‫ابن رشد وسبينو از وعصر التنوير األوروبي‬

‫د‪ .‬أشرف حسن منصور‬

‫‪‬‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫امتد عصر التنوير األوروبي مف سبعينيات القرف السابع عشر إلى ثمانينيات القرف الثامف عشر‪.‬‬
‫وعمى الرغـ مف أف ىذا العصر قد شيد العديد مف الفالسفة والمفكريف الكبار الذيف أسيموا في‬
‫تشكيؿ الرؤية التويرية الغربية‪ ،‬فإف الدراسات األحدث لذلؾ العصر وضعت أيادييا عمى الفيمسوؼ‬
‫الذي كاف لو أبمغ األثر في فالسفة التنوير والذي كاف أوليـ وأىميـ بال منازع‪ ،‬وىو بندكت دي‬
‫سبينو از (‪ .) 1( )2311-2361‬فقد حمؿ فكر سبينو از مبادئ تنويرية تعمي مف شأف العقؿ والتفكير‬
‫العقالني‪ ،‬ورؤية لموجود اختمفت عف ما كاف سائداً قبميا وأثرت عمى مف جاء بعده مف كبار‬
‫التنويرييف أمثاؿ فولتير ومونتسكيو وديدرو وروسو وىيوـ‪ ،‬وعمى الشخصيات األقؿ شيرة مف ىؤالء –‬
‫ال األقؿ أىمية – أمثاؿ توالند (وصاحب كتاب الفكر الحر) ولسنج وىيردر وشيمر‪.‬‬
‫وما يمفت انتباه دارس فكر سبينو از مدى ارتباط فكره بالتراث الفمسفي اإلسالمي والييودي السابؽ‬
‫عميو؛ إذ تعد فمسفة سبينو از استم ار اًر وتطوي اًر لالتجاه العقالني اإلسالمي والييودي عمى السواء‪ ،‬والذي‬
‫ظير لدى فالسفة اإلسالـ الكبار‪ :‬الفارابي (‪ )352/663-418/132‬وابف سينا (‪-342/612‬‬
‫‪ )2261/811‬وابف رشد (‪ ،)2234/535-2213/512‬ثـ لدى تالميذىـ الييود أمثاؿ موسى ابف‬
‫ميموف (‪ )2128-2265‬واسحؽ البالغ وبعض الفالسفة الييود مف القرف الثالث عشر وحتى القرف‬
‫السادس عشر أمثاؿ ليفي بف جرشوـ (‪ )2688-2144‬وحسداي كريسكاس (‪.)2822-2682‬‬
‫والحقيقة أف ابف رشد كاف صاحب أكبر تأثير عمى ىؤالء التالميذ الييود؛ وقد تأثر سبينو از‬
‫بأسالفو الييود الذيف ينتمي معظميـ إلى الرشدية الييودية‪ ،‬وىو تأثر غير مباشر بابف رشد‪ ،‬إلى‬
‫‪ )‬مدرس بقسـ الفمسفة‪ ،‬كمية اآلداب‪ ،‬جامعة اإلسكندرية‪.‬‬
‫‪ )1‬نود التنبيو في البداية عمى أننا نفضؿ كتابة اسمو ىكذا "سبينوزا"‪ .‬ونختمؼ مع كؿ الذيف يكتبوف اسمو بألؼ في البداية‬
‫"إسبينوزا"‪ .‬وليذا التفضيؿ سبب‪ .‬إف االسـ الحقيقي لسبينو از ىو ‪ .Baruch de Espinoza‬فيكذا كاف ُيكتب االسـ حتى غيره‬
‫سبينو از نفسو بعد صدور قرار الحرماف في حقو مف الجالية الييودية في ىولندا‪ .‬فباروخ أصبحت بندكتوس ‪،Benedictus‬‬
‫وىي المعادؿ الالتيني لباروخ وتعني المبارؾ‪ ،‬وإسبينوزا ‪ Espinoza‬أصبحت سبينوزا‪ .Spinoza‬وقد أصبح سبينو از يوقَّع‬

‫باسمو الجديد ىذا طواؿ حياتو‪ .‬ونحف نحترـ توقيع سبينو از ونحترـ ق ارره بيذا التعديؿ السمو‪ .‬حوؿ التعديؿ الذي ألحقو سبينو از‬

‫باسمو راجع‪:‬‬
‫‪Steven Nadler, Spinoza: A Life. (Cambridge University Press: Cambridge, 2001), pp. 42ff.,‬‬
‫‪155ff.‬‬
‫‪1‬‬

‫جانب األثر الرشدي المباشر عميو والذي رصده عدد مف الباحثيف(‪ .)2‬ومف ىنا نستطيع القوؿ إف‬
‫ابف رشد كاف صاحب األثر األكبر واألىـ عمى سبينوزا‪ ،‬نظ اًر لمتشابيات والتطابقات التي سوؼ‬
‫نرصدىا في الصفحات التالية‪ .‬ومف ىنا يتحدد اليدؼ مف دراستنا ىذه‪ ،‬وىي توضيح مدى التأثير‬
‫الذي مارسو ابف رشد عمى فالسفة عصر التنوير األوروبي‪ .‬فبما أف سبينو از كاف أوؿ التنويرييف‬
‫وصاحب أبمغ األثر عمى عصر التنوير كمو‪ ،‬فإف إثباتنا لرشدية سبينو از ىو في الوقت نفسو إثبات‬
‫لمتأثير الرشدي عمى عصر التنوير‪ .‬ىذا باإلضافة إلى أف رصدنا لألفكار الرشدية التي استمرت حية‬
‫– عمى الرغـ مف القمع والحظر واإلدانة التي تعرضت ليا ‪ -‬منذ العصور الوسطى وحتى عصر‬
‫التنوير نفسو‪ ،‬ىو توضيح لألثر الرشدي عمى التنويرييف األوروبييف‪.‬‬
‫ومف أجؿ تحقيؽ أىداؼ ىذه الدراسة فقد قسمناىا إلى خمسة أجزاء‪ .‬في الجزء األوؿ نعرض‬
‫كيفية وصوؿ األفكار الرشدية إلى عصر التنوير‪ ،‬وىو جزء تاريخي يوظؼ مقولة التأثير والتأثر؛‬
‫واألجزاء األربعة التالية نسقية‪ ،‬إذ ترصد أىـ األفكار الرشدية التي عاودت الظيور في عصر‬
‫التنوير‪ ،‬إما باعتبارىا تأثي اًر رشدياً مباش اًر في حالة سبينوزا‪ ،‬أو تأثي اًر رشدياً غير مباشر متمبساً ثوباً‬
‫سبينوزياً؛ ذلؾ ألف سبينو از كاف ىو الوسيط بيف ابف رشد وعصر التنوير‪ ،‬إذ كاف آخر الوسيطييف‬
‫وأوؿ المحدثيف بتعبير ولفسوف‪ .‬وسوؼ نركز عمى أربع نظريات رشدية ساىمت في تشكيؿ الرؤية‬
‫الفمسفية لعصر التنوير‪ ،‬وىي نظريتو في العقؿ والمعرفة‪ ،‬ونظريتو في الحقيقة والتأويؿ‪ ،‬ونظريتو في‬
‫اهلل والعالـ‪ ،‬ونظريتو في النفس والبدف‪ .‬وفي كؿ جزء نبدأ بعرض لمنظرية الرشدية نفسيا‪ ،‬ثـ ألثرىا‬
‫أو صداىا عند سبينوزا‪ ،‬وأخي اًر الستمرارىا لدى أىـ التنويرييف الغربييف‪ .‬وما يوجينا في ىذه الدراسة‬
‫ىو النتيجة التي توصمنا إلييا وكانت بمثابة الفرضية التي قادتنا أثناء البحث‪ ،‬وىي أف كؿ تأثير‬
‫سبينوزي عمى عصر التنوير كاف تأثي اًر رشدياً غير مباشر‪ ،‬نظ اًر لرشدية سبينو از التي سوؼ تتضح‬
‫في سياؽ البحث‪.‬‬

‫أوالً – الحضور الرشدي في أوروبا من العصور الوسطى إلى عصر التنوير‪:‬‬
‫‪ )1‬الحضور السالب – تحريم الرشدية في أوروبا العصور الوسطى‪:‬‬
‫لقد كانت الرشدية حاضرة بالفعؿ في أوروبا العصور الوسطى‪ ،‬لكف حضورىا كاف سالباً أكثر‬
‫منو موجباً؛ بمعنى أف التحريـ الذي تعرضت لو كاف ىو الطريقة التي استُقبمت بيا آنذاؾ‪ .‬والتحريـ‬
‫‪ )2‬الحقيقة أف القالئؿ مف الشراح والمعمقيف المعاصريف عمى فكر سبينو از ىـ الذيف يعترفوف بأثر فالسفة اإلسالـ عميو‪ ،‬بعكس‬

‫ما كاف عميو األمر في العقود األولى مف القرف العشريف‪ .‬وكاف ىذا الموضوع محؿ دراسة قريبة العيد ألرماندو سمفاتور‪:‬‬
‫‪Salvatore, Armando: “Power and Authority within European Secularity: From the Enlightenment‬‬
‫‪Critique of Religion to the Contemporary Presence of Islam”, The Muslim World, vol. 96,‬‬
‫‪October 2006, pp. 543-561. (545-546).‬‬
‫‪2‬‬

‬‬ ‫أف العالـ قديـ‬ ‫أف النفس التي ىي صورة اإلنساف كإنساف تفسد بالموت‬ ‫أف النفس ال يمكنيا أف تتعذب بالنار المادية بعد الموت‬ ‫أف اهلل ال يعرؼ الجزئيات‬ ‫أف اهلل ال يعرؼ شيئاً إال ذاتو‬ ‫(‪)4‬‬ ‫أف األفعاؿ اإلنسانية ال تخضع لمعناية اإلليية‬ ‫بناء عمى مذىب أرسطو؛ لـ يقؿ أرسطو نفسو بيا‬ ‫والمالحظ فى ىذه القضايا أنيا مستخمصة ً‬ ‫بؿ ىى النتائج التى توصؿ إلييا شراحو بعد أف قارنوا بيف فمسفتو وما تقوؿ بو األدياف السماوية‪،‬‬ ‫وخاصة فالسفة اإلسالـ‪ ،‬وعمى رأسيـ ابف رشد(‪ .)3‬وفي ذلؾ وضع ألبرت‬ ‫كتابو "في وحدة العقؿ ضد ابف رشد"‪ .‬‬ ‫إف إرادة اإلنساف تريد وتختار تحت سيطرة الضرورة‪.‬‬ ‫وفي سنة ‪ 2111‬أصدر أسقؼ باريس إتييف تومبييو ‪ Etienne Tempier‬ق ار اًر بتحريـ ثالثة‬ ‫عشرة قضية رشدية كانت منتشرة في ذلؾ الوقت‪ ،‬وقد أرسميا إلى القديس ألبرت أوالً كي يفحصيا‬ ‫ويقوؿ رأيو فييا‪ .‬والمالحظ أف القوؿ بوحدة العقؿ أو النفس الكمية وبفناء النفوس‬ ‫الفردية ىو نفس ما نادى بو سبينو از وكاف أحد أىـ أسباب تحريـ فمسفتو طواؿ القرنيف السابع عشر‬ ‫والثامف عشر‪ .‬وقد أصدرت الكنيسة العديد مف ق اررات‬ ‫‪ )3‬د‪ .‬والمالحظ أف تحريـ فمسفة ابف رشد جاء‬ ‫في وقت مبكر لمغاية‪ .11-13‬‬ ‫‪ )5‬إرنست ريناف‪ :‬ابف رشد والرشدية‬ ‫‪3‬‬ .33-34‬‬ ‫‪ )4‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.‬فابف رشد قد توفى سنة ‪ ،2234‬وبعد أقؿ مف ستة عقدود‪ ،‬أي سنة ‪2153‬‬ ‫كمؼ البابا اإلسكندر الرابع الفيمسوؼ ألبرت الكبير بالرد عمى نظرية ابف رشد في وحدة العقؿ والتي‬ ‫تؤدي حسب الفيـ الشائع ليا آنذاؾ إلى نفي خمود النفس اإلنسانية الفردية(‪ .‬ومف أىـ القضايا التي لفتت نظرنا‪ ،‬اآلتية‪:‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫ال يوجد إال عقؿ واحد (لكؿ الجنس البشري)مما يعني أنو ليس ىناؾ بعث لنفوس الجزئية‪.‬ونستنتج مف ذلؾ أف ىناؾ اتفاقاً بيف ابف رشد وسبينو از حوؿ النفس‪ ،‬بؿ مواقؼ واحدة‬ ‫ىي التي أدت إلى تماثؿ أسباب تحريـ فمسفتييما‪.‬زينب محمود الخضيري‪ :‬أثر ابف رشد في فمسفة العصور الوسطى‪ .‫أيضاُ ىو ما سوؼ تواجيو السبينوزية طواؿ عصر التنوير‪ .‬دار التنوير‪ ،‬بيروت ‪ ،1221‬ص ‪.)5‬ىذه القضايا تتمخص فى القوؿ بقدـ العالـ‪ ،‬أى‬ ‫بأنو غير مخموؽ لإللو‪ ،‬وفى إنكار بعث األجساد أو حتى النفوس الجزئية‪ ،‬وفى القوؿ بالحتمية‬ ‫الطبيعية التى يخضع ليا اإلنساف ونفى حرية اإلرادة عنو‪ ،‬ونفى العناية اإلليية بالعالـ اعتماداً عمى‬ ‫أف اإللو ال يعرؼ إال ذاتو وبالتالى ال يعرؼ الجزئيات‪ .

‫التحريـ بعد ىذا التاريخ‪ ،‬والتفت كؿ ق ارراتيا عمى نظريتيف رشديتيف نظرت إلييما عمى أنيما‬ ‫"الضاللتاف الكبيرتاف"‪ ،‬وىما قدـ العالـ ونظرية العقؿ القائبة بفناء النفوس الجزئية‪ .‬‬ ‫‪ -3‬وىػػى أيض ػاً سػػبب ق ػرار حرم ػػاف وطػػرد سػػبينو از مػػف الجماع ػػة الييوديػػة بيولنػػدا‪ ،‬وسػػبب تكفيػ ػره‬ ‫والحظػػر الػػذى كػػاف مقام ػاً عمػػى فمسػػفتو فػػى الق ػرنيف السػػابع عشػػر والثػػامف عشػػر‪ ،‬ألف القضػػايا‬ ‫السابقة يمكف استخالصيا بسيولة مف كتاب سبينو از "األخالؽ"‪.38-31‬‬ ‫‪4‬‬ .‬‬ ‫ومف الرشدييف الالتيف أتباع أرسطو فى باريس سيجر دى برابانت الذى كاف يقوؿ بأنو ال توجد‬ ‫عناية إليية‪ ،‬مف منطمؽ أف العالـ يسير حسب قوانينو الطبيعية ومعو اإلنساف وليس ىناؾ تدخالً‬ ‫إليياً مفارقاً لمطبيعة فى مجرى الطبيعة‪ ،‬وبأف العالـ قديـ‪ ،‬وأنو ال يوجد إال عقؿ واحد لمجنس البشرى‬ ‫كمو مما يعنى إنكار الخمود لمنفوس الجزئية ونفى حرية اإلرادة بالنسبة لإلنساف‪ ،‬إذا كانت حرية‬ ‫اإلرادة ىذه تعنى خروج أفعاؿ اإلنساف عف المجرى الطبيعى لمقوانيف الطبيعية(‪ .‬‬ ‫‪ )6‬د‪ .253‬‬ ‫‪ )7‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.)6‬ومعنى ىذا أف‬ ‫أُتباع ابف رشد مف الالتيف كانوا يتبنوف نفس األفكار التى ظيرت بعد ذلؾ لدى سبينوزا‪ .‬‬ ‫كاف سيجر دي برابانت منتمياً إلى ما سمي بالرشدية الالتينية المنشقة‪ ،‬وىي منشقة عف‬ ‫التيار السائد في فمسفة العصور الوسطى الذي أداف فمسفة ابف رشد بعنؼ‪ ،‬في حيف أف دي برابانت‬ ‫قد خالؼ اإلدانة التقميدية لمرشدية وتبناىا‪ .‬زينب محمود الخضيري‪ :‬أثر ابف رشد في فمسفة العصور الوسطى‪ .)7‬‬ ‫وفي مقارنتنا بيف األفكار الرشدية والسبينوزية المتشابية سوؼ نجد أفكا اًر رشدية اعتنقتيا السبينوزية‬ ‫فى أوروبا فى القرنيف السابع عشر والثامف عشر‪ ،‬بحيث نستطيع القوؿ بأف السبينوزية أعادت إنتاج‬ ‫الرشدية بحذافيرىا‪ ،‬مما جعؿ نفس االتيامات أيضاً تتكرر‪.‬‬ ‫‪ -2‬وىى أيضاً سبب محنة ابف رشد وتكفيره فى العالـ اإلسالمى والعالـ المسيحى عمى السواء‪.‬ونستنتج مف ىذا‬ ‫ما يمى‪:‬‬ ‫‪ -1‬ىذه التحريمات ىى ذاتيا المسائؿ التى كفػَّر أجميا الغزالى الفالسفة فى "تيافت الفالسفة"‪.‬ص ‪.‬ويتضح مف األفكار التى كانت تأخذ بيا الرشدية الالتينية‬ ‫المنشقة عف الفمسفة المدرسية مدى قربيا مف فمسفة سبينوزا‪ ،‬وعمى الرغـ مف أف ىذه األفكار كانت‬ ‫مختمطة ببعض نظريات األفالطونية المحدثة‪ ،‬إال أف أكثرىا قرباً مف السبينوزية ىى‪ :‬إنكار حرية‬ ‫إرادة الفعؿ اإلليى‪ ،‬والحتمية الكونية‪ ،‬ووحدة العقؿ أو النفس اإلنسانية مما يعنى إنكار بعث النفوس‬ ‫الجزئية‪ ،‬والحتمية السيكولوجية والخمقية‪ ،‬وىى القوؿ بأف السموؾ اإلنسانى خاضع لمضرورة الطبيعية‪،‬‬ ‫سواء كانت الطبيعة الخارجية أو طبيعة البدف البشرى‪ ،‬مما يعنى إنكار حرية اإلرادة اإلنسانية(‪.‬لقد كانت‬ ‫سبنيوزية قبؿ ظيور سبينو از نفسو‪ ،‬أو باألحرى كاف سبينو از يكرر نفس أفكار الرشدية الالتينية التى‬ ‫كانت سائدة فى القرف الثالث عشر‪.

(New York:‬‬ ‫‪Oxford University press. Alif:‬‬ ‫‪Journal of Comparative Poetics.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪) Lasker. issue 2 (April 1980).60-25‬‬ ‫‪5‬‬ .‬عصام عبد هللا‪ :‬حوار الشرق والغرب‪ . 294-297.) 12‬ومف أىـ أعالمو‪:‬‬ ‫أجوستينو نيفو ‪ )1538-1469( Agostino Nifo‬الذي عمـ الفمسفة في بادوا وجنوب إيطاليا ونشر‬ ‫أعماالً عف ابف رشد وحرر طبعة سنة ‪ 1496-1495‬مف شروح ابف رشد؛ ومارؾ أنتونيو زيما ار‬ ‫‪ )1532-1475( Marcantonio Zimara‬تمميذ نيفو الذي نشر سنة ‪ 1537‬ممخصاً يقارف فيو‬ ‫بيف أرسطو وابف رشد ويركز عمى االختالفات بينيما‪ ،‬مما يكشؼ عف درجة وعي األوروبييف‬ ‫بالفروؽ الدقيقة التي طالما كاف مف الصعب رصدىا بيف المذىب األرسطي والمذىب الرشدي‪.) 10‬ونستطيع مف ىذا‬ ‫التوصيؼ التاريخي لمرشدية الييودية األسبانية اكتشاؼ الخمفية الرشدية لسبينو از واف كانت بطريؽ‬ ‫غير مباشر؛ فقد كاف ىناؾ تأثير غير مباشر مف ابف رشد عمى سبينوزا‪ ،‬عف طريؽ المفكريف الييود‬ ‫األسباف المعروؼ عنيـ رشديتيـ الراديكالية وتمسكيـ الشديد بالعقؿ ونزعتيـ العممانية‪. Harold. Steven Nadler.2007 ،‬ص ‪. 55.‬‬ ‫امتد ىذا التيار عبر عصر النيضة واستمر إلى مشارؼ عصر التنوير (‪ .: “Averroistic Trends in Jewish-Christian Polemics in the Late Middle Ages”.)9‬ويذىب بعض الباحثيف إلى أف ىذه األفكار كانت مسئولة عف زعزعة إيماف‬ ‫ييود أسبانيا وتمسكيـ بييوديتيـ مما أدى إلى زيادة تحوليـ لممسيحية (‪ . vol. no. 294-304.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪) Stone. Yovel.‬‬ ‫‪ )12‬د‪ .77-95 (77).16 (1996).‬‬ ‫‪Speculum.‬دار مصر المحروسة‪ . pp.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪) Ibid. Daniel J. pp.‬الرشدية الالتينية في إيطاليا‪ . Spinoza's Heresy: Immortality and the Jewish Mind.)11‬‬ ‫كما كانت إيطاليا مرك اًز ىاماً لنشر أعماؿ فمسفية عف ابف رشد‪ ،‬مما شكؿ تيا اًر رشدياً فييا‪. “Why Europeans Stopped Reading Averroes: The Case of Pierre Bayle”. 2001).‬فقد انتشرت الرشدية بينيـ في أواخر القرف‬ ‫الرابع عشر وطواؿ القرف الخامس عشر‪ ،‬وانتشرت معيا بعض األفكار الشعبية الخاطئة التي‬ ‫ارتبطت بالرشدية؛ وأىميا الفكرة القائمة إنو لف يكوف ىناؾ ثواب أو عقاب في اآلخرة‪ ،‬ولف تكوف‬ ‫ىناؾ آخرة بالمعنى الديني‪ ،‬وذلؾ عمى أساس تأويؿ خاص لمفكرة الرشدية حوؿ ارتباط النفوس‬ ‫الفردية بالجسد الفردي‪ ،‬مما يعني ضياع الفردية بفناء الجسد‪ .‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪) Wolfson.‫‪ )2‬الرشدية اإليبيرية واإليطالية في عصر النيضة‪:‬‬ ‫ونظ اًر لمخمفية األيبيرية لعائمة سبينو از الييودية ولمصادره الييودية األسبانية التي أشار إلييا‬ ‫أىـ دارسي فكره (‪ ،) 8‬فمف الضروري التعرؼ عمى التأثير الرشدي عمى ييود أسبانيا في عصر‬ ‫النيضة‪ ،‬وىو العصر األقرب لسبينو از تاريخياً وفكرياً‪ .‬‬ ‫وكانت إيطاليا‪ ،‬وخاصة فينيسيا‪ ،‬مركز نشر شروحات ابف رشد عمى أرسطو في القرف‬ ‫السادس عشر‪ ،‬إذ ظيرت فييا الطبعات األولى مف الشروح الرشدية وانتقمت بذلؾ مف المخطوط إلى‬ ‫المطبوع(‪.‬وانتشرت فكرة رشدية أخرى تقوؿ‬ ‫بأولوية العقؿ عمى الوحي وبالتالي عمى األدياف كميا‪ ،‬مما يعني أنو ليس ىناؾ فرؽ بيف ديف وآخر‬ ‫بما أف األولوية لمعقؿ(‪ .

‬وىذا ما دفع بيؤالء المعارضيف إلى اليجوـ عمى ابف رشد‬ ‫الذي يتخذه بومبوناتزي مرجعاً لو واتياـ أفكاره باإللحاد بما أنيا تنكر عمى العقؿ البشري قدرتو عمى‬ ‫البرىنة عمى العقائد اإليمانية‪.80.2388‬والمالحظ أف سبينو از ولد سنة ‪ ،2361‬أي كاف معاص اًر في شبابو ألواخر الحمالت الكنسية ضد الرشدية‪.)14‬والمالحظ أف‬ ‫مؤلفات سبينو از سوؼ توضع عمى نفس الالئحة البابوية لمكتب المحرمة بعد ىذا التاريخ بأقؿ مف‬ ‫خمسيف سنة ولنفس السبب وىو إنكار سبينو از لمخمود الفردي‪ . pp. Jonathan.‬‬ ‫‪ )14‬عمى الرغـ مف أف الكثيريف مف مؤرخي الفمسفة يجمعوف عمى أف النياية الرسمية لمرشدية الالتينية كانت بوفاة سيزار‬ ‫الكريمونيني سنة ‪( 2362‬انظر زينب الخضيري‪ :‬أثر ابف رشد في فمسفة العصور الوسطى‪ ،‬ص ‪ ،)634 ،44‬إال أننا نستطيع‬ ‫اآلف القوؿ بأف الرشدية قد استمرت حتى سنة ‪ 2388‬وىو تاريخ صدور دراسة روكو الرشدية حوؿ النفس‪ ،‬بؿ إف وضع ىذه‬ ‫الدراسة في الالئحة الباوبية لمكتب المدانة بعد ىذا التاريخ يثبت أف الخوؼ الكنسي مف الرشدية ظؿ باقياً إلى ما بعد سنة‬ ‫‪ . Radical Enlightenment.‬وقد وضع أنتونيو روكو‬ ‫بحثاً في النفس نشره سنة ‪ ،1644‬يتبنى فيو أفكار ابف رشد حوؿ خمود النفس الكمية وفناء النفوس‬ ‫الجزئية بفناء األبداف‪ ،‬وىذا ما أدى إلى وضعو في الالئحة البابوية لمكتب المدانة(‪ . Philosophy and the Making of Modernity 1650-1750.)15‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪) Ibid: P.‬‬ ‫وانظر أيضاً تطابؽ اتيامات فاليتا لفمسفة سبينو از مع االتيامات الكنسية التقميدية لفمسفة ابف رشد السابؽ ذكرىا في‪:‬‬ ‫‪Israel.‬‬ ‫أما سيزار الكريمونيني ‪ )1631-1550( Cesare Cremonini‬وأنتونيو روكو ‪Antonio‬‬ ‫عاصر أواخر عصر النيضة ووقفا عمى عتبة عصر التنوير فقد‬ ‫ا‬ ‫‪ )1653-1576( Rocco‬المذاف‬ ‫استمر في تبني أفكار بومبوناتزي حوؿ النفس‪ ،‬مما أدى إلى االستمرار في اليجوـ المضاد عمى‬ ‫ا‬ ‫فمسفة ابف رشد التي اعتمد عمييا كريمونيني أيضاً في أفكاره حوؿ النفس‪ . 51-52.‬وىذا ما جعؿ جيسيبي فاليتا‬ ‫‪ )1714-1636( Giuseppe Valleta‬مؤرخ الفمسفة اإليطالي يعمف صراحة أف فكر سبينو از ىو‬ ‫شكؿ مف الرشدية(‪.‬‬ ‫‪(Oxford: Oxford University Press.‫ونجد كذلؾ بييترو بومبوناتزي ‪ )1525-1462( Pietro Pomponazzi‬الذي اعتمد عمى‬ ‫مؤلفات ابف رشد في النقاش الذي دار في عصره حوؿ ما إذا كاف البرىاف الذي يعتمد عمى العقؿ‬ ‫وحده يمكنو أف يبرىف عمى خمود النفس الفردية‪ .)13‬وكانت أفكار‬ ‫بومبوناتزي ىدفاً لخالفات حادة‪ ،‬ذلؾ ألنو أنكر قدرة العقؿ عمى البرىنة عمى العقائد اإليمانية وذىب‬ ‫إلى أف ىذه العقائد ىدؼ لمقبوؿ اإليماني وحسب‪ ،‬في حيف أف المعارضيف لو أرادوا إثبات قدرة العقؿ‬ ‫البشري عمى البرىنة عمى العقائد اإليمانية‪ .‬‬ ‫‪15‬‬ ‫‪6‬‬ . 49. 2001).79.‬‬ ‫‪) Ibid: P.‬ومع العمـ بأف ابف رشد قد انتيى إلى استحالة إثبات‬ ‫العقؿ لخمود النفس الفردية‪ ،‬فقد استفاد بومبوناتزي مف ىذه النقطة وذىب إلى أف الوحي واإليماف‬ ‫وحدىما يستطيعاف إقناعنا بخمود النفس الجزئية‪ ،‬وفي الوقت نفسو رفض الموقؼ المادي الذي تصور‬ ‫أنو ىو موقؼ ابف رشد والذي أنكر فردية النفوس الجزئية بعد انفصاليا عف أبدانيا(‪ .

P.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪) Yovel.‬‬ ‫انتشر تيار رشدي سري بيف الييود في الجامعات اإلسبانية منذ القرف الخامس عشر‪ ،‬وكاف‬ ‫المصدر األساسي الذي غذى اتجاه الديف الطبيعي لدى ىؤالء الييود وحتى القرف السابع عشر(‪)17‬؛‬ ‫ذلؾ ألف في مذىب ابف رشد نظريات عديدة إذا تـ تتبعيا إلى نياياتيا المنطقية انتيينا إلى نوع مف‬ ‫الديف الطبيعي المختمط بوحدة الوجود‪ . vol.‬‬ ‫‪7‬‬ . Modernity. Jonathan. 151‬‬‫‪152.‬وما جعؿ ىذه الحركة الرشدية السرية تنتشر بيف ييود أسبانيا‬ ‫عمى وجو الخصوص ما تعرضوا لو مف إجبار مف قبؿ السمطات اإلسبانية عمى التخمي عف الييودية‬ ‫واعتناؽ المسيحية‪ . Spinoza and other Heretics: Vol.)16‬‬ ‫لكف لماذا اختار سبينو از قراءة ابف رشد بالذات؟ كيؼ تعرؼ عميو؟ تكمف اإلجابة عمى ىذا السؤاؿ‬ ‫في الصمة التي ربطت بيف الرشدية الييودية في أسبانيا والمياجريف الييود مف أسبانيا إلى ىولندا‪.‫‪ )3‬طريق وصول فكر ابن رشد إلى سبينوزا‪:‬‬ ‫لقد كاف سبينو از عمى معرفة وثيقة بمؤلفات ابف رشد‪ ،‬وخاصة شروحاتو عمى أرسطو(‪.‬لنمقي‬ ‫نظرة إذف عمى ما حدث‪. Harry Austryn.‬‬ ‫وىكذا ظيرت في ىؤالء الييود بواكير نزعة عممانية أصبحت فيما بعد تميز سبينو از حفيد ىؤالء بعد‬ ‫ىجرة البعض منيـ إلى ىولندا‪ . 1989). The Philosophy of Spinoza: Unfolding the Latent Processes of his‬‬ ‫‪Reasoning.‬أنظر في ذلؾ‪:‬‬ ‫‪Wolfson. Enlightenment Contested: Philosophy.‬‬ ‫فعف طريؽ ىؤالء تعرؼ سبينو از عمى ابف رشد‪ ،‬وكانت أفكار ابف رشد حوؿ النفس والتي حمميا‬ ‫بعض المياجريف إلى ىولندا ىي ما أدت بسبينو از إلى تبني رأيو في فناء النفوس الجزئية قبؿ أف‬ ‫يكتب أي شئ‪ ،‬وىو ما أدى إلى طرده مف الجماعة الييودية وىو في سف الثالثة والعشريف‪ .‬أما عمى مستوى الخاصة مف‬ ‫األكاديمييف الييود فقد أدى التنقؿ مف ديف آلخر واظيار ديف واخفاء آخر عمى تشككيـ في األدياف‬ ‫كميا‪ ،‬وفي الوقت نفسو قوى فييـ نزعة النظر العقمي في األدياف والحكـ عمييا بمنظور العقؿ وحده‪. 2 Volumes (Cambridge: Harvard University Press.30. 57-83. vol. 1. P. 1934).‬‬ ‫‪ )16‬وىذا ما أكد عميو ولفسوف في كتابو الشيير عف سبينوزا؛ إذ ذكر في أكثر مف موضع أف سبينو از كاف قارءاً البف رشد‪ ،‬وقاـ‬ ‫بالكشؼ عف استفادة سبينو از مف شروحات ابف رشد عمى منطؽ وميتافيزيقا أرسطو عمى وجو الخصوص‪ ،‬بؿ إنو وضع يده في‬ ‫شروحات ابف رشد عمى المواضع التي استفاد منيا سبينوزا‪ . I. pp. 2006).‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪) Israel.‬وعمؿ الكثير مف الييود عمى تبني المسيحية في الظاىر وحسب‪ ،‬مع تمسكيـ‬ ‫بالييودية س اًر(‪ . pp.2. The Marrano of Reason (New‬‬ ‫‪Jersey: Princeton University Press. 625. Yirmiyahu.)18‬وكاف ىذا ما يحدث عمى مستوى عامة الييود‪ .‬ولـ يجد ىؤالء المفكريف الييود المتحرريف مف الديانات الوضعية‬ ‫أفضؿ مف ابف رشد كي يستمدوا منو طريقاً ومنياجاً عقمياً ينظروف بو إلى األدياف ويكونوف عف‬ ‫طريؽ فمسفتو رؤية خاصة لمكوف‪ ،‬ولمعالقة بيف األدياف والفمسفة‪ ،‬والوحي والعقؿ‪. and the Emancipation of‬‬ ‫‪Man 1670-1752 (Oxford: Oxford University Press.

2. 2001).1656‬والمالحظ أف قرار حرماف سبينو از كاف سنة ‪ ،1656‬مما يدؿ عمى‬ ‫تأثره بأفكار برادو الرشدية‪. 29-30.81.)19‬‬ ‫‪ )4‬توازي حضور الرشدية والسبينوزية في عصر التنوير‪:‬‬ ‫ذكرنا مف قبؿ أف مؤرخ الفمسفة اإليطالي فاليتا كاف ينظر إلى فكر سبينو از عمى أنو شكؿ مف‬ ‫الرشدية‪ . (New York:‬‬ ‫‪Oxford University press.‬ونظ اًر النتشار الرشدية بيف ييود إيبيريا فقد حمؿ الكثير مف‬ ‫المياجريف الييود الفكر الرشدي إلى ىولندا‪ ،‬ومف ىذا الطريؽ تعرؼ سبينو از عمى أفكار ابف رشد‪..‬‬ ‫كاف ىذا ىو الطريؽ المباشر لوصوؿ فكر ابف رشد إلى سبينوزا‪ .‬وقد درس عمى يديو خواف دي برادو ‪ Juan de Prado‬الذي عاد إلى الييودية بعد‬ ‫إظيار المسيحية وىو ال يزاؿ في إسبانيا‪ ،‬ثـ رحؿ إلى أمسترداـ وقابؿ سبينو از ىناؾ وظؿ عمى‬ ‫صداقة بو بيف ‪ 1655‬و‪ .op. 2.cit.cit.. 1. P.108-110.‬‬ ‫ولـ يكف ليظير مجتمع مف الباحثيف الذيف كانوا عمى معرفة بالمغات العربية والعبرية واإلسبانية‬ ‫والالتينية معاً إال في ىولندا القرف السابع عشر(‪)20‬؛ فييود إسبانيا المياجريف إلى ىولندا كانوا عمى‬ ‫معرفة بالعربية مف خمفياتيـ األندلسية‪ ،‬وبالالتينية مف محيطيـ األوروبي‪ ،‬وكانوا ىـ الذيف نقموا فكر‬ ‫ابف رشد إلى ىولندا‪ ،‬وكاف مف السيؿ عمييـ قراءة مؤلفات ابف رشد في أصوليا العربية وترجماتيا‬ ‫الالتينية عمى السواء‪ .31‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪) Stone.‬‬ ‫وكانت ىولندا في أواخر القرف السادس عشر وبداية القرف السابع عشر ىي حمقة الوصؿ بيف‬ ‫الرشدية اإليبيرية والسبينوزية‪ .‬‬ ‫‪P. “Why Europeans Stopped Reading Averroes: The Case of Pierre Bayle”.‬لكف كاف ىناؾ طريؽ‬ ‫آخر‪ ،‬وىو الفالسفة الييود المتأثروف بابف رشد أو الذيف اختمفوا معو وردوا عميو ردوداً مطولة‪ ،‬والذيف‬ ‫كاف سبينو از عمى معرفة وثيقة بأعماليـ مثؿ ليفي بف جرشوـ (‪ )1344-1288‬وحسداي كريسكاس‬ ‫(‪ ،)1411-1340‬الذي أثبت ولفسوف استفادة سبينو از مف أعماليـ(‪. P. The Philosophy of Spinoza.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪8‬‬ . Vol. op. Spinoza's Heresy: Immortality and the Jewish Mind. vol.‬وقد كاف فاليتا معب اًر في رأيو ىذا عف وعي األوروبييف في عصر التنوير بالقرب الشديد بيف‬ ‫اب ػػف رش ػػد وس ػػبينوزا‪ ،‬ذل ػػؾ ال ػػوعي ال ػػذي س ػػوؼ ي ػػزداد وض ػػوحاً كمم ػػا اتض ػػحت مالم ػػح عص ػػر التن ػػوير‬ ‫وخاصة بروز االتجاه الراديكالي منو‪ ،‬والذي كاف سبينو از أوؿ أعالمو كما أشار إلى ذلؾ بيير بايؿ‪. pp. Harold.1662‬وكاف فكره خميطاً مف الرشدية والديف الطبيعي‬ ‫ووحدة الوجود‪ . 264-295 430.: Steven Nadler. cf.‬ذلؾ ألف ىولندا ىي التي استقبمت أعداداً كبيرة مف المياجريف الييود‬ ‫مف أسبانيا والبرتغاؿ بعد محاكـ التفتيش ىناؾ؛ إذ وفرت ليـ ىولندا الحرية وسمحت ليـ بممارسة‬ ‫شعائر دينيـ دوف تدخؿ خارجي‪ .‫وكاف مف أشير ىؤالء المفكريف الييود اإلسباف مفكر يدعى خواف بينييرو ‪Juan‬‬ ‫‪ ،Pinheiro‬الذي توفى في إشبيمية عاـ ‪ .‬ومف ىذه البيئة الثقافية وعمى خمفيتيا ظير سبينو از الذي كاف متشبعاً منذ‬ ‫شبابو باألفكار الرشدية‪ ،‬والدليؿ عمى ذلؾ إصدار المجمس الييودي لق ارره الشيير بحرماف سبينو از‬ ‫‪) Wolfson.

‫وطرده مف الجماعة الييودية بعد كشفو عالنية عف أفكار مف الواضح تماماً أنيا رشدية (مثؿ إنكار‬ ‫خمود النفوس الجزئية)‪ ،‬وذلؾ عندما كاف سبينو از في الثالثة والعشريف مف عمره‪ ،‬أي قبؿ أف يطور‬ ‫فمسفة خاصة بو‪.1701‬وكاف بايؿ ال يزاؿ يقبؿ الرأي القائؿ إف الرشدييف كانوا يمثموف بدقة فكر‬ ‫ابف رشد نفسو‪ .cit.‬جمع‬ ‫قاموسو المصطمحات الفمسفية والمذاىب واألعالـ‪.‬‬ ‫‪ )22‬بيير بايؿ ‪ ،)1706-1647( Pierre Bayle‬مفكر وفيمسوؼ فرنسي‪ ،‬يوصؼ بأنو مف أشير الشكاؾ في القرف السابع‬ ‫عشر‪ ،‬لكف يحمؿ فكره توجيات تنويرية عديدة منيا التسامح تجاه كؿ األدياف‪ .‬ونظ اًر ألف سبينو از كاف مواطناً ىولندياً وألف‬ ‫السبينوزية بدأت تنتشر مف ىولندا‪ ،‬فقد رأت السمطات اليولندية في مطمع القرف الثامف عشر ضرورة‬ ‫اإلعالف عف اإلدانة الرسمية لمذىب سبينو از واألفكار السبينوزية‪ .‬والثاني أف ىذه القائمة ال تحتوي عمى أرسطو‪ ،‬مما يعني أف األوروبييف في ىذا العصر قد‬ ‫استطاعوا معرفة أوجو االختالؼ الدقيقة بيف ابف رشد وأرسطو‪ ،‬وأف البف رشد مذىب خاص بو‬ ‫وليس مجرد شارح ألرسطو‪ .‬ووفؽ ىذه النظرة فقد ظير ابف رشد في قاموسو عمى أنو أنكر الخمؽ الخاص لمعالـ‬ ‫والعناية اإلليية وخمود النفس الفردية‪ ،‬وىي نفس االتيامات التي وجيت لسبينوزا‪ ،‬والتي ذكرىا بايؿ‬ ‫نفسو في نفس القاموس‪ .‬‬ ‫نظر مؤرخو الفمسفة في أوروبا منذ أوائؿ عصر التنوير إلى مذىب ابف رشد عمى أنو مذىب في‬ ‫وحدة الوجود‪ ،‬وذلؾ إلى جانب الرواقية اليونانية وزينوفاف وكثير مف الفالسفة الطبيعييف قبؿ‬ ‫سقراط(‪ .‬‬ ‫ومثمما تعرضت فمسفة ابف رشد لسمسمة طويمة مف التحريمات واإلدانات مف العصور الوسطى‬ ‫عبر عصر النيضة إلى أوائؿ عصر التنوير‪ ،‬كذلؾ تعرضت فمسفة سبينو از لتحريمات شبيية بؿ‬ ‫ومتطابقة‪ ،‬مما يدؿ عمى مدى القرب بيف فمسفتييما‪ .187.)21‬وما يمفت االنتباه في ىذه القائمة ثالثة أمور؛ األوؿ أف ابف رشد ىو األخير زمنياً في‬ ‫ىذه القائمة‪ ،‬مما يعني أف تأثيره عمى مذىب وحدة الوجود في الفكر الغربي ىو التأثير األقرب‬ ‫واألقوى‪ . Jonathan.‬والثالث أف مذىب سبينو از قد اشتير ىو اآلخر عمى أنو مذىب وحدة‬ ‫الوجود وفي نفس الفترة الزمنية‪ ،‬مما يعني أف عصر التنوير كاف مدركاً لمدى القرب بيف ابف رشد‬ ‫وسبينو از وانتمائيما معا إلى مذىب واحد‪.‬والشئ الوحيد الذي لـ يذكره بايؿ ىو ىذا التطابؽ المذىؿ بيف اتيامات ابف‬ ‫رشد واتيامات سبينوزا‪ ،‬وبالتالي فمـ يعمف أف سبينو از رشدي‪ ،‬لكف ىذه ىي النتيجة المنطقية المترتبة‬ ‫عمى كؿ ىذا التطابؽ بينيما‪. op. Enlightenment Contested.‬‬ ‫وكاف ابف رشد ىو الفيمسوؼ العربي الوحيد المدرج في القاموس الفمسفي لبيير بايؿ(‪ ،)22‬وقد‬ ‫أضافو إلى طبعة ‪ .‬والحقيقة أف اإلدانات والتحريمات‬ ‫في حؽ السبينوزية عديدة ومتنوعة واستمرت فترة طويمة مف القرف الثامف عشر‪ ،‬لكف أىميا وأشمميا‬ ‫‪21‬‬ ‫‪) Israel. P.‬اشتير بقاموسو التاريخي النقدي الذي أثر عمى‬ ‫التنويرييف الفرنسييف وكاف النموذج الذي احتذاه فولتير وأصحاب الموسوعة الفرنسييف بعد ذلؾ أمثاؿ داالمبير وديدرو‪ .‬‬ ‫‪9‬‬ .

‫ىو إدانة السمطات اليولندية‪ ،‬ولذلؾ اخترناىا بالذات لعرضيا فيما يمي‪ ،‬ذلؾ ألنيا تحمؿ قرباً مذىالً‬ ‫مف الرشدية‪.cit.‬والسادسة عشر تقوؿ‬ ‫إف النعمة ليست إليية بؿ طبيعية وتتأس فى قبوؿ نظاـ الطبيعة األزلى‪ .‬‬ ‫وقد شعرت الحكومة اليولندية فى السنوات األولى مف القرف الثامف عشر أنيا يجب أف تحدد موقفيا‬ ‫مف الفمسفة السبينوزية الجديدة التى بدأ بعض المفكريف اليولندييف يعتنقونيا‪ .‬ومف بيف األفكار المحرمة التى أعمنتيا‬ ‫المجنة أف اإللو ال يفعؿ بحرية بؿ وفقاً لقوانيف طبيعتو التى ليست سوى الطبيعة المادية ذاتيا‪.‬‬ ‫‪) Israel. pp.‬والثامنة تقوؿ‪ :‬أف الحتمية الشاممة لمطبيعة تنفى المسئولية الفردية وتنكر وجود‬ ‫قانوف إليى أو إلو مشرع لإلنساف‪ .‬والنقطة السادسة تقوؿ إف النفس والبدف ليسا كيانيف مستقميف‬ ‫بؿ ىما شئ واحد‪ ،‬مما يعنى فناء النفس مع البدف وانكار وجود المالئكة والشياطيف‪ .. Radical Enlightenment.‬وبعد أف أعمنت المجنة أف‬ ‫السبينوزية ىى حركة شبو دينية تحارب العقائد والقيـ المسيحية‪ ،‬حددت النقاط التى تتعارض فييا‬ ‫السبينوزية مع الديف‪.‬وحددت‬ ‫المجنة التى سميت باسـ "لجنة زفولى" ‪ 17‬نقطة فى السبينوزية تعارض المسيحية وتشكؿ تيديداً‬ ‫لمدولة ذاتيا (‪ ،) 23‬بما أف الدولة قائمة عمى مذىب مسيحى رسمى‪ .‬‬ ‫ومف الواضح أف ىذه النقاط قريبة لمغاية مف القضايا التي حرمت مف أجميا الكنيسة فمسفة ابف‬ ‫رشد والسابؽ ذكرىا‪ ،‬وىما يمتقياف في مواقؼ واحدة مف اإللو والطبيعة والنفس اإلنسانية‪ ،‬وفي الموقؼ‬ ‫المشترؾ بيف ابف رشد وسبينو از وىو وحدة الوجود‪.‬‬ ‫بدأت السبينوزية تنتشر فى ىولندا منذ سبعينيات القرف السابع عشر‪ ،‬أى فى حياة سبينو از نفسو‪.‬ولذلؾ أنشأت لجنة‬ ‫اجتمعت فى مدينة زفولى ‪ Zwolle‬سنة ‪ 1704‬بيدؼ إدانة فمسفة سبينو از وكؿ أتباعيا‪ .‬والخامسة عشر تقوؿ إف‬ ‫ىناؾ ديف فمسفى عاـ أفضؿ مف ديف الوحى وأنو ليس ىناؾ خالص بالمسيح‪ . op.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪23‬‬ .‬وتقوؿ الثالثة عشرة أنو ليس ىناؾ وحى‬ ‫إليى وأف السمطة السياسية ىى التى تفرض الديف ومؤسساتو‪ ،‬وأف النصوص المقدسة ليس ليا أى‬ ‫سمطة أعمى مف سمطة نصوص أفالطوف وأرسطو وشيشروف وسينيكا‪ .‬وأخي اًر تقوؿ السابعة عشر‬ ‫أف كؿ شئ مباح لمحفاظ عمى الذات بما فى ذلؾ الكذب‪ .‬‬ ‫تدور النقاط الخمس األولى حوؿ مفيوـ سبينو از عف الجوىر‪ ،‬حيث إف ىذا الجوىر ىو الطبيعة‬ ‫التى تسير ذاتيا بذاتيا دوف عناية إليية‪ ،‬وأف اإللو ليس مختمفاً جوىرياً عف الطبيعة‪ ،‬وأف الحتمية‬ ‫تشمؿ الطبيعة كميا وىى خالقة لذاتيا‪ . 417-420.‬وتقوؿ النقطة الحادية عشر إف موت اإلنساف عمى األرض ىو‬ ‫نيايتو وفنائو وأنو ليس ىناؾ بعث أو حساب فى اآلخرة‪ .‬وتقوؿ النقطة‬ ‫السابعة إف الخير والشر ليسا موجوديف عمى الحقيقة بؿ ىما مجرد اختراع بشرى ىدفو الحفاظ عمى‬ ‫طاعة العامة الجاىمة‪ .

16.‬‬ ‫‪ )5‬ابن رشد مستبق عصر التنوير‪:‬‬ ‫لقد اخترنا ىذا العنواف عف قصد ونحف نعمـ أنو عنواف مقاؿ شيير لتشارلز بتروورث(‪ . pp. 6‬‬‫‪18. no.‬فقد كاف عمينا تتبع‬ ‫االتيامات والتحريمات التي أصدرتيا الكنيسة في حؽ فمسفة ابف رشد منذ القرف الثالث عشر‬ ‫ومقارنتيا باال تيامات والتحريمات الشبيية والمتطابقة التي صدرت في حؽ مذىب سبينو از في القرنيف‬ ‫السابع عشر والثامف عشر‪ ،‬وذلؾ بيدؼ الكشؼ عف الوحدة والتطابؽ بيف أفكارىما‪ . Charles: “Averroes.‬‬ ‫‪ ) 25‬يرفض بتروورث إلحاؽ ابف رشد بفالسفة التنوير‪ ،‬ويرفض وصفو بأنو تنويري‪ ،‬وبأنو مستبؽ حركة التنوير‪ ،‬وذلؾ عمى‬ ‫‪24‬‬ ‫أساس أف فالسفة التنوير المشاىير أمثاؿ فولتير وديدرو وداالمبير رفضوا اإليماف الديني كمو ولـ يعتنؽ أحدىـ النظرية الرشدية‬ ‫الشييرة حوؿ ازدواجية الحقيقة‪ .‬وال يعني ىذا‬ ‫أبداً أننا نوافؽ عمى ىذه االتيامات أو نقتنع بيا‪ . Precursor of the Enlightenment?”.‬صحيح أف‬ ‫القوؿ بقدـ العالـ ووحدة الوجود وفناء النفوس الجزئية والقوؿ بالخمود لمنفس الكمية وحدىا قد ىوجـ‬ ‫كثي اًر‪ ،‬لكف اليدؼ األساسي ليذه الدراسة ىو الكشؼ عف دور ىذه األفكار ‪ -‬التي ىي النتائج‬ ‫الفمسفية لمذىبي ابف رشد وسبينو از – في بنية وتطور فكر عصر التنوير الذي حمؿ أفكا ًار متطابقة‬ ‫مع تمؾ‪ .)24‬لكف‬ ‫في حيف أف بتروورث قد وضع ىذا العنواف في صيغة سؤاؿ عمى سبيؿ االستنكار وذىب في مقالو‬ ‫إلى أنو ال يمكف القوؿ بأف البف رشد تأثير مباشر عمى فالسفة عصر التنوير‪ ،‬فإننا نحاوؿ إثبات‬ ‫العكس التاـ بتوضيح األثر الرشدي المباشر وغير المباشر عمى عصر التنوير؛ واألثر غير المباشر‬ ‫أتى مف سبينو از أساساً(‪ .)25‬صحيح أف ابف رشد ال يمكف النظر إليو عمى أنو فيمسوؼ تنويري عمى‬ ‫‪) Butterworth.‬وما لـ ينتبو إليو‬ ‫بتروورث الجوانب األخرىة الكثيرة التي تجعؿ ابف رشد مستبؽ عصر التنوير عف جدارة ودوف منازع‪ ،‬ومنيا موقفو مف العقؿ‬ ‫والفكر العقالني‪ ،‬ونظريتو في وحدة الحقيقة التي تنفي االعتقاد في إزدواجية الحقيقة لديو‪ .‬فقد اضطررنا إلى إيراد تمؾ االتيامات اضط ار اًر‪ ،‬وال‬ ‫نريد مف القارئ أف ينظر إلييا عمى أنيا تمثؿ إدانة لمذىبي ابف رشد وسبينوزا‪ ،‬وال نريد منو أف يساير‬ ‫ىدؼ ىذه االتيامات وىو تكفير االثنيف وتبديعيما أو عمى األقؿ اتياميما باليرطقة‪ .‫ويستحؽ القارئ منا تبري اًر إليراد كؿ ىذه االتيامات السابقة لفمسفتي ابف رشد وسبينو از كطريقة‬ ‫لمدخوؿ إلى المقارنة النسقية المفصمة بينيما إلثبات التشابيات والتطابقات‪ . 1996.‬إف الخطأ الذي وقع فيو بتروورث ىو‬ ‫‪11‬‬ .‬لقد كاف عصر التنوير ىو عصر العقؿ‪ ،‬وىذا ما جعؿ األفكار‬ ‫الرشدية – السبينوزية جذابة بالنسبة ليذا العصر‪.‬كما يتمثؿ اليدؼ اآلخر مف ىذه الدراسة في توضيح أف ىذه األفكار ىي التوابع الفمسفية‬ ‫لتطبيؽ معيار العقؿ حكماً وحيداً‪ .‬ونالحظ عمى موقؼ بتروورث مف ابف رشد أف رفضو إللحاقو‬ ‫بالتنويرييف يستند عمى نقطة واحدة وىي الموقؼ مف الديف‪ ،‬واالعتقاد الخاطئ في أف ابف رشد توفيقي‪ . Alif.‬ويذىب المؤلؼ إلى أنو عمى الرغـ مف أف ىناؾ تشابياً بيف موقؼ ابف رشد وروسو مف دور‬ ‫الفالسفة في المجتمع‪ ،‬وأف لكؿ فئة اجتماعية الخطاب المناسب ليا‪ ،‬وأف الفالسفة ال يجب أف يخاطبوا العامة بالخطاب الفمسفي‬ ‫البرىاني‪ ،‬إال أف التشابو ينيار عندما نأتي إلى الموقؼ مف الديف؛ ذلؾ ألف ابف رشد في نظر المؤلؼ ىو المفكر التوفيقي بيف‬ ‫الديف والفمسفة‪ ،‬في حيف أف فالسفة التنوير لـ يكونوا توفيقييف أبداً‪ .

‬والدليؿ عمى فشؿ تعامميـ مع‬ ‫قضية العالقة بيف العقؿ والديف أف الفمسفة المثالية األلمانية التالية مباشرة عمى عصر التنوير أعادت‬ ‫إدخاؿ الديف مرة أخرى في خطابيا الفمسفي وحاولت استيعابو بعقمنتو وبإفراد جزء ىاـ لو في أنساقيا‬ ‫الفمسفية وىو فمسفة الديف‪ ،‬وأبرز األمثمة عمى ذلؾ مذاىب كانط وشاليرماخر وشمنج وىيجؿ‪.‬فالحقيقة عنده واحدة‪ ،‬لكف ىناؾ طريقتيف لمتعبير عنيا‪،‬‬ ‫الطريقة البرىانية الفمسفية والطريقة الدينية الخطابية الشعرية‪ .‫النمط األوروبي الفرنسي لمقرف الثامف عشر كما أراد بتروورث أف يثت ذلؾ‪ ،‬إال أف التأثير الرشدي‬ ‫عمى عصر التنوير األوروبي ال يمكف إنكاره أبداً فالنظر إلى ابف رشد عمى أنو فيمسوؼ تنويري عمى‬ ‫النمط الفرنسي لمقرف الثامف عشر شئ‪ ،‬والنظر إليو عمى أنو مؤثر بطريؽ مباشر وغير مباشر عمى‬ ‫فكر عصر التنوير شئ آخر‪ .‬ىذا باإلضافة إلى أف إيماف ابف رشد بالقدرة‬ ‫أنو اتخذ فالسفة التنوير الفرنسييف الراديكالييف عمى وجو الخصوص المحؾ الوحيد لعصر التنوير كمو‪ ،‬وقاس عمييـ ابف رشد‪،‬‬ ‫ووجد أنو ال يمكف أف ينضـ إلييـ‪ .‬والحقيقة أف ابف رشد قد استطاع عف‬ ‫طريؽ ىذه الفكرة التعامؿ مع إشكالية العالقة بيف الشريعة والحكمة أو الديف والفمسفة‪ ،‬أو العقؿ‬ ‫والوحي‪ ،‬بطريؽ أفضؿ بكثير مف طرؽ فالسفة التنوير الفرنسييف‪ ،‬إذ رفض األخيروف الديف جممة‬ ‫وتفصيالً وتمسكوا بالعقؿ وحده‪ ،‬ولذلؾ جاء تنويرىـ نخبوياً فمسفياً‪ .‬إف عقالنية ابف رشد ىي‬ ‫المستبقة لعقالنية عصر التنوير‪ ،‬وىي السمؼ المباشر ليا‪ .‬كذلؾ فإف موقفو الحاسـ والحازـ مف‬ ‫قضية العالقة بيف الفمسفة والديف أو العقؿ واإليماف‪ ،‬ذلؾ الموقؼ الذي لـ يقبؿ أية حموؿ وسطى‬ ‫توفيقية‪ ،‬ىو الموحي المباشر لسبينو از كما يتضح مف كتابو الشيير "رسالة في الالىوت والسياسة"‬ ‫والذي كاف لو أبمغ األثر عمى عصر التنوير‪ .‬‬ ‫‪12‬‬ .‬ىذا الموقؼ الرشدي مف العقؿ ىو‬ ‫الذي أثر عمى عصر التنوير‪ ،‬وىو الذي عاود الظيور في ذلؾ العصر‪ .‬فمف المنطقي أف يكوف المتقدـ مقياساً لممتأخر ال‬ ‫العكس‪.‬‬ ‫ىذا عالوة عمى أف بتروورث ال يزاؿ يتمسؾ بالفكرة القائمة بأف ابف ابف رشد يتبنى نظرية‬ ‫ازدواجية الحقيقة‪ ،‬والتي تنص عمى أف الحقيقة نوعيف‪ ،‬فمسفية ودينية‪ .‬ونحف نحاوؿ إثبات ىذيف النوعيف مف التأثير‪ ،‬ال أف نقيس فكر ابف‬ ‫رشد عمى مقياس فرنسي مف القرف الثامف عشر‪ .‬لكف ليست ىناؾ ازدواجية‬ ‫لمحقيقة عند ابف رشد كما سوؼ يتضح لنا‪ .‬وىذا االختزاؿ لعصر التنوير كمو في فكر ثالثة مف الفالسفة ورفض انتماء فكر ابف رشد‬ ‫إلييـ ىو في الحقيقة تبسيط مخؿ بالمسألة كميا‪.‬‬ ‫إف ما يجعؿ ابف رشد مستبقاً وحده لعصر التنوير دوف أي مف معاصريو أو الذيف تأثروا بو مف‬ ‫الوسيطييف أمثاؿ ابف ميموف وتوماس األكويني‪ ،‬ىو أنو كاف ممتزماً بالعقؿ إلى أقصى حد‪ ،‬ولـ يقبؿ‬ ‫أف يضعو في خدمة الالىوت‪ ،‬فالعقؿ لديو ىوالطريؽ الوحيد الموصؿ إلى الحقيقة‪ ،‬والحقيقة واحدة‬ ‫لديو‪ ،‬واذا ما تعارضت نصوص دينية مع العقؿ فيجب تأويميا‪ .

..‬مقدمة ومدخؿ وشروح د‪ .‬إذ قسميا إلى ثالثة أنواع‪ :‬المعرفة مف النوع األوؿ وىي المعرفة الحسية‪،‬‬ ‫‪ ) 26‬ابف رشد‪ :‬الكشؼ عف مناىج األدلة في عقائد الممة‪ .281-282‬‬ ‫‪13‬‬ .." :‬فكمما زاد الخيال قل االستعداد لمعرفة األشياء بالذىن‬ ‫الخالص‪ ،‬وعمى العكس من ذلك نجد أن من يتفوقون في الذىن ويحرصون عمى تنميتو تكون‬ ‫قدرتيم عمى التخيل أكثر اعتداالً وأقل انطالقاً‪ ،‬وكأنيا حبيسة ال تختمط بالذىن‪ ..‬وىذا ما يظير في قولو‪ .‬‬ ‫فيما يتفقاف في أف لإلنساف ثالث ممكات معرفية‪ :‬العقؿ والحس والخياؿ‪ .1224‬‬ ‫ص ‪..)27(".‫الالمحدودة لمعقؿ تجعمو المرشح األوؿ والوحيد بيف الوسيطييف ليكوف مستبؽ عصر التنوير‪ ،‬في حيف‬ ‫أف ابف ميموف واألكويني ظال يتمسكاف بالنظرية القائمة بمحدودية العقؿ وقدراتو المتناىية‪.‬والعقؿ وحده ىو الموصؿ‬ ‫إلى الحقيقة‪ ،‬والخطأ مصدره اختالط الحقيقة بخداع الحواس واييامات الخياؿ‪ .‬مركز دراسات الوحدة‬ ‫العربية‪ ،‬بيروت ‪ ،2334‬ص ‪.‬ولذلؾ أوصى بنيي العامة عف السؤاؿ في اآليات‬ ‫التي تحمؿ في ظاىرىا التشبيو والتجسيـ‪ ،‬ويورد لذلؾ أحد األسباب التي يقوؿ عنيا‪.263‬‬ ‫‪ )27‬اسبينوزا‪ :‬رسالة في الالىوت والسياسة‪ .‬ترجمة وتقديـ د‪ ...‬وألف‬ ‫الجميور يصعب عمييـ تخيؿ شئ في ال مكاف فقد صعب عمييـ تصور أف اهلل بدوف مكاف‪" :‬وال‬ ‫سيما إذا قيل‪ :‬إنو ال خارج العالم وال داخمو‪ ،‬وال فوق وال أسفل"(‪..‬لكف في حيف‬ ‫أننا نجد التمييز بيف ىذه الممكات الثالث واضحاً لدى ابف رشد‪ ،‬فإننا نجد تميي اًز إضافياً لدى سبينو از‬ ‫لما أسماه أنواع المعرفة‪ .‬محمد عابد الجابري‪ .‬دار التنوير‪ ،‬بيروت ‪.)26‬‬ ‫واذا أتينا إلى سبينو از نجده يكشؼ عف نفس الموقؼ مف الخياؿ‪ ،‬ونفس التمييز بيف العقؿ‬ ‫والخياؿ‪ .‬فؤاد زكريا‪ .‬‬ ‫‪ )1‬نظرية المعرفة‪:‬‬ ‫يتفؽ ابف رشد وسبينو از في نقطة انطالؽ أساسية وىي تحديد أنواع القدرات المعرفية لإلنساف‪.‬حسف حنفي‪ ،‬مراجعة د‪ .‬‬ ‫ثانياً – المعرفة والخطاب‪ ،‬والحقيقة والتأويل‪:‬‬ ‫سوؼ تكوف طريقتنا في تتبع التأثير الرشدي عمى عصر التنوير في كؿ موضوع نتناولو ىي‬ ‫البدء بالكشؼ عف موقؼ ابف رشد في ذلؾ الموضوع‪ ،‬ثـ العثور عمى التشابيات واالتفاقات‬ ‫والتطابقات بيف ىذا الموقؼ وموقؼ سبينوزا‪ ،‬وأخي اًر الكشؼ عف أصداء كؿ ذلؾ عمى أبرز‬ ‫التنويرييف األوروبييف‪." :‬أن الجميور‬ ‫يرون أن الموجود ىو المتخيل والمحسوس‪ ،‬وأن ما ليس بمتخيل وال محسوس فيو عدم"‪ .‬وقد ذىب ابف رشد‬ ‫إلى إرجاع االعتقاد في جسمية اهلل وتشبييو إلى سيطرة الخياؿ عمى تفكير الجميور‪ ،‬فيـ ال‬ ‫يستطيعوف تصور شئ موجود إال إذا كاف جسماً‪ .‬إن مجرد الخيال‬ ‫ال يتضمن بطبيعتو اليقين‪ ،‬عمى نحو ما تتضمنو كل فكرة واضحة ومتميزة‪ .

A102. Translated by Samuel Shirley. Translated by Norman Kemp Smith (London: Macmillan. Ethics. pp.‬وىما في ذلؾ يختمفاف معاً عف كؿ مف جعؿ لمخياؿ دو اًر معرفياً قبميما‬ ‫وبعدىما‪ ،‬فقبميما نجد الفارابي وابف سينا وأفكارىما حوؿ دور الخياؿ في تصوير الحقائؽ العقمية في‬ ‫صورة حسية (‪ ،) 29‬ومف بعدىما نجد كانط الذي ألحؽ بالخياؿ وظيفة معرفية مركزية وىي الربط‬ ‫والتوسط بيف الحدوس الحسية والتصورات العقمية والقياـ بدور المعبر وحمقة الوصؿ بينيما(‪. April 1981 (151-172). vol.‬‬ ‫أما الخياؿ فميس مصد اًر لممعرفة أصالً لدييما‪ ،‬وال يوصؿ إلى اليقيف بؿ ىو مصدر الخطأ‪ ،‬لكونو‬ ‫مختمطاً باألىواء واالنفعاالت‪ . Proposition 40. Morgan.‬‬ ‫‪Edited with introduction and notes by Michael L.2341‬ص ‪. A137/B176.‫والمعرفة مف النوع الثاني وىي المعرفة االستداللية‪ ،‬والمعرفة مف النوع الثالث وىي المعرفة الحدسية‪.122-121‬‬ ‫‪) Kant.‬وكؿ الفرؽ‬ ‫بينيما ىو في الترتيب؛ فسبينو از يرتب أنواع المعرفة حسب درجة اليقيف فييا‪ ،‬فيبدأ بالحس ثـ‬ ‫االستدالؿ العقمي منتيياً بالحدس‪ ،‬أما ابف رشد فإف المرتبة األولى في المعرفة ىي أوائؿ العقوؿ التي‬ ‫ىي المعرفة الحدسية الصادقة والتي ينبني االستدالؿ العقمي عمى أساسيا‪ ،‬وىي المسممات البدييية‬ ‫في مجاؿ المنطؽ والرياضيات‪ ،‬مف مثؿ أف الكؿ أكبر مف األجزاء‪ ،‬وأف المساوياف لثالث متساوياف‪. Critique of Pure Reason. Warren Zev: “A Portrait of Spinoza as a Maimonidean”.‬‬ ‫‪14‬‬ . A121.‬دار اآلفاؽ الجديدة‪ ،‬بيروت ‪ .‬والمعرفة‬ ‫مف النوع الثاني‪ ،‬أي االستداللية ىي ما يقابؿ البرىاف عند ابف رشد‪.‬‬ ‫‪ ) 29‬أبو نصر الفارابي‪ :‬كتاب آراء أىؿ المدينة الفاضمة‪ .‬دار المشرؽ‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة‬ ‫الثامنة‪ .‬‬ ‫ماجد فخري‪ . 19.‬قدـ لو وعمؽ عميو د‪ .1221 ،‬ص ‪223-221‬؛ أبو عمي بف سينا‪ :‬كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية واإلليية‪ .‬‬ ‫‪30‬‬ ‫‪1961). in Complete Works.‬وكانت حمقة الوصؿ بيف ابف رشد وسبينو از في ىذه‬ ‫النقطة بالذات ىي موسى بف ميموف‪ ،‬الذي تبنى نفس التمييز الرشدي في داللة الحائريف‪ ،‬وأخذه منو‬ ‫سبينو از بعد ذلؾ(‪. Journal of the History of‬‬ ‫‪Philosophy.)30‬‬ ‫كما يتفقاف كذلؾ في الذىاب إلى أف العقؿ وحده ىو القادر عمى التمييز بيف الصدؽ والكذب‬ ‫والحقيقة والوىـ‪ ،‬أما الخياؿ فيو مصدر الخطأ‪ . no. Part II.‬‬ ‫والمعرفة الحسية خاطئة وال يمكف التعويؿ عمييا‪ ،‬أما المعرفتيف االستداللية والحدسية فيما الموصالف‬ ‫إلى اليقيف‪ .‬أما أخذ سبٌنوزا لذلك التمٌٌز من موسى بن مٌمون فكان موضوع المقال التالً‪ ،‬الذي‬ ‫ٌعٌبه أنه لم ٌرد التمٌٌز إلى مصدره األصلً وهو ابن رشد‪:‬‬ ‫‪Harvey.‬ألبير نصري نادر‪ .‬‬ ‫لكف أيف ىي المعرفة مف النوع الثالث لدى سبينوزا‪ ،‬المعرفة الحدسية؟ الحقيقة أننا نجدىا أيضاً‬ ‫لدى ابف رشد وىي ما أطمؽ عميو "أوائؿ العقوؿ" في أحياف‪ ،‬ونور العقؿ في أحياف أخرى‪ .)31‬‬ ‫‪28‬‬ ‫‪) Spinoza.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫) وهذا ما أثبته ولفسون فً كتابه عن سبٌنوزا‪ . 155-161.28‬المعرفة مف النوع األوؿ (الحسية) ىي ما أطمؽ عميو ابف رشد "بادي الرأي"‪ . (Cambridge: Hackett.‬نقحو وقدـ لو د‪. 2. 2002).

‬‬ ‫واذا فحصنا فكر سبينو از نجده قد تبنى التقسيـ الرشدي لموقؼ الناس مف الديف‪ ،‬لكف مع بعض‬ ‫التعديالت الجوىرية‪ .‬ويجب‬ ‫حمؿ الشريعة عمى ظاىرىا لمجميور والجدلييف ألنيـ ليسوا مف أىؿ النظر العقمي‪ ،‬بؿ يعتمدوف عمى‬ ‫المشيورات‪ ،‬أما التأويؿ فيو خاص بالحكماء الفالسفة وحدىـ‪ ،‬لتمكنيـ مف قواعد البرىاف العقمي‪.)34‬‬ ‫والدليؿ عمى أف الناس عند سبينو از ىـ إما عامة أو فالسفة أنو يتوجو بكتابو إلى الفالسفة وال‬ ‫ييمو العامة‪ .‬ومع العمـ بأف كتاب سبينو از منشور لكؿ الناس‪ ،‬فالسفتيـ وعامتيـ‪ ،‬فإف كتابو ىذا يعد‬ ‫‪ ) 32‬ابف رشد‪ :‬فصؿ المقاؿ في تقرير ما بيف الشريعة والحكمة مف االتصاؿ‪ .‬مع مدخؿ ومقدمة تحيمية لمدكتور محمد عابد‬ ‫الجابري‪ .223‬‬ ‫‪ )33‬الكممات الموضوعة بيف ىذيف القوسيف [‬ ‫] ىي إضافة مف عندنا لتوضيح النص‪.‬أما السفسطة فيي الخطاب‬ ‫المغالط الذي ال ييدؼ إال إلى الخداع واإليياـ وايقاع الخصـ في التناقض دوف الوصوؿ إلى‬ ‫الحقيق ة‪ .‬مركز دراسات الوحدة العربية‪ ،‬بيروت ‪ .‬‬ ‫‪ ) )34‬اسبينوزا‪ :‬رسالة في الالىوت والسياسة‪ .‬فالبرىاف ىو خطاب الخاصة مف الفالسفة‪،‬‬ ‫وىو يعتمد عمى المقدمات األولية اليقينية المبرىف عمييا عقمياً‪ ،‬والجدؿ ىو الخطاب الذي ينفع مع‬ ‫العامة لكونو يعتمد عمى المقدمات المشيورة‪ ،‬والخطابة ىي خطاب العامة الذي يمجأ إلى إقناعيـ‬ ‫بالتحسيف والتقبيح والمدح والذـ اعتماداً عمى ما لدييـ مف حس أخالقي‪ .‬‬ ‫الخطابة تصمح مع الجميور وىـ ليسوا أىؿ نظر أو فكر‪ ،‬وبالتالي ال يجب أف يطمعوا عمى نتائج‬ ‫العموـ البرىانية‪ ،‬إذ ىي لدييـ كفر‪ .223‬‬ ‫‪15‬‬ .‬ومتى صرح بشئ من ىذه التأويالت إلى من ىو من غير أىميا‪،‬‬ ‫صرح بو والمصرح لو‬ ‫وبخاصة التأويالت البرىانية لبعدىا عن المعارف المشتركة‪ ،‬أفضى ذلك بالمُ ِّ‬ ‫إلى الكفر"(‪ .‬ص ‪.‬وقسـ ابف رشد مواقؼ الناس مف الشريعة ثالثة أقساـ‪ :‬جميور وجدليوف وحكماء‪ .2331‬ص ‪.‫‪ )2‬أنواع الخطاب والموقف من التصريح بالتأويل‪:‬‬ ‫أما عف أنواع الخطاب فقد تبني ابف رشد التقسيـ األرسطي لو إلى برىاف وجدؿ وخطابة‬ ‫وسفسطة وشعر‪ ،‬وأرجع كؿ خطاب إلى فئة اجتماعية‪ .‬يقوؿ ابف رشد‪" :‬وىذا التأويل ليس ينبغي أن يصرح بو ألىل‬ ‫الجدل‪ ،‬فضالً عن الجميور‪ .‬فالديف عند سبينو از موضوع مف أجؿ العامة لحمميـ عمى‬ ‫الطاعة‪ ،‬وفي ذلؾ يقوؿ‪" :‬وسأبين أن الكتاب [يقصد الكتاب المقدس بعيديو القديم والجديد] يعمم‬ ‫ىذه العقيدة [التي ىي طاعة اهلل بروح خالصة‪ ،‬بممارسة العدل واإلحسان(‪ ])33‬عمى قدر أفيام‬ ‫ومعتقدات أولئك الذين اعتاد األنبياء والحواريون تبشيرىم بكالم اهلل‪ ،‬وىو تحوط كان ضرورياً من‬ ‫أجل ضمان إيمان الناس جميعاً دون مقاومة أو تحفظ"(‪.)32‬والجدليوف أيضاً ال يجب أف يطمعوا عميو لما ينتج عف ذلؾ مف بمبمة فكرية مثؿ التي‬ ‫أحدثيا الغزالي وخاصة في كتابو "تيافت الفالسفة"‪.‬فالناس عند سبينو از صنفاف ال ثالثة كما كاف الحاؿ عند ابف رشد‪ :‬العامة‬ ‫والفالسفة‪ ،‬وال يوجد لدى سبينو از جدليوف‪ .

‬‬ ‫‪ )38‬اسبينوزا‪ :‬رسالة في الالىوت والسياسة‪ ،‬ص ‪.‬ولذلك‬ ‫فإني ال أدعو العامة أو من يسيرون عمى ىدى انفعاالتيم إلى قراءة ىذا الكتاب"(‪ .)35‬وعمى الرغـ‬ ‫مف أف سبينو از ال يدعو العامة إلى قراءة كتابو‪ ،‬إال أف مقولتو ىذه تختمؼ تماماً عف دعوة ابف رشد‬ ‫لمنع العامة مف االطالع عمى النتائج التأويمية لمعموـ البرىانية‪ ،‬ذلؾ ألف سبينو از يوجو كتابو بالفعؿ‬ ‫لجميور واسع جداً مف القراء بفضؿ انتشار الطباعة في عصره‪ ،‬ولذلؾ كاف مصيره ىو ما تنبأ بو‬ ‫ابف رشد عندما قاؿ األخير‪" :‬وأما المصرح بيذه التأويالت لغير أىميا فكافر لمكان دعائو الناس‬ ‫إلى الكفر"(‪)36‬؛ أي بسبب اعتقاد الناس فيو أنو يدعوىـ إلى الكفر وىذا غير صحيح‪ ،‬لكف كاف ىذا‬ ‫بالفعؿ ىو اعتقاد الناس في سبينوزا‪. 1224‬يقوؿ بف ميموف‪" :‬وأنا أحمؼ باهلل تعالى لكؿ مف ق أر مقالتي ىذه أف ال يشرح منيا وال كممة واحدة‬ ‫وال يبيف لغيره منيا إال ما ىو مشروح في كالـ مف تقدمني مف عمماء شريعتنا المشاىر" (ص‪" ،)21‬واف بينا ما ينبغي تبيينو‪،‬‬ ‫فذلؾ ال يميؽ بجميورالناس‪ ..‬عارضو بأصولو العبرية وترجمو وقدـ لو الدكتور حسيف أتاي‪ ..)22‬ومف الواضح لمغاية‬ ‫تطبيؽ ابف ميموف لوصية ابف رشد بحذافيرىا‪ ،‬مما يشي باستفادة ال شؾ فييا مف ابف رشد‪.‬يقوؿ سبينوزا‪" :‬إن الخرافة‬ ‫ىي أكثر الوسائل فاعمية لحكم العامة‪ .‬ونحف إنما رمنا أف نبيف معاني التأويالت وظواىر النبوة لمجميور" (ص ‪ .‬ولذلك كان من السيل باسم الدين دفع العامة تارة إلى‬ ‫عبادة المموك كأنيم آلية وتارة أخرى إلى كراىيتيم ومعاممتيم وكأنيم طامة كبرى عمى الجنس‬ ‫البشري"(‪ .‬‬ ‫كما أف سبينو از قد خرج عف تحذيرات ابف رشد‪ ،‬والتي كررىا ابف ميموف مف بعده(‪ ،)37‬مف كشؼ‬ ‫نتائج البرىاف وأسرار التأويؿ لمعامة‪ ،‬وكاف موقفو مف العامة أشد وأقسى‪ .‬مكتبة الثقافة الدينية‪،‬‬ ‫القاىرة‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ .‬إنني أعتقد أن الفالسفة يعرفون‬ ‫بالتفصيل أىم ما في ىذا الموضوع‪ .‫كشفاً لمعامة عف أسرار التأويؿ التي طالما حذر ابف رشد مف الكشؼ عنيا لمعامة‪ .)38‬صحيح أف ابف رشد قد وضع العامة في المرتبة الدنيا مف المعرفة والقدرات العقمية‬ ‫وأوصى بحمميـ عمى ظاىر النصوص وبعدـ التصريح ليـ بالتأويؿ‪ ،‬لكنو لـ يكف عنيفاً في موقفو‬ ‫معيـ صريحاً في نقدىـ مثمما نجد لدى سبينوزا‪.‬والواقع أني أعمم مدى تشبع نفوسيم باألحكام‬ ‫المسبقة [التي ىي المشيورات عند ابن رشد] التي يعتنقيا كثير من الناس باسم التقوى‪ ،‬كما أعمم‬ ‫أنو يستحيل تخميص نفوس العامة من الخرافة ومن الخوف‪ ،‬فالعناد شمتيم؛ إذ ال يحكميم العقل‬ ‫بل يسيرىم االنفعال في إصدار المدح أو الموم [وذلك ألنيم خطابيون كما ذىب ابن لرشد]‪ .223‬‬ ‫‪ ) 37‬موسى بف ميموف‪ :‬داللة الحائريف‪ .‬أما غير الفالسفة فإني أنصحيم بأال يق أروا رسالتي ىذه ألني‬ ‫ال أرى سبباً يجعمني آمل أن يحظى الكتاب بقبوليم‪ .222‬‬ ‫‪16‬‬ .‬يقوؿ سبينوزا‪:‬‬ ‫"قارئي الفيمسوف‪ ،‬ىذا ىو الكتاب الذي أضعو بين يديك‪ .224‬‬ ‫‪ )36‬ابف رشد‪ :‬فصؿ المقاؿ‪ ،‬ص ‪.‬‬ ‫‪ )35‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.

41‬‬ ‫‪ )40‬اسبينوزا‪ :‬رسالة في الالىوت والسياسة‪ ،‬ص ‪.‬‬ ‫أما عف تبرير مشروعية الفمسفة والنظر العقمي فيما يتفقاف في جانب ويختمفاف في جانب آخر‪.)40‬‬ ‫‪ )39‬ابف رشد‪ :‬فصؿ المقاؿ‪ ،‬ص ‪.‬ومف ىنا نستطيع القوؿ بأف نظرية‬ ‫الحقيقة الواحدة الرشدية والمستمرة لدى سبينو از كانت أحد أىـ األفكار التنويرية التي برزت في عصر‬ ‫التنوير‪ ،‬خاصة عمى أيدي فولتير وروسو وديدرو‪..‬وبناء عمى ذلك فقد اقتنعت‬ ‫اقتناعاً تاماً بأن الكتاب يترك لمعقل حريتو الكاممة‪ ،‬وبأنو ال يشترك مع الفمسفة في شئ‪ ،‬بل لكل‬ ‫منيما ميدانو الخاص"(‪.‫‪ )3‬حقيقة واحدة وطريقتان لمتعبير عنيا‪:‬‬ ‫يشترؾ ابف رشد وسبينو از في االعتقاد في الحقيقة الواحدة‪ ،‬مع وجود طريقتيف لمتعبير عنيا‪،‬‬ ‫الطريقة الفمسفية والطريقة الدينية‪ ..‬ومصدر الحقيقة واحد لدييما وىو نور العقؿ أو النور الفطري‪ .‬وبذلؾ فيما يختمفاف عف كؿ مف يقوؿ بالحقيقتيف ثـ يحاوؿ التوفيؽ‬ ‫بينيما‪ ،‬مثؿ الفمسفة المدرسية وعمى رأسيا ألبرت الكبير والقديس توماس األكويني‪ ،‬وكانط الذي لديو‬ ‫ىو اآلخر حقيقتيف‪ ،‬حقيقة العقؿ النظري وحقيقة العقؿ العممي‪ .‬إذ يذىب ابف رشد إلى تبرير‬ ‫التفمسؼ عف طريؽ إثبات أف الشرع نفسو يحض عمى النظر العقمي في الموجودات لموصوؿ إلى‬ ‫حكمة الصانع‪ .)39‬أما سبينو از‬ ‫فإنو ال يمجأ إلى الكتاب المقدس ليبحث فيو عف مبررات لمنظر العقمي‪ ،‬بؿ يحدد لو مجالو الذي ال‬ ‫يمكف أف يتعداه وىو أساليب مخاطبة العامة التي ليست عقمية فمسفية بطبيعتيا‪ ،‬وبالتالي ينتيي إلى‬ ‫أنو ليست لو عالقة بالفمسفة أصالً سواء بالسمب أو اإليجاب‪ ،‬يقوؿ سبينو از عف طريقة الكتاب‬ ‫المقدس في إقناع العامة‪ .‬يقوؿ ابف رشد‪" :‬واذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات‬ ‫واعتبارىا‪ ،‬وكان االعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجيول من المعموم واستخراجو منو‪ ،‬وىذا‬ ‫ىو القياس أو بالقياس‪ ،‬فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقمي"(‪ ." :‬وكل ما في األمر أن ىذه التعاليم قد عُرضت بأسموب شاعري‬ ‫واستندت إلى أقدر الحجج عمى حض عامة الناس عمى طاعة اهلل‪ .‬وكؿ الفرؽ بينيما في ىذه‬ ‫النقطة يتمثؿ في أف سبينو از قد أوؿ النبوة ذاتيا عمى أنيا ىي النور الفطري لكف الذي يقدـ نفسو‬ ‫لمنبي في صورة رمزية وحسية‪ .223‬‬ ‫‪17‬‬ .‬الطريقة الفمسفية عقمية برىانية‪ ،‬والطريقة الدينية رمزية شعرية‬ ‫خطابية‪ .‬‬ ‫فاإلثناف يتفقاف في فحص النصوص الدينية لمعثور عمى تبرير لمنظر العقمي‪ ،‬ويختمفاف في أف ابف‬ ‫رشد يبرر النظر العقمي عف طريؽ النص الديني بإثبات أف الشرع يحث عميو ويأمر بو‪ ،‬أما سبينو از‬ ‫فيقيـ فصالً حاداً بيف الخطاب الديني والخطاب العقمي الفمسفي وينتيي إلى أنو ليس ىناؾ أي صمة‬ ‫بينيما‪ ،‬مما يترؾ العقؿ ح اًر وال يجعؿ لمكتاب المقدس أي قيد عميو‪ .

2331‬المجمد األوؿ‪ ،‬ص ‪.224-223‬‬ ‫‪18‬‬ ..‬وكؿ الفرؽ أف‬ ‫سبينو از قد ىاجـ العامة ىجوماً عنيفاً في كتابو "رسالة في الالىوت والسياسة" متيماً إياىا باإليماف‬ ‫بالخرافات والخضوع لألىواء واالنفعاالت وسيطرة الطمع والخوؼ والحسد والغيرة عمييـ واالىتماـ‬ ‫‪43‬‬ ‫بالمصمحة الشخصية المباشرة( )‪ ،‬أما ابف رشد فمـ يكف عنيفاً ىكذا مع العامة‪ ،‬بؿ كاف حريصاً‬ ‫عمى التعامؿ معيـ بطريقة تحفظ سالمة المجتمع‪ ،‬ولـ يكف يستخدـ كممة "العامة" كثي اًر بؿ كاف‬ ‫يفضؿ استخداـ كممة "الجميور"‪ ..‬دار المشرؽ‪ ،‬بيروت ‪ .‬يقوؿ ابف رشد‪" :‬وأما األشياء التي‬ ‫لخفائيا ال تُعمم إال بالبرىان‪ ،‬فقد تمطف اهلل فييا بعباده الذين ال سبيل ليم إلى البرىان‪.‬‬ ‫والحقيقة أف ابف رشد وسبينو از يقيماف العامة تقييماً سمبياً ألنيا ال تستطيع أف تفيـ الحكمة نظ اًر‬ ‫لقدراتيا العقمية البسيطة‪ .862‬‬ ‫‪ )42‬ابف رشد‪ :‬فصؿ المقاؿ‪ ،‬ص ‪.‬‬ ‫ولنأخذ كانط باعتباره الفيمسوؼ األشػير‪ .223‬‬ ‫‪ )43‬اسبينوزا‪ :‬رسالة في الالىوت والسياسة‪ ،‬ص ‪.‬فالنص حسب ابف‬ ‫رشد موضوع ألفياـ العامة ويسمؾ حسب طرقيا في الفيـ‪ ،‬وبالتالي يستخدـ الرمز والتخييؿ والصور‬ ‫الحسية كي يقرب فيـ العامة مف إدراؾ الغيبيات مثؿ ذات اهلل وقدرتو وطبيعتو‪ .‬ويشترؾ معو سبينو از في ضرورة‬ ‫ترؾ العامة لفيميا الخطاب الشعري التخييمي لمنص وعدـ إقالقيا بأكثر مف ذلؾ‪ .‬وىي نفس طريقة‬ ‫سبينو از في التأويؿ‪ ..‬بأن‬ ‫ضرب ليم أمثاليا وأشباىيا‪ ،‬ودعاىم إلى التصديق بتمك األمثال إذا كانت تمك األمثال يمكن أن‬ ‫يقع التصديق بيا األدلة المشتركة لمجميع‪ ،‬أعني الجدلية والخطابية‪.)42(".‫كما أف أساس التأويؿ عند ابف رشد وسبينو از واحد‪ ،‬وىو فيـ النص بتخميصو مما فيو مف خياؿ‬ ‫ورمز‪ .‬فبعػد أف قطػع كػانط بعػدـ إمكانيػة البرىنػة عمػى وجػود الػنفس‬ ‫وروحيتيا واستقالىا عف البدف وخمودىا‪ ،‬أو عمى وجػود اهلل‪ ،‬وذلػؾ فػي "نقػد العقػؿ الخػالص"‪ ،‬عػاد فػي‬ ‫‪ )41‬ابف رشد‪ :‬تفسير مابعد الطبيعة‪ ..‬ولعؿ السبب في اعتداؿ وعقالنية ابف رشد في تعاممو مع العامة‬ ‫يرجع إلى أنو كاف قريباً منيـ بحكـ وظيفتو كفقيو وقاضي قضاة قرطبة‪.‬إذ يذىب ابف رشد في "فصؿ المقاؿ" إلى أف التعارض بيف النص الديني والعقؿ تعارض‬ ‫ظاىري‪ ،‬ويجب أف يؤوؿ النص لمتوصؿ إلى معناه الحقيقي مف خمؼ رمزيتو‪ .‬أما ابف رشد ف يعتمد عمى النظرية األرسطية في التمييز بيف الخياؿ والعقؿ (‪) 41‬؛ لكنو‬ ‫يضيؼ إلى أرسطو ربط الخياؿ بفيـ العامة والعقؿ بفيـ الفالسفة‪ .‬‬ ‫وفػػي مقابػػؿ نظريػػة الحقيقػػة الواحػػدة لػػدى ابػػف رشػػد وسػػبينو از نجػػد فػػي الفكػػر األوروبػػي فػػي‬ ‫عصر التنػوير اسػتم ار اًر لمتمسػؾ بفكػرة الحقيقتػيف‪ ،‬وأبػرز األمثمػة عمػى ذلػؾ باسػكاؿ ومػالبرانش وكػانط‪.‬نشر موريس بويج‪ .‬وكؿ الفرؽ أف سبينو از لديو نظرية مستقمة في الخياؿ وضعيا في كتابو‬ ‫"األخالؽ"‪ .‬ومعروؼ عف ابف رشد حذره مف العامة وتحذيره المتكرر مف الكشؼ عف‬ ‫التأويؿ ليـ لما فيو مف شبية الكفر‪ ،‬التي يمحقونيا بالذي يكشؼ عف التأويؿ ليـ‪ ،‬والتي تمحؽ‬ ‫بالكاشؼ ليـ عف التأويؿ ألنو يخرجيـ عف الممة بجعميـ يتشككوف‪ .

‬‬ ‫ولػذلؾ ظيػػرت فػػي فمسػػفتو حقيقتػػاف‪ ،‬حقيقػػة لمعقػػؿ النظػػرى وحقيقػػة لمعقػػؿ العممػػى‪ . Part I.‬لكػف العامػة عنػدىما‬ ‫ليس ػػت ق ػػادرة وال مؤىم ػػة الس ػػتخداـ العق ػػؿ وال لمبرى ػػاف‪ ،‬ول ػػذلؾ يق ػػدـ لي ػػا ال ػػديف الحقيق ػػة بالطريق ػػة الت ػػى‬ ‫تفيميا‪ ،‬أى بالطريقة التخيمية الرمزية الشعرية الخطابية‪ .‬‬ ‫ثالثاً – نظام الطبيعة‪:‬‬ ‫‪ )1‬الضرورة والحتمية والثبات‪:‬‬ ‫الحقيقػػة أف مػػف أىػػـ النظريػػات الرشػػدية – السػػبينوزية المػػؤثرة عمػػى عصػػر التنػػوير‪ ،‬والمسػػتمرة‬ ‫معمم ػاً أساسػػياً لػػذلؾ العصػػر‪ ،‬ىػػي نظريػػة الطبيعػػة باعتبارىػػا نظام ػاً حتمي ػاً ثابت ػاً ال يتغيػػر‪ ،‬يحػػوز فػػي‬ ‫داخمو عمػى مبػدأ حركتػو وتغيػره‪ .‬األولػػى حقيقػػة عقميػػة‬ ‫والثانيػػة حقيقػػة إيمانيػػة‪ ،‬ولكػػانط عبػػارة شػػييرة يقػوؿ فييػػا إنػػو قيػػد العقػػؿ إلفسػػاح المجػػاؿ لإليمػػاف‪ .‫"نقػػد العقػػؿ العممػػي لمتسػػميـ بكػػؿ مػػا رفػػض إمكانيػػة البرىنػػة عميػػو‪ ،‬صػػيانة لألخػػالؽ والسػػموؾ العممػػي‪.‬‬ ‫ا‬ ‫الموت)‪ .‬فقػد كانػت ىػذه النظريػة ىػي األسػاس الػذي ازدىػر منػو العمػـ الحػديث‬ ‫منذ البدايات األولى مف عصر التنوير‪ ،‬وخاصة لدى نيوتف‪.‬وكػؿ مػا يكشػؼ عنػو الػوحى عنػدىما يمكػف لمعقػؿ وحػده اكتشػافو‪ .‬ويظيػر لنػا مػف ىػذا أف عقالنيػة ابػف رشػد وسػبينو از كانػت أكثػر اتسػاقاً‬ ‫وانضباطاً‪ ،‬لكونيا تستند عمى نظرية الحقيقة الواحدة‪ ،‬أما كػانط فقػد كػرر نظريػة الحقيقتػيف الوسػيطية‪،‬‬ ‫ربما دوف وعي منو‪ ،‬كمحاولة منو لمتوفيؽ بيف ما اعتقد خطأ أنو تعارض بيف العقؿ واإليماف‪.‬ولذلؾ ارتبطت النظػرة العمميػة لػدييما بالحتميػة الطبيعيػة وقػدـ العػالـ‬ ‫ووحدة الوجود؛ وىو االرتباط الذي ظير واضحاً لدى أصػحاب وحػدة الوجػود والمؤليػة اإلنجميػز وعمػى‬ ‫رأسيـ جوف توالند وأنتوني كولينز‪.‬أما ابف رشد‬ ‫والتعارض بيف العقؿ والوحى عندىما ليس تعارضاً حقيقياً بؿ ظاىرياً يتـ القضاء عميػو بتأويػؿ الػوحى‬ ‫تأويالً عقالنياً‪ .‬‬ ‫ولـ يكف ابػف رشػد وسػبينو از ينظػراف إلػى الطبيعػة عمػى أنيػا تسػير ذاتيػا بػذاتيا‪ ،‬بػؿ عمػى أنيػا‬ ‫ٍ‬ ‫تجؿ لفاعمية اهلل الدائمة واألزلية‪ .‬كػػاف‬ ‫كانط ال يزاؿ يرى تعارضاً بيف العقؿ واإليماف‪ ،‬وربما يرجع السبب فى ذلؾ إلى الديف المسيحى الممئ‬ ‫باألس ػرار التػػى تتجػػاوز نطػػاؽ وقػػدرة العقػػؿ البشػػرى مثػػؿ التجسػػد والثػػالوث والبعػػث (بعػػث المسػػيح مػػف‬ ‫وسبينوز فيما عمى العكس منو يقػوالف بحقيقػة واحػدة وطػريقتيف لمتعبيػر عنيمػا‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪44‬‬ . Proposition XXIX.‬‬ ‫يتفؽ سبينو از مع ابف رشد في القوؿ بأف كػؿ مػا فػي العػالـ ضػروري وحتمػي ألنػو صػادر عػف‬ ‫حكمة اهلل وسنتو في خمقو‪ ،‬ولف تجد لسنة اهلل تبديالً؛ وعف ضرورة الطبيعة اإلليية‪ .‬يقوؿ سبينوزا‪" :‬ال‬ ‫شئ عارض [اتفاقي] في الكون‪ ،‬بل كل األشياء مشرروطة لموجرود والفعرل بطريقرة مخصوصرة عرن‬ ‫طريق ضرورة الطبيعة اإلليية"(‪)44‬؛ ويقوؿ أيضاً‪" :‬إن األشياء ال يمكنيرا أن ترأتي إلرى الوجرود عرن‬ ‫‪) Spinoza. Ethics.‬وليذا السبب ال نجد عند كانط تػأويالً لمػنص‬ ‫الػػدينى‪ ،‬فكػػانط لػػـ يتعامػػؿ أبػػداً مػػع النصػػوص الدينيػػة عمػػى الػػرغـ مػػف أف مؤلفاتػػو تحػػوى كتاب ػاً يسػػمى‬ ‫"الديف فػى حػدود العقػؿ وحػده"‪ .

128‬‬ ‫‪20‬‬ ....‬‬ ‫‪ ) 46‬ابف رشد‪ :‬تيافت التيافت‪ .)47‬يػػرد ابػػف رشػػد بػػذلؾ عمػػى إنكػػار األشػػاعرة والغ ازلػػي لمطبػػائع واألسػػباب وقبػػوليـ‬ ‫بػػالتجويز واالتفػػاؽ فػػي العػػالـ بحجػػة أنيمػػا يػػدالف عمػػى قػػدرة اهلل فػػي أف يفعػػؿ مػػا يشػػاء متجػػاو اًز قػوانيف‬ ‫الطبيعة‪ ..236‬‬ ‫‪ )49‬ابف رشد‪ :‬تيافت التيافت‪ ،‬ص ‪.252‬ونستطيع نحف أف نضيؼ أف الكتاب العزيز يقوؿ "فإف اهلل يأتي بالشمس مف المشرؽ فأت بيا‬ ‫مف المغرب‪ ،‬فبيت الذي كفر"‪ ،‬مما يدؿ عمى أف اهلل قد خمؽ الكوف عمى ىيئة واحدة ال تتغير‪.‬وىذا كمو إبطال لمعقل والحكمة"(‪. Proposition XXXIII.." :‬العرالم‬ ‫ليس يمكن أن يكون أصغر مما ىو أو أكبرر"(‪ .)46‬ويػذىب اف رشػد إلػى نقػد الػذيف يقولػوف بجػواز أف‬ ‫يخمؽ اهلل العالـ عمى ىيئة أخرى غيػر التػي خمقػو عمييػا‪ ،‬ويجعػؿ لػو طبػائع مختمفػة عمػا ىػي موجػودة‬ ‫فيو‪ ،‬أو يجعؿ حركة األفالؾ عكس حركتيا التي ىي عمييا‪ ،‬ويقوؿ في ذلػؾ‪" :‬وىذا كمو من فعرل مرن‬ ‫لم يفيم تمك الطبائع الشريفة‪ ،‬واألفعال المحكمة التي كونت من أجميرا‪ ،‬وشربو عمرم اهلل تعرالى بعمرم‬ ‫اإلنسرران الجاىررل"(‪ .‬مع مدخؿ ومقدمة تحميمية وشروح لممشرؼ عمى المشروع د‪ .‫طريق اإللو بأي طريقة أو أي نظام مختمف عن الرذي أترت عميرو"(‪ .‬‬ ‫‪ )48‬ابف رشد‪ :‬الكشؼ عف مناىج األدلة‪ ،‬ص ‪..)50‬ويػػرد سػػبينو از عمػػى كػػؿ ذلػػؾ بتأكيػػده عمػػى‬ ‫الض ػػرورة الطبيع ػػة والحتمي ػػة‪" :‬ال يحررردث شرررئ منررراقض لمطبيعرررة‪ ،‬فالطبيعرررة تحرررتفظ بنظرررام أزلررري ال‬ ‫يتغير‪..‬كما يدافع ابف رشد عف العقؿ والعمـ والضرورة فػي العػالـ مػف حيػث إنيػا الػدليؿ عمػى وجػود‬ ‫الصانع بقولو‪" :‬وينبغي أن تعمم أن من جحرد كرون األسرباب مرؤثرة برإذن اهلل فري مسربباتيا‪ ،‬أنرو قرد‬ ‫أبطل الحكمة وأبطل العمم‪ .2334‬ص ‪...211‬‬ ‫‪ )50‬سبينوزا‪ :‬رسالة في الالىوت والسياسة‪ ،‬ص ‪.)49‬‬ ‫ويكػػاد ىػػذا المعنػػى يتطػػابؽ مػػع مػػا ذىػػب إليػػو سػػبينو از عنػػدما نقػػد تصػػور العامػػة عػػف قػػدرة اهلل‬ ‫باعتبارىا مناقضة لقدرة الطبيعة وأنيا ال تظير إال في تعطيؿ قوانيف الطبيعة‪ .)45‬ويقػوؿ ابػف رشػد‪.‬والقول بنفي األسباب في الشاىد ليس لو سبيل إلى إثبات سبب فاعل‬ ‫فررري الغائرررب"(‪)48‬؛ كمػػا يقػػوؿ فػػي "تيافػػت التيافػػت"‪" :‬ولرررو ارتفعرررت الضررررورة عرررن كميرررات األشرررياء‬ ‫المصنوعة وكيفياتيا وموادىرا كمرا تتوىمرو األشرعرية فري المخموقرات مرع الخرالق‪ ،‬الرتفعرت الحكمرة‬ ‫الموجودة في الصانع وفي المخموقات‪ .‬يقوؿ سػبينوزا‪.‬يظرن‬ ‫العامرة أن اهلل ال يفعرل فري الطبيعرة مرا دامرت تسرير عمرى نظاميرا المعتراد‪ ،‬وبرالعكس تبطرل فاعميررة‬ ‫الطبيعة وعمميا الطبيعية عندما يفعل اهلل‪ ....‬‬ ‫‪45‬‬ ‫‪) Ibid.." :‬وىم‬ ‫[العامة] يعتقدون أن أوضح برىان عمى وجود اهلل وىو الخروج الظاىر عمى نظام الطبيعة‪ . Part I.)51(".‬وال تبدو ليم قدرة اهلل أحرق مرا تكرون باإلعجراب إال إذا‬ ‫تصرروروا قرردرة الطبيعررة وكأنيررا مقيررورة عمررى يررد اهلل"(‪ .‬محمد عابد الجابري‪ ..‬مركز دراسات‬ ‫الوحدة العربية‪ ،‬بيروت ‪ .218‬‬ ‫‪ )47‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪ .126‬‬ ‫‪ )51‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.

pp. Editor in Chief: Donald Borchert.)52‬مف سابقة تاريخية أقرب مف ابف رشد‪ .‬ال يكرون قراد ارً فرى وقرت ويكرون‬ ‫‪ )52‬جيوردانو برونو ‪ ،)1600 – 1548( Giordano Bruno‬فيمسوؼ إيطالي مف عصر النيضة‪ .1223‬ص ‪.. 1888).‬وسبينو از يتفؽ تماماً مع ابف رشد في الجمع بيف قدـ‬ ‫العالـ ووحدة الوجود في إطار غير صدوري وليس أفالطونياً محدثاً(‪. 1..‬وال نجد لجمع سبينو از بيف ىذيف الجانبيف – مع رفض لنظرية الصدور األفالطونية المحدثة‬ ‫الظاىرة لدى الفارابي وابف سينا وجيوردانو برونو(‪ .‬‬ ‫انظر أيضاً‪ :‬د‪ . Spinoza (Edinburgh & London: :‬‬ ‫‪William Blackwood & Sons.‬‬ ‫‪21‬‬ .‬واعتقاده في اليرمسية جعمو يكشؼ في فكره عف عناصر صدورية مف األفالطونية المحدثة تشابيت‬ ‫لمغاية مع فمسفتي الفارابي وابف سينا‪.60-90.‬تأثر بالفمسفة اليرمسية‬ ‫الغنوصية التي تؤمف بإمكانية اتصاؿ البشر بالقوى العميا‪ ،‬ولذلؾ اتيـ بممارسة السحر‪ . vol.‬ذلؾ‬ ‫ألف ابف رشد ىو الفيمسوؼ الوحيد الذي استطاع الجمع بيف قدـ العالـ ووحدة الوجود في مذىب‬ ‫مطور عف أرسطو مباشرة متجنباً اإلطار الصدوري األفالطوني المحدث ليذا الجمع عمى يدي‬ ‫الفارابي وابف سينا مف قبمو وبرونو مف بعده‪ .)53‬‬ ‫يقوؿ ابف رشد فى إثبات قدـ العػالـ‪" :‬وذلك أن اهلل تعالى لم يزل قاد ارً عمى الفعرل‪ ،‬فمريس‬ ‫ىاىنا ما يوجب امتناع مقارنة فعمو عمى الدوام لوجوده ‪ .‫واذا اطمعنا عمى عصر التنوير سنجد أف المممح األساسي فيو ىو االعتقػاد فػي نفػس مػا دعػا‬ ‫إليو ابف رشد وسبينو از مف ثبات لمطبيعة وقوانينيا‪ ،‬وضرورة وحتمية ىذه القوانيف‪. in: Encyclopedia of Philosophy.)2822-2682‬وبالتالي فإف ابف رشد وحده مف بيف‬ ‫الفالسفة القدماء ىو الذي كشؼ في مذىبو عف قدـ العالـ مف جية‪ ،‬ووحدة الوجود مف جية أخرى‪،‬‬ ‫ونظرية متكاممة تجمع بينيما مف جية ثالثة؛ ذلؾ ألنو ال يمكف القوؿ بقدـ العالـ إال في إطار وحدة‬ ‫الوجود‪ .‬مؤسسة حورس الدولية‪ ،‬اإلسكندرية‬ ‫‪ . 2006). John. 2nd edition‬‬ ‫‪(Detroit: Thomson Gale.‬صفاء عبد السالـ جعفر‪ :‬ميتافيزيقا الالمتناىي عند جيوردانو برونو‪ .‬وما يدفعنا نحو‬ ‫القوؿ بالتأثير األكبر والحاسـ البف رشد عمى سبينو از أف أياً مف الفالسفة الييود الذيف ق أر ليـ سبينو از‬ ‫لـ يكونوا يقولوف ال بقدـ العالـ وال بوحدة الوجود‪ ،‬مف موسى بف ميموف إلى ليفي بف جرشوـ‬ ‫(‪ )2688-2144‬وحسداي كريسكاس (‪ . pp.‬‬ ‫‪ )2‬قدم العالم ووحدة الوجود‪:‬‬ ‫كاف االعتقاد في قدـ العالـ ووحدة الوجود قاسما مشتركاً بيف ابف رشد وسبينوزا‪ ،‬وىو ما ورثو‬ ‫التنويريوف األوروبيوف مف التراث الفمسفي القديـ ومف سبينو از عمى وجو الخصوص‪ .‬وىرو ‪ .228 – 226‬‬ ‫‪ )53‬كاف االعتقاد السائد لدى الباحثيف في فكر سبينو از في القرف التاسع عشر أنو متأثر باألفالطونية المحدثة‪ ،‬كاشفاً في مذىبو‬ ‫عف عناصر صدورية‪ ،‬وأبرز مثاؿ عمى ذلؾ‪ ،‬المرجع التالي‪Caird.708 – 712.‬كاف مواجيا عنيفا لألرسطية ومدافعاً عف‬ ‫النظرة الكوبرنيقية لمكوف‪ .‬‬ ‫‪Article (Bruno).‬‬ ‫لكف بعد صدور كتاب ولفسوف سابؽ الذكر فقد تغير موقؼ الباحثيف مف االعتقاد الخاطئ في صدورية مذىب سبينوزا‪ ،‬وبدأ‬ ‫الفيـ الصحيح لو وفؽ التراث األرسطي الرشدي‪ ،‬مع إخفاء ابف رشد بقدر اإلمكاف وابراز أرسطو‪.

‬‬ ‫أما القوؿ بقدـ العالـ فميس بشرؾ عند ابف رشد‪ ،‬ألف قدـ العالـ عنػده ال يعنػى أف العػالـ شػريؾ لإللػو‪،‬‬ ‫وال يعنى كذلؾ نقصاًَ فى وحدانيػة اإللػو؛ فاإللػو يبقػى واحػداً مػع قػدـ العػالـ‪ ،‬ويبقػى العػالـ مػف صػنعو‬ ‫وابداعو مع كونو قديماً‪ ،‬وذلؾ بناء عمػى أف العػالـ ىػو فعػؿ اإللػو الػدائـ والمسػتمر واألبػدى‪ ،‬وال يمكػف‬ ‫ت ػػأخر المفع ػػوؿ ع ػػف فع ػػؿ الفاع ػػؿ‪ ،‬أى اإلل ػػو‪ .‬فػػالتوفيؽ الحقيقػػى ىػػو التوحيػػد بػػيف اإللػػو وفعمػػو‪ ،‬أى اإللػػو والعػػالـ‪ .‬ول ػػذلؾ نق ػػد اب ػػف رش ػػد فكػ ػرة ت ارخ ػػى اإلرادة عن ػػد الغ ازل ػػى‬ ‫واألشاعرة‪ .‬لكف الشرؾ الحقيقى ىو فى القوؿ بشركاء لإللو الواحػد‪ ،‬أى بػإلييف أو أكثػر‪.‬‬ ‫ويسػػتمر ابػػف رشػػد ويقػػوؿ‪" :‬واذا كرران ذلررك كررذلك‪ ،‬لررزم ضرررورة أن ال يكررون واحررد مررن أفعالررو‬ ‫األولى شررطاً فرى وجرود الثرانى‪ ،‬ألن كرل واحرد منيمرا ىرو غيرر فاعرل بالرذات‪ .‬وكرون بعضريما قبرل‬ ‫‪ )54‬ابف رشد‪ :‬تيافت التيافت‪ ،‬ص ‪.‬فمفارقة العالـ إثبات لمكانية اإللو أيضاً‪.‬أمػػا القػػوؿ بوجػػود‬ ‫عالـ منفصؿ ومختمؼ عف اإللو حتى ولو كاف محدثاً فيو نقص فى وحدانيػة اإللػو؛ ألف اإللػو الواحػد‬ ‫الحؽ ىو الذى ال يقع أى شئ خارجو‪ ،‬وال يقؼ أى شئ فى مقابمو فى تناقض معو‪ ،‬كأف يكػوف اإللػو‬ ‫قديـ والعالـ محدث‪ ،‬فكيؼ يكوف فعؿ اإللو محدثاً؟ وكأف يكوف اإللو روحياً والعالـ مادياً‪ ،‬وكأف يكوف‬ ‫اإللو مفارقاً لمعالـ وكأنو فى مكاف فوؽ العالـ أو خارجو‪ .213‬‬ ‫‪22‬‬ .‬ابػف‬ ‫رشد يتبنى مذىب وحدة الوجود عمى نحو أكثر وضوحاً مف أرسطو ومدرستو‪.‬‬ ‫وقػدـ العػالـ عنػػد ابػف رشػػد يسػير فػػي إطػار نظريػة أشػػمؿ فػي وحػػدة الوجػود‪ ،‬وىػػي فػي الحقيقػػة‬ ‫نظرية مبتعدة تماماً عف األفالطونية المحدثة‪ .‬‬ ‫والبد لنا في ىذا المقاـ أف نميز بيف قدـ العالـ عند ابف رشد وعند سابقيو‪ .‬واذا كػػاف‬ ‫ذلؾ كذلؾ فإف العالـ الذى ىو فعؿ اهلل مستمر فى الوجود وأزلى ألف فعؿ اهلل أزلى ال يتوقؼ‪.‬يقوؿ ابف رشد‪" :‬فيمزم أن تكون أفعرال الفاعرل الرذى ال‬ ‫مبرردأ لوجرروده لرريس ليررا مبرردأ كالحررال فررى وجرروده"(‪)55‬؛ أى أف أفعػػاؿ الفاعػػؿ‪ ،‬التػػى ىػػى العػػالـ‪ ،‬ال‬ ‫متناىية وقديمة‪ ،‬ألنيا أفعالو‪ .‬وال يقال إنو قادر إال فى أوقات محدودة متناىية‪ ،‬وىو موجود أزلرى قرديم"(‪)54‬؛‬ ‫أى أنو بما أف اهلل أزلى فقدرتو أيضاً أزلية‪ ،‬وألف قدرتو فاعمة عمى الدواـ فإف العالـ الصادر عف فعمػو‬ ‫موجود عمػى الػدواـ؛ وال يمكػف فػى حػؽ اهلل أف يقػدر عمػى الفعػؿ فػى أوقػات محػدودة‪ ،‬ألف ىػذا ينطػوى‬ ‫عمػى القػػوؿ بػػأف قدرتػػو ليسػت مسػتمرة عمػػى الػػدواـ بػؿ فاعمػػة فػػى أوقػػات ومتوقفػة فػػى أوقػػات‪ .213‬‬ ‫‪ )55‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.‫قاد ارً فى وقت آخر‪ .‬لكف ال يمكف التوفيؽ بيف إلو قديـ وعالـ قديـ دوف الوقوع فى القوؿ بوجود قديميف إال بناء‬ ‫عمى مذىب وحدة الوجود؛ أى بالذىاب إلى أف القديـ واحد‪ ،‬إلو وفعؿ ليذا اإللو‪ ،‬وفعؿ اإللو ىذا قديـ‬ ‫مثمػػو وىػػو العػػالـ‪ .‬كاف الفػارابي وابػف‬ ‫سػينا قػد قػػاال بقػدـ العػالـ قبػػؿ ابػف رشػػد‪ ،‬واعتػرض عمييمػا الغ ازلػػي بحجػة أف القػوؿ بقػػديميف يعػد شػػركاً‬ ‫باهلل وخروجاً عف الديف‪ .‬ىذا ىو التوحيػد بػيف اإللػو وفعمػو‪ ،‬أى اإللػو والعػالـ الػذى ىػو فعمػو‪ .

‬إف نظريػة الصػدور تػؤدى إلػى القػوؿ بتعػدد األفعػاؿ الصػادرة عػف اإللػو‪،‬‬ ‫وبأفعاؿ تصدر عػف أفعػاؿ مػف ذاتيػا‪ ،‬فػى حػيف أف ابػف رشػد يقػوؿ بفعػؿ واحػد وبعػدـ قػدرة نتػاج الفعػؿ‬ ‫عمػى إنتػػاج فعػػؿ آخػػر مػػف ذاتػػو‪ .‬‬ ‫‪ )57‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.‬‬ ‫كما يميز ابف رشػد بػيف قػدـ اهلل وقػدـ العػالـ‪ .‬يتشػابو ىػذا التمييػز مػع تمييػز‬ ‫سبينو از بيف ال تناىى الجوىر وال تناىى األحواؿ‪ .242‬‬ ‫‪23‬‬ .‫بعض ىو بالعرض"(‪ .‬يقوؿ ابف رشد‪ .‬العػالـ عنػد ابػف رشػد‬ ‫أزلى بالجنس أى فى كميتو وشمولو إذا ما اتخػذ عمػى أنػو كػؿ‪ ،‬ألنػو مػف فعػؿ اإللػو‪ ،‬وفعػؿ القػديـ قػديـ‬ ‫مثمو؛ لكنػو فػى الوقػت نفسػو حػادث بػاألجزاء‪ ،‬ألف أجػزاءه ىػى التػى تمػر بػالتغير والتحػوؿ والتبػدؿ‪ ،‬أو‬ ‫الكوف والفساد‪ .‬يقوؿ ابف رشد فى ذلؾ‪" :‬الجية التى منيا أدخل القدماء موجوداً قرديماً لريس بمتغيرر‬ ‫أصالً ليست ىى من جية وجود الحادثات عنو بما ىى حادثة‪ ،‬بل بما ىى قديمة بالجنس‪ ،‬واألحرق‬ ‫‪ )56‬المرجع السابؽ‪ :‬نفس الصفحة‪.)57‬‬ ‫يميز ابف رشد بيف األزلية بالجنس والحػدوث بػاألجزاء وىػو العػالـ عنػده‪ .‬وىػذا أيضػاً مػػا يؤكػػد نظرتنػػا لفمسػػفة ابػف رشػػد عمػػى أنيػػا وحػػدة وجػػود‪.‬‬ ‫وينفي ابف رشد الزمانية عف اإللو‪ ،‬لكنو ال ينفييا عػف العػالـ‪ ،‬ذلػؾ ألنػو يعتقػد فػي نػوعيف مػف‬ ‫األزليػػة‪ :‬األزليػػة الالزمانيػػة واألزليػػة الزمانيػػة‪ ...‬ألف نظريػػة الصػػدور ىػػى التػػى تقػػوؿ بمػػا تنك ػره عبػػارة ابػػف رشػػد‬ ‫السػػابقة‪ ،‬أى تقػػوؿ بصػػدور فعػػؿ أوؿ عػػف المبػػدأ األوؿ‪ ،‬وفعػػؿ ثػػاف يصػػدر عػػف ىػذا الفعػػؿ األوؿ‪ ،‬أمػػا‬ ‫ابف رشد فينكر صدور فعؿ أوؿ ثـ فعػؿ ثػاف عػف المبػدأ األوؿ تتابعيػاً‪ ،‬وينكػر أيضػاً صػدور فعػؿ ثػاف‬ ‫عف الفعؿ األوؿ لممبدأ األوؿ‪ ،‬ألف فعؿ الفاعؿ عنده ال يقدر عمى إيجاد فعؿ بنفسو‪ ،‬إذ أف فعؿ اإللو‬ ‫واحد ونتاج ىػذا الفعػؿ واحػد‪ .‬األزليػػة الالزمانيػػة ىػػي أزليػػة اإللػػو الثابتػػة التػػي ال يمحقيػػا‬ ‫تغير أو حركة ألنو ىو المحرؾ الذي ال يتحرؾ‪ ،‬وألنو ال يتحرؾ فال يمر عميو زماف‪ .‬قػدـ اهلل‬ ‫ليست لو عمة‪ ،‬وقدـ العالـ لو عمة‪ ،‬لكنيا ليست عمة تخرجو مف العدـ إلى الوجود ألف العالـ قديـ‪ ،‬بؿ‬ ‫ىى عمة تخرج ما فيو بالقوة إلى الفعػؿ‪ ،‬وىػى أيضػاً العمػة المحركػة لػو‪ .‬أما أزليػة العػالـ‬ ‫فيي زمانية‪ ،‬أي آتية مف الحركة الدائمة لو‪ .‬‬ ‫(قارف مع سبينو از فى قولو بأف األشياء تفعؿ باإللو)‪.‬قػدـ اهلل مػف ذاتػو وقػدـ العػالـ مػف غيػره‪ .‬ال تناىى الجوىر مواز لقدـ اهلل عنػد ابػف رشػد‪ ،‬ألف‬ ‫جػػوىر سػػبينو از بػػدوف عمػػة‪ ،‬أمػػا ال تنػػاىى األح ػواؿ فيػػو ال تنػػاىى تغيرىػػا وحركتيػػا الدائمػػة إلػػى مػػا ال‬ ‫نياية‪ ،‬وىو ليس ال تناه فى ذات األحواؿ بؿ ىو ال تناه تابع لالتناىى الجوىر‪." :‬فرإن مرن ال يسراوق وجروده الزمران‬ ‫وال يحيط بو من طرفيو يمزم ضررورة أن يكرون فعمرو ال يحريط برو الزمران وال يسراوقو زمران محردود‪،‬‬ ‫وذلك أن كل موجود فرال يتراخرى فعمرو عرن وجروده إال أن يكرون ينقصرو مرن وجروده شرئ‪ ،‬أعنرى أال‬ ‫يكون عمى وجوده الكامل"(‪.)56‬يحتػوى ىػذا الػنص عمػى نقػد لنظريػة الصػدور األفالطونيػة المحدثػة وأتباعيػا‬ ‫المسػػمميف مثػػؿ الفػػارابى وابػػف سػػينا‪ .

.251‬‬ ‫‪24‬‬ .‬والمالحػظ أف ابػف رشػد يميػز بػيف‬ ‫صػػدور الحػػادث بالػػذات عػػف سػػبب حػػادث‪ ،‬وصػػدور الحػػادث بػػالجنس عػػف سػػبب قػػديـ‪ ،‬وىػػو مػػا‬ ‫يناظر قوؿ سػبينو از بػأف سػبب الحػاؿ المتنػاىى حػاؿ متنػاىى مثمػو‪ ،‬وىػذه ىػى السػببية التجريبيػة‬ ‫الجزئية‪ ،‬أما الحاؿ المتناىى نفسػو وبػالجنس فسػببو حػاؿ ال متنػاىى لمجػوىر‪ ،‬أى لمقػديـ بتعبيػر‬ ‫ابف رشد‪..‬‬ ‫‪ -3‬ال يجػػب أف يجعمن ػا تك ػرار ابػػف رشػػد لكممػػة "صػػدور" أف نعتقػػد خط ػأً أنػػو يقػػوؿ بنظريػػة الصػػدور‬ ‫والفيض األفالطونية المحدثة‪ ،‬فابف رشد كاف مف أكثر الناقديف الرافضػيف ليػذه النظريػة‪ ،‬وعمػؿ‬ ‫ىو نفسو كثي اًر عمى تمييزىا عف فمسػفة أرسػطو بعػد أف كانػت مختمطػة بيػا فػى مػذىبى الفػارابى‬ ‫وابف سينا‪ .258‬‬ ‫‪ )59‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.‬؛ ويقوؿ أيضاً‪" :‬وجو صدور الحرادث عرن القرديم األول ال بمرا‬ ‫ىو حادث بل بما ىو أزلى بالجنس حادث باألجزاء‪ ،‬وذلك أن كل فاعرل قرديم عنردىم إن صردر عنرو‬ ‫حادث بالذات فميس ىو القديم األول عندىم ‪ .‬ووجود أجساـ جزئية حادثة عند سبينوزا‪ ،‬ال تعنػى أف العػالـ كمػو حػادث؛ والمالحػظ أف‬ ‫ىذا الػرأى األخيػر ينػاقض رأى المتكممػيف‪ ،‬معتزلػة وأشػاعرة‪ ،‬والػذاىب إلػى أف العػالـ كمػو حػادث‬ ‫بمػػا أنػػو يحػػوى أجسػػاماً حادثػػة‪ ،‬ذلػػؾ ألف ىػػذا االسػػتدالؿ‪ ،‬عػػالوة عمػػى كونػػو قياسػاً لمغائػػب عمػػى‬ ‫الشاىد‪ ،‬فيو أيضاً قياس الكؿ عمى أجزاءه‪ ،‬وىو قياس غير صحيح وفقاً لقواعد البرىاف‪.)59(".‫عندىم أن يكون ىذا المرور إلى غير نياية الزماً عن وجود فاعل قديم‪ ،‬ألن الحرادث إنمرا يمرزم أن‬ ‫يكون بالذات عن سبب حادث ‪)58(".‬فالحػدوث فػى العػالـ عنػد ابػف رشػد وعنػد سػبينو از ىػو حػدوث ال‬ ‫نيػػائى‪ .‬وتكرار كممة "صدور" فى النص الرشدى دوف أف يتبنى نظرية الفيض والصدور ىو‬ ‫مشػػابو لمػػذىب سػػبينو از الػػذى يػػدؿ ظػػاىر عبا ارتػػو خطػػأ عمػػى أف نظريتػػو فػػى الجػػوىر صػػدورية‬ ‫‪ )58‬المرجع السابؽ‪ :‬ص ‪.‬أسػػباب متناىيػػة وتنػػتج أح ػواالً‬ ‫أخرى متناىية إلى ما ال نياية‪ .‬ويقػػوؿ ابػػف رشػػد زيػػادة فػػى التأكيػػد‪" :‬ألف الحػػادث إنمػػا يمػػزـ أف يكػػوف بالػػذات عػػف سػػبب‬ ‫حادث"‪ ،‬وعبارة سبينو از الشييرة تكاد تكرر ىذه العبارة حرفياً‪ .‬‬ ‫‪ -2‬نالحػػظ فػػى قػػوؿ ابػػف رشػػد "واألحػػؽ عنػػدىـ أف يكػػوف ىػػذا المػػرور إلػػى غيػػر نيايػػة الزم ػاًَ عػػف‬ ‫وجود فاعؿ قديـ" أنو يعنى أف تػوالى وتسمسػؿ حػدوث الحادثػات يمػر إلػى مػا ال نيايػة‪ ،‬وىػو مػا‬ ‫يتط ػػابؽ م ػػع م ػػا ذى ػػب إلي ػػو س ػػبينو از م ػػف أف األحػ ػواؿ المتناىي ػػة لي ػػا (النياي ػػة تسمس ػػؿ ح ػػدوث‬ ‫الحادثػػات ي ػوازى تسمسػػؿ األح ػواؿ المتناىيػػة تسمس ػالً ال متناىي ػاً‪ ).‬فالعالـ عند سبينو از يحتوى عمى أحواؿ ال متناىية ألنيػا صػادرة‬ ‫عف صفات الجوىر الالمتناىية‪ ،‬ويحتوى كذلؾ عمى أحواؿ متناىية التػى ىػى األجسػاـ الجزئيػة‬ ‫المفردة‪ .‬نالحظ فى ىذا النص ما يمى‪:‬‬ ‫‪ -1‬تميي ػػز اب ػػف رش ػػد ب ػػيف الق ػػديـ ب ػػالجنس الح ػػادث ب ػػاألجزاء ين ػػاظر تميي ػػز س ػػبينو از ب ػػيف األحػ ػواؿ‬ ‫الالمتناىية واألحواؿ المتناىية‪ .

‬وترجػع كػؿ‬ ‫النظريػػات الماديػػة األوروبيػػة لم ػػنفس إلػػى سػػبينوزا؛ ونح ػػف فيمػػا يمػػي نريػػد وض ػػع يػػدينا عمػػى األص ػػوؿ‬ ‫الرشػػدية لنظريػػة سػػبينو از فػػي الػػنفس؛ فيػػذه ىػػي الطريقػػة المثمػػى لرصػػد األثػػر غيػػر المباشػػر البػػف رشػػد‬ ‫عمى عصر التنوير األوروبي‪.‬‬ ‫‪25‬‬ .‬وكانػت النظػرة الماديػة لمػنفس اإلنسػانية مممحػاً‬ ‫أساسياً لعدد مػف فمسػفات التنػوير‪ ،‬أىميػا فمسػفات كونػدياؾ وديػدرو وىمفشػيوس وداالمبيػر‪ .‬‬ ‫رابعاً – النفس والبدن‪:‬‬ ‫نظرية ابف رشد في النفس مادية‪ ،‬لكونو لـ يفصػؿ بينيػا وبػيف البػدف‪ .‬فقػػد فيمػػت ميتافيزيقػػا سػػبينو از عمػػى أف صػػدورية عمػػى شػػاكمة األفالطونيػػة‬ ‫المحدثة مف قبؿ الكثير مف الشراح األوروبييف‪.‬ومعػروؼ عػف سػبينو از نفػس‬ ‫النظرة لمنفس ونظريتو الشييرة في وحػدة الػنفس والبػدف‪ .‫وىػػى ليسػػت كػػذلؾ‪ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful