‫نظرات في سورة الحُجُرات‬

‫تأليف‬
‫محمّد محمُود الصوّاف‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة الحلقة الثالثة من المكتبة القرآنية‬
‫محمد محمود الصواف‬

‫اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪.‬ولك الشكر على نعمائك وفضلك وإحسانك‪.‬‬

‫الل هم إج عل التقوى زاد نا ‪ .‬وإج عل الج نة مآب نا‪.‬وأرزق نا شكرا يرض يك ع نا‪,‬وور عا يجز نا عن معا صيك ‪ ,‬وألهم نا ال صواب‬

‫والسداد في فهم كتابك الذي أنزلته نورا وضياء وشفاء للمتقين‪ ,‬ودستورا ونظاما محكما وهداية للعالمين ‪ ,‬والذي هو عصمة لمن‬
‫تم سك به‪ ,‬ونجاة ل من إتب عه‪.‬و صل و سلم – يا رب نا – على خ ير خل قك‪ ,‬و سيد ر سلك " مح مد " المبعوث رح مة للناس كا فة بشيرا‬
‫ونذيرا‪ ,‬وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين‪ .‬وبعد ‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫فهذه الحلقة الثالثة من " المكتبة القرآن ية " ال تي بدأت بعد التوكل على ال العلي الكبير إصدارها ونشرها ب ين الناس رجاء‬

‫النتفاع ب ها أو ال ستفادة من ثمرات هذا القرآن العظ يم ‪ ,‬الذي جعله ال م صدر عز هذه ال مة‪ .‬وينبوع خير ها وفضل ها ومجد ها‪,‬‬
‫وحياتها‪ .‬فهي بخير ما دامت راعية لكتاب ال ‪ ,‬محتفظة بآدابه وأحكامه وأوامره ونواهيه‪ .‬فهو قمة المجد فيها ‪ ,‬وهو العلم الهادي‬

‫‪ ,‬ينير لها دروب الحياة ‪ ,‬ويسلك بها إلى أقوم طريق ‪ ,‬وأهدى سبيل‪ .‬وسوف أكون بعون ال في سيري بإخراج هذه السلسلة من‬

‫المكتبة القرآنية كساع في حديقة غناء تسر الناظرين يبتهج فيها بما يرى من عظيم صنع ال عز وجل بما أصابها من وابل وإن لم‬
‫يصبها وابل فطل‪ .‬ثم يشتهي أن يرى الناس ما رأى ‪ ,‬فيقتطف من كل غصن من كتاب ال زهرة فواحة ندية عطرة ويجمع منها‬

‫باقة من الزهور متناسقة الشموس والبدور ‪.‬‬

‫أو كداخل جنة ملتفة الغصان وارفة الظلل ‪ ,‬عظيمة الثمار ‪ .‬يتفيء ظللها ‪ ,‬ويأكل من ثمارها ثم يتمنى أن يشاركه الناس‬

‫في هذا الخير فيجني من كل غصن ثمرة ‪ ,‬ومن كل شجرة فاكهة شهية طرية بهية ‪ ,‬ثم يقدمها هدية هنيئة مريئة إلى إخوانه الذين‬

‫سرتهم هذه السلسلة من المكتبة القرآنية وفرحوا بها وشجعوها في حلقتيها الولى والثانية فجزاهم ال أوفر الجزاء وأجزله ‪.‬‬

‫وفي هذه الحلقة الثالثة وددت أن أقدم لخواني القراء سورة قرآنية معجزة بلفظها ومعناها ‪ ,‬وهي مبهجة ومنجية لمن أخذ‬

‫بها وعمل بما فيها ‪ ,‬وهي من السور المبار كة المليئة بالداب العال ية‪ .‬والخلق السامية ‪ ,‬والمثل النيرة التي تقود النسانية إلى‬
‫الكمال والعلياء ‪ ,‬إنها سورة " الحجرات " وسميت الحلقة ‪ " :‬نظرات في سورة الحجرات "‪.‬‬

‫ولعل من المفيد النافع أن ألخص وأجمل هنا أهم الغراض التي إشتملت عليها هذه السورة العظيمة ‪.‬‬
‫ففي هذه السورة بيان للداب مع ال عز وجل والدب مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وفيها آداب عامة لتعامل المسلمين بعضهم مع البعض الخر‪.‬‬

‫وهذه السورة قررت الحرية الشخصية للمسلم داخل بيته ‪ ,‬حتى ل يباح لحد أن ينقب عنه‪ .‬إذ أن بيت الرجل حصن له‪ .‬ل‬

‫يدخله أحد إل بإذنه ‪.‬‬

‫وفي هذه السورة حفظ للمسلم عرضه في غيبته وحضوره‪.‬‬

‫كما فيها النهي عن التفاخر بالنساب ‪ ,‬والنهي عن فعل الجاهلية الولى‪ ,‬وفيها طلب التثبت في الخبار وعدم السراع في‬
‫تصديق أنباء الفاسقين‪.‬‬

‫وفيها التنبيه والتوجيه من ال عز وجل للمؤمنين إلى طريق المجد الحقيقي في الدنيا والخرة‪ .‬كما حث ال فيها على العمل‬

‫حتى جعلت العمال جزءا من اليمان ‪.‬‬

‫وفي هذه السورة ندب للمسلم أن يكون معوانا على الحق ‪ ,‬نصيرا له ولهله ‪ ,‬يدفع الظالمين ‪ ,‬ويقف في صف المظلومين‬

‫حتى ينصفوا إنصافا كامل ‪.‬‬

‫وفمي سمورة الحجرات الدعوة إلى الجهاد بالنفمس وبالمال فمي سمبيل نصمرة الحمق وإعلء كلممة ال ‪ .‬ونحمن أممة مجاهدة‬

‫والجهاد ماض فينا إلى يوم القيامة ‪ .‬وما غزي قوم في عقر دارهم إل ذلوا ‪.‬‬

‫وهذه السورة الجليلة ‪ ,‬ذات الثمانية عشرة آية تعتبر من عظائم السور القرآنية ‪ .‬حيث تضع للمسلم أروع المثل النسانية‬

‫العليما فمي الخلق والداب ‪ ,‬والعمال والمعاملت وهمي جديرة بالدراسمة ‪ ,‬حريمة بالفهمم وإمعان النظمر ‪ .‬لمما فيهما ممن كنوز هذا‬
‫القرآن العظ يم ‪ .‬وحا جة أمت نا إلى آداب هذه ال سورة تبرز اليوم ‪ .‬وال مة ال سلمية تجتاز أخ طر مح نة في حيات ها الطويلة ‪ .‬ف قد‬

‫تكالبت عليها دول الكفر والضلل ‪ .‬وأطلقت عليها عميلتها القذرة دولة الغدر والخيانة والظلم والفساد إسرائيل ‪ ,‬تلك المة اليهودية‬
‫الخا سئة ال تي لعنت ها الرض وال سماء ‪ ,‬وجاء لعن ها في أر بع ك تب سماوية ك ما قال إ بن عباس ر ضي ال عنه ما‪ .‬إذ ل عن ال ب ني‬

‫إسرائيل في التوراة والنجيل والزبور والقرآن ‪.‬وهي أهل اللعن لنها أمة تسعى في الرض فسادا ‪ .‬فعليها وعلى من والها وأيدها‬
‫مثل هذه اللعنة إلى يوم الدين ‪ .‬وما علمت هذه الدولة الكافرة هي ومن شايعها ‪ ,‬إن قوة ال هي أكبر من قوتها ‪ ,‬وبطش ال أقوى‬
‫من بطشها ‪ ,‬وأننا بإذن ال مهما طال المد ‪ ,‬فالنصر لمتنا و ديننا ‪ ,‬والهزيمة الكيدة والدمار المحقق ‪ ,‬لسرائيل المجرمة ومن‬

‫‪2‬‬

‫أيدها و ناصرها من دول الكفر‪ .‬فأمة القرآن لن تغلب ‪ ,‬وأمة السلم لن تقهر ‪ ,‬ما دام ال معها ‪ ,‬وما دامت هي مع ال ‪ .‬وإن كان‬

‫الدهر قد كبابها يوما ‪ .‬فإن عهد هذه الكبوة قد إنتهى وبدأ برعاية ال عهد النصر والوحدة والنهوض ‪ ,‬فإلى القرآن من جديد أيها‬
‫المسلمون ‪ .‬فالنصر لنا من ربنا وال معنا ولن يترنا أعمالنا ‪ ,‬وال غالب على أمره ولكن أكثر الناس ل يعلمون ‪ ,‬والجهاد الجهاد‬

‫ف هو سنام ال سلم ‪ ,‬و هو طر يق الم جد والعزة والكرا مة ‪ ,‬وال يقول ال حق و هو يهدي ال سبيل ‪ ,‬و صلوات ال و سلمه على إمام‬
‫المجاهدين وقائد الغر المحجلين ‪ ,‬محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ‪.‬‬

‫مكة المكرمة‬
‫محمد محمود الصواف‬

‫نظرات في سورة الحجرات‬
‫سورة الحجرات من السور القرآنية المعجزة بلفظها ومعناها ‪ .‬وهي من السور المدنية ‪ ,‬التي تنزل بها الوحي المين على‬

‫ال نبي الكر يم صلى ال عل يه و سلم و هو في المدي نة المنورة م ستقر الن صار ‪ ,‬ومها جر ر سول ال ‪ ,‬ومنطلق الدعوة ال سلمية‬
‫والخلفة الراشدة ‪ ,‬وموئل المهاجرين ‪ .‬ومأزر اليمان والمؤمنين ‪ .‬وسورة الحجرات ‪ ,‬مليئة بالداب العالية ‪ ,‬والخلق السامية ‪,‬‬
‫والمثل النيرة التي تقود النسانية إلى العلياء والكمال ‪ ,‬والحصافة والسماحة والجمال ‪.‬‬
‫أهم أغراض السورة‬

‫وفي سورة الحجرات بيان للدب مع ال عز وجل ‪ ,‬والدب مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وفيها آداب عامة لتعامل‬
‫المسلمين بعضهم مع البعض الخر ‪ .‬وقد إشتملت هذه السورة على أروع المثل السلمية والنسانية ‪.‬‬

‫وفي هذه السورة قررت الحرية الشخصية للمسلم داخل بيته ‪ ,‬حتى ل يباح لحد أن ينقب عنه ‪ .‬إذ أن بيت الرجل حصن له‬

‫‪ ,‬ل يدخله أحد إل بإذنه ‪.‬‬

‫وفي هذه السورة حفظ للمسلم عرضه في غيبته وحضوره ‪ .‬وفيها النهي عن التفاخر بالنساب ‪ ,‬والنهي عن فعل الجاهلية‬

‫الولى ‪.‬‬

‫وفيها طلب التثبت في الخبار وعدم السراع في تصديق أخبار الفاسقين ‪.‬‬

‫وفيها التنبيه والتوجيه من ال عز وجل للمؤمنين إلى طريق المجد الحقيقي في الدنيا والخرة ‪ .‬كما حث ال فيها على العمل‬

‫‪ .‬حتى جعلت العمال جزءا من اليمان تنويها بما لها من الشأن عند ال تبارك وتعالى في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫وفي هذه السورة ندب للمسلم أن يكون معوانا على الحق ‪ ,‬نصيرا له ولهله ‪ ,‬يدفع الظالمين ‪ ,‬ويقف في صف المظلومين ‪,‬‬

‫حتى ينصفوا إنصافا كامل ‪.‬‬

‫وفي السورة دعوة إلى الجهاد بالنفس والمال في سبيل نصرة الحق وإعلء كلمة ال عز وجل ‪.‬‬

‫والخل صة ‪ :‬إن سورة الحجرات ذات الثما ني عشرة آ ية من اليات ‪ ,‬من عظام ال سور القرآن ية ‪ ,‬ال تي ت ضع للم سلم أروع‬

‫المثل النسانية العليا ‪ ,‬في الخلق ‪ ,‬في الداب ‪ ,‬والعمال ‪ ,‬والمعاملت ‪ .‬وهي جديرة بالدراسة ‪ ,‬حرية بالفهم والنظر إلى ما فيها‬
‫من كنوز هذا القرآن العظ يم ‪ ,‬الذي أنزله ال رح مة للعالم ين ‪ .‬والذي ل يأت يه البا طل من ب ين يد يه ول من خل فه تنز يل من حك يم‬

‫حميد ‪.‬‬
‫أسباب النزول‬
‫ذ كر المف سرون أ سبابا متعددة لنزول هذه ال سورة ‪ ,‬وكل ها تلت قي ع ند مع نى وا حد ‪ .‬بل ذكروا أ سبابا خا صة ليات في هذه‬

‫السورة نزلت من أجل تلك السباب ‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫قال المام الواحدي الني سابوري المتو فى سنة ‪ 468‬في كتا به "ا سباب النزول "‪ :‬عن ا بن أ بي ملي كه أن ع بد ال ا بن الزب ير‬

‫أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقال أبو بكر ‪ :‬أمر القعقاع بن معبد ‪ .‬وقال عمر ‪ :‬بل أمر‬
‫القرع بن حابس‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬ما أردت ال خلفي ‪ .‬وقال عمر ‪ :‬ما أردت خلفك ‪ ،‬فتحاربا حتى ارتفعت أصواتهما ‪ .‬فنزلت أوائل‬

‫هذه السورة ‪.‬‬

‫و في روا ية أخرى قال ا بن أ بي ملي كه ‪ :‬كاد الخيران أن يهل كا ‪ :‬أ بو ب كر و ع مر رف عا أ صواتهما ع ند ال نبي صلى ال عل يه‬

‫وسلم ‪ ،‬حين قدم عليه ركب بني تميم ‪ ،‬فأشار أحدهما بلقرع بن حابس وأشار الخر ‪ ،‬برجل آخر ‪ ،‬فقال أبو بكر لعمر ‪ :‬ما أردت‬
‫ال خل في ‪ ،‬وقال ع مر ‪ :‬ما أردت خل فك ‪ .‬وارتف عت أ صواتهما في ذلك ‪ .‬فأنزل ال تعالى ‪" :‬ل ترفعوا أ صواتكم فوق صوت ال نبي‬
‫…‪ ".‬وقال ا بن الزب ير ‪ :‬فما كان عمر بعد ذلك يسمع كل مه ع ند رسول ال صلى ال عل يه وسلم بعد هذه اليه حتى ي ستفهمه ‪.‬‬

‫وعن مخارق عن طارق ‪ ،‬عن أبي بكر قال ‪ :‬لما نزلت على النبي صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ان الذين يغضون أصواتهم عند رسول‬

‫ال "‪ .‬آليت على نفسي أن ل أكلم رسول ال ال كأخي السرار ‪.‬‬
‫قصة المفاخره‬

‫وذكر الوقدي نفسه رحمه ال عن جابر بن عبد ال قال ‪ :‬جاء بنو تميم الى النبي صلى ال عليه وسلم فنادوا على الباب ‪:‬‬
‫يا محمد اخرج الينا ‪ ،‬فان مدحنا زين ‪ ،‬وان ذمنا شين ‪ ،‬فسمعهم النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فخرج عليهم وهو يقول ‪ :‬انما ذلكم‬

‫ال الذي مد حه ز ين ‪ ،‬وذ مه ش ين ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ن حن ناس من ب ني تم يم جئ نا بشاعر نا و خطيب نا نشاعرك ونفاخرك ‪ ،‬فقال رسول ال‬
‫صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬ما بالش عر بع ثت ‪ ،‬ول بالفخار أمرت ‪ ،‬ول كن هاتوا ‪ ،‬فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبان هم ‪ :‬قم فاذ كر‬

‫فضلك وفضل قومك ‪ ،‬فقام فقال ‪ :‬الحمد ل الذي جعلنا خير خلقه ‪ ،‬وآتانا أموال نفعل فيها ما نشاء ‪ ،‬فنحن من خير أهل الرض‬
‫ومن أكثرهم عدة ‪ ،‬ومال وسلحا ‪ ،‬فمن انكر علينا قولنا فليأت بقوا هو أحسن من قولنا ‪ ،‬وفعال هي خير من فعالنا ‪ ،‬فقال رسول‬

‫ال صملى ال عليمه وسملم لثابمت بمن قيمس بمن شماس وكان يلقمب بخطيمب رسمول ال ‪ :‬قمم فأجمب فقام فقال ‪ :‬الحممد ل ‪ ،‬أحمده‬
‫وأسمتعينه و أوممن بمه ‪ ،‬و أتوكمل عليمه ‪ ،‬وأشهمد أن ل اله ال ال وحده ل شريمك له ‪ ،‬وأشهمد ان محمدا عبده ورسموله ‪،‬دعما‬
‫المهاجرين والنصار من بني عمه ‪ ،‬أحسن الناس وجوها ‪ ،‬وأعظمهم أحلما ‪ .‬فأجابوا ‪ :‬فالحمد ل الذي جعلنا أنصاره ‪ ،‬ووزراء‬

‫ر سوله ‪ ،‬وعزا لدي نه ‪ ،‬فن حن نقا تل الناس ح تى يشهدوا أن ل اله ال ال ‪ ،‬ف من قال ها م نع م نا نف سه وماله ‪ ،‬و من أبا ها قتلناه ‪،‬‬

‫وكان رغمه من ال تعالى علينا هينا ‪،‬أقول قولي هذا وأستغفر ال للمؤمنين و المؤمنات ‪.‬‬

‫فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبانهم قم يا فلن فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك فقام الشاب فقال ‪:‬‬
‫نحن الكرام فل حي يفاخرنا‬

‫فينا الرؤؤس وفينا يقسم الربع‬

‫ونطعم الناس عند القحط كلهم‬

‫من السرف اذا لم يؤنس القزع‬

‫اذا أبينا فل يأبى لنا أحد‬

‫انا كذلك عند الفخر نرتفع‬

‫قال ‪ :‬فأرسل رسول ال صلى ال عليه وسلم الى حسان بن ثابت ‪ .‬فانطلق اليه الرسول ‪ .‬فقال ‪ :‬وما يريد مني وقد كنت‬

‫عنده ؟ قال ‪ :‬جاءت بنو تميم بشاعرهم و خطيبهم ‪ ،‬فأمر رسول ال صلى ال عليه وسلم ثابت بن قيس فأجابهم وتكلم شاعرهم ‪،‬‬
‫فأرسل اليك تجيبه ‪ ،‬فجاء حسان فأمره رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يجيبه فقال حسان ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫نصرنا رسول ال والدين عفرة‬

‫على رغم سار من معد و حاضر‬

‫ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى‬

‫اذا طاب ورد الموت بين العساكر‬

‫ونضرب هام الدراعين وننتمي‬

‫الى حسب من جرم غسان قاهر‬

‫فلول حياء ال قلنا تكرما‬

‫على الناس بالحقين هل من مفاخر‬

‫فأحياؤنا من خير من وطىء الحصى‬

‫وأموالنا من خير أهل المقابر‬

‫قال ‪ :‬فقام القرع بن حابس فقال ‪:‬‬
‫اني وال لقد جئت لمر ما جاء له هؤلء ‪ ،‬وقد قلت شعرا فاسمعه ‪ ،‬فقال ‪ :‬هات ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا‬

‫اذا فاخرونا عند ذكر المكارم‬

‫وانا رؤؤس الناس من كل معشر‬

‫وأن ليس في أرض الحجاز كوارم‬

‫وأن لنا المرباع في كل غارة‬

‫تكون بنجد أو بأرض التهائم‬

‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫قم يا حسان فأجب ‪ ،‬فقال ‪:‬‬

‫بني دارم ل تفخروا ان فخركم‬

‫يعود وبال عند ذكر المكارم‬

‫هبلتم علينا تفخروا وأنتم‬

‫لنا من بين ظئر و خادم‬

‫وأفضل ما نلتم من المجد والعلى‬

‫ودافتنا من بعد ذكر الكارم‬

‫فان كنتم لحقن دمائكم‬

‫وأموالكم أن تقسموا في المقاسم‬

‫فل تجعلوا ل ندا واسلموا‬

‫ول تفخروا عند النبي بدارم‬

‫وال ورب البيت مالت أكفنا‬

‫على هامكم بالمرهفات الصوارم‬

‫قال‪:‬‬

‫فقام القرع بن حا بس فقال ‪ :‬ان محمدا المولى ‪ ،‬ا نه وال ما ادري ما هذا ال مر ‪ ،‬تكلم خطيب نا فكان خطيب هم أح سن قول ‪،‬‬
‫وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر من شاعرنا‪ ،‬ثم دنا من النبي صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬أشهد أن ل اله ال ال ‪ ،‬وأنك رسول‬

‫ال ‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما نصرك ما كان قبل هذا ‪ ،‬ثم أعطاهم رسول ال صلى ال عليه وسلم وكساهم وارتفعت‬
‫ال صوات وك ثر اللغط ع ند رسول ال ‪ ،‬فأنزل ال هذه الى يه ‪" :‬ل ترفعوا أ صواتكم فوق صوت ال نبي ‪ ،‬الى قوله ‪-‬وأ جر عظ يم " –‬
‫وقد أجزل لهم النبي صلى ال عليه وسلم العطاء وأكرمهم فأسلموا ‪.‬‬
‫قصة وحديث لثابت بن قيس‬

‫ق صة في ها عبرة وذكرى بهذا ال صحابي الجل يل ‪ ،‬وك يف كان يتأ ثر بالقرآن ‪ .‬وثا بت هذا ‪ :‬هو ثا بت بن ق يس بن شماس‬
‫الخزرجي يكنى أبا محمد ‪ ،‬وكان خطيبا بليغا معروفا بذلك ‪ ،‬وكان يقال له خطيب رسول ال صلى ال عليه وسلم ؛كما يقال لحسان‬

‫شاعر رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬

‫والقصة ذكرها المام القرطبي رحمه ال في تفسيره قال ‪ :‬وقال عطاء الخراساني ‪ :‬حدثتني ابنة ثابت بن قيس قالت ‪ :‬لما‬

‫نزلت ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الية ‪ :‬دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه ؛ ففقده النبي صلى ال‬

‫‪5‬‬

‫عليه وسلم فأرسل اليه يسأله ما خبره ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنا رجل شديد الصوت ؛ أخاف أن يكون حبط عملي ‪.‬فقال عليه السلم ‪" :‬لست منهم‬
‫‪ .‬بل تعيش بخير وتموت بخير " ‪ .‬قال " ثم أنزل ال ‪ " :‬ان ال ل يحب كل مختال فخور" فأغلق بابه وطفق يبكي ؛ ففقده فأرسل‬

‫النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬اني أحب الجمال وأحب أن أسود قومي ‪ .‬فقال ‪ :‬لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل‬
‫شهيدا وتدخل الجنة " ‪ .‬قالت ‪ :‬فلما كان يوم اليمامة ‪ ،‬خرج مع خالد بن الوليد الى مسيلمة فلما التقوا انكشفوا ‪ ،‬فقال ثابت وسالم‬

‫مولى أبي حذيفه ‪ :‬ما هكذا كنا نقاتل مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ثم حفر كل واحد منهما له حفرة فثبتا وقاتل حتى قتل ؛‬

‫وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة ؛ فمر به رجل من المسلمين فأخذها ؛ فبينا رجل من المسلمين نائم أناه ثابت في منامه فقال له "‬
‫أوصيك بوصيه " فاياك أن تقول هذا حلم فتضيعه ؛ اني لما قتلت أمس ‪ ،‬مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى‬
‫الناس ‪ ،‬وعنمد خبائه يسمنن فمي طوله ‪ ،‬وقمد كفمأ على الدرع برممة ‪ ،‬وفوق البرممة رحمل ؛ فات خالدا ‪ ،‬فمره أن يبعمث الى درعمي‬

‫فياخذ ها ‪ ،‬واذا قد مت المدي نة على خلي فة ر سول ال صلى ال عل يه و سلم _ يع ني أ با ب كر _ ف قل له ‪ :‬ان علي من الدينكذا وكذا ‪،‬‬

‫وفلن من رفيقي عتيق وفلن ؛ فأتى الرجل خالدا فأخبره ؛ فيعث الى الدرع فأتى بها ‪ .‬وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ول نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس رحمه ال ‪ .‬أبو عمر في الستيعاب "‪.‬‬

‫وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي صلى ال عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل ‪ :‬يا رسول ال ؛ أنا أعلم‬

‫لك علمه ؛فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه ؛ فقال له ‪ :‬ما شأنك ؟ فقال ‪ :‬شر ! من كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى‬

‫ال عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل النار ‪ .‬فأتى الرجل النبي صلى ال عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا ‪ .‬فقال موسى ‪:‬‬
‫فرجع اليه المرة الخرة ببشارة عظيمه ؛ فقال ‪ :‬أذهب اليه فقل له ‪ :‬وانك لست من أهل النار ‪ .‬ولكنك من أهل الجنة "‪.‬‬
‫رحم ال ثابتا الشهيد البطل و أأسكنه الجنة وسائر صحابة رسول ال الكرام ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين ‪.‬‬
‫الشرح والتفسير والبيان‬

‫قال ال تبارك وتعالى في أول سورة الحجرات ‪:‬‬
‫"يا أيها الذين آمنوا ل تقدموا بين يدي ال ورسوله ‪ ،‬واتقوا ال ان ال سميع عليم "‪.‬‬

‫من المعروف أ نه كان ع ند العرب جفاء وغا ظة ‪ .‬وشدة في الحد يث وال سلم العظ يم ان ما جاء ليب عث فيهم مكارم الخلق ‪.‬‬
‫ويربيهم ومن آمن به من المم ‪ .‬على الكمالت النسانيه والفضائل العليا السامية ‪ .‬وهذه الية من تلك اليات القرآنيه التي رسمت‬

‫ل هم طريق الهدي والرشاد ‪ .‬وفي ها بيان للدب الرفيع ‪ ،‬أدب ال به عباده المؤمن ين في ما يجب أن يعاملوا به رسوله الم ين محمدا‬
‫صلى ال عليه وسلم من التوفير ‪ ،‬والتبجيل ‪ ،‬والحترام ‪ ،‬والكرام ‪ .‬فناداهم وقال لهم ‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل تقدموا بين يدي ال‬

‫ورسوله "‪ .‬فهي أمر بمكارم الخلق ‪ ،‬ورعاية أدب الخطاب ‪ ،‬مع أشرف مخاطب ‪ ،‬وأنبل انسان ‪ ،‬وأكرم رسول ‪ ،‬وخير العالمين ‪،‬‬
‫وسيد المصطفين الخيار‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ :‬ل تقدموا ب ين يدي ال ور سوله ‪ :‬أي ‪ :‬ل ت سرعوا في الشياء ب ين يد يه ‪ .‬أي ‪ :‬قبله ‪ .‬بل كونوا تب عا له في‬

‫جميع المور وفي كل الحالت ‪.‬‬

‫قال ابمن عباس رضمي ال عنمه ‪ " :‬ل تقدموا بيمن يدي ال ورسموله " ‪ .‬ل تقولوا خلف الكتاب والسمنة ‪ .‬وقال الضحاك‪ :‬ل‬

‫تقضو أمرا دون ال ورسوله من شرائع دينكم ‪.‬‬

‫وقال الراغمب ‪ :‬ل تسمبقوا بالقول والحكمم ‪ .‬بمل افعلوا مما يرسممه لكمم ‪ ،‬كمما همو شأن عباده المكرميمن ممن الملئكمة ‪ " :‬ل‬

‫يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " ‪.‬‬

‫وخلصة المعنى على هذه الوجوه ‪ :‬النهي عن القدام على أمر من المور دون التقيد بكتاب ال وسنة رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم وهو معنى قول ال عز وجل ‪ " :‬وما أتاكم الرسول فخذوه ‪ ،‬وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا ال ‪ ،‬ان ال شديد العقاب " ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫أي ‪ :‬ل تقدموا قول ول فعل ب ين يدي ال ‪ .‬وقول ر سوله صلى ال عل يه و سلم وفعله في ما سبيله أن تأخذوه ع نه من أ مر‬

‫الدين والدنيا ‪ .‬ومن قدم قوله أو فعله على الرسول صلى ال عليه وسلم فقد قدمه على ال تعالى ‪ ،‬لن الرسول انما يأمر عن أمر‬
‫اللع عز وجل ‪ " .‬وما ينطق عن الهوى ان هو ال وحي يوحى "‪.‬‬

‫ويدخل في عموم هذا الدب الشرعي حديث معاذ بن جبل رضي اللع عنه حيث قال له النبي صلى ال عليه وسلم حين بعثه‬

‫الى اليمن ‪" :‬بم تحكم ؟ " قال ‪ :‬بكتاب ال تعالى ‪ :‬قال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬فان لم تجد ؟ " قال ‪ :‬بسنة رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلم ‪ ،‬قال ‪ :‬فان لم تجد ؟" قال رضي ال عنه ‪ :‬اجتهد رأيي ‪ .‬فضرب في صدره وقال ‪ " :‬الحمد ل الذي وفق رسول رسول ال‬
‫لما يرضي رسول ال " ‪.‬‬

‫ولقد أخر معاذ رضي ال عنه رأيه ونظره واجتهاده الى ما بعد الكتاب والسنة ‪ .‬ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب‬

‫التقد يم ب ين يدي ال ور سوله ‪ ،‬و قد ن هى ال تبارك وتعالى ع نه في هذه ال ية الكري مة من أول سورة الحجرات ‪ .‬وهذا ال مر عام‬

‫شامل لكل أمر ولكل حكم فل يجوز للمسلم أن يقدم أي عمل ما لم يكن موافقا لكتاب ال أو سنة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وال‬
‫كان من باب التقديم بين يدي ال ورسوله ‪ .‬وهذا ما يجب أن يتحاشاه المسلم ‪ .‬ففي التقديم بين يدي ال ورسواه الهلك والخسارة‬
‫واحباط العمل ‪.‬‬

‫واتقوا ال ‪:‬‬

‫أي اجعلوه وقاية بينكم وبين سخط ال ‪ ،‬وغضبه ‪ ،‬وعذابه الليم الشديد ‪ ،‬ول تبتنى هذه السوار الواقية ‪ ،‬ول تتحقق هذه‬
‫التقوى المنج ية ال تي أ مر ال ب ها ال باتباع أوامره تعالى واجتتاب نواه يه ‪ .‬والوقوف ع ند الحدود ال تي بينت ها للناس وحذر هم من‬
‫تعديها ‪ .‬ومن تقوى ال ال يقدم المسلم بين يدي ال ورسوله ‪ ،‬قول ‪،‬أو فعل أو عمل أو خلقا لم يأت به السلم ‪،‬فهو وقاف عندما‬

‫أوقفه ال ‪ .‬ل يتحرك خطوة ال في طريق واضحة بينة يأمن فيها الزلل والعثار ‪ ،‬لنها طريق ال وسبيل المؤمنين ‪ ،‬وطريق رسوله‬
‫والصحابة والتابعين ‪.‬‬

‫ان ال سميع عليم ‪:‬‬

‫يسمع ما تنطقون ‪ ،‬ويعلم ما تعلمون ‪،‬ل تخفى عليه خافية في الرض ول في السماء ‪ ،‬فهو عز وجل يعلم المسموعات كلها‬
‫‪ .‬وسيجاري عليها ان خيرا فخير ‪ ،‬وان شرا فشر ‪.‬‬
‫وكل موضع أثبت ال فيه السمع للمؤمنين ‪ ،‬أو نفاه عن الكافرين أو حث عليه في كتابه الكريم ‪ ،‬فالقصد به تصور المعنى‬
‫والتفكير فيه والعتبار به قال تعالى ‪ " :‬الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " ‪.‬‬
‫وقال تعالى ‪ " :‬ان في ذلك لية لقوم يسمعون " ‪.‬‬

‫وال سبحانه يعلم المسموعات ‪ ،‬ويعلم المراد منها ‪ ،‬ويعلم ما في ضمير النسان ‪ ،‬ويعلم ما توسوس به نفسك وهو أقرب‬

‫اليك من حبل الوريد ‪ .‬فأين تذهب بالمعصية وهو معك أينما كنت ؟ وأين تذهب بقالة السوء ؟ وهو يسمع سرك ونجواك ؟‬

‫قال تعالى ‪ " :‬ما يكون من نجوى ثل ثة ال هو رابع هم ‪ .‬ول خم سة ال هو سادسهم ‪ .‬ول أد نى من ذلك ول أك ثر ال هو‬

‫معهم أينما كانوا ‪ .‬ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان شاء ال بكل شيئ عليم ‪" .‬‬
‫_ " شكوى امراة يسمعها اللع عز وجل من فوق سبع سماوات " ‪.‬‬

‫والى القراء أ سوق هذه الق صة ال تي سمعها ال تعالى من فوق سبع سماوات ‪ ،‬و قد روت ها أم المؤمن ين عائ شة ر ضي الل ه‬

‫عنها وهي في بيت رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وكانت تتبين وتسمع بعض الكلم ول تسمع البعض الخر منه ‪ .‬قالت عائشة‬

‫رضي ال عنهل ‪ :‬تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء ‪ ،‬اني لسمع كلم خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها الى‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وهي تقول ‪ :‬يا رسول ال ‪ :‬أكل مالي وأفنى شبلبي ونثرت له بطني حتى أذا كبرت سني وانقطع‬

‫ولدي ظاهر مني ‪ ،‬وان لي صبية صغارا ان ضممتهم اليه ضاعوا ‪ ،‬وان ضممتهم الي جاعوا ‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬ما عندي في أمرك شيء ‪.‬‬

‫وروى أنه قال لها حرمت عليه ‪ .‬فقالت ‪ :‬يا رسول ال ما ذكر طلقا وانما هو أبي ولدي ‪ ،‬وأحب الناس الي فقال ‪ :‬حرمت‬

‫عل يه ‪ .‬فقالت أشكو الى ال فاق تي ووجدي ‪ .‬وكل ما قال لها الرسول صلى ال عل يه وسلم حر مت عل يه هت فت بقلب منك سر وشكت‬
‫أمرها الى ال السميع العليم ‪.‬‬

‫قالت عائ شة ر ضي ال عن ها ‪ :‬ف ما بر حت ح تى نزل جبر يل بقول ال تبارك وتعالى ‪ " :‬قد سمع ال قول ال تي تجادلك في‬

‫زوجها وتشتكي الى ال ‪ ،‬وال يسمع تحاوركما ان ال سميع بصير ‪" .‬‬

‫فقد سمع ال شكوى هذه المرأة من فوق سبع سماوات وعائشة رضي ال عنها كانت تسمع بعض الكلمات ول تكاد تسمع‬

‫الب عض ال خر‪ .‬و هي ببيت ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ .‬و قد حضرت هذا المش هد العظ يم الذي تجلى عل يه ال بلط فه وعط فه‬
‫وحنانه فأنزل قرآنا يتلى إلى يوم الدين بشأن هذه المرأة وهي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ‪,‬‬

‫وكان به لمم وكان إذا إشتد لممه يظاهر من إمرأته وإذا ذهب عنه لم يقل شيئا‪.‬‬

‫والظهار كان طلق الجاهل ية ‪ ,‬ول كن هذه الحاد ثة أنزلت الفتوى وحدت من شأن الرجال في إ ستعمال الظهار كعقاب للن ساء‬

‫فقال تعالى‪ " :‬الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ‪ ,‬إن أمهاتهم إل الئي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا‬
‫وإن ال لعفو غفور"‪.‬الية‪.‬‬

‫و ما د مت قد تطر قت إلى هذه الق صة فأ حب أن أتم ها ففي ها بالغات‪,‬وكا نت خولة ب نت ثعل بة تقول‪ :‬في وال و في أوس بن‬

‫الصامت أنزل ال صدر سورة المجادلة‪ .‬كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه‪ .‬فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب فقال‪:‬‬

‫أ نت علي كظ هر أ مي‪ .‬قالت ‪ :‬ثم خرج فجلس في نادي قو مه ساعة ثم د خل علي‪ .‬فإذا هو يريد ني عن نف سي‪.‬فأب يت وقلت ‪ :‬كل‬

‫والذي نفس خويلة بيده‪ ,‬ل تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم ال ورسوله فينا بحكمه‪.‬‬

‫ثم قالت ‪ :‬فخرجت إلى بعض جاراتي فإستعرت منها ثيابا‪ .‬ثم خرجت حتى جئت إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فجلست‬

‫بين يديه‪ .‬فذكرت له ما لقيت منه وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه‪ ,‬قالت ‪ :‬فجعل رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ :‬يا‬
‫خويلة ابن عمك شيخ كبير فإتقي ال فيه‪ .‬قالت‪ :‬فوال ما برحت حتى نزل في قرآن‪.‬‬

‫فتغشى رسول ال صلى ال عليه وسلم ما كان يتغشاه ثم سري عنه فقال لي‪ :‬يا خويلة قد أنزل ال فيك وفي صاحبك قرآنا‪,‬‬

‫ثمم قرأ علي‪":‬قمد سممع ال قول التمي تجادلك فمي زوجهما وتشتكمي إلى ال وال يسممع تحاوركمما إن ال سمميع بصمير‪.‬إلى‬
‫قوله‪":‬وللكافرين عذاب أليم‪.‬‬

‫قالت ‪ :‬فقال لي رسول ال صلى ال عل يه وسلم ‪":‬مريه فليعتق رق بة"‪.‬فقلت‪ :‬يا رسول ال ما عنده ما يع تق ‪ ,‬قال‪ ":‬فليصم‬

‫شهرين متتابعين"‪ ,‬قالت‪ :‬فقلت‪ :‬وال إنه لشيخ كبير ما له من صيام‪ .‬قال‪ :‬فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر‪ .‬قالت ‪ :‬فقلت ‪ :‬وال‬

‫يا رسول ال ما داك عنده ‪ .‬قالت‪ :‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم فإنا سنعينه بفرق من تمر ‪ .‬قالت ‪ :‬فقلت ‪ :‬يا رسول ال‬

‫وأنا سأعينه بفرق آخر ‪ .‬قال‪ ":‬قد أصبت وأحسنت فإذهبي فتصدقي به عنه ‪ ,‬ثم إستوصي بإبن عمك خيرا ‪.‬قالت ففعلت‪.‬‬

‫هذه ق صة خولة ب نت ثعل بة ‪ ,‬و كل إمرأة م نذ نزلت هذه ال ية في سورة المجادلة إلى الن وإلى يوم الد ين ف هي خولة ب نت‬

‫ثعلبة‪ .‬فإذا طلقت المرأة بغير سبب و إعتدى عليها زوجها ففارقها ظلما وعدوانا ‪ ,‬ثم شكت أمرها إلى ال فال تبارك وتعالى يسمع‬

‫شكواها ويستجيب لندائها ودعائها ‪ " :‬وإتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين ال حجاب"‪.‬‬
‫لقاء عمر مع خولة‬

‫وذكر الرواة عن لقاء عمر بن الخطاب رضي ال عنه لخولة بنت ثعلبة‪ .‬هذه المرأة التي أكرمها ال ‪ .‬فسمع لشكواها من‬
‫فوق سبع سماوات ‪ ،‬ورفع عز وجل من شأن المرأة بهذه الستجابة الربانية لهذه المرأة المظلومة‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫قالوا ‪:‬لقيت امرأة عمر يقال لها خولة بنت ثعلبة وهو يسير مع الناس ‪ .‬فاستوقفته ‪ .‬فوقف لها ‪ ،‬ودنا منها ‪ ،‬وأصفى اليها‬

‫رأسه ووضع يديه على منكبيها ‪ ،‬حتى قضت حاجتها ‪ ،‬وانصرفت ‪ ،‬فقال له الرجل ‪ :‬يا أمير المؤمنين حبست رجالت قريش على‬

‫هذه العجوز ‪ ،‬قال ‪ :‬وي حك وتدري من هذه ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬هذه امرأة سمع ال شكواها من فوق سبع سموات ‪ .‬هذه خولة بنت‬
‫ثعلبة وال لو لم تنصرفعني الى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها الى أن تحضر صلة فأصليها ثم أرجع اليها حتى تقضي‬
‫حاجتها " ‪.‬‬

‫هذه قصة فيها عبر وذكريات جسام عن تقدير السلم واهتمامه بشأن المرأة ‪ ،‬ففي الوقت الذي نزلت فيه هذه اليات " قد‬

‫سمع ال قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى ال " ز أي قبل أربعة عشر قرنا من أحقاب هذا الزمن ‪ ،‬كانت المرأةفي العالم‬

‫كله الى ذلك الح ين ل تع تبر ان سانا مخلو قا ‪ .‬ول تشارك الر جل في ان سانيته فل تملك ول تملك ‪ ،‬ول يع تبر ل ها مقام في مجتمع ها‬
‫الذي تعيش فيه ‪.‬‬

‫ول كن ال سلم العظ يم الذي جاء رح مة ب ها‪ .‬ك ما هو رح مة للعالم ين فرفع ها مكا نا عل يا ‪ ،‬و ساواها بالر جل ‪ ،‬وأع طى القيادة‬

‫والرئاسة ‪ ،‬ووضعها في مكانها الطبيعي حيث سلمها للرجل وقال ‪ " :‬ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجل عليهن درجة " ثم‬

‫أوصى بها ‪ ،‬ووضع لها المكان الئق بها ‪ ،‬وسما بها سموا لم تعرفه ولم تشهده قبل السلم ‪ .‬حتى سمع ال شكواها من فوق سبع‬
‫سماوات ‪ ،‬فلله الفضل والمنة وله الحمد في الولى وفي الخرة وله الحكم واليه ترجعون ‪.‬‬
‫عود الى الية الولى‬
‫نعود قليل الى الية الولى من سورة الحجرات ‪ .‬فانها تقرر اصل عظيما من أصول السلم ‪ ،‬وجدير بنا ان نشير الى هذا‬

‫الصل العظيم الذي هو دعام’ السلم ‪ ،‬وعليه تشاد معاقله وتبنى حصونه ‪ .‬هذا الصل هو ‪ :‬أن الحكم ل وحده ‪ ،‬ل معقب لحكمه‬

‫وهو أحكم الحاكمين ‪ .‬ول يجوز لحد كائنا من كان أن يقدم بين يدي ال ورسوله أمرا ‪ ،‬أو حكما ‪ ،‬أو نظاما ‪ ،‬أو دستورا ل يرضى‬
‫عنه ال تبارك وتعالى ول رسوله المين صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬

‫الية الثانية ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ض ُكمْ ِلبَعضٍ أنْ تَحبَطَ أعْماُل ُكمْ وأ ْنتُم‬
‫ن آمنُوا ل تَر َفعُوا أصواتَكم فَوقَ صَوتِ النّبيّ ول تَجهَروا لَهُ بِالقَو ِل كَجَهرِ َبعْ ِ‬
‫يا أيّها الّذي َ‬
‫شعُرونَ ‪‬‬
‫ل تَ ْ‬

‫كانت الية الولى لبيان الدب مع ال عز وجل ‪ ،‬وهذه الية الثانية وآيات بعدها ‪ ،‬لبيان الدب مع رسول ال‬

‫فقد أمر ال‬

‫المؤمنين أل يجعلوا أصواتهم عند الحديث مع رسول ال صلى ال عليه وسلم مرتفعة فوق صوته وأل يكون خطابهم إياه كخطاب‬
‫بعضهم بعضا من الجهر وعلو الصوت وارتفاع الكلم ‪.‬‬

‫وقيل أن الول ‪ :‬ل ترفعوا أصواتكم ‪ .‬يخص حال مكالمته صلى ال عليه وسلم وكأنه قيل ‪ :‬ل ترفعوا أصواتكم فوق صوته‬

‫إذا ن طق وتكلم وتحدث ‪ .‬والثا ني ‪ :‬ول تجهروا له بالقول ‪ .‬حال صمتهصلى ال عل يه و سلم وكأ نه قال ‪ :‬ول تجهروا له ع ند دعائه‬
‫إذا سكت وتكلمتم ‪.‬‬

‫ويلزم من هذا كله ‪ .‬أن يكون صوتهم أخفض من صوته صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأن يراعوا في دعائه ومخاطبته اللين في‬

‫القول ‪ ،‬واللطف في المخاطبة أدبا مع مقام النبوة وجللها وعظيم قدرها فيجب أن يخاطب بأدب وسكينة ووقار وتعظيم ‪.‬‬

‫وقد كره العلماء رفع الصوت عند قبره الشريف صلى ال عليه وسلم كما كان يكره في حياته وبين يديه لنه صلوات ال‬

‫وسلمه عليه محترم حيا وفي قبره دائما وأبدا ‪.‬‬

‫قال القاضي أبو بكر بن العربي ‪ :‬حرمة النبي صلى ال عليه وسلم ميتا كحرمته حيا ‪ ،‬وكلمه المأثور بعد موته في الرفعة‬

‫مثالُ كلمه المسموع من لفظه ‪ ،‬فإذا قرئ كلمه ‪ ،‬وجب على كل حاضر أل يرفع صوته عليه ‪ ،‬ول يُعرض عنه ‪ ،‬كما كان يلزم ذلك‬

‫‪9‬‬

‫في مجل سه ع ند تلف ظه به ‪ .‬و قد نبّ ه ال سبحانه على دوام الحر مة المذكورة على مرور الزم نة بقوله تعالى ‪ " :‬وإذا قرئ القرآن‬

‫فاستمعوا له وأنصتوا " ‪.‬‬

‫وكل مه صلى ال عل يه و سلم من الو حي ‪ ،‬وله من الحك مة م ثل ما للقرآن ‪ " ،‬إل معا ني م ستثناة ‪ ،‬بيان ها في ك تب الف قه "‬

‫انتهى ما ذكره القرطبي في تفسيره ‪ ،‬وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفا لهم لنهم ورثة النبياء ‪.‬‬
‫وقال المام القرطبي في تفسيره ‪:‬‬

‫وليس الغرض برفع الصوت ‪ ،‬ول الجهر ما يقصد به الستخفاف والستهانة ‪ .‬لن ذلك كفر ‪ .‬والمخاطبون مؤمنون ‪ .‬وإنما‬
‫الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يُهاب به العظماء ويوقر الكبراء ‪ ،‬فيتكلف الغض منه ورده إلى‬

‫حد يميل به إلى ما يتبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير ‪ .‬ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي يتأذى به رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك ‪ ،‬ففي الحديث أنه قال عليه السلم‬

‫للعباس بن ع بد المطلب ل ما انهزم الناس يوم حن ين " أ صرخ بالناس " وكان العباس أج هر الناس صوتا ‪ " .‬يروى أن غارة أتت هم‬
‫يوما فصاح العباس ‪ :‬يا صباحاه ! فأسقطت الحوامل لشدة صوته " انتهى ‪.‬‬

‫لقد أدب ال المؤمنين بهذا الدب الرفيع الرقيق فأخذوه فرحين ‪ ،‬وطبقوه مغتبطين ‪ ،‬مع انهم كانوا غلظا وكانوا حديثي عهد‬

‫بجاهل ية و من سمات الجاهل ية الجفاء في الخطاب ‪ ،‬والغلظ في القول ‪ .‬ولكن هم ر ضي ال عن هم ما كادوا ي سمعون ل مر ال عز‬

‫وجل إل وخفضت أصواتهم ‪ ،‬وهدأت مخاطباتهم مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ومع بعضهم للبعض الخر ‪ .‬بل ومع الناس‬
‫أجمعين ‪.‬‬

‫ف قد روي أن أ با ب كر ال صديق ر ضي ال ع نه ب عد نزول هذه ال ية قال ‪ :‬يا ر سول ال ‪ :‬وال ل أكل مك إل ال سرار أو أ خا‬

‫السرار حتى ألقى ال ‪.‬‬

‫سلّمون ‪ ،‬ويأمر هم بال سكينة‬
‫وكان إذا قدم على ر سول ال صلى ال عل يه و سلم الوفود ‪ ،‬أر سل إلي هم من يعلم هم ك يف يُ َ‬

‫والوقار ‪.‬‬

‫وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ال عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫قد ارتفعمت أصواتهما فجاء فقال ‪ :‬أتدريان أين أنتما ؟ ثم قال ‪ :‬من أين أنتما ؟ قال ‪ :‬من أهل الطائف ‪ ،‬فقال ‪ :‬لو كنتما من أهل‬

‫المدينة لوجعتكما ضربا ‪.‬‬

‫و قد أدب هم ال بهذا الدب الرف يع مع ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ونها هم عن الغل ظة ‪ ،‬و من شأن الن هي أن يردع هم‬

‫ويصدهم عما الفوه – وقد فعلوا – وأن يمكن فيهم عادة اللين والدب في القول والعمل ‪ ،‬وأن تطرد تلك العادة مع النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم ومع غيره من المؤمنين ‪ ،‬فإن هذا الدب كما هو أدب مع الرسول صلى ال عليه وسلم فهو أدب مع المؤمنين بعضهم‬

‫ل ع ند الحد يث سهل العري كة غل و هو ذو ن فس مهذ بة ‪ ،‬صقلته اليام ‪،‬‬
‫مع الب عض ‪ .‬ول ن جد رجلً ليّ ن القول ل ين المعاملة سه ً‬

‫وحنكته التجارب ‪ .‬وفاض عليه طيب عنصره ‪ ،‬وكرم أرومته ‪ ،‬وغمرته سحائب الرحمة من أخلق دينه القويم وطريقه المستقيم ‪.‬‬

‫وقد أدبهم ال بهذه الداب ونهاهم عما يؤذي النبي عليه الصلة والسلم ‪ ،‬مع العلم أن النبي لم يكن جبارا في الرض ول‬

‫متكبرا مختا ًل ‪ ،‬بل كان جم التواضع ‪ ،‬عظيم الحلم ‪ ،‬كثير الحياء ‪ .‬توقفه المَةُ في الطريق لتحدثه فل يتركها حتى تتركه هي ‪ ،‬وقال‬

‫لرجل دخل عليه وهو يرتجف من هيبة الرسول صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد " إل أن الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم كان كثير التفكير بحمل ذلك العبء الجسيم في هذه الدعوة المباركة العظيمة الجليلة ‪.‬‬
‫" إنا سنلقي عليك قولً وثقيلً " وكان عليه الصلة والسلم كثير الشواغل يتلقى الوحي من ربه ثم يبلغه للناس ويبينه ‪،‬‬
‫وي سوس الم سلمين دن يا وأخرى ‪ .‬ويف كر في عزت هم ود فع الذى عن هم وين ظر في حرب من يحار به و سلم من ي سالمه ‪ ،‬وي سعى‬

‫لتوف ير الخ ير للم سلمين ‪ .‬وهو مع ذلك ب شر تؤذ يه الغل ظة ‪ ،‬وتقلق باله الفظا ظة ‪ ،‬ومن كان هذا حاله ‪ ،‬و جب أن يو فر له الهدوء‬

‫‪10‬‬

‫وال سكينة ‪ ،‬وأن يبا عد ع نه كل ش يء مشوش للخا طر ‪ .‬و قد أكر مه ال بذلك فط بع الم سلمين على هذه الداب العال ية وأمر هم أن‬
‫يتمسكوا بها في حياتهم الدنيا ‪ .‬وأمرهم معها بأن يقولوا للناس حسنا ‪ .‬فاستمسكوا بكل حسن من القوال والفعال ‪ ،‬وأطاعوا ال‬

‫ورسولمه ‪ ،‬حتى استحقوا أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بال ‪ .‬وكانت آدابهم أرفع‬

‫الداب وأخلقهم أسمى الخلق ‪ .‬بل كانوا غرة في جبين الدهر ‪ .‬ودرة في سماء المجد جعلنا ال منهم وحشرنا جميعا معهم ‪ .‬إنه‬

‫تبارك وتعالى نعم المولى ونعم النصير ‪ ،‬والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪  :‬أن تحبط أعمالكم وأنتم ل تشعرون ‪. ‬‬

‫ومعنى هذه الية الكريمة ‪ :‬أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عند النبي صلى ال عليه وسلم خشية أن يؤذيه تصرفكم هذا ‪،‬‬

‫ويزعجه صوتك المرتفع بغير داع ول سبب فيغضب من ذلك ‪ ،‬فيغضب ال تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه وهو ل يدري ‪ ،‬كما‬

‫جاء في الحديث الصحيح مما يماثل هذا ‪ .‬وهو ‪ " :‬ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان ال تعالى ل يلقي لها بالً يكتب له بها الجنة‬
‫‪ ،‬وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط ال تعالى ل يلقي لها بالً يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والرض " ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ " :‬أن تحبط أعمالكم " ‪.‬‬

‫أي ‪ :‬تفسد ‪ ،‬وتبطل ‪ ،‬وتذهب سدى ‪ ،‬ل يكتب لكم بها أجر ول ثواب لمخالفتكم لمر ال عز وجل في أمور نهاكم عنها ‪ .‬فلم‬
‫تنتهوا فأحبمط أعمالكمم ممن حيمث ل تشعرون ‪ .‬فاحذروا هذا المسملك المعوج الوعمر الشائك فإن ارتكاب المحرم قمد يكون داعيا إلى‬

‫استمرائه والسترسال فيه من غير مبالة لعقوبة ال ‪ .‬فتكثر السيئات وتحبط العمال ‪ ،‬من حيث ل يشعر النسان ‪ .‬فالرذيلة تكون‬

‫أولً حالً وعرضا ‪ ،‬ثم ت صير مل كة ومرضا ‪ .‬وكذلك الفضيلة ‪ .‬و قد ن قل عن أفلطون قوله ‪ :‬ل ت صحب الشر ير فإن طب عك يَ سْرق‬
‫وأنت ل تدري ‪.‬‬

‫أوْجُه حبوط العمال ‪:‬‬

‫حبوط العمال يكون على ثل ثة أو جه و من الخ ير أن نن به إلي ها ‪ ،‬ليتج نب الناس تلك المزالق الخطرة ال تي تح بط أعمال هم‬
‫وتذهب بها أدراج الرياح فيكونون قد خسروا الدنيا والخرة وذلك هو الخسران المبين ‪.‬‬
‫الوجه الول ‪ :‬أن تكون العمال دُنيوية خالصة ل يؤمن صاحبها بال ول باليوم الخر ‪ .‬فهذه العمال وإن كان منها صالحا‬
‫كإنفاق النفقات والمشاركة في العمال الخيرية الخاصة أو العامة فإنها ل تغني في الخمرة شيئا عن صاحبها ‪ .‬إذ ل ينفع عمل مع‬

‫الكفر بخالق العامل والعمل ‪ .‬وليس بعد الكفر ذنب ‪ ،‬وليس بعد الكفر قرب ‪ .‬قال تعالى في حق أمثال هؤلء ‪:‬‬
‫" و َقدِمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا " ‪.‬‬

‫الو جه الثا ني ‪ :‬أن تكون العمال أخرو ية ول كن صاحبها لم يق صد ب ها و جه ال تبارك وتعالى ‪ ،‬إن ما ق صد ب ها أمورا أخرى‬
‫كالرياء والسممعة والمفاخرة ‪ .‬فهمي محبطمة أيضا ‪ .‬وليمس لصماحبها ثواب عنمد ال تعالى ‪ ،‬وفيممما رواه المام مسملم ممن حديمث‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم العبرة والدليل والكفاية ‪ .‬فقد قال ‪:‬‬

‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ :‬إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه‬

‫ي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ‪ :‬ما عملت فيها ؟ قال ‪ :‬قاتلت فيك حتى استشهدت قال ‪ :‬كذبت ولكنك قاتلت لن يقال‬
‫رجل استشهد فأتِ َ‬
‫جرئ ‪ ،‬ف قد ق يل ‪ ،‬ثم أ مر به ف سحب على وج هه ح تى ال قي في النار ‪ .‬ور جل تعلم العلم وعل مه وقرأ القرآن فأ تي به فعر فه نع مه‬

‫فعرفها فقال ‪ :‬ما عملت فيها ؟ قال ‪ :‬تعلمت العلم وعلمته ‪ ،‬وقرأت فيك القرآن قال ‪ :‬كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ‪ ،‬وقرأت‬
‫القرآن ليقال قارئ ‪ .‬فقد قيل ‪ .‬ثم أمِ َر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ‪.‬‬

‫ورجل وسع ال عليه وأعطاه من أ صناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ‪ :‬فما عملت فيها ؟ فقال ‪ :‬ما تركت من‬

‫سبيل تحب أن ينفق فيه إل أنفقت فيها لك قال ‪ :‬كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد ‪ .‬فقد قيل ‪ .‬ثم أمِ َر به فسحب على وجهه حتى‬

‫‪11‬‬

‫ألقي في النار ‪ .‬نعوذ بال ونستجير به من حبوط العمال وسوء الحوال ‪ .‬فمن لم يُرِد وجه ال بعمله خالصا مخلصا فقد حبط عمله‬
‫وبطل أمله ‪.‬‬

‫الوجمه الثالث ‪ :‬أن يقوم المرء بأعمال صمالحة كريممة ولكنمه إلى جانمب ذلك يقوم بسميئات كمبيرات تطغمى علممى هممذه‬

‫العممال الصالحة فتحبطها وتأكلها أكلً لمّا ‪ ،‬كما تأكل النار الحطب ويكون ذلك النسان كمن خلطوا عمملً صالحا وآخمر سيئما‬
‫‪ .‬فهذا أيضا من الذين ستحبط أعمالهم ول ينالون بها ثواب ال عز وجل ‪.‬‬

‫روى المام مسلم وغيره عن جابر رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬أتدرون من المفلس ؟ قالوا ‪ :‬المفلس‬

‫فينا من ل درهم له ول متاع ‪ .‬فقال ‪ :‬إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلة وصيام وزكاة ‪ .‬ويأتي وقد شتم هذا ‪ ،‬وقذف‬

‫هذا ‪ ،‬وأكل مال هذا ‪ ،‬وسفك دم هذا ‪ ،‬وضرب هذا ‪ .‬فيعطي هذا من حسناته ‪ ،‬وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما‬
‫عليه ‪ ،‬أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ‪ ،‬ثم طرح في النار‪.‬‬

‫فهذه ثلثة أوجه ومسالك ‪ ،‬تحبط فيها العمال وتبطل ‪ ،‬فل يستفيد منها صاحبها ‪ ،‬ول تأتي بثمراتها الطيبة ‪ .‬فليحذر العبد‬

‫سلوكها والتورط في ها ‪ .‬ف قد حذر نا ال سلم من ها ودعا نا إلى الخلص الكا مل في القوال والعمال ‪ .‬ول ح جة للناس ب عد بيان ال‬

‫وتحذيره لهم ‪ .‬فل جزاء ‪ ،‬ول ثمرة ‪ ،‬للعمل إل إذا كان خالصا لوجه ال تبارك وتعالى ‪ .‬ومن عمل عملً أشرك فيه غير ال ‪ ،‬فهو‬

‫لمن أشرك وليس له عند ال نصيب ‪ ..‬وهل يجازي ويكافي غير ال الغني القوي العزيز الحكيم ؟ قال تعالى ‪ " :‬فادعوه مخلصين له‬
‫الدين " ‪ .‬وقال تعالى ‪ " :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين " ‪ .‬سورة البينة ‪5 :‬‬

‫ورد في الحديث الشريف عن محمود بن لبيد ‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك‬

‫الصغر ‪ .‬قالوا ‪ :‬وما الشرك الصغر يا رسول ال ؟ قال ‪ :‬الرياء ‪ .‬يقول ال يوم القيامة ‪ .‬إذا جزى الناس بأعمالهم يقول ‪ :‬إذهبوا‬
‫إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا ‪ .‬فانظروا ‪ ،‬هل تجدون عندهم جزاء ؟‬

‫فل قبول للعممل إذن إل ممع الخلص التام ل رب العالميمن ‪ .‬وحقيقمة الخلص همو أن يقصمد المرء بقوله وعمله وجهاده‬

‫وإنفا قه و جه ال تبارك وتعالى وابتغاء مرضا ته ‪ ،‬من غ ير ن ظر إلى مغ نم أو جاه ‪ ،‬أو ل قب ‪ ،‬أو مظ هر ‪ .‬ح تى يرت فع عن نقائص‬

‫العمال ‪ ،‬ورذائل الخلق ويتصل بال مباشرة ‪ .‬فل يريد إل وجهه ‪ ،‬ول يعمل إل له في جميع أعماله وسائر تصرفاته ويحقق هذا‬
‫قوله تعالى ‪:‬‬

‫" قل إن صلتي ونسكي ومحياي ومماتي ل رب العالمين ل شريك له ‪ .‬وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين "‪ .‬النعام ‪162 :‬‬

‫هذا هو السلم ‪ .‬أن يتجرد المسلم من كل هوى ‪ ،‬ويبتعد عن كل مبتغى ليس فيه وجه ال سبحانه ‪.‬‬

‫ل قال ‪ :‬يا رسول ال ‪ .‬إني أقف المواقف أريد وجه ال ‪ ،‬وأحب أن يرى موطني ؟‬
‫روى ابن أبي حاتم عن طاووس أن رج ً‬

‫ل صالحا ول يشرك‬
‫فلم يرد عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم شيئا حتى نزلت هذه الية ‪ " :‬فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عم ً‬
‫بعبادة ربه أحدا " ‪ .‬الكهف ‪110 :‬‬

‫ل على كمال اليمان ‪ .‬ومن كمل إيمانه فهو في عليين ‪ ،‬ومن خير البرية ‪.‬‬
‫وقد جعل السلم الخلص دلي ً‬

‫روى أ بو داود والترمذي ب سند ح سن أن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قال ‪ " :‬من أ حب ل ‪ ،‬وأب غض ل ‪ ،‬وأع طى ل ‪،‬‬
‫ومنع ل فقد استكمل اليمان " ‪ .‬وطوبى لهؤلء المخلصين فهم مصابيح الدجى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء ‪ .‬وهم النجوم الزاهرة‬

‫التمي يهتدي بنورهما السمالكون ‪ ،‬فبالخلص والنيمة الصمالحة يبلغ المرء الذروة ممن السممو والرفعمة ‪ .‬وينزل بهمما منازل البرار‬

‫الطهار من المهاجرين والنصار يقول النبي الكريم صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫" طوبى للمخلصين ‪ :‬الذين إذا حضروا لم يعرفوا ‪ ..‬وإذا غابوا لم يفتقدوا … أولئك هم مصابيح الهدى تنجلي عنهم كل فتنة‬

‫ظلماء " رواه البيهقي عن ثوبان ‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫ول قد كان التحلي بحل ية الخلص سببا في تطه ير أن فس ال صحابة الكرام من الرياء والنفاق والكذب ‪ .‬وكانوا ب حق م صابيح‬

‫الدجمى والهدى ‪ .‬انجلت عنهمم كمل فتنمة ظلماء ‪ .‬واندفعوا إلى غاياتهمم الكمبرى ‪ .‬وأهدافهمم السمامية ينشدون إقاممة الحمق والعدل‬

‫ويبتغون وجه ال وإعلء كلمته ‪ .‬فمكن ال لهم في الرض وفتح لهم مشارقها ومغاربها وجعلهم قادة الدنيا ‪ ،‬وسادة العالم ‪ ،‬وأئمة‬
‫النصر والفتوح ‪.‬‬

‫والتصاف بصفة الخلص والصدق يكسب الفرد النجاح والظفر ‪ ،‬والجماعة التي تتألف من أفراد مخلصين تتجه إلى الخير ‪،‬‬

‫وتتنزه عن الدنايا ‪ ،‬وتترفع عن شهوات الدنيا ‪ ،‬وتسير إلى غاياتها تظللها المحبة ‪ ،‬ويعمها المن والرخاء والسلم ‪.‬‬

‫‪ -‬وال سلم العظ يم الذي ر بى النفوس على أن بل الخلق وأ سماها ير يد من الم سلم أن يكون سره كإعل نه ‪ ،‬وظل مة ليله‬

‫كضوء نهاره ‪ .‬فإذا اختلف الظاهر والباطن ‪ ،‬وتعارض القول والعمل ‪ ،‬وتأرجح النسان بين دوافع الخير ونوازع الشر ‪ ،‬كان النفاق‬
‫الذي يفقد المرء شخصيته فل يقدر على الجهر بالحق‪ ،‬ول يقوى على المصارحة ‪ ،‬ول يقف موقف البطل الشجاع ‪.‬‬

‫روى البخاري عن ا بن ع مر ر ضي ال عنه ما أن أنا سا قالوا له ‪ :‬إ نا ند خل على سلطيننا ‪ .‬فنقول ل هم بخلف ما نتكلم إذا‬

‫خرجنا من عندهم ‪ .‬قال ابن عمر‪ :‬كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬

‫و من يرد أن يتت بع الثار ال سيئة ال تي يتركها عدم الخلص في المجت مع البشري ‪ ،‬و في الحياة النسانية ‪ ،‬ومدى ما أحد ثه‬

‫الرياء والنفاق وفساد الخلق ‪ ،‬من اضطراب في النظم ‪ ،‬وتغيير للعرف الصالح ‪ ،‬و َتعْويق عن النهوض والرتقاء ‪ .‬بل والنحطاط‬

‫إلى أسفل الدركات ‪ ،‬فلينظر إلى حالتنا الحاضرة ويتفحص ما وصلنا غليه من تدهور وانحطاط فإن نظرة واحدة تكفيه عبرة عما كنا‬

‫عل يه و ما أ صبحنا ف يه ‪ .‬و ما ذلك كله إل لفقدان الخلص في مجتمعات نا ال سلمية ‪ .‬وانتشار النفاق والرياء ‪ .‬و من شأن الرياء أن‬
‫يحجب المرء عن ال وينزل به إلى مستوى الحيوان ‪ ،‬فل تزكو له نفس ‪ ،‬ول يقبل منه عمل ‪ ،‬ذلك أن المرائي والمنافق ل رأي له‬

‫ول مبدأ ول عقيدة ول دين ‪ ،‬ولكنه كالحرباء يتلون بكل لون ويميل مع كل ريح ‪ .‬وتُفْقد منه الرجولة والنفة والشجاعة ‪ ،‬ول يهمه‬
‫ممن أممر الدنيما إل نفسمه المارة بالسموء ‪ .‬وخداع الناس ومخادعمة ال عمز وجمل قال تعالى ‪ " :‬إن المنافقيمن يخادعون ال وهمو‬

‫خادعهم ‪ ،‬وإذا قاموا إلى الصلة قاموا كسالى يراءُون الناس ول يذكرون ال إل قليلً " ‪ .‬النساء ‪. 142‬‬

‫وهؤلء من الذين سيحبط ال أعمالهم في الدنيا والخرة ويجعلهم الخسرين السفلين وهم في الدرك السفل من النار ‪ " :‬إن‬

‫المنافقين في الدرك السفل من النار " ‪.‬‬
‫ثناء الناس ل يحبط العمل‬
‫من الناس أناس يعملون الع مل ل ويُ سّرون ذلك الع مل ويخفو نه عن الناس خش ية أن يقعوا في الرياء و هم صادقون في‬

‫إخلصهم ‪ ،‬ثم يطلع الناس على أعمالهم دون قصد منهم ‪ ،‬فيثنون عليهم ‪ ،‬ويحمدون لهم ما صنعوا ‪ .‬ويذكرونهم بكل خير وشكر ‪،‬‬

‫فيعجبهمم هذا الثناء وينزل منهمم منزلة الماء البارد على القلب الولهان ‪ .‬فهؤلء العاملون المخلصمون وإن أعجبهمم هذا الثناء ‪،‬‬

‫وظهرت أعمال هم ب ين الناس ‪ ،‬فإن هذا ل يُحبَط م عه عمل هم ‪ ،‬ول ين قص شيئا من أجر هم وثواب هم ‪ .‬ما داموا مخل صين ل تبارك‬
‫طلِع عل يه‬
‫وتعالى ‪ .‬روى الترمذي عن أ بي هريرة ر ضي ال ع نه أن رجلً قال ‪ :‬يا ر سول ال ‪ ،‬الر جل يع مل الع مل فيُ سّره ‪ .‬فإذا ا ُ‬
‫أعجبه ذلك ؟ ‪ .‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬له أجران ‪ :‬أجر السر ‪ ،‬وأجر العلنية " ‪.‬‬

‫بمل قمد يكون ثناء الناس على أعمال هؤلء المخلصمين الذيمن أخفوا أعمالهمم ل ‪ ،‬ولكمن ال أظهرهما ‪ .‬قمد يكون هذا ممن‬

‫البشريات المعجلة لهؤلء ال صادقين ‪ .‬ف قد ورد عن أ بي ذر ر ضي ال ع نه أ نه سأل ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قال ‪ :‬أرأ يت‬
‫الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه ؟ قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬تلك عاجل بشرى المؤمن " ‪ .‬رواه مسلم ‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫إتقاء الرياء‬

‫ولعل خير ما نختم به تفسير هذه الية الكريمة ‪ " :‬أن تحبط أعمالكم وأنتم ل تشعرون " ‪ ،‬هو في كيفية التقاء من الرياء ‪.‬‬
‫ول شمك أن اللجوء إلى ال عنمد الملمات همو الطريمق القوم ‪ ،‬والسمبيل السملم ‪ .‬وقمد أرشدنما المعلم الكمبر ‪ ،‬رسمول هذه الممة‬

‫السلمية ‪ ،‬ومبعوث ال إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا محمد صلى ال عليه وسلم إلى طريق التقاء والرياء ‪ ،‬فقد روى المام أحمد‬
‫رحمه ال عن أبي موسى الشعري رضي ال عنه قال ‪ :‬خطبنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ذات يوم فقال ‪:‬‬
‫يا أيها الناس ‪ :‬اتقوا هذا الشرك ‪ ،‬فإنه أخفى من دبيب النمل ‪ ،‬فقال رجل ‪ :‬وكيف نتقيه ؟‬

‫قال ‪ :‬قولوا ‪ " :‬اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ‪ ،‬ونستغفرك لما ل نعلمه " ‪.‬‬

‫ونحن نقول صادقين ومنيبين إلى ال عز وجل ‪ " :‬اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ‪ ،‬ونستغفرك لما ل نعلمه "‬
‫والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬
‫الية الثالثة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫ن الُ ُقلُو َبهُم لِلتّ ْقوَى ‪َ ،‬لهُمْ َمغْفِ َرةٌ وأجْرٌ عَظِي ٌم ‪‬‬
‫ك الّذينَ ا ْمتَحَ َ‬
‫ن َيغُضّونَ أصْوا َت ُهمْ عِ ْندَ رَسُو ِل الِ ‪ ،‬أولَئِ َ‬
‫ن الّذي َ‬
‫إّ‬

‫ذُ كر في أ سباب النزول ‪ :‬في ما ورد عن أ بي سلمة قال ‪ :‬ل ما نزلت ‪ " :‬ل ترفعوا أ صواتكم " قال أ بو ب كر ر ضي ال ع نه ‪:‬‬
‫والذي بعثك بالحق ل أكلمك بعد هذا إل كأخي السرار ‪.‬‬

‫وقال ع بد ال بن الزبير ‪ :‬لما نزلت ‪ " :‬ل ترفعوا أ صواتكم " ما حدث عمر ع ند النبي صلى ال عليه وسلم ب عد ذلك فسمع‬

‫كلمه حتى يُستفهمه مما يخفض فنزلت ‪ " :‬إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ال أولئك الذين امتحن ال قلوبهم للتقوى ‪ .‬لهم‬
‫مغفرة وأجر عظيم " ‪ .‬وقد تضمنت الية الكريمة السابقة التحذير من رفع الصوت ‪ .‬وتضمنت هذه الية الترغيب في القول اللين‬
‫وخفض الصوت ‪.‬‬

‫وقد جعل ال جزاءه المغفرة والجر العظيم ‪ ،‬وذلك ما تصبوا إليه نفوس المؤمنين ويتعشقونه من قريب أو بعيد ويتخذون كل‬

‫ال سباب لن يل م ثل هذا الجزاء وهذا ال جر العظ يم ‪ .‬وح سبه أن ال تبارك وتعالى و صفه بالعظ يم ‪ ،‬وجعله من ن صيب أولئك الذ ين‬
‫يغضون أصواتهم ويتكلمون بأدب ووقار مع ال ورسوله ثم من بعد ذلك مع المؤننين ومع الناس أجمعين ‪.‬‬

‫وفي وصية لقمان لبنه وهو يعظه ويوجهه لسمى الخلق وأنبل الصفات قوله تعالى ‪ " :‬واقصد في مشيك واغضض من‬

‫صوتك إن أنكر الصوات لصوت الحمير " ففي الوقت الذي أمر ال سبحانه فيه بغض الصوت وخفضه ‪ ،‬استنكر رفع الصوت وجعله‬

‫من أخلق البهائم المنكرة المستقبحة ‪ " :‬إن أنكر الصوات لصوت الحمير " ‪ .‬وهذا يمثل منتهى البشاعة وغاية الزجر والنهي لمن‬

‫يرفعون أصواتهم حتى تستقبح وتستنكر ‪ ،‬كما تستقبح وتستنكر أصوات الحمير ‪.‬‬
‫والمعنى العام للية الكريمة ‪:‬‬

‫إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ال قوم أخلص ال قلوبهم وصفاها وأعدها للتقوى ‪ .‬وقد عرف ال قلوبهم بالتجربة‬
‫والختبار – وهو العليم بكل شيء – فظهرت أنها قلوب معدة للتقوى متهيأة لكل خير ولكل عمل صالح ومقبول ‪ ،‬فهؤلء لهم مغفرة‬

‫وصفح عما اقترفوه من السيئات ولهم أجر عظيم على ما كسبوه من الصالحات فطاعتهم ل وللرسول ‪ ،‬وسمعهم وتطبيقهم لوامر‬
‫ال وهم راضون شاكرون ل تبارك وتعالى ‪.‬‬

‫قال المام أح مد رح مه ال في كتاب الز هد عن مجا هد قال ‪ :‬ك تب إلى ع مر بن الخطاب أم ير المؤمن ين ‪ :‬ر جل ل يشت هي‬

‫المعصية ول يعمل بها أفضل ‪ ،‬أم رجل يشتهي المعصية ول يعمل بها ؟‬

‫‪14‬‬

‫فكتب عمر رضي ال عنه ‪ :‬إن الذين يشتهون المعصية ول يعملون بها ‪ " .‬أولئك الذين امتحن ال قلوبهم للتقوى لهم مغفرة‬

‫وأجر عظيم " ‪ .‬والمتحان – كما هو معروف – معناه الختبار والتجربة ‪ ،‬والصل اللغوي فيه هو ‪ :‬إذابة الذهب ليخلص إبريزه من‬
‫الخبث وينقى من الدنس حتى يكون ذهبا خالصا بعد أن تكون النار قد أذابته وأخذت قسطها الوافر منه ‪.‬‬

‫وال تبارك وتعالى يبتلي المؤمنين بالمحن ليزكي نفوسهم ويطهرها ‪ ،‬وهل يُزكى الذهب إل بالنار ؟ وكذلك النفوس المؤمنة‬

‫ل تزكى إل بالمحن والشدائد الكبار ‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء‬
‫والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ‪ :‬متى نصر ال أل إن نصر ال قريب " البقرة ‪.‬‬

‫قال ابن مسعود وابن عباس رضي عنهما ‪ :‬البأساء – الفقر ‪ .‬والضراء – السقم ‪ ،‬وزلزلوا – خوفوا من العمداء ‪ .‬زلزالً‬

‫شديدا وامتحنوا امتحانا عظيما ك ما جاء في الحد يث ال صحيح عن خباب بن الرت قال ‪ :‬قل نا يا ر سول ال ‪ :‬أل ت ستنصر ل نا ؟ أل‬

‫تدعمو لنما ؟ فقال صملى ال عليمه وسملم ‪ " :‬إن ممن كان قبلكمم كان أحدهمم يوضمع المنشار على مفرق رأسمه فيخلص إلى قدميمه ل‬

‫يصرفه ذلك عن دينه ‪ .‬ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ل يصرفه عن دينه " ‪.‬‬

‫ثمم قال ‪ " :‬وال لَ ُيتِمَنّ ال هذا الممر حتمى يسمير الراكمب ممن صمنعاء إلى حضرموت ل يخاف إل ال والذئب على غنممه ‪،‬‬

‫ولكنكم قوم تستعجلون " ‪.‬‬

‫وفمي يوم الحزاب أصماب الصمحابة رضوان ال عليهمم ممن البلء مما َهدّ قواهمم وزلزلهمم زلزالً شديدا فضاقوا بمه ذرعا‬

‫وا ستجاروا بال عز و جل ب عد أن زا غت الب صار وبل غت القلوب الحنا جر و ظن بعض هم بال الظنون ‪ .‬واهتبل ها المنافقون فر صة‬
‫فأخذوا يشككون في موعود ال بالنصر للمسلمين ويقولون للمؤمنين بهمس وخبث ‪ :‬ما وعدكم ال ورسوله إل غرورا ‪.‬‬

‫و في عز المح نة واشتداد الكرب والز مة ‪ ،‬وض يق النفوس وتلوع ها بالعذاب ‪ ،‬في تلك ال ساعات الحر جة جاء هم ن صر ال‬

‫ورفع عنهم البأساء والضراء ففر أعداء ال هاربين ل يلوون على شيء ورجع المسلمون فرحيمن مسرورين مبتهجين منتصرين‬

‫شاكر ين ل فضله وإح سانه ونصره المؤزر لعباده المجاهد ين ‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم‬
‫نصرنا فنجي من نشاء ول يرد بأسنا عن القوم المجرمين " ‪.‬‬

‫وقد وصف ال سبحانه حال الصحابة يوم الحزاب أبلغ وصف إذ قال ‪ " :‬إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت‬

‫البصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بال الظنونا ‪ .‬هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالً شديدا ‪ .‬وإذ يقول المنافقون والذين في‬
‫قلوبهم مرض ما وعدنا ال ورسوله إل غرورا " ‪ .‬فالصبر على المحن كفيل بزوالها ونصر المؤمنين الصابرين الصامدين ‪ .‬كما أن‬

‫المحن تكشف عن خبايا النفوس وكثيرا ما تظهر مطاوي القلوب وحقائق الرجال ‪ .‬والحكمة ما امتحن ال قلوب النبياء والصفياء‬

‫والعلماء والدعاة إل يه بإح سان ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬ألم ‪ ،‬أح سب الناس أن يتركوا أن يقولوا آم نا و هم ل يفتنون ‪ .‬ول قد فت نا الذ ين من‬
‫قبلهم فليعلمن ال الذين صبروا وليعلمن الكاذبين " ‪.‬‬

‫ولما سأل هرقل أبا سفيان ‪ :‬هل قاتلتموه ؟ " يعني محمدا صلى ال عليه وسلم " قال ‪ :‬نعم قال ‪ :‬فكيف كانت الحرب بينكم ؟‬

‫قال ‪ :‬سجالً يدال علينا وندال عليه ‪ .‬قال ‪ :‬كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة ‪.‬‬

‫" فإذا امتحن ال قلب المؤمن للتقوى أو للجهاد أو للعبادة أو للنفاق فصبر على المتحان ونجح فيه فقد كفل ال عز وجل‬

‫له المغفرة وال جر العظ يم وكت به في علي ين مع الذ ين أن عم ال علي هم من ال نبيين وال صديقين والشهداء وال صالحين وح سن أولئك‬

‫رفيقا " ‪.‬‬

‫قال ابن عباس ‪ :‬امتحن ال قلوبهم للتقوى ‪ " :‬طهرهم من كل قبيح وجعل في قلوبهم الخوف من ال عز وجل " ‪.‬‬
‫وقال عمر رضي ال عنه ‪ " :‬أذهب عن قلوبهم الشهوات " ‪.‬‬

‫الية الرابعة ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪‬‬

‫خيْرا َلهُم والَ غَفور رَحيم‪‬‬
‫حتّى تَخْ ُرجَ إليْهم لَكانَ َ‬
‫ن ‪َ .‬و َلوْ أ ّنهُم صَبَروا َ‬
‫ن وَراءَ الحُجُراتِ أ ْكثَ ُر ُهمْ ل َيعْ ِقلُو َ‬
‫ن الّذينَ يُنادُونَكَ مِ ْ‬
‫إّ‬
‫‪.‬‬

‫روى ابن جرير رحمه ال عن زيد بن أرقم رضي ال عنه قال ‪:‬‬

‫اجتمع أناس من العرب فقالوا ‪ :‬انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به ‪ ،‬وإن يك ملكا نعش بجناحه قال‬
‫‪ :‬فأتيت رسول ال صلى ال عليه وسلم فأخبرته بما قالوا ‪ .‬فجاءوا إلى حجرة النبي صلى ال عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في‬
‫حجر ته يا مح مد يا مح مد ‪ .‬فأنزل ال تعالى ‪ " :‬إن الذ ين ينادو نك من وراء الحجرات أكثر هم ل يعقلون " ‪ .‬قال ‪ :‬فأ خذ ر سول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم بأذني فمدها فجعل يقول ‪ " :‬لقد صدق ال تعالى قولك يا زيد ‪ ،‬لقد صدق ال قولك يا زيد " ‪ .‬ابن كثير ج ‪: 4‬‬

‫‪. 208‬‬

‫وقد تأذى رسول ال صلى ال عليه وسلم من ندائهم على هذه الصفة المنافية لبسط قواعد الداب والخلق ‪ ،‬خاصة وكان‬

‫صلى ال عليه وسلم قد أخذ راحته فنام للقيلولة ‪ ،‬وصحا على أصواتهم وهم ينادون بأعلها ‪ :‬يا محمد يا محمد أخرج إلينا ‪.‬‬

‫لذا ف قد ح كم ال عز و جل على أكثر هم بعدم الع قل إذ قال ‪ :‬أكثر هم ل يعقلون ‪ .‬وعدم الع قل جاء من ناح ية الج هل بقانون‬

‫الدب في النداء ‪ ،‬والجهل بما ينبغي أن يكون عليه الطالب من تخير الوقت ‪ ،‬تخير المكان ‪ ،‬وتخير اللفاظ في الطلب والنداء ‪ .‬وقد‬

‫كان عليه الصلة والسلم ل يحتجب عن الناس إل حيث تتقاضاه دواعيه الخاصة في بيته ‪ ،‬فليس من الحق ول من العدل بل ول‬
‫من الدب أل تترك له لفرصة للستجمام والراحة إلى نفسه وأهله ‪.‬‬

‫وهذا الدب الرفيع كما هو أدب مع الرسول صلى ال عليه وسلم يجب أن يكون أدبنا مع الناس كافة في حياتنا الجتماعية ‪،‬‬

‫فليس من الدب ول من العدل والنصاف أن تزعج الناس في بيوتهم وقد أووا إليها في أوقات راحتهم وانسهم بلقاء أهلهم وأطفالهم‬
‫‪.‬‬

‫وللزيارة أدب وو قت ‪ ،‬ولل سؤال كذلك أدب وزمان وباب يف تح في غبان فأت البيوت من أبواب ها إذا ك نت حري صا على قضاء‬

‫حاجتك ‪.‬‬

‫أ ما هؤلء الذ ين جاءوا من وراء الحجرات ‪ ،‬وخاطبوا الر سول صلى ال عل يه و سلم ونادوه من الطرقات ف قد ا ستهجن ال‬

‫عز وجل طريقهم ومقتها ووصف أكثرهم بعدم العقل والدراك ‪ .‬وهذا يكفي لترك مثل هذه الخلق الجافة الفظة الغليظة ‪ .‬والتأدب‬

‫بأدب ال سبحانه وهو أسمى الداب ‪.‬‬

‫والحجرات جمع حجرة ‪ ،‬كغرفة وجمعها غرفات ‪ .‬والحجرة هنا هي الغرفة في بيت النبي صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬

‫وأود هنا أن أذكر ما كانت عليه حجرات النبي المين صلى ال عليه وسلم الذي هدى أمة ‪ ،‬وكوّن دولة ‪ ،‬وأسس حضارة‬
‫عظيمة ‪ ،‬وبنى ملكا ومجدا خالدين على مدى الدهر ‪ .‬وجاء من ربه بأعظم رسالة سماوية ‪.‬‬

‫فقد أخرج البخاري رحمه ال في الدب عن داؤد بن قيس قال ‪ :‬رأيت الحجرات من جريد النخل مغشاة من خارجها بمسوح‬

‫الشعر ‪.‬‬

‫و عن الح سن ر ضي ال ع نه قال ‪ :‬ك نت أد خل بيوت أزواج ال نبي صلى ال عل يه و سلم في خل فة عثمان فأتناول سقفها‬

‫بيدي ‪ ،‬وقد أدخلت في المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك وبكى الناس لذلك ‪.‬‬

‫وقال سعيد بن المسيب رضي ال عنه إذ ذاك ‪ " :‬وال لوددت أنهم تركوها على حالها ليراها النشء من أهل المدينة ويَ ُقدُم‬

‫القادم من الفاق فيرى ما اكتفى به النبي صلى ال عليه وسلم في حياته ‪ ،‬فيكون ذلك داعيا إلى ترك التفاخر والتكاثر " ‪.‬‬

‫ولو أن هؤلء العراب صبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأجدر بأمثالهم ‪ .‬ومع هذا فال غفور ‪ :‬يغفر مثل‬

‫هذه الزلت ال تي لم ت صدر عن سوء ق صد ولم يكن سببها إل تلك الطبي عة الجا فة ال تي لم تهذب من قبل بعلم ول د ين ول تجر بة ‪.‬‬
‫ورح يم ‪ :‬ير حم م ثل هؤلء ‪ .‬و من رحم ته أ نه ينزل من القرآن آيات خالدة يؤدب ب ها عباده بالداب ال سامية الرفي عة ال تي ترضا ها‬

‫‪16‬‬

‫النفوس الكريمة وتتقبلها الطباع الشريفة ‪ .‬ومن رحمته أنه تبارك وتعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ‪،‬‬

‫والنفس ملك يمينه عز وجل وكذا الموال ومع ذلك فهو المتفضل المتكرم على عباده في كل شيء ‪.‬‬

‫وهكذا نجد القرآن العظيم يدخل في جميع شؤون العباد ‪ ،‬فيعلم عظائم المور ‪ ،‬كما يوجه إلى صغائرها ‪ ،‬حتى علمهم طريق‬

‫النداء وطريق الستئذان ‪ ،‬بل وطريق دخول البيوت وطريق السؤال في الحاجات والملمات ‪.‬‬
‫وقد حكي عن ابن عبيد قال ‪ :‬ما دققت بابا على عالم حتى يخرج في وقت خروجه ‪.‬‬

‫وكان ا بن عباس ر ضي ال عنه ما ‪ :‬يذ هب إلى أ بي في بي ته ل خذ القرآن ع نه ‪ ،‬في قف ع ند الباب ول يدق ح تى يخرج أُب يّ‬
‫رضي ال عنه ‪.‬‬

‫هكذا فعل القرآن في نفوسهم ‪ ،‬صقلها ‪ ،‬وهذبها ‪ ،‬وأدبها بأدبه الرفيع ‪ ،‬ورباها على أخلقه السماوية الطاهرة ‪ ،‬ولن تسمو‬

‫النفوس حتى تسترشد بالقرآن وتهتدي بهديه المنير ‪.‬‬
‫الية الخامسة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫صبِحُوا عَلى مَا َف َعلْتُم نَادِمين ‪. ‬‬
‫جهَالةٍ َفتُ ْ‬
‫ن تُصِيبُوا َقوْما بِ َ‬
‫سقٌ ِبنَبَأ َفتَبَيّنُوا ‪ .‬أ ْ‬
‫ن آمَنُوا إنْ جَا َء ُكمْ فا ِ‬
‫يا أيـُها اّلذِي َ‬
‫توطئممممة‬

‫هذه آ ية كري مة ‪ ،‬تقرر أ صلً عظيما ‪ ،‬له خطره وأثره في الحياة ‪ ،‬فالتث بت في الخبار وال صدق في نقل ها ‪ ،‬من قوا عد هذا‬

‫الدين الذي شاد صرح الخلق على أمتن القواعد وأقواها ‪ ،‬و َثبّت هذه السس وأرساها ‪ .‬رب عظيم في كتاب عظيم ‪ ،‬نزل على نبي‬
‫عظيم صلوات ال وسلمه عليه ‪.‬‬

‫والصدق دعامة الفضائل ‪ ،‬وعنوان الخلق والرقي ‪ ،‬ودليل الكمال ‪ ،‬ومظهر من مظاهر الرجولة والنسانية والسمر النفسي‬

‫‪ ،‬و هو الذي يض من رد الحقوق ‪ ،‬ويو طد الث قة ب ين الفراد والجماعات ‪ ،‬ل ي ستغني ع نه عالم ‪ ،‬ول حا كم ‪ ،‬ول قاض ‪ ،‬ول تا جر ‪،‬‬

‫ول رجل ‪ ،‬ول إمرأة ‪ .‬ول صغير ‪ ،‬ول كبير ‪ ،‬ما داموا جميعا يعيشون في مجتمع ‪ ،‬ويتعاملون فيه مع الخرين ‪.‬‬
‫والصدق من صفات ال عز وجل وهو من صفات النبياء والمرسلين ‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ :‬ومن أصدق من ال حديثا ‪.‬‬

‫وقال تعالى ‪ :‬واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ‪.‬‬

‫وإذا كان لل صدق هذه المنزلة الرفي عة ‪ ،‬و هو من أخلق الرح يم الرح من جل وعل ‪ .‬فإن الكذب ضد هذا تماما ‪ .‬و هو من‬
‫س َودّة ‪ .‬قال تعالى ‪:‬‬
‫صفات الشيطان ‪ ،‬ومن قادهم الشيطان من بني النسان ‪ ،‬إلى حزبه وجعلهم من أصحاب الوجوه المُ ْ‬
‫" إنما يفتري الكذب الذين ل يؤمنون بآيات ال وأولئك هم الكاذبون " ‪.‬‬
‫وقال ‪ " :‬ويم القيامة ترى الذين كذبوا على ال وجوههم مسودة " ‪.‬‬

‫وكم قد فرق الكذب بين المتحابين ! وكم سفك من دماء ‪ ،‬وكم شن من غارات ‪ ،‬وأثار إضا ونعرات‪ ،‬وكم قد فرق بين الخ‬
‫وأخ يه ‪ ،‬والولد وأب يه ‪ ،‬والوالد وبن يه ‪ ،‬و كم ور طت العجلة أنا سا فأ سقطتهم في مهاوي الظلم ‪ ،‬وجعلت هم يندمون ويتأ سفون على‬
‫فرطوا وتعجلوا ولت ساعة مندم ‪ .‬و كم من دم أهر يق نتي جة الخبار الكاذ بة والتع جل في ت صديقها ‪ ،‬و كم من بريئة قد قتلت ‪ ،‬ول‬

‫تعلم بأي ذنب قتلت !‬

‫فال تبارك وتعالى يأمر نا بالتث بت في خبر الفا سق ‪ .‬والحتياط الدق يق في تل قي الخبار ‪ ،‬لئل نح كم بقول الفا سق الكاذب ‪،‬‬

‫فنكون كاذبين ومخطئين ‪ ،‬ومتجنين ‪ ،‬على من حكمنا عليه ‪ ،‬قبل التثبت والتأني في خبر ما سمعناه منه ‪ ،‬ونقلناه عنه ‪.‬‬

‫ولما للصدق من أثر في بناء المجتمعات على قواعد سليمة محكمة متينة ‪ ،‬فقد أمر ال بالصدق ونهى عن الكذب فقال تعالى‬

‫‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫" يا أيها الذين آمنوا اتقوا ال وكونوا مع الصادقين " ‪.‬‬

‫و في الحد يث الشر يف عن ا بن م سعود ر ضي ال ع نه قال قال ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ‪ " :‬علي كم بال صدق ‪ .‬فإن‬
‫ال صدق يهدي إلى البر ‪ ،‬والبر يهدي إلى الج نة " ‪ ،‬و ما يزال الر جل ي صدق ويتحرى ال صدق ‪ ،‬ح تى يك تب ع ند ال صديقا ‪ ،‬وإيا كم‬

‫والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ‪ ،‬وإن الفجور يهدي إلى النار ‪ ،‬وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند ال كذابا "‬
‫‪ .‬رواه البخاري ومسلم ‪.‬‬

‫وفي حديث عبادة بن الصامت رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬اضمنوا لي شيئا من أنفسكم أضمن لكم‬

‫الج نة ‪ ،‬أ صدقوا إذا حدث تم ‪ ،‬وأوفوا إذا وعد تم ‪ ،‬وأدوا إذا أؤتمن تم ‪ ،‬وأحفظوا فروج كم ‪ ،‬وغضوا أب صاركم ‪ ،‬وكفوا أيدي كم " ‪ .‬رواه‬

‫المام أحمد وابن حبان ‪.‬‬

‫ص َدقُوا‬
‫ورسالة السلم كلها الصدق ‪ ،‬ورسول السلم عليه الصلة والسلم جاء بالصدق ‪ ،‬وصدق برسالته المؤمنون ‪ .‬و َ‬

‫فيما عاهدوا ال عليه فأثنى ال عليهم ‪ ،‬إذ َوفّوا بما عاهدوا عليه ال ‪ .‬من الصبر في الحرب ‪ .‬والشجاعة في لقاء العدو ‪ ،‬والثبات‬
‫‪ .‬ولم يهنوا ولم يستكينوا ‪ .‬وما بدلوا تبديلً ‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " ‪.‬‬

‫وقال تعالى ‪ " :‬من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ال عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديل " ‪.‬‬
‫" أسباب نزول الية "‬

‫قال المام أح مد بن حن بل رح مه ال حدث نا مح مد بن سابق حدث نا عي سى بن دينار ‪ .‬حدث ني أ نه سمع الحارث بن ضرار‬
‫الخزاعي رضي ال عنه يقول ‪:‬‬

‫قدمت على رسول ال صلى ال عليه وسلم فدعاني إلى السلم ‪ .‬فدخلت فيه وأقررت به ‪ .‬ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها‬

‫ي يا رسول ال رسولً‬
‫وقلت ‪ :‬يا رسول ال ارجع إليهم فأدعوهم إلى السلم وأداء الزكاة فمن استجاب لي دفعت زكاته وترسل إل ّ‬

‫إبّان كذا وكذا ‪ .‬ليأتيك بما جمعت من الزكاة ‪ ،‬فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له ‪ ،‬وبلغ البان الذي أراد رسول ال صلى ال‬

‫عل يه و سلم أن يب عث إل يه ‪ .‬احت بس عل يه الر سول ولم يأ ته‪ ،‬و ظن الحارث أ نه قد حدث ف يه سخطة من ال تعالى ور سوله ‪ .‬فد عا‬

‫سَرَوات قو مه فقال ل هم ‪ :‬إن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم كان وقّت لي وقتا ير سل إلي ر سوله ليق بض ما كان عندي من‬

‫الزكاة ‪ ،‬ول يس من ر سول ال الخلف ‪ ،‬ول أرى ح بس رسوله إل من سخطة ‪ .‬فانطلقوا ب نا نأ تي ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‬
‫وفي هذا الحال وهم يتحادثون مجتمعين ويتذاكرون في سبب تأخير المبعوث من قبل رسول ال إلى الحارث وجماعته ‪.‬‬

‫بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم الوليد بن عقبة ابن أبي معيط إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ‪،‬‬

‫فلما أن سار الوليد بن عقبة ‪ ،‬حتى بلغ بعض الطريق َف َرقَ – أي خاف – فرجع حتى أتى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال ‪:‬‬

‫" يا ر سول ال إن الحارث منع ني الزكاة وأراد قتلي ‪ ،‬فغ ضب ر سول ال وب عث الب عث إلى الحارث ر ضي ال ع نه ‪ .‬وأق بل‬

‫الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا هذا الحارث ‪ ،‬فلما غشيهم قال لهم إلى من بعثتم ؟‬
‫قالوا ‪ :‬إل يك ‪ .‬قال ‪ :‬ولم ؟ قالوا ‪ :‬إن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ب هث الول يد بن عق بة فز عم أ نك منع ته الزكاة وأردت قتله ‪.‬‬
‫فقال رضي ال عنه ‪ :‬ل ‪ ،‬والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ول أتاني ‪ .‬فلما دخل الحارث على رسول ال قال ‪ " :‬منعت الزكاة‬

‫وأردت قتل رسولي ؟ " قال ‪ :‬ل ‪ .‬والذي بعثك بالحق ما رأيته ول أتاني ‪ ،‬وما أقبلت إل حين احتبس عليّ رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلم خشيت أن يكون كانت سخطة من ال تعالى ورسوله ‪ .‬فنزلت هذه الية الكريمة من سورة الحجرات ‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا‬
‫إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ‪ ،‬أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ‪.‬‬
‫وقال مجاهد رضي ال عنه وقتادة في رواية أخرى ‪:‬‬

‫ب عث ر سول ال صلى ال عل يه و سلم الول يد بن عق بة إلى ب ني الم صطلق يت صدقهم فتلقوه بال صدقة فر جع فقال ‪ :‬إن ب ني‬

‫المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك ‪ .‬زاد قتادة ‪ .‬وأنهم قد ارتدوا عن السلم ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫فب عث ر سول ال صلى ال عل يه و سلم خالد بن الول يد ر ضي ال ع نه إلي هم وأمره أن يتث بت ول يع جل ‪ .‬فانطلق خالد ح تى‬

‫أتا هم ليلً فب عث عيو نه فل ما جاءوا ‪ .‬أ خبروا خالدا ر ضي ال ع نه أن هم م ستمسكون بال سلم ‪ .‬و سمعوا أذان هم و صلتهم ‪ .‬فل ما‬

‫أصبحوا أتاهم خالد بن الوليد فرأى الذي يعجبه ‪ ،‬فرجع إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فأخبره الخبر فأنزل ال تبارك وتعالى‬

‫هذه الية ‪:‬‬

‫" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " الية ‪.‬‬
‫قال المام الحسن رضي ال عنه في هذه الية ‪:‬‬

‫" فوال لئن كانت الية نزلت في هؤلء القوم خاصة‪ ،‬إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء "‪.‬‬
‫والقاعدة الصولية المعروفة ‪ .‬أن العبرة في كتاب ال بعموم اللفظ ل بخصوص السبب ‪.‬‬

‫والفسماق والكذابون فمي كمل زمان وأوان يملون أطباق الثرى ‪ .‬فعلى المرء أن يتثبمت ‪ ،‬ويتأنمى ‪ .‬ول يتعجمل بالحكمم على‬

‫أحد ‪ ،‬وقد أمره ال بهذه ال ية بالتثبت والتبين ‪ ،‬فإذا أطاع وتثبت فقد عبد ال وأمن على نفسه من الوقوع في عاقبة الحكم على‬
‫الناس بالباطل والفك والبهتان ‪ .‬على أن خطر الخبار ل يجيء من ناحية الفسق وتعمد الكذب وحده ‪ ،‬بل قد يجيء من نواح أخرى‬

‫‪ ،‬ف قد يكون الر جل عدلً أمينا صادقا ‪ .‬لك نه ل يعرف ك يف ي سمع الخبار ‪ ،‬ول ك يف ينقل ها ‪ .‬فل يح سن ال سمع ‪ ،‬ول يح سن الداء ‪.‬‬
‫فيقع تحت طائلة الكذب ‪.‬‬

‫و قد يكون الر جل عد ًل ‪ .‬ولك نه ذو غفلة ‪ .‬فتدس إل يه الخبار من الكاذب ين وينقل ها إلى الغ ير عن صفاء ن ية ‪ ،‬وعلى ظن‬

‫الصدق فيقع كذلك في أسر الكاذبين ‪.‬‬

‫والتثبت في الخبار فضيلة ‪ ،‬تدل على الرجولة ‪ ،‬وضبط النفس ‪ .‬ولكنها – مع مر السف – ليست كثيرة عند الناس ‪ ،‬وأكثر‬

‫الناس يقعون في ت صديق الخبار من ح يث ل يشعرون ‪ .‬ولب عض مهرة الكذاب ين ح يل وأ ساليب قد تخ فى على أ شد الناس تثبتا ‪.‬‬

‫ل ‪ ،‬وحكمة ‪ ،‬وإدراكا ‪ .‬خصوصا في زماننا هذا ‪ .‬وقد أصبحت أسلحة الدعاية والكذب فيه من أفتك ما نُحارب به ‪ ،‬بل أصبح‬
‫وعق ً‬

‫للكذب معامل ومصانع ومطابخ تهيئ الكذب وتجدمله وتزينه وتصقله ‪ ،‬ثم تدس سمه في الدسم وتقدمه طعما للغافلين البرياء من‬

‫الناس ‪ ،‬فتوقعهم في شباك الكذب من حيث ل يشعرون ‪ ،‬وإذا كان رجال المس يتثبتون للخبر مرة واحدة ‪ ،‬فيجب علينا نحن اليوم‬
‫أن نتثبمت ألف مرة ومرة ‪ ،‬وقمد كثرت بيننما الوشايات وسماءت بيننما العلقات ‪ ،‬وتقرقنما أيدي سمبأ ‪ ،‬بفعمل الخائنيمن والكذابيمن‬

‫والدساسين ‪ ،‬وبعل المؤامرات والمخططات الجهنمية التي حاكها ضدنا الستعمار والصهيونية والشيوعية ومن لفّ لفهم من أذنابهم‬

‫وخدامهمم العملء الخونمة ‪ .‬حتمى سماد بعضهمم المجتمعات السملمية ‪ ،‬وحكموا شعوبهما بالقسمر والقهمر وهمم العبيمد الذلء ‪ .‬قال‬

‫المتنبي‪:‬‬

‫سادات كل أناس من نفوسهمموا‬

‫وسادة المسلمين العبُمدث القُم ُزمُ‬

‫والناس جميعا في أشد الحاجة إلى العمل بهذه الية الكريمة لتستقيم أخلقهم وترتاح ضمائرهم ‪ .‬والذين هم أشد حاجة من‬

‫جميع الناس للعمل بهذا الطراز من الخلق الرفيع ‪ ،‬هم الذين بيدهم مقاليد المور ‪ ،‬وكثيرا ما يقع عدم التثبت من الكبراء والرؤساء‬
‫‪ .‬ويديئهم ذلك من ناحية ا ستبعاد أن تكذب علي هم بطانتهم ‪ .‬وهو مد خل للخ طر عظ يم ‪ ،‬ف قد تكون هذه البطانة من أكذب الناس‬

‫وأشدهم حقدا وحسدا للخرين ‪ ،‬فتوقع رئيسها في طائلة الظلم والكذب والتسرع في المور ‪ ،‬وتوقع المظلومين فريسة لها ‪.‬‬

‫وفي هذه الية – إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا – الدب العظيم الذي ل بد منه لتكميل النفس ‪ ،‬وإعدادها لتعرف الحق وتعمل‬

‫به ‪ ،‬ولتعرف مواطن الباطل والزلل فتجتنب عنها ‪.‬‬

‫وال تبارك وتعالى يرشد عباده إلى هذا الدب الكامل ويحذرهم أن يعملوا بالخبار قبل الكشف عنها‪ ،‬وقبل التثبت منها ‪ ،‬لئل‬

‫يصيبوا أقواما بسبب الجهالة ‪ ،‬وبسبب الخبار الكاذبة التي ل تفيد علما عند العقلء فيصبحوا بعد ذلك آسفين ‪ ،‬نادمين ‪ ،‬يلزمهم‬

‫‪19‬‬

‫الحزن على مما فرط منهمم ‪ .‬فيجمب الكشمف عمن الخمبر بكمل الوسمائل المسمتطاعة ‪ ،‬ويجدر بالمؤممن أن يحذق طرق الكشمف عمن‬

‫الخبار ‪ ،‬ويروض نفسه عليها ويتأنى ‪ .‬ففي التأني السلمة ‪ ،‬وفي العجلة السف والندامة ‪.‬‬

‫روي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬إذا جاءني الخصم وفي يده عينه مفرغة – مخلوعة‬

‫– ل أحكم له وأقول إنه مظلوم ‪ ،‬حتى أسمع لخصمه وأتثبت منه ‪ .‬فلعل هذا ‪ .‬قد أفرغ وخلع عيني ذاك ؟‬
‫والفاسق‬

‫في قوله تعالى ‪ :‬إن جاءكم فاسق ‪.‬‬
‫هو الخارج من طاعة ال تعالى إلى معصيته ‪ .‬وقد سمي الحامل للخبر الكاذب فاسقا لنه خرج من الصدق الذي فيه طاعة‬

‫ال عز وجل ‪ ،‬إلى الكذب الذي فيه معصية ال عز وجل ومجانبة أمره ‪.‬‬

‫ويقع الفسق بالقليل من الذنوب وبالكثير ‪ ،‬ولكنه تعورف فيما كان كثيرا ‪ ،‬وهو أعم من الكفر ‪ .‬وأكثر ما يقال لمن التزم حكم‬

‫الشرع وأقربمه ‪ ،‬ثمم أخلّ بأحكاممه كلهما أو بعضهما ‪ .‬وقوله تعالى ‪ " :‬أفممن كان مؤمنا كممن كان فاسمقا ل يسمتوون " يدل على أن‬
‫الفسق أعم من الكفر لنه قابل به اليمان ‪.‬‬
‫والنبأ‬
‫هو الخبر العظيم ‪ ،‬الذي يترتب عليه أمر خطير وكبير ‪.‬‬

‫أما الخبمار الصغيمرة أو التافهمة التي ل يترتب عليها شيء فهي في غير حاجة إلى التبين والتثبت ‪.‬‬

‫وقد وصف ال سبحانه حادث الرسالة المحمدية بالنبأ العظيم حيث قال تعالى ‪ " :‬ع مّ يتساءلون ؟ عن النبأ العظيم الذي هم‬

‫فيه مختلفون " ‪.‬‬

‫و مع هذا ‪ .‬ف من الحك مة والحي طة ‪ ،‬أن يتث بت المرء في كل ش يء ‪ ،‬وي تبين كل خبر ‪ ،‬وأن يكون دائما على حذر ‪ .‬فإن ال‬

‫تبارك وتعالى ‪ .‬ك ما حذر نا من الكذب ‪ ،‬ونها نا ع نه ‪ .‬فإ نه عز و جل في هذه ال ية ‪ ،‬حذر نا من ت صديق الكذب والكذاب ين ‪ ،‬وأمر نا‬
‫بالتثبت في أنبائهم وأخبارهم ‪ ،‬بقطع النظر عن شكلها وموضوعها ‪ .‬وأطلق عليهم لفظ الفاسقين ‪ :‬إن جاءكم فاسق بنبأ ‪.‬‬
‫نسأل ال السلمة من كل إثم والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬

‫معالجة السلم لمشاكل اللسان‬

‫لمّ ما كان الل سان آلة ال صدق والكذب ‪ ،‬ف قد ورد في الل سان من الثار ما يغ ني ذوي العقول ال سليمة عن الوقوع في آفا ته‬
‫والنجراف معه في انحرافاته ‪.‬‬

‫واللسان من نعم ال العظيمة ‪ ،‬ولطائف صنعه الغريبة العجيبة ‪ ،‬فإنه صغير الجرم ولكنه عظيم الخطر كثير النفع والضرر ‪،‬‬

‫ول يستبين الكفر واليمان ‪ ،‬إل بشهادة اللسان ‪ .‬وهما غاية الطاعة والعصيان ثم أنه – كما يقول المام الغزالي رحمه ال – ما من‬
‫موجود أو معدوم ‪ ،‬ول متخيل أو مصروم ‪ ،‬مظنون أو موهوم ‪ .‬إل واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي ‪ .‬ومن أطلق عذبة‬

‫الل سان ‪ ،‬وأهمله مرض العنان سلك به الشيطان في كل ميدان ‪ ،‬و ساقه إلى ش فا جرف هار ‪ ،‬واضطره إلى البوار ول ين جو من شر‬

‫اللسان إل من قيده بلجام الشرع فل يطلقه إل فيما ينفعه في الدنيا والخرة ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله أو آجله ‪.‬‬

‫ورد عن سعيد بن جبير مرفوعا إلى النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬إذا أصبح ابن آدم أصبحت العضاء كلها تذكر اللسان‬

‫أي تقول ‪ :‬اتق ال فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ‪.‬‬

‫وهذا أروع تمثيل لبيان خطر اللسان ‪ ،‬وأشر اللسان في حياة النسان ‪ ،‬يصوره لنا الرسول المين صلى ال عليه وسلم الذي‬

‫كان صمته فكراص ‪ ،‬ونطقه ذكرا ‪ ،‬ونظره عبرا ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫وروي عن ابن مسعود رضي ال عنه أنه كان على الصفا يلبي ويقول ‪:‬‬

‫يا لسان ‪ ،‬قل خيرا تغنم ‪ ،‬واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل له ‪ :‬يا أبا عبد الرحمن ‪ .‬أهذا شيء تقوله أو شيء‬

‫سمعته ؟ فقال ‪ :‬ل بل سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ :‬أن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ‪.‬‬

‫وورد عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم أ نه قال ‪ :‬ل سان المؤ من وراء قل به فإذا أراد أن يتكلم بش يء تدبره بقل به ثم أمضاه‬

‫بلسانه ‪.‬‬

‫وأن لسان المنافق أمام قلبه فإذا همّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبّره قلبه ‪.‬‬

‫وقال النبي الكريم صلوات ال وسلمه عليه ‪ :‬من كثر كلمه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ‪ ،‬ومن كثرت ذنوبه‬

‫كانت النار أولى به ‪.‬‬

‫رجل من أهل الجنة‬

‫جاء عن محمد بن كعب قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫أن أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة ‪ .‬فدخل عبد ال بن سلم فقام إليه أناس من أصحاب رسول ال فأخبروه‬

‫بذلك وقالوا ‪ :‬أخبر نا بأو ثق ع مل في نف سك تر جو به فقال ‪ :‬ا ني لضع يف ‪ ،‬وأن أو ثق ما أر جو به ال سلمة ال صدر وترك ما ل‬
‫يعنيني ‪.‬‬

‫و قد ق سم المام الغزالي رح مه ال في كتا به الحياء ‪ .‬ق سم الكلم إلى أرب عة أق سام ق سم هو ضرر م حض ‪ ،‬وق سم هو ن فع‬

‫محض وقسم فيه ضرر ومنفعة ‪ ،‬وقسم ليس فيه ضرر ول منفعة ‪.‬‬

‫أما الذي هو ضرر محض فلبد من السكوت عنه ‪ ،‬وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة ل تفي بالضرر ‪.‬‬

‫وأما ما ل منفعة فيه ول ضرر فهو فضول والشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران ‪.‬‬

‫فل يبقى إل الق سم الرا بع ف قد سقط ثلثة أرباع الكلم ‪ ،‬وب قي ربع وهذا الربع فيه خطر ‪ ،‬إذ يمتزج بما فيه أثم من دقائق‬

‫الرياء ‪ ،‬والتصنع ‪ ،‬والغيبة ‪ ،‬وتزكية النفس ‪.‬‬
‫قال تعالى ‪:‬‬

‫" ل خير في كثيرٍ من نجواهم إل من أمر بصدقة أو معروف أو إصلح بين الناس " ‪.‬‬

‫هذا قليل من كثير مما ورد في اللسان وخطر اللسان وآثار اللسان فهل يسوغ لمسلم أن يطلق لسانه ويدعه يلوك الكلم في‬

‫أعراض الناس ‪ ،‬ول يتقي ال فيهم ؟ ويأكل لحومهم وهم غائبون ‪ ،‬ويطعن فيهم وهم ل يعلمون ‪ .‬إنه الوباء والمرض يصيب بعض‬

‫اللسنة فيرديها قتيلة هالكة ‪.‬‬

‫أمراض اللسان‬

‫والل سان في الن سان يمرض ك ما تمرض بق ية العضاء ‪ .‬فالقلب يمرض ك ما قال تعالى في المنافق ين‪ " :‬في قلوب هم مرض‬
‫فزادهم ال مرضا ‪ ،‬ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " ‪.‬‬

‫والعقل يمرض والعين تمرض ‪ .‬ولعل مرض اللسان من أخطر هذه المراض القاتلة التي تصيب هذا النسان الضعيف وال‬

‫تبارك وتعالى حذر نا من كل المراض ال تي ي صاب ب ها الل سان ك ما أن ال سلم العظ يم قد و ضع الدواء النا جع ل كل نوع من أنواع‬

‫المراض التي يصاب بها اللسان ‪ .‬وليس هنا محل تفصيلها وحسبي أن أشير إليها وأسميها بأسمائها والدواء لكل مرض في كتاب‬

‫ال عز وجل وفي سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ومن أمراض اللسان ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫الكذب ‪ ،‬والغي بة ‪ ،‬والنمي مة ‪ ،‬والف حش ‪ ،‬وال سب ‪ ،‬وبذاءة الل سان ‪ ،‬والمراء والجدال والكلم في ما يع ني ‪ ،‬وفضول الكلم ‪،‬‬

‫والخوض فمي الباطمل ‪ ،‬والخصمومة والتقعمر فمي الكلم ‪ ،‬واللعمن والطعمن والتشدق والتصمنع فمي الكلم ‪ ،‬والمزاح والسمخرية ‪،‬‬
‫والستهزاء وإفشاء السر ‪ ،‬والوعد الكاذب ‪ ،‬واليمين الكاذب ‪ ،‬والمدح الكاذب وأصحاب اللسانين الخ ‪.‬‬

‫كل هذه المراض إن ما هي من أمراض هذا الل سان الذي يحمله كل إن سان و هو الذي يحدد شخ صية هذا الن سان وير سم‬

‫ملم حه ‪ .‬فالن سان مخبوء ت حت ل سانه ‪ ،‬فإذا تكلم ف قد انك شف وظ هر للعيان ب صدقه أو كذ به بعل مه أو بجهله ‪ ،‬بخيره أو بشره ‪.‬‬
‫بشجاعته أو جبنه ‪ .‬وجبن الوليد بن عقبة وخوفه أظهر على لسانه تلك الكذبة التي نزلت الية بسببها وسماه ال عز وجل فاسقا ‪:‬‬
‫" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ‪.‬‬

‫وهنا ناحية في أخلقنا الجتماعية تكاد تكون عامة في كثير من الطبقات وهي الكذب في الحديث والرواية والعمل ل لشيء‬

‫سوى التخلص من عتاب صديق ‪ .‬أو عناء زيارة واجبة ‪ ،‬أو دفع تبعة محتملة فاعتذارك عن تلبية دعوة ‪ ،‬بداعي المرض مع أنك‬

‫لم تكن مريضا ‪ .‬أو كقولك لهلك عند زيارة أحد تكره مقابلته أو عند نداء تلفوني من إنسان ل تحب مكالمته ‪ .‬قولوا له أني لست‬
‫في الدار ‪ .‬مع أنك موجود فيها فقد كذبت بهذا التصرف ‪ ،‬وجعلت أهلك يكذبون معك ‪ ،‬أو تجاهلك لمر تعرفه أو التغاضي عن شيء‬

‫تكره إفشاءه ‪ .‬والتمارض الذي يظهر به بعض الناس كل ذلك من هذا القبيل ‪.‬‬

‫والمصانعة ‪ ،‬والمداهنة والرياء والتقية وإن اختلفت أسماؤها ‪ ،‬فهي في الحقيقة ل تخرج عن هذا الميدان وهو ميدان الكذب‬

‫‪ ،‬ما دام الكذب هو الخبار بشيء على خلف ما هو عليه مع العلم به ‪ ،‬فليحذر الناس هذه المزالق الخطرة وليحاربوا كل أ صناف‬
‫هذا المرض الذي هو الكذب وهو رذيلة شنعاء خطيرة مقتها ونهت عنها جميع الشرائع السماوية وأنكرتها جميع العقول السليمة ‪.‬‬
‫مواضع يجوز بها الكذب‬

‫لقد أجازت ل نا الشريعة السلمية الغراء وهي شريعة الرحمة والي سر والخيرات الحسان أجازت لنا ارتكاب بعض المنهيات‬

‫للضرورة ك ما أجازت للمض طر أ كل المي تة ول حم الخنز ير ‪ ،‬ف قد أجازت الكذب لب عض الضرورات و قد ورد عن أم كلثوم ر ضي ال‬
‫عنها قالت ‪ :‬ما سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إل في ثلث ‪:‬‬

‫‪ – 1‬الر جل يقول القول ير يد به ال صلح ‪ – 2 ،‬والر جل يقول القول في الحرب ‪ – 3 ،‬والر جل يحدث امرأ ته والمرأة تحدث‬

‫زوجها ‪.‬‬

‫وقال النبمي الكريم صلوات ال وسلمه عليه ‪ :‬ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى – أذاع خيرا – وروي‬

‫عن أبي كاهل قال ‪ :‬وقع بين اثنين من أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم حتى تصارما ‪ ،‬فلقيت أحدهما فقلت ‪ :‬مالك ولفلن ‪ ،‬فقد‬

‫سمعته يحسن عليك الثناء ؟ ثم لقيت الخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ‪ .‬ثم قلت ‪ :‬أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين ‪ .‬فأخبرت‬

‫ال نبي صلى ال عل يه و سلم فقال ‪ :‬يا أ با كاهمل أ صلح ب ين الناس ولو – أي ولو بالكذب فهذه الموا ضع الثلث ورد في ها صريح‬

‫الستثناء وفي معناها كل ما عداها إذا ارتبط به غرض مقصود صحيح ‪ ،‬ومصلحة راجحة على أن ل تتعدى هذه الرخصة في الكذب‬
‫حدود الضرورة ‪ ،‬فإذا تعدت انقلبت إلى ضدها ‪.‬‬
‫الكذب في المزاح‬
‫ول يفوت نا أن نذكر ه نا أن هناك أناسا يغلب عليهم طبع المزاح فتراهم يختلقون الق صص والخبار والخرافات ليضحكوا بها‬

‫الناس ‪ .‬وهذا النوع من المذاح كذب محض في عرف الشرع والعقل وهو منهى عنه قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ‪ ،‬ويل له ‪ ،‬ويل له ‪.‬‬

‫وقال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إياكم والكذب فإن الكذب ل يصلح ل في الجد ول في الهزل ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫بل نهى الشارع العظيم عن الكذب حتى مع الطفل الصغير فقال النبي صلوات ال وسلمه عليه ‪ :‬ل يعد الرجل صبيه ثم ل‬

‫يفي له ‪.‬‬

‫وروي أن يعلى ب نت أ بي جث مة نادت ابن ها ال صغير قائلة ‪ :‬يا عبدال تعال خذ فقال ل ها ال نبي صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬و ما‬

‫تعطينه ؟ قالت ‪ :‬تمرا ‪ .‬فقال ‪ :‬أما أنك لو لم تعطيه كتبت لك كذبة ‪.‬‬

‫وهذا علج في التربية حكيم وعظيم لو سار عليه الباء والمهات لما نشأ البناء على الكذب واللعب وكثرة البهتان ‪.‬‬

‫فالطفال وربة البيت وحتى الخدم إذا آنسوا من رب البيت كذبا وخداعا جاوره في هذا المضمار ‪ ،‬وغنوا بأبشع النغام على‬

‫هذا المضمار ‪.‬‬

‫ول شيمء يضممن الراحمة والهدوء والسمعادة فمي السمرة مثمل أن يجعمل رب السمرة عماد معاملتمه لفراد أسمرته الصمدق‬

‫والخلص وتحري الحمق فمي القول والعممل ‪ ،‬وتعويمد أهله وولده على هذه الخلل ‪ ،‬ويعجبنممي فمي الحمض على الوفاء بالوعمد‬
‫ولحتياط في المر قول أبي السود الدؤلي رضي ال عنه إذ يقول ‪:‬‬
‫وإذا وعدت الوعد كنمت كغارم‬

‫دينما أقمر بمه وأحضر كماتبا‬

‫حتمى أنفمذه علمى ما قلتممه‬

‫وكفى علمي به لنفسمي طالبما‬

‫وإذا منعت منعمت منعما بينما‬

‫وأرحت من طول العناء الصاحبا‬

‫فهو رضي ال عنه ‪ :‬إذا وعد آخر بوعد التزم وعده وأكده على نفسه كما يلتزم المدين أداء دينه بالقرار به وتسجيله في‬

‫صك عن يد كاتب حتى ينفذه في أجله المعلوم ‪ .‬أنه ل يحتاج إلى من يذكره بالوعد ولزوم الوفاء به فإن نفسه هي الكفيلة بذلك ثم‬

‫أ نه إذا أ حس من نف سه الع جز عن الوفاء ل صاحبه بالو عد الذي وعده ب ين له من أول وهلة أ نه غ ير قادر على الوفاء والنجاز ‪،‬‬
‫ويكون بذلك قد أراح صاحبه من التعب والعناء وطول المراجعة وحبذا هذا الخلق الكريم من أبي السود الدؤلي رحمه ال ‪.‬‬
‫جواز المزاح‬

‫المزاح ال صادق لم ي نه ع نه الشرع الكر يم فف يه مطاي بة وت سلية لكث ير من النفوس على أن ل يتجاوز حد العتدال و قد كان‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم يمازح بعض الصحابة والصحابيات ولكنه صلوات ال وسلمه عليه ل يقول إل حقا ‪ .‬روي عن الحسن‬
‫رضي ال عنه أنه قال ‪ :‬أتت عجوز إلى النبي صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا رسول ال أدع لي بالمغفرة ‪.‬‬

‫فقال ل ها ‪ :‬ل يد خل الج نة عجوز ‪ ..‬فب كت فتب سم ال نبي صلى ال عل يه و سلم وقال ل ها ‪ :‬ل ست بعجوز يومئذ أ ما قرأت قوله‬

‫ن ‪ :‬إنشاءا فجعلناهنّ أبكارا عُرُبا أترابا " ‪.‬‬
‫تعالى ‪ " :‬إنا أنشأناه ّ‬

‫وجاء رجل من الصحابة إلى النبي صلى ال عليه وسلم طالبا أن يجد له الرسول راحلة تحمله إلى الغزو الغزو والقتال فقال‬

‫‪ :‬احملني يا رسول ال فقال ‪ :‬لحملنك على ابن ناقة فقال الرجل ‪ :‬وكيف يحملني ابن الناقة يا رسول ال فتبسم رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم وقال له ‪ :‬وهل الجمل إل ابن الناقة ؟‬

‫وهناك الكث ير الوا فر من حوادث مزا حه النب يل الجم يل صلى ال عل يه و سلم القائم على ال حب وال صدق والخلص وتألف‬

‫القلوب ‪.‬‬

‫ولقد تأدّب المسلمون بهذه الداب الرفيعة السامية حتى كانوا بحق خير أمة أُخرِجت للناس والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫الية السادسة والسابعة ‪:‬‬
‫قال ال سبحانه وتعالى ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ن وَزَيّنَهُ فِي ُقلُو ِبكُم وكَ ّرهَ‬
‫ب إّل ْي ُكمُ اليما َ‬
‫ن المْ ِر َلعَ ِن ّتمُ ‪ ،‬ولكِنّ الَ حَبّ َ‬
‫ل َلوْ يُطِي ُعكُم فِي كَثيرٍ مِ َ‬
‫ن فِيكُم رَسُولَ ا ِ‬
‫علَممُوا أ ّ‬
‫وا ْ‬
‫حكِي ٌم ‪. ‬‬
‫علِيمٌ َ‬
‫ن الِ و ِنعْمَ ًة ‪ ،‬والُ َ‬
‫شدُونَ ‪َ ،‬فضْلً مِ َ‬
‫ك ُهمُ الرّا ِ‬
‫إلَ ْي ُكمُ الكُفْ َر والفُسُوقَ والعِصْيانَ أولئِ َ‬

‫ب عد أن حذَر ال سبحانه المؤمن ين في ال ية ال سابقة من أخبار الفا سقين ‪ ،‬وأمر هم بال تبيّن والتث بت في ها لئل ي صيبوا قوما‬

‫بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين ‪.‬‬

‫نبه هم ه نا سبحانه في هذه ال ية إلى أن الر سول بين هم و هو مع هم يتل قى الو حي من ر به ‪ ،‬ول يس المق صود ظا هر ال خبر‬

‫بوجوده بينهم صلوات ال وسلمه عليه لن ذلك معروف بالعيان ‪.‬‬

‫بل المق صود لزم ال خبر و هو التحرّز والتو قي والحذر التام من الكذب والبهتان فإ نه إن خ في كذبكم على الناس ‪ ،‬بل وح تى‬

‫على الرسول عليه السلم فإن ال ل يخفى عليه شيء مما توسوس به أنفسكم وتنطق به ألسنتكم ‪ .‬فإذا اطلع على شيء من كذبكم‬
‫أنزل الوحي على رسوله وفضحكم بما قلتم وبما كذبتم كما فعل بالوليد بن عقبة الذي اطلعتم على مصيره ونتيجة أمره حين فضحته‬

‫آيتنا التي أنزلناها على رسولنا ‪.‬‬

‫هذا من جهة وأما من الجهة الخرى فإن المؤمنين ونبيهم العظم صلوات ال وسلمه عليه بين أظهرهم يجب أن يكونوا‬

‫بعيد ين عن الدنا يا و عن الكذب الذي يؤدي إلى المفا سد ‪ ،‬وي جر إلى ويلت قد يشترك في ها ال نبي صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬ول يل يق‬
‫بمن يحبه ويؤمن به ويعظمه أن يوقعه في مثل هذا الخطر الذي يؤدي إليه الكذب ‪.‬‬

‫وهذا الحب وهذا الجلل يدعو إلى الحتراس من وقوع المحبوب فيما ل يليق أن يقع فيه والعلم بأن فيهم رسول ال تنبيه‬

‫لهم على وجود المرشد المراقب لتصرفاتهم والذي يجب اتباعه ‪ ،‬وتجب طاعته بأمر ال عز وجل ‪ ،‬وبذلك عاد الحديث إلى الطاعة ‪،‬‬
‫وإلى عدم السبق بالرأي ‪ ،‬والتعجل في الحكم وهو موضوع أول آية في هذه السورة المباركة سورة الحجرات ‪.‬‬

‫وال سر في ذلك الوجوب ‪ :‬همو أن الرسمول صملى ال عل يه وسملم مبلغ أ مر ال و مبين له وأ نه أدرى بالغراض الله ية ‪،‬‬

‫وأدرى بمصالح المة وما ينفعها ‪ ،‬من كل من حوله يؤيده الوحي ويمده النور اللهي ‪ ،‬ومقامه مقام المتبوع ‪ ،‬ومقامهم مقام التابع‬
‫‪ ،‬فيجب أن يطيعوه ‪ ،‬ل أن يطيعهم ‪ ،‬ولو أن المر انعكس وأطاعهم لنالهم من طاعته إياهم عنت وجهد ومشقة وهلك ‪.‬‬

‫ولكن ذلك ل يكون لن الرسول صلى ال عليه وسلم بحكم منصبه ل يتبع إل ما يوحى إليه من ربه ‪ ،‬وهذا مبدأ معروف لم‬

‫ي جر حد يث ع نه في ال ية ‪ ،‬ولن جما عة المؤمن ين بح كم إيمان هم ل يرضون ذلك ول يطالبون به لن ال ح بب إلي هم اليمان بال‬

‫ورسوله ‪ ،‬وح سّنه في قلوبهم فهو لصق بهم ‪ ،‬وكرّه إليهم الكفر والفسوق والخروج عن الطاعة وركوب ما نهى ال عنه ‪ ،‬وقد‬
‫جرت عادة القرآن الكر يم أن يخا طب الجم يع ولو كان الذي ف عل الف عل الب عض ‪ ،‬ت نبيها على ان الم سلمين يعدون وحدة مت صلة وإن‬

‫كثرت العداد وأن ما يفعله البعض منهم يُع ّد صادر عن الجميع راجع تفسير سورة الحجرات للشيخ محمد مصطفى المراغي رحمه‬
‫ال قال المام ابن كثير رحمه ال في تفسيره‪:‬‬

‫قوله تعالى ‪ " :‬واعلموا أن فيكمم رسمول ال " أي اعلموا أن بيمن أظهركمم رسمول ال فعظموه ووقروه ‪ ،‬وتأدبوا معمه ‪،‬‬

‫وانقادوا لمره فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم ورأيه فيكم أتم من رأيكم أنفسكم كما قال ال تبارك وتعالى ‪ " :‬النبي أولى‬
‫بالمؤمنين من أنفسهم " ثم بيّن أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال ‪ " :‬لو يطيعكم في كثير من المر لعنتم " أي لو‬

‫أطاعكم في جميع ما تختارونه لدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم كما قال سبحانه وتعالى ‪ " :‬ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات‬
‫والرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون " ‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ " :‬ول كن ال ح بب إلي كم اليمان وزي نه في قلوب كم " ‪ :‬أي حب به إلى نفو سكم ‪ ،‬وح سنه في قلوب كم ‪ ،‬وهذه من‬

‫نعمة ال على المؤمنين إذ يزين لهم اليمان ويركزه في قلوبهم ويثبتهم عليه ‪ ،‬فإن النسان قد يرى حسنا ما ليس بالحسن والعكس‬
‫بالعكس كذلك ‪ ،‬لذا فإن ال زين هذا اليمان في قلوبهم وثبتهم عليه وجعلهم يرونه حسنا وأنه ل يحياة لهم بدونه ‪ .‬قال المام أحمد‬

‫‪24‬‬

‫رحمه ال ‪ :‬ورد عن قتادة عن أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ :‬السلم علنية واليمان في‬

‫القلب ‪ ،‬قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلث مرات ثم يقول ‪ :‬التقوى ههنا ‪ ،‬التقوى ههنا ‪.‬‬
‫" وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان " ‪.‬‬

‫أي بغّض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار ‪ ،‬والعصيان يشمل جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة ‪.‬‬
‫ومن المفسرين من حمل الفسوق على الكبائر ‪ ،‬والعصيان على الصغائر ‪ ،‬وقد نقل عن أبي زيد ‪ :‬الفاسق في كتاب ال كله‬

‫‪ :‬الكاذب ‪ .‬ولذلك حمل الفسوق على الكذب والعصيان على الخلل بالركان ‪.‬‬

‫ثم وصف ال سبحانه من حبب إليهم اليمان وكره إليهم الكفر على طريق اللتفات بأنهم الراشدون السالكون طريق الحق‬

‫والخير والكمال ‪ ،‬المهتدون إليه ‪ ،‬وبين أنه فعل ذلك فضلً منه ونعمة عليهم ‪ .‬وقد قيل ‪ :‬ان الفعل إذا نظر إلى صدوره من جانب‬
‫ل ‪ ،‬وإذا نظر إلى وصوله إلى العبد سمي نعمة ‪.‬‬
‫الحق سمي فض ً‬

‫ل للفضل ‪ ،‬وهو حكيم‬
‫وال تبارك وتعالى عليم بأحوال الخلق وبالمحسن منهم والمسيء ومن هو أهل لفضله ومن ليس أه ً‬

‫عز وجل يضع الشياء في مواضعها ‪.‬‬

‫" أولئك هم الراشدون " المت صفون بهذه ال صفة الذ ين أتا هم ال رشد هم ‪ ،‬و هم أ هل لهذا الر شد فال عل يم بأحوال عباده أي‬

‫بمن يستحق الهداية ‪ ،‬ممن يستحق الغواية ‪ ،‬حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره جل وعل علوا كبيرا ‪ .‬قال المام أحمد رحمه‬

‫ال ‪ :‬حدّثنا مروان بن معاوية الغزاري حدثنا عبد الواحد بن أيممن المكي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال ‪ :‬لما كان يوم –‬
‫أحد – وانكفأ المشركون قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬استووا حتى أثني على ربي عز وجل فصاروا خلفه صفوفا فقال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫الل هم لك الح مد كله ‪ ،‬الل هم ل قا بض ل ما ب سطت ول با سط ل ما قب ضت ‪ ،‬ول هادي ل من أضللت ول م ضل ل من هد يت ‪ ،‬ول‬

‫معطي لما منعت ‪ ،‬ول مانع لما أعطيت ‪ ،‬ول مقرب لما باعدت ‪ ،‬ول مباعد لما قربت ‪.‬‬
‫اللهم أبسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك ‪.‬‬

‫اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي ل يحول ول يزول اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة ‪ ،‬والمن يوم الخوف ‪.‬‬
‫اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا ‪.‬‬

‫اللهم حبب غلينا اليمان وزينه في قلوبنا ‪ ،‬وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ‪.‬‬
‫اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين ‪ ،‬وألحقنا بالصالحين غير خزايا ول مفتونين ‪.‬‬

‫الل هم قا تل الكفرة الذ ين يكذبون ر سلك وي صدون عن سبيلك واج عل علي هم رجزك وعذا بك ‪ ،‬الل هم قا تل الكفرة الذ ين أوتوا‬

‫الكتاب إله الحق ‪.‬‬

‫وهكذا يعلم نا الر سول الع ظم صلى ال عل يه و سلم اللجوء إلى ال وأن نلوذ بجنا به في كل حالت نا وأن نطرق باب رحم ته‬

‫التي وسعت كل شيء ‪.‬‬

‫والسلم العظيم الذي جاء لصلح نفوس البشر وتزكيتها بتربيتها والعلو بها إلى منتهى الكمال النساني ‪ ،‬أوضح للنسانية‬

‫كلها الغاية القصوى من تشريعاته ‪ ،‬واقترابها نحو المثل العلى ‪ ،‬وكان هذا المثل هو ال جل وعل رب السماوات والرض ورب‬
‫العالمين ورب كل شيء ومليكه نلوذ به ‪ ،‬ونعتمد عليه ‪ ،‬ونتوكل عليه ‪ ،‬ونستمد كل معاني الخير ‪ ،‬والقوة والبطولة منه سبحانه ‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ " :‬ففروا إلى ال إني لكم منه نذير مبين " ‪.‬‬

‫لذا ف قد كان الم سلم ذاكرا ال ‪ ،‬شاكرا فضله وإح سانه حامدا له عز و جل في كل حال ته ‪ ،‬وجم يع ت صرفاته ‪ ،‬و قد أ ثر عن‬

‫النبي صلى ال عليه وسلم مثل هذا الدعاء الذي نقلناه ع نه بعد غزوة أحد ‪ .‬كما أ ثر ع نه صلى ال عل يه وسلم الكث ير الرائع من‬
‫ال صيغ البليغة من الدعاء والذكر والش كر والت سبيح والتحم يد في كل الحوال صغيرها وكبير ها وعظيمها وحقير ها و قد كان ال نبي‬
‫صلوات ال وسلمه عليه ويذكر ال على كل أحواله ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫وقد ورد عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يذكر ال على كل أحيانه ‪.‬‬

‫كما ورد المر به والكثار منه وبيان فضله في كثير من آيات القرآن العظيم وقد أمر ال عز وجل به المؤمنين ‪ " :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا اذكروا ال ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيل " ‪.‬‬

‫وقال تعالى فمي سمورة الحزاب ‪ " .‬إن المسملمين والمسملمات والمؤمنيمن والمؤمنات والقانتيمن والقانتات‪ ،‬والصمادقين‬

‫والصمادقات ‪ ،‬والصمابرين والصمابرات والخاشعيمن والخاشعات ‪ ،‬والمتصمدقين والمتصمدقات والصمائمين والصمائمات ‪ ،‬والحافظيمن‬
‫فروجهم والحافظات والذاكرين ال كثيرا والذاكرات ‪ ،‬أعد ال لهم مغفرة وأجرا عظيما " ‪.‬‬

‫وفي حديث قدسي يرويه النبي الكريم صلى ال عليه وسلم عن ربه قال ‪ :‬قال ال تبارك وتعالى ‪ :‬أنا عند ظن عبدي بي ‪،‬‬

‫وأنا معه إذا ذكرني ‪ ،‬فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في مل ذكرته في مل خير منه ‪ .‬متفق عليه ‪.‬‬
‫وورد عن عبدال بن بشر رضي ال عنه أن رجلً قال ‪:‬‬

‫يا ر سول ال إن شرائع ال سلم قد كثرت علي فأ خبرني بشيء أتش بث به ‪ ،‬قال ‪ :‬ل يزال ل سانك رطبا من ذكر ال ‪ .‬رواه‬

‫الترمذي ‪.‬‬

‫وفي الحديث الذي يرويه المام مسلم رحمه ال يقول النبي الكريم صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل يقعد قوم يذكرون ال عزوجل‬

‫إل حفتهم الملئكة ‪ ،‬وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة ‪ ،‬وذكرهم ال فيمن عنده ‪.‬‬

‫والجماعة التي تجلس لذكر ال يباهي ال بهم الملئكة وتلك منزلة عظيمة تتطلع إليها نفوس المؤمنين الصادقين الشاكرين‬

‫ال والذاكرين الخاشعين الخاضعين ‪.‬‬

‫ف في حد يث أ بي سعيد الخدري ر ضي ال ع نه قال ‪ :‬خرج معاو ية على حل قة في الم سجد فقال ‪ :‬ما أجل سكم إل ذاك ؟ قالوا‬

‫وال ما أجلسنا إل ذاك ‪ ،‬قال ‪ :‬أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ‪ ،‬وما كان أحد بمنزلتي من رسول ال صلى ال عليه وسلم أقل عنه‬
‫حديثا مني ‪ .‬وأن رسول ال صلى ال عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ‪ :‬ما أجلسكم ؟ قالوا ‪ :‬جلسنا نذكر ال ونحمده‬

‫على ما هدانا للسلم ومن به علينا قال ‪ :‬أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن ال عز وجل يباهي بكم‬
‫الملئكة ‪.‬‬

‫رواه مسلم والترمذي والنسائي ‪.‬‬

‫وهكذا يف عل الدعاء و هو مخ العبادة فن سأل ال أن يح بب إلي نا اليمان ويزي نه في قلوب نا ‪ ،‬وأن يكره إلي نا الك فر والف سوق‬
‫والعصيان ‪ ،‬والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬

‫الية الثامنة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫وإنْ طَائِفَتانِ مِنَ المؤمِنِينَ ا ْقتَتَلوا فأصلِحُوا َبيْ َنهُما ‪ ،‬فإنْ َبغَتْ إحْداهُما عَلى الخْرى فَقاتِلوا التي تَ ْبغِي حَتّى تَفيءَ إلى أَمْرِ‬
‫ن‪. ‬‬
‫ن الَ يُحِبّ المُقْسِطي َ‬
‫ال ‪ ،‬فإنْ فاءتْ فأصلحوا بَ ْينَهما بال َع ْدلِ ‪ ،‬وأقْسِطُوا إ ّ‬

‫في ضُ ن عم ال على الم سلمين ل ين ضب ‪ ،‬وفضله عل يه ل ينق طع ‪ ،‬وإح سانه جل وعل مو صول ب هم مذ خلق هم ال وجعل هم‬

‫مسلمين ‪ ،‬له أمرهم ‪ ،‬مؤمنين به وبكتابه وملئكته وبالقدر خيره وشره وباليوم الخر‪.‬‬
‫ل وعلما ‪.‬‬
‫فقد أكرمهم بالسلم دينا ونظاما ‪ ،‬وأخلقا وحكما وسياسة وعق ً‬

‫وأكرمهم بمحمد صلى ال عليه وسلم نبيا وهاديا ‪ ،‬ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى ال بإذنه وسراجا منيرا ‪.‬‬
‫وأكرمهم بالقرآن العظيم دستورا خالدا ونظاما محكما وبرهانا نيرا وضياء ساطعا يهديهم إلى سواء السبيل ‪.‬‬

‫وأكرمهم بهذه الية الكريمة ‪ " :‬وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ‪. " ...‬‬

‫‪26‬‬

‫فجعلهم حراسا على العدل ‪ ،‬قوامين بالقسط ‪ ،‬شهداء على الحق ‪ ،‬دعاة خير وإصلح وبناء ‪ ،‬ل دعاة خير وإصلح وبناء ‪،‬‬

‫ل دعاة شر وإفساد ‪ ،‬صالحين مصلحين ‪ ،‬آمرين بالمعروف ‪ ،‬ناهين عن المنكر ‪.‬‬

‫ومن حمق من يضعه ال تعالى في هذا الموضع الرفيع ويمنحه هذه الدرجات من الشرف وعلو المقام ‪ ،‬أن يعد نفسه لهذا‬

‫المقام ‪ ،‬وأن يقدم كل ما يملك تلبية لهذا الواجب المقدس ‪.‬‬

‫فإذا اقتتلت طائفتان ممن المؤمنيمن لشبهمة دخلت عليهمما ‪ ،‬وكلتاهمما ترى نفسمها محقمة صمادقة ‪ ،‬وجمب إزالة هذه الشبهمة‬

‫وإطلعهما على مراشد الحق وطريق الصواب ‪ ،‬لن من خاصم عميت عليه السبل ولم ير الرشد إل فيما سلك من طريق فوجب‬
‫على المسلمين هدايته وإيقافه عنه حدّه لئل يتيه في طريق عميت عليه مسالكه ‪.‬‬

‫فإن ركبت الطائفتان متن الشطط والغواية والعناد ولم تعمل بما هديتا إليه ونصحتا به اعتبرتا في حكم الباغيتين الظالمتين‬

‫وحوربتا معا حتى تعودا إلى الصواب والسداد ويكفّا عن الحرب والغواية ‪ ،‬وذلك نصر لهما وإنجاد وتخليص ‪.‬‬

‫ثبت في الصحيح عن أنس رضي ال تعالى عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬انصر أخاك ظالما أو مظلوما ‪،‬‬

‫قلت ‪ :‬يا رسول ال ‪ .‬هذا نصرته مظلوما ‪ ،‬فكيف أنصره ظالما ؟ قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬تمنعه من الظلم ‪ ،‬فذاك نصرك إيّماه"‪.‬‬
‫سبب نزول الية‬
‫ذكر في سبب نزولها ما قاله السدي رضي ال تعالى عنه‪ :‬كان رجل من النصار يقال له ‪ :‬عمران‪ ،‬وكانت له امرأة تدعى أم‬

‫زيد ‪ ،‬وأرادت المرأة أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له ل يدخل عليها أحد من أهلها ‪.‬‬

‫فبع ثت المرأة إلى قوم ها ‪ ،‬فجاءوا وأنزلو ها لينطلقوا ب ها ‪ ،‬فا ستعان الر جل بأهله فجاء ب نو ع مه ليحولوا ب ين المرأة وب ين‬

‫أهل ها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال وتضاربوا واقتتلوا فنزلت في هم هذه ال ية ‪ " :‬وإن طائفتان من المؤمن ين اقتتلوا فأ صلحوا بينه ما "‬
‫فبعث إليهم رسول ال صلى ال عليه وسلم وأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر ال تعالى ‪.‬‬

‫وروي عمن ابمن عباس رضمي ال تعالى عنهمما ‪ :‬أن اليمة فمي الرجليمن ‪ ،‬أو النفمر والنفمر ‪ ،‬أو القمبيلة والقمبيلة ممن أهمل‬

‫ال سلم ‪ ،‬يقتتلن ‪ ،‬فأ مر ال تعالى أئ مة الم سلمين أن يقضوا بين هم بال حق الذي أنزله ال تعالى في كتا به ‪ :‬إ ما الق صاص والقود ‪،‬‬
‫وإما العقل والدية ‪.‬‬

‫فإن بغت إحداهما على الخرى بعد ذلك ‪ ،‬كان المسلمون مع المظلوم على الظالم حتى يرضى بحكم ال ‪.‬‬

‫وبهذه ال ية الكري مة ا ستدل المام البخاري وغيره من الئ مة الكرام على أن المؤمن ل يخرج عن إيما نه إذا ارتكب مع صية‬
‫وإن عظممت ‪ ،‬ودليلهمم على ذلك قول ال تبارك وتعالى فمي هذه اليمة ‪ " :‬وإن طائفتان ممن المؤمنيمن " حيمث سمماهم ال سمبحانه‬

‫وتعالى مؤمنين مع ارتكابهم لتلك المعصية وهي القتتال فيما بينهم ‪.‬‬

‫ودليل هم من ال سنة ما ث بت في صحيح البخاري رح مه ال من حد يث الح سن عن أ بي ب كر ر ضي ال تعالى ع نه قال ‪ :‬أن‬

‫ر سول ال صلى ال عل يه و سلم خ طب يوما وم عه على الم نبر الح سن بن علي ر ضي ال تعالى عنه ما فج عل ين ظر إل يه مرة وإلى‬
‫الناس أخرى ويقول ‪ " :‬إن ابني هذا سيد ‪ ،‬ولعل ال تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ‪.‬‬

‫فكان ك ما قال ر سول ال صلى ال عل يه و سلم وأ صلح ال تعالى به ب ين أ هل الشام وأ هل العراق ب عد تلك الحروب الطويلة‬

‫والوقائع المفجعمة ورحمم ال المام البخاري وممن شايعمه فمي هذا الرأي الحسمن ‪ ،‬وإل فلو أخذنما بقول الخوارج وممن تابعهمم ممن‬
‫المعتزلة ونحو هم المؤدي إلى خروج المؤ من عن إيما نه إذا ارت كب مع صية ‪ ،‬ف كم يب قى بأيدي نا من م سلمي اليوم و قد غرقوا في‬

‫المعاصي حتى غاصت الركب ؟ وكم يبقى بأيدينا من المؤمنين وقد استمرأ الناس المعصية – أو أكثر الناس على أقل تقدير – حتى‬
‫أصبحوا يرون المنكر معروفا والمعروف منكرا وغلبت عليهم شقوتهم فلم يرعوا حقا لديه ول عهدا لرسول ول إلّ ول ذمة لحد من‬

‫الناس فالمستعان هو ال ول حول ول قوة إل بال العلي العظيم ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫والطائفة من الناس هي الجماعة منهم ‪ ،‬ومن الشيء القطعة منه ‪ ،‬وهي جمع طائف ‪ ،‬وقد يكنى بالجمع عن الواحد ‪ ،‬فيراد‬

‫بها الواحد فقط ‪.‬‬

‫والبغي ‪ :‬هو تجاوز الحد والستطالة وإباء الصلح ويأتي بمعنى الظلم والجناية والفساد ‪ ،‬يقال ‪ :‬برئ جدرحه على بغي أي‬

‫اندمل على فساد ‪.‬‬

‫والفيء والفيأة ‪ :‬الرجوع إلى حالة محمودة ‪ ،‬فإن فاءت أي رجعت ‪.‬‬

‫والعدل ‪ :‬ضد الظلم والجور ‪ ،‬وهو التقسيط على سواء والمساواة في المكافأة إن خيرا فخير وإن شرا فشر ‪.‬‬
‫والحسان ‪ :‬هو مقابلة الخير بأكثر منه ‪ ،‬ومقابلة الشر بأقل منه ‪ .‬أو مقابلته بالحسان وهو ضد الساءة ‪.‬‬
‫ويقال في اللغة ‪ :‬قسط الرجل ‪ ،‬إذا جاء فأخذ قسط غيره وأقسط إذا عدل فأعطى قسط غيره بالعدل ‪.‬‬

‫فيكون معنمى اليمة الكريممة ‪ :‬إذا اقتتمل اثنان أو جمعان ممن المسملمين فعلى المام الصملح بينهمما بالدعاء إلى حكمم ال‬

‫والرضاء بما فيه ‪ ،‬وبالنصح وإزالة سوء التفاهم بينهم ‪.‬‬

‫محاربة المعتدين‬

‫فإذا و جد بلد ل يم تد إل يه سلطان الم سلمين ول يس ف يه إمام ل هم ‪ ،‬و جب على جما عة الم سلمين ما هو وا جب على المام ‪،‬‬
‫ولجماعة المسلمين تصرفات نافذة معروفة في مواضعها من كتب الفقه ‪ ،‬فإن تعدت إحدى الطائفتين ما جعله ال عدلً بين خلقه في‬
‫كتابه وطلبت العلو بغير الحق ‪ ،‬إذ ذاك يقاتل المسلمون الطائفة الباغية ح تى ترجع إلى حكم كتاب ال عز وجل ‪ ،‬فإن رجعت بعد‬

‫القتال أصلح بينها وبين الطائفة الخرى بالعدل والنصاف ول يكتفي بالمحاجزة والكف عن القتال بل لبد من الصلح بالعدل لتزول‬

‫الضغي نة ‪ ،‬ويأ من الناس رجوعه ما ب عد ال صلح وال صلح إلى القتال والخ صام ‪ .‬وال تبارك وتعالى ي حب المق سطين ‪ ،‬ومحب ته ل هم‬
‫تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء لنهم عدلوا وأقسطوا بين الناس ‪ ،‬والعدل عند ال تعالى من أقرب ما يتقرب العبد إليه تعالى ‪.‬‬

‫والفئة الباغ ية تقا تل ما قاتلت فإذا قب ضت أيدي ها عن القتال وك فت عن الحرب وأذع نت فل يج هز ل ها على جر يح ول يق تل‬

‫أ سير ول يطلب هارب ‪ ،‬ول يق سم ف يء فالجم يع أخوة في ال يج مع بين هم ال سلم ويو حد صفهم اليمان ‪ .‬وإن ب غت الفئتان معا‬

‫أ صلح بينه ما بالطري قة ال تي يرا ها الم سلمون كافلة للمواد عة والم صالحة وال كف عن القتال ‪ .‬فإن لم تتحاجزا وأقام تا على الظلم‬
‫والقتال وج بت مقالته ما معاص لن الب غي ف ساد في الرض وخروج عن سنن ال سلم وتع ٍد على العدل الذي يح به ال تعالى ويأ مر‬
‫به‪.‬‬

‫المسلمون حماة العدل والنظام‬

‫وعلى المسملمين أن يطهروا الرض ممن البغمي والفسماد لتعممر بالعدل والحسمان ‪ ،‬فالمسملمون حراس العدل وجنمد ال‬
‫المصملحون ل تغممض لهمم عيمن حتمى يقام حكمم ال فمي الرض ‪ ،‬ففمي حكمم ال وحده ضمان للعدل والحريمة والمجمد ‪ ،‬والسمعادة‬

‫والخلود ‪ ،‬فل يس ل حد سلطان على أ حد ‪ ،‬إذ ال سلطان – كل ال سلطان – ل تبارك وتعالى على الناس أجمع ين ‪ ،‬و هو العادل يأ مر‬
‫بالعدل وحب المقسطين العادلين ‪.‬‬

‫ورد عن عبد ال بن عمر رضي ال تعالى عنهما قال ‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬إن المقسطين في الدنيا‬

‫على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا " ‪.‬‬

‫وعنه رضي ال تعالى عنهما عن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬المقسطون عند ال تعالى يوم القيامة على منابر من‬

‫نور على يمين العرش ‪ ،‬الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولو " ‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫ففمي هذه اليمة الكريممة قرر السملم مبدأ عظيما ممن مبادئ العدل الجتماعمي وشرع نظاما محكما ممن مبادئ التناصمر‬

‫السلمي بالحق والعدل والقسطاس المستقيم ‪ .‬وكفل لهم حياة المن والستقرار والتعاون على إزالة الخلفات والكدار ليعيشوا في‬
‫مجتمع يسوده السلم وتكلله المحبة والوئام ‪.‬‬

‫سلو القوان ين الوضع ية هل تجدون قانونا لل سلمة الجتماع ية كهذا الذي قرره ال سلم م نذ ألف وأربعمائة عام وا ستنطقوا‬

‫المبادئ الفكرية هل تجدون فيها من النظمة لحماية العدالة وكسر شوكة الباغين‪ ،‬والدفاع عن حقوق المظلومين كهذه النظم الدقيقة‬
‫التي قررتها هذه الية وأوجبتها على المسلمين دينا يدين به المسلمون ونظاما يحكمون به منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ‪.‬‬

‫إن القرآن العظيم آية ال وكلماته الكبرى التي أنزلها للناس رحمة وبيانا مما يشير إلى معجزة القرآن الكريم فكانت معجزاته‬

‫تمتد إلى آخر الزمان وعجائبه ل تنقضي أبد الدهر وآياته ل تبلى ول تخلق على كثرة الرد فالقلوب تقف واجفة خاشعة من عظمة‬

‫وبديع نظامه ودقيق آياته ولو كان من عند غير ال لوجدوا فيه اختلفا كثيرا ‪ .‬وصدق ال العظيم إذ يقول ‪ " :‬لو أنزلنا هذا القرآن‬

‫على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ال " ‪ .‬ويقول ‪ " :‬سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق أولم‬
‫يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " ‪.‬‬

‫الية التاسعة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫خوَ ْيكُم واتّقُوا الَ َل َعّل ُكمْ تُ ْرحَمُون ‪. ‬‬
‫صلِحُوا َبيْنَ أ َ‬
‫خ َوةٌ فأ ْ‬
‫إنّما المُؤ ِمنُونَ إ ْ‬

‫ل من أ صول هذا ال سلم العظ يم ‪ ،‬ف هي تقر ير ل ما أ مر ال به من ال صلح ب ين الطائفت ين المؤمنت ين‬
‫آ ية عظي مة تقرر أ ص ً‬
‫وتعليل له ‪ ،‬ذلك أن اليمان عقد بين أهله من أواصر الخوة السلمية ما يفوق ويفضل على أواصر الخوة النسبية ‪.‬‬

‫وقمد جرت العادة بيمن الناس أن ينهضوا ويهبوا للصملح إذا نشمب قتال بيمن أخويمن ممن أخوة القرابمة حتمى يبنوا مما انهدم‬

‫ويجبروا ما انكسر ‪ ،‬ول يرتاح لهم بال حتى يزيلوا الكدار ويعيدوا جو الخاء إلى الصفاء والنقاء ‪.‬‬
‫إخوة إسلمية‬
‫وإخوة الد ين أ حق بذلك وأجدر أن يُه تم لها وي صلح ب ين المتخا صمين من المؤمن ين لن ها أخوّة ب نص كتاب ال تعالى ‪ .‬وال‬

‫عز وجل هو الذي عقد هذه الخوة من فوق سبع سماوات وما عقده ال تبارك وتعالى ل تحله يد بشر مهما قويت وسطت وظلمت ‪.‬‬

‫ومن عجيب أمر هذه الية الكريمة أنها جاءت وكأنها قررت أمرا واقعا مفروغا منه ل يرد ول يصد فقالت ‪ " :‬إنما المؤمنون‬

‫إخوة " ‪ ،‬هكذا ح كم ال ‪ ،‬وهكذا أ خبر عن هذا الع قد الذي رب طه في ال سماء ب ين المؤمن ين مه ما اختل فت أجنا سهم وتباي نت لغات هم‬
‫وتباعدت أقطارهم وتناءت ديارهم ‪ ،‬فهم أخوة تجمعهم عقيدة خالدة ورسالة واحدة ‪ ،‬وهكذا جاءت الجملة خبرية لتقرر واقعا عظيما‬

‫وتخمبر عنمه فقالت ‪ " :‬إنمما المؤمنون اخوة " ولم تأت الجملة إنشائيمة ‪ ،‬إذ لم يقمل ال تعالى ‪ :‬يما أيهما الذيمن آمنوا كونوا اخوة أو‬
‫تواصوا بالخوة فيما بينكم ‪ ،‬إذ لو جاءت الية هكذا " إنشائية " لكانت الخوّة غير موجودة ‪ ،‬ولكنه عز وجل ربط قلوب المؤمنين‬

‫برباط وا حد وع قد هذا الرباط ثم أ خبر عن هذه الحقي قة الثاب تة الواق عة وق ضى في ها بحك مه فقال ‪ " :‬إن ما المؤمنون إخوة " ثم ثنّى‬
‫بتقرير هذه الحقيقة رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قال ‪ " :‬المسلم أخو المسلم أحبّ أم كره " كما قال عليه الصلة والسلم ‪" :‬‬

‫المسلم أخو المسلم ‪ ،‬ل يظلمه ‪ ،‬ول يخذله ‪ ،‬ول يعيبه ‪ ،‬ول يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إل بإذنه ‪ ،‬ول يؤذيه بقتار‬
‫قدره " ‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫و في سنن أ بي داود عن أ بي هريرة ر ضي ال تعالى ع نه عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم قال ‪ :‬المؤ من مرآة المؤ من ‪،‬‬

‫المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيقه ويحوطه من ورائه " ‪.‬‬

‫وهكذا ف هم ال صحابة الكرام هذه الخوة وعاشوا في ها ول ها ‪ ،‬وأ صبحوا بف ضل ال تعالى إخوانا ‪ ،‬دعوت هم واحدة ‪ ،‬وأمر هم‬

‫واحمد ‪ ،‬تقاسمموا الحمب فيمما بينهمم ‪ ،‬وآثروا إخوانهمم على أنفسمهم ‪ ،‬فقاسمموهم الموال ووصملوا إلى درجمة ممن اليثار أن يقول‬
‫الصاحب لصاحبه ‪ :‬هذا مالي جعلته بيني وبينك نصفين ‪ ،‬وهاتان زوجتاي اختر أيتهما تشاء لتتزوجها أنت ‪.‬‬
‫آثار الخوة‬
‫هذا ما و صلوا إل يه من اليثار بف ضل القرآن وأدب القرآن ب عد أن كانوا يعدوا بعض هم على ب عض عدو ال سد ‪ ،‬ويخت طف‬

‫بعضهم بعضا اختطاف الذئاب دون أن يخجل أو يهاب ‪.‬‬

‫جاء في الجزء الثا ني من الكا مل صفحة ‪ : 332‬في يوم القاد سية الثالث اش تد القتال وتعادل الطرفان فقا تل ف يه ق يس ا بن‬

‫المكسوح قتال البطال وحرض أصحابه فقال ‪:‬‬

‫" يا معشر العرب ‪ :‬إن ال قد م نّ عليكم بالسلم ‪ ،‬وأكرمكم بمحمد صلى ال عليه وسلم فأصبحتم بنعمته إخوانا ‪ ،‬دعوتكم‬

‫واحدة ‪ ،‬وأمركمم واحمد بعمد أن كنتمم يعدوا بعضكمم على بعمض عدو السمد ويختطمف بعضكمم بعضا اختطاف الذئاب ‪ ،‬فانصمروا ال‬
‫ينصركم وتنجزوا من ال فتح فارس ‪ ،‬فإن إخوانكم من أهل الشام قد أنجز ال الشام وانتشال القصور الحمر والحصون الحمر " ‪.‬‬

‫هؤلء العرب الذين أصبحوا بفضل رسالة السلم خير أمة أخرجت للناس ‪ ،‬كانوا إلى عهد قريب في جاهلية جهلء وعصبية‬

‫نكراء يعدو أحدهم على الخر عدو السد حتى كانوا على أسوأ حال ‪ :‬حروب متواصلة وتفرّق دائم وعداء مستحكم وهمجية ممقوتة‬

‫‪ ،‬يبطش بعضهم بالبعض ويسفك بعضهم دم البعض الخر ل دين يمنع ‪ ،‬ول قانون يردع ‪ ،‬ول إنسانية تحجز ول منصف يعظ إلى‬

‫أن سطع نور ال سلم فأضاء بلد العرب وا ستنارت به أرجاء تهامة ون جد وارت جت لجله بلد فارس والروم و قد أت ّم ال تعالى هذا‬
‫النور على يد سيد الخلق محمد صلوات ال وسلمه عليه بعد أن التف حوله السعداء وانضم إليه العقلء‪ ،‬وآمن به وبايعه الفضلء‬

‫والكرماء الذيمن نزه ال ممن قلوبهمم داء العداوة والبغضاء ‪ ،‬وطهرهما بدواء الخوة والخلص والمحبمة وألف بينهمم حتمى صماروا‬

‫ج سما واحدا وروحا واحدة فظفروا بخيري الدن يا والخرة ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬واذكروا نع مة ال علي كم إذ كن تم أعداءً فألف ب ين قلوب كم‬
‫فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيّن ال لكم آياته لعلكم تهتدون " ‪.‬‬

‫وكان لدولة السملم العمز الذي ل يدانمى والسملطان الذي ل يضاهمى ‪ ،‬فقهروا الجبابرة ودوّخوا الكاسمرة وملكوا مشارق‬

‫الرض ومغاربها ‪ ،‬وأدركوا بأخوتهم واتحاد كلمتهم على قلة عددهم ‪ ،‬وضعف عُددهم ما لم تدركه الجيوش على كثرتها وقوة عُدتها‬

‫وبف ضل اتحاد كلمت هم وخلوص نيت هم و صدق جهاد هم في سبيل إعلء كل مة ال تعالى ون شر دي نه قهروا الفرس والرومان وفتحوا‬

‫الشام ومصر ‪ ،‬وانتصروا في كل القائع فلم تنكس لهم راية ولم ينهزم لهم جيش فالكل يعمل بصدق وإخلص لعلء كلمة ال ورفع‬
‫راية السلم ‪ .‬فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر العضاء بالحمى والسهر ‪ ،‬وقاتلوا في سبيل ال صفا واحدا‬

‫كأنهم بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا ‪ ،‬ففازوا بالسعادتين ونالوا الحسنيين رضوان ال تعالى عليهم أجمعين ‪.‬‬

‫وبعد أن عقد ال الخوة بين المؤمن ين طلب أن يتقوه ‪ ،‬وأن التقوى هي سبيل التوا صل والترا حم والتعا طف والت سامح وهذا‬

‫سبب الوصول إلى رحمة ال إليهم وبرّه بهم وعطفه عليهم ونصره لهم ‪ " :‬واتقوا ال لعلكم ترحمون " ‪.‬‬

‫جعلنا ال منهم ووفقنا للسير على منهاجهم المستقيم وطريقهم القويم إنه نعم المولى ونعم النصير ‪.‬‬

‫روى البيهقي رضي ال تعالى عنه فقال ‪ :‬شتم رجل ابن عباس رضي ال تعالى عنهما فأجابه ‪:‬‬

‫أتشتمني وفيّ ثلث خصال ‪:‬‬

‫‪ – 1‬إني لسمع بالحاكم يعدل في حكمه فأحبه ‪ ،‬ولعلي ل أقاضي إليه أبدا ‪.‬‬

‫‪ – 2‬وإني لسمع بالغيث يصيب البلد ‪ ،‬فأفرح به ومالي به سائمة ول راعية ‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫‪ – 3‬وإني لتي على آية من كتاب ال ‪ ،‬فأود أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم ‪.‬‬
‫وقد أخذ أبو العلء المعري بعض هذه المعاني فقال ‪:‬‬

‫ولو أنمي جبمت الخلدا فممردا‬

‫لمما أحببمت بالخلمد انفممرادا‬

‫فل هطلمت علمميّ ول بأرض‬

‫سحمائب ليمس تنتظمم البملدا‬

‫الية العاشرة ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ن ‪ .‬وَل‬
‫سخَرْ َق ْومٌ مِنْ َق ْومٍ عَسى أَنْ َيكُونُوا خَيْرا مِ ْن ُهمْ ‪َ ،‬و ل نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أنْ َيكُنّ خَيْرا ِم ْنهُ ّ‬
‫يا أيّها الّذينَ آمنُوا ل يَ ْ‬
‫ك ُهمُ الظّالِمُونَ ‪. ‬‬
‫ن َلمْ يَتُبْ فَأولئِ َ‬
‫ن ‪ ،‬وَمَ ْ‬
‫س السْمُ الفُسُوقُ َب ْعدَ اليما ِ‬
‫س ُكمْ ‪ ،‬وَل تَنابَزُوا بِاللْقابِ ‪ِ ،‬بئْ َ‬
‫َتلْمِزُوا أنْفُ َ‬

‫ل ما أ مر ال سبحانه وتعالى في ال ية ال سابقة بإ صلح ذات الب ين ونهى عن التفرق وأ خبر عن ع قد الخوة الذي رب طه ال‬
‫برباط اليمان الوثيق ‪ ،‬عقّب في هذه الية الكريمة بالنهي عن أسباب الفرقة التي تؤدي إلى الشقاق والمشاحنات والبغضاء ‪.‬‬

‫فالسمخرية بالخلق والزدراء بالناس والهممز واللممز والتنابمز باللقاب مما همي إل عواممل للفسماد ومعاول لهدم الخوة بيمن‬

‫المؤمن ين ‪ ،‬بل هي الف سوق الذي ل ينا سب اليمان الذي يتحلى ويتج مل به المؤمنون البررة لذا ن هى ال عز و جل في هذه ال ية‬
‫الكريمة عن هذه العوامل المهلكة المكدرة لصفو المجتمع والتي تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب فقال عز وجل ‪.‬‬
‫‪‬‬

‫ن خيرا منهن ول‬
‫يا أيها الذين آمنوا ل يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ‪ ،‬ول نساء من نساء عسى أن يك ّ‬

‫تلمزوا أنفسكم ول تنابزوا باللقاب ‪ ،‬بئس السم الفسوق بعد اليمان ‪ ،‬ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ‪. ‬‬
‫أخلق اجتماعية‬

‫وقد نهت الية الكريمة عن السخرية بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء ‪.‬‬
‫وقد نزل قوله تعالى ‪ :‬ل يسخر قوم من قوم ‪ ،‬في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذنه وقر أي ثقل في السمع وكان إذا‬

‫د خل الم سجد تف سحوا له ح تى يق عد ع ند ال نبي صلى ال عل يه و سلم لي سمع ما يقول ‪ ،‬فد خل الم سجد يوما والناس قد فرغوا من‬
‫ال صلة وأخذوا أماكن هم في الجلوس فج عل يتخ طى رقاب الناس ويقول ‪ :‬تف سحوا تف سحوا ‪ ،‬ح تى انت هى إلى ر جل فقال له ‪ :‬أ صبت‬

‫مجل سا فاجلس ‪ ،‬فجلس ثا بت بن ق يس خلف ذلك الر جل مغضبا ‪ ،‬فل ما انجلت الظل مة قال ثا بت ‪ :‬من هذا ؟ قال الر جل ‪ :‬أ نا فلن ‪.‬‬
‫فقال ثابت ‪ :‬ابن فلنة ‪ ،‬ذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية ‪ ،‬فنكس الرجل رأسه حياءً وخجلً ‪ ،‬فنزلت هذه الية الكريمة ‪ " :‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا ل يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " ‪ .‬فقال ثابت بن قيس ل أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدا ‪.‬‬

‫وروي عن الضحاك أن قوما من بني تميم استهزأوا ببلل وخباب وعمار وصهيب وأبي ذر وسالم مولى حذيفة ‪ ،‬فنزلت هذه‬

‫الية الكريمة فيهم ‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ " :‬ول ن ساء من ن ساء " ‪ ،‬نزل في ن ساء ال نبي صلى ال عل يه و سلم سخرن من أم سلمة وعيّرن ها بالق صر‬

‫وأشرن إليها بأيديهن فنزلت هذه الية فيهن ‪.‬‬

‫وعن عكرمة عن ابمن عباس رضي ال تعالى عنهما ‪ :‬أن صفية بنت حيي أتت رسول ال صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬إن‬

‫النساء يعيرنني ويقلن ‪ :‬يا يهودية بنت يهوديين ‪ ،‬فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هلّ قلت إن أبي هرون ‪ ،‬وابن عمي‬

‫‪31‬‬

‫موسى ‪ ،‬وأن زوجي محمد ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪ ،‬فنزلت هذه الية في حقها وحق من عيّرها وطعنها في نسبها ‪ ،‬ناهية عن هذا‬

‫السلوب من السخرية والستهزاء مما ل يليق بالمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ‪.‬‬

‫والقوم ‪ ،‬فمي قوله تعالى ‪ :‬ل يسمخر قوم ممن قوم ‪ ،‬المراد بهمم الرجال خاصمة ‪ ،‬قال الخليمل ‪ :‬القوم يقمع على الرجال دون‬

‫الن ساء لقيام بعض هم مع ب عض في المور ‪ ،‬قال زه ير ‪ :‬و ما أدري ول ست أخال أدري ‪ :‬أقوم آل ح صنٍ أم ن ساءُ واخت صاص القوم‬
‫بالرجال دون النساء صريح في الية الكريمة وفي هذا البيت من شعر زهير ‪.‬‬

‫وقال الزمخشري رحممه ال تعالى ‪ :‬القوم الرجال خاصمة لنهمم القوامون بأمور النسماء ‪ ،‬قال تعالى ‪" :‬الرجال قوامون على‬

‫النساء بما فضل ال بعضهم على بعض وبما أنفقوا " ‪.‬‬

‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬النساء لحم على وضم إل ما ذب عنه ‪ ،‬والذابون هم الرجال ‪.‬‬

‫ل وفي هم الذكور والناث ‪ ،‬فل يس ل فظ القوم بمتعاط للفريق ين ول كن ق صد ذ كر الذكور‬
‫وأ ما قول هم قوم فرعون وقوم عاد مث ً‬

‫وترك الناث لنهن توابع لرجالهن أو من باب تغليب الذكور على الناث ‪.‬‬

‫وورود لفظ القوم والنساء بصورة النكرة ‪ " :‬ل يسخر قوم من قوم ول نساء من نساء " يحتمل معنيين ‪:‬‬

‫أن يراد ‪ :‬ل يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ‪ ،‬وأن تقصد إفادة الشيوع وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن‬

‫السخرية والستهزاء ‪.‬‬

‫قال الزمخشري رحمه ال تعالى ‪ :‬وإن لم يقل الحق عز وجل رجل من رجل ول إمرأة من إمرأة على التوحيد إعلما بإقدام‬

‫غ ير وا حد من رجالهم وغ ير واحدة من ن سائهم على ال سخرية وا ستفظاعا للشأن الذي كانوا عل يه ‪ .‬ولن مشهد ال ساخرين ل يكاد‬
‫يخلو من يتلهى ويستضحك على قوله ول يأتي ما يجب عليه من النهي والنكار فيكون شريك الساخر … وكذلك من يطرق سمعه‬
‫فيستطيبه ويضحك به فيؤدي ذلك وإن أوجده واحد إلى أن تكثر السخرية وانقلب الواحد جماعة وقوما ‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ " :‬عسمى أن يكونوا خيرا منهمم " كلم مسمتأنف قمد ورد مورد جواب المتخمبر عمن العلة الموجبمة للنهمي عمن‬

‫السخرية في أول الية الكريمة فقيل للمتسائل ‪ :‬إن هذا المسخور منه قد يكون أفضل وأكرم عند ال تعالى من الساخر ويجب على‬

‫كل واحد أن يعتقد أن المسخور منه ربما كان عند ال خيرا من الساخر ‪ ،‬والمستهزأ به أفضل من المستهزئ لن الناس ل يطلعون‬

‫إل على ظواهمر الحوال ول علم لهمم بالخفيات والمسمتورات والذي يوزن عنمد ال تعالى ويكون الشأن فمي علو شأن الناس أو‬
‫انحطاط هم إن ما هو خلوص الضمائر ل ‪ ،‬وتقوى القلوب ‪ .‬وعلم الناس بالضمائر صفر في صفر وال وحده هو الذي يعلم ما في‬
‫الضمائر والقلوب ومنازل الناس عنده على حسب ما في هذه القلوب التي نجهل عنها كل الجهل ما فيها وما تنطوي عليه ‪ ،‬فينبغي‬

‫أن ل يجترئ أ حد على ال ستهزاء ب من تقتح مه عي نه إذ رآه رث الحال أو ذا عا هة في بد نه أو صغيرا في وظيف ته أو فقيرا في‬

‫مظهره أو متواضعا في شهادته أو ضعيفا في حاله ‪ ،‬فلعل هذا الذي تسخر منه أيها النسان وتستهزئ به ‪ ،‬لعله يكون أخلص منك‬
‫ل وأصفى روحا وأسمى خلقا وأرفع منزلة عند ال منك ‪ ،‬فل تظلم نفسك بتحقير من وقره ال تعالى ‪،‬‬
‫ضميرا أو أنقى قلبا وأطهر ذي ً‬
‫والستهانة بمن عظمه ال تعالى وأكرمه برضاه عنه‪.‬‬
‫ولقد بلغ الخوف ببعض السلف – رضي ال تعالى عنهم وأرضاهم – من هذه الية أن أفرطوا في التوقي والحذر من الوقوع‬
‫في السخرية بالناس ‪.‬‬

‫قال عمرو بن شرحبيل‪ :‬لو رأيت رجلً يرضع عنزا فضحت منه خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه‪.‬‬

‫وعن عبد ال بن مسعود قال ‪ :‬البلء موكل بالقول ‪ ،‬ولو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا ‪.‬‬

‫ص في العقل ‪ ،‬فلكل إنسان منزلته في المجتمع ‪ ،‬ول يستغني المجتمع عن‬
‫والسخرية بالخلق تدل على انحطاط في الخلُق ونق ٍ‬
‫عمل أحدٍ من الناس مهما صغر هذا العمل أو حقر في نظر البعض ‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫ولكل إنسان عاطفته وكرامته واحترامه ‪ ،‬بل قد يكون عند العامل البسيط الذي قد يحتقر عمله المثقف أو الموظف أو الغني‬

‫أو أي أحد من هؤلء الساخرين الجاهلين والمتكبرين المتجبرين ‪ .‬قد يكون عند هذا العامل من الكرامة وعزة النفس وطيب الخلق‬
‫وصمفاء القلب وطهارة الروح مما ليمس عنمد أولئك جميعا ‪ ،‬فيتمق ال الناس فمي عباد ال ول يتطاولوا على أحمد ‪ ،‬فإنهمم لبمد دون‬
‫منازل الناس عند ال سبحانه‪ ،‬ول يعلمون حقائق نفوسهم ‪ ،‬فكيف يجترئون عليهم بالباطل ويسخرون منهم ظلما وعدوانا ‪.‬‬

‫يروى أن الرجل يوما خاطبت الرأس في البدن فقالت ‪ :‬أيها الرأس ‪ ،‬ل تشمخ بأنفك علي ول تترفع بما وهبك ال من سمع‬

‫وبصر ولسان ‪ ،‬ولتغتر بعلوك على سائر أعضاء البدن ‪ ،‬وإياك أن تسخر مني وتهزأ بي وتقل إنك موطن الحذاء ومداس القذار ‪،‬‬
‫فإنك أيها الرأس لولي أنا الرجل ما سرت على الرض ‪.‬‬

‫والمجتمع كالجسم ‪ ،‬وهل نقطع الرجل من الجسد لنها حقيرة ونبقي الرأس لنه عظيم ‪ ،‬وإذا فعلنا ذلك واحتقرنا الرجل فهل‬

‫نعدو أن نكون مجانين خارجين عن طور النسانية ‪.‬‬

‫فكذلك الشأن في المجت مع ‪ ،‬فإذا احتقر نا ال صغير ل صغره ‪ ،‬والفق ير لفقره ‪ ،‬والعا مل لعمله ‪ ،‬والمو ظف ال صغير لوظيف ته ‪،‬‬

‫فنحن ل نعدو أن نكون كذلك الذي احتقر رجله فقطعها وهي جزء من جسمه ‪.‬‬

‫فالمجت مع ال سلمي وحدة متكاملة ل تتجزأ ‪ ،‬ول يجوز ل حد أن ي سخر من أ حد ‪ ،‬ح سب أ مر ال عز و جل في هذه ال ية‬

‫الكريمة ‪ ،‬ل رجال من رجال ول نساء من نساء ‪ ،‬فالسخرية بالناس حرام شرعا ومنهي عنها بنص هذه الية الكريمة وبما ورد من‬

‫أحاد يث ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬و عن أ بي هريرة ر ضي ال تعالى ع نه أن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قال ‪ :‬إيا كم‬

‫وال ظن ‪ ،‬فإن ال ظن أكذب الحد يث ‪ ،‬ول تح سسوا ‪ ،‬ول تج سسوا ‪ ،‬ول تناف سوا ول تحا سدوا ‪ ،‬ول تباغضوا ‪ ،‬ول تدابروا ‪ ،‬وكونوا‬
‫عباد ال إخوانا ‪ ،‬ك ما أمر كم ‪ ،‬الم سلم أ خو الم سلم ‪ ،‬ل يظل مه ‪ ،‬ول يخذله ‪ ،‬ول يحقره ‪ ،‬التقوى ها ه نا – ويش ير إلى صدره –‬
‫بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ‪ ،‬كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ‪.‬‬

‫و عن أ بي ب كر ر ضي ال تعالى ع نه ‪ ،‬أن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قال في خطب ته في ح جة الوداع ‪ " :‬إن دماء كم‬

‫وأعراضكم عليكم حرام ‪ ،‬كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ‪ ،‬في بلدكم هذا ‪ ،‬أل هل بلغت ؟ ‪.‬‬

‫وعن عائشة رضي ال تعالى عنها قالت ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم لصحابه ‪:‬‬

‫أتدرون أربى الربا عند ال ؟ قالوا ‪ :‬ال ورسوله أعلم قال ‪ " :‬فإن أربى الربا عند ال استحلل عرض امرئ مسلم ‪ ،‬ثم قرأ‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا " ‪.‬‬

‫وعن سعيد بن زيد رضي ال تعالى عنه ‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬إن من أربى الربا الستطالة في عرض‬

‫المسلم بغير حق " ‪.‬‬

‫ل بحضرته ‪.‬‬
‫والسخرية ‪ :‬الستهزاء والنظر إلى المسخور منه بعين النقص والزدراء به قولً أو فع ً‬

‫والل مز ‪ :‬الط عن والضرب بالل سان والت نبيه على المعا يب في حضر ته ‪ ،‬ول يد خل في مفهو مه ق صد الحتقار ك ما يد خل في‬
‫السخرية ‪ ،‬وهذا هو الفارق بينهما ‪.‬‬

‫والتنابز باللقاب ‪ :‬التداعي بها ‪ ،‬وبنو فلن بتنابزون أي يتداعون بالتلقيب المنهي عنه شرعا ‪ ،‬وهو ما يتداخل المدعو به‬

‫كراهة لكونه تقصيرا به وذما له وشينا ‪.‬‬

‫أما ما يحبه من اللقاب مما يزينه وينوه به فل بأس به ‪ .‬ففي هذه الية الكريمة ينهى ال عز وجل عن اللمز والطعن وعن‬

‫نداء الناس بعضهم لبعض بما يكرهونه من اللقاب فليس من النصاف ول من الرجولة أن تلمز أخاك وتطعنه بغير حق ول تناديه‬

‫بما يكره من اللقاب الخبيثة ‪ ،‬وكل هذه المور التي ينهى عنها السلم مما تولد الفساد والعداوة والبغضاء بين الناس ‪ ،‬وال تبارك‬
‫وتعالى ل يحب الفساد ول يرضى لعباده الفرقة والشقاق ‪ ،‬والتفرقة والنفاق ‪.‬‬

‫وانظروا إلى اللتفاتة العظيمة في هذه الية الكريمة حيث قال تعالى ‪ " :‬ول تلمزوا أنفسكم " وقد يتساءل النسان وكيف يلمز‬

‫الن سان نف سه ؟ والجواب ‪ :‬إن ال تبارك وتعالى ج عل المؤمن ين كن فس واحدة واع تبرهم كج سد وا حد ‪ ،‬فل يل يق أن يط عن بعض هم‬

‫‪33‬‬

‫بعضا ‪ ،‬لن الطا عن في هذه الحالة يط عن نف سه ‪ ،‬ويط عن ج سده بن فس المد ية ال تي ط عن في ها أخاه ‪ ،‬لذلك نها هم بهذا ال سلوب‬
‫الحكيم فقال ‪ :‬ول تلمزوا أنفسكم ومعناه ل يعيّر بعضكم بعضا لن المؤمنين كنفس واحدة ‪ ،‬عاب المؤمنُ المؤمنَ فكأنما عاب نفسه‪.‬‬

‫وذ هب صاحب الكشاف رح مه ال تعالى إلى أن المع نى ‪ :‬وخ صوا أنف سكم أي ها المؤمنون بالن هي عن الل مز في ها وطعن ها‬

‫وعيب ها ‪ ،‬ول علي كم أن تلمزوا غير كم م من ل يس على دين كم أو م من ل يس على سيرتكم و هم المجاهرون بالف سق ‪ .‬و في الحد يث‬
‫الشريف ‪ " .‬اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس " ‪.‬‬

‫وروي عن النبي صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه ‪ .‬ولهذا كانت التكنية من‬

‫السنة والدب الحسن ‪ .‬قال عمر بن الخطاب رضي ال تعالى عنه ‪ :‬أشيعوا الكنى فإنها منبهة ‪.‬‬

‫وق ّل من تجد من المشاهير في الجاهلية والسلم ول ت جد له لقبا حسنا أو كنية ‪ ،‬ولقد لقّب أبو ب كر بال صديق ولُقّ ب عمر‬

‫بالفاروق ‪ ،‬ول قب حمزة بأ سد ال ‪ ،‬وخالد بن الول يد ب سيف ال ‪ ،‬ولم تزل هذه اللقاب الح سنة ‪ ،‬والك نى تجري في ال مم كل ها في‬
‫تخاطبهم وكتاباتهم من غير نكير أو استغراب ‪ ،‬بل هي من الداب الرفيعة ‪ ،‬والخلق الجتماعية النبيلة ‪ ،‬التي من شأنها أن تشيع‬

‫الحب بين الناس وتنمي فيهم روح المودة والحترام ‪ ،‬وتقرب بين قلوبهم وأرواحهم حتى يكونوا حقا كنفس واحدة وجسد واحد إذا‬
‫اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ‪.‬‬

‫وقد ذكرتُ أن النهي ورد عن التلقيب بما هو مكروه ‪ ،‬وأود أن أبيّن هنا أنه ل فرق بين أن يكون اللقب المكروه صفة له أو‬

‫لب يه أو ل مه أو غيره ما م من له ب هم صلة ‪ ،‬و قد روي عن الح سن ر ضي ال تعالى ع نه قال ‪ :‬أدرك نا ال سلف و هم يرون العبادة‬
‫الكف عن أعراض الناس ‪ .‬وقد قال ال تعالى ‪ " :‬ويل لكل همزة لمزة " والهمزة ‪ :‬الطعان في الناس ‪.‬‬

‫بعد هذ بين ال سبحانه وتعالى أن السخرية واللمز والتداعي باللقاب موجبة للفسوق والخروج عن طاعة ال تعالى ‪ .‬أفل‬

‫يل يق بالمؤ من الذي حل قل به اليمان وا ستنار بنور ال سلم ل يل يق به أن ي كب على وج هه وينقلب على ع قبيه فتطلق عل يه كل مة‬

‫الفسق ‪ ،‬وأن يشيع ذكره بين الناس على وصف أنه فاسق بعد أن عرف باليمان ‪ " :‬بئس السم الفسوق بعد اليمان " ‪ ،‬والسم هنا‬
‫في قوله عز وجل ‪ :‬بئس السم ‪ ،‬معناه الذكر ‪ ،‬مأخوذ من قولهم ‪ :‬طار اسمه في الفاق ‪ ،‬أي ذكره ‪.‬‬

‫وخل صة مع نى هذه ال ية ‪ :‬بئس الذ كر أن يذ كر المؤ من بالف سوق ب عد أن ات صف باليمان ‪ ،‬أي أ نه ل ينب غي اجتماع هذ ين‬

‫الوصفين ‪ :‬اليمان والفسوق ‪ ،‬كقولهم ‪ :‬بئس الشأن بعد الكبْرةِ الصبوة ‪ ،‬وهم يريدون استقباح الجمع بين الصبوة وكبر السن ‪ ،‬أي‬

‫ما يكون في حال الكبر من الميل إلى الجهل ‪.‬‬

‫وينبغي أن نذكر هنا أن اللقب القبيح قد يشيع ويصبح علما على عائلة أو فرد من الناس فيذكر ذلك اللقب ول يتأذى صاحبه‬

‫م نه ‪ .‬و قد تد عو إل يه الضرورة فيذ كر ل على ق صد التحق ير ‪ ،‬ك ما يقول المحدثون ‪ :‬سليمان الع مش ووا صل الحدب ‪ ،‬و في هذه‬
‫الحالة ل ضرر فيه ول ينهى عنه شرعا ‪.‬‬
‫التوبة من الذنوب‬

‫ب عد هذا الن هي وهذا البيان ل ما ي جب أن يجتن به الن سان ‪ ،‬ذ كر اللّه سبحانه التو بة عن هذه المور واعتبر ها واج بة لز مة‬

‫كالتوبة عن سائر المعاصي والذنوب ومن لم يتب فهو ظالم لنفسه موبق لها لنه عرضها لسخط ال وعذابه ‪ ،‬قال تعالى ‪ :‬ومن لم‬
‫يتب فأولئك هم الظالمون ‪.‬‬

‫والتوبة نعمة من ال عز وجل امتن بها علينا وي سّرها لنا وجعلها بابا مفتوحا لمن يود الدخول فيه ‪ ،‬وليست التوبة كلمات‬

‫مجردة في اللسان يطلقها النسان من غير أن يُطلّق الذنب ويهجره ‪ ،‬فقولك ‪ :‬استغفر ال العظيم وأتوب إليه ‪ ،‬ل يسمّى توبة ول‬

‫هو الذي يطل به ال عز و جل ويح به م نك وي حب أ صحابه لن التو بة ت ستدعي معر فة عظ يم ضرر الذنوب والدمان علي ها ‪ ،‬ك ما‬

‫تستدعي ألم القلب وحزن النفس فتذوب أسى وحزنا وأسفا وأنه ل يغفر الذنوب إل ال ول مفرج إل هو ‪ ،‬فهو غفّار الذنوب وستّار‬

‫العيوب ‪ ،‬وحينئذ ينال رضا ال عز وجل ‪ " :‬إن ال يحب التوابين ويحب المتطهرين " ‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫قال النووي رحمه ال تعالى في شرح مسلم ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬التوبة واجبة من كل ذنب ‪ ،‬فإن كانت المعصية بين العبد وبين‬

‫ال تعالى ول تتعلق بحق آدمي فلها ثلثة شروط ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يقلع عن المعصية ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن يندم على فعلها ‪.‬‬

‫الثالث ‪ :‬أن يعزم على أن ل يعود إليها أبدا ‪.‬‬

‫فإن فقد شرط من الثلثة لم يصح توبته ‪ ،‬وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة ‪:‬‬

‫هذه الثلثة ‪ .‬وأما الرابع ‪ :‬أن يبرأ من حق صاحبها ‪ ،‬فإن كانت مالً أو نحوه رد إليه ‪ ،‬وإن كان حد قذف مكنه منه أو طلب‬

‫عفوه ‪ ،‬وإن كان غيبة استحله منها ‪.‬‬

‫ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ‪ ،‬فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي ‪.‬‬

‫وقد تظاهرت دلئل الكتاب والسنة وإجماع المة على وجوب التوبة من كل ذنب ‪ ،‬فالمؤمن قد تجنح نفسه إلى الشر فتقترف‬
‫إثما أو تكت سب خطيئة ‪ ،‬ف ما عل يه إل المبادرة إلى التو بة ليغ سل ما أ صابه من درن المع صية وأوضار الخطيئة ‪ ،‬فإن التو بة تغ سل‬

‫الحوبة وتصقل القلب وتمسح عنه رين المعصية وآثارها السوداء التي تتركها على قلب المؤمن ‪.‬‬

‫ف في ال ثر أن المؤ من إذا أذ نب ذنبا كا نت نق طة سوداء في قل به ‪ ،‬فإن تاب وا ستغفر صقل من ها قل به ‪ ،‬وإن زاد زادت ح تى‬

‫يغلف قلبه بالسواد ‪ ،‬وذلك الران الذي قال ال فيه ‪ " :‬كل بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " ‪.‬‬

‫وفي حديث آخر عن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬يا أيها الناس ‪ ،‬توبوا إلى ال واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة‬

‫مرة " ‪.‬‬

‫وحقيقة التوبة ‪ :‬علم ‪ ،‬وندم ‪ ،‬وقصد ‪ .‬فإذا فقد أحدها فقدت ‪.‬‬

‫ومعرفمة كون المعاصمي مهلكات جزء ممن اليمان ‪ ،‬وعدم المبادرة إلى التوبمة مفوّت لجزء ممن أجزاء اليمان ‪ ،‬ولو كان‬

‫ل لما أقدم مؤمن على معصية ‪ ،‬وهذا يفسر قول النبي صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ‪،‬‬
‫اليمان كام ً‬

‫ول يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ‪ ،‬ول يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " ‪.‬‬

‫ول بد في التو بة المقبولة أن تكون قري بة من الذ نب ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬إن ما التو بة على ال للذ ين يعملون ال سوء بجهالة ثم‬

‫يتوبون من قريب ‪ ،‬فأولئك يتوب ال عليهم ‪ ،‬وكان ال عليما حكيما ‪ .‬وليست التوبة للذين يعملون السيئات ‪ ،‬حتى إذا حضر أحدهم‬
‫الموت ‪ .‬قال ‪ :‬إني تبت الن ‪ ،‬ول الذين يموتون وهم كفار ‪ ،‬أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما " ‪.‬‬

‫فإذا استرسل المذنب في ذنبه حتى صار طبعا له ‪ ،‬وران على قلبه فل تنفعه الندامة وحدها ول ينفعه مجرد الستغفار ‪ ،‬فلو‬

‫قال سبعين مرة ا ستغفر ال ولم يقلع عن الذ نب فل ي سمى تائباص ‪ ،‬وكان قوله كقول القائل غ سلت ثو بي ولم يغ سله ‪ ،‬ف هل يز يل‬

‫مثل هذا الكلم الدران دون استعمال الماء ‪.‬‬

‫ف يا أي ها الناس توبوا إلى ال ق بل أن تموتوا ‪ ،‬وبادروا بالعمال ال صالحة ق بل أن تشغلوا و صلوا الذي بين كم وب ين رب كم فل‬

‫تقطعوه بالعصيان ‪ ،‬واعلموا أن آجالكم ليست بأيديكم ول ملكا لكم ‪ ،‬فل تعلم نفس ما تكسب غدا ول تدري نفس بأي أرض تموت‬
‫ففي قلب كل واحد منكم دقات تنذره بقرب الخطر ‪:‬‬

‫دقمات قلمب المرء قائلمة لمه‬

‫إن الحيمماة دقائمق وثممواني‬
‫الية الحادية عشرة ‪:‬‬

‫‪35‬‬

‫‪‬‬

‫ح ُدكُم أنْ‬
‫ضكُم َبعْضا ‪ ،‬أيُحِبّ أ َ‬
‫ب َبعْ ُ‬
‫ن إ ْثمٌ ‪ .‬وَل تَجَسسُوا ‪ .‬وَل َيغْتَ ْ‬
‫ن ‪ .‬إنْ َبعْض الظ ّ‬
‫يا أيّها الّذينَ آمنُوا اجتَنِبوا كَثِرا مِنَ الظّ ّ‬
‫ن الَ َتوّابٌ رَحِيمٌ ‪. ‬‬
‫حمَ أخيِهِ َميْتا َفكَرِهتُموهُ ‪ ،‬واتّقُوا اللّ َه ‪ ،‬إ ّ‬
‫يأ ُك َل لَ ْ‬

‫هذه آية كريمة تقرر مبادئ هامة من أصول الخلق الجتماعية ‪ ،‬وتنهى عباد ال المؤمنين عن أخلق لزمة ولصقة بكثير‬

‫من المجتمعات ‪ ،‬وقد ابتلى بها كثير من الناس ‪ ،‬فظنوا بالخرين سوءا فوقعوا بالثام ‪ ،‬وساروا في الظلم ‪ ،‬إذ أنهم لم يهتدوا بنور‬

‫السلم ‪ ،‬ولو اهتدوا بهدي ال عز وجل لما ظنوا سوءا ول تجسسوا ول تحسسوا ول اغتابوا ‪ ،‬إذ للمؤ من ع ند ال حرمة ‪ ،‬وأي‬
‫حر مة ‪ ،‬فصان كرام ته وشرفه وح فظ له د مه وعر ضه وماله ب عد أن خل قه فأحسن الخلق وأكر مه ب سيد المرسلين مح مد صلى ال‬

‫عليه وسلم‬

‫واسمعوا ما ورد في حرمة المسلم على لسان النبي المين صلوات ال وسلمه عليه ‪:‬‬

‫روى ابن ماجه عن عبد ال بن عمر رضي ال تعالى عنهما قال ‪ :‬رأيت النبي صلى ال عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول ‪:‬‬

‫" ما أطيبك وأطيب ريحك ‪ ،‬ما أعظمك وأعظم حرمتك ‪ ،‬والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند ال تعالى حرمة منك ‪.‬‬
‫ماله ودمه ‪ .‬وأن يظن به إل خيرا " ‪.‬‬

‫هذا مقام المؤمن عند ال سبحانه ‪ ،‬ومنزلته الرفيعة عند الخالق العظم ‪ .‬فليس لحد من الخلق أن يحطّ من قدر هذا المؤمن‬

‫‪ ،‬فيظن به شرا وسوءا ‪ ،‬أو يتجسس عليه ويغتابه ‪.‬‬

‫وال سمبحانه وتعالى فمي هذه ال ية ين هى عباده المؤمن ين عن كث ير ممن ال ظن الذي همو الته مة والتخون للهمل والقارب‬

‫والناس في غير محله ‪ .‬لن بعض ذلك الظن يكون إثما محضا ‪ ،‬فليجتنب كثير منه احتياطا ‪ .‬إذ من الظن ما يباح اتباعه ‪ ،‬كالظن‬
‫في أمور المعاش وما أشبه ذلك ‪ .‬ومنه ما يجب اتباعه كالظن في الحكام الشرعية الثابتة بأدلة غير قطعية ‪ ،‬ومنه ما يحرم اتباعه‬

‫والتفوّه بمه ‪ ،‬كالظمن فمي اللهيات والنبوات ‪ ،‬وممن الظمن المحرم ظمن السموء بالمؤمنيمن ‪ ،‬فقمد حرم ال تعالى ممن المسملم دممه ‪،‬‬

‫وعر ضه ‪ ،‬وماله‪ ،‬وأن ي ظن به ال سوء ‪ .‬والمحرّم م نه ع قد القلب ‪ ،‬وال صرار على الح كم على غيره بال سوء ‪ ،‬أ ما حد يث الن فس‬
‫والخواطر والشك الزائل فكل ذلك معفو عنه ‪ ،‬فليس لك أن تعتقد سوءا إل إذا انكشف سببه لك بالعيان أو ثبت لك ببرهان ‪ ،‬أما ما‬

‫لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك فإياك أن تصدقه ‪ ،‬وتحكم عليه فإن الشيطان يلقيه في القلب ‪.‬‬
‫ول يستباح ظن السوء إل بما يستباح به المال من مشاهدة أو بيّنة عادلة ‪.‬‬

‫وأمارة سوء ال ظن وع قد القلب هي تغ ير القلب ع ما كان عل يه ‪ ،‬فإذا أح سست بذلك فتثبّت وا ستعن بال ول تج عل للشيطان‬

‫ل ‪ ،‬فإن ظنا سيئا واحدا برجل بريء قد يودي بك إلى النار ‪ ،‬ويجرّك إلى الدمار وبئس القرار ‪.‬‬
‫إليك سبي ً‬

‫فللمؤمن حرمة ‪ ،‬فإياك أن تهتكها ‪ ،‬فمن عرف بالصلح وأونست فيه المانة والخلص وشوهد منه التستر والعمل الخالص‬

‫‪ ،‬فل يجوز قطعا أن تظن به سوءا لمجرد شبهة ل يقوم معها دليل وليس معها تعليل ‪.‬‬

‫أ ما المجا هر بالمعا صي فل يحرم سوء ال ظن به ‪ ،‬وإن لم يره الظا نّ على مع صيته ‪ ،‬ل نه م كن من صفحته ‪ ،‬وأزال حر مة‬

‫عرضه ‪.‬‬

‫وممن الظمن مما همو قهري غيمر مسمتطاع أن ندفعمه ‪ ،‬فل يتعلق بمه النهمي لعدم القدرة على دفعمه ‪ ،‬بمل يتعلق بعدم العممل‬

‫ن ل يضره أن يحترس ويأخذ حذره ممن ظن به سوءا ‪ .‬ولكن يضره‬
‫بموجبه ‪ ،‬وقد يظن شخص أن أحدا يريد به سوءا ‪ ،‬فهذا الظا ّ‬

‫ويحرم عل يه أن يو قع أذى بالمظنون م نه ال سوء ‪ ،‬فمجرد ال ظن ل يك في للح كم على الشخاص ول على الجماعات ول من أ حد من‬
‫الناس كائنا من كان ‪.‬‬

‫ورد عن سعيد بن المسيب رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬كتب إليّ بعض إخواني " أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما‬

‫ل ‪ ،‬ومن عرض نفسه للتهم فل يلومن إل نفسه ‪،‬‬
‫يغلبك ‪ ،‬ول تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محم ً‬

‫ومن كتم سره كانت الخيرة في يده ‪ ،‬وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم ‪ ،‬فإنهم زينة في الرخاء ‪ ،‬وعدة عند عظيم البلء‬
‫واعتزل عدوك ‪ ،‬واحذر صديقك إل المين ول أمين إل من خشي ال تعالى ‪ ،‬وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب " ‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫وورد عن عمر بن الخطاب رضي ال تعالى عنه أنه قال ‪ :‬ول تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إل خيرا وأنت تجد لها‬

‫ل‪.‬‬
‫في الخير محم ً‬

‫و ظن ال سوء مدعاة إلى التحق ير وال سخرية والل مز ‪ ،‬ومدعاة إلى امتلء القلوب غيضا وحقدا وحنقا ‪ ،‬و قد يؤدي إ يى إيقاع‬

‫الضرر بالمظنون به وهو بريء ل علم له بظن صاحبه ‪ ،‬وظن السوء خدش للعرض وهتك للحرمة ‪ ،‬ونيل من الكرامة لذا نهى ال‬
‫تعالى ع نه بهذه ال ية الكري مة ‪ ،‬و قد جعله الر سول صلى ال عل يه و سلم أكذب الحد يث ‪ ،‬فقال ‪ " :‬إيا كم وال ظن ‪ ،‬فإن ال ظن أكذب‬

‫الحديث " ‪ .‬وظن السوء داء استحكم في كثير من المسلمين ‪ .‬ومن العسير فطامهم عنه ‪ ،‬اللهم إل إذا تغلّب عليهم خوف ال عز‬

‫وجل وفهموا كتابه العزيز وتربوا على مائدة القرآن ‪ ،‬فمن السهل عندئذ تركهم لهذه المعصية ‪.‬‬

‫روى الطبراني عن حارثة بن النعمان رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ثلثة لزمات لمتي‬

‫‪ :‬الطيرة ‪ ،‬والحسد ‪ ،‬وسوء الظن ‪ .‬فقال رجل ‪ :‬وما يذهبن يا رسول ال ممن هن فيه ؟ فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا حسدت‬

‫فاستغفر ال ‪ ،‬وإذا ظننت فل تحقق ‪ ،‬وإذا تطيرت فأمض ‪.‬‬

‫وكما نهى ال عز وجل في هذه الية الكريمة عن سوء الظن ‪ ،‬فقد نهى عن التجسس وتتبع عورات المسلمين ‪ .‬ومن حق‬

‫المسلم على المسلم ‪ ،‬ستر عوراته ‪ ،‬ومن ستر على مسلم ستره ال تعالى في الدنيا والخرة ‪.‬‬

‫وورد عن سفيان الثوري عن راشد بن سعد عن معاوية رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬سمعت النبي صلى ال عليه وسلم يقول‬

‫‪ " :‬إنك إن اتبعت عورات النساس أفسدتهم ‪ ،‬أو كدت أن تفسدهم " ‪.‬‬

‫فقال أبو الدرداء رضي ال تعالى عنه ‪ :‬كلمة سمعها معاوية من رسول ال صلى ال عليه وسلم نفعه ال تعالى بها ‪ .‬وقال‬

‫أبو بكر الصديق رضي ال تعالى عنه ‪ :‬لو رأيت أحدا على حد من حدود ال تعالى لما أخذته ‪ ،‬ول دعوت إليه أحدا حتى يكون معي‬
‫غيري ‪.‬‬

‫وفي الحديث الشريف عن ابن عمر رضي ال تعالى عنهما قال ‪ :‬صعد رسول ال صلى ال عليه وسلم المنبر ونادى بصوت‬

‫رفيع حتى اسمع العواتق في خدورهن ‪ " :‬يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض (يصل ) اليمان إلى قلبه ل تؤذوا المسلمين ‪ ،‬وروي‬

‫ل تغتابوا الم سلمين – ول تتبعوا عورات هم ‪ ،‬فإن من تت بع عورة أخ يه الم سلم تت بع ال عور ته ‪ ،‬و من تت بع ال عور ته يو شك أن‬
‫يفضحه ولو في جوف رحله" ‪.‬‬

‫وورد عن العمش عن زيد رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬أتى ابن مسعود رضي ال تعالى عنه برجل‪ ،‬فقيل له ‪ :‬هذا فلن ‪،‬‬

‫تقطر لحيته خمرا ‪ ،‬فقال عبد ال رضي ال تعالى عنه ‪ " :‬إنا قد نُهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيءٌ نأخذ به " ‪.‬‬

‫وقال المام أحمد رضي ال تعالى عنه ‪ :‬ورد عن دجين كاتب عقبة قال ‪ :‬قلت لعقبة ‪ :‬إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع‬

‫لهم الشرط فيأخذونهم ‪ .‬قال ‪ :‬ل تفعل ‪ ،‬ولكن عظهم وتهددهم ‪.‬‬

‫قال ‪ :‬ففعل فلم ينتهوا ‪ .‬قال ‪ :‬فجاءه دجين ‪ ،‬فقال ‪ :‬إني نهيتهم فلم ينتهوا ‪ ،‬وإني داع لهم الشرط فتأخذهم ‪ ،‬فقال له عقبة ‪:‬‬

‫ويحك ل تفعل ‪ ،‬فإني سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬من ستر ال عورة مؤمن فكأنما استحيا مؤودة من قبرها " ‪.‬‬

‫وعن أبي أمامة رضي ال تعالى عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬إن المير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم "‬

‫‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ :‬ول تجسسوا أي على بعضكم بعضا ‪ .‬والتجسس غالبا يطلق في الشر ‪ ،‬ومنه الجاسوس وهو الشرير ‪ .‬وأما‬

‫النحسس فيكون غالبا في الخير كما قال عز وجل اخبارا عن يعقوب عليه الصلة والسلم أنه قال ‪ " :‬يا بني اذهبوا فتحسسوا من‬
‫يوسف وأخيه ول تيأسوا من َروْح ال إنه ل ييأس من َروْح ال إل القوم الكافرون " ‪.‬‬

‫و قد ي ستعمل كل منه ما في ال شر ك ما ث بت في ال صحيح أن ر سول ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قال‪ :‬ول تج سسوا ول‬

‫تحسسوا ول تباغضوا ول تدابروا وكونوا عباد ال إخوانا ‪. " . .‬‬

‫‪37‬‬

‫وقال الوزا عي رح مه ال تعالى ‪ :‬التج سس الب حث عن الش يء ‪ ،‬والتح سس ال ستماع إلى حد يث القوم و هم له كارهون أو‬

‫يتسمع على أبواب الناس ليستخبر عن أنبائهم ‪ .‬فلهم الحق في أن يفقأوا عينه المسمومة التي تنظر إلى الناس بالباطل وتتحسس‬

‫عليهم وهم في بيوتهم آمنون ‪ ،‬وعلى أسرارهم مؤتمنون ‪ ،‬والمرء في بيته مصون وحريته فيه مصونة بحكم السلم ‪ ،‬وليس لحد‬
‫أن يدخل عليه إل بإذنه ‪ ،‬كما أنه ليس لحد أن يتحسس عليه ويتسمع إلى أحاديثه وينظر غليه من شقوق بابه أو يتسلط عليه من‬
‫سطحه أو جداره المكشوف وقديما قال الشاعر ‪:‬‬
‫أعممى إذا ما جارتمي تظهمر‬
‫حتمى يمواري جمارتي الستمر‬
‫وفي حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم عن أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫" من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه " ‪.‬‬

‫و عن ا بن عباس ر ضي ال تعالى عنه ما عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم قال ‪ " :‬من تحلم بحلم لم يره كُلف أن يع قد ب ين‬

‫ب في أذنيه النك ومن صور صورة عذب أو كلف أن ينفخ فيها‬
‫شعيرتين ولن يفعل‪ ،‬ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون ص ّ‬

‫الروح وليس بنافخ " ‪.‬‬

‫و قد دف عت كرا هة المنكرات والحرص على م صالح ال مة وال سهر على رعايت ها وأمانت ها وحما ية أخلق ها ‪ ،‬و صيانة آداب ها‬

‫السلمية ‪ ،‬كل ذلك دفع أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين ‪ ،‬من تربى على مائدة القرآن وعاش مع القرآن وللقرآن ‪ ،‬إلى‬
‫التحسس ومراقبة الناس ‪ .‬فقد نقل الشييخ محمد مصطفى المراغي في تفسيره لسورة الحجرات ‪ :‬أن عمر بن الخطاب رضي ال‬

‫تعالى عنه كان يعس بالمدينة ويحرس الناس ويكشف أهل الريبة منهم ‪ ،‬فسمع صوت رجل في بيته يغني ‪ ،‬فتسور عليه ‪ ،‬ووجد‬
‫عنده امرأة وخمرا فقال ع مر ‪ :‬يا عدو ال ! أطن نت أن ال ي سترك وأ نت على مع صيته ‪ ،‬فقال الر جل ‪ :‬وأ نت يا أم ير المؤمن ين ل‬

‫عليم ‪ ،‬إن كنمت عصميت ال فمي واحدة ‪ ،‬فقمد عصميته أنمت فمي ثلث ‪ :‬قال ال تعالى‪ " :‬ل تدخلوا بيوتا غيمر بيوتكمم حتمى‬
‫ّ‬
‫تعجمل‬
‫تستأنسوا وتسلموا على أهليها " ‪ ،‬وقد دخلت بغير إذني فقال أمير المؤمنين رضي ال تعالى عنه ‪ :‬فهل عندك من خير إن عفوت‬
‫عنك ! قال الرجل ‪ :‬نعم ‪ .‬وال يا أمير المؤمنين لئن عفوت ل أعود إلى مثلها أبدا ‪ ،‬فعفا عنه عمر وتركه ‪.‬‬

‫وقد تضمنت هذه الية الكريمة لطائف من المعاني وكرائم السجايا الحميدة ‪ ،‬وذكرت أمورا ثلثة مرتبة بعضها على بعض ‪،‬‬

‫فقد نهت عن الظن بالمسلم ‪ ،‬والقول فيه بغير علم ‪ ،‬ونهت عن البحث عن ذلك لتحقيقه ‪ ،‬ونهت عن البحث عن ذلك بين الناس إذا‬
‫تحقق ما ظنه من سوء ‪ .‬ثم ختمت الية بترغيب المؤمنين في رحمة ال تعالى بالتوبة ‪ ،‬وفتح ال سبحانه الباب بقوله على سبيل‬

‫المبالغة ‪ " :‬إن ال تواب رحيم " ‪.‬‬

‫فليسارع المؤمنون إلى باب هذا التواب الرحيم والرب الكريم والله العظيم جل جلله وتباركت أسماؤه وعز كماله ‪.‬‬
‫تحريم الغيبة‬
‫وتضمنت الية الكريمة نهي ال عز وجل عن الغيبة ‪ ،‬وهي ‪ :‬أن يذكر النسان أخاه المسلم في غيبته بما يكره ‪ ،‬سواء كان‬

‫الذكر صراحة أو كتابة أو إشارة أو رمزا ‪ .‬وسواء كان ما اغتابه به متعلقا بدينه أو بدنياه ‪ ،‬بخلقه أو خلقه ‪ ،‬وسواء أكان متصلً‬
‫به أو بمن له به رابطة أو صلة ‪ ،‬من ولد أو زوجة أو أب وأم ‪.‬‬

‫ونحرم غيبمة المسملم وخاصمة المعروف بالصملح ‪ ،‬وكذلك مسمتور الحال وبصمورة مطلقمة اللهمم إل المجاهريمن بالفسمق‬

‫والداخلين في مواطن الريب ‪ ،‬فإنه ل تحرم غيبتهم ‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫و قد ن قل المام القر طبي رح مه ال تعالى إجماع الم سلمين على أن الغي بة من الكبائر ‪ ،‬وب عد أن صورها ال سبحانه أب شع‬

‫تصوير في آخر الية ‪ ،‬فل يصح أن تعد في الصغائر ‪.‬‬

‫ومن الغيبة ما هو هين بسيط ‪ ،‬كعيب الشخص في لباسه أو سيارته ‪ ،‬وما أشبه ذلك مما ل يتصل بالدين والخلق ‪ ،‬فإذا قيل‬

‫أن أمثال هذه الغيبة من الصغائر كان مقبو ًل ‪ ،‬أما ما يتعلق بالدين والخلق والعرض فل ‪.‬‬

‫ويجوز لمن ظلم أن يشكر ظالمه ‪ ،‬ويذكر ما فعله معه مما يعد عيبا ‪ ،‬كما يجوز لمن يريد تغيير منكر أن يذكر ذلك المنكر‬

‫للقادر على تغييره ‪ ،‬كما يجوز ذكر ما في الولة والقضاة من شر للقادر على عزلهم وتغييرهم ول يعد هذا من الغيبة ‪.‬‬
‫قال المام ابن كثير رحمه ال تعالى في تفسيره ‪:‬‬

‫والغي بة محرّ مة بالجماع ‪ ،‬ول ي ستثنى من ذلك إل ما رج حت م صلحته ‪ ،‬ك ما في الجرح والتعد يل والنصيحة ‪ ،‬كقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم لما استأذن عليه الرجل الفاجر ‪ " :‬ائذنوا له وبئس أخو العشيرة " ‪.‬‬

‫وكقوله صلى ال عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي ال تعالى عنها وقد خطبها معاوية وأبو الجهم ‪ " :‬أما معاوية فصعلوك‬

‫‪ ،‬وأما أبو الجهم فل يضع عصاه عن عاتقه " ‪ ،‬وكذا ما جرى مجرى ذلك ‪ ،‬ثم بقيتها على التحريم الشديد ‪ ،‬وقد ورد فيها الزجر‬

‫الك يد ‪ ،‬ولهذا شببها ال تبارك وتعالى بأكل الل حم من النسان الميت فقال ‪ " :‬أيحب أحد كم أن يأكل ل حم أخ يه ميتا فكرهتموه " أي‬
‫ك ما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرعا ‪ .‬فإن عقوب ته أشد من هذا ‪ ،‬وم ثل هذا يأ تي للتنف ير والتحذ ير ‪ ،‬ك ما قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم في العائد في هبته أو الراجع عنها مثله بقوله ‪ :‬كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه ‪.‬‬

‫و قد ف سّر الشارع الحك يم الغي بة تف سيرا واضحا ‪ ،‬ف قد جاء في الحد يث الذي رواه أ بو داود رح مه ال تعالى عن أ بي هريرة‬

‫رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قيل يا رسول ال ما الغيبة ؟ قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ذكرك أخاك بما يكره " ‪ ،‬قيل ‪ :‬يا رسول ال‬
‫أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته‪ ،‬وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته "‬
‫‪ .‬والبهتان كذب وزور ‪ ،‬والغيبة إثم وفجور وكلهما شر وثبور ‪.‬‬

‫سبب النزول‬

‫وروي عن أبن عباس رضي ال تعالى عنهما ‪ :‬أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما ‪ ،‬فنام عن‬
‫شأنه يوما ‪ .‬فبعثاه إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم يبغي لهما إداما ‪ ،‬وكان أسامة على طعام رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫فقال ‪ :‬ما عندي شيء ‪ ،‬فأخبرهما سلمان بذلك ‪ .‬فعند ذلك قال ‪ :‬لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ‪ ،‬فلما راحا إلى النبي صلى‬

‫ال عليه وسلم قال لهما ‪ :‬ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ‪ .‬فقال ‪ :‬ما تناولنا لحما فقال ‪ :‬إنكما قد اغتبتما ‪ ،‬فنزلت هذه الية‬
‫الكريمة ‪ " :‬ول يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ‪ ،‬واتقوا ال ‪ ،‬إن ال تواب رحيم " ‪.‬‬
‫ولقد تضافرت أدلة الشريعة على تحريمها وشناعة فعلها وقذارة مرتكبيها ‪.‬‬

‫وللغي بة أ سباب أهم ها ‪ :‬الغ يظ ‪ ،‬وهياج الغ ضب ‪ ،‬فيذ كر عيوب غيره للناس شفاء لنف سه من غضب ها ‪ ،‬أو مجاملة الرفقاء‬
‫وال صدقاء ‪ ،‬أو إرادة أن ير فع الن سان بال غض من غيره ‪ ،‬أو الح سد و هو أ هم ال سباب ‪ .‬ومن ها أيضا الل عب والهزل والمفاك هة‬
‫وإضاعة الوقت ‪ .‬وقد ورد عن أنس بن مالك رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬لما عرج بي مررت‬

‫بقوم لهمم أظفار ممن نحاس يخمشون وجوههمم وصمدورهم ‪ ،‬قلت ‪ :‬ممن هؤلء يما جبريمل ؟ قال ‪ :‬هؤلء الذي يأكلون لحوم الناس‬
‫ويقعون في أعراضهم ‪.‬‬

‫وعن أبي سعيد الخدري رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قلنا يا رسول ال حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك‪ .‬قال ‪ … :‬ثم انطلق بي‬

‫إلى خلق من خلق ال كث ير رجال ون ساء ‪ ،‬مو كل ب هم رجال يعمدون إلى عرض جنْ بِ أحد هم فيجزّون م نه الجزّة م ثل الن عل ‪ ،‬ثم‬
‫يضعون ها في في أحد هم ‪ .‬فيقال له ‪ :‬ك ْل ك ما أكل تَ ‪ ،‬و هو ي جد من أكله الموت يا مح مد ‪ ،‬و هو يُكره عل يه ‪ ،‬فقلت يا جبر يل من‬

‫‪39‬‬

‫هؤلء قال ‪ :‬هؤلء الهمازون ‪ ،‬اللمازون ‪ ،‬أ صحاب النمي مة فيقال ‪ " :‬أي حب أحد كم أن يأ كل ل حم أخ يه ميتا فكرهتموه " و هو يكره‬
‫على أكل لحمه ‪.‬‬

‫وإلى الرجال أسوق هذا الحديث الشريف الذي يرويه أبو داود رحمه ال تعالى أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ‪" :‬من أكل‬

‫برجل أكلةً فإن ال يطعمه مثلها في جهنم ‪ ،‬ومن كسا ثوبا برجل مسلم فإن ال يكسوه مثله في جهنم ‪ ،‬ومن قام برجل مقام سمعة‬
‫ورياء فإن ال تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة " ‪.‬‬

‫وإلى الن ساء في بلد نا جميعا أ سوق حد يث المرأت ين على ع هد ر سول ال صلى ال عل يه و سلم في ما رواه المام أح مد بن‬

‫حنبل رضي ال تعالى عنه عن سعد مولى رسول ال صلى ال عليه وسلم أنهم أمروا بصيام ‪ ،‬فجاء رجل في نصف النهار فقال ‪:‬‬
‫يا رسول ال ‪ ،‬فلنة وفلنة قد بلغتا الجهد ‪ ،‬فأعرض عنه مرتين أو ثلثا ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬ادعهما ‪ ،‬فجاء بقدح فقال لحداهما ‪ :‬قيئي ‪،‬‬

‫فقاءت لحما ودما عبيطا وقيحا ‪ .‬وقال للخرى مثل ذلك ثم قال ‪ :‬إن هاتين صامتا عما أحل ال لهما ‪ ،‬وأفطرتا على على ما حرم‬

‫ال عليهما ‪ ،‬أتت إحداهما للخرى فلم تزال تأكلن لحوم الناس حتى امتلت أجوافهما قيحا ‪ .‬نعوذ بال تعالى ونستجير به من شر‬
‫الغيبة ‪.‬‬

‫وروي عن أبي يعلى رضي ال تعالى عنه عن عم لبي هريرة رضي ال تعالى عنه أن ماعزا جاء إلى رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول ال إني قد زنيت ‪ ،‬فأعرض عنه حتى قالها أربعا ‪ ،‬فلما كان في الخامسة قال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫زنيت ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬وتدري ما الزنا ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حللً ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ما تريد إلى هذا القول ؟ قال ‪ :‬أريد أن تطهرني ‪ ،‬قال ‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬أدخلت ذلك منك في ذلك منها ‪ ،‬كما‬

‫يغيب الميل في المكحلة ‪ ،‬والعصا في البئر ؟ قال ‪ ،‬نعم يا رسول ال ‪ .‬قال ‪ ،‬فأمر برجمه فرجم ‪ ،‬فسمع النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫رجلين يقول أحدهما لصاحبه ‪ ،‬ألم تر إلى هذا الذي ستر ال عليه ‪ .‬فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ‪ .‬ثم سار النبي صلى ال‬

‫عل يه و سلم ح تى مر بجي فة حمار فقال ‪ ،‬أ ين فلن وفلن ؟ انزل ‪ .‬فكل من جي فة هذا الحمار ‪ .‬قال ‪ :‬غ فر ال لك يا ر سول ال ‪،‬‬
‫وهل يؤكل هذا ؟ قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكل منه ‪ ،‬والذي نفسي بيده إنه الن لفي أنهار الجنة‬
‫ينغمس فيها ‪.‬‬

‫وهكذا ت صنع التو بة ال صادقة تن قل الر جل من الر جس والد نس إلى أنهار الج نة يتط هر في ها ويتط يب ر ضي ال تعالى ع نه‬

‫وأرضاه ‪ ،‬فقد جاد بنفسه في سبيل ال وخوفا من عقاب ال ‪ ،‬ووعيده في الخرة ‪.‬‬

‫و قد عرّف الزمخشري الغي بة فقال ‪ :‬غا به واغتا به ‪ ،‬كغاله واغتاله ‪ .‬والغي بة من الغتياب كالغيلة من الغتيال و هي ذ كر‬

‫السوء في الغيبة ‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ " :‬أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه " تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض أخيه ‪.‬‬

‫و عن قتادة ‪ :‬ك ما تكره إن وجدت جي فة مدودة أن تأ كل من ها كذلك فأكره ل حم أخ يك ‪ .‬وعرف المام ال طبري صاحب مج مع‬
‫البيان في تفير القرآن ‪ ،‬الغيبة بقوله ‪ :‬الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة فيه ‪ .‬ثم ذكر حديث رسول ال‬

‫تعريفها ‪.‬‬

‫في‬

‫وذكر الطبري رؤيا ميمون بن شاه ‪ ،‬قال ميمون ‪ :‬بينا أنا نائم ‪ ،‬إذا بجيفة زنجي وقائل يقول ‪ :‬كل يا عبد ال ‪ ،‬قلت ولمَ آكل‬

‫‪ ،‬قال ‪ :‬بما اغتيب عند فلن ‪ ،‬قلت وال ما ذكرت فيه خيرا ول شرا ‪ ،‬قال ‪ :‬لكنك استمعت فرضيت ‪ .‬وكان ميمون بعد ذلك ل يدع‬
‫أن يغتاب عنده أحد ‪.‬‬

‫وقال رجل لبن سيرين ‪ :‬إني قد اغتبتك فاجعلن في حل ‪ ،‬قال ‪ :‬إني أكره أن أحل ما حرّم ال ‪ ،‬ثم قال ‪:‬‬

‫وليمس الذئب يأكمل لحم ذئمب‬

‫ويأكمل بعضنا بعضا عيانما‬

‫‪40‬‬

‫وقال ‪:‬‬

‫فإن يأكلموا لحمي وفممرت لحومهم‬
‫وإن يهدمموا مجمدي بنيت لهم مجدا ‪.‬‬

‫وروى المام أح مد ر ضي ال تعالى ع نه أن النبي صلى ال عل يه وسلم قال ‪ :‬من ح مى مؤمنا من منا فق يغتا به ‪ ،‬بعث ال‬
‫إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم ‪ .‬ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه ‪ ،‬حبسه ال تعالى على جسر جهنم حتى يخرج‬
‫مما قال ‪.‬‬

‫و عن جاب مر بن عب مد ال وأ بي طلح مة بن سهل الن صاري ر ضي ال تعالى عنه ما قال ‪ :‬قال ر سول ال صلى ال عل يه‬

‫وسلم ما من امرئ يخذل امرأ ً مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته ‪ ،‬وينتقص فيه من عرضه إل خذله ال تعالى في مواطن يحب‬
‫فيها نصرته ‪ ،‬وما من امرئ ينصر امرأ ً مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إل نصره ال عز وجل‬
‫في مواطن يحب فيها نصرته ‪.‬‬

‫هذا ب عض ما ورد في الغي بة وحكم ها في شر عة ال سلم ‪ ،‬و هو من البشا عة ما يج عل الم سلم حذرا متوقيا من ارتكاب أي‬

‫ش يء منها ‪ ،‬خائفا ر به منيبا إل يه ‪ ،‬طاهرا ل سانه من الوقوع في أعراض الناس ‪ .‬والتعرض لهم بال شر ‪ ،‬فالم سلم ال حق هو الذي‬
‫ابت عد عن محارم ال ف سلم الناس من يده ول سانه وش عر بمراق بة ال عز و جل ‪ " .‬ما يل فظ من قول إل لد يه رق يب عت يد " ‪ " ،‬إن‬
‫السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولً " ‪.‬‬
‫وسأختم تفسير هذه الية بشرح مفرداتها ‪:‬‬

‫‪ – 1‬اجتنبه ‪ :‬من قوله تعالى " اجتنبوا " كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللزم له ‪.‬‬
‫‪.‬‬

‫‪ – 2‬الظن ‪ :‬اسم لما يحصل عن أمارة قوية أو ضعيفة ‪ ،‬فإن قويت جدا أدت إلى العلم وإن ضعفت جدا لم تتجاوز حد الوهم‬
‫‪ – 3‬والثم الفعل المبطئ عن الثواب وجمعه آثام ‪ ،‬وقد سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم عن الثم فقمال ‪ " :‬الثم ما‬

‫حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " ‪ .‬وقوله تعالى ‪ " :‬أخذته العزة بالثم " معناه حملته على فعل ما يؤثم ‪ ،‬والثم الذي‬
‫يحتمل الثم ‪.‬‬

‫‪ – 4‬والجس من قوله تعالى ‪ " :‬ول تجسسوا " هو مس العرق وتعرف نبضه للحكم على الصحة والسقم ‪ ،‬وهو أخص من‬

‫الحس ‪ ،‬فإن الحس تعرف ما يدركه الحس ‪ .‬ويرى بعض العلماء أنهما متقاربان ‪ ،‬وأن مشاعر النسان يقال لها ‪ :‬الجواس ‪.‬‬

‫هذه خلصة تفسير قول الحق تبارك وتعالى ‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ‪ ،‬ول تجسسوا‬

‫‪ ،‬ول يغتب بعضكم بعضا ‪ ،‬أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ‪ ،‬واتقوا ال ‪ ،‬إن ال تواب رحيم " ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫الية الثالثة عشرة ‪:‬‬
‫ع ْن َد الِ أتْقاكُ ْم ‪ ،‬إنّ الَ عَليمٌ خَبيرٌ‬
‫ن أكْرَ َمكُم ِ‬
‫شعُوبا وقَبا ِئ َل لِتَعارَفُوا إ ّ‬
‫ن َذكَر وأُنْثى وَجَعلْناكُم ُ‬
‫يا أيّها النّماسُ إنّما خَلقْناكُمْ مِ ْ‬
‫‪. ‬‬

‫‪41‬‬

‫ل من أ صول ال سلم عظيما ‪ ،‬و هو الم ساواة ب ين الناس ‪ ،‬ول قد قررت هذه ال ية مبدأ ضخما من‬
‫هذه آ ية عظي مة تقرر أ ص ً‬

‫المبادئ الن سانية ال سامية ف هي من معجزات هذا القرآن العظ يم الذي أنزله ال ضياءً للناس ونورا يهتدون به وبرهانا ساطعا ين ير‬
‫السبل أمامهم ‪.‬‬

‫قبل أربعة عشر قرنا من الزمن والعالم يموج في الظلم ويضطرب في الفساد ‪ ،‬وتسوده الهمجية والعصبية الجاهلية وتخيم‬

‫عل يه ضللت الع صور القدي مة ‪ ،‬و قد ن شر الر عب أجنح ته على الدن يا وزاد الف ساد وتفا خر الناس بالن ساب وعاشوا ت حت ظل نظام‬
‫الطبقات ‪.‬‬

‫فمي هذه الظلممة الداكنمة ينبثمق فجمر السملم فتبدد أنواره تلك الغيوم السموداء وتنزل هذه اليمة الكريممة لتقرر مبدأ إنسمانيا‬

‫عظيما وهو إعلن المساواة بين البشر – كل البشر – فل فضل لعربي على عجمي ‪ ،‬ول لبيض على أسود ‪ ،‬ول لغني على فقير ‪،‬‬
‫ول لكبير على صغير ‪ ،‬إل بالتقوى والتقرب من الخالق عز وجل ‪ .‬فالناس كلهم متساوون ‪ ،‬أصلهم واحد وأباهم واحد ‪.‬‬

‫وقد روي أن رجلً قال لنبي ال عيسى عليه السلم ‪ :‬أي الناس أفضل ؟ فأخذ قبضتين من تراب وقال ‪ " :‬أي هاتين أفضل ؟‬

‫الناس خلقوا ممن تراب ‪ ،‬فأكرمهمم أتقاهمم " ‪ .‬وقمد جعلهمم ال عمز وجمل شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويصملوا الرحام ل ليتفاخروا‬

‫بالنساب ‪ ،‬فالنسان مخلوق بأمر ال سبحانه ل باختياره ول باختيار أبويه ‪ ،‬إن شاء خلقه عربيا أو كرديا أو تركيا ‪ ،‬فكيف يسوغ‬
‫له أن يفخر بأمر ليس له فيه كسب ول اختيار ؟‬

‫وال تبارك وتعالى يقول ‪ " :‬وأن ليس للنسان إل ما سعى " ‪ ،‬فهل نسبه وحسبه من سعيه ونتيجة جهوده ؟ حتى يكون له‬

‫لل‬
‫الحق في الفخر بهما ‪ .‬فال تعالى الخبير بأحوال الناس العليم بأعمالهم سيجازيهم على ما كسبت أيديهم ‪ ،‬فالفائز أحسنهم عم ً‬

‫أشرفهم نسبا ‪.‬‬

‫سبب النزول‬

‫قال الزمخشري صماحب الكشاف رح مه ال تعالى فمي سمبب نزول هذه اليمة الكري مة ‪ :‬ورد عمن يزيمد بمن شجرة قال ‪ :‬ممر‬
‫ر سول ال صلى ال عل يه و سلم في سوق المدي نة فرأى غلما أ سود يقول ‪ :‬من اشترا ني فعلى شرط أن ل يمنع ني عن ال صلوات‬
‫الخمس خلف رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فاشتراه رجل ‪ ،‬فكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يراه عند‬

‫كل صلة ‪ ،‬ففقده يوما فسأل عنه صاحبه ‪ ،‬فقال ‪ :‬محموم ‪ ،‬فعاده رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ثم سأل عنه بعد ثلثة‬

‫أيام فقال ‪ :‬هو ل ما به ‪ ،‬فجاءه و هو في دمائه ‪ ،‬فتولى ر سول ال صلى ال عل يه و سلم غ سله ودف نه ‪ ،‬فد خل على المهاجر ين‬
‫والنصار أمر عظيم ‪ ،‬فنزلت هذه الية ‪ " :‬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند‬

‫ال أتقاكم ‪ ،‬إن ال عليم خبير " وقال بعضهم ‪ :‬نزلت هذه الية في أبي هند ‪ ،‬ذكر ذلك أبو داود في المراسيل عن الزهري رضي‬
‫ال تعالى عنه قال ‪:‬‬

‫أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم ‪ ،‬فقالوا لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫نزوج بناتنا موالينا ؟ فأنزل ال عز وجل هذه الية الكريمة ‪.‬‬
‫وقال ابن عباس رضي ال تعالى عنهما ‪:‬‬

‫ل ما كان ف تح م كة أ مر ر سول ال صلى ال عل يه وسلم بللً ح تى عل على ظهر الكع بة فأذّن ‪ ،‬فقال الحارث بن هشام ‪ :‬ما‬

‫وجد محمد غير هذا الغراب السود مؤذنا ؟‬

‫وقال عتاب بن أسيد ‪ :‬الحمد ل الذي قبض أبي حتى ل يرى هذا اليوم ‪.‬‬
‫وقال سهيل بن عمرو ‪ :‬إن يرد ال شيئا بغيره ‪.‬‬

‫وقال أبو سفيان ‪ :‬أنا ل أقول شيئا ‪ ،‬أخاف أن يخبره به رب السموات ‪ .‬فأتى جبريل النبي صلى ال عليه وسلم وأخبره بما‬

‫قالوا ‪ ،‬فأنزل ال تعالى هذه الية زجرا لهم عن تكبرهم وازدرائهم بالفقراء ‪ ،‬فإن المدار على التقوى ل على النساب والحساب ‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫وقد وردت هذه الية الكريمة بعد النهي عن التجسس والغيبة وغيرها من الخلق الذميمة ‪ ،‬فجاءت هذه الية منبهة على‬

‫تساوي البشر ‪ ،‬فل يجوز لحد أن يف خر على أحد ول ينت قص أحدا أو يطع نه أو يعيبه و قد ورد عند البخاري رحمه ال تعالى عن‬
‫أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أي الناس أكرم ؟ قال ‪ " :‬أكرمهم عند ال أتقاهم " ‪،‬‬

‫قالوا ‪ :‬ليس عن هذا نسألك ‪ ،‬قال ‪ " :‬فأكرم الناس يوسف نبي ال ابن نبي ال ابن نبي ال ابن خليل ال " ‪ .‬قالوا ‪ :‬ليس عن هذا‬

‫نسألك ‪ ،‬قال ‪ " :‬فعن معادن العرب تسألون ؟ " قالوا ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬خياركم في الجاهلية ‪ ،‬خياركم في السلم إذا فقهوا ؟‬

‫وذكر أبو بكر البزار في مسنده عن حذيفة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬كلكم بنو آدم‪،‬‬

‫وآدم خلق من تراب ‪ ،‬ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على ال تعالى من الجعلن "‪.‬‬

‫وروى المام أحمد رضي ال تعالى عنه عن عقبة بن عامر رضي ال تعالى عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬

‫إن أنسابكم هذه ليست بمنسبة على أحد ‪ ،‬كلكم بنو آدم ‪ ،‬طف الصاع لم تمنعوه ليس لحد على أحد فضل إل بدين أو تقوى وكفى‬
‫بالرجل أن يكون بذيئا بخيلً فاحشا ‪.‬‬

‫وقد رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن أبي لهيعة ولفظه ‪ " :‬الناس لدم وحواء ‪ ،‬طف الصاع لم يملوه ‪ ،‬إن ال‬

‫ل يسألكم عن أحسابكم ول عن أنسابكم يوم القيامة ‪ ،‬إن أكرمكم عند ال أتقاكم " ‪.‬‬

‫ونقل المام أحمد رضي ال تعالى عنه عن عميرة زوج درة بنت أبي لهب عن درة بنت أبي لهب قال ‪ :‬قام رجل إلى النبي‬

‫صلى ال عليه وسلم وهو على المنبر فقال ‪ :‬يا رسول ال أي الناس خير ؟ قال صلى ال عليه وسلم خير الناس أقرأهم وأتقاهم للّه‬
‫عز وجل وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم ‪.‬‬

‫وعن عائشة أم المؤمنين رضي ال تعالى عنها قالت ‪ :‬ما أعجب رسول ال صلى ال عليه وسلم شيء من الدنيا ول أعجبه‬

‫إل ذو تقى ‪.‬‬

‫وقد استفاضت الخبار وامتلت كتب الشريعة السلمية بأن الكرامة ل ترتبط بالنسب ول بعظيم الرتب ول بأم وأب ‪ ،‬ولكنها‬

‫ترتبط ارتباطا وثيقا بالعمل ‪ ،‬وعمل النسان هو الذي يوزن به ‪ ،‬والناس أبرار وفجار ‪ .‬والفاجر فاجر ولو كان ابن أكابر ‪ ،‬والبر ‪،‬‬

‫بر ‪ ،‬ولو كان ابن الحقر ‪ .‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬الناس رجلن ‪ :‬بر تقي كريم على ال ‪ ،‬وفاجر شقي هيّن على‬
‫ال ‪ ،‬الناس كلهم بنو آدم‪ ،‬وخلق ال آدم من تراب " ثم قرأ رسول ال صلى ال عليه وسلم هذه الية ‪ " :‬يا أيها الناس إنا خلقناكم‬
‫من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ‪ ،‬إن أكرمكم عند ال أتقاكم " ‪.‬‬

‫وخطب رسول ال صلى ال عليه وسلم في حجة الوداع تلك الخطبة العظيمة التي كانت دستورا للمؤمنين ونورا للصالحين ‪،‬‬

‫وضياء للعارفين ‪ ،‬ومما قال فيها صلوات ال وسلمه عليه ‪ :‬أل إن ربكم واحد ‪ ،‬ل فضل لعربي على عجمي ول لعجمي على عربي‬
‫ول لسود على أح مر ‪ ،‬ول لح مر على أ سود إل بالتقوى ‪ ،‬إن أكرمكم ع ند ال أتقاكم ‪ ،‬أل هل بل غت ؟ قالوا ‪ :‬بلى يا رسول ال ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬فليبلغ الشاهد الغائب ‪.‬‬

‫هذا هو السلم في عدله ومساواته للناس ‪ ،‬فماذا بعد الحق إل الضلل ‪ ،‬وماذا بعد السلم من المبادئ والفكار إل الخبال ‪.‬‬

‫ولقد جاء السلم دينا عاما خالدا ‪ ،‬لذا اعتبر المؤمنين جميعا جسدا واحدا ‪ ،‬واعتبر المسلمين أمة واحدة ‪ " :‬إن هذه أمتكم‬

‫أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " ‪.‬‬

‫وبهذه الروح فتحوا مشارق الرض ومغاربها ودانت لهم الدنيا بالطاعة وما كان يمكن أن تسير قبائل العرب وشعوب العجم‬

‫تحت راية السلم تقاتل مخالفيه وتنشر تعاليمه النيرة وتثبت قواعد التوحيد وتنشر العدل والمساواة بين الناس ‪ ،‬ما كان يمكن أن‬

‫تفعمل هذه العاجيمب فمي ذلك الظرف القصمير ‪ ،‬لو اسمتمرت على عصمبيتها الجاهليمة ‪ ،‬تفخمر القبائل على القبائل ‪ ،‬والشعوب على‬
‫الشعوب ‪ ،‬وما عرف أن أمة توحدت وارتبطت حتى كانت كجسم واحد رغم تفاوت أجناسها ولغاتها ‪ .‬ولها هدف معين وغاية محددة‬

‫يعمل الجميع فيها على تحقيق هذا الهدف وتلك الغاية ‪ ،‬وقد اعتبرت الوحدة السلمية ‪ ،‬على رباط اليمان‪ ،‬وهدفها إرضاء ال عز‬

‫وجل خالق الجميع ورب كل الناس رب العالمين ‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫وق مد ق ضى هذا المبدأ الن ساني على النزعات القوم ية والختلفات العن صرية ال تي كا نت – و ما زالت – ت سود المجتمعات‬

‫والتي تسبب العداوات فتقتل النفس وتزهق الرواح وتنهب الموال ‪.‬‬

‫وبهذه القاعدة مهد السلم للعامل المجد أن يفتح أمامه طريق المجد ‪ ،‬وأن ينال في الدنيا ما يصل إليه جهده ‪ ،‬وفي الخرة‬

‫ما مهد له تقواه وصلحه ‪.‬‬

‫والتقوى تنال بطا عة ال عز و جل وطا عة ر سوله صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬وبالعمال ال صالحة ‪ ،‬ولي ست هذه العمال صلة‬

‫وصوما وزكاة وحجا فحسب بل لبد إلى جانبها أمور وأمور ل يتم إيمان المرء إل بها ‪ ،‬ومنها بل أهمها صيانة السلم وحمايته‬
‫من كيد أعدائه والجهاد في سبيله ‪ ،‬وفي سبيل الحق والدفاع عن ديار السلم من أن تمتد إليها يد الطامعين من الكافرين ‪ " :‬إنما‬

‫المؤمنون الذين آمنوا بال ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ال " ‪.‬‬

‫فمن الممكن أن يكون أي شخص من الناس هو الكرم عند ال ‪ .‬لن الكرامة عند ال عز وجل بالتقوى ‪ ،‬ومن الواجب أن‬

‫يكون هذا المعيار قائما عند الناس ‪ ،‬فالمتقون هم الكرمون ‪.‬‬

‫وهذا هو السمو بالنفس النسانية إلى أعلى الدرجات وأسمى الغايات وأنبل الصفات ‪ ،‬وبعد ثلثة عشر قرنا من الزمن عرفت‬

‫المم هذا المبدأ وفخرت به وظنت أنها وقعت على شيء جديد لم يعرف من قبل ‪ ،‬وتجاهلت أن السلم العظيم قد جاء بهذه المثل‬
‫العل يا ق بل ز من طو يل في و قت كان الب شر غارق ين في العبود ية بل وتقد يس الطغيان ‪ ،‬فجاء ال سلم العظ يم بهدم مزا يا الجناس‬
‫والظلم وإلغاء الفروق الجنسية والتمييز العنصري والتعويل على التقوى والعمل الصالح وحدهما ‪.‬‬

‫وإلي كم مثلً رائعا من أمثال هذا الد ين العظ يم الذي ساوى ب ين الناس ولم يفرق ب ين أ حد من هم ‪ :‬أ بو له مب ع مم ر سل ال‬

‫صلى ال عل يه و سلم و هو من كبار رجال م كة ح سبا وشرفا ومالً وأن صارا ‪ ،‬وح سبُه أ نه عم ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ‪،‬‬
‫ل دون انتشار ها ومنفرا عن ها هو وزوج ته أم جم يل ‪ ،‬ول ما أنزل ال على ر سوله‬
‫ولك نه لم يؤ من بر سالمة ال سلم ‪ ،‬بل و قف حائ ً‬

‫المين صلى ال عليه وسلم قوله ‪ " :‬وأنذر عشيرتك الخرين " جمع صلى ال عليه وسلم أقرباءه وآل بيته فدعاهم إلى ال تعالى‬

‫وإلى دينه الجديد فقال له عمه أبو لهب ‪ :‬تبّا لك ألهذا جمعتنا ؟‬

‫فأنزل ال تعالى ف يه ‪ " :‬ت بت يدا أ بي ل هب و تب ‪ ،‬ما أغ نى ع نه ماله و ما ك سب ‪ ،‬سيصلى نارا ذات ل هب ‪ ،‬وامرأ ته حمالة‬

‫الحطب ‪ ،‬في جيدها حبل من مسد " فلم تنفعه قرابته ولم يشفع له نسبه بعد أن ترك رسالة السلم ‪.‬‬

‫وهذا بلل الحبشي المولى الفقير والعبد الضعيف ليس له قبيل ول عشير ‪ ،‬ول ناصر ول مجير ‪ ،‬ولم يكن عربيا ول قرشيا‬

‫ول مكيا ‪ ،‬بل كان عبدا حبشيا ‪ ،‬آ من بر سالة ال سلم ‪ ،‬وات بع محمدا خ ير النام ح تى أ صبح يد عو إلى ال خ مس مرات في اليوم‬
‫مؤذنا بأ مر رسول ال صلى ال عل يه وسلم ‪ ،‬و في يوم أ صبح رسول ال صلى ال عل يه وسلم فقال ‪ :‬أ ين بلل ؟ أ ين بلل ؟ فل ما‬

‫ح ضر قال ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬يا بلل ‪ ،‬بم دخلت إلى الج نة ‪ :‬فقال ر ضي ال تعالى ع نه ‪ :‬ك نت يا ر سول ال ما‬
‫توضأت وضوءا إل صليت ركعتين ول أذنت أذانا إل صليت ركعتين ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬بهما ‪.‬‬

‫هذه الدرجة التي نالها بلل وصلها بإيمانه وتقواه ‪ ،‬وتلك الدرجة التي وصل إليها أبو لهب بكفره وعناده ‪.‬‬

‫وسلمان الفارسي رضي ال عنه يبلغ تلك المنزلة الرفيعة حتى يقول فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬سلمان منا أهل‬
‫البيت ‪ ،‬ويقول الرسول صلى ال عليه وسلم مخبرا عن قادة المم وطلئعها إلى الجنة ‪ :‬أنا سابق العرب ‪ ،‬وصهيب سابق الروم ‪،‬‬

‫و سلمان سابق الفرس وبلل سابق الحب شة ‪ ،‬هذه الدرجات ال سامية ال تي ر فع ال سلم أ صحابها إلي ها وبوأ هم عرش ذلك الم جد‬
‫المؤ ثل ‪ .‬فأ ين قادة الم سلمين م ما عل يه اليوم من اعتزاز بعروق هم وفخر هم بقبائل هم وأم صارهم م ما أدى إلى تقط يع الروا بط ب ين‬
‫المسلمين فأصبحوا أذلة بعد العزة ‪ ،‬وضعفاء بعد القوة ‪ ،‬وفقراء بعد الغنى ‪ .‬بل أصبحوا كما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫غثاء كغثاء السيل ‪ ،‬ليس لهم وزن يتخطف بلدهم أعداؤهم وهم غافلون لهون ‪ ،‬يتحكم بمصائرهم الغرباء وهم سادرون غائبون‬

‫كما قال الشاعر العربي ‪:‬‬

‫‪44‬‬

‫ويقضمى الممر حين تغيمب تيممم‬

‫ول يستأمرون وهممم شهمممود‬

‫ويعجبني قول شاعر السلم محمد إقبال رحمه ال تعالى إذ ينادي العرب والمسلمين ‪:‬‬
‫كل شعممب قمام يبغمي نهضمممة‬
‫وأرى بنيانكمممممم متهدمممما‬

‫فمي قديمم الدهمر كنتمم أمممممة‬
‫لهمف نفسمي كيمف صرتمم أممما‬
‫الشعمب ‪ :‬ممن قوله تعالى ‪ " :‬وجعلناكمم شعوبا وقبائل لتعارفوا " همو الطبقمة الولى ممن الطبقات التمي عليهما العرب فمي‬
‫ا صطلحاتهم و هي ‪ :‬الشعب وال قبيلة والعمارة والب طن والف خذ والف صيلة ‪ ،‬فالشعب يج مع القبائل ‪ ،‬وال قبيلة تج مع العمائر والعمارة‬

‫تج مع البطون ‪ ،‬والب طن يج مع الفخاذ ‪ ،‬والف خذ تج مع الف صائل ‪ ،‬فخزي مة ش عب ‪ ،‬وكنا نة قبيلة ‪ ،‬وقر يش عمارة ‪ ،‬وق صي ب طن ‪،‬‬

‫وهاشم فخذ ‪ ،‬والعباس رضي ال تعالى عنه فصيلة ‪ ،‬وسميت الشعوب لن القبائل تشعبت منها ‪.‬‬

‫وروي عن المام جعفر السابق رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬الشعوب من العجم والقبائل من العرب والسباط من بني إسرائيل‬

‫‪.‬‬

‫والذكر والنثى من قوله تعالى ‪ " :‬إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " أي من آدم وحواء وقيل معناه ‪ :‬خلقنا كل واحد منكم من أب‬

‫وأم ‪ ،‬فما منكم أحد إل وهو يدلي بمثل ما يدلي به الخر سواء بسواء فل وجه للتفاخر والتفاضل في النسب ‪.‬‬
‫الخلق ‪ :‬هو اليجاد والتكوين ‪.‬‬
‫وقد ورد في الخبر عن سيد البشر صلى ال عليه وسلم أنه طاف يوم فتح مكة ‪ ،‬فحمد ال تعالى وأثنى عليه ثم قال ‪ :‬الحمد‬

‫ل الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها يا ايها الناس ‪ ،‬إنما الناس رجلن ‪ :‬مؤمن تقي كريم على ال وفاجر شقي هين على‬
‫ال ‪ ،‬ثم قرأ الية الكريمة ‪ :‬يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ‪ ،‬إن أكرمكم عند ال أتقاكم ‪.‬‬

‫ولقد قام في هذه الية الكريمة أصل خطير غير ما قررته من المساواة بين الناس وعدم التفاضل فيما بينهم إل بالتقوى وما‬

‫قرر ته من اعتبار الم سلمين وحدة متما سكة كج سد وا حد ف قد قام في ها أ صل م هم وخط ير و هو وجوب رد الظالم ين عن ظلم هم ‪،‬‬

‫والوقوف في صف المظلوم ين ‪ ،‬وهذه در جة سامية كرّم ال ب ها الم سلمين ‪ ،‬و من الوا جب أن يفقهو ها ويتدبرو ها ويعملوا ل ها‬

‫ويحافظوا عليها كما يحافظون على أعز ما يملكون حفاظا على شرفهم ومجدهم وعزتهم وكرامتهم ‪ ،‬جعلنا ال تعالى ممن يستمعون‬

‫القول فيتبعون أحسنه ‪.‬‬

‫ولقد ختمت الية بقوله تعالى ‪ " :‬إن ال عليم خبير " فال تبارك وتعالى خبير بأحوال الناس ل تخفى عليه خافية في الرض‬

‫ول في السماء ‪ ،‬عليم بأعمالهم التي تميزهم عنده فباب ال مفتوح لكل أحد والتقوى متيسرة لكل إنسان ‪ ،‬وفقنا ال لعبادته وتقواه‬
‫إنه نعم المولى ونعم النصير والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬
‫الية الرابعة عشرة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫ب ‪ :‬آمنّا ‪ُ ،‬ق ْل ‪َ :‬لمْ تُؤ ِمنُوا ولكِنْ قُولُوا ‪ :‬أسْملَمْنا ‪ ،‬ولمّما َيدْخُل اليمانُ في قُلوبِكم ‪ ،‬وإنْ تُطِيعُوا الَ ورسُولَهُ‬
‫ت العْرا ُ‬
‫قالَ ِ‬
‫ن ال غَمفُورٌ رحِي ٌم ‪. ‬‬
‫شيْئا ‪ ،‬إ ّ‬
‫ل َيلْت ُكمْ مِنْ أعْما ِلكُم َ‬

‫قال ابن عباس رضي ال تعالى عنهما فيما نقله الزمخشري في كشافه ‪ :‬إن نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة ‪،‬‬

‫فأظهروا الشهادة وأفسمدوا طرق المدينمة بالعذرات وأغلوا أسمعارها وهمم يغدون ويروحون على رسمول ال صملى ال عليمه وسملم‬

‫‪45‬‬

‫ويقولون ‪ :‬أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وجئناك بالثقال والذراري ‪ ،‬يريدون الصدقة ويمنون عليه صلى ال عليه وسلم‬
‫بإسلمهم فنزلت هذه الية الكريمة ‪.‬‬

‫ونقل المام الطبري في مجمع البيان في قوله تعالى ‪ " :‬قالت العراب ‪ :‬آمنا " قال ‪ :‬هم قوم من بني أسد أتوا النبي صلى‬

‫ال عل يه وسلم في سنة جد بة وأظهروا ال سلم ولم يكونوا مؤمن ين في ال سر ‪ ،‬إن ما كانوا يطلبون ال صدقة ‪ ،‬والمع نى ‪ :‬إن هم قالوا‬

‫صدّقنا بما جئت به ‪ ،‬فأمره ال سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال ‪ " :‬قل لم تؤمنوا " أي لم‬

‫تصدقوا على الحقيقة في الباطن ‪ " ،‬ولكن قولوا ‪ :‬أسلمنا " أي انقذنا واستسلمنا مخافة السبي والقتل ‪ ،‬ثم تبيّن سبحانه أن اليمان‬
‫محله القلب دون اللسان ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ولما يدخل اليمان في قلوبكم " ‪.‬‬

‫قال الزجاج ‪ :‬ال سلم إظهار الخضوع والقبول ل ما أ تى به الر سول صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬وبذلك يح قن الدم ‪ ،‬فإن كان مع‬

‫ذلك الظهار اعتقاد وتصمديق بالقلب فذلك اليمان ‪ ،‬وصماحبه المؤ من الم سلم حقا ‪ ،‬فأمما من أظهمر قبول الشريعمة وا ستسلم لد فع‬
‫المكروه فهو في الظاهر مسلم ‪ ،‬وباطنه غير مصدق ‪ ،‬وقد أخرج هؤلء من اليمان بقوله تعالى ‪ " :‬ولما يدخل اليمان في قلوبكم "‬

‫أي لم تصدقوا بعد ما اسلمتم تعوذا من القتل ‪ ،‬فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر ‪ ،‬والمسلم التام السلم مظهر للطاعة‬

‫وهو مع ذلك مؤمن بها ‪ .‬والذي أظهر السلم تعوذا من القتل غير مؤمن في الحقيقة إل أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين ‪.‬‬

‫وروى أ نس عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم قال ‪ " :‬ال سلم علن ية واليمان في القلب " وأشار إلى صدره ‪ ،‬واليمان هو‬

‫التصديق التام مع الثقة وطمأنينة النفس وهو أخص من السلم كما هو مذهب أهل الققه والعلم من المسلمين ‪ ،‬ويدل عليه حديث‬

‫جبر يل عل يه ال سلم ح ين سأل ال نبي صلى ال عل يه و سلم عن ال سلم ثم اليمان ثم الح سان ‪ ،‬فتر قى من ال عم إلى ال خص ثم‬
‫للخص منه ‪.‬‬

‫قال المام أحمد رضي ال تعالى عنه ‪ :‬حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن‬

‫أب يه ر ضي ال تعالى عنه ما قال ‪ :‬أع طى ر سول ال صلى ال عل يه و سلم رجالً ولم ي عط رجلً من هم شيئا ‪ .‬فقال سعد ر ضي ال‬
‫تعالى عنه ‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬أعطيت فلنا وفلنا ولم تعط فلنا شيئا وهو مؤمن‪ .‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أو مسلم ؟ حتى‬

‫أعادها سعد ثلثا ‪ :‬والنبي صلى ال عليه وسلم أو مسلم ؟ ثم قال النبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إني لعطي رجا ًل وأدع من هو أحب‬
‫إليّ منهم فلم أعطه مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم ‪.‬‬

‫ف قد فرق ال نبي صلى ال عل يه و سلم ب ين المؤ من والم سلم فدل على أن اليمان أ خص من ال سلم وال سلم أ عم وأش مل‬

‫وبينهما عموم وخصوص مطلق كما يقول علماء المنطق ‪ ،‬فكل مؤمن مسلم ول عكس ‪.‬‬

‫والمن ‪ :‬أصله طمأنينة النفس وزوال الخوف وقد أخذ منه ‪ :‬اليمان ‪ ،‬وجعل اسما للتصديق الذي معه المن وهو الذعان‬

‫للحق ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ " :‬وما أنت بمؤمن لنا " أي بمصدق ‪.‬‬

‫والسلم ‪ :‬استسلم وانقياد وترك للتمرد والعناد ‪ .‬والتسليم ‪ :‬عام يكون في القلب والجوارح والل سان أما اليمان فأخص –‬

‫كما قلنا – وهو أشرف أجزاء السلم ‪.‬‬

‫هذا ما يعطيه ظاهر اللغة ‪ ،‬ولكن اليمان والسلم لهما استعمالت شرعية أخرى فقد استعمل مترادفين ومختلفين ومتداخلين‬

‫‪.‬‬

‫ومن الترادف قوله تعالى ‪ " :‬فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ‪ .‬فما وجدنا غير بيت من المسلمين" فلم يكن فيها بالتفاق‬

‫إل بيت واحد ‪.‬‬

‫وفي حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم قوله ‪ :‬بني السلم على خمس …‪.‬‬

‫وقد سئل النبي صلوات ال وسلمه عليه عن اليمان فأجاب بمثل هذا الجواب وذكر نفس هذه الركان ‪.‬‬

‫و من الختلف ب ين مع نى اليمان وال سلم الية ال تي ن حن ب صدد تف سيرها ‪ ،‬و قد ذكرت الفرق بينهما‪ .‬ومن التدا خل حد يث‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وقد سئل ‪ :‬أي العمال أفضل ؟ قال ‪ :‬السلم فقيل ‪ :‬أي السلم أفضل ؟ قال ‪ :‬اليمان ‪ .‬وهذا دليل‬

‫‪46‬‬

‫على أن السملم أعمم واليمان أ خص وهمما متداخلن فالسمملم ش مل تسمليم القلب ون طق الل سان وع مل الجوارح ‪ ،‬وأفضمل هذه‬
‫الثلثة ‪ :‬تصديق القلب وهو اليمان ‪.‬‬

‫وقد جاء استعمال اليمان في العمل الصالح ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬وما كان ال ليضيع إيمانكم " ‪.‬‬

‫ولليمان شعب مختلفة ودرجاته عند الناس متفاوتة ‪ ،‬وهو يزيد وينقص ‪ ،‬ويزهر ويذبل ويحيا ويموت ‪ ،‬وفي حديث رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬اليمان بضع وسبعون شعبة ‪ ،‬فأفضلها قول ‪ :‬ل إله إل‬

‫ال ‪ ،‬وأدناها إماطة الذى عن الطريق ‪ ،‬والحياء شعبة من اليمان " ‪.‬‬

‫ف ما أع ظم هذا ال سلم الذي ج عل إما طة الذى عن الطر يق شع بة من ش عب اليمان و قد ورد ذلك على ل سان ال نبي الع ظم‬

‫سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم المثل العلى للنسان الكامل ‪ ،‬وقد استجمع صفات الكمال فهو عليه الصلة والسلم كمالً فوق‬
‫الكمال ‪.‬‬

‫أما زيادة اليمان ونقصانه فهو في قول الحق تبارك وتعالى إذ يقول وهو أصدق القائلين ‪ " :‬إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ال‬

‫وجلت قلوبهم وإذا تُلي تْ علي هم آيا ته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ‪ ،‬الذ ين يقيمون ال صلة وم ما رزقنا هم ينفقون ‪ .‬أولئك هم‬

‫المؤمنون حقا ‪ ،‬لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم " ‪.‬‬

‫فال تبارك وتعالى ذكر صفات المؤمنين في هذه اليات ورتب عليها السعادة في الدنيا والخرة ‪ ،‬وبها يتحقق اليمان الكامل‬

‫فلينظر النسان إلى نفسه ‪ ،‬فإن كانت تلك الصفات صفاته فهو ممن يرثون الفردوس هم فيها خالدون ‪ ،‬وإن كان بعيدا عنها فليحذر‬
‫الذين يخالفون عن أمره ‪.‬‬

‫ل كل ما‬
‫ول قد ذكر ال تعالى في هذه اليات خ مس صفات هي علمات اليمان ال حق و سمة ال سلم ال صحيح وكل ما ازداد عم ً‬

‫ازداد قربا من ال والواجب على النسان أن يتدارك أمره قبل أن ينقضي الجل وينقطع المل فل تنفعه الندامة ول تغنيه الحسرة ‪،‬‬

‫ل ‪ .‬يوم‬
‫يوم ل ينفع مال ول بنون إل من أتى ال بقلب سليم ‪ ،‬يوم يعض الظالم على يديه ‪ ،‬يقول ‪ :‬يا ليتني أتخذت مع الرسول سبي ً‬
‫يقول الكافر ‪ :‬يا ليتني كنت ترابا ‪.‬‬

‫ومن صفات هؤلء المؤمنين ‪ " :‬إذا ذكر ال وجلت قلوبهم " ‪.‬‬

‫فمن علئم اليمان وجل القلوب عند ذكر ال عز وجل مدير الكائنات ورب الرض والسماوات وكل شيء في قبضته ‪ ،‬وكل‬

‫مخلوق في حاجة إلى رحمته وهو الذي يعلم خواطر النفوس وهمساتها وسرها وعلنيتها وقد أحاط بكل شيء علما ‪.‬‬

‫أ ما الذ ين ل تخ شع قلوب هم لذ كر ال عز و جل ول تتحرك نفو سهم فأولئك الذ ين لم يُ َقدّروا ال حق قدره‪ ،‬ولم يعرفوا مدى‬

‫سلطانه وبأسه ‪ .‬قال تعالى ‪:‬‬

‫" ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ال وما نزل من الحق ول يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم المد‬

‫فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون " ‪.‬‬

‫وثانية هذه الصفات هي في قوله تعالى ‪ " :‬وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " ‪.‬‬

‫فممن علممة المؤممن أنمه إذا سممع آيات ال تتلى ووحيمه يقرأ ازداد إيمانا إلى إيمانمه ويقينا إلى يقينمه وعلما إلى علممه ‪،‬‬
‫فالمؤمن قلبه دائما حاضر ونفسه متيقضة بذكر ال عز وجل تداوي به عللها ‪ ،‬وتصلح به ما اختل من شؤونها ‪ ،‬ومتى ما قرع‬

‫نداء ال تعالى أذنيه لبى نداء خالقه ‪ .‬أما أولئك الذين في قلوبهم مرض الذين يستثقلون آيات ال عز وجل إذا تليت عليهم وتشمئز‬
‫قلوبهم من ذكر ال سبحانه فأولئك ل تنفعهم الذكرى بل يزدادون رجسا إلى رجسهم وخبثا إلى خبثهم وهؤلء يقول ال تعالى فيهم‬

‫‪ " :‬وإذا ما أنزلت سورة ‪ ،‬فمنهم من يقول ‪ :‬أيكم زادته هذه إيمانا ‪ ،‬فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ‪ ،‬وأما الذين‬
‫في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫وهذه اليات والتي قبلها تؤكد وتصرح بأن اليمان يزيد وينقص ويزهر ويزبل ‪ ،‬ويتقدم ويتأخر ويحيا ويموت ‪ .‬وعلى هذا‬

‫فيجب على المسلم المؤمن أن يسعى دائما إلى تنمية إيمانه والمحافظة على دينه فهو كالنبتة المزهرة إن لم ترعها بالري والسقاية‬
‫وتدفع عنها الذى والعدوان اعتراها الذبول فالموت ‪.‬‬

‫فاجتهمد أيهما المسملم أن تكون لكلم ال مصمغيا ولياتمه متدبرا وفمي المعانمي مفكرا وللواممر فاعلً ثمم تفكمر فمي ملكوت‬

‫السماوات والرض واعتبر بمن ارتحلوا عنك فسكنوا المقابر وتركوا الدنيا وأهلها ‪ .‬والتزم مجالس الصالحين واعبد ربك حتى يأتيك‬
‫اليقين ‪ ،‬فهذا م ما ي ساعد على زيادة اليمان وتقو ية اليق ين وفكر في نفسك وماذا ك نت و في نشأتك ومرا حل حيا تك و قل بعدها ‪" :‬‬
‫وتبارك ال أحسن الخالقين " وال تعالى يقول ‪ " :‬وفي الرض آيات للموقنين ‪ .‬وفي أنفسكم أفل تبصرون ‪.‬‬
‫وثالثة الصفات هي في قوله تعالى ‪ " :‬وعلى ربهم يتوكلون " ‪.‬‬

‫والتوكل على ال عز وجل هو العتماد عليه في بلوغ الغاية والوصول إلى النتيجة المرجوة في العمل ‪ ،‬فإذا شرع في عمل‬

‫ما فليو طن نف سه على أ نه لن يج ني ثماره ويبلغ الغرض م نه إل إذا أحاط ته رعا ية ال عز وجل وسهلت له ال سباب وذللت أما مه‬

‫الصعاب ‪ ،‬فإن العبد إذا وطن نفسه على ذلك وصدق في توكله أمدّه ال تعالى بقدرته حتى يصل إلى غايته ‪ ،‬وليس معنى التوكل أن‬

‫تنام في البيت وتقعد عن العمل وتقول ‪ :‬أنا متوكل على ال تعالى وسيأتيني رزقي ‪ ،‬وما قدّر لي ل بد واصل إلي ‪ .‬فهذا ليس من‬

‫التوكل في شيء بل هذا ضعف وعجز وخمول ‪ ،‬وقد روينا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ال عنه قال لذلك الرجل الذي‬
‫رآه جالسا من غير عمل ‪ :‬قد علمتم أن السماء ل تمطر ذهبا ول فضة ‪.‬‬

‫والتوكل ال حق دل يل اليمان وطريق الفلح ك ما قال الرسول الع ظم صلى ال عل يه وسلم ‪ " :‬لو توكلتم على ال حق توكله‬

‫لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " وما أعظم هذا التشبيه من رسول ال صلوات ال وسلمه عليه ‪ ،‬فالطير ليس‬
‫لها مخازن تودع فيها الحبوب والقوات وليس لها صهاريج تملؤها بالمياه ‪ ،‬ول حقول خاصة تتناول منها ماءها وغذاءها ‪ ،‬ولكنها‬
‫بما أودع ال فيها من غريزة تهب من أوكارها في الصباح قد خلت بطونها من الطعام والشراب فتسرح في الجو وتنتقل في الحقول‬

‫والرياض والفيافي والقفار وعلى المنابع والنهار ‪ ،‬فما يأتي المساء إل وقد امتلت بطونها وارتوت‪ ،‬وعادت أدراجها إلى أوكارها‬

‫سمالمة آم نة ‪ ،‬ولو سمكنت الطيور أعشاشهما دون غدو ورواح ل ما وصمل إلي ها ش يء ‪ ،‬فال سعي والعممل ل ينا في التوكمل على ال‬
‫سبحانه بل ال تعالى نفسه يأمرنا بالبحث والتنقيب واستغلل خيرات الرض حيث يقول ‪ " :‬هو الذي جعل لكم الرض ذلولً فامشوا‬

‫في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " كما أمرنا بالتوكل عليه حين قال ‪ " :‬ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير " ‪.‬‬
‫ورابعة صفات المؤمنين في قوله تعالى ‪ " :‬ويقيمون الصلة " ‪.‬‬

‫فالصلة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ‪ ،‬وهي صلة بين العبد وربه‪ ،‬وهي صلة بين العبد‬

‫ور به ‪ ،‬و هي ريا ضة الن فس وتطه ير ل ها من الر جس ‪ ،‬وال صلة قرآن يتلى وش كر ل وتقد يس ‪ ،‬وتنز يه له وت سبيح ‪ ،‬و ما أحوج‬

‫الع بد إلى هذه ال صلة بر به وهذا الش كر لخال قه ‪ ،‬ويقد مه كل يوم خ مس مرات ا ستجابة ل مر ال تعالى إذ يقول ‪ " :‬إن ال صلة كا نت‬
‫على المؤمنيمن كتابا موقوتا " وهمي تنهمي عمن الفحشاء والمنكمر ‪ ،‬ول يتحقمق النهمي حتمى تكون كلهما خشوعا وخضوعا وسمجودا‬

‫وركوعا ‪ .‬فالقلب يركع ل ويسجد قبل أن تركع الجوارح وتسجد ‪ ،‬والقلب يقرأ وينطق قبل أن يتحرك اللسان ويلفظ ‪ ،‬والقلب يسكن‬
‫ويطمئن قبل أن تسكن الجوارح وتستقر ‪.‬‬

‫وي جب أن تف كر الن فس في من وق فت ب ين يد يه تحاد ثه وتناج يه ‪ ،‬فل ي كن الج سم راكعا ل ‪ ،‬والقلب غافلً ع نه تبارك وتعالى‬

‫مشغولً بالموال والولد ‪ ،‬ويجب أن يكون لنا أسوة حسنة برسول ال صلى ال عليه وسلم الذي قالت عنه عائشة رضي ال تعالى‬
‫عنها ‪ " :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يحدثنا ونحدثه ‪ ،‬فإذا حضرت الصلة فكأنه ل يعرفنا ول نعرفه " ‪ ،‬فوقت الصلة وقت‬

‫ل‪.‬‬
‫خاص ل تعالى ‪ ،‬فل ينبغي أن تشغله بغيره وتعطيه لغيره وقد خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عم ً‬

‫فص ّل بقلبك قبل أن تصل بجسمك ‪ ،‬واعلم أنه ليس لك من صلتك إل ما عقلت منها ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬فويل للمصلين ‪ ،‬الذين‬

‫هم عن صلتهم ساهون ‪ ،‬الذين يراءون ‪ ،‬ويمنعون الماعون " ‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫وفي حديث لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من لم تنهه صلته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من ال إل بعدا " ‪.‬‬
‫وخامسة ‪ ،‬الصفات هي في قوله تبارك تعالى ‪ " :‬ومما رزقناهم ينفقون " ‪.‬‬

‫من نعم ال تعالى على الن سان إعطاءه الموال ال تي يتم تع بها في هذه الحياة الدن يا فيأكل ويشرب ويسكن ويل بس ويركب‬

‫ويتنزه ويتطيب ويتطبب ويرحل ويصطاف ‪ ،‬ومن الناس من ضاقت يدهم أو ضعفت حيلتهم أو قل كسبهم ‪ ،‬فاللتفات عن هؤلء –‬
‫وهم جزء من المجتمع – قسوة وظلم يؤديان إلى الفساد في الرض وتمكين العداوة والبغضاء بين طبقات المجتمع غنيها وفقيرها ‪،‬‬

‫وضعيفها وقويها ‪ ،‬لذا حتّم ال عز وجل على المسلمين أن يساندوا بعضهم فيخرج الغنياء جزءا مما رزقهم ال سبحانه ويقدموه‬

‫لهؤلء البؤساء عطاء مفروضا وحقا لزما معلوما حتى تزول الفاقة وتتحقق للجميع الهناءة والراحة ‪ ،‬فقال تعالى ‪ " :‬وفي أموالهم‬
‫حق معلوم للسائل والمحروم " فإذا أعطى الغنياء للفقراء هذا الحق فإنهم لم يعطوه تفضلً ومنة بل هو حق من حقوقهم فرضه ال‬

‫علي هم شكرا للنع مة واعترافا بالح سان ‪ ،‬أ ما إذا أعطوا ومنوا على الفقراء ف قد ب طل أجر هم وح بط عمل هم ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬يا أي ها‬

‫الذ ين آمنوا ل تبطلوا صدقاتكم بال من والذى " وقال سبحانه أيضا ‪ " :‬قول معروف ومغفرة خ ير من صدقة يتبع ها أذى " ‪ .‬ول ست‬
‫بصدد شرح الناحية القتصادية في السلم حتى أتوسع الن لبيّن نواحي العدالة الجتماعية التي جاء بها هذا الدين العظيم والتكافل‬
‫الجتما عي الذي و ضع قواعده وأ سس بنيا نه – وأر جو المولى القد ير أن يت يح لي الفر صة ل تي على هذه الناح ية الخطيرة فأف صل‬

‫ل ‪ ، -‬غاية ما في المر هنا أن يعلم الناس أن تطبيق ما أمر به السلم من الناحية الجتماعية والقتصادية كفيل‬
‫الكلم فيها تفصي ً‬

‫بالقضاء على الفقمر بشتمى مظاهره ‪ ،‬والسملم جعمل النفاق جزءا ممن اليمان ‪ ،‬وليمس هناك ممن العقائد والفكار مما يجعمل المور‬

‫القت صادية مرت بط باليمان غ ير ال سلم الذي جاء ق بل أرب عة ع شر قرنا والذي ل تزال مبادئه وآيا ته النيرة تتجدد معاني ها وت سبق‬
‫الدنيا بعدالتها وشرعها ‪.‬‬

‫فإذا استكمل المسلم هذه الصفات الخمس وهي ‪ :‬خشوع القلب عند ذكر ال عز وجل ‪ ،‬والتأ ثر بآيات ال عز وجل وإقا مة‬

‫الصلة وإيتاء الزكاة والعتماد على ال والتوكل عليه ‪.‬‬

‫إذا ا ستكمل المؤ من هذه ال صفات كافأه ال تعالى درجات عال ية في دار النع يم ‪ .‬ول تقاس هذه الدرجات بمنا صب الدن يا ول‬

‫برتبها ول بمالها وصدق ال العظيم إذ يقول ‪ " :‬إن المتقين في جنات ونهر ‪ .‬في مقعد صدق عند مليك مقتدر " ‪ " .‬كلوا واشربوا‬

‫هنيئا بما أسلفتم في اليام الخالية " ‪ .‬فزن نفسك أيها المؤمن بهذا الميزان الدقيق – ميزان اليمان – لتعرف درجتك عند ربك ‪ ،‬فإن‬
‫وجدت خيرا فاحمد ال على هداه ‪ ،‬وإن وجدت غير ذلك فل تلومن إل نفسك ‪ ،‬ولكن ل تيأس من ال فأبواب التوبة مفتوحة وطريق‬

‫الع مل ميسور " رب نا إن نا سمعنا مناديا ينادي لليمان أن آمنوا برب كم فآمنا ‪ ،‬رب نا فاغ فر لنا ذنوب نا ‪ ،‬وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع‬
‫البرار ‪ .‬ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ‪ ،‬ول تخزنا يوم القيامة ‪ ،‬إنك ل تخلف الميعاد " ‪.‬‬

‫الية الخامسة عشرة ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ن‪. ‬‬
‫إنّما المُؤ ِمنُون الذين آ َمنُوا باللّهِ وَرسُولِه ُث ّم لمْ يَرتابُوا وجاهَدوا بأمْوالِهم وأنْفُسِهم في سَبيل اللّه وأولئِك ُهمُ الصادِقُو َ‬

‫في الية الكريمة السابقة رد ال ادعاء نفر من بني أسد حينما قدموا المدينة المنورة وادعوا اليمان فرد ال تعالى قولهم ‪:‬‬

‫" قل ‪ :‬لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " ‪.‬‬

‫ل وكأن ال عز و جل قال لهؤلء المدع ين ‪ :‬ل يس‬
‫و في هذه ال ية بيان لحقي قة اليمان و صفة المؤمن ين ال صادقين قولً وعم ً‬

‫اليمان ما زعمتم وظننتم من قول ل يوافقه عقد القلب وادعاء ل تصدقه العمال ولم تشهد له الطاعة بالبرهان ‪ ،‬بل اليمان الحق‬
‫عند ال تعالى ويستحق أهله عليه الحمد والثناء وحسن الجزاء إنما هو التصديق ل أثر فيه للريب والشك بل هو يمل القلب فتظهر‬
‫ثمرا ته على الجوارح بالطا عة وأداء ما فر ضه عز و جل من التكال يف البدن ية كال صلة وال صوم والتكال يف المال ية كالزكاة وال حج‬

‫‪49‬‬

‫والتضحية بالنفس والمال في سبيل ال من أجل إعلء كلمة ال تعالى وتمكين الحق ودفع البغي ‪ ،‬وعمارة الرض وتطهيرها من‬

‫الفساد فؤلء المتصفون بهذه الخصال العاملون لها هم الصادقون إذا قالوا آمنا ‪.‬‬

‫روى المام أحممد رضمي ال تعالى عنمه عمن أبمي سمعيد رضمي ال تعالى عنمه قال ‪ :‬إن ال نبي صملى ال عليمه وسملم قال ‪:‬‬

‫المؤمنون في الدن يا على ثل ثة أجزاء ‪ :‬الذ ين آمنوا بال ور سوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموال هم وأنف سهم في سبيل ال ‪ .‬والذي‬
‫يأمنه لناس على أموالهم وأنفسهم ‪ ،‬والذي إذا أشرف على طمع تركه ل عز وجل ‪.‬‬

‫وقوله تعالى ‪ :‬لم يرتابوا ‪ ،‬أ صله را به أي أوق عه في ال شك والته مة ‪ ،‬وقول هم ‪ :‬ر يب المنون ‪ :‬ل يس ال شك ف يه من ج هة‬

‫وقوعه بل من جهة وقته ‪.‬‬

‫والمجاهدة ‪ :‬معناها استفراغ الجهد في مدافعة العدو ‪ ،‬والجهاد يشمل جهاد العدو الظاهر وجهاد النفس ‪.‬‬
‫أنواع الجهاد‬

‫وفي الحديث ‪ ،‬جاهدوا أهواءكم كما تجاهدوا أعداءكم ‪ ،‬والجهاد الظاهري يكون باليد وباللسان ‪ ،‬وفي حديث الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم ‪.‬‬

‫ومعنمى قوله تعالى ‪ :‬ثمم لم يرتابوا ‪ :‬أي اسمتمروا على التصمديق والذعان للحمق ولنمبي الحمق صملى ال عليمه وسملم ولم‬

‫يعترضهم الريب والشك بعد ذلك ‪ ،‬لن المؤمن قد يبتلى بمن يضلله ويقذف في قلبه الشك من شياطين النس والجن الذين يوحي‬

‫بعضهمم إلى بعمض زخرف القول غرورا ‪ .‬فالمؤمنون الطهار يبتعدون عمن مثمل هؤلء المفسمدين المشككيمن للناس فمي عقائدهمم ‪،‬‬
‫ولذلك ف هم المؤمنون ال صادقون الذ ين ر ضي ال عن هم وأرضا هم وثبت هم بالقول الثا بت في الحياة الدن يا ‪ ،‬و يم يقوم الشهاد و هم‬
‫المجاهدون بأنف سهم وأموال هم والمرابطون على الثغور حما ية لبلد ال سلم وأ مة ال سلم ‪ ،‬وهذا هو الجهاد بالن فس ‪ ،‬أ ما الجهاد‬

‫بالمال فيشممل على جميمع أنواع البر ممن زكاة وصمدقة وبناء للمسماجد والملجمئ والمياتمم وعمارة لشتمى المرافمق العاممة ممن‬

‫م ستشفيات وم ستوصفات من أ هم أنواع الجهاد بالمال تجه يز الغزاة المجاهد ين بالمعدات الحرب ية اللز مة والنفقاق علي هم وعلى‬
‫ذوي هم لتأمين حاجياتهم من طعام وشراب ومسكن ودواء ح تى يطمئن المجاهد كل الطمئنان على من يعول ويجا هد بكل راحة بال‬

‫وطمأنينة نفس ‪.‬‬

‫والغرض من ذكر والجهاد في هذه الية دون سائر الطاعات هو أن يكون المسلمون مع المظلوم على الظالم حتى يعود هذا‬

‫إلى الحق ‪.‬‬

‫ب من ق بل ال عز و جل لن صرة‬
‫والجهاد ي جب أن يكون في سبيل ال ولعلء كل مة ال وإعزاز دي نه ‪ ،‬فكأن الم سلم قد نُد َ‬

‫الحق وإعلء كلمة الدين والضرب على أيدي البغاة ليتم تطهير الرض من الفساد ‪ ،‬وهذه منزلة رفيعة وضع المسلم فيها فعليه أن‬
‫يعد نفسه لها وأن يعتبر جنديا جاهزا على أهبة الستعداد ‪ ،‬إما في القتال والغزو وإما في الرباط للدفاع عن ثغور البلد وحمايتها ‪.‬‬

‫وقد جعل ال تعالى أجر الجهاد عظيما ‪ ،‬وهو فريضة محكمة على كل مسلم فمن تخلف فقد استحق العقوبة ‪ ،‬والجهاد ماض‬

‫إلى يوم القيامة ‪ ،‬والمة السلمية أمة مجاهدة إلى يوم الدين ‪ .‬وفي حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬الجهاد ماض إلى يوم‬
‫القيامة ‪ ،‬وقال عمر بن الخطاب رضي ال تعالى عنه ‪ :‬المسلمون في رباط إلى يوم القيامة‪.‬‬

‫وإذا حورب الم سلمون أو اعتدي على بلد هم و جب على الم سلمين جميعا رد المعتد ين وتخل يص ديار هم صفا واحدا ‪ ،‬قال‬

‫تعالى ‪ " :‬إن ال يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " ‪ .‬فإذا لم يتعاون المسلمون جميعا لقتال العداء أثموا‬
‫جميعا ‪.‬‬

‫والجهاد ال حق هو الجهاد الخالص لو جه ال تعالى ولعلء كل مة ال وحده ل يق صد من ورائه مغ نم دنيوي ‪ :‬ورد عن أ بي‬

‫موسى أن أعرابيا أتى النبي صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬الرجل يقاتل حمية ‪ ،‬والرجل يقاتل للمغنم والذكر ‪ ،‬فمن في‬

‫سبيل ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من قاتل لتكون كلمة ال هي العليا فهو في سبيل ال " ‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫فإذا اختل طت ن ية الجهاد بمق صد آ خر ك حب الظهور والشهرة ب ين الناس في الشجا عة أو لك سب المغا نم والموال فل يس له‬

‫جزاء عند ال تعالى بل يحبط عمله لنه لم يخلص لوجه ال تبارك وتعالى ‪.‬‬

‫ف في حد يث ر سول ال صلى ال عل يه و سلم الذي رواه أ بو هريرة ر ضي ال ع نه قال ‪ :‬سمعت ر سول ال صلى ال عل يه‬

‫وسلم يقول ‪ :‬إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ‪ :‬رجل استشهد ‪ ،‬فأتي به ‪ ،‬فعرفه نعمه ‪ ،‬فعرفها فقال ‪ :‬ما عملت فيها ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫قاتلت فيك حتى استشهدت ‪ ،‬قال ‪ :‬كذبت ولكنك قاتلت لن يقال ‪ :‬جريء ‪ ،‬فقد قيل ‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في‬

‫النار ‪ ..‬وقد بيّن ال تعالى أحكام الجهاد وسنن الحرب والسلم ومن يقاتلون ومن يسالمون وقد فضل ال المجاهدين على القاعدين‬
‫فقال تعالى ‪:‬‬

‫" ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم ‪ ،‬فضل ال المجاهدين‬

‫بأموال هم وأنف سهم على القاعد ين در جة ‪ ،‬وكلً و عد ال الح سنى ‪ ،‬وف ضل ال المجاهد ين على القاعد ين أجرا عظيما ‪ .‬درجات م نه‬

‫ومغفرة ورحمة ‪ ،‬وكان ال غفورا رحيما " ‪.‬‬

‫وجعل الجهاد سبيل النجاة من عذاب ال سبحانه ‪ ،‬وطريق الفوز بنعمة ال ‪ ،‬وبالجهاد يكتب النصر للمة ويفتح لها سبيل‬

‫المجد والكرامة والحرية ‪ ،‬وقد قال تعالى مرغبا في الجهاد مبينا فضله وثوابه ‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم‬
‫من عذاب أليم ‪ .‬تؤمنون بال ورسوله وتجاهدون في سبيل ال بأموالكم وأنفسكم ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون ‪ .‬يغفر لكم ذنوبكم‬

‫ويدخلكم جنات تجري من تحتها النهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ‪ .‬وأخرى تحبونها نصر من ال وفتح قريب‬

‫وبشر المؤمنين ‪ .‬يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار ال ‪ ،‬كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى ال ‪ ،‬قال الحواريون‬
‫نحن أنصار ال ‪ ،‬فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ‪ ،‬فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين " ‪.‬‬

‫ك ما قال تعالى في سورة التو بة ‪ " :‬أجعل تم سقاية الحاج وعمارة الم سجد الحرام ك من آ من بال واليوم ال خر وجا هد في‬

‫سبيل ال ‪ ،‬ل ي ستوون ع ند ال ‪ ،‬وال ل يهدي القوم الظالم ين ‪ .‬الذ ين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل ال بأموال هم وأنف سهم‬
‫أعظم درجة عند ال ‪ ،‬وأولئك هم الفائزون ‪ .‬يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ‪ ،‬وجنات لهم فيها نعيم مقيم ‪ .‬خالدين فيها أبدا ‪.‬‬

‫إن ال عنده أجر عظيم " ‪.‬‬

‫ولم يشرع الجهاد في السلم لسفك دماء الناس واستعمار ديارهم أو طردهم من أوطانهم بل شرع لحماية الدعوة السلمية‬

‫وصيانة ديار السلم من أن تمتد إليها يد الغاصبين ولجل إدخال النور وضياء العقيدة الحقة إلى قلوب الناس ونفوسهم ‪ .‬ويمكن أن‬
‫تع تبر ال ية القرآن ية الكري مة ال تي وردت في سورة الممتح نة د ستور ال سلم في القتال ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬ل ينها كم ال عن الذ ين لم‬
‫يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ‪ ،‬إن ال يحب المقسطين ‪ ،‬إنما ينهاكم ال عن الذين قاتلوكم‬
‫في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ‪ ،‬ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " ‪.‬‬

‫ولما أمر ال تعالى بالجهاد وأمر المسلمين بأن يعدوا لعدائهم العدة اللزمة من صنوف القوة وأنواع السلح بيّن لهم أنهم‬

‫إنما يعدون العدة حتى ل يؤخذوا على غرة ولرهاب عدوهم حتى ل يظنهم ضعفاء فيطمع بهم وهذا ما يسمونه في العرف الدولي "‬

‫بال سلم الم سلح " قال تعالى ‪ " :‬وأعدوا ل هم ما ا ستطعتم من قوة ‪ ،‬و من رباط الخ يل ‪ ،‬ترهبون به عدو ال وعدو كم وآخر ين من‬
‫دونهم ل تعلمونهم ‪ ،‬ال يعلمهم ‪. " ...‬‬

‫فانظروا إلى د قة ت عبير القرآن العظ يم ح يث قال ب عد ما أ مر بإعداد القوة ب صنوفها المختل فة قال ‪ " :‬ترهبون به " ولم ي قل‬

‫تظلمون أو تسفكون الدماء أو تستعمرون الديار بل قال ‪ " :‬ترهبون به عدو ال وعدوكم " ومتى علم العدو أنك مسلح قام احترمك‬

‫وزال طعمه فيك وهذا مما يثبت دعائم السلم ‪.‬‬

‫والقوة تختلف باختلف العصور فلكل عصر سلح وعدة ‪ ،‬فل يجوز للمسلمين أن يتخلفوا غيرهم في اعداد النوع الملئم لكل‬

‫زمان وعليهم أن يملكوا أحدث أنواع السلح وإقامة مصانعه ثقيلة وخفيفة وأن يحافظوا على أسرار صنعها ‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫هذه المعارف التي تتعلق بالسلح وأنواعه والقوة ولوازمها يجب على المسلمين أن يأخذوا كما يجب عليهم الحاطة بعلوم‬

‫دينهم وأسراره ‪ ،‬وإل فهم مقصرون ومعاقبون ويكون ذلك سببا لستغلل الطامعين وكيد الكافرين ‪.‬‬

‫وواجب المسلمين اليوم وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب ‪ ،‬وطمع فيهم من ل يدفع عن نفسه من أراذل الخلق وشذاذ‬

‫الفاق ‪ ،‬واجبهمم اليوم أن يعدوا أنفسمهم إعدادا كاملً وأن يكونوا دائما على أهبمة السمتعداد للقتال ‪ ،‬وأن يحسمنوا اسمتخدام أحدث‬
‫أنواع السملح وأن يتقنوا صمناعة الموت ويتمرنوا على تحممل الصمبر والمشقات وأن يخشوشنوا ويتركوا الترف والبذخ حتمى تعود‬

‫الكرامة وترد البلد السليبة ‪ ،‬وأن يتحدوا ويتعاونوا على البر والتقوى في سبيل الغاية الكبرى والمصلحة العظمى مصلحة السلم‬
‫والمسلمين لرد كيد الكائدين وطمع الطامعين ‪ .‬والمة المجاهدة ل تعرف اللهو والعبث بل تعمل ليل نهار في سبيل عزتها وكرامتها‪.‬‬

‫روي أن السلطان نور الدين الشهيد ‪ ،‬الذي يعتبر في نظر بعض المؤرخين سادس الخلفاء الراشدين كان دائم العبوس فلم ير‬

‫ضاحكا ول مبتسما قط حتى عرف ذلك عنه ‪ ،‬وانتشر بين الناس وتحيروا في تعليل ذلك وهو الرجل المسلم والسلطان العادل فكيف‬

‫ل يهش لحد ول يبش بوجه إنسان ‪ ،‬وقد عرف السبب وبطل العجب حينما جاء السلطان إلى المسجد يستمع تفسير كتاب ال تعالى‬

‫ويصغي إلى أحاديث السلم في بيت من بيوت ال سبحانه ‪ ،‬وما كاد إمام المسجد وخطيبه يعلم بقدوم السلطان إل وحوّل موضوعه‬

‫إلى بشا شة الو جه وأثر ها في النفوس وأن الر سول صلى ال عل يه و سلم كان يبت سم في و جه أ صحابه ول كن ال سلطان لم يزدد إل‬

‫عبوسا وإطراقا ‪ .‬وبعد انتهاء الموضوع انتقل المجلس إلى غرفة المام الذي أخذ بملطفة السلطان وسأله عن سبب عبوسه فيما‬

‫كان من السلطان الشهيد إل أن صرخ بأعلى صوته يخاطب المام ‪ " :‬ما تقول يا هذا وال إني لستحيي من ال أن يراني مبتسما‬
‫وفي ديار السلم قدم لكافر " ‪.‬‬

‫فهذا هو المام المجا هد الذي ع قد ال تعالى لواء الن صر للم سلمين فوق رأ سه و قد اختاره ال عز و جل للشهادة في سبيل‬

‫إعلء كلمة ال ودحر أعدائه ‪ ،‬استشهد وقلبه يهتف ‪ :‬ال أكبر والعزة للسلم ‪ ،‬وال أكبر ول حكم إل بالقرآن ‪ ،‬وال أكبر ولو كره‬
‫الكافرون ‪.‬‬

‫الجهاد أسمى الماني‬

‫ولقد بذل المسلمون المهج رخيصة في سبيل ال تعالى لما سمعوا من موعود ال للمجاهدين من نصر في الدنيا وفوز ونعيم‬
‫في الخرة ‪ ،‬ف صدقوا ما عاهدوا ال عليه وجعلوا شعار هم في الدن يا ‪ " :‬الموت أ سمى أماني نا " ح تى كان أحدهم إذا خرج من بيته‬

‫ودّع أهله وولده ثم سأل ال تعالى أن يختاره شهيدا إليه فل يرجعه إلى أهله ‪.‬‬

‫وكيف ل يجاهدون بإخلص وهم الذين سمعوا عن رسول ال صلى ال عليه وسلم قوله ‪ " :‬ضمن ال لمن خرج في سبيله‬

‫ل ما نال‬
‫– ل يخرجه إل جهاد في سبيله وإيمان به وتصديق برسوله – أن يدخله الجنة ‪ ،‬أو يرجعه إلى منزله الذي خرج م نه نائ ً‬
‫من أجر أو غنيمة " ‪.‬‬

‫وك يف ل يرابطون ويحمون الثغور و هم ي سمعون ر سول ال صلى ال عل يه و سلم يقول ‪ " :‬عينان ل تم سهما النار ‪ :‬ع ين‬

‫بكت من خشية ال ‪ ،‬وعين باتت تحرس في سبيل ال ‪ ،‬أل أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر ؟ حارس حرس في أرض خوف لعله‬

‫أل يرجع إلى أهله ‪ ،‬ومن رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صلى وصام ‪ ،‬والرباط هو حراسة الحدود‬
‫والثغور ‪.‬‬

‫ولقد أسرع المسلمون في الستجابة للقتال ولم يتخلف منهم أحد ‪ ،‬فكل مسلم جندي طبيعي في جيش السلم فإذا دق بوق‬

‫الخطر فالكل مجاهد بماله ونفسه وسلحه وعتاده ومن ل سلح له جهزه المسلمون وأعانوه ‪ ،‬فل تثاقل عن الجهاد ول تخلّف بل‬

‫الكل في سبيل ال ‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ال اثاقلتم إلى الرض ؟ أرضيتم بالحياة‬
‫الدن يا من الخرة ‪ ،‬ف ما متاع الحياة الدن يا في الخرة إل قل يل ‪ .‬ال تنفروا يعذب كم عذابا أليما ‪ ،‬وي ستبدل قوما غير كم ‪ ،‬ول تضروه‬

‫شيئا ‪ ،‬وال على كل شيء قدير " ‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫ولقد ثبتوا في مواقعهم ثبات البطال وأقدموا دون إحدام صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص فل خوف ول فرار ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬

‫" يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فل تولوهم الدبار ‪ ،‬ومن يولهم يومئذ دبره – إل متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة‬
‫– فقد باء بغضب من ال ‪ ،‬ومأواه جهنم وبئس المصير " ‪.‬‬

‫وورد عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم أ نه قال ‪ :‬ثل ثة ل ين فع مع هن ع مل ‪ :‬الشرك بال ‪ ،‬وعقوق الوالد ين ‪ ،‬والفرار من‬

‫الزحف " ‪.‬‬

‫وقد وصف الشاعر ثباتهم وعزيمتهم بقوله ‪:‬‬
‫كأنهمم في ظهمور الخيل ثبت ربمما‬

‫من شدة الحَمزْم ل من شدة الحُمزَم‬

‫فكانوا أمثلة صدق في العزيمة والبطولة والتضحية والفداء رضي ال تعالى عنهم وأرضاهم ‪.‬‬

‫هذه ب عض أحكام الجهاد في ال سلم ك ما شر عه ال عز و جل لن صرة ال حق وإعلء كل مة ال تعالى ‪ ،‬ل من أ جل المطا مع‬
‫وإرواء الشهوات أو التوسع في البلد ونهب الخيرات ‪.‬‬

‫ولهذا كان الم سلم رجلً شجاعا يهاب الموت إذا د عا دا عي الجهاد وحا نت ساعة القتال ولك نه في ن فس الو قت – و في كل‬

‫وقت – مهذب الخلق ‪ ،‬سمح الطباع ‪ ،‬ل يسخر من أحد ‪ ،‬ل يطعن أحدا ‪ ،‬ول يؤذي أحدا ‪ ،‬غايتمه مرضاة ال عز وجل ‪ ،‬وسيرته‬

‫سيرة النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬أخلقه أخلق القرآن ‪ ،‬وميزانه ميزان الحق ‪.‬‬

‫فهل آن للمسلمين أن يفهموا حقي قة ال سلم فيعودوا إلى رب هم ‪ ،‬ويهبّوا لد فع الخطار المحي قة بهم وببلدهم ب عد أن غلبهم‬

‫العدو في ب عض أقطار هم ‪ ،‬فل تزال أبواب الج نة مفت حة وبلد ال سلم ت ستجير من وطأة الكا فر على أرض ها ‪ ،‬فاليمان ل يس كل مة‬
‫تقال بالل سان ك ما قالت العراب ‪ :‬آم نا ‪ ،‬ول كن اليمان حقي قة را سخة في القلب تدل علي ها العمال النظي فة والبيانات ال صحيحة ‪" :‬‬

‫إنما المؤمنون الذين آمنوا بال ورسوله ثم يرتابوا ‪ ،‬وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ال ‪ ،‬أولئك هم الصادقون " نسأل ال أن‬
‫يحقق لنا كامل اليمان وأن يرزقنا التوفيق للجهاد في سبيل ال وإعلء كلمة ال إنه نعم المولى ونعم النصير ‪.‬‬

‫الية السادسة عشرة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫ض ‪ ،‬والُ ِب ُكلّ شَيءٍ عَلي ٌم ‪. ‬‬
‫ن الَ بِدينكُم والُ َي ْعلَمُ ما في السّمَواتِ وما في ال ْر ِ‬
‫ُقلْ أ ُتعَلمو َ‬

‫لما جاء نفر من بني أسد إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وادّعوا اليمان وردّ عليهم ال عز وجل باليتين السابقتين ‪" :‬‬
‫قالت العراب آمنا ‪ ،‬قل لم تؤمنوا ‪ ،‬ولكن قولوا أسلمنا ‪ ،‬ولما يدخل اليمان في قلوبكم ‪. " ...‬‬

‫وقد وضّحت الية التي بعد هاتين اليتين حقيقة اليمان والمؤمنين وذلك في قوله تعالى ‪ " :‬إنما المؤمنون الذين آمنوا بال‬

‫ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ال أولئك هم الصادقون " ‪.‬‬

‫ول ما سمع هذا الن فر من ب ني أ سد إلى هذه ال ية الكري مة جاءوا ر سول ال صلى ال عل يه و سلم يحلفون له أن هم مؤمنون‬

‫صادقون فأنزل ال عز وجل الية الكريمة ‪ " :‬قل أتعلمون ال بدينكم ‪ ،‬وال يعلم ما في السموات وما في الرض وال بكل شيء‬

‫عليم " ‪.‬‬

‫والمع نى ‪ :‬أت خبرون ال بالد ين الذي أن تم عل يه ‪ ،‬وال تبارك وتعالى عالم بذلك فل يحتاج إلى إخبار كم به ‪ ،‬وهذا ال ستفهام‬

‫إنكار وتوبيخ ‪ ،‬أي كيف تعلمّمون ال بدينكم وال يعلم ما في السموات وما في الرض وال بكل شيء عليم ‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫وف يه مع نى التجه يل ل هم فك يف يعلمون ال بدين هم ويق سمون اليمان على إيمان هم وال يعلم ال سر وأخ فى ‪ ،‬ويعلم ما في‬

‫السموات وما في الرض وهو بكل شيء عليم ‪ ،‬قال تعالى ‪ " :‬ولقد خلقنا النسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من‬
‫حبل الوريد " ‪.‬‬

‫وإن عجائب هذا الكون ودقائق الصنع وعجيب السرار في تلك العوالم والتي ل يعلم حقيقتها وأسرارها الكاملة إل ال تبارك‬

‫وتعالى ليدل ذلك كله على أنه ل يغيب عنه مثقال ذرة في الرض ول في السماء ‪ " :‬أل يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ‪ " .‬له‬
‫ما في السماوات وما في الرض وما بينهما وما تحت الثرى " ‪.‬‬

‫الية السابعة عشرة ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ن هَدا ُكمْ لِليمانِ ‪ ،‬إن كُنتُم صادِقِين ‪. ‬‬
‫يَمُنّونَ عَليْكَ أنْ أسْلموا ‪ُ ،‬ق ْل ‪ :‬ل تَمُنّوا عَليّ إسْل َمكُم ‪ ،‬بَل اللّهُ يَمُنّ عَل ْيكُم أ ْ‬

‫روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس رضي ال تعالى عنهما قال ‪ :‬جاءت بنو أسد إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫فقالوا ‪ :‬أ سلمنا وقاتل نا العرب ولم نقاتلك ‪ ،‬ك ما قالوا له عل يه ال صلة وال سلم ‪ :‬جئناك بالثقال والعيال ‪ ،‬ولم نقاتلك ك ما قاتلك ب نو‬
‫فلن وبنو فلن ‪.‬‬

‫فقال الر سول صلى ال عل يه و سلم ‪ " :‬إن فقه هم قل يل ‪ ،‬وإن الشيطان ين طق على أل سنتهم " ‪ .‬ونزلت هذه ال ية الكري مة‪" :‬‬

‫يمنون عليك أن أسلموا ‪ ،‬قل ل تمنوا علي إسلمكم ‪ ،‬بل ال يمن عليكم أن هداكم لليمان ‪ ،‬إن كنتم صادقين " ‪.‬‬

‫ن هؤلء العراب بإسلمهم ونصرتهم لرسول ال صلى ال عليه وسلم جهلً وغرورا فرد عليهم ال تعالى بقوله‪ " :‬قل‬
‫فقد م ّ‬

‫ل تمنوا عل يّ إسلمكم " لن نفع السلم وخيره وفلحه وعزه وسعادته إنما يعود عليكم أنتم ‪ ،‬ول المنّة عليكم وهو أحق بأن يمن‬
‫عليكم أن هداكم لليمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ‪ ،‬وللّه الفضل والمنة علينا وعلى الناس أجمعين كما‬
‫قال النبي صلى ال عليه وسلم للنصار يوم حنين ‪ " :‬يا معشر النصار ألم أجدكمم ضللً فهداكم ال بي ؟ وكنتم متفرقين فآلفكم‬

‫ن"‪.‬‬
‫ال بي ؟ وكنتم عالة فأغناكم ال بي ؟ وكلما قال شيئا قالوا ‪ :‬ال ورسوله أم ّ‬

‫فلله الفضل والمنة في هديتنا وتوفيقنا ‪ ،‬فلول ال ما اهتدينا ول تصدقنا ول صمنا ول صلينا ‪ ،‬فقد أكرمنا ال تعالى بالسلم‬

‫كما أكرمنا بمحمد عليه الصلة والسلم نبي الرحمه وهادي النام ‪ ،‬ثم ختمت الية الكريمة بقوله تعالى ‪ " :‬إن كنتم صادقين " ‪ .‬أي‬
‫قال لهم تعالى ‪ :‬إن كنتم صادقين أيها العراب في قولكم ‪ :‬آمنا ‪ ،‬فال وحده هو الذي هداكم لهذا اليمان الذي تزعمون وتدعون ‪.‬‬

‫قال الزمخشري رحمه ال تعالى في كشافه ‪ :‬يقال ‪ :‬منّ عليه بيد أسدها إليه كقولك ‪ :‬أنعم عليه وأفضل عليه ‪ ،‬والمنّة النعمة‬

‫سدِيها إليه ليقطع بها حاجته ‪ ،‬ثم يقال‬
‫التي ل يستثيب مسديها من يزلها إليه ويعطيها له واشتقاقها من المن الذي هو القطع لنه يُ ْ‬
‫‪ :‬منّ عليه صنعه إذا اعتده عليه منّه وانعاما ‪.‬‬

‫وسياق هذه الية فيه لطف ورشاقة وذلك أن الكائن من هؤلء العراب قد سماه إسلما ونفى أن يكون كما زعموا إيمانا ‪،‬‬

‫فل ما منّوا على ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ما كان من هم قال ال سبحانه وتعالى لر سوله صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬إن هؤلء‬
‫يعتدون عليك بما ليس جديرا بالعتداد به من حَديثهم الذي ح قّ تسميته أن يقال له ‪ :‬إسلم ‪ ،‬فقل لهم ‪ :‬ل تعتدوا على إسلمكم أي‬

‫حدَثكم المسمى إسلما عندي ل إيمانا ‪ .‬ثم قال ‪ :‬بل ال يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه حيث هداكم لليمان على ما زعمتم وادعيتم‬
‫َ‬
‫أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له حسب زعمكم وصدقت دعواكم ‪ ،‬إل أنكم تزعمون وتزعمون ما ال عليم بخلفه ‪ ،‬وفي إضافة السلم‬

‫‪54‬‬

‫إلي هم وإيراد اليمان غ ير مضاف ما ل يخ فى على المتأ مل وجواب الشرط محذوف لدللة ما قبله عل يه وتقديره ‪ :‬إن كن تم صادقين‬
‫في ادعائكم اليمان فلله المنة عليكم أن هداكم لليمان ‪.‬‬

‫و ما أك ثر المنّ مانين اليوم والمت جبرين ‪ ،‬فإذا صلى أحد هم ركعت ين م نّ على ال ب صلته ‪ ،‬وإذا ت صدّق بفل سين م نّ ب صدقته‬

‫ن ذلك الرجل واستعلئه عليه‪ .‬مع أن الفضل كله ل هو الذي يجب أن يمنّ‬
‫أيضا ‪ ،‬وإذا فعل معروفا مع أحد فالويل لذلك الحد من م ّ‬
‫علينا أن هدانا لليمان ورزقنا وأعطانا وعافانا وإن تعدّوا نعمة ال ل تحصوها ‪.‬‬

‫الية الثامنة عشرة ‪:‬‬
‫‪‬‬

‫ن‪.‬‬
‫ض واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا َتعْملُو َ‬
‫ت والرْ ِ‬
‫ن اللّهَ َي ْع َلمُ غَيْبَ السّموا ِ‬
‫إّ‬

‫هذه آخر آية في سورة الحجرات وفيها إخبار من ال عز وجل للمسلمين وبيان لهم بأنه يعلم غيب السموات والرض فهو‬
‫يعلم الصادق من الكاذب ‪ ،‬والمؤمن من المنافق فل يحقّ لكم أن تعلّموه ما أنتم عليه ‪ ،‬فهو يعلم ما تكنّه الضمائر وما تتحدث فيه‬

‫النفوس وما غاب واستتر من خبايا السموات والرض وهو بصير بأعمالكم سرها وجهرها خيرها وشرها وهو الذي سيجازي كل‬
‫إنسان على ما اقترف ‪ " :‬فمن يعمل مثقال ذرة خيراص يره ‪ ،‬ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " ‪.‬‬

‫وهذه المعاني تكررت في كثير من السور لن هذا المبدأ يبني عليه الكثير من المور فالمسلم الذي يستيقن أن ال بصير به‬

‫مطلع عليه يعلم سره وجهره يفكر كثيرا وكثيرا جدا قبل أن يتهاون في طاعة ال عز و جل أو يرتكب معصية مما نهى ال عنه ‪،‬‬

‫أما إذا نزعت هذه الرقابة الربانية من النفوس انقلب الناس بغفلتهم إلى حالة قريبة من حال البهائم كما ورد ذلك في قوله تعالى ‪" :‬‬
‫ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والنس ‪ ،‬ل هم قلوب ل يفقهون بها ‪ ،‬ولهم أعين ل يب صرون بها ‪ ،‬ولهم آذان ل يسمعون بها ‪،‬‬
‫أولئك كالنعام بل هم أضل وأولئك هم الغافلون " ‪.‬‬

‫جعل نا ال تعالى من الذاكرين الشاكر ين البعيدن عن الغفلة ونسأله تعالى أن يو فق المسلمين إلى معر فة دينهم والعودة إل يه‬

‫عمن رغبمة ورهبمة وأن يعملوا على سمعادتهم فمي الدنيما والخرة وأن يعيشوا على مائدة القرآن ويتخلقوا بأخلقمه ويتأدبوا بآداب‬
‫الم صطفى صلى ال عل يه و سلم وأن يعيشوا للقرآن وبالقرآن إ نه ن عم المولى ون عم الن صير واج عل آ خر دعوا نا أن الح مد ل رب‬

‫العالمين ‪.‬‬

‫‪55‬‬