‫بسم هللا الرحمن الرحٌم‬

‫‪2102/8/2‬‬
‫صخور أسترالٌا وجبال مكة المكرمة‬
‫د‪ .‬هتون أجواد الفاسً‬
‫تناولت فً مقالتً السابقة حدٌثا ً أولٌا ً عن تجربة سٌدنً‪-‬أسترالٌا فً الحفاظ على تراثها الحدٌث جداً‬
‫(مائتً عام) بعد صراع مع أهل العقار والتطوٌر المجحف المتطاولٌن فً البنٌان سعٌا ً وراء الكسب‬
‫السرٌع فً بلد ال تحتاج لهذا التمدد العمودي وهً قارة تبلغ مساحتها مساحة السعودٌة ست مرات‬
‫بعدد سكان ال ٌتجاوز الـ ‪ 22‬ملٌون‪ ،‬أي عدد السعودٌٌن من دون األجانب‪ .‬ثم تناولت الحدٌث‬
‫بالتحدٌد عن منطقة الصخور ‪ the Rocks‬فً سٌدنً‪ ،‬وهً أقدم منطقة سكنٌة لألوروبٌٌن الذٌن‬
‫استعمروا القارة بعد إبادة أكثر من نصف سكانها الذٌن ٌكونون واحد فً المائة من سكانها الٌوم أي‬
‫‪ 211,111‬نسمة فقط‪.‬‬
‫وعودة إلى الحً وتفاصٌله الذي نجح نشطاء المجتمع المدنً وسكانه فً استبقاء كل مبانٌه القدٌمة‬
‫وحوّ لوها إلى مطاعم ومقاه ومعارض فنٌة ومعارض مؤجرة ومراكز ثقافٌة وحدائق وأعمال فنٌة‬
‫وفنادق صغٌرة ومتحف جمٌل مع ألعاب أجمل لألطفال‪ ،‬كان أكثر ما لفت النظر فً قضٌتهم أن‬
‫طبٌعة تكوٌن المنطقة هً طبٌعة صخرٌة جبلٌة وقد نجح المعمارٌون على الرغم من ذلك فً‬
‫تحوٌلها إلى منطقة سهلة الوصول واالتصال بما حولها عن طرٌق الممرات الداخلٌة والساللم التً‬
‫تتصل بها فً كل مكان ثم تتصل بالشوارع بكل مستوٌات ارتفاعها‪ ،‬وتتحول هذه االرتفاعات‬
‫المختلفة إلى مدرجات تتوزع علٌها المطاعم والمالعب والساحات التً تتناثر علٌها المقاعد‬
‫واألعمال اإلبداعٌة‪ ،‬ثم تتحول النتوءات الصخرٌة هنا وهناك إلى لوحات فنٌة مع لوحات تشرح‬
‫وتفصل تارٌخ كل معلم وشارع ورصٌف‪.‬‬
‫وال أدري لماذا أتت مكة المكرمة على بالً وأنا أنظر إلى هذه الحجارة وأنا أصورها فً الطرف‬
‫اآلخر من العالم؟ ربما أعرف‪ ،‬بل طبعا ً أعرف‪ .‬لقد عزت علًّ من كل ناحٌة‪ّ .‬‬
‫عز علًّ تارٌخها‪،‬‬
‫قدسٌتها وبٌئتها‪ ،‬هذه "المحمٌة الربانٌة" التً نفرط فٌها كل ٌوم باسم "التطوٌر" الذي ال نقبل أن‬
‫نسمع فٌه نقداً وال رأٌا ً أمٌناً‪ ،‬بل قد ال ٌصل مقالً كله إلى القراء ألجل هذٌن السطرٌن‪ .‬إن تارٌخا ً‬
‫أدنى وقدسٌة غٌر قائمة نهائٌا ً وبٌئة تتشابه فً بعض مالمحها مع بٌئة مكة الجبلٌة الخاصة خلقـَت‬
‫هناك تارٌخا ً واقتصاداً وفنا ً وثقافة من ال شًء‪ .‬ولكن حلولنا "اإلبداعٌة" التً ٌقدمها المطورون‬
‫أنفسهم‪ ،‬ال تقبل إال بأن تمحو الجبل بما حمل‪ ،‬وتحول أعزة أهلها "‪ "..‬على سماسرة التعوٌضات‪،‬‬
‫ونبقى نعتقد أنه كلما استوردنا أكثر كلما كنا أكثر حضارة‪ ،‬وكلما نافسنا القاصً والدانً فً تسلٌع‬
‫مكتنا كلما اعتقدنا أننا سنبهر العالم والحجاج أٌضا ً بعلو ناطحاتنا وعقارب ساعاتنا وأنها ستوضع‬
‫فً حساب حسناتنا التً تصل مباشرة على خط اللٌزر السمائً‪ ،‬فتصبح مكة المكرمة كأي مدٌنة فً‬
‫العالم‪ ،‬بل وأقل أٌضاً‪ ،‬حٌث أن مدن العالم تحرص على أن تحافظ على هوٌتها بحق وأمانة ولٌس‬
‫بشكل وسطحٌة‪.‬‬

‫لم ٌكتف أهل سٌدنً بذلك‪ ،‬فقد الحقوا المطورٌن فً أي موقع ٌرٌدون به زواالً وتصدوا لهم بكل‬
‫الوسائل تظاهراً واعتراضا ً فً كل القنوات المتاحة والمشروعة لدٌهم‪ ،‬فكان منها المبنى الذي مررنا‬
‫علٌه صدفة فً شارع جورج (الملك) والذي ٌُدعى مبنى الملكة فكتورٌا أو ‪Queen Victoria‬‬
‫‪ Building‬والذي ٌثٌر مبناه الضخم ذي القباب الفخمة والنوافذ المزججة بالرسوم الدقٌقة الذي ٌجمع‬
‫ما بٌن أسالٌب القوطً والرومانسً والملكة آن وعصر النهضة وعصر الملكة فكتورٌا‪ ،‬االنتباه‬
‫واإلعجاب‪ ،‬لنجده بعد أن دخلناه ذو تارٌخ ٌصل إلى حوالً مائة وخمسة عشر عاما ً (‪ )0888‬أنه قد‬
‫بُنً أساسا ً كسوق للمأكوالت الطازجة ‪ Market place‬على مساحة ضخمة بطول ‪ 081‬بعرض‬
‫‪ 01‬متر وبعمل هندسً معماري عالً التقنٌة وتحول عبر األعوام إلى أدوار مختلفة‪ ،‬إال أنه مرة‬
‫أخرى فً السبعٌنات كاد أن ٌُمحى من الوجود لٌواكب األبراج التً بدأت ُتبنى حوله‪ ،‬لوال أن قامت‬
‫حملة مكثفة ضد ذلك ثم أن سخر هللا لهم مستثمر مالٌزي أمٌن فضّل االستثمار فً المحافظة على‬
‫بنائه القدٌم وتحوٌله إلى أسواق ومتاحف ومقاه ومطاعم عصرٌة بالحفاظ على كل مكونات المبنى‬
‫القدٌم حتى البالط والسقوف والزجاج المزٌن بل والمصعد النحاسً القدٌم‪.‬‬
‫كلمة فً األذن‪ :‬الوعً أهم مؤشرات التحضر اإلنسانً‪.‬‬

‫وأكتفً بهذا القدر الٌوم‪ ،‬وكل عام وأنتم بخٌر‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful