You are on page 1of 64

‫رد مفتريات المستشرقين على القران الكريم‬

‫المستشار سالم عبد الهادي‬
‫المستشرق اللماني د‪ .‬ميلكوش موراني‪ ،‬كلية الداب ـ جامعة بون ـ بألمانيا‪ ،‬وهو مستشرق بروتستانتي‪،‬‬
‫تيسر له الطلع على بعض المخطوطات العربية والسلمية‪ ،‬في بلد المغرب وغيرها‪ ،‬خاصة مخطوطات‬
‫الفقه المالكي‪.‬‬
‫ت له كلًما في هذا وذاك‪.‬‬ ‫وقد سجل في )ملتقى أهل الحديث( و)ملتقى أهل التفسير(‪ ،‬ورأي ُ‬
‫وله لقاء مطول أجرته معه شبكة )ملتقى أهل التفسير(‪.‬‬
‫ت حول )الرقابة على‬ ‫ت جديًدا عليه‪ ،‬فبيننا مراسلت خاصة ل حصر لها‪ ،‬منذ أن تكلم ُ‬ ‫ي‪ ،‬ولس ُ‬ ‫ليس جديًدا عل ّ‬
‫التراث(‪ ،‬وجميعها حول التراث وقضايا المخطوطات‪ ،‬عدا بعض الرسائل الخيرة فكانت من نصيب موضوعنا‬
‫الحالي‪.‬‬
‫دعوُته للحوار والمناقشة العلنية العامة هنا في هذا المنتدى أو غيره‪ ،‬فلم أتلق منه أي رّد حتى الساعة‪ ،‬ول‬
‫ت في انتظار رده‪..‬‬ ‫زل ُ‬
‫ولذا لن أبادر بالدخول في الموضوع مباشرة‪ ،‬وسأقتصر على التمهيد اليسير له حتى يأتيني رد د‪.‬موراني‬
‫باليجاب أو السلب على طلب مناظرته ومحاورته فيما ذهب إليه‪.‬‬
‫ولن يطول انتظاري‪ ،‬وسأبدأ في طرح الموضوع في حال تأخر رده‪ ،‬أو التأكد من عدم حضوره‪ ،‬وإن كان‬
‫ل‪.‬‬
‫عا ما‪ ،‬ولكن ل علينا من النتظار قلي ً‬ ‫المل في حضوره الن قد أصبح ضعيًفا نو ً‬
‫لماذا الصرار على طرح الموضوع؟‬
‫لنه يتعلق بأصل السلم العظيم ومعجزته الخالدة القرآن الكريم‪ ،‬وسيأتي كلم د‪.‬موراني وما فيه من مساس‬
‫بجانب القرآن‪ ،‬واعتبار ذلك إهانة كبرى منه للقرآن المقدس‪ ،‬لها توابعها التي ستأتي الشارة إليها إن شاء‬
‫ال‪.‬‬
‫وله أن يأتي ويتبرأ من هذا الكلم‪ ،‬أو ينفي صلته به‪ ،‬أو يعترف بأنه قد أخطأ في التعبير‪ ،‬ويعتذر للمسلمين‬
‫في شتى البقاع عن خطئه الذي لم يقصده‪.‬‬
‫نعم له هذا‪ ،‬ولسنا ممن يصدرون النتائج قبل سماع الشهود‪ ،‬ول نحن ممن يصادر أقوال الخرين ورأيهم‬
‫الحر النزيه القائم على البحث العلمي المجرد‪ ،‬طلًبا للحقيقة‪ ،‬ول شيء سوى الحقيقة‪..‬‬
‫ولنا أن نقوم بالكشف والبيان له ولغيره عن حقيقة هذه الفكرة المغلوطة عن القرآن الكريم‪ ،‬والتي أنتجتها‬
‫عداوة وبغضاء وحقد القرون الطويلة لدى الكنيسة النصرانية‪..‬‬
‫ثم هاهي تتسرب شيًئا فشيًئا إلى ديار العروبة والسلم بأقلم المستشرقين‪ ،‬تحت ستار البحث العلمي النزيه‪،‬‬
‫أو التجرد والنصاف‪ ،‬وهلم جّرا من العبارات الجوفاء التي ل تنطلي على الجاد في البحث‪ ،‬العارف بما بين‬
‫السطور من خبايا المور‪..‬‬
‫س راضية‬ ‫ونحن هنا ل نبخس أحًدا حّقه أبًدا‪ ،‬وإنما نعترف بالحق والصواب إذا كان لدى مخالفنا‪ ،‬بنف ٍ‬
‫صَله القرآن في قلوبنا‪ ،‬وغّزْته السنة وروته في‬ ‫سه السلم في أرواحنا‪ ،‬وأ ّ‬‫س َ‬
‫مطمئنة؛ لنه العدل الذي أ ّ‬
‫أجسادنا‪.‬‬
‫لكّنا في الوقت نفسه لن نقبل المساس بديننا ول بمقدساتنا بوجٍه من الوجوه‪ ،‬ونعرف معنى كلم الخصم‬
‫ومغزاه‪ ،‬ول يخفى علينا بحمد ال ما يرمي إليه خصمنا من الطعن في السلم العظيم جملة وتفصيل عن‬
‫طريق إهدار القرآن والسنة وإثبات النقطاع في هذا وذاك‪ ،‬ليصل إلى تلك الحقيقة التي باتت مشهورة عن‬
‫النجيل المعاصر الن‪ ،‬وهي أنه ليس وحًيا ربانّيا‪ ،‬وإنما هو من تأليفات عقول البشر‪ ،‬وعمل أيديهم؛ وال‬
‫أعلم بما عملوا‪!!..‬‬
‫ل تخفى علينا هذه الحقيقة أبًدا‪ ،‬وسنكشف أبعادها وأطوارها‪ ،‬وكيف أردوا لها أن تسري في عقول أمتنا!!‬
‫كل ذلك وغيره لبد من كشفه؛ لنه حق من حقوق القرآن والسلم في أعناقنا‪ ،‬كما وأنه حق للقراء المسلمين‬
‫علينا أن نكشف لهم ما يحاك بدينهم‪ ،‬وأن نحذرهم منه‪ ،‬وأن ندافع لهم عن دينهم وكيانهم‪ ،‬وقرآنهم‪.‬‬
‫ثم هو حق للمستشرقين جميًعا‪ ،‬بما فيهم د‪.‬موراني أن نعلمهم ما علمناه القرآن والسنة والسلم العظيم‪ ،‬وأن‬
‫ي عن بينٍة‪.‬‬‫نوضح لهم صورته الحقيقية الناصعة البياض‪ ،‬ليهلك من هلك بعد ذلك عن بينٍة‪ ،‬ويحيى من ح ّ‬
‫عا عن الحقيقة‬ ‫كما وأنه من حق البحث العلمي علينا أن ل نبخل عليه بعلم علمناه‪ ،‬ول بجهد قدرنا عليه دفا ً‬
‫التي يؤمن بها البحث‪ ،‬ويؤكدها النظر السليم‪ ،‬فمن الخيانة للبحث العلمي وللنظر السليم أن نعّمي نتائجهما‬
‫عن الناس‪ ،‬أو أن نحيد بهما ونزورهما في نظر التاريخ والجيال اللحقة‪..‬‬

‫وأختم بقول ال عز وجل‪:‬‬
‫ك الَيُهوُد َولَ‬ ‫عن َ‬ ‫ضى َ‬ ‫حيِم ]‪َ [119‬وَلن َتْر َ‬ ‫جِ‬‫ب ال َ‬‫حا ِ‬ ‫صَ‬‫ن َأ ْ‬ ‫عْ‬ ‫سَأُل َ‬‫شيرًا َوَنِذيرًا َوَل ُت ْ‬ ‫ق َب ِ‬‫حّ‬ ‫ك ِباْل َ‬
‫سْلَنا َ‬
‫))ِإّنا َأْر َ‬
‫ك ِم َ‬
‫ن‬ ‫ن الِعْلِم َما َل َ‬ ‫ك ِم َ‬‫جاَء َ‬‫ت َأْهَواَءُهم َبْعَد اّلِذي َ‬ ‫ن اّتَبْع َ‬
‫ل ُهَو الُهَدى َوَلِئ ِ‬ ‫ن ُهَدى ا ِّ‬ ‫حّتى َتّتِبَع ِمّلَتُهْم ُقْل ِإ ّ‬‫صاَرى َ‬ ‫الّن َ‬
‫ن ِبِه َوَمن َيْكُفْر ِبِه َفُأْوَلِئ َ‬
‫ك‬ ‫ك ُيْؤِمُنو َ‬
‫ق ِتلَوِتِه ُأْوَلِئ َ‬‫حّ‬ ‫ب َيْتُلوَنُه َ‬ ‫ن آَتْيَناُهُم الِكَتا َ‬
‫صيٍر ]‪ [120‬اّلِذي َ‬ ‫ي َوَل َن ِ‬ ‫ل ِمن َوِل ّ‬ ‫ا ِّ‬
‫عَلى الَعاَلِمينَ ]‪[122‬‬ ‫ضْلُتُكْم َ‬
‫عَلْيُكْم َوَأّني َف ّ‬‫ت َ‬‫ي اَلِتي َأْنَعْم ُ‬ ‫سَراِئيَل اْذُكُروا ِنْعَمِت َ‬‫ن ]‪َ [121‬يا َبِني ِإ ْ‬ ‫سُرو َ‬‫خا ِ‬ ‫ُهُم ال َ‬
‫ن(( ]البقرة ‪:‬‬ ‫صُرو َ‬ ‫عٌة َوَل ُهْم ُين َ‬ ‫شَفا َ‬
‫عْدٌل َوَل َتنَفُعَها َ‬ ‫شْيئًا َوَل ُيْقَبُل ِمْنَها َ‬‫س َ‬ ‫عن ّنْف ٍ‬ ‫س َ‬ ‫جِزي َنْف ٌ‬ ‫َواّتُقوا َيْومًا ّل َت ْ‬
‫‪.[123‬‬

‫ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير‪..‬‬
‫ربنا ل تجعل في قلوبنا غل للذين آمنوا‪..‬‬
‫ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين‪..‬‬
‫ت كلًما للدكتور موراني سبق نقله في قسم الكلم على الكتب من ملتقى أهل الحديث‪ ،‬أثناء الكلم عن‬ ‫رأي ُ‬
‫ك رحمه ال‪ ،‬في هذا الرابط‪:‬‬ ‫موطإ مال ٍ‬
‫‪http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...729#post176729‬‬
‫وفيه )نقل عن لقاء شبكة التفسير بالمستشرق د‪ .‬موراني( يقول الدكتور موراني‪:‬‬
‫جمَع تلميُذ نولدكه المشهورون‬ ‫)‪.....‬كان هناك مشروع في النص القرآني قبل الحرب العالمية الثانية ‪ ،‬و َ‬
‫ب التراث‪.‬إذ‬ ‫ق كت ُ‬ ‫ي َتحقيقًا علمّيًا كما ُتحّق ُ‬ ‫ص القرآن ّ‬‫ق الن ّ‬ ‫ن بغرض تحقي ِ‬ ‫المتخصصون في القراءات نسخًا للُقرآ ِ‬
‫ن هذه الَمجموعة من‬ ‫ما بين يدينا مطبوعًا هو النص المتفق عليه وليس نصًا ُمحّققًا ِبمعنى التحقيق‪ .‬ويقال ‪ِ :‬إ ّ‬
‫ن هناك َمن َيزعُم َأّنها في المكتبة الدوليِة في ِمونيخ‬ ‫جوِدها ‪ ،‬إّل َأ ّ‬ ‫ب ول أحَد يعلُم بو ُ‬ ‫النسخ قد ُفِقدت أثناَء الحر ِ‬
‫‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫خ َثمينٍة ونادرٍة ‪ ،‬مثل المصاحف التي في جامع صنعاء وفي غيرها في المكتبات‪ .‬بعضها‬ ‫لدينا اليوم عدُة ُنس ٍ‬
‫ق أو الكاغد‪ ،‬لو قام مجموعة من العلماء بتنفيذ هذا الَعَمِل الضخم من‬ ‫على الَبردي ‪ ،‬وبعضها الخر على الّر ّ‬
‫ن هناك مجاٌل‬ ‫ص ‪َ synopsis‬لما كا َ‬ ‫ي على منهج الدراسة المقارنة الجمالية للن ّ‬ ‫أجل إخراج النصّ القرآن ّ‬
‫ب آخر ‪ ,‬حتى ولو كان جزئي ‪ ,‬لليات‬ ‫للجدال حول تخطئِة )القرآن(‪ُ .‬رّبما يترتب على ذلك ترتي ٌ‬
‫ك الخ ‪ ،‬وهذه المور كلها واردة عند الدراسة المقارنة‬ ‫ص هنا ‪ ،‬وكلمِة زيادٍة هنا َ‬ ‫كما قد نحصل على كلمِة َنق ٍ‬
‫للنص ‪.‬حدث ذلك ـ نعم ! ـ عند دراسة النصوص في النجيل ‪.(....‬‬
‫لقد تسربت هذه الفكرة الغريبة إلى بعض الناس غير د‪ .‬موراني‪ ،‬فرأينا من يقول بالمساواة بين القرآن وبين‬
‫بقية الكتب اللهية التي أنزلها ال عز وجل على أنبيائه ورسله السابقين‪ ،‬ورأينا من يتكلم عن الجميع‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬الكتب السماوية الثلثة‪ :‬التوراة والنجيل والقرآن‪.‬‬
‫كما رأينا من يحاول جاهًدا كالدكتور موراني هنا أن يطعن في أسانيد القرآن وإلهيته وكونه وحًيا ليوافق بذلك‬
‫ما أقّر هو نفسه به من بشرية النجيل!!‬
‫وسيأتي هذا كله‪..‬‬
‫فكان لزاًما علينا للفصل بين هذه الثلثة أن ُنَعّرف القراء الكرام بها أوًل‪.‬‬
‫لبد أن نعرف أوًل ماذا تعني التوراة والنجيل‪ ،‬ثم نعرف ماذا يعني القرآن؟‬
‫الموضوع شائك وحساس؛ نعم‪..‬‬
‫ولكني آمل تفاعل منصًفا من القرآء الكرام‪ ،‬كما وآمل بحًثا علمّيا وجاّدا‪ ،‬يخرج من قول ال عز وجل في‬
‫عَلى َأّل َتْعِدُلوا‬
‫ن َقْوٍم َ‬‫شَنآ ُ‬
‫جِرَمّنُكْم َ‬
‫سطِ َوَل َي ْ‬
‫شَهَداَء ِباْلِق ْ‬ ‫ل ُ‬‫ن ِّ‬ ‫ن آَمُنوا ُكوُنوا َقّواِمي َ‬ ‫قرآنه الكريم‪َ)) :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ن(( ]المائدة ‪[8:‬‬ ‫خِبيٌر ِبَما َتْعَمُلو َ‬
‫ل َ‬ ‫ن ا َّ‬‫ل ِإ ّ‬
‫ب ِللّتْقَوى َواّتُقوا ا َّ‬ ‫عِدُلوا ُهَو َأْقَر ُ‬
‫اْ‬
‫نعم؛ آمل تفاعل عادل مع المخالف والموافق‪ ،‬وأن ل تخرجنا عصبيتنا لديننا وقرآننا عن العدل الذي قامت به‬
‫السموات والرض‪.‬‬
‫ولما كان د‪.‬موراني قد ربط بين القرآن وبين النجيل في كلمه‪ ،‬فسنقتصر في التعريف هنا بالقرآن والنجيل‪.‬‬
‫ولكني سأبدأ بأهم المهمات في الموضوع‪.‬‬
‫نعم أهم المهمات أن نعرف البناء الذي خرج منه د‪.‬موراني‪..‬‬
‫أن نعرف المحيط والكيان الذي جاء منه‪..‬‬
‫ن بعينه‪ ،‬يعيش فيه‪ ،‬يؤثر ويتأثر‪..‬‬ ‫فالنسان ما هو إل إفراز من إفرازت كيا ٍ‬
‫فلنعرف كيان د‪.‬موراني وما هي الصلة بين ما ذكره وبين بقية أقاويل المستشرقين؟‬
‫وهل ثمة فرق بين ما يراه د‪.‬موراني وبين ما يراه غيره؟‬
‫أم ثمة خيط مشترك بين الجميع؟‬
‫وبعدها لبد أن نبدأ بالنجيل فنعرفه؟‬
‫نعم ؛ لبد أن نعرف ما هو النجيل على الحقيقة‪ ،‬ولكن مع لزوم الختصار غاية الختصار وبل إخلل‪..‬‬
‫فإلى موراني وكيانه ننطلق بإذن ال تعالى‪..‬‬
‫ب قادٍم إن شاء ال‪..‬‬
‫وإلى لقاٍء قري ٍ‬

‫النجيل هو كتاب ال عز وجل الذي أنزله على عيسى بن مريم البتول عليهما السلم‪.‬‬
‫وأعظم الناس توقيًرا للنجيل هم أهل السلم‪.‬‬
‫كما أن أعظم الناس وأكثرهم توقيًرا ومحبًة لعيسى ومريم عليهما السلم هم أهل السلم‪.‬‬
‫فنحن في السلم نعتقد أن النجيل كتاب ال عز وجل المنزل على عيسى عليه السلم‪ ،‬ونؤمن به‪ ،‬ونذعن‬
‫ونِقّر بأنه كتاب ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫كما ُنقر بنبوة عيسى عليه السلم‪ ،‬وأنه كان عبًدا رسول‪ ،‬وأن ال رفعه إليه سبحانه وتعالى‪ ،‬وسيعود في‬
‫آخر الزمان كما أخبر النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫هذا بإيجاز ما يؤمن به المسلمون ـ وأنا منهم ـ حول النجيل الذي أنزله ال على عيسى عليه السلم‪.‬‬
‫وهذا النجيل العظيم ل يجوز الطعن فيه أبًدا‪ ،‬ول يصح إيمان مسلٍم حتى يؤمن بكتب ال كلها‪ ،‬ومنها النجيل‪.‬‬
‫فالمسلم يؤمن بالنجيل وغيره من الكتب اللهية‪ ،‬إضافًة إلى إيمانه بالقرآن الكريم‪..‬‬
‫بخلف غيرنا من المم‪..‬‬
‫ظا في اليمان بكل الرسل‪ ،‬وبكل الكتب‪..‬‬ ‫ولهذا كان المسلم هو أسعد الناس ح ّ‬

‫ن أننا نطعن في النجيل الذي‬
‫ت البدء بهذه المقدمة الضرورية حتى ل ُيساء فهم كلمنا‪ ،‬ول يظّنن ظا ّ‬
‫أحبب ُ‬
‫أنزله ال على عيسى‪ ،‬حاشا وكل‪..‬‬

‫ِإذن ما هو النجيل الذي سنبحث فيه فيما بعُد؟ ولماذا؟‬
‫النجيل نوعان‪:‬‬
‫الول‪ :‬النجيل الذي نزل على عيسى بن مريم عليهما السلم‪ ،‬فهذا قد مضت عقيدة المسلمين فيه‪ ،‬ونحن‬
‫نؤمن به إيماًنا مجمل‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬النجيل الذي بيد النصارى الن‪ ،‬وهذا هو محل بحثنا‪ ،‬لنتعرف عليه‪.‬‬
‫وبناًء على هذا آمل من القراء الكرام النتباه إلى أن البحث سيدور حول النجيل الذي بيد النصارى الن‪،‬‬
‫وليس مرادنا في البحث ذلك الكتاب الرباني اللهي الذي أنزله ال على نبيه عيسى عليه السلم‪.‬‬

‫ومن أي جهة سيكون البحث؟‬
‫لن نبحث في النجيل من حيث التحريفات التي صاغها النصارى فيه‪ ،‬ول من حيث الضطرابات والختلفات‬
‫التي ل حصر لها فيه‪ ،‬ولكنا سنتناوله من زاوية واحدٍة فقط‪ ،‬وهي زاوية الثبوت‪.‬‬
‫هل يثبت هذا النجيل عن عيسى عليه السلم؟‬
‫هل يثبت عن غير عيسى من أنبياء ال؟ أم هو كتاب مؤلف صاغه بعض الكذابين في أزمنة ماضية؟ أم ‪..‬‬
‫كل هذا سنتناوله باختصار من خلل بعض النقول اليسيرة التي تؤكد كلمنا ومذهبنا فيما نقول‪..‬‬

‫ولماذا القتصار على قضية الثبوت فقط؟‬
‫لن كلم د‪.‬موراني عن قضية الثبوت من حيث كونه وثيقة‪ ،‬كما صرح لي بذلك‪ ،‬وكما صرح به في موضعٍ‬
‫آخر‪ ،‬سيأتي نقله‪ ،‬فهو يرى أن الكلم عن هذه الشياء لبد أن يكون متجرًدا من الكلم في اليمان‪ ،‬وأن هذه‬
‫الشياء تخضع للبحث العلمي المجرد‪ ،‬بعيًدا عن قضايا اليمان‪..‬‬
‫كذا يرى د‪.‬موراني‪ ،‬وبغض النظر عن مناقشتنا لهذا الكلم الن‪ ،‬إل أن علينا المانة في النقل‪ ،‬وأن نعامله كما‬
‫صاغه كاتبه وأراده‪..‬‬

‫ولماذا الختصار؟‬
‫لن البحث في هذا ليس مطلوًبا على الحقيقة هنا‪ ،‬وإنما جاء مكمل لبحثنا الم حول القرآن‪ ،‬فأردنا أن نكمل‬
‫الموضوع برسم الصورة التي بنى عليها د‪.‬موراني كلمه السابق نقله عنه‪..‬‬
‫ضا من خلل الربط بينه وبين غيره من المستشرقين‪.‬‬
‫وبعدها سنأتي على د‪.‬موراني ونحاول التعرف عليه أي ً‬

‫وبهذا نكون قد مهدنا لبحثنا حول دعوى د‪ .‬موراني محل الرد‪..‬‬

‫س دينيٍة‬
‫إهانات د‪.‬موراني المتكررة للقرآن‪ ،‬وانطلقه في كلمه عنه من أس ٍ‬

‫جمَع تلميُذ نولدكه المشهورون المتخصصون في القراءات نسخًا للُقرآنِ‬ ‫عبارة د‪.‬موراني السابقة تقول‪)) :‬و َ‬
‫ب التراث‪.‬إذ ما بين يدينا مطبوعًا هو النص المتفق‬ ‫ق كت ُ‬‫ي َتحقيقًا علمّيًا كما ُتحّق ُ‬
‫ق النصّ القرآن ّ‬
‫بغرض تحقي ِ‬
‫عليه وليس نصًا ُمحّققًا ِبمعنى التحقيق((‪.‬‬
‫ي على منهج‬ ‫ص القرآن ّ‬
‫ضا‪)) :‬لو قام مجموعة من العلماء بتنفيذ هذا الَعَمِل الضخم من أجل إخراج الن ّ‬ ‫ويقول أي ً‬
‫ن هناك مجاٌل للجدال حول تخطئِة القرآن ‪ُ.‬رّبما يترتب‬ ‫ص ‪َ synopsis‬لما كا َ‬ ‫الدراسة المقارنة الجمالية للن ّ‬
‫ب آخر ‪ ,‬حتى ولو كان جزئي ‪ ,‬لليات‬ ‫على ذلك ترتي ٌ‬
‫ك الخ وهذه المور كلها واردة عند الدراسة المقارنة‬ ‫كما قد نحصل على كلمِة َنقصٍ هنا وكلمِة زيادٍة هنا َ‬
‫للنص ‪ .‬حدث ذلك ـ نعم ! ـ عند دراسة النصوص في النجيل‪.((...‬‬
‫فهذا الكلم الواضح الصريح الذي ل يحتاج لتأويل أو كبير تدّبٍر وتدقيق لفهمه‪ ،‬يحتوي على التي‪:‬‬
‫أوًل‪)) :‬إذ ما بين يدينا مطبوعًا هو النص المتفق عليه وليس نصًا ُمحّققًا ِبمعنى التحقيق((‪.‬‬
‫ي على منهج‬ ‫ص القرآن ّ‬
‫ثانًيا‪)) :‬لو قام مجموعة من العلماء بتنفيذ هذا الَعَمِل الضخم من أجل إخراج الن ّ‬
‫ن هناك مجاٌل للجدال حول تخطئِة القرآن((‪.‬‬ ‫الدراسة المقارنة الجمالية للنصّ ‪َ synopsis‬لما كا َ‬
‫ب آخر حتى ولو كان جزئي لليات‬ ‫ثالًثا‪ُ)) :‬رّبما يترتب على ذلك ترتي ٌ‬
‫ك الخ وهذه المور كلها واردة عند الدراسة المقارنة‬ ‫ص هنا وكلمِة زيادٍة هنا َ‬ ‫كما قد نحصل على كلمِة َنق ٍ‬
‫للنص((‪.‬‬
‫رابًعا‪)) :‬حدث ذلك ـ نعم ! ـ عند دراسة النصوص في النجيل((‪.‬‬
‫ص القرآني المتفق عليه الن ليس محقًقا‪ ،‬وأنه ربما ترتب على تحقيقه إعادة‬ ‫فهنا ُيْثبت د‪.‬موراني أن الن ّ‬
‫ص هنا وكلمة زيادة هناك‪.‬‬ ‫صياغة هذا النص القرآني من جديٍد؛ لننا قد نحصل على كلمِة نق ٍ‬
‫ويفطن د‪.‬موراني إلى أن القراء الكرام سيصدمهم هذا الكلم فحاول إزالة الستغراب والصدمة عنهم بقوله‪:‬‬
‫))حدث ذلك ـ نعم! ـ عند دراسة النصوص في النجيل((‪.‬‬
‫سه هنا‪:‬‬
‫والسؤال الذي يطرح نف َ‬
‫إذا كان د‪.‬موراني ينطلق من البحث العلمي المجرد‪ ،‬كما يزعم‪ ،‬فهل من قواعد البحث العلمي أن نثبت النتيجة‬
‫ونصل إليها قبل البحث؟‬
‫هل من قواعد البحث أن نقول‪ :‬ربما أدت المقابلة والتحقيق إلى وجود نقص هنا وزيادة هناك واختلف في‬
‫الترتيب؟ نقول هذا كله ونحن لم نبدأ بعُد في البحث أو المقابلة؟‬
‫خاصة وأننا نتعامل مع المتفق عليه‪ ،‬كما يعترف بذلك د‪.‬موراني نفسه‪.‬‬
‫فهل ُيعامل المتفق عليه‪ ،‬وعبر أربعة عشر قرًنا من الزمان بمثل هذه المعاملة المبنية على احتمال النتيجة‬
‫قبل البحث فيه؟‬
‫فكيف سيفعل د‪.‬موراني فيما لم ُيّتَفق عليه إذن؟‬
‫فهل هذه أمانة العلم والبحث التي يزعمها د‪.‬موراني‪ ،‬ويطالبنا بالسير خلفه فيها؟‬
‫فليقل لنا‪َ :‬من ِمن الناس على مدار التاريخ قد توصل للنتيجة قبل بحثه؟‬
‫خاصًة وأن المستقر والمعمول به والمتفق عليه بشهادة د‪.‬موراني هو النص الموجود بين يدي المسلمين‬
‫الن‪..‬‬
‫وحتى ل يتشتت معنا القراء الكرام أقول بعبارة وجيزة‪:‬‬
‫ص كلمه الدال‬ ‫البحث وسيلة والنتيجة غاية‪ ،‬والغاية لدى د‪.‬موراني توضع قبل الوسيلة‪ ،‬وأمام القراء الكرام ن ّ‬
‫على ذلك‪.‬‬
‫بخلف الباحثين والجادين في العلم فالوسائل عندهم ل تتجاوز قدرها ول حّدها‪ ،‬وتبقى عاجزًة عن طرح‬
‫النتيجة التي هي الغاية من الوسائل إل باستكمال أكثر الوسائل‪ ،‬والسير ُقُدًما نحو الغاية المنشودة‪.‬‬
‫مجرد معرفة الوسائل ل يكفي في استخراج الغايات أو النتائج منها؛ ما لم نسلك هذه الوسائل‪ ،‬لتؤدي بنا في‬
‫نهاية المطاف إلى النتيجة التي هي الغاية‪..‬‬
‫سا يفكر في طريقة السفر!!!‬ ‫ومن لم يسلك الطريق مسافًرا إلى بلدٍة معينة فلن يصلها أبًدا‪ ،‬ولو ظل عمره جال ً‬
‫بخلف د‪.‬موراني فقد بلغ البلدة‪ ،‬وسافر من محله الذي هو فيه إلى الغاية والنتيجة مباشرة وبل وسائل أو‬
‫ق‪.‬‬
‫ث مسب ٍ‬ ‫بح ٍ‬
‫يقول هذا كله رغم اعتراف بأن الموجود من القرآن الن هو المتفق عليه!!‬
‫ق هذا الذي يزعمه د‪.‬موراني بعد نسفه لكل اتفاق؟‬ ‫فأي اتفا ٍ‬
‫ول أقول أين كان علماء المسلمين على مدار أربعة عشر قرًنا من الزمان‪ ،‬وهم من هم ديًنا وعلًما وفطنًة‬
‫وذكاًء؛ بل أقول‪ :‬وأين كان علماء النصارى الكثر علًما وحقًدا على السلم من د‪.‬موراني؟ أمثال‪ :‬إبراهيم‬
‫خا عظيًما ينافح‬ ‫أحمد خليل الذي تحول إلى السلم‪ ،‬وهو أستاذ اللهوت المعروف‪ ،‬والذي صار بعد ذلك شي ً‬
‫عن القرآن الكريم‪ ،‬ويكشف فساد فهم المستشرقين وغيرهم حول مسائل السلم المختلفة‪..‬‬
‫دعنا ننقل لـ د‪.‬موراني كلمة ذاك المستشرق اللماني )بلد د‪.‬موراني( رودي بارت )‪1143‬م( حين يقول‪) :‬إن‬
‫الهدف من الكتابات الستشراقية كان إقناع المسلمين بلغتهم ببطلن السلم واجتذابهم إلى الدين المسيحي(‬
‫]الدراسات العربية والسلمية في الجامعات اللمانية للمستشرق رودي بارت ص ‪ 11‬ترجمه إلى العربية‬
‫مصطفى ماهر‪ ،‬ونشرته دار الكتاب العربي[‪.‬‬
‫ثم دعنا نرى ما هو الخط المشترك بين د‪.‬موراني وبين غيره من المستشرقين في قضية القرآن الكريم‪.‬‬
‫لنرى ما هو المنطلق الذين ينطلقون منه؟‬
‫وما هي الزاوية التي يقصدونها بالتحديد وبل )لف أو دوران(؟‬
‫نرى أن جولدزيهر اليهودي وغيره من المستشرقين يرددون في غير مناسبة دعوى أن القرآن ليس وحًيا من‬
‫عند ال‪ ،‬وما هو من وجهة نظرهم العليلة إل مجموعة من ترهات محمٍد ]صلى ال عليه وسلم[‪ ،‬وأنه قد‬
‫اعتراه التحريف والتبديل بعد النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأنه لم يثبت جمعه في زمن النبي صلى ال علي‬
‫وسلم‪ ،‬وأن الحروف الموجودة في أوائل السور )حم عسق( ونحو ما هي في نظرهم إل أسماء لصحاب‬
‫ف واحٍد!!‬‫النسخ التي استخدمها زيد بن ثابت ]رضي ال عنه[ في جمع المصحف في مصح ٍ‬
‫ويقول هاملوت جيب )‪ 1895‬ـ ‪1965‬م(‪)) :‬ولما كان محمد يريد أن يشمل دينه الشعوب الخرى غير العربية‬
‫أدخل ذلك كله ضمن منهج القرآن((‪.‬‬
‫وقد فّند هذه الباطيل وردها كلها الستاذ أنور الجندي رحمه ال في ))المستشرقون والقرآن الكريم(( والشيخ‬
‫محمد الغزالي في ))دفاع عن العقيدة والشريعة(( وغيرهما‪..‬‬
‫والذي يهمنا هنا أن الكيان الذي تعلم فيه د‪.‬موراني وقرأ وتغذى على كتبه هو هذا الكيان السابق بالطعن في‬
‫القرآن ونفي إلهيته ومعجزته‪..‬‬
‫لكن فاق د‪.‬موراني كيانه المذكور فجاء يزعم البحث العلمي‪ ،‬حتى إذا سلمنا له بالبحث العلمي المزعوم قال‬
‫ت في عصر النبوة‪ ،‬وأقدم نسخ مخطوطات‬ ‫لنا‪ :‬ل توجد نسخة واحدة من نسخ المصحف الحالي قد ُكِتَب ْ‬
‫المصاحف كتبت بعد موت النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيظن أنه بذلك يصل بنا إلى أن القرآن منقطع السناد‪،‬‬
‫وأنه لم يثبت به نقل ثابت‪ ،‬وأنه ليس وحًيا!!!‬
‫كذا أراد ويريد د‪.‬موراني أن يقول‪ ،‬ولكنه ل يصرح به‪ ،‬ومن هنا يفصل د‪.‬موراني بين الوحي والعلم في قضيٍة‬
‫يستحيل فيها الفصل!!‬
‫فيقول‪) :‬القرآن نص( ولبد لنا أن نعامله كوثيقة‪ ،‬ووثيقة مهمة‪ ،‬ول شأن لنا بالوحي‪ ،‬ويزعم أنه لن يكون‬
‫منصًفا لو تعامل معه على أنه وحي‪..‬‬
‫ثم ُيْتِبع ذلك بأن البحث العلمي في هذا النص القرآني ربما أدى إلى وجود زيادة ونقص واختلف ترتيب في‬
‫هذا النص القرآني الموجود بيد المسلمين الن؛ لنه في نظره ليس محقًقا بمعنى التحقيق‪ ،‬وإن كان متفًقا‬
‫عليه؟!!!‬
‫ضا وتنافًرا بين لفظين متجاورين أبشع في تاريخ البشرية من‬ ‫فهل رأى القراء الكرام عبًثا باللفاظ‪ ،‬ول تناق ً‬
‫هذه الدعوى المتهالكة؟!!‬
‫ثم لنا أن نسأل‪ :‬هل تغّيَرت نظرة جولدزيهر وغيره من المستشرقين للقرآن؟ أم أن د‪.‬موراني وغيره يرددون‬
‫تلك النظرة القديمة الرامية للطعن في القرآن ولكن بأسلوب جديد؟‬
‫ح تاّم أثناء كلمه عن إدوارد سعيد فيقول د‪.‬موراني‪:‬‬ ‫نجد الجواب عن ذلك عند د‪.‬موراني حين يقول لنا بوضو ٍ‬
‫ن موقف المستشرقين لم يتغير في جوهره عن‬ ‫))غير أنه قال كلمة حق ولم يرد بها ال الحق عندما زعم أ ّ‬
‫موقف أسلفهم ‪ ,‬يعني بذلك في الدرجة الولى موقف المستشرقين من النبي ومن القرآن ‪ .‬اّل أنه أخطأ عندما‬
‫زعم أن منهجية البحاث لم تتغير(( ]مستند ‪.[5‬‬
‫ضا‪)) :‬أما الموقف المبدئي من القرآن فهو لم يتغير ‪ :‬الستشراق ل ينظر الى القرآن انه‬ ‫ويقول د‪.‬موراني أي ً‬
‫وحي وكتاب منزل بل يعتبره ) كما سبق لي أن قلت( نصا تأريخيا ومصدرا لنبوة محمد ‪ .‬وهذه النظرة‬
‫متواترة في الدراسات الدينية حول تأريخ النصرانية واليهودية أيضا(( ]مستند ‪.[5‬‬
‫ن آخر فيقول‪)) :‬ومن جانب آخر ل أذكر‬ ‫سا وتزويًرا للحقيقة في مكا ٍ‬ ‫سر لنا د‪.‬موراني المر ويزيده تلبي ً‬‫وُيف ّ‬
‫طعنا ما أو حقدا ) الحقد‪ ....‬لماذا ؟ ( او حتي تشويها مقصودا لدى ‪ Nöldeke‬الذي أجرى دراسات‬
‫دقيقة حول )عربية القرآن( حسب منهجية اللغويين ‪ ,‬أي بحث وحلل بعض اليات من ناحية اللغة وأشار الى‬
‫بعض الظواهر اللغوية والنحوية في نص القرآن ولم يتدخل في شؤؤن العقيدة ولم يطعن أو )يحارب( شيئا‬
‫من هذا الدين ‪ .‬بل اعتبر المواد التي درسها ‪ ,‬كما فعل جولدزيهر ‪ ,‬نصا وموضوعا للبحث فقط بدون أي‬
‫اشعار الى عقيدته هو أو الى عقيدة غيره(( ]مستند ‪.[6‬‬
‫ض عن بليا جولدزيهر وطعوناته في القرآن‪ ،‬والتي سبقت الشارة لبعضها‪ ،‬ثم هو يلعب بعقول القراء‬ ‫فهو را ٍ‬
‫وُيَلّبس عليهم ويستخف بهم فيقول‪)) :‬وأشار الى بعض الظواهر اللغوية والنحوية في نص القرآن ولم يتدخل‬
‫في شؤؤن العقيدة ولم يطعن أو )يحارب( شيئا من هذا الدين((‪.‬‬
‫سا لعقيدة المسلمين‪ ،‬بل هو ل يمت لعقيدتهم في نظر د‪.‬موراني بصلة‪ ،‬فهو كأن لم‬ ‫وكأن القرآن ليس أسا ً‬
‫ل في العقيدة‪ ،‬فإذا كان البحث في القرآن ليس‬ ‫يكن!! لن البحث في الظواهر اللغوية فيه وغير ذلك ليس تدخ ً‬
‫ل‪ ،‬ول يمت لها بصلة!!‬ ‫ل في العقيدة كما يزعم د‪.‬موراني‪ ،‬فهذا يعني أن القرآن ليس من العقيدة أص ً‬ ‫تدخ ً‬
‫فهذا هو البحث الحر النزيه الذي يريده د‪.‬موراني‪.‬‬
‫س دينية بحتة‪ ،‬وأنه هو هو جولدزيهر وغيره من‬ ‫مما يؤكد للقراء الكرام أن د‪.‬موراني ينطلق من أس ٍ‬
‫الطاعنين في القرآن ل فرق بينهم سوى في آليات التناول كما أشار هو نفسه من قبل في كلمه على إدوارد‬
‫سعيد‪.‬‬
‫ويؤكد هذه الحقيقة قول د‪.‬موراني في سبب عناية المستشرقين بالقرآن‪)) :‬ان السبب ليس كما يقال ‪ :‬كلمة‬
‫الحق يراد بها الباطل ! بل ‪ ,‬القرآن يحتل المرتبة الولى والعليا باعتباره كتابا مقدسا للدين ‪ ,‬ومن هنا يعتبر‬
‫منطلقا أساسيا لفهم الدين ولدراسته(( ]مستند ‪.[6‬‬
‫وهكذا يكتب ال عز وجل التصريح الواضح الجلي على لسان د‪.‬موراني لتشهد عليه الجيال الحالية واللحقة‬
‫طه‪..‬‬
‫بما كتبه و خ ّ‬
‫جا في العلن عن مؤتمٍر أولى محاضراته بعنوان‪] :‬اللحن في القرآن ‪ .‬مسائل‬ ‫ومن هنا لم يجد د‪.‬موراني حر ً‬
‫لغوية وتفسيرية ) ملخص([ ]مستند ‪.[4‬‬
‫صّرح بأن درسات نولدكه المخربة للقرآن والطاعنة في لغته هي ))من‬ ‫ضا أن ُي َ‬
‫جا أي ً‬‫كما لم يجد د‪.‬موراني حر ً‬
‫العمال المعتمد عليها(( فيقول د‪.‬موراني‪:‬‬
‫))فيما يتعلق بدراسات نولدكه حول لغة القرآن ) القرآن والعربية( ‪ ,‬فهي دراسات لغوية وأيضا مقارنة‬
‫باللغات السامية الخرى فهي تعتبر حتى اليوم من العمال المعتمد عليها في االدراسات الحديثة ‪ .‬ل يقول‬
‫ن في الفرآن )عيوب لغوية( ‪ ,‬بل يقول أن فيه عدة ظواهر لغوية متناقضة لغويا واستعمال مفردات‬ ‫نولدمه ا ّ‬
‫استعمال متناقضة لغويا ليس لها مثيل عند الشعراء وفي لغتهم(( ]مستند ‪.[3‬‬
‫ن في الفرآن‬‫ف بعقول المسلمين والقراء كعادته فيقول‪)) :‬ل يقول نولدمه ا ّ‬ ‫ول ينس د‪.‬موراني هنا أن يستخ ّ‬
‫)عيوب لغوية( ‪ ,‬بل يقول أن فيه عدة ظواهر لغوية متناقضة لغويا واستعمال مفردات استعمال متناقضة‬
‫لغويا((‪.‬‬
‫ت عيوًبا ولكنها ))ظواهر لغوية متناقضة لغويا(( و))استعمال مفردات‬ ‫فلينتبه القراء الكرا‍م!! فهي ليس ْ‬
‫استعمال متناقضة لغويا((‪.‬‬
‫ن واحٍد وعلى الرحب والسعة!!‬ ‫وعليكم يا قراء أن تصدقوا بالشيء ونقيضه في مكا ٍ‬
‫سَفه؟!!‬
‫ن د‪.‬موراني بعقول القراء أنها قد بلغت مثل هذا ال ّ‬ ‫فهل ظ ّ‬
‫ن أن سيفلت بجريمته وطعوناته في القرآن المقدس‬ ‫س عنه على مدار اليام الماضية؟!! فظ ّ‬ ‫ت النا ِ‬
‫أم غّره سكو ُ‬
‫ومن وجهِة نظٍر دينية؟!!‬
‫س دينية كما‬‫وبعد هذا الستخفاف بعقول القراء والهانة للقرآن المقدس والنطلق في طعوناته عليه من أس ٍ‬
‫حا‪ ،‬فبعد هذا كله ل مانع لدى د‪.‬موراني أن يمرر تلك الجرائم والهانات بكلمٍة تخفي‬ ‫حا صري ً‬
‫مضى ذلك واض ً‬
‫ما مضى في ظّنه‪ ،‬أو يخدع بها السّذج فيقول‪:‬‬
‫))الباجي يكتب في اجابته مشكورا ‪:‬‬

‫أما أصل المسألة فنحن المسلمين على ثقة فوق التامة بصحة نقل كتابنا حرفا حرفا‪ ،‬هذا أمر منتهى منذ نزل‬
‫به الروح المين‪ ،‬وإلى يوم يرفع من الرض‪.‬‬

‫ك ولم أشك أبدا بما تقولون‪ ,‬غير أّنه ليس موضوع الحوار(( ]مستند ‪.[7‬‬
‫أقول ‪ :‬أنا ل أش ّ‬

‫ت منه شيًئا حتى تشك أو ل تشك؟!!‬ ‫فأين هذا الذي ل تشك فيه؟! وهل أبقي َ‬
‫شًرا نصرانّيا؟!‬
‫هل ُيَعّد د‪.‬موراني مب ّ‬

‫ل زلنا ُنَمّهد لموضوعنا الذي قصدنا لبيانه‪ ،‬وهو إزالة شبهة د‪.‬موراني المذكورة حول القرآن الكريم‪ ،‬ولكن‬
‫كان علينا كما سبق أن نتعرف أوًل على د‪.‬موراني‪ ،‬وأفضل من ُيَعّرفنا به هو كلُمه الذي وقفنا عليه‪ ،‬ثم علينا‬
‫ن لم‬‫بعد ذلك أن نتعّرف على هذا الكتاب الذي قَرَنه د‪.‬موراني بالقرآن الكريم‪ ،‬وأراد عبًثا أن ُيسّوي بينهما‪ ،‬وِإ ْ‬
‫ت من بين السطور‪ ،‬وما بين السطور يهتك خبايا المستو‍ر!!‬
‫يقلها صراحًة؛ لكنها فاح ْ‬
‫ل زلنا نتعرف على د‪.‬موراني‪ ،‬وجوانب شخصيته!!‬

‫وقد أثبتنا في المداخلة السابقة بما ل يدع مجال للشك‪ ،‬ومن خلل كلم د‪.‬موراني انطلقه في بحثه ودراسته‬
‫س دينيٍة بحتٍة‪ ،‬وأشرنا إلى تلك الهانات التي وجهها للقرآن‬
‫حول القرآن وغيره من علوم السلم من أس ٍ‬
‫الكريم‪ ،‬وللدين السلمي‪.‬‬

‫كما أشرنا إلى أسلوبه الملتوي في الستخفاف بعقول القراء والتلبيس عليهم‪ ،‬لتنطلي عليهم حيلته!!‬
‫وِإْذ وصلنا إلى هذا الحد‪ :‬علينا الن أن نسأل‪ :‬هل كان د‪.‬موراني مبشًرا نصرانّيا؟‬
‫نسأل د‪.‬موراني عن هذا المر وننتظر جوابه كعادتنا فإذا به يقول لنا‪:‬‬
‫))ومن يتساءل ويشك فيما يؤمن المسلم به أو يرفض علنية ان هذا الكتاب غير منزل ويخوض حوارا‬
‫ومجادلة من زاوية دينه وايمانه ضد )أهل القرآن( فهو ليس من المستشرقين ‪ .‬قد يكون )مبشرا( أو داعيا‬
‫الى فرقة من الفرق الدينية الكثيرة(( ]مستند ‪.[6‬‬
‫فالمبشر عند د‪.‬موراني هو من رفض أن الكتاب )يعني القرآن( غير منزل‪ ،‬وهو من خاض حواًرا ومجادلة من‬
‫زاوية دينه وإيمانه ضد أهل القرآن كما يقول‪ ،‬ففي هذه الحالة‪:‬‬
‫ليس من المستشرقين‬
‫قد يكون مبشًرا‬
‫أو داعًيا إلى فرقة من الفرق الدينية الكثيرة‪..‬‬
‫هذه هي النتائج الثلثة التي ذكرها لنا د‪.‬موراني‪.‬‬
‫س دينيٍة‪ ،‬كما سبق ما يدل على متابعته لسلفه في‬ ‫وأقول‪ :‬قد سبق بيان انطلق د‪.‬موراني في بحثه من أس ٍ‬
‫الطعن في القرآن وعدم اليمان بإلهيته أصل؛ لنهم هكذا كانوا يؤمنون به ـ يعني أسلفه ـ ثم جاء د‪.‬موراني‬
‫ليقرر كما سبق في المداخلة السابقة أن موقف الستشراق من القرآن لم يتغير‪ ،‬في الوقت الذي أشاد فيه‬
‫د‪.‬موراني بأمثال جولدزيهر وغيره ممن أنكر أن يكون القرآن وحًيا‪ ،‬فهذا يعني لدى أقل العقول فهًما أن يكون‬
‫د‪.‬موراني متابًعا لهم حذو القذة بالقذة‪..‬‬
‫شًرا نصرانّيا حتى النخاع!!‬‫ثم يعني ذلك لدى أقل العقول ممارسًة للفهم‪ :‬أن يكون د‪.‬موراني مب ّ‬
‫ولسنا في حاجة للطالة بعد كلم د‪.‬موراني السابق نقله عنه في المداخلة السابقة‪ ،‬فقد قطع قوَل كلّ خطيب!!‬

‫شرين لدى د‪.‬موراني؟ وهل تعرفها وتبينها لنا أيها الكاتب؟‬
‫وما هي أوصاف هؤلء المب ّ‬

‫ت على بعض الوصاف في كلم د‪.‬موراني للمبشرين أو لمن يقوم بتحريف القرآن‪.‬‬ ‫أقول‪ :‬نعم وقف ُ‬
‫فيقول لنا في وصفه لجماعة قاموا بإصدار مصحف اسمه مصحف الفرقان‪ ،‬حرفوا فيه تحريًفا عظيًما‪،‬‬
‫سا‬
‫واخترعوا سوًرا من عندهم‪ ،‬وحشوه بالتنصير والنصرانية‪ ،‬وسموا بعض سوره بأسماء سور القرآن تلبي ً‬
‫وتزويًرا منهم للحقيقة‪ ،‬فقال د‪.‬موراني‪)) :‬هذا مثل آخر لتلك الفرق الكثيرة المنتشرة في الغرب خاصة في‬
‫أمريكا كان من المستحسن تجاهلهم تماما وعدم ذكرهم لن ذكرهم بمثابة اشهار لهم وهذا ما‬
‫يريدون‪......‬وهم شرار خلق ال‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا((‪.‬‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=2683‬‬

‫وقال موراني في موضع آخر أثناء كلمه عن كتاب )جمع القرآن( لبعض المستشرقين ]مع ملحظة عدم‬
‫النخداع بتفريقه بين المبشرين والمستشرقين هنا[‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫))الى من بصدد هذا المر ‪:‬‬
‫لقد صدر هذا الكتاب عام ‪1989‬‬
‫ولم اسمع به الى يومنا هذا ) والحمد ل !(‬
‫أما المؤلف فلم اجد اسمه مذكورا في الدراسات الستشراقية حتى اليوم‬
‫ولم أعثر على اسمه مشاركا في المؤتمرات والندوات الكاديمية حتى يومنا هذا أيضا‬
‫كل ما يقلقني في هذا المر أن كل من يغمس لسانه في الحضارة السلمية‬
‫دينا كان قرآنا او حديثا تفسيرا أو أدبا أو شعرا ‪...‬الخ فهو يسمى ب)مستشرق(‪.‬‬
‫هذا أيضا من الشبهات ! هذا المؤلف قام بشيء مرفوض رفضا تاما‬
‫وينبغي أل نعالج أسلوبه بأساليب العلم أو بأساليب اليمان‬
‫لن كل ما وراء كلمه ل يدخل من باب الستشراق بل مكانه في دار النصارى المتعصبين والمبشرين ‪.‬‬
‫وأرجو من الجميع أن يتفضلوا بالتفريق بين هذا وبين الستشراق مشكورين لن هذا في واد والمستشرق في‬
‫واد آخر تماما‬
‫موراني‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا((‬
‫وقال في موضع آخر أثناء الكلم عن ))الختلفات اللفظية في استشهادات قرآنية‪ ...‬شبهات تنصيرية((‪:‬‬
‫))الخ الكريم ش ‪ .‬م ‪.‬‬
‫ربما كنت أنا متفاءل أكثر منكم عند معالجة المسألة المطروحة هنا ‪.‬‬
‫ن هناك مسلما واعيا معتصما بدينه يتعرض لفتنة بسبب ما يزعم هؤلء أذلة وأقلة من الناس ‪.‬‬‫لنني ل أظن أ ّ‬

‫السبيل الوحيد ليقاف هذه الراء الفاسدة من جانب هؤلء الضالين هو عدم ذكرهم وعدم الرد عليهم ‪ .‬هذا‬
‫الطريق نافع جدا في النترنيت على القل ‪.‬‬
‫عندما تجيب عليهم بما هو أحسن وأصح ‪ ,‬بل الصحيح ‪ ,‬فدخلت معهم في الحوار والمجادلة ‪ .‬وهذا هو‬
‫بالضبط ما يريدون !‬
‫التجاهل الكامل في هذه الحالة خير من مجادلتهم ‪.‬‬
‫وفقكم ال‬
‫موراني‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا((‪.‬‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?p=7471#post7471‬‬
‫ول شك أن دعوة د‪.‬موراني لتجاهلهم هنا المراد منها أن يتجاهلهم أولوا العلم والنهى‪ ،‬لُيْترك لهم المجال‬
‫الرحب الفسيح مع عامة الناس وضعفاء العلم يلبسون عليهم دينهم ويفعلون ويفعلون!!‬
‫ل أن ييسر لي ال عز وجل العودة‬ ‫وبهذا الذي سبق عن د‪.‬موراني أختتم لقاء اليوم مع القراء الكرام‪ ،‬آم ً‬
‫القريبة لستكمال الموضوع بكافة جوانبه إن شاء ال‪.‬‬
‫خاصًة وأننا ل زلنا في بداية الطريق‪ ،‬ول زلنا نمهد للكثير والكثير!!‬
‫وآسف لستعجال كشف هذه الحقيقة التي ربما طالبني بعض الفاضل بتأخيرها حيًنا؛ لكني مّمن يؤمنون‬
‫خر عمل اليوم إلى الغد((!!‬ ‫بالحكمة القائلة‪)) :‬ل تؤ ّ‬
‫وإلى لقاٍء قادٍم إن شاء ال تعالى‪..‬‬
‫بعد أن ُنَذّكر القراء الكرام بحصاد اليوم الخباري!!‪..‬‬
‫المستندات‬
‫لكننا نؤجل حصاد اليوم الخباري حتى يقف القراء الكرام أول على مصدرنا الذي أخذنا منه كلم د‪.‬موراني‪،‬‬
‫وأشرنا إليه عقب النقل منه بقولنا‪)) :‬مستند ‪ ،1‬مستند ‪ ((2‬إلخ‪..‬‬
‫فلبد أول من وضع هذه المستندات تحت تصرف القراء الكرام‪ ،‬ليروا بأنفسهم‪ ،‬ويستخرجوا منها ما لم يسبق‬
‫لنا استخراجه‪ ،‬ويعينونا في هذا السبيل بالنصح والمشورة والمساعدة إن شاء ال عز وجل‪..‬‬
‫وهذه المستندات التي أذكرها للقراء الن هي مشاركات د‪.‬موراني‪ ،‬أذكرها بنصها عن طريق القص واللصق‬
‫بالجهاز مباشرة‪ ،‬وأضع في نهايتها رابطها على الشبكة إن شاء ال تعالى‪..‬‬
‫وآمل أن يتدبر القراء الكرام فيها‪ ،‬ويخرجوا منها ما لم نخرجه فيما سبق‪..‬‬
‫وهي كالتالي‪:‬‬

‫]مستند ‪[1‬‬
‫يقول د‪.‬موراني في بعض المناسبات‪:‬‬
‫))الباجي المحترم يقول ‪:‬‬
‫فكل قصديه باطل ل محالة‪ ،‬لن القرآن مصدره الوحي اللهي ليس غير‪ ،‬فهو من عند ال لفظا ومعنى‪ ،‬وما‬
‫على الرسول إل البلغ المبين‪.‬‬

‫س شيئا في‬
‫حسن ! يتبين من خلل هذا القول ان صاحبه ينطلق من ايمانه المطلق بالوحي ‪ .‬وليس لي أن أم ّ‬
‫هذا اليمان بل عليه أيضا أن أحترمه ‪ .‬فهذا هو ما أفعله دائما في الحوار العلمي مع غيري ‪ ,‬مع المسلم‬
‫المؤمن ‪.‬‬
‫الي جانب هذا الحترام هناك شيء آخر ل بد من ذكره )بدل من مهاجمته( ‪ ,‬فهو ‪:‬‬
‫ص ) الى جانب أنه وحي لمن يؤمن به(‬ ‫ن القرآن ن ّ‬
‫اّ‬
‫ن هذا النص مزّيف (‬
‫والبيات لهؤلء الشعراء أيضا نص ) ول أقول ا ّ‬

‫ن النص القرآني أدخل فيه شيء من الشعر‬‫ومن هنا ل أقول ا ّ‬
‫كما ل أقول أن الشعر قد أخذ شيئا من نص القرآن ‪.‬‬

‫صين ‪ :‬القرآن من ناحية والبيات في شعر‬
‫عندما نجتنب القضايا التي تتعلق باليمان فقط نجد أننا نواجه ن ّ‬
‫هؤلء الشعراء من ناحية أخرى ‪.‬‬

‫ن النص القرآني‬‫فمن هنا ل نقول ‪ :‬القرآن جزء من الشعر المعاصر في عصر النبوة ‪ ,‬كما ل نقول ا ّ‬
‫) الوحي ( له تأثير على هذا الشعر ‪.‬‬
‫ل شك في أن المجتمعات في جزيرة العرب تأثرت بالفكار الحنيفيين ‪ ,‬أي بفكرة التوحيد ‪.‬‬

‫وقد بلغت هذه الحركة التأريخية ذروتها في النبوة ‪)..... :‬ورضيت لكم السلم دينا ( ‪ ,‬كما ذكرت ذلك في‬
‫اللقاء مع هذا الملتقى المفيد من قبل ‪.‬‬

‫الباجي المحترم ‪ :‬عندما تترك مسألة اليمان الى الجانب وتحاول اجراء الحوار وفق البحث الوضعي سترى‬
‫اننا سنصل في النهاية الى خلصة في البحث ل يشك فيها أحد ‪ :‬هذا يرضى بايمانه بالنص ‪ ,‬وذلك يرضى‬
‫برأيه العلمي المعتمد على النص أيضا ‪.‬‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا((‪.‬‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=3363‬‬

‫]مستند ‪[2‬‬
‫الجمع بين السئلة‬
‫أشكر للجميع على اهتمامهم ومشاركاتهم في هذا الحوار ‪.‬‬
‫قد يكون من المستحسن أن أجمع بين بعض السئلة المطروحة في اليام السابقة وذلك بسبب‬
‫التشابه بعضها بالبعض حينا وبين أهدافها حينا آخر ‪.‬‬
‫كما أبرزت في مطلع هذا الحوار ليس في الستشراق المعاصر والحديث أغراض لتشويه الدين السلمي أو‬
‫زرع بذور الشكوك في قلوب المسلمين ‪ .‬الهدف الرئيس في البحث هو اّتباع المبدأ الساسية في جميع نواحي‬
‫الدراسات ‪ ,‬وهو الموضوعية في البحث‪ .‬ليس هذا المبدأ وليدة العقود الماضية بل هو المنطلق عند دراسة‬
‫جميع الديان والحضارات شرقية كانت أو غربية‪.‬‬
‫نقطة الخلف بين الستشراق الغربي والمفهوم الذاتي لدى المسلمين ترجع أساسا الى مسألة الفصل بين‬
‫الدين ومتطلباته من ناحية وبين العلم ومتطلباته من ناحية أخرى ‪ .‬ما كان في الدين فرضا ل مجال للشك فيه‬
‫يصبح في العلم موضوع البحث ومن هنا ل يخضع للمعايير الدينية ‪.‬‬
‫عندما يقترب الباحث من القرآن باعتباره وحيا وكتابا منزل يأتي بنتائج ل تخرج من نطاق المتطلبات الدينية‬
‫بل تتفق مع ما فرضت التعاليم الدينية على الباحث ‪.‬‬
‫ن الستشراق‬ ‫عند القراءة في الكتب التي ألفت حول نبي السلم يتبين للجميع مسلما كان أو غير مسلم أ ّ‬
‫يعتبر محمدا شخصية تاريخية ونبيا معا ‪ .‬فالسبب لذلك ل يعود الى )ايمان( الباحث بالنبوة بل الى اقتناعه‬
‫الثابت أن محمدا قد رأى نفسه رسول وعبرت عن ذلك عدة آيات في القرآن كما عبرت عن اخلصه وعن‬
‫أبعاد ايمانه الذي ل يشك فيه أحد ‪ .‬فالوثيقة التأرخية التي تؤّدي بالباحث الى هذه المعرفة هي القرآن نفسه ‪.‬‬
‫أو بعبارات أخرى ‪ :‬لقد وصلت الى نفس الحقيقة والى نفس المعرفة التي يؤمن به المسلم بعدم اعتبار‬
‫مصدري ) أي القرآن( وحيا بالضرورة أو كتابا منزل ‪.‬‬
‫لقد كتب الستشراق كتبا ومقالت ودراسات حول عصر النبوة والتاريخ السلمي في مختلف فتراته غير أنني‬
‫ل أذكر كتابا رفض مؤلفه فيه النبوة ‪ .‬من هذه الكتب الساسية ما أصدره المستشرق النجليزي‬
‫‪ W.Montgomery WATT‬في مجلدين ‪ :‬محمد في مكة ومحمد في المدينة ‪ .‬ولخصهما في كتيب عام‬
‫‪ 1961‬تحت العنوان ‪ :‬محمد النبي والسياسي ‪. Muhammad Prophet and Statesman‬‬
‫فالباحث يعترف اذا بهذه الشخصية نبيا وسياسيا ويرى في سيرته تطورا هائل مرسوما في كتب السيرة وفي‬
‫الفرآن معا ‪ .‬بل يرى أيضا أن هناك تطورا ملموسا حتى في اللغة من اليات المكية الولى الى ما بلغ هذا‬
‫الدين ذروته في الية‪:‬‬

‫) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم السلم دينا (‬
‫وكذلك في خطبة حجة الوداع ‪.‬‬
‫اذا يتخذ الباحث مبدأ )الموضوعية( أساسا لبحثه فيجب أن يعترف بالعظمة التأريخية وأبعادها بكل سهولة‬
‫تاركا مسألة اليمان والشعور الدينية الى الجانب ‪.‬‬

‫)سيتبع(‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread....5&page=2&pp=15‬‬

‫]مستند ‪[3‬‬
‫فيما يتعلق بدراسات نولدكه حول لغة القرآن ) القرآن والعربية( ‪ ,‬فهي دراسات لغوية وأيضا مقارنة باللغات‬
‫السامية الخرى فهي تعتبر حتى اليوم من العمال المعتمد عليها في االدراسات الحديثة ‪ .‬ل يقول نولدمه ا ّ‬
‫ن‬
‫في الفرآن )عيوب لغوية( ‪ ,‬بل يقول أن فيه عدة ظواهر لغوية متناقضة لغويا واستعمال مفردات استعمال‬
‫ن كتاب القراءات للطبري بقي في حكم‬ ‫متناقضة لغويا ليس لها مثيل عند الشعراء وفي لغتهم‪ .‬ويتأسف على أ ّ‬
‫المفقود ‪.‬‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread....5&page=3&pp=15‬‬

‫]مستند ‪[4‬‬
‫المؤتمر ال ‪ 29‬للمستشرقين اللمان‬
‫يعقد المؤتمر التاسع والعشرون للمستشرقين اللمان في مدينة ‪ Halle‬في ألمانيا بين ‪ 20‬الى ‪ 23‬هذا‬
‫الشهر ‪.‬‬
‫ونظرا الى أن الخبار حول هذا اللقاء العلمي باللغة اللمانية في الغالب أود أن أفيدكم بعناوين بعض‬
‫المحاضرات المتعلقة بدراسات القرآنية ‪:‬‬
‫‪ -‬اللحن في القرآن ‪ .‬مسائل لغوية وتفسيرية ) ملخص( ‪.‬‬
‫‪ -‬حول تفسير بعض اليات القرآنية في الكتاب لسيبويه‪.‬‬
‫‪ -‬أقدم مدرسة للغة العربية ‪.‬‬
‫‪ -‬ملحظات حول نشأة فقه اللغة وعلقته بتفسير القرآن ‪.‬‬
‫‪ -‬يسار نوري أزترك و)العودة الى القرآن( في تركيا ‪.‬‬
‫‪ -‬التفسير الدبي في مصر ‪.‬‬
‫‪ -‬قضية الحكم في التفسير لدي سيد القطب ‪.‬‬
‫‪ -‬تأريخية القرآن ‪ .‬مناقشات معاصرة عند الكادميين في تركيا ‪.‬‬

‫‪http://www.dot2004.de/aktuell.php‬‬

‫موراني‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=2627‬‬
‫]مستند ‪[5‬‬
‫)الستشراق( لدوارد سعيد‬
‫لم يكن مؤلف هذا كتاب مستشرقا ولم يدرس المواد الستشراقية ‪ ,‬بل )كما يقال( كان )مفكرا عربيا(‬
‫ومتخصصا في الدب النجليزي ‪ .‬وحكمه وموقفه من الستشراق الحديث يتركزان على بعض أعمال‬
‫الستشراقية باللغة النجليزية بغير لفط النظر الى الستشراق اللماني أو الفرنسي وحتى السباني حتى ولو‬
‫بجملة قصيرة ‪.‬‬
‫ن موقف المستشرقين لم يتغير في جوهره عن‬ ‫غير أنه قال كلمة حق ولم يرد بها ال الحق عندما زعم أ ّ‬
‫موقف أسلفهم ‪ ,‬يعني بذلك في الدرجة الولى موقف المستشرقين من النبي ومن القرآن ‪ .‬اّل أنه أخطأ عندما‬
‫زعم أن منهجية البحاث لم تتغير ‪ .‬انه كان عاجزا من أن يرى أن المنهجية والقتراب من العلوم السلمية‬
‫قد تغّير كما تغيرت الوضاع بظهور المصادر الجديدة التي لم يتناولها السلف بسبب عدم وجودها في بداية‬
‫القرن ‪ 20‬م مثل ‪.‬‬
‫أما الموقف المبدئي من القرآن فهو لم يتغير ‪ :‬الستشراق ل ينظر الى القرآن انه وحي وكتاب منزل بل‬
‫يعتبره ) كما سبق لي أن قلت( نصا تأريخيا ومصدرا لنبوة محمد ‪ .‬وهذه النظرة متواترة في الدراسات الدينية‬
‫حول تأريخ النصرانية واليهودية أيضا ‪ .‬اذ ل يعتبر الباحث النجيل )مثل( كتابا مقدسا في البحاث‬
‫الموضوعية اذ ان اعتبره مقدسا أو حتى وحيا فارق ميدان الموضوعية في البحث ‪ .‬وكيف يعتبره وحيا عندما‬
‫يجد في بداية كل كتاب فيه اسم مؤلفه الذين نشؤوا ما بين ‪ 60‬الي ‪ 110‬عام بعد نشاط عيسى ! النظرة‬
‫التأريخية شيء ونظرية الكنيسة وتعاليمها شيء آخر تماما ‪ .‬وهكذا المر في الدراسات حول القرآن أيضا‬
‫الذي يعتبر نصا تأريخيا ‪ .‬أنا شخصيا أنصح وأصّر على النصيحة لطلبي أل ينسوا أن هذا الكتاب الذي‬
‫جعلوها موضوعا لدراساتهم ليس نصا فحسب بل هو أيضا وحي لمن يؤمن به ولذلك ليس لي أن أتجاوز‬
‫ي الحترام تجاه ايمان الخر به ‪.‬‬ ‫حدودا رسمتها الخلق كما فرضها عل ّ‬
‫عندما ننظر الى الحضارة السلمية بعد النتشار السريع والمذهل للسلم ديانة جديدة من الحجاز الى بلد‬
‫الشام والعرق ومصر خلل ما يقل عن ‪ 30‬سنة من التأريخ فل بد أن نعترف بالحقيقة أن لقاء الحضارات‬
‫والمجتمعات المختلفة بعضها ببعض لم يتم بغير تأثير متبادل ‪ ,‬فمن هنا للسلم وجوه حتى الى يومنا هذا ‪ ,‬أم‬
‫ل يرى المرء المتأمل آثارا فارسيا وهنديا وغيرها في الحضارة العربية ؟‬
‫لقد قلتم ‪:‬‬
‫السلم مزيج ثقافي مستعار من عدة ثقافات أخرى يهودية ونصرانية‪ ،‬يونانية وفارسية ‪ ,‬كما جاء ذلك على‬
‫لسان الستشراق ‪.‬‬
‫ن الديان التوحيدية تكمن‬ ‫ربما كانت العبارة ) مستعار( في غير موضعها ‪ .‬قد يكون من المستحسن أن يقال أ ّ‬
‫فيها جميعا عناصر متشابهة وأصول تجمع بين هذه الديان ‪ ,‬وهي فكرة التوحيد ‪ .‬ل أحد يزعم حسب علمي‬
‫ن جميع العناصر والفكار الخلقية )مستعارة( من غيره ‪.‬‬ ‫ن السلم ل ذاتية أصلية له كما ل أحد يزعم أ ّ‬
‫أّ‬
‫ومن يزعم أن السلم دينا وحضارة قد نشأ في فراغ بغير علقة بما حوله من البيئة فتجاهل الوقائع التأريخة‬
‫المسّلم بها في حضارة البشرية ‪.‬‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread....5&page=2&pp=15‬‬

‫]مستند ‪[6‬‬
‫لكي أجيب على السؤال الذي طرحه الستاذ عبد الرحمن الشهري مشكورا ‪ ,‬وهو ‪:‬‬
‫ل على المستشرقين ‪(.‬‬ ‫)وهل ما كتب أعله على صواب أم أن فيه تحام ً‬
‫أقول صراحة لكن بتحفظات ‪:‬‬
‫ليس صوابا ! بل هو تحامل شديد لسباب ل يذكرها ال القليل النادر ‪ ,‬وسأذكرها أنا‬
‫فيما بعد ‪.‬‬
‫نعم ‪ ,‬كل من يهتم باللغات والحضارات الشرقية بدءا باللغة التركية ) العثمانية القديمة( عبر الحضارات الى‬
‫الحضارة اليابانية اهتماما علميا وعلى مستوى الكليات والجامعات‬
‫يسمى بمستشرق ‪ .‬أما نحن فالمقصود في هذا المجال المستشرق القائم بدراسات لجوانب الحضارة السلمية‬
‫‪ .‬ولهذه العبارة جوانب سلبية بل شك غير أنني ل أتحدث ههنا بلسان رسمي الذي ل وجود له ول أدافع عن‬
‫أحد في الفئات الستشراقية المعاصرة أو الماضية ‪ ,‬بل أحب أن أشير الى أن هناك اختلفا ملموسا وأساسيا‬
‫عند معالجة ظواهر هذه الحضارة وهذا الدين وعند البحث فيه‪ ,‬وهو يرجع الى التي ‪:‬‬
‫]‪[SIZE=6‬المستشرق ل ينطلق في أبحاثه من السس الثابتة في اليمان أو العقيدة ‪ ,‬بل هو بذاتي علماني‬
‫بالمعنى أنه ل يقوم بابحاث قرآنية على الساس أن هذا الكتاب وحي‬
‫أو بأخرى أن هذا الكتاب منزل ‪ ,‬بل يقول ‪:‬‬
‫ان هذا الكتاب الذي يعتبره كل مسلم وحيا وكتابا منزل على البشر ‪ ,‬هذا الكتاب نص !‬

‫ومن يتساءل ويشك فيما يؤمن المسلم به أو يرفض علنية ان هذا الكتاب غير منزل ويخوض حوارا ومجادلة‬
‫من زاوية دينه وايمانه ضد )أهل القرآن( فهو ليس من المستشرقين ‪ .‬قد يكون )مبشرا( أو داعيا الى فرقة‬
‫من الفرق الدينية الكثيرة ‪.‬‬
‫ومن هنا يأتي الختلف ) في نظري( بين المسلمين والمستشرقين وما أدى الى وصف المستشرقين )بطعن(‬
‫و)تشويه( و )عداوة ( و)حقد( ما الى ذلك في القاموس من المفردات والصفات السلبية ضد المستشرقين ‪.‬‬

‫ولذلك ) بمنتهى اليجاز ( أرى أن الرأي المذكور أعله ليس صوابا بل ينطلق من نقطة أخرى غير انطلق‬
‫المستشرق ‪.‬‬
‫يبقى السؤال المطروح ‪ :‬ما هو السبب لهتمام المستشرقين بالقرآن وجمعه وعلومه ؟‬

‫ولهذه المشاركة تتمة ‪.‬‬

‫تقديرا‬

‫موراني‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬

‫لقد جاء ذكر بعض المستشرقين الذين قاموا بدراسات حول القرآن وعلومه ‪ ,‬وهم من قدماء المستشرقين ما‬
‫عدا ‪John Burton‬‬
‫الذي أخرج كتاب الناسخ والمنسوخ لبي عبيد القاسم بن سلم ) اعتمادا على المخطوط أحمد الثالث ‪ ,‬الرقم‬
‫‪ 143‬أ ( عام ‪ . 1987‬هذا ‪ ,‬فيرى بيرتون أن القرآن كان بين يدي المسلمين عند وفاة نبي السلم كما هو‬
‫بين يدينا اليوم ‪ .‬هذا من جانب ‪.‬‬

‫ومن جانب آخر ل أذكر طعنا ما أو حقدا ) الحقد‪ ....‬لماذا ؟ ( او حتي تشويها مقصودا لدى‬
‫‪ Nöldeke‬الذي أجرى دراسات دقيقة حول )عربية القرآن( حسب منهجية اللغويين ‪ ,‬أي بحث‬
‫وحلل بعض اليات من ناحية اللغة وأشار الى بعض الظواهر اللغوية والنحوية في نص القرآن ولم يتدخل في‬
‫شؤؤن العقيدة ولم يطعن أو )يحارب( شيئا من هذا الدين ‪.‬‬
‫بل اعتبر المواد التي درسها ‪ ,‬كما فعل جولدزيهر ‪ ,‬نصا وموضوعا للبحث فقط بدون أي اشعار الى عقيدته‬
‫هو أو الى عقيدة غيره ‪.‬‬

‫نعم ‪ ,‬ما هو السبب لهذا الهتمام بالقرآن وعلومه لدى المستشرقين ؟‬

‫ان السبب ليس كما يقال ‪ :‬كلمة الحق يراد بها الباطل ! بل ‪ ,‬القرآن يحتل المرتبة الولى والعليا باعتباره كتابا‬
‫مقدسا للدين ‪ ,‬ومن هنا يعتبر منطلقا أساسيا لفهم الدين ولدراسته ‪.‬‬
‫وكذلك أيضا عند المسلمين ‪ :‬أليس القرآن هو البداية والنهاية لجميع أمور الناس في حياتهم اليومية‬
‫ومعاملتهم بعضهم البعض وما بعدها في ايمانهم بالخرة ؟‬
‫الفرق بين هؤلء وأولئك أن الول ل يبحث حسب معايير القواعد العقائدية الثابتة ) كما قلت سابقا ( بل‬
‫يبحث في القرآن باعتباره الوثيقة العليا نصا لهذه الحضارة التي ل يشك في عظمتها ال الضال والمضل في‬
‫الفئات والفرق الدينية السابق ذكرها !‬

‫الهتمام بالقرآن وبعلومه اذا مفروض وفهمه واجب )حسب القدرة !( والبحث فيه‬
‫من الضروريات العلمية الملحة على كل من يود التقارب الى هذا الدين علميا ) ول أقول روحيا ‪ ....‬وأرجو‬
‫التمييز في هذا الموضع بالذات ( ‪.‬‬
‫لقد ازداد اهتمام بعض المستشرقين المعاصرين بالقرآن في العوام العشرة أو أكثر الماضية وقام بعضهم في‬
‫دراسات لغوية وتحليلية حول نص القرآن وعرضوا أبحاثا ل بأس بها حول النحو والتفسير في القرون الولى‬
‫للسلم ) المدارس النحوية في البصرة والكوفة ( ‪,‬‬
‫وقام البعض الخر بدراسات تأريخية حول روايات كتب التفسير وتحديد نشأتها تاريخيا‬
‫) وقد هاجموني أنا شخصيا فيها لرأئي المغاير لهم ‪....‬لكن هذا سيكون موضوعا آخر( ‪,‬‬
‫كما درس الخرون النص وميزات السور المكية والمدنية من ناحية اللغة فيها ‪.‬‬

‫ل أذكر في هذه الدراسات شيئا من الطعن ‪.‬‬

‫هكذا المر في حضارة النصارى ‪ :‬الهتمام في )انجيل( مستمر كما الهتمام بالتوراة لدى اليهود مستمر أيضا‬
‫‪ .‬هنا عند النصارى وهناك عند اليهود فرقتان ‪ :‬احداهما يدرس الكتاب من الناحية الدينية فقط‬
‫والخرى يدرسه من الناحية العلمية التأريخية اللغوية فيترك اليمان ايمانا ويفضل‬
‫في ذلك العلم علما ‪.‬‬
‫الدراسات حول النجيل تملي مكتبات ‪ ,‬وهي دراسات موضوعية ومتناقضة بعضها البعض حول فهم النص‬
‫وتأريخه كما هو بين يدينا اليوم ‪ .‬وليس في ذلك شيء من الحرج ‪ ,‬بل هذه دراسات تعتبر من المواد العلمية‬
‫في الدراسة في كليات الجامعات‬
‫منذ أكثر من ‪ 100‬عام ‪ .‬أما الفريق الخر فيتمسك بمفاهيم اليمان لما جاء في هذه الكتب ‪.‬‬
‫وهكذا المر في دراسات المستشرقين حول القرآن وعلومه ‪.‬‬

‫لتجنب سوء التفاهم بين أعضاء الكرام في هذا الملتقى وبين ما ذكرت هنا في سطور سريعة أود أن أبرز انني‬
‫ل أدافع عن أحد له نصيب في صنعة الستشراق قديما كان أو حديثا ‪ ,‬ال أنني أرجو وأتمنى أن يحترم المرء‬
‫الرأي الخر ويضع في عين العتبار أن هذا الخر ل يتركز على القواعد العقائدية بالضرورة عندما يدرس‬
‫الكتب المقدسة للديان عامة ‪.‬‬

‫ولهذه المشاركة أيضا ربما )!( تتمة ‪.‬‬

‫موراني‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬
‫‪http://www.tafsir.org/vb/showthread....&threadid=1454‬‬

‫]مستند ‪[7‬‬
‫الباجي يكتب في اجابته مشكورا ‪:‬‬

‫أما أصل المسألة فنحن المسلمين على ثقة فوق التامة بصحة نقل كتابنا حرفا حرفا‪ ،‬هذا أمر منتهى منذ نزل‬
‫به الروح المين‪ ،‬وإلى يوم يرفع من الرض‪.‬‬

‫ك ولم أشك أبدا بما تقولون ‪ ,‬غير أّنه ليس موضوع الحوار ‪.‬‬
‫أقول ‪ :‬أنا ل أش ّ‬
‫__________________‬
‫الـدكتور م ‪ .‬مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا‬
‫‪http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=3333‬‬

‫ماذا وراء مقارنة د‪.‬موراني‬
‫بين القرآن وبين النـجـيـل )الحالي(؟‬
‫النجيل نوعان‪:‬‬
‫ل؛ بل ل يصح إيمان‬ ‫الول‪ :‬ما أنزله ال عز وجل على عيسى عليه السلم‪ ،‬فهذا نؤمن به إيماًنا مجم ً‬
‫المسلمين إل باليمان بال وكتبه ورسله‪..‬‬
‫والثاني‪ :‬النجيل الذي بيد النصارى الن‪ ،‬وهذا هو محل هذه اللفتة السريعة هنا‪..‬‬
‫سه على البحث لوروده في عبارة‬ ‫وعلى الرغم من أنه ليس مقصوًدا بالبحث هنا؛ إل أنه قد فرض نف َ‬
‫د‪.‬موراني التي قرن فيها القرآن بالنجيل حين قال‪)) :‬كان هناك مشروع في النص القرآني((‪..‬إلخ‪.‬‬
‫فالكلم هنا كما يرى القراء عن النص القرآني‪ ،‬ل عن النجيل‪ ،‬لكنه استطرد في كلمه عن القرآن حتى وصل‬
‫خه ـ بزعمه ـ فقال‪ُ)) :‬رّبما يترتب على‬ ‫سِ‬
‫إلى احتمال نتائج تحقيق القرآن وما ُتسفر عنه الدراسة المقارنة لُن َ‬
‫ك الخ وهذه‬‫ص هنا وكلمِة زيادٍة هنا َ‬‫ب آخر حتى ولو كان جزئي لليات كما قد نحصل على كلمِة َنق ٍ‬ ‫ذلك ترتي ٌ‬
‫ض بسؤال أو استغراب بادر هو‬ ‫المور كلها واردة عند الدراسة المقارنة للنص(( وقبل أن يعترض معتِر ٌ‬
‫بالجواب عن هذا كله عقب كلمه السابق مباشرة فقال‪)) :‬حدث ذلك ـ نعم ! ـ عند دراسة النصوص في‬
‫النجيل ‪) ((.....‬وقد سبق نقلها عن شبكة التفسير مباشرة‪ ،‬مع ضرورة لفت أنظار القراء أن النقل دائًما هو‬
‫عن الشبكة نفسها‪ ،‬ل عن لقائها بـ د‪.‬موراني بعد تعديله ونشره في عدة منتديات(‪.‬‬
‫ومهما قال د‪.‬موراني من كونه لم يقصد المقارنة ول المقابلة بين القرآن الكريم وبين النجيل الذي بأيدي‬
‫النصارى الن؛ فمهما حاول د‪.‬موراني نفي هذه المقارنة؛ فإن السياق الذي سبق له يْأَبى إل المقابلة‬
‫والمقارنة بين القرآن العظيم‪ ،‬وبين النجيل الذي بيد النصارى الن‪..‬‬
‫ك بينهما‪ ،‬أّيا كان هذا الرابط!!‬‫ط مشتر ٍ‬ ‫ق واحٍد من راب ٍ‬
‫لنه لبد للمذكورين مًعا في سيا ٍ‬
‫فالمقابلة أو المقارنة حاصلٌة ل محالة في عبارته‪.‬‬
‫فهو تكلم أوًل على القرآن‪ ،‬وذكر حاجته للتحقيق‪ ،‬ثم نفى استغراب القراء حول هذه القضية بأن ربطها بما‬
‫حصل من قبُل في النجيل‪.‬‬
‫فكأنه يقول لهم‪ :‬ربما حصلنا على اختلف ترتيب وزيادة ونقص عند الدراسة المقارنة‪ ،‬ثم يحتمل أن غيره‬
‫شا لهذا الكلم‪ ،‬فأزال عنه الدهشة والستغراب بقوله‪)) :‬حدث هذا ـ نعم ـ عند‬ ‫قاطعه واعترض عليه منده ً‬
‫دراسة النصوص في النجيل((!!‬
‫فهذه مقابلة ومقارنة مقصودة‪ ،‬كما يرى القراء الكرام‪..‬‬

‫ول يكاد د‪.‬موراني يمّل من هذه المقارنة أبًدا‪ ،‬فهو يرددها في أكثر من مناسبة‪ ،‬فنراه يقول في موضع آخر‬
‫ل‪)) :‬أما الموقف المبدئي من القرآن فهو لم يتغير ‪ :‬الستشراق ل ينظر الى القرآن انه وحي وكتاب منزل‬ ‫مث ً‬
‫بل يعتبره ) كما سبق لي أن قلت( نصا تأريخيا ومصدرا لنبوة محمد ‪ .‬وهذه النظرة متواترة في الدراسات‬
‫الدينية حول تأريخ النصرانية واليهودية أيضا(( ]مستند ‪.[5‬‬

‫ن؛ كان علينا أن نتعرض لهذا الجزء من عبارة‬
‫وبناًء على هذه المقابلة والمقارنة المتعمدة‪ ،‬وفي أكثر من مكا ٍ‬
‫د‪.‬موراني‪ ،‬لنقف على غايته ومقصده من وراء هذه المقارنة‪..‬‬
‫نعم‪ ..‬كان لبد من فهم غاية د‪.‬موراني من هذه المقارنة المتكررة والمقصودة؟‬

‫واختصاًرا لجدٍل طويٍل ربما يقوم به بعضهم‪ ،‬وقطًعا للنقاش فسنسأل د‪.‬موراني نفسه عن رأيه في النجيل؟‬
‫لنتعرف من خلل ذلك على ما وراء مقارنته بين القرآن وبين النجيل في عبارته السابقة‪.‬‬
‫وبل شك أن مقارنة السيف بالسيف تختلف عن مقارنة السيف بالعصا!!‬
‫س حتى إشعار آخر!!‬‫مقّد ٌ‬
‫النجيل في نظر د‪.‬موراني‬
‫وماذا يريد من القرآن؟‬

‫يتحدث د‪.‬موراني عن النجيل فيقول‪)) :‬ل يعتبر الباحث النجيل )مثل( كتابا مقدسا في البحاث الموضوعية اذ‬
‫ان اعتبره مقدسا أو حتى وحيا فارق ميدان الموضوعية في البحث ‪ .‬وكيف يعتبره وحيا عندما يجد في بداية‬
‫كل كتاب فيه اسم مؤلفه الذين نشؤوا ما بين ‪ 60‬الي ‪ 110‬عام بعد نشاط عيسى ! النظرة التأريخية شيء‬
‫ونظرية الكنيسة وتعاليمها شيء آخر تماما((‪http://www.tafsir.net/vb/showthread.php? .‬‬
‫‪t=3015&page=2&pp=15‬‬
‫وسنقتصر من عبارة د‪.‬موراني على أمرين‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أن مؤلفي النجيل الحالي لم ُيْدِركوا نبي ال عيسى عليه السلم‪ ،‬فالسناد منقطع‪ ،‬بدللة قول د‪.‬موراني‪:‬‬
‫))الذين نشؤوا ما بين ‪ 60‬الي ‪ 110‬عام بعد نشاط عيسى!((‪.‬‬
‫وُيَعّلل أحد القسيسين هذه القضية في مناظرة العلمة رحمة ال الهندي له بقوله )يعني القس(‪)) :‬إن سبب‬
‫فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلثمائة وثلث عشرة سنة((‪.‬‬
‫وهذه ليست بعلة على الحقيقة‪ ،‬لن ما أصاب المسلمين عبر العصور هو أكبر وأعظم مما أصاب النصارى‪،‬‬
‫ومع هذا احتفظ المسلمون بأسانيدهم حتى اليوم‪ ،‬مما يؤكد أن ال عز وجل اختصهم دون غيرهم بشرف‬
‫السناد‪ ،‬وقد ذكر ذلك جماعة من علماء المسلمين‪ ،‬كأبي عمرو بن الصلح في ))معرفة أنواع علم الحديث((‬
‫المشهور بـ ))مقدمة ابن الصلح((‪ ،‬وغيره‪..‬‬
‫ت عليهم ما أتى على النبي صلى ال عليه وسلم وأصحابه من الضطهاد والذى‪ ،‬ول ما أتى‬ ‫فالنصارى لم يأ ِ‬
‫على المسلمين بعد النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬من ألوان الحروب المختلفة التي قادها التتار حيًنا والصليبيون‬
‫أحياًنا‪..‬‬
‫ومع كل هذا احتفظ المسلمون بأسانيدهم‪..‬‬
‫وقد ألمح النجيل الذي بيد النصارى الن إلى بعض ما أصاب المسلمين حين قال‪)) :‬وأما المعزي الروح‬
‫القدس الذي سيرسله الب باسمي‪ ،‬فهو يعّلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم‪ ...‬متى جاء المعزي ‪،...‬‬
‫فهو يشهد لي‪ ،‬وتشهدون أنتم أيضًا ‪ ......‬لكني أقول لكم الحق‪ :‬إنه خير لكم أن أنطلق‪ ،‬لنه إن لم أنطلق ل‬
‫يأتيكم المعزي‪ ،‬ولكن إن ذهبت أرسله إليكم‪ ....‬إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لقول لكم‪ ،‬ولكن ل تستطيعون أن‬
‫تحتملوا الن‪ ،‬وأما متى جاء ذاك‪ ،‬روح الحق‪ ،‬فهو يرشدكم إلى جميع الحق‪ ،‬لنه ل يتكلم من نفسه بل كل ما‬
‫يسمع يتكلم به‪ ،‬ويخبركم بأمور آتية(( ]يوحنا ‪.[16/14 ،15/26 ،14/26‬‬
‫سّميه صلى ال عليه وسلم‪)) :‬المعزي((‪ ،‬وذلك‬ ‫فهذه البشارة الواردة في النجيل بالنبي صلى ال عليه وسلم ُت َ‬
‫لكثرة ما كان يعزي أصحابه‪ ،‬من جراء ما يلحقهم من الذى والعنت الشديد‪.‬‬
‫ثم تتابعت على المسلمين أيام وليالي‪ ،‬ذاقوا فيها ألواًنا عديدة من القهر والستبداد والحتللت ومحاولة قلب‬
‫الحقائق وتغيير الهوية وقطع الصلة بينهم وبين إسلمهم‪ ..‬ومع كل هذا بقي السلم‪ ،‬وبقيت المة المسلمة‪،‬‬
‫وبقيت السانيد والجازات حتى عصرنا هذا‪ ..‬وستبقى إن شاء ال إلى ما شاء ال‪.‬‬
‫وأنا شخصّيا أتشّرف ببعض هذه السانيد‪..‬‬
‫فالعلة إذن في فقدان أسانيد النصارى ليست في المصائب ول الفتن كما يبررها القس المشار إليه‪ ..‬ولو كانت‬
‫ع أسانيدها‪ ،‬وهذا ما لم يحدث بحمد ال‬ ‫المصائب والفتن هي العلة لكانت أمتنا المسلمة أولى وآكد على ضيا ِ‬
‫تعالى‪..‬‬

‫ثم النقطاع في أسانيد النجيل بدأ مبكًرا جًدا‪ ..‬في قصة بولس الذي يعتبره النصارى‪)) :‬مؤسس النصرانية((‬
‫كما يعبر القس عبد الحد داود‪ ،‬لكنا نلحظ أنه لم يأخذ عن المسيح مباشرة‪ ،‬وإنما ذكر قصًة حاصلها أنه كان‬
‫في قافلٍة متوجًها ناحية دمشق‪ ،‬فتجلى له المسيح بعد رفعه بسنوات فمنحه منصب الرسالة‪ ،‬واختلفت روايات‬
‫النجيل كالعادة هل رأت القافلة ما حدث أم لم تره؟ ولكن المهم لدينا أنه كان رجل يهودًيا معادًيا للمسيح‬
‫وأصحابه‪ ،‬بل وحضر إعدام بعض أصحاب المسيح!! ومع هذا اصطفاه المسيح بالرسالة دون أصحابه‬
‫المقربين!! كما يزعم النجيل الذي بيد النصارى‪ ،‬ثم يذهب بولس فيجلس ثلثة أعوام في ))العربية(( )مكان(‬
‫ثم يعود‪..‬‬
‫فمهما حاول النصارى اّدعاء العتماد على المشافهة أو الّنْقل الحي للنجيل فلن يفلحوا ِإذن أبًدا؛ لن النقطاع‬
‫حاصٌل في السانيد‪ ،‬وباعتراف علمائهم أنفسهم!!‬

‫ضا أن النجيل الذي بيد النصارى الن ليس وحًيا! وإنما هو‬ ‫ثانيًا‪ :‬ويستفاد من كلمة د‪.‬موراني السابقة أي ً‬
‫ف صاغه بشٌر‪ ،‬بدللة قول د‪.‬موراني‪)) :‬وكيف يعتبره وحيا عندما يجد في بداية كل كتاب فيه اسم‬ ‫ب مؤّل ٌ‬
‫كتا ٌ‬
‫مؤلفه((‪.‬‬
‫ويطيب لي هنا أن أنقل النص الول من كتاب العلمة أحمد ديدات ))هل الكتاب المقدس كلم ال؟(( الذي يقول‬
‫فيه‪)) :‬يعتبر السيد و‪.‬جراهام سكروجي عضو معهد مودي للكتاب المقدس من أكبر علماء البروتستانت‬
‫التبشيرين وهو يقول في كتابه )هل الكتاب المقدس كلم الرب؟(‪ ،‬تحت عنوان )كتاب من صنع البشر ولكنه‬
‫سماوي( ص ‪) :17‬نعم؛ إن الكتاب المقدس من صنع البشر‪ ،‬بالرغم من أن البعض جهل منهم قد أنكروا ذلك(‬
‫)إن هذه الكتب قد مرت من خلل أذهان البشر‪ ،‬وُكِتَبت بلغة البشر وبأقلمهم‪ ،‬كما أنها تحمل صفات تتميز‬
‫بأنها من أسلوب البشر(( أهـ‬

‫وهذه الحقيقة هي التي يقررها مؤلفوا النجيل أنفسهم‪..‬‬
‫فنرى يوحنا يقول في خاتمة إنجيله‪)) :‬وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن ال(( ]يوحنا‪:‬‬
‫‪.[31 – 20/30‬‬
‫بينما يفتتح لوقا إنجيله بمقدمة يقول فيها‪)) :‬إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في المور المتيقنة عندنا‪،‬‬
‫كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة‪ ،‬رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الول‬
‫بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز تاوفيلس‪ ،‬لتعرف صحة الكلم الذي علمت به(( ]لوقا‪.[4-1/1 :‬‬

‫وأما بولس فبلغ به المر مبلًغا عجًبا‪ ،‬حتى وصل به الحال أن طلب رداًء تركه في كورنثوس‪ ،‬فيقول لصاحبه‪:‬‬
‫))الرداء الذي تركته في تراوس عند كابرس أحضره متى جئت(( ]تيموثاوس‪.[21 – 4/13 (2) :‬‬

‫س بأعيانهم‪ ،‬إما‬
‫فهذه مقدمات وخواتيم الناجيل وأنصافها دالٌة على أنه كلم بشر‪ ،‬ورسائل أشخاص لنا ٍ‬
‫أصدقاء لهم‪ ،‬أو أهل قريٍة بعينها‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ت ذلك كلمة د‪.‬موراني السابقة في هذا الصدد‪ ،‬كما أكد ذلك غيره من علماء النصارى‪.‬‬
‫وقد أكد ْ‬

‫لكن حتى هذه الناجيل البشرية الموجودة بيد النصارى لم يثبت لها إسناٌد كما سبق‪ ،‬بل ولم تثبت لها نسخة‬
‫خطية مكتوبة في زمن مؤلفيها‪ ،‬أو تلمذتهم‪ ،‬أو قريًبا من ذلك‪..‬‬
‫سخ الكثيرة التي تكلم‬‫ت فيها هذه الّن َ‬
‫وقد اعترف علماء النصارى بهذا كله‪ ،‬لكن اختلفوا في المدة التي ُكِتَب ْ‬
‫عنها القس سويجارت في مناظرته الشهيرة مع العلمة أحمد ديدات‪ ،‬فحصرها سويجارت بقوله‪)) :‬يوجد ما‬
‫يقرب من أربعة وعشرين ألف مخطوط يدوي قديم من كلمة الرب من العهد الجديد((‪.‬‬
‫سخ فيقول‪)) :‬وأقدمها يرجع إلى ثلثمائة وخمسين عامًا بعد الميلد‪،‬‬ ‫لكن سويجارت يتحدث عن أقدم هذه الّن َ‬
‫والنسخة الصلية أو المنظورة‪ ،‬أو المخطوط الول لكلمة الرب ل وجود لها((‪.‬‬
‫ويخالفه موريس نورن في )دائرة المعارف البريطانية( فيزيد مدة النقطاع بالنسبة لكتابة هذه النسخ فيقول‪:‬‬
‫))إن أقدم نسخة من الناجيل الرسمية الحالية كتب في القرن الخامس بعد المسيح‪ ،‬أما الزمان الممتد بين‬
‫ل عن استحداثها‬ ‫الحواريين والقرن الخامس فلم يخلف لنا نسخة من هذه الناجيل الربعة الرسمية‪ ،‬وفض ً‬
‫وقرب عهد وجودها منا‪ ،‬فقد حرفت هي نفسها تحريفًا ذا بال‪ ،‬خصوصًا منها إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا((‪.‬‬

‫وبعد هذا النقطاع الطويل‪ ،‬وصلت النسخ محّرفًة مختلفًة متنافرة الجزاء‪.‬‬
‫ولهذا يقول د‪ .‬روبرت في كتابه ))حقيقة الكتاب المقدس((‪)) :‬ل يوجد كتاب على الطلق به من التغييرات‬
‫والخطاء والتحريفات مثل ما في الكتاب المقدس((‪.‬‬
‫ويقول دنيس نينهام في تفسيره لنجيل مرقس‪)) :‬لقد وقعت تغييرات تعذر اجتنابها‪ ،‬وهذه حدثت بقصد أو‬
‫بدون قصد‪ ،‬ومن بين مئات المخطوطات لنجيل مرقس‪ ،‬والتي ل تزال باقية حتى اليوم ل نجد نسختان تتفقان‬
‫تمامًا‪ ،‬وأما رسائل بولس فلها ستة قراءات مختلفة تمامًا((‪ .‬ويقول‪)) :‬ليس لدينا أي مخطوطات يدوية يمكن‬
‫مطابقتها مع الخرين((‪.‬‬

‫وهذا يعني أنه ل توجد أية وسيلة من وسائل التصال بين هذا النجيل الذي في يد النصارى الن‪ ،‬وبين‬
‫ث النسخ الخطي‍ة!!‬
‫عيسى عليه السلم‪ ،‬ل من حيث السند‪ ،‬ول من حي ُ‬

‫خ خطية‪ ،‬أو بناًء على ما‬
‫ول زال النصارى ُيحّدثون طبعاتهم ونسخهم من الناجيل‪ ،‬بناًء على ما يظهر من نس ٍ‬
‫يتفقون عليه في مجامعهم‪ ،‬حتى قال د‪ .‬منقذ السقار في كتابه ))هل العهد الجديد كلمة ال((‪)) :‬والنص‬
‫المنشور للعهد الجديد ليس نصًا نهائيًا‪ ،‬إذ هو رهين اكتشاف المزيد من المخطوطات‪ ،‬تقول مقدمة العهد‬
‫الجديد للرهبانية اليسوعية‪) :‬وبوسعنا اليوم أن نعد نص العهد الجديد نصًا مثبتًا إثباتًا حسنًا‪ ،‬وما من داع إلى‬
‫إعادة النظر فيه إل إذا عثر على وثائق جديدة(‪ .‬إنه عهد جديد مؤقت حتى إشعار آخر((‪.‬‬

‫وعليكم أيها القراء الكرام الن الربط بين قول الرهبانية اليسوعية عن النجيل‪)) :‬وما من داع إلى إعادة‬
‫النظر فيه إل إذا عثر على وثائق جديدة((‪ .‬وبين قول د‪.‬موراني عن القرآن‪)) :‬لو قام مجموعة من العلماء‬
‫ب آخر ‪ ,‬حتى‬‫بتنفيذ هذا الَعَمِل(( يعني‪)) :‬تحقيق القرآن(( على نسخه الخطية‪ُ)) :‬رّبما يترتب على ذلك ترتي ٌ‬
‫ك الخ ((‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫ص هنا وكلمِة زيادٍة هنا َ‬‫ولو كان جزئي ‪ ,‬لليات كما قد نحصل على كلمِة َنق ٍ‬
‫ت الّنسخ الجديدة‪ ،‬وكلما‬‫جَد ِ‬
‫إذن فهو قرآن ليس نهائّيا عند د‪.‬موراني‪ ،‬ولكنه قابل للتطوير والتغيير إذا ُو ِ‬
‫جَدت نسخة أخرى أضافت شيًئا آخر‪ ،‬وهكذا‪..‬‬ ‫ُو ِ‬

‫هذا ما يريده د‪.‬موراني!!‬
‫فهو يستدل بما جرى في أناجيلهم من زيادات وتغييرات على جواز ذلك بالنسبة للقرآن لو تم تحقيقه كما‬
‫يزعم!!‬
‫ويمكن صياغة عبارة ومراد د‪.‬موراني بلغة المناطقة على الشكل التي‪:‬‬
‫قرآن = إنجيل‬
‫إنجيل = محرف‪ ،‬ليس وحًيا‪ ،‬منقطع‬
‫النتيجة المنطقية لكلمه هنا‪ :‬قرآن = محرف‪ ،‬ليس وحًيا‪ ،‬منقطع‬

‫فقد آن للقراء الكرام أن يعرفوا الوجهة التي ينطلق منها د‪.‬موراني‪ ،‬والخلفية التي يبني عليها نظرياته هذه‪..‬‬
‫وما يرمي إليه من كلمه‬

‫نعم هذا هو البحث الذي يرمي إليه د‪.‬موراني‪:‬‬
‫بعد أن صار النجيل الحالي ))إنجيل حتى إشعار آخر(( = يريد د‪.‬موراني أن يكون لدينا ))القرآن حتى إشعار‬
‫ل ِبِمْثل‪..‬‬
‫آخر(( ِمْث ً‬

‫عنِد‬
‫ن ِ‬
‫سًدا مّ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن َبْعِد ِإيَماِنُكْم ُكّفارًا َ‬
‫ب َلْو َيُرّدوَنُكم ّم ْ‬
‫ن َأْهِل الِكَتا ِ‬ ‫وصدق ال عز وجل حين قال‪َ)) :‬وّد َكِثيٌر ّم ْ‬
‫ق(( ]البقرة‪.[109 :‬‬ ‫حّ‬ ‫ن َلُهُم ال َ‬
‫ن َبْعِد َما َتَبّي َ‬
‫سِهم ّم ْ‬
‫َأنُف ِ‬
‫ن يملك حق تحقيق القرآن؟!‬ ‫َم ْ‬

‫وعلى سذاجة السؤال‪ ،‬لكن لبد منه ليرى القرآء ما يجرهم إليه د‪.‬موراني رويًدا رويًدا‪..‬‬
‫بداية يدعو لتحقيق القرآن‪ ،‬حتى ل يكون هناك مجال لتخطئة القرآن‪ ..‬ويضيف إلى ذلك احتمال وجود زيادة‬
‫ونقصان واختلف ترتيب!!‬
‫فإذا انخدع به المغفلون قال لهم‪ :‬قفوا فالتحقيق ليس لكم!!‬
‫ليس من حقكم أن تحققوا القرآن‪ ،‬ولكنه مقصور على فئة معينة تخيلها د‪.‬موراني‪ ،‬وأوكل إليها الحق في ذلك‬
‫حين قال‪:‬‬

‫))أود أن أعيد السؤال الذي طرحه مشرفو هذا الملتقي موضوعا للحوار مع الستاذ الكريم غانم قدوري وفقه‬
‫ال وهو ‪:‬‬
‫ما هي أهم المصاحف المخطوطة في العالم ؟ وهل يمكن الحصول على مصوراتها للتدرب على دراسة رسمها‬
‫؟ وهل يمكن الظفر بشيء من هذه المصورات في ملتقى التفسير؟‬
‫فل شك في أن هذا الموضوع الهام لدراسة النص القرآني يتعلق من طريق مباشر بالسؤال المطروح أيضا‬
‫للحوار ‪:‬‬
‫وهو ‪ :‬من هم الخبراء في قراءة المصاحف المخطوطة في العالم الن ؟ وكيف يمكن الستفادة من هؤلء ؟‬

‫هل يرى الستاذ المحترم فائدة في البحث النقدي المقارن للنص معتمدا فيه على ما ورد في المصاحف القديمة‬
‫مثل ما تم اكتشافها ـ على سبيل المثال ـ بالخط الحجازي من أواخر القرن الول الهجري باليمن( ‪ ,‬وهو أمر ل‬
‫يخفى عليكم لما قضيتم من الزمن هناك ‪.‬‬
‫هل هناك معاهد خاصة لقراءة هذه المصاحف المخطوطة ومقارنتها بالمصحف المطبوع ؟الـدكتور م ‪.‬‬
‫مــورانـي‬
‫مستشرق ‪ .‬كلية الداب ‪ .‬جامعة بون ‪ .‬ألمانيا ((‪.‬‬
‫‪http://www.tafsir.org/vb/showthread.php?t=3507‬‬

‫ن هم الخبراء في قراءة المصاحف‬
‫فهناك مرحلة أخرى قبل مرحلة التحقيق التي يدعو إليها‪ ،‬وهي مرحلة‪َ :‬م ْ‬
‫المخطوطة الن؟‬
‫فليس من حق الجميع النظر والتحقيق‪ ،‬ولكنه من حق الخبراء بطبيعة الحال‪ ،‬وسيكون د‪.‬موراني أول هؤلء‬
‫الخبراء‪ ،‬فهو صاحب الفكرة وحامل لوائها‪..‬‬
‫فهل هذا الترتيب إل متعّمد ومقصود؟‬
‫لنه صادر عن رجل يزعم الطلع على المخطوطات السلمية‪ ،‬وأنه يحتفظ ببعضها!‬
‫ولماذا فّرق د‪.‬موراني بين المصحف وغيره هنا؟ ولماذا حدَد طائقة معينة هي طائفة الخبراء؟‬
‫ألم أقل لكم‪ :‬آن أن يقف القراء على خلفية د‪.‬موراني التي ينطلق منها‪ ،‬وعلى غايته ومقصده في كلمه‪..‬‬
‫ث المكتوب فيها بالنسبة للقارئ لها؛ بمعنى أنه ل فرق بين‬ ‫نحن نعلم أن النسخ الخطية تستوي جميعها من حي ُ‬
‫أن يقرأ مخطوطة للمصحف‪ ،‬أو مخطوطة لصحيح البخاري‪..‬‬
‫الفارق بين النسخ الخطية يأتي من وجوٍه أخرى ل دخل للمكتوب فيها به‪ ،‬مثل وضوح الرؤية‪ ،‬فالمخطوطة‬
‫الواضحة الرؤية تختلف عن كثيرة الطمس والسواد‪..‬‬
‫كما أن الخط المشرقي أيسر في القراءة من الخط المغربي لدى المشارقة‪ ،‬بخلف المغاربة فخطهم أيسر لهم‪..‬‬
‫وهكذا‪.‬‬
‫ول دخل لهذا كله بالمكتوب داخل المخطوطة‪.‬‬
‫فالمكتوب بداخلها شيء‪ ،‬وقراءة المخطوطة والقدرة على القراءة شيٌء آخر‪.‬‬
‫ث ضرورة وضوح المخطوطة والتدرب على قراءة الخط‪ ..‬إلى آخر ما‬ ‫وهنا يستوي المصحف مع غيره من حي ُ‬
‫يلزم لقراءة المخطوطات‪.‬‬
‫فيمكن للباحث في الحديث مثل أن يكون خبيًرا ضليًعا في قراءة المخطوطات‪ ،‬ولدينا ما ل حصر له من‬
‫الباحثين المقتدرين على قراءة النسخ الخطية والتعامل معها بحمد ال‪ ،‬وهؤلء تستوي عندهم مخطوطة‬
‫المصحف مع مخطوطة البخاري‪ ،‬مع بقية النسخ الخطية؛‬
‫لن العبرة ليست بالمكتوب داخل المخطوطة‪ ،‬وإنما العبرة في العوامل الخارجية التي تؤثر سلًبا وإيجاًبا على‬
‫ت إليه من مسألة الخط‪ ،‬أو وضوح الرؤية‪..‬‬ ‫قراءة المخطوطة‪ ،‬مثل ما أشر ُ‬

‫وهنا يطرح السؤال نفسه‪ :‬هل كان د‪.‬موراني من السذاجة بحيث لم يعلم مثل هذا الجواب؟‬
‫ت لكم؟‬
‫أم أنه قصد أن يوصل رسالة تشكيك في القرآن الكريم رويًدا رويًدا كما ذكر ُ‬
‫فهو يدعو أول لتحقيق المصحف‪ ،‬ثم يبحث عن الخبراء‪ ،‬فكأنه يقول لكم‪ :‬لبد من تحقيق المصحف؛ لنه‬
‫بزعمه السابق ليس محقًقا‪ ،‬ولكن ثمة مشكلة في نظره ستقابلكم‪ ،‬وهي عدم وجود الخبراء والكفاء لهذا‬
‫العمل‪ ،‬وبناًء على هذا‪ ،‬ونتيجًة منطقية وحتمية لما قّرره‪ :‬عليكم أيها القراء الرضى بكتابكم الذي ليس محقًقا‬
‫إلى أن يمن ال عليكم بالخبراء في يوم من اليام‪ ،‬وبطبيعة الحال إذا لم يكن ثمة خبراء اليوم‪ ،‬فلن يكون‬
‫غًدا‪ ..‬إل أن يشاء ال‪..‬‬
‫وهكذا يبقى القرآن دائًما وأبًدا في أيديكم ليس محقًقا كما يقوله لكم د‪.‬موراني‪..‬‬

‫فهل فهمتم الرسالة؟!!‬

‫وإنها لحدى اْلُكَبر!!‬

‫شهادة من ألماني‬

‫يقول د‪ .‬مراد هوفمان‪)) :‬إن المستشرقين حاولوا إثبات أن القرآن ليس من عند ال وفشلوا‪ ،‬كما فشلوا فى‬
‫إثبات حدوث تغيير فى أى حرف أو كلمة فيه‪ ،‬وقد يرفض غير المسلم محتوى القرآن‪ ،‬ولكنه ل يستطيع أن‬
‫يتجاهل تأثيره الخلب على قارئه والمستمع إليه‪ ،‬ويجد الباحث أن فى القرآن إشارات علمية لم تكن معلومة‬
‫فى هذا الزمان ثم ثبت صدقها مؤخرا ‪ .‬والقرآن هو الكتاب الوحيد فى العالم الذى يحفظه مليين البشر عن‬
‫ظهر قلب‪ ،‬ولغة القرآن هى العربية التى تجمع العالم السلمى الذى يزيد على ‪ 1200‬مليون مسلم‪ ،‬والقرآن‬
‫هو الذى حافظ على اللغة العربية بقواعدها وكلماتها‪ ،‬ولذلك فهى اللغة الوحيدة فى العالم التى كتب بها القرآن‬
‫منذ أكثر من ‪ 1400‬عام‪ ،‬ول يزال مئات المليين من عامة أهلها يستطيعون قراءته دون تأهيل بدراسات‬
‫خاصة ودون ترجمته إلى اللغة المتداولة الن عند العرب‪ ،‬فلغة القرآن هى اللغة التى يتكلم ويكتب بها العرب‬
‫حتى اليوم‪ .‬ولن قراءة القرآن على أسس غير صحيحة تؤدى إلى نتائج عكسية فقد جاءت السنة شارحة‬
‫ومفصلة للقرآن‪ ،‬وكثيرا ما تؤدى عدم الحاطة بالحداث التى نزلت فيها آيات‪ ،‬أو عدم الخذ بكامل السياق‬
‫القرآنى إلى افتقاد الصواب فى الفهم((أهـ‬
‫ن المعجزَة القرآنية ويهدمون السلم!!‬‫طُلو َ‬
‫هكذا ُيْب ِ‬
‫فهل يقدرون على مثِله؟!‬
‫كان لبد من إعادة كلم د‪.‬موراني ثانية لنرى ما سبق لنا الكلم عليه مما لم يسبق‪ ،‬ولُنذّكر به القراء؛ لحاجتنا‬
‫إليه هنا‪..‬‬
‫وسنخصص هذا اللقاء للكلم على أمٍر في غاية الهمية‪ ،‬ليقف القراء على خطورة الكلم المذكور‪ ،‬وأثره على‬
‫السلم من ناحية‪ ،‬وعلى قائله من ناحية أخرى‪.‬‬
‫ل يشك القراء الكرام‪ ،‬ول يشك أحٌد أبًدا في أن الدراسة المقارنة التي يتكلم عنها د‪.‬موراني )مع اعتراضنا‬
‫على هذا الكلم أصل كما سيأتي لحًقا(‪ ،‬فل يشك القراء في أنها تعني وبإيجاز شديد‪ :‬مقارنة أشياء بعضها‬
‫ت وفروق!‬‫ض‪ ،‬وإثبات ما بينها من تفاو ٍ‬
‫ببع ٍ‬
‫وبالنسبة لدعوى د‪.‬موراني المذكورة فهو يطالب بمقارنة نسخ المصحف لنها كما يزعم أسلفه مختلفة فيما‬
‫ص هنا وكلمة زيادة‬ ‫بينها‪ ،‬وكما يزعم هو‪ :‬ربما يترتب على ذلك ترتيب آخر‪ ،‬كما قد يحصل هو على كلمة نق ٍ‬
‫هناك‪..‬‬
‫المر في نظر د‪.‬موراني إلى هنا ل يتصل بعقيدة‪ ،‬ويردد دائًما ل شأن لي بمسائل اليمان‪.‬‬
‫ت‪ ،‬لنه لن تكن ثمة مسائل لسلم أو إيمان بعد كلمك هذا الذي يؤدي إلى هدم الدين السلمي‬ ‫وأقول‪ :‬صدق َ‬
‫ونسفه من أساسه وقواعده!!‬
‫الدراسة المقارنة ستؤدي في نظر د‪.‬موراني إلى وجود فروقات‪ ،‬وتغيير في الترتيب ولو جزئي؛ فماذا يعني‬
‫هذا الكلم؟‬
‫حَكم‬
‫يعني بكل إيجاز أن ُيغير بشٌر في المصحف‪ ،‬ويؤخر وُيَقّدم في ترتيب القرآن‪ ،‬كما يعني أنه سيكون اْل َ‬
‫جح بينها حسب المعطيات التي يتوصل إليها بعقله‬ ‫والقاضي على هذه الفروقات التي يزعمها د‪.‬موراني فُيَر ّ‬
‫البشري!‬

‫ربما لم تصل الصورة لذهن القراء بعُد فُأَكّرر‪:‬‬
‫حَكم‬
‫يعني بكل إيجاز أن ُيغير بشٌر في المصحف‪ ،‬ويؤخر وُيَقّدم في ترتيب القرآن‪ ،‬كما يعني أنه سيكون اْل َ‬
‫جح بينها حسب المعطيات التي يتوصل إليها بعقله‬ ‫والقاضي على هذه الفروقات التي يزعمها د‪.‬موراني فُيَر ّ‬
‫البشري!‬

‫سه حكًما على القرآن؛ معنى ذلك بكل إيجاز‪:‬‬
‫صّير نف َ‬
‫ومعنى أن يوجد بشٌر يؤخر وُيَقّدم في القرآن الكريم‪ ،‬وُي َ‬
‫أن القرآن قد صار مقدوًرا عليه‪ ..‬يعني لم يصبح القرآن معجزة إلهية غير مقدوٍر عليها‪..‬‬

‫ففي ذلك أمور‪:‬‬
‫الول‪ :‬إثبات البشرية على القرآن‪ ،‬ونفي المعجزة عنه؛ لنه قد صار مقدوًرا عليه للبشر‪ ،‬بحيث يستطيع‬
‫بعض البشر أن ُيَقّدم ويؤخر فيه‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه بذلك يهدم رسالة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل يهدم السلم كله؛ لن القرآن هو المعجزة الخالدة‬
‫التي َمّد ال بها نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما أنه أصل السلم‪.‬‬

‫لبد أن ُيْعَلم أن الصل في نقل القرآن على السماع ل على الّنسخ‪ ،‬وسيأتي التفصيل في هذا إن شاء ال‪،‬‬
‫ولنقتصر هنا على بيان أقوال المسلمين فيمن زعم أن القرآن مقدوٌر عليه‪ ،‬وكيف أنه بهذا يهدم السلم‬
‫جملة‪ ،‬وأن سبيل من زعم هذا أن يزعم أن بإمكانه أن يأتي بمثل القرآن‪ ،‬أو بعضه‪ ،‬أو يزعم الزيادة‬
‫والنقصان فيه‪ ،‬أو يزعم إعادة ترتيبه‪..‬إلخ‪.‬‬

‫فماذا لديكم يا علماء المسلمين؟ وما قولكم أعلى ال درجاتكم‪ ،‬وأدام النفع بكم؟‬

‫ت على عشرات القوال لعلماء المسلمين في هذه المسألة‪ ،‬وقد جمع طائفًة منها صاحب كتاب ))الفرقان‬ ‫وقف ُ‬
‫ت أن أقتصر على‬ ‫في بيان منزلة القرآن(( لمؤلفه صلح فتحي َهَلل )إصدار‪ :‬مكتبة النصار‪ ،‬بالقاهرة( فرأي ُ‬
‫نقل بعضها من الكتاب المذكور للتصاقه بما نحن فيه‪ ،‬وحاجتنا لتعليقات المؤلف على هذه القوال‪] ،‬مع رجاء‬
‫مراعاة الملحظات المذكورة في مداخلتنا التية إن شاء ال عز وجل[‪.‬‬
‫صحاَء العرب‪،‬‬ ‫ل عز وجل ُف َ‬ ‫حيث يقول صاحب ))الفرقان(( ]والكلم له حتى آخر هذه المداخلة[‪ :‬تحّدى ا ُ‬
‫ن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا عن ذلك‪.‬‬ ‫وأئمَة اللغِة َأ ْ‬
‫شَهَداَءُكْم ِم ْ‬
‫ن‬ ‫عوا ُ‬ ‫ن ِمْثِلِه َواْد ُ‬
‫سوَرٍة ِم ْ‬ ‫عْبِدَنا َفْأُتوا ِب ُ‬
‫عَلى َ‬ ‫ب ِمّما َنّزْلَنا َ‬‫ن ُكنُتْم ِفي َرْي ٍ‬ ‫كما قال سبحانه وتعالى‪َ} :‬وِإ ْ‬
‫ن{‬
‫ت لِْلَكاِفِري َ‬
‫عّد ْ‬
‫جاَرُة ُأ ِ‬‫حَ‬ ‫س َواْل ِ‬
‫ن َتْفَعُلوا َفاّتُقوا الّناَر اّلِتي َوُقوُدَها الّنا ُ‬ ‫ن َلْم َتْفَعُلوا َوَل ْ‬‫ن َفِإ ْ‬‫صاِدِقي َ‬
‫ن ُكنُتْم َ‬‫ل ِإ ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ُدو ِ‬
‫]البقرة‪.[24-23:‬‬
‫ن{‬‫صاِدِقي َ‬‫ن ُكْنُتْم َ‬ ‫ل ِإ ْ‬
‫ن ا ِّ‬ ‫ن ُدو ِ‬‫طْعُتْم ِم ْ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬ ‫عوا َم ْ‬ ‫سوَرٍة ِمْثِلِه َواْد ُ‬‫ن اْفَتَراُه ُقْل َفْأُتوا ِب ُ‬ ‫وقال عز وجل‪َ} :‬أْم َيُقوُلو َ‬
‫]يونس‪.[38:‬‬
‫ن الِّ ِإ ْ‬
‫ن‬ ‫ن ُدو ِ‬‫طْعُتْم ِم ْ‬‫سَت َ‬‫نا ْ‬‫عوا َم ْ‬ ‫ت َواْد ُ‬‫سَوٍر ِمْثِلِه ُمْفَتَرَيا ٍ‬ ‫شِر ُ‬‫ن اْفَتَراُه ُقْل َفْأُتوا ِبَع ْ‬‫وقال جّل شأنه‪َ} :‬أْم َيُقوُلو َ‬
‫ن{ ]هود‪.[13:‬‬ ‫صاِدِقي َ‬‫ُكنُتْم َ‬
‫ن هم في الفصاحة والبلغة ونبوغ اللغة‪.‬‬ ‫يتحّداهم سبحانه وتعالى بهذا كله فيعجزوا‪ ،‬وهم َم ْ‬
‫يقول القاضي أبو بكٍر الباقلني‪)) :‬والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن التيان بمثل القرآن‪ :‬أنه تحّداهم‬
‫سْبى‬ ‫ن أحكاَمُه استباحَة دماِئهم وأمواِلِهْم َو َ‬ ‫ضّم َ‬‫صْدقه وُنُبّوِته‪ ،‬و َ‬ ‫جَعَلُه دللًة على ِ‬ ‫إليه حتى طال الّتحّدي‪ ،‬و َ‬
‫حْكِمهِ‬‫سهم وأهليهم وأموالهم من ُ‬ ‫صُلوا إلى تخليص أنف ِ‬ ‫ُذريتهم‪ ،‬فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا‪ ،‬وتو ّ‬
‫ف القتال‪ ،‬وإكثار المراء‬ ‫ب هو عادتهم في لسانهم ومألوف ِمن خطابهم‪ ،‬وكان ذلك يغنيهم عن َتَكّل ِ‬ ‫بَأْمٍر قري ٍ‬
‫والجدال‪ ،‬وعن الجلء عن الوطان‪ ،‬وعن تسليم الهل والذرية للسبي‪.‬‬
‫عِلَم أنهم عاجزون عنها‪.‬‬ ‫صل هناك معارضة منهم ُ‬ ‫فلّما لم تح ُ‬
‫جَأُه[‬
‫ن العدَو يقصد لدفع قول عدّوه بكل ما َقَدر عليه من المكايد‪ ،‬ل سيما مع استعظامه ما َبَدَهُه ]َف َ‬ ‫ن ذلك‪َ :‬أ ّ‬ ‫ُيَبّي ُ‬
‫خْلِع آلهته‪ ،‬وتسفيه رأيه في ديانته‪ ،‬وتضليل آبائه‪ ،‬والّتغريب عليه بما جاء به‪ ،‬وإظهار أمر‬ ‫ن َ‬ ‫جيء ِم ْ‬ ‫باْلَم ِ‬
‫حْكِم إرادته‪ ،‬والعدول عن ِإْلِفِه وعادتِه‪ ،‬والنخراط في سلك التباع‪،‬‬ ‫ب النقياد لطاعته‪ ،‬والتصّرف على ُ‬ ‫ج ُ‬ ‫ُيو ِ‬
‫شّيًعا‪ ،‬وتحكيم الغير في ماله‪ ،‬وتسليطه ِإّياه على جملِة أحواله‪،‬‬ ‫ن كان ُم َ‬ ‫عا‪ ،‬والتشييع بعد َأ ْ‬ ‫ن كان متبو ً‬ ‫بعد َأ ْ‬
‫والدخول تحت تكاليف شاقة‪ ،‬وعبادات متعبة بقوله‪ ،‬وقد علم أن بعض هذه الحوال مما يدعو إلى سلب‬
‫النفوس دونه‪ ،‬هذا والحمية حميتهم‪ ،‬والهمم الكبيرة هممهم‪ ،‬وقد بذلوا له السيف فأخطروا بنفوسهم‬
‫وأموالهم!‬
‫فكيف يجوز أن ل يتوصلوا إلى الّرّد عليه‪ ،‬وإلى تكذيبه‪ ،‬بأهون سعيهم‪ ،‬ومألوف أمرهم‪ ،‬وما يمكن تناوله من‬
‫غير أن يعرق فيه جبين‪ ،‬أو ينقطع دونه وتين‪ ،‬أو يشتمل به خاطر‪ ،‬وهو لسانهم الذي يتخاطبون به‪ ،‬مع‬
‫بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها متطلع‪ ،‬والرتبة التي ليس فوقها منزع ومعلوم أنهم لو‬
‫ن صدق‬ ‫عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره وتكذيب قوله وتفريق جمعه وتشتيت أسبابه‪ ،‬وكان مِ ْ‬
‫به يرجع على أعقابه‪ ،‬ويعود في مذهب أصحابه‪.‬‬
‫ن ذلك‪ ،‬مع طول المدة‪ ،‬ووقوع الفسحة‪ ،‬وكان أمره يتزايد حاًل فحاًل‪ ،‬ويعلو شيًئا فشيًئا‪،‬‬ ‫فلّما لم يفعلوا شيًئا ِم ْ‬
‫عِلَم ِمّما َبّيّنا َأّنهم كانوا ل يقدرون على‬ ‫ح في آيتِه‪ ،‬والطعن بما ُيَؤّثر في دللته؛ ُ‬ ‫وهم على العجِز عن القد ِ‬
‫جته‪.‬‬‫حّ‬ ‫معارضته‪ ،‬ول على توهين ُ‬
‫ضَرُبوُه َل َ‬
‫ك‬ ‫خْيٌر َأْم ُهَو َما َ‬
‫وقد أخبر ال تعالى عنهم أنهم قوٌم خصمون ]إشارًة إلى قوله تعالى‪َ} :‬وَقاُلوا َأَآِلَهُتَنا َ‬
‫ن{ )الزخرف‪ [(58 :‬وقال‪} :‬وتنذر به قوًما لدا{ ]مريم‪ ،[97 :‬وقال‪َ} :‬أَوَلْم َيَر‬ ‫صُمو َ‬ ‫خ ِ‬ ‫جَدًل َبْل ُهْم َقْوٌم َ‬ ‫ِإّل َ‬
‫ن{ ]سورة يس‪] [77 :‬ذكر الباقلني رحمه ال بعض الية‬ ‫صيٌم ُمِبي ٌ‬ ‫خ ِ‬
‫طَفٍة َفِإَذا ُهَو َ‬
‫ن ُن ْ‬
‫خَلْقَناُه ِم ْ‬
‫ن َأّنا َ‬
‫سا ُ‬‫اِْلْن َ‬
‫بمعناه‪ ،‬وبعضها بلفظه‪ ،‬فذكرت لفظها كله كما في المصحف[‪.‬‬
‫ن قولهم‪} :‬لو‬ ‫ن وجوِه اعتراضهم على القرآن‪ ،‬مما حكى ال عز وجل عنهم ِم ْ‬ ‫ضا ما كانوا يقولونه ِم ْ‬ ‫عِلَم أي ً‬
‫وُ‬
‫نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إل أساطير الولين{ ]النفال‪ ،[31 :‬وقولهم‪} :‬ما هذا إل سحر مفترى وما سمعنا‬
‫جر‪،[6 :‬‬ ‫حْ‬ ‫بهذا في آبائنا الولين{ ]القصص‪ ،[36 :‬وقالوا‪} :‬يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون{ ]اْل ِ‬
‫وقالوا‪} :‬أفتأتون السحر وأنتم تبصرون{ ]النبياء‪ ،[3 :‬وقالوا‪} :‬أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون{‬
‫]الصافات‪ ،[36 :‬وقال‪} :‬وقال الذين كفروا إن هذا إل إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما‬
‫وزورا وقالوا أساطير الولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيل{ ]الفرقان‪} ،[5 - 4 :‬وقال الظالمون إن‬
‫جر‪ ..[91 :‬إلى آيات‬ ‫حْ‬‫تتبعون إل رجل مسحورا{ ]الفرقان‪ ،[8 :‬وقوله‪} :‬الذين جعلوا القرآن عضين{ ]ال ِ‬
‫ن عجزهم‪ ،‬يفزعون إلى نحو هذه‬ ‫ن ِم ْ‬‫جِبْي َ‬
‫ن في أمرهم‪ُ ،‬مَتَع ّ‬ ‫حّيِري َ‬‫كثيرة في نحو هذا‪ ،‬تدل على أنهم كانوا ُمَت َ‬
‫المور من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع التحّدي إليه ووجد الحث عليه‪.‬‬
‫عِلَم منهم َأّنهم ناصبوه الحرب‪ ،‬وجاهدوه ونابذوه‪ ،‬وقطعوا الرحام‪ ،‬وأخطروا بأنفسهم‪ ،‬وطالبوه باليات‬ ‫وقد ُ‬
‫ن الوجوه‪.‬‬‫ظَهُروا عليه بوجٍه ِم َ‬ ‫والتيان بالملئكة وغير ذلك من المعجزات‪ ،‬يريدون تعجيزه ِلَي ْ‬
‫ن يقدروا على معارضتِه القريبة السهلة عليهم‪ ،‬وذلك يدحض حجته‪ ،‬وُيفسد دللته‪ ،‬وُيبطل‬ ‫فكيف يجوز َأ ْ‬
‫أمره‪ ،‬فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من المور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة‪،‬‬
‫ويتركون المر الخفيف؟!‬
‫هذا مما يمتنع وقوعه في العادات‪ ،‬ول يجوز اتفاقه من العقلء‪.‬‬
‫وإلى هذا الموضع قد استقضى أهل العلم الكلم‪ ،‬وأكثروا في هذا المعنى واحكموه‪ ،‬ويمكن أن يقال‪ :‬إنهم لو‬
‫كانوا قادرين على معارضته والتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة‪ ،‬وهم على ما هم‬
‫عليه من الذرابة والسلقة والمعرفة بوجوه الفصاحة‪ ،‬وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته‪ ،‬وأنهم‬
‫يضعفون عن مجاراته‪ ،‬ويكرر فيما جاء به ِذْكر عجزهم عن مثل ما يأتي به‪ ،‬وُيَقّرعهم وُيَؤّنبهم عليه‪ ،‬ويدرك‬
‫آماله فيهم‪ ،‬وينجح ما سعى له في تركهم المعارضة‪ ،‬وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه وتفخيم أمره حتى يتلو‬
‫قوله تعالى‪} :‬قل لئن اجتمعت النس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله ولو كان بعضهم‬
‫لبعض ظهيرا{ ]السراء‪ ،[88 :‬وقوله‪} :‬ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا‬
‫جر‪،[87 :‬‬ ‫حْ‬ ‫أنه ل إله إل أنا فاتقون{ ]النحل‪ ،[2 :‬وقوله‪} :‬ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم{ ]ال ِ‬
‫جر‪ ،[9 :‬وقوله‪} :‬وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون{‬ ‫حْ‬
‫وقوله‪} :‬إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون{ ]ال ِ‬
‫]الزخرف‪ ،[44 :‬وقوله‪} :‬هدى للمتقين{ ]البقرة‪ ،[2 :‬وقوله‪} :‬ال نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني‬
‫تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ال{ ]الزمر‪ ..[23 :‬إلى غير ذلك من‬
‫اليات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن‪ ،‬فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع‪ ،‬ومنها ما ينفرد فيها‪ ،‬وذلك‬
‫مما يدعوهم إلى المبادرة‪ ،‬ويحضهم على المعارضة‪ ،‬وإن لم يكن متحّدًيا إليه‪.‬‬
‫ضا؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة وأخبار مشهورة وآثار منقولة‬ ‫ضهم بع ً‬ ‫َأَل َتَرى أنهم قد ينافر شعراؤهم بع ُ‬
‫مذكورة‪ ،‬وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلقة ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم؟‬
‫ن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها؟! تحداهم أو لم يتحدهم إليها؟!‬ ‫فلن يجوز والحال هذه َأ ْ‬
‫ولو كان هذا لقبيل مما يقدر عليه البشر لوجب في ذلك أمر آخر‪ ،‬وهو أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق‬
‫إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به‪ ،‬وكانوا ل يفتقرون إلى تَكّلف وضعه‪ ،‬وتعّمل‬
‫نظمه في الحال‪.‬‬
‫فلّما لم نرهم احتجوا عليه بكلم سابق‪ ،‬وخطبة متقدمة‪ ،‬ورسالة سالفة‪ ،‬ونظم بديع‪ ،‬ول عارضوه به فقالوا‪:‬‬
‫عِلَم َأّنه لم يكن إلى ذلك سبيل‪ ،‬وأنه لم يوجد له نظير‪ ،‬ولو‬ ‫ت به وأغرب منه أو هو مثله؛ ُ‬ ‫هذا أفصح مما جئ َ‬
‫جَد له ِمْثٌل لكان ُيْنَقُل إلينا ولعرفناه‪ ،‬كما ُنِقَل إلينا أشعار أهل الجاهلية وكلم الفصحاء والحكماء من‬ ‫كان ُو ِ‬
‫ي إلينا كلم الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد وغير ذلك من أنواع بلغاتهم وصنوف‬ ‫العرب‪ ،‬وُأّد َ‬
‫فصاحاتهم(( ]))إعجاز القرآن(( للباقلني )ص‪ – 20/‬فما بعد([ انتهى‪.‬‬
‫فأصبح بدهًيا بعد ذلك‪:‬‬
‫ي؛ لّنُه يعلو ول ُيْعَلى عليه‪،‬‬ ‫سّلق إليه بخياٍل ذهن ّ‬ ‫ن ل ُيَت َ‬ ‫س وُتَنّزه كلماته وحروفه ومعانيه عن الّنْقِد‪ ،‬وَأ ْ‬ ‫ن ُتَقّد َ‬ ‫َأ ْ‬
‫ن‪ ،‬كما ل ترتفع ذات أحٍد على ذات قائله المتكّلم به‪ ،‬وهو‬ ‫ت بشٍر‪ ،‬ول يرتفع عليه كلم إنسا ٍ‬ ‫ول تحوزه كلما ُ‬
‫ع على الكلم في الذات‪.‬‬ ‫ن الكلم في الصفة فر ٌ‬ ‫المولى سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد سبق مراًرا أ ّ‬
‫عُلّوا كبيًرا ـ؛ كذلك ل يجوز لحٍد َأ ْ‬
‫ن‬ ‫ن يرفَع ذاته فوق ذات ال ـ تعالى ال عن ذلك ُ‬ ‫فكما أّنُه ل يجوز لحٍد َأ ْ‬
‫عا ول‬ ‫ح شر ً‬ ‫ق‪ ،‬فل يص ّ‬ ‫شبه كلم البشر‪ ،‬ول ُيحيط بإعجازه مخلو ٌ‬ ‫ن كلم ال ل ُي ْ‬ ‫يرفَع كلَمه على كلم ال؛ فِإ ّ‬
‫سا على أوهام‬ ‫حاَكَم المعجزة قيا ً‬ ‫ن ُت َ‬‫ن به الخطأ؛ كما ل يصح َأ ْ‬ ‫حْكِم وَنْقِد َمن اْقَتَر َ‬ ‫ن يخضَع المعصوم ل ُ‬ ‫ل َأ ْ‬‫عق ً‬
‫سن‪.‬‬ ‫العقول‪ ،‬وحصائد الفكار‪ ،‬وثمار اَلْل ُ‬
‫ن ل َيِعي ما يخرج من رأسِه‪ ،‬أو ملحٍد؛ ل‬ ‫ن يخضع العلى للدنى؛ إل في عقِل مجنو ٍ‬ ‫وبعبارٍة أخرى‪ :‬ل يصح َأ ْ‬
‫ُيْؤِمن بأله الكون‪ ،‬ول َيْعَتِرف بوجوده سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ل فاسًدا ل‬ ‫ن يكون عق ً‬ ‫ظه؛ اللهم إل َأ ْ‬ ‫ظِمِه وَلْف ِ‬‫ق وَن ْ‬ ‫ق على كلِم الخال ِ‬ ‫ك مخلو ٌ‬ ‫ن يستدر َ‬ ‫صّوُر في عقٍل أ ْ‬ ‫وكيف ُيَت َ‬
‫يعرف الفرق بين الِبْذرة والعذرة‪ ،‬فمثله فاقٌد للهلية غير ُمْعَتبٍر به؛ ِإْذ ل عبرة بما صدر عن المجنون‬
‫والمعتوه ونحوهما‪.‬‬
‫حّداهم‬ ‫ش‪ ،‬حين َت َ‬ ‫ب الّلغِة الفصيحِة وأرباُبها؛ في قري ٍ‬ ‫جَز عنه أصحا ُ‬ ‫عَ‬‫جُم العصر بما َ‬ ‫عا ِ‬‫ن يأتي َأ َ‬ ‫وكيف يصح َأ ْ‬
‫عْلٍم؛ فعجزوا؟!‬ ‫ن يْأتوا بمثِل هذا القرآن أو آَثاَرٍة ِمن ِ‬ ‫المولى َأ ْ‬
‫ج النهاُر إلى دليل‬ ‫ن شيٌء ‪ .......‬إذا احتا َ‬ ‫ح في الذها ِ‬ ‫وكيف يص ّ‬
‫عَم إخضاع القرآن للّنْقد‬ ‫وِمن هنا تعلم فساد تلك الفتنة القديمة التي أثارها بعضُ الّزناِدَقِة زوًرا وبهتاًنا‪ ،‬حين َز َ‬
‫خَمَد فتنَتُه وِذْكَره‪.‬‬ ‫خَزاه‪ ،‬وَأ ْ‬ ‫سَأُه ال‪ ،‬وَأ ْ‬ ‫خ َ‬‫اللغوي‪ ،‬وبدأ هو مشوار السقوط‪ ،‬فأ ْ‬
‫ل أصي ً‬
‫ل‬ ‫ن بذلك أص ً‬ ‫جَعَل اليما َ‬ ‫وأما القرآن فمعجزٌة خالدة‪َ ،‬أّيَد ال عز وجل بها نبّيه صلى ال عليه وسلم‪َ ،‬و َ‬
‫ك في إعجاز القرآن وعدم ُقْدَرِة الخلق على التيان‬ ‫نشّ‬ ‫من أصول السلم التي ل يصح السلم بدونها‪ ،‬فَم ْ‬
‫بمثله؛ فقد عاد على أصل إسلمه بالبطلن؛ والعياذ بال‪.‬‬
‫جٍز فقد َكَفَر‪.‬‬ ‫س ِبُمْع ِ‬‫ن لي َ‬ ‫ن القرآ َ‬ ‫ن قال‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ولذا قال أهل العلم قديًما وحديًثا‪َ :‬م ْ‬
‫ن مقدوٌر على مثِلِه‬ ‫ن القرآ َ‬ ‫ن قال‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ن الماِم أحمد بن حنبل رحمه ال تعالى َأّنُه قال‪َ)) :‬م ْ‬ ‫ن ذلك‪ :‬ما ُنِقَل ع ِ‬ ‫وِم ْ‬
‫ح رحمه ال )‬ ‫شَمَل اْلخَْلق(( ]))الفروع(( لبن مفل ٍ‬ ‫جُز َ‬ ‫سه‪ ،‬واْلَع ْ‬ ‫جٌز بَنْف ِ‬‫ن ال َمَنَع ُقْدَرَتُهْم‪َ :‬كَفَر؛ بل هو ُمْع ِ‬ ‫ولك ّ‬
‫‪.[(6/161‬‬
‫ح رحمه ال‪:‬‬ ‫ن ُمْفِل ٍ‬ ‫قال اب ُ‬
‫ضِه‪،‬‬ ‫ب تناُق ِ‬ ‫طَل ُ‬
‫ص منه ]يعني احتقره أو عابه[‪ ،‬أو َ‬ ‫غْم ٌ‬ ‫ن‪ ،‬أو َ‬ ‫ن للقرآ ِ‬ ‫جَد منه امتها ٌ‬ ‫ن َمن ُو ِ‬ ‫ن عقيل بأ ّ‬ ‫))وجزم اب ُ‬
‫ط لحُْرَمِتِه‪ :‬كّل ذلك دليٌل على كفِرِه‪ ،‬فُيْقَتُل بعد‬ ‫ق‪ ،‬أو مقدوٌر على مثِله‪ ،‬أو إسقا ٌ‬ ‫خَتَل ٌ‬‫ف أو ُم ْ‬ ‫أو دعوى أنه مختل ٌ‬
‫التوبِة((]المصدر السابق[‪.‬‬
‫وقال القاضي عياض رحمه ال‪:‬‬
‫عَم َأّنه ليس‬ ‫غّيَر شيًئا منه‪ ,‬أو َزاَد فيه؛ كِفْعِل الباطنّية والسماعيلّية‪ ,‬أو َز َ‬ ‫ن‪ ،‬أو حرًفا منه‪ ،‬أو َ‬ ‫))َمن أنكَر القرآ َ‬
‫ي‪ِ :‬إّنه ل‬ ‫صْيَمِر ّ‬
‫ي وَمْعَمٍر ال ّ‬ ‫طّ‬‫جَزٌة؛ كقوِل هشـاٍم اْلُفو ِ‬ ‫جٌة ول ُمْع ِ‬ ‫حّ‬‫ي صلى ال عليه وسلم أو ليس فيه ُ‬ ‫جٍة للنب ّ‬ ‫حّ‬ ‫بُ‬
‫حاَلَة في ُكفِرهما بذلك القول‪,‬‬ ‫حكٍم؛ ول َم َ‬ ‫ب ول ُ‬ ‫ب ول عقا ٍ‬ ‫يدّل على ال ول حجَة فيه لرسولِه ول يدل على صوا ٍ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم حجٌة له‪ ,‬أو في خل ِ‬
‫ق‬ ‫ن في سائِر معجزات النب ّ‬ ‫ن يكو َ‬ ‫وكذلك ُنَكّفُرُهَما ِبِإْنَكاِرِهَما َأ ْ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬ ‫ع والنقَل المتواتَر عن النب ّ‬ ‫السماوات والرض دليٌل على ال؛ لمخالفِتهم الجما َ‬
‫ح القرآن به((]))الشفا(( للقاضي عياض )‪.[(2/250‬‬ ‫باحتجاجِه بهذا كّله‪ ،‬وتصري ِ‬
‫وقال القاضي عياض رحمه ال‪:‬‬
‫حْرًفا منه‪ ،‬أو آيًة‪ ,‬أو‬ ‫حَدُه‪ ,‬أو َ‬ ‫جَ‬‫سّبُهما‪ ,‬أو َ‬ ‫ف‪ ,‬أو بشيٍء منه‪ ,‬أو َ‬ ‫ن‪ ,‬أو المصح ِ‬ ‫ف بالقرآ ِ‬ ‫ن َمن استخ ّ‬ ‫عَلْم َأ ّ‬‫»وا ْ‬
‫ت ما نفاُه أو َنَفى ما َأْثَبَتُه‪,‬‬ ‫خَبٍر‪ ,‬أو َأْثَب َ‬ ‫حْكٍم أو َ‬ ‫ن ُ‬ ‫ح به فيِه؛ ِم ْ‬ ‫صّر َ‬ ‫ب بشيٍء مما ُ‬ ‫ب به‪ ,‬أو بشيٍء منه‪ ,‬أو َكّذ َ‬ ‫َكّذ َ‬
‫ع‪.‬‬‫ك في شيٍء ِمن ذلك‪ :‬فهو كافٌر عند أهل العلم بإجما ٍ‬ ‫شّ‬ ‫عْلٍم منه بذلك‪ ,‬أو َ‬ ‫على ِ‬
‫قال ال تعالى‪):‬وإنه لكتاب عزيز ل يأتيه الباطل ما بين يديه ول ِمن خلفه تنزيل من حكيم حميد( ]فصلت‪-41:‬‬
‫‪.(([42‬‬
‫قال القاضي عياض رحمه ال‪:‬‬
‫ن المتلّو في جميِع أقطاِر الرض‪ ،‬والمكتوب في المصحف بأيدي المسلمين‪،‬‬ ‫ن القرآ َ‬ ‫جَمَع المسلمون َأ ّ‬ ‫))وقد َأ ْ‬
‫حُيُه‬
‫ن َأّوِل )الحمد ل رب العالمين( إلى آخر )قل أعوذ برب الناس( أنه كلُم ال‪ ،‬وَو ْ‬ ‫ن ِم ْ‬‫جَمَعُه الّدّفَتا ِ‬ ‫مما َ‬
‫صًدا لذلك‪ ،‬أو‬ ‫ص منه حرًفا قا ِ‬ ‫ن َنَق َ‬ ‫ن َم ْ‬‫ق‪ ،‬وَأ ّ‬ ‫ن جميَع ما فيه ح ّ‬ ‫اْلُمَنّزُل على نبيه محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وَأ ّ‬
‫جِمَع على‬ ‫خَر مكاَنُه‪ ،‬أو زاَد فيه حرًفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الجماع عليه‪ ،‬وُأ ْ‬ ‫فآَ‬ ‫َبّدَلُه بحر ٍ‬
‫ن‪ ،‬عاِمًدا لكّل هذا َأّنه كافٌر‪.‬‬ ‫َأّنُه ليس ِمن القرآ ِ‬
‫ي‪:‬‬‫ن ُقِتَل؛ َأ ْ‬ ‫ف القرآ َ‬ ‫ن خاَل َ‬ ‫ن‪ ،‬وَم ْ‬ ‫ف القرآ َ‬ ‫خاَل َ‬‫ب عائشَة رضي ال عنها بالِفْرَيِة؛ لّنه َ‬ ‫س ّ‬‫ن َ‬ ‫ك َقْتَل َم ْ‬‫ى مال ٌ‬ ‫ولهذا َرَأ َ‬
‫ب بما فيِه‪.‬‬ ‫َلّنُه َكّذ َ‬
‫ن ال تعالى لم ُيَكّلم موسى تكليًما ُيْقَتُل‪.‬‬ ‫ن قال‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ن القاسم‪َ :‬م ْ‬ ‫وقال اب ُ‬
‫ن مهدي‪.‬‬ ‫حَمن ب ُ‬ ‫وقاله عبُد الّر ْ‬
‫ب‪ ،‬وكذلك كّل‬ ‫ن يتو َ‬ ‫عُنُقُه؛ إّل َأ ْ‬ ‫ب ُ‬ ‫ضَر ُ‬‫ب ال ‪ُ :-‬ي ْ‬ ‫ن كتا ِ‬ ‫سَتا ِم ْ‬‫ن َلْي َ‬‫ن ‪ -‬فيمن قال‪ :‬اْلُمَعّوَذَتا ِ‬ ‫حُنو ٍ‬ ‫سْ‬‫وقال محمد بن ُ‬
‫ف منه‪.‬‬ ‫ب بحر ٍ‬ ‫ن َكّذ َ‬ ‫َم ْ‬
‫خْذ‬‫ن ال لم َيّت ِ‬ ‫شِهَد آخر عليه َأّنُه قال‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ن ال لم ُيّكلم موسى تكليًما و َ‬ ‫ن قال‪ِ :‬إ ّ‬ ‫شِهَد شاِهٌد على َم ْ‬ ‫ن َ‬ ‫قال‪ :‬وكذلك ِإ ْ‬
‫ب النبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬ ‫ل؛ لنهما ]يعني‪ :‬الشاهدين[ اجتمعا على َأّنُه َكّذ َ‬ ‫إبراهيَم خلي ً‬
‫ف ِمن التنزيِل‪ُ :‬كفٌر‪.‬‬ ‫حَد لحر ٍ‬ ‫جْ‬ ‫ن اْل َ‬ ‫ن َأ ّ‬
‫حُل التوحيد متفقو َ‬ ‫وقال أبو عثمان الحداد‪ :‬جميع من ينت ِ‬
‫ت‪ ،‬ويقوُل‪َ :‬أّما َأنا فَأْقَرُأ كذا‪ ،‬فَبَلَغ ذلك إبراهيَم‪،‬‬ ‫س كما َقَرْأ َ‬ ‫وكان أبو العالية إذا َقَرَأ عندُه رجٌل لم يقل له‪َ :‬لْي َ‬
‫ف منه فقد َكَفَر به كّله‪.‬‬ ‫ن َكَفَر بحر ٍ‬ ‫سِمَع َأّنُه َم ْ‬‫فقال‪ُ :‬أَراُه َ‬
‫ن فقد َكَفَر به كّله ]َأْوَرَدُه البيهقي في ))السنن الكبرى(( )‬ ‫ن َكَفَر بآيٍة ِمن القرآ ِ‬ ‫وقال عبد ال بن مسعود‪َ :‬م ْ‬
‫‪.[(10/43‬‬
‫ب به‪ :‬فقد َكَفَر به‪ ،‬وَمن َكَفَر به‪ :‬فقد‬ ‫ن َكّذ َ‬ ‫ب به كّله‪ ،‬وَم ْ‬ ‫ن فقد َكّذ َ‬ ‫ض القرآ ِ‬ ‫ب ببع ِ‬ ‫ن َكّذ َ‬
‫ن الَفَرج‪َ :‬م ْ‬ ‫صَبُغ ب ُ‬‫وقال َأ ْ‬
‫َكَفَر بال‪.‬‬
‫ك شاهٌد‬ ‫شِهَد عليه بذل َ‬ ‫ن ال التوراَة‪ ،‬ف َ‬ ‫ف له بالتوراِة‪ ،‬فقال الخُر‪َ :‬لَع َ‬ ‫صَم يهودًيا فحل َ‬ ‫خا َ‬ ‫ن َ‬ ‫عّم ْ‬
‫ي َ‬ ‫سِئَل الَقاِبس ّ‬ ‫وقد ُ‬
‫ت توراَة اليهوِد‪ ،‬فقال أبو الحسن ]وهو القاِبسي[‪ :‬الشاهُد‬ ‫شِهَد آخُر َأّنه سَأَلُه عن القضيِة؛ فقال‪ِ :‬إّنما َلَعْن ُ‬ ‫ثم َ‬
‫ن بشيٍء ِم ْ‬
‫ن‬ ‫سِكي َ‬
‫ق المَر بصفٍة تحتمُل التأويَل؛ ِإْذ لعّلُه ل َيَرى اليهوَد ُمَتَم ّ‬ ‫عّل َ‬‫ب القتُل‪ ،‬والثاني َ‬ ‫ج ُ‬ ‫الواحد ل ُيو ِ‬
‫ق التأويُل‪.‬‬ ‫جَرّدا لضا َ‬ ‫ن على لعن التوراِة ُم َ‬ ‫ق الشاهدا ِ‬ ‫عند ال؛ لتبِديِلِهْم وتحِرْيِفِهْم‪ ،‬ولو اّتَف َ‬
‫ن مجاهٍد؛‬ ‫ن بها مَع اب ِ‬ ‫صّدري َ‬‫ن اْلُمَت َ‬ ‫شْنُبوَذ اْلُمْقِريِء أحِد أئمِة اْلُمْقِرئي َ‬ ‫ق فقهاُء بغداَد على استتابِة ابن َ‬ ‫وقد اّتَف َ‬
‫جّ‬
‫ل‬ ‫سِ‬ ‫ع عنه‪ ،‬والتوبِة منه ِ‬ ‫عَقدوا عليه بالرجو ِ‬ ‫ف‪ ،‬و َ‬ ‫س في المصح ِ‬ ‫ف‪ ،‬مما لي َ‬ ‫شَواّذ ِمن الحرو ِ‬ ‫ِلِقَراءتِه وِإْقَراِئِه ِب َ‬
‫ن َأْفَتى‬ ‫ث وعشرين وثلثمائٍة وكان فيَم ْ‬ ‫ن ُمْقَلَة سنَة ثل ٍ‬ ‫يبِ‬ ‫س الوزيِر أبى عل ّ‬ ‫سه في مجل ِ‬ ‫شَهَد فيه بذلك على نف ِ‬ ‫َأ ْ‬
‫ي وغيره‪.‬‬ ‫عليِه بذلك أبو بكٍر اَلْبَهِر ّ‬
‫ن الصبي[‪:‬‬ ‫ن َلَع َ‬‫ك‪ ،‬وقال ]يعني َم ْ‬ ‫عّلَم َ‬
‫ك وما َ‬ ‫ل ُمَعّلَم َ‬ ‫نا َ‬ ‫ي‪َ :‬لَع َ‬
‫ن قال لصب ّ‬ ‫ب فيَم ْ‬ ‫ن أبى َزْيٍد بالد ِ‬ ‫وَأْفَتي أبو محمٍد ب ُ‬
‫ف فِإّنُه ُيْقَتُل((]السابق )‪-2/263‬‬ ‫ن المصح َ‬ ‫ن َلَع َ‬ ‫ن‪ ،‬قال أبو محمٍد‪ :‬وأّما َم ْ‬ ‫ب ولم ُأِرِد القرآ َ‬ ‫ت سوَء الد ِ‬ ‫أرد ُ‬
‫‪[(265‬ـ‬
‫وقال المام القرطبي رحمه ال تعالى‪:‬‬
‫ف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان‪ :‬ل‬ ‫ن وخاَل َ‬ ‫ن في القرآ ِ‬ ‫ن طع َ‬ ‫))باب ما جاء ِمن الحجِة في الّرّد على َم ْ‬
‫خلف بين المة‪ ،‬ول بين الئمة أهل السنة؛ أن القرآن اسٌم لكلم ال تعالى الذي جاء به محمد صلى ال عليه‬
‫ب في المصاحف‪،‬‬ ‫ظ في الصدور‪ ،‬مقروٌء باللسنة‪ ،‬مكتو ٌ‬ ‫وسلم معجزًة له على نحو ما تقدم‪ ،‬وأنه محفو ٌ‬
‫ن حروُفه وكلماُته‪ ،‬فل يحتاج في تعريفه‬ ‫معلومٌة على الضطراِر سوُره وآياُته‪ ،‬مبرأٌة ِمن الزيادِة والنقصا ِ‬
‫س‪ ،‬وَرّد ما جاء‬ ‫ت النا َ‬ ‫عى زيادًة عليه أو نقصاًنا منه فقد أبطَل الجماع‪ ،‬وَبَه َ‬ ‫ن اّد َ‬‫صِرِه ِبَعّد‪ ،‬فَم ِ‬ ‫ح ْ‬ ‫حّد‪ ،‬ول في َ‬ ‫بَ‬
‫ن القرآن المنزل عليه‪ ،‬وَرّد قوله تعالى‪} :‬قل لئن اجتمعت النس والجن‬ ‫به الرسول صلى ال عليه وسلم ِم َ‬
‫على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا{ ]السراء‪ ،[88:‬وأبطل آيَة‬
‫ب بالباطل‪ ،‬ولما ُقِدَر عليه لم‬ ‫شي َ‬ ‫ك يصير القرآن مقدوًرا عليه حين ِ‬ ‫رسولِه صلى ال عليه وسلم؛ لّنه ِإْذ ذا َ‬
‫ب ال‪ ،‬ولما‬ ‫ن َراّد لكتا ِ‬ ‫ن فيه زيادٌة ونقصا ٌ‬ ‫ن القرآ َ‬ ‫جًزا‪ ،‬فالقائل‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ن يكون ُمْع ِ‬ ‫يكن حجة ول آية‪ ،‬وخرج عن َأ ْ‬
‫جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان كمن قال‪ :‬الصلوات المفروضات خمسون صلة‪ ،‬وَتَزّوج تسع ِمن‬
‫النساء حلٌل‪ ،‬وفرض ال أياًما مع شهر رمضان‪ ،‬إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين‪ ،‬فإذا رّد هذا الجماع؛‬
‫جب((‪.‬‬ ‫كان الجماع على القرآن أثبت وآَكد وَأْلَزم وَأْو َ‬
‫ونقل القرطبي كلًما مطوًل عن ابن النباري رحمه ال‪ ،‬ومنه ذلك قول أبي بكٍر ابن النباري رحمه ال تعالى‪:‬‬
‫ئ‪) :‬تبت يدا أبي لهبٍ‬ ‫ظ القرآن ِمن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان‪ ،‬فإذا َقَرَأ قار ٌ‬ ‫حِف َ‬
‫ن ال عز وجل قد َ‬ ‫))ِإ ّ‬
‫ب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف(؛‬ ‫ب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناًرا ذات له ٍ‬ ‫وقد ت ّ‬
‫ظُه منه ومنع ِمن اختلطه‬ ‫حِف َ‬
‫حّرَفُه‪ ،‬وحاول ما قد َ‬ ‫ب على ال جل وعل‪َ ،‬وَقّوَلُه ما لم يقل‪ ،‬وَبّدَل كتاَبُه و َ‬ ‫فقد كذ َ‬
‫عَرى السلم‪ ،‬وينسبونه‬ ‫حّلون به ُ‬ ‫خُلوا في القرآن ما ُي ِ‬ ‫طَئُة الطريق لهل اللحاد لُيْد ِ‬ ‫به‪ ،‬وفي هذا الذي َأَتاُه تو ِ‬
‫س السلم‪ ،‬وبثباته‬ ‫حَر ُ‬ ‫إلى قوٍم كهؤلء القوم الذين أحالوا هذا بالباطيل عليهم‪ ،‬وفيه إبطال الجماع الذي به ُي ْ‬
‫حّرى المتعّبدات‪ ،‬وفي قول ال تعالى‪} :‬الر كتاب أحكمت آياته{ ]هود‪:[1:‬‬ ‫ُتَقاُم الصلوات‪ ،‬وُتَؤّدى الزكوات‪ ،‬وُتَت َ‬
‫حِكَم ْ‬
‫ت‬ ‫ن معنى (ُأ ْ‬‫سَبق إليه[ هذا النسان وخروجه إلى الكفر؛ ل ّ‬ ‫ث لم ُي ْ‬‫حَد ٍ‬ ‫دللة على بدعِة]يعني‪ :‬إتيانه بقوٍل ُم ْ‬
‫ن يزيدوا فيها‪ ،‬أو ينقصوا منها‪ ،‬أو يعارضوها بمثِلها‪ ،‬وقد‬ ‫آياُته) ]هود‪ :[1:‬منع الخلق ِمن القدرِة على َأ ْ‬
‫جًرا‬
‫ي وكان ال قوّيا عزيًزا( فقال في القرآن ُه ْ‬ ‫وجدنا هذا النسان زاد فيها‪) :‬وكفى ال المؤمنين القتال بعل ّ‬
‫ن كلِم ال‪} :‬قل هو{‬ ‫ط ِم ْ‬‫سَق َ‬
‫حَكَم عليه بالقتِل‪ ،‬وَأ ْ‬‫حّد و َ‬ ‫ضى عليه اْل َ‬ ‫سِمَعُه يذكرُه فيه َلْم َ‬ ‫ن لو َ‬ ‫وَذَكَر علّيا في مكا ٍ‬
‫ن القرآن فقَد كفر‬ ‫ف ِم َ‬‫ي له وكفٌر‪ ،‬وَمن كفر بحر ٍ‬ ‫ط نف ٌ‬ ‫ط ما أسق َ‬ ‫سَقا ُ‬
‫غّيَر }أحد{ فقرَأ‪) :‬ال الواحد الصمد(‪ ،‬وِإ ْ‬ ‫وَ‬
‫ن أهل التفسير قالوا‪ :‬نزلت الية جواًبا لهل الشرك لما قالوا لرسول ال صلى‬ ‫طَل معنى الية؛ ل ّ‬ ‫به كّله‪ ،‬وَأْب َ‬
‫س أم ِمن صفر؟ فقال ال جل وعّز رّدا عليهم‪} :‬قل هو ال‬ ‫ب أم ِمن نحا ٍ‬ ‫ن ذه ٍ‬ ‫ف لنا ربك أِم ْ‬ ‫ص ْ‬ ‫ال عليه وسلم‪ِ :‬‬
‫أحد{ ]الخلص‪ [1:‬ففي }هو{ دللة على موضِع الّرّد ومكان الجواب‪ ،‬فإذا سقط بطل معنى الية‪ ،‬ووضح‬
‫الفتراء على ال عز وجل والتكذيب لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫خِبرونا عن القرآن الذي نقرؤه ول نعرف نحن ول َمن كان قبلنا ِمن‬ ‫صَرَته‪َ :‬أ ْ‬ ‫ن ينتحل ُن ْ‬ ‫وُيَقاُل لهذا النسان وَم ْ‬
‫أسلفنا سواه‪ :‬هل هو مشتمٌل على جميع القرآن ِمن أوله إلى آخره؟ صحيح اللفاظ والمعاني؟ عاٍر عن الفساد‬
‫والخلل؟ أم هو واقع على بعض القرآن والبعض الخر غائب عنا كما غاب عن أسلفنا والمتقدمين ِمن أهل‬
‫ن القرآن الذي معنا مشتمٌل على جميع القرآن ل يسقط منه شيء صحيح اللفظ والمعاني‬ ‫ن أجابوا بَأ ّ‬ ‫ملتنا؟ فِإ ْ‬
‫سهم بالكفر حين زادوا فيه‪) :‬فليس له اليوم هاهنا حميم وليس‬ ‫ن كل زلٍل وخلٍل؛ فقد قضوا على أنف ِ‬ ‫سليمها ِم ْ‬
‫خَل ُ‬
‫ط‬ ‫له شراب إل ِمن غسلين ِمن عين تجري ِمن تحت الجحيم(‪ ،‬فأي زيادٍة في القرآن أوضح ِمن هذه؟ وكيف ُت ْ‬
‫حق به مثلها؟«]))تفسير القرطبي(( )‪-1/80‬‬ ‫ن ُيْل ِ‬
‫ن َأ ْ‬
‫طٍل ِم ْ‬ ‫سُه ال منها؟ ومنَع كّل مفتٍر وُمْب ِ‬ ‫بالقرآن وقد حر َ‬
‫‪.[(85‬‬
‫ثم استطرَد ابن النباري رحمه ال في بيان فساد الزيادة المذكورة‪ ،‬وبيان معنى الية ))فيما َأْنَزَل ال تبارك‬
‫حّد تعبيره‪.‬‬ ‫ف حرًفا منه َكَفَر(( على َ‬ ‫ن الذي َمن خال َ‬ ‫حِة في القرآ ِ‬ ‫وتعالى على الص ّ‬
‫ن هذا كله‪:‬‬ ‫فظهر ِم ْ‬
‫ن ِبِمْثِله‪ ،‬بوجٍه من الوجوه‪.‬‬ ‫ن كل جهاته‪ ،‬غيُر َمْقدوٍر على اِلْتيا ِ‬ ‫جٌز ِم ْ‬ ‫ن ُمْع ِ‬‫ن القرآ َ‬ ‫‪َ -‬أ ّ‬
‫ن في حروفه ونظمه ومعانيه‪ ،‬وكافة وجوهه‪.‬‬ ‫طْع ِ‬
‫‪ -‬وَأّنُه ُمَنّزُه عن الّنْقِد وال ّ‬
‫ض له جميًعا‪.‬‬ ‫ن التعّرضَ لبعضِه بنقٍد يعني التعّر َ‬ ‫‪ -‬وَأ ّ‬
‫ف‪.‬‬
‫جٍز‪ :‬فقد كفَر بل خل ٍ‬ ‫ن اعتقَد القدرة على مثله وأّنُه غير ُمْع ِ‬ ‫ن َم ِ‬ ‫‪ -‬وَأ ّ‬
‫ول يزال الناس في انبهاٍر دائٍم بالقرآن المقّدس منذ نزوله وإلى أن يشاء ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وانظر إلى قول الديب الريب الستاذ سيد قطب رحمه ال‪ ،‬حين يقول في مقدمة تفسيره لسورة ))الرعد((‪:‬‬
‫))كثيًرا ما أقف أمام النصوص القرآنية وقفة المتهيب أن أمسها بأسلوبي البشري القاصر المتحّرج أن أشوبها‬
‫بأسلوبي البشري الفاني ‪ ،‬ولكن ماذا أصنع ونحن في جيل ل بد أن يقدم له القرآن مع الكثير من اليضاح‪،‬‬
‫ت للترجمة عن هذا القرآن((]))في ظلل القرآن(( )‬ ‫ومع هذا كله يصيبني رهبة ورعشة كلما تصّدْي ُ‬
‫‪.[(4/2038‬‬
‫وقد أشار ال عز وجل في مواضع من كتابه العزيز إلى كثيٍر من صفات القرآن الصيلة‪ ،‬ودلئل إعجازه‪،‬‬
‫وبراهين عظمته‪ ،‬فوصَفه سبحانه وتعالى بالمبين والحكيم والمنير والنور والمبارك‪ ،‬وغيرها من الصفا ِ‬
‫ت‬
‫ل عز وجل وبّرَأُه من‬ ‫ك والختلف‪ ،‬وغيرها من الصفات المشينة‪ ،‬كما َنّزَهُه ا ُ‬ ‫اْلَعِلّيِة‪ ،‬ونفى عنه الريب والش ّ‬
‫مشابهة أقوال الشعراء والُكّهان‪.‬‬
‫ت كتابه‪.،‬‬ ‫س بالّتدّبر في آيا ِ‬ ‫ل سبحانه وتعالى النا َ‬ ‫با ُ‬ ‫طاَل َ‬
‫وَ‬
‫وتحّدى به سبحانه وتعالى الناس كلهم‪ ،‬ونفى ُقْدَرتهم على المجيء بمثله‪ ،‬أو بعضه‪ ،‬ولو اجتهدوا في ذلك‪،‬‬
‫وجمعوا أنصارهم وشهداءهم‪ ،‬وطاَلَبُهُم ال سبحانه وتعالى بالّتدّبِر فيه‪ ،‬والنظر في آياته‪ ،‬متحّدًيا لهم أن‬
‫ب‪ ،‬ويلفت النظار إلى متانته‬ ‫يجدوا فيه اختلًفا‪ ،‬أو شيًئا يشينه‪ ،‬وهذا مما ُيظهر محاسنه‪ ،‬وينفي عنه كل عي ٍ‬
‫جّلي صفاته أمام العين فتبصرها بل عناء‪ ،‬صافيًة بل َكَدٍر‪.‬‬ ‫وإعجازه لفًتا‪ ،‬وُي َ‬
‫ى وبشرى للمؤمنين‪ ،‬وحسرًة على الكافرين‪ ،‬يهدي به ال أهل الطاعة‬ ‫ب تذكرة وهد ً‬ ‫كما َذَكَر عز وجل َأّنُه كتا ُ‬
‫ت به قلوبهم‪.‬‬ ‫ط مستقيٍم‪ ،‬وُيثّب َ‬ ‫والستجابة إلى صرا ٍ‬

‫عــ ّ‬
‫ي‬ ‫سـَمــا ِ‬
‫َ‬
‫ِمن البدايِة إلى النهايِة‬
‫ي َقاَل‪:‬‬ ‫ن الّزْهِر ّ‬ ‫عْ‬ ‫ب َ‬ ‫شَعْي ٌ‬ ‫خَبَرَنا ُ‬ ‫ن َأ ْ‬
‫حّدَثَنا َأُبو اْليََما ِ‬ ‫روى المام البخاري رحمه في ))صحيحه(( )‪َ (4679‬‬
‫سَل ِإَليّ َأُبو َبْكٍر‬ ‫ي َقاَل‪َ :‬أْر َ‬ ‫حَ‬ ‫ب اْلَو ْ‬ ‫ن َيْكُت ُ‬ ‫ن ِمّم ْ‬ ‫عْنُه َوَكا َ‬‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬‫ي َر ِ‬ ‫صاِر ّ‬ ‫ت اَْلْن َ‬‫ن َثاِب ٍ‬‫ن َزْيَد ْب َ‬‫ق َأ ّ‬ ‫سّبا ِ‬
‫ن ال ّ‬ ‫خَبَرِني اْب ُ‬ ‫َأ ْ‬
‫س َوِإّني‬ ‫حّر َيْوَم اْلَيَماَمِة ِبالّنا ِ‬ ‫سَت َ‬
‫ن اْلَقْتَل َقْد ا ْ‬ ‫عَمَر َأَتاِني َفَقاَل‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ن ُ‬ ‫عَمُر َفَقاَل َأُبو َبْكٍر‪ِ :‬إ ّ‬ ‫عْنَدُه ُ‬ ‫َمْقَتَل َأْهِل اْلَيَماَمِة َو ِ‬
‫جَمَع‬‫ن َت ْ‬‫جَمُعوُه؛ َوِإّني َلَرى َأ ْ‬ ‫ن َت ْ‬‫ن؛ ِإّل َأ ْ‬ ‫ن اْلُقْرآ ِ‬
‫ب َكِثيٌر ِم ْ‬ ‫ن َفَيْذَه َ‬ ‫طِ‬ ‫حّر اْلَقْتُل ِباْلُقّراِء ِفي اْلَمَوا ِ‬ ‫سَت ِ‬‫ن َي ْ‬‫شى َأ ْ‬ ‫خ َ‬‫َأ ْ‬
‫عَمُر‪ُ :‬هَو‬ ‫سّلَم؟ َفَقاَل ُ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫سوُل الِّ َ‬ ‫شْيًئا َلْم َيْفَعْلُه َر ُ‬ ‫ف َأْفَعُل َ‬ ‫ت ِلُعَمَر‪َ :‬كْي َ‬ ‫ن؛ َقاَل َأُبو َبْكٍر‪ُ :‬قْل ُ‬ ‫اْلُقْرآ َ‬
‫تـ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬ ‫عَمُر‪َ ،‬قاَل َزْيُد ْب ُ‬ ‫ت اّلِذي َرَأى ُ‬ ‫صْدِري وََرَأْي ُ‬ ‫ك َ‬ ‫ل ِلَذِل َ‬‫ح ا ُّ‬ ‫شَر َ‬ ‫حّتى َ‬ ‫جُعِني ِفيِه َ‬ ‫عَمُر ُيَرا ِ‬ ‫خْيٌر‪َ ،‬فَلْم َيَزْل ُ‬ ‫ل َ‬ ‫َوا ِّ‬
‫سوِل ا ِّ‬
‫ل‬ ‫ي ِلَر ُ‬‫حَ‬ ‫ب اْلَو ْ‬ ‫ت َتْكُت ُ‬‫ك ُكْن َ‬ ‫عاِقٌل وََل َنّتِهُم َ‬ ‫ب َ‬ ‫شا ّ‬ ‫جٌل َ‬ ‫ك َر ُ‬ ‫س َل َيَتَكّلُم ـ ‪َ :‬فَقاَل َأُبو َبْكٍر‪ِ :‬إّن َ‬ ‫جاِل ٌ‬ ‫عْنَدُه َ‬ ‫عَمُر ِ‬ ‫َو ُ‬
‫ي ِمّما َأَمَرِني‬ ‫عَل ّ‬‫ن َأْثَقَل َ‬ ‫جَباِل َما َكا َ‬ ‫ن اْل ِ‬‫جَبٍل ِم ْ‬‫ل َلْو َكّلَفِني َنْقَل َ‬ ‫جَمْعُه‪َ ،‬فَوا ِّ‬ ‫ن َفا ْ‬
‫سّلَم َفَتَتّبْع اْلُقْرآ َ‬‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫َ‬
‫خْيٌر‪،‬‬ ‫سّلَم؟ َفَقاَل َأُبو َبْكٍر‪ُ :‬هَو َوالِّ َ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫صّلى الُّ َ‬ ‫ي َ‬ ‫شْيًئا َلْم َيْفَعْلُه الّنِب ّ‬‫ن َ‬ ‫لِ‬ ‫ف َتْفَع َ‬
‫ت‪َ :‬كْي َ‬ ‫ن‪ُ ،‬قْل ُ‬ ‫جْمِع اْلُقْرآ ِ‬ ‫ن َ‬‫ِبِه ِم ْ‬
‫جَمُعُه‬ ‫ن َأ ْ‬‫ت اْلُقْرآ َ‬‫ت َفَتَتّبْع ُ‬‫عَمَر‪َ ،‬فُقْم ُ‬ ‫صْدَر َأِبي َبْكٍر َو ُ‬ ‫ل َلُه َ‬ ‫ح ا ُّ‬‫شَر َ‬ ‫صْدِري ِلّلِذي َ‬ ‫ل َ‬ ‫ح ا ُّ‬ ‫شَر َ‬‫حّتى َ‬ ‫جُعُه َ‬ ‫َفَلْم َأَزْل ُأَرا ِ‬
‫ي َلْم‬‫صاِر ّ‬ ‫خَزْيَمَة اَْلْن َ‬ ‫ن َمَع ُ‬ ‫سوَرِة الّتْوَبِة آَيَتْي ِ‬ ‫ن ُ‬ ‫ت ِم ْ‬ ‫جْد ُ‬ ‫حّتى َو َ‬ ‫جاِل‪َ ،‬‬ ‫صُدوِر الّر َ‬ ‫ب َو ُ‬ ‫س ِ‬‫ف َواْلُع ُ‬ ‫ع َواَْلْكَتا ِ‬ ‫ن الّرَقا ِ‬ ‫ِم ْ‬
‫خِرِهَما‪َ ،‬وَكاَن ْ‬
‫ت‬ ‫عَلْيُكْم{ ِإَلى آ ِ‬ ‫ص َ‬ ‫حِري ٌ‬ ‫عِنّتْم َ‬‫عَلْيِه َما َ‬ ‫عِزيٌز َ‬ ‫سُكْم َ‬ ‫ن َأْنُف ِ‬‫سوٌل ِم ْ‬ ‫جاَءُكْم َر ُ‬ ‫غْيِرِه‪َ} :‬لَقْد َ‬ ‫حٍد َ‬ ‫جْدُهَما َمَع َأ َ‬ ‫َأ ِ‬
‫صَة ِبْن ِ‬
‫ت‬ ‫حْف َ‬ ‫عْنَد َ‬‫ل‪ُ ،‬ثّم ِ‬ ‫حّتى َتَوّفاُه ا ُّ‬ ‫عَمَر َ‬ ‫عْندَ ُ‬‫ل‪ُ ،‬ثّم ِ‬ ‫حّتى َتَوّفاُه ا ُّ‬ ‫عْنَد َأِبي َبْكٍر َ‬ ‫ن ِ‬‫جِمَع ِفيَها اْلُقْرآ ُ‬ ‫ف اّلِتي ُ‬ ‫ح ُ‬‫صُ‬ ‫ال ّ‬
‫عَمَر‪ .‬انتهى‪.‬‬ ‫ُ‬

‫شى‬
‫خ َ‬
‫س َوِإّني َأ ْ‬
‫حّر َيْوَم اْلَيَماَمِة ِبالّنا ِ‬
‫سَت َ‬
‫ن اْلَقْتَل َقْد ا ْ‬
‫يقول عمر بن الخطاب رضي ال عنه في هذا الحديث‪ِ)) :‬إ ّ‬
‫جَمُعوُه((‪.‬‬ ‫ن َت ْ‬
‫ن؛ ِإّل َأ ْ‬‫ن اْلُقْرآ ِ‬
‫ب َكِثيٌر ِم ْ‬
‫ن َفَيْذَه َ‬
‫طِ‬‫حّر اْلَقْتُل ِباْلُقّراِء ِفي اْلَمَوا ِ‬
‫سَت ِ‬
‫ن َي ْ‬
‫َأ ْ‬
‫وفي هذا فوائد ثلثة‪:‬‬
‫ع من إجماعات الشيخين أبي بكٍر‬ ‫الولى‪ :‬إقرار أبي بكٍر وزيد رضي ال عنهما لقول عمر المذكور‪ ،‬فهذا إجما ٌ‬
‫وعمر‪ ،‬ثم موافقة باقي الصحابة لهما على فعلهما‪ ،‬وعدم إنكاره؛ تدل على إجماع الصحابة الكرام رضي ال‬
‫عنهم على هذا المر‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬خشية عمر رضي ال عنه من كثرة قتل الُقّراء والتي سينتج عنه لو حصل‪) :‬أن يذهب كثيٌر من‬
‫ف من القرآن حتى هذه اللحظة التي كان الثلثة )أبو بكر‪ ،‬وعمر‪،‬‬ ‫القرآن(؛ تعني بكل إيجاز أن لم يذهب حر ٌ‬
‫وزيد رضي ال عنهم يتباحثون في جمع القرآن(‪ ،‬فحتى هذه اللحظة لم يذهب حرف من القرآن‪ ،‬لكن عمر‬
‫رضي ال عنه يخشى أن يضيع كثيٌر من القرآن إذا استحّر القتل‪ ،‬أو َكُثر القتل في صفوف الُقّراء في كل‬
‫معركة من معارك المسلمين‪ ،‬فيرى عمر رضي ال عنه ضرورة جمع القرآن الن والقرآء متوافرون‬
‫متواجدون قبلهم أن ُيْقتلوا في معارك المسلمين‪ ،‬وبهذا يضيع كثيٌر من القرآن بمقتل من يحفظه‪ ،‬فلبد ِإذن من‬
‫البدء على الفور في جمع القرآن‪..‬‬
‫ف من القرآن حتى اللحظة المذكورة بإجماعهم؛ ثم َبَدَء الجمُع مباشرة ول الحمد‪،‬‬ ‫وإذا لم يكن قد ذهب حر ٌ‬
‫ف واحٌد من القرآن الكريم أبًدا ول الحمد‪..‬‬ ‫فهذا بإيجاز يعني َأّنه لم يذهب حر ٌ‬

‫الثالثة‪ :‬لكن رويًدا يا أمير المؤمنين أبا حفصٍ العظيم رضي ال عنك وعن أولدك وذريتك وأحبابك‪ ،‬وحشرنا‬
‫ال معك في جنات النعيم في صحبة نبينا صلى ال عليه وسلم‪..‬‬
‫ك‪ :‬لماذا تخشى ضياع القرآن بموت‬ ‫ي بحبّ َ‬
‫ن أنعم ال عل ّ‬‫ص‪ ،‬ودعني أسألك لتعّلَم منك يا َم ْ‬ ‫رويًدا أبا حف ٍ‬
‫القراء؟‬
‫سن القراءة إل هؤلء القراء؟ فتخشى إن ُقِتلوا أن ل تجد‬‫ح ِ‬
‫ت ممن ُي ْ‬ ‫هل لن الجزيرة العربية أو المدينة قد خل ْ‬
‫قارًئا أو كاتًبا يجيد القراءة والكتابة؟‬
‫ص سامحني على غبائي في سؤالي‪..‬‬ ‫أرجوك أبا حف ٍ‬
‫حّبي للنبي صلى ال عليه وسلم وأبي بكر وعمر وسائر‬ ‫ص أن تسامحني‪ ،‬وليشفع لي عندك ُ‬ ‫أرجوك أبا حف ٍ‬
‫الصحابة الكرام رضي ال عنهم‪.‬‬
‫ض؛ كل‪..‬‬ ‫ص لعتر َ‬ ‫أنا ما سألُتك أبا حف ٍ‬
‫وما سألُتك أبا حفصٍ لجهلي بالجابة؛ كل‪..‬‬
‫ن السلم؟! وتلميذكم؟‬ ‫وكيف أجهلها وأنا اب ُ‬
‫إنما سألُتكم ليعلم السامع جواب ما أريد‪..‬‬
‫يلزم من ضياع القرآن بمقتل القرآء‪ :‬أن يكون القراء هم المصدر الساسي في نقل القرآن ل غير‪ ،‬وقد وافق‬
‫أبو بكٍر وعمر وجميع الصحابة على هذا الذي قاله أبو حفص عمر رضي ال عنه‪.‬‬
‫حف أو الكتابة‪ :‬لما َهّم ذلك‬ ‫صُ‬‫فالقراء هم مصدر التلّقي الوحيد للقرآن‪ ،‬ل غير‪ ،‬ولو كان مصدر التلّقي هو ال ّ‬
‫عمر‪ ،‬ول غيره من الصحابة‪.‬‬
‫ت أبا حفصٍ رضي ال عنك أنني أفهم قصدك وما ترمي إليه‪..‬‬ ‫أعلم َ‬
‫عَلُم أنك ترسل رسالة لمثلي؛ كأنك تقول فيها‪ :‬المصدر الوحيد في نقل القرآن هو السماع ل‬ ‫ص‪َ :‬أ ْ‬
‫نعم أبا حف ٍ‬
‫ت تخشى من موت الحفظة الذين يحفظونه كما ُأنِْزل‪ ،‬فلبد من جمع القرآن من هؤلء‬ ‫الكتابة‪ ،‬ولذلك فأن َ‬
‫الحفظة بنفس الطريقة التي حفظوه بها عن النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولو كان العتماد في نقل القرآن على الصحف لم يكن ثمة ما يدعو للنزعاج من مقتل القرآء والحفظة‪.‬‬
‫ف خاصٍة به؟!‬ ‫ظا لديهم في صح ٍ‬ ‫ن كان القرآن محفو ً‬
‫وما يضرهم أن ُيقتل القرآء جميًعا ِإ ْ‬
‫حف(‪.‬‬ ‫صُ‬‫فدل هذا على أن نقل القرآن وروايته على القراء )السماع( ل على الكتابة )ال ّ‬

‫سّلَم‬
‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬‫ل َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫ي َأ ّ‬
‫شِع ّ‬
‫جا ِ‬ ‫حَماٍر اْلُم َ‬‫ن ِ‬ ‫ض ْب ِ‬‫عَيا ِ‬ ‫ث ِ‬ ‫ـ وفي ))صحيح مسلم(( )‪ (2865‬من حدي ِ‬
‫ل‪ ،‬وفيه يقول سبحانه لنبّيه صلى ال عليه وسلم‪ِ)) :‬إّنَما َبَعْثُت َ‬
‫ك‬ ‫طَبِتِه‪ ..‬فذكر حديًثا طوي ً‬ ‫خْ‬ ‫ت َيْوٍم ِفي ُ‬ ‫َقاَل َذا َ‬
‫ن((‬ ‫ظا َ‬
‫سُلُه اْلَماُء َتْقَرُؤُه َناِئًما وََيْق َ‬‫ك ِكَتاًبا َل َيْغ ِ‬
‫عَلْي َ‬
‫ت َ‬
‫ك َوَأْنَزْل ُ‬‫ي ِب َ‬‫ك َوَأْبَتِل َ‬
‫َِلْبَتِلَي َ‬
‫سلُه‬‫يقول المام النووي في ))شرح صحيح مسلم((‪َ)) :‬أّما َقْوله َتَعاَلى ]يعني في الحديث القدسي[‪َ) :‬ل َيْغ ِ‬
‫عَلى َمّر اَْلْزَمان‪َ .‬وَأّما َقْوله َتَعاَلى‪:‬‬ ‫طّرق ِإَلْيِه الّذَهاب‪َ ,‬بْل َيْبَقى َ‬ ‫صُدور‪َ ,‬ل َيَت َ‬ ‫حُفوظ ِفي ال ّ‬ ‫اْلَماء( َفَمْعَناُه ‪َ :‬م ْ‬
‫سر‬‫ظة‪َ ,‬وِقيَل ‪َ :‬تْقَرأُه ِفي ُي ْ‬ ‫ي الّنْوم َواْلَيَق َ‬‫حاَلَت ْ‬
‫ظا َلك ِفي َ‬ ‫حُفو ً‬‫ظان( َفَقاَل اْلُعَلَماء‪َ :‬مْعَناُه َيُكون َم ْ‬ ‫)َتْقَرأُه َناِئًما َوَيْق َ‬
‫سُهوَلة((‪.‬‬ ‫َو ُ‬

‫ن مجاهد في ))كتاب السبعة في القراءات(( )‪)) :(88‬ذكر السانيد التي نقلت إلينا القراءة عن‬ ‫يقول أبو بكر ب ُ‬
‫أئمة أهل كل مصر من هذه المصار‬
‫أسانيد قراءة نافع‬
‫فأما قراءة نافع بن أبي نعيم فإني قرأت بها على عبد الرحمن بن عبدوس من أول القرآن إلى خاتمته نحوا‬
‫من عشرين مرة((أهـ‬
‫ثم بدأ في سرد أسانيده إلى أئمة القراءات‪..‬‬
‫فانظر إلى قوله عن قراءة نافع فقط‪)) :‬فأما قراءة نافع بن أبي نعيم فإني قرأت بها على عبد الرحمن بن‬
‫عبدوس من أول القرآن إلى خاتمته نحًوا من عشرين مرة((‪.‬‬
‫خ واحٍد فقط نحًوا من عشرين مرة‪ ،‬فما بالك ببقية‬ ‫فهو قد قرأ قراءة واحدة فقط من قراءات القرآن على شي ٍ‬
‫القراءات وبقية الشيوخ؟!!‬
‫وهذا يؤكد ما نكرره دائًما أن العتماد في نقل القرآن وروايته على السماع ل على الكتابة‪.‬‬

‫وانظر إلى قول أبي بكر بن مجاهد في نفس الكتاب )‪ (48‬أثناء كلمه على روايات القرآن‪)) :‬ومنها ما توهم‬
‫فيه من رواه فضيع روايته ونسى سماعه لطول عهده فإذا عرض على أهله عرفوا توهمه وردوه على من‬
‫حمله‪ ،‬وربما سقطت روايته لذلك بإصراره على لزومه وتركه النصراف عنه ولعل كثيرا ممن ترك حديثه‬
‫واتهم في روايته كانت هذه علته‪.‬‬
‫وإنما ينتقد ذلك أهل العلم بالخبار والحرام والحلل والحكام‬
‫وليس انتقاد ذلك إلى من ل يعرف الحديث ول يبصر الرواية والختلف((‪.‬‬
‫فانظر كيف ُيْتَرك الراوي للقرآن إذا ))نسي سماعه((؟!‬

‫ضا )‪)) :(46‬وقد ينسى الحافظ فيضيع‬ ‫وانظر إلى قول أبي بكر بن مجاهد في ))كتاب السبعة في القراءات(( أي ً‬
‫السماع وتشتبه عليه الحروف فيقرأ بلحن ل يعرفه وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره ويبرىء نفسه‬
‫وعسى أن يكون عند الناس مصدقا فيحمل ذلك عنه وقد نسيه ووهم فيه وجسر على لزومه والصرار عليه‪.‬‬
‫أو يكون قد قرأ على من نسى وضيع العراب ودخلته الشبهة فتوهم فذلك ل يقلد القراءة ول يحتج بنقله‪.‬‬
‫ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعاني ويعرف اللغات ول علم له بالقراءات واختلف الناس والثار فربما‬
‫عا‪.‬‬
‫دعاه بصره بالعراب إلى أن يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين فيكون بذلك مبتد ً‬
‫وقد رويت في كراهة ذلك وحظره أحاديث((‪.‬‬
‫ن مجاهد بإسناده‪:‬‬
‫ثم يروي لنا اب ُ‬
‫ـ عن عبد ال بن مسعود رضي ال تعالى عنه قال‪)) :‬اتبعوا ول تبتدعوا فقد كفيتم((‪.‬‬
‫ـ وعن حذيفة رضي ال تعالى عنه‪)) :‬اتقوا ال يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم فوال لئن‬
‫استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموهم يمينا وشمال لقد ضللتم ضلًل بعيًدا((‪.‬‬
‫عّلمتم((‪.‬‬
‫ـ وعن علي بن أبي طالب رضي ال عنه‪)) :‬إن رسول ال يأمركم أن تقرءوا القرآن كما ُ‬
‫ت إسناده ضعيًفا فلم أذكره‪.‬‬‫ي‪ ،‬ولكني رأي ُ‬
‫ـ وعن عبد ال بن مسعود نحو أثر عل ّ‬
‫ن مجاهد‪)) :‬وقد كان أبو عمرو بن العلء وهو إمام أهل عصره في اللغة وقد رأس في القراءة‬ ‫ـ قال اب ُ‬
‫والتابعون أحياء وقرأ على جلة التابعين مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ويحيى بن يعمر وكان ل يقرأ بما لم‬
‫يتقدمه فيه أحد‪.‬‬
‫حدثني عبيد ال بن علي الهاشمي وأبو إسحق بن إسماعيل بن إسحق بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي‬
‫قال‪ :‬حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال‪ :‬أخبرنا الصمعي قال‪ :‬سمعت أبا عمرو بن العلء يقول‪ :‬لول أنه‬
‫ليس لي أن أقرأ إل بما قد ُقِرىَء به لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا‪.‬‬
‫وحدثني عبيد ال بن علي قال‪ :‬حدثنا ابن أخي الصمعي عن عمه قال‪ :‬قلت لبي عمرو بن العلء }وبركنا‬
‫سمع من المشايخ الولين‪.‬‬ ‫عليه{ في موضع }وتركنا عليه{ في موضع أيعرف هذا؟ فقال‪ :‬ما يعرف إل أن ُي ْ‬
‫قال‪ :‬وقال أبو عمرو‪ :‬إنما نحن فيمن مضى كبقل في أصول نخل طوال‬
‫قال أبو بكر‪ :‬وفي ذلك أحاديث اقتصرت على هذه منها((‪.‬‬

‫عا‪ ،‬وعلى هذا كلم‬‫خَذ روايًة وسما ً‬‫سِمَع‪ ،‬وُأ ِ‬
‫فحتى وإن كان وجًها جائًزا في اللغة ل ُيْقَرُأ به‪ ،‬وإنما ُيْقرُأ بما ُ‬
‫ت حرف كذا كذا‬‫ئ به لقرأ ُ‬
‫أبي عمرو بن العلء السابق في قوله‪)) :‬لول أن ليس لي أن أقرأ إل بما قد ُقِر َ‬
‫وحرف كذا كذا(( يعني أن اللغة العربية ووجوهها يصح فيها ويجوز قراءة هذه الحروف على الشكل الذي‬
‫عا‪..‬‬
‫قصده أبو عمرو‪ ،‬ولكن ل يصح في القرآن إل أن يكون مسمو ً‬

‫ضا )‪) (51‬وسأختصر السانيد هنا(‪:‬‬ ‫ن مجاهد في ))كتاب السبعة في القراءات(( أي ً‬ ‫وانظر ما رواه لنا اب ُ‬
‫ـ عن محمد بن المنكدر قال‪)) :‬قراءة القرآن سنة يأخذها الخر عن الول(( قال‪ :‬وسمعت أيضا بعض أشياخنا‬
‫يقول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز مثل ذلك‪.‬‬
‫ـ وعامر الشعبي قال‪)) :‬القراءة سنة فاقرءوا كما قرأ أولوكم((‪.‬‬
‫ـ وعن صفوان بن عمرو وغيره قالوا‪ :‬سمعنا أشياخنا يقولون‪)) :‬إن قراءة القرآن سنة يأخذها الخر عن‬
‫الول((‪.‬‬
‫عّلمتموه((‪.‬‬ ‫ـ وعن عروة بن الزبير قال‪)) :‬إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما ُ‬
‫ظ عن عروة بن الزبير قال‪)) :‬إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما ُأْقرئتموه((‪.‬‬ ‫وفي لف ٍ‬
‫ـ وعن زيد بن ثابت قال‪)) :‬قراءة القرآن سنة((‪.‬‬
‫وقال ابن الجزري‪)) :‬ثم إن العتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور‪ ،‬ل على خط اْلمصاحف‬
‫والكتب‪ ،‬وهذه أشرف خصيصة من ال تعالى ِلَهِذِه المة(( ]النشر في القراءات العشر لبن الجزري ‪.[1/6‬‬

‫ويقول المام ابن تيمية رحمة ال عليه‪)) :‬والعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب ل على المصاحف؛ كما‬
‫ن ربى قال لي َأن قم في قريش فأنذرهم‬ ‫فى الحديث الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم؛ أنه قال‪ِ) :‬إ ّ‬
‫فقلت‪ :‬أي رب إًذا يثلغوا رأسي ‪ -‬أي يشدخوا‪ -‬فقال‪ :‬إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا ل يغسله الماء‬
‫تقرؤه نائما ويقظاًنا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وَأْنفق ُأْنِفق عليك(؛ فأخبر أن‬
‫ت ُأّمِته‪) :‬أناجيلهم فى‬
‫كتابه ل يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه فى كل حال‪ ،‬كما جاء في َنْع ِ‬
‫صدروهم(‪ ،‬بخلف أهل الكتاب الذين ل يحفظونه إل في الكتب ول يقرأونه كله إل نظًرا ل عن ظهر قلب((‬
‫]مجموع الفتاوى لبن تيمية ‪.[13/400‬‬

‫وفي تفسير اللوسي‪)) :‬المرعى فيه السماع من النبي صلى ال تعالى عليه وسلم(( ]روح المعاني لللوسي‬
‫‪.[1/21‬‬
‫ضا أثناء رّده على بعضهم‪)) :‬فلن قوله‪ :‬إن القرآن كان على عهد رسول ال صلى ال تعالى‬ ‫وقال اللوسي أي ً‬
‫ن أراد به أنه مرتب الي والسور كما هو اليوم وأنه‬ ‫عا ُمَؤّلًفا على ما هو عليه الن إلخ؛ إ ْ‬
‫عليه وسلم مجمو ً‬
‫سّلٌم(( ]روح المعاني‬
‫يقرأه من حفظه في الصدر من الصحاب كذلك لكنه كان مفرًقا في العسب واللخاف؛ فُم َ‬
‫‪.[1/25‬‬
‫ويقول الزرقاني في ))مناهل العرفان((‪)) :‬وقد قلنا غير مرة‪ :‬إن المعول عليه وقتئٍذ كان هو الحفظ‬
‫والستظهار‪ ،‬وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الحتياط ومبالغة في الدقة والحذر((‬
‫]مناهل العرفان ‪.[1/177‬‬
‫ومن هنا يظهر للقراء الكرام أن الصل في رواية القرآن وتلّقيه على السماع والحفظ‪ ،‬ل على الكتابة‬
‫والمصاحف‪..‬‬

‫وقد صار هذا ديدًنا لعلماء القراءات يذكرونه في فواتح كتبهم‪ ،‬بعبارات شتى‪ ،‬ومعًنى واحٍد‪.‬‬
‫ومن ذلك قول أبي عمرو الداني في مقدمة كتابه ))نقط المصاحف((‪)) :‬هذا كتاب علم نقط المصاحف وكيفيته‬
‫على صيغ التلوة ومذاهب القراءة((‪.‬‬

‫ويقول ابن خالويه في مقدمة كتابه ))الحجة في القراءات السبع(( )‪ (61‬في بيان منهجه في كتابه‪)) :‬فإني‬
‫تدبرت قراءة الئمة السبعة‪ ،‬من أهل المصار الخمسة‪ ،‬المعروفين بصحة النقل وإتقان الحفظ‪ ،‬المأمونين على‬
‫تأدية الرواية واللفظ‬
‫طبقات القراء‬

‫ولنرجع إلى كتب تراجم أهل السلم‪ ،‬لنرى من بينها كتًبا خاصًة في ))طبقات القراء((‪ ،‬لجماعٍة من أهل‬
‫العلم‪ ،‬ولنأخذ كتاًبا من هذه الكتب لنرى ما فيه‪:‬‬
‫وهو كتاب ))غاية النهاية في طبقات القراء(( لبن الجزري رحمة ال عليه‪.‬‬
‫فماذا لديك أيها المام العظيم؟‬
‫جم له من الشيوخ‬ ‫يرى الناظر في كتاب ابن الجزري المذكور عنايته الفائقة ببيان من ))قرأ عليه(( المَتْر َ‬
‫والمقرئين‪ ،‬كما يذكر التلميذ الذين قرأوا على هذا الشيخ صاحب الترجمة‪ ،‬وبأي قراءة قرأوا؟ وكيفية‬
‫القراءة؟‬
‫ثم هو يتكلم على القراءات الصحيحة ويميزها من غيرها‪..‬‬
‫ن ذلك بياًنا شافًيا‪ ،‬وذكر الجزء الذي قرأ به‪ ،‬فيقول‪ :‬قرأ من كذا إلى‬ ‫فإذا قرأ أحدهم بعض القرآن ولم ُيِتّمه َبّيـ َ‬
‫كذا‪..‬‬
‫ن الجزري رحمة ال عليه على هذا الخط حتى تنتهي تراجم كتابه التي بلغت اللف‪..‬‬ ‫ويستمر اب ُ‬
‫ولنأخذ بعض هذه التراجم‪ ،‬ليقف القراء الكرام بأنفسهم على عبارات ابن الجزري في تراجم كتابه )وسأختصر‬
‫جم له‪ ،‬وعبارة ابن الجزري الدالة على المراد‪ ،‬وما هو لصيق الصلة بما نحن فيه من‬ ‫التراجم على اسم المتر َ‬
‫الترجمة(‪.‬‬
‫يقول ابن الجزري رحمة ال عليه بعد مقدمة كتابه‪:‬‬
‫باب اللف‬
‫ضا محمد بن صالح ‪.....‬‬ ‫‪-1‬أبان بن تغلب ‪ .....‬أخذ القراءة عنه عر ً‬

‫‪ -2‬أبان بن يزيد ‪ ...‬قرأ على عاصم وروى الحروف عن قتادة بن دعامة‪ ،‬روى القراءة عنه بكار بن عبد ال‬
‫العودي و‪......‬‬

‫‪ -3‬إبراهيم بن أحمد ‪ ......‬قرأ عليه عبد الباقي بن الحسن ‪.....‬وقول الهذلي أن الشذائي قرأ عليه غلط‬
‫فاحش‪......‬‬
‫‪ -4‬إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم ‪ ....‬روى القراءات لنا إجازة من كتاب الكامل ‪ .....‬وسماعا من الشاطبية عن‬
‫الخطيب أحمد بن إبراهيم بن سباع الفزاري بسماعه من السخاوي‪ ،‬سمعها منه جماعة من الطلبة وابني‬
‫محمد في الثانية‪.....‬‬

‫‪ -5‬إبراهيم بن أحمد بن إسحاق ‪ .....‬قرأ على أحمد بن عثمان بن بويان وأحمد بن عبد الرحمن الولي وأبي‬
‫بكر النقاش وأبي بكر بن مقسم ومحمد ابن علي بن الهيثم وبكار ومحمد بن الحسن بن الفرج النصاري وعبد‬
‫الواحد ابن عمر بن أبي هاشم ومحمد بن عبد ال بن محمد بن مرة بن أبي عمر الطوسي النقاش وعبد‬
‫الوهاب بن العباس وقرأ الحروف على أحمد بن الحسن القرماسيني عن أبي بكر الصبهاني وغيره وأبي‬
‫سليمان محمد بن عبد ال بن ذكوان وعثمان بن أحمد ابن عبد ال الدقيقي عن صاحب خلف وأبي بكر أحمد‬
‫بن جعفر بن أحمد الشعيري عن صاحب أبي حمدون وعلي بن محمد بن جعفر بن خليع الخياط ومحمد بن‬
‫بشر بن أحمد الصايغ وأبي بكر أحمد بن جعفر بن محمد الختلي وقال الهذلي إنه قرأ على الزينبي ول يصح‬
‫ذلك لنه ولد بعد وفاته بست سنين‪ ،‬قرأ عليه الحسن بن علي العطار والحسن بن أبي الفضل الشرمقاني‬
‫والهوازي وأبو علي البغدادي صاحب الروضة وأبو نصر أحمد بن مسرور وأحمد بن ضروان وأبو عبد ال‬
‫محمد بن يوسف الفشيني روى عنه الحروف‪....‬‬

‫‪ -6‬إبراهيم بن أحمد بن اسماعيل ‪ ...‬وقرأ بكل ما قرأ به الكندي عليه ثم طال عمره فكان آخر من قرأ على‬
‫الكندي وقصده الناس من القطار‪ ،‬قرأ عليه الستاذ محمد بن إسرائيل القصاع ومحمد المزراب المصري‬
‫وإبراهيم البدوي والشيخ الصالح أبو محمد الدلصي وشيخ وقته محمد بن أحمد الصايغ وإبراهيم بن إسحاق‬
‫الوزيري وأبو بكر بن ناصر المبلط‪....‬‬

‫‪ -7‬إبراهيم بن أحمد بن ‪ ....‬روى القراءة عرضا وسماعًا عن علي بن سليم ‪ ..‬وعن ‪ ...‬قرأ عليه الحسين بن‬
‫شاكر ومحمد بن عمر بن بكير وسمع منه قراءة الكسائي وقرأ عليه أيضًا أبو الحسين علي بن محمد الخبازي‬
‫وعلي بن طلحة البصري والكارزيني والقاضي أبو العلء وسمع منه الحروف علي بن محمد بن قشيش‬
‫والحسن بن علي الجوهري وأبو الفضل الخزاعي‪...‬‬

‫‪ -10‬إبراهيم بن أحمد بن عبد ‪ ..‬أمام متقن‪ ،‬قرأ على أبي المطرف ‪...‬‬

‫‪ -13‬إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن ‪ ...‬قرأ القراءات بدمشق على ‪ ...‬وقرأ من أول القرآن‬
‫إلى المفلحون على ‪ ...‬وقرأ عليه الشاطبية وقرأ القراءات العشر على أبي حيان والسبع على ابن السراج‬
‫و‪....‬‬

‫‪ -3300‬محمد بن قيماز عتيق بشر الطحان الحاج أبو عبد ال الدمشقي مقرئ‪ ،‬تل السبع على المام‬
‫السخاوي إفرادًا وسمع صحيح البخاري من ابن الزبيدي وروى عن ابن باسويه‪ ،‬مات سنة اثنتين وسبعمائة‬
‫عن ثلث وثمانين سنة ولم أعلمه أقرأ‪.‬‬

‫‪ -3656‬نظيف بن عبد ال أبو الحسن الكسروي نزيل دمشق مولى بني كسرى الحلبي مقرئ كبير مشهور‪،‬‬
‫أخذ القراءة عرضًا عن أحمد بن محمد ‪ ....‬وعبد الصمد بن محمد العينوني في سنة تسعين ومائتين ولم يكمل‬
‫القرآن عليه ‪...‬‬

‫ويختم ابن الجزري كتابه بقوله‪)) :‬وهذا آخر ما يسر ال جمعه من غاية النهاية في أسماء رجال القراءات‬
‫ُأوَلي الرواية والدراية((‪...‬إلخ‬
‫صحَِف ّ‬
‫ي‬ ‫ن ُم ْ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ل تأخذوا القرآ َ‬

‫حَمَلْتها الركبان إلى جميع القطار؛‬
‫سَلها أئمُتنا الكرام رضي ال عنهم قاعدًة أصيلًة َ‬‫وبناء على ما سبق‪ ،‬فقد َأَر َ‬
‫لتقول لهم‪:‬‬
‫ي((‪.‬‬‫حِف ّ‬
‫صُ‬
‫ي‪ ،‬ول العلم )أو الحديث( عن ُ‬‫حِف ّ‬‫صَ‬‫ن ُم ْ‬‫))ل تأخذوا القرآن ِم ْ‬
‫حا أمام‬
‫طرق العتماد في نقل القرآن على الكتابة والمصاحف‪ ،‬وتركوا الباب مفتو ً‬ ‫فقطع أئمُتنا بذلك كل ُ‬
‫السماع والسانيد ل غير‪..‬‬

‫حِفّيين((‬
‫صَ‬‫ن على اْلُم ْ‬
‫حفّيين‪ ،‬ول تقرؤوا القرآ َ‬
‫صُ‬‫ث عن ال ّ‬
‫ـ َفَعن سليمان بن موسى َأّنه قال‪)) :‬ل تأخذوا الحدي َ‬
‫]))الجرح والتعديل(( لبن أبي حاتم )‪ ،(2/31‬و))المحدث الفاصل(( للرامُهْرمزي )‪.[(211‬‬

‫ي(( ]الجرح والتعديل لبن‬
‫حِف ّ‬
‫صَ‬‫ن ُم ْ‬
‫ي‪ ،‬ول القرآن ِم ْ‬
‫حِف ّ‬
‫صُ‬
‫ـ وقال سعيد بن عبد العزيز‪)) :‬ل تأخذوا العلم عن ُ‬
‫أبي حاتم ‪.[2/31‬‬

‫حِفّيين؛ إل ِمّمن سمعه‬
‫صَ‬‫حفّيين ول تقرءوا القرآن على اْلُم َ‬
‫صُ‬‫ـ ويقول الوليد بن مسلم‪)) :‬ل تأخذوا العلم من ال ّ‬
‫ِمن الرجال وقرَأ على الرجال(( ]))تاريخ دمشق(( لبن عساكر )‪ ،(63/292‬و))تهذيب الكمال(( للمزي )‬
‫‪.[(31/98‬‬

‫ـ ويقول السخاوي في ))فتح المغيث(( )‪)) :(2/262‬والخذ للسماء واللفاظ من أفواههم ‪ -‬أي العلماء بذلك‪،‬‬
‫حف من غير تدريب‬ ‫صُ‬‫ضا عمن تقدم من شيوخه وهلم جّرا‪ -‬ل من بطون الكتب وال ّ‬ ‫الضابطين له ممن أخذه أي ً‬
‫سَلم من التبديل والتحريف‪....‬‬
‫المشايخ‪َ :‬أْدَفع للّتصحيف‪ ،‬وَأ ْ‬
‫وقد روينا عن سليمان بن موسى أنه قال‪ :‬كان يقال‪ :‬ل تأخذوا القرآن من مصحفي ول العلم من صحفي‪.‬‬
‫وقال ثور بن يزيد‪ :‬ل يفتي الناس صحفي ول يقرئهم مصحفي‪.‬‬
‫ث عن النبي صلى ال عليه وسلم وقال له بشير بن كعب‪ :‬إن‬ ‫حّدث بحدي ٍ‬‫وقد استدل بعضهم بقول عمران ‪-‬لما َ‬
‫حّدثك عن رسول ال صلى ال عليه وسلم وتحدثني عن الصحف؟‬ ‫في الحكمة كذا‪ُ :-‬أ َ‬
‫وروينا في مسند الدارمي عن الوزاعي أنه قال‪ :‬ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في الصحف فوقع عند‬
‫غير أهله((أهـ‬

‫ي ول العلم من‬
‫حِف ّ‬
‫صَ‬‫ـ ويقول الصنعاني في ))توضيح الفكار(( )‪)) :(2/394‬ويقال‪ :‬ل تأخذ القرآن من ُم ْ‬
‫ي((‪.‬‬
‫حِف ّ‬
‫صُ‬‫ُ‬
‫ي في ذلك‪ :‬قول القائل‪:‬‬ ‫ومما حكاه الصنعان ّ‬
‫طُنب((‬‫ف ول ُ‬
‫ت ليس له سْق ٌ‬ ‫سِنِده ‪ ...‬كالبي ِ‬
‫ن فاَته إسناُد ُم ْ‬
‫))والعلم ِإ ْ‬
‫ت ل عماد له ول سقف‪.‬‬ ‫شّد به البيت‪ ،‬فكأنه بي ٌ‬ ‫طُنب حبٌل ُي َ‬‫وال ّ‬
‫النتكاسة المبكرة!!‬

‫ن بعض القراء أن القصة ستقف عند طعن د‪.‬موراني أو غيره من المستشرقين في القرآن!‬ ‫ربما ظ ّ‬
‫كل؛ فالقصة ماضية‪ ،‬والمشوار طويل؛ لنها لم تبدأ بالطعن في القرآن‪ ،‬وإنما جاء الطعن في القرآن بعد‬
‫مشوار طويٍل من الطعن في السنة النبوية‪ ،‬وطرق تدوينها‪ ،‬وإثارة الشبهات حولها‪..‬‬
‫لكن سرعان ما قام الكفاء الكرام من المسلمين الماجد بكشف المخطط‪ ،‬وإزالة الستار عن الوجه القبيح‬
‫للحضارة الغربية )إن جازت تسميتها حضارة(!!‬
‫ع طويل بين الحق والباطل‪ ،‬ومدافعة وملحة مستمرة بين أهل الحق وأهل الباطل‪..‬‬ ‫القصة تكمن في صرا ٍ‬
‫وفي عصرنا هذا أراد القزام أن يقفزوا على أكتاف الكبار‪ ،‬فزعموا لنفسهم حضارًة!! إي وال زعموا‬
‫لنفسهم حضارة!! ثم هاهم ينادون بحوار الحضارات بدًل من صراع الحضارات!!‬
‫ن للقزام بمن يقنعهم أنهم ليسوا بعُد إل‬
‫وصدق الستاذ سيد قطب رحمة ال عليه حين كان يردد‪)) :‬أل َم ْ‬
‫القزام((!! أو نحو هذه العبارة التي لهج بها في كتابه حول )معركة السلم والرأسمالية(‪.‬‬
‫وفي حاٍل من انعدام الوزن والثقة وزلزلة عروش القيم الصيلة والمبادئ القويمة في عقول الناس بدأ الجهلة‬
‫والسذج ينخدعون بهذه الدعوى المتهالكة التي لم يقصد منها سوى إسباغ الشرعية على )الحضارة الغربية(‬
‫وكسب العتراف بها كحضارة قائمة‪ ،‬بل ولها من القوة والّنّدية ما يوازيها بالحضارة العربية أو السلمية‬
‫على حّد زعم أقزامها!!‬
‫لنرجع إلى تعريف الحضارة‪ ،‬وننقل فيه قول د‪.‬حسين مؤنس في أول كتابه )الحضارة دراسة في أصول‬
‫وعوامل قيامها وتطورها( وهو الكتاب الول من سلسلة )عالم المعرفة( الشهيرة‪ ،‬حيث يقول د‪.‬مؤنس في‬
‫تعريف الحضارة‪)) :‬الحضارة ـ في مفهومنا العام ـ هي ثمرة كل جهد يقوم به النسان(( إلخ‪.‬‬
‫فأين الجهد الذي قام به القزام؟‬
‫ل حضارًة وعلًما؟‬ ‫هل تسمى سرقة ديكارت لبعض أفكار الغزالي مث ً‬
‫أم يسمى تحريف الدين وتزوير التوراة والنجيل حضارة وعلًما؟‬
‫ل!‬
‫لشك أن شيًئا من ذلك كله ل يسمى حضارة ول علًما‪ ،‬ول قيمة به في سوق العلم أص ً‬
‫ومع هذا جاء القزام ليعيدوا )حوار الحضارات بدل من صدام الحضارات( من باب )ما يتكرر يتقرر(‪ ،‬ل رغبة‬
‫في الحوار‪ ،‬ولكن رغبة من القزام في العتراف بحضارتهم المزعومة‪ ،‬والتي تقوم على تحريف الدين‬
‫ن واحٍد!!‬‫واغتيال العلم في آ ٍ‬
‫أنا ل أرفض الحوار أبًدا؛ كل‪..‬‬
‫ولكني ضد تسمية التحريف والتزييف والسرقة حضارًة وعلًما!‬

‫ورغم ذلك كله اّتَكَأ المستشرقون على )حضارة القزام( فجادلوا عنها‪ ،‬ونعتوها بصفات الجلل والبهاء‪،‬‬
‫وطعنوا في غيرها‪..‬‬
‫وامتداًدا لهذا النهج المقلوب يأتي د‪.‬موراني ليكمل مسيرة أسلفه في تزيين الحضارة الغربية العليلة‪ ،‬والطعن‬
‫في ثوابت السلم الراسخة‪..‬‬
‫ومن ذلك اّدعاء أن النص المنشور من القرآن بأيدي المسلمين ليس محقًقا‪ ،‬وأنه بحاجة إلى تحقيق‪ ،‬ثم‬
‫احتمال أن تأتي لنا المخطوطات في نظره بزيادة أو نقصان أو تغيير في الترتيب!!‬
‫مع علم د‪.‬موراني الكيد أن الصل في نقل القرآن السماع ل الكتابة والمصاحف!!‬
‫وأقول مع علمه الكيد بذلك؛ لنه يستحيل في عقل إنسان أن ينشر د‪.‬موراني كتاًبا لبن وهب في التفسير‪ ،‬ثم‬
‫هو يطلع على كتب أسلفه التي نشروها حول القرآن‪ ،‬ويطلع على كثير من كتب السلم‪ ،‬ويذكر القراءات في‬
‫كلمه‪..‬إلخ‪.‬‬
‫فمستحيل أن يطلع على هذا كله ثم ل يطلع على أن الصل في نقل القرآن السماع ل الكتابة في المصاحف‪،‬‬
‫خاصة وأن أئمة القراءات والتفسير هم فرسان هذه المسألة‪ ،‬وقد ذكرها ابن الجزري وغيره في مقدمات‬
‫كتبهم‪ ،‬فهي مما ل يخفى على من لمس هذه الكتب بيده‪.‬‬
‫فإما أن يعترف د‪.‬موراني بأنه اطلع عليها ولكنه أخفاها لمآرب خاصة وطعًنا في الدين السلمي‪ ،‬أو يعترف‬
‫بأنه لم يكتب في حياته حرًفا واحًدا‪ ،‬ولم يحقق كتاًبا‪ ،‬ولم يدرس شيًئا ول سمع بشيٍء‪ ،‬وإنما كتب له ذلك كله‬
‫بعض المستأجرين من هنا أو هناك‪.‬‬
‫فإما أن يعترف بتعّمِد الطعن والخيانة‪ ،‬أو يعترف بالجهل والسرقة وتزييف الحقائق‪.‬‬
‫وسنترك له حرية الختيار!!‬
‫نعم؛ قد سبق نقل كلم ابن الجزري وهو إمام القراءات‪ ،‬كما سبق نقل كلم غيره من أئمة القراءات والتفسير‬
‫ب‪ ،‬أو في كلمه‬‫وغيرهما في هذا الشأن! وكتبهم مما لبد أن يطلع عليها د‪.‬موراني في تحقيقه لتفسير ابن وه ٍ‬
‫عن القراءات!!‬
‫فلم يبق إل أن يكون د‪.‬موراني قد أخفى الحقيقة التي وقف عليها هو وأسلفه طلًبا منهم جميًعا لغاية واحدة‬
‫وهي التشكيك في القرآن الكريم‪ ،‬والطعن في ثوابت السلم العظيم‪.‬‬

‫ورغم هذا كله ل زال د‪.‬موراني يتكلم من فوق!! ويرفض العتراف بالحق‪ ،‬ويكتب وكأنه وحده العالم بكل‬
‫شيء‪ ،‬وأما غيره فلبد أن يتعلم قبل أن يتكلم‪ ،‬كما نصح د‪.‬موراني للعضو )سيف الكلمة( كما هو مدّون في‬
‫تعليقات العضاء والقراء الكرام على هذا الموضوع من هذا المنتدى الكريم‪.‬‬

‫بل يرفض أن يقال عنه‪ :‬إنه انسحب من الموضوع‪ ،‬فضل عن هروبه‪ ،‬أو عجزه عن إقامة دعواه التي ادعاها‬
‫على القرآن الكريم‪ ،‬وفشله في إقامة البينة على ما قاله بهذا الخصوص!‬
‫فجاء يكتب لي في رسائله التي نشرها في التعليق على هذا الموضوع‪Sun, 26 Jun 2005)) :‬‬
‫‪20:42:35‬‬
‫< مساء الخير‬
‫<‪ :‬أنت تكتب الن‪:‬‬
‫< وذلك بعد التذكير إلى أنه ليس من حق د‪ .‬موراني أدبًيا أن‬
‫ينسحب الن‪،‬‬
‫<‬
‫< أين كنت انسحبت ‪ ,‬من فضلك ؟‬
‫< لقد قلت لك رأيي في الحوار حول هذا الموضوع واقترحت أن تنشر ما أرسلت اليك من الرسائل موضحا‬
‫فيها عدم الفائدة بسبب انطلقنا من زاويتين مختلفتين((‪.‬‬

‫حتى إلصاق النسحاب به يرفضه د‪.‬موراني!!‬

‫فليكن ما يقوله!!‬
‫فقد سئم القراء من دعاويه الفارغة التي ل تنطلي على أحٍد‪ ،‬كما سئم القراء من التواء تصرفاته‪ ،‬وغريب‬
‫أفاعيله‪.‬‬
‫وقد لفت هذا نظر القراء الكرام فكتب الستاذ الجليل أحمد منصور يقول‪:‬‬
‫اقتباس‪:‬‬
‫ضا يعرفه د‪ .‬موراني)*(‪ ،‬وكذلك القاريء المتابع‪ .‬النص الذي كتبته ‪ -‬بهذا الشكل‬
‫ف هذا جيًدا‪ ،‬وهذا أي ً‬
‫))أعر ُ‬
‫المختصر وبشكل ل يخرج عن حدود الكياسة ‪ -‬فيه رسالة للقاريء الكريم وأظن أنها قد وصلت‪.‬‬

‫فمن يرفض النقاش في موضوع ثم يناقش في التعليقات عليه‪،‬‬
‫ويرفض أن يناقش علًنا ومع هذا يجادل على الخاص‪،‬‬
‫ول يناقش المحاور الصلي ويناقش الجمهور؛‬

‫ب يمكن أن يقال عنها أي شيء إل أنها علمية((‪.‬‬
‫أكيد أنه لديه أسبابا قوية‪ ،‬أسبا ٌ‬
‫بل رفض د‪.‬موراني المحاورة دون أية شروط مسبقة مني‪ ،‬وبالطريقة التي يحددها هو!!‬
‫فعلى أي شيٍء يتباكى؟!!‬
‫التحقيق في قضية التحقيق؟‬

‫في النص الول في هذا الموضوع يقول د‪.‬موراني‪:‬‬
‫اقتباس‪:‬‬
‫جمَع تلميُذ نولدكه المشهورون‬ ‫))كان هناك مشروع في النص القرآني قبل الحرب العالمية الثانية ‪ ،‬و َ‬
‫ب التراث‪.‬إذ‬
‫ق كت ُ‬
‫ي َتحقيقًا علمّيًا كما ُتحّق ُ‬
‫ق النصّ القرآن ّ‬
‫ن بغرض تحقي ِ‬ ‫المتخصصون في القراءات نسخًا للُقرآ ِ‬
‫ما بين يدينا مطبوعًا هو النص المتفق عليه وليس نصًا ُمحّققًا ِبمعنى التحقيق‪ .... .‬لو قام مجموعة من العلماء‬
‫ي على منهج الدراسة المقارنة الجمالية للن ّ‬
‫ص‬ ‫بتنفيذ هذا الَعَمِل الضخم من أجل إخراج النصّ القرآن ّ‬
‫ب آخر ‪ ,‬حتى ولو‬ ‫ن هناك مجاٌل للجدال حول تخطئِة )القرآن(‪ُ .‬رّبما يترتب على ذلك ترتي ٌ‬ ‫‪َ synopsis‬لما كا َ‬
‫ك الخ ‪ ،‬وهذه المور كلها واردة عند‬ ‫ص هنا ‪ ،‬وكلمِة زيادٍة هنا َ‬‫كان جزئي ‪ ,‬لليات‪ ،‬كما قد نحصل على كلمِة َنق ٍ‬
‫الدراسة المقارنة للنص‪.((...‬‬
‫ويكرر د‪.‬موراني هذا الكلم في أكثر من مناسبة‪ ،‬كما سبق في المستندات‪ ،‬وكذلك في كلمه في رسائله‬
‫الخاصة التي نشرها‪.‬‬

‫ضا ليقول لنا‪:‬‬
‫لكنه يأتي في رسائله الخاصة التي نشرها أي ً‬
‫اقتباس‪:‬‬
‫))<‪Date: Thu, 23 Jun 2005 06:14:25 +0000‬‬
‫< << صباح الخير‬
‫< << ل مجال هناك لحوار ما ‪ .‬المشاركة ل‬
‫معنى لها اذ لم أتطلب بـتحقيق((‪.‬‬
‫يعني أنه لم يطالب بتحقيق القرآن‪..‬‬
‫فماذا يعني قوله السابق هنا‪:‬‬
‫اقتباس‪:‬‬
‫ب التراث‪.‬إذ‬
‫ق كت ُ‬
‫ي َتحقيقًا علمّيًا كما ُتحّق ُ‬
‫ص القرآن ّ‬
‫ق الن ّ‬
‫))كان هناك مشروع في النص القرآني ‪ ...‬بغرض تحقي ِ‬
‫ما بين يدينا مطبوعًا هو النص المتفق عليه وليس نصًا ُمحّققًا ِبمعنى التحقيق‪ .....‬لو قام مجموعة من العلماء‬
‫ي على منهج الدراسة المقارنة الجمالية للن ّ‬
‫ص‬ ‫بتنفيذ هذا الَعَمِل الضخم من أجل إخراج النصّ القرآن ّ‬
‫ن هناك مجاٌل للجدال حول تخطئِة )القرآن(‪ ...‬وهذه المور كلها واردة عند الدراسة‬ ‫‪َ synopsis‬لما كا َ‬
‫المقارنة للنص‪((...‬؟‬
‫عا ليس محقًقا ‪ ..‬لو قام مجموعة من العلماء‬‫ويمكن صياغة كلمه على الشكل التي‪ :‬ما بين أيدينا مطبو ً‬
‫بتنفيذ هذا العمل الضخم‪..‬إلخ‪.‬‬
‫فهنا يطالب بالتحقيق‪ ،‬ويتمنى لو قام به مجموعة من العلماء‪ ،‬لكنه في رسالته يقول‪) :‬لم أتطلب بتحقيق(‪.‬‬
‫فأي القولين لـ د‪.‬موراني أصح في نظر القرآء الكرام‪ :‬التحقيق؟ أم عدم التحقيق؟‬

‫ت له‪ :‬إن مكتبات الغرب ل‬
‫وهذا يذكرني بجداله الطويل وسبه لي ولغيري في )ملتقى أهل الحديث( حين قل ُ‬
‫تحتوي على فهارس جيدة تشتمل على كل ما فيها حتى الساعة‪..‬‬
‫لكنه اعترف في مشاركاته في )ملتقى أهل التفسير( بما أنكره وجادل فيه‪ ،‬وذكر هو نفسه ما يفيد بأن بعض‬
‫المخطوطات في مكتبات الغرب لم تفهرس حتى الن!!‬
‫ضا؟‬
‫فأي القولين أصح له هنا أي ً‬
‫حش منه الختلط فاستحق الترك؟!‬ ‫أم أنه ممن يصدق عليهم قول أهل الحديث‪ :‬اختلط‪ ،‬حتى ف ُ‬
‫فهل اختلط د‪.‬موراني؟ أم نتج التناقض عن اختلف من يكتب له هذه المشاركات؟‬
‫وله أن يختار )وسنترك له الحرية( ما بين مختلطٍ أو سارق لجهود غيره!!‬

‫والحق أنه في )ملتقى أهل الحديث( يختلف تماًما عنه في )ملتقى أهل التفسير(‪ ،‬ومن قارن بين بعض‬
‫مشاركاته في الموقعين سيعلم هذا بجلء‪ ،‬ويمكن لجميع القراء القيام بهذا المر‪ ،‬في بعض المشاركات‪ ،‬ولتكن‬
‫ب خاصة‪ ،‬والتي يذكر في موضع أن للكتاب قصة‪ ،‬ولن يذكرها على المل‪ ،‬ثم هو‬ ‫مشاركاته حول كتاب ابن وه ٍ‬
‫يذكرها في مكان آخر‪ ..‬إلى آخر ما حصل له من تناقضات وتخاليط عجيبة‪ ،‬تدل حتًما على أمور‪:‬‬
‫إما الجهل الضارب في أصوله‪.‬‬
‫أو اختلف من يكتب له‪.‬‬
‫أو السرقة‪.‬‬
‫وله حرية الختيار‪..‬‬

‫لكن اختلف الشخصية بين الموقعين ُيَذّكر القراء الكرام بعقيدة بولس مؤسس النصرانية الحديثة‪ ،‬حيث يقول‬
‫س َكَأّني‬‫ت الّناُمو ِ‬
‫ح َ‬‫ن َت ْ‬
‫ح اْلَيُهوَد َوِلّلِذي َ‬
‫ي َلْرَب َ‬
‫ت ِلْلَيُهوِد َكَيُهوِد ّ‬
‫صْر ُ‬ ‫في رسالته الولى إلى أهل كورنثوس ‪َ20) :‬ف ِ‬
‫ت ِبلَ َناُمو ٍ‬
‫س‬ ‫س ُ‬‫س ‪َ -‬مَع َأّني َل ْ‬ ‫ل َناُمو ٍ‬ ‫س َكَأّني ِب َ‬‫ل َناُمو ٍ‬
‫ن ِب َ‬ ‫س ‪َ21‬وِلّلِذي َ‬ ‫ت الّناُمو ِ‬ ‫ح َ‬‫ن َت ْ‬
‫ح اّلِذي َ‬‫س َلْرَب َ‬
‫ت الّناُمو ِ‬ ‫ح َ‬ ‫َت ْ‬
‫صْر ُ‬
‫ت‬ ‫ضَعَفاَء‪ِ .‬‬
‫ح ال ّ‬ ‫ف َلْرَب َ‬‫ضِعي ٍ‬ ‫ضَعَفاِء َك َ‬ ‫ت ِلل ّ‬ ‫صْر ُ‬
‫س‪ِ 22 .‬‬ ‫ل َناُمو ٍ‬ ‫ن ِب َ‬
‫ح اّلِذي َ‬‫ح ‪َ -‬لْرَب َ‬ ‫سي ِ‬‫س ِلْلَم ِ‬‫ت َناُمو ٍ‬‫ح َ‬
‫ل َبْل َت ْ‬
‫ِّ‬
‫حاٍل َقْومًا‪] (.‬كورنثوس ‪ 9/20‬ـ ‪.[22‬‬ ‫عَلى ُكّل َ‬ ‫خّلصَ َ‬ ‫يٍء ُل َ‬ ‫ش ْ‬
‫ِلْلُكّل ُكّل َ‬

‫ن ووجٍه‪ ،‬على حسب المعطيات التي أمامه‪ ،‬والشخاص الذين يخاطبهم!!‬
‫فهو بمائة لو ٍ‬

‫لمة لغتنا أبي‬
‫وللقراء الكرام أن يقارنوا بين هذه العقيدة المتلونة القائمة على الخداع والكاذيب‪ ،‬وبين كلم ع ّ‬
‫فهٍر محمود محمد شاكر رحمة ال عليه عن شجاعة العربية‪ ،‬المستمدة من الشجاعة السلمية‪ ،‬وصراحة‬
‫وصدق المسلمين في مواقفهم‪ ،‬وقد ذكره أبو فهٍر في كتابه الفذ ))أباطيل وأسمار(( وغيره من كتبه‪.‬‬
‫قفوا لينصح لكم إبليس!!‬
‫صّفق موراني!!‬ ‫وُي َ‬

‫شاِد{ ]غافر‪.[29:‬‬ ‫سِبيَل الّر َ‬ ‫ذهب فرعون يقول لقومه‪َ} :‬ما ُأِريُكْم ِإّل َما َأَرى َوَما َأْهِديُكْم ِإّل َ‬
‫ف‪ ،‬وما يتحّلى به من دعاوى فارغة‪ ،‬لكنهم لم يدركوا فراغ دعوته‬ ‫وكانوا يرون ما لدى فرعون من بهرج زائ ٍ‬
‫بعُد‪ ،‬ول استمعوا نصيحة الصادق نبي ال موسى عليه السلم حين أظهر لهم حقيقة فرعون الخاوية‪ ،‬ووهاء‬
‫ن ِفي َقْوِمِه َقاَل َيا‬ ‫عْو ُ‬
‫دعوته وخطته الفرعونية‪ ،‬فكانوا كما ذكر ال عز وجل عنهم وعن فرعونهم‪َ} :‬وَناَدى ِفْر َ‬
‫ن َهَذا اّلِذي ُهَو َمِهي ٌ‬
‫ن‬ ‫خْيٌر ّم ْ‬
‫ن ]‪َ [51‬أْم َأَنا َ‬ ‫صُرو َ‬ ‫ل ُتْب ِ‬ ‫حِتي َأَف َ‬‫جِري ِمن َت ْ‬ ‫صَر َوَهِذِه اَلْنَهاُر َت ْ‬ ‫ك ِم ْ‬
‫س ِلي ُمْل ُ‬ ‫َقْوِم َأَلْي َ‬
‫خفّ َقْوَمُه‬ ‫سَت َ‬
‫ن ]‪َ [53‬فا ْ‬ ‫جاَء َمَعُه الَملِئَكُة ُمْقَتِرِني َ‬ ‫ب َأْو َ‬ ‫سِوَرٌة ّمن َذَه ٍ‬ ‫عَلْيِه َأ ْ‬
‫ي َ‬‫ن ]‪َ [52‬فَلْوَل ُأْلِق َ‬ ‫َوَل َيَكاُد ُيِبي ُ‬
‫ن{ ]الزخرف‪.[54 - 51:‬‬ ‫سِقي َ‬‫عوُه ِإّنُهْم َكاُنوا َقْومًا َفا ِ‬‫طا ُ‬‫َفَأ َ‬

‫نعم؛ أطاعوه؛ لنهم يرونه ملكهم وعظيمهم‪..‬‬
‫وقد اجتهد منذ الصباح في تزوير الحقيقة لهم‪ ،‬وإظهار الباطل بلباس الحق‪..‬‬
‫ت ساعدته في إقامة حجته وإظهار دعوته ولو كانت فارغة!!‬ ‫ثم هو قّدَم لدعوته الفارغة بمقدما ٍ‬
‫غا من الخطيب!!‬ ‫ق الجمهور الكثر فرا ً‬
‫صّف َ‬
‫وهنا َ‬

‫سه‪..‬‬
‫سه بنف ِ‬
‫دائًما ما يقول الناس عند وقوع المتشابهات من الحداث‪ :‬التاريخ ُيعيد نف َ‬
‫لكن ل زال صديق العمر يقول لي دائًما‪ :‬عّلمنا التاريخ أن ل نستفيد من التاريخ!!‬
‫ق صاحبي!!‬‫وصَد َ‬

‫نرجع للمستشرق جولدزيهر‪ ،‬ونمر على نولدكه وشفالي وجون جلكورايست ونختم بموراني‪..‬‬
‫ونسأل‪ :‬ماذا َقّدَم لنا هؤلء؟‬
‫ل شيء سوى الخلط و))عجين الفلحة((!!‬

‫لكن كان لبد من وضع المقّدمات الطويلة لهم‪ ،‬التي تساعد على ترويجهم في صفوف المسلمين‪ ،‬كأصحاب‬
‫فْكر أو حَمَلة علٍم‪..‬‬
‫ب ُتكتب‪ ،‬وُتطبع وُتْنشر باسم الدراسات حول السلم أو حول القرآن‪ ،‬أو مشاريع مبدعة!!‬ ‫ولذا كان لبد من كت ٍ‬
‫لم تظهر من قبُل مثل الترتيب الزمني للقرآن الذي أبدعه )ويل( واعتمده )نولدكة( وافتخر به )موراني(!!‬
‫ولماذا؟‬
‫لتنفذ أقوالهم في صفوف المسلمين‪ ،‬وُيسمع لهم ويطاع!!‬
‫وفي هذا الصدد يقول موراني في لقاء شبكة التفسير معه )بعد تعديله ونشره في موقع قدس نت(‪)) :‬أّما‬
‫‪ Weill‬فهو ِمّمن قام بوصف تأريخ فجر السلم وعصر النبوة وبعده لول مرٍة في تاريخ الستشراق وفقًا‬
‫لما كان لديه من النصوص العربية وأغلبها من المخطوطات‪.‬‬
‫كان هذا العمل من الخطوات الولى في القرن التاسع عشر في الطريق الطويل والشاق للتعرف على الحضارة‬
‫السلمية وعلى تاريخ الشعوب السلمية على المستوى الكاديمي في الجامعات اللمانية‪ .‬أما كتابا ويل‪:‬‬
‫‪Historical-Critical Introduction to the Koran Mohammed the Prophet, his‬‬
‫‪Life and Teaching‬‬
‫ن هذا المستشرق قد اعتمد في كتابه‬ ‫فقد كانا وليدي عصره فل يذكران اليوم في الدراسات الستشراقية غير َأ ّ‬
‫على مصادر مثل )السيرة الحلبية( و)تأريخ الخميس( وعلى )السيرة النبوية( لبن هشام التي لم تكن مطبوعة‬
‫في ذلك الوقت اذ نشره المستشرق ‪ Wüstenfeld‬عام ‪ 1858‬بترجمة ‪ Weill‬إلى اللمانية‪.‬‬
‫هذا وقد قام ‪ Weill‬بدراسات في السور المكية وبترتيبها ترتيبًا تأريخيًا حسب نزولها ووفقًا لمضمونها‪ .‬وقد‬
‫تبنى نولدكه ‪ N?ldeke‬هذا الترتيب وجعله أساسًا لدراساته حول تأريخ القرآن ‪.‬‬
‫واليوم ل يكاد الباحث يجد ذكرًا ِلما َأّلفه ‪ Weill‬في هذه الميادين ‪ ،‬في حين ما يزال نولدكه ُيعتَبر حتى اليوم‬
‫ب نولدكه من القرآن اقترابًا مضادًا‬ ‫من كبار المستشرقين المتخصصين في العلوم القرآنية‪ .‬ولم يكن اقترا ُ‬
‫للوحي ‪ ,‬بل قام بدراسات تحليلية ومنطقية ولغوية للنص نفسه وأشار إلى ما جاء في النص القرآني من‬
‫المزايا اللغوية والخصائص‪ .‬كما أشار إلى بعض الظواهر اللغوية التي ل تتماشى –برأيه ‪-‬مع قواعد اللغة‬
‫المسّلم بها ؛ نظرًا لمعرفتِه باللغات السامّيِة اُلخرى )الِعبْرانية ‪ ,‬السيريانية ‪ ,‬الحبشية ‪ ،‬واليمنية القديِمة(‪.‬‬
‫وقد كتب في موضوع اللفاظ الُمعّربة التي دخلت لغة القرآن ‪ ،‬وما الذي تغّير معناه من المصطلحات المعّربة‬
‫فيه ‪.‬‬
‫إلى جانب كتابه في )تأريخ القرآن( الذي أكمَله تلميذُه بعد وفاته‪.‬وهناك دراسة له لم ُتترجم بعُد إلى العربيِة‬
‫ن وبلغتِه شرحًا‬ ‫ي للقرآ ِ‬
‫ي )القرآن والعربية( التي يشرح فيها السلوب اللغو ّ‬ ‫حسب علمي إلى يوِمنا هذا ‪ ,‬وه َ‬ ‫َ‬
‫دقيقًا‪.‬‬
‫حوِل لغِة القرآن وتاريخ توثيقه فإّنه لم َيَزْل‬ ‫لهمّيِة الُكبْرى لدراسات نولدكه في هذا الميدان العظيم َ‬ ‫ونظرًا ل َ‬
‫ل بارزًا في الدراسات القرآنية في الستشراق المعاصر‪.‬‬ ‫حً‬‫يحتّل م َ‬
‫ن ما بأيدينا هو دائرة المعارف‬ ‫ن ‪ ،‬فلم َأجِد المصدَر المذكور إلى الن ؛ َل ّ‬ ‫وَأّما بحث ‪ Buhl‬حول تحريف القرآ ِ‬
‫السلمية الجديدة ‪ ،‬وليس فيها هذا‪.‬‬
‫ي جولدزيهر ‪ Goldziher‬الذي َدرس في لبزيج وبرلين فِإّنه اشتهر بعدة دراسا ٍ‬
‫ت‬ ‫َأما المستشرق المجر ّ‬
‫ت في التفسير السلمي( الذي ُترجم إلى اللغِة العربية فيما‬ ‫حول العلوِم السلمية ‪،‬منها كتابه المذكور )اتجاها ٌ‬
‫ت ‪ -‬أخطاٌء كثيرٌة تعوُد إلى عدم فهم النص ‪ ،‬حتى‬ ‫ت في عدة مناسبا ٍ‬ ‫بعُد ‪َ ،‬أّما الترجمُة نفسها ففيها ‪ -‬كما سمع ُ‬
‫ن جولدزيهير لم يتحدث عن مذاهب في التفسير ‪ ,‬بل عن اتجاهات فكرية‬ ‫العنوان ل يتمشى مع المقصود ؛ َل ّ‬
‫)=‪. (Tendencies‬‬
‫ت المختلفَة حسب التيارات الفكرية والسياسيِة‬ ‫ق التجاها ِ‬‫لوِل مرٍة في تأريخ الستشراق أبرَز هذا المستشر ُ‬
‫غير اقترا ِ‬
‫ب‬ ‫ث َ‬‫جه في البح ِ‬ ‫ن ‪ ،‬ومنه ُ‬ ‫لدى المفسرين عبَر الُعصور التي عاشوا فيها ‪ ،‬وكان اقترابُه من القرآ ِ‬
‫نولدكه منه ‪ ،‬إذ هذا الخيُر تناوَل النصّ ِمن وجهِة نظِر اللغويين ‪َ ،‬أّما جولدزيهير فَرّكَز في أبحاثهِ حول‬
‫ي ‪ ،‬واعتبره أعظَم كت ِ‬
‫ب‬ ‫ث على الفكاِر المرويِة في كتب القدماِء ‪ ،‬وَأبرَز منها تفسيَر الطبر ّ‬ ‫القرآن والحدي ِ‬
‫ب تفسيرًا‬‫التفسيِر ‪ ،‬وَأهمها في التراث السلمى ُمشيرًا إلى أهميِة منهجيِة ُمؤلفِه ‪ ،‬الذي َأّلف هذا الكتا َ‬
‫ن َأَهّم المصادِر‬ ‫ت لتفسير آيٍة واحدٍة‪ .‬فلذلك كان كتابه حول اتجاهات التفسير ِم ْ‬ ‫عدة روايا ٍ‬ ‫بالمأثوِر ‪ ،‬وجَمع فيه ِ‬
‫‪ ،‬ونقطَة النطلق لطلبة العلم في دراساتهم القرآنية(( انتهت القصة بحذافيرها كما يحكيها المستشرق‬
‫اللماني د‪.‬موراني‪.‬‬

‫سخ في أذهان الناس أنهم حملة‬ ‫فانظر أيها القارئ الكريم إلى تلك المقّدمات الطويلة لهؤلء جميًعا‪ ،‬والتي ُتَر ّ‬
‫علم‪ ،‬ورجال حضارة‪..‬‬
‫وبعد هذه المقدمات الطويلة لن يبحث أحٌد خلفهم لينظر هل رتب )ويل( القرآن ترتيًبا زمنًيا من عندياته؟ أم أنه‬
‫طِبع‬
‫سرقه من ابن شهاب الزهري المام المسلم رحمة ال عليه؟ وابن شهاب هو فارس هذا الميدان‪ ،‬وقد ُ‬
‫كتابه؟!‬
‫كما لن يقارن أحٌد بعد هذه المقدمات الطويلة بين ما ذكره ابن شهاب‪ ،‬وما ذكره هذا الـ )ويل(‪ ،‬واعتمده الـ‬
‫)نولدكه(‪ ،‬وافتخر به الـ )موراني(‪ ،‬لينظر ما سرقوه من ابن شهاب الزهري كعادة المستشرقين في سرقة‬
‫سَبِته لنفسهم‪ ،‬كما ينظر فيما زادوه على ابن شهاب‪ ،‬وحقيقة ذلك وفائدته؟!‬ ‫كلم المسلمين وِن ْ‬
‫كما لن يبحث أحٌد عن غايتهم من هذه الدراسة المبنية على الترتيب الزمني للقرآن؟ هل تقوم على الستفادة‬
‫من معرفة زمن النزول في الناسخ والمنسوخ مثل كما هو عند علماء المسلمين؟ أم أن الغاية من الترتيب‬
‫الزمني للقرآن عند المستشرقين تنطلق من زاوية اعتقاد أن الترتيب الحالي للمصحف ليس توقيفّيا‪ ،‬أو ليس‬
‫وحًيا‪ ،‬وأنه بالمكان تغييره ولو جزئّيا على حّد عباراتهم السقيمة؟!!‬
‫صّفق لها‪ ،‬في الوقت الذي‬ ‫كما لن يبحث أحد في دراسات نولدكه صاحبة الهمية الكبرى في نظر د‪.‬موراني الم َ‬
‫يقول نولدكه نفسه عن كتابه عن القرآن بأنه اشتمل على )حماقات صبيانية(!! ويتكلم عن الضعف وعدم‬
‫ت بعض الُكّتاب يرى أن نولدكه يتبّرأ من كتابه صاحب )الهمية‬ ‫التحرير في المادة‪ ،‬وأشياء عديدة جعل ْ‬
‫الكبرى( في نظر د‪.‬موراني؟!!‬
‫لكن ل بأس أن تكون الحماقات الصبيانية في نظر مؤلفها نولدكه لها )أهمية كبرى( في نظر د‪.‬موراني!! لن‬
‫ج لهم إعلمهم أن العرب ل‬ ‫د‪.‬موراني يظن أن أحًدا من الناس لن يقرأ‪ ،‬ولن ُيتابع ولن يفّتش‪ ،‬على حّد ما رّو َ‬
‫يقرأون‪ ،‬وكذب إعلمهم!‬
‫لقد ظن إبليس أن أحًدا من الناس لن يبحث خلف أعوانه بعد هذه المقدمات الطويلة التي رّوج بها لهم‪ ،‬أو‬
‫ُأِتيحت لهم‪..‬‬
‫ت به سراياه وأتباعه!‬
‫هكذا ظن إبليس الول‪ ،‬وهكذا افتخر ْ‬

‫ولبد هنا من رصد ملحظة مهمة جًدا‪ ،‬وهي أنه يستحيل في عقِل القارئ قط أن يصدق أن إبليس وأعوانه قد‬
‫ق هنا أو هناك تخالف ما كتبوه!!‬ ‫كتبوا وفعلوا كل هذا المنشور لهم ولم تقع أعينهم على كلمة ح ّ‬
‫فلماذا أخفوها؟‬
‫ولماذا لم يظهروا الحق؟‬
‫ولماذا تتابع هؤلء على العناية بالقرآن خاصة؟‬
‫بل ومن زاوية الثبوت خاصة؟‬
‫ونحن نرى كلمهم حول مخطوطات المصحف‪ ،‬أو تاريخ القرآن‪ ،‬أو تدوين القرآن‪...‬إلخ‪.‬‬
‫فلماذا تتابعوا على الكلم في جهة الثبوت خاصة دون غيرها من الجهات؟‬
‫نعم؛ تكلموا عن بعض القضايا الخرى التي ل تتصل بإسناد ومخطوطات المصحف من باب إخفاء الغرض‬
‫الساسي لهم ل أكثر!‬
‫ن قائٌل‪ :‬لم يروا هذه البحاث المخالفة لقوالهم‪ ،‬أو أنهم جهلة لم يفهموها‪..‬‬ ‫هنا ل يقول ّ‬
‫ومع هذا نقول‪ :‬ل بأس أن يعترف موراني وأمثاله بجهلهم العريض فهو أخف المرين بالنسبة لهم!!‬
‫فإما الجهل‪ ،‬وإما التزوير والتزييف للحقائق وقصد التشكيك للمسلمين في دينهم‪..‬‬
‫شًرا نصرانًيا يغرق في سلك المشككين للمسلمين في‬ ‫ل أو تكون مب ّ‬
‫وبعبارة أخرى وجيزة‪ :‬إما أن تكون جاه ً‬
‫دينهم!! بكل ما يحمله ذلك من خيانٍة للبحث العلمي ولشرف ومصداقية الكلمة!!‬
‫وقد سبق إثبات الثاني بدلئله بحمد ال تعالى‪..‬‬
‫ن قائٌل‪ :‬فعل المستشرقون وفعلوا لجل هذا الدين ولجل التراث!!‬ ‫حتى ل يقول ّ‬
‫شَبه والمواطن التي يمكنهم من خللها التشكيك في ثوابت السلم!!‬ ‫كل؛ بل فعلوا بحًثا عن ال ّ‬
‫كل؛ بل فعلوا ليقّدموا السلم لقوامهم من يهود ونصارى وغيرهم مشّوًها محكوًما عليه بالرفض والعدام‪،‬‬
‫ليصرفوا شعوبهم عن اليمان‪ ،‬وليقفوا دون دخول شعوبهم في السلم إذا رأوه على حقيقته الطاهرة الصافية‬
‫الّنِقّية!!‬
‫وانظر إلى خياناتهم المتكررة للبحث العلمي والتراث في الوقت الذي يتشدقون فيه بحفظ التراث؟!!‬
‫ل في كتاب )المعجم المفهرس للفاظ الحديث النبوي( وكيف حذفوا منه عمًدا أحاديث الجهاد مثل؟!!‬ ‫فانظر مث ً‬
‫فهل هذه هي أمانة وشرف ومصداقية الكلمة التي يريدونها للقراء؟‬

‫ومن تلك الخطط البليسية التي استخدمها هؤلء‪ :‬صرف النقاش إلى غير ساحته اللئقة به!! وبعبارة أخرى‪:‬‬
‫اختراع قضايا وهمية ل توجد ثم إثارة الزوابع حولها وصرف المسلمين للمحاورة فيها بعيًدا عن الهدف‬
‫الساسي لهؤلء الجواسيس!!‬
‫ف آخر سيأتي فتحه بدلئله بإذن ال تعالى‬ ‫ول تستغرب أيها القارئ الكريم من وصفهم بالجاسوسية‪ ،‬فهذا مل ٌ‬
‫في مناسبة أخرى‪..‬‬
‫والمهم لنا هنا هو التنبيه على اختراعهم لقضايا وهمية ثم صرف النقاش إليها للتعمية على الغرض‬
‫الساسي‪..‬‬
‫ي لهذا‪..‬‬
‫وفي قضيتنا القائمة الن مع د‪.‬موراني مثال ح ّ‬
‫حيث تكلم الرجل على مخطوطات المصحف‪ ،‬ووجه سهام الهانة للقرآن الكريم من هذه الزاوية‪ ،‬علًما بأن‬
‫الصل في نقل القرآن السماع والحفظ ل الكتابة والمصاحف‪..‬‬
‫ق إن شاء ال تعالى‪..‬‬ ‫ت لح ٍ‬‫ضا في وق ٍ‬
‫وقد مضى بيانه‪ ،‬ويأتي ما يؤكده أي ً‬
‫لكن أراد موراني أن ينقل حلبة النقاش إلى قضية مخطوطات المصحف؛ لن المنتصر فيها مهزوم ولشك‪.‬‬
‫نعم؛ المنتصر في حلبة المخطوطات مهزوٌم؛ ولذا يريد أن ينقلنا إلى هناك‪ ،‬ليصرفنا عن القضية الصل في‬
‫نقل القرآن‪)) :‬السماع والحفظ ل الكتابة والمصاحف((!!‬
‫ويستحيل في عقٍل يعي شيًئا من نور الفهم أن يصدق جهل د‪.‬موراني بهذه القضية‪ ،‬في الوقت الذي حقق فيه‬
‫بعض كتب التفسير‪ ،‬بما يستلزمه ذلك من الطلع على كتب التفسير والقراءات التي َكُثَر فيها الكلم عن‬
‫اعتماد السماع والحفظ في نقل القرآن بدل من الكتابة والمصاحف!!‬
‫وانظروا أيها القراء الكرام كيف أفزعه الكلم عن هذه القضية فجاء محاول التشكيك والتشويش‪ ،‬فردد لنا‬
‫كلمته المشهورة‪) :‬هراء( وبذل لنا شيًئا من معهود لسانه‪ ،‬ثم انصرف؟!!‬
‫شْبَهة أسلفه القائمة على قضية‬‫ألنها ستهدم له تعب السنين وسفر اليام والليالي بحًثا عن ُمَؤّكٍد ل ُ‬
‫المخطوطات؟!‬
‫شبهتهم وإلى الن؟‬ ‫أم لنها ستهدم عشرات السنين منذ أن بدأت ُ‬
‫نعم يمكنك أيها القارئ المسلم الكريم أن تقول لكافة المواقع التي على الشبكة‪ ،‬ولكافة المستشرقين قديًما‬
‫وحديًثا‪ ،‬ممن قاموا وناموا على رعاية شبهة الدراسة المقارنة بين الصول الخطية للمصحف‪ ،‬بغرض‬
‫))تحقيق القرآن((!! يمكنك أيها المسلم الكريم أن تقول لهم جميًعا‪)) :‬الصل في نقل القرآن على السماع‬
‫شْبَهة ورعايتها حتى‬‫والحفظ ل على الكتابة والمصاحف((‪ ،‬فتهدم لهم سنين التعب والكد والبحث عن ال ّ‬
‫ت!!‬‫استفحل ْ‬
‫شْبهتهم البالية!!‬
‫ث بما يقولونه‪ ،‬ول ما يفصلونه في ُ‬ ‫نعم تهدمها وأنت تحتسي كوًبا من الشاي‪ ،‬غير مكتر ٍ‬
‫ت تعرف ما يمكنك فعله بهم بعد ذلك!!‬ ‫فإن أصروا على مضايقتك‪ ،‬فأن َ‬

‫ن يقنعهم أنهم‬
‫ول حرج علينا حين نكرر قول الستاذ سيد قطب رحمة ال عليه حين قال‪)) :‬أل َمن للقزام ِبَم ْ‬
‫ليسوا بعُد إل القزام((!!‬

‫التدوين الكتابي للقرآن‬

‫ت فيما سبق أن الصل في نقل القرآن على السماع والحفظ ل على الكتابة والمصاحف‪ ،‬وسيأتي ما يؤيد‬ ‫ذكر ُ‬
‫هذا إن شاء ال تعالى وُيَؤكده‪..‬‬
‫خ خطية ومصاحف مكتوبة باليد‪.‬‬‫وقد آن للقراء الكرام أن نوقفهم على تاريخ تدوين المصحف في نس ٍ‬
‫صار من حق البحث الن أن نذهب به صوب مخطوطات المصحف‪ ،‬وما حقيقة ما جرى هنالك‪ ،‬وهل يا ترى‬
‫ُكِتَبت هذه النسخ الخطية بعد وفاة النبي صلى ال عليه وسلم أم في حياته؟‬

‫ت بمعرفة‬
‫سخ الخطية‪ ،‬وزعم آخر أنها ُدَّوَن ْ‬
‫طا عجيًبا فزعم بعضهم انقطاع أسانيد الّن َ‬
‫خلط المستشرقون هنا خل ً‬
‫الصحابة الكرام بعد موت النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهلم جّرا من ُتّرهات المستشرقين وأباطيلهم التي ل‬
‫حصر لها‪.‬‬

‫رغم أن القضية في نظر البعض ربما لم يعد لها أهميتها من حيث البحث‪ ،‬أو لم تعد الحاجة ماسة إلى بيانها‬
‫في نظر البعض؛ بعد بيان أن العتماد في نقل القرآن على السماع ل الكتابة‪..‬‬
‫ت؛ أذكر منها‪:‬‬
‫رغم ذلك‪ :‬فإنها تكتسب أهمية من عدة جها ٍ‬
‫أوًل‪ :‬أن الكتابة مؤكدة للحفظ ومعينة على تثبيته والعناية به‪ ،‬ومذاكرته وتذّكره على الدوام‪ ،‬ووجودهما مًعا‬
‫أعلى درجات الحفظ وأولها وآكدها من وجود الحفظ دون الكتابة أو الكتابة دون الحفظ‪.‬‬
‫ولذا نعلم أن حفظ القرآن ونقله يأتي في أعلى درجات الحفظ والعناية والتثّبت؛ لنه يعتمد على السماع‬
‫والحفظ في الصل‪ ،‬ثم لم ُيْغِفل أهمية الكتابة وفائدتها في تذّكر المحفوظ واستذكاره‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أن كثيًرا من المستشرقين قد عبثوا في هذه الجهة جًدا‪ ،‬وحاولوا تشكيك المسلمين في القرآن الكريم من‬
‫طا عجيًبا‪ ،‬مع تزوير الحقائق وتزييفها وإخفاء الوجه الصحيح للمسألة‪.‬‬ ‫خللها‪ ،‬وخلطوا فيها خل ً‬
‫فكان من حقنا أن نعيد المر إلى نصابه‪ ،‬وندخل البيت من بابه‪ ،‬فننظر في المسألة نظرة المسلمين الصحاء‪،‬‬
‫ل نظرة المستشرقين الخبثاء‪ ،‬ونقيم الدلة على كلمنا من خلل ثوابت الروايات وقواطع النصوص التي ل‬
‫تقبل الجدل ول التشكيك‪ ..‬لعل ال عز وجل ينفع به أقواًما ويضر به آخرين‪.‬‬

‫النبي صلى ال عليه وسلم يأمر بكتابة القرآن فور نزوله‬

‫لنترك الروايات الثابتة والصحيحة تتكلم بنفسها عن نفسها‪ ،‬ولننقلها من أصح الكتب بعد كتاب ال عز وجل‬
‫وهو ))صحيح البخاري((‪ ،‬وسنرى التي‪:‬‬
‫عْنُه َيُقوُل‪َ :‬لّما‬‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬‫ضَ‬‫ت اْلَبَراَء َر ِ‬ ‫سِمْع ُ‬‫ق َقالَ َ‬‫حا َ‬‫سَ‬‫ن َأِبي ِإ ْ‬
‫عْ‬‫شْعَبُة َ‬‫حّدَثَنا ُ‬‫حّدَثَنا َأُبو اْلَوِليِد َ‬
‫البخاري )‪َ (2831‬‬
‫جاَء‬
‫سّلَم َزْيًدا َف َ‬‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬
‫عا َر ُ‬ ‫ن{ ]النساء‪َ [95 :‬د َ‬ ‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫عُدو َ‬ ‫سَتِوي اْلَقا ِ‬
‫ت }َل َي ْ‬ ‫َنَزَل ْ‬
‫ضَرِر{‬‫غْيُر ُأوِلي ال ّ‬ ‫ن َ‬ ‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ِم ْ‬‫عُدو َ‬
‫سَتِوي اْلَقا ِ‬‫ت‪َ} :‬ل َي ْ‬‫ضَراَرَتُه َفَنَزَل ْ‬
‫ن ُأّم َمْكُتوٍم َ‬ ‫شَكا اْب ُ‬
‫ف َفَكَتَبَها َو َ‬
‫ِبَكِت ٍ‬
‫]النساء‪.[95 :‬‬

‫سَتِوي‬‫ت }َل َي ْ‬ ‫ن اْلَبَراِء َقاَل‪َ :‬لّما َنَزَل ْ‬ ‫عْ‬ ‫ق َ‬‫حا َ‬ ‫سَ‬ ‫ن َأِبي ِإ ْ‬‫عْ‬ ‫سَراِئيَل َ‬ ‫ن ِإ ْ‬ ‫عْ‬‫ف َ‬‫س َ‬ ‫ن ُيو ُ‬ ‫حّمُد ْب ُ‬‫حّدَثَنا ُم َ‬‫البخاري )‪َ (4594‬‬
‫جاَءُه َوَمَعُه الّدَواُة‬ ‫لًنا(( َف َ‬ ‫عوا ُف َ‬‫سّلَم‪)) :‬اْد ُ‬ ‫عَلْيِه وَ َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ن{ ]النساء‪َ [95 :‬قاَل الّنِب ّ‬ ‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬‫ن ِم ْ‬ ‫عُدو َ‬‫اْلَقا ِ‬
‫ل{ ]النساء‪:‬‬ ‫سِبيِل ا ِّ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫جاِهُدو َ‬ ‫ن َواْلُم َ‬‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ِم ْ‬ ‫عُدو َ‬‫سَتِوي اْلَقا ِ‬ ‫ب }َل َي ْ‬ ‫ف َفَقاَل‪)) :‬اْكُت ْ‬ ‫ح َأْو اْلَكِت ُ‬
‫َوالّلْو ُ‬
‫ت َمَكاَنَها‪َ} :‬ل‬ ‫ضِريٌر؛ َفَنَزَل ْ‬‫ل َأَنا َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫ن ُأّم َمْكُتوٍم َفَقاَل‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫سّلَم اْب ُ‬
‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ف الّنِب ّ‬
‫خْل َ‬‫‪َ (([95‬و َ‬
‫ل{ ]النساء‪.[95 :‬‬ ‫سِبيِل ا ِّ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫جاِهُدو َ‬ ‫ضَرِر َواْلُم َ‬ ‫غْيَر ُأوِلي ال ّ‬ ‫ن َ‬ ‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬ ‫ن ِم ْ‬‫عُدو َ‬‫سَتِوي اْلَقا ِ‬ ‫َي ْ‬

‫ت‪} :‬لَ‬‫ن اْلَبَراِء َقاَل‪َ :‬لّما َنَزَل ْ‬‫عْ‬‫ق َ‬ ‫حا َ‬ ‫سَ‬ ‫ن َأِبي ِإ ْ‬‫عْ‬ ‫سَراِئيَل َ‬ ‫ن ِإ ْ‬‫عْ‬ ‫سى َ‬ ‫ن ُمو َ‬ ‫ل ْب ُ‬‫عَبْيُد ا ِّ‬
‫حّدَثَنا ُ‬ ‫البخاري )‪َ (4990‬‬
‫سّلَم‪:‬‬
‫عَلْيِه وَ َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ل{ ]النساء‪َ [95 :‬قاَل الّنِب ّ‬ ‫سِبيِل ا ِّ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫جاِهُدو َ‬ ‫ن َواْلُم َ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬ ‫ن ِم ْ‬‫عُدو َ‬ ‫سَتِوي اْلَقا ِ‬
‫َي ْ‬
‫ن{ ]النساء‪:‬‬ ‫عُدو َ‬ ‫سَتِوي اْلَقا ِ‬
‫ب‪َ} :‬ل َي ْ‬ ‫ف َوالّدَواِة ُثّم َقاَل‪ :‬اْكُت ْ‬ ‫ف َأْو اْلَكِت ِ‬
‫ح َوالّدَواِة َواْلَكِت ِ‬ ‫ئ ِبالّلْو ِ‬ ‫ج ْ‬‫ع ِلي َزْيًدا َوْلَي ِ‬
‫))اْد ُ‬
‫ل َفَما َتْأمُُرِني َفِإّني‬‫سوَل ا ِّ‬‫عَمى َقاَل َيا َر ُ‬ ‫ن ُأّم َمْكُتوٍم اَْل ْ‬ ‫عْمُرو ْب ُ‬ ‫سّلَم َ‬‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ظْهِر الّنِب ّ‬ ‫ف َ‬ ‫خْل َ‬ ‫‪َ ،(([95‬و َ‬
‫غْيُر ُأوِلي‬‫ل َ‬ ‫سِبيِل ا ِّ‬‫ن ِفي َ‬ ‫جاِهُدو َ‬ ‫ن َواْلُم َ‬‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ِم ْ‬ ‫عُدو َ‬‫سَتِوي اْلَقا ِ‬ ‫ت َمَكاَنَها }َل َي ْ‬ ‫صِر َفَنَزَل ْ‬ ‫ضِريُر اْلَب َ‬‫جٌل َ‬ ‫َر ُ‬
‫ضَرِر{ ]النساء‪.[95 :‬‬ ‫ال ّ‬

‫ت اْلَبَراَء‬
‫سِمْع ُ‬
‫ق َقاَل َ‬
‫حا َ‬
‫سَ‬‫عن َأِبي ِإ ْ‬‫ن َ‬ ‫سْفَيا ُ‬
‫حّدَثَنا ُ‬‫حّدَثَنا َوِكيٌع َ‬
‫وفي رواية المام أحمد لنفس الحديث )‪َ (18174‬‬
‫ظيًما{ ]النساء‪َ [95 :‬أَتاُه‬ ‫عِ‬‫جًرا َ‬ ‫ن َأ ْ‬
‫عِدي َ‬‫عَلى اْلَقا ِ‬‫ن َ‬‫جاِهِدي َ‬‫ل اْلُم َ‬
‫ضَل ا ُّ‬
‫لَيُة }َوَف ّ‬‫ت َهِذِه ا ْ‬
‫ب َيُقوُل‪َ :‬لّما َنَزَل ْ‬‫عاِز ٍ‬ ‫ن َ‬‫ْب َ‬
‫ضَرِر{ ]النساء‪:‬‬ ‫غْيُر ُأوِلي ال ّ‬
‫ت‪َ } :‬‬ ‫صِر؟ َقاَل‪َ :‬فَنَزَل ْ‬‫ضِريُر اْلَب َ‬‫ل َما َتْأُمُرِني ِإّني َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬‫ن ُأّم َمْكُتوٍم َفَقاَل‪َ :‬يا َر ُ‬‫اْب ُ‬
‫ح َوالّدَواِة((‪.‬ونحوها في رواية‬ ‫ف َوالّدَواِة َأْو الّلْو ِ‬
‫سّلَم‪)) :‬اْئُتوِني ِباْلَكِت ِ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬
‫ي َ‬ ‫‪َ [95‬قاَل‪َ :‬فَقاَل الّنِب ّ‬
‫ضا )‪.(18084‬‬ ‫المام أحمد أي ً‬

‫س مستفادة‬
‫درو ٌ‬

‫ن‪ ،‬ولكنا عمدنا هنا إلى بعض ما يؤكد أن النبي‬ ‫ب الوحي مشهور متواتر ل يحتاج لبيا ٍ‬
‫والحقيقة أن أمر ُكّتا ِ‬
‫حا في‬
‫حا واض ً‬ ‫صلى ال عليه وسلم كان يأمر بكتابة القرآن فور نزول الوحي عليه‪ ،‬وقد سبق هذا صري ً‬
‫النصوص المذكورة هنا‪ ،‬فما معنى هذا‪ ،‬وما هي الفائدة من إيراده؟‬
‫أول‪ :‬براءة النبي صلى ال عليه وسلم من نسيان بعض الوحي‪ ،‬أو عدم تبليغه ُلّمِته‪:‬‬
‫أمر النبي صلى ال عليه وسلم بكتابة القرآن فور نزول الوحي عليه يقطع الطرق على هؤلء المستشرقين‬
‫الخبثاء أمثال نولدكه )الذي يشيد به موراني دائًما( وجون جلكورايست وغيرهما ممن يقولون‪) :‬إن المصحف‬
‫لم يشتمل على كافة الجزاء القرآنية( أو )أن النبي صلى ال عليه وسلم قد نسي شيًئا من القرآن لم يبلغه‬
‫أمته(‪..‬‬
‫ومع وضوح فساد هذا القول جًدا ومصادمته للنصوص القرآنية المؤكد لحفظ ال عز وجل لهذا القرآن الكريم‬
‫خاصة وللسلم عامة‪ ،‬وتوصيله كامل لكافة أجيال أمة السلم؛ ومع هذا كله فقد جاءت النصوص السابقة‬
‫لتقول‪ :‬هاؤم انظروا كيف كتب النبي صلى ال عليه وسلم القرآن فور نزول الوحي عليه‪ ،‬فها هو يقيد الوحي‬
‫س شيًئا أو يضيع منه شيء‪ ،‬أو يتسرب الشك إليه في يوٍم من اليام‪..‬‬ ‫بالكتابة إلى جانب الحفظ‪ ،‬حتى ل ين َ‬
‫وكأن ال عز وجل بسابق علمه قد أراد أن يقطع بهذه النصوص السابقة طريق التشكيك الستشراقي الخبيث‬
‫في القرآن الكريم من جهة نسيان النبي صلى ال عليه وسلم لبعض الوحي الذي نزل‪..‬‬
‫كل؛ هذا هو الوحي ينزل‪ ،‬فيستدعي النبي صلى ال عليه وسلم كتََبة الوحي فوًرا ويأمرهم بكتابة ما نزل‪ ،‬ثم‬
‫يأتي زيد بن ثابت رضي ال عنه )كما سيأتي( فيجمع القرآن من هذه الصحف التي كتبها هو أو غيره بناًء‬
‫على أمر النبي صلى ال عليه وسلم وتحت سمعه وبصره وفي حياته‪..‬‬
‫ث!!‬
‫فل مجال إذن لحاقٍد أو عاب ٍ‬

‫ثانًيا‪ :‬القرآن ليس وجادًة‪.‬‬
‫والوجادة في الكتب كالضالة في الشياء ل صاحب لها‪ ،‬ول نسب ول صلة تربطها بأحٍد!!‬
‫ن هنا اختلف علماء الحديث في قبولها وردها‪ ،‬واستقّر المر عندهم على قبولها في مواضع ورفضها في‬ ‫وِم ْ‬
‫أخرى‪..‬‬
‫ت بها أمارات الرفض‪ ،‬أو كانت عارية عن‬‫حِتها‪ ،‬ورفضوها حين احتّف ْ‬
‫فقبلوها حيث قامت القرائن على ص ّ‬
‫أسباب القبول‪.‬‬
‫ت بناًء على ما حولها من ملبسات؛ فهي من )المقبول لغيره( ل‬‫ت ترى أنها لم ُتْقَبل لذاتها‪ ،‬وإنما ُقِبَل ْ‬
‫فأن َ‬
‫)المقبول لذاته(‪.‬‬
‫وهذا هو منهج العقل السليم‪ ،‬وهو الذي عليه علماء المسلمين‪ ،‬بخلف النصارى الذين قبلوا الوجادة في كل‬
‫ت بل وأثبتوا بها القداسة والنزاهة لما ل تهدأ فيه منافرة الحروف وتلحي الكلمات لتضارب المعاني‬ ‫وق ٍ‬
‫وسمج السياقات!!‬
‫فيا ال ما أحلمك عليهم!!‬

‫نبقى مع القرآن الكريم‪ ،‬فنقول‪ :‬رغم الضوابط الصارمة التي ذكرها أهل الحديث الشريف في قبول الوجادة‬
‫ورّدها إل أن الجماع قد قام على أن العتماد في نقل القرآن على السماع والحفظ ل الكتابة والمصاحف‪ ،‬وقد‬
‫سخ القرآن الخطية التي اعتمد عليها زيٌد في جمع القرآن لم تكن‬ ‫سبق بيان هذا الصل‪ ،‬كما رأينا هنا أن ُن َ‬
‫ت بعد عصر كاتبها أو وفاته‪،‬‬ ‫جَد ْ‬
‫وليدة زمن أبي بكٍر رضي ال عنه‪ ،‬ول كانت وجادًة؛ يعني لم تكن صحيفًة ُو ِ‬
‫ت بأمر النبي صلى ال عليه وسلم وفي حضرته وتحت سمعه وبصره‪ ،‬فأغلق ال بهذا الطريق على‬ ‫وإنما ُكِتَب ْ‬
‫ت بعد النبي صلى ال عليه وسلم‪..‬‬ ‫خبيث يدعي انقطاع سند مخطوطات المصحف‪ ،‬أو جاهٍل يزعم أنها ُكِتَب ْ‬
‫ن واحٍد‪ ..‬فالحمد لك يا ال‪.‬‬ ‫سخ وينسخها كلها في مكا ٍ‬‫ثم هاهو زيٌد يتتبع هذه الّن َ‬

‫ب بأمر النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتحت سمعه‬ ‫ك أن القرآن الكريم قد ُكِت َ‬ ‫نعم؛ ثبت لنا الن وبل أدنى ش ّ‬
‫وبصره‪ ،‬وبحضرته‪ ،‬وفور نزول الوحي عليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم جاء زيٌد رضي ال عنه فتتّبع هذه‬
‫سخ‬
‫سخ المعروف نسبتها وصلتها‪ ،‬والسابق كتابتها بحضرة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأخذ زيٌد هذه الّن َ‬ ‫الّن َ‬
‫ف واحٍد‪ ،‬اعتماًدا على المحفوظ والمكتوب بناًء على الضوابط‬ ‫المعروفة نسًبا وصلًة فجمعها في مصح ٍ‬
‫خ القرآن المكتوب في عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬ ‫سِ‬‫ت في َن ْ‬
‫ضَع ْ‬
‫الصارمة التي ُو ِ‬
‫ن موراني وجلكرايست!!‬ ‫ما بي َ‬
‫شْبَهٌة ل أساس لها!!‬ ‫ُ‬

‫ت أن طعونات المستشرقين في ثوابت السلم ل تتوقف عند قضية مخطوطات القرآن‪ ،‬وأنها حلقة‬ ‫سبق وذكر ُ‬
‫في منظومة كبيرة للطعن في السلم‪ ،‬وتشكيك المسلمين في دينهم من ناحية‪ ،‬وتشويه السلم وتقديمه‬
‫للشعوب الغربية بصورة منفرة من ناحية أخرى‪ ،‬فهي حلقة ذات حدين‪ ،‬لصابة المسلمين وتشكيكهم في‬
‫دينهم‪ ،‬ولحجب غير المسلمين عن الدخول في السلم‪.‬‬

‫وقد تتابع المستشرقون على الطعن في القرآن الكريم خاصة وفي السلم عامة‪ ،‬ولم تتغير نظرتهم للقرآن‬
‫ت مناهجهم في تناول الطعن وتقديمه‪ ،‬كما سبق وأفاد د‪.‬موراني في عبارته التي سبق‬
‫عبر العصور وإن اختلف ْ‬
‫لي أن نقلُتها عنه في بدايات موضوعنا هذا‪.‬‬

‫وكان الطار الذي اختاره موراني لوضع الطعن فيه هو إطار البحث العلمي النزيه القائم على الدراسة‬
‫المقارنة بين مخطوطات المصاحف‪ ،‬وتحقيق المصحف تحقيًقا علمّيا حسب زعمه‪ ،‬كما زعم أنه ربما أوصلتنا‬
‫هذه النسخ إلى زيادة ونقصان في بعضها‪ ،‬أو إلى اختلف ترتيب بعض اليات ولو جزئّيا‪ ..‬كذا زعم موراني‪،‬‬
‫وقد مضى نقل كلمه بنصه في أول هذه المقالت‪ ،‬وفي غير مرة‪.‬‬

‫وجاء جون جلكرايست فأخذ هذا الطعن وجعله في إطاٍر آخر‪ ،‬ثم أضاف إليه أشياء أخرى لم يذكرها لنا‬
‫موراني هنا‪ ،‬وربما ذكرها في موضٍع آخر؛ لن غيره من المستشرقين قد ذكرها‪ ،‬ول زال موراني يؤكد على‬
‫أن نظرة المستشرقين للقرآن لم تتغير!!‬
‫ف‪ ،‬بل لم يدع‬
‫ف وَزّوَر َوَزّي َ‬
‫حّر َ‬
‫طا عجيًبا‪ ،‬و َ‬
‫تكلم جلكرايست كلًما كثيًرا ل طائل من ورائه‪ ،‬وخلط في كلمه خل ً‬
‫رزيلة علمية أو خطيئة منهجّية إل وارتكبها في كتابه هذا‪..‬‬
‫ومع هذا نقتطف من كتابه النص التي فقط‪:‬‬
‫يقول جون جلكرايست في كتابه ))جمع القرآن(( تحت عنوان‪-3)) :‬نظرة عامة حول المرحلة الولى لجمع‬
‫القرآن((‪)) :‬امكانية فقدان بعض أجزاء النص واردة في عدة أحاديث نبوية تبين بعضها أن محمدا كان هو‬
‫نفسه عرضة لنسيان بعض أجزاء القرآن ‪:‬‬
‫"حدثنا موسى يعني ابن إسمعيل حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي اللهم عنها أن‬
‫رجل قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن فلما أصبح قال رسول ال صلى اللهم عليه وسلم يرحم ال فلنا‬
‫كائن من آية أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها" )كتاب الحروف و القراءات سنن بن أبي داود رقم ‪(3456‬‬
‫وضع مترجم المرجع السابق إلى النجليزية ملحظة هامشية بين فيها أن محمدا لم ينس بعض اليات تلقائيا‬
‫بل ال هو الذي أنساه إياها مقيما بذلك عبرة للمسلمين‪ .‬مهما كانت الغاية و السباب فالمهم هو أن محمدا‬
‫تعرض لنسيان بعض القرآن الذي أقر أنه أوحي إليه((‪.‬‬
‫وبناًء على هذا قال جون جلكرايست‪)) :‬نفس النصوص تنفي الفرضية الحديثة القائلة بأن المصحف الحالي‬
‫هو نسخة طبق الصل للقرآن الول لم يحذف منها شيء و لم يمسسها أي تغيير‪ .‬ليس هناك ما يدل على أن‬
‫النص تعرض للتحريف و كل محاولة لتأكيد ذلك )كما فعل بعض الباحثين الغربيين( يمكن ضحضها بسهولة‪.‬‬
‫بالمقابل هناك أدلة عديدة على أن القرآن كان غير مكتمل وقت تدوينه في مصحف واحد((‪.‬‬

‫فهو يشير إلى تأكيد بعض الباحثين الغربيين على تحريف القرآن ثم ينفي هذا الزعم‪ ،‬ويؤكد على أنه لم‬
‫حّرف‪ ،‬وبهذا ينفذ إلى قلوب القراء‪ ،‬ويظن القارئ به النصاف أو النزاهة أو الحيادية فيسهل عليه بعد ذلك‬
‫ُي َ‬
‫ل‪ ،‬ويطلق عبارة ل قيمة لها بأن هناك أدلة عديدة على أن‬ ‫أن يزيف الحقيقة ويزعم أن القرآن لم يصل كام ً‬
‫ف واحٍد!!‬
‫القرآن كان غير مكتمل وقت تدوينه في مصح ٍ‬
‫ويخبط خبط عشواء‪ ،‬ويحطب والدنيا ظلم ليؤكد كلمه وفكرته هذه‪..‬‬
‫بل وصل المر به أن يجعل الواقعة المذكورة في الحديث السابق في كلمه مؤكدة لنسيان النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بعض الوحي!!‬
‫وقد نقله من سنن أبي داود‪ ،‬على عادة المستشرقين في عدم الفهم في ترتيب المصادر‪ ،‬والجهل بعلوم السلم‬
‫ومصادره‪..‬‬
‫ولنرى رأي التاريخ في هذا الخبط الموراني أو الجلكرايستي‪..‬‬

‫فماذا لديك أيها التاريخ؟‬

‫إذا رجعنا إلى الحديث السابق في كلم جلكرايست فسنرى أنه عند البخاري ومسلم‪ ،‬وكان العزو إليهما أولى‬
‫لو كان عارًفا بمصادر المسلمين أو بطرق استخراج النصوص وتخريجها عندهم‪..‬‬
‫عْ‬
‫ن‬ ‫شاٌم َ‬ ‫خَبَرَنا ِه َ‬
‫سِهٍر َأ ْ‬
‫ن ُم ْ‬ ‫ي ْب ُ‬
‫عِل ّ‬
‫خَبَرَنا َ‬ ‫ن آدََم َأ ْ‬
‫شُر ْب ُ‬‫حّدَثَنا ِب ْ‬
‫على كل حاٍل‪ ،‬فالحديث رواه البخاري )‪َ (5042‬‬
‫جِد َفَقاَل‪:‬‬
‫سِ‬‫ن الّلْيِل ِفي اْلَم ْ‬
‫سّلَم َقاِرًئا َيْقَرُأ ِم ْ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫سِمَع الّنِب ّ‬
‫ت‪َ :‬‬ ‫عْنَها َقاَل ْ‬‫ل َ‬‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬‫شَة َر ِ‬
‫عاِئ َ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫َأِبيِه َ‬
‫سوَرِة َكَذا َوَكَذا((‪.‬‬ ‫ن ُ‬ ‫طُتَها ِم ْ‬‫سَق ْ‬
‫ل َلَقْد َأْذَكَرِني َكَذا َوَكَذا آَيًة َأ ْ‬
‫حُمُه ا ُّ‬‫))َيْر َ‬
‫ضا )‪.(788‬‬ ‫ورواه مسلم أي ً‬

‫شْبهة من وجوٍه عديدة نذكر منها‪:‬‬
‫والجواب على هذه ال ّ‬

‫ق بين النسيان الجائز على النبي صلى ال عليه وسلم في غير الوحي‪ ،‬وبين دعوى نقصان القرآن‬ ‫أوًل‪ :‬فر ٌ‬
‫وأنه نسيه بعضه ولم يبلغه أُّمَته!!‬
‫ي شيًئا من الوحي لكن ل ُيَقّر على‬
‫سَ‬‫فالنسيان جائٌز على النبي صلى ال عليه وسلم في غير الوحي‪ ،‬وربما ن ِ‬
‫هذا النسيان أبًدا‪ ،‬بل كان سبحانه وتعالى يتعّهد نبيه بالتذكير دائًما‪ ،‬إما عن طريق الوحي المباشر‪ ،‬أو عن‬
‫ب ال عز وجل له رجل من الصحابة‬ ‫ص َ‬
‫ثن َ‬ ‫طريق نصب الدللة له على التذًّكر كما في الحديث المذكور‪ ،‬حي ُ‬
‫يقرأ الية ليتذكرها النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫ل‪ ،‬بل الحديث المذكور‬ ‫شْبهة ل دليل فيها على أن بعض القرآن قد ضاع‪ ،‬أو أنه لم يصل كام ً‬ ‫ثانًيا‪ :‬أن هذه ال ّ‬
‫ل غير منقوص‪.‬‬ ‫واضح جًدا في كمال القرآن وتمامه‪ ،‬وأنه قد بّلَغه النبي صلى ال عليه وسلم ُلّمِته‪ ،‬كام ً‬
‫ل لرأوا أن النبي صلى ال عليه وسلم يقول‪)) :‬لقد َأْذَكَرِني كذا‬ ‫ولو تدّبر المستشرقون وفكروا بعقولهم قلي ً‬
‫ن أبلغه إياها هو وغيره من‬ ‫ت هذه اليات للرجل الذي قرَأ بها؟ وَم ْ‬‫ن أين وصل ْ‬
‫وكذا آيًة أسقطُتها(( فِم ْ‬
‫الصحابة؟‬
‫أليس هو رسول ال صلى ال عليه وسلم؟!‬
‫فإذا كان النبي صلى ال عليه وسلم قد بّلغ الية لصحابه فحفظوها ووعوها ثم نساها لبعض الوقت حتى‬
‫تذكرها بقراءة القارئ فالقضية هنا محصورة في نسيان النبي صلى ال عليه وسلم للية لبعض الوقت ثم‬
‫تذّكره لها ثانية بعد سماعها من القارئ‪ ،‬ول أثر لها على القرآن إطلًقا‪..‬‬
‫لماذا؟‬
‫لن النبي صلى ال عليه وسلم قد بّلَغها أصحابه‪ ،‬فوصلتهم‪ ،‬ووعوها وحفظوها وقرأوا بها‪ ،‬ففي الوقت الذي‬
‫كان النبي صلى ال عليه وسلم ل يذكرها كانت الية محفوظة في صدور أصحابه معلومًة لديهم يقرأوا بها في‬
‫صلتهم‪..‬‬
‫ن بّلَغها‬
‫فلم تتأثر الية أصل بنسيان النبي صلى ال عليه وسلم لها لبعض الوقت؛ لن نسيانه لها جرى بعد َأ ْ‬
‫أصحابه فحفظوها ووعوها‪ ،‬بدليل أنه تذكرها حين سمعها من القارئ‪..‬‬

‫ل‪ ،‬ول‬
‫فلو كان نسيان النبي صلى ال عليه وسلم للية المذكورة مؤّثًرا عليها لم يكن ليقرأ بها أحٌد أص ً‬
‫ن شيًئا لم يكن كما ترى؛ ِإْذ‬
‫ليتذكرها هو ثانيًة صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن وقع نسيانه لها بعد تبليغه لها‪ ،‬فكَأ ْ‬
‫ل صلة لنسيانه لها لبعض الوقت من قريب أو بعيد بقضية وصولها لصحابه رضوان ال عليهم ول حفظهم‬
‫ح في ذلك‪.‬‬ ‫ت مراًرا قد بلغها قبل نسيانه لها‪ ،‬والحديث ظاهٌر واض ٌ‬
‫لها؛ لنه كما كرر ُ‬

‫س أنه صلى ال عليه وسلم كان يبادر بإملء الوحي فور نزوله على ُكّتابِ‬ ‫ضحه بل أدنى لب ٍ‬
‫ويَؤّكد هذا ويو ّ‬
‫سه‪ ،‬أو يبادر بالرسال لهم وأمرهم بإحضار أدوات الكتابة وكتابة ما نزل من‬‫ن كانوا حضوًرا في مجل ِ‬
‫الوحي ِإ ْ‬
‫الوحي فور نزوله‪ ،‬وقد سبق هذا في المداخلة السابقة هنا‪ ،‬مع أدلة ذلك بوضوح‪..‬‬

‫فأنت ترى الن أنه صلى ال عليه وسلم كان يكتب الوحي فور نزوله‪ ،‬ثم كان ُيَبّلغه أصحابه فور نزوله‬
‫ي شيًئا لبعض الوقت ثم تذّكَرُه ثانيًة؛ لنه قد سبق تدوينه‬ ‫ويقرأه عليهم فيكتبوه‪ ،‬فل إشكال بعد ذلك إن نس َ‬
‫ظ في الصدور‪..‬‬ ‫ظ في أدوات الكتابة كما حُِف َ‬
‫حِف َ‬
‫فور نزوله ف ُ‬

‫فاجتمع فور نزول الوحي أعلى درجات الحفظ له‪ ،‬وهما حفظ الصدر وحفظ الكتابة‪ ،‬وتكاتف السماع مع الكتابة‬
‫على حفظ القرآن الكريم‪ ..‬فلله الحمد‪.‬‬

‫صا‪ ،‬ويستدلون بأن النبي‬
‫شْبَهة لهؤلء المستشرقين الذين يزعمون أن القرآن وصل ناق ً‬ ‫ومن هنا ل مدخل ول ُ‬
‫ي بعض اليات‪..‬‬ ‫صلى ال عليه وسلم قد نس َ‬
‫كل؛ نساها بعد أن كتبها‪..‬‬
‫ن َثّم تذّكَرها ثانيًة حين سمعهم يقرأوا بها‪ ،‬كما هو واضح من الحديث‬
‫كل؛ ونساها بعد أن حفظها أصحابه‪ ،‬وِم ْ‬
‫بحمد ال تعالى‪..‬‬

‫ثانًيا‪ :‬قال ابن حجٍر شارح البخاري في شرحه للحديث السابق‪َ)) :‬وَقْوله ِفيِه‪َ) :‬لَقْد َأْذَكَرِني َكَذا َوَكَذا آَية( َقاَل‬
‫عَلْيِه‪َ ،‬وَكَذا‬
‫ن اْلُقْرآن َبْعد الّتْبِليغ َلِكّنُه َل ُيَقّر َ‬
‫شْيًئا ِم ْ‬
‫سى َ‬‫ن َيْن َ‬
‫سّلَم َأ ْ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ّ‬
‫ي َ‬ ‫عَلى الّنِب ّ‬
‫جوز َ‬‫جْمُهور ‪َ :‬ي ُ‬‫اْل ُ‬
‫ل{ ]العلى‪- 6 :‬‬ ‫شاَء ا ّ‬ ‫سى ِإل َما َ‬ ‫ل َتْن َ‬
‫سُنْقِرُئك َف َ‬
‫عَلْيِه َقْوله َتَعاَلى‪َ } :‬‬
‫غ‪َ ،‬وَيُدّل َ‬
‫سى َما ل َيَتَعّلق ِباِلْبل ِ‬
‫ن َيْن َ‬
‫جوز َأ ْ‬
‫َي ُ‬
‫‪(([7‬أهـ‬

‫سيكه ال عز وجل‪ ،‬لعّلة‬ ‫والستثناء في قوله تعالى‪} :‬إل ما شاء ال{ يعني‪ :‬إل ما شاء ال أن ُينسيكه‪ ،‬فسُيْن ِ‬
‫خْيٍر ّمْنَها َأْو ِمْثِلَها{‬
‫ت ِب َ‬
‫سَها َنْأ ِ‬
‫ن آَيٍة َأْو ُنن ِ‬
‫خ ِم ْ‬
‫سْ‬‫ل‪ ،‬كما يقول ال عز وجل في الية الخرى‪َ} :‬ما َنن َ‬
‫النسخ مث ً‬
‫]البقرة‪.[106 :‬‬

‫ت آَيَة َكَذا‬ ‫سي ُ‬ ‫ن َوَهْل َيُقوُل َن ِ‬ ‫ن اْلُقْرآ ِ‬ ‫سَيا ِ‬‫وقد َبّوب البخاري )‪ (5037‬على الحديث المذكور هنا بقوله‪َ)) :‬باب ِن ْ‬
‫ل{ ]العلى‪.(([7 - 6 :‬‬ ‫شاَء ا ّ‬ ‫سى ِإل َما َ‬ ‫ل َتْن َ‬‫سُنْقِرُئك َف َ‬ ‫ل َتَعاَلى‪َ } :‬‬ ‫َوَكَذا؟ َوَقْوِل ا ِّ‬
‫ن َهَذا‬ ‫عْ‬ ‫جِر َ‬ ‫س ِللّز ْ‬‫سيت آَية َكَذا َوَكَذا َلْي َ‬ ‫ن َقْول‪َ :‬ن ِ‬ ‫عْ‬‫ن الّنْهي َ‬ ‫ن حجٍر رحمه ال‪َ)) :‬كَأّنُه ُيِريد َأ ّ‬ ‫قال شارحه اب ُ‬
‫عَلى‬ ‫حة َ‬ ‫ن َيْنِزل اْلَمْنع َواِْلَبا َ‬ ‫حَتِمل َأ ْ‬ ‫ضَية ِلَقْوِل َهَذا الّلْفظ ‪َ ,‬وَي ْ‬ ‫سَيان اْلُمْقَت ِ‬ ‫سَباب الّن ْ‬ ‫طي َأ ْ‬ ‫ن َتَعا ِ‬‫عْ‬ ‫جِر َ‬ ‫الّلْفظ ‪َ ,‬بْل ِللّز ْ‬
‫عْ‬
‫ن‬ ‫شأ َ‬ ‫سَيان َلْم َيْن َ‬ ‫ن الّن ْ‬ ‫ك َِل ّ‬‫عَلْيِه َقْول َذِل َ‬ ‫جَهاِد َلْم َيْمَتِنع َ‬ ‫ي َكاْل ِ‬‫شِتَغاله ِبَأْمٍر ِديِن ّ‬ ‫ن ِا ْ‬‫عْ‬ ‫سَيانه َ‬ ‫شَأ ِن ْ‬‫ن َن َ‬ ‫ن ‪َ :‬فَم ْ‬ ‫حاَلَتْي ِ‬
‫َ‬
‫سَيان ِإَلى َنْفسه ‪.‬‬ ‫سَبة الّن ْ‬ ‫ن ِن ْ‬‫سّلَم ِم ْ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫صّلى الّ َ‬ ‫ي َ‬ ‫ن الّنِب ّ‬‫عْ‬ ‫ك َ‬ ‫ن َذِل َ‬‫حَمل َما َوَرَد ِم ْ‬ ‫ك ُي ْ‬
‫عَلى َذِل َ‬ ‫ي ‪َ ,‬و َ‬ ‫ِإْهَمال ِديِن ّ‬
‫سَيان‪.‬‬ ‫سَباب الّن ْ‬ ‫طيِه َأ ْ‬‫عَلْيِه ِلَتَعا ِ‬
‫ظوًرا ‪ِ -‬اْمَتَنَع َ‬ ‫حُ‬‫ن َم ْ‬‫ن َكا َ‬ ‫سّيَما ِإ ْ‬‫ي ‪َ -‬وَل ِ‬ ‫شِتَغاله ِبَأْمٍر ُدْنَيِو ّ‬ ‫ن ِا ْ‬‫عْ‬ ‫سَيانه َ‬ ‫شَأ ِن ْ‬‫ن َن َ‬ ‫َوَم ْ‬
‫صير‬ ‫ل{ ]العلى‪ُ :[7 - 6 :‬هَو َم ِ‬ ‫شاَء ا ّ‬ ‫سى ِإل َما َ‬ ‫ل َتْن َ‬‫سُنْقِرُئك َف َ‬ ‫ل َتَعاَلى‪َ } :‬‬ ‫َقْوله ـ ]يعني البخاري[ـ‪َ :‬وَقْول ا ّ‬
‫خَبَرُه َأّنُه ل‬ ‫ل َأ ْ‬‫نا ّ‬ ‫سى{ َناِفَية‪َ ،‬وَأ ّ‬ ‫ن )ل( ِفي َقْوله‪َ} :‬فل َتْن َ‬ ‫عَلْيِه اَْلْكَثر َأ ّ‬ ‫خِتَيار َما َ‬ ‫ِمْنُه ـ ]يعني البخاري[ـ ِإَلى ِا ْ‬
‫سب ُرُءوس الي‪َ ،‬واَلّول َأْكَثر‬ ‫سين ِلُتَنا ِ‬ ‫شَباع ِفي ال ّ‬ ‫ن )ل( َناِهَية‪َ ،‬وِإّنَما َوَقَع اِْل ْ‬ ‫سى َما َأْقَرأُه ِإّياُه‪َ ،‬وَقْد ِقيَل‪ِ :‬إ ّ‬ ‫َيْن َ‬
‫شاَء‬ ‫سن َوَقَتاَدة‪ِ} :‬إّل َما َ‬ ‫ح َ‬‫ن اْل َ‬ ‫عْ‬ ‫ي‪َ ،‬و َ‬ ‫سُتْثِن َ‬‫يء ِا ْ‬‫ش ْ‬‫ك َ‬ ‫س ُهَنا َ‬ ‫ك َوَلْي َ‬ ‫سِتْثَناء َفَقاَل اْلَفّراء ‪ُ :‬هَو ِللّتَبّر ِ‬ ‫ف ِفي ال ْ‬ ‫خُتِل َ‬‫‪َ .‬وا ْ‬
‫عَلْيِه ِم ْ‬
‫ن‬ ‫جِبْلت َ‬ ‫ن‪َ ،‬وِقيَل‪ِ :‬لَما ُ‬ ‫سّ‬ ‫سيَكُه ِلَت ُ‬ ‫ن ُيْن ِ‬‫ل َأ ْ‬
‫عّباس ‪ِ :‬إّل َما َأَراَد ا ّ‬ ‫ن ِاْبن َ‬ ‫عْ‬ ‫ن ُتْرَفع ِتلَوته ‪َ .‬و َ‬ ‫ضى َأ ْ‬ ‫ي َق َ‬ ‫ل{ َأ ْ‬ ‫ا ّ‬
‫سخُه‬ ‫ن َيْن َ‬‫ل َأ ْ‬‫ي‪ :‬ل َتْتُرك اْلَعَمل ِبِه ِإّل َما َأَراَد ا ّ‬ ‫سى{ َأ ْ‬ ‫ل َتْن َ‬‫سَنْذُكُرُه َبْعد‪َ ,‬وِقيَل اْلَمْعَنى‪َ} :‬ف َ‬ ‫ن َ‬ ‫شِرّية َلِك ْ‬ ‫طَباع اْلَب َ‬ ‫ال ّ‬
‫َفَتْتُرك اْلَعَمل ِبِه((أهـ‬
‫ن َأِبي‬ ‫سى ْب ُ‬ ‫حّدَثَنا ُمو َ‬‫عَواَنَة َقاَل َ‬ ‫حّدَثَنا َأُبو َ‬ ‫عيَل َقالَ َ‬ ‫سَما ِ‬‫ن ِإ ْ‬ ‫سى ْب ُ‬ ‫حّدَثَنا ُمو َ‬ ‫ثالًثا‪ :‬قال المام البخاري رحمه ال‪َ :‬‬
‫جَل ِبِه{ َقاَل‪َ)) :‬كا َ‬
‫ن‬ ‫ك ِلَتْع َ‬
‫ساَن َ‬‫ك ِبِه ِل َ‬‫حّر ْ‬‫س ِفي َقْوِلِه َتَعاَلى‪} :‬ل ُت َ‬ ‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫ن اْب ِ‬ ‫عْ‬ ‫جَبْيٍر َ‬ ‫ن ُ‬‫سِعيُد ْب ُ‬ ‫حّدَثَنا َ‬
‫شَة َقاَل َ‬ ‫عاِئ َ‬‫َ‬
‫س‪َ :‬فَأَنا‬ ‫عّبا ٍ‬‫ن َ‬ ‫شَفَتْيِه‪َ ،‬فَقاَل اْب ُ‬‫ك َ‬ ‫حّر ُ‬‫ن ِمّما ُي َ‬‫شّدًة‪َ ،‬وَكا َ‬ ‫ن الّتْنِزيِل ِ‬ ‫ج ِم ْ‬ ‫سّلَم ُيَعاِل ُ‬
‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫َر ُ‬
‫عّبا ٍ‬
‫س‬ ‫ن َ‬ ‫ت اْب َ‬
‫حّرُكُهَما َكَما َرَأْي ُ‬ ‫سِعيٌد‪َ :‬أَنا ُأ َ‬‫حّرُكُهَما‪َ ،‬وَقاَل َ‬ ‫سّلَم ُي َ‬‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫حّرُكُهَما َلُكْم َكَما َكا َ‬ ‫ُأ َ‬
‫جْمُعُه‬‫جْمَعُه َوُقْرآَنُه{ َقاَل‪َ :‬‬ ‫عَلْيَنا َ‬‫ن َ‬ ‫جَل ِبِه ِإ ّ‬
‫ك ِلَتْع َ‬
‫ساَن َ‬
‫ك ِبِه ِل َ‬ ‫حّر ْ‬ ‫ل َتَعاَلى‪} :‬ل ُت َ‬ ‫شَفَتْيِه‪َ ،‬فَأْنَزَل ا ُّ‬
‫ك َ‬ ‫حّر َ‬‫حّرُكُهَما‪َ ،‬ف َ‬ ‫ُي َ‬
‫عَلْيَنا َأ ْ‬
‫ن‬ ‫عَلْيَنا َبَياَنُه{ ُثّم ِإنّ َ‬
‫ن َ‬ ‫ت‪ُ} ،‬ثّم ِإ ّ‬ ‫ص ْ‬ ‫سَتِمْع َلُه َوَأْن ِ‬
‫ك َوَتْقَرَأُه }َفِإَذا َقَرْأَناُه{ َفاّتِبْع ُقْرآَنُه‪َ ،‬قاَل‪َ :‬فا ْ‬ ‫صْدِر َ‬
‫ك ِفي َ‬ ‫َل َ‬
‫صّلى‬ ‫جْبِريُل َقَرَأُه الّنِبيّ َ‬ ‫ق ِ‬ ‫طَل َ‬
‫سَتَمَع َفِإَذا اْن َ‬‫جْبِريُل ا ْ‬ ‫ك ِإَذا َأَتاُه ِ‬ ‫سّلَم َبْعَد َذِل َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫َتْقَرَأُه‪َ ،‬فَكا َ‬
‫سّلَم َكَما َقَرَأُه((‪.‬‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫ا ُّ‬
‫ضا )‪.(448‬‬ ‫ورواه مسلم أي ً‬

‫جل حفظ القرآن‪ ،‬فأمره ال عز وجل أن ينصت إلى جبريل‪،‬‬ ‫ت ترى أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يتع ّ‬ ‫فأن َ‬
‫أوًل‪ ،‬ووعَده بأن يحفظه‪ ،‬وأن يقرَأه النبي صلى ال عليه وسلم كما سِمَعه من جبريل عليه السلم‪..‬‬

‫سَتَمَع َفِإَذا‬
‫جْبِريُل ا ْ‬
‫ك ِإَذا َأَتاُه ِ‬
‫سّلَم َبْعَد َذِل َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫س المذكور‪َ)) :‬فَكا َ‬ ‫ففي حديث ابن عبا ٍ‬
‫سّلَم َكَما َقَرَأُه((‪.‬‬‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬
‫ي َ‬ ‫جْبِريُل َقَرَأُه الّنِب ّ‬
‫ق ِ‬
‫طَل َ‬
‫اْن َ‬

‫ب السابق في المداخلة السابقة‪،‬‬ ‫فها هو يقرأه كما قرَأه جبريل تماًما‪ ،‬ثم تأتي روايات حديث البراء بن عاز ٍ‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ت‪:‬‬‫ن اْلَبَراِء َقاَل‪َ :‬لّما َنَزَل ْ‬
‫عْ‬ ‫ق َ‬‫حا َ‬ ‫سَ‬‫ن َأِبي ِإ ْ‬ ‫عْ‬‫سَراِئيَل َ‬ ‫ن ِإ ْ‬‫عْ‬ ‫سى َ‬ ‫ن ُمو َ‬ ‫ل ْب ُ‬
‫عَبْيُد ا ِّ‬‫حّدَثَنا ُ‬
‫رواية البخاري )‪َ (4990‬‬
‫سّلَم‪:‬‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ل{ ]النساء‪َ [95 :‬قاَل الّنِب ّ‬ ‫سِبيِل ا ِّ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫جاِهُدو َ‬ ‫ن َواْلُم َ‬‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬‫ن ِم ْ‬‫عُدو َ‬ ‫سَتِوي اْلَقا ِ‬
‫}َل َي ْ‬
‫ن{ ]النساء‪:‬‬ ‫عُدو َ‬‫سَتِوي اْلَقا ِ‬ ‫ب‪َ} :‬ل َي ْ‬ ‫ف َوالّدَواِة ُثّم َقاَل‪ :‬اْكُت ْ‬ ‫ف َأْو اْلَكِت ِ‬
‫ح َوالّدَواِة َواْلَكِت ِ‬ ‫ئ ِبالّلْو ِ‬‫ج ْ‬‫ع ِلي َزْيًدا َوْلَي ِ‬
‫))اْد ُ‬
‫ل َفَما َتْأمُُرِني َفِإّني‬‫سوَل ا ِّ‬ ‫عَمى َقاَل َيا َر ُ‬ ‫ن ُأّم َمْكُتوٍم اَْل ْ‬ ‫عْمُرو ْب ُ‬ ‫سّلَم َ‬‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ظْهِر الّنِب ّ‬‫ف َ‬ ‫خْل َ‬ ‫‪َ ،(([95‬و َ‬
‫غْيُر ُأوِلي‬‫ل َ‬ ‫سِبيِل ا ِّ‬‫ن ِفي َ‬ ‫جاِهُدو َ‬ ‫ن َواْلُم َ‬ ‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬‫ن ِم ْ‬ ‫عُدو َ‬‫سَتِوي اْلَقا ِ‬ ‫ت َمَكاَنَها }َل َي ْ‬ ‫صِر َفَنَزَل ْ‬
‫ضِريُر اْلَب َ‬ ‫جٌل َ‬
‫َر ُ‬
‫ضَرِر{ ]النساء‪.[95 :‬‬ ‫ال ّ‬

‫حَكم‪ :‬يقرأه النبي صلى ال عليه وسلم كما قرَأُه جبريل تماًما‪ ،‬ثم يأمر النبي‬ ‫فانظر في هذا الترتيب الرباني الُم ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم بكتابة الوحي على الفور‪ ،‬في الوقت نفسه يقرَأُه النبي صلى ال عليه وسلم على‬
‫ي شيًئا منه ذّكَرْته قراءة أصحابه رضوان ال لما سمعوه منه من قبُل‪ ،‬وما‬ ‫سَ‬ ‫أصحابه فيحفظوه‪ ،‬حتى إذا ما َن ِ‬
‫دّونوه بأمره وتحت سمعه وبصره في ألواحهم‪..‬‬
‫ت به وأوليت‪..‬‬
‫فلك اللهم الحمد على ما أنعم َ‬

‫رابًعا‪ :‬قال المام عبد الرزاق الصنعاني رحمه ال في ))تفسيره(( )‪)) :(1/55‬حدثنا َمْعمر عن قتادة والكلبي‬
‫سي نبّيه ما شاَء وينسخ ما شاء‪.‬‬‫في قوله‪} :‬ما ننسخ من آية أو ننسها{ قال‪ :‬كان ال تعالي ِذْكره ُيْن ِ‬
‫قال َمْعمر‪ :‬وقال قتادة‪ :‬وأما قوله‪} :‬نأت بخير منها أو مثلها{ يقول‪ :‬آيه فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر‬
‫فيها نهي((أهـ‬
‫وهذا المعنى مشهور في تفاسير المسلمين‪ ..‬ومنه يؤخذ أن نسيان النبي صلى ال عليه وسلم لم يكن ليقع إل‬
‫سيه لنبيه صلى ال عليه وسلم فليس هو‬ ‫بمشيئة ال عز وجل‪ ،‬وبطبيعة الحال فإن ما أراد ال عز وجل أن ُيْن ِ‬
‫من الوحي المأمور بتبليغه‪ ،‬بخلف ما لو أوحاه ال عز وجل إليه ثم نساه النبي صلى ال عليه وسلم بعد‬
‫تبليغه ُلّمِته‪ ،‬فهذا وحي‪ ،‬ل يضره أن ينساه النبي صلى ال عليه وسلم لبعض الوقت؛ لنه قد بّلَغه ُلّمِته‬
‫فحفظوه ووعوه ودّونوه في حضرة النبي صلى ال عليه وسلم وتحت سمعه وبصره‪ ،‬ثم ها هو يتذكره ثانيًة‬
‫إذا سمعهم يتلونه‪..‬‬

‫ن أبي حاتٍم في ))تفسيره(( )‪)) :(1057‬حدثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة حدثنا أسباط‬ ‫وقال اب ُ‬
‫سّدي‪} :‬ما ننسخ من آيٍة{‪ :‬نسخها‪ :‬قبضها‪.‬‬‫عن ال ّ‬
‫قال أبو محمد ـ ]وهو ابن أبي حاتٍم[ ـ‪ :‬يعني بقبضها رفعها؛ مثل‪ :‬الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة‪،‬‬
‫وقوله‪ :‬لو كان لبن آدم واديان من مال لبتغى إليهما ثالث((أهـ‬

‫ضا‪ 19222)) :‬عن مجاهد في قوله‪} :‬سنقرئك فل‬ ‫ولننظر في هذه النصوص في ))تفسير ابن أبي حاتٍم(( أي ً‬
‫سه مخافة أن ينسى‪.‬‬
‫تنسى{ قال‪ :‬كان يتذكر القرآن في نف ِ‬
‫‪ 19223‬عن ابن عباس‪} :‬سنقرئك فل تنسى إل ما شاء ال{ يقول‪ :‬إل ما شئت أنا فأنسيك‬
‫‪ 19224‬عن قتادة في قوله‪} :‬سنقرئك فل تنسى إل ما شاء ال{ قال‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ل‬
‫ينسى شيًئا إل ما شاء ال((أهـ‬

‫ن كثير في ))تفسيره(( )‪)) :(4/501‬وقوله تعالى‪} :‬سنقرئك{ أي يا محمد }فل تنسى{‪ ،‬وهذا إخباٌر‬ ‫ويقول اب ُ‬
‫من ال تعالى ووعٌد منه له بأنه سيقرئه قراءًة ل ينساها‪} ،‬إل ما شاء ال{‪ ،‬وهذا اختيار ابن جرير‪ ،‬وقال‬
‫قتادة‪ :‬كان رسول ال ‪ e‬ل ينسى شيًئا إل ما شاء ال‪ ،‬وقيل‪ :‬المراد بقوله‪} :‬فل تنسى{ طلب وجعل معنى‬
‫الستثناء على هذا ما يقع من النسخ أي ل تنسى ما نقرئك إل ما يشاء ال رفعه فل عليك أن تتركه((أهـ‬

‫شْبهة المثارة بهذه الّرباعية المذكورة‪ ،‬ومنها يظهر أن النبي صلى ال عليه وسلم‬ ‫وأكتفي في الجواب عن ال ّ‬
‫ن ُيْبِلَغه ُأّمَته‪ ،‬كما يتضح لنا مما سبق بجلٍء ل لبس فيه أن النبي‬ ‫ُمَبّرٌأ تماًما من نسيان بعض الوحي قبل َأ ْ‬
‫ل غير منقوص تماًما‬ ‫ن القرآن قد وصلنا كام ً‬
‫س حرًفا من القرآن لم ُيْبِلغه ُأّمَته‪ ،‬وأ ّ‬‫صلى ال عليه وسلم لم ين َ‬
‫كما قرأُه النبي صلى ال عليه وسلم على جبريل عليه السلم‪..‬‬
‫ب العالمين‪..‬‬ ‫فالحمد ل ر ّ‬
‫عودٌة إلى تدوين القرآن وترتيبه‬
‫في العهد النبوي‬

‫نعود إلى ما كّنا فيه من الكلم عن التدوين الكتابي للقرآن الكريم وترتيبه في العهد النبوي‪ ،‬وبحضرة النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫طا عجيًبا جًدا‪ ،‬وكان على رأس هؤلء المستشرقين‬ ‫ث خلط أكثُر المستشرقين في هذا الموضع خل ً‬ ‫حي ُ‬
‫جولدزيهر ونولدكه وجون جلكرايست وموراني وغيرهم ممن لم يتمكن ِمن دراسة السلم ِمن منابعه‬
‫الصلية‪ ،‬أو بطرِقه الصحيحة‪.‬‬
‫صا‪ ،‬بينما ذهب جولدزيهر وجلكرايست إلى أن‬ ‫حتى وصل الحال بنولدكه أن يزعم أن القرآن قد وصلنا ناق ً‬
‫جِمع من الصحف والكتاف ومن صدور الرجال‪ ،‬فاحتمل هنا دخول الخلل‪ ،‬وضياع بعض القرآن‪،‬‬ ‫القرآن قد ُ‬
‫ومن هنا جاء نولدكه وموراني ليزعما ضرورة الدراسة المقارنة لنسخ المصحف بغرض تحقيق القرآن‪،‬‬
‫للوقوف على الزيادة والنقص واختلف الترتيب بين هذه النسخ‪.‬‬
‫ب من الصحف والكتاف‬ ‫وذهب بعض الباحثين الغربيين إلى أن القرآن قد وقع فيه التحريف؛ لنه قد ُكِت َ‬
‫وغيرها من أدوات الكتابة‪ ،‬ولم ُيْكتب ـ كما زعم ـ بحضرة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حكى ذلك عنهم جون‬
‫جلكرايست في كتابه ))جمع القرآن(( ورّده وَأّكد على أن القرآن لم يقع فيه أي تحريف‪ ،‬ولكنه في نظره لم‬
‫عا‪ ،‬وأن جمع‬‫ل‪ ،‬وعلل ذلك بعلٍل شتى‪ ،‬كان منها أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يترك القرآن مجمو ً‬ ‫يصل كام ً‬
‫القرآن قد خضع لضوابط صارمة ورغبة صادقة قام بها الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬ولكن فاتهم الكثير من‬
‫القرآن حسب زعمه فلم ُيَدّوُنوه!!‬

‫ويلحظ هنا وحدة الفكار مع اختلف الشخاص والزمنة‪.‬‬
‫واختلف عباراتهم في التعبير عن نفس الفكار ل يعني اختلف الفكرة‪ ،‬أو تغّيرها‪..‬‬
‫وهذا كله يؤكد ما سبق لموراني أن ردده حين قال في كلمه عن إدوارد سعيد‪)) :‬غير أنه قال كلمة حق ولم‬
‫ن موقف المستشرقين لم يتغير في جوهره عن موقف أسلفهم ‪ ,‬يعني بذلك في‬ ‫يرد بها ال الحق عندما زعم أ ّ‬
‫الدرجة الولى موقف المستشرقين من النبي ومن القرآن ‪ .‬اّل أنه أخطأ عندما زعم أن منهجية البحاث لم‬
‫تتغير ‪ .‬انه كان عاجزا من أن يرى أن المنهجية والقتراب من العلوم السلمية قد تغّير كما تغيرت الوضاع‬
‫بظهور المصادر الجديدة التي لم يتناولها السلف بسبب عدم وجودها في بداية القرن ‪ 20‬م مثل ‪.‬‬
‫أما الموقف المبدئي من القرآن فهو لم يتغير(( ]مستند رقم )‪ (5‬السابق في المستندات[‪.‬‬

‫وعلى كل حاٍل فقد سبق رد هذه التخليطات في المداخلت السابقة‪ ،‬كما سبق إثبات أن النبي صلى ال عليه‬
‫ضا طرّيا بمجرد نزول الوحي عليه صلى ال عليه وسلم‪،‬‬ ‫ن القرآن فور نزوله‪ ،‬وأمر بكتابته غ ّ‬ ‫وسلم قد دّو َ‬
‫فإن لم يكن الكاتب موجوًدا بعث في طلِبه‪ ،‬وأمَرُه بإحضار أدوات الكتابة‪ ،‬ثم َأْمَلى عليه الوحي فكتبه في‬
‫الصحف والكتاف‪ ،‬بجوار حفظه في الصدور‪.‬‬

‫ونتابع مسيرتنا في نفس الموضوع فنزيده أدلًة وأطروحات جديدًة‪ ،‬مَؤّكَدًة لما سبق تقريره في ))كتابة النبي‬
‫ظا في الصدور‪،‬‬ ‫ت صلى ال عليه وسلم إل والقرآن محفو ً‬ ‫صلى ال عليه وسلم للوحي فور نزوله‪ ،‬وأنه لم َيُم ْ‬
‫مكتوًبا في اللواح والكتاف وغيرها من أدوات الكتابة((‪.‬‬
‫مع الشارة للقتصار في ذلك كله على الثابت من الدلة‪ ،‬وكذا اليجاز في ذلك جّدا‪ ،‬بعَد ضمان السلمة ِمن‬
‫َبْتر المعاني والموضوعات‪.‬‬
‫وذلك تأكيًدا على أمرين‪:‬‬
‫ل‪ ،‬عن طريق الكتابة‪ ،‬وبدء تدوينه وكتابته فور نزول الوحي‪ ،‬ثم تكرر عملية‬ ‫الول‪ :‬وصول القرآن الكريم كام ً‬
‫نسخ هذا المكتوب على َمّر الجيال دون زيادة أو نقصان‪..‬‬
‫عِد ال عز وجل بحفظ القرآن‬ ‫قو ْ‬
‫ساخ وتطاول الزمان مع ثبات المنسوخ أكبر الدللة على تحّق ِ‬ ‫وفي كثرة الّن ّ‬
‫الكريم‪..‬‬
‫الثاني‪ :‬التأكيد على ما سبق بيانه من أن العتماد في نقل القرآن على السماع والحفظ ل على الكتابة‬
‫والمصاحف‪.‬‬
‫والضبط على قسمين‪:‬‬
‫ضبط صدٍر‪ ،‬وهو الحفظ‪ ،‬وضبط كتابة‪ ،‬وهو التدوين الكتابي للعلوم‪.‬‬
‫وكل الضبطين معتمٌد ومعموٌل به‪ ،‬بيَد أن أعلى الحالت ما اجتمع فيه الضبطان مًعا‪ ،‬وتوازيا على حف ِ‬
‫ظ‬
‫المنقول‪.‬‬
‫وهذا عينه ما تحقق في القرآن الكريم‪.‬‬
‫فقد كان ول زال العتماد فيه على الحفظ والسماع‪ ،‬ل على الكتابة والمصاحف‪ ،‬ومع هذا فقد كان ول زال‬
‫ف‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬‫طا كتابًة ورسًما في ال ّ‬
‫ظا مضبو ً‬‫مكتوًبا محفو ً‬

‫والخلصة عند البخاري‬

‫ن القرآن بأمِره وحضرِته‪ ،‬فَأَمَر صلى ال عليه وسلم‬‫وخلصُة ذلك كله‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قد َدّو َ‬
‫ت صلى ال عليه وسلم حتى‬ ‫بكتابِة القرآن في حياته‪ ،‬وتحت سمعه وبصره‪ ،‬فور نزول الوحي مباشرًة‪ ،‬ولم َيُم ْ‬
‫ظا في الصدور‪ ،‬مكتوًبا في اللواح والكتاف ونحوهما من أدوات الكتابة‪.‬‬ ‫كان القرآن محفو ً‬

‫عَلْيِه‬‫صّلى الُّ َ‬ ‫ي َ‬ ‫ن َقاَل َلْم َيْتُرك الّنِب ّ‬‫خصَ لنا البخاري العظيم هذه القضية بقوله رحمة ال عليه‪َ)) :‬باب َم ْ‬ ‫وقد َل ّ‬
‫ن((‪..‬‬‫ن الّدّفَتْي ِ‬
‫سّلَم ِإّل َما َبْي َ‬‫َو َ‬
‫خْل ُ‬
‫ت‬ ‫ن ُرَفْيٍع َقاَل‪َ :‬د َ‬‫عْبِد اْلَعِزيِز ْب ِ‬
‫ن َ‬ ‫عْ‬ ‫ن َ‬ ‫سْفَيا ُ‬
‫حّدَثَنا ُ‬
‫سِعيٍد َ‬
‫ن َ‬ ‫حّدَثَنا ُقَتْيَبُة ْب ُ‬
‫ثم أورَد البخاري رحمه ال )‪َ (5019‬‬
‫سّلَم‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫ك الّنِب ّ‬
‫ن َمْعِقٍل‪َ :‬أَتَر َ‬
‫شّداُد ْب ُ‬
‫عْنُهَما َفَقاَل َلُه َ‬‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬ ‫س َر ِ‬ ‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫عَلى اْب ِ‬‫ن َمْعِقٍل َ‬ ‫شّداُد ْب ُ‬‫َأَنا َو َ‬
‫ك ِإّل َما‬
‫سَأْلَناُه؟ َفَقاَل ‪َ :‬ما َتَر َ‬
‫حَنِفّيِة َف َ‬
‫ن اْل َ‬
‫حّمدِ ْب ِ‬
‫عَلى ُم َ‬‫خْلَنا َ‬
‫ن‪َ ،‬قاَل‪َ :‬وَد َ‬ ‫ن الّدّفَتْي ِ‬
‫ك ِإّل َما َبْي َ‬
‫يٍء؟ َقاَل‪َ :‬ما َتَر َ‬ ‫ش ْ‬‫ن َ‬ ‫ِم ْ‬
‫ن‪.‬‬
‫ن الّدّفَتْي ِ‬‫َبْي َ‬

‫ن ُرَفْيٍع َقاَل‪:‬‬
‫عْبُد اْلَعِزيِز ْب ُ‬
‫حّدَثَنا َ‬
‫ن َ‬
‫سْفَيا ُ‬
‫حّدَثَنا ُ‬ ‫وفي رواية المام أحمد رحمه ال في هذا الحديث )‪َ (1912‬‬
‫سّلَم ِإّل َما‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬‫سوُل ا ِّ‬ ‫ك َر ُ‬ ‫س‪َ :‬ما َتَر َ‬ ‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫س‪َ ،‬فَقاَل اْب ُ‬
‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫عَلى اْب ِ‬
‫ن َمْعِقٍل َ‬‫شّداُد ْب ُ‬
‫ت َأَنا َو َ‬‫خْل ُ‬
‫َد َ‬
‫ك‪.‬‬
‫ي َفَقاَل ِمْثَل َذِل َ‬‫عِل ّ‬
‫ن َ‬‫حّمِد ْب ِ‬
‫عَلى ُم َ‬‫خْلَنا َ‬
‫ن‪َ ،‬وَد َ‬
‫حْي ِ‬‫ن الّلْو َ‬
‫ن َهَذْي ِ‬‫َبْي َ‬

‫ب اليمان(( )‪ (172‬من وجٍه آخر عن سفيان بن عيينة عن عبد العزيز‬ ‫شَع ِ‬
‫والحديث رواه البيهقي في كتابه )) ُ‬
‫بن رفيع قال ‪ :‬دخلت مع شداد بن معقل على ابن عباس فسألناه‪ :‬هل ترك رسول ال صلى ال عليه و سلم‬
‫شيًئا سوى القرآن؟ قال‪ :‬ما ترك سوى ما بين هذين اللوحين‪ ،‬ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه؟ فقال‬
‫مثل ذلك‪.‬‬

‫خص لنا المعاني السابقة في روايات الباب وأحاديثه‪..‬‬ ‫وهذا الحديث ُيَل ّ‬
‫حه‪ ،‬وَتَتّبِع مفرداته‪..‬‬‫شْر ِ‬
‫شِم َ‬
‫جّ‬‫ن َت َ‬
‫ي بظهور لفظه‪ ،‬وجلء معناه؛ عن كثيٍر ِم ْ‬ ‫ثم هو غن ّ‬
‫ن مما ل خلف‬
‫شّراح‪ ،‬أو عن غيره من المور؛ فإ ّ‬ ‫ض ال ّ‬
‫وسواٌء كان مراد السائل عن أمر الخلفة كما ذَكَرُه بع ُ‬
‫عليه أنه صلى ال عليه وسلم ))لم يترك سوى ما بين اللوحين(( أو ))ما بين الدّفتين((‪.‬‬

‫دللُة الّتْرِتيب‬
‫ن َأّيوبَ‬
‫حَيى ْب ُ‬ ‫خَبَرَنا َي ْ‬
‫ق َأ ْ‬‫حا َ‬‫سَ‬ ‫ن ِإ ْ‬‫حَيى ْب ُ‬ ‫حّدَثَنا َي ْ‬
‫يروي لنا المام أحمد رحمه ال في ))مسنده(( )‪َ (21097‬‬
‫سوِل ا ِّ‬
‫ل‬ ‫عْنَد َر ُ‬‫ن ِ‬ ‫حُ‬ ‫ت َقاَل‪َ :‬بْيَنا َن ْ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬
‫ن َزْيدَ ْب َ‬ ‫خَبَرُه َأ ّ‬
‫سَة َأ ْ‬
‫شَما َ‬
‫ن ِ‬ ‫ن ْب َ‬
‫حَم ِ‬‫عْبَد الّر ْ‬
‫ن َ‬ ‫ب َأ ّ‬‫حِبي ٍ‬‫ن َأِبي َ‬ ‫حّدَثَنا َيِزيُد ْب ُ‬‫َ‬
‫ل؟ َقاَل‪ِ)) :‬إ ّ‬
‫ن‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫ك َيا َر ُ‬ ‫شاِم(( ِقيَل َوِلَم َذِل َ‬ ‫طوَبى ِلل ّ‬ ‫ع ِإْذ َقاَل‪ُ )) :‬‬‫ن الّرَقا ِ‬‫ن ِم ْ‬‫ف اْلُقْرآ َ‬‫سّلَم ُنَؤّل ُ‬
‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫َ‬
‫عَلْيَها((‪.‬‬‫حَتَها َ‬ ‫جِن َ‬
‫طٌة َأ ْ‬
‫سَ‬ ‫ن َبا ِ‬‫حَم ِ‬ ‫لِئَكَة الّر ْ‬‫َم َ‬
‫ت رواه ابن أبي شيبة والترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم‪.‬‬ ‫ث ثاب ٌ‬ ‫وهو حدي ٌ‬
‫ن ْب ِ‬
‫ن‬ ‫حمَ ِ‬‫عْبِد الّر ْ‬
‫ن َ‬ ‫عْ‬ ‫ب َ‬ ‫حِبي ٍ‬ ‫ن َأِبي َ‬ ‫ن َيِزيَد ْب ِ‬‫عْ‬ ‫ب َ‬ ‫ن َأّيو َ‬ ‫حَيى ْب َ‬
‫ن َي ْ‬
‫عْ‬ ‫وهو عند الترمذي )‪ (3954‬من وجٍه آخر َ‬
‫ع‪ ...‬الحديث؛‬ ‫ن الّرَقا ِ‬‫ن ِم ْ‬ ‫ف اْلُقْرآ َ‬ ‫سّلَم ُنَؤّل ُ‬
‫عَلْيِه وَ َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬‫سوِل ا ِّ‬ ‫عْنَد َر ُ‬
‫ت َقاَل‪ُ :‬كّنا ِ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬‫ن َزْيِد ْب ِ‬ ‫عْ‬ ‫سَة َ‬‫شَما َ‬ ‫ِ‬
‫بنحوه‪.‬‬

‫ب اليمان(( )‪َ)) :(171‬وِإّنما َأَراَد وال تعالى أعلم َتْأِليف ما نزَل ِمن اليا ِ‬
‫ت‬ ‫شَع ِ‬
‫يقول البيهقي في كتابه )) ُ‬
‫ي صلى ال عليه و سلم((‪.‬‬ ‫جْمعها فيها بإشارِة الّنِب ّ‬
‫سوَرِتَها َو َ‬
‫المتفّرَقِة في ُ‬

‫ف في لغة العرب‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬‫وإطلق التأليف على الترتيب معرو ٌ‬
‫ن جعلوا‬‫حدثوا َأ ْ‬
‫ما في ))لسان العرب(( لبن منظور )‪)) :(3/496‬قال َأبو عبيد تْأويل اَلوراد َأنهم كانوا َأ ْ‬
‫سَور مختلفة من القرآن على غير التْأليف جعلوا السورة الطويلة مع ُأخرى‬ ‫القرآن َأجزاء كل جزء منها فيه ُ‬
‫دونها في الطول(( إلى آخره‪.‬‬
‫فقوله‪)) :‬على غير التأليف(( يعني به‪ :‬على غير الترتيب‪.‬‬

‫ضا‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫وقد استخدم العلماء التأليف بمعنى الترتيب في كلمهم وعباراتهم أي ً‬
‫قول المام مسلم رحمة ال عليه في مقدمة ))صحيحه(( أثناء كلمه عن منهجه في الصحيح وترتيب أحاديث‬
‫حُ‬
‫ن‬ ‫غْيِرَها ‪َ ......‬فإَِذا َن ْ‬‫ن َ‬ ‫ب ِم ْ‬‫ن اْلُعُيو ِ‬
‫سَلُم ِم ْ‬
‫ي َأ ْ‬
‫خَباَر اّلِتي ِه َ‬ ‫ن ُنَقّدَم اَْل ْ‬
‫خى َأ ْ‬ ‫سُم اَْلّوُل‪َ :‬فِإّنا َنَتو ّ‬
‫كتابه‪َ)) :‬فَأّما اْلِق ْ‬
‫حْف ِ‬
‫ظ‬ ‫ف ِباْل ِ‬
‫صو ِ‬ ‫س ِباْلَمْو ُ‬‫ن َلْي َ‬
‫ض َم ْ‬‫ساِنيِدَها َبْع ُ‬ ‫خَباًرا َيَقُع ِفي َأ َ‬ ‫س َأْتَبْعَناَها َأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬ ‫ف ِم ْ‬‫صْن ِ‬ ‫خَباَر َهَذا ال ّ‬ ‫صْيَنا َأ ْ‬
‫َتَق ّ‬
‫سوِل‬‫عنْ َر ُ‬ ‫خَباِر َ‬
‫ن اَْل ْ‬
‫ت ِم ْ‬‫سَأْل َ‬
‫ف َما َ‬‫جوِه ُنَؤّل ُ‬ ‫ن اْلُو ُ‬
‫حِو َما َذَكْرَنا ِم ْ‬ ‫ف اْلُمَقّدِم َقْبَلُهْم ‪َ .......‬فَعَلى َن ْ‬ ‫صْن ِ‬‫ن َكال ّ‬ ‫َواِْلْتَقا ِ‬
‫سّلَم((‪.‬‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫ا ِّ‬
‫يعني‪ُ :‬يَرّتب الخبار في كتابه‪.‬‬

‫ب القرآني‬
‫ِإَلِهّية الترتي ِ‬

‫وُيستفاد من الحديث السابق‪:‬‬
‫أن الترتيب القرآني الكريم ليس اجتهادّيا‪ ،‬بل هو توقيفي‪ ،‬صنعه النبي صلى ال عليه وسلم بنفسه‪ ،‬بناًء على‬
‫الوحي‪ ،‬ولم يتركه لجتهاد المسلمين‪.‬‬

‫وقد حكى ابن تيمية وكذا الزركشي في ))البرهان(( والسيوطي في ))التقان(( وغيرهم؛ حكوا الجماع على‬
‫أن ترتيب اليات توقيفي وليس اجتهادّيا‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬وهو الراجح المؤّيد بالدلة‬
‫واختلفوا في ترتيب السور‪ ،‬والذي رجحه ابن النباري وغيره أنه توقيفي أي ً‬
‫الكثيرة‪.‬‬

‫ل في تأليف القرآن؛ يعني ترتيبه‪ ،‬وقال فيه‪)) :‬فأما‬
‫ن كثيٍر في كتابه ))فضائل القرآن(( )‪ (81‬فص ً‬
‫وقد عَقَد اب ُ‬
‫ترتيب اليات في السور فليس في ذلك رخصة بل هو أمر توقيفي عن رسول ال صلى ال عليه وسلم((‪.‬‬

‫ضا‪)) :‬وقد حكى القرطبي عن أبي بكر بن النباري في كتاب الرد أنه‬ ‫وقال ابن كثيٍر أي ً‬
‫ت‪ ،‬وكان‬
‫ف والكلما َ‬
‫غّيَر الحرو َ‬
‫سَد نظَم اليات َو َ‬
‫خَرة كان كَمن َأْف َ‬ ‫خَر سورًة ُمَقّدَمة أو َقّدَم ُأخرى ُمَؤ ّ‬‫قال ‪ :‬فمن َأ ّ‬
‫ب على هذا النحو المشهور((‪.‬‬ ‫مستنده اّتباع مصحف عثمان رضى ال عنه‪ ،‬فإنه ُمَرّت ٌ‬

‫وهذا هو الراجح المَؤّيِد بالدلِة‪ ،‬ومنها الحديث السابق‪.‬‬
‫ضا‪:‬‬
‫ومن الدلة على ذلك أي ً‬
‫ن‪:‬‬
‫عّفا َ‬
‫ن َ‬
‫ن ْب ِ‬
‫ت ِلُعْثَما َ‬
‫ن الّزَبْيِر‪ُ :‬قْل ُ‬
‫ن َأِبي ُمَلْيَكَة َقاَل اْب ُ‬
‫ن اْب ِ‬
‫عْ‬‫ما رواه البخاري في ))صحيحه(( )‪َ )) (4530‬‬
‫عَها؟‬
‫خَرى‪َ ،‬فِلَم َتْكُتُبَها َأوْ َتَد ُ‬
‫لَيُة اُْل ْ‬
‫خْتَها ا ْ‬‫سَ‬ ‫جا{ ]البقرة‪[240 :‬؟ َقاَل‪َ :‬قْد َن َ‬ ‫ن َأْزَوا ً‬
‫ن ِمْنُكْم َوَيَذُرو َ‬ ‫ن ُيَتَوّفْو َ‬
‫}َواّلِذي َ‬
‫ن َمَكاِنِه((‪.‬‬‫شْيًئا ِمْنُه ِم ْ‬
‫غّيُر َ‬‫خي ل ُأ َ‬ ‫ن َأ ِ‬
‫َقاَل‪َ :‬يا اْب َ‬
‫لَيُة اّلِتي ِفي‬ ‫ن‪َ :‬هِذِه ا ْ‬‫ت ِلُعْثَما َ‬
‫ن الّزَبْيِر‪ُ :‬قْل ُ‬‫ن َأِبي ُمَلْيَكَة َقاَل‪َ :‬قاَل اْب ُ‬‫ن اْب ِ‬‫عْ‬‫وفي روايٍة للبخاري )‪َ )) (4536‬‬
‫خَرى‬ ‫خْتَها اُْل ْ‬‫سَ‬ ‫ج{ ]البقرة‪َ [240 :‬قْد َن َ‬ ‫غْيَر ِإخَْرا ٍ‬‫جا{ ِإَلى َقْوِلِه‪َ } :‬‬ ‫ن َأْزَوا ً‬‫ن ِمْنُكْم َوَيَذُرو َ‬‫ن ُيَتَوّفْو َ‬‫اْلَبَقَرِة‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫ن َمَكاِنِه((‪.‬‬‫شْيًئا ِمْنُه ِم ْ‬‫غّيُر َ‬‫خي َل ُأ َ‬ ‫ن َأ ِ‬
‫عَها‪َ ،‬يا اْب َ‬‫َفِلَم َتْكُتُبَها؟ َقاَل‪َ :‬تَد ُ‬
‫ن عثمان رضي ال عنه لم ُيَغّير شيًئا مما صنعه النبي صلى ال عليه وسلم في‬ ‫ح جّدا في َأ ّ‬ ‫والحديث صري ٌ‬
‫ن مكانه‪..‬‬ ‫غّيَر شيًئا ِم ْ‬ ‫المصحف‪ ،‬ول َ‬
‫وهذا عاّم في ترتيب السور واليات‪ ،‬ول فرق بين هذا وذاك‪.‬‬

‫سِئَل ربيعة ِلَم ُقّدَمت البقرة وآل عمران وقد َنَزَل قبلهما بضع‬ ‫ب‪ :‬سمعت سليمان بن بلل يقول ‪ُ :‬‬ ‫ن وه ٍ‬ ‫))قال اب ُ‬
‫عْلٍم ِمّمن َأّلَفُه‪ ،‬وقد أجمعوا على العلم بذلك‪ ،‬فهذا مما ُيْنَتَهى‬
‫ف القرآن على ِ‬ ‫وثمانون سورة؟ فقال ‪ُ :‬قّدَمَتا وُأّل َ‬
‫سئل عنه‪.‬‬‫إليه‪ ،‬ول ُي ْ‬
‫ي صلى ال عليه‬ ‫ف القرآن على ما كانوا يسمعونه ِمن النب ّ‬ ‫ت مالًكا يقول ‪ِ :‬إّنما ُأّل َ‬ ‫قال ابن وهب ‪ :‬وسمع ُ‬
‫وسلم(( ]فضائل القرآن لبن كثيٍر )‪.[(81‬‬

‫ك‪ :‬رواه أبو عمرو المقرئ في كتابه ))المقنع(( )مخطوطة الزهرية( ]ق‪/5/‬أ[‬ ‫وهذا الخبر الخير عن مال ٍ‬
‫ف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول ال‬‫ت مالًكا يقول‪ :‬إنما ُأّل َ‬
‫ب قال‪)) :‬سمع ُ‬‫بإسناده عن ابن وه ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم((‪.‬‬

‫ث منكٌر جّدا‪ ،‬وقد ضّعَفه القاضي‬ ‫وما َوَرَد عن عثمان رضي ال عنه يخالف هذا فل يصح‪ ،‬بل هو حدي ٌ‬
‫حّدث أحمد بن محمد شاكر والعلمة اللباني والشيخ شعيب الرنؤوط وغيرهم‪..‬‬ ‫الشرعي اْلُم َ‬
‫وهو حديثٌ رواه المام أحمد )‪ (401‬واللفظ له‪ ،‬والترمذي )‪ ،(3086‬والبزار في ))مسنده(( )‪،(344‬‬
‫سيّ َقاَل‪:‬‬ ‫والحاكم في ))المستدرك(( )‪ ،(2/360‬والطبراني في ))الوسط(( )‪ (7638‬من روايِة َيِزيَد الَفاِر ِ‬
‫ي ِم ْ‬
‫ن‬ ‫عَمْدُتْم ِإَلى اَْلْنَفاِل َوِه َ‬ ‫ن َ‬ ‫عَلى َأ ْ‬ ‫حَمَلُكْم َ‬‫ن‪َ :‬ما َ‬ ‫عّفا َ‬ ‫ن َ‬ ‫ن ْب ِ‬‫ت ِلُعْثَما َ‬
‫عْنُه‪ُ :‬قْل ُ‬‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬‫ضَ‬‫س َر ِ‬ ‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫))َقاَل َلَنا اْب ُ‬
‫حيِم‬
‫ن الّر ِ‬ ‫حَم ِ‬
‫ل الّر ْ‬ ‫سِم ا ِّ‬ ‫طًرا ِب ْ‬ ‫سْ‬‫ن َفَقَرْنُتْم َبْيَنُهَما َوَلْم َتْكُتُبوا َبْيَنُهَما َ‬ ‫ي ِمن اْلِمِئي َ‬ ‫اْلَمَثاِني َوِإَلى َبَراَءٌة َوِه َ‬
‫عَلْيِه‬‫صّلى الُّ َ‬ ‫ل َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫عْنُه‪ِ :‬إ ّ‬‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬ ‫ن َر ِ‬ ‫عْثَما ُ‬
‫ك؟ َقاَل ُ‬ ‫عَلى َذِل َ‬ ‫حَمَلُكْم َ‬‫طَواِل؛ َما َ‬ ‫سْبِع ال ّ‬‫ضْعُتُموَها ِفي ال ّ‬ ‫َوَو َ‬
‫عو َبْع َ‬
‫ض‬ ‫يُء َيْد ُ‬‫ش ْ‬‫عَلْيِه ال ّ‬
‫ن ِإَذا ُأْنِزَل َ‬ ‫ت اْلَعَدِد‪َ ،‬وَكا َ‬
‫سَوِر َذَوا ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫عَلْيِه ِم ْ‬‫ن ُيْنَزُل َ‬ ‫عَلْيِه الّزَما ُ‬
‫ن ِمّما َيْأِتي َ‬ ‫سّلَم َكا َ‬‫َو َ‬
‫ضُعوا َهِذِه‬ ‫ت َفَيُقوُل‪َ :‬‬ ‫لَيا ُ‬‫عَلْيِه ا ْ‬‫سوَرِة اّلِتي ُيْذَكُر ِفيَها َكَذا َوَكَذا‪َ ،‬وُيْنَزُل َ‬ ‫ضُعوا َهَذا ِفي ال ّ‬ ‫عْنَدُه َيُقوُل‪َ :‬‬ ‫ب ِ‬ ‫ن َيْكُت ُ‬‫َم ْ‬
‫سوَرِة اّلِتي ُيْذَكُر‬ ‫لَيَة ِفي ال ّ‬ ‫ضُعوا َهِذِه ا ْ‬ ‫لَيُة َفَيُقوُل‪َ :‬‬ ‫عَلْيِه ا ْ‬‫سوَرِة اّلِتي ُيْذَكُر ِفيَها َكَذا َوَكَذا‪َ ،‬وُيْنَزُل َ‬ ‫ت ِفي ال ّ‬ ‫لَيا ِ‬ ‫اْ‬
‫شِبيًها‬ ‫صُتَها َ‬ ‫ت ِق ّ‬‫ن‪َ ،‬فَكاَن ْ‬ ‫خِر اْلُقْرآ ِ‬ ‫نآِ‬ ‫ن َأَواِئِل َما ُأْنِزَل ِباْلَمِديَنِة‪َ ،‬وَبَراَءٌة ِم ْ‬ ‫ت اَْلْنَفاُل ِم ْ‬‫ِفيَها َكَذا َوَكَذا‪َ ،‬وَكاَن ْ‬
‫ن َثّم َقَرْن ُ‬
‫ت‬ ‫ت َأّنَها ِمْنَها‪َ ،‬فِم ْ‬ ‫ظَنْن ُ‬
‫ن َلَنا َأّنَها ِمْنَها‪َ ،‬و َ‬‫سّلَم َوَلْم ُيَبّي ْ‬
‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬‫سوُل ا ِّ‬ ‫صِتَها‪َ ،‬فُقِبضَ َر ُ‬ ‫ِبِق ّ‬
‫طَواِل((‪.‬‬ ‫سْبِع ال ّ‬ ‫ضْعُتَها ِفي ال ّ‬ ‫حيِم‪َ ،‬وَو َ‬ ‫ن الّر ِ‬ ‫حَم ِ‬‫ل الّر ْ‬ ‫سِم ا ِّ‬‫طًرا ِب ْ‬ ‫سْ‬ ‫ب َبْيَنُهَما َ‬ ‫َبْيَنُهَما َوَلْم َأْكُت ْ‬
‫ق بينهما يحيى بن سعيٍد‬ ‫ويزيد الفارسي المذكور في السناد‪ :‬رجٌل آخر غير يزيد بن ُهْرُمز المشهور‪ ،‬وقد َفّر َ‬
‫ق بينهما أبو حاتٍم الرازي والترمذي والمزي وغيرهم‪.‬‬ ‫القطان‪ ،‬وأنكر أن يكونا واحًدا‪ ،‬وكذا فّر َ‬
‫ي هذا‪ ،‬وذكر يحيى بن سعيٍد القطان أنه رجٌل كان يكون مع المراء‪ ،‬يعني‬ ‫ف أبو زرعة يزيًدا الفارس ّ‬ ‫وقد ضّع َ‬
‫حْرَفته‪ ،‬فمثل هذا لشك في نكارة تَفّرِده‪ ،‬خاصةً إذا تَفّرَد‬ ‫صْنَعته و ِ‬ ‫ث‪ ،‬ولم يكن الحديث َ‬ ‫أنه لم يكن بصاحب حدي ٍ‬
‫ف للمقطوع به‪ ،‬شهرًة وتواتًرا‪.‬‬ ‫بحكٍم وتفصيٍل مخال ٍ‬
‫ولذا قال الشيخ القاضي الشرعي أحمد بن محمد شاكر رحمة ال عليه وهو يتكلم عن يزيٍد الفارسي هذا‪:‬‬
‫))فل يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به‪ ،‬وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي‪ ،‬قراءة‬
‫عا وكتابة في المصاحف‪ ،‬وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور؛ كأن عثمان كان يثبتها برأيه‬ ‫وسما ً‬
‫ث ل أصَل له تطبيًقا للقواعِد الصحيحِة التي ل‬ ‫وينفيها برأية‪ ،‬وحاشاه من ذلك‪ ،‬فل علينا إذا قلنا‪ِ :‬إّنه حدي ٌ‬
‫ث((‪.‬‬ ‫ن أئمِة الحدي ِ‬ ‫ف فيها بي َ‬ ‫خل َ‬
‫وقال الشيخ اللباني في ))ضعيف الترمذي((‪)) :‬ضعيف((‪.‬‬
‫وقال الشيخ شعيب الرنؤوط في تحقيقه لمسند أحمد‪)) :‬إسناده ضعيف ومتنه منكر((‪ ،‬ونقل كلم الشيخ أحمد‬
‫ضا‪.‬‬
‫شاكر السابق أي ً‬
‫ضّعَفه مثُل أبي زرعة الرازي إمام الجرح‬ ‫ن َمن َ‬ ‫وهذا هو الذي يقطع به َمن يعمل بالحديث‪ ،‬أو يشم رائحته؛ ل ّ‬
‫ث قال فيه‪) :‬كان يكون مع‬ ‫والتعديل‪ ،‬ولم تكن الرواية صنعته كما يفيد قول يحيى القطان إمام الحديث‪ ،‬حي ُ‬
‫المراء(‪.‬‬
‫أضف إلى هذا كّله أنه لم يشتهر بالرواية‪ ،‬ولم يذكر له المزي في ترجمته من ))تهذيب الكمال(( )‪(32/287‬‬
‫في الكتب الستة سوى هذا الحديث وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي‪ ،‬وحديًثا آخر عند الترمذي في‬
‫))الشمائل((‪.‬‬
‫ورغم هذا كله َتَفّرد برواية هذا الحديث المخالف للمتواتر عن ابن عباس‪ ،‬دون سائر أصحاب ابن عباس‬
‫الثقات الثبات أمثال سعيد بن جبير وغيره من أئمة القرآن والحديث‪..‬‬
‫فأين كان هؤلء الئمة عن هذا الحديث؟‬
‫ت به سوى هذا الضعيف الذي ل ُيْعَرف بالحديث ول بالرواية؟!‬ ‫ولماذا لم يأ ِ‬
‫فهذا كله يؤكد ما ذكره المشايخ الكرام السابق ِذْكرهم هنا من نكارة وضعف هذا الحديث‪.‬‬
‫وهذا الكلم يجري على سنن المسلمين في البحث العلمي‪ ،‬ول يجري بطبيعة الحال على سنن وطريقة موراني‬
‫في البحث والتصحيح والتضعيف‪ ،‬القائمة على تصحيح كافة ما ورد مكتوًبا في صحيفة لمجرد أنه ورد مكتوًبا‬
‫وفقط‪ ،‬تماًما كما لدى أصحاب الحفريات‪ ،‬وستأتي الشارة لمناهجهم في ذلك بإذن ال تعالى‪.‬‬
‫ن جهل شيًئا عداه‪..‬‬‫لكن ل علينا من مخالفتهم لما يجهلونه‪ ،‬ول يعرفونه‪ ،‬وقديًما قيل‪َ :‬م ْ‬
‫حا!!‬
‫نعم؛ وَمن استعصى عليه أكل الموز قال‪ :‬وجدُته مال ً‬

‫ف واحدٌ‬‫مصح ٌ‬
‫ب واحٌد‬
‫وترتي ٌ‬
‫ل غير‬

‫سخ والصور المأخوذة عن‬‫ف واحٌد له مليين الّن َ‬
‫ف‪ ،‬بل هو مصح ٌ‬
‫نعم؛ ل يوجد لدى المسلمين أكثر من مصح ٍ‬
‫النسخة الصلية‪..‬‬
‫ف واحٍد فقط ل‬
‫وجميع الصور هي هي بعينها النسخة الصل‪ ،‬فهي صور طبق الصل لنسخٍة واحدٍة ومصح ٍ‬
‫أكثر‪..‬‬

‫دعنا نعود للوراء حيث موراني وأسلفه المستشرقين لنرسم صورتهم التي يريدونها‪:‬‬

‫ن النسخة المنشورة من المصحف بأيدي المسلمين الن ليست نسخًة محققًة‪،‬‬ ‫يرى موراني تبًعا لنولدكه أ ّ‬
‫ق!!‬
‫وأنها بحاجٍة إلى تحقي ٍ‬
‫كيف؟‬
‫عن طريق الدراسة المقارنة لنسخ المصحف الخطية المتداولة في العالم السلمي‪ ،‬ومنها هذه المجموعة‬
‫عِثر عليها في الزهرية أو في دار الكتب أو غير ذلك من‬
‫ل‪ ،‬أو تلك التي ُ‬
‫عِثر عليها في صنعاء مث ً‬ ‫النادرة التي ُ‬
‫نسخ المصحف الخطية حول العالم‪..‬‬
‫لكن انتبهوا يا قراء فالمر لم ينته بعُد!!‬
‫فالقصة القصيرة عند موراني ونظرائه تقول‪ :‬لبد من الدراسة المقارنة للنسخ الخطية للمصحف‪..‬‬
‫هكذا تبدو قصتهم القصيرة بريئة وعفيفة المظهر!!‬
‫ظِهر ما في البطون‪..‬‬ ‫لكن ثمة عبارات ُت ْ‬
‫حينما نسمع بالدراسة المقارنة يقفز إلى أذهاننا احتمالية وجود خلف‪ ،‬فيؤكد موراني هذا فيحتمل أنه ربما‬
‫ص هنا أو كلمة زيادة هناك أو اختلف في اليات على حّد زعمه السابق في عبارته المذكورة‬ ‫وجدنا كلمة نق ٍ‬
‫في صْدر موضوعنا‪.‬‬

‫ب رضي ال عنه‬ ‫ي بن أبي طال ٍ‬‫ط عل ّ‬
‫ي إلى عثمان‪ ،‬وبعضه قيل‪ :‬إنه بخ ّ‬ ‫عِز َ‬
‫سخ الخطية للمصحف ما ُ‬ ‫في الّن َ‬
‫نفسه‪..‬‬
‫ي أو غيره؟‬ ‫سخ بخط عل ّ‬ ‫انظروا يا قراء‪ُ :‬ن َ‬
‫ث الترتيب وبين الترتيب‬
‫ي رضي ال عنه من حي ُ‬ ‫إذن سنجد في أثناء الدراسة المقارنة خلًفا بين نسخة عل ّ‬
‫المشهور المتداول للمصحف‪..‬‬
‫انتظروا‪..‬‬
‫هذا ليس كل شيٍء‪..‬‬
‫ف في الترتيب عن الترتيب‬‫ل‪ ،‬بما تحمله هذه الّنسخ من خل ٍ‬ ‫ي أو ابن مسعود مث ً‬ ‫فحّتى إن لم نجد نسخَة عل ّ‬
‫المتداول المشهور الذي صار معروًفا بالمصحف العثماني‪..‬‬
‫فحتى إن لم نجد هذه النسخ؛ فسنجد ما يقوم مقامها في كتب العلماء وكلمهم؛ أمثال حكاية ابن النباري‬
‫ل مع المصحف العثماني!!‬ ‫ي وابن مسعود مث ً‬ ‫رحمة ال عليه لخلف مصحف عل ّ‬
‫وهنا تنتهي القصة القصيرة يا قراء‪..‬‬
‫خا واختلفاتٍ وزيادة ونقص في نسخ المصحف عن‬ ‫أراد مؤلفها أن يقول لكم‪ :‬إنه مهما حاولُتم فسنجد نس ً‬
‫الترتيب المعهود المتداول المشهور‪ ،‬وهنا عليكم الختيار أيها الناس‪ ،‬ويلزمكم البحث والترجيح‪..‬‬
‫وهكذا سيخرج بنا موراني من دائرة الثابت المستقر إلى دائرة الشك والتجريب‪..‬‬
‫هكذا خططوا وأرادوا‪..‬‬
‫لكن هل يتم لهم هذا؟‬
‫ح ما ذكروه؟‬
‫هل ص ّ‬

‫ب عن هذا السؤال بعد كل ما سبق؛ لكن ل علينا أن نعيد التذكرة ببعض‬‫لم يعد القراء الكرام بحاجة إلى جوا ٍ‬
‫المور باختصاٍر وتركيٍز‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن الصل في نقل القرآن على السماع والحفظ ل على الكتابة والمصاحف‪ ،‬فالصل السماع‪ ،‬وما خالف‬
‫السماع الوارد الن فل عبرة به مهما كان‪..‬‬
‫وقد سبق بيان هذا الصل بحمد ال تعالى‪..‬‬

‫ق تلك الّنسخ التي كتبها ابن مسعود وغيره من‬ ‫ن عثمان رضي ال عنه قد أراحنا من هذا كله‪ ،‬فأحر َ‬‫الثاني‪ :‬أ ّ‬
‫الصحابة لنفسهم رضي ال عنهم‪ ،‬حتى ل يختلف الناس في القرآن‪..‬‬
‫ي نفسها فقد خالف التاريخ المتواتر‬ ‫ي أو ُأَب ّ‬
‫ن زعم الن أن بإمكانه العثور على نسخة ابن مسعوٍد أو عل ّ‬‫فَم ْ‬
‫المقطوع به‪..‬‬
‫نعم؛ ل ُنْنكر أن نجد بعض نسخ مكتوبة أو منسوخًة من هذه الّنسخ السابقة قبل حرقها‪ ،‬لكن يبقى هذا‬
‫شْرع أبًدا؛ بل‬
‫ث ال ّ‬
‫ث الذهن فقط‪ ،‬وليس ممكًنا من حي ُ‬ ‫الحتمال مجرد احتمال ذهني ممكن الوقوع من حي ُ‬
‫مستحيٌل في نظري‪..‬‬

‫سخ قبل حرقها‪،‬‬
‫ت بعض نسخٍة مكتوبٍة ومنسوخٍة من هذه الّن َ‬
‫جَد ْ‬
‫ومع هذا فلو حصل ـ وهذا بعيٌد كما سبق ـ وُو ِ‬
‫ن شيًئا لم يكن!!‬
‫فكأ ّ‬
‫نعم؛ لنها ل عبرة بها ل في الترتيب ول في غيره من المباحث الخاصة بالقرآن؛ لخلّوها من شروط نقل‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬المتمثلة في السماع والتواّتر؛ إلخ‪..‬‬

‫فشّمر عن ساعديك يا موراني للبحث عن مثل هذه القطع‪ ،‬واستعن بأهل الرض جميًعا ممن يوافقك المذهب‪،‬‬
‫لنقول لك في نهاية مطافك وتعبك‪ :‬ما جئُتم به ل يوافق شروطنا الصارمة لنقل قرآننا الكريم فأعيدوا الَكّرة في‬
‫ج علينا بما ننكره!!‬ ‫حَت ّ‬
‫ث والجهل أن ُي ْ‬ ‫اتجاٍه آخر‪ ..‬ول يلزمنا ما ليس بحجٍة عندنا‪ ،‬كما وأنه ِمن العب ِ‬
‫سُينِفُقوَنَها ‪ُ ..‬ثّم‬
‫ل ‪َ ..‬ف َ‬‫سِبيِل ا ِّ‬‫عن َ‬ ‫صّدوا َ‬ ‫ن َأْمَواَلُهْم ِلَي ُ‬‫ن َكَفُروا ُينِفُقو َ‬ ‫ن اّلِذي َ‬
‫وهنا نقرأ قول ال عز وجل‪ِ} :‬إ ّ‬
‫طّي ِ‬
‫ب‬ ‫ن ال ّ‬
‫ث ِم َ‬‫خِبي َ‬‫ل ال َ‬
‫ن ]‪ِ [36‬لَيِميَز ا ُّ‬ ‫شُرو َ‬ ‫ح َ‬ ‫جَهّنَم ُي ْ‬
‫ن َكَفُروا ِإَلى َ‬ ‫ن ‪َ ..‬واّلِذي َ‬‫سَرًة ‪ُ ..‬ثّم ُيْغَلُبو َ‬
‫ح ْ‬
‫عَلْيِهْم َ‬
‫ن َ‬‫َتُكو ُ‬
‫ن ]‪ُ [37‬قل ّلّلِذينَ َكَفُروا‬ ‫سُرو َ‬ ‫خا ِ‬‫ك ُهُم ال َ‬‫جَهّنَم ُأْوَلِئ َ‬
‫جَعَلُه ِفي َ‬ ‫جِميعًا َفَي ْ‬
‫عَلى َبْعضٍ َفَيْرُكَمُه َ‬ ‫ضُه َ‬‫ث َبْع َ‬
‫خِبي َ‬‫جَعَل ال َ‬
‫َوَي ْ‬
‫ن{ ]النفال‪.[38 - 36:‬‬ ‫ت اَلّوِلي َ‬ ‫سّن ُ‬ ‫ت ُ‬‫ض ْ‬‫ف َوِإن َيُعوُدوا َفَقْد َم َ‬ ‫سَل َ‬
‫ِإن َينَتُهوا ُيْغَفْر َلُهم ّما َقْد َ‬

‫ي أو ابن مسعود أو غيرهما‬
‫سّر اختلف نسخة عل ّ‬‫أما أنتم يا قراء فقد صار ِمن حّقكم علينا أن نكشف لكم عن ِ‬
‫ب نسخًة لنفسه‪ ،‬تخالف المشهور المتداول المتواتر بأيدي المسلمين الن‪..‬‬
‫ممن كت َ‬

‫دعنا ُنَذّكر القراء الكرام بما سبقت الشارة إليه من كون الترتيب القرآني ل مجال فيه لجتهاِد بشٍر‪ ،‬وإنما هو‬
‫ي بحت‪ ،‬يعني أنه تم بأمر النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬تبًعا للوحي‪..‬‬‫توقيف ّ‬
‫وهذا سّر آخر من أسرار المعجزة القرآنية ستأتي الشارة إليه إن شاء ال تعالى‪..‬‬

‫لكن تتعّين الشارة هنا إلى تلّقي الصحابة الكرام رضي ال عنهم لهذا الترتيب التوقيفي‪ ،‬ثم رضاهم وعملهم‬
‫به‪..‬‬

‫وهذا عثمان بن عفان رضي ال عنه قد نسخ المصاحف ووزعها في المسلمين‪ ،‬بمشورٍة منهم‪ ،‬فكان ذلك‬
‫عا منهم وممن بعدهم من المسلمين على الترتيب المتداول المتواتر بأيدي المسلمين الن‪..‬‬
‫إجما ً‬

‫وقد رفض عثمان رضي ال عنه كما سبق الّنْقل عنه أن يتصّرف في شيٍء‪ ،‬وعلى حّد قوله‪)) :‬ل ُأغَّير شيًئا‬
‫من مكانه(( كما سبق قريًبا‪.‬‬
‫خ التي‬
‫سِ‬‫وقد دّل إقرار الصحابة رضي ال عنهم جميًعا بهذا الترتيب النبوي للقرآن الكريم على أن اختلف الّن َ‬
‫ن مسعود‪ ،‬أو‬ ‫ي أو اب ِ‬
‫ت باسم المصاحف لم يكن مقصوًدا‪ ،‬سواٌء ُلَب ّ‬
‫عِرَف ْ‬
‫ض الصحابة لنفسهم والتي ُ‬
‫كتبها بع ُ‬
‫غيرهما‪.‬‬

‫خِهم تبًعا لطبيعة‬
‫سِ‬‫ف عثمان مقصوًدا‪ ،‬وإنما جاء اختلف ُن َ‬‫ف بعُد باسِم مصح ِ‬‫عِر َ‬
‫نعم؛ لم يكن خلفهم مع ما ُ‬
‫الوحي في نزول القرآن ُمَفّرًقا‪ ،‬فكانت الية تنزل حسب الواقعة أو الحادثة فيكتبها ابن مسعود أو ُأب ّ‬
‫ي‬
‫ت أخرى ألحقوها بما قبلها‪ ،‬وهكذا‪..‬‬
‫ف خاصٍة بهم‪ ،‬فإذا نزل ْ‬‫ح ٍ‬
‫وغيرهما في ص ُ‬

‫ن لخر‪ ،‬ول هي بمثل ما هي عليه الن من‬ ‫نآٍ‬ ‫ولم تكن أدوات الكتابة في حالٍة تسمح آنذاك بتغيير الترتيب ِم ْ‬
‫ل بحفظ الترتيب الذي يأمر به النبي صلى ال عليه وسلم‬ ‫سٍر وسهولٍة‪ ،‬ولذا اكتفى أمثال ابن مسعود وُأبي مث ً‬ ‫ُي ْ‬
‫تبًعا للوحي‪ ،‬وتركوا ما كتبوه في ألواحهم الخاصة بهم كما هو‪ ،‬على ترتيب النزول‪ ،‬فلما رحل هذا الجيل‬
‫ي(( أو‬
‫ت أجياٌل أخرى‪ ،‬ورأوا هذا الختلف ظّنوه مقصوًدا‪ ،‬ولذا تناقلوا عبارة ))مصحف عل ّ‬ ‫المبارك‪ ،‬وجاء ْ‬
‫ي((‪.‬‬
‫))مصحف ابن مسعود(( أو ))مصحف ُأَب ّ‬
‫ي رضي ال عنهم من هذا القصد براء‪..‬‬ ‫ن مسعود وُأَب ّ‬ ‫ي واب ُ‬‫وعل ّ‬
‫حف أكثر من مرة في حياة هؤلء بالترتيب المشهور في المصحف المتداول بيد‬ ‫صُ‬ ‫ت ال ّ‬
‫خ ِ‬
‫سَ‬‫كيف وقد ُن ِ‬
‫ي ول ابن مسعود ول غيرهما هذا الترتيب‪ ،‬ول اعترضوا عليه؟!‬ ‫المسلمين‪ ،‬ولم ُيْنكر عل ّ‬

‫ولو كان ترتيبهم المخالف لما في أيدي المسلمين الن مقصوًدا لعترضوا على الترتيب الحالي‪ ،‬ولظهروا‬
‫رأيهم المخالف‪ ،‬خاصة وهم َمن هم ِمن المانة والثقة والشجاعة في قول الحق‪ ،‬ول يمنعهم من البلغ آنذاك‬
‫رهبة حاكم ظالٍم ول زيف دنيا هزيلة؛ لنه لم يكن ثمة ظلم ول رغبة في دنيا‪ ،‬فما كانوا يعرفون سوى‬
‫الخرة‪ ،‬وما عملوا إل لها‪ ،‬فرضي ال عنهم‪.‬‬

‫ضا‪ ،‬وأنهم ل يخالفونه أبًدا‪،‬‬
‫فدّل سكوتهم وإقرارهم بالترتيب الذي بأيدي المسلمين على أنه المعتمد لديهم أي ً‬
‫ت طريقة الكتابة في ألواحهم فقط؛ لنهم كتبوها بناًء على ترتيب النزول‪ ،‬آيًة وراء آية‪ ،‬واستغنوا‬ ‫وإنما اختلف ْ‬
‫ي وابن مسعود‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم واشتهر بين الناس؛ فاستغنى عل ّ‬ ‫بحفظ الترتيب التوقيفي الذي َقّرَرُه النب ّ‬
‫خ وكتابة ما كتبوه‪..‬‬
‫سِ‬‫شْهَرِته عن إعادة َن ْ‬
‫ي ونحوهم بحفظ هذا الترتيب التوقيفي و ُ‬ ‫وُأَب ّ‬
‫عْرفهم السائد آنذاك‬‫ي بدراسة حالتهم الجتماعية و ُ‬ ‫عِن َ‬
‫ن لم يفهم مقصدهم‪ ،‬ول ُ‬ ‫ن جاء بعدهم َم ْ‬
‫فل ذنب لهم ِإ ْ‬
‫ليقف على طبيعة المور كما هي في الحقيقة‪ ،‬ل كما يتصّورها هو!!‬

‫عْلِمهم وما بلغهم‪ ،‬ثم ثابوا بعد ذلك إلى الترتيب التوقيفي‬
‫وربما رجع الختلف عندهم في أول المر إلى حدود ِ‬
‫الذي اشتهر أمره في الناس‪ ،‬ولم يعترضوا عليه‪.‬‬

‫عِلَم به الكافة ِمن الناس‪ ،‬ولم يعترض عليه أحٌد منهم‪ ،‬ول مّمن‬
‫وقد بعث عثمان بمصحفه إلى الفاق‪ ،‬و َ‬
‫بعدهم‪ ،‬فدّل ذلك كله على رضاهم جميًعا بالترتيب المشهور في الناس الن‪ ،‬وهو الترتيب التوقيفي الوارد عن‬
‫ي وغيره‪.‬‬‫سخ المصاحف الخرى؛ كعل ّ‬‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد رجع إليه أصحاب ُن َ‬

‫ب وغيره من أصحاب المصاحف المذكورة ما يدل على رضاهم ومباركتهم‬ ‫ي بن أبي طال ٍ‬
‫وقد ورَد عن عل ّ‬
‫ن عثمان رضي ال عنه لم ينسخ المصحف بترتيبه‬ ‫حا َأ ّ‬
‫لمصحف عثمان بترتيبه المشهور‪ ،‬بل َوَرَد صري ً‬
‫ي وغيره ِمن الصحابة الكرام‪ ،‬وأنه َفَعَل ذلك برأيهم‪ ،‬ولم ينفرد‬ ‫المتداول بين المسلمين إل بمشورٍة ِمن عل ّ‬
‫بالرأي دونهم‪.‬‬

‫ص في هذا الصدد‪ ،‬أقتصر منها‬ ‫وقد ذكر ابن أبي داود في كتابه ))المصاحف((‪ ،‬وغيره ِمن العلماء عدة نصو ٍ‬
‫ي رضي ال عنه‪ ،‬والذي ل يكاد يتركه أحٌد ِمّمن تعّرض لهذه المسألة‪ ،‬ومنهم‬ ‫فقط على الخبر المشهور عن عل ّ‬
‫غَفَلة قال‪:‬‬
‫سَوْيِد بن َ‬
‫ح عن ُ‬ ‫ن أبي داود بسنٍد صحي ٍ‬ ‫ج اب ُ‬‫السيوطي في ))التقان(( )‪ (772‬حيث يقول‪)) :‬وأخر َ‬
‫ل ِمّنا؛ قال ـ ]يعني‪:‬‬‫ف ِإّل عن َم ٍ‬
‫ي‪ :‬ل تقولوا في عثمان إل خيًرا فوال ما َفَعَل الذي َفَعَل في المصاح ِ‬ ‫قال عل ّ‬
‫ن قراءتي خيٌر ِمن قراءتك‪ ،‬وهذا يكاد‬ ‫ضهم يقول‪ :‬إ ّ‬ ‫ن بع َ‬‫عثمان[ـ‪ :‬ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني َأ ّ‬
‫جَمَع الناس على مصحفٍ واحد فل تكون فرقة ول اختلف‪ ،‬قلنا‪:‬‬ ‫ن ُي ْ‬
‫يكون كفًرا؟ قلنا‪ :‬فما ترى؟ قال‪ :‬أرى َأ ْ‬
‫ت((‪.‬‬
‫ِنْعَم ما رأي َ‬
‫ضا ‪.[775‬‬ ‫ت بالمصاحف عمل عثمان بها(( ]انظر‪ :‬التقان أي ً‬ ‫ضا أنه قال‪)) :‬لو ُوليت لعمل ُ‬‫ي أي ً‬
‫وورَد عن عل ّ‬
‫فهذا ظاهٌر بلفظه ومعناه على الرضى بعمل عثمان رضي ال عنه‪ ،‬والذي اشتهر بعُد باسم المصحف‬
‫العثماني‪ ،‬وهو المتداول بأيدي المسلمين الن‪..‬‬

‫ي رحمه ال في ))تفسيره(( أثناء الكلم عن نسخ عثمان رضي ال عنه‬ ‫سر اللوس ّ‬ ‫ولذا قال المام اْلُمَف ّ‬
‫للمصاحف‪:‬‬
‫))وقد ارتضى ذلك أصحاب رسول ال صلى ال تعالى عليه وسلم حتى أن المرتضى كرم ال تعالى وجهه قال‬
‫على ما أخرج ابن أبي داود بسنٍد صحيح عن سويد بن غفلة عنه‪ :‬ل تقولوا في عثمان إل خيًرا فوال ما فعل‬
‫ت بالمصحف الذي عمله عثمان‪.‬‬ ‫ل ِمّنا‪ ،‬وفي روايٍة‪ :‬لو ُوليت لعمل ُ‬
‫في المصاحف إل عن م ٍ‬
‫ت بمصحفهم كما صنعوا‬ ‫ن مسعود أنه قال لما ُأحرق مصحفه‪ :‬لو ملكت كما ملكوا لصنع ُ‬ ‫وما ُنِقَل عن اب ِ‬
‫ب؛ كسوء معاملة عثمان معه التي يزعمها الشيعة حين أخذ المصحف منه‪.‬‬ ‫بمصحفي؛ كذ ٌ‬
‫ن عثمان لم يصنع شيًئا‬ ‫وهذا الذي ذكرناه ِمن ِفْعِل عثمان هو ما ذكرُه غير واحٍد ِمن المحققين حتى صرحوا بَأ ّ‬
‫جا‬
‫ش محت ّ‬
‫س على القراءِة بلغِة قري ٍ‬ ‫جَمَع النا َ‬
‫ب سوى أنه َ‬ ‫ص أو تغييِر ترتي ٍ‬
‫ن زيادٍة أو نق ٍ‬‫جَمَعُه أبو بكٍر ِم ْ‬‫فيما َ‬
‫ن نزَل بلغِتِهم((أهـ‬ ‫ن القرآ َ‬
‫بَأ ّ‬

‫ن اختلف الترتيب في مصاحفهم أو‬ ‫فدّل هذا على الرضى بترتيب المصحف المتداول بين المسلمين‪ ،‬على أ ّ‬
‫ن جهة الكتابة عند نزول الوحي مباشرة‪ ،‬وإلحاق ما ُيستجد‬
‫خهم التي نسخوها من المصحف إنما ورَد ِم ْ‬
‫سِ‬‫ُن َ‬
‫حْفظ الترتيب الخاص بالقرآن في الصدور‪..‬‬
‫من الوحي بما سبق كتابته‪ ،‬على حسب أزمنة النزول‪ ،‬مع ِ‬

‫سر هذا المر ومشّقته عليهم‪ ،‬خاصًة مع عدم توّفر مواد‬ ‫خهم ونمط ترتيبها تع ّ‬
‫سِ‬‫وإنما َمَنَعهم ِمن تغيير ُن َ‬
‫الكتابة‪ ،‬وصعوبة القيام بهذا العمل‪ ،‬وقد سبق أنهم كانوا يكتبون في الكتاف واللخاف وغيرهما من الدوات‪،‬‬
‫وهي إما أوراق النخيل‪ ،‬أو قطع العظم أو الحجار الرقيقة‪ ،‬أو غيرها‪.‬‬
‫ن بناًء على الترتيب الخير للمصحف‪ ،‬الذي‬ ‫ومثل هذه الدوات المذكورة وغيرها يصعب جًدا تغييرها كل حي ٍ‬
‫تلّقاه النبي صلى ال عليه وسلم عن الوحي‪ ،‬فاستغنى هؤلء بحفظ هذا الترتيب الخير‪ ،‬وتركوا ما كتبوه كما‬
‫هو دون تغيير‪..‬‬
‫ن العتماد في نقل القرآن على السماع والحفظ ل على الكتابة والمصاحف‪..‬‬ ‫خاصًة وأ ّ‬

‫ب إليه‪ ،‬وهو المصحف‬
‫س َ‬
‫نعم؛ لكنهم أعلنوا رضاهم بما صَنَع عثمان رضي ال عنه‪ ،‬وبمصحفه الذي ُن ِ‬
‫المتداول بأيدي المسلمين الن‪ ،‬بترتيبه الحالي‪..‬‬
‫شَبه‪.‬‬
‫فكان هذا العلن والرضى منهم كافًيا في بيان الحال‪ ،‬وقاطًعا لكل ال ّ‬

‫شُبهات والتعّلق بها في مقابلة الحق الواضح!!‬
‫ومع هذا فقد َأَبى قوٌم إل الخذ بال ّ‬

‫كما دّل رضاهم بهذا الترتيب المتداول المشهور على أنهم علموا أمر النبي صلى ال عليه وسلم وإشارته به‪،‬‬
‫فلم يعارضوه‪..‬‬
‫ب على أوقات النزول أو‬ ‫خهم من ترتي ٍ‬‫سِ‬‫ولو كان أمًرا اجتهادّيا تجوز مخالفته لتمسكوا أو بعضهم بما في ُن َ‬
‫غير ذلك‪ ،‬لكن لم يكن شيء من ذلك بحمد ال عز وجل‪.‬‬
‫فدّل هذا كله على ما سبق تقريره أن سبب اختلف نسخهم المكتوبة يرجع إلى طريقة الكتابة أوًل بأوٍل عند‬
‫نزول اليات في الحداث والوقائع المختلفة‪ ،‬وإلحاق الية بعد الخرى حسب الِعْلم بما نزل‪ ،‬والطلع على‬
‫ن الوحي اللهي‪.‬‬ ‫آخر ما استجّد ِم ْ‬
‫هذا في الوقت الذي كانوا يحفظون فيه الترتيب الخير ليات القرآن وسوره حسبما رّتَبه النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم تبًعا لما قرَأُه على جبريل عليه السلم قبل وفاته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل إعادة نسخ ما كتبوه ليوافق الترتيب التوقيفي المشهور‪ ،‬لصعوبة‬ ‫ب مث ً‬
‫ي بن كع ٍ‬
‫ي وابن مسعود وُأَب ّ‬ ‫فلم َيَر عل ّ‬
‫ظ الترتيب التوقيفي‬‫ذلك بالنسبة لهم ولحالتهم الجتماعية وأداوات الكتابة آنذاك‪ ،‬ثم اعتماًدا منهم على حف ِ‬
‫شْهرته في الناس‪.‬‬ ‫والِعْلم به‪ ،‬و ُ‬
‫ي الصريح في الرضى بما صنَع‬ ‫وما ورَد عنهم بخلف ذلك فل يصح إسناًدا أو دللًة‪ ،‬وقد مضى بعض قول عل ّ‬
‫ب العالمين‪.‬‬ ‫عثمان‪ ،‬وفيه الترتيب المشهور المتداول‪ ،‬والحمد ل ر ّ‬
‫ي واحٌد‬ ‫ب إله ّ‬
‫كتا ٌ‬
‫نزل مفّرًقا‬
‫جَمَعُه ال عز وجل‬ ‫ثم َ‬
‫عا ِمن قبُل في اللوحِ المحفو ِ‬
‫ظ‬ ‫كما كان مجمو ً‬
‫نعود إلى الكلم عن قضية إلهية الترتيب القرآني الكريم‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫ترتيب القرآن جزٌء من المعجزة القرآنية الكبرى بأسرارها وأبعادها العظيمة‪ ،‬ولذلك فهو يحتوي على أسراٍر‬
‫ي بها علماء المسلمين في كلمهم على ))أسرار ترتيب القرآن(( أو ))مناسباب السور‬ ‫عِن َ‬
‫ومناسبات‪ُ ،‬‬
‫واليات(( والمصنفات في الباب كثيرة بحمد ال تعالى‪.‬‬
‫ولو كان مما ُيقدر عليه‪ ،‬أو يستطيعه بشٌر لجاء ترتيبه على الموضوعات‪ ،‬أو على الترتيب الزمني حسبما‬
‫نزل‪ ،‬أو حتى على أوائل الحروف للسور أو لليات‪ ،‬إلى آخر هذه النواع المقدور عليها من الترتيبات‬
‫والفهرسات المختلفة‪.‬‬
‫لكنه نزل على أزمنٍة‪ ،‬وفي ُمَدٍد مختلفة‪ ،‬ثم هو يأتي مرّتًبا على صيغٍة أخرى‪ ،‬لم تلتزم بالزمن‪ ،‬وكان المتوقع‬
‫هنا أن يوجد ثمة تنافر بين آياته وسوره؛ لمخالفتها للوحدة الزمنية أو الموضوعية على القل‪..‬‬
‫لكن شيًئا من هذا لم يكن بحمد ال‪..‬‬
‫ي به علماء السلم في كلمهم على أسرار‬ ‫عِن َ‬
‫ق بديٍع جًدا‪ُ ،‬‬ ‫بل جاءت سوره وآياته متناسقة مترابطة‪ ،‬في سيا ٍ‬
‫الترتيب القرآني العظيم‪.‬‬
‫حْكِمه‪ ،‬والوقوف عند أمره‬ ‫طف قضايا إعجاز القرآن الكريم‪ ،‬التي ترغم مخالفه على النزول على ُ‬ ‫ن َأْل َ‬‫وهذه ِم ْ‬
‫ب العالمين‪.‬‬ ‫طر الصحيحة على إسلم النفس ل ر ّ‬ ‫ونهيه‪ ،‬كما تدل العقول السليمة والِف َ‬
‫ِإْذ كان ِمن اْلُمَتَوّقع في ترتيب القرآن الكريم أن يكون على أزِمَنِة النزول‪ ،‬أو يكون على الموضوعات‪ ،‬أو ربما‬
‫ن أنواع وأجناس الترتيبات الذهنية التي اخترعها ووقف‬ ‫كان على أطراف اليات حسب الحروف‪ ،‬أو غيره ِم ْ‬
‫عليها البشر عبر أجيال النسانية المتتابعة‪..‬‬
‫هذا ما تفرضه حدود معارف البشر‪ ،‬وعقولهم الضعيفة‪..‬‬
‫ن هذا لم يكن‪..‬‬ ‫لكن نلمح أن شيًئا ِم ْ‬
‫ب على الحروف البجدية لياته‪..‬‬ ‫فل هو مرّت ٌ‬
‫ول هو بالذي تم ترتيبه على موضوعاته‪ ،‬بحيث تكون آيات الطلق في سورة‪ ،‬وآيات العقيدة في سورة‪..‬‬
‫وهكذا‪.‬‬
‫كما أنه لم ُيَرّتب َوْفق تاريخ نزول آياته‪ ،‬وترتيبها الّزَمِني‪..‬‬
‫جُدوا‬‫غْيِر الِّ َلَو َ‬
‫عنِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن َوَلْو َكا َ‬
‫ن الُقْرآ َ‬
‫ل َيَتَدّبُرو َ‬
‫ومع هذا نجد التحّدي قائًما لكل البشر في قوله تعالى‪َ} :‬أَف َ‬
‫خِتلفًا َكِثيًرا{ ]النساء‪.[82 :‬‬ ‫ِفيِه ا ْ‬
‫ف أو‬ ‫فليس مرّتًبا على الترتيب المقدور عليه للبشر‪ ،‬ولو في بعض العصور‪ ،‬ثم هو يتحّدى أن يوجد فيه اختل ٌ‬
‫تنافٌر بين أجزائه‪..‬‬
‫نرجع إلى كتاب ال عز وجل‪ ،‬فل نجد اختلًفا واحًدا‪ ،‬ول تنافًرا بين حرفين أبًدا‪ ،‬في الوقت الذي نقف على ما‬
‫ل حصر له من المصنفات والبحاث التي تتكلم عن ))تناسق اليات والسور(( أو ))أسرار الترتيب((‪ ،‬سواء‬
‫كانت مفردًة في هذا الجانب خاصة‪ ،‬أو اشتملت على علوم القرآن عامة‪ ،‬بما في ذلك الكلم عن هذا الجانب‬
‫العظيم من المعجزة القرآنية‪..‬‬
‫نعود فنكرر القراءة فنزداد عجًبا فوق عجب‪ ،‬ول يكاد ينقضي منا العجب دهشًة وذهوًل أمام هذا العجاز‬
‫القرآني السامي‪..‬‬
‫ثم يلفت انتباهنا ثبات القرآن من عصر النبي صلى ال عليه وسلم وحتى الساعة‪ ،‬بل زيادة ول نقصان‪ ،‬بل‬
‫ف واحٍد‪..‬‬‫وبدون أي تغيير في حر ٍ‬
‫ثم هو يلءم عصرنا كما كان يلءم عصر النبوة وصدر السلم‪ ،‬تماًما كما كان ملئًما لكافة العصور‪ ،‬وسيظل‬
‫ن عليها‪..‬‬ ‫ث ال الرض وَم ْ‬ ‫حتى َيِر َ‬
‫الحرف هو الحرف‪ ،‬والية هي الية‪ ،‬والسورة هي السورة منذ أن تركها النبي صلى ال عليه وسلم وحتى‬
‫عن لعجازها‪ ،‬ثم يقرأها ابن عصر التصالت والحاسبات فيتأثر بها‪،‬‬ ‫الساعة‪ ،‬يقرأها العرابي فيتأثر بها‪ ،‬وُيْذ ِ‬
‫سِكينة‪ ،‬واطمئنان النفس‪ ،‬ثم يرى فيها الحائرون‬ ‫ويرى فيها غاية العجاز‪ ،‬وضالته المنشودة للهداية وال ّ‬
‫أجوبتهم الشافية لكل ما يدور في خلجات أنفسهم‪..‬‬
‫ح لكافة الزمنة والمكنة والشخاص‪ ،‬رغم اختلف الزمنة والمكنة والشخاص فيما بينها‪ ،‬وثبات‬ ‫فهو صال ٌ‬
‫آياته وسوره وكلماته بل وحروفه عن التغيير أو الزيادة والنقصان‪..‬‬
‫ت يلئم مليين المتحركات عبر التاريخ‪.‬‬ ‫ثاب ٌ‬
‫إنه كلم ال الذي ل يوازيه كلم‪ ،‬وكتاب ال الذي ل ُيدانيه كتاب‪..‬‬

‫ن الترتيب القرآني جزٌء أصيٌل من المعجزة القرآنية العظيمة‪.‬‬
‫وهذا يعني باختصار‪َ :‬أ ّ‬
‫فهو كلم ال عز وجل بحروفه وكلماته‪ ،‬كما أنه كلمه سبحانه وتعالى بنظمه‪ ،‬عبارًة وترتيًبا وسياًقا‪..‬‬
‫ولذا يقول المام ابن تيمية رحمة ال عليه‪)) :‬من اليمان بال وكتبه‪ :‬اليمان بأن القرآن كلم ال‪ ،‬منزٌل غير‬
‫ن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ‪:‬‬ ‫مخلوق‪ ،‬منه بدأ‪ ،‬وإليه يعود‪ ،‬وأن ال تعالى تكّلم به حقيقًة‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ :salla1‬هو كلم ال حقيقة‪ ،‬ل كلم غيره‪ ،‬ول يجوز إطلق القول بأنه حكاية عن كلم ال‪ ،‬أو عبارة عنه‪،‬‬
‫س أو كتبوه بذلك في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلم ال تعالى حقيقًة‪ ،‬فإن الكلم‬ ‫بل إذا َقَرَأُه النا ُ‬
‫إنما يضاف حقيقة إلى من قاله ُمْبَتِدًئا‪ ،‬ل إلى من قاله ُمَبّلًغا ُمَؤّدًيا‪.‬‬
‫وهو كلم ال؛ حروفه ومعانيه‪ ،‬ليس كلم ال الحروف دون المعاني‪ ،‬ول المعاني دون الحروف(( "مجموع‬
‫الفتاوى" )‪3/401‬ـ ‪..(402‬‬
‫ضا‪:‬‬
‫ويقول المام ابن تيمية رحمه ال في موضٍع آخر أي ً‬
‫"والقرآن كلم ال بحروفه ونظمه ومعانيه‪ ،‬كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلم ال‪ ،‬وإعراب الحروف هو من‬
‫تمام الحروف(( "مجموع الفتاوى" )‪.(3/144‬‬

‫فالنظم القرآني ترتيًبا وسياًقا وعبارًة مقصوٌد ل عز وجل‪ ،‬وهو جزٌء من كلمه سبحانه وتعالى‪ ،‬وهو‬
‫ي السلم صلى ال عليه وسلم‪.‬‬ ‫المعجزة الخالدة التي أّيد ال عز وجل بها نب ّ‬
‫جَزُه هذا‪..‬‬
‫عَ‬
‫ق آخر لما أ ْ‬
‫ولو أراد ال عز وجل أن ُيَرّتبه وينظمه على نس ٍ‬
‫نعم؛ لو أراد سبحانه وتعالى أن ينظَمه على الترتيب الزمني ما أعجَزُه هذا‪..‬‬
‫ن آخر لم يقدر عليه أهل الفصاحة والبلغة في قريش‪ ،‬ولن يقدر‬ ‫لكنه سبحانه وتعالى قد نظمه ورّتَبه على لو ٍ‬
‫عليه غيرهم على مدار العصور‪..‬‬
‫ض لخرج عن كونه‬ ‫لنه وباختصار‪ :‬لو كان الترتيب القرآني مقدوًرا عليه ولو في بعض العصور دون بع ٍ‬
‫معجزًة خالدًة‪ ،‬ولنتقضت المعجزة‪..‬‬
‫ولذا كررنا غير مرٍة‪ :‬إن الترتيب القرآني الكريم جزء أصيٌل من المعجزة القرآنية الخالدة‪..‬‬

‫ن ال عز وجل هو وحده العالم بكل‬ ‫ويلزم من هذا بعبارة مختصرة‪ :‬ضرورة أن يكون الترتيب إلهًيا؛ ل ّ‬
‫العصور‪ ،‬وبما ُيستجد من الزمنة والحوال‪ ،‬وما يطرأ على البشر من التطورات‪ ،‬فهو وحده العالم بما‬
‫ب معجٍز خالٍد ل تصل إليه عقول البشر في‬ ‫يخترعه البشر ويصلون إليه‪ ،‬وهو وحده القادر على وضع ترتي ٍ‬
‫يوٍم من اليام‪ ،‬ول في عصٍر من العصور‪..‬‬
‫ب واحٍد‪ ،‬كما قال سبحانه‬ ‫عا في اللوح المحفوظ في كتا ٍ‬ ‫ويؤكد إلهية الترتيب القرآني الكريم‪ ،‬أّنه كان مجمو ً‬
‫ن{ ]الواقعة‪.[78 - 77 :‬‬ ‫ب ّمْكُنو ٍ‬‫ن َكِريٌم ]‪ِ [77‬في ِكَتا ٍ‬ ‫وتعالى‪ِ} :‬إّنُه َلُقْرآ ٌ‬
‫ظ{ ]البروج‪.[22 - 21 :‬‬ ‫حُفو ٍ‬‫ح ّم ْ‬ ‫جيٌد ]‪ِ [21‬في َلْو ٍ‬ ‫ن ّم ِ‬‫وقوله سبحانه وتعالى‪َ} :‬بْل ُهَو ُقْرآ ٌ‬
‫ظ‪.‬‬
‫ح محفو ٍ‬ ‫ظ في لو ٍ‬ ‫ن‪ ،‬محفو ٌ‬ ‫ب مكنو ٍ‬ ‫ن مجيٌد‪ ،‬في كتا ٍ‬ ‫فهو قرآ ٌ‬
‫))والكتاب هنا كتاب في السماء؛ قاله ابن عباس(( ]تفسير القرطبي ‪ ،[17/193‬وقيل‪ :‬هو المصحف الذي‬
‫بأيدي المسلمين‪ ،‬والول أصح‪.‬‬
‫ب‪.‬‬‫عا في السماء في كتا ٍ‬ ‫ب يستلزم أنه كان مجمو ً‬ ‫ف القرآن بكونه في كتا ٍ‬ ‫ن وص َ‬ ‫ولشك أ ّ‬
‫وقد ورَد وصفه بالكتاب في أكثِر من مناسبٍة‪ ،‬ومن ذلك تسمية الفاتحة بـ ))أم الكتاب((‪.‬‬
‫ن كتاًبا كان رسول ال‬ ‫ل القرآ َ‬ ‫سّمي ا ُ‬ ‫يقول ابن عاشور في تفسيره ))التحرير والتنوير(( )‪)) :(3686‬وََلّما َ‬
‫ن لها‬ ‫ن يكتبوا كّل آيٍة تنزل ِمن الوحي في الموضِع اْلُمَعّي ِ‬ ‫ب الوحي ِمن أصحابه َأ ْ‬ ‫صلى ال عليه وسلم يْأُمر ُكّتا َ‬
‫ن ال أشاَر إلى المِر بكتابِته في مواضع كثيرٍة ِمن َأّوِلَها‪ :‬قوله‪َ} :‬بْل‬ ‫بين أخواتها‪ ،‬استناًدا إلى أمٍر ِمن ال؛ ل ّ‬
‫ن َكِريٌم ]‪ِ [77‬في ِكَتا ٍ‬
‫ب‬ ‫ظ{ ]البروج‪ ،[22 - 21 :‬وقوله‪ِ} :‬إّنُه َلُقْرآ ٌ‬ ‫حُفو ٍ‬ ‫ح ّم ْ‬‫جيٌد ]‪ِ [21‬في َلْو ٍ‬ ‫ن ّم ِ‬ ‫ُهَو ُقْرآ ٌ‬
‫ن{ ]الواقعة‪(([78 - 77 :‬أهـ‬ ‫ّمْكُنو ٍ‬
‫ب‪،‬‬‫يعني أنه سبحانه وتعالى يشير إلى نبّيه صلى ال عليه وسلم بأن القرآن كان مكتوًبا في السماِء في كتا ٍ‬
‫ب‪.‬‬
‫ضا في الرضِ في كتا ٍ‬ ‫ت أي ً‬ ‫فاكتبه أن َ‬
‫ع في السماء‪ ،‬ثم شاء ال عز وجل أن ينزله مفّرًقا رأفًة ورحمًة بهذه المة حسب الوقائع‬ ‫ب مجمو ٍ‬ ‫فهو في كتا ٍ‬
‫والحداث‪..‬‬
‫ك َقاَل‪ِ)) :‬إّني‬ ‫ن َماَه ٍ‬ ‫ف ْب ُ‬ ‫س ُ‬ ‫وفي هذا الصدد نذكر حديث المام البخاري رحمة ال عليه )‪ (4993‬من رواية ُيو ُ‬
‫ك‪َ ،‬قاَل‪:‬‬ ‫ضّر َ‬‫ك َوَما َي ُ‬ ‫حَ‬ ‫ت‪َ :‬وْي َ‬ ‫خْيٌر؟ َقاَل ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ي َفَقاَل‪َ :‬أيّ اْلَكَف ِ‬ ‫عَراِق ّ‬‫جاَءَها ِ‬‫عْنَها ِإْذ َ‬ ‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬‫ن َر ِ‬ ‫شَة ُأّم اْلُمْؤِمِني َ‬ ‫عاِئ َ‬ ‫عْنَد َ‬
‫ِ‬
‫ت‪َ :‬وَما‬ ‫ف‪َ ،‬قاَل ْ‬‫غْيَر ُمَؤّل ٍ‬ ‫عَلْيِه‪َ ،‬فِإّنُه ُيْقَرُأ َ‬‫ن َ‬ ‫ف اْلُقْرآ َ‬‫ت‪ِ :‬لَم؟ َقاَل‪َ :‬لَعّلي ُأَوّل ُ‬ ‫ك‪َ ،‬قاَل ْ‬ ‫حَف ِ‬‫صَ‬‫ن َأِريِني ُم ْ‬ ‫َيا ُأّم اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ب الّنا ُ‬
‫س‬ ‫حّتى ِإَذا َثا َ‬ ‫جّنِة َوالّناِر‪َ ،‬‬ ‫صِل ِفيَها ِذْكُر اْل َ‬ ‫ن اْلُمَف ّ‬‫سوَرٌة ِم ْ‬ ‫ت َقْبُل‪ِ ،‬إّنَما َنَزَل َأّوَل َما َنَزَل ِمْنُه ُ‬ ‫ك َأّيُه َقَرْأ َ‬
‫ضّر َ‬‫َي ُ‬
‫خْمَر َأَبًدا‪َ ،‬وَلوْ َنَزَل ل‬ ‫ع اْل َ‬ ‫خْمَر َلَقاُلوا‪ :‬ل َنَد ُ‬ ‫شَرُبوا اْل َ‬‫يٍء ل َت ْ‬ ‫ش ْ‬‫حَراُم‪َ ،‬وَلْو َنَزَل َأّوَل َ‬ ‫لُل َواْل َ‬‫حَ‬‫لِم َنَزَل اْل َ‬ ‫سَ‬ ‫ِإَلى اِْل ْ‬
‫عُة‬‫سا َ‬‫ب‪َ} :‬بلْ ال ّ‬ ‫جاِرَيٌة َأْلَع ُ‬ ‫سّلَم َوِإّني َل َ‬‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫حّمٍد َ‬ ‫عَلى ُم َ‬ ‫ع الّزَنا َأَبًدا‪َ ،‬لَقْد َنَزَل ِبَمّكَة َ‬‫َتْزُنوا َلَقاُلوا‪ :‬ل َنَد ُ‬
‫ت َلُه‬‫ج ْ‬‫خَر َ‬‫عْنَدُه‪َ ،‬قاَل‪َ :‬فَأ ْ‬ ‫ساِء ِإّل َوَأَنا ِ‬ ‫سوَرُة اْلَبقََرِة َوالّن َ‬ ‫ت ُ‬ ‫عُة َأْدَهى َوَأَمّر{ ]القمر‪َ ،[46 :‬وَما َنَزَل ْ‬ ‫سا َ‬
‫عُدُهْم َوال ّ‬ ‫َمْو ِ‬
‫سَوِر((‪.‬‬ ‫ي ال ّ‬ ‫عَلْيِه آ َ‬
‫ت َ‬ ‫ف َفَأْمَل ْ‬‫ح َ‬ ‫صَ‬ ‫اْلُم ْ‬
‫ضا بجمعه‪.‬‬
‫وكما تكّفل سبحانه وتعالى بحفظه‪ ،‬فقد تكّفل أي ً‬

‫جَل ِبِه{‬ ‫ك ِلَتْع َ‬ ‫ساَن َ‬
‫ك ِبِه ِل َ‬ ‫حّر ْ‬‫س ِفي َقْوِلِه َتَعاَلى‪َ} :‬ل ُت َ‬ ‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫ن اْب ِ‬‫عِ‬‫روى البخاري )‪ ،(5‬ومسلم )‪ ،(448‬وغيرهما َ‬
‫شَفَتْيِه‪،‬‬
‫ك َ‬ ‫حّر ُ‬‫ن ِمّما ُي َ‬ ‫شّدًة‪َ ،‬وَكا َ‬ ‫ن الّتْنِزيِل ِ‬ ‫ج ِم ْ‬ ‫سّلَم ُيَعاِل ُ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫]القيامة‪َ [16 :‬قاَل‪َ)) :‬كا َ‬
‫سِعيٌد ـ وهو ابن‬ ‫حّرُكُهَما‪َ ،‬وَقاَل َ‬ ‫سّلَم ُي َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫حّرُكُهَما َلُكْم َكَما َكا َ‬ ‫س‪َ :‬فَأَنا ُأ َ‬‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫َفَقاَل اْب ُ‬
‫شَفَتْيِه‪َ ،‬فَأْنَزَل ا ُّ‬
‫ل‬ ‫ك َ‬ ‫حّر َ‬
‫حّرُكُهَما‪َ ،‬ف َ‬ ‫س ُي َ‬‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫ت اْب َ‬ ‫حّرُكُهَما َكَما َرَأْي ُ‬ ‫جبير‪ ،‬راوي الحديث عن ابن عباس ـ‪َ :‬أَنا ُأ َ‬
‫ك‪،‬‬
‫صْدِر َ‬ ‫ك ِفي َ‬ ‫جْمُعُه َل َ‬ ‫جْمَعُه َوُقْرآَنُه{ ]القيامة‪َ [17 - 16 :‬قاَل‪َ :‬‬ ‫عَلْيَنا َ‬ ‫ن َ‬ ‫جَل ِبِه ِإ ّ‬‫ك ِلَتْع َ‬‫ساَن َ‬
‫ك ِبِه ِل َ‬ ‫حّر ْ‬‫َتَعاَلى‪َ} :‬ل ُت َ‬
‫عَلْيَنا َبَياَنُه{ ]القيامة‪:‬‬ ‫ن َ‬ ‫ت‪ُ} ،‬ثّم ِإ ّ‬ ‫ص ْ‬‫سَتِمْع َلُه َوَأْن ِ‬ ‫َوَتْقَرَأُه‪َ} ،‬فِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪َ ،[18 :‬قاَل‪َ :‬فا ْ‬
‫طَل َ‬
‫ق‬ ‫سَتَمَع َفِإَذا اْن َ‬ ‫جْبِريُل ا ْ‬ ‫ك ِإَذا َأَتاُه ِ‬‫سّلَم بَْعَد َذِل َ‬‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬‫ن َتْقَرَأُه‪َ ،‬فَكا َ‬ ‫عَلْيَنا َأ ْ‬
‫ن َ‬ ‫‪ُ [19‬ثّم ِإ ّ‬
‫سّلَم َكَما َقَرَأُه((‪.‬‬ ‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫جْبِريُل َقَرَأُه الّنِب ّ‬ ‫ِ‬
‫جْبِريُل َقَرَأُه الّنِب ّ‬
‫ي‬ ‫ق ِ‬ ‫طَل َ‬
‫وفي رواية البخاري )‪ ،(7524‬ورواية لمسلٍم )‪ ،(448‬والنسائي )‪َ)) :(935‬فِإَذا اْن َ‬
‫سّلَم َكَما َأْقَرَأُه((‪.‬‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫َ‬
‫عَدُه‬‫ب َقَرَأُه َكَما وَ َ‬ ‫ق َفِإَذا َذَه َ‬‫طَر َ‬ ‫جْبِريُل َأ ْ‬‫ن ِإَذا َأَتاُه ِ‬ ‫وفي رواية أخرى مسلٍم )‪ (448‬من نفس الحديث‪َ)) :‬فَكا َ‬
‫ل((‪.‬‬‫ا ُّ‬
‫جْبِريلُ َقَرَأُه َكَما َأْقَرَأُه((‪.‬‬ ‫ق ِ‬ ‫طَل َ‬‫ك ِإَذا اْن َ‬‫ن َبْعَد َذِل َ‬‫وفي رواية المام أحمد )‪َ)) :(3181‬فَكا َ‬
‫سّلَم ُقْرآ ٌ‬
‫ن‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ي َ‬ ‫عَلى الّنِب ّ‬ ‫ن ِإَذا َنَزَل َ‬ ‫س‪َ)) :‬كا َ‬ ‫عّبا ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫ولفظ المام أحمد في روايته )‪َ :(1913‬قاَل اْب ُ‬
‫جْمَعُه َوُقْرآَنُه َفِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع‬ ‫عَلْيَنا َ‬‫ن َ‬ ‫جَل ِبِه ِإ ّ‬ ‫ك ِلَتْع َ‬‫ساَن َ‬‫ك ِبِه ِل َ‬‫حّر ْ‬ ‫جّل‪َ} :‬ل ُت َ‬ ‫عّز َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫ظُه َقاَل ا ُّ‬ ‫حَف َ‬‫ن َي ْ‬ ‫ُيِريُد َأ ْ‬
‫ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪.(([18 - 16 :‬‬
‫ونحوه عند الترمذي )‪ (3329‬في روايته لهذا الحديث‪.‬‬

‫ف ول حركة ول همزة ول يزيد‬
‫يعني قرأُه النبي صلى ال عليه وسلم كما َأْقَرَأُه جبريل تماًما‪ ،‬لم يذهب منه حر ٌ‬
‫ل أو كثيًرا‪..‬‬
‫فيه شيًئا أو ينقص منه شيًئا‪ ،‬قلي ً‬

‫جْمَعُه َوُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ [16 :‬يشمل جمعه في الصدر كما ذكر ابنُ عم النبي‬ ‫عَلْيَنا َ‬
‫ن َ‬ ‫وقوله سبحانه وتعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ضا بعموم لفظه جمعه للنبي صلى ال عليه وسلم‬ ‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬عبد ال بن عباس‪ ،‬كما يشمل أي ً‬
‫ظا في الصدور‪.‬‬ ‫مرّتًبا‪ ،‬مكتوًبا في الصحف ونحوها‪ ،‬ومحفو ً‬
‫ح المام البخاري رحمة ال عليه إلى ذلك في ))كتاب التفسير(( من ))صحيحه(( )‪ - 8/301‬فتح‬ ‫وقد ألم َ‬
‫ضِه‬
‫ف َبْع ِ‬
‫جْمَعُه َوُقْرآَنُه{ ]القيامة‪َ [16 :‬تْأِلي َ‬ ‫عَلْيَنا َ‬ ‫ن َ‬ ‫سوَرُة الّنوِر(( فقال‪َ)) :‬وَقْوُلُه َتَعاَلى‪ِ} :‬إ ّ‬ ‫الباري( في باب )) ُ‬
‫عَمْل‬
‫جِمَع ِفيِه َفا ْ‬
‫ي‪َ :‬ما ُ‬ ‫جَمْعَناُه َوَأّلفَْناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه؛ َأ ْ‬
‫ض }َفِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪َ [17 :‬فِإَذا َ‬ ‫ِإَلى َبْع ٍ‬
‫ف((أهـ‬ ‫ي‪َ :‬تْأِلي ٌ‬ ‫ن؛ َأ ْ‬ ‫شْعِرِه ُقْرآ ٌ‬
‫س ِل ِ‬‫ل‪َ ،‬وُيَقاُل‪َ :‬لْي َ‬‫ك ا ُّ‬‫عّما َنَها َ‬‫ك َواْنَتِه َ‬‫ِبَما َأَمَر َ‬
‫ض‪ ،‬أي‬ ‫جْمَعُه‪ :‬تأليفه‪ ،‬يعني‪ :‬تأليف بعضه إلى بع ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫سرين‪ ،‬ذكروا أ ّ‬ ‫وقد ورَد نحو هذا عن قتادة وغيره من المف ّ‬
‫جمعه وترتيبه‪.‬‬
‫وقد روى عبد الرزاق والطبري ذلك عن قتادة‪ ،‬كما ذكره ابن جرير الطبري والسيوطي وغيرهما عند تفسير‬
‫ضا‪.‬‬‫الية من تفسيراتهم‪ ،‬عن قتادة أي ً‬
‫ن الذي أنزل فيه القرآن(( بالهمز‬ ‫ل في قوله تعالى في سورة البقرة‪)) :‬شهُر رمضا َ‬ ‫ولذا ُقِريَء ))القرآن(( مث ً‬
‫في أكثر القراءات وقيل بغير همٍز‪.‬‬
‫ي عن الشافعي عن إسماعيل‪ ،‬قال الشافعي‪:‬‬ ‫جُته ما ُرِو َ‬ ‫حّ‬‫ن كثيٍر )القران( بغير َهْمٍز‪ ،‬و ُ‬ ‫قال ابن زنجلة‪َ)) :‬قَرَأ اب ُ‬
‫ت لكان‬ ‫خَذ ِمن قرأ ُ‬ ‫ت‪ ،‬ولو ُأ ِ‬ ‫خذ ِمن قرأ ُ‬ ‫ت على إسماعيل فكان يقول‪) :‬القران( اسم وليس مهموًزا‪َ ،‬وَلْم ُيْؤ َ‬ ‫قرأ ُ‬
‫كل ما ُقِريَء ُقْرآًنا‪ ،‬ولكنه اسٌم مثل التوراة‪،‬‬
‫ي بالمصدِر‪،‬‬ ‫سّم َ‬‫جَمْعُته؛ قرآًنا‪ ،‬قالوا‪ :‬ف ُ‬ ‫ي َأّلْفُته َو َ‬
‫ت الشيء؛ َأ ْ‬ ‫ن )القرآن( بالهمز؛ مصدر قرأ ُ‬ ‫وَقَرَأ الباقو َ‬
‫جْمَعُه َوُقْرآَنُه َفِإَذا َقَرْأَناُه{؛ أي‪ :‬جمعناه }َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪[17 -16:‬؛ أي‪:‬‬ ‫عَلْيَنا َ‬
‫ن َ‬ ‫جُتهم قوله‪ِ} :‬إ ّ‬ ‫حّ‬‫وُ‬
‫تأليفه(( ))حجة القراءات‪((126 :‬‬
‫القرآن كلم ال عز وجل‬

‫وِإْذ قد وصلنا إلى ما وصلنا إليه آنًفا فلُنَذّكر القراء الكرام بأن القرآن كلم ال عز وجل بنظمه وكلماته‬
‫عا‪،‬‬
‫ب أو بعيٍد‪ ،‬بل هو كلم ال عز وجل‪ ،‬كيف كان‪ ،‬مسمو ً‬ ‫ن قري ٍ‬‫وحروفه وترتيبه‪ ،‬ول مدخل فيه لبشٍر ِم ْ‬
‫ظا‪ ،‬ومكتوًبا‪.‬‬
‫ومحفو ً‬
‫ت ذلك بالكتاب والسنة والجماع‪.‬‬
‫وقد ثب َ‬

‫فأما القرآن الكريم‪:‬‬
‫ل{ ]التوبة‪.[6:‬‬
‫لَم ا ِّ‬
‫سَمَع َك َ‬
‫حّتى َي ْ‬
‫جْرُه َ‬
‫ك َفَأ ِ‬
‫جاَر َ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫حٌد ِم ْ‬
‫ن َأ َ‬
‫فمنه‪ :‬قوله تعالى‪َ} :‬وِإ ْ‬
‫سى ِلِميَقاِتَنا َوَكّلَمُه َرّبُه{]العراف‪.[143:‬‬ ‫جاَء ُمو َ‬ ‫وقوله تعالى‪َ} :‬وَلّما َ‬

‫وأما السنة النبوية‪:‬‬
‫ف؛‬
‫سُه ِباْلَمْوِق ِ‬
‫ض َنْف َ‬
‫ن َيْعِر ُ‬
‫ن رسول ال ‪ :salla1:‬كا َ‬ ‫فمنها‪ :‬حديث جابر بن عبد ال رضي ال عنهما؛ أ ّ‬
‫لَم َرّبي((‪.‬‬
‫ن ُأَبّلغَ َك َ‬
‫شا َقْد َمَنُعوِني َأ ْ‬
‫ن ُقَرْي ً‬
‫حِمْلِني ِإَلى َقْوِمِه؛ َفِإ ّ‬
‫جٌل َي ْ‬
‫ويقول‪َ)) :‬أَل َر ُ‬
‫ن أبي شيبة )‪ ،(14/310‬وأحمد )‪ ،(3/390‬وعثمان بن سعيد في "الرد على الجهمية" )ص‪،(74/‬‬ ‫رواه اب ُ‬
‫والبخاري في "خلق أفعال العباد" )ص‪ ،(40/‬وأبوداود )‪ ،(4734‬والنسائي في "الكبرى" )‪،(7727‬‬
‫ح‪.‬‬
‫والترمذي )‪ ،(2925‬وابن ماجة )‪ ،(201‬والحاكم )‪2/612‬ـ ‪ ،(613‬وغيرهم بإسناٍد صحي ٍ‬

‫وأما الجماع‪:‬‬
‫فقد حكاه غيُر واحٍد من السلف الصالح رضي ال عنهم‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫ك أصحاب رسول ال ‪ ، :salla1:‬فمن‬ ‫س ‪ -‬وكان قد أدر َ‬ ‫ت النا َ‬ ‫قال المام عمرو بن دينار رحمه ال‪َ)) :‬أْدَرْك ُ‬
‫ق؛ إل القرآن فِإّنه كلم ال‬ ‫ق‪ ،‬وما سواُه مخلو ٌ‬ ‫سُمُه الخال ُ‬ ‫ل جّل ا ْ‬ ‫دونهم ‪ -‬منذ سبعين سنة ‪ -‬كّلهم يقولون‪ :‬ا ُ‬
‫تعالى((‪.‬‬
‫خْلق أفعال العباد" )ص‪ ،(29/‬وابن بطة في "البانة" )‪ 8 - 2/6‬رقم ‪،(184 - 183‬‬ ‫رواه البخاري في " َ‬
‫وغيرهما‪.‬‬
‫ن الصحابة والتابعين وأئمة المصار‪،‬‬ ‫ن الجوزي رحمه ال بإسناده عن أبي عبد ال بن َمْنَدَة قال‪)) :‬إ ّ‬ ‫وساق اب ُ‬
‫ن القرآن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬ومن قال غير ذلك َكَفَر(( "فنون‬ ‫ن‪ ،‬إلى عصرنا هذا‪ :‬أجمعوا على أ ّ‬ ‫قرًنا بعد قر ٍ‬
‫الفنان في عجائب علوم القرآن" لبن الجوزي )ص‪.(53/‬‬
‫ي رحمه ال‪:‬‬ ‫جّر ّ‬ ‫وقال المام محمد بن الحسين ال ُ‬
‫ق‪ ،‬ووّفقوا للّرشاِد قديًما وحديًثا‪:‬‬ ‫غ قلوبهم عن الح ّ‬ ‫ن قول المسلمين الذين لم َتِز ْ‬ ‫))اعلموا رحمنا ال وإياكم‪ :‬أ ّ‬
‫عْلُم ال عز وجل ل يكون‬ ‫عْلم ال تعالى‪ ،‬و ِ‬ ‫ن القرآن ِمن ِ‬ ‫ق؛ ل ّ‬ ‫ن القرآن كلم ال عز وجل ليس بمخلو ٍ‬ ‫ِإ َّ‬
‫مخلوًقا‪ ،‬تعالى ال عز وجل عن ذلك‪.‬‬
‫دّل على ذلك القرآن والسنة وقول الصحابة رضي ال عنهم وقول أئمة المسلمين رحمة ال تعالى عليهم‪ ،‬ل‬
‫جّري )ص‪.(75/‬‬ ‫ث‪ ،‬والجهميُة عند العلماء كافرٌة(( ))الشريعة(( لل ُ‬ ‫ي خبي ٌ‬ ‫ُينكر هذا إل جهم ّ‬
‫وقال المام ابن بطة الُعْكبري رحمه ال‪:‬‬
‫ن القرآن كلم ال‪ ،‬ووحيه‪ ،‬وتنزيله‪ ،‬فيه معاني توحيده‪،‬‬ ‫ف َأ ّ‬
‫ك ول ِمْريٍة ول وقو ٍ‬ ‫ن يعلم بغير ش ّ‬ ‫))ثم بعد ذلك َأ ْ‬
‫ي‪،‬‬‫ث ُتِل َ‬
‫ب‪ ،‬وحي ُ‬
‫ئ‪ ،‬وكيف ُكِت َ‬
‫ق‪ ،‬وكيف ُقِر َ‬ ‫عْلِمِه‪ ،‬غير مخلو ٍ‬ ‫ن ِ‬‫عْلٌم ِم ْ‬
‫ومعرفة آياته‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأسمائه‪ ،‬وهو ِ‬
‫ظ في اللوح المحفوظ وفي المصاحف وفي ألواح‬ ‫حِف َ‬‫ض‪ُ ،‬‬ ‫جَد أو في الر ِ‬ ‫ي موضٍع كان‪ ،‬في السماء ُو ِ‬ ‫وفي َأ ّ‬
‫شا‪ ،‬وعلى كّل الحالت‪ ،‬وفي كّل الجهات؛ فهو كلم ال غير مخلوق‪.‬‬ ‫جٍر منقو ً‬ ‫حَ‬
‫الصبيان مرسوًما‪ ،‬أو في َ‬
‫ضَمَرُه في نفسه‪ :‬فهو بال كافٌر‪ ،‬حلل‬ ‫ك‪ ،‬أو قال بلسانه وأ ْ‬ ‫ف‪ ،‬أو ش ّ‬ ‫وَمن قال‪ :‬مخلوق‪ ،‬أو قال‪ :‬كلم ال َوَوَق َ‬
‫ف عن تكفيره‪ :‬فهو كافٌر؛ لقول ال عز وجل‪:‬‬ ‫ك في كفره‪ ،‬وَوَق َ‬ ‫الدم‪ ،‬بريء ِمن ال‪ ،‬وال منه بريٌء‪ ،‬وَمن ش ّ‬
‫ظ{ ]البروج‪ 21:‬ـ ‪.[22‬‬ ‫حُفو ٍ‬
‫ح ّم ْ‬ ‫جيٌد ]‪ِ [21‬في َلْو ٍ‬ ‫ن ّم ِ‬‫}َبْل ُهَو ُقْرآ ٌ‬
‫ل{ ]التوبة‪.[6:‬‬ ‫سَمَع َكلَم ا ِّ‬ ‫حّتى َي ْ‬ ‫وقال تعالى‪َ } :‬‬
‫ل َأنَزَلُه ِإَلْيُكْم{ ]الطلق‪.[5:‬‬ ‫ك َأْمُر ا ِّ‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬ذِل َ‬
‫ن حرًفا واحًدا منه مخلوق؛ فقد َكَفَر ل محالة؛ فالي في ذلك ِمن القرآن‪ ،‬والحجة عن المصطفى‬ ‫عَم َأ ّ‬
‫ن َز َ‬
‫فَم ْ‬
‫خفى(( "كتاب‪ :‬الشرح والبانة على أصول السنة‬ ‫نتْ‬ ‫ظَهر ِمن َأ ْ‬ ‫حصى‪ ،‬وَأ ْ‬ ‫ن ُت ْ‬ ‫صلى ال عليه وسلم أكثر ِمن َأ ْ‬
‫والديانة" لبن بطة )ص‪ 184/‬ـ ‪ ،185‬ط‪ :‬المكتبة الفيصلية بمكة(‪.‬‬

‫وقد وردت الثاُر بذلك عن الخلفاء الربعة الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم رضي ال‬
‫عنهم جميًعا‪.‬‬
‫أقتبس من ذلك ما رواه أحمد في "الزهد" )ص‪ ،(35/‬وابنه عبد ال في "السنة"" )‪ 145-1/144‬رقم‬
‫‪ ،(118-117‬وعثمان بن سعيد في "الرد على الجهمية" )ص‪ ،(78/‬وغيرهم‪ :‬عن عمر بن الخطاب‬
‫ضُعوُه في مواضعه((‪.‬‬
‫َأّنُه قال‪)) :‬القرآن كلم ال تعالى َف َ‬
‫ت مالك بن أنس يقول‪ :‬القرآن كلم ال((‪.‬‬
‫ب الّزهري‪)) :‬سمع ُ‬ ‫وما قاله أبو ُمصع ٍ‬
‫ذكَرُه ابن بطة في "البانة" )‪ 48 - 2/47‬رقم ‪ - 241‬الرد على الجهمية(‪.‬‬
‫وأختُم ذلك بما قاله فضيلة الشيخ حسن مأمون مفتي مصر سابًقا رحمه ال تعالى‪:‬‬
‫))القرآن كلم رب العالمين‪ ،‬نزل به الروح المين‪ ،‬على سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم؛ لهداية الناس‪،‬‬
‫سِمَعُه الرسول من الوحي‪،‬‬ ‫ي متلّو‪َ ،‬‬ ‫وبيان الحكام التي تعّبَد ال الناس بها‪ ،‬وكّلَفهم باّتباعها‪ ،‬والقرآن وح ٌ‬
‫ظه‪ ،‬وَتَفّهم معانيه‪ ،‬والعمل‬‫حْف ِ‬
‫ظُه بألفاظه وعباراته‪ ،‬ووعاه‪ ،‬وأبَلَغُه كما سمعه إلى أصحابه‪ ،‬ودعاهم إلى ِ‬ ‫حِف َ‬
‫وَ‬
‫به‪ ،‬فحفظوه‪ ،‬وفهموا معانيه‪ ،‬وعملوا بأحكامه‪ ،‬وُنِقَل إلينا بطريق التواتر‪ ،‬وثبت على وجه القطع‪ ،‬وَرَوْوُه عن‬
‫ن{ ]الحجر‪(([9 :‬أهـ‬ ‫ظو َ‬ ‫حاِف ُ‬
‫ن َنّزْلَنا الّذْكَر َوِإّنا َلُه َل َ‬
‫حُ‬‫عَد ال به رسوَلُه‪ِ} :‬إّنا َن ْ‬
‫ق ما َو َ‬
‫صَد َ‬
‫ال عز وجل ‪ ،‬و َ‬
‫))الفتاوى السلمية من دار الفتاء المصرية(( نشر وزارة الوقاف بمصر )‪ 5/1606‬رقم ‪.(707‬‬

‫)‪(8‬‬
‫سْبَعِة‬
‫ف ال ّ‬
‫حُر ِ‬
‫معنى اَل ْ‬

‫سْبَعِة‬
‫ف ال ّ‬
‫حُر ِ‬
‫وهذا يجّرنا للكلم عن َمْعنى اَل ْ‬

‫ح في المسألة‪ ،‬ثم نذهب إلى أقوال العلماء لنرى الراجح منها في ذلك‪.‬‬
‫ولنبدأ بنصّ واض ٍ‬

‫حَزاٍم‬ ‫ن ِ‬ ‫حِكيِم ْب ِ‬
‫ن َ‬ ‫شاَم ْب َ‬
‫ت ِه َ‬ ‫سِمْع ُ‬‫ب َقاَل‪َ :‬‬ ‫طا ِ‬‫خّ‬ ‫ن اْل َ‬‫عَمَر ْب َ‬
‫ي )‪ ،(4992‬ومسلٌم )‪ (818‬من روايِة ُ‬ ‫َرَوى البخار ّ‬
‫حُرو ٍ‬
‫ف‬ ‫عَلى ُ‬ ‫ت ِلِقَراَءِتِه‪َ ،‬فِإَذا ُهَو َيْقَرُأ َ‬ ‫سَتَمْع ُ‬
‫سّلَم‪َ ،‬فا ْ‬‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوِل ا ِّ‬ ‫حَياِة َر ُ‬ ‫ن( ِفي َ‬ ‫سوَرَة )اْلُفْرَقا ِ‬ ‫َيْقَرُأ ُ‬
‫سّلَم‪َ ،‬فَلّبْبُتُه‬
‫حّتى َ‬ ‫ت َ‬ ‫صّبْر ُ‬‫صلِة‪َ ،‬فَت َ‬ ‫ساِوُرُه ِفي ال ّ‬ ‫ت ُأ َ‬‫سّلَم‪َ ،‬فِكْد ُ‬‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫َكِثيَرٍة َلْم ُيْقِرْئِنيَها َر ُ‬
‫ت‪:‬‬‫سّلَم‪َ ،‬فُقْل ُ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ك َتْقَرُأ؟ َقاَل‪َ :‬أْقَرَأِنيَها َر ُ‬ ‫سِمْعُت َ‬
‫سوَرَة اّلِتي َ‬ ‫ك َهِذِه ال ّ‬ ‫ن َأْقَرَأ َ‬‫ت‪َ :‬م ْ‬ ‫ِبِرَداِئِه‪َ ،‬فُقْل ُ‬
‫سوِل ا ِّ‬
‫ل‬ ‫ت ِبِه َأُقوُدُه ِإَلى َر ُ‬ ‫طَلْق ُ‬
‫ت‪َ ،‬فاْن َ‬‫غْيِر َما َقَرْأ َ‬‫عَلى َ‬ ‫سّلَم َقْد َأْقَرَأِنيَها َ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫ت َفِإ ّ‬‫َكَذْب َ‬
‫سوُل ا ِّ‬
‫ل‬ ‫ف َلْم ُتْقِرْئِنيَها؟ َفَقاَل َر ُ‬ ‫حُرو ٍ‬ ‫عَلى ُ‬ ‫ن( َ‬ ‫سوَرِة )اْلُفْرَقا ِ‬ ‫ت َهَذا َيْقَرُأ ِب ُ‬ ‫سِمْع ُ‬‫ت‪ِ :‬إّني َ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬فُقْل ُ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫َ‬
‫صّلى‬ ‫سوُل الِّ َ‬ ‫سِمْعُتُه َيْقَرُأ‪َ ،‬فَقاَل َر ُ‬ ‫عَلْيِه اْلِقَراَءةَ اّلِتي َ‬ ‫شاُم((‪َ ،‬فَقَرَأ َ‬ ‫سْلُه‪ ،‬اْقَرْأ َيا ِه َ‬ ‫سّلَم‪َ)) :‬أْر ِ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫َ‬
‫صّلى‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫ت اْلِقَراَءَة اّلِتي َأْقَرَأِني‪َ ،‬فَقاَل َر ُ‬ ‫عَمُر(( َفَقَرْأ ُ‬ ‫ت((‪ُ ،‬ثّم َقاَل‪)) :‬اْقَرْأ َيا ُ‬ ‫ك ُأْنِزَل ْ‬‫سّلَم‪َ)) :‬كَذِل َ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫ا ُّ‬
‫سَر ِمْنُه((أهـ‬ ‫ف‪َ ،‬فاْقَرُءوا َما َتَي ّ‬ ‫حُر ٍ‬‫سْبَعِة َأ ْ‬‫عَلى َ‬ ‫ن ُأْنِزَل َ‬ ‫ن َهَذا اْلُقْرآ َ‬‫ت‪ِ ،‬إ ّ‬ ‫ك ُأْنِزَل ْ‬‫سّلَم‪َ)) :‬كَذِل َ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫ا ُّ‬

‫ق نظرًة الن على اختلف الناس في ذلك‪ ،‬مع المعنى الراجح بأدّلِته إن شاء ال عز وجل‪..‬‬
‫ولُنْل ِ‬

‫س في بيان الحرف السبعة اختلًفا عظيًما‪ :‬فأوصلها بعضهم إلى خمسٍة وثلثين قوًل‪ ،‬كما ُنِقَل‬
‫وقد اختلف النا ُ‬
‫هذا عن ابن حبان‪ ،‬نقله ابن الجوزي في ))فنون الفنان(( )‪ ،(67‬والقرطبي في ))تفسيره(( )‪،(1/42‬‬
‫والسيوطي في ))التقان(( )‪ ،(1/138‬وغيرهم‪.‬‬

‫ي‪ :‬أكثُرها‬
‫ن حجٍر في ))فتح الباري(( )‪ (4992‬إلى كلم ابن حبان؛ قال ابن حجٍر‪)) :‬وقال اْلُمْنِذِر ّ‬‫وَلّما أشاَر اب ُ‬
‫غيُر مختاٍر((أهـ‬

‫ن الجوزي القوال فاختار منها أربعة عشر قوًل‪ ،‬بينما اختار غيره عشرة أو سبعة أو ستًة‪..‬إلخ‪.‬‬
‫ونّقح اب ُ‬

‫وأحجَم بعضهم عن الكلم في المسألة‪ ،‬وزعم أنها من المتشابه أو المشكل‪.‬‬

‫ت أن أشهر‬ ‫وسنقتصر هنا على أشهِر القوال في المسألِة‪ ،‬وبعد البحث والتمحيص ورّد الّنظير إلى نظيره‪ :‬رأي ُ‬
‫ف هنا اللغات‪ ،‬والقول الثاني‪ :‬قول َم ْ‬
‫ن‬ ‫ن معه القائلين بأن المراد بالحر ِ‬
‫القوال في المسألة‪ :‬قول أبي عبيد وَم ْ‬
‫ن لغٍة واحدٍة‪.‬‬
‫ظ المرادف ولو كان ِم ْ‬
‫ف السبعة في الحديث تأدية المعنى باللف ِ‬‫ن المراد بالحر ِ‬
‫قال‪ِ :‬إ ّ‬

‫وهذا المشهور في المسألِة‪ ،‬عند تحرير القوال وتمحيصها‪ ،‬وما سواه فعلى نوعين‪:‬‬

‫ن قال‪ :‬إن المقصود بها الخلف في الحلل والحرام؛ وهذا من أبطِل‬ ‫النوع الول‪ :‬فإما ل عبرة به كقوِل َم ْ‬
‫ضا أحمد بن أبي عمران فيما رواه الطحاوي عنه‪ ،‬وقال‪:‬‬‫الباطِل‪ ،‬وسيأتي تزييف أبي عبيٍد له‪ ،‬وقد َزّيَفه أي ً‬
‫وهو كما قال‪ ،‬نقل ابن عبد البر في ))التمهيد(( )‪ (8/276‬ذلك عن ابن أبي عمران والطحاوي وَأّيَدهما‪.‬‬

‫ف‪ :‬التصريف‪ ،‬أو‬
‫ن يقول‪ :‬المراد بالحر ِ‬
‫والنوع الثاني‪ :‬يرجع إلى ما سبق عند التمحيص والتحريِر‪ ،‬كقول َم ْ‬
‫الجمع والتوحيد‪ ،‬أو التذكير والتأنيث‪ ،‬ونحو هذا مما حكاه ابن حبان وابن الجوزي والقرطبي والسيوطي‬
‫وغيرهم‪.‬‬

‫ص الرازي معناه‪ ،‬وزاد عليه‪ ،‬ثم انتصر له الزرقاني في آخر‬
‫خ َ‬
‫ضا في كلم ابن قتيبة‪ ،‬الذي َل ّ‬
‫ووقع ذلك أي ً‬
‫أمره في كتاب ))مناهل العرفان((‪.‬‬

‫ل‪)) :‬اختلف السماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير‬ ‫وعبارة الرازي في ))اللوائح(( في الوجه الول مث ً‬
‫ل وجهين‪..‬‬
‫ي وجًها واحًدا َذَكَرُه ابن الجوزي تبًعا لبن حبان مث ً‬
‫وتأنيث((‪ ،‬وهذا الذي َذَكَرُه الّراِز ّ‬

‫وهكذا أكثر الوجوه التي ذكرها البعض وجهين وثلثة‪ ،‬جمعها غيرهم في وجٍه‪ ،‬وهذه إحدى أسباب الختلف‬
‫سْبَعِة بين ظاهر كلم العلماء‪ ،‬والتي يمكن عند التمحيص والتحرير أن نجمع بين كثيٍر‬
‫في وجوه الحرف ال ّ‬
‫منها‪ ،‬ونزيل عنها إشكال وجود الخلف فيما بينها‪.‬‬

‫ظ أخرى‪ ،‬وبإمكاننا إرجاع كلمه‬ ‫ظ ذكرها غيرهم بألفا ٍ‬
‫ن جهٍة أخرى‪ ،‬فقد ذكر الرازي وغيره أشياًء بألفا ٍ‬ ‫وِم ْ‬
‫ص على اللهجات(‪ ،‬يمكننا‬‫ح لكلم ابن قتيبة كما ذكر ابن حجر‪) ،‬بل وزاد عليه الن ّ‬ ‫المذكور‪ ،‬والذي هو تنقي ٌ‬
‫ن المراد بالحرف السبعة تأدية المعنى باللفظ المرادف‬ ‫إرجاع الكلم المذكور إلى القول الثاني السابق في َأ ّ‬
‫حتى وإن كان ِمن لغٍة واحدٍة‪) ،‬وسيأتي(‪.‬‬

‫وبهذا يمكن الجمع بين القوال التي ظاهرها الختلف‪ ،‬وطرح ما يخالف الصواب‪ ،‬لتعود القوال بعد ذلك إلى‬
‫ما قّرَرُه أهل اللغة العارفين بها‪ ،‬والتي بها نزل القرآن‪ ،‬وهي التي بها ُيْفَهُم نصوص السلم الواردة‪.‬‬

‫ولذا سأقتصر على القولين السابقين‪ ،‬وأنظر فيهما لستخلص الراجح منهما بأدّلِته إن شاء ال تعالى كالتالي‪:‬‬

‫ف في الحديث‪ :‬اللغات‪.‬‬
‫ن المقصود بالحر ِ‬
‫ن معه في َأ ّ‬
‫القول الول‪ :‬قول أبي عبيدة وَم ْ‬

‫ت من لغات العرب‪،‬‬
‫ولو رجعنا إلى مادة ))حرف(( من كتب اللغة‪ ،‬فسنجد المراد بالحرف السبعة‪ :‬سبع لغا ٍ‬
‫وإلى هذا ذهب أبو عبيد في كتاب ))الغريب(( له )‪.(3/159 ،2/11‬‬

‫ف اْلَقَرَأة من الصحابة في بعض الحروف‪ ،‬وعرضهم ذلك على النبي صلى ال‬ ‫ن َذَكَر اختل َ‬ ‫فقال أبو عبيٍد بعد َأ ْ‬
‫عَمر وهشام في هذا(؛ قال أبو‬ ‫ف‪) ،‬وقد مضى حديث اختلف ُ‬ ‫عليه وسلم‪ ،‬فذكر نزول القرآن على سبعة أحُر ٍ‬
‫ظ‪ ،‬والمعنى واحٌد‪ ،‬ولو كان الختلف في الحلِل‬ ‫ف ِإّنما هو في الّلْف ِ‬ ‫ن الختل َ‬ ‫ن لك َأ ّ‬
‫عبيد عقب ذلك‪)) :‬فهذا ُيَبّي ُ‬
‫ن ُيقال في شيٍء هو حراٌم‪ :‬هكذا نزَل‪ ،‬ثم يقول آخر في ذلك بعينه‪ِ :‬إّنه حلٌل فيقول‪ :‬هكذا‬ ‫والحرام لما جاَز َأ ْ‬
‫خَبٍر قد مضى‪ِ :‬إّنه كان كذا وكذا فيقول‪ :‬هكذا‬ ‫ن ُيقال في َ‬ ‫نزَل‪ ،‬وكذلك المر والنهي; وكذلك الخبار ل يجوز َأ ْ‬
‫نزل‪ ،‬ثم يقول الخر بخلف ذلك الخبر فيقول‪ :‬هكذا نزل; وكذلك الخبر المستأنف؛ كخبر القيامة والجنة والنار‪،‬‬
‫ضا ويتناقض‪ ،‬وليس يكون‬ ‫ضه بع ً‬
‫ب بع ُ‬ ‫ن ُيَكّذ ُ‬‫ن القرآ َ‬‫عَم َأ ّ‬‫ف َفَقَد َز َ‬
‫ن في هذا شيًئا ِمن الختل ِ‬ ‫ن َتَوّهَم َأ ّ‬
‫وَم ْ‬
‫خَبٍر ول‬
‫ف فيه في حلٍل ول حراٍم ول َ‬ ‫خَتَل ُ‬
‫المعنى في السبعة الحرف إل على اللغات ل غير‪ِ ،‬بَمْعًنى واحٍد ل يُ ْ‬
‫غير ذلك((أهـ‬

‫ضا‪ ،‬وُتراجع من ))الغريب((‬
‫وقد ذكر أبو عبيد وعنه ابن الثير وغيرهما نحو هذا المعنى في مادة ))مرر(( أي ً‬
‫لبي عبيد‪ ،‬و))النهاية(( لبن الثير‪ ،‬و))اللسان(( لبن منظور‪.‬‬

‫صره‪ -‬قد ارتضى ما‬ ‫ي ‪-‬وهو واحد ع ْ‬ ‫حو ّ‬‫ب أبو العباس النحوي‪ ،‬وقال الزهري‪)) :‬فَأبو العباس الن ْ‬ ‫وإلى هذا ذه َ‬
‫ب في‬‫ف ‪-‬التي معناها اللغات‪ -‬غير خارجٍة ِمن الذي ُكِت َ‬ ‫حُر ٍ‬‫ب إليه َأبو عبيد واستصَوبه‪ ،‬قال‪ :‬وهذه السبعة َأ ْ‬ ‫ذه َ‬
‫خَلف المتبعون‪ ،‬فمن قرَأ بحرف ول ُيخالِ ُ‬
‫ف‬ ‫ف المسلمين التي اجتمع عليها السَلف المرضّيون وال َ‬ ‫مصاح ِ‬
‫خر َأو تْأخير ُمَقّدم وقد قرَأ به إماٌم من َأئمِة الُقّراء المشتهرين في‬
‫المصحف بزيادٍة َأو نقصان َأو تقديم مؤ ّ‬
‫ف شاّذ يخالف المصحف‬ ‫ف ِمن الحروف السبعة التي نزل القرآن بها‪ ،‬وِمن قرَأ بحر ٍ‬ ‫اَلمصار فقد قرَأ بحر ٍ‬
‫ب‪ ،‬وهذا مذهب َأهل العلم الذين هم الُقدوة ومذهب‬ ‫وخالف في ذلك جمهور القّراء المعروفين فهو غير مصي ٍ‬
‫ب له‬
‫الراسخين في علم القرآن قديمًا وحديثًا‪ ،‬وإلى هذا َأْومَأ َأبو العباس النحوي وَأبو بكر بن اَلنباري في كتا ٍ‬
‫َأّلَفُه في اّتباع ما في المصحف المام‪ ،‬ووافقه على ذلك َأبو بكر بن مجاهد ُمْقِرئ َأهل العراق وغيره من‬
‫ل تعالى يوفقنا للتباع ويجنبنا البتداع((أهـ‬
‫اَلثبات المْتِقِنين‪ ،‬قال‪ :‬ول يجوز عندي غير ما قالوا‪ ،‬وا ّ‬

‫ضا من كتابه ))النهاية((‪ ،‬وقال‪)) :‬وفيه َأقوال غير ذلك هذا‬
‫ف(( أي ً‬
‫ن اَلثير في مادة ))حر ٍ‬
‫ب اب ُ‬
‫وإلى هذا ذه َ‬
‫َأحسنها((‪.‬‬

‫س َمْعَناُه أن‬
‫ب‪ ،‬وَلْي َ‬ ‫ت الَعَر ِ‬
‫ت من ُلَغا ِ‬
‫سْبِع ُلغا ٍ‬
‫ف‪َ :‬‬ ‫حُر ٍ‬
‫سْبَعِة أ ْ‬
‫ن على َ‬‫وعبارة ))القاموس المحيط((‪)) :‬وَنَزَل الُقْرآ ُ‬
‫سْبُع‬
‫ت ال ّ‬ ‫ن الَمْعَنى‪ :‬هِذِه الّلَغا ُ‬
‫شَرةٍ أو أْكَثَر؛ ولك ِ‬
‫ع َ‬
‫سْبَعٍة أو َ‬ ‫ن جاَء على َ‬ ‫جٍه وإ ْ‬ ‫سْبَعُة أْو ُ‬
‫حِد َ‬
‫ف الوا ِ‬
‫حْر ِ‬ ‫ن في ال َ‬‫يكو َ‬
‫ن((أهـ‬‫ُمَتَفّرَقٌة في الُقْرآ ِ‬

‫طّية‪ ،‬والطبري في ))تفسيره(( )‪ ،(1/51‬وابن الجوزي في ))فنون‬
‫ضا‪ :‬ابن ع ِ‬
‫وإلى هذا القوِل ذهب أي ً‬
‫الفنان(( )‪ ،(85‬وغيرهم‪.‬‬

‫ت((‪ ،‬وهو الوجه الرابع عشر والخير عند ابن‬ ‫ن على سبِع لغا ٍ‬
‫فالمراد بالحديث على هذا القول‪ُ)) :‬أْنِزَل القرآ ُ‬
‫الجوزي في ))فنون الفنان(( َذَكَرُه ابن الجوزي ثم قال‪)) :‬وهذا هو القول الصحيح‪ ،‬وما قبلُه ل يثُبت عند‬
‫ك‪ ،‬وهذا اختياُر َثْعَلب وابن جرير((أهـ‬‫سْب ِ‬
‫ال ّ‬

‫ش ولغة لليمن ولغة‬
‫لكن اختلف أصحاب هذا القول في اللغات المقصودة هنا على التعيين‪ ،‬فقيل‪ :‬لغة لقري ٍ‬
‫ي‪ ..‬وقيل غير ذلك‪.‬‬‫طّ‬
‫جْرُهم ولغة لهوازن ولغة لُقضاعة ولغة ل َ‬
‫لتميم ولغة ل ُ‬

‫ن التعيين من اللغات على شيٍء بعينه ل يصح لنا سنده‪ ،‬ول يثبت عند‬ ‫قال ابن الجوزي‪)) :‬والذي نراه َأ ّ‬
‫ن لغات العرب‪ ،‬وكان بعض مشايخنا‬‫ت فصيحٍة ِم ْ‬
‫جهابذِة الّنْقِل طريقه؛ بل نقوُل‪ :‬نزَل القرآن على سبِع لغا ٍ‬
‫ش في‬
‫ش‪ ،‬وهي تشتمل على أصوٍل من القبائل هم أرباب الفصاحة‪ ،‬وما يخرج عن لغة قري ٍ‬ ‫يقول‪ :‬كله بلغة قري ٍ‬
‫الصل لم يخرج عن لغِتها في الختيار((أهـ‬

‫ن لغات العرب أكثر ِمن‬
‫عّدة إشكالت‪ ،‬منها‪َ :‬أّنه لم يحصر لغات العرب التي فوق السبعة؛ ل ّ‬‫وعلى هذا القول ِ‬
‫ن المراد هنا ِمن لغات العرب أفصحها‪.‬‬
‫سبعٍة؛ ولكنهم أجابوا بَأ ّ‬

‫عَمر‬
‫ف لظاهر الحديث السابق؛ لن كل المختلفين هنا )وهما ُ‬ ‫ن أقوى الشكالت على هذا القول َأنه مخال ٌ‬ ‫لك ّ‬
‫ن يقول‪ِ :‬إن المراد بالحرف السبعة‪ :‬سبع‬
‫ش‪ ،‬فل وجه هنا ِلَم ْ‬
‫وهشام رضي ال عنهما( كان يْقَرُأ بلغِة قري ٍ‬
‫لغات‪.‬‬

‫ق عثمان رضي ال عنه للمصاحف بعد نسخ المصحف‬ ‫ن حْر ِ‬‫ت قطعّيا ِم ْ‬
‫ضا‪ :‬ما ثب َ‬
‫وِمّما يرد هذا القول أي ً‬
‫خا وأرسلها إلى‬ ‫خ منه عثمان رضي ال عنه نس ً‬ ‫سَ‬‫المام‪ ،‬المعروف والمتداول باسم المصحف العثماني‪ ،‬وقد َن َ‬
‫ن معه ِم ْ‬
‫ن‬ ‫ت وَم ْ‬
‫ت قطعّيا َأْمر عثمان رضي ال عنه لزيد بن ثاب ٍ‬ ‫ف بينها‪ ،‬وقد ثب َ‬ ‫القطار السلمية‪ ،‬دون خل ٍ‬
‫ش فإنما نزل بها القرآن‪) ،‬وقد مضى ذلك في مداخلة سابقة في‬ ‫َكَتَبِة المصحف العثماني أن يكتبوه بلغة قري ٍ‬
‫الموضوع عن عثمان رضي ال عنه‪ ،‬ولعلي أعيده ثانية في مداخلٍة لحقٍة(‪.‬‬

‫ن قوِل عثمان رضي ال عنه َأّنه لم ُيَغّير شيًئا في القرآن من مكانه؛ ِإْذ قِد التزم‬
‫عِلَم قطعّيا )كما سبق( ِم ْ‬ ‫وُ‬
‫ف العثماني المعروف بالمصحف‬ ‫خ منه المصح َ‬ ‫ظ النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ونس َ‬ ‫الوارَد المسموع ِمن لف ِ‬
‫ش نفسها‪..‬‬‫ن تكون موجودًة في لغة قري ٍ‬ ‫سَبْعِة المذكورة في الحديث لبد وَأ ْ‬
‫ن ذلك َأن الحرف ال ّ‬‫المام‪َ ،‬فُعِلَم ِم ْ‬

‫ي‪َ :‬نَزَل بلغِة ُقَرْيش َوُهَذْيل َوَتْيم الّرَباب َواَلْزد‬ ‫سَتاِن ّ‬
‫ج ْ‬‫سِ‬ ‫قال ابن حجٍر في ))فتح الباري((‪)) :‬وقال أبو حاتم ال ّ‬
‫سا ِ‬
‫ن‬ ‫سوٍل ِإّل ِبِل َ‬
‫ن َر ُ‬‫سْلَنا ِم ْ‬
‫ج بقوله تعالى‪َ} :‬وَما َأْر َ‬ ‫حَت ّ‬
‫ن ُقَتْيَبة َوا ْ‬
‫سَتْنَكَرُه ِاْب ُ‬
‫سْعد ْبن َبْكر َوا ْ‬
‫َوَرِبيَعة َوَهَواِزن َو َ‬
‫ي((‪.‬‬ ‫ي اَلْهَواِز ّ‬ ‫جَزَم أبو عل ّ‬
‫ك َ‬
‫طون ُقَرْيش‪ ,‬وبذل َ‬ ‫سْبع في ُب ُ‬ ‫َقْوِمِه{ فعلى هذا فتكون الّلَغات ال ّ‬

‫ب إليه‪ِ :‬إ ّ‬
‫ن‬ ‫حين( وكت َ‬
‫حّتى ِ‬
‫ي‪َ ) :‬‬
‫حين( َأ ْ‬
‫عّتى ِ‬
‫عَمر على ابن مسعود قراَءته ) َ‬ ‫ن َثّم َأْنَكَر ُ‬
‫وقال ابن حجر‪)) :‬وِم ْ‬
‫ئ الّناس بلغِة ُقَرْيش ول ُتْقِرئُهْم بلغة ُهَذْيل((أهـ ]وانظر‪ :‬التمهيد لبن عبد البر‬
‫القرآن لم ينزل بلغِة ُهَذْيل َفَأْقِر ِ‬
‫‪.[8/278‬‬

‫شِكل(( له فقال‪)) :‬كان ِمن تيسير ال َأ ْ‬
‫ن‬ ‫ن قتيبة –كما نقل ابن حجٍر عنه‪ -‬في أول ))تفسير اْلُم ْ‬
‫ولكن خالف اب ُ‬
‫سرِ‬
‫ن( ِبَك ْ‬
‫ي َيْقَرأ )ِتْعِلُمو َ‬
‫سِد ّ‬
‫حين{‪َ ،‬واَل َ‬ ‫حين( ُيِريد }حَّتى ِ‬ ‫عّتى ِ‬‫ي َيْقَرأ ) َ‬
‫ن َيْقَرأ ُكّل َقْوٍم بلغتهم‪َ ,‬فاْلُهَذِل ّ‬
‫أمر َنِبّيه َأ ْ‬
‫ق منهم أن يزول عن ُلغِته وما‬ ‫ي ل َيْهِمز((‪ .‬قال ابن قتيبة‪)) :‬ولو أراد كّل فري ٍ‬ ‫شّ‬‫ي َيْهِمز‪َ ،‬واْلُقَر ِ‬
‫َأّوله‪َ ,‬والّتِميِم ّ‬
‫ن كّل‬‫سَر عليهم ذلك ِبَمّنِه‪ ,‬ولو كان المراد َأ ّ‬ ‫ق عليه غاية المشّقِة‪َ ،‬فَي ّ‬ ‫شّ‬‫ل َل َ‬‫ل وناشًئا وكه ً‬ ‫جرى عليه لساُنه طف ً‬
‫ن َيْأِتي في الكلمة وجهٌ أو‬ ‫حُرف(‪َ ,‬وِإّنَما المراد َأ ْ‬ ‫سْبَعة َأ ْ‬
‫ل‪ُ) :‬أْنِزَل َ‬
‫جٍه لقال مث ً‬ ‫كلمٍة منه ُتْقَرأ على سبعِة أو ُ‬
‫ن أو ثلثة أو أكثر إلى سبعٍة((أهـ‬ ‫وجها ِ‬

‫وقال ابن عبد البر في ))التمهيد(( )‪)) :(8/280‬قول من قال أن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي‪ :‬في‬
‫الغلب وال أعلم؛ لن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراآت من تحقيق الهمزات ونحوها وقريش ل‬
‫تهمز((‪.‬‬

‫حكم له‪ ،‬فل إشكال في وجود بعض‬
‫ولكن إذا كان هو الغلب كما يقرر ابن عبد البر فالحكم للغلب‪ ،‬والنادر ل ُ‬
‫ش؛ لنها ليست الصل فيه‪ ،‬ول غالبة عليه‪..‬‬‫الكلمات بغير لغة قري ٍ‬

‫عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ ،‬هو الموافق لعمل عثمان رضي ال عنه الذي أجمع عليه‬ ‫وما ذهب إليه ُ‬
‫ت عليه المة قاطبًة‪.‬‬
‫الصحابُة فيما َبْعُد‪ ،‬بل أجمع ْ‬

‫ولذا قال ابن عبد البر في ))التمهيد(( )‪)) :(8/280‬وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي صلى ال‬
‫ت‪ ،‬وقالوا‪ :‬هذا ل معنى له؛ لنه لو كان ذلك لم ُيْنكر‬ ‫ف(‪ :‬سبع لغا ٍ‬‫عليه وسلم‪ُ) :‬أْنِزَل القرآن على سبعة أحر ٍ‬
‫ض؛ لنه من كانت لغته شيًئا قد جبل وطبع عليه وفطر به لم ُيْنَكر عليه‪،‬‬ ‫القوم في أوِل المر بعضهم على بع ٍ‬
‫عَمر وهشام[ َرّد‬ ‫ب المذكور في هذا الباب ]وهو الحديث السابق في اختلف ُ‬ ‫ك عن ابن شها ٍ‬ ‫وفي حديث مال ٍ‬
‫حال‬
‫ت؛ لن عمر بن الخطاب قرشي عدوي وهشام بن حكيم بن حزام قرشي أسدي‪ ،‬وُم َ‬ ‫قوِل َمن قاَل‪ :‬سبع لغا ٍ‬
‫ئ رسوُل ال صلى ال عليه وسلم واحًدا منهما بغيِر ما يعرفه ِمن‬ ‫عمر لغَته؛ كما محال أن ُيْقِر َ‬‫ن ُينكر عليه ُ‬ ‫َأ ْ‬
‫عَمَر هذا‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنما معنى‬ ‫ث ُ‬‫ُلَغِته‪ ،‬والحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدّل على نحِو ما يدل عليه حدي ُ‬
‫ظ مختلفٍة؛ نحو‪َ :‬أْقِبْل وَتَعاَل وَهُلّم‪ ،‬وعلى هذا‬
‫السبعة الحرف‪ :‬سبعة أوجٍه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفا ٍ‬
‫ن أهِل العلِم((‪.‬‬
‫الكثير ِم ْ‬

‫ن معنى السبعة الحرف المذكورة‬ ‫وذكر ابن عبد البر بعض الروايات ثم قال‪)) :‬وهذا كله يعضد قول َمن قال‪ِ :‬إ ّ‬
‫ظْر‬
‫ع وَأْن ِ‬
‫سِر ْ‬
‫جْل َوَأ ْ‬
‫عّ‬‫في الحديث‪ :‬سبعة أوجٍه من الكلم المتفق معناه‪ ،‬المختلف لفظه؛ نحو‪َ :‬هُلّم َوَتَعاَل َو َ‬
‫ن ما اخترناه هو‬ ‫خر‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وسنورد من الثار وأقوال علماء المصار في هذا الباب ما يتبين لك به َأ ّ‬ ‫َوَأ ّ‬
‫الصواب فيه إن شاء ال‪ ،‬فإنه أصح من قول من قال‪ :‬سبع لغات مفترقات؛ لما قدمنا ذكره‪ ،‬ولما هو موجود‬
‫ع من كثرِة اللغات المفترقات فيه‪ ،‬حتى لو تقصيت َلَكُثَر عددها‪ ،‬وللعلماء في لغات القرآن‬ ‫في القرآن بإجما ٍ‬
‫ت تشهد لما قلنا((‪.‬‬
‫مؤلفا ٌ‬

‫ن عبد البر الروايات الشاهدة لذلك‪ ،‬ونقل موافقة الطحاوي له فيما ذهب إليه‪.‬‬
‫وأورَد اب ُ‬

‫ف السبعِة تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان ِمن لغٍة واحدٍة‪:‬‬
‫ن قال‪ :‬المراد بالحر ِ‬
‫القول الثاني‪ :‬قوُل َم ْ‬

‫سّلَم((‪ ،‬فهو قد‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سوُل ا ِّ‬
‫ف َكِثيَرٍة َلْم ُيْقِرْئِنيَها َر ُ‬
‫حُرو ٍ‬
‫عَلى ُ‬‫فلننظر قول عمر‪َ)) :‬فِإَذا ُهَو َيْقَرُأ َ‬
‫عّبر الحديث بالحرف السبعِة‪ ،‬فلزم علينا َأنْ‬ ‫ف‪ ،‬كما َ‬ ‫عّبَر عنها بالحرو ِ‬ ‫عِرف الحروف بمجرد سماعه لها‪ ،‬و َ‬ ‫َ‬
‫نفهَم المراد بالحروف ِمن خلل لغة العرب الفصيحة الواضحة الظاهرة التي تكلمت بها نصوص السلم‪ ،‬مع‬
‫خِرجنا من الظاهر الصريح الواضح إلى غيره‪َ ..‬لّنه لبد‬ ‫اللتزام بظاهر لغة العرب دون تأويٍل؛ إل لقرينٍة ُت ْ‬
‫ص‪ ،‬ففي عدم التفسير إحالٌة‬ ‫ص من خلل الن ّ‬ ‫ن نرجع إلى اللغة التي نزل بها النص عندما ل نجد تفسيًرا للن ّ‬ ‫وَأ ْ‬
‫عَمُر رضي ال عنه معنى الحرف السبعة‬ ‫على المعهود المعروف ِمن لغِة العرب‪ ،‬وهي التي َفِهم منها ُ‬
‫سر المراد من‬ ‫عمر وغيره‪ ،‬ولم ُيَف ّ‬ ‫ب بها ُ‬‫ن النبي صلى ال عليه وسلم قد خاط َ‬ ‫الموجودة في الحديث؛ ل ّ‬
‫الحرف السبعة؛ فدّل ذلك على أَنها كانت معروفة ومفهومة لديهم من ُلَغة العرب الظاهرة الواضحة‪..‬‬

‫ج عن‬
‫وهذا يؤكد أنها ليست هي ))سبع لغات(( كما سبق في القول الول؛ لن تأويلها بـ )سبع لغات( خرو ٌ‬
‫ظاهر اللفظ لغًة إلى معًنى آخر يحتاج في إثباته إلى قرينة‪ ،‬ول قرينة هنا تؤّيد الخروج عن الظاهر إلى‬
‫عمر وهشام( كانا يتبعان لغًة واحدًة‪ ،‬وقد َنّبه على ذلك ابنُ عبد‬
‫خَتِلَفْين هنا ) ُ‬
‫ن كل اْلُم ْ‬
‫التأويل‪ ،‬كما ترى؛ ل ّ‬
‫البر وغيره‪..‬‬

‫ِإذن ما المراد بالحرف هنا؟‬
‫صا بموضوعنا‪ ،‬وُيطلق‬
‫جه‪ ،‬هذا ما نجده في لغِة العرب‪ ،‬مخت ّ‬ ‫ف هنا‪ :‬الِقراءة التي ُتقرُأ على َأو ُ‬
‫المراد بالحر ِ‬
‫ف الهجاء المعروف‪ ،‬وله إطلقات أخرى‪ ،‬لكن الذي‬ ‫حْر ِ‬‫طَرف‪ ،‬كما يطلق على َ‬ ‫ضا على الجهِة وال ّ‬‫الحرف أي ً‬
‫سْبعة‪.‬‬
‫يهمنا هنا معناه الخاص بموضوعنا في الحرف ال ّ‬

‫ن عبد البر‬
‫ف‪ :‬سبع قراءات‪ .‬والحرف هاهنا القراءة((؛ نَقَلُه اب ُ‬
‫))قال الخليل بن أحمد‪ :‬معنى قوله سبعة أحر ٍ‬
‫في ))التمهيد(( )‪.(8/274‬‬

‫ضا‪.‬‬
‫ن منظور في مادة ))حرف(( هذا المعنى عن ابن سيدة أي ً‬
‫وحكى اب ُ‬

‫حْرف ابن مسعود؛ َأي‪:‬‬
‫حْرفًا‪ ،‬تقول‪ :‬هذا في َ‬
‫سّمى َ‬
‫وقال الزهري‪)) :‬وكّل كلمة ُتْقَرُأ على الوجوه ِمن القرآن ُت َ‬
‫في قراءِة ابن مسعود((أهـ‬

‫ف( فأحس ُ‬
‫ن‬ ‫وفي ))اْلُمْغِرب في ترتيب اْلُمْعِرب(( للمطرز )‪)) :(1/196‬وأما قوله‪) :‬نَزل القرآن على سبعة أحر ٍ‬
‫ن مسعود((أهـ‬
‫ف اب ِ‬
‫القوال أنها وجوه القراءة التي اختارها الُقراء‪ ،‬ومنه فلن يقرُأ بحر ِ‬

‫حْكَمة ِفي الّتَعّدد اْلَمْذُكور‪,‬‬‫شاَرة ِإَلى اْل ِ‬ ‫ن اْلُمْنَزل‪ .‬وَِفيِه ِإ َ‬ ‫ي‪ِ :‬م ْ‬‫سَر ِمْنُه(؛ َأ ْ‬ ‫قال ابن حجر‪َ)) :‬قْوله ‪َ) :‬فاْقَرُءوا َما َتَي ّ‬
‫ن ِمنْ‬
‫ظ اْلُمَراِدف َولَْو َكا َ‬‫ف َتْأِدَية اْلَمْعَنى ِبالّلْف ِ‬‫حُر ِ‬ ‫ن َقاَل‪ :‬اْلُمَراد ِباَل ْ‬ ‫عَلى اْلَقاِرئ‪َ ,‬وَهَذا ُيَقّوي َقْول َم ْ‬ ‫سيِر َ‬‫َوَأّنُه ِللّتْي ِ‬
‫عْبد‬
‫ك ِاْبن َ‬ ‫عَلى َذِل َ‬
‫ت ِقَراَءتهَما‪َ .‬نّبَه َ‬ ‫خَتَلَف ْ‬‫ك َفَقدْ ِا ْ‬
‫عَمر‪َ ,‬وَمَع َذِل َ‬ ‫ك ُ‬‫ن ُقَرْيش َوَكَذِل َ‬ ‫سا ِ‬
‫شام ِبِل َ‬‫ن ُلَغة ِه َ‬ ‫حَدة؛ َل ّ‬‫ُلَغة َوا ِ‬
‫سْبَعة((‪.‬‬ ‫ف ال ّ‬ ‫حُر ِ‬‫ن َهَذا ُهَو اْلُمَراد ِباَْل ْ‬‫ن َأْكَثر َأْهل اْلِعْلم َأ ّ‬
‫عْ‬ ‫اْلَبّر‪َ ,‬وَنَقَل َ‬

‫صه قبل قليل في التعقيب على القول السابق‪ ،‬فل داعي لعادته هنا‪.‬‬
‫وقد مضى كلم ابن عبد البر بن ّ‬

‫ضا كما مضى‪.‬‬
‫وإلى هذا ذهب الطحاوي وغيره أي ً‬

‫عّلْمِتْم‪ ،‬إنما هو كقوِل‬
‫ت اْلَقَرَأَة فوجدُتهم متقاربين فاقرُأوا كما ُ‬
‫ومما ُيَبّين ذلك‪ :‬قول ابن مسعود‪ِ)) :‬إّني قد سمع ُ‬
‫َأحِدكم‪َ :‬هُلّم وَتَعاَل وَأْقِبْل((‪.‬‬

‫وقوُل ابن مسعوٍد هذا ذكره ابن حجر وغيره ُمَعّلًقا بدون إسناد‪ ،‬وقد أسندُه الطبري في ))التفسير((‪ ،‬وغيره‪،‬‬
‫ح عنه‪.‬‬‫بإسناٍد صحي ٍ‬

‫عَمر مع هشام رضي ال عنهما‪ ،‬واختلفهما في القراءة‪،‬‬
‫وهذا القول يوافق ظاهر الحديث السابق في قصة ُ‬
‫رغم أنهما يتبعان لغًة واحدًة‪ ،‬وكذا ينتظم أكثر القوال الخرى‪ ،‬ول يعارضها‪.‬‬

‫ن اللفظ المرادف الداّل على المعنى مع اختلف اللفظ‪ :‬ينتظم الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث والتصريف‬ ‫َل ّ‬
‫والعراب وغير ذلك من الوجوه التي ذكرها جماعٌة من العلماء‪ ،‬فترجع إليه عدة أقواٍل ِمن أقوال العلماء في‬
‫هذا الباب‪.‬‬

‫ل‪ :‬قول ابن قتيبة‪ ،‬ثم تنقيح الرازي له وزيادته عليه‪ ،‬وهو الرأي الذي انتصر له‬
‫وِمّما يمكن إرجاعه له مث ً‬
‫ت أن أنقله ِمن عنده‪.‬‬
‫الزرقاني في ))المناهل((‪ ،‬وقد ذكره ابن حجر بشيٍء من التعقيب‪ ،‬فأرد ُ‬

‫شَياء‪:‬‬‫سْبَعة َأ ْ‬‫جوه اّلِتي َيَقع ِبَها الّتَغاُير ِفي َ‬ ‫عَلى اْلُو ُ‬‫غْيره اْلَعَدد اْلَمْذُكور َ‬ ‫حَمَل ِاْبن ُقَتْيَبة َو َ‬‫قال ابن حجر‪َ)) :‬وَقْد َ‬
‫ب الّراء وََرْفعَها‪.‬‬ ‫ص ِ‬‫شِهيد{ ِبَن ْ‬ ‫ب َول َ‬ ‫ضاّر َكاِت ٌ‬‫صوَرته‪ِ ,‬مْثل‪َ} :‬ول ُي َ‬ ‫حَرَكته َول َيُزول َمْعَناُه َول ُ‬ ‫اَلّول‪َ :‬ما َتَتَغّير َ‬
‫ضي‪.‬‬ ‫طَلب َواْلِفْعل اْلَما ِ‬ ‫صيَغِة ال ّ‬‫سَفارَنا{ ِب ِ‬ ‫عْد َبْين أَ ْ‬‫سَفارَنا( َو }َبا ِ‬ ‫الّثاِني‪َ :‬ما َيَتَغّير ِبَتَغّيِر اْلِفْعل ِمْثل‪َ) :‬بُعَد َبْين َأ ْ‬
‫حْرف‬ ‫شُرَها( ِبالّراِء َوالّزاي‪ .‬الّراِبع‪َ :‬ما َيَتَغّير ِبِإْبَداِل َ‬ ‫حُروف اْلُمْهَمَلة ِمْثل‪ُ) :‬ثّم ُنْن ِ‬ ‫ط َبْعض اْل ُ‬ ‫الّثاِلث‪َ :‬ما َيَتَغّير ِبَنْق ِ‬
‫خاِمس‪َ :‬ما َيَتَغّير ِبالّتْقِديِم‬ ‫ضود(‪ .‬اْل َ‬ ‫ي‪َ) :‬وطَْلع َمْن ُ‬ ‫عِل ّ‬
‫ضود{‪ِ ،‬في ِقَراَءة َ‬ ‫طْلح َمْن ُ‬ ‫خر ِمْثل‪َ } :‬‬ ‫لَ‬‫خَرج ا ْ‬ ‫ن َم ْ‬ ‫َقِريب ِم ْ‬
‫ن‪:‬‬
‫صّرف َوَزْين اْلَعاِبِدي َ‬ ‫حة ْبن ُم َ‬ ‫طْل َ‬
‫صِديق َو َ‬ ‫ق{‪ِ ،‬في ِقَراَءة َأِبي َبْكر ال ّ‬ ‫حّ‬‫سْكَرة اْلَمْوت ِباْل َ‬ ‫ت َ‬ ‫جاَء ْ‬‫خير ِمْثل‪َ} :‬و َ‬ ‫َوالّتْأ ِ‬
‫سُعود‬ ‫ن َم ْ‬ ‫ن ِاْب ِ‬‫عْ‬‫سير َ‬ ‫صان َكَما َتَقّدَم ِفي الّتْف ِ‬‫ساِدس‪َ :‬ما َيَتَغّير ِبِزَياَدٍة َأْو ُنْق َ‬ ‫ت(‪ .‬ال ّ‬
‫ق ِباْلَمْو ِ‬‫حّ‬ ‫سْكَرة اْل َ‬
‫ت َ‬ ‫جاَء ْ‬
‫)َو َ‬
‫صان‪َ ,‬وَأّما ِفي الّزَياَدة‪َ :‬فَكَما‬ ‫جّلى َوالّذَكر َواُْلْنَثى(‪َ ،‬هَذا ِفي الّنْق َ‬ ‫شى َوالّنَهار ِإَذا َت َ‬‫َوَأِبي الّدْرَداء‪َ) :‬والّلْيل ِإَذا َيْغ َ‬
‫ن‪َ ,‬وَرْهطك ِمْنُهْم‬ ‫شيَرتك اَْلْقَرِبي َ‬ ‫ع ِ‬‫عّباس‪َ) :‬وَأْنِذْر َ‬ ‫ن َ‬ ‫حِديث ِاْب ِ‬ ‫ت َيَدا َأِبي َلَهب{‪ِ ،‬في َ‬ ‫سير }َتّب ْ‬ ‫َتَقّدَم ِفي َتْف ِ‬
‫سُعود‬‫ن َم ْ‬ ‫ساِبع‪َ :‬ما َيَتَغّير ِبِإْبَداِل َكِلَمة ِبَكِلَمٍة ُتَرادفَها ِمْثل‪} :‬اْلِعْهن اْلَمْنُفوش{‪ِ ،‬في ِقَراَءة ِاْب ِ‬ ‫ن(‪ .‬ال ّ‬‫صي َ‬‫خَل ِ‬
‫اْلُم ْ‬
‫ف اْلَمْنُفوش(‪.‬‬ ‫صو ِ‬ ‫جَبْير‪َ) :‬كال ّ‬ ‫سِعيد ْبن ُ‬ ‫َو َ‬

‫ت َوَأْكَثرهْم‬‫صة ِفي اْلِقَراَءات ِإّنَما َوَقَع ْ‬‫خ َ‬ ‫ن الّر ْ‬‫سِم ْبن َثاِبت ِفي )الّدَلِئل(؛ ِلَكْو ِ‬ ‫سَتْبَعَدُه َقا ِ‬
‫ن ِا ْ‬
‫سن؛ َلِك ْ‬‫ح َ‬
‫جٌه َ‬ ‫َوَهَذا َو ْ‬
‫حُروف‬ ‫ن اْل ُ‬
‫جَد ِم ْ‬
‫جَها‪َ .‬قاَل‪َ :‬وَأّما َما ُو ِ‬‫خاِر ِ‬
‫حُروف ِبَم َ‬ ‫ن اْل ُ‬
‫سم‪َ ,‬وِإّنَما َكاُنوا َيْعِرُفو َ‬‫َيْوَمِئٍذ ل َيْكُتب َول َيْعِرف الّر ْ‬
‫ك َتَقاُرب َمَعاِنيَها‪َ ,‬واّتَف َ‬
‫ق‬ ‫سَبب ِفي َذِل َ‬ ‫ن ال ّ‬‫شُرَها( َفِإ ّ‬
‫شُرَها( َو )ُنْن ِ‬‫صوَرة ِمْثل‪ُ) :‬نْن ِ‬ ‫خَرج اْلُمّتِفَقة ال ّ‬ ‫اْلُمَتَباِيَنة اْلَم ْ‬
‫ط‪.‬‬
‫خّ‬ ‫صوَرتَها ِفي اْل َ‬ ‫شاُبه ُ‬ ‫َت َ‬

‫صار اْلَمْذُكور‬ ‫ح َ‬ ‫ن الْن ِ‬ ‫ن َيُكو َ‬‫حِتَماِل َأ ْ‬‫ن ُقَتْيَبة‪ ,‬ل ْ‬
‫ب ِإَلْيِه ِاْب ُ‬‫ك َتْوِهين َما َذَه َ‬ ‫ن َذِل َ‬‫ُقْلت ]القائل ابن حجر[‪َ :‬ول َيْلَزم ِم ْ‬
‫ضل‬ ‫خَفى‪َ .‬وَقاَل َأُبو اْلَف ْ‬ ‫حْكَمة اْلَباِلَغة َما ل َي ْ‬ ‫ن اْل ِ‬‫ك ِم ْ‬ ‫سِتْقَراِء‪َ ,‬وِفي َذِل َ‬ ‫عَلْيِه ِبال ْ‬ ‫طَلَع َ‬‫ك َوَقَع ِاّتَفاًقا‪َ ,‬وِإّنَما ِا ّ‬ ‫ِفي َذِل َ‬
‫جْمع َأْو‬ ‫ن ِإْفَراد َوَتْثِنَية َو َ‬‫سَماء ِم ْ‬ ‫خِتلف اَل ْ‬ ‫خِتلف‪ :‬اَلّول‪ِ :‬ا ْ‬ ‫جٍه ِفي ال ْ‬ ‫سْبَعة َأْو ُ‬‫ن َ‬ ‫عْ‬ ‫خُرج َ‬ ‫ي‪ :‬اْلَكلم ل َي ْ‬ ‫الّراِز ُّ‬
‫عَراب‪ ,‬الّراِبع‪:‬‬ ‫جوه اِل ْ‬ ‫ضاِرع َوَأْمر‪ ,‬الّثاِلث‪ُ :‬و ُ‬ ‫ض َوُم َ‬ ‫ن َما ٍ‬ ‫صِريف اَلْفَعال ِم ْ‬ ‫خِتلف َت ْ‬ ‫َتْذِكير َوَتْأِنيث‪ .‬الّثاِني‪ِ :‬ا ْ‬
‫ح َواِلَماَلة‬ ‫خِتلف الّلَغات َكاْلَفْت ِ‬ ‫ساِبع‪ :‬ا ْ‬‫ساِدس‪ :‬اِلْبَدال‪ ,‬ال ّ‬ ‫خير‪ ,‬ال ّ‬ ‫خاِمس‪ :‬الّتْقِديم َوالّتْأ ِ‬ ‫الّنْقص َوالّزَياَدة‪ ,‬اْل َ‬
‫خَذ ]يعني الرازي[ َكلَم اْب ِ‬
‫ن‬ ‫ك‪ُ .‬قْلت ]القائل ابن حجر[‪َ :‬وَقْد َأ َ‬ ‫حِو َذِل َ‬
‫ظَهار َوَن ْ‬ ‫غام َواِل ْ‬ ‫خيم َواِلْد َ‬ ‫َوالّتْرِقيق َوالّتْف ِ‬
‫حُه((أهـ‬ ‫ُقَتْيَبة َوَنّق َ‬

‫ضا‪.‬‬
‫والرازي لم ُيَنّقح كلم ابن قتيبة فقط‪ ،‬وإنما زاد عليه اختلف اللهجات أي ً‬

‫سْبَعة في‬
‫ث حصر الحرف ال ّ‬ ‫ن توهين قاسم بن ثابت لكلم ابن قتيبة وجيٌه جَّدا من حي ُ‬ ‫ن عن بالك َأ ّ‬
‫لكن ل َيِغّيَب ّ‬
‫الوجوه التي ذكرها ابن قتيبة؛ لّنه بإمكان غيره أن يزيد عليها أو ينقص منها‪ ،‬كما زاد الرازي عليه مث ً‬
‫ل‬
‫ظ الواحِد‪ ،‬وقد اعترف ابن قتيبة بهذا الختلف وكذا ابن الجزري‪ ،‬لكنهما لم‬ ‫اختلف اللهجات في النطق باللف ِ‬
‫سْبَعِة‪ ،‬في الوقت الذي اعترفا بتأثيِره على النطق باللفظ الواحد‪.‬‬
‫يعتبراه من وجوه الحرف ال ّ‬

‫بل لم يذكر ابن قتيبة غير هذا الفارق في أول ))المشكل(( كما سبق الّنْقل عنه قبل قليل‪ ،‬وحصر غيره الحرف‬
‫سْبعة في اختلف اللهجات فقط‪..‬‬ ‫ال ّ‬

‫ن القرآن قد نزل على ُأّمٍة ُأّمّية ل تقرأ ول تكتب‪ ،‬وإنما كانت تعرف الفصاحة والبلغة نطًقا‬ ‫ن عنك أ ّ‬
‫ول َيِغْيَب ّ‬
‫عا‪ ،‬فهي إنما تعرف مخارج الحروف ل رسمها وطريقة كتابتها‪ ،‬هذا هو الصل في المة آنذاك‪ ،‬ولذا فقد‬ ‫وسما ً‬
‫طلب النبي صلى ال عليه وسلم التخفيف مراًرا عن هذه المة اُلّمّية‪ ،‬حتى أوصلها إلى سبعِة أحُرفٍ يمكن‬
‫للقارئ أن يقرأ بها‪ ،‬يعني سبع وجوٍه يمكن للقارئ أن َيْقَرَأ بها‪..‬‬

‫هذا هو المتبادر الظاهر في معنى الحُرف من لغة العرب‪ ،‬ثم هو الموافق لظاهر الحديث كما سبق‪ ،‬وإليه ذهب‬
‫الخليل بن أحمد والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم كما سبق‪.‬‬

‫ن تكون اختلًفا في اللهجة‪ ،‬أو في التصريف‪ ،‬أو العراب‪ ،‬أو التذكير والتأنيث‪ ،‬وغير‬ ‫وهذه الوجوه‪ :‬يمكن َأ ْ‬
‫ظر إلى كيفية الختلف بين اللفظين‬‫ث تحليل اللفظ والّن َ‬
‫ذلك من الوجوه المقبولة ِمّما َذَكَرُه العلماء من حي ُ‬
‫المقروء بهما‪..‬‬

‫ولكن ينبغي التفريق هنا بين أمرين‪:‬‬

‫الول‪ :‬بين الحرف السبعة الواردة في الحديث‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬وجوه اختلف الوجه السبعة‪ ،‬وكيفية الخلف فيما بينها‪.‬‬

‫ن حصر الحرف السبعة في وجوه‬ ‫كأّ‬‫ب على الول‪ ،‬وأثٌر له‪ ،‬وليس سابًقا عليه‪ ،‬ولش ّ‬
‫فالثاني هنا مترّت ٌ‬
‫اختلفها خطٌأ عظيم؛ لّنه يعني الخلط بين الحرف السبعة نفسها‪ ،‬وبين الثر المترّتب عليها‪ ،‬من البحث في‬
‫وجوه اختلفها وفائدتها وكيفيتها وغير ذلك‪ ،‬فهذه البواب كّلها آثاٌر مترّتبٌة على وجود الحرف السبعِة‪،‬‬
‫ت سابقٍة على وجودها‪..‬‬
‫وليست فصوًل ول ُمَقّدما ٍ‬

‫نعم وليس تفسيًرا للحرف السبعة؛ لّنه لبد في التفاسير والحدود في مثل هذا أن تكون شاملًة لكافة وجوه‬
‫سِر وبيان جوانبه؛ وهذا ما تفتقده التفسيرات آنفة الّذْكر وكثير مما يشبهها؛ لخلّوها عن تعريف الحرف‬‫اْلُمَف ّ‬
‫السبعة على الحقيقِة‪..‬‬

‫خَتَلف فيه على الحقيقِة‪ ،‬وِإّنما وردَ‬
‫ن تعريف الحُرف السبعة والمراد منها لم ُي ْ‬‫وِمن هنا نستطيع أن نقول‪ِ :‬إ ّ‬
‫الختلف في كيفية التفريق بين الحُرف السبعة‪ ،‬وما يمّيز كّل حرفٍ منها عن مثيِله في موضٍع بعينه‪ ،‬فالول‬
‫ُمذّكر والثاني مَؤّنث‪ ،‬أو الول جمع والثاني ُمْفرد‪ ،‬أو الول مرفوع والثاني منصوب‪ ،‬وهكذا سائر وجوه‬
‫التفريق والتمايز بين الحرف السبعة‪..‬‬

‫ف له حقيقًة أن تنتقَل المعركة في التفريق بين الحُرف أو التمييز بينها في موضٍع بعينه إلى مجال‬
‫س ُ‬
‫وِمّما ُيْؤ َ‬
‫ت في أثٍر من آثار‬
‫ث صار الخلف محصوًرا وعبر سنوا ٍ‬ ‫ث المراد منها‪ ،‬بحي ُ‬
‫بيان الحرف السبعة تعريًفا من حي ُ‬
‫الحرف السبعة‪ ،‬في الوقت الذي اختفى فيه البحث في تعريف الحرف السبعة إل نادًرا!!‬

‫ن يفتح‬
‫ن ال عز وجل به على العبد الضعيف كاتب هذه السطور‪ ،‬وآمل َأ ْ‬ ‫وهذا الذي ذكرُته لك هو خلصة ما َم ّ‬
‫ال عز وجل القلوب والبصار له فتعي ما أردُته وتنصح فيه‪..‬‬

‫ج ما سبق هنا في التي‪:‬‬
‫خصَ لك نتائ ُ‬
‫ن ُأَل ّ‬
‫ويمكنني َأ ْ‬

‫ظ مختلفٍة للمعنى الواحد‪،‬‬
‫أوًل‪ :‬أن الراجح في تعريف الحرف السبعة هو‪ :‬سبعة وجوه أو سبعة قراءات بألفا ٍ‬
‫ظ‪ ،‬نحو َأْقِبْل‪َ ،‬هُلّم‪َ ،‬تَعاَل‪.‬‬
‫أو هو تأدية المعنى الواحد بأكثر من لف ٍ‬

‫سْبَعِة على وجوٍه يمكن الجمع بينها‪ ،‬لكنها‬
‫ف في صورة المخالفة والتمييز بين وجوه الحرف ال ّ‬ ‫ثانًيا‪ :‬اخُتِل َ‬
‫ف السبعة‪ ،‬وإنما هي أثٌر من آثاِر البحث في الحرف السبعة‪ ،‬وتمييز بعضها ِمن‬ ‫ت للحر ِ‬ ‫جميًعا ليست تعريفا ٍ‬
‫ض‪..‬‬
‫بع ٍ‬

‫لكن لبد من التنبيه هنا على أمور‪:‬‬

‫ن هذه الوجوه هي بمثابة المترادفات لمعًنى واحٍد‪ ،‬وليست اختلًفا حقيقّيا أو اختلف تضاّد‪ ،‬وإنما هي‬ ‫الول‪َ :‬أ ّ‬
‫ظ للتعبيِر عن َمْعًنى واحٍد‪ ،‬زيادًة في البلغة والفصاحة وتقرير المعجزة القرآنية‪..‬‬
‫اختلف تنّوع في اللف ِ‬

‫الثاني‪ :‬أنها وحي‪ ،‬وليست من اختيار البشر‪ ،‬بل هي جزٌء ِمن الوحي‪ ،‬تلّقاها النبي صلى ال عليه وسلم وحًيا‪،‬‬
‫ن بعَدهم‪..‬‬
‫عّلَمها أصحاُبه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبّلغوها َم ْ‬
‫وَ‬

‫ف أن كل كلمة منه ُتْقرأ على سبعِة‬
‫الثالث‪ :‬أنها متفّرقة في القرآن الكريم كله‪ ،‬ول يعني نزوله على سبعة أحر ٍ‬
‫أوجٍه‪ ،‬فهذا مما لم يقل به أحٌد قط‪ ،‬وقد أنكره العلماء ونبهوا عليه‪ ،‬وقد مضى تنبيه أبي عبيد وابن عبد البر‬
‫وغيرهما على هذا‪.‬‬

‫الرابع‪ :‬ل يصح اعتقاد الزيادة في القراءة على سبعِة أوجٍه؛ لّنه لم يزد في الحديث على سبعٍة‪ ،‬وما ذكروه‬
‫ن يعود إلى سبعِة أوجٍه‪ ،‬أو‬
‫حِكي عن الرماني فل يصح‪ ،‬فإما أ ْ‬ ‫ف{ زيادًة على ثلثين وجًها كما ُ‬
‫في نحو }ُأ ّ‬
‫خذ منه الوجه السبعة الموافقة للمصحف‪ ،‬وُيْتَرك ما سواها‪.‬‬ ‫ُيْؤ َ‬

‫ن الحرف السبعة شيٌء والقراءات السبعة التي صّنفها بعض الُقّراء شيٌء آخر‪ ،‬وليسا واحًدا‪ ،‬وقد‬ ‫الخامس‪َ :‬أ ّ‬
‫َنّبه على ذلك الجماعات من أهل العلم قديًما وحديًثا‪ ،‬كابن عبد البر وابن حجر وغيرهما‪..‬‬

‫ف ابن مجاهد والشاطبي وغيرهما قراءة سبعًة من الئمة‪ ،‬ففهم بعضهم من ذلك أنها الحرف السبعة‪،‬‬ ‫وقد صّن َ‬
‫ن مجاهد‬‫أو أنه ل يصح غيرها‪ ،‬وليس كذلك‪ ،‬بل ربما كان في القراءات العشر ما هو أكثر شهرًة مما ذكره اب ُ‬
‫وغيره في تصنيفهم قراءات سبعة من الئمة‪ ،‬وَمَرّد ذلك كله على اِلعْلم والطلع وطريقة التصنيف‪ ،‬وليس‬
‫المراد لبن مجاهد ول الشاطبي ول غيرهما من أئمة القراءات توهين قراءة غير هؤلء الئمة السبعة الذين‬
‫صّنفوهم‪ ،‬وإنما المراد جمع قراءات سبعة أئمة‪ ،‬كما جمع غيرهم قراءات عشرة أئمة‪ ،‬لكنها جميًعا سواٌء‬
‫سْبَعة التي نزل بها القرآن الكريم‪..‬‬
‫ف ال ّ‬
‫كانت لسبعٍة أو لسبعين أو لسبعمائة ل تخرج عن الحُر ِ‬

‫ن مجاهد ونحوه فمرجع الكلم عندهم عن سبعة أئمة‪..‬‬
‫فالحديث يتكّلم عن وجوٍه سبعٍة في القراءة‪ ،‬وأما اب ُ‬

‫وبعبارٍة أخرى‪ :‬الحديث يتكلم عن وجوٍه قرآنيٍة‪ ،‬وابن مجاهد وأمثاله اختاروا سبعَة أئمٍة ِمّمن نقلوا هذه‬
‫الوجوه القرآنية‪ ،‬فقّيدوا ما نقلوه‪..‬‬

‫ف‪ ،‬كما‬
‫ل هم من َنَقَلِة الوجوه القرآن الذي نزل على سبعة أحُر ٍ‬ ‫فالئمة السبعة المذكورون عند ابن مجاهٍد مث ً‬
‫ي العلماء بهؤلء الئمة نظًرا‬
‫عِن َ‬
‫أن غيرهم من العشرة أو غيرهم قد شاركهم في نقل القرآن الكريم‪ ،‬وِإّنما ُ‬
‫لدّقِتهم وعنايتهم وتفّرغهم لتقان الّنْقل والرواية والسماع للقرآن الكريم‪.‬‬

‫ف‪ ،‬ونقَلُه الكاّفُة من الناس إلى َم ْ‬
‫ن‬ ‫ن نزل على سبعِة أحُر ٍ‬ ‫فهذا كما ترى ليس اختلًفا ول ترادًفا‪ ،‬وإنما هو قرآ ٌ‬
‫ف رواياتهم وسماعهم في‬ ‫ل سبعًة منهم‪ ،‬فصّن َ‬
‫ن مجاهٍد مث ً‬‫بعَدهم‪ ،‬فبرَز من بين الّنَقَلِة أئمة كبار‪ ،‬اختار اب ُ‬
‫ن مجاهٍد من أئمٍة‪ ،‬لكّنهم جميًعا يدورون في فلك نقل‬ ‫كتابه‪ ،‬بينما اختار آخرون غير زيادة على ما اختاره اب ُ‬
‫ف‪..‬‬
‫حُر ٍ‬
‫القرآن الكريم الذي نزل على سبعِة َأ ْ‬
‫إلى المدينة من جديد‬

‫غًنى عن الرحيل للمدينة مرًة أخرى‪ ،‬واستنطاق التاريخ بمزيٍد ِمّما لديه‪ ،‬فقد كفى وشفى‪ ،‬ولم يكن‬ ‫وقد ُكّنا في ِ‬
‫س لو تركناه يستريح ولو لبعض الوقت‪َ ،‬لّنا ِمن الن فصاعًدا لن نترك التاريخ‪ ،‬فربما أجهدناه في‬ ‫علينا من بأ ٍ‬
‫كثيٍر من المور المتعّلَقِة بصدر السلم‪...‬‬
‫لكن ل مانع من المرور في الختام على أهل المدينة بعد النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لننظر‪:‬‬
‫ماذا لديك أبا بكٍر الصديق‬
‫رضي ال عنك؟‬
‫وماذا لديك عثمان رضي ال عنك؟‬

‫خ عن ذلك فيقول‪ُ :‬توّفي النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬تارًكا القرآن الكريم مكتوًبا في الدوات‬ ‫حّدُثنا التاري ُ‬
‫ُي َ‬
‫المتاحة للكتابة آنذاك؛ كالعظام واللخاف والجلود‪ ،‬ونحوها‪ ..‬وسرعان ما توّلى أبو بكٍر الصديق رضي ال‬
‫عنه‪ ،‬صاحب النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ورفيقه في هجرته المباركة من مكة للمدينة = سرعان ما توّلى‬
‫رضي ال عنه خلفة المسلمين‪ ،‬خلًفا للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان عليه أن يقود المسلمين إلى َبّر المان‬
‫دائًما‪ ،‬وأن يحفظهم في كل أمورهم‪ ،‬خاصًة أمر دينهم الذي به حياتهم‪ ،‬وعليه تقوم دنياهم وأخراهم‪..‬‬
‫ب مع المرتدين وغيرهم‪،‬‬ ‫لكن لم ُيْمَهل خليفة رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ ِإْذ سرعان ما دخل في حرو ٍ‬
‫عَمر رضي ال عنه إلى أبي بكٍر يطلب جمع‬ ‫ع ُ‬‫حّفاظ القرآن الكريم‪ ،‬فهر َ‬ ‫ت هذه الحروب جماعًة من ُ‬ ‫حصد ْ‬
‫القرآن الكريم المسموع من النبي صلى ال عليه وسلم والمكتوب بحضرِته وتحت رعايته وسمعه وبصره‪،‬‬
‫ت جميعها َبْعُد‪ ،‬فالحال‬
‫فالمادة متوّفرة‪ ،‬والمان هنا حاصل بوجود كافة القرآن الكريم‪ ،‬والَقَرَأة متوافرٌة لم َتُم ْ‬
‫س فل يجدون قارًئا حضر وقرأ على النبي صلى ال عليه‬ ‫صِبح النا ُ‬
‫يسمح بالجمع الن‪ ،‬قبل أن يأتي يوٌم ُي ْ‬
‫وسلم‪ ،‬أو كاتًبا كتب بأمر النبي صلى ال عليه وسلم وتحت سمعه وبصره‪..‬‬
‫ل‪ ،‬ثم بدا للجميع التوافق بين النقل والعقل‪ ،‬بين‬ ‫عا وعق ً‬
‫حْكم المسألة شر ً‬ ‫ت المشاورات لستجلء ُ‬ ‫هنا بدأ ْ‬
‫الوحي المنّزل وبين العقل‪ ،‬فتوّكلوا على ال عز وجل وبدَأ العمل الجاد‪..‬‬
‫صدون في المعارك الواحد تلو الخر؛ لكن البقية الباقية منهم متوافرٌة بحمد ال‬ ‫ح َ‬
‫نعم؛ العقل يقول‪ :‬القرآء ُي ْ‬
‫عز وجل‪ ،‬والحضور كثرة ل حصر لهم‪ ،‬فالعوامل المساعدة على تنفيذ المهمة متاحٌة الن ل غضاضة فيها‪،‬‬
‫ف واحٍد‪ ،‬خشية أن يموت الجيل الشاهد لنزوله‪،‬‬ ‫والمان هنا قائٌم ينادي‪َ :‬أن اجمعوا القرآن الن في مصح ٍ‬
‫ضا طرّيا عن النبي صلى ال عليه وسلم مباشرة‪،‬‬ ‫ظة الذين أخذوه غ ّ‬ ‫حَف َ‬
‫ويرحل ُكّتاب الوحي‪ ،‬أو يهلك ال َ‬
‫ويخلف بعد ذلك جيل ل علم له بما جرى‪ ،‬لم يحضر شيًئا‪ ،‬ول شاهد أمًرا ول نهًيا‪ ،‬فيقول القائل‪ ،‬ويشّكك‬
‫ن ل حصر لها‪..‬‬ ‫ضعاف‪ ،‬فتنفتح على المسلمين فت ٌ‬ ‫صّدَقُه بعضُ ال ّ‬
‫المشكك‪ ،‬وربما َ‬

‫كل أيها العقل؛ لن نفعل شيًئا لم يفعله النبي صلى ال عليه وسلم‪..‬‬
‫ترّدَد أبو بكٍر رضي ال عنه في أول المر‪ :‬كيف نفعل شيًئا لم يفعله رسول ال صلى ال عليه وسلم؟!!‬
‫ثم بدا لخليفة رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يوافق على جمع القرآن المكتوب بحضرة النبي صلى ال‬
‫ظ وصيانِة القرآن الكريم‪..‬‬
‫حْف ِ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬والمسموع منه مباشرًة‪ ،‬لما في ذلك من المصلحة العظمى في ِ‬
‫صْدَر أبي بكٍر لهذا العمل‪ ،‬فبدأُه‪..‬‬
‫فشرح ال عز وجل َ‬

‫ط؛ وِإّنما اشترطوا أن يقوم بذلك رجٌل من ُكّتاب الوحي اللذين‬ ‫لكّنه لم يبدأ ارتجاًل‪ ،‬ول صار الموضوع بل ضاب ٍ‬
‫خ ما يكتبه من تلك‬‫سمعوا من النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأخذوا عنه مباشرًة‪ ،‬بل وسائط‪ ،‬ثم عليه أن ينس َ‬
‫ت بأمر النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتحت سمعه وبصره‪ ،‬كما سبق بيان ذلك من قبُل‪..‬‬ ‫سخ التي ُكِتَب ْ‬ ‫الّن َ‬
‫حد ُكّتاب الوحي للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأخَذ زيٌد في‬ ‫فتم اختيار زيد بن ثابت الشاب اليقظ الفطن‪ ،‬وهو َأ َ‬
‫حف عند‬ ‫صُ‬
‫ف‪ ،‬ثم جمع هذه ال ّ‬ ‫ح ٍ‬
‫صُ‬ ‫سخ ما في اللخاف والكتاف وغيرها من أدوات الكتابِة في ُ‬ ‫سخ‪ ،‬فن َ‬ ‫عملية الّن ْ‬
‫ت بعد وفاِته إلى أّم المؤمنين حفصة بنت عمر‬ ‫أبي بكٍر رضي ال عنه‪ ،‬ثم انتقلت بعد وفاته إلى عمر‪ ،‬ثم آل ْ‬
‫سخ منها‪ ،‬فنسخها في‬ ‫ث إليها عثمان بن عفان رضي ال عنه‪ ،‬فأخذ هذه الّن َ‬ ‫رضي ال عنهما‪ ،‬حتى َبَع َ‬
‫مصاحف‪ ،‬ثم أعادها إليها ثانيًة‪..‬‬

‫ويلحظ القارئ الكريم هنا أن عمل أبي بكٍر ثم عمل عثمان رضي ال عنهما لم يتجاوز في الحقيقة نسخ ما‬
‫كان مكتوًبا في حضرة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بأمِره وتحت سمعه وبصره‪.‬‬

‫ن أصل العلوم‬ ‫ولذا رأينا ابن الجوزي رحمة ال عليه يقول في كتابه ))تلبيس إبليس(( )ص‪ِ)) :(396 :‬إ ّ‬
‫ف وكتابِة الحديث‪ ،‬فَأّما القرآن‪ :‬فِإ ّ‬
‫ن‬ ‫ن حفظهما يصُعب َأَمَر بكتابِة المصح ِ‬ ‫عِلَم الشرع َأ ّ‬
‫القرآن والسنة‪ ،‬فلما َ‬
‫عظام الَكتف‪،‬‬ ‫ب والحجارة و ِ‬ ‫س ِ‬
‫ب َفَأْثَبَتَها‪ ،‬وكانوا يكتبونها في الُع ُ‬
‫ى بالكات ِ‬‫عَ‬‫ت عليه آيٌة َد َ‬‫رسوَل ال كان إذا نزل ْ‬
‫ن بن عفان رضي ال عنه وبقيُة‬ ‫خ ِمن ذلك عثما ُ‬‫سَ‬‫ف أبو بكٍر صوًنا عليه‪ ،‬ثم َن َ‬ ‫ن بعَدُه في المصح ِ‬ ‫جَمَع القرآ َ‬
‫ثم َ‬
‫شّذ منه شيٌء((أهـ‬ ‫ل َي ِ‬
‫ظ القرآن ِلَئ ّ‬
‫الصحابة‪ ،‬وكل ذلك لحف ِ‬

‫وإلى نحو هذا أشار جماعٌة من المصنفين والمفسرين والمقرئين؛ منهم الحاكم والخطابي وأبي شامة‬
‫واللوسي وغيرهم‪.‬‬

‫ويقول البيهقي في ))شعب اليمان(( )‪)) :(171‬وتأليف القرآن على عهِد النبي صلى ال عليه وسلم‪ُ .‬رّوينا‬
‫ع(‪.‬‬ ‫ن ِمن الّرَقا ِ‬ ‫ف القرآ َ‬‫ت َأّنُه قال‪ُ) :‬كّنا عنَد رسوِل ال صلى ال عليه و سلم ُنَؤّل ُ‬
‫عن زيد بن ثاب ٍ‬
‫وِإّنما أراد ـ وال تعالى أعلم ـ تأليف ما َنَزَل ِمن اليات المتفرقة في سوَرِتها وجمعها فيها بإشارِة النبيّ صلى‬
‫ح ٍ‬
‫ف‬ ‫صُ‬
‫ت منها في ُ‬ ‫جِمَع ْ‬
‫سب‪َ ،‬ف ُ‬ ‫ال عليه و سلم‪ ،‬ثم كانت ُمْثَبَتة في الصدور مكتوبة في الرقاع والّلخف والُع ُ‬
‫ف في مصاحف بإشارِة‬ ‫ح ِ‬ ‫صُ‬
‫جِمَع في ال ّ‬ ‫خ ما ُ‬ ‫سَ‬‫عمر وغيرهما من المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم ُن ِ‬ ‫بإشارِة أبي بكر و ُ‬
‫عثمان بن عفان على ما رسم المصطفى صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ت في‬‫صَنْع ُ‬
‫ت َأنا ل َ‬ ‫غَفَلة َأّنُه قال‪ :‬قال علي بن أبي طالب‪ :‬يرحم ال عثمان! لو كن ُ‬ ‫سَوْيد بن َ‬ ‫وروينا عن ُ‬
‫صَنَع عثمان‪.‬‬ ‫المصاحف ما َ‬
‫و قد ذكرنا في كتاب المدخل وفي آخر كتاب دلئل النبوة ما ُيَقّوي هذا الجماع ويدل على صحته((أهـ‬

‫ويلحظ في هذه المرحلة أن زيًدا وغيره من الصحابة الكرام الذين قاموا على جمع القرآن الكريم رضي ال‬
‫عنهم قد اعتمدوا على السماع والكتابة مًعا‪ ،‬وجمعوا بينهما‪ ،‬فاشترطوا اقتران السماع والكتابة وتلزمهما في‬
‫المجموع‪ ،‬وهذا من أعلى درجات التوثيق التي يمكن الوصول إليها‪ ،‬وقد أتاحها ال عز وجل لكتاِبه صيانًة له‪،‬‬
‫شريف‪..‬‬
‫وحمايًة لجنابه ال ّ‬

‫ت رضي ال عنه يفقد آيًة أثناء جمعه للقرآن زمن أبي بكٍر رضي ال عنه‪ ،‬وأخرى زمن‬ ‫ولذا رأينا زيد بن ثاب ٍ‬
‫عثمان‪ ،‬ل يجدهما أمامه في المكتوب بحضرة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لكنهما معروفتان عنده‪ ،‬ل شك‬
‫فيهما؛ لنه سمعهما هو وغيره من النبي صلى ال عليه وسلم‪.....‬‬
‫خذا عنه بل واسطٍة إل َأّنُه لم يثبتهما حتى بحث عنهما‬‫سِمَعا من النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وُأ ِ‬‫ومع أنهما ُ‬
‫ضا‪..‬‬
‫ووجدهما كتابًة أي ً‬
‫فلم يعتمد الكتابة وحدها‪ ،‬ول السماع وحده‪ ،‬وإن كان كل واحٍد من الكتابة أو السماع يصح العتماد عليه بل‬
‫ن الصحابة الكرام رضي ال عنهم أرادوا بلوغ النهاية في توثيق القرآن الكريم وصيانته والحفاظ‬ ‫غضاضة؛ لك ّ‬
‫عليه‪ ،‬فالحمد ل تعالى‪..‬‬
‫ي الن أن أذكر بعض‬
‫ت إلى كثيٍر ِمن هذه المباحث فيما سبق من مداخلت هذا الموضوع‪ ،‬وبقي عل ّ‬
‫شْر ُ‬
‫وقد َأ َ‬
‫الروايات الواردة في موضوع مداخلتنا هذه‪..‬‬
‫وهي باختصار كالتالي‪:‬‬

‫ي َأُبو َبْكٍر مَْقَتَل َأْهِل‬ ‫سَل ِإَل ّ‬ ‫عْنُه َقاَل‪َ)) :‬أْر َ‬ ‫ي الُّ َ‬ ‫ضَ‬ ‫ت َر ِ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬‫ن َزْيَد ْب َ‬ ‫روى البخاري رحمه ال تعالى )‪َ (4986‬أ ّ‬
‫حّر َيْومَ‬‫سَت َ‬‫ن اْلَقْتَل َقْد ا ْ‬ ‫عَمَر َأَتاِني َفَقاَل‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ن ُ‬ ‫عْنُه‪ِ :‬إ ّ‬ ‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬‫ضَ‬ ‫عْنَدُه‪َ ،‬قاَل َأُبو َبْكٍر َر ِ‬ ‫ب ِ‬ ‫طا ِ‬‫خّ‬‫ن اْل َ‬ ‫عَمُر ْب ُ‬‫اْلَيَماَمِة‪َ ،‬فِإَذا ُ‬
‫ن َوِإّني َأَرى َأ ْ‬
‫ن‬ ‫ن اْلُقْرآ ِ‬ ‫ب َكِثيٌر ِم ْ‬ ‫ن َفَيْذَه َ‬ ‫طِ‬ ‫حّر اْلَقْتُل ِباْلُقّراِء ِباْلَمَوا ِ‬ ‫سَت ِ‬‫ن َي ْ‬
‫شى َأ ْ‬ ‫خ َ‬
‫ن َوِإّني َأ ْ‬ ‫اْلَيَماَمِة ِبُقّراِء اْلُقْرآ ِ‬
‫عَمُر‪َ :‬هَذا َوا ِّ‬
‫ل‬ ‫سّلَم؟ َقاَل ُ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫شْيًئا َلْم َيْفَعْلُه َر ُ‬
‫ف َتْفَعُل َ‬ ‫ت ِلُعَمَر‪َ :‬كْي َ‬ ‫ن‪ُ ،‬قْل ُ‬‫جْمِع اْلُقْرآ ِ‬ ‫َتْأُمَر ِب َ‬
‫عَمُر‪َ ،‬قاَل َزْيٌد‪َ :‬قاَل َأُبو‬ ‫ك اّلِذي َرَأى ُ‬ ‫ت ِفي َذِل َ‬ ‫ك َوَرَأْي ُ‬‫صْدِري ِلَذِل َ‬ ‫ل َ‬ ‫ح ا ُّ‬ ‫شَر َ‬‫حّتى َ‬ ‫جُعِني َ‬ ‫عَمُر ُيَرا ِ‬‫خْيٌر‪َ ،‬فَلْم َيَزْل ُ‬ ‫َ‬
‫سّلَم َفَتَتّبْع اْلُقْرآ َ‬
‫ن‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوِل ا ِّ‬ ‫ي ِلَر ُ‬‫حَ‬‫ب اْلَو ْ‬ ‫ت َتْكُت ُ‬‫ك َوَقْد ُكْن َ‬ ‫عاِقٌل ل َنّتِهُم َ‬ ‫ب َ‬ ‫شا ّ‬‫جٌل َ‬ ‫ك َر ُ‬ ‫َبْكٍر‪ِ :‬إّن َ‬
‫ت‪َ :‬كْي َ‬
‫ف‬ ‫ن‪ُ ،‬قْل ُ‬ ‫جْمِع اْلُقْرآ ِ‬ ‫ن َ‬‫ي ِمّما َأَمَرِني ِبِه ِم ْ‬ ‫عَل ّ‬‫ن َأْثَقَل َ‬ ‫جَباِل َما َكا َ‬ ‫ن اْل ِ‬
‫جَبٍل ِم ْ‬ ‫ل َلْو َكّلُفوِني َنْقَل َ‬ ‫جَمْعُه‪َ ،‬فَوا ِّ‬ ‫َفا ْ‬
‫حّتى‬ ‫جُعِني َ‬ ‫خْيٌر‪َ ،‬فَلْم َيَزْل َأُبو َبْكٍر ُيَرا ِ‬ ‫ل َ‬ ‫سّلَم؟ َقاَل‪ُ :‬هَو َوا ِّ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬ ‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫شْيًئا َلْم َيْفَعْلُه َر ُ‬
‫ن َ‬ ‫َتْفَعُلو َ‬
‫س ِ‬
‫ب‬ ‫ن اْلُع ُ‬‫جَمُعُه ِم ْ‬ ‫ن َأ ْ‬ ‫ت اْلُقْرآ َ‬‫عنُْهَما‪َ ،‬فَتَتّبْع ُ‬ ‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬ ‫عَمَر َر ِ‬ ‫صْدَر َأِبي َبْكٍر َو ُ‬ ‫ح َلُه َ‬ ‫شَر َ‬
‫صْدِري ِلّلِذي َ‬ ‫ل َ‬ ‫ح ا ُّ‬ ‫شَر َ‬‫َ‬
‫غْيِرِه‪:‬‬‫حٍد َ‬ ‫جْدَها َمَع َأ َ‬ ‫ي َلْم َأ ِ‬‫صاِر ّ‬ ‫سوَرِة الّتْوَبِة َمَع َأِبي خَُزْيَمَة اَْلْن َ‬ ‫خَر ُ‬ ‫تآِ‬ ‫جْد ُ‬‫حّتى َو َ‬ ‫جاِل‪َ ،‬‬ ‫صُدوِر الّر َ‬ ‫ف َو ُ‬ ‫خا ِ‬ ‫َوالّل َ‬
‫حّتى‬‫عْنَد َأِبي َبْكٍر َ‬ ‫ف ِ‬ ‫ح ُ‬ ‫صُ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫خاِتَمِة َبَراَءَة‪َ ،‬فَكاَن ْ‬ ‫حّتى َ‬ ‫عِنّتْم{ َ‬ ‫عَلْيِه َما َ‬ ‫عِزيٌز َ‬ ‫سُكْم َ‬ ‫ن َأْنُف ِ‬
‫سوٌل ِم ْ‬ ‫جاَءُكْم َر ُ‬ ‫}َلَقْد َ‬
‫عْنُه((أهـ‬ ‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬ ‫عَمَر َر ِ‬ ‫ت ُ‬ ‫صَة ِبْن ِ‬‫حْف َ‬ ‫عْنَد َ‬
‫حَياَتُه‪ُ ،‬ثّم ِ‬ ‫عَمَر َ‬ ‫عْنَد ُ‬‫ل‪ُ ،‬ثّم ِ‬ ‫َتَوّفاُه ا ُّ‬

‫ن َوَكانَ‬ ‫عْثَما َ‬‫عَلى ُ‬ ‫ن َقِدَم َ‬ ‫ن اْلَيَما ِ‬ ‫حَذْيَفَة ْب َ‬‫ن ُ‬ ‫ك قال‪ِ)) :‬إ ّ‬ ‫ن َماِل ٍ‬‫س ْب َ‬‫ن َأَن َ‬ ‫ضا )‪َ (4988 - 4987‬أ ّ‬ ‫وروى البخاري أي ً‬
‫حَذْيَفُة‬
‫خِتلُفُهْم ِفي اْلِقَراَءِة‪َ ،‬فَقاَل ُ‬ ‫حَذْيَفَة ا ْ‬‫ع ُ‬ ‫ق‪َ ،‬فَأْفَز َ‬‫ن َمَع َأْهِل اْلِعَرا ِ‬ ‫جا َ‬ ‫ح ِإْرِميِنَيَة َوَأْذَرِبي َ‬ ‫شْأِم ِفي َفْت ِ‬ ‫ُيَغاِزي َأْهَل ال ّ‬
‫سَل‬‫صاَرى‪َ ،‬فَأْر َ‬ ‫ف اْلَيُهوِد َوالّن َ‬ ‫خِتل َ‬ ‫با ْ‬ ‫خَتِلُفوا ِفي اْلِكَتا ِ‬ ‫ن َي ْ‬‫ك َهِذِه اُلّمَة َقْبَل َأ ْ‬ ‫ن! َأْدِر ْ‬ ‫ن‪َ :‬يا َأِميَر اْلُمْؤِمِني َ‬ ‫ِلُعْثَما َ‬
‫صُة ِإَلى‬‫حْف َ‬ ‫ت ِبَها َ‬ ‫سَل ْ‬‫ك‪َ ،‬فَأْر َ‬ ‫ف ُثّم َنُرّدَها ِإَلْي ِ‬ ‫ح ِ‬ ‫صا ِ‬‫خَها ِفي اْلَم َ‬ ‫سُ‬‫ف َنْن َ‬‫ح ِ‬ ‫صُ‬ ‫سِلي ِإَلْيَنا ِبال ّ‬ ‫ن َأْر ِ‬ ‫صَة َأ ْ‬‫حْف َ‬ ‫ن ِإَلى َ‬ ‫عْثَما ُ‬ ‫ُ‬
‫خوَها‬ ‫سُ‬ ‫شاٍم َفَن َ‬‫ن ِه َ‬ ‫ث ْب ِ‬‫حاِر ِ‬ ‫ن اْل َ‬ ‫ن ْب َ‬‫حَم ِ‬ ‫عْبَد الّر ْ‬ ‫ص وَ َ‬ ‫ن اْلَعا ِ‬ ‫سِعيَد ْب َ‬‫ن الّزَبْيِر َو َ‬ ‫ل ْب َ‬‫عْبَد ا ِّ‬‫ت َو َ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬ ‫ن‪َ ،‬فَأَمَر َزْيَد ْب َ‬ ‫عْثَما َ‬ ‫ُ‬
‫ن اْلُقْرآ ِ‬
‫ن‬ ‫يٍء ِم ْ‬ ‫ش ْ‬ ‫ت ِفي َ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬ ‫خَتَلْفُتْم َأنُْتْم َوَزْيُد ْب ُ‬
‫ن الّثلَثِة‪ِ :‬إَذا ا ْ‬ ‫شّيي َ‬‫ط اْلُقَر ِ‬ ‫ن ِللّرْه ِ‬‫عْثَما ُ‬ ‫ف‪َ ،‬وَقاَل ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫صا ِ‬ ‫ِفي اْلَم َ‬
‫ح َ‬
‫ف‬ ‫صُ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫عْثَما ُ‬ ‫ف َرّد ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫صا ِ‬ ‫ف ِفي اْلَم َ‬ ‫ح َ‬ ‫خوا الصّ ُ‬ ‫سُ‬ ‫حّتى ِإَذا َن َ‬ ‫ساِنِهْم‪َ ،‬فَفَعُلوا َ‬ ‫ش َفِإّنَما َنَزَل ِبِل َ‬ ‫ن ُقَرْي ٍ‬ ‫سا ِ‬
‫َفاْكُتُبوُه ِبِل َ‬
‫ف َأ ْ‬
‫ن‬ ‫ح ٍ‬ ‫صَ‬ ‫حيَفٍة َأْو ُم ْ‬ ‫صِ‬ ‫ن ِفي ُكّل َ‬ ‫ن اْلُقْرآ ِ‬ ‫سَواُه ِم ْ‬ ‫خوا َوَأَمَر ِبَما ِ‬ ‫سُ‬ ‫ف ِمّما َن َ‬ ‫ح ٍ‬ ‫صَ‬ ‫ق ِبُم ْ‬ ‫سَل ِإَلى ُكّل ُأُف ٍ‬ ‫صَة‪َ ،‬وَأْر َ‬ ‫حْف َ‬‫ِإَلى َ‬
‫ق((‪.‬‬‫حَر َ‬ ‫ُي ْ‬
‫ن َزْيِد ْب ِ‬
‫ن‬ ‫جُة ْب ُ‬‫خاِر َ‬ ‫خَبَرِني َ‬ ‫ب الزهري رحمه ال )أحد أئمة الحديث‪ ،‬وراوي الحديث الذي معنا(‪َ :‬وَأ ْ‬ ‫شَها ٍ‬ ‫ن ِ‬ ‫َقاَل اْب ُ‬
‫صّلى‬ ‫سوَل الِّ َ‬ ‫سَمُع َر ُ‬ ‫ت َأ ْ‬‫ف َقْد ُكْن ُ‬ ‫ح َ‬ ‫صَ‬ ‫خَنا اْلُم ْ‬ ‫سْ‬ ‫ن َن َ‬‫حي َ‬‫ب ِ‬ ‫حَزا ِ‬ ‫ن اَل ْ‬ ‫ت آَيًة ِم ْ‬ ‫ت َقاَل‪َ)) :‬فَقْد ُ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬ ‫سِمَع َزْيَد ْب َ‬ ‫ت َ‬ ‫َثاِب ٍ‬
‫صَدُقوا َما‬ ‫جاٌل َ‬ ‫ن ِر َ‬ ‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬ ‫ي‪ِ} :‬م ْ‬ ‫صاِر ّ‬ ‫ت اَْلْن َ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬‫خَزْيَمَة ْب ِ‬‫جْدَناَها َمَع ُ‬ ‫سَناَها َفَو َ‬ ‫سّلَم َيْقَرُأ ِبَها‪َ ،‬فاْلَتَم ْ‬ ‫عَلْيِه َو َ‬‫ل َ‬ ‫ا ُّ‬
‫ف((أهـ‬ ‫ح ِ‬ ‫صَ‬ ‫سوَرِتَها ِفي اْلُم ْ‬ ‫حْقَناَها ِفي ُ‬ ‫عَلْيِه{‪َ ،‬فَأْل َ‬ ‫ل َ‬ ‫عاَهُدوا ا َّ‬ ‫َ‬

‫عْبَد الِّ‬‫ص َو َ‬‫ن اْلَعا ِ‬ ‫سِعيَد ْب َ‬‫ت َو َ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬
‫ن َزْيَد ْب َ‬ ‫عْثَما ُ‬
‫ك َقاَل‪َ)) :‬فَأَمَر ُ‬ ‫ن َماِل ٍ‬‫س ْب ُ‬
‫ن َأَن ِ‬‫ضا )‪ (4984‬ع ْ‬ ‫وعند البخاري أي ً‬
‫خَتَلْفُتْم َأْنُتْم َوَزْيُد ْب ُ‬
‫ن‬ ‫ف َوَقاَل َلُهْم‪ِ :‬إَذا ا ْ‬ ‫ح ِ‬‫صا ِ‬ ‫خوَها ِفي اْلَم َ‬ ‫سُ‬‫ن َيْن َ‬
‫شاٍم َأ ْ‬
‫ن ِه َ‬ ‫ث ْب ِ‬
‫حاِر ِ‬‫ن اْل َ‬‫ن ْب َ‬‫حَم ِ‬
‫عْبَد الّر ْ‬
‫ن الّزَبْيِر َو َ‬
‫ْب َ‬
‫ساِنِهْم َفَفَعُلوا((أهـ‬ ‫ن ُأْنِزَل ِبِل َ‬
‫ن اْلُقْرآ َ‬
‫ش َفِإ ّ‬
‫ن ُقَرْي ٍ‬‫سا ِ‬
‫ن َفاْكُتُبوَها ِبِل َ‬
‫عَرِبّيِة اْلُقْرآ ِ‬
‫ن َ‬‫عَرِبّيٍة ِم ْ‬
‫ت ِفي َ‬ ‫َثاِب ٍ‬

‫سِعيَد ْبنَ اْلَعا ِ‬
‫ص‬ ‫ن الّزَبْيِر َو َ‬‫ل ْب َ‬‫عْبَد ا ِّ‬
‫ت َو َ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬‫عا َزْيَد ْب َ‬‫ن َد َ‬
‫عْثَما َ‬‫ن ُ‬‫س ))َأ ّ‬ ‫ن َأَن ٍ‬ ‫عْ‬ ‫ضا )‪َ (3506‬‬ ‫وعند البخاري أي ً‬
‫خَتَلْفُتمْ‬
‫ن الّثلَثِة‪ِ :‬إَذا ا ْ‬‫شّيي َ‬‫ط اْلُقَر ِ‬ ‫ن ِللّرْه ِ‬‫عْثَما ُ‬
‫ف َوَقاَل ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫صا ِ‬‫خوَها ِفي اْلَم َ‬ ‫سُ‬ ‫شاٍم َفَن َ‬‫ن ِه َ‬ ‫ث ْب ِ‬‫حاِر ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن ْب َ‬‫حَم ِ‬‫عْبَد الّر ْ‬
‫َو َ‬
‫ك((أهـ‬ ‫ساِنِهْم َفَفَعُلوا َذِل َ‬‫ش َفِإّنَما َنَزَل ِبِل َ‬
‫ن ُقَرْي ٍ‬ ‫سا ِ‬
‫ن َفاْكُتُبوُه ِبِل َ‬‫ن اْلُقْرآ ِ‬‫يٍء ِم ْ‬ ‫ش ْ‬‫ت ِفي َ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬
‫َأْنُتْم َوَزْيُد ْب ُ‬

‫سوَرةِ‬‫ن ُ‬‫ت آَيًة ِم ْ‬ ‫ف َفَقْد ُ‬
‫ح ِ‬
‫صا ِ‬‫ف ِفي اْلَم َ‬ ‫ح َ‬ ‫صُ‬ ‫خَنا ال ّ‬ ‫سْ‬ ‫ت َقاَل‪َ)) :‬لّما َن َ‬‫ن َثاِب ٍ‬
‫ن َزْيَد ْب َ‬
‫ضا )‪َ (4784‬أ ّ‬ ‫وعند البخاري أي ً‬
‫صاِر ّ‬
‫ي‬ ‫خَزْيَمَة اَْلْن َ‬
‫حٍد ِإّل َمَع ُ‬‫جْدَها َمَع َأ َ‬‫سّلَم َيْقَرُؤَها َلْم َأ ِ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬‫ل َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫سَمُع َر ُ‬
‫ت َكِثيًرا َأ ْ‬
‫ب ُكْن ُ‬
‫حَزا ِ‬
‫اَْل ْ‬
‫عاَهُدوا ا َّ‬
‫ل‬ ‫صَدُقوا َما َ‬ ‫جاٌل َ‬ ‫ن ِر َ‬‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن‪ِ} :‬م ْ‬ ‫جَلْي ِ‬
‫شَهاَدَة َر ُ‬‫شَهاَدَتُه َ‬‫سّلَم َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫جَعَل َر ُ‬
‫اّلِذي َ‬
‫عَلْيِه{((أهـ‬‫َ‬

‫خَنا‬
‫سْ‬
‫ن َن َ‬‫حي َ‬‫ب ِ‬ ‫حَزا ِ‬‫ن اَل ْ‬‫ت آَيًة ِم ْ‬ ‫عْنُه َيُقوُل‪َ)) :‬فَقْد ُ‬ ‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬ ‫ضَ‬‫ت َر ِ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬
‫ن َزْيِد ْب ِ‬‫عْ‬
‫ضا )‪َ (4049‬‬ ‫وعند البخاري أي ً‬
‫ن َثاِب ٍ‬
‫ت‬ ‫خَزْيَمَة ْب ِ‬‫جْدَناَها َمَع ُ‬ ‫سَناَها َفَو َ‬
‫سّلَم َيْقَرُأ ِبَها َفاْلَتَم ْ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬‫سوَل ا ِّ‬‫سَمُع َر ُ‬ ‫ت َأ ْ‬
‫ف ُكْن ُ‬‫ح َ‬‫صَ‬‫اْلُم ْ‬
‫ظُر{‬ ‫ن َيْنَت ِ‬
‫حَبُه َوِمْنُهْم َم ْ‬
‫ضى َن ْ‬ ‫ن َق َ‬‫عَلْيِه َفِمْنُهْم َم ْ‬‫ل َ‬ ‫عاَهُدوا ا َّ‬ ‫صَدُقوا َما َ‬ ‫جاٌل َ‬ ‫ن ِر َ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ي‪ِ} :‬م ْ‬ ‫صاِر ّ‬
‫اَْلْن َ‬
‫ف((أهـ‬ ‫ح ِ‬‫صَ‬‫سوَرِتَها ِفي اْلُم ْ‬ ‫حْقَناَها ِفي ُ‬ ‫َفَأْل َ‬
‫ف َفَفَقْدتُ‬
‫ح ِ‬ ‫صا ِ‬‫ف ِفي اْلَم َ‬
‫ح َ‬ ‫صُ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫خ ُ‬‫سْ‬ ‫عْنُه َقاَل‪َ)) :‬ن َ‬ ‫ل َ‬ ‫ي ا ُّ‬‫ضَ‬‫ت َر ِ‬ ‫ن َثاِب ٍ‬‫ن َزْيَد ْب َ‬
‫ضا )‪َ (2807‬أ ّ‬ ‫وعند البخاري أي ً‬
‫ن َثاِب ٍ‬
‫ت‬ ‫خَزْيَمَة ْب ِ‬
‫جْدَها ِإّل َمَع ُ‬‫سّلَم َيْقَرُأ ِبَها َفَلْم َأ ِ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬ ‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوَل ا ِّ‬ ‫سَمُع َر ُ‬ ‫ت َأ ْ‬
‫ب ُكْن ُ‬‫حَزا ِ‬‫سوَرِة اَل ْ‬
‫ن ُ‬ ‫آَيًة ِم ْ‬
‫جاٌل‬
‫ن ِر َ‬‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن َوُهَو َقْوُلُه‪ِ} :‬م ْ‬ ‫جَلْي ِ‬
‫شَهاَدَة َر ُ‬ ‫شَهاَدَتُه َ‬ ‫سّلَم َ‬‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬‫صّلى ا ُّ‬ ‫ل َ‬ ‫سوُل ا ِّ‬ ‫جَعَل َر ُ‬‫ي اّلِذي َ‬‫صاِر ّ‬‫اَلْن َ‬
‫عَلْيِه{((أهـ‬ ‫ل َ‬‫عاَهُدوا ا َّ‬ ‫صَدُقوا َما َ‬
‫َ‬

‫حْقَناها في سوَرِتها من المصحف(( يؤيد ما سبق تقريره من إلهية الترتيب القرآني‪،‬‬
‫وقوُل زيٍد السابق‪)) :‬فَأْل َ‬
‫ت‪ ،‬ل فرق‪.‬‬
‫سوًرا وآيا ٍ‬

‫ضَر ذلك‬
‫ح َ‬
‫وتدل السياقات السابقة َأّنه استقّر في المصحف العثماني جميع ما ورد في السماع كما سبق‪ ،‬وقد َ‬
‫حّفاظ القرآن وَكَتَبُة الوحي ِمّمن كانوا أحياء حينئٍذ‪ ،‬وطار نبُأ المصحف في المصار‪ ،‬ولم‬ ‫سِمَع به ُ‬
‫عاَيَنُه و َ‬
‫وَ‬
‫يعترض أحٌد عليه‪ ،‬ول زاد فيه أحٌد شيًئا‪ ،‬فدل ذلك كله على إجماع الصحابة الكرام‪ ،‬وغيرهم من المسلمين‬
‫آنذاك على صحة المصحف العثماني‪ ،‬وشموله لجميع ما ُأْنِزل على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأنه لم يفت‬
‫المصحف المكتوب شيٌء من المسموع أبًدا‪..‬‬
‫ضا‪ ،‬منذ أربعة عشر قرًنا‪ ،‬وإلى وقتنا هذا‪..‬‬ ‫ثم أجمعت الجيال المتلحقة على هذا أي ً‬
‫ضد كّل منهما الخر‪ ،‬ول ينافيه أو يعارضه‪،‬‬ ‫فصار المصحف المكتوب بيد المسلمين الن قريًنا للسماع‪ُ ،‬يَع ّ‬
‫ظ القرآن على مّر الزمان‪ ،‬مع احتفاظ السماع برئاسته وصدارته‪ ،‬واحتفاظ الكتابة بأهميتها‬ ‫حْف ِ‬
‫يتعاونان في ِ‬
‫ومنزلتها‪.‬‬

‫وقد مضت أدلة العتماد في نقل القرآن على السماع والحفظ ل الكتابة والمصاحف‪..‬‬

‫ويؤكد ذلك رجوع زيد بن ثابت إلى البحث عن اليتين اللتان لم يجدهما أمامه في المكتوب حتى وجدهما‬
‫ت قد‬
‫سه بذلك في قوله في كّل منهما‪)) :‬كن ُ‬
‫صّرح هو نف ُ‬
‫كتابًة‪ ،‬وما َدّلُه على عدم وجودهما غير السماع‪ ،‬وقد َ‬
‫ت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقرأ بها((‪....‬‬ ‫سمع ُ‬
‫عا لديه سلًفا‪ ،‬فلم يكن يجمع أو ينسخ شيًئا جديًدا عليه يمكن أن يفوته في‬‫فهو يجمع وينسخ ما كان مسمو ً‬
‫ظا مستقّرا في صْدِره وصدور غيره من الصحابة‬ ‫عا محفو ً‬
‫ت أو يشذ عليه شاّذ؛ وإنما كان ينسخ مسمو ً‬ ‫ذلك فائ ٌ‬
‫الكرام رضي ال عنه‪..‬‬
‫خا لمجهوٍل‪ ،‬وشّتان بين هذا وذاك عند العقلء من الناس!!‬ ‫ف‪ ،‬وليس نس ً‬
‫خ لمعلوٍم معرو ٍ‬
‫فهو نس ٌ‬

‫وهذا كله يقطع بأموٍر يقينّية على رأسها‪ :‬القطع بأن القرآن قد وصلنا تاّما غير منقوص بحمد ال تعالى؛‬
‫ف‪ ،‬وعلى توالي أربعة عشر قرًنا‪ ،‬على تمام القرآن الذي بأيدي المسلمين‪ ،‬وأنه‬ ‫لجماع المسلمين خلًفا بعد سل ٍ‬
‫حّرف‪ ،‬ولم يدخله النقص‪ ،‬أو ُتَعّكره‬ ‫نسخة طبق الصل لما نزل به الوحي على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم ُي َ‬
‫الزيادة‪.‬‬
‫ن{‬
‫ظو َ‬
‫حاِف ُ‬
‫ن َنّزْلَنا الّذْكَر َوِإّنا َلُه َل َ‬
‫حُ‬ ‫وهذا كله مصداق تَعّهد ال بحفظه‪ ،‬وإخباره بذلك في قوله تعالى‪ِ} :‬إّنا َن ْ‬
‫]الحجر‪.[9 :‬‬

‫ن ُنَقّرَر هذه الحقيقة اليقينية بناًء على الية المذكورة‪ ،‬فهي كافية بحمد ال‬ ‫وكان بإمكاننا قبل ذلك وبعده َأ ْ‬
‫تعالى في تقرير تمام القرآن وكماله‪ ،‬وحفظ ال له من الزيادة والنقصان والتحريف والتغيير‪.‬‬
‫ولكنا ذكرنا الدلة المادية على حفظ القرآن وتمامه وكماله‪ ،‬وحفظ ال له من الزيادة والنقصان والتحريف‬
‫ت عنها‬ ‫والتغيير‪ ،‬وذلك من خلل النصوص الثابتة‪ ،‬التي شهد بصدقها التاريخ‪ ،‬وَأّكَدها واقع الّنَقَلِة‪ ،‬وتحّدَث ْ‬
‫السانيد‪.‬‬
‫نعم؛ ذكرنا الدلة المادية على ذلك من خلل الروايات والوقائع؛ لّنا نكتب للمؤمنين وغيرهم‪..‬‬
‫نعم؛ نكتب للمؤمنين الصادقين الموقنين بإخبار ال عز وجل في كتابه بحفظه‪..‬‬
‫كما نكتب في عالٍم يموج بتيارات الكفر واللحاد والملل المخالفة والمعادية للسلم‪ ،‬ليرى هؤلء وأولئك ما‬
‫نكتبه‪ ،‬فيكون كالتذكرة للمؤمنين‪ ،‬والحجة على الكافرين‪..‬‬
‫نعم؛ نكتب لتقوم الحجة على الكافرين والمستشرقين وغيرهم من الطاعنين في القرآن الكريم بهذه الّتّرهات‬
‫ضا منها‪ ،‬طعًنا في الدين‪ ،‬وحسًدا من عند أنفسهم‪ ،‬مع‬ ‫التي ردد هذا المستشرق المدعو بـ ))موراني(( بع ً‬
‫سا على القّراء!!‬ ‫تغليفهم ذلك كله بغلف العلم والبحث‪ ،‬بغرض تمرير ما يكتبونه‪ ،‬وتغريًرا وتدلي ً‬

‫طا وكتابًة‪..‬‬
‫ظا‪ ،‬وخ ّ‬
‫عا وحف ً‬
‫فهذه هي الدلة المادية لما جرى وكان في واقعة تدوين القرآن الكريم سما ً‬
‫ل غير منقوص‪ ،‬وعلى أنه محفوظ عن‬ ‫وقد تضافرت جميعها والحمد ل على كمال القرآن ووصوله لنا كام ً‬
‫الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف‪..‬‬
‫ت الدلُة على أن القرآن الذي بأيدي المسلمين الن هو نسخة طبق الصل لما نزل‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬فقد تضافر ِ‬
‫به الوحي على النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬