬ولكن تسليم‬
‫حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية )‪.(4‬‬
‫وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض المثلة التي‬
‫صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السقيفة‪،‬‬
‫حيث قال‪:‬‬
‫المرتضى‪ ،‬سيرة أبي الحسن علي بن أبي طالب‪.66 ،65 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫سيرة أبي الحسن علي بن أبي طالب‪.67 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪.67 ،66 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة للشجاع‪.256 ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪105‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫* أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن »نظام الحكم‬
‫تطبيقا لمبدأ الشورى الذي‬
‫ً‬ ‫ودستور الدولة« يقرر بالشورى الحرة‪،‬‬
‫نص عليه القرآن‪ ،‬ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع‪ ،‬وسند هذا‬
‫الجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى؛ أي أن هذا الجماع‬
‫كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في السلم وهو‬
‫الشورى الملزمة‪ ،‬وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالجماع بعد وفاة‬
‫تأييدا وتطبيقًا لنصوص‬
‫ً‬ ‫رسولنا ×‪ ،‬ثم إن هذا الجماع لم يكن إل‬
‫الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى‪.‬‬
‫* تقرر يوم السقيفة أيضا أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة‬
‫السلمية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى؛ أي‪ :‬بالبيعة الحرة‬
‫التي تمنحه تفويضًا ليتولى الولية بالشروط والقيود التي يتضمنها‬
‫عقد البيعة الختيارية الحرة –الدستور في النظم المعاصرة‪ -‬وكان‬
‫هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الجماع‪ ،‬وكان قرارًا إجماعيًا‬
‫كالقرار السابق‪.‬‬
‫اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر‬ ‫* تطبيقا للمبدأين السابقين‪ ،‬قرر‬
‫ليكون الخليفة الول للدولة السلمية )‪.(1‬‬
‫ثم إن هذا الترشيح لم يصبح نهائيًا إل بعد أن تمت له البيعة‬
‫العامة‪ ،‬أي‪ :‬موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد‬
‫الرسول ×‪ ،‬ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي‬
‫ألقاه )‪ ،(2‬وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى‪.‬‬

‫)( فقه الشورى والستشارة‪ ،‬د‪ :‬توفيق الشاوي‪.140 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪.142 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪106‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية‬
‫أول‪ :‬البيعة العامة‪:‬‬
‫بعد أن تمت بيعة أبي بكر ‪ ‬البيعة الخاصة في سقيفة بني‬
‫تأييد( أبي بكر‪،‬‬ ‫ساعدة‪ ،‬كان لعمر ‪ ‬في اليوم التالي موقف في‬
‫وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة)‪ 1‬العامة‪ ،‬قال‬
‫أنس بن مالك‪ :‬لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو‬
‫بكر على المنبر‪ ،‬فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى‬
‫عليه بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إني كنت قلت لكم بالمس‬
‫ي‬
‫مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله‪ ،‬ول كانت عهدًا عهده إل ّ‬
‫رسول الله ×‪ ،‬ولكني قد كنت أرى أن رسول الله × سيدبر أمرنا –‬
‫يقول‪ :‬يكون آخرنا‪ -‬وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله‬
‫رسوله ×‪ ،‬فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له‪ ،‬وإن الله‬
‫قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ×‪ ،‬وثاني اثنين إذ‬
‫هما في الغار‪ ،‬فقوموا فبايعوه‪ ،‬فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة‬
‫السقيفة‪..‬‬
‫ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬أما بعد‪ :‬أيها الناس‪ ،‬فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم‪،‬‬
‫فإن أحسنت فأعين وني‪ ،‬وإن أسأت فقوموني‪ ،‬الصدق أمانة‬
‫والكذب خيانة‪ ،‬والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه‬
‫إن شاء الله‪ ،‬والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن‬
‫شاء الله‪ .‬ل يدع قوم الجهاد في سبيل الله إل خذلهم الله بالذل‪،‬‬
‫ول تشيع الفاحشة في قوم إل عمهم الله بالبلء‪ ،‬أطيعوني ما‬
‫ورسوله فل طاعة لي‬ ‫)‪(2‬‬
‫أطعت الله ورسوله‪ ،‬فإذا عصيت الله‬
‫عليكم‪ ،‬قوموا إلى صلتكم يرحمكم الله‪.‬‬
‫وقال عمر لبي بكر يومئذ‪ :‬اصعد المنبر‪ ،‬فلم يزل به حتى صعد‬
‫المنبر‪(3‬فبايعه الناس‬
‫عامة) ‪.‬‬
‫وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب السلمية على‬
‫إيجازها‪ ،‬وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل‬
‫بين الحاكم والمحكوم‪ ،‬وركز على أن طاعة ولي المر مترتبة على‬
‫طاعة الله ورسوله‪ ،‬ونص على الجهاد في سبيل الله لهميته في‬
‫اجتناب الفاحشة لهمية ذلك في حماية المجتمع‬ ‫إعزاز المة‪ ،‬وعلى‬
‫من النهيار والفساد‪ (4).‬من خلل الخطبة والحداث التي تمت بعد‬
‫وفاة الرسول يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملمح نظام الحكم‬
‫في بداية عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬والتي من أهمها‪:‬‬

‫عصر الخلفة والخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ :‬فتحية النبراوي‪.30 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البداية والنهاية‪ ،306 ،6/305 :‬إسناد صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫البخاري‪ ،‬الحكام‪ ،‬رقم‪.7219 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬المقدمة‪.209 :‬‬ ‫التاريخ السلمي‪.9/28 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪107‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫‪ -1‬مفهوم البيعة‪:‬‬
‫عرف العلماء البيعة بتعاريف عدة‪ ،‬منها تعريف ابن خلدون‪ :‬العهد‬
‫لولي المر‪ (1).‬وعرفها بعضهم بقوله‪ :‬البيعة على التعاقد‬ ‫)‪(2‬‬
‫على الطاعة‬
‫والميثاق والمعاقدة‬ ‫العهد‬ ‫أخذ‬ ‫‪:‬‬‫بأنها‬ ‫كذلك‬ ‫وعرفت‬ ‫‪،‬‬ ‫السلم‬ ‫على‬
‫على إحياء ما أحياه الكتاب والسنة‪ ،‬وإقامة ما أقامه‪ (3).‬وكان‬
‫المسلمون إذا بايعوا المير جعلوا أيديهم في يده؛ تأكيدًا للعهد‬
‫والولء‪ ،‬فأشبه ذلك الفعل البائع والمشتري‪ ،‬فسمي هذا الفعل بيعة‬
‫)‪.(4‬‬
‫ونتعلم من مبايعة المة للصديق بأن الحاكم في الدولة السلمية‬
‫إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد‪ ،‬وبايعته المة بعد‬
‫أن توفرت فيه الشروط المعتبرة‪ ،‬فيجب على المسلمين جميعًا‬
‫مبايعته والجتماع عليه‪ ،‬ونصرته على من يخرج عليه؛ حفاظًا على‬
‫المة( وتماسك بنيانها أمام العداء في داخل الدولة السلمية‬ ‫وحدة‬
‫وخارجها )‪. 5‬‬
‫قال ×‪» :‬من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية« )‪،(6‬‬
‫على تركها‪،‬‬ ‫فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد‬
‫فمن مات ولم يبايع عاش على الضلل ومات على الضلل )‪.(7‬‬
‫ما فأعطاه صفقة يده وثمرة‬ ‫وقال رسول الله ×‪» :‬ومن بايع إما ً‬
‫قلبه فليطعه ما استطاع‪ ،‬فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الخر«‬
‫)‪.(8‬‬
‫فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به نتيجة الخروج على‬
‫لنه يطلب بيعة أخرى بالبيعة‬ ‫المام‪ ،‬مما يدل على حرمة هذا الفعل؛‬
‫الولى التي هي فرض على المسلمين )‪.(9‬‬
‫والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة‪ ،‬وأما في‬
‫القاليم فقد يأخذها المام وقد يأخذها نواب المام‪ ،‬كما حدث في‬
‫بيعة الصديق ‪ ،‬فبيعة أهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة‪.‬‬
‫والذي تجب بيعتهم للمام هم أهل الحل والعقد‪ ،‬وأهل الختيار‬
‫من علماء المة وقادتها‪ ،‬وأهل الشورى وأمراء المصار‪ ،‬وأما سائر‬
‫الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلء‪ ،‬ول يمنع العامة‬
‫من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد‪ (10).‬وهناك من العلماء من قال‪:‬‬
‫مهامه كخليفة‬ ‫ل بد من البيعة العامة؛ لن الصديق لم يباشر‬
‫للمسلمين إل بعد البيعة العامة من المسلمين )‪.(11‬‬
‫والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تم للصديق ل تعطى إل للمام‬
‫العظم في الدولة السلمية ول تعطى لغيره من الشخاص‪ ،‬سواء‬
‫‪1‬‬

‫)( جامع الصول في أحاديث الرسول‪.1/252 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( نظام الحكم في السلم‪ ،‬عارف أبو عيد‪.248 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)(‪ (6) ,‬نفس المصدر السابق‪.250 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (8‬نظام الحكم في السلم‪.250 :‬‬ ‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة‪ ،‬رقم‪.1851 :‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم‪.1852 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫)‪ (1‬نظام الحكم في السلم‪ (2) .253 :‬المصدر السابق‪.253 :‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)( فقه الشورى‪ :‬د‪ .‬الشاوي‪439 :‬؛ عصر الخلفة والخلفاء الراشدين‪.30 :‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪108‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الدولة السلمية أو عند فقدها؛ لما يترتب على هذه البيعة‬ ‫)‪(1‬‬
‫في ظل‬
‫من أحكام‪.‬‬
‫وخلصة القول‪ :‬إن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولء‬
‫والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى‪ ،‬وأنها‬
‫في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين‪ :‬المام من جهة وهو‬
‫الطرف الول‪ ،‬والمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني‪ ،‬فالمام‬
‫يبايع على الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة السلمية‬
‫عقيدة وشريعة ونظام حياة‪ ،‬والمة تبايع على الخضوع والسمع‬
‫والطاعة للمام في حدود الشريعة‪.‬‬
‫فالبيعة خصيصة من خصائص نظام الحكم في السلم تفرد به‬
‫عن غيره من النظم الخرى في القديم والحديث‪ ،‬ومفهومه أن‬
‫الحاكم والمة كليهما مقيد بما جاء به السلم من الحكام الشرعية‪،‬‬
‫ول يحق لحدهما سواء كان الحاكم أو المة ممثلة بأهل الحل والعقد‬
‫الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الحكام التي تصادم الكتاب‬
‫والسنة‪ ,‬أو القواعد العامة في الشريعة‪ ،‬ويعد مثل ذلك خروج على‬
‫السلم؛ بل إعلن الحرب على النظام العام للدولة السلمية‪ ،‬بل‬
‫أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة اليمان )‪ ،(2‬قال‬
‫ّ‬
‫جَر‬‫ش َ‬ ‫ما َ‬ ‫في َ‬ ‫ك ِ‬ ‫مو َ‬ ‫حك ّ ُ‬ ‫حّتى ي ُ َ‬ ‫ن َ‬ ‫مُنو َ‬ ‫َ‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫ؤ ِ‬ ‫وَرب ّ َ‬ ‫فل َ َ‬‫تعالى‪َ + :‬‬
‫موا‬‫سل ُ‬ ‫وي ُ َ‬‫ت َ‬ ‫ضي ْ َ‬ ‫ما ق َ‬ ‫َ‬ ‫م ّ‬‫جا ّ‬ ‫حَر ً‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫س ِ‬ ‫ُ‬
‫في أن ْف ِ‬ ‫دوا ِ‬ ‫ج ُ‬ ‫َ‬
‫م ل يَ ِ‬ ‫م ثُ ّ‬‫ه ْ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫ما" ]النساء‪.[65 :‬‬ ‫سِلي ً‬‫تَ ْ‬
‫فهذا مفهوم البيعة من خلل عصر أبي بكر الصديق ‪.‬‬
‫‪ -2‬مصدر التشريع في دولة الصديق‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :‬أطيعوني ما أطعت الله ورسوله‪ ،‬فإن عصيت‬
‫الله ورسوله فل طاعة لي عليكم )‪ ،(3‬فمصدر التشريع عند الصديق‪:‬‬
‫أ‪ -‬القرآن الكريم‪:‬‬
‫ن‬
‫م ب َي ْ َ‬‫حك ُ َ‬ ‫ق ل ِت َ ْ‬ ‫ح ّ‬ ‫ب ِبال ْ َ‬ ‫ك ال ْك َِتا َ‬ ‫قال تعالى‪+ :‬إ ِّنا أ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ما" ]النساء‪.[105 :‬‬ ‫صي ً‬ ‫خ ِ‬ ‫ن َ‬ ‫خائ ِِني َ‬ ‫كن ل ّل ْ َ‬ ‫ول َ ت َ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ك الل ُ‬ ‫ما أ ََرا َ‬‫س بِ َ‬‫الّنا ِ‬
‫فهو المصدر الول الذي يشتمل على جميع الحكام الشرعية‬
‫التي تتعلق بشئون الحياة‪ ،‬كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكامًا‬
‫قاطعة لصلح كل شعبة من شعب الحياة‪ ،‬كما بين القرآن الكريم‬
‫للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم‪.‬‬
‫ب‪ -‬السنة المطهرة‪:‬‬
‫هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور السلمي أصوله‪،‬‬
‫ومن خللها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لحكام القرآن‬
‫)‪.(4‬‬
‫إن دولة الصديق خضعت للشريعة‪ ،‬وأصبحت سيادة الشريعة‬
‫)( نظام الحكم في السلم‪.254 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( نظام الحكم في السلم‪ (2) .153 ،152 :‬البداية والنهاية‪.6/306 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم للصلبي‪ :‬ص ‪.432‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪109‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫السلمية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون‪ ،‬وأعطيت لنا صورة‬
‫مضيئة مشرقة على أن الدولة السلمية دولة شريعة‪ ،‬خاضعة بكل‬
‫أجهزتها لحكام)‪(1‬هذه الشريعة‪ ،‬والحاكم فيها مقيد بأحكامها ل يتقدم‬
‫ول يتأخر عنها ‪.‬‬
‫ففي دولة الصديق وفي مجتمع الصحابة‪ ،‬الشريعة فوق الجميع‬
‫يخضع لها‬
‫الحاكم والمحكوم‪ ،‬ولهذا قيد الصديق طاعته التي طلبها من المة‬
‫بطاعة الله ورسوله؛‬
‫الله × قال‪» :‬ل طاعة في المعصية‪ ،‬إنما الطاعة في‬ ‫لن رسول‬
‫المعروف« )‪.(2‬‬
‫‪ -3‬حق المة في مراقبة الحاكم ومحاسبته‪:‬‬
‫‪.‬‬ ‫قال أبو بكر ‪ :‬فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني‬
‫)‪(3‬‬

‫فهذا الصديق يقر بحق المة وأفرادها في الرقابة على أعماله‬
‫ومحاسبته عليها؛ بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه‪ ،‬وإلزامه‬
‫بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي‪ (4),‬وقد أقر الصديق‬
‫في بداية خطابه للمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة‪ ،‬وأنه‬
‫ل يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره؛‬
‫لن عهد الرسالت والرسل المعصومين قد انتهى‪ ،‬وأن آخر رسول‬
‫كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه‪ ،‬وقد كانت له سلطة دينية‬
‫مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من‬
‫× أصبح‬ ‫السماء‪ ،‬ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته ×‪ ،‬وبعد وفاته‬
‫الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض المة له )‪.(5‬‬
‫إن المة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على‬
‫المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم‪ ،‬فالواجب على الرعية‬
‫ُنصرة المام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور‬
‫الدين والجهاد‪ ،‬ومن نصرة المام أل يهان‪ ،‬ومن معاضدته أن ُيحترم‬
‫وأن ُيكرم‪ ،‬فقوامته على المة وقيادته لها لعلء كلمة الله تستوجب‬
‫ما لشرع الله الذي ينافح عند‬ ‫إجلله وإكرامه وتبجيله‪ ،‬إجللً وإكرا ً‬
‫ويدافع عنه‪ ،‬قال رسول الله ×‪» :‬إن من إجلل الله تعالى‪ :‬إكرام‬
‫القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه‪،‬‬ ‫ذي الشيبة المسلم‪ ،‬وحامل‬
‫وإكرام ذي السلطان المقسط«‪ (6).‬والمة واجب عليها أن تناصح‬
‫ولة أمورها‪ ،‬قال ×‪» :‬الدين النصيحة« ‪-‬ثلثا‪ -‬قال الصحابة‪ :‬لمن يا‬
‫رسول الله؟ قال‪» :‬لله ‪-‬عز وجل‪ -‬ولكتابه ولرسوله ولئمة‬
‫المسلمين وعامتهم«‪ (7).‬ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء‬
‫المة على الستقامة رهن باستقامة ولتها‪ ،‬ولذلك كان من واجبات‬
‫الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم‪.‬‬

‫)( نظام الحكم في السلم‪ :‬ص ‪.227‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬البخاري رقم‪.7145 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (4) ,(3‬فقه الشورى والستشارة‪:‬‬ ‫)( البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.441‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (5‬صحيح سنن أبي داود رقم‪.3504 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب )اليمان(‪ ،‬باب )أن الدين نصيحة(‪ ،‬رقم‪.55 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪110‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق ‪،‬‬
‫وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية‪ ،‬تمد الحاكم‬
‫بالخطط‪ ،‬وتزوده بالمعلومات‪ ،‬وتشير عليه بما يحسن أن يقرره‪.‬‬
‫والشيء المحزن أن كثيرًا من الدول السلمية تعرض عن هذا‬
‫النظام الحكيم‪ ،‬فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم‪،‬‬
‫والتخلف الذي يعم معظم ديار المسلمين ما هو إل نتيجة لتسلط‬
‫بغيض‪» ،‬ودكتاتورية« لعينة أماتت في المة روح التناصح والشجاعة‪،‬‬
‫وبذرت فيها وزرعت بها الجبن والفزع إل من رحم ربي‪ ،‬وأما المة‬
‫بأسباب‪(1‬القوة‬ ‫التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته وتأخذ‬
‫والتمكين في الرض‪ ،‬فتنطلق إلى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله ) ‪.‬‬
‫‪ -4‬إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :‬الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه‬
‫إن شاء الله‪ ،‬والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله‬
‫)‪.(2‬‬
‫إن من أهداف الحكم السلمي الحرص على إقامة قواعد النظام‬
‫السلمي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم‪ ،‬ومن أهم هذه‬
‫القواعد‪ :‬الشورى والعدل‪ ،‬والمساواة والحريات‪ .‬ففي خطاب‬
‫الصديق للمة أقر هذه المبادئ‪ ،‬فالشورى تظهر في طريقة اختياره‬
‫وبيعته وفي خطبته في المسجد الجامع‪ ,‬بمحضر من جمهور‬
‫المسلمين‪ ،‬وأما عدالته فتظهر في نص خطابه‪ ،‬ول شك أن العدل‬
‫في فكر أبي بكر هو عدل السلم‪ ،‬الذي هو الدعامة الرئيسية في‬
‫إقامة المجتمع السلمي والحكم السلمي‪ ،‬فل وجود للسلم في‬
‫مجتمع يسوده الظلم ول يعرف العدل‪.‬‬
‫إن إقامة العدل بين الناس أفرادًا وجماعات ودولً‪ ،‬ليست من‬
‫المور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو المير وهواه؛ بل إن‬
‫تعد من أقدس الواجبات‬ ‫إقامة العدل بين الناس في الدين السلمي‬
‫وأهمها‪ ،‬وقد أجمعت المة على وجوب العدل)‪ ،(3‬قال الفخر الرازي‬
‫الله‪ :-‬أجمعوا على أن من كان حاكمًا وجب عليه أن يحكم‬ ‫‪-‬رحمه‬
‫بالعدل )‪.(4‬‬
‫وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة النبوية‪ .‬إن من‬
‫أهداف دولة السلم إقامة المجتمع السلمي الذي تسود فيه قيم‬
‫العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه‪،‬‬
‫وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه‬
‫أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها‪ ،‬دون أن يكلفه ذلك جهدًا أو‬
‫مال‪ ،‬وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق‬‫ً‬
‫صاحب الحق من الوصول إلى حقه‪.‬‬
‫لقد أوجب السلم على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون‬
‫النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الجتماعية‪ ،‬فهو يعدل بين‬
‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪(2) .249‬البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫)(‬

‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪ (4) .455‬تفسير الرازي‪.10/141 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪111‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫المتخاصمين ويحكم بالحق‪ ،‬ول يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء‬
‫عمال أو أصحاب عمل )‪ ،(1‬قال تعالى‪َ+ :‬يا‬ ‫ً‬ ‫َأو أعداء‪ ،‬أغنياء أو فقراء‪،‬‬
‫ول َ‬ ‫ط‬
‫َْ ِ َ‬ ‫س‬ ‫ق‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫دا‬
‫َ َ ُ ِ‬ ‫ه‬ ‫ش‬‫ُ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫لل‬ ‫ن‬ ‫ّ َِ َ‬‫مي‬ ‫وا‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫نوا‬ ‫مُنوا ُ‬
‫كو ُ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫أي ّ َ‬
‫ب‬ ‫ر‬
‫َ ُ‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫أ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫لوا‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫ا‬ ‫لوا‬ ‫ُ‬ ‫د‬ ‫ع‬
‫ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫ن‬
‫ُ‬ ‫نآ‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ش‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫ج ِ َ‬
‫ر‬ ‫يَ ْ‬
‫ُ‬ ‫ْ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬
‫ن" ]المائدة‪.[8 :‬‬ ‫َ‬ ‫لو‬ ‫م‬
‫ْ َ‬‫ع‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫ب‬
‫ِ ٌ ِ َ‬‫ر‬ ‫بي‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬
‫َ ِ ّ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫قوا‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫وا‬‫َ‬ ‫وى‬ ‫َ‬ ‫ق‬ ‫ّ‬ ‫ت‬‫ِلل‬
‫لقد كان الصديق ‪ ‬قدوة في عدله‪ ،‬يأسر القلوب ويبهر اللباب‪،‬‬
‫فالعدل في نظره دعوة عملية للسلم فيه تفتح قلوب الناس‬
‫لليمان‪ .‬لقد عدل بين الناس في العطاء‪ ،‬وطلب منهم أن يكونوا‬
‫القصاص من نفسه في واقعة تدل على‬ ‫عونا له في العدل‪ ،‬وعرض‬ ‫ً‬
‫العدل والخوف من الله سبحانه )‪ ،(2‬فعن عبد الله بن عمرو بن‬
‫العاص ‪ :‬أن أبي بكر الصديق ‪ ‬قام يوم جمعة فقال‪ :‬إذا كنا‬
‫بالغداة فأحضروا صدقات البل نقسمها‪ ،‬ول يدخل علينا أحد إل بإذن‪،‬‬
‫فقالت امرأة لزوجها‪ :‬خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملً‪ ،‬فأتى‬
‫الرجل فوجد أبا بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قد دخل إلى البل‬
‫فدخل معهما‪ ،‬فالتفت أبو بكر فقال‪ :‬ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه‬
‫الخطام فضربه‪ ،‬فلما فرغ أبو بكر من قسم البل دعا الرجل‬
‫فأعطاه الخطام وقال‪ :‬استقد‪ ،‬فقال عمر‪ :‬والله ل يستقد ول تجعلها‬
‫سنة‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر‪ :‬أرضه‪،‬‬
‫بكر‪(3‬غلمه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير‬ ‫فأمر أبو‬
‫فأرضاه بها ) ‪.‬‬
‫وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه على‬
‫المة فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها السلم‪ ،‬وهي من المبادئ‬
‫التي تساهم في بناء المجتمع المسلم‪ ،‬وسبق به تشريعات وقوانين‬
‫تأكيدا لمبدأ المساواة‬ ‫ً‬ ‫العصر الحاضر‪ ،‬ومما َورد في القرآن الكريم‬
‫وُأنَثى‬ ‫ٍ َ‬‫ر‬ ‫َ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ذ‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫كم‬‫ُ‬ ‫نا‬
‫َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ق َ‬ ‫س إ ِّنا َ‬
‫ها الّنا ُ‬ ‫قول الله تعالى‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫د‬ ‫عن‬
‫َ َ ْ ِ َ‬‫م‬‫ُ‬ ‫ك‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫ْ‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫ن‬‫ِ ّ‬ ‫إ‬ ‫فوا‬ ‫ُ‬ ‫ر‬ ‫عا‬ ‫ت‬
‫ِ َ َ َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫ق َ ِ‬
‫ئ‬ ‫با‬ ‫و َ‬‫عوًبا َ‬ ‫ش ُ‬‫م ُ‬‫عل َْناك ُ ْ‬
‫ج َ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫خِبيٌر" ]الحجرات‪.[13 :‬‬ ‫م َ‬ ‫ٌ‬ ‫لي‬
‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬
‫ْ ِ ّ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫أ َت ْ‬
‫إن الناس جميعًا في نظر السلم سواسية؛ الحاكم والمحكوم‪،‬‬
‫الرجال والنساء‪ ،‬العرب والعجم‪ ،‬البيض والسود‪ .‬لقد ألغى السلم‬
‫النسب أو الطبقة‪،‬‬ ‫الفوارق بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو‬
‫والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء‪ (4).‬وجاءت‬
‫ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك؛ حيث يقول‪:‬‬
‫»وليت عليكم ولست بخيركم‪ ،‬فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت‬
‫حتى آخذ الحق منه‪ ،‬والضعيف‬ ‫)‪(5‬‬
‫فقوموني‪ .‬القوي فيكم ضعيف عندي‬
‫فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه«‪.‬‬
‫وكان ‪‬ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل ما فيه سواسية‬
‫بين الناس؛ فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر ‪ ،‬كان له بيت مال‬
‫نح ْمعروف‪ ،‬ليس يحرسه أحد‪ ،‬فقيل له‪ :‬أل تجعل على بيت المال‬ ‫س‬
‫بال ّ‬
‫فقه التمكين في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.459‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تاريخ الدعوة إلى السلم في عهد الخلفاء‪ :‬ص ‪.410‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫المصدر السابق‪ :‬ص ‪.411‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫فقه التمكين في القرآن الكريم‪ :‬ص ‪.461 ،460‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪112‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫م؟ قال‪ :‬عليه قفل! وكان‬ ‫من يحرسه؟ فقال‪ :‬ل يخاف عليه‪ ،‬قيل له‪ :‬ول ِ َ‬
‫شيئا‪ ،‬فلما تحول إلى المدينة حوله معه‬ ‫ً‬ ‫يبقى فيه‬ ‫يعطي ما فيه حتى ل ُ‬
‫فجعله في الدار التي كان فيها‪ ،‬وقدم عليه مال من معدن من معادن‬
‫سليم في خلفته‪ ،‬فقدم عليه منه‬ ‫جهينة‪ ،‬فكان كثيرًا‪ ،‬وانفتح معدن بني ُ‬ ‫ُ‬
‫بصدقة‪ ،‬فكان يضع ذلك في بيت المال‪ ،‬فيقسمه بين الناس سويًا‪ ،‬بين‬
‫الحر والعبد‪ ،‬والذكر والنثى‪ ،‬والصغير والكبير على السواء‪ ،‬قالت‬
‫عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬فأعطى َأول عام الحر ّ عشرة والمملوك‬
‫تها عشرة‪ ،‬ثم قسم في العام‬ ‫مَ‬‫عشرة‪ ،‬وأعطى المرأة عشرة‪ ،‬وأ َ‬
‫الثاني‪ ،‬فأعطاهم عشرين عشرين‪ ،‬فجاء ناس من المسلمين فقالوا‪ :‬يا‬
‫خليفة رسول الله‪ :‬إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس‪ ،‬ومن‬
‫الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم‪ ،‬فلو فضلت أهل السوابق‬
‫والقدم والفضل‪ .‬فقال‪ :‬أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما‬
‫أعرفني بذلك‪ ،‬وإنا ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه‪ ،‬وهذا معاش‪،‬‬
‫فالسوة فيه خير من الثرة‪(1).‬فقد كان توزيع العطاء في خلفته على‬
‫التسوية بين الناس‪ ،‬وقد ناظر الفاروق عمر أبا بكر في ذلك فقال‪:‬‬
‫أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين‪ ،‬وبين من أسلم‬
‫عام الفتح؟ فقال أبو بكر‪ :‬إنما عملوا لله‪ ،‬وإنما أجورهم على الله‪،‬‬
‫وإنما الدنيا بلغ للراكب‪.‬‬
‫ورغم أن عمر ‪ ‬غير في طريقة التوزيع فجعل التفضيل‬
‫بالسابقة إلى السلم‬
‫والجهاد إل أنه في نهاية خلفته قال‪ :‬لو استقبلت من أمري ما‬
‫استدبرت لرجعت إلى‬
‫طريقة أبي بكر فسويت بين الناس )‪.(2‬‬
‫وكان يشتري البل والخيل والسلح فيحمل في سبيل الله‪،‬‬
‫عاما قطائف )القطيفة‪ :‬كساء مخمل( أتى بهما من البادية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫واشترى‬
‫ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء‪ ،‬وقد بلغ المال الذي ورد‬
‫على أبي بكر في خلفته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير )‪.(3‬‬
‫لقد اتبع أبو بكر ‪ ‬المنهج الرباني في إقرار العدل‪ ،‬وتحقيق‬
‫المساواة بين الناس‪ ،‬وراعى حقوق الضعفاء‪ ،‬فرأى أن يضع نفسه‬
‫في كفة هؤلء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد‬
‫وإرادة واعية ل تستذلها عوامل القوة الرضية تحت أقدام قومه‪،‬‬
‫ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته‪ ،‬ويحفظ لها دورها في‬
‫حراسة الملة والمة)‪.(4‬‬
‫لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية؛‬
‫فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم‪ ،‬ولهذا وضع الصديق‬
‫مُر‬ ‫ْ‬
‫ه ي َأ ُ‬ ‫ن الل َ‬ ‫سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ء‬
‫شا ِ‬ ‫ح َ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ء ِذي ال ْ ُ‬ ‫ِبال ْ َ‬
‫ْ‬ ‫ع ِ‬‫هى َ‬ ‫وي َن ْ َ‬‫قْرَبى َ‬ ‫وِإيَتا ِ‬‫ن َ‬ ‫سا ِ‬
‫ح َ‬
‫وال ْ‬
‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬
‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬لطنطاوي‪ ،‬ص ‪ .188 ،187‬ابن سعد‪.3/193 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الحكام السلطانية للماوردي‪ :‬ص ‪ (2) .201‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص‬ ‫‪2‬‬

‫‪.258‬‬ ‫‪3‬‬

‫ديق‪ ،‬لهيكل باشا‪ :‬ص ‪.224‬‬‫)‪ (4‬الص ّ‬ ‫)( أبو بكر رجل الدولة‪46 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪113‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫ن" ]النحل‪.[90 :‬‬ ‫عل ّك ُ ْ‬
‫م ت َذَك ُّرو َ‬ ‫م لَ َ‬
‫عظُك ُ ْ‬
‫ي يَ ِ‬ ‫غ ِ‬‫وال ْب َ ْ‬ ‫وال ْ ُ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫ر َ‬ ‫َ‬
‫ن المسلمون إلى دينهم وحرية الدعوة‬ ‫كان أبو بكر يريد أن يطمئ َ‬
‫إليه وإنما تتم الطمأنية للمسلمين ما قام الحاكم فيهم على أساس‬
‫من العدل المجرد عن الهوى‪.‬‬
‫والحكم على هذا الساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل‬
‫اعتبار شخصي‪ ،‬وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين‪ ،‬وقد كانت‬
‫نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات‪،‬‬
‫والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف‪ ،‬وحاجة‬
‫المجتمع‪ ،‬ويسمو بعدله على كل هوى‪ ،‬وينسى في سبيل ذلك نفسه‬
‫وأبناءه وأهله‪ ،‬ثم يتبع أمور الدولة جليلها ورقيقها‪ ،‬بكل ما أتاه الله‬
‫من يقظة وحذر )‪.(1‬‬
‫وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس؛ فالضعيف آمن‬
‫على حقه‪ ،‬وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل‪ ،‬فهو به‬
‫قوي ل يمنع حقه ول يضيع‪ ،‬والقوي حين يظلم يردعه الحق‪ ،‬وينتصف‬
‫منه للمظلوم‪ ،‬فل يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو‬
‫مكانة‪ ،‬وذلك هو العز الشامخ‪ ،‬والتمكين الكامل في الرض )‪.(2‬‬
‫وما أجمل ما قاله ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ :-‬إن الله ينصر الدولة‬
‫العادلة وإن كانت‬
‫كافرة‪ ،‬ول ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة‪ ...‬بالعدل تستصلح‬
‫الرجال‪،‬‬
‫وتستغزر الموال)‪.(3‬‬
‫‪ -5‬الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪»:‬الصدق أمانة والكذب خيانة«‪ (4).‬أعلن الصديق‬
‫‪ ‬مبدأ أساسيًا تقوم عليه خطته في قيادة المة‪ ،‬وهو‪ :‬أن الصدق‬
‫بين الحاكم والمة وهو أساس التعامل‪ ،‬وهذا المبدأ السياسي‬
‫الحكيم له الثر الهام في قوة المة؛ حيث ترسيخ جسور الثقة بينها‬
‫سياسي منطلق من دعوة السلم إلى‬ ‫َ‬ ‫وبين حاكمها‪ ،‬إنه خلق‬
‫و ُ‬
‫كوُنوا‬ ‫ه َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قوا الل َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫الصدق‪ ،‬قال تعالى‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫ن" ]التوبة‪ ،[119 :‬ومن التحذير منه كقول رسول الله‬ ‫قي َ‬‫صاِد ِ‬
‫ع ال ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫×‪» :‬ثلثة ل يكلمهم الله يوم القيامة ول يزكيهم ول ينظر‬
‫إليهم ولهم عذاب أليم‪ :‬شيخ زان‪ ،‬وملك كذاب‪ ،‬وعائل‬
‫مستكبر« )‪.(5‬‬
‫فهذه الكلمات‪» :‬الصدق أمانة« اكتست بالمعاني‪ ،‬فكأن لها روحًا‬
‫تروح بها وتغدو بين الناس؛ تلهب الحماس‪ ،‬وتصنع المل‪» .‬والكذب‬
‫‪1‬‬
‫)(‬

‫)‪ (2‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.246‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3‬البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬ ‫)( السياسة الشرعية‪ :‬ص ‪.10‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬رقم‪.172 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪114‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫خيانة«‪ ،‬وهكذا يأبى أبو بكر إل أن يمس المعاني‪ ،‬فيسمي الشياء‬
‫بأسمائها‪ ،‬فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز‬
‫المة ثم يخدعها‪ ،‬فما أتعس حاكمًا يتعاطى الكذب فيسميه بغير‬
‫اسمه‪ ،‬لقد نعته الصديق بالخيانة‪ ،‬وأنه عدو أمته الول‪ ..‬وهل بعد‬
‫الخيانة من عداوة؟ حقًا ما زال الصديق يطل على الدنيا من موقفه‬
‫هذا فيرفع أقوامًا ويسقط آخرين!!‪.‬‬
‫وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم؛ إذ هم عدة المة‬
‫ورصيدها الذي تدفع به عن نفسها ملمات اليام‪ ،‬ول شك أن من‬
‫رائدا في هذا‬
‫ً‬ ‫تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقه الخبر بأن الرجل كان‬
‫الفن الرفيع؛ فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم‪ (1).‬إن شعوب‬
‫العالم اليوم تحتاج إلى هذا المنهج الرباني في التعامل بين الحاكم‬
‫والمحكوم‪ ،‬لكي تقاوم أساليب تزوير النتخابات وتلفيق التهم‪،‬‬
‫واستخدام العلم وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون‬
‫الحكام أو ينتقدونهم‪ ،‬ول بد من إشراف المة على التزام الحكام‬
‫مؤسساتها التي تساعدها على تقويم‬ ‫بالصدق والمانة من خلل‬
‫ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا )‪ ،(2‬فتمنعهم من سرقة إرادتهم‬
‫وشرفهم وحريتهم وأموالهم‪.‬‬
‫‪ -6‬إعلن التمسك بالجهاد وإعداد المة لذلك‪:‬‬
‫أبو‪(3‬بكر ‪ :‬وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إل خذلهم‬ ‫قال‬
‫الله بالذل) ‪ ،‬لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه‬
‫وقائده العظيم ×‪ ،‬تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك‬
‫واليمان‪ ،‬والضلل والهدى‪ ،‬والشر والخير‪ ،‬ولقد ذكرت مواقف‬
‫الصديق في غزوات الرسول ×‪ ،‬ولقد فهم الصديق ‪ ‬من حديث‬
‫رسول الله ×‪» :‬إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم‬
‫وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذل ً ل ينزعه حتى ترجعوا إلى‬ ‫)‪(4‬‬
‫بالزرع‪،‬‬
‫الجهاد‪ ،‬فلذلك جعل‬ ‫تركت‬ ‫إذا‬ ‫بالذل‬ ‫تصاب‬ ‫المة‬ ‫إن‬ ‫دينكم«‪.‬‬
‫الصديق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته )‪ ،(5‬ولذلك حشد‬
‫طاقات المة من أجل الجهاد؛ لكي يرفع الظلم عن المظلومين‪،‬‬
‫ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين‪ ،‬ويعيد الحرية للمحرومين‪،‬‬
‫وينطلق بدعوة الله في آفاق الرض يزيل كل عائق ضدها‪.‬‬
‫‪ -7‬إعلن الحرب على الفواحش‪:‬‬
‫)‪ (6‬قال أبو بكر ‪ :‬ول تشيع الفاحشة في قوم إل عمهم الله بالبلء‬
‫‪ ،‬والصديق هنا يذكر المة بقول النبي ×‪» :‬لم تظهر الفاحشة في‬
‫الطاعون والوجاع التي لم‬ ‫قوم قط حتى ُيعلنوا بها‪ ،‬إل فشا فيهم‬
‫تكن مضت في أسلفهم الذين مضوا‪ (7) .«...‬إن الفاحشة هي داء‬
‫المجتمع العضال الذي ل دواء له‪ ،‬وهي سبيل تحلله وضعفه حيث ل‬
‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ ،‬مجدي حمدي‪ :‬ص ‪.37 ،36‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬فقه الشورى والستشارة‪ :‬ص ‪ (2) .442‬البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3‬سنن أبي داود رقم‪ ،3462 :‬صححه اللباني‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.73‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( البداية والنهاية‪.6/305 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( صحيح اللباني‪ ،2/370 :‬رقم الحديث في ابن ماجه‪.4019 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪115‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫قداسة لشيء؛ فالمجتمع الفاحش ل يغار ويقر الدنية ويرضاها‪ ،‬إنه‬
‫وحال الناس أدل شاهد‪.‬‬ ‫مجتمع الضعف والعار والوجاع والسقام‬
‫لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم المة وأخلقها )‪ ،(1‬فقد حرص في‬
‫سياسته على طهر المة ونقائها‪ ،‬وبعدها عن الفواحش ما ظهر منها‬
‫وما بطن‪ ،‬وهو ‪ ‬يريد بذلك أمة قوية ل تشغلها شهواتها‪ ،‬ول يضلها‬
‫شيطانها‪ ،‬لتعيش أمة منتجة تعطي الخير‪ ،‬وتقدم الفضل لكل الناس‪.‬‬
‫إن علقة الخلق بقيام الدولة وظهور الحضارة علقة ظاهرة‪،‬‬
‫فإن فسدت الخلق وخربت الذمم ضاعت المم‪ ،‬وعمها الفساد‬
‫والدمار‪ .‬والدارس لحياة المم السابقة والحضارات السالفة بعين‬
‫البصيرة يدرك كيف قامت حضارات على الخلق الكريمة والدين‬
‫الصحيح؛ كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليهما‬
‫السلم‪ ،‬والتي قامت في زمن ذي القرنين‪ ،‬وكثير من المم التي‬
‫التزمت بالقيم والخلق فظلت قوية طالما حافظت عليها‪ ،‬فلما دب‬
‫سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين‪ ،‬وبدلت نعمة)‪(2‬الله كفرًا‪،‬‬
‫وأحلت قومها دار البوار‪ ،‬فنزلت قوتها‪ ،‬وتلشت حضارتها‪.‬‬
‫إن الصديق ‪ ‬استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول‬
‫والفساد‪ ،‬والنغماس في‬ ‫بالترفدَنا َ‬ ‫ذا أ َ‬ ‫وزوالها‪ ،‬وفهم أن زوال الدول يكون‬
‫ة‬
‫قْري َ ً‬ ‫ك َ‬ ‫هل ِ َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫أن‬ ‫ْ‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫َالفواحش والموبقات قال تعالى‪ِ َ + :‬‬
‫إ‬ ‫و‬
‫ها‬ ‫مْرَنا َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ق‬
‫ح ّ‬ ‫ف َ‬ ‫ها َ‬ ‫في َ‬ ‫قوا ِ‬ ‫س ُ‬ ‫ف َ‬ ‫ف َ‬ ‫ها َ‬ ‫في َ‬ ‫مت َْر ِ‬ ‫مْرَنا ُ‬ ‫أ َ‬
‫ميًرا" ]السراء‪ ،[16 :‬أي‪ :‬أمرناهم بالمر الشرعي من فعل‬ ‫ت َدْ ِ‬
‫العذاب‬ ‫)‪(3‬‬
‫عليهم‬ ‫فحق ‪+‬أ َ‬ ‫الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا‬
‫مْرَنا"‬ ‫ّ‬ ‫قراءة‪:‬‬ ‫والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم‪ .‬وفي‬
‫بالتشديد أي‪ :‬جعلناهم أمراء‪ .‬والترف وإن كان كثرة المال‬
‫حالة نفسية ترفض الستقامة على‬ ‫والسلطان من أسبابه‪ ،‬إل أنه‬
‫منهج الله وليس كل ثراء ترًفا )‪.(4‬‬
‫إن سياسية الصديق في حربه للفواحش حري بحكام المسلمين‬
‫أن يقتدوا به‪ ،‬فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته على‬
‫الخلق القويمة؛ لنه حينئذ سيقود شعبًا أحس طعم الدمية‪ ،‬وجرى‬
‫في عروقه دم النسانية‪ ،‬وأما إن سُلب الحاكم الذكاء وصار من‬
‫الغبياء‪ ..‬أشاع الفاحشة في قومه‪ ،‬وعمل على حمايتها بالقوة‬
‫والقانون‪ ،‬وحارب القيم والخلق الحميدة‪ ،‬ودفع بقومه إلى‬
‫مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة والقطعان الهائمة‪ ،‬ل‬
‫الخادعة‪ ،‬فيصبحوا بعد ذلك أقزامًا‪ ،‬قد‬ ‫)‪(5‬‬
‫هم لها إل المتاع والزينة‬
‫تعالى‪:‬‬ ‫ة يأ ْ‬ ‫الله‬ ‫قول‬ ‫فيهم‬ ‫ويصدق‬ ‫والشهامة‪.‬‬ ‫ودعوا الرجولة‬
‫ها‬ ‫ُ‬
‫ق‬ ‫ز‬ ‫ْ‬ ‫ر‬ ‫ها‬ ‫تي‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ن‬‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ط‬ ‫م‬ ‫ة‬‫ً‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫آ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫ة‬ ‫ً‬ ‫ي‬
‫ْ َ‬‫ر‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ث‬ ‫م‬
‫ب الل ُ َ‬
‫ه‬ ‫ضَر َ‬ ‫و َ‬ ‫‪َ +‬‬
‫س‬
‫َ‬
‫با‬ ‫ِ‬ ‫ل‬
‫َ ِ‬
‫ه‬ ‫الل‬ ‫ها‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫ذا‬ ‫َ‬ ‫فَأ َ‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ّ‬
‫الل‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫فرت ب ْأ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ن‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫ّ‬
‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫من‬ ‫دا‬ ‫َر َ‬
‫غ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬
‫ن" ]النحل‪.[112 :‬‬ ‫عو َ‬ ‫صن َ ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫كا‬‫َ‬ ‫ما‬ ‫ِ َ‬ ‫ب‬ ‫ف‬ ‫ِ‬ ‫و‬ ‫ْ‬ ‫خ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬‫ِ َ‬ ‫ع‬ ‫جو‬ ‫ُ‬ ‫ال ْ‬
‫هذه بعض التعليقات التي فتح الله بها بما ترى على البيان الذي‬
‫)‪ (2‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص‬ ‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.66‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.252‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تفسير ابن كثير‪.5/85 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( منهج كتابة التاريخ السلمي‪ ،‬محمد هامل‪ :‬ص ‪.65‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.253‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪116‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫ألقاه الصديق للمة‪ ،‬والذي رسم فيه سياسة الدولة‪ ،‬فحدد مسئولية‬
‫الحاكم ومدى العلقة بينه وبين المحكومين‪ ،‬وغير ذلك من القواعد‬
‫المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب‪ ،‬وهكذا قامت الخلفة‬
‫تحديدا عمليًا‪ ،‬وكان حرص المة‬‫ً‬ ‫السلمية‪ ،‬وتحدد مفهوم الحكم‬
‫على منصب الخلفة واختيار الخليفة على هذه الصورة‪ ،‬ومسارعة‬
‫الناس إلى الرضا بذلك‪ ,‬دليلً على أنهم كانوا يسلمون بأن النظام‬
‫الذي أنشأه النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬واجب البقاء‪ ،‬وأن النبي ×‬
‫دينا وكتابًا يسيرون على هديه؛ فرضاء‬ ‫وإن مات فإنه خلف فيهم ً‬
‫يومئذ يعبر عن إرادة الستمرار في ظل النظام الذي أنشأه‬ ‫الناس‬
‫النبي × )‪.(1‬‬
‫زمنً ليس بكثير‪ ،‬وعين أبو‬‫إن حكومة الصديق ‪‬تمتع بها المسلمين ا‬
‫بكر حد السلطة العليا فيها بتلك الخطبة الراقية على مستوى أنظمة‬
‫ل ّ‪(2‬أن يجد‬‫الحكم في ذلك العصر وفي هذا الزمن؛ فهي حكومة شورية ق‬
‫طلب الحرية والعدل في كل عصر أحسن لسياسة المم منها ) ‪ ،‬قادها‬
‫التلميذ النجب والذكى والعلم والعظم إيمانا للحبيب المصطفى ×‪،‬‬
‫أبو بكر ‪.‬‬
‫وقد بّين المام مالك بأنه ل يكون أحد إمامًا أبدًا إل على هذا‬
‫الشرط )‪(3‬؛ يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيانه‬
‫السياسي الول‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬إدارة الشئون الداخلية‪:‬‬
‫أراد الصديق ‪ ‬أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته‪ ،‬واتخذ من‬
‫أعوانا يساعدونه على ذلك‪ ،‬فجعل أبا عبيدة بن‬‫ً‬ ‫الصحابة الكرام‬
‫الجراح أمين هذه المة )وزير المالية(‪ ،‬فأسند إليه شئون بيت المال‪،‬‬
‫وتولى عمر بن الخطاب القضاء )وزارة العدل(‪ ،‬وباشر الصديق‬
‫أيضا‪ ،‬وتولى زيد بن ثابت الكتابة )وزير البريد‬
‫ً‬ ‫القضاء بنفسه‬
‫والمواصلت()‪ (4‬وأحيانًا يكتب له من يكون حاضرا من الصحابة؛‬
‫كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم‪ .‬وأطلق‬
‫المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله‪ ،‬ورأى الصحابة‬
‫تاجرا يغدو‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫رجل‬ ‫ضرورة تفريغ الصديق للخلفة‪ ،‬فقد كان أبو بكر ‪‬‬
‫كل يوم إلى السوق‪ ،‬فيبيع ويبتاع‪ ،‬فلما استخلف أصبح غاديًا إلى‬
‫السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها‪ ،‬فلقيه عمر وأبو عبيدة فقال‪ :‬أين‬
‫تريد يا خليفة رسول الله؟ قال‪ :‬السوق‪ .‬قال‪ :‬تصنع ماذا وقد وليت‬
‫أمور المسلمين؟ قال‪ :‬فمن أين أطعم عيالي؟ فقال‪ :‬انطلق معنا‬
‫شيئا‪ ،‬فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫حتى نفرض لك‬
‫)‪ (5‬وجاء في »الرياض النضرة« أن رزقه الذي فرضوه له خمسون‬
‫ومائتا دينار في السنة‪ ،‬وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها‪ ،‬فلم‬
‫يكن يكفيه ذلك ول عياله‪ ،‬قالوا‪ :‬وقد كان قد ألقي كل دينار ودرهم‬
‫عنده في بيت مال المسلمين‪ ،‬فخرج إلى البقيع فتصافق »بايع«‪،‬‬
‫دراسات في الحضارة السلمية‪ ،‬أحمد إبراهيم الشريف‪ :‬ص ‪.210 ،209‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫أشهر مشاهير السلم في الحرب والسياسة‪ :‬ص ‪.120‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص ‪.92‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫في التاريخ السلمي‪ ،‬د‪ :‬شوقي أبو خليل‪ ،‬ص ‪.218‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ :‬ص ‪.291‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪117‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫فجاء عمر ‪ ‬فإذا هو بنسوة جلوس‪ ،‬فقال‪ :‬ما شأنكن؟ قلن‪ :‬نريد‬
‫السوق فأخذه‬ ‫خليفة رسول الله × يقضي بيننا‪ ،‬فانطلق فوجده في‬
‫ل ها هنا‪ .‬فقال‪ :‬ل حاجة لي في إمارتكم)‪ ،(1‬رزقتموني‬ ‫بيده فقال‪ :‬تعا َ‬
‫ما ل يكفيني ول عيالي‪ .‬قال‪ :‬فإنا نزيدك‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬ثلثمائة دينار‬
‫حالهما‬
‫)‪(2‬‬
‫والشاة كلها‪ .‬قال عمر‪ :‬أما هذا فل‪ ،‬فجاء علي ‪ ‬وهما على‬
‫تلك‪ ،‬قال‪ :‬أكملها له‪ ،‬قال‪ :‬ترى ذلك؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬قد فعلنا‪.‬‬
‫وانطلق أبو بكر ‪ ‬فصعد المنبر‪ ،‬واجتمع إليه الناس فقال‪ :‬أيها‬
‫الناس‪ ،‬إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها‬
‫دينار والشاة‪،‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫ورأسها وأكارعها‪ ،‬وإن عمر وعليا كمل لي ثلثمائة‬
‫أفرضيتم؟ قال المهاجرون‪ :‬اللهم نعم‪ ،‬قد رضينا‪.‬‬
‫وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لولية الدين وأمانة‬
‫الحكم يفرضون لمامهم رزقًا يغتني به عن التجارة‪ ،‬بعد إذ صار‬
‫عامل للمة تملك منه الوقت والجهد والفكر‪ ،‬ومن ثم يقررون معنى‬ ‫ً‬
‫في السلم بديعًا يفصل الذمة المالية للمة عن ذمة الحاكم‪.‬‬
‫هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إل في عهوده القريبة‪ ،‬إذا‬
‫ظلت راية )ما لقيصر لقيصر( مشرعة خفاقة يقاتل الناس دونها‬
‫أزمانا طويلة‪ .‬إن أصدق تعبير تقف به على دخول الذمة المالية‬ ‫ً‬
‫للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر‪ :‬أنا‬
‫الدولة والدولة أنا‪ .‬لقد كان لويس تاجر غلل معروفًا يتجر في قوت‬
‫أحد في ذلك شيئًا من العار‪،‬‬ ‫)‪(4‬‬
‫جوعا‪ ،‬ثم ل يرى‬
‫ً‬ ‫أمته‪ ،‬وهي تتضور‬
‫أليس هو الصل والمة فرع عنه؟‪.‬‬
‫أين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن‬
‫الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون‪ ،‬ويتصرفون‬
‫كما يريدون‪ ،‬كما أصبحت لهم نفقات مستورة ل حصر لها‪ ،‬وفوق هذا‬
‫فقد تكدست لهم الموال لكثرتها وأكثرها يعود إلى الحكام وأمراء‬
‫الشعوب المستضعفة‪ ،‬مع أنه قد ظهر أن هذه الموال مهما بلغت‪،‬‬
‫شيئا‪ ،‬ول تغني صاحبها شيئًا‪ ،‬فإن‬ ‫ً‬ ‫والعقارات مهما كثرت‪ ،‬فإنها ل تكفي‬
‫ليأوي إليها‪ ،‬هذا في‬ ‫تقبله‬ ‫أرضا‬ ‫شاه إيران مع ضخامة ما يملك لم يجد‬
‫الدنيا‪ ،‬وأما في الخرة فالمر أشد والحساب عظيم )‪.(5‬‬
‫فعلى حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليل الذي أدار‬
‫دولة السلم بعد وفاة الرسول ×‪ ،‬فما أجمل قوله ‪ :‬لقد علم‬
‫قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر‬
‫المسلمين‪ ،‬فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين‬
‫فيه)‪.(6‬‬
‫إن الصديق يؤكد معاني بديعة‪ ،‬فولية الدين ليست في حد ذاتها‬
‫لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال عامل‬ ‫ما‪ ،‬أما ما يفرض‬ ‫مغن ً‬
‫المة عن أمر نفسه )‪.(7‬‬
‫)‪ (5،4،‬المصدر السابق نفسه‪ :‬ص ‪.291‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫)‪ (2‬التاريخ السلمي‪ ،‬محمود شاكر‪ :‬ص‬ ‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.35‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪.11‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب البيوع‪ ،‬باب كسب الرجل وعلمه‪ ،‬رقم‪.2070 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (5‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.36‬‬ ‫)( أبو بكر رجل الدولة‪ :‬ص ‪.35‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪118‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جبين‬
‫البشرية تسعى في سلم التطور وتسعى‪ ،‬ثم إذا هي‬ ‫الزمن‪ ،‬حتى إن‬
‫قابعة عند أقدامهم )‪.(1‬‬
‫سار الصديق في بناء دولة السلم بجد ونشاط واهتم بالبناء‬
‫الداخلي‪ ،‬ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الذي تركه‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فاهتم بالرعية وله مواقف مشرفة في هذا الباب‪،‬‬
‫وأعطى للقضاء اهتمامًا خاصًا‪ ،‬وتابع أمر الولة‪ ،‬وسار على المنهج‬
‫النبوي الكريم في كل خطواته‪ ،‬وإليك شيء من التفصيل عن تلك‬
‫السياسة الرشيدة‪:‬‬
‫‪ -1‬الصديق في المجتمع‪:‬‬
‫عاش الصديق ‪ ‬بين المسلمين كخليفة لرسول الله ×‪ ،‬فكان ل‬
‫يترك فرصة تمر إل عّلم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر‪،‬‬
‫فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى واليمان‬
‫والخلق‪ ،‬فمن هذه المواقف‪:‬‬
‫أ‪ -‬حلبه للغنام‪ ,‬والعجوز العمياء‪ ،‬وزيارة أم أيمن‪:‬‬
‫كان قبل الخلفة يحلب للحي فلما بويع له بالخلفة قالت جارية من‬
‫الحي‪ :‬الن ل يحلب لنا »أغنام« دارنا‪ ،‬فسمعها أبو بكر فقال‪ :‬لعمري‬
‫لق كنت عليه‪،‬‬ ‫خُ‬
‫لحلبنها لكم‪ ،‬وإني لرجو أل يغيرني ما دخلت فيه عن ُ‬
‫فكان يحلب لهن‪ ،‬وكن إذا أتينه بأغنامهن يقول‪ :‬أنضح أم ألبد؟ فإن‬
‫قالت‪ :‬انضح‪ ،‬باعد الناء من الضرع حتى تشتد الرغوة‪ ،‬وإن قالت‪ :‬ألبد‪،‬‬
‫سنح ستة أشهر ثم نزل‬ ‫أدناه منه حتى)‪(2‬ل تكون له رغوة‪ ،‬فمكث كذلك بال ّ‬
‫إلى المدينة ‪.‬‬
‫ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلق أبي بكر الصديق ‪ ،‬فهذا‬
‫تواضع كبير من رجل كبير؛ كبير في سنه‪ ،‬وكبير في منزلته وجاهه‪،‬‬
‫حيث كان خليفة المسلمين‪ ،‬وكان حريصًا على أن ل تغير الخلفة‬
‫شيئا من معاملته للناس‪ ،‬وإن كان ذلك سيأخذ منه وقتًا هو بحاجة‬ ‫ً‬
‫‪-‬رضي الله‬ ‫الصحابة‬ ‫تقدير‬ ‫مقدار‬ ‫على‬ ‫يدلنا‬ ‫العمل‬ ‫هذا‬ ‫أن‬ ‫كما‬ ‫إليه‪.‬‬
‫عنهم‪ -‬لعمال البر والحسان‪ ،‬وإن كلفتهم الجهد والوقت )‪.(3‬‬
‫هذا أبو بكر ‪ ‬غلب بعزيمته الصادقة وثباته العجيب الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬وأخضعها لدين الله‪ ،‬ثم بعث بها فقاتلت تحت ألويته‬
‫الدولتين الكبريين على وجه الرض وغلبت عليها‪ .‬أبو بكر‪ ..‬يحلب‬
‫لجواري الحي أغنامهن‪ ،‬ويقول‪ :‬أرجو أن ل يغيرني ما دخلت فيه‪،‬‬
‫وليس الذي دخل فيه بالمر الهين‪ ،‬بل هو خلفة رسول الله‪ ،‬وسيادة‬
‫العرب‪ ،‬وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الرض الجبروت‬
‫الفارسي‪ ،‬والعظمة الرومانية‪ ،‬وتنشئ مكانهما صرح العدل‪ ،‬والعلم‬
‫والحضارة‪ ،‬ثم يرجو أل يغيره هذا كله‪ ،‬ول يمنعه من حلب أغنام‬
‫الحي )‪.(4‬‬
‫إن من ثمار اليمان بالله تعالى أخلقًا حميدة‪ ،‬منها خلق التواضع‬
‫‪1‬‬

‫)( ابن سعد في الطبقات‪ ،3/186 :‬وله شواهد‪ ،‬فإسناده حسن لغيره‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪.19/8 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( أبو بكر الصديق ‪ ،‬طنطاوي‪.186 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪119‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الذي تجسد في شخصية الصديق في هذا الموقف وفي غيره من‬
‫المواقف‪ ،‬وكان عندما يسقط خطام ناقته ينزل ليأخذه‪ ،‬فيقال له‪ :‬لو‬
‫شيئا‪.‬‬
‫ً‬ ‫أمرتنا أن نناولكه‪ ،‬فيقول‪ :‬أمرنا رسول الله × أل نسأل الناس‬
‫)‪ (1‬لقد ترك لنا الصديق مثالً ح َّيا في فهم وتطبيق خلق التواضع‬
‫في‬ ‫م ِ‬ ‫فن َب َذَْنا ُ‬
‫ه ْ‬ ‫جُنودَهُ َ‬
‫و ُ‬ ‫خذَْناهُ ّ َ‬ ‫فأ َ‬ ‫المستمد من قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ن" ]القصص‪ ،[40 :‬ومن‬ ‫َ‬ ‫مي‬‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ظا‬ ‫ال‬ ‫ة‬
‫ُ‬ ‫عا َ‬
‫ب‬‫ق‬‫ِ‬ ‫ن َ‬‫كا َ‬ ‫فان ْظُْر ك َي ْ َ‬
‫ف َ‬ ‫ال ْي َ ّ‬
‫م َ‬
‫مال‪ ،‬وما زاد الله عبدا بعفوّ إل عّزا‪،‬‬ ‫قوله ×‪» :‬ما نقصت صدقة من‬
‫وما تواضع أحد لله إل رفعه الله«‪ (2).‬ولقد دفعه هذا الخلق إلى‬
‫خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء؛ فعن أبي‬
‫عجوزا كبيرة عمياء‬‫ً‬ ‫صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد‬
‫في بعض حواشي المدينة من الليل‪ ،‬فيسقي لها‪ ،‬ويقوم بأمرها‪،‬‬
‫فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت‪ ،‬فجاءها‬
‫يسبق‪(3‬إليها فرصده عمر‪ ،‬فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها‪،‬‬ ‫)‬
‫غير مرة كيل‬
‫وهو يومئذ خليفة‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك ‪ ‬قال‪ :‬قال أبو بكر ‪ ‬بعد وفاة رسول الله‬
‫× لعمر‪ :‬انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ×‬
‫يزورها‪ ،‬فلما انتهيا إليها بكت‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما يبكيك؟ ما عند الله خير‬
‫لرسوله ×‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أبكي أن ل أكون أعلم أن ما عند الله خير‬
‫لرسوله × ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء‪ ،‬فهيجتهما‬
‫على البكاء‪ ،‬فجعل يبكيان معها )‪.(4‬‬
‫دا‪:‬‬ ‫ب‪ -‬نصحه لمرأة نذرت أن ل تحدث أح ً‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬ينهى عن أعمال الجاهلية‪ ،‬والبتداع في الدين‪،‬‬
‫ويدعو إلى أعمال السلم‪ ،‬والتمسك بالسنة )‪ ،(5‬فعن قيس بن أبي‬
‫حازم‪ :‬دخل أبو بكر على امرأة من أحمس)‪ ,(6‬يقال لها زينب‪ ،‬فرآها‬
‫)‪(7‬‬
‫ل تتكلم‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬ما لها ل تتكلم؟ قالوا‪ :‬نوت حجة مصمتة‬
‫فقال لها‪ :‬تكلمي‪ ،‬فإن هذا ل يحل )‪ ،(8‬هذا من عمل الجاهلية‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فتكلمت‪ ،‬فقالت‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬أنا امرؤ من المهاجرين‪ .‬قالت‪ :‬أي‬
‫المهاجرين؟ قال‪ :‬من قريش‪ .‬قالت‪ :‬من أي قريش أنت؟ قال‪ :‬إنك‬
‫لسئول‪ ،‬أنا أبو بكر‪ .‬قالت‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬ما بقاؤنا على هذا‬
‫المر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال‪ :‬بقاؤكم عليه ما‬
‫استقامت به أئمتكم‪ .‬قالت‪ :‬وما الئمة؟ قال‪ :‬أما كان لقومك رؤوس‬
‫وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فهم أولئك على‬
‫الناس )‪.(9‬‬
‫قال الخطابي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬كان من سنة الجاهلية الصمت‪ ،‬فكان‬
‫)( التاريخ السلمي‪ ،‬محمود شاكر‪.8 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب البر والصلة والداب رقم‪.2588 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3‬مسلم‪ ،‬فضائل الصحبة‪ ،‬رقم‪.2454 :‬‬ ‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬طنطاوي‪.29 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة حياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪.140‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ ،‬وقيل الحمس‪ :‬المتشدد على نفسه في الدين‬ ‫‪6‬‬

‫والورع‪.‬‬
‫)‪ (7‬أي‪ :‬ترك الكلم‪.‬‬ ‫)( أي‪ :‬ساكتة‪.‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( البخاري رقم‪.3834 :‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪120‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫أحدهم يعتكف اليوم والليلة ويصمت‪ ،‬فنهوا عن ذلك وأمروا بالنطق‬
‫بالخير‪ ،‬وقد استدل بقول أبي بكر هذا من قال بأن من حلف أن ل‬
‫يتكلم استحب له أن يتكلم ول كفارة عليه‪ ،‬لن أبا بكر لم يأمرها‬
‫بالكفارة‪ ،‬وقياسه أن من نذر أن ل يتكلم لم ينعقد نذره؛ لن أبا بكر‬
‫أطلق أن ذلك ل يحل‪ ،‬وأنه من فعل الجاهلية‪ ،‬وأن السلم هدم‬
‫من‬ ‫ذلك‪ ،‬ول يقول مثل هذا إل عن علم‬
‫النبي ×‪ ،‬فيكون من حكم المرفوع )‪.(1‬‬
‫وقال ابن حجر‪ :‬وأما الحاديث الواردة في الصمت وفضله فل‬
‫يعارض لختلف المقاصد في ذلك؛ فالصمت المرغب فيه‪ :‬ترك‬
‫الكلم بالباطل‪ ،‬وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك‪ ،‬والصمت‬
‫الحق( لمن يستطيعه‪ ،‬وكذا المباح‬ ‫المنهي عنه ترك الكلم في‬
‫المستوي الطرفين‪ ،‬والله أعلم )‪. 2‬‬
‫ج‪ -‬اهتمامه بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪:‬‬
‫كان الصديق ‪ ‬يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬ويبين للناس‬
‫ما التبس عليهم من الفهم‪ ،‬فعن قيس بن أبي حازم قال‪ :‬سمعت أبا‬
‫بكر الصديق يقول‪» :‬يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ل يضركم من‬
‫ضل إذا اهتديتم‪ ،‬إني سمعت رسول الله × يقول‪» :‬إن القوم إذا‬
‫رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب«‪ .‬وفي رواية‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ ،‬إنكم تقرءون هذه الية‪ ،‬وتضعونها على غير مواضعها‪ ،‬وإنا‬
‫سمعنا النبي × يقول‪» :‬إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على‬
‫بعقاب«‪ (3).‬قال النووي‪ :‬وأما قوله تعالى‪:‬‬ ‫اللهل َيك ُم أ َ‬ ‫يديه‪َ ،‬أوشك أن يعمهم‬
‫م"‪ .‬فليس مخالفًا لوجوب‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫س‬‫َ‬ ‫ُ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ع‬‫َ‬ ‫نوا‬‫م ُ‬
‫نآ َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لن المذهب الصحيح عند‬
‫المحققين في معنى الية‪ :‬أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فل ُيضركم‬
‫خَرى"‬ ‫وْزَر أ ْ‬
‫زَرةٌ ِ‬
‫وا ِ‬
‫زُر َ‬ ‫ول َ ت َ ِ‬
‫تقصير غيركم‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫فإذا كان كذلك فمما كلف به المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫ولم( يمتثل المخاطب فل عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه‬ ‫)‪4‬‬
‫فإذا فعله‪،‬‬
‫أدى ما عليه‪.‬‬
‫وكان ‪ ‬يحث الناس على الصواب‪ ،‬فعن ميمون بن مهران أن‬
‫فقال‪(5:‬السلم عليك يا خليفة رسول الله‪،‬‬ ‫رجل سلم على أبي بكر‬ ‫ً‬
‫قال‪ :‬من بين هؤلء أجمعين؟ ) وكان ‪ ‬يترك السنة مخافة أن‬
‫يظن من ل علم له أنها فريضة أو واجبة‪ ،‬فعن حذيفة بن أسيد ‪ ‬أنه‬
‫قال‪ :‬رأيت أبا بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬وما)‪(6‬يضحيان مخافة أن‬
‫يستن بهما‪ .‬وفي رواية‪ :‬كراهية أن يقتدى بهما‪ .‬وكان يوصي ابنه‬
‫عبد الرحمن بحسن المعاملة لجيرانه‪ ،‬فقد قال له ذات يوم وهو‬
‫يخاصم جار له‪ :‬ل تماظ جارك؛ فإن هذا يبقى ويذهب الناس‪ (7).‬وكان‬
‫فتح الباري‪.7/150 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫نفس المصدر السابق‪.7/151 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫حديث صحيح‪ ،‬سنن أبي داود‪ ،‬رقم‪.4338 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫عون المعبود شرح سنن أبي داود‪.11/329 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الجامع لخلق الراوي وآداب السامع للخطيب‪ 1/172 :‬رقم‪.255 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫إسناده صحيح‪ ،‬أخرجه الطبراني في الكبير‪ ،‬رقم‪.3057 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (5‬صفة الصفوة‪.1/258 :‬‬ ‫الزهد لبن المبارك‪.1/551 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪121‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫بارا بوالده‪ ،‬فلما اعتمر في رجب سنة اثنتي عشرة من الهجرة‪،‬‬ ‫ً‬
‫دخل مكة ضحوة فأتى منزله‪ ،‬وأبوه أبو قحافة جالس على باب داره‬
‫معه فتيان يحوشهم‪ ،‬فقيل له‪ :‬هذا ابنك فنهض قائمًا‪ ،‬وعجل أبو بكر‬
‫أن ينيخ ناقته فنزل عنها وهي قائمة –ليقابل أباه في بر وطاعة‪،‬‬
‫وجاء الناس يسلمون عليه‪ ،‬فقال أبو قحافة‪ :‬يا عتيق‪ ،‬هؤلء المل‬
‫قوة‪(1‬إل بالله‪،‬‬
‫)‬
‫ن صحبتهم‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬يا أبة ل حول ول‬ ‫فأحس ْ‬
‫طوقت أمرًا عظيمًا ل قدرة لي به‪ ،‬ول يدان إل بالله‪.‬‬
‫وكان يهتم بالصلة والخشوع فيها ويحرص على حسن العبادة‪،‬‬
‫وكان ل يلتفت في صلته )‪ ،(2‬وكان أهل مكة يقولون‪ :‬أخذ ابن جريج‬
‫الصلة من عطاء‪ ،‬وأخذها عطاء من ابن الزبير‪ ،‬وأخذها ابن الزبير‬
‫من أبي بكر‪ ،‬وأخذها أبو بكر من النبي × )‪(3.‬وكان عبد الرزاق يقول‪:‬‬
‫ما رأيت أحدًا أحسن صلة من ابن جريج‪ ، .‬وعن أنس ‪ ‬قال‪:‬‬
‫صلى أبو بكر بالناس الفجر فاقترأ البقرة في ركعتيه‪ ،‬فلما انصرف‬
‫رأينا أن‬
‫)‪(4‬‬
‫قال له عمر‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬ما انصرفت حتى‬
‫الشمس قد طلعت‪ ،‬قال‪ :‬لو طلعت لم تجدنا غافلين‪.‬‬
‫وكان يحث الناس على الصبر في المصائب‪ ،‬ويقول لمن مات له‬
‫أحد‪ :‬ليس مع العزاء مصيبة ول مع الجزع فائدة‪ ،‬الموت أهون مما‬
‫قد َ رسول الله تصغر مصيبتكم‪ ،‬وعظم‬ ‫مما بعده‪ ،‬اذكروا فَ ْ‬ ‫قبله وأشد‬
‫وعزى‪(6‬عمر ‪ ‬عن طفل أصيب به فقال‪ :‬عوضك الله‬ ‫)‪(5‬‬
‫أجركم‪.‬‬ ‫الله‬
‫والمكر‬‫)‪(7‬‬
‫والنكث‪،‬‬ ‫البغي‪،‬‬ ‫الناس‬ ‫يحذر‬ ‫‪‬‬ ‫وكان‬ ‫)‬
‫منك‪.‬‬ ‫عوضه‬ ‫ما‬ ‫منه‬
‫ويقول‪ :‬ثلث من كن فيه كن عليه‪ :‬البغي‪ ،‬والنكث‪ ،‬والمكر‪.‬‬
‫وكان يعظ الناس ويذكرهم بالله‪ ،‬ومن مواعظه ‪ :‬الظلمات‬
‫سُرج خمس‪ :‬حب الدنيا ظلمة والسراج له التقوى‪ ،‬والذنب‬ ‫خمس وال ّ‬
‫ظلمة والسراج له التوبة‪ ،‬والقبر ظلمة والسراج له ل إله إل الله‬
‫محمد رسول الله‪ ،‬والخرة ظلمة والسراج لها العمل الصالح‪،‬‬
‫والصراط ظلمة والسراج لها اليقين‪ (8).‬وكان ‪ ‬من خلل منبر‬
‫الجمعة يحث على الصدق والحياء‪ ،‬ويحث على العتبار والستعداد‬
‫للقدوم على الله ويحذر من الغرور‪.‬‬
‫فعن أوسط بن إسماعيل ‪-‬رحمه الله‪ -‬قال‪ :‬سمعت أبا بكر‬
‫الصديق ‪ ‬يخطب بعد وفاة رسول الله × بسنة‪ ،‬فقال‪ :‬قام فينا‬
‫رسول الله × مقامي هذا عام أول‪ ،‬ثم بكى أبو بكر ثم قال‪) :‬وفي‬
‫رواية‪ :‬ثم ذرفت عيناه فلم يستطع من العَب َْرة أن يتكلم(‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫»أيها الناس‪ :‬اسألوا لله العافية‪ ،‬فإنه لم يعط أحد خيرًا من العافية‬
‫بعد اليقين‪ ،‬وعليكم بالصدق فإنه مع البر‪ ،‬وهما في الجنة‪ .‬وإياكم‬
‫والكذب‪ ،‬فإنه مع الفجور‪ ،‬وهما في النار‪ .‬ول تقاطعوا ول تدابروا‪ ،‬ول‬

‫‪1‬‬

‫)( فضائل الصحابة للمام أحمد‪ (7) .1/254 :‬نفس المصدر السابق‪.1/255 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ :‬ص ‪.224‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (1‬عيون الخبار‪.70 ،3/69 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( المصدر السابق‪.3/66 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( مجمع المثال للميداني‪.2/450 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( فرائد الكلم للخلفاء الكرام‪ ،‬قاسم عاشور‪ :‬ص ‪.29‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪122‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫تباغضوا‪ ،‬ول تحاسدوا‪ ،‬وكونوا عباد الله إخوانا‪.‬‬
‫وقال الزبير بن العوام ‪ :‬إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس‪ :‬يا‬
‫معشر المسلمين‪ :‬استحيوا من الله عز وجل‪ ،‬فو الذي نفسي بيده‬
‫حين‪(2‬أذهب الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من‬ ‫إني لظل‬
‫ربي عز وجل ) ‪.‬‬
‫وعن عبد الله بن حكيم قال‪ :‬خطبنا أبو بكر ‪ ‬فقال‪ :‬أما بعد‪:‬‬
‫فإني أوصيكم بتقوى الله‪ ،‬وأن تثنوا عليه بما هو له أهل‪ ،‬وأن تخلطوا‬
‫الرغبة بالرهبة‪ ،‬وتجمعوا اللحاح بالمسألة‪ ،‬فإن الله أثنى على زكريا‬
‫ت‬ ‫في ال ْ َ‬
‫خي َْرا ِ‬ ‫ن ِ‬‫عو َ‬‫ر ُ‬‫سا ِ‬‫كاُنوا ي ُ َ‬‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫وأهل بيته فقال‪+ :‬إ ِن ّ ُ‬
‫ن" ]النبياء‪ ،[90 :‬ثم‬ ‫عي َ‬
‫ش ِ‬‫خا ِ‬ ‫َ‬
‫وكاُنوا لَنا َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫با‬
‫ً‬ ‫ه‬‫وَر َ‬ ‫عون ََنا َر َ‬
‫غًبا َ‬ ‫وي َدْ ُ‬
‫َ‬
‫اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم‪ ،‬وأخذ على ذلك‬
‫مواثيقكم‪ ،‬فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي‪ ،‬وهذا كتاب الله‬
‫فيكم ل تفنى عجائبه‪ ،‬ول يطفأ نوره‪ ،‬فصدقوا قوله‪ ،‬وانتصحوا كتابه‪،‬‬
‫واستوضئوا منه ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة‪ ،‬ووكل بكم‬
‫الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون‪ ،‬ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون‬
‫غيب عنكم علمه‪ ،‬فإن استطعتم أن تنقضي‬ ‫وتروحون في أجل قد ُ‬
‫الجال وأنتم في عمل لله فافعلوا‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك إل بالله‪،‬‬
‫فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم‪ ،‬فيردكم إلى أسوأ‬
‫أعمالكم‪ ،‬فإن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا‬
‫مثلهم‪ ،‬فالوحا الوحا )‪ ،(3‬ثم النجا النجا‪،‬‬ ‫أنفسهم‪ ،‬فأنهاكم أن تكونوا‬
‫مّره )‪ (4‬سريع‪.‬‬ ‫حثيثا َ‬ ‫ً‬ ‫فإن وراءكم طلبا‬
‫وفي رواية أخرى‪ :‬أين من تعرفون من إخوانكم ومن أصحابكم؟!‬
‫قد وردوا على ما قدموا‪ ،‬قدموا ما قدموا في أيام سلفهم‪ ،‬وحلوا فيه‬
‫بالشقوة أو السعادة‪ .‬أين الجبارون الذين بنوا المدائن‪ ،‬وحففوها‬
‫بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والبار‪ ،‬أين الوضاءة الحسنة‬
‫وجوههم‪ ،‬المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك؟ وأين الذين كانوا يعطون‬
‫الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر‪ ،‬فأصبحوا في‬
‫ظلمات القبور‪ ،‬ل خير في قول ل يراد به وجه الله‪ ،‬ول خير في مال‬
‫ل ينفق في سبيل الله‪ ،‬ول خير فيمن يغلب جهله حلمه‪ ،‬ول خير‬
‫فيمن يخاف في الله لومة لئم‪.‬‬
‫إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرًا‪،‬‬
‫ول يصرفه عن سوء إل بطاعته واتباع أمره‪ ،‬وإنه ل خير بخير بعده‬
‫النار‪ ،‬ول شر بشر بعده الجنة‪ ،‬واعلموا أنكم ما أخلفتم لله ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬فربكم أطعتم‪ ،‬وحقكم حفظتم‪ ،‬وأوصيكم بالله لفقركم‬
‫تستغفروه إنه‬ ‫وفاقتكم أن تتقوه‪ ،‬وأن تثنوا عليه بما هو أهله‪ ،‬وأن‬
‫كان غفارًا‪ .‬أقول قولي هذا‪ ،‬وأستغفر الله لي ولكم )‪.(5‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الصديق‪ :‬ص ‪.179‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.182‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الوحا الوحا‪ :‬السرعة السرعة‪ ،‬يقال‪ :‬توحيت أي‪ :‬أسرعت‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( مره‪ :‬مروره‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( إسناده حسن لغيره‪ ،‬مصنف ابن أبي شيبة‪7/144 :‬؛ صحيح التوثيق وحياة‬ ‫‪5‬‬

‫الصديق‪ :‬ص ‪.181‬‬

‫‪123‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وهكذا كان الصديق يهتم بالمجتمع فيعظ المسلمين‪ ،‬ويحثهم‬
‫على الخير‪ ،‬ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬فهذا غيض من‬
‫فيض‪ ،‬وقليل من كثير‪.‬‬
‫‪ -2‬القضاء في عهد الصديق‪:‬‬
‫يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته‬
‫بصلته بالعهد النبوي وقربه منه‪ ،‬فكان العهد الراشدي عامة‪ ،‬والجانب‬
‫القضائي خاصة‪ ،‬امتدادًا للقضاء في العهد النبوي‪ ،‬مع المحافظة‬
‫الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي‪ ،‬وتطبيقه‬
‫بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه‪.‬‬
‫وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين‪:‬‬
‫‪ -1‬المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء‪ ،‬والتقيد بما‬
‫جاء فيه‪ ،‬والسير في ركابه‪ ،‬والستمرار في اللتزام به‪.‬‬
‫دعائم الدولة‬ ‫‪ -2‬وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ‬
‫السلمية الواسعة‪ ،‬ومواجهة المستجدات المتنوعة )‪.(1‬‬
‫كان أبو بكر ‪ ‬يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء‪ ،‬ولم تفصل‬
‫ولية القضاء عن الولية العامة في عهده‪ ،‬ولم يكن للقضاء ولية‬
‫خاصة مستقلة‪ ،‬كما كان المر في عهد رسول الله ×؛ إذ كان الناس‬
‫على مقربة من النبوة‪ ،‬يأخذون أنفسهم بهدى السلم‪ ،‬وتقوم حياتهم‬
‫على شريعته‪ ،‬وقلما توجد بينهم خصومة تذكر؛ ففي المدينة عهد أبو‬
‫بكر إلى عمر بالقضاء‪ ،‬ليستعين به في بعض القضية ولكن هذا لم‬
‫يعط لعمر صفة الستقلل بالقضاء‪ (2).‬وأقر أبو بكر ‪ ‬معظم القضاة‬
‫الله × واستمروا على ممارسة القضاء‬ ‫والولة الذين عينهم رسول‬
‫والولية أو أحدهما في عهده )‪ ،(3‬وسوف نأتي على ذكر الولة‬
‫وأعمالهم بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما مصادر القضاء في عهد الصديق ‪ ‬هي‪:‬‬
‫‪ -1‬القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -2‬السنة النبوية‪ ،‬ويندرج فيها قضاء رسول الله ×‪.‬‬
‫‪ -3‬الجماع‪ ،‬باستشارة أهل العلم والفتوى‪.‬‬
‫والرأي‪ ،‬وذلك عند عدم وجود ما يحكم به من كتاب أو سنة‬ ‫الجتهاد‬
‫‪-4‬‬
‫أو إجماع)‪.(4‬‬
‫فكان أبو بكر ‪ ‬إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى‪،‬‬
‫فإن وجد فيه ما يقضي به قضى‪ ،‬فإن لم يجد في كتاب الله نظر في‬
‫سنة رسول الله ×‪ ،‬فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به‪ ،‬فإن أعياه‬
‫ذلك سأل الناس‪ ،‬هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء‪ ،‬فربما‬
‫قام إليه القوم فيقولون‪ :‬قضى فيه بكذا أو بكذا‪ ،‬فيأخذ بقضاء‬
‫رسول الله ×‪ ،‬يقول عندئذ‪ :‬الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن‬
‫تاريخ القضاء في السلم للزحيلي‪ :‬ص ‪.84 ،83‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫وقائع ندوة النظم السلمية‪ ،‬أبو ظبي‪.1/366 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫تاريخ القضاء في السلم‪ :‬ص ‪.134‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫وقائع ندوة النظم السلمية‪.1/390 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪124‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫المسلمين وعلماءهم فاستشارهم‪،‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫نبينا‪ .‬وإن أعياه ذلك دعا رؤوس‬
‫فإذا اجتمع رأيهم على المر قضى به‪.‬‬
‫ويظهر أن الصديق يرى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل‬
‫الشورى على أمر؛ إذ ل يجوز للمام مخالفتهم‪ .‬وهذا ما حكى عنه‬
‫في القضاء‪ ،‬فإنه كان إذا اجتمع رأى المستشارين على المر‬
‫أرسل إليه خالد‬ ‫قضى به وهذا ما أمر به عمرو بن العاص عندما‬
‫ا بن الوليد مددً ا حيث قال له‪ :‬شاورهم ول تخالفهم‪ (2).‬وكان ‪‬‬
‫يتثبت في قبول الخبار‪ ،‬فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت‬
‫إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال‪ :‬ما أجد لك في كتاب الله‬
‫شيئ ا‪ ،‬ثم سأل‬‫ً‬ ‫شيئ ا‪ ،‬وما علمت أن رسول الله × ذكر لك‬ ‫ً‬ ‫تعالى‬
‫الناس فقام المغيرة فقال‪ :‬حضرت رسول الله × يعطيها‬
‫هل( معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل‬ ‫السدس‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫ذلك‪ ،‬فأنفذه لها أبو بكر ‪ 3).‬كان يرى أن القاضي ل يحكم‬
‫بعلمه الشخصي‪ ،‬إل إذا كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم‪ ،‬فقد‬
‫على‪(4‬حد‪ ،‬لم أعاقبه‬ ‫)‬
‫روى عن أبي بكر ‪ ‬أنه قال‪ :‬لو رأيت رجلً‬
‫حتى تقوم البينة عليه‪ ،‬أو يكون معي شاهد آخر‪.‬‬
‫وهذه بعض القضية التي صدرت في عهد أبي بكر ‪:‬‬
‫أ‪ -‬قضية قصاص‪:‬‬
‫قال علي بن ماجدة السهمي‪ :‬قاتلت رجلً‪ ،‬فقطعت بعض أذنه‪،‬‬
‫جا‪ ،‬فرفع شأننا إليه‪ ،‬فقال لعمر‪ :‬انظر هل بلغ أن‬ ‫فقدم أبو بكر حا ّ‬
‫جام‪ ،‬فلما ذكر الحجام‪ ،‬قال أبو بكر‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫بالح‬ ‫ي‬
‫ّ‬ ‫عل‬ ‫نعم‪،‬‬ ‫يتقص منه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أن‬ ‫أرجو‬ ‫ما‪،‬‬
‫ً‬ ‫غل‬ ‫لخالتي‬ ‫وهبت‬ ‫»إني‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫×‬ ‫الله‬ ‫سمعت رسول‬
‫ما‪ ،‬أو قصاًبا‪ ،‬أو صانًعا« )‪.(5‬‬ ‫ً‬ ‫حجا‬ ‫تجعله‬ ‫أن‬ ‫نهيتها‬ ‫وإني‬ ‫يبارك لها فيه‪،‬‬
‫‪ -2‬نفقة الوالد على الولد‪:‬‬
‫‪ ‬فقال له رجل‪:‬‬ ‫عن قيس بن حازم قال‪ :‬حضرت أبا بكر الصديق ‪،‬‬
‫يا خليفة رسول الله‪ ،‬هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه‪ ،‬فقال أبو بكر‬
‫‪:‬إنما لك من ماله ما يكفيك‪ ،‬فقال‪ :‬يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬أليس‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬أنت ومالك لبيك؟« فقال أبو بكر ‪ :‬ارض بما‬
‫به‪ .‬ورواه غيره عن المنذر بن زياد‪ ،‬وقال فيه‪ :‬إنما يعني بذلك‬ ‫رضي الله‬
‫النفقة )‪.(6‬‬
‫‪ -3‬الدفاع المشروع‪:‬‬
‫عن أبي مليكة عن جده أن رجلً عض يد رجل فأندر ثنيته )قلع‬
‫سنه(‪ ،‬فأهدرها‬

‫)( موسوعة فقه أبي بكر الصديق‪ ،‬قلعجي‪ :‬ص ‪.155‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.156‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تذكرة الحفاظ للذهبي‪.1/2 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( تراث الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ :‬صبحي محمصاني‪ :‬ص ‪.186‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( أخبار القضاة لوكيع‪ ،2/102 :‬نقل عن تاريخ القضاء للزحيلي‪ :‬ص ‪.136‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( السنن الكبرى‪ ،7/481 :‬نقل عن تاريخ القضاء للزحيلي‪ ،136 :‬ضعيف جدا بل‬ ‫‪6‬‬

‫قد تكون موضوعة‪ ،‬اللباني إرواء‪.3/329 :‬‬

‫‪125‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫أبو بكر )‪.(1‬‬
‫‪ -4‬الحكم بالجلد‪:‬‬
‫روى المام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته‪ :‬أن أبا‬
‫بكر الصديق أتى برجل قد وقع على جارية بكر فأحبلها‪ ،‬ثم اعترف‬
‫بالزنا‪ ،‬ولم يكن أحصن‪ ،‬فأمر به أبو بكر فجلد الحد‪ ،‬ثم‬
‫)‪(2‬‬
‫على نفسه‬
‫نفى إلى فدك‪.‬‬
‫الجارية ولم ينفها لنها استكرهت‪ ،‬ثم‬ ‫وفي رواية‪ :‬بأنه لم يجلد‬
‫زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها )‪.(3‬‬
‫‪ -5‬الحضانة للم ما لم تتزوج‪:‬‬
‫بن الخطاب امرأته النصارية ‪-‬أم ابنه عاصم‪ -‬فلقيها‬ ‫طلق عمر‬
‫سر)‪ ،(4‬ولقيه قد ُفطم ومشي‪ ،‬فأخذ بيديه لينتزعه منها‪،‬‬ ‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫تحمله ب ِ ُ‬
‫ونازعها إياه حتى أوجع الغلم وبكى‪ ،‬وقال‪ :‬أنا أحق بابني منك‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ريحها وحجرها وفرشها‬ ‫)‪(5‬‬
‫فاختصما إلى أبي بكر‪ ،‬فقضى لها به‪،‬‬
‫أعطف‬ ‫هي‬ ‫رواية‪:‬‬ ‫وفي‬ ‫‪،‬‬ ‫لنفسه‬ ‫خير له منك حتى يشب ويختار‬
‫وألطف وأرحم وأحن وأرأف‪ ،‬وهي أحق بولدها ما لم تتزوج)‪.(6‬‬
‫هذه بعض القضية والحكام التي حدثت في عهد الصديق ‪،‬‬
‫هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها‪:‬‬
‫امتدادا لصورة القضاء في‬
‫ً‬ ‫‪ -1‬كان القضاء في عهد الصديق‬
‫العهد النبوي؛ باللتزام به‪ ،‬والتأسي بمنهجه‪ ،‬وانتشار التربية الدينية‪،‬‬
‫والرتباط باليمان والعقيدة والعتماد على الوازع الديني‪ ،‬والبساطة‬
‫في سير الدعوى واختصار الجراءات القضائية‪ ،‬وقلة الدعاوى‬
‫والخصومات‪.‬‬
‫‪ -2‬أصبحت الحكام القضائية في عصر الصديق موئل‬
‫الباحثين‪ ،‬ومحط النظار للفقهاء‪ ،‬وصارت الحكام القضائية مصدرًا‬
‫للحكام الشرعية‪ ،‬والجتهادات القضائية‪ ،‬والراء الفقهية في مختلف‬
‫العصور‪.‬‬
‫‪ -3‬مارس الصديق وبعض ولته النظر في المنازعات‪ ،‬وتولى‬
‫القضاء بجانب الولية‪.‬‬
‫‪ -4‬ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء‬
‫في العهد الراشدي‪ ،‬وصارت مصادر الحكام القضائية هي‪ :‬القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬والسنة الشريفة‪ ،‬والجماع‪ ،‬والقياس‪ ،‬والسوابق القضائية‪،‬‬

‫تاريخ القضاء للزحيلي‪.137 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الموطأ‪ ،‬كتاب الحدود‪ ،‬رقم‪.848 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫مصنف عبد الرزاق‪ ،‬رقم‪.12796 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫محسر‪ :‬موضع بين مكة وعرفة‪ ،‬معجم البلدان‪.5/62 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫مصنف عبد الرزاق‪ ،7/54 :‬رقم‪.12601 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫نفس المصدر السابق‪ ،7/54 :‬رقم‪.12600 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪126‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫والرأي الجتهادي مع المشورة )‪.(1‬‬
‫هـ‪ -‬كانت آداب القضاء مرعية في حماية الضعيف‪،‬ونصرة‬
‫المظلوم‪ ،‬والمساواة بين الخصوم‪ ,‬وإقامة الحق والشرع على جميع‬
‫الناس‪ ،‬ولو كان الحكم على الخليفة أو المير أو الوالي‪ ،‬وكان‬
‫القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الحكام‪ ،‬إن لم ينفذها)‪(2‬الطراف‬
‫عا واختياًرا‪ ،‬وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوًرا ‪.‬‬
‫طو ً‬
‫‪ -3‬الولية على البلدان‪:‬‬
‫كان أبو بكر يستعمل الولة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم‬
‫بالولية العامة في الدارة والحكم والمامة‪ ،‬وجباية الصدقات‪ ،‬وسائر‬
‫أنواع الوليات‪ ،‬وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للمراء والولة‬
‫على البلدان‪ ،‬فيقتدي به في هذا العمل‪ ،‬ولهذا نجده قد‬
‫أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على وليتهم‪،‬‬
‫ولم يعزل أحدًا‬
‫منهم إل ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الول‪ ,‬ويرضاه‪،‬‬
‫)‪(3‬‬
‫كما حدث‬
‫لعمرو بن العاص‪.‬‬
‫وكانت مسئوليات الولة في عهد أبي بكر الصديق ‪ ‬بالدرجة‬
‫الولى امتدادًا لصلحياتهم في عصر الرسول ×‪ ،‬خصوصًا الولة‬
‫الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ×‪ ،‬ويمكن تلخيص أهم مسئوليات‬
‫الولة في عصر أبي بكر وهي‪:‬‬
‫أ‪ -‬إقامة الصلة وإمامة الناس‪ ،‬وهي المهمة الرئيسية لدى الولة‬
‫نظرا لما تحمله من معان دينية ودنيوية‪ ,‬سياسية واجتماعية‪ ،‬حيث‬ ‫ً‬
‫الولة يأمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلة الجمعة‪ ،‬والمراء‬
‫دائما كانت توكل إليهم الصلة سواء كانوا أمراء على البلدان أم‬ ‫ً‬
‫أمراء على الجناد‪.‬‬
‫ب‪ -‬الجهاد كان يقوم به أمراء الجناد في بلد الفتوح‪ ،‬فكانوا‬
‫يتولون أموره وما فيه من مهام مختلفة بأنفسهم‪ ،‬أو ينيبون غيرهم‬
‫في بعض المهام‪ ،‬كتقسيم الغنائم أو المحافظة على السرى‪ ،‬أو غير‬
‫ذلك‪ ،‬وكذلك ما يتبع هذا الجهاد من مهام أخرى كمفاوضة العداء‬
‫وعقود المصالحة معهم وغيرها‪ ،‬ويتساوى في المهمات الجهادية‬
‫أمراء الجناد في الشام والعراق‪ ،‬وكذلك المراء في البلد التي‬
‫حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين ونجد‪ ،‬نظًرا لوجود تشابه في‬
‫العمليات الجهادية مع اختلف السباب الموجهة لهذه العمليات‪.‬‬
‫جـ‪ -‬إدارة شئون البلد المفتوحة‪ ،‬وتعيين القضاة والعمال عليها‬
‫من قبل المراء أنفسهم‪ ،‬وبإقرار من الخليفة أبي بكر‪ ،‬أو تعيين من‬
‫أبي بكر ‪ ‬عن طريق هؤلء العمال)‪.(4‬‬

‫تاريخ القضاء في السلم‪ :‬ص ‪.158 ،157‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.160‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الولية على البلدان‪ ،‬عبد العزيز إبراهيم العمري‪.1/55 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫نفس المصدر السابق‪.1/59 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪127‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫د‪ -‬أخذ البيعة للخليفة‪ ،‬فقد قام الولة في اليمن وفي مكة‬
‫والطائف وغيرها بأخذ البيعة لبي بكر ‪ ‬من أهل البلد التي كانوا‬
‫يتولون عليها‪.‬‬
‫هـ‪ -‬كانت هناك أمور مالية توكل إلى الولة أو إلى من يساعدهم‬
‫ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لخذ الزكاة من الغنياء وتوزيعها على‬
‫الفقراء‪ ،‬أو أخذ الجزية من غير المسلمين وصرفها في محلها‬
‫الشرعي‪ ،‬وهي امتداد لما قام به ولة الرسول × في هذا الخصوص‪.‬‬
‫و‪ -‬تجديد العهود القائمة من أيام الرسول ×؛ حيث قام والي‬
‫الذي كان بين أهلها وبين الرسول × بناء على‬ ‫نجران بتجديد العهد‬
‫طلب نصارى نجران )‪.(1‬‬
‫ز‪ -‬كانت من أهم مسئوليات الولة إقامة الحدود‪ ،‬وتأمين البلد‪،‬‬
‫هم يجتهدون رأيهم فيما لم يكن فيه نص شرعي‪ ،‬كما فعل المهاجر‬
‫بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتا بذم‬
‫الرسول ×‪ ،‬وفرحتا بوفاته‪ ،‬وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في‬
‫جهاد الصديق‬
‫لهل الردة‪.‬‬
‫ح‪ -‬كان للولة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفي نشر‬
‫السلم في البلد التي يتولون عليها‪ ،‬وكان الكثير من هؤلء الولة‬
‫يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والحكام‪ ،‬وذلك عمل ً‬
‫بسنة الرسول ×‪ ،‬وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها في‬
‫نظر الرسول × وخليفته أبي بكر‪ ،‬وقد اشتهر عن ولة أبي بكر ذلك‪،‬‬
‫حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر على‬
‫حضرموت‪(2‬فيقول‪ :‬فلما أصبح زياد غدا يقرئ الناس كما كان يفعل‬
‫قبل ذلك ) ‪.‬‬
‫وبهذا التعليم كان للولة دور كبير في نشر السلم في ربوع‬
‫البلد التي يتولونها‪ ،‬وبهذا التعليم تثبت أقدام السلم سواء في البلد‬
‫المفتوحة الحديثة العهد بالسلم أو في البلد التي كانت مسلمة‬
‫وارتدت‪ ،‬وهي حديثة عهد بالردة‪ ،‬جاهلة بأحكام دينها‪ ،‬إضافة إلى‬
‫البلد المستقرة كمكة والطائف والمدينة‪ ،‬كان بها من يقرئ الناس‬
‫أو‪(3‬الخليفة نفسه‪ ،‬أو من يعينه الخليفة على التعليم‬ ‫بأمر من الولة‬
‫في هذه البلدان ) ‪.‬‬
‫وقد كان الوالي هو المسئول مسئولية مباشرة عن إدارة القليم‬
‫الذي يتوله‪ ،‬وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليه أن يستخلف‬
‫أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعود هذا الوالي إلى عمله‪ ،‬ومن‬
‫ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول × على كندة‪ ،‬ثم أقره‬
‫أبو بكر بعد وفاة الرسول ×‪ ،‬ولم يصل المهاجر إلى اليمن مباشرة‬
‫نظرا لمرضه‪ ,‬فأرسل إلى »زياد بن لبيد« ليقوم عنه بعمله‬ ‫ً‬ ‫وتأخر‬

‫)‪ (1‬تاريخ الطبري‪.3/165 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الولية على البلدان‪.1/60 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( نفس المصدر‪.1/61 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪128‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫حتى شفائه وقدومه‪ ،‬وقد أقر أبو بكر ذلك )‪ ،(1‬كذلك كان خالد أثناء‬
‫وليته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حتى عودته‪.‬‬
‫وكان أبو بكر ‪ ‬يشاور الكثير من الصحابة قبل اختيار أحد من‬
‫المراء سواء على الجند أو على البلدان‪ ،‬ونجد في مقدمة‬
‫بكر في هذا المر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي‬ ‫مستشاري أبي‬
‫طالب وغيرهما )‪ ،(2‬كما كان أبو بكر ‪ ‬يشاور الشخص الذي يريد‬
‫توليته قبل أن يعينه‪ ،‬وعلى وجه الخصوص إذا أراد أن ينقل الشخص‬
‫من ولية إلى أخرى‪ ،‬كما حدث حينما أراد أن ينقل عمرو بن العاص‬
‫من وليته التي وله عليها الرسول × إلى ولية جند فلسطين‪ ،‬فلم‬
‫يصدر أبو بكر قراره إل بعد أن استشاره وأخذ منه موافقة على ذلك‬
‫بكر( بين‬
‫)‪4‬‬
‫)‪ ،(3‬كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بن أبي أمية الذي خيرة أبو‬
‫اليمن أو حضرموت‪ ،‬فاختار المهاجر اليمن فعينه أبو بكر عليها ‪.‬‬
‫ومن المور التي سار عليها أبو بكر ‪ ‬أنه كان يعمل بسنة النبي‬
‫× في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهم صلحاء‪،‬‬
‫كالطائف وبعض القبائل‪ ،‬وكان أبو بكر ‪ ‬عندما يريد أن يعين‬
‫شخصا على ولية يكتب للشخص المعين عهدًا له على المنطقة التي‬ ‫ً‬
‫وله عليها‪ ،‬كما أنه في كثير من الحيان قد يحدد له طريقه إلى‬
‫خصوصا إذا كان التعيين مختصًا‬
‫ً‬ ‫وليته وما يمر عليه من أماكن‪،‬‬
‫بمنطقة لم تفتح بعد‪ ،‬ولم تدخل ضمن سلطات الدولة‪ ،‬ويتضح ذلك‬
‫في حروب الردة‪ ،‬وفتوح الشام والعراق‪ ،‬وقام الصديق أحيانًا بضم‬
‫بعض الوليات إلى بعض‪ ،‬خصوصًا بعد النتهاء من قتال المرتدين؛‬
‫وكان واليًا على‬ ‫فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد ابن لبيد البياضي‪،‬‬
‫حضرموت واستمر بعد ذلك واليًا لحضرموت وكندة )‪.(5‬‬
‫وكانت معاملة أبي بكر للولة تتسم بالحترام المتبادل الذي لم‬
‫تشبه شائبة‪ ،‬وأما عن التصالت بين الولية وبين الخليفة أبي بكر‬
‫‪ ،‬فقد كانت تجري بصفة دائمة‪ ،‬وكانت هذه التصالت تختص‬
‫بمصالح الولية ومهام العمل‪ ،‬فقد كان الولة كثيرًا ما يكتبون لبي‬
‫بكر في مختلف شئونهم يستشيرونه‪ ،‬وكان أبو بكر يكتب لهم الجابة‬
‫عن استفساراتهم‪ ،‬أو يوجه لهم أوامره‪ ،‬وكانت الرسل تأتي بالخبار‬
‫من الولة‪ ,‬سواء أخبار الجهاد أو قبل ذلك على جهات حروب‬
‫المرتدين‪ .‬كذلك كان الولة يبعثون بأخبار ولياتهم من تلقاء أنفسهم‬
‫)‪ ،(6‬وكان الولة يتصل بعضهم ببعض عن طريق الرسل أو عن طريق‬
‫التصال المباشر واللقاءات‪ ،‬وتتمثل هذه اللقاءات والتصالت‬
‫بالدرجة الولى بين ولة اليمن وحضرموت بعضهم مع بعض‪ ،‬وكذلك‬
‫الحال بالنسبة لولة الشام‪ ،‬الذين كانوا كثيرًا ما يجتمعون لتدارس‬
‫أمورهم العسكرية بالدرجة الولى‪ ،‬وكانت كثير من مراسلت أبي‬
‫بكر ‪ ‬تختص بحث الولة على الزهد في الدنيا وطلب الخرة‪،‬‬
‫عامة رسمية من‬ ‫)‪(7‬‬
‫وكانت بعض هذه النصائح تصدر على شكل كتب‬
‫الخليفة نفسه إلى مختلف الولة وأمراء الجناد‪.‬‬
‫)‪ (2،3،4،‬الولية على البلدان‪.1/55 :‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( المصدر السابق‪.1/56 :‬‬
‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫)‪ (2 ،‬الولية على البلدان‪.1/57 :‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪129‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫هذا وقد قسمت الدولة السلمية في عهد أبي بكر إلى عدة‬
‫وليات‪ ،‬وهذه أسماء الوليات والولة‪:‬‬
‫أ‪ -‬المدينة‪ :‬عاصمة الدولة وبها الخليفة أبو بكر ‪.‬‬
‫مكة‪ :‬وأميرها عتاب بن أسيد وهو الذي وله الرسول × واستمر‬ ‫ب‪-‬‬
‫مدة حكم أبي بكر‪.‬‬
‫جـ‪ -‬الطائف‪ :‬وأميرها عثمان بن أبي العاص الثقفي‪ ،‬وله رسول‬
‫الله ×‪ ،‬وأقره أبو بكر عليها‪.‬‬
‫صنعاء‪ :‬وأميرها المهاجر بن أبي أمية‪ ،‬وهو الذي فتحها ووليها بعد‬ ‫د‪-‬‬
‫انتهاء أمر الردة‪.‬‬
‫هـ‪ -‬حضرموت‪ :‬وليها زياد بن لبيد‪.‬‬
‫و‪ -‬زبيد ورقع‪ :‬ووليها أبو موسى الشعري‪.‬‬
‫ز‪ -‬خولن‪ :‬ووليها يعلى بن أبي أمية‪.‬‬
‫ح‪ -‬الجند‪ :‬وأميرها معاذ بن جبل‪.‬‬
‫ط‪ -‬نجران‪ :‬ووليها جرير بن عبد الله البجلي‪.‬‬
‫ي‪ -‬جرش‪ :‬ووليها عبد الله بن ثور‪.‬‬
‫ك‪ -‬البحرين‪ :‬ووليها العلء بن الحضرمي‪.‬‬
‫ل‪ -‬العراق والشام‪ :‬كان أمراء الجند هم ولة المر فيها‪.‬‬
‫م‪ -‬عمان‪ :‬ووليها حذيفة بن محصن‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ن‪ -‬اليمامة‪ :‬ووليها سليط بن قيس ‪.‬‬
‫‪ -4‬موقف علي والزبير رضي الله عنهما من خلفة‬
‫الصديق‪:‬‬
‫وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي‬
‫الله عنهما‪ ،‬وكذا تأخر الزبير بن العوام‪ ،‬وجل هذه الخبار ليس‬
‫بصحيح إل ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما‪ ،‬قال‪ :‬إن عليًا والزبير‬
‫ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ×)‪ ،(2‬فقد‬
‫كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب‬
‫واضحا فيما‬
‫ً‬ ‫بأمر جهاز رسول الله × من تغسيل وتكفين‪ ،‬ويبدو ذلك‬
‫رواه الصحابي سالم بن عبيد ‪ ‬من أن أبا بكر قال لهل بيت النبي‪،‬‬
‫وعلى رأسهم علي‪ :‬عندكم صاحبكم‪ ،‬فأمرهم يغسلونه )‪.(3‬‬
‫وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬‬
‫أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول × وهو يوم الثلثاء‪ .‬قال أبو‬
‫سعيد الخدري‪ :‬لما صعد أبو بكر المنبر‪ ،‬نظر في وجوه القوم‪ ،‬فلم‬
‫ير الزبير بن العوام فدعا بالزبير فجاء‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬يا ابن عمة‬

‫)( الدول العربية السلمية‪ ،‬منصور الحرابي‪ :‬ص ‪.97 ،96‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة الصديق‪ :‬ص ‪.98‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة الصديق‪ :‬ص ‪.98‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪130‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫رسول الله ×‪ ،‬وحواريه‪ ،‬أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال‬
‫الزبير‪ :‬ل تثريب عليك يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬فقام الزبير‪ ،‬فبايع أبا‬
‫بكر‪ ،‬ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم‪ ،‬فلم ير علي بن أبي طالب‬
‫فدعا بعلي‪ ،‬فجاء‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬يا ابن عم رسول الله ×‪ ،‬وختنه‬
‫على ابنته‪ ،‬أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال علي‪ :‬ل تثريب‬
‫عليك يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬فقام علي‪ ،‬فبايع أبا بكر )‪.(1‬‬
‫ومما يدل على أهمية حديث أبي سعيد الخدري الصحيح أن‬
‫المام »مسلم بن الحجاج« صاحب »الجامع الصحيح« الذي هو أصح‬
‫الكتب الحديثية بعد » صحيح البخاري « ذهب إلى شيخه المام‬
‫الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب صحيح ابن خزيمة‬
‫فسأله عن هذا الحديث‪ ،‬فكتب له ابن خزيمة الحديث‪ ،‬وقرأه عليه‪،‬‬
‫فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة‪:‬‬
‫هذا الحديث يساوي بدنة‪ ،‬فقال ابن خزيمة‪ :‬هذا الحديث ل يساوي‬
‫بدنة )‪ (2‬فقط‪،‬‬
‫)‪(3‬‬
‫إنه يساوي بدرة مال‪.‬‬
‫وعلق على هذا الحديث ابن كثير ‪-‬رحمه الله‪ -‬فقال‪ :‬هذا إسناد‬
‫صحيح محفوظ‪ ،‬وفيه فائدة جلية‪ ،‬وهي مبايعة علي بن أبي طالب‬
‫إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة‪ ،‬وهذا حق‪ ،‬فإن علي‬
‫الصديق في وقت من الوقات‪ ،‬ولم ينقطع‬ ‫بن أبي طالب لم يفارق‬
‫في صلة من الصلوات خلفه )‪ ،(4‬وفي رواية حبيب بن أبي ثابت‪،‬‬
‫حيث قال‪ :‬كان علي بن أبي طالب في بيته‪ ،‬فأتاه رجل‪ ،‬فقال له‪ :‬قد‬
‫جلس أبو بكر للبيعة‪ ،‬فخرج علي إلى المسجد في قميص له‪ ،‬ما‬
‫فبايع‪(5‬أبا‬ ‫عليه إزار ول رداء وهو متعجل‪ ،‬كراهة أن يبطئ عن البيعة‪،‬‬
‫بكر ثم جلس‪ ،‬وبعث في ردائه‪ ،‬فجاءوه به فلبسه فوق قميصه ) ‪،‬‬
‫ت وفاة‬ ‫وقد سأل عمرو بن حريث سعيد ابن زيد ‪ ،‬فقال له‪ :‬أَ َ‬
‫شهِد ْ َ‬
‫رسول الله ×؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال له‪ :‬متى بويع أبو بكر؟ قال سعيد‪:‬‬
‫يوم مات رسول الله ×‪ ،‬كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم‪ ،‬وليسوا‬
‫في جماعة‪ .‬قال‪ :‬هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد‪ :‬ل‪ ،‬لم يخالفه إل‬
‫مرتد أو كاد أن يرتد‪ ،‬وقد أنقذ الله النصار‪ ،‬فجمعهم عليه وبايعوه‪.‬‬
‫المهاجرين عن بيعته؟ قال سعيد‪ :‬ل‪ .‬لقد تتابع‬ ‫قال‪ :‬هل قعد أحد من‬
‫المهاجرون على بيعته!! )‪.(6‬‬
‫وأما علي ‪ ‬فلم يفارق الصديق في وقت من الوقات‪ ،‬ولم‬
‫الجماعات‪ ،‬وكان يشاركه في المشورة‪،‬‬ ‫ينقطع عنه في جماعة من‬
‫وفي تدبير أمور المسلمين )‪.(7‬‬
‫ويرى ابن كثير وكثير من أهل العلم أن عليًا جدد بيعته بعد ستة‬
‫أشهر من البيعة الولى؛ أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وجاءت‬
‫)( صححه ابن كثير في البداية والنهاية‪.5/249 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البدنة‪ :‬ناقة أو بقرة تنحر بمكة‪ ،‬ولعظمها وضخامتها سميت بدنة‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( البدرة‪ :‬كيس فيه ألف أو عشرة آلف دينار‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنه كنز ثمين‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( البداية والنهاية‪.5/249 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (4،5،‬الخلفاء الراشدون للخالدي‪ :‬ص ‪.56‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪131‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫في هذه البيعة روايات صحيحة )‪.(1‬‬
‫وكان علي في خلفة أبي بكر عيبة نصح له‪ ،‬مرجحًا لما فيه‬
‫مصلحة للسلم والمسلمين على أي شيء آخر‪ ،‬ومن الدلئل‬
‫الساطعة على إخلصه لبي بكر ونصحه للسلم والمسلمين‪،‬‬
‫المسلمين ما‬ ‫وحرصه على الحتفاظ ببقاء الخلفة واجتماع شمل‬
‫جاء من موقفه من توجه أبي بكر ‪ ‬بنفسه إلى ذي القصة )‪،(2‬‬
‫وعزمه على محاربة المرتدين‪ ،‬وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم‬
‫بنفسه‪ ،‬وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود السلمي‬
‫)‪ ،(3‬فعن ابن عمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬لما برز أبو بكر إلى ذي‬
‫القصة‪ ،‬واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫إلى أين يا خليفة رسول الله ×؟ أقول لك ما قال رسول الله × يوم‬
‫إلى( المدينة‪ ،‬فوالله لئن‬ ‫م سيفك ول تفجعنا بنفسك‪ ،‬وارجع‬ ‫أحد‪ :‬ل ّ‬
‫أبدا‪ ،‬فرجع )‪. 4‬‬
‫فجعنا بك ل يكون للسلم نظام ً‬
‫فلو كان علي ‪- ‬أعاذه الله من ذلك– لم ينشرح صدره لبي‬
‫بكر وقد بايعه على رغم من نفسه‪ ،‬فقد كانت هذه فرصة ذهبية‬
‫ينتهزها علي‪ ،‬فيترك أبا بكر وشأنه‪ ،‬لعله يحدث به حدث فيستريح‬
‫منه ويصفو الجو له‪ ،‬وإذا كان فوق ذلك –حاشاه عنه‪ -‬من كراهته له‬
‫به أحدًا يغتاله‪ ،‬كما يفعل الرجال‬ ‫وحرصه على التخلص منه‪ ،‬أغرى‬
‫السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم )‪.(5‬‬
‫)‪(6‬‬
‫‪) -5‬إنا معشر النبياء ل ُنورث‪ ،‬ما تركنا صدقة(‪:‬‬
‫قالت عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ :-‬إن فاطمة والعباس ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ :-‬أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله × وهما حينئذ‬
‫يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر‪ ،‬فقال لهما أبو بكر‪:‬‬
‫نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة‪ ،‬إنما‬ ‫سمعت رسول الله × يقول‪» :‬ل‬
‫يأكل آل محمد من هذا المال«‪ (7).‬وفي رواية‪ :‬قال أبو بكر‬
‫×‪(8‬يعمل به إل عملت به‪ ،‬فإني‬ ‫‪»:‬لست تاركًا شيئًا كان رسول الله‬
‫أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ) ‪.‬‬
‫وعن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬قالت‪ :‬أن أزواج النبي ×‪ ،‬حين‬
‫توفي رسول الله ×‪ ،‬أردن أن يبعثن عثمان بن عفان ‪ ‬إلى أبي‬
‫فقالت عائشة‪ :‬أليس قد قال رسول الله ×‪» :‬ل‬ ‫بكر يسأله ميراثهن‪،‬‬
‫نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة« )‪ ،(9‬وعن أبي هريرة ‪ ‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫ورثتي ديناًرا‪ ،‬ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي‬ ‫»ل يقتسم‬
‫فهو صدقة« )‪.(10‬‬

‫البداية والنهاية‪.5/249 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫ذي القصة‪ :‬من المدينة على مراحل‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫المرتضى‪ ..‬سيرة علي بن أبي طالب‪ :‬ص ‪ ،97‬للندوي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البداية والنهاية‪.315 ،6/314 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المرتضى سيرة علي بن أبي طالب‪ :‬ص ‪.97‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (5‬البخاري رقم‪.6726 :‬‬ ‫البخاري رقم‪.6725 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫مسلم رقم‪ 1759 :‬بصيغة أخرى وبنفس المعنى‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم‪ ،6730 :‬مسلم رقم‪.1758 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪9‬‬

‫البخاري رقم‪.6729 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪10‬‬

‫‪132‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وهذا ما فعله أبو بكر الصديق ‪ ‬مع فاطمة رضي الله عنها‪،‬‬
‫الصديق‪ :‬لست تاركًا شيئًا كان رسول‬ ‫امتثال لقوله ×‪ :‬لذلك قال‬
‫ً‬
‫الله يعمل به إل عملت به )‪(2،) (1‬وقال‪ :‬والله ل أدع أمرًا رأيت رسول‬
‫الله × يصنعه فيه إل صنعته ‪.‬‬
‫وقد تركت فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬منازعته بعد احتجاجه‬
‫بالحديث وبيانه)‪(3‬لها‪ ،‬وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ×‪.‬‬
‫قال ابن قتيبة ‪ :‬وأما منازعة فاطمة أبا بكر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬في‬
‫ميراث النبي × فليس بمنكر؛ لنها لم تعلم ما قاله رسول الله ×‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫وظنت أنها ترثه كما يرث الولد آباءهم‪ ،‬فلما أخبرها بقوله كفت‪.‬‬
‫وقال القاضي عياض‪ :‬وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد‬
‫احتجاجه عليها بالحديث التسليم للجماع على قضية‪ ،‬وأنها لما بلغها‬
‫الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها‪ ،‬ثم لم يكن منها ول من ذريتها‬
‫ي الخلفة فلم يعدل بها عما فعله‬ ‫عل ّ‬ ‫بعد ذلك طلب ميراث‪ ،‬ثم ولي‬
‫أبو بكر وعمر رضي الله عنهم )‪.(5‬‬
‫وقال حماد بن إسحاق‪ :‬والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما‬
‫طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي × من أبي بكر ‪-‬رضي‬
‫الله عنهم جميعًا‪ -‬إنما هو الميراث‪ ،‬حتى أخبرهم أبو بكر والكابر من‬
‫أصحاب رسول الله × أنه قال‪» :‬ل نورث ما تركنا صدقة«‪.‬‬
‫فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق‪ ،‬ولو لم يقل رسول الله × ذلك كان‬
‫لبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله‬
‫عنهما‪ ،‬فآثروا أمر الله وأمر رسوله‪ ،‬ومنعوا عائشة وحفصة‪ ،‬ومن‬
‫لبي بكر وعمر أعظم‬ ‫سواهما ذلك‪ ،‬ولو كان رسول يورث‪ ،‬لكان‬
‫الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد × )‪.(6‬‬
‫وأما ما ذكره عدد من الرواة في كون فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪-‬‬
‫جدا لعدة أدلة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت‪ ،‬فبعيد ً‬
‫‪ -1‬ما رواه البيهقي من طريق الشعبي‪ :‬أن أبا بكر عاد‬
‫أتحب( أن‬ ‫فاطمة‪ ،‬فقال لها علي‪ :‬هذا أبي بكر يستأذن عليك‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫آذن له؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت )‪، 7‬‬
‫وبهذا يزول الشكال الوارد في تمادي فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬لهجر‬
‫أبي بكر الصديق ‪ ،‬كيف وهو)‪(8‬القائل‪ :‬والله لقرابة رسول الله ×‪،‬‬
‫واتباعا لمر‬
‫ً‬ ‫أصل من قرابتي ‪ ،‬وما فعل إل امتثالً‬ ‫ي أن‬
‫أحب إل ّ‬
‫رسول الله × )‪.(9‬‬
‫لقد انشغلت عن كل شيء يحزنها لفقدها أكرم الخلق‪،‬‬ ‫‪-2‬‬
‫)‪ (1‬مسلم رقم‪.1758 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البخاري رقم‪.6726 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( عبد الله بن مسلم بن قتيبة ت ‪ 276‬هـ )شذرات الذهب‪.(2/169 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( تأويل مختلف الحديث‪ :‬ص ‪ (5) .189‬شرح صحيح مسلم للنووي‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪.12/318‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( البداية والنهاية‪ ،253 ،5/252 :‬وقال‪ :‬إسناده جيد قوي‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ :‬ص ‪.109‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( البخاري رقم‪.4036 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ ،‬د‪ :‬سالم السحيمي‪ :‬ص ‪.291‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪133‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وهي مصيبة تزري بكل المصائب‪ ،‬كما أنها انشغلت بمرضها الذي‬
‫فضل عن‬
‫ً‬ ‫ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشئون‪،‬‬
‫لقاء خليفة المسلمين المشغول –في كل لحظة من لحظاته‪ -‬بشئون‬
‫المة‪ ،‬وحروب الردة وغيرها‪ ،‬كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها‬
‫بأبيها؛ فقد أخبرها رسول الله × بأنها أول من يلحق به من أهله‪،‬‬
‫ومن كان في مثل علمها ل يخطر بباله أمور الدنيا‪ ،‬وما أحسن قول‬
‫المهلب الذي نقله العيني‪ :‬ولم يروِ أحد أنهما التقيا وامتنعا عن‬
‫التسليم‪ ،‬وإنما لزمت بيتها‪ ،‬فعبر الراوي عن ذلك بالهجران )‪.(1‬‬
‫هذا ومن الثابت تاريخيًا أن أبا بكر دام أيام خلفته يعطي أهل‬
‫البيت حقهم في فئ رسول الله × في المدينة‪ ،‬ومن أموال فدك‬
‫وخمس خيبر‪ ،‬إل أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث‪ ،‬عملً بما سمعه‬
‫من رسول الله ×‪ ،‬وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين‬
‫المشهور بمحمد الباقر‪ ،‬وعن زيد بن علي أنهما قال‪ :‬إنه لم يكن من‬
‫شيء من الجور أو الشطط‪ ،‬أو ما‬ ‫أبي بكر فيما يختص بآبائهم‬
‫يشكونه من الحيف أو الظلم )‪.(2‬‬
‫ولما توفيت فاطمة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بعد رسول الله بستة أشهر‬
‫على الشهر‪ ،‬وقد كان صلوات الله وسلمه عليه عهد إليها أنها أول‬
‫لها مع ذلك‪» :‬أما ترضين أن تكوني سيدة‬ ‫)‪(3‬‬
‫أهله لحوًقا به‪ ،‬وقال‬
‫نساء أهل الجنة« ‪ ،‬وذلك ليلة الثلثاء لثلث خلون من رمضان‬
‫سنة‬
‫إحدى عشرة‪.‬‬
‫عن مالك‪ ،‬عن جعفر بن محمد‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ ،‬علي بن‬
‫الحسين‪ ،‬قال‪ :‬ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء‪ ،‬فحضرها أبو بكر‬
‫وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬فلما ُوضعت لُيصلى‬
‫عليها‪ ،‬قال علي‪ :‬تقدم يا أبا بكر‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬وأنت شاهد يا أبا‬
‫الحسن؟ قال‪ :‬نعم تقدم‪ ،‬فو الله ل يصلي عليها غيرك‪ ،‬فصلى عليها‬
‫ليل‪ .‬وجاء في رواية‪ :‬صلى أبو بكر الصديق على‬ ‫ً‬ ‫أبو بكر‪ ،‬ودفنت‬
‫فاطمة بنت رسول الله × فكبر)‪(5‬عليها أربعًا )‪ ،(4‬وفي رواية مسلم‪،‬‬
‫صلى عليها علي بن أبي طالب ‪.‬‬
‫هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ×‬
‫بأعضاء أهل البيت صلة ودية تقديريه تليق به وبهم‪ ،‬وقد كانت هذه‬
‫المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي‪ ،‬فقد سمى علي أحد‬
‫أولده بأبي بكر )‪ ،(6‬وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمدًا بعد وفاة‬
‫للولية في خلفته حتى حسب عليه‪،‬‬ ‫الصديق وكفله بالرعاية ورشحه‬
‫وانطلقت اللسنة بانتقاده من أجله )‪.(7‬‬

‫)( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ :‬ص ‪.108‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( المرتضى‪ ،‬لبي الحسن الندوي‪ :‬ص ‪ ،91 ،90‬نقل عن نهج البلغة شرح أبي‬ ‫‪2‬‬

‫الحديد‪.‬‬
‫)( المرتضى‪ ،‬للندوي‪ :‬ص ‪.94‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( المرتضى‪ ،‬للندوي‪ :‬ص ‪ ،94‬نقل عن الطبقات الكبرى‪.7/29 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( مسلم رقم‪.1759 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)(‪ (4) ,‬المرتضى للندوي‪ :‬ص ‪.98‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪:‬ـ ص ‪.98‬‬

‫‪134‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫هذه بعض القضايا الداخلية التي عالجها الصديق ‪ ،‬والتزم فيها‬
‫بمتابعة الرسول × بكل دقة وحرص‪ ،‬فرضي الله عنه وعن جميع‬
‫الصحابة الكرام الطيبين البرار‪.‬‬
‫***‬

‫‪135‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫الفصل الثالث‬
‫جيش أسامة وجهاد الصديق لهل الردة‬
‫المبحث الول‬
‫جيــــــش أسامـــــة‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما‪:‬‬
‫كانت الدولة الرومانية إحدى الدولتين المجاورتين للجزيرة‬
‫العربية في عهد النبي ×‪ ،‬وكانت تحتل أجزاء كبيرة من شمال‬
‫الجزيرة‪ ،‬وكان أمراء تلك المناطق ُيعينون من قبل الدولة الرومانية‬
‫وينصاعون لوامرها‪.‬‬
‫بعث النبي الكريم × الدعاة والبعوث إلى تلك المناطق‪ ،‬وأرسل‬
‫دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى السلم )‪،(1‬‬
‫ولكنه عاند وأخذته العزة بالثم‪ ،‬وكانت خطة الرسول × واضحة‬
‫المعالم لهز هيبة الروم في نفوس العرب‪ ،‬ومن ثم تنطلق جيوش‬
‫المسلمين لفتح تلك الراضي‪ ،‬فأرسل × في العام الثامن للهجرة‬
‫جيشا واشتبك مع نصارى العرب والروم في معركة مؤتة‪ ،‬واستشهد‬ ‫ً‬
‫قادة الجيش على التوالي زيد بن حارثة‪ ،‬ثم جعفر بن أبي طالب‪ ،‬ثم‬
‫قيادة الجيش بعدهم خالد بن الوليد ‪‬‬ ‫عبد الله بن رواحة ‪ ،‬وتولى‬
‫فعاد بالجيش إلى المدينة النبوية )‪.(2‬‬
‫للهجرة خرج رسول الله × بجيش عظيم إلى‬ ‫وفي العام التاسع‬
‫الشام ووصل إلى تبوك)‪ ،(3‬ولم يشتبك جيش المسلمين بالروم ول‬
‫القبائل العربية وآثر حكام المدن الصلح على)‪(4‬الجزية وعاد الجيش‬
‫إلى المدينة بعدما مكثوا عشرين ليلة بتبوك‪ .‬وفي العام الحادي‬
‫وفيهم كبار‬ ‫عشر ندب النبي × الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬وأمرّ عليهم أسامة رضي الله عنهم )‪ ،(5‬قال‬
‫الحافظ ابن حجر‪ :‬جاء أنه كان تجهيز جيش أسامة ‪ ‬يوم السبت‬
‫قبل موت النبي × بيومين‪ ،‬وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ×‪،‬‬
‫فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ودعا أسامة ‪ ‬فقال‪» :‬سر‬
‫موضع( مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا‬ ‫إلى‬
‫الجيش« )‪ 6‬وطعن بعض الناس في إمارة أسامة ‪ ‬فرد عليهم‬
‫رسول الله × فقال‪» :‬إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم‬
‫قا‬‫تطعنون في إمارة أبيه من قبل‪ ،‬وايم الله إن كان لخلي ً‬
‫ي‪ ،‬وإن هذا لمن أحب‬ ‫لمن أحب الناس إل ّ‬ ‫)‪(7‬‬
‫للمارة وإن كان‬
‫ي بعده«‪.‬‬‫الناس إل ّ‬
‫ومرض النبي × بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين واشتد‬
‫)‪ (2‬السيرة النبوية الصحيحة للعمري‪:‬‬ ‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الوحي رقم‪.7 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.470 -2/467‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الفضائل‪ (4) .4/4784 :‬السيرة النبوية الصحيحة‪.2/535 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( قصة بعث جيش أسامة‪ ،‬د‪ :‬فضل إلهي‪ ،‬ص ‪.8‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (2‬البخاري كتاب المغازي رقم‪.4469 :‬‬ ‫)( فتح الباري‪.8/152 :‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪136‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وجعه عليه الصلة والسلم فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكرًا‬
‫بالجرف )‪ (1‬ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم × )‪ ،(2‬وتغيرت‬
‫الحوال مع انتقال الرسول الكريم × إلى رحمة ربه‪ ،‬وصارت كما‬
‫تصف أم المؤمنين عائشة الصديقة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بقولها‪ :‬لما‬
‫رسول‪(4‬الله × ارتدت العرب قاطبة واشرأب) )‪ (3(5‬النفاق‪ .‬والله‬ ‫)‬
‫قبض‬
‫لهاضها ‪ ،‬وصار أصحاب‬ ‫الراسيات‬ ‫بالجبال‬ ‫نزل‬ ‫لو‬ ‫ما‬ ‫بي‬ ‫نزل‬ ‫قد‬
‫كأنهم معزي )‪ (6‬مطيرة في حش )‪ (7‬في ليلة مطيرة بأرض‬ ‫×‬
‫)‪(9) (8‬‬
‫محمد‬
‫مسبعة‪.‬‬
‫رجل في اليوم الثالث من‬‫ً‬ ‫مر ‪‬‬ ‫ولما تولى الخلفة الصديق أ ّ‬
‫وفّى رسول الله × أن ينادي في الناس‪ :‬ليتم بعث أسامة ‪ ،‬أل‬ ‫مت َ َ‬
‫ُ‬
‫بالمدينة أحد من جند أسامة ‪ ‬إل خرج إلى عسكره‬ ‫يبقين‬ ‫ل‬
‫بالجرف )‪ ،(10‬ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال‪ :‬يا أيها‬
‫الناس‪ :‬إنما أنا مثلكم وإني ل أدري لعلكم تكلفونني ما كان رسول‬
‫الله × يطيق‪ ،‬إن الله اصطفى محمدًا على العالمين‪ ،‬وعصمه من‬
‫الفات‪ ،‬وإنما أنا متبع ولست بمبتدع‪ ،‬فإن استقمت فتابعوني وإن‬
‫زغت فقوموني‪ ،‬وإن رسول الله × قبض وليس أحد من هذه المة‬
‫يطلبه بمظلمة ‪-‬ضربة سوط فما دونها – وإن لي شيطانًا يعتريني‪،‬‬
‫فإذا أتاني فاجتنبوني‪ ،‬ل أؤثر في أشعاركم وأبشاركم وأنتم تغدون‬
‫وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه‪ ،‬فإن استطعتم أل يمضي‬
‫هذا الجل إل وأنتم في عمل صالح فافعلوا‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك إل‬
‫بالله‪ ،‬فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى‬
‫انقطاع العمال‪ ،‬فإن قومًا نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم‪،‬‬
‫فإياكم أن تكونوا أمثالهم‪ ،‬الجد الجد‪ ،‬والوحا الوحا‪ ،‬والنجاء النجاء‪،‬‬
‫مّره سريع‪ ,‬احذر الموت واعتبر بالباء‬ ‫فإن وراءكم طالبًا حثيثًا‪َ ,‬‬
‫والبناء والخوان ول تغبطوا الحياء إل بما تغبطون به الموات )‪.(11‬‬
‫وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‪ :‬إن الله ل يقبل من‬
‫العمال إل ما أريد به وجهه‪ ،‬فأريدوا الله بأعمالكم‪ ،‬فإنما أخلصتم‬
‫لحين فقركم وحاجتكم‪ ,‬اعتبروا عباد الله بمن مات منكم‪ ،‬وتفكروا‬
‫فيمن كان قبلكم‪ ،‬أين كانوا أمس وأين هم اليوم‪ ،‬أين الجبارون‬
‫الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع‬
‫بهم الدهر وصاروا رميمًا‪ ،‬قد توالت عليهم العالت‪ ,‬الخبيثات‬
‫للخبيثين‪ ،‬والخبيثون للخبيثات‪ ,‬وأين الملوك الذين أثاروا الرض‬
‫وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم وصاروا كَل ً شيء إل أن الله ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات‪ ،‬ومضوا‬
‫والعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم‪ ،‬وبعثنا خلقا بعدهم‪ ،‬فإن نحن‬
‫جْرف‪ :‬بالضم ثم السكون‪ ،‬موضع على ثلثة أميال من المدينة نحو الشام‪.‬‬ ‫)( ا ل ْ ُ‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية الصحيحة‪ ،2/552 :‬السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪.685‬‬
‫)( اشرأب‪ :‬ارتفع وعل‪ .‬انظر‪ :‬النهاية في غريب الحديث‪.2/455 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( نزل »بي«‪ :‬وفي تاريخ خليفة بن خياط‪ :‬نزل بأبي‪.102 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( لهاضها‪ :‬كسرها‪ .‬النهاية في غريب الحديث والثر‪.5/288 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( معزي‪ :‬المعز من الغنم خلف الضأن‪ ،‬وهو اسم جنس‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (10‬مسبعة‪ :‬أرض ذات سباع‪.‬‬ ‫)( حش‪ :‬بستان‪.‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (12‬نفس المصدر السابق‪.6/307 :‬‬ ‫)( البداية والنهاية‪.6/309 :‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)( البداية والنهاية‪ ،6/307 :‬تاريخ الطبري‪ ،245 ،2/241 :‬ط‪ .‬الكتب العلمية‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪137‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫اعتبرنا بهم نجونا‪ ،‬وإن انحدرنا كنا مثلهم‪ .‬أين الوضاءة الحسنة‬
‫وجوههم المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابًا‪ ،‬وصار ما فرطوا فيه‬
‫حسرة عليهم‪ .‬أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط‪ ،‬وجعلوا‬
‫مساكنهم خاوية وهم‬ ‫فيها العاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم‪ ،‬فتلك‬
‫ن أ َحد أ َ‬
‫م‬ ‫ه‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫ْ َ ُ ُ ْ‬‫م‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫م ْ َ‬ ‫هم ّ‬‫من ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫ح ّ‬ ‫ه ْ‬
‫ل تُ ِ‬ ‫في ظلمات القبور‪َ + :‬‬
‫رك ًْزا" ]مريم‪ .[98 :‬أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم؟ قد انتهت‬ ‫ِ‬
‫بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه‪ ،‬وأقاموا للشقاوة أو‬
‫السعادة بعد الموت‪ ،‬أل إن الله ل شريك له ليس بينه وبين أحد من‬
‫خلقه سبب يعطيه به خيًرا ول يصرف به عنه سوًءا إل بطاعته واتباع‬
‫يدرك‪(1‬إل بطاعته‪،‬‬ ‫أمره‪ ،‬واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده ل‬
‫أما آن لحدكم أن تحسر عنه النار ول تبعد عنه الجنة ) ‪.‬‬
‫وفي هذه الخطبة دروس وعبر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬بيان طبيعة خليفة رسول الله × وأنه ليس خليفة عن الله بل‬
‫عن رسوله ×‪ ،‬وأنه بشر غير معصوم ل يطيق مقام رسول الله ×‬
‫وليس بمبتدع؛ أي أنه‬ ‫بنبوته ورسالته‪ ،‬ولذلك فهو في سياسته متبع‬
‫على نهج النبي × في الحكم بالعدل والحسان )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬بيان واجب المة في مراقبة الحاكم لتعينه في إحسانه‬
‫وصلحه‪ ,‬وتقومه وتنصحه في غير ذلك؛ ليظل على الطريق متبعًا‬
‫غير مبتدع‪.‬‬
‫ج‪ -‬بيان أن النبي × عدل بين المة فلم يظلم أحدًا‪ ،‬ولذلك ليس‬
‫لحد عند النبي × مظلمة صغيرة أو كبيرة‪ ،‬ومعنى هذا أنه سوف‬
‫يسير على نفس النهج؛ ينشر العدل ويبتعد عن الظلم‪ ،‬ومن ثم على‬
‫المة أن تعينه على ذلك‪ ،‬وإذا رآه أحد غاضبًا فعليه أن يجتنبه حتى ل‬
‫يؤذي أحدًا فيخالف ما رآه في سياسة التباع )‪ (3‬للنبي ×‪ .‬والشيطان‬
‫الذي يعتري الصديق يعتري جميع بني آدم‪ ،‬فإنه ما من أحد إل وقد‬
‫وكل الله به قرينه من الملئكة وقرينه من الجن)‪ ،(4‬والشيطان يجري‬
‫من ابن آدم مجرى الدم‪ ،‬فقد قال رسول الله ×‪» :‬ما منكم من‬
‫أحد إل وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملئكة«‬
‫قالوا‪ :‬وإياك يا رسول الله؟ قال‪» :‬وإياي إل أن الله أعانني‬
‫عليه فأسلم فل يأمرني إل بخير«‪ (5).‬وقد جاء في الحديث‬
‫أيضا‪ :‬لما مر به بعض النصار وهو يتحدث مع صفية ليلً فقال‪:× :‬‬ ‫ً‬
‫»على رسلكما‪ ،‬إنها صفية بنت حيي« فقال‪ :‬سبحان الله يا‬
‫رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬إن الشيطان يجري من النسان مجرى‬
‫ءا«‬
‫الدم وإني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما سو ً‬
‫ومقصود الصديق بذلك‪ :‬إني لست معصومًا كالرسول ×‪ ،‬وهذا‬ ‫)‪(7‬‬
‫)‪،(6‬‬
‫حق ‪.‬‬
‫د‪ -‬حرص الصديق على وعظ المسلمين وتذكيرهم بالموت وحال‬

‫)( نفس المصدرين السابقين‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)(‪ (2) ,‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.432‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( أبو بكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ :‬ص ‪ (4) .196‬مسلم رقم‪.2814 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( البخاري كتاب الخلق‪ ،‬رقم‪ (6) .3281 :‬أبو بكر الصديق محمد مال الله‪ :‬ص‬ ‫‪6‬‬

‫‪.197‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪138‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الملوك الذين مضوا‪ ،‬وحثهم على العمل الصالح ليستعدوا للقاء الله‬
‫عز وجل‪ ،‬ويستقيموا في حياتهم على منهج الله تعالى )‪ ،(1‬وهنا نلحظ‬
‫توظيف الصديق لقوة البيان في خطبه وفي حديثه للمة‪ ،‬وقد كان‬
‫‪ ‬أفصح خطباء النبي ×‪ ،‬يقول عنه الستاذ العقاد‪ :‬أما كلمه فهو‬
‫من أرجح ما قيل في موازين الخلق والحكمة‪ ،‬وله من مواقع الكلم‬
‫أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكة صاحبها‪ ،‬فيغني القليل منها‬
‫عن الكثير‪ ،‬كما تغني السنبلة الواحدة عن الجرين الحافل‪ ،‬فحسبك‬
‫أن تعلم معدن القول من نفسه وفكره حين تسمع كلمة كقوله‪:‬‬
‫»احرص على الموت ُتوهب لك الحياة« أو قوله‪» :‬أصدق الصدق‬
‫المانة‪ ،‬وأكذب الكذب الخيانة«‪» .‬الصبر نصف اليمان‪ ،‬واليقين‬
‫اليمان كله«‪ .‬فهي كلمات تتسم بالقصد والسداد كما تتسم بالبلغة‬
‫وحسن التعبير‪ ،‬وتنبي عن المعدن الذي نجمت منه فتغني عن‬
‫علمات التثقيف التي يستكثر منها المستكثرون؛ لن هذا الفهم‬
‫التثقيف‪ ،‬وكانت له × لباقة في‬ ‫الصيل هو اللباب المقصود من‬
‫الخطاب إلى جانب البلغة في الكلم )‪.(2‬‬
‫ثانًيا‪ :‬ما تم بين الصديق والصحابة في أمر إنفاذ الجيش‪:‬‬
‫اقترح بعض الصحابة على الصديق ‪ ‬بأن يُبقي الجيش فقالوا‪:‬‬
‫إن هؤلء جل المسلمين‪ ،‬والعرب على ما ترى قد انتقضت بك فليس‬
‫ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين‪ (3) .‬وأرسل أسامة من‬
‫معسكره من الجرف عمر بن الخطاب ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬إلى أبي‬
‫بكر يستأذنه أن يرجع بالناس وقال‪ :‬إن معي وجوه المسلمين‬
‫وجلتهم ول آمن على خليفة رسول الله × وحرم رسول الله ×‬
‫والمسلمين أن يتخطفهم المشركون)‪.(4‬‬
‫ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصر على أن تستمر الحملة العسكرية‬
‫في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والحوال والنتائج‪ ،‬ولم‬
‫يسترح أسامة وهيئة أركان حربه لصرار الخليفة على رأيه‪ ،‬وقد‬
‫بذلوا لدى الخليفة عدة محاولت كي يقنعوه بصواب فكرتهم‪ ،‬وعندما‬
‫كثر اللحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والنصار إلى اجتماع‬
‫في المجلس لمناقشة هذا المر معهم‪ ،‬وفي هذا الجتماع دار نقاش‬
‫طويل متشعب‪ ،‬وكان أشد المعارضين لستمرار حملة الشام عمر‬
‫بن الخطاب‪ ،‬مبديًا تخوفه الشديد على الخليفة وحرم رسول الله‬
‫وكل المدينة وأهلها من أن تقع في قبضة العراب المرتدين‬
‫المشركين‪ ،‬وعندما أكثر وجوه الصحابة بهذا الصدد على الخليفة‬
‫وخوفوه مما ستتعرض له المدينة من أخطار جسام إن هو أصر على‬
‫تحريك جيش أسامة لغزو الروم‪ ،‬أمر بفض الجتماع الول )‪ (5‬بعد أن‬
‫سمع الصديق لرأيهم واستوضح منهم إن كان لحدهم ما يقول‪،‬‬
‫وذلك حتى يعطي إخوانه وأهل الرأي كامل الفرصة لبيان رأيهم )‪،(6‬‬
‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.423‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2‬البداية والنهاية‪.6/308 :‬‬ ‫عبقرية الصديق‪ :‬ص ‪.139‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫الكامل‪ ،‬لبن الثير‪.2/226 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ ،‬عز الدين التميمي‪ :‬ص ‪.83 ،82‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫ملمح الشورى في الدعوة السلمية‪ ،‬عدنان النحوي‪ :‬ص ‪.257‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪139‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫ثم دعاهم إلى اجتماع عام آخر في المسجد‪ ،‬وفي هذا الجتماع‬
‫طلب من الصحابة أن ينسوا فكرة إلغاء مشروع وضعه رسول الله‬
‫× بنفسه‪ ،‬وأبلغهم أنه سينفذ هذا المشروع حتى لو تسبب تنفيذه‬
‫في احتلل المدينة من قبل العراب المرتدين‪ ،‬فقد وقف خطيبًا‬
‫)‪(1‬‬
‫قائل‪ :‬والذي نفس أبي بكر بيده‪ ،‬لو ظننت أن‬ ‫ً‬ ‫وخاطب الصحابة‬
‫السباع تخطفني لنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ×‪ ،‬ولو‬
‫لم يبق في القرى غيري لنفذته )‪.(2‬‬
‫نعم لقد كان أبو بكر مصيبًا فيما عزم عليه من بعث أسامة‬
‫مخالفًا بذلك رأي جميع المسلمين؛ لن في ذلك أمرًا من رسول الله‬
‫أثبتت اليام والحداث سلمة رأيه وصواب قراره الذي اعتزم‬ ‫× وقد‬
‫تنفيذه )‪.(3‬‬
‫رجل أقدم سنّ ا من أسامة يتولى أمر الجيش‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وطلبت النصار‬
‫وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصديق في ذلك‪ ،‬فقال عمر‬
‫سن ا من أسامة‪ ،  ،‬فوثب أبو‬ ‫‪ : ‬فإن النصار تطلب رجلً أقدم ً‬
‫جالس ا فأخذ بلحية عمر ‪ ، ‬وقال له ثكلتك أمك‬ ‫ً‬ ‫بكر ‪ ‬وكان‬
‫وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله × وتأمرني أن‬
‫أنزعه )‪ ، (4‬فخرج عمر ‪ ‬إلى الناس فقالوا‪ :‬ما صنعت؟ فقال‪:‬‬
‫ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول‬ ‫امضوا‬
‫الله × )‪.(5‬‬
‫ثم خرج أبو بكر الصديق ‪ ‬حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو‬
‫ماش وأسامة راكب‪ .‬وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر‬
‫‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬فقال له أسامة ‪ :‬يا خليفة رسول الله ×‪ :‬والله‬
‫ي أن‬ ‫تنزل ووالله ل أركب‪ ،‬وما عل ّ‬ ‫لتركبن أو لنزلن‪ ،‬فقال‪ :‬والله ل‬
‫أغبر قدمي في سبيل الله ساعة )‪.(6‬‬
‫قال الصديق ‪ ‬لسامة ‪ :‬إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل‪.‬‬ ‫ثم‬
‫فأذن له)‪ ،(7‬ثم توجه الصديق ‪ ‬إلى الجيش فقال‪ :‬يا أيها الناس‪،‬‬
‫قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني‪:‬‬
‫ل تخونوا ول ت ُِغلوا ول تغدروا ول تمّثلوا )‪ ،(8‬ول تقتلوا طفلً‬
‫صغيرا‪ ،‬ول شيخًا كبيرًا ول امرأة‪ ،‬ول تعقروا نخلً ول تحرقوه‪ ،‬ول‬ ‫ً‬
‫تقطعوا شجرة مثمرة‪ ،‬ول تذبحوا شاة ول بقرة ول بعيرًا إل لمأكلة‪،‬‬
‫وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما‬
‫فرغوا أنفسهم له‪ ،‬وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها‬
‫شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ألوان الطعام فإذا أكلتم منه‬
‫وتلقون أقوامًا قد فحصوا )‪ (9‬أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل‬
‫)( الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪ (2) .83‬تاريخ الطبري‪.4/45 :‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪ (4) .83‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (6‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫)( تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( ول تمثلوا‪ :‬يقال‪ :‬مثلت بالحيوان وأمثل به تمثيل‪ ،‬إذا قطعت أطرافه وشوهت‬ ‫‪8‬‬

‫به‪.‬‬
‫)‪ (2‬فأخفقوهم‪ :‬من أخفق فلنًا أي‪:‬‬ ‫)( فحصوا‪ :‬حلقوا‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫صرعه‪.‬‬

‫‪140‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫بالسيف خفقًا‪ .‬اندفعوا باسم الله )‪.(2‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫العصائب فأخفقوهم‬
‫وأوصى الصديق أسامة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬أن يفعل ما أمر به‬
‫قائل‪ :‬اصنع ما أمرك به نبي الله ×؛ ابدأ ببلد قضاعة‬
‫ً‬ ‫النبي الكريم ×‬
‫ثم إيت آبل )‪ (3‬ول تقصرن في شيء من أمر رسول الله ×‪ ،‬ول‬
‫تعجلن لما خلفت عن عهده‪ (4).‬ومضى أسامة ‪ ‬بجيشه‪ ،‬وانتهى إلى‬
‫ما أمر به النبي × من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على‬
‫)‪(6‬‬
‫يوما‪.‬‬
‫ً‬ ‫آبل فسلم وغنم )‪ ،(5‬وكان مسيرة ذاهبًا وقافلً أربعين‬
‫وقدم بنعي رسول الله على هرقل وإغارة أسامة في ناحية‬
‫أرضه خبر واحد‪ ،‬فقالت الروم‪ :‬ما بال هؤلء يموت صاحبهم ثم‬
‫أغاروا على أرضنا )‪(7‬؟ وقال العرب‪ :‬لو لم يكن لهم قوة لما أرسلوا‬
‫هذا الجيش )‪ ،(8‬فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه )‪.(9‬‬
‫ثالًثا‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد من إنفاذ الصديق جيش‬
‫أسامة‪:‬‬
‫‪ -1‬الحوال تتغير وتتبدل والشدائد ل تشغل أهل اليمان‬
‫عن أمر الدين‪:‬‬
‫ما أشد التحول وأخطره‪ ،‬وما أسرعه كذلك! سبحان الله الذي‬
‫د" ]البروج‪+ ،[16 :‬ل َ‬ ‫ري ُ‬ ‫ل لّ َ‬
‫ما ي ُ ِ‬ ‫عا ٌ‬ ‫فَّ‬‫يقلب الحول كيفما يشاء‪َ + :‬‬
‫ن" ]النبياء‪ ،[23 :‬تأتي وفود العرب‬ ‫َ‬ ‫لو‬‫ُ‬ ‫أ‬ ‫س‬
‫م يُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫و ُ‬ ‫ع ُ‬
‫ل َ‬ ‫ف َ‬‫ما ي َ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ل َ‬‫سأ َ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫مذعنة منقادة مطيعة وبهذه الكثرة‪ ،‬حتى سمي العام التاسع )عام‬
‫الوفود(‪ ،‬ثم‬
‫تنقلب الحوال فيخشى من أن تأتي القبائل العربية للغارة على‬
‫المدينة المنورة عاصمة السلم )‪ ،(10‬بل قد جاءت للغارة للقضاء‬
‫على ‪-‬حسب زعمها الباطل‪ -‬على السلم والمسلمين)‪ ،(11‬ول غرابة‬
‫في هذا فإن من سنن الله الثابتة في المم أن أيامها ل تبقى ثابتة‬
‫على حالة بل تتغير وتتبدل‪ ،‬وقد أخبر بذلك الذي يقلب اليام‬
‫س"‬‫ِ‬ ‫نا‬
‫ّ‬ ‫ن ال‬ ‫ول ُ َ‬
‫ها ب َي ْ َ‬ ‫دا ِ‬
‫م نُ َ‬‫ك الّيا ُ‬ ‫وت ِل ْ َ‬ ‫ويصرفها ‪-‬عز وجل‪ -‬بقوله‪َ + :‬‬
‫]آل عمران‪.[140 :‬‬
‫قال الرازي في تفسيره‪ :‬والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين‬
‫الناس ل يدوم مسارها ول مضارها‪ ،‬فيوم يحصل فيه سرور له والغم‬
‫لعدوه‪ ،‬ويوم آخر بالعكس من ذلك ول يبقى شيء من أحوالها ول‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (4‬آبل‪ :‬منطقة في جنوب بلد الردن‬ ‫)( تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫اليوم‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)(‪ (6) ,‬تاريخ الطبري‪.4/47 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( المصدر السابق‪4/47 :‬؛ تاريخ خليفة بن خياط‪.101 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( عهد الخلفاء الراشدين للذهبي‪ :‬ص ‪.20‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ ،‬د‪ :‬فضل إلهي‪ :‬ص ‪.14‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( الكامل لبن الثير‪.2/227 :‬‬ ‫‪9‬‬

‫)‪ (2،‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.18‬‬ ‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫‪141‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫يستقر أثر من آثارها )‪.(1‬‬
‫وجاءت صيغة المضارعة ُنداوُلها للدللة على تجدد سنة مداولة‬
‫اليام من المم واستمرارها‪ ،‬وفي هذا قال القاضي أبو السعود‪:‬‬
‫وصيغة المضارع الدالة على التجدد والستمرار لليذان بأن تلك‬
‫المداولة سنة مسلوكة بين المم)‪(3‬قاطبة سابقتها ولحقتها )‪ (2‬وقد‬
‫قيل‪ :‬اليام دول والحرب سجال ‪.‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫)‪(4‬‬
‫سرّ‬
‫ويوم ُنساء ويوم ن ُ َ‬ ‫فيوم علينا ويوم لنا‬
‫فالصديق يعلّم المة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن‬
‫ن‬
‫تصبر‪ ،‬فالنصر مع الصبر‪ ،‬وأن ل تيأس ول تقنط من رحمة الله‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ن" ]العراف‪ ،[56 :‬وليتذكر‬ ‫سِني َ‬
‫ح ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫م َ‬
‫ب ّ‬
‫ري ٌ‬
‫ق ِ‬‫ه َ‬‫ت الل ِ‬‫م َ‬ ‫ح َ‬‫َر ْ‬
‫المسلم دائمًا أن الشدة مهما عظمت والمصيبة مهما اشتدت‬
‫ن‬
‫سًرا ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫ر يُ ْ‬
‫س ِ‬ ‫ع ال ْ ُ‬
‫ع ْ‬ ‫م َ‬
‫ن َ‬
‫فإ ِ ّ‬‫وكبرت فإن من سنن الله الثابتة‪َ + :‬‬
‫سًرا" ]النشراح‪ ،[6 ،5 :‬وإن المسلم لمره عجيب في‬ ‫ر يُ ْ‬‫س ِ‬ ‫ع ال ْ ُ‬
‫ع ْ‬ ‫م َ‬‫َ‬
‫هذه الدنيا‪ ،‬فقد بين رسول الله × ذلك في قوله‪» :‬عجًبا لمر‬
‫المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لحد إل للمؤمن‪ ،‬إن أصابته‬
‫سراء شكر فكان خيًرا له‪ ،‬وإن أصابته ضراء صبر فكان خيًرا له« )‪.(5‬‬
‫ومن الدروس المستفادة من بعث جيش أسامة‪ :‬أن الشدائد‬
‫والمصائب مهما عظمت وكبرت ل تشغل أهل اليمان عن أمر‬
‫الدين‪ .‬إن وفاة الرسول الكريم × لم تشغل الصديق عن أمر الدين‪،‬‬
‫وأمر ببعث أسامة في ظروف حالكة مظلمة بالنسبة للمسلمين‪،‬‬
‫ولكن ما تعلمه الصديق من رسول الله من الهتمام بأمر الدين‬
‫مقدم على كل شيء‪ ،‬وبقي هذا المر حتى ارتحل من هذه الدنيا )‪.(6‬‬
‫‪ -2‬المسيرة الدعوية ل ترتبط بأحد ووجوب اتباع النبي ×‪:‬‬
‫وفي قضية إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬نجد أن الصديق ‪ ‬بين بقوله وعمله أن مسيرة الدعوة لم‬
‫ولن تتوقف حتى بموت سيد الخلق وإمام النبياء وقائد المرسلين‬
‫×‪ ،‬وأثبت مواصلة العمل الدعوي بالمبادرة إلى إنفاذ هذا الجيش‬
‫حيث نادى مناديه في اليوم الثالث من وفاة رسول الله × بخروج‬
‫جند أسامة ‪ ‬إلى عسكره بالجرف‪ ،‬وقد كان الصديق ‪ ‬قبل ذلك‬
‫ألقاها إثر بيعته عن عزمه على مواصلة بذل‬ ‫)‪(7‬‬
‫قد بين في خطبته التي‬
‫الجهود لخدمة هذا الدين‪.‬‬
‫وقد جاء في رواية قوله‪ :‬فاتقوا الله أيها الناس‪ ،‬واعتصموا‬
‫بدينكم وتوكلوا على ربكم؛ فإن دين الله قائم وإن كلمة الله تامة‪،‬‬
‫)( تفسير الرازي‪ ،9/15 :‬تفسير القرطبي‪.4/218 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تفسير أبي السعود‪2/89 :‬؛ روح المعاني لللوسي‪.4/68 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (6‬تفسير القرطبي‪.4/218 :‬‬ ‫)( روح المعاني لللوسي‪.4/68 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( مسلم‪.4/2295 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (2‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.24‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (3‬البداية والنهاية‪.214 ،5/213 :‬‬ ‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.27‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪142‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق‪‬‬
‫وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه‪ .‬والله‪ ,‬ل نبالي من أجلب علينا‬
‫من خلق الله‪ ،‬إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد‪ ،‬ولنجاهدن‬
‫من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله × فل يبغين أحد إل على نفسه‬
‫)‪.(1‬‬
‫ومن الدروس المستفادة من قصة إنفاذ الصديق جيش أسامة‬
‫‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬أنه يجب على المسلمين اتباع أمر النبي × في‬
‫السراء والضراء‪ ،‬فقد بين الصديق من فعله أنه عاضّ على أوامر‬
‫النبي × بالنواجذ ومنفذها مهما كثرت المخاوف واشتدت المخاطر‪،‬‬
‫وقد تجلى هذا أثناء هذه القصة عدة مرات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬لما طلب المسلمون إيقاف جيش أسامة ‪ ‬نظرًا لتغير‬
‫الحوال وتدهورها أجاب ‪ ‬بمقولته الخالدة‪ :‬والذي نفس أبي بكر‬
‫أسامة كما أمر به‬ ‫بيده لو ظننت أن السباع تخطفتني لنفذت بعث‬
‫رسول الله ×‪ ،‬ولو لم يبق في القرى غيري لنفذته )‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬ولما استأذنه أسامة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬في الرجوع بجيشه‬
‫من الجرف إلى المدينة خوفًا على الصديق وأهل المدينة لم يأذن‬
‫بقوله‪:‬‬ ‫له‪ ،‬بل أبدى عزمه وتصميمه على تنفيذ قضاء النبي الكريم ×‬
‫لو خطفتني الكلب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله )‪،(3‬‬
‫ما‬‫و َ‬‫‪َ +‬‬ ‫وجل‪:-‬‬
‫‪-‬عزل ُه أ َ‬ ‫وقدم ‪ ‬بموقفه هذا صورة تطبيقية لقول الله‬ ‫ّ‬
‫مًرا َأن‬ ‫ُ ْ‬ ‫سو‬ ‫ر‬ ‫و‬
‫ُ َ َ ُ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ضى‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫َ‬
‫ذا‬ ‫إ‬
‫َ ِ‬ ‫ة‬
‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫م‬‫ِ‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ٍ ْ َ‬‫ن‬ ‫م‬‫ِ‬ ‫ؤ‬‫ْ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫كا‬‫َ‬
‫د‬
‫ق ْ‬‫ف َ‬‫ه َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫سو‬ ‫ر‬ ‫و‬
‫َ َ َ ُ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ص‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫ِ‬
‫ْ ْ ِ ْ َ َ‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫أ‬ ‫ن‬ ‫م‬‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ة‬ ‫ر‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫خ‬
‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬
‫ُ ُ‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫كو‬ ‫ُ‬ ‫يَ‬
‫ِ‬ ‫ً‬ ‫َ‬
‫نا"]الحزاب‪.[36 :‬‬ ‫مِبي ً‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ض‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
‫ل‬ ‫ض‬
‫َ‬
‫ج‪ -‬وعندما طلب منه تعيين رجل أقدم سنّا من أسامة ‪ ‬أبدى‬ ‫ُ‬
‫الشديد على الفاروق ‪ ‬بسبب جرأته على نقل مثل هذا‬ ‫)‪(4‬‬
‫غضبه‬
‫وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله‬ ‫أمك‬ ‫ثكلتك‬ ‫له‪:‬‬ ‫وقال‬ ‫‪،‬‬ ‫القتراح‬
‫رسول الله × وتأمرني أن أنزعه )‪.(5‬‬
‫د‪ -‬وتجلى اهتمام أبي بكر الصديق ‪ ‬باتباع النبي الكريم ×‬
‫وكذلك( في خروجه لتشييع الجيش ومشيه مع أسامة ‪ ‬الذي كان‬
‫راكبا)‪ ، 6‬ولقد كان الصديق ‪ ‬في عمله هذا مقتديًا بما فعله سيد‬ ‫ً‬
‫وسلمه عليه مع معاذ‬ ‫ربي‬ ‫صلوات‬ ‫الكريم‬ ‫رسولنا‬ ‫والخرين‬ ‫الولين‬
‫ابن جبل ‪ ‬لما بعثه رسول الله × إلى اليمن )‪ ،(7‬فقد روى المام‬
‫أحمد عن معاذ بن جبل ‪ ‬قال‪ :‬لما بعثه رسول الله × إلى اليمن‬
‫الله‪ ×(8‬يوصيه ومعاذ ‪ ‬راكب‪ ،‬ورسول الله ×‬ ‫خرج معه رسول‬
‫يمشي تحت راحلته ) ‪.‬‬
‫قال الشيخ أحمد البنا تعليقا على هذا الحديث‪ :‬وقد فعل ذلك أبو‬
‫بكر ‪ ‬بأسامة بن زيد ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬مع صغر سنه‪ ،‬فقد عقد له‬
‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.4/45 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪ (3) .36‬تاريخ الطبري‪.4/46 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (5‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص‬ ‫)( المرجع السابق‪.4/46 :‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.36‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( الفتح الرباني لترتيب مسند المام أحمد بن حنبل الشيباني‪.21/215 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪143‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫النبي × قبل وفاته لواء على جيش ولم يسافر إل بعد وفاة النبي ×‪،‬‬
‫ماشيًا وأسامة ‪ ‬راكبًا‪ ،‬اقتداء بما فعله‬ ‫فشيعه أبو بكر ‪‬‬
‫النبي × بمعاذ ‪.(1) ‬‬
‫هـ‪ -‬وظهرت عناية أبي بكر الصديق ‪ ‬بالقتداء بالرسول الكريم‬
‫× أيضا في قيامه بتوصية الجيش عند توديعهم؛ حيث كان رسول‬
‫الله × يوصي الجيوش عند توديعهم‪ ،‬ولم يقتصر الصديق على هذا؛‬
‫جاء في وصيته لجيش أسامة كان مقتبسًا من وصايا‬ ‫بل إن معظم ما‬
‫النبي × للجيوش )‪.(2‬‬
‫ولم يقف أبو بكر الصديق ‪ ‬في القتداء بالرسول الكريم ×‬
‫فيما قاله وفعله فحسب‪ ،‬بل أمر أمير الجيوش أسامة ‪ ‬بتنفيذ‬
‫أمره ×‪ ،‬ونهاه عن التقصير فيه )‪ ،(3‬فقد قال له ‪-‬رضي الله عنهما‪:-‬‬
‫اصنع ما أمرك به نبي الله ×‪ ،‬ابدأ ببلد قضاعة ثم إيت آبل‪ ،‬ول‬
‫تقصرن شيئًا من أمر رسول ُ الله × )‪ ،(4‬وفي رواية أخرى أنه قال‪:‬‬
‫امض يا أسامة للوجه الذي أمرت به‪ ،‬ثم اغز حيث أمرك رسول الله‬
‫× من ناحية فلسطين وعلى أهل مؤتة‪ ،‬فإن الله سيكفي ما تركت‪.‬‬
‫عند ابن الثير‪ :‬وأوصى أسامة ‪ ‬أن يفعل ما أمر به‬ ‫)‪(6‬‬
‫)‪ (5‬وفي رواية‬
‫رسول الله × ‪.‬‬
‫لقد انقاد الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬لرأي الصديق وشرح الله‬
‫صدورهم لذلك‪ ،‬وتمسكوا بأمر الرسول الكريم ×‪ ،‬وبذلوا المستطاع‬
‫وألقى في قلوب‬ ‫لتحقيقه‪ ،‬فنصرهم الله تعالى ورزقهم الغنائم‬
‫الناس هيبتهم‪ ،‬وكف عنهم كيد العداء وشرهم )‪.(7‬‬
‫وقد تحدث )توماس آرنولد( عن بعث جيش أسامة فقال‪ :‬بعد‬
‫وفاة محمد × أرسل أبو بكر ‪ ‬الجيش الذي كان النبي × قد عزم‬
‫على إرساله إلى مشارف الشام‪ ،‬على الرغم من معارضة بعض‬
‫المسلمين‪ ،‬بسبب الحالة المضطربة في بلد العرب إذ ذاك‪ ،‬فأسكت‬
‫ظننت أن السباع‬ ‫احتجاجهم بقوله‪ :‬قضاء قضى به رسول الله‪ ،‬ولو‬
‫تخطفني لنفذت جيش أسامة ‪ ‬كما أمر النبي × )‪ ...(8‬ثم قال‪:‬‬
‫وكانت هذه هي أولى تلك السلسلة الرائعة من الحملت التي اجتاح‬
‫دولة‪(9‬فارس‬ ‫العرب فيها سوريا وفارس وإفريقيا الشمالية‪ ،‬فقوضوا‬
‫القديمة‪ ،‬وجردوا المبراطورية الرومانية من أجمل ولياتها ) ‪.‬‬
‫وهكذا نرى الله تعالى قد ربط نصر المة وعزها باتباع النبي‬
‫الكريم ×‪ ،‬فمن أطاعه‬
‫فله النصر والتمكين ومن عصاه فله الذل والهوان‪ ،‬فسر حياة المة‬
‫في طاعتها لربها‬
‫واقتدائها بسنة نبيها × )‪.(10‬‬

‫)( بلوغ الماني‪.21/215 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2 ،1‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.32‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (3‬تاريخ الطبري‪.4/47 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (5‬الكامل‪.2/237 :‬‬ ‫)( عهد الخلفة والخلفاء الراشدين للذهبي‪ :‬ص ‪.20‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.36‬‬ ‫‪7‬‬

‫)(‪ (8) ,‬الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.63‬‬ ‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫‪144‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫‪ -3‬حدوث الخلف بين المؤمنين ورده إلى الكتاب والسنة‪:‬‬
‫ومما نستفيد من هذه القصة أنه قد يحدث الخلف بين المؤمنين‬
‫الصادقين حول بعض المور؛ فقد اختلفت الراء حول إنفاذ جيش‬
‫أسامة ‪ ‬في تلك الظروف الصعبة‪ ،‬وقد تعددت القوال حول‬
‫إمارته‪ ،‬ولم يجرهم الخلف في الرأي إلى التباغض والتشاجر‬
‫والتقاطع‪ (1‬والتقاتل‪ ،‬ولم يصر أحد على رأي بعد وضوح‬ ‫والتدابر‬
‫فساده وبطلنه ) ‪ ،‬وعندما رد الصديق الخلف إلى ما ثبت من أمر‬
‫النبي × ببعث أسامة وبّين ‪ ‬أنه ما كان ليفرط فيما أمر به رسول‬
‫الله × مهما تغيرت الحوال وتبدلت‪ ،‬استجاب بقية الصحابة لحكم‬
‫النبي × بعدما وضحه لهم الصديق‪ ،‬كما أنه ل عبرة لرأي الغلبية إذا‬
‫كان مخالفًا للنص؛ فقد رأى عامة الصحابة حبس جيش أسامة وقالوا‬
‫للصديق‪ :‬إن العرب قد انتقضت عليك وإنك ل تصنع بتفريق الناس‬
‫شيئا )‪ ،(2‬فأولئك الناس لم يكونوا كعامة الناس بل كانوا من الصحابة‬ ‫ً‬
‫الذين هم خير البشر وجدوا على الرض بعد النبياء والرسل عليهم‬
‫السلم‪ ،‬لكن‬
‫مبينً‪(3‬ا أن أمر رسول الله × أجل وأكرم‬ ‫لهم‬ ‫يستجب‬ ‫لم‬ ‫الصديق ‪‬‬
‫وأوجب وألزم من رأيهم كلهم‪ ).‬وقد تجلت هذه الحقيقة في حادثة‬
‫وفاة النبي ×؛ حيث رأى عامة الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬وفيهم‬
‫عمر ‪ ‬أن النبي × لم يمت‪ ،‬ورأى عدد قليل من الصحابة ‪-‬رضي‬
‫بكر‬ ‫الله عنهم‪ -‬أنه × قد مات؛ منهم أبو بكر ‪ ،‬وقد رأينا أن أبا‬
‫تمسك بالنص وبّين خطأ من قال‪ :‬إن رسول الله × لم يمت )‪.(4‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على رأي الكثرين حول وفاته ×‪:‬‬
‫فيؤخذ منه على أن القل عددا في)‪(5‬الجتهاد قد يصيب ويخطئ‬
‫الكثرية‪ ،‬فل يتعين الترجيح بالكثر ‪.‬‬
‫فخلصة الكلم أن مما نستفيده من قصة تنفيذ الصديق جيش‬
‫دليل على‬
‫ً‬ ‫أسامة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬أن تأييد الكثرة لرأي ليس‬
‫إصابته )‪ ،(6‬ومما يستفاد من هذه القصة انقياد المؤمنين وخضوعهم‬
‫للحق إذا اتضح لهم‪ ،‬فعندما ذكرهم الصديق أن النبي × قد أمر‬
‫بتنفيذ جيش أسامة وهو الذي عين أسامة أميرًا على الجيش‪ ،‬انقاد‬
‫للمر‬ ‫أولئك البرار‬
‫النبوي الكريم )‪.(7‬‬
‫‪ -4‬جعل الدعوة مقرونة بالعمل‪ ،‬ومكانة الشباب في‬
‫خدمة السلم‪:‬‬
‫لما أصر أبو بكر ‪ ‬على إبقاء أسامة بن زيد ‪ ‬أميرا للجيش‬
‫حرصا على التمسك بما قرره رسول الله ×‪ ،‬لم يقتصر على‬ ‫ً‬
‫الصرار على إمارته فحسب‪ ،‬بل قدم اعترافًا عمليًا بإمارته وقد‬
‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪ (2) .39‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص‬ ‫‪10‬‬

‫‪.48 ،47‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ خليفة بن خياط‪ :‬ص ‪ (4) .100‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص‬ ‫‪2‬‬

‫‪.45 ،44‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪ (6) .45 ،44‬فتح الباري‪.8/146 :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.46‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (1‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.52‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪145‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫تجلى ذلك في أمرين‪:‬‬
‫‪ -1‬مشى أبو بكر ‪ ‬مع أسامة ‪ ‬وهو راكب‪ ،‬وقد كان ابن‬
‫عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة‪ ،‬وكان الصديق ‪ ‬قد تجاوز‬
‫ستين سنة من عمره‪ ،‬وأصر على المشي مع أسامة ‪ ،‬كما أصر‬
‫على بقاء أسامة ‪ ‬راكبًا لما طلب منه أسامة ‪ ‬إما أن يركب هو‬
‫أو يأذن له بالنزول‪ ،‬فلم يوافق ‪ ‬ل على هذا ول على ذاك‪ ،‬وبهذا‬
‫قدم ‪ ‬باستمراره في مشيه ذلك دعوة لجيش أسامة ‪ ‬إلى‬
‫العتراف بإمرة أسامة ‪ ‬ورفع الحرج عنها من صدورهم‪ ،‬وكأن‬
‫الصديق ‪ ‬بمشيه ذلك يخاطب الجيش فيقول‪ :‬انظروا أيها‬
‫المسلمون أنا أبو بكر رغم كوني خليفة رسول الله × أمشي مع‬
‫إقرارا وتقديرًا لمارته؛ حيث أمره رسولنا الكريم‬
‫ً‬ ‫أسامة وهو راكب‪،‬‬
‫صلوات‪(1‬ربي وسلمه عليه‪ -‬فكيف‬ ‫العلى‬ ‫وقائدنا‬ ‫‪-‬إمامنا العظم‬
‫تجرأتم أنتم على النتقاد على إمارته ) ‪.‬‬
‫‪ -2‬كان أبو بكر الصديق يرغب في بقاء عمر بن الخطاب‬
‫‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬بالمدينة نظرا لحاجته إليه‪ ،‬لكنه لم يأمر بذلك بل‬
‫مناسبا‪،‬‬
‫ً‬ ‫استأذن من أسامه ‪ ‬في تركه إياه بالمدينة إن رأى هو ذلك‬
‫وبهذا قدم الصديق ‪ ‬صورة تطبيقية أخرى لعترافه واحترامه‬
‫لمارة أسامة ‪ ،‬وفيها بل شك دعوة قوية للجيش إلى القرار‬
‫والنقياد لمارته‪.‬‬
‫وهذا الذي اهتم به الصديق ‪ ‬من جعل دعوته مقرونة بالعمل‬
‫أولئك الذين يأمرون‬ ‫أمر به السلم‪ ،‬ووبخ)‪(2‬الرب ‪-‬عز وجل‪ْ َ -‬‬ ‫هو الذي‬
‫س‬
‫ن الّنا ُ َ‬ ‫م َُرو َ‬
‫وينسون أنفسهم َ ‪ ،‬قال ُتعالى‪+ ْ :‬أت َأ ُ‬ ‫بالبر‬ ‫الناس‬
‫ن"‬
‫قلو َ‬ ‫فل َ ت َ ْ‬
‫ع ِ‬ ‫بأ َ‬ ‫ن الك َِتا َ‬
‫م ت َت ْلو َ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬ ‫سك ُ ْ‬
‫م َ‬ ‫ن أ َن ْ ُ‬
‫ف َ‬ ‫و َ‬
‫س ْ‬ ‫ِبال ْب ِّر َ‬
‫وت َن ْ َ‬
‫]البقرة‪.[44 :‬‬
‫ومما يتجلى في هذه القصة كذلك منزلة الشباب العظيمة في‬
‫خدمة السلم؛ فقد عين رسول الله × الشاب أسامة بن زيد ‪-‬رضي‬
‫الله عنهما‪ -‬أميرا على الجيش المعد لقتال الروم ‪-‬القوة العظيمة‬
‫في زعم الناس في ذلك الوقت‪ -‬وكان عمره آنذاك عشرين سنة أو‬
‫ثماني عشرة سنة‪ ،‬وأقره أبو بكر الصديق ‪ ‬على منصبه رغم انتقاد‬
‫الناس‪ ،‬وعاد المير الشاب بفضل الله تعالى من مهمته التي أسندت‬
‫إليه غانمًا ظافرًا‪ ،‬وفي هذا توجيه للشباب في معرفة مكانتهم في‬
‫خدمة السلم‪ .‬ولو نعيد النظر في تاريخ الدعوة السلمية في‬
‫المرحلتين المكية والمدنية لوجدنا شواهد كثيرة تدل على ما قام به‬
‫شباب السلم في خدمة القرآن والسنة‪ ،‬وإدارة أمور الدولة‪،‬‬
‫والمشاركة في الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى )‪.(3‬‬
‫‪ -5‬صورة مشرقة من آداب الجهاد في السلم‪:‬‬
‫ومن فوائد قصة بعث أبي بكر ‪ ‬لجيش أسامة أنها تقدم لنا‬
‫صورة مشرقة للجهاد السلمي‪ ،‬وقد تجلت تلك الصورة في وصية‬
‫أبي بكر الصديق لجيش أسامة عند توديعه إياهم‪ ،‬ولم يكن أبو بكر‬
‫)‪ (3 ،‬نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.66‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.70‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪146‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫حيث‬ ‫الصديق ‪ ‬في وصاياه للجيوش إل مستنا بسنة المصطفى ×؛‬
‫كان عليه الصلة والسلم يوصي المراء والجيوش عند توديعهم )‪،(1‬‬
‫ومن خلل فقرات الوصية التي جاءت في البحث تظهر الغاية من‬
‫حروب المسلمين فهي دعوة إلى السلم‪،‬‬
‫فإذا ما رأت الشعوب جيشًا يلتزم بهذه الوصايا ل تملك إل الدخول‬
‫في دين الله‬
‫طواعية واختيارًا‪:‬‬
‫أ‪ -‬إنها ترى جيشًا ل يخون‪ ،‬بل يصون المانة ويفي بالعهد ول‬
‫يسرق مال الناس أو يستولي عليه دون حق‪.‬‬
‫ب‪ -‬ترى جيشًا ل يمثل بالدميين؛ بل هو يحسن القتل كما يحسن‬
‫العفو‪ ،‬يحترم الطفل ويرحمه‪ ،‬ويبّر الشيخ الكبير ويكرمه‪ ،‬ويصون‬
‫المرأة ويحفظها‪.‬‬
‫ج‪ -‬ترى جيشًا ل يبدد ثروة البلد المفتوحة‪ ،‬بل تراه يحفظ النخيل‬
‫ول يحرقه‪ ،‬ول يقطع شجرة مثمرة‪ ،‬ول يدمر المزروعات أو يخرب‬
‫الحقول‪.‬‬
‫د‪ -‬وإذا ما حافظ على الثروة الدمية فلم يغدر ولم يخن ولم يغل‬
‫ولم يمثل بقتيل ولم يقتل طفلً ول شيخًا كبيرًا ول امرأة‪ ،‬وحافظ‬
‫نخل أو يقطع شجرة مثمرة‪ ،‬فهو‬ ‫ً‬ ‫على الثروة الزراعية فلم يعقر‬
‫يحافظ في نفس الوقت على الثروة الحيوانية فل يذبح شاة أو بقرة‬
‫أو بعيرًا إل للكل فقط‪ ،‬فهل تحافظ الجيوش المشركة على واحد‬
‫ودمار؟‬ ‫من هذه الشياء‪ ،‬أم أنها تحول البلد التي تحاربها إلى خراب‬
‫والمثال قائم في العدوان الشيوعي الملحد على أفغانستان )‪ ،(2‬وفي‬
‫البوسنة من قبل الصرب وكذلك كوسوفا‪ ،‬وفي كشمير من قبل‬
‫الهند على المسلمين‪ ،‬وفي الشيشان‪ ،‬وفي فلسطين من قبل‬
‫اليهود‪ ،‬أل ما أعظم الفرق بين هداية الله وضلل الملحدين‪.‬‬
‫هـ‪ -‬وهو جيش يحترم العقائد والديان السابقة عليه‪ ،‬فيحافظ‬
‫على العباد في صوامعهم ول يتعرض لهم بأذى‪ ...‬وتلك دعوة عملية‬
‫الرض فساًدا‬ ‫تدل على سماحة السلم وعدالته‪ ،‬أما من يعيثون في‬
‫ويحاربون الحق فجزاؤهم القتل ليكونوا عبرة لغيرهم )‪.(3‬‬
‫وما جاء في وصية الصديق ‪ ‬لم يكن كلمات قيلت بل طبقها‬
‫المسلمون في عصره وبعده )‪ (4‬وسنرى ذلك بإذن الله في فتوحاته‬
‫‪.‬‬
‫‪ -6‬أثر جيش أسامة على هيبة الدولة السلمية‪:‬‬
‫عاد جيش أسامة ظافرًا غانمًا بعدما أرهب الروم حتى قال لهم‬
‫هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته‪ :‬هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن‬
‫تقبلوا مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم‪ ،‬ثم‬
‫م‪ .‬قال أخوه »يناف«‪ :‬فابعث رباطًا )جندا‬‫تخرج من ساعتها ولم تك ْل َ ْ‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.80‬‬ ‫‪1‬‬

‫)(‪ (2) ,‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.269‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( قصة بعث أبي بكر جيش أسامة‪ :‬ص ‪.81‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪147‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫‪‬‬ ‫أبو بكر الصديق‬

‫مرابطين( تكون بالبلقاء‪ ،‬فبعث رباطًا واستعمل عليهم رجلً من‬
‫تقدمت البعوث إلى الشام في خلفة‬ ‫)‪(1‬‬
‫أصحابه‪ ،‬فلم يزل مقيمًا حتى‬
‫بأجمعهم وقالوا‪:‬‬ ‫)‪(2‬‬
‫الروم‬ ‫تعجب‬ ‫ثم‬ ‫‪،‬‬ ‫عنهما‬ ‫أبي بكر وعمر رضي الله‬
‫ما بال هؤلء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟‪.‬‬
‫وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة‬
‫الدولة )‪ ،(3‬وعندما بلغ جيش أسامة الظافر إلى المدينة تلقاه أبو بكر‬
‫وكان قد خرج في جماعة من كبار المهاجرين والنصار للقائه‪ ،‬وكلهم‬
‫خرج وتهلل‪ ،‬وتلقاه أهل المدينة بالعجاب والسرور والتقدير‪ ،‬ودخل‬
‫أسامة المدينة وقصد مسجد رسول الله × وصلى لله شكرًا على ما‬
‫أنعم به عليه وعلى المسلمين‪ ،‬وكان لهذه الغزوة أثر في حياة‬
‫في‪(4‬الثورة عليهم‪ ،‬وفي‬ ‫المسلمين وفي حياة العرب الذين فكروا‬
‫حياة الروم الذين تمتد بلدهم على حدودهم ) ‪ ،‬فقد فعل هذا‬
‫الجيش بسمعته ما لم يفعله بقوته وعدده‪ ،‬فأحجم من المرتدين من‬
‫أقدم‪ ،‬وتفرق من اجتمع‪ ،‬وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب‬
‫وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال‪ ،‬وقبل أن يصنع‬ ‫عليهم‪،‬‬
‫السلح )‪.(5‬‬
‫حقًا‪ ،‬لقد كان إرسال هذا الجيش نعمة على المسلمين‪ ،‬إذ‬
‫أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات‪ ،‬ولعل من آثار هذا‬
‫أن هذه الجبهة في وقت الفتوحات كان كسرها أهون على‬
‫المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق‪ ،‬كل ذلك يؤكد أن أبا بكر‬
‫الزمات من بين جميع الباحثين عن الحل أثقبهم نظرًا‬ ‫‪ ‬كان في‬
‫فهما )‪.(6‬‬
‫ً‬ ‫وأعمقهم‬
‫***‬

‫المغازي‪3/1124 :‬؛ طبقات ابن سعد‪.2/192 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تهذيب ابن عساكر‪1/125 :‬؛ تاريخ ابن عساكر‪.1/439 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.270‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الصديق‪ ،‬لهيكل باشا‪ :‬ص ‪.107‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫عبقرية الصديق للعقاد‪ :‬ص ‪.109‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫حركة الردة‪ ،‬د‪ :‬علي العتوم‪ :‬ص ‪.167‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪148‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫جهاد الصديق لهل الردة‬
‫حا‪ ،‬وبعض اليات التي حذرت من الردة‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫ل‪ :‬الردة اصطل ً‬
‫حا‪:‬‬
‫‪ -1‬الردة اصطل ً‬
‫عرف النووي الردة بأنها‪ :‬قطع السلم بنية أو قول كفر أو فعل‪،‬‬
‫سواء قاله استهزاء أو عناًدا أو اعتقادًا‪ ،‬فمن نفى الصانع أو الرسل‬
‫كذب رسولً أو حلل محرمًا بالجماع كالزنا وعكسه‪ ،‬أو نفى‬ ‫أو ّ‬
‫وجوب مجمع عليه أو عكسه‪ ،‬أو عزم على الكفر أو تردد فيه كفر)‪.(1‬‬
‫وعرفها عليش المالكي)‪(2‬بأنها‪ :‬كفر المسلم بقول صريح أو لفظ‬
‫يقتضيه أو بفعل يتضمنه ‪.‬‬
‫د( بأنه‪ :‬كل من صح عنه أنه‬ ‫ن حزم الظاهري )المرت َ‬ ‫وعرف اب ُ‬
‫كان مسلمًا متبرئًا من كل دين حاشا دين السلم‪ ،‬ثم ثبت عنه أنه‬
‫ارتد عن السلم وخرج إلى دين كتابي أو غير كتابي أو إلى غير دين‬
‫)‪.(3‬‬
‫ول َ‬
‫الحنبلي‪ :‬بأنه لغة‪ :‬الراجع‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬ ‫عثمان‬ ‫وعرفه‬
‫َ‬
‫م" ]المائدة‪ ،[21 :‬وشرعًا‪ :‬من أتى بما يوجب‬ ‫عَلى أدَْبا)‪ِ 4‬‬
‫ر(ك ُ ْ‬ ‫دوا َ‬‫ت َْرت َ ّ‬
‫الكفر بعد إسلمه ‪.‬‬
‫ومعنى هذا أن المرتد هو كل من أنكر معلومًا من الدين‬
‫والنبوة وموالة المؤمنين‪ ،‬أو أتى بقول أو‬
‫)‪(5‬‬
‫بالضرورة كالصلة والزكاة‬
‫تأويل غير الكفر‪.‬‬‫ً‬ ‫فعل ل يحتمل‬
‫‪ -2‬بعض اليات التي أشارت إلى المرتدين‪:‬‬
‫أطلق الله ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬على المرتدين عن دينه عبارات‬
‫تشير إلى هذا المرتكس الوبيل الذي تحولوا إليه‪ ،‬منها الردة على‬
‫العقاب أو على الدبار والنقلب بالخسران وطمس الوجوه‪ ،‬ورد‬
‫اليدي في الفواه والرتياب والتردد واسوداد الوجوه )‪ ،(6‬قال تعالى‪:‬‬ ‫َ‬
‫عَلى‬ ‫م َ‬ ‫دوك ُ ْ‬ ‫فُروا ي َُر ّ‬ ‫ن كَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫عوا ال ّ ِ‬ ‫طي ُ‬ ‫مُنوا ِإن ت ُ ِ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫َ‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ ،[149 :‬وقال تعالى‪َ+ :‬يا‬
‫ّ‬ ‫ْ‬
‫ري َ‬ ‫س ِ‬ ‫خا ِ‬ ‫قل ُِبوا َ‬
‫ْ‬
‫فت َن ْ َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬ ‫قاب ِ ّك ُ ْ‬ ‫ع َ‬ ‫أَ ْ‬
‫عكم‬ ‫ُ‬ ‫م َ‬ ‫َ‬ ‫ما‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫قا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫ص‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ُ‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ز‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫آ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫تا‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫توا‬ ‫ُ‬ ‫أو‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ها‬‫َ‬ ‫أي ّ‬
‫عَلى أ َدبار َ َ‬ ‫قبل َ‬
‫م‬
‫ه ْ‬‫عن َ ُ‬ ‫و ن َل ْ َ‬‫ها أ ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫ر‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ها‬ ‫ً‬ ‫جو‬ ‫ُ‬ ‫و‬
‫ُ‬ ‫س‬
‫َ‬ ‫م‬‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ط‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫أن‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫من‬ ‫ّ‬
‫عول" ]النساء‪،[47 :‬‬ ‫ف ُ‬ ‫م ْ‬‫ه َ‬‫مُر الل ِ‬ ‫نأ ْ‬ ‫كا َ‬ ‫و َ‬ ‫ت َ‬ ‫سب ْ ِ‬ ‫ب ال ّ‬ ‫حا َ‬ ‫ص َ‬ ‫عّنا أ ْ‬ ‫ما ل َ َ‬ ‫كَ َ‬
‫وجاء في تفسير ابن كثير‪ :‬وطمسها أن تعمى وقوله‪ :‬فنردها على‬
‫)( محمد الزهري الغمراوي‪ ،‬شرح على متن المنهاج‪ ،‬لشرف الدين النووي‪ :‬ص‬ ‫‪1‬‬

‫‪.519‬‬
‫)( أحكام المرتد للسامرائي‪ :‬ص ‪.44‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المحلى‪ ،11/188 :‬المطبعة المنيرية ‪ 1352‬هـ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( أحكام المرتد للسامرائي‪ :‬ص ‪.44‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( حركة الردة‪ ،‬د‪ .‬علي العتوم‪ :‬ص ‪ .18‬وهو من أهم المراجع في بحث الردة‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( حركة الردة‪ :‬ص ‪.18‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪149‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫أدبارها أي‪ :‬تجعل لحدهم عينين من قفاه‪ ،‬وهذا أبلغ في العقوبة‬
‫والنكال‪ ،‬وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى‬
‫البيضاء إلى سبيل الضللة يهرعون‬ ‫الباطل ورجوعهم عن المحجة‬
‫ويمشون القهقري على أدبارهم )‪.(1‬‬
‫وقال تعالى‪+ :‬يوم ت َبيض وجوه وت َسود وجوه َ َ‬
‫ن‬
‫ذي َ‬ ‫ما ال ّ ِ‬‫فأ ّ‬ ‫َ ََْ ْ َ ّ ُ ُ ٌ َ ْ َ ّ ُ ُ ٌ‬
‫ما‬
‫ب بِ َ‬ ‫ع َ‬
‫ذا َ‬ ‫قوا ال ْ َ‬ ‫ذو ُ‬ ‫م َ‬
‫ف ُ‬ ‫مان ِك ُ ْ‬
‫عدَ ِإي َ‬‫م بَ ْ‬ ‫م أك ْ َ‬
‫فْرت ُ ْ‬ ‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫جو ُ‬‫و ُ‬‫تْ ُ‬ ‫ودّ ْ‬‫س َ‬ ‫ا ْ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[106 :‬‬ ‫فُرو َ‬ ‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م ت َك ُ‬
‫نقل القرطبي فيها جملة آراء منها رأي قتادة أنها في المرتدين‪ ،‬كما‬
‫لبي هريرة وقال عنه‪ :‬يستشهد به بأن الية في الردة وهو‪:‬‬ ‫حديث‬
‫نقل ا ً‬
‫»يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض‬
‫فأقول‪ :‬يا رب أصحابي! فيقول‪:‬إنك ل علم لك ما أحدثوا بعدك‪ ،‬إنهم‬
‫ارتدوا على أدبارهم القهقري«‪(2).‬وفي رواية أخرى لهذا الحديث عن ابن‬
‫×‪» :‬يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات‬ ‫عباس قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫اليمين فأقول‪ :‬أصحابي‪ ،‬فيقال‪ :‬إنك ل تدري ما أحدثوا بعدك‪ ،‬فأقول كما‬
‫دا ًما دمت فيهم‪ ،‬فلما توفيتني كنت‬ ‫قال العبد الصالح‪ :‬وكنت عليهم شهي‬
‫عليهم‪ ،‬فيقال‪ :‬إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ‬ ‫)‪(3‬‬
‫أنت الرقيب‬
‫فارقتهم«‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أسباب الردة وأصنافها‪:‬‬
‫إن الردة التي قامت بها القبائل بعد وفاة رسول الله × لها‬
‫أسباب‪ ،‬منها‪ :‬الصدمة بموت رسول الله ×‪ ،‬ورقة الدين والسقم في‬
‫فهم نصوصه‪ ،‬والحنين إلى الجاهلية ومقارفة موبقاتها‪ ،‬والتفلت من‬
‫النظام والخروج على السلطة الشرعية‪ ،‬والعصبية القبلية والطمع‬
‫الملك‪ ،‬والتكسب بالدين والشح بالمال‪ ،‬والتحاسد‪ ،‬والمؤثرات‬ ‫في‬
‫الجنبية )‪ (4‬كدور اليهود والنصارى والمجوس‪ ،‬وسنتحدث عن كل‬
‫سبب بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما أصنافها‪ :‬فمنهم من ترك السلم جملة وتفصيلً وعاد إلى‬
‫الوثنية وعبادة الصنام‪ ،‬ومنهم من ادعى النبوة‪ ،‬ومنهم من دعا إلى‬
‫ترك الصلة‪ ،‬ومنهم من بقي يعترف بالسلم ويقيم الصلة ولكنه‬
‫امتنع عن أداء زكاته‪ ،‬ومنهم من شمت بموت الرسول وعاد أدراجه‬
‫وانتظر على من‬ ‫يمارس عاداته الجاهلية‪ ،‬ومنهم من تحير وتردد‬
‫تكون الدبرة‪ ،‬وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير )‪.(5‬‬
‫قال الخطابي‪ :‬إن أهل الردة كانوا صنفين‪ :‬صنفًا ارتدوا عن‬
‫الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر‪ ،‬وهذه الفرقة طائفتان‪:‬‬
‫إحداهما أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على‬
‫دعواه في النبوة‪ ،‬وأصحاب السود العنسي ومن كان من مستجيبيه‬
‫من أهل اليمن وغيرهم‪ ،‬وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا‬

‫)( تفسير ابن كثير‪ ،508 ،1/507 :‬طبعة الحلبي‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تفسير القرطبي‪.4/166 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الخصائص الكبرى للسيوطي‪.2/456 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( حركة الردة‪ ،‬على العتوم‪ 110 :‬إلى ‪.137‬‬ ‫‪4‬‬

‫)(حركة الردة‪ ،‬على العتوم‪ :‬ص ‪ (2) .20‬شرح صحيح مسلم للنووي‪.1/202 :‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪150‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫محمد × مدعية النبوة لغيره‪ ،‬والطائفة الخرى ارتدوا عن الدين‬
‫وأنكروا الشرائع وتركوا الصلة والزكاة وغيرها من أمور الدين‬
‫وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية‪ ،‬والصنف الخر هم الذين‬
‫فرقوا بين الصلة والزكاة فأقروا بالصلة وأنكروا فرض الزكاة‬
‫ووجوب أدائها إلى المام )‪ ...(1‬وقد كان ضمن هؤلء المانعين للزكاة‬
‫من كان يسمح )بها( ول يمنعها إل أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك‪،‬‬
‫وقبضوا أيديهم على ذلك )‪.(2‬‬
‫وقريب من هذا التقسيم لصناف المرتدين تقسيم القاضي‬
‫عياض غير أنهم عنده ثلثة‪ :‬صنف عادوا إلى عبادة الوثان‪ ،‬وصنف‬
‫تبعوا مسيلمة والسود العنسي‪ ،‬وكل منهما ادعى النبوة‪ ،‬وصنف‬
‫ثالث استمروا على السلم ولكنهم جحدوا الزكاة‪ ،‬وتأولوا بأنها‬
‫خاصة بزمن النبي × )‪.(3‬‬
‫وقسم الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود المرتدين إلى‬
‫أربعة أصناف‪ :‬صنف عادوا إلى عبادة الوثان والصنام‪ ،‬وصنف اتبعوا‬
‫المتنبئين الكذبة السود العنسي ومسيلمة وسجاح‪ ،‬وصنف أنكروا‬
‫وجوب الزكاة وجحدوها‪ ،‬وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن‬
‫يدفعوها إلى أبي بكر )‪.(4‬‬
‫ثالًثا‪ :‬الردة أواخر عصر النبوة‪:‬‬
‫بدأت هذه الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود‪،‬‬
‫وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول ×‬
‫ممثلة بزعمائها الذين قدموا عليه من أصقاعها المختلفة‪ ،‬وكانت‬
‫حركة الردة في هذه الثناء لما تستعلن بشكل واسع‪ ،‬حتى إذا كان‬
‫أواخر العام العاشر الهجري وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول‬
‫الله ×‪ ،‬ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس‪ ،‬بدأ‬
‫الجمر يتململ من تحت الرماد‪ ،‬وأخذت الفاعي تطل برؤوسها من‬
‫جحورها‪ ،‬وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج‪ ،‬فوثب السود‬
‫العنسي( باليمن‪ ،‬ومسيلمة الكذاب باليمامة‪ ،‬وطليحة السدي في بلد‬
‫قومه )‪ ، 5‬ولما كان أخطر متمردين على السلم وهما السود‬
‫العنسي ومسيلمة وأنهما مصممان كما يبدو على المضي في طريق‬
‫ردتهما قدما دون أن يفكرا في الرجوع‪ ،‬وأنهما مشايعان بقوى‬
‫غفيرة وإمكانيات وفيرة فقد أرى الله نبيه × من أمرهما ما تقر به‬
‫عينه‪ ،‬ومن ثم ما تقر به عيون أمته من بعده‪ ،‬فقد قال يومًا وهو‬
‫يخطب الناس على منبره‪» :‬أيها الناس‪ ،‬إني قد أريت ليلة القدر ثم‬
‫أنسيتها‪ ،‬ورأيت أن في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما‬
‫فطارا‪ ،‬فأولتهما هذين الكذابين‪ :‬صاحب اليمن وصاحب اليمامة« )‪.(6‬‬
‫وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة‬
‫‪1‬‬

‫نفس المصدر السابق‪.1/203 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫فتح الباري‪.12/276 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الحكم بغير ما أنزل الله‪ ،‬د‪ :‬عبد الرحمن المحمود‪ :‬ص ‪.239‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫حركة الردة‪ :‬ص ‪.65‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫مسند أحمد رقم‪ ،11407 :‬باقي مسند المكثرين‪ ،‬وأصله في الصحيحين‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪151‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫فقالوا‪ :‬إن نفخه × لهما يدل على أنهما يقتلن بريحه لنه ل يغزوهما‬
‫بنفسه‪ ،‬وإن وصفه لهما بأنهما من ذهب دللة على كذبهما لن‬
‫شأنهما زخرف وتمويه‪ ،‬كما دل لفظ السوارين على أنهما ملكان؛‬
‫أمرهما‬‫)‪(1‬‬
‫لن الساورة هم الملوك‪ ،‬ودل بكونهما يحيطان باليدين أن‬
‫يشتد على المسلمين فترة لكون السوار مضيقًا على الذراع‪.‬‬
‫وعبر الدكتور علي العتوم بقوله‪ ...»:‬بأن طيرانهما بالنفخ دللة‬
‫على ضعف كيدهما مهما تضاخم‪ ،‬فشأنهما زبد ل بد أن يؤول إلى‬
‫جفاء ما دام هذا الكيد مستمدًا من الشيطان فهو واهن ل محالة‪ ،‬إذ‬
‫أثرا بعد عين‪ ،‬وكونهما من‬ ‫أقل هجمة مركزة في سبيل الله تحيلهما ً‬
‫ذهب دللة على أنهما يقصدان من عملهما الدنيا؛ لن الذهب رمز‬
‫لحطامها الذي يسعى المغترون بها خلفه‪ ،‬وأنها سوارن إشارة إلى‬
‫طريق الحاطة بهم من كل‬ ‫محاولتهما الحاطة بكيان المسلمين عن‬
‫جانب‪ ،‬تمامًا كما يحيط السوار بالمعصم« )‪.(2‬‬
‫رابًعا‪ :‬موقف الصديق من المرتدين‪:‬‬
‫لما كانت الردة قام أبو بكر ‪ ‬في الناس خطيبًا فحمد الله‬
‫وأثنى عليه ثم قال‪ :‬الحمد لله الذي هدى فكفى‪ ،‬وأعطى فأعفى‪ .‬إن‬
‫الله بعث محمدًا × والعلم شريد‪ ،‬والسلم غريب طريد‪ ،‬قد رث‬
‫خَلق ثوبه وضل أهله منه‪ ،‬ومقت الله أهل الكتاب فل يعطيهم‬ ‫حبله و َ‬
‫خيرا لخير عندهم‪ ،‬ول يصرف عنهم شّرا لشر عندهم‪ ،‬وقد غيروا‬ ‫ً‬
‫كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه‪ ،‬والعرب المنون يحسبون أنهم في‬
‫دينا‪,‬‬
‫منعة من الله ل يعبدونه ول يدعونه‪ ،‬فأجهدهم عيشًا وأظلهم ً‬
‫في ظلف من الرض مع ما فيه من السحاب‪ ،‬فختمهم الله بمحمد‬
‫وجعلهم المة الوسطى‪ ،‬ونصرهم بمن اتبعهم‪ ،‬ونصرهم على غيرهم‪،‬‬
‫حتى قبض الله نبيه فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزل عليه‪،‬‬
‫ت‬ ‫خل َ ْ‬
‫ق َدْ َ‬ ‫ل َ‬ ‫سو ٌ‬ ‫مدٌ إ ِل ّ َر ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫م َ‬ ‫ما ُ‬ ‫وَ َ‬
‫وأخذ بأيديهم‪ ،‬وبغى َهلكتهم‪َ + :‬‬
‫م‬ ‫ُ‬
‫قاب ِك ْ‬ ‫ع َ‬‫على أ ْ‬ ‫َ‬ ‫م َ‬ ‫قل َب ْت ُ ْ‬ ‫ل ان ْ َ‬ ‫قت ِ َ‬ ‫و ُ‬ ‫تَ ْ‬ ‫أ‬ ‫ما َ‬ ‫فِإن ّ‬ ‫لأ َ‬ ‫س ُ‬ ‫ه الّر ُ‬ ‫قب ْل ِ ِ‬ ‫من َ‬ ‫ِ‬
‫ه‬
‫زي الل ُ‬ ‫ِ‬ ‫ج‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬‫س‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ئا‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫ش‬‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ر‬‫ّ‬ ‫ض‬
‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫لن‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ق‬‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ب‬
‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫ق‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[144 :‬‬ ‫ري َ‬ ‫شاك ِ ِ‬ ‫ال ّ‬
‫إن من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم‪ ،‬ولم يكونوا‬
‫في دينهم –وإن رجعوا إليه‪ -‬أزهد منهم يومهم هذا‪ ،‬ولم تكونوا في‬
‫دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم‪ ،‬وقد‬
‫وكلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالً َ فهداه وعائلً فأغناه‪:‬‬
‫ها" ]آل‬ ‫من ْ َ‬ ‫م ّ‬ ‫قذَك ُ ْ‬ ‫فأن َ‬ ‫ر َ‬ ‫ن الّنا ِ‬ ‫م َ‬‫ة ّ‬ ‫فَر ٍ‬ ‫ح ْ‬ ‫فا ُ‬ ‫ش َ‬ ‫عَلى َ‬ ‫م َ‬ ‫وك ُن ْت ُ ْ‬ ‫‪َ +‬‬
‫عمران‪.[103 :‬‬
‫والله ل أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي‬
‫شهيدا من أهل الجنة‪ ،‬ويبقى من بقي‬ ‫ً‬ ‫لنا عهده‪ ،‬ويقتل من قتل منا‬
‫منها خليفته وذريته في أرضه‪ ،‬قضاء الله الحق‪ ،‬وقوله الذي ل خلف‬
‫ت‬
‫حا ِ‬ ‫صال ِ َ‬ ‫مُلوا ال ّ‬ ‫ع ِ‬‫و َ‬ ‫م َ‬ ‫من ْك ُ ْ‬ ‫مُنوا ِ‬ ‫ن َآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ه ال ّ ِ‬ ‫عدَ الل ُ‬ ‫و َ‬ ‫َله‪َ + :‬‬
‫ض" )‪] (3‬النور‪.[55 :‬‬ ‫ْ ِ‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫ست َ ْ ِ ّ ُ ْ ِ‬
‫م‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫خ‬ ‫لي َ ْ‬
‫)( حركة الردة‪ ،‬للعتوم‪ :‬ص ‪.66‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( حركة الردة‪ :‬ص ‪.66‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( البداية والنهاية‪.6/316 :‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪152‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫وقد أشار بعض الصحابة ‪-‬ومنهم عمر‪ -‬على الصديق بأن يترك‬
‫من قلوبهم‪ ،‬ثم هم بعد‬ ‫مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن اليمان‬
‫ذلك يزكون‪ ،‬فامتنع الصديق عن ذلك وأباه )‪.(1‬‬
‫فعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬لما توفي رسول الله × وكان أبو بكر‬
‫‪ ،‬وكفر من كفر من العرب‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬كيف نقاتل الناس وقد‬
‫يقولوا‪ :‬ل إله إل‬ ‫قال رسول الله ×‪» :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫الله‪ ،‬فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إل بحقه )‪ ،(2‬وحسابه‬
‫على الله«؟ فقال‪ :‬والله لقاتلن من فّرق)‪(3‬بين الصلة والزكاة‪ ،‬فإن‬
‫رسول‬ ‫عناقا كانوا يؤدونها إلى‬ ‫ً‬ ‫الزكاة حق المال‪ ،‬والله لو منعوني‬
‫الله × لقاتلتهم على منعها‪ .‬وفي رواية‪ :‬والله لو منعوني عقال ً )‪،(4‬‬
‫عمر‪ :‬فوالله ما‬ ‫كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه‪ .‬قال‬
‫هو إل أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق )‪ ،(5‬ثم قال‬
‫لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه المة جميعًا‬ ‫)‪(6‬‬
‫عمر بعد ذلك‪ :‬والله‬
‫في قتال أهل الردة‪.‬‬
‫وبذلك يكون أبو بكر قد كشف لعمر ‪-‬وهو يناقشه‪ -‬عن ناحية‬
‫فقهية مهمة أجلها له وكانت قد غابت عنه‪ ،‬وهي أن جملة جاءت‬
‫في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدليل على‬
‫قول‬ ‫وجوب محاربة من منع الزكاة حتى إن نطق بالشهادتين‪ ،‬هي‬
‫النبي ×‪» :‬فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إل بحقها«‪،(7).‬‬
‫ما وهو الرأي‬ ‫وفعل كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين رأيًا مله ً‬ ‫ً‬
‫الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة السلم والمسلمين‪ ،‬وأي موقف‬
‫غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية‪،‬‬
‫ولول الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ‬
‫وتحولت مسيرته ورجعت عقارب)‪(8‬الساعة إلى الوراء‪ ،‬ولعادت‬
‫الجاهلية تعيث في الرض فسادًا ‪.‬‬
‫لقد تجلى فهمه الدقيق للسلم وشدة غيرته على هذا الدين‬
‫وبقاؤه على ما كان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاض بها‬
‫جَنانه‪ ،‬وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة‬ ‫لسانه ونطق بها َ‬
‫وكتابا حافلً‪ ،‬وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا‬ ‫ً‬
‫الزكاة إلى بيت المال أو منعوها مطلقًا وأنكروا فرضيتها‪ :‬قد انقطع‬
‫الوحي وتم الدين‪ ،‬أينقص وأنا‬
‫حي؟ )‪ (9‬وفي رواية‪ :‬قال عمر‪ :‬فقلت‪ :‬يا خليفة رسول الله‪ ،‬تألف‬
‫خوار في السلم‪،‬‬ ‫الناس وارفق بهم‪ .‬فقال لي‪ :‬أجبار في الجاهلية‬
‫)‪(10‬‬
‫قد انقطع الوحي وتم الدين‪ ،‬أينقص وأنا حي؟‪.‬‬
‫لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين‪ ،‬وما‬
‫نفس المصدر السابق‪.6/315 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2‬عناًقا‪ :‬النثى من ولد المعز‪.‬‬ ‫بحقه‪ :‬حق السلم‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫عقال‪ :‬هو الحبل الذي يعقل به البعير‪.‬‬
‫ً‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم‪ ,1400 :‬مسلم‪ ،‬رقم‪.20 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (6‬مسلم‪ ،‬رقم‪.21 :‬‬ ‫حروب الردة‪ ،‬محمد أحمد باشميل‪ :‬ص ‪.24‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪.86‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫المرتضى لبي الحسن الندوي‪ :‬ص ‪.70‬‬ ‫)(‬ ‫‪9‬‬

‫مشكاة المصابيح‪ ،‬كتاب المناقب‪ ،‬رقم‪.6034 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪10‬‬

‫‪153‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫عزم على خوض الحرب إل بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح‪ ،‬إل‬
‫أنه كان سريع القرار حاسم الرأي‪ ،‬فلم يتردد لحظة واحدة بعد‬
‫سمة بارزة من سمات أبي بكر‬ ‫ظهور الصواب له‪ ،‬وعدم التردد كان‬
‫–هذا الخليفة العظيم‪ -‬في حياته كلها )‪ ،(1‬ولقد اقتنع المسلمون‬
‫بصحة رأيه ورجعوا إلى قوله واستصوبوه‪.‬‬
‫لقد كان أبو بكر ‪ ‬أبعد الصحابة نظرًا وأحقهم فهمًا وأربطهم‬
‫جنانا وفي هذه الطامة العظيمة )‪ ،(2‬والمفاجأة المذهلة‪ ،‬ومن هنا أتى‬ ‫ً‬
‫بن‪(3‬المسيب ‪-‬رحمه الله‪ :-‬وكان أفقههم ‪-‬يعني الصحابة‪-‬‬ ‫سعيد‬ ‫قول‬
‫رأيا ) ‪.‬‬ ‫وأمثلهم ً‬
‫إن أبا بكر كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله؛ لنه فهم بإيمانه‬
‫الذي فاق إيمانهم جميعًا أن الزكاة ل تنفصل عن الشهادتين‪ ،‬فمن‬
‫أقر لله بالوحدانية ل بد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله‪ ،‬الذي‬
‫هو مال الله أصلً وأن ل إله إل الله بغير زكاة ل وزن لها في حياة‬
‫الشعوب‪ ،‬وأن السيف يشرع دفاعًا عن أدائها تمامًا كما يشرع دفاعًا‬
‫عن ل إله إل)‪(4‬الله‪ ،‬تمامًا هذه كتلك‪ .‬هذا هو السلم وغير هذا ليس‬
‫أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب‬ ‫الله ‪+‬أ َ‬ ‫من السلم‪ .‬فقد توعد‬
‫ب‬‫ض ال ْك َِتا ِ‬ ‫َ ِ‬ ‫ع‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫نو‬ ‫ُ‬ ‫م‬‫ِ‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫ويكفرون ببعض‪ ،‬قال‬
‫ي‬
‫خْز ٌ‬‫م إ ِل ّ ِ‬ ‫ْ‬ ‫من ْك ُ‬
‫ك َِ‬ ‫ل ذَل ِ‬ ‫ع ُ‬‫ف َ‬ ‫من ي َ ْ‬ ‫َ‬ ‫جَزاءُ‬ ‫ما َ‬ ‫َ‬ ‫ض َ‬
‫ف‬ ‫ع ٍ‬ ‫ن ب ِب َ ْ‬ ‫فُرو َ‬ ‫وت َك ْ ُ‬ ‫َ‬
‫ب‬ ‫َ‬
‫عذا ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫ن إ ِلى أشدّ ال َ‬ ‫َ‬ ‫دو َ‬ ‫ة ي َُر ّ‬ ‫م ِ‬ ‫قَيا َ‬ ‫ْ‬
‫م ال ِ‬ ‫و َ‬‫ْ‬ ‫وي َ‬
‫َ‬ ‫ة الدّن َْيا‬ ‫حَيا ِ‬ ‫ْ‬
‫في ال َ‬ ‫ِ‬
‫ن" ]البقرة‪.[85 :‬‬ ‫مُلو َ‬ ‫ع َ‬‫ما ت َ ْ‬ ‫ع ّ‬‫ل َ‬ ‫ف ٍ‬ ‫غا ِ‬ ‫ه بِ َ‬ ‫ما الل ُ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫كان موقف أبي بكر ‪ ‬الذي ل هوادة فيه ول مساومة فيه ول‬
‫موقفا ملهمًا من الله‪ ،‬يرجع الفضل الكبر ‪-‬بعد الله تعالى‪ -‬في‬ ‫ً‬ ‫تنازل‬
‫سلمة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته‪ ،‬وقد أقر الجميع‬
‫وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية‬
‫ف النبياء والرسل في‬ ‫ومحاولة نقض عرى السلم عروة عروة‪ ،‬موق َ‬
‫عصورهم‪ ،‬وهذه خلفة النبوة التي أدى أبو بكر حقها‪ ،‬واستحق بها‬
‫ثناء المسلمين)‪(5‬ودعاءهم إلى أن يرث الله‬
‫الرض وأهلها ‪.‬‬
‫سا‪ :‬خطة الصديق لحماية المدينة‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت‬
‫عزم الصديق وحزمه وقد خرجت بأمرين‪:‬‬
‫‪ -1‬أن قضية منع الزكاة ل تقبل المفاوضة‪ ،‬وأن حكم السلم‬
‫فيها واضح‪ ،‬ولذلك ل أمل في تنازل خليفة المسلمين عن‬
‫عزمه ورأيه‪ ،‬وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه‬
‫بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل‪.‬‬

‫الشورى بين الصالة والمعاصرة‪ :‬ص ‪.87‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.165‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫البدء والتاريخ للمقدسي‪.5/153 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫حياة أبي بكر‪ ،‬محمود شلبي‪ :‬ص ‪.123‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (2‬تاريخ الدعوة إلى السلم‪ :‬ص ‪.280‬‬ ‫المرتضى للنداوي‪ :‬ص ‪.72‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪154‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫‪ -2‬أنه ل بد من اغتنام فرصة ضعف المسلمين ‪-‬كما يظنون‪-‬‬
‫المدينة‪(1‬يسقط الحكم‬ ‫وقلة عددهم لهجوم كاسح على‬
‫السلمي فيها ويقضى على هذا الدين ) ‪.‬‬
‫قرأ الصديق في وجوه القوم ما فيها من الغدر‪ ،‬ورأى فيها‬
‫الخسة وتفرس فيها اللؤم‪ ،‬فقال لصحابه‪ :‬إن الرض كافرة وقد رأى‬
‫أليل تؤتون أم نهارًا! وأدناهم منكم‬
‫ً‬ ‫وفدهم منكم قلة‪ ،‬وإنكم ل تدرون‬
‫منهم ونوادعهم‪ ،‬وقد أبينا‬ ‫نقبل‬ ‫أن‬ ‫على بريد‪ ،‬وقد كان القوم يأملون‬
‫عليهم ونبذنا إليهم عهدهم فاستعدوا وأعدوا)‪ .(2‬ووضع الصديق خطته‬
‫على‬
‫الوجه التالي‪:‬‬
‫أ‪ -‬ألزم أهل المدينة بالمبيت في المسجد؛ حتى يكونوا على‬
‫أكمل استعداد للدفاع‪.‬‬
‫ب‪ -‬نظم الحرس الذين يقومون على أنقاب المدينة ويبيتون‬
‫حولها‪ ،‬حتى يدفعوا أي غارة قادمة‪.‬‬
‫ج‪ -‬عين على الحرس أمراءهم‪ :‬علي بن أبي طالب‪ ،‬والزبير بن‬
‫العوام‪،‬‬
‫وقاص‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪،‬‬ ‫أبي‬ ‫بن‬ ‫وسعد‬ ‫الله‪،‬‬ ‫عبيد‬ ‫بن‬ ‫وطلحة‬
‫وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم )‪.(3‬‬
‫د‪ -‬وبعث أبو بكر ‪ ‬إلى من كان حوله من القبائل التي ثبتت‬
‫على السلم من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم‬
‫بجهاد أهل الردة فاستجابوا له حتى امتلت المدينة بهم‪ ،‬وكانت‬
‫معهم الخيل والجمال التي وضعوها تحت تصرف الصديق)‪ ،(4‬ومما‬
‫يدل على كثرة رجال هذه القبائل وكبر حجم دعمها للصديق أن‬
‫جهينة وحدها قدمت إلى الصديق في أربعمائة من رجالها ومعهم‬
‫الجهني مائة بعير لعانة‬ ‫الظهر والخيل‪ ،‬وساق عمرو بن مرة‬
‫المسلمين‪ ،‬فوزعها أبو بكر في الناس )‪.(5‬‬
‫هـ‪ -‬ومن ابتعد عن المرتدين وأبطأ خطره حاربه بالكتب يبعث بها‬
‫إلى الولة المسلمين في أقاليمهم‪ ،‬كما كان رسول الله يفعل‪،‬‬
‫يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين ويأمر الناس للقيام معهم في‬
‫هذا المر‪ ،‬ومن أمثلة ذلك رسالته لهل اليمن حيث المرتدة من‬
‫جنود السود العنسي التي قال فيها‪» :‬أما بعد‪ ،‬فأعينوا البناء على‬
‫من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز‪ ،‬وجدوا معه؛ فإني قد‬
‫وليته«‪ (6).‬وقد أثمرت هذه الرسالة وقام المسلمون من أبناء الفرس‬
‫بزعامة فيروز يعاونهم إخوانهم من العرب بشن غارة شعواء على‬
‫رد‪(7‬الله كيدهم إلى نحورهم‪ ،‬وعادت اليمن‬ ‫العصاة المارقين حتى‬
‫بالتدرج إلى جادة الحق ) ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (4‬تاريخ الطبري‪.4/64 :‬‬ ‫)( تاريخ الطبري‪.4/64 :‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)(‪ (2) ,‬الثابتون على السلم أيام فتنة الردة‪ ،‬د‪ :‬مهدي رزق الله‪ :‬ص ‪.21‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫)( الثابتونـ على السلمـ أيامـ فتنةـ الردة‪،‬ـ د‪:‬ـ مهدي رزق الله‪:‬ـ ص ‪.21‬‬

‫)( البدء والتاريخ للمقدسي‪ (4) .5/157 :‬حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.174‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪155‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫و‪ -‬وأما من قرب منهم من المدينة واشتد خطره كبني عبس‬
‫وذبيان فإنه لم ير بدّا من محاربتهم على الرغم من الظروف‬
‫القاسية التي كانت تعيشها مدينة رسول الله ×‪ ،‬فكان أن آوي‬
‫والعيال إلى الحصون والشعاب محافظة عليهم من غدر‬ ‫الذراري‬
‫المرتدين)‪ ،(1‬واستعد للنزال بنفسه ورجاله‪.‬‬
‫سا‪ :‬فشل أهل الردة في غزو المدينة‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫بعد ثلثة أيام من رجوع وفود المرتدين طرقت بعض قبائل أسد‬
‫سي‬‫ح َ‬‫ة ليلً وخلفوا بعضهم بذي ُ‬ ‫وغطفان وعبس وذبيان وبكر المدين َ‬
‫ليكونوا لهم ردءًا‪ ،‬وانتبه حرس النقاب لذلك‪ ،‬وأرسلوا للصديق‬
‫ن الزموا أماكنكم ففعلوا‪ ،‬وخرج في أهل‬ ‫بالخبر‪ ،‬فأرسل إليهم أ ِ‬
‫المسلمون على‬ ‫فأتبعهم‬ ‫العدو‬ ‫فانفش‬ ‫إليهم‪،‬‬ ‫المسجد على النواضح‬
‫فخرج‪(3‬عليهم الردء بأنحاء )‪ (2‬قد نفخوها‬ ‫سى‬ ‫َ‬ ‫ح‬
‫إبلهم‪ ،‬حتى بلغوا ذا ُ‬
‫ثم دهدهوها ) بأرجلهم في وجوه البل فتدهده‬ ‫وجعلوا فيها الحبال‬
‫كل نحي فى طوله )‪ ،(4‬فنفرت إبل المسلمين وهم عليها –ول تنفر‬
‫البل من شيء نفارها من النحاء‪ -‬فعاجت بهم ما يملكونها حتى‬
‫دخلت بهم المدينة فلم ُيصرع مسلم ولم ُيصب‪ (5).‬وقال عبد الله‬
‫الليثي‪ :‬وكانت بنو عبد مناة من المرتدة –وهم بنو ذبيان‪ -‬في ذلك‬
‫المر بذي القصة وبذي حسى‪:‬‬
‫فيا لعباد الله ما لبي بكر‬ ‫أطعنا رسول الله ما كان‬
‫بيننا‬
‫وتلك لعمر الله قاصمة الظهر‬ ‫أيورثها بكرا إذا مات‬
‫بعده‬
‫وهل خشيتم حس راغية البكر‬ ‫فهل رددتم وفدنا بزمانه‬
‫وإن التي سالُوك ُ ُ‬
‫)‪(6‬‬
‫م‬
‫م‬
‫فمنعت ُ ُ‬
‫فظن القوم بالمسلمين الوهن‪ ،‬وبعثوا إلى أهل ذي القصة‬
‫بالخبر‪ ،‬فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبرهم وهم ل يشعرون‬
‫لمر الله ‪-‬عز وجل‪ -‬الذي أراده وأحب أن يبلغه فيهم‪ ،‬فبات أبو بكر‬
‫ليلته يتهيأ فعّبى الناس‪ ،‬ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشي‪،‬‬
‫وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن‪،‬‬
‫وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب‪ ،‬فما طلع الفجر إل وهم‬
‫والعدو في صعيد واحد‪ ،‬فما سمعوا للمسلمين همسًا ول حسًا حتى‬
‫وضعوا فيهم السيوف فاقتتلوا أعجاز ليلتهم‪ ،‬فما ذر قرن الشمس‬
‫حتى ولوهم الدبار‪ ،‬وغلبوهم على عامة ظهرهم‪ ،‬وقتل حبال –أخو‬
‫طليحة السدي‪ -‬وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ‪-‬وكان أول‬
‫قرن في عدد‪ ،‬ورجع إلى المدينة‬‫م َ‬
‫الفتح – ووضع بها النعمان بن ُ‬
‫فذل بها المشركون‪ ،‬فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من‬
‫المسلمين فقتلوهم كل قتلة‪ ،‬وفعل من وراءهم فعلهم‪ ،‬وعز‬
‫رب‪.‬‬
‫)‪ (6‬النحاء‪ :‬هي القِ َ‬ ‫حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.174‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫أي‪ :‬دفعوها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬تاريخ الطبري‪.4/65 :‬‬ ‫أي‪ :‬في حبله‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (5) ,(4‬نفس المصدر السابق‪.4/66 :‬‬ ‫تاريخ الطبري‪.4/65 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪156‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫المشركين كل‬ ‫المسلمون بوقعة أبي بكر‪ ،‬وحلف أبو بكر ليقتلن في‬
‫قتلة‪ ،‬وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة )‪.(1‬‬
‫وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي‪:‬‬
‫كما يسعى لموتته جلل‬ ‫غداة سعي أبو بكر إليهم‬
‫)‪(2‬‬
‫ومج لهن مهجته حبال‬ ‫أراح على نواهقها عليا‬
‫وصمم الصديق ‪ ‬على أن ينتقم للمسلمين الشهداء‪ ،‬وأن‬
‫يؤدب هؤلء الحاقدين‪ ،‬ونفذ قسمه وازداد المسلمون في بقية‬
‫وضعفا وهوانًا‪ ،‬وبدأت‬‫ً‬ ‫القبائل ثباتًا على دينهم‪ ،‬وازداد المشركون ذلً‬
‫صدقات القبائل تفد على المدينة فطرقت المدينة صدقات نفر‪:‬‬
‫صفوان ثم الزبرقان‪ ،‬ثم عدي‪ ،‬صفوان في أول الليل والثاني في‬
‫وسطه‪ ،‬والثالث )‪ (3‬في آخره‪ ،‬وفي ليلة واحدة أثرت المدينة بأموال‬
‫زكاة ستة أحياء من العرب‪ ،‬وكان كلما طلع على المدينة أحد جباة‬
‫الزكاة قال الناس‪» :‬نذير« فيقول أبو بكر‪» :‬بل بشير«‪ ،‬وإذا بالقادم‬
‫يحمل معه صدقات قومه فيقول الناس لبي بكر‪ :‬طالما بشرتنا‬
‫بالخير )‪ ،(4‬وخلل هذه البشائر التي تحمل معها بعض العزاء وشيئًا‬
‫كل ما كان‬ ‫)‪(5‬‬
‫من الثراء‪ ،‬عاد أسامة بن زيد بجيشه ظافرًا‪ ،‬وصنع‬
‫فاستخلفه أبو‬ ‫‪،‬‬ ‫الرسول قد أمره به وما أوصاه به أبو بكر الصديق‬
‫بكر على المدينة وقال له ولجنده‪ :‬أريحوا وأريحوا ظهركم )‪ ،(6‬ثم‬
‫خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على النقاب‬
‫على ذلك الظهر‪ ،‬فقال له المسلمون‪ :‬ننشدك الله يا خليفة رسول‬
‫الله أن ُتعرض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام‪ ،‬ومقامك‬
‫رجل( فإن أصيب أمرت آخر فقال‪ :‬ل والله ل‬ ‫ً‬ ‫أشد على العدو‪ ،‬فابعث‬
‫أفعل‪ ،‬ولواسينكم بنفسي )‪. 7‬‬
‫لقد ظهر معدن الصديق النفيس في محنة الردة على أجلى‬
‫صورة للقائد المؤمن الذي يفتدي قومه بنفسه‪ ،‬فالقائد في فهم‬
‫المسلمين قدوة في أعماله‪ ،‬فكان من آثاره هذه السياسة الصديقية‬
‫أن تقوى المسلمون وتشجعوا لحرب عدوهم واستجابوا لتطبيق‬
‫الوامر الصادرة إليهم من القيادة )‪ ،(8‬لقد خرج الصديق في تعبيته‬
‫إلى ذي حس وذي القصة‪ ,‬والنعمان‬
‫وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه‪ ،‬حتى نزل على أهل الّربذة‬
‫بالبرق فهزم الله الحارث‬
‫وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرًا‪ ،‬فطارت عبس وبنو بكر‪ ،‬وأقام أبو بكر‬ ‫ً‬
‫على البرق أياما وقد غلب بنو ذبيان على البلد‪ .‬وقال‪ :‬حرام على‬
‫غلب أهل‬ ‫ذبيان أن يتملكوا هذه البلد إذ غنمناها الله وأجلها‪ ،‬فما ُ‬
‫الردة ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه‪ ،‬وسامح الناس‬
‫جاءت بنو ثعلبة‪ ،‬وهي كانت منازلهم لينـزلوها فمنعوا منها فأتوه في‬
‫المدينة فقالوا‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدرـ السابق‪:‬ـ ‪.4/66‬‬

‫)‪ (2‬نفس المصدر السابق‪.4/67 :‬‬ ‫)( تاريخ الطبري‪.4/66 :‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( الصديق أول الخلفاء للشرقاوي‪ :‬ص ‪ (4) .75‬تاريخ الطبري‪.4/37 :‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (6‬حركة الردة‪ ،‬العتوم‪ :‬ص ‪.319‬‬ ‫)( نفس المصدر السابق‪.4/67 :‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪157‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫نزول بلدنا؟! فقال‪ :‬كذبتم‪ ،‬ليست لكم ببلد ولكنها‬ ‫علم نمنع من‬
‫ى )‪،(1‬‬ ‫قذ‬
‫موهبى ون َ َ‬
‫َ‬
‫ولم ُيعتبهم )‪ ،(2‬وحمى البرق لخيول المسلمين‪ ،‬وأرعى سائر بلد‬
‫الربذة الناس على بني ثعلبة‪ ،‬ثم حماها كلها لصدقات المسلمين‬
‫لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات‪ ،‬وقال في يوم البرق‬
‫زياد بن حنظلة‪:‬‬
‫على ذبيان يلتهب التهابا‬ ‫ويوم بالبارق قد شهدنا‬
‫)‪(4‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫مع الصديق إذ ترك العتابا‬ ‫ف‬
‫سو ٍ‬
‫أتيناهم بداهية َن ُ‬
‫وهكذا يتعلم المسلمون من سيرة الصديق بأنه لم يكن يرغب‬
‫بنفسه عن نفوس أتباعه بأي أمر من أمور الدنيا‪ ،‬وما اضطربت أمور‬
‫المسلمين منذ زمن إل لنهم كانوا يعدون الرئاسة وسيلة للجاه وبابًا‬
‫لجلب المغانم ودرء المغارم‪ ،‬وإيثار للعافية والكتفاء بالكلمات تزجي‬
‫بعيدا عن المشاركة‬
‫ً‬ ‫العمليات‪،‬‬ ‫من وراء أجهزة العلم أو من غرف‬
‫مشاركة حقيقة في قضايا المة المختلفة )‪.(5‬‬
‫إن خروج الصديق ‪ ‬للجهاد ثلث مرات متتالية يعتبر تضحية‬
‫كبيرة وفدائية عالية‪ ،‬فقد ناشده المسلمون أن يبقى في المدينة‬
‫قائدا على الجيش فلم يقبل؛ بل قال‪ :‬ل والله ل أفعل‬ ‫ً‬ ‫ويبعث‬
‫ولواسينكم بنفسي‪ .‬وهذا يدل على تواضعه الجم واهتمامه الكبير‬
‫بمصلحة المة‪ ،‬وتجرده من حظ النفس‪ ،‬وقد أصبح بذلك قدوة‬
‫صالحة لغيره‪ ،‬فل شك أن خروجه للجهاد ثلث مرات متتاليات وهو‬
‫الشيخ الذي بلغ الستين من)‪(6‬عمره‪ ،‬قد أعطى بقية الصحابة دفعات‬
‫قوية من النشاط والحيوية ‪.‬‬
‫وقد جاء في إحدى هذه الروايات أن ضرار بن الزور حينما أخبر‬
‫أحدا‬
‫ً‬ ‫أبا بكر الصديق بخبر تجمع طليحة السدي قال‪ :‬فما رأيت‬
‫بحرب شعواء من أبي بكر‪ ،‬فجعلنا نخبره‬ ‫‪-‬ليس رسول الله – أمل‬
‫ولكأنما نخبر بما له ول عليه )‪.(7‬‬
‫وهذا وصف بليغ لما كان يتصف به أبو بكر من اليقين الراسخ‬
‫والثقة التامة بوعد الله تعالى لوليائه بالنصر على العداء والتمكين‬
‫فق الصحابة بكبير عمل‪ ،‬وإنما فاقهم‬ ‫في الرض‪ ،‬فأبو بكر لم ي َ ُ‬
‫بحيازة الدرجات العلى من اليقين‪ ،‬رضي الله عنهم أجمعين )‪.(8‬‬
‫وقد روى أنه لما قيل له‪ :‬لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها‬
‫وبالبحار لغاضها‪ ،‬وما نراك ضعفت‪ .‬فقال‪ :‬ما دخل قلبي رعب بعد‬
‫ليلة الغار‪ ،‬فإن النبي × لما رأى حزني قال‪ :‬ل عليك يا أبا بكر‪ ،‬فإن‬

‫)( النقذ‪ :‬ما استنقذ من العداء‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2‬أي‪ :‬شاقة‪.‬‬ ‫قل عثرتهم‪.‬‬‫)( أي‪ :‬لم ي ُ ِ‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( أي‪ :‬ترك إقالة العثرات؛ تاريخ الطبري‪.4/67 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( حركة الردة للعتوم‪ :‬ص ‪.321‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (6 ،‬التاريخ السلمي للحميدي‪.9/48 :‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي‪.9/48 :‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪158‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬
‫الله قد تكفل لهذا المر بالتمام)‪ ،(1‬فكان له ‪ ‬مع الشجاعة الطبيعية‬
‫شجاعة دينية وقوة يقينية في الله عز وجل وثقة بأن الله ينصره‬
‫والمؤمنين‪ ،‬وهذه الشجاعة ل تحصل إل لمن كان قوى القلب‪ ،‬وتزيد‬
‫بزيادة اليمان وتنقص بنقص ذلك‪ ،‬فقد كان)‪(2‬الصديق أقوى قلًبا من‬
‫جميع الصحابة ل يقاربه في ذلك أحد منهم ‪.‬‬
‫***‬

‫)( أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪ :‬ص ‪ ،69‬وليس هذا بلفظ‬ ‫‪1‬‬

‫نبوي‪.‬‬
‫)( نفس المصدر السابق‪ :‬ص ‪.70‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪159‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫أبو بكر الصديق ‪‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫الهجوم الشامل على المرتدين‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫تعددت وسائل وطرق التصدي والمواجهة للمرتدين‪ ،‬فكان‬
‫للثابتين دور في مواجهة أقوامهم‪ ،‬فوقف بعض الثابتين في وجه‬
‫أقوامهم واعظين لهم ومنبهين إلى خطورة ما هم مقدمون عليه من‬
‫نقض ما يؤمنون به‪ ،‬وكانت الخطوة الولى بالكلمة‪ ،‬ولم تكن الكلمة‬
‫في يوم من اليام هي أضعف المواقف وإنما هي أقواها؛ لنها تستتبع‬
‫مواقف جادة لتحديد مصداقية الكلمة‪ ،‬وقد تؤدي الكلمة بصاحبها إلى‬
‫الذبح من أجل الشهادة للكلمة التي قالها؛ ففي كل قبيلة حصلت‬
‫فيها ردة كانت هناك بعض المواقف للذين انفعلت قلوبهم للحق‬
‫وتغذت به وعاشت عليه‪ ،‬هي التي رأت باطل ما يفعل كل قوم‪،‬‬
‫ولهذا وقفوا لهم بالمرصاد يحذرون أقوامهم من سوء المصير الذي‬
‫ينتظرهم‪ ،‬فما كان من قومهم إل أن وقفوا في وجوههم ساخرين‬
‫مستهزئين‪ ،‬ثم تمادوا إلى مطاردتهم وإخراجهم؛ بل وقتلهم في‬
‫بعضهم‪(1‬بالكلمة كعدي بن حاتم مع قومه‪،‬‬ ‫بعض الحيان‪ ،‬ونجح‬
‫والجارود مع أهل البحرين ) ‪ ،‬وستري تفاصيل ذلك بإذن الله‪.‬‬
‫وعندما فشل بعض المسلمين في وعظ أقوامهم تحولوا إلى‬
‫تجمعات مسلمة ثابتة على إسلمها‪ ،‬واتخ