‫المسموح من التفكر‬

‫) تفكروا في خلق الله ولتتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره ()‪(11‬‬
‫هذا الحققديث الشققريف حققدد لنققا المسققموح مققن التفكققر حفاظقا ً علينققا مققن نقققص الدراك‬
‫والتقدير ‪.‬‬
‫ً‬
‫فبسبب قصور تحقيققق المعرفققة وكققذلك خوفقا علينققا مققن الضققلل كمققا ضققل بعققض فققرق‬
‫المسلمين الذين تصوروا لله عز وجل الجسم والطراف والعياذ بالله من ذلك والناتج من‬
‫التأويل الخاطيء للنصوص القرآنية والتفكر الجامح المهدود العنان ‪ .‬في تفكققر ذات اللقه‬
‫وكيفيتها ‪ .‬فيضعون في تصورهم الوهم في كيفية ذات الله سققبحانه الدوات والوسققائل‬
‫والشكال بما فيه التجسيم ‪ .‬وسنتناول المسموح على ما بان لنققا فققي التفكققر مققن خلل‬
‫سققمنا ذلققك‬
‫الحديث الشريف ونترك مانهى عنه الحققديث فققي الفصققل القققادم قق أي إننققا ق ّ‬
‫الحديث الشريف الذي تناولناه في مقام التفكر إلى غرضين كانا هدفنا فققي هققذا البحققث‬
‫أصل ً كما هو حال أسم البحث ‪.‬‬
‫) لبد أن تعرف أن قولنا )) التفكر في الذات والسققماء والصققفات (( قققد يحمققل الجاهققل‬
‫على الظن بأن التفكر فققي ذات اللققه ممنققوع بحسققب الروايققات دون أن يعلققم أن التفكققر‬
‫الممنوع هو التفكر في اكتناه الذات وكيفيتها ‪ ،‬حسب ما يستفاد من الحاديث الشريفة ‪،‬‬
‫وقد يمنع غير المؤهل ‪ ،‬من النظر في بعض المعققارف ذات المققدمات الدقيقققة ‪ ،‬وهقذان‬
‫المقامان يتفق بشأنهما الحكماء أيضا ً ‪ .‬إل ّ أن استحالة اكتناه الذات اللهيققة مبرهنققة فققي‬
‫كتبهم ومنع التفكر فيها مسلم به عند الجميع ()‪. (12‬‬
‫لقد علمنا المقصود بالمسموح في التفكر كما هي الشارة إلى الممنوع كمققا هققو الحققال‬
‫فيما ذكرناه سابقا ً إذا ً فالتفكر في الذات والسماء والصققفات فيققه تحديققد وليققس مطلققق‬
‫لكققل مققن أراد أن يتفكقر لن الطلق دون المحقاذير يوقققع فقي الشقبهة والضققلل مقادام‬
‫النسان قاصرا ً علققى إدراك مققا ليسققتطيع ‪ .‬فالققذات القدسققية ومققا يتعلققق بهققا مققن تلققك‬
‫السماء القدسية والصفات اللهية هي فوق إدراك المخلوق القاصر ‪ .‬وسنأخذ بعققض آراء‬
‫العلماء ومقالتهم إحياءً للفكرة وإغناءً للموضوع ‪.‬‬
‫) اعلم إن نسبة أسم ))هو(( إلى اسم ))الله(( كنسبة الوجود إلى المهّية في الممكققن إل‬
‫ن مفهوم اسم الله مما له حققدّ حقيقققي‬
‫أن الواجب تعالى لمهّية له سوى النّية وقد مّر أ ّ‬
‫ده لنقه إّنمقا عرفقت‬
‫إل أ ّ‬
‫ن العقول قاصرة عن الحاطقة بجميقع المعقاني الداخلقة فقي حق ّ‬
‫ده إذا عرفت صور حدود جميع الموجودات ‪ .‬وإذ ليقس فليققس وأمققا إسقم ))هقو((‬
‫صورة ح ّ‬
‫فل حدّ له ول إشارة إليه ‪ ،‬فيكون أجل مقاما ً وأعلى مرتبة ‪ ،‬ولهققذا يختققص بمداومققة هققذا‬
‫الذكر الشريف الكمل الواصلون ‪. (13)(.‬‬
‫الفيلسوف السلمي الكبير صدر المتألهين في هذا المقطع يبين لنا أسم ))هو(( بدللته‬
‫مققل‬
‫المطلقة وبخصوص الذات القدسية المطلقة ونسب ذلك المقام في مداومة ذكققر الك ّ‬
‫الواصققلون فققي تفكيرهققم وسققلوك عبققوديتهم وعبققادتهم ‪ .‬وعنققدما نكمققل مقالققة صققدر‬
‫المتألهين نلمس خصوصية هذا السم اللهي العظيم لما له مققن إنفراديققة جامعققة إطلق‬
‫المعاني عن التحديد والغاية في طلب العبد عند المناجاة في بعض السماء ‪.‬‬
‫بما يعني إن باقي السماء تدل على دللققة إلهيققة كق ق )) الققرزاق (( و )) العفققو (( فعنققدما‬
‫ينادي بها العبد فقد رجا فيها من الله تبارك وتعققالى مققايرجوه لنفسققه فيهققا مققن الققرزق‬
‫والعفقو عقن القذنوب ولكقن ))هقو(( جمقع كقل هقذه السقماء وقصقد بقه القذات القدسقية‬
‫بمطلقية الدللة والمعنى بما لحدود مطلبية عينية للعبد بققل نققداء العققاجز القاصققر للكققل‬
‫المطلق ‪ .‬وعندما يحتار العبد أزاء ذلك في تفكره فققإن لجققوئه لسققم ))هققو(( هققو المعققبر‬
‫المنقذ وقد خاطب بكل السماء والصفات القدسية به حتما ً لن قصد الذات تكفققي بققاقي‬
‫السماء والصفات ‪.‬‬
‫ن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته ‪ ،‬لم يكن مسققتغرقا ً فققي معرفققة‬
‫) والنكتة فيه ( أ ّ‬
‫ّ‬
‫الله ‪ ،‬لنه إذا قال )) يارحمن (( فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعققه إلققى طلبهققا ‪ ،‬فيكققون‬
‫‪1‬‬

‫طالبا ً لح ّ‬
‫ظه ‪ .‬وكذا إذا قال‪ :‬ياكريم يامحسن ياغ ّ‬
‫فار ياوهاب يامنتقم ‪ .‬وإذا قال ‪ :‬ياملك ‪،‬‬
‫عه إليهققا‬
‫فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته ومافيه من أقسام النعم ولطائف القَيم ‪ ،‬فيميل طب ُ‬
‫ويطلب شيئا ً منها ‪ ،‬وقس عليه سائر السماء ()‪. (14‬‬
‫الحكمة المتعالية في فلسفة الملصدرا تقتصر لنا السبل في التفكيققر وتعطينققا الققدللت‬
‫الكثر إبقاءً للطلب عبر أحساس التوجه الباطني الدقيق إلققى الققذات القدسققية المطلقققة‬
‫وفي المقطع التي يعطينا الملصدرا هذا المعنى إختصارا ً لكل المطالب التفكريققة للعبققد‬
‫المتوجه إلى الله عز وجل ‪.‬‬
‫َ‬
‫) كأنه يقول ‪ :‬حضرُتك أج ّ‬
‫ل من أن أمدحك بشيء غيرك ‪ ،‬فل أثني عليققك إل بهويتققك مققن‬
‫كبر ‪ ،‬حيث تقول الققروح ‪ :‬إن ّققي قققد‬
‫ت ‪ ،‬لّنه يفيد الفخر وال ِ‬
‫حيث هي‪ ،‬ول أخاطبك بلفظ أن َ‬
‫ت كالحاضر في حضرة واجب الوجققود ولكن ّققي ل أزيققد علققى قققولي ‪ :‬هققو ‪،‬‬
‫بلغت مبلغا ً صر ُ‬
‫ليكون إقرارا ً بأّنه هو الممدوح لذاته في ذاته ‪ ،‬وإقرارا ً بأن حضققرته أعلققى وأج ق ّ‬
‫ل مققن أن‬
‫ي‬
‫يناسبه حضور المخلوقات ‪ ،‬ولو فققرض عنققد حضققرته حضققور عبق ٍ‬
‫د أو ملققك مققّرب أو نققب ّ‬
‫وة وجقوده يشقاهد ذاتقه‬
‫مر َ‬
‫سل ‪ ،‬فحيث يمتنع له الحاطة والكتنققاه بقه تعقالى إذ بققدر قق ّ‬
‫تعالى ‪ ،‬وذاته في شدة النورّية فوق ماليتناهى بما ليتناهى‪ ،‬فما غاب عنه من ذاته أكثر‬
‫مة البسيطة عن الكققل ‪،‬‬
‫مما هو مشهودٌ له ‪ .‬فهو سبحانه غائب بحقيقته التا ّ‬
‫بما ليتناهى ّ‬
‫مع فرض شهودها إّياه ‪ ،‬فلمققاذا يكققون هققذا الققذكر أشققرف الذكققار ‪ ،‬لحتققوائه علققى هققذه‬
‫السرار لكن بشرط التنّبه لها ()‪. (15‬‬
‫ولكن ليمكن لجميع النققاس أيكونققوا علققى مسققتوى واحققد مققن التفكيققر رغققم أن الفطققرة‬
‫النسانية فطرة توحيدية تثير معاني الحاجة الى فيض رحمة الخالق وتأكيد حاجة عبوديققة‬
‫العبد إلى عبادته ‪ .‬ونحن نستفيد عند الطلع على تلقك المعقاني العاليقة مقن أجقل حصقر‬
‫تفكرنا بالسم اللهي الجامع للمعاني القدسية كلها لنه مخصوص الهويققة القدسققية كققي‬
‫تتوجه بقوة التفكر نحو الذات بمدلول العجز عن الحاطة بتلك السماء بل جمعهققا بدللققة‬
‫معنى ومطلقية الققذات القدسققية بأسققم ))هققو(( بمعنققى )) يققامن لهققو إل هققو (( فيكققون‬
‫شفيعنا تفكرنا في ذلك ‪ .‬وهذا ليعني توقفنا عن التفكققر فققي بققاقي السققماء والصققفات‬
‫اللهية القدسية والذكر بها ‪ .‬وعين ذلك بما ذكرها لنا الله عز وجل في محكم كتققابه إنهققا‬
‫في مطلب واحد أدلنا سققبحانه عليققه وهققدانا إليققه هققو إغنققاء الحققاح حاجققة العبققد المحتققاج‬
‫بالضرورة التكوينية والوجودية باطنها وظاهرها في كل شيء للمطلق الخالق لكل شققيء‬
‫والمنعم كل شيء على كل شيء ل أحد سواه ‪ .‬بل كققل سققواه ليحتققاج لغيققر سققواه لنققه‬
‫))هو(( ل أحد سواه ‪.‬‬
‫عجز العبد وعدمية إستطاعته على السققتغناء عققن سققيده ومققوله فيققض الرحمققة والخلققق‬
‫والعطققاء يجعلققه دائمقا ً لجئا ً إليققه فققي كققل تلققك الحاجيققات الساسققية الوجوديققة والعامققة‬
‫الضرورية في متطلبات ديمومة ذلك الوجود من خلل الحياة ‪ .‬وكذلك من تلققك الحاجيققات‬
‫المقلقة حاجة العبد المقلوق للطمئنان الحقيقي وذلك ليتحقق إل بالجوء إلى الله ذكرا ً‬
‫وتفكيرا ً )) إل بذكر الله تطمئن القلوب((‪.‬‬
‫والتفكر هو عين تلمس وتمعن العبد في طلب أصل حاجياته اللمنتهية ل بغققرض الفتققات‬
‫الدنيوي بل في عين قبول التوسل والتوجه والهداية فهي أصققل كقل الحاجيققات ومطلققب‬
‫كل الغايات إن كان علمها العبد أم جهلها ‪ .‬ومثلما هذه الحاجيات وإلحاحها ملزمققة للعبققد‬
‫كذلك التفكر طالما يوصل العبد إلى كل حاجياته مقن خلل التفكقر والقذكر لكقل السقماء‬
‫والصققفات اللهيققة القدسققية بحققدود وإدراك العبققد ومققدى تعلقققه بسققيده ومققوله وكفيلققة‬
‫الفطرة بذلك طالما فطر الله تعالى النسان على التوحيد دون تلققوث المحيققط الخققارجي‬
‫إن وجد أثره إلى باطن العبد سبيل ً ‪ .‬وتلزم حاجيققات العبققد تفكققره لنهمققا متلزمققان مققن‬
‫أجل تحقيق طموح عبودية العبد نحو فيض الرحمة والهداية والطمئنان الحقيقققي الققدائم‬
‫عبر مراحل العوالم والخلود ‪ .‬ولهذا نحن لنجد ضرورة لدعوى فرض تأطير التفكققر العققام‬
‫في تلك الطر الفلسفية والققتي قققد ليققدركها العققوام علققى مافيهققا مققن معققاني ودللت‬
‫دقيقة تصب في اتجاه فهم عالي من التركيز رغم مافيه مققن تشققعب يفيققض علققى سققعة‬
‫إدراك العامة من الناس ورغم ما فيه من التنبيه والتوسع ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫والعلة في ذلك كأننا نعطل أو نلغي عامة التفكر على مافيه من سعة وتققوفر لققدى عامققة‬
‫مستويات الناس لنه ليس أبتكارا ً فلسفيا ًَ بل إرتباط فطري ‪ .‬وبما أن الفطرة والوجدان‬
‫كفيلن في إيجاد مساحة واسعة لتفكر العبد لفيققض الربوبيققة المطلقققة وعمققق الرتبققاط‬
‫وجدانيا ً أجدى من إقحام آراء الخرين ‪.‬‬
‫وتحديد تفكر العبد ليعني في الحكمة إغلق منافققذ إدراكققه بققل إغنققائه بالمعرفققة والدقققة‬
‫حتى يكون العبد متنقي في تفكره عارفا ً من خلل التركيز كيف يتفكر ويذكر ‪.‬‬
‫لقد اشرنا هنا إلى الفائدة المعرفية في التركيز الفلسفي الخاص في التفكر في حققدود‬
‫جمع تفكر النسان بأتجاه واضح ودقيق نحققو اللققه تبققارك ) تعققالى ( مققع مطلقيققة التفكققر‬
‫كمتسع لكل الناس ومن خلل طاقاتهم وإدراكهم ‪ ،‬وليعني هذا الطلق فققي التصققورات‬
‫الباطنيققة لتشققمل العشققوائية فتنتققج التحديققد للققذات القدسققية والتجسققيم ‪ .‬بققل مطلقيققة‬
‫مايستطيع أن يعققبروا النققاس عققن أرتبققاطهم بالخققالق الواجققد كل ً حسققب إدراكققه وفهمققه‬
‫الوجداني ‪ .‬مادام النسان ليس نموذجا ً نمطيقا ً يمكققن إيقققاف قققدراته المتنوعققة بققالملت‬
‫والتوجيهات والمعارف المكتسبة وكأنه غير متفاعل وجققدانيا ً وروحي قا ً مققع معققالم الوجققود‬
‫اللمحدود ‪ .‬وعليه فالمعرفة غير محدودة أيضا ً ولكن ما يؤثر منها بأتفققاق العقققول يكققون‬
‫نافعا ً للجميع ‪.‬‬
‫حدود التفكر ‪:‬‬
‫يقول السيد الخميني في هذا الصدد ) يتضح من مجموع هذه الخبار أن التفكر في ذات ال ممنوع إذا كان ذلك في مرتبة التفكر في كنه‬
‫ف هو َهلك (( أو أن الجميع بين الخبار الناهية والمرة‬
‫ذات ال وكيفيته ‪ ،‬كما جاء في حديث ))الكافي(( ‪ )) :‬من نظر في ال كي َ‬
‫يستدعي منع فريق من الناس الذين لتطيق قلوبهم الستماع إلى البرهان وليس لهم الستعداد للدخول في مثل هذه البحوث والدليل‬
‫على مدى الجمع موجود في الخبار نفسها ()‪. (16‬‬
‫فالممنوع ليس حدًا جامدًا ليتسع إدراك النسان في مساحة المسموح من أجل إحياء التفكر ومداومته ‪ .‬وذلك مع مدى فهم الناس‬
‫للمقدمات لتفكر عميق ‪ .‬مع ممنوعية التفكر في الكيفية والمتى والين للذات المقدسة ‪ .‬لنه وجود إلهي منزه عن تلك المحدوديات لنه‬
‫هلك للعبد كما جاء في حديث الكافي ‪ .‬فأين يبدأ وينتهي التفكر في مساحة المسموح هل في الطر الفلسفية أم في فهم المقدمات وطاقة‬
‫إدراك العبد وعيًا ووجدانًا ‪.‬‬
‫) من مراتب التفكر ‪ ،‬التفكر في روائع الصنع واتقانه ودقائق الخلق ‪ ،‬بما يتناسب وقدرة النسان من طاقة للتفكر ‪ .‬ونتيجة هذا التفكر‬
‫هي معرفة المبدء الكامل والصانع الحكيم ‪ ،‬وهذا على العكس من )) برهان الصّديقين (( إذ أن مبدأ البرهان في ذاك المقام هو الحق‬
‫تعالى عزّ أسمه ‪ ،‬ومنه يحصل العلم بالتجليات والمظاهر واليات ‪ ،‬وأما في هذا المقام فمبدأ البرهان هو )) المخلوقات التي عن‬
‫طريقها يتم العلم بالمبدأ والصانع (( ‪ .‬وهذا البرهان يكون للعامة من الناس الذين لحظ لهم من برهان الصّديقين ‪ .‬ولهذا قد ينكر‬
‫الكثيرون أن يصبح التفكر في الحق مبدأ العلم به ‪ ،‬وأن يؤدي العلم بالمبدأ إلى العلم بالمخلوق ()‪. (17‬‬
‫هذا من أساسيات مراتب تفكر الفاق والتي تعطي كل دلئل المصنوعات والمخلوقات على وحدانية الخالق الصانع تبارك وتعالى ‪.‬‬
‫وهذه مساحة تفكرية لعامة الناس وكما مر في البحث ذكره هو ماحث عليه الرسل والقرآن الكريم النسان على التفكر في بديع الخلق ‪،‬‬
‫خلق السماوات وما يشاهد فيها وكذلك الرض وما يشاهد عليها ‪ .‬وهذه المخلوقات تعطينا براهين كاملة على عظمة الواجد الخالق ‪.‬‬
‫والتفكر في النفس كما عبر الذكر الحكيم في الية الكريمة التي ذكرناها سابقًا )) سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم ‪ (( ...‬هو‬
‫التفكر فيما خلق ال تعالى النفس من العدم وجعل فيها قوى باطنية متعددة تتمتع من خللها النفس بنعمة الحياة مع الدقة والنسجام‬
‫فيما بين تلك القوى وفيما بين النفس والجسم الذي أودعها ال تعالى فيه وعلى سبيل الذكر ل الحصر كل ماهو متعلق بالجسم دقيق‬
‫وعجيب ومعجز في نمائه وتمام أجزائه وتناسقه بما يلئم كل حجم وشكل وملمح ‪ .‬وكذلك النفس ودقة حواسها ومشاعرها وشهواتها‬
‫بما فيها العقل وما أنتظمت فيه من طاقات إبداعية ووضائف دقيقة وسريعة الستجابة والداء ليعلم حصرها وكيفيتها إلى خالقها‬
‫سبحانه ‪ .‬وبالساس صبورة ‪.‬‬
‫هذا النسان جسمًا ونفسًا من الماء المهين وتدرجه في مراحل نمائه الجسمانية الغرائزية من خلل النفس والعقلية الدراكية من خلل‬
‫الوعي ‪ .‬كلها آيات تدل وتبرهن تفكرًا على عظمة الخالق الواجد والصانع الحكيم سبحانه ‪ .‬هذا التفكر يغور في أعماق هذه الحقائق‬
‫الوجودية ـ الفاقية والنفسية حسب سعة مدارك النسان المتفكر دون حدود أو ممانعات أو خشية بما لينتهي إليه أحد مهما جد‬
‫وتمعن فإعجاز وإبداع الخلق المطلق ليلم بمعرفته العاجز المخلوق ‪ .‬ولهذا لينتهي العلم من إيجاد الجديد والمستجد في مجال واحد‬
‫من مجالت أي من التفكيرين ‪.‬‬
‫) إن في هذا الكون ‪ ،‬وهذه الحياة التي يحياها النسان ‪ ،‬ظواهر طبيعية مختلفة ‪ :‬ففي السماء نجوم وكواكب ونيازك ‪ ،‬وفي الجو‬
‫سحاب ورعد وبرق ومطر ‪ .‬وعلى الرض جبال وأدغال وأنهار وبحار ‪ .‬وفيها الطيور والسباع والحيتان والبشر ‪ ،‬والجميع في حالة‬
‫تغير وتبّدل ‪ ،‬ونمو وفناء ‪ .‬ومن بين جميع هذه الموجودات يبُرز النسان كموجود متميز ‪ ،‬ذي قوة عاقلة ُمفكرة ‪ ،‬يعمل ويكدح‬
‫ويناضل لجل البقاء ‪ ،‬ويموت ويولد مثله ‪ .‬وعندما يبدأ النسان بوعي ذاته ووجوده ‪ .‬ويجد نفسه واقعًا بين جميع هذه المتغيرات‬
‫الكونّية تختلج في باطن نفسه أسئلة تطالبه بإلحاح شديد بالجواب عنها ‪ ،‬بحيث ليمكنه أن يمر عليها بل أكتراث ‪ ،‬وهي ‪ :‬من أين‬
‫أتيت ؟ ولماذا أتيت ؟ وإلى أين أذهب ؟ ()‪. (18‬‬
‫هذه السئلة بادئة التفكر لكل إنسان ‪ .‬ومنه بدأت الفكار والفلسفات شاغلة للنسان منذ عصوره الولى مع أن ال سبحانه لم يجعل‬
‫ي هادي إلى ال تعالى بادأ بأسرته ومنها إلى أمتداد أنسالهم ‪ .‬مع‬
‫النسان منذ خلقه تائهًا دون هداية وتوعيظ فجعل أبو البشرية آدم نب ّ‬
‫‪3‬‬

‫شواهد الوجود وبراهين الحكمة والوحدانية ‪ .‬ولكن النسان ظل عن سبيل الهداية عقب عصوره وأجياله مما أستدعى سيل من النبياء‬
‫والرسل فكانت الحجج والمواعظ بما تكفي أمتداد النسان كله ‪ .‬والتفكر من تلك السئلة أنشق بها البعض فأخذوا إتجاهًا فكريًا منحرفًا‬
‫لنهم أتخذوها مقدمات فاسدة وانتهوا إلى فلسفة ونتيجة فاسدة بحكم التوالد ‪ .‬وظهرت من ذلك الوجودية والعبث والتحلل الفكر‬
‫والخلقي لدى المجتمع المادي الغربي ‪ .‬والبعض الخر كانت تلك السئلة مقدمات صائبة وصالحة فتوصلوا إلى فكر ونتيجة صائبة‬
‫ل عقليًا وبرهانًَا بالناتج على وجود ال تعالى ووحدانيته وحكمته ويستدل منها‬
‫كان مقومها اليمان واليقين فأصبحت تلك السئلة دلي ً‬
‫على أن الخالق الحكيم ليخلق شيء عبث بل تتنزه إرادته وصفاته وأفعاله عن ذلك ‪ .‬فالسؤال من أين أتيت ؟ يكون جوابه يقينًا من‬
‫ل على الواجد ‪ .‬والمقتضى الخر أن العدم بالنسبة إلى إدراكنا‬
‫عالم الخلق والمشيئة اللهية والتي أوجدتني من العدم وهذا الوجود دلي ً‬
‫هو عدمًا ولكن في المشيئة والقدرة اللهية لشيء أسمه عدمًا أو مجهوًل لذات ال تبارك تعالى ‪ .‬ولنقول لعلمه وكأن الشياء خارج‬
‫مشيئة َفِعلَمها بل جعل كل شيء خلقه علمًا لنا نستدل به إليه وليس علمًا له سبحانه وهو ليحتاج لعلم الشياء مادام قد أوجد كل شيء‬
‫من عدمية الشياء لتكون علمًا لذاتها وبدليل السم القدسي ))العليم(( و ))قد أحاط بكل شيء علمًا(( ل بدليل مقصد طلب العلم وحاجته‬
‫والعياذ بال ـ بل أن الشياء جعلها علمًا لخلقه فالحاطة بعدم نسيان شيء والعياذ بال في التقدير والتدبير وجوده وزواله نمائه‬
‫وحركته سكونه واضطرابه فكل الخلق حاضرًا في مشيئته وحكمته وتقديره ‪ .‬فهو العليم ببواطن خلقه وحاجاتهم وهذا فوق مقاصد‬
‫العلم بالشيء ‪ .‬والذي لعدم أو مستحيل في أرادته محضرًا كل شيء موجود أو غير موجود في مشيئته والذي أمره ))كن فيكون(( ‪.‬‬
‫مما ينفي إستحالة الشياء أو عدميتها في مشيئته ‪.‬‬
‫والسؤال ‪ :‬لماذا أتيت ‪ .‬جوابه عين الثبات لّنعم في الحياة والتي لعدم بعدها وأعيش الوجود في كنف فيض العطاء والرحمة اللهية ‪.‬‬
‫والسؤال الثالث ‪ :‬إلى أين ذاهب ‪ :‬إلى عالم البقاء والخلود كي تتجلى لي كل الحقائق وأكون شاهدًا عليها من نفسي مع ما وجدت في‬
‫الحياة الدنيا من ثوابت الخلق الدللت والبراهين والتي تكفيني جوابًا وإيمانًا لسألتي كما دعاني وهداني إليها ربي عبر رسله وكتبه‬
‫وآياته لطفًا بي ورحمة ‪ .‬وقد بين لي الحق ونورني إلى الحقيقة حتى ليكون وجودي هذا وتسائلتي تلك فيما يحدث من وسوسة‬
‫شيطانية وشك مقدمات فاسدة تولد في فكري وتفكيري الظلل والعبث والنكران ‪.‬‬
‫فالخلق دليل على الخالق والنظام دليل على الحكمة والتقدير اللهي مما يلغي العبث والفوضى والموت دليل على العوالم الخرى ويقينًا‬
‫بالخلود ‪.‬‬
‫ونعود للعلمة العاملي ) فهو يتساءل في السؤال الول عن مبدأ الوجود ‪ .‬وجوابه بإثبات الخالق ووحدانيته ‪ .‬ويتساءل في الثاني عن‬
‫الغاية من خلقه ‪ .‬وجوابه بإثبات حكمة الخالق ‪ ،‬وبعث الرسل بالتكاليف والشرائع ‪ .‬ويتساءل في الثالث عن النهاية التي يؤول إليها‬
‫بعد موته ‪ .‬وجوابه بإثبات المّعاد والعالم الخروي ()‪.)19‬‬
‫التفكير في السماء والصفات‬
‫السماء القدسية والصفات اللهية ليست هي عين الذات القدسية حصرًا في ظاهرها بل دللت قدسية عليها كي نستطيع أن نخاطب‬
‫ونذكر الذات المقدسة بواسطتها لبعينها ‪ .‬ولهذا كان أسم )هو( كما مر بنا يقتصر لنا ما صعب علينا ويكون سبيلً لعلن عجزنا‬
‫ويطلب إبقاء كل المقاصد المنفردة التي نريدها في تفكرنا وإذكارنا ‪ .‬ويقول صدر المتألهين في هذا المقصد ‪ ) .‬قال بعض أهل ال ‪:‬‬
‫صة من حيث ذاته وعينه ‪ ،‬ل من حيث أسمائه ‪ ،‬لن السماء لها مدلولن أحدهما ‪ :‬عينه ‪ ،‬وهو عين المسّمى‬
‫الوجود الحق هو ال خا ّ‬
‫والخر ‪ :‬ما يدل عليه مما ينفصل السم به عن أسم آخر ويتمّيز في العقل ‪ ،‬فقد بان لك بما هو كّل اسم عين الخر وبما هو غيره ‪،‬‬
‫فبما هو عينه ‪ ،‬هو الحق ‪ .‬وبما هو غيره ‪ ،‬هو الحق المتخّيل الذي كنا بصدده ‪ ،‬فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ‪ ،‬وليثبت‬
‫كونه إل بعينه ()‪. (20‬‬
‫السماء القدسية فوق معاني السماء المتنوعة ورغم ذلك ل تفي كل عينية الذات المقدسة إل بما توحي إلينا ‪ .‬أي إنها تسد بكامل‬
‫عظمة معانيها وخصوصياتها حاجتنا للمخاطبة والذكر للذات القدسية وليست تسر عين الذات‪ .‬كونها وسيلتنا إلى ذلك لقطع حيرتنا بما‬
‫أمرنا ال تعالى بدعائه بها ‪ .‬ومثلما ل يمكن إيجاد تصور أو تخيل لكيفية كنة الذات القدسية كذلك ل يمكن إعتبار السماء القدسية أدت‬
‫بكل عظمة خصوص معانيها ودللتها عين الذات رغم كل مايقوله الحكماء وأهل العرفان وعلم الكلم ‪ .‬لن معرفة المخلوق مقتصرة‬
‫محدودة مهما دقق واتسع بمداركه ووجدانه فيها لفضًا وإيحاء وتقديسًا بغية سد ذلك المطلب الشريف ل يستطيع مهما أدعى المعرفة‬
‫والدقة وغير مطلوب منه إل بما يدرك وذات ال عزوجل فوق إدراك المخلوق أسماًء وصفاتًا )) يا من ل يكون عليه دليل سوى‬
‫نفسه (( وما السماء الصفات إلى وسائلنا إليه وليس وسيلته إلينا تنزهت ذاته عن حاجة الوسائل والمقاصد ‪ .‬وخير ما أوجز لنا ذلك‬
‫أمير المؤمنين علي )عليه السلم ( في أحدى خطبه حيث قال ‪:‬‬
‫)) الحمد ل الذي يبُلغ مدحته القائلون ‪ .‬ولُيحصِ نعماءُه العاّدون ‪ .‬ول يؤّدي حّقُه المجتهدون ‪ ،‬الذي ل يُدركُه ُبعد الهم ولينالُه‬
‫غوص الِفطن ‪.‬الذي ليس لصفتِه حد محدود ولنعت موجود ‪.‬ول وقت معدود ول أجل ممدود ‪ .‬فطر الخلئق بقدرتِه ونشر الرياح‬
‫َ‬
‫برحمته ‪ .‬ووّتد بالصخور ميدان أرضيِه أول الدين معرفته وكمال معرفتِه التصديق به ‪ .‬وكمال التصديق به توحيدُه ‪ .‬وكمال توحيدِه‬
‫ف وشهادة كل موصوف أنه عُير الصفِة ‪ .‬فمن‬
‫عنُه لشهادة كل صفٍة أنها غُير الموصو ِ‬
‫صفات َ‬
‫ص لُه ‪ .‬وكمال الخلص لُه نفي ال ّ‬
‫الخل ُ‬
‫سبحانه فقد قرَتُه ‪ .‬ومن قرنُه فقد ثناُه ومن ثناُه فقد جزأه ‪ .‬ومن جزأُه فقد جهلُه ‪ .‬ومن جهلُه فقد أشار إليِه ومن أشار إليه‬
‫وصف ال ُ‬
‫فقد حدُه ‪ .‬ومن حدُه فقد عده‪ .‬ومن قال فيَم فقد ضمنُه ‪(21) (( ...‬‬
‫كلم أمير المؤمنين علي )عليه السلم ( هو أعلى معاني المعرفة وأستبطان الستدللل في المقصد إيجازًا وبيان ‪ .‬وهو دليل لذوي‬
‫العقول المدركة وحجة لذوي القلوب النيرة بنور اليمان والهداية المتوجهة نحو ال عز وجل ول غير سواه ‪ .‬حتى يغنيها تحصنأ من‬
‫الشبهات ويفتح لها باب وسائل التفكر والمناجاة بأمان المعرفة الحقة بالسماء والصفات دونما جعلها حدودًا بمثل ما تستعمل لغير ال‬
‫بما يبينه لنا ) عليه السلم ( بنقصان الصفة عن الموصوف )) وبشهادة كل موصوف أنه غير الصفة (( ‪ .‬وهذا تنبية لنا من ذلك بل‬
‫عين لنا سلمة المناجاة والدعاء بتنزيه عين المقصود من معاجز الوسائل إليه ومن محدودية السماء والصفات وعجز الوسائل كلها‬
‫عن صفة من ل يحده شيء إيما هي الوسيلة للمناجاة والدعاء مع التنزيه في إفرار بواطن العبد ‪ ,‬فهي مناجاة بل تحديد ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫ونعود لصدد المتألهين وحكمته المتعالية حتى تنهي هذا المبحث ‪ ) .‬ويتخلص أن مسمى لفظ ال هو المنعوت بجميع الوصاف الكمالية‬
‫ت أل وله ظل ومظهر في العالم ‪ ،‬وثبت أيضًا أن الشتراك بين معنى كّل اسم ومظهره‬
‫والنعوت اللهية ‪ ،‬لما تقرر عندهم ‪ ،‬أنه ما من نع ٍ‬
‫ليس بمجرد اللفظ فقط ‪ ،‬حتى تكون اللفاظ العلم والقدرة وغيرهما موضوعة في الخالق لمعنى وفي المخلوق لمعنى آخر ‪ ,‬وإل لم تكن‬
‫ـ هذه المعاني فينا دلئل وشواهد على تحققها في الباري على وجه أعلى وأشرف ‪ ،‬والمتحقق خلفه ‪ ،‬فبطل كون الشتراك لفظيًا فقط ‪،‬‬
‫بل يكون معنويًا ‪ ،‬أل ان هذه المعاني تكون هنا في غاية القصور والنقص ‪ ،‬وهناك في غاية العظمة والجللة ( )‪(22‬‬
‫يعطينا هذا المقطع من تنزيه السماء اللهية عن مجرد المعاني التي فينا بدليل ما ذكره صدر المتألهين من ألفاظ العالم والقدرة ‪ ,‬بل‬
‫حدود ما نطلق على غير ال عز وجل من الناس ذو العلم والقدرة المحدودة بما مكنهم ال فيه ولطف بهم ‪ .‬بل تجرد السماء اللهية‬
‫من المعاني التي موضوعة فينا حتى نستخلصها لمعاني ال المنعوت بجميع الوصاف الكمالية والنعوت اللهية كما جاء في المقطع‬
‫المذكور وهذا المعنى إيضاح دقيق لزاحة الشكال والزدواج لدى ضعيفي الومضة التفكرية والضائة المعرفية الحقة ‪.‬‬

‫‪5‬‬