You are on page 1of 48

‫مقدمة الكتاب‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة‬
‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على محمد خاتم النبيين‪ ،‬وعلى سائر إخوانه من النبياء والمرسلين‪ ،‬وعلى آلهم‬
‫وأصحابهم أجمعين‪ ،‬ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‬
‫فهذه مجموعة من الحوارات بيننا وبين الغرب‪ ،‬ظهرت في صورة أسئلة محرجة‪ ،‬أو شائكة‪ ،‬رددت عليها بأجوبة بّينة‪ ،‬بل‬
‫حاسمة‪ ،‬سميناها‪) :‬نحن والغرب(‪ ،‬ول بد لنا أن نحدد‪ :‬من نحن؟ أو‪ :‬ما نحن؟ ومن الغرب؟ أو‪ :‬ما الغرب الذي يحاورنا‬
‫ونحاوره؟‬
‫و)الغرب( في اللغة هو‪ :‬الجهة التي تغرب فيها الشمس‪ ،‬والبلد الواقفة فيها‪ ،‬مقابل )الشرق( وهو الجهة التي تشرق منها‬
‫ب َل ِإَلَه ِإّل ُهَو‬
‫ق َواْلَمْغِر ِ‬
‫شِر ِ‬
‫ب اْلَم ْ‬
‫الشمس‪ ،‬والبلد الواقعة فيها‪ ،‬وقد يعبر عنهما بـ)المشرق( و)المغرب(‪ ,‬وفي القرآن‪َ :‬ر ّ‬
‫ل ]المزمل‪.[9:‬‬
‫خْذُه َوِكي ً‬
‫َفاّت ِ‬
‫والغرب والشرق أمر نسبي‪ ،‬فكل بلد وكل مكان له غربه وشرقه‪ .‬ووطننا العربي مقسم إلي ‪ :‬شرق وغرب ‪ ،‬وقد اصطلح علي‬
‫أن الغرب يبدأ من ليبيا إلي موريتانيا مرورًا بتونس والجزائر والمغرب القصى‪ ،‬وحين قسم الناس الكرة الرضية إلى شرق‬
‫وغرب‪ ،‬اضطروا أن يقسموا الشرق إلى أقسام بحسب موقعه‪ ،‬فهناك شرق أقصى‪ ،‬وهناك شرق أوسط‪ ،‬وهناك شرق أدنى‪.‬‬
‫وقد اصطلح الناس على أن الغرب هو أوربة وأمريكا‪ ،‬أما آسيا وأفريقيا فهما شرق‪ ،‬وإن كان من أهل أفريقيا من يريد أن‬
‫يلحق نفسه بالغرب‪ ،‬كما ذكر د‪.‬طه حسين‪ ،‬في كتابه )مستقبل الثقافية(‪ :‬أن مصر إلى اليونان وإيطاليا وفرنسا أقرب منها إلى‬
‫الهند والصين واليابان‪ .‬وكما ينادي بذلك كثيرون في شمال أفريقيا من دعاة الفرانكفونية ومن دار في فلكهم‪.‬‬
‫هذا إذا نظرنا إلى الشرق والغرب من الناحية الجغرافية‪ ،‬ولكن الهم والخطر من ذلك هو الشرق والغرب من الناحية الثقافية‬
‫والحضارية‪ ،‬وهي الناحية التي لجلها حدث الصراع‪ ،‬ووقعت الحروب طوال التاريخ‪ ،‬وإن كان أغلب ما دارت رحى الصراع‬
‫بين الغرب وبين الشرق الوسط )الكبير( كما يسمونه اليوم‪.‬‬
‫كانت قيادة عجلة الحضارة لقرون طويلة في يد الشرق‪ ،‬حين ظهور الحضارات الشرقية القديمة العريقة‪ :‬الفينيقية‬
‫والفرعونية والشورية البابلية والفارسية والهندية والصينية‪ ..‬وكان الشرق هو مصدر المعرفة والمدنية والصناعة والرقي‪.‬‬
‫ثم انتقلت العجلة إلى الغرب لعدة قرون‪ ،‬حين ظهرت فلسفة اليونان‪ ،‬ومدينة الرومان‪ ،‬وبرزت الدولة الرومانية‪ ،‬وغزت‬
‫أقطارا كثيرة من الشرق‪ ،‬وتركت أثارها في بلد شتى‪.‬‬
‫ثم عادت عجلة القيادة الحضارية إلى الشرق مرة أخرى على يد الحضارة العربية السلمية‪ ،‬التي قادت الدنيا بزمام الدين‪،‬‬
‫وأقامت مدنية العلم واليمان‪ ،‬وأنشأت حضارة ربانية إنسانية أخلقية عالمية‪ ،‬ظل العالم يتعلم منها‪ ،‬ويأخذ عنها حوالي‬
‫ثمانية قرون‪ ،‬وقد ظهر لها فرع في الغرب في الندلس أضاء نوره في أوربا‪ ،‬واقتبس منه الكثيرون من أبنائها‪.‬‬
‫ونام المسلمون‪ ،‬واستيقظ الغربيون‪ ،‬وتخلفوا وتقدم غيرهم‪ ،‬وكان ل بد لمن جد أن يجد‪ ،‬ولمن زرع أن يحصد‪ ،‬وأن يقبض‬
‫الغرب على زمام الحضارة‪ ،‬ويهيمن على العالم‪ ،‬بخبرته العلمية‪ ،‬وبقدرته القتصادية‪ ،‬وبقوته العسكرية‪ ،‬وبقينا نحن‬
‫معدودين في )العالم الثالث( أو في )البلد النامية( أو في بلد )الجنوب( العاجز المتخلف الفقير‪.‬‬
‫ومنذ ظهر السلم قدر له أن يصطدم بالغرب الذي كان يمثله هرقل إمبراطور الدولة الرومانية )البيزنطية( والذي أرسل إليه‬
‫سَواٍء َبْيَنَنا َوَبْيَنُكْم‬
‫ب َتَعاَلْوا ِإَلى َكِلَمٍة َ‬
‫الرسول الكريم رسالة يدعوه فيها إلى السلم‪ ،‬وختمها بالية الكريمة‪ُ :‬قْل َيا َأْهَل اْلِكَتا ِ‬
‫ن ]آل‬ ‫سِلُمو َ‬ ‫شَهُدوا ِبَأّنا ُم ْ‬
‫ل َفِإن َتَوّلْوا َفُقوُلوا ا ْ‬ ‫نا ِ‬ ‫ضا َأْرَباًبا ّمن ُدو ِ‬
‫ضَنا َبْع ً‬
‫خَذ َبْع ُ‬
‫شْيًئا َوَل َيّت ِ‬
‫ك ِبِه َ‬
‫شِر َ‬
‫ل َوَل ُن ْ‬
‫َأّل َنْعُبَد ِإّل ا َ‬
‫عمران‪.[64 :‬‬
‫ولم يستجب هرقل للدعوة‪ ،‬رغم إيمانه في قرارة نفسه بأحقيتها وصدق صاحبها‪ ،‬وصمم على المواجهة‪ ،‬وبدأ أتباعه بقتل‬
‫بعض الدعاة‪ ،‬وكان ل بد من الصدام‪ ،‬وإن كانت القوى العسكرية غير متكافئة‪ ،‬فكانت سرية مؤته‪ ،‬وكانت غزوة تبوك في‬
‫العهد النبوي‪.‬‬
‫وفي عهد أبي بكر استمرت المواجهة‪ ،‬وكانت موقعة )اليرموك( الشهيرة‪ ،‬وفتح بلد الشام وفلسطين‪ ،‬ثم مصر وشمال‬
‫أفريقيه‪ ،‬وهذه الفتوح والنتصارات كلها على حساب إمبراطورية الروم البيزنطية‪ ،‬وقد أصبحت هذه البلد جزءا أصيل‬
‫وعزيزا من قلب ديار السلم‪ ،‬وقد كانت من قبل نصرانية الديانة‪.‬‬
‫وكثيرا ما مّرت فترات طويلة من السلم والسكون والمهادنة بين الطرفين‪ ،‬ل يعكرها إل بعض المناوشات على الحدود‪.‬‬
‫ولكن الحدث الكبير الذي حّرك السواكن‪ ،‬وهاج الكوامن‪ ،‬وأثار الشجون‪ ،‬هو الحروب التي بدأها الغرب بحملت متتالية‬
‫للهجوم على الشرق السلمي‪ ،‬مستغلين ما أصاب أهله من فرقة وتشرذم‪ ،‬نتيجة لما أصابهم من جهل وغفلة‪ ،‬ومن انحراف‬
‫ديني‪ ،‬وفساد أخلقي‪ ،‬فكانت الحروب الشهيرة التي عرفت عند مؤرخي المسلمين باسم )حروب الفرنجة( وعند الغربيين‬
‫باسم )الحروب الصليبية(!‪.‬‬
‫وقد وقع من الغربيين في هذه الحروب من سفك الدماء‪ ،‬وهتك الحرمات‪ ،‬واستباحة المقدسات والمحرمات‪ ،‬ما يندي له‬
‫الجبين‪ ،‬وما تقشعر من ذكره الجلود‪ ،‬ول سيما في معركة الستيلء على بيت المقدس‪ ،‬التي جرت فيها الدماء للركب حقيقة‬
‫ل مجازا!!‬
‫وانتهت هذه الحروب المؤسفة بانتصار المسلمين في النهاية‪ ،‬واستردادهم بلدهم‪ ،‬ورد الغزاة الطغاة على أعقابهم‪،‬بعد‬
‫معارك حاسمة في حطين وفتح بيت المقدس ودمياط والمنصورة ‪ ،‬وغيرها‪ .‬وقد بقيت في النفوس مرارات ل تزول بسهولة‪.‬‬
‫ثم جاء عصر الستعمار‪ ،‬ودخل الغرب بلد السلم مرة أخرى‪ ،‬أخذا بثأره من نكسة الحروب الصليبية القديمة‪ ،‬فقال قائدهم‬
‫النكليزي )اللنبي( الذي دخل القدس سنة ‪1917‬م‪ :‬اليوم انتهت الحروب الصليبية! وقال القائد الفرنسي )غورو( أمام قبر‬
‫صلح الدين في دمشق‪ :‬ها قد عدنا يا صلح الدين!‬
‫وبدخول عصر الستعمار‪ ،‬عاد الصراع إلى أشده‪ ،‬فإن بلد السلم رفضت الستعمار‪ ،‬وقاومته كل بمفرده‪ ،‬وكان هذا سر‬
‫ضعفها‪ ،‬فلم تقابله كتلة واحدة‪ ،‬بل فرادى مبعثرين‪ ،‬مع حالة الضعف والعجز والخلل والتخلف التي كانت عليها المة‪ ،‬وأعتقد‬
‫أن حالة الضعف والعجز والخلل والتخلف هذه هي التي سماها مالك بن نبي )القابلية للستعمار( وإن كان في النفس من هذه‬
‫التسمية شيء؛ لنها توحي بقبول الستعمار والرضا عنه‪ ،‬والتهيؤ له‪ ،‬ول أحسب هذا مقبول ول صحيحا بحال‪ ،‬وإنما هو‬
‫الفساد والختلل الذي يمهد للغزو والحتلل‪ ،‬كما أشارت إلى ذلك أوائل سورة السراء‪ ،‬حين أفسد بنو إسرائيل في الرض‪،‬‬
‫فسلط ال عليهم من يجوس خلل ديارهم‪ ،‬ويتبروا ما علو تتبيرا‪.‬‬
‫لقد قاومت بلد السلم الستعمار‪ ،‬لما يفرضه عليها دينها – فرض عين‪ -‬من مقاومة الغزاة المحتلين بكل ما لديهم من قوة‪،‬‬
‫ولكن الستعمار كان له الغلبة وفق سنن ال‪ :‬أن ينتصر العلم على الجهل‪ ،‬والنظام على الفوضى‪ ،‬والقدرة على العجز‪،‬‬
‫والتحاد على التفرق‪ ،‬والتقدم على التخلف‪ ،‬والقوة على الضعف‪.‬‬
‫ولكن الهزيمة الولى لم تكسر الرادة نهائيا‪ ،‬فظلت المة تتربص وتنتهز الفرصة‪ ،‬وظل الرواد والبطال يوقظونها‪ ،‬ويعدونها‬
‫ظلت تحت الستعمار الفرنسي الستيطاني قرنا وثلثا‬ ‫لليوم الموعود‪ ،‬حتى تحررت من الستعمار‪ ،‬وكان آخرها الجزائر التي ّ‬
‫من الزمان‪ ،‬ثم عزمت على أن تتحرر‪ ،‬ودفعت الثمن غاليا‪ :‬مليونا أو أكثر من الشهداء‪ .‬وعادت الجزائر عربية مسلمة‪ ،‬بعد‬
‫أن أرادوا أن يفقدوها هويتها بالَفْرنسة‪ ،‬حتى تنسى دينها ولغتها‪ ،‬وحتى كانت النشودة الجزائرية الشعبية بعد التحرير‪:‬‬
‫يا محمد مبروك عليك! الجزائر رجعت إليك!‬
‫ولكن الستعمار قبل أن يرحل عن بلد المسلمين‪،‬لم يتركها سالمة‪ ،‬بل إنه زرع فيها أمرين خطيرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه زرع فيها شجرة شيطانية‪ ،‬ل تزال تنبت الشر والفساد‪ ،‬أل وهي إسرائيل‪ ،‬التي انتزعت من بين ضلوعنا قطعة من‬
‫لحمنا ودمنا‪ ،‬وغرست في صدورنا خنجرا ل زال جرحه يدمي‪ ،‬وأدخلت ضمن وطننا العربي المسلم‪ ،‬عدوا يتربص بنا‬
‫الدوائر‪ ،‬ويكيد لنا المكايد‪ ،‬ول يبني نفسه إل على أنقاضنا‪ ،‬ول يحيا إل بموتنا‪ ،‬ولينتصر إل بهزيمتنا‪ ،‬ول تقر له عين إل‬
‫بتركيعنا وتطويعنا و)تطبيعنا(!‬
‫والثاني ‪ :‬أنه حين دخل بلدنا لم يكن همه الستعمار العسكري وحده‪ ،‬كما فعل الصليبيون‪ ،‬بل خطط لنتصار ثقافي وتعليمي‬
‫وتشريعي اجتماعي‪ ،‬يغير به الن من داخلها‪ ،‬ونجح في ذلك إلى حد كبير‪ .‬ووجد من أبناء المسلمين دعاة صرحاء إلى تغريب‬
‫أمتهم والسير وراء الغرب شبرًا بشبر ‪ ،‬وذراعًا بذراع‪ .‬واطمئن الغرب عامة إلى أن غرسه لم يذهب سدى‪.‬‬
‫وفي وقت من الوقات‪ ،‬ظن الكثيرون‪ :‬أن رياح الطماع قد سكنت‪ ،‬وأن نيران الحقاد قد خمدت‪ ،‬وأن موجات المخاوف قد‬
‫ركدت‪ ،‬وأن العلقات يمكن أن تتوطد فل أطماع ول مخاوف ول أحقاد‪ ،‬وخصوصا بعد أن وّلى عصر الستعمار‪ ،‬ول سيما أن‬
‫الغرب احتاج إلى أبناء المسلمين ليعملوا عنده‪ ،‬ففتح باب الهجرة إليه‪ ،‬فهاجرت مليين من أبناء الشمال الفريقي‪،‬‬
‫وخصوصا إلى فرنسا‪ ،‬ومن أبناء تركيا‪ ،‬وخصوصا إلى ألمانيا‪ ،‬ومن أبناء الهند وباكستان‪ ،‬وخصوصا إلى بريطانيا‪.‬‬
‫كما احتاج المسلمون إلى الغرب ليأخذوا منه العلم في مختلف ميادينه‪ ،‬فأرسلوا اللوف‪ ،‬بل عشرات اللوف من أبنائهم في‬
‫كل اختصاص‪ ،‬ورأى الغرب أن يستفيد من ذلك فاجتذب إليه من هؤلء أذكاهم وأنبغهم‪ ،‬فاستبقاهم عنده‪ ،‬وحرمت منهم‬
‫ديارهم الصلية‪.‬‬
‫وشاء ال أن تقوم في بلد السلم صحوة إسلمية هائلة‪ ،‬لم يحسب أحد لها حسابا‪ ،‬وهذا من عجائب هذا الدين‪ ،‬وقد أشار‬
‫إلى ذلك )جب( في بعض كتبه بأنها تشبه )النفجار( الذي لم يتوقعه أحد‪ ،‬قامت بعد أن ضربت الحركات السلمية ضربات‬
‫وحشية موجعة‪ ،‬بل حسبها بعضهم قاتلة‪ ،‬ولكن رب ضارة نافعة‪ ،‬فقد نبهت هذه المحن الغافلين‪ ،‬وأيقظت النائمين‪ ،‬وحركت‬
‫الساكنين‪ ،‬وظهرت في كل بلد العرب والمسلمين صحوة شاملة‪ ،‬كانت صحوة عقول وأفكار‪ ،‬وكانت صحوة قلوب ومشاعر‪،‬‬
‫وكانت صحوة إرادات وعزائم‪ ،‬وكانت صحوة التزام وسلوك‪ ،‬وكانت صحوة أخلق وفضائل‪ ،‬وكانت صحوة نشاط وإبداع‪،‬‬
‫وكانت صحوة دعوة وجهاد‪.‬‬
‫برزت هذه الصحوة في بلد العرب‪ ،‬وفي العالم السلمي‪ ،‬وفي خارج العالم السلمي حيث يعيش المسلمون أقليات بين‬
‫ظهراني مجتمعات غير مسلمة‪.‬‬
‫وتجّلى أثر هذه الصحوة في كل صعيد؛ الصعيد الثقافي )المكتبة السلمية( والصعيد الجتماعي )الحجاب( والصعيد‬
‫القتصادي )البنوك السلمية( والصعيد الجهادي )أفغانستان وفلسطين( والصعيد السياسي )التنادي بتطبيق الشريعة(‬
‫والتنادي بـ)التضامن السلمي( طريقا إلى الوحدة السلمية‪.‬‬
‫وأزعجت هذه الصحوة الغرب عامة‪ ،‬وأمريكا خاصة‪ ،‬فرصدت مئات المليين‪ ،‬وجندت رجالها المدربين‪ ،‬واستعانت بالعملء‬
‫من بيننا والخائنين‪ ،‬لمحاصرة هذه الظاهرة السلمية التي فاجأت الجميع‪ ،‬بعد دراستها والحاطة بأسبابها ومحركاتها‬
‫وغاياتها‪ ،‬وعوامل قوتها وعوامل ضعفها‪.‬‬
‫وفي هذه الفترة سقط أحد القطبين العظيمين المتنافسين على سيادة العالم‪ :‬التحاد السوفيتي؛ وكان من أسباب سقوطه حرب‬
‫أفغانستان؛ التي ساهم المسلمون فيها بالنصيب الكبر‪ ،‬فقدموا خدمة مجانية للغرب‪ ،‬لم يقابلها بالعتراف والشكران‪ ،‬بل‬
‫قابلها بترشيح )السلم عدوا بديل( للتحاد السوفيتي‪.‬‬
‫و كتب المفكرون الستراتيجيون مثل‪ :‬فوكوياما و هانتنجتون وغيرهما ‪ ،‬محذرين من خطر الحضارة السلمية )الناشزة(‬
‫التي يصعب تطويعها ‪ ،‬و لسيما إذا اتفقت وتقاربت مع الحضارة الكوفوشيوسية )الصينية( ‪.‬‬
‫و بدأ التحذير من ) الخطر الخضر( يعنون) الخطر السلمي( الذي بالغوا في تضخيمه و تهديده للعالم ‪ ،‬بعد أن تقاربوا مع )‬
‫الخطر الصفر( أي الخطر الصيني‪ ،‬و بعد سقوط الخطر الحمر )الروسي( ‪.‬‬
‫و من النصاف أن نقول ‪ :‬أن بعض الكاديميين المنصفين ‪ ،‬رفضوا هذا التهويل‪ ،‬وأثبتوا أن السلم ليس خطرا مخوفا كما‬
‫يقال‪ .‬و من هؤلء البرفسور اسبوزيتو المعروف الذي كتب في ذلك كتابا ) الخطر السلمي ‪ :‬حقيقة أم أسطورة ؟ (‬
‫و كانت أمريكا تعد العدة لتقوم بأدوار جديدة في الشرق الوسط ‪ ،‬أو قل بصريح العبارة‪ :‬في بلد السلم‪ .‬فكانت حرب الخليج‬
‫صداما( للعتداء على إيران ‪ .‬ثم كانت حرب الخليج الثانية ‪ ،‬التي دفعت فيها )صّداما( أيضا بطريق‬
‫الولى ‪ ،‬التي دفعت بها ) ّ‬
‫خفي إلى غزو الكويت ‪.‬‬
‫و كان ذلك كله مقدمة لغزو العراق ‪ ،‬و الدخول العسكري إلى المنطقة ‪ ،‬و التحكم فيها بيد من حديد ‪ ،‬و محاولة تغييرها من‬
‫داخلها تغييرا جذريا ‪ ،‬تغييرا يشمل التعليم و الثقافة والعلم ‪ ،‬بحيث تتدخل أمريكا في كل شئ ‪ ،‬جهرة حينا ‪ ،‬و من وراء‬
‫ستار أحيانا ‪.‬‬
‫س أصابعها في‬
‫و لم تعد تحتاج إلى لبس القنعة التي تخفي وجوهها ‪ ،‬بل رأيناها بأعين رؤوسنا تعمل على المكشوف ‪ ،‬و تد ّ‬
‫كل شئ ‪ ،‬حتى في التعليم الدين ‪ ،‬تعليم العقائد و الفقه و التفسير و الحديث و غيرها ‪.‬‬
‫و كانت أحداث ‪ 11‬سبتمبر ‪2001‬م من أبرز السباب التي أعطت أمريكا المبرر لهذا التدخل السافر ‪ ،‬و إن كان العارفون‬
‫يعلمون أن هذه السياسة قد رسمت من قبل‪ ،‬و أن هناك وثائق و تقارير معروفه قد دّلت على ذلك بوضوح ‪.‬‬
‫شنت أمريكا حربا كونية كبرى على )الرهاب( فيما زعمت‪ ،‬و لكن الدلئل كلها تنطق بأن هذه الحرب إنما هي على السلم و‬
‫أمته و أوطانه ‪ ،‬بهدف الستيلء على كل مقدرات هذه المة ‪ ،‬و التمكين منها ‪ ،‬و الدخول إلى أعماقها ‪ ،‬و التحكم في‬
‫مسيرتها ‪ ،‬حتى تملي عليها كيف تفكر إذا فكرت ‪ ،‬و كيف تتكلم إذا تكلمت ‪ ،‬و كيف تعمل إذا عملت ‪ .‬فهي ترسم لها طريق‬
‫التفكير ‪ ،‬و طريق التدبير‪ ،‬وطريقة التنفيذ‪ ،‬بل تعلمها كيف تتدين ‪ ،‬وكيف تفهم دينها‪ ،‬و كيف تمارس الدين في حياتها ‪ ،‬بل‬
‫أعلنوا بصراحة أنهم يريدون أن يصوغوا للمسلمين دينهم من جديد‪ .‬أي صناعة ) إسلم أمريكاني ( بدل ) السلم القرآني (‬
‫أو )المحمدي(‪.‬‬
‫و لقد قال بوش في أول المر‪ :‬إن هذه الحرب حرب صليبية طويلة المد‪ ،‬ونبهه خبراؤه إلى خطورة هذه الكلمة‪ ،‬و مدى‬
‫أثرها على عقول المسلمين ونفوسهم‪ ،‬و ما لها من إيحاءات تاريخية ‪ ،‬فاعتذرعنها‪ ،‬وقال من قال‪ :‬إنها زلة لسان‪ ،‬و زلت‬
‫اللسان إنما تعبر عن مكنون نفس النسان‪.‬‬
‫و لقد قال سيدنا علي رضي ال عنه ‪ :‬غش القلوب يظهر على صفحات الوجوه‪ ،‬وفلتات اللسن! ثم تل قول ال تعالى‪َ :‬وَلْو‬
‫ن اْلَقْوِل ]محمد‪.[30:‬‬
‫حِ‬‫سيَماُهْم َوَلَتْعِرَفّنُهْم ِفي َل ْ‬
‫شاُء َلَرْيَناَكُهْم َفَلَعَرْفَتُهم ِب ِ‬
‫َن َ‬
‫شّنت حملة إعلمية ضخمة على السلم ‪ ،‬بجوار الحملة العسكرية ‪ ،‬واعتبر السلم مصدر‬ ‫بعد الحادي عشر من سبتمبر ُ‬
‫الرهاب والعنف في العالم‪ .‬وأصبح المسلمون يواجهون أسئلة شّتى من الغربيين في كل مكان‪ ،‬تكيل التهم للسلم و لكتابه و‬
‫ل جزافا‪.‬‬
‫نبيه و شريعته و حضارته و تاريخه و أمته‪ ،‬كي ً‬
‫ي ‪-‬بصفة خاصة‪ -‬عشرات من هذه السئلة من هنا وهناك‪ ،‬من المخلصين من المسلمين يطلبون الجابة عنها ‪،‬‬‫ووجهت إل ّ‬
‫بدل أن يرد على هذه السئلة العاجزون الذين يسيئون بإجابتهم أكثر مما يحسنون‪.‬‬
‫جاءتني أسئلة من رئيس البنك السلمي للتنمية د‪ .‬أحمد محمد علي ‪ ،‬وجاءتني أسئلة من بعض الخوة الذين يعيشون في‬
‫الغرب ‪ ،‬و منهم إخواننا في )ائتلف الخير( من لندن وجاءتني أسئلة من بعض الصحف العربية‪ .‬و حاورت بعض الصحفيين‬
‫من أمريكا وإنجلترا وألمانيا‪.‬‬
‫و رأيت أن أجمع ذلك كله بعضه إلى بعض لقدمه للقارئ الكريم ‪ ،‬ليعرف عن بينة‪ :‬موقفنا من الغرب و موقف الغرب منا ‪،‬‬
‫عن َبّيَنٍة‪ .‬وَما‬
‫حيّ َ‬
‫ن َ‬
‫حَيى َم ْ‬
‫عن َبّيَنٍة َوَي ْ‬
‫ك َ‬
‫ن َهَل َ‬
‫ك َم ْ‬‫على ضوء ُهَدى القرآن ‪ ،‬وَهْدي السنة ‪ ،‬وتوجهات هذا الدين العظيم ‪ّ ،‬لَيهِْل َ‬
‫ب‪.‬‬
‫ت َوِإَلْيِه ُأِني ُ‬
‫عَلْيِه َتَوّكْل ُ‬
‫ل َ‬
‫َتْوِفيِقي ِإّل ِبا ِ‬
‫الدوحة في‪:‬‬
‫‪ 15‬جمادى الولى ‪1426‬هـ = ‪2/6/2005‬م‬
‫الفقير إلى عفو ربه‬
‫يوسف القرضاوي‬

‫موقفنا من بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر‬ ‫)‪(1‬‬

‫تمهيد‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة‬
‫الحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم على رسول الله‪ ،‬وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه‪.‬‬
‫)وبعد(‬
‫لقد فوجئنا وفوجئ العالم كله معنا بهجوم بابا الفاتيكان بنديكت السادس‬
‫عشر في محاضرته التي ألقاها في جامعة )غوتيسبيرج( في ولية بافاريا بجنوب‬
‫ألمانيا‪ ،‬دون أن يكون هناك أدنى مبرر لهذا الهجوم‪ .‬فلم يكن هناك أي توثر بين‬
‫البابا وأي فئة من المسلمين‪ ،‬ول وجد باعث يدعو إلى رمي هذه القذائف‪ ،‬إل أن‬
‫يكون البابا قد أراد أن يهدي إلى الرئيس المريكي بوش – ومعه اليمين المسيحي‬
‫المتصهين‪ -‬هدية تشد أزره في محاربة السلم تحت عنوان محاربة الرهاب‪ .‬فأراد‬
‫البابا أن يمنحه غطاء دينيا – وإن كان كاتوليكيا – يسنده ويبرر تصرفاته في العراق‬
‫وغيرها‪ ،‬ما دام يحارب السلم الذي يحمل بذور العنف في تعاليمه‪ ،‬والذي لم يجئ‬
‫نبيه إل بالشياء الشريرة‪ ،‬واللإنسانية‪ ،‬ومنها نشر دينه بالسيف‪.‬‬
‫كما اتهم البابا السلم بأنه بفرضه الجهاد – أو الحرب المقدسة كما سماها–‬
‫ينافي العقل‪ ،‬كما ينافي الطبيعة اللهية‪.‬‬
‫وزعم البابا أن المشيئة اللهية عند المسلمين ل يحدها شيء‪ ،‬ول يقيدها‬
‫شيء‪ ،‬ول تأبى نوع من المعقولية‪.‬‬
‫واتكأ البابا على فقرة نقلها من كتاب للمبراطور البيزنطي‪ :‬مانويل الثاني‬
‫الذي نشره رجل الدين اللماني اللبناني الصل تيودور خوري‪ :‬حوارات مع مسلم‪،‬‬
‫وهي فقرة مسفة غاية السفاف‪ ،‬تتسم بالجهل الفاضح‪ ،‬والتحامل الواضح على‬
‫السلم‪.‬‬
‫وحين أظهر العالم السلمي غضبه على هذه الكلمات المسيئة‪ ،‬زعم البابا أنه‬
‫ناقل‪ ،‬وكما يقول علماؤنا‪ :‬ناقل الكفر ليس بكافر‪ .‬ولكنه نقل هذا الكلم‬
‫مستشهدا به‪ ،‬ولهذا لم يرد عليه‪.‬‬
‫من هنا كان علينا أن نرد على الكلمات البذيئة التي أسائت إلى عقيدة السلم‪،‬‬
‫‪ ،‬وإلى كتاب السلم‪ ،‬وإلى حضارة‬ ‫وإلى شريعة السلم‪ ،‬وإلى نبي السلم‬
‫السلم‪ ،‬وإلى أمة السلم‪.‬‬
‫وسيكون ردنا ردا علميا موضوعيا موثقا بالدلة القاطعة من نصوص السلم‬
‫ومن تاريخ أمته ليهلك من هلك عن بينة‪ ،‬ويحيا من حيي عن بينة‪.‬‬
‫ل ننكر أن في كلمة البابا في جامعة غوتنبورغ بعض الجوانب اليجابية ل بد أن‬
‫ننوه بها‪ ،‬إحقاقا للحق‪ ،‬وإنصافا للرجل‪ ،‬وقد علم السلم المسلم‪ :‬أنه إذا غضب‬
‫لم يخرجه غضبه عن الحق‪ ،‬وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل‪ ،‬وقد قال تعالى‬
‫داء ِبال ْ ِ‬ ‫َ‬
‫م‬‫من ّك ُ ْ‬
‫ر َ‬ ‫ول َ ي َ ْ‬
‫ج ِ‬ ‫ط َ‬‫س ِ‬
‫ق ْ‬ ‫ه َ‬ ‫ه ُ‬
‫ش َ‬ ‫ن ل ِل ّ ِ‬‫مي َ‬‫وا ِ‬
‫ق ّ‬‫كوُنوا ْ َ‬‫مُنوا ْ ُ‬
‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫في كتابه‪َ :‬يا أي ّ َ‬
‫وى ]المائدة‪.[8:‬‬ ‫ق َ‬ ‫ب ِللت ّ ْ‬‫قَر ُ‬ ‫و أَ ْ‬ ‫دُلوا ْ ُ‬
‫ه َ‬ ‫دُلوا ْ ا ْ‬
‫ع ِ‬ ‫ع ِ‬
‫َ‬
‫عَلى أل ّ ت َ ْ‬ ‫وم ٍ َ‬ ‫ن َ‬
‫ق ْ‬ ‫َ‬
‫شَنآ ُ‬
‫فقد أكد البابا على ضرورة تعميق أطر الحوار بين العالمين المسيحي‬
‫والسلمي‪ ،‬معتبرا أن العالم الغربي‪ ،‬قد فقد العتقاد بالله في خضم النفعية‬
‫العملية )وأزيد على هذا‪ :‬في خضم المادية الحسية‪ ،‬الباحية البهيمية(‬
‫كما دعا البابا‪ :‬الرئيس اللماني)هورسف كولر( إلى ضرورة أن تعمل الدولة‬
‫اللمانية على تحقيق اندماج أفضل للمسلمين المقيمين داخلها‪ ،‬محذرا من‬
‫الفراط في التعقيدات تجاه أبناء القلية المسلمة‪.‬‬
‫فهذا ل يسعفنا إل أن نقدره للبابا ونشكره عليه‪ .‬وقد علمنا ديننا‪ :‬أنه ل يشكر‬
‫الله من ل يشكر الناس‪.‬‬
‫كما نقدر للبابا موقفه المحافظ من التيارات الباحية المنتشرة في الغرب‬
‫اليوم‪ ،‬والتي باركتها – للسف – بعض الكنائس‪ ،‬مثل الزواج المثلي‪ ،‬وإباحة‬
‫الجهاض بإطلق‪ ،‬ونزع أيدي الوالدين من تربية أولدهما‪ ،‬وهو ما وقف فيه الزهر‬
‫والجهات السلمية المختلفة مع الفاتيكان في موقف واحد‪ ،‬ضد هذه التجاهات‬
‫المنحرفة‪ ،‬وذلك في مؤتمر السكان في القاهرة ‪1994‬م‪.‬‬
‫وإلى القارئ الكريم بياننا الناصع حول هذا الموضوع‪.‬‬
‫والله يقول الحق وهو يهدي السبيل‬

‫الفقير إلى عفو ربه‬ ‫رمضان ‪1427‬هـ‬ ‫الدوحة في‪:‬‬
‫يوسف القرضاوي‬ ‫سبتمبر ‪2006‬م‬

‫السلم والحرب بين شريعة القرآن وشريعة التوراة‬
‫السلم والحرب‬
‫بين شريعة القرآن وشريعة التوراة‬
‫لقد كان أول ما شغل البابا‪ [1]1‬من أمر السلم ‪-‬وهو الذي بنى عليه محاضرته‪-‬‬

‫‪ -[1]1‬ومنهم بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر في محاضرته بجامعة راتيسبون بألمانيا الثلثاء‬
‫‪ 19‬شعبان ‪1427‬هـ الموافق ‪ 12‬سبتمبر )أيلول( ‪2006‬م‪ ،‬التي نقل فيها عن المبراطور البيزنطي‬
‫مانويل الثاني في كتابه‪) :‬حوارات مع مسلم – المحاورة السابعة( واتهم فيها السلم بأنه ما جاء‬
‫إل بالشياء الشريرة‪ ،‬وأنه انتشر بالسيف‪ ،‬وأنه مجاف للعقل ‪ ...‬إلخ‪ ،‬فما يقول البابا بنديكت فيما‬
‫سنعرض من نصوص من التوراه‪ :‬هل ينكرها؟ كيف وهو يؤمن بقول المسيح‪ :‬ما جئت لنقض‬
‫الناموس )التوراة(؟ وبعدها أين يجد البابا )العنف حقا(؟ أيجده في نصوص التوراة التي جاء بها‬
‫موسى في زعمهم‪ ،‬أم يجده في نصوص القرآن؟‬
‫هو )العنف( الذي يظهر أنه يحسبه من طبيعة السلم‪ ،‬لماذا؟‬
‫لمور ثلثة‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن العقيدة السلمية نفسها ل ترفض العنف‪ ،‬لن الله يمكن أن يشاء‬
‫أي شيء‪ ،‬ولو كان يجافيه العقل‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن السلم فرض على أتباعه الجهاد‪ ،‬وهو لون من استخدام العنف في‬
‫مواجهة العداء‪ ،‬وليس كالمسيحية التي تقول‪ :‬من ضربك على خدك اليمن فأدر‬
‫له خدك اليسر!‬
‫الثالث‪ :‬أن السلم ل يرفض أن يدخل فيه كرها‪ ،‬تحت بارقة السيف‪ ،‬ولهذا أمر‬
‫ن ]البقرة‪ ،[256:‬فقد كانت‬ ‫دي ِ‬ ‫محمد بنشر دينه بالسيف‪ ،‬أما آية‪ :‬ل إ ِك َْراهَ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫حين كان محمد ضعيفا‪ ،‬وتحت سلطان غيره من المشركين‪.‬‬
‫وهذه المور وغيرها من الشبهات التي تثار دائما ‪-‬وخصوصا من الغربيين‪-‬‬
‫لتشويه صورة السلم‪ ،‬وإظهاره بأنه دين العنف والحرب‪ ،‬وأنه عدو السلم‪ ،‬وأنه‬
‫طش للدماء‪ ،‬وأحب شيء إلى أبنائه قتل البشر وإكراههم على الدخول في‬ ‫يتع ّ‬
‫السلم‪.[2]2‬‬
‫وهذه كلها أباطيل تكذبها الحقائق العلمية التي ل ريب فيها‪ ،‬وسنرد عليها‬
‫جميعا في الصفحات التالية‪.‬‬
‫وهذه ‪-‬والله‪ -‬فرية ما فيها مرية‪ ،‬وكذب صريح على هذا الدين المظلوم‬
‫المفترى عليه‪.‬‬

‫السلم في شريعة القرآن‬

‫غب في السلم‪ ،‬ويحرص عليه‪،‬‬
‫ومن اللزم هنا‪ :‬أن نبّين أن السلم ‪-‬على خلف ما يتصّوره أو يصّوره بعض الناس‪ -‬ير ّ‬
‫ويدعو إليه‪ ،‬ويعتبره هدفا أصيل لدعوته‪ ،‬كما يتجلى ذلك في تعاليمه وأحكامه وآدابه‪.‬‬

‫وهو أيضا يكره الحرب‪ ،‬وينفر منها‪ ،‬ويحرص على أن يتفاداها ما استطاع‪ ،‬وإذا وقعت حاول أن يضّيق دائرتها‪ ،‬وأن يقّلل‬
‫خسائرها‪ ،‬ويخّفف من آثارها‪ ،‬ما وجد إلى ذلك سبيل‪.‬‬

‫السلم والسلم من مادة واحدة‪:‬‬

‫ن آَمُنوا‬‫فالسلم والسلم ‪-‬أو السلم‪ -‬من الناحية اللغوية مشتقان من مادة واحدة‪ ،‬هي‪) :‬س ل م(‪ ،‬وقد قال تعالى‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫سْلِم في الية بـ‬ ‫ن ]البقرة‪ ،[208:‬وقد فسرت كلمة ال ّ‬
‫عُدّو ُمِبي ٌ‬
‫ن ِإّنُه َلُكْم َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬‫سْلِم َكاّفًة َول َتّتِبُعوا ُ‬
‫خُلوا ِفي ال ّ‬
‫اْد ُ‬
‫)السلم( المقابل للحرب‪ ،‬كما يفيده ظاهرها‪ ،‬وبهذا تكون الية دعوة للمؤمنين أن يدخلوا في السلم جميعا‪ ،‬ول يعرضوا‬
‫ي ادخلوا في شَُعب السلم كافة‪ :‬عقائده وعباداته وأخلقياته‬ ‫سْلِم بـ)السلم( أ ْ‬ ‫عنه إذا ُدعوا إليه‪ .‬وفسرت أيضا كلمة ال ّ‬
‫وتشريعاته‪ ،‬فتدخلوا بذلك في السلم الحقيقي‪ ،‬السلم مع أنفسكم‪ ،‬ومع ُأسركم‪ ،‬ومع مجتمعاتكم‪ ،‬ومع الناس كافة‪.‬‬

‫‪ -[2]2‬ومنهم بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر في محاضرته بجامعة راتيسبون بألمانيا الثلثاء‬
‫‪ 19‬شعبان ‪1427‬هـ الموافق ‪ 12‬سبتمبر )أيلول( ‪2006‬م‪ ،‬التي نقل فيها عن المبراطور البيزنطي‬
‫مانويل الثاني في كتابه‪) :‬حوارات مع مسلم – المحاورة السابعة( واتهم فيها السلم بأنه ما جاء‬
‫إل بالشياء الشريرة‪ ،‬وأنه انتشر بالسيف‪ ،‬وأنه مجاف للعقل ‪ ...‬إلخ‪ ،‬فما يقول البابا بنديكت فيما‬
‫سنعرض من نصوص من التوراه‪ :‬هل ينكرها؟ كيف وهو يؤمن بقول المسيح‪ :‬ما جئت لنقض‬
‫الناموس )التوراة(؟ وبعدها أين يجد البابا )العنف حقا(؟ أيجده في نصوص التوراة التي جاء بها‬
‫موسى في زعمهم‪ ،‬أم يجده في نصوص القرآن؟‬
‫إشاعة كلمة السلم في المجتمع وجعله تحية السلم‪:‬‬

‫ومن روائع التوجيه والتربية هنا‪ :‬أن السلم ُيحّبب إلى المسلم كلمة السلم‪ ،‬ومفهوم السلم بأساليب شتى‪ ،‬ل توجد في دين‬
‫آخر‪ ،‬أو أيديولوجية أخرى‪.‬‬

‫سَماُء‬
‫لْ‬‫ل ا َْ‬
‫فالسلم من أسماء ال تعالى الحسنى‪ ،‬التي يدعو المسلم ربه بها‪ ،‬ويتقرب إلى ال بذكرها‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬و ِّ‬
‫عوُه ِبَها ]العراف‪.[180:‬‬
‫سَنى َفاْد ُ‬
‫حْ‬‫اْل ُ‬

‫سلمُ ]الحشر‪.[23:‬‬
‫س ال ّ‬
‫ك اْلُقّدو ُ‬
‫ل ُهَو اْلَمِل ُ‬
‫ل اّلِذي ل ِإَلَه ِإ ّ‬
‫والمسلم يقرأ في القرآن‪ُ :‬هَو ا ُّ‬

‫والمسلمون هم المة الوحيدة التي يوجد فيها اسم )عبد السلم( أي عبد ال‪.‬‬

‫عْنَد‬
‫سلِم ِ‬
‫والجنة التي يتوق إليها كل مؤمن‪ ،‬ويعمل حثيثا ليكون من أهلها‪ ،‬تسمى )دار السلم(‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬لُهْم َداُر ال ّ‬
‫ن ]النعام‪.[127:‬‬ ‫َرّبِهْم َوُهَو َوِلّيُهْم ِبَما َكاُنوا َيْعَمُلو َ‬

‫سلٌم ]الحزاب‪،[44:‬‬ ‫حّيُتُهْم َيْوَم َيْلَقْوَنُه َ‬
‫وأكثر ما يسمع في هذه الجنة كلمة السلم‪ ،‬فهي تحية المؤمنين في الخرة‪َ :‬ت ِ‬
‫سلمًا‬
‫سلمًا َ‬
‫ل َ‬
‫ل ِقي ً‬
‫سَمُعونَ ِفيَها َلْغوًا َول َتْأِثيمًا * ِإ ّ‬
‫سلٌم ]يونس‪ ،[10:‬ل َي ْ‬
‫حّيُتُهْم ِفيَها َ‬
‫ك الّلُهّم َوَت ِ‬
‫حاَن َ‬
‫سْب َ‬
‫عَواُهْم ِفيَها ُ‬
‫َد ْ‬
‫]الواقعة‪.[25،26:‬‬

‫وكما أن السلم تحية المؤمنين في الخرة‪ ،‬فهو تحيتهم في الدنيا‪ :‬السلم عليكم ورحمة ال وبركاته‪ .‬و)إفشاء السلم( من‬
‫أفضل خصال السلم‪ .‬وقد جاء في جملة أحاديث‪" :‬أفشوا السلم"]‪[1‬‬

‫المسلم ل يتمنى الحرب ويسأل ال العافية‪:‬‬

‫والمسلم إذا جلس في صلته للتشهد‪ :‬يلقي السلم على نبيه محمد ‪ ،‬وعلى نفسه وأمته‪" :‬السلم عليك أيها النبي ورحمة ال‬
‫وبركاته‪ .‬السلم علينا وعلى عباد ال الصالحين"]‪ .[2‬ثم يخرج من الصلة‪ :‬بإلقاء تحية السلم عن يمينه وعن يساره‪ ،‬إيذانا‬
‫بأنه كان في الصلة في حالة سلم‪ ،‬فإذا انصرف من الصلة استقبل الناس والحياة من حوله بالسلم‪ .‬فهو سلم في عبادته‪،‬‬
‫سلم في معاملته‪.‬‬

‫والمسلم ل يتمنى الحرب ول يحرص عليها لذاتها‪ ،‬بل يتمنى السلم والعافية‪ ،‬ولكن إذا فرضت عليه الحرب في سبيل ال‬
‫خاضها بقوة وجسارة وصبر‪ُ ،‬موقنا أن له إحدى الحسنيين‪ :‬النصر أو الشهادة‪.‬‬

‫خْيٌر َلُكْم ]البقرة‪.[216:‬‬
‫شْيئًا َوُهَو َ‬
‫ن َتْكَرُهوا َ‬
‫سى َأ ْ‬
‫عَ‬‫ل َوُهَو ُكْرٌه َلُكْم َو َ‬
‫عَلْيُكُم اْلِقَتا ُ‬
‫ب َ‬
‫يقول تعالى‪ُ :‬كِت َ‬

‫ويقول النبي فيما رواه عنه عبد ال بن أبي أوفى‪" :‬ل تتمنوا لقاء العدو‪ ،‬وسلوا ال العافية‪ ،‬فإذا لقيتموه فاصبروا‪ ،‬واعلموا‬
‫ل‪:‬‬
‫ن اْلِقَتا َ‬
‫ل اْلُمْؤِمِني َ‬
‫أن الجنة تحت ظلل السيوف"]‪َ .[3‬وَكَفى ا ُّ‬

‫والقرآنُيعّقب على غزوة الحزاب‪ ،‬التي هاجمت جموع المشركين فيها من قريش وغطفان وأحابيشهما‪ :‬الرسول‬
‫عقر دارهم بالمدينة بأعداد هائلة‪ ،‬يبتغون إبادتهم وتصفيتهم جسديا وماديا‪ ،‬حتى ل تبقى لهم باقية‪ .‬لول‬ ‫والمؤمنين معه في ُ‬
‫أن عين ال لم تغفل عن النبي وأصحابه‪ ،‬ويده سبحانه لم تتركهم وحدهم‪ ،‬ول سيما أن يهود بني قريظة انضموا إلى‬
‫ن آَمُنوا اْذُكُروا ِنْعَمَة‬‫المهاجمين‪ ،‬ونقضوا عهد الرسول في أحلك الوقات وأحوجها إلى مساعدتهم‪ :‬قال تعالى‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ن َفْوِقُكْم َوِم ْ‬
‫ن‬ ‫جاُءوُكْم ِم ْ‬‫صيرًا * ِإْذ َ‬ ‫ن َب ِ‬ ‫ل ِبَما َتْعَمُلو َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫جُنودًا َلْم َتَرْوَها َوَكا َ‬‫عَلْيِهْم ِريحًا َو ُ‬
‫سْلَنا َ‬‫جُنوٌد َفَأْر َ‬‫جاَءْتُكْم ُ‬
‫عَلْيُكْم ِإْذ َ‬
‫ل َ‬ ‫ا ِّ‬
‫شِديدًا‬‫ل َ‬ ‫ن َوُزْلِزُلوا ِزْلَزا ً‬
‫ي اْلُمْؤِمُنو َ‬ ‫ك اْبُتِل َ‬
‫ظُنوَنا * ُهَناِل َ‬ ‫ل ال ّ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ظّنو َ‬
‫جَر َوَت ُ‬ ‫حَنا ِ‬
‫ب اْل َ‬
‫ت اْلُقُلو ُ‬
‫صاُر َوَبَلَغ ِ‬‫لْب َ‬ ‫ت ا َْ‬
‫غ ِ‬‫ل ِمْنُكْم َوِإْذ َزا َ‬
‫سَف َ‬‫َأ ْ‬
‫]الحزاب‪.[11-9:‬‬

‫خْيرًا َوَكَفى ا ُّ‬
‫ل‬ ‫ظِهْم َلْم َيَناُلوا َ‬
‫ن َكَفُروا ِبَغْي ِ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫والمقصود هنا‪ :‬ما عقب به القرآن على هذه الغزوة حين قال‪َ :‬وَرّد ا ُّ‬
‫ل ]الحزاب‪.[25:‬‬ ‫ن اْلِقَتا َ‬
‫اْلُمْؤِمِني َ‬

‫ل‪ ،‬يذكرها تعالى في معرض النعام والمتنان على النبي‬ ‫ن اْلِقَتا َ‬
‫ل اْلُمْؤِمِني َ‬
‫فانظر إلى هذه الكلمة الُمعّبرة‪َ :‬وَكَفى ا ُّ‬
‫والمؤمنين‪ :‬أن المعركة انتهت بغير قتال‪ ،‬وبغير دماء‪ ،‬فقد كفى ال المؤمنين القتال‪ .‬وهي نعمة جليلة تستحق الشكر ل‬
‫ن يتعطش للقتال‪ ،‬وإراقة الدماء‪.‬‬ ‫تعالى‪ .‬ول يتصور أن يقول هذا دي ٌ‬
‫القرآن يسمي صلح الحديبية َفْتحًا ُمِبينًا‪:‬‬

‫وفي غزوة الحديبية التي بايع الصحابة فيها رسول ال ‪ ،‬على الموت‪ ،‬أي القتال حتى الموت‪ ،‬وعدم الستسلم بحال‪ ،‬ثم‬
‫شاء ال تعالى أن يتفاوض المسلمون والمشركون‪ ،‬وأن ينتهوا إلى الصلح المعروف بـ)صلح الحديبية( والذي يتضمن هدنة‬
‫مدتها عشر سنوات‪ُ ،‬تغمد فيها السيوف‪ ،‬ويكف كل فريق يده عن الخر‪ :‬ينزل هنا قرآن ُيتلى‪ ،‬يسمي هذه الهدنة أو هذا‬
‫ك َفْتحًا ُمِبينًا ]الفتح‪ ،[1:‬ويسأل‬
‫حَنا َل َ‬
‫الصلح‪َ :‬فْتحًا ُمِبينًا‪ ،‬وتنزل في ذلك سورة تسمى سورة )الفتح( تبدأ بقوله تعالى‪ِ :‬إّنا َفَت ْ‬
‫أحد الصحابة رسول ال ‪ :‬أفتح هو يا رسول ال؟ فيقول‪" :‬نعم هو فتح"]‪ .[4‬استبعدوا أن يكون فتح بغير حرب‪ ،‬ولكن ال‬
‫ن به على رسوله ‪ ،‬وأنزل في ذلك سورة سميت )سورة الفتح(‪.‬‬ ‫تعالى سّماه فتحا‪ ،‬بل فتحا مبينا‪ ،‬وامت ّ‬

‫عَلْيِهْم ]الفتح‪:‬‬
‫ظَفَرُكْم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن َبْعِد َأ ْ‬‫ن َمّكَة ِم ْ‬
‫طِ‬‫عْنُهْم ِبَب ْ‬
‫عْنُكْم َوَأْيِدَيُكْم َ‬
‫ف َأْيِدَيُهْم َ‬
‫وقال تعالى في هذه السورة ُممتّنا‪َ :‬وُهَو اّلِذي َك ّ‬
‫‪ ،[24‬فهو هنا ل يمتن بكف أيدي المشركين عن المؤمنين فقط‪ ،‬بل يمتن أيضا بكف أيدي المؤمنين عن المشركين أيضا‪:‬‬
‫ن َمّكَة‪ ،‬فهذا هو التعبير الحقيقي عن حب السلم الذي يسود الطرفين معا‪.‬‬ ‫طِ‬‫عْنُهْم ِبَب ْ‬
‫َوَأْيِدَيُكْم َ‬

‫وإذا اضطر المسلمون أن يخوضوا معركة فرضت عليهم‪ ،‬فإنهم مأمورون أن ُيقّللوا من خسائرها البشرية والمادية ما‬
‫أمكنهم‪ ،‬فل يقتلون إل َمن يقاتل‪ :‬ل يقتلون امرأة ول طفل‪ ،‬ول شيخا فانيا‪ ،‬ول راهبا ول فلحا ول تاجرا‪ ،‬إنما يقتلون َمن‬
‫يقاتل فحسب‪ .‬كما أنهم ل يقطعون شجرا‪ ،‬ول يهدمون بناء‪ ،‬ول يفسدون في الرض‪ ،‬ول يقومون إل بما تقتضيه ضرورة‬
‫الحرب‪ ،‬وللضرورات أحكامها‪ ،‬وهي تقدر بقدرها‪ .‬فقد قّيد القرآن ارتكاب الضرورة بعدم البغي والعدوان‪ ،‬حين قال بعد‬
‫حيٌم‬
‫غُفوٌر َر ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫عَلْيِه ِإ ّ‬
‫عاٍد َفل ِإْثَم َ‬
‫غ َول َ‬
‫غْيَر َبا ٍ‬
‫طّر َ‬
‫ضُ‬‫نا ْ‬
‫تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ال‪َ :‬فَم ِ‬
‫]البقرة‪.[173:‬‬

‫الجنوح للسلم إذا جنح العدو إليها‪:‬‬

‫عوا لها‪ ،‬ولو بعد وقوع الحرب‪ ،‬واشتعال وقودها‪ ،‬يقول‬ ‫ومع هذا كله‪ ،‬يأمر القرآن المسلمين أن يستجيبوا لدعوة السلم إذا ُد ُ‬
‫ل ُهَو اّلِذي‬
‫ك ا ُّ‬
‫سَب َ‬
‫حْ‬
‫ن َ‬
‫ك َفِإ ّ‬
‫عو َ‬
‫خَد ُ‬
‫ن َي ْ‬
‫ن ُيِريُدوا َأ ْ‬
‫سِميُع اْلَعِليُم * َوِإ ْ‬
‫ل ِإّنُه ُهَو ال ّ‬
‫عَلى ا ِّ‬
‫ل َ‬‫ح َلَها َوَتَوّك ْ‬
‫جَن ْ‬
‫سْلِم َفا ْ‬
‫حوا ِلل ّ‬‫جَن ُ‬‫ن َ‬ ‫تعالى‪َ :‬وِإ ْ‬
‫ن ]النفال‪.[62،61:‬‬ ‫صِرِه َوِباْلُمْؤِمِني َ‬‫ك ِبَن ْ‬
‫َأّيَد َ‬

‫حتى مع احتمال إرادة الخداع منهم‪ ،‬ل ينبغي أن ُترفض دعوة السلم بإطلق‪ ،‬وإنما يجب أن نجنح لها كما جنحوا‪ .‬على أن‬
‫يتم ذلك بشروطه وضوابطه الشرعية‪.‬‬

‫فليس من الجنوح للسلم بحال‪ :‬أن تغتصب أرضي بالسيف‪ ،‬ثم تفاوضني على أن أترك لك بالصلح ما أخذته مني بالسيف‪،‬‬
‫وتسّمي ذلك جنوحا للسلم‪ ،‬فهذا أبعد ما يكون عن الجنوح للسلم‪ ،‬كما يفعل ذلك الصهاينة اليوم]‪ ![5‬والشرط أن يتوافر من‬
‫العدو الجنوح للسلم‪ ،‬وأن تظهر دلئل ذلك في مواقفه‪.‬‬

‫وهذا ما طبقه الرسول بالفعل‪ ،‬حين جنحت قريش إلى السلم يوم الحديبية‪ ،‬ولم يكن ذلك عن ضعف منه‪ ،‬ول تقاعس من‬
‫أصحابه‪ ،‬فقد بايعوه على الموت‪ ،‬ولكنه جنح للسلم‪ ،‬حين لمس من خصومه الجنوح إليها‪ ،‬فكان الصلح الشهير‪ ،‬والصلح‬
‫خير‪ .‬وقد تحقق من ورائه خير كثير لدعوة السلم‪ ،‬ودخل الكثيرون من القرشيين في دين ال‪ ،‬من أمثال خالد بن الوليد‬
‫وعمرو بن العاص‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬

‫كراهة التسمية بـ)حرب(‪:‬‬

‫ومن دلئل حرص السلم على السلم‪ ،‬ونفوره من الحرب‪ :‬هذا الحديث النبوي الذي يقول‪" :‬أحب السماء إلى ال‪ :‬عبد ال‬
‫وعبد الرحمن‪ ،‬وأصدق السماء‪ :‬حارث وهمام‪ ،‬وأقبح السماء‪ :‬حرب ومرة"]‪.[6‬‬

‫حتى لفظة )حرب( من المفردات التي يكره السلم تكرارها على ألسنة الناس‪ ،‬ولهذا يكرهها محمد ‪ ،‬ويراها أقبح اسم‬
‫ُيسّمى به إنسان‪ ،‬وقد كان العرب في الجاهلية يسمون أبناءهم بـ)حرب( مثل حرب بن أمية‪ ،‬والد )أبي سفيان بن حرب(‬
‫وغيره‪.‬‬

‫حٍة]‪) [7‬ناقة( ُتحلب‪َ" :‬من يحلب هذه؟"‪.‬‬
‫وروى المام مالك في )الموطأ( عن يحيى بن سعيد –مرسل‪ -‬أن رسول ال قال ِلَلْق َ‬
‫فقام رجل فقال‪" :‬ما اسمك؟"‪ .‬قال‪ :‬مّرة‪ ،‬قال‪" :‬اجلس"‪ .‬ثم قال‪َ" :‬من يحلب هذه؟"‪ .‬فقام رجل‪ ،‬فقال‪" :‬ما اسمك؟"‪ .‬قال‪:‬‬
‫حرب‪ .‬قال‪" :‬اجلس"‪ .‬ثم قال‪َ" :‬من يحلب هذه؟"‪ .‬فقام رجل‪ ،‬فقال‪" :‬ما اسمك؟"‪ .‬قال‪ :‬يعيش! فقال له رسول ال ‪" :‬احلب"]‬
‫‪.[8‬‬

‫وروى المام أحمد في مسنده‪ ،‬وروى البخاري في الدب المفرد‪ ،‬وغيرهما عن على رضي ال عنه قال‪ :‬لما ولد الحسن‬
‫سّميُته حربا‪ ،‬فجاء رسول ال فقال‪" :‬أروني ابني ما سّميتموه؟"‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬حربا‪ .‬قال‪" :‬بل هو حسن"‪ .‬فلما ولد الحسين‬
‫سّميُته حربا‪ ،‬فجاء رسول ال فقال‪" :‬أروني ابني ما سميتموه؟"‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬حربا‪ .‬قال‪" :‬بل هو حسين"‪ .‬فلما ولد الثالث‬
‫سّميُته حربا‪ ،‬فجاء النبي فقال‪" :‬أروني ابني ما سميتموه؟"‪ .‬قلت‪ :‬حربا‪ .‬قال‪" :‬بل هو محسن"]‪.[9‬‬

‫وفي إحدى الروايات‪ :‬أن عليا قال‪ :‬كنت أحب أن أكتنى بـ)أبي حرب(]‪.[10‬‬

‫صرين والُمستشرقين وأمثالهم‪،‬‬
‫فهل يقول هذا إنسان متعطش للدماء‪ ،‬عاشق للحروب‪ ،‬كما ُتصّوره أقلم المتعصبين من الُمن ّ‬
‫مّمن يقولون على ال وعلى رسله الكذب وهم يعلمون؟!‬

‫ثلث العام هدنة إجبارية‪:‬‬

‫ومن حرص السلم على السلم‪ :‬أنه فرض على المسلمين هدنة إجبارية يمتنعون فيها عن القتال لمدة أربعة أشهر‪ ،‬أي ثلث‬
‫العام‪ ،‬وهي الشهر المعروفة بـ)الشهر الحرم( وهي‪ :‬ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب‪ :‬ثلثة سرد‪ ،‬وواحد فرد‪ .‬أي‬
‫ن آَمُنوا ل‬
‫ثلثة متتابعة‪ ،‬وواحد منفرد عنها‪ .‬قال تعالى في سورة المائدة‪ ،‬وهي من أواخر ما نزل من القرآن‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫حَراَم ]المائدة‪.[2:‬‬
‫شْهَر اْل َ‬
‫ل َول ال ّ‬
‫شَعاِئَر ا ِّ‬
‫حّلوا َ‬
‫ُت ِ‬

‫ي َواْلَقلِئَد ]المائدة‪ .[97:‬وسياق الية يجعل‬
‫حَراَم َواْلَهْد َ‬
‫شْهَر اْل َ‬
‫س َوال ّ‬
‫حَراَم ِقَيامًا ِللّنا ِ‬
‫ت اْل َ‬
‫ل اْلَكْعَبَة اْلَبْي َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫وقال تعالى‪َ :‬‬
‫الشهر الحرام كالكعبة قياما للناس‪ ،‬فله من الثبوت ما للبيت الحرام‪ ،‬هذا في المكان‪ ،‬وهذا في الزمان‪.‬‬

‫ل ِفيِه َكِبيٌر ‪] ...‬البقرة‪ .[217:‬فأقّر بأن القتال في الشهر الحرام ذنب‬
‫ل ِقَتا ٌ‬
‫ل ِفيِه ُق ْ‬
‫حَراِم ِقَتا ٍ‬
‫شْهِر اْل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ك َ‬
‫سَألوَن َ‬
‫وقال تعالى‪َ :‬ي ْ‬
‫كبير‪ ،‬وإن كان المشركون قد ارتكبوا ما هو أكبر منه عند ال‪.‬‬

‫ولكن إذا قوتل المسلمون في الشهر الحرام قاتلوا فيه ردا للعدوان‪ ،‬وتأديبا للمعتدين‪ ،‬حتى ل يجترئوا على المسلمين‪،‬‬
‫عَتُدوا‬
‫عَلْيُكْم َفا ْ‬
‫عَتَدى َ‬
‫نا ْ‬
‫ص َفَم ِ‬
‫صا ٌ‬
‫ت ِق َ‬
‫حُرَما ُ‬
‫شْهِر اْلحََراِم َواْل ُ‬
‫حَراُم ِبال ّ‬
‫شْهُر اْل َ‬
‫مستغلين تعظيمهم للشهر الحرام‪ ،‬يقول تعالى‪ :‬ال ّ‬
‫ل ]البقرة‪.[194:‬‬ ‫عَلْيُكْم َواّتُقوا ا َّ‬
‫عَتَدى َ‬
‫ل َما ا ْ‬
‫عََلْيِه ِبِمْث ِ‬

‫وقد ذهب الئمة الربعة والجمهور إلى أن تحريم القتال في الشهر الحرم منسوخ‪ .‬وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير‬
‫منسوخ‪ .‬وكان عطاء يحلف بال‪ :‬ما يحل القتال في الشهر الحرام‪ ،‬ول نسخ تحريمه شيء!‬

‫وقد رّد العلمة ابن القيم على كل الدلة التي استدل بها َمن قال بالنسخ‪ُ ،‬مبّينا أن كل ما قيل فيه‪ :‬إن النبي قد قاتل في‬
‫الشهر الحرام‪ ،‬أنه كان قتال دفاع لما بدأه العدو من عدوان على المسلمين‪ .‬قال ابن القيم‪ :‬ول خلف في جواز القتال في‬
‫الشهر الحرام إذا بدأ العدو‪ ،‬وإنما الخلف أن يقاتل فيه ابتداء‪.‬‬

‫شْهَر‬
‫ل َول ال ّ‬
‫شَعاِئَر ا ِّ‬
‫حّلوا َ‬
‫ل ِفيِه ‪ ،...‬وآية ]المائدة‪ [2:‬ل ُت ِ‬ ‫حَراِم ِقَتا ٍ‬
‫شْهِر اْل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ك َ‬
‫سَألوَن َ‬
‫وذكر ابن القيم آية ]البقرة‪َ ،[217:‬ي ْ‬
‫حَراَم‪ ،‬ثم قال‪ :‬فهاتان آيتان مدنيتان‪ ،‬بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام‪ .‬وليس في كتاب ال ول سنة رسوله ناسخ‬ ‫اْل َ‬
‫ن َكاّفًة ]التوبة‪ ،[36:‬ونحوها‬ ‫شِرِكي َ‬
‫لحكمهما‪ ،‬ول أجمعت المة على نسخه‪ .‬وَمن استدل على نسخه بقوله تعالى‪َ :‬وَقاِتُلوا اْلُم ْ‬
‫من العمومات‪ ،‬فقد استدل على النسخ بما ل يدل عليه‪ .‬ومن استدل بأن النبي بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي‬
‫القعدة‪ ،‬فقد استدل بغير دليل‪ ،‬لن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال‪ ،‬ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في‬
‫الشهر الحرام]‪ [11‬اهـ‪.‬‬

‫الحج تدريب للمسلم على السلم‪:‬‬

‫ومن عناية السلم بالسلم‪ :‬أنه فرض على كل مسلم في العمر مرة عبادة خاصة‪ ،‬وهي حج البيت الحرام‪ ،‬وهي عبادة‬
‫يتدّرب المسلم فيها على السلم‪ ،‬فهي تتم عادة في الشهر الحرام في ذي الحجة‪ ،‬وفي البلد الحرام مكة المكرمة‪ ،‬وفي حالة‬
‫الحرام‪ ،‬فتحوطه حرمة الزمان‪ ،‬وحرمة المكان‪ ،‬وحرمة الحال‪ ،‬حال الحرام‪ ،‬الذي يحظر عليه فيه كل قتل حتى قتل‬
‫ن الّنَعِم ‪...‬‬
‫ل ِم َ‬
‫ل َما َقَت َ‬
‫جَزاٌء ِمْث ُ‬
‫ن َقَتَلُه ِمْنُكْم ُمَتَعّمدًا َف َ‬
‫حُرٌم َوَم ْ‬
‫صْيَد َوَأْنُتْم ُ‬
‫ن آَمُنوا ل َتْقُتُلوا ال ّ‬
‫الصيد‪ ،‬كما قال سبحانه‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫]المائدة‪.[95:‬‬
‫فالمسلم في هذه الرحلة‪ :‬سلم لكل َمن حوله‪ ،‬وكل ما حوله‪ ،‬حتى الشجار والحشائش يحرم عليه أن يقطعها‪.‬‬

‫سر ال له ذلك‪،‬‬
‫وكل مسلم عليه أن يقوم برحلة السلم هذه مرة في عمره فرضا من ال‪ ،‬وله أن يحج ويعتمر تطوعا ما ي ّ‬
‫ابتغاء مرضاة ال‪.‬‬

‫ولو كان قتال جميع الكفار ‪-‬أو غير المسلمين‪ -‬في العالم فرضا على المسلمين‪ ،‬حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم‬
‫صاغرون‪ ،‬ما رأينا أحاديث تأمرنا بترك العداء ما تركونا‪ ،‬والكف عنهم ما كفوا عنا‪.‬‬

‫كما في حديث ابن عمر وغيره‪" :‬اتركوا الحبشة ما تركوكم"]‪.[12‬‬

‫وفي حديث آخر‪" :‬دعوا الحبشة ما ودعوكم‪ ،‬واتركوا الترك ما تركوكم"]‪.[13‬‬

‫واقعية السلم في القرار بسنة التدافع‪:‬‬

‫ل َوُهَو‬
‫عَلْيُكُم اْلِقَتا ُ‬
‫ب َ‬
‫ل يرغب السلم في الحرب لذات الحرب‪ ،‬ول يخوضها إل إذا فرضت عليه كرها‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ :‬كِت َ‬
‫ُكْرٌه َلُكْم ]البقرة‪.[216:‬‬

‫إنما يخوض المسلمون الحرب والقتال إذا أجبرتهم عليها )سنة التدافع( وهي من السنن الكونية والبشرية العامة‪ ،‬التي أقام‬
‫ال عليها هذا العالم‪ .‬وإلى هذه السنة ‪-‬أو هذا القانون العام‪ -‬أشار القرآن الكريم في آيتين من آياته‪ ،‬ففي سورة البقرة‪ :‬عّقب‬
‫القرآن على قصة طالوت‪ ،‬ومقاومته لجالوت الجبار‪ ،‬رغم قلة عدد المؤمنين المقاتلين مع طالوت‪ ،‬وكثرة عدد الكافرين‬
‫المحاربين مع جالوت‪ ،‬ورغم عدم تكافؤ القوة بين الطرفين‪ ،‬انتصرت القلة المؤمنة الصابرة على الكثرة الكافرة المتجبرة‪.‬‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن‬ ‫جُنوِدِه َقا َ‬‫ت َو ُ‬‫جاُلو َ‬ ‫طاَقَة َلَنا اْلَيْوَم ِب َ‬‫ن آَمُنوا َمَعُه َقاُلوا ل َ‬ ‫جاَوَزُه ُهَو َواّلِذي َ‬ ‫يقول تعالى عن طالوت ومجاوزته للنهر‪َ :‬فَلّما َ‬
‫جُنوِدِه َقاُلوا َرّبَنا‬‫ت َو ُ‬‫جاُلو َ‬ ‫ن * َوَلّما َبَرُزوا ِل َ‬ ‫صاِبِري َ‬ ‫ل َمعَ ال ّ‬ ‫ل َوا ُّ‬‫ن ا ِّ‬ ‫ت ِفَئًة َكِثيَرًة ِبِإْذ ِ‬
‫غَلَب ْ‬
‫ن ِفَئٍة َقِليَلٍة َ‬
‫ل َكْم ِم ْ‬ ‫ن َأّنُهْم ُملُقو ا ِّ‬‫ظّنو َ‬ ‫َي ُ‬
‫ل اْلُمْل َ‬
‫ك‬ ‫ت َوآَتاُه ا ُّ‬
‫جاُلو َ‬ ‫ل َداُوُد َ‬ ‫ل َوَقَت َ‬ ‫ن ا ِّ‬‫ن * َفَهَزُموُهْم ِبِإْذ ِ‬ ‫عَلى اْلَقْوِم اْلَكاِفِري َ‬ ‫صْرَنا َ‬ ‫ت َأْقَداَمَنا َواْن ُ‬‫صْبرًا َوَثّب ْ‬ ‫عَلْيَنا َ‬‫غ َ‬ ‫َأْفِر ْ‬
‫ن ]البقرة‪:‬‬ ‫عَلى اْلَعاَلِمي َ‬ ‫ل َ‬ ‫ضٍ‬‫ل ُذو َف ْ‬ ‫ن ا َّ‬ ‫ض َوَلِك ّ‬‫لْر ُ‬ ‫ت ا َْ‬
‫سَد ِ‬
‫ض َلَف َ‬‫ضُهْم ِبَبْع ٍ‬ ‫س َبْع َ‬ ‫ل الّنا َ‬ ‫شاُء َوَلْول َدْفُع ا ِّ‬ ‫عّلَمُه ِمّما َي َ‬
‫حْكَمَة َو َ‬‫َواْل ِ‬
‫‪.[251-249‬‬

‫بهذا التدافع ‪-‬دفع ال الناس بعضهم ببعض‪ -‬يحفظ ال الرض وَمن عليها وما عليها من الفساد‪ .‬وإل لطغى الجبارون‬
‫والمتكبرون في الرض بغير الحق‪ ،‬وأصبح العالم غابة يفترس فيها القوي الضعيف‪.‬‬

‫وفي هذه القصة ‪-‬قصة طالوت‪ -‬التي ذكرها القرآن عن بني إسرائيل‪ ،‬كان طالوت وَمن معه يدافعون عن ديارهم وأبنائهم‪.‬‬
‫جاُلوتَ‬
‫ن ِدَياِرَنا َوَأْبَناِئَنا ]البقرة‪ .[246:‬فهّيأ ال َداُوُد الشاب المؤمن ليقتل َ‬
‫جَنا ِم ْ‬
‫خِر ْ‬
‫ل َوَقْد ُأ ْ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫ل ِفي َ‬
‫ل ُنَقاِت َ‬
‫قالوا‪َ :‬وَما َلَنا َأ ّ‬
‫الطاغية المتجبر‪ ،‬وبهذا اندفع عن الرض شر مستطير‪.‬‬

‫والية الثانية التي قّرر القرآن فيها سنة التدافع في سورة الحج‪ ،‬حين أذن ال للجماعة المؤمنة المضطهدة أن تقاتل دفاعا‬
‫ن الَّ‬‫ظِلُموا َوِإ ّ‬
‫ن ِبَأّنُهْم ُ‬
‫ن ُيَقاَتُلو َ‬
‫ن ِلّلِذي َ‬‫عن نفسها وحرماتها وحريتها في التدين‪ ،‬بل عن حرمة الديان الخرى‪ ،‬قال تعالى‪ُ :‬أِذ َ‬
‫ض َلُهّدَم ْ‬
‫ت‬ ‫ضُهْم ِبَبْع ٍ‬
‫س َبْع َ‬ ‫ل الّنا َ‬ ‫ل َوَلْول َدْفُع ا ِّ‬ ‫ن َيُقوُلوا َرّبَنا ا ُّ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ق ِإ ّ‬
‫حّ‬ ‫ن ِدَياِرِهْم ِبَغْيِر َ‬
‫جوا ِم ْ‬ ‫خِر ُ‬ ‫ن ُأ ْ‬
‫صِرِهْم َلَقِديٌر * اّلِذي َ‬
‫عَلى َن ْ‬ ‫َ‬
‫عِزيٌز ]الحج‪.[39،40:‬‬ ‫ي َ‬ ‫ل َلَقِو ّ‬‫ن ا َّ‬ ‫صُرهُ ِإ ّ‬
‫ن َيْن ُ‬‫ل َم ْ‬‫ن ا ُّ‬
‫صَر ّ‬‫ل َكِثيرًا َوَلَيْن ُ‬
‫سُم ا ِّ‬‫جُد ُيْذَكُر ِفيَها ا ْ‬
‫سا ِ‬‫ت َوَم َ‬ ‫صَلَوا ٌ‬
‫صَواِمُع َوِبَيٌع َو َ‬
‫َ‬

‫وبهذا كان السلم )واقعيا( حين أقّر بشرعية القتال أو شرعية الحرب لضرورة التدافع‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ :‬دفاعا عن الدين‬
‫والحق والحرمات والحريات‪ ،‬وعلى رأسها‪ :‬حرية التدين‪ ،‬في مواجهة الطغاة الذين يصادرون حق الناس في اليمان‪،‬‬
‫ويفتنون المؤمنين عن دينهم‪ .‬ولهذا لم يكن دفاع السلم عن المساجد وحدها‪ ،‬بل عنها وعن الصوامع والِبَيع والصلوات‪،‬‬
‫أي عن معابد اليهود والنصارى‪ ،‬حتى ل ُيمنع أحد من إقامة شعائر دينه‪ ،‬أو ُيكره على تغيير دينه‪.‬‬

‫وبعض النصارى يتهمون السلم بأنه )دين السيف( وأنه )دين الحرب( وأن رسول السلم حارب وقاتل‪ ،‬ولم يكن‬
‫كالمسيح الذي دعا إلى السلم‪ ،‬وقال في تعاليمه‪) :‬من ضربك على خدك اليمن‪ ،‬فأدر له خدك اليسر(]‪![14‬‬

‫ونسي هؤلء أو تناسوا ما سجله التاريخ‪ :‬أن أتباع الديانة المسيحية ‪-‬للسف الشديد‪ -‬هم أكثر أصحاب الديان صراعا‬
‫وحروبا فيما بين بعضهم وبعض‪ ،‬وفيما بينهم وبين غيرهم‪ ،‬فطالما أوقدوا نار الحرب أحيانا بدوافع دينية كما حدث بين‬
‫الكاثوليك والبروتستانت من مذابح تشيب لهولها الولدان]‪ ،[15‬وأحيانا بدوافع قومية أو وطنية أو مصلحية‪ .‬والتاريخ حافل‬
‫بهذه الحروب‪ ،‬ول سيما بين البلدان الوربية بعضها وبعض‪ ،‬وآخرها الحربان العالميتان الشهيرتان التي قتل المسيحيون‬
‫بعضهم من بعض‪ :‬عشرات المليين‪.‬‬

‫لرسي‬
‫حتى قال أحد الكتاب الوربيين‪ :‬ما صدقت بنبوءة من نبوءات المسيح‪ ،‬كما صدقت نبوءته حين قال‪) :‬ما جئت ُ‬
‫سلما على الرض‪ ،‬ما جئت لرسي سلما‪ ،‬بل سيفا(]‪.[16‬‬

‫وما ذكره المسيح في إدارة الخد اليسر لَمن ضربك على اليمن‪ :‬يمثل درجة )الفضل( التي تصلح في بيئة محدودة‪،‬‬
‫ولجماعة مثالية‪ ،‬ترنو إلى الُمُثل العليا‪ ،‬ولكنها ل تصلح أن تكون قاعدة عامة للتعامل مع جميع الناس‪ ،‬في كل القطار‪،‬‬
‫وفي كل العصار‪ ،‬ومع جميع الصناف والطبقات‪ ،‬وفي كل الظروف والحالت‪ .‬إنما الذي يصلح لعموم الناس في جميع‬
‫المصار والعصار والحوال‪ :‬هو إيجاب مبدأ )العدل(‪ ،‬والترغيب في مبدأ )الفضل(‪ ،‬وهو ما جاء به السلم‪ ،‬حيث قال‬
‫عَلْيِهْم‬
‫ك َما َ‬
‫ظْلِمِه َفُأوَلِئ َ‬
‫صَر َبْعَد ُ‬
‫ن اْنَت َ‬
‫ل ]الشورى‪َ ،[40:‬وَلَم ِ‬ ‫عَلى ا ِّ‬
‫جُرُه َ‬‫ح َفَأ ْ‬
‫صَل َ‬
‫عَفا َوَأ ْ‬
‫ن َ‬ ‫سّيَئٌة ِمْثُلَها َفَم ْ‬
‫سّيَئٍة َ‬
‫جَزاُء َ‬ ‫تعالى‪َ :‬و َ‬
‫غَفَر‬
‫صَبَر َو َ‬ ‫ن َ‬ ‫ب َأِليٌم * َوَلَم ْ‬‫عَذا ٌ‬‫ك َلُهْم َ‬
‫ق ُأوَلِئ َ‬
‫حّ‬‫ض ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َْ‬‫س َوَيْبُغو َ‬‫ن الّنا َ‬
‫ظِلُمو َ‬ ‫ن َي ْ‬
‫عَلى اّلِذي َ‬ ‫ل َ‬ ‫سِبي ُ‬‫ل * ِإّنَما ال ّ‬ ‫سِبي ٍ‬
‫ن َ‬ ‫مِ ْ‬
‫لُموِر ]الشورى‪.[43-41:‬‬ ‫عْزِم ا ُْ‬‫ن َ‬ ‫ك َلِم ْ‬
‫ن َذِل َ‬‫ِإ ّ‬

‫جد فيها الشرير المعتدي‪ ،‬وبإزائه الخّير الطّيب‪ُ ،‬وجد‬ ‫إن البشرية منذ فجر التاريخ‪ ،‬ومنذ كانت أسرة واحدة‪ :‬آدم وبنوه‪ُ :‬و ِ‬
‫ص علينا القرآن قصة الخوين اللذين قتل أحدهما الخر ظلما‬ ‫فيها قابيل وهابيل‪ ،‬كما تسميهما )السرائيليات(‪ .‬وقد ق ّ‬
‫جرم اقترفته يداه‪ ،‬ولم يكن هناك مجتمع أّثر فيه ‪-‬كما يقال اليوم‪ -‬بل طاوع نفسه المارة بالسوء التي سولت له‬ ‫وعدوانا‪ ،‬بل ُ‬
‫خِر َقا َ‬
‫ل‬ ‫لَ‬‫نا ْ‬ ‫ل ِم َ‬ ‫حِدِهَما َوَلْم ُيَتَقّب ْ‬‫ن َأ َ‬‫ل ِم ْ‬
‫ق ِإْذ َقّرَبا ُقْرَباًنا َفُتُقّب َ‬‫حّ‬ ‫ي آَدَم ِباْل َ‬‫عَلْيِهْم َنَبَأ اْبَن ْ‬
‫ل َ‬‫قتل أخيه فقتله‪ .‬اقرأ هذه اليات‪َ :‬واْت ُ‬
‫ل َر ّ‬
‫ب‬ ‫ف ا َّ‬ ‫خا ُ‬ ‫ك ِإّني َأ َ‬ ‫لْقُتَل َ‬
‫ك َِ‬
‫ي ِإَلْي َ‬
‫ط َيِد َ‬
‫سٍ‬ ‫ك ِلَتْقُتَلِني َما أََنا ِبَبا ِ‬
‫ي َيَد َ‬ ‫ت ِإَل ّ‬
‫ط َ‬ ‫س ْ‬‫ن َب َ‬ ‫ن * َلِئ ْ‬ ‫ن اْلُمّتِقي َ‬
‫ل ِم َ‬
‫ل ا ُّ‬‫ل ِإّنَما َيَتَقّب ُ‬
‫ك َقا َ‬
‫لَْقُتَلّن َ‬
‫خيِه َفَقَتَلُه‬
‫ل َأ ِ‬
‫سُه َقْت َ‬‫ت َلُه َنْف ُ‬‫ع ْ‬ ‫طّو َ‬ ‫ن * َف َ‬ ‫ظاِلِمي َ‬‫جَزاُء ال ّ‬ ‫ك َ‬ ‫ب الّناِر َوَذِل َ‬ ‫حا ِ‬ ‫صَ‬ ‫ن َأ ْ‬ ‫ن ِم ْ‬ ‫ك َفَتُكو َ‬ ‫ن َتُبوَء بِإْثِمي َوِإْثِم َ‬ ‫ن * ِإّني ُأِريُد َأ ْ‬ ‫اْلَعاَلِمي َ‬
‫ن ]المائدة‪.[30-27 :‬‬ ‫سِري َ‬ ‫خا ِ‬‫ن اْل َ‬‫ح ِم َ‬‫صَب َ‬
‫َفَأ ْ‬

‫شرير‪ ،‬وكان لهم قوة وسلطان؟ هل ُيتركون ليطغوا في البلد‪ ،‬وُيكثروا فيها الفساد‪،‬‬ ‫ماذا يفعل الناس إذا كثر أتباع قابيل ال ّ‬
‫دون أن يردعهم رادع‪ ،‬أو يقول لهم أحد‪ :‬كّفوا أيديكم‪ ،‬وقفوا عند حّدكم؟‬

‫هل يمكن أن يقف الناس جميعا موقف الخ الطّيب هابيل؟ وَيَدعوا لقابيل الُمجرم فرصته ليمارس هوايته في القتل‬
‫والتدمير؟‬

‫إن َمن يستقريء واقع الناس‪ ،‬يتبين له أن كثيرا من الناس ‪-‬بل ربما أكثرهم‪ -‬هو من صنف قابيل‪ ،‬الذي يستخدم قوته في‬
‫الشر‪ .‬حتى قال بعض الفلسفة‪ :‬النسان ذئب ُمقّنع‪.‬‬

‫بل وجدنا من الدباء َمن يقول‪ :‬النسان حيوان محارب! وقال مناحم بيجن في كتابه )الثورة( الذي أّلفه قبل قيام دولة الكيان‬
‫الصهيوني‪ :‬أنا أحارب‪ ،‬إذن أنا موجود!‬

‫وأبو الطيب المتنبي يقول‪:‬‬

‫ذا عفة‪ ،‬فلعّلة ل يظلــم!‬ ‫شَيم النفوس‪ ،‬فإن تجد‬
‫والظلم من ِ‬

‫جهوا بنفس‬
‫فكيف يمكن تجاهل مثل هذه الفلسفات والنظريات التي تؤمن بمنطق القوة ل بقوة المنطق‪ .‬وهؤلء ل بد أن ُيوا َ‬
‫منطقهم‪ .‬فالشر بالشر يحسم‪ ،‬والبادئ أظلم‪ .‬ول در شوقي حين قال في نهج البردة‪:‬‬

‫بقتل نفس ول جاؤوا بسفـك دم‬ ‫ت‪ ،‬ورسل ال ما بعثوا‬
‫قالوا‪ :‬غزو َ‬

‫ت بالسيف بعـد الفتح بالقلم!‬
‫فتح َ‬ ‫إفك وتضليل أحـلم وسفسطـة‬

‫ذرعـــا‪ ،‬وإن تلقه بالشر ينحسم‬ ‫والشر إن تلــقه بالخير ضقت به‬

‫وقال آخر‪:‬‬

‫فالحرب أجدى على الدنيا من السلم‬ ‫والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا‬
‫وقد أرشد القرآن إلى أن ال أنزل مع رسله‪ :‬الكتاب والميزان‪ ،‬وأنزل الحديد فيه بأس شديد‪ ،‬فكأنه يشير إلى أن َمن لم ينفع‬
‫ن ِلَيُقوَم الّناسُ‬
‫ب َواْلِميَزا َ‬
‫ت َوَأْنَزْلَنا َمَعُهُم اْلِكَتا َ‬
‫سَلَنا ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫سْلَنا ُر ُ‬
‫في هدايته الكتاب والميزان‪ُ ،‬قّوم بالحديد‪ .‬يقول تعالى‪َ :‬لَقْد َأْر َ‬
‫عِزيٌز ]الحديد‪.[25:‬‬ ‫ي َ‬
‫ل َقِو ّ‬ ‫ن ا َّ‬‫ب ِإ ّ‬
‫سَلُه ِباْلَغْي ِ‬
‫صُرُه َوُر ُ‬ ‫ن َيْن ُ‬
‫ل َم ْ‬ ‫س َوِلَيْعَلَم ا ُّ‬
‫شِديٌد َوَمَناِفُع ِللّنا ِ‬
‫س َ‬
‫حِديَد ِفيِه َبْأ ٌ‬
‫ط َوَأْنَزْلَنا اْل َ‬
‫سِ‬
‫ِباْلِق ْ‬

‫والواقع أن الحياة ل تستقيم بغير القوة‪ ،‬تحمي الحق‪ ،‬وتقاوم الباطل‪ ،‬وتفرض العدل‪ ،‬وتحارب الظلم‪ ،‬وتمنع قابيل من‬
‫التعدي على هابيل‪ .‬وهذه هي الواقعية المثالية التي جاءت بها أخلق السلم]‪ ،[17‬وتشريعات السلم‪ ،‬وتوجيهات القرآن‪:‬‬
‫ن]النحل‪.[126:‬‬
‫صاِبِري َ‬
‫خْيٌر ِلل ّ‬
‫صَبْرُتْم َلُهَو َ‬
‫ن َ‬
‫عوِقْبُتْم ِبِه َوَلِئ ْ‬
‫ل َما ُ‬
‫عاَقْبُتْم َفَعاِقُبوا ِبِمْث ِ‬
‫ن َ‬
‫وَِإ ْ‬

‫وقد عّبر عن ذلك الشاعر العربي بقوله‪:‬‬

‫إلى الجهل في بعض الحايين أحوج‬
‫ولي فرس للجهل بالجهـل ُمسَرج‬
‫ومن رام تعويجـــي فإني معّوج‬
‫ولكنني أرضى به حين أحـــرج‬

‫لئن كنت محتاجا إلى الحلـــم إنني‬
‫جم‬‫ولي فرس للحلـــم بالحلم ُمل َ‬
‫فمن رام تقويمـــــي فإني مقّوم‬
‫خْدنا وصاحبا‬ ‫وما كنت أرضى الجهل ِ‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬رواه مسلم في اليمان )‪ ،(54‬وأحمد في المسند )‪ ،(9084‬والترمذي في الستئذان والداب )‪ ،(2688‬وابن ماجه في‬
‫المقدمة )‪.(68‬‬

‫]‪ -[2‬متفق عليه‪ :‬رواه البخاري في الذان )‪ ،(831‬ومسلم في الصلة )‪ ،(402‬وأحمد في المسند )‪ ،(3622‬وأبو داود في‬
‫الصلة )‪ ،(968‬والترمذي في الصلة )‪ ،(289‬والنسائي في الفتتاح )‪ ،(1170‬وابن ماجه في إقامة الصلة والسنة فيها )‬
‫‪ ،(899‬عن ابن مسعود‪.‬‬

‫]‪ -[3‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[4‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(15470‬وقال محققوه‪ :‬إسناده ضعيف‪ ،‬يعقوب بن مجمع بن جارية والد مجمع ‪-‬وإن كان‬
‫حسن الحديث‪ -‬انفرد به‪ ،‬وأبو داود في الجهاد )‪ ،(2359‬والطبراني في الوسط )‪ ،(4/120‬وفي الكبير )‪ ،(19/445‬عن‬
‫مجمع بن جارية‪ ،‬وضعفه اللباني في ضعيف أبي داود )‪.(587‬‬

‫]‪ -[5‬راجع فتوانا بتحريم الصلح مع إسرائيل والرد على القائلين بذلك‪ ،‬في كتابنا‪ :‬فتاوى معاصرة جـ ‪ 3‬صـ ‪ 465‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[6‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(19032‬وقال محققوه‪ :‬إسناده ضعيف لجهالة عقيل بن شبيب‪ ،‬فقد تفرد بالرواية عنه محمد‬
‫بن مهاجر وهو النصاري‪ ،‬ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان‪ ،‬وأبو داود في الدب )‪ ،(4950‬والبيهقي في الكبرى كتاب‬
‫الضحايا )‪ ،(9/306‬عن أبي وهب الجشمي‪ ،‬وصححه اللباني في الصحيحة )‪.(1040‬‬

‫]‪ -[7‬اللقحة‪ :‬هي الناقة الحلوب القريبة العهد بالولدة‪.‬‬
‫]‪ -[8‬ذكره ابن حجر في الصابة في ترجمة )حرب( غير منسوب )‪ (2/319‬وانظر‪ :‬الموطأ ص ‪ 973‬الحديث رقم‪) :‬‬
‫‪ (1540‬طبعة الحلبي بتحقيق عبد الباقي‪ .‬قال‪ :‬وهو مرسل أو معضل‪ ،‬وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن ابن‬
‫لهيعة إلى يعيش الغفاري‪ ،‬رواه الطبراني في الكبير )‪ ،(22/277‬عن يعيش الغفاري‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪:‬‬
‫رواه الطبراني وإسناده حسن )‪.*(8/93‬‬

‫]‪ -[9‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(769‬وقال محققوه‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬رجاله ثقات رجال الشيخين‪ ،‬غير هانئ بن هانئ‪ ،‬فقد‬
‫روى له أصحاب السنن‪ ،‬والبخاري في الدب المفرد )‪ ،(823‬والبزار في المسند )‪ ،(2/314‬وابن حبان في صحيحه كتاب‬
‫إخباره عن مناقب الصحابة )‪ ،(15/409‬والطبراني في الكبير )‪ ،(3/96‬والحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة )‬
‫‪ ،(3/180‬وقال‪ :‬صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب الوقف )‪ ،(6/166‬عن علي‪ ،‬وقال‬
‫الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح‪ ،‬غير هانئ بن هانئ وهو‬
‫ثقة )‪.(8/102‬‬

‫]‪ -[10‬رواه الطيالسي في المسند )‪ ،(1/19‬والبزار في المسند )‪ ،(2/315‬والطبراني في الكبير )‪ ،(3/79‬عن علي ‪ ،‬وقال‬
‫الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه البزار والطبراني بنحوه بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح )‪ ،(8/102‬ولم يذكر فيها‬
‫الولد الثالث‪.‬‬

‫]‪ -[11‬زاد المعاد )‪ .(341-3/339‬طبعة الرسالة‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[12‬رواه أبو داود في الملحم )‪ ،(4309‬والبزار في المسند )‪ ،(6/346‬والحاكم في المستدرك كتاب الفتن والملحم )‬
‫‪ ،(4/500‬والبيهقي في الكبرى كتاب السير )‪ ،(9/176‬عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وصححه اللباني في الصحيحة )‪،(722‬‬
‫ورواه أحمد في المسند عن زهير بن محمد‪ ،‬عن موسى بن جبير‪ ،‬عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن رجل من أصحاب‬
‫رسول ال ‪.‬‬

‫]‪ -[13‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[14‬انظر‪ :‬إنجيل مّتى الفقرات )‪ ،(43-38‬وإنجيل لوقا )‪.(6/29،30‬‬

‫]‪ -[15‬طالع بعض ذلك فيما نقله الشيخ رحمة ال الهندي في كتابه )إظهارالحق( وسننقله عنه بعضه في فصل )الجهاد بين‬
‫شريعة التوراة وشريعة القرآن( في هذا الباب‪.‬‬

‫]‪ -[16‬انظر‪ :‬إنجيل متى )‪ (37-10/34‬وتتمة الفقرة‪) :‬فإني جئت لجعل النسان على خلف مع ابنه‪ ،‬والبنت مع أمها‪،‬‬
‫والكّنة مع حماتها‪ ،‬وهكذا يصير غداء النسان مع أهل بيته( وانظر‪ :‬لوقا )‪ .(53-12/51‬و)‪ .(14/27،26‬وفيه يقول‪:‬‬
‫)جئت للقي على الرض نارا‪ ،‬فكم أود أن تكون مشتعلة! أتظنون أني جئت للقي السلم على الرض؟ أقول لكم‪ :‬ل‪ ،‬بل‬
‫الحرى‪ :‬النقسام(‪ .‬أقول‪ :‬ولكن النصاف يقتضي أل نحكم على المسيحية كلها من هذا النص‪ ،‬بل ل بد من نظرة شاملة‬
‫للنصوص‪ ،‬بحيث يرد متشابهها إلى محكمها‪ .‬كما نفعل في النصوص الشرعية عندنا‪.‬‬

‫]‪ -[17‬لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع راجع ما كتبناه في كتابنا )الخصائص العامة للسلم( فصل )الواقعية( صـ‬
‫‪ 144‬طبعة مكتبة وهبة القاهرة‪ ،‬وكذلك فصل )الواقعية( من كتابنا )مدخل لدراسة الشريعة السلمية( صـ ‪ 119‬طبعة‬
‫مكتبة وهبة القاهرة‪.‬‬

‫الجهاد بين شريعة التوراة وشريعة القرآن‬
‫ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به السلم من إصلح وتجديد وتهذيب في أحكام الجهاد والقتال‪ ،‬وإقرار السلم في الرض‪،‬‬
‫بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة‪ ،‬والمم السابقة‪ ،‬فعليه أن ينظر ‪-‬ولو نظرة سريعة عاجلة‪ -‬إلى ما اشتملت‬
‫عليه )التوراة( الحالية‪ ،‬التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا‪ ،‬على أنها الكتاب اللهي الذي أنزله ال على موسى عليه‬
‫السلم‪ ،‬وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلم‪ :‬أنه ما جاء لينقض الناموس )الذي جاء به موسى(‪ ،‬بل جاء ليتممه]‪.[1‬‬
‫ول أدري أقرأ الغربيون ‪-‬المسيحيون في جملتهم‪ -‬الذين يتهمون السلم بأنه )دين السيف(‪ ،‬والذين يزعمون أنهم يؤمنون‬
‫عْوها أو لم يعوها؟‬
‫بـ)الكتاب المقدس( ومنه التوراة‪ :‬هذه النصوص التي سأوردها أقرأوها أم لم يقرأوها؟ وإذا قرأوها فهل َو َ‬
‫حّرفت وُبّدلت لفظيا ومعنويا‪ -‬والتي يؤمن‬
‫والن أود أن نقف قليل عند ما تقوله التوراة ‪-‬التي نعتقد نحن المسلمين‪ :‬أنها ُ‬
‫بقدسيتها وإلهيتها‪ :‬اليهود والمسيحيون جميعا‪ ،‬ومنهم المبشرون والمستشرقون المتحاملون‪ ،‬الذين شنوا الغارة على شريعة‬
‫الجهاد في القرآن‪ ،‬وفي سنة محمد ‪ ،‬وبالمقارنة والموازنة تتبّين الحقائق‪ ،‬وبضّدها تتمّيز الشياء‪.‬‬
‫فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال‪.‬‬
‫شرائع حصار وفتح المدن البعيدة‪:‬‬
‫تقول التوراة في )سفر تثنية الشتراع( في )الصحاح العشرين( تحت عنوان )شرائع حصار وفتح المدن البعيدة( ‪-‬وأعتقد أن‬
‫هذا العنوان من وضع ناشري التوراة‪ -‬في الفقرة العاشرة وما بعدها‪:‬‬
‫)وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أول‪ .‬فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم‪ ،‬فكل الشعب الساكن فيها يصبح‬
‫عبيدا لكم‪ .‬وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها‪ ،‬فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم‪ ،‬فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف‪ .‬وأما‬
‫النساء والطفال والبهائم‪ ،‬وكل ما في المدينة من أسلب‪ ،‬فاغنموها لنفسكم‪ ،‬وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم‬
‫لكم‪ .‬هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن المم القاطنة هنا‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل‪ ،‬أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها‪ :‬إذا أجابت‬
‫دعوة السلم والصلح‪ ،‬فجميع أهلها عبيد لهم بل استثناء! وإذا لم ُتسّلم لهم فليحاربوا‪ ،‬وإذا سقطت في أيديهم‪ ،‬فعليهم أن‬
‫)يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف(‪ ،‬هكذا أمرهم )الرب الله(‪ .‬ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلء بديل لقتلهم بحد السيف‪ :‬أن‬
‫يدخلوا في دين اليهودية مثل‪ ،‬أو يدفعوا لهم جزية‪ ،‬أو غير ذلك‪ .‬ولم يستثن أمر )الرب الله( أحدا من الذكور‪ :‬ل شيخا كبيرا‪،‬‬
‫ول طفل صغيرا‪.‬‬
‫ضَع‬
‫حّتى َت َ‬
‫ق َفِإّما َمّنا َبْعُد َوِإّما ِفَداًء َ‬
‫شّدوا اْلَوَثا َ‬
‫خْنُتُموُهْم َف ُ‬
‫حّتى ِإَذا َأْث َ‬
‫ب َ‬
‫ب الّرَقا ِ‬
‫ضْر َ‬
‫ن َكَفُروا َف َ‬
‫وقد قال القرآن هنا‪َ :‬فِإَذا َلِقيُتُم اّلِذي َ‬
‫خنوهم‪ ،‬أي ُيضِعفوهم‪ ،‬وفي هذه الحالة عليهم أن يشدوا‬ ‫ب َأْوَزاَرَها ]محمد‪ ،[4:‬فاكتفى القرآن في قتال العداء‪ :‬أن ُيث ِ‬ ‫حرْ ُ‬
‫اْل َ‬
‫الَوَثاق‪ .‬أي‪ :‬يأسروا بدل أن يقتلوا‪.‬‬
‫ق ِمنَ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫سوُلُه َول َيِديُنونَ ِدي َ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫حّرَم ا ُّ‬
‫ن َما َ‬‫حّرُمو َ‬
‫خِر َول ُي َ‬
‫لِ‬‫ل َول ِباْلَيْوِم ا ْ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ن ل ُيْؤِمُنو َ‬ ‫وقال القرآن أيضا‪َ :‬قاِتُلوا اّلِذي َ‬
‫جيهم من القتل‪،‬‬ ‫ن ]التوبة‪ ،[29:‬فجعل للعداء المحاربين فرصة ُتن ّ‬ ‫غُرو َ‬ ‫صا ِ‬ ‫ن َيٍد َوُهْم َ‬‫عْ‬
‫جْزَيَة َ‬ ‫طوا اْل ِ‬ ‫حّتى ُيْع ُ‬ ‫ب َ‬
‫اّلِذينَ ُأوُتوا اْلِكَتا َ‬
‫ن َيٍد‪ :‬أي عن قدرة‪ ،‬وهي مبلغ زهيد في مقابل التكّفل بحمايتهم والدفاع‬ ‫عْ‬ ‫ومن الدخول في السلم جبرا‪ ،‬وهي إعطاء الجزية َ‬
‫جزة ول‬ ‫عنهم‪ .‬وهذه الجزية يدفعها القادرون على القتال‪ ،‬والقادرون على الدفع‪ ،‬فل تدفعها النساء ول الصبيان ول الَع َ‬
‫العميان‪ ،‬ول الرهبان‪ ،‬وأمثالهم‪.‬‬
‫شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد‪:‬‬
‫أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها )أرض الميعاد( فتقول التوراة في شأنها‪) :‬أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم‬
‫سَمة حية‪ ،‬بل دمروها عن بكرة أبيها‪ ،‬كمدن الحّثّيين والموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين‬
‫سَتْبقوا فيها َن َ‬
‫ميراثا‪ ،‬فل َت ْ‬
‫واليبوسيين‪ ،‬كما أمركم الرب إلهكم‪ ،‬لكي ل يعّلموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم‪ ،‬فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى‬
‫الرب إلهكم(]‪ [2‬انتهى‪.‬‬
‫هذه الشعوب الستة‪ ،‬يجب أن تباد إبادة تامة‪ ،‬دون أن ُيبدأوا بالدعوة‪ ،‬أو ُتقبل منهم جزية‪ ،‬أو ُيعقد معهم صلح أو هدنة‪ .‬ليس‬
‫هناك إل السيف‪ ،‬والسيف وحده‪ .‬والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة‪ ،‬ول ذنب لها إل أنها سكنت ما‬
‫سّموه )أرض الميعاد( قبلهم‪.‬‬
‫ويعلق شراح التوراة على هذه الِفقرة فيقولون‪) :‬كيف يمكن لله رحيم أن يأمر بإهلك كل المراكز الهلة بالسكان؟ لقد فعل‬
‫ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الوثان‪ ،‬التي كانت‪ ،‬ول بد‪ ،‬ستجلب الخراب عليهم )‪ (20:18‬وفي الحقيقة‪ ،‬لن بني‬
‫إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشريرة كما أمرهم ال‪ ،‬تعرضوا باستمرار لضطهادهم‪ ،‬وإلى الكثير من سفك‬
‫الدماء والتخريب‪ ،‬أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات ال قبل كل شيء(!! اهـ‪.‬‬
‫وهكذا ترى هؤلء الشراح بّرووا هذه البادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الله! بل أظهروا السف على نجاة الشعوب‬
‫التي لم يبدها سيف إسرائيل!‬
‫فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟‬
‫سَمة حية!( يعني‪ :‬إبادة كاملة‪ ،‬الستئصال‬
‫إن البلد القريبة ‪-‬التي يطلق الشراح عليها )أرض الموعد(‪) -‬ل ُتستبقى فيها َن َ‬
‫لهل هذه البلد! فل تستبعد ما صنعه الوربيون النصارى حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية‪ ،‬من محاولة استئصال الهنود‬
‫الحمر‪ ،‬أهل البلد الصليين!! ول تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى )استراليا( واكتشفوها‪ ،‬وقضوا‬
‫على سكانها الصليين‪ .‬وقد استخدم هؤلء وأولئك في إبادة السكان الصليين وسائل وأساليب ل تمت إلى الخلق‪ ،‬ول إلى‬
‫النسانية بصلة‪ ،‬ووصفها بـ)الوحشية( ظلم كبير للوحوش‪ ،‬لن الوحوش ل تقتل من الحيوانات الخرى إل ما تحتاج إليه‬
‫لكلها‪ .‬فإذا شبعت كّفت‪ .‬وهؤلء ل يشبعون من قتل‪ ،‬ول يرتوون من دماء‪ ،‬وإن سالت مدرارا‪.‬‬
‫إن فكرة استئصال المم والشعوب والخرى وإبادتها‪) :‬فكرة توراتية( أصيلة توارثها قراء التوراة من اليهود والنصارى‪.‬‬
‫وهي فكرة مرفوضة تماما في السلم‪ ،‬ولقد رأينا القرآن الكريم كيف شّدد النكير على فرعون في ظلمه لبني إسرائيل‪ ،‬لنه‬
‫أراد إبادتهم بطريق بطيء‪ ،‬حيث أمر بتذبيح أبناءهم واستحياء نسائهم‪ .‬ومعنى تذبيح الذكور من المواليد وتقتيلهم‪ :‬أن يباد‬
‫ح َأْبَناَءُهْم‬
‫طاِئَفًة ِمْنهُْم ُيَذّب ُ‬
‫ف َ‬
‫ضِع ُ‬
‫سَت ْ‬
‫شَيعًا َي ْ‬
‫جَعَل َأْهَلَها ِ‬
‫عل ِفي اَْلْرضِ َو َ‬ ‫ن َ‬ ‫عْو َ‬‫ن ِفْر َ‬
‫الجنس بعد عقود من الزمان‪ .‬قال تعالى‪ِ :‬إ ّ‬
‫ن ]القصص‪.[4:‬‬ ‫سِدي َ‬
‫ن اْلُمْف ِ‬
‫ن ِم َ‬
‫ساَءُهْم ِإّنُه َكا َ‬‫حِيي ِن َ‬‫سَت ْ‬
‫َوَي ْ‬
‫وهي فكرة مرفوضة تماما في السلم‪ ،‬ل بالنسبة إلى )المم البشرية( فحسب‪ ،‬بل بالنسبة إلى )المم الحيوانية( أيضا‪ .‬فلم‬
‫جز السلم إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من السباب‪ ،‬وقال في ذلك رسول السلم ‪" :‬لول أن الكلب أمة من‬ ‫ُي ِ‬
‫المم‪ ،‬لمرت بقتلها"]‪ ،[3‬أي بإبادتها وتخليص الناس من أذاها‪.‬‬
‫ولكن نظر إلى المر نظرة أعمق‪ ،‬فرأى أن هذه الكلب ‪-‬بتعبير القرآن‪) -‬أمة( لها خصائصها وصفاتها التي ميزتها عن غيرها‬
‫ن َداّبٍة ِفي‬
‫من الجناس التي خلقها ال‪ ،‬وإنما خلقها لحكمة‪ ،‬علمها َمن علمها‪ ،‬وجهلها َمن جهلها‪ .‬وقد قال تعالى‪َ :‬وَما ِم ْ‬
‫حْيِه ِإّل ُأَمٌم َأْمَثاُلُكْم ]النعام‪.[38:‬‬
‫جَنا َ‬
‫طيُر ِب َ‬
‫طاِئٍر َي ِ‬
‫اَْلْرضِ َول َ‬
‫وبهذه النظرة المتسامية سبق السلم بنحو أربعة عشر قرنا‪ :‬ما تنادت به البشرية اليوم من ضرورة الحفاظ على الجناس‬
‫الحية من النقراض‪ ،‬وهو ما يسمونه )مبدأ نوح( عليه السلم]‪.[4‬‬
‫فانظر إلى هذا الفق الرفيع الذي ارتقى السلم بالبشرية إليه‪ ،‬في المحافظة على أجناس الدواب والطيور وغيرها‪،‬‬
‫واعتبارها )أمما أمثالنا( وقارن بينه وبين ذلك الحضيض الذي انحدر إليه الغربيون الذين رضعوا فكرة التوراة الستئصالية‬
‫مع لبان أمهاتهم‪ .‬فاقترفوا من جرائم البادة ما يندى له جبين التاريخ‪.‬‬
‫وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات اليهودية الصهيونية بأهل فلسطين‪ ،‬وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية‬
‫رهيبة‪ ،‬من قتل النساء والطفال والشيوخ والمدنيين العزل‪ ،‬بل هوادة ول رحمة‪ ،‬ول مراعاة لي اعتبار إنساني‪ ،‬كما فعلوا‬
‫في )دير ياسين( وغيرها‪ ،‬حتى بقروا بطون الحوامل‪ ،‬وأخرجوا الجنة من أحشائها‪ ،‬وعبثوا بها بسنان أسلحتهم‪ ،‬وهم‬
‫يتضاحكون! وقتلوا البن أمام عين أبيه‪ ،‬وعين أمه الوالهة! وذبحوا الب والم أمام أعين أبنائهما وبناتهما‪ ،‬وبهذه الوحشية‬
‫أدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين‪ ،‬ففروا من ديارهم مذعورين‪ ،‬وتركوها لهؤلء السفاحين الرهابيين‪.‬‬
‫سَمة حية!!‬
‫لقد كان هؤلء المجرمون السفاحون يطبقون شريعة التوراة التي ُلّقنوها‪ :‬أل تدعوا فيها َن َ‬
‫سَمة حية! هكذا أمر الرب الله موسى‬ ‫هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب‪ :‬دّمروها عن بكرة أبيها! ل ُتبقوا فيها َن َ‬
‫وقومه وأتباعه‪ :‬أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم‪ ،‬وقد ُأمروا أمرا ملزما‪ :‬أن يبدأوا بقتالهم وقتلهم‪ .‬ل‬
‫يدعونهم إلى دين يعتنقونه‪ ،‬أو يقبلون منهم جزية يدفعونها‪ ،‬فليس لهم خيار إل السيف‪.‬‬
‫ن*‬ ‫ب اْلُمْعَتِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ل ُي ِ‬‫ن ا َّ‬
‫ن ُيَقاِتُلوَنُكْم َول َتْعَتُدوا ِإ ّ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬‫فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى‪َ :‬وَقاِتُلوا ِفي َ‬
‫حّتى ُيَقاِتُلوُكْم‬‫حَراِم َ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬‫عْنَد اْلَم ْ‬
‫ن اْلَقْتِل َول ُتَقاِتُلوُهْم ِ‬
‫شّد ِم َ‬‫جوُكْم َواْلِفْتَنُة َأ َ‬
‫خَر ُ‬
‫ث َأ ْ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جوُهْم ِم ْ‬
‫خِر ُ‬
‫ث َثِقْفُتُموُهْم َوَأ ْ‬
‫حْي ُ‬
‫َواْقُتُلوُهْم َ‬
‫ِفيِه ]البقرة‪.[190،191:‬‬
‫شِرِكي َ‬
‫ن‬ ‫ن اْلُم ْ‬
‫حٌد ِم َ‬
‫ن َأ َ‬
‫وأين هذا مما جاء به القرآن ‪-‬حتى بعد ما سموه )آية السيف( من سورة التوبة‪ -‬من قوله تعالى‪َ :‬وِإ ْ‬
‫ن ]التوبة‪[6:‬؟‬ ‫ك ِبَأّنُهْم َقْوٌم ل َيْعَلُمو َ‬
‫ل ُثّم َأْبِلْغُه َمْأَمَنُه َذِل َ‬
‫سَمَع َكلَم ا ِّ‬
‫حّتى َي ْ‬
‫جْرُه َ‬
‫ك َفَأ ِ‬
‫جاَر َ‬
‫سَت َ‬
‫ا ْ‬
‫ك َفِإ ّ‬
‫ن‬ ‫عو َ‬
‫خَد ُ‬
‫ن َي ْ‬
‫ن ُيِريُدوا َأ ْ‬
‫سِميُع اْلَعِليُم * َوِإ ْ‬
‫ل ِإّنُه ُهَو ال ّ‬
‫عَلى ا ِّ‬ ‫ح َلَها َوَتَوّكْل َ‬‫جَن ْ‬
‫سْلِم َفا ْ‬
‫حوا ِلل ّ‬‫جَن ُ‬
‫ن َ‬‫وأين هذا من قوله تعالى‪َ :‬وِإ ْ‬
‫ن ]الية‪.[62،61:‬‬ ‫صِرِه َوِباْلُمْؤِمِني َ‬
‫ك ِبَن ْ‬
‫ل ُهَو اّلِذي َأّيَد َ‬ ‫ك ا ُّ‬‫سَب َ‬
‫ح ْ‬‫َ‬
‫إن من يقرأ ما جاء في نصوص الكتابين )التوراه والقرآن( عن السلم والحرب‪ :‬ل يسعه إل أن يقرأ قول البوصيري رحمه‬
‫ال‪:‬‬
‫ال أكبر! إن دين محمـــــد وكتابه‪ :‬أقوى وأقوم قيـــــل!‬
‫ل تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديــل!‬
‫فما قول البابا بنديكت فيما أرينا من نصوص التوراه‪ :‬هل ينكرها؟ كيف وهو يؤمن بقول المسيح‪ :‬ما جئت لنقض الناموس‬
‫)التوراة(؟‬
‫وأين يجد البابا )العنف حقا(؟ أيجده في نصوص التوراة التي جاء بها موسى في زعمهم‪ ،‬أم يجده في نصوص القرآن؟‬
‫نصوص ُمعّبرة من أسفار القوم‪:‬‬
‫وأضيف إلى هذه الفقرات التي نقلناها من التوراة‪ ،‬فقرات أخرى من التوراة وملحقاتها من أسفار العهد القديم‪ ،‬نقلها العلمة‬
‫الشيخ رحمة ال الهندي في كتابه الشهير‪) :‬إظهار الحق(‪:‬‬
‫‪ .1‬في الباب الثالث والعشرين من )سفر الخروج( هكذا‪ (23) :‬وينطلق ملكي أمامك‪ ،‬فيدخلونك على الموريين والحيثانيين‬
‫والفرزانيين والكنعانيين والحوايين واليابوسيين الذين أنا أخرجهم )‪ (24‬ل تسجدن للهتهم ول تعبدها‪ ،‬ول تعمل كأعمالهم‪،‬‬
‫ولكن خربهم تخريبا‪ ،‬واكسر أوثانهم(‪.‬‬
‫‪ .2‬في الباب الرابع والثلثين من )سفر الخروج( في حق المم الست هكذا‪ (12) :‬فاحذر أن تعاهد مطلقا سكان تلك الرض‬
‫الذين تأتيهم لئل يكونوا لك عثرة )‪ (13‬ولكن اهدم مذابحهم‪ ،‬وكسر أصنامهم‪ ،‬واقطع أنساكهم(‪.‬‬
‫‪ .3‬في الباب الثالث والثلثين من )سفر العدد(‪ (51) :‬مر بني إسرائيل وقل لهم‪ :‬إذا عبرتم الردن وأنتم داخلون أرض كنعان‬
‫)‪ (25‬فأبيدوا كل سكان تلك الرض‪ ،‬واسحقوا مساجدهم‪ ،‬واكسروا أصنامهم المنحوتة جميعها‪ ،‬واعقروا مذابحها كلها )‪(55‬‬
‫ثم أنتم إن لم تبيدوا سكان الرض‪ ،‬فالذين يبقون منهم‪ ،‬يكونون لكم كأوتاد في أعينكم‪ ،‬ورماح في أجنابكم‪ ،‬ويشقون عليكم‬
‫في الرض التي تسكنونها )‪ (56‬وما كنت عزمت أني أفعل بهم سأفعله بكم(‪.‬‬
‫‪ .4‬في الباب السابع من سفر التثنية هكذا‪ (1) :‬إذا أدخلك الرب إلهك الرض التي تدخل لترثها‪ ،‬وتبيد الشعوب الكثيرة من‬
‫قدامك‪ :‬الحيثي والجرحيثاني والموراني والكنعاني والفرراني والحواني واليبوساني‪ ،‬سبعة أمم أكثر منكم عددا وأشد منكم )‬
‫‪ (2‬وسلمهم الرب إلهك بيدك‪ ،‬فاضربهم حتى إنك ل تبقي منهم بقية‪ ،‬فل تواثقهم ميثاقا ول ترحمهم )‪ (3‬ولكن فافعلوا بهم‬
‫هكذا‪ :‬خربوا مذابحهم‪ ،‬وكسروا أصنامهم‪ ،‬وقطعوا مناسكهم‪ ،‬وأوقدوا أوثانهم(‪.‬‬
‫قال صاحب )إظهار الحق(‪:‬‬
‫فعلم من هذه العبارات أن ال أمر بإهلك كل ذي حياة من المم السبع‪ ،‬وعدم الشفقة عليهم‪ ،‬وعدم المعاهدة معهم‪ ،‬وتخريب‬
‫مذابحهم‪ ،‬وكسر أصنامهم‪ ،‬وإحراق أوثانهم‪ ،‬وقطع مناسكهم‪ ،‬وشّدد في إهلكهم تشديدا بليغا‪ ،‬وقال‪ :‬إن لم تهلكوهم أفعل بكم‬
‫ما كنت عزمت أن أفعله بهم! ووقع في حق هذه المم السبعة )أنهم أكثر منكم عددا وأشد منكم(‪ .‬وقد ثبت في الباب الول من‬
‫)سفر العدد(‪ :‬أن عدد بني إسرائيل الذي كانوا صالحين لمباشرة الحروب‪ ،‬وكانوا أبناء عشرين سنة وما فوقها‪ ،‬كان‪ :‬ستمائة‬
‫ألف وثلثة آلف وخمسمائة وخمسين رجل )‪ ،[5](603550‬وأن اللويين مطلقا ذكورا كانوا أو إناثا‪ ،‬وكذا إناث سائر‬
‫السباط الحدى عشر مطلقا‪ ،‬وكذا ذكورهم الذين لم يبلغوا العشرين سنة خارجون عن هذا العدد‪ ،‬ولو أخذنا عدد جميع بني‬
‫إسرائيل‪ ،‬وضممنا المتروكين والمتروكات كلهم بالمعدودين‪ ،‬ل يكون الكل أقل من ألفي ألف وخمسمائة ألف‪ ،‬أعني مليونين‬
‫ونصف مليون )‪ ،(2500000‬وهذه المم السبعة إذا كانت أكثر منهم عددا وأشد منهم‪ ،‬فل بد أن يكون عدد هذه المم أكثر من‬
‫عددهم‪.‬‬
‫ونقل العلمة الشيخ رحمة ال من التوراة والعهد القديم من المذابح البشرية التي ارتكبها أنبياء بني إسرائيل تطبيقا لحكام‬
‫التوراة‪ :‬ما تقشعر منه البدان‪ ،‬وتشيب له الولدان‪ .‬ننقل بعضه هنا للموازنة والعتبار‪.‬‬
‫‪ .5‬في الباب الثاني والثلثين من سفر الخروج في حال عبادة العجل هكذا‪ (25) :‬فنظر موسى عليه السلم العشب أنه صار‬
‫عريانا إنما عراه هارون لعار النجاسة‪ ،‬وجعله عريانا بين العداء )‪ (26‬فوقف في باب المحلة‪ ،‬وقال‪ :‬من كان من حزب‬
‫ي‪ ،‬فاجتمع إليه جميع بني لوي )‪ (27‬وقال لهم‪ :‬هذا ما يقول الرب إله إسرائيل‪ :‬ليتقلد كل رجل منكم سيفه‪،‬‬
‫الرب فليقبل إل ّ‬
‫فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب‪ ،‬وارتدوا وليقتل الرجل منكم أخاه‪ ،‬وصاحبه‪ ،‬وقريبه )‪ (28‬فصنع بنو لوي كما‬
‫أمرهم موسى عليه السلم‪ ،‬فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلثة وعشرين ألف رجل(‪ .‬فقتل موسى عليه السلم على‬
‫عبادة العجل ثلثة وعشرين ألفا‪.‬‬
‫‪ .6‬وفي الباب الخامس والعشرين من سفر العدد‪ ،‬أن بني إسرائيل لما زنوا ببنات المؤاب‪ ،‬وسجدوا للهتهن‪ ،‬أمر الرب‬
‫بقتلهم‪ .‬فقتل موسى أربعة وعشرين ألفا منهم‪.‬‬
‫‪ .7‬من طالع الباب الحادي والثلثين من سفر العدد‪ ،‬ظهر له أن موسى عليه السلم لما أرسل اثني عشر ألف رجل مع‬
‫فنيحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان‪ ،‬فحاربوا وانتصروا عليهم‪ ،‬وقتلوا كل ذكر منهم‪ ،‬وخمسة ملوكهم وبلعام‪ ،‬وسبوا‬
‫نساءهم‪ ،‬وأولدهم‪ ،‬ومواشيهم كلها‪ ،‬وأحرقوا القرى والدساكر والمدائن بالنار‪ ،‬فلما رجعوا غضب عليهم موسى عليه‬
‫السلم‪ ،‬وقال‪ :‬لم استحييتم النساء؟ ثم أمر بقتل كل طفل مذكر‪ ،‬وكل امرأة ثّيب‪ ،‬وإبقاء البكار‪ ،‬ففعلوا كما أمر‪ ،‬وكانت الغنيمة‬
‫من الغنم‪ :‬ستمائة وخمسة وسبعين ألفا‪ ،‬ومن البقر‪ :‬اثنين وسبعين ألفا‪ ،‬ومن الحمير‪ :‬واحدا وستين ألفا‪ ،‬ومن البكار‪ :‬اثنتين‬
‫وثلثين ألفا‪ ،‬وكان لكل مجاهد ما نهب من غير الدواب‪ ،‬والنسان‪ ،‬وما بين مقداره في هذا الباب‪ .‬غير أن رؤساء اللوف‬
‫والمئين‪ ،‬أعطوا الذهب لموسى والعازار‪ :‬ستة عشر ألفا وسبعمائة وخمسين مثقال‪ .‬وإذا كان عدد النساء البكار اثنتين‬
‫وثلثين ألفا‪ ،‬فكم يكون مقدار المقتولين من الذكور مطلقا‪ ،‬شيوخا كانوا أو شبانا أو صبيانا‪ ،‬ومن النساء الثيبات؟!‬
‫‪ .8‬عمل يوشع عليه السلم بعد موت موسى عليه السلم بالحكام المندرجة في التوراة‪ ،‬فقتل )المليين( الكثيرة‪ ،‬ومن شاء‬
‫فليطالع هذا في كتابه من الباب الول إلى الباب الحادي عشر‪ ،‬وقد صّرح في الباب الثاني عشر من كتابه‪ :‬أنه قتل واحدا‬
‫وثلثين سلطانا من سلطين الكفار‪ ،‬وتسلط بنو إسرائيل على ممالكهم‪.‬‬
‫‪ .9‬في الباب الخامس عشر من سفر القضاة في حال شمشون هكذا‪) :‬ووجد فّكا‪ ،‬أعني‪ :‬خد حمار‪ ،‬فمد يده وأخذه‪ ،‬وقتل به‬
‫ألف رجل(!‬
‫‪ .10‬في الباب السابع والعشرين من سفر صموئيل الول‪ (8) :‬وصعد داود ورجاله‪ ،‬وكانوا ينهبون أهل جاسور وجرز‬
‫وعمالق‪ ،‬لن هؤلء كانوا سكان الرض من الدهر من حد سورا حتى حد مصر )‪ (9‬وكان يخرب داود كل الرض‪ ،‬ولم يكن‬
‫ُيبقي منهم رجل‪ ،‬ول امرأة‪ ،‬ويأخذ الغنم‪ ،‬والبقر‪ ،‬والحمير‪ ،‬والجمال والمتعة‪ ،‬وكان يرجع ويأتي إلى أخيس(‪ .‬انظروا إلى‬
‫فعل داود عليه السلم‪ :‬إنه كان يخرب الرض‪ ،‬وما ُيبقي رجل‪ ،‬ول امرأة من أهل جاسور‪ ،‬وجرز وعمالق‪ ،‬وينهب دوابهم‬
‫وأمتعتهم!‬
‫‪ .11‬في الباب الثامن من سفر صموئيل الثاني‪ (2) :‬وضرب المؤابيين وجرهم بالحبال‪ ،‬وأضجعهم على الرض‪ ،‬وأعد حبلين‬
‫للقتل‪ ،‬وحبل واحدا للستحياء‪ ،‬وكان المؤابيون عبيدا لداود يؤدون إليه الخراج )‪ (3‬وضرب داود أيضا هدر عازار بن‬
‫راحوب ملك صوبا ‪ ...‬إلخ )‪ (5‬فأتت أرام دمشق‪ ،‬ليعينوا هدر عازار ملك صوبا‪ ،‬وضرب )أي بالسيف( داود من أرام اثنين‬
‫وعشرين ألف رجل(‪ .‬فانظروا إلى فعل داود عليه السلم بالمؤابيين‪ ،‬وهدر عازار‪ ،‬وجيشه وجيش أرام‪.‬‬
‫‪ .12‬الية الثامنة عشر من الباب العاشر من سفر صموئيل الثاني هكذا‪) :‬وهرب السريانيون من بين يدي إسرائيل‪ ،‬وقتل‬
‫داود من السريانيين سبعمائة مربك‪ ،‬وأربعين ألف فارس‪ ،‬وسوباك رئيس الجيش ضربه فمات في ذلك المكان(‪.‬‬
‫‪ .13‬وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا‪ (19) :‬فجمع داود جميع الشعب‪ ،‬وسار إلى راية فحارب أهلها‪،‬‬
‫وفتحها )‪ (30‬وأخذ تاج ملكها عن رأسه‪ ،‬وكان وزنه قنطارا من الذهب‪ ،‬وكان فيه جواهر مرتفعة‪ ،‬ووضعوه على داود‪،‬‬
‫وغنيمة القرية أخرجها كثيرة جدا )‪ (31‬والشعب الذي كانوا فيها أخذهم ونشرهم بالمناشير‪ ،‬وداسهم بموارج حديد‪ ،‬وقطعهم‬
‫بالسكاكين‪ ،‬وأجازهم بقمين الجاجر‪ ،‬كذلك صنع بجميع قرى بني عمون‪ ،‬ورجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم(‪ .‬ونقلت‬
‫هذه العبارة لفظا لفظا‪ ،‬عن الترجمة العربية المطبوعة سنة ‪1831‬م‪ ،‬وسنة ‪1844‬م‪ .‬فانظروا كيف قتل داود عليه السلم بني‬
‫عمون قتل شنيعا‪ ،‬وأهلك جميع القرى بمثل هذا العذاب العظيم الذي ل يتصور فوقه]‪ [6‬انتهى‪.‬‬
‫هذا بعض ما نقله العلمة الشيخ رحمة ال في كتابه )إظهار الحق( من كتب القوم المقدسة‪ ،‬بنصوصه وحروفه‪ ،‬على ما فيها‬
‫من ركاكة‪ ،‬وهو غيض من فيض‪ ،‬وقليل من كثير‪ .‬وكل نص منها ينضح بالقسوة البالغة‪ ،‬والوحشية القاسية‪ ،‬التي ل تعرف‬
‫الرحمة إليها سبيل‪ ،‬بل إن الوحوش ل تقتل إل ما تحتاج إليه لكلها‪ ،‬أما تذبيح اللوف‪ ،‬وعشرات اللوف‪ ،‬بل مئات اللوف‬
‫من البشر‪ ،‬بهذه الستهانة والسهولة‪ ،‬كأنما تبيد صراصير‪ ،‬أو نمل‪ ،‬ل لسبب ول لجرم إل لنهم مخالفون في الدين‪ ،‬أو لنهم‬
‫سكان أرض معينة‪ ،‬وأن يتم ذلك من رسل وأنبياء لهم مقام عند ال‪ ،‬مثل موسى ويوشع وداود وغيرهم‪ ،‬فهذا هو الذي يذر‬
‫الحليم حيران]‪![7‬‬
‫ول غرو أن تؤثر هذه القصص السرائيلية‪ ،‬والخبار الدينية‪ ،‬المنقولة من أسفار التوراة‪ ،‬وملحقات التوراة‪ ،‬من أسفار‬
‫النبياء‪ ،‬في نفوس قراء هذه النصوص المقدسة عندهم من اليهود والنصارى على السواء‪ ،‬وأن تنشئ فيهم تلك )النفسية‬
‫المتوحشة( التي ل ترحم ول ترق لضعيف ول مسكين‪ ،‬وتستحل قتل النساء والولدان والشيوخ‪ ،‬الذين ل يستطيعون حيلة‪،‬‬
‫ن َبْعِد َذِل َ‬
‫ك‬ ‫ت ُقُلوُبُكْم ِم ْ‬
‫س ْ‬‫ول يهتدون سبيل‪ ،‬ول عجب أن وصف القرآن بني إسرائيل بهذا الوصف المعبر‪ ،‬فقال تعالى‪ُ :‬ثّم َق َ‬
‫ن ِمْنَها َلَما َيْهِب ُ‬
‫ط‬ ‫ج ِمْنُه اْلَماُء وَِإ ّ‬‫خُر ُ‬
‫ق َفَي ْ‬
‫شّق ُ‬
‫ن ِمْنَها َلَما َي ّ‬
‫جُر ِمْنُه اَْلْنَهاُر َوِإ ّ‬
‫جاَرِة َلَما َيَتَف ّ‬
‫حَ‬‫ن اْل ِ‬
‫ن ِم َ‬
‫سَوًة َوِإ ّ‬
‫شّد َق ْ‬
‫جاَرِة َأْو َأ َ‬
‫حَ‬‫ي َكاْل ِ‬
‫َفِه َ‬
‫ن ]البقرة‪.[74:‬‬ ‫عّما َتْعَمُلو َ‬‫ل ِبَغاِفٍل َ‬ ‫ل َوَما ا ُّ‬ ‫شَيِة ا ِّ‬
‫خ ْ‬
‫ن َ‬ ‫ِم ْ‬
‫وفي مقام آخر قال تعالى عن بني إسرائيل بعد أن أخذ عليهم الميثاق أن يعملوا الصالحات‪ ،‬حتى يستحقوا مثوبة ال سبحانه‬
‫سَيًة ]المائدة‪.[13:‬‬
‫جَعْلَنا ُقُلوَبُهْم َقا ِ‬
‫ضِهْم ِميَثاَقُهْم َلَعّناُهْم َو َ‬
‫وتعالى‪َ :‬فِبَما َنْق ِ‬

‫]‪ -[1‬في إنجيل متى‪ :‬الصحاح )‪) :(5‬ل تظنوا أني جئت للغي الشريعة أو النبياء‪ ،‬ما جئت للغي‪ ،‬بل لّكمل( الفقرة )‪ ،(17‬وانظر‪ :‬إنجيل مرقص‪:‬‬
‫‪ ،9/50‬لوقا‪.14/35،34 :‬‬
‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬الكتاب المقدس )التوراة ( سفر التثنية‪ :‬الصحاح العشرين‪ 18-10 :‬صـ‪.392،393‬‬
‫]‪ -[3‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(16788‬وقال محققوه‪ :‬إسناده صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬وأبو داود في الصيد )‪ ،(2845‬والترمذي في الحكام‬
‫والفوائد )‪ ،(1486‬وقال‪ :‬حسن صحيح‪ ،‬والنسائي في الصيد والذبائح )‪ ،(4280‬وابن ماجة في الصيد )‪ ،(3205‬عن عبد ال بن ُمَغّفل‪ ،‬وصححه‬
‫اللباني في صحيح الجامع )‪.(5321‬‬
‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬كتابنا )رعاية البيئة في شريعة السلم( فصل‪ :‬المحافظة على الموارد صـ‪. 95-91‬‬
‫]‪ -[5‬ناقش العلمة ابن خلدون في مقدمته هذه الرقام‪ ،‬التي ذكرتها التوراة عن أعداد بني إسرائيل‪ ،‬وبين بالمنطق التاريخي‪ :‬أنها غير صحيحة على‬
‫الطلق‪ ،‬وأنها ل تتفق مع المدة الزمنية التي قضاها بنو إسرائيل في مصر‪ ،‬وما أصابهم فيها من تذبيح وتقتيل‪ .‬وهو تحقيق في غاية الصواب‪ .‬وقد‬
‫سبقه إلى شيء من ذلك‪ :‬المام ابن حزم في كتابه )الفصل في الملل والهواء والنحل( )‪ (263-1/261‬فصل‪ :‬تخبط كتب اليهود في عدوهم حين‬
‫خروجهم من مصر‪ .‬طبعة عكاظ للنشر والتوزيع‪ ،‬ولكن العلمة رحمة ال في )إظهار الحق( يؤاخذهم بما سجلوه في كتبهم المقدسة على أنفسهم‪.‬‬
‫]‪ -[6‬انظر‪ :‬كتاب إظهار الحق )‪ (504-2/496‬طبعة إحياء التراث السلمي في قطر‪.‬‬
‫]‪ -[7‬وإن كنا نحن المسلمين ‪-‬بحكم تعظيمنا لرسل ال وأنبيائه‪ -‬نبرئهم من هذه التهم الشنيعة‪ ،‬والجرائم الفظيعة‪ ،‬ونعتقد أن هذه الفظائع المرّوعة‬
‫مما أضيف إلى التوراة وملحقاتها‪ ،‬أو على القل بولغ فيها‪.‬‬
‫صفحات‪ ..‬من مذابح النصارى بعضهم لبعض‬
‫إن الذين يتهمون السلم بأنه )دين السيف( وأنه قهر الناس بالسيف‪ ،‬هم أول الناس وأكثر الناس استعمال للسيف‪ ،‬بموجب‬
‫وبغير موجب‪ ،‬ول سيما فيما بين بعضهم وبعض‪.‬‬
‫وأكتفي بأن أذكر هنا ما سجله العلمة الشيخ رحمه ال الهندي في كتابه القيم )إظهار الحق( الذي رّد فيه على المبشرين‬
‫البروتستانت دعاواهم الكاذبة على السلم‪ ،‬ومن هذه الدعاوى‪ :‬أن السلم انتشر بالسيف‪ .‬وقد بّين الشيخ بالبراهين‪ :‬أن هذا‬
‫الدعاء غير صحيح كما أشار إليه في المر السابع من مقدمة الكتاب‪ ،‬كما بين أن أفعالهم ُتكّذب أقوالهم‪ ،‬وأنهم أكثر الناس‬
‫استعمال للسيف كما أن أسلفهم من أهل ِملتهم إذا تسلطوا تسلطا تاما‪ ،‬اجتهدوا في إبادة المخالفين‪ .‬قال‪ :‬وأنا أنقل بعض‬
‫الحالت من كتبهم ورسائلهم‪ ،‬فأنقل حالهم بالنسبة إلى )اليهود( من كتاب )كشف الثار في قصص أنبياء بني إسرائيل( الذي‬
‫عرفته في بيان المر الثاني‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫موقف المسيحيين من اليهود‪:‬‬
‫قال صاحبه في الصفحة )‪) :(27‬القسطنطين العظم ‪-‬الذي كان قبل الهجرة بثلثمائة سنة تقريبا‪ -‬أمر بقطع آذان اليهود‪،‬‬
‫وإجلئهم إلى أقاليم مختلفة‪ ،‬ثم أمر ملك الملوك الرومي في القرن الخامس من القرون المسيحية‪ ،‬بإخراجهم من البلدة‬
‫السكندرية التي كانت مأمنهم من مدة‪ ،‬وكانوا يجيئون إليها من كل جانب‪ ،‬فيستريحون فيها‪ .‬وأمر بهدم كنائسهم‪ ،‬ومنع‬
‫عبادتهم‪ ،‬وعدم قبول شهادتهم‪ ،‬وعدم نفاذ الوصية إن أوصى أحد منهم لحد في ماله‪ ،‬ولما ظهرت منهم مقاومة‪ ،‬بسبب هذه‬
‫الحكام‪ :‬نهب جميع أموالهم‪ ،‬وقتل كثيرا منهم‪ ،‬وسفك الدماء بظلم ارتعد له جميع يهود هذا القليم(‪.‬‬
‫طع أعضاء البعض‪ ،‬وقّتل البعض‪،‬‬ ‫سروا بعد ما صاروا مغلوبين‪ ،‬ق ّ‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(28‬إن يهود البلد )انطيوح( لما ُأ ِ‬
‫ك الملوك في جميع مملكته هؤلء المشاركين بأنواع الظلم‪ ،‬ثم أجلهم من مملكته آخرا‪.‬‬ ‫ظَلم‪ ،‬مل ُ‬
‫وأجلى الباقين منهم كلهم‪ ،‬و َ‬
‫وهيج ولة الممالك الخرى على أن يعاملوا اليهود هذه المعاملة‪ ،‬فكان حالهم أنهم تحملوا الظلم من آسيا إلى أقصى حد‬
‫أوربا‪ ،‬ثم بعد مدة قليلة كلفوا في مملكة إسبانيا لقبول شرط من الشروط الثلثة‪ :‬أن يقبلوا الملة المسيحية‪ ،‬فإن أبوا عن‬
‫جَلوا من أوطانهم‪.‬‬‫قبولها يكونوا محبوسين‪ ،‬وإن أبوا عن كليهما ُي ْ‬
‫وصار مثل هذه المعاملة معهم في ديار فرنسا‪ .‬فهؤلء المساكين كانوا ينتقلون من إقليم إلى إقليم‪ ،‬ول يحصل لهم موضع‬
‫ضا‪ ،‬بل قتلوا في كثير من الوقات‪ ،‬كما قتلوا في ممالك الفرنج(‪.‬‬
‫القرار‪ ،‬ولم يحصل لهم المن في آسيا أي ً‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(29‬إن أهل ِملة الكاثوليك كانوا يظلمونهم باعتقاد أنهم كفار‪ ،‬وعظماء هذه الملة عقدوا مجلسا‬
‫للمشورة‪ ،‬وأجروا عليهم عدة أحكام‪:‬‬
‫)الول(‪ :‬من حمى يهوديا ضد مسيحي يكون ذا خطأ‪ ،‬ويخرج عن الملة‪.‬‬
‫طى يهودي منصبا في دولة من الدول‪.‬‬
‫)والثاني(‪ :‬أنه ل ُيع َ‬
‫)والثالث(‪ :‬لو كان مسيحي عبده فهو حر‪.‬‬
‫)والرابع(‪ :‬ل يأكل أحد مع اليهودي‪ ،‬ول يعامله‪.‬‬
‫)والخامس(‪ :‬أن ُينـزع الولد منهم وُيرّبْون في الملة المسيحية‪ ...‬وهكذا كان أحكام أخر(‪.‬‬
‫أقول‪ :‬ل شك أن الحكم الخامس أشد أنواع الكراه‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬كانت عادة أهل البلدة ثولوس من إقليم فرنسا‪ :‬أنهم كانوا يلطمون وجوه اليهود في عيد الفصح! وكان رسم البلدة‬
‫بزيرس‪ :‬أن أهلها من أول يوم الحد من أيام العيد إلى يوم العيد‪ ،‬كانوا يرمون اليهود بالحجارة‪ ،‬وكان يكثر القتل أيضا في‬
‫هذا الرمي‪ ،‬وكان حاكم البلدة المسيحي المذهب يحرض أهلها على هذا الفعل(‪.‬‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(31 ،30‬دبر سلطين فرنسا في حق اليهود أمرا‪ ،‬وهو أنهم كانوا يتركون اليهود إلى أن يصيروا‬
‫متمولين بالكسب والتجارة‪ ،‬ثم يسلبون أموالهم‪ ،‬وبلغ هذا الظلم لجل الطمع غايته‪.‬‬
‫ثم لما صار )فيليب أوغسطس( سلطانا في فرنسا‪ ،‬أخذ أوًل الخمس من ديون اليهود التي كانت على المسيحيين‪ ،‬وأبرأ من‬
‫الباقي ذمة المسيحيين‪ ،‬وما أعطى اليهود حبة‪ ،‬ثم أجلى اليهود كلهم من مملكته‪ ،‬ثم جلس على سرير السلطنة )سانت لويس(‬
‫وهو يطلب اليهود مرتين في مملكته‪ .‬وأجلهم مرتين‪ ،‬ثم أجلى )جرلس السادس( اليهود من مملكة فرنسا‪.‬‬
‫وقد ثبت من التواريخ‪ :‬أن اليهود أجلوا من مملكة فرنسا سبع مرات‪ ،‬وعدد اليهود الذين أخرجوا من مملكة أسبانيا ‪-‬لو فرض‬
‫في جانب القلة‪ -‬ل يكون أقل من ألف وسبعين ألف بيت!‬
‫سّدوا أول‬
‫وفي مملكة )النمسا( قتل كثير منهم‪ ،‬ونهب كثير منهم‪ ،‬ونجا منهم قليل‪ ،‬وهم الذين تنصروا‪ ،‬ومات كثير منهم بأن َ‬
‫أبوابهم‪ ،‬ثم أهلكوا أنفسهم وأولدهم وأزواجهم وأموالهم‪ ،‬إما بالغراق في البحر‪ ،‬أو بالحراق بالنار‪ ،‬وقتل غير المحصورين‬
‫منهم في الجهاد المقدس‪.‬‬
‫وكان النكليز اتفقوا على أن يظلموا اليهود‪ ،‬فلما حصل اليأس العظيم ليهود البلدة )يرك( بسبب الظلم‪ ،‬قتل بعضهم بعضا‪،‬‬
‫فقتل ألف وخمسمائة من الرجال والنساء والطفال‪ ،‬وصاروا أذلء في هذه المملكة بحيث إذا بغى المراء على السلطان‪ ،‬قتلوا‬
‫سبعمائة يهودي‪ ،‬ونهبوا أموالهم‪ ،‬لجل أن يظهروا شوكتهم على الناس‪ ،‬وسلب )رجاردوجان( و)هنري الثالث( من سلطين‬
‫انكلتره مرارا‪ :‬أموال اليهود ظلما سيما )هنري الثالث(‪ ،‬فإنه كانت عادته أنه كان ينهب اليهود بكل طريق على وجه الظلم‪،‬‬
‫وعدم الرحمة‪ .‬وقد جعل أغنياءهم الكبار فقراء وظلمهم‪ ،‬بحيث رضوا بالجلء‪ ،‬واستجازوا أن يخرجوا من مملكته‪ ،‬لكنه ما‬
‫ضا‪ .‬ولما جلس )ادورد الول( على سرير السلطنة‪ ،‬ختم المر بأن نهب أموالهم كلها‪ ،‬ثم أجلهم من‬
‫قبل هذا المر منهم أي ً‬
‫مملكته‪ ،‬فأجلى أكثر من خمسة عشر ألف يهودي في غاية العسر(‪.‬‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(32‬نقل مسافر اسمه )سوتي(‪ :‬أنه كان حال قوم برتكال )البرتغال( قبل خمسين عاما‪ :‬أنهم كانوا‬
‫يأخذون اليهودي ويحرقونه بالنار‪ ،‬ويجتمع رجالهم ونساؤهم يوم إحراقه‪ ،‬كاجتماع يوم العيد‪ ،‬وكانوا يفرحون بذلك‪ .‬وكانت‬
‫النساء يصحن )أي يزغردن( وقت إحراقه فرحا(!‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(33‬إن البابا الذي هو عظيم فرقة الكاثوليك قرر عدة قوانين شديدة في حق اليهود(‪ .‬انتهى كلم كشف‬
‫الثار في قصص أنبياء بني إسرائيل‪.‬‬
‫وقال صاحب سير المتقدمين‪) :‬إن السلطان السادس )قسطنطين الول(‪ ،‬أمر بمشورة أمرائه في سنة )‪379‬م( أن يتنصر كل‬
‫من هو في السلطنة الرومية ويقتل َمن لم يتنصر( انتهى‪ .‬قال‪ :‬وأي إكراه أكثر من هذا؟!‬
‫مذبحة الصليبيين في القدس‪:‬‬
‫و)لطامس نيوتن( )تفسير( للخبار عن الحوادث المستقلة المندرجة في الكتب المقدسة‪ .‬وطبع هذا التفسير سنة ‪1803‬م في‬
‫لندن‪ .‬ففي الصفحة )‪ (65‬من المجلد الثاني في بيان تسلط أهل التثليث على أورشليم هكذا‪) :‬فتحوا أورشليم )القدس( في‬
‫الخامس عشر من شهر تموز الرومي سنة ‪1099‬م بعدما حاصروا خمسة أسابيع‪ ،‬وقتلوا غير المسيحيين‪ ،‬فقتلوا أكثر من‬
‫سبعين ألفا من المسلمين‪ ،‬وجمعوا اليهود وأحرقوهم‪ ،‬ووجدوا في المساجد غنائم عظيمة( انتهى‪.‬‬
‫بعض ما فعل الكاثوليك بالبروتستانت‪:‬‬
‫قال‪ :‬وإذا عرفت حال ظلمهم في حق اليهود خصوصا‪ ،‬وفي حق رعية السلطنة عموما‪ ،‬وما فعلوا عند تسلطهم على أورشليم‪،‬‬
‫فالن أذكر نبذا مما فعل الكاثوليك بالنسبة إلى غيرهم من المسيحيين‪ ،‬وأنقل هذه الحالت عن كتاب )الثلث عشرة رسالة(‬
‫الذي طبع في بيروت سنة ‪1849‬م من الميلد باللسان العربي‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫)قال في الصفحة )‪) :(16 ،15‬أما الكنيسة الرومانية‪ ،‬فقد استعملت مرات كثيرة الضطهادات والطرد المزعج ضد‬
‫البروتستانت‪ ،‬أي الشهود أو بالحري الشهداء‪ ،‬وذلك في ممالك أوربا‪ .‬ويظن أنها أحرقت في النار أقل ما يكون‪ :‬مائتين‬
‫وثلثين ألفا من الذين آمنوا بيسوع دون البابا‪ ،‬واتخذوا الكتب المقدسة وحدها هدى وإرشادا ليمانهم وأعمالهم‪ ،‬وقد قتلت‬
‫ضا منهم ألوفا وربوات بحد السيف والحبوس والكلبتين‪ ،‬وهي آلة لتخليع المفاصل بالجذب‪ ،‬وأفظع العذابات المتنوعة‪ .‬ففي‬ ‫أي ً‬
‫فرنسا قتل في يوم واحد ثلثون ألف رجل‪ ،‬وذلك في اليوم الملقب بيوم ماريرثو لماوس‪ ،‬وعلى هذا السلوب أذيالها مختضبة‬
‫بدماء القديسين( انتهى كلمه بلفظه‪.‬‬
‫وفي الصفحة )‪ (338‬في الرسالة الثانية عشرة من الكتاب المذكور‪) :‬يوجد قانون وضع في المجمع الملتئم في توليدو في‬
‫أسبانيا يقول‪ :‬إننا نضع قانونا‪ :‬أن كل َمن يأتي إلى هذه المملكة فيما بعد‪ ،‬ل نأذن له أن يصعد إلى الكرسي إن لم يحلف أول‪:‬‬
‫أنه ل يترك أحدا غير كاثوليكي يعيش في مملكته‪ ،‬وإن كان بعد ما أخذ الحكم يخالف هذا العهد فليكن محروما‪ ،‬قدام الله‬
‫السرمدي‪ ،‬وليصر كالحطب للنار البدية(‪ .‬مجموع المجامع من كارتر أوجه ‪.404‬‬
‫)والمجمع اللتراني يقول‪ :‬إن جميع الملوك والولة وأرباب السلطنة فليحلفوا‪ :‬أنهم بكل جهدهم وقلوبهم يستأصلون جميع‬
‫رعاياهم المحكوم عليهم من رؤساء الكنيسة بأنهم هراطقة‪ ،‬ول يتركون أحدا منهم في نواحيهم‪ ،‬ومن كانوا ل يحفظون هذه‬
‫ضا في مجمع قسطنطينية( جلسة ‪.45‬‬ ‫حّل من الطاعة لهم( رأس ‪) 3‬وهذا القانون قد ثبت أي ً‬
‫اليمين‪ ،‬فشعبهم في ِ‬
‫)ومن رسم البابا مرتينوس الخامس( عن ضلل فيكل‪) .‬وفي اليمين التي حلفت بها الساقفة تحت رياسة البابا بولينوس‬
‫الثالث سنة‪1551‬م يوجد هذا الكلم‪ :‬أن الهراطقة وأهل النشقاق والعصاة على سيدنا البابا وخلفائه‪ ،‬هؤلء بكل قوتي‬
‫أطردهم‪ ،‬أبيدهم(‪.‬‬
‫والمجمع اللتراني ومجمع قسطنطينية يقولون‪ ) :‬إن الذي يمسك الهراطقة له إذن وسلطة أن يأخذ منهم كل مالهم ويستعمله‬
‫لنفسه من غير مانع( مجمع لتراني ‪ 4‬مجلد ‪ 2‬فصل ‪ 1‬وجه ‪ 152‬ومجمع قسطنطينية جلسة ‪ 45‬مجلد ‪) 7‬والبابا‬
‫اينوشنيسوس الثالث يقول‪ :‬إن هذا القصاص على الهرطقة نحن نأمر به كل الملوك والحكام‪ ،‬ونلزمهم إياه تحت القصاصات‬
‫الكنائسية( رسم ‪ 7‬كتاب ‪.5‬‬
‫وفي سنة ‪1724‬م وضع الملك لويس الحادي عشر ثمانية عشر قانوًنا‪.‬‬
‫أولها‪ :‬أننا نأمر أن الديانة الكاثوليكية وحدها‪ ،‬تكون مأذونة في مملكتنا‪ ،‬وأما الذين يتمسكون بديانة أخرى فليذهبوا إلى‬
‫العتقال طول حياتهم‪ ،‬والنساء فلتقطع شعورهن ويحبسن إلى الموت!‬
‫وثانيها‪ :‬أننا نأمر أن جميع الواعظين الذين جمعوا جماعات على غير العقائد الكاثوليكية‪ ،‬والذين علموا أو مارسوا عبادة‬
‫مخالفة لها يعاقبون بالموت‪ .‬وفي مخاطبة الساقفة في أسبانيا للملك سنة ‪1765‬م يقولون له‪ :‬أعط الرسوم كل قوتها‪،‬‬
‫والديانة كل مجدها‪ ،‬لكن تسبب هذه المقالة منا تجديد قوانين سنة ‪1724‬م المذكورة )وكان من جملة رسوم إنكلترا تحت‬
‫رياسة البابا‪ :‬أن كل َمن يقول إنه ل يجوز أن يسجد لليقونات‪ :‬يحبس في السجن الشديد‪ ،‬حتى يحلف أنه يسجد لها‪،‬‬
‫والسقف أو القاضي الكنائسي له سلطان أن يحضر إليه‪ ،‬أو يحبس كل من يقع عليه الشبهة‪ :‬أنه هرطيقي‪ ،‬والهرطيقي العنيد‬
‫فليحرق بالنار قدام الشعب‪ ،‬وجميع الحكام فليحلفوا أنهم يعينون هذا القاضي على استئصال الهراطقة الذين عندما تظهر‬
‫ضا عدد ‪ 4‬وجه‬ ‫هرطقتهم تسلب أموالهم ويسلمون إليه‪ ،‬وتمحى خطاياهم بلهيب النار(‪ .‬كوك فرائض عدد ‪ 3‬وجه ‪ 41 ،40‬وأي ً‬
‫‪) 15‬وبارونيوس يقول‪ :‬عن الملك كارلوس الخامس‪ ،‬كان يظن برأيه الباطل‪ :‬أنه يستأصل الهراتقة ليس بالسيف‪ ،‬بل بالكلم‪،‬‬
‫وفي فهرس الكتاب المقدس المطبوع في رومية باللتيني والعربي تحت حرف الهاء يوجد هذا التعليم‪ :‬أن الهراطقة ينبغي لنا‬
‫أن نهلكهم‪ ،‬ويورد الثبات على ذلك‪ :‬أن الملك ياهو قتل الكهنة الكذبة‪ ،‬وإيليا ذبح كهنة باعل‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬فإذن هكذا ينبغي‬
‫لولد الكنيسة أن يهلكوا الهراتقة(‪.‬‬
‫ثم في الصفحة )‪) :(348 ،347‬والمؤرخ منتوان المتقدم في رياسة الكرمليين مع غيره من المؤرخين‪ ،‬يخبرنا عن كاروز‬
‫بالنجيل معتبر‪ ،‬يقال له )ثوما( من رودن‪ ،‬أحرقه البابا بالنار‪ ،‬لنه كّرز ضد فسادات الكنسية الرومانية‪ ،‬والمؤرخون يدعونه‬
‫سا وشهيًدا حقيقًيا للمسيح(‪.‬‬
‫قدي ً‬
‫وفي الصفحة )‪ 350‬إلى ‪) :(355‬في سنة ‪1194‬م أمر الديفونسو ملك اراغون في أسبانيا بنفي الواضيين من بلده‪ ،‬لنهم‬
‫هراطقة ‪ ...‬وفي سنة ‪1206‬م رغما عن المير رايمون والي مدينة ثولوس‪ ،‬أرسل البابا قضاة بيت التفتيش إلى تلك المدينة‪،‬‬
‫لن المير المذكور كان قد أبى أن ينفي هؤلء الواضيين‪ ،‬ثم بعد قليل أرسل ملك فرنسا بطلب البابا إلى تلك المدينة ونواحيها‬
‫عسكًرا‪ ،‬عدده ثلثمائة ألف‪ ،‬فحاصر المير رايمون في مدينته لجل المحاماة عن نفسه‪ ،‬ولكي يدفع القوة بالقوة‪ ،‬فُذبح في‬
‫ذلك القتال ألف ألف )مليون(‪ ،‬وانكسر أهل رايمون‪ ،‬وأحاط بهم كل صنف من الهانات والعذابات‪ ،‬وكان البابا في حركة هذه‬
‫الحروب يقول لقومه‪ :‬إننا نعظكم ونحتم عليكم أن تجتهدوا في ملشاة هذه الهرطقة الخبيثة‪ :‬هرطقة اللبجيين أي الواضيين‪،‬‬
‫وتطردوهم بيد قوية أشد مما يكون ضد الساراجين أي المسلمين ‪...‬‬
‫وفي سنة ‪1400‬م في آخر شهر كانون الول‪ ،‬قام أهل البابا بغتة على الواضيين في اوديابيت مونت بلد ملك سردينيا‪،‬‬
‫فهربوا من وجوههم بل قتال‪ ،‬ولكن قتل كثيرون بالسيف‪ ،‬وكثيرون ماتوا بالثلج‪.‬‬
‫ثم إن البابا بعد ذلك بسبع وثمانين سنة‪ ،‬كلف البرتوس ارشيديا كونوس في مدينة كريمونا‪ :‬أن يحارب الواضيين في النواحي‬
‫القبلية من فرنسا‪ ،‬وفي أوديابيت مونتن حيث بقي البعض منهم من الذين رجعوا بعد الحرب في سنة‪1400‬م‪ ،‬وهذا الرجل‬
‫المذكور تقدم حاًل ومعه ثمانية عشر ألف محارب‪ ،‬وأقام تلك الحرب التي استمرت نحو ثلثين سنة على المسيحيين الذين‬
‫قالوا‪ :‬نحن في كل وقت نكرم الملك ونؤدي الجزية‪ ،‬ولكن أرضنا وديانتنا التي ورثناها من ال ومن آبائنا ل نريد أن نتركها‪،‬‬
‫وفي كالبريا من بلد إيطاليا سنة ‪1560‬م قتل ألوف ألوف‪ ،‬من البروتستنتيين‪ ،‬بعضهم قتلهم العسكر‪ ،‬وبعضهم محكمة‬
‫التفتيش‪.‬‬
‫قال أحد المعلمين الرومانيين‪ :‬إنني أرتعد كلما أفتكر بذلك الجلد‪ ،‬والخنجر الدموي بين أسنانه‪ ،‬والمنديل يقطر دًما بيده‪ ،‬وهو‬
‫متلطخ بيديه إلى الكارع‪ ،‬يسحب واحًدا بعد واحد من السجن‪ ،‬كما يفتك الجزار بالغنم!!‬
‫وفي سنة ‪1601‬م نفى دوك السافوي خمسمائة عائلة من الواضيين ‪...‬‬
‫ضا سنة ‪1655‬م وسنة ‪1676‬م تجددت الضطهادات عليهم في أوديابيد مونت‪ ،‬لن الملك لويس الرابع عشر بإشارة من‬ ‫وأي ً‬
‫البابا تقدم إليهم بجيشه‪ ،‬وهم في بيوتهم بغاية الطمأنينة‪ ،‬فذبح العسكر خلًقا كثيًرا منهم‪ ،‬ووضعوا في الحبس أكثر من عشرة‬
‫الف‪ ،‬فمات كثير منهم من الزحام والجوع‪ ،‬والذين سلموا أخرجوهم لكي ينـزحوا من تلك البلد‪ ،‬وكان ذلك اليوم شديد البرد‬
‫والرض مغطاة بالثلج‪ .‬والجليد‪ ،‬فكان كثير من المهات وأولدهن في أحضانهن موتى على جانب الطريق من البرد‪..‬‬
‫وكارلوس الخامس سنة ‪1521‬م‪ ،‬أخرج أمًرا في طرد البروتستنتيين في بلد فلمنك عن رأي البابا‪ ،‬وبسبب ذلك قتل‬
‫خمسمائة ألف نفر!!‬
‫وبعد كارلوس تولى ابنه فيلبس‪ ،‬ولما ذهب إلى أسبانيا سنة ‪1559‬م‪ ،‬استخلف المير ألفا على طرد البروتستنتيين‪ ،‬والمذكور‬
‫في أشهر قليلة قتل على يد الجلد الملوكي الشرعي ثمانية عشر ألًفا‪ ،‬وبعد ذلك كان يفتخر بأنه قتل في كل المملكة ستة‬
‫وثلثين ألفا! والقتيل الذي يذكره المعلم كين في عيد مار برثولماوس‪ ،‬كان في آب سنة ‪1572‬م في وقت السلمة الكاملة‪،‬‬
‫وكان الملك ملك فرنسا قد وعد بأخته لمير نافار‪ ،‬وهو من علماء البروتستنتيين وأشرافهم‪ ،‬ثم اجتمع هو وأصدقاء أعيان‬
‫كنيستهم في باريس لجل إستتمام الوعد بالزواج‪ ،‬ولما ضربت النواقيس لجل الصلة الصباحية‪ ،‬قاموا بغتة حسب اتفاقهم‬
‫السابق على المير وأصحابه‪ ،‬وعلى جميع البروتستنتيين في باريس‪ ،‬فذبحوا منهم عشرة آلف شخص!‬
‫وهكذا جرى أيضًا في روين وليون وأكثر المدن في تلك البلد‪ ،‬حتى قال البعض من المؤرخين‪ :‬إنه قتل نحو ستين ألفا‪.‬‬
‫واستمر هذا الضطهاد مدة ثلثين سنة‪ ،‬لن البروتستنتيين أمسكوا سلحهم لكي يدفعوا القوة بالقوة‪ ،‬ومات في هذا الحرب‬
‫منهم تسعمائة ألف‪.‬‬
‫ولما سمع في رومية فعل ملك فرنسا في عيد مار برثولماوس‪ ،‬أطلقوا المدافع من البراج‪ ،‬وذهب البابا مع الكرديناليين ليرتل‬
‫مزمور الشكر في كنيسة الرومانية بهذا العمل‪ ،‬فلما جلس الملك هنري الرابع على كرسي فرنسا قطع هذا الضطهاد سنة‬
‫‪1593‬م‪ .‬لكن يظن أنه قتل لجل عدم تسليمه بالغتصاب في أمر الدين‪.‬‬
‫)ثم أنه في سنة ‪1675‬م تجدد الضطهاد وبعدما قتل خلق كثير يقول المؤرخون‪ :‬إن خمسين ألفا اضطروا أن يتركوا بلدهم‬
‫لكي ينجوا من الموت( انتهى كلمه‪ ،‬ونقلت عبارة هذا الكتاب بألفاظها من الرسالة الثانية عشرة‪.‬‬
‫بعض ما فعل البروتستانت انتقاما من الكاثوليك‪:‬‬
‫وإذا عرفت حال ظلم فرقة الكاثوليك‪ ،‬فاعلم أن حال ظلم فرقة بروتستنت قريب منه‪ ،‬وأنقل هذا الحال عن كتاب )مـرآة‬
‫الصدق( الذي ترجمه القسيس طامس انكلس من علماء الكاثوليك‪ ،‬من اللسان النكليزي إلى اردو‪ ،‬وطبع سنة ‪1851‬م من‬
‫الميلد‪ .‬ويوجد هذا الكتاب عند أهل هذه الفرقة في الهند كثيًرا‪.‬‬
‫وفي الصفحة )‪) :(42 ،41‬سلب بروتستنت في ابتداء أمـرهم ستمائة وخمسة وأربعين رباطا‪ ،‬وتسعين مدرسة‪ ،‬وألفين‬
‫وثلثمائة وستة وسبعين كنيسة‪ ،‬ومائة وعشر مارستانات من أملكها‪ ،‬فباعوها بثمن بخس وتقاسمها المراء فيما بينهم‪،‬‬
‫وأخرجوا ألوفا من المساكين المفلوكين عرايا من هذه المكنة(‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬بل آذوا أجسادهم في نوم العدم وسلبوا أكفانهم(‪.‬‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(45‬امتد طمعهم أنهم ما تركوا الموات أي ً‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(48،49‬وضاعت في هذه الغنائم كتبخانات ذكرها جيء بيل متحسرا بهذه اللفاظ‪ :‬إنهم سلبوا كتبا‬
‫واستعملوا أوراقها في الشواء‪ ،‬وفي تطهير الشمعدانات والنعال‪ ،‬وباعوا بعض الكتب على العطارين وباعة الصابون‪ ،‬وباعوا‬
‫كثيرا منها ما وراء البحر على أيدي المجلدين‪ ،‬وما كانت هذه الكتب مائة أو خمسين‪ ،‬بل المراكب كانت مملؤة منها‪،‬‬
‫وأضاعوها بحيث تعجب القوام الجنبية‪ ،‬وإني أعلم تاجًرا اشترى كتبخانتين كل منهما بعشرين ُربّية‪ .‬وبعد هذه المظالم ما‬
‫تركوا من خزائن الكنائس إل جدراًنا عريانة‪ ،‬ثم ظنوا أنفسهم من أهل الوقار‪ ،‬وملوا الكنائس من أناس من أهل ملتهم(‪.‬‬
‫ثم قال في الصفحة الثانية والخمسين إلى الصفحة السادسة والخمسين‪) :‬فلنلحظ الن أفعال الجور التي فعلها بروتستنت في‬
‫حق فرقة الكاثوليك إلى هذا الحين‪ ،‬أنهم قرروا أكثر من مائة قانون كلها خـلف العدل والرحمة‪ ،‬لجل الظلم‪ ،‬ونحن نذكر عدة‬
‫من هذه القوانين الجورية‪.‬‬
‫‪ .1‬ل يرث كاثوليكي تركة أبويه‪.‬‬
‫‪ .2‬ل يشتري واحد منهم أرضا بعد ما يجاوز عمره ثماني عشرة سنة إل أن يصير بروتستنت‪.‬‬
‫‪ .3‬ل يكون لهم مكتب‪.‬‬
‫‪ .4‬ل يشتغل أحد منهم بالتعليم‪ ،‬وَمن خالف هذا الحكم يحبس دائما‪.‬‬
‫‪َ .5‬من كان من هذه الملة يؤدي ضعف الخراج‪.‬‬
‫‪ .6‬إن صلى أحد من قسوسهم فعليه أداء ثلثمائة وثلثين ربية من ماله‪ ،‬وإن صلى أحد منهم ول يكون قسيسا فعليه أداء‬
‫سبعمائة ربية ويسجن سنة‪.‬‬
‫‪ .7‬إن أرسل أحد منهم ولده خارج إنكلترا للتعليم‪ ،‬يقتل هو وولده ويسلب أمواله ومواشيه كلها‪.‬‬
‫‪ .8‬ل يعطي لهم منصب في الدولة‪.‬‬
‫‪َ .9‬من لم يحضر منهم يوم الحد أو العيد في كنيسة بروتستنت‪ ،‬تؤخذ منه ألف ربية مصادرة‪.‬‬
‫‪َ .10‬من ذهب منهم بعيدا من لندن مسافة خمسة أميال‪ ،‬يؤخذ منه ألف ربية مصادرة‪.‬‬
‫‪ .11‬ل يسمع استغاثة أحد منهم عند الحكام بحسب القانون‪.‬‬
‫‪ .12‬ما كان أحد منهم يسافر أكثر من خمسة أميال‪ ،‬مخافة أن ينهب ماله ومتاعه‪ ،‬وكذا ما كان أحد منهم يقدر على الستغاثة‬
‫في أمر عند الحكام‪ ،‬مخافة أن يؤخذ منه ألف ربية مصادرة‪.‬‬
‫‪ .13‬ل تنفذ أنكحتهم ول تجهيز موتاهم ول تكفين الموتى ول تعميد أولدهم إل إذا كانت هذه المور على طريقة كنيسة‬
‫إنكلترا‪.‬‬
‫‪ .14‬إن تزوجت إحدى نساء هذه الملة‪ ،‬تأخذ الدولة من جهازها ثلثين‪ ،‬ول ترث من تركة زوجها‪ ،‬ول يوصي زوجها لها من‬
‫تركته بشيء‪ ،‬ونساؤهم كن يحبسن إلى أن يعطي أزواجهن عشر ربيات في كل شهر أو يعطوا ثلث أراضيهم إلى الدولة‪.‬‬
‫‪ .15‬ثم صدر الحكم في نهاية المر إن لم يصر كلهم بروتستنت يسجنون ثم يجلون من أوطـانهم مدة حياتهم‪ ،‬وإن رفضوا‬
‫الحكم أو رجعوا من الجلء بدون المر كانوا ملزمين بإلزام عظيم‪.‬‬
‫‪ .16‬ل يحضر القسيس عند قتلهم ول عند تجهيزهم وتكفينهم‪.‬‬
‫‪ .17‬ل يكون السلح في بيت أحد منهم‪.‬‬
‫‪ .18‬ل يركب أحد منهم على حصان يكون ثمنه أكثر من خمسين ربية‪.‬‬
‫‪ .19‬إن أدى قسيس منهم خدمة من الخدمات المتعلقة به يسجن دائًما‪.‬‬
‫‪ .20‬القسيس الذي يكون مولده إنكلترا‪ ،‬ول يكون من ملة بروتستنت‪ ،‬إن أقام أكثر من ثلثة أيام في إنكلترا يعتبر أنه غدار‬
‫ويقتل‪.‬‬
‫‪ .21‬من أنزل القسيس المذكور من مكانه يقتل‪.‬‬
‫‪ .22‬ل تقبل شهادة كاثوليكي في العدالة‪.‬‬
‫وقتل على هذه القوانين الجورية في عهد الملكة اليصابت مائتان وأربعة أشخاص‪ .‬كان منهم قسيسون‪ ،‬والباقون من أهل‬
‫الغنى‪ ،‬وما كان ذنبهم غير أنهم أقروا أنهم من ملة الكاثوليك‪ ،‬ومات تسعون قسيسا وكبار آخرون في السجن‪ ،‬وأجلي مائة‬
‫وخمسة أشخاص مدة حياتهم‪ ،‬وضرب كثير منهم بالسياط‪ ،‬وصودروا وحرموا من أموالهم‪ ،‬حتى هلكت عشيرتهم‪ ،‬وقتلت‬
‫ميري المشهورة ملكة أسكات‪ ،‬وكانت بنت الخالة للملكة اليصابت‪ ،‬بسبب كونها من ِملة الكاثوليك‪.‬‬
‫ثم قال في الصفحة الحادية والستين إلى السادسة والستين‪) :‬حمل كثير من رهبانهم وعلمائهم بأمر الملكة اليصابت في‬
‫المراكب‪ ،‬ثم أغرقوا في البحر‪ .‬جاء عساكرها إلى إيرلندا ليدخلوا أهل ملة كاثوليك في ملة بروتستنت‪ ،‬فأحرقوا كنائس‬
‫ضا‬‫الكاثوليك وقتلوا علماءهم‪ ،‬وكانوا يصطادونهم كاصطياد الوحوش البرية‪ ،‬وكانوا ل يؤّمنون أحًدا وان أّمنوا أحًدا قتلوه أي ً‬
‫جَلْوا أهلها‬
‫بعد المان‪ ،‬وذبحوا العسكر الذي كان في حصن سمروك‪ ،‬وأحرقوا القرى والبلد‪ ،‬وأفسدوا الحبوب والمواشي‪ ،‬وَأ ْ‬
‫بل امتياز )أي اعتبار( المنزلة والعمر‪ .‬ثم أرسل بارلمنت سنة ‪1643‬م وسنة ‪1644‬م اللوردات ليسلبوا جميع أموال الكاثوليك‬
‫وأراضيهم بل امتياز بينهم‪ ،‬وبقي أنواع الظلم إلى زمن الملك جيمس الول‪ ،‬وحصل التخفيف في الظلم في عهده‪ ،‬ثم رحمهم‬
‫ضا إلى السلطان من جانب أربعة وأربعين ألفا من فرقة‬ ‫الملك سنة ‪1778‬م‪ ،‬ولكن البروتستنتيين سخطوا عليه‪ ،‬وقدموا معرو ً‬
‫بروتستنت في ثاني حزيران سنة ‪1780‬م‪ ،‬واستدعوا أن يبقي بارلمنت القوانين الجورية في حق ِملة الكاثوليك كما كانت‪.‬‬
‫لكن البرلمان ما التفتوا إليه‪ ،‬فاجتمع مائة ألف من بروتستنت في لـندن وأحرقوا الكنائس‪ ،‬وهدموا أمكنة الكاثوليك‪ .‬وكان‬
‫الحريق يرى من مـوضع واحد في ستة وثلثين مكانا‪ ،‬وكانت هذه الفتنة قائمة إلى ستة أيام‪ ،‬ثم أوجد الملك قانونا آخر سنة‬
‫‪1791‬م وأعطى ِملة الكاثوليك حقوقا هي حاصلة لهم إلى هذا الحين(‪.‬‬
‫ثم قال في الصفحة )‪) :(74 ،73‬ما سمعتم حال جار تراسكول الذي هو في أيرلندا هذا المر محقق‪ :‬أن بروتستنت يجمعون‬
‫في كل سنة مقدار مائتي ألف وخمسين ألف ربية‪ ،‬وكراء أكثر المكانات الكبيرة‪ ،‬ويشترون بها أولد فرقة الكاثوليك الذين هم‬
‫من المساكين المفلوكين ‪.‬‬
‫ويرسلون بهم في العربات إلى إقليم آخر بالخفية‪ ،‬لئل يرى آباؤهم وأمهاتهم‪ ،‬ويقع كثيرا أن هؤلء الشقياء إذا رجعوا إلى‬
‫أوطانهم‪ ،‬تزوجوا بأخواتهم أو أخوتهم أو آبائهم أو أمهاتهم للجهل وعدم التمييز( انتهي كلمه‪.‬‬
‫والظلم الذي صدر عن بعض فرق بروتستنت بالنسبة إلى بعض آخر‪ ،‬ل أنقله حذًرا من التطويل‪ ،‬وأكتفي بهذا القدر‪ ،‬وأقول‪:‬‬
‫انظروا إلى هؤلء الطاعنين على الِملة المحمدية كيف ملوا ملتهم بالجور والظلم]‪[1‬؟! انتهى‪.‬‬
‫ف شعره‪ ،‬ويقشعر جلده‪ ،‬حينما يقرأ هذه الصفحات السود‪ ،‬التي تصور جانبا من المجازر البشرية‪،‬‬ ‫وإن المرء المسلم ليق ّ‬
‫والمظالم الدينية‪ ،‬التي ارتكبها النصارى في حق اليهود‪ ،‬والتي ارتكبها المسيحيون الكاثوليك في حق فئة البروتستانت عند‬
‫ظهورها‪ ،‬وبعد ظهورها بمئات السنين‪ ،‬والتي رّد عليهم البروتستانت بمثلها‪ ،‬أو أشد منها حين ظهروا عليهم‪ ،‬وآلت لهم‬
‫السلطة‪.‬‬
‫إن هذه الصفحات المظلمة من السراف البالغ في سفك الدماء‪ :‬لم تكتبها أقلم مسلمة‪ ،‬بل سطرتها أقلم مسيحية‪ ،‬تتكلم بلغة‬
‫الرقام‪ .‬ومع هذا نجد من المسيحيين المبشرين والمستشرقين – ومنهم البابا بنديكت السادس عشر‪َ -‬من يتهم المسلمين‬
‫بأنهم متعصبون‪ ،‬واتهم دينهم إنما قام على السيف!‬
‫حتى قال بعض أحرار الوربيين‪ :‬لم يصدق المسيح في نبوءة من نبوءاته‪ ،‬مثل ما صدق في قوله‪ :‬ما جئت للقي على الرض‬
‫سلما‪ ،‬بل سيفا! إذ لم يعرف التاريخ عن ِملة قتل أهلها بعضهم بعضا مثل ما حدث في الملة المسيحية‪ ،‬أو عشر معشاره!‬
‫وَمن نظر في تاريخ المسيحيين في مختلف الطوار‪ ،‬وفي شتى القطار‪ :‬تبّين لهم‪ :‬أن فكرة )إبادة المخالفين واستئصالهم(‪:‬‬
‫فكرة أصيلة في ذهنيتهم وتربيتهم الدينية‪ ،‬ومواريثهم الثقافية‪ .‬واستباحُة الدماء باللوف والمليين‪ :‬أمر هين عليهم‪ ،‬ل يقلق‬
‫ضمائرهم‪ ،‬ول يؤرق جفونهم‪ .‬فل عجب أن رأينا الوربيين من المسيحيين الذين ذهبوا إلى أمريكا‪ ،‬اجتهدوا أن يستأصلوا‬
‫أهلها الصليين من الهنود الحمر‪ ،‬واستحلوا كل حرام من أنواع القتل والبادة في ذلك‪ ،‬حتى أبادوا المليين منهم بأساليب‬
‫وحشية ل يقرها دين ول خلق‪.‬‬
‫كما أن المسيحيين الذين ذهبوا إلى أستراليا فعلوا مثل ذلك بسكانها الصليين‪ ،‬الذين أبادوهم‪ ،‬والمسلمون الذين بقوا في‬
‫أسبانيا )الندلس( ثمانية قرون أقاموا فيها حضارة شامخة متميزة‪ ،‬استنارتها واستفادت منها أوربا كلها‪ ،‬أبيدوا كلهم‪ ،‬إما‬
‫بالكراه على التنصر‪ ،‬أو الجبار على الرحيل‪ ،‬أو مواجهة القتل‪ ،‬ول عجب أن لم يبق منهم في أسبانيا ديار ول نافخ نار!!‬

‫]‪ -[1‬انظر‪ :‬إظهار الحق )‪ (528 - 509 /2‬طبعة إحياء التراث السلمي في قطر‪.‬‬
‫أكذوبة انتشار السلم بالسيف‬

‫أشاع البابا بنديكت السادس عشر‪ :‬أن السلم لم ينتشر في العالم إل بحد السيف‪ ،‬وإخضاع الناس لعقيدته بالقوة العسكرية‪،‬‬
‫ولول هذا ما انفتحت له القلوب‪ ،‬ول اقتنعت به العقول‪ ،‬ولكنها أكرهت عليه إكراها تحت بريق السيوف‪ ،‬فخّيرهم بين السلم‬
‫والقتل‪ ،‬فإما أن يسلم وإما أن يطير عنقه!‬
‫وهذه فرية تكذبها تعاليم السلم القطعية‪ ،‬وتكذبها وقائعه التاريخيه‪ ،‬ويكذبها المنصفون من المؤرخين المستشرقين أنفسهم‪.‬‬
‫ن َقْد َتَبّي َ‬
‫ن‬ ‫فأما تعاليم السلم فهي تنفي الكراه في الدين نفيا مطلقا عاما‪ ،‬بقوله تعالى في القرآن المدني‪ :‬ل ِإْكَراَه ِفي الّدي ِ‬
‫ي ]البقرة‪.[256:‬‬‫ن اْلَغ ّ‬
‫شُد ِم َ‬
‫الّر ْ‬
‫حّتى َيُكوُنوا ُمْؤِمِني َ‬
‫ن‬ ‫س َ‬
‫ت ُتْكِرُه الّنا َ‬
‫وهو يؤكد ما جاء في القرآن المكي من قوله تعالى بصيغة الستفهام النكاري‪َ :‬أَفَأْن َ‬
‫ن ]هود‪.[28:‬‬ ‫]يونس‪ ،[99:‬وقوله تعالى على لسان نوح‪َ :‬أُنْلِزُمُكُموَها َوَأْنُتْم َلَها َكاِرُهو َ‬
‫وأما دعوى تخيير الناس بين السلم والسيف‪ ،‬فهي كذبة أخرى‪ :‬فالثابت بالنصوص الشرعية‪ ،‬والوقائع التاريخية‪ :‬أن‬
‫المسلمين كانوا يخيرون َمن يقاتلونهم ‪-‬إذا كتب عليهم القتال‪ -‬بين أمور ثلثة‪ :‬السلم أو دفع الجزية أو القتال‪ .‬والجزية مبلغ‬
‫زهيد يطلب من الرجال القادرين على القتال‪ ،‬ول يؤخذ من امرأة‪ ،‬ول صبي‪ ،‬ول َزِمن‪ ،‬ول أعمى‪ ،‬ول فقير‪ ،‬ول راهب في‬
‫صومعته‪ ،‬وتتفاوت بتفاوت قدرات الناس‪ ،‬فكل على قدر طاقته‪ ،‬وطلب مثل هذا المبلغ ‪-‬في مقابلة حمايته وكفالته والدفاع‬
‫عنه‪ -‬ليس شيئا باهظا يكره صاحبه على ترك دينه والدخول في السلم‪.‬‬
‫كما تقول وقائع التاريخ أيضا‪ :‬إن المسلمين حينما فتحوا البلد‪ ،‬لم يتدخلوا قط في شؤون دينها‪ ،‬ولم ُيرغموا أحدا قط على‬
‫تغيير عقيدته‪ ،‬ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أكره فيها فرد غير مسلم‪ ،‬أو أسرة غير مسلمة‪ ،‬أو بلدة غير مسلمة‪ ،‬أو شعب‬
‫غير مسلم‪ ،‬على الدخول في السلم‪.‬‬
‫كما أثبت التاريخ أن كثيرا من البلد السلمية التي نعرفها اليوم‪ :‬لم يدخلها جيش مسلم‪ ،‬ولكنها دخلت في السلم بتأثير‬
‫التجار وغيرهم من الناس الذين لم يكونوا علماء ول دعاة محترفين‪ ،‬وإنما أحبهم الناس لما رأوا فيهم من صدق اليمان‪،‬‬
‫وحسن الخلق‪ ،‬وحب الخير للناس‪ ،‬فكانوا أسوة حسنة‪ ،‬فأحب الناس دينهم بحبهم‪ ،‬ودخلوا فيه أفرادا وجماعات‪ .‬هكذا دخل‬
‫السلم في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وغيرها‪ :‬بوساطة تجار حضرموت وأمثالهم مّمن جاءوا من جنوب اليمن‪ ،‬ضاربين‬
‫في الرض‪ ،‬مبتغين من فضل ال‪.‬‬
‫وهناك بلد كثيرة في إفريقيا انتشر فيها السلم عن طريق الطرق الصوفية‪ ،‬وعن طريق الحتكاك بالمسلمين‪ ،‬والتأثر‬
‫بسلوكياتهم وآدابهم وأفكارهم‪.‬‬
‫وحتى البلد التي دخلتها الجيوش‪ :‬كان وجودها محصورا في العواصم والثغور‪ ،‬ل في كل المدن والقرى‪.‬‬
‫لم تدخل الجيوش السلمية التي فتحت الهند الكبرى‪ ،‬إل في دائرة محدودة‪ ،‬ولكن انتشار السلم في القارة الهندية‪ ،‬كان أبعد‬
‫وأوسع بكثير مما دخلته الجيوش‪ ،‬وامتدت دعوته شمال وجنوبا‪ ،‬وشرقا وغربا‪ ،‬حتى كان من تأثيرها‪ :‬وجود دولتين‬
‫إسلميتين كبيرتين هما‪ :‬باكستان وبنجلديش‪ ،‬ووجود أكبر تجمع إسلمي للمسلمين في الهند بعد إندونيسيا‪ ،‬برغم شكوى‬
‫كثير من العلماء والناقدين من تقصير المسلمين خلل حكمهم الطويل للهند‪ ،‬من توصيل الدعوة للهندوس‪ ،‬ول سيما دعوة‬
‫طائفة )المنبوذين( للسلم دين الخوة والعدالة والمساواة‪.‬‬
‫السيف ل يفتح قلبا‪:‬‬
‫ولقد اتخذ المبشرون والمستشرقون من الفتوح السلمية‪ :‬دليل على أن السلم إنما انتشر بهذه القوة والسرعة‪ ،‬نتيجة لنه‬
‫قهر الناس بالسيف‪ ،‬فدخل الناس تحت بريقه مذعنين طائعين‪.‬‬
‫ونقول لصحاب دعوى انتشار السلم بالسيف‪ :‬إن السيف يمكنه أن يفتح أرضا‪ ،‬ويحتل بلدا‪ ،‬ولكن ل يمكنه أن يفتح قلبا‪.‬‬
‫ففتح القلوب وإزالة أقفالها‪ :‬تحتاج إلى عمل آخر‪ ،‬من إقناع العقل‪ ،‬واستمالة العواطف‪ ،‬والتأثير النفسي في النسان‪.‬‬
‫بل أستطيع أن أقول‪ :‬إن السيف المسلط على رقبة النسان‪ ،‬كثيرا ما يكون عقبة تحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف‪.‬‬
‫فالنسان مجبول على النفور مّمن يقهره وُيذّله‪.‬‬
‫وَمن ينظر بعمق في تاريخ السلم ودعوته وانتشاره‪ :‬يجد أن البلد التي فتحها المسلمون‪ ،‬لم ينتشر فيها السلم إل بعد مدة‬
‫من الزمن‪ ،‬حين زالت الحواجز بين الناس والدعوة‪ ،‬واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم‪ ،‬بعيدا عن صليل السيوف‪،‬‬
‫وقعقعة الرماح‪ ،‬ورأوا من أخلق المسلمين في تعاملهم مع ربهم‪ ،‬وتعاملهم مع أنفسهم‪ ،‬وتعاملهم مع غيرهم‪ :‬ما يحببهم إلى‬
‫الناس‪ ،‬ويقربهم من دينهم‪ ،‬الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل‪.‬‬
‫وانظر إلى بلد كمصر‪ ،‬وقد ُفتحت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب‪ ،‬ولكن ظّل الناس على دينهم النصراني‬
‫عشرات السنين‪ ،‬ل يدخل فيه إل الواحد بعد الواحد‪ .‬حتى إن الرجل القبطي الذي أنصفه عمر‪ ،‬واقتص لبنه من ابن والي‬
‫مصر‪ :‬عمرو بن العاص‪ ،‬لم يدخل في السلم‪ ،‬رغم أنه شاهد من عدالته ما ُيبهر البصار‪.‬‬
‫وقد فّند الكاتب الكبير الستاذ عباس العقاد هذه التهمة الباطلة في أكثر من كتاب له‪ ،‬ومما قاله‪:‬‬
‫)شاع عن السلم أنه دين السيف‪ ،‬وهو قول يصح في هذا الدين إذا أراد قائله‪ :‬أنه دين يفرض الجهاد ومنه الجهاد بالسلح‪،‬‬
‫ولكنه غلط بّين إذا أريد به أن السلم قد انتشر بحد السيف‪ ،‬أو أنه يضع القتال في موضع القناع‪.‬‬
‫طن لسخف هذا الدعاء كاتب غربي كبير‪ ،‬هو )توماس كاْرَليل( صاحب كتاب )البطال وعبادة البطولة( فإنه اتخد محمدا‬
‫وقد ف ِ‬
‫مثل لبطولة النبوة‪ ،‬وقال ما معناه‪:‬‬
‫)إن اتهامه بالتعويل على السيف في حمل الناس على الستجابة لدعوته سخف غير مفهوم‪ .‬إذ ليس مما يجوز في الفهم أن‬
‫يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس‪ ،‬أو يستجيبوا لدعوته! فإذا آمن به َمن يقدرون على حرب خصومه‪ ،‬فقد آمنوا به‬
‫طائعين مصّدقين‪ ،‬وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها(‪.‬‬
‫قال العقاد‪:‬‬
‫)والواقع الثابت في أخبار الدعوة السلمية‪ :‬أن المسلمين كانوا هم ضحايا القسر والتعذيب‪ ،‬قبل أن يقدروا على دفع الذى‬
‫من مشركي قريش في مكة المكرمة‪ ،‬فهجروا ديارهم‪ ،‬وتغربوا مع أهليهم‪ ،‬حتى بلغوا إلى الحبشة في هجرتهم‪ ،‬فهل يأمنون‬
‫على أنفسهم في مدينة عربية قبل التجائهم إلى )يثرب( وإقامتهم في جوار أخوال النبي ‪ ،‬مع ما بين المدينتين )يعني‪ :‬مكة‬
‫ويثرب( من التنافس الذي فتح للمسلمين بينهما ثغرة للمان؟ ولم يكن أهل يثرب ليرحبوا بمقدمهم لول ما بين القبيلتين‬
‫الكبيرتين فيها )قبيلتي الوس والخزرج( من نزاع على المارة فتح بينهما كذلك ثغرة أخرى يأوي إليها المسلمون بعد أن‬
‫ضاق بهم جوار الكعبة‪ ،‬وهو الجوار الذي لم يضق من قبل بكل لئذيه في عهد الجاهلية‪.‬‬
‫ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إل لمحاربة القوة التي تصّدهم عن القتناع‪ ،‬فإذا رصدت لهم الدولة القوية جنودها‬
‫حاربوها؛ لن القوة ل تحارب بالحجة والبينة‪ ،‬وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لها بسوء‪.‬‬
‫وقد بّين الستاذ العقاد أن المسلمين سالموا الحبشة ولم يحاربوها‪ ،‬وإنما حاربوا الفرس‪ ،‬وحاربوا الروم؛ لنهم هم الذين‬
‫بدأوا بالعدوان على المسلمين‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولم يفاتح النبي أحدا بالعداء في بلد الدولتين‪ .‬وإنما كتب إلى الملوك والمراء يبلغهم دعوته بالحسنى‪ ،‬ولم تقع الحرب‬
‫بعد هذا البلغ بين المسلمين وجنود الفرس والروم‪ ،‬إل بعد تحريضهم القبائل العربية في العراق والشام على غزو الحجاز‪،‬‬
‫وإعدادهم العدة لقتال المسلمين‪ .‬وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم بالحرب من أطراف‬
‫الجزيرة‪ ،‬ولول اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلدهما لبوغت المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها‬
‫والتحصن دونها(]‪ [1‬اهـ‪.‬‬

‫]‪ [1‬انظر‪ :‬حقائق السلم وأباطيل خصومه صـ‪.220،219‬‬

‫اهداف القتال في السلم‬

‫لقد كان من الخير أن تعترف المثالية السلمية والشريعة السلمية بإمكان وقوع الحرب والقتال بين البشر‪ ،‬وإذا كان وقوع‬
‫حمانا‪ ،‬ول بد أن نحوط هذه الحرب بسياج من التشريعات القانونية‬ ‫الحرب غير مستبَعد‪ ،‬فل بد أن نستعد لها حتى ل يستباح ِ‬
‫والتوجيهات الخلقية‪ ،‬حتى ل تخرج عن قوانين العدل والرحمة‪ ،‬ول تحكمها غرائز الغضب وحدها‪ ،‬أو )القوة السُبعية( في‬
‫النسان‪ ،‬ول بد أن نحدد أهدافها بوضوح‪ ،‬حتى نقف عندها‪ ،‬ول نسمح لطماعنا أو مخاوفنا أو انفعالتنا أن تتعدى حدودها‪.‬‬
‫سِمْعَنا‬
‫ول نستطيع أن ُنحّدد هذه الهداف حقا‪ ،‬إل من خلل ُمحكمات النصوص‪ ،‬التي ل يملك المؤمن إزاءها إل أن يقول‪َ :‬‬
‫طْعَنا ]البقرة‪ .[285:‬فلنتحّدث عن هذه الهداف‪.‬‬
‫َوَأ َ‬
‫‪1‬ـ رد العتداء‪:‬‬
‫أول أهداف القتال والحرب في السلم‪ :‬دفع العتداء ورّده بالقوة‪ ،‬سواء كان هذا العتداء واقعا على الدين أم على الوطن‬
‫والرض‪.‬‬
‫فأما العتداء على الدين‪ ،‬فيتمثل في فتنة المسلمين عن دينهم‪ ،‬واضطهادهم من أجل عقيدتهم‪ ،‬أو الوقوف في وجه الدعوة‬
‫ومنعها‪ ،‬والصد عنها‪ ،‬والتعرض لدعاتها بالذى إلى حد القتل‪.‬‬
‫ومثل ذلك‪ :‬العتداء على أرض السلم‪ ،‬ووطن المسلمين‪ ،‬وما يتضمن ذلك من عدوان على دماء الناس وأموالهم‬
‫وممتلكاتهم وحرماتهم ومقدساتهم‪ .‬والسلم يعتبر بلد المسلمين كلها وطنا واحدا‪ ،‬أو دارا واحدة‪ ،‬هي )دار السلم(‪،‬‬
‫فالعتداء على جزء منها اعتداء على جميعها‪ ،‬ومسؤولية الدفاع عنها تقع على المة كلها‪ :‬المقصودين بالصالة‪ ،‬والخرين‬
‫بالمساندة والمشاركة عند اللزوم‪.‬‬
‫وكذلك العتداء على حرمات الفراد‪ :‬في أنفسهم‪ ،‬أو في أموالهم وممتلكاتهم‪ ،‬أو في أهليهم وذراريهم‪.‬‬
‫كما يعتبر السلم العتداء على )أهل الذمة( من غير المسلمين اعتداء على المسلمين أنفسهم‪ ،‬فهم من أهل دار السلم‪،‬‬
‫وحرمتهم من حرمة المسلمين‪ .‬وعقد الذمة يوجب على المسلمين الدفاع عنهم‪ ،‬وبذل النفس والموال لحمايتهم‪ ،‬كما‬
‫يدافعون عن المسلمين‪ ،‬سواء بسواء]‪.[1‬‬
‫ونحو ذلك العدوان على حلفاء المسلمين‪ ،‬لن الحلف يقضي بالتعاون في السراء والضراء‪ ،‬والتضامن في السلم والحرب‪.‬‬
‫ولهذا حينما غدرت قريش بقبيلة خزاغة حلفاء رسول ال ‪ :‬اعتبر الرسول ذلك نقضا لعهده‪ ،‬واعتداء عليه وعلى أصحابه‪،‬‬
‫ولجله جيش الجيوش لفتح مكة‪.‬‬
‫وهنا يوجب السلم على المسلمين‪ :‬أن يقفوا في وجه العتداء‪ ،‬أيا ما كان المعتدون أو المعتدى عليهم‪ ،‬ويتصدوا له ليدفعوه‬
‫عنهم‪ ،‬ويردوه عن حرماتهم بسيف القوة‪ ،‬وقوة السيف‪.‬‬
‫جوُهْم‬‫خِر ُ‬‫ث َثِقْفُتُموُهْم َوَأ ْ‬‫حْي ُ‬‫ن * َواْقُتُلوُهْم َ‬ ‫حبّ اْلُمْعَتِدي َ‬ ‫ل ل ُي ِ‬ ‫ن ا َّ‬
‫ن ُيَقاِتُلوَنُكْم َول َتْعَتُدوا ِإ ّ‬ ‫ل اّلِذي َ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬‫يقول تعالى‪َ :‬وَقاِتُلوا ِفي َ‬
‫جَزاُء‬
‫ك َ‬ ‫ن َقاَتُلوُكْم َفاْقُتُلوُهْم َكَذِل َ‬
‫حّتى ُيَقاِتُلوُكْم ِفيِه َفِإ ْ‬‫حَراِم َ‬ ‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬‫عْنَد اْلَم ْ‬‫ن اْلَقْتِل َول ُتَقاِتُلوُهْم ِ‬ ‫شّد ِم َ‬
‫جوُكْم َواْلِفْتَنُة َأ َ‬ ‫خَر ُ‬
‫ث َأ ْ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬ ‫ِم ْ‬
‫عَلى‬
‫ن ِإّل َ‬ ‫ن اْنَتَهْوا َفل عُْدَوا َ‬ ‫ل َفِإ ِ‬
‫ن ِّ‬ ‫ن الّدي ُ‬‫ن ِفْتنٌَة َوَيُكو َ‬‫حّتى ل َتُكو َ‬ ‫حيٌم * َوَقاِتُلوُهْم َ‬ ‫غُفوٌر َر ِ‬ ‫ل َ‬ ‫ن ا َّ‬
‫ن اْنَتَهْوا َفِإ ّ‬ ‫ن * َفِإ ِ‬‫اْلَكاِفِري َ‬
‫عَلْيُكْم َواّتُقوا الَّ‬ ‫عَتَدى َ‬ ‫عَلْيِه ِبِمْثِل َما ا ْ‬
‫عَتُدوا َ‬ ‫عَلْيُكْم َفا ْ‬
‫عَتَدى َ‬ ‫نا ْ‬ ‫ص َفَم ِ‬‫صا ٌ‬ ‫ت ِق َ‬
‫حُرَما ُ‬ ‫حَراِم َواْل ُ‬‫شْهِر اْل َ‬‫حَراُم ِبال ّ‬ ‫شْهُر اْل َ‬ ‫ن * ال ّ‬ ‫ظاِلِمي َ‬
‫ال ّ‬
‫ن ]البقرة‪.[194-190:‬‬ ‫ل َمَع اْلُمّتِقي َ‬
‫ن ا َّ‬
‫عَلُموا َأ ّ‬ ‫َوا ْ‬
‫قّررت هذه اليات جملة أحكام‪:‬‬
‫‪ .1‬المر بقتال الذين يقاتلون المسلمين‪ ،‬أي يبدأونهم بالقتال‪ ،‬على أن يكون قتالهم في سبيل ال‪ ،‬أي لتكون كلمة ال هي‬
‫العليا‪.‬‬
‫حكم غير قابل‬
‫‪ .2‬النهي عن العتداء بصفة مطلقة‪ ،‬وتعليل ذلك بأن ال ل يحب المعتدين‪ ،‬وهذا دليل على أنه حكم ُمستقر ُم ْ‬
‫للنسخ‪ .‬كما أن فيه تنفيرا للمسلم منه‪ ،‬فإن كل مسلم حريص على أن يكون مّمن يحبهم ال‪ ،‬ل مّمن ل يحبهم ال‪.‬‬
‫‪ .3‬تشريع معاملة هؤلء المعتدين على المسلمين بمثل أعمالهم من القتل والخراج‪.‬‬
‫‪ .4‬تقرير أن الفتنة في الدين أشد من القتل‪ ،‬لن القتل اعتداء على الكيان المادي للنسان‪ :‬الجسد‪ ،‬والفتنة اعتداء على الكيان‬
‫المعنوي‪ :‬الروح والعقل والرادة‪.‬‬
‫‪ .5‬تقرير حرمة المسجد الحرام الذي َمن دخله كان آمنا‪ ،‬والنهي عن قتالهم فيه‪ ،‬ما لم يبدأوا هم بالقتال‪ ،‬فإن فعلوا‪ ،‬فحرمة‬
‫المؤمنين أهم من حرمة المسجد الحرام‪ ،‬وجاز قتالهم وقتلهم فيه‪ ،‬حتى ينتهوا‪.‬‬
‫‪ .6‬تقرير غاية القتال‪ ،‬وهو‪ :‬اتقاء الفتنة‪ ،‬وتوطيد حرية اليمان للناس‪ ،‬بكسر شوكة المتجبرين في الرض الذين يفتنون‬
‫صّد عنه من أحد‪.‬‬
‫الناس عن دينهم‪ .‬وبهذا يكون الدين ل‪ ،‬يدخله َمن شاء بإرادته‪ ،‬ل ُيكره عليه‪ ،‬ول ُي َ‬
‫‪ .7‬شرعية مقابلة العدوان بمثله‪ ،‬وقد سّماه القرآن اعتداء‪ ،‬من باب المشاكلة اللفظية‪ ،‬وإل فالرد على العتداء في الحقيقة‬
‫ليس اعتداء‪.‬‬
‫‪2‬ـ منع الفتنة أو تأمين حرية الدعوة‪:‬‬
‫ومن أهداف القتال التي نصّ عليها القرآن‪ :‬منع الفتنة في الدين‪ ،‬وهذا ما صّرح به القرآن الكريم في آيتين من كتاب ال‪،‬‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ن‬ ‫عَلى ال ّ‬
‫ن ِإّل َ‬
‫عْدَوا َ‬
‫ن اْنَتَهْوا َفل ُ‬
‫ل َفِإ ِ‬
‫ن ِّ‬
‫ن الّدي ُ‬
‫ن ِفْتَنٌة َوَيُكو َ‬
‫حّتى ل َتُكو َ‬
‫إحداهما في سورة البقرة في قوله تعالى‪َ :‬وَقاِتُلوُهْم َ‬
‫]البقرة‪.[193:‬‬
‫ن الَّ ِبَما َيْعَمُلو َ‬
‫ن‬ ‫ن اْنَتَهْوا َفِإ ّ‬
‫ل َفِإ ِ‬
‫ن ُكّلُه ِّ‬
‫ن الّدي ُ‬
‫ن ِفْتَنٌة َويَُكو َ‬
‫حّتى ل َتُكو َ‬
‫والثانية في سورة النفال في قوله تعالى‪َ :‬وَقاِتُلوُهْم َ‬
‫صيٌر ]النفال‪.[39:‬‬ ‫َب ِ‬
‫ن ِفْتَنٌة‪ ،‬وهذه نكرة في سياق النفي تعّم كل فتنة يمكن أن‬
‫حّتى ل َتُكو َ‬
‫فقد حّددت اليتان كلتاهما غاية القتال بأنها‪ :‬منع الفتنة‪َ :‬‬
‫تتصّور هنا‪ :‬فتنة النسان في نفسه‪ ،‬أو في أهله‪ ،‬أو فيَمن يحب من الناس‪.‬‬
‫والفتنة في اللغة‪ :‬الختبار والمتحان]‪ ،[2‬مثل قولهم‪ :‬فتن الذهب‪ :‬أي وضعه على النار ليعرف خالصه من زيفه‪ .‬فالفتنة تعني‪:‬‬
‫جُروا ِم ْ‬
‫ن‬ ‫ن َها َ‬
‫ك ِلّلِذي َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫الضطهاد واليذاء والتعذيب لَمن دخل في السلم حتى يرجع عن دينه‪ .‬وفي هذا يقول القرآن‪ُ :‬ثّم ِإ ّ‬
‫صَبُروا ]النحل‪.[110:‬‬
‫جاَهُدوا َو َ‬
‫َبْعِد َما ُفِتُنوا ُثّم َ‬
‫وحينما اشتد الذى والتنكيل بالمؤمنين في مكة‪ ،‬نزل القرآن ليواسيهم ويثبتهم‪ ،‬كما تجّلى ذلك في أوائل سورة العنكبوت‪ :‬ألم‬
‫صَدُقوا َوَلَيْعَلَم ّ‬
‫ن‬ ‫ن َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫ن َقْبِلِهْم َفَلَيْعَلَم ّ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن * َوَلَقْد َفَتّنا اّلِذي َ‬
‫ن َيُقوُلوا آَمّنا َوُهْم ل ُيْفَتُنو َ‬
‫ن ُيْتَرُكوا َأ ْ‬
‫س َأ ْ‬
‫ب الّنا ُ‬
‫س َ‬
‫ح ِ‬
‫* َأ َ‬
‫ن ]العنكبوت‪ .[3-1:‬فبّين القرآن أن فتنة المؤمنين‬‫حُكُمو َ‬
‫ساَء َما َي ْ‬
‫سِبُقوَنا َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ت َأ ْ‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َيْعَمُلو َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫س َ‬
‫ح ِ‬
‫ن * َأْم َ‬
‫اْلَكاِذِبي َ‬
‫باليذاء والتنكيل‪ :‬سنة ماضية في المم من قبلنا‪.‬‬
‫ب الِّ ]العنكبوت‪:‬‬
‫س َكَعَذا ِ‬
‫جَعَل ِفْتَنَة الّنا ِ‬
‫ل َ‬
‫ل َفِإَذا ُأوذِيَ ِفي ا ِّ‬
‫ن َيُقوُل آَمّنا ِبا ِّ‬
‫س َم ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫وفي السورة نفسها يقول تعالى‪َ :‬وِم َ‬
‫‪.[10‬‬
‫وهذا السلوب ‪-‬فتنة المؤمنين عن دينهم بالذى والعذاب حتى يرتدوا عنه‪ -‬أسلوب قديم اّتبعه الكفرة والطغاة مع أهل اليمان‪،‬‬
‫كما حكى القرآن ذلك في سورة البروج‪ ،‬التي حدثتنا عن الجبابرة الذين خّدوا الخاديد‪ ،‬وملوها نارا‪ ،‬وألقوا فيها كل مؤمن‬
‫عَلى َما َيْفَعُلو َ‬
‫ن‬ ‫عَلْيَها ُقُعوٌد * َوُهْم َ‬
‫ت اْلَوُقوِد * ِإْذ ُهْم َ‬
‫خُدوِد * الّناِر َذا ِ‬ ‫ب اُْل ْ‬
‫حا ُ‬ ‫صَ‬‫أصّر على عقيدته‪ .‬يقول تعالى‪ُ :‬قِتَل َأ ْ‬
‫يٍء‬
‫ش ْ‬
‫عَلى ُكّل َ‬ ‫ل َ‬ ‫ض َوا ُّ‬
‫ت َواَْلْر ِ‬
‫سَماَوا ِ‬ ‫ك ال ّ‬‫حِميِد * اّلِذي َلُه ُمْل ُ‬
‫ل اْلَعِزيِز اْل َ‬
‫ن ُيْؤِمُنوا ِبا ِّ‬
‫شُهوٌد * َوَما َنَقُموا ِمْنُهْم ِإّل َأ ْ‬ ‫ن ُ‬ ‫ِباْلُمْؤِمِني َ‬
‫ق ]البروج‪ ،[10-4:‬فواضح كل‬ ‫حِري ِ‬‫ب اْل َ‬‫عَذا ُ‬
‫جَهّنَم َوَلُهْم َ‬
‫ب َ‬‫عَذا ُ‬
‫ت ُثّم َلْم َيُتوُبوا َفَلُهْم َ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ِ‬ ‫ن َفَتُنوا اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫شِهيٌد * ِإ ّ‬ ‫َ‬
‫الوضوح من اليات الكريمة‪ :‬أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات هم الذين عّذبوهم بالنار‪.‬‬
‫ومن هنا كانت هذه )الفتنة في الدين( أشد شيء خطرا على النسان‪ ،‬وعلى حرية اختيار النسان‪ ،‬فأن أهل القوة والجبروت‬
‫يريدون أن يتحكموا في ضمائر الناس‪ ،‬فليس لهم حق اليمان بما اقتنعت به عقولهم‪ ،‬أو اطمأنت إليه قلوبهم‪ ،‬إل بإذن‬
‫الجبابرة وموافقتهم‪ ،‬كما قال فرعون من قديم ُمنكرا على السحرة من أبناء مصر‪ :‬إيمانهم برب موسى وهارون‪ :‬آَمْنُتْم َلُه َقْبَل‬
‫ن َلُكْم ]طـه‪ ،71:‬الشعراء‪ ،49:‬العراف‪ ،[123:‬معنى ذلك‪ :‬أنه ل يجوز لعقل أن يقتنع بفكرة‪ ،‬ول لقلب أن يؤمن بعقيدة‬ ‫ن آَذ َ‬
‫َأ ْ‬
‫إل بإذن فرعون!!‬
‫فإذا خالف وآمن‪ ،‬تعّرض لبطش فرعون‪ ،‬وتهديده بالتنكيل والتصليب في جذوع النخل‪ ،‬وغيره من ألوان العذاب‪.‬‬
‫شّد{ أومن‬
‫ول غرو أن اعتبر القرآن الـِفْتَنٌة‪ :‬أشد من القتل‪ ،‬وأكبر من القتل‪ ،‬فإذا نظرنا إليها من ناحية )الكيف( فهي‪َ} :‬أ َ‬
‫ناحية )الكم( فهي‪َ} :‬أْكَبُر{‪.‬‬
‫ج َأْهِلِه‬
‫خَرا ُ‬
‫حَراِم َوِإ ْ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬‫ل َوُكْفٌر ِبِه َواْلَم ْ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬‫صّد َ‬
‫حَراِم ِقَتاٍل ِفيِه ُقْل ِقَتاٌل ِفيِه َكِبيٌر َو َ‬ ‫شْهِر اْل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ك َ‬
‫سَألوَن َ‬
‫يقول تعالى‪َ :‬ي ْ‬
‫ن اْلَقْتِل ]البقرة‪.[217:‬‬ ‫ل َواْلِفْتَنُة َأْكَبُر ِم َ‬
‫عْنَد ا ِّ‬
‫ِمْنُه َأْكَبُر ِ‬
‫خم المشركون واقعة َقَتَل فيها بعضُ المسلمين واحدا من المشركين خطأ في الشهر الحرام‪ ،‬وأْبدأوا وأعادوا وزادوا في‬ ‫ضّ‬
‫القول‪ ،‬والقرآن أقّر بأن القتال في الشهر الحرام ذنب كبير‪ ،‬ولكن ما فعلوه من الصد عن سبيل ال والكفر به‪ ،‬وبحرمة‬
‫ي والفتنة التي‬
‫ن اْلَقْتِل‪ :‬أ ْ‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬وإخراج أهله منه‪ :‬أكبر عند ال مما وقع من المسلمين‪ .‬ثم قال‪َ :‬واْلِفْتَنُة َأْكَبُر ِم َ‬
‫جدد بالسلم‪ :‬أكبر وأعظم إثما من القتل الذي وقع من المسلمين خطأ في الشهر الحرام‪.‬‬ ‫يوقعها المشركون عمدا بالمؤمنين ال ُ‬
‫ضحناه في اليات السابقة‪ ،‬وكما‬ ‫ومن البّين الواضح‪ :‬أن الفتنة في اليتين هي الضطهاد في الدين‪ ،‬وتعذيب المؤمنين‪ ،‬كما و ّ‬
‫يدل عليه السياق بجلء‪ .‬فهم الذين آذوا المؤمنين طوال ثلثة عشر عاما في مكة‪ ،‬وأنزلوا بهم صنوف العذاب‪ ،‬وحاصروهم‬
‫اقتصاديا واجتماعيا‪ ،‬حتى أكلوا أوراق الشجر‪ ،‬وعّذبوا المستضعفين منهم‪ ،‬حتى مات بعضهم تحت التعذيب‪ ،‬واستمر هذا‬
‫التنكيل حتى اضطروهم للخروج من ديارهم بغير حق إل أن يقولوا‪ :‬ربنا ال‪ .‬فهاجر بعضهم مرتين‪ ،‬ثم هاجروا جميعا ‪-‬إل َمن‬
‫عجز‪ -‬إلى يثرب‪ .‬ومن المتفق عليه‪ :‬أن أفضل ما يفسر القرآن بالقرآن‪ .‬وهذا معنى الفتنة في القرآن‪.‬‬
‫ن اْلَقْتِل‪ ،‬لن القتل جناية على )جسم( النسان وحياته المادية‪ ،‬أما الفتنة‪ ،‬فهي‬
‫ن اْلَقْتِل و َأْكَبُر ِم َ‬
‫شّد ِم َ‬
‫وإنما كانت الفتنة‪َ :‬أ َ‬
‫جناية على )ضمير( النسان‪ ،‬وحياته الروحية والفكرية‪ .‬والجناية الثانية أعظم بل ريب من الجناية الولى‪.‬‬
‫والخلصة هنا‪ :‬أن القتال مشروع لغاية‪ ،‬وهي منع الفتنة والضطهاد في الدين‪ ،‬ورفع أساليب الضغط والكراه المادي‬
‫ن َقْد‬
‫والدبي عن الناس‪ ،‬وتأمين الحرية للدعوة والدعاة‪ ،‬ليؤمن َمن آمن بحريته‪ ،‬ويكفر َمن كفر باختياره‪ ،‬إذ ل ِإْكَراَه ِفي الّدي ِ‬
‫عَلْيَها ]يونس‪.[108:‬‬ ‫ضّل َ‬
‫ضّل َفِإّنَما َي ِ‬
‫ن َ‬
‫سِه َوَم ْ‬
‫ن اْهَتَدى َفِإّنَما َيْهَتِدي ِلَنْف ِ‬
‫ي ]البقرة‪َ ،[256:‬فَم ِ‬
‫ن اْلَغ ّ‬
‫شُد ِم َ‬
‫ن الّر ْ‬
‫َتَبّي َ‬
‫وأما ما ورد عن بعض مفسري السلف‪ ،‬الذين فسروا الفتنة بأنها‪) :‬الشرك( أو )الكفر(‪ ،‬فهو خروج عن ظاهر المعنى الذي‬
‫يؤّديه اللفظ‪ ،‬وهو تفسيُر غيِر معصوم‪ ،‬ول حجة في قول أحد إل قول رسول ال ‪ .‬ول يوجد عنه نص في ذلك‪ .‬ولعل مرادهم‪:‬‬
‫أن الشرك في ذلك الوقت وفي أرض العرب خاصة‪ ،‬كان مرتعا للشر‪ ،‬ومباءة للثم والعدوان‪ ،‬وأن بقاء الشرك بقوته‪ُ :‬مهّدد‬
‫ي شرك متجّبر في الرض‪ ،‬أي حتى تقّلم‬ ‫جدد بطبيعته العدوانية‪ .‬فمعنى )حتى ل يكون شرك(‪ :‬أ ْ‬
‫للسلم الناشئ‪ ،‬وللمسلمين ال ُ‬
‫أظفار العدوان‪ ،‬وتخلع أنيابه المفترسة‪ ،‬ول يبقى َمن يفتن الناس‪ .‬وذكر في )تفسير المنار( ما قاله بعض المفسرين القدامى‪:‬‬
‫أن الفتنة هي الشرك‪ .‬قال‪ :‬ورّده الستاذ المام )محمد عبده( بأنه ُيخرج اليات عن سياقها‪ .‬وذكره البيضاوي هنا بصيغة‬
‫التضعيف )قيل(]‪.[3‬‬
‫ن ِفْتَنٌة‪ :‬أي حتى ل تكون لهم قوة يفتنونكم بها ويؤذونكم لجل الدين‪ ،‬ويمنعونكم من‬
‫حّتى ل َتُكو َ‬
‫وقال في معنى قوله تعالى‪َ :‬‬
‫إظهاره أو الدعوة إليه‪.‬‬
‫ل‪ :‬أي يكون دين كل شخص خالصا ل‪ ،‬ل أثر لخشية‬ ‫ن ُكّلُه ِّ‬
‫ن الّدي ُ‬
‫ل‪ ،‬وفي سورة النفال‪َ :‬وَيُكو َ‬
‫ن ِّ‬
‫ن الّدي ُ‬
‫ومعنى قوله َوَيُكو َ‬
‫غيره فيه‪ ،‬فل ُيفتن لصّده عنه‪ ،‬ول يؤَذى فيه‪ ،‬ول يحتاج فيه إلى المداهنة والمداراة‪ ،‬أو الستخفاء أو المحاباة‪ ،‬وقد كانت‬
‫مكة إلى هذا العهد قرار الشرك‪ ،‬والكعبة مستودع الصنام‪ ،‬فالمشرك فيها حر في ضللته‪ ،‬والمؤمن مغلوب على هدايته]‪.[4‬‬
‫على أن هناك من المفسرين َمن أبقى لفظ الـِفْتَنٌة على معناه الصلي المتبادر منه‪ ،‬ولم َيِمل به عن أصله‪.‬‬
‫ن اْلَقْتِل‪ :‬وجوها‪ ،‬فكان الوجه الثاني منها‪:‬‬
‫شّد ِم َ‬
‫ذكر المام فخر الدين الرازي في تفسير معنى الـِفْتَنٌة في قوله تعالى‪َ :‬واْلِفتَْنُة َأ َ‬
‫أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لستخلصه من الغش‪ .‬ثم صار اسما لكل ما كان سببا للمتحان تشبيها بهذا الصل‪.‬‬
‫جئين إلى ترك الهل‬ ‫والمعنى‪ :‬أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين‪ ،‬وعلى تشديد المر عليهم‪ ،‬بحيث صاروا ُمل َ‬
‫والوطن‪ ،‬هربا من إضللهم في الدين‪ ،‬وتخليصا للنفس مما يخافون ويحذرون‪ :‬فتنة شديدة‪ ،‬بل هي أشد من القتل الذي‬
‫يقتضي التخلص من عموم تلك الفتنة]‪.[5‬‬
‫سر‬
‫ن ِفْتَنٌة‪ ،‬قال‪ :‬في المراد بالفتنة هنا وجوه‪ :‬أحدها‪ :‬أنها الشرك والكفر‪ ،‬ثم ف ّ‬
‫حّتى ل َتُكو َ‬
‫وفي تفسير قوله تعالى‪َ :‬وَقاِتُلوُهْم َ‬
‫ذلك فقال‪ :‬قالوا‪ :‬كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم بمكة‪ ،‬حتى ذهبوا إلى الحبشة‪،‬‬
‫ثم واظبوا على ذلك اليذاء حتى ذهبوا إلى المدينة‪ ،‬وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة‪ :‬أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا‪.‬‬
‫فأنزل ال هذه الية‪ .‬والمعنى‪ :‬قاتلوهم حتى تظهروا عليهم‪ ،‬فل يفتنوكم عن دينكم‪ ،‬فل تقعوا في الشرك]‪[6‬‬
‫‪3‬ـ إنقاذ المستضعفين‪:‬‬
‫ومن أهداف القتال في السلم‪ :‬إنقاذ المستضعفين من خلق ال‪ ،‬من ظلم الجّبارين‪ ،‬وتسّلط المستكبرين في الرض بغير‬
‫الحق‪ ،‬الذين يستخّفون بحرمات الضعفاء‪ ،‬ويسومونهم سوء العذاب‪ ،‬وُيْهدرون إنسانيتهم‪ ،‬لن في أيديهم القوة المادية التي‬
‫تمنع اليدي أن ُتدافع‪ ،‬وُتخرس اللسنة أن تتكلم‪ ،‬وُتكره الناس على أن يسكتوا عن الحق أو ينطقوا بالباطل‪.‬‬
‫فعلى المسلمين واجب الّنجدة لتحرير هؤلء المستعبدين‪ ،‬وإغاثة هؤلء الملهوفين‪ ،‬وإنقاذ هؤلء المستضعفين من الرجال‬
‫جيهم من عدوهم‪،‬‬‫والنساء والولدان‪ ،‬الذين ل يستطيعون حيلة ول يهتدون سبيل‪ ،‬ول يملكون إل الدعاء إلى ال تعالى أن ُين ّ‬
‫وُيهّيئ لهم َمن ينصرهم ويأخذ بأيديهم‪.‬‬
‫ف ُنْؤِتيهِ‬
‫سْو َ‬ ‫ب َف َ‬ ‫ل َفُيْقَتْل َأْو َيْغِل ْ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬ ‫ن ُيَقاِتْل ِفي َ‬ ‫خَرِة َوَم ْ‬‫لِ‬‫حَياَة الّدْنَيا ِبا ْ‬‫ن اْل َ‬
‫شُرو َ‬ ‫ن َي ْ‬‫ل اّلِذي َ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬ ‫يقول تعالى‪َ :‬فْلُيَقاِتْل ِفي َ‬
‫جَنا ِم ْ‬
‫ن‬ ‫خِر ْ‬
‫ن َرّبَنا َأ ْ‬
‫ن َيُقوُلو َ‬ ‫ن اّلِذي َ‬ ‫ساِء َواْلِوْلَدا ِ‬‫جالِ َوالّن َ‬ ‫ن الّر َ‬‫ن ِم َ‬‫ضَعِفي َ‬ ‫سَت ْ‬ ‫ل َواْلُم ْ‬‫سِبيِل ا ِّ‬‫ن ِفي َ‬ ‫ظيمًا * َوَما َلُكْم ل ُتَقاِتُلو َ‬
‫عِ‬‫جرًا َ‬
‫َأ ْ‬
‫صيرًا ]النساء‪.[74،75:‬‬ ‫ك َن ِ‬ ‫ن َلُدْن َ‬
‫جَعْل َلَنا ِم ْ‬
‫ك َوِلّيا َوا ْ‬‫ن َلُدْن َ‬
‫جَعْل َلَنا ِم ْ‬
‫ظاِلِم َأْهُلَها َوا ْ‬‫َهِذِه اْلَقْرَيِة ال ّ‬
‫سِبيِل الِّ‬‫ن ِفي َ‬ ‫فانظر إلى هذا السلوب التحريضي البليغ الذي يستثير الهمم‪ ،‬ويحّرك العزائم‪َ ،‬وَما َلُكْم ل ُتَقاِتُلو َ‬
‫ن؟ فجعل القتال في سبيل المستضعفين قرين القتال في سبيل ال‪ ،‬إذ عطفه عليه بالواو بل فاصل‪ .‬بل هو عند‬ ‫ضَعِفي َ‬‫سَت ْ‬
‫َواْلمُ ْ‬
‫التأمل جزء من القتال في سبيل ال‪ ،‬لن القتال إنما يكون في سبيل ال إذا كانت الغاية‪ :‬أن تكون كلمة ال هي العليا‪ ،‬وكلمة‬
‫ال هي كلمة الحق الذي يواجه الباطل‪ ،‬والعدل الذي يواجه الظلم‪ .‬وإنقاذ المستضعفين إنما هو لقامة عدل ال في الرض‪.‬‬
‫ت َفَقاِتُلوا َأْوِلَياَء‬
‫غو ِ‬ ‫طا ُ‬
‫سِبيِل ال ّ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫ن َكَفُروا ُيَقاِتُلو َ‬
‫ل َواّلِذي َ‬‫سِبيِل ا ِّ‬
‫ن ِفي َ‬ ‫ن آَمُنوا ُيَقاِتُلو َ‬
‫ولهذا قالت الية التالية لهذه الية‪ :‬اّلِذي َ‬
‫ضِعيفًا ]النساء‪ ،[76:‬فقّررت الية أن شأن الذين آمنوا‪ :‬أن يكون قتالهم في سبيل ال‪ ،‬هكذا‬ ‫ن َ‬
‫ن َكا َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ن َكْيَد ال ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫طا ِ‬‫شْي َ‬
‫ال ّ‬
‫بإطلق وتعميم‪ ،‬وإن كان من أجل المستضعفين‪ ،‬فهو أيضا في سبيل ال‪ .‬بخلف الذين كفروا‪ ،‬فإن لهم غاية غير غاية‬
‫ظم ويعبد ويطاع طاعة مطلقة من دون ال‪ ،‬وهو مصدر كل‬ ‫المؤمنين‪ ،‬وهي أنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت‪ .‬وهو‪ :‬كل ما ُيع ّ‬
‫سوًل َأ ِ‬
‫ن‬ ‫شر وطغيان‪ .‬ولهذا بعث ال رسله لتحرير المم من عبادة الطاغوت أيا كان اسمه ونوعه‪َ :‬وَلَقْد َبَعْثَنا ِفي ُكلّ ُأّمٍة َر ُ‬
‫ت ]النحل‪.[36:‬‬ ‫غو َ‬ ‫طا ُ‬
‫جَتِنُبوا ال ّ‬
‫ل َوا ْ‬‫عُبُدوا ا َّ‬ ‫اْ‬
‫والظاهر‪ :‬أن المسلمين مدعوون لغاثة الملهوفين‪ ،‬وإنقاذ المستضعفين في الرض من خلق ال‪ ،‬وإن لم يكونوا مسلمين‪،‬‬
‫لن رفع الظلم والذى عن جميع الناس مطلوب من المسلم إذا كان قادرا عليه‪ ،‬ما لم يكونوا محاربين للمسلمين‪.‬‬
‫بل المسلم مطلوب منه أن يرفع الذى عن الحيوان العجم إذا قدر عليه‪ ،‬سواء كان هذا الذى ناشئا عن ظلم إنسان له‪ ،‬أو‬
‫أسباب طبيعية أخرى‪ ،‬كأن يصيبه العطش أو غيره من ألوان الذى‪.‬‬

‫]‪ -[1‬انظر‪ :‬كتابنا )غير المسلمين في المجتمع السلمي( تحت عنوان )الحماية من العتداء الخارجي( صـ‪ .10،9‬نشر مكتبة وهبة‪ .‬القاهرة‪.‬‬
‫]‪ -[2‬النهاية في غريب الحديث والثر )‪.(3/411‬‬
‫ن اْلَقْتِل‪ :‬أي المحنة التي يفتن بها النسان كالخراج من الوطن‪ :‬أشد من القتل‪ ،‬لدوام تعبها‪ ،‬وتألم‬ ‫]‪ -[3‬قال البيضاوي في تفسير‪َ :‬واْلِفْتَنُة َأ َ‬
‫شّد ِم َ‬
‫النفس بها‪ ،‬وقيل‪ :‬معناه‪ :‬شركهم في الحرم‪ ،‬وصدهم إياكم عنه‪ ،‬أشد من قتلكم إياهم فيه‪ .‬انظر‪ :‬تفسير البيضاوي )‪ ،(2/285‬وقال الشهاب في حاشيته‬
‫ن أمانيا!(‬
‫ب المنايا أن يك ّ‬
‫على تفسير البيضاوي‪ :‬قيل لبعض الحكماء‪ :‬ما أشد من الموت؟ قال‪ :‬الذي يتمنى فيه الموت! ومنه أخذ المتنبي قوله‪) :‬وحس ُ‬
‫وجعل الخراج من الوطن‪ :‬من الفتن التي ُيتمنى عندها الموت‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫لقتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من قتل بحد فراق!‬
‫ن ِدَياِرُكْم َما َفَعُلوُه ِإّل َقِليٌل‬
‫جوا ِم ْ‬
‫خُر ُ‬
‫سُكْم َأِو ا ْ‬
‫ن اْقُتُلوا َأْنُف َ‬
‫عَليِْهْم َأ ِ‬
‫انظر‪ :‬حاشية الشهاب على البيضاوي )‪ ،(2/285‬يؤكد هذا قوله تعالى‪َ :‬وَلْو َأّنا َكَتْبَنا َ‬
‫ِمْنُهْم ]النساء‪ ،[66:‬فقرن قتل النفس بالخروج من الديار‪ ،‬دللة على أنهما متكافئان أو متقاربان‪.‬‬
‫]‪ -[4‬تفسير المنار )‪ (2/210،211‬طبعة المنار الثالثة‪.‬‬
‫]‪ -[5‬التفسير الكبير للفخر الرازي )‪.(5/143‬‬
‫]‪ -[6‬المصدر السابق )‪.(5/145‬‬

‫قدرة السلم على النتشار السلمي‬

‫جل لديننا قدرته على النتشار السريع‪ ،‬ودخول المم فيه أفواجا‪ ،‬بأدنى دعوة إليه‪ ،‬وإن لم َيُقم بهذه‬
‫ومن مآثر تاريخنا‪ :‬أنه س ّ‬
‫الدعوة أناس محترفون متخصصون في التبشير به‪ ،‬متفرغون له‪.‬‬
‫وسر ذلك‪ :‬أن هذا الدين ‪-‬بعقائده وعباداته وأخلقياته وتشريعاته‪ -‬تتوافر فيه‪ :‬موافقة الفطرة‪ ،‬وملءمة العقل‪ ،‬وتزكية‬
‫النفس‪ ،‬وسمو الروح‪ ،‬وصحة الجسم‪ ،‬وتماسك السرة‪ ،‬وترابط المجتمع‪ ،‬وتحقيق العدل‪ ،‬وجلب المصالح‪ ،‬ودرء المفاسد‪،‬‬
‫وإشاعة الخيرات‪ ،‬ومكافحة الشرور بقدر المكان‪.‬‬
‫وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده التي ليس فيها غموض ول التواء ول تناقض‪ ،‬تقبلها الفطرة السليمة‪ ،‬ويسلم لها العقل‬
‫المستقيم‪.‬‬
‫فل غرو أن انتشر دين السلم انتشار أضواء الصباح‪ ،‬فمل الفاق‪ ،‬ومحا الظلم‪ ،‬واستنارت به البصار والبصائر‪ ،‬ورحب‬
‫الناس به في عامة القطار‪.‬‬
‫لم يكن )السيف( هو الذي أدخل الناس في السلم‪ ،‬كما زعم بعض خصوم السلم‪ ،‬فإن السيف قد يفتح أرضا للحتلل‪ ،‬ولكنه‬
‫ل يفتح قلبا للهداية‪.‬‬
‫بل إن النسان ‪-‬بطبعه‪ -‬يأبى أن يدخل في دين َمن يقهره عليه بالسيف‪.‬‬
‫حّتى‬
‫س َ‬
‫ت ُتْكِرُه الّنا َ‬
‫على أن السلم ذاته ينكر إكراه الناس على اليمان‪ ،‬ففي القرآن المكي يخاطب ال رسوله فيقول‪َ :‬أَفَأْن َ‬
‫ن ]يونس‪.[99:‬‬‫َيُكوُنوا ُمْؤِمِني َ‬
‫ي ]البقرة‪.[256:‬‬
‫ن اْلَغ ّ‬
‫شُد ِم َ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ن َقْد َتَبّي َ‬
‫وفي القرآن المدني يقول‪ :‬ل ِإْكَراَه ِفي الّدي ِ‬
‫بل إن القرآن ل يعتّد بإيمان َمن لم يؤمن عن طواعية واختيار حر‪ ،‬ل تشوبه أي شائبة من ضغط أو إكراه‪ ،‬ولهذا لم يقبل‬
‫سِلِمي َ‬
‫ن‬ ‫ن اْلُم ْ‬
‫سرائيَل َوَأَنا ِم َ‬
‫ت ِبِه َبُنو ِإ ْ‬
‫ت َأّنُه ل ِإَلَه إِّل اّلِذي آَمَن ْ‬
‫ق َقاَل آَمْن ُ‬
‫حّتى ِإَذا َأْدَرَكُه اْلَغَر ُ‬
‫إيمان فرعون ساعة الغرق‪َ ،‬‬
‫ن ]يونس‪.[91:‬‬ ‫سِدي َ‬
‫ن اْلُمْف ِ‬‫ت ِم َ‬
‫ت َقْبُل َوُكْن َ‬
‫صْي َ‬‫ع َ‬
‫ن َوَقْد َ‬ ‫لَ‬‫]يونس‪ ،[90:‬فكان الجواب اللهي عليه‪ :‬آ ْ‬
‫ك َيْنَفُعُهْم‬
‫ن * َفَلْم َي ُ‬
‫شِرِكي َ‬
‫حَدُه َوَكَفْرَنا ِبَما ُكّنا ِبِه ُم ْ‬ ‫ل َو ْ‬‫سَنا َقاُلوا آَمّنا ِبا ِّ‬
‫وقال عن قوم مكذبين نزل عليهم عذاب ال‪َ :‬فَلّما َرَأْوا َبْأ َ‬
‫ن ]غافر‪.[84،85:‬‬ ‫ك اْلَكاِفُرو َ‬ ‫سَر ُهَناِل َ‬‫خ ِ‬ ‫عَباِدِه َو َ‬
‫ت ِفي ِ‬ ‫خَل ْ‬
‫ل اّلِتي َقْد َ‬ ‫ت ا ِّ‬
‫سّن َ‬
‫سَنا ُ‬
‫ِإيَماُنُهْم َلّما َرَأْوا َبْأ َ‬
‫الحق أن سهولة تعاليم السلم‪ ،‬وسمو أخلق المسلمين‪ :‬هما اللذان مهدا السبيل لدخول المم في السلم‪ ،‬وليس السيف‪ ،‬كما‬
‫تقّول المتقولون‪.‬‬
‫انتشار السلم بفضائله وقوته الذاتية‪:‬‬
‫ولقد أّلف المؤرخ المعروف الدكتور حسين مؤنس كتابا أسماه )السلم الفاتح(‪ ،‬وقال عنه‪ :‬أنه دراسة في تاريخ البلد التي‬
‫فتحها السلم بفضائله وقوته الذاتية‪ ،‬دون أن يوجف عليها بخيل ول ركاب ‪ .‬وقد تتّبع انتشار السلم في هذه البلد‪ ،‬وبّين‬
‫كيف دخل السلم إليه‪ ،‬بما يقطع كل شك‪ ،‬ويرّد على كل تخّرص بأن المسلمين استخدموا القوة في نشر دينهم ‪ .‬يقول د‪.‬‬
‫مؤنس رحمه ال‪:‬‬
‫)لم يسبق فيما مضى أن كانت للمسلمين سياسة موضوعة لنشر السلم‪ ،‬يقوم عليها رجال متخصصون يجرون في أعمالهم‬
‫على مناهج مقررة‪ ،‬كما هي الحال في النصرانية مثل‪ ،‬حيث نجد البابوية الكاثوليكية‪ ،‬وما تبعها من منظمات كهنوتية‬
‫كالفرنشسكية والدومينيكية والجزويت‪ ،‬وكذلك يما تنظمه الهيئات البروتستانتية من حملت تبشير‪ ،‬تعد رجالها في معاهد‬
‫متخصصة‪ ،‬وتنفق عليها المال الوفير‪ ،‬ثم ترسلهم إلى البلد البعيدة لدعوة الناس إلى أديانها بأساليب علمية مدروسة‪ ،‬لقناع‬
‫من يصادفونه من الناس بصدق ما يدعون إليه‪ ،‬وإدخالهم في العقيدة‪ ،‬ويبلغ المر أن يطّلق أولئك الدعاة الدنيا‪ ،‬ليخلصوا‬
‫للدعوة خلوصا تاما‪ ،‬كما نعرفه في جماعات الرهبان المسيحية والبوذية أحيانا‪.‬‬
‫في السلم ل نجد شيئا من هذا إل في عصرنا اليوم‪ ،‬عندما تزايدت تيارات التبشير غير السلمية‪ ،‬ولم يعد هناك مناص من‬
‫أن ُيعَنى المسلمون بالدعوة وتنظيمها‪ ،‬وإعداد الرجال القادرين عليها‪ ،‬فيما عدا ذلك كان السلم هو الذي نشر نفسه بنفسه‪:‬‬
‫هو الذي دعا لنفسه واجتذب قلوب الناس؛ فاسلموا حبا في السلم وإعجابا به والتماسا لرحمة ال وهداه‪.‬‬
‫وإنه لمما يستوقف النظر أن قوة السلم الذاتية قد غلبت تنظيمات الدعاة‪ ،‬وأثبتت أنها أفعل وأبعد أثرا من المال الذي أنفقه‬
‫الخرون على دعاواهم‪ ،‬فانتشر واتسع مداه‪ ،‬ودخلت فيه المم بعد المم‪ ،‬من تلقاء نفسها بمجرد وصول الدعوة إليها‪ .‬ولقد‬
‫كان العرب يفتحون البلد من البلد‪ ،‬ويعرضون السلم على أهله‪ ،‬ثم يدعونهم وشانهم ؛ حتى يقتنعوا بفضائله النسانية في‬
‫تمهل ‪ ،‬حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم ‪ ،‬وأن الجزية كانت أحب إليهم من‬
‫السلم ‪ ،‬وما إلى ذلك مما نجده مسطورا في كتب أعداء الملة‪.‬‬
‫وما كان ذلك عن عدم حرص من العرب على نشر السلم ‪ ،‬وإنما كان سيرا على أسلوب الدعوة في عهدها الول‪ :‬أسلوب‬
‫عرض الدين على الناس ‪ ،‬وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي ال منهم من يشاء‪.‬‬
‫ومن غريب ما حدث في بلد مصر والندلس‪ :‬أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في السلم‪ ،‬لنهم تعودوا ممن‬
‫يتغلب على بلدهم‪ :‬أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه‪ ،‬فما بال أولئك العرب ل يلحون على الناس في الدخول في‬
‫السلم‪ ،‬ول يستخدمون القوة في ذلك‪ ،‬كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟‪.‬‬
‫قال يولوج الراهب القرطبي المبغض للسلم‪ " :‬فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم ل يهتمون بدخول الناس في‬
‫السلم ‪ ،‬فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك السلم يتعرفون عليه‪ ،‬لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به‪،‬‬
‫وضنهم به على غيرهم‪ ،‬فما زالوا يفعلون ذلك ‪ ،‬ويسألون عن السلم ويستفسرون‪ ،‬حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن‬
‫يدروا"‪.‬‬
‫ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئا من ذلك‪ ،‬وكان متأسفا‪ :‬لن العرب لم يلجئوا إلى القوة في فرض السلم ‪ ،‬إذ لو‬
‫أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك القباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة ‪ ،‬ولما وجد السلم هذا الطريق‬
‫السهل الميسر إلى القلوب في مصر والندلس‪.‬‬
‫وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر ‪ ،‬وكانوا من أشد الناس استمساكا بعقيدتهم‪ ،‬حتى لقد استشهدت في سبيلها‬
‫منهم جماعات بعد جماعات‪ ،‬على أيدي عتاة الرومان من أمثال دقلديانوس‪ ،‬وطغاة الروم من أمثال قيرس‪ ،‬فل تجد لتساؤلك‬
‫جوابا؛ لن التحول إلى السلم في هذين البلدين –مصر والندلس‪ -‬تم في هدوء وسكون‪ :‬انسابت العقيدة في قلوب الناس ‪،‬‬
‫كما ينساب الماء في أرض الزرع‪ ،‬فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها‪.‬‬
‫وفي بلد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه‪ ،‬فهذا الرجل الفريد في بابه ‪،‬‬
‫الذي وهب نفسه للسلم‪ ،‬كان يلقى رئيس القبيلة ‪ ،‬ويحدثه ‪ ،‬ثم يدعوه إلى السلم؛ فيسارع إلى اليمان ليكون من قوم‬
‫عقبة‪ ،‬ثم يتبعه بعد ذلك قومه‪.‬‬
‫إن مداخل السلم إلى القلوب ‪ ،‬هي سماحته وبساطته وإنسانيته‪ .‬إنه يقدم للمؤمن به الطمئنان وهدوء البال‪ ،‬ويفتح له إلى‬
‫ال سبحانه بابا واسعا للمغفرة والمل وثواب الخرة ‪ ،‬وكل ذلك دون مقابل‪ .‬في أديان أخرى تفرض عليه أموال وهدايا‬
‫وقرابين ‪ ،‬ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة ‪ ،‬ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة ال بقرار‪ ..‬ل شيء من هذا في السلم‪ ،‬من هنا‬
‫كان مدخله إلى النفوس سهل ذلول‪.‬‬
‫أما مسالك السلم‪ ،‬فهي ضروب الرض جميعا‪ :‬لقد انتشر السلم بالبر والبحر ‪ ،‬بالحرب والسلم‪ ،‬لقد اخترق الجبال‬
‫والشعاب‪ ،‬وأوجد لنفسه طرقا ومسالك ل تخطر على بال أحد‪ .‬لقد اشترك في نقل السلم حتى الكفار‪ ،‬ومن بين المستشرقين‬
‫رجل ‪-‬سنتحدث عنه – نصح حكومته بترك السلم ينتشر‪ ،‬حتى يشتغل به الناس ‪ ،‬ويتركوا التجارة والموال للهولنديين‪،‬‬
‫وأخذت الدولة بكلمه‪.‬‬
‫وانساح السلم في إندونيسيا حتى عمها كلها‪ .‬وحدث أن دخلت السلم قبيلة من قبائل الونقارة في غرب أفريقية على سبيل‬
‫العناد مع جارتها ‪ ،‬فلما دخلت فيه سعدت وارتقت وسادت وتبعتها خصمتها الولى… بفضل هذه العداوة –التي أصبحت‬
‫صداقة‪ -‬اخترق السلم مائتي كيلومتر من الغابات الستوائية التي ل يخترقها أحد إل بمشقة‪ ،‬وهذه القبيلة –وتسمى الونقارا‬
‫آيا‪ -‬تعتبر في مقدمة قبائل داهومي‪ ،‬منها اليوم أطباء ومهندسون ومدرسون وقضاة‪ .‬لقد دخلت السلم دون أن تدري أي حظ‬
‫كتبه ال لها عن طريق هذا الدين‪.‬‬
‫السلم دين طيار‪:‬‬
‫والخلصة أن داعية السلم الكبر هو السلم نفسه‪ ،‬فقد تضمنت عقيدته وشريعته من الفضائل ما يجعل الناس يحرصون‬
‫أشد الحرص على أن يدخلوا فيها‪ ،‬ثم إن السلم يعطي الداخل فيه كل شيء ول ينتقصه شيئا‪ ،‬فإن النسان يكسب الصلة‬
‫المباشرة بال سبحانه ونتعالى‪ ،‬ويجد الطريق إليه فيقف بين يديه خمس مرات في اليوم‪ ،‬ويدعوه دون حجاب‪ ،‬ويكسب المل‬
‫في حياة أسعد وأرغد في هذه الحياة الدنيا‪ ،‬ثم حياة الخلود في دار البقاء‪ ،‬ول يكلفه ذلك إل النطق بالشهادتين‪ ،‬واتباع شريعة‬
‫السلم‪ ،‬وكلها خير ومساواة وعدل‪ ،‬في حين يتقاضاه رجال الدين في الديان الخرى‪-‬كما قلنا‪ -‬التاوات في كل مناسبة‪ ،‬فهو‬
‫يؤدي مال إذا تزوج ‪ ،‬ويؤدي مال كلما أنجب ولدا‪ ،‬ويؤدي مال ليعّمد الطفل الوليد‪ ،‬ثم مال آخر ليثبته في الجماعة المسيحية‬
‫إذا ضرب في مداخل الشباب‪ ،‬بل يؤدي مال إذا مات له ميت لكي تصلى عليه صلة الجنازة‪ ،‬وبالضافة إلى ذلك يظل عمره‬
‫كله تابعا لرجل الدين في كل ما يتصل بال سبحانه‪ ،‬فإذا أراد الصلة صلى عنه القس‪ ،‬ووقف هو يسمع ول يملك إل أن يقول‪:‬‬
‫آمين‪ ،‬ولكن المسلمين وحدهم من دون أهل الديان هم الذين يقوم كل واحد منهم بصلته بنفسه‪ ،‬حتى لو كانت صلة‬
‫الجماعة‪ ،‬وفي غير السلم يصلى القس مع مساعديه نيابة عن الناس‪.‬‬
‫والحق أن أصدق وصف يطلق على السلم في هذا المقام‪ ،‬أنه) دين طيار( ينتقل من إنسان إلى إنسان ومن أمة لمة في‬
‫سهولة ويسر ‪ ،‬كأن له أجنحة قدسية تحمله وتجري به مجرى الريح! وإنك لتنظر إلى خريطة الرض‪ ،‬وتتأمل مدى انتشار‬
‫السلم ‪ ،‬فتتعجب من سعته‪ ،‬ويزداد عجبك عندما تتبين أن ثلث هذه المساحة فحسب هي المساحة التي فتحتها الدول وأدخلت‬
‫الجيوش فيها السلم‪ .‬أما الباقية فقد دخلها السلم ‪ ،‬ومل قلوب أهلها دون جيش منظم ‪ ،‬أو سياسة مرسومة لذلك!!‪ ،‬إنما‬
‫هو السلم نفسه ‪ ،‬جعله ال خفيفا على القلوب‪ ،‬قريبا إلى النفوس ‪ ،‬ما تكاد كلمة الحق تصافح أذن الرجل حتى يصل اليمان‬
‫إلى قلبه‪ ،‬فإذا استقر في قلبه لم يكن هناك قط سبيل إلى إخراجه منه‪ ،‬فهو الريء الذي تظمأ إليه النفوس وتستقي منه‪ ،‬وهو‬
‫المل الذي يخفف على النسان وطأة المسير في هذه الدنيا‪ ،‬ويهون عليه الموت‪ ،‬فالموت ليس آخر رحلة النسان مع الحياة‬
‫بل هو المدخل إلى الحياة فحسب‪ ،‬وبعد هذه الحياة حياة هي أسعد وأبقى لمن صدق إيمانه واتقى‪.‬‬
‫ولعل أكبر أسباب خفة السلم على القلوب هو‪ :‬وضوحه وصدقه‪ ،‬فإنك إذ تؤمن بالسلم ل تؤمن بأسرار أو أمور ل يقبلها‬
‫عقلك‪ ،‬كما ترى في الديان الخرى‪ ،‬حتى الغيب الذي تؤمن به في السلم حقيقة ‪ ،‬فإن النسان ل يرى ال بالعين المبصرة‪،‬‬
‫وإنما يحس به في نفسه‪ ،‬وفي كل ما حوله بالبصيرة المنيرة‪ ،‬والحقيقة الكبرى في هذا الكون هي خالقه‪ ،‬فهو الحق ول حق‬
‫غيره‪ ،‬وأنت ل تؤمن بال ؛ لن داعيك إليه يأتي بمعجزات أو خوارق‪ ،‬وإنما هو يلفت نظرك إلى عجائب الخلق‪ ،‬وكّل ما فيه‬
‫معجز وخارق‪ ،‬وأنت تراه رأي العين في شخصك الذي يعيش ويتحرك ويفهم‪ ،‬ل تدري كيف ‪ ،‬فإذا لم تؤمن بال فكيف فكيف‬
‫تعلل حياتك‪ ،‬وحركة حسدك ‪ ،‬ونبض قلبك ؟ فإذا آمنت بال لم يكن لك مفر من أن تؤمن بنبيه الذي حمل إليك رسالته ‪ ،‬فال‬
‫سبحانه حق‪ ،‬ونبيه صدق‪ ،‬وكل ما يعدك به القرآن حق وصدق‪ ،‬ولست تحتاج إلى من يشرح لك حقيقة السلم حتى في‬
‫نفسك‪ ،‬وغاية ما تحتاج إليه من يذكرك بها ‪ ،‬وهذا معنى من معاني تسمية ال سبحانه للقرآن بالذكر والذكر الحكيم]‪. [1‬‬
‫أ‪.‬هـ ‪.‬‬
‫شهادة غوستان لوبون‪:‬‬
‫هذه شهادة مؤرخ كبير مثل الدكتور حسين مؤنس ‪ ،‬ولكن قد يقال‪ :‬إنها شهادة مسلم لدينه‪ .‬فهذه شهادة من مؤرخ غير مسلم‬
‫‪ ،‬وهو المؤرخ الفيلسوف الجتماعي الفرنسي الشهير )غوستان لوبون( في كتابه )حضارة العرب( الذي نقله إلى العربية‬
‫الستاذ عادل زعيتر‪.‬‬
‫فلسفة القرآن وانتشاره في العالم‪:‬‬
‫يقول لوبون تحت عنوان )فلسفة القرآن وانتشاره في العالم(‪:‬‬
‫إذا أرجعنا القرآن إلى عقائده الرئيسة‪ :‬أمكننا عّد السلم صورة مبسطة عن النصرانية‪ ،‬ومع ذلك فإن السلم يختلف عن‬
‫النصرانية في كثير من الصول‪ ،‬ول سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي‪ ،‬وذلك أن الله الواحد ‪ ،‬الذي دعا إليه‬
‫ف به الملئكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم ‪) .‬أي كما في النصرانية(‬ ‫السلم ‪ ،‬مهيمن على كل شيء ‪ ،‬ول تح ّ‬
‫وللسلم وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم‪.‬‬
‫ويشير لوبون إلى يسر السلم‪ ،‬وسهولته البالغة والتي تتمثل في عقيدة التوحيد الخالص‪ ،‬وفي هذه السهولة سر قوة السلم‬
‫‪ ،‬وهي التي تجعل إدراك السلم سهل على كل إنسان‪ ،‬فليس في السلم غموض ول تعقيد‪ ،‬مما نراه في الديان الخرى‬
‫وتأباه الفطرة السليمة‪ ،‬من المتناقضات والغوامض‪.‬‬
‫قال‪ :‬ول شيء أكثر وضوحا‪ ،‬وأقل غموضا ‪ ،‬من أصول السلم القائلة بوجود إله واحد ‪ ،‬وبمساواة جميع الناس أمام ال ‪.‬‬
‫وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها ‪ ،‬ويدخل النار من يعرض عنها ‪ .‬وإنك ‪ ،‬إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة ‪،‬‬
‫رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقده‪ ،‬ويسرد لك أصول السلم في بضع كلمات بسهولة ‪ .‬وهو بذلك على عكس النصراني‬
‫الذي ل يستطيع حديثا عن التثليث ‪ ،‬والستحالة‪ ،‬وما ماثلهما من الغوامض‪ ،‬من غير أن يكون من علماء اللهوت الواقفين‬
‫على دقائق الجدل!‬
‫وساعد وضوح السلم البالغ‪ :‬ما أمر به من العدل والحسان كل المساعدة‪ ،‬على انتشاره في العالم ‪ ،‬ونفسر بهذه المزايا‬
‫سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للسلم‪ ،‬كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية‪ ،‬فأصبحوا‬
‫مسلمين حين عرفوا أصول السلم ‪ ،‬كما نفسر السبب في عدم تنصر أية أمة ‪ ،‬بعد أن رضيت بالسلم دينا‪ ،‬سواء أكانت هذه‬
‫المة غالبة أم مغلوبة‪.‬‬
‫ويجب على من يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني‪ :‬أل ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم‪ ،‬بل إلى مدى تأثير‬
‫عقائده ‪ .‬والسلم إذا ما نظر إليه من هذه الناحية‪ :‬وجد أنه من أشد الديان تأثيرا في الناس‪ ،‬وهو‪ -‬مع مماثلته لكثر الديان‬
‫في المر بالعدل والحسان والصلة ‪ ،‬إلخ‪ -‬يعّلم هذه المور بسهولة يستمرئها الجميع‪ ،‬وهو يعرف ‪ ،‬فضل عن ذلك‪ ،‬أن يص ّ‬
‫ب‬
‫في النفوس إيمانا ثابتا ل تزعزعه الشبهات‪.‬‬
‫ول ريب في أن نفوذ السلم السياسي والمدني كان عظيما إلى الغاية‪ ،‬فقد كانت بلد العرب قبل محمد مؤلفة من إمارات‬
‫مستقلة وقبائل متقاتلة دائما ‪ ،‬فلما ظهر محمد‪ ،‬ومضى على ظهوره قرن واحد‪ ،‬كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى‬
‫إسبانية ‪ ،‬وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المدن التي خفقت راية النبي فوقها‪.‬‬
‫والسلم من أكثر الديانات ملءمة لكتشافات العلم ‪ ،‬ومن أعظمها تهذيبا للنفوس‪ ،‬وحمل على العدل والحسان والتسامح ‪،‬‬
‫والُبّدهيُة ‪ ،‬وإن فاقت جميع الديان السامية فلسفة‪ ،‬تراها مضطرة أن تتحول تحول تاما لتستمرئها الجموع‪ ،‬وهي‪ ،‬ل شك ‪،‬‬
‫دون السلم في شكلها المعّدل هذا‪.‬‬
‫وجرت حضارة العرب ‪ ،‬التي أوجدها أتباع محمد ‪ ،‬على سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا‪ :‬نشوء فاعتلء فهبوط‬
‫فموت‪ ،‬ومع ما أصاب حضارة العرب من الّدثور ‪ ،‬كالحضارات التي ظهرت قبلها‪ ،‬لم يمس الزمن دين النبي الذي له من‬
‫النفوذ ماله في الماضي‪ ،‬والذي ل يزال ذا سلطان كبير على النفوس‪ ،‬مع أن الديان الخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم‬
‫شيئا من قوتها‪.‬‬
‫ويدين بالسلم في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص]‪ ، [2‬واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسية‬
‫الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين‪ ،‬ثم جميع إفريقية إلى ما تحت خط الستواء تقريبا‪.‬‬
‫وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستورا لها وحدة اللغة والصلت التي يسر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من‬
‫جميع بلد العالم السلمي‪.‬‬
‫وتجب على جميع أتباع محمد تلوة القرآن باللغة العربية بقدر المكان ‪ ،‬واللغة العربية هي لذلك أكثر لغات العالم انتشارا‬
‫على ما يحتمل ‪ ،‬وعلى ما بين الشعوب السلمية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما ُيمِكن جمعها به‬
‫تحت علم واحد في أحد اليام‪.‬‬
‫وقضى أعداء السلم من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن العظيمة‪ ،‬فعزوها إلى ما زعموه من تحلل محمد‬
‫وبطشه‪ ،‬ويسهل علينا أن ُنثبت أن هذه المزاعم ل تقوم على أساس‪ ،‬فنقول‪ :‬إن من يقرأ القرآن يجد فيه ما في الديان‬
‫الخرى من الصرامة ‪ ،‬وإن ما أباحه القرآن من تعدد الزوجات لم يكن غريبا على الشعوب المسلمة التي عرفته قبل ظهور‬
‫محمد‪ ،‬وإن هذه الشعوب لم تجد نفعا جديدا في القرآن لهذا السبب‪.‬‬
‫وما قيل من دليل حول تحلل محمد نقضه العلمة الفيلسوف )بيل( منذ زمن طويل‪ .‬وقال بيل‪ ،‬بعد أن أثبت أن ما أمر النبي‬
‫بالتزامه من قيود الصيام وتحريم الخمر ومبادئ الخلق هو أشد مما أمر به النصارى‪:‬‬
‫" إن من الضلل ‪ ،‬إذن ‪ ،‬أن ُيعزى انتشار السلم السريع في أنحاء الدنيا إلى أنه يلقي عن كاهل النسان ما شق من‬
‫التكاليف والعمال الصالحة‪ ،‬وأنه يبيح له البقاء على سيئ الخلق‪ ،‬وقد دّون )هوتنجر( قائمة طويلة بالخلق الكريمة‬
‫والداب الحميدة عند المسلمين‪ ،‬فأرى –مع القصد في مدح السلم‪ -‬أن هذه القائمة تحتوي أقصى ما يمكن أن يؤمر به إنسان‬
‫من التحلي بمكارم الخلق ‪ ،‬والبتعاد عن العيوب والثام"]‪.[3‬‬
‫ومما نبه إليه العلمة )بيل (‪ :‬أن ملذ الجنة التي وعد بها المسلمون ل تزيد على ما وعد به النصارى في النجيل ‪ .‬جاء في‬
‫النجيل‪" :‬لم تر عين ‪ ،‬ولم تسمع أذن ‪ ،‬ولم يخطر على قلب إنسان‪ :‬ما أعده ال للذين يحبونه"‪.‬‬
‫وسيرى القارئ ‪ ،‬حين نبحث في فتح العرب وأسباب انتصاراتهم‪ :‬أن القوة لم تكن عامل في انتشار القرآن ‪ ،‬فقد ترك العرب‬
‫المغلوبين أحرارا في أديانهم ‪ ،‬فإذا حدث أن اعتنق بعض القوام النصرانية السلم ‪ ،‬واتخذوا العربية لغة لهم ‪ ،‬فذلك لما رأوا‬
‫من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين‪ ،‬ولما كان عليه السلم من السهولة التي لم يعرفوها من قبل‪.‬‬
‫وقد أثبت التاريخ أن الديان ل تفرض بالقوة ‪ ،‬فلما قهر النصارى عرب الندلس فضل هؤلء القتل والطرد عن آخرهم على‬
‫ترك السلم‪.‬‬
‫ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن‪ ،‬بل انتشر بالدعوة وحدها ‪ ،‬وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا‬
‫كالترك والمغول‪ ،‬وبلغ القرآن من النتشار في الهند ‪ ،‬التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد معه عدد المسلمين‬
‫على خمسين مليون نفس فيها]‪ ،[4‬ويزيد عدد مسلمي الهند اليوم يوما فيوما‪ ،‬مع أن النجليز ‪ ،‬الذين هم سادة الهند في الوقت‬
‫الحاضر ‪ ،‬يجّهزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعا إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى‪.‬‬
‫ولم يكن القرآن أقل انتشارا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط‪ ،‬وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة السلمية‬
‫فيها‪ ،‬ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا]‪ [5‬في الوقت الحاضر‪.‬‬
‫جْبرية ما يزيد خطرا على ما رددنا عليه‪ ،‬وليس في آي القرآن التي ذكرناها آنفا من‬
‫وليس فيما يوصم به السلم من ال َ‬
‫جْبرية ما ليس في كتب الديان الخرى كالتوراة مثل]‪ .[6‬وهناك فلسفة وعلماء لهوت يعترفون بأن مجرى الحوادث تابع‬ ‫ال َ‬
‫لسنة ل تتبدل‪ ،‬قال المصلح الديني القدير لوثر‪" :‬يحتج على اختيار النسان وإرادته بنصوص الكتاب المقدس التي ل تحصى ‪،‬‬
‫وإن شئت فقل بكل ما ورد في الكتاب المقدس"‪.‬‬
‫جْبرية التي يسميها القدماء بالقدر‪ ،‬ووضع القدماء القدر‪ ،‬الذي ل راد لحكمه ‪ ،‬على رأس‬
‫وكتب جميع المم الدينية ُمَفّعَمة بال َ‬
‫كل أمر‪ ،‬عاّدين إياه سلطة مطلقة ل مناص للناس واللهة من إطاعتها‪ ،‬وحاول )إديب( على غير جدوى ‪ ،‬أن يضرع إلى‬
‫هاتف الغيب الذي أخبره بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه ‪ ،‬فلم يستطع ردا لحكم القدر الجبار‪.‬‬
‫جْبريا أكثر من مؤسسي الديان الذين ظهروا قبله ‪ ،‬ولم يسبق محمد في جبريته علماء الوقت الحاضر‬‫ولم يكن محمد ‪ ،‬إذن َ‬
‫الذين أيدوا مع العلمة لبلس رأي الفيلسوف ليبنتز في القول‪ " :‬إنه إذا وجد ذكاء يعرف ‪ ،‬لوقت ‪ ،‬جميع قوى العالم‪،‬‬
‫ومواضع ما فيه من الموجودات ‪ ،‬ويستطيع أن يحللها ‪ ،‬ويحيط بمحركات أعظم أجرام العالم وأصغر ذراته ‪ ،‬فإنه ل يبقى‬
‫عنده شيء غير معين‪ ،‬ويصبح الماضي والمستقبل حال في نظره "‪.‬‬
‫جْبرية الشرقية التي قامت عليها فلسفة العرب‪ ،‬ويستند إليها كثير من مفكري العصر الحاضر هي نوع من التسليم الهادئ‬ ‫وال َ‬
‫الذي يعلم به النسان كيف يخضع لحكم القدر من غير تبّرم وملومة‪ ،‬وتسليم مثل هذا هو وليد مزاج أكثر من أن يكون وليد‬
‫عقيدة‪ ،‬وقد كان العرب جبريين في مزاجهم قبل ظهور محمد‪ ،‬فلم يكن لجربيتهم تأثير في ارتقائهم ‪ ،‬كما أنها لم تؤد إلى‬
‫انحطاطهم‪ [7].‬أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫توماس أرنولد ينصف السلم‪:‬‬
‫وإذا كان غوستاف لوبون الفرنسي قد أنصف السلم وتاريخ المسلمين في كتابه‪ ،‬فقد جاء بعده المستشرق البريطاني‬
‫البحاثة الشهير)توماس أرنولد( الذي كان يعرف العربية والفارسية وعددا من اللغات الوربية ‪ ،‬والذي أصدر كتابه القيم‬
‫)الدعوة إلى السلم‪ :‬بحث في تاريخ نشر العقيدة السلمية( وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلدي‪1896) ،‬م(‪.‬‬
‫وقد طبع الكتاب بالنجليزية عدة طبعات ‪ ،‬ونقله إلى العربية د‪ .‬حسن إبراهيم حسن وزميله ‪ ،‬ونشر عدة مرات ابتداء من‬
‫سنة ‪1947‬م ‪.‬‬
‫والكتاب جدير بأن يقرأ ‪ ،‬لما فيه من وقائع وأحداث مأخوذة من مصادر عدة وموثقة ‪ ،‬ومكتوبة بلغات شتى ‪ ،‬عكف الرجل‬
‫عليها‪ ،‬حتى استخرجها من مظانها وحشدها في كتابه العلمي الموثق‪.‬‬

‫]‪ [1‬السلم الفاتح لحسين مؤنس‪ .24-20 :‬نشر الزهراء للعلم العربي‪.‬‬
‫]‪ [2‬قيل هذا في القرن التاسع عشر‪ ،‬ومع هذا كان المسلمون أكثر ذلك بكثير‪ .‬وسيأتي من كلم )لوبون( نفسه ما يدل على أن المسلمين أكثر من ذلك‪.‬‬
‫]‪ [3‬وقال الفيلسوف الشهير )كارلبل( في كتابه البطال في فصله الذي كتبه عن البطل في صورة نبي ‪ ،‬واتخذ النبي محمدا نموذجا ممثل للبطولة‪:‬‬
‫)إن دينه ليس بالدين السهل‪ ،‬فإنه –بما فيه من صوم قاس‪ ،‬وطهارة‪ ،‬وصيغ معقدة صارمة ‪ ،‬وصلوات خمس كل يوم‪ ،‬وإمساك عن شرب الخمر‪ -‬لم‬
‫يفلح في أن يكون دينا سهل( انظر ‪ :‬الدعوة إلى السلم ص‪ 460‬لتوماس أرنولد‪.‬‬
‫]‪ [4‬هذه إحصائيات قديمة من القرن التاسع عشر‪ ،‬ومع هذا ليست دقيقة‪.‬‬
‫]‪ [5‬إذا كان المسلمون في الهند يزيدون على ‪ 50‬مليونا‪ ،‬وفي الصين على ‪ 20‬مليونا‪ ،‬فكيف يكون عدد جميع المسلمين مائة مليون ‪ ،‬كما قال الباحث‬
‫من قبل؟!!‬
‫]‪ [6‬بل هناك مئات اليات من القرآن في سوره المكية والمدنية تثبت بكل وضوح‪ :‬أن النسان مكلف مختار‪ ،‬وأنه هو الذي يقرر مصير نفسه‪ ،‬وإن‬
‫ال تعالى منحه من القوى والمواهب والملكات ‪ :‬ما يمكنه من صنع مصيره بيده ‪ ،‬كما قال تعالى ‪ :‬من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل‬
‫عليها كل نفس بما كسبت رهينة ل يكلف ال نفسا إل وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم‬
‫… إلى آخره ‪.‬‬
‫]‪ [7‬أنظر‪ :‬حضارة العرب‪.‬‬

‫‪ (2‬حول مشروع " ائتلف الخير" والموقف من اليهود‬
‫تمهيد‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة‬
‫الحمد ل رب العالمين ‪ ،‬والصلة والسلم على من أرسله ال رحمة للعالمين‪ ،‬وحجة على الناس أجمعين‪ ،‬سيدنا وإمامنا‬
‫وأسوتنا وحبيبنا محمد بن عبد ال‪ ،‬وعلى سائر إخوانه من النبياء والمرسلين ‪ ،‬وعلى آلهم وأصحابهم ومن اتبعهم بإحسان‬
‫إلى يوم الدين‪.‬‬
‫)أما بعد(‬
‫فقد شغلتني قضية فلسطين ‪ -‬أو مأساة فلسطين ‪ -‬منذ صباي وبواكير شبابي‪ ،‬وأنا في المرحلة البتدائية من دراستي‬
‫الزهرية‪ ،‬ثم ازددت انشغال واهتماما بها كلما نضجت وعرفت الحياة أكثر فأكثر ‪ .‬وذلك لعدة أسباب‪:‬‬
‫‪ .1‬أنها تتعلق بجزء من أرض السلم ‪ ،‬وقد تعلمنا في الزهر ‪ :‬أن أي جزء من أرض السلم يغزوه غاز‪ ،‬يفرض ‪ -‬فرض‬
‫عين ‪ -‬على أهله جميعا مقاومته‪ ،‬كل بما يقدر عليه من رجل وامرأة‪ .‬وأن على المسلمين في أنحاء العالم أن يعاونوهم بكل ما‬
‫يحتاجون إليه من مال وعتاد ورجال‪.‬‬
‫‪ .2‬أنها ليست جزءا عاديا من أرض السلم ‪ ،‬بل هي جزء عزيز له خصوصية‪ ،‬ل تتوافر لغيره‪ ،‬فهي أرض السراء‬
‫والمعراج ‪ ،‬وهي القبلة الولى للمسلمين ‪ ،‬وبها المسجد القصى الذي بارك ال حوله‪ ،‬وهو أحد المساجد الثلثة التي ل تشد‬
‫الرحال إل إليها للتعبد فيها‪.‬‬
‫‪ .3‬أنها قضية تجلى فيها الظلم المبين الواقع على أهلها ‪ ،‬فقد تآمر عليهم النتداب البريطاني والمكر الصهيوني‪ ،‬على حين‬
‫غفلة ووهن من العرب والمسلمين‪ ،‬واستخدم معهم أقسى أنواع العنف‪ ،‬وأقيمت المجازر البشرية لهل البلد‪ ،‬حتى أخرجوا‬
‫من ديارهم بغير حق‪ ،‬وشردوا في الفاق‪ .‬وحل محلهم الغرباء الوافدون من هنا وهناك‪ .‬وحصر أهل فلسطين في رقعة ضيقة‬
‫هي الضفة الغربية وقطاع غزة‪ .‬وقيل لهم‪ :‬هذه لكم‪ ،‬ليس لكم حق في غيرها‪ .‬ثم لم يدعوها لهم ‪ ،‬بل احتلوها بالحديد والنار‪.‬‬
‫ولزالوا يذيقون أهلها الويلت‪ ،‬وينزلون بهم الخراب والموت كل يوم‪.‬‬
‫فل يزال أهل فلسطين يصبحون ويمسون على أطفال تيتم ‪ ،‬وأمهات تثكل ‪ ،‬ونساء ترمل‪ ،‬وأسر كاملة تفقد عائلها أو بيوت‬
‫تهدم ويترك أهلها في العراء ‪ ،‬وأراض تجرف بالقوة وتضم إلى الدولة الغازية ‪ ،‬ومزارع تحرق وتترك أرضا سوداء!‬
‫وأشجار زيتون معمرة من مئات السنين تقلع‪ ،‬وحصار اقتصادي كاد الناس معه ل يجدون القوت‪.‬‬
‫لهذا كان إخواننا من أهل فلسطين أحوج ما يكونون إلى المعونة من أهل الخير من إخوانهم من العرب والمسلمين ‪ ،‬ومن‬
‫الخيرين والرحماء من أنحاء العالم‪.‬‬
‫ومن هنا أصبحت إغاثة هؤلء المساكين المستضعفين المكروبين المحاصرين ‪ :‬فريضة على كل من يقدر أن يقدم إليهم شيئا‬
‫أو يساعدهم على ذلك‪.‬‬
‫ونحن المسلمين مأمورون ‪ -‬بحكم إيماننا ‪ -‬أن نحض على طعام المسكين كما قال تعالى‪ :‬أرأيت الذي يكذب بالدين ‪ .‬فذلك الذي‬
‫يدع اليتيم‪ .‬ول يحض على طعام المسكين الماعون ‪. 3 - 1‬‬
‫وقد ذم ال أهل الجاهلية بقوله‪ :‬كل بل ل تكرمون اليتيم ‪ .‬ول تحاضون على طعام المسكين الفجر ‪. 18 ،17 :‬‬
‫من أجل هذا ‪ :‬ناديت أنا وبعض الفضلء والشرفاء من محبي الخير‪ ،‬وأصحاب الهمم العالية‪ ،‬والنيات الصادقة‪ ،‬بالعمل على‬
‫إنشاء مشروع إنساني خيري ‪ ،‬يعمل بقدر الجهد على سد حاجة المحتاجين من أبنائنا في فلسطين‪ :‬من إطعام جائع ‪ ،‬أو‬
‫كسوة عار ‪ ،‬أو إيواء متشرد‪ ،‬أو رعاية أرملة أو كفالة يتيم ‪ ،‬أو علج مريض ‪ ،‬أو ترميم مستشفى أو مدرسة أو مسجد ‪ ،‬أو‬
‫إنشائه عند اللزوم‪ .‬وأطلقنا على هذا المشروع اسم )ائتلف الخير( لنه يتكون من عدد من الجمعيات والهيئات الخيرية‪ ،‬التي‬
‫تتعاون في سد هذه الثغرة ‪ ،‬كما قال تعالى ‪ :‬وتعاونوا على البر والتقوى ول تعاونوا على الثم والعدوان المائدة ‪. 2 :‬‬
‫وقوله ‪" :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"‪[1] .‬‬
‫وقد شرفني الخوة الذين اجتمعوا على هذه المبادرة بأن أكون على رأس هذا الئتلف الخّير‪ ،‬الذي كتب ال التوفيق للقائمين‬
‫عليه‪ ،‬واستطاع أن يقوم بمهمات جليلة داخل أرض فلسطين‪ ،‬مما دل على أن أهل الخير والراغبين فيه ابتغاء مرضاة ال‬
‫تعالى ومثوبته‪ :‬ل زالوا كثيرين والحمد ل‪.‬‬
‫ومن المؤكد‪ :‬أن هذا الئتلف ل علقة له إطلقا بالعمل العسكري‪ ،‬ول العمل السياسي‪ ،‬ول يمت إليهما بصلة‪ .‬وهذا واضح‬
‫وضوح الشمس‪ ،‬منذ نشأة الئتلف وإلى اليوم‪ .‬واضح في أهدافه‪ ،‬وواضح في برامجه‪ ،‬وواضح في مشروعاته وأعماله‪.‬‬
‫وهو يعمل على المكشوف‪ ،‬وليس يعمل في سراديب تحت الرض‪ ،‬ويعرض ما يقوم به على الناس جهارا نهارا‪ ،‬حتى ل يشك‬
‫شاك‪ ،‬أو يرتاب مرتاب‪.‬‬
‫ومع هذا نجد الذين في قلوبهم مرض ينشرون القيل والقال‪ ،‬حول هذا الئتلف‪ ،‬والقائمين عليه‪ ،‬وحول رئيسه )القرضاوي(‬
‫الذين يتهمه الّفاكون بمساندة الرهاب‪ ،‬وهو أول من يستنكر الرهاب‪ ،‬ويدعو إلى التسامح ل التعصب‪ ،‬والحب ل الكراهية‪،‬‬
‫والرفق ل العنف‪ ،‬والحوار ل الصدام‪ ،‬والسلم ل الحرب‪.‬‬
‫والحمد ل هذه كتبي ورسائلي ومقالتي وفتاواي ومحاضراتي وخطبي وموقعي على النترنت ‪ :‬كلها تشهد بذلك‪.‬‬
‫ي الخوة القائمون على الئتلف في لندن هذه السئلة التي أثارها من أثارها‪ ،‬يرجون مني الجابة عنها‪ .‬إحقاقا‬
‫وقد أرسل إل ّ‬
‫للحق‪ ،‬وإبطال للباطل‪.‬‬
‫ولم يسعني ‪ -‬رغم أعبائي وأشغالي وزحمة أوقاتي ‪ -‬إل أن أجيب عنها ‪ ،‬بقدر ما أسعفني الوقت‪ ،‬وأيدني التوفيق من ال‬
‫تعالى‪ .‬وعند إجابتي عن هذه السئلة إنما أوضح موقف الشرع السلمي فيما يجيزه او ل يجيزه في شأن هذه القضايا حسب‬
‫النصوص الشرعية القرآنية والنبوية‪،‬وعالم الدين المسلم إذا قصد بالسؤال ل بد أن يجيب السائل‪ ،‬ول يدعه حيران‪ ،‬وإل كان‬
‫من الذي يكتمون العلم‪ ،‬وهو ما حذر منه النبي حين قال‪":‬من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"‪ [2].‬وإنما‬
‫يجيب العالم المسلم حسب فهمه واجتهاده في الدين‪ ،‬وفق النصوص الشرعية‪ ،‬من الكتاب والسنة‪ ،‬مستفيدا من أقوال العلماء‬
‫الثقات‪ .‬وهو ل يّدعي العصمة‪ ،‬ولكن يجتهد وفق الضوابط الشرعية‪ ،‬والصول المرعية‪.‬‬
‫والمفتي في فتواه ليس كالقاضي في حكمه‪ ،‬لن القاضي يلزم بحكمه‪ ،‬والمفتي ل يلزم بحكمه أحدا‪ ،‬إنما هو يجيب عمن سأله‪،‬‬
‫والمستفتي حر بعد ذلك‪.‬‬
‫وإني لرجو أن أكون بهذه الجابات قد وضحت موقفي ‪ ،‬وأقمت الحجة على المفترين علي‪ ،‬وأعذرت إلى ربي ليهلك من هلك‬
‫عن بينة ويحيا من حي عن بينة ‪.‬‬
‫ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على ال من شيء في الرض ول في السماء‪.‬‬
‫رررررر رررر ررررر‬
‫رررر رررررررر‬
‫الدوحة ‪ :‬المحرم ‪1426‬هـ ‪ -‬فبراير ‪2006‬م‬

‫موقفنا من اليهود‬

‫‪ 1‬ـ ما هو موقفكم من اليهود بالعموم ؟‬

‫ج ‪ :‬أما عن موقفي من اليهود‪ ،‬فهو معلوم لكل من طالع كتبي ‪ ،‬أو استمع إلى محاضراتي وخطبي ‪ ،‬وهو موقف السلم‬
‫الذي أدين ال تعالى به ‪ ،‬وأعني به السلم الوسط ‪ ،‬الذي يمثل المنهج الوسط للمة الوسط ‪ ،‬الذي يقف وسطًا بين‬
‫المتحللين والمتزمتين ‪ ،‬و بين التفريط والفراط ‪ .‬وهو منهجي الذي آمنت به ‪ ،‬ونذرت نفسي للدعوة إليه‪ ،‬وهو الحسان‬
‫إلى الجميع‪ ،‬والدعوة إلى التعارف والتعايش السلمي بين الناس كافة‪ ،‬دون عدوان على حق احد‪ ،‬أو انتهاك لحرمته؛ مع‬
‫اليمان بحق كل إنسان في المحافظة على دينه وعقيدته‪ ،‬قال تعالى‪ :‬ل إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي البقرة‪.255 :‬‬

‫ول شك أن اليهود هم أتباع موسى بن عمران عليه وعلى نبينا الصلة والسلم ‪ ،‬وقد تحدث القرآن عن موسى عليه السلم‬
‫وعن قومه في سور كثيرة‪ ،‬حتى قال بعض علمائنا‪ :‬كاد القرآن يكون لموسى وقومه! وحسبنا أن موسى ذكر في القرآن )‬
‫‪ (136‬مائة وستا وثلثين مرة ‪ ،‬وموسى يعتبر من أولي العزم من الرسل ‪ ،‬وهم خمسة‪ :‬نوح وإبراهيم وموسى وعيسى‬
‫ومحمد عليهم الصلة والسلم‪ ،‬وهم المذكورون في قوله تعالى‪ :‬وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‪ ،‬ومنك ومن نوح وإبراهيم‬
‫وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا الحزاب ‪ . 7 :‬وفي قوله تعالى ‪ :‬شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا‬
‫والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى‪ :‬أن أقيموا الدين ول تتفرقوا فيه الشورى ‪.13 :‬‬

‫وموسى هو الذي خصه ال تعالى بكلمه المباشر دون رسل ال جميعا‪ .‬يقول تعالى‪ :‬قال‪ :‬يا موسى إني اصطفيتك على‬
‫الناس برسالتي وكلمي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين العراف‪ . 144 :‬وقال تعالى ‪ :‬وكلم ال موسى تكليما النساء ‪:‬‬
‫‪. 164‬‬

‫ويتحدث القرآن عن كتاب اليهود – وهو التوراة‪ -‬حديثا ينم عن الحترام والتبجيل‪ ،‬فيقول‪ :‬إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور‬
‫يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والحبار بما استحفظوا من كتاب ال وكانوا عليه شهداء المائدة ‪44 :‬‬
‫‪.‬‬

‫واعتبر السلم اليهودية ديانة سماوية ‪ ،‬وسمى أهلها )أهل الكتاب( وهو اسم يشملهم ويشمل النصارى معهم‪ .‬ويناديهم بهذا‬
‫اللقب المعبر‪ ) :‬يا أهل الكتاب(‪.‬‬

‫وجعل لهم من الحكام ما يميزهم عن غيرهم‪ ،‬مثل أكل ذبائحهم‪ ،‬وتزوج نسائهم‪ ،‬كما قال تعالى في سورة المائدة‪ :‬وطعام‬
‫الذين أوتوا الكتاب حل لكم‪ ،‬وطعامكم حل لهم‪ ،‬والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا‬
‫آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ول متخذي أخدان المائدة‪. 5:‬‬

‫وهذه قمة في التسامح ‪ :‬أن يجيز السلم للمسلم أن يتزوج يهودية ‪ ،‬فتصبح ربة بيته‪ ،‬وشريكة حياته ‪ ،‬وموضع سره‪ ،‬وأم‬
‫أولده‪ ،‬مع ما في الزواج من المودة والرحمة كما قال ال تعالى ‪ :‬وجعل بينكم مودة ورحمة الروم‪. 21 :‬‬

‫وهذا الزواج ينشئ رابطة المصاهرة التي هي قرينة رابطة النسب ‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله‬
‫نسبا وصهرا الفرقان‪ . 54 :‬وبذلك يصبح أهل الزوجة أجداد الولد وجداتهم‪ ،‬وأخوالهم وخالتهم‪ ،‬ويقر لهم حقوق ذوي‬
‫القربى ‪ ،‬وأولي الرحام ‪ ،‬وقد قال تعالى ‪ :‬وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض النفال ‪. 75 :‬‬
‫ومعنى هذا كله‪ :‬أن أهل الكتاب أقرب إلينا من غيرهم من سائر الملل‪ ،‬ولهذا نهانا القرآن أن نجادلهم إل بالتي هي أحسن‪،‬‬
‫وذلك في قوله سبحانه‪ :‬ول تجادلوا أهل الكتاب إل بالتي هي أحسن إل الذين ظلموا منهم‪ ،‬وقولوا‪ :‬آمنا بالذي أنزل إلينا‬
‫وأنزل إليكم‪ ،‬وإلهنا إلهكم واحد‪ ،‬ونحن له مسلمون العنكبوت‪.46:‬‬

‫فهذا هو موقفي وموقف كل المسلمين عموما من اليهود بوصفهم يهودا‪ .‬وهذا ما لم يقاتلونا في الدين ‪ ،‬أو يخرجونا من‬
‫ديارنا‪ ،‬أو يظاهروا على إخراجنا ؛ فإن فعلوا ذلك ؛ فل ولء ول مسالمة بيننا وبينهم حتى يعودوا عن عدوانهم ويجنحوا‬
‫إلى السلم‪ ،‬وهو الذي نؤمن به ونسعى إليه‪ .‬وهذا ما وضحته آيتان محكمتان في كتاب ال ‪ :‬ل ينهاكم ال عن الذين لم‬
‫يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن ال يحب المقسطين‪ .‬إنما ينهاكم ال عن الذين‬
‫قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون الممتحنة‪.8 :‬‬

‫فقسم ال تعالى غير المسلمين ـ ومنهم اليهود ـ إلى مسالمين للمسلمين‪ ،‬وغير مسالمين لهم‪ ،‬وجعل للولين البر والقسط ‪،‬‬
‫وحرم الولء للخرين ‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ هل أنتم ضد اليهود لكونهم يهودا ؟‬

‫ج ‪ :‬الحق الذي يجب أن يعلمه الناس ‪ ،‬كل الناس ‪ :‬أنني ‪ -‬وغيري من المسلمين ‪ -‬ل نكره اليهود لكونهم يهودا ‪ ،‬ولهذا قلت‬
‫مرارا ‪ :‬إن )اليهودية( باعتبارها ديانة ليست هي السبب في المعركة بيننا وبين دولة إسرائيل ‪.‬‬

‫والقرآن اختار لليهود ‪ -‬و كذلك النصارى ‪) -‬لقًبا( يوحي بالقرب واليناس منهم‪ ،‬وهو )أهل الكتاب( ويناديهم بذلك )يا أهل‬
‫الكتاب( ويعنى به‪ :‬التوراة والنجيل‪ ،‬إشعاًرا بأنهم ‪ -‬في الصل ‪ -‬أهل دين سماوي‪ ،‬وإن حرفوا فيه وبدلـوا ‪.‬‬

‫اليهود أقرب إلى ملة إبراهيم من النصارى‪:‬‬

‫بل أزيد على ذلك فأقول‪ :‬إن اليهود ‪ -‬من الناحية الدينية ‪ -‬أقرب إلى المسلمين في كثير من المور‪ ،‬من النصارى‬
‫المسيحيين‪،‬لنهم أقرب منهم إلى ملة إبراهيم عليه السلم‪ ،‬سواء في العقيدة أم في الشريعة‪.‬‬

‫على أن كل ما يؤمن به اليهود فيما يتعلق باللوهية والنبوة‪ ،‬يؤمن به المسيحيون‪ ،‬لن التوراة وملحقاتها من )الكتاب‬
‫المقدس( عندهم ‪ .‬ويزيدون على اليهود ما انفردوا به من تأليه المسيح أو القول بالتثليث‪.‬‬

‫ضا‪.‬‬
‫فلو كنا نحارب اليهود من أجل العقيدة‪ ،‬لحاربنا النصارى المسيحيين أي ً‬

‫ومن أجل هذا يتبين لنا خطأ بعض عوام المتدينين الذين يتوهمون أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل‬
‫العقيدة‪.‬‬

‫وهذه النظرة التي قد تخطر في بال بعض الناس ‪ :‬خاطئة تماًما‪ ،‬فاليهود ـ كما رأينا ـ يعتبرهم السلم أهل كتاب‪ ،‬يبيح‬
‫مؤاكلتهم‪ ،‬ويبيح مصاهرتهم‪،‬وقد كانوا على معتقداتهم هذه ‪ ،‬وقد عاشوا قروًنا بين ظهراني المسلمين‪ ،‬لهم ذمة ال تعالى‪،‬‬
‫وذمة رسوله‪ ،‬وذمة جماعة المسلمين‪ ،‬وقد طردهم العالم‪ ،‬ولفظهم لفظ النواة‪ ،‬من أسبانيا وغيرها‪ ،‬ولم يجدوا صدًرا حنوًنا‪،‬‬
‫إل في دار السلم‪ ،‬وأوطان المسلمين‪ ،‬ولم يفكر المسلمون يوًما أن يحاربوا اليهود ‪ ،‬أو يمسوهم بأذى ‪ .‬مع أنهم كانوا في‬
‫تلك الزمنة كلها متمسكين بعقيدتهم اليهودية ‪ ،‬لن دين المسلمين يحرم عليهم ذلك ‪.‬‬

‫ل نعادي إسرائيل لنها ساّمية‪:‬‬

‫وأحب أن أنبه هنا إلى نقطة تتعلق بالنقطة السابقة ‪ ،‬وهي ‪:‬هل سبب العداوة والحرب المستعرة بيننا ـ نحن العرب‬
‫والمسلمين ـ وبين إسرائيل‪ :‬أنها دولة سامية؟‬

‫والجواب‪ :‬أن هذا أبعد ما يكون عن تفكير المسلمين‪ ،‬ول يتصور أن يرد هذا بخواطرهم؛ لسببين أساسيين‪:‬‬

‫الول‪ :‬أننا ـ نحن العرب ـ ساميون‪ ،‬ونحن مع بني إسرائيل في هذه القضية أبناء عمومة‪ ،‬فإذا كانوا هم أبناء إسرائيل ـ وهو‬
‫يعقوب ـ بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلم‪ ،‬فنحن أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلم‪.‬‬
‫ول تستطيع إسرائيل أن تزايد علينا في ذلك‪ ،‬ول أن تتهمنا بأننا أعداء )السامية( التي تتاجر بها في الغرب‪ ،‬وتشهرها سيًفا‬
‫في وجه كل من يعارض سياستها‪ ،‬أو ينـتقد سلوكياتها العدوانية واللأخلقية ‪ ،‬بل اعتبر القرآن المسلمين كافة أبناء إبراهيم‬
‫هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم الحج‪. 78:‬‬

‫والثاني‪ :‬أن المسلمين عالميون إنسانيون بحكم تكوينهم العقدي والفكري‪ ،‬وليسوا ضد أي عرق من العروق أو نسب من‬
‫النساب‪ ،‬وقد علمهم دينهم أن البشرية كلها أسرة واحدة‪ ،‬تجمعهم العبودية ل‪ ،‬والبنوة لدم‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ياأيها الناس إنا‬
‫خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوًبا وقبائل لتعارفوا‪ ،‬إن أكرمكم عند ال أتقاكم‪ ،‬إن ال عليم خبير الحجرات‪ . 13:‬وقال‬
‫رسولهم الكريم ‪ " :‬أيها الناس‪ ،‬إن ربكم واحد‪ ،‬وإن أباكم واحد‪ ،‬كلكم لدم‪ ،‬وآدم من تراب " ‪[1] .‬‬

‫على أن اليهود اليوم لم يعودوا كلهم ساميين‪ ،‬كما يزعمون‪ ،‬فقد دخل فيهم عناصر شتى من سائر أمم الرض‪ ،‬كما هو‬
‫معروف عن يهود )مملكة الخزر( ويهود الفلشا‪ ،‬وغيرهم‪ .‬وهذا طبيعي‪ ،‬فاليهودية ديانة‪ ،‬وليست جنسية ‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ هل تحثون سماحتكم على قتال اليهود وقتلهم لكونهم يهودا؟‬

‫ج ـ كل ‪ ،‬أنا ل أفتي بهذا ول أحث عليه بالمرة‪ .‬وذلك لعدة أسباب‪:‬‬

‫أول‪ :‬إن اليهود ـ باعتبارهم يهودا ـ هم عندنا أهل كتاب‪ ،‬كما بينت ذلك بالدلة‪ ،‬ونعتبر ديانتهم ديانة سماوية‪ ،‬وتوراتهم كتابا‬
‫سماويا‪ ،‬وإن كنا نعتقد أنهم حرفوا فيه وبدلوا‪ .‬ولكنه يبقى في أصله سماويا‪ ،‬كما نعتقد أن نبيهم موسى من أنبياء ال ورسله‪،‬‬
‫وقد كلمه ال تكليما‪ .‬وله منزلة عظيمة في السلم‪ ،‬ولقصته مع فرعون‪ ،‬ومع قومه‪ :‬مساحة واسعة في القرآن‪.‬‬

‫وقد أجاز السلم أن نأكل من ذبائح اليهود‪ ،‬وأن نصاهرهم‪ ،‬ونتزوج من نسائهم‪ ،‬مع ما يفرضه السلم في العلقات‬
‫الزوجية من سكون ومودة ورحمة‪ ،‬وما توجبه روابط المصاهرة من ترابط وتقارب‪ ،‬وحقوق للمومة والخؤلة وغيرها‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬إن السلم يكره الظلم‪ ،‬والظالمين‪ ،‬ويوجب العدل لكل الناس‪ ،‬من أي دين كانوا‪ ،‬ومن أي عرق كانوا‪ ،‬ومن أي إقليم‬
‫كانوا‪ ،‬ول يتحيز لحد ضد أحد‪ ،‬ول لطائفة ضد طائفة‪ ،‬وإنما يتحيز للحق وحده‪ .‬فعدل ال لخلق ال جميعا‪.‬‬

‫وقد نزلت تسع آيات من القرآن الكريم في سورة النساء ‪ ،‬تدافع عن يهودي اتهم ظلما بالسرقة‪ ،‬وكان السارق مسلما من‬
‫المنافقين أو ضعاف اليمان‪ ،‬أراد قومه أن يبرئوه ويلصقوا التهمة باليهودي البريء‪ ،‬وكاد الرسول يصدقهم‪ ،‬ويدافع عنهم‪،‬‬
‫لول أن نزل الوحي القرآني يحامي عن اليهودي المتهم ظلما‪ ،‬ويلحق التهمة بأهلها‪ ،‬ويعاتب الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫على تصديقه لهؤلء‪.‬‬

‫يقول تعالى في سورة‪ :‬إّنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ال ول تكن للخائنين خصيما‪ .‬واستغفر ال إن‬
‫ال كان غفورا رحيما ‪ .‬ول تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن ال ل يحب من كان خوانا أثيما ]النساء‪.[113-104 :‬‬

‫ل في وجوههم السيوف‪،‬‬
‫ثالثا‪ :‬يجب أن نبين هنا‪ :‬أننا في واقع المر لم نقاتل اليهود‪ ،‬أعني‪ :‬لم نبدأهم بحرب أو قتال‪ ،‬أو ُنس ّ‬
‫ونرفع عليهم البنادق والرشاشات‪ ،‬حتى يقال لنا‪ :‬لماذا تقاتلون اليهود؟ أو تحثون على قتلهم؟‬

‫والواقع أن اليهود هم الذين بدأونا بالقتال‪ ،‬بعد أن كانوا يعيشون بين ظهرانيا آمنين مطمئنين‪ ،‬متمتعين برغد العيش‪ ،‬وسعة‬
‫الرزق‪ ،‬ورفاهية الحياة‪ ،‬ولهم جاههم ومنزلتهم في المجتمع‪ ،‬نتيجة حصولهم على الثروات‪ ،‬وتمكنهم من التجارات‪،‬‬
‫وإتقانهم لكثير من الصناعات‪ ،‬فلم يبخل المجتمع السلمي عليهم بالثروة المالية‪ ،‬والمنزلة الجتماعية‪ ،‬بل المكانة‬
‫السياسية‪ .‬حتى حسدهم كثير من المسلمين على ما وصلوا إليه من غنى وجاه ومنصب‪ ،‬وحتى قال الشاعر المصري‬
‫الساخر الحسن بن خاقان‪ ،‬يصف يهود زمانه‪:‬‬

‫غاية آمالهم وقد ملـكوا‬ ‫يهود هـذا الزمان قد بلـغوا‬

‫ومنهم المستشار والملك!‬ ‫المجد فيهم‪ ،‬والمـال عندهمو‬

‫تهّودوا‪ ،‬قد تهوّد الفـلك!‬ ‫يا أهل مصر‪ ،‬إني نصحت لكم‬

‫أنا في الحقيقة ل أحث على قتل اليهود‪ ،‬ولكني أتمنى أن يكف اليهود ـ أعني الصهاينة ـ عن قتلنا وتدمير ديارنا صباح‬
‫مساء !‬
‫‪ -4‬هل ترون سماحتكم قتل يهودي بريء ‪ :‬حراما وجرما؟ ولماذا؟‬

‫حرم‬
‫ج‪ -‬نعم أرى قتل أي إنسان بريء حراما وجرما وظلما‪ .‬سواء كان يهوديا أم غير يهودي‪ ،‬فالصل في السلم ‪ :‬أنه ي ّ‬
‫الدماء‪ ،‬ويحمي حق الحياة لكل إنسان ولو كان جنينا في بطن أمه‪ ،‬ول يجيز لمه التي حملته أن تجهضه‪ .‬ويجرم السلم‬
‫قتل النفس البشرية‪ ،‬حتى إن القرآن ليقرر مع الكتب السماوية‪ :‬أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الرض فكأنما قتل‬
‫الناس جميعا المائدة‪. 32 :‬‬

‫فمن لم يقتل نفسا متعمدا‪ ،‬أو يفسد في الرض كقطاع الطريق وأمثالهم‪ ،‬فل يحل قتله ‪ ،‬ومن اعتدى عليه فقتله بغير حق ‪،‬‬
‫فكأنما قتل الناس جميعا‪ ،‬لن العتداء على نفس معصومة بمثابة العتداء على جنس البشر جميعا‪.‬‬

‫بل السلم ُيحِّرم قتل الحيوانات والطيور عبثا‪ ،‬أي لغير منفعة ينشدها النسان من وراء القتل‪ .‬ولذا جاء في الحديث ‪" :‬من‬
‫قتل عصفورا عبثا جاء إلى ال يوم القيامة ‪ ،‬يقول‪ :‬يا رب ‪ :‬إن فلنا قتلني عبثا‪ ،‬ولم يقتلني لمنفعة" ‪[2] .‬‬

‫‪ 5‬ـ هل سبق أن دعوتم إلى قتل اليهود أينما كانوا وحيثما كانوا ؟‬

‫ي‪ :‬يعلم ذلك جيدا ‪.‬‬
‫ج ‪ :‬ل ‪ .‬لم يحدث هذا من قبل ‪ ،‬ومن قرأ لي ‪ ،‬أو استمع إل ّ‬

‫وأؤكد هنا ‪ :‬أنه ل يتصور من مثلي أن يدعو إلى قتل اليهود – باعتبارهم يهودا‪ -‬حيثما كانوا‪.‬‬

‫وذلك لمرين‪:‬‬

‫الول‪ :‬أن من اليهود من يعارض قيام إسرائيل‪ ،‬ويتعاطف مع العرب‪ ،‬وينكر قيام الحركة الصهيونية وأهدافها‪ .‬وقد رأيت‬
‫عددا من هؤلء في لندن‪ ،‬في الصيف الماضي )‪ 2004‬م ( ومنهم ‪ :‬من حضر معنا جلسة افتتاح المجلس الوروبي للفتاء‬
‫في قاعة بلدية لندن‪ ،‬وعلق على كلمي مؤيدا ومرحبا‪.‬‬

‫وقد ودعني منهم ثمانية من الحاخامات والحبار إلى مطار لندن‪ ،‬وظلوا واقفين معي ‪ ،‬وأبوا أن ينصرفوا حتى دخلت إلى‬
‫الطائرة ‪ .‬فكيف أفتي بقتل هؤلء الصدقاء ؟‬

‫الثاني‪ :‬أنني ل أفتي ال بقتال من يقاتلنا‪ ،‬فأما من ل يقاتلنا‪ ،‬ول يعين على قتالنا‪ ،‬فليس لنا عليه سبيل‪ :‬كما قال تعالى‪َ :‬فِإنِ‬
‫ل ]النساء‪ :‬من الية ‪.[90‬مع التركيز في كل الحوال‬ ‫سِبي ً‬
‫عَلْيِهْم َ‬
‫ل َلُكْم َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫سَلَم َفَما َ‬
‫عَتَزُلوُكْم َفَلْم ُيَقاِتُلوُكْم َوَأْلَقْوا ِإَلْيُكُم ال ّ‬
‫اْ‬
‫على تجنب البرياء والمسالمين من المدنيين وغيرهم‪.‬‬

‫‪ 6‬ـ هل تدينون قتل المدنيين البرياء من اليهود ؟ وهل تعتبرون ذلك من الثم والعدوان ؟‬

‫ج ‪ :‬هذا السؤال مكرر ‪ ،‬والجابة عنه ستكون مكررة أيضا ‪ ،‬نعم أنا أدين وبل تردد قتل البرياء من اليهود‪ ،‬أو غيرهم من‬
‫البرياء والمسالمين‪ ،‬فقتل البريء محرم تحريما شديدا في السلم ‪ ،‬سواء كان مسلما أم غير مسلم ‪ ،‬والقرآن يقرر مع‬
‫الكتب السماوية قبله ‪ :‬أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الرض فكأنما قتل الناس جميعا المائدة‪. 32 :‬‬

‫واليهود شأنهم شأن غيرهم من البرياء المسالمين‪ ،‬ل يحل سفك دمائهم بغير حق‪ ،‬بل إن اليهود بوصفهم ) أهل كتاب(‬
‫في نظر المسلمين ‪ ،‬لهم حرمة أعظم من حرمة غيرهم ممن ل كتاب لهم وليعني هذا بحال التهوين من جريمة قتل‬
‫غيرهم‪ ،‬فكل عدوان على نفس آدمية يعد من المحرمات؛ بل ُيحرم السلم العدوان على الحيوانات نفسها ‪ ،‬ويجعله سببا‬
‫لدخول النار‪.‬‬

‫‪ 7‬ـ هل تدعون سماحتكم وتفتون بقتل المدنيين البرياء وحتى لو كانوا من السرائيليين المسالمين ؟‬

‫ج ـ أؤكد ما قلته من قبل‪ :‬أن من ثبتت مسالمته من السرائيليين‪ ،‬فل يجيز شرعنا لنا ـ نحن المسلمين ـ أن نقتله‪ ،‬لّنا ل نقتل‬
‫إل من يقاتلنا‪ ،‬أو يشارك في العدوان علينا‪ ،‬أما المسالم حقا‪ ،‬فل أفتي بقتله‪ ،‬بل أحرم قتله‪ ،‬وأجّرم فعله‪ ،‬وأؤثم من فعل ذلك‪.‬‬

‫المهم أن يثبت لنا مسالمته؛ وإذا ثبت لنا ذلك‪ ،‬فل يجوز أن نقصده بقتل ول قتال‪ ،‬ما دام يمكن فصله عن غيره ‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى في شأن قوم من المشركين‪:‬فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم‪ .‬فما جعل ال لكم عليهم سبيل النساء‪.90 :‬‬
‫وقد ذكرنا قبل ذلك قوله تعالى‪ :‬ل ينهاكم ال عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا‬
‫إليهم إن ال يحب المقسطين الممتحنة‪.8 :‬‬

‫‪ 8‬ـ عندما تفتون سماحتكم بجواز العمليات النتحارية للفلسطينيين ضد الحتلل السرائيلي ؟ على ماذا تستندون ؟ وكيف‬
‫تبررون ذلك ؟ وهل ذلك دعوة لقتل البرياء المسالمين ؟‬

‫ج ‪ :‬ل بد أن أوضح بداية أن هذه العمليات ليست عمليات ) انتحارية ( كما يحلو للبعض أن يسميها ‪ ،‬ولكنها عمليات للدفاع‬
‫عن النفس والوطن ضد الحتلل السرائيلي المتجبر الظالم‪.‬‬

‫وتسمية هذه العمليات )انتحارية( تسمية خاطئة ومضللة‪ ،‬فهي عمليات فدائية‪ .‬وهي أبعد ما تكون عن النتحار‪ ،‬ومن يقوم‬
‫بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر‪.‬‬

‫إن المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه‪ ،‬وهذا يقدم نفسه ضحية من أجل دينه ووطنه وأمته‪ .‬والمنتحر إنسان بائس من نفسه‬
‫ومن َرْوح ال‪ .‬وهذا المجاهد إنسان كله أمل في َرْوح ال تعالى ورحمته‪ .‬المنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه‪،‬‬
‫والمجاهد يقاتل عدو ال وعدوه بهذا السلح الجديد‪ ،‬الذي وضعه القدر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت القوياء‬
‫المستكبرين‪.‬‬

‫فهؤلء الشباب الذين يدافعون عن أرضهم هم ليسوا بمنتحرين‪ ،‬وليسوا بإرهابيين‪ ،‬فهم يقاومون ـ مقاومة شرعية ـ من احتل‬
‫أرضهم ‪ ،‬وشردهم وشرد أهلهم‪ ،‬واغتصب حقهم‪ ،‬وصادر مستقبلهم‪ ،‬ول زال يمارس عدوانه عليهم كل يوم‪ :‬يدمر‬
‫منازلهم‪ ،‬ويحرق مزارعهم‪ ،‬ويقلع أشجارهم‪ ،‬ويجرف أرضهم ‪ ،‬ويهدم مساجدهم ‪ ،‬ويمزق شملهم بجداره العازل‪ ،‬ودينهم‬
‫يفرض عليهم الدفاع عن أنفسهم‪ ،‬ول يجيز لهم التنازل باختيارهم عن ديارهم‪ ،‬التي هي جزء من دار السلم وهو عمل من‬
‫أعمال المخاطرة المشروعة والمحمودة في الجهاد‪ ،‬يقصد به النكاية في العدو المقاتل‪ ،‬وقتل بعض أفراده‪ ،‬وقذف الرعب‬
‫في قلوب الخرين طالما أن هذا العمل ليقصد به بحال البرياء والمسالمين سواء كانوا مدنيين أو غير ذلك‪.‬‬

‫و ليس في هذا أي دعوة لقتل المسالمين البرياء‪ ،‬وإذا قتل طفل أو شيخ في هذه العمليات‪ ،‬فهو لم يقصد بالقتل‪ ،‬بل عن‬
‫طريق الخطأ‪ ،‬وبحكم الضرورات الحربية‪ ،‬التي قد يصاب فيها البناء بسبب الباء ‪ ،‬ومن القواعد الفقهية‪ :‬الضرورات‬
‫تبيح المحظورات‪ .‬ولكن هذه القاعدة تكملها وتضبطها قاعدة أخرى‪ ،‬هي‪ :‬أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها ‪ .‬وذلك حتى ل‬
‫يتوسع الناس في الضرورة‪ ،‬وتظل استثناء‪.‬‬

‫وإذا وجدوا الخير في الكف والحجام‪ :‬أحجموا‪ ،‬لنه ل مصلحة خاصة للفدائيين إل رضوان ال تعالى وابتغاء مثوبته‪،‬‬
‫ونصرة قضيتهم العادلة‪ ،‬فإذا لم تخدم القضية بهذا السلوب ‪،‬وكان ضرره أكبر من نفعه ترك‪ ،‬وبحث عن أسلوب آخر ‪،‬‬
‫وآلية أخرى‪) .‬وإنما لكل امرئ ما نوى( ‪.‬‬

‫وقد وجد الخوة في حماس والجهاد السلمي ومن وافقهم من فصائل المقاومة ‪ :‬أن يوقفوا العمليات الستشهادية في الوقت‬
‫الحاضر ‪ ،‬وأن يستبدلوا بها ضرب المستوطنات ونحوها من الهداف العسكرية ‪ ،‬ما داموا قادرين على ذلك ‪ ،‬ولذلك مرت‬
‫شهور ‪ ،‬ولم نقرأ ولم نسمع عن عملية من هذه العمليات ‪ .‬فهم ل يلجأون إليها إل للضرورة كما قلت ‪ ،‬فإذا زالت‬
‫الضرورة ‪ ،‬توقفت هذه العمليات ‪.‬‬

‫وهناك سعي من رئيس السلطة الفلسطينية الجديد محمود عباس )أبي مازن( للسير فيما سموه ) الحل السلمي( والتفاق‬
‫على وقف إطلق النار من الجانبين ‪ ،‬بحثا عن الوصول إلى حلول عملية لنهاء الصراع بطريق المفاوضات ‪ ،‬وقد وافقت‬
‫فصائل المقاومة الفلسطينية ـ إسلمية ووطنية ـ أبا مازن على )هدنة مشروطة( على أن ُتوَقف العتداءات من قبل‬
‫السرائيليين ‪ ،‬مساهمة في إنجاح المسعى الذي اختارته السلطة‪ .‬والتزمت الفصائل السلمية بهذه الهدنة ‪ ،‬وبخاصة حركة‬
‫المقاومة السلمية حماس ( ‪ .‬ونأمل أل تستفزهم إسرائيل ومستوطنوها بالغدر والعدوان ‪.‬‬

‫‪ 9‬ـ هل تدعون سماحتكم وتحثون على القيام بعمليات انتحارية ضد السرائيليين ؟ أم أنكم تقولون بأن ذلك من الناحية‬
‫الشرعية والدينية مبرر ضد الظلم والحتلل إذا لم يتوفر وسيلة أخرى لمقاومة الحتلل ؟‬

‫ج ‪ :‬أود أن أؤكد هنا‪ :‬أن هذه العمليات الفدائية ليست هي الصل في مقاومة الحتلل‪ ،‬وإنما لجأ إليها شباب النتفاضة‬
‫والمقاومة لنهم مضطرون إليها‪ ،‬وما داموا مضطرين لهذا الطريق للدفاع عن أنفسهم‪ ،‬وتحرير وطنهم‪ ،‬وإرعاب أعدائهم‪،‬‬
‫المصرين على عدوانهم‪ ،‬المغرورين بقوتهم‪ ،‬وبمساندة القوى الكبرى لهم ‪ ،‬فليس لهم خيار‪ ،‬والمر كما قال الشاعر العربي‬
‫قديما‪:‬‬

‫فما حيلة المضطر إل ركوبها!‬ ‫إذا لم يكن إل السنَة مرك ٌ‬
‫ب‬

‫ول بد أن ننوه هنا إلى أن الحكام نوعان ‪:‬‬

‫الول ‪ :‬أحكام في حالة السعة والختيار ‪.‬‬

‫الثاني ‪ :‬أحكام في حالة الضيق والضطرار ‪.‬‬

‫والمسلم يجوز له في حالة الضطرار ما ل يجوز له في حالة الختيار ‪ ،‬ولهذا حرم ال تعالى في كتابه في أربع آيات ‪:‬‬
‫الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ال ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬فمن اضطر غير باغ ول عاد فل إثم عليه إن ال غفور رحيم‬
‫البقرة‪.173 :‬‬

‫ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدة ‪ :‬الضرورات تبيح المحظورات ‪ ،‬وإخوتنا في فلسطين في حالة ضرورة ل شك فيها ‪ ،‬بل هي‬
‫ضرورة ماسة وقاهرة ‪ ،‬للقيام بهذه العمليات الستشهادية ‪ ،‬لقلق أعدائهم ومحتّلي أرضهم ‪ ،‬وبث الرعب في قلوبهم ‪،‬‬
‫حتى ل يهنأ لهم عيش ‪ ،‬ول يقر لهم قرار ‪ ،‬فيعزموا على الرحيل ‪ ،‬ويعودوا من حيث جاءوا‪ .‬ولول ذلك لكان عليهم أن‬
‫يستسلموا لما تفرضه عليهم الدولة الصهيونية من مذلة وهوان ‪ ،‬يفقدهم كل شيء‪ ،‬ول تكاد تعطيهم شيئا!‬

‫أعطوهم عشر معشار ما لدى إسرائيل من دبابات ومجنزرات ‪ ،‬وصواريخ وطائرات ‪ ،‬وسفن وآليات ‪ ،‬ليقاتلوا بها ‪.‬‬
‫وسيدعون حينئذ هذه العمليات الستشهادية ‪ .‬وإل فليس لهم من سلح يؤذي خصمهم ‪ ،‬ويقض مضجعهم ‪ ،‬ويحرمهم لذة‬
‫المن وشعور الستقرار ‪ ،‬إل هذه )القنابل البشرية( ‪ :‬أن )يَقْنبل ( الفتى أو الفتاة نفسه ‪ ،‬ويفجرها في الغازي المحتل‬
‫لرضه مضحيا بروحه في سبيل ال‪ ،‬مؤثرا حياة وطنه على حياته الشخصية‪ .‬فهذا هو السلح الذي ل يستطيع عدوه ‪ -‬وان‬
‫أمدته أمريكا بالمليارات وبأقوى السلحة‪ -‬أن يملكه ‪ ،‬فهو سلح متفرد ‪ ،‬ملكه ال تعالى لهل اليمان وحدهم ‪ ،‬وهو لون‬
‫من العدل اللهي في الرض ل يدركه إل أولو البصار ‪ .‬فهو سلح الضعيف المغلوب في مواجهة القوي المتجبر‪ ،‬وما‬
‫يعلم جنود ربك إل هو المدثر‪.31 :‬‬

‫‪ 10‬ـ هل ترون سماحتكم أنه إذا ما وقع يهود تحت الحتلل‪ :‬هل يكون من حقهم القيام بعمليات انتحارية للدفاع عن أنفسهم‬
‫ضد المحتل ‪ ،‬كما ترون أنه من حق الفلسطنيين ؟‬

‫ج ‪ :‬كل من كان له وطن شرعي غير مغتصب ول منتزع من أرض الخرين بالحديد والنار‪ :‬جاز دفاعه عنه من غير‬
‫شك‪ ،‬فإن هذا حق كفلته كل الشرائع السماوية وأقرته القيم الخلقية ‪ ،‬كما كفلته كذلك كل القوانيين والمواثيق الدولية ‪،‬‬
‫وأعني به حق الدفاع عن النفس والوطن‪ .‬إذا غزاه غاز أجنبي ‪.‬‬

‫بل هذا ما تقضي به قوانين الفطرة‪ ،‬فإننا نجد في داخل الجسم البشري‪ :‬جندا مجندا يقاوم كل جسم غريب ‪ ،‬حفاظا على‬
‫الحياة من تلك الجراثيم والجسام الغازية من خارج الجسم‪.‬‬

‫وإذا كنا أجزنا للفلسطينيين أن يدافعوا عن وطنهم – الذي احتل‪ -‬بهذه العمليات الفدائية‪ ،‬فيلزمنا أن نجيز لليهود وغيرهم أن‬
‫يقوموا بمثلها إذا غزي وطنهم الشرعي واحتلت أرضهم‪ .‬ولسنا من أصحاب ازدواج المعايير‪ ،‬ول ممن يكيل بكيلين ‪ :‬كيل‬
‫للصدقاء ‪ ،‬وكيل للخصوم‪ .‬بل نحن مأمورون بالعدل مع من نحب ومن نكره ‪ .‬قال تعالى‪ :‬ول يجرمنكم شنآن قوم – أي‬
‫شدة بغضهم لكم أو بغضكم لهم‪ -‬على أل تعدلوا ‪ ،‬اعدلوا هو أقرب للتقوى المائدة‪. 8 :‬‬

‫وجوابنا هنا مؤسس على افتراض أن لليهود وطنا خاصا لهم الحق في استيطانه وامتلكه ‪ ،‬ل وطن انتزعوه من أرض‬
‫غيرهم بالعنف والرهاب ‪.‬‬

‫‪ 11‬ـ هل تفتون سماحتكم أنه من حق جميع من وقع تحت الحتلل استخدام العمليات النتحارية ضد المحتل ‪ ،‬سواء كان‬
‫ذلك مسلمًا أو غير مسلم ‪ ,‬طالما هذه العمليات ل تقع بحق أبرياء مسالمين ؟‬

‫ج ‪ :‬نعم ‪ .‬كل من يحتل الرض ظالما بغير حق ‪ ،‬سواء كان عربيا أو عجميا‪ ،‬مسلما أو غير مسلم ‪ :‬تجب مقاومته وتحرير‬
‫الرض من شره بشتى الطرق المتاحة ‪.‬‬
‫ولهذا وقفت ضد غزو )صدام( للكويت بقوة‪ ،‬وكانت خطبتي بعد الغزو من جامع عمر بن الخطاب في قطر ضد هذا الغزو‬
‫الظالم هي‪ :‬المادة الولى لذاعة الكويت الحرة‪ ،‬التي ظلت عدة أيام تكررها كل يوم عدة مرات‪ .‬وإذا ضاقت لمن يقاومون‬
‫الحتلل السبل‪ ،‬ولم يجدوا غير العمليات الفدائية سبيل للتخلص من الحتلل الغاشم وجبروته‪ ،‬فمن حقهم أن يستخدموها‬
‫دفاعا عن وطنهم‪ ،‬ووصول إلى حقهم‪ ،‬ما دامت هذه العمليات ل تقع في حق أبرياء مسالمين‪ ،‬كما في السؤال‪.‬‬

‫‪ 12‬ـ هل تفتون بجواز القيام بعمليات انتحارية ضد البرياء والمسالمين والذين ل علقة لهم بالجيش سواء كانوا يهودًا أو‬
‫إسرائيليين أو غير ذلك ؟ ولماذا ؟‬

‫ج ‪ :‬أنا أفتي بمشروعية العمليات الفدائية ضد الغزاة المحتلين ومن يعاونهم‪ ،‬ومن حق المغزوين أن يقاوموا غزاتهم‬
‫ويطاردوهم بكل ما يستطيعون من قوة‪ ،‬سواء كان هؤلء المغزوون فلسطينيين أم لبنانين أم مصرين أم عراقيين أم هنودا‪،‬‬
‫أم يهودا‪ ،‬أم أي شعب كان‪.‬‬

‫وهذا في نظر السلم ليس أمرا مشروعا فقط‪ ،‬بل هو واجب وفريضة‪ ،‬وتركه يوقع في الثم والمخالفة الشرعية‪ .‬لنه‬
‫تفريط في أرض السلم‪ ،‬التي يجب على المسلمين أن يدافعوا عنها بالنفس والموال‪ .‬وهو كذلك تجريء للطغاة‬
‫والمتجبرين على افتراس الضعفاء إذا لم يجدوا من يقاومهم ويصد عدوانهم ‪.‬‬

‫أما البرياء والمسالمون حقا‪ ،‬الذين اثبتوا لنا مسالمتهم بالبينة‪ ،‬وأنهم ينكرون على قومهم ما يقترفون كل صباح ومساء من‬
‫س‪ ،‬فهؤلء ل نقاتلهم ول نقتلهم‪ ،‬ول نأخذهم بذنب حكومتهم‪ ،‬وهم يبرأون من فعلها‪ ،‬إذ ل تـزر ) وازرة‬ ‫مظالم ومذابح ومآ ٍ‬
‫وزر أخرى ( ‪ ،‬و ) كل امرئ بما كسب رهين ( ‪.‬‬

‫على أن هناك من الفقهاء من يقول ‪ :‬إن على هؤلء أن يتحملوا نتيجة وجودهم في وطن مغتصب من أهله ‪ ،‬وإل كان عليهم‬
‫أن يخرجوا من هذا الوطن‪ ،‬ويعودوا من حيث جاءوا أو جاء آباؤهم ‪.‬‬

‫‪13‬ـ هل تعادون السلم ول تؤمنون به ؟‬

‫ج ‪ :‬كثيرا ما يقع عند البعض خلط في بعض المبادئ والمفاهيم ‪ ،‬ومن هذا تصور البعض أنني حين أؤيد العمليات‬
‫الستشهادية ضد المحتل‪ ،‬فمعنى ذلك عندهم أنني ضد السلم ‪ .‬وهذا هو الخطأ والخلط بعينه ‪.‬‬

‫والحق أنني أرى أن السلم ـ الذي أدين ال به ‪ ،‬والذي أدعو إليه ـ ل يتشوف إلى القتال‪ ،‬ول يتطلع إلى سفك الدماء‪ ،‬بل إذا‬
‫انتهت الزمة بين المسلمين وخصومهم بغير دماء ول قتال‪ ،‬عقب القرآن بمثل هذه الكلمة المعبرة‪ :‬ورد ال الذين كفروا‬
‫بغيظهم لم ينالوا خيرا‪ ،‬وكفى ال المؤمنين القتال‪ ،‬وكان ال قويا عزيزا الحزاب‪ . 35 :‬فما أبلغ هذه الكلمة وما أصدقها‬
‫تعبيرا عن روح السلم السلمية وكفى ال المؤمنين القتال‪.‬‬

‫وحين انتهت غزوة الحديبية بالصلح مع قريش‪ ،‬وإقامة الهدنة بين الفريقين‪ ،‬نزلت في ذلك سورة الفتح‪ :‬إنا فتحنا لك فتحا‬
‫مبينا الفتح‪ ،1 :‬وقال بعض الصحابة‪ :‬أفتح هو يا رسول ال؟ قال‪ " :‬نعم هو فتح " فلم يتصوروا فتحا بغير حرب‪.‬‬

‫وفي هذه السورة امتن ال على المؤمنين فقال‪ :‬وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم‬
‫عليهم الفتح‪ . 24 :‬فانظر‪ :‬كيف امتن بكف أيدي المؤمنين عن أعدائهم!‬

‫وكان الرسول الكريم ـ وهو أشجع الناس ـ ل يحب الحرب‪ ،‬ويقول لصحابه‪" :‬ل تتمنوا لقاء العدو‪ ،‬وسلوا ال العافية‪ ،‬فإذا‬
‫لقيتموه فاصبروا‪ ،‬واعلموا أن الجنة تحت ظلل السيوف"‪[3] .‬‬

‫وكان يقول‪" :‬أحب السماء إلى ال‪ :‬عبد ال وعبد الرحمن… وأقبح السماء‪ :‬حرب ومرة"‪[4] .‬‬

‫حتى لفظة )حرب( يكرهها‪ ،‬ول يحب التسمية بها ‪ ،‬كما كان يفعل العرب في الجاهلية‪ ،‬مثل حرب بن أمية‪.‬‬

‫إل أن السلم يحرض على القتال‪ ،‬وبذل النفس والنفيس‪ ،‬إذا فرض القتال على المسلمين على كره منهم‪ ،‬إذا انتهكت‬
‫حرمات السلم‪ ،‬أو غزيت أرضه‪ ،‬أو دنس عرضه‪ ،‬بمثل هذه اليات‪ :‬أل تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج‬
‫الرسول‪ ،‬وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فال أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين‪ .‬قاتلوهم يعذبهم ال بأيديكم ويخزهم‬
‫وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ]التوبة‪ ، [13 :‬وقوله ‪ :‬كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا‬
‫شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وال يعلم وأنتم ل تعلمون ]البقرة‪.[216 :‬‬

‫ومع هذا ل يغلق البواب في وجه المسالمة والمصالحة‪ ،‬إذا تهيأت أسبابها‪ ،‬فقال تعالى‪ :‬وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل‬
‫على ال ]النفال‪. [61 :‬‬

‫والجهاد في السلم تحكمه )أخلقيات( صارمة ملزمة‪ ،‬فل يجيز إل قتل من يقاتل‪ ،‬ول ُتقَتل النساء ول الولدان ول الشيوخ‬
‫الكبار‪ ،‬ول الرهبان ول الفلحون أو التجار‪ ،‬ول يجيز الغدر ول التمثيل بالجثث‪ ،‬ول قطع الشجار‪ ،‬ول هدم البنية‪ ،‬ول‬
‫تسميم البار‪ ،‬ول يتبع ما يسمونه‪ :‬سياسة الرض المحروقة‪ ،‬أي التي تدع كل ما وراءها خرابا يبابا‪.‬‬

‫وهذا ما شهد به المؤرخون للمسلمين في فتوحهم ـ التي كانت في حقيقتها تحريرا للشعوب من طغيان المبراطوريات‬
‫القديمة )الفرس والروم( ـ وقالوا‪ :‬ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ول أرحم من العرب‪ ،‬أي المسلمين ‪.‬‬

‫‪ -14‬هل تدعون سماحتكم إلى كراهية اليهود‪ ،‬وبث مشاعر البغض ضدهم وضد كل من ليس بمسلم من أصحاب الديانات‬
‫الخرى كالمسيحية؟‬

‫ج – يشهد ال جل جلله‪ ،‬كما يشهد كل من سمع خطبي ‪ ،‬وقرأ كتبي‪ :‬أني من دعاة الخوة النسانية‪ ،‬وأؤمن أن البشر‬
‫جميعا عائلة واحدة‪ ،‬تنتمي من ناحية الخلق إلى رب واحد هو خالق الجميع‪ ،‬ومن ناحية النسب إلى أب واحد‪ ،‬هو أو أبو‬
‫الجميع آدم‪ .‬وأدعو الناس جميعا إلى الحب ل البغض‪ ،‬والتسامح ل التعصب‪ ،‬والرفق ل العنف‪ ،‬والرحمة ل القسوة‪،‬‬
‫والسلم ل الحرب‪.‬‬

‫الدعية الستفزازية‬

‫ومن أكبر الدلئل على أن منهجي الذي أدعو إليه منهج يدعو إلى إشاعة السلم والحب ‪ ،‬ويدعو إلى التسامح مع المخالفين‪:‬‬
‫أنني ناديت بالبتعاد عن ما أسميته‪ :‬الدعية الستفزازية ‪ ،‬وقلت ‪ :‬ليس من الموعظة الحسنة‪ :‬اتخاذ الدعية الستفزازية‬
‫في صلوات الجمع ‪ ،‬وفي قنوت النوازل وغيرها‪.‬‬

‫ومما أنكرته في هذا المجال ‪ :‬أن بعض الوعاظ والخطباء يدعون ال تعالى‪ :‬أن يهلك اليهود والنصارى جميعا‪ ،‬وأن ييتم‬
‫أطفالهم‪ ،‬ويرمل نساءهم‪ ،‬ويجعلهم وأموالهم وأولدهم غنيمة للمسلمين‪.‬‬

‫ومن المعلوم‪ :‬أن في كثير من بلد المسلمين توجد أقليات من النصارى ـ وربما من اليهود ـ وهم مواطنون يشاركون‬
‫المسلمين في المواطنة‪ ،‬وليس من اللئق أن ندعو بدعوة تشمل هؤلء بالهلك والدمار‪ .‬إنما اللئق والمناسب‪ :‬أن ندعو‬
‫على اليهود الغاصبين المعتدين‪ ،‬وأن ندعو على الصليبيين الحاقدين الظالمين‪ ،‬ل على كل اليهود والنصارى‪ .‬كما ندعو‬
‫على الظالمين والطغاة من المسلمين أنفسهم‪ .‬نسأل ال تعالى أن يريح البشرية من الظالمين من كل الديانات ‪.‬‬

‫على أني لم أجد في أدعية القرآن‪ ،‬ول في أدعية الرسول‪ ،‬ول في أدعية الصحابة‪ :‬مثل هذه الدعوات المثيرة‪ :‬يتم أطفالهم‪،‬‬
‫ورمل نساءهم‪ ،‬وأمثالها‪ .‬بل أدعية القرآن في المعركة مثل‪ :‬ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم‬
‫الكافرين البقرة‪. 250 :‬‬

‫ربنا ل تجعلنا فتنة للقوم الظالمين‪ .‬ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ]يونس‪.[ 86 ، 85 :‬‬

‫ومن أدعية الرسول في وقت الحرب والقتال ‪" :‬اللهم منزل الكتاب‪ ،‬ومجري السحاب‪ ،‬وهازم الحزاب‪ :‬اهزمهم وانصرنا‬
‫عليهم" ‪[5].‬‬

‫"اللهم إنا نجعلك في نحورهم‪ ،‬ونعوذ بك من شرورهم"‪[6] .‬‬

‫وقد قال تعالى‪ :‬ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه ل يحب المعتدين العراف‪ .55 :‬أي ل يحب الذين يعتدون ويتجاوزون في‬
‫دعائهم‪.‬‬

‫غير المسلمين بدل الكفار‬
‫ومن أكبر الدلئل أيضا على أن منهجي الذي أدعو إليه ـ منهج السلم الوسط ـ منهج يدعو إلى إشاعة السلم والحب ‪ :‬أل‬
‫نخاطب المخالفين لنا باسم الكفار‪ ،‬ول سيما مخالفونا من أهل الكتاب‪.‬‬

‫وذلك لمرين‪:‬‬

‫أولهما‪ :‬إن كلمة )كفار( لها عدة معان‪ ،‬بعضها غير مراد لنا يقينا من هذه المعاني‪ :‬الجحود بال تعالى وبرسله وبالدار‬
‫الخرة‪ ،‬كما هو شأن الماديين الذين ل يؤمنون بأي شيء وراء الحس‪ ،‬فل يؤمنون بإله‪ ،‬ول بنبوة‪ ،‬ول بآخرة‪.‬‬

‫ونحن إذا تحدثنا عن أهل الكتاب ل نريد وصفهم بالكفر بهذا المعنى‪ ،‬إنما نقصد أنهم كفار برسالة محمد وبدينه‪ .‬وهذا حق‪،‬‬
‫كما أنهم يعتقدون أننا كفار بدينهم الذي هم عليه الن وهذا حق أيضا‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬أن القرآن علمنا أل نخاطب الناس ـ وإن كانوا كفارا ـ باسم الكفر‪ ،‬فخطاب الناس ـ غير المؤمنين ـ في القرآن‪ ،‬إما‬
‫أن يكون بهذا النداء يا أيها الناس أو يا بني آدم أو يا عبادي أو يا أهل الكتاب‪.‬‬

‫ولم يجئ في القرآن خطاب بعنوان الكفر إل في آيتين‪ :‬إحداهما خطاب لهم يوم القيامة‪ :‬يا أيها الذين كفروا ل تعتذروا اليوم‬
‫إنما تجزون ما كنتم تعملون ]لتحريم‪.[7 :‬‬

‫والخرى قوله تعالى‪ :‬قل يا أيها الكافرون‪ .‬ل أعبد ما تعبدون‪ .‬ول أنتم عابدون ما أعبد‪ .‬ول أنا عابد ما عبدتم‪ .‬ول أنتم‬
‫عابدون ما أعبد‪ .‬لكم دينكم ولي دين الكافرون ‪ . 6 – 1 :‬فكان هذا خطابا للمشركين الوثنيين الذين كانوا يساومون الرسول‬
‫الكريم على أن يعبد آلهتهم سنة‪ ،‬ويعبدوا إلهه سنة‪ ،‬فأرادت قطع هذه المحاولت بأسلوب صارم‪ ،‬وبخطاب حاسم‪ ،‬ل يبقي‬
‫مجال لهذه المماحكات‪.‬‬

‫ولهذا آثرت من قديم أن أعبر عن مخالفينا من أهل الديان الخرى بعبارة )غير المسلمين(‪ .‬وأصدرت من قديم كتابي )غير‬
‫المسلمين في المجتمع السلمي(‪ .‬وقد طبع مرات ومرات‪ ،‬وترجم إلى عدة لغات‪.‬‬

‫مواطنون بدل أهل الذمة‪:‬‬

‫ومن أكبر الدلئل كذلك على أن منهجي الذي أدعو إليه ـ منهج السلم الوسط ـ منهج يدعو إلى إشاعة السلم والحب ‪:‬‬
‫أنني أتوقف إزاء بعض الكلمات التي لم تعد مقبولة لدى إخواننا من القليات غير المسلمة داخل المجتمع المسلم‪ ،‬مثل‬
‫القباط في مصر‪ ،‬وأمثالهم في البلد العربية والسلمية الخرى‪ ،‬وهي مصطلح )أهل الذمة( مع أن مدلول هذا المصطلح‬
‫مدلول إيجابي‪ ،‬لنه يعني‪ :‬أن لهم ذمة ال ورسوله وجماعة المسلمين‪ .‬وهذا مدلول له وقعه وتأثيره في نفس المسلم‪ ،‬فإنه ل‬
‫يقبل أن تخفر ذمة ال ورسوله بحال‪ ،‬ومن فعل ذلك فعليه لعنة ال والملئكة والناس أجمعين‪.‬‬

‫ولكن إذا كان مواطنونا من غير المسلمين يتأذون من هذا الصطلح‪ ،‬فل أجد مانعا من استخدام كلمة )المواطنة(‬
‫و)المواطن( فإن الفقهاء متفقون على أن أهل الذمة من )أهل دار السلم( فهم من أهل الدار‪ ،‬وإن لم يكونوا من أهل الملة‪.‬‬
‫و)أهل الدار( تعني بالتعبير العصري‪ :‬مواطنين‪.‬‬

‫وأسوتنا هنا ما صنعه الفاروق عمر ـ ووافقه الصحابة رضي ال عنهم ـ مع عرب بني تغلب‪ ،‬وكانوا نصارى منذ عهد‬
‫الجاهلية‪ .‬وقد طلبوا إلى عمر أن يأخذ ما يأخذه منهم باسم الزكاة أو الصدقة‪ ،‬ولو كان مضاعفا‪ ،‬ول يأخذه باسم الجزية‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬إننا قوم عرب‪ ،‬ونأنف من كلمة جزية‪.‬‬

‫تردد عمر في أول المر أن يجيبهم إلى طلبهم‪ ،‬ثم نصحه بعض مشيريه أن يستجيب لهم‪ ،‬قائل‪ :‬إنهم قوم لهم بأس وقوة‪،‬‬
‫ونخشى أن يلحقوا بالروم‪ ،‬ففكر عمر في المر‪ ،‬ورأى أن ينفذ لهم ما أرادوا‪ ،‬وقال‪ :‬سّموها ما شئتم‪ ،‬وقال لمن حوله‪:‬‬
‫هؤلء القوم حمقى‪ ،‬رضوا المعنى وأَبْوا السم!‬

‫التعبير بالخوة عن العلقات النسانية‪:‬‬

‫ومن أكبر الدلئل أيضا على أن منهجي الذي أدعو إليه ـ منهج السلم الوسط ـ منهج يدعو إلى إشاعة السلم والحب ‪:‬أنني‬
‫دعوت إلى التعبير بالخوة عن العلقة بين البشر كافة‪ ،‬والمراد بها )الخوة النسانية( العامة‪ ،‬على اعتبار أن البشرية كلها‬
‫أسرة واحدة‪ ،‬تشترك في العبودية ل‪ ،‬والبنوة لدم‪ ،‬وهذا ما قرره حديث نبوي شريف‪ ،‬خاطب به رسول السلم الجموع‬
‫الحاشدة في حجة الوداع‪ ،‬فكان مما قاله في هذا المقام‪:‬‬
‫"أيها الناس‪ ،‬إن ربكم واحد‪ ،‬وإن أباكم واحد‪ ،‬كلكم لدم‪ ،‬وآدم من تراب‪ ،‬ل فضل لعربي على عجمي‪ ،‬ول لبيض على‬
‫أسود إلى بالتقوى" ‪[7] .‬‬

‫وهذا الحديث يؤكد قول ال تعالى في مطلع سورة النساء‪ :‬يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها‬
‫زوجها وبث منهما رجال كثيرا ونساء واتقوا ال الذي تساءلون به والرحام إن ال كان بكم رحيما‪ .‬والرحام هنا‪ :‬تشمل‬
‫الرحام الخاصة ‪ ،‬والرحام العامة ‪ ،‬كما يدل سياق الخطاب القرآني وفي ذلك يقول شاعر مسلم‪:‬‬

‫بلدي‪ ،‬وكل العالمين أقاربي!‬ ‫إذا كان أصلي من تراب فكلها‬

‫وفي حديث رواه أحمد وأبو داود عن زيد بن أرقم مرفوعا‪" :‬اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه‪ :‬أنا شهيد أن العباد كلهم‬
‫إخوة"‪.‬‬

‫ومن هنا لم أر حرجا في التعبير عن العلقة بين المسلمين ومواطنيهم من غير المسلمين بـ )الخّوة(‪.‬‬

‫والمراد بها‪ :‬الخوة الوطنية أو القومية‪ .‬فليست )الخوة الدينية( هي الخوة الوحيدة التي تصل بين البشر‪ .‬إنها ل شك أعمق‬
‫ألوان الخوة وأوثقها رباطا‪ ،‬ولكنها ل تنفي أن هناك أنواعا أخرى من الخوات ‪.‬‬

‫ودليلنا على ذلك‪ :‬ما جاء في القرآن الكريم من حديث عن النبياء وصلتهم بأقوامهم المكذبين لهم‪ ،‬واعتبار القرآن كل نبي‬
‫هؤلء )أخا( لقومه‪ ،‬وإن عصوه وكذبوه وكفروا برسالته‪.‬‬

‫اقرأ معي قول ال تعالى في سورة الشعراء‪ :‬كذبت قوم نوح المرسلين‪ .‬إذ قال لهم أخوهم نوح أل تتقون‪ .‬إني لكم رسول‬
‫أمين… الشعراء ‪. 107 – 104 :‬‬

‫فانظر كيف أثبت أخوة نوح لهم‪ ،‬مع أنهم كذبوه‪ ،‬لنهم قومه‪ ،‬وهو منهم‪ ،‬فهي أخوة قومية ل شك فيها‪.‬‬

‫ومثل ذلك قوله تعالى‪ :‬كذبت عاد المرسلين‪ .‬إذ قال لهم أخوهم هود أل تتقون ]الشعراء ‪ . [124 ، 123 :‬وقال مثل ذلك عن‬
‫‪ :‬صالح ولوط ‪ ،‬ولكنه حين تحدث عن شعيب قال ‪ :‬كذب أصحاب اليكة المرسلين ‪ .‬إذ قال لهم شعيب ‪ :‬أل تتقون ]الشعراء‬
‫‪ . [177 ، 176‬ولم يقل‪ :‬أخوهم شعيب ‪ ،‬لنه لم يكن منهم ‪ ،‬وإنما كان من مدين ‪ ،‬ولذا قال في سورة أخرى ‪ :‬وإلى مدين‬
‫أخاهم شعيب ‪] ..‬هود ‪. [84 :‬‬

‫ومثل هذه التعبيرات تقرب الخرين منا‪ ،‬وتزيل الفجوة بيننا وبينهم‪ ،‬وهذا ما يبطل كيد العداء المتربصين بنا‪ ،‬والذين‬
‫يريدون أن يشعلوا فتيل الفتنة بين أبناء الوطن الواحد‪ ،‬ليصطادوا في الماء العكر‪ ،‬ويتخذوا من ذلك ذريعة للتدخل في‬
‫شؤوننا‪ ،‬والتسلط علينا‪ ،‬والتحكم في رقابنا‪ ،‬وأولى بنا أن نرد كيدهم في نحورهم ‪ ،‬بمثل هذه المواقف التي تجعل قوى المة‬
‫كلها جبهة متراصة في مواجهة مكرهم وعدوانهم‪.‬‬

‫‪ 15‬ـ هل ترون في السلم العادل حل وضرورة ؟‬

‫ج‪ :‬إذا كان السلم عادل وشامل‪ ،‬فأنا أول من يرحب به‪ ،‬فديننا دين السلم‪ ،‬وربنا من أسمائه )السلم( ومن أسمائنا‬
‫المشهورة )عبد السلم( وتحيتنا في الدنيا والخرة ‪ :‬السلم‪.‬‬

‫ولكن المشكلة هنا ‪ :‬أن إسرائيل تريد أن تفسر السلم على هواها‪ ،‬وتريد أن تملي شروطها ‪ ،‬وتفرض على الفلسطينيين‬
‫والعرب ما تريد‪.‬‬

‫إن السلم العادل ـ في حده الدنى الن ـ هو الذي يقيم للفلسطينيين دولة مستقلة استقلل حقيقيا ل صوريا‪ ،‬يملكون أرضها‬
‫وسماءها ومياهها‪ ،‬ويعرفون حدودها‪ ،‬وعاصمتها القدس‪.‬‬

‫ويضمن حق العودة للجئين الذين شردتهم إسرائيل في الرض‪.‬‬

‫ويضمن تعويضا عادل للفلسطينيين عما لحق بهم من أضرار ‪ ،‬ممن هدمت بيوتهم ‪ ،‬وأحرقت مزارعهم‪ ،‬وأتلفت أشجارهم‪.‬‬
‫إذا طرح هذا السلم بحق‪ ،‬ولم يكن مجرد مناورة وكسب للوقت‪ ،‬على حين تعمل اللة العسكرية عملها في قتل الفلسطينيين‬
‫وتدمير بنيتهم التحتية‪ ،‬فأهل وسهل به‪ ،‬وقد قال تعالى في شأن المحاربين للمسلمين‪ :‬وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل‬
‫على ال إنه هو السميع العليم‪ .‬وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ال النفال‪. 61،62 :‬‬

‫فهنا يغلب حسن النية على سوء الظن‪ ،‬ترغيبا في السلم‪ ،‬وحرصا عليه‪ ،‬واستمساكا به‪.‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ [1‬رواه أحمد‪ . .‬وقال محققو المسند ‪ :‬إسناده صحيح ‪ ،.‬ورواه الطبراني في الوسط والبزار ‪ .‬وقال الحافظ الهيثمي ‪:‬‬
‫رواه الطبراني في الوسط والبزار بنحوه إل أنه قال‪":‬إن أباكم واحد وإن دينكم واحد‪ ،‬أبوكم آدم‪ ،‬وآدم خلق من تراب"‪.‬‬
‫ورجال البزار رجال الصحيح‪ ،‬وذكره اللباني في صحيح الترغيب والترهيب )‪.(2964‬‬

‫]‪ [2‬رواه النسائي ) ‪ ( 237 /7‬ط المطبعة المصرية بالزهر ‪ ،‬وفي موارد الظمآن ) ‪ ( 1017‬باب النهي عن الذبح لغير‬
‫منفعة ‪ .‬انظر تخريج الشيخ شعيب ‪ ،‬ابن حبان ) ‪ ( 5894‬ورواه أيضا أحمد ) ‪ . ( 389 4‬وقد صححه ابن حبان ‪ ،‬وأقره‬
‫المنذري ‪ .‬انظر ‪ :‬كتابنا المنتقى من الترغيب والترهيب ) ‪. ( 363 /1‬‬

‫]‪ [3‬متفق عليه من حديث عبد ال بن أبي أوفى‪ .‬رواه البخاري ) ‪ (2687‬ومسلم ) ‪. ( 1742‬‬

‫]‪ [4‬رواه أحمد في المسند ) ‪ ( 19114‬وقال محققو المسند ‪ :‬حديث صحيح ‪ ،‬وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه )‪، (5/195‬‬
‫وسعيد بن منصور في سننه )‪. (2518‬‬

‫]‪ [5‬رواه مسلم باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو رقم )‪. ( 1742‬‬

‫]‪ [6‬رواه أحمد في مسنده عن أبي موسى )‪ (19720‬وقال محققو المسند ‪ :‬حديث حسن ‪ ،‬وأخرجه أبو داود )‪( 1537‬‬
‫والنسائي في الكبرى )‪ (8631‬وابن حبان في صحيحه) ‪. ( 4765‬‬

‫]‪ [7‬رواه أحمد في المسند )‪ (43289‬عن رجل من أصحاب النبي ‪ ،‬وقال محققو المسند‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬وذكره اللباني‬
‫في صحيح الترغيب والترهيب ) ‪. (2964‬‬

‫حول ائتلف الخير‬
‫‪ 16‬ـ بصفتكم رئيسا لئتلف الخير هل ترون من أهداف الئتلف ‪ :‬أنه يدعم المقاومة المسلحة ‪ ،‬وحتى ولو كانت مشروعة ؟‬
‫ج ‪ :‬ل ‪ .‬ليس من أهداف ائتلف الخير ‪ :‬أن يدعم المقاومة‪ ،‬وإن كنا نراها مشروعة‪ ،‬لن للمقاومة أهلها‪ ،‬وللعمل الخيري و‬
‫الغاثي أهله‪ .‬وقد حصرنا هدفنا في الجانب النساني وحده‪ :‬أن نطعم الجائع‪ ،‬وأن نكسو العريان‪ ،‬وأن نداوي المريض‪ ،‬وان‬
‫نؤوي المشرد‪ ،‬وأن نمسح دمعة اليتيم‪ ،‬وأن نأخذ بيد الضعيف ‪ ،‬ونعتبر هذا من أعظم الجهاد في سبيل ال‪.‬‬
‫‪ 17‬ـ هل ترون من أهداف ائتلف الخير شراء السلح ودعم المقاومة ؟‬
‫ج ‪ :‬ل‪ .‬نحن نرى شراء الرغيف للجائع مقدم على شراء البندقية للمقاتل‪ .‬والذين تبرعوا لنا بالمال إنما تبرعوا به لينفق في‬
‫عمل الخير‪ ،‬فل يجوز لنا شرعا أن نصرفه في غير ما تبرعوا لنا به‪ ،‬وقد سألني مسؤول كبير في دولة خليجية‪ ،‬وقال لي‪:‬‬
‫أريد أن تجيبني بصراحة‪ :‬هل أموال ائتلف الخير تذهب كلها أو جزء منها لحماس؟ فإنا نستطيع أن نساعدكم بالكثير إذا‬
‫تأكدنا من نفي ذلك‪ .‬قلت له ‪ :‬أؤكد لك أن فلسا واحدا مما نجمعه ل يذهب لحماس ول لغيرها من فصائل المقاومة‪ .‬وهل نحن‬
‫حمقى إلى هذه الدرجة‪ :‬أن نجمع أموال علنا من الناس باسم الخير لنرسلها إلى حماس ؟!!‬
‫ومع هذا أطلب منكم أن ُتعّينوا أفرادا ثقات من عندكم ‪ ،‬يشرفون على هذا العمل ‪ ،‬ويذهبون إلى داخل فلسطين‪ ،‬ويشاهدون‬
‫بأعينهم كيف توزع الموال‪.‬‬
‫‪ 18‬ـ هل ترون ائتلف الخير واجهة لية جهة سياسية أو عسكرية فلسطينية أو غير فلسطينية ؟‬
‫ج ‪ :‬ل ثم ل‪ .‬ولن أمل من تكرار )ل( لنها الحق ‪ .‬والحق يعلو ول ُيعلى ‪.‬‬
‫وإنما قلت ‪ :‬ل ‪.‬لن " ائتلف الخير " له أهداف محدودة ومعلومة أعلنا عنها عند إنشائه ‪ ,‬وهي ‪:‬‬
‫· التنسيق بين المؤسسات الخيرية العاملة لفلسطين بما يعود بالخير والمنفعة على الشعب الفلسطيني‪.‬‬
‫· التخفيف من معاناة وآلم المجتمع الفلسطيني بجميع طبقاته ‪ ،‬وعلى وجه الخصوص الفقراء والعمال العاطلين عن العمل‪.‬‬
‫· الحفاظ على مقدرات الشعب الفلسطيني وإعادة تأهيل البنية التحتية له ‪.‬‬
‫· بناء النسان المنتج القادر على إعالة نفسه وذويه‪.‬‬
‫· إعادة رسم أولويات العمل الخيري وصياغة فلسفته بناًء على الواقع‪.‬‬
‫وقد وضع الئتلف شروطا لقبول المشاريع التي كتبناها‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ .1‬أن ل يقبل أي مشروع إل عن طريق لجنة التنسيق الخاصة بالئتلف الموجودة داخل فلسطين‪.‬‬
‫‪ .2‬أن تكون المشاريع ذات طابع إنساني‪ ،‬ترفد الجوانب التعليمية والصحية والتنموية والجتماعية ‪.‬‬
‫‪ .3‬أن يتماشى المشروع مع الهداف والخطوط العريضة للئتلف‪.‬‬
‫· أن تحتوي المشاريع على العناصر التالية ‪:‬‬
‫· اسم المشروع ‪.‬‬
‫· الجهة المنفذة ‪.‬‬
‫· المدة الزمنية ‪.‬‬
‫· جدوى المشروع ‪.‬‬
‫· أعداد المستفيدين ‪.‬‬
‫‪ .4‬يشترط إرسال تقرير بعد النتهاء من تنفيذ المشروع يحتوي على الوراق الثبوتية اللزمة لجميع مراحل تنفيذ المشروع‬
‫مع الصور ‪.‬‬
‫‪ 19‬ـ هل ائتلف الخير ملزم لصحابه في طبيعة المشاريع التي يدعمها أم هو بالخيار ؟‬
‫ج‪ .‬ل ‪ ،‬ليس ائتلف الخير ملزما لصحابه بشيء إل ما يقررون اختياره بأنفسهم‪ .‬فإن أصل الئتلف إنما هو عمل تنسيقي‬
‫بين الهيئات والجمعيات الخيرية‪ ،‬والمؤسسات الغاثية النسانية‪ ،‬ولكل واحدة منها أن تقبل هذا المشروع أو ذاك‪ ،‬وأن‬
‫ترفض هذا المشروع أو ذاك ‪ ،‬وأن تتبنى مشروعا بأكمله أو تساهم فيه‪ ،‬حسب رؤيتها وقدرتها‪.‬‬
‫‪ 20‬ـ هل لئتلف الخير أية أعمال غير خيرية أو إنسانية ؟‬
‫ج ‪ :‬ل ‪ .‬كل عمل ائتلف الخير محصور في العمال الخيرية والنسانية‪ .‬وكفى بها مأثرة له‪ .‬وندعو ال أن يعينه على مهمته‬
‫الفضيلة‪.‬‬
‫‪ 21‬ـ هل سبق أن سماحتكم ادعيتم أو قلتم بأن ائتلف الخير واجهة لحماس ‪ ،‬أو من يدعم حماس ‪ ،‬أو غيرها من‬
‫المؤسسات ؟‬
‫ج ‪ :‬ل ‪ .‬وليس يتصور أن أقول هذا‪ ،‬لنه كذب على الواقع‪ ،‬فائتلف الخير يخدم أهل فلسطين‪ ،‬ل يستثني أحدا‪ ،‬ول يحابي‬
‫أحدا‪.‬‬
‫‪ 22‬ـ هل ائتلف الخير يدعم أو يقدم مساعدات لمؤسسات غير خيرية أو إنسانية ؟‬
‫ج ‪ :‬ل ‪ .‬ثم ل‪ ...‬إن ائتلف الخير ل يدعم ول يساعد إل العمال الخيرية والنسانية‪ ،‬وهو يقدم أعماله علنية في وسط‬
‫النهار‪ ،‬وليس عنده شيء سري‪.‬‬
‫‪ 23‬ـ هل ائتلف الخير مفتوح لجميع المؤسسات الخيرية ؟‬
‫ج ‪ :‬نعم ‪ .‬وهو يرحب بكل جمعية أو مؤسسة تعمل في المجال الخيري والنساني‪ ،‬وتريد أن تنضم إليه‪ ،‬فهو يزداد بها قوة‬
‫ك()القصص‪ :‬من الية‪. (35‬‬ ‫خي َ‬
‫ك ِبَأ ِ‬
‫ضَد َ‬
‫ع ُ‬
‫شّد َ‬
‫سَن ُ‬
‫إلى قوته ‪ ،‬كما قال ال تعالى ‪َ ) :‬‬
‫‪ 24‬ـ هل قمتم بإدانة العمليات الرهابية ضد مدنيين أو مسالمين أو أبرياء مهما كانت ديانتهم أو جنسهم ؟‬
‫ج ‪ :‬نعم دنت ذلك وأنكرته مرات كثيرة ‪ ،‬وفي مناسبات شتى‪:‬‬
‫‪ -1‬دنت خطف الطائرات‪ ،‬وأصدرت فتوى بتحريمها منذ خطف الطائرة الكويتية منذ نحو ثمانية عشر عاما‪.‬‬
‫ودنت خطف الرهائن‪ ،‬بعد ما فعلته جماعة أبو سياف في الفلبين من خطف بعض الغربيين‪ ،‬والتهديد بقتلهم إذا لم يدفع لهم‬
‫مبلغ معين‪.‬‬
‫ودنت مذبحة القصر في صعيد مصر‪ .‬وخطبت خطبة شهيرة في ذلك ‪ ،‬أذاعتها الفضائية القطرية في حينها ‪.‬‬
‫ودنت قتل الرهبان في الجزائر من فعل الجماعة المسلحة‪.‬‬
‫ودنت قتل السياح في جزيرة بالي بإندونيسيا‪.‬‬
‫ودنت قتل التلميذ الذين حاصرهم الشيشان في مدرسة في روسيا ‪.‬‬
‫ودنت قتل النيباليين في العراق‪.‬‬
‫ودنت خطف الرهينتين الفرنسيين ‪ ،‬وطالبت بالفراج عنهما‪.‬‬
‫ودنت خطف الرهينتين اليطاليتن ‪ ،‬وطالبت بالفراج عنهما‪.‬‬
‫وفي أعقاب تفجيرات ) ‪ 11‬سبتمبر ( دعوت المسلمين للتبرع بالدم لصالح ضحايا البرجين في الوليات المتحدة المريكية‪،‬‬
‫ومما قلته ‪ :‬إن تبرع المسلم بالدم والمال وأشكال العون المختلفة هو صدقة محمودة‪" ،‬وفي كل ذات كبد رطبة أجر"‪.‬‬
‫وأكدت أن ما حدث ل يمكن بحال من الحوال أن يصدر عن مسلم عاقل يلتزم بدينه‪ ،‬ونفيت شرعية مثل هذه العمليات التي‬
‫تستهدف المدنيين‪.‬‬
‫وأوضحت أن العدوان على النسان البريء إثم وجرم وظلم‪ ،‬أًيا كان دين المعتدى عليه‪ ،‬ووطنه وقومه‪ ،‬وأًيا كان المعتدي ‪،‬‬
‫فإن ال ل يحب المعتدين‪ ،‬ول يحب الظالمين ‪ ،‬والقرآن الكريم يقرر مع غيره‪ :‬أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في‬
‫الرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ]المائدة ‪. [32 :‬‬
‫وبينت أن النحياز المريكي السافر للعدوان السرائيلي على الفلسطينيين وإن كان يشكل نوعًا من الخلل في ميزان العدالة ‪:‬‬
‫ل يجيز لنا أن نضرب البراج السكنية والتجارية ‪ ،‬ول العتداء على البرياء‪.‬‬
‫وأكدت أن فلسطين هي ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني‪ ،‬وليست أمريكا ول أوربا ول آسيا ول إفريقيا‪ .‬وإذا كانت‬
‫الوليات المتحدة تكيل بمكيالين فإن السلم ل ينتهج هذا السلوب ويرفضه‪ ،‬كما أننا ل نضمر عداوة للشعب المريكي مهما‬
‫اختلفنا مع نظامه الحاكم"‪.‬‬
‫ومما نبهت وأكدت عليه‪ :‬أنه حتى في حال الحرب والقتال‪ ،‬لم يجز السلم قتل من ل يقاتل‪ ،‬من النساء والصبيان والشيوخ‪،‬‬
‫حتى الرهبان المتفرغون للعبادة في صوامعهم ل يقتلون‪ ،‬بل يتركون وما فرغوا أنفسهم له‪ .‬وأكدت على أن السلم ل يتنازل‬
‫عن مبدأ أل تزر وازرة وزر أخرى‪.‬‬
‫واعتبرت أن كل إنسان مسئول عن عمله هو‪ ،‬وليس عن عمل غيره‪ ،‬ول يحمل أحد وزر أحد ‪ ،‬وأن الكتاب والسنة وفقه أئمة‬
‫المسلمين‪ ،‬وروح الحضارة السلمية‪ ،‬ينكر كل النكار أي عمل يتسم بالقسوة والوحشية‪ ،‬ويفتقد النسانية والخلقية‪.‬‬
‫‪http://www.islamonline.net/Arabic/news/2001-09/12/Article7.shtml - top#top‬‬
‫‪ 25‬ـ ما هو رأي سماحتكم بأحداث ‪ 11‬سبتمبر ؟ وهل تعتبرونها من العمال الرهابية ضد المسالمين البرياء ؟‬
‫ج ‪ :‬أما رأيي في أحداث ‪ 11‬سبتمبر فقد أعلنته صراحة ‪ ،‬وبعد الحداث مباشرة ‪ ،‬بل كان بياني الذي استنكرت فيه العدوان‬
‫من أوائل البيانات التي أدانت هذا الفعل الجرامي الوحشي ؛ إن لم يكن أولها ‪.‬‬
‫وقد أكدت في هذا البيان على عدة أمور أهمها ‪:‬‬
‫‪ .1‬احترام السلم للنفس البشرية ‪.‬‬
‫‪ .2‬أن الصل في الحرب السلمية المشروعة‪ :‬أن ل ُيقتل فيها إل من يقاتل بالفعل‪.‬‬
‫‪ .3‬أن قتل آلف الناس من المدنيين المسالمين الذين ل ذنب لهم‪ ،‬ول دور لهم في اتخاذ القرار السياسي‪ ،‬يعتبر جريمة كبيرة‬
‫في نظر السلم ‪.‬‬
‫‪ .4‬التحذير ـ أيا كان الفاعل ـ من أن تؤخذ أمٌة بأسرها بجريمة أفراد محدودين‪ ،‬أو يتهم دين عالمي بأنه دين العنف والرهاب‬
‫‪.‬‬
‫‪ .5‬أن هذا الحادث الفظيع ل يستفيد منه فلسطيني ول عربي ول مسلم‪ .‬بل هو يشّوه صورة السلم إذا صدر عن مسلم‪ ،‬ول‬
‫يستفيد من هذا العمل غير إسرائيل وحدها ‪.‬‬
‫‪ .6‬دعوة المسلمين في أمريكا أن يسارعوا بأداء واجبهم في إنقاذ المصابين وفي التبرع بالدم‪ ،‬فهو من أعظم الصدقات عند‬
‫ال‪ ،‬لما فيه من إحياء نفس بشرية ‪.‬‬
‫‪ .7‬دعوة الدارة المريكية لتراجع سياستها الخارجية ‪ ،‬التي أوجدت لها العديد من العداء حول العالم‪ ،‬ولتراجع كذلك موقفها‬
‫المنحاز أبًدا لسرائيل ‪.‬‬
‫‪ 26‬ـ ما هو رأي سماحتكم بأعمال الخطف للبرياء المسالمين ؟‬
‫ج ‪ :‬رأيي في هذا السؤال ـ كما هو الحال في كثير من المسائل السابقة ـ رأي معروف من قديم ‪ ،‬وقد كانت لي فتوى ‪ -‬منذ‬
‫بضعة عشر عاما‪ -‬في كتابي " فتاوى معاصرة " تحرم هذه العمال التي تتضمن ترويع المنين ‪ ،‬وهي بعنوان )خطف‬
‫الطائرات( وذلك بعد حادثة خطف الطائرة الكويتية‪ ،‬وبقاء ركابها فيها محبوسين ستة عشر يوما‪ ،‬كما قتلوا واحدا أو اثنين‬
‫من ركابها‪.‬‬
‫والذي أقوله ‪ :‬إن استخدام القوة التي ل تبالي بقتل من يقتل من الناس ولو كانوا مسالمين برآء ‪ ،‬أو تستخدم العنف فيمن‬
‫ليس بينك وبينه قضية ول مشكلة إنما هي‪ :‬وسيلة لرهاب الخرين وتخويفهم وإيذائهم بوجه من الوجوه ‪ ،‬وإجبارهم على‬
‫أن يخضعوا لمطالبك‪ ،‬هذا إرهاب مرفوض مهما كانت عدالة القضية التي يدافع عنها مستخدمو العنف ‪.‬‬
‫ويدخل في ذلك‪ :‬خطف الطائرات ‪ ،‬فليس بين الخاطف وركاب الطائرة عادة أية قضية ‪ ،‬ول خلف بينه وبينهم‪ ،‬إنما يتخذهم‬
‫وسيلة للضغط على جهة معينة؛ مثل‪ :‬حكومة الطائرة المخطوفة‪ ،‬أو حكومة الركاب المخطوفين؛ لتحقيق مطالب له؛ كإطلق‬
‫مساجين أو دفع فدية‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬وإل قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة‪ ،‬أو فجروها بمن فيها‪.‬‬
‫كما يدخل في ذلك احتجاز رهائن لديه‪ ،‬ل يعرفهم ول يعرفونه ‪ ،‬ولكن يتخذهم وسيلة ضغط لتحقيق مطالبه أو يقتل منهم من‬
‫يقتل‪ ،‬كما تفعل جماعة أبو سياف في جنوب الفلبين وغيرهم من الجماعات المماثلة‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬قتل السياح في مصر‪ ،‬كما في مذبحة القصر؛ لضرب القتصاد المصري‪ ،‬للضغط على الحكومة المصرية‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬ما حدث في ‪ 11‬سبتمبر ‪ 2001‬في نيويورك وواشنطن‪ ،‬من اختطاف الطائرات المدنية بركابها من المدنيين الذين‬
‫ليس بينهم وبين خاطفيها مشكلة أو نزاع‪ ،‬واستخدامها )آلة هجوم( وتفجيرها بمن فيها؛ للضغط والتأثير على السياسة‬
‫المريكية‪.‬‬
‫وكذلك ضرب المدنيين البرآء في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك‪ ،‬وهم أناس ليس بينهم وبين ضاربي البرجين‬
‫مشكلة‪ ،‬ول علقة لهم بصنع القرار السياسي‪ ،‬وكلهم موظفون عاديون في شركات يؤدون عملهم اليومي الذي يعيشون منه‪،‬‬
‫ومنهم مسلمون وغيرهم‪.‬‬
‫وبنيت هذه الفتوى على ثلثة أمور‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬هو تحريم العدوان على الحياة النسانية ‪ ،‬بمعنى أن حياة الناس وحرمات الناس وحريات الناس ل يجوز لحد‬
‫أن يعتدي عليها بغير حق‪.‬‬
‫المر الثاني ‪ :‬أن السلم يقرر بوضوح ‪ :‬المسؤولية الفرديـة لكل شخص كل نفس بما كسبت رهينة ]المدثر‪ .[38 :‬و) ل تزر‬
‫وازرة وزر أخرى( النعام‪ . 164 :‬وهو يحرم تحميل وزر إنسان لنسان آخر‪ ..‬والقرآن الكريم يقول ‪ :‬أم لم ينبأ بما في‬
‫صحف موسى وإبراهيم الذي وّفى أل تذر وازرٌة وزر أخرى]النجم‪ . [38 – 36 :‬وهذا يعني أنه أمر قررته كتب السماء من‬
‫عهد إبراهيم إلى موسى إلى محمد أل تزر وازرٌة وزر أخرى‪.‬‬
‫المر الثالث‪ :‬هو أن الغاية في السلم ل تبرر الوسيلة ‪ ،‬قد يكون لهؤلء أهداف نبيلة‪ ،‬أو غايات شريفة ‪ ،‬ولكن ل يجوز‬
‫تحقيق الهداف النبيلة بوسائل غير نبيلة ‪ ،‬فالسلم ل يصل إلى الغاية الشريفة إل بالوسيلة النظيفة ‪ ،‬لبد من شرف الغاية‬
‫ب ل يقبل إل طيبًا " ‪[1].‬‬
‫وطهر الوسيلة معًا‪ ،‬ل يجيز أن يأخذ المرء الرشوة ليبني مسجدا ولذلك قال النبي ‪ " :‬إن ال طي ٌ‬
‫‪ 27‬ـ ما هو رأي سماحتكم في عمليات اختطاف المدنيين البرياء المسالمين ؟‬
‫ج ‪ :‬رأيي وضحته كما في إجابة السؤال السابق وهو التحريم المطلق ‪ ،‬وقد كررت مرارا أنه ل يجوز للمسلم أن يخطف‬
‫البرياء الذين ليس لهم علقة بالحرب ‪.‬‬
‫و لما قام مسلحون في العراق باقتحام مقر منظمة أون بونتي بير بغداد )جسر من أجل بغداد( النسانية اليطالية يوم ‪-9-7‬‬
‫‪ 2004‬واختطفوا امرأتين إيطاليتين تعملن بالمنظمة هما‪ :‬سيمونا توريتا‪ ،‬وسيمونا باري‪ .‬قلت وقتها‪ :‬ل يجوز خطف هاتين‬
‫الرهينتين‪ ،‬وهما ل ذنب لهما‪ ،‬ولم يقترفا جرما ‪ .‬وأضفت بأنه إذا كانت الحكومة اليطالية قد أرسلت جنودا من جيشها‬
‫للعراق‪ ،‬فل بد أن نذكر موقف الشعب اليطالي الذي خرج بالمليين ضد الحرب على العراق ‪ ،‬ويجب أن نقدر له هذا‬
‫الموقف ‪ ،‬وهاتان المرأتان ل تعملن في شيء يتعلق بالحرب‪ ،‬إنهما تعملن في عمل إنساني خيري إغاثي"‪.‬‬
‫كما اعترضت أيضا على خطف واعتقال الرهينتين الفرنسيتين ‪ ،‬وطالبت من بادئ المر بإطلق سراحهما ‪.‬‬
‫وقد حرص وزير الخارجية الفرنسي ميشيل برنيه على أن يلقاني في القاهرة من أجل ذلك‪ ،‬ورحبت بلقائه‪ ،‬وجلست معه ما‬
‫يقارب من الساعة‪ .‬تبادلنا فيها الحاديث حول علقة فرنسا بالعالم العربي‪ ،‬وأنها في جملتها علقة جيدة ‪ ،‬ونوهت باستقلل‬
‫الموقف الفرنسي عن أمريكا‪ ،‬وتحرره من التبعية لها‪ .‬وإن كان لنا تحفظ على الموقف الفرنسي في الشأن الداخلي ‪ ،‬ول سيما‬
‫في تدخلها في الشأن الديني والشخصي للمسلمين فيما يتعلق بالحجاب‪ ،‬وهو ما يتنافى مع مبدأ العلمانية الليبرالية‪ ،‬التي تقف‬
‫من الدين موقفا محايدا ‪ ،‬ل معاديا ول مؤيدا‪.‬‬
‫وقد طلبت في قناة )الجزيرة( المختطفين أن يفكوا أسر الرهينتين الفرنسيين‪ ،‬فقد كانا يعملن في خدمة القضية العربية ‪،‬‬
‫ويكسران احتكار أمريكا للجانب العلمي كله‪.‬‬
‫ي كتاب شكر وتقدير‪.‬‬
‫وعندما عاد الوزير الفرنسي إلى باريس ‪ :‬أرسل إل ّ‬
‫وكذلك فعل وزير الخارجية اليطالي الذي زارني في بيتي في قطر‪ ،‬وطلب مني أن أتعاون معه في سبيل تحرير الرهينتين‬
‫اليطاليتين‪ .‬وقد فعلت‪ .‬وأرسل لي سفير إيطاليا في الدوحة يبلغني شكر الوزير وشكر الدولة على موقفي‪.‬‬
‫هذا وقد أصدر التحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أتشرف برئاسته فتوى مفصلة في منع اختطاف الرهائن من المدنيين‬
‫الذين ل علقة لهم بالحرب‪ ،‬وعند اختطافهم –فرضا‪ -‬يجب أن نحسن معاملتهم ‪ ،‬وأن يعاملوا معاملة السرى‪ ،‬الذين قال ال‬
‫فيهم ‪ :‬حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء هذا وهم في الصل محاربون أخذوا من ساحة القتال‪ ،‬فما‬
‫بالك بهؤلء الذين لم يقاتلوا ولم يشاركوا في قتال؟!‬

‫]‪ [1‬رواه مسلم ) ‪. ( 1015‬‬