‫*أثر حروف المعاني في تعدد المعنى* ـــ د‪.

‬عرابي أحمد )‪(1‬‬
‫إذا دل الحرف على معنى في غيره يسمى حرف المعنى‪ ،‬وهو ما أطلقه‬
‫النحويون على هذه الحروف‪ ،‬ولها صلة وطيدة بفهم المعاني واستنباط‬
‫الحكام من نصوص القرآن الكريم‪ ،‬بطريق التجتهاد أو التأويل‪ ،‬لن كثيرا ً من‬
‫القضايا الدللية والمسائل الفقهية يتوقف فهمها على فهم الدللة التي‬
‫يؤديها الحرف في النص‪ ،‬وسميت حروف معان لهذا الغرض‪ ،‬لنها تصل معاني‬
‫الفعال إلى السماء‪ ،‬أو لدللتها على معنى‪ ،‬وقد اختلف النحاة وعلماء‬
‫الصول وعلماء الكلم في وظائف هذه الحروف كقواعد نحوية ودلل ت لغوية‬
‫على الحكام الفقهية والعقائدية‪" ،‬وهي تعامل معاملة اللفظ في الجملة من‬
‫حيث الدللة فمنها ما يكون مستعمل ً في الحقيقة ومنها ما يكون مستعمل ً‬
‫في المجاز وغيره" )‪.(2‬‬
‫والصل في معرفة دللة هذه الحروف‪ ،‬هو التأمل في الكلم والصل من‬
‫الكتاب والسنة والرتجوع إلى الصول‪ ،‬وذكر السيوطي هذه الحروف تحت‬
‫عنوان‪" :‬الدوا ت التي يحتاج إليها المفسر" فقال‪" :‬وأعني أن معرفة ذلك من‬
‫المهما ت المطلوبة لختلف مواقعها ولهذا يختلف الكلم والستنباط‬
‫بحسبها" )‪.(3‬‬
‫قد تؤدي دللة الحرف في النص إلى الختلف في الحكم‪ ،‬من ذلك قوله تعالى‪:‬‬

‫ْ‬
‫ُ‬
‫ر) )‪ ،(7‬وهو‬
‫ة أُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫مُرو َ‬
‫م ٍ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ر َ‬
‫تج ْ‬
‫وت َن ْ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ن ِبال َ‬
‫س‪ ،‬ت َأ ُ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ما من مكلف إل ويجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬حيث يجب‬
‫عليه أن يدفع الضرر عن النفس‪ ،‬ومن هذا قوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫تجت َن ُِبوا الّر ْ‬
‫فا ْ‬
‫م َ‬
‫تج َ‬
‫َ‬
‫ن) )‪.(8‬‬
‫وَثا ِ‬
‫ال ْ‬
‫وكقولهم‪ :‬إن لفلن من أولده تجندا ً وللمير عسكرًا‪ ،‬يريد بذلك تجميع أولده‬
‫وغلمانه ل بعضهم‪ ،‬وهناك من يرى دللتها على المعنيين‪ ،‬فإن المر‬
‫بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان واتجبا ً على الكل‪ ،‬إل أنه متى قام به‬
‫قوم سقط التكليف على الباقين" )‪.(9‬‬
‫وقال الزمخشري بدللتها على التبعيض واعتمد على الحجج التالية‪" :‬إن في‬
‫المة من ل يقدر على الدعوة ول على المر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل‬
‫النساء والمرضى والعاتجزين" )‪.(10‬‬
‫"إن هذا التكليف خاص بالعلماء بدللة القرائن التي اشتمل عليها النص وهي‪:‬‬
‫المر بثلثة‪ :‬الدعوة إلى الخير والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ .‬ومعلوم‬
‫أن هذه الشياء مشروطة بالعلم والحكمة والسياسة‪ ،‬ول شك أن هؤلء العلماء‬
‫هم بعض المة وهناك من أضاف التقوى والقدوة الحسنة‪ ،‬وأن هذه مهمة‬

‫ل َرب ّ َ‬
‫ة‬
‫النبياء قبل العلماء‪ ،‬لقوله تعالى‪ ) :‬ا ُدْ ُ‬
‫و ِ‬
‫ك ِبال ِ‬
‫عظ َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ع إ َِلى َ‬
‫وال َ‬
‫حك ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ة) )‪.(11‬‬
‫سن َ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫م‬
‫وذكر ابن هشام )‪ (12‬معانيها ومنها التبعيض نحو قوله تعالى‪ِ ) :‬‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ك َل ّ َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫الله) )‪ ،(13‬وعلمتها إمكان سد "بعض" مسدها كقراءة عبد الله بن مسعود‬
‫ف ُ‬
‫ن) )‪" ،(14‬وهذا يعني أنه اختلف في دللتها وهي‬
‫ما ت ُ ِ‬
‫حّتى ت ُن ْ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫قوا ب َ ْ‬
‫) َ‬
‫ض َ‬
‫ع َ‬
‫تعامل معاملة اللفظ ودللتها متأثرة بالسياق الذي ترد فيه‪ ،‬إل أن التحكم في‬
‫السياق ليس بالمر الهين‪ ،‬وهذا هو السر فيما وقع من خلفا ت بين العلماء‬
‫د‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫في دللة هذه الحروف‪" .‬حتى إن بعض الزنادقة تمسك بقوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫ة) )‪ ،(15‬في الطعن على بعض‬
‫م ْ‬
‫فَر ً‬
‫و َ‬
‫غ ِ‬
‫حا ت ِ‬
‫ع ِ‬
‫الله ال ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي ْ َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫مُنوا َ‬
‫الصحابة باعتبار أن "من" هنا للتبعيض‪ ،‬وهي في الحق للتبيين أي الذين آمنوا‬
‫ما‬
‫ع ِ‬
‫ل ِ‬
‫جاُبوا ل ِل ّ ِ‬
‫هم هؤلء‪ .‬ومثل هذا قوله تعالى‪) :‬ال ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫م ْ‬
‫والّر ُ‬
‫نا ْ‬
‫ذي ْ َ‬
‫د َ‬
‫سو ِ‬
‫ه َ‬
‫قوا أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ال َ‬
‫عظِْيم) )‪ ،(16‬وكلهم متق‬
‫ت‬
‫وا‬
‫تجٌر َ‬
‫ّ‬
‫سُنوا ِ‬
‫ح‪ِ ،‬لل ِ‬
‫ْ‬
‫نأ ْ‬
‫قْر ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫أ َ‬
‫م َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫فُروا‬
‫هوا َ‬
‫ن ال ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مس ّ‬
‫م ي َن ْت َ ُ‬
‫ن لي َ َ‬
‫ع ّ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ومحسن‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫م) )‪ (17‬فالمقول عنهم ذلك كلهم كفار" )‪.(18‬‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫من ْ ُ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ونحن كلما حاولنا أن نفهم معنى في نص محتمل الدللة وتجدنا أنفسنا‬
‫ده‬
‫ى قص َ‬
‫مضطرين إلى ما يسمى‪ :‬انضمام القرينة التي تجعلنا نفهم معن ً‬
‫المتكلم أو صاحب الشرع وهذه القرينة قد تكون مصاحبة للنص أو خارتجة عنه‪.‬‬
‫ونحن نتعامل مع هذه الحروف كمورفيما ت حسب مصطلح المحدثين وما‬
‫تتركه من أثر على معنى الكلم‪ ،‬ففي قوله تعالى‪) :‬ث ُ َ‬
‫م إ َِلى‬
‫صَيا َ‬
‫م أت ِ ّ‬
‫ّ‬
‫موا ال ّ‬
‫ل) )‪ ،(19‬فهل تدخل الغاية في الحكم أم ل‪.‬؟‪.‬‬
‫الل ّي ْ ِ‬
‫دمه في الغاية ل بد أن يحدده ما يصحبها من قرينة‪ ،‬فإن الصيام‬
‫إن دخولها وع َ‬
‫في الية ل يتناول الليل‪ ،‬وإنما يمتد حكم الصيام إلى الليل‪ ،‬إذ لو دخل لكان‬
‫وصال ً مْنهيا ً عنه بنصوص أخرى وهي قرائن موتجهة لدللتها على عدم دخولها‬
‫فا ْ‬
‫في الغاية وقد تدل على الدخول في الغاية مثل قوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫سُلوا‬
‫غ ِ‬
‫هك ُم َ‬
‫ق) )‪ ،(20‬وتجاء ت لفظة المرافق مقيدة لكلمة‬
‫مَرا ِ‬
‫وأي ْ ِ‬
‫و ُ‬
‫م إ َِلى ال ْ َ‬
‫دي َك ُ ْ‬
‫تجو َ ْ َ‬
‫ُ‬
‫ف ِ‬
‫اليد‪ ،‬وهي هنا من رؤوس الصابع إلى المرفقين‪ ،‬لن مفهوم اليد قد يكون‬
‫من رؤوس الصابع إلى البط‪ ،‬وهذا مما كانت تفهمه العرب من اليد‪.‬‬
‫فتكون فائدة ذكر الغاية علي إسقاط ما وراء المرفق من حكم الغسل‪ ،‬فإلى‬
‫المرافق غاية للترك ل للغسل‪ ،‬وإذا احتملت الحروف إحدى الدللتين‪ ،‬بما يأتي‬
‫به من أدلة‪ ،‬فقد تحتاج هي الخرى إلى أدلة وبراهين‪ ،‬وهكذا إلى ما ل غاية له‪،‬‬
‫ويضاف إلى ذلك أيضا ً ظاهرة البدال في هذه المورفيما ت‪ ،‬وكمثال على قوله‬
‫حوا ب ُِر ُ‬
‫م) )‪ ،(21‬زعم بعضهم أن الباء هنا للتبعيض‪ ،‬تقول‬
‫ؤو ِ‬
‫س ُ‬
‫م َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫تعالى‪َ ) :‬‬
‫العرب مسحت رأسي ومسحت برأسي‪ ،‬فلم يبق فرق إل التبعيض‪ ،‬ليس كذلك‬
‫بل يقول‪) :‬مسح( له مفعولن يتعدى لحدهما بنفسه والخر بالباء‪ ،‬ولم تخير‬
‫العرب بين المفعولين في هذه الباء‪ ،‬بل عينتها لما هو آلة للمسح‪ ،‬فإذا قلت‪:‬‬
‫مسحت يدي بالحائط فالرطوبة الممسوحة على يدك‪ ،‬وإذا قلت مسحت‬
‫الحائط بيدي فالشيء المزال هو على الحائط ويدك هي اللة المزيلة" )‪.(22‬‬
‫والقاعدة الصارفة لما ذهب إليه المام القرافي آنفًا‪ ،‬هي أن الشارع الحكيم‬
‫أمرنا أن ننقل رطوبة اليدي للرأس وأعضاء الوضوء ولم يوتجب علينا إزالة‬
‫شيء عن رؤوسنا وأعضائنا‪ ،‬وعلى ذلك يكون الرأس آلة تزيل الرطوبة عن‬

‫اليد ل العكس وعليه تكون للتعدية‪ ،‬لنها ل تكون للتبعيض إل حيث يتعدى‬
‫الفعل بنفسه‪ ،‬وقدر بعضهم دللة المورفيم )ب( على التبعيض ومنهم ابن‬
‫العربي القاضي حيث قال‪" :‬إذا قلت حلقت رأسي‪ ،‬اقتضى في الطلق‬
‫العرفي الجميع‪ ،‬وإذا قلت مسحت الجدار أو رأس اليتيم اقتضى البعض‪ ،‬لن‬
‫الجدار ل يمكن تعميمه بالمسح حسًا‪ ،‬ول غرض في استيعابه قصدًا‪ ،‬ورأس‬
‫اليتيم لتجله الرأفة‪ ،‬فيجزي منه أقله بحصول الغرض به‪ ،‬ونقول‪ :‬مسحت‬
‫الدابة فل يجزي إل تجميعها لتجل مقصد النظافة فيها‪ ،‬وكذلك الرأس كله‬
‫فتؤكده‪ ،‬ولو كان يقتضي البعض لما تأكد بالكل‪ ،‬فإن التأكد لرفع الحتمال‬
‫المتطرق إلى الظاهر في إطلق اللفظ" )‪.(23‬‬
‫ه(‪" :‬ومما يرد التبعيضية على الباء أن قوله‬
‫وقال القرطبي ) ت ‪‍ 671‬‬
‫ً‬
‫"امسحوا" يقتضي ممسوحا به‪ ،‬والممسوح الول هو المكان‪ ،‬والممسوح‬
‫الثاني هو اللة بين المسح والممسوح كاليد‪ ،‬فجاء ت الباء لتفيد ممسوحا ً به‪،‬‬
‫وهو الماء فكأنه قال‪ :‬فامسحوا برؤوسكم الماء‪ ،‬من باب المقلوب‪ ،‬والعرب‬
‫تستعمله )‪ ،(24‬فكل هذه السياقا ت عامة ومختلفة تنضم إلى النص لهدم دللة‬
‫ما وإقامة أخرى مقامها‪ ،‬وهذا يقتضي من الواقف أمام النص أن يكون ملما ً‬
‫بما ل يحصى من النصوص وكلم العرب لكي يفهم دللة لفظة واحدة‪.‬؟ لعل‬
‫هذا هو الذي تجعل عمر بن الخطاب –رضي الله عنه –يقول‪ :‬ل يقرأ القرآن إل‬
‫عالم باللغة العربية‪.‬‬
‫ونفهم مما سبق أن هذه المورفيما ت ل تدل إل مع القرينة‪ ،‬فليس لها تجهة من‬
‫تجها ت المعنى ل مجازا ً ول حقيقة‪ ،‬وينطبق هذا مع اللفظ أيضا ً فضل ً عنها‪.‬‬
‫م) )‪ ،(25‬إن الله تعالى ل يوصف بالذهاب‬
‫ففي قوله تعالى‪) :‬ذَ َ‬
‫ر ِ‬
‫ه َ‬
‫ه ْ‬
‫ب الل ُ‬
‫ه ب ُِنو ِ‬
‫مع النور‪ ،‬فأولت بأنه يجوز أن الله تعالى وصف نفسه بالمجيء في قوله‪:‬‬
‫ء َرب ّ َ‬
‫ه أن باء التعدية بمعنى الهمزة قراءة‬
‫تجا َ‬
‫و َ‬
‫ك) )‪ (26‬وهذا ظاهر البعد‪ ،‬ويؤيد ُ‬
‫) َ‬
‫"أذهب الله نورهم" وهذه المصطلحا ت الدللية لحروف المعاني‪ ،‬كثيرا ً ما‬
‫تستبدل بمصطلحا ت أخرى‪ ،‬لن الولى ل تناسب السياقا ت القرآنية‪ ،‬فقد‬
‫قالوا‪ :‬إن من معاني الباء‪ :‬الستعانة‪ ،‬وهي داخلة على الفعل‪ ،‬بسم الله‬
‫الرحمن الرحيم )‪.(27‬‬
‫وقالوا‪" :‬إن الباء هنا للسببية‪ ،‬وهي عندهم الداخلة على صالح للستفادة به‬
‫رْزقا ً‬
‫عن فاعل معداها مجازا ً )‪ (28‬نحو قوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫فأ َ ْ‬
‫مَرا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ج بِ ِ‬
‫خَر َ‬
‫م َ‬
‫ن الث ّ َ‬
‫ ت ِ‬
‫م) )‪ (29‬فلو قصد إسناد الخراج إلى الهاء لحسن‪ ،‬ولكنه مجاز‪ ،‬قال‪ :‬ومنه‪:‬‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫كتبت بالقلم وقطعت بالسكين‪ .‬ومن هنا دل المورفيم على المجاز‪،‬‬
‫والنحويون يعبرون عن هذه الباء بالستعانة ولكنهم آثروا على ذلك التعبير‬
‫بالسببية من أتجل الفعال المنسوبة إلى الله تعالى‪ ،‬لن استعمال مصطلح‬
‫السببية يجوز‪ ،‬أما استعمال مصطلح الستعانة فل يجوز على الله‪ ،‬وتعدد‬
‫المصطلحا ت للمورفيم الواحد هو إتيانه في القرآن الكريم بهذه الدلل ت التي‬
‫يحددها السياق الذي يقلب الحرف بحرف آخر حسب اختلف دللة السياق إذا‬
‫تعدد ت المعاني للحرف الواحد‪ ،‬فمن أخذ دللة هذه الحروف على ظاهرها‪،‬‬
‫قال‪ :‬نصف الله بما وصف به نفسه‪ ،‬وهو عندي هروب من التأويل‪ ،‬ومن أول‬
‫أعطاها دللة أخرى حسب الستعمال وهو القرب والصوب‪.‬‬
‫وقال الزمخشري في تفسيره لهذه الية‪" :‬قلت‪ :‬المعنى أنه تجعل الماء سببا ً‬
‫في خروج الثمرا ت ومادة لها كماء الفحل في خلق الولد‪ ،‬وهو قادر على أن‬

‫ح َ‬
‫كم ودواع‪...‬‬
‫ينشئ التجناس كلها بل أسباب ول مواد‪ ...‬ولكن لـه في ذلك ِ‬
‫سكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته")‪.(30‬‬
‫وعبر وأفكار صالحة‪ ...‬و ُ‬
‫ن" في قوله تعالى‪ ...":‬من الثمرا ت" واعتبر‬
‫وقد تعرض الزمخشري لدللة " ِ‬
‫م ْ‬
‫دللتها على التبعيض‪ ،‬ومن القرائن المنفصلة عن النص‪ ،‬والتي تصرف دللتها‬
‫ن كُ ّ‬
‫ ت) )‪ (31‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫ه ِ‬
‫مَرا ِ‬
‫ها ِ‬
‫م ْ‬
‫في ْ َ‬
‫ل الث ّ َ‬
‫إلى التبعيض قوله تعالى‪) :‬ل َ ُ‬
‫) َ‬
‫ ت) )‪ ،(32‬ولذا قيل إن اللفظ قد يحدث له مع التركيب حكم‬
‫فأ َ ْ‬
‫مَرا ٍ‬
‫تجَنا ب ِ ِ‬
‫خَر ْ‬
‫ه ثَ َ‬
‫لم يكن قبل ذلك‪ ،‬وهذا الحكم الدللي‪ ،‬تتحكم فيه القرائن الشرعية والعقلية‪،‬‬
‫َ‬
‫و ً‬
‫ل‪ ،‬ل يسعفنا‬
‫والدليل على ذلك أن اعتبار اللفظ أو الحرف على ما وضع له أ ّ‬
‫في كثير من النصوص‪ ،‬فل بد والحال هذه أن نلجأ إلى ما يسمى عند المحدثين‬
‫بالستبدال الدللي‪ ،‬وأطلق النحاة القدامى عليه المجاوزة‪ ،‬ولعلهم يعنون بها‬
‫َ‬
‫ع) )‪(33‬‬
‫م ِ‬
‫المجاز‪ ،‬فتكو ن " ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن" بمعنى "عن" كقوله تعالى‪) :‬أطْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫تجو ٍ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫لو‬
‫ق‬
‫ة‬
‫ي‬
‫س‬
‫قا‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ي‬
‫و‬
‫ف‬
‫)‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقوله‬
‫منه‪،‬‬
‫يطعم‬
‫ل‬
‫والجوع‬
‫أي عن تجوع‬
‫ِ‬
‫ِ َ ِ‬
‫َ ْ‬
‫ُ ُ ْ ِ ْ‬
‫ه) )‪ ،(34‬أي عن ذكر الله‪ ،‬ولذا قرئ‪ :‬عن ذكر الله‪ ،‬وهذا دليل على أن‬
‫ر الل ِ‬
‫ِذك ْ ِ‬
‫القراءا ت في غالبها‪ ،‬وهذا في الدللة طبعًا‪ ،‬لم تخرج عن الدللة النحوية‪ ،‬قال‬
‫ن" في هذا‪.‬؟ قلت‪ :‬إذا قلت‪ :‬قسا قلبه‬
‫و" َ‬
‫الزمخشري‪" :‬ما الفرق بين " ِ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ن" َ‬
‫من ذكر الله فالمعنى ما ذكر ت من أن القسوة من أتجل الذكر وبسببه‪ ،‬وإذا‬
‫قلت عن ذكر الله‪ ،‬فالمعنى غلظ عن قبول الذكر وتجفا عنه‪ ،‬ونظيره‪ :‬سقاه‬
‫من العيمة أي من أتجل عطشه‪ ،‬وسقاه عن العيمة‪ ،‬إذا أرواه حتى أبعده عن‬
‫العطش" )‪.(35‬‬
‫ن" التي‬
‫ولو لم نلجأ إلى قاعدة البدال لما استقام المعنى مع المورفيم " ِ‬
‫م ْ‬
‫تعني أن ذكر الله سبب إلى قساوة القلوب‪ ،‬مع أننا نعلم أن ذكر الله سبب‬
‫لحصول النور والهداية والطمئنان‪ ،‬أل بذكر الله تطمئن القلوب‪.‬؟! فمنهم من‬
‫أتجاب عن الشكال الدللي باللجوء إلى ظاهرة التبدل الدللي‪ ،‬ومنهم من ترك‬
‫و َ‬
‫ل تأويل ً يتناسب مع الحرف المستعمل "من" فقد قال‬
‫النص على ظاهره‪ ،‬وأ ّ‬
‫الرازي‪" :‬إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر بعيدة عن مناسبة الروحانيا ت‬
‫شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والخلق الدميمة‪ ،‬فإن سماعها لذكر الله‬
‫يزيدها قسوة‪ ...‬والدليل على ذلك‪ ،‬أن الفاعل الواحد قد تختلف أفعاله بحسب‬
‫اختلف القوابل‪ ،‬فحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح‪ ،‬وقد نرى إنسانا ً‬
‫واحدا ً يذكر كلما ً واحدا ً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره‪،‬‬
‫وما ذاك إل لختلف تجواهر النفوس‪"....‬‬
‫"‪ ...‬فإذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون ذكر الله يوتجب النور والهداية‬
‫والطمئنان في النفوس الطاهرة‪ ،‬ويوتجب القوة والبعد عن الحق في‬
‫النفوس الخبيثة الشيطانية" )‪ ،(36‬وهناك من لجأ إلى قياس الية على كلم‬
‫العرب من قولهم‪ ،‬حدثته من فلن‪ ،‬أي عن فلن‪ ،‬ومّثل له ابن مالك بنحو‪:‬‬
‫"عد ت منه وأتيت منه‪ ،‬وبرئت منه‪ ،‬وشبعت منه‪ ،‬ورويت منه" )‪.(37‬‬
‫ولكن الرازي حاول تفسير دللة الحرف بحيث وتجد لها تخريجا ً ناسب ظاهر‬
‫ن"‪ ،‬وهذا في اعتقادي‬
‫ب" َ‬
‫النص على ما هو عليه‪ ،‬أي بدون استبدال " ِ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ن" ِ‬
‫حسن‪ ،‬وبذلك تجنب نفسه التحريف‪ ،‬وهو يحافظ بذلك على ظاهر النص ول‬
‫يتصرف فيه‪ ،‬ولكن حتى الذين تصرفوا قالوا بأن "من" بمعنى "عن" إن‬
‫خرتجوا في الظاهر عن ظاهر النص‪ ،‬إل أنهم لم يخرتجوا عن شائع عبارا ت‬
‫العرب‪ ،‬إذ ل سبيل إلى فهم كتاب الله فهما صحيحا ً ومعرفة مقاصده معرفة‬
‫سليمة‪ ،‬إل بالعودة إلى سننهم في كلمهم‪ ،‬وهي التي استقى منها القرآن‬

‫ألفاظه‪ ،‬لن هناك من الكلم ما ل ينجلي إل بالسماع‪ ،‬وعليه فإن استبدال‬
‫بعض الحروف ببعض أيضا ً من كلمهم‪ ،‬والتأويل على هذا الساس صحيح هو‬
‫الخر‪.‬‬
‫وإذا سألنا لماذا استعمل القرآن الكريم الحرف بدل الخر‪ ،‬كان الجواب‪ ،‬هكذا‬
‫تكلمت العرب أو هكذا أراد الله أو هما معًا‪ ،‬إذ القرآن كلم الله على عادة‬
‫العرب وعرفهم‪ ،‬وعليه فإن السؤال بالصيغة العقلية لماذا قال كذا ولم يقل‬
‫هكذا‪.‬؟ لم يعد ذا معنى‪ ،‬ول يعني هذا أن التأويل يتميز بالعبثية وعدم النضباط‪،‬‬
‫بل إن التأويل له قوانين تحكمه‪ ،‬وقد سماها أبو حامد الغزالي‪" :‬شروط‬
‫التأويل" وعلى رأسها معرفة اللغة العربية والنحو على وتجه ما تعارف العرب‬
‫عليه‪ ،‬وطرقهم في التمييز بين صريح الكلم وظاهره‪ ،‬ومجمله وحقيقته‬
‫ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ويكتفى من ذلك‬
‫ومجازه وعامه وخاصه َ‬
‫كله بالقدر الذي يتسنى معه الحاطة بعناصر النص الديني‪.(38) "...‬‬
‫وهذه التأويل ت احتمال ت‪ ،‬وهي تخضع كلها إلى قواعد كلم العرب‪ ،‬ففي قوله‬
‫َ‬
‫جْر ُ‬
‫ع َ‬
‫م) )‪.(39‬‬
‫تعالى‪) :‬ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫غ ِ‬
‫كم ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ذُُنوب ِك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫م وي ُ ِ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫وقال ابن هشام النصاري "إن من" ههنا زائدة والتقدير‪" :‬يغفر لكم ذنوبكم‬
‫وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة "من" ههنا لبتداء الغاية‪ ،‬فكأن المعنى أنه يقع‬
‫ابتداء الغفران بالذنوب" )‪ ،(40‬وقال الزمخشري‪" :‬إنما بعض المغفرة لن من‬
‫الذنوب ما ل يغفره اليمان كذنوب المظالم ونحوها" )‪.(41‬‬
‫وما أطلقه ليس بصحيح‪ ،‬وهو قوله‪ :‬إن اليمان ل يغفر المظالم‪ .‬لن الكافر‬
‫ب السلم عنه إثم ما تقدم بل إشكال‪.‬‬
‫إذا أسلم وحسن إسلمه يج ّ‬
‫وتعتبر ظاهرة البدال التي رأيناها في القرآن الكريم ظاهرة مخالفة لمعيارية‬
‫اللغة‪ ،‬لن هذه المعايير حدد ت على أساس نصوص مختارة من الشعر والنثر‪،‬‬
‫وهذا يعني من الوتجهة النظرية أنه ل بد من وتجود فروق بين النظام اللغوي‬
‫"المعيار" وظواهر الستعمال اللغوي‪ ،‬فإذا كان المجاز هو كسر العلقة‬
‫العرفية بين اللفظ والمعنى الذي وضع له في الصل‪" ،‬فإن ظاهرة إبدال‬
‫الحروف كسر هو الخر للعلقة التي بين الحرف والمعنى الذي وضع له في‬
‫أصل كلمهم‪ ،‬إل أن النحاة القدامى أطلقوا على هذه الظاهرة مصطلح‬
‫"التساع" وهو من سنن كلمهم‪ ،‬وبالتالي ل يخرج عن معيارية اللغة‪،‬‬
‫والتساع ينتج عن تبادل الوظائف النحوية‪ ،‬ويعد ذلك عندهم من الرخص‬
‫الكلمية‪ ،‬مقابلة للرخصة عند الفقهاء‪ ،‬وقد أعطاه النحاة مصطلح التضمين‬
‫وهو ما يقابل مصطلح "التساع" عند البلغيين" )‪.(42‬‬
‫فحروف الجر التي يحل بعضها محل بعض قد تغير دللة التركيب‪ ،‬وقد يبقى‬
‫المعنى على ما هو عليه في الصل‪ ،‬والحكم تحدده مقتضيا ت السياق وقد‬
‫أطلق المحدثون عليها‪" :‬تبادل الوظائف الدللية" وهذه ظاهرة عامة في‬
‫الستخدام العربي وهو نوع من أنواع إبداع اللغة وواحدة من صورها‪ ،‬وهي‬
‫أيضا ً من الوظائف النحوية الناشئة عن اتساع في استخدام الوحدا ت اللغوية‬
‫لتؤدي المعاني المختلفة سواء في البلغة أو في النحو أو في اللغة" )‪.(43‬‬
‫إن لعلماء الكلم وأهل التأويل‪ ،‬موقفا ً خاصا ً وهم يتعاملون مع هذه الظاهرة‬
‫اللغوية‪ ،‬وخاصة في القرآن الكريم‪ ،‬لن القتصار عليها عندهم قد يؤدي إلى‬

‫الغلط فالتأويل ل بد منه‪ ،‬وهو مطلب ضروري في النظر إلى معاني القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬وهذا بعد تحكيم العقل والسماع‪ ،‬لن العملية التأويلية تتطلب هذه‬
‫الشروط بالضافة إلى تحكيم الرأي والعقل الذي ل يتعارض مع السماع‪ ،‬وذلك‬
‫بهدف البحث عن النواحي الداخلية أو الباطنية للنص ذاته‪ ،‬لتصل في النهاية‬
‫إلى تحقيق الرتباط بين المنقول والمعقول والمشروع معًا‪ ،‬لن النص إذا أدى‬
‫آخذه على الظاهر إلى المحال أو الستحالة العقلية أو الشرعية‪ ،‬يجب حينئذ‬
‫إزالة هذا المحال ومعالجته بالتأويل بحثا ً عن دللة داخلية سعيا ً إلى الوصول‬
‫ما أمكن إلى حقائق المعاني المتوخاه من النص‪ ،‬وهذا ما حاول علماء الكلم‬
‫أن يحققوه خلل ما بذلوه من تجهود في تأويل نصوص القرآن على خلف‬
‫بينهم طبعًا‪ ،‬وهذا الخلف ناتج عن الختلف في اعتماد القرائن الموتجهة‪.‬‬
‫وقد يذهب المتأمل في النص القرآني وفي ذهنه عقيدة يريد أن يثبتها ول‬
‫يريد أن يتجافى عنها‪ ،‬وإذا عارضه ظاهر النص اضطر إلى التأويل‪،‬‬
‫في السما ِ َ‬
‫ََ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ن يَ ْ‬
‫س َ‬
‫ن ِ‬
‫خ ِ‬
‫ءأ ْ‬
‫فالزمخشري وهو يفسر قوله تعالى‪) :‬أأ ِ‬
‫م ْ‬
‫ف ب ِك ْ‬
‫ّ َ‬
‫م َ‬
‫من ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫موُر) )‪.(44‬قال‪" :‬من السماء" فيه وتجهان أحدهما‪ :‬من‬
‫ذا ِ‬
‫ي تَ ُ‬
‫الْر َ‬
‫ه َ‬
‫ملكوته‬
‫في السماء لنها مسكن ملئكته ثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ‪ ،‬ومنها‬
‫تنزل قضاياه وكتبه وأوامره" )‪.(45‬‬
‫الثاني‪ :‬أنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب‬
‫ينزلن منه‪ ،‬وكانوا يدعونه من تجهتها فقيل لهم على حسب اعتقادهم‪،‬‬
‫"أأمنتم" من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يعذبكم‬
‫بخسف أو حاصب" )‪.(46‬‬
‫فخالف الزمخشري في تأويل ظاهر الية لكي ينزه الله عن الجهة والمكان‬
‫وفي الحقيقة أن هذا التأويل يتفق فيه بعض المفسرين فقد قال الرازي‪..." :‬‬
‫كانت العرب مقرين بوتجود الله لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على‬
‫وفق قول المشبهة‪ ،‬فكأنه تعالى قال لهم‪" :‬أتعلمون من قد أقررتم بأنه في‬
‫السماء واعترفتم له بالقدرة ما يشاء أن يخسف بكم الرض‪ ،‬أو تقدير الية من‬
‫في السماء سلطانه وملكه والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله‬
‫وتعظيم قدرته‪ ،‬كما قال‪" :‬وهو الله في السماوا ت وفي الرض"‪ ،‬أي نفاذ‬
‫أمره وقدرته وتجريان مشيئته في السماوا ت وفي الرض أو يكون المراد "من‬
‫السماء" هو الملك الموكل بالعذاب وهو تجبريل عليه السلم‪ ،‬والمعنى أن‬
‫يخسف بهم الرض بأمر الله وإذنه" )‪.(47‬‬
‫ومن الدلة التي يعتمد عليها لرد هذا التأويل الذي ذهب إليه الرازي‪ ،‬أنه قال‪:‬‬
‫"من في السماء" وهي للعاقل‪ ،‬وحملها على الملك أو العذاب هو إخراج للفظ‬
‫عن ظاهره بل قرينة تستدعي ذلك‪ ،‬بل إن هناك مجموعة من القرائن تدل‬
‫ب‪(48) )...‬‬
‫على إثبا ت العلو لله تعالى منها قوله تعالى‪) :‬إ ِل َي ْ ِ‬
‫م الطّي ّ ُ‬
‫ع ُ‬
‫ص َ‬
‫د الك َل ِ ُ‬
‫ه يَ ْ‬
‫فهو صريح أيضا ً في صعود أقوال العباد وأعمالهم إليه يصعد بها الملئكة‪.‬‬
‫وأخبر موسى فرعون الطاغية بأن إلهه في السماء‪ ،‬فأراد فرعون أن يلتمس‬
‫السباب للوصول إليه تمويها ً بها على قومه‪ ،‬فأمر وزيره هامان أن يبني له‬
‫الصرح ثم عقب على ذلك بقوله‪" :‬وإني لظنه كاذبا" )‪ (49‬أي موسى كاذبا ً‬
‫فيما أخبر به من كون إلهه في السماء‪" ،‬وعليه فيكون من أنكر أن يكون الله‬

‫في السماء كينونة هو أعلم بها‪ ،‬شبه فرعون في تكذيبه لموسى في كون إلهه‬
‫في السماء‪ ،‬وعليه تكون الدللة في الية المركزية أن "في" بمعنى "على"‬
‫حتى ل يجوز أن يفهم أن السماء ظرف له سبحانه وتعالى‪ ،‬فيكون سبحانه في‬
‫أعلى علو‪ ،‬وهذا أيضا ً تأويل للذين يعارضون التأويل" )‪ (50‬قوله تعالى‬
‫ع َ‬
‫في ّ َ‬
‫ي" )‪ (51‬وقوله‬
‫وَرا ِ‬
‫و ِ‬
‫لعيسى عليه السلم‪َ" :‬يا ِ‬
‫ف ُ‬
‫عي َ‬
‫سى إّني ُ‬
‫ك َ‬
‫مت َ َ‬
‫ك إ ِل َ ّ‬
‫ل َر َ‬
‫تعالى‪) :‬ب َ ْ‬
‫ه))‪.(52‬‬
‫ه إ ِل َي ْ ِ‬
‫ف َ‬
‫ه الل ُ‬
‫ع ُ‬
‫فظاهر هذه اليا ت يدل على علوه تعالى‪ ،‬وارتفاعه فوق العرش‪ ،‬وهي ترد‬
‫على المعطلين‪ ،‬ففي "إلي" الضمير يعود على الرب سبحانه وتعالى‪ ،‬إل أن‬
‫هذه القرينة قد أولت هي الخرى والمراد بها‪ :‬رافعك إلى رحمتي أو إلى حيث‬
‫ملئكتي‪ ،‬وهناك من قال‪" :‬إذا قال" إن الله تعالى في السماء‪ ،‬يريد بذلك أنه‬
‫فوقها من طريق الصفة ل من طريق الجهة )‪ (53‬ومن ذلك ما روي في الخبر‪،‬‬
‫أن تجارية عرضت على رسول الله –صلى الله عليه وسلم –ممن أريد عتقها في‬
‫الكفارة‪ ،‬فقال لها عليه الصلة والسلم‪" :‬أين الله‪.‬؟ فأشار ت إلى السماء‪،‬‬
‫فقال عليه السلم‪ :‬اعتقها فإنها مؤمنة" )‪. (54‬‬
‫ويفهم من هذا‪ ،‬تجوز الشارة إلى العلو والرد على من نفاها وتأول‪ ،‬وفيه‬
‫أيضا ً تجواز الستفهام عن الله "بأين" التي تقتضي دللتها تحديد الجهة في‬
‫اللغة‪ ،‬إل أن دللة بعض اللفاظ في القرآن الكريم تنقل من المواضعة اللغوية‬
‫إلى الصطلح الشرعي أو العقدي عن طريق التأويل‪ ،‬ويعتمد في النقل‬
‫الدللي للفظ على آليا ت تحويلية في النصوص ذاتها‪ ،‬وهي قائمة على علم‬
‫البحث اللغوي ونظام الدللة اللفظية من مجالها العرفي إلى مجالها‬
‫الستدللي العقلي‪ ،‬أي أنها تحولت إلى نظام من العلما ت غير اللغوية‪،‬‬
‫فتحولت إلى علما ت ودلل ت معقولة‪ ،‬فكلمة "أين الله" مع استحالة كونه في‬
‫مكان‪ ،‬فاستحالة المكان بالنسبة للفظ "أين" في حق الله يعتبر نقل ً من‬
‫المواضعة إلى الستدلل العقلي العقائدي وفي كلم العرب مما يقابلها أيضا ً‬
‫أنهم استعملوها عن مكان مسؤول عنه في غير هذا المعنى الصلي توسعا ً‬
‫وتشبيها ً لها بما وضع لها‪ ،‬فيقولون‪ :‬أين فلن من فلن‪.‬؟ وليس يريدون الرتبة‬
‫والمنزلة‪ ،‬وكذلك يقولون‪ :‬لفلن عند فلن مكانة ومنزلة‪ ،‬ويريدون من ذلك‬
‫المرتبة في التقريب والكرام‪ ،‬ويقولون‪ :‬فلن في السماء أي هو عظيم‬
‫الشأن رفيع المقدار‪.‬‬
‫وتكون دللة "أين" بهذا العتبار على المجاز‪ ،‬وقال المام أبو يحيى زكريا‬
‫النصاري‪ ،‬في هذه الية‪" :‬من في السماء"‪" :‬إن قلت كيف" من في السماء"‬
‫مع أنه تعالى ليس فيها ول في غيرها بل هو تعالى وتنزه عن كل مكان‪.‬؟!‬
‫قلت‪ :‬المعنى بملكوته في السماء‪ ،‬التي هي مسكن ملئكته‪ ،‬ومحل عرشه‬
‫وكرسيه واللوح المحفوظ ومنه تنزل أقضيته وكتبه" )‪(55‬‬
‫وقال الصابوني معلقًا‪" :‬لله تعالى تجهة العلو المطلق‪ ،‬فهو تعالى فوق عرشه‬
‫وعرشه قد أحاط بالسماوا ت والرض‪ ،‬وإذا كان الكرسي وهو أصغر من‬
‫العرش‪ ،‬قد أحاط بالكون وبالسماء والرض "وسع كرسيه السماوا ت والرض"‬
‫فكيف بالعرش‪.‬؟! فنجنح في مثل هذا إلى التفويض والتسليم‪ ،‬كما هو مذهب‬
‫السلف "لن تحديد الجهة من صفا ت التجسام وهي مستحيلة عليه تعالى‪ ،‬لنه‬
‫لو كان في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه‪ ،‬لنه حامل له واللزم باطل‪،‬‬
‫وعليه فإن دللة "في" إما على المجاز وهو تأويل وإما اللجوء إلى التسليم‬
‫والتفويض‪ ،‬إل أن المجاز تعطيل لدللة اللغة وخاصة إذا كان بدون قرينة تدل‬

‫على ذلك‪ ،‬وعليه‪ ،‬فإننا نثبت له ما أثبته لنفسه تعالى دون تمثيل أو تكييف‪،‬‬
‫وعليه ل ننكر قول من قال‪ :‬إن الله في السماء لن اللفظ تجاء به الكتاب" )‬
‫‪.(56‬‬
‫فقد وصف نفسه سبحانه وتعالى‪ ،‬بأنه فوق كل شيء ل على معنى المسافة‬
‫والمساحة‪ ،‬وذلك أن كل ما كان فوق شيء على معنى المساحة والتمكن فيه‬
‫والعلو عليه‪ ،‬كان دونه شيء وهو ما عليه من المكان‪ ،‬فقد قال –صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪" :-‬أنت الول فليس قبلك شيء‪ ،‬وأنت الخر فليس بعدك شيء"‪،‬‬
‫وأنت الظاهر فليس فوقك شيء‪ ،‬وأنت الباطن فليس دونك شيء‪(57) "...‬‬
‫وهذا الخبر يثبت تنزيهه تعالى عن المكان والزمان‪ ،‬ويفهم منه عدم إحاطة‬
‫العقول بذاته الشريفة‪ ،‬لنه يستحيل في حقه‪ ،‬وعليه يكون مذهب التفويض‬
‫والتسليم اسلم والله أعلم‪.‬‬
‫ومن الظواهر اللغوية التي لها أثرها في التأويل ما يسمى "بحروف النسق"‬
‫وأم هذا الباب "الواو" لكثرة مجالها فيه‪ ،‬وهي مشتركة في العراب والحكم‬
‫ونعالجها كعلمة دللية من خلل السياق الذي ترد فيه‪ ،‬كما أننا نريد أن نبين‬
‫أثرها في التأويل عند علماء الكلم‪ ،‬وخاصة عند الشعرية والمعتزلة‪ ،‬وذلك من‬
‫خلل عرض مناقشة للمدرستين معتمدين في ذلك على بعض النصوص منها‬
‫ن‬
‫سو َ‬
‫ة َ‬
‫وب َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫م ي َُتوُبو َ‬
‫هال َ ٍ‬
‫مُلو َ‬
‫ه ِلل ِ‬
‫عَلى الل ِ‬
‫ء بِ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ة ثُ ّ‬
‫ع َ‬
‫قوله تعالى‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما الت ّ ْ‬
‫قريب‪ُ َ ،‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ولئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫وب َ ُ‬
‫ة ِلل ِ‬
‫ح ِ‬
‫وكا َ‬
‫عِليما َ‬
‫ك ي َُتو ُ‬
‫س ْ‬
‫ذي َ‬
‫ولي ْ َ‬
‫ن الل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ب الل ُ‬
‫َ ِ ٍ‬
‫ت الت ّ ْ‬
‫كيما‪َ .‬‬
‫م َ‬
‫فأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ال‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ني‬
‫إ‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ ت‬
‫و‬
‫م‬
‫ال‬
‫م‬
‫ه‬
‫د‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ر‬
‫ض‬
‫ح‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫تى‬
‫ح‬
‫ ت‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫س‬
‫ال‬
‫ن‬
‫لو‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م ُ َ‬
‫َ‬
‫ِ َ‬
‫ّ ّ‬
‫يَ ْ‬
‫ْ ُ‬
‫َ ْ ُ‬
‫ِ َ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫ع َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مك ّ‬
‫ع َ‬
‫ذابا أِليما) )‪ ،(58‬فالنص ينفي التوبة‬
‫م َ‬
‫فاٌر أولئ ِك أ ْ‬
‫و ُ‬
‫موُتو َ‬
‫عت َدَْنا ل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫يَ ُ‬
‫ن َ‬
‫عن الذين يصرون على الذنوب إلى الوقت الذي ل تقبل فيه توبتهم وهو‬
‫معاينتهم للمو ت‪ ،‬وهذا يعني أن من ما ت على غير توبة مخلد في النار‪ ،‬لن‪:‬‬
‫الذين يعملون السيئا ت‪ ،‬معطوف على الذين يموتون وهم كفار‪ ،‬وهو ما اعتمد‬
‫عليه الزمخشري قائ ً‬
‫وفوا‬
‫ل‪ :‬ول يموتون وهم كفار عطف على الذين س ّ‬
‫توبتهم إلى حضرة المو ت وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه ل توبة لهم" )‬
‫‪ ،(59‬وبهذا العطف فإن مرتكب الكبيرة مخلد في النار عند الزمخشري إذا ما ت‬
‫على غير توبة‪.‬‬
‫فموضع "الذين" تجر بالعطف على قوله‪" :‬وليست التوبة للذين يعلمون‬
‫السيئا ت ول الذين يموتون وهم كفار" )‪ ،(60‬وهذا العراب يؤيد مذهب‬
‫الزمخشري‪.‬‬
‫أما الشعرية فإنهم نظروا إلى النص في إطار سياقه العام‪ ،‬قال الكلبي‪:‬‬
‫"فإن كانوا كفارا ً فهم مخلدون في النار بإتجماع‪ ،‬وإن كانوا مسلمين فهم في‬
‫مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم")‪ ،(61‬وقد عرض المام الرازي‬
‫إلى تفسير هذه الية في رده على الوعيد به بعد أن ذكر حجتهم فقال‪..." :‬‬
‫فعطف الذين يعلمون السيئا ت على الذين يموتون وهم كفار‪ ،‬والمعطوف‬
‫مغاير للمعطوف عليه‪ ،‬فثبت أن الطائفة الولى ليسوا من الكفار‪ ،‬ثم إنه‬
‫َ‬
‫تعالى قال في حق الكل‪ُ) :‬أول َئ ِ َ‬
‫ع َ‬
‫مًا) ‪ ،‬فهذا يقتضي شمول‬
‫م َ‬
‫كأ ْ‬
‫عت َدَْنا ل َ ُ‬
‫ذابا ً أِلي َ‬
‫ه ْ‬
‫هذا الوعيد للكفار والفساق‪ ،‬ثم أخبر تعالى أنه ل توبة لهم عند المعاينة فلو‬
‫كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا العلم معنى" )‪ (62‬ويقتضي هذا‬
‫التأويل عند المعتزلة أن من ما ت بدون توبة يخلد في النار‪.‬‬

‫وقد رد المام الرازي )‪ (63‬هذا الفهم بما سماه بالعموميا ت‪ ،‬فأشار الكلبي‬
‫إليها بقوله‪" :‬إن العذاب ثابت في حق الكفار ومنسوخ في حق العصاة من‬
‫غ ِ َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫وي َ ْ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫ِ‬
‫غ ِ‬
‫دو َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫فُر أ ْ‬
‫المسلمين‪ ،‬بقوله تعالى‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ما ُ‬
‫ك َ ْ‬
‫فُر َ‬
‫ن الل َ‬
‫ه َ‬
‫ً‬
‫ء) )‪ ،(64‬فعذابهم مقيد بالمشيئة" )‪ ،(65‬ومنه أيضا المطلق والمقيد‬
‫َيشا ُ‬
‫والعام والخاص وغير ذلك مما أشر ت إليه سابقًا‪ ،‬وأطلقت عليه آليا ت سياق‬
‫الخطاب الديني‪ ،‬وهذه القواعد أو الصول هي التي يجب أن تراعى بعين‬
‫العتبار أثناء التعرض للدللة النحوية واللتزام بها عند المتأمل لن عملية‬
‫التأويل في الكلم اللهي تقتضي ذلك‪.‬‬
‫ويتبين مما سبق موقف الشعرية وأهل السنة من التفسير العتزالي الذي‬
‫يتجه إلى النص القرآني ويتناوله من أوتجه متعددة‪ ،‬والتعرض لجزئيا ت العقيدة‬
‫وكان الغرض الذي يحدوهم هو التمكين لعقيدة السلم ونصرها وتأييدا ً لهيمنة‬
‫سلطانها وهو تفسير منهجه في التجاه إلى اللغة والعتماد عليها وتتبع سير‬
‫خطاها فيما تتناوله من دلل ت‪.‬‬
‫وقد استغل المعتزلة )‪ (66‬الظاهرة اللغوية ودللة حروف المعاني أثناء‬
‫تعرضهم ليا ت الحكام‪ ،‬كما استغلها غيرهم أيضًا‪ ،‬فالتخصيص بالستثناء بعد‬
‫الجمل المتعاطفة بالواو –مثل ً –اختلف فيه علماء الصول‪ ،‬وذلك كقوله‪ :‬أنفق‬
‫على حفاظ القرآن وأوقف على طلب العلم إل المقيمين‪ ،‬اختلفوا في ذلك‪:‬‬
‫هل يعود الستثناء إلى تجميع ما ذكر قبل إل‪.‬؟ أو يعود إلى الجملة الخيرة‬
‫فحسب‪.‬؟‬
‫فإذا لم تكن هناك قرينة تدل على أن المراد هو الجملة الخيرة فهو الولى‪،‬‬
‫فإنه في هذه يقع الختلف في الدللة‪ ،‬ومنه يلجأ إلى التأويل ومثل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ن‬
‫عو‬
‫ُ‬
‫وال ِ‬
‫َ َ َ‬
‫ن ل ي َدْ‬
‫ذي َ‬
‫السرخسي لما دلت القرينة على صرفه بقوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫َ‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫ن‬
‫ه إ َِلها ً آ َ‬
‫ول ي َْزُنو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫الل ِ‬
‫ه إ ِل ّ ِبال ْ َ‬
‫س ال ِّتي َ‬
‫حّر َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫م الل ُ‬
‫ف َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ق َ‬
‫خَر َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫يَ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ا‬
‫هان‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ف‬
‫د‬
‫ل‬
‫خ‬
‫وي‬
‫مة‬
‫يا‬
‫ق‬
‫ال‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ع‬
‫ضا‬
‫ي‬
‫ا‬
‫ثام‬
‫أ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫ُ َ ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫ْ ْ َ ُ َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫م َ‬
‫صاِلحا) )‪ ،(67‬فإنه استثناء من الجميع" )‪ (68‬لن التوبة‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫َتا َ‬
‫م َ‬
‫وآ َ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫تقبل من الجميع اتفاقًا‪ ،‬وهذا المعنى مأخوذ من نصوص وأدلة أخرى كقرائن‬
‫صارفة‪ ،‬وهذا فيما يتعلق بالتوبة‪ ،‬أما ما دلت القرينة على رتجوعه إلى الجملة‬
‫ري ُْر َر َ‬
‫خطَأ ً َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫قت َ َ‬
‫ة‬
‫منا ً َ‬
‫وِدي َ ٌ‬
‫من َ ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫قب َ ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫فت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ة ُ‬
‫ل ُ‬
‫و َ‬
‫ة َ‬
‫الخيرة فقط كقوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫صدّ ُ‬
‫قوا) )‪ ،(69‬فإن الستثناء في هذه الية يرتجع إلى‬
‫م ٌ‬
‫ة إ َِلى أ َ ْ‬
‫ه إ ِل ّ أ ْ‬
‫هل ِ ِ‬
‫م َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ُ‬
‫ن يَ ّ‬
‫الجملة الخيرة‪ ،‬لن تحرير الرقبة حق الله فل يسقط بإسقاطهم )‪ ،(70‬لن‬
‫تجح أحد المعنيين‪ ،‬فعندئذ‬
‫القرينة شرعية‪ ،‬أما إذا اختلفت الدلة ولم يوتجد ما ير ّ‬
‫يقع الخلف والتأويل‪.‬‬
‫ومن أثر الختلف في هذه القاعدة قبول شهادة المحدود بالقذف في قوله‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ء َ‬
‫ة ُ‬
‫ن‬
‫دا َ‬
‫دو ُ‬
‫ع ِ‬
‫صَنا ِ‬
‫مو َ‬
‫وال ِ‬
‫تجل ِ ُ‬
‫فا ْ‬
‫ه َ‬
‫م ي َأُتوا ب ِأْرب َ َ‬
‫م ْ‬
‫م َثماِني َ‬
‫ش َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫ ت ث ُ ّ‬
‫ن ال ُ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫ح َ‬
‫تعالى‪َ ) :‬‬
‫ة أ َبدا ً وأ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ن‬
‫م‬
‫بوا‬
‫تا‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ال‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ن‬
‫قو‬
‫س‬
‫فا‬
‫ال‬
‫م‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫و‬
‫د‬
‫ها‬
‫ش‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫لوا‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ً‬
‫تجل ْدَ ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ ْ َ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ َ‬
‫ْ‬
‫ُ ْ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫ة َ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫حوا َ‬
‫م) )‪ ،(71‬والشكالية المطروحة في اليتين‪:‬‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫صل ُ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫وأ ْ‬
‫ك َ‬
‫أنه تجاء فيها ثلث تجمل متعاطفة ثم أعقبها استثناء‪ ،‬فإلى أي منها يرتجع‬
‫الستثناء‪.‬؟‬
‫حكمت الية الكريمة على القاذف بثلثة أحكام‪ .‬الول‪ :‬أن يجلد ثمانين تجلدة‬
‫والثاني‪ :‬أن ل تقبل له شهادة أبدًا‪ ،‬والثالث وصفه بالفسق والخروج عن طاعة‬
‫الله‪ ،‬ثم عقبت الية الكريمة بعد هذه الحكام الثلثة بالستثناء‪ ،‬واختلف‬

‫الفقهاء في هذا الستثناء هل يعود إلى الجملة الخيرة‪ ،‬فيرفع عنه وصف‬
‫الفسق ويظل مردود الشهادة أو أن شهادته تقبل كذلك بالتوبة‪.‬؟ والقاعدة‬
‫الدللية في النص هي‪ :‬هل الستثناء الوارد بعد الجمل المتقاطعة يرتجع إلى‬
‫الكل أو إلى الخير‪.‬؟‪.‬‬
‫وعند التجابة عن هذا التساؤل تتدخل العملية التأويلية ومن ذلك تأويل‬
‫الزمخشري‪" :‬والذي يقتضيه ظاهر الية ونظمها أن تكون الثلث بمجموعتين‬
‫تجزاء الشرط كأنه قيل‪ :‬ومن قذف المحصنا ت فاتجلدوهم وردوا شهادتهم‬
‫سقوهم أي فاتجمعوا لهم الجلد والرد والفسق‪ ،‬إل الذين تابوا عن القذف‬
‫وف ّ‬
‫وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ول مردودين ول‬
‫سقين" )‪.(72‬‬
‫مف ّ‬
‫وإذا كان رتجوعه إلى الجميع كما يرى الزمخشري‪ ،‬فإنه يسقط الحد وهو الجلد‬
‫ثمانين تجلدة وهذا باطل بالتجماع‪ ،‬فيتعين أن يرتجع إلى الجملة الخيرة‬
‫فحسب‪ ،‬وكأن الزمخشري يرى أن التوبة تسقط الحد عن التائب وهذا ما‬
‫يقتضيه ظاهر كلمه‪ ،‬وما يعارض ظاهر كلمه أن الله تعالى قد حكم بعدم‬
‫قبول شهادته على التأبيد "ول تقبلوا لهم شهادة أبدًا" فلفظ "البد" "يدل‬
‫على الدوام والستمرار حتى لو تاب وأناب‪ ،‬وقبول شهادته يناقض هذه البدية‬
‫التي حكم القرآن بها‪ ،‬والعتماد هنا على القرينة اللفظية اللغوية أبدًا" )‪(73‬‬
‫أما الذين ردوا هذا التأويل‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬إن الكفر أعظم تجرما ً من القذف‬
‫والكافر إذا تاب تقبل شهادته‪ ،‬فكيف ل تقبل شهادة المسلم إذا قذف ثم تاب‪.‬؟‬
‫وقال الشافعي –رحمه الله ‪" :-‬عجبا ً يقبل الله من القاذف توبته وتردون‬
‫شهادته" )‪ (74‬ورد صاحب الكشاف هذه القرينة بقوله‪" :‬فإن قلت‪ :‬الكافر‬
‫يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالتجماع‪ ،‬والقاذف فل تقبل شهادته‪،‬‬
‫كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع السلم‪ ،‬قلت‪ :‬المسلمون ل‬
‫يعبؤون بسب الكفار‪ ،‬لنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيها بالباطل‪ ،‬فل يلحق‬
‫المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله فشدد‬
‫على القاذف من المسلمين ردعا ً وكفا ً عن إلحاق الشنار" )‪.(75‬‬
‫وقال الشنقيطي‪" :‬إن الستثناء في الية الكريمة كان ينبغي أن يرتجع إلى‬
‫الكل ولكن لما كان الجلد ثمانين من أتجل حق المقذوف‪ ،‬وكان هذا الحق من‬
‫حقوق العباد لم يسقط بالتوبة‪ ،‬فيبقى رد الشهادة والحكم بالفسق وهما من‬
‫حق الله فيسقطان بالتوبة" )‪.(76‬‬
‫وقد رتجح العلمة المودودي هذا الرأي بقوله‪ ...." :‬إن أسلوب عبارة القرآن‬
‫يدل دللة واضحة على أن العفو المذكور في تجملة‪" :‬إل الذين تابوا"‪ ،‬إنما‬
‫يرتجع إلى تجملة‪" :‬وأولئك هم الفاسقون" لن تجلد القاذف ثمانين تجلدة وعدم‬
‫قبول شهادته‪ ،‬تجاء ذكرهما في العبارة بصيغة المر‪" :‬فاتجلدوهم ثمانين تجلدة‪،‬‬
‫ول تقبلوا لهم شهادة أبدًا" وتجاء الحكم عليه بصيغة الخبر‪" :‬وأولئك هم‬
‫الفاسقون"‪ ،‬فإذا تجاء قوله تعالى‪" :‬إل الذين تابوا وأصلحوا‪ ،‬فإن الله غفور‬
‫رحيم" بعد هذا الحكم الثالث مقترنا ً به‪ ،‬فهو يدل بنفسه على أن هذا الستثناء‬
‫إنما يرتجع إلى الجملة الخبرية الخيرة ول يرتجع إلى تجملتي المر الوليين‪...‬‬
‫وليست التوبة عبارة عن تلفظ النسان بها بل هي عبارة عن شعوره بالندامة‬
‫واعتزامه على إصلح نفسه‪ ،‬ورتجوعه إلى الخير وكل ذلك ل يعلم حقيقته إل‬
‫الله‪ ،‬ولتجل هذا‪ ،‬فإنه ل تغتفر بالتوبة العقوبة الدنيوية‪ ،‬وإنما تغتفر بها‬
‫العقوبة الخروية فحسب‪ ،‬ومن ثمة فإن الله تعالى لم يقل‪ :‬إل الذين تابوا‬

‫وأصلحوا‪ ،‬فإن الله غفور رحيم"‪ ،‬فإنه لو كانت العقوبا ت الدنيوية أيضا ً تغتفر‬
‫بالتوبة‪ ،‬فمن ذا الذي ترونه من الجناة ل يتوب اتقاء العقوبة‪.‬؟ )‪(77‬‬
‫والمودودي في تفسيره لهذه الية‪ ،‬لم يغب عن باله قاعدة من القواعد‬
‫الصولية وهي أن المر يفيد الوتجود‪ ،‬ثم يعلل بقرينة شرعية وهي حكمة‬
‫التشريع اللهي من تطبيق الحدود على الجناة حماية للنسان لقوله تعالى‪:‬‬
‫ول َ ُ‬
‫ة) )‪.(78‬‬
‫حَيا ٌ‬
‫ي ال ِ‬
‫صاص َ‬
‫ق َ‬
‫) َ‬
‫كم ف ِ‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful