You are on page 1of 831

‫تاريخ الخلفاء الراشدين )‪(2‬‬

‫فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب‬

‫أمير المؤمنين عمر بن‬
‫الخطاب‬
‫رضي الله عنه‬

‫تأليف الدكتور علي محمد الصلبي‬

‫‪/http://slaaby.com‬‬
‫الهداء‬
‫إلى كل مسلم حريص علللى‬
‫إعللزاز ديللن الللله ونصللرته‬
‫أهللدى هللذا الكتللاب سللائل ً‬
‫المللولى عللز وجللل بأسللمائه‬
‫الحسنى وصفاته العلللى أن‬
‫يكون خالصا ً لوجه الكلريم‬
‫قلللال تعلللالى )) فمببببن كببببان يرجببببوا لقبببباء ربببببه‬
‫فليعمببببببببل عمل ً صببببببببالحا ً وليشببببببببرك بعبببببببببادة‬
‫ربه أحدا ً (( ) الكهف ‪( 110 :‬‬
‫مقدمة‬
‫إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ‬
‫بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله‬
‫فل مضل له ومن يضلل فل هادي له ‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل‬
‫الله وحده ل شريك له وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله‪‬‬
‫ن)‪ (102‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫مو َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ن إ ِل ّ وَأن ْت ُ ْ‬
‫م ُ‬ ‫قات ِهِ وَل َ ت َ ُ‬
‫موت ُ ّ‬ ‫حق ّ ت ُ َ‬ ‫قوا الل ّ َ‬
‫ه َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫نآ َ‬ ‫َياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫)آل عمران‪،‬أية‪(102:‬‬
‫خل َ َ‬ ‫َ‬
‫ح بد َةٍ‬ ‫س َوا ِ‬ ‫فب ٍ‬ ‫ن نَ ْ‬ ‫م ْ‬
‫م ِ‬ ‫قك ُ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫م ال ّ ِ‬ ‫قوا َرب ّك ُ ْ‬ ‫س ات ّ ُ‬ ‫‪َ ‬ياأي َّها الّنا ُ‬
‫قببوا‬ ‫سبباًء َوات ّ ُ‬ ‫جببال ً ك َِثي بًرا وَن ِ َ‬ ‫مببا رِ َ‬ ‫من ْهُ َ‬‫ث ِ‬ ‫جَها وَب َ ّ‬ ‫من َْها َزوْ َ‬ ‫خل َقَ ِ‬ ‫وَ َ‬
‫م َرِقيًبببا)‬ ‫ن ع َل َي ْك ُ ْ‬ ‫كا َ‬‫ه َ‬ ‫ن الل ّ َ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫حا َ‬ ‫ن ب ِهِ َوالْر َ‬ ‫ساَءُلو َ‬ ‫ذي ت َ َ‬ ‫ه ال ّ ِ‬ ‫الل ّ َ‬
‫‪)  (1‬النساء‪،‬الية‪(1:‬‬
‫قوا الل ّه وُقوُلوا قَول ً سديدا)‪ (70‬يصل ِح ل َك ُ َ‬ ‫َ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫م‬ ‫م أع ْ َ‬‫ْ‬ ‫ُ ْ ْ‬ ‫َ ِ ً‬ ‫ْ‬ ‫َ َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫‪َ ‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ظيًما)‪ (71‬‬ ‫قد ْ َفاَز فَوًْزا ع َ ِ‬ ‫ه فَ َ‬ ‫سول َ ُ‬ ‫ه وََر ُ‬ ‫ن ي ُط ِعْ الل ّ َ‬ ‫م ْ‬‫م وَ َ‬‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬ ‫فْر ل َك ُ ْ‬‫وَي َغْ ِ‬
‫)الحزاب‪،‬الية‪.( 71-70:‬‬

‫أما بعد ‪:‬‬
‫هذا الكتاب ) الفاروق عمر بن الخطاب شخصيته‬
‫وعصره (‬
‫يرجع الفضل في كتابته إلى المولى عز وجل ثم‬
‫إلى مجموعة خيرة من العلماء والشيوخ والللدعاة‬
‫الذين شجعوني على المضللي فللي دراسللة عصللر‬
‫الخلفاء الراشدين حتى إن أحدهم قال لللي‪ :‬لقللد‬
‫أصبحت هناك فجوة بيللن أبنللاء المسلللمين وذلللك‬
‫العصر‪ ،‬وحدث خلللط فللي ترتيللب الوليللات حيللث‬
‫صار الكثير مللن أبنللاء المسلللمين يلمللون بسلليرة‬
‫الدعاة والعلمللاء والمصلللحين أكلثر ملن إلملامهم‬
‫بسيرة الخلفاء الراشدين‪ ،‬وأن ذلك العصللر غنللي‬
‫بلللالجوانب السياسلللية‪ ،‬والتربويلللة‪ ،‬والعلميلللة‪،‬‬
‫والخلقيللة‪ ،‬والقتصللادية‪ ،‬والفكريللة‪ ،‬والجهاديللة‬
‫والفقهيللة الللتي نحللن فللي أشللد الحاجللة إليهللا ‪،‬‬
‫ونحتللاج أن نتتبللع مؤسسللات الدولللة السلللمية‪،‬‬
‫وكيف تطللورت مللع مسلليرة الزمللن‪ ،‬كالمؤسسللة‬
‫القضللائية والماليللة ونظللام الخلفللة والمؤسسللة‬
‫العسكرية‪ ،‬وتعيين الولة وما حدث من اجتهادات‬
‫في ذلك العصللر عنللدما احتكللت المللة السلللمية‬
‫بالحضارة الفارسية‪ ،‬والرومانيللة‪ ،‬وطبيعللة حركللة‬
‫الفتوحات السلمية ‪.‬‬
‫كببانت بدايببة هببذا الكتبباب فكببرة أراد اللببه لهببا أن تصبببح‬
‫حقيقة‪ ،‬فأخذ الله بيدي وسهل لي المببور وذلبل الصببعاب‪،‬‬
‫وأعانني علببى الوصببول للمراجببع والمصبادر والفضببل للبه‬
‫تعالى الذي أعانني على ذلك ‪.‬‬
‫إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر‬
‫وهي متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع سواء‬
‫كانت تاريخية أو حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية أو‬
‫كتب التراجم والجرح والتعديل فقمت بدراستها حسب‬
‫وسعي وطاقتي فوجدت فيها مادة تاريخية غزيرة يصعب‬
‫الوقوف على حقيقتها في الكتب التاريخية المعروفة‬
‫والمتداولة‪ ،‬فقمت بجمعها وترتيبها وتوثيقها وتحليلها‪ ،‬وقد‬
‫طبع الكتاب الول عن الصديق رضي الله عنه وقد‬
‫سميته )أبو بكر الصديق شخصيته وعصره(‪.‬‬
‫وبفضل الله انتشر هذا الكتاب في المكاتب العربية والمعارض الدولية ووصل إلى كثير من القراء والدعاة والعلماء‬
‫وطلب العلم‪ ،‬وعوام المسلمين‪ ،‬فشجعوني على الستمرار في دراسة عصر الخلفاء الراشدين ومحاولة تبسيطه‬
‫وتقديمه للمة في أسلوب يلئم العصر ‪.‬‬

‫إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين ملئ بالدروس والعبر‪،‬‬
‫فإذا أحسنا عرضه وابتعدنا عن الروايات الضعيفة‬
‫والموضوعة وعن كتب المستشرقين وأذنابهم من‬
‫العلمانيين والروافض وغيرهم‪ ،‬واعتمدنا منهج أهل السنة‬
‫في الدراسة نكون قد أسهمنا في صياغته بمنظور أهل‬
‫السنة‪ ،‬وتعرفنا على حياة وعصر من قال الله فيهم ‪‬‬
‫ي‬
‫ض َ‬ ‫ن َر ِ‬ ‫سا ٍ‬ ‫ح َ‬‫م ب ِإ ِ ْ‬ ‫ن ات ّب َُعوهُ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫صارِ َوال ّ ِ‬‫ن َوالن َ‬ ‫ري َ‬ ‫ج ِ‬‫مَها ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬ ‫م ْ‬‫ن ِ‬ ‫ن الوُّلو َ‬ ‫قو َ‬ ‫ساب ِ ُ‬ ‫َوال ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫دا‬
‫ن ِفيَها أب َ ً‬ ‫َ‬ ‫دي‬
‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫خا‬‫َ‬ ‫ر‬ ‫ها‬
‫َ ُ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫ال‬ ‫ها‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬‫ح‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ري‬‫ِ‬ ‫ج‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ت‬
‫ٍ‬ ‫نا‬
‫ّ‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ُ ْ‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ع‬ ‫أ‬ ‫و‬
‫ُ َ‬‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ع‬ ‫ضوا‬
‫ُ‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫م‬
‫ُ ْ ََ‬ ‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ع‬ ‫الل ّ ُ‬
‫ه‬
‫م)‪)  (100‬التوبة‪،‬آية‪.(100:‬‬ ‫فوُْز ال ْعَ ِ‬
‫ظي ُ‬ ‫ك ال ْ َ‬ ‫ذ َل ِ َ‬
‫ل الل ّه وال ّذين مع َ‬
‫فاِر‬‫داُء ع ََلى ال ْك ُ ّ‬ ‫ش ّ‬‫هأ ِ‬ ‫ِ َ ِ َ َ َ ُ‬ ‫سو ُ‬ ‫مد ٌ َر ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫م َ‬ ‫وقال تعالى ‪ُ  :‬‬
‫دا ‪) ‬الفتح‪،‬الية‪. (29 :‬‬ ‫ج ً‬ ‫س ّ‬ ‫م ُرك ًّعا ُ‬ ‫م ت ََراهُ ْ‬
‫ماُء ب َي ْن َهُ ْ‬ ‫ح َ‬ ‫ُر َ‬
‫وقال فيهم رسول الله ‪ )) : ‬خير أمتي القرن الذي بعثت‬
‫)‪(1‬‬
‫فيهم …‪((.‬‬
‫وقال فيهم عبدالله بن مسعود ‪ : ‬من كان مستنا ً‬
‫فليستن بمن قد مات فإن الحي‬
‫ل تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ‪ ‬كانوا والله‬
‫أفضل هذه المة ‪،‬وأبرها قلوبا ً وأعمقها علما ً وأقلها تكلفًا‪،‬‬
‫قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم‬
‫فضلهم‪ ،‬واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من‬
‫أخلقهم ودينهم‪ ،‬فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)‪،(2‬‬
‫فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام السلم ونشروه في‬
‫مشارق الرض ومغاربها فعصرهم خير العصور‪ ،‬فهم‬
‫الذين علموا المة القرآن الكريم ورووا السنن والثار عن‬
‫رسول الله ‪ ، ‬فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات‬
‫المة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد‪ ،‬وحركة‬
‫الفتوحات والتعامل مع الشعوب والمم ‪ ،‬فتجد الجيال‬
‫في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في‬
‫الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد وتعرف من خلله‬
‫حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس ‪ ،‬وتستمد من ذلك‬
‫العصر ما يغذي الرواح‪ ،‬ويهذب النفوس‪ ،‬وينور العقول‪،‬‬
‫‪ ()1‬مسلم )‪. (1964-1963 / 4‬‬
‫‪ ()2‬شرح السنة للبغوي )‪(215-1/214‬‬
‫ويشحذ الهمم‪ ،‬ويقدم الدروس‪ ،‬ويسهل العبر‪ ،‬وينضج‬
‫الفكار ويجد الدعاة والعلماء والشيوخ وأبناء المة ما‬
‫يعينهم على إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج‬
‫النبوة ويتعرفوا على معالم الخلفة الراشدة وصفات‬
‫قادتها وجيلها‪ ،‬وخصائصها وأسباب زوالها فهذا الكتاب‬
‫الثاني عن عصر الخلفاء الراشدين يتحدث عن الفاروق‬
‫عمر بن الخطاب ويتناول شخصيته وعصره ‪ ،‬فهو الخليفة‬
‫الثاني وأفضل الصحابة الكرام بعد أبي بكر الصديق رضي‬
‫الله عنهم جميعا ً وقد حثنا رسول الله ‪ ‬وأمرنا باتباع‬
‫سنتهم والهتداء بهديهم قال رسول الله ‪:‬عليكم بسنتي‬
‫وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)‪(3‬فعمر ‪‬‬
‫خير الصالحين بعد النبياء والمرسلين وأبي بكر الصديق‬
‫‪ ‬وقد قال فيهما رسول الله ‪ : ‬اقتدوا باللذين من‬
‫بعدي ‪،‬أبي بكر وعمر)‪ .(4‬وقد وردت الحاديث الكثيرة‬
‫والخبار الشهيرة في فضائل الفاروق‪ ‬فقد قال رسول‬
‫الله ‪ : ‬لقد كان فيمن قبلكم من المم محدثون فإن يك‬
‫في أمتي أحد فإنه عمر)‪ (5‬وقال رسول الله ‪ : ‬أريت‬
‫في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب )‪ ،(6‬فجاء أبو‬
‫بكر فنزع ذنوبا ً أو ذنوبين نزعا ً ضعيفا ً والله يغفر له)‪ (7‬ثم‬
‫جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربا ً فلم أر عبقريا يفري‬
‫فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن)‪(8‬وقد قال عمرو بن‬
‫العاص‪ : ‬قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال‬

‫‪ ()3‬سنن أبي داود )‪ ، ( 4/201‬الترمذي )‪ ( 5/44‬حسن صحيح ‪.‬‬
‫‪ ()4‬صحيح سنن الترمذي لللباني )‪. ( 3/200‬‬
‫‪ ()5‬البخاري رقم ‪ ، 3689‬مسلم ‪. 2398‬‬
‫‪ ()6‬القليب البئر غير المطوية ‪.‬‬
‫‪ ()7‬والله يغفر له ‪ :‬هذه عبارة ليس فيها تنقيص لبي بكر وإنها كلمة كان‬
‫المسلمون يدعمون بها كلمهم ‪.‬‬
‫‪ ()8‬مسلم رقم ‪. 2393‬‬
‫عائشة‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول الله من الرجال؟ قال ‪ :‬أبوها‬
‫قلت‪ :‬ثم من؟ قال‪ :‬عمر بن الخطاب ثم عد رجال ً)‪.(9‬‬
‫إن حياة الفاروق عمر بن الخطاب ‪ ‬صفحة مشرقة من‬
‫و‬
‫التاريخ السلمي الذي بهر كل تاريخ وفاقه والذي لم تح ِ‬
‫تواريخ المم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد‬
‫والخلص والجهاد والدعوة في سبيل الله ولذلك قمت‬
‫بتتبع أخباره وحياته وعصره في المصادر والمراجع‬
‫واستخرجتها من بطون الكتب وقمت بترتيبها وتنسيقها‬
‫وتوثيقها وتحليلها لكي تصبح في متناول الدعاة والخطباء‬
‫والعلماء والساسة ورجال الفكر وقادة الجيوش وحكام‬
‫المة وطلب العلم وعامة الناس لعلهم يستفيدون منها‬
‫في حياتهم ويقتدون بها في أعمالهم فيكرمهم الله بالفوز‬
‫في الدراين‪.‬‬
‫لقد تتبعت حياة الفاروق منذ ولدته حتى استشهاده‬
‫فتحدثت عن نسبه وأسرته وحياته في الجاهلية وعن‬
‫إسلمه وهجرته وعن أثر القرآن الكريم وملزمته للنبي‪‬‬
‫في تربيته وصياغة شخصيته السلمية العظيمة وتكلمت‬
‫عن مواقفه في الغزوات وفي المجتمع المدني في حياة‬
‫الرسول ‪ ‬والصديق ‪ ‬وبينت قصة استخلفه ووضحت‬
‫قواعد نظام حكمه كالشورى واقامة العدل والمساواة‬
‫بين الناس واحترامه للحريات وأشرت إلى أهم صفات‬
‫الفاروق وحياته مع أسرته واحترامه لهل البيت وإلى‬
‫حياته في المجتمع بعدما أصبح خليفة المسلمين كاهتمامه‬
‫ورعايته لنساء المجتمع وحفظه لسوابق الخير لرعيته‬
‫وحرصه على قضاء حوائج الناس وتربيته لبعض زعماء‬
‫المجتمع وإنكاره لبعض التصرفات المنحرفة واهتمامه‬
‫بصحة الرعية ونظام الحسبة‪ .‬وبالسواق والتجارة وحرصه‬

‫‪ ()9‬الحسان في صحيح ابن حبان )‪. (15/309‬‬
‫على تحقيق مقاصد الشريعة في المجتمع كحماية جانب‬
‫التوحيد ومحاربة الزيغ والبدع واهتمامه بأمر العبادات‬
‫وحماية أعراض المجاهدين ‪.‬‬
‫وتحدثت عن اهتمام الفاروق بالعلم وعن تتبعه للرعية‬
‫ة دارا ً للفتوى‬
‫بالتوجيه والتعليم في المدينة وجعله المدين َ‬
‫والفقه ومدرسة تخرج منها العلماء والدعاة والولة‬
‫والقضاة وبينت الثر العمري في مدارس المصار‬
‫كالمدرسة المكية والمدنية والبصرية والكوفية والشامية‬
‫والمصرية فقد اهتم الفاروق بالكوادر العلمية المتخصصة‬
‫وبعثها إلى المصار وأرشد القادة والمراء مع توسع حركة‬
‫الفتوحات إلى إقامة المساجد في القاليم المفتوحة‬
‫لتكون مراكز للدعوة والتعليم والتربية ونشر الحضارة‬
‫السلمية فقد كانت المساجد هي المؤسسات العلمية‬
‫الولى في السلم ومن خللها تحرك علماء الصحابة‬
‫لتعليم الشعوب الجديدة التي دخلت في السلم طواعية‬
‫بدون ضغط أو إكراه وقد وصلت المساجد التي تقام فيها‬
‫الجمعة في دولة عمر ‪ ‬إلى اثني عشر ألف مسجد وقد‬
‫كانت المؤسسات العلمية خلف مؤسسة الجيش التي‬
‫قامت بفتح العراق وإيران والشام ومصر وبلد المغرب‬
‫وقد قاد هذه المؤسسات كوادر علمية وفقهية ودعوية‬
‫متميزة تربت على يدي رسول الله ‪ ‬في المدينة وقد‬
‫استفاد الفاروق من هذه الطاقات فأحسن توجيهها‬
‫ووضعها في محلها فأسست تلك الطاقات الكوادر للحركة‬
‫العلمية والفقهية التي كانت مواكبة لحركة الفتح وتكلمت‬
‫عن اهتمام الفاروق بالشعر والشعراء فقد كان عمر ‪‬‬
‫أكثر الخلفاء الراشدين ميل ً لسماع الشعر وتقويمه كما‬
‫كان أكثرهم تمثل ً به حتى قيل‪ :‬كان عمر بن الخطاب ل‬
‫يكاد يعرض له أمر إل أنشد فيه بيتا ً من الشعر وقد برع‬
‫الفاروق في النقد الدبي وكانت له مقاييس يحتكم إليها‬
‫في تفضيله أو إيثاره نصا ً على نص أو تقديمه شاعرا ً على‬
‫غيره ومن هذه المقاييس سلمة العربية وأنس اللفاظ‬
‫والبعد عن المعاضلة والتعقيد والوضوح والبانة وأن تكون‬
‫اللفاظ بقدر المعاني وجمال اللفظة في موقعها وحسن‬
‫التقسيم وكان‪ ‬يمنع الشعراء من قول الهجاء أو ما‬
‫يتعارض مع مقاصد الشريعة السلمية واستخدم أساليب‬
‫متعددة في تأديبهم منها أنه أشترى أعراض المسلمين‬
‫من الحطيئة بثلثة آلف درهم حتى قال ذلك الشاعر ‪:‬‬

‫شتما ً يضر ول مديحا ً‬ ‫وأخذت أطراف‬
‫ينفع‬ ‫الكلم فلم تدع‬

‫شتمي فأصبح آمنا ً ل‬ ‫ومنعتني عرض البخيل‬
‫يفزع‬ ‫فلم يخف‬

‫وتحدثت عن التطور العمراني وإدارة الزمات في عهد‬
‫عمر فبينت اهتمام الفاروق بالطرق ووسائل النقل البري‬
‫والبحري وإنشاء الثغور والمصار كقواعد عسكرية ومراكز‬
‫إشعاع حضاري‪ ،‬وتكلمت عن نشأة المدن الكبرى في‬
‫عهد عمر كالبصرة والكوفة والفسطاط‪ ،‬وسرت‪،‬وعن‬
‫العتبارات العسكرية والقتصادية التي وضعها الفاروق‬
‫عند إنشاء المدن‪ ،‬وعن الساليب التي اتخذها عمر في‬
‫مواجهة عام الرمادة‪ ،‬وكيف جعل من نفسه للناس قدوة؟‬
‫وعن معسكرات اللجئين في تلك السنة‪ ،‬وعن الستعانة‬
‫بأهل المصار‪ ،‬والستعانة بالله وصلة الستسقاء‪ ،‬وعن‬
‫بعض الجتهادات الفقهية في عام الرمادة‪ ،‬كوقف إقامة‬
‫حد السرقة‪ ،‬وتأخير دفع الزكاة في ذلك العام‪.‬‬
‫وأشرت إلى عام الطاعون وموقف الفاروق من هذا‬
‫الوباء الذي كان سببا ً في وفاة كبار قادة الجيش‬
‫السلمي بالشام‪ ،‬وقد مات أكثر من عشرين ألفا ً من‬
‫المسلمين بسبب الطاعون‪ ،‬واختلت الموازين وضاعت‬
‫المواريث‪ ،‬فذهب الفاروق إلى الشام وقسم الرزاق‬
‫وسمى الشواتي والصوائف وسد ثغور الشام ومسالحها‬
‫وولى الولة‪ ،‬ورتب أمور الجند والقادة والناس‪ ،‬ووّرث‬
‫الحياء من الموات‪.‬‬
‫ووضحت دور الفاروق في تطوير المؤسسة المالية‬
‫والقضائية فتحدثت عن المؤسسة المالية‪ ،‬وعن مصادر‬
‫دخل الدولة في عهد عمر رضي الله عنه‪ ،‬كالزكاة‬
‫والجزية‪ ،‬والخراج‪ ،‬والعشور‪ ،‬والفيء والغنائم‪ ،‬وعن بيت‬
‫مال المسلمين وتدوين الدواوين‪ ،‬وعن مصارف الدولة‬
‫في عهد عمر وعن اجتهاد الفاروق في مسألة أرض‬
‫الخراج وعن إصدار النقود السلمية‪ ،‬وبينت دور الفاروق‬
‫في تطوير المؤسسة القضائية‪ ،‬وتكلمت عن أهم رسائل‬
‫عمر إلى القضاة‪ ،‬وعن تعيين القضاة‪ ،‬ومرتباتهم وصفاتهم‬
‫وما يجب عليهم‪ ،‬وعن مصادر الحكام القضائية‪ ،‬والدلة‬
‫التي يعتمد عليها القاضي‪ ،‬وعن اجتهادات الفاروق‬
‫القضائية كحكم تزوير الخاتم الرسمي للدولة‪ ،‬ورجل‬
‫سرق من بيت المال بالكوفة‪ ،‬ومن جهل تحريم الزنا‪،‬‬
‫وغيرها من الحكام القضائية والفقهية ‪ ،‬وعن فقه عمر‬
‫في التعامل مع الولة‪ ،‬فبينت أقاليم الدولة في عهد عمر‬
‫وأسماء من تولى إمارة القاليم في عصره‪ ،‬وعن أهم‬
‫قواعد عمر في تعيين الولة وشروطه عليهم ‪ ،‬وعن‬
‫صفات ولة عمر‪ ،‬وعن حقوق الولة وواجباتهم‪ ،‬وعن‬
‫متابعة الفاروق للولة ومحاسبتهم‪ ،‬وعن تعامل الفاروق‬
‫مع شكاوى الرعية في الولة‪ ،‬وعن أنواع العقوبات التي‬
‫أنزلها الفاروق بالولة‪ ،‬وعن قصة عزل خالد بن الوليد‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬وعن عزله في المرتين الولى والثانية‪،‬‬
‫ومجمل أسباب عزله‪ ،‬وعن موقف المجتمع السلمي من‬
‫قرار العزل‪ ،‬وعن موقف خالد بن الوليد من ذلك القرار‬
‫وماذا قال عن الفاروق وهو على فراش الموت‪.‬‬
‫ووصفت فتوح العراق وإيران والشام ومصر وليبيا في‬
‫عهد الفاروق ووقفت مع الدروس والعبر والفوائد والسنن‬
‫في تلك الفتوح‪ ،‬وسلطت الضواء على الرسائل التي‬
‫كانت بين الفاروق وقادة جيوشه واستخرجت منها مادة‬
‫علمية تربوية في توجيه الشعوب وبناء الدول‪ ،‬وتربية‬
‫المجتمعات وترشيد القادة ‪ ،‬وفنون القتال‪ ،‬واستنبطت‬
‫من رسائل عمر إلى القادة حقوق الله كمصابرة العدو‪،‬‬
‫وأن يقصدوا بقتالهم نصرة دين الله ‪ ،‬وأداء المانة وعدم‬
‫المحاباة في نصر دين الله‪ ،‬وحقوق القادة‪ ،‬كالتزام‬
‫طاعتهم‪ ،‬وامتثال أوامراهم‪ ،‬وحقوق الجند‪ ،‬كاستعراضهم‬
‫وتفقد أحوالهم‪ ،‬والرفق بهم في السير‪ ،‬وتحريضهم على‬
‫القتال…إلخ‪.‬‬
‫وتكلمت عن علقة عمر مع الملوك وعن نتائج الفتوحات‬
‫العمرية وعن اليام الخيرة في حياة الفاروق وعن فهمه‬
‫لفقه القدوم على الله الذي كان مهيمنا ً على نفسه‬
‫ومتغلغل ً في قلبه منذ إسلمه حتى استشهاده ب لقد‬
‫حاولت في هذا الكتاب أن ُأبين كيف فهم الفاروق السلم‬
‫وعاش به في دنيا الناس‪ ،‬وكيف أثر في مجريات المور‬
‫في عصره‪ ،‬وتحدثت عن جوانب شخصيته المتعددة‬
‫السياسية‪ ،‬والعسكرية‪ ،‬والدارية والقضائية‪ ،‬وعن حياته‬
‫ما كان أحد رعاياه وبعد أن تولى الخلفة‬‫في المجتمع ل ّ‬
‫كزت على دوره في تطوير المؤسسات‬ ‫بعد الصديق‪ ،‬ور ّ‬
‫المالية والقضائية والدارية والعسكرية‪.‬‬
‫إن هذا الكتاب يبرهن على عظمة الفاروق ‪ ،‬ويثبت‬
‫للقارئ بأنه كان عظيما ً بإيمانه‪ ،‬عظيما ً بعلمه‪ ،‬عظيما ً‬
‫بفكره عظيما ً ببيانه‪ ،‬عظيما ً بخلقه ب عظيما ً بآثاره ب فقد‬
‫جمع الفاروق العظمة من أطرافها وكانت عظمته‬
‫مستمدة من فهمه وتطبيقه للسلم وصلته العظيمة بالله‬
‫واتباعه لهدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫إن الفاروق من الئمة الذي يرسمون للناس خط سيرهم‬
‫ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذا الحياة‪،‬‬
‫فسيرته من أقوى مصادر اليمان‪ ،‬والعاطفة السلمية‬
‫الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين‪ ،‬فما أحوج المة‬
‫السلمية إلى الرجال الكفاء الذي يقتدون بالصحابة‬
‫سدون المعاني السامية ب فيحيونها بتضحيات‬ ‫الكرام ويج ّ‬
‫سون بها‪ ،‬فإن تاريخ الخلفاء الراشدين‬ ‫يراها الناس ويح ّ‬
‫والصحابة الكرام يظل مذكرا ً للمة عبر الجيال‪ ،‬ويكون‬
‫ي بأولئك العظماء وتطبيق تلك المواقف‬ ‫النتفاع به بالتأس ّ‬
‫الكريمة من عظماء الرجال الذي يشاركون أفراد المة‬
‫في ظروف الحياة المعاصرة حتى ل يظن ظان أن هذه‬
‫المواقف والدروس والعبر‪ ،‬إنما كانت في عصور ملئمة‬
‫لوجودها وأن تكرارها يتطلب ظروفا ً حياتية مشابهة‬
‫والحقيقة تقول إنه كلما قويَ المحرك اليماني واتضح‬
‫فقه القدوم على الله وحرص المسلمون على العمل به‪،‬‬
‫فإن الله يتكفل بنصر أوليائه وتسخير ظروف الحياة‬
‫لصالحهم‪.‬‬
‫هذا وقد اجتهدت في دارسة شخصية الفاروق وعصره‬
‫حسب وسعي وطاقتي‪ ،‬غير مدع عصمة‪ ،‬ول متبرئ من‬
‫زلة ووجه الله العظيم ل غيره قصدت‪ ،‬وثوابه أردت‪ ،‬وهو‬
‫المسؤول في المعونة عليه‪ ،‬والنتفاع به إنه طيب‬
‫السماء‪ ،‬سميع الدعاء‪.‬‬

‫هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الربعاء الساعة‬
‫السابعة وخمس دقائق صباحا ً بتاريخ ‪ 13‬رمضان ‪1422‬هب‬
‫ب الموافق ‪/28‬نوفمبر‪2001 /‬م والفضل لله من قبل ومن‬
‫بعد‪ ،‬واسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل ويشرح‬
‫صدور العباد للنتفاع به ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده ب‬
‫س ْ‬
‫ك‬ ‫م ِ‬ ‫ك ل ََها وَ َ‬
‫ما ي ُ ْ‬ ‫س َ‬‫م ِ‬ ‫مةٍ فَل َ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ح َ‬‫ن َر ْ‬‫م ْ‬‫س ِ‬‫ه ِللّنا ِ‬ ‫ح الل ّ ُ‬‫فت َ ْ‬ ‫قال تعالى‪َ :‬‬
‫ما ي َ ْ‬
‫م)‪)  (2‬فاطر‪،‬آية‪.(2:‬‬ ‫كي ُ‬
‫ح ِ‬‫زيُز ال ْ َ‬
‫ن ب َعْد ِهِ وَهُوَ ال ْعَ ِ‬
‫م ْ‬ ‫ل لَ ُ‬
‫ه ِ‬ ‫س َ‬ ‫فَل َ ُ‬
‫مْر ِ‬
‫وليسعني في نهاية هذه المقدمة إل أن أقف بقلب خاشع‬
‫منيب بين يدى الله عز وجل‪ ،‬معترفا ً بفضله وكرمه‬
‫وجوده‪ ،‬فهو المتفضل وهو المكرم وهو المعين وهو‬
‫ي أول ً وآخرًا‪،‬‬ ‫ن به عل ّ‬ ‫الموّفق ‪ ،‬فله الحمد على ما م ّ‬
‫وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل‬
‫عملي لوجهه خالصا ً ولعباده نافعًا‪ ،‬وأن يثيبني على كل‬
‫حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي‪ ،‬وأن يثيب إخواني‬
‫الذي أعانوني بكافة ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد‬
‫المتواضع ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب أن‬
‫ل ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته‬
‫ك‬ ‫ن أَ ْ‬
‫شك َُر ن ِعْ َ‬
‫مت َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ب أوْزِع ِْني أ ْ‬‫ورضوانه من دعائه قال تعالى‪َ :‬ر ّ‬
‫مت ِ َ‬
‫ك ِفي‬ ‫ح َ‬ ‫ضاه ُ وَأ َد ْ ِ‬
‫خل ِْني ب َِر ْ‬ ‫حا ت َْر َ‬
‫صال ِ ً‬
‫ل َ‬‫م َ‬ ‫ال ِّتي أ َنعمت ع َل َي وع ََلى وال ِدي وأ َ َ‬
‫ن أع ْ َ‬
‫َ َ ّ َ ْ‬ ‫ّ َ‬ ‫َْ ْ َ‬
‫ن)‪)  (19‬النمل‪،‬آية‪(19:‬‬ ‫حي َ‬‫صال ِ ِ‬
‫ك ال ّ‬‫عَباد ِ َ‬
‫ِ‬

‫سبحانك الله وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت استغفرك‬
‫وأتوب إليك‪ ،‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‬
‫الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه‬

‫ييي‬
‫ييي‬
‫ييي يييي يييي ييي‬

‫‪/13‬ننننن‪1422 /‬نن‬
‫الفصل الول‬
‫عمر رضي الله عنه بمكة‬
‫المبحث الول‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وصفته وأسرته وحياته‬
‫في الجاهلية‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وألقابه‪:‬‬
‫عّزى بن‬‫هو عمر بن الخطاب بن ُنفيل بن عبد ال ُ‬
‫رياح بن عبد الله بن قُرط بن َرزاح بن عدي بن‬
‫كعب بن لؤي)‪ ،(10‬بن غالب القرشي العدوي)‪،(11‬‬
‫يجتمع نسبه مع رسول الله ‪ ‬في كعب بن لؤي‬
‫بن غالب)‪ ،(12‬ويكنى أبا حفص)‪ ،(13‬ولقب‬
‫بالفاروق)‪ ،(14‬لنه أظهر السلم بمكة ففّرق الله‬
‫به بين الكفر واليمان)‪.(15‬‬
‫خْلقية‪:‬‬
‫ثانيًا‪ :‬مولده وصفته ال َ‬
‫ولد عمر رضي الله عنه بعد عام الفيل بثلث‬
‫خْلقية‪ ،‬فكان رضي‬ ‫عشرة سنة)‪ (16‬وأما صفته ال َ‬
‫الله عنه‪ ،‬أبيض أمهق‪ ،‬تعلوه حمرة‪ ،‬حسن‬
‫الخدين والنف والعينين‪ ،‬غليظ القدمين‬
‫والكفين‪ ،‬مجدول اللحم‪ ،‬وكان طويل ً جسيما ً‬
‫أصلع‪ ،‬قد فرع الناس‪ ،‬كأنه راكب على دابة‪،‬‬

‫)( الطبقات الكبرى لبن سعد )‪ ، (3/265‬محض الصواب لبن‬ ‫‪10‬‬

‫عبد الهادي )‪.(1/131‬‬
‫)( محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‬ ‫‪11‬‬

‫)‪.(1/131‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(1/131‬‬ ‫‪12‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق عمر بن الخطاب‬ ‫‪13‬‬

‫ص ‪. 15‬‬
‫)( نفس المصدر ص ‪. 15‬‬ ‫‪14‬‬

‫)( نفس المصدر ص ‪. 15‬‬ ‫‪15‬‬

‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ‪. 133‬‬ ‫‪16‬‬
‫وكان قويا ً شديدًا‪ ،‬ل واهنا ً ول ضعيفا ً)‪ ،(17‬وكان‬
‫سبلة)‪ (18‬وكان إذا‬
‫يخضب بالحناء‪ ،‬وكان طويل ال ّ‬
‫مشى أسرع وإذا تكلم أسمع‪ ،‬وإذا ضرب‬
‫أوجع)‪.(19‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أسرته‪:‬‬
‫أما والده‪ ،‬فهو الخطاب بن نفيل‪ ،‬فقد كان جد‬
‫عمر نفيل بن عبد العزى ممن تتحاكم إليه‬
‫قريش)‪ ،(20‬وأما والدته فهي حنتمة بنت هاشم‬
‫بن المغيرة‪ ،‬وقيل بنت هاشم أخت أبي جهل)‪،(21‬‬
‫والذي عليه أكثر المؤرخين هو أنها بنت هاشم‬
‫ابنة عم أبي جهل بن هشام)‪ ،(22‬وأما زوجاته‬
‫وأبناؤه وبناته؛ فقد تزوج في الجاهلية زينب‬
‫بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون‪ ،‬فولدت له‬
‫عبد الله‪ ،‬وعبد الرحمن الكبر‪ ،‬وحفصة‪ ،‬وتزوج‬
‫مليكة بنت جرول‪ ،‬فولدت له عبيد الله‪ ،‬فطلقها‬
‫في الهدنة‪ ،‬فخلف عليها أبو الجهم بن حذيفة‪،‬‬
‫قَرْيبة بنت أبي أمية المخزومي‪ ،‬ففارقها‬‫وتزوج ُ‬
‫في الهدنة‪ ،‬فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبي‬
‫بكر‪ ،‬وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد‬
‫زوجها عكرمة بن‬
‫)‪(23‬‬
‫أبي جهل حين قتل في الشام ‪ ،‬فولدت له‬
‫)( الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني ص ‪. 15‬‬ ‫‪17‬‬

‫)( السبلة‪ :‬طرف الشارب وكان إذا غضب أو حزنه أمر يمسك‬ ‫‪18‬‬

‫بها ويفتلها‪.‬‬
‫)( تهذيب السماء )‪ (2/14‬للنووي‪ ،‬أوليات الفاروق للقرشي‬ ‫‪19‬‬

‫ص ‪. 24‬‬
‫)( نسب قريش للزبيري ص ‪. 347‬‬ ‫‪20‬‬

‫)( أوليات الفاروق السياسية ص ‪. 22‬‬ ‫‪21‬‬

‫)( نفس المصدر ص ‪. 22‬‬ ‫‪22‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(7/144‬‬ ‫‪23‬‬
‫فاطمة‪ ،‬ثم طلقها وقيل لم يطلقها)‪ ،(24‬وتزوج‬
‫جميلة بنت)‪ (25‬عاصم بن ثابت بن أبي القلح من‬
‫الوس‪ ،‬وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن‬
‫)‪(26‬‬
‫ُنفيل‪ ،‬وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر ‪،‬‬
‫ولما قتل عمر تزوجها بعده الزبير بن العوام‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬ويقال هي أم ابنه عياض‪ ،‬فالله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وكان قد خطب أم كلثوم ابنة أبي بكللر الصللديق‪،‬‬
‫م‬
‫وهللي صللغيرة وراسللل فيهللا عائشللة فقللالت أ ّ‬
‫كلثوم‪ :‬ل حاجة لي فيه‪ ،‬فقالت عائشللة أترغللبين‬
‫عللن أميللر المللؤمنين؟ قللالت‪ :‬نعللم‪ ،‬إنلله خشللن‬
‫العيش‪ ،‬فأرسلت عائشة إلى عمللرو بللن العللاص‪،‬‬
‫ده عنهللللللللللا ودل ّلللللللللله علللللللللللى‬
‫فصلللللللللل ّ‬
‫م كلثوم بنت علي بن أبللي طللالب‪ ،‬مللن فاطمللة‬ ‫أ ّ‬
‫بنت رسول الله ‪ ،‬وقال‪ :‬تعلق منها بسبب مللن‬
‫رسول الله ‪ ،‬فخطبها مللن علللي فزوجلله أياهللا‬
‫فأصللدقها عمللر رضللي الللله عنلله أربعيللن ألفللًا‪،‬‬
‫فولدت له زيدا ً ورقية ‪ ،‬وتزوج ل ُ ْ‬
‫)‪(27‬‬
‫هَية امللرأة مللن‬
‫اليمللن فولللدت للله عبللد الرحمللن الصللغر‪ ،‬وقيللل‬
‫الوسللط‪ .‬وقللال الواقللدي‪ :‬هللي أم ولللد وليسللت‬
‫بزوجللة)‪ ،(28‬قللالوا‪ :‬وكللانت عنللده فكيهللة أم ولللد‪،‬‬
‫فولللدت للله زينللب قللال الواقللدي‪ :‬وهللي أصللغر‬
‫ولده)‪ ،(29‬فجملة أولده رضي الله عنه ثلثة عشللر‬
‫ولدًا‪ ،‬وهللم زيللد الكللبر‪ ،‬وزيللد الصللغر‪ ،‬وعاصللم‪،‬‬
‫نفس المصدر )‪.(7/144‬‬ ‫)(‬ ‫‪24‬‬

‫سلمي ص ‪. 7‬‬
‫ّ‬ ‫لل‬ ‫عمر‬ ‫خلفة‬ ‫والنهاية‬ ‫ترتيب وتهذيب البداية‬ ‫)(‬ ‫‪25‬‬

‫نفس المصدر ص ‪. 7‬‬ ‫)(‬ ‫‪26‬‬

‫الكامل في التاريخ )‪2/212‬‬ ‫)(‬ ‫‪27‬‬

‫تاريخ المم والملوك للطبري )‪.(5/191‬‬ ‫)(‬ ‫‪28‬‬

‫تاريخ المم والملوك )‪.(5/192‬‬ ‫)(‬ ‫‪29‬‬
‫وعبد الله‪ ،‬وعبد الرحمللن الكللبر‪ ،‬وعبللد الرحمللن‬
‫الوسللط‪ ،‬وعبللد الرحمللن الصللغر‪ ،‬وعبيللد الللله‪،‬‬
‫وعياض‪ ،‬وحفصة‪ ،‬ورقية‪ ،‬وزينب‪ ،‬وفاطمة رضللي‬
‫الله عنهم‪ ،‬ومجموع نسائه اللتللي تزوجهللن فللي‬
‫الجاهلية والسلم ممللن طلقهللن أو مللات عنهللن‬
‫سبع)‪ ،(30‬وكان رضللي الللله عنلله يللتزوج مللن أجللل‬
‫النجاب‪ ،‬والكثار من الذرية‪ ،‬فقد قال رضي الله‬
‫عنه‪ :‬مللا آتللي النسللاء للشللهوة‪ ،‬ولللول الولللد‪ ،‬مللا‬
‫باليت أل أرى امرأة بعيني)‪ ،(31‬وقللال رضللي الللله‬
‫عنلله‪ :‬إنلي لكللره نفسللي علللى الجمللاع رجللاء أن‬
‫يخرج الله مني نسمة تسبحه وتذكره)‪.(32‬‬
‫رابعًا‪ :‬حياته في الجاهلية‪:‬‬
‫أمضى عمر في الجاهلية شطرا ً من حياته‪ ،‬ونشللأ‬
‫كأمثاله من أبناء قريش‪ ،‬وامتاز عليهم بللأنه كللان‬
‫ممن تعلموا القراءة وهؤلء كانوا قليلين جدا ً)‪،(33‬‬
‫وقد حمل المسؤولية صغيرًا‪ ،‬ونشأ نشأة غليظللة‬
‫شديدة‪ ،‬لم يعرف فيها ألوان الترف‪ ،‬ول مظللاهر‬
‫الثروة ودفعه أبوه الخطللاب فللي غلظللة وقسللوة‬
‫إلى المراعي يرعى إبله‪ ،‬وتركللت هللذه المعاملللة‬
‫القاسية من أبيه أثرا ً سيئا ً في نفس عمر رضللي‬
‫الله عنه‪ ،‬فظل يللذكرها طيلللة حيللاته‪ ،‬فهللذا عبللد‬
‫الرحمن بن حاطب يحدثنا عن ذلك فيقول‪ :‬كنللت‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(7/144‬‬ ‫‪30‬‬

‫)( الشيخان أبو بكر وعمر برواية البلذري تحقيق الدكتور‬ ‫‪31‬‬

‫إحسان صدقي ص ‪. 227‬‬
‫)( فرائد الكلم للخلفاء الكرام‪ ،‬قاسم عاشور ص ‪. 112‬‬ ‫‪32‬‬

‫)( الدارة السلمية في عهد عمر بن الخطاب‪ ،‬فاروق‬ ‫‪33‬‬

‫مجدلوي ص ‪. 90‬‬
‫مع عمللر بللن الخطللاب بضللجنان)‪ ،(34‬فقللال‪ :‬كنللت‬
‫أرعى للخطاب بهذا المكللان‪ ،‬فكللان فظ لا ً غليظ لا ً‬
‫فكنت أرعى أحيانا ً وأحتطب أحيانًا‪ (35) ..‬ولن هذه‬
‫الفترة كانت قاسللية فللي حيللاة عمللر‪ ،‬فللإنه كللان‬
‫يكثر من ذكرها فيحدثنا سعيد بن المسيب رحملله‬
‫ج عمر‪ ،‬فلمللا كللان بضللجنان قللال‪ :‬ل‬ ‫الله قائ ً‬
‫ل‪ :‬ح ّ‬
‫إله إل الله العلي العظيم‪ ،‬المعطي ما شاء‪ ،‬لمللن‬
‫شاء‪ .‬كنت أرعى إبل الخطاب بهللذا الللوادي‪ ،‬فللي‬
‫مدرعللة صللوف‪ ،‬وكللان فظ لًا‪ ،‬يتعبنللي إذا عملللت‪،‬‬
‫ويضربني إذا قصللرت‪ ،‬وقللد أمسلليت ليللس بينللي‬
‫وبين الله أحد‪ ،‬ثم تمثل‪:‬‬
‫يبقللى الللله وي ُللردى‬ ‫ل شلليء ممللا تللرى‬
‫المللللللال والولللللللد‬ ‫تبقللللى بشاشللللته‬
‫والخلللد قللد حللاولت‬ ‫لم ُتغن عللن هرمللز‬
‫عاد فما خلدوا‬ ‫يومللللللا ً خزائنلللللله‬
‫والنس والجن فيما‬ ‫ول سللللللللليمان إذ‬
‫بينهللللللللا بللللللللردُ‬ ‫تجللري الريللاح للله‬
‫مللن كللل أوب إليهللا‬ ‫أيللن الملللوك الللتي‬
‫راكللللللللب يفللللللللد‬ ‫كلللللانت نواهلهلللللا‬
‫لبد مللن ورده يوم لا ً‬ ‫حوضلللللا ً هناللللللك‪،‬‬
‫)‪(36‬‬
‫كملللللللللللا وردوا‬ ‫مللللورود بل كللللذب‬

‫)( ضجنان جبل على مسيرة بريد من مكة وقيل على مسافة‬ ‫‪34‬‬

‫‪25‬كم‪.‬‬
‫)( أخرجه ابن عساكر في تاريخه )‪ ،(52/268‬حلقات ابن سعد‬ ‫‪35‬‬

‫)‪ (3/266‬وقال الدكتور عاطف لماضة صحيح السناد‪.‬‬
‫ولم يكن ابن الخطاب رضي الله عنه يرعى لبيلله‬
‫وحده بل كان يرعى لخالت له مللن بنللي مخللزوم‬
‫وذكر لنا ذلك عن عمر رضي الله عنه نفسه حين‬
‫حدثته نفسه يوما ً وهو أمير المللؤمنين أنلله أصللبح‬
‫أميللرا ً للمللؤمنين فمللن ذا أفضللل منلله‪ ...‬ولكللي‬
‫ُيعّرف نفسه قدرها – كما ظن – وقف يومللا ً بيللن‬
‫المسلمين يعلن أنه لم يكن إل راعي غنم‪ ،‬يرعى‬
‫لخالت له من بني مخزوم يقول محمد بللن عمللر‬
‫المخزومللي عللن أبيلله‪ :‬نللادى عمللر بللن الخطللاب‬
‫بالصلة جامعة‪ ،‬فلما اجتمع الناس‪ ،‬وكبروا‪ ،‬صعد‬
‫المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله‪ ،‬وصلى‬
‫على نللبيه عليلله الصلللة والسلللم ثللم قللال‪ :‬أيهللا‬
‫الناس‪ ..‬لقد رأيتني أرعى علللى خللالت لللي مللن‬
‫بني مخللزوم‪ ،‬فيقبضلن لللي قبضللة مللن التمللر أو‬
‫الزبيلللللللللللللب‪ ،‬فأظلللللللللللللل يلللللللللللللومي‬
‫وأي يوم!!‬
‫ثم نزل‪ ،‬فقال له عبد الرحمن بن عوف‪ :‬يللا أميللر‬
‫ت‬‫مأت نفسللك – عب ْل َ‬ ‫المؤمنين‪ ،‬ما زدت على أن ق ّ‬
‫– فقللال‪ :‬ويحللك يللا ابللن عللوف!! إنللي خلللوت‬
‫أميلللر‬ ‫فحلللدثتني نفسلللي‪ ،‬قلللال‪ :‬أنلللت‬
‫المؤمنين‪ ،‬فمن ذا أفضل منك؟!‬
‫فللأردت أن أعرفهللا نفسللها وفللي روايللة‪ :‬إنللي‬
‫أطأطئ‬ ‫وجدت في نفسي شيئًا‪ ،‬فأردت أن‬
‫منها)‪.(37‬‬

‫)( الفاروق مع النبي د‪ .‬عاطف لماضه ص ‪ 5‬نقله عن ابن‬ ‫‪36‬‬

‫عساكر )‪.(52/269‬‬
‫)( الطبقات الكبرى لبن سعد )‪ (3/293‬وله شواهد تقويه‪.‬‬ ‫‪37‬‬
‫ول شك أن هذه الحرفة – الرعللي – الللتي لزمللت‬
‫عمر بن الخطاب في مكة قبل أن يدخل السلللم‬
‫قد أكسبته صفات جميلة كقللوة التحمللل‪ ،‬والجلللد‬
‫وشدة البأس‪ ،‬ولم يكن رعي الغنم هو شغل ابللن‬
‫الخطاب في جاهليته)‪ ،(38‬بل حذق من أول شبابه‬
‫ألوانللا ً مللن رياضللة البللدن‪ ،‬فحللذق المصللارعة‪،‬‬
‫وركلللوب الخيلللل والفروسلللية‪ ،‬وتلللذوق الشلللعر‬
‫ورواه)‪ ،(39‬وكللان يهتللم بتاريللخ قللومه وشللؤونهم‪،‬‬
‫وحرص على الحضور في أسواق العرب الكللبرى‪،‬‬
‫كل ))عكاظ(( و))مجنة(( و))ذي المجاز(( واستفاد‬
‫منها في التجارة ومعرفة تاريخ العرب وما حللدث‬
‫بيللن القبللائل مللن وقللائع ومفللاخرات ومنللافرات‬
‫حيث تعرض تلللك الحللداث فللي إطللار آثللار أدبيللة‬
‫يتناولها كبار الدباء بالنقللد علللى مللرأى ومسللمع‬
‫مللن ملللء القبللائل وأعيانهللا ممللا جعللل التاريللخ‬
‫العربي عرضا ً دائم الحركة ل ينسدل عليلله سللتار‬
‫النسلليان‪ ،‬وربمللا تطللاير شللرر الحللوادث فكللانت‬
‫الحرب وكانت عكاظ – بالذات – سببا ً مباشرا ً في‬
‫حروب أربع سميت حروب الفجار)‪.(40‬‬
‫واشتغل عمر رضي الله عنه بالتجارة وربح منهللا‬
‫ما جعله من أغنياء مكة‪ ،‬وكسب معللارف متعللددة‬
‫من البلد التي زارها للتجارة‪ ،‬فرحل إلى الشللام‬
‫صيفا ً وإلى اليمللن شللتاءً)‪ (41‬واحتللل مكانل ً‬
‫ة بللارزة‬
‫فللي المجتمللع المكللي الجللاهلي‪ ،‬وأسللهم بشللكل‬
‫)( الفاروق مع النبي ص ‪. 6‬‬ ‫‪38‬‬

‫)( التاريخ السلمي العام‪ ،‬علي حسن إبراهيم ص ‪، 226‬‬ ‫‪39‬‬

‫الدارة السلمية في عهد عمر بن الخطاب ص ‪. 90‬‬
‫)( عمر بن الخطاب‪ ،‬حياته‪ ،‬علمه‪ ،‬أدبه‪ ،‬د‪ .‬علي أحمد الخطيب‬ ‫‪40‬‬

‫ص ‪. 153‬‬
‫)( عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬محمد أحمد أبو النصر ص ‪. 17‬‬ ‫‪41‬‬
‫عال في أحداثه‪ ،‬وساعده تاريخ أجداده المجيللد‪،‬‬ ‫ف ّ‬
‫فقد كان جللده نفيللل بللن عبللدالعزى تحتكللم إليلله‬
‫قريللش فللي خصللوماتها)‪ ،(42‬فضللل ً عللن أن جللده‬
‫العلى كعب بن لؤي كان عظيللم القللدر والشللأن‬
‫عند العللرب‪ ،‬فقللد أّرخللوا بسللنة وفللاته إلللى عللام‬
‫الفيل)‪ ،(43‬وتوارث عمر عن أجللداده هللذه المكانللة‬
‫المهمللة الللتي أكسللبته خللبرة ودرايللة ومعرفللة‬
‫بللأحوال العللرب وحيللاتهم‪ ،‬فضللل ً عللن فطنتلله‬
‫وذكائه‪ ،‬فلجأوا إليه في فض خصللوماتهم‪ ،‬يقللول‬
‫ابن سعد )) إن عمر كان يقضي بين العللرب فللي‬
‫خصوماتهم قبل السلم (( )‪.(44‬‬
‫وكان رضي الله عنه‪ ،‬رجل ً حكيمًا‪ ،‬بليغًا‪ ،‬حصلليفًا‪،‬‬
‫قويًا‪ ،‬حليمًا‪ ،‬شريفًا‪ ،‬قوي الحجة‪ ،‬واضللح البيللان‪،‬‬
‫ممللا أهللله لن يكللون سللفيرا ً لقريللش‪ ،‬ومفللاخرا ً‬
‫ومنافرا ً لها مللع القبللائل)‪ ،(45‬قللال ابللن الجللوزي‪:‬‬
‫كانت السفارة إلى عمر بن الخطللاب‪ ،‬إن وقعللت‬
‫حللرب بيللن قريللش وغيرهللم بعثللوه سللفيرًا‪ ،‬أو‬
‫نافرهم منافر‪ ،‬أو فاخرهم مفاخر‪ ،‬بعثوه منللافرا ً‬
‫ومفاخرًا‪ ،‬ورضوا به رضي الله عنه)‪.(46‬‬
‫وكان يدافع عن كل ما ألفته قريللش مللن عللادات‬
‫وعبادات ونظم وكانت له طبيعللة مخلصللة تجعللله‬
‫يتفانى في الدفاع عما يؤمن به‪ ،‬وبهذه الطبيعللة‬
‫التي جعلته يشتد في الدفاع عما يؤمن به‪ ،‬قللاوم‬
‫عمر السلم فللي أول الللدعوة‪ ،‬وخشللي عمللر أن‬

‫الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬العاني ص ‪. 16‬‬ ‫)(‬ ‫‪42‬‬

‫تاريخ خليفة بن خياط ص)‪ (1/7‬نقل ً عن د‪ .‬العاني ص ‪. 16‬‬ ‫)(‬ ‫‪43‬‬

‫الخليفة الفاروق د‪ .‬العاني ص ‪. 16‬‬ ‫)(‬ ‫‪44‬‬

‫نفس المصدر ص ‪. 16‬‬ ‫)(‬ ‫‪45‬‬

‫مناقب عمر ص ‪. 11‬‬ ‫)(‬ ‫‪46‬‬
‫يهللز هللذا الللدين الجديللد النظللام المكللي الللذي‬
‫اسللتقر‪ ،‬والللذي يجعللل لمكللة بيللن العللرب مكان لا ً‬
‫ج إليلله والللذي جعللل‬ ‫خاصًا‪ ،‬ففيها البيت الذي ي ُ َ‬
‫حل ّ‬
‫قريشا ً ذات مكانة خاصة عند العرب‪ ،‬والللذي صللار‬
‫لمكللة ثروتهللا الروحيللة‪ ،‬وثروتهللا الماديللة‪ ،‬فهللو‬
‫سبب ازدهارها‪ ،‬وغنى سراتها ولهذا قاوم سللراة‬
‫مكللة هللذا الللدين‪ ،‬وبطشللوا بالمستضللعفين مللن‬
‫معتنقيه وكللان عمللر مللن أشللد أهللل مكللة بطشلا ً‬
‫بهؤلء المستضعفين)‪.(47‬‬
‫ولقد ظل يضرب جارية أسلمت‪ ،‬حتى عيت يللداه‪،‬‬
‫ووقع السوط من يلده‪ ،‬فتوقلف إعيلاء‪ ،‬وملر أبلو‬
‫بكلللر فلللرآه يعلللذب الجاريلللة‪ ،‬فاشلللتراها منللله‬
‫وأعتقها)‪.(48‬‬
‫لقللد عللاش عمللر فللي الجاهليللة وسللبر أغوارهللا‪،‬‬
‫وعرف حقيقتها‪ ،‬وتقاليدها وأعرافها ودافع عنها‬
‫بكللل مللا يملللك مللن قللوة ولللذلك لمللا دخللل فللي‬
‫السلللم عللرف جمللاله وحقيقتلله وتيقللن الفللرق‬
‫الهللائل بيللن الهللدى والضلللل والكفللر واليمللان‬
‫والحق والباطل ولللذلك قللال قللولته المشللهورة‪:‬‬
‫إنما تنقض عرى السلم عروة عروة إذا نشأ في‬
‫السلم من ل يعرف الجاهلية)‪.(49‬‬

‫)( الفاروق عمر‪ ،‬عبد الرحمن الشرقاوي ص ‪. 8‬‬ ‫‪47‬‬

‫)( نفس المصدر ص ‪. 8‬‬ ‫‪48‬‬

‫)( الفتاوى )‪ ،(15/36‬فرائد الكلم للخلفاء الكرام ص ‪. 144‬‬ ‫‪49‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬إسلمه وهجرته‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫كان أول شعاعة من نللور اليمللان لمسللت قلبلله‪،‬‬
‫يوم رأى نساء قريش يتركن بلدهن ويرحلن إلللى‬
‫بلد بعيد عن بلللدهن بسللبب مللا لقيللن منلله ومللن‬
‫أمثاله‪ ،‬فرق قلبه‪ ،‬وعللاتبه ضللميره‪ ،‬فرثللى لهللن‪،‬‬
‫ن يطمعللن‬ ‫وأسمعهن الكلمة الطيبة الللتي لللم يكل ّ‬
‫أن يسمعن منه مثلها)‪.(50‬‬
‫قالت أم عبللد الللله بنللت حنتمللة‪ :‬لمللا كنللا نرتحللل‬
‫مهاجرين إلللى الحبشللة‪ ،‬أقبللل عمللر حللتى وقللف‬
‫ي‪ ،‬وكنللا نلقللى منلله البلء والذى والغلظللة‬ ‫عللل ّ‬
‫يللا أم‬ ‫علينا‪ ،‬فقال لي‪ :‬إنلله النطلق‬
‫ن فللي أرض‬ ‫عبد الللله؟ قلللت نعللم‪ ،‬والللله لنخرج ل ّ‬
‫الله‪ ،‬آذيتمونللا وقهرتمونللا‪ ،‬حللتى يجعللل الللله لنللا‬
‫فرجًا‪ .‬فقال عمر‪ :‬صحبكم الله‪ .‬ورأيت منلله رقللة‬
‫لم أرها قط‪ .‬فلما جاء عامر بن ربيعللة وكللان قللد‬
‫ذهب في بعللض حللاجته وذكللرت للله ذلللك فقللال‪:‬‬
‫كأنك قد طمعت في إسلم عمر؟ قلللت للله‪ :‬نعللم‬
‫فقال‪ :‬إنه ل يسلم حتى يسلم حمار الخطاب)‪.(51‬‬
‫لقد تأثر عمر من هذا الموقللف وشللعر أن صللدره‬
‫قد أصبح ضيقا ً حرجًا؛ فأي بلء يعللانيه أتبللاع هللذا‬
‫الللدين الجديللد‪ ،‬وهللم علللى الرغللم مللن ذلللك‬
‫صللامدون! مللا سللر تلللك القللوة الخارقللة؟ وشللعر‬
‫بالحزن وعصر قلبه اللللم)‪ ،(52‬وبعللد هللذه الحادثللة‬
‫بقليل أسلم عمر رضي الللله عنلله وبسللبب دعللوة‬
‫)( أخبار عمر‪ ،‬الطنطاويات ص ‪. 12‬‬ ‫‪50‬‬

‫)( سيرة ابن هشام )‪ ،(1/216‬فضائل الصحابة للمام أحمد )‬ ‫‪51‬‬

‫‪ (1/341‬إسناد حسن‪.‬‬
‫)( الفاروق عمر ص ‪. 9‬‬ ‫‪52‬‬
‫رسول الله ‪ ،‬فقد كانت السبب الساسلي فلي‬
‫إسلمه فقد دعا للله بقللوله‪ :‬اللهللم أع لّز السلللم‬
‫بأحب الرجلين إليللك‪ :‬بللأبي جهللل بللن هشللام‪ ،‬أو‬
‫بعمللر بللن الخطللاب‪ ،‬قللال‪ :‬وكللان أحبهمللا إليلله‬
‫عمللر)‪ ،(53‬وقلد سللاق الللله السلباب لسلللم عملر‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فعن عبد الله بن عمر رضي الللله‬
‫عنهما قال‪ :‬ما سمعت عمر لشلليء قللط يقللول‪:‬‬
‫إنللي لظنلله كللذا إل كللان كمللا يظللن‪ ،‬بينمللا عمللر‬
‫جالس إذ مّر بلله رجللل جميللل‪ ،‬فقللال عمللر‪ :‬لقللد‬
‫أخطأ ظني‪ ،‬أو إن هذا على دينه في الجاهلية‪ ،‬أو‬
‫دعي له‪ ،‬فقللال‬ ‫ي بالرجل‪ ،‬ف ُ‬ ‫لقد كان كاهنهم‪ .‬عل ّ‬
‫له ذلك‪ .‬فقال‪ :‬ما رأيت كاليوم اسُتقبل به رجلل ٌ‬
‫ل‬
‫مسلم‪ .‬قال‪ :‬فإني أعزم عليك إل ما أخبرتني‪.‬‬
‫قال‪ :‬كنت كاهنهم في الجاهلية‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما أعجب ما جاءتك به جن ّي ُّتك؟ قال‪ :‬بينمللا‬
‫أنا يوما ً في السوق جللاءتني أعللرف فيهللا الفللزع‬
‫فقالت‪ :‬ألم تللر الجللن وإبلسللها)‪ ،(54‬ويأسللها مللن‬
‫بعد إنكاسها)‪ ،(55‬ولحوقها بالقلص‪ ،‬وأحلسها)‪.(56‬‬
‫قال عمر‪ :‬صدق‪ ،‬بينمللا أنللا نللائم عنللد آلهتهللم‪ ،‬إذ‬
‫جاء رجل بعجل فذبح‪ ،‬فصرخ به صارخ‪ ،‬لم أسللمع‬
‫صارخا ً قط أشد صوتا ً منه يقول‪ :‬يا جليح)‪ ،(57‬أمللر‬
‫نجيح‪ ،‬رجل فصيح‪ ،‬يقول‪ :‬ل إله إل الله‪ .‬فقمللت‪،‬‬

‫)( الترمذي )‪ (3682‬المناقب وصححه اللباني صحيح الترمذي‬ ‫‪53‬‬

‫‪. 2907‬‬
‫)( إبلسها‪ :‬المراد به اليأس ضد الرجاء‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫)( النكاس‪ :‬النقلب‪.‬‬ ‫‪55‬‬

‫قُلص‪ ،‬وهي الفتية من النياق‪ ،‬والحلس ما‬ ‫)( القلص جمع ُ‬ ‫‪56‬‬

‫يوضع على ظهور البل‪.‬‬
‫)( يا جليح‪ :‬معناه الوقح المكافح بالعداوة‪.‬‬ ‫‪57‬‬
‫فما نشبنا)‪ (58‬أن قيل‪ :‬هذا نللبي)‪ (59‬وقللد ورد فللي‬
‫سبب إسلم الفاروق رضي الله عنلله الكللثير مللن‬
‫الروايات‪ ،‬ولكن بالنظر إلى أسانيدها من الناحية‬
‫الحديثية فأكثرها ل يصح)‪ ،(60‬ومن خلل الروايللات‬
‫الللتي ذكللرت فللي كتللب السلليرة والتاريللخ يمكللن‬
‫تقسيم إسلمه والصدع به إلى عناوين منها‪.‬‬

‫)( فما نشبنا‪ :‬أي لم نتعلق بشيء من الشياء حتى سمعنا أن‬ ‫‪58‬‬

‫النبي قد خرج‪.‬‬
‫)( البخاري رقم ‪. 3866‬‬ ‫‪59‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص ‪ 23‬وقد ذكر‬ ‫‪60‬‬

‫الروايات التي ذكر منها إسلم عمر وخرجها وحكم على‬
‫أسانيدها‪.‬‬
‫‪ -1‬عزمه على قتل رسول الله‪:‬‬
‫كانت قريش قد اجتمعللت فتشللاورت فللي أمللر‬
‫النبي ‪ ‬فقالوا‪ :‬أي رجل يقتل محمدًا؟ فقللال‬
‫عمر بن الخطاب‪ :‬أنا لها‪ ،‬فقالوا‪ :‬أنللت لهللا يللا‬
‫عمر‪ ،‬فخرج في الهاجرة‪ ،‬في يوم شديد الحر‪،‬‬
‫متوشحا ً سيفه يريللد رسللول الللله ورهطلا ً مللن‬
‫أصللللللللللللللللللللللحابه‪ ،‬فيهللللللللللللللللللللللم‬
‫أبو بكر وعلللي وحمللزة رضلي اللله عنهللم فللي‬
‫رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول‬
‫الله ‪ ‬بمكة ولم يخرج فيمللن خللرج إلللى أرض‬
‫الحبشة‪ ،‬وقد ذكروا له أنهللم اجتمعللوا فللي دار‬
‫عيم بللن عبلد‬ ‫الرقم في أسفل الصفا‪ .‬فلقيه ن ُ َ‬
‫حام‪ .‬فقللال‪ :‬أيللن تريللد يللا عمللر؟ قللال‪:‬‬ ‫الله الن ّ ّ‬
‫فه‬ ‫أريد هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسلل ّ‬
‫أحلمها‪ ،‬وعاب دينهللا‪ ،‬وسللب آلهتهللا‪ ،‬فللأقتله‪.‬‬
‫عيم‪ :‬لبئس الممشى مشلليت يللا عمللر‪،‬‬ ‫قال له ن ُ َ‬
‫ولقد والله غّرتك نفسك من نفسك‪ ،‬ففّرطللت‬
‫ي‪ ،‬أتللرى بنللي عبللد منللاف‬ ‫وأردت هلكة بني عد ّ‬
‫تاركيك تمشي على الرض وقد قتلت محمللدًا؟‬
‫فتحاورا حتى علت أصواتهما‪ ،‬فقال عمر‪ :‬إنلي‬
‫لظنك قد صللبوت ولللو أعلللم ذلللك لبللدأت بللك‪،‬‬
‫من ْت َلله قللال‪ :‬فللإني‬
‫حللام أنلله غيللر ُ‬
‫فلمللا رأى الن ّ ّ‬
‫أخللبرك أن أهلللك وأهللل خَتنللك قللد أسلللموا‬
‫وتركوك وما أنت عليه من ضللتك‪ ،‬فلما سللمع‬
‫خَتنلك وابللن عملك‬ ‫مقالته قال‪ :‬وأيهلم؟ قلال‪َ :‬‬
‫وأختك)‪.(61‬‬
‫)( سيرة ابن هشام )‪ (1/343‬فيه انقطاع الطبقات لبن سعد )‬ ‫‪61‬‬

‫‪ (3/267‬عن القاسم بن عثمان البصري عن أنس والقاسم‬
‫ضعيف وقد حقق الروايات الدكتور وصي الله محمد عّباس في‬
‫‪ -2‬مداهمة عمر بيببت أختببه وثبببات فاطمببة بنببت الخطبباب أمببام‬
‫أخيها‪:‬‬
‫لمللا سللمع عمللر أن أختلله وزوجهللا قللد أسلللما‬
‫احتمله الغضب وذهب إليهم فلمللا قللرع البللاب‬
‫قالوا‪ :‬مللن هللذا؟ قللال‪ :‬ابللن الخطللاب‪ .‬وكللانوا‬
‫يقرؤون كتابا ً في أيديهم‪ ،‬فلمللا سللمعوا حللس‬
‫عمر قاموا مبادرين فاختبئوا ونسللوا الصللحيفة‬
‫على حالها‪ ،‬فلما دخل ورأته أخته عرفت الشر‬
‫في وجهه‪ ،‬فخبأت الصحيفة تحت فخذها قلال‪:‬‬
‫مة والصوت الخفي الللتي سللمعته‬ ‫ما هذه ال ْ َ‬
‫هي ْن َ َ‬
‫عندكم؟ )) وكللانوا يقللرؤون طلله (( فقللال‪ :‬مللا‬
‫عللدا حللديثا ً تحللدثناه بيننللا‪ .‬قللال‪ :‬فلعلكمللا قللد‬
‫صبوتما‪ ،‬فقال له ختنه‪ :‬أرأيت يا عمللر إن كللان‬
‫الحق في غير دينللك؟ فللوثب عمللر علللى ختنلله‬
‫سعيد وبطش بلحيته فتواثبا‪ ،‬وكان عمللر قوي لا ً‬
‫شديدًا‪ ،‬فضرب بسللعيد الرض ووطئه وطللأ ثللم‬
‫جلس على صدره‪ ،‬فجللاءت أختلله فللدفعته عللن‬
‫زوجهللا فنفحهللا نفحللة بيللده‪ ،‬فللدمى وجههللا‪،‬‬
‫فقالت وهي غضللبى‪ :‬يللا عللدو الللله‪ ،‬أتضللربني‬
‫حد الله؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قالت‪ :‬مللا كنللت‬ ‫على أن أو ّ‬
‫فللاعل ً فأفعللل‪ ،‬أشللهد أن ل إللله إل الللله وأن‬
‫محمللدا ً رسللول الللله‪ ،‬لقللد أسلللمنا علللى رغللم‬
‫أنفك‪ ،‬فلما سمعها عمر نللدم وقللام عللن صللدر‬
‫زوجها‪ ،‬فقعد‪ ،‬ثم قال‪ :‬أعطوني هذه الصحيفة‬
‫التي عندكم فأقرأها‪ ،‬فقللالت أختلله‪ :‬ل أفعللل‪.‬‬
‫قللال‪ :‬ويحللك قللد وقللع فللي قلللبي مللا قلللت‪،‬‬
‫فأعطينيها أنظر إليها‪ ،‬وأعطيك مللن المواثيللق‬
‫تحقيقة لكتاب فضائل الصحابة للمام أحمد بن حنبل )‪.(1/342‬‬
‫أن ل أخونك حتى تحرزيها حيث شللئت‪ .‬قللالت‪:‬‬
‫ن ‪ ‬فقللم‬ ‫هللُرو َ‬ ‫مطَ ّ‬ ‫ه إ ِل ّ ال ْ ُ‬
‫سلل ُ‬ ‫م ّ‬‫إنك رجس فل‪ ‬ل َ ي َ َ‬
‫فاغتسل أو توضأ‪ ،‬فخرج عمللر ليغتسللل ورجللع‬
‫إلى أخته فدفعت إليه الصحيفة وكان فيها طه‬
‫وسور أخرى فرأى فيها‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫فلملللا مللّر بلللالرحمن الرحيلللم ذعلللر‪ ،‬فلللألقى‬
‫الصحيفة من يده‪ ،‬ثم رجع إلى نفسلله فأخللذها‬
‫قى)‬‫ش َ‬
‫ن ل ِت َ ْ‬ ‫ك ال ْ ُ‬
‫قْرآ َ‬ ‫ما أ َن َْزل َْنا َ‬
‫عل َي ْ َ‬ ‫فإذا فيها‪ :‬طه)‪َ (1‬‬
‫ق الرض‬ ‫خل َل َ‬ ‫ن َ‬ ‫مل ْ‬ ‫م ّ‬‫زيل ً ِ‬ ‫شى)‪َ (3‬تن ِ‬ ‫خ َ‬ ‫ن يَ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫‪ (2‬إ ِل ّ ت َذْك َِرةً ل ِ َ‬
‫وى)‪(5‬‬ ‫سلت َ َ‬ ‫شا ْ‬ ‫علْر ِ‬ ‫عَلى ال ْ َ‬ ‫ل)‪ (4‬الرحمن َ‬ ‫ع َ‬ ‫ت ال ْ ُ‬
‫موا ِ‬ ‫س َ‬ ‫وال ّ‬ ‫َ‬
‫مللا‬
‫و َ‬‫مللا َ‬ ‫ه َ‬ ‫مللا ب َي ْن َ ُ‬ ‫و َ‬ ‫فللي الرض َ‬ ‫ما ِ‬ ‫و َ‬‫ت َ‬ ‫موا ِ‬ ‫س َ‬ ‫في ال ّ‬ ‫ما ِ‬ ‫ه َ‬ ‫لَ ُ‬
‫سلّر‬ ‫م ال ّ‬ ‫عل َل ُ‬ ‫ه يَ ْ‬ ‫فلإ ِن ّ ُ‬ ‫ل َ‬ ‫و ِ‬ ‫هلْر ِبلال ْ َ‬
‫ق ْ‬ ‫ج َ‬
‫ن تَ ْ‬ ‫وإ ِ ْ‬‫ت الث ّلَرى)‪َ (6‬‬ ‫ح َ‬ ‫تَ ْ‬
‫سللَنى)‪(8‬‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫خ َ‬ ‫َ‬
‫ح ْ‬ ‫ماءُ ال ُ‬ ‫سلل َ‬ ‫ه ال ْ‬ ‫ول ُ‬ ‫ه َ‬
‫ه إ ِل ُ‬ ‫ه ل إ ِل َ‬ ‫فى)‪ (7‬الل ُ‬ ‫وأ ْ‬ ‫َ‬
‫‪.‬‬ ‫)طه‪،‬اليات‪(8-1:‬‬
‫فعظمللت فللي صللدره‪ .‬فقللال‪ :‬مللن هللذا ف لّرت‬
‫قريش؟ ثم قرأ‪ .‬فلمللا بلللغ إلللى قللوله تعللالى‪:‬‬
‫‪ ‬إّنني أنا الله ل إله إل أنا فاعبللدني وأقللم الصلللة‬
‫لذكري‪ .‬إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفللس‬
‫بما تسعى فل يصللدنك عنهللا مللن ل يلؤمن بهلا واتبلع‬
‫)طه‪،‬اليات‪.(14،15،16:‬‬ ‫‪‬‬ ‫هواه فتردى‬
‫قال‪ :‬ينبغللي لمللن يقللول هللذا أن ل ُيعبللد معلله‬
‫غيره دلوني على محمد)‪.(62‬‬

‫‪ -3‬ذهابه لرسول الله وإعلن إسلمه‪:‬‬
‫فلما سمع خّباب رضي الله عنه ذلك خللرج مللن‬
‫البيت وكان مختفيا ً وقال أبشر يا عمللر‪ ،‬فللإني‬

‫)( فضائل الصحابة للمام أحمد )‪.(1/344‬‬ ‫‪62‬‬
‫أرجو أن تكون قد سللبقت فيللك دعللوة رسللول‬
‫الللللللللللللله ‪ ‬يللللللللللللوم الثنيللللللللللللن‪:‬‬
‫)) اللهللم أعللز السلللم بللأحب هللذين الرجليللن‬
‫إليللك‪ :‬بللأبي جهللل بللن هشللام‪ ،‬أو بعمللر بللن‬
‫الخطاب (( )‪.(63‬‬
‫قللال‪ :‬دلللوني علللى مكللان رسللول الللله‪ ،‬فلمللا‬
‫عرفللوا منلله الصللدق قللالوا‪ :‬هللو فللي أسللفل‬
‫شحه ثم عمد إلللى‬ ‫الصفا‪ .‬فأخذ عمر سيفه فتو ّ‬
‫رسللول الللله وأصللحابه فضللرب عليهللم البللاب‪،‬‬
‫جلللوا ولللم يجللترئ أحللد‬ ‫و ِ‬
‫فلمللا سللمعوا صللوته َ‬
‫منهم أن يفتلح لله‪ ،‬لملا قلد علملوا ملن شلدته‬
‫على رسللول الللله ‪ ،‬فلمللا رأى حمللزة رضللي‬
‫ل القوم قال‪ :‬مالكم؟ قللالوا عمللر‬ ‫ج َ‬
‫الله عنه و َ‬
‫بن الخطاب قال‪ :‬عمر بن الخطاب؟ افتحوا له‪،‬‬
‫فإن يرد الله به خيرا ً ُيسلم‪ ،‬وإن يرد غيللر ذلللك‬
‫يكللن قتللله علينلا ً هينلًا‪ ،‬ففتحللوا‪ ،‬وأخللذ حمللزة‬
‫ورجل آخر بعضللديه حللتى أدخله علللى رسللول‬
‫الله ‪ ،‬فقال أرسلوه)‪ ،(64‬ونهض إليلله رسللول‬
‫الله ‪ ‬وأخذ بحجزته)‪ ،(65‬وبجمع ردائه ثم جبللذه‬
‫ذة شللللديدة‪ ،‬وقللللال‪ :‬مللللا جللللاء بللللك‬ ‫جْبلللل َ‬
‫َ‬
‫يا ابن الخطاب؟ والله ما أرى أن تنتهللي حللتى‬
‫ينلللزل اللللله بلللك قارعلللة‪ ،‬فقلللال لللله عملللر‪:‬‬
‫يا رسول الله جئتك أؤمن بالله وبرسوله وبمللا‬
‫جئت به من عند الله‪ ،‬قال‪ :‬فكب ّللر رسللول الللله‬
‫‪ ‬فعرف أهل البيت من أصللحاب رسللول الللله‬
‫)( سبق تخريجه‪ ،‬عمر بن الخطاب الطنطاويات ص ‪. 117‬‬ ‫‪63‬‬

‫)( أخبار عمر الطنطاويات ص ‪. 18‬‬ ‫‪64‬‬

‫)( حجز النسان‪ :‬معقد السراويل والزار لسان العرب )‬ ‫‪65‬‬

‫‪.(5/332‬‬
‫أن عمر قد أسلم‪ ،‬فتفرق أصحاب رسول الللله‬
‫من مكانهم وقد عّزوا في أنفسهم حين أسلم‬
‫عمر مع إسلم حمزة بن عبد المطلب‪ ،‬وعرفوا‬
‫أنهما سيمنعان رسول الللله‪ ،‬وينتصللفون بهمللا‬
‫من عدوهم)‪.(66‬‬

‫‪ -4‬حرص عمر على الصدع بالدعوة وتحمله الصعاب في سبيلها‪:‬‬
‫ه‪ ،‬وعمللل‬ ‫دخل عمر في السلم بللإخلص متنللا ٍ‬
‫على تأكيللد السلللم بكللل مللا أوتللي مللن قللوة‪،‬‬
‫وقال لرسول الللله ‪ :‬يللا رسللول الللله‪ ،‬ألسللنا‬
‫على الحق إن متنلا وإن حيينلا؟ قلال ‪ :‬بللى‪،‬‬
‫والذي نفسي بيده إنكللم علللى الحللق‪ ،‬إن مت ّللم‬
‫م الختفاء؟ والذي بعثللك‬ ‫وإن حييتم‪ .‬قال‪ :‬ففي َ‬
‫ن وكللان الرسللول ‪ ‬علللى )مللا‬ ‫بللالحق ل ََتخرج ل ّ‬
‫يبدو( قللد رأى أنلله قللد آن الوان للعلن‪ ،‬وأن‬
‫الدعوة قد غدت قويللة تسللتطيع أن تللدفع عللن‬
‫فْين‪،‬‬ ‫نفسها‪ ،‬فأذن بالعلن‪ ،‬وخرج ‪ ‬فللي صلل ّ‬
‫عمر في أحدهما‪ ،‬وحمزة في الخر ولهم كديد‬
‫ككديد الطحين)‪ ،(67‬حتى دخل المسجد‪ ،‬فنظرت‬
‫قريش إلللى عمللر وحمللزة فأصللابتهم كآبللة لللم‬
‫ماه رسللول الللله ‪ ‬يللومئذ‬ ‫تصللبهم قللط وسلل ّ‬
‫الفاروق)‪.(68‬‬
‫لقد أعز الله السلم‪ ،‬والمسلمين بإسلم عمر‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه‪ ،‬فقللد كللان رجل ً ذا‬

‫)( فضائل الصحابة للمام أحمد )‪.(1/344‬‬ ‫‪66‬‬

‫)( الكديد‪ :‬التراب الناعم فإذا وطئ ثار غباره‪.‬‬ ‫‪67‬‬

‫)( حلية الولياء )‪ ،(1/40‬صفة الصفوة )‪.(104-1/103‬‬ ‫‪68‬‬
‫شللكيمة ل يللرام مللا وراء ظهللره وامتنللع بلله‬
‫أصحاب رسول الله ‪ ‬وبحمزة)‪.(69‬‬
‫وتحللدى عمللر بللن الخطللاب رضللي الللله عنلله‬
‫مشللركي قريللش‪ :‬فقللاتلهم حللتى صلللى عنللد‬
‫الكعبة)‪ ،(70‬وصلى معه المسلمون‪ ،‬وحرص عمر‬
‫رضي الله عنه على أذية أعداء الدعوة بكل مللا‬
‫يملللك‪ ،‬ونللتركه يحللدثنا عللن ذلللك بنفسلله قللال‬
‫رضلللللللللي اللللللللللله عنللللللللله‪ :‬كنلللللللللت‬
‫ل أشاء أن أرى رجل ً مللن المسلللمين‪ ،‬فللذهبت‬
‫إلى خالي أبللي جهللل – وكللان شللريفا ً فيهللم –‬
‫فقرعت عليه الباب‪ ،‬فقال‪ :‬من هذا؟ قلت ابن‬
‫ي فقلللت‪ :‬أعلمللت أنللي قللد‬ ‫الخطاب ‪ .‬فخرج إل ّ‬
‫صللبوت؟ قللال‪ :‬فعلللت؟ قلللت‪ :‬نعللم‪ .‬قللال‪ :‬ل‬
‫تفعللل‪ .‬قلللت‪ :‬بل‍ى! قللال‪ :‬ل تفعللل ثللم دخللل‬
‫وأجاف الباب )أي رده( دونللي وتركنللي‪ .‬قلللت‪:‬‬
‫ما هذا بشيء‪ .‬فذهبت إلى رجللل مللن أشللراف‬
‫قريش فقرعت عليلله بللابه‪ ،‬فقيللل‪ :‬مللن هللذا؟‬
‫ي‪ ،‬فقلت‪ :‬أشعرت‬ ‫قلت‪ :‬ابن الخطاب فخرج إل ّ‬
‫أني صبوت؟ قال‪ :‬أفعلت؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬قللال‪ :‬ل‬
‫تفعل‪ ،‬ودخل فأجاف الباب دونللي‪ ،‬فقلللت‪ :‬مللا‬
‫هذا بشلليء‪ ،‬فقللال لللي رجللل‪ :‬أتحللب أن ُيعلللم‬
‫إسلمك؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬إذا جلس الناس في‬
‫ت إلى ذلك الرجل )جميل بللن معمللر‬ ‫جر‪ ،‬جئ َ‬‫ح ْ‬
‫ال ِ‬
‫الجمحي( فجلست إلللى جللانبه وقلللت‪ :‬أعلمللت‬
‫جللر‬‫ح ْ‬
‫أنللي صللبوت؟ فلمللا جلللس النللاس فللي ال ِ‬
‫فعلت ذلك‪ ،‬فقام فنادى بأعلى صوته‪ :‬إن ابللن‬
‫ي النللاس يضللربونني‬ ‫الخطاب قد صبأ‪ .‬وثار إل ل ّ‬
‫)( الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب ص ‪. 26،27‬‬ ‫‪69‬‬

‫)( الرياض النضرة )‪ (1/257‬لمحب الطبري‪.‬‬ ‫‪70‬‬
‫وأضربهم)‪ . (71‬وفللي روايللة عبللد الللله بللن عمللر‬
‫رضي الله عنهما قال‪ :‬لما أسلم عمر لم تعلللم‬
‫قريللش بإسلللمه‪ ،‬فقللال‪ :‬أي أهللل مكللة أنقللل‬
‫جمحللي‪.‬‬ ‫للحديث؟ قيللل للله جميللل بللن معمللر ال ُ‬
‫فخلللللللرج إليللللللله وأنلللللللا معللللللله أتبلللللللع‬
‫أثره‪ ،‬وأنظر ملا يفعلل‪ ،‬وأنلا غلم أعقلل كّلملا‬
‫رأيت وسمعت‪ .‬فأتاه فقال‪ :‬يا جميل إنللي قللد‬
‫أسلمت فوالله ما ردّ عليه كلمة حتى قام يجللّر‬
‫رداءه‪ ،‬وتبعه عمر واتبعللت أبللي‪ ،‬حللتى إذا قللام‬
‫على باب المسجد صرخ بأعلى صوته‪ :‬يا معشر‬
‫ن‬‫قريش‪ :‬وهم في أنللديتهم حللول الكعبللة أل إ ّ‬
‫عمر بن الخطللاب قللد صللبأ‪ .‬وعمللر يقللول مللن‬
‫خلفه‪ :‬كذب ولكنني أسلمت وشهدت أن ل إللله‬
‫إل الله وأن محمدا ً عبده ورسوله‪ .‬فثاروا إليلله‪،‬‬
‫فوثب عمر على عتبة بللن ربيعللة‪ ،‬فللبرك عليلله‬
‫وجعللل يضللربه‪ ،‬وأدخللل إصللبعيه فللي عينيلله‪،‬‬
‫عتبة يصيح‪ ،‬فتنحى النللاس عنلله‪ ،‬فقللام‬ ‫فجعل ُ‬
‫عمر فجعل ل يدنو منه أحد إل أخذ شريف مللن‬
‫دنللا منلله‪ ،‬حللتى أحجللم النللاس عنلله‪ ،‬واتبللع‬
‫المجلالس اللتي كلان يجلسلها بلالكفر فلأظهر‬
‫فيها اليمان)‪ ،(72‬وما زال يقاتلهم حللتى ركللدت‬
‫الشللمس علللى رؤوسللهم وفللتر عمللر وجلللس‪،‬‬
‫فقاموا على رأسه‪ ،‬فقال‪ :‬افعلوا ما بللدا لكللم‪،‬‬
‫فوالله لو كنا ثلثمائة رجللل لتركتموهللا لنللا‪ ،‬أو‬
‫تركناها لكللم‪ .‬فبينمللا هللم كللذلك إذ جللاء رجللل‬
‫شللى‪ ،‬قللال‪ :‬مللا‬ ‫و ّ‬‫م ّ‬
‫عليلله حلللة حريللر وقميللص ُ‬
‫بالكم؟ قالوا‪ :‬ابن الخطاب قد صبأ‪ .‬قال‪ :‬فمه؟‬
‫)( شرح المواهب )‪ ،(1/320‬أخبار عمر الطنطاويان ص ‪. 19‬‬ ‫‪71‬‬

‫)( الرياض النظرة ص ‪. 319‬‬ ‫‪72‬‬
‫امرؤا اختار دينا ً لنفسه‪ ،‬أتظنون أن بني عللد ّ‬
‫ي‬
‫ُيسلللمون إليكللم صللاحبهم‪ ،‬فكأنمللا كللانوا ثوبلا ً‬
‫انكشف عنه‪ ،‬فقلت للله بالمدينللة‪ :‬يللا أبللت مللن‬
‫الرجل ردّ عنك القوم يومئذ؟ قال‪ :‬يا بني‪ ،‬ذاك‬
‫العاص بن وائل السهمي)‪.(73‬‬

‫‪ -5‬أثر إسلمه على الدعوة‪:‬‬
‫قال عبد الله بن مسللعود رضللي الللله عنلله‪ :‬مللا‬
‫وما‬ ‫زلنا أعزة منذ أسلم عمر‪ ،‬ولقد رأيتنا‬
‫نستطيع أن نطوف بالبيت ونصلي‪ ،‬حتى أسلم‬
‫عمر‪ ،‬فلما أسلم قاتلهم حتى تركونللا‪ ،‬فصلللينا‬
‫وطفنا)‪ .(74‬وقال أيضًا‪ :‬كان إسلم عمللر فتحللًا‪،‬‬
‫وكانت هجرته نصرًا‪ ،‬وكانت إمارته رحمة‪ ،‬لقللد‬
‫رأيتنا وما نستطيع أن نصلللي ونطللوف بللالبيت‬
‫حتى أسلم عمللر‪ ،‬فلمللا أسلللم قاتلنللاهم حللتى‬
‫تركونللا نصلللي)‪ (75‬وقللال صللهيب بللن سللنان‪:‬‬
‫لما أسلم عمللر بللن الخطللاب‪ ،‬ظهللر السلللم‪،‬‬
‫ودعي إليه علنية‪ ،‬وجلسنا حللول الللبيت حلقلًا‪،‬‬
‫وطفنللا بللالبيت وانتصللفنا ممللن غلللظ علينللا‬
‫ورددنا عليه)‪.(76‬‬
‫ولقد صدق في عمللر رضللي الللله عنلله قللول‬
‫القائل‪:‬‬
‫بالسيف بين الكفر‬ ‫أعني بلله الفللاروق‬
‫واليملللللللللللللللان‬ ‫ة‬
‫فللللللّرق عنلللللللو ً‬

‫فضائل الصحابة للمام أحمد )‪ (1/346‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪73‬‬

‫فضائل الصحابة )‪ (1/344‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪74‬‬

‫الشيخان أبو بكر وعمر برواية البلذري ص ‪. 141‬‬ ‫)(‬ ‫‪75‬‬

‫الطبقات الكبرى )‪ ،(3/269‬صفة الصفوة )‪.(1/274‬‬ ‫)(‬ ‫‪76‬‬
‫ومحللا الظلم وبللاح‬ ‫هو أظهللر السلللم‬
‫)‪(77‬‬
‫بالكتمللللللللللللان‬ ‫بعلللللللد خفلللللللائه‬

‫‪ -6‬تاريخ إسلمه وعدد المسلمين يوم أسلم‪:‬‬
‫أسلم عمر رضي الله عنه فللي ذي الحجللة مللن‬
‫سبع‬ ‫السنة السادسة من النبوة‪ ،‬وهو ابن‬
‫وعشللرين سللنة)‪ ،(78‬وكللان إسلللمه بعللد إسلللم‬
‫حمللزة رضللي الللله عنلله بثلثللة أيللام)‪ ،(79‬وكللان‬
‫المسلللمون يللومئذ تسللعة وثلثيللن‪ :‬قللال عمللر‬
‫رضللي الللله عنلله‪ :‬لقللد رأيتنللي ومللا أسلللم مللع‬
‫رسول الله ‪ ‬إل تسعة وثلثون رجل ً فكملتهم‬
‫أربعيللن‪ ،‬فللأظهر الللله دينلله‪ ،‬وأعللز السلللم‪،‬‬
‫)وروي( أنهم كانوا أربعيللن أو بضللعة وأربعيللن‬
‫رجل ً وإحدى عشرة امرأة‪ ،‬ولكن عمر لللم يكللن‬
‫يعرفهم كلهم لن غالب من أسلم كان يخفللي‬
‫إسلمه خوفا ً مللن المشللركين‪ ،‬ول سلليما عمللر‬
‫فقللد كللان عليهللم شللديدا ً فللذكر أنلله أكملهللم‬
‫أربعين ولللم يللذكر النسللاء لنلله ل إعللزاز بهللن‬
‫لضعفهن)‪.(80‬‬

‫نونية القحطاني ص ‪. 22‬‬ ‫)(‬ ‫‪77‬‬

‫تاريخ الخلفاء ص ‪. 137‬‬ ‫)(‬ ‫‪78‬‬

‫أخبار عمر‪ ،‬الطنطاويان ص ‪. 22‬‬ ‫)(‬ ‫‪79‬‬

‫نفس المصدر ص ‪. 22‬‬ ‫)(‬ ‫‪80‬‬
‫ثانيًا‪ :‬هجرته‪:‬‬
‫لمللا أراد عمللر الهجللرة إلللى المدينللة أبللى إل أن‬
‫تكون علنية يقول ابن عباس رضي الللله عنهمللا‪:‬‬
‫قال لي علي بن أبي طالب رضلي اللله عنله‪ :‬ملا‬
‫علمت أن أحدا ً من المهاجرين هللاجر إل متخفيللًا‪،‬‬
‫م بالهجرة‪ ،‬تقلللد‬ ‫إل عمر بن الخطاب‪ ،‬فإنه لما ه ّ‬
‫كب قوسه‪ ،‬وانتضى فللي يللده أسللهما‪ً،‬‬ ‫سيفه‪ ،‬وتن ّ‬
‫)‪(81‬‬
‫واختصر عنزته ‪ ،‬ومضى قبل الكعبة‪ ،‬والمل من‬
‫قريش بفنائها‪ ،‬فطاف بالبيت سللبعا ً متمكنلًا‪ ،‬ثللم‬
‫أتى المقام‪ ،‬فصلى متمكنًا‪ ،‬ثم وقف على الحلق‬
‫واحللدة‪ ،‬واحللدة‪ ،‬فقللال لهللم‪ :‬شللاهت الوجللوه‪ ،‬ل‬
‫ُيرغللم الللله إل هللذه المعللاطس)‪ ،(82‬مللن أراد أن‬
‫تثكله أمه‪ ،‬ويوتم ولده‪ ،‬أو يرمل زوجلله فليلقنللي‬
‫ي رضي الله عنلله‪ :‬فمللا‬ ‫وراء هذا الوادي‪ .‬قال عل ّ‬
‫تبعلله أحللد إل قللوم مللن المستضللعفين علمهللم‪،‬‬
‫وأرشدهم ومضى لوجهه)‪.(83‬‬
‫وكان قدوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلللى‬
‫المدينة قبل مقدم النبي ‪ ‬إليها‪ ،‬وكان معه مللن‬
‫لحق به من أهله وقومه‪ ،‬وأخوه زيد بن الخطاب‪،‬‬
‫وعمللرو وعبللد الللله ابنللا سللراقة بللن المعتمللر‪،‬‬
‫وخنيس بن حذافة السللهمي‪ ،‬زوج ابنتلله حفصللة‪،‬‬
‫وابللن عملله سللعيد بللن زيللد‪ ،‬وهللو أحللد العشللرة‬
‫المبشرين بالجنة‪ ،‬وواقد بن عبللد الللله التميمللي‪،‬‬
‫حليف لهم‪ ،‬وخولى بللن أبللي خللولى‪ ،‬ومالللك بللن‬

‫)( عنزته‪ :‬العنزة عصا في قدر نصف الرمح وهي أطول من‬ ‫‪81‬‬

‫العصا وأقوى من الرمح‪.‬‬
‫)( المعاطس‪ :‬النوف‪.‬‬ ‫‪82‬‬

‫)( خبر ل بأس به انظر صحيح التوثيق في سيرة الفاروق ص‬ ‫‪83‬‬

‫‪. 30‬‬
‫أبي خللولى‪ ،‬حليفللان لهللم مللن بنللي عجللل وبنللو‬
‫البكير‪ ،‬وإياس وخالد‪ ،‬وعاقل‪ ،‬وعامر‪ ،‬وحلفاؤهم‬
‫من بني سعد بن ليللث‪ ،‬فنزلللوا علللى رفاعللة بللن‬
‫عبد المنذر في بني عمرو بن عوف بقباء)‪.(84‬‬
‫يقول البراء بن عازب رضللي الللله عنلله‪ :‬أول مللن‬
‫وابللن أبللي‬ ‫قدم علينا مصعب بللن عميللر‪،‬‬
‫مكتللوم‪ ،‬وكللانوا ُيقللرئون النللاس‪ ،‬فقللدم بلل‪،‬‬
‫وسعد‪ ،‬وعمار بن ياسر‪ ،‬ثم قدم عمر بن الخطاب‬
‫في عشرين نفرا ً من اصحاب النبي ‪ ،‬ثللم قللدم‬
‫النبي ‪ ،‬فما رأيت أهل المدينللة فرحللوا بشلليء‬
‫فرحهم برسول الله ‪.(85)‬‬
‫وهكذا ظل عمر بن الخطاب رضي الله عنلله فللي‬
‫خدمة دينه وعقيدته بالقوال والفعال ل يخشللى‬
‫في الله لومة لئم وكللان رضللي الللله عنلله سللندا ً‬
‫ومعينا ً لمن أراد الهجرة ملن مسللمي مكلة حلتى‬
‫خرج‪ ،‬ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه‪،‬‬
‫وساعد عمر رضللي الللله عنلله غيللره مللن أصللحابه‬
‫الذين يريدون الهجرة وخشي عليهم مللن الفتنللة‬
‫والبتلء في أنفسهم)‪ ،(86‬ونللتركه يحللدثنا بنفسلله‬
‫عن ذلك حيث قال‪ :‬اتعدت لما أردنا الهجللرة إلللى‬
‫المدينة أنا وعياش بللن أبللي ربيعللة‪ ،‬وهشللام بللن‬
‫العللاص بللن وائل السللهمي‪ ،‬التناضللب)‪ ،(87‬مللن‬
‫رف)‪ ،(89‬وقلنللا‪ :‬أينللا‬‫سل ِ‬
‫بني غفار‪ ،‬فللوق َ‬
‫)‪(88‬‬
‫أضاءة‬
‫)( فتح الباري )‪ (7/261‬نقل ً عن صحيح التوثيق ص ‪. 31‬‬ ‫‪84‬‬

‫)( البخاري رقم ‪. 3925‬‬ ‫‪85‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق عمر بن الخطاب‬ ‫‪86‬‬

‫ص ‪. 31‬‬
‫)( التناضب‪ :‬جمع تنضيب وهو شجر‪.‬‬ ‫‪87‬‬

‫)( الضاءة‪ :‬على عشرة أميال من مكة‪.‬‬ ‫‪88‬‬

‫)( سرف‪ :‬وادي متوسط الطول من أودية مكة‪.‬‬ ‫‪89‬‬
‫حبس فليمض صاحباه‪ .‬قال‪:‬‬ ‫لم يصبح عندها فقد ُ‬
‫فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند الّتناضب‪،‬‬
‫فتن فافتتن)‪ ،(90‬فلمللا قللدمنا‬ ‫حبس عنا هشام‪ ،‬و ُ‬ ‫و ُ‬
‫المدينة نزلنللا فللي بنللي عمللرو بللن عللوف بقبللاء‪،‬‬
‫وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى‬
‫عّياش بن أبي ربيعة‪ ،‬وكان ابن عمهما وأخوهمللا‬
‫لمهما‪ ،‬حتى قدما علينا المدينة‪ ،‬ورسول الله ‪‬‬
‫بمكة‪ ،‬فكّلماه وقللال‪ :‬إن أمللك نللذرت أن ل يم ل ّ‬
‫س‬
‫مشط حتى تراك‪ ،‬ول تستظل من شللمس‬ ‫رأسها ُ‬
‫حتى تراك‪ ،‬فرقّ لها‪ ،‬فقلت له‪ :‬عياش‪ ،‬إنه والللله‬
‫إن يريلللدك القلللوم إل ليفتنلللوك علللن دينلللك‪،‬‬
‫فاحلللذرهم‪ ،‬فلللوالله للللو قلللد آذى أملللك القملللل‬
‫لمتشلللطت‪ ،‬وللللو قلللد اشلللتد عليهلللا حلللر مكلللة‬
‫لستظللت‪ .‬قال‪ :‬أبّر قسم أمي‪ ،‬ولي هناك مللال‬
‫فآخذه‪ .‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬والله إنللك لتعلللم أنللي لمللن‬
‫ل‪ ،‬فلللك نصللف مللالي ول تللذهب‬ ‫أكللثر قريللش مللا ً‬
‫ي إل أن يخرج معهما‪ ،‬فلما‬ ‫معهما‪ .‬قال‪ :‬فأبى عل ّ‬
‫أبى إل ذلك‪ ،‬قال‪ :‬قلت له‪ :‬أمللا إذ قللد فعلللت مللا‬
‫فعلللت‪ ،‬فخللذ نللاقتي هللذه‪ ،‬فإنهللا ناقللة نجيبللة‬
‫ذلول)‪ ،(91‬فلالزم ظهرهلا‪ ،‬فلإن رابلك ملن القلوم‬
‫ريب فانلج عليهلا فخلرج عليهلا معهملا‪ ،‬حلتى إذا‬
‫كانوا ببعض الطريق قال له أبللو جهللل‪ :‬يللا أخللي‪،‬‬
‫)‪(92‬‬
‫والله لقد استغلظت بعيري هللذا‪ ،‬أفل ُتعقبنللي‬
‫على ناقتك هذه؟ قال‪ :‬بلى‪ .‬قال‪ :‬فأنللاخ‪ ،‬وأنللاخ‪،‬‬
‫ليتحول عليها‪ ،‬فلما استووا بللالرض عللدوا عليلله‪،‬‬

‫)( الهجرة النبوية المباركة‪ ،‬عبد الرحمن عبد البر ص ‪. 129‬‬ ‫‪90‬‬

‫)( الذلول‪ :‬أذلها العمل‪ ،‬فصارت سهلة الركوب والنقياد‪.‬‬ ‫‪91‬‬

‫)( ُتعقبني‪ :‬تجعلني أعقبك عليها لركوبها‪.‬‬ ‫‪92‬‬
‫فأوثقللاه‪ ،‬ثللم دخل بلله مكللة‪ ،‬وفتنللاه فللافتتن)‪.(93‬‬
‫قللال‪ :‬فكنللا نقللول‪ :‬مللا الللله بقابللل ممللن افتتللن‬
‫صللرفا ً ول عللدل ً ول توبللة‪ ،‬قللوم عرفللوا الللله ثللم‬
‫رجعللوا إلللى الكفللر لبلء أصللابهم قللال‪ :‬وكللانوا‬
‫يقولون ذلك لنفسهم فلما قدم رسللول الللله ‪‬‬
‫المدينللة أنللزل الللله تعللالى فيهللم وفللي قولنللا‬
‫َ‬
‫فوا‬‫سللَر ُ‬
‫نأ ْ‬ ‫عَبللاِدي اّللل ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ل َيا ِ‬ ‫وقولهم لنفسهم‪ُ  :‬‬
‫قلل ْ‬
‫م‬‫ه ْ‬ ‫سللللللللللللللللللللللللللللل ِ‬ ‫ف ِ‬‫عَللللللللللللللللللللللللللللللى أ َن ْ ُ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫عا إ ِن ّ ُ‬ ‫مي ً‬‫ج ِ‬ ‫ب َ‬ ‫ّ‬
‫فُر الذُنو َ‬ ‫غ ِ‬
‫ه يَ ْ‬ ‫ّ‬
‫ن الل َ‬ ‫ه إِ ّ‬ ‫ّ‬
‫ة الل ِ‬ ‫م ِ‬ ‫ح َ‬‫ن َر ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ُ‬
‫ل ت َقن َطوا ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫ه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫غ ُ‬ ‫و ال ْ َ‬
‫موا ل ل ُ‬ ‫س لل ِ ُ‬‫وأ ْ‬ ‫م َ‬ ‫وأِنيُبوا إ ِلللى َرب ّك ل ْ‬ ‫م)‪َ (53‬‬ ‫حي ُ‬ ‫فوُر الّر ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ُ‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫عللوا‬ ‫وات ّب ِ ُ‬‫ن)‪َ (54‬‬ ‫صلُرو َ‬ ‫م ل ت ُن ْ َ‬ ‫ب ث ُل ّ‬ ‫ذا ُ‬ ‫عل َ‬ ‫م ال َ‬ ‫ن ي َأت ِي َك ْ‬ ‫لأ ْ‬ ‫ن قب ْ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ِ‬
‫م‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ز َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ن َيلأت ِي َك ْ‬ ‫لأ ْ‬ ‫قْبل ِ‬ ‫مل ْ‬‫م ِ‬ ‫ن َرب ّكل ْ‬ ‫مل ْ‬ ‫م ِ‬ ‫ل إ ِلي ْكل ْ‬ ‫ِ‬ ‫ملا أْنل‬ ‫ن َ‬ ‫سل َ‬ ‫ح َ‬ ‫أ ْ‬
‫م‬ ‫ة َ‬ ‫علللللللللللللللللل َ‬
‫وأن ْت ُلللللللللللللللللل ْ‬ ‫غت َلللللللللللللللللل ً َ‬ ‫ب بَ ْ‬ ‫ذا ُ‬ ‫ال َ‬
‫ن)‪)  (55‬الزمر‪ ،‬اليات‪.(55-53 :‬‬ ‫عُرو َ‬ ‫ش ُ‬ ‫ل َ تَ ْ‬
‫قال عمر بن الخطاب‪ :‬فكتبتها بيدي في صحيفة‪،‬‬
‫وبعثت بهلا إللى هشلام بلن العلاص قلال‪ :‬فقلال‬
‫هشام‪ :‬فلما أتتني جعلت أقرؤها بللذي طللوى)‪،(94‬‬
‫ب‪ ،‬ول أفهمهللا حللتى قلللت‪:‬‬ ‫و ُ‬
‫ص ّ‬
‫عد بها فيه‪ ،‬وأ َ‬‫ص ّ‬
‫أ َ‬
‫همنيها‪ ،‬قال‪ :‬فألقى الله في قلللبي أنهللا‬ ‫مف ّ‬‫الله ّ‬
‫إنما أنزلت فينللا‪ ،‬وفيمللا كنللا نقللول فللي أنفسللنا‬
‫ويقال فينا‪ .‬قال‪ :‬فرجعت إلللى بعيللري فجلسللت‬
‫عليه‪ ،‬فلحقت برسول الله وهو بالمدينة)‪.(95‬‬
‫هذه الحادثة تظهر لنا كيف أعد عمللر رضللي الللله‬
‫عيللاش بللن‬ ‫عنه خطة الهجرة للله‪ ،‬ولصللاحبيه‬
‫أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السللهمي‪،‬‬
‫وكان ثلثتهم كل واحللد مللن قبيلللة‪ ،‬وكللان مكللان‬

‫)( السيرة النبوية الصحيحة )‪.(1/205‬‬ ‫‪93‬‬

‫)( ذو طوى‪ :‬واد من أودية مكة‪.‬‬ ‫‪94‬‬

‫)( الهجرة النبوية المباركة ص ‪. 131‬‬ ‫‪95‬‬
‫اللقاء الللذي اتعللدوا فيلله بعيللدا ً عللن مكللة وخللارج‬
‫الحرم على طريللق المدينللة‪ ،‬ولقللد تحللدد الزمللان‬
‫والمكللان بالضللبط بحيللث إنلله إذا تخلللف أحللدهم‬
‫فليمللض صللاحباه ول ينتظرانلله‪ ،‬لنلله قللد حبللس‪،‬‬
‫وكما توقعوا‪ ،‬فقد حبس هشام بن العاص رضللي‬
‫الللله عنلله بينمللا مضللى عمللر وعيللاش بهجرتهمللا‬
‫)‪(96‬‬
‫ونجحت الخطة كاملة ووصل المدينللة سللالمين‬
‫إل أن قريش لا ً صللممت علللى متابعللة المهللاجرين‬
‫وللللذلك أعلللدت خطلللة محكملللة قلللام بتنفيلللذها‬
‫أبو جهل‪ ،‬والحارث وهمللا أخللوا عيللاش مللن أملله‪،‬‬
‫المر الذي جعل عياش لا ً يطمئن إليهمللا‪ ،‬وبخاصللة‬
‫إذا كان المر يتعلق بأمه‪ ،‬فاختلق أبو جهللل هللذه‬
‫الحيلة لعلمه بمدى شللفقة ورحمللة عيللاش بللأمه‪،‬‬
‫والللذي ظهللر جلي لا ً عنللدما أظهللر مللوافقته علللى‬
‫العودة معهم‪ ،‬كما تظهلر الحادثلة الحلس المنلي‬
‫الرفيع الذي كان يتمتع به عمر رضللي الللله عنلله‪،‬‬
‫حيث صدقت فراسته في أمللر الختطللاف)‪ (97‬كمللا‬
‫يظهر المستوى العظيم مللن الخللوة الللتي بناهللا‬
‫السلم فعمر يضللحي بنصللف مللاله حرص لا ً علللى‬
‫سللللمة أخيللله‪ ،‬وخوفلللا ً عليللله ملللن أن يفتنللله‬
‫المشللركون بعللد عللودته‪،‬ولكللن غلبللت عيللاش‬
‫عاطفته نحو أمه‪ ،‬وبره بها ولذلك قرر أن يمضي‬
‫لمكة فيبر قسللم أملله ويللأتي بمللاله الللذي هنللاك‪،‬‬
‫وتأبى عليه عفته أن يأخذ نصف مللال أخيلله عمللر‬
‫رضي الله عنه وماله قللائم فللي مكلله لللم يمللس‪،‬‬
‫غير أن أفق عمر رضي الله عنه كان أبعد‪ ،‬فكللأنه‬
‫)( التربية القيادية )‪.(159 /2‬‬ ‫‪96‬‬

‫)( السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للصلبي ص‬ ‫‪97‬‬

‫‪.512‬‬
‫يرى رأي العين المصير المشللؤوم الللذي سللينزل‬
‫بعياش لو عاد إلى مكة‪ ،‬وحين عجللز عللن إقنللاعه‬
‫أعطاه ناقته اللذلول النجيبلة‪ ،‬وحلدث لعيلاش ملا‬
‫توقعه عمر من غدر المشركين)‪.(98‬‬
‫وساد في الصف المسلم أن الله تعللالى ل يقبللل‬
‫صرفا ً ول عدل ً من هللؤلء الللذين فتنللوا فللافتتنوا‬
‫وتعايشوا مع المجتمع الجاهلي فنللزل قللول الللله‬
‫م لَ‬‫ه ْ‬
‫سل ِ‬ ‫عل َللى أ َن ْ ُ‬
‫ف ِ‬ ‫فوا َ‬ ‫سلَر ُ‬ ‫َ‬
‫نأ ْ‬ ‫عَباِدي ال ّل ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ل َيا ِ‬ ‫تعالى‪ُ :‬‬
‫ق ْ‬
‫ه …‪ ‬ومللا أن نزلللت هللذه‬ ‫ة الّللل ِ‬
‫ملل ِ‬
‫ح َ‬
‫ن َر ْ‬
‫ملل ْ‬ ‫قن َ ُ‬
‫طللوا ِ‬ ‫تَ ْ‬
‫اليات حتى سارع الفاروق رضي الله عنه فبعللث‬
‫بها إلى أخويه الحميميللن عيللاش وهشللام ليجللددا‬
‫محاولتهما في مغادرة معسكر الكفللر‪ .‬أي سللمو‬
‫عظيم عنللد ابللن الخطللاب رضللي الللله عنلله‪ .‬لقللد‬
‫حاول مع أخيه عياش‪ ،‬أعطاه نصف ماله على أن‬
‫ل يغادر المدينة‪ ،‬وأعطاه ناقته ليفللر عليهللا ومللع‬
‫ف منله لنلله‬‫هذا كله‪ ،‬فلم يشمت بأخيه‪ ،‬ولم يتش ّ‬
‫خللالفه‪ ،‬ورفللض نصلليحته‪ ،‬وألقللى برأيلله خلللف‬
‫ظهره‪ ،‬إنما كان شعور الحب والوفللاء لخيلله هللو‬
‫الللذي يسلليطر عليلله‪ ،‬فمللا أن نزلللت اليللة حللتى‬
‫سللارع ببعثهللا إلللى أخللويه مللن مكللة وإلللى كللل‬
‫المستضللعفين هنللاك ليقومللوا بمحللاولت جديللدة‬
‫للنضمام إلى المعسكر السلمي)‪.(99‬‬
‫هذا وقد نزل عمر بالمدينللة‪ ،‬وأصللبح وزيللر صللدق‬
‫لرسول الله ‪ ،‬وآخى النبي ‪ ‬بينه وبين عللويم‬
‫بللن سللاعدة)‪ ،(100‬وقيللل بينلله وبيللن عتبللان بللن‬

‫‪ () 98‬التربية القيادية )‪.(2/160‬‬
‫‪ () 99‬نفس المصدر )‪.(160 /2‬‬
‫‪ () 100‬مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لبن الجوزي ‪. 31‬‬
‫مالك)‪ (101‬وقيل بينه وبين معاذ بن عفراء)‪ (102‬وقد‬
‫علق ابن عبد الهادي على ذلك وقللال‪ :‬ل تنللاقض‬
‫بين الحاديث ويكون رسول الله ‪ ‬قد آخى بينلله‬
‫وبين كل أولئك في أوقللات متعللددة‪ ،‬فللإنه ليللس‬
‫بممتنللع أن يللؤاخي بينلله وبيللن كللل أولئك فللي‬
‫أوقات متعددة)‪.(103‬‬

‫‪ () 101‬الطبقات لبن سعد )‪.(3/272‬‬
‫‪ () 102‬مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لبن الجوزي ‪. 31‬‬
‫‪ () 103‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‬
‫)‪.(1/184‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫التربية القرآنية والنبوية لعمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنه‬
‫المبحث الول‪ :‬حياة الفاروق مع القرآن الكريم‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تصببوره عببن اللببه والكببون والحيبباة والجنببة والنببار والقضبباء‬
‫والقدر‪:‬‬
‫‪ -‬كان المنهج التربوي الذي تربللى عليلله عمللر‬
‫بن الخطاب وكل الصحابة الكللرام هللو القللرآن‬
‫الكريم‪ ،‬المنللزل مللن عنللد رب العللالمين‪ ،‬فهللو‬
‫المصدر الوحيللد للتلقللي‪ ،‬فقللد حللرص الحللبيب‬
‫المصطفى على توحيد مصدر التلقللي وتفللرده‬
‫وأن يكللون القللرآن الكريللم وحللده هللو المنهللج‬
‫والفكللرة المركزيللة الللتي يلتربى عليهلا الفلرد‬
‫المسلللللم والسللللرة المسلللللمة‪ ،‬والجماعللللة‬
‫المسلمة‪ ،‬فكانت لليات الكريمة الللتي سللمعها‬
‫عمللر ملن رسلول الللله ‪ ‬مباشللرة أثرهلا فلي‬
‫صللياغة شخصللية الفللاروق السلللمية‪ ،‬فقللد‬
‫هلرت قلبلله‪ ،‬وزكللت نفسله‪ ،‬وتفلاعلت معهلا‬ ‫ط ّ‬
‫روحللله‪ ،‬فتحلللول إللللى إنسلللان جديلللد بقيمللله‬
‫ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته)‪.(104‬‬
‫فقد عرف الفاروق مللن خلل القللرآن الكريللم‬
‫من هو الله الذي يجب أن يعبده‪ ،‬وكللان النللبي‬
‫‪ ‬يغللرس فللي نفسلله معللاني تلللك اليللات‬
‫العظيمة فقد حرص ‪ ‬أن يربي أصللحابه علللى‬
‫التصور الصحيح عن ربهلم وعلن حقله عليهلم‪،‬‬
‫ملللدركا ً أن هلللذا التصلللور سللليورث التصلللديق‬

‫‪ () 104‬السيرة النبوية للص ّ‬
‫لبي )‪.(1/145‬‬
‫واليقيللن عنللدما تصللفى النفللوس وتسللتقيم‬
‫الفطرة‪ ،‬فأصبحت نظللرة الفللاروق إلللى الللله‪،‬‬
‫والكلللون والحيلللاة والجنلللة والنلللار‪ ،‬والقضلللاء‬
‫والقلللدر‪ ،‬وحقيقلللة النسلللان‪ ،‬وصلللراعه ملللع‬
‫الشيطان مستمدة من القللرآن الكريللم وهللدي‬
‫النبي ‪.‬‬
‫‪ -‬فالله سللبحانه وتعللالى منللزه عللن النقللائص‬
‫موصلللوف بالكملللالت اللللتي ل تتنلللاهى فهلللو‬
‫سبحانه ) واحد ل شريك له‪ ،‬ولم يتخللذ صللاحبة‬
‫ول ولدا ً (‪.‬‬
‫‪ -‬وأنه سبحانه خالق كل شيء ومالكه وملدبره‬
‫فللي‬ ‫والرض ِ‬ ‫ت َ‬‫موا ِ‬ ‫سل َ‬‫ق ال ّ‬ ‫خل َ ل َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ه ال ّ ل ِ‬ ‫م الل ّ ُ‬ ‫ن َرب ّك ُ ْ‬ ‫‪ ‬إِ ّ‬
‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ست ّ َ‬
‫هللاَر‬‫ل الن ّ َ‬ ‫شي اللي ْ َ‬ ‫غ ِ‬ ‫ش يُ ْ‬‫عْر ِ‬ ‫على ال َ‬ ‫وى َ‬ ‫ست َ َ‬‫ما ْ‬ ‫ة أّيام ٍ ث ُ ّ‬ ‫ِ ِ‬
‫ت‬‫خَرا ٍ‬ ‫سل ّ‬‫م َ‬ ‫م ُ‬ ‫جللو َ‬‫والن ّ ُ‬ ‫م لَر َ‬ ‫وال ْ َ‬
‫ق َ‬ ‫س َ‬‫م َ‬ ‫شل ْ‬ ‫وال ّ‬ ‫حِثيث ًللا َ‬ ‫ه َ‬ ‫ي َطْل ُب ُل ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ن)‬‫مي َ‬ ‫عللال َ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬ ‫ه َر ّ‬ ‫ك الل ّ ل ُ‬ ‫مُر ت َب َللاَر َ‬‫وال ْ‬ ‫ق َ‬ ‫خل ْ ُ‬ ‫ه ال ْ َ‬ ‫ه أل َ ل َ ُ‬ ‫ر ِ‬ ‫م ِ‬‫ب ِأ ْ‬
‫‪) (54‬العراف‪،‬آية‪.(54:‬‬
‫‪ -‬وأنه تعالى مصدر كل نعمة في هللذا الوجللود‬
‫‪‬‬ ‫دقللت أو عظمللت ظهللرت أو خفيللت‬
‫ف لإ ِل َي ْ ِ‬
‫ه‬ ‫ضّر َ‬ ‫سك ُ ْ‬
‫م ال ّ‬ ‫م ّ‬
‫ذا َ‬ ‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫م إِ َ‬ ‫م ْ‬ ‫ة َ‬
‫ف ِ‬ ‫م ٍ‬
‫ع َ‬
‫ن نِ ْ‬
‫م ْ‬ ‫ما ب ِك ُ ْ‬
‫م ِ‬ ‫و َ‬‫َ‬
‫ن)‪)  (53‬النحل‪،‬آية‪.(53:‬‬
‫َ‬
‫جأُرو َ‬ ‫تَ ْ‬
‫‪ -‬وأن علمه محيط بكل شيء‪ ،‬فل تخفى عليه‬
‫ول مللا‬ ‫خافية في الرض ول في السماء‬
‫يخفي النسان وما يعلن‪.‬‬
‫‪ -‬وأنلله سللبحانه يقيللد علللى النسللان أعمللاله‬
‫بواسطة ملئكته‪ ،‬في كتاب ل يترك صغيرة ول‬
‫كبيرة إل أحصاها‪ ،‬وسينشر ذلللك فللي اللحظللة‬
‫‪‬‬ ‫المناسبة والوقت المناسللب‪:‬‬
‫)ق‪،‬‬ ‫د)‪ (18‬‬
‫عِتيل ٌ‬
‫ب َ‬
‫قيل ٌ‬ ‫ل إ ِل ّ َللدَي ْ ِ‬
‫ه َر ِ‬ ‫و ٍ‬ ‫ن َ‬
‫ق ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ف ُ‬
‫ظ ِ‬ ‫ما ي َل ْ ِ‬
‫َ‬
‫آية‪.(18:‬‬
‫‪ -‬وأنه سبحانه يبتلي عبللاده بللأمور تخللالف مللا‬
‫يحبون‪ ،‬ومللا يهللوون ليعللرف النللاس معللادنهم‪،‬‬
‫ومن منهم يرضى بقضاء الله وقللدره‪ ،‬ويسلللم‬
‫للله ظللاهرا ً وباطنللا‪ ،‬فيكللون جللديرا ً بالخلفللة‬
‫والمامة والسيادة‪ ،‬ومن منهم يغضب ويسخط‬
‫ذي‬ ‫ا‪ ،‬ول يسند إليه شيء‪  :‬ال ّل ِ‬‫فل يساوي شيئ ً‬
‫َ‬ ‫خل َق ال ْموت وال ْحياةَ ل ِيبل ُلوك ُ َ‬
‫و‬
‫هل َ‬ ‫مل ً َ‬
‫و ُ‬ ‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫سل ُ‬
‫ح َ‬
‫مأ ْ‬‫م أي ّك ُل ْ‬
‫َ ْ َ ْ‬ ‫َ ْ َ َ َ َ‬ ‫َ َ‬
‫فوُر)‪. (2‬‬ ‫زيُز ال ْ َ‬
‫غ ُ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ع ِ‬
‫‪ -‬وأنه سللبحانه يوفللق ويؤيللد وينصللر مللن لجللأ‬
‫إليه‪ ،‬ولذ بحماه ونزل على حكمه في كللل مللا‬
‫ب‬‫ل ال ْك َِتللا َ‬ ‫ه اّللل ِ‬
‫ذي َنللّز َ‬ ‫ول ِّيللي الّللل ُ‬ ‫يأتي وما يذر ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫وّلى‬
‫و ي ََتللللللللللللللللللللللللللللل َ‬
‫هللللللللللللللللللللللللللللل َ‬‫و ُ‬
‫َ‬
‫ن)‪)  (196‬العراف‪،‬آية‪.(196:‬‬ ‫حي َ‬
‫صال ِ ِ‬
‫ال ّ‬
‫‪ -‬وأنه سللبحانه وتعللالى حقلله علللى العبللاد أن‬
‫‪‬‬ ‫يعبدوه ويوحدوه فل يشركوا بلله شلليئا ً‬
‫ن)‪)  (66‬الزمر‪ ،‬آية‪:‬‬ ‫ري َ‬ ‫ن ال ّ‬
‫شاك ِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫وك ُ ْ‬ ‫عب ُدْ َ‬
‫فا ْ‬ ‫ل الل ّ َ‬
‫ه َ‬ ‫بَ ْ‬
‫‪.(66‬‬
‫‪ -‬وأنه سللبحانه حللدد مضللمون هللذه العبوديللة‪،‬‬
‫وهذا التوحيد في القرآن الكريم)‪.(105‬‬
‫وأما نظرته للكون فقد استمدها من قول الله‬
‫ق ْ َ‬
‫في‬ ‫ق الرض ِ‬ ‫خل َ َ‬ ‫ن ِبال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫فُرو َ‬‫م ل َت َك ْ ُ‬
‫ل أئ ِن ّك ُ ْ‬ ‫تعالى‪ُ  :‬‬
‫يومين وت َجعُلون ل َ َ‬
‫ل‬‫ع َ‬ ‫ج َ‬‫و َ‬ ‫ن)‪َ (9‬‬ ‫مي َ‬‫عال َ ِ‬ ‫ب ال ْ َ‬ ‫ك َر ّ‬ ‫دا ذَل ِ َ‬ ‫دا ً‬ ‫ه أن َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ ْ َ ْ ِ َ ْ َ‬
‫هللا‬ ‫في َ‬ ‫وق لدَّر ِ‬‫َ‬ ‫هللا َ‬ ‫في َ‬ ‫َ‬
‫وب َللاَرك ِ‬ ‫هللا َ‬ ‫ق َ‬‫و ِ‬‫نف ْ‬ ‫َ‬ ‫مل ْ‬ ‫ي ِ‬ ‫سل َ‬ ‫وا ِ‬‫هللا َر َ‬ ‫في َ‬ ‫ِ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫ن) ‪ُ (10‬ثلل ّ‬ ‫سللائ ِِلي َ‬ ‫واءً ِلل ّ‬ ‫سلل َ‬ ‫ة أّيللام ٍ َ‬ ‫علل ِ‬ ‫فللي أْرب َ َ‬ ‫هللا ِ‬ ‫وات َ َ‬ ‫أق َ‬
‫ض‬
‫وِللْر ِ‬ ‫هللا َ‬ ‫ل لَ َ‬‫قللا َ‬ ‫ف َ‬‫ن َ‬ ‫خللا ٌ‬‫ي دُ َ‬ ‫هل َ‬ ‫و ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ما ِ‬ ‫سل َ‬ ‫وى إ َِلى ال ّ‬ ‫ست َ َ‬ ‫ا ْ‬
‫َ‬
‫قال ََتا أت َي َْنا َ‬ ‫َ‬
‫ن‬ ‫ه ّ‬ ‫ضا ُ‬ ‫ق َ‬‫ف َ‬‫ن)‪َ (11‬‬ ‫عي َ‬ ‫طائ ِ ِ‬ ‫ها َ‬ ‫و ك َْر ً‬ ‫عا أ ْ‬ ‫و ً‬‫ا ِئ ْت َِيا طَ ْ‬
‫‪ () 105‬منهج الرسول في غرس الروح الجهادية ص ‪ 10‬إلى ‪. 16‬‬
‫ء‬
‫ما ٍ‬ ‫فللي ك ُل ّ‬ ‫فللي يلومين َ‬
‫سل َ‬ ‫ل َ‬ ‫حللى ِ‬ ‫و َ‬
‫وأ ْ‬‫َ ْ َ ْ ِ َ‬ ‫ت ِ‬ ‫وا ٍ‬‫ما َ‬
‫سل َ‬ ‫ع َ‬ ‫سلب ْ َ‬ ‫َ‬
‫ديُر‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫حفظا ذل ِك ت َق ِ‬ ‫و ِ‬
‫ح َ‬‫صاِبي َ‬
‫م َ‬‫ماءَ الدّن َْيا ب ِ َ‬‫س َ‬
‫وَزي ّّنا ال ّ‬ ‫ها َ‬ ‫مَر َ‬ ‫أ ْ‬
‫م)‪)  (12‬فصلت‪.(12-9:‬‬ ‫عِلي ِ‬ ‫ز ال ْ َ‬‫زي ِ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ع ِ‬
‫وأما هذه الحياة مهما طالت فهللي إلللى زوال‪،‬‬
‫وأن متاعها مهما عظم فإنه قليل حقيللر قللال‬
‫ل ال ْحياة ال لدن ْيا ك َمللا ٍ َ‬
‫ن‬ ‫ء أن َْزل ْن َللاهُ ِ‬
‫مل ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫َ َ ِ‬ ‫مث َ ُ‬ ‫تعالى‪  :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما َ‬
‫س‬
‫ل الن ّللا ُ‬ ‫مللا ي َأ ْك ُل ُ‬ ‫م ّ‬ ‫ت الرض ِ‬ ‫ه ن َب َللا ُ‬ ‫ط ب ِل ِ‬ ‫خت َل َ َ‬ ‫فللا ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ما ِ‬ ‫سل َ‬ ‫ال ّ‬
‫َ‬ ‫خُر َ‬ ‫َ‬
‫ن‬‫وظ ل ّ‬ ‫ت َ‬ ‫واّزي ّن َ ْ‬ ‫ها َ‬ ‫ف َ‬ ‫ت الرض ُز ْ‬ ‫خذَ ْ‬ ‫ذا أ َ‬ ‫حّتى إ ِ َ‬ ‫م َ‬ ‫عا ُ‬ ‫والن ْ َ‬ ‫َ‬
‫هللاًرا‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫لا‬
‫ل‬‫َ‬ ‫ن‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫لا‬‫ل‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫تا‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫لا‬‫ل‬ ‫ه‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬‫ع‬‫َ‬ ‫ن‬ ‫رو‬ ‫د‬ ‫لا‬‫ل‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫ّ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫أ‬ ‫ها‬ ‫ُ‬ ‫ل‬‫ه‬‫ْ‬ ‫أَ‬
‫ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ ْ‬ ‫َ‬
‫َ‬
‫ل‬ ‫صل ُ‬ ‫ف ّ‬ ‫ك نُ َ‬ ‫س ك َلذَل ِ َ‬ ‫م ِ‬ ‫ن ب ِللال ْ‬ ‫غل َ‬ ‫م تَ ْ‬ ‫ن لَ ْ‬ ‫دا ك َأ ْ‬ ‫صي ً‬ ‫ح ِ‬ ‫ها َ‬ ‫عل َْنا َ‬ ‫ج َ‬ ‫ف َ‬ ‫َ‬
‫ن)‪)  (24‬يونس‪،‬آية‪.(24:‬‬ ‫فك ُّرو َ‬ ‫وم ٍ ي َت َ َ‬ ‫ق ْ‬ ‫ت لِ َ‬ ‫الَيا ِ‬
‫وأما نظرته إلى الجنة‪ ،‬فقد استمدها من خلل‬
‫اليللات الكريمللة الللتي وصللفتها‪ ،‬فأصللبح حللاله‬
‫م‬
‫ه ْ‬
‫جن ُللوب ُ ُ‬
‫فى ُ‬ ‫ممن قال الله تعالى فيهم‪  :‬ت َت َ َ‬
‫جللا َ‬
‫مللا‬
‫م ّ‬‫و ِ‬‫عللا َ‬‫م ً‬‫وط َ َ‬‫فللا َ‬ ‫و ً‬
‫خ ْ‬‫م َ‬‫هلل ْ‬ ‫ن َرب ّ ُ‬ ‫عو َ‬
‫ع َيللدْ ُ‬‫ج ِ‬ ‫ضللا ِ‬ ‫م َ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫علل ْ‬‫َ‬
‫م‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬
‫هل ْ‬‫يل ُ‬ ‫فل َ‬‫خ ِ‬ ‫ما أ ْ‬‫س َ‬ ‫م ن َف ٌ‬ ‫عل ُ‬ ‫ن)‪ (16‬فل ت َ ْ‬ ‫فقو َ‬ ‫م ُين ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫َرَزقَنا ُ‬
‫َ‬
‫ن)‪ (17‬‬ ‫مُلللو َ‬ ‫ع َ‬
‫كللاُنوا ي َ ْ‬‫مللا َ‬ ‫جللَزاءً ب ِ َ‬
‫ن َ‬ ‫عُيلل ٍ‬ ‫ةأ ْ‬ ‫قللّر ِ‬ ‫ن ُ‬ ‫ملل ْ‬ ‫ِ‬
‫)السجدة‪،‬آية‪.(16،17:‬‬
‫وأما تصللوره للنللار فقللد اسللتمده مللن القللرآن‬
‫الكريم‪ ،‬فأصبح هذا التصور رادعا ً له في حياته‬
‫عن أي انحراف عن شريعة الله فيرى المتتبللع‬
‫لسيرة الفاروق عمق اسللتيعابه لفقلله القللدوم‬
‫على الله عز وجل‪ ،‬وشدة خوفه من عذاب الله‬
‫وعقابه‪ ،‬فقد خرج رضي الله عنه ذات ليلة في‬
‫س بالمدينللة‪ ،‬فم لّر بللدار رجللل مللن‬ ‫خلفتلله يع ل ّ‬
‫ً‬
‫المسلللمين‪ ،‬فللوافقه قائمللا يصلللي‪ ،‬فوقللف‬
‫ب‬
‫وك َِتللا ٍ‬
‫ر)‪َ (1‬‬ ‫وال ّ‬
‫طللو ِ‬ ‫يسللمع قراءتلله‪ ،‬فقللرأ‪َ  :‬‬
‫ر)‪(4‬‬
‫مللو ِ‬
‫ع ُ‬ ‫ت ال ْ َ‬
‫م ْ‬ ‫وال ْب َي ْل ِ‬
‫ر)‪َ (3‬‬ ‫شللو ٍ‬ ‫من ْ ُ‬
‫في َرقّ َ‬ ‫ر)‪ِ (2‬‬ ‫طو ٍ‬‫س ُ‬‫م ْ‬ ‫َ‬
‫جوِر)‪  (6‬إلى‬ ‫س ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ر ال ْ َ‬
‫ح ِ‬‫وال ْب َ ْ‬‫ع)‪َ (5‬‬ ‫فو ِ‬ ‫ف ال ْ َ‬
‫مْر ُ‬ ‫ق ِ‬‫س ْ‬‫وال ّ‬
‫َ‬
‫)الطور‪،‬آية‪.(7:‬‬ ‫ع)‪ (7‬‬
‫ق ٌ‬ ‫ك لَ َ‬
‫وا ِ‬ ‫ب َرب ّ َ‬ ‫ع َ‬
‫ذا َ‬ ‫أن يبلغ ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫قال‪ :‬قسم ورب الكعبة حق‪ .‬فنزل عن حماره‪،‬‬
‫فاستند إلى حائط‪ ،‬فمكث مليًا‪ ،‬ثللم رجللع إلللى‬
‫منزله‪ ،‬فمرض شهرا ً يعوده الناس ل يدرون ما‬
‫مرضه)‪.(106‬‬
‫وأما مفهوم القضاء والقدر فقد اسللتمده مللن‬
‫كتاب الله وتعليم رسللول الللله للله‪ ،‬فقللد رسللخ‬
‫مفهوم القضاء والقللدر فللي قلبلله‪ ،‬واسللتوعب‬
‫مراتبه من كتاب الله تعالى‪ ،‬فكان علللى يقيللن‬
‫فللي‬
‫ن ِ‬ ‫ما ت َ ُ‬
‫كو ُ‬ ‫بأن علم الله محيط بكل شيء ‪َ ‬‬
‫و َ‬
‫َ ْ‬
‫ل إ ِل ّ‬ ‫م ٍ‬ ‫ع َ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫مُلو َ‬ ‫ع َ‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫قْرآ ٍ‬ ‫ن ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫من ْ ُ‬ ‫ما ت َت ُْلوا ِ‬ ‫و َ‬ ‫ن َ‬ ‫شأ ٍ‬
‫ك‬ ‫ن َرب ّل َ‬ ‫ع ْ‬ ‫ب َ‬ ‫عُز ُ‬ ‫ما ي َ ْ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫في ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫ضو َ‬ ‫في ُ‬ ‫دا إ ِذْ ت ُ ِ‬ ‫هو ً‬ ‫ش ُ‬ ‫م ُ‬ ‫عل َي ْك ُ ْ‬ ‫ك ُّنا َ‬
‫َ‬
‫غَر‬ ‫صل َ‬‫ول َ أ ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ما ِ‬
‫سل َ‬ ‫في ال ّ‬ ‫ول َ ِ‬ ‫في الرض َ‬ ‫ة ِ‬ ‫ل ذَّر ٍ‬ ‫قا ِ‬ ‫مث ْ َ‬ ‫ن ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ِ‬
‫ن)‪)  (61‬يللونس‪،‬‬ ‫ول َ أك ْب ََر إ ِل ّ ِ‬ ‫َ‬ ‫ن ذَل ِ َ‬
‫مِبي ٍ‬ ‫ب ُ‬ ‫في ك َِتا ٍ‬ ‫ك َ‬ ‫م ْ‬ ‫ِ‬
‫آية‪ .(61:‬وأن الله قد كتب كل شيء كائن ‪ ‬إ ِّنا‬
‫ل‬ ‫وك ُل ّ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫وآث َللاَر ُ‬ ‫موا َ‬ ‫ق لد ّ ُ‬ ‫مللا َ‬ ‫ب َ‬ ‫ون َك ْت ُل ُ‬ ‫وَتى َ‬ ‫مل ْ‬ ‫ي ال ْ َ‬ ‫ح ِ‬ ‫ن نُ ْ‬ ‫ح ُ‬ ‫نَ ْ‬
‫‪) ‬يس‪،‬آية‪.(12:‬‬ ‫ن)‪(12‬‬ ‫مِبي ٍ‬ ‫مام ٍ ُ‬ ‫في إ ِ َ‬ ‫صي َْناهُ ِ‬ ‫ح َ‬ ‫ء أ ْ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫َ‬
‫ن‬ ‫كللا َ‬ ‫ما َ‬ ‫و َ‬ ‫وأن مشيئة الله نافذة وقدرته تامة ‪َ ‬‬
‫فللي الرض‬ ‫ول َ ِ‬ ‫ت َ‬ ‫موا ِ‬ ‫سل َ‬ ‫فللي ال ّ‬ ‫ء ِ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫جَزهُ ِ‬ ‫ع ِ‬ ‫ه ل ِي ُ ْ‬ ‫الل ّ ُ‬
‫قِديًرا)‪)  (44‬فاطر‪،‬آية‪ .(44:‬وأن الله‬ ‫ما َ‬ ‫عِلي ً‬ ‫ن َ‬ ‫كا َ‬ ‫ه َ‬ ‫إ ِن ّ ُ‬
‫و‬‫هل َ‬ ‫ه إ ِل ّ ُ‬ ‫م ل َ إ ِل َل َ‬ ‫ه َرب ّك ُل ْ‬ ‫م الل ّل ُ‬ ‫خالق لكل شيء ‪ ‬ذَل ِك ُ ْ‬
‫ل)‬ ‫كيلل ٌ‬ ‫و ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫عَلى ك ُ ّ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫و ُ‬ ‫دوهُ َ‬ ‫عب ُ ُ‬ ‫فا ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ق كُ ّ‬ ‫خال ِ ُ‬ ‫َ‬
‫‪)  (102‬النعام‪،‬آية‪.(102:‬‬
‫وقللد ترتللب علللى الفهللم الصللحيح والعتقللاد‬
‫الراسخ في قلبه لحقيقة القضاء والقدر‪ ،‬ثمار‬
‫نافعة ومفيدة ظهرت في حياته وسنراها بإذن‬
‫الله تعالى في هللذا الكتللاب وعللرف مللن خلل‬

‫‪ () 106‬الرقة والبكاء‪ ،‬عبد الله بن أحمد المقدسي ص ‪. 166‬‬
‫القرآن الكريللم حقيقللة نفسلله وبنللي النسللان‬
‫وأن حقيقة النسان ترجع إلى أصلين‪ :‬الصللل‬
‫البعيللد وهللو الخلقللة الولللى مللن طيللن‪ ،‬حيللن‬
‫سواه ونفخ فيه الروح‪ ،‬والصللل القريللب وهللو‬
‫فقللال تعللالى‪  :‬اّللل ِ‬
‫)‪(107‬‬
‫ذي‬ ‫خلقلله مللن نطفللة‬
‫ن)‬ ‫طيلل ٍ‬‫ن ِ‬‫ملل ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫ق الن َ‬ ‫خل ْ َ‬‫وب َدَأ َ َ‬ ‫ه َ‬‫ق ُ‬ ‫خل َ َ‬ ‫ء َ‬‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ن كُ ّ‬ ‫س َ‬ ‫ح َ‬‫أ ْ‬
‫َ‬
‫م‬‫ن)‪ (8‬ث ُل ّ‬ ‫هي ل ٍ‬ ‫م ِ‬‫ء َ‬ ‫مللا ٍ‬‫ن َ‬ ‫مل ْ‬ ‫ة ِ‬ ‫س لل َل َ ٍ‬ ‫ن ُ‬ ‫مل ْ‬ ‫ه ِ‬‫سل َ ُ‬‫ل نَ ْ‬ ‫ع َ‬ ‫ج َ‬‫م َ‬ ‫‪ (7‬ث ُ ّ‬
‫ع‬
‫م َ‬ ‫سلل ْ‬
‫م ال ّ‬ ‫ل لَ ُ‬
‫كلل ْ‬ ‫علل َ‬ ‫ج َ‬‫و َ‬‫ه َ‬ ‫حلل ِ‬ ‫ن ُرو ِ‬ ‫ملل ْ‬‫ه ِ‬ ‫فيلل ِ‬ ‫خ ِ‬ ‫فلل َ‬ ‫ون َ َ‬‫واهُ َ‬ ‫سلل ّ‬‫َ‬
‫‪‬‬ ‫ن)‪(9‬‬ ‫شلللك ُُرو َ‬ ‫ملللا ت َ ْ‬ ‫قِليل ً َ‬ ‫فئ ِدَةَ َ‬ ‫وال ْ‬ ‫صلللاَر َ‬ ‫والب ْ َ‬ ‫َ‬
‫)السللجدة‪،‬آيللة‪.(9-7:‬وعرف أن هللذا النسللان خلقلله‬
‫الله بيده‪ ،‬وأكرملله بالصللورة الحسللنة والقامللة‬
‫المعتدلللة‪ ،‬ومنحلله العقللل والنطللق والتمييللز‬
‫وسخر الله له ما في السماء والرض‪ ،‬وفضللله‬
‫الللله علللى كللثير مللن خلقلله‪ ،‬وكرملله بإرسللاله‬
‫الرسلللل لللله‪ ،‬وأن ملللن أروع مظلللاهر تكريلللم‬
‫المللولى عللز وجللل سللبحانه للنسللان أن جعللله‬
‫أهل ً لحبه ورضاه ويكون ذلللك باتبللاع النللبي ‪‬‬
‫الذي دعا الناس إلى السلم لكي يحيللوا حيللاة‬
‫طيبة في الدنيا ويظفروا بالنعيم المقيللم فللي‬
‫كلل َ‬
‫و‬
‫رأ ْ‬‫ن ذَ َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫حا ِ‬
‫صال ِ ً‬ ‫م َ‬
‫ل َ‬ ‫ع ِ‬
‫ن َ‬ ‫الخرة قال تعالى‪َ  :‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫م‬‫هل ْ‬
‫زي َن ّ ُ‬ ‫ول َن َ ْ‬
‫ج ِ‬ ‫حي َللاةً طَي ّب َل ً‬
‫ة َ‬ ‫ه َ‬ ‫فل َن ُ ْ‬
‫حي ِي َن ّل ُ‬ ‫ن َ‬‫م ٌ‬ ‫مل ْ‬
‫ؤ ِ‬ ‫و ُ‬‫هل َ‬ ‫أنث َللى َ‬
‫و ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ن)‪)  (97‬النحللل‪،‬آيللة‪:‬‬ ‫مُلو َ‬
‫ع َ‬ ‫كاُنوا ي َ ْ‬ ‫ما َ‬‫ن َ‬ ‫س ِ‬‫ح َ‬‫م ب ِأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫جَر ُ‬
‫أ ْ‬
‫‪.(97‬‬
‫وعرف عمر رضي الله عنه حقيقة الصراع بين‬
‫النسللان والشلليطان وأن هللذا العللدو يللأتي‬
‫للنسان من بين يديه ومن خلفلله وعللن يمينلله‬
‫وعن شماله‪ ،‬يوسوس للله بالمعصللية ويسللتثير‬
‫فيلله كللوامن الشللهوات‪ ،‬فكللان مسللتعينا ً بللالله‬
‫‪ () 107‬أصول التربية للخلوي ص ‪. 31‬‬
‫على عدوه إبليس وانتصر عليه في حياته‪ ،‬كما‬
‫سترى مللن سلليرته‪ ،‬وتعلللم مللن قصللة آدم مللع‬
‫الشيطان في القرآن الكريم؛ أن آدم هو أصللل‬
‫البشر‪ ،‬وجوهر السلم الطاعة المطلقللة لللله‪،‬‬
‫وأن النسان له قابليللة للوقللوع فللي الخطيئة‪،‬‬
‫وتعلم من خطيئة آدم ضللرورة توكللل المسلللم‬
‫على ربه‪ ،‬وأهمية التوبة والستغفار في حيللاة‬
‫المؤمن‪ ،‬وضرورة الحتراز من الحسد والكللبر‪،‬‬
‫وأهمية التخاطب بأحسللن الكلم مللع الصللحابة‬
‫ي‬
‫ه َ‬‫قوُلوا ال ِّتي ِ‬
‫عَباِدي ي َ ُ‬ ‫ق ْ‬
‫ل لِ ِ‬ ‫لقول الله تعالى‪َ  :‬‬
‫و ُ‬
‫ش لي ْ َ‬ ‫ش لي ْ َ‬ ‫َ‬
‫ن ك َللا َ‬
‫ن‬ ‫طا َ‬ ‫ن ال ّ‬
‫م إِ ّ‬
‫هل ْ‬ ‫ن َين لَز ُ‬
‫غ ب َي ْن َ ُ‬ ‫طا َ‬ ‫ن ال ّ‬
‫ن إِ ّ‬
‫س ُ‬‫ح َ‬
‫أ ْ‬
‫عدُّوا ُمِبيًنا)‪)  (53‬السراء‪،‬آية‪ .(53:‬وسار‬ ‫ن َ‬ ‫سا ِ‬‫ِللن َ‬
‫علللى منهللج رسللول الللله فللي تزكيللة أصللحابه‬
‫لرواحهللم وتطهيللر قلللوبهم بللأنواع العبللادات‬
‫وتربيتهم على التخلق بأخلق القرآن الكريم‪.‬‬
‫لقد أكرم المولى عز وجللل عمللر بللن الخطللاب‬
‫بالسلم الذي قدم له عقيللدة صللحيحة صللافية‬
‫خلفللت عقيللدته الولللى‪ ،‬وقضللت فللي نفسلله‬
‫عليها فانهارت أركان الوثنية‪ ،‬فل زلفى لوثن‪،‬‬
‫ول بنلات للله‪ ،‬ول صلهر بيلن الجلن واللله‪ ،‬ول‬
‫كهانة تحدد للمجتمع مساره‪ ،‬وتقللذف بلله فللي‬
‫تيه التشاؤم والطيرة ول عدم بعد المللوت)‪،(108‬‬
‫انتهى ذلك كله وخلفتلله عقيللدة اليمللان بللالله‬
‫وحللده مص ل ّ‬
‫فاة مللن الشللرك‪ ،‬والولللد والكهانللة‬
‫والعدم بعد الحياة الدنيا‪ ،‬ليحل اليمللان بللآخرة‬
‫ينتهي إليها عمل النسللان فلي تقللويم مجللزي‬
‫عليه‪ ،‬انتهى عبث الجاهلية فللي حيللاة بل بعللث‬

‫‪ () 108‬عمر بن الخطاب‪ ،‬علي الخطيب ص ‪. 51‬‬
‫ول مسللؤولية أمللام الللديان وخلفتهللا عقيللدة‬
‫اليمان باليوم الخر ومسؤولية الجزاء وانصهر‬
‫عمر بكليته في هذا الدين وأصبح الله ورسوله‬
‫أحب إليه مما سواهما‪ ،‬وعبللد الللله وحللده فللي‬
‫إحسللان كأنمللا يللراه)‪ ،(109‬وتربللى عمللر علللى‬
‫القرآن الكريم وتنقل به من تشريع إلى آداب‪،‬‬
‫ومن تاريخ إلللى حكمللة‪ ،‬فللي عطللاء مسترسللل‬
‫كريم‪ ،‬مع توفيق من الله تعالى له في العيللش‬
‫مع القرآن الكريم الذي أثللر فللي عقللله وقلبلله‬
‫ونفسه وروحه وانعكست ثمللار تلللك المعايشللة‬
‫على جوارحه‪ ،‬وكان سللبب ذلللك – بعللد توفيللق‬
‫الله له – تتلمذه على يدي رسول الله)‪.(110‬‬

‫‪ () 109‬عمر بن الخطاب‪ ،‬حياته‪ ،‬علمه‪ ،‬أدبه ص ‪. 51‬‬
‫‪ () 110‬نفس المصدر ص ‪. 52‬‬
‫ثاني بًا‪ :‬موافقببات عمببر للقببرآن الكريببم‪ ،‬وإلمببامه بأسببباب النببزول‬
‫وتفسيره لبعض اليات‪:‬‬

‫‪ -1‬موافقات عمر للقرآن الكريم‪:‬‬
‫كان عمللر مللن أكللثر الصللحابة شللجاعة وجللرأة‪،‬‬
‫فكلللثيرا ً ملللا كلللان يسلللأل الرسلللول ‪ ‬علللن‬
‫التصلرفات الللتي لللم يللدرك حكمهللا‪ ،‬كمللا كللان‬
‫رضي الله عنه يبدي رأيه واجتهاده بكللل صللدق‬
‫ووضوح ومن شدة فهملله واسللتيعابه لمقاصللد‬
‫القللرآن الكريللم نللزل القللرآن الكريللم موافقلا ً‬
‫لرأيه رضي الله عنه في بعض المواقلف‪ ،‬قلال‬
‫عمر رضي الله عنه‪ :‬وافقللت الللله تعللالى فللي‬
‫ثلث‪ ،‬أو وافقللت ربللي فللي ثلث‪ ،‬قلللت‪ :‬يللا‬
‫رسللول الللله لللو اتخللذت مللن مقللام إبراهيللم‬
‫مص لّلى‪ ،‬فللأنزل الللله تعللالى ذلللك‪ ،‬وقلللت‪ :‬يللا‬ ‫ُ‬
‫رسول الله‪ ،‬يللدخل عليللك الللبّر والفللاجر‪ ،‬فلللو‬
‫أمرت أمهات المؤمنين بالحجللاب‪ ،‬فللأنزل الللله‬
‫تعالى آية الحجاب‪ ،‬قال‪ :‬وبلغني معاتبة النللبي‬
‫‪ ‬بعللض أزواجلله‪ ،‬فللدخلت عليهللن‪ ،‬قلللت‪ :‬إن‬
‫انتهيتللن أو ليبللدلن الللله رسللوله خيللرا ً منكللن‪،‬‬
‫حتى أتيت إحدى نسائه‪ ،‬قالت‪ :‬يا عمر‪ ،‬أما في‬
‫رسول الله ‪ ‬ما يعللظ نسللاءه‪ ،‬حللتى تعظهللن‬
‫َ‬ ‫ن طَل ّ َ‬ ‫أنت)‪(111‬؟ فأنزل الله‪َ  :‬‬
‫ن‬ ‫نأ ْ‬‫قك ُ ّ‬ ‫ه إِ ْ‬
‫سى َرب ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫يبدل َ َ‬
‫ت‬ ‫ت َ‬
‫قان ِت َللا ٍ‬ ‫من َللا ٍ‬ ‫م ْ‬
‫ؤ ِ‬ ‫ت ُ‬‫ما ٍ‬
‫س لل ِ َ‬ ‫م ْ‬ ‫من ْك ُل ّ‬
‫ن ُ‬ ‫خي ْلًرا ِ‬‫جا َ‬ ‫وا ً‬‫ه أْز َ‬
‫ُ ْ ِ ُ‬
‫ت َوأ َب ْك َلللاًرا)‪ (5‬‬ ‫ت ث َي ّب َلللا ٍ‬
‫حا ٍ‬‫سلللائ ِ َ‬‫ت َ‬‫دا ٍ‬ ‫عاب ِللل َ‬‫ت َ‬ ‫َتائ ِب َلللا ٍ‬
‫)التحريم‪،‬آية‪.(5:‬‬
‫‪ -2‬ومن موافقته في ترك الصلة على المنافقين‪:‬‬

‫‪ () 111‬البخاري‪ ،‬ك التفسير رقم ‪. 4213‬‬
‫دعللي‬ ‫قال عمر‪ :‬لما تللوفي عبللد الللله بللن أبللي ُ‬
‫رسول الله ‪ ‬للصلة عليه‪ ،‬فقللام إليلله‪ ،‬فلمللا‬
‫وقف عليه يريد الصلة تحولت حتى قمت فللي‬
‫و الللله‬‫صدره فقلت‪ :‬يا رسول الللله‪ :‬أعلللى عللد ّ‬
‫ي القللائل يللوم كللذا‪ :‬كللذا وكللذا‪،‬‬ ‫عبد الله بن أب ّ‬
‫والقائل يوم كذا‪ :‬كذا وكذا أعدد أيامه الخبيثللة‬
‫ورسول الله ‪ ‬يبتسم حللتى إذا أكللثرت عليلله‪،‬‬
‫قلللللللللللللللال‪ :‬أخلللللللللللللللر عنلللللللللللللللي‬
‫يا عمر‪ ،‬إني خّيرت فللاخترت‪ :‬قللد قيللل لللي‪ :‬‬
‫َ‬
‫م‬ ‫فْر ل َ ُ‬
‫هلل ْ‬ ‫غ ِ‬ ‫سللت َ ْ‬ ‫ن تَ ْ‬ ‫م إِ ْ‬‫هلل ْ‬‫فْر ل َ ُ‬‫غ ِ‬‫سللت َ ْ‬‫و ل َ تَ ْ‬ ‫مأ ْ‬ ‫هلل ْ‬ ‫فْر ل َ ُ‬
‫غ ِ‬‫سللت َ ْ‬ ‫ا ْ‬
‫َ‬
‫مك َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مّرةً َ‬
‫فلُروا‬ ‫ه ْ‬‫م ذَِللك ِبلأن ّ ُ‬ ‫هل ْ‬ ‫هل ُ‬ ‫فلَر اللل ُ‬ ‫غ ِ‬ ‫ن يَ ْ‬ ‫فل ْ‬ ‫ن َ‬‫عي َ‬ ‫سب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن)‪(80‬‬ ‫قي َ‬ ‫سل ِ‬ ‫فا ِ‬ ‫ْ‬
‫م ال َ‬ ‫و َ‬
‫قل ْ‬ ‫ْ‬
‫دي ال َ‬ ‫هل ِ‬ ‫ه ل َ يَ ْ‬ ‫ّ‬
‫واللل ُ‬ ‫ه َ‬ ‫سول ِ ِ‬ ‫وَر ُ‬‫ه َ‬ ‫ّ‬
‫ِبالل ِ‬
‫‪) ‬التوبة‪،‬آية‪ .(80:‬فلو أعلللم أنللي إن زدت علللى‬
‫السبعين غفر له زدت‪ .‬ثم صللى عليله ومشلى‬
‫معه على قللبره حللتى فللرغ منلله‪ ،‬فعجبللت لللي‬
‫ولجرأتللي علللى رسللول الللله‪ ،‬والللله ورسللوله‬
‫أعلللم‪ ،‬فللوالله مللا كللان إل يسلليرا ً حللتى نزلللت‬
‫َ‬
‫ت‬
‫مللا َ‬
‫م َ‬
‫هل ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫د ِ‬ ‫عل َللى أ َ‬
‫حل ٍ‬ ‫ل َ‬ ‫ول َ ت ُ َ‬
‫صل ّ‬ ‫هاتان اليتان‪َ  :‬‬
‫رِه ‪) ‬التوبة‪،‬آية‪ .(84:‬فما صلى‬ ‫عَلى َ‬ ‫ول َ ت َ ُ‬ ‫َ‬
‫قب ْ ِ‬ ‫م َ‬
‫ق ْ‬ ‫دا َ‬
‫أب َ ً‬
‫رسول الله ‪ ‬بعده على منافق ول قللام علللى‬
‫قبره حتى قبضه الله عز وجل)‪.(112‬‬

‫‪ -3‬موافقته في أسرى بدر‪:‬‬
‫قال عمر ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬لما كان يوم بللدر‬
‫وهللزم الللله المشللركين فقتللل منهللم سللبعون‬
‫وأسر سللبعون‪ ،‬استشللار رسللول الللله أبللا بكللر‬
‫وعمر وعثمان وعليًا‪ ،‬فقال لي‪ :‬مللا تللرى يللا‬

‫‪ () 112‬مسلم رقم ‪ ،2400‬أخبار عمر الطنطاويان ص ‪. 380،381‬‬
‫ابللن الخطللاب؟ فقلللت‪ :‬أرى أن تمكننللي مللن‬
‫فلن – قريب لعمللر – فأضللرب عنقلله‪ ،‬وتمكللن‬
‫علي لا ً مللن عقيللل)‪ ،(113‬فيضللرب عنقلله‪ ،‬وتمكللن‬
‫حمزة من فلن فيضرب عنقه‪ ،‬حتى يعلم الللله‬
‫أنه ليس في قلوبنا هللوادة للمشللركين‪ ،‬هللؤلء‬
‫و رسول‬ ‫صناديدهم وأئمتهم‪ ،‬وقادتهم‪ .‬فلم يه َ‬
‫الله ‪ ‬ما قلت‪ ،‬فأخذ منهم الفداء‪ .‬فلمللا كللان‬
‫من الغد غدوت إلللى النللبي ‪ ‬فللإذا هللو قاعللد‬
‫وأبلللللو بكلللللر‪ ،‬وهملللللا يبكيلللللان‪ ،‬فقللللللت‬
‫يا رسول الله مللا يبكيللك أنللت وصللاحبك؟ فللإن‬
‫وجدت بكللاءً بكيللت‪ ،‬وإن لللم أجللد بكللاء تبللاكيت‬
‫ي‬‫ض عللل ّ‬ ‫عللَر َ‬ ‫لبكائكمللا‪ ،‬قللال النللبي ‪ :‬للللذي َ‬
‫ي‬ ‫عللرض عللل ّ‬ ‫أصللحابك‪ )) :‬مللن الفللداء‪ ،‬لقللد ُ‬
‫عللذابكم أدنللى مللن هللذه الشللجرة (( ‪ -‬لشللجرة‬
‫َ‬
‫ن‬
‫يأ ْ‬ ‫ن ل ِن َِبلل ّ‬ ‫كللا َ‬ ‫مللا َ‬ ‫قريبة ‪ -‬فأنزل الله تعللالى‪َ  :‬‬
‫سَرى ‪ ‬إلى قوله ‪َ ‬‬ ‫كون ل َ َ‬
‫م)‪(68‬‬ ‫ظيلل ٌ‬ ‫ع ِ‬ ‫ب َ‬ ‫ذا ٌ‬ ‫علل َ‬ ‫هأ ْ‬ ‫يَ ُ َ ُ‬
‫‪) ‬النفال‪،‬آية‪،(68:‬لل فلما كان من العللام المقبللل‬
‫قتل منهم سبعون‪ ،‬وفللر أصللحاب رسللول الللله‬
‫سللَرت ربللاعيته)‪ ،(114‬وهشللمت البيضللة)‪،(115‬‬ ‫وك ُ ِ‬
‫على رأسه‪ ،‬وسللال الللدم علللى وجهلله‪ ،‬وأنللزل‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫صللب ْت ُ ْ‬‫قللدْ أ َ‬ ‫ة َ‬ ‫صلليب َ ٌ‬ ‫م ِ‬ ‫م ُ‬ ‫صللاب َت ْك ُ ْ‬ ‫مللا أ َ‬ ‫ول َ ّ‬‫الله تعالى‪  :‬أ َ‬
‫م ‪‬‬ ‫سلك ُ ْ‬ ‫ف ِ‬ ‫د أ َن ْ ُ‬‫عن ْل ِ‬‫ن ِ‬‫مل ْ‬ ‫و ِ‬ ‫هل َ‬‫ل ُ‬ ‫ق ْ‬‫ذا ُ‬ ‫ه َ‬ ‫م أ َّنى َ‬‫قل ْت ُ ْ‬
‫ها ُ‬‫مث ْل َي ْ َ‬
‫ِ‬
‫ديٌر)‬ ‫قل ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫شل ْ‬ ‫ل َ‬ ‫عل َللى ك ُل ّ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ّل َ‬ ‫بأخذكم الفداء ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫‪)  (165‬آل عمران‪،‬آية‪(165:‬‬
‫)‪(116‬‬
‫‪.‬‬

‫‪ () 113‬عقيل بن أبي طالب الهاشمي أسلم يوم الفتح وتوفي في‬
‫أول خلفة يزيد‪.‬‬
‫ّ‬
‫ن التي بين الثنية والناب‪.‬‬
‫س ُ‬
‫)( الرباعية‪ :‬ال ّ‬
‫‪114‬‬

‫خذة سميت بذلك لنها على شكل بيضة النعام‪.‬‬ ‫‪ () 115‬البيضة‪ :‬ال ُ‬
‫‪ -4‬موافقته في الستئذان‪:‬‬
‫أرسل النبي ‪ ‬غلما ً من النصار إلى عمر بلن‬
‫وه‪ ،‬فللدخل عليلله‬‫الخطاب‪ .‬وقت الظهيرة ليللدع َ‬
‫وكان نائما ً وقد انكشف بعللض جسللده‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫اللهم حّرم الدخول علينا في وقت نومنا وفي‬
‫)رواية( قال‪ :‬يا رسول الللله وددت لللو أن الللله‬
‫‪‬‬ ‫فنزلت‬ ‫)‪(117‬‬
‫أمرنا ونهانا في حال الستئذان‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫مللان ُك ُ ْ‬‫ت أي ْ َ‬ ‫مل َك َل ْ‬
‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫م ال ّل ِ‬ ‫س لت َأِذن ْك ُ ْ‬ ‫من ُللوا ل ِي َ ْ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫َياأي ّ َ‬
‫ل‬ ‫قب ْل ِ‬ ‫ن َ‬ ‫مل ْ‬ ‫ت ِ‬ ‫م لّرا ٍ‬ ‫ث َ‬ ‫م ث َل َ َ‬ ‫من ْك ُل ْ‬ ‫م ِ‬ ‫حل ُل َ‬‫غوا ال ْ ُ‬ ‫م ي َب ْل ُ ُ‬ ‫ن لَ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫وال ّ ِ‬ ‫َ‬
‫ن‬
‫ْ‬ ‫ل‬
‫مل‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫ر‬ ‫ل‬
‫هيل‬
‫ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫ظ‬ ‫ال‬ ‫ن‬‫ْ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ب‬‫يا‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ث‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫عو‬‫ُ‬ ‫ض‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫حي‬
‫ِ‬ ‫و‬
‫ِ َ‬ ‫ر‬ ‫ج‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ص‬‫َ‬
‫‪.‬‬
‫)‪(118‬‬
‫ء ‪) ‬النور‪،‬آية‪(58:‬‬ ‫عشا ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ة ال ِ‬ ‫صل ِ‬‫َ‬ ‫د َ‬ ‫ع ِ‬ ‫بَ ْ‬

‫‪ -‬عمر ودعاؤه في تحريم الخمر‪:‬‬
‫ر‬
‫مل ِ‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫خ ْ‬ ‫ع ْ‬ ‫سأ َُلون َ َ‬
‫ك َ‬ ‫لما نزل قول الله تعالى‪  :‬ي َ ْ‬
‫ر ‪) ‬البقرة‪،‬آية‪ .(219:‬قال عمر‪ :‬اللهم بين‬ ‫س ِ‬ ‫وال ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬ ‫َ‬
‫لنا في الخمر بيانلا ً شللافيا ً فنزلللت اليللة الللتي‬
‫في النساء ‪َ ‬ياأي ّ َ‬
‫َ‬
‫ص لل َ َ‬
‫ة‬ ‫من ُللوا ل َ ت َ ْ‬
‫قَرب ُللوا ال ّ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬
‫كاَرى ‪) ‬النساء‪،‬آية‪ (43:‬فكان منادي النبي‬ ‫س َ‬ ‫َ‬
‫م ُ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬‫َ‬
‫‪ ‬إذا أقام الصلللة نللادى أن ل يقربللن الصلللة‬
‫سللكران‪ ،‬فللدعي عمللر فقللرئت عليلله‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫اللهم بين لنا في الخمللر بيانلا ً شللافيًا‪ ،‬فنزلللت‬
‫الية فللي المللائدة فللدعي عمللر فقللرئت عليلله‬
‫فه ْ َ‬
‫ن)‪) (91‬المائدة‪،‬آية‪.(91:‬‬ ‫هو َ‬ ‫منت َ ُ‬ ‫م ُ‬‫ل أن ْت ُ ْ‬ ‫فلما بلغ‪َ َ ‬‬

‫‪ () 116‬مسند أحمد )‪ (1/250‬رقم ‪ 221‬وصححه أحمد شاكر‪ ،‬مسلم‬
‫بنحوه رقم ‪. 1763‬‬
‫‪ () 117‬الرياض النضرة ص ‪ 332‬سنده ضعيف ذكره الواقدي بدون‬
‫إسناد‪.‬‬
‫‪ () 118‬الفتاوى )‪.(28/10‬‬
‫قللال عمللر‪ :‬انتهينللا‪ ،‬انتهينللا)‪ ،(119‬وهكللذا خضللع‬
‫هل ْ‬
‫ل‬ ‫تحريم الخمر لسنة التدريج وفي قللوله ‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫‪ ‬فهم عمر من السللتفهام‬ ‫ن)‪(91‬‬ ‫َ‬
‫هو َ‬‫منت َ ُ‬
‫م ُ‬
‫أن ْت ُ ْ‬
‫الستنكاري بللأن المللراد بلله التحريللم‪ ،‬لن هللذا‬
‫السللتفهام أقللوى وأقطللع فللي التحريللم مللن‬
‫النهللي العللادي‪ ،‬ففللي ألفللاظ اليللة وتركيبهللا‬
‫وصياغتها تهديد رهيللب واضللح كالشللمس فللي‬
‫التحريم)‪.(120‬‬

‫‪ -‬إلمامه بأسباب النزول‪:‬‬
‫)‪(121‬‬
‫‪ ،‬فللي الفللترة الللتي‬ ‫حفظ عمر القرآن كللله‬
‫بدأت بإسلمه‪ ،‬وانتهت بوفاة الرسول ‪ ‬وقللد‬
‫حفظه مع أسباب التنزيللل إل مللا سللبق نزوللله‬
‫قبل إسلمه‪ ،‬فذلك مما جمعه جملة ول مبالغة‬
‫إذا قلنللا‪ :‬أن عمللر كللان علللى علللم بكللثير مللن‬
‫أسباب التنزيل‪ ،‬وبخاصة في الفترة السلللمية‬
‫مللن حيللاته‪ ،‬ثللم لشللدة اتصللاله بللالتلقي عللن‬
‫رسول الله ‪ ‬ثم هو قد حفللظ منلله مللا فللاته‪،‬‬
‫فإن يلم بأسباب النزول والقرآن بكر التنزيل‪،‬‬
‫والحللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللوادث‬
‫ل تزال تترى فذلك أمر يسير)‪.(122‬‬
‫وقد كان عمر سببا ً في التنزيل لكثر من آيللة‪،‬‬
‫بعضها متفق على مكيته‪ ،‬وبعضللها مللدني‪ ،‬بللل‬
‫كللان بعللض اليللات يحظللى مللن عمللر بمعرفللة‬
‫زمانه ومكانه على وجه دقيق‪ ،‬قللال عللن اليللة‬
‫صححه أحمد شاكر في تخريجه لحاديث المسند رقم ‪. 378‬‬ ‫‪() 119‬‬
‫شهيد المحراب للتلمساني ص ‪. 101‬‬ ‫‪() 120‬‬
‫التقان في علوم القرآن للسيوطي )‪(1/72‬‬ ‫‪() 121‬‬
‫عمر بن الخطاب د‪ .‬علي الخطيب ص ‪. 90،91،92‬‬ ‫‪() 122‬‬
‫ت‬ ‫الكريمة ‪ … ‬ال ْي لوم أ َك ْمل ْ لت ل َك ُلم دين َك ُلم َ‬
‫مل ُ‬
‫م ْ‬
‫وأ ت ْ َ‬
‫ْ َ‬ ‫ْ ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َ‬
‫سللل ََم ِديًنللا… ‪‬‬ ‫م ال ْ‬ ‫َ‬
‫تل ُ‬
‫كلل ْ‬ ‫ضللي ُ‬ ‫وَر ِ‬‫مِتللي َ‬
‫ع َ‬
‫م نِ ْ‬ ‫عل َي ْ ُ‬
‫كلل ْ‬ ‫َ‬
‫)المائدة‪،‬آية‪ (3:‬والله إني لعلم اليوم الذي نزلللت‬
‫فيه على رسول الله والساعة التي نزلت فيها‬
‫علللى رسللول الللله عشللية عرفللة فللي يللوم‬
‫الجمعة)‪ ،(123‬وقد كان عمر – وحده أو مع غيللره‬
‫– سببا ً مباشرا ً في تنزيللل بعللض اليللات منهللا‪،‬‬
‫َ‬
‫ة‬
‫مللاَر َ‬
‫ع َ‬
‫و ِ‬
‫ج َ‬ ‫ة ال ْ َ‬
‫حللا ّ‬ ‫سل َ‬
‫قاي َ َ‬ ‫عل ْت ُ ْ‬
‫م ِ‬ ‫قول الله تعالى‪  :‬أ َ‬
‫ج َ‬
‫هلدَ‬ ‫جا َ‬ ‫و َ‬ ‫ر َ‬ ‫خل ِ‬ ‫وم ِ ال ِ‬ ‫وال ْي َل ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ن ِبالل ّ ِ‬ ‫م َ‬ ‫نآ َ‬ ‫م ْ‬ ‫حَرام ِ ك َ َ‬ ‫د ال ْ َ‬ ‫ج ِ‬ ‫س ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ال ْ َ‬
‫والّلللل ُ‬
‫ه‬ ‫ه َ‬ ‫عْنلللدَ الّلللل ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫وو َ‬ ‫سلللت َ ُ‬ ‫ه ل َ يَ ْ‬ ‫ل الّلللل ِ‬ ‫سلللِبي ِ‬ ‫فلللي َ‬ ‫ِ‬
‫جُروا‬ ‫هللا َ‬ ‫و َ‬ ‫من ُللوا َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ّ‬
‫ن)‪ (19‬ال ل ِ‬ ‫مي َ‬ ‫م الظال ِ ِ‬ ‫ّ‬ ‫و َ‬ ‫ق ْ‬ ‫ْ‬
‫دي ال َ‬ ‫ه ِ‬ ‫ل يَ ْ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وأن ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
‫عظل ُ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫سل ِ‬ ‫ف ِ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫وال ِ ِ‬ ‫م َ‬‫ه ِبلأ ْ‬ ‫ل اللل ِ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫في َ‬ ‫دوا ِ‬ ‫ه ُ‬ ‫جا َ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫ه‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ش‬‫ّ‬ ‫ب‬ ‫ي‬ ‫(‬ ‫‪20‬‬ ‫ن)‬ ‫زو‬ ‫ئ‬ ‫لا‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ئ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ُ‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫د‬ ‫ل‬ ‫ن‬ ‫ع‬ ‫ة‬ ‫ج‬ ‫ر‬
‫ُ ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫دَ َ‬
‫م‬ ‫عي ل ٌ‬ ‫هللا ن َ ِ‬ ‫في َ‬ ‫م ِ‬ ‫هل ْ‬ ‫تل ُ‬ ‫َ‬ ‫جن ّللا ٍ‬ ‫و َ‬ ‫ن َ‬ ‫وا ٍ‬ ‫ضل َ‬ ‫ر ْ‬ ‫و ِ‬ ‫ه َ‬ ‫من ْل ُ‬‫ة ِ‬ ‫م ٍ‬ ‫ح َ‬ ‫م ب َِر ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫َرب ّ ُ‬
‫م)‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫ظي ٌ‬ ‫ع ِ‬ ‫جٌر َ‬ ‫عن ْدَهُ أ ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫ن الل َ‬ ‫دا إ ِ ّ‬ ‫ها أب َ ً‬ ‫في َ‬ ‫ن ِ‬ ‫دي َ‬ ‫خال ِ ِ‬ ‫م)‪َ (21‬‬ ‫قي ٌ‬ ‫م ِ‬ ‫ُ‬
‫‪)  (22‬التوبة‪،‬آبة‪.(22-19:‬‬
‫وفي الصحيح‪ :‬أن رجل ً قال‪ :‬ل أبالي أل أعمللل‬
‫عمل ً بعد السلم إل أن أعمر المسجد الحللرام‪،‬‬
‫فقال علي بن أبي طالب‪ :‬الجهللاد فللي سللبيل‬
‫الللله أفضللل مللن هللذا كللله‪ .‬فقللال عمللر بللن‬
‫الخطاب‪ :‬ل ترفعوا أصواتكم عند منللبر رسللول‬
‫الله‪ .‬ولكن إذا قضيت الصلة‪ .‬سألته عن ذلللك‪،‬‬
‫فسأله‪ ،‬فأنزل اللله هلذه اليلة‪ ،‬فلبين لهلم أن‬
‫اليمللان والجهللاد أفضللل مللن عمللارة المسللجد‬
‫الحلللرام والحلللج والعملللرة والطلللواف وملللن‬
‫الحسان إلى الحجللاج‪ ،‬بالسللقاية‪ ،‬ولهللذا قللال‬
‫أبو هريرة ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬لن أرابللط ليلللة‬

‫‪ () 123‬إسناده صحيح على شرط الشيخين الموسوعة الحديثية‬
‫مسند أحمد رقم ‪. 188‬‬
‫في سبيل الله‪ ،‬أحللب إلللي مللن أن أقللوم ليلللة‬
‫القدر عند الحجر السود)‪.(124‬‬
‫‪ -‬سؤاله لرسول الله ‪ ‬عن بعض اليات‪:‬‬
‫كان عمر رضي الله عنه يسللأل رسللول الللله ‪‬‬
‫عن بعض اليات وأحيانا ً أخللرى يسللمع صللحابيا ً‬
‫يستفسللر مللن رسللول الللله عللن بعللض اليللات‬
‫فيحفظها ويعلمها لمن أراد مللن طلب العلللم‪،‬‬
‫علللى بللن أميللة‪ ،‬قللال‪ :‬سللألت عمللر بللن‬ ‫فعللن ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ص لُروا‬
‫ق ُ‬‫ن تَ ْ‬
‫حأ ْ‬‫جن َللا ٌ‬ ‫عل َي ْك ُل ْ‬
‫م ُ‬ ‫فل َي ْل َ‬
‫س َ‬ ‫الخطاب‪ ،‬قلت‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ن‬ ‫م ال ّللللل ِ‬
‫ذي َ‬ ‫فت ِن َك ُللللل ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫مأ ْ‬ ‫خ ْ‬
‫فت ُللللل ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫صلللللل َ ِ‬
‫ة إِ ْ‬ ‫ن ال ّ‬
‫مللللل ْ‬
‫ِ‬
‫فلللُروا ‪) ‬النسلللاء‪،‬آيلللة‪،(101:‬للل وقلللد أملللن اللللله‬ ‫كَ َ‬
‫الناس)‪(125‬؟! فقال لي عمر‪ :‬عجبت مما عجبللت‬
‫منه‪ ،‬فسألت رسول الله ‪ ‬عللن ذلللك‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫دق اللللله بهلللا عليكلللم‪ ،‬فلللاقبلوا‬ ‫صلللدقة تصللل ّ‬
‫صدقته)‪ ،(126‬وقد سللئل عمللر بللن الخطللاب عللن‬
‫ن‬
‫ملل ْ‬
‫م ِ‬
‫ن ب َِنللي آدَ َ‬
‫ملل ْ‬
‫ك ِ‬ ‫وإ ِذْ أ َ َ‬
‫خللذَ َرّبلل َ‬ ‫هللذه اليللة‪َ  :‬‬
‫م ‪) ‬العراف‪،‬آية‪ ،(172:‬فقال عمر‪:‬‬ ‫ه ْ‬‫م ذُّري ّت َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ر ِ‬ ‫ظُ ُ‬
‫هو ِ‬
‫سللئل عنهللا‪ ،‬فقللال‬ ‫سللمعت رسللول الللله ‪ُ ‬‬
‫رسللول الللله ‪ :‬إن الللله خلللق آدم ثللم مسللح‬
‫ظهللره بيمينلله‪ ،‬واسللتخرج منلله ذريللة‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫خلقت هؤلء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملللون‪،‬‬
‫ثم مسح ظهللره فاسللتخرج منلله ذريللة‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫خلقت هؤلء للنار وبعمل أهللل النللار يعملللون‪،‬‬
‫فقللال رجللل‪ :‬يللا رسللول الللله‪ ،‬ففيللم العمللل؟‬

‫‪ () 124‬الفتاوى )‪.(28/10‬‬
‫‪ () 125‬وفي رواية‪ :‬أمن الناس‪.‬‬
‫‪ () 126‬إسناده صحيح على شرط مسلم‪ ،‬مسند أحمد رقم ‪174‬‬
‫الموسوعة الحديثية‪.‬‬
‫فقال رسول الله ‪ :‬إن الله عز وجل إذا خلق‬
‫العبد للجنة استعمله بعمللل أهللل الجنللة‪ ،‬حللتى‬
‫ل مللن أعمللال أهللل الجنللة‪،‬‬ ‫يمللوت علللى عملل ٍ‬
‫فيدخله به الجنة‪ ،‬وإذا خلق العبد للنار استعمله‬
‫بعمل أهل النار‪ ،‬حللتى يمللوت علللى عمللل مللن‬
‫أعمال أهل النار‪ ،‬فيدخله به النار)‪.(127‬‬
‫ع‬
‫مل ُ‬ ‫م ال ْ َ‬
‫ج ْ‬ ‫هَز ُ‬ ‫ولما نلزل قلول اللله تعللالى‪َ  :‬‬
‫س لي ُ ْ‬
‫ن الدّب َُر)‪)  (45‬القمر‪،‬آية‪ .(45:‬قال عمر‪ :‬أي‬ ‫وّلو َ‬
‫وي ُ َ‬
‫َ‬
‫جمع يهزم؟ أي جمع يغلللب؟ قللال عمللر‪ :‬فلمللا‬
‫كان يوم بدر رأيللت رسللول الللله ‪ ‬يثبللت فللي‬
‫ن‬‫ول ّللو َ‬
‫وي ُ َ‬‫ع َ‬‫مل ُ‬ ‫ج ْ‬ ‫م ال ْ َ‬
‫هَز ُ‬ ‫الدرع وهو يقللول‪َ  :‬‬
‫سلي ُ ْ‬
‫‪.‬‬ ‫)‪(128‬‬
‫الدّب َُر ‪ ‬فعرفت تأويلها يومئذ‬

‫‪ -‬تفسير عمر لبعض اليات وبعض تعليقاته‪:‬‬
‫كللان عمللر يتح لّرج فللي تفسللير القللرآن برأيلله‬
‫ولللللذلك لمللللا سللللئل عللللن قللللوله تعللللالى‬
‫ت ذَْرًوا ‪ ‬قللال‪ :‬هللي الريللاح‪ ،‬ولللول‬ ‫رَيا ِ‬ ‫‪َ ‬‬
‫واللل ّ‬
‫ذا ِ‬
‫أنللللي سللللمعت رسللللول الللللله ‪ ‬يقللللوله‬
‫قللًرا ‪ .‬قللال‪:‬‬ ‫و ْ‬ ‫ت ِ‬ ‫مل َ ِ‬ ‫فال ْ َ‬
‫حللا ِ‬ ‫مللا قلتلله‪ ،‬قيللل‪َ  :‬‬
‫السللحاب‪ ،‬ولللول أنللي سللمعت رسللول الللله ‪‬‬
‫س لًرا ‪‬؟‬‫ت يُ ْ‬ ‫ري َللا ِ‬‫جا ِ‬‫فال ْ َ‬‫يقللوله مللا قلتلله‪ ،‬قيللل‪َ  :‬‬
‫قال‪ :‬السفن‪ ،‬ولول أنللي سللمعت رسللول الللله‬
‫ت أ َْم لًرا ‪‬؟‬
‫ما ِ‬‫سل َ‬ ‫ق ّ‬ ‫م َ‬‫فال ْ ُ‬‫يقوله مللا قلتلله‪ ،‬قيللل‪َ  :‬‬
‫قال‪ :‬هي الملئكة‪ ،‬ولول أنللي سللمعت رسللول‬
‫الله ‪ ‬يقوله ما قلته)‪ ،(129‬وكان رضي الله عنه‬
‫له منهج في تفسيره لليات‪ ،‬فللإنه رضللي الللله‬
‫‪ () 127‬صحيح لغيره مسند أحمد رقم ‪ 311‬الموسوعة الحديثية‪.‬‬
‫‪ () 128‬تفسير ابن كثير )‪.(4/266‬‬
‫عنه إذا وجد لرسول الله تفسيرا ً أخذ به‪ ،‬وكان‬
‫هو الفضل مثل ما مّر معنا مللن تفسلليره وإذا‬
‫لم يجد طلبه فللي مظللانه عنللد بعللض الصللحابة‬
‫مثل‪ :‬ابن عباس‪ ،‬وأبي بن كعب‪ ،‬وعبد الله بللن‬
‫مسعود ومعللاذ وغيرهللم ‪ -‬رضللي الللله عنهللم _‬
‫وهذا مثال على ذلك؛ فقد قال عمر رضي الله‬
‫عنه يوملا ً لصلحاب النلبي ‪ :‬فيلم تلرون هللذه‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ل‬
‫خي ٍ‬
‫ن نَ ِ‬
‫م ْ‬
‫ة ِ‬
‫جن ّ ٌ‬ ‫ن لَ ُ‬
‫ه َ‬ ‫ن تَ ُ‬
‫كو َ‬ ‫مأ ْ‬‫حدُك ُ ْ‬ ‫الية نزلت ‪ ‬أي َ َ‬
‫ودّ أ َ‬
‫ن ك ُل ّ‬
‫ل‬ ‫مل ْ‬ ‫هللا ِ‬ ‫في َ‬ ‫ه ِ‬ ‫هللاُر ل َل ُ‬ ‫هللا الن ْ َ‬ ‫حت ِ َ‬‫ن تَ ْ‬ ‫مل ْ‬ ‫ري ِ‬ ‫ِ‬ ‫جل‬ ‫ب تَ ْ‬ ‫عَنا ٍ‬ ‫وأ َ ْ‬ ‫َ‬
‫ها‬ ‫فأ َ‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫الث ّم لرات وأ َ‬
‫صللاب َ َ‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ء‬ ‫فا‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ض‬‫ُ‬ ‫ة‬
‫ٌ‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫ر‬ ‫ّ‬ ‫ذ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫ُ َ‬‫ر‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫لا‬
‫ل‬ ‫ص‬
‫َ َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ت‬‫م الَيللا ِ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ُ‬
‫كل‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬‫ال‬ ‫ن‬
‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ُ‬ ‫ي‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ذ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ر‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ح‬
‫ْ‬ ‫فا‬ ‫َ‬ ‫ر‬‫ٌ‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ر‬
‫صا ٌ‬ ‫ع َ‬ ‫إِ ْ‬
‫ن)‪)  (266‬البقللرة‪،‬آيللة‪،(266:‬لل قالوا‪:‬‬ ‫فك ُّرو َ‬ ‫م ت َت َ َ‬ ‫عل ّك ُ ْ‬ ‫لَ َ‬
‫الله أعلم‪ .‬فغضب عمر فقال‪ :‬قولوا نعلللم أول‬
‫نعلم‪ .‬فقال ابن عباس‪ :‬في نفسي منها شيء‬
‫يا أمير المؤمنين‪ .‬قال عمر‪ :‬يا ابللن أخللي قللل‬
‫ول تحقر نفسك‪ .‬قال ابن عباس‪ :‬ضللربت مثل ً‬
‫لعمل‪ ،‬قال عمر‪ :‬أي عمللل؟ قللال ابللن عبللاس‪:‬‬
‫لعمل‪ .‬قال عمر‪ :‬لرجل غني يعمل بطاعة الله‬
‫عز وجللل‪ ،‬ثللم بعللث الللله للله الشلليطان فعمللل‬
‫بالمعاصي حتى أغرق أعماله)‪ ،(130‬وفللي روايللة‬
‫قال ابن عباس‪ :‬عني بها العمل‪ ،‬ابن آدم أفقر‬
‫ما يكون إلى جنتلله إذا كللبر سللنه وكللثر عيللاله‪،‬‬
‫وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يللوم يبعللث‪،‬‬
‫فقال عمر‪ :‬صدقت يا ابن أخي)‪.(131‬‬

‫‪ () 129‬أخبار عمر بن الخطاب الطنطاويان ص ‪ 308‬نقل ً عن‬
‫الرياض النظرة‪.‬‬
‫‪ () 130‬فتح الباري )‪.(8/49‬‬
‫‪ () 131‬الخلفة الراشدة والدولة الموية‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى ص ‪. 305‬‬
‫وكانت له بعض التعليقللات علللى بعللض اليللات‬
‫ة‬
‫صلليب َ ٌ‬ ‫مثللل قللوله تعللالى‪  :‬ال ّ لذين إ َ َ‬
‫م ِ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫صللاب َت ْ ُ‬
‫ذا أ َ‬‫ِ َ ِ‬
‫ك َ َ‬‫ول َئ ِ َ‬ ‫ُ‬
‫م‬
‫هل ْ‬
‫علي ْ ِ‬ ‫ن)‪ (156‬أ ْ‬ ‫عللو َ‬ ‫ج ُ‬ ‫ه َرا ِ‬ ‫وإ ِن ّللا إ ِل َي ْل ِ‬‫ه َ‬ ‫قاُلوا إ ِّنا ل ِل ّل ِ‬ ‫َ‬
‫ُ‬
‫ن)‪(157‬‬ ‫دو َ‬‫هت َ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫م ال ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك ُ‬‫ول َئ ِ َ‬
‫وأ ْ‬ ‫ة َ‬ ‫م ٌ‬
‫ح َ‬‫وَر ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ن َرب ّ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ت ِ‬ ‫وا ٌ‬‫صل َ َ‬
‫َ‬
‫‪) ‬البقرة‪،‬آية‪ .(156،157:‬فقال‪ :‬نعم العدلن ونعم‬
‫العلوة)‪ ،(132‬ويقصد بالعدلين الصلللة والرحمللة‬
‫والعلوة الهتداء)‪.(133‬‬
‫َ‬
‫وسمع القارئ يتلو قول الللله تعللالى‪َ  :‬ياأي ّ َ‬
‫هللا‬
‫م)‪)  (6‬النفطار‪،‬آية‪.(6:‬‬ ‫ري ِ‬ ‫ك ال ْك َ ِ‬‫ك ب َِرب ّ َ‬‫غّر َ‬ ‫ما َ‬ ‫ن َ‬ ‫سا ُ‬ ‫الن َ‬
‫)‪(134‬‬
‫‪ .‬وفسللر قللول الللله‬ ‫فقللال عمللر‪ :‬الجهللل‬
‫ت)‪)  (7‬التكوير‪،‬آية‪.(7:‬‬ ‫ج ْ‬‫و َ‬ ‫س ُز ّ‬ ‫فو ُ‬ ‫ذا الن ّ ُ‬ ‫وإ ِ َ‬ ‫تعالى‪َ  :‬‬
‫بقلللوله‪ :‬الفلللاجر ملللع الفلللاجر والطاللللح ملللع‬
‫الطالح)‪ ،(135‬وفسر قللول الللله تعللالى‪ُ  :‬توُبللوا‬
‫حا ‪) ‬التحريللم‪،‬آيللة‪ .(8:‬بقوله‪ :‬أن‬ ‫صو ً‬ ‫ة نَ ُ‬ ‫وب َ ً‬ ‫إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ه تَ ْ‬
‫يتلللوب ثلللم ل يعلللود‪ ،‬فهلللذه التوبلللة الواجبلللة‬
‫التامة)‪ ،(136‬وذات يوم مر بدير راهب فنللاداه يللا‬
‫راهب فأشرف الراهب‪ ،‬فجعل عمر ينظر إليلله‬
‫ويبكي فقيل له يا أميللر المللؤمنين‪ :‬مللا يبكيللك‬
‫من هذا؟ قال ذكرت قول الللله عللز وجللل فللي‬
‫حاِمي َلًة)‪ (4‬‬ ‫صلَلى ن َللاًرا َ‬‫ة)‪ (3‬ت َ ْ‬ ‫صب َ ٌ‬‫ة َنا ِ‬ ‫مل َ ٌ‬ ‫عا ِ‬ ‫كتابه ‪َ ‬‬
‫)‪(137‬‬
‫‪ ،‬وفسللر‬ ‫)الغاشية‪،‬آية‪ .(4،3:‬فذاك الذي أبكللاني‬
‫الجبللت بالسللحر‪ ،‬والطللاغوت بالشلليطان فللي‬

‫المستدرك )‪.(2/270‬‬ ‫‪() 132‬‬
‫الخلفة الراشدة والدولة الموية ص ‪. 305‬‬ ‫‪() 133‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(4/513‬‬ ‫‪() 134‬‬
‫الفتاوى )‪.(7/44‬‬ ‫‪() 135‬‬
‫الفتاوى )‪.(11/382‬‬ ‫‪() 136‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(4/537‬‬ ‫‪() 137‬‬
‫ت ‪‬‬
‫)‪(138‬‬
‫والطّللا ُ‬
‫غو ِ‬ ‫ت َ‬ ‫ن ب ِللال ْ ِ‬
‫جب ْ ِ‬ ‫مُنو َ‬ ‫قوله تعالى‪  :‬ي ُ ْ‬
‫ؤ ِ‬
‫)النساء‪،‬آية‪.(51:‬‬

‫‪ () 138‬تفسير ابن كثير )‪.(1/524‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬ملزمته لرسول الله ‪:‬‬

‫كان عمر رضي الله عنه واحدا ً من المكيين الذين‬
‫قرأوا وكتبوا في مجتمعه المي‪ ،‬وهذا دليل على‬
‫شغفه بالعلم منللذ صللغره‪ ،‬وسللعيه ليكللون واحللدا ً‬
‫من القلة القليلة‪ ،‬الللذين محللوا أميتهللم‪ ،‬وهللذبوا‬
‫أنفسللهم‪ ،‬وتبللوأوا مكانللة مرموقللة فللي عصللر‬
‫الرسالة‪ ،‬لمجموعة مقومللات‪ ،‬لعللل منهللا إلمللامه‬
‫بالقراءة والكتابة وهو حدث له قيمته آنذاك وقللد‬
‫تلقللى عمللر دروسلله الولللى‪ ،‬وتعلللم القللراءة‬
‫والكتابللة علللى يللدي حللرب بللن أميللة والللد أبللي‬
‫سفيان)‪ ،(139‬وقلد أهلتله هلذه الميلزة‪ ،‬لن يثقلف‬
‫نفسلله بثقافللة القللوم آنللذاك‪ ،‬وإن كنللا نجللزم أن‬
‫الرافد القوي الذي أثر في شخصية عمر وصللقل‬
‫مواهبه‪ ،‬وفجر طاقاته وهذب نفسه هو مصاحبته‬
‫لرسول الله ‪ ‬وتتلمذه علللى يللديه فللي مدرسللة‬
‫النبوة‪ ،‬ذلك أن عمللر لزم الرسللول ‪ ‬فللي مكللة‬
‫بعد إسلمه كما لزمه كذلك في المدينة المنللورة‬
‫– حيث سكن العوالي – وهي ضاحية من ضللواحي‬
‫المدينة‪ ،‬وإن كانت قد اتصلت بهللا الن وأصللبحت‬
‫ملصقة لمسللجد الرسللول‪ ،‬حيللث امتللد العمللران‪،‬‬
‫وتوسعت المدينة‪ ،‬وزحفت علللى الضللواحي‪ ،‬فللي‬
‫هللذه الضللاحية نظللم عمللر نفسلله‪ ،‬وحللرص علللى‬
‫التلمذة فللي حلقللات مدرسللة النبللوة فللي فللروع‬
‫شللتى مللن المعللارف والعلللوم علللى يللدي معلللم‬
‫البشرية وهاديها‪ ،‬والذي أدبه ربه فأحسن تأديبه‪،‬‬
‫وقد كان ل يفللوته علللم مللن قللرآن‪ ،‬أو حللديث أو‬

‫‪ () 139‬عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬محمد أحمد أبو النصر ص ‪. 87‬‬
‫أمر أو حدث أو توجيه قال عمللر‪ :‬كنللت أنللا وجللار‬
‫لي من النصار من بني أمية بن زيد – وهللي مللن‬
‫عوالي المدينة – وكنا نتناوب النزول على رسول‬
‫الله ‪ ‬ينزل يوما ً وأنللزل يوملًا‪ ،‬فللإذا نزلللت جئت‬
‫بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره‪ ،‬وإذا نزل فعل‬
‫مثل ذلك)‪.(140‬‬
‫وهذا الخبر يوقفنا على الينبللوع المتللدفق‪ ،‬الللذي‬
‫اسللتمد منلله عمللر علملله وتربيتلله وثقللافته‪ ،‬وهللو‬
‫كتاب الله الحكيم‪ ،‬الذي كللان ينللزل علللى رسللول‬
‫الللله ‪ ‬منجم لا ً علللى حسللب الوقللائع والحللداث‪،‬‬
‫وكان الرسول يقرأه على أصحابه‪ ،‬الذين وقفللوا‬
‫علللى معللانيه‪ ،‬وتعمقللوا فللي فهملله‪ ،‬وتللأثروا‬
‫بمبللادئه‪ ،‬وكللان للله عميللق الثللر فللي نفوسللهم‬
‫وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم وكان عمللر واحللدا ً‬
‫مللن هللؤلء الللذين تللأثروا بالمنهللج القرآنللي فللي‬
‫التربية والتعليم‪ ،‬وعلللى كللل دارس لتاريللخ عمللر‬
‫وحياته أن يقف وقفة متأملللة أمللام هللذا الفيللض‬
‫الربللاني الصللافي‪ ،‬الللذي غللذى المللواهب وفجللر‬
‫العبقريللات‪ ،‬ونمللى ثقافللة القللوم‪ ،‬ونعنللي بلله‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وقد حرص عمر منللذ أسلللم علللى‬
‫حفللظ القللرآن وفهملله وتللأمله‪ ،‬وظللل ملزمللا ً‬
‫للرسول يتلقى عنه ما أنللزل عليلله‪ ،‬حللتى تللم للله‬
‫حفظ جميع آياته وسوره‪ ،‬وقد أقرأه الرسللول ‪‬‬
‫بعضلله وحللرص علللى الروايللة الللتي أقللرأه بهللا‬
‫الرسول)‪ (141‬وكان لعمر أحيانا ً شرف السبق إلللى‬
‫سماع بعض آياته فور نزوللله كمللا عنللي بمراجعللة‬

‫‪ () 140‬نفس المصدر ص ‪. 87‬‬
‫‪ () 141‬نفس المصدر ص ‪. 88‬‬
‫محفوظه منه)‪ ،(142‬فقد تربى عمر رضي الله عنلله‬
‫على المنهج القرآني وكان المربي له ‪ ‬وكللانت‬
‫نقطة البدء في تربيللة عمللر هللي لقللاءه برسللول‬
‫الله ‪ ،‬فحدث له تحول غريللب واهتللداء مفللاجئ‬
‫بمجرد اتصاله بالنبي ‪ ‬فخللرج مللن دائرة الظلم‬
‫إلى دائرة النور‪ ،‬واكتسب اليمان‪ ،‬وطرح الكفللر‪،‬‬
‫وقوي على تحمل الشدائد‪ ،‬والمصائب في سبيل‬
‫دينلله الجديللد وعقيللدته السللمحة‪ ،‬كللانت شخصللية‬
‫رسول الله ‪ ‬المحرك الول للسلم‪ ،‬وشخصيته‬
‫‪ ‬تملك قوى الجذب والتأثير على الخرين‪ ،‬فقد‬
‫صنعه الله على عينه‪ ،‬وجعله أكمللل صللورة لبشللر‬
‫في تاريللخ الرض والعظمللة دائملا ً تحللب‪ ،‬وتحللاط‬
‫من النللاس بالعجللاب‪ ،‬ويلتللف حولهللا المعجبللون‬
‫يلتصقون بهللا التصللاقا ً بللدافع العجللاب والحللب‪،‬‬
‫ولكن رسول الله ‪ ‬يضيف إلى عظمته تلك‪ ،‬أنلله‬
‫رسول الله‪ ،‬متلقي الوحي من الله‪ ،‬ومبلغه إلللى‬
‫الناس‪ ،‬وذلك بعد آخر له أثره في تكييف مشللاعر‬
‫ذلك المؤمن تجاهه‪ ،‬فهو ل يحبه لذاته فقط كمللا‬
‫ُيحللب العظمللاء مللن النللاس‪ ،‬ولكللن أيضللا ً لتلللك‬
‫النفحة الربانية التي تشمله مللن عنللد الللله‪ ،‬فهللو‬
‫معه في حضرة الوحي اللهي المكرم‪ ،‬ومللن ثللم‬
‫يلتقللي فللي شللخص الرسللول ‪ ‬البشللر العظيللم‬
‫والرسول العظيم‪ ،‬ثم يصبحان شلليئا ً واحللدا ً فللي‬
‫النهاية‪ ،‬غير متميز البداية ول النهاية‪ .‬حب عميق‬
‫شامل للرسول البشر أو للبشر الرسول ويرتبط‬
‫حللب الللله بحللب رسللوله ويمتزجللان فللي نفسلله‪،‬‬
‫فيصللبحان فللي مشللاعره همللا نقطللة ارتكللاز‬

‫‪ () 142‬نفس المصدر ص ‪. 88‬‬
‫المشلللاعر كلهلللا‪ ،‬ومحلللور الحركلللة الشلللعورية‬
‫والسلوكية كلها كذلك‪.‬‬
‫كللان هللذا الحللب الللذي حللرك الرعيللل الول مللن‬
‫الصللحابة هللو مفتللاح التربيللة السلللمية ونقطللة‬
‫ارتكازها ومنطلقهللا الللذي تنطلللق منلله)‪ ،(143‬لقللد‬
‫حصل للصحابة ببركللة صللحبتهم لرسللول الللله ‪‬‬
‫وتربيتهم على يديه أحوال إيمانيللة عاليللة‪ ،‬يقللول‬
‫سيد قطب عن تلللك التزكيللة‪ :‬إنهللا لتزكيللة‪ ،‬وإنلله‬
‫لتطهير ذلك الذي كللان يأخللذهم بلله الرسللول ‪.‬‬
‫تطهيلللر للضلللمير والشلللعور‪ ،‬وتطهيلللر للعملللل‬
‫والسلللوك‪ ،‬وتطهيللر للحيللاة الزوجيللة‪ ،‬وتطهيللر‬
‫للحياة الجتماعيللة‪ ،‬وتطهيللر ترتفللع بلله النفللوس‬
‫مللن عقللائد الشللرك إلللى عقيللدة التوحيللد‪ ،‬ومللن‬
‫التصورات الباطلة إلللى العتقللاد الصللحيح‪ ،‬ومللن‬
‫الساطير الغامضة إلى اليقين الواضللح‪ ،‬وترتفللع‬
‫بلله مللن رجللس الفوضللى الخلقيللة إلللى نظافللة‬
‫الخلق اليماني‪ ،‬ومن دنللس الربللا والسللحت إلللى‬
‫طهارة الكسب الحلل‪ ،‬إنها تزكية شللاملة للفللرد‬
‫والجماعة‪ ،‬ولحياة السريرة‪ ،‬ولحياة الواقع‪ ،‬تزكية‬
‫ترتفع بالنسان وتصوراته عن الحياة كلهللا وعللن‬
‫نفسه ونشأته إلى آفاق النور الللتي يتصللل فيهللا‬
‫بربه‪ ،‬ويتعامل مع المل العلوي الكريم)‪.(144‬‬
‫لقد تتلمذ عمر رضي الله عنه علللى يللدي رسللول‬
‫الله‪ ،‬فتعلم منه القرآن الكريللم والسللنة النبويللة‪،‬‬
‫وأحكام التلوة وتزكيللة النفللوس قللال تعللالى‪ :‬‬
‫ن‬
‫مل ْ‬‫سللول ً ِ‬ ‫م َر ُ‬ ‫هل ْ‬ ‫في ِ‬ ‫ث ِ‬ ‫عل َ‬ ‫ن إ ِذْ ب َ َ‬
‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫مل ْ‬‫عَلى ال ْ ُ‬ ‫ن الل ّ ُ‬
‫ه َ‬ ‫م ّ‬ ‫قدْ َ‬ ‫لَ َ‬
‫ب‬‫م ال ْك ِت َللا َ‬
‫هل ْ‬
‫م ُ‬‫عل ّ ُ‬
‫وي ُ َ‬
‫م َ‬ ‫هل ْ‬‫كي ِ‬‫وي َُز ّ‬ ‫ه َ‬‫م آي َللات ِ ِ‬‫هل ْ‬ ‫م ي َت ُْلوا َ َ‬
‫علي ْ ِ‬ ‫ه ْ‬‫س ِ‬‫ف ِ‬‫أ َن ْ ُ‬
‫‪ () 143‬منهج التربية السلمية‪ ،‬محمد قطب ص ‪. 34،35‬‬
‫‪ () 144‬الظلل )‪.(6/3565‬‬
‫ن) ‪ (164‬‬
‫مِبي ٍ‬ ‫ضل َ ٍ‬
‫ل ُ‬ ‫ل لَ ِ‬
‫في َ‬ ‫ن َ‬
‫قب ْ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ن َ‬
‫كاُنوا ِ‬ ‫وإ ِ ْ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬ ‫وال ْ ِ‬
‫حك ْ َ‬ ‫َ‬
‫)آل عمران‪،‬آية‪.(164:‬‬
‫وحرص على التبحللر فللي الهللدي النبللوي الكريللم‬
‫في غزواته‪ ،‬وسلمه وأصبح لعمر رضي الللله عنلله‬
‫علللم واسللع ومعرفللة غزيللرة بالسللنة النبويللة‬
‫المطهرة‪ ،‬التي أثرت في شخصللية عمللر وفقهلله‬
‫ولزم رسول الللله ‪ ‬واسللتمع مللن رسللول الللله‬
‫وتلقى عنه وكان إذا جلس في مجلس النبوة لللم‬
‫يترك المجلس حتى ينفض‪ ،‬كما كان حريصا ً على‬
‫أن يسأل الرسول ‪ ‬عن كل ما تجيش به نفسلله‪،‬‬
‫أو يشغل خاطره)‪ ،(145‬لقد استمد من رسول الللله‬
‫علما ً وتربية‪ ،‬ومعرفة بمقاصد هذا الدين العظيللم‬
‫وخصه رسول الله ‪ ‬برعايته‪ ،‬وشللمله بتسللديده‪،‬‬
‫ولقد شهد له رسللول الللله ‪ ‬بللالعلم‪ ،‬فقللد قللال‬
‫‪ :‬بينما أنا نائم أتيت بقللدح لبللن‪ ،‬فشللربت منلله‬
‫حللتى أنللي لرى الللري يخللرج مللن أظللافري‪ ،‬ثللم‬
‫أعطيت فضلي يعني عمر‪.‬‬
‫)‪(146‬‬
‫‪.‬‬ ‫ولته يا رسول الله؟ قال‪ :‬العلم‬‫قالوا‪ :‬فما أ ّ‬
‫قال ابن حجر‪ :‬والمراد بالعلم هنا العلم بسياسللة‬
‫النلللللاس بكتلللللاب اللللللله وسلللللنة رسلللللول‬
‫الله ‪.(147)‬‬
‫وهذه المعرفة ل يمكن َتأّتيها إل لمن كان راسللخ‬
‫القدم في التزود بما يعينه على فهم كتاب الللله‪،‬‬
‫مللق فللي فهللم‬ ‫وسنة نبيه‪ ،‬وسبيله في ذلللك‪ :‬التع ّ‬
‫اللغة وآدابهللا‪ ،‬والتمللرس فللي معرفللة أسللاليبها‪،‬‬
‫والللتزود فللي كللل مللا يسللاعد علللى فهمهللا مللن‬
‫‪ () 145‬عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬محمد أبو النصر ص ‪. 91‬‬
‫‪ () 146‬البخاري‪ ،‬رقم ‪3681‬‬
‫‪ () 147‬فتح الباري )‪.(7/36‬‬
‫معارف وخللبرات‪ ،‬وكللذلك كللان عمللر رضللي الللله‬
‫عنه)‪ ،(148‬ولقد جمع بين رسول الله ‪ ‬وبين عمر‬
‫حب شللديد‪ ،‬والحللب عامللل هللام فللي تهيئة منللاخ‬
‫علمي ممتاز بين المعلم وبين تلميذه‪ ،‬يأتي بخيللر‬
‫النتائج العلمية والثقافية‪ ،‬لما له من عطاء متجدد‬
‫وعمر قد أحب رسللول الللله ‪ ‬حب لا ً جم لًا‪ ،‬وتعلللق‬
‫فؤاده به‪ ،‬وقللدم نفسلله فللداء للله‪ ،‬وتضللحية فللي‬
‫سللبيل نشللر دعللوته‪ ،‬فقللد جللاء فللي الحللديث أن‬
‫رسول الله ‪ ‬قال‪ )) :‬ل يؤمن أحدكم حتى أكون‬
‫أحب إليه من والده وولللده والنللاس أجمعيللن)‪.(149‬‬
‫فقال له عمر‪ :‬والله يا رسول الله لنت أحب إلي‬
‫من كل أحللد إل مللن نفسللي‪ ،‬فقللال‪ :‬ل يللا عمللر‪،‬‬
‫حتى أكون أحب إليك من نفسك (( فقال‪ :‬فللأنت‬
‫أحب إلي من نفسي قال‪ :‬الن يا عمر)‪.(150‬‬
‫واستأذن عمر يوما ً إلى عمرة فقللال للله ‪ )) :‬ل‬
‫تنسنا يا أخي في دعائك)‪ .(( (151‬فقال عمللر‪ :‬مللا‬
‫أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله‪ :‬يا‬
‫أخي)‪.(152‬‬
‫وهذا الحب السامي الشريف هو الذي جعل عمللر‬
‫يلزم الرسول ‪ ‬في جميللع غزواتلله‪ ،‬وقللد أمللده‬
‫ذلك بخبرة ودربة ودراية بشؤون الحرب‪ ،‬ومعرفة‬
‫بطبللائع النفللوس وغرائزهللا‪ ،‬كمللا أن ملزمتلله‬
‫للرسول ‪ ‬وكللثرة تحللدثه معلله‪ ،‬قللد طبعلله علللى‬
‫‪ () 148‬عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬محمد أبو النصر ص ‪. 93‬‬
‫‪ () 149‬البخاري رقم ‪. 15‬‬
‫‪ () 150‬البخاري رقم ‪. 6632‬‬
‫‪ () 151‬أبو داود في الصلة )‪ ،(1498‬والترمذي في الدعوات )‬
‫‪ .(3562‬وقال‪) :‬هذا حديث حسن صحيح( وابن ماجه في‬
‫المناسك )‪ (2894‬كلهم عن عمر وهناك من ضعفه‪.‬‬
‫‪ () 152‬نفس المصدر السابق‪.‬‬
‫البلغللة والبيللان والفصللاحة وطلقللة اللسللان‪،‬‬
‫والتفنللن فللي أوجلله القللول)‪ (153‬وفللي النقللاط‬
‫القادمللة سللنبين بللإذن الللله تعللالى مللواقفه فللي‬
‫الميادين الجهادية مع رسول الله‪ ،‬وبعللض الصللور‬
‫من حياته الجتماعية بالمدينة في حياة النبي ‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬عمر رضي الله عنه في ميادين الجهاد مع رسول الله ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على أن عمر رضي الللله عنلله شللهد‬
‫بدرًا‪ ،‬وأحدًا‪ ،‬والمشاهد كلها مع رسول الللله ولللم‬
‫يغب عن غزوة غزاها رسول الله ‪.(154)‬‬

‫‪ -1‬غزوة بدر‪:‬‬
‫شارك عمللر رضللي الللله عنلله فللي غللزوة بللدر‪،‬‬
‫وعندما استشار رسللول الللله ‪ ‬أصللحابه قبللل‬
‫المعركة‪ ،‬تكلم أبو بكر رضي الله عنه أول مللن‬
‫تكللللم‪ ،‬فأحسلللن الكلم‪ ،‬ودعلللا إللللى قتلللال‬
‫الكافرين‪ ،‬ثللم الفللاروق عمللر رضللي الللله عنلله‬
‫فأحسن الكلم‪ ،‬ودعا إلى قتللال الكللافرين)‪،(155‬‬
‫وكان أول من استشهد من المسلمين يوم بدر‬
‫مهجع)‪ (156‬مولى عمر رضي الله عنه)‪ ،(157‬وقتل‬ ‫ِ‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنلله خللاله العللاص‬
‫بن هشللام)‪ (158‬ضللاربا ً بالقرابللة عللرض الحللائط‬
‫أمام رابطة العقيدة‪ ،‬بل كان يفخر بذلك تأكيدا ً‬

‫‪ () 153‬عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬محمد أبو النصر ص ‪. 94‬‬
‫‪ () 154‬مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لبن الجوزي ص‬
‫‪. 89‬‬
‫‪ () 155‬الفاروق مع النبي‪ ،‬د‪ .‬عاطف لماضة ص ‪. 32‬‬
‫‪ () 156‬الطبقات لبن سعد )‪ (3/391،392‬ضعيف لنقطاعه‪.‬‬
‫‪ () 157‬السيرة النبوية )‪ (2/388‬لبن هشام‪ ،‬صحيح التوثيق ص‬
‫‪.187‬‬
‫‪ () 158‬الخلفة والخلفاء الراشدين‪ ،‬للبهنساوي ص ‪.154‬‬
‫لهذه الفكرة وبعد انتهاء المعركللة أشللار بقتللل‬
‫أسارى المشركين‪ ،‬وفللي تلللك الحادثللة دروس‬
‫وعبر عظيمة قللد ذكرتهللا فللي كتللابي السلليرة‬
‫النبوية عرض وقللائع وتحليللل أحللداث‪ ،‬وعنللدما‬
‫م النبي في السر حللرص عمللر‬ ‫وقع العباس ع ّ‬
‫على هدايته وقال له‪ :‬يا عباس أسلللم‪ ،‬فللوالله‬
‫لئن تسلم أحللب إلللي مللن أن يسلللم الخطللاب‪،‬‬
‫ومللا ذاك إل لمللا رأيللت رسللول الللله يعجبلله‬
‫إسللمك)‪ ،(159‬وكلان ملن بيلن السلرى خطيلب‬
‫قريش سهيل بن عمرو‪ ،‬فقال لرسول الله‪ :‬يا‬
‫رسللول الللله‪ ،‬دعنللي أنللتزع ثنيللتي سللهيل بللن‬
‫عمرو فيدلع لسانه‪ ،‬فل يقوم عليك خطيبا ً في‬
‫موطن أبدًا‪ ،‬فقال رسول الللله ‪ :‬ل أمثللل بلله‬
‫فيمثل الله بللي وإن كنللت نبيلًا‪ ،‬وإن عسللى أن‬
‫يقوم مقاما ً ل تللذمه)‪ ،(160‬وهللذا مللا حللدث فعل ً‬
‫بعد وفاة رسول الله ‪ ‬إذ هللم عللدد مللن أهللل‬
‫مكة بالرجوع عن السلم‪ ،‬حتى خللافهم والللي‬
‫مكة عتاب بن أسيد فتوارى‪ ،‬فقام سللهيل بللن‬
‫عمرو‪ ،‬فحمد الللله وأثنللى عليلله ثللم ذكللر وفللاة‬
‫النبي وقال‪ :‬إن ذلك لللم يللزد السلللم إل قللوة‬
‫فملن رابنلا ضلربنا عنقلله فللتراجع النللاس علن‬
‫رأيهم)‪ (161‬وحدثنا عمر عللن حللديث سللمعه مللن‬
‫رسول الله عندما خلاطب مشلركي مكلة اللذي‬
‫قتلوا ببدر‪ ،‬فعن أنس قال‪ :‬كنللا مللع عمللر بيللن‬
‫د‬
‫ت حديلل َ‬
‫مكللة والمدينللة فتراءَْينللا الهلل‪ ،‬وكنلل ُ‬
‫البصر فرأيته‪ ،‬فجعلت أقول لعمللر‪ :‬أمللا تللراه؟‬
‫‪ () 159‬البداية والنهاية )‪.(3/298‬‬
‫‪ () 160‬البداية والنهاية )‪.(3/311‬‬
‫‪ () 161‬التاريخ السلمي للحميدي )‪.(4/181‬‬
‫ق على فراشي‪ ،‬ثم أخذ‬ ‫مستل ٍ‬ ‫قال‪ :‬سأراه وأنا ُ‬
‫ُيحدثنا عن أهل بدر‪ ،‬قال‪ :‬إن كان رسللول الللله‬
‫‪ ‬ل َُيرينا مصارعهم بالمس‪ ،‬يقول‪ :‬هذا مصرع‬
‫فلن غدًا‪ ،‬إن شاء الله‪ ،‬وهذا مصرع فلن غللدا ً‬
‫إن شاء الللله‪ ،‬قللال‪ :‬فجعلللوا ُيصللرعون عليهللا‪،‬‬
‫قال‪ :‬قلللت‪ :‬والللذي بعثللك بللالحق‪ ،‬مللا أخطللؤوا‬
‫ك‪ ،‬كللانوا ُيصللَرعون عليهللا ثللم أمللر بهللم‬ ‫ِتيلل َ‬
‫حوا في بئر‪ ،‬فانطلق إليهم‪ ،‬فقللال‪ )) :‬يللا‬ ‫طر ُ‬‫ف ُ‬
‫عدكم الله حقًا‪،‬‬ ‫و َ‬‫فلن‪ ،‬يا فلن‪ ،‬هل وجدتم ما َ‬
‫فإني وجدت ما وعدني الله حقا ً (( قللال عمللر‪:‬‬
‫جّيفوا؟ قال‪ :‬مللا‬ ‫يا رسول الله‪ ،‬اتكلم قوما ً قد َ‬
‫ع لملللا أقلللول منهلللم‪ ،‬ولكلللن ل‬ ‫م َ‬
‫أنتلللم بأسللل َ‬
‫)‪(162‬‬
‫‪ ،‬وعنللدما جللاء عميللر‬ ‫يستطيعون أن ُيجيبللوا‬
‫بن وهب إلى المدينة قبل إسلمه في أعقللاب‬
‫بدر يريد قتللل رسللول الللله ‪ ،‬كللان عمللر بللن‬
‫الخطلللاب رضلللي اللللله عنللله فلللي نفلللر ملللن‬
‫المسلمين يتحدثون عن يوم بدر‪ ،‬ويذكرون مللا‬
‫أكرمهم الللله بلله‪ ،‬ومللا أراهللم فللي عللدوهم‪ ،‬إذ‬
‫نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ راحلتلله‬
‫على باب المسجد متوشحا ً سيفه‪ ،‬فقللال‪ :‬هللذا‬
‫الكلب عدو الله عمير بن وهب‪ ،‬ما جاء إل لشر‬
‫وهو الذي حرش بيننا‪ ،‬وحرزنا للقوم يوم بللدر‪.‬‬
‫ثم دخل علللى رسللول الللله ‪ ‬فقللال‪ :‬يللا نللبي‬
‫الله‪ ،‬هللذا عللدو الللله عميللر بللن وهللب قللد جللاء‬
‫ي‪ ،‬قللال‪:‬‬ ‫متوشللحا ً سلليفه‪ .‬قللال‪ :‬فللأدخله عللل ّ‬
‫فأقبل عمر حللتى أخللذ بحمالللة)‪ (163‬سلليفه فللي‬
‫‪ () 162‬مسند أحمد رقم ‪ 182‬الموسوعة الحديثية إسناده صحيح‬
‫على شرط الشيخين‪.‬‬
‫‪ () 163‬حمالة السيف‪ :‬ما يربط به السيف على الجسم‪.‬‬
‫عنقه فلببه)‪ ،(164‬بها وقال لمللن كللان معلله مللن‬
‫النصار‪ :‬ادخلوا على رسول الللله ‪ ‬فاجلسللوا‬
‫عنده‪ ،‬واحذروا عليه من هذا الخبيث‪ ،‬فإنه غيللر‬
‫مأمون‪ .‬ثم دخل به على رسول الللله فلمللا رآه‬
‫رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقلله‬
‫قللللللللللللللللللللللللال‪ :‬أرسللللللللللللللللللللللللله‬
‫يا عملر‪ ،‬أدن يلا عميلر‪ .‬فلدنا ثلم قلال‪ :‬انعملوا‬
‫صباحا ً وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله‪ :‬أكرمنا الله بتحية خير مللن تحيتللك‬
‫يا عمير‪ ،‬بالسلم تحيللة أهللل الجنللة)‪.(165‬فقللال‪:‬‬
‫فما جاء بك يا عمير؟ قللال‪ :‬جئت لهللذا السللير‬
‫الذي في أيديكم فأحسنوا فيه‪ .‬قال‪ :‬فمللا بللال‬
‫السلليف فللي عنقللك؟ قللال‪ :‬قبحهللا الللله مللن‬
‫سيوف! وهل أغنت عنا شيئا ً قال أصدقني‪ ،‬ما‬
‫الذي جئت له‪ ،‬قال‪ :‬ما جئت إل لذلك‪ .‬قال‪ :‬بل‬
‫قعللدت أنللت وصللفوان بللن أميللة فللي الحجللر‪،‬‬
‫فذكرتما أصحاب القليب من قريش‪ ،‬ثم قلللت‪:‬‬
‫ي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل‬ ‫لول دين عل ّ‬
‫محمللدا ً فتحمللل لللك صللفوان بللن أميللة بللدينك‬
‫وعيالك‪ ،‬على أن تقتلني له‪ ،‬والله حللائل بينللك‬
‫وبين ذلك‪ .‬قال عمير‪ :‬أشهد أنك لرسول الللله‪،‬‬
‫قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينللا بلله‬
‫من خبر السماء وما ينللزل عليللك مللن الللوحي‪،‬‬
‫وهذا أمر لم يحضللره إل أنللا وصللفوان‪ ،‬فللوالله‬
‫إني لعلم ما أتاك به الللله‪ ،‬فالحمللد لللله الللذي‬
‫هللداني للسلللم‪ ،‬وسللاقني هللذا المسللاق‪ ،‬ثللم‬
‫شللهد شللهادة الحللق‪ ،‬فقللال رسللول الللله ‪:‬‬
‫‪ () 164‬لببة قيده‪.‬‬
‫‪ () 165‬انظر صحيح السيرة النبوية للعلي ص ‪.259‬‬
‫فقهللوا أخللاكم فللي دينلله‪ ،‬وعلمللوه القللرآن‪،‬‬
‫وأطلقوا أسيره ففعلوا)‪.(166‬‬
‫ومن خلل هللذه القصللة يظهللر الحللس المنللي‬
‫الرفيع الذي تميز به عمللر بللن الخطللاب رضللي‬
‫الله عنلله فقللد انتبلله لمجيللء عميللر بللن وهللب‬
‫ذر منه‪ ،‬وأعلن أنه شيطان ما جاء إل لشللر‪،‬‬ ‫وح ّ‬
‫فقد كان تاريخه معروفا ً لدى عمللر‪ ،‬فقللد كللان‬
‫يؤذي المسلللمين فللي مكللة وهللو الللذي ح لّرض‬
‫على قتال المسلللمين فللي بللدر‪ ،‬وعمللل علللى‬
‫جمع المعلومات عن عددهم‪ ،‬ولذلك شرع عمللر‬
‫في أخذ السباب لحماية الرسللول فمللن جهتلله‬
‫فقد أمسك بحمالة سيف عمير الذي في عنقه‬
‫بشللده فعطللله عللن إمكانيللة اسللتخدامه سلليفه‬
‫للعتللداء علللى الرسللول ‪ ‬وأمللر نفللرا ً مللن‬
‫الصحابة بحراسة النبي ‪.(167)‬‬
‫‪ -2‬غزوة أحد‪ ،‬وبني المصطلق والخندق‪:‬‬
‫مللن صللفات الفللاروق الجهاديللة‪ :‬علللو الهمللة‪،‬‬
‫وعدم الصللغار‪ ،‬والللترفع عللن الذلللة حللتى ولللو‬
‫بدت الهزيمة تلوح أمامه‪ ،‬كما حدث في غللزوة‬
‫أحد‪ ،‬ثانية المعارك الكبرى التي خاضها رسول‬
‫الله ‪ ،‬فعند ما وقف أبللو سللفيان فللي نهايللة‬
‫المعركللة وقللال أفللي القللوم محمللد؟ فقللال‬
‫رسول الله ‪ ‬ل تجيبوه فقال أفي القوم ابن‬
‫أبي قحافة‪ ،‬فقال ل تجيبوه فقال أفي القللوم‬
‫ابن الخطاب؟ فقللال‪ :‬إن هللؤلء القللوم قتلللوا‪،‬‬

‫‪ () 166‬صحيح السيرة النبوية ص ‪. 260‬‬
‫صلبي ص ‪868‬‬
‫)( السيرة النبوية‪ ،‬عرض واقع وتحليل أحداث لل ّ‬
‫‪167‬‬

‫‪.‬‬
‫فلو كانوا أحياء لجابوا‪ .‬فلم يملك عمللر رضللي‬
‫الله عنه نفسه فقال‪ :‬كذبت يا عدو الله‪ ،‬أبقى‬
‫الله عليك ما يخزيللك‪ .‬قللال أبللو سللفيان‪ :‬أعللل‬
‫هبللل)‪ ،(168‬فقللال النللبي ‪ ‬أجيبللوه‪ .‬قللالوا مللا‬
‫تقول؟ قال‪ :‬قولوا الله أعلى وأجل‪ .‬قللال أبللو‬
‫سفيان‪ :‬لنا العزى ول عزى لكم‪ .‬فقللال النللبي‬
‫‪ :‬أجيبوه قالوا‪ :‬ما نقول؟ قال‪ :‬قولللوا‪ :‬الللله‬
‫مولنا ول مللولى لكللم‪ ،‬قللال أبللو سللفيان يللوم‬
‫مثلللة لللم‬
‫بيوم بدر‪ ،‬والحللرب سللجال‪ ،‬وتجللدون ُ‬
‫سللؤني)‪ ، (169‬وفللي روايللة قللال‬
‫آمللر بهللا ولللم ت َ ُ‬
‫عمر‪ ) :‬ل سواء قتلنا في الجنة وقتلكللم فللي‬
‫النار)‪ .(170‬فجاءه‪ ،‬فقال له أبو سفيان‪ :‬أنشللدك‬
‫الله يا عمر‪ ،‬أقتلنا محمدًا؟ قال عمر‪ :‬اللهم ل‪،‬‬
‫وإنلله ليسللمع كلمللك الن‪ ،‬قللال‪ :‬أنللت أصللدق‬
‫عنللدي مللن ابللن قمئة وأبللر‪ ،‬لقللول ابللن قمئة‬
‫لهم‪ :‬إني قد قتلت محمدا ً)‪ . (171‬كان في سؤال‬
‫أبي سفيان عن رسول الللله وأبللي بكللر وعمللر‬
‫دللة واضحة علللى اهتمللام المشللركين بهللؤلء‬
‫دون غيرهم لنه في علمهم أنهم أهل السلم‬
‫وبهللم قللام صللرحه وأركللان دولتلله وأعمللدة‬
‫نظامه‪ ،‬ففللي مللوتهم يعتقللد المشللركون أنلله‬
‫ل يقوم السلم بعللدهم‪ ،‬وكللان السللكوت عللن‬
‫إجابللة أبللي سللفيان أول تصللغيرا ً للله حللتى إذا‬

‫أعل هبل‪ :‬ظهر دينك‪.‬‬ ‫‪() 168‬‬
‫البخاري‪ ،‬المغازي‪ ،‬رقم ‪ ،404‬السيرة الصحيحة )‪.(392 /2‬‬ ‫‪() 169‬‬
‫السيرة النبوية الصحيحة )‪.(392 /2‬‬ ‫‪() 170‬‬
‫صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص ‪.189‬‬ ‫‪() 171‬‬
‫انتشللى ومله الكللبر أخللبروه بحقيقللة المللر‬
‫وردوا عليه بشجاعة)‪. (172‬‬
‫وفللي غللزوة بنللي المصللطلق كللان للفللاروق‬
‫موقف متميز‪ ،‬ونللترك شللاهد عيللان يحكللي لنللا‬
‫ما شاهده‪ ،‬قال جابر بللن عبللد الللله النصللاري‪:‬‬
‫كنا في غزاة فكسع)‪ (173‬رجللل مللن المهللاجرين‬
‫رجل ً من النصار فقال النصاري‪ :‬يللا للنصللار‪.‬‬
‫وقللللللللللللللللللللال المهللللللللللللللللللللاجري‪:‬‬
‫يا للمهاجرين‪ .‬فسمع ذلك رسول الللله فقللال‪:‬‬
‫دعوهللللا فإنهللللا منتنللللة‪ ،‬فسللللمع بللللذلك‬
‫عبد الله ابن أبي فقللال‪ :‬فعلوهللا‪:‬؟ أمللا والللله‬
‫لئن رجعنللا إلللى المدينللة ليخرجللن العللز منهللا‬
‫الذل‪ ،‬فسمع ذلك عمر فأتى النبي ‪ ‬فقال يا‬
‫رسول الله دعنللي أضلرب عنللق هللذا المنللافق‪،‬‬
‫فبلللغ النللبي ‪ ‬فقللال عمللر‪ :‬كلم فيلله نقللص‬
‫فقال ذلك فقال‪ :‬يا رسول الله‪ :‬دعه ل يتحدث‬
‫الناس أن محمدا ً يقتل أصحابه)‪ ،(174‬وفي رواية‬
‫قال عمر بن الخطللاب‪ :‬مللر بلله عبللاد بللن بشللر‬
‫فليقتله‪ ،‬فقال له رسول الله ‪ :‬فكيف ياعمر‬
‫إذا تحدث الناس أن محمللدا ً يقتللل أصللحابه؟ ل‪.‬‬
‫ولكن أذن بالرحيل وذللك فلي سلاعة للم يكلن‬
‫)‪(175‬‬
‫رسول الله ‪ ‬يرتحل فيها‪ ،‬فارتحل الناس‬
‫ومن مثل هذه المواقللف والتوجيهللات النبويللة‬
‫استوعب عمر رضللي الللله عنلله فقلله المصللالح‬
‫والمفاسد‪ ،‬فهللذا الفقلله يظهللر فللي قللوله ‪:‬‬
‫السيرة النبوية الصحيحة )‪.(392 /2‬‬ ‫‪() 172‬‬
‫كسع‪ :‬ضربه برجله‪.‬‬ ‫‪() 173‬‬
‫السيرة النبوية الصحيحة )‪.(409 /2‬‬ ‫‪() 174‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪.(319 /3‬‬ ‫‪() 175‬‬
‫فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا ً يقتل‬
‫أصلللحابه)‪ ،(176‬إنهلللا المحافظلللة التاملللة عللللى‬
‫السللمعة السياسللية‪ ،‬ووحللدة الصللف الداخليللة‪،‬‬
‫والفرق كبير جللدا ً بيللن أن يتحللدث النللاس عللن‬
‫حب أصحاب محمد محمدًا‪ ،‬ويؤكدون على ذلللك‬
‫بلسان قائدهم الكللبر أبللي سللفيان‪ :‬مللا رأيللت‬
‫أحدا ً يحب أحدا ً كحب أصحاب محمد محمدا ً)‪،(177‬‬
‫وبين أن يتحدث الناس أن محمدا ً يقتل أصحابه‬
‫ول شك أن وراء ذلللك محللاولت ضللخمة سللتتم‬
‫في محاولة الدخول إلى الصللف الللداخلي فللي‬
‫المدينة من العدو بينما هللم يائسللون الن مللن‬
‫قللدرتهم علللى شلليء أمللام ذلللك الحللب وتلللك‬
‫التضحيات)‪ (178‬وفي غزوة الخنللدق يللروي جللابر‬
‫فيقول‪ :‬أن عمر بن الخطاب جاء يللوم الخنللدق‬
‫ب كفللار‬ ‫سل ّ‬
‫بعللد مللا غربللت الشللمس‪ ،‬فجعللل ي ُ‬
‫قريش وقال‪ :‬يا رسول الله ما كدت أن أصلللي‬
‫حللتى كللادت الشللمس تغللرب‪ ،‬قللال النللبي ‪:‬‬
‫)) وأنا والله مللا صلليتها‪ ،‬فنزلنللا مللع النلبي ‪‬‬
‫ُبطحان)‪ ،(179‬فتوضأ للصلة وتوضأنا لها‪ ،‬فصلى‬
‫العصللر بعللدما غربللت الشللمس‪ ،‬ثللم بعللدها‬
‫المغرب)‪.(180‬‬
‫‪ -3‬صلح الحديبية‪ ،‬وسريه إلى هوازن‪ ،‬وغزوة خيبر‪:‬‬
‫وفي الحديبية دعا رسول الللله ‪ ‬عمللر ليبعثلله‬
‫إلى مكة‪ ،‬فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء بلله‪،‬‬
‫‪ () 176‬السيرة النبوية الصحيحة )‪.(2/409‬‬
‫‪ () 177‬التربية القيادية )‪.(3/463‬‬
‫‪ () 178‬نفس المصدر )‪.(3/463‬‬

‫‪ () 179‬بطحان‪ :‬أحد أودية المدينة‪.‬‬
‫‪ () 180‬البخاري رقم ‪. 571‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله إنللي أخللاف قريشلا ً علللى‬
‫ي بللن كعللب‬ ‫نفسي‪ ،‬وليس بمكة مللن بنللي عللد ّ‬
‫أحد يمنعني‪ ،‬وقد عرفلت قريلش علداوتي لهلا‬
‫وغلظتي عليها‪ ،‬ولكني أدل ّللك علللى رجللل أع لّز‬
‫رسللول‬ ‫بها مني‪ ،‬عثمللان بللن عفللان‪ ،‬فللدعا‬
‫الللله ‪ ‬عثمللان بللن عفللان فبعثلله إلللى أبللي‬
‫سفيان وأشراف قريش يخللبرهم أنلله لللم يللأت‬
‫لحرب وأنه إنما جاء زائرا ً لهذا الللبيت ومعظملا ً‬
‫لحرمته)‪ ،(181‬وبعد التفاق على معاهللدة الصلللح‬
‫وقبل تسجيل وثائقها ظهرت بيللن المسلللمين‬
‫معارضة شديدة وقوية لهذه التفاقية‪ ،‬وخاصللة‬
‫د‬
‫في البندين اللذين يلتزم النبي بموجبهما بللر ّ‬
‫ما جاء من المسلمين لجئًا‪ ،‬ول تلللتزم قريللش‬
‫برد ما جاءها من المسلمين مرتدًا‪ ،‬والبند الذي‬
‫يقضي بأن يعود المسلمون من الحديبيللة إلللى‬
‫المدينة دون أن يدخلوا مكللة ذلللك العللام‪ ،‬وقللد‬
‫كللان أشللد النللاس معارضللة لهللذه التفاقيللة‬
‫وانتقللادا ً لهللا‪ ،‬عمللر بللن الخطللاب‪ ،‬وأسلليد بللن‬
‫حضللير سلليد الوس‪ ،‬وسللعد بللن عبللادة سلليد‬
‫الخللزرج‪ ،‬وقللد ذكللر المؤرخللون أن عمللر بللن‬
‫الخطاب أتى رسول الله معلنا ً معارضللته لهللذه‬
‫التفاقية وقال لرسول الله ‪ :‬ألست برسول‬
‫الللله؟ قللال‪ :‬بلللى‪ ،‬قللال‪ :‬أولسللنا بالمسلللمين؟‬
‫قال‪ :‬بلى‪ ،‬قللال‪ :‬أوليسللوا بالمشللركين؟ قللال‪:‬‬
‫بلى‪ ،‬قال‪ :‬فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ قللال‬
‫إنللي رسللول الللله ولسللت أعصلليه)‪ ،(182‬وفللي‬
‫رواية‪ :‬أنا عبد الللله ورسللوله لللن أخللالف أمللره‬
‫‪ () 181‬السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(2/228‬وأخبار عمر ص ‪. 34‬‬
‫‪ () 182‬من معين السيرة للشامي ص ‪. 333‬‬
‫ولن يضيعني)‪ ،(183‬قلت أوليس كنت تحللدثنا أنللا‬
‫سنأتي البيت فنطوف به؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬فأخبرتك‬
‫أنللا نللأتيه العللام؟ قلللت‪ :‬ل‪ ،‬قللال فإنللك آتيلله‬
‫ومطوف به قال عمر‪ :‬فأتيت أبا بكر فقلت له‪:‬‬
‫يا أبا بكر‪ :‬أليس برسول الله؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أولسنا بالمسلمين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قللال‪ :‬أوليسللوا‬
‫بالمشللركين؟ قللال بلللى‪ ،‬قللال‪ :‬فعلم نعطللي‬
‫الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ناصحا ً الفاروق‬
‫بللأن يللترك الحتجللاج والمعارضللة إلللزم غللرزه‬
‫فإني أشهد أنه رسول الله‪ ،‬وأن الحق مللا أمللر‬
‫به‪ ،‬ولن نخالف أمر الله ولللن يضلليعه الللله)‪،(184‬‬
‫وبعد حادثة أبللي جنللدل المؤلمللة المللؤثرة عللاد‬
‫الصحابة إلى تجديد المعارضة للصلللح‪ ،‬وذهبللت‬
‫مجموعة منهم إلى رسول الله ‪ ‬بينهللم عمللر‬
‫بللن الخطللاب لمراجعتللة‪ ،‬وإعلن معارضللتهم‬
‫مجددا ً للصلح إل أن النللبي ‪ ‬بمللا أعطللاه الللله‬
‫من صبر وحكمة وحلم وقوة حجللة اسللتطاع أن‬
‫يقنللع المعارضللين بوجاهللة الصلللح‪ ،‬وأنلله فللي‬
‫صالح المسلمين وأنه نصللر لهللم)‪ ،(185‬وأن الللله‬
‫سيجعل للمستضعفين مللن أمثللال أبللي جنللدل‬
‫فرجا ً ومخرجًا‪ ،‬وقد تحقق ما أخللبر بلله ‪ ،‬وقللد‬
‫تعلللم عمللر رضللي الللله عنلله مللن رسللول الللله‬
‫احللترام المعارضللة النزيهللة ولللذلك نللراه فللي‬
‫خلفتللله يشلللجع الصلللحابة عللللى إبلللداء الراء‬
‫السللليمة الللتي تخللدم المصلللحة العامللة)‪،(186‬‬
‫البخاري‪ ،‬رقم ‪ ، 3011‬تاريخ الطبري )‪.(2/634‬‬ ‫‪() 183‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/346‬‬ ‫‪() 184‬‬
‫صلح الحديبية‪ ،‬باشميل ص ‪. 270‬‬ ‫‪() 185‬‬
‫القيادة العسكرية في عهد رسول الله ص ‪. 495‬‬ ‫‪() 186‬‬
‫فحرية الرأي مكفولة فلي المجتملع السللمي‬
‫وأن للفرد في المجتمللع المسلللم الحريللة فللي‬
‫التعبير عللن رأيلله‪ ،‬ولللو كللان هللذا الللرأي نقللدا ً‬
‫لموقللف حللاكم مللن الحكللام أو خليفللة مللن‬
‫الخلفللاء‪ ،‬فمللن حللق الفللرد المسلللم أن يللبين‬
‫وجهة نظره في جللو مللن المللن والمللان دون‬
‫إرهاب أو تسلط يخنللق حريللة الكلمللة والفكللر‪،‬‬
‫ونفهللللم مللللن معارضللللة عمللللر لرسللللول‬
‫الله ‪ ‬أن المعارضة لرئيللس الدولللة فللي رأي‬
‫من الراء وموقف من المواقف ليست جريمللة‬
‫تستوجب العقاب‪ ،‬ويغيب صاحبها فللي غيللاهب‬
‫السجون)‪.(187‬‬
‫لم يكن ذلك الموقف من الفاروق شك ّا ً أو ريبة‬
‫فيما آلت إليه المور‪ ،‬بل طلبا ً لكشف ما خفي‬
‫عليه‪ ،‬وحث ّا ً على إذلل الكفللار‪ ،‬لمللا عللرف مللن‬
‫قوته في نصرة السلم)‪ ،(188‬وبعد ما تبينت للله‬
‫الحكمة قللال عللن مللوقفه بالحديبيللة‪ :‬مللا زلللت‬
‫أتصللدق‪ ،‬وأصللوم‪ ،‬وأصلللي‪ ،‬وأعتللق مللن الللذي‬
‫صنعت يومئذ‪ ،‬مخافة كلمي الللذي تكلمللت بلله‪،‬‬
‫حتى رجوت أن يكون خيرا ً)‪.(189‬‬
‫وفي شعبان سنة ‪ 7‬مللن الهجللرة بعللث رسللول‬
‫الله عمر بن الخطاب إلى تربة في ثلثين رجل ً‬
‫ز)‪ (190‬هللوازن بتربللة وهللي بناحيللة‬ ‫عجلل ِ‬
‫إلللى ُ‬

‫‪ () 187‬غزوة الحديبية لبي فارس ص ‪. 134،135‬‬
‫‪ () 188‬صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص ‪. 191‬‬
‫‪ () 189‬مختصر منهاج القاصدين ص ‪ ، 293‬فرائد الكلم للخلفاء ص‬
‫‪. 139‬‬
‫خر الشيء‪.‬‬‫‪ () 190‬العجز‪ :‬مؤ ّ‬
‫القبلء)‪ ،(191‬علللى أربللع مراحللل مللن مكللة)‪،(192‬‬
‫فخللرج‪ ،‬وخللرج معلله دليللل مللن بنللي هلل)‪،(193‬‬
‫فكان يسير الليل ويكمن النهللار‪ ،‬فللأتى الخللبر‬
‫هوازن فهربوا‪ ،‬وجللاء عمللر محللالهم فلللم يلللق‬
‫منهم أحدا ً فانصرف راجعا ً إلى المدينللة رضللي‬
‫الللله عنلله)‪ (194‬وفللي روايللة‪ :‬قللال للله الللدليل‬
‫الهللللي‪ :‬هللل لللك فللي جمللع آخللر تركتلله مللن‬
‫م سائرين قد أجدبت بلدهم؟ فقال عمر‪:‬‬ ‫ع َ‬‫ش َ‬‫خ ْ‬ ‫َ‬
‫لم يأمرني رسللول الللله بهللم‪ ،‬إنمللا أمرنللي أن‬
‫مدَ لقتللال هللوازن بُتربللة)‪ ،(195‬وهللذه السللرية‬‫ع َ‬‫أ ْ‬
‫تدلنا على ثلث نتائج عسكرية‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن عمر أصبح مللؤهل ً للقيللادة إذ لللول‬
‫ذلك لما وله النبي الكريم ‪ ‬قيادة سرية مللن‬
‫سللرايا المسلللمين تتجلله إلللى منطقللة بالغللة‬
‫الخطللورة وإلللى قبيلللة مللن أقللوى القبللائل‬
‫العربية وأشدها شكيمة‪.‬‬
‫والثانيللة‪ :‬أن عمللر الللذي كللان يكمللن نهللارا ً‬
‫ل‪ ،‬مشبع بمبدأ المباغتة‪ ،‬أهللم مبللادئ‬ ‫ويسير لي ً‬
‫الحرب على الطلق‪ ،‬مما جعللله يبللاغت عللدوه‬
‫ويجللبره علللى الفللرار‪ ،‬وبللذلك انتصللر بقللواته‬
‫القليلة على قوات المشركين الكثيرة‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬أن عمللر ينفللذ أوامللر قللائدة العلللى‬
‫نصللا ً وروحللًا‪ ،‬ول يحيللد عنهللا‪ ،‬وهللذا هللو روح‬

‫في الصل )) الفل (( وهو تحريف‪.‬‬ ‫‪() 191‬‬
‫تربة‪ :‬واد يقع شرق الحجاز يصب صوب عالية نجد‪.‬‬ ‫‪() 192‬‬
‫هلل بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن‪.‬‬ ‫‪() 193‬‬
‫الطبقات لبن سعد )‪.(3/272‬‬ ‫‪() 194‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪ (2/228‬أخبار عمر ص ‪.34‬‬ ‫‪() 195‬‬
‫الضبط العسكري وروح الجندية في كلل زملان‬
‫ومكان)‪. (196‬‬
‫وفللي غللزوة خيللبر عنللدما نللزل رسللول الللله‬
‫)‪(197‬‬
‫بحضرة أهل خيبر أعطى رسول الله اللللواء‬
‫عمر بن الخطاب‪ ،‬فنهض معلله مللن نهللض مللن‬
‫النللاس‪ ،‬فلقللوا أهللل خيللبر فانكشللف عمللر‬
‫وأصحابه‪ ،‬فرجعوا إلى رسللول الللله ‪ ،‬فقللال‬
‫رسول الله لعطين اللواء غدا ً رجل ً يحللب الللله‬
‫ورسوله ويحبه الللله ورسللوله‪ ،‬فلمللا كللان غللدا ً‬
‫تصدر)‪ (198‬لها أبو بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬فللدعا علي لًا‪ ،‬وهللو‬
‫أرمللد)‪ ، (199‬فتفللل فللي عينيلله وأعطللاه اللللواء‪،‬‬
‫ونهض معه من الناس من نهللض فتلقللى أهللل‬
‫خيبر فإذا مرحب يرجز ويقول‪:‬‬
‫شاك السلح بطللل‬ ‫قد علمت خيبر أنللي‬
‫مجللللللللللللللللللرب‬ ‫مرحلللللللللللللللللللب‬
‫إذا الليللوث أقبلللت‬ ‫أطعن أحيانلا ً وحينلا ً‬
‫تلهللللللللللللللللللللب‬ ‫أضلللللللللللللللللللرب‬
‫فاختلف هو وعلي – رضي الللله عنلله – فضللربه‬
‫علللي علللى هللامته حللتى عضللى السلليف منلله‬
‫بيضتي)‪ (200‬رأسه‪ ،‬وسمع أهل المعسللكر صللوت‬
‫ضربته‪ ،‬فما تتام آخر الناس مع علي حتى فتح‬
‫الله لهم وله‪.‬‬

‫الفاروق القائد ص ‪ 118 ،117‬شيت خطاب‪.‬‬ ‫‪() 196‬‬
‫اللواء‪ :‬العلم‪ ،‬والراية ول يمسكها إل صاحب الجيش‪.‬‬ ‫‪() 197‬‬
‫تصدر‪ :‬نصب صدره في الجلوس‪ ،‬وجلس في صدر المجلس‪.‬‬ ‫‪() 198‬‬
‫الرمد‪ :‬وجع العين وانتفاخها‪.‬‬ ‫‪() 199‬‬
‫البيضة‪ :‬الخوذة‪.‬‬ ‫‪() 200‬‬
‫وعندما أقبل في خيبر نفر من أصللحاب النللبي‬
‫‪ ،‬فقالوا‪ :‬فلن شهيد‪ ،‬فقال رسول الله ‪:‬‬
‫كل‪ ،‬إني رأيتلله فللي النللار فللي بللردة غّلهللا‪ ،‬أو‬
‫عبلللللاءة ثلللللم قلللللال رسلللللول اللللللله ‪:‬‬
‫يا ابن الخطاب اذهب فناد فللي النللاس‪ :‬أنلله ل‬
‫يللدخل الجنللة إل المؤمنللون قللال‪ :‬فخرجللت‬
‫فنلللللاديت‪ :‬أل أنللللله ل يلللللدخل الجنلللللة إل‬
‫المؤمنون)‪.(201‬‬
‫‪ -4‬فتح مكة وغزوة حنين وتبوك‪:‬‬
‫لمللا نقضللت قريللش صلللح الحديبيللة بغللدرها‪،‬‬
‫خشلليت مللن الخطللر القللادم مللن المدينللة‪،‬‬
‫فأرسلت أبللا سللفيان ليشللد العقللد ويزيللد فللي‬
‫المدة‪ ،‬فقللدم علللى رسللول الللله فللدخل علللى‬
‫ابنته أم حبيبة بنللت أبللي سللفيان ولكللن بللدون‬
‫جدوى‪ ،‬وخرج حتى أتى رسول الله فكلمه فلم‬
‫يردّ عليه شيئًا‪ ،‬ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن‬
‫يكلم له رسول الله‪ ،‬فقال‪ :‬ما أنللا بفاعللل‪ ،‬ثللم‬
‫أتى عمر بن الخطاب رضلي الللله عنله فكلملله‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أنا أشفع لكم إلى رسول الله؟ والله لو‬
‫لم أجد إل الذر لجاهدتكم به)‪ ،(202‬وعندما أكمللل‬
‫النبي ‪ ‬استعداده للسير إلى فتح مكللة‪ ،‬كتللب‬
‫حللاطب بللن أبللي بلتعللة كتاب لا ً إلللى أهللل مكللة‬
‫يخبرهم فيه بنبأ تحرك النبي ‪ ‬إليهللم‪ ،‬ولكللن‬
‫الله سبحانه وتعالى أطلع نللبيه ‪ ‬عللن طريللق‬
‫الللوحي علللى هللذه الرسللالة‪ ،‬فقضللى ‪ ‬علللى‬

‫‪ () 201‬إسناده حسن رجاله رجال الشيخين‪ ،‬الموسوعة الذهبية‬
‫مسند أحمد رقم )‪.(203‬‬
‫‪ () 202‬السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(2/265‬أخبار عمر ص ‪.37‬‬
‫هذه المحاولللة فللي مهللدها‪ ،‬فأرسللل النللبي ‪‬‬
‫عليلا ً والمقللداد فأمسللكوا بللالمرأة فللي روضللة‬
‫خللاخ علللى بعللد اثنللي عشللر ميل ً مللن المدينللة‪،‬‬
‫وهللددوها أن يفتشللوها إن لللم تخللرج الكتللاب‬
‫فسلمته لهم ثم اسللتدعي حللاطب رضللي الللله‬
‫عنه للتحقيق فقال‪ :‬يللا رسللول الللله‪ ،‬ل تعجللل‬
‫ي‪ ،‬إني كنت امرأ ً ملصقا ً في قريش ‪-‬يقول‪-‬‬ ‫عل ّ‬
‫كنت حليفا ولم أكللن مللن أنفسللها‪ ،‬وكللان مللن‬
‫معك من المهاجرين من لهللم قرابللات يحمللون‬
‫بها أهليهم وأموالهم‪ ،‬فللأحببت إذ فللاتني ذلللك‬
‫من النسب فيهم أن أتخذ عنللدهم يللدا ً يحمللون‬
‫قرابتي‪ ،‬ولم أفعله ارتدادا ً عن دينللي ول رضللا ً‬
‫بالكفر بعد السلم‪ ،‬فقال رسول الللله ‪ :‬إمللا‬
‫إنه قد صدقكم‪ ،‬فقللال عمللر‪ :‬يللا رسللول الللله‪،‬‬
‫دعني اضرب عنق هذا المنافق‪ ،‬فقللال ‪ ،‬إنلله‬
‫قد شهد بدرًا‪ ،‬وما يدريك لعل الله اطلللع علللى‬
‫من شهد بللدرا ً فقللال‪ :‬اعملللوا مللا شللئتم فقللد‬
‫غفللرت لكللم)‪ (203‬ومللن الحللوار الللذي تللم بيللن‬
‫عمللر بللن الخطللاب فللي شللأن‬ ‫الرسللول ‪ ‬و ُ‬
‫حاطب يمكن أن نستخرج بعض الدروس والعبر‬
‫منها‪.‬‬
‫‪ -‬حكم الجاسوس القتل‪ ،‬فقد أخبر عمر بللذلك‬
‫ولم ينكر عليه الرسول ‪ ‬ولكن منع من إيقاع‬
‫العقوبة بسبب كونه بدريًا‪.‬‬
‫‪ -‬شللدة عمللر فللي الللدين‪ :‬لقللد ظهللرت هللذه‬
‫الشلللدة فلللي اللللدين حينملللا طلللالب بضلللرب‬
‫عنق حاطب‪.‬‬

‫‪ () 203‬البخاري في المغازي رقم ‪.4274‬‬
‫‪ -‬الكللبيرة ل تسلللب اليمللان‪ :‬إن مللا ارتكبلله‬
‫حاطب كللبيرة وهللي التجسللس ومللع هللذا ظللل‬
‫مؤمنا‪.‬‬
‫‪ -‬لقد أطلق عمللر علللى حللاطب صللفة النفللاق‬
‫بالمعنى اللغللوي ل بللالمعنى الصللطلحي فللي‬
‫عهللده ‪ .‬إذ النفللاق إبطللان الكفللر والتظللاهر‬
‫بالسلللم‪ ،‬وإنمللا الللذي أراده عمللر‪ ،‬إنلله أبطللن‬
‫خلف ما أظهر إذ أرسل كتابه الذي يتنافى مع‬
‫اليمان الذي خرج ُيجاهد من أجله ويبللذل دملله‬
‫في سبيله)‪.(204‬‬
‫‪ -‬تللأثر عمللر مللن رد الرسللول ‪ ‬فتحللول فللي‬
‫لحظات من رجل غاضب ينادي بإجراء العقوبللة‬
‫الكللبيرة علللى حللاطب إلللى رجللل يبكللي مللن‬
‫الخشية والتللأثر ويقللول‪ :‬الللله ورسللوله أعلللم‪،‬‬
‫ذلك لن غضبه كان لله ورسوله فلما تللبين للله‬
‫أن الذي يرضي الله تعالى ورسوله ‪ ‬غيللر مللا‬
‫كان يراه غض النظر عن ذلك الخطللأ ومعاملللة‬
‫صاحبه بالحسنى تقللديرا ً لرصلليده فللي الجهللاد‬
‫واستجاب)‪.(205‬‬
‫وعندما نزل رسول الله بمر الظهران وخشللي‬
‫أبو سفيان على نفسلله وعللرض عليلله العبللاس‬
‫م رسول الله طلب المللان مللن رسللول الللله‬ ‫ع ّ‬
‫فوافللق علللى ذلللك يقللول العبللاس بللن عبللد‬
‫المطلب قلت‪ :‬ويحك يا أبا سفيان هذا رسللول‬
‫الله ‪ ‬في الناس واصباح قريش والللله‪ ،‬قللال‬
‫فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي‪ ،‬قال‪ :‬قلت والله‬
‫لئن ظفر بك ليضربن عنقك‪ ،‬فاركب في عجللز‬
‫‪ () 204‬السيرة النبوية لبي فارس ص ‪.404‬‬
‫‪ () 205‬التاريخ السلمي )‪.(7/176،177‬‬
‫هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأسللتأمنه‬
‫لك‪ ،‬قال‪ :‬فركب خلفي ورجللع صللاحباه‪ ،‬فجئت‬
‫بلله‪ ،‬كلمللا مللررت بنللار مللن نيللران المسلللمين‬
‫قالوا‪ :‬من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسللول الللله ‪‬‬
‫وأنا عليها قالوا‪ :‬عم رسول الللله علللى بغلتلله‪،‬‬
‫حتى مررت بنار عمر بن الخطللاب فقللال‪ :‬مللن‬
‫ي فلمللللللللا رأى‬‫هللللللللذا؟ وقللللللللام إللللللللل ّ‬
‫أبا سفيان على عجز الدابة قللال‪ :‬أبللو سللفيان‬
‫عدو الله‪ ،‬الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقللد‬
‫ول عهد‪ ،‬ثللم خللرج يشللتد نحللو رسللول الللله ‪‬‬
‫ودخللللللللل عليلللللللله عمللللللللر فقللللللللال‪:‬‬
‫يا رسول الله هذا أبللو سللفيان قللد أمكللن الللله‬
‫منه بغير عقد ول عهد‪ ،‬فدعني فلضرب عنقه‪،‬‬
‫قال قلت‪ :‬يا رسول الله إني قلد أجرتله‪ ،‬فلملا‬
‫أكثر عمر من شأنه قلت‪ :‬مهل ً يا عمر‪ ،‬فللوالله‬
‫أن لو كان من بني عدي ما قلللت هللذا‪ ،‬ولكنللك‬
‫قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف‪ ،‬فقللال‬
‫عمللر‪ :‬مهل ً يللا عبللاس‪ ،‬فللوالله لسلللمك يللوم‬
‫أسلمت كان أحب إلي من إسلللم الخطللاب لللو‬
‫أسلم‪ ،‬وما بي إل أني قللد عرفللت أن إسلللمك‬
‫كان أحب إلى رسول الله من إسلللم الخطللاب‬
‫لللو أسلللم‪ ،‬فقللال ‪ :‬إذهللب بلله ياعبللاس إلللى‬
‫رحلك فإذا أصبحت فأتني به)‪ ،(206‬فهللذا موقلف‬
‫عمر –رضى الله عنه‪ -‬وهو يرى عللدو الللله يمللر‬
‫بقوات المسلمين‪ ،‬محتميا ً بظهللر العبللاس عللم‬
‫النبي ‪ ‬وقد بدا ذليل ً خائفًا‪ ،‬فيود عمر –رضي‬
‫الله عنه‪ -‬أن يضرب عنق عدو الللله قربللى إلللى‬

‫‪ () 206‬السيرة النبوية ص ‪.520 ،519 ،518‬‬
‫الله تعالى وجهادا ً في سبيله‪ ،‬ولكن الله تعالى‬
‫قللد أراد الخيللر بللأبي سللفيان فشللرح صللدره‬
‫للسلم‪ ،‬فحفظ دمه ونفسه)‪.(207‬‬
‫وفللي غللزوة حنيللن‪ ،‬بللاغت المشللركون جيللش‬
‫المسلمين وانشمر الناس راجعين ل يلوي أحد‬
‫على أحد‪ ،‬وإنحللاز رسللول الللله ‪ ‬ذات اليميللن‬
‫ي أنا رسول‬ ‫ثم قال‪ :‬أين أيها الناس؟ هلموا إل ّ‬
‫الله‪ :‬أنا محمد بن عبد الللله‪ ،‬فلللم يسللمع أحللد‪،‬‬
‫وحملللت البللل بعضللها علللى بعللض‪ ،‬فللانطلق‬
‫الناس إل أنه بقللي مللع رسللول الللله نفللر مللن‬
‫المهاجرين والنصار وأهللل بيتلله وكللان فيمللن‬
‫ثبت معه من المهاجرين أبو بكللر وعمللر‪ ،‬ومللن‬
‫أهللللللللللل بيتلللللللللله علللللللللللي بللللللللللن‬
‫أبي طالب‪ ،‬والعباس بن عبللد المطلللب‪ ،‬وابنلله‬
‫الفضللل‪ ،‬وأبللو سللفيان بللن الحللارث‪ ،‬وابنلله‪،‬‬
‫وربيعة بللن الحللارث وغيرهللم)‪ ،(208‬ويحكللي أبللو‬
‫قتللادة عللن موقللف عمللر فللي هللذه الغللزوة‬
‫فيقول‪ :‬خرجنا مع رسول الله عام حنين فلمللا‬
‫التقينا كانت للمسلمين جولة‪ ،‬فرأيت رجل ً من‬
‫المشلللركين قلللد عل رجل ً ملللن المسللللمين‪،‬‬
‫فضللربته مللن ورائه علللى عللاتقه)‪ ،(209‬بسلليف‬
‫ي فضللمني ضللمة‬ ‫فقطعللت الللدرع‪ ،‬وأقبللل عل ل ّ‬
‫وجللدت منهللا ريللح المللوت فأرسلللني‪ ،‬فلحقللت‬
‫عمر بن الخطاب فقلت‪ :‬ما بال الناس؟ فقال‪:‬‬
‫أمر الله‪ ،‬ثم رجعوا)‪.(210‬‬
‫الفاروق مع النبي د‪.‬عاطف لماضة ص ‪.42‬‬ ‫‪() 207‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(2/289‬أخبار عمر ص ‪.41‬‬ ‫‪() 208‬‬
‫عُنق‪.‬‬
‫ق‪ :‬ما بين المنكب وال ُ‬
‫العات ِ ُ‬ ‫‪() 209‬‬
‫البخاري رقم ‪.4067 ،4066‬‬ ‫‪() 210‬‬
‫م الل ّل ُ‬
‫ه‬ ‫صلَرك ُ ْ‬ ‫قد ْ ن َ َ‬ ‫قال تعالى عن هذه الغزوة‪  :‬ل َ َ‬
‫م‬‫م ك َث َْرت ُك ُل ْ‬ ‫جب َت ْك ُل ْ‬
‫ع َ‬‫ن إ ِذْ أ َ ْ‬ ‫حن َي ْل ٍ‬
‫م ُ‬ ‫و َ‬‫وي َل ْ‬
‫ة َ‬ ‫ن ك َِثي لَر ٍ‬ ‫واطِ َ‬ ‫م َ‬ ‫في َ‬ ‫ِ‬
‫ت‬ ‫حب َ ْ‬
‫ما َر ُ‬ ‫م الرض ب ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫علي ْك ْ‬ ‫ت َ‬ ‫َ‬
‫ضاق ْ‬ ‫و َ‬ ‫ً‬
‫م شي ْئا َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫عن ْك ْ‬ ‫ن َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫غ ِ‬ ‫م تُ ْ‬‫فل ْ‬
‫ن)‪)  (25‬التوبة الية‪ (25 :‬فلما تاب‬ ‫ري َ‬
‫مدْب ِ ِ‬‫م ُ‬‫ول ّي ْت ُ ْ‬
‫م َ‬ ‫ثُ ّ‬
‫الللله تعللالى علللى المللؤمنين بعللد أن كللادت‬
‫الهزيمة تلحق بهم نصللر الللله أوليللاءه‪ ،‬بعللد أن‬
‫أفاؤوا إلى نبيهم واجتمعوا حوله‪ ،‬فللأنزل الللله‬
‫سكينته ونصره على جنده وقللال تعللالى يقللص‬
‫ه‬ ‫عل َللى َر ُ‬
‫سللول ِ ِ‬ ‫ه َ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫سل ِ‬
‫ه َ‬ ‫م َأن لَز َ‬
‫ل الل ّل ُ‬ ‫علينا ذلك‪  :‬ث ُل ّ‬
‫ن‬ ‫ب ال ّل ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ع لذ ّ َ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫و َ‬ ‫دا ل َ ْ‬
‫م ت ََر ْ‬ ‫جُنو ً‬
‫ل ُ‬ ‫وَأنَز َ‬ ‫ن َ‬‫مِني َ‬
‫ؤ ِ‬‫م ْ‬‫عَلى ال ْ ُ‬
‫و َ‬ ‫َ‬
‫ن)‪)  (26‬التوبة‪ ،‬آية ‪.(26‬‬ ‫ري َ‬‫ف ِ‬
‫كا ِ‬‫جَزاءُ ال ْ َ‬
‫ك َ‬ ‫وذَل ِ َ‬ ‫فُروا َ‬‫كَ َ‬
‫وبعد معركة حنين عاد المسلمون إلى المدينللة‬
‫وبينما هم يمللرون بالجعرانللة)‪ ،(211‬كللان رسللول‬
‫الله يقبض الفضللة مللن ثللوب بلل رضللي الللله‬
‫عنه ويعطي الناس‪ ،‬فأتى رجل وقللال لرسللول‬
‫الله‪ :‬يا محمد‪ ،‬اعدل‪ ،‬قال رسللول الللله‪ :‬ويلللك‬
‫ومللن يعللدل إذا لللم أكللن أعللدل؟ لقللد خبللت‬
‫وخسللرت إن لللم أكللن أعللدل‪ ،‬فقللال عمللر بللن‬
‫الخطاب رضي الله عنه دعني يللا رسللول الللله‪،‬‬
‫فأقتللل هللذا المنللافق‪ ،‬فقللال‪ :‬معللاذ الللله أن‬
‫يتحللدث النللاس أنللي أقتللل أصللحابي‪ ،‬إن هللذا‬
‫وأصلللللحابه يقلللللرءون القلللللرآن ل يجلللللاوز‬
‫حنلللاجرهم)‪ ،(212‬يمرقلللون منللله كملللا يملللرق‬

‫‪ () 211‬الجعرانة‪ :‬تقع شمال مكة مع ميل إلى الشرق بتسع‬
‫وتسعين كي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫‪ () 212‬فيه تأويلت‪ :‬أحدهما معناه ل تفقه قلوبهم‪ ،‬ول ينتفعون‬
‫بما تلوا منه‪ ،‬ول لهم حظ سوى تلوة الفم والحنجرة والثاني‬
‫ل يصعد لهم عمل ول تلوة‪.‬‬
‫السهم)‪ (213‬من الرمية)‪ ،(214‬ففي هللذا الموقللف‬
‫منقبلللة عظيملللة لعملللر رضلللي اللللله‪ ،‬فهلللو‬
‫ل يصبر إذا انتهكت أمامه المحارم‪ ،‬فقد اعتدي‬
‫علللى مقللام النبللوة والرسللالة‪ ،‬فمللا كللان مللن‬
‫ل‪ :‬دعني يا رسول الللله‪،‬‬ ‫الفاروق إن أسرع قائ ً‬
‫أقتل هذا المنافق‪ .‬هللذا هللو رد الفللاروق أمللام‬
‫من ينتهكون قدسية النبوة والرسالة)‪ ،(215‬وفي‬
‫الجعرانة لّبى عمر رضي الله عنلله رغبللة يعلللى‬
‫بن أمية التميمي الصحابي المشهور في رؤيللة‬
‫رسللول الللله حيللن ينللزل عليلله الللوحي‪ ،‬فعللن‬
‫صفوان بن يعلى‪ ،‬أن يعلى كان يقللول‪ :‬ليتنللي‬
‫أرى رسول الله ‪ ‬حيللن ينللزل)‪ (216‬عليلله قللال‪:‬‬
‫فبينما النبي ‪ ‬بالجعرانة)‪ ،(217‬وعليه ثللوب قللد‬
‫ل به‪ ،‬معه فيه نللاس مللن أصللحابه‪ ،‬إذ جللاءه‬ ‫ُأظ ّ‬
‫خ)‪ ،(218‬بطيللب‪ ،‬فقللال‪:‬‬ ‫م ٌ‬‫جّبة متض ّ‬ ‫أعرابي عليه ُ‬
‫يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمللرة‬
‫في جبة بعللدما تضللمخ بللالطيب؟ فأشللار عمللر‬
‫ل فجللاء يعلللى فللإذا‬ ‫علللى يعلللى بيللده‪ ،‬أن تعللا َ‬
‫النبي ‪ُ ‬‬
‫)‪(219‬‬
‫كللذلك سللاعة‪،‬‬ ‫مّر الوجه‪ ،‬يغللط‬ ‫مح َ‬
‫سّري عنه قال‪ :‬أين الذي بك فاغسللله ثلث‬ ‫ثم ُ‬
‫ة فاترعها‪ ،‬ثم ضع في عمرتك‬ ‫مرات‪ ،‬وأما الجب ّ ُ‬

‫‪ () 213‬يخرجون من الدين خروج السهم إذا نفذ الصيد‪.‬‬
‫‪ () 214‬مسلم رقم ‪ ،1063‬البخاري رقم ‪.3138‬‬
‫‪ () 215‬صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص ‪.200‬‬
‫‪ () 216‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‬
‫)‪.(2/408‬‬
‫ة‬
‫‪ () 217‬موضع شمال مكة مع ميل إلى الشرق وتبعد عن مكة تسع ً‬
‫وتسعين كي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ضمخ‪ :‬لطخ الجسد بالطيب حتى كأنما يقطر‪.‬‬ ‫‪ () 218‬ال ّ‬
‫‪ () 219‬الغط‪ :‬هو الصوت الذي يخرج من نفس النائم‪.‬‬
‫كما تضع في حجك)‪ (220‬وأمللا فللي غللزوة تبللوك‬
‫فقد تصدق بنصف مللاله‪ ،‬وأشللار علللى رسللول‬
‫الله بالدعاء للناس بالبركة عندما أصاب الناس‬
‫مجاعة‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي اللله عنله قلال‪:‬‬
‫لمللا كللان فللي غلزوة تبللوك)‪ ،(221‬أصللاب النللاس‬
‫مجاعة‪ ،‬فقالوا يا رسول الله للو أذنلت فلذبحنا‬
‫دهّنا‪ ،‬فقال لهم رسللول‬ ‫نواضحنا)‪ ،(222‬فأكلنا وا ّ‬
‫الله‪ :‬افعلوا‪ ،‬فجاء عمر فقال يللا رسللول إنهللم‬
‫إن فعلللوا قللل ال ّ‬
‫ظهللر‪ ،‬ولكللن ادعهللم فليللأتوا‬
‫بفضللل أزوادهللم‪ ،‬فجعللل الرجللل يجيللء بكللف‬
‫الذرة‪ ،‬والخللر بكللف التمللر‪ ،‬والخللر بالكسللرة‪،‬‬
‫حتى اجتمع من ذلك على النطع شلليء يسللير‪،‬‬
‫ثم دعا ‪ ‬بالبركة ثم قال‪ :‬خذوا فللي أوعيتكللم‬
‫فأخللذوا فللي أوعيتهللم حللتى مللا تركللوا فللي‬
‫العسللكر وعللاءً إل ملوه وأكلللوا حللتى شللبعوا‪،‬‬
‫وفضلت منه فضلة‪ ،‬فقال رسلول اللله‪ :‬أشلهد‬
‫أن ل إللله إل الللله وأشللهد أنللي رسللول الللله ل‬
‫يلقى الللله بهللا عبللد غيللر شللاك‪ ،‬فيحجللب عللن‬
‫الجنة)‪.(223‬‬
‫هذه بعض المواقف العمرية التي شللاهدها مللع‬
‫رسلللول اللللله ‪ ‬ول شلللك أن الفلللاروق قلللد‬
‫استوعب الدروس والعبر والفقلله الللذي حللدث‬
‫في غزوات رسللول الللله ‪ ‬وأصللبحت للله زادا ً‬
‫انطلق به في ترشيد وقيادة الناس بشرع الللله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬رقم ‪ ،4700‬مسلم رقم ‪.1180‬‬ ‫‪() 220‬‬
‫تبوك‪ :‬موضع بين وادي القرى والشام‪.‬‬ ‫‪() 221‬‬
‫النواضح من البل التي يسقى عليها الماء‪.‬‬ ‫‪() 222‬‬
‫مسلم‪ ،‬ك اليمان رقم ‪.27‬‬ ‫‪() 223‬‬
‫ثانيًا‪ :‬من مواقفه في المجتمع المدني‪:‬‬
‫كان عمر شديد الحرص على ملزمة رسللول الللله‬
‫وكان رضي الله عنه إذا جلس إلى رسول الله لم‬
‫يترك المجلس حتى ينفض‪ ،‬فهو واحد من الجمللع‬
‫القليل الذي لم يترك رسول الله ‪ ‬وهو يخطللب‬
‫حين قدمت عيللر إلللى المدينللة)‪ ،(224‬وكللان يجلللس‬
‫في حلقات ودروس ومواعظ رسول الللله نشللطا ً‬
‫يستوضح‪ ،‬ويستفهم‪ ،‬ويلقللي السللئلة بيللن يللدي‬
‫رسلول اللله فلي الشلؤون الخاصلة والعاملة)‪،(225‬‬
‫ولذلك فقد روى عن النللبي ‪ ‬خمسللمائة حللديث‬
‫وتسعة وثلثين حديثا ً)‪ ،(226‬وفي رواية‪ :‬خمسللمائة‬
‫وسبعة وثلثيللن حللديثا ً)‪ ،(227‬اتفللق الشلليخان فللي‬
‫صللحيحيهما علللى سللتة وعشللرين منهللا‪ ،‬وانفللرد‬
‫البخللللاري بأربعللللة وثلثيللللن ومسلللللم بواحللللد‬
‫وعشلللرين)‪ ،(228‬والبقيلللة فلللي كتلللب الحلللاديث‬
‫الخرى)‪ ،(229‬وقد وفقلله اللله إلللى روايللة أحلاديث‬
‫لها قيمتها الولوية في حقيقة اليمان والسلم‬
‫والحسان والقضاء والقدر‪ ،‬وفللي العلللم والللذكر‬
‫والدعاء وفي الطهارة والصلة والجنائز‪ ،‬والزكاة‬
‫والصلللدقات‪ ،‬والصللليام‪ ،‬والحلللج‪ ،‬وفلللي النكلللاح‬
‫والطلق والنسلللللب‪ ،‬والفلللللرائض‪ ،‬والوصلللللايا‬
‫والجتمللاع‪ ،‬وفللي المعللاملت والحللدود‪ ،‬وفللي‬

‫‪ () 224‬الحسان في تقريب صحيح بن حبان )‪ (15/300‬مسلم رقم‬
‫‪.863‬‬
‫‪ () 225‬انظر‪ :‬عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬علي الخطيب ص ‪.108‬‬
‫‪ () 226‬تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ‪.133‬‬
‫‪ () 227‬انظر‪ :‬عمر بن الخطاب‪ ،‬د‪ .‬علي الخطيب ص ‪.109‬‬
‫‪ () 228‬دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين )‪.(1/40‬‬
‫‪ () 229‬عمر بن الخطاب د‪ .‬علي الخطيب ص ‪.109‬‬
‫اللبللاس والطعمللة والشللربة والللذبائح‪ ،‬وفللي‬
‫الخلق والزهلللد والرقلللاق والمنلللاقب والفتلللن‬
‫والقيامة‪ ،‬وفي الخلفة والمللارة والقضللاء‪ ،‬وقللد‬
‫أخذت هذه الحاديث مكانها فللي مختلللف العلللوم‬
‫السلمية‪ ،‬ول تزال رافللدا ً يمللد هللذه العلللوم)‪،(230‬‬
‫وإليلللك بعلللض المواقلللف التعليميلللة والتربويلللة‬
‫والجتماعية من حيللاة الفللاروق مللع رسللول الللله‬
‫في المدينة‪.‬‬
‫‪ -1‬رسول الله ‪ ‬يسأل عمر عن السائل‪:‬‬
‫عن عبد الللله بللن عمللر رضللي الللله عنهمللا أنلله‬
‫قال‪ :‬أخبرني عمر بن الخطاب أنهم بينمللا هللم‬
‫جلوس – أو قعود – عند النللبي ‪ ،‬جللاءه رجللل‬
‫يمشي‪ ،‬حسن الوجه‪ ،‬حسن الشعر‪ ،‬عليه ثيللاب‬
‫بيللاض‪ ،‬فنظللر القللوم بعضللهم إلللى بعللض‪ :‬مللا‬
‫نعرف هذا‪ ،‬وما هذا بصاحب سفر‪ .‬ثم قللال‪ :‬يللا‬
‫رسول الللله‪ ،‬آتيللك؟ قللال‪ :‬نعللم‪ .‬فجللاء فوضللع‬
‫ركبتيه عند ركبتيه‪ ،‬ويديه على فخللذيه‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫ملا السلللم؟ قللال‪ :‬شللهادة أن ل إلله إل الللله‪،‬‬
‫وأن محمدا ً رسول الله‪ ،‬وتقيم الصلة‪ ،‬وتللؤتي‬
‫ج الللبيت‪ .‬قللال‪:‬‬ ‫الزكاة‪ ،‬وتصللوم رمضللان‪ ،‬وتح ل ّ‬
‫فما اليمان؟ قللال‪ :‬أن تللؤمن بللالله وملئكتلله‪،‬‬
‫والجنة والّنار‪ ،‬والبعث بعد الموت‪ ،‬والقدر كّله‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما الحسان؟ قال‪ :‬أن تعمللل لللله كأنللك‬
‫تراه‪ ،‬فإن لم تكن تراه فإنه يراك‪ .‬قال‪ :‬فمتى‬
‫الساعة؟ قال‪ :‬ملا المسلؤول عنهلا بلأعلم ملن‬
‫عللراة‬‫سائل‪ .‬قال‪ :‬فما أشراطها؟ قللال‪ :‬إذا ال ُ‬ ‫ال ّ‬
‫الحفاة العالة رعاء الشاء تطاولوا في البنيللان‪،‬‬
‫‪ () 230‬عمر بن الخطاب د‪ .‬علي الخطيب ص ‪.112‬‬
‫وَلدت الماء أربابه ّ‬
‫)‪(231‬‬
‫ي‬
‫‪ .‬قال‪ :‬ثم قللال عللل ّ‬ ‫ن‬ ‫و َ‬
‫ل‪ ،‬فطلبوه فلم يروا شيئًا‪ ،‬فمكث يللومين‬ ‫ج َ‬
‫الّر ُ‬
‫أو ثلثة‪ ،‬ثم قال‪ :‬يلا ابلن الخطلاب أتلدري ملن‬
‫السللائل عللن كللذا وكللذا؟ قللال‪ :‬الللله ورسللوله‬
‫أعللللم‪ ،‬قلللال‪ :‬ذاك جبريلللل جلللاءكم يعلمكلللم‬
‫دينكم)‪.(232‬‬
‫وهذا الحللديث يللبين أن الفللاروق تعلللم معللاني‬
‫السلم واليمان والحسان بطريقللة السللؤال‬
‫والجواب من أفضل الملئكة وأفضل الرسل‪.‬‬
‫‪ -2‬إصابة رأيه رأي رسول الله ‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬كنا قعللودا ً‬
‫حول رسول الله ‪ ‬ومعنا أبو بكر وعمللر‪ ،‬فللي‬
‫نفللر‪ .‬فقللام رسللول الللله ‪ ‬مللن بيللن أظهرنللا‬
‫فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننللا وفزعنللا‪،‬‬
‫ول مللن فللزع فخرجللت أبتغللي‬ ‫وقمنللا‪ ،‬فكنللت أ ّ‬
‫ً)‪(233‬‬
‫للنصللار‬ ‫رسول الله ‪ ‬حللتى أتيللت حائط لا‬
‫لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا ً فلم أجللد‪،‬‬
‫فإذا ربيع)‪ (234‬يدخل فللي جللوف حللائط مللن بئر‬
‫خارجة فاحتفزت)‪ (235‬فدخلت على رسول الللله‬
‫فقال أبو هريرة؟ فقلت‪ :‬نعللم يللا رسللول الللله‬
‫قللال‪ :‬مللا شللأنك؟ قلللت‪ :‬كنللت بيللن ظهرينللا‪،‬‬
‫فقمت فأبطأت علينا‪ ،‬فخشينا أن تقطع دوننا‪،‬‬
‫ففزعنللا‪ ،‬وكنللت أول مللن فللزع‪ ،‬فللأتيت هللذا‬
‫الحائط فاحتفزت كما يحتفللز الثعلللب‪ ،‬وهللؤلء‬
‫في طبعة الشيخ أحمد شاكر‪ :‬رباتهن‪.‬‬ ‫‪() 231‬‬
‫إسناده صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬مسند أحمد رقم ‪. 184‬‬ ‫‪() 232‬‬
‫الحائط‪ :‬البستان‪.‬‬ ‫‪() 233‬‬
‫الربيع‪ :‬الساقية أو الجدول‪.‬‬ ‫‪() 234‬‬
‫فاحتفزت‪ :‬تضاممت ليسعني المدخل‪.‬‬ ‫‪() 235‬‬
‫الناس ورائي‪ .‬فقال‪ :‬يا أبا هريرة – وأعطللاني‬
‫نعليه – اذهللب بنعلللي هللاتين فمللن لقيتلله مللن‬
‫وراء الحائط يشهد أن ل إلله إل الللله مسلتيقنا ً‬
‫بها قلبه فبشره بالجنة‪ .‬وكللان أول مللن لقيللت‬
‫عمر‪ ،‬فقال‪ :‬مللا هللذان النعلن يللا أبللا هريللرة؟‬
‫فقلت‪ :‬هذان نعل رسول الللله ‪ ‬بعثنللي بهمللا‬
‫من لقيت يشهد أن ل إله إل الله مستيقنا ً بهللا‬
‫ي‬ ‫قلبه بشللرته بالجنللة‪ .‬فضللرب عمللر بيللن ثللدي َ ّ‬
‫بيللده‪ ،‬فخللررت لسللتي‪ ،‬فقللال‪ :‬ارجللع يللا أبللا‬
‫هريرة فرجعت إلى رسللول الللله ‪ ‬فأجهشللت‬
‫بالبكاء وركبني)‪ (236‬عمللر‪ .‬وإذا هللو علللى أثللري‬
‫فقال رسول الله ‪ :‬مالك يا أبا هريرة؟ قلت‪:‬‬
‫لقيللت عمللر فللأخبرته بالللذي بعثتنللي)‪ (237‬بلله‬
‫ي ضللربة فخللررت لسللتي‪،‬‬ ‫فضللرب بيللن ثللدي ّ‬
‫فقال‪ :‬ارجع فقال رسول الله ‪ :‬يللا عمللر مللا‬
‫حملك على ما فعلت؟ فقللال‪ :‬يللا رسللول الللله‪،‬‬
‫أبعثت أبا هريرة بنعليك مللن لقللي يشللهد أن ل‬
‫شلَرهُ بالجنللة؟‬ ‫إله إل الللله مسللتيقنا ً بلله قلبلله ب َ ّ‬
‫قللال‪ :‬نعللم‪ .‬قللال‪ :‬فل تفعللل؛ فللإني أخللاف أن‬
‫يتكللل النللاس عليهللا فخلهللم يعملللون‪ .‬فقللال‬
‫ّ‬
‫هم)‪.(238‬‬ ‫رسول الله ‪ :‬فخل ِ‬
‫‪ -3‬حرص رسول الله على توحيد مصدر تلقي الصحابة‪:‬‬
‫عن جابر بن عبد الله أن النبي ‪ ‬رأى بيد عمر‬
‫بلللن الخطلللاب ورقلللة ملللن التلللوراة فقلللال‪:‬‬

‫‪ () 236‬ركبني عمر‪ :‬تبعني وجاء على أثري‪.‬‬
‫‪ () 237‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين )‪.(1/258‬‬
‫‪ () 238‬مسلم‪ ،‬ك اليمان رقم ‪. 31‬‬
‫أمتهوكون)‪ (239‬يا بن الخطاب؟ لقلد جئتكلم بهلا‬
‫بيضاء نقية‪ ،‬لو كان موسللى حي لً‍ا مللا وسللعه إل‬
‫اتباعي وفي رواية‪ :‬أن لو كان موسى حي لا ً ثللم‬
‫اتبعتموه وتركتموني لضللتم)‪.(240‬‬

‫‪ () 239‬أمتهوكون‪ :‬التهوك كالتهور‪ ،‬وهو وقوع في المر بغير‬
‫رؤية‪.‬‬
‫‪ () 240‬الفتاوى )‪ ،(11/232‬مسند أحمد )‪ (3/387‬عن جابر‪.‬‬
‫‪ -4‬رسول الله يتحدث عن بدءِ الخلق‪:‬‬
‫عن طارق بن شهاب قال سللمعت عمللر رضللي‬
‫الللله عنلله يقللول قللام فينللا النللبي ‪ ‬مقام لًا‪،‬‬
‫فأخبرنا عن بدء الخلق حللتى دخللل أهللل الجنللة‬
‫منازلهم وأهل النار منازلهم‪ ،‬حفللظ ذلللك مللن‬
‫حفظله‪ ،‬ونسليه ملن نسليه)‪ .(241‬وهلذا الحلديث‬
‫يدخل ضمن فقه القدوم على الله الذي فهملله‬
‫عمر من رسول الله‪.‬‬
‫‪ -5‬نهي رسول الله عن الحلف بالببباء وحثببه علببى التوكببل علببى‬
‫الله‪:‬‬
‫عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر‬
‫بن الخطاب قال‪ :‬سلمعت رسلول اللله يقلول‪:‬‬
‫إن الله عللز وجللل ينهللاكم أن تحلفللوا بآبللائكم‪.‬‬
‫قال عمر‪ :‬فوالله مللا حلفللت بهللا منللذ سللمعت‬
‫رسول الله ‪ ‬نهى عنها‪ ،‬ول تكلمت بها ذاكرا ً‬
‫ول آثرا ً)‪ ،(242‬وسمع عمر رضللي الللله عنلله نللبي‬
‫الله يقللول‪ :‬لللو أنكللم تو ّ‬
‫كلللون علللى الللله حللق‬
‫توكله‪ ،‬لرزقكم كما يرزق الطير‪ ،‬تغللدو خماصلا ً‬
‫وتروح بطانا ً)‪.(243‬‬
‫‪ -6‬رضيت بالله ربا ً وبالسلم دينا ً وبمحمد نبيا ً ورسو ً‬
‫ل‪:‬‬
‫عن أبي موسى قال‪ :‬سئل النبي ‪ ‬عن أشياء‬
‫كرهها‪ ،‬فلما أكثر عليه غضب‪ ،‬ثم قال للنللاس‪.‬‬
‫ما شئتم‪ ،‬قال رجل‪ :‬من أبللي؟ قللال‪:‬‬ ‫سلوني ع ّ‬
‫أبوك حذافة فقام آخر‪ ،‬من أبللي؟ قللال‪ :‬أبللوك‬
‫‪ () 241‬البخاري‪ ،‬ك بدء الخلق رقم ‪. 192‬‬
‫‪ () 242‬إسناده صحيح على شرط البخاري‪ ،‬مسند أحمد رقم ‪122‬‬
‫الموسوعة الحديثية‪.‬‬
‫‪ () 243‬إسناده قوي‪ ،‬مسند أحمد رقم ‪ 205‬الموسوعة الحديثية‪.‬‬
‫سالم مولى شيبة)‪ ،(244‬فلما رأى عمللر مللا فللي‬
‫وجهه‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله إنا نتللوب إلللى الللله‬
‫عز وجللل)‪ ،(245‬وفللي روايللة‪ :‬فللبرك عمللر علللى‬
‫ركبتيه‪ ،‬فقال‪ :‬رضينا بالله ربا ً وبالسلم دينللًا‪،‬‬
‫وبمحمد نبيًا‪ ،‬فسكت)‪.(246‬‬
‫ن بل للناس عامة‪:‬‬ ‫‪ -7‬ل ونعم َ‬
‫ة عي ٍ‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهمللا أن رجل ً أتللى‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪ .‬فقال‪ :‬امللرأة‬
‫جاءت تبايعه فأدخلها الدولج)‪ (247‬فأصللبت منهللا‬
‫)‪(248‬‬
‫مغيبللة‬‫ما دون الجماع؟ فقال‪ :‬ويحك لعلهللا ُ‬
‫ص لل َ َ‬
‫ة‬ ‫م ال ّ‬ ‫وأ َ ِ‬
‫قل ْ‬ ‫في سبيل الله؟ ونزل القلرآن‪َ  :‬‬
‫ن‬ ‫ت ي ُ لذ ْ ِ‬
‫هب ْ َ‬ ‫س لَنا ِ‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫ح َ‬ ‫ن الل ّي ْل ِ‬
‫ل إِ ّ‬ ‫مل ْ‬‫فا ِ‬‫وُزل َ ً‬
‫ر َ‬
‫ها ِ‬‫في الن ّ َ‬ ‫طََر ِ‬
‫ن)‪)  (114‬هود‪،‬آية‪.(114:‬‬ ‫ري َ‬ ‫ك ِذك َْرى ِلل ّ‬
‫ذاك ِ ِ‬ ‫ت ذَل ِ َ‬‫سي َّئا ِ‬‫ال ّ‬
‫فقللال‪ :‬يللا رسللول الللله إلللي خاصللة أم للنللاس‬
‫عامللللللللللللة‪ ،‬فضللللللللللللرب صللللللللللللدره‬
‫– يعني عمر – بيللده‪ ،‬وقللال‪ :‬ل‪ ،‬ول نعمللة عيللن‬
‫بل للناس عامة‪ :‬فقال رسللول الللله ‪ :‬صللدق‬
‫عمر)‪.(249‬‬

‫‪ -8‬حكم العائد في صدقته‪:‬‬
‫عن عمر بللن الخطللاب رضللي الللله عنلله‪ ،‬قللال‪:‬‬
‫حملت على فللرس فللي سللبيل الللله‪ ،‬فأضللاعه‬
‫‪ () 244‬سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة صحابي‪ ،‬محض الصواب‬
‫)‪.(2/700‬‬
‫‪ () 245‬البخاري‪ ،‬رقم ‪ ، 92‬مسلم رقم ‪. 2360‬‬
‫‪ () 246‬البخاري‪ ،‬رقم ‪ ، 93‬مسلم ‪. 2359‬‬
‫‪ () 247‬الدولج‪ :‬المخدع؛ وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير‪.‬‬
‫‪ () 248‬المغيبة‪ :‬التي غاب عنها زوجها‪.‬‬
‫‪ () 249‬مسند أحمد )‪ (4/41‬رقم ‪ 2206‬قال أحمد شاكر إسناده‬
‫صحيح‪.‬‬
‫صللاحبه‪ ،‬فللأردت أن أبتللاعه وظننللت أنلله بللائعه‬
‫برخللص‪ ،‬فقلللت‪ :‬حللتى أسللأل رسللول الللله ‪‬‬
‫فقال‪ :‬ل تبتعه‪ ،‬وإن أعطاكه بدرهم‪ ،‬فإن الذي‬
‫يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه)‪.(250‬‬

‫‪ () 250‬إسناده صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬مسند أحمد رقم ‪. 281‬‬
‫‪ -9‬من صدقاته ووقفه‪:‬‬
‫عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمللر تصللدق‬
‫بمال له على عهد رسول الللله ‪ ‬وكللان يقللال‬
‫له‪ :‬ثمغ‪ ،‬وكان به نخل‪ ،‬فقال عملر‪ :‬يلا رسلول‬
‫ل‪ ،‬وهللو عنللدي نفيللس‪،‬‬ ‫الله إنللي اسللتفدت مللا ً‬
‫فأردت أن أتصدق به‪ ،‬فقللال النللبي ‪ :‬تصللدق‬
‫بأصللله‪ ،‬ل يبللاع ول يللوهب‪ ،‬ول يللورث‪ ،‬ولكللن‬
‫ينفق ثمر‪ .‬فتصدق به عمر‪ ،‬فصدقته تلللك فللي‬
‫سلللبيل اللللله‪ ،‬وفلللي الرقلللاب‪ ،‬والمسلللاكين‪،‬‬
‫والضلليف وابللن السللبيل‪ ،‬ولللذوي القربللى‪ ،‬ول‬
‫جنلاح عللى ملن وليله أن يأكلل بلالمعروف‪ ،‬أو‬
‫ل به)‪ ،(251‬وفللي روايللة‪:‬‬ ‫يؤكل صديقه غير متمو ٍ‬
‫أصاب عمر بخيبر أرضًا‪ ،‬فأتى النبي ‪ ‬فقللال‪:‬‬
‫أصبت أرضا ً لللم أصللب مللال ً قللط‪ .‬أنفللس منلله‪،‬‬
‫كيف تأمرني به؟ قال‪:‬إن شئت حبسللت أصلللها‬
‫وتصدقت بها‪ ،‬فتصدق عمر‪ :‬أنه ل يباع أصلللها‪،‬‬
‫ول يلللوهب‪ ،‬ول يلللورث‪ ،‬فلللي الفقلللراء وذوي‬
‫القربى‪ ،‬والرقاب‪ ،‬وفي سبيل الله‪ ،‬والضلليف‪،‬‬
‫وابن السبيل‪ ،‬ل جناح على من وليها أن يأكللل‬
‫ول‬ ‫منها بالمعروف‪ ،‬أويطعم صللديقا ً غيللر متملل ّ‬
‫فيلله)‪ ،(252‬فهللذا الموقللف العمللري فيلله فضلليلة‬
‫ظاهرة للفاروق رضي الللله عنلله ورغبتلله فللي‬
‫المسارعة للخيرات‪ ،‬وإيثاره الحياة الخرة على‬
‫الحياة الفانية‪.‬‬
‫‪ -10‬هدية نبوية لعمر بن الخطاب وأخرى لبنه‪:‬‬
‫عن ابن عمر قللال‪ :‬رأى عمللر علللى رجللل حلللة‬
‫من استبرق‪ ،‬فأتى بها إلى النبي ‪ ‬فقال‪ :‬يللا‬
‫‪ () 251‬البخاري‪ ،‬ك الوصايا رقم ‪ 2772‬رواية أخرى‪.‬‬
‫‪ () 252‬البخاري‪ ،‬ك الوصايا رقم ‪ 2773‬رواية أخرى‪.‬‬
‫رسول الله اشتر هذه فالبسها لوفد الناس إذا‬
‫قدموا عليك‪ .‬قللال‪ :‬إنمللا يلبللس الحريللر مللن ل‬
‫خلق له‪ .‬فمضللى مللن ذلللك مللا مضللى‪ ،‬ثللم إن‬
‫النبي ‪ ‬بعث إليلله بحلللة‪ ،‬فللأتى بهللا النللبي ‪‬‬
‫فقال‪ :‬بعثت إلي بهذه‪ ،‬وقد قلللت فللي مثلهللا‬
‫حلة عطارد)‪ (253‬ما قلت؟ قال‪ :‬إنما‬ ‫أو قال في ُ‬
‫ً)‪(254‬‬
‫وفي روايللة‪… :‬‬ ‫بعثت إليك لتصيب بها مال‬
‫‪،‬‬ ‫)‪(255‬‬
‫فكساها عمر أخا ً له بمكللة قبللل أن يسلللم‬
‫وأما هدية النبي ‪ ‬لبن عمر‪ ،‬فعللن عبللد الللله‬
‫بللن عمللر قللال‪ :‬كنللا مللع النللبي ‪ ‬فللي سللفر‪،‬‬
‫فكنت على بكر صعب)‪ (256‬لعمر‪ ،‬فكللان يغلبنللي‬
‫فيتقللدم أمللام القللوم‪ ،‬فيزجللره عمللر ويللرده‪،‬‬
‫فقال النبي ‪ ‬لعمر‪ :‬بعنيلله‪ .‬قللال‪ :‬هللو لللك يللا‬
‫رسول الله قال‪ :‬بعنيه‪ :‬فباعه من رسول الللله‬
‫‪ ‬فقال النبي ‪ :‬هو لك يا عبد الله بن عمللر‬
‫تصنع به ما شئت)‪.(257‬‬

‫‪ -11‬تشجيعه لبنه وبشرى لبن مسعود‪:‬‬
‫عللن عبللد الللله بللن عمللر رضللي الللله عنهللم أن‬
‫رسول الله ‪ ‬قللال‪ :‬إن مللن الشللجر شللجرة ل‬
‫دثوني مللا‬
‫يسقط ورقها‪ ،‬وهي مثل المسلم‪ ،‬ح ّ‬
‫هي؟ فوقع الناس في شجر البادية‪ ،‬ووقع في‬
‫نفسي أّنها النخلة‪ ،‬قال عبد الله‪ :‬فاسللتحييت‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا رسول الله أخبرنا بها‪ .‬فقال رسول‬
‫الله ‪ :‬هي النخلة‪ .‬قال عبد الله‪ :‬فحدثت أبي‬
‫التميمي الدارمي‪.‬‬ ‫‪() 253‬‬
‫مسلم‪ ،‬رقم ‪. 2068‬‬ ‫‪() 254‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك الدب‪ ،‬رقم ‪. 5636‬‬ ‫‪() 255‬‬
‫صعب‪ :‬غير منقاد ول ذلول‪.‬‬ ‫‪() 256‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك البيوع‪ ،‬رقم ‪. 2009‬‬ ‫‪() 257‬‬
‫بمللللللللللللللللا وقللللللللللللللللع فللللللللللللللللي‬
‫نفسي‪ ،‬فقال‪ :‬لن تكون قلتها أحب إلللي مللن‬
‫أن يكون لي كللذا وكللذا)‪ .(258‬وأمللا بشللرى عمللر‬
‫لبن مسعود‪ ،‬فقد روى عمر رضي الله عنه أنه‬
‫سمر في بيت أبللي بكللر مللع رسللول الللله فللي‬
‫أمور المسلمين‪ ،‬فخللرج رسللول الللله‪ ،‬وخرجنللا‬
‫معه‪ ،‬فإذا رجل قائم يصّلي في المسجد‪ ،‬فقام‬
‫رسللول الللله ‪ ‬يسللتمع قراءتلله فلمللا كللدنا أن‬
‫نعرفه‪ ،‬قال رسول الله ‪ :‬من سللره أن يقللرأ‬
‫القرآن رطبا ً كما أنللزل‪ ،‬فليقللرأه علللى قللراءة‬
‫ابللن أم عبللد‪ .‬قللال‪ :‬ثللم جلللس الرجللل يللدعو‪،‬‬
‫سل ْ‬
‫ل‬ ‫ه‪َ ،‬‬ ‫عط َ ل ْ‬ ‫سل ْ‬
‫ل تُ ْ‬ ‫فجعل رسول الله يقول له‪َ :‬‬
‫ه‪ .‬قللال عمللر‪ :‬قلللت‪ :‬والللله لغللدون إليلله‬ ‫عطَل ْ‬‫تُ ْ‬
‫فلبشرنه‪ ،‬قال فغدوت إليلله لبشللره فوجللدت‬
‫أبا بكر قد سبقني إليلله فبشللره‪ ،‬ول والللله مللا‬
‫سابقته إلى خير قط إل سبقني إليه)‪.(259‬‬

‫‪ -12‬حذره من البتداع‪:‬‬
‫)‪(260‬‬
‫‪ ،‬وعبد الرحمللن بللن‬ ‫عن المسور بن مخرمة‬
‫ي أنهمللا سللمعا عمللر بللن الخطللاب‬ ‫عبللد القللار ّ‬
‫يقول‪ :‬سمعت هشام بن حكيم بن حللزام يقللرأ‬
‫سللورة الفرقللان‪ ،‬فللي حيللاة رسللول الللله ‪‬‬
‫فاسللتمعت لقراءتلله‪ ،‬فللإذا هللو يقر ُ‬
‫ؤهللا علللى‬
‫حللروف كللثيرة‪ ،‬لللم ُيقرئنيهللا رسللول الللله ‪‬‬
‫فكدت ُأساوره)‪ (261‬في الصلة‪ ،‬فانتظرته حللتى‬

‫البخاري‪ ،‬ك العلم رقم ‪. 131‬‬ ‫‪() 258‬‬
‫إسناده صحيح‪ ،‬مسند أحمد رقم ‪ 175‬الموسوعة الحديثية‪.‬‬ ‫‪() 259‬‬
‫الزهري له ولبيه صحبة توفي سنة ‪64‬هل ‪.‬‬ ‫‪() 260‬‬
‫ساوره‪ :‬مساورة وسوارًا‪ :‬واثبه‪.‬‬ ‫‪() 261‬‬
‫سلللم‪ ،‬فلببتلله)‪ ،(262‬فقلللت‪ :‬مللن أقللرأك هللذه‬
‫السللورة الللتي سللمعتك تقللرأ؟ قللال‪ :‬أقرأنيهللا‬
‫رسول الللله ‪ ،‬فقلللت للله‪ :‬كللذبت‪ ،‬فللوالله إ ّ‬
‫ن‬
‫رسول الله ‪ ‬لهو أقرأني هللذه السلورة اللتي‬
‫سللمعتك فللانطلقت بلله إلللى رسللول الللله ‪‬‬
‫أقوده‪ ،‬فقلت له‪ :‬يا رسللول الللله إنللي سللمعت‬
‫هذا يقرأ الفرقان علللى حللروف لللم ُتقرئنيهللا‪،‬‬
‫وإنك أقرأتني سورة الفرقان‪ ،‬قال‪ :‬يللا هشللام‬
‫اقَرأها‪ .‬فقرأها القللراءة الللتي سللمعته‪ ،‬فقللال‬
‫رسول الله‪ :‬هكذا أنزلت‪ ،‬ثم قال‪ :‬اقرأ يا عمر‪،‬‬
‫فقرات القراءة التي أقرأنيهللا‪ ،‬فقللال رسللول‬
‫الله ‪ :‬هكذا أنزلت‪ .‬ثم قللال رسللول الللله‪ :‬إن‬
‫القرآن أنزل على سللبعة أحللرف‪ ،‬فللاقرؤوا مللا‬
‫تيسر منه)‪.(263‬‬

‫‪ -13‬خذ ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ول سائل‪:‬‬
‫عن عبد الله بن عمللر قللال‪ :‬سللمعت عمللر بللن‬
‫الخطاب يقول‪ :‬قد كللان رسللول الللله يعطينللي‬
‫العطاء فأقول أعطه من هو أفقللر منللي حللتى‬
‫ل‪ .‬فقلت‪ :‬أعطه من هللو أفقللر‬ ‫أعطاني مرة ما ً‬
‫مني‪ .‬فقال رسول الله ‪ ‬خذه‪ ،‬وما جاءك من‬
‫هذا المال وأنت غير مشرف ول سللائل فخللذه‪،‬‬
‫وما ل فل تتبعه نفسك)‪.(264‬‬

‫‪ -14‬دعاء رسول الله لعمر رضي الله عنه‪:‬‬

‫‪ () 262‬لببه تلبيبًا‪ :‬جمع ثيابه عند نحره في الخصومة‪.‬‬
‫‪ () 263‬البخاري‪ ،‬ك فضائل القرآن‪ ،‬رقم ‪ ، 4754‬مسلم رقم ‪. 818‬‬
‫‪ () 264‬مسلم‪ ،‬ك الزكاة رقم ‪. 1045‬‬
‫رأى النللبي ‪ ‬علللى عمللر ثوبللا ً وفللي روايللة‬
‫قميصا ً أبيض فقللال‪ :‬أجديللد ثوبللك أم غسلليل؟‬
‫فقال‪ :‬بل غسيل‪ ،‬فقال‪ :‬البس جديللدًا‪ ،‬وعللش‬
‫مت شهيدا ً)‪.(265‬‬
‫حميدًا‪ ،‬و ُ‬
‫‪ -15‬لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ليباركن فيها‪:‬‬
‫في وترك‬ ‫و ّ‬
‫عن جابر بن عبد الله‪ :‬أن أباه ت ُ ُ‬
‫عليه ثلثين وسقا ً لرجل من اليهود‪،‬‬
‫فاستنظره جابر فأبى أن ينظره‪ ،‬فكلم جابر‬
‫رسول الله ‪ ‬ليشفع له إليه‪ ،‬فجاء رسول‬
‫الله ‪ ‬فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له‬
‫فأبى فدخل رسول الله ‪ ‬النخل فمشى فيها‬
‫جدّ له‪ ،‬فأوف له الذي له‪ ،‬فجده‬ ‫ثم قال لجابر‪ُ :‬‬
‫بعد ما رجع رسول الله فأوفاه ثلثين‬
‫وسقا ً)‪ ،(266‬وفضلت له سبعة عشر وسقًا‪،‬‬
‫فجاء جابر رسول الله ليخبره بالذي كان‪،‬‬
‫فوجده يصلي العصر‪ ،‬فلما انصرف أخبره‬
‫بالفضل‪ ،‬فقال‪ :‬أخبر بذلك ابن الخطاب‪،‬‬
‫فذهب جابر إلى عمر فأخبره فقال له عمر‪:‬‬
‫لقد علمت حين مشى فيها رسول الله‬
‫ليباركن فيها)‪.(267‬‬

‫‪ () 265‬حسنه اللباني في السلسلة الصحيحة ‪ ، 352‬وهو في‬
‫الصحيح الجامع ‪. 1234‬‬
‫‪ () 266‬الوسق‪ :‬ستون صاعا‪ً.‬‬
‫‪ ()267‬البخاري‪ ،‬ك الستقراض رقم ‪.2266‬‬
‫‪ -16‬زواج حفصة بنت عمر رضي الله عنهما من رسول الله‪:‬‬
‫)‪(268‬‬
‫قال عمر رضي الله عنه‪ :‬حين تأيمت‬
‫حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة‬
‫السهمي‪ ،‬وكان من أصحاب رسول الله ‪‬‬
‫فتوفي في المدينة‪ ،‬فقال عمر‪ :‬أتيت عثمان‬
‫بن عفان فعرضت عليه حفصة بنت عمر‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قلت‪ :‬إن شئت أنكحتك حفصة‪ ،‬فقال‪ :‬سأنظر‬
‫ي‪ ،‬ثم لقيني فقال‪ :‬قد‬‫في أمري‪ ،‬فلبث ليال َ‬
‫بدا لي أن ل أتزوج قال عمر‪ :‬فلقيت أبا بكر‬
‫الصديق‪ ،‬فقلت‪ :‬إن شئت زوجتك حفصة بنت‬
‫عمر‪ ،‬فصمت أبو بكر رضي الله عنه فلم يرجع‬
‫ي شيئًا‪ ،‬فكنت عليه أوجد مني على عثمان‬ ‫إل ّ‬
‫بن عفان‪ ،‬فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله‬
‫‪ ‬فأنكحتها إياه فلقيني‬
‫أبو بكر فقال‪ :‬لعلك وجدت علي حين عرضت‬
‫علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬فإنه لم يمنعني أن أرجع‬
‫إليك فيما عرضت علي‪ ،‬إل أني كنت علمت أن‬
‫رسول الله ‪ ‬قد ذكرها‪ ،‬فلم أكن لفشي سر‬
‫رسول الله ‪ ‬ولو تركها رسول الله‬
‫لقبلتها)‪. (269‬‬
‫ثالثًا‪ :‬موقف عمر رضي الله عنه من خلف رسول الله مع أزواجه‪:‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬لم أزل‬
‫حريصا ً على أن أسأل عمر رضي الله عنه عن‬
‫المرأتين من أزواج النبي ‪ ،‬اللتين قال الله‬

‫‪ ()268‬تأيمت‪ :‬مات عنها زوجها‪.‬‬
‫‪ ()269‬البخاري‪ ،‬ك النكاح‪ ،‬رقم ‪ ،5122‬عمر بن الخطاب‪ ،‬محمد‬
‫رشيد ص ‪.23‬‬
‫ت ُقُلوبُك َُما ‪‬‬
‫غ ْ‬
‫ص َ‬ ‫ف َ‬
‫قد ْ َ‬ ‫ن ت َُتوَبا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ه َ‬ ‫إِ ْ‬ ‫تعالى‪ :‬‬
‫ج عمر وحججت معه‪ ،‬فلما كنا‬ ‫)التحريم‪ (4 :‬حتى ح ّ‬
‫ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالداوة‪،‬‬
‫فتبرز ثم أتاني‪ ،‬فسكبت على يديه فتوضأ‪،‬‬
‫فقلت‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬من المرأتان من أزواج‬
‫ن ت َُتوَبا إ َِلى‬
‫النبي ‪ ‬اللتان قال الله تعالى‪  :‬إ ِ ْ‬
‫ما ‪‬؟ فقال عمر‪ :‬واعجبا لك‬ ‫قُلوب ُك ُ َ‬
‫ت ُ‬
‫غ ْ‬
‫ص َ‬ ‫ف َ‬
‫قد ْ َ‬ ‫الل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫يا ابن عباس‪ :‬قال الزهري‪ :‬كره‪ ،‬والله‬
‫ما سأله عنه ولم يكتمه عنه – قال هي حفصة‬
‫وعائشة‪ .‬قال‪ :‬ثم أخذ يسوق الحديث‪ ،‬قال‪ :‬كنا‬
‫معشر قريش قوما ً نغلب النساء‪ ،‬فلما قدمنا‬
‫المدينة وجدنا قوما ً تغلبهم نساؤهم‪ ،‬فطفق‬
‫نساؤنا يتعلمن من نسائهم‪ ،‬قال‪ :‬وكان منزلي‬
‫في بني أمية بن زيد بالعوالي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فتغضبت)‪ (270‬يوما ً على امرأتي‪ ،‬فإذا هي‬
‫تراجعني‪ ،‬فأنكرت أن تراجعني‪ ،‬فقالت‪ :‬ما تنكر‬
‫أن أراجعك‪ ،‬فو الله إن أزواج النبي ‪ ‬ليراجعنه‪،‬‬
‫ن اليوم إلى الليل‪ .‬قال‪:‬‬ ‫وتهجره إحداه ّ‬
‫فانطلقت‪ ،‬فدخلت على حفصة‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫أتراجعين رسول الله ‪‬؟ قالت‪ :‬نعم‪ .‬قلت‪:‬‬
‫وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ن وخسر‪،‬‬ ‫قلت‪ :‬قد خاب من فعل ذلك منك ّ‬
‫أفتأمن إحداكن أن يغضب عليها لغضب رسول‬
‫الله ‪ ‬فإذا هي قد هلكت ل تراجعي رسول الله‬
‫ول تسأليه شيئًا‪ ،‬وسليني ما بدا لك‪،‬‬
‫ول يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى‬

‫‪ ()270‬أي‪ :‬فغضبت‪.‬‬
‫رسول الله ‪ ‬منك ‪ -‬يريد‬
‫عائشة ‪ :-‬قال وكان لي جار من النصار‪ ،‬وكّنا‬
‫نتناوب الّنزول إلى رسول الله ‪ ،‬فينزل يوما‪ً،‬‬
‫وأنزل يومًا‪ ،‬فيأتيني بخبر الوحي وغيره‪ ،‬وآتيه‬
‫سان ت ُْنع ُ‬
‫ل‬ ‫بمثل ذلك‪ ،‬قال‪ :‬وكنا نتحدث أن غ ّ‬
‫الخيل لتغزونا‪ ،‬فنزل صاحبي يومًا‪ ،‬ثم أتاني‬
‫عشاءً فضرب بابي‪ ،‬ثم ناداني فخرجت إليه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬حدث أمر عظيم‪ .‬فقلت‪ :‬وماذا‪ ،‬أجاءت‬
‫غسان؟ قال‪ :‬ل بل أعظم من ذلك وأطول‪ ،‬طلق‬
‫الّرسول نساءه‪ .‬فقلت‪ :‬قد خابت حفصة‬
‫وخسرت‪ ،‬قد كنت أظن هذا كائنًا‪ .‬حتى إذا صليت‬
‫الصبح شددت علي ثيابي‪ ،‬ثم نزلت فدخلت على‬
‫حفصة وهي تبكي‪ ،‬فقلت أطلقكن رسول الله؟‬
‫فقالت‪ :‬ل أدري‪ ،‬هو هذا معتزل في هذه‬
‫المشربة‪ :‬فأتيت غلما ً له أسود‪ ،‬فقلت‪ :‬استأذن‬
‫ي‪ ،‬فقال‪ :‬قد‬ ‫لعمر‪ ،‬فدخل الغلم ثم خرج إل ّ‬
‫ت‪ ،‬فانطلقت حتى أتيت المنبر‪،‬‬ ‫صم َ‬
‫ذكرُتك له ف َ‬
‫فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم‪ ،‬فجلست‬
‫ل‪ ،‬ثم غلبني ما أجد‪ ،‬فأتيت الغلم فقلت‪:‬‬ ‫قلي ً‬
‫ي‪ ،‬فقال‪ :‬قد‬ ‫استأذن لعمر فدخل ثم خرج إل ّ‬
‫ذكرتك له فصمت‪ ،‬فوليت مدبرًا‪ ،‬فإذا الغلم‬
‫يدعوني‪ ،‬فقال‪ :‬ادخل‪ ،‬فقد أذن لك‪ .‬فدخلت‪،‬‬
‫فسلمت على رسول الله ‪ ،‬فإذا هو متكئ على‬
‫رمل حصير قد أثر في جنبه‪ ،‬فقلت‪ :‬أطلقت يا‬
‫رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال؟ ل‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬الله أكبر‪ ،‬لو رأيتنا يا رسول الله‪ ،‬وكنا‬
‫معشر قريش قوما ً نغلب النساء‪ ،‬فلما قدمنا‬
‫المدينة وجدنا قوما ً تغلبهم نساؤهم‪ ،‬فطفق‬
‫نساؤنا يتعلمن من نسائهم‪ ،‬فتغضبت على‬
‫امرأتي يوما ً فإذا هي تراجعني‪ ،‬فأنكرت أن‬
‫تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن‬
‫أزواج رسول الله ‪ ‬لُيراجعنه‪ ،‬وتهجره إحداهن‬
‫اليوم إلى الليل‪ .‬فقلت‪ :‬قد خاب من فعل ذلك‬
‫منهن وخسر‪ ،‬أفتأمن إحداهن أن يغضب الله‬
‫عليها لغضب رسوله‪ ،‬فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم‬
‫رسول الله ‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫يا رسول الله‪ ،‬فدخلت على حفصة‪ ،‬فقلت‪ :‬ل‬
‫ب إلى‬ ‫يغّرنك إن كانت جارتك هي أوسم وأح ّ‬
‫رسول الله ‪ ‬منك‪ ،‬فتبسم أخرى‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫أستأنس يا رسول الله؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬فجلست‪،‬‬
‫فرفعت رأسي في البيت‪ ،‬فوالله ما رأيت فيه‬
‫شيئا ً يُردّ البصَر إل أهبة)‪ (271‬ثلثة‪ ،‬فقلت‪ :‬ادع يا‬
‫سع على‬ ‫و ّ‬ ‫رسول الله أن يوسع على أمتك فقد ُ‬
‫فارس والروم‪ ،‬وهم ل يعبدون الله‪ .‬فاستوى‬
‫جالسًا‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟‬
‫جلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا‬ ‫ع ّ‬
‫أولئك قوم ُ‬
‫فقلت‪ :‬استغفر لي يا رسول الله‪ .‬وكان أقسم‬
‫أن‬
‫ً‬
‫ل يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن‬
‫حتى عاتبه الله عز وجل)‪.(272‬‬
‫هذا ما تيسر جمعه وترتيبه من حياة الفاروق في‬
‫المجتمع المدني ولقد نال عمللر رضللي الللله عنلله‬
‫أوسمة رفيعللة مللن رسللول الللله ‪ ‬بينللت فضللله‬

‫‪ ()271‬أهبة‪ :‬الجلود قبل الدبغ‪.‬‬
‫‪ ()272‬إسناده صحيح على شرط الشيخين مسند أحمد رقم ‪222‬‬
‫الموسوعة الحديثة‪.‬‬
‫ودينه وعلمه رضي الله عنه وسنتحدث عنها بإذن‬
‫الله‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬شيء من فضائله ومناقبه‪:‬‬
‫إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يلي أبا بكر‬
‫الصديق في الفضل فهو أفضل الناس على‬
‫الطلق بعد النبياء والمرسلين وأبي بكر وهذا‬
‫ما يلزم المسلم اعتقاده في أفضليته رضي الله‬
‫عنه وهو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة‬
‫والجماعة)‪ ،(273‬وقد وردت الحاديث الكثيرة‬
‫والخبار الشهيرة بفضائل الفاروق رضي الله‬
‫عنه ومنها‪:‬‬
‫‪ -1‬إيمانه وعلمه ودينه‪:‬‬
‫فقد جاء في منزلة إيمانه رضي الله عنه ما‬
‫رواه عبد الله بن هشام أنه قال‪ :‬كنا مع النبي‬
‫‪ ‬وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر‬
‫ي من كل شيء إل‬ ‫يا رسول الله‪ ،‬لنت أحب إل ّ‬
‫من نفسي فقال النبي ‪ :‬ل والذي نفسي‬
‫ب إليك من نفسك‪ .‬فقال‬ ‫بيده حتى أكون أح ّ‬
‫ي من‬ ‫ب إل ّ‬‫له عمر‪ :‬فإنه الن والله لنت أح ّ‬
‫‪ .‬وأما‬ ‫)‪(274‬‬
‫نفسي‪ .‬فقال النبي ‪ :‬الن يا عمر‬
‫علمه فقد قال رسول الله ‪ :‬بينما أنا نائم‬
‫شربت – يعني اللبن – حتى أنظر إني الّري‬
‫يجري في ظفري أو في أظفاري‪ ،‬ثم ناولت‬
‫عمر‪ .‬فقالوا‪ :‬فما أولته قال العلم)‪ .(275‬وجه‬
‫التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم‬
‫‪ ()273‬عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام‪ ،‬د‪ .‬ناصر‬
‫بن علي عائض حسن الشيخ )‪.(1/243‬‬
‫‪ ()274‬الصحيح المسند في فضائل الصحابة ‪. 66‬‬
‫‪ ()275‬فتح الباري )‪.(7/46‬‬
‫في كثرة النفع وكونهما سببا ً للصلح‪ ،‬فاللبن‬
‫للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي وفي‬
‫الحديث فضيلة – ومنقبة لعمر رضي الله عنه‬
‫– وإن الرؤيا من شأنها أن ل تحمل على‬
‫ظاهرها وإن كانت رؤيا النبياء من الوحي‬
‫لكن منها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما يحمل‬
‫على ظاهره‪ ..‬والمراد بالعلم – في الحديث –‬
‫سياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ‪‬‬
‫واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى‬
‫أبي بكر وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة‬
‫إلى عثمان فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة‬
‫فلم تكثر فيها الفتوح التي هي أعظم‬
‫السباب في الختلف ومع ذلك فساس عمر‬
‫فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه‬
‫أحد ثم ازدادت اتساعا ً في خلفة عثمان‬
‫فانتشرت القوال واختلفت الراء ولم يتفق‬
‫له ما اتفق لعمر في طواعية الخلق له فنشأت‬
‫من ثم الفتن إلى أن أفضى المر إلى قتله‬
‫ي فما ازداد المر إل اختلفا ً‬ ‫واستخلف عل ّ‬
‫والفتن إل انشارًا‪ ،‬وأما دينه‪ ،‬فقد قال رسول‬
‫الله ‪ :‬بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي‬
‫وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما‬
‫يبلغ دون ذلك‪ ،‬وعرض على عمر وعليه قميص‬
‫اجتره‪ .‬قالوا فما أولته‬
‫)‪(276‬‬
‫‪.‬‬ ‫يا رسول الله؟ قال‪ :‬الدين‬
‫‪ -2‬هيبة عمر وخوف الشيطان منه‪:‬‬

‫‪ ()276‬مسلم رقم ‪. 2390‬‬
‫عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ‪‬‬
‫وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه‬
‫عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر‬
‫بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب‪ ،‬فأذن له‬
‫رسول الله صلى فدخل عمر ورسول الله‬
‫يضحك‪ .‬فقال‪ :‬أضحك الله سنك يا رسول الله‬
‫فقال النبي ‪ :‬عجبت من هؤلء اللتي كن‬
‫عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب‪ .‬قال‬
‫عمر‪ :‬فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ثم‬
‫قال عمر يا عدوات أنفسهن‪ ،‬أتهبنني‬
‫ول تهبن رسول الله ‪ ‬فقلن‪ :‬نعم أنت أفظ‬
‫وأغلظ من رسول الله ‪ ‬فقال رسول الله‬
‫‪ :‬إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما‬
‫لقيك الشيطان سالكا ً فجا ً)‪ (277‬قط إل سلك‬
‫فجا ً آخر)‪ (278‬هذا الحديث فيه بيان فضل عمر‬
‫رضي الله عنه وأنه من كثرة التزامه الصواب‬
‫لم يجد الشيطان عليه مدخل ً ينفذ إليه)‪.(279‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬فيه فضيلة لعمر تقتضي أن‬
‫الشيطان ل سبيل له عليه ل أن ذلك يقتضي‬
‫وجود العصمة إذ ليس فيه إل فرار الشيطان‬
‫منه أن يشاركه في طريق يسلكها‪ ،‬ول يمنع‬
‫ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه‬
‫قدرته‪ ،‬فإن قيل عدم تسليطه عليه‬
‫‪ ()277‬الفج‪ :‬الطريق الواسع ويطلق على المكان المنخرق بين‬
‫الجبلين‪.‬‬

‫‪ ()278‬البخاري رقم ‪ ، 3683‬مسلم ‪. 2386‬‬
‫‪ ()279‬عقيدة أهل السنة والجماعة )‪.(1/348‬‬
‫بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لنه‬
‫إذا منع من السلوك في طريق فأولى أن ل‬
‫يلبسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن‬
‫أن يكون حفظ من الشيطان‪ ،‬ول يلزم من‬
‫ذلك ثبوت العصمة له لنها في حق النبي‬
‫واجبة وفي حق غيره ممكنة ووقع في حديث‬
‫حفصة عند الطبراني في الوسط بلفظ‪ :‬إن‬
‫الشيطان‬
‫ل يلقى عمر منذ أسلم إل فر لوجهه‪ .‬وهذا‬
‫دال على صلبته في الدين‪ ،‬واستمرار حاله‬
‫على الجد الصرف والحق المحض‪ ،‬وقال‬
‫النووي‪ :‬هذا الحديث محمول على ظاهره وأن‬
‫الشيطان يهرب إذا رآه‪ :‬وقال عياض‪ :‬يحتمل‬
‫أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل وأن‬
‫عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق‬
‫السداد فخالف كل‬
‫ما يحبه الشيطان قال ابن حجر والول‬
‫أولى)‪.(280‬‬
‫‪ -3‬ملهم هذه المة‪:‬‬
‫قال رسول الله ‪ :‬لقد كان فيما قبلكم من‬
‫المم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه‬
‫عمر)‪ (281‬هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة‬
‫للفاروق رضي الله عنه وقد اختلف العلماء‬
‫دث‪ .‬فقيل‪ :‬المراد بالمحدث‪:‬‬‫في المراد بالمح ّ‬
‫الملهم‪ .‬وقيل‪ :‬من يجري الصواب على لسانه‬
‫من غير قصد‪ ،‬وقيل‪ :‬مكلم أي‪ :‬تكلمه الملئكة‬
‫‪ ()280‬فتح الباري )‪ ،(48-7/47‬شرح النووي )‪.(167-15/165‬‬
‫‪ ()281‬البخاري رقم ‪ ، 3689‬مسلم رقم ‪. 2398‬‬
‫بغير نبوة‪ ..‬بمعنى أنها تكلمه في نفسه وإن‬
‫لم ير مكلما ً في الحقيقة فيرجع إلى اللهام‪.‬‬
‫وفسره بعضهم بالتفرس)‪.(282‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬والسبب في تخصيص عمر‬
‫بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ‪ ‬من‬
‫الموافقات التي نزل القرآن مطابقا ً لها‬
‫ووقع له بعد النبي ‪ ‬عدة إصابات)‪ (283‬وكون‬
‫عمر رضي الله عنه اختص بهذه المكرمة‬
‫العظيمة وانفرد بها دون من سواه من‬
‫الصحابة ل تدل على أنه أفضل من الصديق‬
‫رضي الله عنه)‪ ،(284‬قال ابن القيم‪ :‬ول تظن‬
‫أن تخصيص عمر رضي الله عنه بهذا تفضيل‬
‫له على أبي بكر الصديق بل هذا من أقوى‬
‫مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض‬
‫النبوة وتمام رضاعه من ثدي الرسالة استغنى‬
‫بذلك عما تلقاه من تحديث أو غيره‪ ،‬فالذي‬
‫يتلقاه من مشكاة النبوة أتم من الذي يتلقاه‬
‫عمر من التحديث فتأمل هذا الموضع وأعطه‬
‫حقه من المعرفة وتأمل ما فيه من الحكمة‬
‫البالغة الشاهدة لله بأنه الحكيم الخبير)‪.(285‬‬
‫‪ -4‬لم أر عبقريا ً يفري فريه‪:‬‬
‫قال رسول الله ‪ :‬رأيت في المنام أني أنزع‬
‫بدلو بكرة على قليب)‪ ،(286‬فجاء‬
‫أبو بكر فنزع ذنوبا ً أو ذنوبين نزعا ً ضعيفا ً‬
‫فتح الباري )‪ ،(7/50‬شرح النووي )‪.(15/166‬‬ ‫‪()282‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/51‬‬ ‫‪()283‬‬
‫عقيدة أهل السنة والجماعة )‪.(1/251‬‬ ‫‪()284‬‬
‫مفتاح دار السعادة )‪.(1/255‬‬ ‫‪()285‬‬
‫القليب‪ :‬البئر غير المطوية‪.‬‬ ‫‪()286‬‬
‫والله يغفر له)‪ ،(287‬ثم جاء عمر بن الخطاب‬
‫فاستحالت غربا ً فلم أر عبقريا ً يفري فريه‬
‫حتى روى الناس وضربوا بعطن)‪ ،(288‬وهذا‬
‫الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعمر رضي الله‬
‫عنه تضمنها قوله ‪ :‬فجاء عمر بن الخطاب‬
‫فاستحالت غربًا… الحديث ومعنى‪ :‬استحالت‬
‫ما‬
‫صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر وأ ّ‬
‫))العبقري(( فهو السيد وقيل‪ :‬الذي ليس‬
‫فوقه شيء ومعنى ))ضرب الناس بعطن(( أي‬
‫أرووا إبلهم ثم آووا إلى عطنها وهو الموضع‬
‫الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح وهذا‬
‫المنام الذي رآه النبي ‪ ‬مثال واضح لما جرى‬
‫للصديق وعمر رضي الله عنهما في خلفتهما‬
‫وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع‬
‫الناس بهما فقد حصل في خلفة الصديق‬
‫قتال أهل الردة وقطع دابرهم وأشاع السلم‬
‫رغم قصر مدة خلفته فقد كانت سنتين‬
‫وأشهرا ً فوضع الله فيها البركة وحصل فيها‬
‫من النفع الكثير ولما توفي الصديق خلفه‬
‫الفاروق فاتسعت رقعة السلم في زمنه‬
‫وتقرر للناس من أحكامه ما لم يقع مثله فكثر‬
‫انتفاع الناس في خلفة عمر لطولها فقد‬
‫مصر المصار ودون الدواوين وكثرت‬
‫الفتوحات والغنائم‪ ..‬ومعنى قوله ‪ :‬فلم أر‬
‫عبقريا ً من الناس يفري فريه‪ :‬أي لم أر سيدا ً‬
‫يعمل عمله ويقطع قطعه ومعنى قوله ‪:‬‬
‫‪ ()287‬والله يغفر له‪ :‬هذه عبارة ليس فيها تنقيص لبي بكر وإنما‬
‫كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلمهم‪.‬‬
‫‪ ()288‬مسلم رقم ‪. 2393‬‬
‫حتى ضرب الناس بعطن‪ ،‬قال القاضي عياض‬
‫ظاهره أنه عائد إلى خلفة عمر خاصة وقيل‪:‬‬
‫يعود إلى خلفة أبي بكر وعمر جميعا ً لن‬
‫بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح‬
‫المسلمين تم هذا المر ))وضرب الناس‬
‫بعطن((‪ .‬لن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع‬
‫شمل المسلمين وألفهم وابتدأ الفتوح ومهد‬
‫المور وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنهما)‪.(289‬‬
‫‪ -5‬غيرة عمر رضي الله وبشرى رسول الله له بقصر في الجنة‪:‬‬
‫قال رسول الله ‪ :‬رأيتني دخلللت الجنللة فللإذا‬
‫أنلللللا بالرميصلللللاء املللللرأة أبلللللي طليحلللللة‬
‫وسمعت خشفة فقلت مللن هللذا؟ فقللال‪ :‬هللذا‬
‫بلل ورأيت قصرا ً بفنائه جاريللة‪ ،‬فقلللت‪ .‬لمللن‬
‫هذا؟ فقللالوا‪ :‬لعمللر فللأردت أن أدخللله فللأنظر‬
‫إليه فذكرت غيرتك‪ .‬فقال عمر‪ :‬بأبي وأمي يللا‬
‫رسول الله أعليك أغللار)‪ ،(290‬وفللي روايللة قللال‬
‫رسول الله ‪ :‬بينما أنا نائم رأيتني في الجنللة‬
‫فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت‪ :‬لمللن‬
‫هذا القصر؟ قالوا لعمر فذكرت غيرتلله فلوليت‬
‫مدبرًا‪ .‬فبكى عمر وقال‪ :‬أعليك أغار يا رسللول‬
‫الله)‪(291‬؟ هذان الحديثان اشللتمل علللى فضلليلة‬
‫ظاهرة لمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه حيث أخبر النبي ‪ ‬برؤيته قصرا ً فللي‬

‫‪ ()289‬شرح النووي )‪.(162-15/161‬‬
‫‪ ()290‬مسلم رقم ‪ ، 2394‬صحيح التوثيق ص ‪ ، 54‬البخاري برقم‬
‫‪. 6620 + 3476‬‬
‫‪ ()291‬مسلم رقم ‪. 2395‬‬
‫الجنة للفاروق وهذا يدل على منزلته عند الللله‬
‫تعالى)‪.(292‬‬
‫‪ -6‬أحب أصحاب رسول الله إليه بعد أبي بكر‪:‬‬
‫قال عمرو بن العاص رضي الله عنلله‪ :‬قلللت يللا‬
‫ب إليك؟ قال‪ :‬عائشة‬ ‫ي الناس أح ّ‬
‫رسول الله‪ ،‬أ ّ‬
‫قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬من الرجال؟ قال‪ :‬أبوهللا‪،‬‬
‫د‬
‫قلت‪ :‬ثم من؟ قال‪ :‬ثم عمر بن الخطاب ثم ع ّ‬
‫رجال ً)‪.(293‬‬
‫‪ -7‬بشرى لعمر بالجنة‪:‬‬
‫عن أبي موسى الشعري قال‪ :‬كنت مع النللبي‬
‫‪ ‬في حائط من حيطان المدينللة‪ ،‬فجللاء رجللل‬
‫فاسللتفتح فقللال النللبي ‪ :‬افتللح للله وبشللره‬
‫بالجنة‪ ،‬ففتحت له‪ ،‬فإذا أبو بكللر فبشللرته بمللا‬
‫قال رسول الله ‪ :‬فحمد الللله ثللم جللاء رجللل‬
‫فاسللتفتح فقللال النللبي ‪ :‬افتللح للله وبشللره‬
‫بالجنة‪ ،‬ففتحت له فإذا هو عمر‪ ،‬فللأخبرته بمللا‬
‫قال النبي ‪ ‬فحمللد الللله‪ ،‬ثللم اسللتفتح رجللل‪،‬‬
‫فقال لي افتح له وبشللره بالجنللة‪ ،‬علللى بلللوى‬
‫تصيبه فإذا عثمان‪ ،‬فللأخبرته بمللا قللال رسللول‬
‫الله ‪ ‬فحمد الله‪ ،‬ثم قال‪ :‬الله المستعان)‪.(294‬‬
‫خامسًا‪ :‬موقف عمر في مرض رسول الله ووفاته‪:‬‬

‫‪ -1‬في مرض رسول الله‪:‬‬
‫‪ ()292‬عقيدة أهل السنة والجماعة والصحابة )‪.(1/245‬‬
‫‪ ()293‬الحسان في صحيح ابن حبان )‪ .(15/209‬الحديث في‬
‫مسلم برقم ‪ ، 2384‬والبخاري باب غزو ذات السلسل برقم‬
‫‪. 4100‬‬
‫‪ ()294‬البخاري‪ ،‬ك الصحابة رقم ‪.3290‬‬
‫قال عبد الله بن زمعة‪ :‬لما مرض رسللول الللله‬
‫‪ ‬دخل عليه بلل – رضللي الللله عنلله – يللدعوه‬
‫إلى الصلة‪ ،‬فقال ‪ :‬مروا من يصلي بالناس‪.‬‬
‫قال‪ :‬فخرجت فإذا عمر في الناس‪ ،‬وكللان أبللو‬
‫بكر غائبًا‪ ،‬فقلت‪ :‬قم يللا عمللر فصللل بالنللاس‪،‬‬
‫قال‪ :‬فقللام‪ ،‬فلمللا كللبر سللمع رسللول الللله ‪‬‬
‫صللوته‪ ،‬وكللان عمللر رجل ً مجهللرًا‪ ،‬قللال‪ :‬فقللال‬
‫رسول الله ‪ :‬فأين أبللو بكللر يللأبى الللله ذلللك‬
‫والمسلللمون‪ ،‬فللأبى الللله ذلللك والمسلللمون‪.‬‬
‫قللللللللللللللال‪ ،‬فبعللللللللللللللث إلللللللللللللللى‬
‫أبي بكر‪ ،‬فجاء بعد أن صلى عمر تلللك الصلللة‪،‬‬
‫فصلى بالناس‪ ،‬قال‪ :‬قال عبد الللله بللن زمعللة‪:‬‬
‫قال لي عمر‪:‬‬
‫ويحك !! ماذا صنعت بي يا ابن زمعة؟ والله ما‬
‫ظننللت حيللن أمرتنللي إل أن رسللول الللله أمللر‬
‫بذلك ولول ذلك ما صليت بالناس‪ ،‬قال‪ :‬قلللت‪:‬‬
‫والله ما أمرني رسللول الللله ‪ ‬بللذلك‪ ،‬ولكنللي‬
‫حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلة‬
‫بالنللاس)‪ ، (295‬وقللد روى ابللن عبللاس بللأنه‪ :‬لمللا‬
‫اشتد بالنبي ‪ ‬وجعه قال‪ :‬ائتوني بكتاب أكتب‬
‫لكم كتابا ً ل تضلوا بعده‪ .‬قال عمللر رضللي الللله‬
‫عنه‪ :‬إن النبي ‪ ‬غلبه الوجع وعندنا كتاب الله‬
‫حسللبنا! فللاختلفوا وكللثر الّلغللط قللال‪ :‬قومللوا‬
‫عنللي‪ ،‬ول ينبغللي عنللدي التنللازع‪ ،‬فخللرج ابللن‬
‫عباس يقول‪ :‬إن الرزية كل الرزية ما حال بين‬
‫رسللول الللله ‪ ‬وبيللن كتللابه)‪ . (296‬وقللد تكلللم‬
‫العلماء على هللذا الحللديث بمللا يشللفي العليللل‬
‫‪ ()295‬حديث إسناده صحيح أخرجه أبو داود رقم ‪.4660‬‬
‫‪ ()296‬البخاري‪ ،‬ك العلم رقم ‪.114‬‬
‫ويروي الغليل‪ ،‬وقد أطللال النفللس فللي الكلم‬
‫عليه النووي في شرح مسلم فقللال‪ :‬اعلللم أن‬
‫النبي ‪ ‬معصوم من الكذب ومن تغييللر شلليء‬
‫من الحكام الشللرعية فللي حللال صللحته وحللال‬
‫مرضه‪ ،‬ومعصوم من ترك بيللان مللا أمللر ببيللانه‬
‫وتبليللغ مللا أوجللب الللله عليلله تبليغلله‪ ،‬وليللس‬
‫معصللوما ً مللن المللراض والسللقام العارضللة‬
‫للجسام ونحوها‪ .‬ممللا ل نقللص فيلله لمنزلتلله‪،‬‬
‫سللحر ‪‬‬ ‫ول فساد لما تمهد من شريعته‪ ،‬وقللد ُ‬
‫حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكللن‬
‫يفعله‪ ،‬ولم يصدر منه ‪ ‬في هللذا الحللال كلم‬
‫في الحكام مخالف لما سبق من الحكام التي‬
‫قررهللا‪ ،‬فللإذا علمللت مللا ذكرنللاه فقللد اختلللف‬
‫العلمللاء فللي الكتللاب الللذي هللم النللبي ‪ ‬بلله‪.‬‬
‫فقيل‪ :‬أراد أن ينص على الخلفللة فللي إنسللان‬
‫معيللن لئل يقللع فيلله نللزاع وفتللن‪ ،‬وقيللل‪ :‬أراد‬
‫كتابا ً يبين فيه مهمات الحكام ملخصة ليرتفللع‬
‫النزاع فيها‪ ،‬ويحصل التفاق علللى المنصللوص‬
‫عليه‪ ،‬وكان النبي ‪ ‬هم بالكتاب حين ظهر لله‬
‫أنه مصلللحة أو أوحللي إليلله بللذلك ثللم ظهللر أن‬
‫المصلحة تركه‪ ،‬أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلللك‬
‫المللر الول‪ ،‬وأمللا كلم عمللر رضللي الللله عنلله‬
‫فقللد اتفللق العلمللاء المتكلمللون فللي شللرح‬
‫الحديث على أنه من دلئل فقه عمر وفضللائله‬
‫ودقيق نظره‪ .‬لنلله خشللي أن يكتللب ‪ ‬أمللورا ً‬
‫ربما عجزوا عنها‪ ،‬واسللتحقوا العقوبللة عليهللا‪،‬‬
‫لنها منصوصة ل مجال للجتهللاد فيهللا‪ .‬فقللال‬
‫عملللر‪ :‬حسلللبنا كتلللاب اللللله‪ ،‬لقلللوله تعلللالى‪:‬‬
‫)النعللام‪ ،‬آيللة‪:‬‬‫‪‬‬ ‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫شل ْ‬ ‫ن َ‬ ‫مل ْ‬ ‫ب ِ‬ ‫في ال ْك َِتا ِ‬
‫فّرطَْنا ِ‬ ‫‪َ ‬‬
‫ما َ‬
‫‪‬‬ ‫ت ل َك ُللل ْ‬
‫م ِدين َك ُللل ْ‬
‫م‬ ‫مل ْللل ُ‬
‫َ‬
‫م أك ْ َ‬ ‫‪ .(38‬وقللوله‪  :‬ال ْي َللل ْ‬
‫و َ‬
‫)المائدة‪،‬آية‪ .(3:‬فعلم أن الللله تعللالى أكمللل دينلله‪،‬‬
‫فأمن الضلل علللى المللة وأراد الللترفيه علللى‬
‫رسول الله ‪ ،‬فكان عمر أفقه من ابن عباس‬
‫وموافقيه‪ ،‬قال الخطابي‪ :‬ول يجللوز أن يحمللل‬
‫قول عمر على أنه تللوهم الغلللط علللى رسللول‬
‫الله ‪ ،‬أو ظلن بله غيلر ذللك مملا ل يليلق بله‬
‫بحال‪ .‬لكنه لما رأى ما غلب علللى رسللول الللله‬
‫‪ ‬من الوجع وقرب الوفاة‪ ،‬مع ما اعللتراه مللع‬
‫الكرب خاف أن يكون ذلللك القللول ممللا يقللوله‬
‫المريض مما ل عزيمة له فيه فيجد المنافقون‬
‫بذلك سبيل ً إلللى الكلم فللي الللدين‪ .‬وقللد كللان‬
‫أصحابه ‪ ‬يراجعونه في بعض المللور قبللل أن‬
‫يجزم فيها بتحتيم‪ ،‬كما راجعللوه يللوم الحديبيللة‬
‫فللي الخلف‪ ،‬وفللي كتللاب الصلللح بينلله وبيللن‬
‫قريللش‪ .‬فأمللا إذا أمللر النللبي ‪ ‬بالشلليء أمللر‬
‫عزيمة فل يراجعه فيلله أحللد منهللم)‪ . (297‬وقللال‬
‫القاضي‪ :‬قوله‪ :‬أهجر رسول الله ‪ ،‬هكذا هللو‬
‫فلللي صلللحيح مسللللم وغيلللره‪ :‬أهجلللر؟ عللللى‬
‫الستفهام وهو أصح من رواية مللن روى هجللر‬
‫يهجر‪ .‬لن هذا كله ل يصللح منلله ‪ .‬لن معنللى‬
‫هجر هذى‪ .‬وإنما جاء هذا من قللائله اسللتفهاما ً‬
‫للنكار على من قللال‪ :‬ل تكتبللوا‪ .‬أي ل تللتركوا‬
‫أمر رسول الله ‪ ‬وتجعلوه كأمر من هجر في‬
‫كلمه‪ ،‬لنه ‪ ‬ل يهجر‪ ،‬وقول عمر رضللي الللله‬
‫‪ ()297‬صحيح السيرة النبوية ص ‪ 750‬نقل ً عن شرح مسلم )‪/11‬‬
‫‪.(90‬‬
‫عنه‪ :‬حسبنا كتاب الله‪ ،‬ردا ً علللى مللا نللازعه‪ ،‬ل‬
‫على من أمر النبي ‪ ،(298)‬وعلق الشلليخ علللي‬
‫الطنطللاوي علللى ذلللك فقللال‪ :‬والللذي أراه أن‬
‫عمر قد تعللود خلل صللحبته الطويلللة للرسللول‬
‫أن يبدي له رأيه لمللا يعلللم مللن إذنلله للله بللذلك‬
‫ولرضللاه عنلله‪ ،‬وقللد مللر مللن أخبللار صللحبته‪،‬‬
‫مواقف كثيرة كللان يقللترح فيهللا علللى رسللول‬
‫الله أمللورًا‪ ،‬ويطلللب منلله أمللورًا‪ ،‬ويسللأله عللن‬
‫ر‪ ،‬فكللان الرسللول ‪ ‬يقللره علللى مللا فيلله‬ ‫أمللو ٍ‬
‫الصواب‪ ،‬ويرده عن الخطأ‪ ،‬فلما قال الرسللول‬
‫‪ :‬ائتوني أكتب لكم كتابًا‪ ،‬اقللترح عليلله عمللر‬
‫علللى عللادته الللتي عللوده الرسللول‪ ،‬أن يكتفللي‬
‫بكتاب الله‪ ،‬فأقره الرسول ‪ ،‬وللو كلان يريلد‬
‫الكتابة‪ ،‬لسكت عمر‪ ،‬ولمضى ما يريد)‪.(299‬‬
‫‪ -2‬موقفه يوم قبض الرسول ‪:‬‬
‫لما بلغ الناس خبر وفاة رسول الللله ‪ ‬حللدثت‬
‫ضجة كبيرة‪ ،‬فقللد كللان مللوت الرسللول صللدمة‬
‫لكثير من المسلمين خاصة ابن الخطاب‪ ،‬حدثنا‬
‫عللللللللن ذلللللللللك الصللللللللحابي الجليللللللللل‬
‫أبو هريرة – رضي الله عنلله – حيللث قللال‪ :‬لمللا‬
‫توفي رسول الله قام عمر بن الخطاب فقال‪:‬‬
‫إن رجلال ً ملن المنلافقين يزعملون أن رسللول‬
‫اللللللله قلللللد تلللللوفي‪ ،‬وإن رسلللللول اللللللله‬
‫ما مات‪ ،‬ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسللى‬
‫بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثللم‬

‫‪ ()298‬شرح النووي )‪ ،(90 /11‬فصل الخطاب في مواقف‬
‫الصحاب للغرسي ص ‪.41‬‬
‫‪ ()299‬أخبار عمر ص ‪.46‬‬
‫رجللع إليهللم بعللد أن قيللل‪ :‬قللد مللات‪ ،‬والللله‬
‫ليرجعللن رسللول الللله ‪ ‬كمللا رجللع موسللى‬
‫فليقطعللن أيللدي رجللال وأرجلهللم زعمللوا أن‬
‫رسللول الللله ‪ ‬قللد مللات)‪ ،(300‬وأقبللل أبللو بكللر‬
‫حتى نزل على باب المسجد – حين بلغه الخللبر‬
‫– وعمر يكلم النللاس‪ ،‬فلللم يلتفللت إلللى شلليء‬
‫حتى دخل على رسلول اللله فلي بيلت عائشلة‬
‫رضي الله عنها ورسللول الللله ‪ ‬مسللجى فللي‬
‫ناحية الللبيت‪ ،‬عليلله بللردة حللبرة‪ ،‬فأقبللل حللتى‬
‫كشف عن وجه رسول الله ‪ ‬ثللم أقبللل عليلله‬
‫فقبله‪ ،‬ثم قال‪ :‬بأبي أنللت وأمللي‪ ،‬أمللا الموتللة‬
‫التي كتب الله عليك فقد ذقتها‪ ،‬ثم لن تصيبك‬
‫بعدها موتة أبدًا‪ ،‬قال‪ :‬ثم رد البردة علللى وجلله‬
‫رسول الله ‪ ،‬ثللم خللرج وعمللر يكلللم النللاس‪،‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫على رسلك يا عمر‪ ،‬أنصت‪ ،‬فأبى إل أن يتكلم‪،‬‬
‫فلما رآه أبو بكر ل ينصت‪ ،‬أقبل علللى النللاس‪،‬‬
‫فلما سمع النللاس كلملله أقبلللوا عليلله وتركللوا‬
‫عمر‪ ،‬فحمللد الللله وأثنللى عليلله ثللم قللال‪ :‬أيهللا‬
‫الناس‪ :‬إنه من كان يعبد محمدا ً فإن محمدا ً قد‬
‫مللات ومللن كللان يعبللد الللله فللإن الللله حللي ل‬
‫مللدٌ إ ِل ّ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫ما ُ‬ ‫يموت‪ .‬ثم تل قول الله تعالى‪َ  :‬‬
‫و َ‬
‫َ‬ ‫ل أَ َ‬
‫قِتل َ‬
‫ل‬ ‫و ُ‬‫تأ ْ‬ ‫ملا َ‬‫فلإ ِْين َ‬ ‫س ُ‬ ‫ه الّر ُ‬ ‫قب ْل ِ ِ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫ت ِ‬ ‫خل َ ْ‬‫قد ْ َ‬‫ل َ‬ ‫سو ٌ‬ ‫َر ُ‬
‫َ‬
‫ن‬‫فل َل ْ‬‫ه َ‬‫قب َي ْل ِ‬ ‫عل َللى َ‬
‫ع ِ‬ ‫ب َ‬ ‫ن ي َن ْ َ‬
‫قل ِ ْ‬ ‫م ْ‬
‫و َ‬‫م َ‬ ‫قاب ِك ُ ْ‬ ‫عَلى أ ْ‬
‫ع َ‬ ‫م َ‬ ‫قل َب ْت ُ ْ‬‫ان ْ َ‬
‫ن) ‪)  (144‬آل‬ ‫ري َ‬‫شاك ِ ِ‬ ‫ه ال ّ‬ ‫زي الل ّ ُ‬ ‫ج ِ‬ ‫سي َ ْ‬‫و َ‬ ‫شي ًْئا َ‬‫ه َ‬ ‫ضّر الل ّ َ‬ ‫يَ ُ‬
‫عمران‪،‬آية‪.(144:‬‬
‫قال أبو هريرة‪ :‬فو الله لكأن الناس لم يعلموا‬
‫أن هلللللذه اليلللللة نزللللللت‪ ،‬حلللللتى تلهلللللا‬
‫‪ ()300‬السيرة النبوية لبن أبي شهبة )‪.(2/594‬‬
‫أبو بكر يومئذ‪ ،‬قلال‪ :‬وأخلذها النلاس علن أبلي‬
‫بكر‪ ،‬فإنما هي في أفواههم‪ ،‬قال‪ :‬فقللال أبللو‬
‫هريرة‪ :‬قال عمر‪ :‬فو الله ما هو إل أن سمعت‬
‫أبا بكر تلها فعقرت حللتى وقعللت إلللى الرض‬
‫ما تحملني رجلي‪ ،‬وعرفت أن رسول الله قللد‬
‫مات)‪.(301‬‬

‫‪ ()301‬البخاري‪ ،‬ك الجنائز‪ ،‬رقم ‪.1242‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬عمر رضي الله عنه في خلفة الصديق‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬مقامه في سقيفة بني ساعدة ومبايعته للصديق‪:‬‬
‫عقب وفاة النبي ‪ ‬اجتمعت النصللار إلللى سللعد‬
‫بن عبادة في سقيفة بني سللاعدة‪ ،‬فقللالوا‪ :‬منللا‬
‫أمير ومنكم أمير‪ ،‬فذهب إليهم أبو بكر وعمر بللن‬
‫الخطللاب وأبللو عبيللدة بللن الجللراح فللذهب عمللر‬
‫يتكلم‪ ،،‬فأسكته أبو بكر‪ ،‬وكان عمر يقول‪ :‬والللله‬
‫ما أردت بذلك إل أني قد هيأت كلما ً قد أعجبنللي‬
‫خشيت أن ل يبلغلله أبللو بكللر‪ ،‬ثللم تكلللم أبللو بكللر‪،‬‬
‫فتكلم أبلغ الناس‪ ،‬فقال في كلمه نحن المللراء‬
‫وأنتم الوزراء‪ ،‬فقال حباب بن المنللذر‪ :‬ل والللله‬
‫ل نفعل‪ ،‬منا أمير ومنكم أمير‪ ،‬فقال أبو بكللر‪ :‬ل‪،‬‬
‫ولكنا المراء‪ ،‬وأنتم الوزراء‪ ،‬هللم أوسللط العللرب‬
‫دارًا‪ ،‬وأعربهللم أحسللابًا‪ ،‬فبللايعوا عمللر‪ ،‬أو أبللا‬
‫عبيدة‪ .‬فقال عمر‪ :‬بل نبايعك أنت‪ ،‬وأنللت سلليدنا‬
‫وخيرنا‪ ،‬وأحبنا إلى رسول الله‪ ،‬فأخللذ عمللر بيللده‬
‫فبايعه وبايعه الناس)‪ ،(302‬فرضللي الللله عللن عمللر‬
‫وأرضللاه‪ ،‬فللإنه عنللدما ارتفعللت الصللوات فللي‬
‫السللقيفة وكللثر اللغللط‪ ،‬وخشللي عمللر الختلف‪،‬‬
‫ومللن أخطللر المللور الللتي خشلليها عمللر أن ي ُب ْللدأ‬
‫بالبيعة لحد النصار فتحدث الفتنة العظيمة؛ لنه‬
‫ليس من اليسير أن يبايع أحللد بعللد البللدء بالبيعللة‬
‫لحد النصار‪ ،‬فأسرع عمر رضي الله عنه إخمللادا ً‬
‫للفتنلللللللللللة)‪ ،(303‬وقلللللللللللال للنصلللللللللللار‪:‬‬
‫يا معشر النصار ألستم تعلمللون أن رسللول الللله‬
‫‪ ‬أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسلله‬
‫‪ ()302‬مسند أحمد )‪ (1/213‬وصحح إسناده أحمد شاكر‪.‬‬
‫‪ ()303‬الحكمة في الدعوة إلى الله‪ ،‬سعيد القحطاني ص ‪. 226‬‬
‫أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت النصار‪ :‬نعوذ بللالله أن‬
‫نتقدم أبا بكر)‪ ،(304‬ثم بادر رضي الللله عنلله وقللال‬
‫لبي بكر‪ :‬ابسط يدك‪ ،‬فبسط يده فبايعه‪ ،‬وبللايعه‬
‫المهاجرون‪ ،‬ثم النصار)‪.(305‬‬
‫وعنللدما كللان يللوم الثلثللاء جلللس أبللو بكللر علللى‬
‫المنبر‪ ،‬فقام عمر فتكلللم قبللل أبللي بكللر‪ ،‬فحمللد‬
‫الللله وأثنللى عليلله بمللا هللو أهللله‪ ،‬ثللم قللال‪ :‬أيهللا‬
‫الناس‪ ،‬إنللي كنللت قلللت لكللم بللالمس مقالللة مللا‬
‫كانت‪ ،‬وما وجدتها في كتاب الله‪ ،‬ول كانت عهدا ً‬
‫ي رسول الله ‪ ،‬ولكني قد كنت أرى أن‬ ‫عهده إل ّ‬
‫رسول الله ‪ ‬سُيدّبر أمرنا‪ ،‬يقول‪ :‬يكللون آخرنللا‪،‬‬
‫وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هللدى الللله‬
‫رسوله ‪ ،‬فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كللان‬
‫هداه له‪ ،‬وإن الله قد جمللع أمركللم علللى خيركللم‬
‫صاحب رسول الللله ‪ ،‬ثللاني اثنيللن إذ همللا فللي‬
‫الغار‪ ،‬فقوموا فبايعوا فبايع الناس أبا بكر بيعتلله‬
‫العامة بعد بيعة السقيفة)‪ ،(306‬فكللان عمللر رضللي‬
‫الله عنه يذود ويقوي‪ ،‬ويشجع النللاس علللى بيعللة‬
‫أبي بكر حتى جمعهم الللله عليلله‪ ،‬وأنقللذهم الللله‬
‫مللن الختلف والفرقلة والفتنللة‪ ،‬فهلذا الموقلف‬
‫الذي وقفه عمر مع الناس من أجل جمعهم على‬
‫إمامة أبي بكر‪ ،‬موقف عظيم من أعظم مواقللف‬
‫الحكمة التي ينبغي أن تسجل بماء الذهب)‪.(307‬‬

‫‪ ()304‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب )‬
‫‪.(1/280‬‬
‫‪ ()305‬البخاري‪ ،‬ك فضائل الصحابة‪ .‬رقم ‪. 3668‬‬
‫‪ ()306‬البداية والنهاية )‪ (6/305،306‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪ ()307‬الحكمة في الدعوة إلى الله ص ‪. 227‬‬
‫لقد خشي أن يتفرق أمر المسلللمين وتشللب نللار‬
‫الفتن فأخمدها بالمبادرة إلللى مبايعللة أبللي بكللر‪،‬‬
‫وتشجيع الناس على المبايعة العامة فكللان عمللله‬
‫هذا سببا ً لنجاة المسلمين من أكللبر كارثللة كللانت‬
‫تحل بهم لول يمن نقيبته وصحة نظره بعد معونة‬
‫الله تعالى)‪.(308‬‬
‫ثانيًا‪ :‬مراجعته لبي بكر في محاربة مانعي الزكبباة وإرسببال جيببش‬
‫أسامة‪:‬‬
‫قال أبو هريرة رضي الله عنه‪ :‬لما توفي رسللول‬
‫الله ‪ ‬وكان أبو بكر بعلده‪ .‬وكفلر مللن كفللر مللن‬
‫العرب‪ ،‬قال عمر‪ :‬يا أبا بكر كيللف تقاتللل النللاس‪،‬‬
‫وقد قال رسول الله ‪ :‬أمرت أن أقاتللل النللاس‬
‫حتى يقولوا ل إللله إل الللله‪ ،‬فمللن قللال ل إللله إل‬
‫الله عصم منللي مللاله ونفسلله إل بحقلله وحسللابه‬
‫على الله‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬والله لقللاتلن مللن فللرق‬
‫بين الصلة والزكاة‪ ،‬فإن الزكاة حق المال‪ ،‬والله‬
‫لو منعوني عناقا)‪ ، (309‬كانوا يؤدونها إلللى رسللول‬
‫الله ‪ ‬لقاتلتهم على منعها‪ .‬قال عمر‪ :‬فللو الللله‬
‫ما هو إل أن رأيت أن الله – عز وجل – قللد شللرح‬
‫صللدر أبللي بكللر للقتللال فعرفللت أنلله الحللق)‪،(310‬‬
‫وعنلللللدما اقلللللترح بعلللللض الصلللللحابة عللللللى‬
‫أبي بكر بأن يبقى جيش أسامة حتى تهدأ المللور‬
‫أرسل أسامة من معسكره من الجللرف عمللر بللن‬
‫الخطاب رضي الله عنهما إلى أبي بكللر يسللتأذنه‬
‫أن يرجع بالناس وقال‪ :‬إن معي وجوه المسلمين‬

‫‪ ()308‬الخلفاء الراشدون‪ ،‬عبد الوهاب النجار ص ‪. 123‬‬
‫‪ ()309‬العناق‪ :‬هي النثى من أولد المعز مالم يتم له سنة‪.‬‬
‫‪ ()310‬البخاري‪ ،‬ك استتابة المرتدين والمعاندين رقم ‪.6566‬‬
‫وجلتهم‪ ،‬ول آمن على خليفة رسول الله‪ ،‬وحللرم‬
‫رسللللول الللللله‪ ،‬والمسلللللمين أن يتخطفهللللم‬
‫المشركون)‪ ،(311‬ولكن أبا بكللر خللالف ذلللك وأص لّر‬
‫على أن تسللتمر الحملللة العسللكرية فللي تحركهللا‬
‫إلللى الشللام مهمللا كللانت الظللروف والحللوال‬
‫والنتللائج‪ ،‬وطلبللت النصللار رجل ً أقللدم سللنا ً مللن‬
‫أسللامة يتللولى أمللر الجيللش وأرسلللوا عمللر بللن‬
‫الخطللاب ليحللدث الصللديق فلي ذللك فقللال عمللر‬
‫رضي الله عنلله‪ ،‬فللإن النصللار تطلللب رجل ً أقللدم‬
‫سنا ً من أسلامة رضلي اللله عنله فلوثب أبلو بكلر‬
‫رضي الللله عنلله وكللان جالسلا ً وأخللذ بلحيللة عمللر‬
‫رضي الله عنه وقال‪ :‬ثكلتك أمك يا ابن الخطاب!‬
‫اسللتعمله رسللول الللله وتللأمرني أن أعزللله)‪،(312‬‬
‫فخرج عمر رضي الله عنه إلى الناس فقالوا‪ :‬مللا‬
‫صنعت؟ فقال‪ :‬امضوا ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيللت‬
‫)‪.(313‬‬
‫في سببكم من خليفة رسول الله‬

‫‪ ()311‬الكامل لبن الثير )‪.(2/226‬‬
‫‪ ()312‬تاريخ الطبري )‪.(4/46‬‬
‫‪ ()313‬نفس المصدر )‪.(4/46‬‬
‫ثالثًا‪ :‬عمر ورجوع معاذ من اليمن‪ ،‬وفراسة صادقة في أبي مسببلم‬
‫الخولني‪ ،‬ورأيه في تعيين إبان بن سعيد على البحرين‪:‬‬

‫‪ -1‬عمر ورجوع معاذ من اليمن‪:‬‬
‫مكث معاذ بن جبل باليمن في حياة رسول‬
‫الله ‪ ‬وكان له جهاده الدعوي وكذلك ضد‬
‫المرتدين‪ ،‬وبعد وفاة رسول الله قدم إلى‬
‫المدينة‪ ،‬فقال عمر رضي الله عنه لبي بكر‬
‫رضي الله عنه‪ :‬أرسل إلى هذا الرجل فدع له‬
‫ما يعيشه وخذ سائره منه‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬إنما‬
‫بعثه النبي ‪ ‬ليجبره ولست بآخذ منه شيئا ً إل‬
‫أن يعطيني‪ ،‬ورأى عمر أن أبا بكر رضي الله‬
‫عنهما لم يأخذ برأية‪ ،‬ولكن عمر مقتنع بصواب‬
‫رأيه‪ ،‬فذهب إلى معاذ لعله يرضى‪ ،‬فقال‬
‫معاذ‪ :‬إنما بعثني رسول الله ‪ ‬ليجبرني‬
‫ولست بفاعل‪ ،‬إن عمر لم يذهب إلى أبي بكر‬
‫مستعديًا‪ ،‬ولكنه كان يريد الخير لمعاذ‬
‫وللمسلمين‪ ،‬وهاهو معاذ يرفض نصيحة عمر‬
‫ويعلم عمر أنه ليس بصاحب سلطان على‬
‫معاذ فينصرف راضيًا‪ ،‬لنه قام بواجبه من‬
‫النصيحة‪ ،‬ولكن معاذا ً رأى بعد رفضه نصيحة‬
‫عمر ما جعله يذهب إليه قائ ً‬
‫ل‪ :‬قد أطعتك‪،‬‬
‫وإني فاعل ما أمرتني به فإني رأيت في‬
‫المنام أني في خوضة ماء قد خشيت الغرق‬
‫فخلصتني منه يا عمر‪ .‬ثم ذهب معاذ إلى أبي‬
‫بكر رضي الله عنهما فذكر ذلك كله له وحلفه‬
‫أنه ل يكتمه شيئًا‪ ،‬فقال أبو بكر رضي الله‬
‫عنه‪ :‬أنا‬
‫ل آخذ شيئا ً قد وهبته لك‪ .‬فقال عمر رضي‬
‫الله عنه‪ :‬هذا حين حل وطاب)‪ ، (314‬وقد جاء‬
‫في رواية‪ :‬أن أبا بكر قال لمعاذ‪ :‬ارفع حسابك‬
‫فقال معاذ‪ :‬أحسابان حساب الله وحساب‬
‫منكم؟ والله ل ألي لكم عمل ً أبدا ً)‪.(315‬‬
‫‪ -2‬فراسة صادقة في أبي مسلم الخولني‪:‬‬
‫كان عمر رضي الله عنلله يتمتللع بفراسللة ينللدر‬
‫وجودها في هذه الحياة فقد روى الللذهبي‪ :‬أن‬
‫السود العنسي تنبللأ بللاليمن – ادعللى النبللوة –‬
‫فبعث إلللى أبللي مسلللم الخللولني‪ ،‬فأتللاه بنللار‬
‫عظيمة‪ ،‬ثللم إنلله ألقللى أبللا مسلللم فيهللا‪ ،‬فلللم‬
‫تضره … فقيل للسود‪ :‬إن لم تنللف هللذا عنللك‬
‫أفسد عليك من اتبعك‪ ،‬فأمره بالرحيللل‪،‬فقللدم‬
‫المدينللة‪ ،‬فأنللاخ فللي راحلتلله‪ ،‬ودخللل المسللجد‬
‫فبصر به فقام إليه‪ ،‬فقال‪ :‬ممن الرجل؟ قال‪:‬‬
‫من اليمن قال‪ :‬وما فعل الللذي حرقلله الكللذاب‬
‫وب‪ .‬قللال‬ ‫بالنللار؟ قللال‪ :‬ذاك عبللد الللله بللن ُثلل َ‬
‫نشللدتك بللالله‪ ،‬أنللت هللو؟ قللال‪ :‬اللهللم نعللم‪.‬‬
‫فأعتنقه عمر‪ ،‬وبكى‪ ،‬ثم ذهب به حتى أجلسلله‬
‫فيمللا بينلله وبيللن الصللديق‪ ،‬فقللال‪ :‬الحمللد لللله‬
‫الذي لم ُيمتني حتى أراني فللي أمللة محمللد ‪‬‬
‫صنع بإبراهيم الخليل)‪.(316‬‬ ‫من صُنع به كما ُ‬
‫‪ -3‬رأيه في تعيين أبان بن سعيد على البحرين‪:‬‬
‫انتهج أبو بكر رضي الله عنه خط الشورى فللي‬
‫تعييللن المللراء‪ ،‬فقللد ورد أنلله شللاور أصللحابه‬

‫‪ ()314‬شهيد المحراب ص ‪ 69‬نقل ً عن الستيعاب )‪.(3/338‬‬
‫‪ ()315‬عيون الخبار )‪.(1/125‬‬
‫‪ ()316‬سير أعلم النبلء )‪ ،(9+4/8‬أصحاب الرسول )‪.(1/137‬‬
‫فيمن يبعث إلللى البحريللن‪ ،‬فقللال للله عثمللان‪:‬‬
‫ابعث رجل ً قد بعثه رسول الله‪ ،‬فقدم عليه‬
‫)‪(317‬‬

‫‪ ،‬بإسلمهم وطاعتهم‪ ،‬وقد عرفللوه وعرفهللم‪،‬‬
‫وعللرف بلدهللم يعنللي العلء بللن الحضللرمي‪،‬‬
‫فأبى ذلللك عمللر عليلله‪ ،‬وقللال‪ :‬أكللره إبللان بللن‬
‫سعيد بن العاص‪ ،‬فإنه رجل قد حالفهم‪ ،‬فللأبى‬
‫أبو بكر أن يكرهه وقال‪ :‬ل أكللره رجل ً يقللول‪:‬‬
‫ل أعمل لحد بعد رسول الللله وأجمللع أبللو بكللر‬
‫بعثة العلء بن الحضرمي إلى البحرين)‪. (318‬‬
‫رابعًا‪ :‬رأي عمر في عدم قبببول ديببة قتلببى المسببلمين‪ ،‬واعتراضببه‬
‫على إقطاع الصديق للقرع بن حابس‪ ،‬وعيينة بن حصن‪:‬‬

‫‪ -1‬رأي عمر في عدم قبببول ديببة قتلببى المسببلمين فببي حببروب‬
‫الردة‪:‬‬
‫جاء وفد ُبزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر‬
‫يسألونه الصلح‪ ،‬فخيرهم بين الحللرب المجليللة‬
‫والسلللم المخزيللة‪ ،‬فقللالوا‪ :‬هللذه المجليللة قللد‬
‫عرفناها فما المخزية؟ قال تنزع منكم الحلقللة‬
‫والكراع‪ ،‬ونغنم ما أصبنا منكللم وتللردون علينللا‬
‫ما أصبتم منا‪ ،‬وَتدون قتلنا وتكون قتلكم في‬
‫النللار‪ ،‬وتللتركون أقوام لا ً يتبعللون أذنللاب البللل‬
‫حتى يري الله خليفللة رسللوله ‪ ‬والمهللاجرين‬
‫أمرا ً يعذرونكم به‪ ،‬فعرض أبو بكر ما قال على‬
‫القللوم‪ ،‬فقللام عمللر بللن الخطللاب‪ ،‬فقللال‪ :‬قللد‬
‫رأيت رأيلا ً سنشللير عليللك‪ ،‬أمللا مللا ذكللرت مللن‬
‫الحللرب المجليللة والسلللم المخزيللة فنعللم مللا‬
‫‪ ()317‬كنز العمال )‪ (5/620‬رقم ‪.14093‬‬
‫‪ ()318‬القيود الواردة على سلطة الدولة وعبد الله الكيلني ص‬
‫‪.169‬‬
‫ذكرت‪ ،‬وأما ما ذكرت أن نغنم مللا أصللبنا منكللم‬
‫دون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت‪ ،‬وأمللا مللا‬ ‫وتر ّ‬
‫ذكرت تدون قتلنا وتكللون قتلكللم فللي النللار‪،‬‬
‫فللإن قتلنللا قللاتلت فقتلللت علللى أمللر الللله‪،‬‬
‫أجورها على الله ليس لها ديات‪ .‬فتبايع القوم‬
‫على ما قال عمر)‪. (319‬‬
‫‪ -2‬اعتراضه على إقطاع الصديق للقبرع ببن حبابس وعينيببه ببن‬
‫حصن‪:‬‬
‫جاء عيينة بن حصللن والقللرع بللن حللابس إلللى‬
‫أبلللي بكلللر – رضلللي اللللله عنللله – فقلللال‪:‬‬
‫يللا خليفللة رسللول الللله إن عنللدنا أرضلا ً سللبخة‬
‫ليلللس فيهلللا كل ول منفعلللة‪ ،‬فلللإن رأيلللت أن‬
‫تقطعنا لعلنا نحرثهلا أو نزرعهلا‪ ،‬لعلل اللله أن‬
‫ينفع بها بعد اليوم‪ ،‬فقال أبو بكر لمللن حللوله‪:‬‬
‫ما تقولون فيما قال‪ ،‬إن كانت أرضللا ً سللبخة ل‬
‫ينتفع بها؟ قالوا‪ :‬نرى أن تقطعهما إياها‪ ،‬لعل‬
‫الللله ينفللع بهللا بعللد اليللوم‪ .‬فأقطعهمللا إياهللا‪،‬‬
‫وكتب لهما بللذلك كتاب لًا‪ ،‬وأشللهد عمللر‪ ،‬وليللس‬
‫فللي القللوم‪ ،‬فانطلقللا إلللى عمللر يشللهدانه‪،‬‬
‫فوجداه قائما ً يهنأ)‪ (320‬بعيرا ً للله‪ ،‬فقللال‪ :‬إن أبللا‬
‫بكر أشهدك على ما في الكتاب فنقرأ عليك أو‬
‫تقرأ؟ فقال‪ :‬أنا على الحال الذي تريللان‪ ،‬فللإن‬
‫شئتما فاقرءا وإن شئتما فللانظرا حللتى فللرغ‪،‬‬
‫فأقرأ عليكما قال‪ :‬بل نقرأ فقرءا فلمللا سللمع‬
‫ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليلله‬

‫‪ ()319‬أخبار عمر ص ‪ 362‬نقل ً عن الرياض النضرة‪ ،‬نيل الوطار )‬
‫‪.(8/22‬‬
‫‪ ()320‬يهنأ‪ :‬البل يهنؤها‪ :‬طلها بالهناء‪ ،‬أي القطران‪.‬‬
‫فمحاه‪ ،‬فتذمرا‪ ،‬وقال مقالة سلليئة‪ ،‬فقللال‪ :‬إن‬
‫رسللول الللله كللان يتألفكمللا‪ ،‬والسلللم يللومئذ‬
‫ذليل‪ ،‬وإن الله قد أعز السلم‪ ،‬فاذهبا فأجهدا‬
‫جهدكما‪ ،‬ل رعى الله عليكما إن رعيتما‪ .‬فأقبل‬
‫إلى أبي بكر وهمللا يتللذمران فقللال‪ :‬والللله مللا‬
‫ندري أنت الخليفة أم عمر‪ :‬فقال‪:‬ل بل هو لللو‬
‫كان شاء‪ .‬فجاء عمللر – وهللو مغضللب – فوقللف‬
‫على أبي بكر فقال‪ :‬أخللبرني عللن هللذه الرض‬
‫التي أقطعتهللا هللذين أرض هللي لللك خاصللة أم‬
‫للمسلمين عامة‪ .‬قللال‪ :‬بللل للمسلللمين عامللة‪.‬‬
‫قللال‪ :‬فمللا حملللك أن تخللص بهللا هللذين دون‬
‫جماعللة المسلللمين؟ قللال‪ :‬استشللرت هللؤلء‬
‫الذين حولي فأشاروا علللي بللذلك‪ .‬قللال‪ :‬فللإذا‬
‫استشرت هؤلء الذين حولك‪ ،‬فكل المسلللمين‬
‫أوسعتهم مشورة ورضي‪ .‬فقال أبو بكر رضللي‬
‫الله عنه‪ :‬قد كنت قلت لك إنك على هذا أقوى‬
‫مني‪ ،‬ولكن غلبتني)‪.(321‬‬
‫هللذه الواقعللة دليللل ل يقبللل الشللك أن حكللم‬
‫الدولة السلمية في عهللد الخلفللاء الراشللدين‬
‫كللان يقللوم علللى الشللورى‪ ،‬فهللي تظهللر لنللا‬
‫خليفة رسول الله ‪ ،‬حريص لا ً علللى استشللارة‬
‫المسلللمين فللي الصللغير والكللبيرة‪ ،‬ومللا كللان‬
‫ليبرم أمرا ً دون مشورة إخوانه)‪.(322‬‬
‫إن الخللبر السللالف الللذكر يؤكللد لنللا أن خليفللة‬
‫رسللول الللله رضللي الللله عنلله كللان يمضللي‬
‫الشورى في كل شأن من شللؤون المسلللمين‪،‬‬
‫‪ ()321‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب )‬
‫‪.(1/262‬‬
‫‪ ()322‬استخلف أبو بكر الصديق‪ ،‬جمال عبد الهادي ص ‪.166،167‬‬
‫بل وكان ينزل عن رأيلله‪ ،‬وهللو مللن هللو رضللي‬
‫الللله عنلله‪ ،‬إنهللا صللورة للشللورى الحقيقيللة‬
‫المنضبطة مع أوامر الله‪ ،‬مع الحلل والحللرام‪،‬‬
‫ل الشللورى المزيفللة الللتي تجللري تحللت قبللاب‬
‫مجالس دستورية لم تجن من ورائها الشللعوب‬
‫إل المرارة والستبداد والظلم والضياع)‪.(323‬‬
‫خامسًا‪ :‬جمع القرآن الكريم‪:‬‬
‫كللان مللن ضللمن شللهداء المسلللمين فللي حللرب‬
‫اليمامة كثير من حفظة القرآن وقد نتج عن ذلك‬
‫أن قام أبو بكر رضي الله عنه بمشورة عمللر بللن‬
‫الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن حيللث جمللع‬
‫مللن الرقللاع والعظللام والسللعف ومللن صللدور‬
‫الرجال)‪ ،(324‬وأسند الصللديق هللذا العمللل العظيللم‬
‫إلى الصحابي زيد بن ثللابت النصللاري‪ ،‬قللال زيللد‬
‫ي أبو بكللر رضللي‬ ‫بن ثابت رضي الله عنه‪ :‬بعث إل ّ‬
‫الله عنه لمقتل أهل اليمامللة)‪ ،(325‬فللإذا عمللر بللن‬
‫الخطاب عنده‪ ،‬قال أبو بكللر رضللي الللله عنلله‪ :‬إن‬
‫عمر أتاني فقال‪ :‬إن القتللل قللد اسللتحر)‪ (326‬يللوم‬
‫اليمامة بقراء القللرآن الكريللم‪ ،‬وإنللي أخشللى أن‬
‫يسللتحر القتللل بللالقراء فللي المللواطن)‪ ،(327‬كلهللا‬
‫فيللذهب كللثير مللن القللرآن‪ ،‬وإنللي أرى أن تللأمر‬
‫بجمع القرآن قلللت لعمللر‪ :‬كيللف أفعللل شلليئا ً لللم‬
‫يفعله رسول الله ‪‬؟!! فقللال عمللر‪ :‬هللذا والللله‬
‫خير‪ ،‬فلللم يللزل عمللر يراجعنللي حللتى شللرح الللله‬
‫نفس المصدر ص ‪.167‬‬ ‫‪()323‬‬
‫حروب الردة وبناء الدولة السلمية‪ ،‬أحمد سعيد ص ‪.145‬‬ ‫‪()324‬‬
‫يعني واقعة يوم اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وإخوانه‪.‬‬ ‫‪()325‬‬
‫استحر‪ :‬كثر واشتد‪.‬‬ ‫‪()326‬‬
‫أي في الماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار‪.‬‬ ‫‪()327‬‬
‫صدري للذي شرح له صدر عمر‪ ،‬ورأيت فلي ذلللك‬
‫الللللللذي رأى عمللللللر‪ ،‬قللللللال زيللللللد‪ :‬قللللللال‬
‫أبو بكر‪ :‬وإنك رجل شاب عاقللل‪ ،‬ل نتهمللك وقللد‬
‫كنت تكتب الوحي لرسول الله ‪ ،‬فتتبع القللرآن‬
‫فاجمعه)‪ .(328‬قللال زيللد‪ :‬فللوالله لللو كلفنللي نقللل‬
‫ي ممللا كلفنللي‬ ‫جبل من الجبال ما كان بأثقل عل ل ّ‬
‫به من جمع القرآن)‪.(329‬‬
‫ونسللتخلص مللن واقعللة جمللع القللرآن الكريللم‬
‫بعض النتائج منها‪:‬‬
‫‪ -1‬إن جمللع القللرآن الكريللم جللاء نتيجللة الخللوف‬
‫على ضياعه نظللرا ً لمللوت العديللد مللن القللراء‬
‫في حروب الردة‪ ،‬وهذا يللدل علللى أن القللراء‬
‫والعلماء كانوا وقتئذ أسرع الناس إلى العمللل‬
‫والجهللاد لرفللع شللأن السلللم والمسلللمين‬
‫بأفكارهم وسلللوكهم وسلليوفهم فكللانوا خيللر‬
‫أمة أخرجت للناس ينبغي القتللداء بهللم لكللل‬
‫من جاء بعدهم‪.‬‬
‫‪ -2‬إن جمللع القللرآن تللم بنللاء علللى المصلللحة‬
‫المرسلللة ول أدل علللى ذلللك مللن قللول عمللر‬
‫لبللي بكللر حيللن سللأله كيللف نفعللل شلليئا ً لللم‬
‫يفعله رسللول الللله ‪ :‬إنلله والللله خيللر وفللي‬
‫بعض الروايللات أنلله قللال للله‪ :‬إنلله والللله خيللر‬
‫ومصللللللحة للمسللللللمين‪ ،‬وهلللللو نفلللللس‬
‫ما أجاب به أبو بكر زيلد بلن ثلابت حيلن سلأل‬
‫نفس السؤال وسواء صحت الرواية التي جللاء‬
‫فيها لفظ المصلحة أو لم تصلح‪ ،‬فلإن التعلبير‬
‫بكلمة خير‪ ،‬يفيد نفس المعنى‪ ،‬وهللو مصلللحة‬
‫‪ ()328‬أي من الشياء التي عندي وعند غيرك‪.‬‬
‫‪ ()329‬البخاري رقم ‪. 4986‬‬
‫المسلمين في جمع القرآن‪ ،‬فقللد كللان جمللع‬
‫القللرآن مبني لا ً علللى المصلللحة المرسلللة أول‬
‫المللر ثللم انعقللد الجمللاع علللى ذلللك بعللد أن‬
‫وافللق الجميللع بللالقرار الصللريح أو الضللمني‬
‫وهذا يدل على أن المصلحة المرسلة يصح أن‬
‫تكللون سللندا ً للجمللاع بالنسللبة لمللن يقللول‬
‫بحجيتها كما هو مقرر في كتب أصول الفقه‪.‬‬
‫‪ -3‬وقد اتضح لنا مللن هللذه الواقعللة كللذلك كيللف‬
‫كان الصحابة يجتهللدون فللي جللو مللن الهللدوء‬
‫يسوده الود والحترام‪ ،‬هدفهم الوصللول إلللى‬
‫ما يحقللق الصللالح العللام لجماعللة المسلللمين‪،‬‬
‫وأنهللم كللانوا ينقللادون إلللى الللرأي الصللحيح‬
‫وتنشللرح قلللوبهم للله بعللد القنللاع والقتنللاع‪،‬‬
‫فإذا اقتنعوا بالرأي دافعوا عنلله كمللا لللو كللان‬
‫رأيهم منذ البداية‪ ،‬وبهذه الروح أمكللن انعقللاد‬
‫إجمللللاعهم حللللول العديللللد مللللن الحكللللام‬
‫الجتهادية)‪.(330‬‬

‫‪ ()330‬الجتهاد في الفقه السلمي‪ ،‬عبد السلم السليماني ص‬
‫‪. 127‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫استخلف الصديق للفاروق‪ ،‬وقواعد نظام‬
‫حكمه‪ ،‬وحياته في المجتمع‬
‫المبحث الول‪ :‬استخلف الصديق للفاروق وقواعببد نظببام‬
‫حكمه‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬استخلف الصديق للفاروق‪:‬‬
‫لمللا اشللتد المللرض بللأبي بكللر جمللع النللاس إليلله‬
‫فقال‪ :‬إنه قد نزل بي ما قد ترون ول أظننللي إل‬
‫ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم مللن بيعللتي‪،‬‬
‫وحل عنكلم عقلدتي‪ ،‬ورد عليكللم أمركللم فلأمروا‬
‫عليكم من أحببتللم فللإنكم إن أمرتللم فللي حيللاتي‬
‫كلللان أجلللدر أن ل تختلفلللوا بعلللدي)‪ (331‬وتشلللاور‬
‫الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬وكللل يحللاول أن يللدفع‬
‫المر عن نفسه ويطلبه لخيه إذ يرى فيه الصلح‬
‫والهلية‪ ،‬لذا رجعوا إليه‪ ،‬فقالوا‪ :‬رأينا يللا خليفللة‬
‫رسول الله رأيك قال‪ :‬فأمهلوني حتى أنظللر لللله‬
‫ولدينه ولعباده‪ ،‬فدعا أبللو بكللر عبللد الرحمللن بللن‬
‫عوف فقال له‪ :‬أخللبرني عللن عمللر بللن الخطللاب‬
‫فقال له‪ :‬ما تسألني عن أمللر إل وأنللت أعلللم بلله‬
‫مني‪ :‬فقال أبو بكر‪ :‬وإن فقال عبد الرحمن‪ :‬هللو‬
‫والله أفضل من رأيللك فيلله‪ ،‬ثللم دعللا عثمللان بللن‬
‫عفللان‪ .‬فقللال‪ :‬أخللبرني علن عمللر بللن الخطللاب‪.‬‬
‫فقلللال‪ :‬أنلللت أخلللبر بللله‪ ،‬فقلللال‪ :‬عللللى ذللللك‬
‫يا أبا عبد الله فقال عثمان‪ :‬اللهللم علمللي بلله أن‬
‫سريرته خير من علنيته‪ ،‬وأنلله ليللس فينللا مثللله‪.‬‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬يرحمللك الللله والللله لللو تركتلله مللا‬
‫‪ ()331‬البداية والنهاية )‪ ،(7/18‬تاريخ الطبري )‪.(4/238‬‬
‫عدتك ثم دعا أسيد بن حضير فقال له‪ :‬مثل ذلك‪،‬‬
‫فقال أسيد‪ :‬اللهللم أعلملله الخيللرة بعللدك يرضللى‬
‫للرضا‪ ،‬ويسخط للسللخط‪ ،‬والللذي يسللر خيللر مللن‬
‫الذي يعلن‪ ،‬ولن يلي هذا المللر أحللد أقللوى عليلله‬
‫منه‪ ،‬وكذلك استشللار سللعيد بللن زيللد وعللددا ً مللن‬
‫النصار والمهاجرين‪ ،‬وكلهم تقريبللا ً كللانوا بللرأي‬
‫واحد في عمر إل طلحة بن عبيلد اللله خلاف ملن‬
‫شللدته فقللال لبللي بكللر مللا أنللت قللائل لربللك إذا‬
‫سللألك عللن اسللتخلفك عمللر علينللا وقللد تللرى‬
‫غلظتللله؟ فقلللال أبلللو بكلللر‪ :‬أجلسلللوني أبلللالله‬
‫تخوفللونني؟ خللاب مللن تللزود مللن أمركللم بظلللم‬
‫أقول اللهم استخلفت عليهم خير أهلك)‪ (332‬وبيللن‬
‫لهم سبب غلظة عمللر وشللدته فقللال‪ :‬ذلللك لنلله‬
‫يراني رقيقا ً ولو أفضى المللر إليلله لللترك كللثيرا ً‬
‫مما عليلله)‪ (333‬ثللم كتللب عهللدا ً مكتوبلا ً يقللرأ علللى‬
‫الناس في المدينة وفي النصار عن طريق أمراء‬
‫الجنللاد فكللان نللص العهللد بسللم الللله الرحمللن‬
‫الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بللن أبللي قحافللة فللي‬
‫آخر عهده بالدنيا خارج لا ً منهللا‪ ،‬وعنللد أول عهللده‬
‫بالخرة داخل ً فيها‪ ،‬حيللث يللؤمن الكللافر‪ ،‬ويللوقن‬
‫الفاجر‪ ،‬ويصدق الكاذب‪ ،‬إني لم آل الله ورسللوله‬
‫ودينه ونفسللي‪ ،‬وإيللاكم خيللرًا‪ ،‬فللإن عللدل فللذلك‬
‫ظنللي بلله وعلمللي فيلله‪ ،‬وإن بللدل فلكللل امللرئ‬
‫مللا اكتسللب‪ ،‬والخيللر أردت ول أعلللم الغيللب‪‬‬
‫َ‬
‫‪‬‬ ‫ن)‪(227‬‬
‫قل ِب ُللو َ‬ ‫قل َل ٍ‬
‫ب َين َ‬ ‫من َ‬
‫ي ُ‬ ‫ن ظَل َ ُ‬
‫مللوا أ ّ‬ ‫م ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫عل َ ُ‬
‫سي َ ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫)الشعراء‪،‬آية‪(227:‬‬
‫‪ ()332‬الكامل لبن الثير )‪ ،(79 /2‬التاريخ السلمي محمود شاكر‬
‫ص ‪.101‬‬
‫‪ ()333‬الكامل لبن الثير )‪.(2/79‬‬
‫إن عمر هو نصح أبي بكر الخير للمة‪ ،‬فقد أبصر‬
‫الللدنيا مقبلللة تتهللادى وفللي قللومه فاقللة قديمللة‬
‫يعرفها‪ ،‬فإذا ما أطلوا لها استشللرفوا شللهواتها‪،‬‬
‫فنكلت بهم واسللتبدت‪ ،‬وذاك مللا حللذرهم رسللول‬
‫الله ‪ ‬إياه)‪ ، (334‬قال رسول الله ‪ :‬فو الله مللا‬
‫الفقللر أخشللى عليكللم‪ ،‬ولكللن أخشللى عليكللم أن‬
‫تبسط عليكم الدنيا كمللا بسللطت علللى مللن كللان‬
‫قبلكم‪ ،‬فتنافسوها كما تنافسللوها وتهلككللم كمللا‬
‫أهلكتهم)‪ ،(335‬لقد أبصر أبو بكلر اللداء فلأتى لهلم‬
‫رضي الله عنه بدواء ناجح … جبل شللاهق‪ ،‬إذا مللا‬
‫رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة‪ ،‬إنلله الرجللل‬
‫الذي قللال فيلله النللبي ‪ :‬إيهللا يللا بللن الخطللاب‪،‬‬
‫والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا ً فج لا ً‬
‫إل سلك فجا ً غير فجك)‪ .(336‬إن الحللداث الجسللام‬
‫الللتي مللرت بالمللة‪ ،‬قللد بللدأت بقتللل عمللر‪ ،‬هللذه‬
‫القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصللدق‬
‫رؤيته في العهد لعمر‪ ،‬فعن عبد الله بللن مسللعود‬
‫رضي الله عنه قال‪ :‬أفرس النللاس ثلثللة صللاحبة‬
‫موسى التي قالت‪ :‬يا أبت استأجره إن خيللر مللن‬
‫استأجرت القوي المين‪ ،‬وصللاحب يوسللف حيللث‬
‫قللال‪:‬أكرمللي مثللواه عسللى أن ينفعنللا أو نتخللذه‬
‫ولدًا‪ ،‬وأبو بكر حين استخلف عمر)‪ ، (337‬فقللد كللان‬
‫عمر هو سد المة المنيع الللذي حللال بينهللا وبيللن‬
‫أمواج الفتن)‪. (338‬‬
‫‪ ()334‬تاريخ السلم للذهبي عهد الخلفاء ص ‪ ،117-66‬أبو بكر‬
‫رجل دولة ص ‪.99‬‬
‫‪ ()335‬البخاري‪ ،‬ك الجزية والموادعة رقم ‪.3158‬‬
‫‪ ()336‬البخاري‪ ،‬ك فضائل أصحاب النبي رقم ‪.3683‬‬
‫‪ ()337‬مجمع الزوائد )‪ (268 /10‬صحيح السناد‪.‬‬
‫‪ ()338‬أبو بكر رجل الدولة ص ‪.100‬‬
‫هذا وقد أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمللة‬
‫فقد دخل عليلله عمللر فعرفلله أبللو بكللر بمللا عللزم‬
‫فأبى أن يقبل‪ ،‬فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان‬
‫أمام عمر إل أن يقبل)‪ ، (339‬وأرد الصديق أن يبلللغ‬
‫النللاس بلسللانه واعي لا ً مللدركا ً حللتى ل يحصللل أي‬
‫لبس فأشرف أبو بكللر علللى النللاس وقللال لهللم‪:‬‬
‫أترضون بمللن اسللتخلف عليكللم‪ ،‬فللإني والللله مللا‬
‫ألوت من جهد الللرأي‪ ،‬ول وليللت ذا قرابللة‪ ،‬وإنللي‬
‫قد استخلفت عليكم عمر بن الخطللاب فاسللمعوا‬
‫له وأطيعلوا‪ .‬فقلالوا‪ :‬سلمعنا وأطعنلا)‪ (340‬وتلوجه‬
‫الصديق بالللدعاء إلللى الللله ينللاجيه ويبثلله كللوامن‬
‫نفسه‪ ،‬وهو يقول‪ :‬اللهم وليتلله بغيللر أمللر نبيللك‪،‬‬
‫ولم أرد بذلك إل صلحهم‪ ،‬وخفت عليهم الفتنللة‪،‬‬
‫واجتهللدت لهللم رأيللي‪ ،‬فللوّليت عليهللم خيرهللم‪،‬‬
‫وأحرصلللللللللللللللللللللللهم عللللللللللللللللللللللللى‬
‫ما أرشدهم‪ ،‬وقد حضللرني مللن أمللرك مللا حضللر‪،‬‬
‫فأخلفني فيهم فهم عبادك)‪.(341‬‬
‫وكلف أبو بكر عثمان رضي الله عنه‪ :‬بللأن يتللولى‬
‫قراءة العهد على الناس وأخذ البيعللة لعمللر قبللل‬
‫موت أبي بكر بعللد أن ختملله لمزيللد مللن التوثيللق‬
‫والحرص على إمضاء المر‪ ،‬دون أي آثللار سلللبية‪،‬‬
‫وقللال عثمللان للنللاس‪ :‬أتبللايعون لمللن فللي هللذا‬
‫الكتاب؟ فقالوا‪ :‬نعم‪ .‬فأقروا بذلك جميعا ً ورضوا‬
‫به)‪ ،(342‬فبعد أن قرأ العهد على الناس ورضوا بلله‬

‫‪ ()339‬مآثر النافة )‪.(49 /1‬‬
‫‪ ()340‬تاريخ الطبري )‪.(4/248‬‬
‫‪ ()341‬طبقات بن سعد )‪ ،(3/199‬تاريخ المدينة لبن شبهة‪) .‬‬
‫‪.(669-2/665‬‬
‫‪ ()342‬طبقات بن سعد )‪.(3/200‬‬
‫أقبللللوا عليللله وبلللايعوه)‪ ،(343‬واختللللى الصلللديق‬
‫بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصلليات لخلء‬
‫ذمته من أي شيء‪ ،‬حتى يمضللي إلللى ربلله خالي لا ً‬
‫ملللن أي تبعلللة بعلللد أن بلللذل قصلللارى جهلللده‬
‫واجتهللاده)‪ ،(344‬وقللد جللاء فللي الوصللية‪ :‬اتللق الللله‬
‫يلللاعمر‪ ،‬واعللللم أن للللله عمل ً بالنهلللار ل يقبلللله‬
‫بالليللل‪ ،‬وعمل ً بالليللل ل يقبللله بالنهللار‪ ،‬وأنلله ل‬
‫يقبللل نافلللة حللتى ت ُللؤدى فريضللة‪ ،‬وإنمللا ثقلللت‬
‫موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتبللاعهم‬
‫فت موازين من‬ ‫الحق غدا ً أن يكون ثقي ً‬
‫ل‪ ،‬وإنما خ ّ‬
‫فت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل غللدا ً‬ ‫خ ّ‬
‫أن يكون خفيفا ً‪ ،‬وإن الله تعالى ذكر أهللل الجنللة‬
‫فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه‪ ،‬فإذا‬
‫ذكرتهم قلت‪ :‬إنللي أخللاف أن ل ألحللق بهللم‪ ،‬وإن‬
‫الللله تعللالى ذكللر أهللل النللار‪ ،‬فللذكرهم بأسللوأ‬
‫أعمالهم‪ ،‬وردّ عليهم أحسنه‪ ،‬فإذا ذكرتهم‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫إنللي لرجللو أن ل أكللون مللع هللؤلء ليكللون العبللد‬
‫راغبا ً راهبلًا‪ ،‬ل يتمنللى علللى الللله ول يقنللط مللن‬
‫رحمللة الللله‪ ،‬فللإن أنللت حفظللت وصلليتي فل يللك‬
‫غائب أبغض إليك من الموت ولست ُتعجزه)‪.(345‬‬
‫وباشر عمر بن الخطاب رضللي الللله عنلله أعمللاله‬
‫بصللفته خليفللة للمسلللمين فللور وفللاة أبللي بكللر‬
‫رضي الله عنه)‪.(346‬‬

‫‪ ()343‬دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة للشجاع ص‬
‫‪. 272‬‬
‫‪ ()344‬نفس المصدر ص ‪. 272‬‬
‫‪ ()345‬صفة الصفوة )‪.(1/264،265‬‬
‫‪ ()346‬دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة ص ‪. 272‬‬
‫ويلحظ الباحث‪ :‬أن ترشيح أبي بكر الصللديق رضللي‬
‫الللله عنلله لعمللر بللن الخطللاب‪ ،‬لللم يأخللذ قللوته‬
‫الشرعية‪ ،‬ما لم يستند لرضا الغالبية بعمللر وهللذا‬
‫ما تحقق حين طلب أبو بكر من الناس أن يبحثللوا‬
‫لنفسهم عن خليفة من بعده‪ ،‬فوضعوا المر بين‬
‫يديه‪ ،‬وقالوا له‪ ،‬رأينا إنما هو رأيك)‪ ،(347‬ولم يقرر‬
‫أبللو بكللر الترشلليح إل بعللد أن استشللار أعيللان‬
‫الصحابة فسأل كل واحد على انفراد‪ ،‬ولما ترجح‬
‫لديه اتفاقهم أعلن ترشيحه لعمر‪ ،‬فكان ترشلليح‬
‫أبللي بكللر صللادرا ً عللن اسللتقراء‪ ،‬لراء المللة مللن‬
‫خلل أعيانهلللللا‪ ،‬عللللللى أن هلللللذا الترشللللليح‬
‫ل يأخذ قوته الشرعية إل بقبول المة به‪ ،‬ذلك أن‬
‫اختيللار الحللاكم حللق للمللة‪ ،‬والخليفللة يتصللرف‬
‫بالوكالة عن المة‪ .‬ول بد من رضا الصيل‪ ،‬ولهذا‬
‫توجه أبو بكر إلى المة‪ :‬أترضللون بمللن اسللتخلف‬
‫عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهدي الرأي ول‬
‫وليللت ذا قرابللة‪ ،‬وأنللي قللد اسللتخلفت عمللر بللن‬
‫الخطاب‪ .‬فأسمعوا له وأطيعللوا‪ ،‬فقللالوا‪ :‬سللمعنا‬
‫وأطعنا)‪ ،(348‬وفللي قللول أبللي بكللر أترضللون بمللن‬
‫استخلف عليكم‪ ،‬إشعار بأن المر للمة وأنها هي‬
‫صاحبة العلقة والختصاص)‪.(349‬‬
‫إن عمر رضي الله عنه ولي الخلفة باتفاق أهللل‬
‫الحل والعقد وإرادتهم فهم الللذين فوضللوا لبللي‬
‫بكللر انتخللاب الخليفللة‪ ،‬وجعلللوه نائبلا ً عنهللم فللي‬
‫ذلك‪ ،‬فشللاور ثللم عيللن الخليفللة‪ ،‬ثللم عللرض هللذا‬
‫التعيين على الناس فللأقروه‪ ،‬وأمضللوه ووافقللوا‬
‫‪ ()347‬القيود الواردة على سلطة الدولة في السلم ص ‪. 172‬‬
‫‪ ()348‬تاريخ الطبري )‪.(4/248‬‬
‫‪ ()349‬القيود الواردة على سلطة الدولة في السلم ص ‪. 172‬‬
‫عليلله‪ ،‬وأصللحاب الحللل والعقللد فللي المللة هللم‬
‫النواب )الطبيعيون( عللن هللذه المللة‪ ،‬وإذن فلللم‬
‫يكن استخلف عمر رضي الله عنه إل علللى أصللح‬
‫الساليب الشورية وأعدلها)‪.(350‬‬
‫إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق‬
‫في اختيار خليفته من بعده‬
‫ل تتجاوز الشورى بأي حال من الحوال‪ ،‬وإن‬
‫كانت الجراءات المتبعة فيها غير الجراءات‬
‫المتبعة في تولية أبي بكر نفسه)‪ ،(351‬وهكذا تم‬
‫عقد الخلفة لعمر رضي الله عنه بالشورى‬
‫والتفاق‪ ،‬ولم يورد التاريخ أي خلف وقع حول‬
‫خلفته بعد ذلك‪ ،‬ول أن أحدا ً نهض طول عهده‬
‫لينازعه المر‪ ،‬بل كان هناك إجماع على خلفته‬
‫وعلى طاعته في أثناء حكمه‪ ،‬فكان الجميع وحدة‬
‫واحدة)‪.(352‬‬
‫ثانيًا‪ :‬النصوص الشرعية التي أشارت إلى أحقية خلفة الفاروق‪:‬‬

‫‪ -1‬في نص القرآن الكريم دليل على صحة خلفة‬
‫أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وعلللى‬
‫وجوب الطاعة لهللم وهللو أن الللله تعللالى قللال‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ه‬ ‫ع َ‬
‫ج َ‬
‫ن َر َ‬
‫فإ ِ ْ‬ ‫مخاطبا ً نب ّ‬
‫يه ‪ ‬في العراب‪َ  :‬‬
‫ل َللل ْ‬
‫ن‬ ‫ف ُ‬
‫قلل ْ‬ ‫ج َ‬‫خللُرو ِ‬ ‫سللت َأ ْذَُنو َ‬
‫ك ل ِل ْ ُ‬ ‫فا ْ‬‫م َ‬ ‫هلل ْ‬ ‫من ْ ُ‬
‫ة ِ‬
‫فلل ٍ‬ ‫إ َِلللى َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫َ‬
‫وا‬
‫علللدُ ّ‬
‫علللي َ‬‫م ِ‬‫قلللات ُِلوا َ‬ ‫وَلللل ْ‬
‫ن تُ َ‬ ‫دا َ‬‫علللي أَبللل ً‬ ‫م ِ‬
‫جلللوا َ‬ ‫خُر ُ‬
‫تَ ْ‬
‫‪)‬التوبة‪،‬آية‪ .(83:‬وكان نزول بللراءة الللتي فيهللا‬
‫هذا الحكم بعللد غللزوة تبللوك بل شللك)‪ (353‬الللتي‬
‫أبو بكر الصديق‪ ،‬علي طنطاوي ص ‪. 237‬‬ ‫‪()350‬‬
‫دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة ص ‪. 272‬‬ ‫‪()351‬‬
‫دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة ص ‪. 272‬‬ ‫‪()352‬‬
‫الدر المنثور في التفسير المأثور )‪.(4/119،122‬‬ ‫‪()353‬‬
‫تخلف فيها الثلثة المعذورون الذين تللاب الللله‬
‫عليهم في سورة براءة ولم يغللز عليلله الصلللة‬
‫والسلم بعد غزوة تبوك إلى أن مات ‪ ‬وقللال‬
‫م‬ ‫ذا انطَل َ ْ‬
‫قُتلل ْ‬ ‫خّلفللو َ‬
‫ن إِ َ‬ ‫ل ال ْ ُ‬
‫م َ‬ ‫سللي َ ُ‬
‫قو ُ‬ ‫َ‬ ‫تعالى أيض لًا‪ :‬‬
‫ن ي ُب َلدُّلوا‬ ‫َ‬ ‫م ل ِت َأ ْ ُ‬
‫نأ ْ‬ ‫دو َ‬‫ريل ُ‬ ‫عك ُل ْ‬
‫م يُ ِ‬ ‫ها ذَُروَنا ن َت ّب ِ ْ‬ ‫ذو َ‬ ‫خ ُ‬ ‫غان ِ َ‬ ‫إ َِلى َ‬
‫م َ‬
‫ل‪‬‬ ‫قْبلل ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ملل ْ‬ ‫ل الل ّ ُ‬
‫ه ِ‬ ‫قا َ‬‫م َ‬ ‫عوَنا ك َذَل ِك ُ ْ‬ ‫ن ت َت ّب ِ ُ‬‫ل لَ ْ‬ ‫ق ْ‬ ‫ه ُ‬‫م الل ّ ِ‬‫ك َل َ َ‬
‫فبين أن العرب ل يغللزون مللع رسللول الللله ‪‬‬
‫بعللد تبللوك لهللذا‪ ،‬ثللم عطللف سللبحانه وتعللالى‬
‫عليهم أثر منعه إيللاهم مللن الغللزو مللع رسللول‬
‫الللللللللللللله ‪ ‬فقللللللللللللال تعللللللللللللالى‪:‬‬
‫وم ٍ‬ ‫ن إ ِل َللى َ‬
‫قل ْ‬ ‫و َ‬
‫ع ْ‬
‫سلت ُدْ َ‬
‫ب َ‬
‫علَرا ِ‬
‫ن ال ْ‬
‫مل ْ‬
‫ن ِ‬ ‫خل ّ ِ‬
‫في َ‬ ‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫م َ‬ ‫‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫َ‬ ‫أ ُوِلي بأ ْ‬
‫عللوا‬ ‫طي ُ‬
‫ن تُ ِ‬
‫ف لإ ِ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫مو َ‬ ‫سل ِ ُ‬‫و يُ ْ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫قات ُِلون َ ُ‬ ‫د تُ َ‬ ‫دي ٍ‬ ‫ش ِ‬ ‫س َ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ن َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫ت‬ ‫ي‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫وا‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫و‬ ‫نا‬ ‫س‬ ‫ح‬ ‫را‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫ه‬ ‫ّ‬ ‫ل‬‫ال‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ت‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬
‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ ِ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫يُ‬
‫ما)‪)  (16‬الفتح‪،‬آية‪ .(17-16:‬فأخبر‬ ‫َ‬
‫ذاًبا أِلي ً‬ ‫ع َ‬ ‫م َ‬ ‫عذّب ْك ُ ْ‬ ‫يُ َ‬
‫تعللالى أنلله سلليدعوهم غيللر النللبي إلللى قللوم‬
‫يقللاتلونهم أو يسلللمون ووعللدهم علللى طاعللة‬
‫مللن دعللاهم إلللى ذلللك بجزيللل الجللر العظيللم‬
‫وتوعدهم على عصيان الداعي لهللم إلللى ذلللك‬
‫العذاب الليم)‪.(354‬‬
‫قللال أبللو محمللد بللن حللزم‪ :‬ومللا دعللا أولئك‬
‫العللراب أحللد بعللد رسللول الللله ‪ ‬إلللى قللوم‬
‫يقلللاتلونهم أو يسللللمون إل أبلللو بكلللر وعملللر‬
‫وعثمان رضي الله عنهللم فللإن أبللا بكللر رضللي‬
‫الله عنه دعاهم إلى قتال مرتللدي العللرب بنللي‬
‫حنيفللة وأصللحاب السللود وسللجاح وطليحللة‬
‫والروم والفرس وغيرهم‪ ،‬ودعللاهم عمللر إلللى‬
‫قتللال الللروم والفللرس‪ ،‬وعثمللان دعللاهم إلللى‬

‫‪ ()354‬عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام )‪.(2/634‬‬
‫قتال الروم والفرس والترك)‪ .(355‬فوجب طاعة‬
‫أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهللم بنللص‬
‫القللرآن الللذي ل يحتمللل تللأويل ً وإذ قللد وجبللت‬
‫طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلفتهم رضللي‬
‫الله عنهم)‪.(356‬‬
‫‪ -2‬قال رسللول الللله ‪ :‬أريللت فللي المنللام أنللي‬
‫أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكللر فنللزع‬
‫ذنوبا ً أو ذنوبين نزعا ً ضعيفا ً والله يغفر له‪ ،‬ثللم‬
‫جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربللا ً فلللم أر‬
‫عبقريا ً يفري فريه حلتى روى النلاس وضلربوا‬
‫بعطن)‪.(357‬‬
‫هللذا الحللديث تضللمن الشللارة إلللى خلفللة‬
‫الشلليخين رضللي الللله عنهمللا‪ ،‬كمللا تضللمن‬
‫الشارة إلى خلفة الفللاروق رضللي الللله عنلله‪،‬‬
‫وإلى كثرة الفتوح وظهور السلللم فللي زمنلله‬
‫فهذا المنام النبوي مثال واضح لما حصل لبي‬
‫بكللر وعمللر رضللي الللله عنهمللا فللي خلفتهمللا‬
‫وحسللن سلليرتهما وظهللور آثارهمللا وانتفللاع‬
‫الناس بهما وكل ذلللك مللأخوذ عللن المصلطفى‬
‫‪ ‬وآثار صحبته فقد كان ‪ ‬هو صللاحب المللر‬
‫فقام به أكمل قيللام حيللث قللرر قواعللد الللدين‬
‫ومهللد أمللوره وأوضللح أصللوله وفروعلله ودخللل‬
‫الناس في دين الله أفواجا ً وأنللزل الللله تعللالى‬
‫كللم َ‬ ‫ت لَ ُ‬ ‫َ‬
‫ت‬‫ملل ُ‬
‫م ْ‬ ‫م ِدين َ ُ ْ َ‬
‫وأ ت ْ َ‬ ‫كلل ْ‬ ‫مْللل ُ‬
‫م أك ْ َ‬ ‫عليه قوله‪  :‬ال َْيلل ْ‬
‫و َ‬

‫‪ ()355‬العتقاد للبيهقي ص ‪. 173‬‬
‫‪ ()356‬الفصل في الملل والهواء والنحل )‪.(4/109،110‬‬
‫‪ ()357‬مسلم رقم ‪. 2393‬‬
‫سلللل ََم ِديًنلللا ‪‬‬
‫م ال ْ‬ ‫ت لَ ُ‬
‫كللل ْ‬ ‫ضلللي ُ‬
‫وَر ِ‬
‫مِتلللي َ‬
‫ع َ‬
‫م نِ ْ‬ ‫عل َي ْ ُ‬
‫كللل ْ‬ ‫َ‬
‫)المائدة‪،‬آية‪.(3:‬‬
‫ولما التحق ‪ ‬بالرفيق العلى خلفلله أبللو بكللر‬
‫رضي الله عنه على المة سنتين وأشهرا ً وهللو‬
‫المللراد بقللوله ‪)) :‬ذنوبللا ً أو ذنللوبين(( وهللذا‬
‫شللك مللن الللراوي والمللراد ذنوبللان كمللا جللاء‬
‫التصريح بذلك في رواية أخرى)‪ (358‬وقللد حصللل‬
‫فلي خلفتلله رضللي الللله عنلله قتللال المرتللدين‬
‫وقطع دابرهم وأشاع رقعة السلم فلي زمنلله‬
‫أكثر وتقرر لهم من أحكامه مللا لللم يقللع مثللله‬
‫لطللول وليتلله واتسللاع بلد السلللم وكللثرة‬
‫الموال من الغنائم وغيرها فالحللديث اشللتمل‬
‫على أحقية خلفة عمر رضي الله عنه وصحتها‬
‫وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها)‪.(359‬‬
‫‪ -3‬عن حذيفة رضي الله عنه قال‪ :‬كنا عند النللبي‬
‫‪ ‬جلوسللللللللا ً فقللللللللال‪ :‬إنللللللللي ل أدري‬
‫ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعللدي‬
‫وأشللار إلللى أبللي بكللر وعمللر وتمسللكوا بهللدي‬
‫عمار وما حدثكم ابن مسعود فصللدقوه)‪ ،(360‬دل‬
‫هذا الحديث دللة صللريحة علللى أحقيللة خلفللة‬
‫عمر رضي الله عنه فقوله ‪ :‬اقتدوا باللذين‪.‬‬
‫بفتح الذال أي الخليفتين الللذين يقوملان مللن‬
‫بعللدي أبللو بكللر وعمللر‪ ،‬فللأمره ‪ ‬بطاعتهمللا‪.‬‬
‫يتضمن الثناء عليهما لكونهمللا أهل ً لن يطاعللا‬
‫‪ ()358‬عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام )‪.(2/635‬‬
‫‪ ()359‬نفس المصدر )‪.(2/635‬‬
‫‪ ()360‬سلسلة الحاديث الصحيحة لللباني )‪ ،(3/233،236‬صحيح‬
‫ابن حبان )‪ (15/328‬ومصنف ابن أبي شيبة )‪ (7/433‬وصححه‬
‫اللباني في الصحيح )‪.(336-3/333‬‬
‫فيما يأمران بله وينهيلان عنله الملؤذن بحسلن‬
‫سلليرتهما وصللدق سللريرتهما وإيمللاء لكونهمللا‬
‫الخليفتين من بعده وسبب الحث على القتداء‬
‫بالسابقين الولين ما فطروا عليه من الخلق‬
‫المرضية والطبيعة القابلة للخير ولللذلك كللانوا‬
‫أفضل الناس بعد النبياء وصللار أفضللل الخلللق‬
‫بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين)‪.(361‬‬
‫‪ -4‬قال رسول الله ‪ )) :‬بينما أنا نللائم إذ رأيللت‬
‫قدحا ً أتيت به فيه لبن فشربت منه حللتى إنللي‬
‫لرى الللري يجللري فللي أظفللاري‪ ،‬ثللم أعطيللت‬
‫فضلي عمر بن الخطللاب (( قللالوا‪ :‬فمللا أولللت‬
‫ذلك يا رسول الله؟ قال‪ :‬العلم)‪.(362‬‬
‫ففي هللذا الحللديث إشللارة إلللى أحقيللة خلفللة‬
‫عمر رضي الله عنه‪ :‬والمراد بالعلم هنللا العلللم‬
‫بسياسة الناس بكتاب الله وسللنة رسللول الللله‬
‫‪ ‬واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلللى‬
‫أبي بكر وباتفاق الناس علللى طللاعته بالنسللبة‬
‫إللللللللللى عثملللللللللان فلللللللللإن ملللللللللدة‬
‫أبي بكر كانت قصيرة فلم تكللثر فيهللا الفتللوح‬
‫التي هللي مللن أعظللم السللباب فللي الختلف‬
‫ومع ذلك فساس عمر فيها – مع طول مللدته –‬
‫الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعا ً‬
‫في خلفة عثمان فانتشرت القوال واختلفللت‬
‫الراء‪ ،‬ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعيللة‬
‫الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضللى‬
‫المر إلى قتله واستخلف علي فما ازداد المر‬
‫‪ ()361‬فيض القدير للمناوي )‪.(2/56‬‬
‫‪ ()362‬مسلم )‪.(4/1859،1860‬‬
‫إل اختلفًا‪ ،‬والفتللن إل انتشللارا ً)‪ ،(363‬فالحللديث‬
‫فيه إشارة واضحة إلى أحقية خلفللة الفللاروق‬
‫رضي الله عنه)‪.(364‬‬
‫‪ -5‬عن أبي بكر أن النبي ‪ ‬قللال ذات يللوم‪ :‬مللن‬
‫رأى منكم رؤيللا؟ فقللال رجللل‪ :‬أنللا رأيللت كللأن‬
‫ميزانا ً نزل من السماء فللوزنت أنللت وأبللو بكللر‬
‫فرجحت أنت بأبي بكللر‪ ،‬ووزن عمللر وأبللو بكللر‬
‫فرجح أبو بكر‪ ،‬ووزن عمر وعثمان فرجح عمر‪،‬‬
‫ثللم رفللع الميللزان فرأينللا الكراهيللة فللي وجلله‬
‫رسول الله ‪.(365)‬‬
‫في هذا الحديث إشارة إلى ترتيب الثلثللة فللي‬
‫الفضل‪ ،‬فأفضلهم أبو بكر ثم عمر‪ ،‬ثم عثمللان‬
‫رضللي الللله عنهللم أجمعيللن كمللا أن الحللديث‬
‫تضمن الشارة إلى أحقيللة خلفللة عمللر رضللي‬
‫الله عنه وأنه يلي الخلفة بعللد الصللديق رضللي‬
‫الله عنه وقوله في الحللديث‪ :‬فرأينللا الكراهيللة‬
‫في وجه رسول الله ‪ ‬وذلك لما علللم ‪ ‬مللن‬
‫أن تأويل رفلع الميللزان انحطلاط رتبللة المللور‬
‫وظهور الفتن بعد خلفة عمر)‪.(366‬‬
‫‪ -6‬عن ابن عباس رضي الللله عنهمللا كللان يحللدث‬
‫أن رجل ً أتى رسول الله ‪ ‬فقللال‪ :‬إنللي رأيللت‬
‫الليلللة فللي المنللام ظللللة تنطللف)‪ (367‬السللمن‬

‫فتح الباري )‪.(7/46‬‬ ‫‪()363‬‬
‫عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام )‪.(2/637‬‬ ‫‪()364‬‬
‫سنن أبي داود )‪ ،(2/512‬سنن الترمذي )‪.(4/540‬‬ ‫‪()365‬‬
‫عون المعبود شرح سنن أبي داود )‪.(13/387‬‬ ‫‪()366‬‬
‫تنطف‪ :‬أي تقطر‪ :‬النهاية في غريب الحديث )‪.(5/75‬‬ ‫‪()367‬‬
‫والعسللل‪ ،‬فللأرى النللاس يتكففللون)‪ (368‬منهللا‪:‬‬
‫فالمستكثر والمسلتقل وإذا سلبب واصلل ملن‬
‫الرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت‪ ،‬ثم‬
‫أخذ به رجل آخر فعل به‪ ،‬ثم أخذ به رجللل آخللر‬
‫فانقطع ثم وصل‪ .‬فقللال أبللو بكللر‪ :‬يللا رسللول‬
‫الله بأبي أنت والللله لتللدعني فأعبرهللا‪ ،‬فقللال‬
‫النبي ‪ :‬اعبرها قللال‪ :‬أمللا الظلللة فالسلللم‪،‬‬
‫وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن‬
‫حلوتللله تنطلللف فالمسلللتكثر ملللن القلللرآن‬
‫والمستقل‪ ،‬وأما السبب الواصللل مللن السللماء‬
‫إلللى الرض فللالحق الللذي أنللت عليلله تأخللذ بلله‬
‫فيعليك ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخللذ‬
‫به رجل فينقطع به‪ ،‬ثم يوصللل للله فيعلللو بلله‪،‬‬
‫فأخبرني يا رسللول الللله بللأبي أنللت أصللبت أم‬
‫أخطللأت! قللال رسللول الللله ‪ ‬أصللبت بعضللا ً‬
‫وأخطلللللللأت بعضلللللللًا‪ .‬قلللللللال‪ :‬فلللللللوالله‬
‫يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت‪ .‬قللال‪ :‬ل‬
‫تقسم)‪ .(369‬تضللمن هللذا الحللديث الشللارة إلللى‬
‫أحقية خلفة عمر رضي الله عنه ووجه ذلك أن‬
‫قوله في الحديث‪ :‬ثم أخللذ بلله رجللل آخللر فعل‬
‫به‪ .‬هو أبو بكر رضي الله عنه وقوله ثاني لًا‪ :‬ثللم‬
‫أخذ به رجل آخللر فللانقطع إشللارة إلللى خلفللة‬
‫الفاروق رضي الله عنه)‪.(370‬‬

‫‪ ()368‬يتكففون‪ :‬يأخذون منها بأكفهم‪ ،‬النهاية في غريب الحديث‬
‫)‪.(4/190‬‬
‫‪ ()369‬مسلم )‪.(4/1777،1778‬‬
‫‪ ()370‬عقيدة أهل السنة والجماعة )‪.(2/638‬‬
‫‪ -7‬عللن أنللس رضللي الللله عنلله قللال‪ :‬بعثنللي بنللو‬
‫المصطلق إلى رسول الله ‪ ‬فقالوا‪ :‬سل لنللا‬
‫رسول الله ‪ ‬إلللى مللن نللدفع صللدقاتنا بعللدك‬
‫قللال‪ :‬فللأتيته فسللألته فقللال‪ :‬إلللى أبللي بكللر‪.‬‬
‫فأتيتهم فأخبرتهم فقللالوا‪ :‬ارجللع إليلله فسللله‬
‫فإن حدث بأبي بكللر حللدث فللإلى مللن؟ فللأتيته‬
‫)‪(371‬‬
‫فسألته فقال‪ :‬إلى عمر‪ ،‬فأتيته فللأخبرتهم‬
‫…‬
‫اشتمل هذا الحديث على الشللارة إلللى أحقيللة‬
‫خلفللة عمللر رضللي الللله عنلله وأنلله يلللي أمللر‬
‫المسلللمين بعللد وفللاة الصللديق رضللي الللله‬
‫عنه)‪.(372‬‬
‫‪ -8‬ومما دل على أحقية خلفتلله رضللي الللله عنلله‬
‫اجتمللاع الصللحابة علللى أنهللم ل يقللدمون إل‬
‫أفضلهم وأخيرهللم مللع قللول أبللي بكللر وعلللي‬
‫رضللللي الللللله عنهمللللا فيلللله‪ ،‬فأمللللا قللللول‬
‫أبي بكر رضي الله عنه فيه فهو قللوله‪ :‬اللهللم‬
‫أمرت عليهم خيللر أهلللك)‪ ،(373‬وأمللا قللول علللي‬
‫رضي الله عنه فهو ما رواه البخاري عن محمد‬
‫بللللن الحنفيللللة وهللللو ابللللن علللللي بللللن‬
‫أبي طالب قال‪ :‬قلت لبي أي الناس خير بعللد‬
‫رسول الله‪ :‬قال أبو بكر قلت‪ :‬ثم مللن؟ قللال‪:‬‬
‫ثم عمر وخشيت أن يقول‪ :‬عثمللان‪ .‬قلللت‪ :‬ثللم‬
‫أنت؟ قال‪ :‬ما أنا إل رجللل مللن المسلللمين)‪،(374‬‬
‫‪ ()371‬المستدرك )‪ (3/77‬هذا حديث صحيح السناد ووافقه‬
‫الذهبي‪.‬‬
‫‪ ()372‬عقيدة أهل السنة والجماعة )‪.(2/639‬‬
‫‪ ()373‬الطبقات الكبرى )‪.(3/274‬‬
‫‪ ()374‬البخاري‪ ،‬ك الصحابة‪ ،‬رقم ‪.3671‬‬
‫فهللذه الحللاديث الللتي ذكرتهللا فيهللا الدللللة‬
‫الواضحة على أحقية عمر رضي الله عنه)‪.(375‬‬
‫قال السللفاريتي رحملله الللله‪ :‬أعلللم أن خلفللة‬
‫سيدنا عمر بن الخطاب أميللر المللؤمنين رضللي‬
‫الله عنه مرتبة ولزمة لحقيللة خلفللة الصللديق‬
‫العظللم أبللي بكللر رضللي الللله عنلله وقللد قللام‬
‫الجماع وإشارات الكتاب والسنة علللى أحقيللة‬
‫خلفته فما ثبت للصل الذي هللو الصللديق مللن‬
‫أحقية الخلفة يثبت لفرعه الذي هللو عمللر بللن‬
‫الخطاب فيها فل مطمع لحد من فرق الضلل‬
‫في الطعن والنللزاع فللي أحقيللة الخلفللة وقللد‬
‫علم أهل العلم علما ً باتا ً ضللروريا ً أن الصللحابة‬
‫الكللرام أجمعللوا علللى توليللة الصللديق الخلفللة‬
‫ومن شذ ل يقدح في ذلك من غير مرية)‪.(376‬‬
‫ثالثًا‪ :‬انعقاد الجماع على خلفته رضي الله عنه‪:‬‬
‫وقد نقل إجماع الصحابة رضي الللله عنهللم ومللن‬
‫بعدهم على خلفة عمللر طائفللة مللن أهللل العلللم‬
‫الذي يعتمد عليهم في النقل منهم‪:‬‬
‫‪ -1‬روى أبللو بكللر أحمللد بللن الحسللين الللبيهقي‬
‫بإسناده إلى عبللد الللله بللن عبللاس رضللي الللله‬
‫عنهمللا قللال‪ :‬دخلللت علللى عمللر حيللن طعللن‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬أبشر بالجنة يا أمير المللؤمنين أسلللمت‬
‫حين كفر الناس‪ ،‬وجاهدت مللع رسللول الللله ‪‬‬
‫حين خذله الناس‪ ،‬وقبض رسول الللله ‪ ‬وهللو‬
‫عنللك راض ولللم يختلللف فللي خلفتللك اثنللان‪،‬‬
‫‪ ()375‬عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام )‪.(2/640‬‬
‫‪ ()376‬لوامع النوار البهية )‪.(2/326‬‬
‫وقتلت شهيدا ً فقال‪ :‬أعللد علللي فأعللدت عليلله‬
‫فقال‪ :‬والله الللذي ل إللله غيللره لللو أن لللي مللا‬
‫على الرض من صفراء وبيضاء لفتديت به من‬
‫هول المطلع)‪.(377‬‬
‫‪ -2‬وقال أبو نعيم الصبهاني مبينا ً الجمللاع علللى‬
‫خلفللة الفللاروق رضللي الللله عنلله‪ :‬لمللا علللم‬
‫الصديق رضي الله عنه من فضللل عمللر رضللي‬
‫الله عنه ونصيحته وقوته علللى مللا يقلللده ومللا‬
‫كان يعينه عليه من أيامه من المعونة التامة لم‬
‫يكن يسعه في ذات الللله ونصلليحته لعبللاد الللله‬
‫تعالى أن يعدل هذا المر عنه إلى غيللره‪ ،‬ولمللا‬
‫كان يعلم مللن أمللر شللأن الصللحابة رضللي الللله‬
‫عنهم أنهم يعرفون منلله مللا عرفلله ول يشللكل‬
‫عليهم شيء من أمره فوض إليهم ذلك فرضي‬
‫المسلمون ذلللك وسلللموه‪ ،‬ولللو خللالطهم فللي‬
‫أمره ارتيللاب أو شللبهة لنكللروه‪ ،‬ولللم يتللابعوه‬
‫كاتباعهم أبا بكر رضي الله عنهم فيمللا فللرض‬
‫الله عليه الجتماع وأن إمللامته وخلفتلله ثبتللت‬
‫علللى الللوجه الللذي ثبللت للصللديق‪ ،‬وإنمللا كللان‬
‫الدليل لهم على الفضل والكمل فتبعوه على‬
‫ذلك مستسلمين له راضين به)‪.(378‬‬
‫‪ -3‬وقال أبو عثمان الصابوني بعد ذكره خلفة‬
‫الصديق باختيار الصحابة وإجماعهم عليه قال‪:‬‬
‫ثم خلفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬
‫باستخلف أبي بكر رضي الله عنه إياه واتفاق‬

‫‪ ()377‬العتقاد للبيهقي ص ‪. 188‬‬
‫‪ ()378‬كتاب المامة والرد على الرافضة ص ‪. 274‬‬
‫الصحابة عليه بعده وإنجاز الله‬
‫سبحانه بمكانه في إعلء السلم وإعظام‬
‫شأنه وعده)‪.(379‬‬

‫‪ ()379‬عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل‬
‫المنبرية )‪.(1/129‬‬
‫‪ -4‬وقللال النللووي فللي معللرض ذكللره لجمللاع‬
‫الصحابة على تنفيذ عهد الصديق بالخلفة‬
‫لعمر حيث قال‪ :‬أجمعوا على اختيلار أبلي بكلر‬
‫وعلى تنفيذ عهده إلى عمر)‪.(380‬‬
‫‪ -5‬وقال ابن تيمية‪ :‬وأما عمر فلإن أبلا بكلر عهلد‬
‫إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار‬
‫إمامللا ً لمللا حصلللت للله القللدرة والسلللطان‬
‫بمبايعتهم)‪.(381‬‬
‫‪ -6‬وقال شللارح الطحاويللة‪ :‬وتثبتللت الخلفللة بعللد‬
‫أبي بكر رضي الله عنه لعمللر رضللي الللله عنلله‬
‫وذلك بتفويض أبي بكر الخلفللة إليلله‪ ،‬واتفللاق‬
‫المة بعده عليه)‪.(382‬‬
‫ومن هذه النقول الللتي تقللدم ذكرهللا تللبين أن‬
‫خلفة عمر رضي الله عنه تمت بإجماع أصحاب‬
‫رسول الله ‪ ‬حيث تلقوا عهد أبي بكللر رضللي‬
‫الله عنه بالخلفة لعمر بالقبول والتسليم ولللم‬
‫يعللارض فللي ذلللك أحللد وكللذا أجمعللت الفرقللة‬
‫الناجية أهل السللنة والجماعللة علللى مللا أجمللع‬
‫عليه أصحاب رسول الله ولم يخللالفهم إل مللن‬
‫ل يعتللد بخلفلله ممللن ابتلللي ببعللض أصللحاب‬
‫رسول الله ‪ ‬كالشلليعة الرافضللة ومللن جللرى‬
‫فللي ركللابهم ممللن فتللن بهللم فللإن اعللترض‬
‫معترض على إجماع الصحابة المتقدم ذكره بما‬
‫رواه ابن سللعد وغيللره مللن أن بعللض الصللحابة‬
‫‪ ()380‬شرح النووي على صحيح مسلم )‪.(12/206‬‬
‫‪ ()381‬منهاج السنة )‪.(1/142‬‬
‫‪ ()382‬شرح الطحاوية ص ‪. 539‬‬
‫سمعوا بدخول عبد الرحمن بن عللوف وعثمللان‬
‫على أبي بكر فقللال للله قللائل منهللم‪ :‬مللا أنللت‬
‫قائل لربك إذا سألك عن استخلف عمر علينا؟‬
‫وقد ترى غلظتلله؟ فقللال أبللو بكللر‪ :‬أجلسللوني‬
‫أبللالله تخللوفني؟ خللاب مللن تللزود مللن أمركللم‬
‫بظلللم‪ ،‬أقللول‪ :‬اللهللم اسللتخلفت عليهللم خيللر‬
‫أهلك أبلللغ عنللي مللا قلللت لللك مللن وراءك)‪،(383‬‬
‫والجواب عن هذا النكللار الصللادر إن صللح مللن‬
‫هذا القائل ليس عن جهالة لتفضيل عمللر بعللد‬
‫أبي بكر واستحقاقه للخلفة‪ ،‬وإنما كان خوفللا ً‬
‫من خشلونته وغلظتله ل اتهاملا ً لله فلي قلوته‬
‫وأمانته)‪.(384‬‬
‫رابعًا‪ :‬خطبة الفاروق لما تولى الخلفة‪:‬‬
‫اختلف اللرواة فلي أول خطبلة خطبهلا الفلاروق‬
‫عمر‪ ،‬فقال بعضهم‪ ،‬إنه صعد المنبر فقال‪ :‬اللهم‬
‫إني شديد فلي ّن ّللي‪ ،‬وإنللي ضللعيف فقللوني‪ ،‬وإنللي‬
‫خني)‪ ،(385‬وروي إن أول خطبللة كللانت‬ ‫بخيللل فسلل ّ‬
‫قللوله‪ :‬إن الللله ابتلكللم بللي وابتلنللي بكللم بعللد‬
‫ي‪ ،‬فللوالله ل يحضللرني شلليء مللن أمركللم‬ ‫صللاحب ّ‬
‫فيليه أحد دوني‪ ،‬ول يتغيب عنللي فللآلو فيلله عللن‬
‫أهل الجزء – يعني الكفاية – والمانللة‪ ،‬والللله لئن‬
‫ن بهم‪،‬‬‫أحسنوا لحسنن إليهم‪ ،‬ولئن أساءوا لنكل ّ‬
‫فقال من شهد خطبته ورواها عنه‪ :‬فوالله ما زاد‬
‫على ذللك حلتى فلارق اللدنيا)‪ ،(386‬وروي أنله لملا‬
‫م أن يجلللس مكللان‬ ‫ولي الخلفة صعد المنللبر وه ل ّ‬
‫الطبقات لبن سعد )‪.(3/199‬‬ ‫‪()383‬‬
‫كتاب المامة والرد على الرافضة ص ‪. 276‬‬ ‫‪()384‬‬
‫مناقب أمير المؤمنين لبن الجوزي ص ‪. 170،171‬‬ ‫‪()385‬‬
‫الطبقات )‪.(3/275‬‬ ‫‪()386‬‬
‫أبي بكر فقال‪ :‬ما كان الللله ليرانللي أرى نفسللي‬
‫أهل ً لمجلس أبي بكر‪ .‬فنلزل مرقلاة‪ ،‬فحملد اللله‬
‫وأثنى عليه ثم قال‪ :‬اقرؤوا القللرآن تعرفللوا بلله‪،‬‬
‫واعملوا به تكونوا من أهله‪ ،‬وزنوا أنفسللكم قبللل‬
‫أن توزنوا‪ ،‬وتزّينوا للعرض الكللبر يللوم تعرضللون‬
‫على الله ل تخفى منكم خافية‪ ،‬إنه لم يبلللغ حللق‬
‫ذي حق أن يطاع في معصية الله أل وإني أنزلللت‬
‫نفسللي مللن مللال الللله بمنزلللة ولللي اليللتيم؛ إن‬
‫اسلللللتغنيت عففلللللت‪ ،‬وإن افتقلللللرت أكللللللت‬
‫بالمعروف)‪.(387‬‬
‫ويمكن الجمع بين هذه الروايللات إذا افترضللنا أن‬
‫عمللر ألقللى خطبتلله أمللام جمللع مللن الحاضللرين‬
‫فحفظ بعضللهم منهللا جللزءا ً فللرواه‪ ،‬وحفللظ آخللر‬
‫جزءا ً غيره فذكره‪ ،‬وليللس مللن الغريللب أن يمللزج‬
‫الفاروق في أول خطبة له بين البيان السياسي‪،‬‬
‫والداري والعظة الدينية‪ ،‬فذلك نهج هؤلء الئمة‬
‫الوليللن الللذين لللم يللروا فارقلا ً بيللن تقللوى الللله‬
‫والمر بها وسياسة البشر تبعا ً لمنهجه وشريعته‪،‬‬
‫كما أنلله ليللس غريب لا ً علللى عمللر أن يراعللي حللق‬
‫سلفه العظيم أبي بكر فل يجلس في موضع كان‬
‫يجلللس فيلله فيسللاويه بللذلك فللي أعيللن النللاس‪،‬‬
‫فراجع عمر نفسه رضي الله عنه ونزل درجة عن‬
‫مكان الصللديق رضللي الللله عنلله)‪ ،(388‬وفللي روايللة‬
‫أخرى أنه بعد يومين من استخلفه تحدث النللاس‬
‫فيما كانوا يخللافون مللن شللدته‪ ،‬وبطشلله‪ ،‬وأدرك‬
‫‪ ()387‬كنز العمال رقم ‪ 44214‬نقل ً عن الدولة السلمية د‪ .‬حمدي‬
‫شاهين ص ‪. 120‬‬
‫‪ ()388‬الدولة السلمية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ .‬حمدي‬
‫شاهين ص ‪. 120‬‬
‫عمللر أنلله لبللد مللن تجليلله المللر بنفسلله‪ ،‬فصللعد‬
‫المنبر وخطبهم فذكر بعض شأنهم مللع النللبي ‪‬‬
‫وخليفته‪ ،‬وكيف أنهما توفيا وهمللا عنلله راضلليان‪،‬‬
‫ثم قال‪ … :‬ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس‪،‬‬
‫فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت‪ ،‬ولكنهللا إنمللا‬
‫تكون على أهل الظلم والتعدي ولسللت أدع أحللدا ً‬
‫ده علللى‬ ‫يظلم أحدا ً أو يتعدى عليه حللتى أضللع خ ل ّ‬
‫الرض‪ ،‬وأضع قدمي على الخد الخر حتى يللذعن‬
‫للحق‪ .‬وإنللي بعللد شللدتي تلللك أضللع خللدي لهللل‬
‫ي أيهللا النللاس‬ ‫العفاف وأهل الكفللاف‪ ،‬ولكللم علل ّ‬
‫خصال أذكرها لكم فخذوني بها؛ لكللم علللي أن ل‬
‫أجتللبي شلليئا ً مللن خراجكللم‪ ،‬ول ممللا أفللاء الللله‬
‫ي إذا وقع في يدي‬ ‫عليكم إل في وجهه‪ ،‬ولكم عل ّ‬
‫ي أن أزيللد‬ ‫أل يخرج مني إل في حقلله‪ ،‬ولكللم عل ل ّ‬
‫د‬
‫سل ّ‬‫عطايللاكم وأرزاقكللم إن شللاء الللله تعللالى وأ ُ‬
‫ي أل ألقيكللم فللي المهالللك ول‬ ‫ثغوركم‪ ،‬ولكم عل ّ‬
‫مركم)‪ (389‬في ثغوركم‪ ،‬وإذا غبتم فللي البعللوث‬ ‫أج ّ‬
‫فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهللم‪ ،‬فللاتقوا الللله‬
‫عباد الله‪ ،‬وأعينوني على أنفسللكم بكفهللا عنللي‪،‬‬
‫وأعينوني على نفسي بالمر بالمعروف والنهللي‬
‫عن المنكر وإحضاري النصليحة فيملا ولنلي اللله‬
‫من أمركم‪ ،‬أقول قولي هللذا وأسللتغفر الللله لللي‬
‫ولكم)‪ ،(390‬وجاء في رواية‪ :‬إنما مثل العللرب مثللل‬
‫أنف اتبع قائده‪ ،‬فلينظر قائده حيللث يقللوده‪ ،‬أمللا‬
‫أنا فورب الكعبة لحملنهم على الطريق)‪.(391‬‬

‫‪ ()389‬أجمركم أي ل أبقيكم على جبهات القتال بعيدا ً عن أهليكم‬
‫مدة طويلة‪.‬‬
‫‪ ()390‬الدارة العسكرية في عهد الفاروق ص ‪. 106‬‬
‫وفي هذه الروايات لخطبة عمر رضللي الللله عنلله‬
‫لما ولي الخلفة يتضح منهجه في الحكم الذي‬
‫لم يجد عنه‪ ،‬وأبرز ملمحه‪:‬‬
‫‪ -1‬أنه ينظر إلى الخلفة على أنها ابتلء ابتلي به‬
‫سيحاسلللب عللللى أداء حقللله؛ فلللالحكم عنلللد‬
‫الراشدين تكليف وواجب وابتلء‪ ،‬وليللس جاه لا ً‬
‫وشرفا ً واستعلء‪.‬‬
‫‪ -2‬وهذا الستخلف يتطلب منله أن يباشلر حملل‬
‫أعباء الدولة فيما حضره من أمرها‪ ،‬وأن يللولي‬
‫على الرعيللة الللتي غللابت عنلله أفضللل المللراء‬
‫وأكفأهم‪ ،‬غير أن ذلك – فيما يرى عمر – ليس‬
‫كافيا ً لبراء ذمته أمام الله تعالى؛ بل يللرى أن‬
‫مراقبة هؤلء العمللال والللولة فللرض ل فكللاك‬
‫منلله‪ ،‬فمللن أحسللن منهللم زاده إحسللانًا‪ ،‬ومللن‬
‫أساء عاقبه ونك ّللل بلله)‪ ،(392‬وسلليأتي بيللان ذلللك‬
‫بإذن الله عللن حللديثنا مؤسسللة الللولة‪ ،‬وفقلله‬
‫الفاروق في تطويرها‪.‬‬
‫‪ -3‬إن شللدة عمللر الللتي هابهللا النللاس سيخلصللها‬
‫لهم لينا ً ورحمة‪ ،‬وسينصب لهم ميزان العللدل‪،‬‬
‫فمن ظلم وتعدى فلن يجد إل التنكيل والهوان‬
‫)) ولسللت أدع أحللدا ً يظلللم أحللد ويتعللدى عليلله‬
‫حتى أضع خللده علللى الرض… (( أمللا مللن آثللر‬
‫القصد والدين والعفاف فسيجد من الرحمة ما‬

‫‪ ()391‬السياسة الشرعية‪ .‬د‪ .‬إسماعيل بدوي ص ‪ 160‬نقل ً عن‬
‫الطبري‪.‬‬
‫‪ ()392‬الدولة السلمية في عصر الخلفاء الراشدين ص ‪. 121‬‬
‫ل مزيللد عليلله؛ أضللع خللدي لهللل العفللاف)‪،(393‬‬
‫وسيّتضح عدل عمر رضي الله عنه فللي رعيتلله‬
‫من خلل المواقف واهتمامه بمؤسسة القضاء‬
‫وتطويرها بحيث سيطر العدل على كل وليات‬
‫الدولة‪.‬‬
‫‪ -4‬وتكفل الخليفة بالدفاع عن المة ودينهللا وأن‬
‫يسد الثغور ويدفع الخطر‪ ،‬غير أن ذلك لن يتم‬
‫بظلم المقاتلين‪ ،‬فلن يحبسهم في الثغور إلى‬
‫حللد ل يطيقللونه‪ ،‬وإن غللابوا فللي الجيللوش‬
‫فسلليرعى الخليفللة وجهللازه الداري أبنللاءهم‬
‫وأسللرهم)‪ ،(394‬ولقللد قللام الفللاروق بتطللوير‬
‫المؤسسة العسللكرية وأصللبحت قللوة ضللاربة ل‬
‫مثيل لها على مستوى العالم في عصره‪.‬‬
‫‪ -5‬وتعهد الخليفة بللأداء الحقللوق الماليللة للرعيللة‬
‫كاملة … من خراج وفيء‪ ،‬ل يحتجن منه شلليئا ً‬
‫ول يضعه في غير محله‪ ،‬بل سلليزيد عطايللاهم‬
‫وأرزاقهللم باسللتمرار الجهللاد والغللزو والحللض‬
‫على العمل وضللبط الداء المللالي للدولللة)‪، (395‬‬
‫وقد قللام بتطللوير المؤسسللة الماليللة‪ ،‬وضللبط‬
‫مصادر بيت المال وأوجه النفاق في الدولة‪.‬‬
‫‪ -6‬وفي مقابل ذلك يطالب الرعية بللأداء واجبهللا‬
‫مللن النصللح لخليفتهللا والسللمع والطاعللة للله‬
‫والمللر بللالمعروف والنهللي عللن المنكللر ممللا‬
‫يشيع الرقابة السلمية في المجتمع‪.‬‬
‫‪ ()393‬نفس المصدر ص ‪ ، 121‬محض الصواب )‪.(1/385‬‬
‫‪ ()394‬نفس المصدر )‪.(121‬‬
‫‪ ()395‬الدولة السلمية في عصر الخلفاء الراشدين ص ‪.122‬‬
‫‪ -7‬ونبه إلى أنه ل يعين على ذلك إل بتقوى الللله‬
‫ومحاسبة النفس واستشللعار المسللؤولية فللي‬
‫الخرة)‪.(396‬‬
‫‪ -8‬علق الشيخ عبد الوهاب النجار على قول عمر‬
‫رضي الله عنه‪ :‬إنما مثللل العللرب كمثللل جمللل‬
‫آنف بقوله‪:‬الجمل النللف‪ :‬هللو الجمللل الللذلول‬
‫المللواتي الللذي يللأنف مللن الزجللر والضللرب‬
‫ويعطي ما عنده من السير عفللوا ً سللهل ً وهللذا‬
‫تشخيص حسن للمللة السلللمية لعهللده فإنهللا‬
‫كانت سامعة مطواعة إذا أمللرت ائتمللرت‪ ،‬وإذا‬
‫نهيت انتهللت‪ .‬ويتبللع ذلللك المسللؤولية الكللبرى‬
‫علللى قائدهللا فللإنه يجللب عليلله أن يرتللاد لهللا‬
‫ويصدر في شأنه بعقل‪ ،‬ويورد بتمييللز حللتى ل‬
‫يورطها فلي خطلر‪ ،‬ول يقحمهلا فلي مهلكلة‪،‬‬
‫ول يعمل شأنها إهمال ً يكون من ورائه البطللر‪.‬‬
‫وقللد أراد بللالطريق‪ :‬الطريللق القللوم الللذي ل‬
‫عوج فيه‪ .‬وقد بّر بما أقسم به)‪.(397‬‬
‫‪ -9‬سللنة الللله فللي الفظاظللة والغلظللة والرفللق‪:‬‬
‫مضت سنة الله في أحوال النلاس واجتملاعهم‬
‫وفي إقبالهم على الشخص واجتمللاعهم عليلله‬
‫وقبولهم منه وسماعهم قوله وأنسهم بلله‪ ،‬أن‬
‫ينفضوا عن الفظ الغليظ القلب حتى ولو كان‬
‫ناصللحا ً مريللدا ً للخيللر لهللم حريصللا ً علللى مللا‬
‫ينفعهم)‪ (398‬وقد دل على هذا قول الله تعالى‪:‬‬
‫غِلي ل َ‬
‫ظ‬ ‫فظّللا َ‬ ‫ول َل ْ‬
‫و ك ُن ْل َ‬
‫ت َ‬ ‫م َ‬ ‫ت لَ ُ‬
‫هل ْ‬ ‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ل ِن ْ َ‬ ‫م ْ‬
‫ة ِ‬
‫م ٍ‬
‫ح َ‬
‫ما َر ْ‬ ‫َ‬
‫فب ِ َ‬
‫‪ ()396‬نفس المصدر ص ‪.122‬‬
‫‪ ()397‬الخلفاء الراشدون ص ‪.123‬‬
‫م‬ ‫فْر ل َ ُ‬
‫ه ْ‬ ‫غ ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫ع ُ‬
‫فا ْ‬ ‫ول ِ َ‬
‫ك َ‬ ‫ح ْ‬
‫ن َ‬ ‫م ْ‬
‫ضوا ِ‬‫ف ّ‬‫ب ل َن ْ َ‬‫قل ْ ِ‬‫ال ْ َ‬
‫ر … ‪) ‬آل عملللران‪ ،‬آيلللة‪.(159:‬‬ ‫ملل ِ‬ ‫فللي ال ْ‬‫م ِ‬‫ه ْ‬ ‫وْر ُ‬
‫شللا ِ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫ولذلك كان دعاء الفللاروق لمللا تللولى الخلفللة‪:‬‬
‫اللهم إني شديدٌ فليني‪ ،‬وقد استجاب الله هذا‬
‫الدعاء‪ ،‬وامتلت نفس عمر بللالعطف والرحمللة‬
‫والليللن وأصللبحت مللن صللفاته بعللد تللوليته‬
‫الخلفة‪ ،‬فقللد عللرف النللاس عمللر فللي عهللدي‬
‫الرسول وأبي بكر شللديدا ً حازم لًا‪ ،‬وصللوره لنللا‬
‫التاريخ على أنه الشخص الوحيد الذي مثل منذ‬
‫دخل السلم حللتى تللولى الخلفللة دور الشللدة‬
‫والقوة بجانب الرسللول ‪ ‬وبجللانب أبللي بكللر‪،‬‬
‫ل إليلله المللر انقلللب رخللاء ويسلليرا ً‬ ‫حللتى آ َ‬
‫ورحمة)‪.(399‬‬

‫‪ -10‬كللانت البيعللة العامللة فللي سلليرة الخلفللاء‬
‫الراشدين مقيللدة بأهللل المدينللة دون غيرهللم‪.‬‬
‫وربما حضرها وعقدها العراب والقبائل الللتي‬
‫كانت محيطة بالمدينة‪ ،‬أو نازلة فيها‪ ،‬أما بقيللة‬
‫المصللار‪ ،‬فكللانت تبع لا ً لمللا يتقللرر فللي مدينللة‬
‫الرسول‪ ،‬وهذا ل يطعن بالبيعة‪ ،‬ول يقللل ملن‬
‫شرعيتها‪ ،‬لن جمع المسلمين من كل القطار‬
‫ل‪ ،‬ول بد للدولة من‬ ‫والمصار كان أمرا ً مستحي ً‬
‫قائم بها‪ ،‬ول يمكن أن تعطللل مصللالح الخلللق‪،‬‬
‫أضف إلى ذلك أن المصللار الخللرى قللد أيللدت‬
‫في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان مللا جلرى فلي‬
‫المدينة‪ ،‬تأييللدا ً صللريحا ً أو ضللمينًا‪ ،‬ول شللك أن‬

‫‪ ()398‬السنن اللهية في المم والجماعات والفراد‪ ،‬زيدان ص‬
‫‪.282‬‬
‫‪ ()399‬الدارة السلمية في عهد عمر بن الخطاب ص ‪.107‬‬
‫السللاليب الللتي لجللأ إليهللا النللاس فللي صللدر‬
‫السلم كانت تجارب تصللب فلي حقللل تطللوير‬
‫الدولة ومؤسساتها)‪. (400‬‬
‫‪ -11‬المرأة والبيعة‪ :‬لم أجد أثناء البحث إشارة إلى‬
‫أن المرأة قد بايعت في زمن أبللي بكللر وعمللر‬
‫وفي عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ولم تشللر كتللب‬
‫السياسة الشرعية القديمة إلى حللق المللرأة أو‬
‫واجبها في البيعة – على حد علمللي القاصللر –‬
‫والظاهر أن البيعللة قللد اقتصللرت فللي معظللم‬
‫عصللور التاريللخ السلللمي علللى الرجللال دون‬
‫النسللاء‪ ،‬فل الرجللال دعوهللا إليهللا‪ ،‬ول هللي‬
‫طالبت بهللا‪ ،‬واعتللبر تغيللب المللرأة عللن البيعللة‬
‫أمللرا ً طبيعيللًا‪ ،‬إلللى درجللة أن علمللاء الحقللوق‬
‫الدسللتورية السلللمية لللم يشلليروا إليهللا فللي‬
‫قليل ول كللثير غيللر أن هللذا الواقللع التللاريخي‬
‫والفقهي ل يغير من حقيقللة الحكللم الشللرعي‬
‫شلليئًا‪ ،‬فليللس فللي القللرآن الكريللم‪ ،‬ول فللي‬
‫السللنة النبويللة‪ ،‬وهمللا المصللدران الرئيسلليان‬
‫للشريعة‪ ،‬ما يمنع المرأة من أن تشارك الرجل‬
‫في البيعة)‪.(401‬‬
‫‪ -12‬رد سبايا العللرب‪ :‬كلان أول قلرار اتخلذه عمللر‬
‫في دولته رد سبايا أهل الردة إلللى عشللائرهم‬
‫حيث قال‪ :‬كرهت أن يكللون السللبي سللنة فللي‬
‫العرب)‪ ، (402‬وهذه الخطوة الجريئة ساهمت في‬
‫شعور العللرب جميع لا ً أنهللم أمللام شللريعة الللله‬
‫‪ ()400‬نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي ص ‪.260‬‬
‫‪ ()401‬نفس المصدر )‪.(1/277‬‬

‫‪ ()402‬الخلفة والخلفاء الراشدون ص ‪.160‬‬
‫سللواء‪ ،‬وأنلله ل فضللل لقبيلللة علللى قبيلللة إل‬
‫بحسن بلئها وما تقدمه مللن خللدمات للسلللم‬
‫والمسلمين‪ ،‬وتلت تلك الخطلوة خطلوة أخلرى‬
‫هللي السللماح لمللن ظهللرت تللوبتهم مللن أهللل‬
‫الللردة بالشللتراك فللي الحللروب ضللد أعللداء‬
‫السلم‪ ،‬وقد أثبتوا شجاعة في الحرب وصللبرا ً‬
‫عند اللقاء‪ ،‬ووفاءً للدولة ل يعدله وفاء)‪. (403‬‬
‫‪ -13‬تجذر منصب الخلفة فللي قلللب المللة وأصللبح‬
‫رمزا ً للوحدة ولقوة المسلمين‪ ،‬ويللرى البللاحث‬
‫القدرة الفائقة الللتي كللان يتمتللع بلله الصللحابة‬
‫الكرام‪ ،‬ومدى الصالة في أعمللالهم بحيللث أن‬
‫ما أقاموه في سويعات قليلللة مللن نفللس يللوم‬
‫وفاة الرسول ‪ ‬احتاج هدمه إلى ربع قرن في‬
‫المخطللط البريطللاني‪ ،‬رغللم أن البريطللانيين‬
‫أنفسهم كانوا يطلقون على الخلفة فلي تللك‬
‫الفترة الرجل العجوز‪ ،‬فللأي شللموخ هللذا لتلللك‬
‫الخلفة‪ ،‬وأي رسوخ لها حيث تحتللاج لهللدمها ‪-‬‬
‫وبعد أن أصبحت شكل ً ل موضللوع ‍ا ً ‪ -‬ربللع قللرن‬
‫كاملللل‪ ،‬وبعلللد حيلللاة اسلللتمرت قرونلللا ً ملللن‬
‫الزمن)‪.(404‬‬
‫‪ -14‬الفرق بين الملك والخليفة‪ :‬قال عمللر رضللي‬
‫الله عنه‪ :‬والله ما أدري أخليفللة أم ملللك‪ ،‬فللإن‬
‫كنت ملكا ً فهذا أمر عظيم‪ ،‬فقال له قللائل‪ :‬إن‬
‫بينهما فرقا‪ ،‬إن الخليفللة ل يأخللذ إل حق لًا‪ ،‬ول‬

‫‪ ()403‬جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين د‪ .‬محمد السيد‬
‫الوكيل ص ‪.89‬‬
‫‪ ()404‬الحضارة السلمية د‪ .‬محمد عادل ص ‪.30‬‬
‫يضللعه إل فللي حللق‪ ،‬وأنللت بحمللد الللله كللذلك‪،‬‬
‫والملللك يعسللف النللاس‪ ،‬فيأخللذ مللن هللذا أو‬
‫يعطي هذا‪ ،‬فسكت عمر)‪ ، (405‬وفللي روايللة‪ :‬أن‬
‫عمللر سللأل سلللمان الفارسللي‪ :‬أملللك أنللا أم‬
‫خليفللة؟ فقللال سلللمان‪ :‬إن أنللت جللبيت مللن‬
‫الرض درهما ً أو أقل أو أكثر‪ ،‬ثللم وضللعته فللي‬
‫غير موضعه فأنت ملك غيللر خليفللة‪ ،‬فاسللتعبر‬
‫عمر)‪. (406‬‬
‫خامسًا‪ :‬الشورى‪:‬‬
‫إن مللن قواعللد الدولللة السلللمية حتميللة تشللاور‬
‫قللادة الدولللة وحكامهللا مللع المسلللمين والنللزول‬
‫علللى رضللاهم ورأيهللم‪ ،‬وإمضللاء نظللام الحكللم‬
‫ت‬ ‫ن الل ّل ِ‬
‫ه ل ِن ْل َ‬ ‫مل ْ‬
‫ة ِ‬
‫مل ٍ‬
‫ح َ‬
‫مللا َر ْ‬ ‫بالشورى قال تعالى‪َ  :‬‬
‫فب ِ َ‬
‫ول ِل َ‬
‫ك‬ ‫ح ْ‬
‫ن َ‬ ‫مل ْ‬ ‫ضللوا ِ‬ ‫ف ّ‬ ‫ب ل َن ْ َ‬ ‫قل ْل ِ‬ ‫ظ ال ْ َ‬
‫غِلي ل َ‬ ‫فظّللا َ‬ ‫ت َ‬ ‫و ك ُن ْل َ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ذا‬ ‫ر َ‬
‫ف لإ ِ َ‬ ‫مل ِ‬‫فللي ال ْ‬ ‫م ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫وْر ُ‬‫شللا ِ‬ ‫و َ‬ ‫م َ‬‫هل ْ‬ ‫فْر ل َ ُ‬ ‫غ ِ‬
‫ست َ ْ‬ ‫وا ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫عن ْ ُ‬
‫ف َ‬ ‫ع ُ‬ ‫فا ْ‬ ‫َ‬
‫ن)‪(159‬‬ ‫وك ِّلي َ‬‫مت َل َ‬ ‫ْ‬
‫ب ال ُ‬ ‫حل ّ‬ ‫ه يُ ِ‬ ‫ّ‬
‫ن اللل َ‬ ‫ه إِ ّ‬ ‫ّ‬
‫على الل ِ‬ ‫َ‬ ‫ل َ‬ ‫وك ّ ْ‬‫فت َ َ‬ ‫ت َ‬ ‫م َ‬‫عَز ْ‬ ‫َ‬
‫‪‬‬
‫)آل عمران‪ ،‬آية‪.(159:‬‬
‫موا‬ ‫وأ َ َ‬
‫قللا ُ‬ ‫م َ‬
‫هلل ْ‬
‫جاُبوا ل َِرب ّ ِ‬
‫سللت َ َ‬
‫نا ْ‬ ‫واّللل ِ‬
‫ذي َ‬ ‫وقللال تعللالى‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ن)‬ ‫ف ُ‬
‫قللو َ‬ ‫م ي ُن ْ ِ‬
‫ه ْ‬ ‫مللا َرَز ْ‬
‫قن َللا ُ‬ ‫م ّ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬ ‫م ُ‬
‫شوَرى ب َي ْن َ ُ‬ ‫ه ْ‬
‫مُر ُ‬ ‫صل َةَ َ‬
‫وأ ْ‬ ‫ال ّ‬
‫‪)  (38‬الشورى‪ ،‬آية‪ .(28:‬لقد قرنت الية الكريمللة‬
‫الشورى بين المسلمين بإقامة الصلة‪ ،‬فدل ذلك‬
‫علللى أن حكللم الشللورى كحكللم الصلللة‪ ،‬وحكللم‬
‫الصلللة واجبللة شللرعًا‪ ،‬فكللذلك الشللورى واجبللة‬
‫شرعا ً)‪ ،(407‬وقد اعتمد عمر رضلي اللله عنله مبلدأ‬
‫الشللورى فللي دولتلله‪ ،‬فكللان رضللي الللله عنلله ل‬
‫‪ ()405‬الشيخان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب من رواية‬
‫البلذري ص ‪.257‬‬
‫‪ ()406‬نفس المصدر ص ‪.256‬‬
‫‪ ()407‬النظام السياسي في السلم لبي فارس ص ‪.9‬‬
‫يستأثر بالمر دون المسلللمين ول يسللتبد عليهللم‬
‫في شأن من الشؤون العامة‪ ،‬فإذا نزل به أملر ل‬
‫يللبرمه حللتى يجمللع المسلللمين وينللاقش الللرأي‬
‫معهم فيه ويستشيرهم‪.‬‬
‫ومن مأثور قوله‪ :‬ل خير في أمللر أبللرم مللن غيللر‬
‫شورى)‪ ، (408‬وقوله الرأي الفرد كالخيط السللحيل‬
‫والرأيان كللالخيطين المللبرمين‪ ،‬والثلثللة مللرار ل‬
‫يكاد ينتقض)‪، (409‬وقوله‪ )) :‬شاور فللي أمللرك مللن‬
‫يخاف الله عز وجل(( )‪ ، (410‬وقوله‪ :‬الرجال ثلثللة‪:‬‬
‫رجللل تللرد عليلله المللور فيسللددها برأيلله‪ ،‬ورجللل‬
‫يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يللأمره أهللل‬
‫الرأي ورجل حائر بائر‪ ،‬ل يأتمر رشللدا ً ول يقطللع‬
‫مرشللدا ً)‪ ،(411‬وقللوله‪ :‬يحللق علللى المسلللمين أن‬
‫يكللون أمرهللم شللورى بينهللم وبيللن ذوي الللرأي‬
‫منهللم‪ ،‬فالنللاس تبللع لمللن قللام بهللذا المللر مللا‬
‫اجتمعوا عليه ورضوا به لللزم النللاس وكللانوا فيلله‬
‫تبعا ً لهم‪ ،‬ومن أقام بهذا المر تبع لولللى رأيهللم‬
‫ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة فللي حللرب‬
‫كانوا فيه تبعا ً لهللم)‪ ،(412‬وكللان يحللث قللادة حربلله‬
‫علللى الشللورى‪ ،‬فعنللدما بعللث أبللا عبيللد الثقفللي‬
‫لمحاربة الفرس بالعراق قللال للله‪ :‬أسللمع وأطللع‬
‫من أصحاب النبي ‪ ‬وأشركهم في المر وخاصة‬
‫من كان منهم من أهل بدر)‪ ،(413‬وكان يكتللب إلللى‬
‫‪ ()408‬الخلفاء الراشدون للنجار ص ‪.246‬‬
‫‪ ()409‬سراج الملوك للطرطوشي ص ‪.132‬‬
‫‪ ()410‬الدارة العسكرية في الدولة السلمية‪ ،‬سليمان آل كمال )‬
‫‪.(1/273‬‬
‫‪ ()411‬نفس المصدر )‪.(1/273‬‬
‫‪ ()412‬الطبري )‪ ،(3/481‬نقل ً عن الدارة العسكرية‪.‬‬
‫‪ ()413‬مروج الذهب )‪.(2/315‬‬
‫قادته بالعراق يأمرهم أن يشاوروا فللي أمللورهم‬
‫العسكرية عملرو بلن معلديكرب وطلحلة السلدي‬
‫ل‪ :‬استشيروا واسللتعينوا فللي حربكللم بطلحللة‬ ‫قائ ً‬
‫السللدي وعمللرو بللن معللديكرب ول تولهمللا مللن‬
‫المللر شلليئا ً فللإن كللل صللانع أعلللم بضللاعته)‪،(414‬‬
‫وكتب إلى سعد بن أبي وقاص‪ :‬وليكن عندك من‬
‫العللرب أول مللن أهللل الرض مللن تطمئن إلللى‬
‫نصحه وصدقه فإن الكللذوب ل ينفعللك خللبره وإن‬
‫صدقك في بعضه والغاش عين عليك وليس عين لا ً‬
‫لك)‪ ،(415‬ومما قاله عمر رضي الله عنه لعتبللة بللن‬
‫غزوان حين وجهه إلللى البصللرة‪ :‬قللد كتبللت إلللى‬
‫العلء الحضلللرمي)‪ ،(416‬أن يملللدك بعرفجلللة بلللن‬
‫هرشمة)‪ ،(417‬وهو ذو مجاهدة للعدو ومكايدته فإذا‬
‫قدم عليللك فاستشللره وقربلله)‪ ،(418‬وكللان مسلللك‬
‫ل‪ :‬فإنه كللان يستشللير‬ ‫الفاروق في الشورى جمي ً‬
‫العامة أول أمره فيسمع منهم‪ ،‬ثم يجمللع مشللايخ‬
‫أصللحاب رسللول الللله وأصللحاب الللرأي منهللم ثللم‬
‫يفضي إليهللم بللالمر ويسللألهم أن يخلصللوا فيلله‬
‫إلى رأي محمود‪ ،‬فما استقر عليه رأيهم أمضللاه‪:‬‬
‫وعمله هذا يشبه النظمللة الدسللتورية فللي كللثير‬
‫مللن الممالللك النظاميللة إذ يعللرض المللر علللى‬
‫مجلللس النللواب مثل ً ثللم بعللد أن يقللرر بالغلبيللة‬
‫يعللرض علللى مجلللس آخللر يسللمى فللي بعضللها‬
‫مجلس الشلليوخ وفللي بعضللها مجلللس اللللوردات‬

‫سير أعلم النبلء )‪.(1/317‬‬ ‫‪()414‬‬
‫نهاية الرب )‪.(6/169‬‬ ‫‪()415‬‬
‫الدارة العسكرية في الدولة السلمية )‪.(1/274‬‬ ‫‪()416‬‬
‫الصابة )‪.(2/491‬‬ ‫‪()417‬‬
‫الدارة العسكرية في الدولة السلمية )‪.(1/275‬‬ ‫‪()418‬‬
‫فإذا انتهى المجلس مللن تقريللره أمضللاه الملللك‪.‬‬
‫والفرق بين عمل عمللر وعمللل هللذه الممالللك أن‬
‫هنا المر كان اجتهادا ً منلله وبغيللر نظللام متبللع أو‬
‫قوانين مسنونة)‪ ،(419‬وكثيرا ً مللا كللان عمللر يجتهللد‬
‫فللي الشلليء ويبللدي رأيلله فيلله ثللم يللأتي أضللعف‬
‫النللاس فيللبين للله وجلله الصللواب وقللوة الللدليل‬
‫فيقبله ويرجع عن خطللأ مللا رأى إلللى صللواب مللا‬
‫استبان له)‪ ،(420‬وقللد توسللع نطللاق الشللورى فللي‬
‫خلفة عمللر رضللي الللله عنلله لكللثرة المسللتجدات‬
‫والحللداث وامتللداد رقعللة السلللم إلللى بلد ذات‬
‫حضارات وتقاليد ونظم متباينة فولدت مشللكلت‬
‫جديدة احتاجت إلى الجتهاد الواسع مثل معاملللة‬
‫الرض المفتوحللة وتنظيللم العطللاء وفللق قواعللد‬
‫جديدة لتدفع أموال الفتللوح علللى الدولللة‪ ،‬فكللان‬
‫عمللر يجمللع للشللورى أكللبر عللدد مللن الصللحابة‬
‫الكبار)‪ ،(421‬وكان لشياخ بدر لهم مكانتهم الخاصة‬
‫في الشورى لفضلهم وعلمهم وسللابقتهم إل أن‬
‫عمر رضي الله عنه أخذ يشوبهم بشللباب‪ ،‬فللإنهم‬
‫علللى دربهللم ماضللون لجلهللم ورحمللة ربهللم‬
‫ومغفرته والدولللة لبللد لهللا مللن تجديللد رجالتهللا‬
‫وكللان عمللر العبقللري الفللذ قللد فطللن إلللى هللذه‬
‫الحقيقة فأخذ يختار مللن شللباب المللة مللن علللم‬
‫منهم علما ً وورعا ً وتقى فكان عبد الله بن عباس‬
‫من أولهم‪ ،‬وما زال عمر يجتهد متخيرا ً من شباب‬
‫المة مستشارين للله متخللذا ً القللرآن فيص لل ً فللي‬
‫التخير حتى قال عبد الله بن عباس‪ :‬وكان القراء‬
‫‪ ()419‬الخلفاء الراشدون للنجار ص ‪. 246‬‬
‫‪ ()420‬نفس المصدر ص ‪. 247‬‬
‫‪ ()421‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 90‬‬
‫أصحاب مجلس عمللر ومشللاورته كهللول ً كللانوا أو‬
‫شبانا ً)‪ ،(422‬وقد قللال الزهللري لغلمللان أحللداث‪ :‬ل‬
‫تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم فللإن عمللر بللن‬
‫الخطاب رضي الللله عنلله كللان إذا نللزل بلله المللر‬
‫المعضل دعللا الفتيللان فاستشللارهم يبتغللي حللدة‬
‫عقولهم)‪ .(423‬وقللال محمللد بللن سلليرين‪ :‬إن كللان‬
‫عمر رضي الله عنه ليستشير في الملر حللتى إن‬
‫كللان ليستشللير المللرأة فربمللا أبصللر فللي قولهللا‬
‫الشيء يستحسنه فيأخذه وقد ثبللت أنلله استشللار‬
‫مرة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها)‪ (424‬وقللد‬
‫كان لعمر رضي الله عنه خاصة من علية الصحابة‬
‫وذوي الللرأي‪ ،‬منهللم العبللاس بللن عبللد المطلللب‬
‫وابنه عبد الله‪ ،‬وكان ل يكللاد يفللارقه فللي سللفر‬
‫ول حضر وعثمللان بللن عفللان وعبللد الرحمللن بللن‬
‫عوف وعلي بن أبي طالب)‪ ،(425‬ومعللاذ بللن جبللل‪،‬‬
‫وأبللي بللن كعللب وزيللد بللن ثللابت)‪ ،(426‬ونظرائهللم‬
‫فكان يستشيرهم ويرجللع إلللى رأيهللم)‪ ،(427‬وكللان‬
‫المستشارون يبدون آراءهم بحرية تامة وصللراحة‬
‫كاملة‪ ،‬ولم يتهم عمر رضي الله عنه أحللدا ً منهللم‬
‫في عدالته وأمانته‪ ،‬وكللان عمللر رضللي الللله عنلله‬
‫يستشير في المور التي ل نص فيهللا مللن كتللاب‬
‫وسللنة وهللو يهللدف إلللى معرفللة إن كللان بعللض‬
‫الصحابة يحفظ فيها نصا ً مللن السللنة‪ ،‬فقللد كللان‬
‫‪ ()422‬نفس المصدر ص ‪. 147‬‬
‫‪ ()423‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.90‬‬
‫‪ ()424‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.90‬‬
‫‪ ()425‬السنن الكبرى للبيقي )‪ (9/29‬نقل ً عن عصر الخلفة‬
‫الراشدة ص ‪.90‬‬
‫‪ ()426‬الخلفاء الراشدون للنجار ص ‪.247‬‬
‫‪ ()427‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.90‬‬
‫بعض الصحابة يحفظ منها ما ل يحفظه الخرون‪،‬‬
‫وكذلك كان يستشير في فهم النصوص المحتملة‬
‫لكللثر مللن معنللى لمعرفللة المعللاني والوجلله‬
‫المختلفللة‪ ،‬وفللي هللذين المريللن قللد يكتفللي‬
‫باستشللارة الواحللد أو العللدد القليللل‪ ،‬وأمللا فللي‬
‫النوازل العامة فيجمع الصحابة‪ ،‬ويوسللع النطللاق‬
‫ما استطاع كما فعل عند وقوع الطللاعون بللأرض‬
‫الشام متوجها ً إليها)‪ ،(428‬وبلغ عمر خللبره فوافللاه‬
‫المراء بسرغ موضع قرب الشام وكان مللع عمللر‬
‫المهلللاجرون والنصلللار‪ ،‬فجمعهلللم مستشللليرًا‪،‬‬
‫أيمضي لوجهه‪ ،‬أم يرجع؟ فللاختلفوا عليلله‪ :‬فمللن‬
‫قائل‪ :‬خرجللت لللوجه الللله فل يصللدنك عنلله هللذا‪.‬‬
‫ومللن قللائل‪ :‬إنلله بلء وفنللاء‪ ،‬فل نللرى أن تقللدم‬
‫عليه‪ .‬ثم أحضر مهاجرة الفتح مللن قريللش‪ ،‬فلللم‬
‫يختلفوا عليه‪ ،‬بل أشللاروا بللالعودة‪ ،‬فنللادى عمللر‬
‫في النللاس‪ :‬إنللي مصللبح علللى ظهللر)‪ .(429‬فقللال‬
‫أبو عبيدة‪ :‬أفرارا ً من قدر الله؟‪ .‬فقال‪ :‬نعم‪ ،‬نفر‬
‫من قدر الله إلللى قللدر‪ ،‬أرأيللت لللو كللان لللك إبللل‬
‫فهبطللت واديللا ً للله عللدواتان إحللداهما مخصللبة‬
‫والخرى جدبة‪ ،‬أليس إن رعيللت الخصللبة رعيتهللا‬
‫بقدر الله‪ ،‬وإن رعيت الجدبة رعيتها بقللدر الللله؟‬
‫فسللمع بهللم عبللد الرحمللن بللن عللوف‪ ،‬فجللاءهم‪،‬‬
‫وقال‪ :‬إن النبي ‪ ‬قال‪ :‬إذا سلمعتم بهلذا الوبلاء‬
‫ببلد فل تقدموا عليه‪ ،‬وإذا وقللع ببلللد وأنتللم فيلله‬
‫فل تخرجلللوا فلللرارا ً منللله)‪ ،(430‬وكلللانت مجلللالت‬
‫الشورى في عهد عمر متعددة منها فللي المجللال‬
‫‪ ()428‬عصر الخلفاء الراشدون ص ‪.91‬‬
‫‪ ()429‬الظهر‪ :‬الدابة التي تحمل الثقال ويركب عليها‪.‬‬
‫‪ ()430‬مسلم‪ ،‬ك السلم )‪ (4/1740‬رقم ‪.2219‬‬
‫الداري والسياسللي كاختيللار العمللال والمللراء‪،‬‬
‫والمور العسكرية‪ ،‬ومنها في المسائل الشللرعية‬
‫المحضة‪ ،‬كالكشف في الحكم الشرعي من حيللث‬
‫الحل والحرمة والمسائل القضللائية)‪ (431‬وستتضللح‬
‫مجالت الشورى وتطبيقاتهلا وبحلث عملر رضلي‬
‫الله عنه عن الدليل القوى من خلل هذا البحللث‬
‫كل في موضعه بإذن الله تعالى‪ ،‬والذي نحللب أن‬
‫نؤكد عليه أن الخلفة الراشدة كانت قائمة علللى‬
‫مبدأ الشللورى المسللتمدة مللن كتللاب الللله وسللنة‬
‫رسوله ‪ ‬ولم تكن في عهد عمر فلتة استنبطها‬
‫ول بدعة أتى بها ولكنها قاعدة من قواعد المنهج‬
‫الرباني‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬العدل والمساواة‪:‬‬
‫إن مللن أهللداف الحكللم السلللمي الحللرص علللى‬
‫إقامة قواعد النظام السلمي التي تسللاهم فللي‬
‫إقامة المجتمع المسلم ومللن أهلم هللذه القواعللد‬
‫العدل والمساواة‪ ،‬ففللي خطللاب الفللاروق للمللة‬
‫أقر هذه المبادئ‪ ،‬فعدالته ومسللاواته تظهللر فللي‬
‫نص خطللابه الللذي ألقللاه علللى المللة يللوم تللوليه‬
‫منصللب الخلفللة؛ ول شللك أن العللدل فللي فكللر‬
‫الفللاروق هللو عللدل السلللم الللذي هللو الدعامللة‬
‫الرئيسية في إقامة المجتمللع السلللمي والحكللم‬
‫السلمي فل وجود للسلم فللي مجتمللع يسللوده‬
‫الظلم ول يعرف العدل‪.‬‬
‫ً‬
‫إن إقامللة العللدل بيللن النللاس أفللرادا وجماعللات‬
‫ودول ً ليسللت مللن المللور التطوعيللة الللتي تللترك‬
‫‪ ()431‬القيود الواردة على سلطة الدولة في السلم ص ‪،167‬‬
‫‪.168‬‬
‫لمللزاج الحللاكم أو الميللر وهللواه‪ ،‬بللل إن إقامللة‬
‫العدل بين الناس في الللدين السلللمي تعللد مللن‬
‫أقدس الواجبات وأهمها‪ ،‬وقد اجتمعت المة على‬
‫وجللوب العللدل)‪ ،(432‬قللال الفخلر اللرازي أجمعلوا‬
‫علللى أن مللن كللان حاكمللا وجللب عليلله أن يحكللم‬
‫بالعدل)‪. (433‬‬
‫وهللذا الحكللم تؤيللده النصللوص القرآنيللة والسللنة‬
‫ن مللن أهللداف دولللة السلللم إقامللة‬ ‫النبويللة فللإ ّ‬
‫المجتمع السلمي الذي تسللود فيلله قيللم العللدل‬
‫والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بكافللة أشللكاله‬
‫وأنواعه‪ ،‬وعليها أن تفسح المجال وتيسر السللبل‬
‫أمام كل إنسان يطلب حقه أن يصل إليلله بأيسللر‬
‫السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهدا ً أو مال ً‬
‫وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل التي من‬
‫شأنها أن تعيق صاحب الحللق مللن الوصللول إليلله‪،‬‬
‫وهللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللذا‬
‫ما فعله الفاروق فلي دولتله‪ ،‬فقلد فتلح البلواب‬
‫علللى مصللاريعها لوصللول الرعيللة إلللى حقوقهللا‪،‬‬
‫وتفقللد بنفسلله أحوالهللا‪ ،‬فمنعهللا مللن الظلللم‬
‫المتوقع عليها‪ ،‬وأقام العدل بين الولة والرعيللة‪،‬‬
‫في أبهى صورة عرفها التاريللخ فقللد كللان يعللدل‬
‫بيللن المتخاصللمين ويحكللم بللالحق ول يهملله أن‬
‫يكون المحكوم عليهم من القرباء أو العللداء‪ ،‬أو‬
‫َ‬
‫ن‬ ‫هللا اّللل ِ‬
‫ذي َ‬ ‫الغنياء أو الفقراء‪ ،‬قللال تعللالى‪َ  :‬ياأي ّ َ‬
‫من ّك ُل ْ‬
‫م‬ ‫ر َ‬ ‫ج ِ‬‫ول َ ي َ ْ‬
‫ط َ‬ ‫سل ِ‬ ‫ق ْ‬‫داءَ ِبال ْ ِ‬‫ه َ‬ ‫ه ُ‬
‫شل َ‬ ‫ن ل ِل ّل ِ‬
‫مي َ‬
‫وا ِ‬ ‫ق ّ‬‫كوُنوا َ‬‫مُنوا ُ‬‫آ َ‬
‫وى‬ ‫ب ِللت ّ ْ‬ ‫َ‬
‫وأ ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ن َ‬ ‫َ‬
‫قل َ‬ ‫قلَر ُ‬ ‫هل َ‬
‫دلوا ُ‬ ‫عل ِ‬
‫دلوا ا ْ‬ ‫عل ِ‬‫علللى أل ت َ ْ‬ ‫وم ٍ َ‬
‫قل ْ‬ ‫شَنآ ُ‬

‫‪ ()432‬فقه التمكين في القرآن الكريم للصلبي ص ‪.455‬‬
‫‪ ()433‬تفسير الرازي )‪.(141 /10‬‬
‫)المائدة‪ ،‬آية‪:‬‬ ‫مُلو َ‬
‫ن)‪ (8‬‬ ‫ع َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫خِبيٌر ب ِ َ‬ ‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬ ‫قوا الل ّ َ‬
‫ه إِ ّ‬ ‫وات ّ ُ‬
‫َ‬
‫‪.(8‬‬
‫لقد كان الفاروق قدوة فللي عللدله أسللر القلللوب‬
‫وبهر العقول‪ ،‬فالعللدل فللي نظللره دعللوة عمليللة‬
‫للسلم به تفتح قلوب الناس لليمان‪ ،‬وقد سللار‬
‫على ذات نهج الرسول ‪ ،‬فكانت سياسته تقوم‬
‫على العدل الشامل بيللن النللاس‪ ،‬وقللد نجللح فللي‬
‫ذلك على صعيد الواقع والتطللبيق نجاحلا ً منقطللع‬
‫النظير ل تكاد تصدقه العقول حتى اقترن اسللمه‬
‫بالعدل وبات من الصعب جدا ً على كل ملن علرف‬
‫شيئا ً يسيرا ً من سيرته أن يفصل ما بين الثنيللن‪،‬‬
‫وقد ساعده على تحقيق ذلك النجاح الكللبير عللدة‬
‫أسباب ومجموعة من العوامل منها‪:‬‬
‫‪ -1‬أن مدة خلفته كانت أطللول مللن مللدة خلفللة‬
‫أبي بكر بحيث تجاوزت عشر سنوات في حين‬
‫اقتصرت خلفة أبي بكللر علللى سللنتين وعللدة‬
‫شهور فقط‪.‬‬
‫‪ -2‬إنه كان شديد التمسك بللالحق حللتى إنلله كللان‬
‫على نفسه وأهله أشد منه علللى النللاس كمللا‬
‫سنرى‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -3‬أن فقلله القللدوم علللى الللله كللان قويلا عنللده‬
‫لدرجة أنه كان في كل عمل يقوم بلله يتللوخى‬
‫مرضاة الله قبل مرضاة الناس ويخشللى الللله‬
‫ول يخشى أحدا ً من الناس‪.‬‬
‫‪ -4‬أن سلللطان الشللرع كللان قويللا ً فللي نفللوس‬
‫الصحابة والتابعين بحيللث كللانت أعمللال عمللر‬
‫تلقى تأييدا ً وتجاوبا ً وتعاونا ً من الجميع)‪.(434‬‬
‫‪ ()434‬نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬حمد محمد الصمد‬
‫ص ‪.145‬‬
‫‪ -5‬وهللذه بعللض مللواقفه فللي إقللامته للعللدل‬
‫والقسط بين الناس فقد حكللم بللالحق لرجللل‬
‫يهودي على مسلم‪ ،‬ولم يحمله كفر اليهللودي‬
‫علللى ظلملله والحيللف عليلله‪ ،‬أخللرج المللام‬
‫مالك)‪ (435‬مللن طريللق سللعيد بللن المسلليب‪ :‬أن‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختصللم إليلله‬
‫مسلم ويهودي‪ ،‬فرأى عمر أن الحق لليهللودي‬
‫فقضللى للله‪ ،‬فقللال للله اليهللودي‪ :‬والللله لقللد‬
‫قضيت بالحق)‪ ، (436‬وكان رضي الله عنلله يللأمر‬
‫عمللاله أن يوافللوه بالمواسللم‪ ،‬فللإذا اجتمعللوا‬
‫قال‪ :‬أيها الناس إني لم أبعث عمللالي عليكللم‬
‫ليصيبوا من أبشاركم‪ ،‬ول مللن أمللوالكم‪ ،‬إنمللا‬
‫بعثتهللم ليحجللزوا بينكللم‪ ،‬وليقسللموا فيئكللم‬
‫بينكم‪ ،‬فمن فعل به غير ذلك فليقم‪ ،‬فما قام‬
‫أحللد إل رجللل واحللد قللام فقللال‪ :‬يللا أميللر‬
‫المؤمنين إن عاملك ضربني مائة سوط‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فيم ضربته؟ قم فاقتص منه‪ ،‬فقام عمرو بن‬
‫العاص فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين إنك إن فعلللت‬
‫هللذا يكللثر عليللك ويكللون سللنة يأخللذ بهللا مللن‬
‫بعدك‪ ،‬فقال‪ :‬أنلا ل أقيلد‪ ،‬وقلد رأيلت رسلول‬
‫الله يقيللد مللن نفسلله قللال‪ :‬فللدعنا فلنرضلله‪،‬‬
‫قال‪ :‬دونكللم فارضللوه‪ ،‬فاقتللدى منلله بمللائتي‬
‫دينار كل سوط بللدينارين)‪ (437‬ولللو لللم يرضللوه‬
‫لقاده)‪ (438‬رضي الله عنه‪.‬‬

‫الوسطية في القرآن الكريم للصلبي ص ‪.96‬‬ ‫‪()435‬‬
‫الموطأ‪ ،‬ك القضية‪ ،‬بان الترغيب في القضاء بالحق رقم ‪.2‬‬ ‫‪()436‬‬
‫الطبقات الكبرى لبن سعد )‪.(294 – 3/293‬‬ ‫‪()437‬‬
‫ص منه‪.‬‬
‫أقاده‪ :‬اقت ّ‬ ‫‪()438‬‬
‫وجاء رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بللن‬
‫ل‪:‬‬‫العلللللاص واليللللله عللللللى مصلللللر قلللللائ ً‬
‫يا أمير المؤمنين عللائذ بللك مللن الظلللم‪ ،‬قللال‬
‫عذت معاذا قال‪ :‬سابقت ابن عمرو بن العاص‬
‫فسبقته‪ ،‬فجعل يضربني بالسوط ويقول‪ :‬أنللا‬
‫ابن الكرمين‪ ،‬فكتب عمللر إلللى عمللرو رضللي‬
‫الله عنهما يأمره بالقدوم ويقللدم بللابنه معلله‪:‬‬
‫فقدم عمللر فقللال عمللر‪ :‬أيللن المصللري؟ خللذ‬
‫السللوط فاضللرب فجعللل يضللربه بالسللوط‬
‫ويقللول عمللر‪ :‬اضللرب ابللن الكرميللن؟ قللال‬
‫أنس‪ :‬فضرب‪ ،‬فوالله‪ ،‬لقد ضربه ونحللن نحللب‬
‫ضربه‪ ،‬فما رفع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه‪،‬‬
‫ثللم قللال عمللر للمصللري‪ :‬اصللنع علللى صلللعة‬
‫عمرو‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي‬
‫ضربني وقد اشتفيت منه‪ ،‬فقال عمر لعمرو‪:‬‬
‫مذ كم تعبللدتم النللاس وقللد ولللدتهم أمهللاتهم‬
‫أحرارًا؟ قال‪ :‬يا أمير المؤمنين لم أعلللم ولللم‬
‫يأتني)‪.(439‬‬
‫لقد قامت دولة الخلفاء الراشدين علللى مبللدأ‬
‫العدل وما أجمل ما قاله ابللن تيميللة‪ :‬إن الللله‬
‫ينصللر الدولللة العادلللة وإن كللانت كللافرة ول‬
‫ينصر الدولة الظالمللة ولللو كللانت مسلللمة‪… ،‬‬
‫بالعلللللدل تستصللللللح الرجلللللال وتسلللللتغزر‬
‫الموال)‪.(440‬‬
‫وأما مبدأ المساواة الذي اعتمده الفاروق في‬
‫دولته‪ ،‬فيعد أحد المبادئ العامللة الللتي أقرهللا‬
‫‪ ()439‬وسطية أهل السنة بين الفرق‪ ،‬محمد باكريم ص ‪.170‬‬
‫‪ ()440‬السياسة الشرعية ص ‪.10‬‬
‫خل َ ْ‬ ‫َ‬
‫م‬‫قن َللاك ُ ْ‬ ‫س إ ِن ّللا َ‬‫ها الّنا ُ‬ ‫السلم قال تعالى‪َ  :‬ياأي ّ َ‬
‫من ذَك َر ُ‬
‫ن‬
‫فوا إ ِ ّ‬ ‫عاَر ُ‬
‫ل ل ِت َ َ‬ ‫و َ‬
‫قَبائ ِ َ‬ ‫عوًبا َ‬ ‫ش ُ‬‫م ُ‬ ‫عل َْناك ُ ْ‬‫ج َ‬ ‫وأنَثى َ‬
‫و َ‬ ‫ٍ َ‬ ‫ِ ْ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫خِبيٌر)‪ (13‬‬ ‫م َ‬ ‫عِلي ٌ‬
‫ه َ‬‫ن الل ّ َ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫قاك ُ ْ‬ ‫ه أت ْ َ‬ ‫عن ْدَ الل ّ ِ‬‫م ِ‬‫مك ُ ْ‬
‫أك َْر َ‬
‫)الحجرات‪ ،‬آية‪.(13:‬‬
‫إن الناس جميعا ً في نظر السلللم سواسللية‪،‬‬
‫الحاكم والمحكللوم‪ ،‬الرجللال والنسللاء‪ ،‬العللرب‬
‫والعجم‪ ،‬البيض والسود‪ ،‬لقد ألغللى السلللم‬
‫الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللللون أو‬
‫النسللب أو الطبقللة‪ ،‬والحكللام والمحكومللون‬
‫كلهم في نظر الشرع‬
‫سللواء)‪ ،(441‬وجللاءت ممارسللة الفللاروق لهللذا‬
‫المبدأ خير شاهد وهذه بعللض المواقللف الللتي‬
‫جسدت مبدأ المساواة في دولته‪:‬‬
‫‪ -‬أصاب الناس في إمارة عمللر رضللي الللله عنلله‬
‫سللنة )جللدب( بالمدينللة ومللا حولهللا‪ ،‬فكللانت‬
‫تسقي إذا ريحللت)‪ (442‬تراب لا ً كالرمللاد‪ ،‬فسللمي‬
‫ذلك العام عام الرمادة‪ ،‬فآلى )حلف( عمللر أل‬
‫يذوق سمنا ً ول لبنا ً ول لحما ً حتى يحي الناس‬
‫عك ّللة مللن‬
‫مللن أول الحيللاء‪ ،‬فقللدمت السللوق ُ‬
‫سمن‪ ،‬ووطب من لبن‪ ،‬فاشتراهما غلم لعمر‬
‫بللأربعين‪ ،‬ثللم أتللى عمللر فقللال‪ :‬يللا أميللر‬
‫المؤمنين‪ ،‬قد أبر الله يمينللك‪ ،‬وعظللم أجللرك‪،‬‬
‫قدم السوق وطب من لبن‪ ،‬وعكة من سللمن‪،‬‬
‫فاتبعناهما بأربعين‪ ،‬فقال عمر‪ :‬أغليت بهمللا‪،‬‬
‫فتصللدق بهمللا‪ ،‬فللإني أكلره أن آكللل إسلرافًا‪،‬‬
‫وقال عمر‪ :‬كيف يعنيني شللأن الرعيللة إذا لللم‬

‫‪ ()441‬فقه التمكين في القرآن الكريم ص ‪.501‬‬
‫‪ ()442‬فقه التمكين في القرآن الكريم ص ‪.501‬‬
‫يمسللني مللا مسللهم)‪ ،(443‬هللذا موقللف أميللر‬
‫المللؤمنين عللام القحللط الللذي سللمي عللام‬
‫الرمادة‪ ،‬ولم يختلف موقفه عام الغلء‪ ،‬فقللد‪:‬‬
‫أصاب الناس سللنة غلء‪ ،‬فغل السللمن‪ ،‬فكللان‬
‫عمللر يأكللل الزيللت‪ ،‬فتقرقللر بطنلله‪ ،‬فيقللول‪:‬‬
‫قرقللللللر مللللللا شللللللئت‪ ،‬فللللللو الللللللله‬
‫ل تأكل السللمن حللتى يللأكله النللاس)‪ ،(444‬ولللم‬
‫يقتصر مبدأ المساواة في التطبيق عند خلفاء‬
‫الصدر الول علللى المعاملللة الواحللدة للنللاس‬
‫كافللة‪ ،‬وإنمللا تعللداه إلللى شللؤون المجتمللع‬
‫الخاصة‪ ،‬ومنها ما يتعلللق بالخللادم والمخللدوم‪،‬‬
‫فعللن ابللن عبللاس أنلله قللال‪ :‬قللدم عمللر بللن‬
‫الخطللاب حاجلًا‪ ،‬فصللنع للله صللفوان بللن أميللة‬
‫طعامًا‪ ،‬فجاؤوا بجفنه يحملها أربعة‪ ،‬فوضللعت‬
‫دام فقللال‬ ‫خل ّ‬
‫بين يدي القوم يللأكلون وقللام ال ُ‬
‫عمر‪ :‬أترغبونه عنهم؟ فقال سفيان بللن عبللد‬
‫الله‪ :‬ل والله يا أمير المؤمنين‪ ،‬ولكنللا نسللتأثر‬
‫عليهم‪ ،‬فغضب عمر غضبا ً شديدًا‪ ،‬ثم قال‪ :‬ما‬
‫لقوم يستأثرون على خدامهم‪ ،‬فعل الله بهللم‬
‫وفعل‪ ،‬ثم قال للخدام‪ :‬اجلسوا فكلوا‪ ،‬فقعللد‬
‫الخدام يأكلون‪ ،‬ولم يأكل أمير المللؤمنين)‪،(445‬‬
‫وكذلك فإن عمر رضي الله عنه لم يأكللل مللن‬
‫الطعام ما ل يتيسللر لجميللع المسلللمين‪ ،‬فقللد‬
‫كللان يصللوم الللدهر‪ ،‬فكللان زمللن الرمللادة إذا‬
‫أمسللى أتللى بخللبز قللد ث ُللرد بللالزيت‪ ،‬إلللى أن‬
‫‪ ()443‬تاريخ الطبري )‪ (98 /4‬نقل ً عن نظام الحكم في الشريعة‬
‫والتاريخ السلمي )‪.(87 /1‬‬
‫‪ ()444‬مناقب أمير المؤمنين لبن الجوزي ص ‪.101‬‬
‫‪ ()445‬مناقب أمير المؤمنين لبن الجوزي ص ‪.101‬‬
‫نحروا يوما ً مللن اليللام جللزورا ً)‪ ،(446‬فأطعمهللا‬
‫الناس وغرفوا له طيبها فأتي به‪ ،‬فللإذا قديللد‬
‫من سنام ومن كبد‪ ،‬فقال‪ :‬أنى هذا؟ فقللالوا‪:‬‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬مللن الجللزور الللتي نحرناهللا‬
‫اليوم‪ .‬فقال‪ :‬بخ بخ‪ ،‬بئس الوالي أنا إن أكلت‬
‫طيبها‪ ،‬وأطعمت الناس كرادسها‪ ،‬ارفللع هللذه‬
‫الجفنة‪ ،‬هللات غيللر هللذا الطعللام‪ ،‬فللأتي بخللبز‬
‫)‪(447‬‬
‫وزيت‪ ،‬فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخللبز‬
‫ولللم يكللن عمللر ليطبللق مبللدأ المسللاواة فللي‬
‫المدينة وحدها‪ ،‬من غير أن يعلمه لعماله فللي‬
‫القللللاليم‪ ،‬حللللتى فللللي مسللللائل الطعللللام‬
‫والشللراب)‪ (448‬فعنللدما قللدم عتبللة بللن فرقللد‬
‫أذربيجان أتى بالخبيص‪ ،‬فلما أكله وجللد شلليئا ً‬
‫حلللوا ً طيب لًا‪ ،‬فقللال‪ :‬والللله لللو صللنعت لميللر‬
‫المللؤمنين مللن هللذا‪ ،‬فجعللل للله سللفطين‬
‫عظيمين‪ ،‬ثم حملهما علللى بعيللر مللع رجليللن‪،‬‬
‫فسللّرح بهمللا إلللى عمللر‪ .‬فلمللا قللدما عليلله‬
‫فتحهما‪ ،‬فقال‪ :‬أي شيء هذا؟ قللالوا‪ :‬خللبيص‬
‫فللذاقه‪ ،‬فللإذا هللو شلليء حلللو‪ .‬فقللال‪ :‬أكللل‬
‫المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قللال‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬أما ل فارددهما‪ .‬ثم كتب إليه‪ :‬أمللا بعللد‪،‬‬
‫فإنه ليس من كد أبيك ول من كد أمك‪ .‬أشللبع‬
‫المسلمين مما تشبع منه في رحلك)‪.(449‬‬
‫ومن صلور تطللبيق المسللاواة بيللن النلاس ملا‬
‫قام به عمر عندما جاءه مللال فجعللل يقسللمه‬
‫نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي )‪.(87 /1‬‬ ‫‪()446‬‬
‫نفس المصدر )‪.(188 /1‬‬ ‫‪()447‬‬
‫نفس المصدر )‪.(188 /1‬‬ ‫‪()448‬‬
‫مناقب أمير المؤمنين لبن الجوزي ص ‪.147‬‬ ‫‪()449‬‬
‫بين الناس‪ ،‬فازدحموا عليه‪ ،‬فأقبللل سللعد بللن‬
‫أبي وقاص يزاحللم النللاس‪ ،‬حللتى خلللص إليلله‪،‬‬
‫درة وقلللال إنلللك أقبللللت ل تهلللاب‬ ‫فعله بالللل ّ‬
‫سلطان الله فللي الرض‪ ،‬فللأحببت أن أعلمللك‬
‫أن سلطان الله لن يهابك)‪ ،(450‬فإذا عرفنللا أن‬
‫سعدا ً كان أحد العشرة المبشرين بالجنة‪ ،‬وأنه‬
‫فاتلح العلراق‪ ،‬وملدائن كسلرى‪ ،‬وأحلد السلتة‬
‫الللذين عينهللم للشللورى‪ ،‬لن رسللول الللله ‪‬‬
‫ض عنهللم‪ ،‬وأنلله كللان يقللال للله‬‫مللات وهللو را ٍ‬
‫فللارس السلللم … عرفنللا مبلللغ الللتزام عمللر‬
‫بتطللللللللبيق المسللللللللاواة)‪ ،(451‬ويللللللللروي‬
‫ابن الجوزي أن عمللرو بللن العللاص‪ ،‬أقللام حللد‬
‫الخمر على عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب‪،‬‬
‫يوم كان عامله على مصر‪ .‬ومللن المللألوف أن‬
‫يقللام الحللد فللي السللاحة العامللة للمدينللة‪،‬‬
‫لتتحقللق مللن ذلللك العللبرة للجمهللور‪ ،‬غيللر أن‬
‫عمرو بن العاص أقام الحد على ابللن الخليفللة‬
‫في البيت‪ ،‬فلمللا بلللغ الخللبز عمللر‪ ،‬كتللب إلللى‬
‫عمرو ابللن العللاص‪ :‬مللن عبللد الللله عمللر أميللر‬
‫المؤمنين إلى العاصي بن العاص‪ :‬عجبللت لللك‬
‫ي‪ ،‬وخلف عهلدي‪.‬‬ ‫يا ابن العاص ولجرأتلك علل ّ‬
‫أما إني قد خالفت فيك أصحاب بدر ممن هللو‬
‫خيللر منللك‪ ،‬واخترتللك لجللدالك عنللي‪ ،‬وإنفللاذ‬
‫عهللدي‪ ،‬فللأراك تلللوثت بمللا قللد تلللوثت‪ ،‬فمللا‬
‫أراني إل عازلك فمسيء عزلللك‪ ،‬تضللرب عبللد‬
‫الرحمللن فللي بيتللك‪ ،‬وقللد عرفللت أن هللذا‬
‫يخالفني؟ إنما عبد الرحمن رجل من رعيتللك‪،‬‬
‫‪ ()450‬الخلفاء الراشدون ص ‪.243‬‬
‫‪ ()451‬نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي )‪.(88 /1‬‬
‫تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين‪ .‬ولكللن‬
‫قلت‪ :‬هو ولد أمير المؤمنين وقد عرفت أن ل‬
‫هوادة لحد من الناس عندي في حق يجب لله‬
‫عليه‪ ،‬فإذا جلاءك كتلابي هلذا فلابعث بله فلي‬
‫عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع)‪،(452‬‬
‫وقللد تللم إحضللاره إلللى المدينللة وضلربه الحللد‬
‫جهرًا‪ ،‬روى ذلللك ابللن سللعد وأشللار إليلله ابللن‬
‫الزبير‪ ،‬وأخرجه عبد الرزاق بسند صللحيح عللن‬
‫ابن عمللر مطللول ً)‪ ،(453‬وهكللذا نللرى المسللاواة‬
‫أمام الشريعة في أسللمي درجاتهللا‪ ،‬فللالمتهم‬
‫هو ابن أمير المؤمنين‪ ،‬ولم يعفه الللوالي مللن‬
‫العقللاب‪ ،‬ولكللن الفللاروق وجللد أن ابنلله تمتللع‬
‫ببعض الرعاية‪ ،‬فآلمه ذلك أشد اللم‪ ،‬وعللاقب‬
‫واليلله – وهللو فاتللح مصللر – أشللد العقللاب‬
‫وأقساه‪ .‬وأنزل بالبن ما يستحق من العقاب‪،‬‬
‫حرصا ً على حدود الله‪ ،‬ورغبة في تأديب ابنلله‬
‫وتقللويمه وإذا كللان هللذا منهجلله مللع أقللرب‬
‫النللاس عنللده فمللا بالللك بللالخرين؟)‪ (454‬ومللن‬
‫المثلللة التاريخيللة الهامللة الللتي يسللتدل بهللا‬
‫المؤلفللون علللى عللدم الهللوادة فللي تطللبيق‬
‫المساواة‪ ،‬ما صنعه عمر مع جبلللة بللن اليهللم‬
‫وهذه هي القصه‪ :‬كان جبلللة آخللر أمللراء بنللي‬
‫غسللان مللن قبللل هرقللل‪ ،‬وكللان الغساسللنة‬
‫يعيشون في الشام تحللت إمللرة دولللة الللروم‪،‬‬
‫وكللان الللروم يحرضللونهم دائمللا ً علللى غللزو‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬وخاصة بعللد نللزول السلللم‪.‬‬
‫‪ ()452‬مناقب أمير المؤمنين لبن الجوزي ص ‪.235‬‬
‫‪ ()453‬الخلفة الراشدة والدولة الموية‪ .‬يحيى اليحي‪ .‬ص ‪.345‬‬
‫‪ ()454‬فن الحكم في السلم د‪ .‬مصطفى أبو زيد ص ‪.475،476‬‬
‫ولما انتشللرت الفتوحللات السلللمية‪ ،‬وتللوالت‬
‫انتصللارات المسلللمين علللى الللروم‪ ،‬أخللذت‬
‫القبائل العربية فللي الشللام – تعلللن إسلللمها‬
‫بللدا للميللر الغسللاني أن يللدخل السلللم هللو‬
‫أيضًا‪ ،‬فأسلم وأسلللم ذووه معلله‪ .‬وكتللب إلللى‬
‫الفاروق يستأذنه فللي القللدوم إلللى المدينللة‪،‬‬
‫ففللرح عمللر بإسلللمه وقللدومه‪ ،‬فجللاء إلللى‬
‫المدينللة وأقللام بهازمنللا والفللاروق يرعللاه‬
‫ويرحب بلله‪ ،‬ثللم بللدا للله أن يخللرج إلللى الحللج‪،‬‬
‫وفي أثناء طوافه بالبيت الحللرام وطللئ إزاره‬
‫رجل مللن بنللي فللزارة فحللله‪ ،‬وغضللب الميللر‬
‫الغساني لذلك – وهو حللديث عهللد بالسلللم –‬
‫فلطللم لطمللة قاسللية هشللمت أنفلله‪ ،‬وأسللرع‬
‫الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ماحللل‬
‫به وأرسل الفاروق إلى جبلة يدعوه إليلله‪ ،‬ثللم‬
‫سللأله فللأقر بمللا حللدث فقللال للله عمللر‪ :‬مللاذا‬
‫دعاك يا جبلللة لن تظلللم أخللاك هللذا فتهشللم‬
‫أنفه؟‬
‫فأجاب بأنه قد ترفق كثيرا ً بهذا البدوي )وأنلله‬
‫لول حرمللة الللبيت الحللرام لخللذت الللذي فيلله‬
‫عيناه(‪.‬‬
‫فقال له عمر ‪ :‬لقد أقللررت‪ ،‬فأمللا أن ترضللي‬
‫الرجل وإما أن اقتص له منك‪.‬‬
‫وزادت دهشة جبلة بن اليهم لكللل هللذا الللذي‬
‫يجللري وقللال‪ :‬وكيللف ذلللك وهللو سللوقة وأنللا‬
‫ملك؟‬
‫فقال عمر‪ :‬إن السلم قد سوى بينكما‪.‬‬
‫فقال الميللر الغسللاني‪ :‬لقللد ظننللت يللا أميللر‬
‫المؤمنين أن أكون في السلم أعز مني فللي‬
‫الجاهلية‪.‬‬
‫فقللال الفللاروق‪ :‬دع عنللك هللذا فإنللك إن لللم‬
‫ض الرجل اقتصصت له منك‪.‬‬ ‫تر ِ‬
‫فقال جبلة‪ :‬إذا أتنصر‪.‬‬
‫فقال عمر‪ :‬إن تنصللرت ضللربت عنقللك‪ ،‬لنللك‬
‫أسلمت فإن ارتددت قتلتك)‪.(455‬‬
‫وهنا أدرك جبلة أن الجدال ل فائدة منلله‪ ،‬وأن‬
‫المراوغة مع الفاروق لن تجدي‪ ،‬فطلللب مللن‬
‫الفاروق أن يمهله ليفكر في المر‪ ،‬فللأذن للله‬
‫عمر بالنصراف‪ ،‬وفكر جبلة بن اليهم ووصل‬
‫إلى قرار‪ ،‬وكان غير موفق في قللراره‪ ،‬فقللد‬
‫آثر أن يغادر مكة هو وقومه فللي جنللح الظلم‬
‫وفلللر إللللى القسلللطنطينية‪ ،‬فوصلللل إليهلللا‬
‫متنصرًا‪ ،‬وندم بعد ذلك على هذا القللرار أشللد‬
‫النلدم‪ ،‬وصلاغ ذللك فلي شلعر جميلل ملا زال‬
‫التاريخ يردده ويرويه وفي هللذه القصللة نللرى‬
‫حللرص الفللاروق علللى مبللدأ المسللاواة أمللام‬
‫الشللرع‪ ،‬فالسلللم قللد سللوى بيللن الملللك‬
‫والسللوقة‪ ،‬ول بللد لهللذه المسللاواة أن تكللون‬
‫واقعا ً حيلا ً وليللس مجللرد كلمللات توضللع علللى‬
‫الورق أو شعار تردده اللسنة)‪.(456‬‬
‫لقد طبق عمر رضي الله عنه مبللدأ المسللاواة‬
‫الذي جللاءت بلله شللريعة رب العللالمين وجعللله‬
‫واقعا ً حيلا ً يعيلش ويتحلرك بيلن النلاس‪ ،‬فللم‬
‫‪ ()455‬ابن خلدون )‪ (2/281‬نقل ً عن نظام الحكم للقاسمي )‬
‫‪.(1/90‬‬
‫‪ ()456‬فن الحكم في السلم ص ‪. 477،478‬‬
‫ن أم‬ ‫يللتراجع أمللام عاطفللة البللوة‪ ،‬ولللم ينثلل ِ‬
‫ألقاب النبالة‪ ،‬ول تضيع أمام اختلف الدين أو‬
‫مجاملة الرجال الفاتحين‪ ،‬لقد كان ذلك المبدأ‬
‫العظيللم واقعللا ً حيللًا‪ ،‬شللعر بلله كللل حللاكم‬
‫)‪(457‬‬
‫ومحكوم‪ ،‬ووجده كل مقهور وكل مظلللوم‬
‫لقللد كللان لتطللبيق مبللدأ المسللاواة أثللره فللي‬
‫المجتمع الراشدي فقد أثر الشعور بهللا علللى‬
‫نفوس ذلك الجيل فنبذوا العصللبية التقليديللة‪،‬‬
‫مللن الدعللاء بالوليللة والزعامللة‪ ،‬والحقيللة‬
‫بالكرامة‪ ،‬وأزالت الفوارق الحسبية الجاهليللة‪،‬‬
‫ولللم يطمللع شللريف فللي وضلليع‪ ،‬ولللم ييللأس‬
‫ضللعيف مللن أخللذ حقلله‪ ،‬فالكللل سللواء فللي‬
‫الحقوق والواجبات‪ ،‬لقد كللان مبللدأ المسللاواة‬
‫في المجتمع الراشللدي نللورا ً جديللدا ً أضللاء بلله‬
‫السلم جنبات المجتمع السلمي وكان لهللذا‬
‫المبدأ الثر القوي في إنشائه)‪.(458‬‬
‫سابعًا‪ :‬الحريات‪:‬‬
‫مبللدأ الحريللة مللن المبللادئ الساسللية الللتي قللام‬
‫عليهللا الحكللم فللي عهللد الخلفللاء الراشللدين‪،‬‬
‫ويقضللى هللذا المبللدأ بتللأمين وكفالللة الحريللات‬
‫العاملللة للنلللاس كافلللة ضلللمن حلللدود الشلللريعة‬
‫السلمية وبما ل يتناقض معها‪ ،‬فقد كانت دعللوة‬
‫السلم لحرية الناس‪ ،‬جميع الناس دعوة واسللعة‬
‫وعريضللة قلمللا تشللتمل علللى مثلهللا دعللوة فللي‬
‫التاريللخ‪ ،‬وكللانت أول دعللوة أطلقهللا فللي هللذا‬

‫‪ ()457‬نفس المصدر ص ‪. 478‬‬
‫‪ ()458‬المجتمع السلمي دعائمه وآدابه د‪.‬محمد أبو عجوة ص‬
‫‪. 165‬‬
‫المجال هي دعوته الناس في العديد مللن اليللات‬
‫القرآنية لتوحيد الله والتللوجه للله بالعبللادة وحللده‬
‫دون سللائر الكائنللات والمخلوقللات‪ ،‬وفللي دعللوة‬
‫التوحيد هذه كل معاني الحرية والستقلل لبنللي‬
‫ن السلم عرف الحرية‬ ‫النسان‪ ،‬أضف إلى ذلك أ ّ‬
‫بكل معانيها ومدلولتها ومفاهيمها‪ ،‬فتارة تكللون‬
‫فعل ً إيجابيلللا ً كلللالمر بلللالمعروف والنهلللي علللن‬
‫المنكر‪ ،‬وتارة فعل ً سلبيا ً كالمتناع عن إكراه أحد‬
‫في الدخول في الدين‪ ،‬وفي أحيان كثيرة يختلط‬
‫معناهلللا بمعنلللى الرحملللة‪ ،‬والعلللدل والشلللورى‬
‫والمساواة لن كل مبدأ مللن هللذه المبللادئ الللتي‬
‫نللادى بهللا السلللم ل يسللتقيم أمللره ول يمكللن‬
‫تحقيقه إل بوجود الحرية‪ ،‬وقد أسهم مبدأ الحرية‬
‫مسللاهمة فعالللة إبللان حكللم الخلفللاء الراشللدين‬
‫خاصلللة بانتشلللار اللللدين السللللمي‪ ،‬وبتسلللهيل‬
‫فتوحللات المسلللمين واتسللاع رقعللة دولتهللم لن‬
‫السلم كرم النسان وكفل حريللاته علللى أوسللع‬
‫نطللاق ولن النظللم السياسللية الخللرى السللائدة‬
‫آنللذاك فللي دولللة الللروم والفللرس كللانت أنظمللة‬
‫اسللتبدادية وتسلللطية‪ ،‬وفئويللة قاسللى بسللببها‬
‫الرعايللا وبصللورة خاصللة المنللاوئون السياسلليون‬
‫والقليات الدينية أشد درجات الكبت والضللطهاد‬
‫والظلم‪ ،‬فعلى سبيل المثللال كللانت دولللة الللروم‬
‫تفللرض علللى الخللذين بالمللذهب اليعقللوبي ول‬
‫سلليما فللي مصللر والشللام أن يللدينوا بالمللذهب‬
‫الملكاني )دينها الرسمي( وكللم أخللذ المخللالفون‬
‫بالمشاعل توقد نيرانها ثم تسلط على أجسامهم‬
‫حتى يحترقوا ويسيل الدهن مللن جللوانبهم علللى‬
‫الرض‪ ،‬والجبابرة القسللاة يحملللونهم حمل ً علللى‬
‫اليمان بمللا أقللره مجمللع مقدونيللة أو يضللعونهم‬
‫في كيللس مملللوء بالرمللال ثللم يلقللون بهللم فللي‬
‫أعمللاق البحللار‪ .‬وكللذلك كللانت دولللة فللارس فللي‬
‫مختلف العصور تضطهد معتنقي الملل السماوية‬
‫ول سلليما المسلليحيين بعللد ازديللاد القتللال عنف لا ً‬
‫بينها وبين دولة الللروم‪ ،‬وأمللا فللي السلللم فللي‬
‫زمن رسول الله‪ ،‬وعصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬فقللد‬
‫كللانت الحريللات العامللة المعروفللة فللي أيامنللا‬
‫معلومة ومصانة تماما ً)‪ ،(459‬وإليك بعض التفصلليل‬
‫عن الحريات في زمن الفاروق رضي الله عنه‪:‬‬
‫‪ -1‬حرية العقيدة الدينية‪:‬‬
‫إن دين السلم لم يكره أحدا ً من النللاس علللى‬
‫اعتناقه‪ ،‬بل دعا إلى التفكر والتأمل في كللون‬
‫الله ومخلوقاته وفي هذا الدين وأمر اتباعه أن‬
‫يجادلوا الناس بالتي هي أحسن‪ ،‬قللال تعللالى‪:‬‬
‫ن ‪) ‬البقللرة‪،‬آيللة‪ .(256:‬وقال‬ ‫دي ِ‬ ‫فللي ال ل ّ‬ ‫‪ ‬ل َ إ ِك َْراهَ ِ‬
‫ظا‬‫في ً‬
‫ح ِ‬ ‫ك َ َ‬ ‫سل َْنا َ‬ ‫َ‬ ‫ضوا َ‬ ‫ن أَ ْ‬ ‫تعالى‪َ  :‬‬
‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫علي ْ ِ‬ ‫ما أْر َ‬ ‫ف َ‬ ‫عَر ُ‬ ‫فإ ِ ْ‬
‫غ ‪) ‬الشلللورى‪،‬آيلللة‪ .(48:‬وقللال‬ ‫ك إ ِل ّ ال ْب َل َ ُ‬
‫عل َي ْللل َ‬
‫ن َ‬
‫إِ ْ‬
‫عظَل ِ‬
‫ة‬ ‫و ِ‬ ‫وال ْ َ‬
‫م ْ‬ ‫ة َ‬ ‫مل ِ‬ ‫ك ِبال ْ ِ‬
‫حك ْ َ‬ ‫ل َرب ّل َ‬‫سِبي ِ‬ ‫ع إ َِلى َ‬ ‫تعالى‪  :‬ادْ ُ‬
‫م‬ ‫و أَ ْ‬
‫عل َ ل ُ‬ ‫هل َ‬ ‫ن َرب ّ َ‬
‫ك ُ‬ ‫ن إِ ّ‬ ‫س ُ‬‫ح َ‬
‫َ‬
‫يأ ْ‬ ‫ه َ‬‫م ِبال ِّتي ِ‬ ‫جاِدل ْ ُ‬
‫ه ْ‬ ‫و َ‬
‫ة َ‬‫سن َ ِ‬
‫ح َ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ن)‪ (125‬‬ ‫دي َ‬ ‫هت َ ِ‬ ‫م ِبال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫عل َ ُ‬ ‫و أَ ْ‬
‫ه َ‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫سِبيل ِ ِ‬‫ن َ‬ ‫ع ْ‬
‫ل َ‬ ‫ض ّ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫بِ َ‬
‫)النحل‪،‬آية‪.(125:‬‬
‫ب إ ِل ّ ِبللال ِّتي‬ ‫ل ال ْك َِتللا ِ‬ ‫ه َ‬ ‫جاِدُلوا أ َ ْ‬ ‫ول َ ت ُ َ‬ ‫وقال تعالى‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ذي‬ ‫من ّللا ِبال ّل ِ‬‫قوُلوا آ َ‬ ‫و ُ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫من ْ ُ‬
‫موا ِ‬ ‫ن ظَل َ ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن إ ِل ّ ال ّ ِ‬‫س ُ‬
‫ح َ‬ ‫يأ ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ِ‬
‫ه‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ز َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ز َ‬ ‫ُ‬
‫ن لل ُ‬‫حل ُ‬ ‫ون َ ْ‬
‫حد ٌ َ‬‫وا ِ‬‫م َ‬ ‫هك ْ‬ ‫وإ ِل ُ‬ ‫هَنا َ‬‫وإ ِل ُ‬ ‫م َ‬ ‫ل إ ِلي ْك ْ‬ ‫وأ ن ْ ِ‬
‫ل إ ِلي َْنا َ‬ ‫أن ْ ِ‬

‫‪ ()459‬نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬حمد الصمد ص‬
‫‪. 157،158‬‬
‫ن)‪)  (46‬العنكبللوت‪،‬آيللة‪ .(46:‬واليات في‬ ‫مو َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ذلللك كللثيرة ولللذلك نجللد الفللاروق فللي دولتلله‬
‫حرص على حماية الحرية الدينية ونلحللظ بللأن‬
‫عمر سار على هللدي النللبي والخليفللة الراشللد‬
‫أبي بكر في هذا الباب فقد‪ :‬أقّر أهللل الكتللاب‬
‫على دينهم؛ وأخذ منهللم الجزيللة وعقللد معهللم‬
‫المعاهللدات كمللا سلليأتي تفصلليله‪ ،‬وخططللت‬
‫معابدهم ولم تهدم وتركت علللى حالهللا وذلللك‬
‫م‬
‫ه ْ‬
‫ض ُ‬
‫ع َ‬
‫س بَ ْ‬ ‫ع الل ّ ِ‬
‫ه الّنا َ‬ ‫ف ُ‬ ‫ول َ ْ‬
‫ول َ دَ ْ‬ ‫لقول الله تعالى‪َ  :‬‬
‫جدُ ي ُلذْك َُر‬
‫سللا ِ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬ ‫ص لل َ َ‬
‫وا ٌ‬ ‫و َ‬
‫ع َ‬
‫وب ِي َل ٌ‬
‫ع َ‬
‫م ُ‬
‫وا ِ‬‫ص َ‬ ‫ت َ‬ ‫م ْ‬ ‫هد ّ َ‬‫ض لَ ُ‬
‫ع ٍ‬ ‫ب ِب َ ْ‬
‫را ‪) ‬الحج‪،‬آية‪.(40:‬‬ ‫م الل ّ ِ‬
‫ه ك َِثي ً‬ ‫س ُ‬ ‫ها ا ْ‬
‫في َ‬ ‫ِ‬
‫فحركة الفتوحات في عهد الفاروق التي قللام‬
‫بهللا الصللحابة تشللهد علللى احللترام السلللم‬
‫للديان الخللرى‪ ،‬وحللرص القيللادة العليللا علللى‬
‫عدم إكراه أحد في الدخول في السلم‪ ،‬حللتى‬
‫إن الفللاروق نفسلله جللاءته ذات يللوم امللرأة‬
‫نصرانية عجوز كانت لها حاجة عنده فقال لها‪:‬‬
‫أسلمي تسلمي؛ إن الللله بعللث محمللدا ً بللالحق‪،‬‬
‫ي أقللرب‪،‬‬ ‫فقالت‪ :‬أنا عجوز كبيرة‪ ،‬والمللوت إل ل ّ‬
‫فقضللى حاجتهللا‪ ،‬ولكنلله خشللي أن يكللون فللي‬
‫مسلكه هذا ما ينطوي علللى اسللتغلل حاجتهللا‬
‫لمحاولة إكراهها على السلم‪ ،‬فاستغفر الللله‬
‫ممللا فعللل وقللال‪ :‬اللهللم إنللي أرشللدت ولللم‬
‫أكللره)‪ ،(460‬وكللان لعمللر رضللي الللله عنلله عبللد‬
‫دث فقال‪ :‬كنللت عبللدا ً‬ ‫نصراني اسمه )أشق( ح ّ‬
‫نصرانيا ً لعمر‪ ،‬فقال أسلللم حللتى نسللتعين بللك‬

‫‪ ()460‬معاملة غير المسلمين في المجتمع السلمي إدوارغالي ص‬
‫‪.41‬‬
‫على بعض أمور المسلمين‪ ،‬لنلله ل ينبغللي لنللا‬
‫أن نسللتعين علللى أمللورهم بمللن ليللس منهللم‪،‬‬
‫فللأبيت فقللال‪) :‬ل إكللراه فللي الللدين(‪ .‬فلمللا‬
‫حضللرته الوفللاة أعتقنللي وقللال‪ :‬اذهللب حيللث‬
‫شللئت)‪ ،(461‬وقللد كللان أهللل الكتللاب يمارسللون‬
‫شعائر دينهم وطقوس عبادتهم فللي معابللدهم‬
‫وبيللوتهم‪ ،‬ولللم يمنعهللم أحللد مللن ذلللك لن‬
‫الشريعة السلللمية حفظللت لهللم حللق الحريللة‬
‫فللي العتقللاد‪ ،‬وقللد أورد الطللبري فللي العهللد‬
‫الذي كتبه عمللر بللن الخطللاب رضللي الللله عنلله‬
‫لهل إيليللا )القللدس( ونللص فيلله علللى إعطللاء‬
‫الملان لهلل إيليلاء علللى أنفسلهم وأمللوالهم‬
‫وصلللبانهم وكنائسللهم)‪،(462‬وكتللب والللي عمللر‬
‫بمصر عمرو بن العاص لهللل مصللر عهللدا ً جللاء‬
‫فيه؛ بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬هذا ما أعطللى‬
‫عمرو بن العاص أهللل مصللر مللن المللان علللى‬
‫أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم‬
‫وبرهم وبحرهم وأكد ذلك العهللد بقللوله‪ :‬علللى‬
‫ماضي هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة‬
‫الخليفة أميللر المللؤمنين وذمللم المللؤمنين)‪،(463‬‬
‫وقد اتفق الفقهاء)‪ ،(464‬علللى أن لهللل الذمللة‬
‫لهلللم ممارسلللة شلللعائرهم الدينيلللة وأنهلللم ل‬
‫يمنعللون مللن ذلللك مللالم يظهللروا‪ ،‬فللإن أرادوا‬
‫ممارسللة شللعائرهم إعلن لا ً وجهللرا ً كللإخراجهم‬
‫الصلللبان يللرون منعهللم مللن ذلللك فللي أمصللار‬
‫نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي )‪.(1/58‬‬ ‫‪()461‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(158 /4‬‬ ‫‪()462‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(98 /7‬‬ ‫‪()463‬‬
‫السلطة التنفيذية د‪ .‬محمد الدهلوي )‪.(725 /2‬‬ ‫‪()464‬‬
‫المسللللمين‪ ،‬وعلللدم منعهلللم فلللي بللللدانهم‬
‫وقراهم)‪.(465‬‬
‫يقول الشيخ الغزالي عن كفالة السلم لحرية‬
‫المعتقد إن الحرية الدينية التي كفلها السلللم‬
‫لهل الرض‪ ،‬لم يعرف لها نظير في القللارات‬
‫الخمس‪ ،‬ولم يحدث أن انفللرد ديللن بالسلللطة‪،‬‬
‫ومنح مخالفيه في العتقاد كل أسللباب البقللاء‬
‫والزدهار‪ ،‬مثل ما صنع السلم)‪.(466‬‬
‫لقد حرص الفلاروق عللى تنفيلذ قاعلدة حريللة‬
‫العتقاد في المجتمللع ولخللص سياسللته حيللال‬
‫النصللارى واليهللود بقللوله‪ :‬وإنمللا أعطينللاهم‬
‫العهللد علللى أن نخلللي بينهللم وبيللن كنائسللهم‬
‫يقولون فيها ما بدا لهم‪ ،‬وأن ل نحملهم مللا ل‬
‫يطيقللون‪ ،‬وإن أرادهللم عللدوهم بسللوء قاتلنللا‬
‫دونهم‪ ،‬وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكللامهم‪،‬‬
‫إل أن يأتوا راضين بأحكامنا فنحكم بينهللم وإن‬
‫غيبوا عنا لم نتعرض لهم)‪.(467‬‬
‫وقد ثبت عن عمر أنه كان شللديد التسلامح مللع‬
‫أهللل الذمللة‪ ،‬حيللث كللان يعفيهللم مللن الجزيللة‬
‫عنلدما يعجلزون علن تسلديدها‪ ،‬فقلد ذكلر أبلو‬
‫عبيد في كتاب الموال‪ :‬أن عمللر – رضللي الللله‬
‫عنه – مر بباب قوم وعليه سائل يسأل – شلليخ‬
‫كبير ضرير البصر – فضللرب عضللده مللن خلفلله‬
‫وقال من أي أهل الكتاب أنت؟ فقللال يهللودي‪،‬‬
‫قللال فمللا ألجللأك إلللى مللا أرى؟ قللال‪ :‬أسللأل‬
‫‪ ()465‬نفس المصدر )‪ (725 /2‬وقد فصل المسألة‪.‬‬
‫‪ ()466‬حقوق النسان بين تعاليم السلم وإعلن المم المتحدة‬
‫ص ‪.111‬‬
‫‪ ()467‬نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين ص ‪.117‬‬
‫الجزية والحاجة والسن‪ ،‬قال‪ :‬فأخذ عمللر بيللده‬
‫وذهللب بلله إلللى منزللله فرضللخ للله بشلليء مللن‬
‫المنزل)‪ ،(468‬ثم أرسللل إلللى خللازن بيللت المللال‬
‫فقال‪ :‬انظر هذا وضرباءه فو الله ما أنصللفناه‬
‫أن أكلنا شبيبته ثم نخللذله عنللد الهللرم‪ ،‬ووضللع‬
‫عنه الجزية وعللن ضللربائه)‪ ،(469‬وقللد كتللب إلللى‬
‫ممللا ً عليهللم هللذا المللر)‪ (470‬وهللذه‬ ‫عمللاله مع ّ‬
‫الفعللال تللدل علللى عدالللة السلللم وحللرص‬
‫الفاروق أن تقوم دولته على العدالللة والرفللق‬
‫برعاياها ولو كللانوا ملن غيلر المسلللمين‪ ،‬وقللد‬
‫بقيت الحريللة الدينيللة معلم لا ً بللارزا ً فللي عصللر‬
‫الخلفللة الراشللدة‪ ،‬مكفولللة مللن قبللل الدولللة‪،‬‬
‫ومصانه بأحكام التشريع الرباني‪.‬‬
‫‪ -2‬حرية التنقل أو حرية الغدو والرواح‪:‬‬
‫حرص الفاروق على هذه الحرية حرصا ً شللديدا ً‬
‫ولكنلله قيللدها فللي بعللض الحللالت السللتثنائية‬
‫الللتي اسللتدعت ضللرورة لللذلك‪ ،‬أمللا الحللالت‬
‫الستثنائية التي جرى فيها تقييد حرية التنقل‬
‫أو حرية المأوى فهي قليلللة جللدًا‪ ،‬ويكفينللا أن‬
‫نشير إلى الحالتين نظرا ً لهميتها‪:‬‬
‫أمسك عمر كبار الصللحابة فللي المدينللة‬ ‫‪-1‬‬
‫ومنعهم من الذهاب إلى القطار المفتوحللة‬
‫إل بللإذن منلله أو لمهمللة رسللمية كتعييللن‬
‫بعضللهم ولة أو قللادة للجيللوش وذلللك حللتى‬

‫‪ ()468‬رضخ له‪ :‬أعطاه شيئا ً ليس بالكثير‪.‬‬
‫‪ ()469‬الموال لبي عبيد ص ‪ ،57‬أحكام أهل الذمة لبن القيم )‪/1‬‬
‫‪.(38‬‬
‫‪ ()470‬نصب الراية للزيلعي )‪.(453 /7‬‬
‫يتمكللن مللن أخللذ مشللورتهم والرجللوع إليهللا‬
‫فيما يصادفه من مشاكل في الحكم ويحول‬
‫في الللوقت نفسلله دون وقللوع أيللة فتنللة أو‬
‫انقسام فللي صللفوف المسلللمين فللي حللال‬
‫خروجهللم للمصللار واسللتقرارهم فيهللا)‪،(471‬‬
‫فقللد كللان مللن حكمتلله السياسللية ومعرفتلله‬
‫الدقيقة لطبائع الناس ونفسيتهم‪ ،‬أنه حصر‬
‫كبار الصحابة في المدينة‪ ،‬وقال‪ :‬أخللوف مللا‬
‫أخللاف علللى هللذه المللة انتشللاركم فللي‬
‫البلد)‪ ،(472‬وكان يعتقد أنه إذا كللان التسللاهل‬
‫فللي هللذا الشللأن‪ ،‬نجمللت الفتنللة فللي البلد‬
‫ف النللاس حللول الشخصلليات‬ ‫المفتوحة‪ ،‬والت ّ‬
‫المرموقة‪ ،‬وثارت حولها الشللبهات‪ ،‬وكللثرت‬
‫القيلللادات والرايلللات‪ ،‬وكلللان ملللن أسلللباب‬
‫الفوضللى)‪ ،(473‬لقللد خشللي عمللر رضللي الللله‬
‫عنلله‪ :‬مللن تعللدد مراكللز القللوى السياسللية‬
‫والدينية داخل الدولة السلمية‪ ،‬حيث يصللبح‬
‫لشخص هللذا الصللحابي الجليللل أو ذاك هالللة‬
‫من الجلل والحترام على رأيلله‪ ،‬ترقللى بلله‬
‫إلللى مسللتوى القللرار الصللادر مللن السلللطة‬
‫العامة‪ ،‬وتجنبا ً لتعدد مراكز القللوى‪ ،‬وتشللتت‬
‫السلطة‪ ،‬فقد رأى عمر إبقاء كبار الصللحابة‪،‬‬
‫داخل المدينة يشاركونه في صناعة القللرار‪،‬‬
‫ويتجنبون فوضللى الجتهللاد الفللردي‪ ،‬ولللول‬
‫هذا السند الشرعي لكان القرار الصادر عللن‬
‫‪ ()471‬نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين ص ‪.160‬‬
‫‪ ()472‬المرتضي سيرة أمير المؤمنين لبي الحسن الندوي ص‬
‫‪.109‬‬
‫‪ ()473‬نفس المصدر ص ‪.109‬‬
‫عمر – رضي الله عنه – غيللر مجللد ول ملللزم‬
‫لفتقاده لسلببه الشلرعي الللذي يسللوغه؛ إذ‬
‫التصرف على الرعية منوط بالمصلحة)‪.(474‬‬
‫‪ -2‬وأما الحالة الثانية فقد حصلللت عنللدما أمللر‬
‫عمر بإجلء نصارى نجران ويهللود خيللبر مللن‬
‫قلللب البلد العربيللة إلللى العللراق والشللام‬
‫وسبب ذلك أن يهود خيبر ونصارى نجران لم‬
‫يلتزموا بالعهود والشروط التي أبرموها مللع‬
‫رسول الله ‪ ‬وجللددوها مللع الصللديق‪ ،‬فقللد‬
‫كللانت مقللرات يهللود خيللبر ونصللارى نجللران‬
‫أوكللارا ً للدسللائس والمكللر فكللان ل بللد مللن‬
‫إزاللللة تللللك القلع الشللليطانية‪ ،‬وإضلللعاف‬
‫قواتهم‪ ،‬أما بقية النصارى واليهللود‪ ،‬كللأفراد‬
‫فقد عاشوا في المجتمللع المللدني يتمتعللون‬
‫بكافللة حقللوقهم‪ ،‬روى الللبيهقي فللي سللننه‬
‫وعبد الرزاق بن همام الصنعاني في مصنفه‬
‫عن ابن المسلليب وابللن شللهاب‪ :‬أن رسللول‬
‫الله – ‪ -‬قال‪ :‬ل يجتمللع دينللان فللي جزيللرة‬
‫العرب‪ .‬قال مالك‪ ،‬قال ابن شهاب‪ :‬ففحللص‬
‫عن ذلك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –‬
‫حتى أتاه الثلج واليقين عللن رسلول الللله ‪‬‬
‫أنه قال‪ :‬ل يجتمع دينان في جزيللرة العللرب‪،‬‬
‫فأجلى يهود خيبر‪ .‬قال مالك‪ :‬قد أجلى عمر‬
‫بن الخطاب – رضي الله عنه – يهللود نجللران‬
‫وفدك)‪.(475‬‬

‫‪ ()474‬القيود الواردة على سلطة الدولة ص ‪.151‬‬
‫‪ ()475‬السنن الكبرى للبيهقي )‪ ،(208 /9‬مصنف عبد الرزاق )‪/6‬‬
‫‪.(53‬‬
‫لقد كانت نبوة النبي ‪ ‬بالنسبة للصحابة يقينا ً‬
‫ولللللللللذلك لللللللللم يسللللللللتطع اليهللللللللود‬
‫ول نصللارى نجللران أن يلللتزموا بعهللودهم مللع‬
‫المسلمين لشدة عداوتهم وبغضلهم وحسلدهم‬
‫للسلم والمسلمين‪ ،‬فللاليهود فللي خيللبر كللان‬
‫من أسباب إجلئهم ما رواه ابللن عمللر – رضللي‬
‫الله عنهما – قال‪ :‬لما فدع)‪ (476‬أهللل خيللبر عبللد‬
‫الله بن عمر قام عمر خطيبا ً فقال‪ :‬إن رسول‬
‫الللله – ‪ – ‬عامللل يهللود خيللبر علللى أمللوالهم‬
‫وقال‪ :‬نقركم ما أقركم الله‪ ،‬وإن عبد الله بللن‬
‫عمللر خللرج إلللى مللاله هنللاك فعللدي عليلله مللن‬
‫الليل‪ ،‬ففللدعت يللداه ورجله وليللس لنللا هنللاك‬
‫عللدو غيللره هللم عللدونا وتهمتنللا وقللد رأيللت‬
‫إجلءهم فلما أجمع عمللر علللى ذلللك أتللاه أحللد‬
‫بني الحقيق فقال‪ :‬يا أمير المللؤمنين أتخرجنللا‬
‫وقد أقرنا – محمد ‪ – ‬وعاملنللا علللى المللوال‬
‫وشللرط ذلللك لنللا؟ فقللال عمللر‪ :‬أظننللت أنللي‬
‫نسيت قول رسللول الللله – ‪ :- ‬كيللف بللك إذا‬
‫أخرجت من خيللبر تعللدو بللك قلوصللك)‪ ،(477‬ليلللة‬
‫بعللد ليلللة؟ فقللال‪ :‬كللان ذلللك هزيلللة مللن أبللي‬
‫القاسللم فقللال‪ :‬كللذبت ياعللدو الللله‪ .‬فللأجلهم‬
‫عمر‪ ،‬وأعطاهم قيمة ملا كلان لهلم ملن الثملر‬
‫مللال ً وإبل ً وعروض لا ً مللن أقتللاب وحبللال وغيللر‬
‫ذلللك)‪ (478‬لقللد غللدر اليهللود ونقضللوا عهللودهم‪،‬‬
‫فكللان طبيعي لا ً أن يخرجللوا مللن جزيللرة العللرب‬
‫تنفيذا ً لوصية رسول الللله فللأجلهم عمللر إلللى‬
‫‪ ()476‬فدع‪ :‬زوال المفصل‪.‬‬
‫‪ ()477‬قلوصك‪ :‬الناقة الصابرة على السير‪.‬‬
‫‪ ()478‬البخاري‪ ،‬ك الشروط‪ ،‬رقم ‪.2730‬‬
‫تيماء وأريحا‪ ،‬وأما نصارى نجران فلللم يلللتزموا‬
‫بالشروط والعهللود الللتي أبرموهللا مللع رسللول‬
‫الله ‪ ،‬وجددوها مع الصللديق؛فللأخلوا ببعضللها‬
‫وأكلوا الربا وتعاملوا به‪ ،‬فأجلهم الفاروق من‬
‫نجران إلى العراق وكتب لهم‪ :‬أما بعد ‪ ..‬فمللن‬
‫وقع به من أمراء الشام أو العراق فليوسللعهم‬
‫خريب الرض)‪ ،(479‬وما اعتملوا من شلليء فهللو‬
‫لهم لللوجه الللله وعقللب مللن أرضللهم )) فللأتوا‬
‫العلللراق فاتخلللذوا النجرانيلللة وهلللي قريلللة‬
‫بالكوفللة)‪ ،(480‬وذكللر أبللو يوسللف أن الفللاروق‬
‫خاف من النصارى على المسلمين)‪ ،(481‬وبللذلك‬
‫تتجللللى سياسلللة الفلللاروق فيملللا فعلللل ملللن‬
‫إخراجهم بعد توفر أسللباب أخللرى إضللافة إلللى‬
‫وصية رسول الللله ‪ ،‬ويتجلللى فقلله الفللاروق‬
‫فللي تللوجيه الضللربات المركللزة إلللى مقللرات‬
‫اليهود في خيبر‪ ،‬والنصارى في نجران بعللد أن‬
‫وجد المبررات اللزمللة لخراجهللم مللن جزيللرة‬
‫العرب بللدون ظلللم أو عسللف أو جللور‪ ،‬وهكللذا‬
‫منع أوكار الدسائس والمكر من أن تأخذ نفسا ً‬
‫طويل ً للتخطيط ملن أجلل القضلاء عللى دوللة‬
‫السلم الفتية‪.‬‬
‫‪ -3‬حق المن‪ ،‬وحرمة المسكن‪ ،‬وحرية الملكية‪:‬‬
‫إن السلم أقر حق المن في العديد من‬
‫اليات القرآنية والحاديث النبوية‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫ن ‪) ‬البقرة‪ ،‬آية‪.(193:‬‬
‫مي َ‬ ‫عَلى ال ّ‬
‫ظال ِ ِ‬ ‫ن إ ِل ّ َ‬
‫وا َ‬ ‫‪َ ‬‬
‫فل َ ُ‬
‫عدْ َ‬

‫‪ ()479‬أي يقطعهم من الرض التي ل زرع فيها ول شجر‪.‬‬
‫‪ ()480‬الموال لبي عبيد ص ‪.245‬‬
‫‪ ()481‬الخراج لبي يوسف ص ‪.79‬‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه‬ ‫دوا َ‬
‫عت َ ُ‬
‫فا ْ‬ ‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م َ‬ ‫دى َ‬
‫عت َ َ‬
‫نا ْ‬
‫م ْ‬ ‫ف َ‬‫ا‪َ  :‬‬ ‫وقال أيض ً‬
‫م ‪) ‬البقرة‪ ،‬آية ‪ .(194‬وقد‬ ‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫دى َ‬
‫عت َ َ‬
‫ما ا ْ‬ ‫مث ْ ِ‬
‫ل َ‬ ‫بِ ِ‬
‫عرف السلم أيضا ً حق الحياة الذي هو أوسع‬
‫من حق المن‪ ،‬لن هذا الخير يتضمن فعل ً‬
‫سلبيا ً من جانب الدولة يعبر عنه بالمتناع عن‬
‫العتداء أو التهديد في حين أن حق الحياة‬
‫يتضمن علوة على ذلك فعل ً إيجابيا ً وهو‬
‫حماية النسان ودمه من أي اعتداء أو تهديد‬
‫ويجعل هذه الحماية مسؤولية عامة ملقاة‬
‫على عاتق الناس كافة‪ ،‬لن العتداء بدون حق‬
‫على أحدهم هو بمثابة العتداء عليهم‬
‫ً)‪(482‬‬
‫ر‬
‫غي ْ ِ‬
‫سا ب ِ َ‬ ‫ل نَ ْ‬
‫ف ً‬ ‫ن َ‬
‫قت َ َ‬ ‫‪ ،‬قال تعالى‪َ  :‬‬
‫م ْ‬ ‫جميعا‬
‫في الرض َ َ‬ ‫َ‬
‫عا‬
‫مي ً‬
‫ج ِ‬
‫س َ‬ ‫قت َ َ‬
‫ل الّنا َ‬ ‫ما َ‬ ‫فك َأن ّ َ‬ ‫ساٍد ِ‬ ‫ف َ‬‫و َ‬ ‫سأ ْ‬ ‫ف ٍ‬ ‫نَ ْ‬
‫عا ‪) ‬المائدة‪،‬آية‪:‬‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫مي ً‬‫ج ِ‬
‫س َ‬ ‫حَيا الّنا َ‬ ‫فك َأن ّ َ‬
‫ما أ ْ‬ ‫ها َ‬‫حَيا َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫م ْ‬
‫و َ‬‫َ‬
‫‪ .(32‬ومن المنطلق القرآني والممارسة النبوية‬
‫تكفل الفاروق في عهده للفراد بحق المن‬
‫وحق الحياة وسهر على تأمينهما وصيانتهما‬
‫من أي عبث أو تطاول وكان الفاروق رضي‬
‫الله عنه يقول‪) :‬إني لم أستعمل عليكم‬
‫عمالي ليضربوا أبشاركم ويشتموا أعراضكم‬
‫ويأخذوا أموالكم‪ ،‬ولكن استعملتهم ليعلموكم‬
‫كتاب ربكم وسنة نبيكم فمن ظلمه عامله‬
‫)‪(483‬‬
‫‪،‬‬ ‫ي حتى أقصه منه‬
‫بمظلمة فليرفعها إل ّ‬
‫وجاء عن عمر أيضا ً قوله‪ :‬ليس الرجل بمأمون‬
‫على نفسه أن أجعته أو أخفته أو حبسته أن‬
‫يقر على نفسه)‪ ،(484‬وقوله هذا يدل على عدم‬
‫‪ ()482‬نظام الحكم في عهد الراشدين ص ‪.163‬‬
‫‪ ()483‬نظام الحكم في عهد الراشدين ص ‪.164‬‬
‫‪ ()484‬نفس المصدر ص ‪.165‬‬
‫جواز الحصول على القرار والعتراف من‬
‫مشتبه به في جريمة تحت الضغط أو التهديد‬
‫سواء أكانت الوسيلة المستعملة بذلك مادية‬
‫)كحرمانه من عطائه أو مصادرة أمواله( أو‬
‫معنوية )كاللجوء إلى تهديده أم تخويفه بأي‬
‫نوع من العقاب( وجاء في كتابه لبي موسى‬
‫الشعري بصفته قاضيًا‪ :‬واجعل للمدعي حقا ً‬
‫غائبا ً أو بينة أمدا ً ينتهي إليه فإن أحضر بينته‬
‫أخذت له بحقه وإل وجهت عليه القضاء فإن‬
‫ذلك أنفى للشك()‪ (485‬وهذا القول يدل على أن‬
‫حق الدفاع كان محترما ً ومصانا ً)‪ ،(486‬وفيما‬
‫يتعلق بحرمة المسكن‪ ،‬فإن الله سبحانه حرم‬
‫دخول البيوت والمساكن بغير موافقة أهلها أو‬
‫بغير الطريقة المألوفة لدخولها‪ ،‬فقال‬
‫غي َْر ب ُُيوت ِك ُ ْ‬
‫م‬ ‫خُلوا ب ُُيوًتا َ‬ ‫سبحانه بهذا الشأن ‪ ‬ل َ ت َدْ ُ‬
‫م‬ ‫خي ٌْر ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬ ‫ها ذَل ِك ُ ْ‬ ‫هل ِ َ‬ ‫عَلى أ َ ْ‬ ‫موا َ‬ ‫سل ّ ُ‬‫وت ُ َ‬ ‫سوا َ‬
‫ْ‬
‫ست َأن ِ ُ‬ ‫حّتى ت َ ْ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
‫فل َ‬ ‫دا َ‬‫َ ً‬ ‫ح‬ ‫أ‬ ‫ها‬‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫دوا‬ ‫ِ ُ‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬‫ِ ْ ْ‬‫ل‬ ‫ن‬‫إ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫‪0‬‬ ‫(‬ ‫‪27‬‬ ‫ن)‬ ‫َ‬ ‫رو‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ذ‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ل‬‫ع‬‫لَ َ‬
‫عوا‬ ‫ج ُ‬ ‫م اْر ِ‬ ‫ل ل َك ُ ْ‬ ‫قي َ‬ ‫ن ِ‬ ‫وإ ِ ْ‬‫م َ‬‫ن ل َك ُ ْ‬ ‫حّتى ي ُ ْ‬
‫ؤذ َ َ‬ ‫ها َ‬ ‫خُلو َ‬ ‫ت َدْ ُ‬
‫م ‪) ‬النور‪ ،‬آية‪.(28-27 :‬‬ ‫كى ل َك ُ ْ‬ ‫و أ َْز َ‬‫ه َ‬ ‫عوا ُ‬ ‫ج ُ‬ ‫فاْر ِ‬ ‫َ‬
‫)البقرة‪:‬‬ ‫‪‬‬ ‫ها‬
‫واب ِ َ‬
‫َ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ت ِ‬
‫ْ‬
‫وأُتوا ال ْب ُُيو َ‬‫َ‬ ‫وقال أيضا ً‪ ‬‬
‫‪ ،(189‬كما قال‪:‬‬
‫سوا ‪ ‬وقد كانت حرمة المسكن‬ ‫‪‬ول َتج ّ‬
‫س ُ‬
‫مكفولة ومصانة في عهد الفاروق وعصر‬
‫الخلفاء الراشدين)‪ ،(487‬وأما حرية الملكية فقد‬
‫‪ ()485‬القضاء ونظامه في الكتاب والسنة د‪ .‬عبد الرحمن الحميض‬
‫ص ‪.48‬‬
‫‪ ()486‬نظام الحكم في عهد الراشدين ص ‪.165‬‬
‫‪ ()487‬نفس المصدر ص ‪.168‬‬
‫كانت مكفولة ومصانة في عصر الراشدين‬
‫ضمن أبعد الحدود التي تقرها الشريعة‬
‫السلمية في هذا المجال فحين اضطر عمر‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬لسباب سياسية وحربية بإجلء‬
‫نصارى نجران ويهود خيبر من قلب شبه‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬إلى العراق والشام أمر‬
‫بإعطائهم أرضا ً كأرضهم في الماكن التي‬
‫انتقلوا إليها احتراما ً منه وإقرارا ً لحق الملكية‬
‫الفردية الذي يكفله السلم لهل الذمة مثلما‬
‫يكفله للمسلمين)‪ ،(488‬وعندما اضطر عمر إلى‬
‫نزع ملكية بعض الدور من أجل العمل على‬
‫توسيع المسجد الحرام في مكة‪ ،‬ولم يكن‬
‫دفعه للتعويض العادل إل اعترافا ً منه وإقرارا ً‬
‫بحق الملكية الفردية التي ل يجوز مصادرتها‬
‫حتى في حالة الضرورة إل بعد إنصاف‬
‫أصحابها)‪ ،(489‬وحرية الملكية لم تكن في عهد‬
‫الراشدين مطلقة وإنما هي مقيدة بالحدود‬
‫الشرعية وبمراعاة المصلحة العامة‪ ،‬فقد روي‬
‫أن بلل ً بن الحارث المزني جاء إلى رسول‬
‫الله ‪ ‬يطلب منه أن يستقطعه أرضًا‪،‬‬
‫فأقطعه أرضا ً طويلة عريضة‪ ،‬فلما آلت‬
‫الخلفة إلى عمر رضي الله عنه‪ ،‬قال له‪ :‬يا‬
‫بلل‪ ،‬إنك استقطعت رسول الله ‪ ‬أرضا ً‬
‫طويلة عريضة فقطعها لك‪ ،‬وإن رسول الله‬
‫‪ ‬لم يكن يمنع شيئا ً يسأله‪ ،‬وأنت ل تطيق ما‬
‫في يدك فقال أجل‪ :‬فقال عمر‪ :‬فانظر ما‬
‫قويت عليه منها فأمسكه‪ ،‬وما لم تطق وما لم‬
‫‪ () 488‬نفس المصدر ص ‪.189‬‬
‫‪ () 489‬نفس المصدر ص ‪.190‬‬
‫تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين‪،‬‬
‫فقال ل أفعل والله شيئا ً أقطعنيه رسول الله‬
‫‪ ،‬فقال عمر‪ :‬والله لتفعلن‪ ،‬فأخذ عمر ما‬
‫)‪(490‬‬
‫عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين‬
‫وهنا يدل على أن الملكية الفردية مرتبطة‬
‫ارتباطا ً وثيقا ً بمصلحة الجماعة فإن أحسن‬
‫المالك القيام بما يتطلبه معنى الستخلف‬
‫في الرعاية والستثمار فليس لحد أن ينازعه‬
‫ملكه‪ ،‬وإل فإن لولي المر أن يتصرف بما‬
‫يحول دون إهماله)‪.(491‬‬
‫‪ -4‬حرية الرأي‪:‬‬
‫كفل السلم للفرد حرية الرأي كفالة تامة‪،‬‬
‫وقد كانت هذه الحرية مؤمنة ومصانة في عهد‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬فكان عمر رضي الله عنه‬
‫يترك الناس يبدون آراءهم السديدة ول‬
‫يقيدهم ول يمنعهم من الفصاح عما تكنه‬
‫صدورهم)‪ ،(492‬ويترك لهم فرصة الجتهاد في‬
‫المسائل التي ل نص فيها‪ ،‬فعن عمر أنه لقي‬
‫رجل ً فقال‪ :‬ما صنعت؟ قال؟ قضى علي وزيد‬
‫بكذا قال‪ :‬لو كنت أنا لقضيت بكذا‪ ،‬قال‪ :‬فما‬
‫منعك والمر إليك؟ قال‪ :‬لو كنت أردك إلى‬
‫كتاب الله أو إلى سنة نبيه ‪ ‬لفعلت‪ ،‬ولكني‬
‫أردك إلى رأي‪ ،‬والرأي مشترك ما قال علي‬
‫وزيد)‪ ،(493‬وهكذا ترك الفاروق الحرية للصحابة‬
‫‪ () 490‬المغني )‪ ،(5/579‬نظام الرض‪ .‬محمد أبو يحيى ص ‪.207‬‬
‫‪ () 491‬نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين‪ .‬حمد الصمد ص‬
‫‪.192‬‬
‫‪ () 492‬السلطة التنفيذية للدهلوي )‪.(2/735‬‬
‫‪ () 493‬إعلم الموقعين )‪(1/65‬‬
‫يبدون آراءهم في المسائل الجتهادية ولم‬
‫يمنعهم من الجتهاد ولم يحملهم على رأي‬
‫معين)‪ ،(494‬وكان النقد أو النصح للحاكم في‬
‫عهد الفاروق والخلفاء الراشدين مفتوحا ً على‬
‫مصراعيه‪ ،‬فقد قام الفاروق رضي الله عنه‬
‫ي‬‫يخطب فقال‪ :‬أيها الناس من رأى منكم ف ّ‬
‫اعوجاجا ً فليقومه‪ ،‬فقام له رجل وقال‪ :‬والله‬
‫لو رأينا فيك اعوجاجا ً لقومناه بسيوفنا‪ ،‬فقال‬
‫عمر‪ :‬الحمد لله الذي جعل في هذه المة من‬
‫يقوم اعوجاج عمر بسيفه)‪ ،(495‬وقد جاء في‬
‫خطبة عمر لما تولى الخلفة‪ :‬أعينوني على‬
‫نفسي بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫وإحضاري النصيحة)‪ ،(496‬واعتبر الفاروق‬
‫ممارسة الحرية السياسية البناءة )النصيحة(‬
‫تعد واجبا ً على الرعية ومن حق الحاكم أن‬
‫يطالب بها‪ :‬أيها الرعية إن لنا عليكم حقًا‪:‬‬
‫النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير)‪،(497‬‬
‫وكان يرى أن من حق أي فرد في المة أن‬
‫يراقبه ويقوم اعوجاجه ولو بحد السيف إن هو‬
‫حاد عن الطريق‪ ،‬فقال‪ :‬أيها الناس من رأى‬
‫ي اعوجاجا ً فليقومه)‪ ،(498‬وكان يقول‪:‬‬ ‫منكم ف ّ‬
‫)‪(499‬‬
‫‪،‬‬ ‫ي عيوبي‬
‫ي من رفع إل ّ‬
‫أحب الناس إل ّ‬
‫وقال أيضًا‪ :‬إني أخاف أن أخطئ فل يردني‬
‫‪ () 494‬السلطة التنفيذية للدهلوي )‪.(2/738‬‬
‫‪ () 495‬أخبار عمر ص ‪ ،332 ،331‬نقل ً عن الرياض النضرة‪.‬‬
‫‪ () 496‬نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين ص ‪.197‬‬
‫‪ () 497‬نفس المصدر ص ‪.197‬‬
‫‪ () 498‬نفس المصدر ص ‪.197‬‬
‫‪ () 499‬نفس المصدر ص ‪ 198‬الشيخان أبو بكر وعمر من رواية‬
‫البلذري ص ‪.231‬‬
‫أحد منكم تهيبا ً مني)‪ ،(500‬وجاءه يوما ً رجل‬
‫فقال له على رؤوس الشهاد‪ :‬اتق الله يا‬
‫عمر‪ :‬فغضب بعض الحاضرين من قوله وأرادوا‬
‫أن يسكتوه عن الكلم‪ ،‬فقال لهم عمر‪ :‬ل خير‬
‫فيكم إذا لم تقولوها ول خير فينا إذا لم‬
‫نسمعها)‪ ،(501‬ووقف ذات يوم يخطب في‬
‫الناس فما كاد يقول‪) :‬أيها الناس اسمعوا‬
‫ل‪ :‬ل سمع‬ ‫وأطيعوا( حتى قاطعه أحدهم قائ ً‬
‫ول طاعة يا عمر‪ ،‬فقال عمر بهدوء‪ :‬لم يا عبد‬
‫الله؟ قال‪ :‬لن كل ً منا أصابه قميص واحد من‬
‫القماش لستر عورته‪ .‬فقال له عمر‪ :‬مكانك‪،‬‬
‫ثم نادى ولده عبد الله بن عمر‪ ،‬فشرح عبد‬
‫الله أنه قد أعطى أباه نصيبه من القماش‬
‫ليكمل به ثوبه‪ ،‬فاقتنع الصحابة وقال الرجل‬
‫في احترام وخشوع‪ :‬الن السمع والطاعة يا‬
‫أمير المؤمنين)‪ (502‬وخطب ذات يوم‪ ،‬فقال‪ :‬ل‬
‫تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية‪،‬‬
‫وإن كانت بنت ذي القصة –يعني يزيد بن‬
‫الحصين‪ -‬فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت‬
‫المال‪ ،‬فقالت امرأة معترضة على ذلك‪ :‬ما‬
‫ذاك لك قال‪ :‬ولم؟ قالت‪ :‬لن الله تعالى قال‪:‬‬
‫شي ًْئا‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذوا ِ‬ ‫فل َ ت َأ ْ ُ‬
‫خ ُ‬ ‫قن َ‬
‫طاًرا َ‬ ‫ن ِ‬ ‫ه ّ‬ ‫دا ُ‬
‫ح َ‬
‫م إِ ْ‬ ‫وآت َي ْت ُ ْ‬‫‪َ ‬‬
‫ما ُمِبيًنا)‪)  (20‬النساء‪،‬آية‪.(20:‬‬ ‫وإ ِث ْ ً‬
‫هَتاًنا َ‬‫ه بُ ْ‬‫ذون َ ُ‬ ‫خ ُ‬‫أ َت َأ ْ ُ‬
‫فقال عمر‪ :‬امرأة أصابت ورجل أخطأ)‪،(503‬‬

‫‪ () 500‬نفس المصدر ص ‪.198‬‬
‫‪ () 501‬نفس المصدر ص ‪.200‬‬
‫‪ () 502‬عيون الخبار )‪ (1/55‬نقل ً عن محض الصواب )‪.(2/579‬‬
‫‪ () 503‬تفسير ابن كثير )‪ (2/213‬عزاه للزبير بن بكار وفيه‬
‫انقطاع‪ ،‬أخرجه أبو حاتم في مسنده والبيهقي في السنن‬
‫وجاء في رواية‪ :‬أنه قال‪ :‬اللهم غفرا ً كل‬
‫إنسان أفقه من عمر‪ ،‬ثم رجع فركب المنبر‬
‫فقال‪ :‬أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا‬
‫النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم‪،‬‬
‫فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب وطابت‬
‫به نفسه فليفعل)‪ (504‬وليست حرية الرأي‬
‫مطلقة في نظر الشريعة فليس للنسان أن‬
‫يفصح في كل ما يشاء‪ ،‬بل هي مقيدة بعدم‬
‫مضرة الخرين بإبداء الرأي‪ ،‬سواء كان الضرر‬
‫عاما ً أو خاصًا‪ ،‬ومما منعه عمر رضي الله عنه‬
‫وحظره وقيده‪.‬‬
‫‪ (1‬الراء الضالة المضلة في الدين واتباع المتشابهات‪ :‬ومن‬
‫)‪(505‬‬
‫ذلك قصة النبطي الذي أنكر القدر بالشام‬
‫فقد اعترض على عمر –رضي الله عنه‪ -‬وهو‬
‫يخطب بالشام حينما قال عمر‪ :‬ومن يضلل‬
‫الله فل هادي له‪ ،‬فاعترض النبطي منكرا ً‬
‫ل‪ :‬إن الله ل يضل أحدًا! فهدده عمر‬ ‫للقدر‪ ،‬قائ ً‬
‫بالقتل إن أظهر مقولته القدرية مرة‬
‫أخرى)‪ ،(506‬وعن السائب بن يزيد أنه قال‪ :‬أتى‬
‫رجل عمر بن الخطاب –رضي الله عنه‪ -‬فقال‪:‬‬
‫ت ذَْر ً‬
‫وا)‪(1‬‬ ‫رَيا ِ‬
‫ذا ِ‬ ‫يا أمير المؤمنين‪َ  :‬‬
‫وال ّ‬
‫قًرا)‪)  (2‬الذاريات‪،‬آية‪ (21:‬فقال عمر‬ ‫و ْ‬ ‫مل َ ِ‬
‫ت ِ‬ ‫فال ْ َ‬
‫حا ِ‬ ‫َ‬
‫–رضي الله عنه‪ -‬أنت هو؟ فقام إليه‬

‫وقال مرسل جيد‪.‬‬
‫‪ () 504‬قال أبو يعلى إسناده جيد‪ ،‬مجمع الزوائد )‪.(4/283‬‬
‫‪ () 505‬هو قسطنطين الجاثليق بطريق الشام‪.‬‬
‫‪ () 506‬الهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها د‪.‬ناصر العقل‬
‫ص ‪.223‬‬
‫وحسر)‪ ،(507‬عن ذراعيه‪ ،‬فلم يزل يجلده حتى‬
‫سقطت عمامته‪ ،‬فقال‪ :‬والذي نفس عمر بيده‬
‫لو وجدتك محلوقا ً لضربت رأسك‪ ،‬ألبسوه‬
‫قْتب)‪ ،(508‬ثم اخرجوا حتى‬ ‫ثيابه‪ ،‬واحملوه على ِ‬
‫تقدموا به بلده‪ ،‬ثم ليقم خطيبا ً ثم ليقل‪ :‬إن‬
‫صبيغا ً)‪،(509‬ابتغى العلم فأخطأه‪ ،‬فلم يزل‬
‫وضيعا ً في قومه حتى هلك)‪.(510‬‬
‫ب( والوقوع في أعراض الناس بدعوى الحرية‪:‬‬
‫)‪(511‬‬
‫وقد حبس عمر –رضي الله عنه‪ -‬الحطيئة‬
‫من أجل هجائه الزبرقان بن بدر)‪ (512‬بقوله‪:‬‬
‫واقعد فإنك‬ ‫دع المكارم ل ترحل لبغيتها‬
‫)‪(513‬‬
‫أنت الطاعم الكاسي‬
‫لنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين‬
‫ويكسين)‪ (514‬وقد توعد عمر الحطيئة بقطع لسانه‬
‫إذا تمادى في هجو المسلمين ونهش أعراضهم‪،‬‬
‫وقد استعطفه الحطيئة وهو في سجنه بشعر‬
‫منه قوله‪:‬‬

‫‪ () 507‬حسر عن ذراعيه‪ :‬أي أخرجهما من كميه‪.‬‬
‫‪ () 508‬القتب‪ :‬إكاف البعير‪.‬‬
‫‪ () 509‬هو صبيغ بن عسيل الحنظلي‪ ،‬سأل عمر عن متشابه القرآن‬
‫واتهمه عمر برأي الخوارج‪.‬‬
‫‪ () 510‬شرح أصول اعتقاد أهل السنة الللكائي )‪.(635 ،634 /30‬‬
‫‪ () 511‬الحطيئة‪ :‬هو جرول بن مالك بن جرول لقب بالحطيئة‬
‫لقصره‪.‬‬
‫‪ () 512‬الزبرقان بن بدر التميمي صحابي وله رسول الله صدقات‬
‫قومه‪.‬‬
‫‪ () 513‬السلطة التنفيذية )‪.(2/745‬‬
‫‪ () 514‬تفسير القرطبي )‪.(174 ،12/173‬‬
‫زغب الحواصل ل‬ ‫ماذا أقول لفراخ‬
‫ماء ول شجر‬ ‫بذي مرخ‬
‫فاغفر عليك سللم‬ ‫ألقيت كاسبهم‬
‫الله يا عمر‬ ‫في قعر مظلمة‬
‫مقاليدأل‬ ‫ألقى إليك‬
‫وأخذ عليه‬ ‫الذيوخلى سبيله‪،‬‬
‫الميرعمر‬
‫له قلب‬ ‫أنت‬
‫فرق‬
‫‪ ،‬وقد ورد أن‬ ‫)‪(515‬‬
‫يهجو أحدا ً من المسلمين‬
‫الفاروق اشترى أعراض المسلمين من الحطيئة‬
‫بمبلغ ثلثة آلف درهم حتى قال ذلك الشاعر‪:‬‬
‫شتمي وأصبح آمنا‬ ‫أخذت أطراف‬
‫)‪(516‬‬
‫ل يفزع‬ ‫الكلم فلم تدع‬
‫ومنعتني عرض‬
‫‪ -5‬رأي عمر في الزواج بالكتابيات‪:‬‬
‫لما علم عمر رضي الله عنه أن حذيفة بن‬
‫اليمان تزوج يهودية كتب إليه‪ :‬خل سبيلها‪،‬‬
‫فكتب إليه حذيفة‪ :‬أتزعم أنها حرام فأخلي‬
‫سبيلها؟ فقال ل أزعم أنها حرام‪ ،‬ولكني‬
‫أخاف أن تعاطوا المومسات منهن‪ :‬وفي‬
‫رواية إني أخشى أن تدعوا المسلمات وتنكحوا‬
‫المومسات)‪.(517‬‬
‫قال أبو زهرة‪) :‬يجب أن نقرر هنا أن الولى‬
‫للمسلم أل يتزوج إل مسلمة لتمام اللفة من‬
‫كل وجه ولقد كان عمر –رضي الله عنه‪ -‬ينهى‬
‫عن الزواج بالكتابيات إل لغرض سام كارتباط‬

‫‪ () 515‬الشعر والشعراء لبن قتيبة )‪ ،(1/327‬عمر بن الخطاب د‪.‬‬
‫أحمد أبو النصر ص ‪.223‬‬
‫‪ () 516‬أصحاب الرسول )‪ (1/110‬محمود المصري‪ ،‬محض الصواب )‬
‫‪.(1/376‬‬
‫‪ () 517‬إسناده صحيح‪ ،‬تفسير ابن كثير )‪.(1/265‬‬
‫سياسي يقصد به جمع القلوب وتأليفها أو‬
‫نحو‬
‫)‪(518‬‬
‫‪.‬‬ ‫ذلك ‪(...‬‬
‫لقد بين المولى عز وجل في كتابه بأن الزواج‬
‫بالمؤمنة ولو كانت أمة أولى من الزواج‬
‫ول َ‬‫بالمشركة ولو كانت حرة قال تعالى‪َ  :‬‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫خي ٌْر ِ‬ ‫ة َ‬ ‫من َ ٌ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ة ُ‬ ‫م ٌ‬ ‫ول َ َ‬ ‫ن َ‬ ‫م ّ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫حّتى ي ُ ْ‬ ‫ت َ‬ ‫كا ِ‬ ‫ر َ‬ ‫ش َِ‬ ‫م ْ‬ ‫حوا ال ْ ُ‬ ‫َتنك ِ ُ‬
‫حّتى‬ ‫ن َ‬ ‫كي َ‬ ‫ر ِ‬ ‫ش ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ْ‬
‫حوا ال ُ‬ ‫ول ُتنك ِ ُ‬ ‫َ‬ ‫م َ‬ ‫ُ‬
‫جب َت ْك ْ‬ ‫ع َ‬ ‫وأ ْ‬ ‫ول ْ‬ ‫َ‬ ‫ة َ‬ ‫َ‬
‫رك ٍ‬ ‫ش ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ُ‬
‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ج‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ك‬ ‫ر‬ ‫ْ‬
‫ش‬ ‫م‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫ي‬‫خ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫م‬ ‫د‬ ‫ب‬‫ع‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫نوا‬ ‫م‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ْ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫يُ‬
‫ة‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ولئ ِ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫جن ّ ِ‬ ‫عو إ ِلى ال َ‬ ‫ه ي َدْ ُ‬ ‫والل ُ‬ ‫ر َ‬ ‫ن إ ِلى الّنا ِ‬ ‫عو َ‬ ‫ك ي َدْ ُ‬ ‫أ ْ‬
‫ن)‬‫م ي َت َذَك ُّرو َ‬ ‫ه ْ‬ ‫عل ّ ُ‬‫س لَ َ‬ ‫ه ِللّنا ِ‬ ‫ن آَيات ِ ِ‬ ‫وي ُب َي ّ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ة ب ِإ ِذْن ِ ِ‬ ‫فَر ِ‬ ‫غ ِ‬‫م ْ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫َ‬
‫‪)  (221‬البقرة‪،‬آية‪ ،(221:‬ففي هذه اليات‬
‫الكريمة ينهى الحق سبحانه وتعالى عن الزواج‬
‫بالمشركات حتى يؤمن بالله ويصدقن نبيه‪،‬‬
‫وحكم بأفضلية المة المؤمنة بالله ورسوله‬
‫‪-‬وإن كانت سوداء رقيقة الحال‪ -‬على‬
‫المشركة الحرة وإن كانت ذات جمال وحسب‬
‫ومال‪ ،‬ويمنع في المقابل المؤمنات من‬
‫الزواج بالمشركين ولو كان المشرك أحسن‬
‫من المؤمن في جماله وماله وحسبه)‪ ،(519‬وإذا‬
‫كان الزواج بالمشركة حراما ً بنص هذه الية‬
‫فإن الزواج بالكتابية جائز بنص آخر وهو قوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫ن‬ ‫ن ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫م ْ‬
‫ت ِ‬‫صَنا ُ‬
‫ح َ‬ ‫وال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ت َ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫م ْ‬‫ت ِ‬ ‫صَنا ُ‬‫ح َ‬‫م ْ‬ ‫وال ْ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫م‪)  ‬المائدة‪،‬آية‪ (5:‬وهو نص‬ ‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫ن َ‬ ‫م ْ‬‫ب ِ‬
‫ُ‬
‫أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫مخصص للعموم في النص الول‪ ،‬هذا هو رأي‬

‫‪ () 518‬الحوال الشخصية لبي زهرة ص ‪.104‬‬
‫‪ () 519‬فقه الولويات دراسة في الضوابط‪ ،‬محمد الوكيلي ص ‪.77‬‬
‫الجمهور)‪ ،(520‬إل أنهم قالوا إن الزواج‬
‫بالمسلمة أفضل‪ ،‬هذا فيما إذا لم تكن هنالك‬
‫مفاسد تلحق الزوج أو البناء أو المجتمع‬
‫المسلم‪ ،‬أما إن وجدت مفاسد فإن الحكم هو‬
‫المنع‪ ،‬وهذا ماذهب إليه بعض العلماء‬
‫المعاصرين)‪ ،(521‬وهو رأي سبق إليه عمر بن‬
‫الخطاب‪ :‬إذ هو أول من منع الزواج بالكتابيات‬
‫مستندا ً في ذلك إلى حجتين‪:‬‬
‫‪ -1‬لنه يؤدي إلى كساد الفتيات المسلمات‬
‫وتعنيسهن‪.‬‬
‫‪ -2‬لن الكتابية تفسد أخلق الولد‬
‫المسلمين ودينهم وهما حجتان كافيتان في‬
‫هذا المنع‪ ،‬إل أنه إذا نظرنا إلى عصرنا فإننا‬
‫سنجد مفاسد أخرى كثيرة استجدت تجعل‬
‫هذا المنع أشد)‪ ،(522‬وقد أورد الستاذ جميل‬
‫محمد مبارك مجموعة من هذه المفاسد‬
‫منها‪:‬‬
‫‪ -1‬قد تكون للزوجة من أهل الكتاب مهمة‬
‫التجسس على المسلمين‪.‬‬
‫‪ -2‬دخول عادات الكفار إلى بلد المسلمين‪.‬‬
‫‪ -3‬تعرض المسلم للتجنس بجنسية الكفار‪.‬‬
‫‪ -4‬جهل المسلمين المتزوجين بالكتابيات‬
‫مما يجعلهم عجينة سهلة التشكيل في يد‬
‫الكتابيات‪.‬‬

‫‪ () 520‬الفقه على المذاهب الربعة‪ ،‬عبد الرحمن الجزائري )‪/5‬‬
‫‪.(76،77‬‬
‫‪ () 521‬فقه الولويات‪ ،‬محمد الوكيلي ص ‪.77‬‬
‫‪ () 522‬فقه الولويات‪ ،‬محمد الوكيلي ص ‪.78‬‬
‫شعور المتزوجين بالكتابيات بالنقص وهو‬ ‫‪-5‬‬
‫أمر أدى إليه الجهل بدين الله)‪.(523‬‬
‫وهي مفاسد كافية للستدلل على حرمة الزواج‬
‫بالكتابية في عصرنا‪.‬‬
‫إن القيود التي وضعها عمر على الزواج‬
‫بالكتابيات تنسجم مع المصالح الكبرى للدولة‬
‫والهداف العظمى للمجتمعات السلمية‪ ،‬فقد‬
‫عرفت المم الواعية ما في زواج أبنائها‬
‫بالجنبيات من المضار‪ ،‬وما يجلبه هذا الزواج من‬
‫أخطار تعيب الوطن عفوا ً أو قصدًا‪ ،‬فوضعت‬
‫لذلك قيودا ً وبالذات للذين يمثلونها في المجالت‬
‫العامة‪ ،‬وهو احتياط له مبرراته الوجيهة‪،‬‬
‫فالزوجة تعرف الكثير من أسرار زوجها إن لم‬
‫تكن تعرفها كلها‪ ،‬على قدر ما بينهم من مودة‬
‫وانسجام‪ ،‬ولقد كان لهذه الناحية من اهتمام‬
‫عمر رضي الله عنه مقام الستاذية الحازمة‬
‫الحاسبة لكل من جاء بعده كحاكم على مر‬
‫الزمان‪ ،‬إن الزواج من الكتابيات فيه مفاسد‬
‫عظيمة‪ ،‬فإنهن دخيلت علينا ويخالفننا في كل‬
‫شيء‪ ،‬وأكثرهن يبقين على دينهن‪ ،‬فل يتذوقن‬
‫حلوة السلم وما فيه من وفاء وتقدير للزوج‪،‬‬
‫قدر عمر كل ذلك بفهمه لدينه‪ ،‬وبصائب تقديره‪،‬‬
‫لطبائع البشر‪ ،‬وبحسن معرفته لما ينفع‬
‫المسلمين وما يضرهم‪ ،‬فأصدر فيه أوامره وعلى‬
‫الفور وفي حسم)‪ (524‬لقد كانت الحرية في العهد‬
‫الراشدي مصونة ومكفولة ولها حدودها وقيودها‬
‫‪ () 523‬شهيد المحراب‪ ،‬عمر التلمساني ص ‪.214‬‬
‫‪ () 524‬شهيد المحراب التلمساني ص ‪.214‬‬
‫ولذلك ازدهر المجتمع وتقدم في مدار الرقي‪،‬‬
‫فالحرية حق أساسي للفرد والمجتمع‪ ،‬يتمتع بها‬
‫في تحقيق ذاته وإبراز قدراته‪ ،‬وسلب الحرية‬
‫من المجتمع سلب لهم مقوماته فهو أشبه‬
‫بالموات‪.‬‬
‫إن الحرية في السلم إشعاع داخلي مل جنبات‬
‫النفس النسانية بارتباطها بالله‪ ،‬فارتفع‬
‫النسان بهذا الرتباط إلى درجة السمو والرفعة‪،‬‬
‫فأصبحت النفس تواقة لفعل الصالحات‬
‫والمسارعة في الخيرات ابتغاء رب الرض‬
‫والسماوات‪ ،‬فالحرية في المجتمع السلمي‬
‫دعامة من دعائمه تحققت في المجتمع الراشدي‬
‫في أبهى صور انعكست أنوارها على صفحات‬
‫الزمان)‪.(525‬‬
‫ثامنًا‪ :‬نفقات الخليفة‪ ،‬والبدء بالتاريخ الهجري ولقب أمير‬
‫المؤمنين‪:‬‬

‫‪ -1‬نفقات الخليفة‪:‬‬
‫لما كانت الخلفة دينا وقربة يتقرب بها إلى‬
‫الله تعالى‪ ،‬فإن من يتولها ويحسن فيها فإنه‬
‫يرجى له مثوبته‪ ،‬وجزاؤه عند الله سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬فإنه يجازي المحسن‪ ،‬بإحسانه‪،‬‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫والمسيء بإساءته)‪ ،(526‬قال تعالى‪َ  :‬‬
‫ف َ‬
‫ه‬
‫عي ِ ِ‬
‫س ْ‬
‫ن لِ َ‬ ‫فل َ ك ُ ْ‬
‫فَرا َ‬ ‫ن َ‬
‫م ٌ‬ ‫م ْ‬
‫ؤ ِ‬ ‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫و ُ‬
‫ت َ‬
‫حا ِ‬
‫صال ِ َ‬‫ن ال ّ‬ ‫م ْ‬‫ل ِ‬ ‫م ْ‬
‫ع َ‬ ‫يَ ْ‬
‫ن)‪)  (94‬النبياء‪،‬آية‪ (94:‬ذلك بالنسبة‬ ‫ه َ‬
‫كات ُِبو َ‬ ‫وإ ِّنا ل َ ُ‬‫َ‬
‫للجزاء الخروي‪ ،‬وأما بالنسبة للجزاء الدنيوي‬

‫‪ () 525‬المجتمع السلمي د‪ .‬محمد أبو عجوة ص ‪.245‬‬
‫‪ () 526‬السلطة التنفيذية )‪.(1/215‬‬
‫فإن الخليفة الذي يحجز منافعه الصالحة‬
‫للمة‪ ،‬ويعمل على أداء الواجب نحوها يستحق‬
‫عوضا ً على ذلك‪ ،‬إذ أن المنافع إذا حجزت‬
‫قوبلت بعوضين)‪ ،(527‬فالقاعدة الفقهية أن كل‬
‫محبوس لمنفعة غيره يلزمه نفقته‪ ،‬كمفت‬
‫وقاض ووال)‪ ،(528‬وأخذ العوض على تولي‬
‫)‪(529‬‬
‫العمال مشروع بإعطاء النبي ‪ ‬العمال‬
‫لمن وله عمل ً)‪ (530‬ولما ولي عمر بن الخطاب‬
‫أمر المسلمين بعد‬
‫أبي بكر مكث زمانًا‪ ،‬ل يأكل من بيت المال‬
‫شيئا ً حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة‪ ،‬لم‬
‫يعد يكفيه ما يربحه من تجارته‪ ،‬لنه اشتغل‬
‫عنها بأمور الرعية‪ ،‬فأرسل إلى أصحاب رسول‬
‫الله فاستشارهم في ذلك فقال‪ :‬قد شغلت‬
‫نفسي في هذا المر فما يصلح لي فيه؟‬
‫فقال عثمان بن عفان‪ :‬كل وأطعم‪ ،‬وقال ذلك‬
‫سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل)‪ ،(531‬وقال‬
‫عمر لعلي‪ :‬ما تقول أنت في ذلك؟ قال‪ :‬غداء‬
‫وعشاء‪ ،‬فأخذ عمر بذلك‪ ،‬وقد بين عمر حظه‬
‫من بيت المال فقال‪ :‬إني أنزلت نفسي من‬
‫مال الله بمنزلة قيم اليتيم‪ ،‬إن استغنيت عنه‬
‫تركت‪ ،‬وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف)‪،(532‬‬
‫وجاء في رواية أن عمر خرج على جماعة من‬
‫الصحابة فسألهم‬
‫المبسوط )‪ ،(15/147،166‬المغني )‪.(5/445‬‬ ‫‪() 527‬‬
‫السلطة التنفيذية )‪.(1/215‬‬ ‫‪() 528‬‬
‫العمالة‪ :‬بالضم‪ ،‬رزق العامل‪.‬‬ ‫‪() 529‬‬
‫السلطة التنفيذية )‪.(1/216‬‬ ‫‪() 530‬‬
‫سعيد بن زيد العدوي أحد العشرة المبشرين بالجنة‪.‬‬ ‫‪() 531‬‬
‫سنده صحيح‪ ،‬الخلفة الراشدة د‪ .‬يحيى اليحيى ص ‪.270‬‬ ‫‪() 532‬‬
‫ما ترونه يحل لي من مال الله؟ أو قال‪ :‬من‬
‫هذا المال؟ فقالوا‪ :‬أمير المؤمنين أعلم بذلك‬
‫منا‪ ،‬قال إن شئتم أخبرتكم ما أستحل منه‪ ،‬ما‬
‫أحج وأعتمر عليه من الظهر‪ ،‬وحلتي في‬
‫الشتاء وحلتي في الصيف‪ ،‬وقوت عيالي‬
‫شبعهم‪ ،‬وسهمي في المسلمين‪ ،‬فإنما أنا‬
‫رجل من المسلمين‪ ،‬قال معمر‪ :‬وإنما كان‬
‫الذي يحج عليه ويعتمر بعيرا ً واحدا ً)‪ ،(533‬وقد‬
‫ضرب الخليفة الراشد الفاروق للحكام أروع‬
‫المثلة في أداء المانة فيما تحت أيديهم‪ ،‬فقد‬
‫روى أبو داود عن مالك بن أوس بن الحدثان‬
‫قال‪ :‬ذكر عمر بن الخطاب يوما ً الفيء فقال‪:‬‬
‫ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم‪ ،‬وما أحد منا‬
‫بأحق به من أحد‪ ،‬إل أنا على منازلنا من كتاب‬
‫الله عز وجل وقسم رسول الله ‪ ‬فالرجل‬
‫وقدمه‪ ،‬والرجل وبلؤه‪ ،‬والرجل وعياله‪،‬‬
‫والرجل وحاجته)‪ ،(534‬وعن الربيع بن زياد‬
‫الحارثي أنه وفد إلى عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه فأعجبته هيئته ونحوه‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين إن أحق الناس بطعام لين‪ ،‬ومركب‬
‫لين‪ ،‬وملبس لين لنت ‪-‬وكان أكل طعاما ً‬
‫غليظًا‪ -‬فرفع عمر جريدة كانت معه فضرب‬
‫بها رأسه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أما والله ما أراك أردت بها‬
‫الله‪ ،‬ما أردت بها إل مقاربتي‪ ،‬وإن كنت‬
‫لعّلها‪ :‬لحسب أن فيك خيرًا‪ ،‬ويحك هل تدري‬
‫مثلي ومثل هؤلء؟ قال‪ :‬وما مثلك ومثلهم‪،‬‬
‫قال مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى‬
‫‪ () 533‬مصنف عبد الرزاق رقم ‪ 20046‬نقل ً عن السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫‪ () 534‬سنن أبي داود رقم ‪.2950‬‬
‫رجل منهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬أنفق علينا‪ ،‬فهل يحل له‬
‫أن يستأثر منها بشيء؟ قال‪ :‬ل يا أمير‬
‫)‪(535‬‬
‫‪ ،‬وقد‬ ‫المؤمنين‪ ،‬قال فذلك مثلي ومثلهم‬
‫استنبط الفقهاء من خلل الهدى النبوي‬
‫والعهد الراشدي مجموعة من الحكام تتعلق‬
‫بنفقات الخليفة منها‪:‬‬
‫‪-1‬أنه يجوز للخليفة أن يأخذ عوضا ً عن‬
‫عمله‪ ،‬وقد نص النووي)‪ ،(536‬وابن‬
‫العربي)‪ ،(537‬والبهوتي)‪ ،(538‬وابن‬
‫مفلح)‪ (539‬على جواز ذلك‪.‬‬
‫‪ -2‬وأن الخليفتين أبا بكر وعمر رضي الله‬
‫عنهما قد أخذا رزقا ً على ذلك‪.‬‬
‫ث‪ -‬وأن أخذ الرزق هو مقابل انشغالهما‬
‫في أمور المسلمين كما قاله‬
‫أبو بكر وعمر رضي الله عنهما‪.‬‬
‫وأن الخليفة له أن يأخذ ذلك سواء كان‬ ‫‪-3‬‬
‫)‪(540‬‬
‫‪ ،‬أن‬ ‫بحاجة إليه أول‪ ،‬ويرى ابن المنير‬
‫الفضل له أن يأخذ‪ ،‬لنه لو أخذ كان‬
‫أعون في عمله مما لو ترك‪ ،‬لنه بذلك‬
‫يكون مستشعرا ً بأن العمل واجب‬
‫عليه)‪.(541‬‬
‫‪ -2‬بدء التاريخ‪:‬‬

‫محض الصواب )‪ ،(1/383‬الطبقات الكبرى )‪.(281 ،3/280‬‬ ‫‪() 535‬‬
‫روضة الطالبين )‪.(11/137‬‬ ‫‪() 536‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(229 ،12/228‬‬ ‫‪() 537‬‬
‫العلم للزركلي )‪.(8/249‬‬ ‫‪() 538‬‬
‫السلطة التنفيذية )‪.(1/218‬‬ ‫‪() 539‬‬
‫نفس المصدر )‪.(1/219‬‬ ‫‪() 540‬‬
‫شرح مسلم للنووي )‪.(7/137‬‬ ‫‪() 541‬‬
‫يعد التاريخ بالهجرة تطورا ً له خطره في‬
‫النواحي الحضارية‪ ،‬وكان أول من وضع التاريخ‬
‫بالهجرة عمر‪ ،‬ويحكى في سبب ذلك عدة‬
‫روايات‪ ،‬فقد جاء عن ميمون بن مهران أنه‬
‫ك محله‬ ‫ص ٌ‬
‫دفع إلى عمر رضي الله عنه َ‬ ‫قال‪ُ :‬‬
‫في شعبان‪ ،‬فقال عمر‪ :‬شعبان هذا الذي‬
‫مضى أو الذي هو آت أو الذي نحن فيه‪ ،‬ثم‬
‫جمع أصحاب رسول الله ‪ ‬فقال لهم‪ :‬ضعوا‬
‫للناس شيئا ً يعرفونه‪ ،‬فقال قائل‪ :‬اكتبوا على‬
‫تاريخ الروم فقيل‪ :‬إنه يطول وإنهم يكتبون‬
‫من عند ذي القرنين‪ ،‬فقال قائل‪ :‬اكتبوا تاريخ‬
‫الفرس قالوا‪ :‬كلما قام ملك طرح ما كان‬
‫قبله‪ ،‬فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام‬
‫رسول الله بالمدينة فوجدوه أقام عشرة‬
‫سنين فكتب أو كتب التاريخ على هجرة رسول‬
‫الله ‪ ،(542)‬وعن عثمان بن عبيد الله)‪،(543‬‬
‫قال‪ :‬سمعت سعيد بن المسيب يقول‪ :‬جمع‬
‫عمر بن الخطاب المهاجرين والنصار رضي‬
‫الله عنهم فقال‪ :‬متى نكتب التاريخ؟ فقال له‬
‫علي بن أبي طالب رضي الله عنه‪ :‬منذ خرج‬
‫النبي ‪ ‬من أرض الشرك‪ ،‬يعني من يوم‬
‫هاجر‪ ،‬قال‪ :‬فكتب ذلك عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه)‪ ،(544‬وعن ابن المسيب قال‪ :‬أول من‬
‫كتب التاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬
‫لسنتين ونصف من خلفته‪ ،‬فكتب لست‬

‫‪ () 542‬محض الصواب )‪ ،(1/316‬ابن الجوزي ص ‪.69‬‬
‫‪ () 543‬ابن أبي رافع مولى النبي ‪ r‬يروي عن أبيه‪.‬‬
‫‪ () 544‬المستدرك )‪ (3/14‬وصححه ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫عشرة من المحرم بمشورة على بن أبي‬
‫)‪(546‬‬
‫‪:‬‬ ‫طالب رضي الله عنه)‪ ،(545‬وقال أبو الزناد‬
‫استشار عمر في التاريخ فأجمعوا على‬
‫الهجرة)‪ ،(547‬وروى ابن حجر في سبب جعلهم‬
‫بداية التاريخ في شهر محرم وليس في ربيع‬
‫الول الشهر الذي تمت فيه هجرة النبي ‪ ‬أن‬
‫الصحابة الذين أشاروا على عمر وجدوا أن‬
‫المور التي يمكن أن يؤرخ بها أربعة‪ ،‬هي‬
‫مولده ومبعثه وهجرته ووفاته‪ ،‬ووجدوا أن‬
‫المولد والمبعث ل يخلو من النزاع في تعيين‬
‫سنة حدوثه‪ ،‬وأعرضوا عن التأريخ بوفاته لما‬
‫يثيره من الحزن والسى عند المسلمين‪ ،‬فلم‬
‫يبق إل الهجرة‪ ،‬وإنما أخروه من ربيع الول‬
‫إلى المحرم لن ابتداء العزم على الهجرة كان‬
‫من المحرم‪ ،‬إذ وقعت بيعة العقبة الثانية في‬
‫ذي الحجة‪ ،‬وهي مقدمة الهجرة‪ ،‬فكان أول‬
‫هلل استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة‬
‫هو هلل محرم‪ ،‬فناسب أن ُيجعل مبتدأ‪ ..‬ثم‬
‫قال ابن حجر‪ :‬وهذا أنسب ما وقعت عليه من‬
‫مناسبة البتداء بالمحرم)‪.(548‬‬
‫وبهذا الحدث الداري المتميز أسهم الفاروق‬
‫في إحداث وحدة شاملة بكل ما تحمله الكلمة‬
‫من معنى في شبه الجزيرة‪ ،‬حيث ظهرت‬
‫وحدة العقيدة بوجود دين واحد‪ ،‬ووحدة المة‬

‫‪ () 545‬تاريخ السلم للذهبي ص ‪.163‬‬
‫‪ () 546‬عبد الله بن ذكوان القرشي‪ ،‬ثقة فقيه‪ ،‬التقريب ص ‪.302‬‬
‫‪ () 547‬محض الصواب )‪.(1/317‬‬
‫‪ () 548‬فتح الباري )‪ ،(7/268‬الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى ص‬
‫‪.286‬‬
‫بإزالة الفوارق‪ ،‬ووحدة التجاه باتخاذ تاريخ‬
‫واحد‪ ،‬فاستطاع أن يواجه عدوه وهو واثق من‬
‫النصر)‪.(549‬‬
‫‪ -3‬لقب أمير المؤمنين‪:‬‬
‫لما مات أبو بكر رضي الله عنه وكان يدعى‬
‫خليفة رسول الله ‪ ‬فقال المسلمون‪ :‬من‬
‫جاء بعد عمر قيل له‪ :‬خليفة خليفة رسول الله‬
‫‪ ‬فيطول هذا‪ ،‬ولكن أجمعوا على اسم‬
‫دعى به من بعده من‬ ‫تدعون به الخليفة‪ ،‬ي ُ ْ‬
‫الخلفاء‪ ،‬فقال بعض أصحاب رسول الله ‪:‬‬
‫نحن المؤمنون وعمر أميرنا‪ ،‬فدعي عمر أمير‬
‫المؤمنين فهو أول من سمي بذلك)‪ ،(550‬وعن‬
‫ابن شهاب‪ :‬أن عمر بن عبد العزيز رضي الله‬
‫عنه سأل‬
‫)‪(551‬‬
‫‪ ،‬لم كان‬ ‫أبا بكر ابن سليمان بن أبي خيثمة‬
‫أبو بكر رضي الله عنه يكتب من‬
‫أبي بكر خليفة رسول الله ‪‬؟ ثم كان عمر‬
‫رضي الله عنه يكتب بعده‪ :‬من عمر بن‬
‫الخطاب خليفة أبي بكر ومن أول من كتب‬
‫أمير المؤمنين فقال‪ :‬حدثتني جدتي‬
‫الشفاء)‪ ،(552‬وكانت من المهاجرات الول‪،‬‬
‫وكان عمر إذا دخل السوق دخل عليها قال‪:‬‬

‫‪ () 549‬جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬محمد الوكيل ص‬
‫‪.90‬‬
‫‪ () 550‬الطبقات الكبرى لبن سعد )‪ ،(3/281‬محض الصواب )‬
‫‪.(1/311‬‬
‫‪ () 551‬العدوي المدني‪ ،‬ثقة‪ ،‬عارف بالنسب من الثالثة‪ ،‬التقريب‬
‫ص ‪.607‬‬
‫‪ () 552‬الشفاء بنت عبد الله العدوية‪ ،‬أسلمت قبل الهجرة‪.‬‬
‫كتب عمر بن الخطاب إلى عامل بالعراق)‪،(553‬‬
‫أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين‪ ،‬أسألهما‬
‫عن العراق وأهله‪ ،‬فبعث إليه صاحب العراقين‬
‫بلبيد بن ربيعة‪ ،‬وعدي بن حاتم‪ ،‬فقدما المدينة‬
‫فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد‪ ،‬ثم دخل‬
‫المسجد فوجدا عمرو بن العاص‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫)ياعمرو استأذن لنا على أمير المؤمنين‪،‬‬
‫فدخل عمرو فقال السلم عليك يا أمير‬
‫المؤمنين فقال له عمر‪ :‬ما بدا لك في هذا‬
‫السم يا بن العاص؟ لتخرجن مما قلت‪ :‬قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقال‪:‬‬
‫استأذن لنا على أمير المؤمنين فقلت‪ :‬أنتما‬
‫والله أصبتما اسمه‪ ،‬إنه أمير ونحن المؤمنون‪،‬‬
‫فجرى الكتاب من ذلك اليوم)‪ ،(554‬وفي رواية‪:‬‬
‫أن عمر رضي الله عنه قال‪ :‬أنتم المؤمنون‬
‫وأنا أميركم فهو سمى نفسه)‪ ،(555‬وبذاك يكون‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أول من‬
‫سمي بأمير المؤمنين‬
‫وأنه لم يسبق إليه‪ ،‬وإذا نظر الباحث في كلم‬
‫أصحاب النبي ‪ ‬رأى أن جميعهم قد اتفقوا‬
‫على تسميته بهذا السم وسار له في جميع‬
‫القطار في حال وليته)‪.(556‬‬

‫محض الصواب )‪.(1/312‬‬ ‫‪() 553‬‬
‫المستدرك )‪ (82 ،3/81‬قال الذهبي صحيح‪.‬‬ ‫‪() 554‬‬
‫محض الصواب )‪.(1/312‬‬ ‫‪() 555‬‬
‫نفس المصدر )‪.(1/313‬‬ ‫‪() 556‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬صفات الفاروق‪ ،‬وحياته مع أسرته‪،‬‬
‫واحترامه لهل البيت‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أهم صفات الفاروق‪:‬‬
‫إن مفتاح شخصية الفللاروق إيمللانه بللالله تعللالى‬
‫والستعداد لليوم الخر وكان هللذا اليمللان سللببا ً‬
‫لب في شخصية عمللر‬ ‫في التوازن المدهش والخ ّ‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه ولذلك لم تطللغ قللوته‬
‫علللى عللدالته‪ ،‬وسلللطانه علللى رحمتلله‪ ،‬ول غنللاه‬
‫على تواضعه وأصبح مستحقا ً لتأييد الللله وعللونه‪،‬‬
‫فقللد حقللق شللروط كلمللة التوحيللد‪ ،‬مللن العلللم‬
‫واليقين‪ ،‬والقبول‪ ،‬والنقياد‪ ،‬والخلص والمحبللة‬
‫وكان على فهم صللحيح لحقيقللة اليمللان وكلمللة‬
‫التوحيد فظهرت آثلار إيملانه العميللق فلي حيلاته‬
‫والتي من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬شدة خوفه من الله تعالى بمحاسبته لنفسه‪:‬‬
‫كان رضي الله عنه يقول‪ :‬أكثروا من ذكر‬
‫النار‪ ،‬فإن حّرها شديد‪ ،‬وقعرها بعيد‪ ،‬ومقامها‬
‫حديد)‪ ،(557‬وجاء ذات يوم أعرابي‪ ،‬فوقف عنده‬
‫وقال‪:‬‬
‫هز ُبنّياتي‬
‫يا عمر الخير جزيت ج ّ‬
‫وأمهّنه‬
‫لتلفعلللنه‬ ‫أقسلم باللله‬ ‫الجنة‬
‫قال‪ :‬فإن لم أفعل ماذا يكون يا أعرابي؟ قال‪:‬‬
‫أقسلم أنلي سلوف أمضلينه‬
‫قال‪ :‬فإن مضيت ماذا يكون يا أعرابي؟ قال‪:‬‬

‫‪ () 557‬فرائد الكلم للخلفاء الكرام ص ‪.155‬‬
‫م تكون المسألت‬ ‫ث ّ‬ ‫والله عن حالي‬
‫مه‬‫ث ّ‬ ‫لتسألنه‬
‫إما إلى نار وإما‬ ‫والواقف المسئول‬
‫فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬يا غلم أعطه قميصي هذا لذلك اليوم‪ ،‬ل‬
‫لشعره‪ ،‬والله ما أملك قميصا ً غيره)‪ ،(558‬وهكذا‬
‫بكى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بكاءً‬
‫كره‬ ‫شديدا ً تأثرا ً بشعر ذلك العرابي الذي ذ ّ‬
‫بموقف الحساب يوم القيامة‪ ،‬مع أنه ل يذكر‬
‫أنه ظلم أحدا ً من الناس‪ ،‬ولكنه لعظيم خشيته‬
‫وشدة خوفه من الله تعالى تنهمر دموعه أمام‬
‫كره بيوم القيامة)‪ ،(559‬وكان رضي‬ ‫كل من يذ ّ‬
‫الله عنه من شدة خوفه من الله تعالى‬
‫يحاسب نفسه حسابا ً عسيرًا‪ ،‬فإذا خيل إليه‬
‫أنه أخطأ في حق أحد طلبه‪ ،‬وأمره بأن يقتص‬
‫منه‪ ،‬فكان يقبل على الناس يسألهم عن‬
‫حاجاتهم‪ ،‬فإذا أفضوا إليه بها قضاها‪ ،‬ولكنه‬
‫ينهاهم عن أن يشغلوه بالشكاوى الخاصة إذا‬
‫تفرغ لمر عام‪ ،‬فذات يوم كان مشغول ً ببعض‬
‫المور العامة)‪ ،(560‬فجاءه رجل فقال‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬انطلق معي فأعني على فلن‪،‬‬
‫فإنه ظلمني‪ ،‬فرفع عمر الدرة‪ ،‬فخفق بها‬
‫رأس الرجل‪ ،‬وقال‪ :‬تتركون عمر وهو مقبل‬
‫عليكم‪ ،‬حتى إذا اشتغل بأمور المسلمين‬
‫أتيتموه‪ ،‬فانصرف الرجل متذمرًا‪ ،‬فقال عمر‬
‫ي بالرجل‪ :‬فلما أعادوه ألقى عمر بالدرة‬ ‫عل َ ّ‬
‫‪ () 558‬تاريخ بغداد )‪.(4/312‬‬
‫‪ () 559‬التاريخ السلمي )‪.(19/46‬‬
‫‪ () 560‬الفاروق للشرقاوي ص ‪.222‬‬
‫إليه‪ ،‬وقال‪ ،‬أمسك الدرة‪ ،‬واخفقني كما‬
‫خفقتك قال الرجل‪ :‬ل يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫أدعها لله ولك قال عمر‪ :‬ليس كذلك‪ :‬إما أن‬
‫تدعها لله وإرادة ما عنده من الثواب‪ ،‬أو تردها‬
‫ي‪ ،‬فأعلم ذلك‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬أدعها لله يا‬ ‫عل ّ‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬وانصرف الرجل‪ ،‬أما عمر فقد‬
‫مشى حتى دخل بيته)‪ (561‬ومعه بعض الناس‬
‫ما‬
‫منهم الحنف بن قيس الذي حدثنا ع ّ‬
‫رأى‪ ... :‬فافتتح الصلة فصلى ركعتين ثم‬
‫جلس‪ ،‬فقال‪ :‬يا ابن الخطاب كنت وضيعا ً‬
‫فرفعك الله‪ ،‬وكنت ضال ً فهداك الله‪ ،‬وكنت‬
‫ذليل ً فأعزك الله‪ ،‬ثم حملك على رقاب‬
‫المسلمين‪ ،‬فجاء رجل يستعديك‪ ،‬فضربته‪ ،‬ما‬
‫تقول لربك غدا ً إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه‬
‫معاتبة ظننت أنه خير أهل الرض)‪ ،(562‬وعن‬
‫إياس بن سلمة عن أبيه قال‪ :‬مر عمر رضي‬
‫الله عنه وأنا في السوق‪ ،‬وهو مار في حاجة‪،‬‬
‫ط)‪ (563‬عن الطريق‬ ‫م ْ‬
‫ومعه الدرة‪ ،‬فقال‪ :‬هكذا أ ِ‬
‫يا سلمة‪ ،‬قال‪ :‬ثم خفقني بها خفقة فما‬
‫أصاب إل طرف ثوبي‪ ،‬فأمطت عن الطريق‪،‬‬
‫فسكت عني حتى كان في العام المقبل‪،‬‬
‫فلقيني في السوق‪ ،‬فقال‪ :‬يا سلمة أردت‬
‫الحج العام؟ قلت نعم يا أمير المؤمنين‪ ،‬فأخذ‬
‫بيدي‪ ،‬فما فارقت يدي يده حتى دخل بيته‪،‬‬
‫فأخرج كيسا ً في ست مائة درهم فقال‪ :‬يا‬
‫سلمة استعن بهذه واعلم أنها من الخفقة‬
‫‪ () 561‬نفس المصدر ص ‪.222‬‬
‫‪ () 562‬محض الصواب )‪.(2/503‬‬
‫حاه ودفعه‪.‬‬‫‪ () 563‬ماطه وأماطه‪ :‬ن ّ‬
‫التي خفقتك عام أول‪ ،‬قلت والله يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬ما ذكرتها حتى ذكرتنيها قال‪ :‬والله‬
‫ما نسيتها بعد)‪ ،(564‬وكان رضي الله عنه يقول‬
‫في محاسبة النفس ومراقبتها‪ :‬حاسبوا‬
‫أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن‬
‫ذ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬ ‫‪‬‬ ‫توزنوا‪ ،‬وتهيئوا للعرض الكبر‬
‫في ٌَة)‪ ،(565)  (18‬وكان‬‫خا ِ‬ ‫من ْك ُ ْ‬
‫م َ‬ ‫فى ِ‬ ‫ن ل َ تَ ْ‬
‫خ َ‬ ‫ضو َ‬
‫عَر ُ‬
‫تُ ْ‬
‫من شدة خشيته لله ومحاسبته لنفسه يقول‪:‬‬
‫دي بطف)‪ (566‬الفرات لخشيت أن‬ ‫لو مات ج ْ‬
‫)‪(567‬‬
‫‪ ،‬وعن علي رضي الله‬ ‫يحاسب الله به عمر‬
‫عنه قال‪ :‬رأيت عمر بن الخطاب رضي الله‬
‫عنه على قتب يعدو‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‬
‫د)‪ (568‬من إبل الصدقة‬ ‫أين تذهب؟ قال‪ :‬بعير ن ّ‬
‫أطلبه فقلت‪ :‬أذللت الخلفاء بعدك‪ ،‬فقال يا أبا‬
‫الحسن ل تلمني فوالذي بعث محمدا ً بالنبوة‬
‫لو أن عناقا ً)‪ (569‬أخذت بشاطئ الفرات لخذ‬
‫بها عمر يوم القيامة)‪ ،(570‬وعن أبي سلمة‬
‫قال‪ :‬انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجال ً‬
‫ونساء في الحرم على حوض يتوضئون منه‪،‬‬
‫حتى فرق بينهم‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا فلن‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫لبيك‪ ،‬قال ل لبيك ول سعديك‪ ،‬ألم آمرك أن‬
‫تتخذ حياضا ً للرجال وحياضا ً للنساء‪ ،‬قال‪ :‬ثم‬

‫تاريخ الطبري )‪ (4/244‬وإسناده ضعيف‪.‬‬ ‫‪() 564‬‬
‫مختصر منهاج القاصدين ص ‪ ،372‬فرائد الكلم ص ‪.143‬‬ ‫‪() 565‬‬
‫طف‪ :‬الشاطئ‪.‬‬ ‫‪() 566‬‬
‫مناقب عمر ص ‪.161 ،160‬‬ ‫‪() 567‬‬
‫د‪ :‬شرد وهرب‪.‬‬ ‫ن ّ‬ ‫‪() 568‬‬
‫العناق‪ :‬النثى من المعز ما لم يتم له سنة‪.‬‬ ‫‪() 569‬‬
‫مناقب عمر ص ‪.161‬‬ ‫‪() 570‬‬
‫اندفع فلقيه علي رضي الله عنه فقال‪ :‬أخاف‬
‫أن أكون هلكت قال‪ :‬وما أهلكك؟ قال ضربت‬
‫رجال ً ونساءً في حرم الله –عز وجل‪ -‬قال‪ :‬يا‬
‫أمير المؤمنين أنت راع من الرعاة‪ ،‬فإن كنت‬
‫على نصح وإصلح فلن يعاقبك الله‪ ،‬وإن كنت‬
‫ضربتهم على غش فأنت الظالم)‪ ،(571‬وعن‬
‫الحسن البصري أنه قال‪ :‬بينما عمر رضي الله‬
‫عنه يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه‬
‫‪‬‬ ‫ت‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬ ‫وال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ن َ‬
‫مِني َ‬
‫ؤ ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫الية‬‫ن يُ ْ‬
‫ؤ ُ‬
‫ذو َ‬ ‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬
‫فانطلق إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته‬
‫وهو جالس على وسادة فانتزعها أبي من‬
‫تحته وقال‪ :‬دونكها يا أمير المؤمنين قال‪:‬‬
‫فنبذها برجله وجلس‪ ،‬فقرأ عليه هذه الية‬
‫وقال‪ :‬أخشى أن أكون أنا صاحب الية‪ ،‬أوذي‬
‫المؤمنين‪ ،‬قال‪ :‬ل تستطيع إل أن تعاهد‬
‫رعيتك‪ ،‬فتأمر وتنهى فقال عمر‪ :‬قد قلت‬
‫والله أعلم)‪ ،(572‬وكان عمر رضي الله عنه ربما‬
‫توقد النار ثم يدلي يده فيها‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ابن‬
‫الخطاب هل لك على هذا صبر)‪.(573‬‬
‫وعندما بعث سعد بن أبي وقاص أيام‬
‫القادسية إلى عمر رضي الله عنه بقباء‬
‫كسرى‪ ،‬وسيفه ومنطقته‪ ،‬وسراويله‪،‬‬
‫وقميصه‪ ،‬وتاجه‪ ،‬وخفيه‪ ،‬نظر عمر في وجوه‬
‫القوم فكان أجسمهم وأمدهم قامة سراقة‬
‫بن جعثم المدلجي‪ ،‬فقال‪ :‬يا سراقة قم‬
‫‪ () 571‬مصنف عبد الرزاق )‪ (76 ،1/75‬وإسناده حسن‪ ،‬محض‬
‫الصواب )‪.(2/622‬‬
‫‪ () 572‬مناقب عمر ص ‪ ،162‬محض الصواب )‪.(2/623‬‬
‫‪ () 573‬نفس المصدر ص ‪.62‬‬
‫فالبس فقام فلبس وطمع فيه‪ ،‬فقال له‬
‫عمر‪ :‬أدبر فأدبر ثم قال‪ :‬أقبل فأقبل ثم قال‪:‬‬
‫بخ بخ‪ ،‬أعرابي من بني مدلج عليه قباء‬
‫كسرى‪ ،‬وسراويله‪ ،‬وسيفه‪ ،‬ومنطقته‪ ،‬وتاجه‪،‬‬
‫وخفاه‪ ،‬رب يوم يا سراقة بن مالك لو كان‬
‫عليك فيه من متاع كسرى كان شرفا ً لك‬
‫ولقومك انزع فنزع سراقة‪ ،‬فقال عمر‪ ،‬إنك‬
‫منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحب إليك مني‬
‫وأكرم عليك مني‪ ،‬ومنعته أبا بكر وكان أحب‬
‫إليك مني‪ ،‬وأكرم عليك مني‪ ،‬ثم أعطيتنيه‬
‫فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي ثم‬
‫بكى حتى رحمه من عنده ثم قال لعبد‬
‫الرحمن‪ :‬أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته‬
‫قبل أن تمسي)‪ (574‬ومواقفه في هذا الباب‬
‫كثيرة جدًا‪.‬‬
‫‪ -1‬زهده‪:‬‬
‫فهم عمر رضي الللله عنلله مللن خلل معايشللته‬
‫للقللرآن الكريللم‪ ،‬ومصللاحبته للنللبي الميللن ‪‬‬
‫ومللن تفكللره فللي هللذه الحيللاة بللأن الللدنيا دار‬
‫اختبللار وابتلء وعليلله فإنهللا مزرعللة للخللرة‪،‬‬
‫ولللذلك تحللّرر مللن سلليطرة الللدنيا بزخارفهللا‪،‬‬
‫وزينتها‪ ،‬وبريقها وخضع وانقاد وأسلللم نفسلله‬
‫لربه ظاهرا ً وباطنًا‪ ،‬وكللان وصللل إلللى حقللائق‬
‫استقرت في قلبلله سللاعدته علللى الزهللد فللي‬
‫هذه الدنيا ومن هذه الحقائق‪:‬‬

‫‪ () 574‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‬
‫)‪.(2/625‬‬
‫أ‪ -‬اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه‬
‫بالغرباء‪ ،‬أو عابري سبيل كما قال النبي ‪:‬‬
‫كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)‪.(575‬‬
‫ب‪ -‬وأن هذه الدنيا ل وزن لها ول قيمة عند‬
‫رب العزة إل ما كان منها طاعة لله ‪-‬تبارك‬
‫وتعالى‪ -‬إذ يقول النبي ‪ ‬لو كانت الدنيا‬
‫تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا ً‬
‫منها شربة ماء)‪) ،(576‬الدنيا ملعونة‪ ،‬ملعون ما‬
‫فيها إل ذكر الله وما واله‪ ،‬أو عالمًا‪ ،‬أو‬
‫متعلمًا( )‪.(577‬‬
‫ج‪ -‬وأن عمرها قد قارب على النتهاء‪ ،‬إذ‬
‫ت أنا والساعة كهاتين بالسّبابة‬ ‫يقول ‪ ‬بعث ُ‬
‫)‪(578‬‬
‫‪.‬‬ ‫والوسطى‬
‫د‪ -‬وأن الخرة هي الباقية‪ ،‬وهي دار القرار‪،‬‬
‫ه‬
‫ذ ِ‬ ‫ه ِ‬
‫ما َ‬‫وم ِ إ ِن ّ َ‬ ‫كما قال مؤمن آل فرعون‪َ  :‬يا َ‬
‫ق ْ‬
‫ر)‪(39‬‬ ‫قَرا ِ‬ ‫داُر ال ْ َ‬ ‫ي َ‬ ‫ه َ‬ ‫خَرةَ ِ‬ ‫ن ال ِ‬ ‫وإ ِ ّ‬ ‫ع َ‬ ‫مَتا ٌ‬ ‫حَياةُ الدّن َْيا َ‬ ‫ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ل‬ ‫ع ِ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫و َ‬ ‫ها َ‬ ‫مث ْل َ َ‬‫جَزى إ ِل ّ ِ‬ ‫فل َ ي ُ ْ‬ ‫ة َ‬ ‫سي ّئ َ ً‬ ‫ل َ‬ ‫م َ‬ ‫ع ِ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫َ‬
‫ن‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫خلو َ‬ ‫ولئ ِك ي َدْ ُ‬ ‫ْ‬ ‫أ‬ ‫ف‬ ‫ن‬
‫ٌ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ؤ‬ ‫م‬ ‫و‬
‫َ َ ُ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫و‬ ‫ثى‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫و‬‫ٍ ْ‬ ‫أ‬ ‫ر‬ ‫ك‬ ‫ذ‬ ‫ن‬‫ْ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫حا‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫صا‬‫َ‬
‫ب)‪)  (40‬غافر‪،‬آية‪:‬‬ ‫سا ٍ‬ ‫ح َ‬ ‫ر ِ‬‫غي ْ ِ‬
‫ها ب ِ َ‬ ‫في َ‬ ‫ن ِ‬ ‫قو َ‬ ‫ة ي ُْرَز ُ‬ ‫جن ّ َ‬ ‫ال ْ َ‬
‫‪ ،(579) (40 ،39‬كانت الحقائق قد استقرت في‬
‫قلب عمر فترفع رضي الله عنه عن الدنيا‬
‫وحطامها وزهد فيها وإليك شيئا ً من مواقفه‬
‫التي تدل على زهده في هذه الفانية‪ ،‬فعن‬

‫‪ () 575‬الترمذي‪ ،‬ك الزهد رقم ‪ 2333‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫‪ () 576‬الترمذي‪ ،‬ك الزهد رقم ‪.2320‬‬
‫‪ () 577‬الترمذي‪ ،‬ك الزهد رقم ‪ 2322‬حسن غريب قاله الترمذي‪.‬‬
‫‪ () 578‬مسلم‪ ،‬ك الفتن وأشراط الساعة رقم ‪.135 -132‬‬
‫‪ () 579‬من أخلق النصر في جيل الصحابة د‪ .‬السيد محمد نوح ص‬
‫‪.48،49‬‬
‫أبي الشهب)‪ (580‬قال‪ :‬مّر عمر رضي الله‬
‫عنه على مزبلة فاحتبس عندها‪ ،‬فكأن‬
‫أصحابه تأذوا بها‪ ،‬فقال‪ :‬هذه دنياكم التي‬
‫تحرصون عليها‪ ،‬وتبكون عليها)‪.(581‬‬
‫وعن سالم بن عبد الله‪ :‬أن عمر بن الخطاب‬
‫كان يقول‪ :‬والله ما نعبأ بلذات العيش أن‬
‫نأمر بصغار المعزى أن تسمط)‪ (582‬لنا‪ ،‬ونأمر‬
‫بلباب)‪ (583‬الخبز فيخبز لنا‪ ،‬ونأمر بالزبيب‬
‫فينبذ لنا في السعان)‪ (584‬حتى إذا صار مثل‬
‫عين اليعقوب)‪ ،(585‬أكلنا هذا وشربنا هذا‪،‬‬
‫ولكنا نريد أن نستبقي طيباتنا‪ ،‬لنا سمعنا‬
‫حَيات ِك ُ ْ‬
‫م الدّن َْيا‬ ‫في َ‬ ‫م طَي َّبات ِك ُ ْ‬
‫م ِ‬ ‫الله يقول‪  :‬أ َذْ َ‬
‫هب ْت ُ ْ‬
‫‪) ‬الحقاف‪،‬آية‪ ،(20:‬وعن أبي عمران الجوني‬
‫قال‪ :‬قال عمر بن الخطاب لنحن أعلم بلين‬
‫الطعام من كثير من آكليه‪ ،‬ولكنا ندعه ليوم‬
‫ت‬
‫ع ْ‬ ‫ما أ َْر َ‬
‫ض َ‬ ‫ع ّ‬
‫ة َ‬
‫ع ٍ‬
‫ض َ‬
‫مْر ِ‬ ‫ل كُ ّ‬
‫ل ُ‬ ‫ه ُ‬‫ها ت َذْ َ‬
‫ون َ َ‬
‫م ت ََر ْ‬ ‫‪ ‬يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ل‬
‫م ٍ‬ ‫ح ْ‬ ‫ت َ‬ ‫ذا ِ‬ ‫ل َ‬ ‫ع كُ ّ‬‫ض ُ‬‫وت َ َ‬ ‫َ‬
‫مل ََها ‪) ‬الحج‪،‬آية‪ ،(2:‬وقد قال عمر رضي‬ ‫ح ْ‬‫َ‬
‫الله عنه‪ :‬نظرت في هذا المر‪ ،‬فجعلت إن‬
‫أردت الدنيا أضّر بالخرة‪ ،‬وإن أردت الخرة‬
‫أضر بالدنيا‪ ،‬فإذا كان المر هكذا‪ ،‬فأضر‬

‫‪ () 580‬جعفر بن حيان السعدي‪.‬‬
‫‪ () 581‬الزهد للمام أحمد ص ‪.118‬‬
‫‪ () 582‬السمط‪ :‬سمط الجدي‪ :‬سمطه‪ :‬نتف صوفه بالماء الحار‪.‬‬
‫‪ () 583‬اللباب‪ :‬الخالص من كل شيء‪.‬‬
‫‪ () 584‬السعان‪ :‬جمع سعن‪ ،‬والسعن‪ :‬قربة تقطع من نصفها‬
‫وينتبذ فيها‪.‬‬
‫‪ () 585‬اليعقوب‪ :‬الحجل‪.‬‬
‫بالفانية)‪ ،(586‬وقد خطب رضي الله عنه‬
‫الناس‪ ،‬وهو خليفة‪ ،‬وعليه إزار فيه اثنتا‬
‫عشرة رقعة)‪ ،(587‬وطاف ببيت الله الحرام‬
‫وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة‪ ،‬إحداهن‬
‫بأدم أحمر)‪ ،(588‬وأبطأ على الناس يوم‬
‫الجمعة‪ ،‬ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه‪،‬‬
‫وقال‪ :‬إنما حبسني غسل ثوبي هذا‪ ،‬كان‬
‫يغسل‪ ،‬ولم يكن لي ثوب غيره)‪ ،(589‬وعن عبد‬
‫الله بن عامر بن ربيعة قال‪ :‬خرجت مع عمر‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه حاجا ً من المدينة‬
‫إلى مكة‪ ،‬إلى أن رجعنا‪ ،‬فما ضرب له‬
‫فسطاطا ً)‪ ،(590‬ول خباء‪ ،‬كان يلقى‬
‫الكساء)‪ (591‬والنطع)‪ ،(592‬على الشجرة‬
‫فيستظل تحته)‪ ،(593‬هذا هو أمير المؤمنين‬
‫الذي يسوس رعية من المشرق والمغرب‬
‫يجلس على التراب وتحته رداءٌ كأنه أدنى‬
‫مة الناس‪ ،‬ودخلت عليه‬ ‫الرعية‪ ،‬أو من عا ّ‬
‫مرة حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وقد‬
‫رأت ما هو فيه من شدة العيش والزهد‬
‫الظاهر عليه فقالت‪ :‬إن الله أكثر من الخير‪،‬‬
‫وأوسع عليك من الرزق‪ ،‬فلو أكلت طعاما ً‬
‫‪ () 586‬الحلية )‪ (1/50‬وهو ضعيف لنقطاعه‪ ،‬مناقب عمر لبن‬
‫الجوزي ص ‪.137‬‬
‫‪ () 587‬الزهد للمام أحمد ص ‪ 124‬له طرق تقويه‪.‬‬
‫‪ () 588‬الطبقات الكبرى )‪ (3/328‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪ () 589‬محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‬
‫)‪.(2/566‬‬
‫‪ () 590‬الفسطاط‪ :‬بيت من شعر‪.‬‬
‫‪ () 591‬الكساء‪ :‬في الطبقات والمناقب أو النطع‪.‬‬
‫‪ () 592‬الّنطع‪ :‬بساط من الديم‪.‬‬
‫‪ () 593‬الطبقات لبن سعد )‪ (3/279‬وإسناده صحيح‪.‬‬
‫أطيب من ذلك‪ ،‬ولبست ثيابا ً ألين من ثوبك؟‬
‫قال‪ :‬سأخصمك إلى نفسك)‪ ،(594‬فذكر أمر‬
‫رسول الله ‪ ‬وما كان يلقى من شدة‬
‫العيش‪ ،‬فلم يزل ُيذكرها ما كان فيه رسول‬
‫الله ‪ ‬وكانت معه حتى أبكاها‪ ،‬ثم قال‪ :‬إنه‬
‫كان لي صاحبان سلكا طريقًا‪ ،‬فإن سلكت‬
‫الشديد‪ ،‬لعلي أن أدرك معهما عيشهما‬
‫الرخي)‪.(595‬‬
‫لقد بسطت الدنيا بين يدي عمر رضي الله‬
‫عنه وتحت قدميه‪ ،‬وفتحت بلد الدنيا في‬
‫عهده‪ ،‬وأقبلت إليه الدنيا راغمة‪ ،‬فما طرف‬
‫لها بعين‪ ،‬ول اهتز لها قلبه‪ ،‬بل كان كل‬
‫سعادته‪ ،‬في إعزاز دين الله‪ ،‬وخضد شوكة‬
‫المشركين‪ ،‬فكان الزهد صفة بارزة في‬
‫شخصية الفاروق)‪ ،(596‬يقول سعد بن أبي‬
‫وقاص رضي الله عنه‪ :‬والله ما كان عمر بن‬
‫الخطاب بأقدامنا هجرة‪ ،‬وقد عرفت بأي‬
‫شيء فضلنا‪ ،‬كان أزهدنا في الدنيا)‪.(597‬‬

‫‪ () 594‬سأخصمك إلى نفسك‪ :‬أي سأجعلك حكما ً على نفسك‪.‬‬
‫‪ () 595‬الزهد للمام أحمد ص ‪ ،125‬الطبقات )‪.(3/277‬‬
‫‪ () 596‬الفاروق أمير المؤمنين د‪.‬لماظة ص ‪.11‬‬
‫‪ () 597‬إسناده جيد‪ :‬أخرجه ابن أبي شيبة )‪ (8/149‬في مصنفه‪،‬‬
‫وابن عساكر )‪.(52/244‬‬
‫‪ -2‬ورعه‪:‬‬
‫ومما يدل على ورعه رضي الله عنه ما أخرجه‬
‫أبو زيد عمر بن شبة من خبر معدان بن أبي‬
‫طلحة اليعمري أنه قدم على عمر رضي الله‬
‫عنه بقطائف وطعام‪ ،‬فأمر به فقسم‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬اللهم إنك تعلم أني لم أرزقهم ولن‬
‫أستأثر عليهم إل أن أضع يدي في طعامهم‪،‬‬
‫وقد خفت أن تجعله نارا ً في بطن عمر‪ ،‬قال‬
‫معدان‪ :‬ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صحفة من‬
‫خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة‪،‬‬
‫فأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يرغب في‬
‫أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من‬
‫المصالح الجتماعية‪ ،‬ولكنه يتحرج من أن يأكل‬
‫من طعام صنع من مال المسلمين العام‪،‬‬
‫فيأمر بإحضار طعام خاص له من خالص ماله‪،‬‬
‫وهذا مثال رفيع في العفة والورع إذ أن الكل‬
‫من مال المسلمين العام معهم ليس فيه‬
‫شبهة تحريم لنه منهم ولكنه قد أعف نفسه‬
‫من ذلك ابتغاء مما عند الله تعالى‪ ،‬ولشدة‬
‫خوفه من الله تعالى خشي أن يكون ذلك من‬
‫الشبهات فحمى نفسه منه)‪ ،(598‬وعن عبد‬
‫الرحمن بن نجيح قال‪ :‬نزلت على عمر رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬فكانت له ناقة يحلبها‪ ،‬فانطلق‬
‫غلمه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها‬
‫فشربها‪ ،‬فخليت لك ناقة من مال الله‪ ،‬فقال‬

‫‪ () 598‬التاريخ السلمي )‪.(19/37‬‬
‫ويحك تسقيني نارًا‪ ،‬واستحل ذلك اللبن من‬
‫بعض الناس‪ ،‬فقيل هو لك حلل يا أمير‬
‫المؤمنين ولحمها)‪ ،(599‬فهذا مثل من ورع أمير‬
‫المؤمنين عمر رضي الله عنه‪ ،‬حيث خشي من‬
‫عذاب الله جل وعل لما شرب ذلك اللبن مع‬
‫أنه لم يتعمد ذلك‪ ،‬ولم تطمئن نفسه إل بعد‬
‫أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة رضي‬
‫الله عنهم الذي يمثلون المسلمين في ذلك‬
‫المر‪ ،‬وهذا الخبر وأمثاله يدل على أن ذكر‬
‫الخرة بما فيها من حساب ونعيم أو شقاء‬
‫أخذ بمجامع عمر ومل عليه تفكيره‪ ،‬حتى أصبح‬
‫ذلك موجها ً لسلوكه في هذه الحياة)‪ ،(600‬لقد‬
‫كان عمر رضي الله عنه شديد الورع‪ ،‬وقد بلغ‬
‫به الورع فيما يحق له ول يحق‪ ،‬أنه مرض يومًا‪،‬‬
‫فوصفوا له العسل دواء‪ ،‬وكان في بيت المال‬
‫عسل جاء من بعض البلد المفتوحة‪ ،‬فلم يتداو‬
‫عمر بالعسل كما نصحة الطباء‪ ،‬حتى جمع‬
‫الناس‪ ،‬وصعد المنبر واستأذن الناس‪ :‬إن‬
‫أذنتم لي‪ ،‬وإل فهو علي حرام‪ ،‬فبكى الناس‬
‫إشفاقا ً عليه وأذنوا له جميعًا‪ ،‬ومضى بعضهم‬
‫يقول لبعض‪ ،‬لله درك يا عمر! لقد أتعبت‬
‫الخلفاء بعدك)‪.(601‬‬
‫‪ -3‬تواضعه‪:‬‬

‫‪ () 599‬تاريخ المدينة المنورة ص ‪.702‬‬
‫‪ () 600‬التاريخ السلمي )‪.(19/28‬‬
‫‪ () 601‬فرائد الكلم للخلفاء الكرام ص ‪ ،113‬الفاروق للشرقاوي‬
‫ص ‪.275‬‬
‫عن عبد الله بن عباس قال‪ :‬كان للعباس‬
‫ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم‬
‫الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما‬
‫ب ماء بدم الفرخين فأصاب‬ ‫ص ّ‬
‫وافى الميزاب ُ‬
‫عمر‪ ،‬فأمر عمر بقلعه‪ ،‬ثم رجع عمر فطرح‬
‫ثيابه ولبس ثيابا ً غير ثيابه‪ ،‬ثم جاء فصلى‬
‫بالناس فأتاه العباس فقال‪ :‬والله إنه للموضع‬
‫الذي وضعه رسول الله ‪ ‬فقال عمر للعباس‪:‬‬
‫وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى‬
‫تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ‪،‬‬
‫ففعل ذلك العباس)‪ ،(602‬وعن الحسن البصري‬
‫قال‪ :‬خرج عمر رضي الله عنه في يوم حاّر‬
‫واضعا ً رداءه على رأسه‪ ،‬فمّر به غلم على‬
‫حمار‪ ،‬فقال‪ :‬يا غلم‪ ،‬احملني معك‪ ،‬فوثب‬
‫الغلم عن الحمار‪ ،‬وقال‪ :‬اركب‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬اركب وأركب أنا‬
‫خلفك‪ ،‬تريد تحملني على المكان الوطئ‪،‬‬
‫وتركب أنت على الموضع الخشن‪ ،‬فركب خلف‬
‫الغلم‪ ،‬فدخل المدينة‪ ،‬وهو خلفه والناس‬
‫ينظرون إليه)‪ ،(603‬وعن سنان بن سلمة‬
‫الهذلي قال‪ :‬خرجت مع الغلمان ونحن نلتقط‬
‫البلح‪ ،‬فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬
‫ومعه الدّّرة‪ ،‬فلما رآه الغلمان تفرقوا في‬
‫النخل‪ ،‬قال‪ :‬وقمت وفي إزاري شيء قد‬
‫لقطته‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬هذا ما تلقي الريح‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فنظر إليه في إزاري فلم يضربني‪ ،‬فقلت‪ :‬يا‬
‫‪ () 602‬صفة الصفوة )‪.(1/285‬‬
‫‪ () 603‬أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري )‪.(1/157‬‬
‫ي‪،‬‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬الغلمان الن بين يد ّ‬
‫وسيأخذون ما معي‪ ،‬قال كل‪ ،‬امش قال فجاء‬
‫معي إلى أهلي)‪.(604‬‬
‫وقدم على عمر بن الخطاب وفد من العراق‬
‫فيهم الحنف بن قيس في يوم صائف شديد‬
‫الحر‪ ،‬وعمر معتجر )معمم( بعباءة يهنأ بعيرا ً‬
‫من إبل الصدقة )أي يطليه بالقطران( فقال‪:‬‬
‫يا أحنف ضع ثيابك‪ ،‬وهلم‪ ،‬فأعن أمير‬
‫المؤمنين على هذا البعير فإنه إبل الصدقة‪،‬‬
‫فيه حق اليتيم‪ ،‬والرملة‪ ،‬والمسكين‪ ،‬فقال‬
‫رجل من القوم‪ :‬يغفر الله لك يا أمير‬
‫المؤمنين فهل تأمر عبدا ً من عبيد الصدقة‬
‫فيكفيك؟ فقال عمر‪ :‬وأي عبد هو أعبد مني‪،‬‬
‫ومن الحنف؟ إنه من ولي أمر المسلمين‬
‫يجب عليه لهم ما يجب على العبد لسيده في‬
‫النصيحة‪ ،‬وأداء المانة)‪ ،(605‬وعن عروة بن‬
‫الزبير رضي الله عنهما قال رأيت عمر بن‬
‫الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء‬
‫فقلت‪:‬‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬ل ينبغي لك هذا‪ ،‬فقال‪ :‬لما‬
‫أتاني الوفود سامعين مطيعين‪ ،‬دخلت نفسي‬
‫نخوة‪ ،‬فأردت أن أكسرها)‪ ،(606‬وعن أنس بن‬
‫مالك رضي الله عنه قال‪ :‬سمعت عمر بن‬
‫الخطاب يومًا‪ ،‬وخرجت معه حتى دخل حائطا‪ً،‬‬
‫فسمعته يقول‪ :‬وبيني وبينه جدار‪ ،‬وهو في‬
‫‪ () 604‬صلح المة في علو الهمة‪ ،‬سيد العفاني )‪.(5/425‬‬
‫‪ () 605‬أخبار عمر ص ‪ ،343‬أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري )‬
‫‪.(1/156‬‬
‫‪ () 606‬مدارج السالكين )‪.(2/330‬‬
‫جوف الحائط‪ :‬عمر بن الخطاب أمير المؤمنين‬
‫ي الخطاب‪ ،‬لتتقين الله‪ ،‬أو‬ ‫بخ‪ ،‬والله بن ّ‬
‫ليعذبنك)‪ ،(607‬وعن جبير بن نفير‪ :‬أن نفرا ً‬
‫قالوا لعمر بن الخطاب‪ :‬ما رأينا رجل ً أقضى‬
‫بالقسط‪ ،‬ول أقول للحق ول أشدّ على‬
‫المنافقين منك يا أمير المؤمنين‪ ،‬فأنت خير‬
‫الناس بعد رسول الله‪ ،‬فقال عوف بن‬
‫مالك)‪ : (608‬كذبتم – والله – لقد رأينا بعد رسول‬
‫الله ‪ ،‬فقال‪ :‬من هو؟ فقال‪ :‬أبو بكر فقال‬
‫عمر‪ :‬صدق عوف‪ ،‬وكذبتم‪ ،‬والله لقد كان أبو‬
‫بكر أطيب من ريح المسك‪ ،‬وأنا أضل من بعير‬
‫أهلي – يعني قبل أن يسلم – لن أبا بكر أسلم‬
‫قبله بست سنين)‪.(609‬‬
‫وهذا يدل على تواضع عمر وتقديره للفضلء‬
‫ول يقتصر على الحياء منهم‪ ،‬ولكنه يعم منهم‬
‫الموتى كذلك‪ ،‬فل يرضى أن ينكر فضلهم أو‬
‫يغفل ذكراهم‪ ،‬ويظل يذكرهم بالخير في كل‬
‫موقف‪ ،‬ويحمل الناس على احترام هذا‬
‫المعنى النبيل وعدم نسيان ما قدموه من‬
‫جلئل العمال‪ ،‬فيبقى العمل النافع متواصل‬
‫الحلقات يحمله رجال من رجال إلى رجال‪ ،‬فل‬
‫ينسى العمل الطيب بغياب صاحبه أو وفاته‬
‫وفي هذا وفاء وفيه إيمان)‪.(610‬‬
‫إن عمر رضي الله عنه ل يقر إغفال فضل من‬
‫سبقه في هذا المقام ول يرضى أن تذهب‬
‫‪ () 607‬مالك في الموطأ )‪ (2/992‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪ ()608‬الشجعي‪ ،‬صحابي مشهور‪ ،‬من مسلمة الفتح‪.‬‬
‫‪ ()609‬مناقب عمر لبن الجوزي ص ‪ ،14‬محض الصواب )‪.(586 /2‬‬
‫‪ ()610‬شهيد المحراب ص ‪.144‬‬
‫أفضال السابقين أدراج النسيان‪ .‬إن المة‬
‫التي تنسى أو تغفل ذكر من خدموها‪ ،‬أمة‬
‫مقضي عليها بالتبار‪ ،‬أليس من الخير أن يربي‬
‫الناس على هذه الخلل السامية؟ لقد تربى‬
‫عمر على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلة‬
‫والسلم فعّلماه ما تعجز عنه كتب التربية‬
‫والخلق قديمها وحديثها‪ ،‬وما يزال كتاب الله‬
‫بين أيدينا وما تزال سنة رسول الله ‪‬‬
‫محفوظة لدينا وفيها علم وتربية وأخلق بما‬
‫ل يقاس عليه)‪.(611‬‬

‫‪ -4‬حلمه‪:‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنه قال‪ :‬قدم عيينة‬
‫بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر‬
‫بن قيس)‪ ،(612‬وكان من النفر الذين يدنيهم‬
‫عمر‪ ،‬وكان القراء أصحاب مجالس عمر‬
‫ومشاورته‪ ،‬كهول كانوا أو شبانا‪ ،‬فقال عيينة‬
‫لبن أخيه‪ :‬يا ابن أخي هل لك أو قال‪ :‬لك وجه‬
‫عند المير‪ ،‬فاستأذن لي عليه قال‪ :‬سأستأذن‬
‫لك عليه قال ابن عباس‪ :‬فاستأذن الحر‬
‫لعيينة‪ ،‬فأذن له عمر‪ ،‬فلما دخل عليه قال‪:‬‬
‫إيه‪ ،‬أو هي يا بن الخطاب‪ ،‬فوالله ما تعطينا‬
‫الجزل)‪ ،(613‬ول تحكم فينا بالعدل‪ ،‬فغضب عمر‬
‫حتى هم أن يوقع به‪ ،‬فقال له الحر‪ :‬يا أمير‬
‫و‬
‫ف َ‬‫ع ْ‬‫خذ ْ ا ل ْ َ‬
‫المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه‪ُ  :‬‬
‫)العراف‪:‬‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬
‫هِلي َ‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫جا ِ‬ ‫ع ْ‬
‫ض َ‬
‫ر ْ‬ ‫وأ َ ْ‬
‫ع ِ‬ ‫ف َ‬ ‫مْر ِبال ْ ُ‬
‫عْر ِ‬
‫ْ‬
‫وأ ُ‬‫َ‬
‫‪ ()611‬نفس المصدر ص ‪.144،145‬‬
‫‪ ()612‬الحر بن قيس الفزاري‪ ،‬صحابي أسلم مع وفد بني فزارة‪.‬‬
‫‪ ()613‬الجزل‪ :‬الجزيل العظيم‪ :‬وأجزلت له العطاء أي أكثرت‪.‬‬
‫‪ .(199‬وإن هذا من الجاهلين‪ ،‬والله ما جاوزها‬
‫عمر حين تلها عليه‪ ،‬وكان وقافا ً عند كتاب‬
‫الله)‪ ،(614‬فعندما سمع رضي الله عنه الية‬
‫الكريمة هدأت ثائرته‪ ،‬وأعرض عن الرجل الذي‬
‫أساء إليه في خلقه عندما اتهمه بالبخل‪ ،‬وفي‬
‫دينه عندما اتهمه بالجور في القسم‪ ،‬وتلك‬
‫التي يهتم لها عمر وينصب‪ ،‬ومن منا يملك‬
‫نفسه عند الغضب؟ وخاصة إذا كان للغضب ما‬
‫يحمل عليه‪ ،‬كثيرون ل أظن ول قليلون‪ ،‬متى‬
‫نتجمل بهذه التعاليم لنكون مثل ً قرآنيا ً نتحرك‬
‫وفق ما نقرأ في كتاب الله الكريم؟ متى‬
‫يكون خلقنا القرآن)‪(615‬؟ وعندما خطب عمر‬
‫بالجابية في الشام تحدث عن الموال وكيفية‬
‫القسمة وعن أمور ذكر منها… وإني أعتذر‬
‫إليكم عن خالد بن الوليد فإني أمرته أن‬
‫يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين‬
‫فأعطى ذا البأس‪ ،‬وذا الشرف‪ ،‬وذا اللسان‬
‫فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح‪ ،‬فقام أبو‬
‫عمرو بن حفص بن المغيرة)‪ ،(616‬فقال‪ :‬والله‬
‫ما اعتذرت يا عمر‪ ،‬ولقد نزعت عامل ً استعمله‬
‫رسول الله ‪ ‬وأغمدت سيفا ً سله رسول الله‬
‫‪ ‬ووضعت أمرا ً نصبه رسول الله ‪ ،‬وقطعت‬
‫رحمًا‪ ،‬وحسدت ابن العم‪ .‬فقال عمر رضي‬
‫الله عنه‪ :‬إنك قريب القرابة‪ ،‬حديث السن‪،‬‬
‫تغضب في ابن عمك)‪.(617‬‬
‫البخاري‪ ،‬رقم ‪.4366 ،6856‬‬ ‫‪()614‬‬
‫شهيد المحراب ص ‪.181‬‬ ‫‪()615‬‬
‫المخزومي‪.‬‬ ‫‪()616‬‬
‫محض الصواب )‪.(602 /2‬‬ ‫‪()617‬‬
‫هذه بعض صللفاته الللتي كللانت ثمللارا ً لتوحيللده‬
‫وإيمللانه بللالله واسللتعداده للقللدوم علللى الللله‬
‫تعللالى وقللد تحللدث العلمللاء والبللاحثون عللن‬
‫صللفاته الشخصللية والللتي مللن أهمهللا‪ :‬القللوة‬
‫الدينية‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬واليمان القللوي‪ ،‬والعللدل‪،‬‬
‫والعلم‪ ،‬والخبرة‪ ،‬وسعة الطلع‪ ،‬والهيبة وقوة‬
‫الشخصللية‪ ،‬والفراسللة والفطنللة وبعللد النظللر‬
‫والكرم‪ ،‬والقدوة الحسللنة‪ ،‬والرحمللة‪ ،‬والشللدة‬
‫والحزم‪ ،‬والغلظة‪ ،‬والتقللوى والللورع‪ ،‬وتكلمللوا‬
‫عن سمات السلوك القيادي عند الخليفة عمللر‬
‫بن الخطاب والللتي مللن أهمهللا؛ سللماع النقللد‪،‬‬
‫والقللدرة علللى تفعيللل النللاس وإيجللاد العمللل‪،‬‬
‫والمشللاركة فللي اتخللاذ القللرارات بالشللورى‪،‬‬
‫والقللدرة علللى إحللداث التغييللر والتقلللب فللي‬
‫المواقللف الطللارئة‪ ،‬وشللدة مراقبتلله للللولة‬
‫والمللراء وفللي ثنايللا البحللث سللوف يلحللظ‬
‫القارئ الكريللم هللذه الصللفات وأكللثر ول أريللد‬
‫حصرها في هذا المبحث خوفا ً من التكرار‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬حياته مع أسرته‪:‬‬
‫قال عمر رضي الله عنه‪ :‬إن الناس ليؤدون إلى‬
‫المام ما أدى المام إلى الله‪ ،‬وإن المام إذا رتع‬
‫رتعت الرعية)‪ ،(618‬ولذلك كان رضي الله عنه‬
‫شديدا ً في محاسبة نفسه وأهله‪ ،‬فقد كان يعلم‬
‫أن البصار مشرئبة نحوه وطامحة إليه‪ ،‬وأنه ل‬
‫جدوى إن قسا على نفسه ورتع أهله فحوسب‬
‫عنهم في الخرة‪ ،‬ولم ترحمه ألسنة الخلئق في‬

‫‪ ()618‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب د‪ .‬محمد قلعجي ص ‪.146‬‬
‫الدنيا فكان عمر إذا نهى الناس عن شيء تقدم‬
‫إلى أهله فقال‪ :‬إني نهيت الناس عن كذا وكذا‪،‬‬
‫وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى‬
‫اللحم فإن وقعتهم وقعوا‪ ،‬وإن هبتم هابوا‪،‬‬
‫وإني والله ل أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس‬
‫عنه إل أضعفت له العذاب‪ ،‬لمكانه مني‪ ،‬فمن‬
‫شاء منكم أن يتقدم‪ ،‬ومن شاء منكم أن‬
‫يتأخر)‪ (619‬وكان شديد المراقبة والمتابعة‬
‫لتصرفات أولده وأزواجه وأقاربه وهذه بعض‬
‫المواقف‪:‬‬

‫‪ -1‬المرافق العامة‪:‬‬
‫منع عمر رضي الله عنه أهله من الستفادة‬
‫من المرافق العامة التي رصدتها الدولة لفئة‬
‫من الناس‪ ،‬خوفا ً من أن يحابي أهله به‪ ،‬قال‬
‫عبد الله بن عمر‪ :‬اشتريت إبل ً أنجعتها الحمى‬
‫فلما سمنت قدمت بها‪ ،‬قال‪ :‬فدخل عمر‬
‫السوق فرأى إبل ً سمانًا‪ ،‬فقال‪ :‬لمن هذه‬
‫البل؟ قيل‪ :‬لعبد الله بن عمر‪ ،‬قال‪ ،‬فجعل‬
‫يقول‪ :‬يا عبد الله بن عمر بخ … بخ … ابن‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬قال‪ :‬ما هذه البل؟ قال‪،‬‬
‫قلت‪ :‬إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى‬
‫ابتغى ما يبتغي المسلمون‪ ،‬قال‪ :‬فقال‪:‬‬
‫فيقولون ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين‪،‬‬
‫اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين‪ ،‬يا عبد الله بن‬

‫‪ ()619‬محض الصواب )‪.(893 /3‬‬
‫عمر اغد إلى رأس مالك‪ ،‬واجعل باقيه في‬
‫بيت مال المسلمين)‪.(620‬‬
‫‪ -2‬محاسبته لبنه عبد الله لما اشترى فيء جلولء‪:‬‬
‫قال عبد الله بن عمر‪ :‬شهدت جلولء – إحدى‬
‫المعارك ببلد فارس – فابتعت من المغنم‬
‫بأربعين ألفًا‪ ،‬فلما قدمت على عمر قال‪:‬‬
‫أرأيت لو عرضت على النار فقيل لك‪ :‬افتده‪،‬‬
‫أكنت مفتديا ً به؟ قلت والله ما من شيء يؤذي‬
‫بك إل كنت مفتديا ً بك منه‪ ،‬قال‪ :‬كأني شاهد‬
‫الناس حين تبايعوا فقالوا‪ :‬عبد الله بن عمر‬
‫صاحب رسول الله ‪ ،‬وابن أمير المؤمنين‬
‫وأحب الناس إليه‪ ،‬وأنت كذلك فكان أن‬
‫يرخصوا عليك أحب إليهم من أن يغلوا عليك‪،‬‬
‫وإني قاسم مسؤول وأنا معطيك أكثر ما ربح‬
‫تاجر من قريش‪ ،‬لك ربح الدرهم درهم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ثم دعا التجار فابتاعوه منه بأربعمائة ألف‬
‫درهم‪ ،‬فدفع إلي ثمانين ألفا ً وبعث بالباقي‬
‫إلى سعد بن أبي وقاص ليقسمه)‪.(621‬‬
‫‪ -3‬منع جّر المنافع بسبب صلة القربى به‪:‬‬
‫عن أسلم قال‪ :‬خرج عبد الله وعبيد الله ابنا‬
‫عمر في جيش إلى العراق فلما قفل مرا على‬
‫أبي موسى الشعري وهو أمير البصرة فرحب‬
‫بهما وسهل وقال‪ :‬لو أقدر لكما على أمر‬
‫أنفعكما به لفعلت‪ ،‬ثم قال‪ :‬بلى‪ ،‬هاهنا مال‬
‫من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير‬

‫‪ ()620‬مناقب عمر لبن الجوزي ص ‪.158 ،157‬‬
‫‪ ()621‬تاريخ السلم للذهبي عهد الخلفاء الراشدين ص ‪.271 ،270‬‬
‫المؤمنين وأسلفكماه فتبيعان به متاع العراق‬
‫ثم تبيعانه بالمدينة‪ ،‬فتؤديان رأس المال إلى‬
‫أمير المؤمنين ويكون لكما الربح‪ ،‬ففع ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال‪ .‬فلما‬
‫قدما على عمر قال‪ :‬أكل الجيش أسلف كما‬
‫أسلفكما؟ فقال‪ :‬ل‪.‬فقال عمر‪ :‬أديا المال‬
‫وربحه‪ ،‬فأما عبد الله فسكت‪ ،‬وأما عبيد الله‬
‫فقال‪ :‬ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين‪ ،‬لو هلك‬
‫ضمناه‪ .‬فقال‪ :‬أديا المال‪.‬‬
‫المال أو نقص ل ّ‬
‫فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله‪ .‬فقال رجل‬
‫من جلساء عمر‪ :‬يا أمير المؤمنين لو جعلته‬
‫قراضا ً ))شركة(()‪ .(622‬فأخذ عمر رأس المال‬
‫ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف‬
‫ربح المال‪ .‬قالوا‪ :‬هو أول قراض في السلم‪.‬‬
‫‪ -4‬تفضيل أسامة بن زيد على عبد الله بن عمر رضي الله عنهم‬
‫في العطاء‪:‬‬
‫كان عمر رضي الله عنه يقسم المال ويفضل‬
‫بين الناس على السابقة والنسب ففرض‬
‫لسامة بن زيد رضي الله عنه أربعة آلف‪،‬‬
‫وفرض لعبد الله بن عمر رضي الله عنه ثلثة‬
‫لسامة بن زيد‬ ‫آلف‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبت فرضت ُ‬
‫أربعة آلف‪ ،‬وفرضت لي ثلثة آلف؟ فما كان‬
‫لبيه من الفضل مالم يكن لك! وما كان له من‬
‫الفضل مالم يكن لي! فقال عمر‪ :‬إن أباه كان‬
‫أحب إلى رسول الله ‪ ‬من أبيك‪ ،‬وهو كان‬
‫أحب إلى رسول الله ‪ ‬منك)‪!!(623‬‬
‫‪ ()622‬الخلفاء الراشدون للنجار ص ‪.244‬‬
‫‪ ()623‬فرائد الكلم للخلفاء الكرام ص ‪.113‬‬
‫‪ -5‬أنفقت عليك شهرًا‪:‬‬
‫ي عمللر يرفللأ‬
‫قال عاصللم بللن عمللر‪ :‬أرسللل إلل ّ‬
‫س فللي المسللجد‬ ‫)مللوله( فللأتيته – وهللو جللال ٌ‬
‫فحمد الله عز وجل – وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أما‬
‫بعد فإني لم أكن أرى شيئا ً من هذا المال يحل‬
‫لي قبل أن أليلله إل بحقلله‪ ،‬ثللم مللا كللان أحللرم‬
‫علي منه حين وليته‪ ،‬فعاد أمانتي‪ ،‬وإنللي كنللت‬
‫أنفقللت عليللك مللن مللال الللله شللهرًا‪ ،‬فلسللت‬
‫بللزائدك عليلله‪ ،‬وإنللي أعطيللت ثمللرك بالعاليللة‬
‫منحة‪ ،‬فخذ ثمنه‪ ،‬ثم ائت رجل ً من تجار قومللك‬
‫فكن إلى جانبه‪ ،‬فللإذا ابتللاع شلليئا ً فاستشللركه‬
‫وأنفللق عليللك وعلللى أهلللك قللال‪ :‬فللذهبت‬
‫ففعلت)‪.(624‬‬

‫‪ ()624‬الطبقات )‪ (277 /3‬إسناده صحيح‪ ،‬محض الصواب )‪.(491 /2‬‬
‫‪ -6‬خذه يا معيقيب فاجعله في بيت المال‪:‬‬
‫ي عمر رضي الللله عنلله‬ ‫قال معيقيب‪ :‬أرسل إل ّ‬
‫مع الظهيرة‪ ،‬فللإذا هللو فللي بيللت يطللالب ابنلله‬
‫عاصما ً … فقال لي‪ :‬اتدري ما صللنع هللذا؟ إنلله‬
‫انطلللق إلللى العللراق فللأخبرهم أنلله ابللن أميللر‬
‫الملللؤمنين‪ ،‬فلللانتفقهم ))سلللألهم النفقلللة((‪،‬‬
‫فأعطوه آنيللة وفضللة ومتاع لًا‪ ،‬وسلليفا ً محلللى‪.‬‬
‫ت‪ ،‬إنما قدمت على ناس‬ ‫فقال‪ :‬عاصم‪ :‬ما فعل ُ‬
‫من قومي‪ ،‬فأعطوني هذا‪ .‬فقال عمر‪ :‬خذه يا‬
‫معيقيب‪ ،‬فاجعله في بيت المال)‪.(625‬‬
‫فهذا مثل من التحري في المال الذي يكتسللبه‬
‫النسللان عللن طريللق جللاهه‪ ،‬ومنصللبه‪ ،‬فحيللث‬
‫ن ابنلله عاصللما ً قللد‬
‫شعر أمير المؤمنين عمر بأ ّ‬
‫اكتسب هذا المال لكللونه ابللن أميللر المللؤمنين‬
‫تحرج في إبقاء ذلك المال عنده لكونه اكتسللبه‬
‫بغيللر جهللده الخللاص فللدخل ذلللك فللي مجللال‬
‫الشبهات)‪.(626‬‬
‫‪ -7‬عاتكة زوجة عمر والمسك‪:‬‬
‫قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من‬
‫البحرين فقال عمر‪ :‬والله لوددت أنللي وجللدت‬
‫ن لي هللذا الطيللب حللتى‬ ‫ز ُ‬‫امرأة حسنة الوزن ت َ ِ‬
‫أقسللمه بيللن المسلللمين‪ ،‬فقللالت للله امرأتلله‬
‫عاتكة بنت زيد بن عمللرو بللن نفيللل‪ :‬أنللا جيللدة‬
‫م أزن لك‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬قالت‪ :‬لم؟ قال‪:‬‬ ‫الوزن فهل ّ‬
‫إني أخشى أن تأخللذيه فتجعليلله هكللذا وأدخللل‬
‫أصللابعه فللي صللدغيه – وتمسللحي بلله عنقللك‪،‬‬
‫‪ ()625‬عصر الخلفة الراشدة للعمري ص ‪ ،236‬الثر حسن‪.‬‬
‫‪ ()626‬التاريخ السلمي )‪.(40 /19‬‬
‫فأصيب فضل ً على المسلللمين)‪ ،(627‬فهللذا مثللل‬
‫من ورع أمير المللؤمنين عمللر رضللي الللله عنلله‬
‫واحتيللاطه البللالغ لمللر دينلله‪ ،‬فقللد أبللى علللى‬
‫امرأته أن تتلولى قسللمة ذللك الطيلب حلتى ل‬
‫تمسح عنقها منه فيكون قللد أصللاب شلليئا ً مللن‬
‫مللال المسلللمين‪ ،‬وهللذه الدقللة المتناهيللة فللي‬
‫ملحظللة الحتمللالت لوليللائه السللابقين إلللى‬
‫الخيللرات‪ ،‬وفرقللان يفرقللون بلله بيللن الحلل‬
‫والحللرام والحللق والباطللل‪ ،‬بينمللا تفللوت هللذه‬
‫الملحظات على الللذين لللم يشللغلوا تفكيرهللم‬
‫بحماية أنفسهم من المخالفات)‪.(628‬‬
‫‪ -8‬رفضه هدية لزوجته‪:‬‬
‫قللال ابللن عمللر‪ :‬أهللدى أبللو موسللى الشللعري‬
‫لمللرأة عمللر عاتكللة بنللت زيللد طنفسللة‪ ،‬أراهللا‬
‫تكون ذراعا ً وشبرًا‪ ،‬فرآها عمر عنللدها‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫أّنى لك هذه؟ فقالت‪ :‬أهللداها للي أبلو موسللى‬
‫الشعري‪ ،‬فأخذها عمر رضي الله عنه فضللرب‬
‫بهلا رأسلها‪ ،‬حلتى نفللض رأسللها)‪ ،(629‬ثللم قلال‬
‫علي بأبي موسى وأتعبوه فأتى به‪ ،‬وقد أتعللب‬
‫وهو يقول‪ :‬ل تعجللل علللي يللا أميللر المللؤمنين‬
‫فقال عمر‪ :‬ما يحملك على أن تهدي لنسللائي؟‬
‫ثم أخذها عمر فضرب بها فللوق رأسلله وقللال‪:‬‬
‫خذها فل حاجة لنا فيها)‪ ،(630‬وكللان رضللي الللله‬
‫عنلله يمنللع أزواجلله فللي التللدخل فللي شللؤون‬
‫‪ ()627‬الزهد للمام أحمد ص ‪ ،11‬نقل ً عن التاريخ السلمي )‪/19‬‬
‫‪.(30‬‬
‫‪ ()628‬التاريخ السلمي )‪.(30 /19‬‬
‫‪ ()629‬نفض الرأس‪ :‬حركه في ارتجاف‪.‬‬
‫‪ ()630‬الشيخان أبو بكر وعمر من رواية البلذري ص ‪.260‬‬
‫الدولة‪ ،‬فعندما كتب عمر رضي الله عنلله علللى‬
‫بعض عمللاله‪ ،‬فكلمتلله امرأتلله فيلله فقللالت‪ :‬يللا‬
‫أمير المؤمنين فيم وجدت عليه؟ قال‪ :‬يا عدوة‬
‫الله وفيم أنت وهذا؟ إنما أنت لعبللة يلعللب بللك‬
‫ثم تتركين‪ ،‬وفي رواية‪ :‬فأقبلي علللى مغزلللك‬
‫ول تعرضي فيما ليس من شأنك)‪.(631‬‬
‫‪ -9‬هدية ملكة الروم لزوجته أم كلثوم‪:‬‬
‫ذكر الستاذ الخضري في محاضراته‪ ،‬أنه – لمللا‬
‫تللرك ملللك الللروم الغللزو وكللاتب عمللر وقللاربه‬
‫وسلير إليله عملر الرسلل ملع البريلد بعثلت أم‬
‫كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم‬
‫بطيب ومشارب وأحنللاش مللن أحنللاش النسللاء‬
‫ودسته إلى البريد فأبلغه لها فأخذ منه وجاءت‬
‫امرأة قيصر وجمعت نساءها وقالت‪ :‬هذه هدية‬
‫امرأة ملك العرب وبنت نبيهم وكاتبتها وأهدت‬
‫لها وفيما أهدت لها عقد فاخر‪ ،‬فلما انتهى به‬
‫البريد إليه أمر بإمساكه ودعللا الصلللة جامعللة‪،‬‬
‫فاجتمعوا فصلى بهم ركعتين وقال‪ :‬إنه ل خير‬
‫فلي أملر أبلرم علن غيلر شلورى ملن أملوري‪.‬‬
‫قولوا في هدية أهدتها أم كلثللوم لمللرأة ملللك‬
‫الروم فقال قائلون‪ :‬هو له بالذي لها‪ :‬وليست‬
‫امرأة الملك بذمللة فتصللانع بلله ول تحللت يللديك‬
‫فتبقيك‪ .‬وقللال آخللرون قللد كنللا نهللدي الثيللاب‬
‫لنسللتثيب ونبعللث بهللا لتبللاع ولنصلليب شلليئًا‪،‬‬
‫فقللال‪ :‬ولكللن الرسللول رسللول المسلللمين‬
‫والبريللد بريللدهم والمسلللمون عظموهللا فللي‬

‫‪ ()631‬أخبار عمر ص ‪ ،293‬الشيخان رواية البلذري ص ‪.188‬‬
‫صدرها فأمر بردها إلى بيت المللال ورد عليهللا‬
‫بقدر نفقتها)‪.(632‬‬
‫‪ -10‬أم سليط أحق به‪:‬‬
‫عن ثعلبة بن أبي مالك أنلله قللال‪ :‬إن عمللر بللن‬
‫الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا ً بين نساء‬
‫أهل المدينة‪ ،‬فبقي منها مر ٌ‬
‫ط جيللد فقللال للله‬
‫بعض من عنده‪ :‬يللا أميللر المللؤمنين‪ ،‬أعللط هللذا‬
‫بنت رسول الللله ‪ ‬الللتي عنللدك – يريللدون أم‬
‫كلثوم بنت علي – فقال عمر‪ :‬أم سللليط أحللق‬
‫به ‪ -‬وأم سليط مللن نسللاء النصللار ممللن بللايع‬
‫رسول الله ‪ -‬قال عمر‪ :‬فإنها كانت تزفر لنللا‬
‫القرب يوم أحد)‪.(633‬‬
‫‪ -11‬غششت أباك ونصحت أقرباءك ‪:‬‬
‫جيء إلى عمر رضي الله عنه بمال‪ ،‬فبلغ ذلللك‬
‫حفصلللة أم الملللؤمنين‪ ،‬فقلللالت‪ :‬يلللا أميلللر‬
‫المؤمنين‪ ،‬حللق أقربللائك مللن هللذا المللال‪ ،‬قللد‬
‫أوصى الله عز وجل بالقربين من هذا المللال‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا بنية حق أقربائي في مالي‪ ،‬وأما هذا‬
‫ففي سداد المسلمين‪ ،‬غششت أباك ونصللحت‬
‫أقرباءك‪ .‬قومي)‪.(634‬‬
‫‪ -12‬أردت أن ألقى الله ملكا ً خائنًا‪:‬‬
‫قدم صهٌر لعمر عليلله فطلللب أن يعطيلله عمللر‬
‫من بيت المال فللانتهره عمللر وقللال‪ :‬أردت أن‬

‫‪ ()632‬الخلفاء الراشدون د‪ .‬عبد الوهاب النجار ص ‪.245‬‬
‫‪ ()633‬فتح الباري )‪ ،(93 /6) ،(424 /7‬الخلفة الراشدة ص‪.273 :‬‬
‫‪ ()634‬الزهد للمام أحمد ص ‪ ،17‬فرائد الكلم ص ‪.139‬‬
‫ألقى الله ملكا ً خائنًا‪ :‬فلما كان بعد ذلك أعطاه‬
‫صلب ماله عشرة آلف درهم)‪.(635‬‬ ‫من ُ‬
‫هذه بعض المواقف الللتي تللدل علللى ترفللع عمللر‬
‫عللن المللوال العامللة ومنللع أقربللائه وأهللله مللن‬
‫السللتفادة مللن سلللطانه ومكللانته‪ ،‬ولللو أن عمللر‬
‫أرخى العنان لنفسه أو لهل بيتلله لرتعللوا ولرتللع‬
‫من بعللدهم وكللان مللال الللله تعللالى حبس لا ً علللى‬
‫أولياء المللور‪ .‬ومللن القواعللد الطبيعيللة المؤيللدة‬
‫بالمشللاهد أن الحللاكم إذا امتللدت يللده إلللى مللال‬
‫الدولة اتسع الفتق على الراتق واختل بيت المال‬
‫أو مالية الحكومة وسرى الخلل إلى جميللع فلروع‬
‫المصالح وجهر المستسر بالخيانة وانحل النظام‪،‬‬
‫ومن المعلوم أن النسان إذا كان ذا قناعة وعفة‬
‫عن مال الناس زاهدا ً في حقلوقهم دعلاهم ذللك‬
‫إلى محبته والرغبللة فيلله وإذا كللان حاكمللا حللدبوا‬
‫عليه وأخلصوا في طاعته وكان أكرم عليهم مللن‬
‫أنفسهم)‪.(636‬‬
‫ومن خلل حياته مع أسللرته وأقربللائه يظهللر لنللا‬
‫م من معللالم الفللاروق فللي ممارسللة منصللب‬ ‫عل ٌ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫الخلفة وهي القدوة الحسنة في حيللاته الخاصللة‬
‫أبللي‬ ‫والعامة‪ ،‬حتى قال في حقه علللي بللن‬
‫طالب‪ :‬عففت فعفت رعيتك ولللو رتعللت لرتعللوا‪،‬‬
‫وكان للتزامه بما يللدعو إليلله‪ ،‬ومحاسللبته نفسلله‬
‫وأهل بيته أكثر مما يحاسب به ولته وعماله الثر‬

‫‪ ()635‬تاريخ السلم للذهبي ص ‪.271‬‬
‫‪ ()636‬الخلفاء الرائدون للذهبي ص ‪.271‬‬
‫الكبير فللي زيللادة هيبتلله فللي النفللوس وتصللديق‬
‫الخاصة والعامة له)‪.(637‬‬
‫هذا هو عمر الخليفة الراشد الذي بلغ الذروة في‬
‫القدوة رباه السلم‪ ،‬فمل اليمللان بللالله شللغاف‬
‫قلبه‪ ،‬إنه اليمان العميق‪ ،‬الللذي صللنع منلله قللدوة‬
‫للجيللال‪ ،‬ويبقللى اليمللان بللالله والتربيللة علللى‬
‫تعاليم هذا الدين سببا ً عظيما ً فللي جعللل الحللاكم‬
‫قدوة في أروع ما تكون القدوة من هنا إلى يللوم‬
‫القيامة)‪.(638‬‬
‫ثالثًا‪ :‬احترامه ومحبته لهل البيت‪:‬‬
‫ل شللك أن لهللل بيللت النللبي ‪ ‬منزلللة رفيعللة‬
‫ودرجة عاليللة مللن الحللترام والتقللدير عنللد أهللل‬
‫السنة والجماعة حيللث يرعللون حقللوق آل الللبيت‬
‫الللتي شللرعها الللله لهللم‪ ،‬فيحبللونهم ويتولللونهم‬
‫ويحفظون فيهم وصية رسول الله ‪ ‬التي قالها‬
‫يوم غدير خم‪ :‬أذكركم الللله فللي أهللل بيللتي)‪،(639‬‬
‫فهلللم أسلللعد النلللاس بالخلللذ بهلللذه الوصلللية‪،‬‬
‫وتطبيقها‪ ،‬فيتبرؤون من طريقة الروافض الذين‬
‫غلوا في بعض أهل البيت‪ ،‬غلوا مفرطًا‪ ،‬وطريقة‬
‫النواصللب الللذين يللؤذونهم ويبغضللونهم‪ ،‬فأهللل‬
‫السنة متفقللون علللى وجللوب محبللة أهللل الللبيت‬
‫وتحريلللم إيلللذائهم أو السلللاءة إليهلللم بقلللول و‬
‫فعل)‪ ،(640‬وهذا الفاروق رضي الله عنه يوضح لنللا‬

‫القيادة والتغيير ص ‪.182‬‬ ‫‪()637‬‬
‫فن الحكم ص ‪.74‬‬ ‫‪()638‬‬
‫مسلم‪ ،‬ك فضائل الصحابة‪ ،‬رقم ‪.2408‬‬ ‫‪()639‬‬
‫العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط ص ‪.59‬‬ ‫‪()640‬‬
‫معتقللد أهللل السللنة فللي أهللل الللبيت مللن خلل‬
‫تصرفاته ومواقفه معهم‪.‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫المؤسسة المالية والقضائية وتطويرها‬
‫في عهد عمر رضي الله عنه‬
‫المبحث الول‪ :‬المؤسسة المالية‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬مصادر دخل الدولة في عهد عمر رضي الله عنه‪:‬‬
‫نظر المسلمون في العصر الراشدي إلى المال‬
‫بكل أشكاله وأنواعه بأنه مال الله‪ ،‬وبأن النسان‬
‫مستخلف فيه‪ ،‬يتصرف فيه بالشروط التي‬
‫وضعها المولى عز وجل‪ ،‬والقرآن الكريم يؤكد‬
‫هذه الحقيقة في كل أمر يتعلق بالمال وإنفاقه‬
‫عل َك ُ ْ‬
‫م‬ ‫ج َ‬‫ما َ‬ ‫م ّ‬‫قوا ِ‬ ‫ف ُ‬‫وأ َن ْ ِ‬
‫ه َ‬ ‫سول ِ ِ‬
‫وَر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬ ‫فيقول‪  :‬آ ِ‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫خل َ ِ‬
‫مُنوا‬‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ِ‬ ‫ه ‪) ‬الحديد‪،‬آية‪َ  ،(7:‬ياأي ّ َ‬ ‫في ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫في َ‬ ‫ست َ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ُ‬
‫م ‪) ‬البقرة‪،‬آية‪ ،(254:‬وقوله تعالى‬ ‫ُ‬
‫قَناك ْ‬ ‫ما َرَز ْ‬ ‫م ّ‬‫قوا ِ‬ ‫ف ُ‬ ‫َأن ِ‬
‫يتحدث عن البر وهو جماع الخير‬
‫مى‬ ‫وال ْي ََتا َ‬ ‫قْرَبى َ‬ ‫وي ال ْ ُ‬ ‫ه ذَ ِ‬ ‫حب ّ ِ‬‫عَلى ُ‬ ‫ل َ‬ ‫ما َ‬ ‫وآَتى ال ْ َ‬ ‫‪َ ‬‬
‫ب ‪‬‬ ‫قا ِ‬ ‫في الّر َ‬ ‫و ِ‬ ‫ن َ‬ ‫سائ ِِلي َ‬ ‫وال ّ‬ ‫ل َ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫واب ْ َ‬ ‫ن َ‬ ‫كي َ‬ ‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ َ‬
‫َ‬
‫)البقرة‪،‬آية‪ (137:‬وإيتاء المال اعتراف من المسلم‬
‫‪-‬ابتداء‪ -‬بأن المال الذي في يده هو رزق الله له‪:‬‬
‫ن ‪ ‬لنه خلقه‬ ‫دو َ‬ ‫ع ُ‬‫ما ُتو َ‬ ‫و َ‬‫م َ‬ ‫قك ُ ْ‬ ‫رْز ُ‬ ‫ء ِ‬ ‫ما ِ‬ ‫س َ‬ ‫في ال ّ‬ ‫و ِ‬‫‪َ ‬‬
‫هو‪ ،‬ومن هذا العتراف بنعمة الرزق انبثق البر‬
‫بعباد الله)‪ ،(641‬وعلى هذا الساس اليماني نظر‬
‫الفاروق إلى مال الدولة التي توسعت مواردها‬
‫في عصره‪ ،‬حيث فتحت الدولة بلدانا ً واسعة‪،‬‬
‫‪ ()641‬دراسات في الحضارة السلمية أحمد إبراهيم الشريف ص‬
‫‪.253‬‬
‫وخضعت لحكمها شعوب كثيرة‪ ،‬فنظم علقة‬
‫الدولة مع هذه الشعوب‪ ،‬فمنهم من دخل في‬
‫حكم الدولة صلحًا‪ ،‬ومنهم من دخل في حكمها‬
‫كرهًا‪ ،‬وتبعا ً للفتح آلت إليها أرض غلبت عليها‬
‫ض صالح أصحابها‪،‬‬ ‫عنوة )بقوة السلح(‪ ،‬وأرا ٍ‬
‫ً‬
‫ض جل عنها مالكوها أو كانت ملكا لحكام‬ ‫وأر ٌ‬
‫البلد السابقين ورجالهم‪ ،‬ومن شعوب هذه‬
‫البلد كتابيون )أهل كتاب كاليهود والنصارى(‬
‫نظم الفاروق طريقة التعامل معهم وفق شرع‬
‫الله المحكم‪ ،‬وقد قام عمر رضي الله عنه‬
‫بتطوير النظام المالي في دولته سواء في‬
‫الموارد أو النفاقات أو ترتيب حقوق الناس من‬
‫خلل نظام الدواوين‪ ،‬وقد أخذت موارد الدولة‬
‫تزداد في عصر عمر رضي الله عنه‪ ،‬وشرع في‬
‫تطويرها‪ ،‬ورتب لها عمال ً للشراف عليها فكانت‬
‫أهم مصادر الثروة في عهده‪ :‬الزكاة‪ ،‬والغنائم‪،‬‬
‫والفيء‪ ،‬والجزية‪ ،‬والخراج‪ ،‬وعشور التجار‪،‬‬
‫فعمل الفاروق على تطوير هذه المصادر واجتهد‬
‫في قضايا وفق مقاصد الشريعة التي وضعت‬
‫لمصالح العباد‪ ،‬فقد أخذت الدولة تستجد فيها‬
‫ظروف لم تكن موجودة في عهد رسول الله‬
‫‪ ،(642)‬وكان عمر رضي الله عنه منفذا ً للكتاب‬
‫والسنة تنفيذا عبقريًا‪ ،‬ل يستأثر بالمر دون‬
‫المسلمين‪ ،‬ول يستبد بالرأي في شأن من‬
‫الشئون‪ ،‬فإذا نزل به أمر جمع المسلمين‬

‫‪ ()642‬نفس المصدر ص ‪.254‬‬
‫يستشيرهم ويعمل بآرائهم)‪ ،(643‬وأما أهم مصادر‬
‫الثروة في عهد الفاروق فهي التي‪:‬‬
‫‪ -1‬الزكاة‪:‬‬
‫هي الركن الجتماعي البارز في أركان‬
‫السلم‪ ،‬وأول تشريع سماوي إسلمي‪ ،‬فرض‬
‫في أموال أغنياء المسلمين‪ ،‬لتؤخذ منهم‪،‬‬
‫وترد إلى الفقراء‪ ،‬بحسب أنصبتها المعروفة‬
‫في الزروع والثمار‪ ،‬والذهب والفضة وعروض‬
‫التجار والماشية‪ ،‬ليكون هناك نوع من‬
‫التضامن والتكافل الجتماعي‪ ،‬والمحبة‬
‫واللفة بين الغنياء والفقراء‪ ،‬فالزكاة تكليف‬
‫يتصل بالمال‪ ،‬والمال كما يقولون عصب‬
‫الحياة‪ ،‬فمن الناس سعيد بالمال ومنهم شقي‬
‫به‪ ،‬وهذه سنة الله في خلقه‪ ،‬ولن تجد لسنة‬
‫ل‪ ،‬ونظرا ً لما للمال من أثر في حياة‬ ‫الله تبدي ً‬
‫الناس فقد عني السلم بأمره أشد العناية‪،‬‬
‫واهتم بالزكاة غاية الهتمام ووضع لها نظاما ً‬
‫دقيقا ً حكيما ً رحيمًا‪ ،‬يؤلف بين القلوب)‪،(644‬‬
‫ولذلك سار الفاروق على نهج رسول الله ‪‬‬
‫وأبي بكر‪ ،‬فقام بتنظيم مؤسسة الزكاة‪،‬‬
‫دقين لجمع الزكاة‬ ‫وتطويرها‪ ،‬فأرسل المص ّ‬
‫في أرجاء الدولة السلمية بعد أن أسلم‬
‫الكثير من سكان البلد المفتوحة‪ ،‬وكان العدل‬
‫في جباية الموال‪ ،‬صفة الخلفة الراشدة دون‬

‫‪ ()643‬مبادئ النظام القتصادي السلمي د‪.‬سعاد إبراهيم صالح‬
‫ص ‪.213‬‬
‫‪ ()644‬سياسة المال في السلم في عهد عمر بن الخطاب‪ ،‬عبد‬
‫الله جمعان السعدي ص ‪.8‬‬
‫الخلل بحقوق بيت المال‪ ،‬وقد أنكر الفاروق‬
‫على عامل من عمال الزكاة أخذه لشاة كثيرة‬
‫ل‪ :‬ما أعطى هذه‬ ‫اللبن ذات ضرع عظيم قائ ً‬
‫)‪(645‬‬
‫‪ ،‬وقد‬ ‫أهلها وهم طائعون‪ ،‬ل تفتنوا الناس‬
‫جاء ناس من أهل الشام إلى عمر‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنا‬
‫قد أصبنا أموال ً وخيل ً ورقيقا ً نحب أن يكون‬
‫لنا فيها زكاة وطهور قال عمر‪ :‬ما فعله‬
‫صاحباي قبلي فأفعله‪ ،‬واستشار أصحاب‬
‫ي‪ :‬هو‬ ‫ي‪ ،‬فقال عل ّ‬ ‫رسول الله ‪ ،‬وفيهم عل ّ‬
‫حسن‪ ،‬إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها‬
‫بعدك)‪ ،(646‬وقد ذكر الدكتور أكرم ضياء‬
‫العمري‪ :‬أن الصحابة اقترحوا على عمر فرض‬
‫الزكاة على الرقيق والخيل بعد ما توسعت‬
‫ملكية الرقيق والخيل في أيدي المسلمين‪،‬‬
‫فعدّ عمر الرقيق والخيل من أموال التجارة‬
‫وفرض على الرقيق الصبيان والكبار دينارا ً‬
‫)عشرة دراهم( وعلى الخيل العربية عشرة‬
‫دراهم وعلى البراذين )الخيل غير العربية(‬
‫خمسة دراهم‪ ،‬ويفهم أنه لم يفرض الزكاة‬
‫في رقيق الخدمة والخيل المعدة للجهاد لنها‬
‫ليست من عروض التجارة‪ ،‬بل إنه عوض من‬
‫يدفع زكاتهما كل شهرين جربين )حوالي ‪209‬‬
‫كيلو غرام من القمح( وهو أكثر قيمة في‬
‫الزكاة وذلك لحديث رسول الله ‪ :‬ليس على‬
‫المسلم في فرسه ول عبده صدقة)‪ ،(647‬وقد‬
‫‪ ()645‬الموطأ )‪ ،(1/256‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.194‬‬
‫‪ ()646‬الموسوعة الحديثة مسند أحمد رقم ‪ ،82‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪ ()647‬صحيح الترمذي )‪ (1/196‬وقال الترمذي‪ :‬والعمل عليه عند‬
‫أهل العلم‪.‬‬
‫أخذ من الركاز )المال المدفون( ‪-‬إذا عثر‬
‫عليه‪ -‬الخمس‪ ،‬وحرص على تداول الموال‬
‫وتشغيلها لئل تذهب بها الزكاة مع تعاقب‬
‫العوام)‪ ،(648‬فكان عنده مال ليتيم فأعطاه‬
‫للحكم بن العاص الثقفي ليتجر به)‪ ،(649‬إذ لم‬
‫يجد عمر وقتا ً للتجارة لنشغاله بأمور الخلفة‪،‬‬
‫وعندما صار الربح وفيرا ً من عشرة آلف‬
‫درهم إلى مائة ألف شك عمر في طريقة‬
‫الكسب‪ ،‬ولما علم أن التاجر استغل صلة‬
‫اليتيم بعمر رفض جميع الربح واسترد رأس‬
‫المال حيث اعتبر الربح خبيثا ً)‪ ،(650‬فهو يعمل‬
‫بمبدأ فرضه على ولته وهو رفض استغلل‬
‫مواقع المسؤولية في الدولة‪ ،‬ومن هنا قاسم‬
‫الولة ثروتهم إذا نمت بالتجارة)‪ ،(651‬وسيأتي‬
‫بيان ذلك عند الحديث عن الولة بإذن الله‬
‫تعالى‪ ،‬وقد أخذ عمر في زكاة الزروع العشر‬
‫فيما سقته المطار والنهار ونصف العشر‬
‫فيما سقي باللة)‪ ،(652‬وهو الموافق للسنة‪،‬‬
‫وكان يوصي بالرفق بأصحاب البساتين عند‬
‫تقدير الحاصل من التمر)‪ ،(653‬وأخذ زكاة‬
‫عشرية من العسل إذا حمت الدولة وادي‬

‫‪ ()648‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.194،195‬‬
‫‪ ()649‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪ ،195‬الموال لبن زنجويه )‬
‫‪ (3/990‬الثر صحيح‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ ()650‬الموال أبو عبيد ص ‪ 455‬والثر صحيح نقل عن عصر‬
‫الخلفة الراشدة ص ‪.195‬‬
‫‪ ()651‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.195‬‬
‫‪ ()652‬المصنف )‪ (135 ،4/134‬والثر صحيح نقل ً عن عصر الخلفة‬
‫الراشدة ص ‪.195‬‬
‫‪ ()653‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪ 195‬والثر صحيح‪.‬‬
‫النحل لمستثمره)‪ ،(654‬وقد كثرت الحنطة في‬
‫خلفته‪ ،‬فسمح بإخراج زكاة الفطر من‬
‫الحنطة بنصف وزن ما كانوا يؤدونه قبل‬
‫)‪(655‬‬
‫‪،‬‬ ‫خلفته من الشعير أو التمر أو الزبيب‬
‫وهذا فيه تيسير على الناس‪ ،‬وقبول للمال‬
‫النفس في الزكاة وإن تفاوت الجنس)‪،(656‬‬
‫وأما بخصوص مقادير أموال الزكاة التي كانت‬
‫ُتجنى كل عام فأمر غير معروف‪ ،‬والشارات‬
‫التي تذكر بعض الرقام إشارات جزئية وغير‬
‫دقيقة‪ ،‬ول تنفع في إعطاء تقدير كلي‪ ،‬وقد‬
‫قيل إن عمر بن الخطاب حمى أرض الربذة‬
‫لنعم الصدقة‪ ،‬وكان يحمل عليها في سبيل‬
‫الله‪ ،‬وكان مقدار ما يحمل عليه كل عام في‬
‫سبيل الله أربعين ألفا ً من الظهر)‪ ،(657‬وأما‬
‫الموظفون الذين أشرفوا على هذه المؤسسة‬
‫فقد ذكرت المصادر أسماء عدد منهم في‬
‫خلفة عمر رضي الله عنه وهم‪ ،‬أنس بن‬
‫مالك‪ ،‬وسعيد بن أبي الذباب على السراة‬
‫وحارث بن مضرب العبدي‪ ،‬وعبد الله بن‬
‫الساعدي‪ ،‬وسهل بن أبي حثمة‪ ،‬ومسلمة بن‬
‫مخلد النصاري‪ ،‬ومعاذ بن جبل على بني‬
‫كلب‪ ،‬وسعد العرج‪ ،‬على اليمن‪ ،‬وسفيان بن‬

‫‪ ()654‬نفس المصدر ص ‪ 195‬والثر صحيح‪.‬‬
‫‪ ()655‬نفس المصدر ص ‪ 196‬والثر صحيح‪.‬‬
‫‪ ()656‬فتح الباري )‪ (3/313‬نقل ً عن عصر الخلفة الراشدة ص‬
‫‪.196‬‬
‫‪ ()657‬الحياة القتصادية في العصور السلمية الولى د‪ .‬محمد‬
‫بطابنة ص ‪.104‬‬
‫عبد الله الثقفي كان واليا ً على الطائف فكان‬
‫يجبي زكاتها)‪.(658‬‬
‫‪ -2‬الجزية‪:‬‬
‫هي الضريبة التي تفرض على رؤوس من‬
‫دخل ذمة المسلمين من أهل الكتاب)‪،(659‬‬
‫وقيل هي الخراج المحمول على رؤوس‬
‫الكفار إذلل ً لهم )وصغارًا( )‪ (660‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫ول َ‬
‫ر َ‬
‫خ ِ‬ ‫ول َ ِبال ْي َ ْ‬
‫وم ِ ال ِ‬ ‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ه َ‬ ‫مُنو َ‬ ‫ن ل َ يُ ْ‬
‫ؤ ِ‬ ‫قات ُِلوا ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫‪َ ‬‬
‫ق‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫ح ّ‬ ‫ن ِدي َ‬ ‫ديُنو َ‬‫ول َ ي َ ِ‬‫ه َ‬ ‫سول ُ ُ‬
‫وَر ُ‬
‫ه َ‬‫م الل ّ ُ‬
‫حّر َ‬‫ما َ‬‫ن َ‬ ‫مو َ‬ ‫حّر ُ‬ ‫يُ َ‬
‫د‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬
‫ن يَ ٍ‬
‫ع ْ‬‫ة َ‬‫جْزي َ َ‬
‫عطوا ال ِ‬ ‫حّتى ي ُ ْ‬ ‫ب َ‬‫ن أوُتوا الك َِتا َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ال ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ِ‬
‫ن)‪) (29‬التوبة‪،‬آية‪.(29:‬‬ ‫غُرو َ‬‫صا ِ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫و ُ‬‫َ‬
‫وتؤخذ الجزية من أهل الكتاب‪ :‬وهم اليهود‬
‫والنصارى وهو إجماع ل خلف فيه ومن لهم‬
‫شبهة كتاب‪ :‬وهم المجوس‪ ،‬وقد حار عمر‬
‫رضي الله عنه في أمرهم في أول المر‪،‬‬
‫أيأخذ منهم الجزية؟ أو ل يأخذها؟ حتى قطع‬
‫دثه أن‬ ‫عبد الرحمن بن عوف حيرته حين ح ّ‬
‫‪،‬‬‫)‪(661‬‬
‫رسول الله ‪ ‬أخذها من مجوس هجر‬
‫فقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر كان‬
‫بين القبر والمنبر فقال‪ :‬ما أدري ما أصنع‬
‫بالمجوس‪ ،‬وليسوا بأهل كتاب‪ ،‬فقال عبد‬
‫الرحمن بن عوف‪ :‬سمعت رسول الله ‪‬‬
‫سنة أهل الكتاب)‪ ،(662‬وفي‬‫سنوا بهم ُ‬
‫يقول‪ُ :‬‬
‫حديث آخر أن عمر لم يرد أن يأخذ الجزية من‬
‫‪ ()658‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.197 ،196‬‬
‫‪ ()659‬السياسة الشرعية لبن تيمية ص ‪ ،114 ،113‬المعاهدات في‬
‫الشريعة د‪ .‬الديك ص ‪.313‬‬
‫مي ص ‪.39‬‬ ‫م ّ‬
‫‪ ()660‬أهل الذمة في الحضارة السلمية حسن ال ِ‬
‫‪ ()661‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪.235‬‬
‫المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن‬
‫رسول الله أخذها من مجوس هجر)‪ ،(663‬وقد‬
‫علل العلماء أخذها من المجوس بأنهم كانوا‬
‫في الصل أهل كتاب‪ ،‬وإنما طرأت عليهم‬
‫عبادة النار بعد ذلك‪ ،‬وعندئذ أخذها من أهل‬
‫السواد)‪ (664‬وأخذها من مجوس فارس وكتب‬
‫قَبلك فخذ‬ ‫لجزء بن معاوية‪ :‬انظر مجوس من ِ‬
‫منهم الجزية فإن عبد الرحمن بن عوف‬
‫أخبرني أن رسول الله أخذها من مجوس‬
‫هجر)‪ ،(665‬وهي تجب على الرجال الحرار‬
‫العقلء‪ ،‬ول تجب على امرأة ول صبي ول‬
‫مجنون ول عبد لنهم أتباع وذراري‪ ،‬كما أن‬
‫الجزية ل تؤخذ من المسكين الذي يتصدق‬
‫من إذا كان‬ ‫عليه ول من مقعد‪ ،‬والمقعد والّز ِ‬
‫لهما يسار أخذت منهما وكذلك العمى وكذلك‬
‫المترهبون الذين في الديارات إذا كان لهم‬
‫دق‬‫يسار أخذ منهم‪ ،‬وإن كانوا مساكين يتص ّ‬
‫عليهم أهل اليسار لم يؤخذ منهم)‪،(666‬‬
‫وتسقط الجزية‪ ،‬بالموت‪ ،‬فإذا مات من تجب‬
‫عليه الجزية سقطت الجزية‪ ،‬لن الجزية واجبة‬
‫على الرؤوس‪ ،‬فإذا فاتت الرؤوس بالموت‬
‫سقطت‪ ،‬وبالسلم‪ ،‬فإذا أسلم من فرضت‬
‫عليه الجزية‪ ،‬سقطت عنه بإسلمه‪ ،‬فقد أسلم‬

‫‪ ()662‬نفس المصدر ص ‪ 235‬نقل ً عن مصنف ابن أبي شيبة )‬
‫‪.(1/141‬‬
‫‪ ()663‬البخاري‪ ،‬ك الجزية والموادعة رقم ‪.3156‬‬
‫‪ ()664‬سواد العراق‪.‬‬
‫‪ ()665‬البخاري‪ ،‬رقم ‪.3156‬‬
‫‪ ()666‬أهل الذمة في الحضارة السلمية ص ‪.42‬‬
‫رجلن من أهل أليس‪ ،‬فرفع عنهما‬
‫جزيتهما)‪ ،(667‬وأسلم الرقيل دهقان النهرين‬
‫ففرض له عمر في ألفين ووضع عن رأسه‬
‫الجزية)‪ ،(668‬ومن الجدير بالذكر أن الجزية‬
‫تسقط عن العام الذي أسلم فيه الذمي‪ ،‬سواء‬
‫كان إسلمه في أوله أو في وسطه أو في‬
‫آخره‪ ،‬قال عمر‪ :‬إن أخذ الجزية الجابي بكفه‬
‫ثم أسلم صاحبها ردها عليه)‪ ،(669‬وتسقط‬
‫بالفتقار‪ ،‬فإذا افتقر الذمي بعد غنى وأصبح‬
‫غير قادر على دفع الجزية سقطت عنه الجزية‬
‫وقد أسقطها عمر عن الشيخ الكبير الضرير‬
‫البصر عندما رآه يسأل الناس)‪ (670‬وفرض له ما‬
‫يعوله من بيت المال‪ ،‬وتسقط عند عجز الدولة‬
‫عن حماية الذميين‪ ،‬لن الجزية ما هي إل‬
‫ضريبة على الشخاص القاطنين في أقاليم‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬وتدفع هذه الضريبة في‬
‫مقابل انتفاعهم بالخدمات العامة للدولة‪،‬‬
‫علوة على أنها نظير حمايتهم والمحافظة‬
‫عليهم وبدل عدم قيامهم بواجب الدفاع عن‬
‫الدولة ومواطنيها)‪ ،(671‬ومن الدلة على أن‬
‫الجزية في مقابل الحماية‪ ،‬ما قام به أبو‬
‫عبيدة بن الجراح‪ ،‬حينما حشد الروم جموعهم‬
‫على حدود البلد السلمية الشمالية‪ ،‬فكتب‬
‫أبو عبيدة إلى كل وال ممن خلفه في المدن‬
‫‪ ()667‬موسوعة فقه عمر ص ‪.238‬‬
‫‪ ()668‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪ 238‬نقل ً عن المحلى )‬
‫‪.(7/345‬‬
‫‪ ()669‬نفس المصدر ص ‪ 239‬نقل ً عن المغني )‪.(8/511‬‬
‫‪ ()670‬موسوعة فقه عمر ص ‪.239‬‬
‫‪ ()671‬المعاهدات في الشريعة السلمية د‪ .‬الديك ص ‪.314‬‬
‫التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما‬
‫جبي منهم من الجزية والخراج‪ ،‬وكتب إليهم‬
‫أن يقولوا لهم‪ :‬إنما رددنا عليكم أموالكم لنه‬
‫قد بلغنا‬
‫ما جمع لنا من الجموع وأنكم اشترطتم علينا‬
‫أن نمنعكم‪ ،‬وإنا ل نقدر على ذلك‪ ،‬وقد رددنا‬
‫عليكم ما أخذنا منكم‪ ،‬ونحن على الشرط‪ ،‬وما‬
‫كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم‪ ،‬فلما‬
‫قالوا ذلك لهم وردوا عليهم أموالهم التي‬
‫جبيت منهم‪ ،‬قالوا‪ :‬ردكم الله علينا ونصركم‬
‫عليهم )أي الروم( فلو كانوا هم ما ردوا علينا‬
‫شيئا ً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى ل يدعوا‬
‫لنا شيئا ً)‪ ،(672‬كما تسقط إذا قاموا هم بعبء‬
‫الدفاع بتكليف من الدولة كما حدث في العهد‬
‫الذي وقعه سراقة بن عمرو مع أهل‬
‫)‪(673‬‬
‫‪.‬‬ ‫طبرستان بعد أن وافقه عمر على ذلك‬
‫وأما قيمتها فقد كانت غير محددة واختلفت‬
‫من إقليم لخر بحسب قدرة الناس‪ ،‬وظروف‬
‫القليم‪ ،‬فقد وضع على أهل السواد‪ ،‬ثمانية‬
‫وأربعين درهمًا‪ ،‬وأربعة وعشرين درهمًا‪،‬‬
‫بحسب حال كل واحد من اليسار‪ ،‬يؤخذ ذلك‬
‫منهم كل سنة‪ ،‬وإن جاءوا بعرض قبل منهم‬
‫مثل الدواب والمتاع وغير ذلك ويؤخذ منهم‬
‫بالقيمة)‪ ،(674‬وجعل على أهل الشام أربعة‬
‫دنانير وأرزاق المسلمين من الحنطة مدين‬
‫‪ ()672‬فتوح البلدان ص ‪ ،143‬الموارد المالية د‪ .‬يوسف عبد‬
‫المقصود ص ‪.228‬‬
‫‪ ()673‬تاريخ الدعوة السلمية د‪ .‬جميل المصري ص ‪.327‬‬
‫‪ ()674‬دور الحجاز في الحياة السياسية ص ‪.230‬‬
‫وثلثة أقساط من زيت لكل فرد‪ ،‬وعلى أهل‬
‫الفضة أربعين درهما ً وخمسة عشر صاعا ً لكل‬
‫إنسان وعلى أهل مصر دينارين لكل حالم إل‬
‫أن يكون فقيرا ً)‪ ،(675‬وأما أهل اليمن فقد‬
‫خضعت للسلم في عهد النبوة‪ ،‬وفرضت‬
‫الجزية على كل رجل دينار أو عدله معافر‪،‬‬
‫وتشير روايات ضعيفة إلى بقاء هذه الجزية‬
‫على أهل اليمن دون تغير في خلفة عمر‬
‫ورغم ضعفها فإنها تتفق مع سياسة عمر في‬
‫مراعاة أحوال الرعية‪ ،‬وعدم تغيير الجراءات‬
‫النبوية)‪ ،(676‬فالجزية كانت تختلف بحسب يسار‬
‫الناس وبحسب غنى القليم كذلك‪ ،‬وكانت‬
‫تخضع للجتهاد بما يكون من طاقة أهل الذمة‬
‫بل حمل عليهم ول إضرار)‪ ،(677‬وكان عمر يأمر‬
‫جباة الجزية بأن يرفقوا بالناس في جبايتها‪،‬‬
‫وعندما أتي عمر بمال كثير فقال‪ :‬إني‬
‫لظنكم قد أهلكتم الناس‪ ،‬قالوا‪ :‬ل والله‪ ،‬ما‬
‫أخذنا إل عفوا ً صفوًا‪ ،‬قال‪ :‬بل سوط ول نوط؟‬
‫قالوا‪ :‬نعم قال‪ :‬الحمد لله الذي لم يجعل ذلك‬
‫على يدي ول في سلطاني)‪ ،(678‬ومن أشهر‬
‫الموظفين في هذه المؤسسة عثمان بن‬
‫حنيف‪ ،‬وسعيد بن حذيم‪ ،‬وولة المصار كعمرو‬
‫بن العاص‪ ،‬ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم‪.‬‬
‫وقد نظمت الجزية بمجموعة من الحكام‬
‫والقوانين استمدها الفقهاء والمشرعون من‬
‫دور الحجاز في الحياة السياسية ص ‪.230‬‬ ‫‪()675‬‬
‫عصر الخلفة الراشدة ص ‪.173‬‬ ‫‪()676‬‬
‫نفس المصدر ص ‪ ،231‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.167‬‬ ‫‪()677‬‬
‫موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪.243‬‬ ‫‪()678‬‬
‫نصوص القرآن والسنة وعمل الخلفاء‬
‫الراشدين ودلت تلك الحكام على أن مؤسسة‬
‫الجزية من مصادر الدولة السلمية‪ ،‬كما أن‬
‫لها صفة سياسية‪ ،‬فدفع أهل الذمة للدولة‬
‫دليل على إخلصهم لها وخضوعهم لحكامها‬
‫وقوانينها والوفاء بما عاهدوا عليه)‪،(679‬‬
‫مي بأن مؤسسة‬ ‫ويذهب الستاذ حسن الم ّ‬
‫الجزية لها صبغة سياسية أكثر منها صبغة‬
‫مالية)‪ ،(680‬والحقيقة أن هذه المؤسسة جمعت‬
‫بين الصبغتين وهي من مصادر الثروة في‬
‫الدولة السلمية‪.‬‬
‫‪ -‬أخذ عمر الصدقة مضاعفة من نصارى تغلب‪:‬‬
‫كان بعض عرب الجزيرة من النصارى قد‬
‫رفضوا دفع الجزية لكونهم يرونها منقصة‬
‫ومذمة‪ ،‬فبعث الوليد برؤساء النصارى‬
‫دوا‬‫وعلمائهم إلى أمير المؤمنين فقال لهم‪ :‬أ ّ‬
‫الجزية‪ .‬فقالوا لعمر‪ :‬أبلغنا مأمننا‪ ،‬والله لئن‬
‫وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم والله‬
‫حّنا من بين العرب‪ ،‬فقال لهم‪ :‬أنتم‬ ‫لتفض ُ‬
‫فضحتم أنفسكم‪ ،‬وخالفتم أمتكم فيمن خالف‬
‫وافتضح من عرب الضاحية‪ ،‬والله لتؤدّنه وأنتم‬
‫قمَأة )يعني حقيرين( ولئن هربتم إلى‬ ‫غرة َ‬‫ص َ‬
‫َ‬
‫الروم لكتبن فيكم‪ ،‬ثم لسبينكم قالوا‪ :‬فخذ‬
‫منا شيئا ً ول تسمه جزاء‪ ،‬فقال‪ :‬أما نحن‬
‫فنسميه جزاء وسموه أنتم ما شئتم‪ ،‬فقال له‬
‫علي بن أبي طالب‪ :‬يا أمير المؤمنين ألم‬
‫‪ ()679‬أهل الذمة في الحضارة السلمية ص ‪.43‬‬
‫‪ ()680‬نفس المصدر ص ‪.43‬‬
‫عف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال‪:‬‬ ‫ض ِ‬
‫يُ ْ‬
‫بلى‪ ،‬وأصغى إليه فرضي به منهم جزاء‪،‬‬
‫فرجعوا على ذلك)‪ ،(681‬ومن هذا الخبر نأخذ‬
‫درسا ً في معاملة المتكبرين من العداء الذين‬
‫يخاطبون المسلمين بعزة وأنفة ويهددون‬
‫باللجوء إلى دول الكفر‪ ،‬فنجد أمير المؤمنين‬
‫قرهم وهددهم إذا لجأوا‬ ‫خاطبهم بعنف وح ّ‬
‫إلى الكفار بالسعي في إحضارهم ومعاملتهم‬
‫كمعاملة الحربيين من سبي ذراريهم‬
‫ونسائهم‪ ،‬وهذا أشد عليهم كثيرا ً من دفع‬
‫الجزية‪ ،‬فهذا الجواب القوي أزال ما في‬
‫رؤوسهم من الكبرياء والتعاظم فرجعوا‬
‫متواضعين يطلبون من أمير المؤمنين أن‬
‫مي‬‫يوافق على أخذ ما يريد من غير أن ُيس ّ‬
‫ذلك جزية‪ ،‬وهنا تدخل علي رضي الله عنه‬
‫وكان لرأيه مكانة عند عمر لفقهه في الدين‪،‬‬
‫عف الصدقة كما فعل سعد‬ ‫فأشار عليه بأن ُيض ِ‬
‫بن أبي وقاص بأمثالهم‪ ،‬فقبل ذلك أمير‬
‫المؤمنين تألفا ً لهم ومنعا ً من محاولة اللجوء‬
‫إلى دول الكفر‪ ،‬وقد أصبح هذا الرأي مقبول ً‬
‫حينما وقع موقعه‪ ،‬وذلك بعد ما أزال أمير‬
‫المؤمنين ما في نفوسهم من العزة والكبرياء‪،‬‬
‫فأما لو قبل ذلك منهم في بداية العرض‬
‫فإنهم سيعودون بكبريائهم ول يؤمن منهم‬
‫بعد ذلك أن ينقضوا العهد ويسيئوا إلى‬
‫المسلمين)‪.(682‬‬
‫‪ ()681‬تاريخ الطبري )‪ (5/30‬وقد ضعف الدكتور العمري هذه‬
‫الرواية‪ ،‬انظر عصر الخلفة الراشدة ص ‪.167‬‬
‫‪ ()682‬التاريخ السلمي )‪.(142 ،11/141‬‬
‫وقد جاء في رواية عن قصة بني تغلب‪ ،‬بأنهم‬
‫دعوا إلى السلم فأبوا‪ ،‬ثم إلى الجزية فلم‬
‫يطمئنوا إليها‪ ،‬وولوا هاربين يريدون اللحاق‬
‫بأرض الروم‪ ،‬فقال النعمان بن زرعة لعمر‪ :‬يا‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬إن بني تغلب قوم عرب‪،‬‬
‫يأنفون من الجزية‪ ،‬وليست لهم أموال إنما‬
‫هم أصحاب حروث ومواشي‪ ،‬ولهم نكاية في‬
‫العدو فل تعن عدوك عليك بهم قال‪:‬‬
‫فصالحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪،‬‬
‫على أن ضاعف عليهم الصدقة)‪ ..(683‬وقال‪:‬‬
‫هي جزية وسموها ما شئتم)‪ ،(684‬فقال بنوا‬
‫تغلب‪ :‬أما إذا لم تكن جزية كجزية العلج فإنا‬
‫نرضى ونحفظ ديننا)‪ ،(685‬والسر في قبول‬
‫الخليفة عمر رضي الله عنه‪ ،‬الصدقة من بني‬
‫تغلب وهل تعد صدقة أم جزية؟ يرجع إلى أن‬
‫الختلف في التسمية أمر قد تسوهل فيه‬
‫ورضي الخليفة به مادام في ذلك المصلحة‬
‫العامة‪ ،‬والذي دفعه إلى ذلك خشية انضمام‬
‫بني تغلب إلى الروم وما كان يرجوه من‬
‫إسلمهم ليكونوا عونا ً للمسلمين على‬
‫أعدائهم ولن هؤلء قوم من العرب لهم من‬
‫العزة والنفة ما يبرر حفظ كرامتهم وأن ما‬
‫يرد إلى بيت المال من أموالهم خير‬
‫‪ ()683‬الموال )‪ (1/37‬نقل ً عن سياسة المال في السلم عبد الله‬
‫جمعان ص ‪.72‬‬
‫‪ ()684‬فتح القدير )‪ ،(1/514‬سياسة المال في السلم ص ‪.72‬‬
‫‪ () 685‬فتوح البلدان ص ‪ ،186‬سياسة المال في السلم ص ‪،72‬‬
‫يعتبر كتاب سياسة المال في عهد عمر بن الخطاب للستاذ‬
‫عبد الله جمعان السعدي هو العمدة في مبحث المؤسسة‬
‫المالية فقد قمت بتلخيصه وإضافة بعض الشياء‪.‬‬
‫للمسلمين وأجدى على خزانة الدولة من‬
‫)‪(686‬‬
‫‪ ،‬أما‬ ‫هربهم وانضمامهم إلى صفوف الروم‬
‫من ناحية هل هي صدقة أم جزية؟ فهي جزية‬
‫لنها تصرف في مصارف الخراج ولن الصدقة‬
‫ل تجب على غير المسلمين‪ ،‬ولن الجزية في‬
‫نظير الحماية وكان بنو تغلب في حماية‬
‫المسلمين‪ ،‬وفي الوقت نفسه يمكننا أن‬
‫نقول إّنها ليست بجزية عمليًا‪ ،‬لن ما فرض‬
‫على نصارى بني تغلب كان على الموال التي‬
‫تفرض عليها الزكاة‪ ،‬فكل شيء على‬
‫المسلمين فيه زكاة كالزروع والثمار‬
‫والماشية والنقدين‪ ..‬فهو عليهم مضاعف‬
‫يؤخذ من النساء كما يؤخذ من الرجال ولم‬
‫يكن على الشخاص وهذا ينافي معنى الجزية‬
‫عرفا ً)‪ ،(687‬والمهم في كلتا الحالتين باعتبارها‬
‫صدقة أو جزية فهي ضريبة بينت مدى‬
‫خضوعهم لسلطة السلم)‪ ،(688‬هذا وقد كانت‬
‫هنالك حقوق والتزامات كثيرة للعرب على‬
‫البلد المفتوحة عدا الجزية‪ ،‬وقد تنوعت هذه‬
‫الحقوق وتطورت أيام الخليفة عمر رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬فمن ذلك ضيافة الحاكم إذا وفد والرسل‬
‫والسفراء ومن نزل من المسلمين بأهل البلد‬
‫وقد حددت مدة الضيافة في خلفة عمر رضي‬
‫الله عنه بثلثة أيام مما يأكلون ول يكلفون‬
‫بذبح شاة ول دجاجة ول مما ل طاقة لهم‬

‫‪ ()686‬سياسة المال في السلم ص ‪.72‬‬
‫‪ ()687‬نفس المصدر ص ‪ ،73‬النظام السلمي المقارن ص ‪.39‬‬
‫‪ ()688‬نفس المصدر ص ‪.73‬‬
‫به)‪ ،(689‬وقد مّر معنا عند حديثنا عن التطوير‬
‫العمراني في عهد عمر أن بعض التفاقيات‬
‫في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه اشتملت‬
‫على إصلح الطرق‪ ،‬وإنشاء الجسور وبناء‬
‫القناطر وقد تطور نظام الجزية في عهد عمر‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فأحصى السكان وميز بين‬
‫الغني والفقير ومتوسط الحال‪ ،‬واستحدث‬
‫كثيرا ً من الشروط واللتزامات في نصوص‬
‫المعاهدات مما لم يعرف من قبل وذلك‬
‫لتساع العمران وبسط السلطان على مصر‬
‫والشام والعراق ومخالطة المسلمين لهل‬
‫البلد واتصالهم الدائم بحضارتها مما مكنهم‬
‫من سياسة الدولة وشئون العمران وما‬
‫تتطلبه طبيعة التدرج والنمو فأوجدوا ما لم‬
‫يكن موجودا ً من إصلح الطرق والعمران وبناء‬
‫القناطر والجسور التي هي عون المم‬
‫المتحضرة‪ ،‬ومن هنا انتظمت المور‪ ،‬واتسعت‬
‫البلد ورسخت قواعد النظم المالية‬
‫وغيرها)‪.(690‬‬
‫‪ -‬شروط عقد الجزية ووقت أدائها‪:‬‬
‫وقد استنبط الفقهاء من خلل عصر الخلفاء‬
‫الراشدين مجموعة من الشروط‪:‬‬
‫أن ل يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ول‬ ‫•‬
‫تحريف له‪.‬‬
‫أن ل يذكروا رسول الله ‪ ‬بتكذيب ول إزدراء‪.‬‬ ‫•‬

‫‪ ()689‬الحكام السلطانية والوليات الدينية ص ‪.164‬‬
‫‪ ()690‬سياسة المال في السلم في عهد عمر بن الخطاب ص‬
‫‪.174‬‬
‫أن ل يذكروا دين ا لسلم بذم له ول قدح‬ ‫•‬
‫فيه‪.‬‬
‫أن ل يصيبوا مسلمة بزنا ول باسم نكاح‪.‬‬ ‫•‬
‫أن ل يفتنوا مسلما ً عن دينه‪ ،‬ول يتعرضوا‬ ‫•‬
‫لماله ول دينه‪.‬‬
‫دوا‬
‫وأن ل يعينوا أهل الحرب ول يو ّ‬ ‫•‬
‫أغنياءهم)‪.(691‬‬
‫وأما وقت أدائها فقد حدد الخليفة عمر رضي‬
‫الله عنه وقت أداء الجزية في آخر الحول‬
‫ومرادنا به آخر العام الزراعي‪ ،‬ويرجع هذا‬
‫التغيير في وقت أداء الجزية في عهد الخليفة‬
‫عمر رضي الله عنه إلى حالة الستقرار‬
‫والستقرار يدعو إلى التنظيم وتعيين الوقات‬
‫المناسبة للدولة والمكلفين بدفع الجزية‪ ،‬كما‬
‫أن تحصيلها وقت إتيان الغلت ‪ -‬وهو ما يعبر‬
‫عنه المؤرخون بآخر العام ‪ -‬فيه دفع للمشقة‪،‬‬
‫وتسهيل على المكلفين وراحة للدافعين)‪.(692‬‬
‫‪ -1‬الخراج‪:‬‬
‫الخراج له معنيان‪ :‬عام وهو كل إيراد وصل‬
‫إلى بيت مال المسلمين من غير الصدقات‪،‬‬
‫فهو يدخل في المعنى العام للفيء ويدخل‬
‫فيه إيراد الجزية وإيراد العشور وغير ذلك‪ ،‬وله‬
‫معنى خاص‪ :‬وهو إيراد الراضي التي افتتحها‬
‫المسلمون عنوة وأوقفها المام لمصالح‬
‫المسلمين على الدوام كما فعل عمر بأرض‬

‫‪ ()691‬سياسة المال في السلم في عهد عمر ص ‪.76‬‬
‫‪ ()692‬نفس المصدر ص ‪.67‬‬
‫السواد من العراق والشام)‪ ،(693‬والخراج كما‬
‫قال ابن رجب الحنبلي ل يقاس بإجارة ول‬
‫ثمن‪ ،‬بل هو أصل ثابت بنفسه ل يقاس‬
‫بغيره)‪.(694‬‬
‫عندما قويت شوكة السلم بالفتوحات‬
‫العظيمة وبالذات بعد القضاء على القوتين‬
‫العظيمتين الفرس والروم‪ ،‬تعددت موارد‬
‫المال في الدولة السلمية وكثرت مصارفه‪،‬‬
‫وللمحافظة على كيان هذه الدولة المترامية‬
‫الطراف وصون عزها وسلطانها‪ ،‬وضمان‬
‫مصالح العامة‪ ،‬والخاصة كان لبد من سياسة‬
‫مالية حكيمة ورشيدة‪ ،‬فكر لها عمر رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬أل وهي إيجاد مورد مالي ثابت ودائم‬
‫للقيام بهذه المهام‪ ،‬وهذا المورد هو‪:‬الخراج‬
‫فقد أراد الفاتحون أن تقسم عليهم الغنائم‬
‫ض وفقا ً لما جاء في القرآن‬ ‫من أموال وأرا ٍ‬
‫َ‬
‫ن‬‫م ْ‬‫م ِ‬‫مت ُ ْ‬ ‫ما َ‬
‫غن ِ ْ‬ ‫عل َ ُ‬
‫موا أن ّ َ‬ ‫الكريم خاصا ً بالغنائم ‪َ ‬‬
‫وا ْ‬
‫ذي ال ْ ُ‬ ‫ء َ َ‬
‫قْرَبى‬ ‫ول ِ ِ‬ ‫ل َ‬ ‫سو ِ‬ ‫وِللّر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫س ُ‬‫م َ‬ ‫خ ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ن ل ِل ّ ِ‬ ‫فأ ّ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫َ‬
‫م‬
‫من ْت ُ ْ‬ ‫مآ َ‬ ‫ُ‬
‫ن كنت ُ ْ‬ ‫ل إِ ْ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬
‫واب ْ ِ‬ ‫ن َ‬ ‫كي ِ‬‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال َ‬ ‫مى َ‬
‫َ‬
‫والي ََتا َ‬ ‫َ‬
‫قى‬ ‫ْ‬
‫م الت َ َ‬ ‫و َ‬‫ِ ْ‬‫َ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫قا‬‫َ‬ ‫ر‬‫ْ‬ ‫ف‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬‫ا‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫و‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫نا‬‫َ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ز‬
‫َ‬ ‫أن‬ ‫ما‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫بال‬ ‫ِ‬
‫قِديٌر)‪ (41‬‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ُ‬
‫على ك ّ‬ ‫َ‬ ‫ه َ‬ ‫ّ‬
‫والل ُ‬ ‫ن َ‬ ‫عا ِ‬ ‫م َ‬ ‫ج ْ‬ ‫ْ‬
‫ال َ‬
‫)النفال‪،‬آية‪.(41:‬‬
‫وقد أراد عمر رضي الله عنه في بداية المر‬
‫ي بن أبي‬
‫تقسيم الرض بعد الفاتحين‪ ،‬لكن عل ّ‬
‫طالب رضي الله عنه رأى عدم التقسيم‪،‬‬
‫وشاركه الرأي معاذ بن جبل‪ ،‬وحذر عمر من‬

‫‪ ()693‬الخراج لبي يوسف ص ‪ ،24،25‬اقتصاديات الحرب ص ‪.215‬‬
‫‪ ()694‬الستخراج لحكام الخراج ص ‪ ،40‬اقتصاديات الحرب ص‬
‫‪.215‬‬
‫ل‪ :‬قدم عمر‬ ‫ذلك)‪ ،(695‬وقد روى أبو عبيد قائ ً‬
‫الجابية فأراد قسم الراضي بين المسلمين‬
‫فقال معاذ‪ :‬والله إذا ً ليكونن ما تكره‪ ،‬إنك إن‬
‫قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم‬
‫يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو‬
‫سدون من‬ ‫المرأة‪ ،‬ثم يأتي من بعدهم قوم ي َ ُ‬
‫سدًا‪ ،‬وهم ل يجدون شيئا ً فانظر‬ ‫م َ‬‫السلم َ‬
‫‪ ،‬لقد نبه معاذ بن‬ ‫)‪(696‬‬
‫أمرا ً يسع أولهم وآخرهم‬
‫جبل رضي الله عنه أمير المؤمنين عمر رضي‬
‫الله عنه إلى أمر عظيم‪ ،‬جعل عمر يتتبع آيات‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬ويتأملها مفكرا ً في معنى كل‬
‫كلمة يقرأها حتى توقف عند آيات تقسيم‬
‫الفيء في سورة الحشر‪ ،‬فتبين له أنها تشير‬
‫إلى الفيء للمسلمين في الوقت الحاضر‪،‬‬
‫ولمن يأتي بعدهم‪ ،‬فعزم على تنفيذ رأي معاذ‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فانتشر خبر ذلك بين الناس‬
‫ووقع خلف بينه وبين بعض الصحابة رضوان‬
‫الله عليهم‪ ،‬فكان عمر ومؤيدوه ل يرون‬
‫تقسيم الراضي التي فتحت‪ ،‬وكان بعض‬
‫الصحابة ومنهم بلل بن رباح‪ ،‬والزبير بن‬
‫العوام يرون تقسيمها‪ ،‬كما تقسم غنيمة‬
‫العسكر‪ ،‬كما قسم النبي ‪ ‬خيبر‪ ،‬فأبى عمر‬
‫رضي الله عنه التقسيم وتل عليهم اليات‬
‫الخمس من سورة الحشر من قوله تعالى‪ :‬‬
‫َ‬ ‫ما أ َ َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه‬ ‫م َ‬ ‫فت ُ ْ‬‫ج ْ‬ ‫و َ‬
‫ما أ ْ‬ ‫م َ‬
‫ف َ‬ ‫ه ْ‬ ‫من ْ ُ‬ ‫ه ِ‬‫سول ِ ِ‬ ‫عَلى َر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫فاءَ الل ّ ُ‬ ‫و َ‬‫َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬‫على َ‬ ‫َ‬ ‫ه َ‬ ‫َ‬
‫سل ُ‬ ‫ُ‬
‫سلط ُر ُ‬ ‫ّ‬ ‫ه يُ َ‬ ‫ّ‬
‫ن الل َ‬ ‫َ‬
‫ولك ِ ّ‬ ‫ٍ َ‬‫ب‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫ٍ َ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫ن‬‫ْ‬ ‫م‬ ‫ِ‬
‫ر)‪)  (6‬الحشر‪،‬آية‪(6:‬‬ ‫دي ٌ‬‫ق ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫عَلى ك ُ ّ‬ ‫ه َ‬ ‫والل ّ ُ‬
‫شاءُ َ‬ ‫يَ َ‬
‫‪ ()695‬سياسة المال في السلم ص ‪.103‬‬
‫‪ ()696‬الموال لبي عبيد ص ‪ ،75‬سياسة المال ص ‪.103‬‬
‫حتى فرغ من شأن بني النضير ثم قال‪َ  :‬‬
‫ما‬
‫ل‬ ‫سو ِ‬ ‫وِللّر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫فل ِل ّ ِ‬ ‫قَرى َ‬ ‫ل ال ْ ُ‬ ‫ه ِ‬ ‫ن أَ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫سول ِ ِ‬ ‫عَلى َر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫فاءَ الل ّ ُ‬ ‫أَ َ‬
‫ل كَ ْ‬
‫ي‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫واب ْ ِ‬ ‫ن َ‬ ‫كي ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫مى َ‬ ‫وال ْي ََتا َ‬ ‫قْرَبى َ‬ ‫ذي ال ْ ُ‬ ‫ول ِ ِ‬ ‫َ‬
‫ل‬‫سو ُ‬ ‫م الّر ُ‬ ‫ُ‬
‫ما آَتاك ْ‬ ‫و َ‬ ‫م َ‬ ‫من ْك ْ‬‫ُ‬ ‫ء ِ‬ ‫ن الغن َِيا ِ‬ ‫ْ‬ ‫ة ب َي ْ َ‬ ‫َ‬
‫دول ً‬ ‫ن ُ‬ ‫ل ي َكو َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ه‬ ‫ّ‬
‫ن الل َ‬ ‫ه إِ ّ‬ ‫ّ‬
‫وات ّقوا الل َ‬ ‫ُ‬ ‫هوا َ‬ ‫ه فان ْت َ ُ‬ ‫َ‬ ‫عن ْ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ُ‬
‫هاك ْ‬ ‫ما ن َ َ‬ ‫و َ‬ ‫ذوهُ َ‬ ‫خ ُ‬ ‫ف ُ‬ ‫َ‬
‫ب)‪)  (7‬الحشر‪،‬آية‪ (7:‬فهذه عامة في‬ ‫قا ِ‬ ‫ع َ‬ ‫ديدُ ال ْ ِ‬ ‫ش ِ‬ ‫َ‬
‫ن‬‫ري َ‬ ‫ج ِ‬ ‫ها ِ‬ ‫م َ‬ ‫ء ال ْ ُ‬ ‫قَرا ِ‬ ‫ف َ‬ ‫القرى كلها‪ ،‬ثم قال‪  :‬ل ِل ْ ُ‬
‫خرجوا من ديارهم َ‬ ‫ُ‬
‫ن‬‫م ْ‬ ‫ضل ً ِ‬ ‫ف ْ‬ ‫ن َ‬ ‫غو َ‬ ‫م ي َب ْت َ ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫ِ‬ ‫وال ِ‬ ‫م َ‬ ‫وأ ْ‬ ‫ِ ْ ِ ِ ِ ْ َ‬ ‫نأ ْ ِ ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫ول َئ ِ َ‬ ‫ضواًنا وين ْصرون الل ّه ورسول َ ُ‬
‫م‬ ‫ه ْ‬ ‫ك ُ‬ ‫هأ ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ َ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ُ ُ‬ ‫ر ْ َ‬ ‫و ِ‬ ‫ه َ‬ ‫الل ّ ِ‬
‫ن)‪)  (8‬الحشر‪،‬آية‪ (8:‬ثم لم يرض حتى‬ ‫قو َ‬ ‫صاِد ُ‬ ‫ال ّ‬
‫داَر‬ ‫ءوا ال ّ‬ ‫و ُ‬ ‫ن ت َب َ ّ‬ ‫ذي َ‬ ‫وال ّ ِ‬ ‫خلط بهم غيرهم فقال‪َ  :‬‬
‫ول َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫َ‬ ‫ن َ‬ ‫وا ْ‬
‫جَر إ ِلي ْ ِ‬ ‫ها َ‬ ‫ن َ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬ ‫ن َ‬ ‫حّبو َ‬ ‫م يُ ِ‬ ‫ه ْ‬‫قب ْل ِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫ما َ‬ ‫لي َ‬ ‫َ‬
‫عَلى‬ ‫ن َ‬ ‫َ‬ ‫رو‬ ‫ث‬
‫َ ُ ِ ُ‬ ‫ؤ‬‫ْ‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫توا‬ ‫ُ‬ ‫أو‬ ‫ما‬ ‫ِ ّ‬ ‫م‬ ‫ة‬
‫ً‬ ‫ج‬ ‫حا‬
‫ُ ُ ِ ِ ْ َ َ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ر‬ ‫دو‬ ‫ص‬ ‫في‬ ‫يَ ِ ُ َ ِ‬ ‫ن‬ ‫دو‬ ‫ج‬
‫ه‬
‫س ِ‬ ‫ف ِ‬ ‫ح نَ ْ‬ ‫ش ّ‬ ‫ن ُيوقَ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫و َ‬ ‫ة َ‬ ‫ص ٌ‬ ‫صا َ‬ ‫خ َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ن بِ ِ‬ ‫كا َ‬ ‫و َ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫س ِ‬ ‫ف ِ‬ ‫أ َن ْ ُ‬
‫َ ُ‬
‫ن)‪)  (9‬الحشر‪،‬آية‪ (9:‬فهذا في‬ ‫حو َ‬ ‫فل ِ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫م ال ْ ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫ك ُ‬ ‫ول َئ ِ َ‬ ‫فأ ْ‬
‫النصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم‬
‫م‬
‫ه ْ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ءوا ِ‬
‫جا ُ‬
‫ن َ‬ ‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫غيرهم‪ ،‬فقال‪َ  :‬‬
‫سب َ ُ‬
‫قوَنا‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫وان َِنا ال ّ ِ‬
‫خ َ‬
‫ول ِ ْ‬‫فْر ل ََنا َ‬‫غ ِ‬ ‫ن َرب َّنا ا ْ‬‫قوُلو َ‬ ‫يَ ُ‬
‫مُنوا َرب َّنا‬‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬‫غل ً ل ِل ّ ِ‬ ‫قُلوب َِنا ِ‬ ‫في ُ‬ ‫ل ِ‬ ‫ع ْ‬ ‫ج َ‬‫ول َ ت َ ْ‬‫ن َ‬
‫ما ِ‬ ‫ِبا ْ‬
‫لي َ‬
‫م)‪)  (10‬الحشر‪،‬آية‪ ،(10:‬فكانت‬ ‫حي ٌ‬ ‫ف َر ِ‬ ‫ءو ٌ‬ ‫ك َر ُ‬ ‫إ ِن ّ َ‬
‫هذه عامة لمن جاء بعدهم‪ ،‬فما من أحد من‬
‫المسلمين إل له في هذا الفيء حق‪ ،‬قال‬
‫عمر‪ :‬فلئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه‬
‫من هذا الفيء ودمه في وجهه)‪ ،(697‬وفي‬
‫رواية أخرى جاء فيها‪ .‬قال عمر‪ :‬فكيف بمن‬
‫يأتي من المسلمين فيجدون الرض بعلوجها‬
‫قد اقتسمت وورثت عن الباء وحيزت‪ ،‬ما هذا‬
‫برأي‪ ،‬فقال له‪ :‬عبد الرحمن ابن عوف فما‬
‫‪ ()697‬الخراج لبي يوسف ص ‪ ،67‬اقتصاديات الحرب ص ‪.217‬‬
‫الرأي؟ ما الرض والعلوج إل مما أفاء الله‬
‫عليهم‪ ،‬فقال عمر ما هو إل كما تقول ولست‬
‫أرى ذلك‪ ،‬والله ل يفتح بعدي بلد فيكون فيه‬
‫كبير نيل بل عسى أن يكون كل على‬
‫المسلمين‪ ،‬فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها‪،‬‬
‫وأرض الشام بعلوجها‪ ،‬فما يسد به الثغور؟‬
‫وما يكون للذرية والرامل لهذا البلد وبغيره‬
‫من أراضي الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر‬
‫وقالوا‪ :‬تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على‬
‫قوم لم يحضروا ولم يشهدوا‪ ،‬ولبناء القوم‬
‫وأبناء أبنائهم ولم يحضروا‪ ،‬فكان عمر رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬ل يزيد على أن يقول‪ :‬هذا رأي‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬فاستشر‪ ،‬فأرسل إلى عشرة من‬
‫النصار من كبراء الوس والخزرج وأشرافهم‬
‫فخطبهم‪ ،‬وكان مما قال لهم‪ :‬إني واحد‬
‫كأحدكم‪ ،‬وأنتم اليوم تقرون بالحق‪ ،‬خالفني‬
‫من خالفني‪ ،‬ووافقني من وافقني‪ ،‬ولست‬
‫أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي ثم قال‪ :‬قد‬
‫سمعتم كلم هؤلء القوم الذين زعموا أني‬
‫أظلمهم حقوقهم‪ ،‬ولكن رأيت أنه لم يبق‬
‫شيء يفتح بعد أرض كسرى وقد غنمنا الله‬
‫أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا‬
‫من أموال بين أهله‪ ،‬وأخرجت الخمس فوجهته‬
‫على وجهه‪ ،‬وقد رأيت أن أحبس الرضين‬
‫بعلوجها واضعا ً عليهم فيها الخراج وفي‬
‫رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا ً‬
‫للمسلمين‪ ،‬المقاتلة والذرية‪ ،‬ولمن يأتي من‬
‫بعدهم‪ ،‬أرأيتم هذه الثغور‬
‫ل بد لها من رجال يلزمونها أرأيتم هذه المدن‬
‫العظام ل بد لها من أن تشحن بالجيوش‪،‬‬
‫وإدرار العطاء عليهم فمن أين ُيعطى هؤلء‬
‫إذا قسمت الرض والعلوج؟ فقالوا جميعًا‪:‬‬
‫الرأي رأيك فنعم ما قلت ورأيت‪ ،‬إن لم تشحن‬
‫هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري‬
‫ون به رجع أهل الكفر إلى‬ ‫و ْ‬ ‫عليهم ما ي َت َ َ‬
‫ق ّ‬
‫مدنهم)‪ ،(698‬وقد قال عمر فيما قاله‪ :‬لو‬
‫قسمتها بينهم لصارت دولة بين الغنياء منكم‪،‬‬
‫ولم يكن لمن جاء بعدهم من المسلمين شيء‪،‬‬
‫وقد جعل الله لهم فيها الحق بقوله تعالى‪:‬‬
‫م ‪ ‬ثم قال‪ :‬فاستوعبت‬ ‫ه ْ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م ْ‬‫ءوا ِ‬ ‫جا ُ‬ ‫ن َ‬ ‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫‪َ ‬‬
‫الية الناس إلى يوم القيامة‪ ،‬وبعد ذلك استقر‬
‫رأي عمر وكبار الصحابة رضي الله عنهم على‬
‫عدم قسمة الرض)‪.(699‬‬
‫وفي حواره مع الصحابة يظهر أسلوب‬
‫الفاروق في الجدل‪ ،‬وكيف جمع فيه قوة‬
‫الدليل‪ ،‬وروعة الصورة‪ ،‬واستمالة الخصم‪ ،‬في‬
‫مقالته التي قال للنصار‪ ،‬عند المناقشة في‬
‫أمر أرض السواد‪ ،‬ولو أن رئيسا ً ناشئا ً في‬
‫السياسة‪ ،‬متمرسا ً بأساليب الخطب البرلمانية‬
‫أراد أن يخطب النواب )لينال موافقتهم( على‬
‫مشروع من المشروعات لم يجيء بأرقّ من‬
‫هذا المدخل‪ ،‬أو أعجب من هذا السلوب؟‬
‫وامتاز عمر فوق ذلك بأنه كان صادقا ً فيما‬
‫يقول‪ ،‬ولم يكن فيه سياسيا ً مخادعا ً وأنه جاء‬

‫‪ ()698‬الخراج لبي يوسف ص ‪ ،67‬اقتصاديات الحرب ص ‪.217‬‬
‫‪ ()699‬سياسة المال في السلم في عهد عمر ص ‪.105‬‬
‫به في نمط من البيان يسمو على الشباه‬
‫والمثال)‪.(700‬‬

‫‪ ()700‬أخبار عمر ص ‪.210‬‬
‫هل كان الفاروق مخالفا ً للنبي ‪ ‬في حكم أرض الخراج‪:‬‬ ‫‪-‬‬
‫من قال‪ :‬إن الفاروق خالف الرسول ‪ ‬بفعله‬
‫في عدم تقسيم أرض الخراج‪ ،‬لن النبي ‪‬‬
‫قسم خيبر‪ ،‬وقال‪ :‬إن المام إذا حبس الرض‬
‫المفتوحة عنوة نقض حكمه لجل مخالفة‬
‫السنة‪ ،‬فهذا القول خطأ وجرأة على الخلفاء‬
‫الراشدين – إذا فعلوا هذا الفعل – فإن فعل‬
‫النبي ‪ ‬في خيبر إنما يدل على جواز ما فعله‬
‫ول يدل على وجوبه فلو لم يكن معنا دليل‬
‫على عدم وجوب ذلك‪ ،‬لكان فعل الخلفاء‬
‫الراشدين عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم‬
‫دليل ً على عدم الوجوب‪ ،‬فكيف وقد ثبت أنه‬
‫فتح مكة عنوة كما استفاضت به الحاديث‬
‫الصحيحة‪ ،‬بل تواتر ذلك عند أهل المغازي‬
‫والسير؟ فإنه قدم حين نقضوا العهد ونزل‬
‫بمر الظهران‪ ،‬ولم يأت أحد منهم يصالحه ول‬
‫أرسل إليهم أحدا ً يصالحهم‪ ،‬بل خرج أبو‬
‫سفيان يتجسس الخبار فأخذه العباس وقدم‬
‫به كالسير وغايته‪ ،‬أن يكون العباس أمنه‬
‫فصار مستأمنًا‪ ،‬ثم أسلم فصار من المسلمين‪،‬‬
‫فكيف يتصور أن يعقد صلح الكفار – بعد‬
‫إسلمه بغير إذن منهم؟ مما يبين ذلك أن‬
‫النبي ‪ ‬علق المان بأسباب‪ ،‬كقوله‪ :‬من دخل‬
‫دار أبي سفيان فهو آمن‪ ،‬ومن دخل المسجد‬
‫فهو آمن‪ ،‬ومن أغلق بابه فهو آمن)‪ ،(701‬فأمن‬
‫من لم يقاتله‪ ،‬فلو كانوا معاهدين لم يحتاجوا‬
‫إلى ذلك‪ ،‬وأيضًا‪ ،‬فسماهم النبي ‪ ‬طلقاء؛‬

‫‪ ()701‬مسلم رقم ‪.1780‬‬
‫لنه أطلقهم من السر كثمامة بن أثال‬
‫وغيره‪ ،‬وأيضا ً فإنه أذن في قتل جماعة منهم‬
‫من الرجال والنساء‪ ،‬وأيضا ً فقد ثبت عنه في‬
‫الصحاح أنه قال في خطبته‪ :‬إن مكة لم تحل‬
‫لحد قبلي ول تحل لحد بعدي‪ ،‬وإنما أحلت لي‬
‫ساعة)‪.(702‬‬
‫ودخل مكة وعلى رأسه المغفر ولم يدخلها‬
‫بإحرام‪ ،‬فلو كانوا صالحوه لم يكن قد أحل له‬
‫شيء‪ ،‬كما لو صالح مدينة من مدائن الحل لم‬
‫تكن قد أحلت فكيف يحل له البلد الحرام‬
‫وأهله مسالمون له صلح معه؟! وأيضا ً فقد‬
‫ة من المسلمين‬ ‫قاتلوا خالدا ً وقتل طائف ً‬
‫ة من الكفار‪ ،‬وفي الجملة‪ ،‬فإن من تدبر‬ ‫طائف ً‬
‫الثار المنقولة علم بالضطرار أن مكة فتحت‬
‫عنوة‪ ،‬ومع هذا فالنبي ‪ ‬لم يقسم أرضها‬
‫كما لم يسترق رجالها‪ ،‬ففتح خيبر عنوة‬
‫وقسمها‪ ،‬وفتح مكة عنوة ولم يقسمها‪ ،‬فعلم‬
‫جواز المرين)‪ ،(703‬وبذلك لم يكن الفاروق‬
‫مخالفا ً للهدي النبوي في عدم تقسيمه‬
‫للراضي المفتوحة‪ ،‬وقد كان سنده فيما فعل‬
‫أمورا ً منها‪:‬‬

‫‪ -1‬آية الفيء في سورة الحشر‪.‬‬
‫‪ -2‬عمل النبي ي ‪ ‬حينما فتح مكة عنوة‬
‫فتركها لهلها ولم يضع عليها خراجًا‪.‬‬

‫‪ ()702‬النسائي في الكبرى في الحج )‪ (38 /2‬الفتاوى )‪.(313 /20‬‬
‫‪ ()703‬الفتاوى )‪.(313 ،312 /20‬‬
‫قرار مجلس الشورى الذي عقده عمر لهذه‬ ‫‪-3‬‬
‫المسألة بعد الحوار والمجادلة وقد أصبح‬
‫سنة متبعة في أرض يظهر عليها المسلمون‬
‫ويقرون أهلها عليها وبهذا يظهر أن عمر‬
‫حينما ميز بين الغنائم المنقولة وبين‬
‫الراضي كان متمسكا ً بدلئل النصوص‪،‬‬
‫وجمع بينها وأنزل كل منها منزلته التي‬
‫يرشد إليها النظر الجامع السديد يضاف إلى‬
‫ذلك أن عمر كان يقصد أن تبقى لهل البلد‬
‫ثرواتهم وأن يعصم الجند السلمي من فتن‬
‫النزاع على الرض والعقار‪ ،‬ومن فتن الدعة‬
‫والنشغال بالثراء والحطام)‪.(704‬‬
‫إن الفاروق رضي الله عنه كان يلجأ إلى‬
‫القرآن الكريم يلتمس منه الحلول ويطوف‬
‫بين مختلف آياته‪ ،‬ويتعمق في فهم منطوقها‬
‫ومفهومها‪ ،‬ويجمع بينها ويخصص بعضها‬
‫ببعض حتى يصل إلى نتائج تحقق المصالح‬
‫المرجوة منها مستلهما ً روح الشريعة غير‬
‫واقف مع ظواهر النصوص وقد أسعفه في‬
‫قطع هذه المراحل إدراكه الدقيق لمقاصد‬
‫الشريعة بتلكم النصوص‪ ،‬وهي عملية مركبة‬
‫ومعقدة ل يحسن الخوض فيها إل من تمرس‬
‫على الجتهاد وأعطي فهما ً سديدا ً وجرأة على‬
‫القدام حيث يحسن القدام حتى خيل للبعض‬
‫أن عمر كان يضرب بالنصوص عرض الحائط‬
‫في بعض الحيان‪ ،‬وحاشا أن يفعل عمر ذلك‬
‫لكنه كان مجتهدا ً ممتازا ً اكتسب حاسة‬
‫‪ ()704‬الجتهاد في الفقه السلمي ص ‪.131‬‬
‫تشريعية تضاهى حتى كان يرى الرأي فينزل‬
‫القرآن على وفقه والنتيجة التي نخرج بها من‬
‫هذه القضية هي أن القرآن يفسر بعضه بعضًا‪،‬‬
‫ومثله في السنة‪ ،‬فعلى المجتهد وهو يبحث‬
‫عن الحكم الشرعي أن يستعرض جميع‬
‫النصوص التي تساعد على الحل دون القتصار‬
‫صرا ً في اجتهاده‪،‬‬ ‫على بعضها‪ ،‬وإل عد مق ّ‬
‫ً)‪(705‬‬
‫‪.‬‬ ‫ويكون ما توصل إليه لغيا‬
‫م تنفيذ مشروع الخراج في عهد الفاروق؟‬
‫‪ -‬كيف ت ّ‬
‫لما انتهى كبار الصحابة ورجال الحل والعقد‬
‫إلى إقرار رأي الخليفة عمر رضي الله عنه‬
‫بتحبيس الرض على أهلها‪ ،‬وتقسيم الموال‬
‫المنقولة على الفاتحين انتدب شخصيتين‬
‫حنيف‪ ،‬وحذيفة بن‬ ‫كبيرتين هما‪ :‬عثمان بن ُ‬
‫اليمان وذلك لمسح أرض سواد العراق‪ ،‬وحين‬
‫ودهما الخليفة بنصائحه‬ ‫بعثهما لهذه المهمة ز ّ‬
‫وتوجيهاته الثاقبة وأمرهما بأن يلحظا ثروة‬
‫الفراد‪ ،‬وخصوبة الرض وجدبها‪ ،‬ونوع‬
‫النباتات والشجر‪ ،‬والرفق بالرعية‪ ،‬فل تحمل‬
‫الرض ما يتحمله المكلفون‪ ،‬بل يترك لهم‬
‫ما يجبرون به النوائب والحوائج ولكي ينطلق‬
‫قرار عمر رضي الله عنه على أساس عادل‪،‬‬
‫رغب أن يعرف الحالة التي كان عليها أهل‬
‫العراق قبل الفتح‪ ،‬وطلب من الصحابيين‬
‫عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان أن يرسل‬
‫إليه وفدا ً من كبار رجال السواد‪ ،‬فبعثا إليه‬
‫وفدا ً من دهاقنة السواد‪ ،‬فسألهم عمر رضي‬
‫‪ ()705‬المصدر نفسه ص ‪.132 ،131‬‬
‫الله عنه‪ ،‬كم كنتم تؤدون إلى العاجم في‬
‫أرضهم؟ قالوا‪ :‬سبعة وعشرين درهمًا‪ ،‬فقال‬
‫عمر رضي الله عنه ل أرضى بهذا منكم)‪،(706‬‬
‫وهذا يدل على أن الفتح السلمي كان عدل ً‬
‫على الناس الذين فتحت بلدهم‪ ،‬وكان عمر‬
‫يرى أن فرض خراج على مساحة الرض أصلح‬
‫لهل الخراج‪ ،‬وأحسن ردًا‪ ،‬وزيادة في الفيء‬
‫من غير أن يحملهم مال يطيقون فقام عثمان‬
‫بن حنيف وحذيفة بن اليمان بما وكل إليهما‬
‫خير قيام فبلغت مساحة السواد )‬
‫)‪(707‬‬
‫‪،‬‬ ‫‪ (36000.000‬ستة وثلثين ألف ألف‬
‫ووضعا على جريب العنب عشرة دراهم‪ ،‬وعلى‬
‫جريب النخل ثمانية دراهم‪ ،‬وعلى جريب‬
‫القصب ستة دراهم‪ ،‬وعلى جريب الحنطة‬
‫)‪(708‬‬
‫‪،‬‬ ‫أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين‬
‫وكتبا إلى عمر بن الخطاب بذلك فأمضاه وقد‬
‫حرص عمر )رضي الله عنه( على العناية بأهل‬
‫تلك الرض والبلد‪ ،‬وما يوفر العدل ويحققه‬
‫خوفا ً أن يكون عثمان وحذيفة رضي الله‬
‫عنهما حمل الناس والرض ما ل يطيقون‬
‫أداءه من خراج فسألهما‪ :‬كيف وضعتما على‬
‫الرض لعلكما كلفتما أهل عملكما ما ل‬
‫يطيقون؟ فقال حذيفة‪ :‬لقد تركت فض ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وقال عثمان‪ :‬لقد تركت الضعف‪ ،‬ولو شئت‬
‫لخذته فقال عمر رضي الله عنه عند ذلك‪ :‬أما‬

‫‪ ()706‬الخراج لبي يوسف ص ‪.41 ،40‬‬
‫‪ ()707‬الخراج لبي يوسف ص ‪.38‬‬
‫‪ ()708‬الخراج لبي يوسف ‪ ،39‬سياسة المال في السلم ص ‪.108‬‬
‫والله لئن بقيت لرامل أهل العراق لدعنهم ل‬
‫يفتقرون إلى أمير بعدي)‪.(709‬‬
‫وهذه الطريقة التي نفذت في سواد العراق‬
‫هي ذاتها التي نفذت في الراضي المصرية‪،‬‬
‫لكن الذي تولها هو عمرو بن العاص وكانت‬
‫وحدة المساحة التي ربط على أساسها الخراج‬
‫الفدان)‪ ،(710‬وكذلك فعل عمر )رضي الله عنه(‬
‫بأرض الشام كما فعل بأرض السواد‪ ،‬ولم‬
‫يذكر المؤرخون معلومات صريحة واضحة عن‬
‫المساحة ونوع الزروع والثمار التي فرض‬
‫عليها الخراج‪ ،‬ول من قام بعملية مسح أراضي‬
‫الشام)‪ ،(711‬وكان الخليفة عمر رضي الله عنه‬
‫بهذا الصدد عمل إحصاءً دقيقا ً لثروة الولية‬
‫قبل الولية عليها‪ ،‬ثم إلزام الولة عند‬
‫اعتزالهم أعمالهم بمصادرة بعض الموال‬
‫التي جمعوها لنفسهم في أثناء وليتهم‪ ،‬إذا‬
‫تبين له أن أعطياتهم ل تسمح لهم بادخار هذه‬
‫الموال كلها)‪ (712‬وسيأتي تفصيل ذلك بإذن‬
‫الله عند حديثنا عن الولة وقد كثرت‬
‫الممتلكات الخاصة للدولة التي اصطفاها عمر‬
‫رضي الله عنه لبيت المال في العراق والشام‬
‫ومصر‪ ،‬فكانت هذه الملك تدّر دخل ً عظيما ً‬
‫ووفيرا ً على خزانة الدولة‪ ،‬خاصة في مصر‬

‫‪ ()709‬الخراج لبي يوسف ص ‪ ،40‬سياسة المال في السلم ص‬
‫‪.108‬‬
‫‪ ()710‬الدولة العباسية للخضري ص ‪ ،144‬سياسة المال ص ‪.109‬‬
‫‪ ()711‬سياسة المال في السلم ص ‪.111‬‬
‫‪ ()712‬نفس المصدر ص ‪.114‬‬
‫لتساع الراضي الزراعية التي يملكها التاج‬
‫في العصور القديمة)‪.(713‬‬
‫‪ -‬ما هي القيم والمصالح المنية في عدم تقسيم أراضي‬
‫الخراج؟‬
‫هناك جملة من المصالح المنية التي استند‬
‫إليها الخليفة –والذين وافقوه على رأيه‪ -‬في‬
‫اتخاذ هذا القرار يمكنني تصنيفها إلى صنفين‪،‬‬
‫أولهما المصالح الداخلية وأهمها سد الطريق‬
‫على الخلف والقتال بين المسلمين‪ ،‬وضمان‬
‫توافر مصادر ثابتة لمعايش البلد والعباد‪،‬‬
‫وتوفير الحاجات المادية اللزمة للجيال‬
‫اللحقة من المسلمين‪ ،‬وثانيهما المصالح‬
‫الخارجية والتي يتمثل أهمها في توفير ما‬
‫يسد ثغور المسلمين‪ ،‬ويسدّ حاجتها من الرجال‬
‫والمؤن‪ ،‬والقدرة على تجهيز الجيوش‪ ،‬بما‬
‫يستلزمه ذلك من كفالة الرواتب وإدرار العطاء‬
‫وتمويل النفاق على العتاد والسلح وترك‬
‫بعض الطراف لتتولى مهام الدفاع عن حدود‬
‫الدولة وأراضيها اعتمادا ً على ما لديها من‬
‫خراج‪ ،‬والذي يجب ملحظته في هذه المصالح‬
‫أن الخليفة أراد أن يضع بقراره دعائم ثابتة‬
‫لمن المجتمع السياسي ليس في عصره‬
‫فقط‪ ،‬بل وفيما يليه من عصور بعده وعباراته‬
‫من مثل )فكيف بمن يأتي من المسلمين(‪،‬‬
‫و)كرهت أن يترك المسلمون( التي توحي‬
‫بنظرته المستقبلية لهذا المن الشامل تشهد‬
‫على ذلك‪ ،‬وقد أثبت تطور الحداث السياسية‬
‫‪ ()713‬نفس المصدر ص ‪.118‬‬
‫في عصر الخليفة الثاني صواب وصدق ما‬
‫قرره‪.‬‬
‫‪ -‬أن تعدد أطوار اتخاذ القرار بعدم تقسيم‬
‫الراضي قد أكد أمرين أولهما أن بعض‬
‫القرارات المهمة التي تمس المصالح‬
‫الجوهرية للمسلمين قد تأخذ من الجهد‬
‫والوقت الكثير‪ ،‬كما أنها قد تتطلب قدرا ً من‬
‫الناة في تبادل الحجج والبراهين‪ ،‬دون أن يتيح‬
‫ذلك مجال ً للخلف وتعميق هوة النقسام‬
‫أحيانا ً أو يفوت بابا ً من أبواب تحقيق بعض‬
‫المصالح الخاصة بأمن المة في حاضرها‬
‫ومستقبلها‪ ،‬والمر الثاني أن بعض القرارات‬
‫المهمة التي قد تخرج بعد عسر النقاش‬
‫والحوار‪ ،‬والبداية المتعثرة لها‪ ،‬يفرض على‬
‫الحاكم الشرعي أن يكون أول المسلمين‬
‫وآخرهم جهدا ً في السعي إلى تضييق هوة‬
‫الخلف‪ ،‬والتقريب بين وجهات النظر‬
‫المتعارضة لكي يصل بالمسلمين إلى الحكم‬
‫الشرعي فيما هو متنازع بشأنه)‪.(714‬‬
‫‪ -‬أن تبادل الرأي والجتهاد بين الخليفة‬
‫والصحابة الذين لم يوافقوه على رأيه واستناد‬
‫الكل في ذلك إلى النصوص المنزلة في‬
‫الجتهاد يثبت أن الفيصل في إبداء الراء في‬
‫القرارات السياسية عامة والتي تمس مصالح‬
‫المسلمين بصفة مباشرة خاصة‪ ،‬هو أن تجيء‬

‫‪ ()714‬البعاد السياسية لمفهوم المن في السلم‪ ،‬مصطفى‬
‫منجود ص ‪.318 ،317‬‬
‫هذه الراء مستندة إلى النصوص المنزلة‪ ،‬أو ما‬
‫ينبغي أن يتفرع عنها من مصادر أخرى ل تخرج‬
‫عن أحكامها في محتواها ومبرراتها‪.‬‬
‫‪ -‬أن لجوء الخليفة إلى استشارة أهل السابقة‬
‫من كبار الصحابة العلماء في فقه الحكام‬
‫ومصادر الشرع‪ ،‬واستجابتهم بإخلص النصح‬
‫له‪ ،‬يؤكد أن أهل الشورى لهم مواصفات خاصة‬
‫تميزهم‪ ،‬فالذين يستشارون هم أهل الفقه‬
‫والفهم والورع والدراية‪ ،‬الواعون لدورهم‪،‬‬
‫إنهم بعبارة أدق الذين ل إمعية في آرائهم‪،‬‬
‫ومن دأبهم توطين أنفسهم على قول الحق‬
‫وفعله‪ ،‬غير خائفين في ذلك لومة لئم من‬
‫حاكم أو غيره‪.‬‬
‫‪ -‬ثم يبقى القول أن ما حدث بصدور قرار عدم‬
‫تقسيم الراضي‪ ،‬يظل نموذجا ً عاليا ً سار عليه‬
‫الصحابة في كيفية التعامل وفق آداب الحوار‬
‫وأخلقيات مناقشة القضايا‪ ،‬وتقليب أوجهها‬
‫المختلفة ابتداء بمرحلة التفكير في اتخاذ‬
‫القرار بعدم تقسيم الراضي ‪-‬بصفة مباشرة‪،‬‬
‫أو غير مباشرة‪ -‬وعلى رأسهم الخليفة الذي‬
‫لم يخرج عن هذه الداب رغم اختلف‬
‫اجتهاداتهم بشأنه)‪ ،(715‬بل إن الفاروق رضي‬
‫الله عنه بين بأن الحاكم مجرد فرد في هيئة‬
‫الشورى‪ ،‬وأعلن الثقة في مجلس شورى‬
‫المة‪ ،‬خالفته‪ ،‬أو وافقته والرد إلى كتاب الله‪،‬‬

‫‪ ()715‬البعاد السياسية لمفهوم المن في السلم‪ ،‬مصطفى‬
‫منجود ص ‪.318 ،317‬‬
‫فقد قال رضي الله عنه‪ :‬إني واحد منكم‪،‬‬
‫كأحدكم‪ ،‬وأنتم اليوم تقرون بالحق‪ ،‬خالفني‬
‫من خالفني‪ ،‬ووافقني من وافقني‪ ،‬ومعكم‬
‫ب ينطق بالحق)‪.(716‬‬
‫من الله كتا ٌ‬

‫‪ ()716‬الدور السياسي للصفوة ص ‪.185‬‬
‫‪ -‬أهم الثار الدعوية في هذا القرار‪:‬‬
‫من أهم هذه الثار‪ :‬القضاء نهائيا ً على نظام‬
‫القطاع‪ ،‬فقد ألغى عمر رضي الله عنه كل‬
‫الوضاع القطاعية الظالمة التي احتكرت كل‬
‫الرض لصالحها واستعبدت الفلحين لزراعتها‬
‫مجانًا‪ ،‬فقد ترك عمر رضي الله عنه أرض‬
‫السواد في أيدي فلحيها يزرعونها مقابل‬
‫خراج عادل يطيقونه يدفعونه كل عام‪ ،‬وقد‬
‫اغتبط الفلحون بقرار عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه بتمليكهم الرض الزراعية يزرعونها‬
‫مقابل دفع الخراج الذي يستطيعونه مما‬
‫جعلهم يشعرون لول مرة في حياتهم أنهم‬
‫أصحاب الرض الزراعية ل ملكا ً للقطاعيين‬
‫من الطبقة الحاكمة‪ ،‬وكان الفلحون مجرد‬
‫أجراء يزرعونها بدون مقابل‪ ،‬وكان تعبهم‬
‫وكدهم يذهب إلى جيوب الطبقة القطاعية‬
‫طبقة ملك الرض ول يتركون لهم إل‬
‫الفتات)‪.(717‬‬
‫‪ -‬قطع الطريق على دعوة جيوش الروم‬
‫والفرس بعد طردهم‪:‬‬
‫لقد أدت سياسة عمر رضي الله عنه في تمليك‬
‫الرض لفلحي المصار المفتوحة عنوة إلى‬
‫شعورهم بالرضا التام كما تقدم وهذا مما‬
‫جعلهم يبغضون حكامهم من الفرس والروم‬
‫ول يقدمون لهم أية مساعدات بل كانوا على‬
‫العكس من ذلك يقدمون المساعدات‬
‫‪ ()717‬الدعوة السلمية في عهد عمر بن الخطاب حسني غيطاس‬
‫ص ‪.130‬‬
‫للمسلمين ضدهم‪ ،‬حتى إن رستم القائد‬
‫الفارسي دعا أهل الحيرة فقال‪ :‬يا أعداء الله‬
‫فرحتم بدخول العرب علينا بلدنا وكنتم عيونا ً‬
‫لهم علينا وقويتموهم بالموال)‪:(718‬‬

‫‪ ()718‬الدعوة السلمية في عهد أمير المؤمنين عمر ص ‪. 131‬‬
‫‪ -‬مسارعة أهل المصار المفتوحة إلى الدخول‬
‫في السلم‪:‬‬
‫فقد ترتب على ما تقدم من تمليك الرض‬
‫للفلحين أن سارعوا إلى الدخول في السلم‪،‬‬
‫الذي انتشر بينهم بسرعة مدهشة لم يسبق لها‬
‫مثيل‪ ،‬فقد لمسوا العدل وتبين لهم الحق‪،‬‬
‫وأحسوا بكرامتهم النسانية من معاملة‬
‫المسلمين لهم)‪.(719‬‬
‫‪ -‬تدبير الموال لحماية الثغور‪:‬‬
‫فقد امتدت الدولة السلمية صوب جهاتها‬
‫الربع وانتقلت أسماء الثغور إلى‬
‫ما وراء حدود الدولة في عصورها الولى ومن‬
‫أهم هذه الثغور‪ ،‬ما كان يعرف بالثغور الفراتية‬
‫والتي كانت تمتد على طول خط استراتيجي‬
‫يفصل ما بين الدولة السلمية والمبراطورية‬
‫البيزنطية وغيرها من الثغور‪ ،‬وقد اتخذ عمر‬
‫ل‪ ،‬وقد وصلت‬ ‫في كل مصر على قدره خيو ً‬
‫قوات الفرسان المرابطين في المصار إلى‬
‫أكثر من ثلثين ألف فارس‪ ،‬وهذا بخلف قوات‬
‫المشاة وأي قوات أخرى كالجمالة وخلفه‬
‫وهذه خصصها عمر كجيش منظم لحماية ثغور‬
‫المسلمين وكفل أرزاقهم وصرفهم عن‬
‫الشتغال بأي شيء إل بالجهاد في سبيل نشر‬
‫الدعوة السلمية‪ ،‬فكان الخراج من السباب‬
‫التي ساقها المولى عز وجل لتجهيز هذه‬
‫القوات وكفالة أرزاق أجنادها)‪.(720‬‬
‫‪ ()719‬نفس المصدر ص ‪. 132‬‬
‫‪ ()720‬نفس المصدر ص ‪. 135‬‬
‫إن الفاروق رضي الله عنه وضع قواعد نظام‬
‫الخراج باعتباره موردا ً من الموارد المالية‬
‫الهامة لخزينة الدولة وكان يهدف من ورائه‬
‫إلى أن يكون بيت المال قائما ً بما يجب عليه‬
‫من تحقيق المصالح العامة للمة وحفظ‬
‫ثغورها وتأمين طرقها ول يتأتى ذلك إل بإبقاء‬
‫أصحاب الرض التي تملكها المسلمون عنوة‬
‫لقاء نسبة معينة مما تنتجه الرض وهذا أمٌر‬
‫من شأنه أن يزيدهم حماسا ً في العمل ورغبة‬
‫في الستغلل والستثمار ومقارنة ذلك بما‬
‫كانوا يرهقون به من الضرائب من طرف أولياء‬
‫أمورهم قبل وصول المسلمين)‪.(721‬‬
‫‪ -4‬العشور‪:‬‬
‫هي الموال التي يتم تحصيلها على التجارة‬
‫التي تمر عبر حدود الدولة السلمية سواء‬
‫داخلة أو خارجة من أراضي الدولة وهي أشبه‬
‫ما تكون بالرسوم الجمركية في العصر‬
‫الحاضر‪ ،‬ويقوم بتحصيلها موظف يقال له‬
‫)العاشر( أي الذي يأخذ العشور)‪ ،(722‬ولم يكن‬
‫لهذه الضريبة وجود في عهد النبي ‪،‬‬
‫أبي بكر الصديق رضي الله‬ ‫وخليفته الول‬
‫عنه‪ ،‬لن تلك الفترة كانت فترة دعوة إلى‬
‫السلم‪ ،‬والجهاد في سبيل نشره‪ ،‬وبناء‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فلما اتسعت الدولة في عهد‬
‫الخليفة عمر رضي الله عنه‪ ،‬وامتدت حدودها‬
‫شرقا ً وغربا ً وصار التبادل التجاري مع الدول‬
‫‪ ()721‬أهل الذمة في الحضارة السلمية ص ‪. 63‬‬
‫‪ ()722‬الخراج لبي يوسف ص ‪ ،271‬اقتصاديات الحرب ص ‪. 223‬‬
‫المجاورة‪ ،‬ضرورة تمليها المصلحة العامة‪ ،‬رأى‬
‫الخليفة عمر رضي الله عنه أن يفرض تلك‬
‫الضريبة على الواردين إلى دار السلم‪ ،‬كما‬
‫كان أهل الحرب يأخذونها من تجار المسلمين‬
‫القادمين إلى بلدهم‪ ،‬معاملة بالمثل وقد‬
‫أجمع المؤرخون)‪ ،(723‬أن أول من وضع العشر‬
‫في السلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬
‫وذلك عندما كتب إليه أهل منبج ومن وراء بحر‬
‫عدن يعرضون عليه أن يدخلوا بتجارتهم أرض‬
‫العرب وله منها العشر فشاور عمر في ذلك‬
‫أصحاب النبي ‪ ‬فأجمعوا على ذلك‪ ،‬فهو أول‬
‫من أخذ منهم العشور‪ ،‬ولكن عمر أراد أن‬
‫يتأكد من مقدار ما تأخذه الدول الخرى من‬
‫تجار المسلمين إذا اجتازوا حدودهم‪ ،‬فسأل‬
‫المسلمين كيف يصنع بكم الحبشة إذا دخلتم‬
‫أرضهم؟ قالوا‪ :‬يأخذون عشر‬
‫ما معنا‪ ،‬قال‪ :‬فخذوا منهم مثل ما يأخذون‬
‫منكم)‪ ،(724‬وسأل أيضا ً عثمان بن حنيف كم‬
‫يأخذ منكم أهل الحرب إذا أتيتم دارهم؟ قال‪:‬‬
‫العشر‪ ،‬قال عمر‪ :‬فكذلك فخذوا منهم)‪،(725‬‬
‫وروي أن أبا موسى الشعري كتب إلى‬
‫الخليفة عمر رضي الله عنه‪ :‬إن تجارا ً من‬
‫قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب‬
‫فيأخذون منهم العشر‪ ،‬فكتب إليه الخليفة‬
‫عمر رضي الله عنه‪ :‬خذ أنت منهم كما يأخذون‬
‫من تجار المسلمين‪ ،‬وخذ من أهل الذمة نصف‬
‫‪ ()723‬سياسة المال في السلم ص ‪. 128‬‬
‫‪ ()724‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪. 651‬‬
‫‪ ()725‬نفس المصدر ص ‪. 651‬‬
‫العشر‪ ،‬ومن المسلمين من كل أربعين درهما ً‬
‫درهمًا‪ ،‬وليس فيما دون المائتين شيء‪ ،‬فإذا‬
‫كانت مائتين ففيها خمسة دراهم‪،‬‬
‫وما زاد فبحسابه)‪ ،(726‬وقد ساهم هذا التشريع‬
‫الجديد في تنظيم العلقات التجارية بين‬
‫الدول‪ ،‬وقد حققت التجارة السلمية مكاسب‬
‫كبيرة في عالم التجارة حيث فتحت أبواب‬
‫الدولة السلمية للتجارة وجلبت البضائع‬
‫والسلع إلى الدولة السلمية من كل أنحاء‬
‫العالم وهذا بطبيعة الحال شجع التاجر‬
‫المسلم والجنبي على زيادة نشاطهم في‬
‫التصدير‪ ،‬والستيراد من كافة أنحاء العالم‪،‬‬
‫وبذلك نشطت المراكز التجارية داخل بلد‬
‫الدولة السلمية بما فيها الجزيرة وزادت‬
‫حركة القوافل التجارية القادمة والذاهبة من‬
‫أقاليم الجزيرة إلى القاليم السلمية‬
‫الخرى‪ ،‬كما استقبلت موانئ بلد السلم‬
‫السفن الكبيرة التي تصل إليها من الهند‬
‫والصين وشرقي أفريقية محملة بأغلى‬
‫وأنفس البضائع وظهر ذلك جليا ً في العصر‬
‫الراشدي والدولة الموية)‪ ،(727‬وقد كان في‬
‫عهد عمر عشارون يأخذون زكاة ما يمر بهم‬
‫من أموال التجار ويعتبرون النصاب والحول‪،‬‬
‫قال أنس بن مالك‪ ،‬بعثني عمر بن الخطاب‬
‫على جباية العراق‪ ،‬وقال‪ :‬إذا بلغ مال المسلم‬
‫مائتي درهم فخذ منها خمسة دراهم‪ ،‬وما زاد‬
‫‪ ()726‬الخرج لبي يوسف ص ‪ 145،146‬سياسة المال ص ‪. 128‬‬
‫‪ ()727‬التجارة وطرقها في الجزيرة العربية د‪ .‬محمد العمادي ص‬
‫‪. 332‬‬
‫على المائتين‪ ،‬ففي كل أربعين درهمًا‪،‬‬
‫ن عمر بن الخطاب‬ ‫درهم)‪ (728‬وذكر الشيباني أ ّ‬
‫دقا‬
‫بعث زياد بن جرير وقيل زياد بن حدير مص ّ‬
‫إلى عين التمر‪ ،‬وأمره بأن يأخذ من أموالهم‬
‫ربع العشر‪ ،‬ومن أهل الذمة إذا اختلفوا بها‬
‫للتجارة نصف العشر‪ ،‬ومن أموال أهل الحرب‬
‫العشر‪ ،‬وجعل عمر بن الخطاب نفقة العاشر‬
‫دق من المال الذي يأخذه)‪.(729‬‬‫أي المص ّ‬
‫إن من يفكر في ذلك التحديد الذي رسمه‬
‫الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد‬
‫يصل إلى أنه فرض العشر على الحربيين‬
‫لمعاملتهم المسلمين كذلك‪ ،‬فهذا مبدأ‬
‫المعاملة بالمثل‪ ،‬وأنه فرض نصف العشر على‬
‫أهل الذمة تمييزا ً لهم عن المسلمين‪ ،‬وتطبيقا ً‬
‫لما سبق أن فرضه على نصارى بني تغلب‪.‬‬
‫الذين قبلوا أن تؤخذ منهم الجزية ضعف ما‬
‫يؤخذ من المسلمين من الصدقة‪ ،‬وأن ما قرره‬
‫على المسلمين هو بمثابة زكاة‪ ،‬ومعروف‬
‫نصاب الزكاة لعروض التجارة‪ ،‬وهو الذي جعله‬
‫حدا ً أدنى لخذها ومنع من تكرار أخذها من‬
‫المسلمين وأهل الذمة‪ ،‬ما دام رأس المال‬
‫ثابتا ً والبضاعة الواردة لم تزد قيمتها عنه‪ ،‬ولو‬
‫تكرر مرات دخولها‪ ،‬إل بعد الحول‪ ،‬وتمشيا ً‬
‫لمبدأ المعاملة بالمثل‪ ،‬فإنه حينما يرفع أهل‬
‫الحرب ما يأخذونه من المسلمين من ضريبة‪،‬‬
‫فيحق للمسلمين رفع الضريبة على ما يرد‬
‫‪ ()728‬الحياة القتصادية في العصور السلمية الولى ص ‪. 101‬‬
‫‪ ()729‬شرح السير الكبير )‪ (5/2133،2134‬الحياة القتصادية ص‬
‫‪. 101‬‬
‫منهم إلى دار السلم بنفس النسبة‪ ،‬وكذلك‬
‫الحال عند إسقاطهم لها‪ ،‬فعلى المسلمين‬
‫إسقاطها عنهم‪ .‬وهذا‬
‫ما تسير عليه الدول حديثًا‪ ،‬ويسمى برفع‬
‫الحواجز الجمركية)‪ ،(730‬وعندما يكون‬
‫المسلمون في حاجة إلى بعض البضائع‬
‫والمنتجات الواردة إليهم فإنهم يخفضون أو‬
‫يعفون التجار من ضريبتها تشجيعا ً لتوريدها‪،‬‬
‫والكثار منها‪ ،‬وقد فعل الخليفة عمر رضي‬
‫الله عنه ذلك‪ ،‬حين أمر عماله أن يأخذوا نصف‬
‫العشر من الحربيين حين دخولهم الحجاز‬
‫بالزيت والحبوب‪ ،‬كما أمر بإعفائهم أحيانا ً‬
‫أخرى‪ ،‬فعن الزهري عن سالم عن أبيه عن‬
‫عمر رضي الله عنه‪ ،‬أنه كان يأخذ من الن ََبط‬
‫من القطنية العشر‪ ،‬ومن الحنطة والزبيب‬
‫)‪(731‬‬
‫‪،‬‬ ‫نصف العشر‪ ،‬ليكثر الحمل إلى المدينة‬
‫وقد كان لهذه التنظيمات المالية التي وجدت‬
‫أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪،‬‬
‫النفع الكبير في سهولة التبادل التجاري بين‬
‫المسلمين وجيرانهم‪ ،‬وورود أصناف متعددة‬
‫من متطلبات الناس واحتياجاتهم فهو لم‬
‫يقتصر اهتمامه على تنظيم المواد التية إلى‬
‫بيت المال‪ ،‬بل نظم الطرق التي بواسطتها‬
‫وبسببها يزداد دخل بيت المال‪ ،‬وتنعم البلد‬
‫بالرخاء ورغد العيش‪ ،‬ومن ذلك اهتمامه‬
‫بالتجارة الخارجية‪ ،‬وحسن معاملته لهلها‪،‬‬
‫وتتبعه العمال والمراء‪ ،‬والكتابة إليهم بذلك‬
‫‪ ()730‬سياسة المال في السلم ص ‪. 132‬‬
‫‪ ()731‬سياسة المال في السلم ص ‪. 133‬‬
‫وحرصه على استيفاء حقوق الدولة من غير‬
‫تعسف في جبايتها)‪.(732‬‬
‫‪ -5‬الفيء والغنائم‪:‬‬
‫أما الفيء‪ ،‬فهو كل مال وصل المسلمين من‬
‫المشركين من غير قتال‪ ،‬ول بإيجاف خيل ول‬
‫ركاب‪ ،‬ويوزع خمس الفيء على أهل‬
‫الخمس)‪ (733‬الذين بينهم الله سبحانه في كتابه‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫قَرى‬ ‫ن أَ ْ‬
‫ه ِ‬ ‫م ْ‬
‫ه ِ‬ ‫عَلى َر ُ‬
‫سول ِ ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ما أ َ َ‬
‫فاءَ الل ّ ُ‬ ‫الكريم‪َ  :‬‬
‫ن‬
‫كي ِ‬
‫سا ِ‬ ‫وال ْ َ‬
‫م َ‬ ‫وال ْي ََتا َ‬
‫مى َ‬ ‫قْرَبى َ‬‫ذي ال ْ ُ‬
‫ول ِ ِ‬
‫ل َ‬
‫سو ِ‬‫وِللّر ُ‬
‫ه َ‬‫فل ِل ّ ِ‬
‫َ‬
‫ل ‪) ‬الحشر‪،‬آية‪.(7:‬‬ ‫سِبي ِ‬
‫ن ال ّ‬‫واب ْ ِ‬ ‫َ‬
‫وأما الغنائم‪ :‬فهي ما غلب عليه المسلمون‬
‫من مال أهل الحرب حتى يأخذوه عنوة)‪،(734‬‬
‫ء َ َ‬ ‫َ‬
‫ن‬
‫فأ ّ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ن َ‬
‫ش ْ‬ ‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫مت ُ ْ‬ ‫ما َ‬
‫غن ِ ْ‬ ‫عل َ ُ‬
‫موا أن ّ َ‬ ‫قال تعالى‪َ  :‬‬
‫وا ْ‬
‫مى‬ ‫وال ْي ََتا َ‬ ‫قْرَبى َ‬ ‫ذي ال ْ ُ‬ ‫ول ِ ِ‬‫ل َ‬ ‫سو ِ‬ ‫وِللّر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫س ُ‬‫م َ‬ ‫خ ُ‬‫ه ُ‬ ‫ل ِل ّ ِ‬
‫ما‬
‫و َ‬ ‫ه َ‬‫م ِبالل ّ ِ‬‫من ْت ُ ْ‬ ‫مآ َ‬ ‫ن ُ‬
‫كنت ُ ْ‬ ‫ل إِ ْ‬
‫سِبي ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫واب ْ ِ‬ ‫ن َ‬ ‫كي ِ‬‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ن‬
‫عا ِ‬ ‫م َ‬‫ج ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫م الت َقى ال َ‬ ‫ْ‬ ‫و َ‬‫ن يَ ْ‬ ‫َ‬
‫م الفْرقا ِ‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫و َ‬ ‫دَنا ي َ ْ‬ ‫عب ْ ِ‬
‫على َ‬ ‫َ‬ ‫َأنَزلَنا َ‬
‫ْ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫عَلى ك ُ ّ‬ ‫ه َ‬ ‫والل ّ ُ‬ ‫َ‬
‫قِديٌر)‪)  (41‬النفال‪،‬آية‪.(41:‬‬ ‫َ‬
‫ففي خلفة عمر رضي الله عنه زادت الغنائم‬
‫زيادة كبيرة لتساع المناطق المفتوحة ولما‬
‫كانت تتمتع به من ازدهار اقتصادي كبير‪،‬‬
‫وكان القادة الفرس والروم يخرجون إلى‬
‫الميدان بكامل أبهتهم‪ ،‬فيقع سلبهم للمسلم‪،‬‬
‫وأحيانا ً يبلغ ‪ 15.000‬درهم‪ ،‬و ‪30.000‬‬

‫‪ ()732‬نفس المصدر ص ‪. 133‬‬
‫‪ ()733‬تاريخ الدعوة السلمية د‪ .‬جميل عبد الله المصري ص ‪. 322‬‬
‫‪ ()734‬الخراج لبي يوسف ص ‪ 19‬نقل ً عن عصر الخلفة الراشدة‬
‫ص ‪. 183‬‬
‫درهم)‪ ،(735‬وقد فتحت المدن العظيمة‬
‫كالمدائن وجلولء وهمذان والري واصطخر‬
‫وغيرها‪ ،‬فحاز المسلمون أموال ً عظيمة‪ ،‬مثل‬
‫بساط كسرى‪ ،‬وهو ‪ 3600‬ذراع مربعة أرضه‬
‫مفروشة بالذهب وموشى بالفصوص وفيه‬
‫رسوم ثمار بالجواهر‪ ،‬وورقها بالحرير‪ ،‬وفيه‬
‫رسوم للماء الجاري بالذهب‪ ،‬وقد بيعت‬
‫بعشرين ألف درهم )‪ 20.000‬درهم( وحاز‬
‫المسلمون الذهب والفضة والمجوهرات‬
‫العظيمة من غنائم جلولء ونهاوند‪ ،‬حيث بلغ‬
‫خمس جلولء ستة مليين درهم)‪ ،(736‬وأعظم‬
‫الغنائم هي أرض السواد التي وقفها عمر‬
‫رضي الله عنه للدولة‪ ،‬وأراضي الصوافي التي‬
‫قتل أصحابها أو فروا عنها‪ ،‬وأملك كسرى‬
‫وأهله‪ ،‬حيث جعلت غلتها للدولة‪ ،‬فكانت‬
‫بإدارتها لصالح بيت المال‪ ،‬ويقال إن‬
‫غلتها – فيما بعد – بلغت سبعة مليين درهم‪،‬‬
‫فقد كانت الغنائم عظيمة القدر‪ ،‬وأنها أغنت‬
‫المسلمين أفرادا ً ودولة وارتفعت بمستوى‬
‫المعيشة وظهرت آثارها أكثر جلء في خلفة‬
‫عثمان رضي الله عنه)‪.(737‬‬
‫هذه هي أهم مصادر الدولة في عهد الفاروق‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬بيت مال المسلمين وتدوين الدواوين‪:‬‬

‫‪ ()735‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 188‬‬
‫‪ ()736‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 189‬‬
‫‪ ()737‬نفس المصدر ص ‪. 189‬‬
‫بيت المال‪ :‬هو المكان الذي ترد إليه جميع موارد‬
‫الدولة‪ ،‬وهو كذلك المكان الذي تصرف منه جميع‬
‫مصروفاتها من أعطيات الخلفاء والجيش‬
‫والقضاة والعمال والمرافق العامة والخاصة‬
‫للدولة وهكذا)‪ ،(738‬وأما الدواوين‪ :‬فهي السجلت‬
‫والدفاتر التي تسجل فيها أمور الدولة وقد‬
‫أطلقت كلمة ديوان على المكان الذي يجتمع فيه‬
‫الكتاب والموظفون العاملون بتلك السجلت عند‬
‫الفرس)‪ ،(739‬وفي بداية الدولة السلمية لم يكن‬
‫هناك بيت مال بالمعنى الذي عرف به فيما بعد‬
‫فقد كانت سياسة الرسول ‪ ‬تقوم على أن ل‬
‫يؤخر تقسيم الموال أو إنفاقها‪ ،‬وقد سار أبو‬
‫بكر على نهج النبي ‪ ،‬ونهج الفاروق طريق‬
‫صاحبيه في أول خلفته‪ ،‬حتى اتسع سلطان‬
‫الدولة شرقا ً وغربًا‪ ،‬فبدأ بالتفكير في طريقة‬
‫يدبر فيها ما تجمع لدى الخليفة من أموال‬
‫الفتوحات وغنائمها‪ ،‬وإيرادات الجزية والخراج‬
‫والصدقات فكثرت الجيوش واحتاجت إلى ضبط‬
‫احتياجاتها وأسماء رجالها خوفا ً من ترك أحدهم‬
‫دون عطاء‪ ،‬أو تكرار العطاء للخرين وتوالت‬
‫حملت الفتح وانتصاراتها‪ ،‬فكثرت الموال بشكل‬
‫لم يكن معروفا ً لدى المسلمين من قبل‪ ،‬فرأى‬
‫أمير المؤمنين عمر أن ل طاقة للخليفة وأمرائه‬
‫بضبطها‪ ،‬وأنه ليس من الحكمة القتصادية أن‬
‫يترك زمام المور المالية بيد العمال والولة دون‬
‫أن يضبطها عدا ً أو يحصيها حسابًا‪ ،‬فكان نتيجة‬
‫‪ ()738‬سياسة المال في السلم ص ‪. 155‬‬
‫‪ ()739‬مقدمة ابن خلدون ‪ ، 243‬سياسة المال في السلم ص‬
‫‪. 155‬‬
‫ذلك التفكير مليا ً في وضع قواعد ثابتة لهذه‬
‫الموال‪ ،‬ومن هنا نشأ الديوان‪ ،‬وكان عمر رضي‬
‫الله عنه هو أول من وضع الديوان في الدولة‬
‫السلمية)‪ (740‬وقصة ذلك كما تناقلها المؤرخون‪:‬‬
‫أن أبا هريرة قال‪ :‬قدمت من البحرين بخمسمائة‬
‫ألف درهم فأتيت عمر بن الخطاب رضي الله‬
‫عنه فسألني عن الناس‪ ،‬فأخبرته‪ ،‬ثم قال لي‪:‬‬
‫ماذا جئت به؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬جئت بخمسمائة ألف‪،‬‬
‫قال‪ :‬ويحك‪ .‬هل تدري ما تقول؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬مائة‬
‫ألف‪ ،‬ومائة ألف‪ ،‬ومائة ألف‪ ،‬ومائة ألف‪ ،‬ومائة‬
‫ألف‪ .‬قال‪ :‬إنك ناعس‪ ،‬ارجع إلى أهلك‪ ،‬فنم‪،‬‬
‫فإذا أصبحت فائتني‪ ،‬فلما أصبحت أتيته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ماذا جئت به؟ قلت جئت بخمسمائة ألف‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ويحك! هل تدري‬
‫ما تقول؟! قلت‪ :‬نعم‪ ،‬مائة ألف‪ ،‬حتى عدها‬
‫خمس مرات‪ ،‬يعدها بأصابعه الخمس قال أطيب؟‬
‫قلت‪ :‬ل أعلم إل ذلك‪ .‬قال‪ :‬فصعد المنبر‪ ،‬فحمد‬
‫الله وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إنه قد‬
‫ل‪ ،‬وإن‬ ‫جاءنا مال كثير‪ ،‬فإن شئتم أن نكيلكم كي ً‬
‫شئتم أن نعدكم عدا ً فقام إليه رجل فقال‪ :‬يا‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬إني قد رأيت هؤلء العاجم‬
‫‪،‬‬ ‫)‪(742‬‬
‫يدونون ديوانا ً لهم)‪ ،(741‬فاشتهى عمر ذلك‬
‫وقد استشار عمر المسلمين في تدوين‬
‫الدواوين‪ ،‬فأشار بعضهم بما يراه إل أن الوليد‬
‫بن هشام بن المغيرة‪ ،‬قال‪ :‬جئت الشام فرأيت‬
‫‪ ()740‬سياسة المال في السلم ص ‪. 157‬‬
‫‪ ()741‬الطبقات لبن سعد )‪ (3/300،301‬خبر صحيح‪.‬‬
‫‪ ()742‬مقدمة ابن خلدون ص ‪ ، 244‬الخراج لبي يوسف ص‬
‫‪. 48،49‬‬
‫ملوكها قد دونوا ديوانا ً وجندوا جندًا‪ ،‬فدون‬
‫ديوانا ً وجند جندا ً وفي بعض الروايات أن الذي‬
‫قال ذلك هو خالد بن الوليد)‪ ،(743‬وذكر بعض‬
‫المؤرخين أنه كان بالمدينة بعض مرازبة الفرس‪،‬‬
‫فلما رأى حيرة عمر قال له‪ :‬يا أمير المؤمنين‪:‬‬
‫إن للكاسرة شيئا ً يسمونه ديوانا ً جميع دخلهم‬
‫وخرجهم مضبوطة فيه ل يشذ منه شيء‪ ،‬وأهل‬
‫العطاء مرتبون فيه مراتب ل يتطرق عليها خلل‪،‬‬
‫فتنبه عمر وقال‪ :‬صفه لي‪ ،‬فوصفه المرزبان‬
‫فدون الدواوين وفرض العطاء)‪ ،(744‬وقد حبذ‬
‫عثمان التدوين فأشار برأيه‪ :‬أرى مال ً كثيرا ً يسع‬
‫الناس وإن لم يحصوا حتى ُيعرف من أخذ ممن‬
‫لم يأخذ‪ ،‬خشية أن ينتشر المر)‪ (745‬هذه بعض‬
‫الروايات التي حدثت بناء على استشارة عمر‬
‫رضي الله عنه في مرات متعددة لمن يحضرون‬
‫عنده‪ ،‬وهناك اختلف بين المؤرخين في السنة‬
‫التي تم فيها التدوين‪ ،‬فمن قائل إن ذلك في‬
‫السنة الخامسة عشرة للهجرة كالطبري وعنه‬
‫أخذ ابن الثير وغيرهم وقال آخرون إن ذلك كان‬
‫في شهر محرم من سنة عشرين هجرية‬
‫كالبلذري‪ ،‬والواقدي‪ ،‬والماوردي وابن‬
‫)‪(746‬‬
‫م في‬ ‫وغيرهم والرجح أن يكون ت ّ‬ ‫خلدون‬
‫سنة عشرين هجرية‪ ،‬لنه في سنة خمس عشرة‬
‫كانت القادسية‪ ،‬ولم يستكمل فتح العراق‬

‫‪ ()743‬الحكام السلطانية ص ‪ 226،227‬فتوح البلدان ص ‪. 436‬‬
‫‪ ()744‬الحكام السلطانية ص ‪ ، 226‬تاريخ السلم السياسي )‬
‫‪.(1/456‬‬
‫‪ ()745‬الحكام السلطانية ص ‪ ، 226‬سياسة المال ص ‪. 158‬‬
‫‪ ()746‬مقدمة ابن خلدون ص ‪ ، 244‬سياسة المال ص ‪. 159‬‬
‫والشام ومصر إل بعدها)‪ (747‬وقد سار عمر في‬
‫تقسيم الموال على خلف ما سار عليه أبو بكر‬
‫حيث كان الصديق يقسم الموال بين الناس‬
‫بالسوية‪ ،‬في حين قسم عمر أعطياتهم على‬
‫حسب السابقة في السلم والفضل في الجهاد‬
‫ونصرة رسول الله ‪ ،(748)‬وقد كان رأي الفاروق‬
‫هذا من زمن الصديق وقال لبي بكر لما رآه‬
‫وى بين الناس قال له‪ :‬أتسوي بين من هاجر‬ ‫س ّ‬
‫الهجرتين وصلى إلى القبلتين‪ ،‬وبين من أسلم‬
‫عام الفتح خوف السيف؟ فقال له أبو بكر‪ :‬إنما‬
‫عملوا لله وإنما أجورهم على الله‪ ،‬وإنما الدنيا‬
‫دار بلغ للراكب‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬ل أجعل من‬
‫قاتل رسول الله كمن قاتل معه)‪ ،(749‬ولذلك‬
‫قسم الفاروق الناس في العطاء إلى‪:‬‬
‫‪ -‬ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال‪.‬‬
‫‪ -‬من يغني المسلمين في جلب المنافع لهم‬
‫كولة المور والعلماء الذين يجلبون لهم‬
‫منافع الدين والدنيا‪.‬‬
‫‪ -‬من يبلي بلء حسنا ً في دفع الضرر عنهم‬
‫كالمجاهدين في سبيل الله من الجنود‬
‫والعيون والناصحين نحوهم‪.‬‬
‫‪ -‬ذوو الحاجات)‪.(750‬‬
‫هذه سياسته في التقسيم تضمنها قوله‪ :‬ليس‬
‫أحد أحق بهذا المال من أحد إنما هو الرجل‬
‫‪ ()747‬سياسة المال في السلم ص ‪. 159‬‬
‫‪ ()748‬نفس المصدر ص ‪. 159‬‬
‫‪ ()749‬الحكام السطانية للماوردي ص ‪. 201‬‬
‫‪ ()750‬السياسة الشرعية لبن تيمية ص ‪ ، 48‬أولويات الفاروق ص‬
‫‪. 358‬‬
‫وسابقته والرجل وغناؤه‪ ،‬والرجل وبلؤه‪،‬‬
‫والرجل وحاجته)‪ ،(751‬وقد دعا الفاروق عقيل بن‬
‫أبي طالب ومخرمة بن نوفل‪ ،‬وجبير بن مطعم‪،‬‬
‫وكانوا من شبان قريش وقال‪ :‬اكتبوا للناس‬
‫على منازلهم‪ ،‬فبدأوا ببني هاشم فكتبوهم ثم‬
‫أتبعوهم أبا بكر وقومه‪ ،‬ثم عمر وقومه‪ ،‬وكتبوا‬
‫القبائل ووضعوها على الخلفة ثم رفعوه إلى‬
‫عمر‪ ،‬فلما نظر فيه قال‪ :‬ل‪ ،‬ما وددت أنه كان‬
‫هكذا‪ ،‬ولكن ابدأوا بقرابة النبي ‪ ‬القرب‬
‫فالقرب‪ ،‬حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله‪،‬‬
‫فجاءت بنو عدي إلى الخليفة عمر رضي الله عنه‬
‫وقالوا‪ :‬إنك خليفة رسول الله ‪ ‬وخليفة أبي‬
‫بكر رضي الله عنه وأبو بكر خليفة رسول الله ‪‬‬
‫فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلء القوم الذين‬
‫كتبوا فقال‪ :‬بخ بخ يا بني عدي‪ ،‬أردتم الكل‬
‫على ظهري‪ ،‬وأن أهب حسناتي لكم ل‪ ،‬ولكنكم‬
‫حتى تأتيكم الدعوة وأن ينطبق عليكم الدفتر ‪-‬‬
‫يعني ولو تكتبون آخر الناس ‪ -‬إن لي صاحبين‬
‫سلكا طريقا ً فإن خالفتهما خولف بي‪ ،‬ولكنه‬
‫والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ول نرجو‬
‫الثواب عند الله تعالى على عملنا إل بمحمد ‪،‬‬
‫فهو شرفنا وقومه أشراف العرب ثم القرب‬
‫فالقرب‪ ،‬ووالله لئن جاءت العاجم بعمل وجئنا‬
‫بغير عمل لهم أولى بمحمد ‪ ‬منا يوم القيامة‪،‬‬
‫فإن من قصر به عمله لم يسرع به نسبه)‪،(752‬‬
‫وبدأ عمر رضي الله عنه تسجيله بديوان سجل‬
‫فيه أصحاب العطيات ومقدار أعطياتهم‪،‬‬
‫‪ ()751‬جامع الصول )‪ ، (2/71‬أخبار عمر ص ‪. 94‬‬
‫‪ ()752‬فتوح البلدان ص ‪ ، 436‬الحكام السلطانية ص ‪. 227‬‬
‫مى ديوان الجند على أساس أن جميع العرب‬ ‫وس ّ‬
‫المسلمين جنود للجهاد في سبيل الله‪ ،‬فبدأ‬
‫سجله للجيش ببني هاشم القرب فالقرب من‬
‫رسول الله ثم بمن بعدهم طبقة بعد طبقة‪،‬‬
‫وجعل لكل واحد من المسلمين مبلغا ً محددًا‪،‬‬
‫وفرض لزوجات النبي ‪ ‬وسراريه‪ ،‬وسائر‬
‫المسلمين من الرجال والنساء والطفال منذ‬
‫الولدة والعبيد بمقادير مختلفة)‪ ،(753‬وبإخراج هذا‬
‫الديوان أظهر عمر اهتمامه بأمر الجهاد في‬
‫سبيل الله‪ ،‬واعتنى بأمر المجاهدين حفظا ً‬
‫لحقوقهم‪ ،‬وعمل سجل الجند باللغة العربية‬
‫بالمدينة المنورة على يد نفر من نوابغ قريش‬
‫وعلماء النساب منهم‪ ،‬ثم أمر بعمل الدواوين‬
‫في أقاليم الدولة السلمية‪ ،‬فدونت بلغة البلد‬
‫المفتوحة‪ ،‬ولم يتم تعريبها إل في خلفة عبد‬
‫الملك بن مروان وابنه الوليد‪ ،‬وبعد تدوين‬
‫الدواوين صار عمر يجمع المال مدة سنة ثم‬
‫يقسمه بين الناس‪ ،‬لنه يرى أن جمعه أعظم‬
‫للبركة‪ ،‬فكان جمع المال يستلزم أن يكون له‬
‫أمناء فكان زيد بن أرقم على بيت المال في‬
‫عهد عمر)‪ ،(754‬وروى أبو عبيد بسنده عن‬
‫عبد القاري من قبيلة القارة قال‪ :‬كنت على‬
‫بيت المال زمن عمر بن الخطاب رضي الله‬
‫عنه)‪.(755‬‬
‫ثالثًا‪ :‬مصارف الدولة في عهد عمر‪:‬‬
‫‪ ()753‬سياسة المال في السلم ص ‪. 160‬‬
‫‪ ()754‬صبح العشى في قوانين النشاء للقلقشندي )‪.(1/89‬‬
‫‪ ()755‬فقه الزكاة )‪ (1/318‬هذا المصدر والذي فوقه من سياسة‬
‫المال ص ‪. 160‬‬
‫تنقسم مصارف بيت المال إلى ثلثة أقسام هي‪:‬‬
‫مصارف الزكاة وما يتصل بها‪ ،‬ومصارف الجزية‬
‫والخراج والعشور وما يتصل بها‪ ،‬ومصارف‬
‫الغنائم وما يتصل بها‪ ،‬وقد بين القرآن الكريم‪،‬‬
‫والسنة النبوية‪ ،‬وعمل الصحابة رضوان الله‬
‫عليهم مصارف هذه البواب)‪.(756‬‬
‫‪ -1‬مصارف الزكاة‪:‬‬
‫ذكر المولى عز وجل ثمانية أصناف ممن تجب‬
‫ء‬
‫قَرا ِ‬ ‫ت ل ِل ْ ُ‬
‫ف َ‬ ‫صدَ َ‬
‫قا ُ‬ ‫لهم الزكاة قال تعالى‪  :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما ال ّ‬
‫في‬
‫و ِ‬
‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫قُلوب ُ ُ‬
‫ة ُ‬ ‫ف ِ‬ ‫ؤل ّ َ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ ُ‬
‫ها َ‬ ‫عل َي ْ َ‬ ‫ن َ‬‫مِلي َ‬ ‫عا ِ‬‫وال ْ َ‬ ‫ن َ‬ ‫كي ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫بي‬
‫ّ ِ ِ‬‫س‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ب‬‫ِ‬ ‫ا‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ل‬ ‫بي‬
‫َ ِ ِ‬‫س‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ن‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫غا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬
‫ِ َ‬ ‫ب‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫ر‬‫ّ‬ ‫ال‬
‫ِ‬
‫م‬‫ٌ‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬‫وال‬‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ن‬
‫ْ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ة‬‫ً‬ ‫ض‬
‫َ‬ ‫ري‬‫ف ِ‬ ‫َ‬
‫م)‪)  (60‬التوبة‪،‬آية‪.(60:‬‬ ‫كي ٌ‬ ‫ح ِ‬ ‫َ‬
‫وقد كان الفقراء والمساكين في عهد عمر‬
‫رضي الله عنه يعطون من هذه الموال‬
‫ما يبعدهم عن المسكنة والفقر‪ ،‬ويخرجهم من‬
‫الفاقة والعوز‪ ،‬ويقربهم إلى أدنى مراتب‬
‫الغنى واليسار)‪ ،(757‬وقد كان عمر رضي الله‬
‫عنه يقول‪ :‬إذا أعطيتم فأغنوا)‪ ،(758‬وهذه هي‬
‫السياسة العمرية الراشدة وهي إعطاء ما‬
‫يكفي وزيادة النسبة للعجز المؤقت‪ ،‬أما العجز‬
‫المزمن من مرضى ونحوه‪ ،‬فإن الزكاة‬
‫بالنسبة لهذا الصنف من والبطالة بالكسب‪،‬‬
‫وتتعدى هذه السياسة العمرية المسلمين‬
‫فتشمل مساكين أهل الكتاب بعد إسقاط‬
‫‪ ()756‬سياسة المال في السلم ص ‪. 169‬‬
‫‪ ()757‬النظام السلمي المقارن ص ‪ ، 112‬سياسة المال ص‬
‫‪. 171‬‬
‫‪ ()758‬الموال لبي عبيد )‪ ،(4/676‬سياسة المال ص ‪. 171‬‬
‫الجزية عنهم)‪ ،(759‬كما أن من نفقات الزكاة‬
‫العاملين عليها فهم لهم وظائف شتى‪،‬‬
‫وأعمال متشعبة‪ ،‬كلها تتصل بتنظيم الزكاة‪،‬‬
‫وبإحصاء من تجب عليه؟ وفيم تجب؟ ومقدار‬
‫ما يجب؟ ومعرفة من تجب له؟ وكم عددهم؟‬
‫ومبلغ حاجتهم‪ ،‬وقدر كفايتهم‪ ،‬إلى غير ذلك‬
‫من الشؤون التي تحتاج إلى جهاز كامل من‬
‫الخبراء وأهل الختصاص ومن يعاونهم)‪،(760‬‬
‫وأما المؤلفة قلوبهم‪ ،‬فقد أسقط عمر‬
‫سهمهم‪ ،‬وذلك لن السلم كان قوي الجانب‬
‫في خلفته فل حاجة للنفاق من أموال الزكاة‬
‫على هذا الصنف من الصناف الثمانية التي‬
‫نصت عليها الية)‪ ،(761‬وأما في عصرنا الحاضر‬
‫فل يزال التأليف موجودا ً بصورة أو أخرى‪،‬‬
‫ويوجد من تنطبق عليهم شروط المؤلفة‬
‫قلوبهم)‪ ،(762‬وقد استغل بعض خصوم السلم‬
‫ودعاة الجمود من المسلمين إسقاط نصيب‬
‫المؤلفة قلوبهم من الزكاة في عهد عمر‬
‫فكتبوا عن هذه القصة‪ ،‬وادعوا أن عمر رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬بهذا أوقف نصا ً من نصوص القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬وهذا الدعاء ليس بصحيح‪ ،‬كما أنه ل‬
‫يتفق مع الحقيقة فالواقع أن الخليفة عمر‬
‫رضي الله عنه أوقف نصيب المؤلفة قلوبهم‬
‫لسبب وحكمة‪ ،‬وهي أن السلم أصبح عزيزا ً‬
‫قويا ً بعد أن كان ضعيفا ً في عهده الول‪،‬‬
‫سياسة المال في السلم ص ‪. 172‬‬ ‫‪()759‬‬
‫نفس المصدر ص ‪. 173‬‬ ‫‪()760‬‬
‫عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 202‬‬ ‫‪()761‬‬
‫سياسة المال في السلم ص ‪. 175‬‬ ‫‪()762‬‬
‫ورأى رضي الله عنه أنه ل داعي لتأليف هؤلء‬
‫وهؤلء بعد العّزة والنصر والقوة)‪.(763‬‬
‫وقد وافق الصحابة على قرار الفاروق‪ ،‬ولم‬
‫تأت هذه الموافقة اعتباطا ً وإنما نتيجة‬
‫القتناع بالمبررات التي دفع بها ليقاف‬
‫إعطاء المؤلفة قلوبهم من حيث إن السلم‬
‫قد غدا في قوة ومكنة تجعلنه في غنى عن‬
‫عدد قليل ل وزن له‪ ،‬بعد دخول أمم كثيرة في‬
‫السلم‪ ،‬كما أنه ليس ثمة خوف من هؤلء‬
‫الذين يطلبون التأليف‪ ،‬بل كان الخوف عليهم‬
‫أن يظلوا على نزعتهم التواكلية‪ ،‬ثم إن حق‬
‫هؤلء ليس حقا ً موروثا ً يتوارثونه جيل ً بعد‬
‫جيل)‪،(764‬إن عمر لم يقف جامدا ً أمام هذا‬
‫النص فيما يتصل بسهم المؤلفة قلوبهم‪ ،‬فهو‬
‫قد فهم أن المقصود من النص هو إعزاز‬
‫السلم بدخول أشراف العرب فيه‪ ،‬وتثبيت‬
‫من أسلم منهم على السلم‪ ،‬فقد نظر إلى‬
‫علة النص ل إلى ظاهره‪ ،‬وحيث أعز الله‬
‫السلم وكثر أهله فقد أصبح العطاء حينئذ –‬
‫في نظر عمر‪ -‬ذلة وخنوعًا‪ ،‬وزالت العلة التي‬
‫من أجلها جعل الله للمؤلفة قلوبهم نصيبا ً من‬
‫الزكاة وبناء على ذلك أوقف عمر هذا السهم‬
‫ولم يعطه لهم‪ ،‬وبناء على هذا الفهم الصحيح‬
‫ل يجوز أن نقول إن عمر ألغى العمل بالنص‬
‫القرآني المتعلق بإعطاء المؤلفة قلوبهم‬
‫نصيبا ً من الزكاة لن ذلك من قبيل النسخ‪ ،‬ول‬
‫نسخ إل من طرف صاحب الشرع نفسه وعليه‬
‫‪ ()763‬سياسة المال في السلم ص ‪. 177،178‬‬
‫‪ ()764‬البعاد السياسية لمفهوم المن في السلم ص ‪. 306‬‬
‫فل نسخ بعد وفاة الرسول ‪ ،(765)‬لقد كان‬
‫عمر رضي الله عنه يراعي تغير الظروف‬
‫والعلل التي بنيت عليها نصوص الحكام‪ ،‬ولم‬
‫يكن يقف مع ظواهرها كما سبق القول)‪،(766‬‬
‫كما كان النفاق في الرقاب‪ ،‬والغارمين‪ ،‬وفي‬
‫سبيل الله وابن السبيل‪ ،‬وقد اعتنى القرآن‬
‫الكريم بابن السبيل أّيما اعتناء‪ ،‬فقد جعل له‬
‫سهما ً من الزكاة ونصيبا ً من الفيء ومن‬
‫خمس الغنائم‪ ،‬وعناية السلم بالمسافرين‬
‫الغرباء والمنقطعين عناية فذة لم يعرف لها‬
‫نظير في نظام من النظمة أو شريعة من‬
‫الشرائع‪ ،‬ويؤكد هذه العناية هدي النبي ‪‬‬
‫والصديق‪ ،‬كما أن عمر بن الخطاب رضي الله‬
‫اتخذ في عهده دارا ً خاصة أطلق عليها )دار‬
‫الدقيق(‪ ،‬وذلك أنه جعل فيها الدقيق والسويق‬
‫والتمر والزبيب‬
‫وما يحتاج إليه‪ ،‬يعين به المنقطع به‪ ،‬والضيف‬
‫ومن ينزل بعمر‪ ،‬ووضع عمر في طريق السبل‬
‫ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به‪،‬‬
‫ويحمل من ماء إلى ماء)‪.(767‬‬
‫إن هذا التحديد للصناف الثمانية يوجب على‬
‫الدولة حصرهم وتتبع حالتهم وأن يكون هناك‬
‫سجلت في كل بلد‪ ،‬ثم في المقر الرئيسي‬
‫للدولة‪ ،‬وقد كان للصدقة ديوان خاص بها في‬
‫دار الخلفة‪ ،‬له فروع في سائر الوليات وقد‬
‫كان ذلك في عهد الخليفة عمر )رضي الله‬
‫‪ ()765‬الجتهاد في الفقه السلمي ص ‪.133 ،132‬‬
‫‪ ()766‬المصدر نفسه ص ‪.134‬‬
‫‪ ()767‬الطبقات )‪.(3/283‬‬
‫عنه( بعد تدوين الدواوين)‪ ،(768‬إن نظرة إلى‬
‫تلك الصناف الثمانية الذين ذكرتهم الية‬
‫نلحظ أنها قد شملت المصالح الدينية‬
‫والسياسية والجتماعية من دعوة للجهاد في‬
‫سبيل الله‪ ،‬وتكوين الجيوش‪ ،‬والعمل على‬
‫القضاء على الفقر‪ ،‬وسداد الدين‪ ،‬ودفع‬
‫الحاجة عن ذوي الحاجة‪ ،‬أي أنها تشمل كل‬
‫متطلبات المجتمع وإيجاد المن والمحبة‬
‫والتآلف بين أفراده)‪.(769‬‬
‫‪ -2‬مصارف الجزية والخراج والعشور‪:‬‬
‫تصرف في أعطيات الخلفاء‪ ،‬والعمال والجنللد‪،‬‬
‫وآل البيت‪ ،‬وزوجللات المجاهللدين وغيرهللا مللن‬
‫أوجه الخير‪.‬‬
‫‪ -‬أعطيات الخليفة‪ :‬وقد فرض للخليفة عمر‬
‫رضي الله عنه من العطيات خمسة آلف‬
‫درهم أو ستة آلف درهم على رواية أخرى‪.‬‬

‫‪ ()768‬سياسة المال في السلم ص ‪.184‬‬
‫‪ ()769‬سياسة المال في السلم ص ‪.184‬‬
‫أعطيات العمال‪:‬‬
‫أي ولة القاليم‪ ،‬ففي عهد الخليفة عمر‬
‫)رضي الله عنه(‪ ،‬عين الفاروق في كل ولية‪،‬‬
‫واليا حازما ً عادل ً لحكمها وإدارتها‪ ،‬وزوده بعدد‬
‫من العوان والمساعدين والجباة والقضاة‬
‫والكّتاب وعمال الخراج‪ ،‬والصدقات وغيرهم‪،‬‬
‫فكان للصلة والحرب عامل –وهو المير‪-‬‬
‫ولتحصيل الموال عامل آخر‪ ،‬ولمساحة‬
‫الراضي وتقدير الضرائب وإحصاء الناس‬
‫مال لهم خبرة ودراية‪ ،‬وقد أجرى لهم‬ ‫ع ّ‬
‫العطيات بما يتناسب مع منصب كل منهم‬
‫وما تتطلبه أعماله‪ ،‬مراعيا ً في ذلك حالة‬
‫القليم من قرب وبعد‪ ،‬وتوفر خيرات‪ ،‬ورخص‬
‫وغلء‪ ،‬ولم يجعل لصرفها موعدا ً ثابتا ً ل‬
‫يتخلف)‪ (770‬وسيأتي الحديث عن العمال‬
‫بالتفصيل بإذن الله عند حديثنا عن مؤسسة‬
‫العمال‪.‬‬
‫‪ -‬أعطيات الجند‪:‬‬
‫اهتم عمر رضي الله عنه بأمر الجند فنظم‬
‫ديوان الجيش‪ ،‬وسار في تقسيم الرزاق فيه‬
‫على أساس القربى من النسب النبوي‬
‫الشريف‪ ،‬والسابقة للسلم)‪ ،(771‬وبذلك أصبح‬
‫في مقدمة أصحاب المعاشات آل بيت رسول‬
‫الله ‪ ‬وهم بنو هاشم وكان العباس يتسلمها‬
‫ويوزعها عليهم‪ ،‬ثم زوجات النبي ‪ ‬وتختص‬
‫كل واحدة بمعاش مستقل عن آل البيت أما‬

‫‪ ()770‬سياسة المال في السلم ص ‪.198‬‬
‫‪ ()771‬الحكام السلطانية ص ‪ ،227‬سياسة المال ص ‪.119‬‬
‫بقية المسلمين فقد قسموا إلى طبقات‬
‫حسب ترتيب اشتراكهم في الجهاد في سبيل‬
‫الله‪ ،‬فبدأ بأهل بدر‪ ،‬ثم من حاربوا بعد بدر‬
‫إلى الحديبية‪ ،‬ثم من حاربوا من الحديبية إلى‬
‫آخر حروب الردة ثم من تلهم من شهد‬
‫القادسية واليرموك وهكذا‪ ،‬كما أنه جعل‬
‫مخصصات لزوجات المحاربين وأطفالهم منذ‬
‫الولدة ولم يغفل أمر الغلمان‪ ،‬واللقطاء‪ ،‬بل‬
‫خصص لهم أعطيات سنوية‪ ،‬أدناها مائة درهم‪،‬‬
‫تتزايد عند بلوغهم)‪ ،(772‬كما فرض للموالي من‬
‫ألفين إلى ألف)‪ ،(773‬وقد وردت روايات كثيرة‬
‫تتفق فيما بينها في كثير من أرقام المقررات‬
‫التي قررها الخليفة عمر )رضي الله عنه(‬
‫أعطيات للجند‪ ،‬وتختلف بعض الختلفات في‬
‫تلك المقادير)‪ ،(774‬وأما ما صح من مقادير‬
‫العطاء‪ ،‬فإن عطاء زوجات النبي ‪ ‬كان‬
‫عشرة آلف درهم )‪ 10000‬درهم( كل سنة إل‬
‫جويرية وصفية وميمونة فقد فرض لهن أقل‬
‫من ذلك ثم زاد عطاءهن إلى اثني عشر ألف‬
‫درهم‬
‫)‪ 12000‬درهم( إل صفية وجويرية كان‬
‫عطاؤهن ستة آلف درهم )‪ 6000‬درهم(‪ ،‬وقد‬
‫طالبت عائشة بالمساواة بين أمهات‬
‫المؤمنين‪ ،‬فوافق عمر على مساواتهن‪ ،‬وكان‬
‫عطاء المهاجرين والنصار أربعة آلف درهم )‬
‫‪ 4000‬درهم( لكل واحد سنويا ً سوى عبد الله‬
‫‪ ()772‬الطبقات )‪.(3/301‬‬
‫‪ ()773‬تاريخ اليعقوبي )‪.(2/153،154‬‬
‫‪ ()774‬سياسة المال في السلم ص ‪.200‬‬
‫بن عمر بن الخطاب فإنه فرض له ثلثة آلف‬
‫وخمسمائة درهم )‪ 3500‬درهم( معلل ً ذلك بأنه‬
‫هاجر به أبوه أي ليس كمن هاجر بنفسه)‪،(775‬‬
‫وكان عبد الله صبيا ً حين الهجرة‪ ،‬ثم زاد‬
‫المهاجرين ألفا ً فصار عطاؤهم خمسة آلف‬
‫درهم )‪ 5000‬درهم( كل سنة)‪ ،(776‬ويبدو أن‬
‫هذا العطاء للبدريين فقط من المهاجرين‬
‫والنصار)‪ ،(777‬وأما من شهد صلح الحديبية‬
‫فكان عطاؤه ثلثة آلف درهم )‪ 3000‬درهم(‬
‫كل سنة)‪ ،(778‬وفرض لكل مولود مائة درهم )‪1‬‬
‫‪ 00‬درهم( وكان يفرض للفطيم ثم فرض‬
‫للمولود حين ولدته خوفا ً من تعجيل فطامه‪،‬‬
‫وأما الموالي فقد فرض لشرافهم‬
‫كالهرمزان حينما أسلم ألفي درهم )‪2000‬‬
‫درهم( وغير ذلك من العطيات‪ ،‬وإضافة إلى‬
‫العطاء السنوي فإن عمر رضي الله عنه كان‬
‫يوزع عطايا متفرقة)‪ ،(779‬وإلى جانب ما خصص‬
‫لكل فرد ممن سبق ذكرهم وزيادة على‬
‫عطائه السابق طعام من الحنطة كل‬
‫شهر)‪ ،(780‬وقد قال الخليفة عمر رضي الله‬
‫عنه في آخر عهده‪ :‬لئن كثر المال لفرضن‬
‫لكل رجل أربعة آلف درهم‪ ،‬ألف لسفره‪،‬‬
‫وألف لسلحه‪ ،‬وألف يخلفها لهله‪ ،‬وألف‬

‫عصر الخلفة الراشدة ص ‪.214‬‬ ‫‪()775‬‬
‫نفس المصدر ص ‪.214‬‬ ‫‪()776‬‬
‫نفس المصدر ص ‪.214‬‬ ‫‪()777‬‬
‫نفس المصدر ص ‪.215‬‬ ‫‪()778‬‬
‫نفس المصدر ص ‪.215‬‬ ‫‪()779‬‬
‫سياسة المال في السلم ص ‪.202‬‬ ‫‪()780‬‬
‫لفرسه وبغله)‪ ،(781‬وقد رأى الخليفة عمر‬
‫رضي الله عنه أن لكل مسلم حقا ً في بيت‬
‫المال‪ ،‬منذ أن يولد حتى يموت‪ ،‬ولقد أعلن‬
‫هذا المبدأ بقوله‪ :‬والله الذي ل إله إل هو‬
‫‪-‬ثلثًا‪ -‬ما من أحد إل له في هذا المال حق‬
‫عه‪ ،‬وما أحد بأحق به من أحد إل‬ ‫ُ‬
‫من ِ َ‬
‫أعطَيه أو ُ‬
‫عبد مملوك‪ ،‬وما أنا فيه إل كأحدكم‪ ،‬ولكنا‬
‫على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول‬
‫الله فالرجل وبلؤه في السلم‪ ،‬والرجل‬
‫وقدمه في السلم‪ ،‬والرجل وغناؤه في‬
‫السلم‪ ،‬والرجل وحاجته‪ ،‬والله لئن بقيت‬
‫ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا‬
‫)‪(782‬‬
‫‪،‬‬ ‫مَر وجهه‬
‫المال وهو مكانه قبل أن ُيخ ّ‬
‫ومن المهم أن نتبين وجهة نظر عمر رضي‬
‫الله عنه في عدم المساواة بين المسلمين‬
‫في العطاء‪ ،‬ودعمه الواضح لقرابة الرسول ‪‬‬
‫ولكبار الصحابة من المهاجرين والنصار‬
‫واعتباره للسابقة في السلم والبلء في‬
‫الجهاد‪ ،‬فل شك أن الفئة التي حازت الموال‬
‫الوفيرة في خلفته هي التي أقامت على‬
‫أكتافها صرح الدولة السلمية‪ ،‬كما أنها أكثر‬
‫فقها ً والتزاما ً بالشرع ومقاصده‪ ،‬وأكثر ورعا ً‬
‫وصلحا ً في التعامل مع المال‪ ،‬وتذليله‬
‫لتحقيق المقاصد الجتماعية عن طريق‬
‫النفاق‪ ،‬ودعم هذه الفئة اقتصاديا ً يقوي‬
‫نفوذها في المجتمع‪ ،‬ويجعلها أقدر على‬
‫‪ ()781‬سياسة المال في السلم ص ‪ ،203‬الطبقات الكبرى )‬
‫‪.(3/298‬‬
‫‪ ()782‬الطبقات الكبرى )‪ (3/299‬كتاب الخراج لبي يوسف ص ‪.50‬‬
‫القيام بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪،‬‬
‫ويلحظ أن عمر رضي الله عنه عزم على‬
‫تبديل سياسة التفضيل في العطاء إلى‬
‫المساواة‪ ،‬وقد صّرح بذلك في آخر خلفته‬
‫ل‪ :‬لئن بقيت إلى قابل‪ ،‬للحقن آخر الناس‬ ‫قائ ً‬
‫بأولهم ولجعلنهم بيانا ً واحدا ً)‪– (783‬أي سواء‪-‬‬
‫مة فقد‬ ‫وأما عن نظرة عمر إلى الموال العا ّ‬
‫عّبر عنها بقوله‪ :‬إن الله جعلني خازنا ً لهذا‬
‫المال‪ ،‬وقاسما ً له‪ ،‬ثم قال‪ :‬بل الله‬
‫يقسمه)‪ ،(784‬وقد بكى عندما رأى عظمة‬
‫الموال التي جلبت إلى بيت المال في فتوح‬
‫فارس‪ ،‬فلما ذكره عبد الرحمن بن عوف بأنه‬
‫يوم شكر وسرور وفرح وقال عمر‪ :‬كل إن هذا‬
‫لم يعطه قوم إل ألقي بينهم العداوة‬
‫والبغضاء)‪ ،(785‬ونظر إلى أموال فتح جلولء‬
‫ء‬‫سا ِ‬
‫ن الن ّ َ‬‫م ْ‬ ‫ت ِ‬ ‫وا ِ‬‫ه َ‬ ‫ب ال ّ‬
‫ش َ‬ ‫ح ّ‬‫س ُ‬‫ن ِللّنا ِ‬ ‫فقرأ الية ‪ُ ‬زي ّ َ‬
‫ة ‪‬‬ ‫ض ِ‬‫ف ّ‬‫وال ْ ِ‬‫ب َ‬ ‫ه ِ‬‫ن الذّ َ‬
‫م ْ‬‫ة ِ‬‫قن ْطََر ِ‬ ‫ر ال ْ ُ‬
‫م َ‬ ‫طي ِ‬ ‫وال ْ َ‬
‫قَنا ِ‬ ‫وال ْب َِني َ‬
‫ن َ‬ ‫َ‬
‫)آل عمران‪،‬آية‪ (14:‬وقال‪ :‬اللهم ل نستطيع إل أن‬
‫نفرح بما زينت لنا‪ ،‬اللهم فاجعلني أنفقه في‬
‫حقه وأعوذ بك من شره)‪.(786‬‬
‫‪ -3‬مصارف الغنائم‪:‬‬
‫أما توزيع الغنائم فقد قسمها الله تعالى‬
‫ورسوله ‪ ‬كما جاء في الية الكريمة‪ ،‬قال‬
‫ء َ َ‬ ‫َ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫ه‬ ‫فأ ّ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ن َ‬
‫ش ْ‬ ‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫مت ُ ْ‬ ‫ما َ‬
‫غن ِ ْ‬ ‫عل َ ُ‬
‫موا أن ّ َ‬ ‫تعالى‪َ  :‬‬
‫وا ْ‬
‫‪ ()783‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪ ،216‬الموال ابن زنجويه )‬
‫‪.(2/576‬‬
‫‪ ()784‬الثر صحيح‪ ،‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.216‬‬
‫‪ ()785‬عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪ 217‬الثر صحيح‪.‬‬
‫‪ ()786‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪ 217‬الثر حسن‪.‬‬
‫ن‬
‫كي ِ‬
‫سا ِ‬ ‫وال ْ َ‬
‫م َ‬ ‫وال ْي ََتا َ‬
‫مى َ‬ ‫ذي ال ْ ُ‬
‫قْرَبى َ‬ ‫ول ِ ِ‬
‫ل َ‬
‫سو ِ‬
‫وِللّر ُ‬
‫ه َ‬
‫س ُ‬
‫م َ‬ ‫خ ُ‬
‫ُ‬
‫ل‪)  ...‬النفال‪،‬آية‪ ،(41:‬وأما أربعة‬ ‫سِبي ِ‬
‫ن ال ّ‬‫واب ْ ِ‬ ‫َ‬
‫أخماس الغنيمة الباقية فكانت توزع بين‬
‫الغانمين للفارس ثلثة أسهم ‪-‬سهمان لفرسه‬
‫وسهم له‬
‫وللراجل سهم)‪ ،(787‬وقد كان للرسول ‪ ‬سهم‬
‫في حياته ينفقه على نفسه‪ ،‬وأزواجه‪ ،‬وما‬
‫بقي من هذه السهم كان يجعله في المصالح‬
‫العامة أو ينفقه على أهل الفاقة والحتياج‪،‬‬
‫وكان لذوي قربى الرسول ‪ - ‬السهم الثاني‪،‬‬
‫وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب الذين‬
‫خضعوا للسلم وشملتهم دعوته )عليه الصلة‬
‫والسلم( وقد اختلف الناس بعد وفاة الرسول‬
‫‪ ‬في هذين السهمين‪ ،‬سهم الرسول ‪،‬‬
‫وسهم ذوي القربى‪ ،‬فقال قوم‪ :‬سهم‬
‫الرسول للخليفة من بعده‪ ،‬وقال آخرون‪:‬‬
‫سهم ذوي القربى لقرابة الرسول عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬وقالت طائفة‪ :‬سهم ذوي‬
‫القربى لقرابة الخليفة من بعده‪ ،‬فأجمعوا‬
‫على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع‬
‫والسلح)‪ ،(788‬وبذلك أصبحت مخصصات‬
‫السهمين تصرف في مصالح المسلمين‬
‫العامة‪ ،‬كتجهيز الجيوش‪ ،‬وسد الثغور‪ ،‬والعمل‬
‫على تقوية الدولة وتمكينها‪ ،‬في عهد الخليفة‬
‫الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه وأما مخصصات الفقراء والمساكين‬
‫وأبناء السبيل‪ ،‬فقد بقيت كما كانت على أيام‬
‫‪ ()787‬الخراج لبي يوسف ص ‪.22‬‬
‫‪ ()788‬الخراج لبي يوسف ص ‪.22‬‬
‫الرسول ‪ ،‬ولم يطرأ عليها أي تغيير أو‬
‫تعديل في أيام الخليفة الثاني رضي الله‬
‫عنه)‪.(789‬‬
‫هذه بعض المعالم الواضحة على المؤسسة‬
‫المالية في زمن الفاروق وكيف عمل على‬
‫تطويرها‪ ،‬وقد كان رضي الله عنه شديد الورع‬
‫في المال العام ويظهر ذلك في قوله‪ :‬أنا‬
‫أخبركم بما أستحل من مال الله‪ ،‬حلة الشتاء‬
‫والقيظ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر‪،‬‬
‫وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم‬
‫ول بأفقرهم‪ ،‬أنا رجل من المسلمين يصيبني‬
‫ما يصيبهم)‪ ،(790‬وكان يقول‪ :‬اللهم إنك تعلم‬
‫أني ل آكل إل وجبتي‪ ،‬ول ألبس إل حلتي‪ ،‬ول‬
‫آخذ إل حقي)‪ (791‬وكان يقول‪ :‬إني أنزلت مال‬
‫الله مني بمنزلة مال اليتيم‪ ،‬من كان غنيا ً‬
‫فليستعفف‪ ،‬ومن كان فقيرا ً فليأكل‬
‫بالمعروف)‪.(792‬‬
‫‪ -4‬أمور متعلقة بالتطوير القتصادي في الدولة‪:‬‬
‫‪ -‬إصدار النقود السلمية‪:‬‬
‫تعتبر النقود من المعادن الثمينة كالذهب‬
‫والفضة وهي وسيلة ضرورية للحياة‬
‫الجتماعية الخاصة والعامة‪ ،‬ل سيما في‬
‫التعامل بين المم والدول‪ ،‬وما يعنينا من هذا‬
‫الموضوع ‪ -‬وقد أصبح للسلم دولة فيها‬
‫مسلمون وغيرهم من الناس‪ ،‬ويجاورها أمم‬
‫سياسة المال في السلم ص ‪.206 ،205‬‬ ‫‪()789‬‬
‫تاريخ المدينة لبن شبة )‪ (2/698‬الثر صحيح‪.‬‬ ‫‪()790‬‬
‫نفس المصدر )‪ ،(2/698‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.218‬‬ ‫‪()791‬‬
‫الطبقات )‪ ،(3/313‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪.218‬‬ ‫‪()792‬‬
‫ودول ذات نظم وحضارات‪ ،‬ظلت تتعامل مع‬
‫الدولة السلمية في عهد عمر وغيره من‬
‫خلفاء وأمراء المسلمين ‪ -‬هو الناحية‬
‫التنظيمية والدارية التي سلكها عمر بشأن‬
‫النقود‪ ،‬سواء أكان في داخل الدولة السلمية‬
‫أم في دور الحرب الخرى)‪ ،(793‬فالمعلومات‬
‫التاريخية تشير إلى‪ :‬أن عمر بن الخطاب قد‬
‫أبقى على تداول النقود والعملة التي كانت‬
‫متداولة قبل السلم وفي عهد الرسول ‪‬‬
‫وأبي بكر بما كان عليها من نقوش هرقلية‬
‫عليها نقوش مسيحية أو كسروية ُرسم فيها‬
‫بيت النار‪ ،‬بيد أنه أقرها على معيارها الرسمي‬
‫المعروف على عهد النبي ‪‬‬
‫وأبي بكر‪ ،‬مضيفا ً إليها كلمة جائز‪ ،‬لتمييزها‬
‫من البهارج الزائفات)‪ ،(794‬فالذي ضرب النقود‬
‫المسكوكة في الخارج وأقر التعامل بها وقرر‬
‫الدرهم الشرعي في السلم هو الفاروق‬
‫رضي الله عنه يقول الماوردي‪ :‬إن عمر بن‬
‫الخطاب هو الذي حدد مقدار الدرهم‬
‫الشرعي)‪ ،(795‬ويقول المقريزي‪ :‬وأول من‬
‫ضرب النقود في السلم عمر بن الخطاب‬
‫سنة ثماني عشر من الهجرة على نقش‬
‫الكسروية وزاد فيها‪ :‬الحمد لله‪ .‬وفي بعضها‪:‬‬
‫ل إله إل الله‪ ،‬وعلى جزء منها اسم الخليفة‬
‫عمر)‪ ،(796‬وعليه فإن الفاروق رضي الله عنه‬
‫الدارة السلمية في عهد عمر بن الخطاب ص ‪. 364‬‬ ‫‪()793‬‬
‫نفس المصدر ص ‪. 366‬‬ ‫‪()794‬‬
‫الحكام السلطانية ص ‪. 147‬‬ ‫‪()795‬‬
‫شذور العقود في ذكر النقود ص ‪. 33-31‬‬ ‫‪()796‬‬
‫قد وضع تنظيما ً خاصا ً لوسيلة من وسائل‬
‫الحياة الضرورية للمسلمين وغيرهم أثناء‬
‫حكمه وقد تبعه الخلفاء الراشدون وغيرهم‬
‫ممن طوروا هذا المر مع تطور وتقدم‬
‫المدنية والحضارة)‪.(797‬‬
‫‪ -‬القطاع‪:‬‬
‫مضى أبو بكر رضي الله عنه في تطبيق‬
‫السياسة النبوية في إقطاع الراضي للناس‬
‫طلبا ً لستصلحها فقد أقطع الزبير بن العوام‬
‫أرضا ً مواتا ً ما بين الجرف وقناة)‪ ،(798‬وأقطع‬
‫مجاعة بن مرارة الحنفي الخضرمة )قرية كانت‬
‫باليمامة( وأراد إقطاع عيينة بن حصن الفزاري‬
‫والقراع بن حابس التميمي أرضا ً سبخة –‬
‫ليس فيها كل‬
‫ول منفعة – أرادا استصلحها ثم عدل عن ذلك‬
‫أخذا ً برأي عمر رضي الله عنه في عدم الحاجة‬
‫لتأليفهما على السلم فقد قال لهما عمر‬
‫رضي الله عنه‪ :‬إن رسول الله ‪ ‬كان يتألفكما‬
‫والسلم يومئذ ذليل‪ ،‬وإن الله عز وجل قد‬
‫أعز السلم‪ ،‬فاذهبا فأجهدا جهدكما)‪ ،(799‬ومن‬
‫الواضح أن اعتراض عمر ليس على مبدأ‬
‫القطاع لستصلح الراضي بل على أشخاص‬
‫بعينهم ل يرى تأليفهم على السلم‪ ،‬وقد‬
‫توسع عمر رضي الله عنه في إقطاع الراضي‬
‫‪ ()797‬الدارة العسكرية في عهد عمر ص ‪. 367‬‬
‫‪ ()798‬الطبقات الكبرى )‪ (3/104‬الثر صحيح‪ ،‬عصر الخلفة‬
‫الراشدة ص ‪. 220‬‬
‫‪ ()799‬البخاري‪ ،‬التاريخ الصغير )‪ ،(1/81‬عصر الخلفة الراشدة ص‬
‫‪. 221‬‬
‫لغرض استصلحها جريا ً على السياسة النبوية‪،‬‬
‫فقد أعلن‪ :‬يا أيها الناس من أحيا أرضا ً ميتة‬
‫فهي له)‪ ،(800‬وتعتضد آثار ضعيفة لتؤكد انتزاع‬
‫عمر رضي الله عنه ملكية الرض المقتطعة إذا‬
‫لم يتم استصلحها‪ ،‬وتحدد رواية ضعيفة لذلك‬
‫ثلث سنوات من تأريخ القطاع وقد ثبت‬
‫إقطاع عمر رضي الله عنه لخوات بن جبير‬
‫أرضا ً مواتا ً)‪ (801‬وللزبير بن العوام أرض العقيق‬
‫جميعها‪ ،‬ولعلي بن أبي طالب أرض ينبع‪،‬‬
‫فتدفق فيها الماء الغزير‪ ،‬فأوقفها علي رضي‬
‫الله عنه صدقة على الفقراء‪ ،‬وتوجد آثار‬
‫ضعيفة لقطاعه عددا ً من الصحابة‬
‫الخرين)‪.(802‬‬

‫‪ ()800‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪ 221‬الثر صحيح‪.‬‬
‫‪ ()801‬نفس المصدر ص ‪. 221‬‬
‫‪ ()802‬نفس المصدر ص ‪. 222‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬المؤسسة القضائية‪:‬‬
‫عندما انتشر السلم‪ ،‬واتسعت رقعة الدولة فللي‬
‫عهد عمر‪ ،‬وارتبط المسلمون بغيرهم من المللم‪،‬‬
‫دعت حالة المدنية الجديدة إلللى تطللوير مؤسسللة‬
‫القضاء‪ ،‬فقد كللثرت مشللاغل الخليفللة‪ ،‬وتشللعبت‬
‫أعملللال اللللولة فلللي المصلللار‪ ،‬وزاد النلللزاع‬
‫والتشاجر‪ ،‬فرأى عمر رضي الللله عنلله أن يفصللل‬
‫الوليللات بعضللها عللن بعللض وأن يجعللل سلللطة‬
‫القضللاء مسللتقلون‪ ،‬حللتى يتفللرغ الللوالي لدارة‬
‫شؤون وليته‪ ،‬فأصبح للمؤسسة القضائية قضللاة‬
‫مستقلين‪ ،‬عن الوليللات الخللرى‪ ،‬كوليللة الحكللم‬
‫والدارة فكان عمر بهللذا أول مللن جعللل للقضللاء‬
‫وليلللة خاصلللة‪ ،‬فعيلللن القضلللاة فلللي المصلللار‬
‫السلمية‪ ،‬في الكوفة والبصرة والشام‪ ،‬ومصللر‪،‬‬
‫وجعل القضللاء سلللطة تابعللة للله مباشللرة‪ ،‬سللواء‬
‫كان التعيين من الخليفللة‪ ،‬أو كللان بتفللويض أحللد‬
‫ولته بذلك نيابة عنه‪ ،‬وهذا يدل علللى أن القيللادة‬
‫السلمية متمثلة في شخصية الفاروق‪ ،‬لللم تكلن‬
‫عاجزة عن وضع قواعد أصلية‪ ،‬في تنظيم الدولة‬
‫وترتيللب شللؤونها‪ ،‬وتحديللد سلللطاتها وإذا كللانت‬
‫أوربا قد اكتشفت هللذه القاعللدة بصللورة نظريللة‬
‫في القرن الثامن عشر‪ ،‬واعتبرتهللا فتح لا ً جديللدا ً‬
‫فلللي تنظيلللم الدوللللة‪ ،‬وفلللي رعايلللة حقلللوق‬
‫المللواطنين‪ ،‬يللوم تحللدث عنهللا )مونتسللكو( فللي‬
‫كتابة روح الشرائع‪ ،‬ولكن لم يكتب لهذه القاعدة‬
‫التطللبيق العملللي إل فللي أوائل القللرن التاسللع‬
‫عشر‪ ،‬أي بعد الثورة الفرنسية‪ ،‬فإن السلم قللد‬
‫أقّرها قبل أربعة عشر قرنًا‪ ،‬واعتبرها أصللل ً مللن‬
‫أصللول نظللامه وقللد كللان هللذا الصللل مللن زمللن‬
‫الرسول ‪ ‬حين أرسل معاذا ً إلللى اليمللن وسللأله‬
‫رسول الله ‪ ‬بما تقضي يا معاذ؟ فبين معاذ أنلله‬
‫يقضي بكتاب الله‪ ،‬فللإن لللم يجللد فبسللنة رسللول‬
‫اللللللله‪ ،‬فلللللإن للللللم يجلللللد يجتهلللللد رأيللللله‬
‫ول يألو‪ ،‬فأقره الرسللول ‪ ‬علللى ذلللك)‪ (803‬وأمللا‬
‫الفاروق‪ ،‬فقد قام بتطللوير المؤسسللة القضللائية‬
‫وما يتعلق بها من أمور‪ ،‬وأصبح فللي عهللده مبللدأ‬
‫فصل القضاء عن غيره من السلطات واضحا ً في‬
‫حيللاة النللاس ولللم يكللن اسللتقلل وليللة القضللاء‬
‫مانعا ً لعمر رضللي الللله عنلله مللن أن يفصللل فللي‬
‫بعض القضايا‪ ،‬وربما ترك بعللض ولتلله يمارسللون‬
‫القضاء مللع السلللطة التنفيذيللة‪ ،‬ويراسلللهم فللي‬
‫الشؤون القضائية‪ ،‬فقد راسل المغيرة بن شللعبة‬
‫في أمللر القضللاء وكللان واليلله علللى البصللرة ثللم‬
‫الكوفة‪ ،‬وراسل معاويللة واليلله علللى الشللام فللي‬
‫النزاع القضائي‪ ،‬وراسل أبا موسى الشعري في‬
‫شأن بعض القضايا‪ ،‬وكان القاضي يعيللن للوليللة‬
‫كلها‪ ،‬سواء أكان تعيينه من قبل الخليفة أم كللان‬
‫مللن قبللل الللوالي بللأمر الخليفللة‪ ،‬وكللان مقللر‬
‫القاضللي حاضللرة الوليللة وإليلله ترجللع السلللطة‬
‫القضائية في وليته)‪ ،(804‬وقد تم فصللل السلللطة‬
‫القضائية في الوليات الكبيرة على الغالب‪ ،‬مثللل‬
‫الكوفة‪ ،‬ومصر‪ ،‬وقد جمع لبعض ولته بين الولية‬
‫والقضاء إذا كان القضاء ل يشللغلهم عللن شللؤون‬
‫الوليللة‪ ،‬وراسلللهم بهللذا الوصللف فللي شللؤون‬
‫القضللاء‪ ،‬وأنلله كللان يقللوم بالقضللاء فللي بعللض‬
‫‪ ()803‬نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي )‪.(2/53‬‬
‫‪ ()804‬القضاء في السلم‪ ،‬عطية مصطفى ص ‪. 77‬‬
‫الحيان مللع وجللود قضللاة للله بالمدينللة)‪ ،(805‬ومللن‬
‫القضاة الذين قصرهم الفاروق في خلفته علللى‬
‫القضاء وحده‪:‬‬
‫‪ -‬عبللد الللله بللن مسللعود‪ :‬وله عمللر قضللاء‬
‫الكوفة‪ ،‬فقد روى قتادة عن مجلز أن عمر بللن‬
‫الخطاب بعث عمار بن ياسللر علللى صلللة أهللل‬
‫الكوفة‪ ،‬وبعث عبد الله بن مسللعود علللى بيللت‬
‫المال والقضاء)‪.(806‬‬
‫‪ -‬سلمان بللن ربيعللة‪ :‬وله عمللر القضللاء علللى‬
‫البصرة ثم القادسية‪.‬‬
‫‪ -‬قيس بن أبي العاص القرشللي تللولى قضللاء‬
‫مصر‪.‬‬

‫‪ ()805‬النظام القضائي في العهد النبوي والخلفة الراشدة‪،‬‬
‫القطان ص ‪. 47‬‬
‫‪ ()806‬أخبار القضاء لوكيع )‪.(2/188‬‬
‫وأما الذين جمعوا بين الولية والقضاء فمنهم‪:‬‬
‫‪ -‬نافع الخزاعي والي مكة‪ ،‬ذكر ابن عبللد الللبر‬
‫أن عمر بن الخطاب استعمله على مكة وفيهم‬
‫سادة قريش‪ ،‬ثم عزله وولى خالللد بللن العللاص‬
‫بن هشام بن المغيرة المخزومي)‪.(807‬‬
‫‪ -‬يعلى بن أمية والي صنعاء‪.‬‬
‫‪ -‬سفيان بن عبد الله الثقفي والي الطائف‪.‬‬
‫‪ -‬المغير بن شعبة والي الكوفة‪.‬‬
‫‪ -‬معاوية بن أبي سفيان والي الشام‪.‬‬
‫‪ -‬عثمان بن أبي العاص الثقفي والي البحرين‬
‫وعمان‪.‬‬
‫‪ -‬أبو موسى الشعري والي البصرة‪.‬‬
‫‪ -‬عمير بن سعد والي حمص‪.‬‬
‫ومن هؤلء من أبقاه الفاروق علللى القضللاء مللع‬
‫الولية‪ ،‬كما فعل مع معاويللة‪ ،‬ومنهللم مللن فصللل‬
‫القضاء عللن سلللطته وقصللره علللى الوليللة كمللا‬
‫فعل مع المغيرة‪ ،‬وأبي موسللى الشللعري‪ ،‬ومللن‬
‫قضاة الفاروق بالمدينة‪:‬‬
‫‪ -‬علي بن أبي طالب‪.‬‬
‫‪ -‬زيد بن ثابت رضللي الللله عنلله فقللد روي عللن‬
‫نللافع‪ :‬أن عمللر اسللتعمل زيللد بللن ثللابت علللى‬
‫القضاء وفرض له رزقا ً)‪.(808‬‬
‫‪ -‬السائب بن أبي يزيد)‪.(809‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬من أهم رسائل عمر إلى القضاة‪:‬‬

‫‪ ()807‬النظام القضائي في العهد النبوي ص ‪. 49‬‬
‫‪ ()808‬أخبار القضاء لوكيع )‪.(1/108‬‬
‫‪ ()809‬وقائع ندوة النظم السلمية في أبي ظبي )‪.(1/375‬‬
‫إن الفاروق رضي الله عنه وضع دسللتورا ً قويمللا ً‬
‫في نظام القضاء والتقاضي‪ ،‬وقد اهتم كثير ملن‬
‫أعلم الفقلله السلللمي بشللرح هللذا الدسللتور‬
‫والتعليللق عليلله‪ ،‬ونجللد الدسللتور العمللري فللي‬
‫القضاء في رسالته لبي موسى الشللعري وهللذا‬
‫نص الرسالة‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬من عبللد‬
‫الله بن لخطاب أمير المؤمنين إلى عبلد اللله بللن‬
‫قيللس)‪ ،(810‬سلللم عليللك‪ ،‬أمللا بعللد‪ ،‬فللإن القضللاء‬
‫فريضة محكمللة‪ ،‬وسللنة متبعللة‪ ،‬فللافهم إذا ُأدلللي‬
‫)‪(811‬‬
‫س‬‫إليك‪ ،‬فإنه ل ينفع تكلم بحق ل نفللاذ للله‪ ،‬آ ِ‬
‫ك ومجلسك‪ ،‬حللتى ل‬ ‫عدْل ِ َ‬‫بين الناس في وجهك و َ‬
‫)‪(812‬‬
‫‪ ،‬ول ييللأس ضللعيف‬ ‫يطمع شريف فللي حيفللك‬
‫دعللى‪ ،‬واليميللن علللى‬ ‫من عدلك‪ ،‬البينة على من ا ّ‬
‫من أنكر‪ ،‬والصلح جائز بيللن المسلللمين إل صلللحا ً‬
‫ل‪ ،‬ل يمنعك قضاء قضيته‬ ‫أحل حرامًا‪ ،‬أو حّرم حل ً‬
‫ت فيلله‬ ‫دي َ‬
‫هلل ِ‬
‫ك‪ ،‬و ُ‬‫قَللل َ‬‫ع ْ‬ ‫بللالمس‪ ،‬فراجعللت فيلله َ‬
‫ق‪ ،‬فللإن الحللق قللديم‪،‬‬ ‫لرشدك‪ :‬أن ترجع إلى الح ل ّ‬
‫ومراجعة الحللق خيللر مللن الّتمللادي فللي الباطللل‪،‬‬
‫الفهم الفهم فيما تلجلج فللي صللدرك ممللا ليللس‬
‫رف الشلباه والمثللال‪،‬‬ ‫عل ِ‬ ‫في كتاب ول سنة‪ ،‬ثم ا ْ‬
‫عمللد إلللى أقربهللا إلللى‬ ‫فقس المور عند ذلللك وا ْ‬
‫دعى حقا ً غائبا ً‬ ‫ق واجعل لمن ا ّ‬ ‫الله‪ ،‬وأشبهها بالح ّ‬
‫أو بينة أمدا ً ينتهي إليه‪ ،‬فإن أحضللر بّينتلله أخللذت‬
‫حللت)‪،(813‬عليلله القضلّية‪ ،‬فللإنه‬ ‫له بحقلله وإل اسللت ْ‬

‫عبد الله بن قيس هو أبو موسى الشعري‪.‬‬ ‫‪()810‬‬
‫وى‬‫أسى بينهم‪ :‬س ُ‬ ‫‪()811‬‬
‫حيفك‪ :‬ظلمك‪.‬‬ ‫‪()812‬‬
‫حله له‪.‬‬
‫استحللت‪ :‬سأله أن ي ُ ِ‬ ‫‪()813‬‬
‫ملللى‪ ،‬المسللللمون‬ ‫ع َ‬
‫جللللى لل َ‬
‫أنفلللى للشلللك‪ ،‬وأ ْ‬
‫عدول)‪ ،(814‬بعضهم على بعض إل مجلودا ً في ح ّ‬
‫د‪،‬‬
‫مجّربا ً عليه شهادة زور‪ ،‬أو ظنين لا ً فللي ولء أو‬ ‫أو ُ‬
‫)‪(815‬‬
‫سللرائر‪ ،‬ودرأ‬
‫نسب‪ ،‬فللإن الللله تللولى منكللم ال ّ‬
‫)‪(816‬‬
‫‪ ،‬والضللجر‬ ‫بالبينللات واليمللان‪ ،‬وإيللاك والغلللق‬
‫والتأذي للخصوم‪ ،‬والتنكللر عنللد الخصللومات فللإن‬
‫القضاء في مواطن الحق يعظللم الللله بلله الجللر‪،‬‬
‫ذخر‪ ،‬فمن صحت نيتلله وأقبللل علللى‬ ‫ويحسن به ال ّ‬
‫نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس‪ ،‬ومن تخّلللق‬
‫للناس بما يعلم الله أنه ليللس مللن نفسلله‪ :‬شللانه‬
‫الله فما ظنك بثواب الللله عللز وجللل فللي عاجللل‬
‫رزقه وخزائن رحمته‪ ،‬والسلللم)‪ ،(817‬وقللد جمعللت‬
‫هللذه الرسللالة العجيبللة آداب القاضللي‪ ،‬وأصللول‬
‫المحاكمة‪ ،‬وقد شغلت العلماء بشرحها والتعليللق‬
‫عليهللا هللذه القللرون الطويلللة ول تللزال موضللع‬
‫دهشة وإكبار لكل من يطلع عليها‪ ،‬ولللو لللم يكللن‬
‫لعمللر مللن الثللار غيرهللا‪ ،‬لعللد بهللا مللن كبللار‬
‫المفكرين والمشرعين ولو كتبها رئيس دولة في‬
‫هذه اليللام الللتي انتشللرت فيهللا قللوانين أصللول‬
‫المحاكمات‪ ،‬وصار البحث فيها مما يقلرؤه الولد‬
‫فللي المللدارس‪ ،‬لكللانت كللبيرة منلله‪ ،‬فكيللف وقللد‬
‫كتبها عمر منذ نحو أربعة عشر قرنًا‪ ،‬ولم ينقلهللا‬
‫من كتاب ول استمدها من أحد‪ ،‬بل جللاء بهللا فللي‬
‫ذهنه‪ ،‬ثمللرة واحللدة مللن آلف الثمللرات‪ ،‬للغرسللة‬
‫المباركة التي غرسها فلي قلبله محملد ‪ ،‬حيلن‬
‫عدول‪ :‬هو المستقيم في أمره‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫‪()814‬‬
‫درأ الشيء‪ :‬دفعه‪.‬‬ ‫‪()815‬‬
‫الغلق‪ :‬ضاق صدره وق ّ‬
‫ل صبره‪.‬‬ ‫‪()816‬‬
‫أعلم الموقعين لبن القيم )‪.(1/85‬‬ ‫‪()817‬‬
‫دخل عليه في دار الرقم‪ ،‬فقال أشهد أن ل إللله‬
‫إل اللللله‪ ،‬وأن محملللدا ً رسلللول اللللله)‪ ،(818‬وملللن‬
‫الرسائل المهمة في هذا البللاب رسللالة الفللاروق‬
‫إلى أبي عبيللدة رضللي الللله عنلله‪ :‬أمللا بعللد فللإني‬
‫كتبت إليك بكتللاب لللم آلللك ونفسللي خيللرًا‪ ،‬الللزم‬
‫خمللس خصللال يسلللم لللك دينللك‪ ،‬وتأخللذ بأفضللل‬
‫ظيللك‪ :‬إذا حضللر الخصللمان فعليللك بالبينللات‬ ‫ح ّ‬
‫العدول‪ ،‬واليمان القاطعة‪ ،‬ثم ادن الضعيف حتى‬
‫هد الغريب فللإنه‬ ‫تبسط لسانه‪ ،‬ويجترئ قلبه‪ ،‬وتع ّ‬
‫إذا طال حبسه ترك حللاجته وانصللرف إلللى أهللله‪،‬‬
‫ن الذي أبطل من لم يرفع بلله رأس لًا‪ .‬واحللرص‬ ‫وإ ّ‬
‫عللللى الصللللح ملللا للللم يسلللتبن للللك القضلللاء‪.‬‬
‫والسلم)‪ (819‬وكتب رضي الله عنه إلى معاوية بن‬
‫أبي سفيان رضي اللله عنهملا فلي القضلاء‪ :‬أملا‬
‫بعد‪ ،‬فإني كتبت إليك بكتاب في القضاء لللم آلللك‬
‫ونفسي فيه خيرًا‪ ،‬الزم خمس خصال يسلللم لللك‬
‫دينك‪ ،‬وتأخذ فيه بأفضللل حظللك‪ :‬إذا تقللدم إليللك‬
‫خصلللمان فعليلللك بالبينلللة العادللللة أو اليميلللن‬
‫دن الضلللعيف حلللتى يشلللتدّ قلبللله‬ ‫القاطعلللة‪ ،‬وأ ْ‬
‫وينبسللط لسللانه‪ ،‬وتعهللد الغريللب‪ ،‬فإنللك إن لللم‬
‫تتعهده ترك حقه‪ ،‬ورجللع إلللى أهللله‪ ،‬وإنمللا ضلليع‬
‫س بينهللم فللي لحظللك‬ ‫حقه من لم يرفللق بلله‪ ،‬وآ ِ‬
‫وطرفك‪ ،‬وعليك بالصلح بين الناس‪ ،‬مالم يستبن‬
‫لك فصل القضاء)‪ ،(820‬وكتب إلى القاضللي شللريح‬
‫عن الجتهاد‪ :‬إذا أتاك أمللر فللاقض فيلله بمللا فللي‬
‫كتللاب الللله فللإن أتللاك مللا ليللس فللي كتللاب الللله‬
‫‪ ()818‬أخبار عمر ص ‪. 174‬‬
‫‪ ()819‬مجموعة الوثائق السياسية ص ‪. 438‬‬
‫‪ ()820‬البيان والتبيين )‪.(2/150‬‬
‫ن فيلله رسللول الللله‪ ،‬فللإن أتللاك مللا‬
‫فاقض بما س ّ‬
‫ليس في كتاب الله ولم يس لّنه رسللول الللله ولللم‬
‫ي المرين شئت فخللذ بلله وفللي‬ ‫يتكلم فيه أحد فأ ّ‬
‫رواية أخرى‪ :‬فإن شئت أن تجتهللد رأيللك فتقللدم‪،‬‬
‫وإن شلئت أن تتللأخر فتلأخر‪ ،‬وملا أرى التللأخر إل‬
‫خيرا ً لللك)‪ ،(821‬ويمكللن للبللاحث مللن خلل رسللائل‬
‫الفاروق وحياته في زمن خلفته أن يستخرج مللا‬
‫يتعلق بالمؤسسة القضائية في الرزاق والعللزل‪،‬‬
‫وأنللواع القضللاة وصللفاتهم ومللا يجللب عليهللم‬
‫ومصادر أحكامهم وخضوع الخليفة نفسه للقضاء‬
‫وغيلللر ذللللك ملللن المسلللائل المتعلقلللة بهلللذه‬
‫المؤسسة‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تعيين القضاة ورزقهم واختصاصهم القضائي‪:‬‬

‫‪ -1‬تعيين القضاة‪:‬‬
‫يصدر تعيين القضللاة مللن الخليفللة رأس لا ً فقللد‬
‫عيللن عمللر بللن الخطللاب شللريحا ً بالكوفللة‪ ،‬أو‬
‫يكون التعيين من الوالي بتفويض من الخليفة‪،‬‬
‫كما عّين عمرو بن العللاص واللي مصلر عثملان‬
‫بن قيس بن أبي العاص قاضيا ً بها فحق تعيين‬
‫القاضي إلى الخليفللة‪ ،‬إن شللاء عينلله بنفسلله‪،‬‬
‫وضلله إلللى واليلله ولللم يكللن تعييللن‬
‫وإن شللاء ف ّ‬
‫القضاة مانعا ً مللن أن يتللولى الخليفللة القضللاء‬
‫بنفسه‪ ،‬لن القضاء مللن سلللطاته‪ ،‬وهللو الللذي‬
‫يتعهد بالقضللاء إلللى غيللره‪ ،‬فللالحق الول فللي‬
‫القضلللاء إليللله ول يكتسلللب القاضلللي الصلللفة‬
‫القضلللائية إل إذا عّينللله الخليفلللة بنفسللله‪ ،‬أو‬

‫‪ ()821‬جامع بيان العلم وفضله )‪.(2/70‬‬
‫بواسطة واليلله)‪ ،(822‬ويجللوز للخليفللة أن يعللزل‬
‫القاضي لسبب من السباب الداعية إلى ذلللك‪،‬‬
‫كما إذا زالت أهلية القاضي وصلحيته للحكللم‪،‬‬
‫أو ثبت عليه ما يخللل بللواجب القضللاء‪ ،‬وإن لللم‬
‫يجللد سللببا ً للعللزل فللالولى أن ل يعزللله‪ ،‬لن‬
‫القاضي معّين لمصلحة المسلللمين فيبقللى مللا‬
‫دامت المصلللحة محققللة)‪ ،(823‬وقللد عللزل عمللر‬
‫رضي الله عنه بعض القضاة وولى غيرهم)‪،(824‬‬
‫مثلما عزل أبي مريم الحنفي‪ ،‬فقللد وجللد فيلله‬
‫ضعفا ً فعزله‪.‬‬
‫‪ -2‬رزق القضاة‪:‬‬
‫كان عمر رضي الله عنه يوصي الللولة باختيللار‬
‫الصالحين للقضاء‪ ،‬وبإعطائهم المرتبللات الللتي‬
‫تكفيهم)‪ ،(825‬فقد كتب إلى أبي عبيللدة ومعللاذ‪:‬‬
‫انظللروا رجللال ً صللالحين فاسللتعملوهم علللى‬
‫القضللاء وارزقللوهم)‪ ،(826‬وقللد ذكللر الللدكتور‬
‫العمري مرتبات بعض القضللاة فللي عهللد عمللر‬
‫رضي الله عنه وهي كالتي‪ ،‬سلمان بن ربيعللة‬
‫الباهلي )الكوفة( ‪ 500‬درهم كل شهر‪ ،‬شللريح‬
‫القاضي‪ ،‬الكوفللة ‪ 100‬درهللم كللل شللهر‪ ،‬عبللد‬
‫الله بن مسعود الهللذلي )الكوفللة( ‪ 100‬درهللم‬
‫كللللل شللللهر وربللللع شللللاة كللللل يللللوم‪،‬‬
‫وعثمان بن قيس بن أبي العللاص )مصللر( ‪200‬‬
‫النظام القضائي‪ ،‬مناع القطان ص ‪. 72،73‬‬ ‫‪()822‬‬
‫مغني المحتاج )‪ ،(4/382‬النظام القضائي ص ‪. 77‬‬ ‫‪()823‬‬
‫النظام القضائي ص ‪. 77‬‬ ‫‪()824‬‬
‫عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 143‬‬ ‫‪()825‬‬
‫النظام القضائي ص ‪. 76‬‬ ‫‪()826‬‬
‫دينار‪ ،‬وقيس بن أبي العاص السللهمي )مصللر(‬
‫‪ 200‬دينار لضيافته)‪.(827‬‬
‫‪ -3‬الختصاص القضائي‪:‬‬
‫كللان القاضللي فللي عصللر الخلفللة الراشللدة‬
‫يقضي في الخصومات كلهللا‪ ،‬أي ّللا كللان نوعهللا‪،‬‬
‫في المعارضات المالية‪ ،‬وفي شؤون السللرة‪،‬‬
‫وفي الحدود والقصاص‪ ،‬وسائر مللا يكللون فيلله‬
‫الشجار‪ ،‬وليس هناك ما يشللير إلللى مللا يعللرف‬
‫اليوم بالختصاص القضائي سوى ما جللاء فللي‬
‫تولية السائب بن يزيد بن أخت النمر من قللول‬
‫عمللر بللن الخطللاب للله‪ُ :‬ردّ عنللي النللاس فللي‬
‫اللللدرهم واللللدرهمين)‪ ،(828‬ويجلللوز أن يعهلللد‬
‫الخليفلة إللى القاضلي أن يقضلي فلي قضللية‬
‫بعينها وينتهي اختصاصلله بللالنظر فيهللا‪ ،‬وكللان‬
‫القضاة يقضون في الحقوق المدنية والحوال‬
‫الشخصية‪ ،‬أما القصاص والحدود فكللان الحكللم‬
‫فيهللا للخلفللاء‪ ،‬وأمللراء المصللار‪ ،‬فل بللد مللن‬
‫موافقتهم على الحكم‪ ،‬ثم انحصرت الموافقللة‬
‫على تنفيذ حد القتللل بالخليفللة وحللده‪ ،‬وبقللي‬
‫للللولة حللق المصللادقة علللى أحكللام القصللاص‬
‫دون القتل‪ ،‬ولم يكن للقضللاء مكللان مخصللص‪،‬‬
‫بللل يقضللي القاضللي فللي الللبيت والمسللجد‪،‬‬
‫والشائع جلوسهم في المسلجد)‪ ،(829‬ولللم تكللن‬
‫القضية تسجل لقلتها وسهولة حفظها‪ ،‬وكان‬
‫بإمكلللان القاضلللي حبلللس المتهلللم للتلللأنيب‬

‫‪ ()827‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 159‬‬
‫‪ ()828‬النظام القضائي ص ‪ ، 74‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 144‬‬
‫‪ ()829‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪. 145‬‬
‫واسللتيفاء الحقللوق‪ ،‬وقللد فعللل ذلللك عمللر‬
‫وعثمان وعلي‪ ،‬فكانت الدولة تهيللء السللجون‬
‫في مراكز المدن‪ ،‬وكان القصللاص ينفللذ خللارج‬
‫المساجد)‪.(830‬‬

‫‪ ()830‬نفس المصدر ص ‪. 145‬‬
‫ثالثًا‪ :‬صفات القاضي وما يجب عليه‪:‬‬
‫‪ -‬صفات القاضي‪ :‬من خلل سلليرة عمللر رضللي‬
‫الله عنه استنبط العلماء أهم صللفات القاضللي‬
‫المراد تعيينه‪:‬‬
‫‪ -1‬العلللم بالحكللام الشللرعية‪ :‬لنلله سلليطبقها‬
‫على الحوادث‪ ،‬ويستحيل عليه تطبيقها مللع‬
‫الجهل بها‪.‬‬
‫‪ -2‬التقوى‪ :‬فقد كتب عمر إلى معاذ بللن جبللل‬
‫وأبي عبيدة بن الجراح أن انظرا رجال ً مللن‬
‫صللالحي مللن قبلكللم فاسللتعملوهم علللى‬
‫القضاء)‪.(831‬‬
‫‪ -3‬الترفع عما في أيدي الناس‪ :‬فقد قال عمر‬
‫رضي الله عنه‪ :‬ل يقيم أمللر الللله إل مللن ل‬
‫يصللللللانع‪ ،‬ول يضللللللارع)‪ ،(832‬ول يتبللللللع‬
‫المطامع)‪.(833‬‬
‫‪ -4‬الفطنة والذكاء‪ :‬ويشترط في القاضللي أن‬
‫يكونا ً فطنا ً ذكيا ً ينتبلله إلللى دقللائق المللور‪،‬‬
‫فعن الشعبي أن كعب بن سوار كان جالسا ً‬
‫عنللد عمللر فجللاءته امللرأة فقللالت‪ :‬يللا أميللر‬
‫المللؤمنين مللا رأيللت رجل ً قللط أفضللل مللن‬
‫زوجي‪ ،‬والله إنه ليبيت ليللله قائملًا‪ ،‬ويظللل‬
‫نهللاره صللائما ً فللي اليللوم الحللر مللا يفطللر‪،‬‬
‫فاسللتغفر لهللا وأثنللى عليهللا وقللال‪ :‬مثل ُللك‬
‫أثنلللى بلللالخير‪ ،‬قلللال‪ :‬فاسلللتحيت الملللرأة‬
‫فقللامت راجعللة‪ ،‬فقللال كعللب‪ :‬يللا أميللر‬
‫المؤمنين هل أعديت المللرأة علللى زوجهللا‪.‬‬
‫‪ ()831‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪ ، 723‬المغني )‪.(9/37‬‬
‫‪ ()832‬يضارع‪ :‬يرائي‪.‬‬
‫‪ ()833‬نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي )‪.(2/102‬‬
‫كت؟ قال‪ :‬شللكت زوجهللا أشللد‬ ‫قال‪ :‬وما ش َ‬
‫و ذاك أرادت؟ قلال‪ :‬نعلم‪،‬‬ ‫َ‬
‫الشلكاية‪ ،‬قلال‪ :‬أ َ‬
‫ي المللرأة فقللال‪ :‬ل بللأس‬ ‫دوا عللل ّ‬ ‫قللال‪ :‬ر ّ‬
‫بالحق أن تقوليه‪ ،‬إن هذا زعم أنك تشللكين‬
‫ب فراشك‪ ،‬قالت‪ :‬أجل‪ ،‬إنللي‬ ‫جن َ ُ‬‫زوجك إنه ي َ ْ‬
‫امرأة شابة وإني لبتغي مللا تبغللي النسللاء‪،‬‬
‫فأرسللل إلللى زوجهللا فجللاء‪ ،‬فقللال لكعللب‪:‬‬
‫اقض بينهما‪ ،‬قال‪ :‬أمير المللؤمنين أحللق أن‬
‫يقضي بينهما‪ ،‬قال‪ :‬عزمت عليللك لتقضللين‬
‫بينهمللا فإنللك فهمللت مللن أمرهمللا مللا لللم‬
‫أفهمه‪ ،‬قللال‪ :‬إنللي أرى كأنهللا عليهللا ثلثللة‬
‫نسوة هي رابعتهم فأقضي للله بثلثللة أيللام‬
‫بلياليهن يتعبد فيهن‪ ،‬ولها يوم وليلة فقال‬
‫ي مللن‬ ‫عمر‪ :‬والله ما رأيك الول أعجللب إل ل ّ‬
‫)‪(834‬‬
‫‪.‬‬ ‫الخر‪ ،‬إذهب فأنت قاض على البصرة‬
‫‪ -5‬الشللدة فللي غيللر عنللف والليللن مللن غيللر‬
‫ضللعف‪ :‬قللال عمللر‪ :‬ل ينبغللي أن يلللي هللذا‬
‫المر إل رجل فيه أربع خصللال‪ :‬الليللن فللي‬
‫غيلللر ضلللعف‪ ،‬والشلللدة فلللي غيلللر عنلللف‪،‬‬
‫والمساك فللي غيللر بخللل‪ ،‬والسللماحة فللي‬
‫غير سرف)‪ ،(835‬وقال‪ :‬ل يقيم أمللر الللله إل‬
‫ص غْرُبه‪ ،‬ول‬ ‫رجل يتكلم بلسانه كلمة ل ُينق ُ‬
‫يطمع في الحق على حدته)‪.(836‬‬
‫‪ -6‬قوة الشخصية‪ :‬قال عمر‪ :‬لعزلن أبا مريللم‬
‫قلله‪ ،‬فعزللله‬ ‫وأولين رجل ً إذا رآه الفللاجر ف ِ‬
‫ر َ‬

‫‪ ()834‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪. 723‬‬
‫‪ ()835‬نفس المصدر ص ‪. 724‬‬
‫‪ ()836‬نفس المصدر ص ‪. 724‬‬
‫عللن قضللاء البصللرة وول ّللى كعللب بللن سللور‬
‫مكانه)‪.(837‬‬
‫‪ -7‬أن يكون ذا مللال وحسللب‪ :‬فقللد كتللب عمللر‬
‫إلللى بعللض عمللاله ل تستقضللين إل ذا مللال‬
‫وذا حسللب؛ فللإن ذا المللال ل يرغللب فللي‬
‫أمللوال النللاس‪ ،‬وإن ذا الحسللب ل يخشللى‬
‫العواقب بين الناس)‪.(838‬‬
‫‪ -‬ما يجب على القاضي‪:‬‬
‫هناك أمور بينهللا الفللاروق لبللد للقاضللي مللن‬
‫مراعاتها لقامة صرح العدالة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬الخلص لله في العمل‪ :‬فقد كتب عمللر إلللى‬
‫أبي موسى الشعري‪ :‬إن القضاء في مللواطن‬
‫الحق يوجب الله له الجر ويحسللن بلله الللذخر‪،‬‬
‫فمن خلصللت نيتلله فللي الحللق ولللو كللان علللى‬
‫نفسه كفاه الله مللا بينلله وبيللن النللاس‪ ،‬ومللن‬
‫تزين بما ليس في قلبه شانه الللله‪ ،‬فللإن الللله‬
‫تبارك وتعالى ل يقبل من العباد إل ما كان للله‬
‫خالصا ً وما ظنك بثللواب غيللر الللله فللي عاجللل‬
‫رزقه وخزائن رحمته)‪.(839‬‬
‫‪ -2‬فهم القضية فهما ً دقيق لًا‪ :‬ودراسللتها دراسللة‬
‫واعية قبل النطق بالحكم ول يجوز للله النطللق‬
‫بالحكم قبل أن يتللبين للله الحللق‪ ،‬فكتللب عمللر‬
‫إلللى أبللي موسللى الشللعري‪ :‬افهللم إذا أدلللى‬
‫ض‬
‫إليك‪ ،‬وقال أبو موسى مللرة‪ :‬ل ينبغللي لقللا ٍ‬
‫أن يقضي حتى يتبين له الحللق كمللا يتللبين للله‬

‫‪ ()837‬نفس المصدر ص ‪. 724‬‬
‫‪ ()838‬نفس المصدر ص ‪. 724‬‬
‫‪ ()839‬أعلم الموقعين لبن القيم )‪.(1/85‬‬
‫الليلل والنهللار‪ ،‬فبللغ ذللك عمللر بللن الخطللاب‬
‫فقلللللللللللللللللللللللال‪ :‬صلللللللللللللللللللللللدق‬
‫أبو موسى)‪.(840‬‬
‫‪ -3‬الحكلللم بالشلللريعة السللللمية‪ :‬سلللواء كلللان‬
‫خصوم من المسلمين أم من غير المسلمين‪،‬‬ ‫ال ُ‬
‫فعن زيد بن أسلم أن يهودية جاءت إلللى عمللر‬
‫بن الخطاب فقللالت‪ :‬إن ابنللي هلللك‪ ،‬فزعمللت‬
‫اليهود أنه ل حق لي في ميراثه فدعاهم‪ ،‬عمر‬
‫فقال‪ :‬أل تعطون هذه حقهللا‪ ،‬فقللالوا‪ :‬ل نجللد‬
‫لها حقا ً في كتابنا‪ ،‬فقال‪ :‬أفي التوراة؟ قالوا‬
‫بل في المشناة‪ ،‬قللال‪ :‬ومللا المشللناة؟ قللالوا‪:‬‬
‫كتاب كتبه أقوام علماء وحكماء‪ ،‬فسبهم عمللر‬
‫وقال‪ :‬اذهبوا فأعطوها حقها)‪.(841‬‬
‫‪ -4‬الستشارة فيما أشكل عليه من المللور‪ :‬فقللد‬
‫كتب عمر إلى أحد القضاة‪ :‬واستشر في دينك‬
‫الذين يخشون الله عللز وجللل)‪ ،(842‬وكتللب إلللى‬
‫شريح‪ :‬وإن شئت أن تآمرني ول أرى مآمرتللك‬
‫إيللاي إل أسللللم للللك)‪ ،(843‬وكللان عملللر كلللثير‬
‫الستشارة حتى قال الشللعبي‪ :‬مللن سللره أن‬
‫يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضللاء عمللر‬
‫فإنه كان يستشير)‪.(844‬‬
‫‪ -5‬المساواة بيللن المتخاصللمين‪ :‬وقللد كتللب عمللر‬
‫و بين الناس في‬ ‫إلى أبي موسى الشعري‪ :‬س ّ‬
‫وجهك ومجلسك وعدلك‪ ،‬حتى ل يطمع شريف‬

‫موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪.725‬‬ ‫‪()840‬‬
‫نفس المصدر ص ‪.725‬‬ ‫‪()841‬‬
‫نفس المصدر ص ‪ ،725‬سنن البيهقي )‪.(10/112‬‬ ‫‪()842‬‬
‫نفس المصدر ص ‪ ،725‬سنن البيهقي )‪.(10/110‬‬ ‫‪()843‬‬
‫نفس المصدر ص ‪ ،725‬سنن البيهقي )‪.(10/109‬‬ ‫‪()844‬‬
‫في حيفك‪ ،‬ول ييأس ضعيف من عدلك‪ ،‬وكتب‬
‫أيضا ً اجعلللوا النللاس عنللدكم فللي الحللق سللواء‬
‫قريبهم كبعيدهم‪ ،‬وبعيدهم كقريبهم‪ ،‬وعنللدما‬
‫ي بللن كعللب علللى عمللر دعللوى ‪-‬فللي‬ ‫دعى أبل ّ‬ ‫ا ّ‬
‫حائط‪ -‬فلم يعرفها عمر فجعل بينهما زيدا ً بللن‬
‫ثابت فأتياه في منزله فلما دخل عليه قال للله‬
‫عمر‪ :‬جئناك لتقضللي بيننللا ‪-‬وفللي بيتلله ي ُللؤتى‬
‫حك َللم‪ -‬قللال‪ :‬فتنحللى للله عللن صللدر فراشلله‬ ‫ال َ‬
‫‪-‬وفي روايللة فللأخرج للله زيللد وسللادة فألقاهللا‬
‫إليللللللللللللله‪ -‬وقلللللللللللللال‪ :‬هاهنلللللللللللللا‬
‫ت يا زيد في‬ ‫جْر َ‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬فقال عمر‪ُ :‬‬
‫صللمي‪،‬‬ ‫أول قضللائك‪ ،‬ولكللن أجلسللني مللع خ ْ‬
‫فجلسا بين يديه)‪.(845‬‬
‫‪ -6‬تشللجيع الضللعيف‪ :‬حللتى يللذهب عنلله الخللوف‬
‫ويجللترئ علللى الكلم‪ ،‬فقللد كتللب عمللر إلللى‬
‫ن الضلللعيف حلللتى يجلللترئ قلبللله‬ ‫معاويلللة‪ :‬أد ِ‬
‫)‪(846‬‬
‫‪.‬‬ ‫وينبسط لسانه‬
‫‪ -7‬سللرعة البللت فللي دعللوى الغريللب أو تعهللده‬
‫بالرعايللة والنفقللة‪ :‬وقللد كتللب عمللر إلللى‬
‫أبي عبيدة‪ :‬تعاهد الغريب فإنه إن طال حبسلله‬
‫‪-‬أي طالت إقامته وبعللده عللن أهللله مللن أجللل‬
‫هذه اللدعوى‪ -‬تلرك حقله وانطللق إللى أهلله‪،‬‬
‫قه من لم يرفع به رأسا ً)‪.(847‬‬ ‫وإنما أبطل ح ّ‬
‫‪ -8‬سعة الصدر‪ :‬فقد كتب عمر إلى أبللي موسللى‪:‬‬
‫إيللاك والضللجر‪ ،‬والغضللب والقلللق والتللأذي‬

‫‪ ()845‬صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق ص ‪.259‬‬
‫‪ ()846‬مجموعة الوثائق السياسية ص ‪.438‬‬

‫‪ ()847‬نفس المصدر ص ‪.438‬‬
‫بالناس عند الخصومة‪ ،‬فإذا رأى القاضللي مللن‬
‫نفسلله شلليئا ً مللن هللذا‪ ،‬فل يجللوز للله النطللق‬
‫بالحكم حتى يذهب عنه ذلك‪ ،‬لئل يكون الللدافع‬
‫إلى الحكم حالة نفسية معينة‪ ،‬فقد كتب عمللر‬
‫إلللى أبللي موسللى الشللعري‪ :‬ول تحكللم وأنللت‬
‫)‪(848‬‬
‫ي عمللر‬ ‫وعن شريح قال‪ :‬شرط عل ّ‬ ‫غضبان‬
‫حيلللن ولنلللي القضلللاء أن ل أقضلللي وأنلللا‬
‫غضللبان)‪ ،(849‬وممللا يللؤدي إلللى ضلليق الصللدر‬
‫ويدفع أحيانا ً إلى الستعجال المخل في البللت‬
‫في بعض القضايا الجوع والعطش ونحو ذلللك‪،‬‬
‫ولذلك قال عمللر‪ :‬ل يقضللي القاضللي إل وهللو‬
‫شبعان رّيان)‪.(850‬‬
‫‪ -9‬تجنب كل ما من شأنه التللأثير علللى القاضللي‪:‬‬
‫كالرشللوة‪ ،‬وتسللاهل التجللار معلله فللي الللبيع‬
‫والشراء والهدايا ونحو ذلك‪ ،‬ولذلك منللع عمللر‬
‫القضلللاة ملللن العملللل بالتجلللارة‪ ،‬والصلللفق‬
‫بالسواق‪ ،‬وقبللول الهللدايا والرشللاوي‪ ،‬فكتللب‬
‫إللللللللى أبلللللللي موسلللللللى الشلللللللعري‪:‬‬
‫ل تبيعن ول تبتاعن ول تضاربن ول ترتش في‬
‫الحكم‪ ،‬وقلال شلريح‪ :‬شلرط عللي عملر حيلن‬
‫لني القضاء أن ل أبيللع ول أبتللاع ول أرشللي‬ ‫و ّ‬
‫)‪(851‬‬
‫‪.‬‬ ‫وقال عمر‪ :‬إياكم والرشا‪ ،‬والحكم بالهوى‬
‫‪ -10‬الخللذ بالدلللة الظللاهرة‪ :‬دون البحللث عللن‬
‫النوايا‪ ،‬فقد خطللب عمللر بالنللاس فكللان ممللا‬
‫‪ ()848‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪.726‬‬
‫‪ ()849‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪ ،726‬المغني )‪.(9/79‬‬
‫‪ ()850‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪ ،726‬سنن البيهقي )‬
‫‪.(10/106‬‬
‫‪ ()851‬نفس المصدر ص ‪.727‬‬
‫قللال‪ :‬إنللا كنللا نعرفكللم ورسللول الللله فينللا‪،‬‬
‫والوحي ينزل وينبئنللا بأخبللاركم‪ ،‬وأمللا اليللوم‬
‫فإننا نعرفكم بأقوالكم‪ ،‬فمن أعلن لنللا خيللرا ً‬
‫ظننا به خيرا ً وأحببنللاه عليلله ومللن أعلللن لنللا‬
‫شرا ً ظننا به شرا ً وأبغضناه عليلله وسللرائركم‬
‫فيما بينكم وبين الله)‪.(852‬‬
‫‪ -11‬الحرص على الصلح بيللن المتخاصللمين‪ :‬قللال‬
‫دوا الخصللوم حللتى يصللطلحوا‪ ،‬فللإن‬ ‫عمللر‪ :‬ر ّ‬
‫فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس‪ ،‬فإن‬
‫عللادوا بصلللح يتفللق مللع شللرع الللله أمضللاه‬
‫القاضي وإن كان صلحهم ل يتفق مع أحكللام‬
‫الشريعة نقضه القاضللي‪ :‬قللال عمللر‪ :‬الصلللح‬
‫جائز بين المسلمين إل صلللحا ً أحللل حراملا ً أو‬
‫حللّرم حلل ً)‪ ،(853‬وعلللى القاضللي أن يحللرص‬
‫على الصلح خاصللة بيللن المتخاصللمين إذا لللم‬
‫يتبين له الحق‪ ،‬فقد كتب عمللر إلللى معاويللة‪:‬‬
‫احرص على الصلح بين الناس ملا للم يسلتبن‬
‫لك القضاء‪ ،‬أو كانت بينهم قرابة‪ ،‬فإن فصللل‬
‫القضاء يورث الشنآن)‪.(854‬‬
‫‪ -12‬العودة إلللى الحللق‪ :‬إذا أصللدر القاضللي حكملا ً‬
‫في قضية من القضايا ثم تغيلر اجتهلاده فلي‬
‫الحكم فيها‪ ،‬فل يجوز للله أن يجعللل للجتهللاد‬
‫الجديد أثرا ً رجعي لًا‪ ،‬فينقللض بلله الحكللم الللذي‬
‫ض‬ ‫أصدره قبل تغير اجتهاده‪ ،‬كما ل يجوز لقللا ٍ‬
‫بعده أن ينقض الحكم الصادر‪ ،‬فعن سالم بللن‬
‫‪ ()852‬البخاري رقم ‪ ،2641‬سنن البيهقي )‪.(150 ،125 /10‬‬
‫‪ ()853‬تاريخ المدينة )‪ (769 /2‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص‬
‫‪.727‬‬
‫‪ ()854‬أعلم الموقعين )‪.(108 /1‬‬
‫أبي الجعد قال‪ :‬لو كان علي طاعنا ً على عمر‬
‫يوما ً مللن الللدهر لطعللن عليله يلوم أتلاه أهلل‬
‫نجللران‪ ،‬وكللان علللي كتللب الكتللاب بيللن أهللل‬
‫نجران وبين النبي ‪ ،‬فكثروا على عهد عمللر‬
‫حللتى خللافهم علللى النللاس‪ ،‬فوقللع بينهللم‬
‫الختلف‪ ،‬فللللأتوا عمللللر فسللللألوه البللللدل‪،‬‬
‫فأبدلهم‪ ،‬ثم ندموا‪ ،‬ووقع بينهم شيء فللأتوه‬
‫ي‬
‫فاستقالوه‪ ،‬فأبى أن يقيلهم‪ ،‬فلما ولي عل ّ‬
‫أتللوه فقللالوا‪ :‬يللا أميللر المللؤمنين شللفاعتك‬
‫بلسانك وخطك بيمينك‪ ،‬فقال علللي‪ :‬ويحكللم‬
‫إن عمر كان رشيد المر)‪ ،(855‬فعمر رضي الله‬
‫عنه رفلض نقلض القضلاء الول اللذي قضلاه‬
‫فيهم‪ ،‬ورفض علللي – مللن بعللد عمللر – نقللض‬
‫القضاء الذي قضاه عمر فيهم)‪ ،(856‬وقد حدث‬
‫كثير من التغير في اجتهللاد عمللر فللي قضللايا‬
‫كللثيرة‪ ،‬منهللا الحكللم فللي الجللد مللع الخللوة‪،‬‬
‫وإشتراك الخوة لب وأم مع الخوة لم فللي‬
‫الثلللث عنللدما لللم يبللق للخللوة لب وأم مللن‬
‫الميراث شيء‪ ،‬ولم ينقل أنه عاد إلى قضللائه‬
‫الول فنقضه‪ ،‬ولكنه يعمللل باجتهللاده الجديللد‬
‫فللي القضللايا المسللتقبلة‪ ،‬ول يمنعلله حكملله‬
‫القديم من اتباع الحق إذا لح للله‪ ،‬فقللد كتللب‬
‫عمر إلى أبللي موسللى الشللعري‪ :‬ول يمنعللك‬
‫قضاء قضلليت بلله اليللوم فراجعللت فيلله رأيللك‬
‫وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق‪ ،‬فإن‬
‫الحق قديم‪ ،‬ول يبطله شيء‪ ،‬ومراجعة الحللق‬

‫‪ ()855‬سنن البيهقي )‪ (120 /10‬موسوعة فقه عمر ص ‪.728‬‬
‫‪ ()856‬موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ‪.728‬‬
‫خير من التمادي في الباطل)‪ ،(857‬وبنللاء علللى‬
‫ذلك فقد قضى عمر بللن الخطللاب فللي الجللد‬
‫بقضايا مختلفللة‪ ،‬وقضللى فللي امللرأة تللوفيت‬
‫وتركت زوجها وأمها وأخويها لبيها وأخويهللا‬
‫لمها‪ ،‬فأشللرك عمللر بيللن الخللوة للم والب‬
‫والخوة لم في الثلث فقال له رجل‪ :‬إنك لم‬
‫تشرك بينهم عام كذا وكللذا‪ .‬قللال عمللر‪ :‬تلللك‬
‫على ما قضينا يللومئذ وهللذه علللى مللا قضللينا‬
‫اليوم)‪.(858‬‬
‫‪ -13‬تقرير البراءة للمتهم حتى تثبت إدانته‪ :‬فعللن‬
‫عبد الله بن عللامر قللال‪ :‬انطلقللت فللي ركللب‬
‫سللرقت عيبللة لللي‪،‬‬ ‫حللتى إذا جئنللا ذا المللروة ُ‬
‫ومعنا رجل منهم‪ ،‬فقال له أصحابي‪ :‬يللا فلن‬
‫اردد عليه عيبته‪ ،‬فقال‪ :‬مللا أخللذتها‪ ،‬فرجعللت‬
‫إلللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللى‬
‫عمر بن الخطاب فأخبرته‪ .‬فقال‪ :‬مللن أنتللم؟‬
‫فعلللللددتهم‪ ،‬فقلللللال‪ :‬أظنللللله صلللللاحبها‬
‫– للللذي اّتهللم – فقلللت‪ :‬لقللد أردت يللا أميللر‬
‫المؤمنين أتي به مصفودًا‪ ،‬قللال عمللر‪ :‬أتللأتي‬
‫به مصفودا ً بغير بينة)‪.(859‬‬
‫‪ -14‬ل اجتهللاد فللي مللورد النللص‪ :‬قللال عمللر‪ :‬ثللم‬
‫الفهم الفهم فيما أدلي إليك ممللا ورد عليللك‬
‫ممللا ليللس فللي قللرآن ول سللنة‪ ،‬ثللم قللايس‬
‫المور)‪ ،(860‬هذا أهم ما يجب على القاضي أن‬
‫يلتزم به‪.‬‬
‫أعلم الوقعين )‪.(85 /1‬‬ ‫‪()857‬‬
‫أعلم الموقعين )‪ (111 /1‬موسوعة فقه عمر ص ‪.729‬‬ ‫‪()858‬‬
‫موسوعة فقه عمر ص ‪ ،729‬المحلى )‪.(132 /11‬‬ ‫‪()859‬‬
‫أعلم الموقعين )‪ ،(85 /1‬مجلة البحوث العلمية )‪.(287 /7‬‬ ‫‪()860‬‬
‫‪ -15‬إخضاع القضاة أنفسهم لحكام القضاة‪:‬‬
‫‪ -16‬كللان عمللر رضللي الللله عنلله أول مللن يخضللع‬
‫للقضاة وهو في ذروة الخلفة خضوعا ً يزينلله‬
‫الرضللى القلللبي بللالحكم‪ ،‬ويتللوجه بالعجللاب‬
‫الواضح إذا مللا أصللاب‪ ،‬والثنللاء الصللادق علللى‬
‫القاضي حتى ولو صدر الحكم ضده)‪ ،(861‬وهذا‬
‫مثال على ذلك‪ ،‬فقد ساوم عمر أعرابيا ً علللى‬
‫فرس‪ ،‬فركبه ليجربه‪ ،‬فعطب الفرس‪ ،‬فقللال‬
‫عمر‪ :‬خذ فرسك‪ .‬قال الرجل‪ :‬ل‪ .‬قللال عمللر‪:‬‬
‫فاجعللل بينللي وبينللك حكمللًا‪ ،‬قللال الرجللل‪:‬‬
‫شريح‪ .‬فتحاكما إليه‪ ،‬فلما سمع قال‪ :‬يا أميللر‬
‫المؤمنين خذ ما اشللتريت‪ ،‬أو رد كمللا أخللذت‪.‬‬
‫فقال عمر‪ :‬وهل القضاء إل هكذا؟ فبعثه إلى‬
‫الكوفة قاضيا ً)‪.(862‬‬
‫رابعًا‪ :‬مصادر الحكام القضائية‪:‬‬
‫اعتمد القضاة فللي العهللد الراشللدي علللى نفللس‬
‫المصادر التي اعتمدها رسللول الللله ‪ ‬وقضللاته‪،‬‬
‫وهي الكتاب والسنة والجتهللاد ولكللن ظهلر فلي‬
‫العهد الراشدي أمران‪:‬‬
‫‪ -‬تطور معنى الجتهللاد والعمللل بلله‪ ،‬ومللا نتللج‬
‫عنه من مقللدمات ووسللائل وغايللات‪ ،‬فظهللرت‬
‫المشلللاورة والشلللورى‪ ،‬والجملللاع‪ ،‬واللللرأي‬
‫والقياس‪.‬‬
‫‪ -‬ظهللور مصللادر جديللدة لللم تكللن فللي العهللد‬
‫النبوي‪ ،‬وهي السوابق القضائية الللتي صللدرت‬
‫عن الصحابة من عهد خليفة إلللى خليفللة آخللر‪،‬‬
‫‪ ()861‬شهيد المحراب ص ‪.211‬‬
‫‪ ()862‬عصر الخلفة الراشدة ص ‪ ،147‬شهيد المحراب ص ‪.211‬‬
‫فصارت مصللادر القضللاء فللي العهللد الراشللدي‬
‫هللي؛ الكتللاب‪ ،‬والسللنة‪ ،‬والجتهللاد والجمللاع‪،‬‬
‫والقياس‪ ،‬والسوابق القضائية ويظلل ذلك كله‬
‫الشورى والمشللاورة فللي المسللائل والقضللايا‬
‫والحكام وقد وردت نصللوص كللثيرة‪ ،‬وروايللات‬
‫عديدة تؤكد هللذه المصللادر السللابقة ونقتطللف‬
‫جانبا ً منها)‪:(863‬‬
‫‪ -1‬قال الشعبي عن شريح‪ :‬قال لي عمر‪ :‬اقللض‬
‫بما استبان لك من كتاب الللله‪ ،‬فللإن لللم تعلللم‬
‫كل كتللاب الللله‪ ،‬فللاقض بمللا اسللتبان لللك مللن‬
‫قضاء رسول الله ‪ ،‬فإن لم تعلم كل أقضللية‬
‫رسول الله فاقض بمللا اسللتبان لللك مللن أئمللة‬
‫المهتدين‪ ،‬فإن لم تعلم كل ما قضى بلله أئمللة‬
‫المهتدين‪ ،‬فاجتهد رأيك‪ ،‬واستشر أهللل العلللم‬
‫والصلح)‪.(864‬‬
‫‪ -2‬وعن ابن شهاب الزهري أن عمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنه قال‪ ،‬وهو على المنبر‪ ،‬يللا أيهللا‬
‫ن الرأي إنما كان من رسللول الللله ‪‬‬ ‫الناس‪ ،‬إ ّ‬
‫مصيبًا‪ ،‬أن الله كان ُيريه‪ ،‬وإنما هو منللا الظللن‬
‫والتكلللف)‪ ،(865‬وروي عنلله أنلله قللال‪ :‬هللذا رأي‬
‫عمر فإن يكن صوابا ً فمن الله‪ ،‬وإن يكن خطللأ‬
‫فمن عمر)‪.(866‬‬
‫‪ ()863‬تاريخ القضاء في السلم‪ ،‬د‪ .‬محمد الزحيلي ص ‪.118‬‬
‫‪ ()864‬أعلم الموقعين )‪ ،(1/224‬تاريخ القضاء في السلم ص‬
‫‪. 119‬‬
‫‪ ()865‬تاريخ القضاء في السلم ص ‪ ، 120‬إعلم الموقعين )‬
‫‪.(1/57‬‬
‫‪ ()866‬أعلم الموقعين )‪ ، (1/58‬تاريخ القضاء في السلم ص ‪120‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ -3‬قال ابن القيم‪ :‬فلما استخلف عمر قال‪ :‬إنللي‬
‫لسللللتحي مللللن الللللله أن أردّ شلللليئا ً قللللاله‬
‫أبو بكر)‪ ،(867‬وأكد ذلك عمر أيضا ً في كتاب آخلر‬
‫إلى شريح قال فيه‪ :‬أن اقللض بمللا فللي كتللاب‬
‫الله‪ ،‬فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول‬
‫الله‪ ،‬فإن لم يكن في سنة رسول الله فللاقض‬
‫بما قضى به الصا