You are on page 1of 15

‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫الحمد ل العلي العلى‪ ،‬الذي خلق فسوى‪ ،‬وقدر فهدى‪ ،‬وله الحمد في الخرة‬
‫والولى‪ ،‬سبحانه هو السميع البصير‪ ،‬العليم الخبير‪ ،‬له ما في السماوات وما في‬
‫الرض‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده‬
‫ورسوله‪ ،‬أرسله ال بالدعوة الجامعة‪ ،‬والمعجزة الساطعة اللمعة‪ ،‬والحجة الصادعة‬
‫القاطعة‪ ،‬فبلغ الرسالة وأدى المانة‪ ،‬ونصح المة وكشف ال به الغمة‪،‬صلوات ال‬
‫وسلمه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين‪ ،‬وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فالسلم عليكم جميعا أيها الخوة والبناء ورحمة ال وبركاته‪...‬‬
‫أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة‪ ،‬وأشكر ال تعالى الذي جمعنا في هذا الصرح‬
‫العلمي‪ ،‬وفي هذا القلب النابض منه‪ ،‬في بيته الشريف من بيوته الذي " أذن أن ترفع‬
‫ويذكر فيها اسمه‪ ،‬يسبح له فيها بالغدو والصال رجال ل تلهيهم تجارة ول بيع عن‬
‫ذكر ال وإقام الصلة وإيتاء الزكاة‪ ،‬يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والبصار‪،‬‬
‫ليجزيهم ال أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله‪ ،‬وال يرزق من يشاء بغير حساب"‪.‬‬
‫هذا ول ريب أن اجتماعنا في هذه الليلة المباركة إنما هو للحديث في قضية مهمة‬
‫تتعلق بالحياة الدنيا وبالدار الخرة‪ ،‬فهي تتعلق بالمسير والمصير معا‪ ،‬ول بد من أن‬
‫يكون المسير مضبوطا ومحكما حسبما تقتضيه مصلحة المصير‪ ،‬وبذلك يسعد النسان‬
‫في داريه‪ ،‬وينال عند ال تبارك وتعالى الدرجات العلى‪ ،‬إذ حياة النسان ليست كحياة‬
‫غيره من الكائنات‪ ،‬وإنما هي حياة رسالة ومسؤولية‪ ،‬حياة كلها جهاد وكفاح؛‬
‫والنسان واقع بين جانبين‪ :‬بين عقل يسوسه ويدفع به إلى الخير‪ ،‬وبين شهوات تقعد‬
‫به وترتكس به إلى الحضيض الدنى‪ ،‬فمن غلب عقله شهوته كان أفضل من المل‬
‫العلى ‪ ،‬ومن كان بالعكس كان أسوأ حال من البهيمة العجماء‪ ،‬فلذلك كانت هذه‬
‫الحياة في كل شؤونها ل بد من أن تكون محكمة‪ ،‬وأن تكون مضبوطة بضوابط‬
‫الشرع‪.‬‬
‫وكما سمعتم كل أحد مطالب مهما كان تخصصه العلمي‪ ،‬واختصاصه العملي بأن‬
‫يتقي ال تبارك وتعالى في أمره‪ ،‬وأن ل يقدم على شيء إل ببينة من ربه‪ ،‬وبصيرة‬

‫‪1‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫من دينه‪ ،‬لن الحياة كلها إنما هي ل سبحانه وتعالى‪ ،‬إذ هو واهبها عز وجل فلذلك‬
‫يجب تسخيرها لما فيه رضاه‪ ،‬ويجب على النسان أن ينأى بنفسه كل النأي عن‬
‫الوقوع في محارم ال‪.‬‬
‫والحديث الذي نتعرض له الن هو حديث بحاجة إلى دراسة وإمعان وإعداد‪،‬‬
‫والفرصة لم تواتني لذلك لنني فوجئت بالخبار الليلة الماضية عن هذا الوعد الذي‬
‫أُنسيته‪ ،‬ولعل الستين كانت عامل مهما في إنسائي‪ ،‬ومع هذا أصبحت أيضا وأنا ل‬
‫أعرف ما يطلب مني أن أقوله‪ ،‬وما الذي سيكون محور هذا الحديث في هذا اللقاء؛‬
‫على أن هذا الحديث إنما أولى به الطباء أو طلب علم الطب‪ ،‬لنهم المهرة الذين‬
‫بإمكانهم أن يسبحوا في هذا الخضم‪ ،‬فكيف بحال من ل يحسن العوم إذا ألقى بنفسه‬
‫إلى بحر ربما يقال بأنه ل ساحل له! وإنما أحاول قدر استطاعتي أن أجتر بعض ما‬
‫علق بالذهن فيما مضى‪ ،‬ولعلكم سمعتم الكثير منه مني أو من غيري من قبل‪ ،‬فلذلك‬
‫أعتذر إليكم قبل كل شيء عما سوف تلقونه من التقصير في هذا الحديث‪.‬‬
‫وبين يدي ورقة أعطيتها ظهر اليوم تبين الموضوعات التي ينبغي طرحها في هذا‬
‫اللقاء‪.‬‬

‫الموضوع الول هو مكانة مهنة الطب في السلم‬


‫مهنة الطب في السلم مهنة ذات شأن عظيم وقدر جليل‪ ،‬ذلك لن النسان وهو‬
‫يضطلع بهذه المانة الكبرى‪ ،‬أمانة الخلفة في الرض‪ ،‬ل بد له من أن يكون وهو‬
‫في هذه الحياة يحرص على سلمته من أخطارها ؛ على أن حياة النسان حياة غير‬
‫سليمة من الخطار‪ ،‬وغير صافية من الكدار‪..‬‬
‫طبعت على كدر وأنت تريدها‪................‬صفوا من القذار والكدار‬
‫فالصحة يعتريها السقم‪ ،‬والقوة يعقبها الضعف‪ ،‬والغنى يهدده الفقر‪ ،‬والراحة يلح‬
‫وراءها التعب‪ ،‬وهكذا شأن الحياة‪ ،‬فلذلك على النسان وهو يمخر عباب هذه الحياة أن‬
‫يحرص قدر مستطاعه على تفادي الخطار ومعالجة المشكلت وتحدي التحديات‬
‫حتى يتغلب على مشكلت هذه الحياة‪.‬‬
‫ومن بين هذه المشكلت التي يغالبها المرء في هذه الحياة مشكلت السقم‪ ،‬ونحن نجد‬
‫أن الطب ليس هو العلج فحسب‪ ،‬بل أيضا هو الطب الوقائي‪ ،‬والسلم جاء بالطب‬
‫الوقائي‪ ،‬وتشريعاته كلها تصب في هذا المصب عندما تتعلق بهذا الجانب؛ فنجد أن‬
‫ال تبارك وتعالى منع النسان من السراف الذي يؤدي به إلى الضرر في جسمه‪ ،‬أي‬
‫السراف في المأكل والمشرب‪ ،‬فقد قال عز من قائل‪ " :‬وكلوا واشربوا ول تسرفوا‬
‫إنه ل يحب المسرفين "‪ ،‬وهذا من الطب الوقائي‪ ،‬لن السراف يؤدي إلى الضرر‬
‫البالغ‪ ،‬والنبي صلوات ال وسلمه عليه يقول‪ ( :‬ما مل ابن آدم وعاء شرا من بطنه‪،‬‬
‫حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه‪ ،‬فإن كان ول محالة فثلث للطعام‪ ،‬وثلث للشراب‬
‫وثلث للتنفس )‪ ،‬وهذا من الطب الوقائي في السلم‪.‬‬
‫على أن ما حرمه ال سبحانه وتعالى على النسان إنما هو من المضار‪ ،‬فكل محرم‬
‫على النسان فيه مضرة‪ ،‬فالميتة والدم ولحم الخنزير كل منها ذو ضرر على النسان‪،‬‬
‫فلذلك حرم عليه تعاطيه؛ والخمر أيضا مضارها ل تقف عند حد‪ ،‬ول يزال الطب‬

‫‪2‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫الحديث يكتشف مضار الخمر مع ما وقع فيه بعض الطباء القدامى‪ ،‬ومن بينهم أطباء‬
‫مسلمون من عثرات فيما يتعلق بجانب الخمر‪ ،‬إذ زعموا اغترارا بما قاله عشاقها من‬
‫أنها ذات منافع تعود على الجسم‪ ،‬وقالوا من بينها بأنها تصفي الدم‪ ،‬وأنها تنضر‬
‫الوجه‪ ،‬وأنها تساعد على الهضم‪ ،‬أكتشف بما ل شك فيه أن حقيقة المر على خلف‬
‫ذلك تماما‪ ،‬فهي سبب للضرار بالدم والدورة الدموية‪ ،‬وسبب للضرار بالشرايين‪،‬‬
‫وسبب للضرار بالكثير الكثير من طبيعة حياة النسان‪ ،‬وهي تؤدي أيضا إلى عسر‬
‫الهضم‪ ،‬وتؤدي أيضا إلى أمراض الكبد‪ ،‬وتؤدي إلى أمراض القلب‪ ،‬وتؤدي إلى غير‬
‫ذلك من المراض‪ .‬وهذا على أي حال مما يدل على إعجاز كتاب ال‪ ،‬فإن ما يكون‬
‫من قبل البشر من اجتهاد ونظر ل بد من أن يكون فيه الكثير من الخلل‪ ،‬وهذا واضح‬
‫جدا وصدق ال‪ " :‬ولو كان من عند غير ال لوجدوا فيه اختلفا كثيرا "‪.‬‬
‫ونجد أن السلم الحنيف يحرم أيضا تحريما جازما أن يتناول النسان ما يؤدي به‬
‫إلى قتل نفسه‪ ،‬فلذلك حرمت السموم كما حرم قتل النفس بأي وسيلة من الوسائل‪،‬‬
‫والقرآن الكريم ينص على ذلك عندما يقول عز من قائل‪ " :‬ول تقتلوا أنفسكم إن ال‬
‫كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على ال‬
‫يسيرا* "؛ والحديث عن النبي صلى ال عليه وسلم ينص على أن ( من قتل نفسه‬
‫بحديدة‪ ،‬فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا‪ ،‬ومن تردى من‬
‫شاهق فقتل نفسه‪ ،‬فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا‪ ،‬ومن تناول سما فقتل‬
‫نفسه‪ ،‬فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)‪ ،‬كل ذلك يدل على‬
‫ضرورة معرفة النسان بما يضره‪ ،‬وهذا يعني أن على النسان أن يعرف المضار‬
‫من الطعمة والشربة وغيرها مما يتناوله‪ ،‬عليه أن يعرف المضار من كل ما يلج‬
‫جوفه‪ ،‬ومن كل ما يتناوله للعلج‪ ،‬سواء كان طعاما أو شرابا أو بطريق الحتقان‪ ،‬أو‬
‫بطريق التضميد‪ ،‬فإن ذلك كله مما يجب عليه أن يكون على بينة منه قبل أن يقدم‬
‫عليه‪ ،‬ول يمكن لي أحد أن يكون خبيرا بهذه الشياء كلها‪ ،‬فمن هنا تبدو ضرورة‬
‫وجود أطباء مهرة‪ ،‬يعرفون ما يضر وما ينفع ليقوا مجتمعهم المضار من خلل‬
‫التوعية‪.‬‬
‫هذا وبجانب هذا أيضا‪ ،‬فإن السلم يدعوا إلى النقاذ‪ ،‬أي أن ينقذ النسان غيره من‬
‫الهلكة‪ ،‬وحياة النسان حياة ذات قيمة عظيمة‪ ،‬ومن أجل هذا كانت حياة النسان كحياة‬
‫الجنس البشري إن أودى بها أحد أو إن أنقذها‪ ،‬فال سبحانه وتعالى يقول‪ " :‬من أجل‬
‫ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الرض فكأنما قتل‬
‫الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا "‪ ،‬ومعنى هذا أن الطبيب الذي‬
‫يكون السبب لحياء نفس بشرية وإنقاذها من الهلكة فهو كمن أحيا الناس جميعا‪ ،‬ول‬
‫يمكن لي أحد أن يقوم بذلك‪ ،‬فإن غير العالم بالشيء قد يفسد من حيث يظن أنه‬
‫يصلح‪ ،‬وقد يدمر من حيث يحسب أنه يعمر‪ ،‬وقد يقتل وهو يظن أنه يحيي‪ ،‬فإذن‬
‫الضرورة داعية لمعرفة الطب والعلج من أجل إنقاذ هذه النفوس التي جعل ال تبارك‬
‫وتعالى لها هذه الحرمات‪.‬‬
‫وبما أن السلم دين الفطرة‪ ،‬كان التجاوب مع متطلبات هذه الفطرة تجاوبا ذا انسجام‬
‫معها‪ ،‬فهو ينسجم مع الفطرة في كل متطلباتها‪ ،‬ومن أجل هذا جاء الحض على‬

‫‪3‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫التداوي لجل أن ينقذ النسان نفسه من الهلكة‪ ،‬فالنبي صلوات ال وسلمه عليه يقول‪:‬‬
‫( تداووا عباد ال‪ ،‬فإن الذي خلق الداء خلق الدواء‪ ،‬ولكل داء دواء إل السام ) أي‬
‫الموت؛ وهذا من إعجاز النبوة‪ ،‬فالنبي صلوات ال وسلمه عليه يخبر أن لكل داء‬
‫دواء إل الموت‪ ،‬فإن الموت فريضة على الكل " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون‬
‫أجوركم يوم القيامة " فل يمكن أن يدفع الموت شيء‪ ،‬ولكن المراض على اختلفها‬
‫خلق ال تبارك وتعالى لها دواء‪ ،‬سواء كان الناس على علم بهذا الدواء أو لم يكونوا‬
‫على علم به‪ ،‬ونحن نرى أن الناس تمر بهم مراحل وهم يكتشفون أمراضا وعلل ل‬
‫يعرفون لها دواء‪ ،‬إل أن في طيات مخلوقات ال سبحانه وتعالى أدوية تكتشف ولو‬
‫بعد حين‪ ،‬فأمراض السرطان مثل من العسير علجها‪ ،‬ولكن يكتشف لها دواء بين‬
‫حين وآخر على اختلف أنواعها‪ .‬كذلك الن من المور الشاغلة لبال الكثير من الناس‬
‫ما يسمى بمرض فقدان المناعة المكتسبة‪ ،‬وهذا المرض ل بد من أن يكون له دواء‪،‬‬
‫والطباء يسعون لكتشاف علجه؛ والحديث يدل على أن كل علة من العلل يصاب‬
‫بها البشر ل بد من أن يكون لها دواء‪ ،‬فعلى أي حال العلج مطلوب‪ ،‬والحديث يحض‬
‫على العلج‪ ،‬والعلماء وإن حملوا هذا المر على الباحة ‪،‬إل أنه فيما يبدوا ينبغي أن‬
‫يحمل على الندب وذلك لما في هذا العلج من نعمة ال تبارك وتعالى على العباد‪ ،‬إذ‬
‫يتقوى النسان على طاعة ال تبارك وتعالى وحسن عبادته عندما يكون صحيح‬
‫الجسم‪ ،‬والحديث النبوي الشريف يقول‪ ( :‬المؤمن القوي خير وأحب إلى ال من‬
‫المؤمن الضعيف )‪ ،‬وهي قرينة تقتضي أن يصرف هذا المر إلى الندب على القل‪.‬‬
‫على أن من الفقهاء من قال إنه للوجوب‪ ،‬وهؤلء كانوا قلة‪ ،‬إل أنه ينبغي أن يقال أن‬
‫إهمال النسان علج نفسه إن كان مظنة لن يفضي به إلى الهلكة‪ ،‬فإن التهلكة‬
‫ممنوعة في السلم‪ ،‬فال تعالى يقول‪ " :‬ول تلقوا بأيديكم إلى التهلكة "‪ ،‬فيتأيد هذا‬
‫القول‪ ،‬وهو القول بوجوب تعاطي العلج‪ ،‬عندما يكون النسان خائفا من الهلكة‪.‬‬
‫والنبي صلوات ال وسلمه عليه بنفسه تعالج‪ ،‬ومن ضمن علجه الحجامة التي‬
‫احتجمها صلوات ال وسلمه عليه‪ .‬على أن إهمال العلج لو كان خيرا لكان أولى به‬
‫الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلة والسلم‪ ،‬فهو بنفسه عني بالعلج‪،‬‬
‫وهو بنفسه أيضا حث على العلج‪ ،‬فكفى ذلك دليل أيضا على أن العلج مطلوب‪.‬‬
‫وبجانب ما من ذكرناه من هذه المنافع التي قد تبدو منافع مادية من حيث مظهرها‪،‬‬
‫وهي كما ذكرنا أيضا منافع دينية من حيث النظر إلى جوهرها وإلى حقيقتها‪ ،‬لعلم‬
‫الطب فإن فيه منافع روحانية‪ ،‬إذ النسان مطالب بأن يعتبر بخلقه‪ ،‬هو مطالب بأن‬
‫يفكر مليا في خلقه؛ وجسم النسان دواوين ضخمة فيها من آيات ال تبارك وتعالى ما‬
‫ل يقع في حسبان أحد‪ .‬على أن كل خلية من خليا النسان دراستها تحتاج إلى الكثير‬
‫الكثير‪ ،‬لعلها تحتاج إلى مجلدات‪ ،‬دراسة خلية من خليا النسان تحتاج إلى الكثير مما‬
‫يكتب‪ ،‬لعلها تحتاج إلى مجلدات‪ ،‬ونحن نترك الحديث لهل الطب أنفسهم لن يتحدثوا‬
‫عن هذا؛ وقد تأملنا كتاب ال فوجدناه يدعونا إلى النظر في خلقنا‪ ،‬فال سبحانه وتعالى‬
‫يقول‪ " :‬وفي الرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفل تبصرون * "‪ .‬وال تعالى‬
‫يقول‪ " :‬فينظر النسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب‬
‫والترائب * إنه على رجعه لقادر * "‪ ،‬ويقول‪ " :‬قتل النسان ما أكفره * من أي شيء‬

‫‪4‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره‬
‫* "‪.‬‬
‫والتأمل في هذه اليات الكونية في خلق النسان يؤدي إلى رسوخ اليمان‪ ،‬وقوة‬
‫اليقين‪ ،‬وزوال الشكوك واللبس‪ ،‬ومتانة الصلة بال تبارك وتعالى‪ ،‬ونحن على أي حال‬
‫نجد مما نقرأه – وإن كان نزرا يسيرا – ما كتبه الطباء عن خلق النسان‪ ،‬نجد في‬
‫ذلك العجب العجاب‪ ،‬ولعل دراسة جوانب يسيرة من هذه المعلومات تؤدي بالكافر إلى‬
‫أن يؤمن‪ ،‬وتؤدي بالشاك إلى أن يوقن‪ ،‬وتؤدي بالملحد إلى أن يتبدد إلحاده‪.‬‬
‫ومن المور التي تؤكد هذا قصة الدكتور موريس بوكاي‪ ،‬وأنا ل أعرف الن حياته‬
‫من مماته‪ ،‬لنني لم ألتق به إل مرة واحدة قبل واحد وعشرين عاما‪ ،‬قبل أن يعلن‬
‫إسلمه‪ ،‬ولعله سئل في ذلك الوقت عن دينه هل هو مسلم أو غير مسلم فقال‪ :‬دعوني‬
‫وعلقتي بربي‪ ،‬وإنما علي أن أخدم السلم من خلل هذه البحوث‪.‬‬
‫الدكتور موريس بوكاي كان طبيبا جراحا‪ ،‬وهو فرنسي‪ ،‬وبحكم علقة الكثير من‬
‫العرب بفرنسا بسبب الستعمار الفرنسي وكونهم يتحدثون باللغة الفرنسية‪ ،‬كان الكثير‬
‫من هؤلء يذهبون للعلج إلى فرنسا‪ ،‬وكانت له علقة بكثير منهم‪ ،‬وقد شد انتباهه ما‬
‫يراه من الفارق بين المسلم وغير المسلم؛ عندما يقدم المسلم على عملية جراحية يكون‬
‫وضعه مختلفا عن وضع غير المسلم‪ ،‬فالمسلم يقدم على العملية الجراحية برباطة‬
‫جأش وبقوة يقين‪ ،‬مع ثلوج صدره وانشراحه‪ ،‬فسأل عن هذا السر‪ ،‬فأخبر أن سر ذلك‬
‫اليمان‪ ،‬وأراد أن يكتشف هذا اليمان‪ ،‬ومن حيث إن علقته بالمرضى العرب علقة‬
‫وطيدة‪ ،‬وكثير منهم لم يكونوا يحسنون اللغة الفرنسية التي يتحدث بها أراد دراسة‬
‫العربية‪ ،‬وكان أول يريد أن يدرس المعلقات السبع‪ ،‬ولكن رأى بدل من ذلك أن يدرس‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬فعني بدراسة القرآن الكريم‪ ،‬وعندما جاء إلى سورة المؤمنون إلى قول‬
‫ال سبحانه وتعالى فيها‪ " :‬ولقد خلقنا النسان من سللة من طين * ثم جعلناه نطفة في‬
‫قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا‬
‫العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك ال أحسن الخالقين * " استوقفته هذه الية‬
‫كثيرا‪ ،‬ورأى أن هذا الحديث ل يمكن أن يكون صادرا عن أحد من البشر في تلكم‬
‫الحقبة التأريخية التي لم يكن فيها الطب بهذا القدر من الكتشاف لسرار الحمل‪،‬‬
‫وطبيعة الخلق‪ ،‬وأغوار الرحام‪ .‬رأى من العجب ما شده إلى المزيد من البحث‪ ،‬ذلك‬
‫لن هذه الطوار الموجودة في هذه الية الكريمة لم تكن معروفة تمام المعرفة عند‬
‫الناس في تلكم الحقاب التأريخية الغابرة‪ ،‬ومع هذا كله جاءت صريحة‪ .‬على أنه مما‬
‫شده أيضا ما يدل عليه القرآن الكريم‪ ،‬ما تدل عليه الية من طبيعة الرحم‪ ،‬فقد وصفه‬
‫ال تبارك وتعالى بأنه قرار‪ ،‬والقرار هو مكان الستقرار‪ ،‬والستقرار إنما يكون عن‬
‫طمأنينة‪ ،‬ومع ذلك وصف هذا القرار بأنه مكين‪ ،‬والمكانة تدل على القوة‪ ،‬وطبيعة‬
‫الرحم هذا أقصى ما يمكن أن توصف به‪ ،‬لن الرحم يكتنف بما يقي الجنين ما يصيب‬
‫الم من اللكمات والهزات‪ ،‬فهو مكان الستقرار‪ ،‬وعلى بابه إفرازات تقضي على‬
‫الجراثيم التي تحاول أن تتسرب إلى الجنين لتفتك به‪ ،‬وهذه الفرازات بمثابة الجنود‬
‫القائمين على ثغور الحصون من أجل صد هجمات العداء عنه‪ .‬فإذن الرحم بمثابة‬
‫الحصن الحصين بطبيعته التي خلقه ال عليها‪ ،‬وهذه الفرازات بمثابة هؤلء الجنود‬

‫‪5‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫البطال الذين يحرصون بعيون ساهرة هذه الثغور لئل تصل إلى من بداخل الحصن‬
‫فتفتك به‪.‬‬
‫ووجد أيضا مما يدعو إلى العتبار أن ال تبارك وتعالى يقول‪ " :‬فكسونا العظام لحما‬
‫" بفاء الترتيب‪ ،‬وهذا الذي دل عليه الطب‪ ،‬وأن خليا العظام سابقة على خليا اللحم‪،‬‬
‫ثم بعد ذلك يأتي اللحم بمثابة الكسوة لهذه العظام‪ .‬وكذلك استوقفه قول ال تبارك‬
‫وتعالى " علقة "‪ ،‬و " مضغة " ‪ ،‬وما هو الفارق بينهما؟ فما هي العقلة؟ وما هي‬
‫المضغة؟ ورجع إلى كتب التفسير ليجد ما يشفي غليله فلم يجد‪ ،‬ولكنه برجوعه إلى‬
‫كتب اللغة ونظره في اشتقاق هاتين الكلمتين وجد ما يدله على سر هذا التعبير القرآني‬
‫الذي هو من دلئل إعجاز القرآن الكريم؛ فإن العلقة مشتقة من العلوق‪ ،‬وهذه المرحلة‬
‫يعلق فيها هذا الكائن بجدار الرحم لنفتاح باب الرحم‪ ،‬ثم ينسد بعد ذلك الباب‪ ،‬ويؤمن‬
‫الخروج‪ ،‬ويكون هذا الكائن بمثابة المضغة‪ ،‬أي الشيء الذي يمضغ ويتردد بين‬
‫جوانب الفم‪ ،‬فزاده ذلك إعجابا بما اطلع عليه‪ ،‬ودعاه ذلك إلى المزيد من البحث‪ ،‬فكان‬
‫يرى اليات الكونية في القرآن الكريم تدل دللة واضحة على ما توصل إليه النسان‬
‫من الكتشاف‪ ،‬ولعل كل اكتشاف إنما هو تفسير لكتاب ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ثم استعان بعد ذلك بذوي الخبرات الخرى‪ ،‬كعلماء النباتات وعلماء الفلك وغيرهم‪،‬‬
‫وعرض عليهم ما وجده في كتاب ال‪ ،‬فوجد حقيقة القرآن تتجلى فيما اكتشف من هذه‬
‫العلوم بأسرها‪ .‬ثم حاول أن يقارن بين القرآن وبين الكتابين اللذين سبقاه في النزول‪،‬‬
‫فوجد أن النصوص التي تدل على حقائق الكائنات في الكتابين السابقين قليلة‪ ،‬ومع‬
‫قلتها تصطدم بالواقع‪ ،‬ويدل الواقع على تحريفها‪ ،‬والقرآن الكريم مع كثرة نصوصه‬
‫التي تدل على هذه الكتشافات هي عين الواقع‪ ،‬ول تختلف عن الواقع؛ فوصل إلى‬
‫نتيجة وهي أن الكتاب الوحيد الذي بقي كما أنزل لم تطله يد التحريف والتبديل إنما هو‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وألف في هذا كتابا سماه‪ ( :‬العلم في التوراة والنجيل والقرآن )‪ ،‬وكان‬
‫ذلك قبل عقود من السنين من وقتنا هذا‪ ،‬ألف هذا الكتاب باللغة الفرنسية‪ ،‬ثم ترجم إلى‬
‫النجليزية‪ ،‬ثم ترجم ترجمتين – على ما أحسب – إلى العربية‪ ،‬وقد كان منذ نحو‬
‫عقدين من السنين موجودا عندي‪ ،‬ولكنه ضاع لم أعرف عنه أين ذهب‪.‬‬
‫وعندما اجتمعنا في مطلع القرن الهجري الذي نحن فيه في الجزائر‪ ،‬في الملتقى‬
‫الخامس عشر للفكر السلمي‪ ،‬وكنا في يوم من اليام على طاولة واحدة نتناول‬
‫الطعام‪ ،‬ففرغت زجاجة ما؛ لما فرغت الزجاجة تناول الزجاجة وضرب بها الطاولة‬
‫ليأتي من يقدم الماء فيقدم زجاجة أخرى‪ ،‬وقال على إثر ذلك‪ " :‬وجعلنا من الماء كل‬
‫شيء حي "‪ .‬ثم قال‪ :‬في هذه الية من العجاز ما تحار به العقول‪ .‬ثم سألني بعد ذلك‪:‬‬
‫هل اطلعت على كتابي ( النسان والقرآن )؟ فقلت له‪ :‬ل‪ .‬وبعد فترة رجعت واطلعت‬
‫على مجلة المة‪ ،‬التي كانت تصدر من قطر‪ ،‬وأظنها ل تزال تصدر‪ ،‬هي مجلة‬
‫دورية‪ ،‬فوجدت فيها استعراضا لهذا الكتاب‪ ،‬وجدت فيها كثيرا مما كتبه في هذه الية‬
‫الكريمة‪ ،‬ومن العجاز العجيب إعجاز هذه الية الكريمة‪.‬‬
‫فالطبيب المسلم إذن عندما يطلع على هذه الحقائق يزداد إيمانه قبل كل شيء رسوخا‪،‬‬
‫ويقينه ثباتا‪ ،‬ثم تكون عنده وسيلة للدعوة إلى ال تبارك وتعالى من خلل هذا الذي‬
‫اطلع عليه‪ .‬والرجل بعد هذه الفترة اطلعت في بعض الصحف على إعلنه السلم‪،‬‬

‫‪6‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫وأنه أعلن أنه رضي بالسلم دينا‪ ،‬وبمحمد صلى ال عليه وسلم رسول‪ ،‬وبال تبارك‬
‫وتعالى ربا‪ ،‬فزالت الشكوك من حوله‪.‬‬
‫هذا عن العنصر الول‪ ،‬ونظرا إلى ضيق الوقت حسبما يتبين أحاول أن أختصر في‬
‫بقية العناصر‪.‬‬

‫العنصر الثاني‪ :‬عن الطباء المسلمين وما ساهموا به في مجال الطب‪.‬‬


‫نحن نرى أول وقبل كل شيء أن رأس الطباء إنما هو رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فالحاديث النبوية حافلة بالطب النبوي‪ ،‬وفيها من العجاز العجب العجاب‪.‬‬
‫حديث الذبابة تنكر له من تنكر ولكن تجلى بعد ذلك أن الحديث معجز‪ ،‬وقد شرح‬
‫إعجازه نقل عما قاله الطباء الستاذ سعيد حوى في كتابه ( الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم )‪ .‬وكذلك نجد أن الحديث النبوي الشريف يدل على أن الحمى من فيح جهنم‪،‬‬
‫وأن علجها بإبرادها بالماء‪ ،‬وهذا مما وقعت فيه بنفسي‪ ،‬فقد مرت علي فترة أصبت‬
‫فيها بحمى شديدة‪ ،‬وكنت أحس ببرد شديد‪ ،‬ولما دخل علي الطبيب بدل من أن يوافق‬
‫على أن أبقى تحت الدثار أزال الدثار عني‪ ،‬وجاء بالماء البارد وصبه علي‪ ،‬فكان في‬
‫ذلك علجا لهذه الحمى‪ ،‬وأيقنت إعجاز هذا الحديث الشريف‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫المور الكثيرة التي تدل على أن النبي صلى ال عليه وسلم كان على رأس الطباء‪.‬‬
‫على أن هذه المهارة الطبية لم تكن بدراسة عند أطباء‪ ،‬ولم تكن أيضا بممارسة‪ ،‬إذ لم‬
‫يكن النبي صلوات ال وسلمه عليه بنفسه يمارس المهنة الطبية‪ ،‬وإنما ذلك بإعلم‬
‫ال تبارك وتعالى إياه " إن هو إل وحي يوحى * علمه شديد القوى * "‪.‬‬
‫وعلى أي حال نحن نرى لو أن المسلمين وقفوا عند إرشاد الحاديث النبوية إلى‬
‫المور الطبية لكان في ذلك قطعوا شوطا بعيدا‪ ،‬ولكن كما ذكرنا اغتروا ببعض ما‬
‫قاله الطباء الخرون‪ ،‬فلذلك سرى إلى كتبهم ما سرى من الوهام‪ ،‬وأثر ذلك حتى‬
‫على كتابات المفسرين كما ذكروه في تفسير سورة البقرة في تفسير قول ال تبارك‬
‫وتعالى‪ " :‬ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما‬
‫أكبر من نفعهما " فقالوا بأن المنافع هي هذه المنافع المذكورة‪ ،‬مع أن ما ذكر ليس‬
‫بمنفعة قط‪ ،‬وإنما كانت المنافع منافع مادية بحتة‪ ،‬وهي ضرر أكثر منها منفعة‪ ،‬فلذلك‬
‫ألغاها السلم ولم يعتبرها‪ .‬ومع هذا فإن للمسلمين إسهاما في علم الطب‪ ،‬وحسبنا أن‬
‫( القانون ) لبن سينا كان إلى عهد قريب مرجعا للطباء في أوروبا ‪ ،‬وكذلك ما كتبه‬
‫الفخر الرازي‪ ،‬وما كتبه ابن رشد‪ ،‬وما كتبه غيرهم من الطباء‪.‬‬
‫ونحن عندما ننظر أيضا إلى التأريخ العماني نجد أن هنا الكثير من الطباء المهرة‪،‬‬
‫وحسبنا عندما ننظر إلى الطباء من أسرة ابن هاشم‪ ،‬فقد تسلسل فيهم الطب جيل بعد‬
‫جيل‪ ،‬ودام الطب في هذه السرة أكثر من قرنين من الزمن‪ ،‬كان فيهم الطباء المهرة‪.‬‬
‫ومن العجيب أنه في تلكم المرحلة المبكرة استطاعوا أن يشخصوا كثيرا من طبيعة‬
‫العين الغامضة‪ ،‬فرسموا العين‪ ،‬ووضحوا كيف علقة شؤون العين بالجسم توضيحا‬
‫عجيبا‪ ،‬كان ذلك في مرحلة مبكرة؛ وأحدهم قام بعملية لحد من الناس نطحه ثور‬
‫فأخرج أمعاءه‪ ،‬فرد الطبيب هذه المعاء إلى باطنه وشك جلده وعادت كما كانت‬

‫‪7‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫وعادت الصحة إليه‪ .‬وكان لهم اتصال بأطباء فارس في ذلك الوقت‪ ،‬كانوا يراسلون‬
‫أطباء فارس ويتبادلون بينهم المعلومات‪.‬‬

‫العنصر الثالث‪ :‬أهمية وجود الطبيب والطبيبة المسلم والمسلمة‬

‫أي أهمية وجود الطبيب المسلم والطبيبة المسلمة‬

‫نعم‪..‬المسلم ل يطمئن إلى أحد طمأنينته إلى من شاركه في العقيدة‪ ،‬ووثق بدينه‬
‫وأمانته‪ ،‬ولربما قال الطبيب المسلم‪ :‬ما بك من مرض يقتضي أن تستمر على الفطار‬
‫ول تصوم شهر رمضان‪...‬وهنا عندما يتمكن من مراجعة الطبيب المسلم الذي يثق‬
‫بدينه وأمانته ل ريب أن إقدامه على ذلك يكون إقداما على بينة من المر وبصيرة‪،‬‬
‫فلذلك كانت الضرورة داعية إلى الطبيب المسلم‪ .‬أما بالنسبة إلى الطبيبة المسلمة فإن‬
‫المرأة يجب أن تصون نفسها‪ ،‬والنص القرآني يأمر المرأة أن ل تبدي زينتها إل‬
‫لطائفة من الرجال‪ ،‬ثم بعد ذلك قال‪ " :‬أو نسائهن " أي النساء المؤمنات؛ ومعنى ذلك‬
‫أن المرأة عليها أن تستر نفسها عند غير المسلمة‪ ،‬أو عند الفاسقة ولو كانت منتسبة‬
‫إلى السلم‪ ،‬لعدم أمن غير المسلمة والفاسقة من المسلمات أن تحدث بما تخبئه المرأة‬
‫ول تحب أن يتحدث عنه من محاسنها‪ ،‬فلذلك كان صون المرأة أمرا ضروريا‪ ،‬ومن‬
‫هنا تأتي ضرورة وجود الطبيبات المسلمات اللواتي يقمن بالكتشاف على أمراض‬
‫النساء ويعالجن النساء‪.‬‬

‫والعنصر الرابع‪ :‬أن دراسة الطب ل تتعارض مع الدين السلمي‪..‬‬


‫وكيف تتعارض دراسة الطب مع الدين‪ ،‬مع أن الدين هو الذي يحث على العلج‬
‫ويأمر به‪ ،‬وهذه الدراسة تؤدي إلى قوة هذا الدين ورسوخه‪ ،‬ورسوخ معتقداته في‬
‫النفس؟! فكيف مع هذا يقال بأن هذه الدراسة تتصادم مع الدين؟!‬
‫ل ريب أن هذه الدراسة تقوي جانب الدين‪ .‬على أن المؤمن القوي كما ذكرنا حسبما‬
‫جاء في الحديث الشريف خير وأحب إلى ال من المؤمن الضعيف‪ ،‬والقوة كما تكون‬
‫قوة مادية تكون أيضا قوة معنوية‪ ،‬فالخبير ل ريب أنه قوي‪ ،‬العالم بالشيء هو أقوى‬
‫من الجاهل به‪ ،‬فالطبيب العالم هو أقوى ممن يجهل الطب‪ ،‬فإذن هو خير وأحب إلى‬
‫ال ممن يجهل الطب من هذه الناحية‪ .‬على أن المة المسلمة مطالبة بأن تكون أمة‬
‫مستقلة في شؤونها‪ ،‬عليها أن تسعى إلى استقللها حتى ل تفتقر إلى غيرها في شيء‪،‬‬
‫ومنهج الرسول صلى ال عليه وسلم في تربية المة دل على ذلك؛ فهو عندما هاجر‬
‫إلى المدينة المنورة وكانت الناحية القتصادية في أيدي اليهود‪ ،‬حرص على أن تكون‬
‫للمسلمين سوق‪ ،‬وأن تكون تجارة مستقلة للمسلمين حتى ل يقعوا تحت تأثير اليهود‪.‬‬
‫وهكذا كل مجال من المجالت ينبغي للمسلمين أن يكونوا مستقلين فيه ل يحتاجون إلى‬
‫عدوهم‪ ،‬ومن بين هذه المجالت التي يفرض فيها الستقلل لهذه المة الطب‪ ،‬فكم هي‬
‫منفعة المة عندما يكون فيها الطباء المهرة‪ ،‬وعندما يكونون غير محتاجين إلى‬
‫مهارة غيرهم في الطب! مع ما ذكرناه من أن الطب قربة إلى ال تبارك وتعالى‪ ،‬لن‬

‫‪8‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫الطبيب المسلم الذي هو موصول بال تعالى بحبل اليمان يحرص دائما أن تكون‬
‫أعماله قربة إلى ال‪ ،‬ومن بين هذه العمال ما يقوم به من علج‪ ،‬فهو عبادة يتقرب‬
‫بها إلى ال ينوي به طاعة أمره‪ ،‬وال تبارك وتعالى يقول‪ " :‬ومن أحياها فكأنما أحيا‬
‫الناس جميعا "‪ ،‬جعل للنفس البشرية هذه الحرمات العظيمة بحيث يكون من أحياها‬
‫كمن أحيا الناس جميعا‪ ،‬أوليس ذلك دليل على عظم شأن الطب‪ ،‬ورفعة قدر الطبيب‬
‫وعظم أجره الذي يناله من ال سبحانه وتعالى عندما يخلص ل تعالى عمله‪ ،‬وينضبط‬
‫عمله بضوابط الشريعة السلمية بحيث ل يتجاوز حدود ال؟!‬

‫العنصر الخامس‪ :‬صفات الطبيب المسلم وما يميزه عن غير المسلمين‪..‬‬


‫نعم‪..‬الطبيب المسلم يمتاز بما يجب أن يمتاز به المسلمون‪ ،‬ومن بين هذه المزايا‬
‫الصدق في الحديث‪ ،‬والمانة في المعاملة‪ ،‬وغض البصر‪ ،‬وضبط النفس‪،‬والحرص‬
‫على الخلص ل تبارك وتعالى في كل التصرفات وفي كل العمال‪ ،‬وجعل هذا‬
‫العمل الذي يعمله قربانا يتقرب به إلى ال عز وجل‪ ،‬مع الرحمة والشفقة فإن ذلك من‬
‫صفات المؤمن‪ ،‬وال تعالى قد كتب الرحمة على كل شيء‪ ،‬ولذلك يؤمر المسلم أن‬
‫يكون رحيما حتى في مقاتلته لعدوه‪ ( ،‬فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة‪ ،‬وإذا ذبحتم فأحسنوا‬
‫الذبحة )‪...‬‬

‫ثم يأتي العنصر السادس وهو‪ :‬التغلب على بعض المشكلت المعاصرة‬
‫وهي‪:‬‬
‫‪-‬الختلط‬
‫‪-‬ضعف الجانب الديني‬
‫‪-‬النعزال عن المجتمع‬
‫‪-‬الغترار بمهنة الطب‬

‫أما مشكلة الختلط‪ ،‬فالتغلب عليها بتطبيق أوامر ال تبارك وتعالى‪ ،‬فإن ال عز وجل‬
‫يقول‪ " :‬قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ال‬
‫خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ول‬
‫يبدين زينتهن إل ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ول يبدين زينتهن إل‬
‫لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني‬
‫إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الربة‬
‫من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ول يضربن بأرجلهن ليعلم‬
‫ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى ال جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون * " فالتغلب‬
‫على هذه المشكلت بالتخلق بهذه الداب من الجنسين جميعا‪ ،‬من الذكور والناث‪،‬‬
‫بحيث يكون هنالك غض للبصر من قبل الذكور ومن قبل الناث‪ ،‬ويكون أيضا هنالك‬

‫‪9‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫احتشام‪ ،‬ومن بين هذا الحتشام الستتار الذي فرضه ال تبارك وتعالى على الناث‪،‬‬
‫مع تفادي كل المغريات التي تؤثر على النفوس لئل تتورط وتقع في المحظور‪ .‬وأهم‬
‫شيء قبل كل شيء رسوخ اليمان لن اليمان هو الذي يصوغ النسان‪ ،‬أما عندما‬
‫يتزلزل اليمان – والعياذ بال – فإن تجاوز الحدود يكون أمرا هينا بالنسبة إلى من‬
‫اضطرب إيمانه‪.‬‬
‫والنعزال وضعف الجانب الديني هذا يجبر بالتربية الدينية‪ ،‬بحيث ينشأ النسان على‬
‫التربية الدينية‪ ،‬التربية من التعليم والثقافة‪ ،‬والتربية من الخلق والسلوك‪ ،‬فإذا وجدت‬
‫هذه التربية فإنها تسد هذا الجانب‪.‬‬
‫وأما النعزال عن المجتمع فإن الطبيب يؤمر أل يكون منعزل عن مجتمعه‪ ،‬هو يحتك‬
‫بمجتمعه من خلل ممارسة هذه المهنة‪ ،‬وهو عليه أيضا أن يحتك بمجتمعه من حيث‬
‫أداءه للشعائر التعبدية‪ ،‬فإنه بصلته مع المصلين وبمحافظته على الدعوة إلى ال‬
‫تبارك وتعالى وتسخيره معارفه من أجل هذه الدعوة يقضي على هذا النعزال ويتمكن‬
‫من النطلق بمشيئة ال‪.‬‬
‫والمر الخير الغترار بمهنة الطب‪ .‬المؤمن الموصول بال ل يغتر بشيء لنه‬
‫يدرك أن كل ما أوتيه إنما هو ل يساوي شيئا بجانب ما في خزائن ال تبارك وتعالى‬
‫التي وسعت السماوات والرض‪ .‬فما أوتيه النسان من علم‪ ،‬وما أوتيه من قوة ‪ ،‬وما‬
‫أوتيه من وجاهة‪ ،‬وما أوتيه من أي شيء كان ل يساوي شيئا بجانب ما لم يؤته مما‬
‫هو مختزن في خزائن السماوات والرض‪ ،‬في خزائن ال تبارك وتعالى التي وسعت‬
‫هذا الكون الواسع‪ .‬وبجانب ذلك يتأمل النسان في جوانب الضعف فيه‪ ،‬ول يغتر‬
‫بجوانب القوة؛ نقاط الضعف هي كثيرة‪ ،‬قوة النسان ل تساوي شيئا بجانب الضعف‬
‫الذي يحيط به من كل جانب‪ ،‬قوته إنما هي نقطة أو قطرة في بحر ضعفه‪ ،‬خبرته إنما‬
‫هي أيضا قطرة في بحر جهله‪ ،‬غناه إنما هو قطرة في بحر فقره‪ .‬على أن ذلك هو من‬
‫عند ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهو مطالب بشكره‪ ،‬وهذا الشكر يقتضي صرف هذه النعمة‬
‫فيما خلقت من أجله‪ ،‬وإل كان كفورا بها " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا "‪،‬‬
‫والنعمة إن لم تشكر كانت وبال على صاحبها‪.‬‬

‫المحور السابع‪ :‬ما يجب أن يتزود به الطبيب المسلم لكي يحافظ على‬
‫تمسكه بدينه‬
‫الطبيب المسلم عليه أول أن يتزود العلم النافع الذي يعبد به ربه سبحانه وتعالى على‬
‫بصيرة‪ ،‬ويعرف من خلله ما عليه لربه تبارك وتعالى من الحقوق والواجبات‪،‬‬
‫ويتمكن به من أداء اللوازم التي عليه‪ ،‬ل بد للطبيب أن يتزود بهذا الجانب من‬
‫المعرفة‪ .‬كذلك عليه أن يدرس الخلق لتتهذب أخلقه‪ ،‬وذلك من خلل دراسته‬
‫للقرآن الكريم ودراسته للسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلة والتسليم‪ ،‬ودراسته‬
‫لكتب الخلق التي تستمد من القرآن ومن السنة النبوية‪ .‬وعليه بجانب ذلك أن يحتك‬
‫بالصالحين لن الحتكاك يؤدي إلى التأثر في الخلق والفضائل‪ ،‬وعليه أن يحرص‬
‫على التزود من المزيد من علم الطب نفسه لن علم الطب يتطور باستمرار‪ ،‬والنسان‬

‫‪10‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫يكتشف في كل يوم شيئا جديدا‪ ،‬فعليه أن ل يقنع بما وصل إليه بل يكون كالعطشان‬
‫الذي يلهث دائما بحيث ل يروى‪.‬‬

‫المحور الثامن‪ :‬دور الطبيب في إصلح المجتمع‬


‫الطبيب يحتك كما قلنا بمجتمعه من خلل لقائه بمرضاه‪ ،‬وبذلك يتمكن من الدعوة إلى‬
‫ال سبحانه وتعالى؛ فالكلمة الطيبة التي يقدمها إلى المريض تؤدي به إلى تفاعل هذا‬
‫المريض معها‪ .‬ومن المعلوم أن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها‪ ،‬والطبيب‬
‫محسن إلى مريضه إن رعاه بحسن الرعاية‪ ،‬فهو قادر على التأثير عليه من خلل هذه‬
‫الرعاية‪ ،‬ومن خلل التوجيهات؛ وعليه أن ل يحصر توجيهاته فيما يتعلق بجانب‬
‫الصحة الجسدية فحسب بل بجانب ما يتعلق أيضا بالصحة الروحية‪ ،‬وذلك بالتوجيه‬
‫إلى الحق والستمساك بحبل ال تعالى‪ ،‬وشكر نعمة الصحة‪ ،‬وأن شكر نعمة الصحة‬
‫يقتضي أن يسخرها النسان في طاعة ال تبارك وتعالى‪.‬‬
‫ومع هذا أيضا فإن الطبيب المسلم قادر على أن يؤثر على الطباء من خلل تعامله‬
‫معهم‪،‬ول سيما الطباء المسلمون‪ ،‬فهو قادر على إقناعهم بأن يتقوا ال تبارك وتعالى‬
‫وأن يستمسكوا بأمره‪ ،‬وأن يبتعدوا عن محظوراته‪.‬‬
‫وهو قادر على الدعوة إلى السلم من خلل إقناعه لغير المسلمين بهذا الدين الحنيف‪،‬‬
‫وذلك من خلل ما توصل إليه من المعلومات التي تدل على إعجاز كتاب ال سبحانه‪،‬‬
‫والتي تدل على عظمة الحق تبارك وتعالى‪ ،‬فكل ذلك يمكن الطبيب المسلم من أداء‬
‫رسالة الدعوة إلى ال بجانب أداء رسالة الطب‪.‬‬

‫فهذه هي النتف التي أمكنني تقديمها إليكم‪ ،‬ومعذرة إليكم على التقصير‪ ،‬وأسأل ال‬
‫سبحانه وتعالى التوفيق لما يحب ويرضاه‪ ،‬وصلى ال وسلم على سيدنا محمد وعلى‬
‫آله وصحبه أجمعين‪ " .‬سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلم على المرسلين‬
‫* والحمد ل رب العالمين * "‪.‬‬

‫الجابة على السئلة‪:‬‬


‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬وصلى ال وسلم على سيدنا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه أجمعين‬
‫نجيب بمشيئة ال على السئلة بقدر المستطاع‪.‬‬

‫السؤال الول يقول فيه السائل‪ :‬ابنتي تدرس في كلية الطب‪ ،‬وقد أخبرتني بأنه ينظم‬
‫للطلب برنامج للسفر إلى خارج البلد‪ ،‬إلى أماكن متعددة كل حسب اختياره‪ ،‬فما‬
‫حكم سفر المرأة في مثل هذه الحالة بدون محرم وإلى دولة قد تكون غير مسلمة؟ وهل‬
‫يختلف الحكم إذا سافرت مع مجموعة من زميلتها؟ نرجو توضيح هذا المر بشيء‬
‫من التفصيل‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫الجواب‪ :‬ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم النهي أن تسافر‬
‫المرأة إل مع ذي محرم‪ ،‬وذلك لما يراد به للمرأة المسلمة من الصون والعفاف والبعد‬
‫عن سفاسف المور‪ ،‬وعدم التورط‪ ،‬وعدم وجود الشيطان سبيل إلى اصطيادها أو‬
‫إلى الصطياد بها لئل تكون شباكا للشيطان يصطاد به أو تكون صيدة للشيطان؛‬
‫وعلى أي حال هذه المور يمكن أن تتفادى وذلك من خلل الحرص على وجود‬
‫محارم ولو لبعض هذه الطالبات اللواتي يسافرن‪ ،‬فلربما مع اشتراط أمانتهم وذلك‬
‫عندما تكون ضرورة داعية إلى السفر ل بد من وجود محارم أمناء‪ ،‬ولو لبعض‬
‫هؤلء الطالبات لجل هذه الرعاية ولجل تفادي هذه المشكلة‪ ،‬وال تعالى أعلم‪.‬‬

‫السائل يقول‪ :‬بعض العمليات الجراحية يتطلب لجرائها أكثر من ست ساعات‬


‫متواصلة‪ ،‬ول يمكن للطبيب ترك المريض في أثناء فترة إجراء العملية وإل تسبب في‬
‫هلكه إذا تركه‪ ،‬ففي هذه الحالة كيف تكون صلة الطبيب المسلم؟ وما حكم تأجيلها‬
‫لما بعد وقتها إذا كان ذلك في حضر؟‬

‫الجواب‪:‬‬
‫هذه المشكلة محلولة‪ ،‬وذلك لن ال تبارك وتعالى يسر للعباد ولم يعسر عليهم‪،‬‬
‫والمشقة جاذبة للتيسير‪ ،‬والمر إذا ضاق اتسع‪ ،‬وإذا اتسع ضاق‪ .‬ومن بين هذا التيسير‬
‫أن سنة النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلة والسلم دلت على جواز الجمع‬
‫بين الصلتين للمقيم‪ ،‬وذلك عندما تكون هنالك ضرورة أو تكون هنالك حاجة ملحة‬
‫إلى الجمع‪ .‬فقد أخرج المام الربيع بن حبيب رحمه ال بإسناده الصحيح عن أبي‬
‫عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال‪ ( :‬صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫الظهر والعصر معا‪ ،‬والمغرب والعشاء الخرة معا من غير خوف ول سفر‪ ،‬ول‬
‫سحاب ول مطر‪ ).‬وقد روى الحديث الشيخان وغيرهما من طريق عمرو بن دينار‬
‫عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس‪ ،‬وفي هذه الرواية أن ابن عباس رضي‬
‫ال عنهما سئل‪ :‬ما أراد بذلك؟ قال‪ :‬أراد أن ل يحرج أمته‪.‬‬
‫في هذا دليل على أن الحراج مرفوع‪ ،‬وأن الحراج مئنة لجواز هذا المر‪ ،‬فعندما‬
‫يكون هنالك أي إحراج فللنسان أن يتوسع‪ ،‬أن يجمع بين الظهر والعصر‪ ،‬وأن يجمع‬
‫بين المغرب والعشاء‪ ،‬ولو كان ذلك في الحضر‪ ،‬وذلك مع عدم القصر إن كان ذلك‬
‫في الحضر‪ .‬وأما إن كان المر يؤدي إلى فوات صلة ل تجمع كصلة الفجر‪ ،‬إن كان‬
‫المر يؤدي إلى هذا المر‪ ،‬فعليه أن يصلي على تلك الحالة‪ ،‬هو يمارس العلج وهو‬
‫يصلي‪ ،‬يقرأ الصلة ويومئ بركوعه وسجوده إن كان مضطرا إلى ذلك‪ ،‬لن الصلة‬
‫على هذه الكيفية مشروعة في حالة الضرورة‪ ،‬والمحافظة على النفس لئل تهلك من‬
‫جملة الضرورات‪،‬وال تعالى أعلم‪.‬‬

‫السائل يقول‪ :‬نرى عزوف كثير من الشباب عن الزواج بطالبة في كلية الطب أو‬
‫طبيبة‪ ،‬ويحتجون بطول فترة الدراسة‪ ،‬وكثرة الختلط‪ ،‬وطول فترة العمل‬

‫‪12‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫( المناوبات )‪ ،‬مع أن الكثير منهن يلتزمن بالحجاب الشرعي‪ ،‬ويتجنبن الختلط قدر‬
‫المستطاع‪ ،‬وهدفهن هو علج نساء المسلمين‪ ،‬فماذا يفعلن؟ هل يتركن الزواج أم‬
‫الطب؟‬

‫الجواب‪:‬‬
‫ل يتركن هذا ول ذاك‪ ،‬ل يتركن الزواج ول الطب‪ .‬ونحن ندعو الشباب إلى القتران‬
‫بالطبيبات المسلمات العفيفات‪ ،‬ندعوهم إلى ذلك‪ ،‬ونخص من بينهم الطباء‪ ،‬طلب‬
‫كلية الطب‪ ،‬ندعوهم إلى ذلك من أجل التعاون على البر والتقوى‪.‬‬

‫السائل يقول‪ :‬ذكرتم أهمية الدواء‪ ،‬وضرورة التداوي من المراض‪ ،‬إل أن بعض‬
‫المراض في وقتنا هذا ما ل يتم علجه بواسطة الدوية الطبية‪ ،‬وأعني بذلك السحر‪،‬‬
‫ومس الجن والشياطين‪ .‬وقد وقع في هذا المرض العديد من أهل العلم والمشائخ وعامة‬
‫الناس‪ ،‬ولربما أدت هذه المراض إلى فساد ذات البين‪ ،‬وتشتيت السر‪ ،‬فما أسباب‬
‫هذه المراض؟ وما خطورتها؟‬
‫وعلى كل حال يطلب الدعاء بالشفاء لمثال هؤلء المرضى‪.‬‬

‫الجواب‪:‬‬
‫أول قبل كل شيء ينبغي أن نحرص على الحقيقة‪ ،‬وأن نبتعد عن الوهم‪ ،‬وأن نؤمن‬
‫بما دل عليه القرآن‪ .‬القرآن الكريم ذكر مضرة السحر وذكر أيضا إصابة الشيطان‬
‫بالنصب والعذاب‪ ،‬كما جاء ذلك في الحكاية عن أيوب عليه السلم أنه قال‪ " :‬مسني‬
‫الشيطان بنصب وعذاب "‪ ،‬وهذا يعني أن الشيطان قد يؤثر – أخزاه ال ولعنه – على‬
‫جسم النسان ويسبب له أمراض‪.‬‬
‫وكذلك نجد في كتاب ال تبارك وتعالى ما يدل على أن السحرة يتعلمون ما يفرقون به‬
‫بين المرء وزوجه‪ ،‬ولكن يتبع الحق تبارك وتعالى قوله‪ " :‬وما هم بضارين به من‬
‫أحد إل بإذن ال "‪ .‬ونجد في كتاب ال تبارك وتعالى ما يدل على اتقاء الحسد‪ ،‬وذلك‬
‫فيما يحكيه الحق عز وجل عن يعقوب عليه السلم أنه قال‪ " :‬ل تدخلوا من باب واحد‬
‫وادخلوا من أبواب متفرقة "‪ ،‬كما يأمر القرآن الكريم بالستعاذة بال العظيم من شر‬
‫حاسد إذا حسد‪ ،‬وذلك كما في سورة الفلق‪.‬‬
‫ومع هذا اليمان الذي نؤمنه بهذا كله لنه مما نزل به القرآن‪ ،‬ول يمكن أن يعتمل في‬
‫نفسنا أي شك فيما جاء به القرآن الكريم‪ ،‬نظن بأن الوهام أيضا تؤثر على الكثير من‬
‫الناس‪ ،‬فمكافحة الوهام هو أمر من الضرورة بمكان‪ ،‬فلربما توهم أحد شيئا‬
‫وتصوره‪ ،‬وظن الظن اليقين بأنه كذلك‪ ،‬وليس ذلك من الحقيقة في شيء‪ ،‬كما قيل عن‬
‫أحد من الناس أنه توهم بأنه حبة قمح‪ ،‬وكان عندما يرى الدجاجة يفر منها خشية أن‬
‫تبتلعه دجاجة من بينهم‪ ،‬يتصور أنه حبة قمح؛ ولما اجتمع بالطباء النفسانيين وحاولوا‬
‫جهدهم إقناعه بأنه إنسان‪ ،‬إنسان له سمع وبصر وعقل ويدان ورجلن ووجه وعينان‬
‫وأذنان ورأس إلى غير ذلك من العضاء‪ ،‬وقربوا إليه حبة القمح وأمروه أن ينظر‬
‫إليها ‪ ،‬والختلف بين طبيعتها وطبيعته‪ ،‬اقتنع بأنه إنسان‪ ،‬ولكن لم يكد يرى الدجاجة‬

‫‪13‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫حتى فر مرة أخرى‪ ،‬وسئل‪ :‬ما سبب هذا الفرار بعد القتناع؟ فقال‪ :‬أقنعتموني‪ ،‬ولكن‬
‫هل أقنعتموهن بأنني إنسان؟!!‬
‫فالوهم له أثر كبير‪..‬‬
‫وأنا أخبرت عن قضية قيل لي بأنها وقعت وال أعلم بها‪ .‬قيل بأن رجل من الناس هنا‬
‫تصور لفترة طويلة بأن في رأسه مسمارا من حديد‪ ،‬وكان يحس بألم شديد‪ ،‬وكان‬
‫يضج ليله ونهاره من هذا اللم‪ ،‬يشعر ويعتقد الحق اليقين بأن في رأسه مسمارا من‬
‫حديد‪ ،‬وكان كلما عرض نفسه على طبيب قال له الطبيب‪ :‬ليس فيك شيء‪ ،‬ويقول بأن‬
‫هذا الطبيب ل يعرف شيئا‪ .‬ويطلب أن يفحص‪ ،‬ويفحص وهو يعتقد أن في رأسه‬
‫مسمارا من حديد‪.‬‬
‫بعد هذا عالجه طبيب‪ ،‬قال‪ :‬صحيح اكتشفت المسمار‪ ،‬وسوف أعمل لك عملية وأنتزع‬
‫المسمار إن شاء ال‪ .‬فالطبيب خدره تخديرا تاما‪ ،‬وشطبه قليل‪ ،‬وضمده‪ ،‬وجاء‬
‫بمسمار‪ ،‬وذبح ديكا‪ ،‬وطلى المسمار بدم الديك‪ .‬بعد هذا ما إن أفاق قال له‪ :‬العملية‬
‫ناجحة‪ ،‬وقد انتزعنا المسمار‪ ،‬وهذا هو‪...‬والحمد ل الرجل ارتاح‪ ،‬وقال‪ :‬الحمد ل‬
‫الذي أذهب عني البأساء والضراء‪..‬وأحس بالراحة‪ ،‬وكان يخبر الناس بهذه الراحة‬
‫التي أحس بها‪ ،‬وأنه ذاق طعم الحياة‪ ،‬وعرف معنى الصحة‪ ،‬وزالت عنه البأساء‬
‫والضراء‪...‬إل أن أحدا من الناس بعد حين قال له بأن الطبيب خدعك وهذا الذي‬
‫فعله‪....‬قال‪ :‬لذلك أنا ل أزال أحس باللم!!!!‪..‬رجع إلى وهمه كما كان عليه من قبل‪..‬‬
‫فإذن الوهام لها تأثير‪ ،‬فأنا مع إيماني بالنص القرآني – ولست شاكا بأن الشيطان‬
‫يحسد وأنه يحاول الضرار بالمؤمنين‪ ،‬ويحاول بقدر مستطاعه أن يسلط أولياءه على‬
‫أولياء ال تعالى‪ ،‬بقدر المستطاع يحاول ذلك من خلل الحسد وتزيين الحسد إلى‬
‫الناس ومن خلل العمال السحرية – مع اليمان بكل ذلك إل أنني أعتقد أن كثيرا من‬
‫هؤلء إنما منشأ هذه المراض عندهم الوهام‪ ،‬وربما وجد الشيطان من هذا الوهم‬
‫الذي يتوهمه النسان سبيل لصطياده والتوصل إليه‪ ،‬فهو يجد الثغرة التي يلج عليه‬
‫من خللها بسبب هذا الوهم‪ ،‬فمن هنا كانت الضرورة إلى مكافحة هذه الوهام أول‪،‬‬
‫يجب أن نكافح هذه الوهام أول وأن نبعدها عن أنفسنا‪..‬‬
‫ومما يذكر أن المعتزلة بسبب اعتقادهم أن الجن ل يظهرون للبشر وأنه يستحيل أن‬
‫يرى إنسي جنيا‪ ،‬بسبب هذا العتقاد هم في منأى عن الكثير من الوهام‪ .‬ويذكر‬
‫الستاذ أحمد أمين في كتابه ( ضحى السلم ) من ضمن القصص أن رجل معتزليا‬
‫دخل بيته لص‪،‬ولما انتبه صاحب البيت وطارد اللص‪ ،‬حاول اللص أن يوهمه بأنه‬
‫جني‪ ،‬نزل في بئر في وسط البيت‪ ،‬فجاء الرجل ليتبعه‪ ،‬فقال له‪ :‬لكم الليل ولنا‬
‫النهار‪..‬يوهمه بأنه من الجن‪..‬فجاء المعتزلي بصخرة كبيرة‪ ،‬وشج بها رأسه في وسط‬
‫البئر وقتله وقال‪ :‬خذ ليلك ونهارك!‪.‬‬
‫فإذن الوهام على أي حال لها آثار‪ ،‬ولعل حديث الناس في المجالس والمنتديات عن‬
‫مثل هذه الشياء‪ ،‬بحيث يتلقاها الصاغر عن الكابر‪ ،‬وتشاع ما بين النساء والرجال‬
‫بحيث أصبحت حديث السمر‪ ،‬كان ذلك سببا لنتشار هذه المراض وهذه الوهام‪،‬‬
‫فمن الضرورة بمكان أن نحرص على مكافحة هذه الوهام‪ ،‬هذا مع استعاذتنا بال‬
‫تبارك وتعالى من كل ما يضر‪ ،‬من شر الجنة والناس‪ ،‬وتلوتنا كتاب ال تبارك‬

‫‪14‬‬
‫الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة‬

‫وتعالى لنتوقى ببركته من هذه الضرار‪ ،‬فإن كتاب ال تعالى فيه شفاء ورحمة‪،‬‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم كان يحرص على الرقية بالقرآن‪ ،‬كان يرقي بالفاتحة‬
‫الشريفة‪ ،‬وبآية الكرسي وبالمعوذتين‪ ،‬وكان يعلم الناس الدعاء والستعاذة‪،‬ومن ذلك ما‬
‫علمه عبدال بن عمرو بن العاص‪ ،‬وقد كانت تعتريه مخاوف في منامه‪ ،‬علمه أن‬
‫يقول عندما يأتي إلى فراش نومه‪ ( :‬أعوذ بكلمات ال التامات من غضبه وعذابه‪،‬‬
‫ومن شر عباده‪ ،‬ومن همزات الشياطين‪ ،‬وأن يحضرون )‪ .‬هذا كله مما يفيد إن شاء‬
‫ال‪ ،‬مع الستمساك بتقوى ال تبارك وتعالى‪ ،‬وعدم التفريط في أوامره ونواهيه‪،‬‬
‫وملزمة تلوة الكتاب آناء الليل وآناء النهار‪ ،‬وتفادي فتح ثغرات للشيطان من خلل‬
‫ما ذكرناه من حديث السمر‪ ،‬حديث النساء والرجال‪ ،‬أو كما يعبر عنه في عمان‬
‫( حديث المعصرات )‪ ،‬علينا أن نتفادى ذلك قدر المستطاع‪ ،‬وال تبارك وتعالى ولي‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫أسأل ال سبحانه وتعالى أن يعافي مرضانا‪ ،‬وأن يعيذنا جميعا من شر الجنة والناس‪،‬‬
‫وأن يبدلنا وجميع المسلمين بكل سقم صحة‪ ،‬وبكل ضعف قوة‪ ،‬وبكل بلء عافية‪ ،‬إنه‬
‫تعالى على كل شيء قدير وإنه بالجابة جدير نعم المولى ونعم النصير‪ ،‬وصلى ال‬
‫وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪ " ،‬سبحان ربك رب العزة عما‬
‫يصفون * وسلم على المرسلين * والحمد ل رب العالمين * "‪ ،‬وأشكركم والسلم‬
‫عليكم ورحمة ال وبركاته‪.‬‬

‫‪15‬‬