You are on page 1of 700

‫تاريخ الخلفاء الراشدين )‪(4‬‬

‫سيرة أمير المؤمنين‬
‫علي بن أبي طالب ‪‬‬
‫شخصيته وعصره‬
‫دراسة شاملة‬

‫تأليف‬
‫علي محمد محمد الصلبي‬
‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫الطبعة الولى للناشر‬
‫‪1426‬هـ ‪2005 -‬م‬

‫رقم اليداع‪9849/2005 :‬‬
‫الترقيم الدولي‪I.S.B.N :‬‬
‫‪1- 61 – 6119 -977‬‬

‫مركز السلم‬
‫للتجهيز الفنى‬
‫عبد الحميد عمر‬
‫‪010696‬‬
‫‪2647‬‬

‫مؤسسة اقرأ‬
‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة – بجوار حديقة الفسطاط‬
‫القاهرة ت‪ 5326610 :‬محمول‪5224207/010 :‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪3‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الهداء‬
‫إلى كل مسلم‬
‫حريص على إعزاز‬
‫دين الله تعالى أهدى‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬سائل ً‬
‫المولى عز وجل‬
‫بأسمائه الحسنى‪،‬‬
‫وصفاته العلى‪ ،‬أن‬
‫صا لوجهه‬ ‫يكون خال ً‬
‫الكريم‪ .‬قال تعالى‬
‫جو‬ ‫ن ي َْر ُ‬ ‫كا َ‬ ‫من َ‬ ‫َ‬ ‫‪َ +‬‬
‫ف‬
‫ل‬‫م ْ‬ ‫فل ْي َ ْ‬
‫ع َ‬ ‫ه َ‬ ‫قاءَ َرب ّ ِ‬ ‫لِ َ‬
‫ول َ‬ ‫حا َ‬ ‫صال ِ ً‬ ‫مل ً ْ َ‬ ‫ع َ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫ة َرب ّ ِ‬ ‫عَبادَ ِ‬ ‫رك ب ِ ِ‬ ‫ش ِ‬ ‫ي َُ ْ‬
‫دا" ]الكهف‪.[110:‬‬ ‫ح ً‬ ‫أ َ‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪4‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫المقدمة‬
‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل‬
‫إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن‬ ‫محمهادى له‪ ،‬وأشهد أن ل َ‬ ‫فل‬
‫ق‬
‫ح ّ‬ ‫ه َ‬ ‫قوا الل َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫دا عبده ورسوله ‪َ+‬يا َ أي ّ َ‬ ‫ً‬
‫ن" ]آل عمران‪َ+ .[102 :‬يا‬ ‫مو َ‬
‫ُ‬
‫سل ِ َ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫تم ّ‬ ‫ّ‬
‫وأن ْ ُ‬ ‫ن إ ِل ّ ُ َ‬ ‫موت ُ ّ‬ ‫ول َ ت َ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫قات ِ ِ‬ ‫ت َُ َ‬
‫ة‬
‫حد َ ٍ‬ ‫وا ِ‬ ‫ٍ َ‬ ‫س‬ ‫ف‬‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫كم‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬‫َ ّ ُ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫قوا‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫س‬
‫ُ‬ ‫نا‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ها‬ ‫أي ّ َ‬
‫قوا‬ ‫وات ّ ُ‬ ‫ً‬ ‫ء‬ ‫سا‬
‫ً َ َ ََ ُ َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫را‬ ‫ثي‬‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫جا‬ ‫َ‬ ‫ر‬
‫ُ َ ِ‬ ‫ما‬ ‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ث‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫و‬
‫ْ ُ َ َ‬‫ها‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫ز‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫م‬‫ِ‬ ‫ق‬‫و َ َ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫خ‬ ‫َ‬
‫قيًبا"‬ ‫م َر ِ‬ ‫ع ُلي ْك ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ه كا َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫حا َ‬ ‫والْر َ‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫لو‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫الل‬
‫َ‬
‫ول ً‬ ‫ق ْ‬ ‫قولوا َ‬ ‫و ُ‬‫ه َ‬ ‫قوا َ الل َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫نَ آ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ا َل ّ ِ‬ ‫]النساء‪َ+ .[1:‬يا أي ّ َ‬
‫ع‬ ‫ط‬
‫ُ ِ ِ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫و‬ ‫م‬
‫ْ ُ َ ْ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫نو‬ ‫ُ‬ ‫ذ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ر‬ ‫ف‬
‫ْ َ َ ْ ِ ْ‬‫غ‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ما‬ ‫ع َ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ح ل َك ُ ْ‬ ‫صل ِ ْ‬ ‫دا ‪ ‬ي ُ َ ْ‬ ‫دي ً‬ ‫س ِ‬ ‫َ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[71 ،70:‬‬ ‫ِ ً‬ ‫ظي‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫زا‬ ‫ْ ً‬ ‫و‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ز‬ ‫َ‬ ‫فا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫د‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ل‬ ‫سو‬‫الل َ َ َ ُ‬
‫ر‬ ‫و‬ ‫ه‬
‫يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬ولك‬
‫الحمد حتى ترضى‪ ،‬ولك الحمد إذا رضيت‪ ،‬ولك الحمد بعد الرضا‪ ،‬أما‬
‫بعد‪..‬‬
‫هذا الكتاب الرابع في دراسة عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬فقد صدرت‬
‫عدة كتب عن الصديق والفاروق وذي النورين‪ ،‬وقد سميت هذا‬
‫ى بن أبى طالب‪ ،‬شخصيته‬ ‫الكتاب‪»:‬سيرة أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ى من الميلد‬ ‫ّ‬ ‫عل‬ ‫المؤمنين‬ ‫أمير‬ ‫عن‬ ‫وعصره«‪ ،‬ويتحدث هذا الكتاب‬
‫حتى الستشهاد‪ ،‬فيبدأ بالحديث عن اسمه ونسبه ولقبه ومولده‬
‫وأسرته وقبيلته‪ ،‬وإسلمه‪ ،‬وأهم أعماله في مكة‪ ،‬وعن هجرته‪،‬‬
‫ومعايشته للقرآن الكريم وأثرها عليه في حياته‪ ،‬وعن تصوره عن‬
‫الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء والقدر‪ ،‬وعن مكانة‬
‫القرآن الكريم عنده‪ ،‬وما نزل فيه من القرآن الكريم‪ ،‬وعن الصول‬
‫ى في استنباط الحكام‬ ‫والسس التي سار عليها أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ى‬
‫ّ‬ ‫عل‬ ‫المؤمنين‬ ‫أمير‬ ‫تفسير‬ ‫من القرآن الكريم وفهم معانيه‪ ،‬وعن‬
‫لبعض اليات الكريمة‪ ،‬وعن ملزمته لرسول الله × منذ طفولته‪،‬‬
‫ومعرفته العميقة بمقام النبوة وكيفية التعامل معه‪ ،‬فقد أوضح‬
‫صا على تعليم الناس وحثهم على‬ ‫معالمه بأقواله وأفعاله‪ ،‬وكان حري ً‬
‫القتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته‪ .‬فبّين وجوب‬
‫طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها‪ ،‬وأوضح دلئل نبوة‬
‫الرسول × وفضله وبعض حقوقه على أمته×‪ .‬ويجد القارئ الكريم‬
‫ى للسنة النبوية المطهرة‪ ،‬ويتحدث‬ ‫نماذج من اتباع أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ى من الصحابة‬ ‫الكتاب عن أسماء بعض الرواة عن أمير المؤمنين عل ّ‬
‫والتابعين وأهل بيته‪.‬‬
‫وينتقل الكتاب بالقارئ إلى حياة أمير المؤمنين في المدينة في‬
‫ى من السيدة‬ ‫عهد النبي × فيتكلم عن زواج أمير المؤمنين عل ّ‬
‫فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وما في هذا الزواج من دروس وعبر في‬
‫المهر والجهاز‪ ،‬والزفاف والمعيشة والزهد‪ ،‬وصدق لهجة السيدة‬
‫فاطمة وسيادتها في الدنيا والخرة‪ ،‬وترجمت للحسن والحسين‬
‫رضي الله عنهما ترجمة مختصرة‪ ،‬وبينت فضلهما وما ورد فيهما من‬
‫أحاديث عن رسول الله ×‪ ،‬وتكلمت عن مفهوم أهل البيت عند أهل‬
‫السنة‪ ،‬وما يخصهم من أحكام‪ ،‬كتحريم الزكاة عليهم‪ ،‬وكونهم ل‬
‫يرثون رسول الله ×‪ ،‬وحقهم في خمس الخمس في الغنيمة‬
‫والفيء‪ ،‬والصلة عليهم مع النبي ×‪ ،‬ووجوب محبتهم واحترامهم‬
‫ومودتهم‪ ،‬وبينت مواقف أمير المؤمنين في سرايا رسول الله‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪5‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وغزواته‪ ،‬كبدر وأحد والخندق‪ ،‬وبنى قريظة‪ ،‬والحديبية وخيبر‪ ،‬وفتح‬
‫ى على المدينة في‬ ‫مكة‪ ،‬وغزوة حنين‪ ،‬وعن استخلف النبي × لعل ّ‬
‫ى رضي الله عنه‬ ‫غزوة تبوك ‪8‬هـ وحج أبى بكر بالناس‪ ،‬ودور عل ّ‬
‫العلمى‪ ،‬ووفد قد نصارى نجران وآية المباهلة‪ ،‬وإرسال النبي ×‬
‫علًيا داعًيا وقاضًيا لليمن‪ ،‬وأقضيته التي حكم بها في اليمن السعيد‬
‫ى في حجة الوداع‪ ،‬وقصة الكتاب الذي هم‬ ‫الحبيب‪ ،‬ومواقف عل ّ‬
‫النبي × بكتابته في مرض موته‪ ،‬وعن العلقة بالخلفاء الراشدين‪،‬‬
‫ومكانته في دولة الخلفة الراشدة‪ ،‬فتكلمت عن مبايعته لبى بكر‬
‫بالخلفة ومساندته له في حروب الردة‪ ،‬وتقديمه وتفضيله للصديق‪،‬‬
‫وإقتدائه به في الصلوات وقبول الهدايا منه‪ ،‬وأشرت إلى العلقة بين‬
‫الصديق والسيدة فاطمة وقصة ميراث النبي ×‪ ،‬ورددت على‬
‫الشبهات الرافضية حول قصة الميراث ونسفت حججهم وأدلتهم‬
‫بالبراهين القاطعة والدلة الناصعة‪ ،‬وكشفت الستار عن رواياتهم‬
‫الضعيفة والموضوعة‪ ،‬وأثبت محبة السيدة فاطمة للحق والتزامها‬
‫بالشريعة‪ ،‬واحترامها لخليفة رسول الله أبى بكر‪ ،‬وتسامحها معه‪،‬‬
‫واحترام أهل البيت للصديق والمصاهرات المتبادلة بين آل الصديق‬
‫وأهل البيت‪ ،‬ومحبتهم له وتسمية أولدهم عليه‪ ،‬وتحدثت عن‬
‫ى في عهد الفاروق في المور القضائية‪ ،‬والتنظيمات‬ ‫مساهمات عل ّ‬
‫ى على المدينة مراًرا‪،‬‬‫ّ‬ ‫لعل‬ ‫عمر‬ ‫واستخلف‬ ‫والدارية‬ ‫المالية‬
‫ومشاورته له في أمور الجهاد وشئون الدولة‪ ،‬وعن العلقة الحميمة‬
‫المتينة بين الفاروق وأهل البيت‪ ،‬وزواج عمر من أم كلثوم بنت على‬
‫بن أبى طالب‪ ،‬وحقيقة هذا الزواج الميمون المبارك‪ ،‬وتركت الحجج‬
‫الدامغة‪ ،‬والبراهين الساطعة تنسف الكاذيب من جذورها فتركتها‬
‫فا‪ ،‬وأخذت الحقائق التاريخية ترسم لنا حقيقة المحبة‬ ‫عا صفص ً‬‫قا ً‬
‫والمودة بين الصحابة الكرام‪ ،‬كما جاءت في القرآن الكريم‪،‬‬
‫ووضحت بيعة على لعثمان رضي الله عنه ورددت على الكاذيب‬
‫التي ألصقت بها‪ ،‬وتحدثت عن جهوده في دعم دولة ذي النورين‪،‬‬
‫ودفاعة عنه أمام الغوغاء‪ ،‬ومواقفة في فتنة مقتلة في بدايتها‪ ،‬وأثناء‬
‫الحصار‪ ،‬وبعد استشهاده‪ ،‬وتحدثت عن المصاهرة بين آل عثمان‪،‬‬
‫ى في الخلفاء الراشدين الذين سبقوه‪ ،‬والتي تدل‬ ‫وأتيت بأقوال عل ّ‬
‫على محبتهم واحترامهم ومودتهم‪ ،‬والبراءة ممن يسبهم ويشتمهم‬
‫وإقامة حد المفتري على من يسب الشيخين‪ ،‬ول يتمالك القارئ‬
‫المسلم نفسه من البكاء وهو يتأمل في أقوال أمير المؤمنين في‬
‫الخلفاء وتعامله مع ذلك الجيل القرآني الفريد وساداته الكرام‪ .‬قال‬
‫الشاعر‪.‬‬
‫وأسأل عنهم من لقيت وهم معى‬ ‫ومن عجب أنى أحن إليهم‬
‫ويشتاقهم قلبى وهم بين‬ ‫وتطلبهم عينى وهم في‬
‫أضلعى‬ ‫سوادها‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫قا صاحب الغار‬
‫كما أحب عتي ً‬ ‫إنى أحب أبا حفص وشيعته‬
‫ما رضيت بقتل الشيخ في‬ ‫ما‬
‫وقد رضيت علًيا قدوة وعل ً‬
‫الدار‬
‫ى بهذا القول من عار‬‫فهل عل ّ‬ ‫كل الصحابة سادتى ومعتقدى‬
‫ى بالخلفة وكيف تمت‪ ،‬وعن أحقيته‬ ‫هذا وقد تحدثت عن بيعة عل ّ‬
‫عا بدون‬
‫بها‪ ،‬وإجماع الصحابة على ذلك‪ ،‬وبيعة طلحة والزبير له طو ً‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪6‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ضغط أو إكراه‪ ،‬وانعقاد الجماع على خلفته‪ ،‬وشروط أمير المؤمنين‬
‫في بيعته‪ ،‬أول خطبة له‪ ،‬وأهل الحل والعقد في دولته‪ ،‬وشيء من‬
‫فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه‪ ،‬وتوسعت في الحديث عن‬
‫صفاته‪ ،‬فبينت علمه الواسع وفقهة الغزير‪ ،‬وزهده‪ ،‬وتواضعة‪ ،‬وكرمه‬
‫وجوده‪ ،‬وحياءه‪ ،‬وشدة عبوديته‪ ،‬وصبره‪ ،‬وإخلصه‪ ،‬وشكره لله‪،‬‬
‫ودعاء الخاشع‪ ،‬وعن المرجعية العليا لدولته‪ ،‬وسيرها على كتاب الله‬
‫وسنة رسول ×‪ ،‬والقتداء بالخلفاء الراشدين الذين سبقوه‪ ،‬وعن‬
‫حق المة في الرقابة على الحكام‪ ،‬والشورى‪ ،‬والعدل والمساواة‪،‬‬
‫والحريات‪ ،‬وعن حياته في المجتمع واهتمامه بالمر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر‪ ،‬ودعوته للتوحيد ومحاربته للشرك‪ ،‬وتعريفه‬
‫الناس بأسماء الله وصفاته‪ ،‬وبنعم الله المستوجبة لشكره‪ ،‬وحرصه‬
‫على محو آثار الجاهلية‪ ،‬وحرصه على بطلن العتقاد بالكواكب‪،‬‬
‫وإحراقة لمن غلوا فيه وادعوا فيه اللوهية‪ ،‬وحديثه عن كيفية بداية‬
‫اليمان في القلب وتعريفه للتقوى‪ ،‬ومفقهوم القضاء والقدر‪ ،‬وكيف‬
‫يحاسب الله العباد على كثرة عددهم‪.‬‬
‫ونقلت شيًئا من خطبة ومواعظة‪ ،‬وما ينسب إليه من شعر‪ ،‬أو‬
‫يتمثل به في مناسبات عديدة‪ ،‬واخترت مجموعة قيمة من حكمه‬
‫التي سارت مضرب المثل بين الناس‪ ،‬وتكلمت عن حديثه عن‬
‫صفات خيار العباد‪ ،‬وعن تطوع النبي ×‪ ،‬ووصف الصحابة الكرام‪،‬‬
‫وتحذيره من المراض الخطيرة التي تصيب القلوب‪ ،‬كطول المل‬
‫واتباع الهوى‪ ،‬والرياء‪ ،‬والعجب‪ ،‬وعن اهتمامه بترشيد السواق‪،‬‬
‫ومحاربته للبدع‪ ،‬والعمال التي تخالف الشرع في أوساط الناس‪،‬‬
‫وتحدثت عن المؤسسات التي في دولته‪ ،‬كالمالية‪ ،‬والقضائية‪،‬‬
‫ومؤسسة الولة‪ ،‬وعن الخطة القضائية والتشريعية في عهد الخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬والمصادر التي اعتمدها الصحابة في ذلك العهد‪ ،‬وعن‬
‫ميزات القضاء في عهد الراشدين‪ ،‬وعن أشهر قضاة أمير المؤمنين‬
‫على‪ ،‬وعن أسلوبه القضائي‪ ،‬ونظرته للحكام الصادرة قبله‪،‬‬
‫والمؤهلين للقضاء‪ ،‬ومجانية الحصول على الحكم‪ ،‬وعن اجتهاداته‬
‫الفقهية في العبادات‪ ،‬والمعاملت المالية‪ ،‬والحدود والقصاص‬
‫والجنايات‪ .‬وأشرت إلى مسألة حجية قول الصحابى والخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬وبينت في حديثى عن مؤسسة الولة‪ ،‬وأقاليم الدولة في‬
‫عهده وما وقع في كل إقليم‪ ،‬من أمور جسام‪ ،‬وتكلمت عن منجهه‬
‫في تعيين الولة‪ ،‬ومراقبته لعماله وبعض توجيهاته‪ ،‬والصلحيات‬
‫الممنوحة للولة‪..‬من تعيين وزراء مع كل وال في كل أقليم‪،‬‬
‫وتشكيل مجالس الشورى وإنشاء الجيوش في كل ولية‪ ،‬وترسيم‬
‫السياسة الخارجية في مجال الحرب والسلم والحفاظ على المن‬
‫الداخلي وتشكيل الجهاز القضائي في كل ولية‪ ،‬والنفقات المالية‪،‬‬
‫والعمال التابعين لكل ولية ومتابعتهم ودور العرفاء والنقباء في‬
‫تثبيت نظام الوليات‪ ،‬ووضحت بعض المفاهيم الدارية من أقوال‬
‫أمير المؤمنين على رضي الله عنه‪ ،‬كتأكيده على العنصر النساني‪،‬‬
‫وعامل الخبرة والعلم‪ ،‬والعلقة بين الرئيس المرءوس‪ ،‬ومكافحة‬
‫الجمود‪ ،‬والرقابة الواعية‪ ،‬والضبط‪ ،‬والمشاركة في صنع القرار‪،‬‬
‫وحسن الختيار لدى الوالى والضمانات المادية والنفسية لموظفى‬
‫الدولة‪ ،‬ومرافقة ذوي الخبرة‪ ،‬ومفهوم الدارة البوية‪ ،‬وكون‬
‫التوظيف يتم عبر الضوابط وليس الروابط الشخصية‪ ،‬ثم انتقلت إلى‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬فتحدثت عن معركة‬ ‫المشاكل الداخلية في عهد عل ّ‬
‫الجمل مبتدًئا بالحداث التي سبقتها وعن أثر التنظيم السبئي في‬
‫اندلعها‪ ،‬ودور عبد الله بن سبأ في إذكاء الفتن الداخلية‪ ،‬وعن‬
‫اختلف الصحابة في الطريقة التي يؤخذ بها القصاص من قتلة‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪7‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫عثمان‪ ،‬وعن موقف السيدة عائشة أم المؤمنين‪ ،‬وطلحة والزبير‬
‫ومعاوية بن أبى سفيان ومن كان معهم في السراع بالقصاص من‬
‫قتلة عثمان‪ ،‬وبينت موقف معتزلى الفتنة‪ ،‬كسعد بن أبى وقاص‬
‫وعبد الله بن عمر‪ ،‬ومحمد بن مسلمة‪ ،‬وأبى موسى الشعرى‪،‬‬
‫وعمران بن حصين وأسامة بن زيد ومن سار عن نهجهم‪ ،‬وتكلمت‬
‫عن موقف المتريثين في تنفيذ القصاص حتى تستقر الحوال‪ ،‬كأمير‬
‫ى‪ ،‬وعن محاولت الصلح قبل اندلع معركة الجمل‪،‬‬ ‫المؤمنين عل ّ‬
‫وعن نشوب القتال‪ ،‬وجولته الولى والثانية‪ ،‬واستشهاد طلحة‬
‫ى‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬وعن موقف عل ّ‬ ‫والزبير‪ ،‬ومبايعة أهل البصرة لعل ّ‬
‫رضي الله عنه من أم المؤمنين عائشة وكيف عاملها واحترمها‬
‫وقدرها وردها إلى المدينة معززة مكرمة‪ ،‬وأشرت إلى فضائلها‬
‫وشيء من سيرتها‪ ،‬كما ترجمت للزبير وطلحة رضي الله عنهما‬
‫لكونهما من الشخصيات المؤثرة في عهد النبوة والخلفة الراشدة‬
‫عا عن الحق‬‫ى‪ ،‬ودافعت عنهما دفا ً‬ ‫وفي عهد ُأمير المؤمنين عل ّ‬
‫ظلما‪ ،‬فبينت فضلهما ومكانتهما في السلم‪ ،‬ورددت على‬ ‫لكونهما‬
‫الشبهات والكاذيب التي ألصقت بهما من خلل إثبات الحقائق‬
‫الناصعة‪ ،‬والحجج الدامغة‪ ،‬وصفاتهما الرفيعة‪ ،‬وأخلقهما الكريمة‪،‬‬
‫بحيث يخرج القارئ المسلم بمعرفة حقيقية ل لبس فيها ول غموض‪،‬‬
‫لهذه الشخصيات الفذة‪ ،‬فل يتأثر بالروايات الضعيفة‪ ،‬ول القصص‬
‫الموضوعة التي وضعها مؤرخو الشيعة الرافضة‪ ،‬والتي شوهت ثقافة‬
‫الناس عن هذه الشخصيات العظيمة‪ ،‬فالحديث عن ترجمة عائشة‪،‬‬
‫أو طلحة والزبير‪ ،‬أو غيرهم من كبار الصحابة‪ ،‬الذين ساهموا في‬
‫ى رضي الله عنه‬ ‫الحداث التي وقعت في عهد أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ينسجم مع منهجي في دراسة شخصية أمير المؤمنين وعصره‪،‬‬
‫ما في طرحى بمنهج‬ ‫والشخصيات التي أثرت في ذلك العهد ملتز ً‬
‫عا‪.‬‬‫ل‪ ،‬أصول ً وفرو ً‬
‫أهل السنة والجماعة جملة وتفصي ً‬
‫قال الشاعر أبو محمد القحطانى‪:‬‬
‫وسعيدهم وبعابد الرحمن‬ ‫أكرم بطلحة والزبير وسعدهم‬
‫وامدح جماعة بيعة الرضوان‬ ‫وأبى عبيدة ذى الديانة‬
‫والتقى‬
‫وامدح جميع الل والنسوان‬ ‫قل خير قول في صحابة‬
‫أحمد‬
‫بسيوفهم يوم التقى الجمعان‬ ‫دع ما جرى بين الصحابة في‬
‫الوغى‬
‫وكلهما في الحشر مرحومان‬ ‫فقتيلهم منهم وقاتلهم لهم‬
‫تحوى صدورهم من الضغان‬ ‫والله يوم الحشر ينزع كل ما‬
‫شتموا الصحابة دون ما‬ ‫ل تركنن إلى الروافض إنهم‬
‫برهان‬
‫وودادهم فرض على النسان‬ ‫لعنوا كما بغضوا صحابة أحمد‬
‫ألقى بها ربى إذا أحياني‬ ‫حب الصحابة والقرابة سنة‬
‫ضا‪:‬‬
‫وقال أي ً‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪8‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫من كل إنس ناطق أو جان‬ ‫إن الروافض شر من وطئ‬
‫الحصى‬
‫ورموهم بالظلم والعدوان‬ ‫مدحوا النبي وخونوا أصحابه‬
‫جدلن عند الله منتقصان‬ ‫حبوا قرابته وسبوا صحبه‬
‫روح يضم جميعها جسدان‬ ‫فكأنما آل النبي وصحبه‬
‫بأبى وأمي ذانك الفئتان‬ ‫فئتان عقدهما شريعة أحمد‬
‫وهما بدين الله قائمتان‬ ‫فئتان سالكتان في سبيل‬
‫الهدى‬
‫هذا وقد تحدثت عن معركة صفين‪ ،‬ودوافع معاوية رضى الله عنه‬
‫ى رضي الله‬ ‫في عدم البيعة‪ ،‬والمراسلت التي تمت بينه وبين عل ّ‬
‫عنه‪ ،‬ومحاولتع الصلح‪ ،‬ونشوب القتال‪ ،‬والدعوة إلى التحكيم‪،‬‬
‫ومقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه وأثره على المسلمين‪ ،‬وعن‬
‫المعاملة الكريمة من الطرفين أثناء الحرب والمواجهة‪ ،‬ومعاملة‬
‫السرى‪ ،‬وعدد القتلى‪ ،‬وترحم أمير المؤمنين على رضي الله عنه‬
‫على قتلى الطرفين‪ ،‬ونهيه عن شتم معاوية ولعن أهل الشام‪ ،‬ثم‬
‫تكلمت عن قصة التحكيم‪ ،‬فترجمت ليسرة أبى موسى الشعرى‬
‫وعمرو بن العاص رضي الله عنهما‪ ،‬وبينت بطلن الكاذيب والقصص‬
‫الواهية‪ ،‬والموضوعة التي ألصقت بهما في حادثة التحكيم‪ ،‬وأشرت‬
‫إلى كيفية الستفادة من قصة التحكيم في فض النزاعات بين الدول‬
‫السلمية‪ .‬وركزت على موقف أهل السنة من تلك الحروب‪ ،‬وحذرت‬
‫من بعض الكتب التي شوهت تاريخ الصحابة بالظلم والعدوان‪،‬‬
‫ككتاب المامة والسياسة المنسوب زوًرا لبن قتيبة‪ ،‬وكتاب الغاني‬
‫للصفهاني‪ ،‬وتاريخ اليعقوبي‪ ،‬والمسعودي وغيرهم من الكتب‬
‫المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة‪ ،‬وبينت دور المستشرقين‬
‫في تحريف التاريخ السلمي وتزويره وتشويهه‪ ،‬وكيف استفادوا من‬
‫كتب الشيعة الروافض‪ ،‬وكيف أسسوا مدرسة معارضة ساهمت في‬
‫تلويث الفكار‪ ،‬وتحريف الوقائع وطمس الحقائق‪ ،‬وتوسيع النقاط‬
‫السوداء في تاريخنا مع المبالغة والتهويل تحت شعارات براقة‪،‬‬
‫كالبحث العلمي النزيه‪ ،‬والواقعية‪ ،‬والموضوعية والحياد‪ ،‬وتبنى تلك‬
‫الفكار التدميرية مجموعة من أبناء المسلمين؛ ينتمون للسلم‪ ،‬ل‬
‫يحسنون فهمه‪ ،‬ول عرضه‪ ،‬ول العمل به‪ ،‬ول الدفاع عنه‪ ،‬بل تورطوا‬
‫في شباك أعداء السلم الذين يعملون على تشويه تاريخ هذه المة‬
‫وحضارتها التي صنعها دينها العظيم‪.‬‬
‫هذا وقد قمت بدراسة موضوعية علمية في الفصل الخير عن‬
‫الخوارج والشيعة الرافضة‪ ،‬فبينت نشأة الخوارج وعرفت بهم‪،‬‬
‫وذكرت الحاديث النبوية التي تضمنت ذمهم‪ ،‬وانحيازهم إلى حروراء‪،‬‬
‫ومناظرة ابن عباس لهم‪ ،‬وسياسة أمير المؤمنين في التعامل معهم‪،‬‬
‫وأسباب مقاتلته لهم‪ ،‬ونشوب القتال معهم‪ ،‬وقصة ذي الثدية أو‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬ووقفت مع‬ ‫المخدج‪ ،‬وأثر مقتله على جيش عل ّ‬
‫ى في معاركة في‬ ‫ّ‬ ‫عل‬ ‫المؤمنين‬ ‫أمير‬ ‫الحكام الفقهية التي اجتهد فيها‬
‫الجمل وصفين ومع الخوارج‪ ،‬وكيف اعتمد عليها الفقهاء فيما بعد‪،‬‬
‫ودونوها في كتبهم بما يعرف بأحكام فقه البغاة‪ ،‬وأشرت إلى أهم‬
‫ى‪ ،‬كالغلو في الدين‪،‬‬ ‫صفات الخوارج في عهد أمير المؤمنين عل ّ‬
‫والجهل به‪ ،‬وشق عصا الطاعة‪ ،‬والتكفير بالذنوب واستحلل دماء‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪9‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫المسلمين وأموالهم‪ ،‬والطعن والتضليل‪ ،‬وسوء الظن‪ ،‬والشدة على‬
‫المسلمين‪ ،‬وناقشت بعض الراء العتقادية للخوارج‪ ،‬كتكفير صاحب‬
‫الكبيرة‪ ،‬ورأيهم في المامة‪ ،‬وطعنهم في بعض الصحابة وتكفيرهم‬
‫لعثمان وعلى رضي الله عنهما‪ ،‬وتطرقت لسباب انحراف الخوارج‬
‫ونزعاتهم في العصر الحديث‪ ،‬كالجهل بالعلوم الشرعية بسبب‬
‫العراض عن العلماء‪ ،‬والقراءة من الكتب بدون معلم‪ ،‬وغلوهم في‬
‫ذم التقليد‪ ،‬وتخلى كثير من العلماء عن القيام بواجبهم‪ ،‬وشيوع‬
‫الظلم والتحاكم للقوانين الوضعية‪ ،‬وانتشار الفساد بين الناس‪،‬‬
‫وعدم تزكية النفوس‪ ،‬وأشرت إلى أهم مظاهر غلوهم‪ ،‬كالتشدد في‬
‫الدين على النفس والتعسير على الخرين‪ ،‬والتعالم والغرور‪،‬‬
‫والستبداد بالرأي وتجهيل الخرين‪ ،‬والطعن في العلماء العاملين‪،‬‬
‫وسوء الظن‪ ،‬والشدة والعنف مع الخرين‪ ،‬وتكفير المسلمين‪.‬‬
‫وتكلمت عن فرقة الشيعة الرافضة‪ ،‬فبينت معنى الشيعة في‬
‫اللغة والصطلح‪ ،‬ومعنى الرفض في اللغة والصطلح‪ ،‬وسبب‬
‫تسميتهم بالرافضة‪ ،‬ونشأتهم ودور اليهود في ذلك‪ ،‬والمراحل التي‬
‫مر بها الشيعة‪ ،‬وأهم عقائد الشيعة الرافضة‪ ،‬وموقف أمير المؤمنين‬
‫وعلماء أهل البيت من تلك العقائد المنسوبة إليهم‪ ،‬كعقيدة المامة‬
‫وحكم من جحدها‪ ،‬والعصمة ومناقشة أدلتهم على العصمة وبيان‬
‫بطلنها‪ ،‬وكذلك أدلتهم على النص من القرآن الكريم؛ كآية التطهير‪،‬‬
‫والمباهلة‪ ،‬والولية‪ ،‬وأدلتهم المزعومة من السنة‪ ،‬كخطبة غدير خم‪،‬‬
‫وحديث‪» :‬أنت منى كمنزلة هارون من موسى«‪ ،‬وبيان‬
‫الحاديث الضعيفة والموضوعة التي استدلوا بها على المامة‪،‬‬
‫ى بابها‪ ،‬وألحقت‬ ‫كحديث الطائر‪ ،‬وحديث الدار‪ ،‬وأنا مدينة العلم وعل ّ‬
‫سا للحاديث الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها الشيعة‬ ‫بالكتاب فهر ً‬
‫الرافضة لتحذير المسلمين من الوقوع في حبائلهم‪ ،‬وبينت حقيقة‬
‫التوحيد عند الشيعة الرافضة‪ ،‬وكيف حرفوا نصوص التوحيد وجعلوها‬
‫في ولية الئمة‪ ،‬وجعلوا المامة أصل قبول العمال‪ ،‬واعتقادهم أن‬
‫الئمة هم الواسطة بين الله وخلقه‪ ،‬وقولهم ل هداية للناس إل‬
‫بالئمة‪ ،‬ول يقبل الدعاء إل بأسماء الئمة‪ ،‬وكون الحج إلى المشاهد‬
‫الشيعية أعظم عندهم من الحج إلى بيت الله‪ ،‬وكون المام عندهم‬
‫يحرم ما يشاء ويحل ما يشاء‪ ،‬وأن الدنيا والخرة للمام يتصرف‬
‫فيهما كيف يشاء‪ ،‬وإسناد الحوادث الكونية إلى الئمة‪ ،‬وقولهم‪ :‬إن‬
‫الئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه ل يخفى عليهم شيء‪،‬‬
‫وغلوهم في الثبات‪ ،‬وحقيقة التعطيل عندهم‪ ،‬ومسألة خلق القرآن‪،‬‬
‫ومسألة رؤية الله عز وجل في الخرة‪ ،‬وتفضيلهم الئمة على النبياء‬
‫والرسل‪ ،‬وموقفهم من القرآن الكريم واعتقاد بعض علمائهم‬
‫بتحريف كتاب الله عز وجل والرد عليهم‪ ،‬وموقف الشيعة الرافضة‬
‫من الصحابة الكرام والسنة النبوية المطهرة‪ ،‬ومفهوم التقية عند‬
‫القوم‪ ،‬وعقيدة المهدي المنتظر عندهم‪ ،‬والرجعة‪ ،‬وقولهم بالبداء‬
‫على الله سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد بينت موقف أمير المؤمنين على بن‬
‫أبى طالب وأئمة أهل البيت الطهار‪ ،‬وعلماء أهل السنة من تلك‬
‫العقائد الفاسدة والمنحرفة عن كتاب الله تعالى‪ ،‬والتزمت في‬
‫مناقشتي بالدب والبتعاد عن السب والشتم‪ ،‬ومناقشة القوم من‬
‫خلل أصولهم وكتبهم المعتمدة‪ ،‬والحرص على بيان الحقيقة لمحبى‬
‫ى رضي‬ ‫أهل البيت من الشيعة ودعوتهم بالقتداء بأمير المؤمنين عل ّ‬
‫الله عنه‪ ،‬وتحذيرهم من المندسين تحت عباءة أهل البيت لغرض‬
‫إفساد عقائد الناس وإبعادهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ×‪،‬‬
‫كما أن هناكم رغبة صادقة مخلصة لتعريف الجمهور العريض من‬
‫أهل السنة بحقيقة هؤلء الشيعة الرافضة‪ ،‬فالقضية لها وجودها‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وآثارها بين الشعوب في أفريقيا‪ ،‬وآسيا وأوروبا والمريكتين‪ ،‬ودعاة‬
‫التشيع الرافض نشطون في دعوتهم المنحرفة يبذلون في سبيلها‬
‫الغالي والنفيس‪ ،‬ويتحالفون مع خصوم السلم الصحيح لضربه‬
‫والقضاء عليه‪ ،‬وتشويه منهجه‪ ،‬وهذا ليس بجديد‪ ،‬وأهل السنة‪ -‬إل‬
‫من رحم الله – في استرخاء عجيب‪ ،‬ونوم عميق وغفلة عما يراد‬
‫بهم‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬إن الصراع السنى الشيعي الرافضى قد عفا‬
‫عليه الزمن‪ ،‬وهذا الكلم عار من الحقيقة‪ ،‬ودليل على الجهل‪ ،‬وفي‬
‫طياته خداع لجمهور المسلمين العريض‪ ،‬باسم التقريب وتوحيد‬
‫الصف السلمي‪.‬‬
‫إن المنهج الصحيح للتقريب هو أن يقوم علماء أهل السنة بجهد‬
‫كبير لنشر اعتقادهم الصحيح المنبثق من كتاب الله وسنة رسول‬
‫الله ×‪ ،‬وبيان صحته وتميزه عن مذهب أهل البدع‪ ،‬فأهل السنة‬
‫والجماعة هم المتبعون لما كان عليه رسول الله× وأصحابه‬
‫ونسبتهم إلى سنة الرسول × التي حث على التمسك بها بقوله ×‪:‬‬
‫»فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي‪،‬‬
‫تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ«)‪،(1‬وحذر من مخالفتها‬
‫وإياكم‪ (2‬ومحدثات المور‪ ،‬فإن كل محدثة بدعة وكل‬ ‫بقوله‪» :‬‬
‫بدعة ضللة«) ‪ ،‬وقوله‪» :‬من رغب عن سنتي فليس مني«‪,‬‬
‫وهذا بخلف غيرهم من أهل الهواء والبدع الذين سلكوا مسالك لم‬
‫يكن عليها الرسول ×‪ ،‬فأهل السنة ظهرت عقيدتهم بظهور بعثته ×‪-‬‬
‫وهي محفوظة بحفظ الله لها في كتابه وسنة رسول ×‪ ،‬وأهل‬
‫الهواء ولدت عقائدتهم بعد زمنه ×‪ ،‬ومنها ما كان في آخر عهد‬
‫الصحابة‪ ،‬ومنها كان بعد ذلك‪ ،‬والرسول × أخبر من عاش من‬
‫والختلف فقال‪» :‬وإنه من يعش‬ ‫أصحابه سيدرك هذا التفرق‬
‫فا كثيًرا«)‪ ,(3‬ثم أرشد إلى سلوك الصراط‬ ‫منكم فسيرى اختل ً‬
‫المستقيم‪ ،‬وهو أتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين‪ ،‬وحذر من‬
‫محدثات المور‪ ،‬وأخبر بأنها ضلل‪ ،‬وليس من المعقول ول المقبول‬
‫أن ُيحجب حق وهدى عن الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬ويدخر لناس‬
‫يجيئون بعدهم‪ ،‬فإن تلك البدع المحدثة كلها شر‪ ،‬ولو كان في شيء‬
‫منها خير لسبق إليه الصحابة‪ ،‬لكن ابُتلى به كثير ممن جاء بعدهم‬
‫ممن انحرفوا عما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬وقد قال‬
‫المام مالك رحمه الله‪» :‬لن يصلح آخر هذه المة إل بما صلح‬
‫به أولها«‪ ،‬ولذا فإن أهل السنة ينتسبون إلى السنة وغيرهم‬
‫بنتسبون إلى نحلهم الباطلة‪ ،‬أو إلى أسماء أشخاص معينين‪.‬‬
‫إن المنهج الصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل‬
‫وتقريب الشيعة إلى كتاب الله وسنة رسوله×‪ ،‬وفهم السلم‬
‫الصحيح من خلل علماء أهل السنة‪ ،‬وعلى رأسهم فقهاء وعلماء‬
‫أهل البيت‪ ،‬كأمير المؤمنين على رضي الله عنه وأبنائه وأحفاده‪ ،‬كما‬
‫أنه ينبغي التنويه‪ ،‬وتشجيع الصوات الصلحية الشيعية الصادقة‬
‫واحترامها وتقديرها والوقوف معها في نصيحة أقوامها‪ ،‬كالذي قال‬
‫به السيد حسين الموسوى في كتابه القيم‪» :‬لله ثم للتاريخ‪،‬‬
‫كشف السرار وتبرئه الئمة الطهار« وكالجهد العلمي الذي‬
‫قام به السيد أحمد الكاتب مشكوًرا في كتابه »تطور الفكر‬
‫السياسي الشيعي من الشورى إلى ولية الفقيه«‪ ،‬وعلينا‬
‫‪1‬‬
‫)( سلسلة الحاديث الصحيحة )‪.(648 ،2/647‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسلم )‪.(2/592‬‬
‫‪3‬‬
‫)( سلسلة الحاديث الصحيحة )‪.(648 ،2/647‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫أن نقف مع كل محب صادق لهل البيت مقتفًيا آثارهم الصحيحة‬
‫وهديهم الجميل في إرشاد الناس لكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬ونعاملهم بكل احترام وتقدير‪ ،‬ونأخذ بأيديهم نحو‬
‫شواطئ المان‪ ،‬ونحثهم على إعمال العقل‪ ،‬وتحريره من أغلله‪،‬‬
‫وإزاحة الركام الثقيل من الباطيل التي على الفطرة حتى تأخذ‬
‫العقول النيرة‪ ،‬والفطرة السليمة مجالها في الوصول للحقيقة التي‬
‫لها نور ساطع وبريق لمع ل تخفيه الغيوم‪.‬‬
‫وعلى علماء أهل السنة أن يلتزموا أسلوب البحث العلمي‬
‫الهادئ في مناقشة بدع المبتدعة وأن يترفقوا معهم‪ ،‬وقد يكون من‬
‫تمام الترفق زيارتهم ومعاونتهم في الحدود التي ل خلف فيها‪ ،‬أو‬
‫نجدتهم في الملمات وأيام المصاعب‪ ،‬أو نصرهم إذا كانوا في نزاع‬
‫مع الكافر أو الظالم لهم‪ ،‬وفق فقه السياسة الشرعية الخاضعة‬
‫للمصالح والمفاسد‪ ،‬إل أن هذا الصل في التعاون وحسن العلقة‬
‫ما ليشمل من يأتي من الشيعة‬ ‫وهدوء البحث ل يمكن أن يطرد دائ ً‬
‫الرافضة بغلو قد يكون في السكوت عنه تحريك الغوغاء والدهماء‪،‬‬
‫بل الواجب أن ننكر على أهل الغلو الشديد القوال الشاذة في كل‬
‫الحوال‪ ،‬والحد المميز بين الطائفتين؛ الولى التي نترفق معها في‬
‫الكلم‪ ،‬والثانية التي نغلظ لها الكلم‪ ،‬إنما يكون كامًنا في مدى‬
‫اعتماد القائل على نص شرعي تتكون منه شبهة‪ ،‬أو على تأويل قد‬
‫تميل إليه بعض الذهان‪ ،‬وأما من يتبع غرائب النقول عن المجاهيل‬
‫والمتأخرين ومن ل تاويل له‪ ،‬فالنكار منا تجاهه أولى‪ ،‬وربما كان‬
‫الغلظ في إنكار بدعته أوجب‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫تدعو إلى الشحناء والشنآن‬ ‫واحذر مجادلة الرجال فإنها‬
‫بك مهرًبا وتلقت الصفان‬ ‫وإذا اضطررت إلى الجدال‬
‫ولم تجد‬
‫والشرع سيفك وابد في‬ ‫عا سابًغا‬
‫فاجعل كتاب الله در ً‬
‫الميدان‬
‫واركب جواد العزم في‬ ‫جنة‬
‫والسنة البيضاء دونك ُ‬
‫الجولن‬
‫فالصبر أوثق عدة النسان‬ ‫واثبت بصبرك تحت ألوية‬
‫الهدى‬
‫لله در الفارس الطعان‬ ‫واطعن برمح الحق كل معاند‬
‫متجرًدا لله غير جبان‬ ‫واحمل بسيف الصدق حملة‬
‫مخلص‬
‫كما أن علماء أهل السنة وأهل الحل والعقد منهم في‬
‫المجتمعات الطائفية لهم دور كبير في قيادة المسلمين نحو الخير‪.‬‬
‫فهم الذين يقدرون المواقف السياسية والتحالفات الحزبية مع‬
‫الطوائف الخرى وفق فقه المصالح والمفاسد الذي تضبطه قواعد‬
‫السياسة الشرعية‪ ،‬وهذا ل يمنع العلماء والدعاة من تعليم‬
‫المسلمين أصول منهج أهل السنة وتربيتهم عليه ودعوة الناس إليه‪،‬‬
‫والتحذير من العقائد الفاسدة المندسة في أوساط المسلمين حتى‬
‫ل يتأثروا بها‪ ،‬والتي يجتهد دعاتها في نشرها بالليل والنهار‪ ،‬والسر‬
‫والعلن بدون ملل ول كلل‪ ،‬ولنا أسوة حسنة في رسول الله ×‬
‫إبان هجرته للمدينة عندما عقد المعاهدات مع اليهود التي تؤمن لهم‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪12‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫حياة كريمة في ظل الدولة السلمية‪ ،‬وكان القرآن الكريم في نفس‬
‫الوقت يتحدث عن عقائد اليهود وتاريخهم وأخلقهم حتى يتعرف‬
‫المسلمون على حقيقة الشخصية اليهودية فل ينخدعون بها‪ ،‬وعندما‬
‫غدر اليهود كان الصف السلمي محصًنا ضد هذه الطائفة‪.‬‬
‫إن الدارس لحركة التاريخ السلمي‪ ،‬كمرحلة الحروب الصليبية‬
‫في عهد نور الدين وصلح الدين‪ ،‬وزمن العثمانيين في عهد السلطان‬
‫محمد الفاتح وغيره‪ ،‬المربطين في عصر يوسف بن تاشفين‪ ،‬يلحظ‬
‫أن عوامل النهوض‪ ،‬وأسباب النصر كثيرة منها‪ :‬صفاء العقيدة‪،‬‬
‫ووضوح المنهج‪ ،‬وتحكيم شرع الله في الدولة‪ ،‬ووجود القيادة الربانية‬
‫التي تنظر بنور الله‪ ،‬وقدرتها على التعامل مع سنن الله في تربية‬
‫المم‪ ،‬وبناء الدول وسقوطها‪ ،‬ومعرفة علل المجتمعات‪ ،‬وأطوار‬
‫المم‪ ،‬وأسرار التاريخ‪ ،‬ومخططات العداء من الصليبيين واليهود‬
‫والملحدة والفرق الباطنية‪ ،‬والمبتدعة‪ ،‬وإعطاء كل عامل حقه‬
‫الطبيعي في التعامل معه‪ ،‬فقضايا فقه النهوض‪ ،‬والمشاريع‬
‫النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة ل يستطيع استيعابها إلمن‬
‫فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسول ×‪ ،‬وارتبط بالفقه الراشدي‬
‫المحفوظ عن سلفنا العظيم‪ ،‬فعلم معالمه وخصائصه وأسباب‬
‫وجوده وعوامل زواله‪ ،‬واستفاد من التاريخ السلمي وتجارب‬
‫النهوض‪ ،‬فأيقن أن هذه المة ما فقدت الصدارة قط وهي وفية لربها‬
‫ونبيها ×‪ ،‬وعلم أن الهزائم العسكرية عرض يزول‪ ،‬أما الهزائم‬
‫الثقافية فجرح مميت‪ ،‬والثقافة الصحيحة تبني النسان المسلم‬
‫والسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة على قواعدها‬
‫المتينة من كتاب الله وسنة رسوله × وهدى الخلفاء الراشدين ومن‬
‫سار على نهجهم‪ ،‬وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت‬
‫صرح السلم إلى يومنا هذا‪ -‬بعد توفيق الله وحفظه‪.‬‬
‫فعلينا أن نعمل لهذا الدين‪ ،‬وسعادتنا ليست باقتطاف الثمر‬
‫العاجل‪ ،‬وإنما في الشعور بتوفيق الله والمل في رضاه‪ .‬إننى في‬
‫دراستي لعهد الخلفة الراشدة حاولت أن أنتقى الكلمات وأصف‬
‫السطر والجمل لتجلية عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬من خلل الروايات‬
‫الصحيحة‪ ،‬لكي يستفيد أبناء المسلمين من تلك الحقبة العلم الغزير‬
‫والفقة الدقيق‪ ،‬وشمولية فهم السلم‪ ،‬فلعل الله سبحانه أن يبارك‬
‫في هذا الجهد وينتفع به أولئك الدعاة الذين ل نعرف أسماءهم‪،‬‬
‫ولكن سيرى التاريخ آثارهم وسيقيلون العالم السلمي من عثرته‬
‫وينهضون به من كبوته‪ ،‬أولئك الربانيون المتجردون الذين عرفوا‬
‫الحق واستشعروا السعادة في نصرته‪ ،‬وتعصبوا له‪ ،‬ودافعوا عنه‪،‬‬
‫ووقفوا بجابنه على رقة الحال وقلة النصير‪ .‬فأخذ الله بأيديهم‬
‫لصدقهم وإخلصهم ومتابعتهم للنبي ×‪ ،‬وأولئك العلماء‪ ،‬وطلب‬
‫العلم الذين توزن مداد أقلمهم بدماء الشهداء‪ ،‬وأولئك التجار الذين‬
‫يقفون خلف موكب الدعوة بأموالهم وثرواتهم وأنفسهم ولسان‬
‫من‬ ‫ف ِ‬ ‫خا ُ‬ ‫ش ُ‬
‫كوًرا ‪ ‬إ ِّنا ن َ َ‬ ‫ول َ ُ‬
‫جَزاءً َ‬
‫م َ‬‫من ْك ُ ْ‬ ‫ريدُ ِ‬ ‫حالهم يقول‪+ :‬ل َ ن ُ ِ‬
‫ريًرا" ]النسان‪ [10 ،9:‬وأولئك الجنود‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ط‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫سا‬ ‫عُبو ً‬
‫ما َ‬
‫و ً‬
‫ّرب َّنا ي َ ْ‬
‫دا أعلم شامخة في رُبى الخلد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫غ‬ ‫ولكنهم‬ ‫الدنيا‬ ‫هذه‬ ‫في‬ ‫المجهولون‬
‫إن العواصف العاتية تهب بعنف تريد اجتياح إسلمنا وديننا وعقيدتنا‬
‫من جذورها‪ ،‬وجهود خصوم السلم من الصليبية واليهودية والعلمانية‬
‫والباطنية والمبتدعة تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والدب‬
‫والسياسة وتريد تشويه تاريخنا فعندما نكون أمة بدون تاريخ‪ ،‬فلن‬
‫نكون أمة صالحة‪ .‬فما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم‬
‫يصنع رجال ً على تراخي العصور؟ فهل يمكننا أن نستلهم من‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪13‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الدروس والعبر من تاريخنا‪ ،‬ما يخزى أعداء الله ويرد كيدهم في‬
‫نحورهم‪ ،‬وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا؟‬
‫إن النسانية تترنح في هذه الونة الكالحة من التاريخ لبعدها عن‬
‫منهج الله تعالى‪ ،‬والدواء عند المسلمين وحدهم‪ ،‬فهل ينصفون‬
‫أنفسهم‪ ،‬وينقذون الخرين؟ قال الشاعر‪:‬‬
‫قرب الحبيب وما إليه وصول‬ ‫ومن العجائب والعجائب جمة‬
‫والماء فوق ظهورها محمول‬ ‫كالعيس في البيداء يقتلها‬
‫الظما‬
‫فهل من عودة إلى السلم‪ ،‬تزكي السرائر‪ ،‬وتبني الخلق‪،‬‬
‫وتصلنا بالقرآن الكريم‪ ،‬وتشعرنا بشرف النتماء إلى محمد ودينه‪،‬‬
‫وضرورة العمل بدعوته وسنة خلفائه الراشدين‪ ،‬أبى بكر وعمر‬
‫وعثمان وعلى وسائر أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين‪،‬‬
‫ونكون حلقه موصولة في دعم رسالة الحبيب × التي استوعبت‬
‫الزمن كله‪.‬‬
‫وقبل الحديث عن المصادر والمراجع التي تعاملت معها‪ ،‬لبد من‬
‫العتراف بأن هذا الجهد‪ ،‬لول توفيق الله سبحانه وتعالى‪ ،‬ثم جهود‬
‫علماء أهل السنة وطلب العلم‪ ،‬ممن ساروا على منهجهم‪ ،‬ما‬
‫استطعت أن أبحر في هذا البحر العميق‪ ،‬ولذلك أقرر بأنني استفدت‬
‫من الرسائل العلمية التي طبعت والتي لم تنشر‪ ،‬من حيث المادة‬
‫والمنهج‪ ،‬والحكم على الروايات‪ ،‬والرجوع إلى المصادر الحديثة‪،‬‬
‫والتاريخية وغيرها مع محاولة التطوير والستفادة من جهود الخرين‬
‫في البناء‪ ،‬وأخص بالذكر الدكتور أكرم ضياء العمري الذي أشرف‬
‫وناقش الكثير من هذه الرسائل في هذا المجال‪ ،‬فقد استفدت من‬
‫كتبه‪ ،‬كالسيرة النبوية الصحيحة‪ ،‬وعصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ومن‬
‫الرسائل التي أشرف عليها‪ ،‬كرسالة الدكتور يحيى اليحيى »الخلفة‬
‫الراشدة والدولة الموية من فتح الباري جمعا ً وتوثيًقا« ورسالة الستاذ‬
‫عبد العزيز المقبل في خلفة أبى بكر الصديق رضي الله عنه من خلل‬
‫كتب السنة والتاريخ دراسة نقدية للرويات باستثناء حروب الردة‪,‬‬
‫ورسالة الدكتور عبد العزيز بن محمد الفريح في تحقيق كتاب »محض‬
‫الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب« ليوسف بن‬
‫الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي الحنبلي‪ ،‬ورسالة الدكتور‬
‫محمد عبد الله الغبان في فتنة مقتل عثمان بن عفان‪ ،‬ورسالة عبد‬
‫الحميد على ناصر في خلفة على بن أبى طالب‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫الرسائل الجامعية التي أشرف عليها أساتذة آخرون‪ ،‬كرسالة د‪ .‬محمد‬
‫أمحزون في تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الطبري‬
‫والمحدثين‪ ،‬ورسالة سلمان العودة‪ ،‬عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث‬
‫الفتنة في صدر السلم‪ ،‬ورسالة الستاذة أسماء محمد أحمد زيادة‪،‬‬
‫دور المرأة السياسي في عهد النبي × والخلفاء الراشدين‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من الرسائل الجامعية‪ ،‬فالفضل لله سبحانه وتعالى ثم لساتذتي‬
‫وإخواني الذين مهدوا لي الطريق‪ ،‬فلهم منى الدعاء بظهر الغيب بأن‬
‫يتقبل الله جهودهم وتكون في ميزان حسناتهم يوم ل ينفع مال ول‬
‫بنون إل من أتى الله بقلب سليم‪.‬‬
‫أما المصادر التي في هذه الدراسة المتعلقة بعهد الخلفة‬
‫الراشدة فقد بدات‪:‬‬
‫‪ -1‬كتب الحديث‪ :‬وقد بدات بالكتب السنة؛ صحيحي البخاري‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪14‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ومسلم وسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجة‪ ،‬ثم موطأ‬
‫دا لستخراج المادة التاريخية‪ ،‬التي لها‬ ‫مالك ومسند أحمد‪ ،‬فبذلت جه ً‬
‫علقة بعهد الخلفة الراشدة ثم جمعت مادة تاريخية من مصنف عبد‬
‫الرزاق وابن أبى شيبة ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للبيهقي‬
‫وسنن سعيد بن منصور‪ ،‬ومسند الحميدي والطيالسي‪ ،‬ومجمع‬
‫الزوائد وكشف الستار عن زوائد البزار‪ ،‬وموارد الظمآن إلى زوائد‬
‫ابن حبان‪ ،‬ولم أغفل المعجم الكبير للطبراني وسنن الدار قطني‪،‬‬
‫واستفدت من جهود المحققين لما سبق ذكره من كتب الحديث في‬
‫الحكم على الروايات‪.‬‬
‫‪ -2‬كتب شروح الحديث‪:‬وأهمها فتح الباري لبن حجر‪ ،‬وشرح‬
‫النووي على صحيح مسلم ففيهما مادة تاريخية ل يستهان بها‪ ،‬كما‬
‫أن تعليقات ابن حجر والنووي على بعض الحداث التاريخية ذات‬
‫أهمية تاريخية‪.‬‬
‫‪ -3‬كتب التفسير‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬تفسير الطبري‪ ،‬والقرطبي‪،‬‬
‫وابن كثير‪ ،‬وأهتم بتعليقاتهم أكثر من الروايات التي نقلوها حيث إن‬
‫معظمها ذكر في كتب الحديث والتاريخ‪.‬‬
‫‪ -4‬كتب العقائد‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬منهاج السنة النبوية‪ ،‬لبن‬
‫تيمية‪ ،‬وهذا الكتاب استفدت منه فائدة عظيمة‪ ،‬وشرح الطحاوية‪،‬‬
‫والبانة في أصول الديانة‪ ،‬والعتقاد للبيهقي‪ ،‬والشريعة للجرى‬
‫وغيرها من كتب العقائد‪ ،‬حيث نقلت منها أقوال السلف فيما يتعلق‬
‫بالخلفاء الراشدين‪ ،‬ومكانة الصحابة رضي الله عنهم‪.‬‬
‫‪ -5‬كتب الفقه‪ :‬وأهمها المغنى لبن قدامة‪ ،‬والمجموع للنووي‪،‬‬
‫وبداية المجتهد لبن رشد وغيرها من كتب الفقه‪ ،‬حيث استفدت منها‬
‫في المسائل الفقهية والقضائية التي اجتهد فيها الخلفاء الراشدون‪.‬‬
‫‪ -6‬كتب الدب‪ :‬حيث استخرجت منها بعض البيات المنسوبة‬
‫للخلفاء الراشدين أو تمثلوا بها‪ ،‬أو استمعوا إليها‪ ،‬ولكون كتب الدب‬
‫ليس لها أسانيد وفيها الغث والسمين‪ ،‬لذلك كان اختياري للبيات‬
‫الشعرية التي تنسجم مع كتاب الله وسنة رسوله × وأخلق ذلك‬
‫الجيل الفريد‪ ،‬ومن أهم هذه الكتب‪ ،‬عيون الخبار لبن قتيبة‪ ،‬والدب‬
‫السلمي في عهد النبوة لنايف معروف‪.‬‬
‫‪ -7‬كتب الزهد والرقائق‪ :‬واستخرجت منها أقوال الخلفاء‬
‫الراشدين في هذا العلم ومن أهم هذه الكتب‪ ،‬عدة الصابرين‬
‫وذخيرة الشاكرين لبن القيم‪ ،‬ومدارج السالكين لبن القيم‪ ،‬مختصر‬
‫منهاج القاصدين لحمد بن عبد الرحمن المقدسى‪ ،‬وغيرها من‬
‫الكتب‪.‬‬
‫‪ -8‬كتب الفرق والمذاهب‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬الفصل في المل‬
‫والهواء والنحل‪ ،‬لبى محمد بن حزم الظاهري‪ ،‬وأصول مذهب‬
‫الشيعة المامية الثنى عشرية د‪ .‬ناصر القفاري‪.‬‬
‫‪ -9‬كتب في أنظمة الحكم‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬نظام الحكومة‬
‫السلمية للكتاني‪ :‬المسمى التراتيب الدارية‪ ،‬ونظام الحكم في‬
‫الشريعة والتاريخ السلمي‪ ،‬لظافر القاسمي‪.‬‬
‫‪ -10‬كتب في التراجم‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬سير أعلم النبلء‬
‫للذهبي‪ ،‬شذرات الذهب في أخبار من ذهب‪ ،‬لعبد الحي الحنبلي‪،‬‬
‫أسد الغابة‪ ،‬لبن الثير‪ ،‬سير السلف لبى القاسم الصفهاني‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪15‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -11‬كتب في الجرح والتعديل‪ :‬وأهم هذه الكتب‪ ،‬تهذيب الكمال‬
‫في أسماء الرجال‪ ،‬للحافظ المزى‪ ،‬والجرح والتعديل‪ ،‬لبن أبى‬
‫حاتم‪ ،‬الثقات لبن حبان‪ ،‬الكامل في ضعفاء الرجال لبن عدى‪.‬‬
‫‪ -12‬كتب التاريخ‪ :‬وأهمها تاريخ الطبري‪ ،‬وهذا الكتاب نقل إلينا‬
‫الروايات الصحيحة والضعيفة والموضوعة بأسانيدها‪ ،‬وفيما يتعلق‬
‫بالعقيدة والحكام الشرعية والحداث التي تتعلق بالصحابة‪ ،‬لبد من‬
‫خضوع الروايات للجرح والتعديل وبيان الروايات الشيعية الرافضية‪،‬‬
‫والكذابين والمجاهيل‪ ،‬وقد استفدت في هذا الشأن من كتاب‬
‫استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ‬
‫الطبري‪ ،‬لخالد الغيث‪ ،‬ومرويات أبى مخنف في تاريخ الطبري‪،‬‬
‫للدكتور يحيى إبراهيم اليحيى‪ ،‬وأثر التشيع على الروايات التاريخية‬
‫د‪ .‬عبد العزيز نور ولي‪ ،‬ومن أهم هذه الكتب‪ ،‬البداية والنهاية لبن‬
‫كثير‪ ،‬وغيرها من الكتب التاريخية‪.‬‬
‫هذا أهم المصادر التي رجعت إليها مع كم كبير‬
‫من المراجع الحديثة المتنوعة‪.‬‬
‫هذا وقد تشددت في تصحيح الروايات أو الحكم عليها فيما يتعلق‬
‫بالعقائد والحكام والصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬وفي هذا الشأن ما أنا‬
‫إل ناقل لقوال العلماء المتخصصين في هذا العلم‪ ،‬فالفضل لله ثم‬
‫لهم‪ ،‬واجتهدت في تصوير الحدث التاريخي من الروايات الصحيحة‬
‫فقدمتها وأخذت بالحسنة ولم أهمل الروايات الضعيفة‪ ،‬فقد أفدت‬
‫منها في إكمال الصورة التي ل تسدها الروايات الصحيحة والحسنة‬
‫بما يتوافق مع روح ذلك العصر‪ ،‬لكن فيما ل يتعلق بعقيدة أو شريعة‪،‬‬
‫ودخلت في مناقشات لشبهات وافتراءات الرافضة والمستشرقين‬
‫وبعض الكتاب المعاصرين‪ ،‬وقد حرصت على طرح منهج أهل السنة‬
‫صا في عهد‬ ‫فيما يتعلق بالعهد الراشدي والرد على الشبهات‪ ،‬خصو ً‬
‫دت أفكار كثيرة من بعض‬‫عثمان وعلى رضي الله عنهما‪ ،‬وقد ج ّ‬
‫الخوة العزاء حول دراسة عهد الخلفة الراشدة‪ ،‬والعزم ماض بإذن‬
‫الله على تطويرها‪ ،‬بما يلئم ذلك العصر الزاهر ونسأل الله تعالى‬
‫السداد والتوفيق‪.‬‬
‫هذا وقد أفردت خامس الخلفاء الراشدين‪ ،‬الحسن بن على بن‬
‫أبى طالب بدراسة خاصة نظًرا لهمية اجتهاداته في فقه السياسة‬
‫الشرعية وفقه المصالح والمفاسد‪ ،‬وما كان يملكه من رؤية إصلحية‬
‫توجت بتنازله عن الخلفة لمعاوية رضي الله عنه‪ ،‬وما تعرض له أثناء‬
‫اتخاذه الخطوات التنفيذية لتلك الرؤية من عوائق ومصائب‪ ،‬وما‬
‫تميزت به شخصيته الفذة من قدرة على امتلك مشروع إصلحي‬
‫وعزم على التنفيذ كان سبًبا في توحيد المة وتحقيق نبوءة النبي ×‬
‫في قوله‪» :‬ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين‬
‫من المسلمين«‪،‬وبتنازل الحسن بن على عن الخلفة ومبايعته‬
‫معاوية رضوان الله عليهم أجمعين تنتهي بذلك فترة خلفة النبوة‬
‫وهي ثلثون سنة‪ ،‬والحجة في ذلك قول رسول الله ×‪» :‬خلفة‬
‫ثلثون سنة‪ ،‬ثم يؤتي الله الملك‪ ،‬أو ملكة من‬ ‫)‪(1‬‬
‫النبوة‬
‫×‪» :‬الخلفة في أمتى ثلثون سنة‪ ،‬ثم‬ ‫وقوله‬ ‫‪،‬‬ ‫«‬‫يشاء‬
‫ملك بعد ذلك« )‪،(2‬وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال‪ :‬وإنما‬
‫‪1‬‬
‫)( صحيح سنن أبى داود )‪ (3/879‬لللباني‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( سنن الترمذي مع شرح الحوذي )‪ (397 -6/395‬قال الترمذي‪ :‬هذا حديث‬
‫حسن‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪16‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫كملت الثلثون بخلفة الحسن بن على‪ ،‬فإنه نزل على الخلفة‬
‫لمعاوية في ربيع الول من سنة إحدى وأربعين‪ ،‬وذلك كمال ثلثين‬
‫سنة من موت رسول الله ×‪ ،‬فإنه توفى في ربيع الول سنة إحدى‬
‫الهجرة‪ ،‬وهذا من دلئل النبوة صلوات الله وسلمه عليه‬ ‫عشرة من‬
‫ما)‪ .(1‬وبذلك يكون الحسن بن على رضي الله عنه‬ ‫وسلم تسلي ً‬
‫خامس الخلفاء الراشدين‪ ،‬وبإذن الله تعالى سوف يكون مع كتاب‬
‫الحسن بن على خلصات مهمة فيما يتعلق بدراسة عهد الخلفة‬
‫الراشدة من معالمها وخصائصها‪ ،‬وأسباب زوالها‪ ،‬ونظام حكمها‬
‫وصفات جيلها‪ ،‬وقادتها ودستورها‪ ،‬وإدارة الزمات فيها‪ ،‬واستنباط‬
‫قوانين وسنن للنهوض‪ ،‬ومكانة المرأة في العهد الراشدي‪،‬‬
‫ومؤسسات الدولة‪ ،‬وفقه القدوم على الله عند ذلك الجيل‪.‬‬
‫ى من‬ ‫هذا وقد حرصت على تناول شخصية أمير المؤمنين عل ّ‬
‫جوانبها المتنوعة‪ ،‬فحياته صفحة مشرقة في تاريخ المة‪ ،‬وهو من‬
‫الئمة الذين يتأسى الناس بهديهم وأقوالهم وأفعالهم في هذه‬
‫الحياة‪ ،‬فسيرته من أقوى مصادر اليمان‪ ،‬والعاطفة السلمية‬
‫الصحيحة‪ ،‬والفهم السليم لهذا الدين‪ ،‬فنتعلم منه فقهه في التعامل‬
‫مع السنن وحسن توجيهها‪ ،‬وكيف نعيش مع القرآن الكريم ونهتدي‬
‫بهديه ونقتدي برسول الله ×‪ ،‬وأهمية الخوف من الله والخلص له‬
‫وابتغاء ما عنده في نجاح العبد في الدارين‪ ،‬وأثر هذه المعاني في‬
‫حياة المة السلمية ونهوضها وقيامها بدورها الحضاري المنشود‪،‬‬
‫فلذلك اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي‪،‬‬
‫غير مدع عصمة‪ ،‬ول متبرئ من زلة‪ ،‬ووجه الله الكريم ل غيره‬
‫قصدت‪ ،‬وثوابه أردت‪ ،‬وهو المسئول في المعونة عليه‪ ،‬والنتفاع به‪،‬‬
‫إنه طيب السماء‬
‫وسميع الدعاء‪.‬‬
‫هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت الساعة الواحدة إل‬
‫خمس دقائق ظهًرا بتاريخ ‪17‬ربيع الخر ‪1424‬هـ ‪ -‬الموافق ‪7‬يونيو‬
‫‪2003‬م‪ ،‬والفضل لله من قبل ومن بعد‪ ،‬وأسأله سبحانه وتعالى‬
‫صا‬
‫بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خال ً‬
‫ولعباده نافًعا‪ ،‬وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان‬
‫حسناتي‪ ،‬وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل‬
‫إتمام هذا الجهد المتواضع‪ ،‬ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا‬
‫ربه ومغفرته ورحمته‬ ‫عفو‬ ‫الفقير إلى‬ ‫الكتاب أل ينسى العبد‬
‫ك ال ِّتي‬ ‫مت َ َ‬ ‫شك َُر ن ِ ْ‬
‫ع َ‬ ‫ن أَ ْ‬ ‫َ‬
‫ع َِني َأ ْ‬ ‫ز ْ‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫ْ‬
‫‪+‬رب أ َ‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َورضوانه من دعائه‪:‬‬
‫ه‬
‫ضا ُ‬ ‫حا ت َْر َ‬ ‫صال ِ ً‬ ‫ل َ‬ ‫م َ‬ ‫ع َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫وأ ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬
‫وال ِدَ ّ‬ ‫َ‬ ‫عَلى‬ ‫و َ‬‫ي َ‬ ‫عل َ ّ‬ ‫ت َ‬ ‫م َْ‬ ‫ع ْ‬ ‫أن ْ َ َ‬
‫ما‬‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫‪.‬وقال‬ ‫"‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫حي‬‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫صا‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫د‬
‫َ ِ‬ ‫با‬ ‫ع‬
‫ِ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ح‬ ‫ر‬
‫ِ َ ْ َ‬ ‫ب‬ ‫ني‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫خ‬ ‫ِ‬ ‫وأ ْ‬
‫د‬ ‫َ‬
‫فل َ‬‫ك َ‬ ‫س ْ‬ ‫م ِ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ما‬ ‫و‬
‫َ َ َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫س‬ ‫ِ‬ ‫م‬
‫ُْْ‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ة‬
‫ٍ‬ ‫َْ‬‫م‬ ‫ح‬ ‫ْ‬ ‫ر‬‫ّ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫س‬ ‫نا‬
‫ّ‬ ‫لل‬‫ِ‬ ‫ه‬
‫َُ‬ ‫الل‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ف‬‫يَ ْ‬
‫ِ‬ ‫س َ‬ ‫ِ‬
‫م"‪ .‬وصلي الله على‬ ‫كي ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫زيُز ال َ‬ ‫ع ِ‬ ‫و ال َ‬ ‫ه َ‬
‫و ُ‬ ‫ه َ‬ ‫د ِ‬‫ع ِ‬ ‫من ب َ ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫لل ُ‬ ‫مْر ِ‬ ‫ُ‬
‫سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم‪.‬‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل أله إل أنت‪ ،‬أستغفرك‬
‫وأتوب إليك‪ ،‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته‬
‫ورضوانه‬
‫صلبي‬ ‫على محمد ال ّ‬

‫‪1‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(8/16‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪17‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الفصل الول‬
‫على بن أبى طالب رضي الله عنه بمكة‬
‫المبحث الول‬
‫اسمه ونسبه وكنيته وصفته وأسرته‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬اسمه وكنيته ولقبه‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫‪ -1‬اسمه ونسبه‪ :‬هو على بن أبى طالب )عبد مناف( بن عبد‬
‫المطلب‪ ،‬ويقال له شيبة الحمد )‪ (2‬بن هاشم بن عبد مناف بن قصى‬
‫بن كلب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن‬
‫خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان)‪,(3‬‬
‫فهو ابن عم رسول الله × ويلتقي معه في جده الول عبد المطلب‬
‫بن هاشم‪ ،‬وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي ×‪ ،‬وكان اسم‬
‫على ّ عند مولوده أسد‪ ،‬سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها‬
‫أسد بن هاشم‪ ،‬ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول‪:‬‬
‫)‪(5‬‬ ‫)‪(4‬‬
‫كليث غابات كريه المنظرة‬ ‫أنا الذي سمتني أمي حيدرة‬
‫وكان أبو طالب غائًبا فلما عاد‪ ،‬لم يعجبه هذا السم وسماه علًيا‬
‫)‪.(6‬‬
‫‪ -2‬كنيته‪ :‬أبو الحسن‪ ،‬نسبه إلى أبنه الكبر الحسن وهو من ولد‬
‫ضا بأبى تراب‪ ،‬كنية كناه بها‬
‫فاطمة بنت رسول الله ×‪ ،‬ويكنى أي ً‬
‫النبي ×‪ ،‬وكان يفرح إذا نودي بها‪ ،‬وسبب ذلك أن الرسول × جاء‬
‫أين ابن‬‫)‪(7‬‬
‫بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد علًيا في البيت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل‬
‫عندي‪ ،‬فقال × لنسان‪ :‬انظر أين هو؟ فجاء فقال‪ :‬يا رسول الله هو‬
‫في المسجد راقد‪ ،‬فجاء رسول الله × وهو مضطجع وقد سقط‬
‫وأصابه‪(8‬تراب‪ ،‬فجعل رسول الله × يمسحه عنه‬ ‫)‬
‫رداءه عن شقه‬
‫إل‬ ‫سماه‬ ‫ما‬ ‫والله‬ ‫البخاري‪:‬‬ ‫رواية‬ ‫ومن‬ ‫‪,‬‬ ‫تراب‬ ‫ويقول‪(9:‬قم أبا‬
‫كناه‪ :‬أبو الحسن والحسين وأبو القاسم الهاشمى )‪,(10‬‬ ‫)‪(11‬‬
‫النبي ) ‪ ,‬ومن‬
‫‪.‬‬ ‫وأبو السبطين‬

‫‪1‬‬
‫)( أبو طالب اسمه عبد مناف‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( عبد المطلب اسمه شيبة الحمد‪ ،‬الستيعاب )‪.(3/1089‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪ ،(3/19‬صفة الصفوة )‪ ،(1/308‬البداية والنهاية )‪،(7/333‬‬
‫الصابة )‪ ,(1/507‬الستيعاب )‪ ,(10891‬المنتظم )‪ ,(5/66‬المعجم الكبير‬
‫للطبراني )‪.(1/50‬‬
‫‪4‬‬
‫)( حيدرة‪ :‬من أسماء السد‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬ص )‪.(617‬‬
‫‪6‬‬
‫)( غريب الحديث للخطابي )‪ ،(2/170‬خلفة على ّ بن أبى طالب‪ ،‬عبد الحميد بن‬
‫على ناصر فقيهي ص )‪.(18‬‬
‫‪7‬‬
‫)( من قال يقيل فالقيلولة‪ :‬الظهيرة‪ ،‬وتكون بمعنى النوم في الظهيرة‪ ،‬اللسان )‬
‫‪.(11/577‬‬
‫‪8‬‬
‫)( مسلم في صحيحه رقم )‪.(2409‬‬
‫‪9‬‬
‫)( البخاري في صحيحه رقم )‪.(3280 ،3703 ،441‬‬
‫‪10‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(7/223‬‬
‫‪11‬‬
‫)( أسد الغابة )‪ ،(4/16‬والسبطان‪ :‬الحسن والحسين‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪18‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -3‬لقبه‪ :‬أمير المؤمنين‪ ،‬ورابع الخلفاء الراشدين )‪.(1‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مولده‪:‬‬
‫اختلفت الروايات وتعددت في تحديد سنة ولدته‪ ،‬فقد ذكر‬
‫عشرة‬ ‫الحسن البصري أن ولدته قبل البعثة بخمس عشرة أو ست‬
‫إسحاق أن ولدته قبل البعثة بعشر سنين )‪,(3‬‬‫)‪(4‬‬
‫سنة )‪ ,(2‬وذكر ابن‬
‫ورجح ابن حجر قوله ‪ ,‬وذكر الباقر محمد بن على قولين‪ :‬الول‪:‬‬
‫كالذي ذكره بن إسحاق‪ ،‬ورجحه ابن حجر‪ ،‬وهو أنه ولد قبل البعثة‬
‫بعشر سنين )‪ ,(5‬وأما الثاني‪ :‬فيذكر أنه ولذ قبل البعثة بخمس سنين‬
‫وابن إسحاق فيكون مولده على‬ ‫)‪(7‬‬
‫)‪ ,(6‬وقد ملت إلى قول ابن حجر‬
‫التحقيق قبل البعثة بعشر سنين ‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي )‪ ,(8‬أن علًيا أول من ولد من بنى هاشم في جوف‬
‫الكعبة‪(9)،‬وأما الحاكم فقال‪ :‬إن الخبار تواترت أن علًيا ولد في جوف‬
‫الكعبة ‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬السرة وأثرها في العقاب‪:‬‬
‫لقد دل علم التشريح‪ ،‬وهو دراسة التركيب الجسدي‪ ،‬ولعم‬
‫النفس‪ ،‬وعلم الخلق‪ ،‬وعلم الجتماع‪ ،‬على تأثير الدم والسللت‬
‫في أخلق الجيال وصلحياتها ومواهبها‪ ،‬وطاقاتها‪ ،‬إلى حد معين‪ ،‬في‬
‫أكثر الحوال‪ ،‬وذلك عن ثلث طرق‪:‬‬
‫)أ( القيم والمثل التي مازال آباء هذه السرة وأجدادها يؤمنون‬
‫بها أشد اليمان ويحافظون عليها‪ ،‬أو يحاولون أن يحافظوا عليها أشد‬
‫المحافظة‪ ،‬ويتنبلون لها ويمجدون‪ ،‬ويعتبرون من جار عليها من أبناء‬
‫السرة‪ ،‬أو خالفها وحاد عنها شارًدا غريًبا‪ ،‬ويرون في ذلك غضاضة‪،‬‬
‫وسقوط همة وقلة مروءة‪ ،‬وعقوًقا للباء وإساءة إليهم ل تغتفر في‬
‫قوانين هذه السرة العرفية المتوارثة‪.‬‬
‫)ب( حكايات الباء وعظماء السرة في البطولة والفتوة‬
‫والفروسية‪ ،‬والشهامة‪ ،‬والنفة والباء‪ ،‬والجود والسخاء‪ ،‬وحماية‬
‫المظلومين والضعفاء‪ ،‬تتناقلها الجيال وتتباهى بها‪ ،‬وذلك في سن‬
‫مبكرة‪ ،‬ومن أيام الصبا إلى سن الشباب والكهولة‪ ،‬فتؤثر في تكوين‬
‫عقليتها ومشاعرها‪ ،‬وتعيين المقاييس للعظة والرجولة‪ ،‬والبر بالباء‪،‬‬
‫وتبرير شهرة السرة والسللة‪.‬‬
‫)ج( تأثير الدم الموروث في أعضاء السرة كابًرا عن كابر‪ ،‬في‬

‫‪1‬‬
‫)( تاريخ السلم للذهبي‪ :‬ص )‪ ،(376‬البداية والنهاية )‪ ،(7/223‬خلصة تهذيب‬
‫الكمال )‪.(25012‬‬
‫‪2‬‬
‫)( المعجم الكبير للطبراني )‪ (1/54‬رقم ‪163‬بسند مرسل‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية )‪(1/262‬دون إسناد‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الصابة )‪(2/501‬ترجمة على‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( المعجم الكبير اللطبراني )‪ (1/53‬رقم ‪165‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( المصدر السابق )‪ (1/53‬رقم ‪166‬إسناده حسن إلى محمد الباقر حيث‬
‫أرسلها‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( فتح الباري )‪ ،(7/174‬والصابة )‪.(2/507‬‬
‫‪8‬‬
‫)( صاحب أخبار مكة‪ ،‬حقق الكتاب عبد الملك بن دهيش‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( المستدرك على الصحيحين )‪ (3/483‬دون إسناد‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪19‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫أسرة حافظت على أنسابها وأصالتها‪ ،‬وذلك ما أيده علم السللت)‪,(1‬‬
‫وهذا ليس على إطلقه‪ ،‬وقاعدة مطردة‪ ،‬ل تقبل استثناء‪ ،‬ول شذوًذا‬
‫ديل ً‬ ‫ه ت َب ْ ِ‬
‫ت الل ِ‬‫سن ّ ِ‬ ‫فَلن ت َ ِ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬ ‫كالسنن اللهية التي قال الله عنها ‪َ +‬‬
‫ويل ً" ]فاطر‪ ،[43:‬وإلى ذلك أشار النبي‬ ‫ح ِ‬‫ه تَ ْ‬
‫ت الل ِ‬‫سن ّ ِ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬‫وَلن ت َ ِ‬
‫َ‬
‫)‪(2‬‬
‫× في قوله‪» :‬الناس معادن كمعادن الفضة والذهب‪،‬‬
‫فقهوا« ‪،‬‬ ‫خيارهم في الجاهلية خيارهم في السلم إذا‬
‫وقوله ×‪» :‬من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه« )‪ ,(3‬وليس‬
‫في ذلك من تقديس الدم الموروث الدائم‪ ،‬وتركيز الرئاسة الدينية‬
‫والزعامة الروحية العلمية في أسرة معينة‪ ،‬واحتكارها لقيادة امة‪،‬‬
‫دينًيا وروحًيا وعلمًيا بشكل دائم‪ ،‬وهو الذي عانى منه العالم القديم –‬
‫قبل السلم – فساًدا اجتماعًيا وخلقًيا جارًفا‪ ،‬واستبداًدا فظيًعا‪،‬‬
‫ل مادًيا شنيًعا‪ ،‬تزخر به كتب التاريخ وشهادات المؤرخين‬ ‫واستغل ً‬
‫للمبراطوريتين الرومية والساسانية‪ ،‬والمجتمعين الغريقي والهندي‬
‫)‪ ,(4‬وغيرها من الجاهليات‪ ،‬ولذلك يحسن بنا أن نشير إلى وضع‬
‫السرة والسللة‪ -‬اللتين ولد ونشأ فيهما أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب رضي الله عنه – العرقي والجتماعي‪ ،‬وما كانتا تمتازان به‬
‫من خصائص وأعراف‪ ،‬وتقاليد وتراث خلقي ونفسي‪ ،‬وكيف كان‬
‫العرب ينظرون)‪(5‬إليهما ويقرون لهما بالفضل‪ ،‬ونبدأ في ذلك بقريش‪،‬‬
‫ثم ببنى هاشم ‪.‬‬
‫‪ -1‬قبيلة قريش‪:‬أقر العرب كلهم بعلو نسب قريش‪ ،‬وسيادتها‪،‬‬
‫وفصاحة لغتها‪ ،‬ونصاعة بيانها‪ ،‬وكرم أخلقها وشجاعتها وفتوتها‪،‬‬
‫شا ول جدال ً )‪,(6‬وكانوا حلفاء متآلفين‬ ‫وذهب ذلك مثل ً ل يقبل نقا ً‬
‫متمسكين بكثير من شريعة إبراهيم الخليل عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫ولم يكونوا كالعراب الذين ل يوقرهم دين‪ ،‬ول يزينهم أدب‪ ،‬وكانوا‬
‫يحبون أولدهم‪ ،‬ويحجون البيت‪ ،‬ويقيمون المناسك‪ ،‬ويكفنون‬
‫موتاهم‪ ،‬ويغتسلون من الجنابة‪ ،‬ويتبرءون من الهرابذة )‪,(7‬ويتباعدون‬
‫دا‬
‫عن المناكح من البنت وبنت البنت والخت وبنت الخت‪ ،‬غيرة وبع ً‬
‫صنيعهم‪(8‬وحسن اختيارهم‪ ،‬وكانوا‬ ‫من المجوسية‪ ،‬ونزل القرآن بتأكيد‬
‫يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلًثا ) ‪ ،‬ومما زاد شرفهم أنهم‬
‫في ذلك‪ ،‬ول‬ ‫)‪(9‬‬
‫كانوا يتزوجون من أي قبيلة شاءوا‪ ،‬ول شرط عليهم‬
‫دينهم‪،‬‬ ‫على‬ ‫سا‬
‫دا حتى يشترطوا عليه أن يكون متحم ً‬ ‫يزوجون أح ً‬
‫يرون ذلك ل يحل لهم ول يجوز لشرفهم‪ ،‬حتى يدان إليهم وينقاد)‪.(10‬‬
‫‪ -2‬بنو هاشم‪:‬أما بنو هاشم فكانوا واسطة العقد في قريش‪ ،‬وإذا‬
‫قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم – وهو‬
‫‪1‬‬
‫)( المرتضى سيرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬لبى الحسن الندوى ص‬
‫‪.20-19‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/539‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسلم‪ .‬ك الذكر والدعاء والتوبة‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(20‬‬
‫‪5‬‬
‫)( فيما يتعلق بخصائص ومزايا العرب ينظر إلى السيرة النبوية للندوى‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( السيرة النبوية للندوي‪ :‬ص)‪.(74‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الهرابذة‪ :‬قوام بيت النار‪ ،‬فارسى معرب وقيل‪ :‬عظماء الهند أو علماؤهم‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( بلوغ الرب في معرفة أحوال العرب )‪ (1/243‬لللوسى‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫سا‪ :‬التحمس‪ :‬التشدد في الدين‪.‬‬ ‫)( متحم ً‬
‫‪10‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪ ،(22‬بلوغ الرب في معرفة أحوال العرب )‪.(1/243‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪20‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫دا – استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلء من‬ ‫قليل من كثير ج ً‬
‫مشاعر النسانية الكريمة‪ ،‬والعتدال في كل شيء‪ ،‬ورجاحة العقل‪،‬‬
‫وقوة اليمان بما للبيت من مكانة عند الله‪ ،‬والبعد عن الظلم‬
‫ومكابرة الحق‪ ،‬وعلو الهمة‪ ،‬والعطف على الضيف والمظلوم‪،‬‬
‫والسخاء‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬وما تشتمل عليه كلمة )الفروسية( عند العرب‬
‫من معان كريمة وخلل حميدة‪ ،‬والسيرة التي تليق بأجداد الرسول‬
‫الكريم×‪ ،‬تتفق ويتفق مع ما كان يفضله ويدعو إليه من مكارم‬
‫في زمن الفترة‪ ،‬وسايروا أبناء قومهم في‬ ‫الخلق‪ ،‬غير أنهم عاشوا‬
‫عقائد الجاهلية‪ ،‬وعباداتها )‪ (1‬ولم يصل بنو هاشم إلى هذه المكانة‬
‫في مجتمعهم إل بالتضحية والعطاء والبذل وخدمة الناس‪.‬‬
‫طالب‬ ‫ى بن أبى‬ ‫‪ -3‬عبد المطلب بن هاشم‪:‬جد الرسول × وعل ّ‬
‫رضي الله عنه‪ :‬ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة )‪,(2‬‬
‫بعد عمه المطلب‪ ،‬فأقامهما للناس‪ ،‬وأقام لقومه ما كان آباؤه‬
‫قومه شرًفا لم يبلغه‬ ‫يقيمون قبله لقومهم من أمرهم‪ ،‬وشرف في‬
‫أحد من آبائه‪ ،‬وأحبه قومه وعظم خطره فيهم )‪.(3‬‬
‫ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش‪ ،‬ولم يكن سيد مكة‬
‫الوحيد المطاع‪ ،‬كما كان ُقصى‪ ،‬إذا كان في مكة رجال كانوا أكثر‬
‫منه مال وسلطاًنا‪ ،‬إنما كان وجيه قومه‪ ،‬لنه كان يتولى السقاية‬
‫والرفادة‪ ،‬وبئر زمزم‪ ،‬فهي وجاهة ذات صلة بالبيت )‪ ,(4‬ويتجلى إيمان‬
‫عبد المطلب بأن لهذا البيت مكانة عند الله‪ ،‬وأنه حاميه ومانعه‪،‬‬
‫وتتجلى نفسية سيد قريش السامية‪ ،‬وشخصيته القوية الشامخة في‬
‫حديث دار بينه وبين أبرهة ملك الحبشة‪ ،‬وقد غزا مكة وأراد أن يهين‬
‫البيت ويقضى على مكانته‪ ،‬وقد أصاب لعبد المطلب مائتى بعير‪،‬‬
‫فاستأذن له عليه‪ ،‬وقد أعظمه أبرهة ونزل له عن سريره فأجلسه‬
‫ى الملك مائتى بعير‬ ‫معه‪ ،‬وسأله عن حاجته‪ ،‬فقال‪ :‬حاجتي أن يرد عل ّ‬
‫أصابها لي‪ .‬فلما قال له ذلك زهد فيه الملك وتفادته عينه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫أتكلمني في مائتى بعير أصبتها لك‪ ،‬وتترك بيًتا هو دينك ودين آبائك‪،‬‬
‫قد جئت لهدمه‪ ،‬ل تكلمني فيه؟! قال عبد المطلب‪ :‬إني أنا رب‬
‫البل‪ ،‬وإن للبيت رًبا سيمنعه‪ ،‬قال‪ :‬ما كان يمتنع مني‪ ،‬قال‪ :‬أنت‬
‫وذاك )‪ ,(5‬وقد كان ما قاله عبد المطلب‪ ،‬فحمى رب البيت بيته‪،‬‬
‫م‬ ‫َ‬ ‫س َ‬ ‫وجعل كيد أبرهة وجيشه في تضليل‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬
‫ه ْ‬
‫علي ْ ِ‬ ‫ل َ‬ ‫وأْر َ‬ ‫َ‬
‫م‬‫ه ْ‬‫عل َ ُ‬‫ج َ‬
‫ف َ‬‫ل ‪َ ‬‬ ‫جي ٍ‬‫س ّ‬
‫من ِ‬‫ة ّ‬
‫جاَر ٍ‬
‫ح َ‬
‫هم ب ِ ِ‬‫مي ِ‬
‫ل ‪ ‬ت َْر ِ‬ ‫طَي ًْرا أ ََباِبي َ‬
‫ل" ]الفيل‪.[5-3:‬‬ ‫مأ ْ ُ‬
‫كو ِ‬ ‫ف ّ‬ ‫ص ٍ‬ ‫ع ْ‬ ‫كَ َ‬
‫وكان عبد المطلب يأمر أولده بترك الظلم والبغي‪ ،‬ويحثهم على‬
‫مكارم الخلق وينهاهم عن دنيئات المور )‪،(6‬ومات عبد المطلب بعد‬
‫أن جاوز الثمانين‪ ،‬وعمر الرسول ثماني سنين‪ ،‬ومعنى ذلك أنه توفى‬
‫‪1‬‬
‫)( بلوغ الرب في معرفة أحوال العرب لللوسى )‪.(1/243‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الرفادة‪ :‬إطعام الحجاج في أيام الموسم حتى يتفرقوا‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/142‬‬
‫‪4‬‬
‫)( المفصل في تاريخ العرب قبل السلم‪ ،‬جواد على )‪ ،(4/58‬المرتضى‪ :‬ص)‬
‫‪.(22‬‬
‫‪5‬‬
‫)( سيرة ابن هشام )‪ (1/49‬المرتضي‪ :‬ص )‪.(23‬‬
‫‪6‬‬
‫)( بلوغ الرب في معرفة احوال العرب )‪.(1/324‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪21‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(1‬‬
‫ما كثيرة‬ ‫للميلد ‪ ,‬وذكر أنه لم تقم بمكة سوق أيا ً‬ ‫حوالي سنة ‪578‬‬
‫)‪(2‬‬
‫لوفاة عبد المطلب ‪.‬‬
‫‪ -4‬أبو طالب والد على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬أبو‬
‫دا‪ ،‬فإذا خرج خرج‬ ‫طالب ل مال له‪ ،‬كان يحب ابن أخيه حًبا شدي ً‬
‫معه‪ ،‬فقد كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله × بعد جده‪،‬‬
‫فكان إليه ومعه )‪ ,(3‬وعندما أعلن رسول الله × الدعوة إلى الله‬
‫وصدع بها وقف أبو طالب بجانب رسول الله × وصمم على‬
‫دا ومكًرا‪،‬‬ ‫ما وحس ً‬ ‫مناصرته وعدم خذلنه‪ ،‬فاشتد ذلك على قريش غ ً‬
‫وإن المرء ليسمع عجًبا ويقف مذهول ً أمام مروءة أبى طالب مع‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن اخيه محمد‬
‫×‪ ،‬بل واستفاد من كونه زعيم بني هاشم أن ضم بنى هاشم‪ ،‬وبنى‬
‫عا لرسول الله‬ ‫المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت‪ ،‬دفا ً‬
‫دا ×‬‫×‪ ،‬مسلمهم ومشركهم على السواء )‪ ,(4‬وأجار ابن أخيه محم ً‬
‫إجارة مفتوحة ل تقبل التردد والحجام‪ ،‬ولما رأى أبو طالب من‬
‫قومه ما سره من جهدهم معه‪ ،‬وحدبهم عليه‪ ،‬جعل يمدحهم ويذكر‬
‫قديمهم‪ ،‬وفضل رسول الله فيهم‪ ،‬ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم‬
‫وليحبوا معه على أمره )‪ (5‬فقال‪:‬‬
‫فعبد مناف سرها وصميمها‬ ‫ما قريش‬ ‫إذا اجتمعت يو ً‬
‫لمفخر‬
‫ففي هاشم أشرافها وقديمها‬ ‫وإن حصلت أشراف عبد‬
‫منافها‬
‫هو المصطفى من سرها‬ ‫دا‬
‫ما فإن محم ً‬ ‫ً‬ ‫يو‬ ‫فخرت‬ ‫وإن‬
‫وكريمها‬
‫علينا فلم تظفر وطاشت‬ ‫تداعت قريش غثها وسمينها‬
‫حلومها‬
‫صْعر الخدود‬ ‫إذا ما ثنوا ُ‬ ‫ما ل نقر ظلمة‬ ‫وكنا قدي ً‬
‫نقيمها‬
‫ولما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه‪ ،‬قال‬
‫قصيدته التي تعوذ فيها بحرمة مكة‪ ،‬وبمكانة منها‪ ،‬وتودد فيها أشراف‬
‫قومه‪ ،‬وهو على ذلك يخبرهم في ذلك من شعره‪ ،‬أنه غير مسلم‬
‫دا حتى يهلك دونه فقال‪:‬‬ ‫رسول الله ×‪ ،‬ول تاركه لشيء أب ً‬
‫وقد قطعوا كل العرى‬ ‫ولما رأيت القوم ل ود فيهم‬
‫والوسائل‬
‫وقد طاوعوا أمر العدو‬ ‫وقد صارحونا بالعداوة والذى‬
‫المزايل‬
‫ظا خلفنا بالنامل‬ ‫يعضون غي ً‬ ‫وقد حالفوا قوما علينا أظنة‬

‫‪1‬‬
‫المفصل في تاريخ العرب قبل السلم )‪.(4/78‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أنساب الشراف للبلذرى )‪.(1/78‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المرتضى ص )‪،(24‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/179‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫فقه السيرة النبوية للغضبان ص)‪.(184‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للصلبي )‪.(1/158‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪22‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وأبيض عضب من تراث‬ ‫صبرت لهم نفسي بسمراء‬
‫المقاول‬ ‫سمحة‬
‫وأمسكت من أثوابه بالوصائل‬ ‫وأحضرت عند البيت رهطى‬
‫وإخوتي‬
‫وتعوذ بالبيت وبك المقدسات التي فيه‪ ،‬وأقسم بالبيت بأنه لن‬
‫دا ولو سالت الدماء أنهاًرا‪ ،‬واشتدت المعارك مع بطون‬ ‫يسلم محم ً‬
‫قريش‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ولما نطاعن دونه ونناضل‬ ‫كذبتم وبيت الله ن ُْبزى‬
‫دا‬
‫محم ً‬
‫)‪(3‬‬
‫ونذهل عن أبنائنا والحلئل‬ ‫وُنسلمه )‪ (2‬حتى نصرع حوله‬
‫)‪(4‬‬
‫الصلصل‬ ‫وينهض قوم في الحديد إليكم‬
‫واستمر أبو طالب في مناصرة ابن أخيه واستطاع أن يغزو‬
‫المجتمع القرشي بقصائده الضخمة التي هزت كيانه هًزا‪ ،‬ولما تغلغل‬
‫السلم في قلوب أبناء بعض القبائل‪ ،‬اجتمعت قريش فائتمروا بينهم‬
‫أن يكتبوا كتاًبا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب‪ ،‬على أل‬
‫ينكحوا إليهم ول ينكحوهم‪ ،‬ول يبيعوهم شيًئا ول يبتاعوا منهم‪ ،‬وكتبوا‬
‫صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة‪ ،‬وتواثقوا على ذلك‪ ،‬وانحازت بنو‬
‫هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه )‪ ,(5‬وذلك‬
‫في محرم سنة سبع من النبوة ومكث بنو هاشم على ذلك نحو ثلث‬
‫سنوات ل يصل إليهم شيء إل سًرا‪ ،‬ثم كان ما كان من أكل الرضة‬
‫للصحيفة‪ ،‬وإخبار النبي × أبا طالب بذلك‪ ،‬وتمزيق الصحيفة‪ ،‬وبطلن‬
‫ما فيها )‪ ,(6‬ومات أبو طالب في النصف من شوال في السنة‬
‫العاشرة من النبوة‪ ،‬وهو ابن بضع وثمانين سنة‪ ،‬ولم يسلم أبو طالب‬
‫)‪ ,(7‬وهو العام الذي ماتت في خديجة زوج النبي ×‪ ،‬وتتابعت على‬
‫رسول الله × المصائب‪ ،‬وسمى هذا العام بعام الحزن )‪.(8‬‬
‫‪ -5‬أم أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬هي‬
‫‪(10‬عبد‬
‫الصحابية الجليلة السيدة الفاضلة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن‬
‫مناف بن قصى الهاشمية )‪,(9‬وهي أول هاشمية ولدت هاشمًيا ) ‪,‬‬
‫وقد حظيت برعاية النبي × حينما كفله عمه أبو طالب بناء على‬
‫ما بعد أمة تقوم على شئونه‬ ‫وصية أبيه عبد المطلب‪ ،‬فكانت له أ ً‬
‫‪1‬‬
‫)( ن ُْبزى‪ :‬أي نسلمه ونغلب‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أي كذبتم أن نسلمه قبل أن نصرع حوله‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الحلئل‪ :‬الزوجات‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الصلصل‪ :‬المزادات لها صلصلة بالماء‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(351 ،1/350‬‬
‫‪6‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪ ،(377 -1/373‬المرتضى‪ :‬ص)‪ ،(26‬وقد فصلت ذلك في‬
‫كتابي السيرة النبوية‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( بلوغ الرب )‪.(1/324‬‬
‫‪8‬‬
‫)( السيرة لبن هشام )‪ (46 ،1/45‬المرتضى‪ :‬ص)‪.(26‬‬
‫‪9‬‬
‫)( نسب قريش‪ :‬ص)‪ (40‬فضائل الصحابة )‪.(685 /2‬‬
‫‪10‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪.(685 /2‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪23‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وترعي أموره ما استطاعت إلى ذلك سبيل‪ ،‬وقد قضى الحبيب‬
‫المصطفى قرابة عقدين من حياته في كنفها‪ ،‬وقد استجابت لدعوة‬
‫السلم وأصبحت من السابقات الوليات وصارت من صفوة النساء‬
‫ممن أخذن المكانة العليا في ساحة الفضيلة‪ ،‬وكانت رضي الله عنها‬
‫مثال ً للرأفة والرحمة في معاملة الزهراء رضي الله عنها‪ ،‬إذ كانت‬
‫تقوم بمساعدتها بًرا بها وبوالدها ×‪ ،‬وروى عن أمير المؤمنين على‬
‫رضي الله عنه أنه قال‪ :‬قلت لمي‪ :‬أكفي فاطمة بنت رسول الله‬
‫سقاية الماء والذهاب في الحاجة‪ ،‬وتكفيك هي الطحن والعجن‬
‫)‪.(1‬كما أن صلتها بالنبي × أضافت إلى شخصيتها مكرمة حفظ‬
‫الحديث وروايته‪ ،‬فقد روت عن النبي × مجموعة من الحاديث‪ ،‬وقد‬
‫ويخصها بالهدية‪ ،‬فقد أورد‬
‫×‪ ،‬قال‪ُ :‬‬ ‫كانت لها مكانة كبرى عند رسول الله‬
‫إلى( رسول الله‬ ‫أهدى‬ ‫عنه‬ ‫ابن حجر بالصابة أن علًيا رضي الله‬
‫مًرا بين الفواطم« )‪ . 2‬فشققتها‬ ‫خ ُ‬
‫حلة إستبرق فقال‪» :‬اجعلها ُ‬
‫أربعة أخمرة‪ ،‬خماًرا لفاطمة بنت رسول الله ×‪ ،‬وخماًرا لفاطمة‬
‫عنها‪ ،‬وخماًرا لفاطمة بنت حمزة رضي الله‬ ‫بنت أسد رضي الله‬
‫عنها‪ ،‬ولم يذكر الرابعة)‪.(3‬‬
‫كا في حياتها وعند وفاتها‪،‬‬‫ولقد كان حظ السيدة فاطمة مبار ً‬
‫وحظيت بالتكريم إذ توفيت في حياة الحبيب المصطفى × )‪ ,(4‬وأما‬
‫ما روى عن أنس في دفنها فهو واه ضعيف شديد الضعف ول يتقوى‬
‫من طرقه الخرى التي جاءت لنها كلها ضعيفة‪ ،‬فعن أنس بن مالك‬
‫رضي الله عنه قال‪ :‬لما ماتت فاطمة بنت أسد أم على رضي الله‬
‫عنها دخل عليها رسول الله × فجلس عند رأسها فقال‪ :‬رحمك‬
‫الله يا أمي‪ ،‬كنت أمي بعد أمي‪ ،‬تجوعين وتشبعيننى‪،‬‬
‫وتعرين وتكسيننى‪ ،‬وتمنعين نفسك طيبا وتطعميننى‪،‬‬
‫تريدين بذلك وجه الله والدار الخرة‪ ،‬ثم أمر أن تغسل ثلًثا‬
‫ثلًثا‪ ،‬فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده‪ ،‬ثم خلع‬
‫رسول الله قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه‪ ،‬ثم دعا رسول‬
‫ما‬
‫الله أسامة بن زيد وأبا أيوب النصاري وعمر بن الخطاب وغل ً‬
‫أسود يحفرون‪ ،‬فحفروا قبرها‪ ،‬فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ×‬
‫بيده وأخرج ترابه بيده‪ ،‬فلما فرغ دخل رسول الله × فاضطجع فيه‬
‫وقال‪»:‬الله الذي يحيى ويميت وهو حي ل يموت اغفر‬
‫لمي فاطمة بنت أسد ولقتها حجتها ووسع عليها مدخلها‬
‫بحق نبيك والنبياء الذين من قبلي‪ .‬فإنك أرحم‬
‫وكبر‪(5‬عليها أربًعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر‬ ‫الراحمين«‬
‫رضي الله عنهما ) ‪.‬‬
‫وقد احتج من احتج )‪ (6‬بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات‪،‬‬
‫وقد قام الستاذ أبو عبد الرحمن جبلن بن خضر العروسى في‬
‫رسالته لمرحلة الماجستير بتتبع طرق الحديث وبين ضعفها وبطلنها‬

‫‪1‬‬
‫)( مجمع الزوائد )‪ (8/356‬رجال السند رجال الصحيح‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( سنن ابن ماجة‪ ،‬ك اللباس رقم ‪.3596‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الصابة )‪ (8/27‬رقم ‪.1153‬‬
‫‪4‬‬
‫)( أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬أحمد السيد‪ :‬ص)‪.(24‬‬
‫‪5‬‬
‫)( السلسلة الضعيفة لللباني )‪(1/32‬رقم ‪.23‬‬
‫‪6‬‬
‫)( السمهودي في وفاء الوفاء )‪ ،(4/1373‬والكوثري في محق التقول‪ :‬ص )‬
‫‪ ،(391 -379‬والبوطي في السلفية مرحلة‪ ،(155)،‬والعلوي في مفاهيم‪ :‬ص )‬
‫‪(65‬نقل عن الدعاء ومنزلته من العقيدة‪ ،‬جبلن بن خضر‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪24‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫)‪,(1‬ووضح أن الحديث قد روى من خمسة طرق‪ :‬ثلثة موصولة‪،‬‬
‫ومرسلتان‪ ،‬فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف‪،‬‬
‫ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إل في طريق واحدة‪ ،‬وهي طريق‬
‫أنس‪ ،‬فهذه الحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لن الكل ضعيف‬
‫فيعل بعضه البعض ول يزيدها إل وهنا وضعفا‪ ،‬وأما من ناحية المتن‬
‫فهو منقوض من عدة وجوه‪:‬‬
‫‪ -‬إن في هذا الحديث مبالغة وإطراء وتجاوًزا للمألوف في ذلك‬
‫العهد النبوي‪.‬‬
‫‪ -‬هذا الحديث يخالف هدية وسننه في غسل جنازة المرأة‪ ،‬وذلك‬
‫في أمور منها‪:‬‬
‫‪ -‬سكبه بيده الشريفة لم يرد إل في هذه القصة‪ ،‬وأما الذي ورد‬
‫في غسل بنته زينب أنه أمرهم بالغسل‪ ،‬ولم يسكب بنفسه‪ ،‬فقد‬
‫روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أن أم عطية قالت‪:‬‬
‫دخل علينا النبي × ونحن نغسل ابنته فقال‪» :‬اغسلنها ثلًثا أو‬
‫سا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر‪ ،‬واجعلن‬ ‫خم ً‬
‫فرغنا‬ ‫وقالت‪:‬فلما‬ ‫«‬ ‫فآذننى‬ ‫فرغتن‬ ‫فإذا‬ ‫را‪،‬‬
‫ً‬ ‫كافو‬ ‫الخرة‬ ‫في‬
‫ألقى إلينا حقوه فقال‪» :‬أشعرنها إياه«‪ ،‬ولم يزد على ذلك )‪.(2‬‬
‫‪ -‬إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والضطجاع فيه كلها لم‬
‫فا هديه المشهور عنه وهو‬ ‫تعهد إل في هذا الحديث الضعيف‪ ،‬مخال ً‬
‫من المبالغة والطراء‪.‬‬
‫‪ -‬ثم لفظ الدعاء الذي بدأ بلفظة الغيبة ثم الخطاب بعيد عن‬
‫أسلوبه المعهود في الدعوات المأثورات »اللهم أنت‪ «...‬ولم نر في‬
‫غير هذا الدعاء »الله الذي‪.«...‬‬
‫‪ -‬ومما يدل على ضعفه أن الراوى اعترف بأن النبي × لم يفعل‬
‫الفعال إل في هذه المرة‪ ،‬ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره‪،‬‬ ‫هذه‬
‫وهيهات )‪.(3‬‬
‫ى بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬كان لبي طالب‬ ‫‪ -6‬إخوة عل ّ‬
‫أربعة أبناء‪ ،‬وهم‪ :‬طالب‪ ،‬وهو الذي تكنى به‪ ،‬وعقيل‪ ،‬وجعفر‪ ،‬وعلى‪،‬‬
‫وبنتان هما‪ :‬أم هانئ‪ ،‬وجمانة‪ ،‬وكلهم من فاطمة بنت أسد‪ ،‬وكان بين‬
‫كل واحد منهم وبين أخيه عشر سنوات‪ ،‬فطالب كان أكبر من عقيل‬
‫بعشر سنوات‪ ،‬وكذلك الشأن مع جعفر وعلى‪ ،‬فكان جعفر أكبر من‬
‫على بعشر سنوات )‪ ,(4‬وهذه نبذة مختصرة عن إخوة على رضي الله‬
‫عنه‪.‬‬
‫كا بعد غزوة بدر‪ ،‬وقيل‬ ‫)أ( طالب بن أبى طالب‪:‬هلك طالب مشر ً‬
‫إنه ذهب فلم يرجع‪ ،‬ولم يدر له موضع ول خبر‪ ،‬وهو أحد الذين تاهوا‬
‫في الرض‪ ،‬وكان محًبا لرسول الله ×‪ ،‬وله فيه مدائح‪ ،‬وكان خرج‬
‫ها‪ ،‬وجرت بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة‬ ‫إلى بدر كر ً‬
‫فقالوا‪ :‬والله يا بنى هاشم لقد عرفنا‪ -‬وإن خرجتم معنا‪ -‬أن هواكم‬
‫مع محمد‪ ،‬فرجع طالب إلى مكة مع من رجع‪ ،‬وقال شعًرا وقصيدة‬

‫‪1‬‬
‫)(الدعاء ومنزلته من العقيدة السلمية‪ :‬ص)‪.(798 -794‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الدعاء ومنزلته من العقيدة السلمية‪ :‬ص )‪.(799‬‬
‫‪3‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(798 -794‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(223 /7‬المرتضى‪ :‬ص )‪.(26‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪25‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ثناء على النبي × وبكى فيها أصحاب قليب بدر )‪.(1‬‬
‫)ب( عقيل بن أبى طالب‪:‬فكان يكنى أبا يزيد‪ ،‬تأخر إسلمه إلى‬
‫عام الفتح‪ ،‬وقيل أسلم بعد الحديبية‪ ،‬وهاجر في أول سنة ثمان‪،‬‬
‫وكان أسر يوم بدر ففداه عمه العباس‪ ،‬وقع ذكره في الصحيح في‬
‫مواضع‪ ،‬وشهد غزوة مؤته‪ ،‬ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين‪ ،‬لنه‬
‫ضا‪ ،‬أشار إلى ذلك ابن سعد‪ ،‬لكن روى الزبير بن بكار‬ ‫كان مري ً‬
‫بسنده إلى الحسن بن على أن عقيل كان ممن ثبت يوم حنين ومات‬
‫البخاري الصغر بسند صحيح أنه)‪(3‬مات‬ ‫في خلفة معاوية‪ ،‬وفي تاريخ‬
‫في أول خلفة يزيد قبل الحرة )‪,(2‬وعمره ست وتسعون سنة ‪.‬‬
‫)ج( جعفر بن أبى طالب‪ :‬فهو أحد السابقين إلى السلم وكان‬
‫يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم‪ ،‬ويحدثهم ويحدثونه‪ ،‬وهاجر‬
‫إلى الحبشة‪ ،‬فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه‪ ،‬ولقد تحدثت عنه‬
‫وتحليل أحداث‪ ،‬واستشهد‬ ‫في كتابي السيرة النبوية‪..‬عرض وقائع‬
‫بمؤتة من أرض الشام مقبل ً غير مدبر )‪.(4‬‬
‫)د( أم هانئ بنت أبى طالب‪ :‬ابنه عم النبي ×‪ ،‬قيل اسمها‬
‫فاختة‪ ،‬وقيل اسمها فاطمة وقيل هند‪ ،‬والول أشهر‪ ،‬وكانت زوج‬
‫هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي‪ ،‬وكان له منها عمرو‪ ،‬وبه كان‬
‫يكنى‪ ،‬وفي فتح مكة أجارت أم هانئ رجلين من بنى مخزوم‪ ،‬وقال‬
‫لها‬
‫أجرت يا أم هانئ‪.‬وروت أم هانئ عن النبي‬ ‫من‬ ‫أجرنا‬ ‫×‪:‬‬ ‫الله‬ ‫رسول‬
‫الستة وغيرها)‪ ,(5‬قال الترمذي وغيره‪ :‬عاشت بعد على‬ ‫× في الكتب‬
‫رضي الله عنه )‪.(6‬‬
‫)هـ( جمانة بنت أبى طالب‪ :‬هي أم عبد الله بن أبى سفيان بن‬
‫الحارث بن عبد المطلب‪ ،‬ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة‬
‫بنت أسد‪ ،‬وأفردها في باب بنات عم النبي ×‪ ،‬وقال‪ :‬ولدت لبى‬
‫ابنه‪(7‬جعفر بن أبى سفيان‪ ،‬وأطعمها رسول الله‬ ‫سفيان بن الحارث‬
‫من خيبر ثلثين وسقا ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬أزواجه وأولده‪ :‬ولد له من فاطمة )‪ (8‬بنت رسول الله ×‪:‬‬
‫الحسن والحسين )وسيأتي الحديث عنهما مفصل(‪...‬وزينب الكبرى‬
‫وأم كلثوم الكبرى‪ ،‬وولد له من خولة بنت جعفر ابن قيس بن‬
‫مسلمة‪ ،‬محمد الكبر )محمد ابن الحنفية(‪ُ،‬وولد له من ليلى بنت‬
‫من بنى تميم‪ ،‬عبيد الله وأبو بكر‪ ،‬وولد له من أم‬ ‫مسعود بن خالد‬
‫البنين بنت حزام )‪ (9‬بن خالد بن جعفر بن ربيعة‪ :‬العباس الكبر‪،‬‬
‫وعثمان‪ ،‬وجعفر الكبر‪ ،‬وبعد الله‪ ،‬وولد له من أسماء بنت عميس‬

‫‪1‬‬
‫)( الجوهرة في نسب النبي وأصحابه من المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(23‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الصابة في تميز الصحابة )‪.(2/494‬‬
‫‪3‬‬
‫)( المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(24‬‬
‫‪4‬‬
‫)( المرتضى‪ :‬ص)‪.(25‬‬
‫‪5‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(27‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الصابة في تمييز الصحابة )‪.(318 ،9/317‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الصابة )‪ ،(260 ،4/259‬المرتضى‪:‬ص )‪.(27‬‬
‫‪8‬‬
‫)( هى أول زوجة تزوجها على بن أبى طالب ولم يتزوج عليها حتى ماتت‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)(‪ (4) ,‬البداية والنهاية )‪.(7/332‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪26‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وولد له من الصهباء )‪ ,(2‬عمر الكبر‬ ‫)‪(3‬‬
‫الخثعمية‪ :‬يحيى وعون )‪,(1‬‬
‫ورقية‪ ،‬وولد له من أمامة بنت العاص بن الربيع‪ ،‬محمد الوسط‪،‬‬
‫وولد له من أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي‪ ،‬أم الحسن‪،‬‬
‫ورملة الكبرى‪ ،‬وولد له من أمهات أولد‪ ،‬محمد الصغر‪ ،‬وأم هانئ‬
‫وميمونة‪ ،‬وزينب الصغرى‪ ،‬ورملة الصغرى‪ ،‬وأم كلثوم الصغرى‪،‬‬
‫وفاطمة‪ ،‬وأمامة‪ ،‬وخديجة‪ ،‬وأم الكرام‪ ،‬وأم سلمة‪ ،‬وأم جعفر‪ ،‬جمانة‬
‫ونفيسة‪ ،‬وولد له من محياة بنت أمرئ القيس‪ ،‬ابنة هلكت وهي‬
‫جارية‪(4.‬قال ابن سعد‪ :‬لم يصح لنا من ولد على رضي الله عن غير‬
‫هؤلء) ‪ ,‬وجميع ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه لصلبه أربعة‬
‫عشر ذكًرا‪ ،‬وتسع عشرة امرأة‪ ،‬وقيل‪ :‬سبع عشرة امرأة‪ ،‬وكان‬
‫والحسين‪ ،‬ومحمد ابن الحنفية‪،‬‬ ‫النسل من ولده لخمسة‪ ،‬الحسن‬
‫والعباس ابن الكلبية‪ ،‬وعمر ابن التغلبية )‪,(5‬وسيأتي الحديث عن‬
‫السيدة فاطمة وذريتها‪ ،‬الحسن والحسين‪ ،‬وأم كلثوم في ثنايا هذا‬
‫الكتاب بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫خلقية‪:‬يقول ابن عبد البر رحمه الله‪ :‬وأحسن ما‬ ‫‪ -8‬صفاته ال َ‬
‫رأيت في صفة على‬
‫رضي الله عنه أنه كان ربعة من الرجال إلى القصر ما هو‪ ،‬أدعج‬
‫العينين‪ ،‬حسن الوجه‪ ،‬كأنه القمر ليلة البدر حسًنا‪ ،‬ضخم البطن‪،‬‬
‫دا( )‪ (6‬أغيد‪ ،‬كان عنقه إبريق فضة‪،‬‬ ‫عريض المنكبين‪ ،‬شئن الكفين )عَت َ ً‬
‫أصلع ليس في رأسه شعر إل من خلفه‪ ،‬كبير اللحية‪ ،‬لمنكبه مشاش‬
‫كمشاش السبع الضارى‪ ،‬ل يتبين عضده من ساعده‪ ،‬قد أدمجت‬
‫جا‪ ،‬إذا مسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس‪،‬‬ ‫دم ً‬
‫الساعد واليد وإذا مشى للحرب‬ ‫شديد‬ ‫هو‪،‬‬ ‫ما‬ ‫السمن‬ ‫إلى‬ ‫وهو‬
‫هرول‪ ،‬ثابت الجنان‪ ،‬قوى شجاع )‪.(7‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫إسلمه وأهم أعماله في مكة قبل الهجرة‬
‫أول‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫ى بن أبى طالب وما صنع‬ ‫كان من نعمة الله عز وجل على عل ّ‬
‫شا أصابتهم أزمة شديدة‪ ،‬وكان أبو‬ ‫الله له وأراد به من الخير أن قري ً‬
‫طالب ذا عيال كثيرة‪ ،‬فقال رسول الله × للعباس عمه – وكان من‬
‫أيسر بنى هاشم‪ :-‬يا عباس‪ ،‬إن أخاك أبا طالب كثير العيال‪،‬‬
‫وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الزمة‪ ،‬فانطلق بنا‬
‫دا‪،‬‬
‫دا وتأخذ واح ً‬
‫فلنخفف عنه عياله‪ ،‬آخذ من بيته واح ً‬
‫فنكفيهما عنه‪،‬فقال العباس‪ :‬نعم‪ ..‬فانطلق حتى أتيا أبا طالب‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس‬
‫ما هم فيه‪ ،‬فقال لهما‪ :‬إن تركتما لي عقيل ً فاصنعا ما شئتما‪ ،‬فأخذ‬
‫رسول الله × علًيا فضمه إليه‪ ،‬وأخذ العباس جعفًرا رضي الله عنه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهايةـ ) ‪.(7/332‬‬

‫)( وهى أم حبيب بنت ربيعة بن بجير‪ ،‬من سبي عين التمر في عهد الصديق‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( وأمها زينب بنت رسول الله ×‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪.(3/20‬‬
‫‪5‬‬
‫)( الطبقات )‪ ،(20 ،3/19‬البداية والنهاية )‪ (333 -7/331‬منهج على بن أبى‬
‫طالب في الدعوة إلى الله‪ ،‬سليمان العبد‪ :‬ص )‪.(31 ،30 ،29‬‬
‫‪6‬‬
‫)(العتد‪ :‬الشديد التام الخلق‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)(الستيعاب في معرفة الصحاب )‪.(3/1123‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪27‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫فضمه إليه‪ ،‬فلم يزل على بن أبى طالب رضي الله عنه مع رسول‬
‫به وصدقه‪ ،‬ولم يزل‬ ‫ى‪ ،‬فأقر‬
‫الله × حتى بعثه الله نبًيا‪ ،‬فاتبعه عل ّ‬
‫جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه )‪.(1‬‬
‫ونلحظ أن رسول الله × أراد أن يرد الجميل والمعروف لعمه‬
‫أبى طالب الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب‪ ،‬فكان هذا من‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬إذ رباه وأدبه الذي‬ ‫أكبر نعم الله عز وجل على عل ّ‬
‫أدبه الله‪ ،‬عز وجل‪ ،‬وحفظه وعصمه ورعاه‪ ،‬والذي كان خلقه‬
‫ى رضي الله عنه‪،‬‬ ‫القرآن‪ ،‬فانعكس هذا الخلق القرآني على عل ّ‬
‫وكفى بتربية النبي × تربية لعلى رضي الله عنه‪ ،‬فقد نشأ في بيت‬
‫السلم وتعرف إلى أسراره في مرحلة مبكرة من حياته‪ ،‬وذلك قبل‬
‫أن تتخطى الدعوة حدود البيت وتنطلق إلى البحث عن أنصار‬
‫يشدون أزرها وينطلقون بها في دنيا الناس‪ ،‬ويخرجونهم من‬
‫الظلمات إلى النور‪ ،‬وقد اختلف العلماء فيمن آمن بعد السيدة‬
‫خديجة بنت خويلد أم المؤمنين‪ ،‬هل هو أبو بكر الصديق أم على‬
‫رضي الله عنهما؟ والذي أميل إليه من بين أقوال العلماء‪ ،‬أن أول‬
‫من أسلم من الرجال الحرار أبو بكر‪ ،‬ومن الصبيان على‪ ،‬ومن‬
‫آمن على الطلق‪ ،‬ومن الموالي زيد‬ ‫النساء خديجة‪ ،‬وهي أول من‬
‫بن حارثة رضوان الله عليهم )‪ ,(2‬وبهذا يكون أمير المؤمنين أول‬
‫ما‪.‬‬
‫الصغار إسل ً‬
‫ثانًيا‪ :‬كيف أسلم على؟‬
‫روى ابن إسحاق أن على بن أبى طالب رضي الله عنه جاء إلى‬
‫النبي × بعد إسلم خديجة رضي الله عنها‪ ،‬فوجدهما يصليان‪ ،‬فقال‬
‫على‪ :‬ما هذا يا محمد؟ فقال النبي ×‪»:‬دين الله الذي اصطفاه‬
‫لنفسه‪ ،‬وبعث به رسله‪ ،‬فأدعوك إلى الله وحد وإلى‬
‫عبادته‪ ،‬وتكفر باللت والعزى« فقال له على‪ :‬هذا أمر لم‬
‫أسمع به من قبل اليوم‪ ،‬فلست بقاض أمًرا حتى أحدث أبا طالب‪،‬‬
‫فكره رسول الله × أن يفشى عليه سره‪ ،‬قبل أن يستعلن أمره‪،‬‬
‫فقال له‪» :‬يا على إذا لم تسلم فاكتم«‪ ،‬فمكث على تلك الليلة‪،‬‬
‫ثم إن الله أوقع في قلب على السلم‪ ،‬فأصبح غادًيا إلى رسول الله‬
‫ى يا محمد؟ فقال له رسول الله‬ ‫×‪ ،‬حتى جاءه فقال‪ :‬ما عرضت عل ّ‬
‫×‪ :‬تشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وتكفر‬
‫ى وأسلم‪ ،‬ومكث‬ ‫باللت والعزى‪ ،‬وتبرأ من النداد‪ ،‬ففعل عل ّ‬
‫ى يأتيه على خوف من أبى طالب‪ ،‬وكتم على إسلمه ولم يظهر‬ ‫عل ّ‬
‫به)‪.(3‬‬
‫ثالًثا‪ :‬بين على رضي الله عنه وأبى طالب‪:‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله × كان‬
‫إذا حضرت الصلة خرج إلى شعاب مكة‪ ،‬وخرج معه على بن أبى‬
‫طالب مستخفًيا من أبيه أبى طالب‪ ،‬ومن جميع أعمامه وسائر‬
‫قومه‪ ،‬يصليان الصلوات فيها‪ ،‬فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء‬
‫ما وهما يصليان‪ ،‬فقال‬ ‫الله أن يمكثا‪ ،‬ثم إن أبا طالب عثر عليهما يو ً‬
‫لرسول الله ×‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬ما هذا الدين الذي تدين به‪ ،‬قال‪» :‬أي‬
‫‪1‬‬
‫)( السيرة النبوية )‪ (1/246‬لبن هشام‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(28 -3/26‬الوائل من الصحابة وذوو الفضل منهم والنجابة‪،‬‬
‫رضوان جامع‬
‫ص )‪.(23‬‬
‫‪3‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(3/4‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪28‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫عم‪ ،‬هذا دين الله ودين ملئكته ودين رسله ودين أبينا‬
‫إبراهيم«‪،‬أو كما قال ×‪» :‬بعثني رسول إلى العباد وأنت –‬
‫أي عم – أحق من بذلت له النصيحة‪ ،‬ودعوته إلى الهدى‪،‬‬
‫وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه«‪،‬أو كما قال‪ .‬فقال أبو‬
‫طالب‪ :‬أي ابن أخي‪ ،‬إني ل أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا‬
‫عليه‪ ،‬ولكن والله ل ُيخلص إليك )‪ (1‬بشيء تكرهه ما بقيت‪ ،‬ذكروا أنه‬
‫قال لعلى‪:‬أي بنى‪ ،‬ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال‪ :‬يا أبت آمنت‬
‫واتبعته‪،‬‬ ‫بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به‪ ،‬وصليت معه لله‬
‫فزعموا أنه قال له‪ :‬أما إنه لم يدعك إل إلى خير فالزمه )‪.(2‬‬
‫رابًعا‪ :‬هل كسر على رضي الله عنه الصنام مع رسول الله‬
‫في مكة؟‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬انطلقت أنا والنبي × حتى أتينا‬ ‫عن عل ّ‬
‫الكعبة‪ ،‬فقال لي رسول الله × )اجلس( وصعد على منكبي‪،‬‬
‫فا‪ ،‬فنزل‪ ،‬وجلس لي نبي الله ×‬ ‫فذهبت لنهض به‪ ،‬فرأى مني ضع ً‬
‫قال‪ :‬اصعد على منكبي‪ ،‬قال‪ :‬فصعدت على منكبيه‪ ،‬قال‪ :‬فنهض‬
‫ى إني لو شئت لنلت أفق السماء‪ ،‬حتى‬ ‫بي‪ ،‬قال‪ :‬فإنه يخيل إل ّ‬
‫صعدت على البيت‪ ،‬وعليه تمثال صفر أو نحاس‪ ،‬فجعلت أزاوله عن‬
‫يمينه وعن شماله‪ ،‬وبين يديه ومن خلفه‪ ،‬حتى إذا استمكنت منه قال‬
‫لي رسول الله × »اقذف به«‪ ،‬فقذفت فانكسر كما تتكسر‬
‫القوارير‪ ،‬ثم نزلت‪ ،‬فانظلقت أنا ورسول)‪(3‬الله × نستبق حتى توارينا‬
‫بالبيوت‪ ،‬خشية أن يلقانا أحد من الناس ‪,‬وهذا الحديث إسناده‬
‫ضعيف‪ ،‬وبالتالي ل يمكن أن يبني عليه حكم كما زعم بعض الناس‪،‬‬
‫ويبقى الصل الثابت في الفترة المكية‪ ،‬في منع النبي × للصحابة‬
‫لستخدام القوة مع الخصوم أو العتداء على أصنامهم وأوثانهم‬
‫بالقوة‪ ،‬وقد قام رسول الله × بتطهير مكة في عام الفتح من‬
‫الوثان وأرسل السرايا بعد ذلك الفتح العظيم لهدم وتطهير الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬من مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على إزالتها‬
‫وإبطالها‪.‬‬
‫سا‪ :‬هل دفن على رضي الله عنه أبا طالب بإرشاد رسول‬ ‫خام ً‬
‫الله؟‬
‫عن على رضي الله عنه‪ :‬أنه أتى النبي × فقال‪ :‬إن أبا طالب‬
‫كا‪ .‬فقال‪:‬‬ ‫مات‪ ،‬فقال له النبي ×‪ :‬اذهب فواره‪ ،‬فقال‪ :‬أنه مات مشر ً‬
‫فواره‪ ،‬قال‪ :‬فلما واريته رجعت إلى النبي ×‪ ،‬فقال لي‪:‬‬ ‫اذهب‬
‫اغتسل )‪ .(4‬وجاء في رواية‪ :‬اذهب فاغتسل ثم ل تحدث شيًئا‬
‫حتى تأتينى‪ ،‬قال‪ :‬فاغتسلت ثم أتيته‪ ،‬قال‪ :‬فدعا لي بدعوات ما‬
‫الرحمن‬ ‫يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها‪ ،‬قال الراوى عبد‬
‫ى رضي الله عنه إذا غسل ميًتا اغتسل )‪.(5‬‬ ‫السلمي‪ :‬وكان عل ّ‬
‫ى ّرضي الله عن ودوره في إيصال‬ ‫سا‪ :‬الحس المنى عند عل‬ ‫ساد ً‬
‫‪1‬‬
‫)( ل ُيخلص إليك‪ :‬ل يصل إليك‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(1/246‬المرتضى‪ :‬ص)‪.(35‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسند أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثة رقم )‪ (644‬إسناده ضعيف‪ ،‬وصحح الحاكم‬
‫إسناده واستدرك عليه الذهبي فقال‪ :‬إسناده ضعيف ومتنه منكر‪ ،‬وقد قام أحمد‬
‫ميرين البلوشي في رسالته التي حقق فيها خصائص أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب بالحكم على رجال السند وحكم عليه بالضعف‪ ،‬خصائص على بن أبى‬
‫طالب‪ :‬ص )‪ ،(136 ،135‬وقد صحح الحديث أحمد شاكر )‪.(58 /2‬‬
‫‪4‬‬
‫)( مسند أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثية رقم )‪ (759‬إسناده ضعيف‪ ،‬وفي الموسوعة‬
‫تفصيل مفيد في الحكم على رجال السند‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪29‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫أبى ذر رضي الله عنه لرسول الله ×‪:‬‬
‫إن من معالم المرحلة المكية‪ ،‬الكتمان والسرية‪ ،‬حتى عن أقرب‬
‫الناس‪ ،‬وكانت الوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية‬
‫واضحة وصارمة‪ ،‬وقد قام على رضي الله عنه بدور عظيم في أخذ‬
‫أبى ذر إلى مقر الرسول ×‪ ،‬فقد كان رضي الله عنه منكًرا لحال‬
‫الجاهلية‪ ،‬ويأبى عبادة الصنام‪ ،‬وينكر على من يشرك بالله‪ ،‬وكان‬
‫يصلى لله قبل إسلمه‪ ,‬بثلث سنوات‪ ،‬دون أن يخص قبلة بعينها‬
‫بالتوجه‪ ،‬ويظهر أنه كان على نهج الحناف‪ ،‬ولما سمع بالنبي × قدم‬
‫إلى مكة‪ ،‬وكره أن يسأل عنه‪ ،‬حتى أدركه الليل‪ ،‬فاضطجع فرآه‬
‫ى رضي الله عنه‪ ،‬فعرف أنه غريب‪ ،‬فاستضافه ولم يسأله عن‬ ‫عل ّ‬
‫حا إلى المسجد الحرام‪ ،‬فمكث حتى أمسى فرآه‬ ‫ً‬ ‫صبا‬ ‫غادر‬ ‫ثم‬ ‫شيء‪،‬‬
‫على فاستضافه لليلة ثانية‪ ،‬وحدث مثل ذلك الليلة الثالثة‪ ،‬ثم سأله‬
‫عن سبب قدومه‪ ،‬فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة‬
‫ى‪ :‬فإنه حق‪ ،‬وهو رسول الله‪ ،‬فإذا أصبحت‬ ‫الرسول ×‪ ،‬فقال له عل ّ‬
‫فاتبعني‪ ،‬فإني إن رأيت شيًئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء‪،‬‬
‫فإن مضيت فاتبعني‪ ،‬فتبعه وقابل الرسول ×‪ ،‬واستمع إلى قوله‪،‬‬
‫فأسلم‪ ،‬فقال له النبي ×‪»:‬ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى‬
‫يأتيك أمري«‪ ،‬فقال‪ :‬والذي نفسي بيده لصرخن بين ظهرانيهم‬
‫فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته‪ :‬أشهد أن ل إله إل الله‪،‬‬
‫دا رسول الله‪ ،‬فثار القوم حتى أضجعوه فأتى العباس بن‬ ‫وأن محم ً‬
‫غفار والتعرض لتجارتهم‪ ،‬التي تمر‬ ‫انتقام‬ ‫من‬ ‫فحذرهم‬ ‫المطلب‪،‬‬ ‫عبد‬
‫بديارهم إلى الشام‪ ،‬فأنقذه منهم )‪ ,(1‬وكان أبو ذر قبل مجيئة قد‬
‫أرسل أخاه‪ ،‬ليعلم له علم النبي × ويسمع من قوله ثم يأتيه‪،‬‬
‫فانطلق الخ حتى قدمه‪ ،‬وسمع من قوله‪ ،‬ثم رجع إلى أبى ذر‪ ،‬فقال‬
‫ما ما هو بالشعر‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬‫له‪ :‬رأيته يأمر بمكارم الخلق‪ ،‬وكل ً‬
‫شفيتني )‪ (2‬مما أردت‪ ،‬وعزم على الذهاب بنفسه لرسول الله ×‪،‬‬
‫أخوه( له‪ :‬كن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له‬ ‫فقال‬
‫وتجهموا )‪. 3‬‬
‫ومن الدروس والعبر والفوائد من هذه الحادثة‪:‬‬
‫‪ -1‬التأني والتريث في الحصول على المعلومة‪:‬‬
‫حيث يعرف أبو ذر رضي الله عنه كراهية قريش لكل من‬
‫يخاطب الرسول ×‪ ،‬وهذا التأني تصرف أمنى‪ ،‬تقتضيه حساسية‬
‫الموقف‪ ،‬فلو سأل عنه لعلمت به قريش‪ ،‬وبالتالي قد يتعرض للذى‬
‫والطرد ويخسر الوصول إلى هدفه الذي من أجله ترك مضارب‬
‫قومه وتحمل في سبيله مصاعب ومشاق السفر‪.‬‬
‫‪ -2‬الحتياط والحذر قبل النطق بالمعلومة‪:‬‬
‫حين سأل على رضي الله عنه أبا ذر رضي الله عنه عن أمر‬
‫وسبب مجيئة إلى مكة‪ ،‬لم يخبره بالرغم من أنه استضافه ثلثة أيام‬
‫إمعاًنا في الحذر‪ ،‬فاشترط عليه قبل أن يخبره أن يكتم عنه‪ ،‬وفي‬
‫‪5‬‬
‫)( الصحيح المسند في فضائل الصحابة‪ :‬ص )‪ ،(188‬وقال مصطفى العدوي‪:‬‬
‫حسن بمجموع طرقه‪ ،‬وجاء بشواهد للحديث‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( صحيح البخاري )فتح الباري( )‪.(7/173‬‬
‫‪2‬‬
‫)( ما شفيتني مما أردت‪ :‬ما بلغني غرضي وأزلت عني همي‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسلم )‪ (4/1923‬رقمه )‪ ،(2473‬صحيح السيرة النبوية‪ ،‬إبراهيم العلى‪ :‬ص)‬
‫‪ ،(83‬السيرة النبوية الصحيحة للعمرى )‪،(1/145‬شنفوا‪ :‬أي أبغضوه‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪30‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الوقت ذاته يرشده‪ ،‬فهذا غاية في الحتياط وتم ما أراده‪.‬‬
‫‪ -3‬التغطية المنية للتحرك‪:‬‬
‫التفاق بين على وأبى ذر رضي الله عنهما على إشارة‪ ،‬أو حركة‬
‫معينة‪ ،‬كأنه يصلح نعله‪ ،‬أو كأنه يريق الماء‪ ،‬وذلك عندما يرى على‬
‫رضي الله عنه من يترصدهما أو يراقبهما‪ ،‬فهذه تغطية أمنية‬
‫لتحركهما تجاه المقر )دار الرقم(‪ ،‬هذا إلى جانب أن أبا ذر كان‬
‫طا‪ ،‬وتحسًبا لكل‬ ‫يسير على مسافة من على فيعد هذا الموقف احتيا ً‬
‫طارئ قد يحدث أثناء الحركة‪.‬‬
‫‪ -4‬تفوق الصحابة رضي الله عنهم في الجوانب المنية‪ ،‬وتوافر‬
‫الحس المنى لديهم‪ :‬وتغلغله في نفوسهم‪ ،‬حتى أصبح سمة مميزة‬
‫لكل تصرف من تصرفاتهم الخاصة والعامة‪ ،‬فأتت تحركاتهم منظمة‬
‫ومدروسة‪ ،‬فما أحوجنا لمثل هذا الحس الذي كان عند الصحابة‪ ،‬بعد‬
‫أن أصبح للمن في عصرنا أهمية بالغة في زوال واستمرار الدول‬
‫والحضارات‪ ،‬وضعف وقوة المم والشعوب‪ ،‬والجماعات‬
‫والمؤسسات والمنظمات‪ ،‬وأصبحت له مدارسه الخاصة وتقنياته‬
‫المتقدمة‪ ،‬وأساليبه ووسائله المتطورة‪ ،‬وأجهزته المستقلة‪،‬‬
‫وميزانياته ذات الرقام الكبيرة‪ ،‬وأضحت المعلومات عامة‪،‬‬
‫والمعلومات المنية تباع بأغلى الثمان‪ ،‬ويضحى في سبيل الحصول‬
‫عليها بالنفس إذا لزم المر‪ ،‬وما دام المر كذلك فعلى المسلمين‬
‫حتى ل تصبح قضايانا مستباحة للعداء‪،‬‬ ‫الهتمام بالنواحي المنية‬
‫وأسرارنا في متناول أيديهم)‪.(1‬‬
‫سابًعا‪ :‬على رضي الله عنه مع رسول الله × في طوافه على‬
‫القبائل‪ ،‬وعرضه للدعوة عليها‪ ،‬وحضوره المفاوضات مع بنى‬
‫شيبان‪:‬‬
‫عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس‪ :‬حدثني على بن‬
‫أبى طالب‪ ،‬قال‪ :‬لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل‬
‫العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من‬
‫مجالس العرب‪ ،‬فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم‪ ،‬وكان أبو بكر‬
‫ما في كل خير‪ ،‬وكان رجل ً نسابة‪ ..‬إلى أن قال‪ :‬ثم دفعنا إلى‬ ‫مقد ً‬
‫مجلس آخر‪ ،‬عليه السكينة والوقار‪ ،‬فتقدم أبو بكر فسلم فقال‪ :‬من‬
‫القوم؟ قالوا‪ :‬شيبان بن ثعلبة‪ ،‬فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ×‪،‬‬
‫وقال‪ :‬بأبى وأمي‪ ،‬هؤلء غَُرر الناس‪ ،‬وفيهم مفروق قد غلبهم لساًنا‬
‫ل‪ ،‬وكانت له غديرتان تسقطان على ترِي َب َْته‪ ،‬وكان أدنى القوم‬ ‫وجما ً‬
‫سا من أبى بكر‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬كيف العدد فكيم؟ فقال مفروق‪:‬‬ ‫مجل ً‬
‫إنا لنزيد على اللف ولن ُتغلب ألف من قلة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬وكيف‬
‫المنعة فيكم؟ فقال مفروق‪ :‬إنا لشد ما نكون غضًبا حين نلقى‪،‬‬
‫وأشد ما نكون لقاء حين نغضب‪ ،‬وإنا لنؤثر الجياد على الولد‪،‬‬
‫والسلح على اللقاح‪ ،‬والنصر من عند الله‪ ،‬يديلنا مرة‪ ،‬ويديل علينا‬
‫مرة أخرى‪ ،‬لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر‪ :‬إن كان بلغكم أنه‬
‫رسول الله فها هو ذا‪ .‬فقال مفروق‪ ،‬إلم تدعونا يا أخا قريش؟‬
‫قال رسول الله ×‪» :‬أدعوكم إلى شهادة أن ل إله إل الله‬
‫وحده ل شريك له‪ ،‬وأني عبد الله ورسوله‪ ،‬وإلى أن‬
‫شا قد تظاهرت على الله‪،‬‬ ‫تؤووني وتنصروني‪ ،‬فإن قري ً‬
‫وكذبت رسوله‪ ،‬واستغنت بالباطل عن الحق‪ ،‬والله هو‬
‫‪1‬‬
‫)( دروس في الكتمان‪ ،‬محمود شيت خطاب‪:‬ص)‪ ،(9‬السيرة النبوية عرض وقائع‬
‫صلبي )‪.(1/171‬‬
‫وتحليل أحداث لل ّ‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪31‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ضا يا أخا قريش؟‬ ‫الغني الحميد«‪ ،‬فقال مفروق‪ :‬وإلم تدعو أي ً‬
‫ق ْ‬
‫ل‬ ‫هذا‪ ،‬فتل رسول الله × ‪ُ +‬‬ ‫من ُم أ َ‬ ‫ما أحسن‬ ‫ما سمعت كل ً‬ ‫وا أ َ‬ ‫فوالله‬
‫شي ًْئا‬ ‫ه َ‬ ‫كوا ب ِ ِ‬ ‫ر ُ‬ ‫ْ‬
‫ش‬ ‫ُ‬
‫َْ َ ُ ِ‬‫ت‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ك‬‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ب‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫م‬‫َ‬ ‫ر‬‫ّ‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ما‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ت‬ ‫عال َ ْ ْ‬ ‫تَ َ‬
‫ن‬
‫ح ُ‬ ‫ق نّ ْ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫إ‬ ‫ن‬‫ْ‬ ‫م‬
‫ّ‬ ‫كم‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫ْ ْ‬ ‫أ‬ ‫لوا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫نا‬ ‫ً‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫ح‬‫ْ‬ ‫إ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫ل‬ ‫با‬
‫و ِ‬
‫ما‬‫و َ‬ ‫ها ُ َ‬
‫ٍ‬
‫من ْ َ‬ ‫هَر ِ‬
‫ِ‬
‫ما ظَ َْ‬ ‫ش َ‬ ‫ح َ‬ ‫وا ِ‬ ‫َ‬ ‫ف‬‫قَرُبوا ال َ‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬
‫ِ ِ‬
‫وإ ِّيا ُ‬ ‫َ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ق َك ُ‬‫ن َْرُز ُ‬
‫َ‬
‫ق ذَل ِك ْ‬
‫م‬ ‫ح ّ‬ ‫ه إ ِل ّ ِبال َ‬ ‫م الل ُ‬ ‫حّر َ‬ ‫س ال ِّتي َ‬ ‫ف ُ َ‬ ‫قت ُُلوا الن ّ ْ‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫نُ َ‬ ‫ب َطَ َ‬
‫ن" ]النعام‪.[151:‬‬ ‫َ‬ ‫لو‬ ‫ق‬ ‫ع‬
‫ْ َ ْ ِ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫َ‬
‫صا ْ ِ ِ َ‬
‫ل‬ ‫ه‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫و ّ‬ ‫َ‬
‫فقال مفروق‪ :‬دعوت والله إلى مكارم الخلق‪ ،‬ومحاسن‬
‫العمال‪ ،‬ولقد أفك قوم كذبوك‪ ،‬وظاهروا عليك‪ ،‬ثم رد المر إلى‬
‫هانئ بن قبيصة فقال‪ :‬وهذا هانئ شيخنا‪ ،‬وصاحب ديننا‪ ،‬فقال هانئ‪:‬‬
‫قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪ ،‬وإني أرى تركنا ديننا‪ ،‬واتباعنا دينك‬
‫لمجلس جلست إلينا‪ ،‬ل أول له ول آخر لذل في الرأي‪ ،‬وقلة نظر‬
‫في العاقبة‪ .‬إن الزلة مع العجلة‪ ،‬وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا‬
‫دا‪ ،‬ولكن نرجع وترجع‪ ،‬وننظر‪ ،‬ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن‬ ‫عق ً‬
‫حارثة‪ ،‬فقال‪ :‬وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا‪ ،‬فقال المثنى‪-‬‬
‫وأسلم بعد ذلك ‪:-‬قد سمعت مقالتك يا أخا قريش‪ ،‬والجواب فيه‬
‫جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك‪ ،‬وإنا إنما نزلنا‬
‫سمامة‪ ،‬فقال له رسول الله‬ ‫ن‪ ،‬أحدهما اليمامة‪ ،‬والخر ال ّ‬ ‫صَري َي َ ْ‬ ‫بين َ‬
‫×‪» :‬ما هذان الصريان؟«‪ ،‬قال‪ :‬أنهار كسرى‪ ،‬ومياه العرب‪ ،‬فأما‬
‫ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير‬
‫مقبول‪ ،‬وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أل نحدث حدًثا‪،‬‬
‫ول نؤوى محدًثا‪ ،‬وإني أرى هذا المر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش‬
‫مما تكرهه الملوك‪ ،‬فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه‬
‫العرب‪ ،‬فعلنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬ما أسأتم في الرد‪ ،‬إذا‬
‫أفصحتم بالصدق‪ ،‬وإن دين الله عز وجل لن ينصره إل من‬
‫ل‪ ،‬حتى‬ ‫حاطه من جميع جوانبه‪ ،‬أرأيتم إن تلبثوا إل قلي ً‬
‫يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم‪ ،‬ويفرشكم نساءهم‪،‬‬
‫أتسبحون الله وتقدسونه«‪ ،‬فقال النعمان بن شريك‪ :‬اللهم فلك‬
‫ذاك )‪.(1‬‬
‫وهذا الحديث فيه دروس وعبر وفوائد تعلمها على بن أبى طالب‬
‫رضي الله عنه منها‪:‬‬
‫‪ -1‬تعلم على رضي الله عنه‪ ،‬أن النبي × رفض أن يعطى القوى‬
‫المستعدة لتقديم نصرتها‪ ،‬أية ضمانات بأن يكون لشخاص شيء من‬
‫الحكم والسلطان على سبيل الثمن‪ ،‬أو المكافأة لما يقدمونه من‬
‫نصرة وتأييد للدعوة السلمية‪ ،‬وذلك لن الدعوة السلمية إنما هي‬
‫دعوة إلى الله‪ ،‬فالشرط الساسي فيمن يؤمن بها ويستعد لنصرتها‬
‫أن يكون الخلص لله‪ ،‬ونشدان رضاه هما الغاية التي يسعى إليها‬
‫من النصرة والتضحية وليس طمًعا في نفوذ أو رغبة في سلطان‪،‬‬
‫وذلك لن الغاية التي يضعها النسان للشيء هي التي تكيف نشاط‬
‫النسان في السعي إليه‪ ،‬فلبد إذن من أن تتجرد الغاية المستهدفة‬
‫من وراء نصرة الدعوة‪ ،‬عن أي مصلحة مادية لضمان دوام التأييد‬
‫لها‪ ،‬وضمان المحافظة عليها من أي انحراف‪ ،‬وضمان أقصى ما‬
‫يمكن من بذل الدعم لها‪ ،‬وتقديم التضحيات في سبيلها )‪ ،(2‬فيجب‬
‫على كل من يريد أن يلتزم بالجماعة التي تدعو إلى الله أل يشترط‬
‫‪1‬‬
‫)(البداية والنهاية )‪ ،(145 ،143 ،3/142‬البيهقي دلئل النبوة‪ ،‬إسناده حسن‬
‫ونقل عنه ابن كثير‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)(الجهاد والقتال في السياسة الشرعية )‪.(1/421‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪32‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ضا من أعراض الدنيا؛ لن هذه الدعوة لله والمر‬ ‫عليها منصًبا‪ ،‬أو عر ً‬
‫لله يضعه حيث يشاء‪ ،‬والداخل في أمر الدعوة إنما يريد ابتغاء وجه‬
‫الله‪ ،‬والعمل من أجل رفع رايته‪ ،‬أما إذا كان المنصب هو همه‬
‫الشاغل فهذه علمة خطيرة تنبئ عن دخن في نية صاحبها )‪,(1‬لذلك‬
‫قال يحيى بن معاذ الرازي‪ :‬ل يفلح من شممت منه رائحة الرياسة‬
‫)‪.(2‬‬
‫‪ -2‬وتعلم على رضي الله عنه من رسول الله × أن صفة النصرة‬
‫التي كان يطلبها رسول الله لدعوته من زعماء القبائل أن تكون غير‬
‫مرتبطة بمعاهدات دولية‪ ،‬تتناقض مع الدعوة‪ ،‬ول يستطيعون التحرر‬
‫منها‪ ،‬وذلك لن احتضانهم للدعوة والحالة هذه يعرضها لخطر القضاء‬
‫عليها من قبل الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات‪ ،‬والتي تجد‬
‫دا لمصالحها )‪ ،(3‬إن الحماية‬
‫في الدعوة السلمية خطًرا عليها وتهدي ً‬
‫المشروطة أو الجزئية ل تحقق الهدف المقصود‪ ،‬فلن يخوض بنو‬
‫لو( أراد القبض على رسول الله × وأتباعه‪،‬‬ ‫شيبان حرًبا ضد كسرى‪،‬‬
‫وبذلك فشلت المباحثات )‪. 4‬‬
‫‪ -3‬إن دين الله لن ينصره إل من حاطه من جميع جوانبه‪ ،‬كان‬
‫هذا الرد من النبي × على المثنى بن حارثة‪ ،‬حين عرض على النبي‬
‫× حمايته على مياه العرب‪ ،‬دون مياه الفرس‪ ،‬فمن يسبر أغوار‬
‫السياسة البعيدة ير ُبعد النظر السلمي النبوي الذي ل يسامى )‪.(5‬‬
‫‪4-‬لمس على رضي الله عنه أثر السلم على المثنى وقومه بعد‬
‫أن أسلموا‪ ،‬وكيف تحملت قبيلة بنى شيبان عبء مواجهة الفرس‪،‬‬
‫وكان المثنى بن حارثة – فيما بعد‪ -‬من قادة فتح العراق في عهد‬
‫الصديق رضي الله عنه‪ ،‬فقد أكسبهم اليمان بهذا الدين جرأة على‬
‫قتال الفرس‪.‬‬
‫هذه بعض المفاهيم والدروس والعبر التي استفادها على رضي‬
‫الله عنه من رسول الله عند مفاوضاته لزعماء بنى شيبان‪.‬‬
‫ثامًنا‪ :‬تقديمه نفسه فداء للنبي ×‪:‬‬
‫عندمات اجتمعت قبيلة قريش في دار الندوة‪ ،‬وأجمعوا على قتل‬
‫النبي × والتخلص منه‪ ،‬أعلم الله نبيه × بذلك‪ ،‬وكان النبي × أحكم‬
‫خلق الله‪ ،‬فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه‬
‫يخرج عليهم‪ ،‬فأمر على بن أبى طالب رضي الله عنه أن ينام في‬
‫فراشه تلك الليلة‪ ،‬ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله ×‬
‫والعداء أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع‬
‫البقاء في هذا البيت هو يعلم أن العداء ل يفرقون بينه وبين‬
‫مضجعه؟ إنه ل يفعل ذلك إل أبطال الرجال‬ ‫الرسول الله × في‬
‫وشجعانهم بفضل الله )‪ – (6‬تعالى‪ ،-‬وقد أمره النبي × أن يقيم بمكة‬
‫ما حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها‬ ‫أيا ً‬

‫‪1‬‬
‫)(وقفات تربوية من السيرة النبوية‪ ،‬عبد الحميد البللي‪ :‬ص)‪.(72‬‬
‫‪2‬‬
‫)( صفة الصفوة )‪.(4/94‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الجهاد والقتال في السياسة الشرعية )‪.(1/421‬‬
‫‪4‬‬
‫)( التحالف السياسي في السلم‪ ،‬منير الغضبان‪ :‬ص)‪.(35‬‬
‫‪5‬‬
‫)( التحالف السياسي في السلم‪ :‬ص)‪.(64‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الحكمة في الدعوة إلى الله للقحطاني‪ :‬ص)‪.(235‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪33‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫من أعدائه كاملة غير منقوصة‪ ،‬وهذا من أعظم العدل‪ ،‬وأداء المانة‬
‫)‪ ,(1‬وقد جاء في رواية‪ :‬أن رسول الله × قال له‪ :‬نم في فراشي‪،‬‬
‫ج ببردي هذا الخضري‪ ،‬فنم فيه‪ ،‬فإنه لن يخلص إليك‬ ‫س ّ‬‫وت َ َ‬
‫شيء تكرهه منهم )‪ .(2‬وقال ابن حجر‪ ،‬وذكر موسى بن عقبة عن‬
‫ى على فراش رسول الله يوارى عنه‪،‬‬ ‫ابن شهاب قال‪ :‬فرقد عل ّ‬
‫وباتت قريش تختلف‪ ،‬وتأتمر‪ ،‬أيهم يهجم على صاحب الفراش‬
‫أصبحوا فإذا هم بعلى‪ ،‬فسألوه‪ ،‬فقال‪ :‬ل علم لي‪،‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫فيوثقه‪ ،‬حتى‬
‫علًيا قد شرى نفسه تلك‬ ‫إن‬ ‫عباس‪:‬‬ ‫ابن‬ ‫وعن‬ ‫‪,‬‬ ‫فر‬ ‫قد‬ ‫فعلموا أنه‬
‫الليلة حين لبس ثوب النبي‪ ،‬ثم نام مكانه )‪ ,(4‬وفي على وإخوانه من‬
‫الصحابة المجاهدين الذين يبتغون رضوان الله والدار الخرة نزل‬
‫ت‬‫ضا ِ‬‫مْر َ‬ ‫غاءَ َ‬ ‫ه اب ْت ِ َ‬‫س ُ‬ ‫ف َ‬ ‫ري ن َ ْ‬ ‫ش ِ‬ ‫من ي َ ْ‬ ‫س َ‬ ‫ن ال ّْنا ِ‬ ‫م َ‬ ‫و ِ‬‫قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫عَباِد" ]البقرة‪.[207 :‬‬ ‫ف ِبال ِ‬ ‫ه َرءُو ٌ‬ ‫والل ُ‬ ‫ه َ‬ ‫الل ِ‬
‫وفي هذا الموقف دروس وعبر وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬إن خطة الهجرة كما رسمها رسول الله × كانت تتطلب أن‬
‫يأخذ مكانه في البيت رجل تشغل حركته داخل الدار أنظار‬
‫المحاصرين لها من مشركي قريش‪ ،‬وتخدعهم بعض الوقت عن‬
‫رسول الله ×‪ ،‬حتى يكون وصاحبه أبو بكر قد جاوزوا منطقة‬ ‫مخرج‬
‫الخطر )‪.(5‬‬
‫‪2-‬في تلبية على رضي الله عنه لمر النبي × مثل للجندي‬
‫الصادق‪ ،‬المخلص لدعوة السلم‪ ،‬حيث فدى قائده بحياته‪ ،‬ففي سلمة‬
‫القائد سلمة الدعوة‪ ،‬وفي هلكه خذلنها‪ ،‬ووهنها‪ ،‬فما فعله على رضي‬
‫الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول × يعتبر تضحية‬
‫غالية‪ ،‬إذ كان من المحتمل أن تهوى سيوف فتيان قريش على رأس‬
‫لم يبال بذلك‪ ،‬فحسبه‬ ‫يا ًرضي الله عنه‬ ‫على رضي الله عنه‪ ،‬ولكن عل‬
‫أن يسلم رسول الله نبي المة‪ ،‬وقائد الدعوة )‪.(6‬‬
‫في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله × مع محاربتهم له‪،‬‬ ‫‪3 -‬‬
‫وتصميمهم على قتله‪ ،‬دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا‬
‫واقعين فيه‪ ،‬ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه‪ ،‬ويزعمون أنه ساحر‪ ،‬أو‬
‫مجنون‪ ،‬أو كذاب‪ ،‬لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة‬
‫وصد ًفكانوا ل يضعون حوائجهم‪ ،‬ول أموالهم التي يخافون عليها إل‬ ‫قا‪،‬‬
‫عنده‪ ،‬وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في‬
‫صدقه‪ ،‬وإنما بسبب تكبرهم)‪(7‬واستعلئهم على الحق‪ ،‬الذي جاء به‪ ،‬وخوًفا‬
‫ه‬
‫م إ ِن ّ ُ‬ ‫علَّ ُ‬
‫قدْ ن َ ْ‬ ‫على زعامتهم وطغيانهم ‪,‬وصدق الله العظيم‪َ + :‬‬
‫ن‬‫مي َ‬ ‫ن الظال ِ ِ‬ ‫ول َك ِ ّ‬‫ك َ‬ ‫م ل َ ي ُك َذُّبون َ َ‬
‫ه ْ‬‫فإ ِن ّ ُ‬‫ن َ‬ ‫قوُلو َ‬ ‫ذي ي َ ُ‬‫ك ال ّ ِ‬‫حُزن ُ َ‬ ‫ل َي َ ْ‬
‫ن" ]النعام‪.[33:‬‬ ‫دو‬
‫ِ َ ْ َ ُ َ‬‫ح‬ ‫ج‬‫ي‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ت‬
‫ِبآ َ ِ‬
‫يا‬
‫‪ -4‬وفي أمر الرسول× لعلى‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬بتأدية هذه‬
‫المانات لصحابها في مكة‪ ،‬على الرغم من هذه الظروف الشديدة‬
‫‪1‬‬
‫الطبقات الكبرى )‪ ،(3/22‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص)‪.(166‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫السيرة لبن هشام )‪ ،(2/91‬فتح الباري )‪.(7/236‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/237‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫فضائل الصحابة رقم )‪ (1168‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫خلفاء الرسول‪ :‬ص)‪ ،(36‬العشرة المبشرون بالجنة محمد صالح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫السيرة النبوية للسباعي‪ :‬ص)‪.(345‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫فقه السيرة للبوطي‪ :‬ص)‪.(153‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪34‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫التي كان من المفروض أن يكتنفها الضطراب‪ ،‬بحيث ل يتجه التفكير‬
‫إل إلى إنجاح خطة هجرته فقط‪ ،‬على الرغم من ذلك فإن الرسول‬
‫ولو‪(1‬كان‬ ‫× ما كان لينسى أو ينشغل عن رد المانات إلى أهلها‪ ،‬حتى‬
‫في أصعب الظروف التي تنسي النسان نفسه فضل ً عن غيره ) ‪،‬‬
‫ويؤذيه؛ لن‬ ‫فقد أبى أن يخون من ائتمنه ولو كان عدًوا يحرض عليه‪،‬‬
‫خيانة المانة من صفات المنافقين‪ ،‬ويتنزه عنها المؤمنون )‪.(2‬‬
‫‪ -5‬هذا الحديث العظيم فيه دللة قاطعة على شجاعة على رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬فإنه يعلم وهو يقوم بتنفيذ ما أمر به أنه معرض لخطر‬
‫عظيم‪ ،‬فقد يقتحمون عليه داره ويقتلونه دون أن يتثبتوا من هويته‪،‬‬
‫وقد يباغتونه وهو خارج في الصباح من غير أن يتبينوا من هو‪ ،‬والقوم‬
‫يتربصون به طوال الليل يترقبون هذه اللحظة وقد بلغ منهم الجهد‬
‫كل مبلغ‪ ،‬فأصبحوا غير قادرين على التأكد من شخصية الخارج من‬
‫الدار‪ ،‬أهو محمد × أم رجل آخر؟ لبد أن ذلك كله قد دار في عقل‬
‫ل‪ :‬يحب الله ورسوله حًبا ملك‬ ‫على لكنه بادر وسعد بالتنفيذ فهو أو ً‬
‫عليه قلبه‪ ،‬فجعل سلمة رسول الله × هدفه السمى ولو كلفه ذلك‬
‫ما‬
‫التضحية بحياته‪ ،‬ثانًيا‪ :‬هي عملية لبد منها لكي يخرج الرسول سال ً‬
‫من تدبير العداء حتى يتمكن من نشر السلم في كل مكان‪ ،‬فالمر‬
‫إذن يتعلق بمصلحة السلم أول ً وثانًيا‪ ،‬وقد نام على رضي الله عنه‬
‫في فراش رسول الله × مع كل هذه التوقعات‪ ،‬وهذا دليل على‬
‫قل‬ ‫عمق إيمانه بقضاء الله وقدره‪ ،‬فهو بحق مؤمن بقوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫عَلى الل ِ‬
‫ه‬ ‫ول ََنا َ‬
‫و َ‬ ‫م ْ‬
‫و َ‬ ‫ه ل ََنا ُ‬
‫ه َ‬ ‫ما ك َت َ َ‬
‫ب الل ُ‬ ‫صيب ََنا إ ِل ّ َ‬‫ّلن ي ّ ِ‬
‫ن" ]التوبة‪ .[51:‬وإننا لنلمح في اختيار رسول‬ ‫مُنو َ‬ ‫ل ال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ؤ ِ‬ ‫وك ّ ِ‬‫فل ْي َت َ َ‬
‫َ‬
‫الله × لعلى‪ -‬ليقوم بهذا الدور الخطير‪ -‬ثقة تامة ل تعدلها ثقة‪،‬‬
‫واطمئناًنا إلى قدرات خاصة امتاز بها على قد ل تتوافر في غيره‪،‬‬
‫فإنه لم يتردد حين دعاه الرسول × لينام على فراشه‪ ،‬وهو يعلم أنه‬
‫ليس وراء ذلك إل الموت الذي أعد له المشركون أشجع فتيان‬
‫قريش ولم يسمح لنفسه‬
‫أن يفكر في العاقبة؛ لنه يعلم أنه حين يكون فداء لرسول الله ينال‬
‫بذلك شرًفا ل يناله‬
‫)‪(3‬‬
‫بغير هذا الطريق ‪.‬‬
‫تاسًعا‪ :‬هجرته‪:‬‬
‫لما أصبح على‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬قام عن فراشه‪ ،‬فعرفه القوم‬
‫وتأكدوا من نجاة رسول الله ×‪ ،‬فقالوا لعلى‪ :‬أين صاحبك؟ قال‪ :‬ل‬
‫أدري‪ ،‬أو رقيًبا كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج‪ .‬وضاق القوم‬
‫بتلك الجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم‪،‬‬
‫وقد عموا عنه فلم يروه‪ ،‬فانتهروا علًيا وضربوه‪ ،‬وأخذوه إلى‬
‫المسجد فحبسوه هناك ساعة‪ ،‬ثم تركوه )‪ ,(4‬وتحمل على ما نزل به‬
‫‪1‬‬
‫الهجرة في القرآن الكريم‪ :‬ص)‪.(364‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ :‬ص)‪.(423‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر السابق نفسه‪ :‬ص)‪.(426‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(2/374‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪35‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫في سبيل الله‪ ،‬وكان فرحه بنجاة رسول الله أعظم عنده من كل‬
‫أذى نزل به‪ ،‬ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله ×‪ ،‬وانطلق‬
‫على في مكة يجوب شوارعها باحًثا عن أصحاب الودائع التي خلفه‬
‫رسول الله من أجلها‪ ،‬وردها إلى أصحابها‪ ،‬وظل يرد هذه المانات‬
‫حتى برئت منها ذمة رسول الله ×‪ ،‬وهناك تأهب للخروج ليلحق‬
‫برسول الله × بعد ثلث ليال قضاهن في مكة )‪.(5‬‬
‫بالنهار فإذا جن عليه الليل سار‬ ‫وكان على في أثناء هجرته يكمن‬
‫حتى قدم المدينة‪ ،‬وقد تفطرت قدماه )‪ ,(1‬وهكذا يكون على رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬قد لقى في هجرته من الشدة ما لقى‪ ،‬فلم تكن له راحلة‬
‫يمتطيها‪ ،‬ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس وفي‬
‫مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة‪ ،‬ولو‬
‫أضفنا إلى ذلك أنه – رضي الله عنه – قد قطع الطريق على قدميه‬
‫دون أن يكون معه رفيق يؤنسه‪ ،‬لعلمنا مقدار ما تحمله من قسوة‬
‫الطريق ووعثاء السفر ابتغاء مرضاة الله – عز وجل – وأنه في نهاية‬
‫المطاف سيلحق برسول الله ×‪ ،‬ويستمتع بجواره أمًنا مطمئًنا في‬
‫ى يقطع الطريق ويصل إلى المدينة حتى نزل‬ ‫المدينة‪ ،‬ولم يكد عل ّ‬
‫بن عوف على كلثوم بن الهدم‪ ،‬حيث كان ينزل‬ ‫في بنى عمرو‬
‫رسول الله × )‪ ,(2‬وهكذا كانت هجرة أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب – رضي الله عنه – تضحية وفداء وتحمل ً وشجاعة وإقدا ً‬
‫ما‪.‬‬
‫وقد لحظ سيدنا على مدة إقامته بقباء امرأة مسلمة ل زوج لها‪،‬‬
‫ورأى إنساًنا يأتيها من جوف الليل‪ ،‬فيضرب عليها بابها‪ ،‬فتخرج إليه‪،‬‬
‫فيعطيها شيًئا معه‪ ،‬فتأخذه‪ ،‬ولنستمع إليه رضي الله عنه وهو يحدثنا‬
‫بالقصة حيث قال‪ :‬فاستربت بشأنه‪ ،‬فقلت لها‪ :‬يا أمة الله‪ ،‬من هذا‬
‫الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه‪ ،‬فيعطيك شيًئا ل‬
‫أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة‪ ،‬ل زوج لك؟ قالت‪ :‬هذا سهل بن‬
‫حنيف بن وهب‪ ،‬قد عرف أني امرأة ل أحد لي‪ ،‬فإذا أمسى عدا على‬
‫أوثان قومه فكسرها‪ ،‬ثم جاءني بها فقال‪ :‬احتطبي بهذا‪ ,‬فكان على‬
‫رضي الله يؤثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حتى هلك عنده بالعراق‬
‫)‪.(3‬ونلحظ صفة النباهة واليقظة التي لبد للمسلم أن يتحلى بها ول‬
‫يكون غافل ً عما يدور حوله‪.‬‬

‫‪5‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪ ،(2/382‬البداية والنهاية )‪ ،(7/335‬جولة تاريخية‪ :‬ص)‪.(424‬‬
‫‪1‬‬
‫)( الكامل )‪.(2/106‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪ ،(3/22‬السيرة لبن هشام )‪ ،(2/129‬ذكره ابن إسحاق‬
‫بدون إسناده جولة تاريخية‪.(425) :‬‬
‫‪3‬‬
‫)( محمد رسول الله‪ ،‬صادق عرجون )‪.(2/421‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪36‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الثالث‬
‫معايشة أمير المؤمنين على للقرآن الكريم‬
‫وأثرها عليه في حياته‬
‫ل‪ :‬تصوره عن الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء‬ ‫أو ً‬
‫والقدر‪:‬‬
‫كان المنهج التربوي الذي تربي عليه على بن أبى طالب رضي‬
‫الله عنه هو نفسه الذي خضع له كل الخلفاء الراشدين‪ ،‬والصحابة‬
‫الكرام‪ ،‬فقد تربوا على القرآن الكريم‪ ،‬وكان المربي سيد الخلق‬
‫دا ×‪ ،‬فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر‬ ‫أجمعين محم ً‬
‫التلقى وتفرده‪ ،‬وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج‪ ،‬مع ما‬
‫يوحي إليه المولي عز وجل من الحكمة‪ ،‬ولقد تربي الفرد المسلم‪،‬‬
‫والسرة المسلمة‪ ،‬والجماعة المسلمة على العقائد والعبادات‬
‫والمعاملت والخلق التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ×‪،‬‬
‫ولقد كانت لليات الكريمة التي سمعها على من رسول الله مباشرة‬
‫أثرها في صياغة شخصيته السلمية‪ ،‬فقد طهرت قلبه‪ ،‬وزكت نفسه‪،‬‬
‫فتحول إلى إنسان جديد بقيمه‬ ‫ونورت عقله‪ ،‬وتفاعلت معها روحه‪،‬‬
‫ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته )‪.(1‬‬
‫فقد عرف على رضي الله عنه من خلل القرآن الكريم والتربية‬
‫النبوية الراشدة من هو اللة الذي يجب أن يعبده‪ ،‬وكان النبي ×‬
‫يغرس في نفسه معاني تلك اليات العظيمة‪ ،‬فقد حرص × أن يربي‬
‫كا أن‬ ‫أصحابه على التصور الصحيح عن ربهم وعن حقه عليهم‪ ،‬مدر ً‬
‫هذا التصور سيورث التصديق واليقين عندما تصفي النفوس‪،‬‬
‫وتستقيم الفطرة‪ ،‬فأصبحت نظرة على رضي الله عنه إلى الله‬
‫والكون والحياة والنار‪ ،‬والقضاء والقدر‪ ،‬وحقيقة النسان‪ ،‬وصراعه‬
‫مع الشيطان مستمدة من القرآن الكريم وهدى النبي ×‪.‬‬
‫فالله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص‪ ،‬موصوف بالكمالت‬
‫التي ل تتناهى‪ ،‬فهو »واحد ل شريك له ولم يتخذ صاحبة ول‬
‫دا«‪.‬‬ ‫ول ً‬
‫ه‬
‫م الل ُ‬ ‫ُ‬
‫ن َرب ّك ُ‬ ‫ومدبره‪ + :‬إ ِ ّ‬ ‫ومالكه ست ّة أ َ‬ ‫شيء‬ ‫كلوال َ‬ ‫وأنه سبحانه خالق‬
‫وى‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫س‬
‫ْ‬ ‫ا‬ ‫م‬‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫ٍ‬ ‫م‬ ‫يا‬
‫ّ‬ ‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫في‬ ‫ِ‬ ‫ض‬
‫َ‬ ‫ر‬ ‫ْ‬ ‫َّ‬ ‫ت‬‫ِ‬ ‫وا‬‫ما َ‬ ‫س َ‬ ‫ق ال ّ‬ ‫خل َ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫س‬
‫م َ‬ ‫والش ْ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬
‫حِثي ْثا َ‬ ‫ه َ‬ ‫هاَر ي َ َطل َب ُ ُ‬ ‫َ‬
‫شي اللي ْل الن ّ َ َ‬ ‫غ ِ‬ ‫ش يُ ْ‬ ‫عْر ِ‬ ‫عَلى ال َ‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫مُر ت ََباَر َ‬
‫ك‬ ‫ْ‬ ‫وال‬ ‫ُ َ‬ ‫ق‬ ‫ل‬‫خ‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫ه‬
‫مَر َ ّ ُ َ ُ َ َ ٍ ِ ْ ِ ِ‬
‫ر‬ ‫م‬ ‫أ‬‫ب‬ ‫ت‬ ‫را‬ ‫خ‬
‫ّ‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫جو‬ ‫ن‬ ‫وال‬ ‫َ‬ ‫وال ْ َ‬
‫ق‬ ‫َ‬
‫ن" ]العراف‪.[54 :‬‬ ‫مي َ‬ ‫عال َ ِ‬ ‫ب ال ْ َ‬ ‫ه َر ّ‬ ‫الل ُ‬
‫وأنه تعالى مصدر كل نعمة في هذا الوجود‪ ،‬دقت أو عظمت‪،‬‬
‫سك ُ ُ‬
‫م‬ ‫م ّ‬ ‫ذا َ‬ ‫م إِ َ‬ ‫ه ثُ ّ‬ ‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫ف ِ‬ ‫ة َ‬ ‫م ٍ‬‫ع َ‬ ‫من ن ّ ْ‬ ‫كم ّ‬ ‫ما ب ِ ُ‬ ‫ظهرت أو َخفيت‪َ + َ ،‬‬
‫ن" ]النحل‪.[53:‬‬ ‫جأُرو َ‬ ‫ه تَ ْ‬ ‫فإ ِلي ْ ِ‬ ‫ضّر َ‬ ‫ال ّ‬
‫وأن علمه محيط بكل شيء‪ ،‬فل تخفي عليه خافية في الرض ول‬
‫في السماء‪ ،‬ول ما يخفي النسان وما يعلن‪ ،‬وأنه سبحانه يقيد على‬
‫النسان أعماله بواسطة ملئكته‪ ،‬في كتاب ل يترك كبيرة ول صغيرة‬
‫إل أحصاها‪ ،‬وسينشر ذلك في اللحظة المناسبة والوقت المناسب‬
‫د" ]ق‪.[18:‬‬ ‫عِتي ٌ‬ ‫ب َ‬ ‫قي ٌ‬ ‫ه َر ِ‬ ‫ل إ ِل ّ ل َدَي ْ ِ‬ ‫و ٍ‬ ‫ق ْ‬‫من َ‬ ‫ظ ِ‬ ‫ف ُ‬ ‫ما ي َل ْ ِ‬ ‫‪َ +‬‬
‫وأنه سبحانه يبتلي عباده بأمور تخالف ما يحبون وما يهوون‬
‫‪1‬‬
‫صلبي )‪.(1/145‬‬
‫)( السيرة النبوية لل ّ‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪37‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ليعرف الناس معادنهم‪ ،‬ومن منهم يرضى بقضاء الله وقدره‪ ،‬ويسلم‬
‫له ظاهًرا وباطًنا‪ ،‬فيكون جديًرا بالخلفة والمامة والسيادة‪ ،‬ومن‬
‫ذي‬ ‫ول ُيسند إليه شيء ‪+‬ال ّ ِ‬ ‫م أَ‬ ‫شيًئا‪،‬‬ ‫م أَ‬ ‫منهم يغضب ويسخط فل يساوى‬
‫زيُز‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫و‬‫َ َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫و‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫م‬‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ح‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬ ‫وك ُ‬ ‫حَياةَ ل ِي َب ْل ُ َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫ت َ‬ ‫و َ‬ ‫م ْ‬ ‫ق ال ْ َ‬ ‫خ ْل َ َ‬ ‫َ‬
‫فوُر" ]الملك‪.[2:‬‬ ‫غ ُ‬ ‫ال َ‬
‫وأنه سبحانه يوفق ويؤيد وينصر من لجأ إليه ولذ بحماه ونزل‬
‫ل‬‫ذي ن َّز َ‬ ‫ه ال ّ ِ‬ ‫ي الل ُ‬ ‫ول ِي ّ َ‬ ‫ن َ‬ ‫على حكمة في كل ما يأتي وما يذر‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ن" ]العراف‪ ،[196 :‬وأنه سبحانه‬ ‫حي َ‬ ‫صال ِ ِ‬ ‫وّلى ال ّ‬ ‫و ي َت َ َ‬ ‫ه َ‬ ‫و ُ‬ ‫ب َ‬ ‫ال ْك َِتا َ‬
‫وتعالى حقه على العباد أن يعبدوه ويوحدوه ول يشركوا به شيًئا‬
‫ن" ]الزمر‪.[66 :‬‬ ‫ري َ‬ ‫شاك ِ ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫م َ‬ ‫كن ّ‬ ‫و ُ‬ ‫عب ُدْ َ‬ ‫فا ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ل الل َ‬ ‫‪+‬ب َ ِ‬
‫للعبادة وهذا حق الله على العباد‪ ،‬كما قال‬ ‫وأنه وحده المستحق‬
‫ك‬‫ن ذَل ِ َ‬ ‫دو َ‬ ‫ما ُ‬ ‫فُر َ‬ ‫غ ِ‬ ‫وي َ ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ك بِ ِ‬ ‫شَر َ‬ ‫فُر َأن ي ُ ْ‬ ‫غ ِ‬ ‫ه ل َ يَ ْ‬ ‫ن الل َ‬ ‫تعلى‪ + :‬إ ِ ّ‬
‫ما"‬ ‫ِ ً‬ ‫ظي‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ما‬ ‫ِ ً‬ ‫ْ‬ ‫ث‬ ‫إ‬ ‫رى‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ا‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫بالل‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬
‫ش‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫شاءُ َ َ‬ ‫و‬ ‫من ي ّ َ‬ ‫لِ َ‬
‫]النساء‪.[48 :‬‬
‫وأنه)‪(1‬سبحانه حدد مضمون هذه العبودية‪ ،‬وهذا التوحيد في القرآن‬
‫الكريم ‪.‬‬
‫ل‬ ‫ق ْ‬ ‫َ وأما نظرته للكون فقد استمدها من قول الله تعالى‪ُ + :‬‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫َ ُ‬ ‫ل‬ ‫ن‬ ‫لو‬ ‫ع‬
‫ج َ‬ ‫وت َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ِ‬ ‫مي ْ‬ ‫و َ‬ ‫في ي َ ْ‬ ‫ض ِ‬ ‫ق الْر َ‬ ‫خل َ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ِبال ّ ِ‬
‫َ‬ ‫ْ‬
‫فُرو َ‬ ‫م ل َت َك ْ ُ‬ ‫أ َئن ّك ُ ْ‬
‫ها‬ ‫ْ َ‬ ‫ق‬
‫ِ‬ ‫و‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ي‬ ‫ََ َ َ َ َ‬ ‫س‬ ‫ِ‬ ‫وا‬ ‫ر‬ ‫ها‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ َ َ‬ ‫ج‬ ‫و‬ ‫ن‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫عا‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ب‬ ‫َ ّ‬ ‫ر‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫دا‬ ‫دا ً‬ ‫أن َ‬
‫واءً‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫يا‬ ‫أ‬ ‫ة‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫أ‬ ‫في‬ ‫ها‬ ‫ت‬ ‫وا‬
‫‪‬‬
‫ْ‬
‫ق‬ ‫فيها َ أ َ‬ ‫ر‬ ‫د‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫و‬ ‫ها‬ ‫في‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ر‬
‫ٍ َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫ِ‬ ‫و َ َ‬ ‫با‬ ‫َ‬
‫ها‬ ‫ل لَ َ‬ ‫قا َ‬ ‫ف َ‬ ‫ن َ‬ ‫خا ٌ‬ ‫ي دُ َ‬ ‫ََ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ء‬
‫ِ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫س‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫لى‬ ‫ِ‬ ‫إ‬ ‫وى‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫س‬ ‫ْ‬ ‫ا‬ ‫م‬
‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّلل‬
‫ن‬
‫ه ّ‬ ‫ضا ُ‬ ‫ق َ‬ ‫ف َ‬ ‫ن ‪َ َ‬‬ ‫عي َ‬ ‫قال ََتا أت َي َْنا طائ ِ ِ‬ ‫ها َ َ‬ ‫و ك َْر ً‬ ‫عا أ ْ‬ ‫و ً‬ ‫ض ائ ْت َِيا طَ ْ‬ ‫ول ِلْر ِ‬ ‫َ‬
‫ها‬ ‫مَر َ‬ ‫ء أ ْْ‬ ‫ما ٍ‬ ‫س َ‬ ‫في كل َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫حى ِ‬ ‫و َ‬ ‫ْ‬ ‫وأ‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫م‬‫َ‬ ‫و‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫ٍ‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ع‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫س‬‫َ‬
‫ز‬ ‫زي ِ‬ ‫ع ِ‬ ‫ديُر ال َ‬ ‫ق ِ‬ ‫ك تَ ْ‬ ‫ظا ذَل ِ َ‬ ‫ف ً‬ ‫ح ْ‬ ‫و ِ‬ ‫ح َ‬ ‫صاِبي َ‬ ‫م َ‬ ‫ماءَ الدّن َْيا ب ِ َ‬ ‫س َ‬ ‫و َْزي ّّنا ال ّ‬ ‫َ‬
‫عِليم ِ" ]فصلت‪.[12 -9 :‬‬ ‫ال َ‬
‫وأما هذه الحياة فمهما طالت فهي إلى زوال‪ ،‬وأن متاعها مهما‬
‫ة‬
‫حَيا ِ‬ ‫ل ال ْ َ َ‬ ‫مث َ َ‬ ‫هم ّ‬ ‫ب َل َ ُ‬ ‫ر ْ‬ ‫ض ِ‬ ‫قليل حقير‪ ،‬قال تعالى‪+:‬ا ْ‬ ‫ء أَ‬ ‫عظم فإنه‬
‫ض‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ت‬ ‫با‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ط‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫خ‬‫ْ‬ ‫فا‬ ‫َ‬ ‫ء‬
‫ِ‬ ‫ما‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ه‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ز‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ٍ‬ ‫ما‬ ‫ال َدّن َْيا ك َ َ‬
‫ُُ ّ َ ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ش‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫لى‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫كا‬ ‫و‬‫َ‬ ‫ح‬ ‫ُ‬ ‫ريا‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ه‬
‫ُ ْ ُ‬ ‫رو‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫ْ ً‬ ‫شي‬ ‫ِ‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ح‬‫صب َ َ‬ ‫فأ ْ‬
‫ت‬ ‫قَيا ُ‬ ‫وال َْبا ِ‬ ‫َ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫زي‬ ‫َ ِ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫نو‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫‪‬‬ ‫را‬ ‫ً‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ق‬ ‫ْ‬ ‫م‬ ‫ّ‬
‫مل ً" ]الكهف‪،[46 ،45 :‬‬ ‫خي ٌْر أ َ‬ ‫و َ‬ ‫واًبا َ‬ ‫ك ثَ َ‬ ‫عن ْدَ َرب ّ‬ ‫خي ٌْر ِ‬ ‫ت َ‬ ‫حا ُ‬ ‫صال ِ َ‬ ‫ال ّ‬
‫فعّرف الله تعالى النسان المسلم حقيقة الحياة‪ ،‬وأنها ليست دار‬
‫كرامة‪ ،‬وأن الخرة خير وأبقى‪ ،‬وهى تهدي من تمكن حب الله‬
‫ورسوله من قلبه على أن يقدم رضا الله ورسوله على ما سواه‪ ،‬ولو‬
‫كان الثمن الدنيا وما فيها‪ .‬وقد عبر عن هذه الحقيقة أمير المؤمنين‬
‫ى تشوقت‪،‬‬ ‫ى تعرضت أم إل ّ‬ ‫رى غيري‪ ،‬إل ّ‬ ‫على عندما قال‪» :‬يا دنيا غُ ّ‬
‫قصير‪ ،‬وخطرك‬ ‫هيهات هيهات‪ ،‬قد باينتك ثلثا ل رجعة فيها‪ ،‬فعمرك‬ ‫ً‬
‫قليل‪ ،‬أه من قلة الزاد‪ ،‬وبعد السفر‪ ،‬ووحشة الطريق )‪« (2‬‬
‫وأما نظرته إلى الجنة فقد استمدها من خلل اليات الكريمة‬
‫م‬ ‫ه ْ‬ ‫جُنوب ُ ُ‬ ‫فى ُ‬ ‫جا َ‬ ‫التي وصفتها فأصبح حاله ممن قال الله فيهم ‪ +‬ت َت َ َ‬
‫م‬ ‫ما َ َ َ َ ُ ْ‬
‫ه‬ ‫نا‬ ‫ق‬ ‫ْ‬ ‫ز‬ ‫ر‬ ‫م ّ‬ ‫و ِ‬ ‫عا َ‬ ‫م ً‬ ‫وطَ َ َ‬ ‫فا َ‬ ‫و ً‬ ‫خ أ ُْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ن َرب ّ ُ‬ ‫عو َ‬
‫َ‬
‫ع ي َدْ ُ‬ ‫جَِ‬ ‫ضا ِ‬ ‫م َ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫ع ِ‬ ‫َ‬
‫ن‬ ‫ُ ٍ‬ ‫ي‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫أ‬ ‫ة‬ ‫ِ‬ ‫ر‬‫ّ‬ ‫ق‬‫ُ‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫هم‬ ‫َ ُ‬ ‫ل‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ِ‬ ‫خ‬ ‫ْ‬ ‫ما‬ ‫ٌ ّ‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ْ ُ‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ف‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫ف‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫يُ‬
‫ن" ]السجدة‪.[17 ،16 :‬‬ ‫مُلو َ‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫ما‬ ‫ِ َ‬ ‫ب‬ ‫ً‬ ‫ء‬ ‫زا‬ ‫َ‬ ‫ج‬ ‫َ‬
‫‪1‬‬
‫)( منهج الرسول في غرس الروح الجهادية‪.(16-10) :‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الستيعاب )‪.(3/1108‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪38‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وأما تصوره للنار فقد استمده من القرآن الكريم‪ ،‬فأصبح هذا‬
‫عا له في حياته عن أي انحراف عن شريعة الله‪ ،‬فيرى‬ ‫التصور راد ً‬
‫المتتبع لسيرة أمير المؤمنين على رضي الله عنه عمق استيعابه‬
‫لفقه القدوم على الله عز وجل‪ ،‬وشده خوفه من عذاب الله وعقابه‪،‬‬
‫وسيتضح كثير من هذه المعالم في هذا الكتاب بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما مفهوم القضاء والقدر فقد استمده من كتاب الله وتعليم‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فقد رسخ مفهوم القضاء والقدر في قلبه‪ ،‬واستوعب‬
‫مراتبه من كتاب الله تعالى‪ ،‬فكان ْعلى يقين بأن علم الله محيط‬
‫ول َ‬ ‫ن َ‬ ‫قْرآ ٍ‬ ‫من ُ‬ ‫ه ِ‬ ‫من ْ ُ‬ ‫ما ت َت ُْلو ِ‬ ‫و َ‬ ‫ن َ‬ ‫ش ُأ ٍ‬ ‫في َ‬ ‫ن ِ‬ ‫كو ُ‬ ‫ما ت َ ُ‬ ‫و َ‬ ‫بكل ُشيء ‪َ +‬‬
‫ما‬ ‫و‬
‫ِ َ َ‬ ‫ه‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫ضو‬ ‫ُ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫إ‬
‫ُ ًَ ِ‬ ‫دا‬ ‫هو‬ ‫ش‬ ‫ُ‬ ‫م‬‫ْ ْ‬ ‫ك‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫نا‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ن َ َ ٍ ِ‬
‫إ‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫ملو َ‬ ‫ع َ‬ ‫تَ ْ‬
‫ء‬
‫ما ِ‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫في‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ل‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ث‬ ‫م‬ ‫من‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫عن‬ ‫ب‬
‫ّ َ‬
‫ن" ]يونس‪،[61:‬‬
‫ِ‬
‫بي‬
‫ْ ِ َ‬
‫م‬ ‫ب‬ ‫تا‬‫َ‬ ‫ك‬ ‫في‬ ‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬ ‫ل‬
‫ٍ‬ ‫َ ّ َ َ ِْ ّ‬
‫إ‬ ‫ر‬ ‫ب‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ك‬
‫ِ‬
‫ِ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫من‬
‫ّ‬ ‫ّ‬
‫ر‬
‫َ‬
‫غ‬ ‫َ‬ ‫ص‬
‫ُ‬ ‫ي َو ْل َ أ َ‬
‫ز‬‫ُ‬ ‫ع‬
‫ٍ ّ ِ ٍ‬ ‫ِ‬ ‫َ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ‬ ‫َ‬
‫وَتى‬ ‫م ْ‬ ‫حِيي ال ْ َ‬ ‫نَ ن ُ ْ‬ ‫ح ُ‬ ‫وأن الله قد كتب كل شيء كائن ‪ +‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫مام ٍ‬ ‫في إ ِ َ‬ ‫صي َْناهُ ِ‬ ‫ح َ‬ ‫ءأ ْ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫وك ُ ّ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫وآَثاَر ُ‬ ‫موا َ‬ ‫قد ّ ُ‬ ‫ما َ‬ ‫ب َ‬ ‫ون َك ْت ُ ُ‬ ‫َ‬
‫ن" ]يس‪.[12:‬‬ ‫مِبي ٍ‬ ‫ّ‬
‫ه‬
‫جَز ُ‬ ‫ع ِ‬ ‫ه ل ِي ُ ْ‬ ‫ن الل ُ‬ ‫ما كا َ‬ ‫َ‬ ‫و َ‬ ‫وأن مشيئة الله نافذة وقدرته َ تامة ‪َ َ +‬‬
‫ما‬ ‫عِلي ً‬ ‫ن َ‬ ‫كا َ‬ ‫ه َ‬ ‫ض إ ِن ّ ُ‬ ‫في ال ْ ِ‬ ‫ر‬ ‫ول ِ‬ ‫ت َ‬ ‫وا ِ‬ ‫ما َ‬ ‫س َ‬ ‫في ال ّ‬ ‫ء ِ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫من َ‬ ‫ِ‬
‫م لَ‬ ‫ُ‬
‫ُ َ ّ ْ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫م‬ ‫َِ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫‪+‬‬ ‫شيء‬ ‫كل‬ ‫خالق‬ ‫الله‬ ‫وأن‬ ‫‪،‬‬ ‫[‬ ‫‪44‬‬ ‫]فاطر‪:‬‬ ‫"‬ ‫ديًرا‬ ‫ق ِ‬ ‫َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫على ك ُ ّ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫و ُ‬ ‫دوهُ َ‬ ‫عب ُ ُ‬ ‫فا ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ق كُ ّ‬ ‫خال ِ ُ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫ه إ ِل ّ ُ‬ ‫إ ِل َ َ‬
‫ل" ]النعام‪.[102:‬‬ ‫كي ٌ‬ ‫و ِ‬ ‫َ‬
‫وقد ترتب على الفهم الصحيح والعتقاد الراسخ في قلبه لحقيقة‬
‫القضاء والقدر‪ ،‬ثمار نافعة ومفيدة‪ ،‬ظهرت في حياته‪ ،‬وسنراها بإذن‬
‫الله تعالى في هذا الكتاب‪ ،‬وعرف من خلل القرآن الكريم حقيقة‬
‫نفسه وبنى النسان‪ ،‬وأن حقيقة النسان ترجع إلى أصلين‪ :‬الصل‬
‫حين سواه ونفخ فيه الروح‪،‬‬ ‫البعيد وهو الخلقة الولى من طين‪،‬‬
‫ذي‬ ‫نطفة )‪ ،(1‬فقال تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬ ‫َوالصل القريب وهو خلقه من‬
‫م‬‫ن ‪ ‬ثُ ّ‬ ‫طي ٍَ‬ ‫من ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫ق ال ِن ْ َ‬ ‫خل ْ َ‬ ‫وب َدَأ َ َ‬ ‫ه َ‬ ‫ق ُ‬ ‫خل َ َ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ن كُ ّ‬ ‫س َ‬ ‫ح َ‬ ‫أ ْ‬
‫ه‬
‫في ِ‬ ‫خ ِ‬ ‫ون َف َ‬ ‫ّ َ َ ّ ُ َ‬ ‫ه‬ ‫وا‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫ن‬ ‫هي‬ ‫م‬ ‫ء‬
‫ٍ‬ ‫ما‬ ‫من‬ ‫ة‬
‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫س‬
‫ُ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ه‬‫ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ع‬‫َ‬ ‫ج‬‫َ‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫‪‬‬ ‫ّ َِ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ما‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ة‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ف‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫َ َ َ‬ ‫ر‬ ‫صا‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫ع‬‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫س‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫ح‬ ‫ِ‬ ‫رو‬ ‫ّ‬ ‫من‬ ‫ِ‬
‫ن" ]السجدة‪ ،[9 -7 :‬وعرف أن هذا النسان خلقه الله بيده‪،‬‬ ‫شك ُُرو َ‬ ‫تَ ْ‬
‫وأكرمه بالصورة الحسنة والقامة المعتدلة‪ ،‬ومنحه العقل والنطق‬
‫والتمييز‪ ،‬وسخر الله له ما في السماء والرض‪ ،‬وفضله على كثير‬
‫من خلقه‪ ،‬وكرمه بإرسال الرسل له‪ ،‬وأن من أروع مظاهر تكريم‬
‫المولى عز وجل سبحانه للنسان أن جعله أهل ً لحبه ورضائه ويكون‬
‫ذلك باتباع النبي × الذي دعا الناس إلى السلم لكي يحيوا حياة‬
‫بالنعيم ُالمقيم في الخرة‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬‬ ‫ويظفرواذَك َر أ َ‬ ‫طيبة في الدنيا‬
‫ة‬
‫حَيا ً‬ ‫ه َ‬ ‫حي ِي َن ّ ُ‬ ‫فل َن ُ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ٌ‬ ‫م‬
‫ؤ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ُ‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫و ُ‬ ‫َ‬ ‫و أن َْثى‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫من‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫حا‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫صا‬ ‫ل َ‬ ‫م َ‬ ‫ع ِ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫َ‬
‫ن" ]النحل‪:‬‬ ‫َ‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫م‬
‫َ ْ َ‬ ‫ع‬ ‫ي‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫كا‬‫َ‬ ‫ما‬ ‫ِ ْ َ ِ َ‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫ح‬ ‫أ‬ ‫ب‬ ‫هم‬ ‫ول َ َ ْ ِ َ ّ ُ ْ ْ َ ُ‬
‫ر‬ ‫ج‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫ز‬ ‫ج‬ ‫ن‬ ‫ة َ‬ ‫طَي ّب َ ً‬
‫‪.[97‬‬
‫وعرف أمير المؤمنين على رضي الله عنه حقيقة الصراع بين‬
‫النسان والشيطان‪ ،‬وأن هذا العدو يأتي للنسان من بين يديه ومن‬
‫خلفه‪ ،‬وعن يمينه وعن شماله‪ ،‬يوسوس له بالمعصية‪ ،‬يستثير فيه‬
‫كوامن الشهوات‪ ،‬فكان مستعيًنا بالله على عدوه إبليس منتصًرا‬
‫عليه في حياته‪ ،‬كما سنرى في سيرته‪ ،‬وتعلم من قصة آدم مع‬
‫الشيطان في القرآن الكريم‪ ،‬أن آدم هو أصل البشر‪ ،‬وأن جوهر‬
‫‪1‬‬
‫)( أصول التربية للنحلوى‪ :‬ص)‪.(31‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪39‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫السلم الطاعة المطلقة لله‪ ،‬وأن النسان له قابلية للوقوع في‬
‫الخطيئة‪ ،‬وتعلم من خطيئة آدم ضرورة توكل المسلم على ربه‪،‬‬
‫وأهمية التوبة والستغفار في حياة المؤمن‪ ،‬وضرورة الحتراز من‬
‫الحسد والكبر وتقديم مرضاة الله سبحانه وتعالى على كل ما سواه‪،‬‬
‫إخوانه من الصحابة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬ ‫مع َ‬ ‫وأهمية التخاطب بأحسن الكلم‬
‫ن َينَز ُ‬
‫غ‬ ‫شي ْ َ‬
‫طا َ‬ ‫ن ال ّ‬
‫ن إِ ّ‬
‫س ُ‬
‫ح َ‬ ‫يأ ْ‬ ‫ه َ‬ ‫قوُلوا ال ِّتي ِ‬ ‫عَباِدي ي َ ُ‬ ‫قل ل ّ ِ‬ ‫و ُ‬‫‪َ +‬‬
‫مِبيًنا" ]السراء‪.[53 :‬‬ ‫وا‬
‫ُ ّ ّ‬ ‫د‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ن‬ ‫سا‬ ‫ن‬
‫َ ِ ِْ َ ِ‬ ‫ل‬‫ل‬ ‫ن‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫طا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫ش‬‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬
‫ه ْ ِ ّ‬
‫إ‬ ‫م‬ ‫ب َي ْن َ ُ‬
‫وسار على منهج رسول الله في تزكية أصحابه لرواحهم‪ ،‬وتطهير‬
‫قلوبهم بأنواع العبادات‪ ،‬وتربيتهم على التخلق بأخلق القرآن الكريم‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مكانة القرآن الكريم عنده‪:‬‬
‫عاش أمير المؤمنين على رضي الله عنه حياته مع القرآن تلوة‬
‫من قرأ القرآن فمات فدخل النار‬ ‫ما وعمل‪ ً ،‬وكان يقول‪» :‬‬ ‫ظا وفه ً‬ ‫وحف ً‬
‫)‪(1‬‬
‫وكان يقول‪» :‬طوبي لهؤلء‬ ‫وا«‬ ‫ً‬ ‫هز‬ ‫الله‬ ‫آيات‬ ‫يتخذ‬ ‫كان‬ ‫ممن‬ ‫فهو‬
‫كانوا أحب الناس إلى رسول الله ׫)‪ (،2‬وكان يقول‪» :‬ما كنت أرى‬
‫أح ًيعقل ينام قبل أن يقرأ اليات الثلث الواخر من سورة البقرة«‬ ‫دا‬
‫أي أهل القرآن وقال يصف القرآن الكريم ويبين عظيم قدره‪:‬‬ ‫)‪,(3‬‬
‫»كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم مما بينكم‪ ،‬هو‬
‫الفصل ليس بالهزل‪ ،‬من تركه من جبار قصمه الله‪ ،‬ومن ابتغى الهدى‬
‫في غيره أضله الله‪ ،‬وهو الحبل المتين وهو الذكر الحكيم‪ ،‬وهو‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬وهو الذي ل تزيغ به الهواء ول تلتبس به اللسن‪،‬‬
‫ول تنقضي عجائبه‪ ،‬ول يشبع منه العلماء‪ ،‬من قال به صدق‪ ،‬ومن عمل‬
‫هدى إلى صراط‬ ‫ومن( حكم به عدل‪ ،‬ومن دعا إليه ُ‬ ‫به أجر‪،‬‬
‫مستقيم«)‪. 4‬‬
‫ولشدة اهتمام أمير المؤمنين على بالقرآن حصل على علم كبير‬
‫به وبعلومه‪ ،‬فقد روى عنه أنه قال‪» :‬والله ما نزلت آية إل وقد‬
‫وعلى من نزلت‪ ،‬إن ربي وهب لي‬ ‫علمت فيم نزلت‪ ،‬وأين نزلت‪،‬‬
‫قا«)‪ ,(5‬وقد قال رضي الله عنه‪:‬‬ ‫قلًبا عقول ً ولساًنا صادًقا ناط ً‬
‫ليس‪(6‬من آية إل وقد عرفت بليل نزلت‬ ‫»سلوني عن كتاب الله‪ ،‬فإنه‬
‫أم نهار‪ ،‬وفي سهل أم في جبل« ) ‪ ،‬ويرى ابن عبد البر أن علًيا‬
‫رضي الله عنه كان ممن جمع القرآن الكريم على عهد رسول الله‬
‫وهو حى )‪ ،(7‬وقد قال في آخر عهده‪» :‬سلوني قبل أن تفقدوني«)‪.(8‬‬
‫وكان ذلك عندما مات أكثر علماء الصحابة‪ ،‬وكان رضي الله عنه‬
‫بالعراق‪ ،‬فكان من حرصه على تعليم الناس القرآن الكريم والهدى‬
‫النبوي الشريف في قوم كثر فيهم الجهل ول يعرفون الكثير من‬
‫أحكام الدين‪ ،‬فكان رضي الله عنه يحرص على تعليمهم وإرشادهم‬
‫للحق‪ ،‬فقد كان أعلم أهل زمانه‪ ،‬وهذا نموذج للعالم الرباني الذي‬
‫يحرص على تعليم الناس الخير وتربيتهم عليه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫المستطرف )‪ ،(1/29‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(375‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫التبيان في آداب حملة القرآن‪ :‬ص)‪ ،(46‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(390‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫التبيان في آداب حملة القرآن‪ :‬ص)‪ ،(66‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(387‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫ى‪.‬‬
‫فضائل القرآن لبن كثير‪:‬ص )‪ (15‬موقوف على أمير المؤمنين عل ّ‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫الطبقات لبن سعد )‪ ،(2/338‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ :‬ص)‪.(152‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫الصواعق المحرقة )‪ ،(2/375‬الطبقات )‪.(2/338‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫الستيعاب )‪ (3/1130‬وجمع القرآن الكريم أي حفظه عن ظهر قلب‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫منهاج السنة )‪.(58 ،8/57‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪40‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ثالًثا‪ :‬ما نزل فيه من القرآن الكريم‪:‬‬
‫كان القرآن الكريم ينزل على رسول الله يعالج أحداًثا واقعية‬
‫حصلت في المجتمع النبوي الكريم‪ ،‬فيثنى على عمل ما‪ ،‬ويشيد‬
‫بأقوام‪ ،‬ويحذر من آخرين‪ ،‬وينبه على بعض الخطاء‪ ،‬وقد نزلت بعض‬
‫اليات التي خلدت بعض المآثر لمير المؤمنين وبعض الصحابة رضي‬
‫الله عنهم أجمعين‪.‬‬
‫م‬
‫ه ْ‬ ‫في ََرب ّ ِ‬ ‫موا ِ‬ ‫ص ُ‬ ‫خت َ َ‬ ‫نا ْ‬ ‫ما ِ‬ ‫ص َ‬ ‫خ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ذا ِ‬ ‫ه َ‬ ‫‪ -1‬منها قول تعالى‪َ + :‬‬
‫ق‬ ‫ْ ُ ْ ِ‬ ‫و‬ ‫ف‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ص‬‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ٍ‬ ‫نا‬ ‫ّ‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫ب‬ ‫ٌ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ث‬ ‫م‬ ‫ت لَ ُ ْ‬ ‫ه‬ ‫ع ْ‬ ‫قط ّ َ‬ ‫فُروا ُ‬
‫ْ‬
‫ن كَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫فال ّ ِ‬ ‫َ‬
‫د ‪‬‬ ‫جلو ُ‬ ‫وال ُ‬ ‫ِ ْ َ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫طو‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ما‬ ‫ه‬ ‫ِ‬
‫قامع من ُ حديد ْ ‪ُ ‬ك ُل ِّ َ َ‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ص‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫‪‬‬ ‫م‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬‫ِ ُ‬ ‫ه‬ ‫س‬ ‫ِ‬ ‫ؤو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬ ‫ُ‬
‫ن‬‫م ْ‬ ‫ها ِ‬ ‫من ْ َ‬ ‫جوا ِ‬ ‫خُر ُ‬ ‫دوا َأن ي َ ْ‬ ‫ما أَرا ُ‬ ‫َ‬ ‫م َ ِ ُ ِ ْ َ ِ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫هم‬
‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ول َ‬ ‫َ‬
‫ل‬‫خ ُ‬ ‫ه ي ُدْ ِ‬ ‫ن الل َ‬ ‫ق ‪ ‬إِ ّ‬ ‫ري ِ‬ ‫ح ِ‬ ‫ب ال ْ َ‬ ‫ذا َ‬ ‫ع َ‬ ‫قوا َ‬ ‫ذو ُ‬ ‫و ُ‬ ‫ها ُ َ‬ ‫في َ‬ ‫دوا ِ‬ ‫عي ُ‬ ‫مأ ِ‬ ‫غّ ّ‬ ‫َ‬
‫ها‬ ‫ت‬ ‫ح‬ ‫ت‬
‫ّ َ ِ َ ِ َ ّ ٍ َ ْ ِ ُ ُِ َ ْ ِ َ‬ ‫من‬ ‫ري‬ ‫ج‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫نا‬ ‫ج‬ ‫ت‬ ‫حا‬ ‫ل‬ ‫صا‬ ‫ال‬ ‫لوا‬ ‫م‬
‫َ َ ِ‬ ‫ع‬ ‫و‬ ‫نوا‬ ‫ا ِ َ َ ُ‬
‫م‬ ‫آ‬ ‫ن‬ ‫ذي‬ ‫ل‬
‫م‬ ‫ه‬
‫َ َ ُ ُ ْ‬ ‫س‬ ‫با‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ؤا‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫ل‬ ‫و‬‫ٍ َ‬ ‫ب‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫من‬ ‫َ ِ َ ِ‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫سا‬ ‫أ‬ ‫ن‬‫َ ِ ْ‬ ‫م‬ ‫ها‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ن‬
‫هاُر ي ُ َ ْ َ‬ ‫و‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ح‬ ‫الن ْ َ‬
‫ريٌر" ]الحج‪.[23 -19 :‬‬ ‫ِ‬ ‫ح‬‫َ‬ ‫ها‬ ‫في َ‬ ‫ِ‬
‫روى البخاري بسنده عن على بن أبى طالب أنه قال‪» :‬أنا أول‬
‫من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة«‪ ،‬وقال قيس بن‬
‫م" قال‪:‬‬ ‫ه ْ‬ ‫في َرب ّ ِ‬ ‫موا ِ‬ ‫ص ُ‬ ‫خت َ َ‬ ‫نا ْ‬ ‫ما ِ‬ ‫ص َ‬ ‫خ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ذا ِ‬ ‫ه َ‬ ‫عبادة‪ :‬فيهم نزلت ‪َ +‬‬
‫وأبو‪(1‬عبيدة بن الحارث وشيبة‬ ‫وعلى‬ ‫حمزة‬ ‫بدر‪،‬‬ ‫هم الذين تبارزا يوم‬
‫بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ) ‪.‬‬
‫ه‬
‫في ِ‬ ‫ك ِ‬ ‫ج َ‬ ‫حا ّ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫ف َ‬ ‫‪ -2‬وهو أحد من نزل فيهم قول الله تعالى‪َ + :‬‬
‫ع أ َب َْناءََنا‬ ‫وا َ ن َدْ ُ‬ ‫عال َ ْ‬ ‫ل تَ َ‬ ‫ق ْ‬ ‫َ‬ ‫ف ُ‬ ‫عل ْم ِ َ‬ ‫ن ال ْ ِ‬ ‫م َ‬ ‫ك ِ‬ ‫جاءَ َ‬ ‫ما َ‬ ‫د َ‬ ‫ع ِ‬ ‫من ب َ ْ‬ ‫وأ َ‬ ‫ِ‬
‫ل‬ ‫ه ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫س‬‫َ‬ ‫ُ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ .[61 :‬وذلك في‬ ‫كاِذِبي َ‬ ‫عَلى ال ْ َ‬ ‫ه َ‬ ‫ت الل ِ‬ ‫عن َ َ‬ ‫عل ل ّ ْ‬ ‫ج َ‬ ‫فن َ ْ‬ ‫َ‬
‫وفد نجران حينما جادلهم النبي × في عيسى ابن مريم‪ ،‬وأنه عبد‬
‫الله ورسوله‪ ،‬وكلمته ألقاها إلى أمه الطاهرة‪ ،‬فأجابته‪ ،‬وكذبهم في‬
‫أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلثة‪ ،‬ودعاهم إلى السلم‪ ،‬فأبوها‬
‫سعد بن أبي وقاص قال‪ :‬ولما‬ ‫بن َ‬ ‫عامر‬ ‫فعن ُ َ‬ ‫فدعاهم إلى المباهلة‪،‬‬
‫م" دعا رسول الله‬ ‫وأب َْناءَك ُ ْ‬ ‫ع أب َْناءََنا َ‬ ‫وا ن َدْ‬ ‫عال َ ْ‬ ‫ل تَ َ‬ ‫ق ْ‬ ‫ف ُ‬ ‫نزلت‪َ + :‬‬
‫وفاطمة‪ ،‬وحسًنا وحسيًنا رضي الله عنهم فقال‪ :‬اللهم هؤلء‬ ‫علًيا‪،‬‬
‫أهلي )‪.(2‬‬
‫‪3-‬مواقفة القرآن له في كون الجهاد أفضل من عمارة المسجد‬
‫الحرام‪:‬ففي الصحيح أن رجل ًقال‪ :‬ل أبالي أل أعمل عمل ًبعد السلم‬
‫إل أن أعمر المسجد الحرام‪ ،‬فقال على بن أبى طالب‪» :‬الجهاد في‬
‫سبيل الله أفضل من هذا كله«‪ ،‬فقال عمر بن الخطاب »ل ترفعوا‬
‫أصواتكم عند منبر رسول الله ×‪ ،‬ولكن َإذا قضيت الصلة سألته عن‬
‫ج‬ ‫حا ّ‬ ‫ة ال ْ َ َ‬ ‫قاي َ َ‬ ‫س َ‬ ‫م ِ‬ ‫عل ْت ُ ْ‬ ‫ج َ‬ ‫ذلك‪ ،‬فسأله‪ ،‬فأنزل الله هذه الية‪ + :‬أ َ‬
‫د‬
‫ه َ‬ ‫جا َ‬ ‫و َ‬ ‫ر َ‬ ‫خ ْ َِ‬ ‫وم ِ ال ِ‬ ‫وال َي َ ْ‬ ‫ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ن ِبالل ِ‬ ‫م َ‬ ‫نآ َ‬ ‫م ْ‬ ‫حَرام ِ ك َ َ‬ ‫جدِ ال ْ َ‬ ‫س ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ماَرةَ ال ْ َ‬ ‫ع َ‬ ‫و ِ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫ْ َ‬ ‫و‬ ‫ق‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫دي‬ ‫َ ْ ِ‬ ‫ه‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫والل‬ ‫ِ َ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫د‬ ‫ن‬
‫َ ْ َ ُ َ ِ ْ َ‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫وو‬ ‫ت‬ ‫س‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ِ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ل‬‫ِ‬ ‫سِبي‬ ‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬
‫ه‬
‫ل الل ِ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫في َ‬ ‫دوا ُ ِ‬ ‫ه ُ‬ ‫جا َ‬ ‫و َ‬ ‫روا َ‬ ‫ج ُ‬ ‫ها َ‬ ‫و َ‬ ‫م َُنوا َ َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ‪ َ ‬ال ّ ِ‬ ‫مي َ‬ ‫ظال ِ ِ‬ ‫ال ّ‬
‫َ‬
‫م‬‫ُ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫أو‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫ِ‬ ‫ة‬
‫ً‬ ‫ج‬‫َ‬ ‫ر‬ ‫ُ َ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫م‬ ‫ظ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫أ‬ ‫م‬‫ِ ْ‬ ‫ه‬ ‫س‬ ‫ِ‬ ‫ف‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫م َ ِ ْ َ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫ب ِأْ ْ‬
‫م‬‫ه ْ‬ ‫تل ُ‬‫ّ‬ ‫جّنا ٍ‬ ‫ن ‪ ‬ي ُب َ ّ‬ ‫ال َ‬
‫جٌر‬ ‫و ََ‬ ‫ن َ‬ ‫وا ٍ‬ ‫ض َ‬ ‫ر ْ‬ ‫و ِ‬ ‫ه َ‬ ‫من ْ ُ‬ ‫م َةٍ ّ‬ ‫ح َ‬ ‫م ب َِر ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫م َرب ّ ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫شُر ُ‬ ‫فائ ُِزو َ‬
‫عن ْدَهُ أ ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫ن الل َ‬ ‫دا إ ِ ّ‬ ‫ها أب َ ً‬ ‫في َ‬ ‫ن ِ‬ ‫دي َ‬ ‫خال ِ ِ‬ ‫م‪َ ‬‬ ‫قي ٌ‬ ‫م ِ‬ ‫م ّ‬ ‫عي ٌ‬ ‫ها ن َ ِ‬ ‫في َ‬ ‫ِ‬
‫م" ]التوبة‪[.22-19 :‬فبين لهم أن اليمان والجهاد أفضل من عمارة‬ ‫ظي ٌ‬ ‫ع ِ‬ ‫َ‬

‫‪1‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(3965‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسلم )‪.(1/171) ،425 (4/1871‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪41‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫المسجد الحرام والحج والطواف ومن الحسان إلى الحجاج )‪.(1‬‬
‫أمة محمد ×‪ :‬عن على رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬لما‬ ‫‪ -4‬شفقته على َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬ ‫م الّر ُ‬ ‫جي ْت ُ ُ‬ ‫ذا َنا َ‬ ‫مُنوا إ ِ َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫نزلت هذه الية‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬
‫ة" ]المجادلة‪ [12:‬قال النبي ×‬ ‫ق ً‬ ‫صد َ َ‬ ‫م َ‬ ‫واك ُ ْ‬ ‫ج َ‬ ‫ي نَ ْ‬ ‫ن ي َدَ ْ‬ ‫موا ب َي ْ َ‬ ‫قد ّ ُ‬ ‫ف َ‬ ‫َ‬
‫لعلى‪ :‬مرهم أن يتصدقوا‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬بكم؟ قال‪:‬‬
‫بدينار‪ ،‬قال‪ :‬ل يطيقونه‪ .‬قال‪ :‬بنصف دينار‪.‬قال‪ :‬ل يطيقونه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫بشعيرة َ )‪ ،(2‬قال‪َ :‬فقال النبي × لعلى‪ :‬إنك لزهيد‪,‬‬ ‫قال‪:‬الله‪+ :‬أ َ‬ ‫فبكم؟‬
‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫وا‬
‫َ‬ ‫ج‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ي‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ب‬ ‫موا‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫أن‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ق‬‫ْ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ش‬ ‫ْ‬ ‫أ‬ ‫فأنزل‬ ‫قال‪:‬‬
‫صل َ َ‬
‫ة‬ ‫موا ال ّ‬ ‫قي ُ‬ ‫فأ َ ِ‬‫م َ‬ ‫عل َي ْك ُ ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ب الل ُ‬ ‫وَتا َ‬ ‫َ‬ ‫لوا‬ ‫ُ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ْ‬
‫ف‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫إ‬
‫َِ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ت‬
‫ٍ‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫صد َ‬ ‫َ‬
‫ة)"‪](3‬المجادلة‪ .[12:‬قال‪ :‬فكان على يقول‪ :‬فبي خفف الله‬ ‫كا َ‬ ‫وآُتوا الّز‬ ‫َ‬
‫عن هذه المة ‪.‬‬
‫رابًعا‪ :‬تبليغه تفسير رسول الله لبعض آيات القرآن الكريم‪:‬‬
‫استفاد على رضي الله عنه من تفسير رسول الله ×‪ ،‬وبلغ ما‬
‫تعلم من رسول الله للناس وإليك بعض المثلة على ذلك‪:‬‬
‫قك ُ َ‬
‫ن" ]الواقعة‪:‬‬ ‫م ت ُك َذُّبو َ‬ ‫م أن ّك ُ ْ‬ ‫رْز َ ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫عُلو َ‬ ‫ج َ‬ ‫وت َ ْ‬ ‫)أ( قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ن‬
‫علو َ‬ ‫ُ‬ ‫ج َ‬ ‫وت َ ْ‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫×‬ ‫النبي‬ ‫عن‬ ‫عنه‬ ‫الله‬ ‫‪ :[82‬عن َعلى رضي‬
‫مطرنا بنوء كذا‬ ‫ن" قال‪ :‬شكركم أنكم تكذبون‪ُ ،‬‬ ‫م ت ُك َذُّبو)‪َ (4‬‬ ‫م أن ّك ُ ْ‬ ‫قك ُ ْ‬ ‫رْز َ‬ ‫ِ‬
‫وكذا‪ ،‬بنجم كذا وكذا ‪.‬‬
‫)ب( فكل ميسر لما خلق له‪:‬عن على – رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬كنا‬
‫في جنازة في بقيع الغرقد‪ ،‬فأتانا رسول الله × فقعد وقعدنا حوله‪،‬‬
‫ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته‪ ،‬ثم قال‪» :‬ما منكم من‬
‫أحد‪ ،‬من نفس منفوسة إل وقد كتب الله مكانها من الجنة‬
‫والنار‪ ،‬أل وقد كتبت شقية أو سعيدة«‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا رسول‬
‫الله‪ ،‬أفل نتكل على كتابنا وندع العمل‪ ،‬من كان من أهل السعادة‬
‫فسيصير إلى عمل أهل السعادة‪ ،‬ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير‬
‫إلى عمل أهل الشقاوة‪ ،‬فقال‪» :‬اعملوا فكل ميسر‪ ،‬أما أهل‬
‫السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة‪ ،‬وأما أهل‬
‫فسييسرون إلى عمل أهل الشقاوة«‪ ،‬ثم قرأ‬ ‫الشقاوةمن أ َ‬ ‫‪َ َ +‬‬
‫ه‬ ‫ر‬ ‫س‬
‫َ َ ّ ُ ُ‬ ‫ي‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫نى‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ِ ُ ْ‬ ‫ح‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫َ‬ ‫ق‬ ‫د‬
‫َ َ ّ‬ ‫ص‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫قى‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫طى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫ما َ ْ‬ ‫فأ ّ‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫نى ‪‬‬ ‫س َ‬ ‫ح ْ‬ ‫ب ِبال ُ‬ ‫وك َذّ َ‬ ‫غَنى ‪َ ‬‬ ‫ست َ ْ‬ ‫وا ْ‬ ‫ل َ‬ ‫خ َ‬ ‫من )ب َ‪ِ (5‬‬ ‫ما َ‬ ‫و ْأ ّ‬ ‫سَرى ‪َ ‬‬ ‫ل ِل ْي ُ ْ‬
‫سَرى" ‪] :‬الليل‪ [،10 -5 :‬وفي رواية‪ :‬أفل نتكل على‬ ‫ع ْ‬ ‫سُرهُ ل ِل ُ‬ ‫سن ُي َ ّ‬ ‫ف َ‬ ‫َ‬
‫كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة سيصير إلى عمل‬
‫السعادة‪ ،‬ومن كان من أهل الشقاوة سيصير إلى عمل أهل‬ ‫أهل‬
‫الشقاوة)‪.(6‬‬
‫وفي رواية في الصحيحين عن على قال‪ :‬كان رسول الله × ذات‬
‫يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال‪» :‬ما منكم من‬
‫نفس إل وقد علم منزلها من الجنة والنار« فقالوا‪ :‬يا رسول‬
‫‪1‬‬
‫)( الفتاوى )‪.(8/166‬‬
‫‪2‬‬
‫)( بشعيرة‪ :‬وزن شعيرة من ذهب‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( رواء الترمذي رقم ‪3297‬وقال‪ :‬حسن غريب وضعفه اللباني في ضعيف‬
‫موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان‪ :‬ص )‪.(128 ،127‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الموسوعة الحديثية رقم ‪849‬حسن لغيره‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البخاري رقم)‪.(1362‬‬
‫‪6‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(6605‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪42‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫فقال‪ :‬ل‪..‬اعملوا‪ ،‬فكل ميسر‬ ‫نتكل؟‪ ،‬من أ َ‬ ‫فأ َ‬ ‫م نعمل؟‪ ،‬أو ل‬ ‫الله ِفل َ‬
‫ق‬
‫صد ّ َ‬ ‫َ َ‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫قى‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫وا‬‫َ َ‬ ‫طى‬ ‫َ‬ ‫ع‬‫ْ‬ ‫ّ ْ َ ْ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫قرأ‪:‬‬ ‫ثم‬ ‫له‬ ‫خلق‬ ‫لما‬
‫غَنى‬ ‫ست َ ْ‬
‫َ ْ‬ ‫وا‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫خ‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫من‬ ‫ما‬ ‫أ‬‫و‬ ‫رى‬ ‫ْ َ‬‫س‬ ‫ُ‬ ‫ي‬‫ل‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ه‬
‫ّ ُ ُ‬ ‫ر‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ي‬‫ُ‬ ‫ن‬ ‫س‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫نى‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ْ‬ ‫ح‬
‫ُ‬ ‫ِبال ْ‬
‫َ )‪(1‬‬ ‫ْ َ ّ‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬
‫سَرى" ]الليل‪.[10-5 :‬‬ ‫ع ْ‬ ‫سُرهُ ل ِل ُ‬ ‫سن ُي َ ّ‬ ‫ف َ‬ ‫سَنى ‪َ ‬‬ ‫ح ْ‬ ‫ْ‬
‫ب ِبال ُ‬ ‫و كذ ّ َ‬ ‫َ‬ ‫‪َ ‬‬
‫فقد أخبر النبي × في هذه الحاديث وغيرها بما دل عليه القرآن‬
‫الكريم من أن الله – سبحانه وتعالى – تقدم علمه وكتابه وقضاؤه‬
‫بما سيصير إليه العباد من السعادة)‪(2‬والشقاوة كما تقدم علمه وكتابه‬
‫بغير ذلك من أحوال العباد وغيرهم ‪ ،‬قد بين النبي × أن ذلك ل‬
‫ينافي وجود العمال التي بها تكون السعادة أو الشقاوة‪ ،‬وأن من‬
‫كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة‪ ،‬ومن كان من‬
‫أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة‪ ،‬وقد نهي أن يتكل‬
‫النسان على القدر السابق ويدع العمل‪ ،‬ولهذا كان من اتكل على‬
‫القدر السابق وترك ما أمر به من العمال هو من الخسرين أعما ً‬
‫ل‪،‬‬
‫الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا‪ ،‬وكان تركهم لما يجب عليهم من‬
‫العمل من جملة المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة‪ ،‬فإن‬
‫أهل السعادة هم الذين يعملون المأمور ويتركون المحظور‪ ،‬فمن‬
‫ترك العمل الواجب الذي أمر به وفعل المحظور متكل ً على القدر‪،‬‬
‫كان من جملة أهل الشقاوة والميسرين لعمل أهل الشقاوة‪ ،‬وهذا‬
‫طالب رضي‬ ‫الجواب الذي أجاب به النبي × وتعلمه على بن أبى‬
‫الله عنه وأصحاب النبي في غاية السداد والستقامة )‪.(3‬‬
‫سا‪ :‬الصول والسس التي سار عليها أمير المؤمنين على‬ ‫خام ً‬
‫في استنباط الحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه‪:‬‬
‫كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه على مبلغ كبير من العلم‬
‫بالقرآن وعلومه‪ ،‬وقد جعله هذا العلم بالقرآن يعتقد أن القرآن فيه‬
‫إما صراحة أو ضمًنا‪ ،‬فكان يقول بصدد ذلك‪:‬‬ ‫جميع الحكام الشرعية‬
‫»إن الله لم يك نسًيا« )‪ ,(4‬ولذلك كان كثيًرا ما يحتج بالقرآن ويتلو‬
‫الية التي يستند إليها لبيان الحكم الشرعي وكانت طريقته في‬
‫الستنباط كالتي‪:‬‬
‫‪ -1‬اللتزام بظاهر القرآن الكريم‪ :‬كان أمير المؤمنين على رضي‬
‫الله عنه يلتزم أحياًنا بظاهر القرآن الكريم حين ل يرى قرينة تقتضي‬
‫َصرفه عن ظاهره‪ ،‬فإنه كان يتوضأ لكل صلة ويقرأ هذه الية‪َ+ :‬يا‬
‫سُلوا‬ ‫غ ِ‬ ‫ة فا ْ‬ ‫صل َ ِ‬ ‫م إ َِلى ال ّ‬ ‫مت ُ ْ‬ ‫ق ْ‬ ‫ذا ُ‬ ‫مُنوا إ ِ َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫أي ّ َ‬
‫م‪] (5)"...‬المائدة‪[6:‬؛ لن ظاهرها يدل على الوضوء عند إرادة‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫جو‬ ‫و ُ‬ ‫ُ‬
‫الصلة كل مرة‪ ،‬وأوجب الصوم على المقيم إذا أدركه الصوم ثم‬
‫سافر‪ ،‬فقال‪ :‬من أدركه الصوم وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم؛ لن‬
‫ه" ]البقرة‪:‬‬ ‫م ُ‬ ‫ص ْ‬ ‫فل ْي َ ُ‬ ‫هَر َ‬ ‫ش ْ‬ ‫م ال ّ‬ ‫من ْك ُ ُ‬‫هد َ ِ‬ ‫ش ِ‬ ‫من َ‬ ‫ف َ‬ ‫الله تعالى قال‪َ + :‬‬
‫‪ ،(6) [185‬ورأى عدم تحريم إرضاع الكبير؛ لنه ليس ضمن حولي‬
‫الرضاعة‪ ،‬حيث روى عنه أنه قال في‬ ‫آيةضعن أ َ‬ ‫الرضاعة استناًدا إلى ظاهر‬
‫ن‬ ‫مل َْ‬
‫ي‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫ن‬ ‫ول َْ‬
‫ي‬ ‫ح‬ ‫ن‬
‫ْ َ ْ َ ّ َ ْ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ِ‬ ‫ر‬‫ت ُ ْ‬ ‫ي‬ ‫دا ُ‬ ‫وال ِ َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫تعالى‪َ + َ :‬‬ ‫قوله‬
‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ن أَ‬
‫ة" ]البقرة‪ ،[233 :‬الرضاعة سنتان فما‬ ‫ع َ‬ ‫ضا َ‬ ‫م الّر َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫أن‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫را‬ ‫م ْ َ‬ ‫لِ َ‬
‫‪1‬‬
‫البخاري رقم )‪ ،(6605‬الفتاوى )‪.(8/165‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫الفتاوى )‪.(8/166‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫مصنف عبد الرزاق )‪.(1744‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫المصدر السابق )‪.(1744‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫تفسير القرطبي )‪.(2/80‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫فقه المام على )‪.(1/45‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪43‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫كان من رضاع في الحولين حرم‪ ،‬وما كان بعد الحولين فل يحرم )‪،(1‬‬
‫وحمل القرآن الكريم على ظاهره في مكان آخر حيث حكم ببراءة‬
‫ستة أشهر من زواجها‪ ،‬فجمع بين‬ ‫بعدن أ َ‬ ‫امرأة اتهمت بالزنا لنها ولدت‬
‫ن"‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫مل َ‬ ‫ِ‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫ول َ‬ ‫ْ‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ّ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫ُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫ض‬ ‫ِ‬ ‫ت ي ُْر‬ ‫دا ُ‬ ‫وال ِ َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫هًرا"‬ ‫ش ْ‬ ‫ه ثلثو َ‬ ‫صال ُ‬ ‫ف َ‬ ‫و ِ‬ ‫ه َ‬ ‫مل ُ‬ ‫ح ْ‬ ‫و َ‬ ‫]البقرة‪ [233:‬وقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫]الحقاف‪ .[15:‬فقال‪ :‬الحمل ستة أشهر والفصال أربعة وعشرون‬
‫شهًرا)‪ ،(2‬أي أنه طرح مدة الرضاعة وهي السنتان من مجموع مدة‬
‫ثلثون‪(3‬شهًرا فبقيت ستة أشهر‪ ،‬فجمع بين‬ ‫الرضاعة والحمل وهي‬
‫ظاهر كلتا اليتين وحكم بهما) ‪.‬‬
‫‪ -2‬حمل المجمل على المفسر‪ :‬المجمل هو ما خفي مراده‬
‫ببيان( يرجى)‪ ،(4‬والمفسر‪ :‬هو ما ظهر المراد منه‬ ‫بحيث ل يدرك إل‬
‫دون الحاجة إلى بيان)‪, 5‬وقد حمل مجمل القرآن في قوله تعالى‪:‬‬
‫ة" ]المائدة‪ [95:‬على مفسره في مواضع أخرى‪،‬‬ ‫عب َ ِ‬ ‫غ ال ْك َ ْ‬ ‫هدًْيا َبال ِ َ‬ ‫‪َ +‬‬
‫حيث ورد أنه سأل رجل عليا عن الهدى مما هو؟ فقال‪ :‬من الثمانية‬
‫أزواج‪ ،‬فكأن الرجل شك‪ ،‬فقال له على‪َ :‬أتقرأ القرآن؟ قال‪َ :‬نعم‪،‬‬
‫فوا‬ ‫و ُ‬ ‫مُنوا أ ْ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫سمعت َ قول الله تعالى‪َ+ :‬يا أي ّ َ‬ ‫فهل أ ُ‬ ‫قال‪:‬‬
‫عام ِ" ]المائدة‪.[1:‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ة الن ْ َ‬ ‫م ُ‬ ‫ْ ِ َ‬ ‫هي‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ح‬ ‫ِ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫ِبال ْ ُ‬
‫ع‬
‫ما‬ ‫م ّ‬ ‫لوا ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫شا ك‬ ‫فْر ً‬ ‫و َ‬ ‫ة َ‬ ‫مول ً‬ ‫َ‬ ‫ح ُ‬ ‫عام ِ َ‬ ‫ن الن ْ َ‬ ‫م َ‬ ‫و ِ‬ ‫فهل ُسمعته يقول‪َ + :‬‬
‫ن‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ث‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ضأ ْ‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫‪+‬‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫الله‬ ‫فسمعت‬ ‫قال‪:‬‬ ‫م" ]الحج‪[34:‬‬ ‫َرَز َ‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫قك ُ‬
‫ما‬ ‫نأ ّ‬ ‫م أم ِ الن ْثي َي ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫حّر َ‬ ‫ن َ‬ ‫ن قل آل ُذ َكَري ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ز َ اثن َي ْ َ ِ‬ ‫ْ‬ ‫ع ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ن اَل َ‬ ‫م َ‬ ‫و ِ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫عل ْم ٍ ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬ ‫ن ن َب ُّئوِني ب ِ ِ‬ ‫م ال ْن ْثي َي ْ ِ‬ ‫حا ُ‬ ‫ه أْر َ‬ ‫علي ْ ِ‬ ‫ت َ‬ ‫مل ْ‬ ‫شت َ َ‬ ‫ا ْ‬
‫ن " ]النعام‪ .[144 ،143 :‬قال‪ :‬نعم‪،‬‬ ‫ل اثن َي ْ َ ِ‬ ‫ن ال ِب ْ ِ‬ ‫م َ‬ ‫و ِ‬ ‫ن ‪َ ‬‬ ‫قي َ‬ ‫صاِد ِ‬ ‫َ‬
‫صي ْدَ‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫لوا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫آ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫أ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫الله‬ ‫سمعت‬ ‫فهل‬ ‫َ‬
‫ة" ]المائدة‪.[95:‬‬ ‫عب َ ِ‬ ‫غ ال ْك َ ْ‬ ‫هدًْيا َبال ِ َ‬ ‫م" إلى قوله تعالى‪َ + :‬‬ ‫حُر ٌ‬ ‫م ُ‬ ‫وأن ْت ُ ْ‬ ‫َ‬
‫ى؟ قال‪ :‬هدًيا بالغ‬ ‫ّ‬ ‫عل‬ ‫فماذا‬ ‫يا‬
‫ً‬ ‫ظب‬ ‫فقتلت‬ ‫قال‪:‬‬ ‫نعم‪،‬‬ ‫الرجل‪:‬‬ ‫)‪(6‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫الكعبة ‪.‬‬
‫‪ -3‬حمل المطلق على المقيد في القرآن الكريم‪ :‬المطلق‪ :‬هو‬
‫ما دل على الماهية بل قيد‪ ،‬والمقيد هو ما قيد لفظا بأي قيد)‪ ,(7‬ولقد‬
‫حمل أمير المؤمنين على مطلق القرآن على مقيده في استنباط‬
‫الحكم‪ ،‬إذ حمل مطلق المر بالقطع في آية السرقة على مقيده في‬
‫آية المحاربة بعدم القطع إل مرتين‪ ،‬وعدم قطع أكثر من يد ورجل‬
‫عند تكرار السرقة‪ ،‬فإذا سرق مرة قطعت يده اليمنى‪ ،‬وإذا سرق‬
‫قطعت رجله اليسرى عند على‪ ،‬فإن زاد وسرق مرة ثالثة ورابعة لم‬
‫يزد على ذلك‪ ،‬ويعزره بدل القطع لنه حمل قوله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫ما" ]المائدة‪ [38:‬على‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫دي َ‬ ‫عوا أي ْ ِ‬ ‫قط َ ُ‬ ‫فا ْ‬ ‫ة َ‬ ‫ق ُ‬ ‫ر َ‬ ‫سا ِ‬ ‫وال ّ‬ ‫رق ُ َ‬ ‫سا ِ‬ ‫‪+‬ال ّ‬
‫ه‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫سوَل‬ ‫ُ‬ ‫وَر‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫بو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬
‫َِ‬ ‫حا‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ُ‬ ‫ء‬ ‫زا‬ ‫َ‬ ‫ج‬‫َ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫‪+‬‬ ‫المحاربة‬ ‫آية‬
‫قط ّ َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫في ِال َ‬
‫ع‬ ‫و تُ َ‬ ‫صل ُّبوا أ ْ‬ ‫و يُ َ‬ ‫قت ُّلوا أ ْ‬ ‫دا أن ي ُ‬ ‫سا ً‬ ‫ف َ‬ ‫ض َ‬ ‫ِ‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ويي َديهم َ‬
‫ن‬‫َ‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫س‬
‫ْ‬ ‫ََ‬
‫ف" ]المائدة‪ .[33 :‬وقال‪ :‬إن الله لم يزد‬ ‫خل َ ٍ‬ ‫ن ِ‬ ‫م ْ‬ ‫هم ّ‬ ‫جل ُ ُ‬ ‫وأْر ُ‬ ‫أ ْ ِ ِ ْ َ‬
‫على قطع يد ورجل في آية المحاربة‪ ،‬ولذلك كان يعاقب مثل هذا‬
‫‪1‬‬
‫المجموع للنووي )‪.(8/213‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫مصنف عبد الرزاق )‪ ،(12443‬فقه المام على )‪.(1/41‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فقه المام على )‪.(1/46‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫مرآة الصول في شرح مرقاة الوصول‪ :‬ص)‪.(197‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(191‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫الدار المنثور )‪.(3/13‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫جمع الجوامع بشرح المحلى )‪ ،(2/79‬فقه المام على )‪.(1/47‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪44‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫بالسجن)‪ .(1‬فعن الشعبي قال‪ :‬كان على ل يقطع إل اليد والرجل‪،‬‬
‫كان يقول‪ :‬إني لستحيى من‬ ‫سجن ونكل‪ ،‬وإنه‬ ‫وإن سرق بعد ذلك ُ‬
‫دا يأكل بها ويستنجى)‪.(2‬‬ ‫الله أن ل أدع له ي ً‬
‫بالناسخ والمنسوخ‪ :‬النسخ‪ ،‬هو رفع الحكم الشرعي‬ ‫)‪(3‬‬
‫‪ -4‬العلم‬
‫لحد أن‬ ‫يجوز‬ ‫ول‬ ‫الئمة‪:‬‬ ‫قال‬ ‫الزركشي‪:‬‬ ‫ويقول‬ ‫‪,‬‬ ‫متأخر‬ ‫بخطاب‬
‫يفسر كتاب الله إل بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ)‪ ,(4‬وعلى‬
‫هذا المعنى يؤكد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه‪،‬‬
‫صا بقوله‪ :‬أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال‪ :‬ل‪،‬‬ ‫وذلك عندما عاتب قا ّ‬
‫قال‪ :‬هلكت وأهلكت)‪.(5‬‬
‫‪ -5‬النظر في لغة العرب‪:‬ومن منهج أمير المؤمنين على في فهم‬
‫القرآن الكريم النظر في لغة َ العرب‪ ،‬كما فهم من قوله تعالى‪:‬‬
‫ء" ]البقرة‪ [228:‬أن‬ ‫قُرو ٍ‬ ‫ة ُ‬ ‫ن ث َل َث َ َ‬ ‫ه ّ‬ ‫س ِ‬‫ف ِ‬ ‫ن ب ِأن ْ ُ‬ ‫ص َ‬ ‫ت ي َت ََرب ّ ْ‬ ‫قا ُ‬ ‫مطَل ّ َ‬ ‫وال ْ ُ‬ ‫‪َ +‬‬
‫المراد)‪(6‬بالقراء الحيض‪ ،‬فل تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة‬
‫المطلقة‪ :‬ل تحل لزوجها‬ ‫الثالثة ‪ ،‬لذا قال على رضي الله عنه عن‬
‫الرجعة عليه حتى تغتسل من الحيضة الثالثة)‪ (7‬والقروء في كلم‬
‫ضا الطهر‪ ،‬وأقرأت المرأة‪:‬‬ ‫الحيض‪ ،‬والقرء أي ً‬ ‫العرب جمع قرء‪ ،‬وهو‬
‫حاضت‪ ،‬وأقرأت‪ :‬اط ّّهرت)‪.(8‬‬
‫َ‬
‫م‬‫ست ُ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫و لَ َ‬ ‫ومن ذلك فهمه رضي الله عنه من قوله تعالى‪+ :‬أ ْ‬
‫اللمس هو الجماع فقد قال‪ :‬اللمس هو‬ ‫)‪(9‬‬
‫ساءَ" ]النساء‪،[43 :‬‬ ‫الن ّ َ‬
‫وحمل الناس المس في قوله تعالى‪:‬‬ ‫َ‬ ‫‪،‬‬ ‫عنه‬ ‫كنى‬ ‫الله‬ ‫ولكن‬ ‫الجماع‪،‬‬
‫ن‬‫ه ّ‬ ‫م لَ ُ‬ ‫ضت ُ ْ‬ ‫فَر ْ‬ ‫قد ْ َ‬ ‫و َ‬
‫ن َ‬ ‫ه ّ‬ ‫سو ُ‬ ‫م ّ‬ ‫ل أن ت َ َ‬ ‫قب ْ ِ‬ ‫من َ‬ ‫ن ِ‬ ‫ه ّ‬ ‫مو ُ‬ ‫قت ُ ُ‬‫وِإن طَل ّ ْ‬ ‫‪َ +‬‬
‫فقال‪ (:‬المراد بالمس هنا‬ ‫الخلوة‪،‬‬ ‫على‬ ‫ة" ]البقرة‪[237:‬‬ ‫ً‬ ‫ض‬‫َ‬ ‫ري‬ ‫ف ِ‬‫َ‬
‫)‪11‬‬ ‫)‪(10‬‬
‫وقد( قال‪ :‬إذا أرخى ستًرا‬ ‫‪,‬‬ ‫بالخلوة‬ ‫كله‬ ‫الصداق‬ ‫فأوجب‬ ‫‪,‬‬ ‫الخلوة‬
‫على امرأته وأغلق باًبا وجب الصداق والعدة)‪. 12‬‬
‫‪ -6‬فهم النص بنص آخر‪:‬ومن ذلك ما فهمه أمير المؤمنين على‬
‫عَلى‬ ‫ن َ‬ ‫ري َ‬ ‫ف ِ‬ ‫كا ِ‬ ‫ه ل ِل ْ َ‬‫ل الل ُ‬ ‫ع َ‬ ‫ج َ‬‫وَلن ي َ ْ‬ ‫رضي الله عنه من قوله‪َ + :‬‬
‫سِبيل ً" ]النساء‪ [141:‬أن ذلك يكون يوم القيامة‪ ،‬اعتماًدا‬
‫ْ‬ ‫ن َ‬ ‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫ة"‬ ‫م ِ‬‫قَيا َ‬ ‫م ال ِ‬ ‫و َ‬‫م يَ ْ‬ ‫ُ‬
‫م ب َي ْن َك ْ‬ ‫حك ُ‬‫ُ‬ ‫ه يَ ْ‬ ‫َ‬
‫على قوله سبحانه وتعالى‪+ :‬فالل ُ‬
‫ع َ‬
‫ل‬ ‫ج َ‬ ‫]النساء‪ .[141:‬وذلك لما جاءه رجل يسأله كيف هذه الية‪َ+‬لن ي َ ْ‬
‫سِبيل ً" فقال على رضي الله‬ ‫ن َ‬ ‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫عَلى ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ري َ‬ ‫ف ِ‬ ‫كا ِ‬ ‫ه ل ِل ْ َ‬ ‫الل ُ‬
‫عنه‪ :‬ادنه‪ ،‬فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين‬

‫‪1‬‬
‫فقه المام على )‪ ،(1/47‬مصنف عبد الرزاق ‪.21874‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫مصنف عبد الرزاق ‪ ،18764‬فقه المام على )‪.(2/818‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فقه المام على )‪.(1/48‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫البرهان في علوم القرآن )‪.(2/29‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫أبو خيثمة‪ ،‬ك العلم ص)‪ (31‬تحقيق اللباني وقال‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(1/271‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫الدر المنثور )‪.(1/234‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫الصحاح للجوهري )‪ (1/64‬مادة )قرأ(‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫فقه المام على )‪ ،(1/48‬الفصول في الصول للجصاص )‪.(1/203‬‬ ‫)(‬
‫‪10‬‬
‫الفصول في الصول)‪.(1/202‬‬ ‫)(‬
‫‪11‬‬
‫فقه المام على )‪ (1/48‬أي خلوة الرجل بزوجته‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪12‬‬
‫مصنف بن أبى شيبة )‪ ،(4/334‬فقه المام على )‪.(2/531‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪45‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫س ْ‬ ‫على المؤمنين سبيل ً ‪ ،‬ومنه ما فهمه من قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫)‪(1‬‬
‫ف‬‫ق ِ‬ ‫وال ّ‬
‫ع" ]الطور‪ [5:‬بأنه السماء لما رواه ابن جرير وذكره ابن كثير‬
‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫فو‬ ‫مْر ُ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ع" يعني السماء‪ .‬قال سفيان‪ :‬ثم‬ ‫فو ِ‬ ‫مْر ُ‬ ‫ف ال َ‬ ‫ق ِ‬ ‫س ْ‬ ‫وال ّ‬ ‫عن على ‪َ ْ +‬‬
‫ها‬ ‫ن آَيات ِ َ‬ ‫ع ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫و ُ‬ ‫َ‬ ‫ظا‬ ‫ً‬ ‫فو‬ ‫ُ‬ ‫ح‬
‫ْ‬ ‫م‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫فا‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫عل‬
‫ج َ‬‫و َ‬ ‫تل‪َ +...‬‬
‫ن" ]النبياء‪.[32:‬‬ ‫ضو َ‬ ‫ر ُ‬ ‫ع ِ‬ ‫م ْ‬
‫ُ‬
‫على‬ ‫َ‬ ‫فظوا َ‬ ‫ُ‬ ‫حا ِ‬ ‫ضا ما فهمه من قوله تعالى‪َ + :‬‬ ‫ومن ذلك أي ً‬
‫ن" ]البقرة‪:‬‬ ‫قان ِِتي َ‬ ‫ه َ‬ ‫موا لل ِ‬ ‫قو ُ‬ ‫و ُ‬ ‫َ‬ ‫طى‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ْ‬ ‫و‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ص‬
‫وال ّ‬ ‫ت َ‬ ‫وا ِ‬ ‫صل َ َ‬ ‫ال ّ‬
‫دا في ذلك على‬ ‫‪ ،[238‬أن الصلة الوسطى هي صلة العصر‪ ،‬معتم ً‬
‫الصلة‬ ‫نص من حديث رسول الله × يوم الحزاب‪»:‬شغلونا عن‬
‫الوسطى صلة العصر‪ ،‬مل الله بيوتهم وقبورهم ناًرا«)‪،(2‬‬
‫جت َن ُِبوا‬ ‫ضا ما ورد في فهمه لقوله تعالى‪ِ+ :‬إن ت َ ْ‬ ‫ومن هذا الباب أي ً‬
‫خل ً‬ ‫مد ْ َ‬ ‫ّ‬ ‫كم‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬‫خ‬‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫د‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫و‬
‫ْ َ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫ئا‬‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ي‬‫س‬‫َ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ر‬‫ْ‬ ‫ّ‬
‫ف‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ن‬‫و َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ما ت ُن ْ َ‬ ‫ك ََبائ َِر َ‬
‫ما" ]النساء‪ .[31:‬فعن سهل بن أبى خيثمة عن أبيه قال‪ :‬إني لفى‬ ‫ري ً‬ ‫كَ ِ‬
‫هذا المسجد – مسجد الكوفة‪ -‬وعلى رضي الله عنه يخطب الناس‬
‫على المنبر يقول‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬الكبائر سبع‪ ،‬فأصاخ الناس‪ ،‬فأعادها‬
‫ثلث مرات‪ ،‬ثم قال‪ :‬لم ل تسألوني عنها؟ قالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين ما‬
‫هي؟ قال‪» :‬الشراك بالله‪ ،‬وقتل النفس التي حرم الله‪ ،‬وقذف‬
‫اليتيم‪ ،‬وأكل الربا‪ ،‬والفرار يوم الزحف‪،‬‬ ‫)‪(4‬‬
‫المحصنة‪(3،‬وأكل مال‬
‫حديث رسول الله‬ ‫)‪(5‬‬
‫على‬ ‫مبني‬ ‫الفهم‬ ‫وهذا‬ ‫‪.‬‬ ‫الهجرة‬ ‫والتعرب ) بعد‬
‫× الذي قال فيه‪» :‬اجتنبوا السبع الموبقات« ‪.‬قالوا‪ :‬يا رسول‬
‫الله وما هن؟ قال‪» :‬الشرك بالله‪ ،‬والسحر‪ ،‬وقتل النفس‬
‫التي حرم الله إل بالحق‪ ،‬وأكل الربا‪ ،‬وأكل مال اليتيم‪،‬‬
‫والتولي يوم الزحف‪ ،‬وقذف المحصنات المؤمنات‬
‫الغافلت«)‪ ،(6‬وهذا يدخل ضمن منهج أمير المؤمنين على في‬
‫تفسير القرآن الكريم بالسنة‪.‬‬
‫‪ -7‬السؤال عن مشكله‪ :‬ومن منهج أمير المؤمنين على رضي الله‬
‫ذلك‬ ‫عنه في فهم القرآن الكريم سؤاله عما أشكل عليه فيه‪ ،‬ومن‬
‫ن‬‫ذا ٌ‬ ‫وأ َ َ‬‫قوله تعالى‪َ + :‬‬ ‫سؤاله لرسول الله × عن يوم الحج الكبر في‬
‫‪.[(3‬‬ ‫]التوبة‪:‬‬ ‫"‬‫ر‬‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ج الك ْ‬ ‫ح ّ‬ ‫م ال ْ َ‬ ‫و َ‬ ‫س يَ ْ‬ ‫ه إ ِلى الّنا ِ‬
‫سول ِ ِ َ‬ ‫وَر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫ّ‬
‫فقد قال‪ :‬سألت النبي × عن يوم الحج الكبر فقال‪ :‬يوم النحر)‪، 7‬‬
‫وبين أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه هذا المنهج‬
‫فيما يرويه عن رسول الله ×‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنا نزل بنا‬
‫تأمرنا‪ ،‬قال‪ :‬شاوروا الفقهاء‬ ‫أمر ليس فيه بيان أمر ونهي‪ ،‬فما‬
‫والعابدين‪ ،‬ول تمضوا فيه خاصة)‪.(8‬‬
‫‪ -8‬العلم بمناسبة اليات‪:‬إن العلم بالمناسبة التي نزلت فيها‬
‫اليات‪ ،‬والسبب الداعي لذلك؛ يفيد في إدراك معنى الية‪ ،‬واستنباط‬
‫‪1‬‬
‫)( تفسير ابن جرير‪ ،‬إسناده صحيح‪.(9/327) ،‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسلم )‪.(1/437‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أن يهاجر الرجل‪ ،‬حتى إذا وقع سهمه في الفئ‪ ،‬ووجب عليه الجهاد‪ ،‬خلع ذلك‬
‫من عنقه‪ ،‬فرجع أعرابًيا كما كان‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( تفسير الطبري )‪.(5/25‬‬
‫‪5‬‬
‫)( الموبقات‪ :‬جمع موبقة وهي المهلكة‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الوصايا رقم )‪.(2766‬‬
‫‪7‬‬
‫)( سنن الترمذي رقم )‪(970‬وصححه اللباني )‪.(1/282‬‬
‫‪8‬‬
‫)( تاريخ خليفة بن خياط‪ :‬ص)‪ ،(66‬منهج على بن أبى طالب في الدعوة إلى‬
‫الله‪ :‬ص)‪.(78‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪46‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الحكم)‪(1‬منها‪ ،‬لن بيان النزول طريق قوى في فهم معاني الكتاب‬
‫العزيز ‪ ،‬ولقد بلغ أمير المؤمنين على رضي الله عنه مبلًغا في‬
‫العلم بأسباب نزول اليات‪ ،‬كما يقول عن نفسه حاًثا على سؤاله‬
‫كتاب الله تعالى‪،‬‬ ‫عن كتاب الله‪» :‬سلوني‪ ،‬سلوني‪ ،‬سلوني عن‬
‫فوالله‪ ،‬ما من آية إل وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار)‪ «(2‬وفي‬
‫والله ما أنزلت آية إل وقد علمت فيم نزلت‪ ،‬وأين‬ ‫رواية‪»:‬‬
‫نزلت«)‪.(3‬‬
‫‪:‬العام‪ ،‬هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له‬ ‫‪ -9‬تخصيص العام‬
‫حصر()‪،(4‬وقاعدة العموم‪ ،‬كل لفظ عام‬ ‫)‪5‬‬
‫غير‬ ‫من‬ ‫واحدة‬ ‫بوضع واحد دفعه‬
‫الشارع ما يدل‬ ‫من‬ ‫يرد‬ ‫وقد‬ ‫‪،‬‬ ‫التخصيص‬ ‫يرد‬ ‫حتى‬ ‫باق على عمومه‬
‫على قصر العام على بعض أفراده وهذا هو تخصيص العام)‪.(6‬‬
‫وقد ورد عن على رضي الله عنه ما يفيد قوله بتخصيص العموم‪،‬‬
‫فقد سئل رضي الله عنه عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما ثم‬
‫أراد أن يطأ الخرى قال‪ :‬ل‪..‬حتى يخرجهما من ملكه)‪ ،(7‬وعن ابن‬
‫الكواء سأل علًيا عن الجمع بين الختين فقال‪ :‬حرمتهما آية وأحلتهما‬
‫آية أخرى‪ ،‬ولست أفعل أنا ول أهلي)‪ .(8‬وقصد أمير المؤمنين على‬
‫ن‬ ‫بالية التي حرمتهما هي قوله وتعالى‪َ + :‬‬
‫عوا ب َي ْ َ‬ ‫م ُ‬
‫ج َ‬ ‫ن تَ ْ‬ ‫وأ ْ‬ ‫َ‬
‫عَلى‬ ‫وبالتي أحلتهما هي قوله تعالى‪+ :‬إ ِل ّ َ‬ ‫َ‬
‫ن" ]النساء‪[23:‬‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫خت َي ْ‬ ‫ا َل ُ ْ‬
‫ن"‬ ‫مي َ‬‫مُلو ِ‬ ‫غي ُْر َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫فإ ِن ّ ُ‬‫م َ‬ ‫ه ْ‬
‫مان ُ ُ‬‫ت أي ْ َ‬ ‫مل َك َ ْ‬ ‫ما َ‬ ‫و َ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫ج ِ‬ ‫وا ِ‬ ‫أْز َ‬
‫]المؤمنون‪ [6:‬فهاتان اليتان بينهما عموم وخصوص‪ ،‬إذ خصص عموم‬
‫التمتع بملك اليمين بخصوص عدم جواز الجمع بين الختين)‪.(9‬‬
‫ومنها أنه حكم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بأن تعتد‬
‫أبعد الجلين‪ ،‬فقال‪ :‬عدتها أبعد الجلين)‪ ،(10‬أي أنه خص عموم اليتين‬
‫ن‬
‫ه ّ‬‫س ِ‬‫ف ِ‬ ‫ن ب ِأ َن ْ ُ‬
‫ص َ‬ ‫جا ُي َت ََرب ّ ْ‬ ‫وا ً‬
‫َ‬
‫ن أْز َ‬ ‫وي َذَُرو َ‬ ‫م َ‬ ‫من ْك ُ ْ‬‫ن ِ‬ ‫و َ‬ ‫ف ْ‬‫و ّ‬ ‫ن ي ُت َ َ‬ ‫ذي َ َ‬ ‫وال ّ ِ‬ ‫َ‪َ +‬‬
‫ل‬ ‫ما‬ ‫ح‬
‫ْ‬ ‫ال‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫أو‬ ‫و‬ ‫‪+‬‬ ‫و‬ ‫‪،‬‬ ‫"‬ ‫را‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫و‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫أ‬ ‫ة‬
‫َ‬ ‫ع‬ ‫أرب‬
‫ُ‬ ‫أ َ ْج َل ُهن َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬ ‫َ‬ ‫[‬ ‫‪234‬‬ ‫]البقرة‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ٍ َ‬ ‫ُ‬
‫ن" ]الطلق‪ ،[4:‬فالحامل المتوفي عنها‬ ‫ه‬
‫ْ ُ ّ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫ض‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫أن‬ ‫َ ُ ّ‬
‫زوجها إذا وضعت حملها قبل الربعة الشهر والعشرة اليام فإنها‬
‫تكمل المدة ول تعمل بعموم الية الثانية؛ لن الولى تخصصها‪ ،‬وإن‬
‫أكملت المدة فل تنقضي عدتها إل بوضع الحمل؛ لن عموم الية‬
‫الولى مخصص بالثانية‪ ،‬فكل من اليتين عام في وجه‪ ،‬وخاص في‬
‫وجه آخر‪ ،‬تخصص إحداهما الخرى عند على‪ ،‬ولعله عمل بالحتياط‬

‫‪1‬‬
‫المصدر السابق‪ :‬ص)‪.(79‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫الصابة )‪.(2/50‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫الطبقات )‪.(2/338‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫جديع‪ :‬ص)‪.(262‬‬ ‫تيسير علم أصول الفقه‪ ،‬عبد الله ال ُ‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(269‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(269‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫فقه المام على )‪(1/560‬نقل ً عن مصنف ابن أبى شيبة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(2/560‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫الحكام للمدى )‪ ،(2/445‬روضة الناظر )‪.(2/129‬‬ ‫)(‬
‫‪10‬‬
‫الفصول في الصول للجصاص )‪.(6/106‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪47‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫جمًعا بين اليتين)‪ ،(1‬ولكن الراجح أن عدتها وضع الحمل في كلتا‬
‫الحالتين‪ ،‬فقد صح عن عبد الله بن عتبة أن سبيعة بنت الحارث‬
‫أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة‪ ،‬وكان ممن شهد بدًرا‪ ،‬فتوفى‬
‫عنها في حجة الوداع وهي حامل‪ ،‬فلم تنشب أن وضعت حملها بعد‬
‫وفاته‪ ،‬فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو‬
‫السنابل‪ ،‬فقال لها‪ ،‬مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك‬
‫والله ما أنت بنكاح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر‪ .‬قالت سبيعة‪:‬‬
‫ى ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله‬ ‫فلما قال لي ذلك جمعت عل ّ‬
‫× فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي‬
‫وأمرني بالتزوج إن بدا لي)‪.(2‬‬
‫بلوغه حديث سبيعة وإل فل يخالف‬ ‫ولعل علًيا قال بذلك لعدم‬
‫ى الصحيح الثابت عن النبي × )‪.(3‬‬ ‫عل ّ‬
‫‪ -10‬معرفة عادات العرب ومن حولهم‪:‬ولمعرفة طبيعة وعادات‬
‫العرب ومن حولهم من اليهود والنصاري وقت نزول القرآن دور كبير‬
‫في فهم القرآن الكريم‪ ،‬وعلى رضي الله عنه عاش في ذلك‬
‫الزمان‪ ،‬وعرف الكثير من العادات التي نهى عنها القرآن‪ ،‬أو تلك‬
‫التي أقرها‪ ،‬ومن أمثلة هذا الفهم ما رواه ابن أبى حاتم‪ :‬لما نافر ابن‬
‫ى‬
‫وائل أبا الفرزدق‪ ،‬فعقر كل واحد منهما مائة من البل‪ ،‬فخرج عل ّ‬
‫على بغلة رسول الله × البيضاء وهو ينادي‪» :‬يا أيها الناس ل تأكلوا‬
‫من لحومها‪ ،‬فإنها أهل بها لغير الله« فعلي رضي الله عنه عرف من‬
‫عادات العرب في وقته أن مثل هذه المنافرة ليست لله وإنما هي‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫م‬ ‫ت)‪َ (4‬‬ ‫م ْ‬ ‫حّر َ‬ ‫بقوله تعالى‪ُ + :‬‬ ‫ُ‬
‫للشيطان‪ ،‬فذلك نهى عنها مستدل ً‬
‫ه"‬ ‫ه بِ ِ‬ ‫ر الل ِ‬ ‫غي ْ ِ‬ ‫ل لِ َ‬ ‫ه ّ‬‫ما أ ِ‬ ‫و َ‬ ‫ر َ‬‫زي ِ‬ ‫خن ْ ِ‬ ‫م ال ْ ِ‬ ‫ح ُ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫والدّ ُ‬ ‫ة َ‬ ‫مي ْت َ ُ‬‫ال ْ َ‬
‫]المائدة‪.[3:‬‬
‫‪ -11‬قوة الفهم وسعة الدراك‪ :‬وقوة الفهم وسعة الدراك من‬
‫المزايا التي امتاز واشتهر بها على رضي الله عنه‪ ،‬والمثلة التي تدل‬
‫دا نذكر منها ما رواه ابن جرير قال‪ :‬نادي رجل من‬ ‫على هذا كثيرة ج ً‬
‫د‬
‫ق ْ‬ ‫ول َ َ‬
‫فقال‪ََ + :‬‬ ‫الفجر‪،‬‬ ‫صلة‬
‫ك ل َئ ِن أ َ‬ ‫في‬ ‫وهو‬ ‫عنه‬ ‫الله‬ ‫رضي‬ ‫ُالخوارج علًيا‬
‫ن‬
‫ّ‬ ‫ط‬ ‫ب‬‫ح‬ ‫ي‬
‫َ َ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ك‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ن‬‫ْ َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ي إ ِل َ َي ْ َ ُ َ ِ‬
‫إ‬ ‫و‬ ‫ك‬ ‫ح ُ ََ‬ ‫أو ِ‬
‫ن" ]الزمر‪ ،[65:‬فأجابه على رضي‬ ‫ِ َ‬ ‫ري‬ ‫س‬‫ِ‬ ‫خا‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫كو‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫م‬‫ع َ‬‫َ‬
‫ول َ‬ ‫َ‬ ‫ق‬
‫ّ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫و‬‫َ‬ ‫ن‬
‫ّ‬ ‫إ‬ ‫ر‬
‫ْ ِ ْ ِ‬ ‫ب‬‫ص‬ ‫فا‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫الصلة‬ ‫في‬ ‫وهو‬ ‫عنه‬ ‫الله‬
‫ن" ]الروم‪.(5) [60:‬‬ ‫قُنو َ‬ ‫ن ل َ ُيو ِ‬ ‫ذي َ‬ ‫ك ال ّ ِ‬ ‫فن ّ َ‬ ‫خ ّ‬ ‫ست َ ِ‬ ‫يَ ْ‬
‫هذه بعض الصول والسس التي سار عليها أمير المؤمنين على‬
‫رضي الله عنه في استنباط الحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه‪،‬‬
‫وهي ترشد محبيه وأبناء المسلمين المخلصين في كيفية التعامل مع‬
‫كتاب الله سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫سا‪ :‬تفسير أمير المؤمنين على لبعض اليات الكريمة‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫‪ -1‬الذاريات‪ :‬عن الثوري عن حبيب بن أبى صابت عن أبى‬
‫‪1‬‬
‫)( فقه المام على )‪.(1/50‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(1484‬‬
‫‪3‬‬
‫)( فقه المام على )‪.(2/617‬‬
‫‪4‬‬
‫)( تفسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬فهد بن عبد العزيز الفاضل‪ ،‬رسالة‬
‫علمية جامعية لم تنشر )‪.(1/30‬‬
‫‪5‬‬
‫)(تفسير الطبري )‪.(21/59‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪48‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الطفيل قال‪ :‬سمعت ابن الكواء يسأل على بن أبى طالب عن‬
‫الذاريات ذرًوا قال‪ :‬الرياح‪ ،‬وعن الحاملت وقًرا‪ ،‬قال‪ :‬السحاب‪،‬‬
‫الجاريات يسًرا‪ ،‬قال‪ :‬السفن‪ ،‬وعن المدبرات أمًرا قال‪:‬‬ ‫وعن‬
‫الملئكة)‪ ،(1‬وصححه الحاكم من وجه آخر عن أبى الطفيل‪.‬‬
‫وقد أطنب الطبري في تخريج طرقه إلى على )‪ ،(2‬وأخرجه عبد‬
‫الرزاق من وجه آخر عن أبى الطفيل قال‪ :‬شهدت علًيا وهو يخطب‬
‫وهو يقول‪ :‬سلوني‪..‬وسلوني عن كتاب الله‪ ،‬فوالله ما من آية إل وأنا‬
‫أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل‪ .‬فقال ابن‬
‫الكواء‪ -‬وأنا بينه وبين على وهو خلفي – فقال‪ :‬ما الذاريات ذرًوا؟‬
‫وقال فيه‪ :‬ويلك سل تفقًها ول تسأل تعنًتا وفيه سؤال عن‬ ‫فذكر مثله‬
‫أشياء غير هذا)‪.(3‬‬
‫س" ]التكوير‪ :[15:‬روى سعيد‬ ‫خن ّ ِ‬ ‫م ِبال ْ ُ‬ ‫س ُ‬ ‫ق ِ‬ ‫فل َ أ ُ ْ‬‫‪ -2‬قوله تعالى‪َ + :‬‬
‫حسن‪(4‬عن على قال‪ :‬هن الكواكب تكنس بالليل‬ ‫بن منصور بإسناد‬
‫وتخنس بالنهار فل ترى) ‪.‬‬
‫‪ -3‬بكاء الرض على العبد الصالح‪:‬قال على رضي الله عنه‪ :‬إذا‬
‫مات العبد الصالح بكي عليه مصله من الرض ومصعد عمله َ من‬
‫ض‬
‫والْر ُ‬ ‫ماءُ َ‬ ‫س َ‬ ‫م ال ّ‬ ‫ه ُ‬ ‫ت َ َ‬ ‫ما ب َك َ ْ‬ ‫السماء والرض‪ ،‬ثم قرأ ‪َ +‬‬
‫علي ْ ِ‬ ‫ف َ‬
‫ن" ]الدخان‪.[29:‬‬ ‫ري َ‬ ‫من ْظَ ِ‬ ‫كاُنوا ُ‬ ‫ما َ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫‪ -4‬الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم‪:‬سئل أمير‬
‫في‬ ‫م ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫ن ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫المؤمنين على رضي الله عنه عن قوله تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫الخشوع في القلب‪ ،‬وأن‬ ‫)‪(5‬‬
‫ن" ]المؤمنون‪ ،[2:‬قال‪:‬‬ ‫عو َ‬ ‫ش ُ‬‫خا ِ‬ ‫م َ‬ ‫صل َت ِ ِ‬
‫ه ْ‬ ‫َ‬
‫ُتلين كنفك للمرء المسلم ول تلتفت في صلتك ‪.‬‬
‫‪ -5‬خليلن مؤمنان‪ ،‬وخليلن كافران‪:‬س ئل أمير المؤمنين رضي‬
‫ض‬‫ع ٍ‬ ‫م ل ِب َ ْ‬‫ه ْ‬‫ض ُ‬‫ع ُ‬ ‫ذ بَ ْ‬‫مئ ِ ٍ‬‫و َ‬ ‫خل ّءُ ي َ ْ‬ ‫الله عنه عن قول الله تعالى‪+ :‬ال ِ‬
‫ن" ]الزخرف‪ .[67:‬قال‪ :‬خليلن مؤمنان وخليلن‬ ‫قي َ‬ ‫مت ّ ِ‬ ‫و إ ِل ّ ال ْ ُ‬ ‫عد ُ ّ‬ ‫َ‬
‫كافران‪ ،‬فمات أحد المؤمنين‪ ،‬فبشر بالجنة فذكر خليله المؤمن‪،‬‬
‫ن خليلي فلًنا كان يأمرني بالخير وينهاني عن‬ ‫قال‪ :‬فيقول‪ :‬يا رب! إ ّ‬
‫الشر‪ ،‬فيأمرني بطاعتك وطاعة رسولك‪ ،‬ويخبرني أني ملقيك‪ ،‬فل‬
‫ُتضله بعدي واهده كما هداني‪ ،‬وأكرمه كما أكرمني‪ ،‬فإذا مات جمع‬
‫ن كل واحد منكما على صاحبه‬ ‫بينهما في الجنة‪ ،‬ويقال لهما‪ :‬ل ِي ُث ْ ِ‬
‫فيقول‪ :‬اللهم كان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر‪ ،‬فيأمرني‬
‫بطاعتك وطاعة رسولك‪ ،‬وُيخبرني أني ملقيك‪ ،‬فنعم الخ والخليل‬
‫والصاحب‪ ،‬قال‪ :‬ثم يموت أحد الكافرين‪ُ ،‬فيبشر بالنار‪ ،‬فيذكر خليله‪،‬‬
‫م خليلي فلن كان يأمرني بالشر‪ ،‬وينهاني عن الخير‪،‬‬ ‫فيقول‪ :‬الله ّ‬
‫م‬
‫ّ‬ ‫الله‬ ‫ملقيك‪،‬‬ ‫غير‬ ‫أني‬ ‫ويخبرني‬ ‫رسولك‪،‬‬ ‫ومعصية‬ ‫بمعصيتك‬ ‫ويأمرني‬
‫فأضله كما أضّلني‪ ،‬فإذا مات جمع بينهما في النار‪ ،‬فيقال ل ُْيثن كل‬
‫م كان يأمرني بالشر‬ ‫واحد منكما على صاحبه قال فيقول‪ :‬الله ّ‬
‫ومعصية رسولك‪ ،‬ويخبرني أني‬ ‫وينهاني عن الخير ويأمرني بمعصيتك‬
‫غير ملقيك‪ ،‬فبئس الخ والخليل والصاحب)‪.(6‬‬
‫‪1‬‬
‫)( الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى‪ :‬ص )‪.(486‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الدر المنثور )‪ ،(7/614‬تفسير الطبري )‪.(188 -185 /26‬‬
‫‪3‬‬
‫)(الخلفة الراشدة‪ ،‬اليحيى‪ :‬ص)‪.(486‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الخلفة الراشدة‪ ،‬اليحيى‪ :‬ص)‪ ،(487‬الفتح )‪.(8/563‬‬
‫‪5‬‬
‫)( الزهد لبن المبارك‪ :‬ص)‪ (403‬رقم )‪.(1148‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الزهد لبن المبارك رقم)‪.(368‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪49‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫عنه‪ :‬الزهد كله‬ ‫ل َ ت َأ ْ‬ ‫‪ -6‬الزهد بين كلمتين من القرآن‪ :‬قال رضي الله‬
‫عَلى‬ ‫وا َ‬ ‫َ ْ‬ ‫س‬ ‫بين كلمتين من القرآن الكريم‪ :‬قال سبحانه‪+ :‬ل ِك َي ْ‬
‫م" ]الحديد‪ .[23:‬ومن)‪(1‬لم ييأس‬ ‫ما آَتاك ُ ْ‬ ‫حوا ب ِ َ‬ ‫فَر ُ‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫فات َك ُ ْ‬ ‫ما َ‬ ‫َ‬
‫على الماضي‪ ،‬ولم يفرح بالتي فقد أخذ الزهد بطرفيه ‪.‬‬
‫‪ -7‬أمير المؤمنين على رضي الله عنه وتدبره في الصلة‪:‬بّين‬
‫أمير المؤمنين رضي الله عن استحباب المصلي إذا مر بآية رحمة أن‬
‫يسأل الله تعالى منها‪ ،‬وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله تعالى‪،‬‬
‫فعن عبد خير الهمداني قال‪ :‬سمعت على بن أبى طالب قرأ في‬
‫عَلى" فقال‪ :‬سبحان ربي العلى)‪.(2‬‬ ‫ك ال ْ‬ ‫م َرب ّ َ‬ ‫س َ‬ ‫حا ْ‬ ‫سب ّ ِ‬ ‫صلة ‪َ +‬‬
‫وعن حجر بن قيس المدري قال‪ :‬بت عند أمير المؤمنين على بن‬
‫َأبى َطالب‪ ،‬فسمعته وهو َ َيصلى من الليل َيقرأ بهذه الية‪+ :‬‬
‫ن" قال‪:‬‬ ‫قو َ‬ ‫خال ِأ َأُ َ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫ح ُ‬ ‫ه أم ن َ ْ‬ ‫قون َ ُ‬ ‫خل ُ َ ُ‬ ‫م َت َ ْ‬ ‫ن ‪ ‬أأن ْت ُ ْ‬ ‫مُنو َ‬ ‫ما ت ُ ْ‬ ‫فَرأي ُْتم ّ‬ ‫أ َ‬
‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ثو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬‫ْ ُ‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫ّ‬ ‫تم‬ ‫ُ‬ ‫ي‬
‫َ ْ‬ ‫أ‬ ‫ر‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫أ‬ ‫‪+‬‬ ‫قرأ‬ ‫ثم‬ ‫ثا‪،‬‬‫ً‬ ‫ثل‬ ‫رب‬ ‫عون َ َ‬ ‫يا‬ ‫أنت‬ ‫بل‬
‫أنت يا رب ثلًثا‪ ،‬ثم قرأ‬ ‫َ‬ ‫قال‪ َ :‬بل‬ ‫َ‬ ‫ن"‪،‬‬ ‫عو َ‬ ‫ر ُ‬ ‫ن ّالّزا ِ‬ ‫ح ُ‬ ‫م نَ ْ‬ ‫هأ ْ‬ ‫ت َْز ََر ُ َ ُ‬
‫ن‬‫َُ ِ‬ ‫ز‬‫ْ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ه‬
‫ُ ُ‬‫مو‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ز‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫أ‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫بو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫ْ‬
‫ش‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬
‫فَرأي ْت ُ ُ‬ ‫َ‪+‬أ َ‬
‫م‬‫فَرأي ْت ُ ُ‬ ‫قال‪ :‬بل َأنت ْيا رب ثلًثا‪ ،‬ثم َقرأ ‪+‬أ َ َ‬ ‫ََ‬ ‫"‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫لو‬ ‫ز ُ‬‫ِ‬ ‫من‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬‫ُ‬ ‫ح‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫أ ْ‬
‫ن‬ ‫ح ُ‬ ‫م نَ ْ‬ ‫ها أ ْ‬ ‫جَرت َ َ‬ ‫ش َ‬ ‫م( َ‬ ‫شأت ُ )‪ْ3‬‬ ‫م أن ْ َ‬ ‫ن ‪ ‬أأن ْت ُ ْ‬ ‫الّناَر ال ِّتي ُتوُرو َ‬
‫ن" قال‪ :‬بل أنت يا رب ثلًثا ‪.‬‬ ‫شُئو َ‬ ‫من ْ ِ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ن أَتى‬ ‫م ْ‬ ‫ن ‪ ‬إ ِل ّ َ‬ ‫ول َ ب َُنو َ‬ ‫ل َ‬ ‫ما ٌ‬ ‫ع َ‬ ‫ف ُ‬ ‫م ل َ َين َ‬ ‫و َ‬ ‫قوله تعالى‪ + :‬ي َ ْ‬ ‫‪-8‬‬
‫سِليم ٍ" ]الشعراء‪ .[89 ،88:‬قال على رضي الله عنه‪:‬‬ ‫ب َ‬ ‫قل ْ ٍ‬ ‫ه بِ َ‬ ‫الل َ‬
‫الدنيا‪ ،‬والعمل الصالح حرث الخرة‪ ،‬وقد‬ ‫حرث‬ ‫والبنون‬ ‫المال‬
‫يجمعهما الله لقوام)‪.(4‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫)( رسالة المسترشدين‪ :‬ص)‪ ،(224‬فرائد الكلم‪ :‬ص)‪.(376‬‬
‫‪2‬‬
‫)( المحلى )‪ ،(4/118‬السنن الصغرى )‪.(1/146‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الدر المنثور للسيوطي )‪.(23 ،8/22‬‬
‫‪4‬‬
‫)( تفسير أمير المؤمنين على‪ ،‬لفهد بن عبد العزيز الفاضل )‪ (2/661‬رسالة‬
‫جامعية لم تنشر‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪50‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫المبحث الرابع‬
‫ملزمته لرسول الله ×‬
‫دا من المكيين الذين قرأوا وكتبوا‬ ‫كان على رضي الله عنه واح ً‬
‫في مجتمعهم المي‪ ،‬وهذا دليل على حبه للعلم وشغفه به منذ‬
‫صغره‪ ،‬وقد وفقه الله تعالى أن يعيش منذ طفولته في بيت رسول‬
‫الله ×‪ ،‬فتربي على يديه وزادت عناية رسول الله به بعد إسلمه‪،‬‬
‫فكان رسول الله × الرافد القوى الذي أثر في شخصيته وصقل‬
‫مواهبه وفجر طاقته‪ ،‬وهذب نفسه‪ ،‬وطهر قلبه ونور عقله‪ ،‬وأحيا‬
‫صا‬
‫روحه‪ ،‬فقد لزم رسول الله × في مكة والمدينة‪ ،‬وقد كان حري ً‬
‫على التتلمذ على يدي رسول الله ×‪ ،‬الذي كان يربي أصحابه على‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬فقد كان هو الينبوع المتدفق الذي استمد منه على‬
‫رضي الله عنه علمه وتربيته وثقافته‪ ،‬وقد كان النبي × تنزل عليه‬
‫اليات منجمة على حسب الوقائع والحداث‪ ،‬وكان يقرؤها على‬
‫أصحابه الذين وقفوا على معانيها وتعمقوا في فهمها‪ ،‬وتأثروا‬
‫بمبادئها‪ ،‬وكان له أعمق الثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم‬
‫دا من الذين تأثروا‬ ‫وأرواحهم‪ ،‬كما كان على رضي الله عنه واح ً‬
‫بالتربية القرآنية على يدي رسول الله× وتشّرب تعاليمه وتوجيهاته‬
‫النبوية‪ ،‬وقد اهتم على رضي الله عنه منذ أسلم بحفظ القرآن‬
‫ما للرسول × يتلقى عنه ما أنزل‬ ‫الكريم وفهمه وتأمله‪ ،‬وظل ملز ً‬
‫عليه حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره‪ ،‬لقد حصل على رضي الله‬
‫عنه ببركة صحبته لرسول الله × وتربيته على يديه خيًرا كثيًرا‪،‬‬
‫وأصبح من الخلفاء الراشدين فيما بعد‪ ،‬فقد حرص على التبحر في‬
‫الهدى النبوي الحكيم في غزواته وسلمه‪ ،‬وأصبح لعلي رضي الله‬
‫عنه علم واسع ومعرفة غزيرة بالسنة النبوية المطهرة‪ ،‬فقد استمد‬
‫ما وتربية ومعرفة بمقاصد هذا الدين العظيم‪ ،‬وقد‬ ‫من رسول الله عل ً‬
‫جمع بين رسول الله وبين على حب شديد‪ ،‬والحب عامل مهم في‬
‫تهيئة مناخ علمي ممتاز بين المعلم وتلميذه‪ ،‬يأتي بخير النتائج‬
‫العلمية‪ ،‬والثقافية‪ ،‬لما له من عطاء متجدد‪ ،‬وعلى رضي الله عنه قد‬
‫ما‪ ،‬وتعلق فؤاده به‪ ،‬وقدم نفسه فداء له‪،‬‬ ‫أحب رسول الله × حًبا ج ً‬
‫وتضحية في سبيل نشر دعوته‪.‬‬
‫ل‪ :‬أمير المؤمنين ومقام النبوة‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫أوجب الله سبحانه وتعالى على الثقلين – النس والجن – الذين‬
‫أدركتهم رسالة النبي ×‪ ،‬أن يؤمنوا بالنبي × وبما جاء به‪ ،‬كما‬
‫شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز‪ ،‬كما أكد الله وجوب اليمان‬
‫بنبيه بأن جعله مقترًنا باليمان به سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة‬
‫من القرآن الكريم منها‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬‫ه إ ِل َي ْك ُ ْ‬ ‫ل الل ِ‬ ‫سو ُ‬
‫َ‬ ‫س إ ِ َّني َر ُ‬
‫ها الّنا ُ‬ ‫ل َيا أي ّ َ‬ ‫ق ْ‬
‫ْ‬
‫قال تعالى‪ُ + :‬‬
‫حِيي‬ ‫و يُ ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ّ‬
‫ه إ ِل ُ‬ ‫َ‬
‫ض ل إ ِل ّ َ‬ ‫والْر ُ ِ‬ ‫ت َ‬ ‫وا ِ‬ ‫ما َ‬ ‫س َ‬‫ملك ال ّ‬ ‫ُ‬ ‫ه ُ‬‫ذي ل َ ُ‬ ‫عا ال ّ ِ‬ ‫مي ً‬ ‫ج ِ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫ِ‬ ‫بالل‬ ‫ن‬
‫ُ ِ ُ ِ‬ ‫م‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫ي‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ي‬
‫ّ ّ‬‫م‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫ب‬
‫ّ ِ ّ‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫سو‬
‫ِ َ َ ُ ِ ِ‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫بالل‬ ‫ِ‬ ‫نوا‬ ‫ت َ ِ ُ‬
‫م‬ ‫فآ‬ ‫ُ‬ ‫مي‬ ‫وي ُ ِ‬ ‫َ‬
‫ن" ]العراف‪.[158 :‬‬ ‫دو َ‬ ‫هت َ ُ‬
‫م تَ ْ‬ ‫عل ّك ُ ْ‬ ‫عوهُ ل َ َ‬ ‫وات ّب ِ ُ‬
‫ه َ‬ ‫مات ِ ِ‬ ‫وك َل ِ َ‬ ‫َ‬
‫وقال×‪» :‬والذي نفس محمد بيده‪ ،‬ل يسمع بي أحد من‬
‫يموت ولم يؤمن بالذي‬ ‫هذه المة يهودي ول نصراني ثم‬
‫أرسلت به إل كان من أصحاب النار«)‪ ،(1‬وقد أجمعت المة‬
‫على وجوب اليمان بالنبي ×‪ ،‬كما أجمعت كذلك على أن كل من‬
‫‪1‬‬
‫)( مسلم )‪ (1/93‬كتاب اليمان‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪51‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫قامت عليه الحجة برسالة محمد × من النس والجن فلم يؤمن به‬
‫استحق عقاب الله تعالى‪ ،‬كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين‬
‫بعث إليهم الرسول‪ ،‬وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين‬
‫المسلمين وسائر طوائف المسلمين من أهل‬ ‫لهم بإحسان وأئمة‬
‫السنة والجماعة وغيرهم)‪.(1‬‬
‫وقد أعطى أمير المؤمنين على رضي الله عنه مقام النبوة حقه‬
‫وأوضح معالمه بأقواله وأفعاله‪ ،‬وكان يحرص على تعليم الناس‬
‫وحثهم على القتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته‪،‬‬
‫بهدى( نبيكم ×‪ ،‬فإنه أفضل‬ ‫ومن أقواله في هذا المعنى‪ :‬واقتدوا‬
‫الهدى واستنوا بسنته فإنها أفضل السنن)‪. 2‬‬
‫‪ -1‬وجوب طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها‪ :‬تربي‬
‫ممن قرأ‬ ‫ى على وجوب طاعة رسول الله ×‪ ،‬فهو‬ ‫أمير المؤمنين عل ّ‬
‫ع‬ ‫قد ْ أ َ َ‬
‫طا َ‬ ‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫سو َ‬ ‫ر‬ ‫ال‬ ‫ع‬ ‫ط‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫الله‬ ‫وحفظ وفهم قوله‬
‫ّ ُ‬ ‫َ ْ ُ ِ ِ‬
‫ه" ]النساء‪ ،[80:‬فهذه الية ضمن سلسلة من اليات ربطت بين‬ ‫الل َ‬
‫طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة الرسول ×‪ ،‬فقد جعل الله طاعته‬
‫جا في‬ ‫دا‪ ،‬وجعل المر بطاعة رسوله مندر ً‬ ‫وطاعة رسوله شيًئا واح ً‬
‫المر بطاعته سبحانه وتعالى‪ ،‬وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته‬
‫سبحانه‪(3‬ل تتحقق إل بطاعة الرسول×‪ ،‬واليات الواردة بهذا المعنى‬
‫كثيرة‪ ) ،‬وقد تربى أمير المؤمنين على يدي رسول الله ×‪ ،‬وعلم‬
‫منه وجوب طاعته وامتثال أمره واتباع ما جاء به والسير على سنته‬
‫والقتداء به في كل ما جاء به عن ربه عز وجل‪ ،‬وأحاديثه× في هذا‬
‫المجال أعطت للمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما‬
‫فيها واستناروا بها‪ ،‬فقد تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا‬
‫بإذن الله تعالى‪ ،‬وقد امتازت الحاديث في هذا الشأن بكثرتها وتنوع‬
‫عباراتها وتعدد أساليبها واشتمال بعضها على المثلة التي ضربها‬
‫رسول الله × لمته في هذا الشأن‪ ،‬ومما ل شكل فيه أن هذه‬
‫حا وبياًنا‪ ،‬بحيث إنها لم تدع مجال ً‬ ‫دا وتوضي ً‬‫المميزات زادت المر توكي ً‬
‫لمتأول يؤولها أو محرف يغير معناها بهواه ورأيه الفاسد‪ ،‬وهذه‬
‫الحاديث على تنوع عباراتها وتعدد أساليبها اتحدت جميعها في‬
‫مضمون واحد وهو التأكيد على وجوب طاعته×‪ ،‬واتباع ما جاء به من‬
‫الترغيب في ذلك إضافة إلى التحذير من مخالفته‪ ،‬وتحريم معصيته‬
‫وبيان الوعيد الشديد في ذلك)‪ ،(4‬فمن هذه الحاديث قوله ×‪» :‬كل‬
‫أمتى يدخلون الجنة إل من أبى« قالوا‪ :‬يا رسول الله ومن‬
‫يأبى؟ قال‪» :‬من أطاعني دخل الجنة‪ ،‬ومن عصاني فقد‬
‫أبى«)‪ ,(5‬طاعة الرسول × هى النقياد لسنته‪ ،‬مع رفض قول كل‬
‫الحتيال في‬ ‫من قال شيًئا في دين الله عز وجل بخلف سنته‪ ،‬دون‬
‫دفع السنن بالتأويلت المضمحلة والمخترعات الداحضة)‪.(6‬‬
‫وقد كان أمير المؤمنين على من أحرص الصحابة على طاعة‬
‫رسول الله×‪ ،‬فقد قال رضي الله عنه‪» :‬ما كنت لدع سنة النبي ×‬

‫‪1‬‬
‫حقوق النبي على أمته في ضوء الكتاب والسنة )‪.(1/72‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫حقوق النبي على أمته )‪.(1/74‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫حقوق النبي على أمته )‪.(1/86‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫البخاري رقم )‪.(7280‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫صحيح ابن حبان )‪.(1/153‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪52‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ى‪ ،‬ولكني‬ ‫ضا‪» :‬أل إني لست بنبي ول يوحى إل ّ‬ ‫لقول أحد«)‪ ،(1‬وقال أي ً‬
‫استطعت«‪.‬وهو نموذج فريد‬ ‫أعمل بكتاب الله وسنة محمد × ما‬
‫بالتمسك بالسنة واللتزام بها والدعوة لها)‪ ،(2‬ومن هذا المفهوم‬
‫والتصور الواضح لهمية طاعة الرسول × واتباع سنته انطلقت‬
‫أفعال أمير المؤمنين على رضي الله عنه‪ .‬وكان رضي الله عنه‬
‫يعتني بالسنة ويتحرى ويتثبت في روايتها وفي أخذها رضي الله عنه‪،‬‬
‫عن رسول الله×‪ ،‬فلئن أخّر‬ ‫فقد قال رضي الله عنه‪» :‬إذا حدثتكم‬
‫ى من أكذب عليه«)‪ ,(3‬وقال رضي الله عنه‪:‬‬ ‫ب إل ّ‬
‫ح ّ‬‫من السماء أ َ‬
‫بما‪(4‬شاء منه‪،‬‬ ‫الله‬ ‫نفعني‬ ‫ً‬
‫ثا‬ ‫حدي‬ ‫×‬ ‫الله‬ ‫رسول‬ ‫من‬ ‫سمعت‬ ‫»كنت إذا‬
‫وإذا حدثني عنه غيري استحلفته‪ ،‬فإذا حلف لي صدقته«) ‪.‬‬
‫وكان أمير المؤمنين على رضي الله عنه يحارب ما يناقض‬
‫التباع‪ ،‬فقد قال رضي الله عنه‪» :‬لو كان الدين بالرأي لكان أسفل‬
‫الخف أولى بالمسح من أعله«‪.‬‬
‫‪ -2‬حديث أمير المؤمنين على رضي الله عنه عن دلئل نبوة‬
‫ضا من دلئل‬ ‫الرسول ×‪ :‬بّين أمير المؤمنين على رضي الله عنه بع ً‬
‫نبوة النبي × منها ما يلي‪:‬‬
‫)أ( بركة دعائه‪ :‬مرض على رضي الله عنه مرة فأتاه النبي ×‬
‫وهو يقول‪ :‬اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحنى‪ ،‬وإن كان متأخًرا‬
‫فارفعني‪ ،‬وإن كان البلء فصبرني‪ .‬فقال له رسول الله ×‪ :‬ما قلت؟‬
‫فأعاد عليه‪ .‬فقال رسول الله ×‪» :،‬اللهم اشفه‪ ،‬اللهم عافه«‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬قم‪ .‬فقمت‪ ،‬فما عاد لي ذلك الوجع بعده)‪,(5‬وسيأتي الحديث‬
‫بإذن الله تعالى عن دعاء رسول الله له في خيبر‪.‬‬
‫)ب( إخباره بما فتح الله على نبيه من أمور الغيب‪:‬‬
‫قال على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬إذا حدثتكم عن رسول الله‬
‫ى من أن أكذب عليه‪ ،‬وإذا حدثتكم‬ ‫× فلئن أخر من السماء أحب إل ّ‬
‫فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة«)‪ ,(6‬سمعت رسول الله ×‬
‫يقول‪» :‬يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء السنان‪ ،‬سفهاء‬
‫الحلم‪ ،‬يقولون من قول خير البرية‪ ،‬يمرقون من‬
‫السلم كما يمرق السهم من الرمية‪ ،‬ل يجاوز إيمانهم‬
‫حناجرهم‪ ،‬فأينما لقيتموهم فاقتلوهم‪ ،‬فإن في فتلهم‬
‫أجًرا لمن قتلهم يوم القيامة«)‪ ،(7‬وسيأتي شرح هذا الحديث‬
‫وغيره عند حديثنا عن الخوارج وموقف أمير المؤمنين على منهم‬
‫بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫)ج( النصر بالرعب‪ :‬ومن دلئل النبوة التي حدثنا بها على‬
‫رضي الله عنه ما رواه عن رسول الله × حيث قال‪» :‬أعطيت ما‬
‫‪1‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(3/421‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الشفا للقاضي عياض )‪.(2/556‬‬
‫‪3‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(6/158‬‬
‫‪4‬‬
‫)( سنن ابن ماجة رقم )‪.(1395‬‬
‫‪5‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ ،(2/151‬تحقيق أحمد شاكر إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)(منهج على في الدعوة إلى الله‪ ،‬ص )‪ ,(117‬فتح الباري )‪.(6/158‬‬
‫‪7‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك المناقب )‪ (1/281‬والقوم المذكورون هم الخوارج الذين قاتلهم‬
‫على بن أبى طالب في خلفته‪ ،‬وسيأتي الحديث عنهم بالتفصيل بإذن الله‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪53‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫لم يعط أحد من النبياء‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول الله ما هو؟ قال‪:‬‬
‫نصرت بالرعب‪ ،‬وأعطيت مفاتيح الرض‪ ،‬وسميت أحمد‪،‬‬
‫وجعل التراب لي طهوًرا وجعلت أمتى خير المم«)‪.(1‬‬
‫)د( خاتم النبوة‪ :‬وضح على رضي الله عنه من جملة وصفه‬
‫لرسول الله × وجود دللة من أبرز الدلئل الحسية على نبوته ×‬
‫حيث يقول‪ :‬بين كتفيه خاتم النبوة )‪ .(2‬وهذه العلمة كان أهل الكتاب‬
‫يعرفونه بها‪ ،‬وهى شيء بارز أحمر عند كتفه اليسر‪ ،‬قدره إذا ُقلل‬
‫قدر بيضة الحمامة‪ ،‬وإذا كبر جمع اليد)‪.(3‬‬
‫)هـ( سلم الجبال على النبي ×‪ :‬أخبر أمير المؤمنين على‬
‫بن أبى طالب رضي الله عنه عن هذه الدللة حيث قال‪ :‬كنت مع‬
‫النبي × بمكة‪ ،‬فخرجنا في بعض نواحيها‪ ،‬فما استقبله جبل‪ ،‬ول‬
‫شجر‪ ،‬إل وهو يقول‪ :‬السلم عليك يا رسول الله)‪.(4‬‬
‫‪ -3‬الترغيب في هدى النبي ×‪:‬كان أمير المؤمنين على رضي‬
‫الله عنه يرغب المسلمين في لزوم هدى النبي ×‪ ،‬فقد قال في‬
‫خطبة له في الربذة)‪» :(5‬الزموا دينكم واهتدوا بهدى نبيكم‪ ،‬واتبعوا‬
‫سنته‪ ،‬واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن‪ ،‬فما عرفه القرآن‬
‫فالزموه‪ ،‬وما أنكره فردوه«)‪ ،(6‬وبعد رجوع أمير المؤمنين على بن‬
‫أبى طالب رضي الله عنه من قتال الخوارج خطب أصحابه خطبة‬
‫بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر‪ ،‬وقد ضمن هذه الخطبة‬
‫المر بالتزام هدى النبي × والترغيب فيه‪ ،‬حيث يقول‪» :‬واقتدوا‬
‫بهدى نبيكم ×‪ ،‬فإنه أفضل الهدى‪ ،‬واستنوا بسنته فإنها أفضل‬
‫السنن«)‪ ،(7‬ولم تشغل الفتن الداخلية أمير المؤمنين علًيا رضي الله‬
‫حصلت في عهده‪ ،‬عن دعوة أصحابه إلى كل خير‪ ،‬ونهيهم‬ ‫عنه والتي‬
‫عن كل شر)‪ ،(8‬وتحذيرهم من البدع‪ ،‬ومن قوله في هذا الشأن‪» :‬إن‬
‫عوازم المور أفضلها‪ ،‬وإن محدثاتها شرارها‪ ،‬وكل محدثة بدعة‪ ،‬وكل‬
‫مبتدع‪ ،‬ومن ابتدع فقد ضيع‪ ،‬وما أحدث محدث بدعة إل ترك‬ ‫محدث‬
‫بها سنة«)‪.(9‬‬
‫‪ -4‬بيان فضله وبعض حقوقه على أمته ×‪ :‬بّين أمير المؤمنين‬
‫على بن أبى طالب رضي الله عنه في معرض حديثه للمسلمين‬
‫فضائل النبي× ومما قاله في هذا المجال‪» :‬فكان مما أكرم الله به‬
‫دا‬
‫عز وجل هذه المة‪ ،‬وخصهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محم ً‬
‫×‪ ،‬فعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة لكيما يهتدوا‪،‬‬
‫وجمعهم لكيما ل يتفرقوا‪ ،‬وزكاهم لكيما يتطهروا‪ ،‬ورفههم لكيما ل‬
‫يجوروا‪ ،‬فلما قضى من ذلك ما عليه‪ ،‬قبضه الله عز وجل صلوات‬
‫‪1‬‬
‫البخاري‪ .‬رقم )‪.(335‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫مصنف ابن أبى شيبة )‪ ،(11/513‬البخاري‪ ،‬كتاب المناقب‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فتح الباري )‪.(563 -6/561‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫سنن الترمذي‪ ،‬ك المناقب )‪ ،(5/93‬المستدرك )‪ (2/620‬صحيح السناد‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫من قرى المدينة على ثلثة أميال‪ ،‬معجم البلدان )‪.(3/24‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫البداية والنهاية )‪ ،(7/246‬تاريخ الطبري‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/319‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪54‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫الله عليه ورحمته وبركاته«)‪ .(1‬وإليك بعض حقوقه×‪:‬‬
‫)أ( وجوب الصدق عنه والتحذير من الكذب عليه‪ :‬حذر‬
‫أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه من الكذب على‬
‫رسول الله‪ ،‬فعن ربعي بن حراش قال‪ :‬سمعت على بن أبى طالب‬
‫ى فليلج‬ ‫يقول‪ :‬قال النبي ×‪» :‬ل تكذبوا على ّ فإنه من كذب عل ّ‬
‫«‪ ،‬وحذر أمير المؤمنين على رضي الله عنه من نقل الكذب‪ -‬وهو‬ ‫النار‬
‫يعلم أنه كذب – فيما يرويه عن النبي × قال‪» :‬من)‪(2‬حدث عني‬
‫ثا ً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين« ‪.‬‬ ‫حدي‬
‫)ب( البعد عن أسباب تكذبيه‪ :‬أرشد أمير المؤمنين على‬
‫بن أبى طالب رضي الله عنه الناس إلى البعد عن المر الذي يكون‬
‫سبًبا في تكذيب رسول الله ×‪ ،‬كتحديث الناس بما ل تدركه عقولهم‬
‫من أقوال رسول الله ×‪ ،‬فقد قال‪(3») :‬حدثوا الناس بما يعرفون‪،‬‬
‫أتحبون أن يكذب الله ورسوله« ‪ ,‬ومعنى الحديث‪ :‬بما‬
‫يعرفون‪ :‬أي يفهمون‪ ،‬وفيه دليل على أن المتشابه ل ينبغي أن يذكر‬
‫عند العامة‪ ،‬وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في‬
‫الحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان‪ ،‬ومالك في أحاديث‬
‫الصفات‪ ،‬وأبو يوسف في الغرائب‪ ،‬ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم‬
‫عنه في الجرابين‪ ،‬وأن المراد ما يقع من الفتن ونحوه عن حذيفة‪،‬‬
‫وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوى البدعة وظاهره في‬
‫غير مراد‪ ،‬فالمساك عنه عند من يخشى عليه الخذ بظاهره‬ ‫الصل‬
‫مطلوب)‪.(4‬‬
‫)ج( إحسان الظن بحديث رسول الله ×‪ :‬قال أمير‬
‫دثتم عن رسول الله × حديًثا‬ ‫ح ّ‬
‫إذا‪ُ (5‬‬ ‫المؤمنين على رضي الله عنه‪:‬‬
‫فظنوا به هو أهناه وأهداه وأتقاه) ‪.‬‬
‫ن‬‫صّلو َ‬ ‫ه يُ َ‬ ‫ك َت َ ُ‬ ‫مل َئ ِ‬‫و َ‬
‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬‫عليه‪ :‬قال تعالى‪ + :‬إ ِ ّ‬ ‫الصلة َ‬ ‫)د(‬
‫موا‬ ‫سل ُ‬ ‫ّ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫عل َي ْ ِ‬
‫صّلوا َ‬ ‫مُنوا َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫َيا أي ّ َ‬
‫)‪(6‬‬
‫ي‬‫عَلى الن ّب ِ ّ‬ ‫َ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[56:‬‬ ‫سِلي ً‬
‫تَ ْ‬
‫وهذا إخبار من الله سبحانه وتعالى بمنزلة عبده ونبيه في المل‬
‫العلى‪ ،‬بأنه يثنى عليه عند الملئكة المقربين‪ ،‬وأن الملئكة تصلى‬
‫عليه‪،‬‬ ‫عليه‪ ،‬ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلة والتسليم‬
‫ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوى والسفلي جميًعا)‪،(7‬‬
‫ويؤكد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه هذا الحق‬
‫ل على رسول الله عند سماع‬ ‫لرسول الله × بوصف من لم يص ّ‬
‫الله‪ ،×(8‬حيث قال‪» :‬البخيل‬ ‫رسول‬ ‫ذكره بالبخل‪ ،‬فيما يرويه عن‬
‫ى«) ‪.‬‬ ‫الذي ذكرت عنده فلم يصل عل ّ‬

‫‪1‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(7/262‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫صحيح سنن ابن ماجة )‪ (1/13‬قال اللباني‪ :‬صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك العلم )‪.(1/46‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫ما دون قوم‪.‬‬‫فتح الباري )‪ (1/425‬باب من خص بالعلم قو ً‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫مسند أحمد )‪ (2/211‬أحمد شاكر‪ ،‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫صلة الله تعالى‪ :‬ثناؤه عليه عند الملئكة‪ ،‬وصلة الملئكة‪ :‬الدعاء‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪ ،(3/508‬منهج على بن أبى طالب في الدعوة‪ :‬ص)‪.(129‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫صحيح سنن الترمذي )‪ (3/177‬صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪55‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫ل ِإن َ‬ ‫)هـ( محبته لرسول الله ×‪ :‬قال تعالى‪ُ + :‬‬
‫ن‬
‫كا َ‬ ‫شيرقت ُك ُْم وأ َ‬ ‫خوان ُك ُم َ‬ ‫وأ َب َْنا ُ‬
‫وا ٌ‬
‫ل‬ ‫م‬
‫ْ َ ْ َ‬ ‫ع ِ َ‬ ‫و َ‬ ‫م َ‬ ‫جك ُ ْ‬ ‫وا ُ‬ ‫وأ َْز َ‬ ‫ْ َ‬ ‫وإ ِ ْ َ‬ ‫م َ‬ ‫ؤك ُ ْ‬ ‫م َ‬ ‫ؤك ُ ْ‬ ‫آَبا ُ‬
‫ها‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫ت‬
‫َ َ َ َ َ َ ِ ُ َ ْ َ ْ َ َ‬ ‫ن‬ ‫ك‬‫سا‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ها‬ ‫د‬ ‫سا‬ ‫ك‬ ‫ن‬
‫ْ َ‬ ‫و‬ ‫ش‬‫َ‬ ‫خ‬
‫ْ‬ ‫قت َ َ ُ ُ َ َ ِ َ َ ٌ َ‬
‫ت‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫جا‬ ‫ت‬ ‫و‬ ‫ها‬ ‫مو‬ ‫ت‬‫ف‬‫ْ‬ ‫ر‬ ‫ا ْ‬
‫صوا‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ت‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫بي‬ ‫س‬ ‫في‬ ‫د‬ ‫ها‬ ‫ج‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫سو‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫كم‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫َ ِ ِْ ِ َ َ ّ ُ‬ ‫ّ َ َ ِ َ َ ُ ِ ِ َ ِ َ ٍ ِ‬ ‫أ َ ّ ِ ْْ‬
‫ي‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫ب‬ ‫ح‬
‫ن"‬ ‫قي َ‬ ‫س ِ‬ ‫فا ِ‬ ‫م ال َ‬ ‫و َ‬‫ق ْ‬ ‫دي ال ْ َ‬ ‫ه ِ‬ ‫ه ل َ يَ ْ‬ ‫والل ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ر ِ‬ ‫م ِ‬ ‫ه ب ِأ ْ‬ ‫ي الل ُ‬ ‫حّتى ي َأت ِ َ‬ ‫َ‬
‫]التوبة‪ .[24 :‬فالية نصت على وجوب محبة الله ورسوله‪ ،‬وأن تلك‬
‫يجب أن تكون مقدمة على كل محبوب‪ ،‬ول خلف في ذلك‬ ‫المحبة‬
‫عوِني‬ ‫ِ ُ‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ت‬‫فا‬‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫بو‬
‫ّ َ‬ ‫ح‬
‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫إن‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬
‫ق‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫وقال‬ ‫‪،‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫المة‬ ‫بين‬
‫م" ]آل‬ ‫ٌ‬ ‫حي‬
‫ِ‬ ‫ر‬ ‫ر‬
‫ٌ ّ‬ ‫فو‬ ‫ُ‬ ‫غ‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫والل‬ ‫َ ْ َ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫نو‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ذ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫ف‬
‫ِ‬ ‫غ‬
‫ْ‬ ‫ي‬ ‫و‬
‫ُ َ َ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫م‬ ‫ُ‬
‫ح ِ ْ ُ‬‫ك‬ ‫ب‬ ‫ب‬ ‫يُ ْ‬
‫عمران‪ .[31:‬ففي هذه الية إشارة ضمنية إلى وجوب محبة النبي ×‪،‬‬
‫لن الله تبارك وتعالى قد جعل برهان محبته تعالى ودليل صدقها هو‬
‫أتباع النبي ×‪ ،‬وهذا التباع ل يتحقق ول يكون إل بعد اليمان بالنبي‬
‫×‪ ،‬واليمان به لبد من تحقق شروطه التي منها محبة النبي ×‪،‬‬
‫فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله × قال‪» :‬فوالذي‬
‫بيده ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده‬ ‫نفسي‬
‫ووالده«)‪ (2‬ومما ل ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه× كان أتم‬
‫وأوفر‪ ،‬ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة‪ ،‬وهم بقدره × ومنزلته أعلم‬
‫وأعرف من غيرهم‪ ،‬فبالتالي كان حبهم له× أشد وأكبر)‪ ،(3‬وقد سئل‬
‫أمير المؤمنين على رضي الله عنه‪ :‬كيف كان حبكم لرسول الله ×؟‬
‫قال‪ :‬كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولدنا وآبائنا وأمهاتنا ومن‬
‫الماء البارد على الظمأ)‪ ،(4‬وهذه الخصوصية المطلقة ليست لحد‬
‫غير رسول الله ×‪.‬‬
‫‪ -5‬المعرفة الدقيقة الشاملة لملمح الشخصية النبوية‪ :‬لقد‬
‫ساعدت الصلة السرية‪ ،‬والمعايشة الطويلة القريبة‪ ،‬والتتبع الدقيق‬
‫لما خص الله به نبيه من نفسية نبوية‪ ،‬ومكارم أخلق وميول‬
‫واتجاهات‪ ،‬أمير المؤمنين علًيا رضي الله عنه على معرفته الدقيقة‬
‫الشاملة للشخصية النبوية وخصائصها والقدرة على وصفها‪ ،‬والتنويه‬
‫ذلك فيما روى عنه من‬ ‫بجوانب دقيقة في سيرته وخلقه‪ ،‬يلحظ‬
‫وصف رسول الله وحليته وخلقه وسلوكه)‪.(5‬‬
‫الله( عنه‪» :‬كان‬ ‫قال أمير المؤمنين على رضي‬ ‫لقه‪:‬‬ ‫خ ْ‬‫)أ( بيان َ‬
‫)‪6‬‬
‫والقدمين‪،‬‬ ‫الكفين‬ ‫شثن‬ ‫بالقصير‪،‬‬ ‫ول‬ ‫بالطويل‬ ‫ليس‬ ‫رسول الله ×‬
‫إذا‪(10‬مشى‬ ‫سُربة)‪,(7‬ضخم الكراديس)‪،(8‬‬ ‫ْ ْ‬ ‫م‬ ‫ال‬ ‫طويل‬ ‫حمرة‪،‬‬ ‫وجهه‬ ‫مشرب‬
‫ؤا‪ ،‬كأنما ينحط من صبب)‪،(9‬لم أر قبله ول بعد مثله×) ‪ ،‬وعن‬ ‫تكّفأ تكّف ً‬
‫محمد بن على عن أبيه قال‪ :‬كان رسول الله × ضخم الرأس‪ ،‬عظيم‬
‫‪1‬‬
‫)( تفسير القرطبي )‪.(8/95‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪4‬فتح الباري )‪.(1/58‬‬
‫‪3‬‬
‫)( حقوق النبي على أمته )‪.(1/314‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الشفا )‪ (2/568‬للقاضي عياض‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( المرتضى‪ :‬ص )‪.(43 -39‬‬
‫‪6‬‬
‫)( أي خشن الكفين غليظهما‪ :‬الصحاح للجوهري )‪.(5/214‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة‪.‬‬
‫)( ال ُ‬ ‫‪8‬‬
‫كردوس‪ :‬كل عظم تام ضخم فهو كردوس‪ ،‬وكل عظمين التقيا في مفصل‬
‫فهو كردوس‪ ،‬وأراد على أنه × ضخم العضاء‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( الصبب هو الموضع المنحدر‪ ،‬وهذه الصفة من المشي تعني أن النبي × كان‬
‫قوًيا‪ ،‬فإذا مشى فكأنما يمشي على صدور قدميه من القوة‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪56‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫مشرب العينين بحمرة‪،‬‬ ‫دب الشفار – قال حسن ‪ :‬الشفار‪ُ -‬‬ ‫العينين‪ ،‬هَ ِ‬
‫والقدمين‪ ،‬إذا مشى تكفأ كأنما‬ ‫الكفين‬ ‫شثن‬ ‫اللون‪،‬‬ ‫أزهر‬ ‫كث اللحية‪،‬‬
‫يمشي في صعد‪ ،‬وإذا التفت التفت جميًعا)‪،(3‬وعند الترمذي عن محمد‬
‫من ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه قال‪ :‬كان على رضي الله‬
‫وصف النبي × قال‪» :‬لم يكن بالطويل الممغط)‪(6,)(4‬ول بالقصير‬ ‫عنه إذا‬
‫بالجعد القطط )‪ ،(8‬ول‬ ‫يكن‬ ‫ولم‬ ‫القوم‪،‬‬ ‫من‬ ‫ربعة‬ ‫وكان‬ ‫المتردد)‪،(5‬‬
‫دا رجل‪ ً ،‬ولم يكن بالمطهم)‪(7‬ول بالمكلثم ‪ ،‬وكان في‬ ‫بالسبط‪ ،‬كان جع ً‬
‫والقدمين‪ ،‬إذا مشى تقلع‪،‬‬ ‫الكفين‬ ‫شثن‬ ‫مشرب‪،‬‬ ‫الوجه تدوير‪ ،‬أبيض‬
‫كأنما يمشي في صبب‪ ،‬وإذا التفت التف)‪ (9‬مًعا‪.‬‬
‫»كما أن على بن أبى طالب رضي الله عنه بين صفة من صفات‬
‫×( بعد موته‪ ،‬وأمًرا لم يعرفه غيره – ربما من كان‬ ‫)‪10‬‬
‫جسد النبي‬
‫فجعلت أنظر ما‬ ‫×‪،‬‬ ‫الله‬ ‫رسول‬ ‫غسلت‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫حيث‬ ‫–‬ ‫معه‬ ‫يغسله‬
‫يكون من الميت فلم أر شيًئا‪ ،‬وكان طيًبا حًيا وميًتا ×)‪ ،(11‬وكان على‬
‫الله عنه يقول وهو يغسله‪ :‬بأبى أنت وأمي‪ ،‬ما أطيبك حًيا‬ ‫رضي‬
‫وميًتا)‪.(12‬‬
‫قه‪ :‬تحدث أمير المءمنين على رضي الله عنه‬ ‫خل ُ ِ‬
‫)ب( بيان ُ‬
‫فا‪ ،‬وأشرحهم صدًرا‬ ‫‪(13‬الناس ك ً‬ ‫أجود‬ ‫»كان‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫×‪،‬‬ ‫عن أخلق النبي‬
‫وأصدق الناس لهجة‪ ،‬وألينهم عريكة) ‪ ،‬وأكرمهم عشرة‪ ،‬من رآه‬
‫بديهة هابه‪ ،‬ومن خالطه معرفة أحبه‪ ،‬يقول ناعته‪ :‬لم أر قبله ول‬
‫بعده مثله«)‪ ،(14‬وأخبرنا عن شجاعة الرسول ×‪ ،‬وقوة بأسه‪ ،‬وأن‬
‫ضا وقوة بأسهم التي سطرتها‬ ‫علًيا ومن كان معه مع شجاعتهم أي ً‬
‫أخبار المغازي‪ ،‬كانوا إذا اشتدت الحرب يلوذون برسول الله ×‪،‬‬
‫فيقول على رضي الله عنه‪» :‬لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول‬
‫سا«)‪،(15‬‬ ‫الله ×‪ ،‬وهو أقربنا إلى العدو‪ ،‬وكان من أشد الناس يومئذ بأ ً‬
‫‪10‬‬
‫)( مسند أحمد ‪ 1/96‬برقم )‪(746‬ط‪ /‬الرسالة – إسناده صحيح‪ ،‬صححه اللباني‬
‫في صحيح سنن الترمذي‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( هى حروف الجفان وأصول منابت الشعر في الجفن التي تلتقي عند‬
‫التغميض‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( حسن بن موسى الراوى عن حماد عبد الله بن محمد بن عقيل بن محمد بن‬
‫على‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسند أحمد ‪ 1/89‬برقم )‪ (684‬ط‪ /‬الرسالة‪ -‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الممغط‪ :‬الذاهب طو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( المتردد‪ :‬الداخل بعضه في بعض قصًرا‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( القطط‪ :‬الشديد الجعودة‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( المطهم‪ :‬البادن الكثير اللحم‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( المكلثم‪ :‬الممتلئ لحم الخدين والوجه‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( سنن الترمذي‪ ،‬ك المناقب )‪ (5/599‬حسن غريب إسناده غير متصل‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫)( كالعباس والفضل وقثم بن عباس يقلبونه‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫)( صحيح سنن ابن ماجة لللباني )‪ ،(1/247‬الحاكم في المستدرك )‪(3/59‬‬
‫واللفظ له صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(2/662‬‬
‫‪13‬‬
‫سا‪ ،‬انظر منهج على بن أبى‬‫الطبيعة‪ ،‬وفلن لين العريكة‪ :‬إذا كان سل ً‬ ‫)( العريكة‪:‬‬
‫طالب ص ‪.110‬‬
‫‪14‬‬
‫)( وهو تتمة للحديث السابق‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/64‬تحقيق أحمد شاكر‪ ،‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪57‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫م اتقينا‬ ‫م القو َ‬ ‫وفي رواية أخرى‪ :‬كنا إذا احمر البأس‪ ،‬ولقي القو ُ‬
‫برسول الله×‪ ،‬فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه)‪ ،(1‬وبين على‬
‫رضي الله عنه من أخلق رسول الله × من الرحمة والكرم‪،‬‬
‫والشجاعة والتواضع‪ ،‬ما ورد في وصفه لرسول الله × لليهود الذين‬
‫طلبوا منه ذلك حيث يقول‪ :‬كان أرحم الناس بالناس؛ لليتيم كالب‬
‫فا‪ ،‬وأصبحهم‬ ‫الرحيم‪ ،‬واللرملة كالكريم‪ ،‬أشجع الناس‪ ،‬وأبذلهم ك ً‬
‫اللبن‪(2،‬ووساده الدم‬ ‫وجًها‪ ،‬لباسه العباء وطعامه خبز الشعير‪ ،‬وإدامه‬
‫غيلن مرمل بالشريف) ‪ ،‬كان له‬ ‫)‪(3‬‬
‫محشو بليف النخل‪ ،‬سريره أم‬
‫والخرى العقاب‪(6)،‬وكان سيفه ذا‬ ‫‪،‬‬ ‫السحاب‬ ‫عمامتان إحداهما تدعي‬
‫الفقار)‪ ،(4‬ورايته الغراء)‪(7‬وناقته العضباء)‪ ،(5‬وبغلته دلدل ‪ ،‬وحماره‬
‫الحمد‪ (،‬وكان يعقل‬ ‫يعفور‪ ،‬وفرسه مرتجز ‪ ،‬وشاتهن بركة‪ ،‬ولواؤه‬
‫البعير ويعلف الناضح)‪ ،(8‬ويرقع الثوب‪ ،‬ويخصف النعل)‪. 9‬‬
‫‪ -6‬نماذج من اتباع أمير المؤمنين للسنة‪ :‬كان أمير المؤمنين‬
‫على شديد الحرص على القتداء بالنبي ×‪ ،‬وحياته العملية خير دليل‬
‫على ذلك‪ ،‬وهذه بعض المثلة المتنوعة التي كان يتبع فيها النبي ول‬
‫يفرق بين صغيرة ول كبيرة‪:‬‬
‫‪ -‬دعاء الركوب على الدواب‪ :‬عن عبد الرزاق‪ :‬أخبرني من شهد‬
‫علًيا حين ركب‪ ،‬فلما وضع رجله في الركاب‪ ،‬قال‪ :‬بسم الله‪ ،‬فلما‬
‫استوى قال‪ :‬الحمد لله‪ ،‬سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له‬
‫مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون‪ ،‬ثم حمد ثلًثا وكبر ثلًثا‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫اللهم ل إله إل أنت‪ ،‬ظلمت نفسي فاغفر لي‪ ،‬إنه ل يغفر الذنوب إل‬
‫أنت‪ ،‬ثم ضحك‪ ،‬قال‪ ،‬فقيل‪ :‬ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال‪:‬‬
‫رأيت النبي × فعل مثل ما فعلت‪ ،‬وقال مثل ما قلت‪ ،‬ثم ضحك‪،‬‬
‫فقلنا‪ :‬ما يضحك يا نبي الله؟ قال‪ :‬العبد – أو قال‪ :‬عجبت للعبد‪-‬‬
‫إذا قال‪ :‬ل إله إل أنت ظلمت نفسي فاغفر لي‪ ،‬إنه ل‬
‫يغفر الذنوب إل أنت‪ ،‬يعلم أنه ل يغفر الذنوب إل هو)‪.(10‬‬
‫دا‪:‬عن عطاء بن السائب عن زادان‪ :‬أن‬ ‫ما‪ ،‬وقاع ً‬ ‫‪ -‬الشرب قائ ً‬
‫ما‪ ،‬فنظر إليه الناس كأنهم أنكروه‪،‬‬ ‫شرب قائ ً‬ ‫)‪(11‬‬
‫طالب‬ ‫على بن أبى‬
‫يشرب‬ ‫×‬ ‫النبي‬ ‫رأيت‬ ‫فقد‬ ‫ما‪،‬‬
‫ً‬ ‫قائ‬ ‫أشرب‬ ‫إن‬ ‫تنظرون؟‬ ‫فقال‪ :‬ما‬
‫دا)‪.(12‬‬
‫دا‪ ،‬فقد رأيت النبي × يشرب قاع ً‬ ‫ما‪ ،‬وإن أشرب قاع ً‬ ‫قائ ً‬
‫‪1‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/343‬وقال المحقق‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( قال ابن القيم في زاد المعاد‪ :‬كان رسول الله × ينام على الفرش تارة‪،‬‬
‫وعلى النطع تارة‪ ،‬وعلى الحصير تارة‪ ،‬وعلى الرض تارة‪ ،‬وعلى السرير تارة‬
‫بين رماله‪ ،‬وتارة على كساء أسود )‪ (1/155‬زاد المعاد‪ :‬السرير المرمل‪ :‬أي‬
‫المنسوج‪ ،‬لسان العرب )‪.(11/295‬‬
‫‪3‬‬
‫)( وهى العمامة التي كساها علًيا )زاد المعاد ‪.(1/135‬‬
‫‪4‬‬
‫)( للرسول تسعة أسياف منها ذو الفقار تنفله يوم بدر )زاد المعاد ‪.(1/130‬‬
‫‪5‬‬
‫)( وهى غير القصواء المشهورة والعضباء هي التي كانت ل تسبق‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( بغلة شهباء أهداها له المقوقس وله غيرها )زاد المعاد ‪.(1/134‬‬
‫‪7‬‬
‫)( زاد المعاد )‪ (1/133‬ملك سبعة من الخيل‪ ،‬متفق عليها‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الناضح‪ :‬البعير الذي يستسقى عليه الماء )لسان العرب ‪.(2/619‬‬
‫‪9‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة )‪.(2/163‬‬
‫‪10‬‬
‫)( مسند أحمد الموسوعة الحديثة رقم ‪930‬حسن لغيره‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫)( في رواية‪ :‬ما تنكرون‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫)( مسند أحمد رقم ‪1128‬إسناده حسن‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪58‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ى وضوء‬ ‫‪ -‬تعليم وضوء رسول الله ×‪ :‬عن عبد خير‪ :‬علمنا عل ّ‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فصب الغلم على يديه حتى أنقاهما‪ ،‬ثم أدخل يده‬
‫في الركوة‪ ،‬فمضمض واستنشق‪ ،‬وغسل وجهه ثلًثا ثلًثا‪ ،‬وذراعيه‬
‫إلى المرفقين ثلًثا ثلًثا‪ ،‬ثم أدخل يده في الركوة فغمز أسفلها بيده‬
‫ثم أخرجها فمسح بها الخرى‪ ،‬ثم مسح بكفيه رأسه مرة‪ ،‬ثم غسل‬
‫اغترف هُّنية من ماء بكفه فشربه‪،‬‬ ‫رجليه إلى الكعبين ثلًثا ثلًثا‪ ،‬ثم‬
‫ضا)‪.(1‬‬‫ً‬ ‫يتو‬ ‫ثم قال‪ :‬هكذا كان رسول الله‬
‫‪ -‬نهى رسول الله × لعلي عن أشياء‪ :‬عن عبد الله بن حنين عن‬
‫أبيه‪ ،‬قال‪ :‬سمعت على ابن أبى طالب يقول‪ :‬نهاني رسول الله ×‬
‫س والمعصفر‪ ،‬وقراءة القرآن وأنا‬ ‫ق ّ‬‫عن تختم الذهب‪ ،‬وعن ُلبس ال َ‬
‫راكع‪ ،‬وكساني حلة من سيراء فخرجت فيها‪ ،‬فقال‪ :‬يا على‪ ،‬إني لم‬
‫أكسكها لتلبسها‪ ،‬قال‪ :‬فرجعت بها إلى فاطمة‪ ،‬فأعطيتها ناحيتها‬
‫فأخذت بها لتطويها معي‪ ،‬فشققتها بثنتين قال‪ :‬فقالت‪ :‬تربت يداك يا‬
‫فقلت لها‪ :‬نهاني رسول الله ×‬ ‫ابن أبى طالب‪ ،‬ماذا صنعت؟ قال‪:‬‬
‫عن لبسها‪ ،‬فالبسي واكسي نساءك)‪.(2‬‬
‫‪ -‬الذنوب والمغفرة‪ :‬عن على رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله ×‪» :‬من أذنب في الدنيا ذنًبا فعوقب به‪ ،‬فالله أعدل‬
‫من أن يثني عقوبته على عبده‪ ،‬ومن أذنب ذنًبا في الدنيا‬
‫وعفا عنه‪ ،‬فالله أكرم من أن يعود في‬ ‫فستر الله عليه‪،‬‬
‫شيء قد عفا عنه«)‪.(3‬‬
‫‪ -‬إنما الطاعة في المعروف‪:‬عن على رضي الله عنه‪ :‬أن رسول‬
‫ل‪ ،‬فأوقد ناًرا‪ ،‬فقال‪ :‬ادخولها!‬‫شا‪ ،‬وأمر عليهم رج ً‬ ‫الله × بعث جي ً‬
‫فأراد ناس أن يدخلوها‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬إنما فررنا منها‪ ،‬فذكر ذلك‬
‫لرسول الله×‪ ،‬فقال للذين أرادوا أن يدخلوها‪» :‬لو دخلتموها لم‬
‫تزالوا فيها إلى يوم القيامة«‪ .‬وقال للخرين قول ً حس ً‬
‫نا‪ (4،‬وقال‪:‬‬
‫)‬
‫ل طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف ‪،‬‬
‫والحديث يبين بأن الطاعة للحكام مقيدة بطاعة الله ورسوله‪،‬‬
‫والطاعة المطلقة ليست لحد إل لله ورسوله×‪.‬‬
‫‪ -‬ل يأتي على الناس مائة سنة وعلى الرض عين تطرف‪ :‬دخل‬
‫ى بن أبى طالب‪ ،‬فقال‬ ‫أبو مسعود عقبة بن عمرو النصاري على عل ّ‬
‫ى‪ :‬أنت الذي تقول‪ »:‬ل يأتي على الناس مائة سنة‬ ‫له عل ّ‬
‫ى اليوم«‪ ،‬والله إن‬ ‫ّ‬ ‫ح‬ ‫هو‬ ‫ممن‬ ‫تطرف‬ ‫عين‬ ‫الرض‬ ‫وعلى‬
‫رخاء هذه المة بعد مائة عام)‪.(5‬‬
‫‪ -‬دعاء الرسول × لهل المدينة بالبركة‪ :‬عن على بن أبى طالب‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬أنه قال‪ :‬خرجنا مع رسول الله ×‪ ،‬حتى إذا كنا‬
‫سقيا التي كانت لسعد بن أبى وقاص‪ ،‬قال رسول الله ×‪:‬‬ ‫بالحرة بال ّ‬
‫وضوء«‪ ،‬فلما توضأ قام فاستقبل القبلة‪ ،‬ثم كبر‪ ،‬ثم‬ ‫»ائتوني ب َ‬
‫قال‪» :‬اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعا لهل مكة‬
‫بالبركة‪ ،‬وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لهل المدينة‬
‫مدهم وصاعهم مثل ما باركت لهل‬ ‫أن تبارك لهم في ُ‬
‫‪1‬‬
‫مسند أحمد الموسوعة الحديثة رقم ‪ ،876‬صحيح لغيره‪ ،‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 710‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 1365‬إسناد حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪ 724‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 714‬إسناده قوى‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪59‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫مكة‪ ،‬مع البركة بركتين«)‪.(1‬‬
‫‪ -‬دعاء الكرب‪ :‬عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫»علمني رسول الله × إذا نزل بي كرب أن أقول‪ :‬ل إله إل الله‬
‫الحليم الكريم‪ ،‬سبحان الله‪ ،‬وتبارك الله رب العرش العظيم‪،‬‬
‫والحمد لله رب العالمين«)‪ .(2‬والحديث يرشد إلى ضرورة التعلق‬
‫بالله وحده والعتماد عليه واللتجاء إليه‪ ،‬فل يكشف الكرب إل هو‬
‫سبحانه‪ ،‬ول يجيب المضطر إذا دعاه إل الذي خلقه‪ ،‬فل ملجأ من الله‬
‫إل إليه‪ ،‬ففيه إرشاد وتعليم إلى كل مسلم بأن يعتمد على الله في‬
‫كل أحواله وشأنه‪.‬‬
‫ى شيًئا كتمه الناس‪ :‬عن أبى الطفيل قال‪ :‬قلنا لعلي‪:‬‬ ‫‪ -‬ما أسر إل ّ‬
‫ى شيًئا‬‫ّ‬ ‫إل‬ ‫أسر‬ ‫ما‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫×‪.‬‬ ‫الله‬ ‫رسول‬ ‫إليك‬ ‫أسره‬ ‫أخبرنا بشيء‬
‫كتمه الناس‪ ،‬ولكن سمعته يقول‪ :‬لعن الله من ذبح لغير الله‪،‬‬
‫ولعن الله من آوى محدًثا‪ ،‬ولعن الله من لعن والديه‪،‬‬
‫ولعن الله من غّير تخوم الرض‪ ,‬يعني المنار)‪ ،(3‬ففي قوله ×‪:‬‬
‫لعن الله‪ :‬اللعن من الله‪ :‬الطرد والبعاد عن رحمة الله‪ ،‬قوله‪ :‬من‬
‫ذبح لغير الله‪ :‬يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي أو ملك‪ ،‬أو‬
‫جنى أو غيرهم‪ ،‬فلو كانت هذه المور هينة في دين الله لما وصلت‬
‫إلى درجة يستحق فاعلها اللعن من‬
‫رسول الله ×‪.‬‬
‫‪ -‬إن الله رفيق يحب الرفق‪:‬عن على بن أبى طالب رضي الله‬
‫الرفق‪،‬‬ ‫عنه قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬إن الله رفيق يحب‬
‫ويعطي على الرفق ما ل يعطي على العنف«)‪.(4‬‬
‫‪ -‬تعجيل الصدقة)‪ (5‬قبل أن تحل‪:‬عن على أن العباس بن عبد‬
‫المطلب)‪(6‬سأل النبي × في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له‬
‫في ذلك ‪.‬‬
‫عنه‪ (7،‬قال‪ :‬كان‬ ‫‪ -‬العشر الواخر من رمضان‪:‬عن على رضي الله‬
‫رسول الله يوقظ أهله في العشر الواخر‪ ،‬ويرفع المئزر) ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬الرواة عن على بن أبى طالب رضي الله عنه‪:‬‬
‫كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه أعلم الصحابة بالسنة في‬
‫عهده‪ ،‬إذ روى أنه ذكر على عند عائشة‪ ،‬فقالت‪ :‬أما أنه أعلم من‬
‫السنة )‪ ،(8‬ومع ذلك فقد روى عن النبي × خمسمائة وستة‬ ‫بقي في‬
‫ثمانين حديًثا)‪ ،(9‬وهو أقل مما رواه بعض الصحابة عن النبي ×‬
‫لسباب منها‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 936‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 701‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر نفسه رقم ‪ 855‬إسناده قوى‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪902‬حديث حسن الشواهد‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫تعجيل الصدقة‪ :‬أي تعجيل الزكاة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪822‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫مسند أحمد رقم ‪1116‬إسناده حسن )‪.(3/195‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫الطبقات )‪.(2/338‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫تاريخ الخلفاء ص ‪.171‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪60‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -1‬انشغاله بالقضاء والمارة والحروب التي جعلته ل يتفرغ للفتيا‬
‫وعقد حلقات الدروس التي كانت سبًبا في انتشار عمل بعض‬
‫الصحابة‪ ،‬كعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس‪.‬‬
‫‪ -2‬ظهور أهل الهواء والبدع من الذين أفرطوا فيه والذين‬
‫فرطوا به كان سبًبا في كثرة الكذب عليه‪ ،‬لذلك بذل العلماء‬
‫جهدهم في معرفة صحة الطرق الموصلة إليه‪.‬‬
‫‪ -3‬كثرة الفتن في زمانه وانشغال بعض الناس بها حال دون ثقته‬
‫علمه‪ ،‬إذا ُروى عنه أنه قال‪ :‬إن‬ ‫رضي الله عنه بمن يضع فيه‬
‫ما لو أصبت له حملة)‪.(1‬‬‫هاهنا عل ً‬
‫وقد لحظنا في منهج أمير المؤمنين في الرواية وقبول الحديث‬
‫ما يأتي‪:‬‬
‫لقوله ×‪:‬‬ ‫‪ -1‬الحذر من الكذب على النبي × إذ هو أحد الرواة‬
‫دا فليتبوأ مقعده من النار«)‪.(2‬‬ ‫ى متعم ً‬
‫»من كذب عل ّ‬
‫‪ -2‬الستيثاق من الرواية فإنه كان يحلف الراوى عليها‪ ،‬فقد روى‬
‫أنه قال‪ :‬كنت إذا سمعت من رسول الله × حديًثا نفعني الله بما‬
‫أن‪(3‬ينفعني منه‪ ،‬وكان إذا حدثني غيره استحلفته‪ ،‬فإذا حلف‬ ‫شاء‬
‫صدقته) ‪.‬‬
‫‪ -3‬عدم رواية المنكر والشاذ من الحديث‪ ،‬إذ ورد عنه أنه قال‪:‬‬
‫الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون‪ ،‬أتريدون أن يكذب الله‬ ‫حدثوا‬
‫ورسوله)‪ ،(4‬وقد روى على رضي الله عنه عن أبى بكر وعمر‬
‫والمقداد بن السود وزوجته فاطمة‪.‬‬
‫وروى عن على خلق كثير من الصحابة والتابعين وأهل بيته‪ ،‬فمن‬
‫أشهر من روى عنه من الصحابة‪:‬‬
‫‪ -1‬أبو أمامة إياس بن ثعلبة النصاري‪ :‬من بنى حارثة‪ ،‬وهو ابن‬
‫أحاديث‪ ،‬وهو الذي أمره‬ ‫أخت أبى بردة‪ ،‬له عن النبي × ثلثة‬
‫الرسول × أن يقيم على أمه يوم بدر)‪.(5‬‬
‫‪ -2‬أبو رافع القبطي مولى رسول الله × يقال اسمه إبراهيم‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬سنان‪ ،‬وقيل‪ :‬يسار‪ ،‬قال ابن عبد البر‪ :‬أشهر ما قيل‬
‫اسمه أسلم‪ ،‬مات في عهد على بن أبى طالب سنة‬ ‫في‬
‫‪40‬هـ)‪.(6‬‬
‫‪ -3‬أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة النصاري‪،‬‬
‫مع رسول الله × وهو ابن خمس عشرة سنة توفى سنة‬ ‫خرج‬
‫‪74‬هـ)‪.(7‬‬
‫‪ -4‬جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن‬
‫‪1‬‬
‫فقه المام على )‪ (1/3‬نقل عن أعلم الموقعين‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫صحيح سنن ابن ماجة )‪ (1/13‬وقال اللباني‪ :‬صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫سنن ابن ماجة رقم ‪1395‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫البخاري‪ ،‬ك العلم )‪.(1/46‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫الستيعاب )‪ (1/1601‬أي يقيم على خدمة أمه‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫سير أعلم النبلء )‪.(2/16‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫الستيعاب )‪.(4/1671‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪61‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫كعب النصاري السلمى‪ ،‬شهد صفين مع على وتوفى ‪78‬هـ‪،‬‬
‫وكان من الحفاظ للسنن‪.‬‬
‫‪ -5‬جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري السوائي حليف‬
‫بني زهرة‪ ،‬وأمه خالدة بنت أبى وقاص‪ ،‬يكنى‪ :‬أبا عبد الله‪،‬‬
‫رسول‪ (1‬الله أكثر من ألفى مرة‪ ،‬نزل الكوفة‬ ‫قال‪ :‬صليت مع‬
‫وتوفى بها سنة ‪74‬هـ) ‪.‬‬
‫‪ -6‬زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان قيل‪ :‬كنيته أبو عمر‪،‬‬
‫وقيل أبو عامر‪ ،‬مات بالكوفة سنة ‪66‬هـ‪ ،‬وقيل ‪68‬هـ‪.‬‬
‫‪ -7‬عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ابن أخي على‪ ،‬ولد بأرض‬
‫أول‪ (2‬مولود في السلم توفى سنة ‪80‬هـ‪ ،‬وهو‬ ‫الحبشة‪ ،‬وهو‬
‫ابن تسعين سنة) ‪.‬‬
‫‪ -8‬عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى‪ ،‬أسلم مع أبيه‬
‫يبلغ الحلم‪ ,‬توفى في مكة‪ ،‬سنة ‪63‬هــ‪،‬وهو ابن أربع‬ ‫قبل أن‬
‫وثمانين)‪.(3‬‬
‫‪ -9‬عبد الله بن مسعود بن)‪(4‬غافل بن وائل الهذلي من أوائل‬
‫المسلمين توفى ‪32‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -10‬عمرو بن حريث بن عثمان القرشي المخزومي يكنى أبا‬
‫له‬ ‫سعيد‪ ،‬رأى النبي × وسمع منه ومسح على رأسه ودعا‬
‫بالبركة‪ ،‬نزل الكوفة وكان له قدر وشرف‪ ،‬مات سنة ‪85‬هـ)‪.(5‬‬
‫‪ -‬من روى عنه من أهل بيته‪ :‬روى عنه من أهل بيته كل من‪:‬‬
‫‪ -1‬ولده الحسن بن على سبط رسول الله ×‪.‬‬
‫سبط‪(6‬رسول الله × قتل يوم‬ ‫‪ -2‬ولده الحسين بن على‬
‫عاشوراء سنة ‪61‬هـ وهو ابن ‪56‬سنة ) ‪.‬‬
‫‪ -3‬ولده محمد بن على بن أبى طالب أبو القاسم المدني‬
‫المعروف بابن الحنفية‪ ،‬نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس من‬
‫بنى حنيفة‪ ،‬قال العجلي‪ :‬تابعي ثقة كان رجل ً صال ً‬
‫حا يكنى أبا‬
‫عمر ومات سنة ‪ ،73‬وقيل ‪ ،80‬وقيل ‪،81‬‬ ‫القاسم‪ ،‬ولد في ولية‬
‫وقيل ‪ ،82‬وقيل ‪93‬هـ)‪.(7‬‬
‫محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ذكره ابن‬ ‫‪ -4‬حفيده‬
‫حبان في الثقات)‪.(8‬‬
‫‪ -5‬حفيده على بن الحسين بن على بن أبى طالب‬
‫الملقب بزين العابدين من سادات التابعين‪ ،‬وأمه سلفة بنت يزدجرد‬
‫‪1‬‬
‫)( الستيعاب )‪.(1/219‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الصابة )‪.(4/276‬‬
‫‪3‬‬
‫)( وفيات العيان )‪.(2/236‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الستيعاب )‪.(2/988‬‬
‫‪5‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(3/1672‬‬
‫‪6‬‬
‫)( تهذيب التهذيب )‪.(2/357‬‬
‫‪7‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪.(2/306‬‬
‫‪8‬‬
‫)(المصدر السابق )‪.(2/82‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪62‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫آخر ملوك فارس‪ ،‬أرسل عن جده على بن أبى طالب‪ .‬قال العجلي‪:‬‬
‫مدني‪(1‬تابعي ثقة‪ ،‬توفى سنة ‪94‬هـ‪ ،‬وكان عمره ثمان وخمسين‬
‫سنة) ‪.‬‬
‫‪ -6‬ابن أخته جعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن‬
‫عائد بن عمران بن مخزوم وأمه أم هانئ بنت أبى طالب‪ ،‬ولد على‬
‫خراسان‪ ،‬وسكن الكوفة‪ ،‬قال العجلي‪:‬‬ ‫عهد النبي × وله صحبة‪ ،‬ولي‬
‫مدني تابعي ثقة روى عن على )‪.(2‬‬
‫‪ -7‬سريته أم موسى‪ ،‬قيل اسمها فاختة‪ ،‬وقيل حبيبة‪ ،‬قال‬
‫الدارقطني‪ :‬حديثها مستقيم‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كوفية تابعية ثقة)‪.(3‬‬
‫‪ -‬أشهر من روى عن على من التابعين‪:‬‬
‫‪ -1‬أبو السود الدؤلي البصري‪ ،‬القاضي‪ ،‬اسمه ظالم بن عمرو‬
‫بن سفيان‪ ،‬ويقال اسمه عمرو بن عثمان‪ ،‬ويقال عثمان بن عمرو‪،‬‬
‫معين‬ ‫أسلم على عهد النبي × وقاتل مع على يوم الجمل‪ ،‬وثقه ابن‬
‫والعجلي وغيرهما‪ ،‬وتوفى في ولية عبيد الله بن زياد سنة ‪.(4)69‬‬
‫‪ 2-‬أبو بردة بن موسى الشعريالفقيه‪ ،‬واسمه الحارث‪ ،‬وقيل‬
‫عامر‪ ،‬وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كان على‬
‫بن سلم‬ ‫قضاء الكوفة بعد شريح‪ ،‬روى عن أبيه وعلى وحذيفة وعبد الله‬
‫وعائشة وغيرهم‪ ،‬قيل‪ :‬مات سنة ‪ 83‬وقيل ‪ ،104‬وقيل ‪107‬هـ)‪.(5‬‬
‫‪ -3‬أبو عبد الرحمن السلمى عبد الله بن حبيب بن ربيعة‪ ،‬أبو عبد‬
‫الرحمن السلمى الكوفي القارئ‪ ،‬ولبيه صحبة‪ ،‬وثقه العجلي‬
‫والنسائي وأبو داود‪ ،‬روى عن عمر وعثمان وعلى وسعد‪ ،‬وخالد بن‬
‫هـ‪ ،‬وقيل‬ ‫الوليد وابن مسعود وحذيفة وغيرهم‪ ،‬قيل مات سنة ‪72‬‬
‫‪ ،85‬وهو ابن خمس وثمانين سنة‪ ،‬شهد مع على صفين)‪.(6‬‬
‫‪ -4‬زر بن حبيش بن حبابة بن أوس السدي أبو مريم‪ ،‬ويقال أبو‬
‫أنه ثقة‪ ،‬مات سنة ‪81‬هــ‪ ،‬وقيل ‪82‬‬ ‫مطرف الكوفي‪ ،‬ذكر ابن معين‬
‫وقيل ‪ 83‬وهو ابن مائة وعشرين)‪.(7‬‬
‫‪ -5‬زيد بن وهب الجهنى من قضاعة‪ ،‬يكنى أبا سليمان‪ ،‬من أجلة‬
‫التابعين وثقاتهم متفق على الحتجاج به‪ ،‬وثقه ابن)‪(8‬معين وغيره‪،‬‬
‫ومات قبل سنة تسعين أو بعدها من ولية الحجاج ‪.‬‬
‫‪6-‬سويد غفلة بن عوسجة بن عامريكنى أبا أمية‪ ،‬رحل إلى رسول‬
‫يا‪ ،‬مات‬ ‫بكر‪ (9‬وعمر وعثمان وعل ً‬ ‫الله ×‪ ،‬وقد قبض فلم يره‪ ،‬صحب أبا‬
‫سنة ‪ 81‬أو ‪82‬هـ وكان عمره ‪128‬سنة) ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪ ،(12/481‬لسان الميزان )‪.(7/533‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪.(12/10/11‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر السابق )‪.(12/19‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫المصدر السابق )‪.(5/184‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(6/103‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/103‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/67‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫طبقات بن سعد )‪.(6/127‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫تهديب التهذيب‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪63‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -7‬شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي ابن‬
‫وهو من كبار أصحاب على‪ ،‬قتل مع‬ ‫المقدام الكوفي‪ ،‬أدرك ولم ير‪،‬‬
‫أبى بكرة بسجستان سنة ‪78‬هـ)‪.(1‬‬
‫‪ -8‬عامر بن شرحبيل بن عبد‪ ،‬وقيل عامر بن عبد الله بن‬
‫شرحبيل الشعبي والحميري أبو عمرو الكوفي من شعب همدان‪،‬‬
‫روى عنه أنه قال‪ :‬أدركت خمسمائة من الصحابة‪ ،‬وعن الحسن‪،‬‬
‫قال‪ :‬كان والله كثير العلم‪ ،‬عظيم الحلم‪ ،‬قديم السلم من السلم‬
‫بمكان‪ ،‬وعن مكحول قال‪ :‬ما رأيت أفقه منه‪ .‬قال ابن عيينة‪ ،‬كانت‬
‫الناس تقول بعد الصحابة ابن عباس في زمانه‪ ،‬والشعبي في زمانه‪،‬‬
‫والثوري في زمانه‪ ،‬ولد لست خلت من خلفة عمر ومات‬
‫سنة ‪109‬هـ‪.‬‬
‫‪ -9‬عبد خير بن يزيد ويقال ابن بجيد بن جوى بن عبد عمرو بن‬
‫عبد يعرب بن الصائد الهمداني أبو عمارة الكوفي‪ ،‬أدرك الجاهلية‪،‬‬
‫في( ثقات التابعين‪،‬‬ ‫قال العجلي‪ :‬كوفي تابعي ثقة‪ ،‬وذكر ابن حبان‬
‫قيل‪ :‬عاش مائة وعشرين سنة‪ ،‬وقتل في صفين)‪. 2‬‬
‫‪ -10‬عبد الرحمن بن أبى ليلى واسمه يسار ويقال بلل‪ ،‬ويقال‬
‫داود بن بلل بن بليل ابن أصحبة بن الجلح الحريش النصاري‬
‫الوسى‪ ،‬ولد لست بقين من خلفة عمر‪ ،‬روى عنه أنه قال‪ :‬أدركت‬
‫معين والعجلي‪ .‬قيل إنهم‬ ‫عشرين ومائة من النصار‪ ،‬وثقه ابن‬
‫أصيب سنة ‪71‬هـ وقيل ‪ 82‬بالجماجم)‪.(3‬‬
‫‪ -11‬عبيدة السلماني وهو عبيدة بن عمرو‪ ،‬ويقال ابن قيس‬
‫عمرو السلماني المرادي أبو عمرو الكوفي‪ ،‬أسلم قبل وفاة النبي ×‬
‫أعلمهم بالقضاء وكان‬ ‫بسنتين ولم يلقه‪ ،‬قال الشعبي‪ :‬كان شريح‬
‫عبيدة يوازيه‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كوفي تابعي ثقة)‪.(4‬‬
‫‪ -12‬عبد الله بن سلمة بن سلمة المرادي الكوفي‪ ،‬صاحب على‪،‬‬
‫كنيته أبو العالية‪ ،‬قال العجلي‪ :‬كوفي تابعي ثقة‪ ،‬قال البخاري‪ :‬ل‬
‫عمرو‪(5‬بن مرة‪ :‬يعرف وينكر‪ ،‬كان قد كبر‪،‬‬ ‫يتابع في حديثه‪ ،‬وعن‬
‫وقال يعقول بن شيبة‪ :‬ثقة) ‪.‬‬
‫‪ -13‬عبد الله بن شقيق العقيلي‪ ،‬وكنيته أبو عبد الرحمن ويقال‬
‫أبو محمد البصري‪ ،‬تابعي من أهل البصرة‪ ،‬ذكره ابن سعد في‬
‫الطبقة الولى‪ ،‬وعن ابن معين أنه ثقة من خيار المسلمين ل يطعن‬
‫وروى أنه كان مستجاب الدعوة‪ ،‬مات بعد المائة وقيل‬ ‫في حديثه‪،‬‬
‫سنة ‪108‬هـ)‪.(6‬‬
‫‪ -14‬علقمة بن قيس النخعي وهو علقمة بن قيس بن عبد الله‬
‫بن مالك بن علقمة النخعي الكوفي‪ ،‬ولد في حياة الرسول ×‪ ،‬وعن‬
‫أحمد‪ :‬ثقة من أهل الخير‪ ،‬وعن ابن معين‪ :‬روى أنه قرأ القرآن في‬
‫ليلة‪ ،‬مات سنة ‪ ،62‬وقيل ‪ ،61‬قال ابن سعد‪ :‬كان ثقة كثير الحديث‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/124‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/124‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫ميزان العتدال )‪.(20/584‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪ (6/90‬تهذيب التهذيب )‪.(7/85‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫ميزان العتدال )‪ (2/409‬تهذيب التهذيب )‪.(5/542‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫تهذيب التهذيب )‪.(5/253‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪64‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫‪ -15‬عمر بن سعيد النخعي الصهباني‪ ،‬أبو يحيى الكوفي‪ ،‬عن ابن‬
‫في حد‬ ‫معين‪:‬ثقة‪ ،‬ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬له حديث عن على‬
‫شارب الخمر‪ ،‬قال ابن سعد‪ :‬مات سنة ‪ ،115‬وقيل ‪107‬هـ)‪.(1‬‬
‫‪ -16‬هانئ بن هانئ الهمذاني الكوفي‪ ،‬قال النسائي‪ :‬ليس به‬
‫بأس‪ ،‬ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬وقيل كان يتشيع‪ ،‬قال ابن‬
‫المديني‪ :‬مجهول‪ ،‬قال ابن سعد‪ :‬كان منكر الحديث‪ ،‬وعن الشافعي‪:‬‬
‫سعد في‬ ‫أهل الحديث ل ينسبون حديثه لجهالة حاله‪ ،‬ذكره ابن‬
‫الطبقات الولى في الكوفة‪ ،‬قال الذهبي‪ :‬ليس به بأس)‪.(2‬‬
‫‪ -17‬يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي‪ ،‬وعن يحيى بن‬
‫معين‪ :‬ثقة ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬قال ابن سعد‪ :‬كان ثقة وكان‬
‫إنه‪(3‬أدرك الجاهلية‪ ،‬روى عن عمر وعلى وأبى ذر‬ ‫عريف قومه‪ ،‬يقال‬
‫وابن مسعود وحذيفة) ‪.‬‬
‫هذا إشارات عابرة عن الرواة عن على رضي الله عنه‪ ،‬لمن أراد‬
‫المزيد‪ ،‬فليراجع رسالة الدكتور أحمد محمد طه »فقه المام على بن أبى‬
‫طالب« المقدمة في جامعة بغداد ولم تنتشر حتى الن‪.‬‬
‫المبحث الخامس‬
‫أهم أعمال على بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫ما بين الهجرة والحزاب‬
‫شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فآخي بين المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم أقام المسجد‪،‬‬
‫وأبرم المعاهدة مع اليهود وبدأت حركة السرايا‪ ،‬واهتم بالبناء‬
‫القتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد‪ ،‬وكان على رضي‬
‫ذا على هدية‪.‬‬ ‫ذا لوامره‪ ،‬متتلم ً‬ ‫ما له في كل أحواله‪ ،‬منف ً‬ ‫الله عنه ملز ً‬
‫ل‪ :‬حركة السرايا‪:‬‬‫أو ً‬
‫بمجرد الستقرار الذي حصل للمسلمين بقيادة الرسول × في‬
‫المدينة بدأت حركة السرايا التي استهدفت بسط هيبة الدولة في‬
‫الداخل والخارج‪ ،‬وكسب بعض القبائل وتحجيم دور العراب‪ ،‬وتربية‬
‫الصحابة على العداد القتالي للغزوات الكبرى‪ ،‬وحركة الفتوحات‬
‫ميدان لصناعة القادة عملًيا‪ ،‬وقد شارك في هذه السرايا أمير‬
‫المؤمنين على رضي الله عنه التي حدثت قبل بدر وما بعدها‪ ،‬وأما‬
‫التي شارك فيها قبل غزوة بدر الكبرى فمنها‪:‬‬
‫شا‪ ،‬واستعمل على المدينة‬ ‫‪ -1‬غزوة العشيرة)‪ :(4‬وفيها غزا × قري ً‬
‫أبا سلمة بن عبد السد‪ ،‬وسميت هذه الغزوة بغزوة العشيرة‪ ،‬فأقام‬
‫بها جمادي الولى وليالي من جمادي الخرة‪ ،‬وادع فيها بنى مدلج‬
‫دا‪ ،‬وذلك‬ ‫وحلفاءهم من بنى ضمرة‪ ،‬ثم رجع إلى المدينة‪ ،‬ولم يلق كي ً‬
‫أن العير التي خرج لها قد مضت ذلك بأيام ذاهبة إلى الشام)‪,(5‬‬
‫شا خبرها فخرجوا يمنعونها‪ ،‬فلقوا‬ ‫فساحلت على البحر‪ ،‬وبلغ قري ً‬
‫‪1‬‬
‫المصدر السابق )‪ ،(8/146‬سير أعلم النبلء )‪.(4/443‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫الكاشف للذهبي )‪.(3/218‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(3/280‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫ناحية من نواحي ينبع بين مكة والمدينة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫طبقات ابن سعد )‪.(2/10‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪65‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫رسول الله × ووقعت عزوة بدر الكبرى)‪ ,(1‬وقد حدثنا عمار بن ياسر‬
‫عن مشاركته وعلى رضي الله عنهما في تلك الغزوة‪ ،‬فعن عمار ابن‬
‫ياسر قال‪ :‬كنت أنا وعلى رفيقين في غزوة ذى العشيرة‪ ،‬فلما نزلها‬
‫سا من بنى مدلج يعملون في عين‬ ‫رسول الله × وأقام بها رأينا نا ً‬
‫لهم في نخل‪ ،‬فقال لي على‪ :‬يا أبا اليقظان هل لك أن تأتي هؤلء‬
‫فتنظر كيف يعملون؟ فجئناهم‪ ،‬فنظرنا إلى عملهم ساعة‪ ،‬ثم غشينا‬
‫النوم‪ ،‬فانطلقت أنا وعلى‪ ،‬فاضطجعنا في صور من النخل‪ ،‬في‬
‫دقعاء)‪ (2‬من التراب فنمنا‪ ،‬فوالله ما أهبّنا إل رسول الله × يحركنا‬
‫برجله‪ ،‬وقد تتربنا من تلك الدقعاء‪ ،‬فيومئذ قال رسول الله × لعلي‪:‬‬
‫يا أبا تراب‪ ،‬لما رأى عليه التراب قال‪» :‬أل أحدثكما بأشقى‬
‫الناس رجلين؟« فقلنا‪ :‬بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬أحيمر ثمود‬
‫الذي عقر الناقة والذي يضربك يا على على هذه ]يعنى‬
‫قرنه[ حتى ت َُبل منه هذه ]يعنى لحيته[« )‪,(3‬وقد تكرر نداء رسول‬
‫الله لعلي بأبي تراب وسيأتي الحديث عنه‪.‬‬
‫‪ -2‬غزوة بدر الولى‪ :‬سببها‪ :‬أن كرز بن جابر الفهري‪ ،‬قد أغار‬
‫سْرح)‪ (4‬المدينة ونهب بعض البل والمواشي‪ ،‬فخرج رسول الله‬ ‫على َ‬
‫بدر‪ ،‬وفاته‬ ‫ناحية‬ ‫من‬ ‫»سفوان«‬ ‫له‬ ‫يقال‬ ‫يا‬‫ً‬ ‫واد‬ ‫بلغ‬ ‫حتى‬ ‫طلبه‪،‬‬ ‫× في‬
‫كرز بن جابر‪ ،‬فلم يدركه‪ ،‬فرجع رسول الله × إلى المدينة)‪ ,(5‬وقد‬
‫الحبيب المصطفى أمير المؤمنين علًيا رضي الله عنه لواءه‬ ‫أعطى‬
‫البيض)‪.(6‬وتعتبر حركة السرايا بداية الجهاد القتالي ضد أعداء‬
‫الدعوة‪ ،‬مع حركة السرايا والبعوث والغزوات التي خاضها رسول‬
‫الله × ضد المشركين ظهرت جلًيا سنة التدافع التي تعامل معها‬
‫النبي × وأصحابه ومن بينهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب‪،‬‬
‫دا بالتمكين لهذا الدين‪ ،‬وقد أشار الله‬ ‫قا وطي ً‬ ‫وهذه السنة متعلقة تعل ً‬
‫قوله تعالى‪+ :‬‬ ‫َ‬ ‫في‬ ‫عليها‬ ‫التنصيص‬ ‫وجاء‬ ‫العزيز‬ ‫تعالى إليها في كتابه‬
‫ن‬‫ول َك ِ ّ‬ ‫ض َ‬ ‫ت الْر ُ‬ ‫سد َ ِ‬ ‫ف َ‬ ‫ض لَ َ‬‫ٍ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ِ‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ض‬‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬ ‫ب‬ ‫س‬
‫َ‬ ‫ْ‬
‫نا‬
‫ّ‬ ‫ه ال‬
‫َ‬
‫ع الل ِ‬ ‫ف ُ‬ ‫ول َ دَ ْ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫َ‬
‫ن" ]البقرة‪ ،[َ 251:‬وفي قوله تعالى‪+ :‬‬ ‫َ‬ ‫مي‬‫َ ِ‬ ‫ل‬ ‫عا‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫لى‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ل‬
‫ٍ‬ ‫ض‬
‫ْ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ذو‬‫ُ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬
‫قوُلوا َرب َّنا الل ُ‬
‫ه‬ ‫ق إ ِل ّ أن ي َ ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫ر َ‬ ‫غي ْ ِ‬ ‫هم ب ِ َ‬ ‫ر ِ‬ ‫من ِدَيا ِ‬ ‫جوا ِ‬ ‫ر ُ‬ ‫خ ِ‬ ‫ن أُ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫ع‬
‫وب ِي َ ٌ‬ ‫ع َ‬‫م ُ‬
‫وا ِ‬ ‫صَ َ‬
‫ت َ‬ ‫م ْ‬ ‫هد ّ َ‬ ‫ّ‬
‫ضل ُ‬ ‫ول َ دَ ْ‬ ‫ول َ ْ‬
‫َ‬ ‫ع ٍ‬ ‫م ب ِب َ ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫ض ُ‬ ‫ع َ‬ ‫س بَ ْ‬
‫َ‬ ‫ه الّنا َ‬ ‫ع الل ِ‬ ‫ف ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫ن الل ُ‬ ‫صَر ّ‬‫ولَين ُ‬ ‫ه كِثيًرا َ‬ ‫م الل ِ‬ ‫ها اس ُ‬ ‫في َ‬ ‫جدُ ي ُذْكُر ِ‬ ‫ِ‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫و‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫وا ٌ‬ ‫َ‬ ‫صل‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫َ‬
‫زيٌز" ]الحج‪.[40:‬‬ ‫ع ِ‬ ‫ي َ‬ ‫و ّ‬ ‫ق ِ‬ ‫ه لَ َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫صُرهُ إ ِ ّ‬ ‫من َين ُ‬ ‫َ‬
‫ثانًيا‪ :‬غزوة بدر‪:‬‬
‫‪ -1‬قال النووي رحمه الله‪ :‬وأجمع أهل التواريخ على شهوده‬
‫المشاهد غير تبوك‪ ،‬قالوا‪ :‬وأعطاه النبي × اللواء في‬ ‫بدًرا‪ ،‬وسائر‬
‫مواطن كثيرة)‪.(7‬‬
‫كان على بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المجاهدين الذين‬
‫شاركوا في غزوة بدر‪ ،‬ولنتركه يقص علينا خبر هذه الغزوة‪ ،‬فعن‬
‫حارثة بن مضرب بن على أبى طالب رضي الله عنه قال‪ :‬وكان‬
‫‪1‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(2/11‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫الدقعاء‪ :‬الرض التي لنبات فيها‪ ،‬القاموس)‪.(3/22‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فضائل الصحابة )‪ (2/855‬رقم ‪1172‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫السرح‪ :‬البل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫سيرة ابن هشام )‪.(2/601‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫تاريخ السلم للذهبي )‪ ،(2/48‬على بن أبى طالب للرفاعي‪ :‬ص)‪.(89‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫تهذيب السماء واللغات )‪.(1/245‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪66‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫النبي × يتخّبر عن بدر‪ ،‬فلما بلغنا أن المشركين قد‬
‫أقبلوا‪ ،‬سار رسول الله × إلى بدر‪ ،‬وبدر بئر‪ ،‬فسبقنا المشركين‬
‫إليها‪ ،‬فوجدنا فيها رجلين منهم‪ ،‬رجل ً من قريش ومولى لعقبة بن‬
‫أبى معيط‪ ،‬فأما القرشي فانقلب‪ ،‬وأما مولى عقبة فأخذناه‪ ،‬فجعلنا‬
‫نقول له‪ :‬كم القوم؟ فيقول‪ :‬هم والله كثير عددهم‪ ،‬شديد بأسهم‪،‬‬
‫فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي ×‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬كم القوم؟ قال‪ :‬هم والله كثير عددهم‪ ،‬شديد بأسهم‪،‬‬
‫فجهد النبي × أن يخبره كم هم‪ ،‬فأبى‪ ،‬ثم إن النبي× سأله‪» :‬كم‬
‫ينحرون من الجزر«‪ ،‬فقال‪ :‬عشًرا كل يوم‪ ،‬فقال رسول الله ×‪:‬‬
‫»القوم ألف‪ ،‬كل جزور لمئة وتبعها«‪ ،‬ثم إنه أصابنا من الليل‬
‫طش من مطر‪ ،‬فأنطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها‪ ،‬من‬
‫المطر‪ ،‬وبات رسول الله× يدعو ربه عز وجل يقول‪» :‬اللهم إنك‬
‫إن تهلك هذه الفئة ل تعبد«‪ ،‬قال‪ :‬فلما طلع نادى‪ :‬الصلة عباد‬
‫الله‪ ،‬فجاء الناس‪ ،‬من تحت الشجرة والحجف‪ ،‬فصلى بنا رسول الله‬
‫×‪ ،‬وحرض على القتال‪ ،‬ثم قال‪ :‬إن جمع قريش تحت هذه‬
‫صلع الحمراء من الجبل‪ .‬فلما دنا القوم منا وصاففناهم‪ ،‬إذا‬ ‫ال ّ‬
‫رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫×‪ :‬يا على ناد حمزة‪ .‬وكان أقربهم من المشركين‪ :‬من صاحب‬
‫الجمل الحمر‪ ،‬وماذا يقول لهم‪ ،‬ثم قال رسول الله ×‪» :‬إن يكن‬
‫في القوم أحد يأمر بخير‪ ،‬فعسى أن يكون صاحب الجمل‬
‫الحمر«‪ ،‬فجاء حمزة فقال‪ :‬هو عتبة بن ربيعة‪ ،‬وهو ينهي عن‬
‫ما مستميتين ل تصلون إليهم‬ ‫القتال‪ ،‬ويقول لهم‪ :‬يا قوم إني أرى قو ً‬
‫جُبن عتبة بن‬
‫وفيكم خير‪ ،‬يا قوم اعصبوها اليوم برأسي‪ ،‬وقولوا‪َ :‬‬
‫ربيعة‪ ،‬وقد علمتم أني لست بأجبنكم‪ ،‬قال‪ ،‬فسمع ذلك أبو جهل‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لعضضته‪ ،‬قد ملئت‬
‫فر إسته؟ ستعلم‬ ‫مص ّ‬‫رئتك وجوفك رعًبا‪ .‬قال عتبة‪ :‬إياى ُتعّير يا ُ‬
‫اليوم أينا الجبان‪ .‬قال‪ :‬فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬من يبارز؟ فخرج فتية من النصار ستة‪ ،‬فقال عتبة‪ :‬ل نريد‬
‫هؤلء‪ ،‬ولكن يبارزنا من بنى عمنا‪ ،‬من بنى عبد المطلب‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله ×‪» :‬قم يا على‪ ،‬قم يا حمزة‪ ،‬وقم يا عبيدة بن‬
‫الحارث بن المطلب«‪ .‬فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابنى ربيعة‪،‬‬
‫والوليد بن عتبة‪ ،‬وجرح عبيدة‪ ،‬فقتلنا منهم سبعين‪ ،‬وأسرنا سبعين‪،‬‬
‫فجاء رجل من النصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيًرا‪ ،‬فقال‬
‫العباس‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن هذا والله ما أسرني‪ ،‬لقد أسرني رجل‬
‫أجلح‪ ،‬من أحسن الناس وجًها‪ ،‬على فرس أبلق‪ ،‬ما أراه في القوم‪.‬‬
‫فقال النصاري‪ :‬أنا أسرته يا رسول الله‪ .‬فقال‪ :‬اسكت فقد أيدك‬
‫على‪ :‬فأسرنا من بنى عبد المطلب‪:‬‬ ‫الله تعالى بملك كريم‪.‬فقال‬
‫ل‪ ،‬ونوفل بن الحارث)‪ ،(1‬ومن وصف على رضي الله‬ ‫العباس وعقي ً‬
‫سا وعبًرا وفوائد كثيرة يمكن الرجوع إليها‬ ‫عنه لغزوة بدر نلحظ درو ً‬
‫في كتابي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث‪.‬‬
‫‪ -2‬ما قيل من أشعار في بطولة على ببدر‪ :‬كان لواء المشركين‬
‫يوم بدر مع طلحة فقتله على رضي الله عنه‪ ،‬فقال الحجاج بن علط‬
‫السلمي في ذلك‪:‬‬
‫أعنى ابن فاطمة المعم‬ ‫لله أي مذنب عن حربه‬
‫المخول‬
‫تركت طليحة للجبين مجندل‬ ‫جادت يداك له بعاجل طعنة‬
‫‪1‬‬
‫)( مسند أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثية رقم ‪ 948‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪67‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫بالحق إذ يهوون أخول أخول‬ ‫وشددت شدة باسل‬
‫فكشفتهم‬
‫)‪(1‬‬
‫لترده حران حتى ينهل‬ ‫وعللت سيفك بالدماء ولم‬
‫تكن‬
‫ثالًثا‪ :‬زواج على من فاطمة رضي الله عنهما‪:‬‬
‫ولد آدم رسول الله×‪ ،‬وأمها‬ ‫هي فاطمة بنت إمام المتقين سيد‬
‫لدت رضي الله عنها قبل‬ ‫خديجة بنت خويلد‪ ،‬كانت تكنى بأم أبيها)‪ ,(2‬و ُ‬
‫البعثة سنة خمسة وثلثين من مولد النبي × )‪ ,(3‬زوجها النبي × على‬
‫بن أبى طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر‪ ،‬وولدت له الحسن‬
‫وكانت وفاتها بعد وفاة النبي × بستة أشهر‬ ‫والحسين وأم كلثوم‪،‬‬
‫فرضى الله عنها وأرضاها)‪.(4‬‬
‫خطبت‬ ‫‪ -1‬مهرها وجهازها‪:‬قال على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ُ :‬‬
‫فاطمة إلى رسول الله × فقالت مولة لي‪ :‬هل علمت أن فاطمة قد‬
‫خطبت إلى رسول الله ×؟ قلت‪ :‬ل‪ ،‬قالت‪ :‬فقد خطبت‪ ،‬فما يمنعك أن‬
‫تأتي رسول الله × فيزوجك‪ .‬فقلت‪ :‬وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت‪:‬‬
‫إنك إن جئت رسول الله × زوجك‪ .‬قال‪ :‬فوالله ما زالت ترجينى حتى‬
‫دخلت على رسول الله ×‪ ،‬فلما أن قعدت بين يديه أفحمت‪ ،‬فوالله ما‬
‫استطعت أن أتكلم جللة وهيبة‪ .‬فقال رسول الله ×‪» :‬ما جاء بك؟‬
‫ألك حاجة؟« فسكت فقال‪:‬لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فقلت‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فقال‪:‬وهل عندك من شيء تستحلها؟ فقلت‪ :‬ل والله يا‬
‫رسول الله‪ ،‬فقال‪:‬ما فعلت درع سلحتكها؟فوالذي نفس على بيده‬
‫إنها لحطمية ما قيمتها أربعمائة درهم‪ ،‬فقلت‪ :‬عندي‪ ،‬فقال‪ :‬قد‬
‫بها فإنها كانت لصداق‬‫بها فاستحلها ‪،‬‬ ‫)‪(5‬‬
‫زوجتكها‪ ،‬فابعث إليها‬
‫رسول()‪(9‬الله × فاطمة في‬ ‫جهز‬ ‫وقد‬‫‪,‬‬ ‫×‬ ‫فاطمة بنت رسول الله‬
‫خميل)‪,(6‬وقربة ووسادة أدم)‪(7‬حشوها إذخر)‪, 8‬وقد جاء في روايات‬
‫الشيعة‪ ،‬فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم‬
‫من عثمان بن عفان‪ ،‬فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال‪ :‬يا‬
‫أبا الحسن‪ ،‬ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬قال‪ :‬فإن هذا الدرع هدية مني إليك‪ ،‬فأخذت الدرع والدراهم‬
‫والدراهم بين يديه‪ ،‬وأخبرته بما‬ ‫وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع‬
‫كان من أمر عثمان‪ ،‬فدعا له النبي بخير)‪.(10‬‬
‫‪1‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(7/379‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أسد الغابة )‪ ،(5/520‬الصابة )‪.(4/365‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(8/26‬‬
‫‪4‬‬
‫)( حلية الولياء )‪ ،(43 ،2/39‬سير أعلم النبلء )‪ ،(134 ،2/118‬العقيدة في‬
‫أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ ,‬د‪ .‬سليمان السحيمي‪ :‬ص )‪.(132‬‬
‫‪5‬‬
‫)( دلئل النبوة للبيهقي )‪ (3/160‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( خميل‪ :‬قطيفة‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الدم‪ :‬الجلد‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( إذخر‪ :‬نبات‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪ :‬ص )‪ ،(667‬مسند فاطمة الزهراء‪ ،‬وما ورد في فضلها‬
‫للسيوطي تحقيق فؤاد أحمد زمرلي‪ :‬ص)‪.(189‬‬
‫‪10‬‬
‫)( كشف الغمة للريلي )‪ ،(1/359‬بحار النوار للمجلسي‪ :‬ص)‪ (39‬نقل ً عن‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(138 ،137‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪68‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫زفافهاقالت أسماء بنت عميس‪ :‬كنت في زفاف فاطمة بنت‬ ‫‪:‬‬ ‫‪-2‬‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فلما أصبحنا جاء النبي × إلى الباب فقال‪ :‬يا أم أيمن‬
‫أخي فقالت‪ :‬هو أخوك وتنكحه؟ قال‪:‬نعم يا أم أيمن‪،‬‬ ‫‪،‬‬ ‫أدعي لي‬
‫قالت‪ :‬فجاء على فنضح النبي × عليه من الماء ودعا له ثم قال‪ :‬ادعي‬
‫فاطمةقالت‪ :‬فجاءت تعثر من الحياء‪ ،‬فقال لها رسول الله ×‪:‬‬ ‫‪،‬‬ ‫إلى‬
‫ى قالت‪ :‬ونضح النبي ×‬ ‫اسكتي فقد أنكحتك أحب أهل بيتي إل ّ‪،‬‬
‫دا بين‬‫عليها من الماء ودعا لها‪ ،‬قالت‪ :‬ثم رجع رسول الله × فرأى سوا ً‬
‫يديه‪ ،‬فقال‪ :‬من هذا؟ فقلت‪ :‬أنا‪ ،‬قال‪ :‬أسماء؟ قلت نعم‪ ،‬قال‪ :‬أسماء‬
‫في زفاف بنت رسول الله‬ ‫بنت عميس؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬جئت‬
‫له قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قالت‪ :‬فدعا لي)‪.(1‬‬ ‫تكرمة ؟‬
‫‪ -3‬وليمة العرس‪ :‬عن بريدة قال‪ :‬لما خطب على فاطمة‪ ،‬قال‬
‫رسول الله ×‪ :‬إنه لبد للعرس)‪ (2‬من وليمة‪ ،‬قال‪ :‬فقال سعد‪ :‬على‬
‫كبش‪ ،‬وجمع له رهط من النصار آصًعا من ذرة‪ ،‬فلما كان ليلة البناء‪،‬‬
‫قال‪ :‬يا على ل تحدث شيًئا حتى تلقاني‪ ،‬فدعا النبي × بماء فتوضأ‬
‫اللهم بارك فيهما وبارك‬ ‫ى‪ ،‬فقال‪» :‬‬ ‫منه ثم أفرغه على عل ّ‬
‫عليهما‪ ،‬وبارك في شبلهما«)‪.(3‬‬
‫‪ -4‬معيشة على وفاطمة رضي الله عنهما‪ :‬كانت معيشة على‬
‫وفاطمة‪ ،‬وهما أحب الناس إلى رسول الله ×‪ ،‬معيشة زهد وتقشف‪،‬‬
‫وصبر وجهد‪ ،‬فقد أخرج هناد من عطاء‪ ،‬وقال‪ :‬نبئت أن علًيا رضي‬
‫ما ليس عندنا شيء‪ ،‬ول عند النبي ×‪،‬‬ ‫الله عنه قال‪ :‬مكثنا أيا ً‬
‫فخرجت فإذا أن بدينار مطروح على الطريق‪ ،‬فمكثت هنيهة أؤامر‬
‫نفسي في)‪(4‬أخذه أو تركه‪ ،‬ثم أخذته لما بنا من الجهد‪ ،‬فأعطيت به‬
‫قا‪ ،‬ثم أتيت به فاطمة فقلت‪ :‬اعجني‬ ‫الضفاطين ‪ ,‬فاشتريت به دقي ً‬
‫واخبزي‪ ،‬فجعلت تعجن وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد‬
‫الذي بها‪ -‬ثم خبزت‪ ،‬فأتيت النبي × فأخبرته‪ ،‬فقال‪» :‬كلوه فإنه‬
‫رزق رزقكموه الله عز وجل«)‪ ,(5‬وعن الشعبي‪ ،‬قال‪ :‬قال على‬
‫رضي الله عنه‪ :‬تزوجت فاطمة بنت محمد رسول الله × ومالي ولها‬
‫كبش ننام عليه بالليل‪ ،‬ونعلف عليه ناضحنا بالنهار‪،‬‬ ‫فراش غير جلد‬
‫ومالي خادم غيرها)‪ ,(6‬وعن مجاهد قال على‪ :‬جعت مرة بالمدينة‬
‫بامرأة‬
‫)‪(9‬‬
‫المدينة‪ ،‬فإذا‬
‫)‪(8‬‬
‫العمل في عوالي‬ ‫َ )‪(7‬‬
‫دا‪ ،‬فخرجت أطلب‬ ‫عا شدي ً‬‫جو ً‬
‫كل ذنوب‬ ‫فقاطعتها‬ ‫فأيتتها‬ ‫‪,‬‬ ‫له‬ ‫ب‬ ‫تريد‬ ‫فظننتها‬ ‫را‪،‬‬‫ً‬ ‫مد‬ ‫جمعت‬ ‫قد‬
‫‪ (10‬ثم أتيت‬ ‫)‬
‫يداي‬ ‫مجلت‬ ‫حتى‬ ‫با‪،‬‬
‫ً‬ ‫ذنو‬ ‫عشر‬ ‫ستة‬ ‫فمددت‬ ‫تمرة‪،‬‬ ‫على‬
‫الماء فأصبت منه‪ ،‬ثم أتيتها فقلت بكفي هذا بين يديها)‪ ,(11‬فعدت لي‬
‫‪1‬‬
‫فضائل الصحابة )‪ (2/955‬رقم ‪342‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫للعرس‪ :‬أي للعروس‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المعجم الكبير للطبراني ‪ ،1153‬فضائل الصحابة )‪ (2/858‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫الضفاطون‪ :‬الحمالون والمكارون الذين يحملون الدقيق من الخارج‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫كنز العمال )‪ ،(7/328‬المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪.(21‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫كنز العمال )‪ ،(7/133‬المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪.(41‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫المدر‪ :‬يعني الطين اليابس‪ ،‬تريد بله‪ :‬يعنى الماء‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫فقاطعتها‪ :‬أي‪ :‬اتفقت معها على أجرة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫ذنوب‪ :‬دلو‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪10‬‬
‫مجلت‪ :‬تورمت من العمل‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪11‬‬
‫يعنى بسطهما وضمهما‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪69‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ست عشرة تمرة‪ ،‬فأتيت النبي ×‪ ،‬فأخبرته‪ ،‬فأكل معي منها)‪ .(1‬في‬
‫هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها أمير المؤمنين على رضي‬
‫الله عنه في المدينة‪ ،‬ونأخذ منه صورة من السلوك المشروع في‬
‫مواجهة الشدائد‪ ،‬حيث خرج على رضي الله عنه وعمل بيديه‬
‫للكسب المشروع‪ ،‬ولم يجلس منتظًرا ما تجود به أيدي المحسنين‪،‬‬
‫وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو‬
‫يعاني من شدة الجوع ما يضعف قوته‪ ،‬وصورة أخرى من إيثار الحبة‬
‫والوفاء لهم‪ ،‬فهو على ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من‬
‫العمل‪(2‬الشاق قد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي ×‬ ‫ذلك‬
‫فأكل معه) ‪.‬‬
‫‪ -5‬زهد السيدة فاطمة وصبرها‪ :‬كانت حياتها في غاية البساطة‬
‫بعيدة عن التعقيد‪ ،‬وهى إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده)‪,(3‬‬
‫وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول‬
‫ما من السبى‪ ،‬قال على‬ ‫يعطيها خاد ً‬
‫)‪(4‬‬
‫الله × منها عندما طلبت منه أن‬
‫لقد‪(5‬اشتكيت صدري‪،‬‬ ‫حتى‬ ‫‪،‬‬ ‫سنوت‬ ‫لفاطمة ذات يوم‪ :‬والله لقد‬
‫قال‪ :‬وجاء الله أباك بسبى فاذهبي فاستخدميه) ‪ ,‬فقالت‪ :‬أنا والله‬
‫طحنت حتى مجلت يداي‪ ،‬فأتيت النبي × فقال‪ :‬ما جاء بك أي‬
‫بنية‪ .‬قالت‪ :‬جئت لسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال‬
‫على‪ :‬ما فعلت؟ قالت‪ :‬استحييت أن أسأله‪ ،‬فأتينا جميًعا‪ ،‬فقال على‪:‬‬
‫سنوت حتى اشتكيت صدري‪ ،‬وقالت فاطمة‪:‬‬ ‫يا رسول الله والله لقد‬
‫قد طحنت حتى مجلت يداي)‪ ,(6‬وقد جاءك الله بسبى وسعة‬
‫فأخدمنا‪ ،‬فقال رسول الله ×‪ :‬والله ل أعطيكما وأدع أهل‬
‫الصفة تطوى)‪ (7‬بطونهم‪ ،‬ل أجد ما أنفق عليهم‪ ،‬ولكني‬
‫أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم‪ ،‬فرجعا فأتاهما النبي × وقد دخل‬
‫في قطيفتها إذا غطت رءوسهما تكشف أقدامهما‪ ،‬وإذا غطيا‬
‫أقدامهما تكشفت رءوسهما‪ ،‬فثارا‪ ،‬فقال‪ :‬مكانكما‪ ،،‬ثم قال‪ :‬أل‬
‫أخبركما بخير مما سألتماني؟ قال‪ :‬بلى‪ .‬فقال‪ :‬كلمات‬
‫علمنيهن جبريل عليه السلم‪ ،‬فقال‪» :‬تسبحان في دبر كل‬
‫صلة عشًرا‪ ،‬وتحمدان عشًرا‪ ،‬وتكبران عشًرا‪ ،‬وإذا أويتما‬
‫إلى فراشكما فسبحا ثلثا وثلثين‪ ،‬واحمدا ثلًثا وثلثين‬
‫عا وثلثين«)‪ ,(8‬وفي القصة السالفة بعض القيم المهمة‬ ‫وكبرا أرب ً‬
‫منها‪:‬‬
‫إن هذه الحادثة تبين لنا كيف أدار النبي × الزمة القتصادية التي‬
‫مرت بدولة الرسول في المدينة‪ ،‬وذلك من خلل ترتيبه للولويات‪،‬‬
‫فسد جوع أهل الصفة ضرورة‪ ،‬وأما حاجة على وفاطمة للخادم‬
‫ليست بمرتبة احتياج أهل الصفة‪ ،‬فقدم رسول الله أهل الصفة‬
‫عليهم‪ ،‬وكانت وسائل رسول الله ×في حل الزمة القتصادية كثيرة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( صفة الصفوة )‪ ،(1/320‬الموسوعة الحديثية مسند أحمد ‪ ،1135‬إسناده‬
‫ضعيف لنقطاعه‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي)‪.(50 ،19/49‬‬
‫‪3‬‬
‫)( انظر‪ :‬معين السيرة ص ‪255‬للشامي‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( سنوت‪ :‬استقيت‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫ما‪.‬‬
‫)( أي أسأليه خاد ً‬
‫‪6‬‬
‫ي )‪ ،(2/99‬مسلم رقم )‪ (2727‬البخاري رقم )‪.(3705‬‬ ‫صلب ّ‬
‫)( السيرة النبوية لل ّ‬ ‫‪7‬‬
‫)( تطوي‪ :‬طوى من الجوع فهو طاو‪ :‬خالي البطن جائع لم يأكل‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( البخاري‪ :‬رقم )‪ ،(3705‬مسلم رقم )‪.(2727‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪70‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ولقد تأثر على‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬بهذه التربية النبوية‪ ،‬ويمر الزمن‬
‫بالفتى على فيصبح خليفة المسلمين‪ ،‬فإذا به من آثار هذه التربية‬
‫يترفع عن الدنيا وزخارفها وبيده كنوز الرض وخيراتها‪ ،‬لن ذكر الله‬
‫يمل قلبه ويغمر وجوده‪ ،‬ولقد حافظ على وصية رسول الله × له‪،‬‬
‫علمنيهن‪ ،‬فسأله‬ ‫وقد حدثنا عن ذلك فقال‪ :‬فوالله ما تركتهن منذ‬
‫أحد الصحابة‪ :‬ول ليلة صفين؟ فقال‪ :‬ول ليلة صفين)‪.(1‬‬
‫‪ -6‬إنما أنفسنا بيد الله‪ ،‬فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا‪ :‬عن علي بن أبى‬
‫ى رسول الله × وعلى فاطمة‬ ‫طالب رضي الله عنه قال‪ :‬دخل عل ّ‬
‫من الليل‪ ،‬فأيقظنا للصلة‪ ،‬قال‪ :‬ثم رجع إلى بيته فصلى هويا من‬
‫سا‪ ،‬قال‪ :‬فرجع إلينا فأيقظنا وقال‪ :‬قوما‬ ‫الليل‪ ،‬قال‪ :‬فلم يسمع لنا ح ً‬
‫عرك عيني‪ ,‬وأقول‪ :‬إنا والله ما نصلي إل‬ ‫فصليا‪ ،‬قال‪ :‬فجلست وأنا أ ْ‬
‫ما كتب لنا‪ ،‬إنما أنفسنا بيد الله‪ ،‬فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا‪ ،‬قال‪ :‬فولى‬
‫رسول الله × وهو يقول‪ ،‬ويضرب بيده على فخذه‪» :‬ما نصلى إل‬
‫ن أ َك ْث ََر‬
‫سا ُ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬ ‫و َ‬
‫كا َ‬ ‫ما كتب لنا‪ ،‬ما نصلى إل ما كتب لنا ‪َ +‬‬
‫جدَل ً"« ]الكهف‪ .[54:‬وهذا فيه تجرد علي رضي الله عنه‬ ‫ء َ‬‫ي ٍ‬
‫ش ْ‬‫َ‬
‫قا به رضي الله‬ ‫للحق وحرصه على نشر العلم ولو كان المر متعل ً‬
‫عنه‪ ،‬وهذه قيمة كبرى يتعلمها المسلمون من أمير المؤمنين على‪،‬‬
‫ما بأن صلة الليل لم تكن واجبة‪.‬‬ ‫ولو أراد لكتم الحديث‪ ،‬عل ً‬
‫رابًعا‪ :‬ولداها الحسن والحسين رضي الله عنهما‪:‬‬
‫‪-1‬الحسن بن على بن أبى طالب الهاشمي‪:‬‬
‫سبط رسول الله × وريحانته في الدنيا‪ ،‬وأحد سيدي شباب أهل‬
‫الجنة‪ ،‬أمه فاطمة الزهراء‪ ،‬ولد للنصف من رمضان سنة ‪3‬هـ وقيل‬
‫في شعبان‪ ،‬وقيل في سنة أربع أو خمس)‪ .(2‬وقد توفى عام ‪50‬هـ‪.‬‬
‫وقد اخترت في كتابي السيرة النبوية بأنه ولد في العام الرابع‬
‫للهجرة)‪.(3‬‬
‫هذا وقد سماه رسول الله × حسًنا‪ ،‬قال على رضي الله عنه‪:‬‬
‫لما ولد الحسن سميته حرًبا‪ ،‬فجاء رسول الله × فقال‪ :‬أروني‬
‫ابنى‪ .‬ما سميتموه؟قلت‪ :‬حرًبا‪ ،‬قال ×‪ :‬بل هو حسن)‪ (4‬وهكذا‬
‫غير × ذلك السم الحاد باسم جميل يدخل السرور والبهجة على‬
‫القلوب‪ ،‬فحمل المولود الجديد اسمه الجميل‪ ،‬وحمله × بين يديه‬
‫وقبله‪.‬‬
‫وهذا أبو رافع يخبرنا عن فعل رسول الله ×‪ ،‬يقول‪ :‬رأيت النبي‬
‫× أذن في أذني الحسن حين ولدته فاطمة بالصلة)‪.(5‬‬
‫وحدثنا أبو رافع عن عقيقة الحسن فقال‪ :‬لما ولدت فاطمة حسًنا‬
‫قالت‪ :‬أل أعق عن ابنى بدم )بكبشين( قال ×‪ :‬ل ولكن احلقي‬
‫‪1‬‬
‫)( مسلم )‪.(4/2092‬‬
‫‪2‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ ،(2/970‬حلية الولياء )‪.(2/35‬‬
‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية للصلبي )‪ ،(2/199‬شذرات الذهب )‪.(1/10‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البخاري في الدب )‪.(286‬‬
‫‪5‬‬
‫)( سنن أبى داود رقم ‪5105‬إسناده ضعيف حكم عليه الشيخ عثمان الخميس‪,‬‬
‫عن رسالته للماجستير المتعلقة بالحاديث الخاصة بالحسن والحسين‪ :‬ص)‪.(80‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪71‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين‬
‫سا من أصحاب رسول الله ×‬ ‫والوفاض‪ ،‬وكان الوفاض نا ً‬
‫محتاجين في المسجد أو الصفة ففعلت ذلك)‪.(1‬‬
‫هذا وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل الحسن بن علي رضي‬
‫الله عنه منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‪ :‬رأيت الحسن بن‬
‫ى على عاتق الني × وهو يقول‪» :‬اللهم إني أحبه فأحبه«)‪.(2‬‬ ‫عل ّ‬
‫ب‪ -‬وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي × أنه قال‬
‫للحسن‪» :‬اللهم إني أحبه‪ ،‬فأحبه واحبب من يحبه«)‪.(3‬‬
‫أنه‪(4‬كان‬ ‫ج‪ -‬وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي ×‬
‫يأخذه والحسن ويقول‪» :‬اللهم إني أحبهما فأحبهما« ) ‪.‬‬
‫د‪ -‬عن أبى بكرة رضي الله عنهما قال‪ :‬سمعت النبي × على‬
‫المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول‪:‬‬
‫»ابنى هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من‬
‫المسلمين«)‪ .(5‬فإخبار النبي × بأن الحسن سيد مفخرة عظيمة‬
‫وميزة شريفة له رضي الله عنه وأرضاه‪ ،‬وقد تحققت نبوءة جده ×‪،‬‬
‫فأصلح على يديه بين المسلمين وحقن دماءهم‪ ،‬حيث نزل عن حقه‬
‫في الخلفة لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين‪ ،‬وكان ذلك في سنة‬
‫إحدى وأربعين‪ ،‬وكانت خلفته رضي الله عنه ستة أشهر وسمى هذا‬
‫النبي × يقوله‪» :‬لعل الله أن‬ ‫العام عام الجماعة‪ ،‬وهذا ما أخبر به‬
‫يصلح به بين فئتين عظيمتين«)‪.(6‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬فالحديث فيه علم من إعلم النبوة‪ ،‬ومنقبة‬
‫للحسن بن على‪ ،‬فإنه ترك الملك ل لقلة ول لذلة ول لعلة‪،‬بل لرغبة‬
‫لما رآه من حقن دماء المسلمين‪ ،‬فراعى أمر الدين‬ ‫فيما عند الله‬
‫ومصلحة المة)‪ ,(7‬وسيأتي الحديث بإذن الله عن تنازل الحسن‬
‫بالخلفة لمعاوية عند حديثنا في عهده في كتاب مستقل‪.‬‬
‫هـ‪ -‬وعن سعيد المقبري)‪ ,(8‬قال‪ :‬كنا مع أبى هريرة رضي الله‬
‫عنه فجاء الحسن بن على ابن أبى طالب علينا فسلم فرددنا عليه‬
‫السلم ولم يعلم به أبو هريرة فقلنا‪ :‬يا أبا هريرة هذا الحسن بن‬
‫على)‪(9‬قد سلم علينا فلحقه وقال‪ :‬عليك السلم يا سيدي ثم قال‪ :‬إنه‬
‫سيد ‪.‬‬
‫و‪ -‬ومنها مشابهته رضي الله عنه للنبي في الخلق‪ ،‬فقد روى‬
‫البخاري بإسناده إلى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬لم يكن‬
‫‪1‬‬
‫الطبقات )‪ (1/233‬إسناده ضعيف‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البخاري رقم ‪.3749‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫مسلم ‪.2421‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫البخاري‪.3747 :‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫البخاري رقم ‪.3746‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫البداية والنهاية )‪ ،(8/20‬سير أعلم النبلء )‪.(145 ،3/144‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫فتح الباري )‪.(13/66‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫هو‪ :‬كيسان المدني مولى أم شريك‪ ،‬ثقة ثبت مات سنة ‪ ،10‬التقريب ‪.463‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫المستدرك‪ ،‬ك معرفة الصحابة )‪ (3/169‬صحيح السناد ووافقه الذهبي‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪72‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫أحد أشبه بالنبي × من الحسن بن على )‪.(1‬‬
‫ضا بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال‪ :‬رأيت أبا بكر‬ ‫ز‪ -‬وروى أي ً‬
‫الحسن وهو يقول‪ :‬بأبى شبيه بالنبي ليس‬ ‫)‪(2‬‬
‫حمل‬ ‫وقد‬ ‫رضي الله عنه‬
‫جده‬ ‫شبه‬ ‫عنه‬ ‫الله‬ ‫رضي‬ ‫فكونه‬ ‫‪,‬‬ ‫يضحك‬ ‫وعلى‬ ‫شبيًها بعلي‪،‬‬
‫المصطفى × في الخلق منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬الحسين بن على رضي الله عنه‪:‬‬
‫هو أبو عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب‪ ،‬سبط رسول‬
‫الله ×‪ ،‬وريحانته ومحبوبه‪ ،‬ابن بنت رسول الله‪ ،‬فاطمة رضي الله‬
‫عنها‪ ،‬كان مولده سنة ‪4‬هـ‪ ،‬وقيل غير ذلك‪ ،‬ومات رضي الله عنه‬
‫إحدى وستين‬ ‫دا‪ ،‬في يوم عاشوراء من شهر المحرم سنة‬ ‫قتيل ً شهي ً‬
‫هجرية بكربلء من أرض العراق‪ ،‬فرضي الله عنه وأرضاه)‪ ,(4‬وقد‬
‫وردت في مناقبة وفضائله أحاديث كثيرة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ما رواه أحمد بإسناده إلى يعلي العامرى رضي الله عنه أنه‬
‫خرج مع رسول الله × ‪-‬يعني إلى طعام دعوا له‪ -‬قال‪ :‬فاستمثل‬
‫رسول الله × أمام القوم‪ ،‬وحسين مع غلمان يلعب فأراد رسول‬
‫الله × أن يأخذه فطفق الصبي يفر هنا مرة وها هنا مرة‪ ،‬فجعل‬
‫النبي × يضاحكه حتى أخذه قال‪ :‬فوضع إحدى يديه تحت قفاه‬
‫والخرى تحت ذقنه ووضع فاه وقبله وقال‪» :‬حسين مني وأنا من‬
‫حسين‪ ،‬اللهم أحب من أحب حسيًنا‪ ،‬حسين سبط من‬
‫السباط«)‪ ,(5‬وفي ذلك منقبة ظاهرة للحسين رضي الله عنه‪ ،‬إذا‬
‫حث على محبته وكانه × علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين‬
‫القوم فخصه بالذكر‪ ،‬وأكد على وجوب المحبة وحرمة التعرض‬
‫فإن‬ ‫والمحاربة‪ ،‬وأكد ذلك بقوله‪» :‬أحب الله من أحب حسيًنا«‬
‫محبته تؤدي لمحبة الرسول ومحبة الرسول × من محبة الله«)‪.(6‬‬
‫ب‪ -‬ومنها ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله‬
‫عنه قال‪ُ :‬أتى عبيد الله ابن زياد)‪ (7‬برأس الحسين عليه السلم فجعل‬
‫فقال أنس‪ :‬كان‬ ‫في طست‪ ،‬فجعل ينكت وقال في حسنه شيًئا‪،‬‬
‫أشبههم برسول الله × وكان مخضوًبا بالوسمة)‪.(9)(8‬‬
‫ضا قال‪ :‬لما أتى عبيد الله بن‬ ‫ج‪ -‬وفي رواية أخرى عن أنس أي ً‬
‫زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول‪ :‬لقد كان‬
‫لسوءنك‪ ،‬إني رأيت رسول الله يلثم‬ ‫أحسبه قال جميل ً فقلت‪ :‬والله‬
‫حيث يقع قضيبك‪ .‬قال‪ :‬فانقبض)‪ .(10‬فالحديثان يدلن على فضل‬
‫الحسين رضي الله عنه‪ ,‬وأنه كان أشبه أهل البيت به‪ ،‬ولكن قد يرد‬
‫‪1‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك الفضائل رقم ‪.3752‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3750‬‬
‫‪3‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت‪ ،‬ص)‪.(147‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(8/152‬الصابة )‪.(334 -1/331‬‬
‫‪5‬‬
‫)( فضائل الصحابة رقم ‪ ،1361‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( تحفة الحوذى )‪.(10/279‬‬
‫‪7‬‬
‫)( ُقتل عبيد الله عام ‪76‬هـ‪ ،‬العلم )‪.(4/193‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الوسمة بكسر السين وقد تسكن‪ :‬نبت‪ ،‬وقيل شجر باليمن يخضب بورقه‬
‫الشعر‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3748‬‬
‫‪10‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ (2/985‬رقم ‪1397‬إسناده حسن‪ ،‬مجمع الزوائد )‪.(9/195‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪73‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫إشكال ول سيما أنه قد تقدم في فضائل الحسن‪ ،‬أنه لم يكن أحد‬
‫أشبه برسول الله × من الحسن بن على‪ ،‬فيحدث التعارض‪ ،‬وقد‬
‫أزال الشكال والتعارض ابن حجر رحمه الله حيث جمع بينهما فقال‪:‬‬
‫ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في‬
‫حياة الحسن لنه يومئذ كان أشد شبًها بالنبي × من أخيه الحسين‪،‬‬
‫وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من‬
‫سياقه‪ ،‬أو المراد بمن فضل الحسين عليه في الشبه ما عدا الحسن‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون كل منهما أشد شبًها في بعض أعضائه‪ ،‬فقد روى‬
‫الترمذي وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن على قال‪ :‬الحسن‬
‫بين‪ (1‬الرأس إلى الصدر‪ ،‬والحسين أشبه النبي × ما‬ ‫أشبه النبي × ما‬
‫كان أسفل من ذلك) ‪ ,‬فهذه بعض الحاديث الواردة في الحسين‬
‫رضي الله عنه وأرضاه‪.‬‬
‫‪ -3‬ما ورد من أحاديث في مناقب مشتركة بين الحسن والحسين‬
‫رضي الله عنهما‪:‬‬
‫أ‪ -‬ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر أنه قد سأله رجل من‬
‫رم يقتل الذباب‪ ،‬فقال رضي الله عنه‪ :‬أهل العراق‬ ‫العراق عن المح ِ‬
‫يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن)‪(2‬ابنة رسول الله × وقال النبي‬
‫×‪»:‬هما ريحانتاي من الدنيا« ‪.‬‬
‫وحباني به‪ ،‬لن‬ ‫قال ابن حجر‪ :‬والمعنى أنهما مما أكرمني الله‬
‫الولد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين)‪.(3‬‬
‫ب‪ -‬عن أبى هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫ومن أبغضهما فقد‬ ‫»من أحبهما فقد أحبني‪،‬‬
‫أبغضني«‪.‬يعني حسًنا وحسيًنا)‪.(4‬‬
‫ج‪ -‬وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن رسول الله ×‬
‫أبصر حسًنا وحسيًنا فقال‪» :‬اللهم إني أحبهما فأحبهما«)‪.(5‬‬
‫رسول الله ×‪:‬‬ ‫د‪ -‬عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن‬
‫»الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة«)‪.(6‬‬
‫هـ‪ -‬عن عبد الله بن بريدة قال‪ :‬سمعت أبى بريدة يقول‪ :‬كان‬
‫رسول الله × يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان‬
‫أحمران يمشيان ويعثران‪ ،‬فنزل رسول الله × من على المنبر‬
‫ما‬‫فوضعهما بين يديه‪ ،‬ثم قال‪ :‬صدق الله ورسوله ‪+‬إ ِن ّ َ‬ ‫فحملهمام َ‬ ‫َ‬
‫ة" نظرت إلى هذين الصبيين‬ ‫فت ْن َ ٌ‬
‫م ِ‬‫ول َدُك ُ ْ‬
‫وأ ْ‬‫وال ُك ُ ْ َ‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى‬ ‫يمشيان‬
‫ورفعتهما)‪.(7‬‬
‫و‪ -‬عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول‬
‫الله × كان يعوذ الحسن والحسين‪» :‬أعيذكما بكلمات الله‬
‫‪1‬‬
‫فضائل الصحابة رقم ‪1366‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البخاري رقم ‪.3753‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فتح الباري )‪.(10/427‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫صحيح سنن أبى داود )‪ ،(2/29‬فضائل الصحابة رقم ‪.1359‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫صحيح سنن الترمذي )‪ ،(3/226‬سنن الترمذي رقم ‪.3782‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫مجمع الزوائد )‪ ،(9/184‬وصححه اللباني في الحاديث الصحيحة )‪.(2/448‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫فضائل الصحابة رقم ‪1358‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪74‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫التامة من كل شيطان وهامة‪ ،‬ومن كل عين لمة‪ ،‬هكذا‬
‫كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق«)‪.(1‬وهذا الحديث‬
‫ل يتعارض مع ما رواه سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫سمعت النبي × يقول‪» :‬ل هامة«)‪(3()2‬وما رواه أبو هريرة عن رسول‬
‫الله × في قوله‪(4») :‬ل هام‪ ،‬لهام« ‪ ,‬وقوله ×‪» :‬ل عدوى ول‬
‫صفر ول هامة« ‪ ,‬فقد أجاب أبو جعفر الطحاوى بقوله‪ :‬ففي‬
‫هذه الحاديث نفيه الهامة ونفي وجودها‪ ،‬فكيف يجوز أن يعوذهما‬
‫من معدوم؟ فكان جوابنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه‪ :‬أن الهامة‬
‫التي عوذهما × منها هو هوام الرض التي يخاف غوائلها‪ ،‬والهامة‬
‫التي نفاها هي خلفها‪ ،‬وهي )ما‪ (5‬كانت العرب تقوله في موتها‪ ،‬فمن‬
‫ذلك ما رثى به لبيد أخاه أربد بقوله‪:‬‬
‫م غيُر أصداء وهام‬
‫ولهُ ْ‬ ‫فليس الناس بعدك في نقير‬
‫ي‪:‬‬
‫ومن ذلك قول أبى داود الياد ّ‬
‫فلهم في صدى المقابر هام‬ ‫سّلط الموت والمنون عليهم‬
‫ُ‬
‫فنفى رسول الله × ذلك كما في حديث أبى هريرة الذي رويناه‪،‬‬
‫وأما الهامة التي عوذ منها حسًنا وحسيًنا‪ ،‬فهي موجودة وهي هوام‬
‫الميم‪ ،‬والهامة التي نفاه مخففة‬ ‫الرض المخوفة وهي مشددة‬
‫الميم‪ ،‬فليست منها في شيء)‪.(6‬‬
‫سا‪ :‬حديث الكساء ومفهوم أهل البيت‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫)‪(7‬‬
‫حديث الكساء روته عائشة رضي الله عنها ‪ ,‬قالت‪ :‬خرج النبي‬
‫× غداة وعليه مرط مرحل »وهو الكساء« فأدخل عليا وفاطمة‬
‫ه‬
‫الل‪ُ(8‬‬ ‫ريدُ‬ ‫ما ي ُ ْ ِ‬ ‫قال‪+ :‬إ ِن ّ َ‬ ‫والحسن والحسين رضي َالله عنهم‪ ،‬ثم‬
‫)‬
‫هيًرا"‬ ‫ط‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ُ‬
‫ّ َ ْ‬ ‫ك‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ط‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫و‬
‫ت َ‬ ‫ل ال ْب َي ْ ِ‬ ‫ه َ‬ ‫سأ ْ‬ ‫ج َ‬ ‫م الّر ْ‬ ‫عنك ُ ُ‬ ‫ب َ‬ ‫ه َ‬ ‫ل ِي ُذْ ِ‬
‫ِ‬
‫]الحزاب‪.[33:‬‬
‫وهذا يبين لنا من كذب أن الصحابة يكتمون فضائل على‪ ،‬فهذه‬
‫التي يدعون أنها تبغض علًيا هى التي تروى هذا الفضل لعلي‬ ‫عائشة‬
‫وفاطمة)‪.(9‬‬
‫الكريمة كله لزواج َالنبي × حيث بدأ بهن‬ ‫الياتيا أ َ‬ ‫إن الخطاب في‬
‫ن‬
‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ُ‬
‫كن‬ ‫إن‬ ‫ك‬ ‫َ‬
‫ُ َ ُِ ِ‬ ‫ج‬ ‫وا‬ ‫ز‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫قل‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫وختم بهن‪ ،‬قال‬
‫فت َعالِ َي ّن أ ُ‬
‫ن‬‫حك ُ ّ‬ ‫سّر ْ‬ ‫وأ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ن‬‫ّ‬ ‫ك‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫زي‬ ‫و‬
‫َ ِ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫حَياةَ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫ردْ َ‬ ‫تُ ِ‬
‫داَر‬‫وال ّ‬ ‫ه َ‬ ‫سول ُ‬ ‫ر ُ‬ ‫و ََ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫ردْ َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ن‬‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫كن‬‫ُ‬ ‫إن‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ج‬‫َ‬ ‫حا‬
‫ً‬ ‫را‬‫َ‬ ‫س‬‫َ‬
‫ما ‪َ ‬يا‬ ‫ظي ً‬ ‫ع ِ‬ ‫جًرا َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫منك ُ ّ‬ ‫ت ِ‬ ‫سَنا ِ‬ ‫ح ِ‬ ‫م ْ‬ ‫عدّ ل ِل ْ ُ‬ ‫هأ َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫فإ ِ ّ‬ ‫خَرةَ َ‬ ‫ال َ ِ‬
‫‪1‬‬
‫البخاري رقم ‪.3371‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫صحيح ابن حبان رقم ‪ 6127‬إسناده قوى‪ ،‬الطبراني ‪.11764‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫شرح مشكل الثار )‪ (7/328‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫مسلم رقم )‪.(2220‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫شرح مشكل الثار )‪.(7/329‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫شرح مشكل الثار )‪.(7/330‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫مسلم رقم )‪ (2408‬فضائل الصحابة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫مسلم رقم )‪(2167‬ك الزكاة‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫حقبة من التاريخ ص )‪.(187‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪75‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫ْ‬
‫ها‬ ‫ف لَ َ‬ ‫ع ْ‬ ‫ضا َ‬ ‫ة يُ َ‬ ‫مب َي ّن َ ٍ‬ ‫ة ّ‬ ‫ش ٍ‬ ‫ح َ‬ ‫فا ِ‬
‫َ‬
‫ن بِ َ‬ ‫منك ُ ّ‬ ‫ت ِ‬ ‫من ي َأ ِ‬ ‫ي َ‬ ‫ساءَ الن ّب ِ ّ‬ ‫نِ ْ َ‬
‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫ق‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫َ َ‬ ‫و‬ ‫‪‬‬ ‫را‬ ‫َ َ ً‬‫سي‬ ‫ِ‬ ‫ي‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫لى‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫كا‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫ْ ْ ِ َ‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ع‬ ‫ض‬‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ُ‬ ‫ذا‬ ‫َ‬ ‫ع‬‫ال َ‬
‫ن‬ ‫َ َّ َ ِ‬‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ر‬ ‫َ َ‬ ‫ج‬
‫ْ‬ ‫أ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫حا‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫صا‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ْ‬ ‫م‬‫َ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫سو‬ ‫َ َ َ ُ‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫لل‬ ‫ن‬ ‫منَ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬
‫ن‬‫م َ‬ ‫د ّ‬ ‫ح ٍ‬ ‫ن كأ َ‬ ‫ّ‬ ‫ست ُ‬ ‫ْ‬ ‫يل‬ ‫ِ ّ‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ما‬ ‫ً‬ ‫ري‬‫َِ‬ ‫ك‬ ‫قا‬‫ً‬ ‫ز‬ ‫ْ‬ ‫ر‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫نا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫أ‬‫و‬‫َ‬
‫ن ات ّ ِ َ‬
‫‪‬‬
‫في‬ ‫ذي ِ‬ ‫ع ال ّ ِ‬ ‫م َ‬ ‫في َطْ َ‬ ‫ل َ‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫ن ِبال ْ َ‬
‫ق‬ ‫ع َ‬ ‫ض ْ‬ ‫خ َ‬ ‫فل َ ت َ ْ‬ ‫ن‬‫قي ْ ْت ُ ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ءإ‬ ‫سا ِ‬ ‫ال ْن ّ َ‬
‫ول َ‬ ‫ن َ‬ ‫في ب ُُيوت ِك ُ ّ‬ ‫ن ِ‬ ‫قْر َ‬ ‫و َ‬ ‫فا َ‪َ ‬‬ ‫عُرو ً‬
‫َ‬
‫مُ ْ‬‫ول ً ّ‬ ‫ق ْ‬ ‫ن َ‬ ‫قل َ‬ ‫ْ‬
‫و ُ‬ ‫ض َ‬ ‫مَر ٌ‬ ‫ه َ‬ ‫قلب ِ ِ‬ ‫َ‬
‫ة‬
‫كا َ‬ ‫ز َ‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬‫َ ِ َ‬ ‫تي‬ ‫وآ‬ ‫َ‬ ‫ة‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ص‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬‫َ ِ ْ َ‬ ‫م‬ ‫ق‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫لى‬ ‫لو‬ ‫ا‬ ‫ة‬ ‫ي‬
‫َ ِ ِ ّ ِ‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫جا‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ج‬
‫تَ َ َ ّ ْ َ َ َ ّ َ‬
‫ر‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫ن‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫ب‬
‫س‬
‫َ‬ ‫ج‬ ‫ْ‬ ‫ر‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫عن‬‫َ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ُ‬ ‫د‬ ‫ري‬ ‫ن الل َ َ َ َ ُ ُ ُ ِ َ ْ ِ‬
‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ما‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫سو‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ع َْ‬ ‫وأطِ ْ‬ ‫َ‬
‫في‬ ‫ما ي ُت َْلى ِ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ر‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ذ‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫را‬ ‫ً‬ ‫هي‬ ‫ِ‬ ‫ط‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ك‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ه‬ ‫ّ‬ ‫ط‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ت‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ل‬ ‫ه َ‬ ‫أَ ْ‬
‫خِبيًرا"‬ ‫فا َ‬ ‫طي ً‬ ‫ن لَ ِ‬ ‫كا َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫ة إِ ّ‬ ‫م ِ‬ ‫حك ْ َ‬ ‫وال ْ ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ت الل ِ‬ ‫ن آَيا ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫]الحزاب‪ ،[34 -28 :‬فالخطاب كله لزواج النبي × ومعهن المر‬
‫والنهي والوعد والوعيد‪ ،‬لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي‬
‫تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بضمير المذكر لنه‬
‫إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب الذكر‪ ،‬حيث تناول أهل البيت كلهم‪،‬‬
‫وعلى فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أخص من غيرهم‬
‫بذلك‪ ،‬لذلك خصهم النبي × بالدعاء لهم‪ ،‬كما أن أهل بيت النبي ×‬
‫يتعدى علًيا والحسن والحسين وفاطمة إلى غيرهم كما في حديث‬
‫زيد بن أرقم‪ ،‬وأنه لما قيل له‪ :‬نساؤه من أهل بيته؟ قال‪ :‬نساؤه من‬
‫أهل بيته‪ ،‬ولكن أهل بيته الذين حرموا الصدقة وهم آل على وآل‬
‫جعفر وآل عقيل وآل العباس)‪ ,(1‬وإذا اتسع مفهوم أهل بيت النبي ×‬
‫ضا علًيا وفاطمة‬ ‫إلى أكثر من ذلك فهم نساؤه بدليل الية‪ ،‬ويشمل أي ً‬
‫والحسن والحسين‪ ،‬كحديث الكساء‪ ،‬وبحديث زيد بن أرقم‪ ،‬وآل‬
‫بن‪ (2‬أبى‬ ‫عباس بن عبد المطلب‪ ،‬وآل عقيل بن أبى طالب‪ ،‬وآل جعفر‬
‫طالب بدليل حديث زيد بن أرقم‪ ,‬وآل الحارث بن عبد المطلب) ‪,‬‬
‫وسيأتي الحديث عن الية الكريمة مفصل ً عند مناقشتنا للشيعة بإذن‬
‫الله تعالى‪.‬‬
‫سا‪ :‬ما يخص آل رسول الله × من الحكام‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫‪ -1‬تحرم عليهم الزكاة‪:‬لحديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي‬
‫× قال‪(3») :‬إن الصدقة ل تنبغي لل محمد‪ ،‬إنما هي أوساخ‬
‫الناس« ‪.‬‬
‫لحديث أبى بكر قال‪ :‬قال رسول الله‬ ‫‪ -2‬ل يرثون رسول الله ×‪:‬‬
‫×‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة«)‪ .(4‬وقد روى هذا الحديث أبو‬
‫بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن‬
‫هريرة‪(5‬كما نص‬ ‫عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي × وأبو‬
‫على ذلك ابن تيمية وهى ثابتة عنهم في الصحاح والمسانيد) ‪.‬‬
‫خمس الخمس في الغنيمة)‪َ (6‬والفيئ)‪ :(7‬قال تعالى‪:‬‬ ‫عل َلهم َ‬ ‫‪-3‬‬
‫ل‬‫سو ِ‬ ‫وِللّر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫س ُ‬ ‫م َ‬ ‫خ ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ن لل ِ‬ ‫فأ ّ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫من َ‬ ‫مُتم ّ‬ ‫غن ِ ْ‬ ‫ما َ‬ ‫موا أن ّ َ‬ ‫وا ْ ُ‬ ‫‪َ +‬‬
‫‪1‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.107‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسلم ك الزكاة رقم ‪.167‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.1072‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البخاري رقم ‪3093‬مسلم ‪.1757‬‬
‫‪5‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ ،(4/195‬البداية والنهاية )‪.(5/252‬‬
‫‪6‬‬
‫)( ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب‪،‬‬
‫النهاية )‪.(3/389‬‬
‫‪7‬‬
‫)( ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ول جهاد‪ ،‬النهاية )‬
‫‪.(3/482‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪76‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫م‬‫ل ِإن ْ ك ُن ْت ُ ْ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫واب ْ ْ ُِ‬ ‫ن َ‬ ‫كي ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ َ‬ ‫مى َ َ‬ ‫تا َ‬ ‫ْ‬
‫وا َل ْي َ َ‬ ‫قْرَبى َ‬ ‫ذي ال ْ ُ‬ ‫ول ِ ِ‬ ‫َ‬
‫قى‬ ‫م الت َ َ‬ ‫و‬
‫ِ َ ْ َ‬‫ي‬ ‫ن‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫ف‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬‫َ ْ َ‬‫و‬ ‫ي‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫نا‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ز‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫بالل‬ ‫ِ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫من ْ‬‫َ‬ ‫آ‬
‫ديٌر" ]النفال‪.[41:‬‬ ‫ق ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ش‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫والل‬ ‫ِ َ‬ ‫ن‬ ‫عا‬
‫َ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬
‫ل ال ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫قَرى‬ ‫ه ِ‬ ‫نأ ْ‬ ‫مْ ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫سول ِ ِ‬ ‫عَلى ْ َر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫فاءَ ْ الل ُ‬ ‫ما أ َ‬ ‫ّوقال تعالى‪َ + :‬‬
‫ن‬ ‫ب‬
‫ِ َ ْ ِ‬ ‫وا‬ ‫ن‬ ‫كي‬ ‫ِ‬ ‫سا‬ ‫م‬
‫َ َ َ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫مى‬ ‫تا‬
‫َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫بى‬ ‫ْ َ‬ ‫ر‬ ‫ُ‬
‫ق‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ل َ‬ ‫سو َ ِ‬ ‫وِللّر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫فل ِل ِ‬ ‫َ‬
‫م" ]الحشر‪.[7:‬‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ء‬
‫ِ‬ ‫يا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬
‫غ‬ ‫ال‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ة‬‫ً‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫دو‬
‫ُ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫كو‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ي‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫بي‬
‫ّ ِ ِ‬ ‫س‬ ‫ال‬
‫‪ -4‬الصلة عليهم مع النبي ×‪:‬عن كعب بن عجرة قال‪ :‬سألنا‬
‫رسول الله × فقلنا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كيف الصلة عليكم أهل البيت؟‬
‫فإن الله قد علمنا كيف نسلم‪ ،‬قال‪» :‬قولوا‪ :‬اللهم صل على‬
‫محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل‬
‫إبراهيم إنك حميد مجيد‪ .‬اللهم بارك على محمد وعلى‬
‫كما‪ (1‬باركت على إبراهيم على آل إبراهيم إنك‬ ‫آل محمد‬
‫حميد مجيد«) ‪.‬‬
‫‪ -5‬لهم مودة خاصة‪:‬ويتمثل هذا فيما رواه زيد بن أرقم عن النبي‬
‫أذكركم الله في أهل‬ ‫×‪» :‬أذكركم الله في أهل بيتي‪،‬‬
‫بيتي‪ ،‬أذكركم الله في أهل بيتي«)‪.(2‬‬
‫قال القرطبي‪:‬وهذه الوصية‪ ،‬وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب‬
‫احترام أهله وتوقيرهم ومحبتهم‪ ،‬وجوب الفروض المؤكدة التي ل‬
‫عذر لحد في التخلف عنها)‪ ,(3‬وقد فهم وصية النبي × بأهل بيته حق‬
‫الفهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه‪ ،‬فأحبهم وأكرمهم‪ ،‬ودعا الناس‬
‫بإسناده( إلى أبى بكر رضي‬ ‫إلى إكرامهم ومحبتهم‪ ،‬فقد روى البخاري‬
‫دا × في أهل بيته)‪. 4‬‬ ‫الله عنه‪ ،‬أنه قال‪ :‬ارقبوا محم ً‬
‫فهذا خطاب من الصديق رضي الله عنه ووصية منه للناس في‬
‫حفظ حقوق آل بيت النبي ×‪ ،‬فالمراقبة للشيء المحافظة عليه‪،‬‬
‫ومعنى قول الصديق‪ :‬احفظوه فيهم فل تؤذوهم ول تسيئوا)‪(6‬إليهم)‪,(5‬‬
‫وقال النووي‪ :‬ومعنى »ارقبوا«‪ :‬راعوه واحترموه وأكرموه ‪ ,‬وقد‬
‫أكد رضي الله عنه تلك الحقوق بما قاله لعلي رضي الله عنه‪ :‬والذي‬
‫ى أن أصل من‬ ‫نفسي بيده لقرابة رسول الله × أحب إل ّ‬
‫قرابتي)‪.(7‬ومحبة أهل البيت من أصول أهل السنة والجماعة‪ ،‬يقول‬
‫يحبون أهل بيت‬ ‫ابن تيمية‪ :‬وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم‬
‫النبي × ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله × )‪ ,(8‬وقال‬
‫القاضي عياض‪ :‬إن من علمات محبته × محبته لمن أحب النبي ×‪،‬‬
‫ومن هو بسببه من آل بيته‪ ،‬وصحابته من المهاجرين والنصار‬
‫رضوان الله عليهم أجمعين‪ ،‬فمن أحب شيًئا أحب من يحبه)‪ ,(9‬وقال‬
‫ابن كثير‪ :‬ول ننكر الوصاية بأهل البيت والمر بالحسان إليهم‬
‫‪1‬‬
‫البخاري رقم ‪ ،3370‬مسلم رقم ‪.406‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫مسلم رقم ‪.2408‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فتح القدير للمناوي )‪.(3/14‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫البخاري رقم ‪.713‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(7/97‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ :‬ص)‪.(175‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫البخاري رقم ‪.3712‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫محموع الفتاوى )‪.(3/407‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫الشفاء )‪.(2/573‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪77‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫واحترامهم وإكرامهم‪ ،‬فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد‬
‫على وجه الرض فخًرا‪ ،‬وحسًبا ونسًبا‪ ،‬ول سيما إذا كانوا متبعين‬
‫للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية‪ ،‬فكانوا من أهل الحق كما‬
‫سلفهم كالعباس وبنيه‪ ،‬وعلى وأهل بيته وذريته رضي الله‬ ‫كان عليه‬
‫عنهم أجمعين)‪.(1‬‬
‫سابًعا‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة أحد‪:‬‬
‫في غزوة أحد بدأ القتال بمبارزة بين علي بن أبي طالب رضي‬
‫الله عنه وطلحة بن عثمان‪ ,‬وكان بيده لواء المشركين‪ ,‬وطلب‬
‫المبارزة مراًرا‪ ,‬فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال‬
‫له علي‪ :‬والذي نفسي بيده ل أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى‬
‫النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة‪ ,‬فضربه علي‪ ,‬فقطع رجله فوقع‬
‫على الرض فانكشفت عورته فقال‪ :‬يا ابن عمي أنشدك الله‬
‫والرحم! فرجع عنه ولم يجهز عليه‪ ,‬فكبر رسول الله وقال لعلي‬
‫قال‪ (:‬إن ابن عمي ناشدني الرحم‬ ‫بعض أصحابه‪ :‬أفل أجهزت عليه؟‬
‫حين انكشفت عورته فاستحييت منه)‪ . 2‬وكان رضي الله عنه بعد‬
‫اللتحام في ميمنة الجيش‪ ,‬وأخذ الراية بعد مقتل مصعب بن عمير‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫قا كثيًرا‪ ,‬رغم ما أصاب‬ ‫في هذه المعركة قتل من المشركين خل ً‬
‫الشدة في هذه الغزوة‪ ,‬إضافة إلى بلئه في الدفاع‬ ‫)‪(3‬‬
‫المسلمين من‬
‫عنه( هو الذي أخذ بيد‬ ‫الله‬ ‫رضي‬ ‫علي‬ ‫وكان‬ ‫‪,‬‬ ‫×‬ ‫الله‬ ‫عن رسول‬
‫رسول الله × حينما وقع في الحفرة يوم أحد)‪ , 4‬لقد استشهد في‬
‫تلك الغزوة عدد كبير من خيرة المهاجرين والنصار‪ ,‬وتركت حزًنا‬
‫قا في نفس الرسول ×‪ ,‬كما أصاب العدو من الرسول الكريم‪,‬‬ ‫عمي ً‬
‫فأدموا وجهه الشريف‪ ,‬فقامت ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي‬
‫وإيقاف الدم الذي كان‬ ‫طالب رضي الله عنهما بمداواة جراحه‪,‬‬
‫ينزف على وجهه ولحيته عليه الصلة والسلم)‪.(5‬‬
‫وظهرت شجاعة علي رضي الله عنه في تلك المعركة‪ ,‬فعندما‬
‫ي‪ ,‬رأى أن الحياة ل خير فيها‬ ‫أشيع أن الرسول × قتل‪ ,‬وافتقده عل ّ‬
‫جفن سيفه‪ ,‬وحمل على القوم حتى أفرجوا له‪ ,‬فإذا‬ ‫)‪(6‬‬
‫بعده‪ ,‬فكسر‬
‫ودافع( عنه دفاع البطال‪ ,‬وقد أصابته‬ ‫معه‬ ‫فثبت‬ ‫‪,‬‬ ‫×‬ ‫برسول الله‬
‫ست عشرة ضربة في ذلك اليوم)‪. 7‬‬
‫وبعد انسحاب جيش المشركين من أرض المعركة أرسل رسول‬
‫الله × علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد الغزوة مباشرة‪ ,‬وذلك‬
‫لمعرفة اتجاه العدو‪ ,‬فقال له‪» :‬اخرج في آثار القوم وانظر‬
‫ماذا يصنعون وما يريدون‪ ,‬فإن كانوا قد جنبوا الخيل‬
‫وامتطوا البل فإنهم يريدون مكة‪ ,‬وإن ركبوا الخيل‬
‫وساقوا البل فهم يريدون المدينة‪ ,‬والذي نفسي بيده إن‬
‫‪1‬‬
‫)( تفسير القرآن العظيم )‪.(4/113‬‬
‫‪2‬‬
‫)( السيرة الحلبية )‪.(2/498،497‬‬
‫‪3‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(7/224‬‬
‫‪4‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/89‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.4075‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مسلم شرح النووي )‪.(12/148‬‬
‫‪7‬‬
‫)( مسند أبى يعلي )‪ (416 ،1/415‬إسناده حسن‪ ،‬خلفة على بن أبى طالب‪،‬‬
‫عبد الحميد فقيهي ص)‪.(39‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪78‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫أرادوها لسيرن إليهم فيها ثم لناجزنهم«‪ ,‬قال علي‪:‬‬
‫أثرهم أنظر ماذا يصنعون‪ ,‬فجنبوا الخيل وامتطوا البل‬ ‫فخرجت في‬
‫إلى‪(2‬مكة)‪ ,(1‬فخرج علي رضي الله عنه‪ ،‬وأخبر رسول الله×‬ ‫ووجهوا‬
‫بخبر القوم) ‪،‬وفي هذا الخبر عدة دروس وعبر منها‪:‬‬
‫‪ -‬شجاعة النبي ×‪ ،‬حيث كان داخل صفوف المشركين ولم يصل‬
‫إليه سيدنا على إل بعد جهد جهيد‪ ،‬فوجد رسول الله × في قلب‬
‫العدو يقاتلهم حتى أصيب بعدة جروح‪.‬‬
‫‪ -‬يقظة الرسول ×‪ ،‬ومراقبته الدقيقة لتحركات العدو‪ ،‬وقدرته ×‬
‫على تقدير المور‪ ،‬وتحليل تصرفات الخصم وفهم ما يترتب عليها‬
‫من قرارات‪.‬‬
‫‪ -‬ظهور قوته المعنوية العالية‪ ،‬ويظهر ذلك في استعداده لمقاتلة‬
‫المشركين لو أرادوا المدينة‪.‬‬
‫‪ -‬وفيه ثقة النبي × بعلي رضي الله عنه ومعرفته بمعادن‬
‫الرجال‪.‬‬
‫‪ -‬المروءة ومكارم الخلق عند على عندما رجع عن خصمه بعدما‬
‫انكشفت عورته وإقرار رسول الله × له‪ ،‬وهذا العمل يعلمنا قيمة‬
‫التعامل‪ ،‬وكيف تكون الخلق حتى مع الخصم وحتى في ساحة‬
‫المعركة‪.‬‬
‫‪ -‬وجوب التضحية في سبيل الله وأنه بهذه الروح ينتصر السلم‬
‫في الحياة وينال الشهيد الجنة‪ ،‬وهذا ما أثبته لنا بعض المهاجرين‬
‫والنصار في هذه المعركة وغيرها‪.‬‬
‫‪ -‬وجوب الخذ بالسباب‪ ،‬وظهر هذا عندما وضع رسول الله ×‬
‫بعض الصحابة على جبل أحد‪ ،‬فعصوه ونزلوا وكان هذا من أسباب‬
‫الهزيمة‪.‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬لن هذا الجيش لو أبصره ما‬ ‫‪ -‬وفيه شجاعة على‬
‫تورع عن محاولة قتله)‪.(3‬‬
‫ثامًنا‪ :‬على رضي الله عنه في غزوة بني النضير‪:‬‬
‫يرى المحققون من المؤرخين أن غزوة بنى النضير كانت بعد‬
‫أحد في ربيع الول من السنة الرابعة من الهجرة‪ ،‬وقد رد ابن القيم‬
‫على من زعم أن غزوة بنى النضير بعد بدر بستة أشهر بقوله‪ :‬وزعم‬
‫محمد بن شهاب الزهري‪ :‬أن غزوة بنى النضير كانت بعد بدر بستة‬
‫أشهر‪ ،‬وهذا وهم منه أو غلط عليه‪ ،‬بل الذي ل شك فيه أنها بعد أحد‪،‬‬
‫والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بنى قينقاع‪ ،‬وقريظة بعد‬
‫الخندق‪ ،‬وخيبر بعد الحديبية)‪ ,(4‬وقال ابن العربي‪ :‬والصحيح أنها بعد‬
‫ُأحد)‪ ،(5‬وإلى هذا الرأي ذهب ابن كثير)‪ ,(6‬ففي هذه الغزوة فقد‬
‫الصحابة على بن أبى طالب رضي الله عنه ذات ليلة‪ ،‬فقال النبي‬
‫‪1‬‬
‫)( مسند أبى يعلي )‪ (416 ،1/415‬إسناده حسن‪ ،‬خلفة على بن أبى طالب‪،‬‬
‫عبد الحميد فقيهي ص)‪.(39‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(4/41‬‬
‫‪3‬‬
‫صلبي )‪ ،(2/145‬غزوة أحد لبى فارس‪ :‬ص)‪.(96 ،95‬‬ ‫)( السيرة النبوية لل ّ‬ ‫‪4‬‬
‫)( زاد المعاد )‪.(3/249‬‬
‫‪5‬‬
‫)( أحكام القرآن لبن العربي )‪.(4/1765‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪79‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ك‪ ،‬وقد‬ ‫×‪» :‬إنه في بعض شأنكم«‪ ،‬فعن قليل جاء برأس عَْزوَ َ‬
‫كمن له حتى خرج في نفر من اليهود يطلب غرة من المسلمين‪،‬‬
‫عا رامًيا‪ ،‬فشد عليه على رضي الله عنه فقتله‪ ،‬وفر‬ ‫وكان شجا ً‬
‫اليهود)‪.(1‬‬
‫تاسًعا‪ :‬على رضي الله عنه في غزوة حمراء السد‪:‬‬
‫تعتبر هذه الغزوة مكملة لغزوة أحد‪ ،‬فقد عاد المسلمون من أحد‬
‫مساء السبت الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة للهجرة‪،‬‬
‫ن مؤذن‬ ‫وما أن أصبح الصباح وخرج الناس من صلة الفجر إل وأذ ّ‬
‫رسول الله × بالتهيؤ على جناح السرعة لمطاردة العدو‪ ،‬وأل يخرج‬
‫دا‪ ،‬فاستجاب الناس لنداء رسول الله ×‬ ‫ُ‬
‫ح ً‬ ‫من الناس إل من شهد أ ُ‬
‫مع ما بهم من جراحات وتعب‪ ،‬وكان في مقدمتهم رسول الله ×‪،‬‬
‫دا إل‬ ‫ح ً‬ ‫ى بالخروج معه‪ ،‬ول لحد لم يشهد ُأ ُ‬ ‫ولم يسمح لعبد الله بن أب ّ‬
‫حد‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أ‬ ‫في‬ ‫أبوه‬ ‫استشهد‬ ‫الذي‬ ‫حرام‬ ‫بن‬ ‫جابر بن عبد الله بن عمرو‬
‫وكان قد منعه من الشتراك في بدر وأحد ليبقى عند أخواته البنات‪،‬‬
‫وخرج الجيش وفي مقدمتهم رسول الله ×‪ ،‬ويحمل اللواء‪ ،‬لواء أحد‬
‫ى بن أبى طالب)‪ ,(2‬وصل المسلمون بقيادة رسولهم‬ ‫نفسه عل‬
‫ل‪،‬‬‫الكريم × ّإلى حمراء السد التي تبعد عن المدينة ثلثة عشر مي ً‬
‫طوا الرحال فيها‪ ،‬وقد أدهشت هذه الحركة اليهود والمنافقين‬ ‫حيث ح ّ‬
‫لما فيها من جرأة وشجاعة‪ ،‬وأيقنوا أن الروح المعنوية عالية‪ ،‬وأنهم‬
‫هزموا لما عملوا على مطاردة قريش)‪ ,(3‬كما أن في خروج النبي‬ ‫لو ُ‬
‫× إلى حمراء السد إشارة نبوية إلى أهمية استعمال الحرب‬
‫النفسية للتأثير على معنويات الخصوم‪ ،‬فخرج × بجنوده إلى حمراء‬
‫السد ومكث فيها ثلثة أيام‪ ،‬وأمر بإيقاد النيران‪ ،‬فكانت تشاهد من‬
‫مكان بعيد وملت الرجاء بأنوارها حتى خيل لقريش أن جيش‬
‫المسلمين ذو عدد كبير ل طاقة لهم به‪ ،‬فانصرفوا وقد مل الرعب‬
‫أفئدتهم)‪.(4‬‬
‫قال ابن سعيد‪ :‬ومضى رسول الله × بأصحابه حتى عسكروا‬
‫بحمراء السد‪ ،‬وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار‬
‫حتى ترى من المكان البعيد‪ ،‬وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في‬
‫كل وجه فكبت الله تعالى بذلك عدوهم)‪ ,(5‬وقد أشار القرآن الكريم‬
‫إلى هذه الحرب الباردة وسجلها المولى عز وجل في كتابه في‬
‫ل‬
‫سو َ ِ‬ ‫والّر ُ‬ ‫ه َ‬ ‫جاُبوا لل ِ‬ ‫ست َ َ‬
‫ن اَ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫معرض الثناء َعلى الصحابة‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫جٌر‬‫وا أ ْ‬ ‫َ‬
‫وات ّق ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫من ْ ُ‬
‫سُنوا ِ‬ ‫ح َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫ح ل ِل ّ ِ‬
‫قْر ُ‬ ‫م ال ْ َ‬‫ه ُ‬ ‫صاب َ ُ‬
‫ما ّ أ َ‬ ‫د َ‬ ‫ع ِ‬‫من ب َ ْ‬ ‫ِ‬
‫م‬ ‫ُ‬
‫عوا ْ لك ْ‬‫َ‬ ‫م ُ‬‫ج َ‬ ‫َ‬
‫س قد ْ َ‬ ‫ن الّنا َ‬ ‫س إِ ّ‬‫م الّنا ُ ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ل لَ ُ‬ ‫قا َ‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬‫م ‪ ‬ال ِ‬ ‫ظي ٌ‬ ‫ع ِ‬ ‫َ‬
‫ل‬‫كي ُ‬ ‫و ِ‬ ‫م ال َ‬ ‫ع َ‬‫ون ِ ْ‬
‫ه َ‬ ‫سب َُنا الل ُ‬ ‫ح ْ‬ ‫قالوا َ‬ ‫و َ‬ ‫ماًنا َ‬ ‫م ِإي َ‬ ‫ه ْ‬‫فَزادَ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫و ُ‬ ‫ش ْ‬ ‫خ َ‬ ‫فا ْ‬ ‫َ‬

‫‪6‬‬
‫)( حديث القرآن عن الغزوات )‪.(1/254‬‬
‫‪1‬‬
‫)( إمتاع السماع للمقريزي )‪.(1/180‬‬
‫ُ‬ ‫‪2‬‬
‫)( وقد حمل على رضي الله عنه لواء رسول الله × في غزوة الكدر لبنى سليم‬
‫بعد عودته إلى المدينة بسبع ليال من غزوة بدر‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( على بن أبى طالب‪ ،‬أحمد السيد الرفاعي ص ‪ ،10-1‬تاريخ السلم للذهبي‪،‬‬
‫المغازى ص ‪.226‬‬
‫‪4‬‬
‫)( غزوة أحد لبى فارس‪ :‬ص)‪.(51‬‬
‫‪5‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(2/49‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪80‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫سوءٌ‬ ‫م ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫س ُ‬
‫س ْ‬ ‫م َ‬ ‫م يَ ْ‬‫ل لّ ْ‬ ‫ض ٍ‬ ‫ف ْ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫ة ّ‬ ‫م ٍ‬ ‫ع َ‬ ‫قل َُبوا ب ِن ِ ْ‬ ‫فان ْ َ‬‫‪َ ‬‬
‫م‬‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ما‬
‫ِ َ‬‫ّ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫‪‬‬ ‫ٍ‬ ‫م‬ ‫ظي‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ل‬‫ٍ‬ ‫ض‬‫ْ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ذو‬ ‫ُ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫والل‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫وا‬‫َ‬ ‫ض‬ ‫ْ‬ ‫ر‬
‫وات ّ َ ُ َ ِ‬
‫عوا‬ ‫ب‬ ‫َ‬
‫ن ِإن ك ُن ُْتم‬ ‫فو‬‫ُ‬ ‫خا‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫فو‬ ‫ُ‬ ‫خا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ه‬‫َ‬ ‫ء‬ ‫يا‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ف أَ‬‫ُ‬ ‫و‬ ‫خ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫شي ْطا‬ ‫ال ّ‬
‫ِ‬ ‫ْ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[175 -172 :‬‬ ‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬‫م ْ‬ ‫ّ‬
‫عاشًرا‪ :‬على رضي الله عنه وموقفه من حادثة الفك‪:‬‬
‫ورد حديث الفك الذي اتهم فيه المنافقون عائشة رضي الله‬
‫عنها به‪ ،‬أن رسول الله × استدعى علًيا وأسامة واستشارهما في‬
‫فراق أهله‪ ،‬لما كثر القول وأقلق النبي ×‪ ،‬واستلبث الوحي‪ ،‬فأما‬
‫أسامة‪ ،‬فأشار عليه بالذي يعلم من براءتها‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‬
‫أهلك‪ ،‬ول نعلم إل خيًرا‪ ،‬وأما على بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير‪ ،‬وإن‬ ‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫تسأل الجارية تصدقك)‪ , (1‬قالت‪ :‬فدعا رسول الله × بريرة فقال‪:‬‬
‫يريبك؟قالت بريرة‪ :‬ل والذي‬ ‫)‪(2‬‬
‫أي َبرَيرة هل رأيت من شيء َ‬
‫أكثر من أنها جارية‬ ‫عليها‬ ‫أغمصه‬ ‫بعثك بالحق إن رأيت عليها أمًرا‬
‫الداجن)‪ (3‬فتأكله‪ ،‬فقام‬ ‫تي‬ ‫أ‬‫فت‬ ‫أهلها‪،‬‬ ‫حديثة السن تنام عن عجين‬
‫رسول الله‪ ،‬فاستعذر)‪ (4‬يومئذ من عبد الله بن ُأبى ابن سَلول قالت‪:‬‬
‫فقال رسول الله × وهو على المنبر‪ :‬فوالله ما علمت على‬
‫أهلي إل خيًرا‪ ،‬ولقد ذكروا رجل ً)‪(6),(5‬ما علمت عليه إل خيًرا‪،‬‬
‫ى‬
‫وما كان يدخل على أهلي إل معي ‪ .‬إن الكلم الذي قاله عل ّ‬
‫إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي ×‪ ،‬لما رأى عنده من القلق والغم‬
‫بسبب القول الذي قيل‪ .‬وكان شديد الغيرة‪ ،‬فرأى على رضي الله‬
‫عنه في بادئ المر أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها‬
‫فيمكن رجعتها‪ ،‬ويستفاد منه ارتكاب أخف‬ ‫إلى أن تتحقق براءتها‪،‬‬
‫الضررين لذهاب أشدهما)‪ ,(7‬وقال النووي‪ :‬رأى على أن ذلك هو‬
‫المصلحة في حق النبي ×‪ ،‬واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه‪ ،‬فبذل‬
‫جهده في النصيحة‪ ،‬لرادة راحة خاطره ×)‪ ,(8‬كما أن عليا رضي الله‬
‫عنه لم ينل عائشة – رضي الله عنها‪ -‬بأدنى كلمة يفهم منها أنه‬
‫عّرض بأخلقها‪ ،‬أو تناولها بسوء)‪ ,(9‬بل كان رأيه خيًرا لها‪ ،‬فهو يقول‬
‫إن أردت أن ترتاح من المشكلة فإن غيرها كثير‪ ،‬وإن أردت الوصول‬
‫للحقيقة‪ ،‬فاسأل الجارية توصلك إليها‪ ،‬وهي براءة عائشة‪ ،‬ثم بعد‬
‫ذلك خطب رسول الله الناس وبين براءة عائشة‪ ،‬وخطورة من‬
‫ما وزوًرا‪ ،‬وقد بدت نصيحة على وأسامة بن‬ ‫يخوض في عرضه ظل ً‬
‫‪(10‬الله عنها‪ ،‬فقد ازداد‬ ‫رضي‬ ‫عائشة‬ ‫صالح‬ ‫زيد مًعا إيجابيتين‪ ،‬وفي‬
‫النبي × قناعة بما علم من خير في أهله) ‪.‬‬
‫وعلى القارئ الكريم أن يحذر من الروايات الباطلة ساقطة العتبار‬
‫‪1‬‬
‫البخاري رقم ‪.4750‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أغمصه‪ :‬أي أعيبها به وأطعن بها عليه‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫الداجن‪ :‬هى الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫فاستعذر‪ :‬أي قال‪ :‬من يقوم بعذري إن عاقبته على سوء صنيعه‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫هو صفوان بن المعطل السلمى‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫البخاري رقم ‪.4750‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫دور المرأة السياسي أسماء محمد زيادة‪ :‬ص)‪.(462‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫صحيح مسلم بشرح النووي )‪.(5/634‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫دور المرأة السياسي‪ :‬ص)‪.(462‬‬ ‫)(‬
‫‪10‬‬
‫المصدر نفسه‪ :‬ص)‪.(463‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪81‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫التي تزعم بإساءة على إلى عائشة في أمر الفك‪ ،‬والتي بنى عليها‬
‫بعض الباحثين بأن ذلك جعل عائشة تغضب من على رضي الله عنه‬
‫را‪(ً 1‬بقتل عثمان‪ ،‬وتخرج عليه مؤلبة عليه العداد‬ ‫زو‬
‫)‬
‫وتحقد عليه وتتهمه‬
‫إبراهيم حسن‬ ‫على‬ ‫الباحثين‪،‬‬ ‫هؤلء‬ ‫أمثال‬ ‫ومن‬‫‪,‬‬ ‫المسلمين‬ ‫الهائلة من‬
‫في التاريخ السلمي العام‪ ،‬وطه حسين في كتابه‪ :‬على وبنوه)‪,(2‬‬
‫وغيرهم‪ ،‬سوف نتحدث عن العلقة المتينة بين أم المؤمنين عائشة‬
‫وعلى – بإذن الله – عند حديثنا عن موقعة الجمل‪ ،‬لقد كانت قصة الفك‬
‫حلقة من سلسلة فنون اليذاء والمحن التي لقيها رسول الله × من‬
‫أعداء الدين‪ ،‬وكان من لطف الله تعالى بنبيه وبالمؤمنين أن كشف الله‬
‫زيفها وبطلنها‪ ،‬وسجل التاريخ بروايات صحيحة مواقف المؤمنين من‬
‫هذه الفرية‪ ،‬وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في‬
‫الدروس لتكون عبرة‬ ‫حياتهم مثل هذه الفرية‪ ،‬فقد انقطع الوحي‪ ،‬وبقيت‬
‫وعظة للجيال إلى أن يرث الله الرض ومن عليها)‪,(3‬وقد تحدثت في‬
‫أحداث« عن الدروس والعبر‬ ‫كتابي »السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل‬
‫والداب والحكام التي تؤخذ من حادثة الفك)‪.(4‬‬
‫المبحث السادس‬
‫أهم أعمال علي رضي الله عنه‬
‫ما بين الحزاب إلى وفاة النبي ×‬
‫ل‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة الحزاب‪:‬‬ ‫أو ًَ‬
‫كان موقف أمير المؤمنين على رضي الله عنه في الحزاب‬
‫بطولّيا رائًعا ينم عن مدى رسوخ العقيدة في قلوب أصحاب النبي‬
‫×‪ ،‬والدعوة إليها‪ ،‬والموت في سبيلها‪ ،‬والبراءة ممن خالفها‪ ،‬قال‬
‫ابن إسحاق‪ :‬وخرج على بن أبى طالب في نفر من المسلمين بعد‬
‫أن اقتحمت خيل المشركين ثغرة في الخندق حتى أخذوا عليهم‬
‫الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم‪ ،‬وأقبلتن الفرسان تعدو نحوهم‪،‬‬
‫وكان ُ عمرو بن عبد وقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح‪ ،‬فلم يشهد‬
‫ما ُليَرى مكانه فلما وقف‬ ‫يوم أحد‪ ،‬فلما كان يوم الخندق خرج معل ً‬
‫هو وخيله قال‪ :‬من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب فقال له‪ :‬يا‬
‫عمرو‪ ،‬إنك قد كنت عاهدت الله أل يدعوك رجل من قريش إلى أحد‬
‫خلتين إل أخذتها منه‪ ،‬قال له‪ :‬أجل‪ ،‬قال له على‪ :‬فإني أدعوك إلى‬
‫الله وإلى رسوله وإلى السلم‪ ،‬قال‪ :‬ل حاجة لي بذلك‪ ،‬قال‪ :‬فإني‬
‫م يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن‬ ‫أدعوك إلى الّنزل‪ ،‬فقال له‪ :‬ل ِ َ‬
‫أقتلك‪ ،‬قال له على‪ :‬لكني والله أحب أن أقتلك‪ ،‬فحمى عمرو عند‬
‫ى‪،‬‬‫ذلك‪ ،‬فاقتحم عن فرسه‪ ،‬فعقرها‪ ،‬وضرب وجهه‪ ،‬ثم أقبل على عل ّ‬
‫فتنازل وتجاول فقتله على رضي)‪(5‬الله عنه‪ ،‬وخرجت خيلهم منهزمة‪،‬‬
‫حتى اقتحمت من الخندق هاربة ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن كثير ما رواه البيهقي في دلئل النبوة من أشعار‬
‫قالها عمرو بن عبد ود وعلي رضي الله عنه‪ ،‬فقد قال عمرو لما‬
‫خرج للمبارزة‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫ص ّ‬
‫لبي )‪.(2/926‬‬ ‫من أراد التوسع في حادثة الفك فليراجع السيرة النبوية لل ّ‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫خلفة على بن أبى طالب‪ ،‬عبد الحميد فقيهي‪ :‬ص )‪.(54‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص )‪.(440‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث )‪.(255 -243 /2‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/348‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪82‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫َلجمعِِهم هل من مبارز؟‬ ‫ت من النداء‬
‫ح ُ‬
‫ولقد بح ْ‬
‫موقف القرن المناجز‬ ‫جع‬
‫ن المش ّ‬
‫جب ُ َ‬
‫ووقفت ِإذ َ‬
‫عا قبل الَهزاهِْز‬
‫متسر ً‬ ‫كن‬‫ولذاك إني لم أ ُ‬
‫والجود من خير الغرائ ِْز‬ ‫إن الشجاعة في الفتى‬
‫فعندما خرج له على رضي الله عنه‪:‬‬
‫صوت َ‬
‫ك غير عاجز‬ ‫ب َ‬
‫مجي ُ‬‫ُ‬ ‫ن فقد أتاك‬
‫جل ّ‬
‫ل ت َعْ َ‬
‫جى ك ّ‬
‫ل فائز‬ ‫من ْ َ‬
‫والصدق َ‬ ‫في نية وبصيرة‬
‫عليك نائحة الجنائز‬ ‫جو أن أقيم‬
‫إني لر ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫ذكرها عند الهزائز‬ ‫من ضربة نجلء يبقى‬
‫ولما قتل على رضي الله عنه عمرو بن عبد ود ذكروا أنه قال‬
‫من الشعر‪:‬‬
‫ى وعنهم أخروا أصحابي‬ ‫عن ّ‬ ‫ى تفتحم الفوارس هكذا‬
‫أعل ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫بنابي‬ ‫اليوم يمنعني الفراَر حفيظتي‬
‫وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو‪ ،‬فقال حسان‬
‫بن ثابت‪:‬‬
‫ل‬
‫فع ِ‬
‫م لم ت ْ‬
‫كر ُ‬ ‫لعل ّ َ‬
‫ك عَ ْ‬ ‫فّر وألقى لنا رمحه‬
‫ور عن المعدل‬ ‫ما أن يح ّ‬ ‫ظليم‬‫ووليت تعدو كعدو ال ّ‬
‫)‪(3‬‬
‫كان قفاك قفا فَْر َ‬
‫عل‬ ‫سا‬
‫ولم تلوِ ظهرك مستأن ً‬
‫وبعد مقتل عمرو بن عبد ود بعث المشركون إلى رسول الله ×‬
‫يشترون جيفته بعشرة آلف‪ ،‬فقال‪ :‬ادفعوا إليهم جيفتهم‪ ،‬فإنه خبيث‬
‫الجيفة‪ ،‬خبيث الدية‪ ،‬فلم يقبل منهم شيًئا‪.‬‬
‫وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش‪ ،‬ومع ذلك‬
‫فالحلل حلل والحرام حرام‪ ،‬إنها مقاييس السلم في الحلل‬
‫والحرام‪ ،‬فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد‬
‫المبررات لكل الربا وما شابهه؟ )‪.(4‬‬

‫‪1‬‬
‫نجلء‪ :‬واسعة‪ ،‬الهزائز‪ :‬الحروب الشدائد‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(4/106‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫الفرعل‪ :‬صغار الضباع‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫معين السيرة للشامي‪ :‬ص)‪.(94‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪83‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ثانًيا‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة بنى قريظة‪:‬‬
‫وكان فيها رضي الله عنه حامل راية رسول الله × في‬
‫المقدمة)‪ ,(1‬إلى أن حكم فيها سعد ابن معاذ‪ ،‬وكان في بادئ المر‬
‫ى بن أبى طالب صاح‬ ‫لم ينزلوا على حكمه‪ ،‬قال ابن هشام‪ :‬إن عل ّ‬
‫وهم محاصرو بنى قريظة‪ :‬يا كتيبة اليمان‪ ،‬وتقدم هو والزبير بن‬
‫العوام‪ ،‬وقال‪ :‬والله لذوقن ما ذاق حمزة‪ ،‬أو لقتحمن حصونهم‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ)‪ ،(2‬وهكذا أنزل الله‬
‫تعالى الرعب والخوف في قلوب أعداء العقيدة والدين‪ ،‬على لسان‬
‫ذاك التقى النقي لما آتاه الله من حب الستبسال والموت في سبيل‬
‫عزة دين الله تعالى‪ ،‬وقد نادى كتيبته بأحب السماء التي ينادي بها‬
‫الله تعالى عباده أل وهو نداء اليمان الذي يتجلى فيه صدق العتقاد‪،‬‬
‫وصلح العمل‪ ،‬وحب الجهاد في سبيله تعالى)‪.(3‬‬
‫عنه‪(4‬أن تقتل مقاتلتهم‪ ،‬وأن‬‫)‬
‫ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله‬
‫الذين‬ ‫من‬ ‫فكان‬ ‫‪,‬‬ ‫الموال‬ ‫تسبى النساء والذرية‪ ،‬وأن تقسم‬
‫يباشرون القتل على بن أبى طالب والزبير رضي الله عنهما)‪.(5‬‬
‫ثالًثا‪ :‬علي رضي الله عنه في صلح الحديبية وبيعة‬
‫الرضوان‪:‬‬
‫في غزوة الحديبية وقبل الصلح‪ ،‬خرج بعض العبيد )الرقاء( من‬
‫مكة إلى رسول الله ×‪ ،‬فكتب إليه مواليهم بإرجاعهم‪ ،‬فرفض‬
‫رسول الله × أن يرجعهم وقال‪» :‬يا معشر قريش لتنتهن أو‬
‫ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين‪،‬‬
‫قد امتحن الله قلبه على اليمان«‪ ،‬فسأله الصحابة بتلهف‪ :‬من‬
‫هو يا رسول الله؟ وكلهم يرجو أن يفوز هو بهذه الشهادة العظيمة‬
‫الله ×‪ ،‬فقال ×‪ :‬هو خاصف النعل‪ ،‬وكان قد أعطى‬ ‫من رسول‬
‫علًيا بخصفها)‪ ,(6‬وّلما َتم الصلح بين المسلمين ومشركي قريش‪،‬‬
‫كتب على كتاًبا بينهم قال‪ :‬فكتب‪ :‬محمد رسول الله‪ ،‬فقال‬
‫المشركون‪ :‬ل تكتب محمد رسول الله‪ ،‬لو كنت رسول الله لم‬
‫نقاتلك‪ .‬فقال لعلي‪ :‬امحه قال‪ :‬ما أنا بالذي أمحوه‪ ،‬فمحاه رسول‬
‫على‪(8‬أن يدخل هو وأصحابه ثلثة أيام‪ ،‬ول‬
‫)‬
‫فصالحهم‬
‫)‪(7‬‬
‫الله × بيده‬
‫عن‬ ‫عنه‬ ‫الله‬ ‫رضي‬ ‫على‬ ‫امتنع‬ ‫وقد‬ ‫‪,‬‬ ‫السلح‬ ‫بان‬
‫ّ‬ ‫بجل‬ ‫يدخلها إل‬
‫محو كلمة )رسول الله( بدافع محبته لرسول الله × وتعظيمه)‪.(9‬‬
‫وقد طعن الروافض الغلة في موقف الصحابة وعمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنهم في الحديبية‪ ،‬وذكروا من مراجعة عمر للنبي × في‬
‫‪1‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/258‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪ ،1421‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(263 /3‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الخليفتان عثمان وعلى بين السنة والشيعة‪ ،‬أنور عيسى‪ :‬ص)‪.(78‬‬
‫‪4‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(3/263‬البخاري رقم ‪.4121‬‬
‫‪5‬‬
‫)( إمتاع السماع للمقريزي )‪.(1/247‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مرويات غزوة الحديبية‪ ،‬حافظ الحكمي‪ :‬ص )‪ ،(183‬والحديث صحيح بمجموع‬
‫طرقه‪ ،‬خلفة على بن أبى طالب‪ ،‬عبد الحميد على ناصر‪ :‬ص)‪.(30‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الجلّبان‪ :‬شبه جراب من الدم يوضع فيه السيف المغمور‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( مسلم )‪ ،(3/1409‬خصائص على للنسائي‪ ،‬تحقيق أحمد البلوشي‪ :‬ص )‬
‫‪.(203‬‬
‫‪9‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(274 -262‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪84‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫أمر الصلح‪ ،‬وكذلك تأخر الصحابة في بداية المر عن النحر والحلق‬
‫حتى نحر رسول الله× وحلق‪ ،‬ول مطعن في شيء من هذا في‬
‫أصحاب رسول الله × ل عمر ول غيره من الصحابة الذين شهدوا‬
‫الحديبية‪ ،‬وبيان ذلك أن الرسول × كان قد رأى في المنام أنه دخل‬
‫مكة وطاف بالبيت‪ ،‬فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة‪ ،‬فلما ساروا‬
‫معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا‬
‫عامهم‪(1‬هذا‪ ،‬ثم يعودوا‬ ‫العام‪ ،‬فلما وقع أمر الصلح‪ ،‬وفيه أن يرجعوا‬
‫العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله ×) ‪ ,‬فجعل عمر‪-‬‬
‫رضي الله عنه – على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه‬
‫يسأل رسول× ويراجعه في المر‪ ،‬ولم تكن أسئلته التي سألها‬
‫رسول الله لشك في صدق الرسول ×‪ ،‬أو اعتراض عليه‪ ،‬لكن كان‬
‫مستفصل ً عما كان متقرًرا لديه‪ ،‬من إنهم سيدخلون مكة ويطوفون‬
‫بالبيت‪ ،‬وأراد بذلك أن يحفز رسول الله × على دخول مكة‪ ،‬وعدم‬
‫إلى‪(2‬المدينة‪ ،‬لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام‬ ‫الرجوع‬
‫للمشركين) ‪.‬‬
‫قال النووي‪:‬قال العلماء‪ :‬لم يكن سؤال عمر – رضي الله عنه –‬
‫كا بل طلًبا لكشف ما خفي عليه‪ ،‬وحًثا على إذلل‬ ‫وكلمه المذكور ش ً‬
‫عرف( من خلقه‪ -‬رضي الله عنه – وقوته‬ ‫كما‬ ‫السلم‪،‬‬ ‫الكفار وظهور‬
‫في نصر الدين وإذلل المبطلين)‪ , 3‬فعمر – رضي الله عنه – كان في‬
‫دا حمله على هذا شدته في الحق‪ ،‬وقوته في نصرة الدين‪،‬‬ ‫هذا مجته ً‬
‫والغيرة عليه‪ ،‬مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله × من‬
‫م‬
‫ه ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ف َ‬‫ع ُ‬ ‫المشورة وإبداء الرأي امتثال ً لمر الله تعالى‪َ + :‬‬
‫فا ْ‬
‫ر" ]آل عمران‪ ،[159 :‬وقد كان‬ ‫م ِ‬
‫في ال ْ‬ ‫م ِ‬ ‫ه ْ‬
‫وْر ُ‬
‫شا ِ‬‫و َ‬‫م َ‬ ‫فْر ل َ ُ‬
‫ه ْ‬ ‫غ ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫وا ْ‬
‫َ‬
‫كثيًرا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم‪ ،‬كما استشارهم يوم بدر في‬
‫الذهاب إلى العير‪ ،‬وأخذ بمشورتهم‪ ،‬وشاورهم يوم أحد في أن يقعد‬
‫في المدينة‪ ،‬أو يخرج للعدو‪ ،‬فأشار جمهورهم بالخروج إليه فخرج‬
‫إليهم‪ ،‬وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الحزاب بثلث ثمار‬
‫المدينة عامئذ فأبى عليه السعدان )سعد بن معاذ‪ ،‬وسعد بن عبادة(‬
‫فترك ذلك‪ ،‬وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين‪،‬‬
‫فقال‪(4‬أبو بكر‪ :‬إنا لم نجئ لقتال‪ ،‬وإنما جئنا معتمرين‪ ،‬فأجابه إلى ما‬
‫قال) ‪ .‬وفي حوادث كثيرة يطول ذكرها‪ ،‬فقد كان عمر‪ -‬رضي الله‬
‫عنه‪ -‬يطمع أن يأخذ رسول الله × برأيه في مناجزة قريش وقتالهم‪،‬‬
‫ولهذا راجعه في ذلك‪ ،‬وراجع أبا بكر‪ ،‬فلما رأى اتفاقهما أمسك عن‬
‫وترك رأيه‪ ،‬فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته‬ ‫ذلك‬
‫وصدقه)‪.(5‬‬
‫أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله ×‬
‫وحلق‪ ،‬فليس معصية لمر رسول الله ×‪ ،‬وقد ذكر العلماء له عدة‬
‫توجيهات‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬قيل‪ :‬كأنهم توقفوا لحتمال أن يكون المر‬
‫بذلك للندب‪ ،‬أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور‪ ،‬أو‬
‫تخصيصه بالذن بدخولهم مكة ذلك العام لتمام نسكهم‪ ،‬وسوغ لهم‬
‫ذلك لنه كان زمان وقوع النسخ‪ ،‬ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال‬
‫فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم‪ ،‬مع ظهور‬
‫‪1‬‬
‫البداية والنهاية )‪ ،(4/170‬تاريخ الطبري )‪.(2/635‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(264‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫شرح صحيح مسلم )‪.(12/141‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪ (1/420‬عند تفسير قوله‪» :‬وشاورهم في المر«‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪.(226‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪85‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم‪ ،‬وقضاء نسكهم‬
‫بالقهر والغلبة‪ ،‬أو أخروا المتثال لعتقادهم أن المر المطلق ل‬
‫يقتضي الفور‪ ،‬ويحتمل مجموع هذه المور لمجموعهم)‪ ,(1‬وجاء في‬
‫بعض الروايات أن الرسول × لما رأى عدم امتثالهم دخل على أم‬
‫سلمة فذكر لها ذلك فقالت‪ :‬يا رسول الله ل تكلمهم فإنهم دخلهم‬
‫أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح‬
‫ورجوعهم بغير فتح)‪ ,(2‬فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري‪ :‬أن‬
‫دا منهم كلمة حتى تنحر بدنك‪ ،‬وتدعو حالقك‬ ‫أخرج ثم ل تكلم أح ً‬
‫فعل ذلك‪ ،‬نحر بدنه‪ ،‬ودعا‬ ‫حتى‬ ‫منهم‬ ‫دا‬
‫ً‬ ‫أح‬ ‫يكلم‬ ‫فيحلقك‪ ،‬فخرج لم‬
‫حالقه فحلقه‪ ،‬فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا)‪ ,(3‬قال ابن حجر‪ :‬ويحتمل‬
‫أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي × أمرهم‬
‫ذا بالرخصة في حقهم‪ ،‬وأنه يستمر على الحرام أخ ً‬
‫ذا‬ ‫بالتحلل أخ ً‬
‫بالعزيمة في حق نفسه‪ ،‬فأشارت عليه أن يتحلل لينتفى عنهم هذا‬
‫الحتمال‪ ،‬وعرف النبي × صواب ما أشارت به ففعله‪..‬ونظير هذا ما‬
‫وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان‪ ،‬فلما‬
‫استمروا( على المتناع‪ ،‬تناول القدح فشرب‪ ،‬فلما رأوه شرب‬
‫شربوا)‪. 4‬‬
‫وهذا الوجه حسن‪ ،‬وهو اللئق بمقام أصحاب النبي ×‪ ،‬فلما‬
‫أمرهم النبي × بالتحلل ولم يفعل‪ ،‬ظنوا أن الذي حمله على هذا هو‬
‫الشفقة عليهم‪ ،‬كما كانت سيرته معهم‪ ،‬فكأنهم – رضي الله عنهم –‬
‫آثروا التأسى به على ما رخص لهم فيه من التحلل‪ ،‬ثم لما رأوه قد‬
‫تحلل أيقنوا أن هذا هو الفضل في حقهم‪ ،‬فبادروا إليه‪ ،‬وهذا مثل ما‬
‫حصل منهم في الحج مع النبي × لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا‬
‫أمرهم أن يحلوا‪ ،‬وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة‪ ،‬فكبر ذلك‬
‫عليهم لتعظيمهم لنسكهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر‬
‫من المنى‪ ،‬فلما علم بذلك الرسول × وكان لم يتحلل‪ ،‬قال لهم‪:‬‬
‫»أيها الناس أحلوا فلول الهدى الذي معي فعلت كما‬
‫«قال جابر‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬راوى الحديث‪ :‬فحللنا وسمعنا‬ ‫فعلتم‬
‫)‪(5‬‬
‫× على الخير‬ ‫الله‬ ‫رسول‬ ‫أصحاب‬ ‫حرص‬ ‫من‬ ‫كله‬ ‫وهذا‬ ‫‪,‬‬ ‫وأطعنا‬
‫والرغبة في التأسى برسول الله × التأسى الكامل)‪.(6‬‬
‫إن موقف النبي × في سكوته على عمر رضي الله عنه عندما‬
‫عارضه على الصلح يعطي قيمة كبرى بأنه على القيادات السلمية‬
‫من حكام وعلماء ودعاة أن يتحلوا بسعة الصدر وحسن الستماع‬
‫للرأي الخر‪ .‬وإعطاء المجال لكل ذي رأي أن يعبر عن رأيه بما‬
‫يخدم المصلحة العامة‪ ،‬ل أن يفتح السجون ويكمم الفواه‪ .‬إن النبي‬
‫× في صلح الحديبية بين أن حرية إبداء الرأي مكفولة في المجتمع‬
‫السلمي‪ ،‬وأن للفرد في المجتمع المسلم الحرية في التعبير عن‬
‫دا لموقف حاكم من الحكام أو خليفة من‬ ‫رأيه‪ ،‬ولو كان هذا الرأي نق ً‬
‫الخلفاء‪ ،‬فمن حق الفرد المسلم أن يبين وجهة نظره في جو من‬
‫المن دون إرهاب أو تسلط يخنق حرية الكلمة والفكر‪ ،‬وإذا كان هذا‬
‫‪1‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(5/347‬‬
‫‪2‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(5/347‬‬
‫‪3‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(5/347‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك الشروط ‪.2732‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬ك العتصام رقم ‪.7367‬‬
‫‪6‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص)‪ ،(268‬وهذا من أفضل الكتب في الرد على‬
‫بعض شبهات الروافض‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪86‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫موقف رسول الله × مع عمر‪ ،‬فمعارضة رئيس الدولة – من باب‬
‫أولى – في رأي من الراء وموقف من المواقف ليست بحد ذاتها‬
‫جريمة تستوجب العقاب‪ ،‬ويغيب صاحبها في غياهب السجون)‪ ,(1‬كما‬
‫أن الهدى النبوي الكريم يعلمنا كيف يربي أصحابه من خلل‬
‫الحداث‪ .‬ولقد نال على رضي الله عنه في الحديبية مع من حضر‬
‫من أصحاب رسول الله‪ ،‬رضا الله عز وجل ونزل فيهم قوله تعالى‪:‬‬
‫ة"‬‫جَر ِ‬‫ش َ‬‫ت ال ّ‬ ‫ح َ‬ ‫عون َ َ‬
‫ك تَ ْ‬ ‫ن إ ِذْ ي َُباي ِ ُ‬‫مِني َ‬
‫ؤ ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ع ِ‬
‫ه َ‬‫ي الل ُ‬
‫ض َ‬
‫قدْ َر ِ‬ ‫‪ +‬لَ َ‬
‫وقال رسول الله ×‪» :‬لن يدخل أحد النار بايع تحت‬ ‫‪،‬‬ ‫]الفتح‪[18:‬‬
‫الشجرة«)‪ ,(2‬وقد نال على رضي الله عنه وإخوانه مثل أبى بكر‬
‫ما وشرًفا عالًيا‪ ،‬فقد قال‬ ‫ما عظي ً‬ ‫وعمر وغيرهما من قبل في بدر وسا ً‬
‫اطلع على أهل‬ ‫الله‬ ‫لعل‬ ‫يدريك‬ ‫رسول الله في أهل بدر‪» :‬وما‬
‫بدر فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم«)‪.(3‬‬
‫رابًعا‪ :‬عمرة القضاء ‪7‬هـ وعلى رضي الله عنه‪ ،‬وحضانة ابنة‬
‫حمزة رضي الله عنهما‪:‬‬
‫ما‪ ،‬فعادت‬ ‫لقد تغيرت النفوس والعقول بتأثير السلم تغيًرا عظي ً‬
‫البنت‪ -‬التي كان يتعير بها أشراف العرب‪ ،‬وجرت عادة وأدها في‬
‫دا في البنات – حبيبة يتنافس في‬ ‫بعض القبائل فراًرا من العار‪ ،‬وزه ً‬
‫المسلمون‪ ،‬وكانوا سواسية‪ ،‬ول يرجح بعضهم على بعض إل‬ ‫تربيتها‬
‫بفضل أو حق)‪ ,(4‬فلما أراد النبي × الخروج من مكة‪ ،‬تبعته ابنة‬
‫حمزة تنادي‪ :‬يا عم‪ ،‬فتناولها على‪ ،‬فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي‬
‫الله عنها‪ :‬دونك ابنة عمك‪ ،‬فاختصم فيها على وزيد وجعفر‪ .‬قال‬
‫على‪ :‬أنا أخذتها وهي بنت عمي‪ ،‬وقال جعفر‪ :‬هى ابنة عمي وخالتها‬
‫تحتي‪ ،‬وقال زيد‪ :‬ابنة أخي‪ ،‬فقضي بها النبي × لخالتها وقال‪ :‬الخالة‬
‫بمنزلة الم‪ ،‬وقال لعلي‪ :‬أنت مني وأنا منك‪ ،‬وقال لجعفر‪:‬‬
‫أشبهت خلقي وخلقى‪ ،‬وقال لزيد‪ :‬أنت أخونا ومولنا‪،‬وقال‬
‫لرسول الله ×‪ :‬أل تتزوج بنت حمزة‪ .‬قال‪ :‬إنها ابنة أخي من‬ ‫على‬
‫الرضاعة)‪.(5‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر وأحكام وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬الخالة بمنزلة الم‪.‬‬
‫‪ -2‬الخالة تقدم على غيرها في الحضانة إذا لم يوجد البوان‪.‬‬
‫‪ -3‬تزكية رسول الله × لجعفر بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫ووصفه له بقوله‪ :‬أشبهت خلقي وخلقي‪.‬‬
‫‪ -4‬منقبة زيد بن حارثة‪ :‬يقول له الرسول‪ :‬أنت أخونا ومولنا‪،‬‬
‫خا لحمزة بن عبد المطلب‪ ،‬فقد آخي الرسول × بينهما‪،‬‬ ‫لنه كان أ ً‬
‫وهو باجتهاده يريد أن يكون عليه ما على الخ الشقيق من واجبات‪،‬‬
‫والواجب أن يكون ولًيا على بنت حمزة رضي الله عنه‪.‬‬
‫‪ -5‬زواج المرأة ل يسقط حقها في الحضانة‪ :‬لقد حكم النبي ×‬
‫إلى زوجة جعفر بالحضانة وعمتها صفية بنت عبد المطلب حية‬
‫‪1‬‬
‫غزوة الحديبية لبى فارس‪ :‬ص )‪.(135 ،134‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البخاري رقم ‪ ،4840‬مسلم ‪.1856‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫البخاري رقم ‪ ،3983‬مسلم ‪.2494‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫السيرة النبوية للندوي‪ :‬ص )‪.(321‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫البخاري رقم ‪.4251‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪87‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫موجودة‪.‬‬
‫‪ -6‬لبد من موافقة الزوج على حضانة زوجته لبنة أختها‪ ،‬لن‬
‫الزوجة محتبسة لمصلحته ومنفعته‪ ،‬والحضانة قد تفوت هذه‬
‫المصلحة جزئًيا‪ ،‬فلبد من استئذانه‪ ،‬ونلحظ هنا أن جعفر بن أبى‬
‫طالب قد طالب بحضانة بنت عمه حمزة لخالتها وهى زوجة له‪ ،‬فدل‬
‫على رضاه بذلك‪.‬‬
‫خا له في الرضاعة‪،‬‬ ‫‪ -7‬إن الطفل إذا رضع مع عمه يصبح أ ً‬
‫وتصبح بناته كلهن بنات أخيه من الرضاعة‪ ،‬فيحرم عليه نكاحهن)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬علي رضي الله عنه في غزوة خيبر ‪7‬هـ‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫)‪(2‬‬
‫أنها كانت في المحرم من السنة السابعة‬ ‫)‪(3‬‬
‫ذكر ابن إسحاق ‪,‬‬
‫السنة‬
‫)‪(4‬‬
‫من‬ ‫الول‬ ‫ربيع‬ ‫أو‬ ‫صفر‬ ‫في‬ ‫كانت‬ ‫أنها‬ ‫الواقدى‬ ‫للهجرة‪ ،‬وذكر‬
‫السابعة للهجرة‪ ،‬بعد العودة من غزوة الحديبية‪ ،‬وذهب ابن سعد‬
‫الزهري ومالك‪:‬‬ ‫إلى أنها في جمادى الولى سنة سبع‪ ،‬وقال المامان‬
‫السادسة)‪ (5‬وقد رجح ابن حجر)‪ (6‬قول ابن‬ ‫إنها في محرم من السنة‬
‫إسحاق على قول الواقدى)‪ ,(7‬وفي هذه الغزوة تجلت بطولة أمير‬
‫المؤمنين على بن أبى طالب‪ ،‬ومكانته عند الله وعند رسوله‪ ،‬وما‬
‫قدر الله من فتح هذه المستعمرة اليهودية‪(8)،‬ذات الهمية العسكرية‬
‫الستراتيجية على يده في مظهر جلى رائع ‪ ,‬فقد كانت خيبر‬
‫عا حصينة‪ ،‬وقاعدة حربية لليهود‪ ،‬آخر‬ ‫مستعمرة يهودية تتضمن قل ً‬
‫معقل من معاقلهم في جزيرة العرب‪ ،‬وكانوا يتربصون بالمسلمين‬
‫الدوائر‪ ،‬ويتآمرون مع يهود المدينة وخارجها لغزو المدينة‪ ،‬فأراد‬
‫رسول الله × أن يستريح منهم‪ ،‬ويأمن من جهتهم‪ ،‬وكانت في‬
‫الشمال الشرقي للمدينة على بعد سبعين ميل ً منها)‪ ,(9‬توجه رسول‬
‫فا وأربعمائة‪ ،‬ونازل حصون خيبر‪،‬‬ ‫الله × بجيشه إلى خيبر‪ ،‬وكانوا أل ً‬
‫واستعصى حصن القموص على المسلمين‪،‬‬ ‫وبدأ يفتحها حصًنا حصًنا‪،‬‬
‫دا)‪ ,(10‬فقال رسول الله ×‪» :‬لعطين‬ ‫وكان على بن أبى طالب رم ً‬
‫دا رجل ً يفتح الله على يديه‪ ،‬يحب الله‬
‫)‪(11‬‬
‫هذه الراية غ ً‬
‫ورسوله ويحبه الله ورسوله«‪ ،‬فبات الناس يدوكون ليلتهم‬
‫أيهم ُيعطاها؟ فلما أصبح الناس‪ ،‬غدوا على رسول الله × كلهم‬
‫ى بن أبى طالب؟ فقيل‪ :‬هو يا‬ ‫يرجون أن يعطاها‪ ،‬فقال‪ :‬أين عل ّ‬
‫رسول الله يشتكي عينيه‪ .‬قال‪ :‬فأرسلوا إليه‪ ،‬فأتى به‪ ،‬فبصق‬
‫رسول الله في عينيه‪ ،‬ودعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع‪،‬‬
‫فأعطاه الراية‪ ،‬فقال على‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( زاد المعاد )‪ ،(375 ،2/374‬صلح الحديبية لبى فارس‪ :‬ص )‪.(287 ،286‬‬
‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/455‬‬
‫‪3‬‬
‫)( المغازى )‪.(2/634‬‬
‫‪4‬‬
‫)( الطبقات )‪.(2/106‬‬
‫‪5‬‬
‫)( تاريخ دمشق )‪.(1/33‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الفتح )‪ (16/41‬السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص )‪.(500‬‬
‫‪7‬‬
‫)( السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص )‪.(500‬‬
‫‪8‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص)‪.(52‬‬
‫‪9‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪.(52) :‬‬
‫‪10‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ :‬ص )‪.(53‬‬
‫‪11‬‬
‫)(أي‪ :‬بات الناس في اختلط واختلف‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪88‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫فقال‪» :‬انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم‪ ،‬ثم ادعهم‬
‫إلى السلم‪ ،‬وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه‪،‬‬
‫دا خير لك من أن يكون‬ ‫فوالله لن يهدي الله بك رجل ً واح ً‬
‫عم«)‪ (1‬فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر‪ ،‬وكان من‬
‫مر الن ّ َ‬
‫ح ْ‬
‫لك ُ‬
‫صور بطولته فيها أن خرج له مرحب ملكهم‬
‫وهو يقول‪:‬‬
‫مجرب‬‫شاكي السلح بطل ُ‬ ‫قد علمت خيبر أني مرحب‬
‫إذا الحروب أقبلت ت َل َهّ ُ‬
‫ب‬
‫فقال على‪:‬‬
‫كليث غابات كريه المنظرة‬ ‫أنا الذي سمتني أمي حيدرة‬
‫ُأوفيهم بالصاع كيل السندرة‬
‫فضرب رأس مرحب فقتله‪ ،‬ثم كان الفتح على يديه)‪.(2‬‬
‫وفي موقف على في غزوة خيبر دروس وعبر وفوائد منها‪:‬‬
‫‪ -1‬فضيلة عظيمة ومنقبة ظاهرة لمير المؤمنين على رضي الله‬
‫عنه‪:‬حيث شهد له النبي × بالمحبة في قوله‪» :‬يحب الله ورسوله‬
‫ويحبه الله ورسوله« وقال ابن حجر في معنى أن علًيا يحب الله‬
‫ورسوله أراد بذلك وجوب المحبة‪ ،‬وإل فكل مسلم يشترك مع على‬
‫ق ْ‬
‫ل‬ ‫في مطلق هذه الصفة‪ .‬وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫م‬ ‫غ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َ‬ ‫حب ِب ْك ُ ُ‬
‫م الل ُ‬ ‫عوِني ي ُ ْ‬ ‫فات ّب ِ ُ‬‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫حّبو َ‬ ‫م تُ ِ‬ ‫ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫إلى‬ ‫أشار‬ ‫فكأنه‬ ‫[‪.‬‬‫‪31‬‬ ‫عمران‪:‬‬ ‫]آل‬ ‫"‬ ‫م‬ ‫حي‬
‫ٌ ّ ِ ٌ‬ ‫ر‬ ‫ر‬‫فو‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫غ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫والل‬ ‫م َ‬ ‫ذُُنوب َك ُ ْ‬
‫أن علًيا تام التباع لرسول الله × حتى اتصف بصفة محبة الله له)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬بركة دعائه ×‪ :‬حيث استجاب الله لدعاء رسوله × وقد قال‬
‫ت منذ تفل النبي× في عيني)‪ ,(4‬كما أن‬ ‫مد ْ ُ‬ ‫على رضي الله عنه‪ :‬ما َر ِ‬
‫علًيا رضي الله عنه مرض مرة‪ ،‬فأتاه النبي × وهو يقول‪ :‬اللهم إن‬
‫كان أجلي قد حضر فأرحني‪ ،‬وإن كان متأخًرا فارفعني‪ ،‬وإن كان‬
‫البلء فصبرني‪ ،‬فقال له رسول الله ×‪ :‬ما قلت؟ فأعاد عليه‪ ،‬فقال‬
‫اللهم عافه«‪ ،‬ثم قال‪ :‬قم‪.‬‬ ‫رسول الله ×‪» :‬اللهم اشفه‪،‬‬
‫فقمت‪ ،‬فما عاد لي ذلك الوجع بعده)‪.(5‬‬
‫‪ -3‬ل علقة بين هذا الحديث وإمامة علي رضي الله عنه‪:‬ذهب‬
‫الروافض إلى أن علًيا رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي ×‪،‬‬
‫واستدلوا بمجموعة من الحاديث تدل على فضله ول تدل على‬
‫إمامته‪ ،‬منها هذا الحديث وزادوا فيه زيادات باطلة ل تصح عند علماء‬
‫الحديث‪ ،‬كما أنه ل ملزمة بين كونه محًبا لله ورسوله ومحبوًبا لهما‬
‫ل‪ .‬على أنه ل يلزم من إثباتهما له‬ ‫ما بل فضل أص ً‬ ‫وبين كونه إما ً‬
‫نفيهما عن غيره‪ ،‬كيف وقد قال الله تعالى في حق أبى بكر ورفقائه‪:‬‬
‫ن‬‫ه" ]المائدة‪ ،[54:‬وقال في حق أهل بدر‪+ :‬إ ِ ّ‬ ‫حّبون َ ُ‬ ‫وي ُ ِ‬‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫حب ّ ُ‬‫‪+‬ي ُ ِ‬
‫‪1‬‬
‫مسلم رقم ‪.2406‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫مسلم )‪ (3/1441‬رقم ‪.1807‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/72‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم ‪589‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫مسند أحمد )‪ (2/151‬صححه أحمد شاكر‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪89‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫َ‬
‫ن‬‫م ب ُن َْيا ٌ‬ ‫ه ْ‬ ‫فا ك َأن ّ ُ‬ ‫ص ّ‬ ‫ه َ‬ ‫سِبيل ِ ِ‬ ‫في َ‬ ‫ن ِ‬ ‫قات ُِلو َ‬ ‫ن يُ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ب ال ّ ِ‬ ‫ح ّ‬ ‫ه يُ ِ‬ ‫الل َ‬
‫ص" ]الصف‪ ،[4:‬ول شك أن من يحبه الله يحبه رسوله‪ ،‬ومن‬ ‫ٌ‬ ‫صو‬ ‫مْر ُ‬ ‫ّ‬
‫يحب الله من المؤمنين يحب َرسوله‪ ،‬وقال في شأن أهل مسجد‬
‫ب‬ ‫ح ّ‬ ‫ه يُ ِ‬ ‫والل ُ‬ ‫هُروا َ‬ ‫ن أن ي َت َطَ ّ‬ ‫حّبو َ‬ ‫ل يّ ِ‬ ‫جا ٌ‬ ‫ر َ‬ ‫ه ِ‬ ‫في ِ‬ ‫قباء‪ِ + :‬‬
‫من أحب الناس إليك؟ قال‪:‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫سئل‪:‬‬ ‫[‪.‬ولما‬ ‫‪108‬‬ ‫]التوبة‪:‬‬ ‫"‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ري‬‫ه ِ‬ ‫مطّ ّ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫عائشة‪ .‬قيل‪ :‬ومن الرجال؟ قال‪ :‬أبوها ‪.‬وإنما نص على المحبة‬
‫غيره لنكتة دقيقة تحصل‬ ‫والمحبوبية في حق على مع وجودهما في‬
‫من ضمن قوله‪» :‬يفتتح الله على يديه«)‪ .(2‬وهي أنه لو ذكر‬
‫مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد في‬
‫قوله×‪» :‬إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر«‪ .‬فأزال ذلك‬
‫التوهم بإثبات هاتين الصفتين له‪ ،‬فصار المقصود من تخصيص‬
‫مضمون »يفتح الله على يديه« وما ذكر من الصفات لزالة ذلك‬
‫الوهم)‪.(3‬‬
‫ى في فتح‬ ‫‪ -4‬وهناك مجموعة من الفوائد من حديث فضل عل ّ‬
‫خيبر منها‪:‬‬
‫‪ -‬فضل الصحابة في انشغالهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة‬
‫الفتح‪ ،‬لنهم انشغلوا عنها بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله‪،‬‬
‫ويحبه الله ورسوله‪ ،‬واليمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها‬
‫ن الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين كلهم‬ ‫ومنعها عمن سعى‪ ،‬ل ّ‬
‫يرجون أن ُيعطاها ولم يعطوها‪ ،‬وعلى بن أبى طالب مريض‪ ،‬ولم‬
‫يسع لها‪ ،‬ومع ذلك أعطى الراية‪.‬‬
‫‪ -‬الدب في قوله‪ :‬على رسلك‪ ،‬ووجهه أنه أمره بالتمهل وعدم‬
‫التسرع‪ ،‬والدعوة إلى السلم قبل القتال‪ ،‬والدعوة بالحكمة‪ ،‬تؤخذ‬
‫من قوله‪ :‬أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ثم‬ ‫لن من الحكمة أن تتم الدعوة‪ ،‬وذلك بأن تأمره بالسلم أو ً‬
‫تخبره بما يجب عليه من حق الله‪ ،‬ول يكفي أن تأمره بالسلم لنه‬
‫قد يطبق هذا السلم الذي أمرته به‪ ،‬وقد ل يطبقه‪ ،‬بل لبد من‬
‫تعاهده حتى ل يرجع إلى الكفر‪ .‬والمعرفة بحق الله في السلم‬
‫تؤخذ من قوله×‪» :‬وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله‬
‫تعالى فيه«‪.‬‬
‫‪ -‬ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد‪ ،‬لقوله ×‪» :‬لن يهدى‬
‫دا خير لك من حمر النعم« أي‪ :‬خير لك من‬ ‫الله بك رجل ً واح ً‬
‫كل ما يستحسن في الدنيا‪ ،‬وليس المعنى كما قال بعضهم‪ :‬خير لك‬
‫من أن تتصدق بنعم حمر‪.‬‬
‫‪ -‬الحلف على الفتيا لقوله × »فوالله لن يهدى الله‪...‬إلخ فأقسم‬
‫يستقسم‪ ،‬والفائدة‪ :‬هى حثه على أن يهدى الله به‬ ‫النبي × وهو لم ُ‬
‫ثلثة مواضع من‬ ‫ك أَ‬ ‫وفي‬ ‫بالحلف‬ ‫رسوله‬ ‫الله‬ ‫أمر‬ ‫والتوكيد عليه‪ .‬وقد‬
‫إي‬
‫ِ‬ ‫ل‬‫ْ‬ ‫ُ‬
‫ق‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ق‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ست َن ْب ُِئون َ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫قوله‬ ‫في‬ ‫القرآن الكريم‪،‬‬
‫روا َأن‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ز‬‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫قوله‪:‬‬ ‫وفي‬ ‫[‪،‬‬ ‫‪53‬‬ ‫]يونس‪:‬‬ ‫"‬ ‫ق‬‫ه لَ َ ّ‬
‫ح‬ ‫وَرّبي إ ِن ّ ُ‬ ‫َ‬
‫ن" ]التغابن‪.[7 :‬وفي قوله تعالى‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬‫ع‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫بي‬‫ّ‬ ‫ر‬
‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ق‬‫ُ‬ ‫ثوا‬ ‫ع ُ‬ ‫ّلن ي ُب ْ َ‬
‫ْ‬
‫وَرّبي‬ ‫ل ب ََلى َ‬ ‫ق ْ‬ ‫ة ُ‬ ‫ع ُ‬ ‫سا َ‬ ‫روا ل َ ت َأِتيَنا ال ّ‬ ‫ف ُ‬‫ن كَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ل ال ّ ِ‬ ‫قا َ‬ ‫و َ‬ ‫‪َْ +‬‬
‫سم مصلحة ابتداء‪ ،‬أو جواًبا‬ ‫م" ]سبأ‪ ،[3:‬فإذا كان هناك في الَق َ‬ ‫ل َت َأت ِي َن ّك ُ ْ‬
‫‪1‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬فتح الباري )‪.(7/22‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.(2406‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪(70‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪90‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫لسؤال جاز وربما يكون مطلوًبا)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬علي رضي الله عنه في فتح مكة وغزوة حنين ‪8‬هـ‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫نقضت قريش صلحها مع رسول الله × بمساندتها بنى بكر على‬
‫خزاعة حليف المسلمين‪ ،‬ودعمتهم بالخيل والسلح والرجال‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله‪» :‬نصرت يا عمرو بن سالم‪ ،‬ل نصرني الله إن‬
‫من( السماء قال‪» :‬إن‬ ‫لم أنصر بنى كعب«ولما عرض السحاب‬
‫هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب«)‪ 2‬وقد جاء عمرو بن‬
‫سالم إلى المدينة وأنشد قصيدة بين يدي رسول الله × جاء فيها‪:‬‬
‫حلف أبينا وأبيه التلدا‬ ‫دا‬
‫يا رب إني ناشد محم ً‬
‫ُثمت أسلمنا فلم ننزع يدا‬ ‫دا‬
‫دا‪ ،‬وكنا ول ً‬
‫قد كنتم ول ً‬
‫وادع عباد الله ياتوا مددا‬ ‫فانصر هداك الله نصًرا أعتدا‬
‫إن سيم خسفا وجهه تربدا‬ ‫فيهم رسول الله قد تجردا‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫وهم أذل وأقل عددا‬ ‫دا‬
‫وزعموا أن لست أدعو أح ً‬
‫وقتلونا ُر ّ‬
‫كعا وسجدا‬ ‫دا‬
‫هم بيتونا بالوتير هج ً‬
‫وبعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصلح وإطالة‬
‫أمده‪ ،‬وعندما وصل إلى المدينة دخل على رسول الله × يعرض‬
‫حاجته‪ ،‬أعرض عنه النبي × ولم يجبه‪ ،‬فاستعان بكبار الصحابة أمثال‬
‫أبى بكر وعمر وعثمان وعلى حتى يتوسطوا بينه وبين رسول الله‬
‫×‪ ،‬فأبوا جميًعا‪ ،‬فعاد أبو سفيان إلى مكة من غير أن يحظى بأي‬
‫اتفاق أو عهد)‪ ,(3‬وكانت لعلي رضي الله عنه في فتح مكة مواقف‬
‫متعددة منها‪:‬‬
‫‪ -1‬إحباط محاولة تجسس لصالح قريش‪ :‬عن حسن بن محمد‬
‫بن على بن عبيد الله ابن أبى رافع أنه سمع علًيا يقول‪ :‬بعثني‬
‫رسول الله × أنا والزبير والمقداد فقال‪» :‬انطلقوا حتى تأتوا‬
‫ن بها ظعينة معها كتاب فخذوه‬ ‫روضة خاخ‪ ،‬فإ ّ‬
‫منها«‪.‬فانطلقنا ت ََعادى بنا خي ُْلنا حتى أتينا الروضة‪ ،‬فإذا نحن‬
‫الكتاب‪ ،‬قالت‪ :‬ما معي من كتاب‪ .‬قلنا‬ ‫بالظعينة‪ ،‬قلنا‪ :‬أخرجي‬
‫ن)‪ (4‬الثياب قال‪ :‬فأخرجت الكتاب من‬ ‫ّ‬ ‫نلقي‬
‫ن الكتاب أو ل ُ‬ ‫لُتخرج ّ‬
‫عقاصها‪ ،‬فأخذنا الكتاب‪ ،‬فأتينا به رسول الله ×‪ ،‬فإذا فيه‪ :‬من‬
‫حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة‪ ،‬يخبرهم ببعض‬
‫أمر رسول الله ×‪ ،‬فقال رسول الله‪ :‬يا حاطب ما هذا؟قال‪ :‬ل‬
‫فسها‪،‬‬ ‫قا في قريش‪ ،‬ولم أكن من أن ُ‬ ‫مل ْ َ‬
‫ص ً‬ ‫ى‪ ،‬إني كنت أمرأ ُ‬ ‫تعجل عل ّ‬
‫وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫القول المفيد على كتاب التوحيد‪ ،‬لمحمد صالح )‪.(142 ،1/141‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(4/278‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫التاريخ السياسي والعسكري د‪ .‬على معطي‪ :‬ص)‪.(365‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫في رواية‪ :‬أو لنقلبن‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪91‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫دا يحمون بها‬ ‫فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أّتخذ فيهم ي ً‬
‫ضا بالكفر‬ ‫قرابتي‪ ،‬وما فعلت ذلك كفًرا‪ ،‬ول ارتداًدا عن ديني ول ر ً‬
‫فقال رسول الله‪» :‬إنه قد صدقكم« فقال عمر‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫بعد السلم‬
‫َدعني أضرب عُُنق هذا المنافق‪ .‬فقال‪» :‬إنه قد شهد بدًرا‪ ،‬وما‬
‫ع)‪(1‬إلى أهل بدر فقال‪ :‬اعملوا ما‬ ‫ل الله قد ا ّ‬
‫طل َ‬ ‫يدريك لع ّ‬
‫شئتم‪ ،‬فقد غفرت لكم« ‪.‬‬
‫جْرنا من أجرت يا أم هانئ‪ :‬قالت أم هانئ بنت أبى طالب –‬ ‫‪ -2‬أ َ‬
‫أخت على رضي الله عنهما‪ :-‬لما نزل رسول الله × بأعلي مكة فر‬
‫هبيرة بن أبى‬ ‫ى رجلن من أحمائى‪ ،‬من بنى مخزوم‪ ،‬وكانت عند ُ‬ ‫إل ّ‬
‫ى على بن أبى طالب أخي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عل‬ ‫فدخل‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫المخزومي‪،‬‬ ‫وهب‬
‫فقال‪ :‬والله لقتلنهما‪ ،‬فأغلقت عليهما باب بيتي‪ ،‬ثم جئت رسول الله‬
‫× وهو بأعلى مكة‪ ،‬فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لثر العجين‪،‬‬
‫وفاطمة ابنته تستره بثوبه‪ ،‬فلما اغتسل أخذ ثوبه‪ ،‬فتوشح به‪ ،‬ثم‬
‫ى فقال‪ :‬مرحًبا‬ ‫صلى ًثماني ركعات من الضحى‪ ،‬ثم انصرف إل ّ‬
‫على‪،‬‬ ‫وخبر‬ ‫الرجلين‬ ‫وأهل يا أم هانئ ما جاء بك؟ فأخبرته خبر‬
‫مّنا من أمنت‪ ،‬فل يقتلهما)‪,(2‬‬ ‫فقال‪ :‬قد أجرنا من أجرت وأ ًّ‬
‫وبناء على ما تقدم‪ ،‬فإن تأمين المسلم للكافر من أهل الحرب‬
‫م فل يجوز للمسلمين أن يتعرضوا له بشيء‪..‬‬ ‫يجعله في أمان‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫وحتى ُيصان حقّ التأمين هذا من أي ضرر يمكن أن يلحق‬
‫م‪ْ(3‬عطي‬ ‫بالمسلمين من جّرائه – فقد شرط الفقهاء لصحّته أن يتجّرد َ ُ‬
‫خُلو ذلك المان الممنوح من أّية مفسدة) ‪ ,‬أو‬ ‫مة‪ ،‬وي َ ْ‬ ‫المان من الّته َ‬
‫يرفع المر إلى ولي المر ليرى رأيه فيه‪.‬‬
‫‪ -3‬مقتل الحويرث بن نقيد بن وهب‪ :‬في هذا الفتح العظيم‪ ،‬كان‬
‫النبي × قد عهد إلى أمرائه أل يقاتلوا إل من قاتلهم‪ ،‬غير أنه أهدر‬
‫ماهم‪ ،‬وإن وجدوا تحت أستار الكعبة‪ ،‬منهم الحويرث بن‬ ‫م نفر س ّ‬ ‫د َ‬
‫يؤذي النبي × بمكة‪ ،‬ولما تحمل العباس‬ ‫ممن‬ ‫كان‬ ‫وهب‪،‬‬ ‫بن‬ ‫نقيذ‬
‫هما عليه‬ ‫)‪(5‬‬
‫بفاطمة وأم كلثوم‪ ،‬نخس)‪ (4‬بهما الحويرث الجمل الذي‬
‫ى قتله ‪.‬‬ ‫فسقطتا على الرض‪ ،‬فلما أهدر دمه وظفر به عل ّ‬
‫‪ -4‬علي رضي الله عنه في مهمة إصلحية‪:‬أرسله الرسول ×‬
‫إلى بنى جذيمة‪ ،‬ليتلفى خطأ خالد بن الوليد في قتل بعضهم‪ ،‬وذلك‬
‫دا في السنة الثامنة للهجرة عقب فتح مكة‪،‬‬ ‫أن الرسول × بعث خال ً‬
‫إلى بنى جذيمة يدعوهم إلى السلم فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬صبأنا‪ ،‬فأخذ خالد يقتل منهم ويأسر‪ ..‬فلما بلغ رسول الله ×‬
‫ما صنع خالد‪ ،‬رفع يديه فقال‪ :‬اللهم إني أبرأ إليك مما صنع‪،‬‬
‫مرتين)‪ ,(6‬فبعث الرسول × علًيا إليهم‪ ،‬لينظر في أمرهم وبعث معه‬
‫ى بمهمته خير قيام‪ ،‬فودى قتيلهم وعوضهم عما‬ ‫بمال‪ ،‬فقام عل ّ‬
‫أصيب في الدماء والموال حتى أنه ليدي ميلغة)‪ (7‬الكلب‪ ،‬ولما انتهى‬
‫من ذلك كله‪ ،‬سألهم‪ :‬هل بقى لكم بقية من دم أو مال لم يود‬
‫‪1‬‬
‫إسناده صحيح‪ ،‬الموسوعة الحديثية مسند أحمد رقم ‪.600‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫صحيح السيرة‪ :‬ص )‪.(527‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫الجهاد والقتال في السياسة الشرعية )‪.(3/1051‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫نخس الدابة‪ :‬هيجها‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫فتح الباري )‪ ،(8/11‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(59 ،4/58‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫البخاري رقم )‪.(4339‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫ميلغة‪ :‬اسم آلة‪ ،‬والفعل »يلغ« بمعنى يشرب‪.‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪92‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫إليكم؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال‪،‬‬
‫ولما رجع إلى‬ ‫طا لرسول الله × مما ليعلم ول تعلمون‪ ،‬ففعل‪،‬‬ ‫إحتيا ً‬
‫)‪(1‬‬
‫رسول الله × وأخبره بالخبر قال‪» :‬أصبت وأحسنت« ‪ .‬وبهذه‬
‫ما وحمل ً‬ ‫المهمة الجليلة الموفقة‪ ،‬أزال على ‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬ه ّ‬
‫أثقل الرسول ×)‪ ,(2‬وبهذا الهدى النبوي الحكيم)‪(3‬واسى النبي× بنى‬
‫جذيمة‪ ،‬وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن ‪ ,‬وكان قتل خالد‬
‫منه واجتهاًدا خاطًئا‪ ،‬وذلك بدليل أن الرسول × لم‬ ‫لبنى جذيمة تأول ً‬
‫يعاقبه على فعله)‪ , (4‬ولم يعزله‪.‬‬
‫‪ -5‬على رضي الله عنه في غزوة حنين‪ :‬من أعماله الجهادية‬
‫التي تتسم بالشجاعة وتدل على الخبرة في القتال ما كان في غزوة‬
‫حنين في العام الثامن من الهجرة‪ ،‬فقد ثبت مع الرسول ×‪ ،‬مع من‬
‫ثبت معه من المهاجرين والنصار‪ ،‬وكان في جيش هوازن رجل على‬
‫جمل أحمر بيده راية سوداء‪ ،‬إذا أدرك طعن برمحه‪ ،‬وإذا فاته الناس‬
‫رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه‪ ،‬فأدرك على بعبقريته الحربية‪،‬‬
‫وتجربته الطويلة‪ ،‬أن لهذا الرجل عامل ً مؤثًرا في حماس هوازن‬
‫وشدتها‪ ،‬فاتجه على بن أبى طالب‪ -‬رضي الله عنه – ورجل من‬
‫وقتله‪ ،‬فما كانت إل‬ ‫النصار نحوه واستطاعا إسقاطه من على جمله‬
‫ساعة حتى انهزموا وولوا الدبار وانتصر المسلمون)‪.(5‬‬
‫‪ -6‬سرية علي رضي الله عنه لهدم الصنم الفلس في بلد‬
‫طئ‪:‬بعد أن طهر النبي × البيت الحرام من الوثان التي كانت فيه‪،‬‬
‫حا طويل ً من‬ ‫كان لبد من هدم البيوت التي كانت معالم للجاهلية رد ً‬
‫الزمن)‪ ,(6‬فكانت سرايا رسول الله × تترى لتطهير الجزيرة منها‪،‬‬
‫فكانت من نصيب على رضي الله عنه صنم الفلس في بلد طئ‪،‬‬
‫ففي ربيع الخر خرجت سرية على بن أبى طالب إلى الفلس – صنم‬
‫لطئ – ليهدمه‪ ،‬وكان تعدادها خمسين ومائة رجل من النصار‪ ،‬على‬
‫سا‪ ،‬ومع راية سوداء ولواء أبيض‪ ،‬فشنوا‬ ‫مائة بعير وخمسين فر ً‬
‫الغارة على محلة آل حاتم – حاتم الطائى الذي ضرب المثل بجوده‬
‫والنعم‬ ‫– مع الفجر فهدموا الفلس وخربوه‪ ،‬وملوا أيديهم من السبى‬
‫والشاء‪،‬وفي السبى أخت عدى بن حاتم‪ ،‬وهرب عدى إلى الشام)‪.(7‬‬
‫سابًعا‪ :‬استخلف النبي × لعلي على المدينة في غزوة تبوك‬
‫‪9‬هـ‪:‬كان في رجب سنة تسع من الهجرة غزوة تبوك‪ ،‬وكانت لها‬
‫أهمية كبيرة في السيرة النبوية‪ ،‬وتحققت منها غايات كانت بعيدة‬
‫في‪(8‬نفوس المسلمين والعرب‪ ،‬ومجرى الحوادث في تاريخ‬ ‫الثر‬
‫السلم) ‪ ,‬واستعمل رسول الله × على المدينة علًيا‪ ،‬فوجد‬
‫المنافقون فرصة للتنفيس عما بداخلهم من حقد ونفاق‪ ،‬فأخذوا‬
‫يتكلمون في على رضي الله عنه بما يسئ إليه‪ ،‬فمن ذلك قولهم‪ :‬ما‬
‫تركه إل لثقله عليه‪ ،‬وهذا العمل والقول السيئ منهم في حقه علمة‬
‫‪1‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪ ،(73 ،4/72‬إسناده ضعيف وله شواهد‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫خلفة على بن أبى طالب‪ :‬ص )‪.(46‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(3/465‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ :‬ص)‪.(579‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫مسند أبى يعلى)‪ (3/388‬حسن السناد‪ ،‬الصحيح المسند‪ :‬ص )‪ (141‬للعدوي‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫معين السيرة‪ :‬ص )‪.(694‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫تاريخ السلم للذهبي‪ :‬ص )‪.(624‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫المرتضى للندوي‪.(55) :‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪93‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫بارزة واضحة على نفاقهم‪ ،‬ففي الحديث الصحيح أن علًيا رضي الله‬
‫عنه قال‪» :‬والذي فلق الحبة‪ ،‬وبرأ النسمة‪ ،‬إنه لعهد النبي المي ×‬
‫أن ل يحبني إل مؤمن ول يبغضني إل منافق«)‪ .(1‬عند ذلك أدرك على‬
‫ل‪ :‬يا رسول الله أتخلفني في الصبيان‬ ‫الجيش‪ ،‬وأراد الغزو معهم قائ ً‬
‫تكون مني بمنزلة‬ ‫والنساء‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬أل ترضى أن‬
‫هارون من موسى‪ ،‬غير أنه ل نبي بعدي«)‪.(2‬‬
‫ثامًنا‪ :‬علي رضي الله عنه ودوره العلمي في حجة أبى بكر‬
‫بالناس ‪9‬هـ‪:‬‬
‫كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عهد النبي × مستمرة على‬
‫كل الصعدة والمجالت العقائدية‪ ،‬والقتصادية‪ ،‬والجتماعية‪،‬‬
‫والسياسية‪ ،‬والعسكرية‪ ،‬والتعبدية‪ ،‬وكانت فريضة الحج لم تمارس‬
‫في السنوات الماضية‪ ،‬فحجة عام ‪8‬هـ بعد الفتح كلف بها عتاب)‪(3‬بن‬
‫أسيد‪ ،‬ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين ‪,‬‬
‫× الحج ولكنه قال‪ :‬إنه يحضر البيت عراة‬ ‫فلما حل موسم الحج أراد‬
‫مشركون يطوفون بالبيت )‪ , (4‬فل أحب أن أحج‪ .‬وكان ذلك في‬
‫سنة ‪9‬هـ فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة‪ ،‬وساقوا معهم‬
‫الهدي)‪ ,(5‬فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة فدعا‬
‫النبي × علًيا رضي الله عنه وأمره أن يلحق بأبى بكر الصديق‪،‬‬
‫فخرج على ناقة رسول الله × العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر‬
‫بذى الحليفة‪ ،‬فلما رآه الصديق قال له‪ :‬أمير أم مأمور؟ فقال‪ :‬بل‬
‫مأمور‪ ،‬ثم سارا‪ ،‬فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانو‬
‫عليها في الجاهلية‪ ،‬وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت‬
‫على ذلك الروايات الصحيحة ل في شهر ذي القعدة كما قيل‪ ،‬وقد‬
‫خطب الصديق قبل التروية‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬ويوم النحر‪ ،‬ويوم النفر‬
‫الول‪ ،‬فكان يعرف الناس مناسكهم‪ :‬في وقوفهم وإفاضتهم‪،‬‬
‫ونحرهم‪ ،‬ونفرهم‪ ،‬ورميهم للجمرات‪ ..‬إلخ‪ ،‬وعلى يخلفه في كل‬
‫موقف من هذه المواقف‪ ،‬فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم‬
‫ينادي في الناس بهذه المور الربعة‪ ،‬ل يدخل في الجنة إل نفس‬
‫عهد‬ ‫مؤمنة‪ ،‬ول يطوف بالبيت عريان‪ ،‬ومن كان بينه وبين النبي ×‬
‫فعهده إلى مدته‪ ،‬ول يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا)‪,(6‬‬
‫آخر من الصحابة لمساعدة على بن أبى‬ ‫وقد أمر الصديق ره ً‬
‫طا‬
‫طالب في إنجاز مهمته)‪.(7‬‬
‫نهائية‪(8‬مع الوثنية‬ ‫إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة‬
‫وأتباعها‪ ،‬حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم) ‪.‬‬
‫هدّتم‬ ‫عا َ‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬‫ه َ إ َِلى ا َل ّ ِ‬ ‫سول ِ ِ‬‫وَر َ ُ‬
‫ه َ‬ ‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫قال تعالى‪ + :‬ب ََراءَةٌ ّ‬
‫موا‬ ‫عل ُ‬‫َ‬ ‫وا َ ْ‬ ‫ر َ‬ ‫ه ٍ‬
‫ش ُ‬ ‫ةأ ْ‬ ‫ع َ‬
‫ض أْرب َ َ‬ ‫ر‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫حوا‬ ‫ُ‬ ‫سي‬‫ف ِ‬ ‫ن ‪َ ‬‬ ‫كي َ‬‫ر ِ‬
‫ش ِ‬‫م ْ‬‫ن ال ْ ُ‬‫م َ‬ ‫َّ‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
‫ن‬‫ٌ‬ ‫ذا‬‫َ‬ ‫أ‬‫و‬‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬ ‫ري‬
‫ِ ِ َ‬ ‫ف‬ ‫كا‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫زي‬ ‫خ‬
‫ْ‬
‫َ ُ ِ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬‫ِ َ ّ‬‫أ‬‫و‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫زي‬ ‫غ ْ ُ ُ ْ ِ ِ‬
‫ج‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫م َ‬ ‫أن ّك ُ ْ‬
‫‪1‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.78‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.2404‬‬
‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية لبى شبهة )‪ ،(2/536‬دراسات في عهد البنوة‪ :‬ص)‪.(22‬‬
‫‪4‬‬
‫)( نضرة النعيم )‪ ،(1/98‬البطقات الكبرى )‪.(2/168‬‬
‫‪5‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(8/82‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مسند المام أحمد الموسوعة الحديثية رقم ‪594‬حديث صحيح‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/537‬‬
‫‪8‬‬
‫)( نضرة النعيم )‪.(1/399‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪94‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫ريءٌ‬ ‫من الله ورسول ِه إَلى الّناس يوم ال ْحج الك ْب َ‬
‫ه بَ ِ‬ ‫ن الل َ‬ ‫رأ ّ‬ ‫َ ِ‬ ‫َ ّ‬ ‫ِ َ ْ َ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ّ َ ْ ِ َ َ ُ‬
‫وِإن‬ ‫َ‬ ‫خي ٌْر ل ّك ُ ّ ْ‬
‫م‬ ‫و َ‬ ‫َ‬ ‫ه‬ ‫ف ُ‬ ‫م َ‬ ‫فِإن ت ُب ْت ُ ْ‬ ‫ه َ‬ ‫سول ُ ُ‬ ‫و ََر ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫كي َ‬ ‫ر ِ‬
‫َ‬ ‫ش ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ال ُ‬ ‫ّ‬ ‫م َ‬ ‫ّ‬
‫فُروا‬ ‫ن كَ َ‬ ‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫ش‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫زي‬ ‫ج‬
‫ُ ُ ِ ِ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬
‫غ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫موا‬ ‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫فا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫م‬‫ول ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫تَ َ‬
‫ب أِليم ٍ" ]التوبة‪.[3-1:‬‬ ‫ذا ٍ‬ ‫ع َ‬ ‫بِ َ‬
‫وقد أمهل المعاهدون لجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم‪ ،‬قال‬
‫م‬‫صو َك ُ ْ‬ ‫ق ُ‬ ‫م َين ُ‬ ‫م لَ ْ‬ ‫نَ ثُ ّ‬ ‫كي َ‬ ‫ر ِ‬ ‫ش ِ‬ ‫م َْ‬ ‫ن ال ْ ُ‬ ‫مَ َ‬ ‫هدّتم ّ‬ ‫َ‬
‫عا َ‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫تعالى‪+ :‬إ ِل ّ ال ّ ِ‬
‫م يُ َ‬
‫م إ ِلى‬ ‫ه ْ‬ ‫هد َ ُ‬ ‫ع ْ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫موا إ ِلي ْ ِ‬ ‫فأت ِ ّ‬ ‫دا َ‬ ‫ح ً‬ ‫مأ َ‬ ‫ُ‬
‫عل ْي ْك ْ‬ ‫هُروا َ‬ ‫ظا ِ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫شي ًْئا َ‬ ‫َ‬
‫ن" ]التوبة‪.[4:‬‬ ‫قي َ‬ ‫مت ّ ِ‬ ‫ب ال ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫ه يُ ِ‬ ‫ن الل َ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫ه ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫م‬ ‫ُ‬
‫كما أمهل من ل عهد له من المشركين إلى انسلخ الشهر‬ ‫ُ‬
‫الحرم‪ ،‬حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين‪ ،‬قال‬
‫ن‬‫كي َ‬ ‫ر ِ‬ ‫ش ِ‬‫َ‬
‫م ْ‬ ‫قت ُُلوا ال ْ ُ‬ ‫فا ْ‬ ‫م َ‬ ‫حُر ُ‬ ‫هُر ال ْ ُ‬ ‫ش ُ‬ ‫خ ال ْ‬ ‫سل َ َ‬ ‫ذا ان َ‬ ‫فإ ِ َ‬ ‫تعالى‪َ + :‬‬
‫ل‬‫م كُ ّ‬ ‫ُّ ْ‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫دوا‬ ‫ُ ُ‬ ‫ع‬ ‫ق‬‫ْ‬ ‫وا‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫رو‬
‫ُ ْ َ ْ ُ ُ ُ ْ‬ ‫ص‬ ‫ح‬ ‫وا‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ذو‬ ‫ُ‬ ‫خ‬
‫ُ‬ ‫و‬ ‫م‬‫جد ّ ُ ُ ْ‬
‫ه‬ ‫مو‬ ‫ت‬ ‫و َ‬ ‫ث َ‬ ‫حي ْ ُ‬ ‫َ‬
‫خلوا‬ ‫ف َ‬ ‫كاةَ َ‬ ‫وا ال َّز َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫وآ‬ ‫َ‬ ‫ة‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ص‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫موا‬ ‫ُ‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫بوا و َأ َ‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫تا‬ ‫َ‬ ‫إن‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫د‬‫مْر َ ٍ‬
‫ص‬ ‫َ‬
‫م" ]التوبة‪.[5:‬‬ ‫حي ٌ‬ ‫فوٌر ّر ِ‬ ‫غ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫ه ْ‬ ‫سِبيل َ ُ‬ ‫َ‬
‫يا ًبإعلن نقض العهود على مسامع المشركين‬ ‫وقد كلف النبي × عل‬
‫في موسم الحج‪ ،‬مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد‬
‫العهود ونقضها‪ ،‬أل يتولى ذلك إل سيد القبيلة أو رجل من رهطه‪ ،‬وهذا‬
‫العرف ليس فيه منافاة للسلم‪ ،‬فلذلك تدارك النبي × المر وأرسل‬
‫عل ًبذلك‪ ،‬فهذا هو السبب في تكليف على بتبليغ صدر سورة براءة ل‬ ‫يا‬
‫ما زعمته الرافضة من أن ذلك للشارة إلى أن عليا ً أحق بالخلفة من‬
‫أبى بكر‪ ،‬وقد علق الدكتور محمد أبو)‪(1‬شهبة فقال‪ :‬ول أدري كيف غفلوا‬
‫عن قول الصديق‪ :‬أمير أم مأمور؟ وكيف يكون المأمور أحق‬
‫بالخلفة من المير)‪,(2‬وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة‬
‫الكبرى وهي حجة الوداع‪ ،‬لقد أعلن في حجة أبى بكر أن عهد الصنام‬
‫قد انقضى‪ ،‬وأن مرحلة جديدة قد بدأت‪ ،‬وما على الناس إل أن‬
‫يستجيبوا لشرع الله تعالى‪ ،‬فبعد هذا العلن الذي انتشر بين قبائل‬
‫العرب في الجزيرة‪ ،‬أيقنت تلك القبائل أن المر جد‪ ،‬وأن عهد الوثنية‬
‫ل‪ً ،‬فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلمها ودخولها في‬ ‫انقضى فع‬ ‫قد‬
‫التوحيد)‪.(3‬‬
‫تاسًعا‪ :‬علي رضي الله عنه ووفد نصاري نجران‪ ،‬وآية المباهلة‬
‫‪9‬هـ‪:‬‬
‫)‪(4‬‬
‫كتب رسول الله × إلى نجران كتاًبا قال فيه‪» :‬أما بعد‪،‬‬
‫فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد‪ ،‬وأدعوكم‬
‫إلى ولية الله من ولية العباد‪ ،‬فإن أبيتم فالجزية‪ .‬فإن‬
‫أبيتم آذنتكم بحرب‪ .‬والسلم«)‪ (5‬فلما أتى السقف الكتاب‪ ،‬جمع‬
‫الناس وقرأه عليهم‪ ،‬وسألهم عن الرأي فيه؟ فقرروا أن يرسلوا إليه‬
‫دا يتكون من أربعة عشر من أشرافهم‪ ،‬وقيل‪ :‬ستين راكًبا‪ ،‬منهم‬ ‫وف ً‬
‫ثلثة نفر يؤول إليهم أمرهم‪ :‬العاقب‪ ،‬وهو أميرهم وصاحب‬
‫مشورتهم والذين يصدرون عن رأيه‪ ،‬والسيد وهو صاحب رحلتهم‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪ ،(2/540‬صحيح السيرة‪ :‬ص)‪.(624‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫السيرة النبويةن لبى شهبة )‪.(2/540‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫قراءة سياسية للسيرة النبوية‪ :‬ص )‪.(283‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫نجران بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(5/48‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪95‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم)‪ ,(1‬ولما جاء وفد‬
‫نصاري نجران إلى رسول الله × بالمدينة‪ ،‬وضعوا ثياب السفر‬
‫عنهم‪ ،‬ولبسوا حلل ً لهم يجرونها من الحبرة‪ ،‬وخواتيم الذهب‪ ،‬ثم‬
‫انطلقوا حتى أتوا رسول الله ×‪ ،‬فسلموا عليه‪ ،‬فلم يرد عليهم‬
‫ل‪ ،‬فلم يكلمهم‪ ،‬وعليهم تلك الحلل‬ ‫السلم‪ ،‬وتصدوا لكلمه طوي ً‬
‫والخواتيم الذهب‪ ،‬فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن‬
‫بن عوف‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬وكانا على معرفة لهم‪ ،‬كانا يخرجان‬
‫العير في الجاهلية إلى نجران‪ ،‬فيشتري لهما من برها وثمرها وذرتها‪،‬‬
‫فوجدوهما في ناس من النصار في مجلس‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا عثمان‪ ،‬ويا‬
‫عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب‪ ،‬فأقبلنا مجيبين له‪ ،‬فسلمنا‬
‫ل‪ ،‬فأعيانا أن‬ ‫عليه‪ ،‬فلم يرد علينا سلمنا‪ ،‬وتصدينا لكلمه نهاًرا طوي ً‬
‫يكلمنا‪ ،‬فما الرأي منكما‪ ،‬أنعود؟‬
‫فقال لعلي بن أبى طالب وهو في القوم‪ :‬ما ترى يا أبا الحسن‬
‫في هؤلء القوم؟ قال‪ :‬أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم‪،‬‬
‫ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يأتوا إليه‪ ،‬ففعل الوفد ذلك‪ ،‬فوضعوا حللهم‬
‫وخواتيمهم‪ ،‬ثم عادوا إلى رسول الله × فسلموا عليه‪ ،‬فرد سلمهم‪،‬‬
‫ثم سألهم وسألوه فلم تزل بهم وبه المسألة)‪ .(2‬وقالوا لرسول الله‬
‫×‪:‬كنا مسلمين قبلكم‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬يمنعكم من السلم‬
‫ثلث‪ :‬عبادتكم الصليب‪ ،‬وأكلكم الخنزير‪ ،‬وزعمكم أن لله‬
‫دا«)‪ (3‬وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم‪ ،‬والنبي يتلو عليهم القرآن‬ ‫ول ً‬
‫ويقرع باطلهم بالحجة‪ ،‬وكان مما قالوه لرسول الله ×‪ :‬ما لك تشتم‬
‫صاحبنا وتقول‪ :‬إنه عبد الله‪ ،‬فقال‪» :‬أجل إنه عبد الله ورسوله‬
‫وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول«‪ ،‬فغضبوا وقالوا‪ :‬هل‬
‫رأيت إنساًنا قط من غير أب‪ ،‬فإن كنت صادًقا فأرنا مثله؟ فأنزل‬
‫ه‬
‫عن ْدَ الل ِ‬ ‫سى ِ‬ ‫عي َ‬ ‫ل ِ‬ ‫مث َ َ‬ ‫ن َ‬ ‫الله في الرد عليهم قوله سبحانه‪ + :‬إ ِ ّ‬
‫ق‬
‫ح ّ‬ ‫ْ‬
‫ن ‪ ‬ال َ‬ ‫ُ‬
‫في َكو ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ه كُ ْ‬ ‫ل لَ ُ‬ ‫قا َ‬ ‫م َ‬ ‫ب ثُ ّ‬ ‫من ت َُرا ٍ‬ ‫ه ِ‬ ‫ق ُ‬ ‫خل َ َ‬ ‫م َ‬ ‫ل آدَ َ‬ ‫مث َ ِ‬ ‫كَ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪ .[60 ،59 :‬فكانت‬ ‫ري َ‬ ‫مت َ ِ‬‫م ْ‬ ‫ْ‬
‫من ال ُ‬ ‫فل ت َكن ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫من ّرب ّك َ‬ ‫ِ‬
‫حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه)‪ ,(4‬فلما لم ُتجد معهم‬
‫المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة)‪ ,(5‬امتثال ً‬
‫ن ال ْ ِ ْ‬ ‫جاءَ َ‬ ‫ج َ‬ ‫لقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫علم ِ‬ ‫م َ‬ ‫ك ِ‬ ‫ما َ‬ ‫د َ‬ ‫ع ِ‬
‫من ب َ ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫في ِ‬ ‫ك ِ‬ ‫َ‬ ‫حا ّ‬ ‫ن َ‬ ‫مَ ْ‬ ‫ف َ‬
‫م‬ ‫ُ‬
‫ساءَك ْ‬ ‫ون ِ َ‬ ‫ساءََنا َ‬ ‫ون ِ َ‬ ‫م َ‬ ‫ُ‬
‫وأب َْناءَك ْ‬ ‫ع أب َْناءََنا َ‬ ‫وا ن َدْ ُ‬ ‫َ‬ ‫عال َ ْ‬ ‫ل تَ َ‬ ‫ق ْ‬ ‫ف ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫على‬ ‫َ‬ ‫ه َ‬ ‫ت الل ِ‬ ‫عن َ َ‬ ‫ّ‬
‫عل ل ْ‬ ‫ج َ‬ ‫َ‬
‫ل فن َ ْ‬ ‫ه ْ‬ ‫م ثُ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫م ن َب ْت َ ِ‬ ‫سك ْ‬ ‫سَنا وأن ْف َ‬ ‫وأن ْف َ‬
‫ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[61:‬‬ ‫كاِذِبي َ‬
‫وخرج النبي × ومعه الحسن والحسين وفاطمة وقال‪» :‬وإذا أنا‬
‫منوا«)‪ .(6‬فائتمروا فيما بينهم‪ ،‬فخافوا الهلك لعلمهم أنه‬ ‫دعوت فأ ّ‬
‫قا‪ ،‬وأنه ما باهل قوم نبًيا إل هلكوا‪ ،‬فأبوا أن يلعنوه وقالوا‪:‬‬ ‫نبى ح ً‬
‫‪1‬‬
‫المصدر نفسه )‪ ،(5/48‬السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫زاد المعاد )‪.(638 -3/629‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(3/633‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(3/633‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪96‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫احكم علينا بما أحببت‪ ،‬فصالحهم على ألفي حلة‪ ،‬ألف في رجب‬
‫وألف في صفر)‪.(1‬‬
‫عاشًرا‪ :‬علي رضي الله عنه داعًيا وقاضًيا في اليمن ‪10‬هـ‪:‬‬
‫بعد فتح مكة استجابت القبائل العربية بالجزيرة إلى السلم‪،‬‬
‫وكان رسول الله × يرسل الدعاة إلى القبائل التي لم تستجب بعد‪،‬‬
‫فأرسل علًيا رضي الله عنه إلى همدان باليمن‪ ،‬وهذا البراء بن عازب‬
‫– رضي الله عنه‪ -‬يحدثنا عما حدث في ذهابه مع على رضي الله عنه‬
‫لليمن فيقول‪..:‬فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر‪ ،‬فجمعوا‬
‫دا ثم تقدم بين‬ ‫فا واح ً‬
‫له‪ ،‬فصلى على بنا الفجر‪ ،‬فلما فرغ‪ ،‬صفنا ص ً‬
‫أيدينا‪ ،‬فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ×‪،‬‬
‫فأسلمت همدان كلها في يوم واحد‪ ،‬وكتب بذلك إلى رسول الله ×‪،‬‬
‫دا‪ ،‬وقال‪» :‬السلم على همدان‪ ،‬السلم‬ ‫خر( ساج ً‬
‫)‪2‬‬
‫فلما قرأ كتابه‬
‫صا على الجبهة‬ ‫ً‬ ‫حري‬ ‫×‬ ‫الله‬ ‫رسول‬ ‫كان‬ ‫لقد‬ ‫‪,‬‬ ‫«‬ ‫همدان‬ ‫على‬
‫الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في السلم‪ ،‬وظهر هذا‬
‫الهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد‬
‫الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة‪،‬‬
‫مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصل ً وبعيد‬
‫المدى‪ ،‬وكانت سرايا رسول الله × تساند هذا النشاط الدعوي‬
‫السلمى‪ ،‬حيث بعث خالد بن الوليد ثم على بن أبى طالب رضي الله‬
‫في‬ ‫عنهما‪ ،‬فقد كان × يركز على مفاصل القوى‪ ،‬ومراكز التأثير‬
‫المجتمعات وبناء الدول ومارس هذا الفقه العظيم في حياته)‪.(3‬‬
‫هذا وقد أمر رسول الله × علًيا بأن يقضي بين الناس في اليمن‪،‬‬
‫وهذا على رضي الله عنه يحدثنا بنفسه حيث قال‪ :‬بعثني رسول الله‬
‫× إلى اليمن‪ ،‬فقلت له‪ :‬يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني‬
‫وأنا حدث ل أبصر القضاء‪ ،‬قال‪ :‬فوضع يده على صدري‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫»اللهم ثبت لسانه واهد قلبه‪ ،‬يا على إذا جلس إليك‬
‫الخصمان فل تقض بينهما حتى تسمع الخر‪ ،‬ما سمعت‬
‫القضاء«‪ ،‬قال‪ :‬فما‬ ‫من الول‪ ،‬فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك‬
‫اختلف على قضاء بعد‪ ،‬أو ما أشكل على قضاء بعد)‪.(4‬‬
‫لقد احتاج اليمنيون بعد انتشار السلم في بلدهم من يفقههم‬
‫في أمور دينهم‪ ،‬ويعلمهم ويقضي بينهم بحكم الله عز وجل‪ ،‬فبعث‬
‫رسول الله × عدًدا من الصحابة إلى أرجاء اليمن منهم معاذ وأبو‬
‫موسى الشعري‪ ،‬وكان من أفضلهم على بن أبى طالب رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬وقد حفظت لنا كتب التاريخ والحديث والفقه مجموعة من‬
‫القضايا التي حكم فيها على رضي الله عنه وهو باليمن منها‪:‬‬
‫‪ 1-‬قضاؤه في الربعة الذين تدافعوا عند ُزبية)‪ (5‬للسد‪:‬عن حنش‬
‫عنه‪ (6‬قال‪ :‬بعثني رسول الله × إلى اليمن فانتهينا‬ ‫عن على رضي الله‬
‫إلى قوم قد بنوا ُزب َْية) للسد‪ ،‬فبينما هم كذلك يتدافعون؛ إذا سقط‬
‫‪1‬‬
‫السيرة النبوية لبى شهبة )‪.(2/547‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫زاد المعاد )‪ (3/622‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫السيرة النبوية للصلبي )‪ ،(3/596‬الفقه السياسي للوثائق‪ :‬ص)‪.(231‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫فضائل الصحابة )‪ (2/871‬إسناده حسن رقم ‪.1995‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫الزبية‪ :‬حفرة تحفر للسد‪ ،‬ول تحفر إل في مكان عال من الرض‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫الحفرة في الرض‪ :‬القاموس )‪ ،(4/340‬تاج العروس )‪.(1016‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪97‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫رجل فتعلق بآخر‪ ،‬ثم تعلق رجل بآخر‪ (1) ،‬حتى صاروا فيه أربعة‬
‫بة فقتله‪ ،‬وماتوا من جراحتهم‬ ‫حر ْ‬ ‫حهم السد؟‪ ،‬فانتدب له رجل ب ِ َ‬ ‫جر َ‬ ‫فَ َ‬
‫إلى أولياء الخر‪ ،‬فأخرجوا السلح ليقتتلوا‪،‬‬ ‫الول‬ ‫أولياء‬ ‫فقام‬ ‫كلهم‪،‬‬
‫فأتاهم على على تفيئة)‪(2‬ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬تريدون أن تقاتلوا ورسول الله ×‬
‫حي‪ ،‬إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء‪ ،‬وإل حجز بعضكم‬
‫عدا‬
‫عن بعض‪ ،‬حتى تأتوا النبي × فيكون هو الذي يقضي بينكم‪ ،‬فمن َ‬
‫بعد ذلك فل حق له‪ ،‬اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية‬
‫وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة‪ ،‬فللول الربع لنه أهلك من‬
‫فوقه‪ ،‬وللثاني ثلث الدية‪ ،‬وللثالث نصف الدية‪ ،‬وللرابع الدية كاملة‬
‫صوا عليه‬ ‫فأبوا أن يرضوا‪ ،‬فأتوا النبي × وهو عند مقام إبراهيم فق ّ‬
‫فقال( رجل من القوم‪ :‬إن‬ ‫القصة‪ ،‬فقال‪ :‬أنا أقضي بينكمواحتبي‪،‬‬
‫صوا عليه فأجازه رسول الله ×)‪. 3‬‬ ‫يا قضى فق ّ‬ ‫عل ً‬
‫‪ -2‬ثلثة وقعوا على امرأة في طهر‪ :‬عن زيد بن الرقم أنه قال‪:‬‬
‫أتى على بثلثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد‪ ،‬فسأل‬
‫اثنين‪ :‬أتقران لهذا بالولد؟ قال‪ :‬ل حتى سألهم جميًعا‪ ،‬فجعل كلما‬
‫بينهم‪ ،‬فألحق الولد بالذي صارت عليه‬ ‫سأل اثنين‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬فأقرع‬
‫الدية)‪ ،(4‬قال‪ :‬فذكر ذلك لنبي الله ×‬ ‫القرعة‪ ،‬وجعل عليه ثلثى‬
‫حا‬‫فضحك حتى بدت نواجذه)‪ ,(5‬وكان ضحك رسول الله × فر ً‬
‫وسروًرا بتوفيق الله تعالى علًيا للصواب‪.‬‬
‫النفر‬‫)‪(7‬‬
‫ولذلك أقره على ذلك)‪ ,(6‬ويحتمل أن ما حصل من أولئك‬
‫إنما كان قبل إسلمهم‪ ،‬لن فعلهم محرم في دين الله تعالى ‪.‬‬
‫الحادي عشر‪ :‬علي رضي الله عنه في حجة الوداع‪:‬‬
‫ى رضي الله عنه رسول الله × في حجة الوداع‪ ،‬ونحر‬ ‫أدرك عل ّ‬
‫رسول الله ثلًثا وستين بدنة بيده‪ ،‬وكان عدد هذا الذي نحره عدد‬
‫ى عمره‪ ،‬ثم أمسك‪ ،‬وأمر علًيا أن ينحر ما بقى من المائة‪ ،‬ففعل‬ ‫سن ّ‬
‫وأكمل العدد‪ ،‬وقد وصف لنا على رضي الله عنه بعض المناسك في‬
‫حجته مع رسول الله ×‪ ،‬فعن على بن أبى طالب رضي الله عنه‪ :‬أن‬
‫مردف أسامة بن زيد‪ ،‬فقال‪» :‬هذا‬ ‫النبي × وقف بعرفة وهو ُ‬
‫ق‪ ،‬وجعل الناس‬ ‫الموقف وكل عرفة موقف«‪ ،‬ثم دفع يسير العَن َ َ‬
‫ل‪ ،‬وهو يلتفت ويقول‪» :‬السكينة أيها الناس‪،‬‬ ‫يضربون يميًنا وشما ً‬
‫السكينة أيها الناس« حتى جاء المزدلفة‪ ،‬وجمع بين الصلتين‪ ،‬ثم‬
‫ح‪ ،‬وأردف الفضل بن العباس‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫وقف بالمزدلفة‪ ،‬فوقف على قَُز َ‬
‫»هذا الموقف‪ ،‬وكل المزدلفة موقف«ثم دفع وجعل يسير‬
‫ل‪ ،‬وهو يلتفت ويقول‪:‬‬ ‫ق‪ ،‬والناس يضربون يميًنا وشما ً‬ ‫العَن َ َ‬
‫محسًرا فقرع‬ ‫سكينة‪ ،‬أيها الناس« حتى جاء ُ‬ ‫سكينة‪ ،‬ال ّ‬ ‫»ال ّ‬
‫سْيره الول‪ ،‬حتى رمى الجمرة‪،‬‬ ‫راحلته فخّبت‪ ،‬حتى خرج‪ ،‬ثم عاد ل َ‬
‫حر‪ ،‬ثم جاءت‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫م‬ ‫منى‬ ‫ّ‬
‫ل‬ ‫وك‬ ‫حر فقال‪ :‬هذا المنحر‪،‬‬ ‫ثم جاء المن َ ْ‬
‫‪1‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ (2/900‬رقم ‪1239‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( تفيئة ذلك‪ :‬أي أثره‪ ،‬النهاية )‪.(3/483‬‬
‫‪3‬‬
‫)( فضائل الصحابة رقم ‪1239‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( منهج على بن أبى طالب في الدعوة إلى الله‪ :‬ص)‪.(87‬‬
‫‪5‬‬
‫)( نواجذه‪ :‬جمع ناجذ‪ :‬آخر الضراس‪ ،‬وللنسان أربعة نواجذ‪ ،‬وهناك رواية أخرى‬
‫في فضائل الصحابة رقم ‪1095‬إسناده حسن لغيره‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( سنن النسائي )‪ (66/182‬حاشية السندي‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( منهج على بن أبى طالب في الدعوة إلى الله‪ :‬ص)‪.(88‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪98‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫م‪ ،‬فقالت‪ ،‬إن أبى شيخ كبير‪ ،‬وقد أفند‪ ،‬وأدركته‬ ‫خثعَ َ‬‫امرأة شابة من َ‬
‫فريضة الله في الحج‪ ،‬ول يستطيع أداءها‪ُ ،‬فيجزئ عنه أن أؤديها‬
‫عنه؟ قال رسول الله ×‪ :‬نعم‪ ،‬وجعل يصرف وجه الفضل بن‬
‫العباس عنها‪ .‬ثم أتاه رجل آخر‪ ،‬فقال‪ :‬إني رميت الجمرة وأفضت‬
‫ت ولم أحلق‪ .‬قال‪ :‬فل حرج‪ ،‬فاحْلق‪.‬ثم أتاه رجل آخر‪،‬‬ ‫ولبس ُ‬
‫فقال‪ :‬إني رميت وحلقت ولبست ولم أنحر‪ .‬فقال‪ :‬ل حرج فانحر‪.‬‬
‫جل من ماء زمزم‪ ،‬فشرب منه‬ ‫س ْ‬
‫ثم أفاض رسول الله ×‪ ،‬فدعا ب َ‬
‫وتوضأ‪ ،‬ثم قال‪ :‬انزعوا)‪ (1‬يا بنى عبد المطلب‪ ،‬فلول أن‬
‫ت‪.‬قال العباس‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني رأيتك‬ ‫ع ُ‬ ‫غَلبوا عليها ل َن ََز ْ‬
‫تُ ْ‬
‫ما شاًبا‪ ،‬وجارية‬ ‫رأيت غل ً‬ ‫إني‬ ‫قال‪:‬‬ ‫أخيك؟‬ ‫ابن‬ ‫وجه‬ ‫تصرف‬
‫شابة فخشيت عليهما الشيطان)‪.(2‬وقد كان على رضي الله‬
‫عنه يعلن على الناس ما أمره به النبي ×‪ ،‬فعن عمرو بن سليم عن‬
‫أمه قالت‪ :‬بينما نحن بمنى إذا على بن أبى طالب رضي الله عنه‬
‫وشرب‪ ،‬فل‬ ‫يقول‪ :‬إن رسول الله × قال‪» :‬إن هذه أيام أكل‬
‫يصومها أحد«‪ ،‬واّتبع الناس على جمله يصرخ بذلك)‪.(3‬‬
‫الثاني عشر‪ :‬تشرفه بغسل النبي × ودفنه‪:‬‬
‫لما توفى النبي × كان على ممن باشر غسله مع الفضل بن‬
‫العباس وأسامة بن زيد)‪ .(4‬وقال على رضي الله عنه‪ :‬غسلت رسول‬
‫شيًئا وكان طيًبا حًيا‬ ‫الله ×‪ ،‬فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر‬
‫وميًتا)‪ ,(5‬وقال‪ :‬بأبى الطيب‪ ،‬طبت حًيا وطبت ميًتا)‪ ,(6‬وكان على‬
‫رضي الله عنه من ضمن من نزل في قبر رسول الله × وباشروا‬
‫هو‪(7‬والفضل بن عباس‪ ،‬وقثم بن عباس‪ ،‬وشقران مولى رسول‬ ‫دفنه‬
‫الله ×) ‪ ,‬لقد كان نبأ وقاة رسول الله × على الصحابة الكرام‬
‫كالصاعقه لشدة حبهم له وما تعوّدوه من العيش في كنفه‪ ،‬عيش‬
‫البناء في حجر الباء بل أكثر من ذلك‪ ،‬وكان حظ أهل البيت‬
‫والسرة الهاشمية – وعلى رأسها فاطمة بنت رسول الله × وعلى‬
‫بن أبى طالب – أوفر وأكثر بطبيعة الحال‪ ،‬وبحكم الفطرة السليمة‬
‫والقرابة القريبة‪ ،‬وما يمتازون به من رقة الشعور‪ ،‬وقوة العاطفة‪،‬‬
‫ولكن‪(8‬احتملوه بقوة إيمانهم والرضا بقضاء الله‬ ‫وشدة الحب‬
‫والستسلم لمره) ‪.‬‬
‫م النبي × بكتابته في مرض‬ ‫الثالث عشر‪ :‬قصة الكتاب الذي ه ّ‬
‫موته‪:‬‬
‫ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس – رضي الله‬
‫حضر رسول الله × وفي البيت رجال فقال‬ ‫عنهما – أنه قال‪ :‬لما ُ‬
‫‪1‬‬
‫)( المرتضى للندوي ص ‪ ،57‬وقد جاء في رواية البخاري أن النبي × نحر سبع‬
‫ما رقم ‪ ،1712‬وكلف علًيا بالشراف على قسمتها وهي مائة رقم‬ ‫بيده قيا ً‬ ‫بدن‬
‫النزع‪ :‬استخراج الماء من زمزم لسقي الحجيج‪.‬‬ ‫‪.1718‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (2/9‬الموسوعة الحديثية رقم ‪564‬إسناده حسن‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الموسوعة الحديثية رقم ‪567‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( أبو داود )‪ (3/213‬عن الشعبي مرسل ً رقم ‪3209‬صححه اللباني في أحكام‬
‫الجنائز‪ :‬ص)‪.(51‬‬
‫‪5‬‬
‫)( سنن ابن ماجة )‪ (1/362‬رقم ‪ 1467‬صححه اللباني في أحكام الجنائز‪ :‬ص )‬
‫‪.(50‬‬
‫‪6‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(4/321‬‬
‫‪7‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪.(4/321‬‬
‫‪8‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص )‪.(59‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪99‬‬ ‫شخصيته وعصره‬

‫النبي ×‪»:‬هلموا أكتب لكم كتاًبا ل تضلوا بعده«‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬إن رسول الله × قد غلبه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا‬
‫كتاب الله‪ ،‬فاختلف أهل البيت واختصموا‪ ،‬فمنهم من يقول‪ :‬قربوا‬
‫يكتب لكم كتاًبا ل تضلوا بعده‪ ،‬ومنهم من يقول غير ذلك‪ ،‬فلما أكثروا‬
‫اللغو والختلف قال رسول الله ×‪ :‬قوموا‪ .‬قال عبد الله‪ :‬فكان ابن‬
‫ما( حال بين رسول الله × وبين‬ ‫عباس يقول‪ :‬إن الرزية كل الرزية‬
‫أن يكتب الكتاب لختلفهم ولغطهم)‪ , 1‬وفي رواية أخرى عن ابن‬
‫عباس – رضي الله عنهما – قال‪ :‬يوم الخميس وما يوم الخميس‪،‬‬
‫اشتد برسول الله × وجعه‪ ،‬فقال‪ :‬ائتوني أكتب لكم كتاًبا لن‬
‫دا‪ ،‬فتنازعوا‪ ،‬ول ينبغي عند نبي نزاع‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما‬ ‫تضلوا بعده أب ً‬
‫شأنه؟ أهجر‪ ،‬استفهموه‪ ،‬فذهبوا يرددون عليه فقال‪ :‬دعوني‪،‬‬
‫فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه‪ ،‬وأوصاهم بثلث‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخرجوا المشركين من جزيرة العرب‪ ،‬وأجيزوا الوفود‬
‫بنحو ما كنت أجيزهم‪،‬وسكت عن الثالث‪ ،‬أو قال‪ :‬فنسيها)‪,(2‬‬
‫وليس فيما ثبت في هذا الحديث ورواياته الصحيحة أي مطعن على‬
‫أصحاب رسول الله‪ ،‬وأما ما ذكره الروافض من مطاعن فباطلة‬
‫ما عن بعضها ومن هذه‬ ‫معلومة الفساد‪ ،‬وقد أجاب العلماء قدي ً‬
‫الردود‪:‬‬
‫‪ -1‬اختلف الصحابة ثابت‪ ،‬وكان سببه اختلفهم في فهم قول‬
‫الرسول × ومراده ل عصيانه‪ ،‬قال القرطبي صاحب المفهم‪ :‬وسبب‬
‫ذلك كله إنما حمل عليه الجتهاد المسوغ‪ ،‬والقصد الصالح‪ ،‬وكل‬
‫أحدهما مصيب‪ ،‬والخر غير مأثوم بل مأجور كما‬ ‫)‪(3‬‬
‫مجتهد مصيب‪ ،‬أو‬
‫لم‪(4‬يعنفهم ول ذمهم بل‬ ‫×‬ ‫النبي‬ ‫أن‬ ‫ذكر‬ ‫ثم‬ ‫‪،‬‬ ‫الصول‬ ‫قررناه في‬
‫قال للجميع‪ :‬دعوني فالذي أنا فيه خير ) ‪ ،‬وهو نحو ما جرى‬
‫لهم يوم الحزاب حيث قال لهم الرسول ×‪» :‬ل يصلين أحد‬
‫العصر إل في بنى قريظة«)‪ ,(5‬فتخوف ناس فوات الوقت‪،‬؟‬
‫وقال آخرون‪ :‬ل نصلي إل حيث أمرنا رسول‬ ‫فصلوا دون بنى قريظة‪،‬‬
‫الله فما عنف أحد الفريقين)‪.(6‬‬
‫‪ -2‬وأما ما ادعاه الروافض من أن اختلف الصحابة وما ترتب‬
‫عليه من عدم كتابة النبي × لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم المة‬
‫من العصمة‪ ،‬فهذا باطل لنه يعني أن الرسول × قد ترك تبليغ ما‬
‫فيه عصمتها من الضلل‪ ،‬ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلف أصحابه‬
‫ذلك‪ ،‬وأنه بهذا مخالف لمر ربه في قوله‪َ+ :‬يا‬ ‫علىما أ ُ‬ ‫َعنده حتى مات‬
‫ما‬
‫ف َ‬‫ل َ‬ ‫ع ْ‬‫ف َ‬ ‫م تَ ْ‬ ‫وِإن ل ّ ْ‬‫ك َ‬ ‫من ّرب ّ َ‬ ‫ك ِ‬ ‫ل إ ِل َي ْ َ‬ ‫ز َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫غ‬
‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ل‬‫سو ُ‬ ‫ها الّر ُ‬ ‫أي ّ َ‬
‫س" ]المائدة‪ .[67:‬وإذا‬ ‫ِ‬ ‫نا‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ِ َ‬ ‫م‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫م‬ ‫ص‬
‫ُ َ ْ ِ ُ‬ ‫ع‬ ‫ي‬ ‫ه‬ ‫والل‬ ‫سال َت َ ُ َ‬
‫ه‬ ‫ر َ‬‫ت ِ‬ ‫غ َ‬ ‫ب َل ّ ْ‬
‫ها بتزكية ربه له في قوله‪+ :‬‬ ‫ذلك ومنز ً‬ ‫منن أ َ‬ ‫كان الرسول × مبرأ‬
‫ص‬
‫ٌ‬ ‫ري‬
‫ِ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ت‬‫ِ‬ ‫ن‬‫ع‬‫َ‬ ‫ما‬‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬‫ع‬‫َ‬ ‫ز‬‫ٌ‬ ‫زي‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫س‬
‫ِ‬ ‫ُ‬
‫ف‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ّ ْ‬ ‫م‬ ‫ٌ‬
‫ل‬ ‫سو‬ ‫م َر ُ‬ ‫جاءَك ُ ْ ْ‬ ‫قد ْ َ‬ ‫لَ َ‬
‫م" ]التوبة‪ ،[128:‬فوصفه‬ ‫حي ٌ‬ ‫ف ّر ِ‬ ‫ؤو ٌ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬‫م ْ‬
‫م ِبال ُ‬ ‫ُ‬
‫علي ْك ْ‬‫َ‬ ‫َ‬
‫بالحرص على أمته‪ ،‬أي على هدايتهم‪ ،‬ووصول النفع الدنيوى‬

‫‪1‬‬
‫البخاري رقم ‪.4432‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫البخاري رقم ‪.4431‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المفهم لما أشكل‪ ،‬تلخيص كتاب مسلم )‪.(4/559‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫البخاري رقم ‪.4431‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫البخاري رقم ‪.4119‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫المفهم )‪.(4/559‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪0‬‬
‫والخروى لهم‪ ،‬ذكره ابن كثير في تفسيره)‪ ،(1‬وإذا كان هذا المر‬
‫ما بالضطرار من دين السلم عند الخاص والعام‪ ،‬ل يشك فيه‬ ‫معلو ً‬
‫من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان‪ ،‬وأن هذا الرسول الكريم قد‬
‫بلغ كل ما أمر به‪ ،‬وكان أحرص ما يكون على أمته‪ ،‬بما هو متواتر‬
‫ما يقيًنا ل‬‫من جهاده وتضحيته‪ ،‬وأخباره الدالة على ذلك‪ ،‬علمنا عل ً‬
‫يشوبه أدنى شك‪ ،‬أنه لو كان المر كما يذكر الروافض من الوصف‬
‫لهذا الكتاب من أن به عصمة المة من الضلل في دينها‪ ،‬ورفع‬
‫الفرقة‪ ،‬والختلف فيما بينها إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬لما ساغ في دين‬
‫ول عقل أن يؤخر رسول الله كتابه إلى ذلك الوقت الضيق‪ ،‬ولو‬
‫أخره ما كان ليتركه لمجرد اختلف أصحابه)‪ ,(2‬ول يتصور أن النبي ×‬
‫يترك أمر ربه‪ ،‬ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده‬
‫لمصلحة رآها‪ ،‬فما الذي يمنعه من أن يكتبه بعد ذلك‪ ،‬وقد ثبت أنه‬
‫عاش بعد ذلك عدة أيام‪ ،‬فقد كانت وفاته – عليه الصلة والسلم –‬
‫في( رواية أنس في الصحيحين)‪,(3‬‬ ‫حا به‬‫يوم الثنين على ما جاء مصر ً‬
‫وحادثة الكتاب يوم الخميس بالتفاق)‪ , 4‬وقد ثبت باتفاق السنة‬
‫والرافضة‪ ،‬أن رسول الله لم يكتب ذلك الكتاب حتى مات‪ ،‬علمنا أنه‬
‫ليس من الدين الذي أمر بتبليغه لما دل عليه القرآن من أن الله قد‬
‫عليه قبل ذلك في حجة الوداع‪:‬‬ ‫فأنزلم وأ َ‬ ‫ولمته الدين‪،‬‬ ‫م أَ‬‫أكمل له‬
‫ت‬‫ُ‬ ‫ضي‬
‫ِ‬ ‫ر‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫تي‬ ‫ِ‬ ‫م‬ ‫ع‬‫ِ‬ ‫ن‬
‫ْ ْ ْ َ‬‫م‬‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬‫ع‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ت‬
‫ْ َ َ ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ن‬‫دي‬
‫ِ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ت‬ ‫ْ‬
‫َ ُ‬ ‫ل‬‫م‬ ‫ْ‬ ‫ك‬ ‫َ‪ُ +‬ال ْي َ ْ‬
‫و َ‬
‫م ِديًنا" ]المائدة‪ ،[3:‬قال ابن تيمية‪ :‬ولم تكن كتابة‬ ‫سل َ َ‬ ‫ما ِ ْ‬
‫ل‬ ‫لك ُ‬
‫الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت‪ ،‬إذ لو‬
‫مصلحة‬ ‫كان كذلك لما ترك × ما أمره الله به‪ ،‬لكن ذلك مما رأه‬
‫لدفع النزاع في خلفة أبى بكر‪ ،‬ورأى أن الخلف لبد أن يقع)‪,(5‬‬
‫وقال في موضع آخر‪ :‬وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله ×‬
‫يريد أن يكتبه‪ ،‬فقد جاء مبيًنا كما في الصحيحين عن عائشة – رضي‬
‫الله عنه‪ -‬قالت‪ :‬قال رسول الله × في مرضه‪» :‬ادعي لي أباك‬
‫وأخاك حتى أكتب كتاًبا‪ ،‬فإني أخاف أن يتمنى متمن‬
‫ويقول قائل‪ :‬أنا أولى‪ ،‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبا‬
‫بكر«)‪ ,(6‬إلى أن قال بعد ذكر روايات الحديث‪ :‬والنبي × قد عزم‬
‫على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة‪ ،‬فلما رأى أن الشك قد‬
‫وقع‪ ،‬علم أن الكتاب ل يرفع الشك‪ ،‬فلم يبق فيه فائدة‪ ،‬وعلم أن‬
‫يجمعهم‪(7‬على ما عزم عليه كما قال‪ :‬ويأبى الله والمؤمنون‬ ‫الله‬
‫إل أبا بكر) ‪.‬وأما قوله في الحديث‪» :‬لن تضلوا بعدي« فيقول‬
‫الدهلوى في توجيهه‪ :‬فإن قيل‪ :‬لو لم يكن ما يكتب أمًرا دينًيا فلم‬
‫قال‪ :‬لن تضلوا بعدي؟قلنا‪ :‬للضلل معان‪ ،‬والمراد به هنا عدم‬
‫الخطأ في تدبير الملك‪ ،‬وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب‪،‬‬
‫وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزه‪ ،‬وتجهيز أسامة‪) ،‬ل‪(8‬الضللة والغواية‬
‫عن الدين وهو ما فعله أبو بكر والصحابة من بعده ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( تفسير ابن كثير )‪.(2/404‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪ ،(251‬النتصار للصحب والل ص )‪-228‬‬
‫‪.(229‬‬
‫‪3‬‬
‫)( البخاري رقم )‪ ،(4448‬ومسلم رقم )‪.(419‬‬
‫‪4‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(229‬‬
‫‪5‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(6/316‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مسلم رقم )‪.(2387‬‬
‫‪7‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(25 ،6/23‬‬
‫‪8‬‬
‫)( مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪.(251‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪1‬‬
‫‪ -3‬وأما معنى قول ابن عباس‪ :‬إن الرزية كل الرزية ما حال بين‬
‫رسول الله × وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب)‪ ,(1‬فكما قال ابن تيمية‬
‫في معناه‪ :‬يقتضي أن الحائل كان رزية‪ ،‬وهو رزية في حق من شك‬
‫لزال‬ ‫في خلفة الصديق‪ ،‬واشتبه عليه المر‪ ،‬فإنه لو كان هناك كتاب‬
‫الشك‪ ،‬فأما من علم أن خلفته حق فل رزية في حقه ولله الحمد)‪.(2‬‬
‫ويوضح ذلك أن ابن عباس – رضي الله عنه – ما قال ذلك إل بعد‬
‫والبدع‪ ،‬من الخوارج والروافض‪ ،‬نص على هذا ابن‬ ‫ظهور أهل الهواء‬
‫تيمية)‪ ,(3‬وابن حجر)‪.(4‬‬
‫‪ -4‬وأما ادعاؤهم أن النبي × أراد بذلك الكتاب أن ينص على‬
‫خلفة على – رضي الله عنه – وزعم بعض الروافض أنه ليس هناك‬
‫تفسير معقول غيره‪ ،‬فهذا الدعاء باطل‪.‬‬
‫قال ابن تيمية‪ :‬ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلفة على فهو‬
‫ضال باتفاق عامة الناس‪ ،‬من علماء السنة والشيعة‪ ،‬أما أهل السنة‬
‫فمتفقون على تفضيل أبى بكر وتقديمه‪ ،‬وأما القائلون بأن علًيا كان‬
‫صا جلًيا‬‫قا للمامة فيقولون‪ :‬إنه قد نص على إمامته)‪(5‬قبل ذلك ن ً‬ ‫مستح ً‬
‫ظاهًرا معروًفا‪ ،‬وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى الكتاب ‪.‬‬
‫‪ -5‬وأما طعن الروافض على عمر – رضي الله عنه – وزعمهم‬
‫بأنه قد اتهم رسول الله × بأنه ل يعى ما يقول‪ :‬وقال‪» :‬إنه يهجر«‬
‫ولم يمتثل قوله‪ ،‬قال‪» :‬عندكم كتاب الله«‪» ،‬حسبنا كتاب الله«‬
‫فجوابه‪ :‬أن ما ادعاه أول ً بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه ل‬
‫يعى ما يقول فهذا باطل‪ ،‬وذلك أن هذه اللفظة )أهجر( ل تثبت عن‬
‫ل‪ ،‬وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من‬ ‫عمر – رضي الله عنه – أص ً‬
‫الواردة‪(6‬في الصحيحين قائلها‪ ،‬وإنما الثابت‬ ‫غير أن تعين الروايات‬
‫فيها»فقالوا‪ :‬ما شأنه أهجر«) ‪ ,‬هكذا بصيغة الجمع دون الفراد‪،‬‬
‫ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلم عمر‪ ،‬قال‬
‫ابن حجر‪ :‬ويظهر لي ترجيح ثالث الحتمالت‪ ،‬التي ذكرها القرطبي‪،‬‬
‫وكان يعهد أن‬ ‫ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في السلم‪،‬‬
‫من اشتد عليه الوجع‪ ،‬قد يشتغل به عن تحرير ما يريد)‪ ,(7‬وقال‬
‫هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر‬ ‫الدهلوى‪ :‬من أين يثبت قائل‬
‫الروايات )قالوا( بصيغة الجمع)‪.(8‬‬
‫إن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الستفهام‬
‫هكذا)أهجر؟( وهذا بخلف ما جاء في بعض الروايات بلفظ )هجر‪،‬‬
‫ويهجر( فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون وشراح الحديث‪،‬‬

‫‪1‬‬
‫البخاري رقم )‪.(4432‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫منهاج السنة )‪.(6/25‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/316‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫فتح الباري )‪.(1/209‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫منهاج السنة )‪ ،(6/25‬النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(283 ،282 ،281‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫البخاري رقم )‪.(4431‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫فتح الباري )‪.(8/133‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫مختصر التحفة الثنى عشرية‪ :‬ص )‪.(250‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪2‬‬
‫فقد‬
‫)‪(5‬‬
‫منهم القاضي عياض)‪ ,(1‬والقرطبي)‪ ,(2‬والنووي)‪ ,(3‬وابن حجر)‪,(4‬‬
‫نصوا أن الستفهام جاء في سبيل النكار على من قال‪ :‬ل تكتبوا ‪,‬‬
‫قال القرطبي بعد أن ذكر الدلة على عصمة النبي × من الخطأ في‬
‫التبليغ في كل أحواله‪ ،‬وتقرر ذلك عند الصحابة‪ ،‬وعلى هذا يستحيل أن‬
‫يكون قولهم )أهجر(‪ ،‬لشك عرض لهم في صحة قوله‪ ،‬زمن مرضه‪،‬‬
‫وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه النكار على من توقف في إحضار‬
‫الكتف والدواة‪ ،‬وتلكأ عنه‪ ،‬فكأنه يقول لمن توقف‪ :‬كيف تتوقف؟ أتظن‬
‫نا؟ فدع التوقف)‪(6‬وقرب الكتف‪ ،‬فإنه يقول الحق ل الهجر‪،‬‬ ‫أنه قال هذيا ً‬
‫وهذا أحسن ما يحمل عليه ‪,‬وهذا يدل على اتفاق الصحابة على‬
‫استحالة الهجر على رسول الله ×‪ ،‬حيث إن قائليها أوردوها على سبيل‬
‫الملزم‪ ،‬الذي ل يشك في المخالف‪ ،‬وبه تبطل دعوى الروافض‬ ‫النكار‬
‫من أصلها)‪.(7‬‬
‫‪6-‬أما ادعاؤهم من معارضة عمر لرسول الله × بقوله‪ :‬عندكم‬
‫كتاب الله‪ ،‬حسبنا كتاب الله‪ ،‬وأنه لم يمتثل أمر رسول الله × فيما‬
‫أراد من كتابة الكتاب‪ ،‬فالرد على هذه الشبهة الواهية‪ ،‬أن عمر – رضي‬
‫الله عنه – ومن كان على رأيه من الصحابة‪ ،‬ظهر لهم أن أمر الرسول‬
‫بكتابة الكتاب ليس على الوجوب‪ ،‬وأنه من باب الرشاد إلى الصلح‪،‬‬
‫وقد نبه على هذا القاضي عياض)‪ ,(8‬والقرطبي)‪ ,(9‬والنووي)‪ (10‬وابن‬
‫حجر)‪,(11‬ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر – رضي الله عنه –‬
‫وذلك بترك الرسول × كتابة الكتب‪ ،‬ولو كان واجبا ً لم يتركه لختلفهم‪،‬‬
‫لنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف‪ ،‬ولهذا عد هذا من موافقات‬
‫عمر)‪,(12‬كما أن قول عمر – رضي الله عنه‪ :‬حسبنا كتاب الله‪ ،‬رد على‬
‫من نازعه ل على أمر النبي ×‪ ،‬وهذا ظاهر من قوله‪ :‬عندكم كتاب‬
‫الله‪ ،‬فإن المخاطب جمع‪ ،‬وهم المخالفون لعمر – رضي الله عنه – في‬
‫رأيه‪ ،‬كما أن عمر – رضي الله عنه – كان بعيد النظر‪ ،‬ثاقب البصيرة‪،‬‬
‫سديد الرأي‪ ،‬وقد رأى أن الولى ترك كتابة الكتاب‪ ،‬بعد أن تقرر عنده‬
‫أن المر به ليس على الوجوب‪ ،‬وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء‬
‫في توجيهها‪ ،‬أقول‪ :‬منها شفقته على رسول الله مما يلحقه من كتابة‬
‫الكتاب مع شدة المرض‪ ،‬ويشهد لهذا قوله‪ :‬إن رسول الله قد غلبه‬

‫‪1‬‬
‫)( الشفا )‪.(2/886‬‬
‫‪2‬‬
‫)( المفهم )‪.(4/559‬‬
‫‪3‬‬
‫)( شرح صحيح مسلم )‪.(11/93‬‬
‫‪4‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(8/133‬‬
‫‪5‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(228‬‬
‫‪6‬‬
‫)( المفهم )‪.(4/559‬‬
‫‪7‬‬
‫)( النتصار للصحب ولل‪ :‬ص )‪،(28‬وهذا المرجع من أحسن ما أطلعت عليه في‬
‫الرد على هذه الشبهة‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الشفا )‪.(2/887‬‬
‫‪9‬‬
‫)( المفهم )‪.(2/559‬‬
‫‪10‬‬
‫)( شرح النووي )‪.(11/91‬‬
‫‪11‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(1/209‬‬
‫‪12‬‬
‫)( فتح الباري )‪.(1/209‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪3‬‬
‫الوجع‪ ،‬فكره أن يتكلف رسول الله ما يشق ويثقل عليه)‪ ,(1‬مع‬
‫ء" ]النعام‪:‬‬‫ي ٍ‬ ‫من َ‬
‫ش ْ‬ ‫في ال ْك َِتا ِ‬
‫ب ِ‬ ‫فّرطَْنا ِ‬ ‫ما َ‬ ‫استحضار قوله تعالى‪ّ + :‬‬
‫يٍء" ]النحل‪.[89:‬‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫ش‬ ‫ّ‬
‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫ّ‬ ‫ل‬ ‫نا‬
‫ً‬ ‫‪ .[38‬وقوله تعالى‪ + :‬ت ِب َْيا‬
‫قال النووي‪ :‬وأما كلم عمر‪ -‬رضي الله عنه – فقد اتفق العلماء‬
‫المتكلمون في شرح الحديث‪ ،‬على أنه من دلئل فقه عمر‪ ،‬وفضائله‬
‫ودقيق نظره)‪.(2‬‬
‫دا في موقفه من كتابة‬ ‫كما أن عمر – رضي الله عنه – كان مجته ً‬
‫الكتاب‪ ،‬والمجتهد في الدين معذور على كل‪ ،‬بل مأجور لقول النبي‬
‫×‪» :‬إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا‬
‫حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر«)‪ ,(3‬فكيف وقد كان اجتهاد عمر‬
‫بحضور رسول الله × فلم يؤثمه ولم يذمه به‪ ،‬بل وافقه على ما‬
‫أراد من ترك الكتاب‪ ،‬وبهذا يظهر بطلن طعن الروافض على‬
‫الصحابة في هذه الحادثة‪ ،‬وينكشف زيف ما قالوه في حقهم)‪.(4‬‬

‫‪1‬‬
‫)( الشفا )‪.(2/888‬‬
‫‪2‬‬
‫)( شرح النووي على صحيح مسلم )‪ ،(11/90‬النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‬
‫‪.(292 ،291 ،290 ،289‬‬
‫‪3‬‬
‫)( البخاري رقم )‪.(7352‬‬
‫‪4‬‬
‫)( النتصار للصحب والل‪ :‬ص )‪.(295 ،294‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪4‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الخلفاء الراشدين‬
‫المبحث الول‬
‫علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الصديق‬
‫ل‪ :‬مبايعة علي لبى بكر بالخلفة رضي الله عنهما‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق‪ ،‬وكذا‬
‫ل هذه الخبار ليست بصحيحة‪ ،‬وقد جاءت‬ ‫ج ّ‬
‫تأخر الزبير بن العوام‪ ،‬و ُ‬
‫روايات صحيحة السند تفيد بأن علًيا والزبير – رضي الله عنهما‪ -‬بايعا‬
‫الصديق في أول المر‪ ،‬فعن أبى سعيد الخدري‪ -‬رضي الله عنه‪-‬‬
‫قال‪ :‬لما توفى رسول الله × قام خطباء النصار‪..‬فذكر بيعة‬
‫السقيفة)‪ ,(1‬ثم قال‪ :‬ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر‬
‫في وجوه القوم فلم ير علًيا‪ ،‬فسأل عنه‪ ،‬فقام أناس من النصار‪،‬‬
‫فأتوا به‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬ابن عم رسول الله × وختنه أردت أن تشق‬
‫عصا المسلمين‪ ،‬فقال‪ :‬ل تثريب يا خليفة رسول الله ×‪ ،‬فبايعه‪ ،‬ثم‬
‫مة‬‫لم ير الزبير بن العوام‪ ،‬فسأل عنه حتى جاءوا به‪ ،‬فقال‪ :‬ابن ع ّ‬
‫عصا( المسلمين‪ ،‬فقال مثل‬ ‫رسول الله × وحواريه‪ ،‬أردت أن تشق‬
‫قوله‪ :‬ل تثريب يا خليفة رسول الله فبايعاه)‪ . 2‬ومما يدل على أهمية‬
‫حديث أبى سعيد الخدري الصحيح أن المام مسلم بن الحجاج‬
‫صاحب الجامع الصحيح‪ -‬الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد صحيح‬
‫البخاري – ذهب إلى شيخة الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة –‬
‫صاحب صحيح ابن خزيمة‪ -‬فسأله عن هذا الحديث‪ ،‬فكتب له ابن‬
‫)‪(3‬‬
‫هذا‬ ‫خزيمة الحديث‪ ،‬وقرأه عليه‪ ،‬فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة‪:‬‬
‫ابن خزيمة‪ :‬هذا الحديث ل يساوى بدنة‬ ‫الحديث يساوى بدنة‪ ،‬فقال‬
‫فقط‪ ،‬إنه يساوى بدرة مال)‪ ,(4‬وعلق على هذا الحديث ابن كثير –‬
‫رحمه الله – فقال‪ :‬هذا إسناد صحيح محفوظ‪ ،‬وفيه فائدة جليلة‪،‬‬
‫وهي مبايعة على بن أبى طالب‪ ،‬إما في أول يوم‪ ،‬أو في الثاني من‬
‫الوفاة‪ ،‬وهذان حق‪ ،‬فإن على بن أبى طالب لم يفارق الصديق في‬
‫وقت من الوقات‪ ،‬ولم ينقطع عن صلة من الصلوات خلفه)‪ ,(5‬وفي‬
‫رواية حبيب بن أبى ثابت‪ ،‬حيث قال‪ :‬كان على بن أبى طالب في‬
‫ى إلى‬ ‫بيته‪ ،‬فأتاه رجل‪ ،‬فقال له‪ :‬قد جلس أبو بكر للبيعة‪ ،‬فخرج عل ّ‬
‫جل‪ ،‬كراهة أن‬ ‫المسجد في قميص له‪ ،‬ما عليه إزار ول رداء‪ ،‬وهو متع ّ‬
‫أبا بكر‪ ،‬ثم جلس‪ ،‬وبعث إلى ردائه فجاءوه‬ ‫يبطئ عن البيعة‪ ،‬فبايع‬
‫به‪ ،‬فلبسه فوق قميصه)‪ .(6‬وقد سأل عمرو بن حريث سيعد بن زيد‪،‬‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فقال له‪ :‬متى بويع أبو بكر؟ قال سعيد‪ :‬يوم مات‬
‫رسول الله ×‪ ،‬كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم‪ ،‬وليسوا في‬
‫جماعة‪.‬‬
‫قال‪ :‬هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد‪ :‬ل‪ .‬لم يخالف إل مرتد‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫)( مجمع الزوائد )‪ (5/183‬رجاله رجال الصحبيح )البداية والنهاية ‪ ،(5/281‬قال‬
‫بن كثير‪ :‬هذا إسناد صحيح محفوظ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( المستدرك )‪ ،(3/76‬السنن الكبرى )‪ (8/143‬بإسنادين صحيحين‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( البدنة‪ :‬ناقة أو بقرة تنحر بمكة ولعظمها وضخامتها سميت بدنة‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البدرة‪ :‬كيس فيه ألف أو عشرة آلف دينار‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنه كنز ثمين‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/239‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الطبري )‪ (3/207‬والثر مرسل وفي السناد سيف بن عمر متروك‪ ،‬وعبد‬
‫العزيز بن سياه صدوق يتشيع‪ ،‬التقريب )‪.(357‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪5‬‬
‫أو كاد أن يرتد‪ ،‬وقد أنقذ الله النصار‪ ،‬فجمعهم عليه وبايعوه‪ .‬قال‪:‬‬
‫هل قعد أحد من المهاجرين عن بيتعه؟ قال سعيد‪ :‬ل لقد تتابع‬
‫المهاجرون على بيعته)‪ ,(1‬وكان مما قال على – رضي الله عنه – لبن‬
‫الكواء وقيس بن عباد حينما قدم البصرة وسأله عن مسيره قال‪:‬‬
‫»لو كان عندي من‬
‫النبي × عند في ذلك ما تركت أخا بنى تيم بن مرة وعمر بن‬
‫الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما ولو لم أجد إل بردى هذا‪،‬‬
‫ولكن رسول الله × لم يقتل قتل ً ولم يمت فجأة‪ ،‬مكث في مرضه‬
‫ما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلة‪ ،‬فيأمر أبا بكر فيصلى‬ ‫أيا ً‬
‫بالناس‪ ،‬وهو يرى مكاني‪ ،‬ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه‬
‫عن أبى بكر فأبى وغضب وقال‪» :‬أنتن صواحب يوسف مروا‬
‫أبا بكر فليصل بالناس« فلما قبض الله نبيه ونظرنا في أمورنا‪،‬‬
‫فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله‪ ,‬وكانت الصلة أصل السلم‪ ,‬وهي‬
‫ل‪ ،‬ولم‬‫أعظم المور وقوام الدين‪ ،‬فبايعنا أبو بكر‪ ،‬وكان لذلك أه ً‬
‫يختلف عليه منا اثنان‪ ،‬ولم يشهد بعضنا على بعض‪ ،‬ولم نقطع منه‬
‫البراءة‪ ،‬فأديت إلى أبى بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في‬
‫آخذ( إذا أعطاني‪ ،‬وأغزو إذا أغزاني‪ ،‬وأضرب بين يديه‬ ‫جنوده‪ ،‬وكنت‬
‫الحدود بسوطى)‪. 2‬‬
‫وكان مما قال في خطبته على منبر الكوفة في ثنائه على أبى بكر‬
‫وعمر‪» :‬فأعطي المسلمون البيعة طائعين‪ ،‬فكان أول من سبق في‬
‫ذلك من ولد عبد المطلب أنا«)‪,(3‬وجاءت روايات أشارت إلى مبايعة‬
‫على لبى بكر‪ -‬رضي الله عنهما – في أول المر وإن لم تصرح بذلك‪،‬‬
‫فعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال‪ :‬إن عبد الرحمن بن‬
‫عوف كان مع عمر بن الخطاب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ثم قام أبو بكر‬
‫صا على المارة‬ ‫فخطب الناس‪ ،‬واعتذر إليهم وقال‪» :‬والله ما كنت حري ً‬
‫با‪ ،‬ول سألتها الله عز وجل في سر‬ ‫يوما ً ول ليلة قط‪ ،‬ول كنت فيها راغ ً‬
‫ول علنية‪ ،‬ولكنى أشفقت من الفتنة‪ ،‬وما لي في المارة من راحة‪،‬‬
‫ما ً ما لي به من طاقة ولبد إل بتقوية الله عز‬ ‫را عظي‬‫ولكن قلدت أم ً‬
‫وجل‪ ،‬ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم«‪ ،‬فقل المهاجرون‬
‫منه ما قال‪ ،‬وما اعتذر به‪ .‬قال على رضي الله عنه والزبير‪» :‬ما غضبنا‬
‫إل لنا قد أخرنا عن المشاورة‪ ،‬وأنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد‬
‫رسول الله ×‪ ،‬إنه لصاحب الغار‪ ،‬وثاني اثنين‪ ،‬وإنا لنعلم بشرفه‪،‬‬
‫وكبره‪ ،‬ولقد أمره رسول الله × بالصلة بالناس وهو حي«)‪ .(4‬وعن‬
‫قيس العبدي قال‪» :‬شهدت خطبة على يوم البصرة قال‪ :‬فحمد الله‬
‫وأثنى عليه وذكر النبي × وما عالج من الناس‪ ،‬ثم قبضه الله عز وجل‬
‫إليه‪ ،‬ثم رأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر‪ -‬رضي الله عنه – فبايعوا‬
‫ورضيت‪(5،‬وفعل‬ ‫وعاهدوا وسلموا‪ ،‬وبايعت وعاهدت وسلمت‪ ،‬ورضوا‬
‫من الخير وجاهد حتى قبضه الله عز وجل‪ ،‬رحمة الله عليه«) ‪.‬‬
‫إن علًيا رضي الله عنه لم يفارق الصديق في وقت من الوقات‬
‫ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات‪ ،‬وكان يشاركه في‬
‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪ (3/207‬إسناد الخبر ضعيف‪ ،‬أنظر خلفة أبى بكر الصديق‪،‬‬
‫عبد العزيز سليمان‪ :‬ص)‪.(66‬‬
‫‪2‬‬
‫)( تاريخ السلم‪ ،‬عهد الخلفة الراشدة‪ :‬ص )‪ (389‬إسناده ضعيف خلفة أبي‬
‫بكر الصديق‪ ،‬عبد العزيز سليمان‪ :‬ص )‪.(65‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أسد الغابة )‪ (167 ،4/166‬خلفة أبي بكر‪ :‬ص)‪.(66‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ (6/341‬إسناده جيد‪ ،‬خلفة أبي بكر‪ :‬ص )‪.(67‬‬
‫‪5‬‬
‫)( السنة‪ ،‬عبد الله بن أحمد )‪ (2/563‬رجال السناد ثقات‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪6‬‬
‫المشورة‪ ،‬وفي تدبير أمور المسلمين‪ .‬ويرى ابن كثير ومجموعة من‬
‫أهل العلم أن علًيا جدد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الولى أي بعد‬
‫فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وجاءت في هذه البيعة روايات‬ ‫)‪(1‬‬
‫وفاة‬
‫الرواة أن علًيا‬ ‫بعض‬ ‫اعتقد‬ ‫الثانية‬ ‫البيعة‬ ‫وقعت‬ ‫لما‬ ‫ولكن‬ ‫‪.‬‬ ‫صحيحة‬
‫لم يبايع قبلها‪ ،‬فنفى ذلك والمثبت مقدم على النافي)‪.(2‬‬
‫وهناك كتاب اسمه »المام على جدل الحقيقة والمسلمين‬
‫الوصية والشورى« لمحمود محمد العلى زعم صاحبه بأنه يبحث‬
‫وينشد الحقيقة‪ ،‬ولكن صاحبه لم يتخلص من المنهج الشيعي‬
‫م في العسل‪ ،‬ولذلك وجب التنبيه‪،‬‬ ‫الرافضي في الطرح ووضع الس ّ‬
‫وقد تعرض لبيعة على رضي الله عنه‪ ،‬وزعم بأن أحقية على رضي‬
‫الله عنه بالخلفة قائمة على الوصية‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬علي رضي الله عنه ومساندته لبى بكر في حروب الردة‪:‬‬
‫كان علي رضي الله عنه لبى بكر رضي الله عنه عيبة)‪ (3‬نصح له‪،‬‬
‫حا لما فيه مصلحة للسلم والمسلمين على أي شيء آخر‪ ،‬ومن‬ ‫مرج ً‬
‫الدلئل الساطعة على إخلصه لبى بكر ونصحه للسلم والمسلمين‬
‫وحرصه على الحتفاظ ببقاء الخلفة واجتماع شمل المسلمين ما‬
‫جاء من موقفه من توجه أبى بكر رضي الله عنه بنفسه إلى ذي‬
‫القصة‪ ،‬وعزمه على محاربة المرتدين‪ ،‬وقيادته للتحركات العسكرية‬
‫ضدهم بنفسه‪ ،‬وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود‬
‫السلمي)‪ ,(4‬فعن ابن عمر‪ ،‬رضي الله عنه يقول‪» :‬أقول لك ما قال‬
‫)‪(5‬‬
‫رسول الله × يوم أحد‪ :‬لم سيفك ول تفجعنا بنفسك‪ ،‬وارجع إلى‬
‫دا«‪ ،‬فرجع‬ ‫المدينة‪ ،‬فوالله لئن فجعنا بك ل يكون للسلم نظام أب ً‬
‫فلو كان على رضي الله عنه – أعاذه الله من ذلك – لم ينشرح‬
‫ما من نفسه‪ ،‬فقد كانت هذه‬ ‫صدره لبى بكر وقد بايعه على رغ ً‬
‫فرصة ذهبية ينتهزها على‪ ،‬فيترك أبا بكر وشأنه‪ ،‬لعله يحدث به حدث‬
‫فيستريح منه ويصفو الجو له‪ ،‬وإذا كان فوق ذلك – حشاه الله – من‬
‫دا يغتاله‪ ،‬كما‬‫كراهته له‪ ،‬وحرصه على التخلص منه‪ ،‬أغرى به أح ً‬
‫يفعل الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم)‪ ,(6‬وقد كان رأي علي‬
‫رضي الله عنه مقاتلة المرتدين‪ ،‬وقال لبى بكر لما قال لعلي‪ :‬ما‬
‫تقول يا أبا الحسن؟ قال‪ :‬أقول‪ :‬إنك إن تركت شيًئا مما كان أخذه‬
‫سنة( الرسول‪ ،‬فقال‪ :‬أما لئن‬ ‫منهم رسول الله فأنت على خلف‬
‫قلت ذاك لقاتلنهم وإن منعوني عقال ً)‪. 7‬‬
‫ثالًثا‪ :‬تقديم علي رضي الله عنه لبى بكر‪:‬‬
‫تواترت الخبار عن على رضي الله عنه في تفضيله وتقديمه لبى‬
‫بكر رضي الله عنه‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬عن محمد ابن الحنفية قال‪ :‬قلت لبى‪ :‬أي الناس خير بعد‬
‫‪1‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/49‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/49‬‬
‫‪3‬‬
‫)( العيبة‪ :‬وعاء من خوص ونحوه ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين‪ ،‬ووعاء‬
‫من أدم ونحوه يكون فيه المتاع‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ :‬ص )‪.(97‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(315 ،6/314‬‬
‫‪6‬‬
‫)( المرتضى للندوى‪ :‬ص)‪.(97‬‬
‫‪7‬‬
‫)( المختصر من كتب الموافقة بين أهل البيت والصحابة للزمخشرى‪ :‬ص )‪،(48‬‬
‫الرياض النضرة‪ :‬ص )‪.(670‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪7‬‬
‫وخشيت أن‬ ‫رسول الله ×؟ قال‪ :‬أبو بكر‪ ،‬قلت‪ :‬ثم من؟ قال‪ :‬عمر‪،‬‬
‫يقول عثمان قلت‪ :‬ثم أنت؟ قال‪ :‬ما أنا إل رجل من المسلمين)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬عن على رضي الله عنه قال‪ :‬أل أخبركم بخير هذه المة بعد‬
‫نبيها‪(2:‬أبو بكر‪ .‬ثم قال‪ :‬أل أخبركم بخير هذه المة بعد أبى بكر‪:‬‬
‫عمر) ‪.‬‬
‫‪ -3‬عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال‪:‬قيل لعلي بن أبي طالب‬
‫رضي الله عنه‪ :‬أل تستخلف علينا؟ قال‪ :‬ما استخلف رسول الله ×‬
‫فسيجمعهم بعدي على‬ ‫فأستخلف‪ ،‬ولكن إن يرد الله بالناس خيًرا‬
‫خيرهم‪ ،‬كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم)‪.(3‬‬
‫رضي( الله عنه‪:‬ل يفضلنى أحد على أبى بكر وعمر‬ ‫‪ -4‬وقال علي‬
‫إل جلدته حد المفترى)‪. 4‬‬
‫‪ -5‬قول علي لبى سفيان رضي الله عنهما‪:‬إنا وجدنا أبا بكر لها‬
‫أه ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وهناك آثار يستأنس بها في إيضاح العلقة الطيبة بين على وأبى‬
‫بكر منها‪:‬‬
‫)أ( عن عقبة بن الحارث قال‪:‬خرجت مع أبى بكر الصديق من‬
‫صلة العصر بعد وفاة النبي × بليال وعلى يمشى إلى جنبه‪ ،‬فمر‬
‫بحسن بن على يلعب مع غلمان‪ ،‬فاحتملهن على رقبته وهو يقول‪:‬‬
‫ليس شبيًها بعلي‬ ‫بأبى يشبه النبي‬
‫قال‪ :‬وعلى يضحك)‪.(5‬‬
‫عنه قال‪» :‬من فارق الجماعة شبًرا‪،‬‬ ‫)ب( وعن على رضي الله‬
‫فقد نزع ربقة السلم من عنقه)‪ «(6‬فهل كان على يفعل ذلك؟ كان‬
‫رضي الله عنه يكره الختلف ويحرص على الجماعة‪ .‬قال القرطبي‪:‬‬
‫من تأمل ما دار بين أبى بكر وعلى من المعاتبة ومن العتذار‪ ،‬وما‬
‫تضمن ذلك من التفاق عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الخر‪،‬‬
‫وأن قلوبهم كانت متفقة على الحترام والمحبة‪ ،‬وإن كان الطبع‬
‫البشري قد يغلب أحياًنا‪ ،‬لكن الديانة ترد بذلك – والله الموفق‪.(7)-‬‬
‫وأما ما قيل من تخلف الزبير بن العوام عن البيعة لبى بكر‪ ،‬فإنه‬
‫مبايعته‬ ‫لم يرد من طريق صحيح‪ ،‬بل ورد ما ينفي هذا القول‪ ،‬ويثبت‬
‫في أول المر‪ ،‬وذلك في أثر أبى سعيد الصحيح وغيره من الثار)‪.(8‬‬
‫)ج( قال ابن تيمية‪:‬وقد تواترت عن أمير المؤمنين على بن أبى‬
‫طالب رضي الله عنه أنه قال‪» :‬خير المة بعد نبيها أبو بكر ثم‬
‫‪1‬‬
‫)( البخاري‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (127 ،110 ،1/106‬صحح أحمد شاكر معظم طرق الحاديث‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( المستدرك )‪ (3/79‬صحيح السناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/83‬في سنده ضعف‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (1/170‬إسناده صحيح تحقيق أحمد شاكر‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مصنف ابن أبى شيبة )‪ (15/24‬من مرسل أبى طاق الزدي وهو صدوق‬
‫ورجال السناد ثقات‪ ،‬خلفة أبي بكر الصديق‪ :‬ص)‪.(80‬‬
‫‪7‬‬
‫)( فتح البارى )‪.(7/495‬‬
‫‪8‬‬
‫)( خلفة أبى بكر الصديق‪ ،‬عبد العزيز سليمان‪ :‬ص )‪.(81‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪8‬‬
‫عمر«‪ ،‬وقد روى هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين‬
‫»ل أوتى بأحد يفضلني على أبى بكر وعمر‬ ‫قا‪ ،‬وعنه أنه يقول‪:‬‬ ‫طري ً‬
‫ضا‪ :‬ولم يقل قط أني أحق بهذا –‬ ‫إل جلدته حد المفترى«)‪ .(1‬وقال أي ً‬
‫أي الخلفة – من أبى بكر ول قاله أحد من بعينه أن فلًنا أحق بهذا‬
‫المر من أبى بكر‪ ،‬وإنما قال من فيه أثر لجاهلية عربية أو فارسية‬
‫إن بيت الرسول أحق بالولية لن العرب في جاهليتها كانت تقدم‬
‫يقدمون أهل بيت الملك‪ ،‬فنقل عمن‬ ‫أهل الرؤساء‪ ،‬وكذلك الفرس‬
‫نقل عنه كلم يشير به إلى هذا)‪.(2‬‬
‫)د( تسمية أبى بكر بالصديق وشهادة على له بالسّباق‬
‫يا رضي الله‬ ‫والشجاعة‪:‬عن يحيى بن حكيم ابن سعد قال‪ :‬سمعت عل ً‬
‫عنه يحلف‪ :‬لله أنزل اسم أبى بكر من السماء‪ ،‬الصديق)‪ ,(3‬وعن‬
‫صلة بن زفر العبسى قال‪ :‬كان أبو بكر إذا ذكر عند على قال‪:‬‬
‫تذكرون والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إل سبقنا‬ ‫السّباق‬
‫إليه أبو بكر)‪ ,(4‬وعن محمد بن عقيل بن أبى طالب قال‪ :‬خطبنا على‬
‫فقال‪ :‬أيها الناس من أشجع الناس؟ قلنا‪ :‬أنت يا أمير المؤمنين‪ .‬قال‬
‫ذاك أبو بكر الصديق إنه لما كان في يوم بدر وضعنا لرسول الله‬
‫العريش)‪ (5‬فقلنا‪ :‬من يقم عنده ل يدنو إليه أحد من المشركين؟ فما‬
‫قام عليه إل أبو بكر‪ ،‬وإنه كان شاهًرا السيف على رأسه كلما دنا‬
‫رأيت( رسول الله وأخذته‬ ‫إليه أحد هوى إليه أبو بكر بالسيف‪ ،‬ولقد‬
‫قريش عند الكعبة فجعلوا يتعتعونه ويترترونه)‪ 6‬ويقول‪ :‬أنت الذي‬
‫دا‪ ،‬فوالله ما دنا إليه إل أبو بكر ولبي بكر يومئذ‬ ‫جعلت اللهة إلًها واح ً‬
‫ضفيرتان)‪ ,(7‬فأقبل يجأ)‪ (8‬هذا‪ ،‬ويدفع هذا‪ ،‬ويقول‪ :‬ويلكم أتقتلون رجل ً‬
‫أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم‪ ..‬وقطعت إحدى‬
‫ضفيرتي أبى بكر‪ ،‬فقال على لصحابه‪ :‬ناشدتكم الله أي الرجلين‬
‫خير‪ ،‬مؤمن آل فرعون أم أبو بكر؟ فأمسك القوم‪ ،‬فقال على‪ :‬والله‬
‫رجل كتم إيمانه‬ ‫ليوم من أبى بكر خير من مؤمن آل فرعون‪ ،‬ذلك‬
‫فأثنى الله عليه‪ ،‬وهذا أبو بكر بذل نفسه ودمه لله)‪.(9‬‬
‫رابًعا‪ :‬اقتداء على بالصديق في الصلوات وقبول الهدايا منه‪:‬‬
‫إن علًيا رضي الله عنه كان راضًيا بخلفة الصديق ومشار ً‬
‫كا له‬
‫الهدايا رافًعا إليه الشكاوي‪ ،‬مصلًيا‬
‫)‪(10‬‬
‫في معاملته وقضاياه‪ ،‬قابل ً منه‬
‫ضا من بغضه ‪ ,‬وشهد بذلك أكبر خصوم الخلفاء‬ ‫خلفه‪ ،‬محًبا له‪ ،‬مبغ ً‬
‫وأصحاب النبي × ومن تبعهم بهديهم‪ ،‬وسلك مسلكهم‪،‬‬ ‫الراشدين‪،‬‬
‫ونهج منهجهم)‪ ,(11‬فهذا اليعقوبي الشيعي الغالي في تاريخه يذكر أيام‬
‫خلفة الصديق فيقول‪ :‬وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشاور جماعة‬
‫‪1‬‬
‫منهاج السنة )‪.(3/162‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫منهاج السنة )‪ ،(3/26‬مرويات أبى مخنف‪ :‬ص)‪.(309‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المعجم الكبير للطبراني )‪ (1/95‬رجاله ثقات قاله الحافظ في الفتح‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫الطبراني في الوسط )‪ (208 ،7/207‬إسناده ضعيف‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫عرش‪.‬‬
‫العريش‪ :‬ما يستظل به وجمعه عروش و ُ‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫يترترونه‪ :‬الترترة‪ :‬تحريك الشيء‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫ضفيرتان‪ :‬عقيصتان‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫يجأ‪ :‬الوجأ‪ :‬اللكز‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪9‬‬
‫المستدرك )‪ (3/67‬صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاء ووافقه الذهبي‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪10‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ ،‬إحسان إلهي ظهير‪ :‬ص)‪.(69‬‬ ‫)(‬
‫‪11‬‬
‫الشيعة وأهل البيت إحسان إلهي ظهير‪ :‬ص )‪.(69‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪10‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪9‬‬
‫من أصحاب رسول الله ×‪ ،‬فقدموا وأخروا فاستشار على بن أبى‬
‫طالب فأشار أن يفعل‪ ،‬فقال‪ :‬إن فعلت ظفرت؟ فقال‪ :‬بشرت‬
‫بخير‪ ،‬فقام أبو بكر في الناس خطيًبا‪ ،‬وأمرهم أن يتجهزوا إلى‬
‫الروم‪ ،‬وفي رواية‪ :‬سأل الصديق علًيا كيف ومن أين تبشر؟ قال‪:‬‬
‫من النبي × حيث سمعته يبشر بتلك البشارة‪ ،‬فقال أبو بكر‪:‬‬
‫سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن‪ ،‬سرك الله)‪.(1‬‬
‫ضا‪ :‬وكان ممن يؤخذ عنهم الفقه في أيام أبى‬ ‫ويقول اليعقوبي أي ً‬
‫الخطاب ومعاذ بن جبل وأبى بن‬ ‫ابن‬ ‫وعمر‬ ‫بكر على بن أبى طالب‬
‫كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود)‪ ,(2‬فقدم علًيا على جميع‬
‫أصحابه‪ ،‬وهذا)‪(3‬دليل واضح على تعاملهم مع بعضهم وتقديمهم علًيا‬
‫في المشورة والقضاء‪ ،‬فعندما كتب خالد بن الوليد إلى أبى بكر‬
‫بقوله له‪ :‬أنه وجد رجل ً في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح‬
‫المرأة‪ ،‬فجمع أبو بكر لذلك أصحاب رسول الله × منهم على‪ ،‬فقال‬
‫على‪ :‬إن هذا ذنب لم يعمل به إل أمة واحدة)‪ ,(4‬ففعل الله بهم ما قد‬
‫علمتم‪ ،‬أرى أن تحرقه بالنار‪ ،‬فاجتمع رأي أصحاب رسول الله أن‬
‫يحرق بالنار‪ ،‬فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار)‪ (5‬وكان على رضي الله‬
‫عنه يمتثل أوامر الصديق؛ فعندما جاء وفد من الكفار إلى المدينة‪،‬‬
‫فا وقلة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد‬ ‫ورأوا بالمسلمين ضع ً‬
‫واستئصال شأفة المرتدين والبغاة الطغاة‪ ،‬وأحس منهم الصديق‬
‫خطًرا على عاصمة‬
‫السلم والمسلمين‪ ،‬أمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس‬
‫على أنقابها يبيتون بالجيوش‪ ،‬وأمر علًيا والزبير وطلحة وعبد الله بن‬
‫يرأسوا هؤلء الحراس‪ ،‬وبقوا كذلك‬ ‫مسعود أن‬
‫حتى أمنوا منهم)‪.(6‬‬
‫وللتعامل الموجود بينهم وللتعاطف والتواد والوئام الكامل كان‬
‫على وهو سيد أهل البيت ووالد سبطي الرسول × يتقبل الهدايا‬
‫والتحف‪ ،‬دأب الخوة المتساوين فيما بينهم والمتحابين كما قبل‬
‫الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر‪ ،‬وولدت له عمر‬
‫ضا منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس التي أسرت‬ ‫ورقية)‪ ,(7‬وأي ً‬
‫مع من أسر في حرب اليمامة وولدت له أفضل أولده بعد الحسن‬
‫والحسين وهو محمد ابن الحنفية‪ ،‬وكانت خولة من سبى أهل الردة‬
‫وبها يعرف ابنها ونسب إليها محمد ابن الحنفية)‪ ,(8‬يقول المام‬
‫الجوينى عن بيعة الصحابة لبى بكر‪ :‬وقد اندرجوا تحت الطاعة عن‬
‫بكرة أبيهم لبى بكر – رضي الله عنه – وكان على رضي الله عنه‬
‫سامًعا لمره‪ ،‬وبايع أبا بكر على مل من الشهاد‪ ،‬ونهض إلى غزو بنى‬

‫‪1‬‬
‫تاريخ اليعقوبي )‪ (133 ،132 /2‬نقل ً عن الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(70‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫المصدر السابق )‪(2/138‬نقل ً عن الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(70‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(70‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫أل وهى أمة لوط عليه السلم‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫المغنى والشرح الكبير )‪ (12/220‬المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص )‪.(51‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫تاريخ الطبري )‪ ،(4/64‬الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(71‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫الطبقات )‪ ،(3/20‬البداية والنهاية )‪.(333 -7/331‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫الطبقات )‪.(3/20‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪0‬‬
‫حنيفة)‪.(1‬‬
‫ووردت روايات عديدة في قبوله هو وأولده الهدايا المالية‪،‬‬
‫والخمس‪ ،‬وأموال الفئ من الصديق رضي الله عنهم أجمعين‪ ،‬وكان‬
‫على هو القاسم والمتولى في عهده على الخمس والفئ‪ ،‬وكانت‬
‫هذه الموال بيد على‪ ،‬ثم كانت بيد الحسن ثم بيد الحسين‪ ،‬ثم‬
‫الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن)‪ ,(2‬وكان على رضي الله عنه‬
‫يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق‪ ،‬راضًيا بإمامته‪،‬‬
‫ومظهًرا للناس اتفاقه ووئامه معه)‪ ,(3‬وكان على رضي الله عنه‬
‫يروى عن أبى بكر بعض أحاديث رسول الله ×‪ ،‬فعن أسماء بنت‬
‫الحكم الفزاري قالت‪ :‬سمعت علًيا رضي الله عنه يقول‪ :‬كنت إذا‬
‫ما نفعني الله به‪ ،‬وكان إذا حدثني عنه‬ ‫سمعت من رسول الله عل ً‬
‫غيري استحلفته فإذا حلف صدقته‪ ،‬وحدثني أبو بكر‪ -‬وصدق أبو بكر‬
‫– قال‪ :‬سمعت رسول الله × يقول‪» :‬ما من عبد مسلم يذنب‬
‫ذنًبا ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلى ركعتين ثم‬
‫يستغفر الله إل غفر الله له«)‪ (4‬ولما قبض رسول الله ×‬
‫اختلف أصحابه فقالوا‪ :‬ادفنوه في البقيع)‪ ,(5‬وقال آخرون‪ :‬ادفنوه في‬
‫موضع الجنائز‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬ادفنوه في مقابل أصحابه‪ ،‬فقال أبو‬
‫بكر‪ :‬أخروا فإنه ل ينبغي رفع الصوت عند النبي حًيا ول ميًتا‪ ،‬فقال‬
‫على رضي الله عنه‪» :‬أبو بكر مؤتمن على ما جاء به«‪ .‬قال أبو بكر‪:‬‬
‫ى رسول أنه ليس من نبي يموت إل دفن حيث ُيقبض«)‪,(6‬‬ ‫»عهد إل ّ‬
‫وشهد على رضي الله عنه للصديق عن عظيم أجره في المصاحف‪،‬‬
‫فعن عبد خير قال‪ :‬سمعت علًيا يقول‪» :‬أعظم الناس أجًرا في‬
‫المصاحف‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬هو أول من جمع بين اللوحين«)‪.(7‬‬
‫سا‪ :‬الصديق والسيدة فاطمة وميراث النبي ×‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬إن فاطمة والعباس – رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬أتيا أبا بكر‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬يلتمسان ميراثهما من رسول‬
‫الله × وهما يطلبان أرضه من فدك‪ ،‬وسهمه من خيبر‪ ،‬فقال لهما‬
‫أبو بكر‪ :‬إني سمعت رسول الله يقول‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما تركنا‬
‫صدقة‪ ،‬إنما يأكل آل محمد × من هذا المال«)‪ (8‬وفي رواية‬
‫كا شيًئا كان رسول الله ×‬ ‫قال أبو بكر رضي الله عنه‪....‬لست تار ً‬
‫ً‬
‫يعمل به إل عملت به‪ ،‬فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن‬
‫أزيغ)‪ .(9‬وعن عائشة ‪ -‬رضي الله عنها – قالت‪ :‬إن أزواج النبي ×‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫)( الرشاد للجوينى‪ :‬ص )‪ (428‬نقل ً عن أصول مذهب الشيعة المامية الثنى‬
‫عشرية للقفاري )‪.(1/85‬‬
‫‪2‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(72‬‬
‫‪3‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(72‬‬
‫‪4‬‬
‫)( مسند أحمد رقم ‪.47‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البقيع‪ :‬مقبرة أهل المدينة وهي داخل المدينة‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (1/8‬إسناده ضعيف قاله أحمد شاكر‪ ،‬وقال ابن حجر في الفتح‬
‫)‪ (1/631‬إسناده صحيح لكنه موقوف‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( المختصر من كتاب الموافقة‪ :‬ص )‪.(44‬‬
‫‪8‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.6726‬‬
‫‪9‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.1759‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪1‬‬
‫حين توفى الرسول الله‪ ،‬أردن أن يبعثن عثمان بن عفان رضي الله‬
‫عنه إلى أبى بكر‪ ،‬ليسألنه ميراثهن من النبي ×‪ ،‬فقالت عائشة‬
‫لهن‪ :‬أليس قد قال رسول الله ×‪» :‬ل نورث‪ ،‬ما‬ ‫رضي الله عنها‬
‫تركناه صدقة«)‪ (1‬وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫ما‪(2‬تركت بعد نفقة‬ ‫الله ×‪» :‬ل يقتسم ورثتى ديناًرا‪،‬‬
‫نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة«) ‪.‬‬
‫وهذا ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة رضي‬
‫كا شيًئا كان‬‫الله عنها امتثال ً لقوله ×‪ ،‬لذلك قال الصديق‪» :‬لست تار ً‬
‫به«()‪ (3‬وقال‪» :‬والله ل أدع أمًرا‬ ‫رسول الله × يعمل به إل عملت‬
‫رأيت رسول الله يصنعه إل صنعته«)‪. 4‬‬
‫وقد تركت فاطمة رضي الله عنه منازعته بعد احتجاجه بالحديث‬
‫وبيانه‪(5‬لها‪ ،‬وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ×‪ ،‬قال ابن‬
‫قتيبة) ‪ :‬وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنها في ميراث‬
‫النبي× فليس بمنكر‪ ،‬لنها لم تعلم ما قاله رسول الله ×‪ ،‬وظنت‬
‫أنها ترثه كما يرث الولد آباءهم‪ ،‬فلمان أخبرها بقوله كفت)‪ ,(6‬وقد‬
‫طا مجانبين الحق‬‫وا مفر ً‬‫غل الرافضة في قصة ميراث النبي غل ً‬
‫والصواب‪ ،‬معرضين متجاهلين ما ورد من نصوص صحيحة في أنه ×‬
‫ل يورث‪ ،‬وجعلوا ذلك من أصول الخلف بين الصحابة وآل البيت‪-‬‬
‫رضي الله عنهم أجمعين – وامتداًدا لمر الخلفة‪ ،‬فاتهموا الصحابة‪-‬‬
‫رضوان الله عليهم‪ -‬بإيقاع الظلم والجور على آل البيت‪ ،‬ول سيما‬
‫أبو بكر الصديق وعمر الفاروق – رضي الله عنهما – الذين غصبا‬
‫الخلفة من آل البيت كما في زعمهم‪ ،‬وأضافوا إلى ذلك غصب‬
‫أموال آل البيت‪ ،‬وغصب ما فرض الله لهم من حقوق مالية‪ ،‬ويعتبر‬
‫الرافضة قضية فدك‪ ،‬ومنع فاطمة من إرثها من أهم القضايا‪ ،‬التي‬
‫تواطأ عليها الصحابة بعد غصب الصديق رضي الله عنه للخلفة منهم‬
‫الناس( إلى آل البيت بسبب هذا‬ ‫على حد تعبيرهم‪ ،‬وذلك حتى ل يميل‬
‫المال فيجتمعوا عليه ويخلعوه من الخلفة)‪. 7‬‬
‫والمتتبع لكتب الرافضة في هذه المسألة يجد أنها تنصب على إنكار‬
‫نحن معاشر النبياء ل نورث ما تركناه‬ ‫رسول الله ×‪» :‬‬
‫)‪(8‬‬
‫حديث‬
‫واستقطاب الدلة لمحاولة إبطاله‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫صدقة«‬
‫‪ -1‬زعمهم أن هذا الحديث وضعه أبو بكر الصديق‪ -‬رضي الله‬
‫عنه‪:-‬وفي ذلك يقول الحلى‪ :‬إن فاطمة لم تقبل بحديث اخترعه أبو‬
‫ضا‪ :‬والتجأ في ذلك إلى‬ ‫بكر من قوله‪ :‬ما تركناه صدقة‪ .‬وقال أي ً‬
‫رواية انفرد بها)‪ .(9‬وقال المجلسى بعد أن نص على أن أبا بكر وعمر‬
‫كا‪ :‬ولجل ذلك وضعوا تلك الرواية الخبيثة المفتراة‪ :‬نحن‬ ‫أخذا فد ً‬
‫‪1‬‬
‫)( البخاري رقم ‪ ،6730‬مسلم رقم ‪.1758‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.6729‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسلم ‪.1758‬‬
‫‪4‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.6726‬‬
‫‪5‬‬
‫)( شذرات الذهب )‪.(2/169‬‬
‫‪6‬‬
‫)( تأويل مختلف الحديث‪ :‬ص ‪.19/1‬‬
‫‪7‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ :‬ص )‪.(435‬‬
‫‪8‬‬
‫)( مسلم ‪.1758‬‬
‫‪9‬‬
‫)( منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة )‪ (4/193‬نقل ً عن العقيدة في أهل‬
‫البيت‪.‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪2‬‬
‫معاشر النبياء ل نورث‪ ،‬ما تركناه صدقة)‪ (1‬ويقول الخميني في ذلك‪:‬‬
‫المنسوب إلى النبي ل صحة له‪ ،‬وأنه قيل من أجل‬ ‫نقول إن الحديث‬
‫استئصال ذرية النبي)‪.(2‬‬
‫ويجاب على ذلك‪ :‬بأن هذا القول كذب محض وافتراء واضح‪ ،‬إذ‬
‫هذه الرواية لم ينفرد بها أبو بكر رضي الله عنه بل إن قوله ×‪» :‬ل‬
‫نورث ما تركناه فهو صدقة«‪ ،‬رواه عنه أبو بكر وعثمان وعلى‬
‫وطلحة‪ ،‬والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد‬
‫وأزواج النبي × وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان رضي الله‬ ‫المطلب‬
‫عنهم أجمعين)‪ (3‬وفي ذلك يقول ابن تيمية‪ :‬والرواية عن هؤلء ثابتة‬
‫في الصحاح والمسانيد‪ ،‬ومشهورة يعلمها أهل العلم بالحديث‪ ،‬فقول‬
‫القائل‪(4):‬إن أبا بكر انفرد بالرواية يدل على فرط جهله أو تعمده‬
‫الكذب ‪.‬‬
‫وقال ابن كثير بعد ذكره لمن روى الحديث‪» :‬وأن هذا الزعم من‬
‫الرافضة باطل‪ ،‬ولو تفرد بروايته الصديق‪ -‬رضي الله عنه )‪ (–5‬لوجب‬
‫على جميع أهل الرض قبول روايته والنقياد له في ذلك« ‪ ,‬وقد‬
‫قال الدكتور سليمان بن رجاء السحيمي صاحب الكتاب القيم‬
‫»العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط«‪ :‬ويؤيد هذا ما جاء‬
‫من كتب الرافضة عن المام جعفر الصادق المام الخامس‬
‫المعصوم عندهم فيما رواه الكليني والصفار والمفيد أنه قال‪ :‬قال‬
‫ما سلك الله به‬ ‫قا يطلب منه عل ً‬ ‫رسول الله ×‪» :‬من سلك طري ً‬
‫قا إلى الجنة‪ ،‬والعلماء أمناء‪ ،‬والتقياء حصون‪ ،‬والوصياء سادة‪،‬‬ ‫طري ً‬
‫وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر‪،‬‬
‫ما‪ ،‬ولكن ورثوا‬ ‫وأن العلماء ورثة النبياء لم يورثوا ديناًرا ول دره ً‬
‫العلم‪ ،‬فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)‪ (6‬وفي رواية‪» :‬إن العلماء ورثة‬
‫ما ول ديناًرا‪ ،‬وإنما أورثوا‬ ‫النبياء‪ ،‬وذلك ان النبياء لم يورثوا دره ً‬
‫أحاديث من أحاديثهم«)‪ .(7‬وما أرث منك يا رسول الله؟ قال‪» :‬ما‬
‫أورث النبيون«‪.‬‬
‫م‬‫صيك ُ ُ‬
‫لقوله تعالى‪ُ + :‬يو ِ‬ ‫مخالف ا ُ‬
‫ح ّ‬
‫زعمهم أن هذا الحديث‬ ‫في أ َ‬ ‫‪-2‬‬
‫ن )"‪](8‬النساء‪[11:‬‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ث‬‫لن‬ ‫ظ‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ث‬‫م‬‫ِ‬ ‫ر‬‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ك‬‫ّ‬ ‫ذ‬ ‫لل‬
‫ِ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ه‬
‫الل ُ‬
‫صا بالمة دونه ×؟ ‪.‬‬ ‫وقالوا‪ :‬ولم يجعل الله ذلك خا ً‬
‫والحقيقة أن الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب‪ ،‬وليس فيه‬
‫ما يوجب كون النبي × من المخاطبين بها)‪ ,(9‬فهو × ل يقاس بأحد‬
‫من البشر‪ ،‬فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم‪ ،‬ولن الله حرم عليه‬
‫خص بأشياء لم ُيخص بها أحد غيره ×‪،‬‬ ‫صدقة الفرض والتطوع‪ ،‬و ُ‬
‫‪1‬‬
‫)( حق اليقين‪ :‬ص )‪ (191‬نقل ً عن العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(443‬‬
‫‪2‬‬
‫)( كشف السرار للخميني‪ :‬ص )‪ (133 -132‬نقل ً عن العقيدة في أهل البيت‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(444‬‬
‫‪4‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(4/199‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/250‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الكافي للكليني )‪.(34 -1/32‬‬
‫‪7‬‬
‫(‬‫‪11‬‬ ‫‪،‬‬‫‪10‬‬ ‫)‬ ‫ص‬ ‫للصفار‪:‬‬ ‫الدرجات‬ ‫وبصائر‬ ‫(‪،‬‬
‫وانظر‪ :‬علم اليقين للكاشاني )‪ (748 ،2/747‬نقل ً‬ ‫)( المصدر السابق )‪34 -1/32‬‬
‫والختصاص للمفيد‪ :‬ص)‪(4‬‬
‫عن العقيدة لهل البيت‪ :‬ص)‪.(444‬‬
‫‪8‬‬
‫)( منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ‪.4/194‬‬
‫‪9‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ (195 ،4/494‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(445‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪3‬‬
‫ومما خصه الله به‪ ،‬هو وإخوانه من النبياء عليهم السلم كونهم ل‬
‫يورثون‪ ،‬وذلك صيانة من الله لهم لئل يكون ذلك شبهة لمن يقدح‬
‫في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وخلفوها لورثتهم‪ ،‬أما بقية البشر فل‬
‫نبوة لهم يقدح فيها بمثل ذلك‪ ،‬كما صان الله تعالى نبينا × عن الخط‬
‫والشعر)‪(1‬صيانة لنبوته عن الشبة وإن كان غيره لم يحتج إلى هذه‬
‫الصيانة ‪.‬‬
‫وقال ابن كثير في رده على استدلل الرافضة بالية‪ :‬إن رسول‬
‫خص من بين النبياء بأحكام ل يشاركونه فيها‪..‬فلو قدر أن‬ ‫الله × قد ُ‬
‫الصحابة‪،‬‬ ‫رواه‬ ‫ما‬ ‫لكان‬ ‫كذلك‪،‬‬ ‫المر‬ ‫وليس‬ ‫يورثون‪،‬‬ ‫النبياء‬ ‫غيره من‬
‫وعلى رأسهم أبو بكر‪ ،‬مبيًنا لتخصصه بهذا الحكم دون من سواه)‪.(2‬‬
‫وبهذا يتبين بطلن استدللهم بمخالفة الحديث‪.‬‬
‫‪ -3‬زعمهم أن منع الرث والستدلل بهذا الحديث مخالف‬
‫د" ]النمل‪ ،[16:‬ومخالف لما‬
‫ْ‬
‫و َ‬ ‫دا ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ما ُ‬ ‫سل َي ْ َ‬ ‫ث ُ‬ ‫ر َ‬ ‫و ِ‬ ‫و َ‬ ‫لقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ي‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫م‬
‫ُ ّ َ َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ت‬ ‫ف‬‫ْ‬ ‫خ‬ ‫ِ‬ ‫ني‬ ‫ّ‬ ‫إ‬
‫َ ِ‬ ‫و‬ ‫‪+‬‬ ‫السلم‪:‬‬ ‫عليه‬ ‫زكريا‬ ‫نبيه‬ ‫حكاه الله عن‬
‫يا ‪‬‬‫ول ِّ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ن‬ ‫د‬ ‫ل‬ ‫من‬ ‫لي‬ ‫ب‬ ‫ه‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫را‬ ‫ق‬ ‫عا‬ ‫تي‬ ‫كان َت امرأ َ‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ ْ‬
‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ‬ ‫ِ‬ ‫وَراِئي َ‬ ‫من َ‬ ‫ِ‬
‫ضّيا" ]مريم‪،5 :‬‬ ‫ب َر ِ‬ ‫ر‬
‫َ َ ْ َ ُ َ ّ‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ج‬ ‫وا‬ ‫ب‬ ‫قو‬ ‫ُ‬ ‫ع‬‫ِ َ ْ‬‫ي‬ ‫ل‬ ‫آ‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ث‬ ‫ُ‬ ‫ر‬
‫َ َ ِ‬‫ي‬ ‫و‬ ‫ني‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫ر‬
‫يَ ِ‬
‫‪.[6‬‬
‫حيث قالوا‪ :‬إن الميراث يقتضي الموال وما)‪(3‬في معناه‪ ،‬وليس‬
‫لحد أن يقول إن المراد بالية العلم دون المال ‪.‬‬
‫ويجاب على ذلك بما يلي‪ :‬إن الرث اسم جنس يدخل تحته‬
‫العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع‬ ‫م أَ‬ ‫أنواع‪ ،‬فيستعمل في إرث‬
‫ن‬‫م ْ‬ ‫في َْنا ِ‬ ‫صط َ َ‬ ‫ْ ْ‬ ‫ا‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ب‬‫َ‬ ‫تا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫نا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ث‬ ‫ر‬
‫ْ َ‬ ‫و‬ ‫ّ‬ ‫النتقال‪ .‬قال تعالى‪+ :‬ث ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫تعالى‪ُ + :‬‬
‫ن ‪‬‬ ‫رُثو َ‬ ‫َ ِ‬‫وا‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ل‬ ‫أو‬ ‫وقال‬ ‫عَباِدَنا" ]فاطر‪،[32:‬‬ ‫ِ‬
‫ن" ]المؤمنون‪،10:‬‬ ‫دو َ‬ ‫خال ِ ُ‬ ‫ها َ‬ ‫في َ‬ ‫م ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫س ُ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫ْ ْ‬ ‫د‬ ‫ر‬ ‫ف‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ثو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬
‫‪ [11‬وغير ذلك من اليات الواردة في هذا الشان‪ ،‬وإذا كان كذلك‬
‫ث‬
‫ر ُ‬ ‫وي َ ِ‬ ‫رث ُِني َ‬ ‫ودَ" وقوله‪+ :‬ي َ ِ‬ ‫دا ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ما ُ‬ ‫سل َي ْ َ‬ ‫ث ُ‬ ‫ر َ‬ ‫و ِ‬ ‫و َ‬ ‫فقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ب" إنما يدل على جنس الرث‪ ،‬ول يدل على إرث‬ ‫قو َ‬ ‫ع ُ‬ ‫ل يَ ْ‬ ‫نآ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ِ‬
‫المال‪ ،‬وذلك أن داود عليه السلم كان له أولد كثيرون غير سليمان‬
‫فل يختص سليمان بماله فدل على أن المراد بهذا الرث إرث العلم‬
‫والنبوة ونحو ذلك‪ ،‬ل إرث المال‪ ،‬والية سيقت في بيان مدح‬
‫سليمان وما خصه الله به من النعمة‪ ،‬وحصر الرث في المال ل مدح‬
‫فيه‪ ،‬إذ إن إرث المال من المور العادية المشتركة بين الناس‪،‬‬
‫ب" ليس المراد‬ ‫قو َ‬ ‫ع ُ‬ ‫ل يَ ْ‬ ‫نآ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ث ِ‬ ‫ر ُ‬ ‫وي َ ِ‬ ‫رث ُِني َ‬ ‫وكذلك قوله تعالى‪+ :‬ي َ ِ‬
‫به إرث المال لنه ل يرث آل يعقوب شيًئا)‪(4‬من أموالهم‪ ،‬وإنما يرث‬
‫ذلك منهم أولدهم وسائر ورثتهم لو ورثوا ‪.‬‬
‫وَراِئي" ]مريم‪[5:‬‬ ‫من َ‬ ‫ي ِ‬ ‫وال ِ َ‬ ‫م َ‬ ‫ت ال ْ َ‬ ‫ف ُ‬ ‫خ ْ‬ ‫وإ ِّني ِ‬ ‫كما أن قوله‪َ + :‬‬
‫ل يدل على أن الرث إرث مال‪ ،‬لن زكريا لم يخف أن يأخذوا ماله‬
‫من بعده إذا مات‪ ،‬فإن هذا ليس بمخوف‪ ،‬وزكريا عليه السلم لم‬
‫يعرف له مال‪ ،‬بل كان تجاًرا يأكل من كسب يده كما في صحيح‬
‫‪1‬‬
‫)( منهاج السنة‪ :‬ص )‪ ،(195 ،194‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص )‪.(445‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(5/254‬العقيدة في أهل البيت‪:‬ص )‪.(446‬‬
‫‪3‬‬
‫)( منهاج الكرامة‪ :‬ص)‪ (109‬نقل ً عن العقيدة في أهل البيت وغيرها من الكتب‬
‫كالطرائف لبن »آووس« )‪.(347‬‬
‫‪4‬‬
‫)( منهاج السنة )‪.(224 -4/222‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪4‬‬
‫دا يرث‬ ‫مسلم)‪ ،(1‬ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ول ً‬
‫أن المراد بالوراثة في هاتين اليتين وراثة‬ ‫عنه ماله‪ ،‬قدل على‬
‫النبوة‪ ،‬والقيام مقامه)‪.(2‬‬
‫يقول القرطبي في تفسيره للية‪ :‬وعليه فلم يسل من يرث‬
‫ماله‪ ،‬لن النبياء ل تورث‪ ،‬وهذ هو الصحيح من القولين في تأويل‬
‫الية‪ ،‬وأنه عليه الصلة والسلم أراد وراثة العلم والنبوة ل وراثة‬
‫المال لما ثبت عن النبي × أنه قال‪» :‬إنا معشر النبياء ل‬
‫نورث‪ ،‬ما تركنا صدقة«)‪ ,(3‬وهذا الحديث يدخل في التفسير‬
‫د" وعبارة عن قول‬ ‫و َ‬
‫دا ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ما ُ‬ ‫سل َي ْ َ‬ ‫ث ُ‬ ‫ر َ‬‫و ِ‬ ‫و َ‬ ‫ّ‬ ‫المسند لقوله تعالى‪َ + :‬‬
‫ل‬‫نآ ِ‬ ‫م ْ‬
‫ث ِ‬‫ر ُ‬‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ي‬‫و‬‫َ‬ ‫ني‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫‪‬‬ ‫يا‬
‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫و‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫د‬ ‫من ل‬ ‫ب ِلي ِ‬ ‫ه ْ‬‫ف َ‬‫زكريا ‪َ +‬‬
‫ضّيا" وتخصيص للعموم في ذلك‪ ،‬وإن‬ ‫ب َ ْ َ ُ َ ّ َ ِ‬
‫ر‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ل‬‫ع‬ ‫ج‬‫وا‬ ‫قو َ‬‫ع ُ‬‫يَ ْ‬
‫سليمان لم يرث من داود مال ً خلفه داود بعده‪ .‬وإنما ورث منه‬
‫من( آل يعقوب‪ ،‬وهكذا قال أهل‬ ‫الحكمة والعلم‪ ،‬وكذلك ورث يحيى‬
‫العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض)‪. 4‬‬
‫ومما تجدر الشارة إليه أن الرافضة خالفوا ما استدلوا به على‬
‫وجوب الميراث‪ ،‬وذلك أنهم حصروا ميراثه × في فاطمة – رضي‬
‫الله عنه – فزعموا أنه لم يرث النبي × إل هي‪ ،‬فأخرجوا أزواجه‬
‫وعصبته مخالفين عموم اليات التي استدلوا بها‪ ،‬فقد روى الصدوق‬
‫بسنده عن أبى جعفر الباقر قوله‪ :‬ل والله ما ورث رسول الله ×‬
‫وما( كان آخذ‬ ‫العباس ول على‪ ،‬ول ورثته إل فاطمة عليها السلم‪،‬‬
‫على عليه السلم السلح وغيره إل إنه قضى عنه دينه)‪ . 5‬وروى‬
‫ضا قوله‪ :‬وورث‬ ‫الكليني والصدوق والطوسى بأسانيدهم إلى الباقر أي ً‬
‫السلم من رسول الله × علمه‪ ،‬وورثت فاطمة عليها‬ ‫على عليه‬
‫السلم تركته)‪ ,(6‬بل وأخرجوا فاطمة من ذلك‪ ،‬حيث زعموا أن‬
‫النساء ل يرثن العقار‪ ،‬فقد بوب الكليني في كتابه الكافي باًبا‬
‫بعنوان‪ :‬إن النساء ل يرثن من العقار شيًئا‪ ،‬وساق تحته روايات منها‪:‬‬
‫جعفر الصادق إنه قال‪ :‬النساء ل يرثن من الرض ول من‬ ‫عن أبي‬
‫العقار شيًئا)‪.(7‬‬
‫روى الصدوق بسنده إلى ميسر قال‪:‬سألته – يقصد الصادق –‬
‫عن النساء ما لهن في الميراث‪ ،‬فقال‪ :‬أما الرض والعقارات فل‬
‫ميراث فيه)‪ ,(8‬وبهذا يتبين عدم استحقاق فاطمة – رضي الله عنها –‬
‫من الميراث‪ ،‬بدون الستدلل بحديث‪ :‬نحن معاشر النبياء ل‬ ‫شيًئا‬
‫نورث)‪ ,(9‬فما دامت المرأة ل ترث العقار والرض‪ ،‬فكيف كان‬
‫لفاطمة أن تسأل فدك – على حسب قولهم‪ -‬وهي عقار ل ريب‬

‫‪1‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.2379‬‬
‫‪2‬‬
‫)( منهاج السنة )‪ ،(4/225‬البداية والنهاية )‪ ،(5/253‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص‬
‫)‪.(448‬‬
‫‪3‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.1758‬‬
‫‪4‬‬
‫)( تفسير القرطبي )‪.(45 -11/35‬‬
‫‪5‬‬
‫)( من ل يحضره الفقيه )‪ ،(191 ،4/190‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص )‪.(451‬‬
‫‪6‬‬
‫)( الكافي للكليني )‪ ،(7/137‬العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(451‬‬
‫‪7‬‬
‫)( الكافي للكليني )‪ ،(7/137‬العقيدةن في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(451‬‬
‫‪8‬‬
‫)( الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص)‪.(89‬‬
‫‪9‬‬
‫)( مسلم ‪.1768‬‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪5‬‬
‫فيه)‪ ,(1‬وهذا دليل كذبهم وتناقضهم فضل ً عن جهلهم)‪.(2‬‬
‫وأما ما زعموه من كون الصديق – رضي الله عنه – سأل فاطمة‬
‫أن تحضر شهوًدا‪ ،‬فأحضرت علًيا وأم أيمن فلم يقبل شهادتهما‪ ،‬فهو‬
‫من الكذب البين الواضح‪ ،‬قال حماد بن إسحاق‪ :‬فأما ما يحكيه قوم‬
‫أن فاطمة عليها السلم طلبت فدك‪ ،‬وذكرت أن رسول الله ×‬
‫أقطعها إياها‪ ،‬وشهد لها على عليه السلم فلم يقبل أبو بكر شهادته‬
‫لنه زوجها‪ ،‬فهذا أمر ل أصل له)‪(3‬ول تثبت به رواية أنها ادعت ذلك‪،‬‬
‫وإنما هو أمر مفتعل ل ثبت فيه ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن السنة والجماع قد دل على أن النبي × ل يورث‪:‬قال ابن‬
‫تيمية‪ :‬كون النبي × ل يورث ثبت بالسنة المقطوع بها‪ ،‬وبإجماع‬
‫الصحابة‪ ،‬وكل منها دليل قطعي‪ ،‬فل يعارض ذلك بما يظن أنه عموم‪،‬‬
‫ما فهو مخصوص‪ ،‬لن ذلك لو كان دليل ً لما كان إل‬ ‫وإن كان عمو ً‬
‫ظنًيا فل يعارض القطعي‪ ،‬إذ الظنى ل يعارض القطعي‪ ،‬وذلك أن هذا‬
‫الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس‪ ،‬وليس فيهم‬
‫من ينكره‪ ،‬بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق‪ ،‬ولهذا لم يصر أحد من‬
‫م على طلب الميراث‪ ،‬بل‬ ‫أزواجه على طلب الميراث‪ ،‬ول أصّر الع ّ‬
‫لما طلب من ذلك شيًئا فأخبر بقول النبي × رجع عن طلبه‪ ،‬واستمر‬
‫على عهد الخلفاء الراشدين إلى على‪ ،‬فلم يغير شيًئا‬ ‫)‪(4‬‬
‫المر على ذلك‬
‫ى( بعد ذي‬ ‫ّ‬ ‫)عل‬ ‫الخلفة‬ ‫تولى‬ ‫قد‬ ‫تيمية‪:‬‬ ‫ابن‬ ‫قال‬ ‫‪.‬‬ ‫تركة‬ ‫ول قسم له‬
‫النورين عثمان‪ ،‬وصار فدك وغيرها تحت حكمه‪ ،‬ولم يعط منها شيًئا‬
‫لحد من أولد فاطمة ول من زوجات النبي × ول ولد العباس‪ ،‬فلو‬
‫ما وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية‬ ‫كان ظل ً‬
‫وجيوشه‪ ،‬أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك)‪(5‬من الشر العظيم‬
‫ول يعطي هؤلء قليل ً من المال‪ ،‬وأمره أهون بكثير ‪.‬‬
‫وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو‬
‫العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل‬
‫ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال‪ :‬وقد روينا عن السفاح أنه خطب‬
‫ما فقام رجل من آل على – رضي الله عنه – قال‪ :‬إنا من أولد‬ ‫يو ً‬
‫على – رضي الله عنه – فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين أعنى على من‬
‫ظلمني‪ .‬قال‪ :‬ومن ظلمك؟ قال‪ :‬أنا من أولد على – رضي الله عنه‬
‫– والذي ظلمني أبو بكر – رضي الله عنه – حين أخذ فدك من‬
‫فاطمة‪ ،‬وقال‪ :‬ودام على ظلمكم؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬ومن قام عبده؟‬
‫قال‪ :‬عمر – رضي الله عنه – قال‪ :‬ودام على ظلمكم‪ .‬قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قال‪ :‬ومن قام بعده؟ قال عثمان – رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬ودام على‬
‫قال‪ :‬ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا‬ ‫ظلمكم؟ قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ينظر مكاًنا يهرب منه)‪.(6‬‬
‫وبتصويب أبي بكر – رضي الله عنه – في اجتهاده صّرح بعض‬
‫أولد على من فاطمة – رضي الله عنهما‪ -‬على ما روى البيهقي‬
‫بسنده عن فضيل بن مرزوق قال‪ :‬قال زيد بن على ابن الحسين بن‬
‫‪1‬‬
‫الشيعة وأهل البيت‪ :‬ص )‪.(98‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫العقيدة في أهل البيت‪ :‬ص)‪.(452‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫منهاج السنة )‪.(238 -4/236‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫المصدر السابق )‪.(4/220‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/347‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫تلبيس إبليس‪ :‬ص )‪.(135‬‬ ‫)(‬
‫على بن أبي طالب‬
‫‪11‬‬ ‫شخصيته وعصره‬
‫‪6‬‬
‫طالب‪ :‬أما لو كنت مكان أبي بكر‪ ،‬لحكمت بما حكم به‬ ‫على بن أبى‬
‫أبو بكر في فدك)‪ ,(1‬كما نقل أبو العباس القرطبي اتفاق أهل البيت‬
‫بدًءا بعلي – رضي الله عنه – ومن جاء بعده من أولده‪ ،‬ثم أولد‬
‫العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله‪ ،‬إنهم ما كانوا يرون‬
‫تملكها‪ ،‬إنما كانوا ينفقونها في سبيل الله‪ ،‬قال‪ -‬رحمه الله‪ :-‬إن علًيا‬
‫لما ولى الخلفة ولم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر وعمر‪،‬‬
‫وعثمان‪ ،‬ولم يتعرض لتملكها‪ ،‬ول لقسمة شيء منها‪ ،‬بل كان‬
‫يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها‪ ،‬ثم كانت بيد‬
‫حسن بن على‪ ،‬ثم بيد حسين بن على‪ ،‬ثم بيد على بن الحسين‪ ،‬ثم‬
‫بيد الحسين بن الحسن‪ ،‬ثم بيد زيد بن الحسين‪ ،‬ثم بيد عبد الله بن‬
‫الحسين‪ ،‬ثم تولها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في‬
‫صحيحه‪ ،‬وهؤلء كبراء أهل البيت –ر ضي الله عنهم‪ -‬وهم معتمدون‬
‫عند الشيعة وأئمتهم‪ ،‬لم يرو عن واحد منهم أنه تملكها ول ورثها ول‬
‫قا لخذها على أو أحد من‬ ‫يقوله الشيعة ح ً‬ ‫ورثت عنه‪ ،‬فلو كان ما‬
‫أهل بيته لما ظفروا بها)‪.(2‬‬
‫ى( الخلفة بعد ذى النورين عثمان‪،‬‬ ‫وقال ابن تيمية‪ :‬قد تولى )عل ّ‬
‫وصارت فدك وغيرها تحت حكمه‪ ،‬ولم يعط منها شيًئا لحد من أولد‬
‫ما‬
‫فاطمة‪ ،‬ول من زوجات النبي ×‪ ،‬ول ولد العباس‪ ،‬فلو كان ظل ً‬
‫وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه‪،‬‬
‫الشر( العظيم‪ ،‬ول‬ ‫أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك من‬
‫يعطي هؤلء قليل ً من المال‪ ،‬وأمره أهون بكثير؟ )‪. 3‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل‪،‬‬
‫لم‪ (4‬يحيطوا بعلمه‪ ،‬ولما يأتهم‬ ‫وتكلفوا ما لعلم لهم به‪ ،‬وكذبوا بما‬
‫تأويله‪ ،‬وأدخلوا أنفسهم فيما ل يعنيهم) ‪ ,‬فلو تفهموا المور على ما‬
‫هي عليه لعرفوا للصديق فضله وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل‬
‫أحد قبوله‪ ،‬ولكنهم طائفة مخذولة‪ ،‬وفرقة مرذولة‪ ،‬يتمسكون‬
‫بالمتشابهة‪ ،‬ويتركون المور المقررة عند أئمة السلم من الصحابة‬
‫في( سائر العصار‬ ‫والتابعين من بعدهم من العلماء المعتبرين‬
‫والمصار‪ ،‬رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين)‪. 5‬‬
‫‪ -5‬تسامح السيدة فاطمة مع أبي بكر‪ :‬وقد ثبت عن فاطمة –‬
‫رضي الله عنها‪ -‬أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك‪ ،‬وماتت وهي‬
‫راضية عنه‪ ،‬على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال‪ :‬لما‬
‫مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها‪ ،‬فقال على‪ :‬يا‬
‫فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت‪ :‬أتحب أن آذن له؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فأذنت له فدخل عليها يترضاها‪ ،‬فقال‪ :‬والله ما تركت الدار‬
‫الله‪ ،‬ومرضاة رسوله‪،‬‬ ‫والمال‪ ،‬والهل والعشيرة‪ ،‬إل ابتغاء مرضاة‬
‫ضاها حتى رضيت)‪ (6‬قال ابن كثير‪ :‬وهذا‬ ‫ومرضاتكم أهل البيت‪ ،‬ثم تر ّ‬
‫والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من على‪ ،‬أو ممن‬ ‫إسناد جيد قوى‬
‫سمعه من على)‪.(7‬‬
‫‪1‬‬
‫تاريخ المدينة لبن شبة )‪ ،(1/200‬البداية والنهاية )‪.(5/253‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫المفهم للقرطبي )‪.(3/564‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫منهاج السنة )‪.(6/347‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(5/253‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫المصدر نفسه )‪.(5/251‬‬ ‫)(‬