You are on page 1of 282

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الخامس‬

‫إشرافٌ*‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشراف لغ ًة ‪ :‬مصدر أشرف ‪ ،‬أي اطّلع على الشّيء من أعلى ‪ .‬وإشراف الموضع ‪:‬‬
‫ارتفاعه ‪ ،‬والشراف ‪ :‬الدّنوّ والمقاربة ‪ .‬وانطلقا من المعنى الوّل أطلق المحدّثون كلمة‬
‫إشرافٍ على ( المراقبة المهيمنة ) ‪ .‬وهو معنًى استعمله الفقهاء كالمعاني اللّغويّة الخرى ‪.‬‬
‫فقد استعملوه في مراقبة ناظر الوقف والوصيّ والقيّم ومن في معناهم ‪ .‬الشراف بمعنى العلوّ‬
‫‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إشراف القبر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ل يحلّ أن يكون القبر مشرفا بالتّفاق ‪ ،‬لما رواه مسلمٌ وغيره عن أبي الهيّاج السديّ قال‬
‫‪ « :‬قال لي عليّ بن أبي طالبٍ ‪ :‬أل أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ل سوّيته » وفي اعتبار تسنيم القبر إشرافا‬
‫وسلم ‪ :‬ألّ تدع تمثالً إلّ طمسته ‪ ،‬ول قبرا مشرفا إ ّ‬
‫خلفٌ تجده مفصّلً في كتاب الجنائز من كتب الفقه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إشراف البيوت ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يباح للنسان أن يعلو ببنائه ما شاء بشرطين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ألّ يضرّ بغيره ‪ ،‬كمنع النّور أو الهواء عن الغير ‪.‬‬
‫ل يكون صاحب البناء ذ ّميّا ‪ ،‬فيمنع من تطويل بنائه على بناء المسلمين ‪ ،‬وإن‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫رضي المسلم بذلك ‪ ،‬ليتميّز البناءان ‪ ،‬ولئلّ يطّلع على عورة المسلم ‪ .‬وقد فصّل الفقهاء ذلك‬
‫في كتاب الجزية ‪ .‬الشراف بمعنى الطّلع من أعلى ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يمنع الشّخص من الشراف على دار غيره إلّ بإذنه ‪ ،‬ولذلك يمنع من أن يفتح في جداره‬
‫كوّ ًة يشرف منها على جاره وعياله ‪.‬‬
‫‪ - 5‬أمّا الشراف على الكعبة والنّظر إليها فهو من جملة القربات ‪ ،‬والسّاعي بين الصّفا‬
‫والمروة يصعد على الصّفا وعلى المروة حتّى يشرف على الكعبة ‪ ،‬كما ذكر ذلك الفقهاء في‬
‫كتاب الحجّ عند كلمهم على السّعي بين الصّفا والمروة ‪ .‬الشراف بمعنى المراقبة المهيمنة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬إقامة هذا النّوع من الشراف واجبٌ تحقيقا للمصالح الّتي هي مقصدٌ من مقاصد الشّارع‬
‫ويتجلّى ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الولية ‪ :‬سوا ٌء أكانت وليةً عامّ ًة كولية أمير المؤمنين والقاضي ونحوهما ‪ ،‬أم وليةً‬
‫ل في مبحث ( وليةٌ ) ‪.‬‬
‫خاصّةً كولية الب على ابنه الصّغير ‪ ،‬كما سيأتي ذلك مفصّ ً‬
‫ن في مبحث ( الحجر ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوصاية ‪ :‬كالوصاية على المحجور عليه كما هو مبيّ ٌ‬
‫ج ‪ -‬القوامة ‪ :‬كقوامة الرّجل على زوجته ‪ ،‬كما هو مفصّلٌ في مبحث ( النّكاح ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬النّظارة ‪ :‬كناظر الوقف ‪ ،‬كما هو مفصّلٌ في كتاب الوقف من كتب الفقه ‪ .‬الشراف‬
‫بمعنى المقاربة والدّنوّ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يترتّب على الشراف بهذا المعنى كثيرٌ من الحكام ‪ ،‬ذكرها الفقهاء في أبوابها ‪ ،‬ومن‬
‫ذلك على سبيل المثال ل الحصر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عدم أكل الذّبيحة إذا ذبحت بعد أن أشرفت على الموت ‪ ،‬على خلفٍ وتفصيلٍ مبيّنٍ في‬
‫كتاب الذّبائح ( التّذكية ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وجوب إنقاذ من أشرف على الموت كالغريق ونحوه إن كان من الممكن إنقاذه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وجوب النتفاع باللّقطة إذا أشرفت على التّلف ‪ .‬كما هو مبيّنٌ في كتاب ( اللّقطة ) ‪.‬‬
‫إشراكٌ*‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشراك ‪ :‬مصدر أشرك ‪ ،‬وهو اتّخاذ الشّريك ‪ ،‬يقال أشرك باللّه ‪ :‬جعل له شريكا في‬
‫ن الشّرك‬
‫ملكه ‪ ،‬والسم الشّرك ‪ .‬قال اللّه تعالى حكايةً عن لقمان ‪ { :‬يا بنيّ ل تشرك باللّه إ ّ‬
‫لظلمٌ عظيمٌ } هذا هو المعنى المراد عند الطلق ‪ .‬كما يطلق أيضا على الكفر الشّامل لجميع‬
‫الملل غير السلم ‪ .‬فالشّرك أخصّ من الكفر على الطلق العامّ ‪ ،‬فكلّ شركٍ كفرٌ ول عكس‬
‫‪ .‬كما يطلق الشراك على مخالطة الشّريكين ‪ .‬يقال ‪ :‬أشرك غيره في المر أو البيع ‪ :‬جعله‬
‫له شريكا ‪ .‬كما يقال ‪ :‬تشارك الرّجلن ‪ ،‬واشتركا ‪ ،‬وشارك أحدهما الخر ‪ .‬وتفصيله في‬
‫مصطلحي ( توليةٍ ‪ ،‬وشركةٍ ) ‪.‬‬
‫الشراك باللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الشراك باللّه تعالى جنسٌ تحته أنواعٌ ‪ ،‬وكلّه مذمومٌ ‪ ،‬وإن كان بعضه أكبر من بعضٍ ‪.‬‬
‫والشّرك له مراتب ‪ ،‬فمنه الشّرك الكبر ‪ ،‬ومنه الصغر ‪ ،‬وهو الشّرك الخفيّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الشّرك الكبر ‪ :‬وهو اتّخاذ الشّريك للّه تعالى في ألوهيّته أو عبادته ‪ ،‬وهو المراد بقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬إنّ الشّرك لظلمٌ عظيمٌ } وعن ابن مسعودٍ في الصّحيحين قال ‪ « :‬سألت رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم أيّ الذّنب أعظم عند اللّه ؟ قال ‪ :‬أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك »‬
‫ب ‪ -‬الشّرك الصغر وهو الشّرك الخفيّ ‪ :‬وهو مراعاة غير اللّه في العبادة ‪ .‬مثل الرّياء‬
‫والنّفاق ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول يشرك بعبادة ربّه أحدا } قال ابن حجرٍ ‪ :‬نزلت فيمن يطلب‬
‫ن أدنى الرّياء شركٌ ‪ ،‬وأحبّ العبيد‬
‫الحمد والجر بعباداته وأعماله ‪ .‬وقول رسول اللّه ‪ « :‬إ ّ‬
‫ن أخوف ما أتخوّف على أمّتي‬
‫إلى اللّه التقياء السخياء الخفياء » وقوله عليه السلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫الشراك باللّه ‪ ،‬أما أنّي لست أقول يعبدون شمسا ول قمرا ول وثنا ‪ ،‬ولكن أعمالً لغير اللّه‬
‫وشهو ًة خفيّ ًة »‬
‫ما يكون به الشّرك ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يكون الشّرك بأمورٍ يتنوّع اسمه بحسبها إلى ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬شرك الستقلل ‪ ،‬وهو إثبات إلهين مستقلّين كشرك الثّنويّة ‪ ،‬أو أكثر من إلهين ‪.‬‬
‫ن الله مركّبٌ من آله ٍة ‪ ،‬كشرك النّصارى القائلين‬
‫ب ‪ -‬شرك التّبعيض ‪ ،‬وهو اعتقاد أ ّ‬
‫بالقانيم الثّلثة وشرك البراهمة ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬شرك التّقريب ‪ ،‬وهو عبادة غير اللّه ليقرّب إلى اللّه زلفًى ‪ ،‬كشرك متقدّمي الجاهليّة ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬شرك التّقليد ‪ ،‬وهو عبادة غير اللّه تعالى تبعا للغير ‪ ،‬كشرك متأخّري الجاهليّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحكم بغير ما أنزل اللّه مع استحلل ذلك ‪ :‬لقوله تعالى ‪ { :‬اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم‬
‫أربابا من دون اللّه } وقد ورد « أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنّهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا‬
‫استحلّوه ‪ ،‬وإذا حرّموا عليهم شيئا حرّموه » فهم لم يعبدوهم ولكن شرعوا لهم ما لم يأذن به‬
‫اللّه ‪ .‬وشرك الغراض ‪ :‬وهو العمل لغير اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬شرك السباب ‪ :‬وهو إسناد التّأثير للسباب العاديّة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكفر ‪:‬‬
‫ب من الذّنوب ‪ ،‬منها الشّرك باللّه ‪ ،‬ومنها الجحد للنّبوّة ‪ ،‬ومنها‬
‫‪ - 4‬الكفر اسمٌ يقع على ضرو ٍ‬
‫استحلل ما حرّم اللّه ‪ ،‬ومنها إنكار ما علم من الدّين بالضّرورة ‪ .‬أمّا الشّرك فهو خصلةٌ‬
‫واحدةٌ ‪ ،‬هو اتّخاذ إلهٍ مع اللّه ‪ .‬وقد يطلق الشّرك على كلّ كفرٍ على سبيل المبالغة ‪ .‬فعلى هذا‬
‫ك كفرا ‪ ،‬ول يكون كلّ كف ٍر شركا إلّ على سبيل المبالغة ‪.‬‬
‫ل شر ٍ‬
‫يكون ك ّ‬
‫ب ‪ -‬التّشريك ‪:‬‬
‫‪ - 5‬التّشريك مصدر ‪ :‬شرّك ‪ ،‬وهو جعلك الغير لك شريكا في المر أو البيع ‪ .‬فهو بمعنى‬
‫الشراك ‪ .‬إلّ أنّه عند الطلق ينصرف الشراك إلى ‪ :‬اتّخاذ شريكٍ للّه ‪ ،‬والتّشريك ‪ :‬اتّخاذك‬
‫للغير شريكا في المال أو المر ‪.‬‬
‫صفته و حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الشراك باللّه تعالى حرامٌ ‪ .‬وحكم النواع الخمسة الولى كفر مرتكبها بالجماع ‪ .‬وحكم‬
‫السّادس المعصية من غير كف ٍر بالجماع ‪ .‬وحكم السّابع التّفصيل ‪ ،‬فمن قال في السباب‬
‫العاديّة ‪ :‬إنّها تؤثّر بطبعها فقد حكي الجماع على كفره ‪ ،‬ومن قال إنّها مؤثّرةٌ ( على سبيل‬
‫الستقلل ) بقوّةٍ أودعها اللّه فيها فهو فاسقٌ ‪.‬‬
‫إسلم المشرك ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يدخل المشرك كغيره من الكفّار في السلم بالنّطق بالشّهادتين ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬فمن قالها فقد عصم منّي ماله‬
‫ونفسه إلّ بحقّه ‪ ،‬وحسابه على اللّه » ‪ .‬ولم تشترط المذاهب الربعة إضافة شي ٍء إلى‬
‫ن يخالف دين السلم ‪ ،‬إلّ في بعض الحالت ‪ .‬وهناك أمورٌ‬
‫الشّهادتين ‪ ،‬كالتّبرّي من كلّ دي ٍ‬
‫أخرى يدخل بها المشرك في السلم ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك كلّه تحت عنوان ( إسلمٌ ) ‪.‬‬
‫نكاح المشرك والمشركة ‪:‬‬
‫صحّة ‪ ،‬وأنّهم يقرّون عليها ‪ ،‬وفي ذلك‬
‫‪ - 8‬أنكحة الكفّار المتّفق عليها بينهم الصل فيها ال ّ‬
‫خلفٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلحا ‪ ( :‬نكاحٌ ‪ ،‬وكفرٌ ) ‪ .‬ول يختلف نكاح المشركين عن غيرهم‬
‫من الكفّار أهل الكتاب إلّ في أنّ الكافر إذا أسلم وكانت زوجته كتابيّ ًة فله استدامة نكاحها ‪،‬‬
‫وليس له ذلك إن كانت مشرك ًة غير كتابيّةٍ ‪ ،‬وانظر التّفصيل تحت عنوان ( نكاحٌ ) ‪.‬‬
‫الستعانة بالمشركين في الجهاد ‪:‬‬
‫ل كافرٍ ‪ ،‬فينظر ‪ :‬إن خرج للخدمة ‪ ،‬كسائق سيّار ٍة ونحوه ‪،‬‬
‫‪ - 9‬المراد بالمشرك هنا ما يعمّ ك ّ‬
‫فذلك جائ ٌز اتّفاقا ‪ .‬أمّا إذا خرج للقتال فهناك ثلثة اتّجاهاتٍ ‪ :‬ذهب الجمهور إلى الجواز مطلقا‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫‪ ،‬سواءٌ أكان خروجه بدعوةٍ أم بغير دعو ٍة ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك « بأ ّ‬
‫ن صفوان بن أميّة خرج مع‬
‫عليه وسلم استعان بناسٍ من اليهود في حربه» ‪ ،‬كما روي «أ ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم حنينٍ »‪ ،‬وهو على شركه ‪ ،‬فأسهم له ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم إلى منع الستعانة بالمشرك ‪ ،‬لكن ل يمنع إذا خرج من‬
‫تلقاء نفسه ‪ .‬والرّأي الخر للمالكيّة ‪ -‬وهو اختيار أصبغ ‪ -‬أنّه يمنع مطلقا ‪.‬‬
‫أخذ الجزية من المشركين ‪:‬‬
‫ن الجزية تقبل من أهل الكتاب ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬قاتلوا الّذين ل‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫يؤمنون باللّه ول باليوم الخر ‪ ،‬ول يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ‪ ،‬ول يدينون دين الحقّ من‬
‫الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن ي ٍد وهم صاغرون } واتّفقوا كذلك على أخذها من‬
‫ن لهم شبهة كتابٍ ‪ «.‬وقد وضع‬
‫ص الحديث « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » ول ّ‬
‫المجوس ‪ ،‬لن ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الجزية عليهم »‪ .‬أمّا ما عدا هؤلء فهم ثلثة أنواعٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مرتدّون ‪ :‬وهؤلء ل تقبل منهم الجزية بالجماع ‪ ،‬لنّ المرتدّ كفر بربّه بعد ما هدي‬
‫للسلم ووقف على محاسنه ‪ ،‬فل يقبل منه إلّ السلم أو السّيف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مشركون من العرب ‪ :‬وهؤلء ل تقبل منهم الجزية عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫وبعض المالكيّة ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم نشأ بين أظهرهم ‪ ،‬والقرآن نزل بلغتهم ‪،‬‬
‫فالمعجزة في حقّهم أظهر ‪ ،‬ولذلك ل يقبل منهم إلّ السلم ‪ ،‬فإن لم يسلموا قتلوا ‪ ،‬والرّاجح‬
‫عند المالكيّة أنّه تقبل منهم الجزية ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مشركون من غير العرب ‪ :‬وهؤلء ل تقبل منهم الجزية عند الشّافعيّة وظاهر مذهب‬
‫ل السلم أو السّيف ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فاقتلوا المشركين حيث‬
‫المام أحمد ‪ ،‬ول يقبل منهم إ ّ‬
‫وجدتموهم } وقوله « صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا ل إله إلّ‬
‫اللّه ‪ ،‬فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّ بحقّها »‬
‫وعند الحنفيّة والمالكيّة وروايةً عن المام أحمد تقبل منهم الجزية ‪ ،‬لنّه يجوز استرقاقهم ‪،‬‬
‫فيجوز ضرب الجزية عليهم ‪.‬‬
‫‪-11‬أجاز العلماء إعطاء المان للمشرك ليسمع كلم ال؛ لقوله تعالى‪{:‬وإن أحد من المشركين‬
‫استجارك فأجره حتى يسمع كلم ال ثم أبلغه مأمنه} قال الوزاعي ‪:‬هي إلى يوم القيامة ‪ .‬كما‬
‫أجازه للرسل ‪ ،‬لن الرسول صلى ال عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين ‪ ،‬وقال لرسولي‬
‫مسيلمة ‪ «:‬لول أن الرسل ل تقتل لقتلتكما» ويكون المان من المام ‪ ،‬لن وليته عامة ‪ ،‬ومن‬
‫والمير لمن يوجد بإزائه من المشركين ‪ ،‬ومن مسلم مكلف مختار لحديث الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ «:‬ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ‪،‬فمن أخفر مسلما فعليه لعنة ال والملئكة‬
‫والناس أجمعين ‪ ،‬ليقبل منه صرف ولعدل» والتفصيل في مصطلح ( مستأمن )‬
‫صيد المشرك وذبيحته‪:‬‬
‫‪ - 12‬اتّفق العلماء على تحريم صيد المجوسيّ وذبيحته إلّ ما ل ذكاة له كالسّمك والجراد ‪،‬‬
‫فإنّهم أجمعوا على إباحته ‪ .‬وحكم سائر الكفّار من عبدة الوثان والزّنادقة وغيرهم حكم‬
‫المجوس في تحريم ذبائحهم وصيدهم إلّ ما ل ذكاة له كالسّمك والجراد ‪ ،‬لقوله « صلى ال‬
‫عليه وسلم أحلّت لنا ميتتان ‪ :‬الحوت والجراد » وقال في البحر « هو الطّهور ماؤه ‪ ،‬الحلّ‬
‫ي وذبيحته ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وطعام‬
‫ميتته » ‪ .‬كما اتّفق فقهاء المذاهب على حلّ صيد الكتاب ّ‬
‫ل لكم } قال البخاريّ ‪ :‬طعامهم ‪ :‬ذبائحهم ‪ ،‬وهو المرويّ عن ابن‬
‫الّذين أوتوا الكتاب ح ّ‬
‫مسعودٍ وأهل العلم ‪ ،‬ولما روي عن قيس بن السّكن السديّ قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬إنّكم نزلتم بفارسٍ من النّبط ‪ ،‬فإذا اشتريتم لحما فإن كان من يهوديّ أو نصرانيّ‬
‫فكلوا ‪ ،‬وإن كان ذبيحة مجوسيّ فل تأكلوا » وللتّفصيل ر ‪ ( -‬صيدٌ ‪ ،‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫الشربة*‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشربة جمع شرابٍ ‪ ،‬والشّراب ‪ :‬اسمٌ لما يشرب من أيّ نوعٍ كان ‪ ،‬ماءً أو غيره ‪،‬‬
‫ل شي ٍء ل مضغ فيه فإنّه يقال فيه ‪ :‬يشرب ‪ .‬وفي الصطلح تطلق‬
‫ي حالٍ كان ‪ .‬وك ّ‬
‫وعلى أ ّ‬
‫الشربة على ما كان مسكرا من الشّراب ‪ ،‬سوا ٌء كان متّخذا من الثّمار ‪ ،‬كالعنب والرّطب‬
‫والتّين ‪ ،‬أو من الحبوب كالحنطة أو الشّعير ‪ ،‬أو الحلويّات كالعسل ‪ .‬وسوا ٌء كان مطبوخا أو‬
‫نيئا ‪ .‬وسوا ٌء كان معروفا باسمٍ قديمٍ كالخمر ‪ ،‬أو مستحدثٍ ( كالعرق والشمبانيا ‪ ...‬إلخ ) ‪،‬‬
‫لحديث النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليشربنّ أناسٌ من أمّتي الخمر ويسمّونها بغير اسمها »‬
‫ع‪:‬‬
‫‪ .‬أنواع الشربة المسكرة وحقيقة كلّ نو ٍ‬
‫‪ - 2‬تطلق الشربة المسكرة عند الفقهاء على اختلف مذاهبهم على قسمين ‪ :‬الخمر ‪،‬‬
‫والشربة الخرى ‪.‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬الخمر‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الخمر لغةً ‪ :‬ما أسكر من عصير العنب ‪ ،‬وسمّيت بذلك لنّها تخامر العقل ‪ .‬وحقيقة‬
‫الخمر إنّما هي ما كان من العنب دون ما كان من سائر الشياء ‪ .‬قال الفيروزآبادي ‪ :‬الخمر‬
‫ما أسكر من عصير العنب ‪ ،‬أو هو عامّ ‪ ،‬والعموم أصحّ ‪ ،‬لنّها حرّمت وما بالمدينة خمر‬
‫عنبٍ ‪ ،‬وما كان شرابهم إلّ البسر والتّمر ‪ .‬وقال الزّبيديّ يشرح قول صاحب القاموس ‪ ( :‬أو‬
‫ن المدار على السّكر وغيبوبة العقل ‪ ،‬وهو‬
‫ل شيءٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫عا ّم ) أي ‪ :‬ما أسكر من عصير ك ّ‬
‫الّذي اختاره الجماهير ‪ .‬وسمّي الخمر خمرا ‪ ،‬لنّها تخمّر العقل وتستره ‪ ،‬أو لنّها تركت حتّى‬
‫أدركت واختمرت ‪ .‬فعلى القول الوّل يكون إطلق اسم الخمر على سائر النبذة المسكرة من‬
‫ي لما فيها من مخامرة العقل ‪.‬‬
‫باب القياس اللّغو ّ‬
‫‪ - 4‬واصطلحا ‪ :‬اختلف الفقهاء في تعريف الخمر بناءً على اختلفهم في حقيقتها في اللّغة‬
‫وإطلق الشّرع ‪ .‬فذهب أهل المدينة ‪ ،‬وسائر الحجازيّين ‪ ،‬وأهل الحديث كلّهم ‪ ،‬والحنابلة ‪،‬‬
‫وبعض الشّافعيّة إلى أنّ الخمر تطلق على ما يسكر قليله أو كثيره ‪ ،‬سوا ٌء اتّخذ من العنب أو‬
‫التّمر أو الحنطة أو الشّعير أو غيرها ‪ .‬واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كلّ‬
‫مسكرٍ خمرٌ ‪ ،‬وكلّ خمرٍ حرامٌ » ‪ .‬وبقول عمر رضي ال عنه ‪ :‬أيّها النّاس ‪ :‬إنّه نزل تحريم‬
‫الخمر ‪ ،‬وهي من خمس ٍة ‪ :‬من العنب ‪ ،‬والتّمر ‪ ،‬والعسل ‪ ،‬والحنطة ‪ ،‬والشّعير ‪ .‬والخمر ما‬
‫ن كلّ‬
‫ن القرآن لمّا نزل بتحريم الخمر فهم الصّحابة ‪ -‬وهم أهل اللّسان ‪ -‬أ ّ‬
‫خامر العقل ‪ .‬وإ ّ‬
‫شيءٍ يسمّى خمرا يدخل في النّهي ‪ ،‬فأراقوا المتّخذ من التّمر والرّطب ولم يخصّوا ذلك‬
‫ن الرّاجح من حيث اللّغة كما تقدّم هو العموم ‪ .‬ثمّ على تقدير‬
‫بالمتّخذ من العنب ‪ ،‬على أ ّ‬
‫ل مسكرٍ خمرا من‬
‫التّسليم بأنّ المراد بالخمر المتّخذ من عصير العنب خاصّ ًة ‪ .‬فإنّ تسمية ك ّ‬
‫الشّرع كان حقيق ًة شرعيّةً ‪ ،‬وهي مقدّم ٌة على الحقيقة اللّغويّة ‪ .‬وذهب أكثر الشّافعيّة ‪ ،‬وأبو‬
‫ن الخمر هي المسكر من عصير العنب إذا‬
‫يوسف ومح ّمدٌ من الحنفيّة ‪ ،‬وبعض المالكيّة إلى أ ّ‬
‫اشتدّ ‪ ،‬سوا ٌء أقذف بالزّبد أم ل ‪ ،‬وهو الظهر عند الشّرنبلليّ وذهب أبو حنيفة وبعض‬
‫الشّافعيّة إلى أنّ الخمر هي عصير العنب إذا اشتدّ ‪ .‬وقيّده أبو حنيفة وحده بأن يقذف بالزّبد‬
‫ن إطلق اسم‬
‫بعد اشتداده ‪ .‬واشترط الحنفيّة في عصير العنب كونه نيئا ‪ .‬يتبيّن ممّا سبق أ ّ‬
‫الخمر على جميع أنواع المسكرات عند الفريق الوّل من باب الحقيقة ‪ ،‬فكلّ مسك ٍر عندهم‬
‫خمرٌ ‪.‬‬
‫وأمّا الفريق الثّاني والثّالث ‪ ،‬فحقيقة الخمر عندهم عصير العنب إذا غلى واشتدّ عند الفريق‬
‫الثّاني ‪ ،‬وقذف بالزّبد عند الفريق الثّالث ‪ .‬وإطلقه على غيره من الشربة مجازٌ وليس بحقيقةٍ‬
‫‪ .‬النّوع الثّاني ‪ :‬الشربة المسكرة الخرى‬
‫ل مسكرٍ خمرا هو حقيقةٌ لغويّةٌ أو شرعّيةٌ كما علم‬
‫‪ - 5‬ذهب جماهير العلماء إلى أن يكون ك ّ‬
‫ن الخمر ما كان من عصير العنب ل يخالفون‬
‫ممّا سبق ‪ ،‬وجمهور الشّافعيّة الّذين ذهبوا إلى أ ّ‬
‫الجمهور في أنّ ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ ‪ ،‬والختلف في الطلق بين الجمهور ‪ ،‬وأكثر‬
‫الشّافعيّة لم يغيّر الحكام من وجوب الحدّ عند شرب قليله ‪ ،‬والنّجاسة ‪ ،‬وغير ذلك ممّا يتعلّق‬
‫بالخمر ‪ ،‬ما عدا مسألة تكفير مستحلّ غير الخمر ‪ ،‬فل يكفر منكر حكمه للختلف فيه ‪ ،‬كما‬
‫سيأتي كلّ ذلك مفصّلً ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّ الخمر الّتي يحرم قليلها وكثيرها ‪ ،‬ويحدّ بها ‪،‬‬
‫ويكفر مستحلّها ‪ ،‬إلى غير ذلك هي المتّخذة من عصير العنب خاصّ ًة ‪ ،‬أمّا النبذة عندهم فل‬
‫ع النّوع الوّل ‪:‬‬
‫ل إذا سكر منها ‪ .‬والشربة المحرّمة عند الحنفيّة على ثلثة أنوا ٍ‬
‫يحدّ شاربها إ ّ‬
‫الشربة المتّخذة من العنب وهي‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخمر وهي المتّخذة من عصير العنب النّيء إذا غلى واشتدّ عند أبي يوسف ومح ّمدٍ ‪،‬‬
‫وقذف بالزّبد عند أبي حنيفة ‪ .‬وبقول الصّاحبين من عدم اشتراط قذف الزّبد قال الئمّة الثّلثة‬
‫مالكٌ والشّافعيّ وأحمد ‪ .‬ولعصير العنب أنواعٌ بحسب ذهاب جزءٍ منه بالطّبخ ‪ ،‬كالباذق ‪،‬‬
‫والطّلء ‪ ،‬والمثلّث ‪ ،‬والمنصّف ول يختلف حكمها كما سيأتي بيانه ‪ .‬وفي حكم هذا النّوع ما‬
‫يتّخذ من الزّبيب ‪ ،‬وهو صنفان ‪:‬‬
‫خ حتّى تخرج حلوته إلى‬
‫‪ - 1‬نقيع الزّبيب وهو أن يترك الزّبيب في الماء من غير طب ٍ‬
‫الماء ‪ ،‬ثمّ يشتدّ ويغلي ويقذف بالزّبد عند أبي حنيفة ‪ ،‬أو لم يقذف بالزّبد عند صاحبيه ‪.‬‬
‫‪ - 2‬نبيذ الزّبيب وهو النّيء من ماء الزّبيب إذا طبخ أدنى طبخٍ وغلى واشتدّ ‪.‬‬
‫سكّر ) والبسر ( وهو الفضيخ ) ‪ .‬وفي‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬ما يتّخذ من التّمر أو الرّطب ( وهو ال ّ‬
‫حكم هذا النّوع الخليطان ‪ .‬وهو شرابٌ من ماء الزّبيب وماء التّمر أو البسر أو الرّطب‬
‫المختلطين إذا طبخا أدنى طبخٍ وإن اشتدّ ‪ ،‬ول عبرة بذهاب الثّلثين‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬نبيذ ما عدا العنب والتّمر كالعسل أو التّين أو البرّ ونحوها ‪ .‬هذه هي الشربة‬
‫المحرّمة عند الحنفيّة ‪ ،‬أمّا الخمر فبإجماع المّة ‪ ،‬وأمّا نبيذ العنب والتّمر فيحرم عند أبي‬
‫حنيفة وأبي يوسف القدر المسكر منها خلفا لمح ّمدٍ ‪ ،‬وأمّا نبيذ العسل والتّين والبرّ والشّعير‬
‫ونحو ذلك فمباحٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬بشرط ألّ يشرب لله ٍو أو طربٍ ‪ ،‬وخالفهما‬
‫مح ّمدٌ ‪ ،‬ورأيه هو المفتى به عند الحنفيّة ‪ ،‬كما سيتّضح فيما يأتي ‪.‬‬
‫أحكام الخمر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المراد بالخمر هنا جميع المسكرات جريا على مذهب الجمهور ‪ ،‬وأحكامها ما يأتي ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬تحريم شربها قليلها وكثيرها ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ثبتت حرمة الخمر بكتاب اللّه وسنّة رسوله وإجماع المّة ‪ .‬أمّا الكتاب ‪ .‬فقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫إنّما الخمر والميسر والنصاب والزلم رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون ‪ .‬إنّما‬
‫يريد الشّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ‪ ،‬ويصدّكم عن ذكر اللّه‬
‫ج وبمناسبة حوادث متعدّدةٍ ‪ ،‬فإنّهم‬
‫وعن الصّلة فهل أنتم منتهون } ‪ .‬وتحريم الخمر كان بتدري ٍ‬
‫كانوا مولعين بشربها ‪ .‬وأوّل ما نزل صريحا في التّنفير منها قوله تعالى ‪ { :‬يسألونك عن‬
‫الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للنّاس } فلمّا نزلت هذه الية تركها بعض النّاس ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ل حاجة لنا فيما فيه إثمٌ كبيرٌ ‪ ،‬ولم يتركها بعضهم ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬نأخذ منفعتها ‪ ،‬ونترك‬
‫إثمها ‪ .‬فنزلت هذه الية ‪ { :‬ل تقربوا الصّلة وأنتم سكارى } فتركها بعض النّاس ‪ ،‬وقالوا ‪:‬‬
‫ل حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصّلة ‪ ،‬وشربها بعضهم في غير أوقات الصّلة حتّى نزلت ‪:‬‬
‫{ يا أيّها الّذين آمنوا إنّما الخمر والميسر ‪ } ...‬الية ‪ .‬فصارت حراما عليهم ‪ ،‬حتّى صار‬
‫يقول بعضهم ‪ :‬ما حرّم اللّه شيئا أشدّ من الخمر‬
‫‪ - 8‬وقد أكّد تحريم الخمر والميسر بوجو ٍه من التّأكيد ‪ :‬منها ‪ :‬تصدير الجملة بإنّما ‪ .‬ومنها ‪:‬‬
‫أنّه سبحانه وتعالى قرنهما بعبادة الصنام ‪ .‬ومنها ‪ :‬أنّه جعلهما رجسا ‪ .‬ومنها ‪ :‬أنّه جعلهما‬
‫ل الشّرّ البحت ‪ .‬ومنها ‪ :‬أنّه أمر باجتنابهما ‪.‬‬
‫من عمل الشّيطان ‪ ،‬والشّيطان ل يأتي منه إ ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أنّه جعل الجتناب من الفلح ‪ ،‬وإذا كان الجتناب فلحا كان الرتكاب خيبةً وممحقةً‬
‫‪ .‬ومنها ‪ :‬أنّه ذكر ما ينتج منهما من الوبال ‪ ،‬وهو وقوع التّعادي والتّباغض من أصحاب‬
‫صدّ عن ذكر اللّه ‪ ،‬وعن مراعاة أوقات الصّلة ‪ .‬وقوله‬
‫الخمر والقمار ‪ ،‬وما يؤدّيان إليه من ال ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬فهل أنتم منتهون } من أبلغ ما ينهى به ‪ ،‬كأنّه قيل ‪ :‬قد تلي عليكم ما فيهما من‬
‫أنواع الصّوارف والموانع ‪ ،‬فهل أنتم مع هذه الصّوارف منتهون ‪ ،‬أم أنتم على ما كنتم عليه ‪،‬‬
‫كأن لم توعظوا ولم تزجروا ‪.‬‬
‫سنّة فقد وردت أحاديث كثير ٌة في تحريم الخمر قليلها وكثيرها ‪ .‬وقد قال جماهير‬
‫‪ - 9‬وأمّا ال ّ‬
‫ل شرابٍ أسكر كثيره حرم قليله ‪ ،‬فيعمّ المسكر من نقيع التّمر والزّبيب وغيرهما ‪،‬‬
‫العلماء ‪ :‬ك ّ‬
‫لما تقدّم من الية الكريمة وللحاديث الشّريفة التّالية ‪ :‬عن عائشة رضي ال عنها أنّه صلى‬
‫ب أسكر فهو حرامٌ » ‪ .‬وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬كلّ‬
‫ل شرا ٍ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ك ّ‬
‫ص أنّه صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫مسكرٍ خمرٌ ‪ ،‬وكلّ خمرٍ حرامٌ » ‪ .‬وعن سعد بن أبي وقّا ٍ‬
‫أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره » ‪ .‬وعن النّبيّ أنّه قال ‪ « :‬ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ » ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬كلّ مسكرٍ حرامٌ ‪ ،‬وما أسكر منه الفرق فملء الكفّ منه حرامٌ‬
‫ل مسكرٍ ومف ّترٍ » ‪.‬‬
‫» ‪ .‬وعن أمّ سلمة قالت ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن ك ّ‬
‫ل مسكرٍ‬
‫ن كلّ مسكرٍ حرامٌ ‪ ،‬ومنها ما يدلّ على تسمية ك ّ‬
‫فهذه الحاديث كلّها داّلةٌ على أ ّ‬
‫ل بعضها على أنّ‬
‫ل مسكرٍ خمرٌ » ‪ .‬كما يد ّ‬
‫خمرا ‪ ،‬وهو قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫المسكر حرامٌ لعينه ‪ ،‬قلّ أو كثر ‪ ،‬سكر منه شاربه أو لم يسكر ‪ ،‬وهذا عند الجمهور ‪ .‬وذهب‬
‫الحنفيّة إلى أنّ النّيء من عصير العنب إذا غلى واشتدّ عند الصّاحبين ‪ ،‬وقذف بالزّبد عند أبي‬
‫حنيفة ‪ ،‬هو الخمر الّتي يحرم شرب قليلها وكثيرها إلّ عند الضّرورة ‪ ،‬لنّها محرّمة العين ‪،‬‬
‫فيستوي في الحرمة قليلها وكثيرها ‪ .‬أمّا عصير غير العنب والتّمر ‪ ،‬أو المطبوخ منهما‬
‫بشرطه ‪ ،‬فليس حراما لعينه ‪ .‬ومن هنا فل يحرم إلّ السّكر منه كما سيأتي تفصيله ‪ .‬وأمّا‬
‫السّكر والفضيخ ونقيع الزّبيب ‪ ،‬فيحرم شرب قليلها وكثيرها باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬لما تقدّم من‬
‫الحاديث ‪ ،‬ولقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬الخمر من هاتين الشّجرتين » ‪ .‬وأشار عليه‬
‫الصلة والسلم إلى النّخلة والكرمة ‪ .‬والّذي هاهنا هو المستحقّ لسم الخمر ‪ ،‬فكان حراما ‪.‬‬
‫هذا إذا كان عصيرهما نيئا غير مطبوخٍ ‪ ،‬وغلى واشتدّ عند الصّاحبين ‪ ،‬وقذف بالزّبد عند أبي‬
‫حنيفة ‪ .‬أمّا المطبوخ من هذه الشياء فسيأتي حكمه عند الحناف ‪ .‬شرب درديّ الخمر ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم شرب درديّ الخمر ‪ ،‬ويح ّد شاربه ‪ ،‬لنّه خمرٌ بل‬
‫شكّ ‪ ،‬وسوا ٌء درديّ الخمر أو درديّ غيره ‪ ،‬وأنّه ل فرق بين الجميع ‪ ،‬ويحدّ بالثّخين منها إذا‬
‫أكله ‪ .‬وذهب الحناف إلى كراهة شرب درديّ الخمر ‪ ،‬لنّ فيه ذرّات الخمر المتناثرة ‪،‬‬
‫وقليله ككثيره ‪ ،‬ولكن ل يحدّ شارب الدّرديّ إلّ إذا سكر ‪ ،‬لنّه ل يسمّى خمرا ‪ ،‬فإذا سكر منه‬
‫وجب الحدّ عليه ‪ ،‬كما في شرب الباذق أو المنصّف ‪.‬‬
‫حكم المطبوخ من العنب أو عصيره ‪:‬‬
‫‪ - 11‬إنّ المطبوخ من عصير العنب أدنى طبخٍ ‪ ،‬بحيث ذهب منه أقلّ من الثّلثين ‪ ،‬وكان‬
‫مسكرا يحرم شرب قليله وكثيره عند الفقهاء عامّ ًة ‪ ،‬لنّه إذا ذهب أقلّ من الثّلثين بالطّبخ ‪،‬‬
‫فالحرام فيه باقٍ ‪ ،‬وهو ما زاد على الثّلث ‪ .‬أمّا إذا ذهب ثلثاه بالطّبخ ‪ ،‬وبقي ثلثه فهو حللٌ‬
‫وإن اشت ّد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ .‬وقال مح ّمدٌ ‪ :‬يحرم ‪ .‬وهذا الخلف فيما إذا قصد به‬
‫ل بالتّفاق ‪ .‬وعن مح ّمدٍ مثل قولهما ‪ .‬وعنه أنّه كره‬
‫التّقوّي ‪ ،‬أمّا إذا قصد به التّلهّي فإنّه ل يح ّ‬
‫ذلك ‪ ،‬وعنه أنّه توقّف فيه ‪ .‬هذا إذا طبخ عصير العنب ‪ ،‬فأمّا إذا طبخ العنب كما هو ‪ ،‬فقد‬
‫ن حكمه حكم العصير ل يحلّ حتّى يذهب ثلثاه ‪ .‬وروى‬
‫حكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أ ّ‬
‫ن حكمه حكم الزّبيب ‪ ،‬حتّى لو طبخ أدنى طبخ ٍة يكون بمنزلة‬
‫الحسن عن أبي حنيفة أ ّ‬
‫ن طبخه قبل عصره أبعد عن‬
‫ل منه ما دون المسكر وإن لم يذهب ثلثاه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الزّبيب ‪ ،‬أي يح ّ‬
‫صفة الخمر ‪ ،‬فلم يعتبر ذهاب الثّلثين ‪.‬‬
‫حكم المطبوخ من نبيذ التّمر ونقيع الزّبيب وسائر النبذة ‪:‬‬
‫ن ما أسكر من النّيء والمطبوخ ‪ ،‬سوا ٌء اتّخذ من‬
‫‪ - 12‬مذهب جمهور العلماء ‪ -‬كما تقدّم ‪ -‬أ ّ‬
‫العنب أو التّمر أو الزّبيب أو غيرها يحرم شرب قليله وكثيره ‪ ،‬وقد سبق ذكر أدلّتهم ‪ .‬أمّا عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬إنّ المطبوخ من نبيذ التّمر ونقيع الزّبيب أدنى طبخةٍ‬
‫‪ ،‬يحلّ شربه ول يحرم إلّ السّكر منه ‪ .‬وعن محمّ ٍد روايتان ‪ :‬الرّواية الولى ‪ :‬ل يحلّ‬
‫ل بالسّكر ‪ .‬والرّواية الثّانية ‪ :‬قال محمّدٌ ‪ :‬ل أحرّمه ‪ ،‬ولكن ل‬
‫شربه ‪ ،‬لكن ل يجب الحدّ إ ّ‬
‫ن طبخ العصير على هذه الصّفة ‪-‬‬
‫أشرب منه ‪ .‬واحتجّ أبو حنيفة وأبو يوسف لقولهما ‪ :‬بأ ّ‬
‫وهي أن يذهب أقلّ من ثلثيه ‪ -‬ل يحرم إلّ السّكر منه ‪ ،‬وإن اشتدّ وقذف بالزّبد ‪ ،‬إذا غلب‬
‫على ظنّه أنّ الشّراب ل يسكره ‪ ،‬وذلك لنّه ليس فيه قوّة السكار بنفسه ‪ .‬هذا ‪ ،‬وإن حلّ‬
‫شرب القليل الّذي ل يسكر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ليس مطلقا ‪ ،‬ولكنّه مق ّيدٌ بشروطٍ هي ‪:‬‬
‫ض صحيحٍ ‪.‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون شربه للتّقوّي ونحوه من غر ٍ‬
‫‪ - 2‬أن يشربه ل للّهو والطّرب ‪ ،‬فلو شربه للّهو أو الطّرب فقليله وكثيره حرامٌ ‪.‬‬
‫ل يشرب ما يغلب على ظنّه أنّه مسكرٌ ‪ ،‬فلو شرب حينئذٍ ‪ ،‬فيحرم القدح الخير الّذي‬
‫‪-3‬أّ‬
‫يحصل السّكر بشربه ‪ ،‬وهو الّذي يعلم يقينا ‪ ،‬أو بغالب الرّأي ‪ ،‬أو بالعادة أنّه يسكره ‪ .‬وهذا‬
‫كلّه عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬كما تقدّم ‪ ،‬ومثلهما بقيّة فقهاء العراق ‪ :‬إبراهيم النّخعيّ من‬
‫التّابعين ‪ ،‬وسفيان الثّوريّ ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪ ،‬وشريكٌ ‪ ،‬وابن شبرمة ‪ ،‬وسائر فقهاء الكوفيّين ‪،‬‬
‫ن المحرّم من غير الخمر من سائر النبذة الّتي يسكر‬
‫وأكثر علماء البصريّين ‪ ،‬فإنّهم قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫كثيرها هو السّكر نفسه ‪ ،‬ل العين ‪ ،‬وهذا إنّما هو في المطبوخ منها ‪.‬‬
‫سنّة ما يأتي ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ودليل أبي حنيفة ومن معه من ال ّ‬
‫أ ‪ -‬عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أتي بنبيذٍ‬
‫فشمّه ‪ ،‬فقطّب وجهه لشدّته ‪ ،‬ثمّ دعا بما ٍء فصبّه عليه وشرب منه »‬
‫ي قال ‪ :‬ل تنبذوا الزّهو والرّطب جميعا ‪ ،‬ول تنبذوا الرّطب والزّبيب جميعا ‪،‬‬
‫ن النّب ّ‬
‫ب‪«-‬إّ‬
‫ولكن انتبذوا كلّ واحدٍ منها على حدته » ‪ ،‬وفي لفظ البخاريّ ذكر التّمر بدل الرّطب ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫ل واحدٍ منها مباحٌ ‪.‬‬
‫ص على أنّ المتّخذ من ك ّ‬
‫وهذا ن ّ‬
‫ج ‪ -‬عن أبي سعيدٍ رضي ال عنه « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن التّمر والزّبيب‬
‫أن يخلط بينهما ‪ ،‬يعني في النتباذ » ‪ .‬وزيد في روايةٍ أنّه قال ‪ « :‬من شربه منكم فليشربه‬
‫زبيبا فردا ‪ ،‬وتمرا فردا ‪ ،‬وبسرا فردا » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬واستدلّوا على إباحة الخليطين بما روته عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كنّا ننتبذ لرسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم في سقاءٍ ‪ ،‬فنأخذ قبض ًة من تمرٍ ‪ ،‬وقبض ًة من زبيبٍ ‪ ،‬فنطرحهما فيه‬
‫‪ ،‬ثمّ نصبّ عليه الماء فننتبذه غدو ًة فيشربه عشيّ ًة ‪ ،‬وننتبذه عشيّ ًة فيشربه غدو ًة »‬
‫‪ - 14‬وأدلّتهم من الثار ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ما روي عن عمر رضي ال عنه أنّه كتب إلى عمّار بن ياسرٍ رضي ال عنه ‪ :‬إنّي أتيت‬
‫بشرابٍ من الشّام طبخ حتّى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ‪ ،‬فذهب منه شيطانه وريح جنونه ‪ ،‬وبقي‬
‫ص على أنّ الزّائد على‬
‫طيبه وحلله ‪ ،‬فمر المسلمين قبلك ‪ ،‬فليتوسّعوا به في أشربتهم ‪ .‬فقد ن ّ‬
‫الثّلث حرامٌ ‪ ،‬وأشار إلى أنّه ما لم يذهب ثلثاه فالقوّة المسكرة فيه قائم ٌة ‪ ،‬ورخّص في الشّراب‬
‫الّذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ما روي أيضا عن عمر رضي ال عنه أنّه كان يشرب النّبيذ الشّديد ‪ ،‬وأنّه هو وعليّ‬
‫وأبو عبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبلٍ وأبو الدّرداء وأبو موسى الشعريّ أحلّوا الطّلء ‪،‬‬
‫وكانوا يشربونه ‪ ،‬وهو ‪ :‬ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ‪ ،‬وقال عمر ‪ :‬هذا الطّلء مثل طلء البل ‪،‬‬
‫ثمّ أمر بشربه ‪ ،‬وكان عليّ يرزق النّاس طل ًء يقع فيه الذّباب ‪ ،‬فل يستطيع الخروج منه ‪ ،‬أي‬
‫لحلوته ‪ .‬حكم الشربة الخرى ‪:‬‬
‫ب مسكرٍ قليله وكثيره ‪ ،‬وعلى هذا فإنّ‬
‫ل شرا ٍ‬
‫ن مذهب جمهور العلماء تحريم ك ّ‬
‫‪ - 15‬تقدّم أ ّ‬
‫الشربة المتّخذة من الحبوب والعسل واللّبن والتّين ونحوها يحرم شرب قليلها إذا أسكر كثيرها‬
‫‪ ،‬وبهذا قال محمّد بن الحسن من الحنفيّة وهو المفتى به عندهم ‪ .‬وذلك للدلّة المتقدّمة من أنّ‬
‫ب مسكرٍ خمرٌ وك ّل خمرٍ حرا ٌم " وغير ذلك ‪ .‬ورأي الجمهور مرويّ عن عمر ‪،‬‬
‫ل شرا ٍ‬
‫كّ‬
‫ص ‪ ،‬وأبيّ بن كعبٍ ‪،‬‬
‫وعليّ ‪ ،‬وابن مسعودٍ ‪ ،‬وابن عمر ‪ ،‬وأبي هريرة ‪ ،‬وسعد بن أبي وقّا ٍ‬
‫وأنسٍ ‪ ،‬وعائشة ‪ ،‬وابن عبّاسٍ ‪ ،‬وجابر بن عبد اللّه ‪ ،‬والنّعمان بن بشيرٍ ‪ ،‬ومعاذ بن جبلٍ ‪،‬‬
‫وغيرهم من فقهاء الصّحابة رضي ال عنهم ‪ .‬وبذلك قال ابن المسيّب ‪ ،‬وعطاءٌ ‪ ،‬وطاوسٌ‬
‫ومجاهدٌ ‪ ،‬والقاسم ‪ ،‬وقتادة ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وأبو ثورٍ ‪ ،‬وأبو عبيدٍ ‪ ،‬وإسحاق بن‬
‫راهويه ‪ ،‬والوزاعيّ ‪ ،‬وجمهور فقهاء الحجاز ‪ ،‬وجمهور المحدّثين عن فقهاء التّابعين ومن‬
‫بعدهم ‪ .‬تفصيلتٌ لبعض المذاهب في بعض الشربة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬اختلف المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في حكم بعض الشربة غير المسكرة في تقديرهم ‪،‬‬
‫كالخليطين ‪ ،‬والنّبيذ ‪ ،‬والفقّاع ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الخليطان ‪ :‬ذهب المالكيّة إلى تحريم الخليطين من الشياء الّتي من شأنها أن تقبل‬
‫النتباذ ‪ ،‬كالبسر والرّطب ‪ ،‬والتّمر والزّبيب ولو لم يشتدّا ‪ ،‬لنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم‬
‫« نهى أن ينبذ الرّطب والبسر جميعا » ‪ .‬والنّهي يقتضي التّحريم ‪ ،‬إذا لم يكن هناك قرينةٌ‬
‫تصرفه إلى غير ذلك كالكراهة ‪ .‬أي أخذا بظاهر هذا الحديث وغيره يحرم الخليطان ‪ ،‬وإن لم‬
‫يكن الشّراب منهما مسكرا سدّا للذّرائع ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكره من غير المسكر ‪ :‬المنصّف ‪،‬‬
‫وهو ما يعمل من تمرٍ ورطبٍ ‪ ،‬والخليط ‪ :‬وهو ما يعمل من بسرٍ ورطبٍ ‪ ،‬لنّ السكار‬
‫ن الشّارب أنّه ليس بمسكرٍ ‪ ،‬ويكون مسكرا ‪،‬‬
‫يسرع إلى ذلك بسبب الخلط قبل أن يتغيّر ‪ ،‬فيظ ّ‬
‫ل ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يكره الخليطان ‪ ،‬وهو أن ينبذ‬
‫فإن أمن سكره ولم تكن فيه شدّ ٌة مطرب ٌة فيح ّ‬
‫في الماء شيئان ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن الخليطين وعن أحمد ‪ :‬الخليطان‬
‫حرامٌ ‪ ،‬قال القاضي ‪ :‬يعني أحمد بقوله ‪ ( :‬هو حرامٌ ) ‪ .‬إذا اشت ّد وأسكر ‪ ،‬وهذا هو الصّحيح‬
‫إن شاء اللّه ‪ ،‬وإنّما نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعلّة إسراعه إلى السّكر المحرّم ‪ ،‬فإذا لم‬
‫يوجد لم يثبت التّحريم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّبيذ غير المسكر ‪:‬‬
‫‪ - 17‬قال الحنابلة وغيرهم ‪ :‬ل يكره إذا كانت مدّة النتباذ قريب ًة أو يسيرةً ‪ ،‬وهي يومٌ وليلةٌ ‪.‬‬
‫أمّا إذا بقي النّبيذ مدّ ًة يحتمل فيها إفضاؤه إلى السكار ‪ ،‬فإنّه يكره ‪ ،‬ول يثبت التّحريم عند‬
‫المالكيّة والشّافعيّة إلّ بالسكار ‪ ،‬فلم يعتبروا المدّة أو الغليان ‪ .‬ول يثبت التّحريم عند الحنابلة‬
‫ما لم يغل العصير ‪ ،‬أو تمض عليه مدّة ثلثة أيّامٍ بلياليها ‪ .‬وإن طبخ العصير أو النّبيذ قبل‬
‫فورانه واشتداده ‪ ،‬أو قبل أن تمضي عليه ثلثة أيّامٍ حتّى صار غير مسكرٍ كالدّبس ‪ ،‬ونحوه‬
‫من المربّيات ‪ ،‬وشراب الخرّوب ‪ ،‬فهو مباحٌ ‪ ،‬لنّ التّحريم إنّما ثبت في المسكر ‪ ،‬فبقي ما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان‬
‫ن النّب ّ‬
‫عداه على أصل الباحة ‪ .‬واستدلّوا بحديث ابن عبّاسٍ « أ ّ‬
‫ينقع له الزّبيب ‪ ،‬فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثّالثة ‪ ،‬ثمّ يأمر به فيسقى أو يهراق‬
‫»‪.‬‬
‫النتباذ في الوعية ‪:‬‬
‫‪ - 18‬النتباذ ‪ :‬اتّخاذ النّبيذ المباح ‪ ،‬وقد اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز النتباذ في الوعية‬
‫المصنوعة من جلدٍ ‪ ،‬وهي السقية ‪ ،‬واختلفوا فيما سواها ‪ .‬فذهب الحنفيّة إلى جواز النتباذ‬
‫في كلّ شي ٍء من الواني ‪ ،‬سوا ٌء ال ّدبّاء والحنتم والمزفّت والنّقير ‪ ،‬وغيرها ‪ ،‬لنّ الشّراب‬
‫الحاصل بالنتباذ فيها ليست فيه شدّ ٌة مطرب ٌة ‪ ،‬فوجب أن يكون النتباذ في هذه الوعية‬
‫وغيرها مباحا ‪ .‬وما ورد من النّهي عن النتباذ في هذه الوعية منسوخٌ بقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬كنت نهيتكم عن الشربة في ظروف الدم ‪ ،‬فاشربوا في كلّ وعاءٍ ‪ ،‬غير أل‬
‫تشربوا مسكرا » وفي رواي ٍة « نهيتكم عن الظّروف ‪ ،‬وإنّ ظرفا ل يحلّ شيئا ول يحرّمه ‪،‬‬
‫وكلّ مسكرٍ حرامٌ » فهذا إخبارٌ صريحٌ عن النّهي عنه فيما مضى ‪ ،‬فكان هذا الحديث ناسخا‬
‫للنّهي ‪ .‬ويدلّ عليه أيضا ما روى أحمد عن أنسٍ ‪ ،‬قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم عن النّبيذ في ال ّدبّاء والنّقير والحنتم والمزفّت » ‪ ،‬ثمّ قال بعد ذلك ‪ « :‬أل كنت نهيتكم‬
‫عن النّبيذ في الوعية ‪ ،‬فاشربوا فيما شئتم ‪ ،‬ول تشربوا مسكرا ‪ ،‬من شاء أوكى سقاءه على‬
‫إثمٍ » والقول بنسخ النتباذ في الوعية المذكورة هو قول جمهور الفقهاء ‪ ،‬ومنهم الشّافعيّة‬
‫والحنابلة في الصّحيح عندهم ‪ ،‬فل يحرم ول يكره النتباذ في أيّ وعا ٍء ‪ .‬وقال جماعةٌ منهم‬
‫ابن عمر وابن عبّاسٍ ومالكٌ وإسحاق ‪ :‬يكره النتباذ في ال ّدبّاء والمزفّت ‪ ،‬وعليهما اقتصر‬
‫مالكٌ ‪ ،‬فل يكره النتباذ في غير ال ّدبّاء والمزفّت ‪.‬‬
‫وكره أحمد في روايةٍ والثّوريّ النتباذ في ال ّدبّاء والحنتم والنّقير والمزفّت ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم نهى عن النتباذ فيها ‪ ،‬فالنّهي عند هؤلء باقٍ ‪ ،‬سدّا للذّرائع ‪ ،‬لنّ هذه الوعية‬
‫تعجّل شدّة النّبيذ ‪.‬‬
‫حالت الضطرار ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ما سبق من تحريم الخمر أو النبذة عند السكار إنّما هو في الحوال العاديّة ‪ .‬أمّا عند‬
‫الضطرار فإنّ الحكم يختلف ‪ ،‬ويرخّص شرعا تناول الخمر ‪ ،‬ولكن بمعياره الشّرعيّ الّذي‬
‫تباح به المحرّمات ‪ ،‬كضرورة العطش ‪ ،‬أو الغصص ‪ ،‬أو الكراه ‪ ،‬فيتناول المضط ّر بقدر ما‬
‫تندفع به الضّرورة ‪ ،‬وهذا ليس مجمعا على جميعه ‪ ،‬بل فيه خلفٌ بين الفقهاء على النّحو‬
‫التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكراه ‪:‬‬
‫‪ - 20‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز شرب الخمر عند الكراه ‪ ،‬لقوله‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إنّ اللّه تجاوز عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » إلّ‬
‫ل آكل حرامٍ أو شاربه ‪-‬‬
‫أنّ الشّافعيّة مع قولهم بالجواز ألزموا شارب الخمر عند الكراه ‪ -‬وك ّ‬
‫أن يتقيّأه إن أطاقه ‪ ،‬لنّه أبيح شربه للكراه ‪ ،‬ول يباح بقاؤه في البطن بعد زوال السّبب ‪.‬‬
‫ولزيادة التّفصيل راجع مصطلح ‪ ( :‬إكراهٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغصص أو العطش ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يجوز للمضطرّ شرب الخمر إن لم يجد غيرها ( ولو ما ًء نجسا كما صرّح به المالكيّة‬
‫والحنابلة ) لساغة لقم ٍة غصّ بها ‪ ،‬باتّفاق فقهاء المذاهب الربعة ‪ ،‬خلفا لبن عرفة من‬
‫المالكيّة الّذي يرى أنّ ضرورة الغصص تدرأ الح ّد ول تمنع الحرمة ‪ .‬وإنّما حلّت عند غيره‬
‫من الفقهاء لدفع الغصص إنقاذا للنّفس من الهلك ‪ ،‬والسّلمة بذلك قطعيّ ٌة ‪ ،‬وهي من قبيل‬
‫الرّخصة الواجبة عند الشّافعيّة ‪ .‬أمّا شرب الخمر لدفع العطش ‪ ،‬فذهب الحنفيّة ‪ -‬وهو قولٌ‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى جواز شربها في حالة الضّرورة ‪ ،‬كما يباح للمضطرّ تناول‬
‫يقابل الص ّ‬
‫الميتة والخنزير ‪ ،‬وقيّدها الحنفيّة بقولهم ‪ :‬إن كانت الخمر تردّ ذلك العطش ومفهومه أنّها إن‬
‫لم تردّ العطش ل يجوز ‪ .‬وذهب المالكيّة ‪ -‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى تحريم شربها‬
‫لدفع العطش ‪ ،‬قال المالكيّة ‪ :‬لنّها ل تزيل العطش ‪ ،‬بل تزيده حرارةً لحرارتها ويبوستها ‪.‬‬
‫وقيّد الحنابلة حرمة شربها بكونها صرفا ‪ ،‬أي غير ممزوج ٍة بما يروي من العطش ‪ ،‬فإن‬
‫مزجت بما يروي من العطش جاز شربها لدفع الضّرورة ‪ .‬وأمّا ضرورة التّداوي فسيأتي‬
‫بيانها في أواخر هذا البحث ‪.‬‬
‫الثّاني من أحكام الخمر ‪ :‬أنّه يكفر مستحلّها ‪:‬‬
‫سنّة والجماع ‪ ،‬كما سبق ‪.‬‬
‫‪ - 22‬لقد ثبتت حرمة الخمر بدليلٍ قطعيّ ‪ ،‬وهو القرآن الكريم وال ّ‬
‫فمن استحلّها فهو كافرٌ مرتدّ حلل الدّم والمال ‪ .‬وللتّفصيل في ذلك انظر مصطلح ‪ ( :‬ردّةٌ ) ‪.‬‬
‫ن الخمر الّتي يكفر مستحلّها هي ما اتّخذ من عصير العنب ‪ ،‬أمّا ما أسكر من غير‬
‫هذا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن حرمتها دون حرمة‬
‫عصير العنب النّيء فل يكفر مستحلّه ‪ ،‬وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل قطعيّ ‪ ،‬وهذه ثبتت حرمتها بدلي ٍل ظنّيّ غير مقطوعٍ به من أخبار الحاد‬
‫الخمر الثّابتة بدلي ٍ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وآثار الصّحابة ‪.‬‬
‫عن النّب ّ‬
‫الثّالث عقوبة شاربها ‪:‬‬
‫سنّة ‪ ،‬فقد وردت أحاديث كثير ٌة في حدّ شارب الخمر ‪ ،‬منها ما‬
‫‪ - 23‬ثبت حدّ شارب الخمر بال ّ‬
‫روي عن أنسٍ « أنّ النّبيّ أتي برجلٍ قد شرب الخمر ‪ ،‬فجلده بجريدتين نحو أربعين » ‪ .‬قال‬
‫‪ :‬وفعله أبو بكرٍ ‪ ،‬فلمّا كان عمر استشار النّاس ‪ ،‬فقال عبد الرّحمن ‪ :‬أخفّ الحدود ثمانون ‪،‬‬
‫فأمر به عمر ‪ .‬وعن السّائب بن يزيد قال ‪ « :‬كنّا نؤتى بالشّارب في عهد رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم وإمرة أبي بكرٍ ‪ ،‬فصدرا من خلفة عمر ‪ ،‬فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا ‪،‬‬
‫حتّى كان آخر إمرة عمر ‪ ،‬فجلد أربعين ‪ ،‬حتّى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين » ‪ .‬وقد أجمع‬
‫الصّحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر ‪ ،‬ثمّ اختلفوا في مقداره ما بين أربعين أو ثمانين‬
‫‪ .‬والجمهور على القول بالثّمانين ‪ .‬وتفصيله في ( حدّ الشّرب ) ‪ .‬وعلى هذا يحدّ عند الجمهور‬
‫شارب الخمر سوا ٌء أسكر أم لم يسكر ‪ ،‬وكذا شارب كلّ مسكرٍ ‪ ،‬سوا ٌء أشرب كثيرا أم قليلً ‪.‬‬
‫والمفتى به عند الحنفيّة أنّه يحدّ من شرب الخمر قليلها أو كثيرها ‪ ،‬وكذا يح ّد من سكر من‬
‫شرب غيرها ‪.‬‬
‫ضابط السّكر ‪:‬‬
‫ن السّكران هو الّذي‬
‫‪ - 24‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة وغيرهم إلى أ ّ‬
‫يكون غالب كلمه الهذيان ‪ ،‬واختلط الكلم ‪ ،‬لنّ هذا هو السّكران في عرف النّاس وعاداتهم‬
‫‪ ،‬فإنّ السّكران في متعارف النّاس اس ٌم لمن هذى ‪ ،‬وإليه أشار المام عليّ رضي ال عنه‬
‫بقوله ‪ :‬إذا سكر هذى ‪ ،‬وإذا هذى افترى ‪ ،‬وحدّ المفتري ثمانون ‪ .‬فحدّ السّكر الّذي يمنع‬
‫صحّة العبادات ‪ ،‬ويوجب الفسق على شارب النّبيذ ونحوه هو الّذي يجمع بين اضطراب الكلم‬
‫ن منكسرٍ ‪ ،‬ومعنًى غير منتظمٍ‬
‫فهما وإفهاما ‪ ،‬وبين اضطراب الحركة مشيا وقياما ‪ ،‬فيتكلّم بلسا ٍ‬
‫‪ ،‬ويتصرّف بحركة مختبطٍ ‪ ،‬ومشي متمايلٍ ‪ ،‬وما زاد على ذلك ممّا يذكره المام أبو حنيفة‬
‫ن السّكر الّذي يتعلّق به وجوب‬
‫فهو زياد ٌة في ح ّد السّكر أي مقداره ‪ .‬وذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫الحدّ هو الّذي يزيل العقل بحيث ل يفهم السّكران شيئا ‪ ،‬ول يعقل منطقا ‪ ،‬ول يفرّق بين‬
‫الرّجل والمرأة ‪ ،‬والرض والسّماء ‪ ،‬لنّ الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها ‪ ،‬درءا للحدّ ‪،‬‬
‫لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم » وقول الصّاحبين‬
‫أبي يوسف ومح ّمدٍ مال إليه أكثر المشايخ من الحنفيّة ‪ ،‬وهو المختار للفتوى عندهم ‪ .‬قال في‬
‫ال ّدرّ ‪ :‬يختار للفتوى لضعف دليل المام ‪.‬‬
‫طرق إثبات السّكر ‪:‬‬
‫ن إثبات الشّرب الموجب لعقوبة الح ّد لجل إقامته على الشّارب بواسطة الشّهادة أو‬
‫‪ - 25‬إ ّ‬
‫القرار أو القيء ونحوها تفصيله في ح ّد شرب الخمر ‪ .‬وانظر مصطلح ( إثباتٌ ) ‪.‬‬
‫حرمة تملّك وتمليك الخمر ‪:‬‬
‫ي سببٍ من أسباب الملك الختياريّة أو‬
‫‪ - 26‬يحرم على المسلم تملّك أو تمليك الخمر بأ ّ‬
‫الراديّة ‪ ،‬كالبيع والشّراء والهبة ونحو ذلك ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إنّ الّذي حرّم‬
‫شربها حرّم بيعها » ‪ .‬وعن جابرٍ قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬إنّ‬
‫اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام » أمّا إذا كان التّملّك للخمر بسببٍ‬
‫جبريّ كالرث ‪ ،‬فإنّها تدخل في ملكه وتورث ‪ ،‬كما إذا كانت ملكا لذ ّميّ فأسلم ‪ ،‬أو تخمّر عند‬
‫المسلم عصير العنب قبل تخلّله ‪ ،‬ثمّ مات والخمر في حوزته ‪ ،‬فإنّها تنتقل ملكيّتها إلى وارثه‬
‫بسببٍ غير إراديّ ‪ ،‬فل يكون ذلك من باب التّملّك والتّمليك الختياريّ المنهيّ عنه ‪ .‬وينبني‬
‫على ما تقدّم أنّ الخمر هل هي مالٌ أو ل ؟ اختلف العلماء في ذلك ‪ :‬فذهب الحنفيّة في الصحّ‬
‫ح ‪ ،‬وتضمن إذا أتلفت‬
‫عندهم ‪ ،‬والمالكيّة إلى أنّها مالٌ متق ّومٌ ‪ ،‬لكن يجوز إتلفها لغرضٍ صحي ٍ‬
‫لذ ّميّ ‪ .‬في حين ذهب الحنفيّة ‪ -‬في مقابل الصحّ ‪ -‬والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها ليست بمالٍ ‪،‬‬
‫وعلى هذا فيجوز إتلفها ‪ ،‬لمسلمٍ كانت أو ذ ّميّ ‪ .‬أمّا غير الخمر من المسكر المائع ‪ ،‬فذهب‬
‫الجمهور ومح ّمدٌ من الحنفيّة إلى أنّه ل يجوز إتلفه خلفا لبي حنيفة وأبي يوسف وللتّفصيل‬
‫انظر في ذلك مصطلحي ( بيعٌ ) ( وإتلفٌ ) ‪.‬‬
‫ضمان إتلف الخمر أو غصبها ‪:‬‬
‫ن الخمر إن كانت لمسل ٍم فل يضمن متلفها ‪ ،‬واختلفوا في ضمان من‬
‫‪ - 27‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫أتلف خمر ال ّذ ّميّ ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى القول بالضّمان ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى‬
‫القول بعدم الضّمان ‪ ،‬لنتفاء تقوّمها كسائر النّجاسات واتّفقوا أيضا على أنّه ل تراق الخمرة‬
‫المغصوبة من مسلمٍ إذا كانت محترم ًة ‪ -‬وهي الّتي عصرت ل بقصد الخمريّة ‪ ،‬وإنّما بقصد‬
‫التّخليل ‪ -‬وتردّ إلى المسلم ‪ ،‬لنّ له إمساكها لتصير خلّ ‪ .‬والضّمان هنا إذا وجب على‬
‫المسلم ‪ ،‬فإنّه يكون بالقيمة عند الحنفيّة والمالكيّة ل بالمثل ‪ ،‬لنّ المسلم ممنوعٌ عن تمليكه‬
‫وتملّكه إيّاها ‪ ،‬لما فيه من إعزازها ‪ .‬وإذا وجب لذمّيّ على ذ ّميّ ‪ ،‬فقد صرّح الحنفيّة بأنّه‬
‫يكون بالمثل ‪ .‬وينظر أيضا مصطلح ( إتلفٌ ) ( وضمانٌ ) ‪.‬‬
‫حكم النتفاع بالخمر ‪:‬‬
‫‪ - 28‬ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم النتفاع بالخمر للمداواة ‪ ،‬وغيرها من أوجه النتفاع ‪،‬‬
‫ن ‪ .‬واحتجّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وإنّ‬
‫كاستخدامها في دهنٍ ‪ ،‬أو طعامٍ ‪ ،‬أو بل طي ٍ‬
‫ن طارق بن‬
‫اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » ‪ .‬وأخرج مسلمٌ في صحيحه وغيره « أ ّ‬
‫سوي ٍد رضي ال عنه سأل النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الخمر فنهاه ‪ -‬أو كره أن يصنعها ‪-‬‬
‫فقال ‪ :‬إنّما أصنعها للدّواء ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّه ليس بدواءٍ ‪ ،‬ولكنّه دا ٌء » ‪ .‬وقال الجمهور ‪ :‬يحدّ من‬
‫ن التّداوي بالخمر حرامٌ في الصحّ إذا كانت صرفا غير‬
‫شربها لدوا ٍء ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ممزوج ٍة بشيءٍ آخر تستهلك فيه ‪ ،‬ويجب الحدّ ‪ .‬أمّا إذا كانت ممزوجةً بشيءٍ آخر تستهلك فيه‬
‫‪ ،‬فإنّه يجوز التّداوي به عند فقد ما يقوم به التّداوي من الطّاهرات ‪ ،‬وحينئذٍ تجري فيه قاعدة‬
‫الضّرورة الشّرعيّة ‪.‬‬
‫ب مسلمٍ عدلٍ بذلك ‪ ،‬أو معرفته‬
‫وإذا يجوز التّداوي بذلك لتعجيل شفا ٍء ‪ ،‬بشرط إخبار طبي ٍ‬
‫ي إلى‬
‫للتّداوي به ‪ ،‬وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلً ل يسكر ‪ .‬وذهب المام النّوو ّ‬
‫الجزم بحرمتها فقال ‪ :‬المذهب الصّحيح تحريم الخمر للتّداوي ‪.‬‬
‫حكم سقيها لغير المكلّفين ‪:‬‬
‫‪ - 29‬يحرم على المسلم المكلّف أن يسقي الخمر الصّبيّ ‪ ،‬أو المجنون ‪ ،‬فإن أسقاهم فالثم‬
‫جهٌ إلى البالغ العاقل ‪.‬‬
‫ن خطاب التّحريم متو ّ‬
‫عليه ل على الشّارب ‪ ،‬ول حدّ على الشّارب ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقد قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الخمر أمّ الخبائث » وقال ‪ « :‬لعن اللّه الخمر وشاربها‬
‫وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها » ‪.‬‬
‫ويحرم أيضا على المسلم أن يسقي الخمر للدّوابّ صرّح بذلك المالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الحتقان أو الستعاط بالخمر ‪:‬‬
‫‪ - 30‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره تحريما الحتقان بالخمر ( بأخذها حقن ًة شرجيّ ًة ) أو جعلها‬
‫في سعوطٍ ‪ ،‬لنّه انتفاعٌ بالمحرّم النّجس ‪ ،‬ولكن ل يجب الحدّ ‪ ،‬لنّ الح ّد مرتبطٌ بالشّرب ‪،‬‬
‫فهو سبب تطبيق الحدّ ‪ .‬ويلحظ ‪ -‬كما سبق ‪ -‬أنّه يستوجب عقوب ًة أخرى زاجرةً بطريق‬
‫التّعزير ‪ .‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الحتقان بها يعتبر حراما ‪ .‬وخلفهم مع الحنفيّة‬
‫إنّما هو في التّسمية ‪ ،‬فالحنفيّة يسمّون ما طلب الشّارع تركه على وجه الحتم واللزام بدليلٍ‬
‫ظ ّنيّ مكروها تحريما ‪ ،‬والجمهور يسمّونه حراما ‪ .‬وهم يوافقون الحنفيّة في أنّه ل حدّ في‬
‫ن النّفس ل‬
‫ن الحدّ للزّجر ‪ ،‬ول حاجة للزّجر في هذه الحالة ‪ ،‬ل ّ‬
‫حالة الحتقان بالخمر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ترغب في مثل ذلك عادةً ‪ .‬ولكنّ الحنابلة قالوا بوجوب الحدّ في حالة الستعاط ‪ ،‬لنّ الشّخص‬
‫أوصل الخمر إلى باطنه من حلقه ‪.‬‬
‫حكم مجالسة شاربي الخمر ‪:‬‬
‫‪ - 31‬يحرم مجالسة شرّاب الخمر وهم يشربونها ‪ ،‬أو الكل على مائدة يشرب عليها شيءٌ من‬
‫المسكرات خمرا كان أو غيره ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان يؤمن باللّه‬
‫واليوم الخر فل يقعد على مائدةٍ يشرب عليها الخمر » ‪.‬‬
‫نجاسة الخمر ‪:‬‬
‫ن الخمر نجس ٌة نجاسةً مغلّظةً ‪ ،‬كالبول والدّم لثبوت حرمتها‬
‫‪ - 32‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫وتسميتها رجسا ‪ .‬كما ورد في القرآن الكريم ‪ { :‬إنّما الخمر والميسر والنصاب والزلم‬
‫رجسٌ ‪ } ...‬والرّجس في اللّغة ‪ :‬الشّيء القذر والنّتن ‪ .‬أمّا الشربة الخرى المختلف فيها‬
‫فالحكم بالحرمة يستتبع عندهم الحكم بنجاستها ‪ .‬وذهب بعض الفقهاء ‪ ،‬منهم ربيعة شيخ مالكٍ‬
‫والصّنعانيّ والشّوكانيّ ‪ ،‬إلى طهارتها ‪ ،‬تمسّكا بالصل ‪ ،‬وحملوا الرّجس في الية على‬
‫القذارة المعنويّة ‪ .‬أمّا البهيمة إذا سقيت خمرا ‪ ،‬فهل تحلّ أو تحرم لجل الخمر ؟ في المسألة‬
‫تفصيلٌ ينظر في مصطلح ( أطعمةٌ ) ‪.‬‬
‫أثر تخلّل الخمر وتخليلها ‪:‬‬
‫ل ذلك الخلّ بل خلفٍ بين الفقهاء ‪ .‬لقوله‬
‫‪ - 33‬إذا تخلّلت الخمر بنفسها بغير قصد التّخليل يح ّ‬
‫ل » ‪ .‬ويعرف التّخلّل بالتّغيّر من المرارة إلى الحموضة‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نعم الدم الخ ّ‬
‫‪ ،‬بحيث ل يبقى فيها مرار ٌة أصلً عند أبي حنيفة ‪ ،‬حتّى لو بقي فيها بعض المرارة ل يحلّ‬
‫ل بعد تكامل معنى الخليّة فيه ‪ .‬كما ل يصير العصير‬
‫شربها ‪ ،‬لنّ الخمر عنده ل تصير خلّ إ ّ‬
‫خمرا إلّ بعد تكامل معنى الخمريّة ‪ .‬وقال الصّاحبان ‪ :‬تصير الخمر خلّ بظهور قليلٍ من‬
‫الحموضة فيها ‪ ،‬اكتفا ًء بظهور الخّليّة فيه ‪ ،‬كما أنّ العصير يصير خمرا بظهور دليل الخمريّة‬
‫‪ ،‬كما أشرنا في بيان مذهبهما ‪.‬‬
‫تخليل الخمر بعلجٍ ‪:‬‬
‫‪ - 34‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو روايةٌ عن مالكٍ ل يحلّ تخليل الخمر بالعلج كالخلّ‬
‫والبصل والملح ‪ ،‬أو إيقاد نارٍ عندها ‪ ،‬ول تطهر حينئذٍ ‪ ،‬لنّنا مأمورون باجتنابها ‪ ،‬فيكون‬
‫ن الشّيء‬
‫التّخليل اقترابا من الخمر على وجه التّموّل ‪ ،‬وهو مخالفٌ للمر بالجتناب ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه‬
‫المطروح في الخمر يتنجّس بملقاتها فينجّسها بعد انقلبها خلّ ‪ ،‬ول ّ‬
‫وسلم أمر بإهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها ‪ .‬وعن « أبي طلحة أنّه سأل النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم عن أيتامٍ ورثوا خمرا ‪ ،‬فقال ‪ :‬أهرقها ‪ ،‬قال ‪ :‬أفل أخلّلها ؟ قال ‪ :‬ل »‬
‫وعن ابن عبّاسٍ « أهدى رجلٌ لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم راوية خمرٍ ‪ ،‬فقال له رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أما علمت أنّ اللّه حرّمها ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬فسارّه رجلٌ إلى جنبه ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬بم ساررته ؟ فقال ‪ :‬أمرته أن يبيعها ‪ ،‬فقال له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّ‬
‫الّذي حرّم شربها حرّم بيعها ‪ ،‬ففتح الرّجل المزادتين حتّى ذهب ما فيهما » ‪ .‬فقد أراق الرّجل‬
‫ما في المزادتين بحضرة النّبيّ صلى ال عليه وسلم ولم ينكر عليه ‪ ،‬ولو جاز تخليلها لما أباح‬
‫ي يقتضي التّحريم ‪ ،‬ولو كان إلى استصلحها سبيلٌ‬
‫له إراقتها ‪ ،‬ولنبّهه على تخليلها ‪ .‬وهذا نه ٌ‬
‫مشروعٌ لم تجز إراقتها ‪ ،‬بل أرشدهم إليه ‪ ،‬سيّما وهي ليتامٍ يحرم التّفريط في أموالهم ‪.‬‬
‫واستدلّوا أيضا بإجماع الصّحابة ‪ -‬كما يقولون ‪ -‬فقد روى أسلم عن عمر رضي ال عنه أنّه‬
‫صعد المنبر فقال ‪ (:‬ل تأكل خلّ من خمرٍ أفسدت ‪ ،‬حتّى يبدأ اللّه تعالى إفسادها ‪ ،‬وذلك حين‬
‫ل من أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنّهم تعمّدوا‬
‫ل ‪ ،‬ول بأس على امرئٍ أصاب خ ّ‬
‫طاب الخ ّ‬
‫ن للحكم بين النّاس على‬
‫إفسادها فعند ذلك يقع النّهي )‪ .‬وهذا قولٌ يشتهر بين النّاس لنّه إعل ٌ‬
‫المنبر ‪ ،‬فلم ينكر أحدٌ ‪ .‬وبه قال الزّهريّ ‪ .‬وظاهر الرّواية عند الحنفيّة ‪ ،‬والرّاجح عند‬
‫المالكيّة أنّه يحلّ شربها ‪ ،‬ويكون التّخليل جائزا أيضا ‪ ،‬لنّه إصلحٌ ‪ ،‬والصلح مباحٌ ‪ ،‬قياسا‬
‫على دبغ الجلد ‪ ،‬فإنّ الدّباغ يطهّره ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أيّما إهابٍ دبغ فقد طهر‬
‫ل الخمر » فأجاز النّبيّ صلى ال‬
‫» وقال عن جلد الشّاة الميتة ‪ « :‬إنّ دباغها يحلّه كما يحلّ خ ّ‬
‫ل شرعا ‪ ،‬بدليل قوله صلى ال عليه وسلم أيضا ‪« :‬‬
‫عليه وسلم التّخليل ‪ ،‬كما ثبت حلّ الخ ّ‬
‫خير خلّكم خلّ خمركم » وبدليل قوله الّذي سبق ذكره أيضا ‪ « :‬نعم الدم الخلّ » ‪ ،‬فإنّه لم‬
‫يفرّق بين التّخلّل بنفسه والتّخليل ‪ ،‬فالنّصّ مطلقٌ ‪ .‬ولنّ التّخليل يزيل الوصف المفسد ‪،‬‬
‫ويجعل في الخمر صفة الصّلح ‪ ،‬والصلح مباحٌ ‪ ،‬لنّه يشبه إراقة الخمر ‪ .‬وفي روايةٍ ثالثةٍ‬
‫عن مالكٍ ‪ -‬وهي المشهورة ‪ -‬أنّه على سبيل الكراهة ‪.‬‬
‫تخليل الخمر بنقلها ‪ ،‬أو بخلطها بخلّ ‪:‬‬
‫‪ - 35‬إذا نقلت الخمر من الظّلّ إلى الشّمس ‪ ،‬أو بالعكس ‪ ،‬ولو بقصد التّخليل ‪ ،‬فتخلّلت يحلّ‬
‫ل الحاصل عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ .‬والصّحيح عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه لو وقعت الشّمس‬
‫الخ ّ‬
‫ل ‪ ،‬كرفع سقفٍ كان فوقها ‪ ،‬ل يحلّ نقلها ‪ .‬وعلّل الشّافعيّة الحلّ بقولهم ‪:‬‬
‫على الخمر بل نق ٍ‬
‫شدّة المطربة ( أي السكار ) الّتي هي علّة النّجاسة والتّحريم ‪ ،‬قد زالت من غير أن‬
‫ن ال ّ‬
‫لّ‬
‫تعقّب نجاسةً في الوعاء ‪ ،‬فتطهر ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن نقلت الخمر من موضعٍ إلى آخر ‪،‬‬
‫فتخلّلت من غير أن يلقى فيها شيءٌ ‪ ،‬فإن لم يكن قصد تخليلها حلّت بذلك ‪ ،‬لنّها تخلّلت بفعل‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر ‪ ،‬لنّه ل فرق بينهما إلّ القصد ‪ ،‬فل‬
‫يقتضي تحريمها ‪.‬‬
‫ل تطهر ‪ ،‬لنّها خلّلت بفعلٍ ‪ ،‬كما لو ألقي فيها شيءٌ ‪.‬‬
‫ويحتمل أ ّ‬
‫إمساك الخمر لتخليلها ‪:‬‬
‫‪ - 36‬اختلفوا في جواز إمساك الخمر بقصد تخليلها ‪ .‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى جوازه ‪،‬‬
‫ل عندهم حللٌ طاهرٌ ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى تحريم إمساك الخمر بقصد تخليلها ‪ ،‬لكن‬
‫وهذا الخ ّ‬
‫ل عندهم للخلّل إمساك الخمر ليتخلّل ‪ ،‬لئلّ يضيع ماله ‪.‬‬
‫يح ّ‬
‫طهارة الناء ‪:‬‬
‫‪ - 37‬إذا تخلّلت الخمرة وطهرت ‪ -‬حسب اختلف أقوال العلماء السّابقة في طهارتها أو‬
‫ن الناء الّذي فيه الخمر يطهر أعله وأسفله عند أكثرهم ‪ .‬وهناك اختلفٌ عند‬
‫نجاستها ‪ -‬فإ ّ‬
‫المالكيّة حول طهارة أعلى الناء ‪ ،‬لكن في حاشية الدّسوقيّ الجزم بالطّهارة ‪ .‬أمّا الحنفيّة‬
‫ن أعلى الناء يطهر تبعا ‪ .‬وذهب بعضهم إلى أنّ أعله ل يطهر ‪،‬‬
‫فالمفتى به في مذهبهم أ ّ‬
‫لنّه خمرٌ يابس ٌة إلّ إذا غسل بالخلّ ‪ ،‬فتخلّل من ساعته فيطهر ‪.‬‬
‫إشعارٌ*‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشعار ‪ :‬العلم ‪ ،‬يقال أشعر البدنة ‪ :‬أعلمها ‪ ،‬وذلك بأن يشقّ جلدها ‪ ،‬أو يطعنها في‬
‫سنامها في أحد الجانبين بمبضعٍ أو نحوه ‪ ،‬ليعرف أنّها هديٌ ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن‬
‫هذا المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّقليد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّقليد ‪ :‬وهو للبدنة ‪ ،‬أن يعلّق في عنقها شيءٌ من نعلٍ أو نحوه ‪ ،‬ليعلم أنّها هديٌ ‪ ،‬فليس‬
‫في التّقليد خروج دمٍ ‪ .‬والفرق ظاهرٌ ‪.‬‬
‫صفته الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اختلف الفقهاء في حكم إشعار بدن الهدي وهي البل خاصّةً ‪ ،‬فجمهور الفقهاء ‪:‬‬
‫ن إشعارها ‪ ،‬لما روت عائشة‬
‫( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة ) على أنّه يس ّ‬
‫رضي ال عنها أنّها قالت ‪ « :‬فتلت قلئد هدي النّبيّ صلى ال عليه وسلم ثمّ أشعرها وقلّدها »‬
‫ح فجاز كالكيّ ‪ ،‬والوسم ‪ ،‬والفصد ‪ ،‬والحجامة ‪،‬‬
‫ض صحي ٍ‬
‫وفعله الصّحابة ‪ ،‬ولنّه إيلمٌ لغر ٍ‬
‫وتشعر البقرة كالبل لنّها من البدن ‪ .‬وكره أبو حنيفة الشعار للبدنة ‪ ،‬لنّه مثلةٌ وإيلمٌ ‪ ،‬ولم‬
‫يكره أبو حنيفة أصل الشعار ‪ ،‬وإنّما كره إشعار أهل زمانه الّذي يخاف منه الهلك ‪ ،‬فأمّا من‬
‫قطع الجلد دون اللّحم فل بأس به ‪ ،‬وهو مستحبّ لمن أحسنه ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫ج عند الكلم عن الهدي ‪ ،‬والبعض الخر‬
‫‪ - 4‬أورد بعض الفقهاء مسألة إشعار البدن في الح ّ‬
‫عند الكلم عن ال ّنيّة عند الحرام ‪.‬‬
‫إشلءٌ*‬
‫التعريف‬
‫‪ - 1‬الشلء في اللّغة مصدر ‪ :‬أشلى الكلب إذا دعاه باسمه ‪ ،‬أمّا من قال ‪ :‬أشليت الكلب على‬
‫الصّيد ‪ ،‬فإنّما معناه ‪ :‬دعوته فأرسلته على الصّيد ‪ .‬وقد ثبتت صحّة إشلء الكلب بمعنى‬
‫إغرائه ‪ ،‬والمراد به التّسليط على أشلء الصّيد ‪ ،‬وهي أعضاؤه ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء‬
‫للشلء عن معنى الغراء والتّسليط عليه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬
‫الزّجر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الزّجر يكون بمعنى ‪ :‬النّهي والمنع بلفظٍ ‪ ،‬يقال ‪ :‬زجرته فانزجر ‪ ،‬ويقال ‪ :‬زجر الصّيّاد‬
‫الكلب ‪ :‬أي صاح به فانزجر ‪ ،‬أي منعه عن متابعة الصّيد فامتنع ‪ ،‬فالزّجر على هذا ضدّ‬
‫الشلء ‪.‬‬
‫صفته ‪:‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬


‫‪ - 3‬استجابة الكلب للشلء ‪ -‬بمعنى الدّعاء ‪ -‬ل يكون علم ًة على كون الجارح معلّما ‪،‬‬
‫وخاصّ ًة الكلب ‪ ،‬لنّه ألوفٌ يأتي إلى صاحبه بمجرّد الدّعاء ‪ ،‬وعلمة التّعلّم هنا ‪ :‬أن يأتي بما‬
‫يكون مخالفا لطبعه ‪ .‬أمّا استجابة الكلب للشلء ‪ -‬بمعنى التّسليط والزّجر ‪ -‬فقد عدّه جمهور‬
‫الفقهاء من علمة كون الكلب معلّما ‪ ،‬بحيث يستجيب لهذا الشلء ‪ ،‬فينفّذ ما يريده صاحبه ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬استعمل الفقهاء الشلء في باب الصّيد عند الكلم عن شروط حلّ الصّيد ‪.‬‬
‫إشهاد*ٌ‬
‫التعريف‬
‫‪ - 1‬الشهاد في اللّغة ‪ :‬مصدر أشهد ‪ ،‬وأشهدته على كذا فشهد عليه أي ‪ :‬صار شاهدا ‪،‬‬
‫وأشهدني عقد زواجه ‪ :‬أي أحضرني ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء للشهاد عن هذين المعنيين‬
‫‪ .‬وسيقتصر البحث على الشهاد بالمعنى الوّل وهو ‪ :‬طلب تحمّل الشّهادة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬

‫أ ‪ -‬الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬قد تكون الشّهادة دون سبق إشهادٍ ‪ ،‬تحصل بطلبٍ أو دونه ‪ ،‬والشهاد هو طلب تحمّل‬
‫الشّهادة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستشهاد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستشهاد يأتي بمعنى الشهاد ‪ ،‬أي طلب تحمّل الشّهادة ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ‪ ،‬فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان } وقد يأتي‬
‫الستشهاد بمعنى طلب أداء الشّهادة ‪ .‬كما يأتي الستشهاد بمعنى أن يقتل في سبيل اللّه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العلن ( والشهار )‬
‫ن ‪ ،‬أو أمام نساءٍ ‪.‬‬
‫‪ - 4‬قد يتحقّق العلن دون الشهاد ‪ ،‬كما لو أعلنوا النّكاح بحضرة صبيا ٍ‬
‫وقد يتحقّق الشهاد دون العلن ‪ ،‬كإشهاد رجلين على النّكاح واستكتامهما ‪.‬‬
‫صفته " حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الشهاد تعتريه الحكام الخمسة ‪ ،‬فيكون واجبا كما في النّكاح ‪ ،‬ويكون مندوبا ‪ ،‬كالشهاد‬
‫في البيع عند أكثر الفقهاء ‪ ،‬وجائزا كما في البيع عند البعض ‪ ،‬ومكروها كالشهاد على‬
‫ت عند البعض ‪ ،‬وحراما كالشهاد على الجور‬
‫العطيّة ‪ ،‬أو الهبة للولد إن حصل فيها تفاو ٌ‬
‫وذهبت طائف ٌة من أهل العلم إلى إيجاب الشهاد في كلّ ما ورد المر به ‪.‬‬
‫مواطن الشهاد ‪:‬‬
‫رجوع الجنبيّ بقيمة ما جهّز به الميّت إذا أشهد ‪:‬‬
‫ن الجنبيّ أو الغريب ‪ -‬الّذي ل يلزمه تجهيز الميّت ‪ -‬لو‬
‫‪ - 6‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫كفّن الميّت كفن المثل ‪ ،‬وكذا كلّ ما يلزمه ‪ ،‬فإنّه يرجع بقيمة ما دفع إن نوى الرّجوع ‪ ،‬وأشهد‬
‫ن الشهاد عند الشّافعيّة ل يعتدّ به إلّ بعد العجز عن استئذان الحاكم ‪ ،‬وكان مال‬
‫بذلك ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫الميّت غائبا ‪ ،‬أو امتنع من يلزمه تجهيز الميّت عن ذلك ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬ل يشترط الشهاد‬
‫للرّجوع ‪ ،‬ويرجع إن نوى الرّجوع ‪ ،‬أشهد أو لم يشهد ‪ ،‬استأذن الحاكم أو ل ‪ ،‬ولم أقف على‬
‫حكم اشتراط الشهاد عند المالكيّة ‪.‬‬
‫الشهاد على إخراج زكاة الصّغير ‪:‬‬
‫‪ - 7‬أغلب الفقهاء ممّن أوجبوا الزّكاة في مال الصّغير ل يطلبون الشهاد على إخراجها ‪.‬‬
‫ويشهد الوصيّ عند ابن حبيبٍ من المالكيّة على إخراج زكاة مال الصّغير ‪ ،‬فإن لم يشهد وكان‬
‫مأمونا صدّق ‪ ،‬وغير المأمون هل يلزمه غرم المال أو يحلف ؟ لم يجد الخطّاب فيه نصّا ‪.‬‬
‫وكالزّكاة عنده زكاة الفطر ‪.‬‬
‫الشهاد في البيع ‪ :‬الشهاد على عقد البيع ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الشهاد على عقد البيع أقطع للنّزاع ‪ ،‬وأبعد عن التّجاحد ‪ ،‬لذلك ينبغي الشهاد عليه عند‬
‫ل أنّهم يختلفون في حكمه التّكليفيّ ‪ ،‬ولهم في ذلك ثلثة آرا ٍء ‪:‬‬
‫عامّة الفقهاء ‪ .‬إ ّ‬
‫أ ‪ -‬ندب الشهاد فيما له خطرٌ ‪ :‬وهو قول الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو ما جاء في بعض‬
‫كتب الشّافعيّة ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك بقول اللّه سبحانه ‪ { :‬وأشهدوا إذا تبايعتم } حملوا المر‬
‫على النّدب ‪ ،‬وصرفه عن الوجوب عندهم أدلّةٌ كثير ٌة منها ‪ « :‬أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ي طعاما بنسيئةٍ فأعطاه درعا له رهنا » ‪ «،‬واشترى من رجلٍ سراويل ‪،‬‬
‫اشترى من يهود ّ‬
‫ومن أعرابيّ فرسا فجحده العرابيّ حتّى شهد له خزيمة بن ثابتٍ »‪ ،‬ولم ينقل أنّه أشهد في‬
‫ن الصّحابة كانوا يتبايعون في عصره في السواق فلم يأمرهم بالشهاد‬
‫شيءٍ من ذلك ‪ ،‬ول ّ‬
‫ول نقل عنهم فعله ‪ .‬أمّا الشياء القليلة الخطر كحوائج البقّال والعطّار وشبههما ‪ ،‬فل يستحبّ‬
‫ن العقود تكثر فيشقّ الشهاد عليها وتقبح إقامة البيّنة عليها ‪ ،‬والتّرافع إلى الحاكم‬
‫ذلك فيها ‪ ،‬ل ّ‬
‫من أجلها ‪ ،‬بخلف الكبيرة الخطر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬جواز الشهاد ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إنّ المر في الية للرشاد ‪ ،‬ل ثواب فيه‬
‫ل لمن قصد المتثال ‪.‬‬
‫إّ‬
‫س ‪ ،‬وممّن‬
‫ج ‪ -‬وجوب الشهاد ‪ :‬وهو قول طائف ٍة من أهل العلم ‪ ،‬روي ذلك عن ابن عبّا ٍ‬
‫ي لظاهر المر ‪ ،‬ولنّه عقد‬
‫رأى وجوب الشهاد على البيع عطا ٌء ‪ ،‬وجابر بن زيدٍ ‪ ،‬والنّخع ّ‬
‫معاوض ٍة فيجب الشهاد عليه كالنّكاح ‪.‬‬
‫طلب الشهاد من الوكيل بالبيع ‪:‬‬
‫ن الموكّل لو أمر الوكيل بالبيع والشهاد ‪ ،‬فباع ولم‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫يشهد ‪ ،‬فالبيع جائزٌ ‪ ،‬لنّه أمره بالبيع مطلقا ‪ ،‬وأمره بالشهاد كان معطوفا على المر بالبيع ‪،‬‬
‫ل أمر بالشهاد على‬
‫ن اللّه عزّ وج ّ‬
‫فل يخرج به المر بالبيع من أن يكون مطلقا ‪ ،‬أل ترى أ ّ‬
‫البيع فقال تعالى ‪ { :‬وأشهدوا إذا تبايعتم } ثمّ من باع ولم يشهد كان بيعه جائزا ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫شرط عليه الشهاد ‪ ،‬كقوله ‪ :‬بع بشرط أن تشهد فقد قال الشّافعيّة ‪ :‬إنّه يوجب الشهاد ول‬
‫يلزم الموكّل بدونه إلّ بإجازته ‪ .‬ولم أقف على حكم هذه المسألة عند المالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الشهاد على بيع مال الصّغير نسيئةً ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ذهب الشّافعيّة ‪،‬والحنابلة إلى أنّه يجب الشهاد على بيع مال الصّغير نسيئةً خوف جحده‬
‫‪ ،‬قال الشّافعيّة ‪ :‬ولو ترك الشهاد بطل البيع على المعتمد ‪ ،‬فإن عسر الشهاد كأن كان يبيع‬
‫الوصيّ أو المين شيئا فشيئا من مال الصّغير ‪ ،‬فإنّه يقبل قولهما ‪ ،‬فإن باعا مقدارا كبيرا جملةً‬
‫فل بدّ من الشهاد ‪ .‬ول يجب الشهاد عند الحنفيّة على بيع مال الصّغير نسيئةً ‪ ،‬وهو قول‬
‫المالكيّة بالنّسبة للب ‪ ،‬أمّا الوصيّ ففيه قولن ‪ .‬أحدهما يصدّق بل بيّنةٍ ‪ ،‬والثّاني تلزمه البيّنة‬
‫‪.‬‬
‫الشهاد على سائر العقود ‪:‬‬
‫‪ - 11‬الشهاد على سائر العقود والتّصرّفات حكمه حكم الشهاد على البيع عند الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬باستثناء النّكاح عندهما ‪ ،‬والرّجعة عند الشّافعيّة ‪ ،‬فالشهاد واجبٌ وسيأتي تفصيل‬
‫ن الشهاد فيها ما لم يتعلّق بها حقّ‬
‫ذلك ‪ .‬وعند المالكيّة سائر الحقوق والمداينات كالبيع يس ّ‬
‫ق للغير وطلب الشهاد أحد العاقدين ‪ .‬وذكر التّسوّليّ‬
‫للغير فيجب ‪ ،‬وكذا إن لم يتعلّق بها ح ّ‬
‫في شرح التّحفة ما يفيد وجوب الشهاد في عقود التّبرّعات كالوقف ‪ ،‬والهبة ‪ ،‬والوصيّة ‪،‬‬
‫وكذلك كلّ ما كان من غير عوضٍ كالتّوكيل والضّمان ونحوهما ‪ ،‬حيث جعل الشهاد في هذه‬
‫شرط صحّةٍ ‪.‬‬
‫الشهاد عند المتناع عن تسليم وثيقة الدّين ‪:‬‬
‫ل حقّ على آخر بوثيق ٍة ‪ ،‬فدفع الّذي عليه الحقّ ما عليه ‪ ،‬وطلب الوثيقة منه‬
‫‪ - 12‬لو كان لرج ٍ‬
‫أو حرقها ‪ ،‬فالمالكيّة والحنابلة على أنّه ل يلزم دفع الوثيقة ‪ ،‬وإنّما للمدين أن يشهد على‬
‫ل الّذي كان عليه الدّين أن‬
‫صاحب الدّين وتبقى الوثيقة بيده ‪ ،‬لنّه يدفع بها عن نفسه ‪ ،‬إذ لع ّ‬
‫يستدعي بيّن ًة قد سمعوا إقرار صاحب الدّين بقبضه منه ‪ ،‬أو حضروا دفعه إليه ‪ ،‬ولم يعلموا‬
‫على أيّ وج ٍه كان الدّفع ‪ ،‬فيدّعي أنّه إنّما دفع إليه ذلك المال سلفا أو وديعةً ‪ ،‬ويقول ‪ :‬هات‬
‫ب لك ‪ ،‬فبقاء الوثيقة وقيامه بها يسقط هذه‬
‫ن ما قبضت منّي هو من حقّ واج ٍ‬
‫بيّن ًة تشهد لك أ ّ‬
‫الدّعوى الّتي تلزمه ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬لنّه ربّما خرج ما قبضه مستحقّا فيحتاج إلى حجّةٍ‬
‫بحقّه ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ول يجوز لحاكمٍ إلزامه ‪ .‬وقال عيسى بن دينارٍ وأصبغ ‪ :‬له أخذ الوثيقة ‪ ،‬وبه‬
‫قال شارح المنتهى من الحنابلة ولم نقف على حكم ذلك عند فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫الشهاد على قضاء الدّين عن الغير ‪:‬‬
‫‪ - 13‬لو قضى الرّجل دين غيره ونوى الرّجوع فإنّ جمهور الفقهاء ل يشترطون الشهاد على‬
‫قضاء الدّين ونيّة الرّجوع ‪ .‬وقال القاضي من الحنابلة ‪ :‬الشهاد على نيّة الرّجوع شرطٌ‬
‫للرّجوع ‪ ،‬لنّ العرف جرى على أنّ من دفع دين غيره من غير إشهادٍ كان متبرّعا ‪.‬‬
‫الشهاد على ر ّد المرهون ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في الصّحيح عندهم إلى أنّ المرتهن لو ادّعى ردّ العين‬
‫المرهونة وأنكر الرّاهن ‪ ،‬فالقول قول الرّاهن ‪ ،‬ول يصدّق المرتهن إلّ ببيّنةٍ ‪ .‬وقواعد الحنفيّة‬
‫تقضي بقبول قول المرتهن ‪ ،‬لنّه أمينٌ ‪ ،‬والمين مصدّقٌ فيما يدّعيه ‪ ،‬ويوافق الحنابلة ‪ -‬في‬
‫ح ‪ -‬في هذا الحنفيّة ‪.‬‬
‫مقابل الص ّ‬
‫الشهاد عند إقراض مال الصّغير ‪:‬‬
‫ي مال الصّغير عند الشّافعيّة ‪ ،‬أمّا عند بقيّة الفقهاء‬
‫‪ - 15‬يشترط الشهاد على إقراض الول ّ‬
‫الّذين أجازوا تسليف مال الصّغير ‪ ،‬فيجوز عندهم القراض بل إشهادٍ ‪ ،‬وإن كان الشهاد‬
‫حينئذٍ أولى احتياطا ‪.‬‬
‫الشهاد على الحكم بالحجر ‪:‬‬
‫‪ - 16‬للفقهاء في الشهاد على الحجر رأيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬الوجوب ‪ ،‬وهو قول الصّاحبين من الحنفيّة في الحجر على المدين ‪ ،‬وإنّما وجب‬
‫ن الحجر حكمٌ من القاضي ويتعلّق به أحكامٌ ‪ ،‬وربّما يقع فيه التّجاحد فيحتاج إلى‬
‫الشهاد ل ّ‬
‫إثباته ‪ ،‬ويأخذ السّفيه حكم المدين في الحجر وما يترتّب عليه ‪ ،‬أمّا أبو حنيفة فإنّه يمنع الحجر‬
‫عليهما ‪ ،‬وإن كان يرى الحجر على من يترتّب على تصرّفاته ضر ٌر عامّ ‪ ،‬كالطّبيب الجاهل‬
‫والمفتي الماجن والمكاري المفلّس ‪ .‬ووجوب الشهاد هو ما يؤخذ من قواعد المالكيّة ‪،‬‬
‫وفروعهم ‪ .‬جاء في الحطّاب ‪ :‬من أراد أن يحجر على ولده أتى المام ليحجر عليه ‪ ،‬ويشهر‬
‫ذلك في المجامع والسواق ‪ ،‬ويشهد على ذلك ولنّه يتعلّق به حقّ للغير فوجب الشهاد عليه ‪.‬‬
‫ي بن أبي‬
‫ووجوب الشهاد وجهٌ محكيّ عند الشّافعيّة في الحاوي والمستظهري عن أبي عل ّ‬
‫هريرة في حجر السّفيه ‪ ،‬ووصفوه بأنّه شاذّ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬استحباب الشهاد ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬سواءٌ أكان الحجر لمصلحة‬
‫النسان نفسه أم بسبب الدّين ‪ .‬والحاكم هو الّذي يشهد ‪.‬‬
‫الشهاد على فكّ الحجر ‪:‬‬
‫‪ - 17‬الصّبيّ إذا بلغ رشيدا ‪ ،‬وكان وليّه هو الب فل يحتاج في فكّ الحجر إلى إشهادٍ ‪ .‬لنّه‬
‫وليّه بحكم الشّرع ‪ .‬أمّا إذا بلغ سفيها فالحجر عليه وفكّه عنه من القاضي ‪ ،‬ول بدّ فيه من‬
‫إشهادٍ أمّا إذا كان القائم عليه الوصيّ المختار أو الوصيّ من القاضي فإنّه يحتاج في فكّ‬
‫ن وليتهما مستمدّ ٌة من القاضي ‪.‬‬
‫الحجر عنه إلى الشهاد والشهار ‪ ،‬ل ّ‬
‫الشهاد على دفع المال إلى الصّغير بعد بلوغه ‪:‬‬
‫‪ - 18‬للفقهاء في الشهاد على تسليم مال الصّغير إذا بلغ رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬وجوب الشهاد ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ ،‬وبه قال مالكٌ ‪ ،‬وابن القاسم ‪ ،‬عملً‬
‫بظاهر المر في قوله تعالى { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } ‪ ،‬ول يصدّق الدّافع‬
‫في دعوى ردّ مال الصّغير حتّى يشهد ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬استحباب الشهاد ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬للحتياط لكلّ واحدٍ من اليتيم‬
‫ووليّ ماله ‪ ،‬وهو قولٌ ضعيفٌ للشّافعيّة ‪ ،‬فأمّا اليتيم ‪ ،‬فلنّه إذا قامت عليه البيّنة كان أبعد من‬
‫أن يدّعي ما ليس له ‪ ،‬وأمّا الوصيّ فلنّه يبطل دعوى اليتيم بأنّه لم يدفعه إليه ‪ .‬ويصدّق في‬
‫دعوى ال ّردّ عند أبي حنيفة وأصحابه وعند الشّافعيّة في مقابل الصّحيح ‪ .‬وقريبٌ من قول‬
‫الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم من المالكيّة ‪ ،‬أنّه يصدّق الوصيّ بيمينه‬
‫وإن لم يشهد ولو طال الزّمان ‪ ،‬على ما هو المعروف من المذهب ‪ ،‬وفي الموّازيّة ‪ :‬إن طال‬
‫الزّمان كعشرين سن ًة يقيمون معه ول يطلبون ‪ ،‬فالقول قوله بيمينه ‪ ،‬لنّ العرف قبض أموالهم‬
‫إذا رشدوا ‪ ،‬وجعل ابن زربٍ الطّول ثمانية أعوامٍ ‪.‬‬
‫الشهاد على ما وكّل في قبضه ‪:‬‬
‫‪ - 19‬عند تنازع الوكيل والموكّل في دعوى على ما وكّل في قبضه ‪ ،‬فالوكيل كالمودع عند‬
‫ل الوكيل بقبض الدّين إذا ادّعى بعد موت الموكّل أنّه قبضه ودفعه في‬
‫الحنفيّة في أنّه أمينٌ ‪ ،‬إ ّ‬
‫حال حياته ‪ ،‬لم يقبل قوله إلّ ببيّنةٍ ‪ ،‬والوكيل كالمودع أيضا عند الختلف في ال ّردّ عند‬
‫المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وكذا الوكيل بغير أجرٍ عند الحنابلة ل يختلف عن المودع يقبل قوله بل‬
‫إشهادٍ ‪ ،‬فإن كان وكيلً بأجرٍ ففيه وجهان ذكرهما أبو الخطّاب ‪ ،‬وهو قولٌ ضعيفٌ للشّافعيّة ‪.‬‬
‫إشهاد الوكيل بقضاء الدّين ونحوه ‪:‬‬
‫ن الموكّل إذا دفع للوكيل مالً وأمره بقضاء الدّين وبالشهاد على‬
‫‪ - 20‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫القضاء ‪ ،‬ففعل ولم يشهد ‪ ،‬وأنكر المستحقّ ‪ ،‬فالوكيل يضمن ويصدّق المستحقّ ‪ ،‬فإن أمره‬
‫ن المستحقّ يصدّق باتّفاقٍ‬
‫بقضاء الدّين ولم يأمره بالشهاد فقال ‪ :‬قبضته ‪ ،‬وأنكر المستحقّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن ذمّته ل تبرأ بالدّفع إلى وكيله ‪.‬‬
‫‪ ،‬ول يقبل قول الوكيل على الغريم ‪ ،‬وله مطالبة الموكّل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وتفصيل ذلك في ( الوكالة والشّهادة ) ‪.‬‬
‫الشهاد على الوديعة ‪ :‬إشهاد المودع ‪:‬‬
‫‪ - 21‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يستحبّ الشهاد عند تسليم الوديعة إلى الوديع‬
‫للستيثاق ‪ ،‬قياسا على البيع ‪ .‬وظاهر نصوص الحنابلة الجواز ‪.‬‬
‫الشهاد على ر ّد الوديعة إلى مالكها ‪:‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ ،‬ل يلزم عندهم أن يشهد المودع على ردّ‬
‫‪ - 22‬فقهاء الحنفيّة والحنابلة والص ّ‬
‫الوديعة إلى مالكها ‪ ،‬لنّه مص ّدقٌ في ال ّردّ على المودع فل فائدة في الشهاد ‪ ،‬وعدم لزوم‬
‫الشهاد قول المالكيّة إن كان المودع أخذها دون إشهادٍ ‪ ،‬فإن أخذها بإشهادٍ فإنّه ل يبرأ في‬
‫دعوى ال ّردّ إلّ ببيّن ٍة ‪ ،‬لنّه حين أشهد عليه لم يكتف بأمانته ‪ ،‬ول بدّ أن تكون البيّنة مقصودةً‬
‫للتّوثّق ‪ ،‬أمّا إذا دفعها أمام شهودٍ ‪ ،‬ولم يشهد عليها ‪ ،‬فليس بشهادةٍ حتّى يقول ‪ :‬اشهدوا بأنّي‬
‫ل بإشهادٍ ‪ .‬ولزوم الشهاد‬
‫استودعته كذا وكذا ‪ .‬ولو تبرّع الوديع بالشهاد على نفسه فل يبرأ إ ّ‬
‫ن الشهاد‬
‫ل على أ ّ‬
‫على ال ّردّ ‪ -‬إن أخذها المودع بإشهادٍ ‪ -‬روايةً عن أحمد ‪ ،‬وخرّجها ابن عقي ٍ‬
‫على دفع الحقوق الثّابتة بالبيّنة واجبٌ ‪ ،‬فيكون تركه تفريطا فيجب فيه الضّمان ‪ .‬فإذا قال‬
‫المودع ‪ :‬ل أردّ حتّى تشهد ‪ ،‬فمن قال يقبل قوله بيمينه ‪ -‬وهم الشّافعيّة في وجهٍ ‪ ،‬وروايةً عن‬
‫أحمد ‪ -‬وذلك حيث يكون عليه بيّنةٌ الوديعة ‪ -‬فليس له التّأخير حتّى يشهد ‪ ،‬لوجود ما يبرّئ‬
‫به ذمّته ‪ ،‬وهو قبول قوله بيمينه ‪.‬‬
‫الشهاد في الرّدّ على رسول المالك أو وكيله ‪:‬‬
‫ن الوديع إن ردّ الوديعة على‬
‫‪ - 23‬ذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو ما صحّحه البغويّ من الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫رسول المالك أو وكيله فله التّأخير حتّى يشهد ‪ ،‬فإن لم يشهد فل يصدّق في دعوى التّسليم إلى‬
‫ي من الشّافعيّة إلى أنّه يصدّق‬
‫الرّسول أو الوكيل ‪ .‬وذهب الحنابلة ‪ ،‬وهو ما صحّحه الغزال ّ‬
‫بيمينه ولو لم يشهد ‪ .‬ولم يصرّح الحنفيّة بالشهاد في ال ّردّ على الوكيل ‪ ،‬لكنّهم قالوا ‪ :‬يضمن‬
‫المودع إن سلّم الوديعة دون عذرٍ لغير المالك ‪ ،‬ومن لم يكن من عيال الوديع الّذين يحفظ بهم‬
‫ن الولى الشهاد ليدرأ الضّمان عن نفسه في حال الجحود ‪.‬‬
‫ماله عاد ًة ‪ .‬وهذا يدلّ على أ ّ‬
‫الشهاد عند قيام بعض العذار بالمودع ‪:‬‬
‫‪ - 24‬المالكيّة يلزمون بالشهاد على العذار الّتي تمنع من بقاء الوديعة تحت يده ‪ ،‬ويكون‬
‫بمعاينة العذر ‪ ،‬ول يكفي قوله ‪ :‬اشهدوا أنّي أودعها لعذرٍ ‪ .‬ول يخالف الحنفيّة في وجوب‬
‫الشهاد على العذار ‪ ،‬إذ ل يصدّق المودع عندهم إن دفعها لجنبيّ لعذرٍ إلّ ببيّنةٍ ‪ .‬وعند‬
‫الشّافعيّة إن تعذّر الرّدّ إلى المالك فإنّه يسلّمها إلى القاضي ‪ ،‬ويشهد القاضي على نفسه بقبضها‬
‫كما قاله الماورديّ ‪ ،‬والمعتمد خلفه ‪ ،‬فإن فقد القاضي سلّمها لمينٍ ‪ .‬وهل يلزمه الشهاد‬
‫عليها ؟ وجهان حكاهما الماورديّ أوجههما عدمه ‪ .‬كما في مسألة القاضي ‪ .‬هذا إن أراد سفرا‬
‫والحريق والغارة عذران كالسّفر ‪ .‬فإذا مرض مرضا مخوفا ‪ ،‬وعجز عن ال ّردّ إلى الحاكم أو‬
‫المين ‪ ،‬أشهد وجوبا على اليصاء بها إليهما ‪.‬‬
‫ولم ينصّ الحنابلة على الشهاد عند قيام العذار بالمودع ‪ ،‬ول يضمن المودع عندهم إن‬
‫ي لعلّةٍ ‪ ،‬كمن حضره الموت أو أراد سفرا ‪.‬‬
‫سلّمها لجنب ّ‬
‫الشهاد في الشّفعة ‪:‬‬
‫‪ - 25‬الشّفيع إمّا أن يكون حاضرا وقت البيع أو غائبا ‪ ،‬فإن كان حاضرا فإنّه يلزمه لثبوت‬
‫ن الصل‬
‫الشّفعة طلبها على الفور ‪ ،‬عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬على أنّ الحنفيّة قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫إشهاد الشّفيع على طلب المواثبة للتّوثيق ‪ ،‬وهذا الشهاد على الطّلب ليس شرطا للثّبوت ‪ ،‬لكن‬
‫ليتوثّق حقّ الشّفعة إذا أنكر المشتري طلبها ‪ .‬وإنّما يصحّ طلب الشهاد بحضرة المشتري أو‬
‫البائع أو المبيع ‪ .‬ثمّ طلب الشهاد مق ّدرٌ بالتّمكّن من الشهاد ‪ ،‬فمتى تمكّن من الشهاد عند‬
‫حضرة واحدٍ من هذه الشياء ‪ ،‬ولم يطلب الشهاد ‪ ،‬بطلت شفعته نفيا للضّرر عن المشتري ‪.‬‬
‫وإنّما يحتاج إلى طلب المواثبة ‪ ،‬ث ّم إلى طلب الشهاد بعده ‪ ،‬إذا لم يمكنه الشهاد عند طلب‬
‫المواثبة ‪ ،‬بأن سمع الشّراء حال غيبته عن المشتري والبائع والدّار ‪ ،‬أمّا إذا سمع عند حضرة‬
‫أحد هؤلء الثّلث ‪ ،‬وأشهد على ذلك ‪ ،‬فذلك يكفيه ‪ ،‬ويقوم مقام الطّلبين ‪ .‬وعند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة إن كان الشّفيع في البلدة فل يلزمه الشهاد على الطّلب ‪ ،‬بل يكفيه الطّلب وحده ‪،‬‬
‫وإن كان غائبا فالحنابلة كالحنفيّة في لزوم طلب الشّفعة والشهاد عليه ‪ ،‬فإن لم يفعل سقط حقّه‬
‫‪ ،‬سواءٌ قدر على التّوكيل أم عجز عنه ‪ ،‬سار عقيب العلم أو أقام ‪ .‬وعند الشّافعيّة إن كان‬
‫الشّفيع غائبا يلزمه الطّلب ‪ ،‬فإن عجز فإنّه يلزمه التّوكيل ‪ ،‬فإن عجز عن التّوكيل فليشهد ‪،‬‬
‫ول يكفي الشهاد عن الطّلب والتّوكيل عند القدرة عليهما ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أنّه ليس‬
‫الشهاد شرطا لثبوت حقّ الشّفعة للشّفيع ‪ ،‬بل يثبت حقّه ولو لم يشهد ‪.‬‬
‫إلّ أنّهم صرّحوا بسقوط شفعته بالتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬سكوته عن المطالبة مع علمه بهدم المشتري أو بنائه أو غرسه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يحضر الشّفيع عقد البيع ويشهد عليه ويسكت ‪ -‬بل مانعٍ ‪ -‬شهرين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يحضر العقد ول يشهد ويسكت ‪ -‬بل عذ ٍر ‪ -‬سنةً من يوم العقد ‪.‬‬
‫تأخير الرّدّ للشهاد ‪:‬‬
‫ن لغيره ‪ ،‬إمّا أن يقبل قوله عند التّجاحد في ال ّردّ أو ل ‪ ،‬فإن كان‬
‫‪ - 26‬من كان تحت يده عي ٌ‬
‫يقبل قوله كالمانة ففي تأخير ال ّردّ ثلثة آراءٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬منع التّأخير ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬والصّحيح عند الحنابلة ‪ .‬ول يخالف‬
‫جمهور المالكيّة في هذا ‪ ،‬فإن أخّره ضمن عند الهلك عند الئمّة الثّلثة ‪.‬‬
‫ن البيّنة تسقط اليمين عن الرّادّ ‪ ،‬وهو قول ابن عبد السّلم‬
‫الثّاني ‪ :‬جواز التّأخير للشهاد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ ،‬ومقابل الصّحيح عند الحنابلة ‪ ،‬قالوا وهو قويّ‬
‫من المالكيّة ‪ ،‬ومقابل الص ّ‬
‫ل ببيّنةٍ كالغصب ‪،‬‬
‫خصوصا في هذه الزمنة ‪ .‬فإن كان صاحب اليد ل يقبل قوله في الرّدّ إ ّ‬
‫ن له التّأخير للشهاد عند المالكيّة ‪.‬‬
‫فإ ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬التّفريق بين ما إذا أخذها ببيّنةٍ أو بدون ذلك ‪ ،‬فله التّأخير عند ال ّردّ حتّى يشهد أنّه‬
‫أخذها ببيّنةٍ ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬فإن لم تكن عليه بيّنةٌ ‪ ،‬فالصحّ عند البغويّ من‬
‫الشّافعيّة التّأخير نصّا ‪ .‬وعند الحنابلة ل فرق بينه وبين من يؤخذ قوله بيمينه ‪ .‬ومن تتبّع‬
‫فروع الحنفيّة نجد أنّهم يمنعون تأخير ال ّردّ للشهاد ‪ ،‬سوا ٌء أكانت اليد يد ضمانٍ أم يد أمانةٍ ‪،‬‬
‫ولم نر عندهم من يقول بالتّأخير للشهاد ‪.‬‬
‫قيام الشهاد مقام القبض في الهبة ‪:‬‬
‫ي لو وهب لمحجوره شيئا ‪ ،‬وأشهد على نفسه ‪،‬‬
‫ن الول ّ‬
‫‪ - 27‬ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫فالهبة تامّ ٌة ‪ ،‬والشهاد يغني عن القبض ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بما رواه مالكٌ عن الزّهريّ عن‬
‫ابن المسيّب أنّ عثمان رضي ال عنه قال ‪ (:‬من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلته ‪،‬‬
‫فأعلن ذلك وأشهد على نفسه فهي جائزةٌ )‪ ،‬وإنّ وليّها أبوه ‪ .‬واستثنى المالكيّة من ذلك الدّار‬
‫الّتي يسكنهما الواهب ‪ ،‬والملبوس الّذي هو لبسه ‪ ،‬إذا وهبهما لمحجوره ‪ ،‬فإنّه ل يكتفى‬
‫بالشهاد على الهبة ‪ ،‬بل ل بدّ من إخلئه للدّار ‪ ،‬ومثلها الملبوس ‪ .‬ول بدّ من معاينة البيّنة‬
‫للخلء ‪ .‬وإن لم تعاين البيّنة الحيازة فالشهاد بالهبة يغني عن الحيازة فيما ل يسكنه الوليّ‬
‫ول تلبسه ‪ .‬واستثنوا كذلك ما ل يعرف بعينه ‪ ،‬كالمعدود والموزون والمكيل فل بدّ من حيازته‬
‫‪ .‬والهبة تتمّ كذلك عند الحنفيّة بالعلم والشهاد ‪ ،‬إلّ أنّ الشهاد ليس شرطا ‪ ،‬وإنّما هو‬
‫للحتياط ‪ .‬وعند الشّافعيّة يتولّى الب طرفي العقد ‪ .‬وكيفيّة القبض أن ينقله من مكان لخر ‪.‬‬
‫ولم أقف على من اشترط الشهاد من المتأخّرين ‪ ،‬لكن جاء في المّ ‪ :‬أنّ الهبة ل تت ّم إلّ‬
‫بأمرين ‪ :‬الشهاد ‪ ،‬والقبض ‪ ،‬ول يغني الشهاد عن القبض ‪.‬‬
‫الشهاد على التّصرّف في الموهوب قبل قبضه ‪:‬‬
‫‪ - 28‬ذهب المالكيّة إلى أنّ الموهوب له إذا باع ما اتّهبه أو أعتقه أو وهبه قبل أن يقبضه فإنّ‬
‫تصرّفه ماضٍ ‪ ،‬وفعله ذلك حوزٌ له إذا أشهد على ذلك وأعلن بما فعله ‪ .‬وعند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ل بقبضها ‪ .‬وكذلك الحكم‬
‫والشّافعيّة ل يكون الشهاد بمنزلة القبض ‪ ،‬ول يثبت حكم الهبة إ ّ‬
‫ل بالقبض عندهم ‪ .‬والصّدقة كالهبة‬
‫عند الحنابلة في المكيل والموزون اللّذين ل تصحّ هبتهما إ ّ‬
‫عند المالكيّة ‪ ،‬فلو دفع مالً لمن يفرّقه صدق ًة على الفقراء والمساكين ‪ ،‬ولم يشهد على ذلك ‪،‬‬
‫فلم يتصدّق به ‪ ،‬واستمرّ المال عنده حتّى مات الواهب ‪ ،‬فإنّ الصّدقة تبطل وترجع إلى ورثته‬
‫ن الصّدقة ل تبطل بموت‬
‫‪ .‬أمّا إذا أشهد على ذلك حين دفع المال إلى من يتصدّق به ‪ ،‬فإ ّ‬
‫المتصدّق ‪ ،‬وترجع للفقراء والمساكين ‪ .‬وينطبق على الصّدقة ما ينطبق على الهبة عند الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة من حيث عدم إغناء الشهاد عن القبض على ما تقدّم ‪.‬‬
‫الشهاد في الوقف ‪:‬‬
‫‪ - 29‬عند المالكيّة لو وقف على محجوره ‪ ،‬وهو ولده الصّغير الّذي في حجره ‪ ،‬أو السّفيه أو‬
‫سيّ ‪ ،‬بل يكفي فيه الحوز‬
‫الوصيّ على يتيمه فإنّه ل يشترط في حوز الوقف الحوز الح ّ‬
‫الحكميّ ‪ ،‬وهو أن يشهد على ذلك ‪ .‬وسواءٌ أكان الحائز الب أم الوصيّ أو المقام من قبل‬
‫ح الوقف ولو كان تحت يد الحائز إلى موته أو إلى فلسه أو إلى مرضه الّذي‬
‫الحاكم ‪ ،‬فيص ّ‬
‫مات فيه ‪ ،‬إذا توافرت بقيّة الشّروط مع الشهاد ‪ .‬ول بدّ من معاينة البيّنة لما وقع الشهاد‬
‫ن المنازع للموقوف عليه‬
‫على وقفه إن كان الوقف على أجنبيّ ‪ ،‬فل يكفي إقرار الواقف ‪ ،‬ل ّ‬
‫إمّا الورثة وإمّا الغرباء ‪ .‬ول بدّ أن يشهد الواقف على الوقف قبل حصول المانع للواقف من‬
‫التّصرّف ‪ .‬ول يشترط أن يقول عند الشهاد على الوقفيّة ‪ :‬رفعت يد الملك ووضعت يد‬
‫الحوز ونحو ذلك ‪ .‬والمذاهب الخرى لم يتكلّموا عن الشهاد في الوقف ‪ ،‬لعدم اشتراطهم‬
‫القبض لصحّته ‪.‬‬
‫الشهاد على بناء النسان لنفسه في أرض الوقف ‪:‬‬
‫– لو بنى ناظر الوقف لنفسه بمال نفسه في أرض الوقف‪،‬أو زرع وأشهد على‬ ‫‪30‬‬

‫ذلك فإن الحنفية والحنابلة يعتدون بذلك الشهاد‪ ،‬ويجعلون البناء والغراس ملكا‬
‫للناظر إن أشهد‪ .‬فإن لم يشهد فهو تابع للوقف‪ .‬قال الحنفية ‪:‬ول بد أنيكون الشهاد‬
‫قبل البناء والغراس‪ .‬والمالكية ل يجعلون للشهاد أثر‪ .‬وتفصيل ما يترتب على‬
‫وعند‬ ‫البناء والغراس يذكر في موطنه الصلي ( الوقف )‪.‬‬
‫الشافعية ليس للواقف‪-‬والناظر بالولى‪-‬أن يزرع أويبني في أرض الوقف لنفسه‪،‬‬
‫وتفصيل‬ ‫وغرسه وبناؤه فيه بغير الحق‪ ،‬والحال ل يحتاج إلى إشهاد عندهم‪.‬‬
‫أحكام البناء والغراس في الوقف ينظر في كتاب الوقف ‪.‬‬

‫الشهاد في اللّقطة ‪:‬‬


‫ل أو ذوي عدلٍ ‪ ،‬ول يكتم ‪ ،‬ول يغيّب‬
‫‪ - 31‬ورد في الحديث ‪ « :‬من وجد لقط ًة فليشهد ذا عد ٍ‬
‫» ‪ .‬وهذا أمرٌ بالشهاد على اللّقطة ليحفظها النسان عن نفسه من أن يطمع فيها ‪ ،‬وعن ورثته‬
‫إن مات ‪ ،‬وعن غرمائه إن أفلس ‪ .‬وفي المر الوارد به رأيان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬استحباب الشهاد ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة ‪ ،‬والمذهب عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول المالكيّة إن‬
‫خيف أن يدّعيها مع طول الزّمان ‪ ..‬وقد حملوا الحديث السّابق على الستحباب ‪ .‬واستدلّوا‬
‫على الستحباب بخبر زيد بن خالدٍ مرفوعا ‪ « :‬أعرّف وكاءها وعفاصها » وحديث أبيّ بن‬
‫كعبٍ ‪ ،‬ولم يؤمر بالشهاد فيهما ‪ ،‬واكتفي بالتعريف ‪ ،‬ول يجوز تأخير البيان عن وقت‬
‫الحاجة ‪ .‬فلو كان واجبا لبيّنه النّبيّ ‪ ،‬سيّما وقد سئل عن حكم اللّقطة فلم يكن ليخلّ بأمرٍ واجبٍ‬
‫فيها فيتعيّن حمل المر على النّدب في خبر عياضٍ ‪ .‬ولنّه أمان ٌة فلم يفتقر إلى الشهاد‬
‫كالوديعة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وجوب الشهاد ‪ :‬وهو قول أبي حنيفة ‪ .‬جاء في كتب الحنفيّة ‪ :‬أنّ الشهاد ل ب ّد منه‬
‫ن أنّه سيجحد اللّقطة ‪ .‬ووجوب الشهاد‬
‫عند المام ‪ :‬وهو قول المالكيّة إن تحقّق الملتقط أو ظ ّ‬
‫هو مقابل المذهب عند الشّافعيّة ‪ .‬قالوا ‪ :‬في الحديث زياد ٌة على بقيّة الخبار ‪ ،‬وهي المر‬
‫بالشهاد ‪ ،‬وزيادة الثّقة مقبولةٌ ‪ ،‬والصل في المر الوجوب ‪ ،‬ول منافاة بين هذه الزّيادة وبين‬
‫بقيّة الخبار الّتي ليس فيها أمرٌ ‪ .‬والشهاد يكون حين الخذ إن أمكن ‪ ،‬وإلّ أشهد عند أوّل‬
‫التّمكّن منه ‪.‬‬
‫نفي الضّمان مع الشهاد ‪:‬‬
‫ن الملتقط ل يضمن اللّقطة إن أشهد عليها ‪ .‬فإن لم يشهد فإنّه يضمنها‬
‫‪ - 32‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫إن تلفت عند جمهور الفقهاء ‪ .‬وقال الحنابلة وأبو يوسف ‪ :‬ل ضمان على الملتقط سواءٌ أشهد‬
‫أم لم يشهد ‪ .‬وفي البدائع ‪ :‬ول ضمان على الملتقط أشهد أو لم يشهد عند الصّاحبين ‪ .‬وعند‬
‫أبي حنيفة يضمن إن لم يشهد ‪ .‬فإن خشي استيلء ظالمٍ عليها ‪ ،‬فقد قال الشّافعيّة ‪ :‬إنّه يمتنع‬
‫الشهاد ولو أشهد ضمن ‪ ،‬وقال الحنفيّة ل يضمن إن لم يشهد خوفا من استيلء ظالمٍ عليها ‪،‬‬
‫وكذا ل يضمن إن لم يتمكّن من الشهاد ‪.‬‬
‫الشهاد والتعريف ‪:‬‬
‫‪ - 33‬ل يغني الشهاد عن التعريف عند أكثر الفقهاء ‪ ،‬وذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه يغني عن‬
‫التعريف ‪.‬‬
‫الشهاد على اللّقيط ‪:‬‬
‫‪ - 34‬ل يختلف حكم الشهاد على التقاط اللّقيط عن الشهاد في اللّقطة عند المالكيّة ‪ ،‬وعند‬
‫الشّافعيّة يجب الشهاد قولً واحدا ‪ ،‬وهو وج ٌه عند الحنابلة ‪ ،‬وعليه اقتصرت بعض كتبهم ‪.‬‬
‫ن اللّقطة الغرض منها المال ‪ ،‬والشهاد في‬
‫وإنّما فرّقوا بين اللّقطة واللّقيط في الشهاد ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّصرّف الماليّ مستحبّ ‪ ،‬والغرض من التقاط اللّقيط حفظ ح ّريّته ونسبه ‪ ،‬فوجب الشهاد ‪،‬‬
‫ن اللّقطة يشيع أمرها بالتعريف ول تعريف في اللّقيط ‪ .‬واستظهر ابن‬
‫كما في النّكاح ‪ ،‬ول ّ‬
‫قدامة وجوب ضمّ مشرفٍ إلى الملتقط إن كان غير أمينٍ ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني عند الحنابلة ‪ :‬استحباب الشهاد ‪ .‬ويجب الشهاد على ما مع اللّقيط تبعا له‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬ولئلّ يتملّكه ‪ .‬وقيّد الماورديّ وجوب الشهاد على اللّقيط وعلى ما معه بحالة‬
‫ما إذا كان هو الملتقط ‪ .‬أمّا من سلّمه الحاكم له ليكفله فالشهاد مستحبّ له قطعا ‪.‬‬
‫الشهاد على نفقة اللّقيط ‪:‬‬
‫‪ - 35‬الحنفيّة والشّافعيّة اشترطوا لجواز الرّجوع بما ينفقه الملتقط على اللّقيط الشهاد على‬
‫إرادته الرّجوع ‪ .‬وقيّد الشّافعيّة ذلك بما إذا لم يتمكّن المنفق من استئذان الحاكم ‪ .‬ووجوب‬
‫الشهاد هو قول شريحٍ والنّخعيّ ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل يشترط ‪ .‬ول يتأتّى القول بالشهاد عند‬
‫المالكيّة ‪ ،‬فالملتقط ينفق ‪ ،‬ول يرجع على اللّقيط عندهم ‪ ،‬لنّه باللتقاط ألزم نفسه ‪.‬‬
‫الشهاد بالباطل للتّوصّل إلى الحقّ ‪:‬‬
‫‪ - 36‬فقهاء الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على أنّه يجوز الشهاد بالباطل للتّوصّل إلى الحقّ في‬
‫صورٍ ذكروها ‪ .‬فعند الحنفيّة ‪ :‬الصّغيرة الّتي يزوّجها وليّ غير الب والجدّ ‪ ،‬ويثبت لها‬
‫شرعا خيار البلوغ في النّكاح على الفور ‪ ،‬فإنّها إذا رأت الحيض في اللّيل واختارت الفسخ‬
‫فورا ‪ ،‬فإنّها حين تشهد في الصّباح على البلوغ تقول ‪ :‬بلغت الن ‪ ،‬ضرورة إحياء الحقّ ‪،‬‬
‫ن خيار البلوغ يسقط بالتّراخي ‪ ،‬فلو أخبرت عن اختيارها متباعدا عن الشهاد لم تستفد من‬
‫لّ‬
‫الخيار ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬يجوز للنسان إذا لم يكن له وارثٌ معيّنٌ ‪ ،‬ولم ينتظم بيت المال أن‬
‫يتحيّل على إخراج ماله بعد موته في طاعة اللّه ‪ ،‬وذلك بأن يشهد في صحّته بشيءٍ من حقوق‬
‫ت وجب إخراجها من رأس المال ‪ ،‬ولو أتى على جميعه‬
‫اللّه تعالى في ذمّته ‪ ،‬كزكاةٍ أو كفّارا ٍ‬
‫بعد الحقوق المتعلّقة بالعين ‪ .‬وذكر الحنابلة عدّة صورٍ منها ‪ :‬ما يسمّى بمسألة إيداع الشّهادة ‪،‬‬
‫كأن يقول له الخصم ‪ :‬ل أقرّ لك حتّى تبرئني من نصف الدّين أو ثلثه ‪ ،‬وأشهد عليك إنّك ل‬
‫ق على بعد ذلك شيئا ‪ ،‬فيأتي صاحب الحقّ إلى رجلين فيقول ‪ :‬اشهدا أنّي على طلب‬
‫تستح ّ‬
‫حقّي كلّه من فلنٍ ‪ ،‬وأنّي لم أبرئه من شي ٍء منه ‪ ،‬وإنّي أريد أن أظهر مصالحته على‬
‫بعضه ‪ ،‬لتوصّل بالصّلح إلى أخذ بعض حقّي ‪ ،‬وأنّي إذا أشهدت أنّي ل أستحقّ عليه سوى ما‬
‫ل إلى أخذ بعض حقّي ‪،‬‬
‫صالحني عليه فهو إشهادٌ باطلٌ ‪ ،‬وأنّي إنّما أشهدت على ذلك توصّ ً‬
‫فإذا فعل ذلك جاز له أن يدّعي بقاءه على حقّه ‪ ،‬ويقيم الشّهادة بذلك ‪ .‬فالنسان له التّوصّل إلى‬
‫ل طريقٍ جائزٍ ‪ ،‬وقد توصّل المظلوم إلى حقّه بطريقٍ لم يسقط بها حقّا لحدٍ ‪ ،‬ولم يأخذ‬
‫حقّه بك ّ‬
‫بها ما ل يحلّ له أخذه ‪ ،‬فل خرج بها من حقّ ‪ ،‬ول دخل بها في باطلٍ ‪ .‬ونظير هذا أن يكون‬
‫للمرأة على رجلٍ حقّ فيجحده ‪ ،‬ويأبى أن يقرّ به حتّى تقرّ له بالزّوجيّة ‪ ،‬فتشهد على نفسها‬
‫أنّها ليست امرأة فلنٍ ‪ ،‬وأنّي أريد أن أقرّ له بالزّوجيّة إقرارا كاذبا ل حقيقة له لتوصّل بذلك‬
‫ل أتوصّل به إلى أخذ حقّي ‪ .‬ومثله‬
‫إلى أخذ مالي عنده ‪ ،‬فاشهدوا أنّ إقراري بالزّوجيّة باط ٌ‬
‫أيضا ‪ :‬أن ينكر نسب أخيه ‪ ،‬ويأبى أن يقرّ له به حتّى يشهد أنّه ل يستحقّ في تركة أبيه‬
‫شيئا ‪ ،‬وأنّه قد أبرأه من جميع ماله في ذمّته منها ‪ ،‬أو أنّه وهب له جميع ما يخصّه منها ‪ ،‬أو‬
‫أنّه قبضه ‪ ،‬أو اعتاض عنه ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ ،‬فيودع الشّهادة عدلين أنّه باقٍ على حقّه ‪ ،‬وأنّه‬
‫يظهر ذلك القرار توصّلً إلى إقرار أخيه بنسبه ‪ ،‬وأنّه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئا ول أبرأ‬
‫أخاه ول عاوضه ول وهبه ‪.‬‬
‫الشهاد على كتابة الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ - 37‬يتّفق الفقهاء على نفاذ الوصيّة إن كتب الموصي وصيّته وأشهد عليها ‪ ،‬ثمّ قرأها على‬
‫المشهود ‪ .‬ويختلفون إن كتبها ولم يعلم الشّهود بما فيها ‪ ،‬سواءٌ أكتبها ولم يشهد عليها أم كتبها‬
‫في غيبة الشّهود ‪ ،‬ثمّ أشهدهم عليها ‪ .‬فإن كتبها مبهم ًة ثمّ دعا الشّهود ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذه وصيّتي‬
‫فاشهدوا على ما في هذا الكتاب ‪ ،‬فللفقهاء في نفاذ هذه الوصيّة وعدمه رأيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬عدم النّفاذ ‪ ،‬وبه قال الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وجمهور الصحاب من الشّافعيّة ‪ .‬وبهذا‬
‫ن بعض كتب الحنابلة أطلقت هذا القول ‪،‬‬
‫قال الحسن البصريّ وأبو قلبة وأبو ثورٍ ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫ن الحكم ل يجوز‬
‫وبعضها قيّده بما إذا لم يعرف خطّ الكاتب ‪ ،‬وقالوا في تعليل عدم النّفاذ ‪ :‬إ ّ‬
‫برؤية خطّ الشّاهد بالشّهادة بالجماع فكذا هنا ‪.‬‬
‫ح وينفذ به الوصيّة وإن لم يقرأها على الشّهود ‪ ،‬وهو قول‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ هذا الشهاد يص ّ‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وقول محمّد بن نصر المروزيّ من الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول جماعةٍ من التّابعين منهم‬
‫سالمٌ وعبد الملك بن يعلى قاضي البصرة ‪ .‬فإن كتبها بحضرتهم ‪ ،‬وأشهدهم عليها ‪ ،‬دون علمٍ‬
‫بما فيها فإنّها تنفذ عند المالكيّة ‪ ،‬وهو رواي ٌة عن أبي يوسف إذا أودعه عنده ‪ ،‬وهو مذهب‬
‫أحمد إن عرف خطّه ‪ .‬والعمل حينئذٍ بالخطّ ل بالشهاد ‪ .‬وممّن قال ذلك عبد الملك بن يعلى‬
‫ج أبو عبيدٍ بكتب‬
‫ي ومحمّد بن مسلمة وأبو عبيدٍ وإسحاق ‪ ،‬واحت ّ‬
‫ومكحولٌ واللّيث والوزاع ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى عمّاله وأمرائه في أمر وليته وأحكام سننه ‪ ،‬ثمّ ما عمل‬
‫به الخلفاء الرّاشدون المهديّون بعده من كتبهم إلى ولتهم الحكام الّتي تتضمّن أحكاما في‬
‫الدّماء والفروج والموال ‪ ،‬يبعثون بها مختومةً ل يعلم حاملها ما فيها ‪ ،‬وأمضوها على‬
‫وجوهها ‪.‬‬
‫ب كتبه وختم عليه ‪ .‬قال ابن‬
‫وذكر استخلف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بكتا ٍ‬
‫قدامة ‪ :‬ول نعلم أحدا أنكر ذلك مع شهرته في علماء العصر فكان إجماعا ‪ .‬ول تنفذ عند أبي‬
‫حنيفة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو محكيّ عن أحمد بن حنبلٍ ‪ ،‬قال صاحب المغني ‪ :‬ووجهه أنّه كتابٌ ل‬
‫يعلم الشّاهد ما فيه ‪ ،‬فلم يجز أن يشهد عليه ‪ ،‬ككتاب القاضي إلى القاضي ‪.‬‬
‫الشهاد على النّكاح ‪:‬‬
‫‪ - 38‬الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬والمشهور عن أحمد أنّه ل يصحّ عقد النّكاح إلّ بإشهادٍ على العقد ‪،‬‬
‫ي وشاهدي عدلٍ » ‪ .‬وروي ذلك عن عمر‬
‫لقوله « صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل نكاح إلّ بول ّ‬
‫وعليّ ‪ ،‬وهو قول ابن عبّاسٍ وسعيد بن المسيّب وجابر بن زيدٍ والحسن والنّخعيّ وقتادة‬
‫والثّوريّ والوزاعيّ ‪ .‬والمعنى فيه صيانة النكحة عن الجحود ‪ ،‬والحتياط للبضاع ‪ .‬وعند‬
‫المالكيّة الشهاد على العقد مستحبّ ‪ ،‬لكن يشترط الشهاد عند الدّخول ‪ ،‬فإن أشهدا قبل‬
‫الدّخول صحّ النّكاح ما لم يقصدا الستسرار بالعقد ‪ .‬فإن قصداه لم يقرّا على النّكاح عليه ‪،‬‬
‫لنهيه عليه الصلة والسلم عن نكاح السّرّ ‪ ،‬ويؤمر أن يطلّقها طلق ًة وإن طال الزّمان ‪ ،‬ثمّ‬
‫يستأنف العقد ‪ .‬وإن دخل بل إشهادٍ فسخ النّكاح كذلك ‪ ،‬وحدّا في الحالتين ‪ ،‬ما لم يكن النّكاح‬
‫فاشيّا ‪ .‬وهناك شروطٌ وتفصيلتٌ فيما يتعلّق بالشهاد في هذا الموضوع ‪ ،‬يرجع إليه في‬
‫مصطلح ( نكاحٌ ) ‪.‬‬
‫الشهاد على الرّجعة ‪:‬‬
‫‪ - 39‬للفقهاء في حكم الشهاد على الرّجعة رأيان ‪:‬‬
‫أوّلهما ‪ :‬ندب الشهاد ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة ‪ ،‬والصّحيح عند المالكيّة ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والشهاد عندهم يكون على صيغة الرّجعة أو القرار بها ‪ ،‬وهو رواي ٌة عند الحنابلة ‪ .‬وثانيهما‬
‫‪ :‬وجوب الشهاد ‪ ،‬وهو قول ابن بكيرٍ وغيره من المالكيّة ‪ ،‬وهو رواي ًة عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ن الشهاد مطلوبٌ بقول اللّه سبحانه وتعالى ‪ { :‬فإذا بلغن أجلهنّ‬
‫واستدلّ الفريقان على أ ّ‬
‫فأمسكوهنّ بمعروفٍ أو فارقوهنّ بمعروفٍ وأشهدوا ذوي عد ٍل منكم } ‪ .‬فحمل الفريق الوّل‬
‫ن الرّجعة ل تفتقر إلى قبولٍ ‪ ،‬فلم تفتقر إلى شهاد ٍة ‪ ،‬كسائر‬
‫المر على الستحباب ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫حقوق الزّوج ‪ ،‬ولنّها استدامةٌ للنّكاح وهذا ل يتطلّب الشهاد ‪.‬‬
‫وحمل الفريق الثّاني المر على الوجوب وهو ظاهر المر ‪ .‬ثمّ من أوجب الشهاد إذا‬
‫ح الرّجعة ؟ من اعتبر الشهاد شرطا قال ‪ :‬ل تصحّ ‪ ،‬ومن اعتبره‬
‫راجعها بدونه هل تص ّ‬
‫واجبا ديانةً فقط صحّت الرّجعة مع الثم ‪ .‬وتفصيل ذلك في مبحث الرّجعة ‪.‬‬
‫إشهاد المنفق على الصّغير ‪:‬‬
‫‪ - 40‬نفقة الصّغير في ماله إن كان له مالٌ ‪ ،‬وإلّ فيلزم بالنفاق عليه من تجب نفقته عليه‬
‫شرعا ‪ ،‬وهذا ل يحتاج إلى إشهادٍ ‪ .‬وإن كان له مالٌ وأنفق عليه وليّه أو وصيّه من مالهما‬
‫بقصد الرّجوع عليه ‪ ،‬فل بدّ لجواز الرّجوع على الصّغير في ماله من الشهاد ‪ .‬وكذلك إن‬
‫أنفق عليه من ل تجب عليه نفقته ‪ .‬وفي ذلك تفصيلٌ وخلفٌ يرجع إليه في مصطلح ( نفقةٌ )‬
‫‪.‬‬
‫الشهاد بالنفاق على من ل تجب عليه النّفقة ليرجع بما أنفق ‪:‬‬
‫‪ - 41‬من أنفق على من ل تجب نفقته عليه بقصد الرّجوع عليه ‪ ،‬أو على من تلزمه النّفقة‬
‫كان عليه أن يشهد حتّى يرجع بما ينفق ‪ ،‬وذلك إن عجز عن استئذان من تجب عليه النّفقة أو‬
‫الحاكم ‪ .‬وهذا هو رأي الشّافعيّة ‪ ،‬وإحدى الرّوايات عن أحمد ‪ ،‬واكتفى المالكيّة بيمين المنفق‬
‫ن قيّم الوقف إذا أنفق على الوقف من ماله‬
‫‪ :‬أنّه أنفق ليرجع ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فإنّهم يقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫بقصد الرّجوع فل ب ّد من الشهاد ‪ .‬ويمكن التّخريج على هذه عندهم فيما يشبه الوقف ‪ .‬وفي‬
‫الموضوع تفصيلٌ يرجع إليه في ( الوقف الوديعة والرّهن والنّفقة واللّقطة واللّقيط ) ‪.‬‬
‫الشهاد على الحائط المائل للضّمان ‪:‬‬
‫‪ - 42‬إذا سقط الحائط المائل ‪ ،‬فتلف بسقوطه شيءٌ ‪ ،‬فيرى الحنفيّة أنّه ل يضمن صاحب‬
‫الحائط ‪ ،‬إلّ إذا طلب إليه إزالة الحائط قبل سقوطه ‪ ،‬وأشهدوا على ذلك ‪ .‬ويتحقّق الطّلب من‬
‫أيّ عاقلٍ ولو صبيّا ‪ .‬ويكون الضّمان عليه في ماله إن كان الضّرر واقعا على مال الغير ‪،‬‬
‫ويكون الضّمان في هلك النّفس على عاقلة صاحب الحائط إلحاقا بالقتل الخطأ ‪ .‬ويرى‬
‫ل من القاضي أو ممّن له النّظر في مثل هذه المور كالبلديّة‬
‫ن الشهاد ل يتحقّق إ ّ‬
‫المالكيّة أ ّ‬
‫ل إذا كان في مكان ليس‬
‫الن ‪ .‬وأمّا طلب النّاس وإشهادهم فل عبرة به في وجوب الضّمان إ ّ‬
‫به قاضٍ ول مسئولٌ عن مثل هذا ‪ .‬ويكون الضّمان عندهم في المال والنّفس على صاحب‬
‫الحائط إن قصّر ‪ .‬والشّافعيّة والحنابلة ل يوجبون الشهاد على الطّلب ‪ ،‬وإنّما يكفي عندهم‬
‫الطّلب وحده في وجوب الضّمان ‪ .‬وأمّا شروط وجوب الضّمان فيرجع إليها في موضوع‬
‫الضّمان والجنايات ‪.‬‬
‫إشهارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشهار ‪ :‬مصدر أشهر بمعنى أعلن ‪ ،‬والشّهر في اللّغة بمعنى العلن والظهار ‪ .‬يقال‬
‫ل لغ ًة ‪ -‬كما قال‬
‫‪ :‬شهّرته بين النّاس وشهرته ‪ .‬أي أبرزته وأوضحته ‪ .‬أمّا الشهار فغير منقو ٍ‬
‫الفيّوميّ ‪ -‬ولكنّ الفقهاء استعملوه ‪ -‬ول سيّما المالكيّة ‪ -‬بمعنى العلن ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يستعمل الفقهاء الشهار في مواطن كثير ٍة ‪ .‬منها المطلوب ‪ :‬كإشهار النّكاح ‪ ،‬والحجر ‪،‬‬
‫والحدود ‪ ،‬والعقود والعهود ‪ :‬ومنها الممنوع ‪ :‬كإشهار الفاحشة ‪ .‬ففي إشهار النّكاح ‪ :‬يرى‬
‫ب بأيّ شيءٍ متعارفٍ كإطعام الطّعام عليه ‪ ،‬أو إحضار جم ٍع من‬
‫جمهور الفقهاء أنّه مندو ٌ‬
‫النّاس زياد ًة على الشّاهدين ‪ ،‬أو بالضّرب فيه بال ّدفّ حتّى يشتهر ويعرف لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬أظهروا النّكاح » وفي لفظٍ ‪ « :‬أعلنوا النّكاح » ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تبحث مسألة إشهار النّكاح في ( النّكاح ) عند الحديث عن أركانه أو الوليمة فيه ‪ .‬ومسألة‬
‫إشهار الصّلة المكتوبة في ‪ ( ،‬الصّلة ) عند الكلم عن السّنن والنّوافل ‪ .‬وإشهار قرار الحجر‬
‫في ( الحجر ) عند الكلم عن معاملة المحجور عليه ‪.‬‬

‫أشهر الحجّ*‬
‫تحديد الفقهاء لشهر الحج ‪:‬‬
‫ن أشهر الحجّ هي ‪ :‬شوّالٌ ‪ ،‬وذو القعدة ‪ ،‬وعشرٌ من ذي الحجّة ‪،‬‬
‫‪ - 1‬جمهور الفقهاء على أ ّ‬
‫ن قوله تعالى ‪ { :‬الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ } مقصودٌ به وقت الحرام بالحجّ ‪ ،‬لنّ الحجّ ل‬
‫لّ‬
‫يحتاج إلى أشهرٍ ‪ ،‬فدلّ على أنّه أراد به وقت الحرام ‪ .‬وقد روي ذلك عن العبادلة الربعة ‪:‬‬
‫ابن عبّاسٍ ‪ ،‬وابن عمر ‪ ،‬وابن عمرٍو ‪ ،‬وابن الزّبير رضي ال عنهم ‪ .‬ولنّ الحجّ يفوت‬
‫بمضيّ عشر ذي الحجّة ‪ ،‬ومع بقاء الوقت ل يتحقّق الفوات ‪ ،‬وهذا يدلّ على أنّ المراد من‬
‫ن بعض الشّهر يتنزّل منزلة كلّه ‪ .‬وهذا التّحديد يدخل‬
‫الية شهران وبعض الثّالث ل كلّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيه يوم النّحر عند الحنابلة والحنفيّة غير أبي يوسف ‪ .‬وعند الشّافعيّة وأبي يوسف من الحنفيّة‬
‫ن اللّيالي تبعٌ‬
‫ليس منها يوم النّحر ‪ ،‬بل على وجهٍ عند الشّافعيّة ل تدخل ليلة النّحر كذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن أشهر‬
‫ح فيه الحرام ‪ ،‬فكذا ليلته ‪ .‬والمالكيّة ‪ -‬وإن كانوا يقولون إ ّ‬
‫لليّام ‪ ،‬ويوم النّحر ل يص ّ‬
‫ن مرادهم بذلك أنّ وقت الحرام يبدأ من شوّالٍ‬
‫ج هي شوّالٌ وذو القعدة وذو الحجّة ‪ -‬إلّ أ ّ‬
‫الح ّ‬
‫إلى فجر يوم النّحر ‪ ،‬أمّا الحلل من الحجّ فيمتدّ إلى آخر ذي الحجّة ‪ .‬ثمرة الخلف في‬
‫تحديد أشهر الحجّ ‪ :‬ثمرة الخلف في تحديد أشهر الحجّ ‪ ،‬على ما ذكره ابن رشدٍ ‪ ،‬هي جواز‬
‫تأخير طواف الفاضة عند المالكيّة إلى آخر ذي الحجّة ‪ ،‬فإن أخّره إلى المحرّم فعليه دمٌ ‪،‬‬
‫وعند الحنفيّة إن أخّره عن أيّام النّحر كان عليه دمٌ ‪ .‬أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ آخره غير‬
‫موقّتٍ ‪ ،‬بل يبقى ما دام حيّا ول دم عليه ‪.‬‬
‫علقة أشهر الحجّ بالشهر الحرم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تظاهرت الخبار عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بأنّ الشهر الحرم هي ‪ :‬رجبٌ ‪،‬‬
‫وذو القعدة ‪ ،‬وذو الحجّة ‪ ،‬والمحرّم ‪ ،‬وهو قول عامّة أهل التّأويل ‪ .‬وعلى ذلك فأشهر الحجّ‬
‫تشترك مع الشهر الحرم في ذي القعدة وعش ٍر من ذي الحجّة ‪ ،‬أمّا شوّالٌ فهو من أشهر الحجّ‬
‫فقط ‪ ،‬ورجبٌ وبقيّة ذي الحجّة من الشهر الحرم فقط ‪.‬‬
‫تحديد الفقهاء لشهر الحجّ ‪:‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ج مقصودٌ به أنّ الحرام بالحجّ يتمّ في هذا الوقت ‪ ،‬ولذلك يرى الحنفيّة‬
‫‪ - 3‬تحديد أشهر الح ّ‬
‫ج في غير هذا الوقت ‪ ،‬والمراد عند الحنفيّة بالكراهة‬
‫والمالكيّة والحنابلة كراهة الحرام بالح ّ‬
‫كراهة التّحريم ‪ ،‬وبذلك صرّح القهستانيّ ‪ .‬أمّا الشّافعيّة فل ينعقد عندهم الحرام بالحجّ في‬
‫غير هذا الوقت ‪ ،‬وإنّما ينعقد عمرةً ‪ ،‬لنّ الحجّ عباد ٌة مؤقّتةٌ ‪ ،‬فإذا عقدها في غير وقتها انعقد‬
‫غيرها من جنسها ‪ ،‬كصلة الظّهر إذا أحرم بها قبل الزّوال فإنّه ينعقد إحرامه بالنّفل ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬أشهر الحجّ تتمّ فيها مناسكه بما في ذلك من إحرامٍ وطوافٍ وسعيٍ ووقوفٍ ‪ .‬ر ‪ ( :‬حجّ‬
‫‪ -‬طوافٌ ‪ -‬سعيٌ ‪ -‬إحرامٌ ) ‪.‬‬
‫الشهر الحرم ‪:‬‬
‫المراد بالشهر الحرم ‪:‬‬
‫ن عدّة الشّهور عند اللّه اثنا‬
‫‪ - 1‬الشهر الحرم هي الّتي ورد ذكرها في قول اللّه تعالى ‪ { :‬إ ّ‬
‫عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السّموات والرض ‪ ،‬منها أربعةٌ حرمٌ } ‪ .‬وهنّ ‪ :‬رجب‬
‫مضر ‪ ،‬وذو القعدة ‪ ،‬وذو الحجّة ‪ ،‬والمحرّم ‪ .‬وهذا التّحديد تظاهرت به الخبار عن رسول‬
‫ي قال ‪ :‬إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم‬
‫ن النّب ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فعن أبي بكرة « أ ّ‬
‫خلق اللّه السّماوات والرض ‪ ،‬السّنة اثنا عشر شهرا منها أربعةٌ حرمٌ ‪ :‬ثلثٌ متوالياتٌ ‪ ،‬ذو‬
‫القعدة وذو الحجّة والمحرّم ‪ .‬ورجب مضر الّذي بين جمادى وشعبان » ‪ .‬وروي مثل ذلك عن‬
‫أبي هريرة وقتادة ‪ ،‬وهو أيضا قول عامّة أهل التّأويل ‪.‬‬
‫المقارنة بينها وبين أشهر الحجّ ‪:‬‬
‫ج ورد في قول اللّه تعالى ‪ { :‬الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ } ‪ .‬وقد اختلف أهل‬
‫‪ - 2‬ذكر أشهر الح ّ‬
‫ن أشهر الحجّ شوّالٌ وذو القعدة وذو الحجّة كلّه ‪ ،‬يريدون بذلك أنّهنّ‬
‫التّأويل في ذلك ‪ .‬فقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫ن من شهور السّنة ‪ .‬وقيل ‪ :‬يعني‬
‫ج ‪ ،‬ل أشهر العمرة ‪ ،‬وأنّ أشهر العمرة سواه ّ‬
‫أشهر الح ّ‬
‫ل وذا القعدة وعشرا من ذي الحجّة ‪ .‬وقد صوّب الطّبريّ ذلك القول ‪،‬‬
‫بالشهر المعلومات شوّا ً‬
‫ج يعمل بعد انقضاء أيّام منًى وعلى ذلك‬
‫ن ذلك من اللّه خيرٌ من ميقات الحجّ ‪ ،‬ول عمل للح ّ‬
‫لّ‬
‫ج والشهر الحرم بعض التّداخل ‪ ،‬إذ أنّ ذا القعدة وعشرا من ذي الحجّة من‬
‫فبين أشهر الح ّ‬
‫ب من‬
‫ج والشهر الحرم ‪ ،‬أمّا شوّالٌ فهو من أشهر الحجّ فقط ‪ ،‬والمحرّم ورج ٌ‬
‫أشهر الح ّ‬
‫الشهر الحرم فقط ‪.‬‬
‫فضل الشهر الحرم ‪:‬‬
‫ن على سائر الشّهور ‪ .‬فخصّ‬
‫‪ - 3‬الشهر الحرم فضّلها اللّه على سائر شهور العام ‪ ،‬وشرّفه ّ‬
‫ن بالتّشريف ‪ ،‬وذلك نظير قوله تعالى ‪ { :‬حافظوا على‬
‫ن بالتّعظيم ‪ ،‬كما خصّه ّ‬
‫الذّنب فيه ّ‬
‫س ‪ :‬خصّ اللّه من شهور العام أربعة أشهرٍ‬
‫الصّلوات والصّلة الوسطى } قال ابن عبّا ٍ‬
‫فجعلهنّ حرما ‪ ،‬وعظّم حرماتهنّ ‪ ،‬وجعل الذّنب فيهنّ والعمل الصّالح والجر أعظم ‪ ،‬وعن‬
‫قتادة ‪ :‬الظّلم في الشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزرا من الظّلم فيما سواها ‪ ،‬وإن كان الظّلم في‬
‫ل حالٍ عظيما ‪ ،‬ولكنّ اللّه يعظّم من أمره ما شاء ‪ ،‬فإنّ اللّه تعالى اصطفى صفايا من خلقه ‪،‬‬
‫كّ‬
‫اصطفى من الملئكة رسلً ‪ ،‬ومن النّاس رسلً ‪ ،‬واصطفى من الكلم ذكره ‪ ،‬واصطفى من‬
‫الرض المساجد ‪ ،‬واصطفى من الشّهور رمضان والشهر الحرم ‪ ،‬واصطفى من اليّام يوم‬
‫الجمعة ‪ ،‬واصطفى من اللّيالي ليلة القدر ‪ .‬قال قتادة ‪ :‬فعظّموا ما عظّم اللّه ‪ ،‬فإنّما تعظّم‬
‫المور بما عظّمها اللّه عند أهل الفهم وأهل العقل ‪.‬‬
‫ما تختصّ به من الحكام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القتال في الشهر الحرم ‪:‬‬
‫‪ - 4‬كان القتال في الشهر الحرم محرّما في الجاهليّة قبل السلم ‪ ،‬فكانت الجاهليّة تعظّمهنّ‬
‫ن ‪ ،‬حتّى لو لقي الرّجل منهم فيهنّ قاتل أبيه أو أخيه تركه ‪ .‬قال النّيسابوريّ‬
‫وتحرّم القتال فيه ّ‬
‫في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬ذلك الدّين القيّم } ‪ ،‬أي هو الدّين المستقيم الّذي كان عليه إبراهيم‬
‫وإسماعيل عليهما السلم ‪ ،‬وقد توارثته العرب منهما فكانوا يحرّمون القتال فيها ‪ .‬ثمّ جاء‬
‫السلم يؤيّد حرمة القتال في الشهر الحرم بقوله تعالى ‪ { :‬يسألونك عن الشّهر الحرام قتالٍ‬
‫ل فيه كبيرٌ وصدّ عن سبيل اللّه وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر‬
‫فيه ‪ .‬قل قتا ٌ‬
‫عند اللّه والفتنة أكبر من القتل } ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬هل نسخ القتال في الشهر الحرم ؟‬
‫‪ - 5‬اختلف أهل التّأويل في الية الّتي أثبتت حرمة القتال في الشهر الحرم ‪ ،‬وهي قوله تعالى‬
‫خ أم ثابت‬
‫‪ { :‬يسألونك عن الشّهر الحرام قتالٍ فيه ‪ .‬قل قتالٌ فيه كبيرٌ } هل هو منسو ٌ‬
‫ن ذلك حكمٌ ثابتٌ ‪ ،‬ل يحلّ القتال لح ٍد في الشهر الحرم ‪ ،‬لنّ اللّه‬
‫الحكم ؟ قال بعضهم ‪ :‬إ ّ‬
‫جعل القتال فيه كبيرا ‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬هو منسوخٌ بقول اللّه عزّ وجلّ ‪ { :‬وقاتلوا المشركين‬
‫كافّةً كما يقاتلونكم كافّ ًة } ور ّد ذلك عن الزّهريّ وعطاء بن ميسرة ‪ .‬قال عطاء بن ميسرة ‪:‬‬
‫ن أنفسكم وقاتلوا‬
‫ل القتال في الشّهر الحرام في براء ٌة قوله تعالى ‪ { :‬فل تظلموا فيه ّ‬
‫أح ّ‬
‫المشركين كافّةً } ‪ ،‬يقول ‪ :‬فيهنّ وفي غيرهنّ ‪ .‬وعن الزّهريّ قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم فيما بلغنا يحرّم القتال في الشّهر الحرام ثمّ أحلّ بعد » ‪ .‬قال الطّبريّ ‪ :‬والصّواب‬
‫ن النّهي عن قتال المشركين في الشهر الحرم‬
‫من القول في ذلك ما قال عطاء بن ميسرة من أ ّ‬
‫ل ‪ { :‬إنّ عدّة الشّهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم‬
‫منسوخٌ بقول اللّه عزّ وج ّ‬
‫خلق اللّه السّموات والرض منها أربع ٌة حرمٌ ذلك الدّين القيّم فل تظلموا فيهنّ أنفسكم وقاتلوا‬
‫المشركين كافّةً كما يقاتلونكم كافّ ًة } ‪ .‬وإنّما قلنا ذلك ناسخٌ لقوله تعالى ‪ { :‬يسألونك عن‬
‫الشّهر الحرام قتالٍ فيه ‪ .‬قل قتالٌ فيه كبيرٌ } لتظاهر الخبار بذلك عن رسول اللّه ‪.‬‬
‫تغليظ الدّيات في الشهر الحرم ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اختلف الفقهاء في تغليظ دية القتل في الشهر الحرم أو عدم تغليظها ‪ ،‬فالشّافعيّة والحنابلة‬
‫يرون تغليظ الدّية للقتل في الشهر الحرم ‪ .‬وعند الحنفيّة والمام مالكٍ ل تغلّظ الدّية ‪ .‬ومن‬
‫قال بالتّغليظ اختلف في صفتها ‪ ،‬فقيل ‪ :‬إنّها ثلثون ح ّقةً وثلثون جذع ًة وأربعون خلفةً ‪ ،‬وقيل‬
‫غير ذلك ‪ ،‬ويفصّل الفقهاء ذلك في الدّيات ‪.‬‬

‫إصبعٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصبع ‪ :‬معروف ٌة لغ ًة وعرفا ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تخليل أصابع اليدين والرّجلين في الوضوء ‪:‬‬
‫ن تخليل أصابع اليدين والرّجلين في الوضوء مطلوبٌ ‪ ،‬وجمهور‬
‫‪ - 2‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ن في اليدين والرّجلين ‪ ،‬والمالكيّة يرون أنّه واجبٌ في اليدين ‪ .‬واختلفوا‬
‫الفقهاء على أنّه مسنو ٌ‬
‫في وجوبه في الرّجلين ‪ .‬فقال جماع ٌة منهم بالوجوب ‪ ،‬وقال الخرون بأنّه مسنونٌ في الرّجلين‬
‫ع من العسر ‪ .‬واستدلّوا على‬
‫ن التّخليل في أصابع الرّجلين فيه نو ٌ‬
‫‪ ،‬والّذين فرّقوا يرون أ ّ‬
‫الوجوب بما روي عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا‬
‫ن آية الوضوء‬
‫س ّنيّة بأ ّ‬
‫توضّأت فخلّل بين أصابع يديك ورجليك » ‪ .‬واستدلّ الجمهور على ال ّ‬
‫وردت مطلقةً عن التّخليل ‪.‬‬
‫كيفيّة التّخليل ‪:‬‬
‫ن بعض الفقهاء توسّع في‬
‫‪ - 3‬يكفي في تحقّق التّخليل أي كيفيّة يخلّل بها بين الصابع ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ن تخليل الصابع في اليدين يكون بتشبيك أصابع اليدين ‪ ،‬مع وضع‬
‫بيان الكيفيّة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫باطن اليسرى على ظاهر اليمنى والعكس ‪ ،‬وفي الرّجلين يخلّل بخنصر يده اليمنى ‪ ،‬مبتدئا‬
‫بخنصر رجله اليمنى منتهيا بإبهامها ‪ ،‬وفي اليسرى يبتدئ بإبهامها منتهيا بخنصرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وضع الصابع في الذنين عند الذان ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يسنّ أن يجعل المؤذّن أصبعيه في صماخي أذنيه عند الذان ‪ ،‬لنّه أجمع للصّوت ‪« ،‬‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم لبللٍ ‪ :‬اجعل إصبعيك في أذنيك فإنّه أرفع لصوتك » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما يتعلّق بالصابع في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يكره في الصّلة تشبيك الصابع ‪ ،‬وفرقعتها ‪ ،‬وتحريكها إلّ عند التّشهّد ‪ ،‬فإنّه يرفع‬
‫سبّابة عند النّفي ‪ ،‬ويضعها عند الثبات ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫د ‪ -‬قطع الصابع ‪:‬‬
‫‪ - 6‬قطع الصبع الصليّة إن كان عمدا ففيه القصاص ‪ ،‬وإن كان خطأً ففيه الدّية ‪ ،‬وهي‬
‫ل عند جمهور الفقهاء ‪ .‬ويرى المالكيّة‬
‫عشر دية النّفس ‪ ،‬أمّا إذا كانت زائد ًة ففيها حكومة عد ٍ‬
‫أنّها إن كانت في قوّة الصبع الصليّة ففيها دية الصبع ‪ ،‬وتفصيل ذلك في الجنايات والدّيات‬
‫‪.‬‬
‫إصرارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصرار لغ ًة ‪ :‬مداومة الشّيء وملزمته والثّبوت عليه واصطلحا ‪ :‬الصرار ‪ :‬هو‬
‫شرّ والثم‬
‫العزم بالقلب على المر وعلى ترك القلع عنه ‪ .‬وأكثر ما يستعمل الصرار في ال ّ‬
‫والذّنوب ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الصرار إمّا أن يكون عن جهلٍ ‪ ،‬أو عن علمٍ ‪ .‬فإذا كان الصرار عن جهلٍ فقد يعذر‬
‫من ل يعلم حرمة الفعل الّذي أصرّ عليه ‪ .‬أمّا إذا كان عن عل ٍم بالحكم فإنّ الفاعل يكون آثما‬
‫إذا كان على معصي ٍة ‪ ،‬ويتضاعف إثمه بمقدار ما هو عليه من جرمٍ ‪ ،‬لنّ الصرار على‬
‫الصّغيرة كبيرةٌ ‪ ،‬والصرار على الكبائر يؤدّي إلى عظم ذنبها وزيادة وزرها ‪ .‬وأمّا إذا كان‬
‫الصرار على غير معصيةٍ ‪ ،‬فإنّه قد يكون مندوبا إليه ‪ ،‬كالصرار على عدم إفشاء أسرار‬
‫المسلمين للعد ّو رغم ما يلقيه من عنت العداء ‪ .‬وقد يكون واجبا ‪ ،‬كالمداومة على فعل‬
‫الطّاعات وترك المعاصي ‪ .‬أمّا الصرار على المعصية دون تحقّقها ففيه رأيان ‪:‬‬
‫ب أليمٍ } ‪،‬‬
‫الوّل ‪ :‬يؤاخذ به النسان لقوله تعالى ‪ { :‬ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقه من عذا ٍ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار ‪ .‬قالوا‬
‫‪ :‬يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّه كان حريصا على قتل صاحبه » ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ل يؤاخذ به النسان ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من همّ بسيّئةٍ فلم يعملها لم تكتب‬
‫عليه ‪ ،‬فإن عملها كتبت عليه سيّئةٌ واحدةٌ » وقد ضعّف القرطبيّ هذا الرّأي ‪ ،‬وحمل الحديث‬
‫ن معنى « فلم يعملها » فلم يعزم على عملها ‪.‬‬
‫على أ ّ‬
‫مبطلت الصرار ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أ ‪ -‬يبطل الصرار على المعصية بالتّوبة ‪ ،‬حيث ل إصرار مع التّوبة ‪ ،‬لما روي ‪ « :‬ما‬
‫أصرّ من استغفر ‪ ،‬وإن عاد في اليوم سبعين مرّةً » وللقاعدة المعروفة ‪ ( :‬ل كبيرة مع‬
‫الستغفار ‪ ،‬ول صغيرة مع الصرار ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يبطل الصرار بترك المصرّ عليه واتّباع غيره ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫ن الصرار على الصّغائر مسقطٌ للعدالة ‪ -‬انظر ( شهادةٌ ‪ ،‬وتوبةٌ ) ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أ ‪ -‬قرّر الفقهاء أ ّ‬
‫ب ‪ -‬إصرار المرتدّ بعد استتابته يوجب القتل ‪ ،‬لحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫من بدّل دينه فاقتلوه » انظر ( ردّةٌ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إصرار المدّعى عليه على السّكوت على جواب الدّعوى يعدّ منه إنكارا ونكولً ‪ .‬انظر‬
‫( دعوى ) ‪.‬‬
‫اصطيادٌ*‬
‫انظر ‪ :‬صيدٌ ‪.‬‬
‫أصلٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصل يجمع على أصولٍ ‪ .‬وقد كثر استعمال الصل ‪ ،‬فاستعمل في كلّ ما يستند إليه‬
‫غيره ويبتني عليه ‪ ،‬من حيث إنّه يبتني عليه ويتفرّع عنه ‪ ،‬فالب أصلٌ للولد ‪ ،‬والساس‬
‫سيّا كما مثّل ‪ ،‬أم عقليّا كابتناء‬
‫أصلٌ للجدار ‪ ،‬والنّهر أصلٌ للجدول ‪ .‬وسوا ٌء أكان البتناء ح ّ‬
‫المدلول على الدّليل ‪.‬‬
‫ن ترجع كلّها إلى استناد الفرع إلى أصله وابتنائه عليه‬
‫‪ - 2‬ويطلق الصل في الصطلح بمعا ٍ‬
‫‪ ،‬ومن تلك المعاني الصطلحيّة ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الدّليل في مقابلة المدلول ‪.‬‬
‫‪ -‬القاعدة الكّليّة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪ -‬المستصحب ‪ ،‬وهو الحالة الماضية ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪ - 4‬ما يقابل الوصاف ‪.‬‬


‫‪ - 5‬وعلى أصول النسان ‪ :‬أبيه وأمّه ‪ ،‬وأجداده وجدّاته وإن علوا ‪.‬‬
‫‪ - 6‬على المبدل منه في مقابلة البدل ‪.‬‬
‫‪ 7‬وعلى أصل القياس ( المحلّ المقيس عليه )‬
‫‪ - 8‬وعلى الصول في باب البيوع ‪ ،‬ونحوها الشجار والدّور ونحو ذلك في مقابلة الثّمرة‬
‫والمنفعة ‪.‬‬
‫‪ - 9‬وعلى أصول المسائل في الميراث ‪ ،‬يخرج منه فرض المسألة أو فروضها بل كسرٍ ‪.‬‬
‫‪ - 10‬وعلى الصل في باب رواية الخبار ‪ ( :‬الشّيخ المرويّ عنه في مقابلة الفرع ‪ ،‬وهو‬
‫الرّاوي ‪ ،‬أو النّسخة المنقول منها في مقابلة النّسخة المنقولة ) ‪.‬‬
‫‪ - 11‬وعلى أصول كلّ علمٍ ( مبادئه والقواعد العامّة الّتي تستخدم في دراسته ) ‪.‬‬
‫وفيما يلي بيان هذه النواع بإيجازٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصل بمعنى الدّليل ‪:‬‬
‫سنّة‬
‫‪ - 3‬يطلق الصل بمعنى الدّليل ‪ ،‬كقول الفقهاء ‪ :‬الصل في وجوب الحجّ الكتاب وال ّ‬
‫ج البيت } ‪ .‬والصول الّتي يستدلّ‬
‫والجماع ‪ .‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬وللّه على النّاس ح ّ‬
‫سنّة النّبويّة الشّريفة ‪ ،‬والجماع ‪،‬‬
‫بها في علم الشّريعة عند الجمهور هي ‪ :‬القرآن العظيم ‪ ،‬وال ّ‬
‫والقياس ‪ .‬وهناك أدلّ ٌة مختلفٌ فيها ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫وأصول الثبات ‪ :‬الدلّة الّتي تقدّم في التّقاضي ‪ ،‬مثل البيّنة واليمين والقرار والنّكول ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصل بمعنى القاعدة الكّليّة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬القاعدة الكّليّة حكمٌ أكثريّ ‪ ،‬ينطبق على معظم جزئيّات موضوعها ‪ .‬وتسمّى الحكام‬
‫الدّاخلة فيها فروعها ‪ ،‬واستخراجها من القاعدة الكّليّة تفريعٌ عليها ‪ .‬فقول الفقهاء ‪ « :‬اليقين ل‬
‫ك " أصلٌ من أصول الفقه بهذا المعنى ‪ ،‬وإن كانت ل تدخل في ( أصول الفقه )‬
‫يزول بالشّ ّ‬
‫بمعناه العلميّ ‪ ،‬كما سيأتي ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( قواعد ) والملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ت ‪ -‬الصل بمعنى الحالة الماضية المستصحبة ‪:‬‬


‫‪ - 5‬يطلق الصل على المستصحب ‪ ،‬وهو الحالة الماضية ‪ ،‬في مقابلة الحالة الطّارئة ‪،‬‬
‫كقولهم ‪ :‬إذا شكّ في الطّهارة والحدث يستصحب الصل ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬الصل بمعنى ما قابل الوصف ‪:‬‬
‫‪ - 6‬من ذلك تفرقة الحنفيّة بين الباطل والفاسد في المعاملت ‪ ،‬فما كان الخلل في أصله فهو‬
‫ن ‪ ،‬وفسادٌ ) ‪.‬‬
‫باطلٌ غير منعقدٍ ‪ ،‬وما كان في وصفه فهو منعق ٌد فاسدٌ ‪ ،‬وتفصيله في ( بطل ٌ‬
‫ج ‪ -‬أصول النسان ‪:‬‬
‫‪ -‬أصول النسان هم ‪ :‬أبوه وأمّه وأجداده وجدّاته من الطّرفين ‪ .‬وسمّوا بذلك لنّه فرعٌ لهم‬ ‫‪7‬‬

‫‪ .‬ويقال للصول والفروع ‪ :‬عمودا النّسب ‪ ،‬والقرابة بين النّوعين تسمّى قرا بة الولد ‪ ،‬أو‬
‫الولدة ‪ .‬والصول من أقرب القرابات إلى النسان ‪ ،‬ولذا كان لهم في الشّرع أحكا مٌ يشاركون‬
‫في ها سائر القرابات ‪ ،‬من المحرميّة والميراث والبرّ وال صّلة وغ ير ذلك ‪ .‬ث مّ إ نّ النّف قة ت جب‬
‫للصول إذا كانوا محتاجين ‪ ،‬ول يجوز صرف الزّكاة إليهم ‪ .‬وفي ذلك تفصيلٌ ( ر ‪ :‬زكاةٌ ‪.‬‬
‫ل نوعٍ من الصول أحكامٌ تخصّه ( ر ‪ :‬أبٌ ‪ .‬أمّ ‪ .‬ج ّد ‪ .‬جدّةٌ ) ‪.‬‬
‫نفقةٌ ) ولك ّ‬
‫ل تجاه الخر ‪ -‬أحكامٌ معيّنةٌ يختصّون بها دون سائر القارب ‪،‬‬
‫‪ - 8‬وللصول وللفروع ‪ -‬ك ّ‬
‫عدّها السّيوطيّ من الشّافعيّة كما يلي ‪:‬‬
‫أ‪ -‬ل يقطع أحد الطّرفين بسرقة مال الخر ‪.‬‬
‫ب‪ -‬ول يقضي ول يشهد للخر ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬ول يدخلون في الوصيّة للقارب ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬وتحرم موطوءة ك ّل منهما ومنكوحته على الخر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ومن ملك منهم الخر عتق عليه ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬جواز بيع المسلم منهم للكافر إن كان مملوكا ‪ ،‬لنّه يعتق عليه ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬وجوب النّفقة عند العجز ووجوب الفطرة ( ر ‪ :‬زكاة الفطر ) ‪ .‬وفي بعض هذه المسائل‬
‫ل مسألةٍ في بابها ‪.‬‬
‫تفصيلتٌ واشتراطاتٌ وخلفٌ ‪ .‬ولمعرفة ذلك تنظر ك ّ‬
‫‪ - 9‬وللصول أحكامٌ خاصّ ٌة ينفردون بها عن الفروع وسائر القرابات ‪ ،‬حصر منها السّيوطيّ‬
‫‪ -‬من الشّافعيّة ‪ -‬جمل ًة هي ما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ل يقتل الصل بالفرع قصاصا ‪ ،‬وكذلك ل يقتل الصل قصاصا إذا كان وليّ القصاص‬
‫الفرع ‪ ،‬أمّا الفرع فيقتل بالصل ‪ .‬كما يقتل للصل أيضا ‪ ،‬وذلك إذا كان الصل وليّ الدّم ‪،‬‬
‫كما لو قتل الولد عمّه وكان أبو الولد وليّ الدّم ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ل يحدّ الصل بقذفه للفرع ‪ ،‬ويحدّ الفرع بقذفه ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ل يحبس الصل بدين الفرع ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ل تقبل شهادة الفرع على أصله بما يوجب قتلً ‪.‬‬
‫‪ - 5‬ل يجوز المسافرة بالفرع الصّغير إلّ بإذن أصوله ‪.‬‬
‫ل بإذنهم ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ول يجوز له الخروج للجهاد إ ّ‬
‫‪ - 7‬ل يجوز التّفريق بين الصل والفرع بالبيع إن كانا مملوكين ‪.‬‬
‫‪ - 8‬للصل أن يمنع الفرع من الحرام ‪.‬‬
‫‪ - 9‬إذا دعاه أصله وهو في الصّلة يجيبه ‪ ،‬وفي بطلن الصّلة بذلك اختلفٌ ‪.‬‬
‫‪ -10‬للصل تأديب الفرع وتعزيره ‪.‬‬
‫‪ - 11‬للصل الرّجوع فيما وهب للفرع ‪.‬‬
‫‪ - 12‬يتبع الفرع ‪ -‬إن كان صغيرا ‪ -‬أصله في السلم ‪.‬‬
‫ل من الصول بالمولود ‪ .‬ووافق ابن نجيمٍ ‪ -‬من الحنفيّة ‪ -‬على أكثر هذه‬
‫‪ - 13‬يهنّأ ك ّ‬
‫الفروع ‪ ،‬وأضاف ‪:‬‬
‫ل ما سبق من هذه‬
‫ل دفاعا عن نفسه ‪ .‬وفي ك ّ‬
‫‪ - 14‬ل يجوز للفرع قتل أصله الحربيّ إ ّ‬
‫الحكام الخاصّة بأصول النسان خلفٌ وتفصيلٌ يرجع في كلّ شيءٍ منها إلى بابه‪.‬‬
‫ح‪-‬الصل بمعنى المتفرّع منه ‪:‬‬
‫‪ - 10‬تتعلّق بالصل بهذا المعنى أحكامٌ شرعّيةٌ منها قواعد فقهيّةٌ ‪ .‬ومن ذلك ما جاء في مجلّة‬
‫الحكام العدليّة في المادّتين التّاليتين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الصل ( م ‪ ) 81‬فلو ادّعى شخصٌ على اثنين أنّ أحدهما‬
‫استقرض منه مبلغا ‪ ،‬وأنّ الثّاني قد كفله ‪ ،‬فاعترف الكفيل وأنكر الخر ‪ ،‬وعجز المدّعي عن‬
‫ن المرء مؤاخذٌ بإقراره ‪ .‬وكذا لو أق ّر شخصٌ‬
‫إثبات دعواه ‪ ،‬يؤخذ المبلغ من الكفيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫لمجهول النّسب أنّه أخوه ‪ ،‬وأنكر الب ‪ ،‬ول بيّنة ‪ ،‬يؤاخذ المقرّ بإقراره ‪ ،‬فيقاسمه المقرّ له‬
‫حصّته من الميراث ‪ ،‬ول تثبت البوّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا سقط الصل سقط الفرع ( م ‪ ) 50‬ول يلزم من سقوط الفرع سقوط الصل ‪ .‬فلو‬
‫ل أو رهنٍ ‪.‬‬
‫أبرأ الدّائن المدين برئ الكفيل أيضا ‪ ،‬وسقط الرّهن إن كان الدّين موثّقا بكفي ٍ‬
‫بخلف ما لو أبرأ الدّائن الكفيل ‪ ،‬أو ردّ الرّهن ‪ ،‬فإنّ الدّين ل يسقط ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬الصل بمعنى المبدل منه ‪:‬‬
‫‪ - 11‬وذلك كما في إحدى قواعد المجلّة ونصّها ‪ ( :‬إذا تعذّر الصل يصار إلى البدل )( م ‪53‬‬
‫) ومثاله ‪ :‬يجب ردّ عين المغصوب ما دامت قائم ًة ‪ ،‬فإذا هلكت يردّ بدلها من مثلها أو قيمتها‬
‫‪ .‬وإذا تعذّر ردّ المبيع المعيب لمانعٍ شرعيّ ‪ ،‬كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه المشتري ‪ ،‬ثمّ‬
‫ظهر فيه عيبٌ قديمٌ ‪ ،‬يستردّ المشتري من البائع فرق نقصان العيب ‪ .‬لكن إذا وجدت القدرة‬
‫على الصل قبل استيفاء المقصود من البدل ينتقل الحكم إلى الصل ‪ ،‬كالمعتدّة بالشهر بدلً‬
‫عن الحيض ‪ ،‬فلو حاضت في أثناء ذلك يرجع الحكم إلى الصل ‪ ،‬فتعتدّ بالحيض ‪ ،‬وكالمتيمّم‬
‫إذا وجد الماء خلل صلته يلزمه التّوضّؤ لها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصل في القياس ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الصل أحد أركان القياس الربعة ‪ ،‬وهي ‪ :‬الصل والفرع والعلّة والحكم ‪ .‬فمن قاس‬
‫ن البرّ في هذا القياس هو‬
‫الذّرة على البرّ في جريان الرّبا فيه ‪ ،‬بجامع الكيل في ك ّل منهما ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الصل ‪ ،‬والذّرة فرعٌ ‪ ،‬والكيل العلّة ‪ ،‬وتحريم الرّبا هو الحكم ‪ .‬ويرجع في تفصيل ذلك إلى‬
‫مباحث القياس من الكتب الصوليّة ‪ ،‬وإلى الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ر ‪ -‬الصول بمعنى الدّور والشجار في مقابل المنفعة والثّمرة ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يتحدّث الفقهاء عن بيع الصل دون الثّمرة ‪ ،‬والثّمرة دون الصل ‪ ،‬وبيع الصل بشرط‬
‫أن تكون معه الثّمرة ‪ .‬فيذكرون أنّه إن باع النّخل مثلً ‪ ،‬ولم ينصّا على الثّمرة لمن تكون ‪،‬‬
‫فإنّها بعد التّأبير للبائع عند الجمهور متروك ٌة إلى الجذاذ ‪ ،‬وكذا سائر الشّجر سوى النّخل ‪ ،‬إذا‬
‫بيع بعد أن تفتّحت أكمامه أو ظهرت الثّمرة ‪ .‬وفي ذلك خلفٌ وتفصيلٌ يذكره الفقهاء ضمن (‬
‫باب بيع الصول والثّمار ) من كتاب البيع ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬أصل المسألة ‪:‬‬
‫أصل المسألة عند الفقهاء والصوليّين ‪:‬‬
‫سنّة ‪،‬‬
‫‪ - 14‬يطلق الفقهاء لفظ " أصل المسألة " على القاعدة الفقهيّة المستنبطة من القرآن وال ّ‬
‫صحّة ‪ ،‬كما سبق ‪ .‬كما يطلقونه في الميراث على أقلّ عددٍ يخرج‬
‫والّتي تشهد لها الفروع بال ّ‬
‫منه فرض المسألة أو فروضها ‪ .‬ويعرف أصل المسألة في الميراث بالنّظر في مخارج‬
‫ث واحدٌ فأصل المسألة من‬
‫فروض الورثة المستحقّين للميراث ‪ :‬فإن كان في المسألة وار ٌ‬
‫ن مخارج فرائض جميع الورثة من‬
‫مخرج فرضه ‪ .‬وإن كان في المسألة أكثر من وارثٍ ‪ ،‬ولك ّ‬
‫مضاعفات مخرج النّصف فقط ‪ ،‬أو من مضاعفات مخرج الثّلث فقط ‪ ،‬فأصل المسألة يكون‬
‫أكبر مخرجٍ من هذه الفرائض ‪ .‬كما إذا اجتمع في المسألة ‪ ( 1 / 2‬نصفٌ ) و ‪ ( 1 / 4‬ربعٌ )‬
‫ن ) فأصل المسألة من ( ‪ ) 8‬لنّه أكبر هذه المخارج ‪ .‬وكما إذا اجتمع ‪1 / 3‬‬
‫و ‪ ( 1 / 8‬ثم ٌ‬
‫ث ) ‪ ( 2 / 3 ،‬ثلثان ) ‪ ( 1 / 6 ،‬سدسٌ ) فأصل المسألة من ( ‪ ، ) 6‬لنّه أكبر هذه‬
‫( ثل ٌ‬
‫المخارج ‪ .‬أمّا إذا اجتمع في المسألة ما كان مخرجه ‪ ( 1 / 2‬نصفٌ ) أو مضاعفاته ‪ ،‬مع ما‬
‫ث ) أو مضاعفاته فينظر ‪ :‬فإن كان في المسألة ‪ ( 1 / 2‬نصفٌ ) و ‪3‬‬
‫كان مخرجه ‪ ( 1 / 3‬ثل ٌ‬
‫‪ ( 1 /‬ثلثٌ ) فأصل المسألة من ( ‪ ) 6‬وإن كان في المسألة ‪ ( 1 / 4‬ربعٌ ) و ‪ ( 1 / 3‬ثلثٌ )‬
‫فأصل المسألة من ( ‪ ) 12‬وإن كان في المسألة ‪ ( 1 / 8‬ثمنٌ ) و ‪ ( 1 / 6‬سدسٌ ) فأصل‬
‫المسألة من ( ‪ ) 24‬وتفصيل ذلك كلّه موجودٌ في الرث عند بحث ( أصول المسائل ) ‪.‬‬
‫س‪ -‬تغيّر أصول المسائل ‪:‬‬
‫‪ - 15‬هذه الصول قد يحدث أن تكون صالحةً للقسمة على المستحقّين ‪ ،‬وقد ل تكون‬
‫ح عليها‬
‫صالحةً ‪ ،‬وعندئذٍ تحتاج إلى تصحيحٍ بالزّيادة عليها ‪ ،‬أو النقاص منها أو إجراء إصل ٍ‬
‫‪.‬‬
‫أ ‪ -‬تكون الزّيادة عليها إذا زادت سهام المستحقّين على أصل المسألة ‪ ،‬وعندئذٍ يقال ‪ :‬إنّ‬
‫المسألة قد عالت ( ر ‪ :‬عولٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ويكون النقاص منها إذا نقصت سهام المستحقّين عن عدد سهام أصل المسألة ‪ ،‬وعندئذٍ‬
‫ن المسألة ر ّديّةٌ ( ر ‪ :‬ردّ ) ‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ج ‪ -‬ويكون الصلح بتغييرٍ يطرأ على الشّكل ل على القيمة ‪ ،‬وذلك في حالتٍ ‪:‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬إذا كانت الحصّة الخارجة من أصل المسألة لبعض الورثة غير صالحةٍ‬
‫للقسمة عليهم بغير كسرٍ ‪ ،‬وعندئذٍ يضطرّ لجراء الصلح لزالة الكسر ‪ ،‬ويسمّى هذا‬
‫الصلح ب( تصحيح المسائل ) ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬إذا اضطرّ لتقسيم التّركة باعتبارين ‪ ،‬لعطاء الورثة القلّ من الحظّين ‪ -‬كما‬
‫في حالة وجود حملٍ في بطن زوجة الميّت حين وفاته ‪ -‬حيث تحسب المسألة مرّتين ‪ :‬الولى‬
‫يفرض فيها الحمل ذكرا ‪ ،‬والثّانية يفرض فيها الحمل أنثى ‪ ،‬ث ّم يجري إصلحٌ على أصلي‬
‫المسألتين ‪ ،‬بصنع المسألة الجامعة ‪ ،‬كما هو مفصّلٌ في كتب المواريث في مبحث ( إرث‬
‫الحمل ) ‪.‬‬
‫الحالة الثّالثة ‪ :‬إذا اتّفق الورثة مع أحدهم على إخراجه من البيّن على مبل ٍغ يؤدّونه إليه ‪،‬‬
‫اقتسام حصّته فيما بينهم ‪ ،‬وهذا ما يعرف ب ( التّخارج ) ( ر ‪ :‬تخارجٌ ) ‪.‬‬
‫الحالة الرّابعة ‪ :‬إذا توفّي رجلٌ ولم يقسم ميراثه إلّ بعد وفاة بعض الورثة ‪ ،‬وكان لهذا الميّت‬
‫ل ذلك مبسوطٌ بالتّفصيل في‬
‫الثّاني ورثةٌ ‪ ،‬وهو ما يسمّى بالمناسخة ( ر ‪ :‬مناسخةٌ ) ‪ .‬وك ّ‬
‫كتب المواريث ‪.‬‬
‫ش ‪ -‬الصل في باب الرّواية ‪:‬‬
‫‪ - 16‬الصل عند رواة الحاديث ونقلة الخبار هو ‪ :‬الشّيخ المرويّ عنه ‪ ،‬في مقابلة " الفرع‬
‫" وهو ‪ :‬الرّاوي عن ذلك الشّيخ ‪ .‬ويقال مثل ذلك في نسخ الكتب ‪ ،‬فالصل هو النّسخة‬
‫المنقول منها ‪ ،‬والفرع النّسخة المنقولة ‪ .‬هذا ويذكر الصوليّون أنّ الصل إذا كذّب الفرع في‬
‫روايته عنه سقط الحديث المرويّ اتّفاقا ‪ ،‬لنتفاء صدقهما معا في هذا الحديث ‪ ،‬إذ يشترط‬
‫جيّة ‪ .‬فقد أورث هذا التّكذيب ريب ًة قويّةً ل‬
‫صحّة صدقهما جميعا ‪ .‬وبفوات ذلك تفوت الح ّ‬
‫لل ّ‬
‫جيّة بعدها ‪ .‬لكن لو قال الصل ‪ ( :‬ل أدري ) أي لم يكذّب الفرع صريحا ‪ ،‬فالكثر قالوا ‪:‬‬
‫حّ‬
‫جيّته ‪ ،‬خلفا للكرخيّ وأبي زيدٍ ‪ ،‬وللمام أحمد روايتان‬
‫ي حجّةً ول تسقط بذلك ح ّ‬
‫يبقى المرو ّ‬
‫سنّة من كتب الصول ‪.‬‬
‫‪ .‬وينظر تمام البحث في الملحق الصوليّ ‪ ،‬وباب ال ّ‬
‫ص ‪ -‬أصول العلوم ‪:‬‬
‫‪ - 17‬كثيرا ما يضاف لفظ ( الصول ) إلى أسماء العلوم ‪ ،‬ويراد به حينئذٍ القواعد العامّة الّتي‬
‫يتبعها أصحاب ذلك العلم في دراسته ‪ ،‬والّتي تحكم طرق البحث والستنباط في ذلك العلم ‪.‬‬
‫وقد تكون تلك الصول علما مستقلّ ‪.‬‬
‫فمن ذلك أصول التّفسير ‪ ،‬وأصول الحديث ‪ ،‬وأصول الفقه ‪.‬‬
‫أمّا ( أصول الدّين ) ‪ -‬ويسمّى أيضا علم العقائد ‪ ،‬وعلم الكلم ‪ ،‬والفقه الكبر ‪ -‬فليس من‬
‫هذا الباب ‪ ،‬بل هو ‪ -‬كما قال صاحب كشف الظّنون ‪ ( : -‬عل ٌم يقتدر به على إثبات العقائد‬
‫الدّينيّة بإيراد الحجج عليها ‪ ،‬ودفع الشّبه عنها ) ‪ .‬وسمّي أصولً ل من حيث إنّه قواعد‬
‫ن الدّين يبتني عليه ‪ ،‬فإنّ اليمان باللّه تعالى أساس السلم‬
‫استنباطٍ ودراس ٍة ‪ ،‬بل من حيث إ ّ‬
‫بفروعه المختلفة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬أصول التّفسير ‪:‬‬
‫‪ - 18‬علم أصول التّفسير ‪ :‬مجموعة القواعد الّتي ينبغي أن يسير عليها المفسّرون في فهم‬
‫المعاني القرآنيّة ‪ ،‬وتعرّف العبر والحكام من اليات ‪ .‬أو ‪ -‬على ما يفهم من كلم ابن تيميّة‬
‫‪ -‬هو قواعد كّليّ ٌة تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه ‪ ،‬وعلى التّمييز في ذلك بين‬
‫الحقّ والباطل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أصول الحديث ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ويسمّى أيضا ( علوم الحديث ) ( ومصطلح الحديث ) وعلم ( دراية الحديث ) وعلم‬
‫( السناد ) ‪ .‬وهو مجموعة القواعد العامّة الّتي يعرف بها صحيح الحديث من سقيمه ‪،‬‬
‫ومقبوله من مردوده ‪ ،‬وذلك بمعرفة أحوال الحديث سندا ومتنا ‪ ،‬لفظا ومعنًى ‪ ،‬وما يتبع ذلك‬
‫من كيفيّة تحمّل الحديث وكتابته وآداب رواته وطالبيه ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬أصول الفقه ‪:‬‬
‫‪ - 20‬وهو عل ٌم يتعرّف منه كيفيّة استنباط الحكام الشّرعيّة الفرعيّة من أدلّتها التّفصيليّة ‪.‬‬
‫وموضوع علم أصول الفقه الدلّة الشّرعيّة الكّليّة من حيث كيفيّة استنباط الحكام الشّرعيّة‬
‫الفرعيّة منها ‪ ،‬ومبادئه مأخوذ ٌة من العربيّة وبعض العلوم الشّرعيّة كعلم الكلم والتّفسير‬
‫والحديث ‪ ،‬وبعض العلوم العقليّة ‪ .‬والغرض منه تحصيل ملكة استنباط الحكام الشّرعيّة‬
‫سنّة والجماع والقياس ‪ .‬وفائدته استنباط تلك الحكام‬
‫الفرعيّة من أدلّتها الربعة ‪ :‬الكتاب وال ّ‬
‫صحّة ‪ .‬والدّاعي إلى وضعه ‪ :‬أنّهم نظروا في تفاصيل الحكام والدلّة وعمومها ‪،‬‬
‫على وجه ال ّ‬
‫سنّة والجماع والقياس ‪ ،‬ووجدوا الحكام راجعةً إلى‬
‫فوجدوا الدلّة راجع ًة إلى الكتاب وال ّ‬
‫الوجوب والنّدب والباحة والكراهة والحرمة ‪ ،‬وتأمّلوا في كيفيّة الستدلل بتلك الدلّة على‬
‫تلك الحكام إجمالً من غير نظرٍ إلى تفاصيلها إلّ على سبيل التّمثيل ‪ .‬فحصل لهم قضايا كّليّةٌ‬
‫متعلّق ٌة بكيفيّة الستدلل بتلك الدلّة على الحكام إجمالً ‪ ،‬وبيان طرقه وشرائطه ‪ ،‬ليتوصّل‬
‫ل من تلك القضايا إلى استنباط كثي ٍر من الحكام الجزئيّة من أدلّتها التّفصيليّة ‪ ،‬فضبطوها‬
‫بك ّ‬
‫ودوّنوها وأضافوا إليها من اللّواحق ‪ ،‬وسمّوا العلم المتعلّق بها أصول الفقه ‪ .‬وأوّل من صنّف‬
‫ن الفقه معرفة الحكام‬
‫فيه المام الشّافعيّ رضي ال عنه ‪ .‬والفرق بين الفقه وأصول الفقه ‪ :‬أ ّ‬
‫العمليّة المستمدّة من الدلّة التّفصيليّة ‪ .‬فقولهم الصّلة واجبةٌ لقوله تعالى ‪ { :‬وأقيموا الصّلة‬
‫} ‪ ،‬والمر للوجوب ‪ ،‬يشتمل على حكمين ‪ :‬أحدهما فقهيّ ‪ ،‬والخر أصوليّ أمّا قولهم ‪:‬‬
‫الصّلة واجب ٌة ‪ ،‬فهي مسأل ٌة فقهيّةٌ ‪.‬‬
‫وأمّا قولهم ‪ :‬المر للوجوب ‪ ،‬فهو قاعد ٌة أصوليّةٌ ‪.‬‬

‫أصل المسألة*‬
‫انظر ‪ :‬أصلٌ ‪.‬‬
‫إصلحٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصلح لغةً ‪ :‬نقيض الفساد ‪ ،‬والصلح ‪ :‬التّغيير إلى استقامة الحال على ما تدعو إليه‬
‫ن كلمة‬
‫الحكمة ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪ .‬ومن هذا التعريف يتبيّن أ ّ‬
‫( إصلحٌ ) تطلق على ما هو مادّيّ ‪ ،‬وعلى ما هو معنويّ ‪ ،‬فيقال ‪ :‬أصلحت العمامة ‪،‬‬
‫وأصلحت بين المتخاصمين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّرميم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تطلق كلمة ترميمٍ على إصلح نحو الحبل والدّار إذا فسد بعضها ‪ .‬وهي أمورٌ ما ّديّةٌ‬
‫ي فهو إطلقٌ مجازيّ ‪ ،‬يقال ‪ ( :‬أحيا‬
‫محضةٌ ‪ .‬وإن أطلقت كلمة ( ترميمٌ ) على ما هو معنو ّ‬
‫رميم الخلق ) من باب المجاز ‪ .‬فالفرق بينهما أنّ الصلح أعمّ ‪ ،‬لنّه يطلق حقيقةً على‬
‫ن التّرميم جزئيّ في الغالب ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬ويكون في الغالب شاملً ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫الما ّديّ والمعنو ّ‬
‫ب ‪ -‬الرشاد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الرشاد في اللّغة ‪ :‬الدّللة ‪ ،‬ويستعمله الفقهاء بمعنى الدّللة على الخير والمصلحة ‪،‬‬
‫سواءٌ أكانت دنيوّيةً أم أخروّيةً ‪ .‬ويطلق لفظ الرشاد على التّبيين ‪ ،‬ول يلزم أن يلزم التّبيّن‬
‫ن الصلح يتضمّن حصول الصّلح ‪.‬‬
‫الصلح ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫ما يدخله الصلح وما ل يدخله ‪:‬‬
‫‪ - 4‬التّصرّفات على ‪ ،‬نوعين ‪:‬‬
‫ط من‬
‫أ ‪ -‬تصرّفاتٌ هي حقوق اللّه تعالى ‪ ،‬وهذه التّصرّفات إذا طرأ الخلل على شر ٍ‬
‫ح ألبتّة ‪ ،‬كما إذا ترك المصلّي قراءة‬
‫شروطها ‪ ،‬أو ركنٍ من أركانها فإنّها ل يلحقها إصل ٌ‬
‫القرآن في صلته ‪ ،‬وترك الحاجّ الوقوف في عرفاتٍ ‪ ،‬فإنّه ل سبيل لصلح هذه الصّلة ول‬
‫ج من كتب الفقه ‪ .‬أمّا إذا طرأ الخلل على‬
‫ن في كتابي الصّلة والح ّ‬
‫ذلك الحجّ ‪ ،‬كما هو مبيّ ٌ‬
‫غير ذلك فيها ‪ ،‬فإنّها يلحقها الصلح ‪ ،‬كإصلح الصّلة بسجود السّهو ‪ ،‬وإصلح الحجّ بالدّم‬
‫في حال حدوث مخالف ٍة من مخالفات الحرام مثلً ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وتصرّفاتٌ هي حقوق العباد ‪ ،‬وهي على نوعين ‪:‬‬
‫‪ - 1‬تصرّفاتٌ غير عقديّ ٍة ‪ ،‬كالتلف ‪ ،‬والقذف ‪ ،‬والغصب ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬وهذه إذا وقعت ل‬
‫ح ألبتّة ‪ ،‬ولكن ذلك ل يمنع من أن يلحق الصلح الثار المترتّبة عليها ‪ ،‬وعلى‬
‫يلحقها إصل ٌ‬
‫هذا فإنّه إذا كان الضّرر من آثار التلف مثلً ‪ ،‬فإنّ الضّرر يرفع بالضّمان ‪ ،‬كما سيأتي ‪.‬‬
‫‪ - 2‬تصرّفاتٌ عقديّةٌ ‪ :‬وهذه التّصرّفات إن كان الخلل طارئا على أحد أركانها ‪ ،‬حتّى يصبح‬
‫ن في مصطلح‬
‫العقد غير مشروعٍ بأصله ول بوصفه ‪ ،‬فإنّه ل يلحقه إصلحٌ ‪ ،‬كما هو مبيّ ٌ‬
‫( بطلنٌ ) ‪ .‬أمّا إن كان الخلل طارئا على الوصف دون الصل ‪ ،‬فإنّ الحنفيّة يقولون بلحاق‬
‫الصلح هذا العقد ‪ ،‬ويخالفهم الجمهور في ذلك ‪ ،‬كما يأتي في مصطلح ( فسادٌ ) ‪.‬‬
‫ي للصلح ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 5‬من استقراء كلم الفقهاء يتبيّن أنّ أقلّ درجات الصلح النّدب ‪ ،‬كإصلح المالك الشّيء‬
‫المعار لستمرار النتفاع بالعاريّة ‪ ،‬كما هو مبيّنٌ في كتاب العاريّة من كتب الفقه ‪ .‬وقد يكون‬
‫الصلح واجبا ‪ ،‬كما هو الحال في سجود السّهو الواجب لصلح الخلل الّذي وقع في الصّلة‬
‫ن في كتاب الصّلة ‪ ،‬باب سجود السّهو ‪ ،‬وفي ضمان المتلفات ‪ ،‬كما هو مبيّنٌ‬
‫‪ ،‬كما هو مبيّ ٌ‬
‫في كتاب الضّمان من كتب الفقه ‪ ،‬والصلح بين الفئتين الباغيتين ‪ .‬كما ذكر ذلك الفقهاء‬
‫والمفسّرون في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ‪.‬‬
‫وسائل الصلح ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ن الصلح يتمّ بوسائل عديد ٍة منها ‪:‬‬
‫‪ - 6‬من استقراء الحكام الفقهيّة يتبيّن أ ّ‬
‫أ ‪ -‬إكمال النّقص ‪ ،‬فمن ترك شيئا من أعضاء الوضوء دون أن يمسّه الماء يصلح وضوءه‬
‫ط ذكرها الفقهاء في الوضوء ‪ ،‬ومثل ذلك الغسل ‪.‬‬
‫بغسل ذلك الجزء المتروك بالماء ‪ ،‬بشرو ٍ‬
‫ومن ذلك وجوب إصلح الشّيء المستأجر على المؤجّر ‪ ،‬إن كان ذلك الخلل أو النّقص ممّا‬
‫تتعطّل به المنافع ‪ ،‬كما بيّن ذلك الفقهاء في كتاب الجارة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّعويض عن الضّرر ‪ :‬ويتمثّل ذلك في وجوب الدّية على الجنايات ‪ ،‬كما بيّن ذلك‬
‫الفقهاء في كتاب الدّيات ‪ ،‬وفي ضمان التلفات في كتاب الضّمان ‪ ،‬وكما سبق في مصطلح (‬
‫إتلفٌ ) ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬الزّكوات ‪:‬‬
‫كزكاة المال الّتي هي طهر ٌة للمزكّي وكفايةٌ للفقير ‪ ،‬وزكاة الفطر الّتي هي طهرةٌ للصّائم‬
‫وكفايةٌ للفقير ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬العقوبات ‪:‬‬
‫من حدودٍ وقصاصٍ وتعزيراتٍ وتأديبٍ ‪ ،‬وكلّها شرعت لتكون وسيلة إصلحٍ ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫{ ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي اللباب } ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الكفّارات ‪:‬‬
‫فإنّها شرعت لصلح خللٍ في تصرّفاتٍ خاصّةٍ ‪ ،‬ككفّارة اليمين ‪ ،‬والظّهار ‪ ،‬والقتل الخطأ ‪،‬‬
‫ف في أبوابه ‪ .‬ومنع التّصرّف بنزع اليد ليقاف الضّرر ‪ :‬وإيقاف‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬كما هو معرو ٌ‬
‫الضّرر يعني الصلح ‪ .‬ونزع اليد يكون إصلحا في أحوالٍ منها ‪ :‬عزل القاضي ‪ ،‬الّذي ل‬
‫يحسن القضاء ‪ ،‬وإنهاء حضانة المّ إذا تزوّجت ‪ ،‬والحجر على ‪ ،‬السّفيه ‪ ،‬ونحو ذلك كما هو‬
‫ن في أبوابه من كتب الفقه ‪.‬‬
‫مبيّ ٌ‬
‫ح ‪ -‬الولية والوصاية والحضانة ‪:‬‬
‫ل لصلح المولى عليه ‪ ،‬أو إصلح ماله ‪ ،‬كما هو مبيّنٌ في كتاب‬
‫وهي ما شرعت إ ّ‬
‫النّكاح ‪ ،‬وفي الحجر ‪ ،‬وفي الحضانة من كتب الفقه ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬الوعظ ‪:‬‬
‫كوعظ الزّوجة الّتي يخاف نشوزها ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬واللّتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ ‪...‬‬
‫} الية ‪ .‬ويذكر الفقهاء ذلك في كتاب النّكاح باب العشرة ‪ ،‬وكالمر بالمعروف والنّهي عن‬
‫المنكر عموما ‪ ،‬وتفصيل ذلك في أبواب المر بالمعروف والنّهي عن المنكر في كتب الداب‬
‫الشّرعيّة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّوبة ‪:‬‬
‫وهي تصلح شأن النسان ‪ ،‬وتمحو الذّنب الّذي ارتكبه ‪ ،‬وتفصيل الكلم عنها في باب القذف ‪،‬‬
‫وفي كتب الداب الشّرعيّة ‪.‬‬
‫ذ ‪ -‬إحياء الموات ‪:‬‬
‫ل في كتاب إحياء الموات في كتب‬
‫ويتمّ إصلح الرض بإحياء الموات فيها ‪ ،‬كما هو مفصّ ٌ‬
‫الفقه ‪ .‬وفي الجملة ‪ :‬كلّ ما يؤدّي إلى الكفّ عن المعاصي ‪ ،‬أو إلى فعل الخير ‪ ،‬فهو إصلحٌ‬
‫‪.‬‬
‫أصمّ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصمّ ‪ :‬من به صممٌ ‪ ،‬والصّمم ‪ :‬فقدان السّمع ‪ ،‬ويأتي وصفا للذن وللشّخص ‪ ،‬فيقال ‪:‬‬
‫رجلٌ أصمّ ‪ ،‬وامرأ ٌة صمّاء ‪ ،‬وأذنٌ صمّاء ‪ ،‬والجمع صمّ ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن‬
‫المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫صمّاء عدّة أحكامٍ أهمّها ما يلي ‪:‬‬
‫يتعلّق بالصمّ أو ال ّ‬
‫في العبادات ‪:‬‬
‫‪ - 2‬هل يجتزأ بالصّ ّم في العدد المشروط لسماع خطبة الجمعة ؟ على اختلف المذاهب ‪،‬‬
‫ل يكون في الحدّ الدنى من هو‬
‫فالجمهور على أنّه يجتزأ بهم ‪ ،‬خلفا للشّافعيّة حيث اشترطوا أ ّ‬
‫أصمّ ‪ ،‬ويجتزئ الحنابلة بهم إن لم يكونوا كلّهم كذلك ‪ .‬ويرى الحنابلة والشّافعيّة صحّة الصّلة‬
‫خلف الصمّ ‪ ،‬وإمامته صحيح ٌة ‪ .‬ول ينبغي ذلك عند المالكيّة بالنّسبة للمام الرّاتب ‪ ،‬لنّه قد‬
‫يسهو فيسبّح له فل يسمع ‪ ،‬فيكون ذلك سببا لفساد الصّلة ‪.‬‬
‫في المعاملت ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قضاء الصمّ وشهادته ‪:‬‬
‫ن في توليته ضياع حقوق‬
‫‪ - 3‬ل يجوز أن يتولّى الص ّم القضاء ‪ ،‬وإذا ولّي يجب عزله ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّاس ‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ ‪ .‬أمّا شهادته فما يتّصل بالسّمع كالقوال فل تقبل شهادته فيه ‪ ،‬وأمّا ما‬
‫يراه من الفعال كالكل والضّرب ‪ ،‬فهذا تقبل شهادته فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجناية على السّمع ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تجب الدّية بذهاب منفعة السّمع بسبب الجناية عليه ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬وفي السّمع الدّية» ‪،‬‬
‫ل ضرب رجلً ‪ ،‬فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله‬
‫ن عمر رضي ال عنه قضى في رج ٍ‬
‫ول ّ‬
‫‪ ،‬بأربع دياتٍ والرّجل حيّ ‪ .‬هذا مع اختلف الفقهاء بين القصاص وعدمه ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يتعلّق بالصمّ أحكامٌ متعدّدةٌ ‪ ،‬مثل حكم سجود التّلوة بالنّسبة للصمّ ‪ ،‬سوا ٌء كان تاليا أو‬
‫مستمعا ‪ ،‬ومثل عقود الصمّ ‪ ،‬من نكاحٍ وبيعٍ وغير ذلك ‪ ،‬وتنظر في مواضعها ‪.‬‬
‫أصيلٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الصيل في اللّغة مشتقّ من أصلٍ ‪ ،‬وأصل الشّيء أساسه وما يستند وجود ذلك الشّيء‬
‫إليه ‪ ،‬ويطلق الصيل على الصل ‪ .‬ويأتي بمعنى الوقت بعد العصر إلى غروب الشّمس ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذين المعنيين اللّغويّين ‪ ،‬فيطلقونه في الكفالة والحوالة على‬
‫المطالب ابتداءً بالحقّ ‪ ،‬وفي الوكالة على من يملك التّصرّف ابتداءً ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يختلف الحكم تبعا للستعمالت الفقهيّة ‪ ،‬فالحوالة توجب براءة الصيل عند جمهور‬
‫ل بفراغ ذمّة الصيل ‪ ،‬وأمّا الكفالة فل توجب‬
‫ن معناها نقل الحقّ ‪ ،‬وذلك ل يتحقّق إ ّ‬
‫الفقهاء ل ّ‬
‫ن معناها ضمّ ذمّ ٍة إلى ذمّ ٍة في المطالبة ‪ ،‬وأمّا الوكالة ففيها حلول الوكيل‬
‫براءة الصيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل من ذلك في بابه ‪.‬‬
‫ل الصيل في الجملة ‪ ،‬وتفصيل ك ّ‬
‫مح ّ‬
‫أضاحي*‬
‫انظر ‪ :‬أضحيّةٌ ‪.‬‬
‫إضافةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الضافة ‪ :‬مصدرٌ فعله أضاف ‪ ،‬على وزن أفعل ‪ .‬ومن معاني الضافة في اللّغة ‪ :‬ضمّ‬
‫الشّيء إلى الشّيء ‪ ،‬أو إسناده أو نسبته ‪ .‬والضافة عند النّحاة ‪ :‬ضمّ اسمٍ إلى اسمٍ على وجهٍ‬
‫يفيد تعريفا أو تخصيصا ‪ .‬والضافة عند الحكماء هي ‪ :‬نسب ٌة متكرّرةٌ ‪ ،‬بحيث ل تعقل‬
‫إحداهما إلّ مع الخرى ‪ ،‬كالبوّة والبنوّة ‪ .‬أمّا الضافة في اصطلح الفقهاء ‪ :‬فل تخرج في‬
‫معناها عن المعاني اللّغويّة السّابقة ‪ ،‬وهي السناد والنّسبة وضمّ الشّيء إلى الشّيء ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ويقصد بإضافة الحكم إلى الزّمن المستقبل إرجاء آثار التّصرّف إلى الزّمن المستقبل الّذي‬
‫حدّده المتصرّف ‪ ،‬فالضافة تؤخّر ترتّب الحكم على السّبب إلى الوقت الّذي أضيف إليه‬
‫السّبب ‪ ،‬فيتحقّق السّبب المضاف قبل تحقّق الوقت الّذي أضيف إليه بل مانعٍ ‪ .‬وعدم المانع‬
‫وهو التّكلّم بالسّبب بل تعليقٍ يقتضي تحقّقه ‪ ،‬غاية المر أنّه يترتّب على الضافة تأخير الحكم‬
‫ن ل محالة ‪ ،‬إذ الزّمان من لوازم الوجود‬
‫المسبّب إلى وجود الوقت المعيّن الّذي هو كائ ٌ‬
‫الخارجيّ ‪ ،‬فالضافة إليه إضافةٌ إلى ما قطع بوجوده ‪ ،‬وفي مثله يكون الغرض من الضافة‬
‫تحقيق المضاف إليه ‪ .‬وإذا كانت الضافة بمعنى الضّمّ فإنّها حينئ ٍذ تكون بمعنى الزّيادة ‪،‬‬
‫فتحال أحكامها حينئذٍ إلى مصطلح ( زيادةٌ ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬

‫أ ‪ -‬التّعليق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬التّعليق عند الفقهاء ربط حصول مضمون جمل ٍة بحصول مضمون جملةٍ أخرى ‪ .‬وبعض‬
‫صور التّعليق تسمّى يمينا مجازا ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد ذكر ابن نجيمٍ في فتح الغفّار الفرق من وجهين‬
‫ن آخر ‪ ،‬ولكن لم يسلم واحدٌ منهما من‬
‫بين التّعليق والضافة الّتي بمعنى إسناد الحكم إلى زم ٍ‬
‫العتراض ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬وهي إذا كان المقصود بها البرّ أفادت انتفاء المعلّق ‪ ،‬ول يفضي‬
‫ن التّعليق يمي ٌ‬
‫أحدهما ‪ :‬أ ّ‬
‫إلى الحكم ‪ ،‬أمّا الضافة فهي لثبوت حكم السّبب في وقته ‪ ،‬ل لمنعه ‪ ،‬فيتحقّق السّبب بل مانعٍ‬
‫‪ .‬إذ الزّمان من لوازم الوجود ‪.‬‬
‫ن الشّرط على خطر ( احتمال الوجود والعدم ) ول خطر في الضافة ‪.‬‬
‫والفرق الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫ويرجع إلى كتب الصول للعتراضات على هذين الفرقين ‪ ،‬والجوبة عنها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّقييد ‪:‬‬
‫‪ - 4‬التّقييد في العقود هو ‪ :‬التزام حكمٍ في التّصرّف القوليّ ‪ ،‬ل يستلزمه ذلك التّصرّف في‬
‫حال إطلقه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستثناء ‪:‬‬
‫ل على أنّ المذكور فيه لم يردّ بالقول‬
‫‪ - 5‬الستثناء ‪ :‬قو ٌل ذو صيغٍ مخصوص ٍة محصورةٍ ‪ ،‬دا ّ‬
‫ن الحكم في الستثناء يثبت في الحال ‪ ،‬فلو قال المقرّ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ .‬والفرق بينه وبين الضافة ‪ :‬أ ّ‬
‫لفلنٍ عليّ عشر ٌة إلّ ثلثا فإنّه يكون مقرّا بسبعٍ ‪ ،‬بخلف الضافة ‪ ،‬فإنّ الحكم فيها ل يثبت‬
‫ل عند وجود الزّمن الّذي أضيف إليه الحكم ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬أنت طالقٌ أوّل الشّهر ‪ ،‬فإنّها ل‬
‫إّ‬
‫تطلق إلّ إذا جاء رأس الشّهر ‪ .‬أمّا الستثناء فإنّ تأخير المستثنى عن المستثنى منه ( أي‬
‫الفصل ) لغير عذرٍ يبطله ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّوقّف ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المراد بالتّوقّف هنا ‪ :‬عدم نفاذ حكم التّصرّف الصّادر من ذي أهليّ ٍة لكن ل ولية له فيه ‪.‬‬
‫وهو إنّما يكون في العقود القابلة له ‪ ،‬كالبيع والجارة والنّكاح ‪ ،‬فإذا باع الفضوليّ أو اشترى‬
‫فعند القائلين بصحّة تصرّفه يكون العقد موقوفا ‪ ،‬ل ينفذ إلّ بعد إجازة المالك في البيع ‪،‬‬
‫والمشتري له في الشّراء ‪ .‬هذا ‪ ،‬وإنّ بين العقود المضافة والعقود الموقوفة شبها وفرقا ‪ ،‬فأمّا‬
‫الشّبه ‪ :‬فهو أنّ كلّ منهما يوجد عند وجود الصّيغة ‪ ،‬مع تأخّر الحكم إلى الزّمن الّذي أضيف‬
‫إليه في العقد المضاف ‪ ،‬أو إلى إجازة المالك في العقد الموقوف ‪ .‬وأمّا الفرق فمن ثلثة أوجهٍ‬
‫‪:‬‬
‫ن اليجاب‬
‫أوّلها ‪ :‬أنّ تراخي الحكم عن الصّيغة في العقد المضاف نشأ من الصّيغة نفسها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن مستقبلٍ ‪ ،‬أمّا تراخي الحكم في العقد الموقوف فليس مرجعه الصّيغة ‪،‬‬
‫فيها مضافٌ إلى زم ٍ‬
‫لنّها منجّزةٌ ‪ ،‬وإنّما مرجعه صدور التّصرّف ممّن ل ولية له في العقد ‪.‬‬
‫ثانيها ‪ :‬أنّ الحكم في العقد الموقوف ينفّذ بعد الجازة مستندا إلى وقت صدور التّصرّف ‪،‬‬
‫ن الجازة اللّحقة فيه كالذن السّابق ‪ .‬بخلف العقد المضاف ‪ ،‬فإنّ الحكم فيه ل يثبت إلّ‬
‫لّ‬
‫عند مجيء الزّمن الّذي أضيف إليه الحكم ‪.‬‬
‫ثالثها ‪ :‬أنّ العقد المضاف يترتّب عليه الحكم في الزّمن الّذي أضيف إليه اليجاب ‪ ،‬ما دام‬
‫صحيحا ‪ .‬بخلف العقد الموقوف ‪ ،‬فإنّه متر ّددٌ بين الجازة وال ّردّ فيما إذا لم يجزه من له‬
‫ي مثلً ل ينفذ إذا لم يجزه المالك ‪.‬‬
‫الولية ‪ .‬فبيع الفضول ّ‬
‫هـ ‪ -‬التّعيين ‪:‬‬
‫‪ - 7‬التّعيين معناه ‪ :‬التّحديد والختيار ‪ ،‬فمن طلّق إحدى نسائه ‪ ،‬ولم يعيّن المطلّقة منهنّ ‪،‬‬
‫فإنّه يلزمه التّعيين عند المطالبة به ‪ .‬فلو قال عند التّعيين ‪ :‬هذه المطلّقة وهذه ‪ ،‬أو بل هذه ‪ ،‬أو‬
‫ثمّ هذه ‪ ،‬تعيّنت الولى ‪ ،‬لنّ التّعيين إنشاء اختيارٍ ‪ ،‬ل إخبارٌ عن سابقٍ ‪ ،‬والبيان عكسه ‪،‬‬
‫فهناك شبهٌ بين التّعيين والضافة من حيث تراخي حكم التّصرّف إلى التّعيين ‪ ،‬أو الزّمن‬
‫ن من حنث ‪ ،‬فخيّر في الكفّارة بين‬
‫المضاف إليه ‪ .‬والتّعيين يأتي في خصال كفّارة اليمين فإ ّ‬
‫العتاق والطعام والكسوة ‪ ،‬فل ينتقل إلى الصّوم إلّ بعد عدم القدرة على خصلةٍ من تلك‬
‫الخصال الثّلثة ‪ .‬وعند القدرة على خصلةٍ منها يلزمه أن يعيّنها ‪.‬‬
‫شروط الضافة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يشترط لصحّة الضافة ثلثة شروطٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬صدورها من أهلها ‪ ،‬وهو شرطٌ مشتركٌ في جميع العقود والتّصرّفات ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬مقارنتها للعقد أو التّصرّف ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬مصادفتها محلّها المشروع من العقود وغيرها ‪ .‬وسيأتي تفصيل هذين الشّرطين ‪.‬‬
‫أنواع الضافة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الضافة نوعان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬الضافة إلى الوقت ‪.‬‬
‫وثانيهما ‪ :‬الضافة إلى الشّخص ‪ .‬ومعنى الضافة إلى الوقت ‪ :‬تأخير الثار المترتّبة على‬
‫ن من العقود ما يقبل الضافة إلى الوقت‬
‫العقد إلى حلول الوقت الّذي أضيف إليه ذلك العقد ‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪ ،‬ومنها ما ل يقبل ‪ .‬ومعنى الضافة إلى الشّخص ‪ ،‬أن ينسب حكم التّصرّف إلى شخصٍ‬
‫معلومٍ ‪.‬‬
‫النّوع الوّل الضافة إلى الوقت‬
‫‪ - 10‬الضافة تتبع طبيعة التّصرّفات ‪ ،‬ومن التّصرّفات ما يضاف إلى الوقت ‪ ،‬ومنها ما ل‬
‫يضاف إليه ‪ .‬فالتّصرّفات الّتي تصحّ إضافتها إلى الوقت هي ‪ :‬الطّلق ‪ ،‬وتفويضه ‪ ،‬والخلع ‪،‬‬
‫واليلء ‪ ،‬والظّهار ‪ ،‬واليمين ‪ ،‬والنّذر ‪ ،‬والعتق ‪ ،‬والجارة ‪ ،‬والمعاملة ‪ ،‬واليصاء ‪،‬‬
‫والوصيّة ‪ ،‬والقضاء ‪ ،‬والمضاربة ‪ ،‬والكفالة ‪ ،‬والوقف ‪ ،‬والمزارعة ‪ ،‬والوكالة ‪ .‬وهناك‬
‫ح إضافتها إلى الوقت كالنّكاح ‪ ،‬والبيع ‪ ،‬وغيرهما ‪.‬‬
‫تصرّفاتٌ ل تص ّ‬
‫التّصرّفات الّتي تقبل الضافة إلى الوقت ‪ :‬الطّلق ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إن أضاف الطّلق إلى الماضي وقع في الحال ‪ .‬وللشّافعيّة‬
‫قو ٌل ضعيفٌ أنّه يلغو ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى وقوع الطّلق إن نواه ‪ ،‬وإلّ فهو لغ ٌو ‪ .‬أمّا إضافة‬
‫الطّلق إلى الزّمان المستقبل فالجمهور على وقوعه في أوّل الوقت الّذي أضيف إليه ‪ .‬وقال‬
‫ن إضافة الطّلق إلى الزّمن‬
‫المالكيّة ‪ :‬إذا أضيف إلى وقتٍ محقّق الوقوع وقع في الحال ‪ ،‬ل ّ‬
‫المستقبل أو المحقّق مجيئه تجعل النّكاح مؤقّتا ‪ ،‬فحينئذٍ يشبه نكاح المتعة ‪ ،‬وهو حرامٌ ‪ ،‬فينجّز‬
‫الطّلق ‪.‬‬
‫إضافة تفويض الطّلق للمستقبل ‪:‬‬
‫ل بعدم اشتراط‬
‫‪ - 12‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قولٌ قديمٌ للشّافعيّة ( بناءً على قو ٍ‬
‫الفوريّة في تفويض الطّلق إلى المرأة ‪ ،‬وأنّه بمعنى التّوكيل ) إلى أنّه يجوز إضافة تفويض‬
‫الطّلق إلى الزّمن المستقبل ‪ .‬والقول الجديد عند الشّافعيّة أنّه يشترط فيه الفوريّة ‪ ،‬فل يحتمل‬
‫ن التّفويض بمعنى التّمليك ‪.‬‬
‫الضافة إلى الوقت بناءً على أ ّ‬
‫إضافة الخلع إلى الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 13‬اتّفق العلماء على جواز إضافة الخلع إلى الوقت ‪ .‬فإن طلّقها قبل الوقت ‪ ،‬وكان يراد به‬
‫التّعجيل وقع الطّلق بائنا ‪ ،‬واستحقّ الزّوج العوض المتّفق عليه ‪ .‬وأمّا إذا طلّق بعد مضيّ‬
‫الوقت الّذي أضيف إليه الخلع فإنّه يقع الطّلق ‪ ،‬ول شيء للزّوج ‪ .‬وللفقهاء تفصيلٌ في كون‬
‫هذا الطّلق رجعيّا أو بائنا ‪ ،‬ينظر في مصطلح ( خلعٌ ) ‪.‬‬
‫إضافة اليلء إلى الوقت ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬واليمين يحتمل‬
‫ن اليلء يمي ٌ‬
‫‪ - 14‬اليلء يقبل الضافة إلى الوقت عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّعليق بالشّرط والضافة إلى الوقت ‪.‬‬
‫إضافة الظّهار إلى الوقت ‪:‬‬
‫ل ضعيفٍ عند المالكيّة ‪ ،‬أنّه يصحّ إضافة الظّهار‬
‫‪ - 15‬مذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وعلى قو ٍ‬
‫ح إضافته إلى الوقت ‪ .‬ولم نجد للشّافعيّة رأيا في‬
‫إلى الوقت ‪ .‬والرّاجح عند المالكيّة أنّه ل يص ّ‬
‫هذه المسألة ‪.‬‬
‫إضافة اليمين إلى الوقت ‪:‬‬
‫ن اليمين يجوز إضافتها إلى الوقت ‪ ،‬مع تفصيلٍ ذكروه في كتبهم ‪.‬‬
‫‪ - 16‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫وينظر في مصطلح ( أيمانٌ ) ‪.‬‬
‫إضافة النّذر إلى الوقت ‪:‬‬
‫ت مستقبلٍ ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬للّه عليّ أن أصوم‬
‫‪ - 17‬اتّفق الفقهاء على جواز إضافة النّذر إلى وق ٍ‬
‫شهر رجبٍ ‪ ،‬أو أصلّي ركعتين يوم كذا ‪ ،‬على تفصيلٍ ينظر في ( باب النّذر ) ‪.‬‬
‫إضافة الجارة إلى الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ذهب الفقهاء إلى جواز إضافة الجارة إلى الزّمن المستقبل في الجملة ‪ .‬وتفصيل ذلك‬
‫في مصطلح ( إجارةٌ ) ‪.‬‬
‫إضافة المضاربة إلى المستقبل ‪:‬‬
‫‪ - 19‬أجاز الحنفيّة إضافة المضاربة إلى الوقت ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الحنابلة ‪ .‬وذهب المالكيّة‬
‫والشّافعيّة إلى عدم الجواز ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( مضاربةٌ ) ‪.‬‬
‫إضافة الكفالة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬أجاز الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إضافة الكفالة ‪ ،‬سواءٌ أكانت في المال أم في البدن ‪،‬‬
‫ل بالمقصود ‪ ،‬فصحّت كالنّذر ‪ .‬وعند‬
‫ل لها ل يخ ّ‬
‫ض ‪ ،‬وضرب أج ٍ‬
‫لنّها تب ّرعٌ من غير عو ٍ‬
‫الشّافعيّة ل تجوز إضافتها أو تعليقها إن كانت في المال اتّفاقا ‪ ،‬وكذلك في البدن على‬
‫ح عندهم أنّها تجوز وتفصيل آراء الفقهاء في ذلك في مصطلح‬
‫الصحّ ‪ ،‬ومقابل الص ّ‬
‫( كفالةٌ ) ‪ .‬إضافة الوقف ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة إضافة الوقف إلى الوقت ‪ .‬والشّافعيّة والحنابلة يجيزون‬
‫إضافته ‪ ،‬إلّ أنّ الظّاهر عند الشّافعيّة أنّهم يجيزون إضافة الوقف إذا أشبه التّحرير ‪ ،‬كما لو‬
‫ل ملكٍ إلّ للّه عزّ وجلّ ‪.‬‬
‫جعل داره مسجدا إذا جاء رمضان ‪ ،‬حيث جعلها محرّرةً من ك ّ‬
‫إضافة المزارعة والمعاملة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ إضافة المعاملة ( المساقاة ) إلى المستقبل‬
‫جائزةٌ ‪ .‬وأمّا المزارعة ‪ ،‬فالحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون قبولها الضافة ‪ .‬لنّ المزارعة‬
‫ح إضافتها إلى الوقت فكذلك المزارعة‬
‫والمعاملة عندهم في معنى الجارة ‪ ،‬والجارة تص ّ‬
‫ن المزارعة والمساقاة‬
‫والمعاملة ‪ .‬ولم يتعرّض المالكيّة إلى ذكر المدّة فيها ‪ .‬وصرّح الحنابلة بأ ّ‬
‫ل يفتقران للتّصريح بمدّ ٍة يحصل الكمال فيها ‪ ،‬بل لو زارعه أو ساقاه دون أن يذكر مدّةً‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم لم يضرب لهل خيبر مدّةً ‪.‬‬
‫جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫إضافة الوصيّة واليصاء إلى الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 23‬الوصيّة واليصاء بمعنًى واحدٍ في اللّغة ‪ ،‬ويفرّق الفقهاء بينهما في الستعمال ‪،‬‬
‫فاليصاء معناه أن يعهد إلى غيره ‪ ،‬بأن يقوم مقامه بعد موته ‪ ،‬والوصيّة تص ّرفٌ مضافٌ إلى‬
‫ما بعد الموت تستعمل غالبا في الموال ‪ .‬ويرى الفقهاء أنّ الوصيّة واليصاء يقبلن الضافة‬
‫إلى الوقت ‪.‬‬
‫إضافة الوكالة إلى الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 24‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو ما يفهم من تفريعات الشّافعيّة ‪ ،‬إلى جواز‬
‫إضافة الوكالة إلى الوقت ‪ .‬قال صاحب البدائع ‪ :‬ركن التّوكيل قد يكون مضافا إلى وقتٍ ‪ ،‬بأن‬
‫ل قبل‬
‫يقول وكّلتك في بيع هذه الدّار غدا ‪ ،‬ويصير وكيلً في الغد فما بعده ‪ ،‬ول يكون وكي ً‬
‫الغد ‪ ،‬لنّ التّوكيل إطلق التّصرّف ‪ ،‬والطلقات ممّا تحتمل التّعليق بالشّرط والضافة إلى‬
‫الوقت ‪ ،‬كالطّلق والعتاق ‪.‬‬
‫ح إضافتها إلى المستقبل ‪:‬‬
‫العقود الّتي ل تص ّ‬
‫‪ - 25‬اتّفق الفقهاء على أنّ عقود البيع ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والصّلح على مالٍ ‪ ،‬والرّجعة ‪ ،‬والقسمة ل‬
‫ل فيها ‪.‬‬
‫تقبل الضافة إلى المستقبل ‪ .‬ومثلها الشّركة عند الحنفيّة ‪ ،‬ولم يعثر للخرين على قو ٍ‬
‫واستثنى المالكيّة من قاعدة عدم قبول النّكاح للضافة الصّورة التّالية ‪ :‬لو أضاف الب نكاح‬
‫ح النّكاح إذا مات‬
‫ابنته إلى موته ‪ ،‬وكان مريضا مرضا مخوفا أم ل ‪ ،‬طال أو قصر فيص ّ‬
‫منه ‪ ،‬لنّه من وصايا المسلمين ‪ .‬وكذلك عقد الهبة ل يقبل الضافة عند جمهور الفقهاء ‪،‬‬
‫خلفا للمالكيّة في بعض الصّور ‪ ،‬ذكروها في موضعها ‪.‬‬
‫وللتّفصيل وبيان الدلّة في كلّ من هذه الموضوعات يرجع إلى مصطلحاتها ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني الضافة إلى الشّخص‬
‫‪ - 26‬التّصرّفات إمّا أن يضيفها مباشرها إلى نفسه ‪ ،‬وإمّا أن يضيفها إلى غيره ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬إضافة التّصرّف إلى المباشر نفسه ‪:‬‬
‫‪ - 27‬الصل أن يضيف مباشر التّصرّف ذلك التّصرّف إلى نفسه ‪ ،‬وأن يباشر العقد من يملك‬
‫السّلعة ‪ ،‬وكذلك الطّلق ‪ ،‬فإنّ الزّوج هو الّذي يملكه ‪ ،‬فل بدّ أن يصدر منه ‪ ،‬فإن صدر عن‬
‫غيره بغير إذنه فإنّه ل يقع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إضافة المباشر التّصرّف إلى غيره ‪:‬‬
‫‪ - 28‬إذا أضاف المباشر التّصرّف إلى غيره ‪ ،‬فإمّا أن تكون الضافة بإذن ذلك الغير أو بغير‬
‫إذنه ‪ ،‬فإن أضيف بإذن ذلك الغير كالوكالة ‪ ،‬فإنّه يصحّ ‪ ،‬فمن وكّل غيره في بي ٍع أو طلقٍ أو‬
‫إيصال هبةٍ أو وديع ٍة ‪ ،‬فإنّ التّوكيل يقوم مقام الموكّل فيما وكّل به ‪ ،‬وتصرّفات الوكيل معتبرةٌ‬
‫‪ .‬وأمّا إن أضيف التّصرّف إلى الغير غير إذنه فإنّه ينظر إلى ذلك التّصرّف ‪ ،‬فإن كان ل‬
‫ن من‬
‫ح ‪ ،‬وذلك كتصرّف الوصيّ في شأن الموصى عليهم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يفتقر إلى إذن الغير فإنّه يص ّ‬
‫أوصى غيره ليقوم مقامه بعد موته في رعاية أبنائه ل يحتاج الوصيّ في تصرّفاته إلى إذن‬
‫ل بكلم‬
‫الموصى عليهم ‪ ،‬لنّهم تحت وصايته ‪ ،‬فتصرّفاته ‪ -‬أي الوصيّ ‪ -‬تنفذ عليهم عم ً‬
‫الموصي ‪ .‬ومثل الوصيّة في هذا المعنى الولية ‪ .‬فإنّ تصرّفات الوليّ تنفذ على من له الولية‬
‫ن تصرّفاته صحيحةٌ ‪ ،‬ول‬
‫عليهم ول يفتقر إلى إذنهم ‪ .‬وكذلك القيّم الّذي يعينه القاضي ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يفتقر إلى إذن من له القوامة عليه ‪.‬‬
‫‪ - 29‬وأمّا إن كان يفتقر إلى إذن الغير فهو تصرّف الفضوليّ الّذي يتصرّف بل إذنٍ ول‬
‫وصايةٍ ول وليةٍ ول قوامة في بيعٍ وغيره ‪ .‬وفي صحّة تصرّفات الفضوليّ خلفٌ بين‬
‫الفقهاء ‪ :‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬على قولٍ عندهم ‪ -‬والشّافعيّ في القديم إلى أنّ الفضوليّ‬
‫ل فل‬
‫ف على إجازة المالك ‪ ،‬فإن أجازه نفذ وإ ّ‬
‫إذا تصرّف ببيعٍ أو شراءٍ فإنّ تصرّفه هذا موقو ٌ‬
‫ل عندهم ‪ -‬والشّافعيّ في الجديد ‪ ،‬والحنابلة إلى أنّ تصرّف‬
‫‪ .‬وذهب المالكيّة ‪ -‬على قو ٍ‬
‫ي بالبيع أو الشّراء باطلٌ ‪ ،‬حتّى وإن أجازه المالك ‪ .‬واستثنى الحنابلة ما لو اشترى‬
‫الفضول ّ‬
‫ح إن لم يسمّ المشتري من اشترى له في العقد ‪ ،‬بأن قال‬
‫لغيره شيئا في ذمّته بغير إذنه ‪ ،‬فيص ّ‬
‫ن ‪ ،‬فيصحّ العقد ‪ ،‬سوا ٌء نقد المشتري الثّمن من مال الّذي‬
‫‪ :‬اشتريت هذا ‪ ،‬ولم يقل ‪ :‬لفل ٍ‬
‫اشترى له ‪ ،‬أو من مال نفسه ‪ ،‬أو لم ينقده بالكلّيّة ‪ ،‬لنّه متص ّرفٌ في ذمّته ‪ ،‬وهي قابلةٌ‬
‫ض عمّا في ال ّذمّة ‪ .‬فإن سمّاه في العقد لم يصحّ إن لم يكن‬
‫للتّصرّف ‪ ،‬والّذي نقده إنّما هو عو ٌ‬
‫ن تصرّف الفضوليّ بالبيع أو الشّراء‬
‫ل ثالثٍ عندهم ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫أذن ‪ .‬وذهب المالكيّة ‪ -‬في قو ٍ‬
‫باطلٌ في العقار وجائزٌ في العروض ‪ ،‬أي يصحّ تصرّفه في المنقولت دون غيرها كالراضي‬
‫والبيوت ‪.‬‬
‫إضجاعٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الضجاع مصدر أضجع ‪ ،‬يقال ‪ :‬أضجعته إضجاعا ‪ :‬وضعت جنبه بالرض ‪ .‬وهو‬
‫كذلك في الصطلح ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬

‫أ ‪ -‬الضطجاع ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الضطجاع وضع النسان جنبه على الرض بنفسه ‪ ،‬فهو لزمٌ ‪ ،‬والضطجاع متعدّ ‪.‬‬
‫ن الضجاع يقال فيمن ضجع نفسه ‪ .‬أمّا‬
‫وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين الضجاع ‪ ،‬أ ّ‬
‫الضجاع فإنّه يكون بفعل الغير له ‪ .‬والضطجاع في السّجود أن يتضامّ فيه ول يجافي بطنه‬
‫عن فخذيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استلقاءٌ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستلقاء ‪ :‬النّوم على القفا ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يفصّل الفقهاء في ( الذّبائح ) حكم إضجاع الذّبيحة وإراحتها ‪ ،‬ويتّفقون على أنّ هذا‬
‫ن فيه إراح ًة للذّبيحة وتخفيفا عنها ‪ .‬كما يتكلّم الفقهاء‬
‫ب إليه ‪ ،‬لما ورد فيه من آثارٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫مندو ٌ‬
‫ن إضجاعه على جنبه‬
‫على الضجاع في الجنائز عند احتضار الشّخص ‪ ،‬وعند دفنه حيث يس ّ‬
‫اليمن جهة القبلة ‪ ،‬وهذا موضع اتّفاقٍ بين الفقهاء ‪ ،‬لما ورد في ذلك من الثار ‪ ( .‬ر ‪:‬‬
‫جنازةٌ ) ‪.‬‬
‫أضحيّةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الضحيّة بتشديد الياء وبضمّ الهمزة أو كسرها ‪ ،‬وجمعها الضاحيّ بتشديد الياء أيضا ‪،‬‬
‫ويقال لها ‪ :‬الضّحيّة بفتح الضّاد وتشديد الياء ‪ ،‬وجمعها الضّحايا ‪ ،‬ويقال لها أيضا ‪ :‬الضحاة‬
‫بفتح الهمزة وجمعها الضحى ‪ ،‬وهو على التّحقيق اسم جنسٍ جمعيّ ‪ ،‬وبها سمّي يوم‬
‫الضحى ‪ ،‬أي اليوم الّذي يضحّي فيه النّاس ‪ .‬وقد عرّفها اللّغويّون بتعريفين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬الشّاة الّتي تذبح ضحوةً ‪ ،‬أي وقت ارتفاع النّهار والوقت الّذي يليه ‪ ،‬وهذا المعنى‬
‫نقله صاحب اللّسان عن ابن العرابيّ ‪.‬‬
‫وثانيهما ‪ :‬الشّاة الّتي تذبح يوم الضحى ‪ ،‬وهذا المعنى ذكره صاحب اللّسان أيضا ‪ .‬أمّا‬
‫معناها في الشّرع ‪ :‬فهو ما يذكّى تقرّبا إلى اللّه تعالى في أيّام النّحر بشرائط مخصوصةٍ ‪.‬‬
‫فليس ‪ ،‬من الضحيّة ما يذكّى لغير التّقرّب إلى اللّه تعالى ‪ ،‬كالذّبائح الّتي تذبح للبيع أو الكل‬
‫أو إكرام الضّيف ‪ ،‬وليس منها ما يذكّى في غير هذه اليّام ‪ ،‬ولو للتّقرّب إلى اللّه تعالى ‪،‬‬
‫وكذلك ما يذكّى بنيّة العقيقة عن المولود ‪ ،‬أو جزاء التّمتّع أو القران في النّسك ‪ ،‬أو جزاء ترك‬
‫واجبٍ أو فعل محظورٍ في النّسك ‪ ،‬أو يذكّى بنيّة الهدي كما سيأتي ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬

‫أ ‪ -‬القربان ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القربان ‪ :‬ما يتقرّب به العبد إلى ربّه ‪ ،‬سواءٌ أكان من الذّبائح أم من غيرها ‪ .‬والعلقة‬
‫العامّة بين الضحيّة وسائر القرابين أنّها كلّها يتقرّب بها إلى اللّه تعالى ‪ ،‬فإن كانت القرابين‬
‫من الذّبائح كانت علقة الضحيّة بها أشدّ ‪ ،‬لنّها يجمعها كونها ذبائح يتقرّب بها إليه سبحانه ‪،‬‬
‫فالقربان أع ّم من الضحيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الهدي ‪:‬‬
‫ب من‬
‫‪ - 3‬الهدي ‪ :‬ما يذكّى من النعام في الحرم في أيّام النّحر لتمتّعٍ أو قرانٍ ‪ ،‬أو ترك واج ٍ‬
‫واجبات النّسك ‪ ،‬أو فعل محظورٍ من محظورات النّسك ‪ ،‬حجّا كان أو عمرةً ‪ ،‬أو لمحض‬
‫ل منهما ذبيحةٌ ‪ ،‬ومن‬
‫التّقرّب إلى اللّه تعالى تطوّعا ‪ .‬ويشترك الهدي مع الضحيّة في أنّ ك ّ‬
‫النعام ‪ ،‬وتذبح في أيّام النّحر ‪ ،‬ويقصد بها التّقرّب إلى اللّه تعالى ‪ .‬ويفترق الهدي ذو السّبب‬
‫عن الضحيّة افتراقا ظاهرا ‪ ،‬فإنّ الضحيّة ل تقع عن تمتّعٍ ول قرانٍ ‪ ،‬ول تكون كفّار ًة لفعلٍ‬
‫محظورٍ أو ترك واجبٍ ‪ .‬وأمّا الهدي الّذي قصد به التّقرّب المحض فإنّه يشتبه بالضحيّة‬
‫اشتباها عظيما ‪ ،‬ل سيّما أضحيّة المقيمين بمنًى من أهلها ومن الحجّاج ‪ ،‬فإنّها ذبيح ٌة من‬
‫ل هذه الصّفات صفاتٌ للهدي‬
‫النعام ذبحت في الحرم في أيّام النّحر تقرّبا إلى اللّه تعالى ‪ ،‬وك ّ‬
‫فل يفرّق بينهما إلّ بال ّنيّة ‪ ،‬فما نوي به الهدي كان هديا ‪ ،‬وما نوي به التّضحية كان أضحيّةً ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬فما هو المعنى الّذي يخطر ببال النّاوي‬
‫فإن قيل ‪ :‬إنّ ال ّنيّة ليست نيّة ألفاظٍ ‪ ،‬وإنّما هي معا ٍ‬
‫‪ ،‬حين ينوي الهدي ‪ ،‬وحين ينوي الضحيّة حتّى تكون ال ّنيّة فارق ًة بينهما ؟ فالجواب ‪ :‬أنّ‬
‫ناوي الهدي يخطر بباله الهداء إلى الحرم وتكريمه ‪ ،‬وناوي الضحيّة يخطر بباله الذّبح‬
‫ص باليّام الفاضلة من غير ملحظة الهداء إلى الحرم ‪ .‬هذا ‪ ،‬والمالكيّة يرون أنّ الحاجّ‬
‫المخت ّ‬
‫ن ما يقوم‬
‫ل يضحّي كما سيأتي ‪ ،‬فيكون الفرق عندهم بين هدي التّطوّع والضحيّة ظاهرا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ج يكون هديا ‪ ،‬وما يقوم به غير الحاجّ يكون أضحيّةً ‪.‬‬
‫به الحا ّ‬
‫ج ‪ -‬العقيقة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬العقيقة ما يذكّى من النّعم شكرا للّه تعالى على ما أنعم به ‪ ،‬من ولدة مولودٍ ‪ ،‬ذكرا كان‬
‫أو أنثى ‪ ،‬ول شكّ أنّها تخالف الضحيّة الّتي هي شكرٌ على نعمة الحياة ‪ ،‬ل على النعام‬
‫بالمولود ‪ ،‬فلو ولد لنسانٍ مولو ٌد في عيد الضحى فذبح عنه شكرا على إنعام اللّه بولدته‬
‫كانت الذّبيحة عقيق ًة ‪ .‬وإن ذبح عنه شكرا للّه تعالى على إنعامه على المولود نفسه بالوجود‬
‫ص ‪ ،‬كانت الذّبيحة أضحيّةً ‪.‬‬
‫والحياة في هذا الوقت الخا ّ‬
‫د ‪ -‬الفرع والعتيرة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الفرع بفتح الفاء والرّاء ‪ ،‬ويقال له الفرعة ‪ :‬أوّل نتاج البهيمة ‪ ،‬كان أهل الجاهليّة‬
‫يذبحونه لطواغيتهم ‪ ،‬رجاء البركة في المّ وكثرة نسلها ‪ ،‬ثمّ صار المسلمون يذبحونه للّه‬
‫تعالى ‪ .‬والعتيرة بفتح العين ‪ :‬ذبيحةٌ كان أهل الجاهليّة يذبحونها في العشر الول من رجبٍ‬
‫ن ) والرّجيبة أيضا ‪ ،‬ثمّ صار المسلمون يذبحونها للّه‬
‫للهتهم ويسمّونها العتر ( بكسرٍ فسكو ٍ‬
‫ب ول تق ّيدٍ بزمنٍ ‪ .‬وعلقة الضحيّة بهما أنّهما يشتركان معها في أنّ‬
‫تعالى من غير وجو ٍ‬
‫ن الفرع يقصد به‬
‫ل ‪ ،‬والفرق بينها وبينهما ظاهرٌ ‪ .‬فإ ّ‬
‫الجميع ذبائح يتقرّب بها إلى اللّه عزّ وج ّ‬
‫شكرا للّه تعالى على أوّل نتاجٍ تنتجه النّاقة وغيرها ورجاء البركة فيها ‪ ،‬والعتيرة يقصد بها‬
‫شكرا للّه تعالى على نعمة الحياة إلى وقت ذبحها ‪ .‬والضحيّة يقصد بها شكرا للّه تعالى على‬
‫نعمة الحياة إلى حلول اليّام الفاضلة من ذي الحجّة الحرام ‪ .‬مشروعيّة الضحيّة ودليلها ‪:‬‬
‫سنّة ‪ :‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬فصلّ لربّك‬
‫‪ - 6‬الضحيّة مشروع ٌة إجماعا بالكتاب وال ّ‬
‫سنّة فأحاديث تحكي فعله‬
‫وانحر } قيل في تفسيره ‪ :‬صلّ صلة العيد وانحر البدن ‪ .‬وأمّا ال ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لها ‪ ،‬وأخرى تحكي قوله في بيان فضلها والتّرغيب فيها والتّنفير من‬
‫ح من حديث أنس بن مالكٍ رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬ضحّى النّبيّ‬
‫تركها ‪ .‬فمن ذلك ما ص ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ‪ ،‬ذبحهما بيده ‪ ،‬وسمّى وكبّر ‪ ،‬ووضع رجله على‬
‫صفاحهما » ‪ .‬وأحاديث أخرى سيأتي بعضها منها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان له‬
‫ح فل يقربنّ مصلّنا » ‪ .‬وقد شرعت التّضحية في السّنة الثّانية من الهجرة‬
‫سع ٌة ولم يض ّ‬
‫النّبويّة ‪ ،‬وهي السّنة الّتي شرعت فيها صلة العيدين وزكاة المال ‪ .‬أمّا حكمة مشروعيّتها ‪،‬‬
‫فهي شكرا للّه تعالى على نعمة الحياة ‪ ،‬وإحياء سنّة سيّدنا إبراهيم الخليل عليه الصلة والسلم‬
‫حين أمره اللّه ع ّز اسمه بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلة والسلم في يوم النّحر ‪،‬‬
‫وأن يتذكّر المؤمن أنّ صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلم وإيثارهما طاعة اللّه ومحبّته‬
‫على محبّة النّفس والولد كانا سبب الفداء ورفع البلء ‪ ،‬فإذا تذكّر المؤمن ذلك اقتدى بهما في‬
‫ل على هوى النّفس وشهوتها ‪ .‬وقد يقال ‪ :‬أيّ‬
‫الصّبر على طاعة اللّه وتقديم محبّته عزّ وج ّ‬
‫علقةٍ بين إراقة الدّم وبين شكر المنعم عزّ وجلّ والتّقرّب إليه ؟ والجواب من وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ هذه الراقة وسيل ٌة للتّوسعة على النّفس وأهل البيت ‪ ،‬وإكرام الجار والضّيف ‪،‬‬
‫والتّصدّق على الفقير ‪ ،‬وهذه كلّها مظاهر للفرح والسّرور بما أنعم اللّه به على النسان ‪ ،‬وهذا‬
‫تحدّثٌ بنعمة اللّه تعالى كما قال عزّ اسمه ‪ { :‬وأمّا بنعمة ربّك فحدّث } ‪.‬‬
‫ل من أنّه خلق النعام لنفع النسان ‪،‬‬
‫ثانيهما ‪ :‬المبالغة في تصديق ما أخبر به اللّه عزّ وج ّ‬
‫وأذن في ذبحها ونحرها لتكون طعاما له ‪ .‬فإذا نازعه في حلّ الذّبح والنّحر منازعٌ تمويها‬
‫ن اللّه‬
‫بأنّهما من القسوة والتّعذيب لذي روحٍ تستحقّ الرّحمة والنصاف ‪ ،‬كان ردّه على ذلك أ ّ‬
‫ل الّذي خلقنا وخلق هذه الحيوانات ‪ ،‬وأمرنا برحمتها والحسان إليها ‪ ،‬أخبرنا وهو‬
‫عزّ وج ّ‬
‫العليم بالغيب أنّه خلقها لنا وأباح تذكيتها ‪ ،‬وأكّد هذه الباحة بأن جعل هذه التّذكية قرب ًة في‬
‫بعض الحيان ‪.‬‬
‫حكم الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ ،‬ومنهم الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو أرجح القولين عند مالكٍ ‪ ،‬وإحدى‬
‫ن الضحيّة سنّةٌ مؤكّدةٌ ‪ .‬وهذا قول أبي بكرٍ وعمر وبللٍ وأبي‬
‫روايتين عن أبو يوسف إلى أ ّ‬
‫مسعودٍ البدريّ وسويد بن غفلة وسعيد بن المسيّب وعطاءٍ وعلقمة والسود وإسحاق وأبي ثورٍ‬
‫س ّنيّة بأدلّةٍ ‪ :‬منها قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إذا‬
‫وابن المنذر ‪ .‬واستدلّ الجمهور على ال ّ‬
‫دخل العشر ‪ ،‬وأراد أحدكم أن يضحّي فل يمسّ من شعره ول من بشره شيئا » ‪ .‬ووجه‬
‫الدّللة في هذا الحديث أنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬وأراد أحدكم » فجعله مفوّضا‬
‫إلى إرادته ‪ ،‬ولو كانت التّضحية واجب ًة لقتصر على قوله ‪ « :‬فل يمسّ من شعره شيئا حتّى‬
‫يضحّي » ‪ .‬ومنها أيضا أنّ أبا بكرٍ وعمر رضي ال عنهما كانا ل يضحّيان السّنة والسّنتين ‪،‬‬
‫مخافة أن يرى ذلك واجبا ‪ .‬وهذا الصّنيع منهما يدلّ على أنّهما علما من الرّسول صلى ال‬
‫عليه وسلم عدم الوجوب ‪ ،‬ولم يرو عن أحدٍ من الصّحابة خلف ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 8‬وذهب أبو حنيفة إلى أنّها واجبةٌ ‪ .‬وهذا المذهب هو المرويّ عن مح ّمدٍ وزفر وإحدى‬
‫الرّوايتين عن أبي يوسف ‪ .‬وبه قال ربيعة واللّيث بن سعدٍ والوزاعيّ والثّوريّ ومالكٌ في أحد‬
‫قوليه ‪ .‬واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى ‪ { :‬فصلّ لربّك وانحر } فقد قيل في تفسيره صلّ‬
‫صلة العيد وانحر البدن ‪ ،‬ومطلق المر للوجوب ‪ ،‬ومتى وجب على النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم وجب على المّة لنّه قدوتها ‪ .‬وبقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان له سعةٌ‬
‫ن مصلّنا » ‪ ،‬وهذا كالوعيد على ترك التّضحية ‪ ،‬والوعيد إنّما يكون على‬
‫ولم يضحّ فل يقرب ّ‬
‫ترك الواجب ‪ .‬وبقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من ذبح قبل الصّلة فليذبح شا ًة مكانها ‪ ،‬ومن‬
‫لم يكن ذبح فليذبح على اسم اللّه » ‪ ،‬فإنّه أمر بذبح الضحيّة وبإعادتها إذا ذكّيت قبل الصّلة ‪،‬‬
‫ل من‬
‫ن الحنفيّة القائلين بالوجوب يقولون ‪ :‬إنّها واجب ٌة عينا على ك ّ‬
‫وذلك دليل الوجوب ‪ .‬ثمّ إ ّ‬
‫وجدت فيه شرائط الوجوب ‪ .‬فالضحيّة الواحدة كالشّاة وسبع البقرة وسبع البدنة إنّما تجزئ‬
‫عن شخصٍ واحدٍ ‪.‬‬
‫سنّيّة فمنهم من يقول ‪ :‬إنّها سنّة عينٍ أيضا ‪ ،‬كالقول المرويّ عن أبي‬
‫‪ - 9‬وأمّا القائلون بال ّ‬
‫يوسف فعنده ل يجزئ الضحيّة الواحدة عن الشّخص وأهل بيته أو غيرهم ‪ .‬ومنهم من يقول‬
‫ل واحدٍ مطالبٌ بها ‪ ،‬وإذا فعلها واحدٌ بنيّة نفسه وحده‬
‫نكّ‬
‫ن ولو حكما ‪ ،‬بمعنى أ ّ‬
‫‪ :‬إنّها سنّة عي ٍ‬
‫لم تقع إلّ عنه ‪ ،‬وإذا فعلها بنيّة إشراك غيره في الثّواب ‪ ،‬أو بنيّة كونها لغيره أسقطت الطّلب‬
‫ن الشّخص إذا ضحّى ناويا‬
‫عمّن أشركهم أو أوقعها عنهم ‪ .‬وهذا رأي المالكيّة ‪ ،‬وإيضاحه أ ّ‬
‫نفسه فقط سقط الطّلب عنه ‪ ،‬وإذا ضحّى ناويا نفسه وأبويه الفقيرين وأولده الصّغار ‪ ،‬وقعت‬
‫التّضحية عنهم ‪ ،‬ويجوز له أن يشرك غيره في الثّواب ‪ -‬قبل الذّبح ‪ -‬ولو كانوا أكثر من‬
‫سبع ٍة بثلث شرائط ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يسكن معه ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬أن يكون قريبا له وإن بعدت القرابة ‪ ،‬أو زوجةً ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ :‬أن ينفق على من يشركه وجوبا كأبويه وصغار ولده الفقراء ‪ ،‬أو تبرّعا كالغنياء‬
‫منهم وكعمّ وأخٍ وخالٍ ‪ .‬فإذا وجدت هذه الشّرائط سقط الطّلب عمّن أشركهم ‪ .‬وإذا ضحّى بشاةٍ‬
‫أو غيرها ناويا غيره فقط ‪ ،‬ولو أكثر من سبعةٍ ‪ ،‬من غير إشراك نفسه معهم سقط الطّلب‬
‫ل ذلك أن‬
‫عنهم بهذه التّضحية ‪ ،‬وإن لم تتحقّق فيهم الشّرائط الثّلث السّابقة ‪ .‬ول ب ّد في ك ّ‬
‫ل لم تجزئ ‪ ،‬كما‬
‫تكون الضحيّة ملكا خاصّا للمضحّي ‪ ،‬فل يشاركوه فيها ول في ثمنها ‪ ،‬وإ ّ‬
‫سيأتي في شرائط الصّحّة ‪.‬‬
‫ق أهل‬
‫سنّيّة من يجعلها سنّة عينٍ في حقّ المنفرد ‪ ،‬وسنّة كفاي ٍة في ح ّ‬
‫‪ - 10‬ومن القائلين بال ّ‬
‫ن الشّخص يضحّي بالضحيّة‬
‫البيت الواحد ‪ ،‬وهذا رأي الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬فقد قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫الواحدة ‪ -‬ولو كانت شاةً ‪ -‬عن نفسه وأهل بيته ‪.‬‬
‫ت متعدّد ٌة لهل البيت الواحد والرّاجح تفسيران ‪:‬‬
‫وللشّافعيّة تفسيرا ٌ‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ المقصود بهم من تلزم الشّخص نفقتهم ‪ ،‬وهذا هو الّذي رجّحه الشّمس الرّمليّ‬
‫في نهاية المحتاج ‪.‬‬
‫ثانيهما ‪ :‬من تجمعهم نفقة منفقٍ واحدٍ ولو تبرّعا ‪ ،‬وهذا هو الّذي صحّحه الشّهاب الرّمليّ‬
‫ن لكلّ قادرٍ منهم عليها‬
‫بهامش شرح الرّوض ‪ .‬قالوا ‪ :‬ومعنى كونها سنّة كفايةٍ ‪ -‬مع كونها تس ّ‬
‫‪ -‬سقوط الطّلب عنهم بفعل واحدٍ رشيدٍ منهم ‪ ،‬ل حصول الثّواب لكلّ منهم ‪ ،‬إلّ إذا قصد‬
‫المضحّي تشريكهم في الثّواب ‪ .‬وممّا استدلّ به على كون التّضحية سنّة كفايةٍ عن الرّجل‬
‫وأهل بيته حديث أبي أيّوب النصاريّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا نضحّي بالشّاة الواحدة‬
‫يذبحها الرّجل عنه وعن أهل بيته ‪ ،‬ثمّ تباهى النّاس بعد فصارت مباها ًة » ‪ .‬وهذه الصّيغة‬
‫ث مرفوعٌ ‪.‬‬
‫الّتي قالها أبو أيّوب رضي ال عنه تقتضي أنّه حدي ٌ‬
‫الضحيّة المنذورة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬اتّفق الفقهاء على أنّ نذر التّضحية يوجبها ‪ ،‬سواءٌ أكان النّاذر غنيّا أم فقيرا ‪ ،‬وهو إمّا‬
‫أن يكون نذرا لمعيّن ٍة نحو ‪ :‬للّه عليّ أن أضحّي بهذه الشّاة ‪ ،‬وإمّا أن يكون نذرا في ال ّذمّة لغير‬
‫ي أن أضحّي ‪ ،‬أو يقول ‪ :‬للّه عليّ أن أضحّي بشاةٍ ‪ .‬فمن‬
‫معيّن ٍة لمضمونةٍ ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬للّه عل ّ‬
‫نذر التّضحية بمعيّنةٍ لزمه التّضحية بها في الوقت ‪ ،‬وكذلك من نذر التّضحية في ال ّذمّة بغير‬
‫ل عمّا في ذمّته ‪ ،‬فإنّه يجب عليه التّضحية بها في الوقت ‪ .‬وصرّح‬
‫معيّن ٍة ‪ ،‬ثمّ عيّن شاةً مث ً‬
‫ح نذره ‪ ،‬ووجب عليه ذبحها في‬
‫ن من نذر معيّن ًة ‪ ،‬وبها عيبٌ مخلّ بالجزاء ص ّ‬
‫الشّافعيّة بأ ّ‬
‫الوقت ‪ ،‬وفا ًء بما التزمه ‪ ،‬ول يجب عليه بدلها ‪ .‬ومن نذر أضحيّ ًة في ذمّته ‪ ،‬ثمّ عيّن شا ًة بها‬
‫ي أن أضحّي‬
‫ل إذا كان قد نذرها معيبةً ‪ ،‬كأن قال ‪ :‬عل ّ‬
‫ح تعيينه إ ّ‬
‫ل بالجزاء لم يص ّ‬
‫عيبٌ مخ ّ‬
‫بشا ٍة عرجاء بيّنة العرج ‪ .‬وقال الحنابلة مثل ما قال الشّافعيّة ‪ ،‬إلّ أنّهم أجازوا إبدال المعيّنة‬
‫ن هذا أنفع للفقراء ‪ .‬ودليل وجوب الضحيّة بالنّذر ‪ :‬أنّ التّضحية قربةٌ للّه‬
‫بخيرٍ منها ‪ ،‬ل ّ‬
‫تعالى من جنسها واجبٌ كهدي التّمتّع ‪ ،‬فتلزم بالنّذر كسائر القرب ‪ ،‬والوجوب بسبب النّذر‬
‫يستوي فيه الفقير والغنيّ ‪.‬‬
‫أضحيّة التّطوّع ‪:‬‬
‫‪ - 12‬من لم تجب التّضحية عليه لعدم توفّر شرطٍ من شروط وجوبها عند من قال بالوجوب ‪،‬‬
‫س ّنيّة عند من قال بأنّها سنّ ٌة ‪ ،‬فالضحيّة تعتبر في حقّه تطوّعا ‪.‬‬
‫ولعدم توفّر شروط ال ّ‬
‫شروط وجوب الضحيّة أو س ّنيّتها ‪:‬‬
‫‪ - 13‬الضحيّة إذا كانت واجب ًة بالنّذر فشرائط وجوبها هي شرائط النّذر ‪ ،‬وهي ‪ :‬السلم‬
‫والبلوغ والعقل والح ّريّة والختيار ‪ ،‬ولتفصيلها يراجع باب النّذر ‪ .‬وإذا كانت واجب ًة بالشّرع (‬
‫عند من يقول بذلك ) فشروط وجوبها أربعةٌ ‪ ،‬وزاد مح ّمدٌ وزفر شرطين ‪ ،‬وهذه الشّروط أو‬
‫بعضها مشترطةٌ في س ّنيّتها أيضا عند من قال بعدم الوجوب ‪ ،‬وزاد المالكيّة شرطا في‬
‫س ّنيّتها ‪ ،‬وبيان ذلك كما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 14‬الشّرط الوّل ‪ :‬السلم ‪ ،‬فل تجب على الكافر ‪ ،‬ول تسنّ له ‪ ،‬لنّها قرب ٌة ‪ ،‬والكافر‬
‫ليس من أهل القرب ‪ ،‬ول يشترط عند الحنفيّة وجود السلم في جميع الوقت الّذي تجزئ فيه‬
‫التّضحية ‪ ،‬بل يكفي وجوده آخر الوقت ‪ ،‬لنّ وقت الوجوب يفضل عن أداء الواجب ‪ ،‬فيكفي‬
‫في وجوبها بقاء جزءٍ من الوقت كالصّلة ‪ ،‬وكذا يقال في جميع الشّروط التية ‪ ،‬وهذا الشّرط‬
‫س ّنيّة ‪ ،‬بل إنّه أيضا شرطٌ للتّطوّع ‪.‬‬
‫متّفقٌ عليه بين القائلين بالوجوب والقائلين بال ّ‬
‫ل مالٍ ول في كلّ‬
‫‪ - 15‬الشّرط الثّاني ‪ :‬القامة ‪ ،‬فل تجب على المسافر ‪ ،‬لنّها ل تتأدّى بك ّ‬
‫ت مخصوصٍ ‪ ،‬والمسافر ل يظفر به في كلّ مكان في‬
‫ن مخصوصٍ في وق ٍ‬
‫زمانٍ ‪ ،‬بل بحيوا ٍ‬
‫وقت التّضحية ‪ ،‬فلو أوجبناها عليه لحتاج لحمل الضحيّة مع نفسه ‪ ،‬وفيه من الحرج ما ل‬
‫يخفى ‪ ،‬أو احتاج إلى ترك السّفر ‪ ،‬وفيه ضررٌ ‪ ،‬فدعت الضّرورة إلى امتناع وجوبها عليه ‪،‬‬
‫بخلف المقيم ولو كان حاجّا ‪ ،‬لما روى نافعٌ عن ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬أنّه كان‬
‫ج من أهله أثمان الضّحايا ‪ ،‬وذلك ليضحّوا عنه تطوّعا ‪ .‬ويحتمل أنّه ليضحّوا‬
‫يخلّف لمن لم يح ّ‬
‫عن أنفسهم ل عنه ‪ ،‬فل يثبت الوجوب مع الحتمال ‪ .‬هذا مذهب الحنفيّة القائلين بالوجوب ‪،‬‬
‫وأمّا من قال بالسّ ّنيّة فل يشترط هذا الشّرط ‪ ،‬وكذلك ل يشترط في التّطوّع ‪ ،‬لنّه ل يترتّب‬
‫على س ّنيّتها ول التّطوّع بها حرجٌ ‪.‬‬
‫ح فل‬
‫‪ - 16‬الشّرط الثّالث ‪ :‬الغنى ‪ -‬ويعبّر عنه باليسار ‪ -‬لحديث « من كان له سع ٌة ولم يض ّ‬
‫ن مصلّنا » والسّعة هي الغنى ‪ ،‬ويتحقّق عند الحنفيّة بأن يكون في ملك النسان مائتا‬
‫يقرب ّ‬
‫درهمٍ أو عشرون دينارا ‪ ،‬أو شي ٌء تبلغ قيمته ذلك ‪ ،‬سوى مسكنه وحوائجه الصليّة وديونه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يتحقّق الغنى بألّ تجحف الضحيّة بالمضحّي ‪ ،‬بألّ يحتاج لثمنها في‬
‫ن للقادر عليها ‪ ،‬وهو من ملك ما يحصل به‬
‫ضروريّاته في عامه ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّما تس ّ‬
‫ل عمّا يحتاج إليه في يوم العيد وليلته وأيّام التّشريق الثّلثة ولياليها ‪.‬‬
‫الضحيّة ‪ ،‬فاض ً‬
‫‪ - 17‬الشّرطان الرّابع والخامس ‪ :‬البلوغ والعقل ‪ ،‬وهذان الشّرطان اشترطهما مح ّمدٌ وزفر ‪،‬‬
‫ولم يشترطهما أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ ،‬فعندهما تجب التّضحية في مال الصّبيّ والمجنون إذا‬
‫ي عنها من مالهما لم يضمن في قول أبي حنيفة وأبي‬
‫كانا موسرين ‪ ،‬فلو ضحّى الب أو الوص ّ‬
‫يوسف ‪ ،‬ويضمن في قول مح ّمدٍ وزفر ‪ ،‬وهذا الخلف كالخلف في صدقة الفطر ‪ .‬ولتفصيل‬
‫حجج الفريقين يرجع لمصطلح ( صدقة الفطر ) ‪.‬‬
‫‪ - 18‬والّذي يجنّ ويفيق يعتبر حاله في الجنون والفاقة ‪ ،‬فإن كان مجنونا في أيّام النّحر فهو‬
‫على الختلف ‪ ،‬وإن كان مفيقا وجبت من ماله بل خلفٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّ حكمه حكم الصّحيح‬
‫كيفما كان ‪ .‬وهذا الّذي قرّره صاحب " البدائع " يقتضي برجيح القول بالوجوب ‪ ،‬لكن صحّح‬
‫صاحب الكافي القول بعدم الوجوب ورجّحه ابن الشّحنة واعتمده صاحب " ال ّدرّ المختار " ناقلً‬
‫ن هذا القول اختاره‬
‫ح ما يفتى به ‪ ،‬وقال ابن عابدين ‪ :‬إ ّ‬
‫عن متن " مواهب الرّحمن " أنّه أص ّ‬
‫صاحب الملتقى حيث قدّمه ‪ ،‬وعبّر عن مقابله بصيغة التّضعيف ‪ ،‬وهي " قيل " ‪ .‬هذا كلّه‬
‫ن للوليّ‬
‫رأي الحنفيّة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل يشترط في س ّنيّة التّضحية البلوغ ول العقل ‪ ،‬فيس ّ‬
‫التّضحية عن الصّغير والمجنون من مالهما ‪ ،‬ولو كانا يتيمين ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز‬
‫للوليّ أن يضحّي عن محجوريه من أموالهم ‪ ،‬وإنّما يجوز أن يضحّي عنهم من ماله إن كان‬
‫أبا أو جدّا ‪ ،‬وكأنّه ملكها لهم وذبحها عنهم ‪ ،‬فيقع له ثواب التّبرّع لهم ‪ ،‬ويقع لهم ثواب‬
‫التّضحية ‪ .‬وقال الحنابلة في اليتيم الموسر ‪ :‬يضحّي عنه وليّه من ماله ‪ ،‬أي مال المحجور ‪،‬‬
‫وهذا على سبيل التّوسعة في يوم العيد ل على سبيل اليجاب ‪.‬‬
‫‪ - 19‬هذا وقد انفرد المالكيّة بذكر شرطٍ لس ّنيّة التّضحية ‪ ،‬وهو ألّ يكون الشّخص حاجّا ‪،‬‬
‫فالحاجّ ل يطالب بالتّضحية شرعا ‪ ،‬سواءٌ ‪ ،‬أكان بمنًى أم بغيرها ‪ ،‬وغير الحاجّ هو المطالب‬
‫بها ‪ ،‬وإن كان معتمرا أو كان بمنًى ‪ .‬وعند الحنفيّة ل تجب على حاجّ مسافرٍ ‪.‬‬
‫س ّنيّة ‪ ،‬فكما تجب على‬
‫‪ - 20‬هذا وليست الذّكورة ول المصر من شروط الوجوب ول ال ّ‬
‫الذّكور تجب على الناث ‪ ،‬وكما تجب على المقيمين في المصار تجب على المقيمين في‬
‫س ّنيّة شاملةٌ للجميع ‪.‬‬
‫ن أدلّة الوجوب أو ال ّ‬
‫القرى والبوادي ‪ ،‬ل ّ‬
‫تضحية النسان من ماله عن ولده ‪:‬‬
‫‪ - 21‬إذا كان الولد كبيرا فل يجب على أبيه أو جدّه التّضحية عنه ‪ ،‬أمّا الولد وولد الولد‬
‫الصّغيران فإن كان لهما مالٌ فقد سبق الكلم عن ذلك ‪ ،‬وإن لم يكن لهما مالٌ ‪ ،‬فعن أبي حنيفة‬
‫في ذلك روايتان ‪:‬‬
‫أولهما ‪ :‬أنّها ل تجب ‪ ،‬وهو ظاهر الرّواية ‪ ،‬وعليه الفتوى ‪ ،‬لنّ الصل أنّه ل يجب على‬
‫ل ما سعى‬
‫النسان شيءٌ عن غيره ‪ ،‬وخصوصا القربات ‪ ،‬لقوله تعالى { وأن ليس للنسان إ ّ‬
‫ل شأنه { لها ما كسبت } ‪ .‬ولهذا لم تجب عليه عن ولده وولد ولده الكبيرين ‪.‬‬
‫} ‪ .‬وقوله ج ّ‬
‫ثانيتهما ‪ :‬أنّها تجب ‪ ،‬لنّ ولد الرّجل جزؤه وكذا ولد ابنه ‪ ،‬فإذا وجب عليه أن يضحّي عن‬
‫نفسه وجب عليه أن يضحّي عن ولده وولد ابنه قياسا على صدقة الفطر ‪ .‬ثمّ على القول‬
‫بظاهر الرّواية ‪ -‬وهو عدم الوجوب ‪ -‬يستحبّ للنسان أن يضحّي عن ولده وولد ابنه‬
‫الصّغيرين من مال نفسه ‪ ،‬والمقصود بولد ابنه هو اليتيم الّذي تحت ولية جدّه ‪ .‬وهذا موافقٌ‬
‫لما سبق من مذهب الجمهور ‪.‬‬
‫شروط صحّة الضحيّة‬
‫ل الذّبائح ‪ ،‬ولتفصيلها ( ر ‪ :‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫‪ - 22‬للتّضحية شرائط تشملها وتشمل ك ّ‬
‫وشرائط تختصّ بها ‪ ،‬وهي ثلثة أنواعٍ ‪ :‬نوعٌ يرجع إلى الضحيّة ‪ ،‬ونوعٌ يرجع إلى‬
‫ع يرجع إلى وقت التّضحية ‪.‬‬
‫المضحّي ‪ ،‬ونو ٌ‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬شروط الضحيّة في ذاتها ‪:‬‬
‫‪ - 23‬الشّرط الوّل ‪ :‬وهو متّفقٌ عليه بين المذاهب ‪ :‬أن تكون من النعام ‪ ،‬وهي البل عرابا‬
‫كانت أو بخاتيّ ‪ ،‬والبقرة الهليّة ومنها الجواميس ‪ ،‬والغنم ضأنا كانت أو معزا ‪ ،‬ويجزئ من‬
‫ب أم‬
‫ن مأكولٍ غير النعام ‪ ،‬سواءٌ أكان من الدّوا ّ‬
‫ل ذلك الذّكور والناث ‪ .‬فمن ضحّى بحيوا ٍ‬
‫كّ‬
‫ل أمّ ٍة جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللّه على‬
‫ح تضحيته به ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ولك ّ‬
‫الطّيور ‪ ،‬لم تص ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ما رزقهم من بهيمة النعام } ولنّه لم تنقل التّضحية بغير النعام عن النّب ّ‬
‫ن الشّاة تجزئ‬
‫وسلم ولو ذبح دجاجةً أو ديكا بنيّة التّضحية لم يجزئ ‪ .‬ويتعلّق بهذا الشّرط أ ّ‬
‫عن واحدٍ ‪ ،‬والبدنة والبقرة ك ّل منهما عن سبعةٍ ‪ ،‬لحديث جابرٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬نحرنا‬
‫مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعةٍ ‪ ،‬والبقرة عن سبع ٍة » ‪،‬‬
‫وهذا مرويّ عن عليّ وابن عمر وابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ وعائشة رضي ال عنهم ‪ ،‬وبه قال‬
‫س وسالمٌ والحسن وعمرو بن دينارٍ والثّوريّ والوزاعيّ وأبو ثورٍ وأكثر أهل‬
‫عطاءٌ وطاو ٌ‬
‫العلم ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وعن ابن عمر رضي ال عنهما رواي ٌة أخرى‬
‫أنّه قال ‪ « :‬ل تجزئ نفسٌ واحدةٌ عن سبع ٍة » وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجزئ الشتراك في اللّحم أو‬
‫الثّمن ‪ ،‬ل في الشّاة ول في البدنة ول في البقرة ‪ ،‬ولكن تجزئ الضحيّة الواحدة الّتي يملكها‬
‫ص واحدٌ أن يضحّي بها عن نفسه وعن أبويه الفقيرين وأولده الصّغار ‪ ،‬وكذلك يجزئ أن‬
‫شخ ٌ‬
‫يضحّي النسان بالضحيّة الواحدة الّتي يملكها وحده ناويا إشراك غيره معه في الثّواب ‪ ،‬أو‬
‫ناويا كونها كلّها عن غيره كما سبق ( ف ‪. ) 9‬‬
‫‪ - 24‬الشّرط الثّاني ‪ :‬أن تبلغ سنّ التّضحية ‪ ،‬بأن تكون ثنيّ ًة أو فوق الثّنيّة من البل والبقر‬
‫والمعز ‪ ،‬وجذع ًة أو فوق الجذعة من الضّأن ‪ ،‬فل تجزئ التّضحية بما دون الثّنيّة من غير‬
‫الضّأن ‪ ،‬ول بما دون الجذعة من الضّأن ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تذبحوا إلّ‬
‫ل النعام هي الثّنيّة‬
‫مسنّ ًة ‪ ،‬إلّ أن يعسر عليكم ‪ ،‬فتذبحوا جذع ًة من الضّأن » ‪ .‬والمسنّة من ك ّ‬
‫فما فوقها ‪ .‬حكاه النّوويّ عن أهل اللّغة ‪ .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نعمت الضحيّة‬
‫الجذع من الضّأن » ‪ .‬وهذا الشّرط متّفقٌ عليه بين الفقهاء ‪ ،‬ولكنّهم اختلفوا في تفسير الثّنيّة‬
‫والجذعة ‪.‬‬
‫ن الجذع من الضّأن ما أتمّ ستّة أشهرٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ما أتمّ ستّة‬
‫‪ - 25‬فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫أشهرٍ وشيئا ‪ .‬وأيّا ما كان فل بدّ أن يكون عظيما بحيث لو خلط بالثّنايا لشتبه على النّاظرين‬
‫من بعيدٍ ‪ .‬والثّنيّ من الضّأن والمعز ابن سنةٍ ‪ ،‬ومن البقر ابن سنتين ‪ ،‬ومن البل ابن خمس‬
‫سنين ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أنّ الجذع من الضّأن ما بلغ سنةً ( قمريّةً ) ودخل في الثّانية ولو‬
‫ل بيّنا ‪ ،‬كمضيّ‬
‫مجرّد دخولٍ ‪ ،‬وفسّروا الثّنيّ من المعز بما بلغ سنةً ‪ ،‬ودخل في الثّانية دخو ً‬
‫شهرٍ بعد السّنة ‪ ،‬وفسّروا الثّنيّ من البقر بما بلغ ثلث سنين ‪ ،‬ودخل في الرّابعة ولو دخولً‬
‫ل غير بيّنٍ ‪ .‬وذهب‬
‫غير بيّنٍ ‪ ،‬والثّنيّ من البل بما بلغ خمسا ودخل في السّادسة ولو دخو ً‬
‫الشّافعيّة إلى أنّ الجذع ما بلغ سنةً ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لو أجذع بأن أسقط مقدّم أسنانه قبل السّنة وبعد‬
‫ي من المعز بما بلغ سنتين ‪ ،‬وكذلك البقر ‪.‬‬
‫تمام ستّة أشهرٍ يكفي ‪ ،‬وفسّروا الثّن ّ‬
‫‪ - 26‬الشّرط الثّالث ‪ :‬سلمتها من العيوب الفاحشة ‪ ،‬وهي العيوب الّتي من شأنها أن تنقص‬
‫ل ما استثني ‪ .‬وبنا ًء على هذا الشّرط ل تجزئ التّضحية بما يأتي ‪:‬‬
‫الشّحم أو اللّحم إ ّ‬
‫‪ - 1‬العمياء ‪.‬‬
‫‪ - 2‬العوراء البيّن عورها ‪ ،‬وهي الّتي ذهب بصر إحدى عينيها ‪ ،‬وفسّرها الحنابلة بأنّها الّتي‬
‫انخسفت عينها وذهبت ‪ ،‬لنّها عض ٌو مستطابٌ ‪ ،‬فلو لم تذهب العين أجزأت عندهم ‪ ،‬وإن كان‬
‫ض يمنع البصار ‪.‬‬
‫على عينها بيا ٌ‬
‫‪ - 3‬مقطوعة اللّسان بالكّليّة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ما ذهب من لسانها مقدارٌ كثيرٌ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يضرّ قطع بعض اللّسان ولو قليلً ‪.‬‬
‫‪ - 5‬الجدعاء وهي مقطوعة النف ‪.‬‬
‫سكّاء وهي ‪ :‬فاقدة الذنين أو إحداهما خلقةً وخالف‬
‫‪ - 6‬مقطوعة الذنين أو إحداهما ‪ ،‬وكذا ال ّ‬
‫سكّاء ‪.‬‬
‫الحنابلة في ال ّ‬
‫‪ - 7‬ما ذهب من إحدى أذنيها مقدارٌ كثيرٌ ‪ ،‬واختلف العلماء في تفسير الكثير ‪ ،‬فذهب الحنفيّة‬
‫إلى أنّه ما زاد عن الثّلث في روايةٍ ‪ ،‬والثّلث فأكثر في روايةٍ أخرى ‪ ،‬والنّصف أو أكثر ‪،‬‬
‫وهو قول أبي يوسف ‪ ،‬والرّبع أو أكثر في رواي ٍة رابعةٍ ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل يضرّ ذهاب ثلث‬
‫الذن أو أقلّ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يضرّ ذهاب بعض الذن مطلقا ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يضرّ ذهاب‬
‫ي صلى ال عليه وسلم نهى أن يضحّي‬
‫ن النّب ّ‬
‫أكثر الذن ‪ .‬والصل في ذلك كلّه حديث ‪ « :‬إ ّ‬
‫بعضباء الذن » ‪.‬‬
‫‪ - 8‬العرجاء البيّن عرجها ‪ ،‬وهي الّتي ل تقدر أن تمشي برجلها إلى المنسك ‪ -‬أي المذبح ‪-‬‬
‫وفسّرها المالكيّة والشّافعيّة بالّتي ل تسير بسير صواحبها ‪.‬‬
‫‪ - 9‬الجذماء وهي ‪ :‬مقطوعة اليد أو الرّجل ‪ ،‬وكذا فاقدة إحداهما خلقةً ‪.‬‬
‫‪ - 10‬الجذّاء وهي ‪ :‬الّتي قطعت رءوس ضروعها أو يبست ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يض ّر قطع‬
‫بعض الضّرع ‪ ،‬ولو قليلً ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ الّتي ل تجزئ هي يابسة الضّرع جميعه ‪ ،‬فإن‬
‫أرضعت ببعضه أجزأت ‪.‬‬
‫‪ - 11‬مقطوعة اللية ‪ ،‬وكذا فاقدتها خلقةً ‪ ،‬وخالف الشّافعيّة فقالوا بإجزاء فاقدة اللية خلقةً ‪،‬‬
‫بخلف مقطوعتها ‪.‬‬
‫‪ - 12‬ما ذهب من أليتها مقدارٌ كثيرٌ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يضرّ ذهاب بعض اللية ولو قليلً ‪.‬‬
‫‪ - 13‬مقطوعة الذّنب ‪ ،‬وكذا فاقدته خلقةً ‪ ،‬وهي المسمّاة بالبتراء ‪ ،‬وخالف الحنابلة فيهما‬
‫فقالوا ‪ :‬إنّهما يجزئان ‪ .‬وخالف الشّافعيّة في الثّانية دون الولى ‪.‬‬
‫‪ - 14‬ما ذهب من ذنبها مقدا ٌر كثيرٌ ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل تجزئ ذاهبة ثلثه فصاعدا ‪ .‬وقال‬
‫ل أو بعضا ‪.‬‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬يضرّ قطع بعضه ولو قليلً ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل يضرّ قطع الذّنب ك ّ‬
‫‪ - 15‬المريضة البيّن مرضها ‪ ،‬أي الّتي يظهر مرضها لمن يراها ‪.‬‬
‫خ الّذي في داخل‬
‫‪- 16‬العجفاء الّتي ل تنقي ‪ ،‬وهي المهزولة الّتي ذهب نقيها ‪ ،‬وهو الم ّ‬
‫ن تمام الخلقة أمرٌ ظاهرٌ ‪ ،‬فإذا تبيّن خلفه كان تقصيرا ‪.‬‬
‫العظام ‪ ،‬فإنّها ل تجزئ ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 17‬مصرّمة الطبّاء ‪ ،‬وهي الّتي عولجت حتّى انقطع لبنها ‪.‬‬
‫‪ - 18‬الجلّلة ‪ ،‬وهي الّتي تأكل العذرة ول تأكل غيرها ‪ ،‬ممّا لم تستبرأ بأن تحبس أربعين‬
‫يوما إن كانت من البل ‪ ،‬أو عشرين يوما إن كانت من البقر ‪ ،‬أو عشرةً إن كانت من الغنم ‪.‬‬
‫‪ - 27‬هذه المثلة ذكرت في كتب الحنفيّة ‪ .‬وهناك أمثلةٌ أخرى للنعام الّتي ل تجزئ التّضحية‬
‫بها ذكرت في كتب المذاهب الخرى ‪.‬‬
‫منها ما ذكره المالكيّة حيث قالوا ‪ :‬ل تجزئ ( البكماء ) وهي فاقدة الصّوت ول ( البخراء )‬
‫وهي منتنة رائحة الفم ‪ ،‬ولم يقيّدوا ذلك بكونها جلّل ًة ول بيّنة البشم ‪ ،‬وهو التّخمة ‪ .‬ول‬
‫صمّاء ) وهي الّتي ل تسمع ‪.‬‬
‫( ال ّ‬
‫ومنها ما ذكره الشّافعيّة من أنّ ( الهيماء ) ل تجزئ ‪ ،‬وهي المصابة بالهيام وهو عطشٌ‬
‫شديدٌ ل ترتوي معه بالماء ‪ ،‬فتهيم في الرض ول ترعى ‪ .‬وكذا ( الحامل ) على الصحّ ‪،‬‬
‫ن الحمل يفسد الجوف ويصير اللّحم رديئا ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ومنها ما ذكره الحنابلة من عدم إجزاء ( العصماء ) وهي الّتي انكسر غلف قرنها‬
‫( والخصيّ المجبوب ) ‪ ،‬وهو ما ذهب أنثياه وذكره معا ‪ ،‬بخلف ذاهب أحدهما ‪ .‬والصل‬
‫ل على اشتراط السّلمة من هذه العيوب كلّها ما صحّ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه‬
‫الّذي د ّ‬
‫قال ‪ « :‬ل تجزئ من الضّحايا أربعٌ ‪ :‬العوراء البيّن عورها ‪ ،‬والعرجاء البيّن عرجها ‪،‬‬
‫والمريضة البيّن مرضها ‪ ،‬والعجفاء الّتي ل تنقي » ‪ .‬وما صحّ عنه عليه الصلة والسلم أنّه‬
‫قال ‪ « :‬استشرفوا العين والذن » أي تأمّلوا سلمتها عن الفات ‪ ،‬وما صحّ عنه عليه الصلة‬
‫والسلم « أنّه نهى أن يضحّى بعضباء الذن » ‪ .‬وألحق الفقهاء بما في هذه الحاديث كلّ ما‬
‫ب فاحشٌ ‪.‬‬
‫فيه عي ٌ‬
‫‪ - 28‬أمّا النعام الّتي تجزئ التّضحية بها لنّ عيبها ليس بفاحشٍ فهي كالتي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجمّاء ‪ :‬وتسمّى الجلحاء ‪ ،‬وهي الّتي ل قرن لها خلق ًة ‪ ،‬ومثلها مكسورة القرن إن لم‬
‫ي رضي ال عنه أنّه قال لمن سأله عن مكسورة القرن ‪:‬‬
‫يظهر عظم دماغها ‪ ،‬لما صحّ عن عل ّ‬
‫ل بأس ‪ ،‬أمرنا أن نستشرف العينين والذنين ‪ .‬وقد اتّفقت المذاهب على إجزاء الجمّاء ‪،‬‬
‫واختلفت في مكسورة القرن ‪ ،‬فقال المالكيّة ‪ :‬تجزئ ما لم يكن موضع الكسر داميا ‪ ،‬وفسّروا‬
‫الدّامي بما لم يحصل الشّفاء منه ‪ ،‬وإن لم يظهر فيه دمٌ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬تجزئ وإن أدمى‬
‫موضع الكسر ‪ ،‬ما لم يؤثّر ألم النكسار في اللّحم ‪ ،‬فيكون مرضا مانعا من الجزاء ‪ .‬وقال‬
‫الحنابلة ‪ :‬ل تجزئ إن كان الذّاهب من القرن أكثر من النّصف ‪ ،‬وتسمّى عضباء القرن ‪.‬‬
‫‪ - 2‬الحولء ‪ ،‬وهي الّتي في عينها حولٌ لم يمنع البصر ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الصّمعاء ‪ ،‬وهي الصّغيرة إحدى الذنين أو كليهما ‪ .‬وخالف المالكيّة فقالوا ‪ :‬ل يجزئ‬
‫الصّمعاء ‪ ،‬وفسّروها بالصّغيرة الذنين جدّا ‪ ،‬كأنّها خلقت بدونهما ‪.‬‬
‫شقّ على الثّلث ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل تجزئ إلّ‬
‫‪ - 4‬الشّرقاء وهي مشقوقة الذن ‪ ،‬وإن زاد ال ّ‬
‫شقّ ثلثا فأقلّ ‪.‬‬
‫إن كان ال ّ‬
‫ل يذهب بسبب الخرق مقدارٌ كثيرٌ ‪.‬‬
‫‪ - 5‬الخرقاء وهي مثقوبة الذن ‪ ،‬ويشترط في إجزائها أ ّ‬
‫‪ - 6‬المدابرة وهي الّتي قطع من مؤخّر أذنها شيءٌ ولم يفصّل ‪ ،‬بل ترك معلّقا ‪ ،‬فإن فصّل‬
‫فهي مقطوعة بعض الذن وقد سبق بيان حكمها ‪.‬‬
‫‪- 7‬الهتماء وهي الّتي ل أسنان لها ‪ ،‬لكن يشترط في إجزائها ألّ يمنعها الهتم عن الرّعي‬
‫والعتلف ‪ ،‬فإن منعها عنهما لم تجزئ ‪ .‬وهو مذهب الحنفيّة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل تجزئ‬
‫مكسور سنّين فأكثر أو مقلوعتهما ‪ ،‬إلّ إذا كان ذلك لثغارٍ أو كبرٍ ‪ ،‬أمّا لهذين المرين‬
‫فتجزئ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬تجزئ ذاهبة بعض السنان إن لم يؤثّر نقصا في العتلف ‪ ،‬ول‬
‫ن ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل تجزئ‬
‫ذاهبة جميعها ول مكسورة جميعها ‪ ،‬وتجزئ المخلوقة بل أسنا ٍ‬
‫ما ذهب ثناياها من أصلها ‪ ،‬بخلف ما لو بقي من الثّنايا بقيّةٌ ‪.‬‬
‫‪ - 8‬الثّولء وهي المجنونة ‪ ،‬ويشترط في إجزائها ألّ يمنعها الثّول عن العتلف ‪ ،‬فإن‬
‫منعها منه لم تجزئ ‪ ،‬لنّ ذلك يفضي إلى هلكها ‪ .‬وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬ل تجزئ‬
‫الثّولء ‪ ،‬وفسّرها المالكيّة بأنّها الدّائمة الجنون الّتي فقدت التّمييز بحيث ل تهتدي لما ينفعها‬
‫ول تجانب ما يضرّها ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن كان جنونها غير دائمٍ لم يضرّ ‪ .‬وفسّرها الشّافعيّة بأنّها‬
‫الّتي تستدير في المرعى ‪ ،‬ول ترى إلّ قليلً ‪ ،‬فتهزل ‪.‬‬
‫‪ - 9‬الجرباء السّمينة ‪ ،‬بخلف المهزولة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تجزئ الجرباء مطلقا ‪.‬‬
‫‪ - 10‬المكويّة وهي الّتي كويت أذنها أو غيرها من العضاء ‪.‬‬
‫‪ - 11‬الموسومة وهي ‪ :‬الّتي في أذنها سمةٌ ‪.‬‬
‫‪ - 12‬العاجزة عن الولدة لكبر سنّها ‪.‬‬
‫‪ - 13‬الخصيّ وإنّما أجزأ ‪ ،‬لنّ ما ذهب بخصائه يعوّض بما يؤدّي إليه من كثرة لحمه‬
‫ح « وأنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم ضحّى بكبشين أملحين موجوءين » أي‬
‫وشحمه ‪ ،‬وقد ص ّ‬
‫مرضوضي الخصيتين ‪ ،‬ويلحق بالمرض الخصاء ‪ ،‬لنّ أثرهما واحدٌ ‪ .‬وقد اتّفقت على‬
‫إجزائه المذاهب الربعة ‪ .‬وحكى صاحب " المغني " الجزاء عن الحسن وعطا ٍء والشّعبيّ‬
‫والنّخعيّ ومالكٍ والشّافعيّ وأبي ثورٍ وأصحاب الرّأي ‪ .‬وكالخصيّ الموجوء وهو المرضوض‬
‫الخصية ‪ .‬وهذا متّفقٌ عليه بين المذاهب ‪.‬‬
‫ن المجبوب الخصيّ ‪ -‬وهو ‪ :‬ما‬
‫‪ - 14‬المجبوب وهو ما قطع ذكره وسبق قول الحنابلة أ ّ‬
‫ذهب أنثياه وذكره معا ‪ -‬ل يجزئ ‪ ،‬بخلف ذاهب أحدهما فقط ( ف ‪. ) 26 /‬‬
‫‪ - 15‬المجزوزة وهي الّتي ج ّز صوفها ‪.‬‬
‫‪ - 16‬السّاعلة وهي الّتي تسعل ‪ -‬بضمّ العين ‪ -‬ويجب تقييد ذلك بما لم يصحبه مرضٌ بيّنٌ ‪.‬‬
‫‪ - 29‬هذه المثلة ذكرها الحنفيّة وجاء في كتب غيرهم أمثل ٌة أخرى لما يجزئ ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما صرّح به المالكيّة من أنّ المقعدة ‪ -‬وهي العاجزة عن القيام لكثرة الشّحم عليها ‪-‬‬
‫تجزئ ‪.‬‬
‫ن العشواء تجزئ ‪ ،‬وهي الّتي تبصر بالنّهار دون اللّيل ‪ ،‬وكذا‬
‫منها ‪ :‬ما ذكره الشّافعيّة من أ ّ‬
‫العمشاء وضعيفة البصر ‪ .‬وكذا الّتي قطع منها قطع ٌة صغيرةٌ من عض ٍو كبيرٍ ‪ ،‬كالّتي أخذ‬
‫الذّئب مقدارا قليلً من فخذها ‪ ،‬بخلف المقدار البيّن الّذي يع ّد كثيرا بالنّسبة لجميع الفخذ ‪.‬‬
‫طروء العيب المخلّ بعد تعيين الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ - 30‬لو اشترى رجلٌ شا ًة بنيّة الضحيّة فعجفت عنده عجفا بيّنا لم تجزئه ‪ ،‬إن كان عند‬
‫الشّراء موسرا مقيما ‪ ،‬وكان شراؤه إيّاها في وقت الوجوب ‪ ،‬لما سبق من أنّ شراءه للضحيّة‬
‫ل يوجبها ‪ ،‬لنّه تجب عليه أضحيّ ٌة في ذمّته بأصل الشّرع ‪ ،‬وإنّما أقام ما اشتراه مقام ما في‬
‫ال ّذمّة ‪ ،‬فإذا نقص لم يصلح لهذه القامة فيبقى ما في ذمّته بحاله ‪ .‬فإن كان عند الشّراء فقيرا ‪،‬‬
‫أو غنيّا مسافرا ‪ ،‬أو غنيّا مقيما ‪ ،‬واشتراها قبل وقت النّحر ‪ ،‬أجزأته في هذه الصّور كلّها ‪،‬‬
‫لنّه لم تكن في ذمّته أضحيّةٌ واجب ٌة وقت الشّراء ‪ ،‬فكان الشّراء بنيّة التّضحية إيجابا لها بمنزلة‬
‫ن الفقير أو‬
‫نذر الضحيّة المعيّنة ‪ ،‬فكان نقصانها كهلكها يسقط به إيجابها ‪ .‬ويعلم من هذا أ ّ‬
‫الغنيّ لو أوجب على نفسه بالنّذر أضحيّةً غير معيّنةٍ ‪ ،‬ثمّ اشترى شاةً بنيّة التّضحية ‪،‬‬
‫فتعيّبت ‪ ،‬لم تجزئ ‪ ،‬لنّ الشّراء في هذه الحالة ليس إيجابا ‪ ،‬وإنّما هو إقام ٌة لما يشتريه مقام‬
‫الواجب ‪ .‬ومن شرط القامة السّلمة ‪ ،‬فإذا لم تجزئ إقامتها مقام الواجب بقي الواجب في‬
‫ل النّعم الّتي يحدث لها بعد الشّراء عيبٌ‬
‫ذمّته كما كان ‪ .‬وكالشّاة الّتي عجفت بعد الشّراء ‪ ،‬ك ّ‬
‫مخلّ ‪ ،‬أو تموت ‪ ،‬أو تسرق ‪ ،‬ففيها التّفصيل السّابق ‪.‬‬
‫‪ - 31‬ولو قدّم المضحّي أضحيّ ًة ليذبحها ‪ ،‬فاضطربت في المكان الّذي يذبحها فيه ‪ ،‬فانكسرت‬
‫رجلها ‪ ،‬أو انقلبت فأصابتها الشّفرة في عينها فاعورّت أجزأته ‪ ،‬لنّ هذا ممّا ل يمكن‬
‫ن الشّاة تضطرب عادةً ‪ ،‬فتلحقها العيوب من اضطرابها ‪ .‬هذا مذهب‬
‫الحتراز عنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب مخلّ لم‬
‫ن الضحيّة المعيّنة بالنّذر أو بغيره إذا حدث بها عي ٌ‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫تجزئ ‪ ،‬وله التّصرّف فيها بالبيع وغيره ‪ ،‬وعليه التّضحية بأخرى إن كانت منذورةً ‪ ،‬ويسنّ‬
‫له التّضحية بأخرى إن لم تكن منذورةً ‪ .‬هذا إن تعيّبت قبل الضجاع للذّبح ‪ ،‬أمّا لو تعيّبت بعد‬
‫الضجاع له فيجزئ ذبحها ‪.‬‬
‫ب يمنع‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من أوجب أضحيّةً معيّن ًة بالنّذر أو الجعل ‪ ،‬ثمّ طرأ عليها ‪ -‬عي ٌ‬
‫إجزاءها قبل دخول الوقت الّذي تجزئ فيه التّضحية ‪ ،‬أو بعد دخوله وقبل تمكّنه من الذّبح ‪،‬‬
‫ولم يقع منه تفريطٌ ول اعتدا ٌء ‪ -‬لم يلزمه بدلها ‪ ،‬لزوال ملكه عنها من حين اليجاب ‪ ،‬ويلزمه‬
‫أن يذبحها في الوقت ويتصدّق بها كالضحيّة ‪ ،‬وإن لم تكن أضحيّةً ‪ .‬وإذا طرأ العيب باعتدائه‬
‫أو تفريطه أو تأخّره عن الذّبح في أوّل الوقت بل عذرٍ لزمه ذبحها في الوقت والتّصدّق بها ‪،‬‬
‫ولزمه أيضا أن يضحّي بأخرى لتبرأ ذمّته ‪ .‬ولو اشترى شاةً وأوجبها بالنّذر أو الجعل ‪ ،‬ثمّ‬
‫وجد بها عيبا قديما ‪ ،‬فليس له أن يردّها على البائع ‪ ،‬لنّه زال ملكه عنها بمجرّد اليجاب ‪،‬‬
‫فيتعيّن أن يبقيها ‪ ،‬وله أن يأخذ أرش النّقص من البائع ‪ ،‬ول يجب عليه التّصدّق به ‪ ،‬لنّه‬
‫ملكه ‪ ،‬وعليه أن يذبحها في الوقت ‪ ،‬ويتصدّق بها كلّها لشبهها بالضحيّة ‪ ،‬وإن لم تكن‬
‫أضحيّةً ‪ ،‬ويسقط عنه الوجوب بهذا الذّبح ‪ ،‬ويسنّ له أن يردفها بسليمةٍ ‪ ،‬لتحصل له سنّة‬
‫التّضحية ‪ .‬ولو زال عيبها قبل الذّبح لم تصر أضحيّ ًة إذ السّلمة لم توجد إلّ بعد زوال ملكه‬
‫ل ‪ ،‬فطرأ عليها عيبٌ مخلّ‬
‫عنها ‪ .‬ومن عيّن شا ًة ليضحّي بها من غير إيجابٍ بنذرٍ ول جع ٍ‬
‫بالجزاء لم تجزئ التّضحية بها ‪ ،‬ول فرق في طروء العيب بين كونه عند الذّبح أو قبله ‪ ،‬فلو‬
‫أضجع شا ًة ليضحّي بها وهي ‪ ،‬سليمةٌ فاضطربت ‪ ،‬وانكسرت رجلها ‪ ،‬أو عرجت تحت‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ .‬ومذهب الحنابلة قريبٌ من مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬إلّ‬
‫سكّين لم تجزئه على الص ّ‬
‫ال ّ‬
‫أنّهم يقولون ‪ :‬إنّ الواجبة ل يجب التّصدّق بجميعها بل ببعضها ‪ ،‬كما أنّهم يقولون بإجزاء‬
‫ب يمنع الجزاء ‪.‬‬
‫التّضحية إذا عيّن شاةً صحيح ًة للتّضحية ‪ ،‬ثمّ حدث بها عي ٌ‬
‫‪ - 32‬الشّرط الرّابع ‪ :‬أن تكون مملوك ًة للذّابح ‪ ،‬أو مأذونا له فيها صراحةً أو دللةً ‪ ،‬فإن لم‬
‫تكن كذلك لم تجزئ التّضحية بها عن الذّابح ‪ ،‬لنّه ليس مالكا لها ول نائبا عن مالكها ‪ ،‬لنّه لم‬
‫يأذن له في ذبحها عنه ‪ ،‬والصل فيما يعمله النسان أن يقع للعامل ‪ ،‬ول يقع لغيره إلّ بإذنه ‪.‬‬
‫ن شاةً ‪ ،‬فضحّى بها عن مالكها ‪ -‬من غير إجازته ‪ -‬لم تقع أضحيّةً عنه ‪،‬‬
‫فلو غصب إنسا ٌ‬
‫لعدم الذن منه ‪ ،‬ولو ضحّى بها عن نفسه لم تجزئ عنه ‪ ،‬لعدم الملك ‪ ،‬ثمّ إن أخذها صاحبها‬
‫مذبوح ًة ‪ ،‬وضمّنه النّقصان ‪ ،‬فكذلك ل تجزئ عن واح ٍد منهما ‪ .‬وإن لم يأخذها صاحبها ‪،‬‬
‫وضمّنه قيمتها حيّ ًة ‪ ،‬أجزأت عن الذّابح ‪ ،‬لنّه ملكها بالضّمان من وقت الغصب ‪ ،‬فصار‬
‫ذابحا لشا ٍة هي ملكه ‪ ،‬لكنّه آثمٌ ‪ ،‬لنّ ابتداء فعله وقع محظورا ‪ ،‬فتلزمه التّوبة والستغفار ‪.‬‬
‫وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه وقولٌ للمالكيّة ‪ .‬وقال زفر والشّافعيّة ‪ ،‬وهو أحد قولي‬
‫ن الضّمان ل يوجب الملك عندهم ‪ .‬ر ‪:‬‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وأحد روايتي الحنابلة ‪ ،‬ل تجزئ عنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫( غصبٌ ) ‪.‬‬
‫‪ - 33‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو اشترى إنسانٌ شا ًة فأضجعها ‪ ،‬وش ّد قوائمها للتّضحية بها ‪ ،‬فجاء‬
‫ن آخر فذبحها بغير إذنه صحّت أضحيّ ًة لمالكها ‪ ،‬لوجود الذن منه دللةً ‪ .‬وعند الحنابلة‬
‫إنسا ٌ‬
‫إذا عيّن الضحيّة فذبحها غيره بغير إذنه أجزأت عن صاحبها ‪ ،‬ول ضمان على ذابحها ‪.‬‬
‫ن شاةً‬
‫واشترط المالكيّة لجزائها وجود الذن صراحةً أو اعتياده ذلك ‪ .‬ولو اشترى إنسا ٌ‬
‫ن غير البائع ‪-‬‬
‫ليضحّي بها ‪ ،‬فلمّا ذبحها تبيّن ببيّن ٍة أنّها مستحقّ ٌة ‪ -‬أي أنّها كانت ملك إنسا ٍ‬
‫فحكمها حكم المغصوبة ‪ ،‬وشراؤه إيّاها بمنزلة العدم ‪ ،‬صرّح بذلك المالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ل شاةً ‪ ،‬فضحّى بها عن نفسه ‪ ،‬فاختار صاحبها القيمة فأخذها ‪،‬‬
‫ل رج ً‬
‫‪ - 34‬ولو أودع رج ٌ‬
‫ن الشّاة ل تكون أضحيّةً عن الذّابح ‪ ،‬بخلف المغصوبة والمستحقّة عند أبي حنيفة وصاحبيه‬
‫فإ ّ‬
‫ل بعد‬
‫ن سبب وجوب الضّمان في الوديعة هو الذّبح ‪ ،‬فل يعتبر الذّابح مالكا إ ّ‬
‫‪ ،‬ووجه الفرق أ ّ‬
‫الذّبح ‪ ،‬فحين الذّبح لم يذبح ما هو مملوكٌ له ‪ ،‬فلم يجزئه أضحيّةً ‪ ،‬وسبب وجوب الضّمان في‬
‫الغصب والستحقاق هو الخذ السّابق على الذّبح ‪ ،‬والضّمان يوجب الملكيّة كما سبق ‪ ،‬فيكون‬
‫الذّابح في حالتي الغصب والستحقاق ذابحا ما هو مملوكٌ له فيجزئ عنه ‪ .‬وما قيل في‬
‫الوديعة يقال في العاريّة والمستأجرة ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪:‬‬
‫شرائط ترجع إلى المضحّي يشترط في المضحّي لصحّة التّضحية ثلثة شروطٍ ‪:‬‬
‫‪ - 35‬الشّرط الوّل ‪ :‬نيّة التّضحية ‪ :‬لنّ الذّبح قد يكون للّحم ‪ ،‬وقد يكون للقربة ‪ ،‬والفعل ل‬
‫يقع قرب ًة إلّ بال ّنيّة ‪ ،‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما العمال بال ّنيّات ‪ ،‬وإنّما لكلّ‬
‫ع كثير ٌة ‪ ،‬كهدي‬
‫امرئٍ ما نوى » ‪ .‬والمراد بالعمال القربات ‪ ،‬ثمّ إنّ القربات من الذّبائح أنوا ٌ‬
‫التّمتّع والقران والحصار وجزاء الصّيد وكفّارة الحلف وغير ذلك من محظورات الحجّ‬
‫والعمرة ‪ ،‬فل تتعيّن الضحيّة من بين هذه القربات إلّ بنيّة التّضحية ‪ ،‬وتكفي ال ّنيّة بالقلب دون‬
‫ن ال ّنيّة عمل القلب ‪ ،‬والذّكر باللّسان دليلٌ على ما فيه ‪ .‬وقد اتّفق‬
‫التّلفّظ بها كما في الصّلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫على هذا الشّرط الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وصرّح الشّافعيّة باستثناء المعيّنة‬
‫ن نذره‬
‫بالنّذر ‪ ،‬كأن قال بلسانه ‪ -‬من غير نيّةٍ بقلبه ‪ -‬للّه عليّ نذر أن أضحّي بهذه الشّاة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ينعقد باللّفظ ولو بل نيّ ٍة ‪ ،‬ول تشترط ال ّنيّة عند ذبحها ‪ ،‬بخلف المجعولة ‪ ،‬بأن قال بلسانه ‪:‬‬
‫ن إيجابه ينعقد وإن لم ينو عند النّطق ‪ ،‬لكن ل بدّ من ال ّنيّة عند‬
‫جعلت هذه الشّاة أضحيّةً ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ذبحها إن لم ينو عند النّطق ‪ .‬وقالوا ‪ :‬لو وكّل في الذّبح كفت نيّته ول حاجة لنيّة الوكيل ‪ ،‬بل‬
‫ل حاجة لعلمه بأنّها أضحيّ ٌة ‪ .‬وقالوا أيضا ‪ :‬يجوز لصاحب الضحيّة أن يفوّض في نيّة‬
‫التّضحية مسلما مميّزا ينوي عند الذّبح أو التّعيين ‪ ،‬بخلف الكافر وغير المميّز بجنونٍ أو‬
‫نحوه ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إنّ الضحيّة المعيّنة ل تجب فيها ال ّنيّة عند الذّبح ‪ ،‬لكن لو ذبحها غير‬
‫مالكها بغير إذنه ‪ ،‬ونواها عن نفسه عالما بأنّها ملك غيره لم تجزئ عنهما ‪ ،‬أمّا مع عدم العلم‬
‫فتجزئ عن المالك ول أثر لنيّة الفضوليّ ‪.‬‬
‫‪ - 36‬الشّرط الثّاني ‪ :‬أن تكون ال ّنيّة مقارن ًة للذّبح أو مقارن ًة للتّعيين السّابق على الذّبح ‪،‬‬
‫سواءٌ أكان هذا التّعيين بشراء الشّاة أم بإفرازها ممّا يملكه ‪ ،‬وسواءٌ أكان ذلك للتّطوّع أم لنذرٍ‬
‫في ال ّذمّة ‪ ،‬ومثله الجعل كأن يقول ‪ :‬جعلت هذه الشّاة أضحيّ ًة ‪ ،‬فالنّيّة في هذا كلّه تكفي عن‬
‫ال ّنيّة عند الذّبح ‪ ،‬وأمّا المنذورة المعيّنة فل تحتاج لنيّ ٍة كما سبق ‪ .‬هذا عند الشّافعيّة ‪ .‬أمّا‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة فتكفي عندهم ال ّنيّة السّابقة عند الشّراء أو التّعيين ‪.‬‬
‫ل يشارك المضحّي فيما يحتمل الشّركة من ل يريد القربة رأسا ‪ ،‬فإن‬
‫‪ - 37‬الشّرط الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫ل منهما يجزئ عن سبعةٍ‬
‫شارك لم يصحّ عن الضحيّة ‪ .‬وإيضاح هذا ‪ ،‬أنّ البدنة والبقرة ك ّ‬
‫ل واح ٍد منهم مريدا للقربة ‪،‬‬
‫عند الجمهور كما مرّ ‪ .‬فإذا اشترك فيها سبعةٌ ‪ ،‬فل بدّ أن يكون ك ّ‬
‫وإن اختلف نوعها ‪ .‬فلو اشترى سبع ٌة أو أقلّ بدنةً ‪ ،‬أو اشتراها واحدٌ بنيّة التّشريك فيها ‪ ،‬ثمّ‬
‫شرك فيها ستّ ًة أو أقلّ ‪ ،‬وأراد واحدٌ منهم التّضحية ‪ ،‬وآخر هدي المتعة ‪ ،‬وثالثٌ هدي‬
‫س كفّارة الدّم عن ترك الميقات ‪ ،‬وسادسٌ هدي التّطوّع ‪،‬‬
‫القران ‪ ،‬ورابعٌ كفّارة الحلف ‪ ،‬وخام ٌ‬
‫وسابعٌ العقيقة عن ولده أجزأتهم البدنة ‪ .‬بخلف ما لو كان أحدهم يريد سبعها ليأكله ‪ ،‬أو‬
‫ليطعم أهله ‪ ،‬أو ليبيعه ‪ ،‬فل تجزئ عن الخرين الّذين أرادوا القربة ‪ .‬هذا قول أبي حنيفة‬
‫ن القربة الّتي في الضحيّة ‪ ،‬وفي هذه النواع كلّها إنّما هي‬
‫وأبي يوسف ومح ّمدٍ ‪ .‬وذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح واحدٌ ‪ ،‬فإن لم تكن هذه‬
‫في إراقة الدّم ‪ ،‬وإراقة الدّم في البدنة الواحدة ل تتجزّأ ‪ ،‬لنّها ذب ٌ‬
‫الراقة قربةً من واحدٍ أو أكثر لم تكن قرب ًة من الباقين ‪ ،‬بخلف ما لو كانت هذه الراقة قربةً‬
‫من الجميع ‪ ،‬وإن اختلفت جهتها ‪ ،‬أو كان بعضها واجبا وبعضها تطوّعا ‪ .‬وقال زفر ‪ :‬ل‬
‫ل إذا كان المشتركون متّفقين‬
‫يجزئ الذّبح عن الضحيّة أو غيرها من القرب عند الشتراك ‪ ،‬إ ّ‬
‫في جهة القربة ‪ ،‬كأن يشترك سبع ٌة كلّهم يريد الضحيّة ‪ ،‬أو سبع ٌة كلّهم يريد جزاء الصّيد ‪،‬‬
‫ن القياس يأبى الشتراك ‪ ،‬إذ الذّبح‬
‫ح الذّبح عن واحدٍ منهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإن اختلفوا في الجهة لم يص ّ‬
‫فعل واحدٍ ل يتجزّأ ‪ ،‬فل يتصوّر أن يقع بعضه عن جه ٍة ‪ ،‬وبعضه عن جه ٍة أخرى ‪ ،‬لكن عند‬
‫اتّحاد الجهة يمكن أن تجعل كقرب ٍة واحدةٍ ‪ ،‬ول يمكن ذلك عند الختلف ‪ ،‬فبقي المر فيه‬
‫مردودا إلى القياس ‪ .‬وروي عن أبي حنيفة أنّه كره الشتراك عند اختلف الجهة ‪ ،‬وقال ‪ :‬لو‬
‫ب إليّ ‪ ،‬وهكذا قال أبو يوسف ‪.‬‬
‫ع واحدٍ لكان أح ّ‬
‫كان هذا من نو ٍ‬
‫‪ - 38‬ولو اشترى رجلٌ بقر ًة يريد أن يضحّي بها ‪ ،‬ثمّ أشرك فيها بعد ذلك غيره ‪ ،‬فإن كان‬
‫فقيرا حين اشتراها فقد أوجبها على نفسه كما سبق ‪ ،‬فل يجوز أن يشرك فيها غيره ‪ .‬وإن كان‬
‫غنيّا مقيما ‪ ،‬وقد اشتراها قبل وقت الوجوب ‪ ،‬أو غنيّا مسافرا فكذلك ‪ .‬وإن كان غنيّا مقيما ‪،‬‬
‫ن شراءها ل يوجبها كما تقدّم ‪ ،‬فيجوز له أن يشرك فيها معه‬
‫واشتراها بعد وقت الوجوب فإ ّ‬
‫ن ذلك مكرو ٌه لنّه لمّا اشتراها بنيّة التّضحية كان ذلك منه‬
‫ستّ ًة أو أقلّ يريدون القربة ‪ ،‬لك ّ‬
‫وعدا أن يضحّي بها كلّها عن نفسه ‪ ،‬وإخلف الوعد مكرو ٌه ‪ ،‬وينبغي في هذه الحالة أن‬
‫يتصدّق بالثّمن الّذي أخذه ممّن أشركهم معه ‪ ،‬لما روي « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫دفع إلى حكيم بن حزا ٍم رضي ال عنه دينارا ‪ ،‬وأمره أن يشتري له أضحيّةً ‪ ،‬فاشترى شاةً‬
‫وباعها بدينارين ‪ ،‬واشترى بأحدهما شاةً وجاء النّبيّ عليه الصلة والسلم بشا ٍة ودينارٍ ‪،‬‬
‫وأخبره بما صنع ‪ ،‬فأمره عليه الصلة والسلم أن يضحّي بالشّاة ‪ ،‬ويتصدّق بالدّينار » هذا‬
‫كلّه مذهب الحنفيّة ‪ .‬وخالفهم الشّافعيّة والحنابلة فأجازوا أن يشترك مريد التّضحية أو غيرها‬
‫من القربات مع مريد اللّحم ‪ ،‬حتّى لو كان لمريد التّضحية سبع البدنة ‪ ،‬ولمريد الهدي سبعها ‪،‬‬
‫ولمريد العقيقة سبعها ‪ ،‬ولمريد اللّحم باقيها ‪ ،‬فذبحت بهذه ال ّنيّات جاز ‪ ،‬لنّ الفعل إنّما يصير‬
‫ل واحدٍ بنيّته ل بنيّة شريكه ‪ ،‬فعدم ال ّنيّة من أحدهم ل يقدح في قربة الباقين ‪ .‬وقال‬
‫قربةً من ك ّ‬
‫المالكيّة ‪ :‬ل يجوز الشتراك في الثّمن أو اللّحم ‪ ،‬فإن اشترك جماع ٌة في الثّمن ‪ ،‬بأن دفع كلّ‬
‫واحدٍ منهم جزءا منه ‪ ،‬أو اشتركوا في اللّحم ‪ ،‬بأن كانت الشّاة أو البدنة مشتركةً بينهم لم‬
‫تجزئ عن واحدٍ منهم ‪ ،‬بخلف إشراكهم في الثّواب ممّن ضحّى بها قبل الذّبح كما مرّ ‪.‬‬
‫وقت التّضحية مبدأٌ ونهايةٌ مبدأ الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 39‬قال الحنفيّة ‪ :‬يدخل وقت التّضحية عند طلوع فجر يوم النّحر ‪ ،‬وهو يوم العيد ‪ ،‬وهذا‬
‫الوقت ل يختلف في ذاته بالنّسبة لمن يضحّي في المصر أو غيره ‪ .‬لكنّهم اشترطوا في‬
‫صحّتها لمن يضحّي في المصر أن يكون الذّبح بعد صلة العيد ‪ ،‬ولو قبل الخطبة ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫الفضل تأخيره إلى ما بعد الخطبة ‪ ،‬وإذا صلّيت صلة العيد في مواضع من المصر كفى في‬
‫صحّة التّضحية الفراغ من الصّلة في أحد المواضع ‪ .‬وإذا عطّلت صلة العيد ينتظر حتّى‬
‫يمضي وقت الصّلة بأن تزول الشّمس ‪ ،‬ثمّ يذبح بعد ذلك ‪ .‬وأمّا من يضحّي في غير المصر‬
‫ن أهل غير‬
‫فإنّه ل تشترط له هذه الشّريطة ‪ ،‬بل يجوز أن يذبح بعد طلوع فجر يوم النّحر ‪ ،‬ل ّ‬
‫المصر ليس عليهم صلة العيد ‪ .‬وإذا كان من عليه الضحيّة مقيما في المصر ‪ ،‬ووكّل من‬
‫ن الذّبح‬
‫يضحّي عنه في غيره أو بالعكس ‪ ،‬فالعبرة بمكان الذّبح ل بمكان الموكّل المضحّي ‪ ،‬ل ّ‬
‫هو القربة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ ،‬وهو أحد أقوال الحنابلة ‪ :‬إنّ أوّل وقت التّضحية بالنّسبة لغير‬
‫المام هو وقت الفراغ من ذبح أضحيّة المام بعد الصّلة والخطبتين في اليوم الوّل ‪،‬‬
‫وبالنّسبة للمام هو وقت الفراغ من صلته وخطبته ‪ ،‬فلو ذبح المام قبل الفراغ من خطبتيه لم‬
‫يجزئه ‪ ،‬ولو ذبح النّاس قبل الفراغ من ذبح أضحيّة المام لم يجزئهم ‪ ،‬إلّ إذا بدءوا بعد‬
‫بدئه ‪ ،‬وانتهوا بعد انتهائه أو معه ‪ .‬وإذا لم يذبح المام أو توانى في الذّبح بعد فراغ خطبتيه‬
‫بل عذرٍ أو بعذ ٍر تحرّى النّاس القدر الّذي يمكن فيه الذّبح ‪ ،‬ثمّ ذبحوا أضاحيّهم ‪ ،‬فتجزئهم وإن‬
‫ن يندب انتظاره حتّى يفرغ من‬
‫سبقوه لكن عند التّواني بعذرٍ ‪ ،‬كقتال عدوّ أو إغماءٍ أو جنو ٍ‬
‫تضحيته ‪ ،‬إلّ إذا قرب زوال الشّمس فينبغي للنّاس حينئذٍ أن يضحّوا ولو قبل المام ‪ .‬ثمّ إن لم‬
‫يكن في البلد إلّ نائب المام الحاكم أو إمام الصّلة فالمعتبر نائب المام ‪ ،‬وإن كان فيها هذا‬
‫وذاك ‪ ،‬وأخرج نائب المام أضحيّته إلى المصلّى فهو المعتبر ‪ ،‬وإلّ فالمعتبر إمام الصّلة ‪،‬‬
‫فإن لم يكن هذا ول ذاك تحرّوا تضحية إمام أقرب البلد إليهم إن كان واحدا ‪ ،‬فإن تعدّد‬
‫تحرّوا تضحية أقرب الئمّة لبلدهم ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ ،‬وهو أحد أقوالٍ للحنابلة ‪ :‬يدخل وقت‬
‫التّضحية بعد طلوع الشّمس يوم عيد النّحر بمقدار ما يسع ركعتين خفيفتين وخطبتين خفيفتين ‪،‬‬
‫والمراد بالخفّة القتصار على ما يجزئ في الصّلة والخطبتين ‪ .‬قالوا ‪ :‬وإنّما لم تتوقّف صحّة‬
‫ن الئمّة يختلفون تطويلً وتقصيرا ‪،‬‬
‫التّضحية على الفراغ من صلة المام وخطبتيه بالفعل ل ّ‬
‫فاعتبر الزّمان ليكون أشبه بمواقيت الصّلة وغيرها ‪ ،‬وأضبط للنّاس في المصار والقرى‬
‫والبوادي ‪ ،‬وهذا هو المراد بالحاديث الّتي تقدّمت ‪ « ،‬وكان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يصلّي‬
‫صلة عيد الضحى عقب طلوع الشّمس » ‪ .‬والفضل تأخير التّضحية عن ارتفاع الشّمس‬
‫ل ثالثٍ لهم وهو الرجح ‪ ،‬إلى أنّ‬
‫قدر رمحٍ بالمقدار السّابق الذّكر ‪ .‬وذهب الحنابلة في قو ٍ‬
‫ن الفضل انتظار الخطبتين ‪ .‬ول يلزم انتظار‬
‫وقتها يبتدئ بعد صلة العيد ولو قبل الخطبة لك ّ‬
‫الفراغ من الصّلة في جميع الماكن إن تعدّدت ‪ ،‬بل يكفي الفراغ من واحد ٍة منها ‪ ،‬وإذا كان‬
‫مريد التّضحية في جهةٍ ل يصلّى فيها العيد ‪ -‬كالبادية وأهل الخيام ممّن ل عيد عليهم ‪-‬‬
‫ح ‪ .‬وإذا فاتت صلة العيد‬
‫فالوقت يبتدئ بعد مضيّ قدر صلة العيد من ارتفاع الشّمس قدر رم ٍ‬
‫بالزّوال في الماكن الّتي تصلّى فيها ضحّوا من حين الفوات ‪.‬‬
‫نهاية وقت التّضحية ‪:‬‬
‫‪ - 40‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ أيّام التّضحية ثلث ٌة ‪ ،‬وهي يوم العيد ‪ ،‬واليومان‬
‫الوّلن من أيّام التّشريق ‪ ،‬فينتهي وقت التّضحية بغروب شمس اليوم الخير من اليّام‬
‫ن عمر وعليّا وأبا هريرة وأنسا وابن عبّاسٍ‬
‫المذكورة ‪ ،‬وهو ثاني أيّام التّشريق ‪ .‬واحتجّوا بأ ّ‬
‫ن المقادير ل يهتدى إليها‬
‫وابن عمر رضي ال عنهم أخبروا أنّ أيّام النّحر ثلثةٌ ‪ .‬ومعلومٌ أ ّ‬
‫بالرّأي ‪ ،‬فل بدّ أن يكون هؤلء الصّحابة الكرام أخبروا بذلك سماعا ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ -‬وهو‬
‫القول الخر للحنابلة واختاره ابن تيميّة ‪ -‬أيّام التّضحية أربعةٌ ‪ ،‬تنتهي بغروب شمس اليوم‬
‫س رضي ال عنهم أيضا ‪،‬‬
‫الثّالث من أيّام التّشريق ‪ ،‬وهذا القول مرويّ عن عليّ وابن عبّا ٍ‬
‫ومرويّ كذلك عن جبير بن مطعمٍ رضي ال عنه ‪ ،‬وعن عطا ٍء والحسن البصريّ وعمر بن‬
‫عبد العزيز وسليمان بن موسى السديّ ومكحولٍ ‪ .‬وحجّة القائلين بهذا قوله عليه الصلة‬
‫ل أيّام التّشريق ذبحٌ » ‪.‬‬
‫والسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫التّضحية في ليالي أيّام النّحر ‪:‬‬
‫‪ - 41‬أمّا ليلة عيد الضحى فليست وقتا للتّضحية بل خلفٍ ‪ ،‬وكذلك اللّيلة المتأخّرة من أيّام‬
‫النّحر ‪ ،‬وإنّما الخلف في اللّيلتين أو اللّيالي المتوسّطة بين أيّام النّحر ‪ .‬فالمالكيّة يقولون ‪ :‬ل‬
‫تجزئ التّضحية الّتي تقع في اللّيلتين المتوسّطتين ‪ ،‬وهما ليلتا يومي التّشريق من غروب‬
‫ن التّضحية‬
‫الشّمس إلى طلوع الفجر ‪ .‬وهذا أحد قولي الحنابلة ‪ .‬وقال الحنابلة والشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ن الذّابح قد يخطئ المذبح ‪ ،‬وإليه ذهب إسحاق‬
‫في اللّيالي المتوسّطة تجزئ مع الكراهة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح القولين عند الحنابلة ‪ .‬واستثنى الشّافعيّة من كراهية التّضحية‬
‫وأبو ثورٍ والجمهور ‪ .‬وهو أص ّ‬
‫ل ما لو كان ذلك لحاجةٍ ‪ ،‬كاشتغاله نهارا بما يمنعه من التّضحية ‪ ،‬أو مصلحةٍ كتيسّر‬
‫لي ً‬
‫الفقراء ليلً ‪ ،‬أو سهولة حضورهم ‪.‬‬
‫ما يجب بفوات وقت التّضحية ‪:‬‬
‫‪ - 42‬ولمّا كانت القربة في الضحيّة بإراقة الدّم ‪ ،‬وكانت هذه الراقة ل يعقل السّ ّر في‬
‫التّقرّب بها ‪ ،‬وجب القتصار في التّقرّب بها على الوقت الّذي خصّها الشّارع به ‪ .‬فل تقضى‬
‫بعينها بعد فوات وقتها ‪ ،‬بل ينتقل التّغرّب إلى التّصدّق بعين الشّاة حيّ ًة ‪ ،‬أو بقيمتها أو بقيمة‬
‫أضحيّةٍ مجزئ ٍة ‪ ،‬فمن عيّن أضحيّةً شا ًة أو غيرها بالنّذر أو بالشّراء بالنّيّة فلم يضحّ بها حتّى‬
‫مضت أيّام النّحر وجب عليه أن يتصدّق بها حيّةً ‪ ،‬لنّ الصل في الموال التّقرّب بالتّصدّق‬
‫ص حتّى‬
‫ن الشّارع نقله إلى إراقة دمها مقيّد ًة بوقتٍ مخصو ٍ‬
‫بها ل بالتلف وهو الراقة ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫أنّه يحلّ أكل لحمها للمالك والجنبيّ والغنيّ والفقير ‪ ،‬لنّ النّاس أضياف اللّه تعالى في هذا‬
‫الوقت ‪.‬‬
‫‪ - 43‬ومن وجب عليه التّصدّق بالبهيمة حيّ ًة لم يحلّ له ذبحها ول الكل منها ول إطعام‬
‫الغنياء ول إتلف شي ٍء منها ‪ ،‬فإن ذبحها وجب عليه التّصدّق بها مذبوحةً ‪ ،‬فإن كانت قيمتها‬
‫بعد الذّبح أقلّ من قيمتها حيّ ًة تصدّق بالفرق بين القيمتين فضلً عن التّصدّق بها ‪ .‬فإن أكل‬
‫منها بعد الذّبح شيئا أو أطعم منها غنيّا أو أتلف شيئا وجب عليه التّصدّق بقيمته ‪.‬‬
‫ح حتّى فات الوقت ثمّ حضرته الوفاة وجب عليه أن‬
‫‪ - 44‬ومن وجبت عليه التّضحية ولم يض ّ‬
‫ن الوصيّة هي الطّريق إلى تخليصه من عهدة‬
‫يوصي بالتّصدّق بقيمة شا ٍة من ثلث ماله ‪ ،‬ل ّ‬
‫الواجب ‪ .‬هذا كلّه مذهب الحنفيّة ‪ .‬ولليصاء بالتّضحية صورٌ نكتفي بالشارة إليها ‪،‬‬
‫ولتفصيلها وبيان أحكامها ( ر ‪ :‬وصيّةٌ ) ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬من لم يضحّ حتّى فات‬
‫الوقت فإن كانت مسنونةً ‪ -‬وهو الصل ‪ -‬لم يضحّ ‪ ،‬وفاتته تضحية هذا العام ‪ ،‬فإن ذبح ولو‬
‫بنيّة التّضحية لم تكن ذبيحته أضحيّةً ‪ ،‬ويثاب على ما يعطي الفقراء منها ثواب الصّدقة ‪ .‬وإن‬
‫كانت منذور ًة لزمه أن يضحّي قضاءً ‪ ،‬وهو رأيٌ لبعض المالكيّة ‪ ،‬لنّها قد وجبت عليه فلم‬
‫تسقط بفوات الوقت ‪ ،‬فإذا وجبت الضحيّة بإيجابه لها فضلّت أو سرقت بغير تفريطٍ منه فل‬
‫ضمان عليه ‪ ،‬لنّها أمانةٌ في يده ‪ ،‬فإن عادت إليه ذبحها سواءٌ أكانت عودتها في زمن‬
‫ح بالشّاة المعيّنة عاد الحكم إلى الصل ‪ ،‬وهو‬
‫الضحيّة أو بعده ‪ .‬فإذا مضى الوقت ولم يض ّ‬
‫التّصدّق بعين الضحيّة حيّةً سوا ٌء أكان الّذي عيّنها موسرا أم معسرا أو بقيمتها ‪ .‬وفي هذه‬
‫الحال ل تحلّ له ول لصله ول لفرعه ول لغنيّ ‪.‬‬
‫ما يستحبّ قبل التّضحية ‪:‬‬
‫ب قبل التّضحية أمورٌ ‪:‬‬
‫‪ - 45‬يستح ّ‬
‫‪ - 1‬أن يربط المضحّي الضحيّة قبل يوم النّحر بأيّامٍ ‪ ،‬لما فيه من الستعداد للقربة وإظهار‬
‫الرّغبة فيها ‪ ،‬فيكون له فيه أجرٌ وثوابٌ ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يقلّدها ويجلّلها قياسا على الهدي ‪ ،‬لنّ ذلك يشعر بتعظيمها ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬ومن‬
‫يعظّم شعائر اللّه فإنّها من تقوى القلوب } ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه‬
‫‪ - 3‬أن يسوقها إلى مكان الذّبح سوقا جميلً ل عنيفا ول يجرّ برجلها إليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن اللّه تعالى كتب الحسان على كلّ شيءٍ ‪ ،‬فإذا قتلتم فأحسنوا‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫القتلة ‪ ،‬وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة ‪ ،‬وليحدّ أحدكم شفرته ‪ ،‬وليرح ذبيحته » ‪.‬‬
‫ن غيره يضحّي عنه ألّ‬
‫ن لمن يريد التّضحية ولمن يعلم أ ّ‬
‫‪ - 4‬وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬يس ّ‬
‫ص أو غيرهما ‪ ،‬ول شيئا من أظفاره بتقليمٍ أو‬
‫يزيل شيئا من شعر رأسه أو بدنه بحلقٍ أو ق ّ‬
‫غيره ‪ ،‬ول شيئا من بشرته كسلع ٍة ل يضرّه بقاؤها ‪ ،‬وذلك من ليلة اليوم الوّل من ذي الحجّة‬
‫ن ذلك واجبٌ ‪ ،‬ل مسنونٌ ‪ ،‬وحكي الوجوب‬
‫إلى الفراغ من ذبح الضحيّة ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫عن سعيد بن المسيّب وربيعة وإسحاق ‪ .‬ونقل ابن قدامة عن الحنفيّة عدم الكراهة ‪ .‬وعلى‬
‫س ّنيّة يكون القدام على هذه المور مكروها تنزيها ‪ ،‬وعلى القول بالوجوب يكون‬
‫القول بال ّ‬
‫محرّما ‪ .‬والصل في ذلك حديث أمّ سلمة رضي ال عنها « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫س من شعره ول من بشره شيئا » ‪.‬‬
‫وسلم قال ‪ :‬إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فل يم ّ‬
‫وفي روايةٍ أخرى عنها رضي ال عنها أنّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا رأيتم هلل ذي‬
‫س ّنيّة جعلوا النّهي‬
‫الحجّة وأراد أحدكم أن يضحّي فليمسك عن شعره وأظفاره » ‪ .‬والقائلون بال ّ‬
‫ل على عدم تحريم الفعل هو حديث عائشة رضي ال عنها أنّها قالت ‪:‬‬
‫للكراهة ‪ .‬والحديث الدّا ّ‬
‫« كنت أفتل قلئد هدي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ث ّم يقلّده ويبعث به ول يحرم عليه‬
‫شيءٌ أحلّه اللّه له حتّى ينحر هديه » ‪ .‬قال الشّافعيّ ‪ :‬البعث بالهدي ‪ ،‬أكثر من إرادة التّضحية‬
‫فدلّ على أنّه ل يحرم ذلك ‪ .‬والحكمة في مشروعيّة المساك عن الشّعر والظفار ونحوهما‬
‫ن الحكمة أن يبقى مريد التّضحية كامل‬
‫قيل ‪ :‬إنّها التّشبّه بالمحرم بالحجّ ‪ ،‬والصّحيح ‪ :‬أ ّ‬
‫الجزاء رجاء أن يعتق من النّار بالتّضحية ‪.‬‬
‫ما يكره قبل التّضحية ‪:‬‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره تحريما قبل التّضحية أمورٌ ‪:‬‬
‫‪ - 46‬المر الوّل ‪ :‬حلب الشّاة الّتي اشتريت للتّضحية أو جزّ صوفها ‪ ،‬سوا ٌء أكان الّذي‬
‫ي أن أضحّي‬
‫اشتراها موسرا أم معسرا ‪ ،‬وكذا الشّاة الّتي تعيّنت بالنّذر ‪ ،‬كأن قال ‪ :‬للّه عل ّ‬
‫بهذه ‪ ،‬أو قال ‪ :‬جعلت هذه أضحيّةً ‪ .‬وإنّما كره ذلك ‪ ،‬لنّه عيّنها للقربة فل يحلّ النتفاع بها‬
‫ن الحلب‬
‫ل له النتفاع بلحمها إذا ذبحها قبل وقتها ‪ ،‬ول ّ‬
‫قبل إقامة القربة فيها ‪ ،‬كما ل يح ّ‬
‫والجزّ يوجبان نقصا فيها والضحيّة يمتنع إدخال النّقص فيها ‪ .‬واستثنى بعضهم الشّاة الّتي‬
‫اشتراها الموسر بنيّة التّضحية ‪ ،‬لنّ شراءه إيّاها لم يجعلها واجبةً ‪ ،‬إذ الواجب عليه شاةٌ في‬
‫ذمّته كما تقدّم ‪ .‬وهذا الستثناء ضعيفٌ ‪ ،‬فإنّها متعيّنةٌ للقربة ما لم يقم غيرها مقامها ‪ ،‬فقبل أن‬
‫يذبح غيرها بدلً منها ل يجوز له أن يحلبها ‪ ،‬ول أن يجزّ صوفها للنتفاع به ‪ .‬ولهذا ل يحلّ‬
‫له لحمها إذا ذبحها قبل وقتها ‪ .‬فإن كان في ضرع الضحيّة المعيّنة لبنٌ وهو يخاف عليها‬
‫الضّرر والهلك إن لم يحلبها نضح ضرعها بالماء البارد حتّى يتقلّص اللّبن ‪ ،‬لنّه ل سبيل‬
‫إلى الحلب ‪ .‬فإن حلبه تصدّق باللّبن ‪ ،‬لنّه جز ٌء من شاةٍ متعيّنةٍ للقربة ‪ .‬فإن لم يتصدّق به‬
‫حتّى تلف أو شربه مثلً وجب عليه التّصدّق بمثله أو بقيمته ‪ .‬وما قيل في اللّبن يقال في‬
‫الصّوف والشّعر والوبر ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يكره ‪ -‬أي تنزيها ‪ -‬شرب لبن الضحيّة بمجرّد‬
‫شرائها أو تعيينها من بين بهائمه للتّضحية ‪ ،‬ويكره أيضا جزّ صوفها قبل الذّبح ‪ ،‬لما فيه من‬
‫نقص جمالها ‪ ،‬ويستثنى من ذلك صورتان ‪:‬‬
‫أولهما ‪ :‬أن يعلم أنّه ينبت مثله أو قريبٌ منه قبل الذّبح ‪.‬‬
‫ثانيتهما ‪ :‬أن يكون قد أخذها بالشّراء ونحوه ‪ ،‬أو عيّنها للتّضحية بها من بين بهائمه ناويا جزّ‬
‫صوفها ‪ ،‬ففي هاتين الصّورتين ل يكره جزّ الصّوف ‪ .‬وإذا جزّه في غير هاتين الصّورتين‬
‫ل الفاضل عن ولدها ‪،‬‬
‫كره له بيعه ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل يشرب من لبن الضحيّة إ ّ‬
‫فإن لم يفضل عنه شيءٌ أو كان الحلب يضرّ بها أو ينقص لحمها لم يكن له أخذه ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫كذلك فله أخذه والنتفاع به ‪ .‬وقالوا أيضا ‪ :‬إن كان بقاء الصّوف ل يضرّ بها أو كان أنفع من‬
‫الجزّ لم يجز له أخذه ‪ ،‬وإن كان يضرّ بها أو كان الجزّ أنفع منه جاز الجزّ ووجب التّصدّق‬
‫بالمجزوز ‪.‬‬
‫‪ - 47‬المر الثّاني ‪ :‬من المور الّتي تكره تحريما عند الحنفيّة قبل التّضحية ‪ -‬بيع الشّاة‬
‫المتعيّنة للقربة بالشّراء أو بالنّذر ‪ ،‬وإنّما كره بيعها ‪ ،‬لنّها تعيّنت للقربة ‪ ،‬فلم يحلّ النتفاع‬
‫بثمنها كما لم يحلّ النتفاع بلبنها وصوفها ‪ ،‬ثمّ إنّ البيع مع كراهته ينفذ عند أبي حنيفة ومحمّدٍ‬
‫‪ ،‬لنّه بيع مالٍ مملوكٍ منتفعٍ به مقدورٍ على تسليمه ‪ ،‬وعند أبي يوسف ل ينفذ ‪ ،‬لنّه بمنزلة‬
‫الوقف ‪ .‬وبناءً على نفاذ بيعها فعليه مكانها مثلها أو أرفع منها فيضحّي بها ‪ ،‬فإن فعل ذلك‬
‫فليس عليه شي ٌء آخر ‪ ،‬وإن اشترى دونها فعليه أن يتصدّق بفرق ما بين القيمتين ‪ ،‬ول عبرة‬
‫بالثّمن الّذي حصل به البيع والشّراء إن كان مغايرا للقيمة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يحرم بيع‬
‫الضحيّة المعيّنة بالنّذر وإبدالها ‪ ،‬وأمّا الّتي لم تتعيّن بالنّذر فيكره أن يستبدل بها ما هو مثلها‬
‫أو أقلّ منها ‪ .‬فإذا اختلطت مع غيرها واشتبهت وكان بعض المختلط أفضل من بعضٍ كره له‬
‫ترك الفضل بغير قرع ٍة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز بيع الضحيّة الواجبة ول إبدالها ولو‬
‫ن المنصوص عن‬
‫بخيرٍ منها ‪ ،‬وإلى هذا ذهب أبو ثورٍ واختاره أبو الخطّاب من الحنابلة ‪ .‬ولك ّ‬
‫أحمد ‪ -‬وهو الرّاجح عند الحنابلة ‪ -‬أنّه يجوز أن يبدّل الضحيّة الّتي أوجبها بخيرٍ منها ‪ ،‬وبه‬
‫قال عطا ٌء ومجاهدٌ وعكرمة ‪.‬‬
‫‪ - 47‬المر الثّالث" م"‪ - :‬من المور الّتي تكره تحريما عند الحنفيّة قبل التّضحية ‪ -‬بيع ما‬
‫ن أمّه تعيّنت للضحيّة ‪،‬‬
‫ولد للشّاة المتعيّنة بالنّذر أو بالشّراء بال ّنيّة ‪ ،‬وإنّما كره بيعه ‪ ،‬ل ّ‬
‫والولد يتبع المّ في الصّفات الشّرعيّة كال ّرقّ والح ّريّة ‪ ،‬فكان يجب البقاء عليه حتّى يذبح‬
‫معها ‪ .‬فإذا باعه وجب عليه التّصدّق بثمنه ‪ .‬وقال القدوريّ ‪ :‬يجب ذبح الولد ‪ ،‬ولو تصدّق به‬
‫ن الحقّ لم يسر إليه ولكنّه متعّلقٌ به ‪ ،‬فكان كجلّها وخطامها ‪ ،‬فإن ذبحه تصدّق‬
‫حيّا جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫بقيمته ‪ ،‬وإن باعه تصدّق بثمنه ‪ .‬وفي الفتاوى الخانيّة أنّه يستحبّ التّصدّق به حيّا ‪ ،‬ويجوز‬
‫ذبحه ‪ ،‬وإذا ذبح وجب التّصدّق به ‪ ،‬فإن أكل منه تصدّق بقيمة ما أكل ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يحرم‬
‫بيع ولد الضحيّة المعيّنة بالنّذر ‪ ،‬ويندب ذبح ولد الضحيّة مطلقا ‪ ،‬سواءٌ أكانت معيّن ًة بالنّذر‬
‫أم ل إذا خرج قبل ذبحها ‪ ،‬فإذا ذبح سلك به مسلك الضحيّة ‪ ،‬وإذا لم يذبح جاز إبقاؤه‬
‫وصحّت التّضحية به في عامٍ آخر ‪ .‬وأمّا الولد الّذي خرج بعد الذّبح ‪ ،‬فإن خرج ميّتا ‪ ،‬وكان‬
‫قد تمّ خلقه ونبت شعره كان كجزءٍ من الضحيّة ‪ ،‬وإن خرج حيّا حياةً محقّق ًة وجب ذبحه‬
‫لستقلله بنفسه ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا نذر شاةً معيّن ًة أو قال ‪ :‬جعلت هذه الشّاة أضحيّةً ‪ ،‬أو‬
‫نذر أضحيّةً في ال ّذمّة ثمّ عيّن شا ًة عمّا في ذمّته ‪ ،‬فولدت الشّاة المذكورة وجب ذبح ولدها في‬
‫ح أنّه ل يجب تفرقته على الفقراء بخلف أمّه ‪ ،‬إلّ إذا ماتت أمّه‬
‫الصّور الثّلث ‪ ،‬والص ّ‬
‫فيجب تفرقته عليهم ‪ ،‬وولد الضحيّة في غير هذه الصّور الثّلث ل يجب ذبحه ‪ ،‬وإذا ذبح لم‬
‫يجب التّصدّق بشيءٍ منه ‪ ،‬ويجوز فيه الكل والتّصدّق والهداء ‪ ،‬وإذا تصدّق بشي ٍء منه لم‬
‫يغن عن وجوب التّصدّق بشيءٍ منها ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إذا عيّن أضحيّ ًة فولدت فولدها تابعٌ‬
‫لها ‪ ،‬حكمه حكمها ‪ ،‬سوا ٌء أكانت حاملً به حين التّعيين ‪ ،‬أو حدث الحمل بعده ‪ ،‬فيجب ذبحه‬
‫في أيّام النّحر ‪ ،‬وقد روي عن عليّ رضي ال عنه أنّ رجلً سأله فقال ‪ :‬يا أمير المؤمنين إنّي‬
‫ل فضلً‬
‫اشتريت هذه البقرة لضحّي بها ‪ ،‬وإنّها وضعت هذا العجل ؟ فقال عليّ ‪ :‬ل تحلبها إ ّ‬
‫عن تيسير ولدها فإذا كان يوم الضحى فاذبحها وولدها عن سبعةٍ ‪.‬‬
‫‪ - 48‬المر الرّابع ‪ - :‬من المور الّتي تكره تحريما عند الحنفيّة قبل التّضحية ‪ -‬ركوب‬
‫الضحيّة واستعمالها والحمل عليها ‪ .‬فإن فعل شيئا منها أثم ‪ ،‬ولم يجب عليه التّصدّق بشيءٍ ‪،‬‬
‫ل أن يكون هذا الفعل نقّص قيمتها ‪ ،‬فعليه أن يتصدّق بقيمة النّقص ‪ .‬فإن آجرها للرّكوب أو‬
‫إّ‬
‫الحمل تصدّق بقيمة النّقص فضلً عن تصدّقه بالكراء ‪ .‬وللمالكيّة في إجارة الضحيّة قبل‬
‫ذبحها قولن ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬المنع‬
‫وثانيهما ‪ :‬الجواز وهو المعتمد ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز لصاحب الضحيّة الواجبة ركوبها‬
‫وإركابها بل أجرةٍ ‪ ،‬وإن تلفت أو نقصت بذلك ضمنها ‪ .‬لكن إن حصل ذلك في يد المستعير‬
‫ضمنها المستعير ‪ ،‬وإنّما يضمنها هو أو المستعير إذا تلفت أو نقصت بعد دخول الوقت‬
‫ن المستعير‬
‫والتّمكّن من الذّبح ‪ ،‬أمّا قبله فل ضمان ‪ ،‬لنّها أمان ٌة في يد المعير ‪ ،‬ومن المعلوم أ ّ‬
‫إنّما يضمن إذا لم تكن يد معيره يد أمانةٍ ‪.‬‬
‫ت ذكرت في غير كتب الحنفيّة ‪ :‬منها ‪ :‬ما صرّح به المالكيّة من أنّ‬
‫‪ - 49‬هذا وهناك مكروها ٌ‬
‫التّغالي بكثرة ثمنها زيادةٌ على عادة أهل البلد يكره ‪ -‬أي تنزيها ‪ -‬لنّ شأن ذلك المباهاة ‪.‬‬
‫وكذا زيادة العدد ‪ .‬فإن نوى بزيادة الثّمن أو العدد الثّواب وكثرة الخير لم يكره بل يندب ‪.‬‬
‫ما يستحبّ وما يكره عند إرادة التّضحية ‪:‬‬
‫‪ - 50‬لمّا كانت التّضحية نوعا من التّذكية ‪ ،‬كانت مستحبّات التّذكية من ذبحٍ ونح ٍر مستحبّةً‬
‫فيها ‪ ،‬ومكروهاتها مكروه ٌة فيها ‪ .‬ولتفصيل ما يستحبّ وما يكره في التّذكية ( ر ‪ :‬ذبائح ) ‪.‬‬
‫وللتّضحية مستحبّاتٌ ومكروهاتٌ خاصّةٌ تكون عندها ‪ ،‬وهي إمّا أن ترجع إلى الضحيّة ‪ ،‬أو‬
‫إلى المضحّي ‪ ،‬أو إلى الوقت ‪ .‬ولنذكر ذلك في ثلثة مباحث ‪ :‬ما يرجع إلى الضحيّة من‬
‫المستحبّات والمكروهات عند التّضحية ‪:‬‬
‫ب في الضحيّة أن تكون أسمن وأعظم بدنا من غيرها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ومن‬
‫‪ - 51‬يستح ّ‬
‫يعظّم شعائر اللّه فإنّها من تقوى القلوب } ‪ .‬ومن تعظيمها أن يختارها صاحبها عظيمة البدن‬
‫سمينةً ‪ .‬وإذا اختار التّضحية بالشّياه ‪ ،‬فأفضلها الكبش الملح القرن الموجوء ( أي‬
‫المخصيّ ) ‪ ،‬لحديث أنسٍ رضي ال عنه ‪ « :‬ضحّى النّبيّ صلى ال عليه وسلم بكبشين‬
‫أملحين أقرنين » ‪ ،‬ولنّه صلى ال عليه وسلم « ضحّى بكبشين أملحين موجوءين » ‪،‬‬
‫والقرن ‪ :‬العظيم القرن ‪ ،‬والملح ‪ :‬البيض ‪ ،‬والموجوء ‪ :‬قيل ‪ :‬هو المدقوق الخصيتين ‪،‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬دم عفراء‬
‫وقيل ‪ :‬هو الخصيّ ‪ ،‬وفي الحديث أ ّ‬
‫ب إلى اللّه من دم سوداوين » ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬الشّاة أفضل من سبع البقرة ‪ .‬بل أفضل من‬
‫أح ّ‬
‫ن ما استويا في مقدار اللّحم‬
‫البقرة إن استوتا في القيمة ومقدار اللّحم ‪ .‬والصل في هذا أ ّ‬
‫والقيمة فأطيبهما لحما أفضل ‪ .‬وما اختلفا فيهما فالفاضل أولى ‪ ،‬والذّكر من الضّأن والمعز إذا‬
‫كان موجوءا فهو أولى من النثى ‪ ،‬وإلّ فالنثى أفضل عند الستواء في القيمة ومقدار اللّحم ‪.‬‬
‫والنثى من البل والبقر أفضل من الذّكر عند استواء اللّحم والقيمة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يندب أن‬
‫تكون جيّدةً ‪ ،‬بأن تكون أعلى النّعم ‪ ،‬وأن تكون سمين ًة ‪ ،‬ويندب أيضا تسمينها ‪ ،‬لحديث أبي‬
‫أمامة رضي ال عنه ‪ «.‬قال ‪ :‬كنّا نسمّن الضحيّة بالمدينة ‪ ،‬وكان المسلمون يسمّنون » ‪.‬‬
‫والذّكر أفضل من النثى ‪ ،‬والقرن أفضل من الجمّ ‪ ،‬ويفضّل البيض على غيره ‪ ،‬والفحل‬
‫على الخصيّ إن لم يكن الخصيّ أسمن ‪ ،‬وأفضل الضاحيّ ضأنٌ مطلقا ‪ :‬فحله ‪ ،‬فخصيّه ‪،‬‬
‫فأنثاه ‪ ،‬فمعزٌ كذلك ‪ ،‬واختلف فيما يليهما أهي البل أم البقر ‪ .‬والحقّ أنّ ذلك يختلف باختلف‬
‫البلد ‪ ،‬ففي بعضها تكون البل أطيب لحما فتكون أفضل ‪ ،‬وفي بعضها يكون البقر أطيب‬
‫لحما فيكون أفضل ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬أفضل الضاحيّ سبع شياهٍ ‪ ،‬فبدن ٌة فبقرةٌ ‪ ،‬فشاةٌ واحدةٌ ‪،‬‬
‫فسبع بدنةٍ ‪ ،‬فسبع بقرةٍ ‪ ،‬والضّأن أفضل من المعز ‪ ،‬والذّكر الّذي لم ينز أفضل من النثى‬
‫الّتي لم تلد ‪ ،‬ويليهما الذّكر الّذي ينزو ‪ ،‬فالنثى الّتي تلد ‪ .‬والبيضاء أفضل ‪ ،‬فالعفراء ‪،‬‬
‫فالصّفراء ‪ ،‬فالحمراء ‪ ،‬فالبلقاء ‪ ،‬ويلي ذلك السّوداء ‪ .‬ويستحبّ تسمين الضحيّة ‪ .‬وقال‬
‫الحنابلة ‪ :‬أفضل الضاحيّ البدنة ‪ ،‬ثمّ البقرة ‪ ،‬ثمّ الشّاة ‪ ،‬ثمّ شركٌ في بدنةٍ ‪ ،‬ثمّ شركٌ في بقرةٍ‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 52‬ويكره في الضحيّة أن تكون معيب ًة بعيبٍ ل يخلّ بالجزاء ‪ .‬ما يستحبّ في التّضحية‬
‫من أمو ٍر ترجع إلى المضحّي ‪:‬‬
‫‪ - 53‬أن يذبح بنفسه إن قدر عليه ‪ ،‬لنّه قربةٌ ‪ ،‬ومباشرة القربة أفضل من تفويض إنسانٍ آخر‬
‫ب في هذه الحالة أن يشهد‬
‫فيها ‪ ،‬فإن لم يحسن الذّبح فالولى توليته مسلما يحسنه ‪ ،‬ويستح ّ‬
‫الضحيّة لقوله صلى ال عليه وسلم لفاطمة رضي ال عنها ‪ « :‬يا فاطمة قومي إلى أضحيّتك‬
‫ن الشّافعيّة قالوا ‪ :‬الفضل للكثر والخنثى‬
‫فاشهديها » ‪ .‬وقد اتّفقت المذاهب على هذا ‪ .‬غير أ ّ‬
‫والعمى التّوكيل وإن قدروا على الذّبح ‪ .‬ولهذه النّقطة تتمّ ٌة ستأتي ‪.‬‬
‫‪ - 54‬أن يدعو فيقول ‪ ( :‬اللّه ّم منك ولك ‪ ،‬إنّ صلتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أمر‬
‫العالمين ل شريك له ‪ ،‬وبذلك أمرت ‪ ،‬وأنا من المسلمين ) ل ّ‬
‫فاطمة رضي ال عنها أن تقول ‪ « :‬إنّ صلتي ونسكي ‪ » ...‬إلخ ‪ .‬ولحديث جاب ٍر رضي ال‬
‫عنه أنّه قال ‪ « :‬ذبح النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم الذّبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين‬
‫فلمّا وجّههما قال ‪ :‬إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والرض على ملّة إبراهيم حنيفا‬
‫ن صلتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين ل شريك له ‪،‬‬
‫وما أنا من المشركين ‪ ،‬إ ّ‬
‫وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ‪ .‬اللّهمّ منك ولك عن مح ّمدٍ وأمّته ‪ ،‬بسم اللّه واللّه أكبر ثمّ ذبح‬
‫» ‪ .‬هذا مذهب الحنفيّة ‪ .‬وقال المالكيّة يكره قول المضحّي عند التّسمية " اللّهمّ منك وإليك " ‪،‬‬
‫لنّه لم يصحبه عمل أهل المدينة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يستحبّ بعد التّسمية التّكبير ثلثا والصّلة‬
‫والسّلم على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والدّعاء بالقبول ‪ ،‬بأن يقول ‪ :‬اللّهمّ هذا منك‬
‫وإليك ‪ ،‬واختلفوا في إكمال التّسمية بأن يقال ‪ ( :‬الرّحمن الرّحيم ) فقيل ‪ :‬ل يستحبّ ‪ ،‬لنّ‬
‫ن في الذّبح رحمةً بالكلين ‪ .‬وقال‬
‫الذّبح ل تناسبه الرّحمة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يستحبّ وهو أكمل ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحنابلة ‪ :‬يقول المضحّي عند الذّبح ‪ ( :‬بسم اللّه واللّه أكبر )‪ .‬والتّسمية واجب ٌة عند التّذكّر‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان إذا ذبح قال ‪ :‬بسم‬
‫ن « النّب ّ‬
‫والقدرة ‪ ،‬والتّكبير مستحبّ ‪ ،‬فقد ثبت أ ّ‬
‫س « وسمّى وكبّر » وإن زاد فقال ‪ :‬اللّهمّ هذا منك ولك ‪،‬‬
‫اللّه واللّه أكبر » ‪ .‬وفي حديث أن ٍ‬
‫ش له ليذبحه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أتي بكب ٍ‬
‫ن « النّب ّ‬
‫اللّهمّ تقبّل منّي أو من فلنٍ فحسنٌ ‪ ،‬ل ّ‬
‫فأضجعه ثمّ قال ‪ :‬اللّهمّ تقبّل من مح ّمدٍ وآل مح ّمدٍ وأمّة محمّ ٍد ثمّ ضحّى به » ‪.‬‬
‫ص حالة الذّبح بالتّسمية‬
‫‪ - 55‬أن يجعل الدّعاء المذكور قبل ابتداء الذّبح أو بعد انتهائه ويخ ّ‬
‫مجرّدةً ‪ .‬هكذا قال الحنفيّة ‪ .‬ويكره عند الحنفيّة خلط التّسمية بكلمٍ آخر حالة الذّبح ولو كان‬
‫دعا ًء ‪ ،‬لنّه ينبغي كما تقدّم أن تجعل الدعية سابقةً على ابتداء الذّبح أو متأخّرةً عن الفراغ‬
‫منه ‪.‬‬
‫ما يرجع إلى وقت التّضحية من المستحبّات والمكروهات ‪:‬‬
‫ب المبادرة إلى التّضحية ‪ ،‬فالتّضحية في اليوم الوّل أفضل منها فيما يليه ‪ ،‬لنّها‬
‫‪ - 56‬تستح ّ‬
‫مسارع ٌة إلى الخير ‪ ،‬وقد قال اللّه تعالى ‪ { :‬وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربّكم وجنّ ٍة عرضها‬
‫السّموات والرض أعدّت للمتّقين } ‪ .‬والمقصود المسارعة إلى سبب المغفرة والجنّة ‪ ،‬وهو‬
‫العمل الصّالح ‪ .‬وهذا متّفقٌ عليه بين المذاهب ‪ ،‬غير أنّ للمالكيّة تفصيلً وهو أنّ التّضحية قبل‬
‫الزّوال في كلّ يومٍ أفضل منها بعد الزّوال ‪ ،‬والتّضحية من ارتفاع الشّمس إلى ما قبل الزّوال‬
‫في اليومين الثّاني والثّالث أفضل من التّضحية قبل ذلك من الفجر إلى الرتفاع ‪ ،‬وقد تردّدوا‬
‫في التّضحية بين زوال اليوم الثّاني وغروبه ‪ ،‬والتّضحية بين فجر اليوم الثّالث وزواله ‪ ،‬أيّتهما‬
‫أفضل ؟ والرّاجح ‪ :‬أنّ التّضحية في الوقت الوّل أفضل ‪ ،‬ول تضحية عندهم في اللّيل كما‬
‫ن التّضحية في اللّيل تكره عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ومعلو ٌم ممّا‬
‫تقدّم ‪ .‬وتقدّم أيضا أ ّ‬
‫تقدّم أنّ من الفقهاء من ل يجيز لهل القرى أن يضحّوا إلّ في الوقت الّذي يضحّي فيه أهل‬
‫المدن ‪.‬‬
‫ما يستحبّ وما يكره بعد التّضحية ‪:‬‬
‫ب للمضحّي بعد الذّبح أمورٌ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬يستح ّ‬
‫‪ - 57‬منها ‪ :‬أن ينتظر حتّى تسكن جميع أعضاء الذّبيحة فل ينخع ول يسلخ قبل زوال الحياة‬
‫عن جميع جسدها ‪.‬‬
‫‪ - 58‬ومنها ‪ :‬أن يأكل منها ويطعم ويدّخر ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وأذّن في النّاس بالحجّ يأتوك‬
‫ل فجّ عميقٍ ‪ ،‬ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم اللّه في أيّامٍ‬
‫ل ضامرٍ يأتين من ك ّ‬
‫رجالً وعلى ك ّ‬
‫ت على ما رزقهم من بهيمة النعام ‪ ،‬فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } ‪ .‬وقوله عزّ‬
‫معلوما ٍ‬
‫وجلّ ‪ { :‬والبدن جعلناها لكم من شعائر اللّه ‪ ،‬لكم فيها خيرٌ ‪ ،‬فاذكروا اسم اللّه عليها‬
‫صوافّ ‪ ،‬فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ } ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا ضحّى أحدكم فليأكل من أضحيّته » ‪.‬‬
‫‪ - 59‬والفضل أن يتصدّق بالثّلث ‪ ،‬ويتّخذ الثّلث ضياف ًة لقاربه وأصدقائه ‪ ،‬ويدّخر الثّلث ‪،‬‬
‫س رضي ال عنهما في صفة أضحيّة النّبيّ‬
‫وله أن يهب الفقير والغنيّ ‪ ،‬وقد صحّ عن ابن عبّا ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ويطعم أهل بيته الثّلث ‪ ،‬ويطعم فقراء جيرانه الثّلث ‪ ،‬ويتصدّق‬
‫على السّؤال بالثّلث » ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬ولو تصدّق بالكلّ جاز ‪ ،‬ولو حبس الكلّ لنفسه جاز ‪،‬‬
‫ن نهي النّبيّ صلى ال‬
‫ن القربة في إراقة الدّم ‪ ،‬وله أن يزيد في الدّخار عن ثلث ليالٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫لّ‬
‫عليه وسلم عن ذلك كان من أجل الدّافّة ‪ ،‬وهم جماع ٌة من الفقراء دفّت ( أي نزلت ) بالمدينة ‪،‬‬
‫فأراد النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن يتصدّق أهل المدينة عليهم بما فضل عن أضاحيّهم ‪ ،‬فنهى‬
‫عن الدّخار فوق ثلثة أيّامٍ ‪ .‬ففي حديث عائشة رضي ال عنها أنّها قالت ‪ « :‬قالوا يا رسول‬
‫اللّه ‪ :‬إنّ النّاس يتّخذون السقية من ضحاياهم ويجعلون فيها الودك ‪ ،‬قال ‪ :‬وما ذاك ؟ قالوا ‪:‬‬
‫ث ‪ ،‬فقال ‪ :‬إنّما نهيتكم من أجل الدّافّة الّتي دفّت ‪ ،‬فكلوا‬
‫نهيت أن تؤكل لحوم الضاحيّ بعد ثل ٍ‬
‫‪ ،‬وادّخروا وتصدّقوا » ‪ .‬وفي حديث سلمة بن الكوع رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬قال رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ضحّى منكم فل يصبحنّ بعد ثالث ٍة وفي بيته منه شي ٌء ‪ ،‬فلمّا‬
‫كان العام المقبل ‪ .‬قالوا يا رسول اللّه نفعل كما فعلنا عام الماضي ؟ قال ‪ :‬كلوا وأطعموا‬
‫وادّخروا ‪ ،‬فإنّ ذلك العام كان بالنّاس جهدٌ ‪ ،‬فأردت أن تعينوا فيها » ‪ .‬وإطعامها والتّصدّق بها‬
‫أفضل من ادّخارها ‪ ،‬إلّ أن يكون المضحّي ذا عيالٍ وهو غير موسّع الحال ‪ ،‬فإنّ الفضل له‬
‫ن حاجته وحاجة عياله مقدّم ٌة على حاجة غيرهم ‪،‬‬
‫حينئذٍ أن يدّخره لعياله توسعةً عليهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ابدأ بنفسك فتصدّق عليها ‪ ،‬فإن فضل شيءٌ فلهلك ‪ ،‬فإن فضل‬
‫شيءٌ عن أهلك فلذي قرابتك ‪ ،‬فإن فضل عن ذي قرابتك شي ٌء فهكذا وهكذا » ‪ .‬هذا مذهب‬
‫الحنفيّة ‪.‬‬
‫‪ - 60‬وهاهنا تنبي ٌه مهمّ وهو أنّ أكل المضحّي من الضحيّة وإطعام الغنياء والدّخار لعياله‬
‫تمتنع كلّها عند الحنفيّة في صورٍ ‪.‬‬
‫منها ‪ :‬الضحيّة المنذورة ‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّة أيضا ‪ .‬وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ‬
‫المنذورة كغيرها في جواز الكل ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن يمسك عن التّضحية بالشّاة الّتي عيّنها للتّضحية بالنّذر أو بالنّيّة عند الشّراء حتّى‬
‫تغرب شمس اليوم الثّالث فيجب التّصدّق بها حيّةً ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن يضحّي عن الميّت بأمره فيجب التّصدّق بالضحيّة كلّها على المختار ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وإذا ذبح وجب التّصدّق به كلّه ‪ ،‬لنّه‬
‫ومنها ‪ :‬أن تلد الضحيّة فيجب ذبح الولد على قو ٍ‬
‫لم يبلغ السّنّ الّتي تجزئ التّضحية فيها ‪ ،‬فل تكون القربة بإراقة دمه ‪ ،‬فتعيّن أن تكون القربة‬
‫ن المستحبّ في الولد التّصدّق به حيّا ‪.‬‬
‫بالتّصدّق به ‪ ،‬ولهذا قيل ‪ :‬إ ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أن يشترك في البدنة سبعةٌ أو أقلّ ‪ ،‬وينوي بعضهم بنصيبه القضاء عن أضحيّةٍ فاتته‬
‫ن الّذي‬
‫من عا ٍم أو أعوامٍ مضت ‪ ،‬فيجب على جميع الشّركاء التّصدّق بجميع حصصهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح نيّته ‪ ،‬فكان نصيبه تطوّعا محضا وهو لم ينو التّقرّب بإراقة الدّم ‪ ،‬لنّ‬
‫نوى القضاء لم تص ّ‬
‫من وجب عليه القضاء إنّما يقضي بالتّصدّق بالقيمة ‪ ،‬ونصيب المضحّي الّذي نوى القضاء‬
‫شائعٌ في البدنة كلّها ‪ ،‬فل سبيل للّذي نوى الداء أن يأكل شيئا منها ‪ ،‬فل بدّ من التّصدّق‬
‫بجميعها ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يندب للمضحّي الجمع بين الكل من أضحيّته والتّصدّق والهداء بل‬
‫حدّ في ذلك بثلثٍ ول غيره ولم يفرّقوا بين منذورةٍ وغيرها ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجب بعد ذبح‬
‫الضحيّة الواجبة بالنّذر أو الجعل والمعيّنة عن المنذور في ال ّذمّة التّصدّق بها كلّها ‪ ،‬وأمّا غير‬
‫الواجبة فيجب بعد الذّبح التّصدّق بجزءٍ من لحمها نيئا غير قديدٍ ول تاف ٍه جدّا ‪ .‬وزاد الحنابلة‬
‫أنّه إذا لم يتصدّق حتّى فاتت ضمن للفقراء ثمن أقلّ ما ل يعتبر تافها ‪ .‬فل يكفي التّصدّق‬
‫خ ‪ ،‬ول التّصدّق بقديدٍ وهو المجفّف ‪،‬‬
‫بشيءٍ من الشّحم أو الكبد أو نحوهما ول التّصدّق بمطبو ٍ‬
‫ول التّصدّق بجزءٍ تاف ٍه جدّا ليس له وقعٌ ‪ .‬ووجوب التّصدّق هو أحد وجهين وهو أصحّهما ‪،‬‬
‫ويكفي في التّصدّق العطاء ‪ ،‬ول يشترط النّطق بلفظ التّمليك ونحوه ‪ ،‬وما عدا الجزء‬
‫المتصدّق به يجوز فيه الكل والهداء لمسلمٍ والتّصدّق على مسلمٍ فقيرٍ ‪ .‬والفضل التّصدّق‬
‫ل لقما يسيرةً يأكلها ندبا للتّبرّك ‪ ،‬والولى أن تكون هذه اللّقم من الكبد ‪ ،‬ويسنّ إن‬
‫بها كلّها إ ّ‬
‫ل يأكل فوق الثّلث ‪ ،‬وألّ يتصدّق بدون الثّلث ‪ ،‬وأن يهدي‬
‫جمع بين الكل والتّصدّق والهداء أ ّ‬
‫الباقي ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يجب التّصدّق ببعض الضحيّة وهو أقلّ ما يقع عليه اسم لحمٍ وهو‬
‫الوقيّة ‪ ،‬فإن لم يتصدّق حتّى فاتت ضمن للفقراء ثمن أوقيّةٍ ‪ ،‬ويجب تمليك الفقير لحما نيئا ل‬
‫ب أن يأكل ثلثا ‪ ،‬يهدي ثلثا ‪ ،‬ويتصدّق بثلثٍ ‪ ،‬ولو أكل ‪ ،‬أكثر جاز ‪.‬‬
‫إطعامه ‪ .‬والمستح ّ‬
‫ن النّذر محمولٌ على المعهود ‪،‬‬
‫وسوا ٌء فيما ذكر الضحيّة المسنونة والواجبة بنحو النّذر ‪ ،‬ل ّ‬
‫والمعهود من الضحيّة الشّرعيّة ذبحها ‪ ،‬والكل منها ‪ ،‬والنّذر ل يغيّر من صفة المنذور إلّ‬
‫اليجاب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ويكره للمضحّي بعد الذّبح عند الحنفيّة ‪ ،‬أمو ٌر ‪:‬‬
‫‪ - 61‬منها ‪ :‬أن ينخعها أو يسلخها قبل زهوق روحها ‪ ،‬وهذه الكراهة عا ّمةٌ في جميع‬
‫الذّبائح ‪ ،‬وهي كراه ٌة تنزيهيّةٌ ‪.‬‬
‫‪ - 62‬ومنها ‪ :‬بيع شي ٍء من لحمها أو شحمها أو صوفها أو شعرها أو وبرها أو لبنها الّذي‬
‫حلب منها بعد ذبحها ‪ ،‬أو غير ذلك إذا كان البيع بدراهم أو دنانير أو مأكولتٍ ‪ ،‬أو نحو ذلك‬
‫ممّا ل ينتفع به إلّ باستهلك عينه ‪ ،‬فهذا البيع ل يحلّ وهو مكرو ٌه تحريما ‪ .‬بخلف ما لو باع‬
‫شيئا منها بما يمكن النتفاع به مع بقاء عينه من متاع البيت أو غيره ‪ ،‬كالناء النّحاس‬
‫والمنخل والعصا والثّوب والخفّ ‪ ،‬فإنّه يحلّ ‪.‬‬
‫وإنّما لم يحلّ البيع بما يستهلك ‪ ،‬لقوله ‪ « :‬من باع جلد أضحيّته فل أضحيّة له » فإن باع نفذ‬
‫البيع عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪ .‬ووجب عليه التّصدّق بثمنه ‪ ،‬لنّ القربة ذهبت عنه ببيعه ‪ ،‬ول‬
‫ينفذ البيع عند أبي يوسف فعليه أن يستردّه من المشتري ‪ ،‬فإن لم يستطع وجب التّصدّق بثمنه‬
‫‪ .‬وإنّما حلّ بيعه بما يمكن النتفاع به مع بقاء عينه ‪ ،‬لنّه يقوم مقام المبدل ‪ ،‬فكأنّه باقٍ وهو‬
‫شبي ٌه بما لو صنع من الجلد شيءٌ ينتفع به ‪ ،‬كالقربة والدّلو ‪ .‬وصرّح المالكيّة بأنّه ل يجوز بيع‬
‫شيءٍ منها بعد الذّبح ول إبداله ‪ ،‬سواءٌ أكان الذّبح مجزئا عن الضحيّة أو غير مجزئٍ ‪ ،‬كما‬
‫لو ذبح قبل المام ‪ ،‬وكما لو تعيّبت الضحيّة فذبحها سوا ٌء أكان التّعيّب حالة الذّبح أم قبله ‪،‬‬
‫ل به ‪ ،‬وسوا ٌء أكان عند الذّبح عالما بأنّها غير‬
‫وسوا ٌء أكان عند الذّبح عالما بالعيب أم جاه ً‬
‫مجزئةٍ أم جاهلً بذلك ‪ ،‬ففي كلّ هذه الصّور متى ذبح لم يجز له البيع ول البدال ‪ .‬وهذا‬
‫بالنّسبة لصاحبها ‪ .‬وأمّا الّذي أهدي إليه شيءٌ منها ‪ ،‬أو تصدّق عليه به ‪ ،‬فيجوز له البيع‬
‫ع فسخ العقد إن كان المبيع موجودا ‪ ،‬فإن‬
‫والبدال ‪ .‬وإذا وقع البيع الممنوع أو إبدالٌ ممنو ٌ‬
‫فات بأكلٍ ونحوه وجب التّصدّق بالعوض إن كان موجودا ‪ ،‬فإن فات بالصّرف أو الضّياع‬
‫وجب التّصدّق بمثله ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز للمضحّي بيع شي ٍء منها ‪ ،‬وكذلك ل يجوز‬
‫للغنيّ المهدى إليه ‪ ،‬بخلف الفقير المتصدّق عليه ‪ ،‬فإنّه يجوز له البيع ‪ ،‬ويجوز للمضحّي‬
‫التّصدّق بالجلد وإعارته والنتفاع به ل بيعه ول إجارته ‪ .‬وقول الحنابلة مثل قول الشّافعيّة ‪،‬‬
‫وزادوا أنّه ل يجوز بيع جلّها أيضا ‪.‬‬
‫‪ - 63‬ومن المور الّتي تكره للمضحّي بعد التّضحية إعطاء الجزّار ونحوه أجرته من‬
‫الضحيّة فهو مكرو ٌه تحريما ‪ ،‬لنّه كالبيع بما يستهلك ‪ ،‬لحديث عليّ رضي ال عنه قال ‪« :‬‬
‫أمرني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأقسّم جلودها وجللها ‪ ،‬وأمرني ألّ‬
‫أعطي الجزّار منها شيئا ‪ ،‬وقال ‪ :‬نحن نعطيه من عندنا » ‪ ( .‬وخرج بالبيع وإعطاء الجرة )‬
‫النتفاع بالجلد وغيره من الضحيّة الّتي لم يجب التّصدّق بها ‪ ،‬كما لو جعل سقاءً للماء أو‬
‫اللّبن أو غيرهما ‪ ،‬أو فروا للجلوس واللّبس ‪ ،‬أو صنع منه غربالٌ أو غير ذلك فهو جائزٌ ‪،‬‬
‫ولنّه يجوز النتفاع بلحمها بالكل وبشحمها بالكل والدّهان فكذا بجلدها وسائر أجزائها ‪.‬‬
‫هذا مذهب الحنفيّة ‪ .‬وصرّح المالكيّة بمنع إعطاء الجزّار في مقابلة جزارته أو بعضها شيئا‬
‫منها ‪ ،‬سوا ٌء كانت مجزئةً ‪ ،‬أم غير مجزئةٍ كالّتي ذبحت يوم النّحر قبل ذبح ضحيّة المام ‪،‬‬
‫وكالتي تعيّبت حالة الذّبح أو قبله ‪ .‬وأجازوا تأجير جلدها على الرّاجح ‪ .‬وقال الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ :‬يحرم إعطاء الجازر في أجرته شيئا منها ‪ ،‬لحديث عليّ رضي ال عنه السّابق‬
‫ذكره ‪ .‬فإن دفع إليه لفقره أو على سبيل الهديّة فل بأس ‪ ،‬وله أن ينتفع بجلدها ‪ ،‬ول يجوز أن‬
‫يبيعه ول شيئا منها ‪.‬‬
‫النّيابة في ذبح الضحيّة ‪:‬‬
‫ح النّيابة في ذبح الضحيّة إذا كان النّائب مسلما ‪ ،‬لحديث‬
‫‪ - 64‬اتّفق الفقهاء على أنّه تص ّ‬
‫فاطمة السّابق ‪ « :‬يا فاطمة قومي إلى أضحيّتك فاشهديها » لنّ فيه إقرارا على حكم النّيابة ‪.‬‬
‫ل لضرورةٍ ‪ .‬وذهب الجمهور إلى صحّة التّضحية مع الكراهة إذا‬
‫والفضل أن يذبح بنفسه إ ّ‬
‫كان النّائب كتابيّا ‪ ،‬لنّه من أهل الذّكاة ‪ ،‬وذهب المالكيّة ‪ -‬وهو قو ٌل محكيّ عن أحمد ‪ -‬إلى‬
‫عدم صحّة إنابته ‪ ،‬فإن ذبح لم تقع التّضحية وإن حلّ أكلها ‪ .‬والنّيابة تتحقّق بالذن لغيره‬
‫ن شاةً‬
‫نصّا ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أذنتك أو وكّلتك أو اذبح هذه الشّاة ‪ ،‬أو دلل ًة كما لو اشترى إنسا ٌ‬
‫للضحيّة فأضجعها وش ّد قوائمها في أيّام النّحر ‪ ،‬فجاء إنسانٌ آخر وذبحها من غير أمرٍ فإنّ ‪،‬‬
‫التّضحية تجزئ عن صاحبها عند أبي حنيفة والصّاحبين ‪.‬‬
‫‪ - 65‬ويرى الحنفيّة والحنابلة أنّه إذا غلط كلّ واحدٍ من المضحّيين فذبح أضحيّة الخر أجزأت‬
‫‪ ،‬لوجود الرّضى منهما دلل ًة ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أنّه ل يجزئ عن أيّ منهما ‪ .‬ولم نطّلع‬
‫على رأيٍ للشّافعيّة في ذلك ‪.‬‬
‫التّضحية عن الميّت ‪:‬‬
‫‪ - 66‬إذا أوصى الميّت بالتّضحية عنه ‪ ،‬أو وقف وقفا لذلك جاز بالتّفاق ‪ .‬فإن كانت واجبةً‬
‫بالنّذر وغيره وجب على الوارث إنفاذ ذلك ‪ .‬أمّا إذا لم يوص بها فأراد الوارث أو غيره أن‬
‫يضحّي عنه من مال نفسه ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى جواز التّضحية عنه ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫المالكيّة أجازوا ذلك مع الكراهة ‪ .‬وإنّما أجازوه لنّ الموت ل يمنع التّقرّب عن الميّت كما في‬
‫الصّدقة والحجّ ‪ .‬وقد صحّ « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ضحّى بكبشين أحدهما عن‬
‫نفسه ‪ ،‬والخر عمّن لم يضحّ من أمّته » ‪ .‬وعلى هذا لو اشترك سبعةٌ في بدنةٍ فمات أحدهم‬
‫قبل الذّبح ‪ ،‬فقال ورثته ‪ -‬وكانوا بالغين ‪ -‬اذبحوا عنه ‪ ،‬جاز ذلك ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ‬
‫الذّبح عن الميّت ل يجوز بغير وصيّ ٍة أو وقفٍ ‪.‬‬
‫هل يقوم غير الضحيّة من الصّدقات مقامها ؟‬
‫‪ - 67‬ل يقوم غير الضحيّة من الصّدقات مقامها حتّى لو تصدّق إنسانٌ بشا ٍة حيّةٍ أو بقيمتها‬
‫في أيّام النّحر لم يكن ذلك مغنيا له عن الضحيّة ‪ ،‬ل سيّما إذا كانت واجبةً ‪ ،‬وذلك أنّ‬
‫ن ل يقوم غيره مقامه‬
‫الوجوب تعلّق بإراقة الدّم ‪ ،‬والصل أنّ الوجوب إذا تعلّق بفعلٍ معيّ ٍ‬
‫كالصّلة والصّوم بخلف الزّكاة ‪ ،‬فإنّ الواجب فيها عند أبي حنيفة والصّاحبين أداء مالٍ يكون‬
‫جزءا من النّصاب أو مثله ‪ ،‬لينتفع به المتصدّق عليه ‪ ،‬وعند بعضهم الواجب أداء جز ٍء من‬
‫ن مبنى وجوب الزّكاة على‬
‫ل ل من حيث إنّه جزءٌ من النّصاب ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّصاب من حيث إنّه ما ٌ‬
‫التّيسير ‪ ،‬والتّيسير في الوجوب من حيث إنّه مالٌ ل من حيث إنّه العين والصّورة ‪ ،‬وبخلف‬
‫ن العلّة الّتي نصّ الشّارع عليها في وجوب‬
‫صدقة الفطر فإنّها تؤدّى بالقيمة عند الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫صدقة الفطر هي الغناء ‪ .‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أغنوهم عن الطّواف في‬
‫هذا اليوم » ‪ ،‬والغناء يحصل بأداء القيمة ‪.‬‬
‫المفاضلة بين الضّحيّة والصّدقة ‪:‬‬
‫‪ - 68‬الضّحيّة أفضل من الصّدقة ‪ ،‬لنّها واجبةٌ أو سنّةٌ مؤكّدةٌ ‪ ،‬وشعير ٌة من شعائر السلم ‪،‬‬
‫ن الضّحيّة أفضل أيضا من عتق‬
‫صرّح بهذا الحنفيّة والشّافعيّة وغيرهم ‪ .‬وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫الرّقبة ولو زاد ثمن الرّقبة على أضعاف ثمن الضّحيّة ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬الضحيّة أفضل من‬
‫ص عليه أحمد ‪ ،‬وبهذا قال ربيعة وأبو الزّناد ‪ ،‬وروي عن بللٍ رضي ال‬
‫الصّدقة بقيمتها ن ّ‬
‫عنه أنّه قال ‪ :‬لن أضعه في يتيمٍ قد ترب فوه فهو أحبّ إليّ من أن أضحّي ‪ ،‬وبهذا قال‬
‫ب إليّ من أن‬
‫الشّعبيّ وأبو ثورٍ ‪ ،‬وقالت عائشة رضي ال عنها ‪ :‬لن أتصدّق بخاتمي هذا أح ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ضحّى والخلفاء‬
‫أهدي إلى البيت ألفا ‪ .‬ويدلّ لفضليّة التّضحية أ ّ‬
‫من بعده ‪ ،‬ولو علموا أنّ الصّدقة أفضل لعدلوا إليها ‪ ،‬وما روته عائشة رضي ال عنها أنّ‬
‫ب إلى اللّه من إراقة‬
‫ل أح ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما عمل ابن آدم يوم النّحر عم ً‬
‫ن قبل أن‬
‫ن الدّم ليقع من اللّه بمكا ٍ‬
‫دمٍ ‪ ،‬وأنّه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلفها وأشعارها ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن إيثار الصّدقة على الضحيّة يفضي إلى ترك‬
‫يقع على الرض ‪ ،‬فطيبوا بها نفسا » ‪ .‬ول ّ‬
‫سنّ ٍة سنّها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأمّا قول عائشة فهو في الهدي دون الضحيّة‬
‫وليس الخلف فيه ‪.‬‬
‫إضرابٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الضراب مصدر أضرب ‪ .‬يقال ‪ :‬أضربت عن الشّيء كففت عنه وأعرضت ‪ ،‬وضرب‬
‫عنه المر ‪ :‬صرفه عنه ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬أفنضرب عنكم الذّكر صفحا } أي نهملكم فل‬
‫نعرّفكم ما يجب عليكم ‪ .‬وهو في الصطلح إثبات الحكم لما بعد أداة الضراب ‪ ،‬وجعل‬
‫الوّل ( المعطوف عليه ) كالمسكوت عنه ‪ .‬وصورته أن يقول مثلً لغير المدخل بها ‪ :‬إن‬
‫ي درهمٌ بل درهمان ‪.‬‬
‫دخلت الدّار فأنت طالقٌ واحدةً بل ثنتين ‪ ،‬أو يقول في القرار ‪ :‬له عل ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الستثناء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الستثناء هو المنع من دخول بعض ما تناوله صدر الكلم في حكمه بإلّ أو بإحدى‬
‫ن المذكور بعد أداة الستثناء لم‬
‫أخواتها ‪ .‬أو هو قولٌ وصي ٌغ مخصوص ٌة محصورةٌ داّلةٌ على أ ّ‬
‫يرد بالقول الوّل ‪ .‬فهو على هذا يخالف الضراب ‪ ،‬لنّ الضراب إقرارٌ للوّل على رأيٍ ‪،‬‬
‫ل له على رأيٍ آخر ‪ ،‬وهذا يخالف الستثناء ‪ ،‬لنّ الستثناء تغييرٌ لمقتضى صيغة الكلم‬
‫وتبدي ٌ‬
‫الوّل وليس بتبديلٍ ‪ ،‬إنّما التّبديل أن يخرج الكلم من أن يكون إخبارا بالواجب أصلً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّسخ ‪:‬‬
‫خرٍ ‪ ،‬وعلى هذا فالفرق بين النّسخ وبين‬
‫‪ - 3‬النّسخ رفع الحكم الثّابت بدليلٍ شرعيّ متأ ّ‬
‫ن الضراب متّصلٌ ‪ ،‬أمّا النّسخ فمنفصلٌ ‪.‬‬
‫الضراب أ ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪ ،‬ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الضراب ‪ :‬إبطالٌ وإلغاءٌ للوّل ورجوعٌ عنه ‪ ،‬ويختلف الحكم ما بين النشاء والقرار‬
‫ل فيما كان حقّا للّه تعالى يدرأ بالشّبهات ‪ ،‬ويحتاط‬
‫‪ :‬فل يقبل رجوع المقرّ عن إقراره إ ّ‬
‫لسقاطه ‪ ،‬فأمّا حقوق الدميّين وحقوق اللّه تعالى الّتي ل تدرأ بالشّبهات كالزّكاة والكفّارات‬
‫فل يقبل رجوعه عنها ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم في هذا خلفا ‪ .‬ويفصّل الحنفيّة حكم‬
‫الضراب فيقولون ‪ :‬الصل في ذلك أنّ " ل بل " لستدراك الغلط ‪ ،‬والغلط إنّما يقع غالبا في‬
‫جنسٍ واحدٍ ‪ ،‬إلّ أنّه إذا كان لرجلين كان رجوعا عن الوّل فل يقبل ‪ ،‬ويثبت للثّاني بإقراره‬
‫ح الستدراك ‪ ،‬ويصدّقه المقرّ له ‪ .‬وإن كان أقلّ كان‬
‫الثّاني ‪ ،‬وإذا كان القرار الثّاني أكثر ص ّ‬
‫ن عليّ ألفٌ ‪ ،‬ل بل‬
‫متّهما في الستدراك ‪ ،‬والمقرّ له ل يصدّقه فيلزمه الكثر ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬لفل ٍ‬
‫ألفان يلزمه ألفان ‪ ،‬وهذا عند غير زفر ‪ ،‬أمّا عنده فيلزم بإقراريه ( الوّل والثّاني ) أي ثلثة‬
‫آلفٍ ‪ ،‬وجه قول زفر أنّه أقرّ بألفٍ فيلزمه ‪ ،‬وقوله ‪ ( :‬ل ) رجوع ‪ ،‬فل يصدّق فيه ‪ ،‬ثمّ أقرّ‬
‫ن القرار‬
‫ح القرار ‪ ،‬وصار كقوله ‪ :‬أنت طالقٌ واحد ًة ‪ ،‬ل بل اثنتين ‪ ،‬وجوابه ‪ :‬أ ّ‬
‫بألفين فص ّ‬
‫إخبارٌ يجري فيه الغلط فيجري فيه الستدراك فيلزمه الكثر ‪ ،‬والطّلق إنشاءٌ ول يملك إبطال‬
‫ن " ل بل " متى تخلّلت بين المالين من جنسين لزم المالن‬
‫ن الصل أ ّ‬
‫ما أنشأ فافترقا ‪ .‬كما أ ّ‬
‫المقرّ وتفصيله في القرار واليمان والطّلق والعتق ‪.‬‬
‫إضرارٌ*‬
‫انظر ‪ :‬ضررٌ ‪.‬‬
‫اضطباعٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الضطباع في اللّغة ‪ :‬افتعالٌ من الضّبع ‪ ،‬وهو وسط العضد ‪ ،‬وقيل ‪ :‬البط‬
‫( للمجاورة ) ‪ .‬ومعنى الضطباع المأمور به شرعا ‪ :‬أن يدخل الرّجل رداءه الّذي يلبسه تحت‬
‫منكبه اليمن فيلقيه على عاتقه اليسر وتبقى كتفه اليمنى مكشوف ًة ‪ ،‬ويطلق عليه التّأبّط‬
‫والتّوشّح ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬السدال ‪:‬‬
‫‪ - 2‬السدال لغ ًة ‪ :‬إرخاء الثّوب وإرساله من غير ضمّ جانبيه باليدين ‪ .‬والسدال المنهيّ عنه‬
‫في الصّلة هو أن يلقي طرف الرّداء من الجانبين ‪ ،‬ول يردّ أحد طرفيه على الكتف الخرى ‪،‬‬
‫ول يضمّ الطّرفين بيده ‪.‬‬
‫صمّاء ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬اشتمال ال ّ‬
‫‪ - 3‬فسّره أبو عبيدٍ بأن يلتفّ الرّجل بثوبه يغطّي به جسده كلّه ‪ ،‬ول يرفع منه جانبا يخرج‬
‫منه يده ‪ ..‬لعلّه يصيبه شي ٌء يريد الحتراس منه فل يقدر عليه ‪ .‬وقيل ‪ :‬هو أن يضطبع‬
‫بالثّوب ول إزار عليه فيبدو شقّه وعورته ‪ .‬فالفرق بينه وبين الضطباع أنّه ل يكون تحت‬
‫صمّاء ) ‪.‬‬
‫الرّداء ما يستتر به فتبدو عورته ‪ .‬وللتّفصيل ينظر ( اشتمال ال ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ي صلى‬
‫ن النّب ّ‬
‫‪ - 4‬الضطباع في طواف القدوم مستحبّ عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫ن النّبيّ‬
‫س رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫ال عليه وسلم طاف مضطبعا وعليه بردٌ » وعن ابن عبّا ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ‪ ،‬فرملوا بالبيت ‪ ،‬وجعلوا أرديتهم تحت‬
‫آباطهم ‪ ،‬ثمّ قذفوها على عواتقهم اليسرى » فإذا فرغ من الطّواف سوّاه فجعله على عاتقيه ‪.‬‬
‫وأورد ابن قدامة قول مالكٍ عن الضطباع في طواف القدوم بأنّه ليس سنّةً ‪ ،‬ولم نجد لذلك‬
‫ل في المنتقى للباجيّ حيث قال ‪ ( :‬الرّمل في الطّواف‬
‫إشارةً في كتب المالكيّة الّتي بين أيدينا إ ّ‬
‫هو السراع فيه بالخبب ل يحسر عن منكبيه ول يحرّكهما ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫ج عند الكلم عن الطّواف ‪ ،‬وفي الصّلة عند الكلم عن ستر‬
‫‪ - 5‬يبحث الضطباع في الح ّ‬
‫العورة من شروط الصّلة ‪.‬‬
‫اضطجاعٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الضطجاع في اللّغة مصدر اضطجع ‪ ( ،‬وأصله ضجع وقلّما يستعمل الفعل الثّلثيّ ) ‪.‬‬
‫والضطجاع ‪ :‬النّوم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬وضع الجنب بالرض ‪ .‬والضطجاع في السّجود ‪ ،‬ألّ يجافي‬
‫بطنه عن فخذيه ‪ .‬وإذا قالوا ‪ :‬صلّى مضطجعا فمعناه ‪ :‬أن يضطجع على أحد شقّيه مستقبلً‬
‫القبلة ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذه المعاني اللّغويّة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّكاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬التّكاء هو العتماد على شيءٍ بجنبٍ معيّنٍ ‪ ،‬سوا ٌء كان في الجلوس أو في الوقوف ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬اتّكاءٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستناد ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستناد هو التّكاء بالظّهر ل غير ‪ ( .‬ر ‪ :‬استنادٌ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الضجاع ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الضجاع هو وضع جنب النسان أو الحيوان على أحد شقّيه على الرض ‪ ( .‬ر ‪:‬‬
‫إضجاعٌ ) ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الضطجاع في النّوم ينقض الوضوء عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪،‬‬
‫ن الضطجاع عندهم سببٌ لسترخاء المفاصل ‪ ،‬فل يخلو من خروج ريحٍ‬
‫والحنابلة ) ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو‬
‫عادةً ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫ساجدا ‪ ،‬إنّما الوضوء على من نام مضطجعا فاسترخت مفاصله » ‪ .‬وهذه الطّريقة لعبد الحقّ‬
‫ن المضطجع إذا كان نائما نوما‬
‫وغيره من المالكيّة ‪ .‬أمّا طريقة اللّخميّ من المالكيّة فهي ‪ :‬أ ّ‬
‫ل ينتقض وضوءه ‪ ،‬سوا ٌء أكان مضطجعا أم قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا ‪ ،‬وأرجع‬
‫ثقي ً‬
‫ذلك إلى صفة النّوم ‪ ،‬ول عبرة عنده ‪ -‬ومن يرى رأيه من المالكيّة ‪ -‬بهيئة النّائم ‪ .‬فإن كان‬
‫نومه غير ثقيلٍ وهو على هيئة الضطجاع ل ينتقض وضوءه ‪ :‬والضطجاع بعد سنّة الفجر‬
‫‪ -‬على صور ٍة ل ينتقض معها الوضوء ‪ -‬مندوبٌ لفعل النّبيّ ‪ .‬والضطجاع عند تناول‬
‫الطّعام مكرو ٌه للنّهي عن الكل متّكئا ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يبحث الضطجاع عند الكلم عن نقضه للوضوء بالنّوم ‪ ،‬ويبحث اضطجاع المريض في‬
‫صلة المريض ‪.‬‬
‫اضطرارٌ*‬
‫انظر ‪ :‬ضرورةٌ ‪.‬‬
‫إطاقةٌ*‬
‫انظر ‪ :‬استطاعةٌ ‪.‬‬
‫أطرافٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الطراف ‪ :‬مفردها طرفٌ ‪ .‬وطرف الشّيء نهايته ‪ ،‬ولذلك سمّيت اليدان والرّجلن‬
‫والرّأس أطراف البدن ‪ ،‬ولذلك أيضا كان البنان طرف الصبع ‪ .‬ومن هنا يقولون ‪ :‬إذا‬
‫خضّبت المرأة بنانها أنّها طرفت أصبعها ‪ .‬والفقهاء يستعملون كلمة « أطرافٍ " بهذه‬
‫الستعمالت الّتي استعملها أهل اللّغة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫الجناية على الطراف ‪:‬‬


‫‪ - 2‬فصّل الفقهاء في كتاب الجنايات الكلم في الجناية على الطراف في حالتي العمد والخطأ‬
‫‪ ،‬وفي حالة ما إذا كان الطّرف المجنيّ عليه قائما يؤدّي منفعته المقصودة منه ‪ ،‬أو قائما ولكنّه‬
‫ل يؤدّي المنفعة المقصودة منه ‪ ،‬وفي حالة ما إذا كان العضو المناظر للعضو المجنيّ عليه‬
‫في الجاني سليما يؤدّي المنفعة المقصودة منه ‪ ،‬أو معطوبا ل يؤدّي المنفعة المقصودة منه ‪.‬‬
‫وسيأتي ذلك كلّه في مصطلح ( جنايةٌ ) ‪.‬‬
‫الطراف في السّجود ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الفقهاء على وجوب السّجود على الطراف ( الكفّين ‪ ،‬والرّأس والقدمين ) إضافةً‬
‫إلى الرّكبتين ‪ .‬ولكنّهم اختلفوا من حيث الستحباب في ترتيب وضع اليدين على الرض ‪-‬‬
‫عندما يهوى للسّجود ‪ -‬أو بعد وضع الرّكبتين أو قبل وضع الرّكبتين ‪ ،‬وكذلك عند النّهوض‬
‫من السّجود إلى القيام ‪ .‬كما اختلفوا في حكم السّجود على أطراف أصابع القدمين ‪ ،‬وهل هو‬
‫ب ‪ .‬وقد فصّل الفقهاء ذلك كلّه في كتاب الصّلة عند كلمهم على السّجود ‪.‬‬
‫سنّةٌ أو واج ٌ‬
‫‪ - 4‬وكره بعض الفقهاء خضاب المرأة أطراف الصابع فقط دون الكفّ ( التّطريف ) وورد‬
‫النّهي عن ذلك عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬كما ذكر الفقهاء ذلك في خصال الفطرة‬
‫‪ ،‬وفي كتاب الحظر والباحة ‪.‬‬
‫اطّرادٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الطّراد في اللّغة ‪ :‬مصدر اطّرد المر إذا تبع بعضه بعضا ‪ .‬يقال ‪ :‬اطّرد الماء ‪،‬‬
‫واطّردت النهار إذا جرت ‪ .‬واطّراد الوصف عند الصوليّين معناه ‪ :‬أنّه كلّما وجد الوصف‬
‫وجد الحكم ‪ ،‬وذلك كوجود حرمة الخمر مع إسكارها ‪ ،‬أو لونها ‪ ،‬أو طعمها ‪ ،‬أو رائحتها ‪.‬‬
‫ول يكون الوصف علّ ًة للحكم إلّ إذا كان مطّردا منعكسا مع كونه مناسبا للحكم ‪ ،‬كالسكار‬
‫بالنّسبة إلى تحريم الخمر ‪ .‬كما استعمل الصوليّون والفقهاء الطّراد بمعنى الغلبة والذّيوع ‪،‬‬
‫وذلك عند الكلم على الشّروط المعتبرة للعادة والعرف ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة‬

‫أ ‪ -‬العكس ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العكس في اللّغة ‪ :‬ردّ أوّل الشّيء على آخره ‪ .‬يقال عكسه عكسا من باب ضرب ‪.‬‬
‫وانعكس الشّيء ‪ :‬مطاوع عكسه ‪ .‬والنعكاس في باب مسالك العلّة عند الصوليّين أنّه كلّما‬
‫انتفى الوصف انتفى الحكم ‪ ،‬كانتفاء حرمة الخمر بزوال إسكارها ‪ ،‬أو رائحتها ‪ ،‬أو أحد‬
‫أوصافها الخرى ‪ .‬ويقال له ‪ :‬العكس أيضا ‪ .‬وعليه فهو ضدّ الطّراد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدّوران ‪:‬‬
‫‪ - 3‬فرّق بعضهم بين الدّوران وبين الطّراد ‪ ،‬فخصّ الدّوران بالمقارنة في الوجود والعدم ‪،‬‬
‫والطّرد والطّراد بالمقارنة بالوجود فقط ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغلبة ‪:‬‬
‫ن المطّرد ل يتخلّف ‪ ،‬بخلف الغالب فإنّه متخّلفٌ في القلّ ‪،‬‬
‫‪ - 4‬الفرق بين المطّرد والغالب أ ّ‬
‫وإن كان مطّردا في الكثر ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العموم ‪:‬‬
‫ن العموم مرتبطٌ بالمكان والمجال ‪ ،‬فالعرف‬
‫‪ - 5‬اطّراد العرف أو العادة غير عمومهما ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ص ما كان في بلدٍ ‪ ،‬أو بلدانٍ معيّنةٍ ‪ ،‬أو عند‬
‫العامّ على هذا ‪ :‬ما كان شائعا في البلدان ‪ ،‬والخا ّ‬
‫طائف ٍة خاصّةٍ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اطّراد العلّة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ذهب بعض الصوليّين إلى اعتبار الطّراد في العلّة مسلكا من مسالكها المعتبرة لمعرفتها‬
‫‪ ،‬وإثباتها بها لفادته الظّنّ ‪ ،‬ولم يعتبره الحنفيّة وكثيرٌ من الشعريّة ‪ ،‬كالغزاليّ والمديّ‬
‫مسلكا ‪ ،‬على خلفٍ وتفصيل موطنه الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الطّراد في العادة ‪:‬‬
‫ن العادة إنّما تعتبر إذا اطّردت أو غلبت ‪ ،‬ولذا قالوا‬
‫‪ - 7‬ذكر ابن نجيمٍ في الشباه والنّظائر أ ّ‬
‫في البيع ‪ :‬لو باع بدراهم أو دنانير وكانا في بلدٍ اختلفت فيه النّقود مع الختلف في الماليّة‬
‫والرّواج انصرف البيع إلى الغلب ‪ .‬قال في الهداية ‪ :‬لنّه هو المتعارف فينصرف المطلق‬
‫إليه ‪ ..‬ثمّ تساءل ابن نجيمٍ عن العادة المطّردة ‪ ،‬هل تنزّل منزلة الشّرط ؟ وقال ‪ :‬قال في‬
‫إجارة الظّهيريّة ‪ :‬والمعروف عرفا كالمشروط شرطا ‪ .‬ومراد ابن نجيمٍ من الطّراد في‬
‫عبارته الخيرة ما هو أعمّ من الطّراد الّذي ل يتخلّف ‪ ،‬وهو ما ذكره صاحب دستور العلماء‬
‫‪ ،‬بدليل تصريح ابن نجيمٍ نفسه في عبارته الولى ‪ ،‬بأنّ غلبة العادة في حكم اطّرادها ‪.‬‬
‫وعبارة السّيوطيّ في أشباهه ‪ ( :‬إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت فإن اضطربت فل ) ‪ ،‬ثمّ مثّل‬
‫ن من باع شيئا وأطلق نزّل على النّقد الغالب ‪ ،‬فلو اضطربت العادة في البلد وجب‬
‫لذلك بأ ّ‬
‫ن الغلبة كافي ٌة هنا كما هو واضحٌ ‪.‬‬
‫ل بطل البيع ‪ .‬فتقييده النّقد بالغالب صريحٌ في أ ّ‬
‫البيان ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وتمام الكلم على ذلك في الملحق الصوليّ ‪ ،‬ومصطلح ( عادةٌ ) ‪ .‬هذا ‪ ،‬وقد يحدث أن يطّرد‬
‫العمل بأمرين ‪ ،‬يتعارفهما النّاس ‪ ،‬قد يكونان متضادّين ‪ ،‬كأن يتعارف بعضهم قبض الصّداق‬
‫قبل الدّخول ‪ ،‬ويتعارف بعضهم الخر غير ذلك ‪ .‬من غير غلب ٍة لحدهما ‪ ،‬فيسمّى ذلك‬
‫بالعرف المشترك ‪ .‬وموطن تفصيله عند الكلم على ( العرف ) ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يذكر الصوليّون الطّراد عند الكلم على مسالك العلّة من باب القياس ‪ ،‬باعتباره مسلكا‬
‫من مسالكها ‪ ،‬كما يذكره الفقهاء والصوليّون عند الكلم على القاعدة الفقهيّة ‪ ( :‬العادة محكّمةٌ‬
‫ن المعنى الحقيقيّ يلزم فيه اطّراد ما‬
‫) ‪ .‬وذكر الصوليّون في كلمهم على الحقيقة والمجاز ‪ ،‬أ ّ‬
‫ن عدم الطّراد ممّا يعرف به المجاز ‪.‬‬
‫يدلّ عليه من الحقيقة في جميع جزئيّاته ‪ ،‬وأ ّ‬
‫إطعامٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الطعام لغ ًة ‪ -‬إعطاء الطّعام لكله ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّمليك ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تمليك الشّيء جعله ملكا للغير ‪ .‬وعلى هذا قد يكون الطعام تمليكا فيتّفقان ‪ ،‬وقد يكون‬
‫الطعام إباحةً فيفترقان ‪ .‬كما أنّ التّمليك قد يكون تمليكا للطّعام ‪ ،‬وقد يكون تمليكا لغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الباحة ‪:‬‬
‫سرّ ‪ :‬أعلنه ‪ ،‬وقد يرد بمعنى الذن‬
‫‪ - 3‬الباحة لغةً ‪ :‬الظهار والعلن ‪ ،‬من قولهم ‪ :‬أباح ال ّ‬
‫والطلق يقال ‪ :‬أبحته كذا إذا أطلقته ‪ .‬واصطلحا ‪ ،‬يراد بها الذن بإتيان الفعل أو تركه ‪.‬‬
‫وعلى هذا قد يكون الطعام إباح ًة فيجتمعان في وجهٍ ‪ ،‬وقد يكون تمليكا فيفترقان في وج ٍه آخر‬
‫‪ ،‬وقد تكون الباحة للطّعام أو لغيره ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يجب الطعام على المكلّف في الدّية والكفّارات ‪ ،‬وحالت الضّرورة ‪ ،‬كسدّ الرّمق ويندب‬
‫في الصّدقات والقربات ‪ ،‬كالطعام في الضحيّة ‪ .‬ويستحبّ في أمورٍ ‪ ،‬منها النّكاح والعقيقة‬
‫والختان ‪ .‬وتحرم في أمورٍ ‪ :‬منها إطعام الظّلمة والعصاة للمساعدة على الظّلم والعصيان ‪،‬‬
‫وسيأتي تفصيل ذلك ‪ .‬أسباب الطعام المطلوب شرعا ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحتباس ‪:‬‬
‫‪ - 5‬احتباس الزّوجة سببٌ من أسباب النّفقة المتضمّنة للطعام ‪ ،‬للقاعدة الفقهيّة ‪ :‬النّفقة نظير‬
‫الحتباس ‪ ،‬وكذا الحكم في احتباس العجماوات ‪ ،‬لنّ حبسها بدون طعامٍ هلكٌ يستوجب‬
‫العقاب ‪ ،‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬دخلت امرأ ٌة النّار في هرّةٍ ربطتها فلم تطعمها‬
‫ولم تدعها تأكل من خشاش الرض » ‪ .‬أمّا إطعام المحبوس في التّهمة ‪ ،‬مثل حبس السّارق‬
‫حتّى يسأل الشّهود ‪ ،‬والمرتدّ حتّى يتوب ‪ ،‬فإنّه يطعم من ماله ‪ ،‬ل خلف في هذا بين الفقهاء‬
‫ن الشّافعيّة أجازوا النفاق عليه من بيت المال إذا تيسّر ذلك ‪ .‬وإذا لم‬
‫إذا كان له مالٌ ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫يكن له مالٌ أنفق عليه من بيت المال وجوبا كما سيأتي ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الضطرار ‪:‬‬
‫ن إطعام المضطرّ واجبٌ ‪ ،‬فإذا أشرف على الهلك من الجوع أو‬
‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫العطش ‪ ،‬ومنعه مانعٌ فله أن يقاتل ليحصل على ما يحفظ حياته ‪ ،‬لما روي عن الهيثم ‪ :‬أنّ‬
‫قوما وردوا ما ًء فسألوا أهله أن يدلّوهم على بئرٍ فأبوا ‪ ،‬فسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا ‪ ،‬فقالوا‬
‫لهم ‪ :‬إنّ أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت أن تتقطّع فأبوا أن يعطوهم ‪ ،‬فذكروا ذلك لعمر‬
‫رضي ال عنه ‪ .‬فقال لهم عمر ‪ :‬فهلّ وضعتم فيهم السّلح ‪ .‬قال الفقهاء ‪ :‬فيه دليلٌ على أنّ‬
‫ق الشّفة وكذلك الطّعام ‪ .‬وللتّفصيل ينظر ( اضطرارٌ ) ( وضرورةٌ ) ‪.‬‬
‫لهم في الماء ح ّ‬
‫ج ‪ -‬الكرام ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يندب الطعام لكرام الضّيف ‪ ،‬وصلة الرّحم ‪ ،‬وبرّ الجار وإضافة الصّدّيق ‪ ،‬وأهل الخير‬
‫والفضل والتّقوى ‪ ،‬لقوله تعالى في ضيف إبراهيم ‪ { :‬هل أتاك حديث ضيف إبراهيم‬
‫المكرمين } ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان يؤمن باللّه واليوم الخر فليكرم ضيفه ‪،‬‬
‫ومن كان يؤمن باللّه واليوم الخر فليصل رحمه » ‪ .‬كما يسنّ في أمو ٍر تدخل في باب الكرام‬
‫كالضحيّة والوليمة ‪.‬‬
‫الطعام في الكفّارات ‪:‬‬
‫ع من النواع الواجبة في الكفّارة ‪ ،‬يقدّم تارةً كما في كفّارة اليمان ‪ ،‬ويؤخّر‬
‫‪ - 8‬الطعام نو ٌ‬
‫تار ًة كما في كفّارة الظّهار ‪ ،‬وكذا الفطر في رمضان على خلفٍ للمالكيّة فيه ‪ .‬الكفّارات الّتي‬
‫فيهما إطعامٌ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كفّارة الصّوم ‪:‬‬
‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على وجوب الطعام في كفّارة الفطر في صوم رمضان أداءً ‪ ،‬غير أنّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة قصروه على من جامع في رمضان عامدا ‪ ،‬دون من أفطر فيه بغير الجماع‬
‫‪ ،‬واختلف الفقهاء في رتبته تقديما وتأخيرا ‪ .‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بتأخيره عن‬
‫العتاق والصّيام ‪ ،‬وقال المالكيّة بالتّخيير بين النواع الثّلثة ‪ :‬العتاق والصّيام والطعام ‪.‬‬
‫وتفصيله في الكفّارات ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كفّارة اليمين ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء في وجوب الطعام في كفّارة اليمين باللّه تعالى إذا حنث فيها على التّخيير‬
‫بينه وبين الكسوة وتحرير الرّقبة ‪ ،‬فإن عجز فصيام ثلثة أيّامٍ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ل يؤاخذكم‬
‫اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم اليمان ‪ ،‬فكفّارته إطعام عشرة مساكين من‬
‫أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقب ٍة ‪ .‬فمن لم يجد فصيام ثلثة أيّامٍ ذلك كفّارة‬
‫أيمانكم إذا حلفتم ‪} ...‬‬
‫ج ‪ -‬كفّارة الظّهار ‪:‬‬
‫‪ - 11‬إذا ظاهر الرّجل من امرأته بأن قال لها ‪ :‬أنت كظهر أمّي ‪ ،‬لزمته الكفّارة بالعود ‪ .‬ومن‬
‫أنواعها الطعام عند عدم استطاعته تحرير رقب ٍة أو صيام شهرين ‪ ،‬على هذا اتّفق أهل العلم ‪،‬‬
‫فل يجزئ إلّ هذا التّرتيب ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والّذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا‬
‫فتحرير رقب ٍة من قبل أن يتماسّا ذلكم توعظون به واللّه بما تعملون خبيرٌ ‪ .‬فمن لم يجد فصيام‬
‫شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا فمن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينا ‪} ..‬‬
‫مقدار الطعام الواجب في الكفّارة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬قال الحنفيّة ‪ :‬يجب لكلّ فقيرٍ نصف صاعٍ من برّ ‪ ،‬أو صاعٌ كاملٌ من تمرٍ أو شعيرٍ ‪.‬‬
‫والدّقيق من البرّ أو الشّعير بمنزلة أصله ‪ ،‬وكذا السّويق ‪ ،‬وهل يعتبر تمام الكيل أو القيمة في‬
‫ل من الدّقيق والسّويق ؟ ‪ .‬في ذلك رأيان ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يجب لك ّل فقيرٍ مدّ من برّ ‪ ،‬أو‬
‫كّ‬
‫مقدار ما يصلح للشباع من بقيّة القوات التّسعة ‪ ،‬وهي القمح والشّعير والسّلت ‪ ،‬والذّرة ‪،‬‬
‫والدّخن ‪ ،‬والرزّ ‪ ،‬والتّمر والزّبيب ‪ ،‬والقط ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجب لك ّل فقيرٍ مدّ واح ٌد من‬
‫ل مسكينٍ‬
‫غالب قوت البلد ممّا ذكر من الصناف السّابقة أو غيرها ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يجب لك ّ‬
‫ع من شعيرٍ أو تمرٍ أو زبيبٍ أو أقطٍ ‪ ،‬ويجزئ دقيقٌ وسويقٌ بوزن‬
‫مدّ من برّ أو نصف صا ٍ‬
‫ل أقوات البلد ‪،‬‬
‫الحبّ ‪ ،‬سوا ٌء أكان من قوت البلد أو ل ‪ ،‬وقال أبو الخطّاب منهم ‪ :‬يجزئ ك ّ‬
‫والفضل عندهم إخراج الحبّ ‪.‬‬
‫الباحة والتّمليك في الكفّارات ‪:‬‬
‫‪ - 13‬التّمليك هو إعطاء المقدار الواجب في الطعام ‪ ،‬ليتصرّف فيه المستحقّ تصرّف الملّك‬
‫‪ .‬والباحة هي تمكين المستحقّ من تناول الطّعام المخرج في الكفّارة ‪ .‬كأن يغدّيهم ويعشّيهم ‪،‬‬
‫أو يغدّيهم غداءين أو يعشّيهم عشاءين ‪ .‬وقد أجاز الحنفيّة والمالكيّة التّمليك والباحة في‬
‫الطعام ‪ ،‬وهو رواي ٌة عن أحمد ‪ ،‬وأجاز الحنفيّة منفردين الجمع بينها ‪ ،‬لنّه جم ٌع بين‬
‫جائزين ‪ ،‬والمقصود سدّ الخلّة ‪ ،‬كما أجازوا دفع القيمة سوا ٌء أكانت مالً أم غيره ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ :‬يجب التّمليك ول تجزئ الباحة ‪ ،‬فلو غدّى المساكين‬
‫ب للفقراء شرعا ‪،‬‬
‫أو عشّاهم ل يجزئ ‪ ،‬لنّ المنقول عن الصّحابة العطاء ‪ ،‬ولنّه مالٌ واج ٌ‬
‫فوجب تمليكهم إيّاه كالزّكاة ‪.‬‬
‫الطعام في الفدية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فدية الصّيام ‪:‬‬
‫‪ - 14‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬وهو المرجوح عند المالكيّة ‪ -‬على أنّه يصار إلى‬
‫الفدية في الصّيام عند اليأس من إمكان قضاء اليّام الّتي أفطرها لشيخوخ ٍة ل يقدر معها على‬
‫الصّيام ‪ ،‬أو مرضٍ ل يرجى برؤه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وعلى الّذين يطيقونه فدي ٌة طعام مسكينٍ‬
‫ق عليهم الصّيام ‪ .‬والمشهور عند المالكيّة أنّه ل فدية عليه ‪.‬‬
‫} والمراد من يش ّ‬
‫ب ‪ -‬الطعام في فدية الصّيد ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يخيّر المحرم إذا قتل صيدا بين ثلثة أشياء ‪ :‬إمّا شراء هديٍ بالقيمة وذبحه ‪ ،‬أو الطعام‬
‫ل منكم‬
‫بالقيمة ‪ ،‬أو الصّيام ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عد ٍ‬
‫هديا بالغ الكعبة ‪ ،‬أو كفّارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } ومن قتل ما ليس له مثلٌ أو‬
‫قيمةٌ كالجراد والقمل ‪ ،‬تصدّق بما شاء كحفن ٍة من طعامٍ للواحدة وحفنتين للثنتين ‪ .‬وهذا في‬
‫الجملة ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( -‬إحرامٌ ) ‪ ( -‬فديةٌ ) ‪.‬‬
‫الطعام في النّفقات ‪ :‬الطعام في حالت الضّرورة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬يرى الفقهاء وجوب إطعام المضطرّ المشرف على الهلك ‪ ،‬لنّ فيه إحياءً لنفسٍ‬
‫معصوم ٍة ‪ .‬فإن كان الطّعام ممّا يباع أعطاه بثمن المثل ليس عليه غيره ‪ ،‬وإن أخذه بغير إذن‬
‫ن الضطرار ل يسقط الضّمان ‪ .‬المتناع‬
‫صاحبه جاز ‪ .‬وضمنه له ‪ ،‬إذ القاعدة الشّرعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫عن إطعام المضطرّ ‪:‬‬
‫ل طعاما لغيره ‪ ،‬فإن كان‬
‫‪ - 17‬إذا فقد المضطرّ الطّعام وأشرف على الهلك ولم يجد إ ّ‬
‫صاحب الطّعام مضطرّا إليه فهو أحقّ به ولم يجز لح ٍد أن يأخذه منه ‪ ،‬لنّه ساواه في‬
‫الضّرورة وانفرد بالملك ‪ ،‬فأشبه غير حال الضّرورة ‪ ،‬وإن أخذه منه أحدٌ فمات أثم وضمن‬
‫ديته ‪ ،‬لنّه قتله بغير حقّ ‪ ،‬فإذا لم يكن المالك مضطرّا إلى الطّعام لزمه بذله للمضطرّ ‪،‬‬
‫لحديث أبي هريرة ‪ ،‬قلنا ‪ « :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬ما يحلّ لحدنا من مال أخيه إذا اضطرّ إليه ؟‬
‫ح عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬يأكل ول يحمل ‪ ،‬ويشرب ول يحمل » ‪ .‬فإن منعه قاتل عليه بغير سل ٍ‬
‫وبسلحٍ عند غيرهم ‪ .‬فإن قتل المضطرّ فهو شهيدٌ ‪ ،‬وعلى قاتله ضمانه ‪ ،‬وإن قتل صاحبه‬
‫فهو هدرٌ ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( قصاصٌ ) ‪ .‬تحديد الطعام في النّفقة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬النّفقة الواجبة قد تكون عينا وقد تكون قيم ًة ‪ ،‬فإذا كانت عينا فالواجب من الطعام ‪-‬‬
‫كما في القيمة ‪ -‬يعتبر بحال الزّوجين جميعا عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو المفتى به عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬فإن كانا موسرين فإطعام الموسرين ‪ ،‬وإن كانا متوسّطين فإطعام الوسط ‪ ،‬وإن كان‬
‫أحدهما معسرا والخر موسرا فالتّوسّط ‪ ،‬وإن كانا معسرين فنفقة العسار ‪ ،‬ويعتبر العرف‬
‫في ذلك ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬من أوسط ما تطعمون أهليكم } وذهب الشّافعيّة إلى‬
‫اعتبار حال الزّوج فقط ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬لينفق ذو سعةٍ من سعته } الية ‪ .‬وقد‬
‫أجاز الحنفيّة استبدال القيمة بالطعام ‪.‬‬
‫التّوسعة في الطعام ‪:‬‬
‫‪ - 19‬يندب إطعام القارب الفقراء واليتامى والتّوسعة عليهم ‪ ،‬كما يندب بذل الطّعام للمساكين‬
‫والفقراء والمحتاجين وقت القحط والجوع والحاجة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فل اقتحم العقبة ‪ ،‬وما‬
‫أدراك ما العقبة ‪ ،‬فكّ رقب ٍة أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ يتيما ذا مقرب ٍة أو مسكينا ذا مترب ٍة } ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من موجبات الرّحمة إطعام المسلم السّغبان » ‪ .‬كما يندب‬
‫إطعام الغريب إذا كان ضيفا أو محتاجا للطعام ‪ ،‬وقد اعتبر القرآن عدم إطعامه لؤما في قوله‬
‫تعالى ‪ { :‬حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما } ‪.‬‬
‫إطعام المسجون ‪:‬‬
‫ن أم أسرٍ ‪،‬‬
‫‪ - 20‬ل يضيّق على المحبوس بالجوع أو العطش ‪ ،‬سواءٌ أكان حبسه لردّ ٍة أم دي ٍ‬
‫ل حبستموه ثلثا فأطعمتموه كلّ يومٍ رغيفا واستتبتموه » ‪.‬‬
‫لقول عمر في المحبوس لل ّردّة ‪ :‬فه ّ‬
‫ولقوله تعالى ‪ { :‬ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا } قال مجاهدٌ وسعيد بن‬
‫ن وقربى إلى اللّه تعالى‬
‫ل على أنّ إطعام أهل الحبوس من المسلمين حس ٌ‬
‫جبيرٍ وعطا ٌء ‪ :‬فيه دلي ٌ‬
‫‪ .‬هذا إذا لم يكن له مالٌ ‪ ،‬فإن كان له مالٌ يطعم من ماله ‪ ،‬كما تقدّم ‪.‬‬
‫إطعام الحيوان المحتبس ‪:‬‬
‫ن لنفعٍ ‪ ،‬كحراسةٍ وسماع صوتٍ وزينةٍ ‪ ،‬وعلى حابسه إطعامه وسقيه‬
‫‪ - 21‬يجوز حبس حيوا ٍ‬
‫لحرمة الرّوح ويقوم مقامه التّخلية للحيوانات لترعى وترد الماء إن ألفت ذلك ‪ ،‬فإن لم تألفه‬
‫فعل بها ما تألفه ‪ ،‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬عذّبت امرأةٌ في هرّ ٍة سجنتها حتّى‬
‫ماتت فدخلت فيها النّار ‪ ،‬ل هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ‪ ،‬ول هي تركتها تأكل من خشاش‬
‫الرض » فإن امتنع أجبر على بيعه أو علفه أو ذبح ما يذبح منه ‪ .‬فإن لم يفعل ناب الحاكم‬
‫عنه في ذلك على ما يراه ‪ .‬وهذا رأي الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الرّأي الرّاجح عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬وهذه المسألة تجري فيها دعوى الحسبة ‪.‬‬
‫الطعام من الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬ينبغي للمضحّي أن يطعم الغنياء الثّلث ‪ ،‬والفقراء الثّلث ‪ ،‬ويأكل الثّلث من أضحيّته ‪،‬‬
‫هذا هو الفضل عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رأيٌ للمالكيّة والشّافعيّة ‪ .‬وقيل ‪ :‬الفضل أن‬
‫يطعمها كلّها الفقراء ‪ ،‬وهو رأيٌ للمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وينظر ( أضحيّةٌ ) ‪.‬‬
‫ن المالكيّة‬
‫ج كالضحيّة ‪ ،‬له أن يأكل ويطعم ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫وهدي التّطوّع والمتعة والقران في الح ّ‬
‫ل يكون قد نواه للمساكين ‪ .‬وأمّا هدي الفدية ‪ ،‬وجزاء الصّيد فإنّه‬
‫اشترطوا لجواز أكله منه أ ّ‬
‫يطعم الفقراء فقط ‪ ،‬ول يأكل منه ( ر ‪ :‬هديٌ ) ‪.‬‬
‫وأمّا في النّذر فإذا لم ينوه للمساكين جاز له الكل منه عند المالكيّة ‪ ،‬وعند بقيّة المذاهب ل‬
‫يأكل منه ‪.‬‬
‫إطعام أهل الميّت ‪:‬‬
‫ب إعداد طعامٍ لهل الميّت ‪ ،‬يبعث به إليهم إعان ًة لهم وجبرا لقلوبهم ‪ ،‬فإنّهم شغلوا‬
‫‪ - 23‬يستح ّ‬
‫بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلح طعامٍ لنفسهم ‪ .‬وقد روي عن عبد اللّه بن جعفرٍ أنّه‬
‫لمّا جاء نعي جعفرٍ قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اصنعوا لهل جعفرٍ طعاما ‪ .‬فإنّه‬
‫ل يكونوا قد اجتمعوا على‬
‫قد جاءهم ما يشغلهم » ‪ .‬واشترط المالكيّة فيمن يصنع لهم طعامٌ ‪ ،‬أ ّ‬
‫نياح ٍة أو غيرها من المحرّمات ‪ ،‬وإلّ حرم إرسال طعامٍ لهم ‪ ،‬لنّهم عصاةٌ ‪ ،‬وكره الفقهاء‬
‫ن ذلك يكون في السّرور ل في الشّرور ‪.‬‬
‫إطعام أهل الميّت للنّاس ‪ ،‬ل ّ‬
‫المناسبات الّتي يستحبّ الطعام فيها ‪:‬‬
‫‪ - 24‬أ ‪ -‬النّكاح ‪ :‬ويسمّى الطعام فيه وفي كلّ سرورٍ وليمةً ‪ ،‬واستعمال هذه التّسمية في‬
‫العرس أكثر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الختان ‪ :‬ويطلق على الطعام فيه ‪ ،‬إعذارٌ أو عذير ٌة أو عذيرٌ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الولدة ‪ :‬ويطلق على الطعام فيها ‪ ،‬الخرس أو الخرسة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬البناء للدّار ‪ :‬ويطلق على الطعام فيه ‪ :‬وكيرةٌ ‪.‬‬
‫هـ‪ -‬قدوم الغائب ‪ :‬قدوم الغائب من الحجّ وغيره ويطلق على الطعام فيه ‪ :‬نقيعةٌ ‪.‬‬
‫و ‪-‬لجل الولد ‪ :‬ويطلق على الطعام له ‪ ،‬عقيقةٌ ‪.‬‬
‫ويستحبّ في العرس ‪ ،‬أن يطعم شا ًة إن أمكن ‪ ،‬وكذا يستحبّ عند غير الحنفيّة أن يذبح عن‬
‫الصّبيّ شاتين إن أمكن ‪ ،‬فإن أولم بغير الشّاة جاز ‪ ،‬فقد أولم النّبيّ صلى ال عليه وسلم بشاةٍ ‪،‬‬
‫وأولم على صفيّة بحيسٍ وأولم على بعض نسائه بمدّين من شعيرٍ ‪ .‬وإجابة طعام الوليمة‬
‫واجبٌ لمن دعي إليها إذا لم يخالطها حرامٌ ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا دعي أحدكم‬
‫إلى الوليمة فليأتها » ‪.‬‬
‫القدرة على الطعام ‪:‬‬
‫‪ - 25‬من وجب عليه إطعا ٌم في كفّارة يمينٍ أو ظهارٍ أو فطرٍ في رمضان فعجز عن‬
‫ن إيجاب الفعل‬
‫الطعام ‪ ،‬استقرّ ذلك في ذمّته ‪ ،‬وتأخّر وجوب الداء إلى وقت القدرة عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫على العاجز محالٌ ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء في غير كفّارة الفطر في رمضان ‪ ،‬إذ عند الحنابلة‬
‫ومقابل الظهر للشّافعيّة تسقط كفّارة الفطر في رمضان عمّن عجز عنها ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم للعرابيّ ‪ « :‬خذه واستغفر اللّه وأطعم أهلك » فقد أمره النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يطعمه أهله ‪ ،‬ولم يأمره بكفّارةٍ أخرى ‪ ،‬ول بيّن له بقاءها في ذمّته ‪ .‬ول دليل على‬
‫التّخصيص ‪ ،‬بخلف الكفّارات الخرى ‪ ،‬لعموم أدلّتها للوجوب حال العسار ‪ ،‬ولنّه القياس ‪،‬‬
‫وقد خولف في رمضان للنّصّ ‪ ( .‬ر ‪ -‬كفّارةٌ ) ‪.‬‬
‫ن السّفيه محجورٌ عليه في ماله‬
‫‪ - 26‬ويشترط فيمن يجب عليه الطعام ألّ يكون سفيها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن أو ظهارٍ أو فديةٍ‬
‫ول يملك التّصرّف فيه ‪ ،‬ولو صدر منه ما يوجب الطعام في كفّارة يمي ٍ‬
‫ج ‪ .‬فعند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يكفّر بالصّوم ول يكفّر بالطعام ‪ ،‬لنّه ممنوعٌ من‬
‫في الح ّ‬
‫ن محظورات الحرام الّتي ل يجزئ فيها الصّوم يلزمه فيها الدّم ‪ ،‬ولكن‬
‫ماله ‪ ،‬ورأى الحنفيّة أ ّ‬
‫ل يمكن من التّكفير في الحال ‪ ،‬بل يؤخّر إلى أن يصير رشيدا مصلحا لماله ‪ ،‬فهو بمنزلة‬
‫الفقير الّذي ل يجد مالً ‪ .‬وعند المالكيّة يلزم ما يجب عليه من إطعامٍ في ماله ‪ .‬وينظر وليّه‬
‫فيه بوجه النّظر ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( سفهٌ ‪ ،‬وكفّارةٌ ) ‪.‬‬
‫الطعام عن الغير ‪:‬‬
‫ل يوجب عليه ذلك يعتبر من العبادات الماليّة ‪،‬‬
‫‪ - 27‬الطعام الّذي يجب على المكلّف لفع ٍ‬
‫والعبادات الماليّة تقبل النّيابة عن المكلّف ‪ ،‬ولذلك من أمر غيره أن يطعم عن ظهاره ففعل‬
‫ذلك الغير صحّ ‪ .‬وهذا باتّفاق الفقهاء مع اختلفهم فيما لو أطعم إنسانٌ عن غيره بدون إذنه ‪،‬‬
‫ل بغير أمره أجزأ عنه ‪ ،‬لنّها من الفعال‬
‫حيث صرّح المالكيّة بأنّه لو كفّر عن الحانث رج ٌ‬
‫الّتي يقصد منها مصلحةٌ مع قطع النّظر عن فاعلها فلم تتوقّف على ال ّنيّة ‪ ،‬قال ابن عبد البرّ ‪:‬‬
‫ب إليّ ألّ يكفّر إلّ بأمره ‪.‬‬
‫أح ّ‬
‫إطعام الزّوجة من مال زوجها ‪:‬‬
‫‪ - 28‬أجاز الفقهاء للزّوجة التّصدّق بالشّيء اليسير من بيت زوجها من غير إذنه ‪ ،‬لحديث‬
‫سيّدة عائشة رضي ال عنها مرفوعا « إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسد ٍة كان لها‬
‫ال ّ‬
‫ن العادة السّماح وطيب النّفس به إلّ أن‬
‫أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره ‪ .‬بما كسب » ول ّ‬
‫ب البيت فليس لها ذلك ‪.‬‬
‫يمنع ر ّ‬
‫الحلف على الطعام ‪:‬‬
‫‪ - 29‬حلف على آخر أن يأكل معه فهو على أن يأكل معه ما يطعم على وجه التّطعّم كجبنٍ‬
‫ي صلى ال‬
‫ن النّب ّ‬
‫وفاكه ٍة وخبزٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو على المطبوخ ‪ .‬ويندب إبرار القسم ‪ ،‬لما ثبت أ ّ‬
‫عليه وسلم « أمر بإبرار القسم » ‪ .‬فإن أحنثه ولم يأكل معه فالكفّارة على الحالف ‪ ،‬لنّ‬
‫الحالف هو الحانث ‪ ،‬فكانت الكفّارة عليه ‪ ،‬كما لو كان هو الفاعل ‪ .‬وكذلك إن حلف أن يطعم‬
‫غيره فهو على ما تقدّم ‪ ،‬فإن وفّى لم يحنث وإن لم يوف حنث ‪.‬‬
‫الوصيّة بالطعام ‪:‬‬
‫‪ - 30‬الوصيّة بالطعام إذا أعانت على محرمٍ فهي باطل ٌة في الصحّ ‪ ،‬كالوصيّة بالطعام بعد‬
‫الموت ثلثة أيّامٍ ‪ ،‬حيث تجتمع النّائحات ‪ ،‬لنّها من العانة على المحرّم ‪ ،‬فإذا لم تعن على‬
‫حرامٍ جازت ووجب إخراجها من تركته في حدود الثّلث ‪ ،‬كمن أوصى بالضحيّة ‪ ،‬أو بإطعام‬
‫الفقراء ‪ ،‬أو بفطرة رمضان أو بنذرٍ عليه ‪.‬‬
‫الوقف على الطعام ‪:‬‬
‫‪ - 31‬في وقف الطّعام على الطعام إن قصد بوقفه بقاء عينه لم يصحّ ‪ ،‬لنّه يؤدّي إلى فساد‬
‫الطّعام وذلك إضاعةٌ للمال ‪ ،‬وإن كان على معنى أنّه وقفٌ للقرض إن احتاج إليه محتاجٌ ثمّ‬
‫يردّ مثله ‪ ،‬فقد رأى جمهور الفقهاء ‪ ( :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) جوازه ‪ ،‬وإن كان‬
‫الموقوف أرضا أو شجرةً ذات ثمرٍ لطعام ثمرها جاز ‪ ،‬لما روي ‪ « :‬أنّ عمر رضي ال‬
‫عنه أصاب أرضا بخيبر فأتى النّبيّ صلى ال عليه وسلم يستأمره فيها ‪ ،‬فقال له رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها غير أنّه ل يباع أصلها ول يبتاع‬
‫ول يوهب ول يورث فتصدّق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرّقاب وفي سبيل اللّه‬
‫وابن السّبيل والضّيف » فإن كان حيوانا ملك الموقوف عليه صوفه ولبنه وسائر منافعه ‪ ،‬وإن‬
‫كان الوقف لمعصيةٍ أو لهل الفسق فالرجح ردّه ‪ ،‬لنّه معصيةٌ ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في‬
‫مصطلح ( وقفٌ ) ‪.‬‬
‫أطعمةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الطعمة ‪ :‬جمع طعامٍ ‪ ،‬وهو في اللّغة ‪ :‬كلّ ما يؤكل مطلقا ‪ ،‬وكذا كلّ ما يتّخذ منه‬
‫القوت من الحنطة والشّعير والتّمر ‪ .‬ويطلقه أهل الحجاز والعراق القدمون على القمح خاصّةً‬
‫ن ) إذا أكله أو ذاقه ‪.‬‬
‫‪ .‬ويقال ‪ :‬طعم الشّيء يطعمه ( بوزن ‪ :‬غنم يغنم ) طعما ( بضمّ فسكو ٍ‬
‫وإذا استعمل هذا الفعل بمعنى الذّواق جاز فيما يؤكل وفيما يشرب ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن اللّه مبتليكم بنهرٍ ‪ ،‬فمن شرب منه فليس منّي ومن لم يطعمه فإنّه منّي } ‪ .‬ول يخرج‬
‫{إّ‬
‫المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ الوّل ‪ .‬ويذكرونه أيضا في الرّبا يريدون به ( مطعوم‬
‫الدميّين ) سواءٌ كان للتّغذّي ‪ ،‬كالقمح والماء ‪ ،‬أم للتّأدّم كالزّيت ‪ ،‬أم للتّفكّه كالتّفّاح ‪ ،‬أم‬
‫ل ما‬
‫للتّداوي والصلح كالحبّة السّوداء والملح ‪ .‬وقد يطلق الفقهاء لفظ " الطعمة " على ( ك ّ‬
‫يؤكل وما يشرب ‪ ،‬سوى الماء والمسكرات ) ‪ .‬ومقصودهم ‪ :‬ما يمكن أكله أو شربه ‪ ،‬على‬
‫سبيل التّوسّع ‪ ،‬ولو كان ممّا ل يستساغ ول يتناول عادةً ‪ ،‬كالمسك وقشر البيض ‪ .‬وإنّما‬
‫ن له بابا خاصّا باسمه ‪ ،‬واستثنيت المسكرات أيضا ‪ ،‬لنّها يعبّر اصطلحا‬
‫استثني الماء ل ّ‬
‫ن يدلّ به على ما يباح وما يكره‬
‫ن موضوع الطعمة هو عنوا ٌ‬
‫عنها بلفظ ( الشربة ) ‪ .‬ثمّ إ ّ‬
‫وما يحرم منها ‪ .‬وأمّا آداب الكل والشّرب فإنّها يترجم لها بكلمة ( الدب ) ويرجع إليها في‬
‫ن الولئم المشروعة يترجم لها بعناوين أخرى تخصّها ‪،‬‬
‫مصطلح ( أكلٌ ‪ ،‬وشربٌ ) ‪ .‬كما أ ّ‬
‫كالعقيقة والوكيرة ‪ ( .‬ر ‪ :‬إطعامٌ ) ‪.‬‬
‫تقسيم الطعمة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تنقسم الطعمة إلى نوعين ‪ :‬حيوانيّةٍ ‪ ،‬وغير حيوانّيةٍ ‪.‬‬
‫ن الحيوان ينقسم إلى قسمين رئيسين ‪ :‬مائيّ ‪ ،‬وبرّيّ ‪ .‬وفي كلّ من القسمين أنواعٌ فيها ما‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫يؤكل وفيها ما ل يؤكل ‪ .‬وينقسم المأكول من الحيوان ‪:‬‬
‫ل إلى ‪ :‬مباحٍ ‪ ،‬ومكروهٍ ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫ثانيا إلى ‪ :‬ما تشترط الذّكاة في حلّه ‪ ،‬وما ل تشترط ‪.‬‬
‫‪ - 3‬والمقصود بالحيوان في هذا المقام أنواع الحيوان جميعا ممّا يجوز للنسان أكله شرعا أو‬
‫ل يجوز ‪ ،‬ول يراد به ما يشمل النسان نفسه بالنّسبة للنسان ‪ ،‬بل الكلم محصورٌ فيما يحلّ‬
‫ن ما سوى النسان قد خلقه اللّه سبحانه لمنفعة النسان‬
‫للنسان أو ل يحلّ ‪ ،‬باعتبار أ ّ‬
‫ومصلحته ‪ ،‬فمنه ما ينتفع به النسان بالكل وغيره ‪ ،‬ومنه ما ينتفع به لغير الكل من وجوه‬
‫المنافع ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أمّا النسان نفسه ‪ ،‬الّذي هو أشرف الحيوان جميعا والّذي سخّر له كلّ ما عداه ‪ ،‬فل‬
‫يدخل لحمه في مفهوم الطعمة وتقسيمها إلى حللٍ وحرامٍ ‪ ،‬لكرامته في نظر الشّريعة‬
‫السلميّة ‪ ،‬أيّا كانت سللته ولونه ودينه وبيئته ‪ .‬فحرمة لحمه على بني جنسه معلوم ٌة من‬
‫الدّين بالضّرورة ‪ ،‬ومصرّحٌ بها في مواضع مختلف ٍة من كتب الفقه ‪ .‬ولذلك ل يبحث الفقهاء‬
‫عن حرمة لحمه في باب الطعمة ‪ ،‬وإنّما يذكر ذلك في حالت الضطرار الستثنائيّة ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ضرورةٌ )‪.‬‬
‫ن الحيوانات غير المأكول يعبّر الفقهاء عادةً عن عدم جواز أكلها‬
‫‪ - 5‬ويجب التّنبّه إلى أ ّ‬
‫ل " ‪ " ،‬يكره أكلها ‪،‬‬
‫بإحدى العبارات التّالية ‪ " :‬ل يحلّ أكلها " ‪ " ،‬يحرم أكلها " ‪ " ،‬غير مأكو ٍ‬
‫وهذه العبارة الخيرة تذكر في كتب الحنفيّة في أغلب النواع ‪ ،‬ويراد بها الكراهة التّحريميّة‬
‫عندما يكون دليل حرمتها في نظرهم غير قطعيّ ‪ .‬فالحيوانات غير المأكولة واحدٌ منها حرمة‬
‫أكله قطعيّ ٌة إجماعيّةٌ ‪ ،‬وهو الخنزير ‪ .‬وفي بقيّتها خلفٌ قويّ أو ضعيفٌ ‪ ،‬فيصحّ وصفها‬
‫بالحرمة أو بالكراهة ( التّحريميّة ) ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الحكم التّكليفيّ ليس منصّبا على ذوات الطعمة ‪ ،‬وإنّما على أكلها أو استعمالها ‪ ،‬وليس‬
‫هناك حكمٌ جامعٌ للطعمة كلّها ‪ ،‬لذلك سيذكر حكم كلّ نوعٍ عند الكلم عليه ‪ .‬ويتبيّن لمن تتبّع‬
‫ن الصل في الطعمة الحلّ ‪ ،‬ول‬
‫ما في كتب الفقه المختلفة في أبواب الطعمة وغيرها أ ّ‬
‫ن لتحريم الطعمة بوجهٍ عامّ ‪ -‬ولو غير حيوانيّةٍ ‪-‬‬
‫ل لدليلٍ خاصّ ‪ ،‬وأ ّ‬
‫يصار إلى التّحريم إ ّ‬
‫أسبابا عامّةً عديد ًة في الشّريعة متّصلةً بقواعدها العامّة ومقاصدها في إقامة الحياة النسانيّة‬
‫على الطّريق الفضل ‪ .‬وكذلك يرى المتتبّع أسبابا لكراهة الطعمة بوج ٍه عا ّم غير السباب‬
‫المتعلّقة بأنواع الحيوان ‪ .‬وسنعرض فيما يلي بإيجازٍ أمثل ًة لذلك ما يحرم أكله لسبابٍ مختلفةٍ‬
‫‪:‬‬
‫‪ - 7‬يظهر من الستقراء وتتبّع تعليلت فقهاء المذاهب فيما يحكمون بحرمة أكله أنّه يحرم‬
‫أكل الشّيء مهما كان نوعه لحد أسباب خمسةٍ ‪:‬‬
‫السّبب الوّل ‪ :‬الضّرر اللّحق بالبدن أو العقل ‪ :‬ولهذا أمثل ٌة كثير ٌة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬منها ‪ :‬الشياء السّامّة سوا ٌء أكانت حيوانيّ ًة كالسّمك السّامّ ‪ ،‬وكالوزغ والعقارب والحيّات‬
‫السّامّة والزّنبور والنّحل ‪ ،‬وما يستخرج منها من موادّ سامّ ٍة ‪ .‬أم كانت نباتيّ ًة كبعض الزهار‬
‫ل هذه تحرم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تقتلوا أنفسكم‬
‫والثّمار السّامّة ‪ .‬أم جماديّةً كالزّرنيخ ‪ ،‬فك ّ‬
‫} ‪ ،‬ولقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحسّاه‬
‫ن هذه السّموم إنّما تحرم‬
‫في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا » ‪ .‬لكن صرّح المالكيّة والحنابلة بأ ّ‬
‫على من تضرّه ‪ .‬وهذا ظاهرٌ فإنّ كثيرا من الدوية الّتي يصفها الطبّاء محتوي ٌة على السّموم‬
‫ن تأثّر الشخاص‬
‫بالقدر الّذي ل يضرّ النسان ‪ ،‬بل يفيده ويقتل جراثيم المراض ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫بالسّموم أنواعا ومقادير يختلف ‪ .‬وهذا ل تأباه قواعد المذاهب الخرى ‪ ،‬حيث المفهوم أنّ‬
‫المحرّم هو تعاطي القدر الضّارّ من هذه السّموم ‪.‬‬
‫‪ - 9‬ومنها ‪ :‬الشياء الضّارّة وإن لم تكن سامّةً ‪ ،‬وقد ذكر منها في كتب الفقه ‪ :‬الطّين ‪،‬‬
‫والتّراب ‪ ،‬والحجر ‪ ،‬والفحم على سبيل التّمثيل ‪ ،‬وإنّما تحرم على من تضرّه ‪ .‬ول شكّ أنّ‬
‫هذا النّوع يشمل ما كان من الحيوان أو النّبات أو الجماد ‪ .‬ويعرف الضّارّ من غير الضّا ّر من‬
‫أقوال الطبّاء والمجرّبين ‪ .‬ول فرق في الضّرر الحاصل بالسّميّات أو سواها بين أن يكون‬
‫مرضا جسمانيّا أيّا كان نوعه ‪ ،‬أو آفةً تصيب العقل كالجنون والخبل ‪ .‬وذكر المالكيّة في‬
‫الطّين قولين ‪ :‬الحرمة ‪ ،‬والكراهة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ المعتمد الحرمة ‪ ،‬وذكر الشّافعيّة حرمة الطّين‬
‫والحجر على من يضرّانه ‪ ،‬وذكر الحنابلة كراهة الفحم ‪ ،‬والتّراب ‪ ،‬والطّين الكثير الّذي ل‬
‫يتداوى به ‪ .‬وعلّل صاحب " مطالب أولي النّهى " الكراهة بالضّرر ‪ ،‬مع أنّه قبل ذلك جعل‬
‫الضّرر سببا للتّحريم ‪.‬‬
‫السّبب الثّاني ‪ :‬السكار أو التّخدير أو التّرقيد ‪:‬‬
‫س مع نشوةٍ وطربٍ ‪ ،‬كالخمر المتّخذ‬
‫‪ - 10‬فيحرم المسكر ‪ ،‬وهو ما غيّب العقل دون الحوا ّ‬
‫من عصير العنب النّيء ‪ ،‬وسائر المسكرات ‪ ،‬سواءٌ أكانت من غير الحيوان كالنّبيذ الشّديد‬
‫المسكر ‪ ،‬أم من الحيوان كاللّبن المخيض الّذي ترك حتّى تخمّر وصار مسكرا ‪ .‬ويحرم أكل‬
‫ل شيءٍ مخدّرٍ ( ويقال له ‪ :‬المفسد ) ‪ ،‬وهو ما غيّب العقل دون الحواسّ بل نشو ٍة وطربٍ ‪،‬‬
‫كّ‬
‫س معا ‪ ،‬كالفيون والسّيكران ‪.‬‬
‫كالحشيشة ‪ .‬ويحرم أيضا المرقّد وهو ما غيّب العقل والحوا ّ‬
‫فما كان من المسكرات الّتي تشرب شربا فإنّه يتبع موضوع الشربة ‪ ،‬ويرى تفصيل أحكامه‬
‫فيها ‪ ،‬وقد يشار إليه هنا بمناسبة الضّرر ‪ .‬وما كان من المخدّرات أو المرقّدات الجامدة الّتي‬
‫تؤكل أكلً فإنّه يدخل في موضوع الطعمة هنا ‪ ،‬وقد يذكر في موضوع الشربة بالمناسبة ‪.‬‬
‫السّبب الثّالث ‪ :‬النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬فيحرم النّجس والمتنجّس ما ل يعفى عنه ‪ - :‬فالنّجس كالدّم ‪ - .‬والمتنجّس كالسّمن‬
‫الّذي ماتت فيه الفأرة وكان مائعا فإنّه يتنجّس كلّه ‪ ،‬فإن كان جامدا ينجّس ما حول الفأرة‬
‫ل أكل باقيه ‪ .‬ومن أمثلة المتنجّس عند الحنابلة ‪ :‬ما سقط أو سمّد‬
‫فقط ‪ ،‬فإذا طرح ما حولها ح ّ‬
‫بنجسٍ ‪ ،‬من زرعٍ وثمرٍ ‪ ،‬فهو مح ّرمٌ لتنجّسه ‪ ،‬ول يحلّ حتّى يسقى بعد ذلك بما ٍء طاهرٍ‬
‫ل قوله ‪ :‬ليس بنجسٍ ول مح ّرمٍ ‪ ،‬بل‬
‫يستهلك عين النّجاسة ‪ ،‬ونقل في النصاف عن ابن عقي ٍ‬
‫يطهر بالستحالة ‪ ،‬كالدّم يستحيل لبنا ‪ ،‬وجزم به في التّبصرة ‪ .‬وممّا يذكر هنا أنّ روث ما‬
‫يؤكل لحمه طاهرٌ ‪ ،‬فالتّسميد به ل يحرّم الزّرع ‪ .‬وصرّح الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في‬
‫المسقيّ المذكور أنّه ل يتنجّس ول يحرم ‪ .‬ومن أمثلة المتنجّس ‪ -‬على خلفٍ بين الفقهاء ‪-‬‬
‫البيض الّذي سلق بماءٍ نجسٍ ‪ ،‬وتفصيله في ( بيضٌ ) ‪.‬‬
‫السّبب الرّابع ‪ :‬الستقذار عند ذوي الطّباع السّليمة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ومثّل له الشّافعيّة بالبصاق والمخاط والعرق والمنيّ ‪ ،‬فكلّ هذه طاهر ٌة من النسان ‪،‬‬
‫ولكن يحرم تناولها للستقذار ‪ .‬واستثنوا ما كان الستقذار فيه لعارضٍ كغسالة يدٍ فل تحرم ‪.‬‬
‫ومثل الحنابلة للمستقذرات بالرّوث والبول والقمل والبرغوث ‪ .‬وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ‬
‫الحنابلة يقولون ‪ :‬إنّ روث ما يؤكل لحمه طاهرٌ ‪ ،‬وكذا بوله ‪ ،‬ولكن يحرم تناولهما للستقذار‬
‫ل طاه ٍر يجوز أكله ‪.‬‬
‫‪ .‬فالقذارة ل تنافي الطّهارة إذ ليس ك ّ‬
‫السّبب الخامس ‪ :‬عدم الذن شرعا لحقّ الغير ‪:‬‬
‫ك لمن يريد أكله ‪ ،‬ولم يأذن له فيه مالكه‬
‫‪ - 13‬من أمثلة هذا السّبب أن يكون الطّعام غير مملو ٍ‬
‫ول الشّارع ‪ ،‬وذلك المغصوب أو المسروق أو المأخوذ بالقمار أو بالبغاء ‪ .‬بخلف ما لو أذن‬
‫فيه الشّارع ‪ ،‬كأكل الوليّ مال مولّيه بالمعروف ‪ ،‬وأكل ناظر الوقف من مال الوقف ‪ .‬وأكل‬
‫المضطرّ من مال غيره ‪ ،‬فإنّهم مأذونون من الشّارع ‪ ،‬كما سيأتي في الكلم عن حالة‬
‫الضطرار ‪ .‬وفي قضيّة عدم الذن الشّرعيّ إذا تعلّق بالحيوان الّذي يحلّ أكله يفرّق جمهور‬
‫الفقهاء بين صحّة التّذكية وحرمة الفعل غير المأذون بالنّسبة للفاعل ‪ .‬فإذا غصب مسلمٌ أو‬
‫ن الذّبيحة تكون لحما طاهرا‬
‫كتابيّ شاةً مثلً ‪ ،‬أو سرقها فذبحها بصورةٍ مستوفيةٍ شرائطها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن من صاحبها ول إذن الشّرع ‪ ،‬وهو ضامنٌ‬
‫ن الذّابح يكون متعدّيا بذبحها دون إذ ٍ‬
‫مأكولً ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ل له ول لغيره أكل شي ٍء من لحمها دون إذنٍ أيضا لمانع حقّ الغير ‪.‬‬
‫لها ‪ .‬وكذلك ل يح ّ‬
‫وللتّفصيل ينظر في ‪ ( :‬غصبٌ ) ( وذبائح ) ‪.‬‬
‫ما يكره أكله لسبابٍ مختلفةٍ ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذكر الفقهاء أمثلةً للطعمة المكروهة ‪ ،‬منها المثلة التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البصل والثّوم والكرّاث ونحوها من ذوات الرّائحة الكريهة ‪ ،‬فيكره أكل ذلك ‪ ،‬لخبث‬
‫رائحته ما لم يطبخ ‪ ،‬فإن أكله كره دخوله المسجد حتّى يذهب ريحه ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬من أكل ثوما أو بصلً فليعتزلنا ‪ -‬أو ليعتزل مسجدنا ‪ -‬وليقعد في بيته »‬
‫ن الكراهة لجل الصّلة في وقت الصّلة ‪.‬‬
‫وصرّح أحمد بن حنبلٍ أ ّ‬
‫ب الّذي داسته الحمر الهليّة أو البغال ‪ ،‬وينبغي أن يغسل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الح ّ‬
‫ج ‪ -‬ماء البئر الّتي بين القبور وبقلها ‪ ،‬لقوّة احتمال تسرّب التّلوّث إليها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اللّحم النّيء واللّحم المنتن ‪ ،‬قال صاحب " القناع " من الحنابلة بكراهتهما ‪ ،‬لكنّ الرّاجح‬
‫عند الحنابلة عدم الكراهة ‪ .‬الحيوان المائيّ ‪ :‬حلله وحرامه ‪:‬‬
‫‪ - 15‬المقصود بالحيوان المائيّ ما يعيش في الماء ‪ ،‬ملحا كان أو عذبا ‪ ،‬من البحار أو النهار‬
‫أو البحيرات أو العيون أو الغدران أو البار أو المستنقعات أو سواها ‪ .‬ول يحلّ عند الحنفيّة‬
‫س ( قشّر ) أم ل ‪ .‬وهناك‬
‫من الحيوان المائيّ شيءٌ سوى السّمك فيحلّ أكله سواءٌ أكان ذا فلو ٍ‬
‫صنفان من الحيوان المائيّ اختلف فيهما الحنفيّة ‪ ،‬للختلف في كونهما من السّمك أو من‬
‫الحيوانات المائيّة الخرى ‪ ،‬وهما الجرّيث ‪ ،‬والمارماهيّ ‪ .‬فقال المام محمّد بن الحسن بعدم‬
‫ل فيهما ‪ ،‬لنّهما من السّمك ‪ .‬ويستثنى من السّمك ما‬
‫ل أكلهما ‪ ،‬لكنّ الرّاجح عند الحنفيّة الح ّ‬
‫حّ‬
‫كان طافيا ‪ ،‬فإنّه ل يؤكل عندهم ‪ .‬والطّافي ‪ :‬هو الّذي مات في الماء حتف أنفه ‪ ،‬بغير سببٍ‬
‫حادثٍ ‪ ،‬سواءٌ أعل فوق وجه الماء أم لم يعل ‪ ،‬وهو الصّحيح ‪.‬‬
‫وإنّما يسمّى طافيا إذا مات بل سببٍ ولو لم يعل فوق سطح الماء نظرا إلى الغلب ‪ ،‬لنّ‬
‫العادة إذا مات حتف أنفه أن يعلو ‪ .‬وإنّ حكمة تحريم الطّافي احتمال فساده وخبثه حينما‬
‫يموت حتف أنفه ويرى طافيا ل يدرى كيف ومتى مات ؟ فأمّا الّذي قتل في الماء قتلً بسببٍ‬
‫حادثٍ فل فرق بينه وبين ما صيد بالشّبكة وأخرج حتّى مات في الهواء ‪ .‬وإذا ابتلعت سمكةٌ‬
‫ب حادثٍ هو ابتلعها ‪ .‬وإذا مات‬
‫ن السّمكة الدّاخلة تؤكل ‪ ،‬لنّها ماتت بسب ٍ‬
‫سمك ًة أخرى فإ ّ‬
‫السّمك من الحرّ أو البرد أو كدر الماء ففيه روايتان عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫ن هذه المور الثّلثة ليست من أسباب الموت غالبا ‪ ،‬فالظّاهر أنّ‬
‫إحداهما ‪ :‬أنّه ل يؤكل ‪ ،‬ل ّ‬
‫السّمك فيها مات حتف أنفه فيعتبر طافيا ‪.‬‬
‫ب للموت في الجملة فيكون ميّتا بسببٍ‬
‫ن هذه المور الثّلثة أسبا ٌ‬
‫والثّانية ‪ :‬أنّه يؤكل ‪ ،‬ل ّ‬
‫حادثٍ فل يعتبر طافيا ‪ ،‬وهذا هو الظهر ‪ ،‬وبه يفتى ‪ .‬وإذا أخذ السّمك حيّا لم يجز أكله حتّى‬
‫يموت أو يمات ‪ .‬واستدلّ من حرّم الطّافي بالدلّة التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بحديث أبي داود عن جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه ‪ ،‬وما مات فيه فطفا فل تأكلوه » ‪ .‬وروى‬
‫نحوه سعيد بن منصورٍ عن جابرٍ مرفوعا أيضا ‪.‬‬
‫س رضي ال عنهم‬
‫ب ‪ -‬بآثارٍ عن جابر بن عبد اللّه ‪ ،‬وعن ابن أبي طالبٍ ‪ ،‬وعبد اللّه بن عبّا ٍ‬
‫‪ :‬أنّهم نهوا عن أكل الطّافي ‪ .‬ولفظ جابرٍ في روايةٍ ‪ « :‬ما طفا فل تأكلوه ‪ ،‬وما كان على‬
‫حافّتيه أو حسر عنه فكلوه » ‪ .‬وفي رواي ٍة أخرى ‪ « :‬ما حسر الماء عن ضفّتي البحر فكل ‪،‬‬
‫وما مات فيه طافيا فل تأكل » ‪ .‬ولفظ عليّ ‪ « :‬ما طفا من صيد البحر فل تأكلوه » ‪ .‬ولفظ‬
‫س ‪ « :‬ل تأكل منه ‪ -‬أي من سمكٍ وفي البحر ‪ -‬طافيا »‪.‬‬
‫ابن عبّا ٍ‬
‫ل حيوانات البحر بل تذكيةٍ ولو طافي ًة حتّى ما تطول‬
‫‪ -‬وذهب من عدا الحنفيّة إلى إباحة ك ّ‬ ‫‪16‬‬

‫حياته في البرّ ‪ ،‬كالتّمساح والسّلحفاة البحريّة ‪ ،‬والضّفدع والسّرطان البحريّين ‪ .‬ول يعدّ الفقهاء‬
‫طير الماء بحريّا ‪ ،‬لنّه ل يسكن تحت سطح الماء ‪ ،‬وإنّما يكون فوقه وينغمس فيه عند الحاجة‬
‫ل بالباحة ‪،‬‬
‫ل بالتّذكية ‪ .‬وللمالكيّة في كلب البحر وخنزيره قو ٌ‬
‫ثمّ يطير ‪ ،‬ولهذا ل يحلّ عندهم إ ّ‬
‫وآخـر بالكراهـة ‪ ،‬والرّاجـح فـي كلب الماء الباحـة ‪ ،‬وفـي خنزيره الكراهـة ‪ - ،‬أي الكراهـة‬
‫التّنزيهيّة عند الحنفيّة ‪. -‬‬
‫واختلفوا في إنسان الماء ‪ ،‬فمنهم من حرّمه ومنهم من أباحه ‪ ،‬وهو الرّاجح ‪ ،‬وصرّح المالكيّة‬
‫بجواز قلي السّمك وشيّه من غير شقّ بطنه ولو حيّا ‪ .‬قالوا ‪ :‬ول يع ّد هذا تعذيبا ‪ ،‬لنّ حياته‬
‫خارج الماء كحياة المذبوح ‪.‬‬
‫‪ - 17‬ويستحبّ عند الشّافعيّة ذبح ما تطول حياته كسمك ٍة كبير ٍة ‪ .‬ويكون الذّبح من جهة الذّيل‬
‫في السّمك ‪ ،‬ومن العنق فيما يشبه حيوان البرّ ‪ .‬فإذا لم يكن ممّا تطول حياته كره ذبحه وقطعه‬
‫ل هو أصحّ الوجوه عندهم ‪ .‬وهناك سواه وجهان آخران ‪ :‬أحدهما‬
‫حيّا ‪ .‬وهذا التّعميم في الح ّ‬
‫‪ :‬أنّه ل يحلّ من حيوان البحر سوى السّمك كمذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن ما يؤكل مثله في الب ّر كالّذي على صورة الغنم يحلّ ‪ ،‬وما ل يؤكل مثله في البرّ‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫ل ‪ .‬ويحرم عند الشّافعيّة الحيوان ( البرمائيّ ) أي‬
‫كالّذي على صورة الكلب والحمار ل يح ّ‬
‫الّذي يمكن عيشه دائما في ك ّل من البرّ والبحر إذا لم يكن له نظيرٌ في البرّ مأكولٌ ‪ .‬وقد مثّلوا‬
‫له بالضّفدع ‪ ،‬والسّرطان ‪ ،‬والحيّة ‪ ،‬والنّسناس ‪ ،‬والتّمساح ‪ ،‬والسّلحفاة ‪ .‬وتحريم هذا النّوع‬
‫البرمائيّ هو ما جرى عليه الرّافعيّ والنّوويّ في " الرّوضة " وأصلها واعتمده الرّمليّ ‪ .‬لكن‬
‫ي في " المجموع " أنّ جميع ما يكون ساكنا في البحر فعلً تحلّ ميتته ‪ ،‬ولو كان‬
‫صحّح النّوو ّ‬
‫ل الضّفدع ‪ ،‬وهذا هو المعتمد عند الخطيب وابن حج ٍر الهيتميّ ‪،‬‬
‫ممّا يمكن عيشه في البرّ ‪ ،‬إ ّ‬
‫ل ما فيه سمّ ‪ .‬وعلى هذا فالسّرطان والحيّة والنّسناس والتّمساح‬
‫وزادا على الضّفدع ك ّ‬
‫والسّلحفاة إن كانت هذه الحيوانات ساكنة البحر بالفعل تحلّ ‪ ،‬ول عبرة بإمكان عيشها في البرّ‬
‫‪ ،‬وإن كانت ساكنة البرّ بالفعل تحرم ‪ .‬واختلفوا في الدّنيلس ‪ :‬فأفتى ابن عدلن بحلّه ‪ ،‬ونقل‬
‫ط ممّا يعيش في‬
‫عن الشّيخ ع ّز الدّين بن عبد السّلم الفتاء بتحريمه ‪ .‬ول يعتبر الوزّ والب ّ‬
‫البرّ والبحر ‪ ،‬لنّها ل تستطيع العيش في البحر دائما ‪ ،‬فهي من طيور البرّ ‪ ،‬فل تحلّ إلّ‬
‫بالتّذكية كما يأتي ( ف ‪ . ) 41‬ويكره عند الشّافعيّة ابتلع السّمك حيّا إذا لم يضرّ ‪ ،‬وكذا أكل‬
‫ق بطنه ‪ ،‬لكن يكره ذلك إن كان‬
‫السّمك الصّغير بما في جوفه ‪ ،‬ويجوز قليه وشيّه من غير ش ّ‬
‫حيّا ‪ ،‬وأيّا ما كان فل يتنجّس به الدّهن ‪.‬‬
‫‪ - 18‬وذهب الحنابلة في الحيوان البرمائيّ ‪ ،‬ككلب الماء والسّلحفاة والسّرطان إلى أنّه إنّما‬
‫ل بالتّذكية ‪ .‬وزادوا بالضافة للضّفدع استثناء الحيّة والتّمساح ‪ ،‬فقالوا بحرمة الثّلثة ‪:‬‬
‫يح ّ‬
‫ن له نابا يفترس به ‪ .‬لكنّهم لم‬
‫فالضّفدع للنّهي عن قتلها ‪ ،‬والحيّة لستخباثها ‪ ،‬والتّمساح ل ّ‬
‫ن التّفرقة بينهما‬
‫يستثنوا سمك القرش فهو حللٌ ‪ ،‬وإن كان له نابٌ يفترس به ‪ .‬والظّاهر أ ّ‬
‫مبنيّ ٌة على أنّ القرش نوعٌ من السّمك ل يعيش إلّ في البحر بخلف التّمساح ‪ .‬وقد قالوا ‪ :‬إنّ‬
‫كيفيّة ذكاة السّرطان أن يفعل به ما يميته ‪ ،‬بأن يعقر في أيّ موضعٍ كان من بدنه ‪ .‬وإذا أخذ‬
‫السّمك حيّا لم يجز أكله حتّى يموت أو يمات ‪ ،‬كما يقول الحنفيّة والحنابلة ‪ .‬ويكره شيّه حيّا ‪،‬‬
‫لنّه تعذيبٌ بل حاج ٍة ‪ ،‬فإنّه يموت سريعا فيمكن انتظار موته ‪.‬‬
‫‪ - 19‬وفي حيوانات البحر مذاهب أخرى ‪ :‬منها أنّ ابن أبي ليلى يقول ‪ :‬إنّ ما عدا السّمك‬
‫منها يؤكل بشريطة الذّكاة واللّيث بن سعدٍ يقول كذلك أيضا ‪ ،‬غير أنّه ل يحلّ عنده إنسان‬
‫الماء ول خنزيره ‪ ،‬وعن سفيان الثّوريّ في هذا روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬تحريم ما سوى السّمك كمذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫وثانيهما ‪ :‬الحلّ بالذّبح كقول ابن أبي ليلى ‪.‬‬
‫ل فيه قوله تعالى ‪:‬‬
‫ل ما يسكن جوف الماء ول يعيش إ ّ‬
‫‪ - 20‬ودليل الجمهور الّذين أحلّوا ك ّ‬
‫ل تأكلون لحما‬
‫ح أجاجٌ ‪ ،‬ومن ك ّ‬
‫ب فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا مل ٌ‬
‫{ وما يستوي البحران ‪ ،‬هذا عذ ٌ‬
‫سيّارة } ‪ ،‬فلم يفرّق‬
‫ل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ولل ّ‬
‫طريّا } ‪ .‬وقوله سبحانه ‪ { :‬أح ّ‬
‫ل بين ما يسمّيه النّاس سمكا وما يسمّونه باسمٍ آخر كخنزير الماء أو إنسانه ‪ ،‬فإنّ هذه‬
‫عزّ وج ّ‬
‫التّسمية ل تجعله خنزيرا أو إنسانا ‪ .‬ومن أدلّة ذلك أيضا قوله صلى ال عليه وسلم لمّا سئل‬
‫ل ميتته » ‪ .‬وهذا دليلٌ على حلّ جميع‬
‫عن الوضوء بماء البحر ‪ « :‬هو الطّهور ماؤه ‪ ،‬الح ّ‬
‫الحيوان الّذي يسكن البحر سوا ٌء أخذ حيّا أم ميّتا ‪ ،‬وسواءٌ أكان طافيا أم ل ‪ .‬واستدلّوا أيضا‬
‫بحديث دابّة العنبر ‪ ،‬وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلمٌ عن أبي الزّبير الم ّكيّ ‪ ،‬قال حدّثني‬
‫جابرٌ ‪ ،‬قال ‪ « :‬بعثنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة ‪ ،‬نتلقّى عيرا‬
‫لقريشٍ ‪ ،‬وزوّدنا جرابا من تمرٍ لم يجد لنا غيره ‪ ،‬فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمر ًة ‪ .‬قال أبو‬
‫الزّبير ‪ :‬فقلت لجابرٍ ‪ :‬كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال ‪ :‬نمصّها كما يمصّ الصّبيّ ‪ ،‬ث ّم نشرب‬
‫عليها الماء ‪ ،‬فتكفينا يومنا إلى اللّيل ‪ .‬وكنّا نضرب بعصيّنا الخبط ‪ ،‬ثمّ نبلّه بالماء ونأكله ‪ .‬قال‬
‫‪ :‬وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضّخم ‪ ،‬فأتيناه فإذا هو دابّ ٌة تدعى العنبر‬
‫‪ .‬قال أبو عبيدة ‪ :‬ميتةٌ ؟ ثمّ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬بل نحن رسل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وفي‬
‫سبيل اللّه تعالى ‪ ،‬وقد اضطررتم ‪ ،‬فكلوا ‪ .‬فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلثمائةٍ حتّى س ّمنّا ‪ ،‬ولقد‬
‫رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلل الدّهن ‪ ،‬ونقتطع منه الفدر كالثّور أو كقدر الثّور ‪ ،‬فلقد‬
‫أخذ منّا أبو عبيدة ثلثة عشر رجلً ‪ ،‬فأقعدهم في وقب عينه ‪ ،‬وأخذ ضلعا من أضلعه‬
‫فأقامها ثمّ رحل أعظم بعيرٍ معنا فمرّ تحتها ‪ .‬وتزوّدنا من لحمه وشائق ‪ .‬فلمّا قدمنا المدينة‬
‫أتينا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فذكرنا له ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬هو رزقٌ أخرجه اللّه تعالى لكم ‪،‬‬
‫فهل معكم من لحمه شي ٌء فتطعمونا ؟ ‪ ،‬فأرسلنا إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم منه فأكله‬
‫» ‪ .‬فهذا الحديث يستدلّون به ‪ :‬على أربعة أمورٍ ‪:‬‬
‫ن حيوان البحر من غير السّمك يحلّ أكله في حالتي الختيار والضّرورة ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬على أ ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬على أنّه ل يحتاج إلى ذكاةٍ ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬على حلّ الطّافي ‪ ،‬لنّه ل يدري هل مات حتف أنفه أو بسبب حادثٍ ‪.‬‬
‫ن صيد المجوسيّ والوثنيّ للسّمك ل تأثير له ‪ ،‬لنّه إذا كانت ميتته حللً‬
‫رابعا ‪ :‬على أ ّ‬
‫فصيد المجوسيّ والوثنيّ والمسلم سوا ٌء ‪ .‬هذا ‪ ،‬والفسيخ إن كان صغيرا كان طاهرا في‬
‫المذاهب الربعة ‪ ،‬لنّه معفوّ عمّا في بطنه ‪ ،‬لعسر تنقية ما فيه ‪ ،‬وإن كان كبيرا فهو طاهرٌ‬
‫عند الحنفيّة والحنابلة وابن العربيّ والدّردير من المالكيّة ‪ ،‬خلفا للشّافعيّة ولجمهور المالكيّة ‪.‬‬
‫وإذا اعتبر طاهرا فإنّ أكله مع تفسّخه والتّغيّر في رائحته يتبع فيه شرعا رأي الطّبّ في‬
‫ضرره أو عدمه ‪ :‬فإن قال الطبّاء الثّقات ‪ :‬إنّه ضارّ يكون أكله محظورا شرعا لضرره‬
‫صحّة ‪ ،‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫بال ّ‬
‫الحيوان الب ّريّ ‪ :‬حلله وحرامه ‪:‬‬
‫ب أو الطّيور ‪ .‬ويقسم بحسب‬
‫‪ - 21‬المقصود بالحيوان الب ّريّ ‪ :‬ما يعيش في البرّ من الدّوا ّ‬
‫أنواعه وخصائصه وما يتّصل به من أحكامٍ إلى ثلثة عشر نوعا ‪:‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬النعام ‪:‬‬
‫‪ - 22‬النعام ( بفتح الهمزة ) جمع نعمٍ ( بفتحتين ) وهو اسمٌ يتناول ثلثة أنواعٍ هي ‪ :‬البل ‪،‬‬
‫والبقر ‪ ،‬والغنم ‪ ،‬سواءٌ أكانت البقر عرابا أم جواميس ‪ ،‬وسواءٌ أكانت الغنم ضأنا أم معزا ‪،‬‬
‫فكلّها حللٌ بإجماع المسلمين المستند إلى نصوصٍ كثيرةٍ ‪ .‬منها قوله تعالى ‪ { :‬والنعام خلقها‬
‫ل شأنه { اللّه الّذي جعل لكم النعام‬
‫لكم فيها دفءٌ ومنافع ‪ ،‬ومنها تأكلون } ‪ ،‬ومنها قوله ج ّ‬
‫لتركبوا منها ‪ ،‬ومنها تأكلون } ‪ .‬واسم النعام يقع على هذه الحيوانات بل خلفٍ بين أهل‬
‫اللّغة ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬الرنب ‪:‬‬
‫س أنّه قال ‪ « :‬أنفجنا أرنبا فسعى‬
‫‪ - 23‬الرنب حللٌ أكلها عند الجمهور ‪ .‬وقد صحّ عن أن ٍ‬
‫القوم فلغبوا ‪ ،‬فأخذتها وجئت بها أبا طلحة ‪ ،‬فذبحها وبعث بوركها ‪ -‬أو قال ‪ :‬بفخذها إلى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقبله » ‪ .‬وعن محمّد بن صفوان ( أو صفوان بن مح ّمدٍ ) أنّه قال ‪:‬‬
‫« صدت أرنبين فذبحتهما بمروة ‪ ،‬فسألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فأمرني بأكلهما » ‪.‬‬
‫ص بتحريمها ‪ ،‬فهذه‬
‫ثمّ إنّها من الحيوان المستطاب ‪ ،‬وليست ذات نابٍ تفترس به ‪ ،‬ولم يرد ن ّ‬
‫المناطات تستوجب حلّها كما سيرى في النواع المحرّمة ‪ .‬وقد أكلها سعد بن أبي وقّاصٍ‬
‫رضي ال عنه ورخّص فيها أبو سعيدٍ الخدريّ وعطا ٌء وابن المسيّب واللّيث وأبو ثورٍ وابن‬
‫المنذر ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬الحيوانات المفترسة ‪:‬‬
‫ب يفترس به ‪ ،‬سوا ٌء أكانت أهليّ ًة كالكلب‬
‫‪ - 24‬المراد بالحيوانات المفترسة ‪ :‬كلّ داّبةٍ لها نا ٌ‬
‫سنّور الوحشيّ‬
‫سنّور الهليّ ‪ ،‬أم وحشيّ ًة كالسد والذّئب والضّبع والنّمر والفهد والثّعلب وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫سمّور والدّلق ( وهو أبو مقرضٍ ) والدّبّ والقرد وابن آوى والفيل ‪.‬‬
‫والسّنجاب والفنك وال ّ‬
‫وحكمها ‪ :‬أنّها ل يحلّ شيءٌ منها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو قولٌ للمالكيّة ‪ ،‬غير أنّ‬
‫الضّبع والثّعلب قال بحلّهما أبو يوسف ومح ّمدٌ ‪.‬‬
‫‪ - 25‬واستدلّ الجمهور على تحريم هذا النّوع كلّه أو كراهته كراهةً تحريميّةً ‪ -‬بقطع النّظر‬
‫عن المثلة ‪ -‬بحديث أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال‬
‫ب من السّباع حرامٌ » ‪ .‬ومن استثنى الضّبع منهم استدلّ بأخبارٍ كثيرةٍ عن‬
‫‪ « :‬أكل كلّ ذي نا ٍ‬
‫بعض الصّحابة ‪ ،‬منها ما ورد من حديث ابن أبي عمّارٍ قال ‪ « :‬سألت جابر بن عبد اللّه عن‬
‫الضّبع أآكلها ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قلت ‪ :‬أصيدٌ هي ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قلت ‪ :‬أسمعت ذلك من نبيّ اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ؟ قال ‪ :‬نعم » ‪ .‬وروي أيضا من حديث ناف ٍع مولى ابن عمر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ص يأكل الضّباع ‪ ،‬قال نافعٌ ‪ :‬فلم ينكر ابن عمر ذلك‬
‫أخبر رجلٌ ابن عمر أنّ سعد بن أبي وقّا ٍ‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 26‬والقول المشهور للمالكيّة أنّه ‪ :‬يكره تنزيها أكل الحيوانات المفترسة سوا ٌء أكانت أهلّيةً‬
‫ل بالباحة ‪،‬‬
‫سنّور والكلب ‪ ،‬أم متوحّش ًة كالذّئب والسد ‪ .‬وللمالكيّة في القرد والنّسناس قو ٌ‬
‫كال ّ‬
‫وهو خلف المشهور عندهم لكن صحّحه صاحب التّوضيح ‪.‬‬
‫ن الشّافعيّة أباحوا بعض المثلة السّابق ذكرها ‪ :‬بالضافة إلى الضّبع والثّعلب‬
‫‪ - 27‬لك ّ‬
‫سنّور الوحشيّ ‪ ،‬والهليّ‬
‫سمّور محتجّين بأنّ أنيابها ضعيفةٌ ‪ .‬وقالوا في ال ّ‬
‫كالسّنجاب والفنك وال ّ‬
‫ح ‪ ،‬وقيل في هذه الخمسة الخيرة‬
‫‪ ،‬وابن آوى ‪ ،‬والنّمس ‪ ،‬والدّلق ‪ :‬إنّها محرّم ٌة في الص ّ‬
‫كلّها بالحلّ عندهم ‪.‬‬
‫سنّور‬
‫ن في الثّعلب وال ّ‬
‫‪ - 28‬أمّا الحنابلة فقد أباحوا من المثلة السّابقة الضّبع فقط ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫الوحشيّ روايةً بالباحة ‪.‬‬
‫‪ - 29‬وأمّا المالكيّة فقد استدلّوا بقول اللّه تعالى ‪ { :‬قل ل أجد فيما أوحي إليّ محرّما على‬
‫ن لحوم السّباع ليست ممّا تضمّنته الية ‪ ،‬فتكون مباحةً ‪ ،‬وأمّا‬
‫طاعمٍ يطعمه ‪ } ...‬إلخ الية فإ ّ‬
‫ل على الكراهة ‪.‬‬
‫ما ورد من النّهي عن أكل كلّ ذي نابٍ فهو محمو ٌ‬
‫النّوع الرّابع ‪ :‬كلّ وحشٍ ليس له نابٌ يفترس به وليس من الحشرات ‪:‬‬
‫‪ - 30‬وذلك كالظّباء ‪ ،‬وبقر الوحش ‪ ،‬وحمر الوحش ‪ ،‬وإبل الوحش ‪ .‬وهذا النّوع حللٌ‬
‫طيّبات ‪ .‬لكن قال المالكيّة ‪ :‬إذا تأنّس حمار الوحش صار حكمه‬
‫بإجماع المسلمين ‪ ،‬لنّه من ال ّ‬
‫حكم الحمار الهليّ ‪ ،‬وحكم الهليّ سيأتي( ر ‪ :‬ف ‪ . ) 46‬فإن عاد إلى التّوحّش رجع مباحا‬
‫كما كان ‪.‬‬
‫النّوع الخامس ‪ :‬كلّ طائرٍ له مخلبٌ صائدٌ ‪:‬‬
‫‪ - 31‬وذلك كالبازي والباشق والصّقر والشّاهين والحدأة والعقاب ‪ ،‬وهذا النّوع ‪ -‬بقطع النّظر‬
‫ل عند المالكيّة فقد‬
‫عن المثلة ‪ -‬مكرو ٌه تحريما عند الحنفيّة ‪ ،‬وحرامٌ في باقي المذاهب ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن جميع هذه الطّيور مباح ٌة ولو كانت جلّلةً ‪ ،‬وروي عن جماعةٍ‬
‫قالوا في المشهور عنهم ‪ :‬إ ّ‬
‫منهم عدم جواز أكلها ‪ .‬ومال المازريّ لحمل النّهي على التّنزيه ‪.‬‬
‫س رضي ال‬
‫‪ - 32‬ومن أدلّة تحريم هذا النّوع أو كراهته كراهةً تحريميّةً حديث ابن عبّا ٍ‬
‫ب من السّباع ‪ ،‬وعن كلّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن أكل كلّ ذي نا ٍ‬
‫عنهما « أ ّ‬
‫ب من الطّير » ‪ .‬والمراد مخلبٌ يصيد به ‪ ،‬إذ من المعلوم أنّه ل يسمّى ذا مخلبٍ عند‬
‫ذي مخل ٍ‬
‫ل الصّائد بمخلبه وحده ‪ .‬وأمّا الدّيك والعصافير والحمام وسائر ما ل يصيد بمخلبه فل‬
‫العرب إ ّ‬
‫تسمّى ذوات مخالب في اللّغة ‪ ،‬لنّ مخالبها للستمساك والحفر بها ‪ ،‬وليست للصّيد والفتراس‬
‫ل المالكيّة بالحصر الّذي في قوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد فيما أوحي إليّ محرّما على‬
‫‪ .‬واستد ّ‬
‫طاعمٍ يطعمه إلّ أن يكون ميت ًة أو دما مسفوحا أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ أو فسقا أهّل لغير‬
‫اللّه به } ‪.‬‬
‫النّوع السّادس ‪ :‬الطّائر الّذي ل يأكل إلّ الجيف غالبا ‪:‬‬
‫‪ - 33‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على تحريم الغراب السود الكبير والغراب البقع ‪ ،‬إلّ‬
‫أنّ الحنفيّة عبّروا بالكراهة التّحريميّة ‪ .‬والمقصود واحدٌ ‪ ،‬وهو منع الشّارع الكل ‪ ،‬ومعلومٌ‬
‫ح أن يعبّر عنه بالتّحريم وبالكراهة التّحريميّة ‪.‬‬
‫أنّ دليل المنع ليس قطعيّا ‪ ،‬وما كان كذلك يص ّ‬
‫وكل النّوعين ل يأكل غالبا إلّ الجيف ‪ ،‬فهما مستخبثان عند ذوي الطّبائع السّليمة ‪ ،‬ويدخل في‬
‫ب صائدٍ ‪.‬‬
‫هذا النّوع النّسر ‪ ،‬لنّه ل يأكل سوى اللّحم من جيفٍ وسواها ‪ ،‬وإن لم يكن ذا مخل ٍ‬
‫ل غراب الزّرع ‪ ،‬وهو نوعان ‪:‬‬
‫‪ - 34‬ويح ّ‬
‫ب أسود صغيرٌ ‪ ،‬وقد يكون محمرّ المنقار والرّجلين ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬الزّاغ وهو غرا ٌ‬
‫ب صغيرٌ لونه كلون الرّماد ‪ ،‬وكلهما يأكل الزّرع‬
‫وثانيهما ‪ :‬الغداف الصّغير ‪ ،‬وهو غرا ٌ‬
‫والحبّ ول يأكل الجيف ‪ .‬وبحلّهما أيضا قال الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ب نحو الحمامة حجما ‪ ،‬طويل الذّنب فيه بياضٌ وسوادٌ ‪ ،‬فهو‬
‫‪ - 35‬وأمّا العقعق ‪ ،‬وهو غرا ٌ‬
‫حرامٌ عند الجمهور ‪ ،‬حللٌ عند أبي حنيفة ‪ ،‬مكروهٌ تحريما عند أبي يوسف ‪ .‬والصحّ عند‬
‫ب ‪ ،‬فل يكون مستخبثا ‪.‬‬
‫الحنفيّة حلّه ‪ ،‬لنّه يخلط فيأكل الجيف والح ّ‬
‫‪ - 36‬وليست العبرة عند الحنفيّة بالسماء ‪ ،‬ول بالكبر والصّغر ‪ ،‬ول باللوان ‪ ،‬وإنّما العبرة‬
‫بنوع غذائه ‪ :‬فالّذي ل يأكل إلّ الجيف غالبا مكروهٌ تحريما ‪ ،‬والّذي يخلط حللٌ عند أبي‬
‫حنيفة خلفا لبي يوسف ‪ ،‬والّذي ل يأكل الجيف حللٌ اتّفاقا ‪ ،‬هذا مذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫‪ - 37‬والمالكيّة أباحوا الغربان كلّها من غير كراهةٍ على المشهور ‪ .‬وروي عن جماع ٍة منهم‬
‫عدم جواز آكلة الجيف ‪.‬‬
‫ل ما استثني ) حديث عائشة‬
‫‪ - 38‬وحجّة القائلين بتحريم الغربان أو كراهتها التّحريميّة ( إ ّ‬
‫رضي ال عنها أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خمسٌ فواسق تقتلن في الحلّ‬
‫والحرم ‪ :‬الحيّة ‪ ،‬والغراب البقع ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والكلب العقور ‪ ،‬والحديّا » ‪ .‬وحديث عائشة‬
‫رضي ال عنها أيضا أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خمسٌ من الدّوابّ كلّهنّ‬
‫فاسقٌ ‪ ،‬يقتلن في الحرم ‪ :‬الغراب ‪ ،‬والحدأة ‪ ،‬والعقرب ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والكلب العقور » وحديث‬
‫ب ليس‬
‫ابن عمر رضي ال عنهما أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خمسٌ من الدّوا ّ‬
‫على المحرم في قتلهنّ جناحٌ ‪ :‬الغراب ‪ ،‬والحدأة ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والعقرب ‪ ،‬والكلب العقور » ‪.‬‬
‫فالغراب البقع الّذي ذكر في الحديث أبيح قتله ‪ ،‬وكذا سائر الغربان الّتي يدلّ عليها عموم لفظ‬
‫" الغراب " في الحاديث الخرى ‪ .‬وما أبيح قتله فل ذكاة له ‪ ،‬لنّ كلمة القتل متى أطلقت‬
‫تنصرف إلى إزهاق الرّوح بأيّة وسيلةٍ استطاعها النسان ‪ ،‬فلو حلّ بالذّكاة لكان إزهاق روحه‬
‫بغيرها إضاع ًة للمال ‪ ،‬وقد نهى عليه الصلة والسلم عن إضاعة المال ‪ .‬وقد روى ابن أبي‬
‫شيبة عن عروة رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬من يأكل الغراب وقد سمّاه رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فاسقا ؟ وروى عبد الرّزّاق عن الزّهريّ أنّه قال ‪ :‬كره رجالٌ من أهل العلم أكل‬
‫الحداء والغراب حيث سمّاهما رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من فواسق الدّوابّ الّتي تقتل‬
‫في الحرم ‪.‬‬
‫‪ - 39‬وحجّة المالكيّة أنّ إباحة القتل ل دللة فيها على تحريم الكل لقوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد‬
‫ي محرّما على طاعمٍ ‪ } ...‬الية ‪ .‬ومعلومٌ أنّ الغراب ليس في الية ‪ ،‬فيكون‬
‫فيما أوحي إل ّ‬
‫مباح الكل ‪.‬‬
‫‪ - 40‬وحجّة من استثنى إباحة بعض النواع من الغربان أنّ الحاديث الّتي ورد فيها وصف‬
‫الغراب بالبقع أشعرت أنّ الغراب المذكور هو المتّصف بصف ٍة توجب خبثه ‪ ،‬وقد لوحظ أنّ‬
‫هذه الصّفة هي كونه ل يأكل إلّ الجيفة غالبا ‪ ،‬فحملت الحاديث المطلقة عليه ‪ ،‬ثمّ ألحق‬
‫بالبقع ما ماثله وهو الغداف الكبير ‪ .‬واختلفوا في العقعق تبعا لختلف أنظارهم في كونه‬
‫يكثر من أكل الجيفة أو ل يكثر ‪.‬‬
‫النّوع السّابع ‪ :‬كلّ طائرٍ ذي دمٍ سائلٍ ‪ ،‬وليس له مخلبٌ صائدٌ ‪ ،‬وليس أغلب أكله‬
‫الجيف ‪:‬‬
‫‪ - 41‬وذلك كالدّجاج ‪ ،‬والبطّ ‪ ،‬والو ّز ‪ ،‬والحمام مستأنسا ومتوحّشا ‪ ،‬والفواخت ‪ ،‬والعصافير‬
‫‪ ،‬والقبج ‪ ،‬والكركيّ ‪ ،‬والخطّاف ‪ ،‬والبوم ‪ ،‬والدّبسيّ ‪ ،‬والصّلصل ‪ ،‬واللّقلق ‪ ،‬واللّحام ‪،‬‬
‫ل عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫والهدهد ‪ ،‬والصّرد ‪ ،‬والخفّاش ( الوطواط ) ‪ .‬فكلّ هذا مأكو ٌ‬
‫ل الخفّاش فالمشهور‬
‫‪ - 42‬وقال المالكيّة بإباحة هذا النّوع كلّه ولو جلّلةً في المشهور عنهم ‪ ،‬إ ّ‬
‫عندهم فيه الكراهة ‪ ،‬وقيل بكراهة الهدهد والصّرد ‪ ،‬لما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن‬
‫ب ‪ :‬النّملة ‪،‬‬
‫س رضي ال عنهما أنّه صلى ال عليه وسلم « نهى عن قتل أربعٍ من الدّوا ّ‬
‫عبّا ٍ‬
‫ص بعضهم الكراهة‬
‫والنّحلة ‪ ،‬والهدهد ‪ ،‬والصّرد » ‪ .‬وقيل بالكراهة في الخطّاف أيضا ‪ ،‬وخ ّ‬
‫فيه بما يعشّش في البيوت احتراما لمن عشّش عنده ‪.‬‬
‫‪ - 43‬واتّفق الشّافعيّة والحنابلة على التّفصيل التّالي في هذا النّوع ‪ ،‬فذكروا أنّه يحرم ما أمر‬
‫الشّارع بقتله ‪ ،‬وما نهى عن قتله ‪ ،‬وما استخبث ‪ ،‬ويحلّ ما لم يكن كذلك ‪ .‬لكنّهم اختلفوا في‬
‫التّطبيق ‪ :‬فالرّخمة والخفّاش واللّقلق والخطّاف والسّنونو تحرم عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫والبغاثة تحرم عند الشّافعيّة ‪ .‬والببّغاء والطّاووس يحرمان عند الشّافعيّة لخبث غذائهما ‪،‬‬
‫ويحلّن عند الحنابلة ‪ .‬والخيل ‪ ،‬ويسمّى ‪ :‬الشّقراق يحرم عند الحنابلة لخبثه ‪ ،‬ويحلّ عند‬
‫ص الحنابلة على تحريمه لخبثه ‪،‬‬
‫الشّافعيّة ‪ .‬وأبو زريقٍ ‪ ،‬ويسمّى ‪ :‬الدّرباب أو القيق ‪ ،‬ن ّ‬
‫ومقتضى كلم الشّافعيّة أنّه يحلّ ‪ .‬والهدهد والصّرد يحرمان في المذاهب الثّلثة للنّهي عن‬
‫قتلهما ‪ .‬ويحرم العقعق عند الثّلثة أيضا ‪ ،‬لنّه يأكل الجيف كالغراب البقع ‪ ،‬وقد سبق ذكره‬
‫( ر ‪ :‬ف ‪ . ) 33‬والنّعامة ‪ ،‬والكركيّ ‪ ،‬والحبارى ‪ ،‬والدّجاج ‪ ،‬والبطّ ‪ ،‬والوزّ ‪ ،‬والغرنيق ‪،‬‬
‫وسائر طيور الماء ‪ -‬سوى اللّقلق ‪ -‬كلّها ممّا يؤكل على المذاهب الثّلثة ‪ ،‬وكذا الحمام ‪ ،‬وهو‬
‫ب وهدر كالقمريّ ‪ ،‬والدّبسيّ ‪ ،‬واليمام ‪ ،‬والفواخت ‪ ،‬والقطا ‪ ،‬والحجل ‪ .‬وكذلك‬
‫ل ما ع ّ‬
‫اسمٌ لك ّ‬
‫العصفور وكلّ ما على شكله ‪ ،‬كالعندليب المسمّى بالهزار ‪ ،‬والصّعوة ‪ ،‬والزّرزور ‪ ،‬حللٌ‬
‫طيّبات ‪ ( ،‬كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬وإن كان هؤلء يقولون‬
‫في المذاهب الثّلثة ‪ ،‬لنّها معدود ٌة من ال ّ‬
‫بالكراهة التّنزيهيّة في بعضٍ منها على ما سبق بيانه ) ‪.‬‬
‫النّوع الثّامن ‪ :‬الخيل ‪:‬‬
‫‪ - 44‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قولٌ للمالكيّة إلى إباحة الخيل ‪ ،‬سوا ٌء أكانت عرابا أم‬
‫براذين ‪ .‬وحجّتهم حديث جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما ‪ ،‬قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الهليّة ‪ ،‬وأذن في لحوم الخيل » ‪ .‬وحديث أسماء‬
‫بنت أبي بك ٍر رضي ال عنهما قالت ‪ « :‬نحرنا على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ل ثانٍ للمالكيّة ‪،‬‬
‫فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة » ‪ .‬وذهب الحنفيّة في الرّاجح عندهم ‪ ،‬وهو قو ٌ‬
‫ل أكلها مع الكراهة التّنزيهيّة ‪ .‬وحجّتهم هي اختلف الحاديث المرويّة في الباب‬
‫إلى ح ّ‬
‫ن في أكلها تقليل آلة الجهاد ‪.‬‬
‫واختلف السّلف ‪ ،‬فذهبوا إلى كراهة الخيل احتياطا ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ - 45‬وبنا ًء على الكراهة التّنزيهيّة يقرّر الحنفيّة ‪ :‬أنّ سؤر الفرس ولبنها طاهران ‪ ،‬لنّ‬
‫كراهة أكل الخيل ليست لنجاستها ‪ ،‬بل لحترامها ‪ ،‬لنّها آلة الجهاد ‪ ،‬وفي توفيرها إرهاب‬
‫العد ّو ‪ ،‬كما يقول اللّه تعالى ‪ { :‬وأعدّوا لهم ما استطعتم من ق ّوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به‬
‫عدوّ اللّه وعدوّكم } ‪ .‬وذهب أبو حنيفة في رواية الحسن بن زيادٍ عنه إلى الكراهة‬
‫التّحريميّة ‪ ،‬ونحوه قولٌ للمالكيّة بالتّحريم ‪ ،‬وبه جزم خليلٌ في مختصره ‪ .‬وحجّتهم قول اللّه‬
‫تعالى ‪ { :‬والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزين ًة } فالقتصار على الرّكوب والزّينة يدلّ‬
‫على أنّها ليست مأكولةً ‪ ،‬إذ لو كانت مأكول ًة لقال ‪ :‬ومنها تأكلون ‪ ،‬كما قال قبل ذلك ‪:‬‬
‫{ والنعام خلقها ‪ ،‬لكم فيها دفءٌ ومنافع ‪ ،‬ومنها تأكلون } ‪ .‬وكذا الحديث المرويّ عن خالد‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال‬
‫بن الوليد رضي ال عنه أ ّ‬
‫ب من الطّير » ‪ .‬ولمّا كانت دللة الية‬
‫ب من السّباع ‪ ،‬وكلّ ذي مخل ٍ‬
‫والحمير ‪ ،‬وكلّ ذي نا ٍ‬
‫والحديث على التّحريم غير قطعيّةٍ كان الحكم هو الكراهة التّحريميّة عند الحنفيّة ‪ .‬ول مانع‬
‫من تسميتها ( تحريما ) بنا ًء على أنّ التّحريم هو المنع بالمعنى الشّامل لما كان دليله قطعيّا أو‬
‫ظ ّنيّا ‪.‬‬
‫النّوع التّاسع ‪ :‬الحمار الهليّ ‪:‬‬
‫‪ - 46‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬وهو القول الرّاجح للمالكيّة ‪ -‬إلى حرمة أكله ‪ .‬ونحوه مذهب‬
‫الحنفيّة حيث عبّروا بالكراهة التّحريميّة الّتي تقتضي المنع ‪ ،‬وسوا ٌء أبقي على أهليّته أم توحّش‬
‫‪ .‬ومن أدلّة التّحريم أو الكراهة التّحريميّة ‪ :‬حديث أنس بن مالكٍ رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ رسول‬
‫ن اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الهليّة‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم أمر مناديا فنادى ‪ :‬إ ّ‬
‫فإنّها رجسٌ ‪ ،‬فأكفئت القدور وإنّها لتفور باللّحم » ‪ .‬وحديث جابر بن عبد اللّه « أنّ رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الهليّة ‪ ،‬وأذن في لحوم الخيل » ‪.‬‬
‫وذكر ابن حزمٍ أنّه نقل تحريم الحمر الهليّة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم من طريق تسعةٍ‬
‫من الصّحابة بأسانيد كالشّمس ‪ ،‬فهو نقل تواترٍ ل يسع أحدا خلفه ‪ .‬والقول الثّاني للمالكيّة ‪:‬‬
‫أنّه يؤكل مع الكراهة أي التّنزيهيّة ‪.‬‬
‫ن المام أحمد قال ‪ :‬إنّ خمسة عشر من أصحاب النّبيّ صلى ال‬
‫‪ - 47‬وقد نقل ابن قدامة ‪ :‬أ ّ‬
‫عليه وسلم كرهوا الحمر الهليّة ‪ ،‬وأنّ ابن عبد البرّ قال ‪ :‬ل خلف بين علماء المسلمين اليوم‬
‫ن ابن عبّاسٍ وعائشة كانا يقولن بظاهر قوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد فيما‬
‫في تحريمها ‪ ،‬وأ ّ‬
‫أوحي إليّ محرّما على طاعمٍ يطعمه إلّ أن يكون ميت ًة أو دما مسفوحا أو لحم خنزيرٍ } ‪.‬‬
‫ل لم يريا بأكل الحمر‬
‫س وقال ‪ :‬ما خلّ هذا فهو حللٌ ‪ ،‬وأنّ عكرمة وأبا وائ ٍ‬
‫تلها ابن عبّا ٍ‬
‫ن فيها ثلثة مذاهب ‪:‬‬
‫بأسا ‪ .‬ونقل الكاسانيّ أنّ بشرا المريسيّ قال بإباحتها ‪ .‬وصفوة القول أ ّ‬
‫الوّل ‪ :‬التّحريم أو الكراهة التّحريميّة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬الكراهة التّنزيهيّة ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬الباحة ‪.‬‬
‫النّوع العاشر ‪ :‬الخنزير ‪:‬‬
‫‪ - 48‬الخنزير حرامٌ لحمه وشحمه وجميع أجزائه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد فيما أوحي إليّ‬
‫محرّما على طاعمٍ يطعمه إلّ أن يكون ميت ًة ‪ ،‬أو دما مسفوحا ‪ ،‬أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ ‪ ،‬أو‬
‫فسقا أهّل لغير اللّه به } ‪.‬‬
‫ص اللّحم بالذّكر مع أنّ بقيّة أجزائه أيضا حرامٌ ‪ ،‬خلفا للظّاهريّة ‪،‬‬
‫‪ - 49‬قال اللوسيّ ‪ ( :‬خ ّ‬
‫ص لحم‬
‫لنّه معظم سما يؤكل من الحيوان ‪ ،‬وسائر أجزائه كالتّابع له ‪ ،‬ثمّ بيّن اللوسيّ أنّه خ ّ‬
‫الخنزير بالذّكر ‪ ،‬مع أنّ بقيّة أجزائه حرامٌ ‪ ،‬لظهار حرمة ما استطابوه وفضّلوه على سائر‬
‫اللّحوم واستعظموا وقوع تحريمه ) ‪.‬‬
‫‪ - 50‬والضّمير في قوله تعالى ‪ { :‬أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ } ‪ ،‬في لغة العرب الّتي نزل‬
‫ن الخنزير بعينه‬
‫بها القرآن راجعٌ إلى أقرب مذكورٍ إليه وهو الخنزير نفسه ‪ ،‬فصحّ بالقرآن أ ّ‬
‫ب اجتنابه ‪ ،‬فالخنزير كلّه‬
‫رجسٌ ‪ ،‬فهو كلّه رجسٌ وبعض الرّجس رجسٌ ‪ ،‬والرّجس حرامٌ واج ٌ‬
‫حرامٌ ‪ ،‬ل يخرج من ذلك شعره ول غيره ‪.‬‬
‫النّوع الحادي عشر ‪ :‬الحشرات ‪:‬‬
‫ب كافّةً ممّا يطير‬
‫‪ - 51‬الحشرات قد تطلق لغ ًة على الهوامّ فقط ‪ ،‬وقد تطلق على صغار الدّوا ّ‬
‫أو ل يطير ‪ .‬والمراد هنا المعنى الثّاني العمّ ‪ .‬والحشرات تنقسم إلى قسمين ‪:‬‬
‫أ ‪ :‬ما له دمٌ سائلٌ ( ذاتيّ ) ومن أمثلته ‪ :‬الحيّة ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والخلد ‪ ،‬والضّبّ ‪ ،‬واليربوع ‪،‬‬
‫وابن عرسٍ ‪ ،‬والقنفذ ‪.‬‬
‫ب ‪ :‬ما ليس له دمٌ سائلٌ ( ذاتيّ ) ومن أمثلته ‪ :‬الوزغ ‪ ،‬والعقرب ‪ ،‬والعظاءة ‪ ،‬والحلزون‬
‫الب ّريّ ‪ ،‬والعنكبوت ‪ ،‬والقراد ‪ ،‬والخنفساء ‪ ،‬والنّمل ‪ ،‬والبرغوث ‪ ،‬والجراد ‪ ،‬والزّنبور ‪،‬‬
‫والذّباب والبعوض ‪.‬‬
‫‪ - 52‬وهذا التّقسيم في الحشرات إلى ذوات دمٍ سائلٍ وغير سائلٍ ل تأثير له في كونها مأكولةً‬
‫ن له تأثيرا في موضوعٍ آخر هو نجاستها‬
‫أو غير مأكول ٍة في موضوع الطعمة هنا ‪ ،‬ولك ّ‬
‫وطهارتها ‪ ،‬فذات الدّم السّائل تنجس ميتتها ‪ .‬وتتنجّس بها المائعات القليلة ‪ ،‬بخلف ما ليس‬
‫لها دمٌ سائلٌ ‪ ،‬ولذلك جمع النّوعان في موضوع الطعمة هنا لوحدة الحكم فيهما من حيث‬
‫ص بكلّ منها حسن‬
‫جواز الكل أو عدمه ‪ .‬ولمّا كان لكلّ من الجراد والضّبّ والدّود حكمٌ خا ّ‬
‫إفراد كلّ منها على حدةٍ ‪.‬‬
‫الجراد ‪:‬‬
‫ل الجراد ‪ ،‬وقد ورد في حلّه الحديث القائل ‪ « :‬أحلّت لنا ميتتان‬
‫‪ - 53‬أجمعت المّة على ح ّ‬
‫ودمان ‪ ،‬فأمّا الميتتان ‪ :‬فالجراد والحوت ‪ ،‬وأمّا الدّمان ‪ :‬فالطّحال والكبد » ‪ - .‬وذهب‬
‫الجمهور إلى أنّه ل حاجة إلى تذكية الجراد ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل بدّ من تذكيته بأن يفعل به ما‬
‫ن الشّافعيّة كرهوا ذبح الجراد وقطعه حيّا ‪.‬‬
‫يعجّل موته بتسمي ٍة ونيّ ٍة ‪ .‬وممّا ينبغي التّنبّه له أ ّ‬
‫وصرّحوا بجواز قليه ميتا دون إخراج ما في جوفه ‪ ،‬ول يتنجّس به الدّهن ‪ .‬ويحرم عندهم‬
‫قليه وشيّه حيّا على الرّاجح لما فيهما من التّعذيب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يحلّ ذلك فيه كما يحلّ في السّمك ‪،‬‬
‫ن حياة الجراد مستقرّةٌ ليست كحياة المذبوح ‪ ،‬بخلف‬
‫ن هذا القول عندهم ضعيفٌ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولك ّ‬
‫ن حياته كحياة المذبوح ‪ .‬وخالف الحنابلة في قليه وشيّه حيّا ‪،‬‬
‫السّمك الّذي خرج من الماء ‪ ،‬فإ ّ‬
‫فذهبوا إلى مثل القول الثّاني للشّافعيّة ‪ ،‬وهو إباحتهما ‪ ،‬وإن كان فيهما تعذيبٌ ‪ ،‬لنّه تعذيبٌ‬
‫ب‪:‬‬
‫ق انتظار موته ‪ .‬الضّ ّ‬
‫للحاجة ‪ ،‬فإنّ حياته قد تطول فيش ّ‬
‫ب ‪ :‬فذهب الجمهور إلى إباحته ‪ ،‬واستدلّوا بالحديث المرويّ عن‬
‫‪ - 54‬اختلف الفقهاء في الضّ ّ‬
‫« عبد اللّه بن عبّاسٍ ‪ ،‬قال ‪ :‬دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫بيت ميمونة ‪ ،‬فأتي بضبّ محنوذٍ ‪ ،‬فرفع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يده ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أحرامٌ‬
‫هو يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ‪ .‬قال خالدٌ ‪:‬‬
‫فاجتررته فأكلته ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينظر » ‪ .‬وذهب أبو حنيفة إلى تحريمه ‪،‬‬
‫واحتجّ بالحديث المرويّ عن « عبد الرّحمن ابن حسنة ‪ :‬أنّهم أصابتهم مجاع ٌة في إحدى‬
‫الغزوات مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فوجد الصّحابة ضبابا فحرشوها وطبخوها ‪،‬‬
‫فبينما كانت القدور ‪ ،‬تغلي بها علم بذلك الرّسول صلى ال عليه وسلم فأمرهم بإكفاء القدور‬
‫خرٌ ‪ ،‬لنّه‬
‫ن حديث الباحة متأ ّ‬
‫فألقوا بها » ‪ .‬واعتبر الجمهور ما ورد في تحريمه منسوخا ‪ ،‬ل ّ‬
‫حضره ابن عبّاسٍ وهو لم يجتمع بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم إلّ بالمدينة ‪ .‬وممّن كره الضّبّ‬
‫من الصّحابة رضي ال عنهم عليّ بن أبي طالبٍ ‪ ،‬وجابر بن عبد اللّه ‪ ،‬ويحتمل أن تكون‬
‫الكراهة عندهما تحريميّ ًة ‪ ،‬وهذا عندئذٍ يتّفق مع القول بالتّحريم ‪ ،‬ويحتمل أنّها تنزيهيّةٌ ‪.‬‬
‫وحجّة من قال بكراهته تنزيها تعارض أدلّة الباحة والتّحريم ‪ ،‬فيكره تنزيها احتياطا ‪.‬‬
‫الدّود ‪:‬‬
‫‪ -‬تناولت كتب الفقه تفصيلتٍ عن الدّود إيجازها فيما يلي ‪ :‬قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ دود الزّنبور‬ ‫‪55‬‬

‫ونحوه قبل أن تنفخ فيه الرّوح ل بأس بأكله ‪ ،‬لنّه ليس بميت ٍة ‪ ،‬فإن نفخت فيه الرّوح لم يجز‬
‫أكله ‪ .‬وعلى هذا ل يجوز أكل الجبن أو الخلّ أو الثّمار بدودها ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إن مات‬
‫الدّود ونحوه في طعامٍ وتميّز عن الطّعام أخرج منه وجوبا ‪ ،‬فل يؤكل معه ‪ ،‬ول يطرح‬
‫ن ميتته طاهرةٌ ‪ .‬وإن لم يتميّز بأن اختلط بالطّعام وتهرّى طرح‬
‫الطّعام بعد إخراجه منه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب أو هرّ أو دابّ ٍة ‪ ،‬إلّ إذا‬
‫الطّعام ‪ ،‬لعدم إباحة نحو الدّود الميّت به وإن كان طاهرا ‪ ،‬فيلقى لكل ٍ‬
‫كان الدّود غير المتميّز قليلً ‪ .‬وإن لم يمت في الطّعام جاز أكله معه ‪ .‬هذا كلّه إن لم يكن‬
‫الدّود ونحوه تولّد في الطّعام ( أي عاش وتربّى فيه ) ‪ ،‬سوا ٌء أكان فاكهةً أم حبوبا أم تمرا ‪،‬‬
‫فإن كان كذلك جاز أكله معه عندهم ‪ ،‬قلّ أو كثر ‪ ،‬مات فيه أو ل ‪ ،‬تميّز أو لم يتميّز ‪ .‬ومعنى‬
‫ل أكل الدّود المتولّد‬
‫ذلك أنّهم يلحظون فيه حينئذٍ معنى التّبعيّة ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يح ّ‬
‫ل وفاكهةٍ بثلث شرائط ‪:‬‬
‫في طعامٍ كخ ّ‬
‫الولى ‪ - :‬أن يؤكل مع الطّعام ‪ ،‬حيّا كان أو ميّتا ‪ ،‬فإن أكل منفردا لم يحلّ ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ - :‬ألّ ينقل منفردا ‪ ،‬فإن نقل منفردا لم يجز أكله ‪ .‬وهاتان الشّريطتان منظورٌ فيهما‬
‫أيضا إلى معنى التّبعيّة ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ - :‬ألّ يغيّر طعم الطّعام أو لونه أو ريحه إن كان مائعا ‪ ،‬فإن غيّر شيئا من ذلك لم‬
‫يجز أكله ول شربه ‪ ،‬لنجاسته حينئذٍ ‪ .‬ويقاس على الدّود السّوس المتولّد في نحو التّمر‬
‫ل أكله ما لم يغيّر الماء ‪ .‬وكذا النّمل إذا وقع في العسل ونحوه‬
‫والباقلء إذا طبخا ‪ ،‬فإنّه يح ّ‬
‫ب إليّ ‪ ،‬وإن لم يتقذّر فأرجو ‪ .‬وقال عن‬
‫فطبخ ‪ .‬وقال أحمد في الباقلء المدوّد ‪ :‬تجنّبه أح ّ‬
‫تفتيش التّمر المدوّد ‪ :‬ل بأس به ‪ .‬وقد روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أنّه أتي بتمرٍ‬
‫عتيقٍ فجعل يفتّشه يخرج السّوس منه » ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬وهو أحسن ‪.‬‬
‫بقيّة الحشرات ‪:‬‬
‫‪ - 56‬للفقهاء في حكم بقيّة الحشرات ‪ ،‬ما عدا الجراد والضّبّ ‪ ،‬والدّود ثلثة آراءٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ - :‬حرمة أصناف الحشرات كلّها ‪ ،‬لنّها تعدّ من الخبائث لنفور الطّبائع السّليمة منها‬
‫‪ .‬وإلى هذا ذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ - :‬ح ّل أصنافها كلّها لمن ل تضرّه ‪ .‬وإليه ذهب المالكيّة ‪ ،‬لكنّهم اشترطوا في الحلّ‬
‫ل ذكّيت كما يذكّى الجراد ‪ ،‬وسيأتي بيان ذلك ‪ .‬وإن‬
‫تذكيتها ‪ :‬فإن كانت ممّا ليس له دمٌ سائ ٌ‬
‫ل ذكّيت بقطع الحلقوم والودجين من أمام العنق بنيّةٍ وتسميةٍ ‪ .‬وقال‬
‫كانت ممّا له دمٌ سائ ٌ‬
‫المالكيّة في الفأر إذا علم وصوله إلى النّجاسة ‪ :‬إنّه مكروهٌ ‪ ،‬وإن لم يعلم وصوله إليها فهو‬
‫مباحٌ ‪.‬‬
‫ض ‪ :‬فالشّافعيّة ‪ :‬قالوا بإباحة الوبر ‪ ،‬وأمّ‬
‫الثّالث ‪ - :‬التّفصيل بتحريم بعض أصنافها دون بع ٍ‬
‫حبينٍ ‪ ،‬واليربوع ‪ ،‬وابن عرسٍ ‪ ،‬والقنفذ ‪ .‬أمّا أ ّم حبينٍ فلشبهها بالضّبّ ‪ ،‬وأمّا البقيّة فلنّها‬
‫غير مستخبثةٍ ‪ .‬والحنابلة خالفوا الشّافعيّة في القنفذ وابن عرسٍ ‪ ،‬فقالوا بحرمتهما ‪ ،‬ولهم‬
‫روايتان في الوبر واليربوع أصحّهما الباحة ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني عشر ‪ :‬المتولّدات ‪ ،‬ومنها ‪ :‬البغال ‪:‬‬
‫‪ - 57‬يقصد بالمتولّدات ما تولّد بين نوعين من الحيوان ‪ .‬وهو ثلثة أصنافٍ ‪:‬‬
‫ل بل خلفٍ ‪.‬‬
‫الصّنف الوّل ‪ :‬ما تولّد بين نوعين حللين ‪ .‬وهو حل ٌ‬
‫الصّنف الثّاني ‪ :‬ما تولّد بين نوعين محرّمين أو مكروهين تحريما ‪ .‬وهو مح ّرمٌ أو مكروهٌ‬
‫تحريما بل خلفٍ ‪.‬‬
‫الصّنف الثّالث ‪ :‬ما تولّد بين نوعين أحدهما محرّ ٌم أو مكروهٌ تحريما ‪ ،‬والثّاني حللٌ مع‬
‫الباحة أو مع الكراهة التّنزيهيّة ‪ .‬ومن أمثلة هذا الصّنف ‪ :‬البغال ‪ .‬وفي حكمها تفصيلٌ ‪:‬‬
‫‪ - 58‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ البغل وغيره من المتولّدات يتبع أخسّ الصلين ‪ .‬وصرّح‬
‫ن هذه التّبيعة إنّما هي عند العلم بالتّولّد بين النّوعين ‪ .‬وعلى هذا لو ولدت الشّاة‬
‫الشّافعيّة بأ ّ‬
‫كلب ًة دون أن يعلم أنّها نزا عليها كلبٌ فإنّها تحلّ ‪ ،‬لعدم اليقين بتولّدها من كلبٍ ‪ ،‬لنّه قد تقع‬
‫الخلقة على خلف صورة الصل ‪ ،‬وإن كان الورع تركها ‪ .‬وحجّتهم في قولهم يتبع أخسّ‬
‫الصلين ‪ ،‬أنّه متوّل ٌد منهما فيجتمع فيه حلّ وحرم ٌة ‪ ،‬فيغلّب جانب الحرمة احتياطا ‪ .‬ومن‬
‫القواعد الفقهيّة أنّه إذا تعارض المانع والمقتضي ‪ ،‬أو الحاظر والمبيح ‪ ،‬غلّب جانب المانع‬
‫الحاظر احتياطا ‪.‬‬
‫ن ( حمار ٌة ) يكره أكل لحمه تحريما‬
‫‪ - 59‬وعند الحنفيّة البغال تابعةٌ للمّ ‪ ،‬فالبغل الّذي أمّه أتا ٌ‬
‫تبعا لمّه ‪ ،‬والّذي أمّه فرسٌ يجري فيه الخلف الّذي فيه الخيل ‪ :‬فيكون مكروها عند أبي‬
‫حنيفة ‪ ،‬ومباحا عند الصّاحبين ‪ .‬فلو فرض تولّده بين حمارٍ وبقرةٍ ‪ ،‬أو بين حصانٍ وبقر ٍة فهو‬
‫مباحٌ عند جميع الحنفيّة بل خلفٍ في المذهب ‪ ،‬تبعا لمّه كما تقدّم ‪ .‬وما يقال في البغال يقال‬
‫في كلّ متوّلدٍ بين نوعين من الحيوان ‪ ،‬فالتّبعيّة للمّ هي القاعدة عند الحنفيّة ‪ .‬ويعرف من‬
‫ن العبرة للمّ ولو ولدت المأكولة ما صورته صورة غير‬
‫ال ّدرّ المختار وحاشيته لبن عابدين أ ّ‬
‫المأكول ‪ ،‬كما لو ولدت الشّاة ذئبا فإنّه يحلّ ‪.‬‬
‫‪ - 60‬والمالكيّة أيضا يقولون بقاعدة التّبعيّة للمّ في الحكم مع بعض اختلفٍ ‪ .‬فهم يقيّدون‬
‫ذلك بألّ يأتي المتولّد بين نوعين على صورة المحرّم ‪ ،‬فإنّه عندئذٍ يحرم ‪ ،‬وإن كانت المّ‬
‫مباح ًة ‪ ،‬كما لو ولدت الشّاة خنزيرا ‪ .‬وكذلك ل يجوّزون أكل مباحٍ ولدته محرّم ٌة ‪ ،‬كشا ٍة من‬
‫ن من شا ٍة ( على خلف القاعدة ) ولكنّ هذا الولد‬
‫أتانٍ ( وفقا للقاعدة ) ول عكسه أيضا ‪ ،‬كأتا ٍ‬
‫الّذي ولدته المحرّمة على صورة المباح إذا نسل يؤكل نسله عندهم حيث كان على صورة‬
‫المباح ‪ ،‬لبعده عن أمّه المحرّمة ‪ .‬وقد ذكروا في البغل قولين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬التّحريم ‪ ،‬وهو‬
‫المشهور ‪ .‬وثانيهما ‪ :‬الكراهة دون تفريقٍ أيضا بين كون أمّه فرسا أو أتانا ‪ ،‬اعتمادا على أدلّةٍ‬
‫أخرى في خصوص البغل غير قاعدة التّولّد ‪.‬‬
‫ن البغل يتبع أمّه أنّه قبل خروجه منها هو جزءٌ منها ‪ ،‬فيكون حكمه‬
‫‪ - 61‬وحجّة من قال ‪ :‬إ ّ‬
‫حكمها ‪ :‬حلّ ‪ ،‬وحرمةً ‪ ،‬وكراه ًة ‪ ،‬فيبقى هذا الحكم بعد خروجه استصحابا ‪ .‬وحجّة من أطلق‬
‫التّحريم أو الكراهة التّحريميّة ‪ .‬من الكتاب قوله تعالى ‪ { :‬والخيل والبغال والحمير‬
‫لتركبوها ‪ ،‬وزين ًة } ‪ .‬فقد بيّنت الية مزاياها أنّها ركائب وزينةٌ ‪ ،‬وسكتت عن الكل في مقام‬
‫سنّة حديث جابر بن عبد اللّه قال ‪ « :‬حرّم رسول‬
‫المتنان فيدلّ على أنّها غير مأكولةٍ ‪ .‬ومن ال ّ‬
‫ل ذي‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يعني يوم خيبر ‪ -‬لحوم الحمر النسيّة ولحوم البغال ‪ ،‬وك ّ‬
‫ب من الطّير » ‪ .‬وحديث خالد بن الوليد ‪ « :‬نهى رسول اللّه‬
‫ب من السّباع ‪ ،‬وكلّ ذي مخل ٍ‬
‫نا ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم عن لحوم الحمر والخيل والبغال » ‪ .‬وحجّة من أطلق القول بالكراهة‬
‫التّنزيهيّة هي الجمع بين دللة اليات والحاديث السّابقة ‪ ،‬وبين قوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد فيما‬
‫ل بهذه الية الخيرة ‪ ،‬وليست‬
‫أوحي إليّ محرّما ‪ } ...‬فقالوا ‪ :‬إنّها ليست محرّمةٌ ‪ ،‬عم ً‬
‫واضحة الباحة للخلف في دللة الية الولى والحاديث ‪ ،‬فيخرج من ذلك أنّها مكروهةٌ‬
‫كراه ًة تنزيهيّةً ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الرض حللً‬
‫وحجّة من قال بالباحة ‪ :‬أ ّ‬
‫ل ما اضطررتم إليه } ولم يذكر فيما‬
‫طيّبا } ‪ .‬وقال أيضا ‪ { :‬وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إ ّ‬
‫ل ل يصحّ ‪،‬‬
‫فصّل تحريم البغل ‪ ،‬فهو حللٌ ‪ .‬والقول بأنّه متوّلدٌ من الحمار فيكون مثله قو ٌ‬
‫لنّه منذ نفخت فيه الرّوح هو مغايرٌ للحمار ‪ ،‬وليس جزءا منه ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث عشر ‪ :‬كلّ حيوانٍ لم يعرفه العرب في أمصارهم ‪:‬‬
‫ف من قبل عند العرب أهل اللّغة الّتي نزل بها‬
‫‪ - 62‬المراد بهذا النّوع ما كان غير معرو ٍ‬
‫القرآن في أمصارهم وأشبه ما استطابوه أو استخبثوه ‪ .‬فما كان مشبّها لما استطابوه فهو حللٌ‬
‫أكله ‪ .‬وما كان مشبّها لما استخبثوه فهو حرامٌ أو مكرو ٌه تحريما ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يسألونك‬
‫طيّبات } أي ما استطبتموه أنتم ‪ ،‬لنّه هم السّائلون الّذين وجّه‬
‫ل لهم ؟ قل ‪ :‬أحلّ لكم ال ّ‬
‫ماذا أح ّ‬
‫إليهم الجواب ‪ .‬ولقوله تعالى ‪ { :‬ويحرّم عليهم الخبائث } أي ما استخبثوه ‪ ،‬فالّذين تعتبر‬
‫ن الكتاب نزل عليهم وخوطبوا به أ ّولً ‪.‬‬
‫استطابتهم واستخباثهم إنّما هم أهل الحجاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫والمعتبر منهم أهل المصار ل أهل البوادي ‪ ،‬لنّ هؤلء يأكلون للضّرورة ما يجدون مهما‬
‫كان ‪ .‬فما لم يكن من الحيوان في أمصار الحجاز يردّ إلى أقرب ما يشبهه في بلدهم ‪ .‬فإن‬
‫أشبه ما استطابوه حلّ ‪ ،‬وإن أشبه ما استخبثوه حرم ‪ .‬وإن لم يشبه شيئا ممّا عندهم حلّ ‪،‬‬
‫لدخوله تحت قوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد فيما أوحي إليّ محرّما على طاعمٍ يطعمه إلّ أن يكون‬
‫ميتةً ‪ } ...‬الية ‪ .‬هذا مذهب الحنفيّة ‪ .‬وصرّح بنحوه الشّافعيّة والحنابلة مع اختلفاتٍ يسيرةٍ‬
‫تعلم بمراجعة كتبهم ‪.‬‬
‫ص على تحريمه ‪ .‬فالمالكيّة ل يعتبرون استطابة العرب من‬
‫‪ - 63‬والمالكيّة يحلّون كلّ ما ل ن ّ‬
‫ل به على ذلك‬
‫طيّبات ‪ .‬وممّا يستد ّ‬
‫أهل الحجاز ول استخباثهم ول المشابهة أساسا في تفسير ال ّ‬
‫مجموع اليات الثّلث التّالية ‪ ،‬هي قوله تعالى ‪ { :‬خلق لكم ما في الرض جميعا } ‪ ،‬وقوله‬
‫‪ { :‬قل ل أجد فيما أوحي إليّ ‪ } ..‬الية ‪ ،‬وقوله ‪ { :‬وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم } فمنها‬
‫ل في‬
‫ن المحرّم هو ما استثناه النّصّ من عموم الية الولى ‪ ،‬فيبقى ما سواه داخ ً‬
‫يعرف أ ّ‬
‫عمومها المبيح ‪.‬‬
‫ما يحرم أو يكره من الحيوان المأكول لسببٍ عارضٍ ‪:‬‬
‫‪ - 64‬هناك حالتٌ عارض ٌة تجعل بعض أنواعٍ من الحيوان المأكول حراما أو مكروها أكلها‬
‫شرعا ‪ ،‬ولو ذكّيت التّذكية المقبولة شرعا ‪ .‬فإذا زالت أسباب الحرمة أو الكراهة العارضة عاد‬
‫الحيوان حللً دون حرجٍ ‪ .‬هذه السباب العارضة منها ما يتّصل بالنسان ‪ ،‬ومنها ما يتّصل‬
‫بالحيوان نفسه ‪ ،‬ومنها ما يتّصل بهما معا ‪ .‬وفيما يلي بيان ذلك ‪:‬‬
‫أسباب التّحريم العارضة ‪:‬‬
‫ج أو العمرة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحرام بالح ّ‬
‫‪ - 65‬هذا سببٌ يقوم بالنسان ‪ ،‬فحالة الحرام بالحجّ أو بالعمرة تجعل من المحظور على‬
‫المحرم صيد حيوان الصّيد الب ّريّ ‪ ،‬ما دام الشّخص محرما لم يتحلّل من إحرامه ‪ .‬فإذا قتل‬
‫حيوانا من هذا النّوع صيدا ‪ ،‬أو أمسكه فذبحه ‪ ،‬كان كالميتة حرام اللّحم على قاتله المحرم‬
‫نفسه وعلى غيره ‪ ،‬سوا ٌء اصطاده في الحرم الم ّكيّ أو خارجه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين‬
‫آمنوا ل تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ‪ } ...‬الية ‪.‬‬
‫‪ - 66‬والمراد بحيوان الصّيد البرّيّ الحيوان المتوحّش الممتنع ‪ ،‬أي غير الهل كالظّباء‬
‫ب فهو حللٌ للمحرم وغيره ‪.‬‬
‫والحمام ‪ .‬أمّا الهل كالدّواجن من الطّيور ‪ ،‬والنعام من الدّوا ّ‬
‫ل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم‬
‫وكذلك الحيوان المائيّ حللٌ مطلقا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬أح ّ‬
‫سيّارة ‪ ،‬وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما } ‪ .‬وهذا محلّ اتّفاقٍ بين جميع المذاهب ‪.‬‬
‫ولل ّ‬
‫ب ‪ -‬وجود حيوان الصّيد في نطاق الحرم الم ّكيّ ‪:‬‬
‫‪ - 67‬ويشمل مكّة المكرّمة والرض المحيطة بها إلى الحدود المقرّرة في أحكام الحجّ ‪،‬‬
‫والمعروفة بحدود الحرم ‪ .‬وهذا سببٌ يتّصل بالحيوان نفسه ‪ ،‬وهو كونه في حماية الحرم‬
‫ن من حيوان الصّيد البرّيّ المأكول يقطن في نطاق الحرم ‪ ،‬أو يدخل فيه‬
‫المن ‪ .‬فكلّ حيوا ٍ‬
‫دون أن يجري عليه امتلكٌ سابقٌ ‪ ،‬فإنّه إذا قتل أو ذبح أو عقر كان لحمه حراما كالميتة ‪،‬‬
‫ولو كان قاتله غير محرمٍ ‪ ،‬وذلك لحرمة المكان الثّابتة بقوله تعالى ‪ { :‬ومن دخله كان آمنا }‬
‫س قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يوم فتح مكّة ‪:‬‬
‫‪ ،‬وبما ثبت من حديث ابن عبّا ٍ‬
‫إنّ هذا البلد حرامٌ ل يعضد شوكه ‪ ،‬ول يختلى خله ‪ ،‬ول ينفّر صيده » ‪.‬‬
‫هذا مذهب الجمهور ‪.‬‬
‫‪ - 68‬وهناك اجتهاداتٌ ترى جريان هذا التّحريم أيضا في حيوان الحرم المدنيّ ‪ ،‬وهو مدينة‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم والرض المحيطة بها إلى الحدود المقرّرة لها في النّصوص ‪،‬‬
‫وفيه حديث عليّ مرفوعا ‪ « :‬المدينة حرمٌ ما بين عيرٍ إلى ثورٍ ‪ ،‬ل يختلى خلها ول ينفّر‬
‫صيدها » وهذا أحد قولين عند الشّافعيّة ‪ .‬وتفصيل ذلك حكما ودليلً وبيان حدود الحرمين‬
‫يرى في محلّه من موضوع الحجّ وموضوع الصّيد ‪.‬‬
‫وهناك في صيد الحرم وصيد المحرم من يرى أنّه إنّما يحرم ‪ ،‬ويعتبر كالميتة على صائده‬
‫فقط عقوبةً له ‪ .‬ولكنّه يكون لحما حللً في ذاته ‪ ،‬فيجوز لغير صائده أن يأكل منه ‪ .‬وهو‬
‫ل مرجوحٌ عند الشّافعيّة ‪ .‬ويرى قومٌ تحريم صيد المحرم في أرض الحلّ على صائده فقط ‪،‬‬
‫قو ٌ‬
‫ويرى آخرون تحريمه عليه وعلى سواه من المحرمين دون المحلّين ‪.‬‬
‫السّبب العارض الموجب للكراهة ‪ ( :‬الحيوانات الجلّلة ) ‪:‬‬
‫‪ - 69‬المقصود هنا بيان ما يكره أكله من الحيوان المباح الصل بسببٍ عارضٍ اقتضى هذه‬
‫الكراهة ‪ ،‬فإذا زال العارض زالت الكراهة ‪ .‬ولم يذكر الفقهاء من هذا النّوع سوى الحيوانات‬
‫الجلّلة ‪.‬‬
‫فقال الكاسانيّ ‪ :‬إنّ الجلّلة هي البل أو البقر أو الغنم الّتي أغلب أكلها النّجاسات فيكره أكلها‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن أكل لحوم البل الجلّلة » ‪ ،‬ولنّها‬
‫‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫إذا كان الغالب من أكلها النّجاسات يتغيّر لحمها وينتن ‪ ،‬فيكره أكله كالطّعام المنتن ‪ .‬وروي «‬
‫أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن الجلّلة أن تشرب ألبانها » ‪ .‬أيضا ‪ ،‬وذلك لنّ‬
‫لحمها إذا تغيّر يتغيّر لبنها ‪ .‬وأمّا ما روي من النّهي عن ركوبها فمحمولٌ على أنّها أنتنت‬
‫فيمتنع من استعمالها حتّى ل يتأذّى النّاس بنتنها ‪ .‬وقيل ‪ :‬ل يحلّ النتفاع بها ‪ ،‬ولو لغير الكل‬
‫ن النّهي ليس لمعنًى يرجع إلى ذاتها ‪ ،‬بل لعارضٍ جاورها ‪ ،‬فكان‬
‫‪ ،‬والوّل هو الصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫النتفاع بها حللً في ذاته ‪ ،‬ممنوعا لغيره ‪.‬‬
‫‪ - 70‬وتزول الكراهية بحبسها عن أكل النّجاسة وعلفها بالعلف الطّاهر ‪ .‬وهل لحبسها تقديرٌ‬
‫زمنيّ ‪ ،‬أو ليس له تقديرٌ ؟ روي عن مح ّمدٍ أنّه قال ‪ :‬كان أبو حنيفة ل يوقّت في حبسها ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬تحبس حتّى تطيب ‪ ،‬وهو قول مح ّمدٍ وأبي يوسف أيضا ‪ .‬وروى أبو يوسف عن أبي‬
‫حنيفة أنّها تحبس ثلثة أيّامٍ ‪ ،‬وروى ابن رستم عن مح ّمدٍ في النّاقة والشّاة والبقرة الجلّلت‬
‫ح منتنةٌ ‪ ،‬فهي الّتي ل يؤكل لحمها ول‬
‫أنّها إنّما تكون جلّلةً إذا أنتنت وتغيّرت ووجد منها ري ٌ‬
‫ل الجلّة أو العذرة غالبا ‪ ،‬فإن خلطت فليست‬
‫يشرب لبنها ‪ .‬هذا إذا كانت ل تخلط ول تأكل إ ّ‬
‫جلّل ًة فل تكره ‪ ،‬لنّها ل تنتن ‪.‬‬
‫‪ - 71‬ول يكره أكل الدّجاجة المخلة وإن كانت تتناول النّجاسة ‪ ،‬لنّها ل يغلب عليها أكلها ‪،‬‬
‫بل تخلطها بالحبّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّما ل تكره ‪ ،‬لنّها ل تنتن كما تنتن البل ‪ ،‬والحكم متعلّقٌ بالنّتن‬
‫ن لحمه ل‬
‫‪ .‬ولهذا قالوا في الجدي إذا ارتضع بلبن خنزير ٍة حتّى كبر ‪ :‬إنّه ل يكره أكله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن العبرة للنّتن ل لتناول النّجاسة ‪ .‬والفضل أن تحبس‬
‫يتغيّر ول ينتن ‪ .‬وهذا يدلّ على أ ّ‬
‫الدّجاجة المخلة حتّى يذهب ما في بطنها من النّجاسة ‪ ،‬وذلك على سبيل التّنزّه ‪ .‬وروى أبو‬
‫يوسف عن أبي حنيفة أنّها تحبس ثلثة أيّامٍ ‪ ،‬وكأنّه ذهب إلى ذلك ‪ ،‬لنّ ما في جوفها من‬
‫النّجاسة يزول في هذه المدّة غالبا ‪ .‬هذه خلصة ما أفاده صاحب " البدائع " ويؤخذ من " ال ّدرّ‬
‫ن كراهة الجلّلة تنزيهيّةٌ ل تحريميّةٌ ‪،‬‬
‫المختار " وحاشية ابن عابدين عليه وتقرير الرّافعيّ أ ّ‬
‫ن صاحب " التّجنيس " اختار حبس الدّجاجة ثلثة أيّامٍ ‪ ،‬والشّاة أربعةً ‪ ،‬والبل والبقرة‬
‫وأ ّ‬
‫ح عدم التّقدير وأنّها تحبس حتّى تزول الرّائحة المنتنة ‪.‬‬
‫عشرةً ‪ ،‬وأنّ السّرخسيّ قال ‪ :‬الص ّ‬
‫‪ - 72‬ومذهب الشّافعيّة قريبٌ من الحنفيّة ‪ ،‬فقد قال الشّافعيّة ‪ :‬إذا ظهر تغ ّيرٌ في لحم الجلّلة ‪،‬‬
‫سواءٌ أكانت من الدّوابّ أم من الطّيور ‪ ،‬وسوا ٌء أكان التّغيّر في الطّعم أم اللّون أم الرّيح ‪،‬‬
‫ففيها وجهان لصحاب الشّافعيّ ‪ ،‬أصحّهما عند الرّافعيّ الحرمة ‪ ،‬وعند النّوويّ الكراهة ‪،‬‬
‫وهذا هو الرّاجح ‪ ،‬لنّ النّهي في الحديث إنّما هو لتغيّر اللّحم فل يقتضي التّحريم ‪ .‬ويلحق‬
‫بالجلّلة ولدها الّذي يوجد في بطنها بعد ذكاتها ‪ ،‬إذا وجد ميّتا وظهر فيه التّغيّر ‪ ،‬وكذلك العنز‬
‫الّتي ربّيت بلبن كلب ٍة أو خنزير ٍة إذا تغيّر لحمها ‪ .‬فإن علفت الجلّلة ‪ ،‬أو لم تعلف ‪ ،‬فطاب‬
‫ل بل كراهةٍ ‪ ،‬لزوال علّة الكراهة وهي التّغيّر ‪ .‬ول تقدير لمدّة العلف ‪ .‬وتقديرها‬
‫لحمها ح ّ‬
‫بأربعين يوما في البعير ‪ ،‬وثلثين في البقر ‪ ،‬وسبع ٍة في الشّاة ‪ ،‬وثلث ٍة في الدّجاجة بناءً على‬
‫الغالب ‪ .‬ول يكفي الغسل أو الطّبخ للحكم بطيب اللّحم ‪ .‬وإذا حرم أو كره أكل الجلّلة حرم أو‬
‫كره سائر أجزائها كبيضها ولبنها ‪ ،‬ويكره ركوبها من غير حائلٍ ‪ ،‬لنّ لعرقها حكم لبنها‬
‫ولحمها ‪.‬‬
‫‪ - 73‬وروى الحنابلة عن المام أحمد قولين ‪:‬‬
‫أوّلهما ‪ :‬أنّ الجلّلة تحرم ‪ ،‬وهو المذهب ‪ ،‬وعليه الصحاب ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّها تكره ‪ .‬ورووا عن أحمد فيما تزول به الكراهة روايتين ‪:‬‬
‫( إحداهما ) أنّ الجلّلة مطلقا تحبس ثلثة أيّامٍ ‪.‬‬
‫( الثّانية ) أنّ الطّائر يحبس ثلثةً ‪ ،‬والشّاة سبع ًة ‪ ،‬وما عدا ذلك ( من البل والبقر ونحوهما‬
‫ن الطّيور والنعام الجلّلة مباح ٌة ‪ ،‬لكن قال ابن‬
‫في الكبر ) أربعين يوما ‪ .‬وصرّح المالكيّة ‪ :‬بأ ّ‬
‫ن مالكا كره الجلّلة ‪ .‬ودليل تحريم الجلّلة عند من حرّمها ما ثبت عن ابن عمر‬
‫رشدٍ ‪ :‬إ ّ‬
‫رضي ال عنهما أنّه قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن أكل الجلّلة وألبانها »‬
‫‪ .‬ووجه حبسها ثلثا« أنّ ابن عمر رضي ال عنهما كان إذا أراد أكلها حبسها ثلثا وأطعمها‬
‫الطّاهرات »‪ .‬ووجه حبس البل أربعين يوما ما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما‬
‫أنّه قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن البل الجلّلة أن يؤكل لحمها ‪ ،‬ول‬
‫ل الدم ‪ .‬ول يركبها النّاس حتّى تعلف أربعين ليل ًة » ‪.‬‬
‫يشرب لبنها ‪ ،‬ول يحمل عليها إ ّ‬
‫أجزاء الحيوان وما انفصل منه ‪:‬‬
‫حكم العضو المبان ‪:‬‬
‫ن العضو الّذي يبان من الحيوان ‪ ،‬أي يفصل منه ‪ ،‬يختلف الحكم الشّرعيّ في حلّ أكله‬
‫‪ - 74‬إ ّ‬
‫وحرمته بحسب الحوال ‪ .‬وتفصيل ذلك كما يلي ‪:‬‬
‫ن حيّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العضو المبان من حيوا ٍ‬
‫يعتبر كميتة هذا الحيوان في حلّ الكل وحرمته ‪ ،‬فالمبان من السّمك الحيّ أو الجراد الحيّ‬
‫ن ميتتهما تؤكل ‪ .‬والمالكيّة يقولون في الجراد ‪ :‬إن كانت البانة خاليةً‬
‫يؤكل عند الجمهور ‪ ،‬ل ّ‬
‫عن نيّة التّذكية ‪ ،‬أو خاليةً عن التّسمية عمدا لم يؤكل المبان ‪ ،‬وإن كانت مصحوبةً بال ّنيّة‬
‫والتّسمية أكل المبان إن كان هو الرّأس ‪ ،‬ول يؤكل إن كان جناحا أو يدا أو نحوهما ‪ .‬والمبان‬
‫ل كالنعام ‪ ،‬أم‬
‫من سائر الحيوانات الب ّريّة ذات الدّم السّائل ل يؤكل ‪ ،‬سواءٌ أكان أصله مأكو ً‬
‫ل منهما ل تؤكل بل خلفٍ ‪ ،‬فكذلك ما أبين منه حيّا ‪ ،‬فقد‬
‫غير مأكولٍ كالخنزير ‪ ،‬فإنّ ميتة ك ّ‬
‫قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما قطع من البهيمة وهي حيّ ٌة فهو ميت ٌة » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العضو المبان من الميتة ‪:‬‬
‫حكمه حكم سائر الميتة في الكل وعدمه بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العضو المبان من المذكّى المأكول في أثناء تذكيته قبل تمامها ‪:‬‬
‫حكمه حكم المبان من الحيّ ‪ .‬فلو قطع إنسانٌ حلقوم الشّاة وبعض مريئها للتّذكية ‪ ،‬فقطع‬
‫ن آخر يدها أو أليتها ‪ ،‬فالمقطوع نجسٌ حرام الكل ‪ ،‬كالمقطوع من الحيّ ‪ ،‬وهذا ل‬
‫إنسا ٌ‬
‫خلف فيه أيضا ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العضو المبان من المذكّى المأكول بعد تمام تذكيته وقبل زهوق روحه ‪:‬‬
‫ن حكمه حكم المذكّى ‪ ،‬لنّ بقاء رمقٍ من الحياة هو رمقٌ في‬
‫يحلّ أكله عند الجمهور ‪ ،‬ل ّ‬
‫طريق الزّوال العاجل ‪ ،‬فحكمه حكم الموت ‪.‬‬
‫هـ ‪-‬العضو المبان من المصيد بآلة الصّيد ‪:‬‬
‫إمّا أن يبقى المصيد بعد إبانته حيّا حيا ًة مستقرّةً ‪ ،‬وإمّا أن تصير حياته حياة مذبوحٍ ‪:‬‬
‫ن حيّ ‪ ،‬فيكون كميتته ‪.‬‬
‫ففي الحالة الولى ‪ :‬يكون عضوا مبانا من حيوا ٍ‬
‫وفي الحالة الثّانية ‪ :‬يكون عضوا مبانا بالتّذكية ‪ ،‬ويختلف النّظر إليه ‪ ،‬لنّ له صفتين شبه‬
‫متعارضتين ‪:‬‬
‫الصّفة الولى ‪ :‬أنّه عض ٌو أبين قبل تمام التّذكية فيكون حكمه حكم المبان من الحيّ فل يحلّ‬
‫‪.‬‬
‫ل من المبان والمبان منه مذكّى ‪ ،‬لنّ‬
‫والصّفة الثّانية ‪ :‬أنّ التّذكية سببٌ في حلّ المذكّى ‪ ،‬وك ّ‬
‫التّذكية بالصّيد هي تذكيةٌ للمصيد كلّه ل لبعضه ‪ ،‬فيحلّ العضو كما يحلّ الباقي ‪.‬‬
‫ولهذا كان في المسألة خلفٌ وتفصيلٌ ( ر ‪ :‬صيدٌ ) ‪.‬‬
‫حكم أجزاء الحيوان المذكّى ‪:‬‬
‫‪ - 75‬ل شكّ أنّ التّذكية حينما تقع على الحيوان المأكول تقتضي إباحة أكله في الجملة ‪ ،‬وقد‬
‫يكون لبعض الجزاء حكمٌ خاصّ ‪ :‬فالدّم المسفوح مثلً ‪ ،‬حرامٌ بالجماع ‪ ،‬وهو ما سال من‬
‫الذّبيحة ‪ ،‬وما بقي بمكان الذّبح ‪ ،‬وما تسرّب إلى داخل الحيوان من الحلقوم والمريء ‪ .‬وأمّا‬
‫ما بقي في العروق واللّحم والكبد والطّحال والقلب فإنّه حلل الكل ‪ ،‬حتّى إنّه لو طبخ اللّحم‬
‫فظهرت الحمرة في المرق لم ينجس ولم يحرم ‪ .‬وقد ذكر الحنفيّة وغيرهم أشياء تكره أو‬
‫تحرم من الذّبيحة ‪ .‬وفيما يلي تفصيل ما قالوه وما قاله غيرهم في ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 76‬قال الحنفيّة ‪ :‬يحرم من أجزاء الحيوان سبع ٌة ‪ :‬الدّم المسفوح ‪ ،‬والذّكر ‪ ،‬والنثيان ‪،‬‬
‫والقبل ( أي فرج النثى وهو المسمّى بالحيا ) ‪ ،‬والغدّة ‪ ،‬والمثانة ( وهي مجمع البول ) ‪،‬‬
‫والمرارة ( وهي وعاء المرّة الصّفراء ‪ ،‬وتكون ملصق ًة بالكبد ) ‪.‬‬
‫طيّبات ويحرّم عليهم الخبائث } ‪،‬‬
‫ل لهم ال ّ‬
‫وهذه الحرمة في نظرهم لقوله ع ّز شأنه ‪ { :‬ويح ّ‬
‫سنّة على خبثها ‪ ،‬لما‬
‫وهذه السّبعة ممّا تستخبثه الطّباع السّليمة فكانت محرّم ًة ‪ ،‬وقد دلّت ال ّ‬
‫روى الوزاعيّ عن واصل بن أبي جميلة عن مجاهدٍ أنّه قال ‪ « :‬كره رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم من الشّاة ‪ :‬الذّكر ‪ ،‬والنثيين ‪ ،‬والقبل ‪ ،‬والغدّة ‪ ،‬والمرارة ‪ ،‬والمثانة ‪ ،‬والدّم » ‪.‬‬
‫ستّة وبين الدّم في الكراهة ‪ ،‬والدّم‬
‫والمراد كراهة التّحريم قطعا ‪ ،‬بدليل أنّه جمع بين الشياء ال ّ‬
‫المسفوح مح ّرمٌ بنصّ القرآن ‪.‬‬
‫ستّة ‪ .‬فأطلق وصف الحرام‬
‫‪ - 77‬والمرويّ عن أبي حنيفة أنّه قال ‪ :‬الدّم حرامٌ ‪ ،‬وأكره ال ّ‬
‫على الدّم المسفوح ‪ ،‬وسمّى ما سواه مكروها ‪ ،‬لنّ الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليلٍ‬
‫ل مقطوعٍ به ‪ ،‬وهو قوله تعالى ‪ { :‬قل ل أجد‬
‫مقطوعٍ به ‪ ،‬وحرمة الدّم المسفوح قد ثبتت بدلي ٍ‬
‫ي محرّما على طاعمٍ يطعمه إلّ أن يكون ميتةً أو دما مسفوحا ‪ } ...‬الية ‪،‬‬
‫فيما أوحي إل ّ‬
‫ل مقطوعٍ به‬
‫وانعقد الجماع أيضا على حرمته ‪ .‬فأمّا حرمة ما سواه من الجزاء فلم تثبت بدلي ٍ‬
‫بل بالجتهاد ‪ ،‬أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتّأويل ‪ ،‬وهو قوله تعالى ‪ { :‬ويحرّم عليهم‬
‫الخبائث } ‪ ،‬أو بالحديث السّابق ذكره ‪ .‬لذلك فصّل أبو حنيفة بينهما في الوصف فسمّى الدّم‬
‫ن الوجه كما‬
‫ستّة تنزيهيّةٌ ‪ ،‬لك ّ‬
‫حراما ‪ ،‬والباقي مكروها ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّ الكراهة في الجزاء ال ّ‬
‫في " ال ّدرّ المختار " أنّها تحريميّةٌ ‪.‬‬
‫‪ - 78‬هذا ‪ ،‬والدّم المسفوح متّفقٌ على تحريمه كما مرّ ‪.‬‬
‫ب من المالكيّة استثقال أكل عشرةٍ ‪ -‬دون تحريمٍ ‪ -‬النثيان والعسيب والغدّة‬
‫وروى ابن حبي ٍ‬
‫والطّحال والعروق والمرارة والكليتان والمثانة وأذنا القلب ‪.‬‬
‫‪ - 79‬والحنابلة قالوا بكراهة أكل الغدّة وأذن القلب ‪ .‬أمّا الغدّة «فلنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم كره أكلها »‪ ،‬روى ذلك عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه ‪ .‬وأمّا أذن القلب« فلنّ‬
‫ب الحنبليّ ‪.‬‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن أكلها »‪ ،‬نقل ذلك أبو طال ٍ‬
‫حكم ما انفصل من الحيوان ‪:‬‬
‫ن المائعات المنفصلة من الحيوان ‪ ،‬والفضلت ‪،‬‬
‫‪ - 80‬من المقرّر في موضوع " النّجاسة " أ ّ‬
‫والبيض ‪ ،‬والجنين ‪ ،‬تارةً تكون نجسةً ‪ ،‬وتار ًة تكون طاهر ًة ‪ ،‬فما كان نجسا منها في مذهبٍ‬
‫ل في ذلك المذهب ‪ ،‬وما كان طاهرا فتارةً يكون مأكولً ‪ ،‬وتارةً‬
‫من المذاهب فهو غير مأكو ٍ‬
‫ن الطّاهر قد يكون مضرّا أو‬
‫يكون غير مأكولٍ ‪ ،‬إذ ل يلزم من الطّهارة حلّ الكل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫مستقذرا فل يحلّ أكله ‪.‬‬
‫ويكفينا هنا أن نضرب أمثل ًة لما يكثر السّؤال عنه‬
‫ل ‪ -‬البيض ‪:‬‬
‫‪ :‬أ ّو ً‬
‫‪ - 81‬إن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ في حال حياته ‪ ،‬أو بعد تذكيته شرعا ‪ ،‬أو بعد‬
‫ل إذا فسد ‪.‬‬
‫ل إجماعا ‪ ،‬إ ّ‬
‫موته ‪ ،‬وهو ممّا ل يحتاج إلى التّذكية كالسّمك ‪ ،‬فبيضه مأكو ٌ‬
‫وفسّر المالكيّة البيض الفاسد بأنّه ما فسد بعد انفصاله بعفنٍ ‪ ،‬أو صار دما ‪ ،‬أو صار‬
‫مضغةً ‪ ،‬أو فرخا ميّتا ‪ .‬وفسّره الشّافعيّة بأنّه الّذي تغيّر بحيث أصبح غير صالحٍ للتّخلّق ‪ ،‬فل‬
‫يضرّ عندهم صيرورته دما ‪ ،‬إذا قال أهل الخبرة ‪ :‬إنّه صالحٌ للتّخلّق ‪.‬‬
‫ل بعد موته دون تذكيةٍ شرعيّةٍ ‪ ،‬وهو ممّا يحتاج إلى‬
‫ن مأكو ٍ‬
‫‪ -‬وإن خرج البيض من حيوا ٍ‬ ‫‪82‬‬

‫الذّكاة ‪ ،‬كالدّجاج ‪ ،‬فعند أبي حنيفة ‪ :‬يؤكل سوا ٌء أتصلّبت قشرته أم ل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يؤكل ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يؤكل ما تصلّبت قشرته فقط ‪ .‬وحكى الزّيلعيّ عن‬
‫أبي يوسف ومح ّمدٍ أنّه يكون نجسا إن كان مائعا ‪ ،‬فل يؤكل عندهما إلّ إذا كان جامدا ‪.‬‬
‫ل فمقتضى مذهب الحنفيّة أنّه إن كان من ذوات‬
‫ن غير مأكو ٍ‬
‫‪ - 83‬وإن خرج البيض من حيوا ٍ‬
‫الدّم السّائل ‪ ،‬كالغراب البقع ‪ ،‬فبيضه نجسٌ تبعا للحمه ‪ ،‬فل يكون مأكولً ‪ .‬وإن لم يكن من‬
‫ل لنّه ليس بميتةٍ ‪ .‬والمالكيّة يحلّ‬
‫ذوات الدّم السّائل كالزّنبور فبيضه طاهرٌ تبعا للحمه ‪ ،‬ومأكو ٌ‬
‫ن الحيوانات الّتي تبيض ل تنقسم عندهم‬
‫ل البيض الخارج من الحيّ أو المذكّى ‪ ،‬ل ّ‬
‫عندهم ك ّ‬
‫ل ‪ ،‬بل كلّها مباح الكل ‪ ،‬إلّ ما ل يؤمن سمّه كالوزغ ‪ ،‬فهو محرّمٌ‬
‫إلى مأكولٍ وغير مأكو ٍ‬
‫على من يضرّه ‪ .‬فكذلك بيضه إن كان يضرّ ‪ ،‬فهو محرّمٌ وإلّ فل ‪ ،‬فالعبرة عندهم إنّما هي‬
‫للضّرر ‪ .‬وصرّح النّوويّ بأنّ بيض الحيّ غير المأكول طاهرٌ مأكولٌ ‪ :‬أمّا كونه طاهرا فلنّه‬
‫ن طاهرٍ ‪ ،‬وأمّا كونه مأكولً فلنّه غير مستقذرٍ ‪ ،‬لكن قال ابن المقري في الرّوض‬
‫أصل حيوا ٍ‬
‫" وفي بيض ما ل يؤكل تر ّددٌ "‪.‬‬
‫ن البيض‬
‫ج به لهذا أ ّ‬
‫ل أكله ‪ .‬وممّا احت ّ‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّ بيض غير المأكول نجسٌ ل يح ّ‬
‫بعض الحيوان ‪ ،‬فإذا كان الحيوان غير مأكولٍ فبعضه غير مأكولٍ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬اللّبن ‪:‬‬
‫ن حيّ فهو تابعٌ للحمه في إباحة التّناول وكراهته وتحريمه ‪.‬‬
‫‪ - 84‬إن خرج اللّبن من حيوا ٍ‬
‫ويستثنى من المحرّم ‪ :‬الدميّ ‪ ،‬فلبنه مباحٌ ‪ ،‬وإن كان لحمه محرّما ‪ ،‬لنّ تحريمه للتّكريم ل‬
‫للستخباث ‪ .‬وعلى هذا اتّفق الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬واستثنى الحنفيّة من‬
‫المحرّم أو المكروه الخيل ‪ ،‬بناءً على ما نقل عن المام أبي حنيفة من أنّها محرّم ٌة أو مكروهةٌ‬
‫‪ ،‬ففي لبنها على هذا رأيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه تاب ٌع للّحم فيكون حراما أو مكروها ‪.‬‬
‫وثانيهما ‪ - :‬وهو الصّحيح ‪ -‬أنّه مباحٌ ‪ ،‬لنّ تحريم الخيل أو كراهتها لكونها آلة الجهاد ل‬
‫س والزّهريّ أنّهم رخّصوا‬
‫لستخباث لحمها ‪ ،‬واللّبن ليس آلة الجهاد ‪ .‬ونقل عن عطاءٍ وطاو ٍ‬
‫ن مأكولٍ بعد تذكيته فهو مأكولٌ ‪ ،‬وهذا متّفقٌ‬
‫في لبن الحمر الهليّة ‪ .‬وإن خرج اللّبن من حيوا ٍ‬
‫عليه ‪ .‬وإن خرج من آدميّ ٍة ميّتةٍ فهو مأكولٌ عند القائلين بأنّ الدميّ ل ينجس بالموت ‪ .‬وكذا‬
‫أيضا عند بعض القائلين بأنّه ينجس بالموت كأبي حنيفة ‪ ،‬فإنّه مع قوله بنجاسة الدميّ الميّت‬
‫يقول ‪ :‬إنّ لبن المرأة الميتة طاهرٌ مأكولٌ ‪ ،‬خلفا للصّاحبين ‪ .‬وإن خرج اللّبن من ميّتة‬
‫ل عند أبي حنيفة ‪ .‬ويرى صاحباه والمالكيّة‬
‫المأكول ‪ ،‬كالنّعجة مثلً ‪ ،‬فهو طاهرٌ مأكو ٌ‬
‫والشّافعيّة أنّه حرامٌ لتنجّسه بنجاسة الوعاء ‪ ،‬وهو ضرع الميتة الّذي تنجّس بالموت ‪ .‬وحجّة‬
‫القائلين بطهارته وإباحته قوله تعالى ‪ { :‬وإنّ لكم في النعام لعبر ٌة ‪ ،‬نسقيكم ممّا في بطونه من‬
‫ل وصفه بكونه خالصا فل‬
‫ث ودمٍ لبنا خالصا سائغا للشّاربين } ‪ .‬وذلك أنّ اللّه عزّ وج ّ‬
‫بين فر ٍ‬
‫ن علينا به ‪ ،‬والمنّة‬
‫يتنجّس بنجاسة مجراه ‪ ،‬ووصفه بكونه سائغا وهذا يقتضي الحلّ ‪ ،‬وامت ّ‬
‫بالحلل ل بالحرام ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬النفحة ‪:‬‬
‫‪ - 85‬النفحة هي مادّةٌ بيضاء صفراويّ ٌة في وعاءٍ جلديّ ‪ ،‬يستخرج من بطن الجدي أو الحمل‬
‫الرّضيع ‪ ،‬يوضع منها قليلٌ في اللّبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبنا ‪ ،‬يسمّيها النّاس في‬
‫بعض البلدان ‪ ( :‬مجبنةٌ ) ‪ .‬وجلدة النفحة هي الّتي تسمّى ‪ :‬كرشا ‪ ،‬إذا رعى الحيوان العشب‬
‫‪.‬‬
‫فالنفحة إن أخذت من مذكّى ذكاةً شرعيّ ًة فهي طاهرةٌ مأكول ٌة عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬
‫ت ‪ ،‬أو مذكّى ذكا ًة غير شرعيّ ٍة فهي نجس ٌة غير مأكولةٍ عند‬
‫وإن أخذت النفحة من ميّ ٍ‬
‫الجمهور ‪ ،‬وطاهرةٌ مأكول ٌة عند أبي حنيفة ‪ ،‬سواءٌ كانت صلب ًة أم مائع ًة قياسا على اللّبن كما‬
‫سبق ‪ .‬وقال الصّاحبان ‪ :‬إن كانت صلب ًة يغسل ظاهرها وتؤكل ‪ ،‬وإن كانت مائع ًة فهي نجسةٌ‬
‫لنجاسة وعائها بالموت فل تؤكل ‪ .‬وبهذا يعلم أنّ الجبن المصنوع من لبن الحيوان المأكول إذا‬
‫عقد بإنفحة المذكّى ذكا ًة شرعيّ ًة فهو طاهرٌ مأكولٌ بالتّفاق ‪ ،‬وإن عقد بإنفحة الميتة فهو على‬
‫الخلف ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬الجنين ‪:‬‬
‫ل إلّ إن أدركت ذكاته ‪ ،‬فذكّي‬
‫‪ - 86‬جنين الحيوان المأكول إن خرج من حيّ أو ميت ٍة ل يح ّ‬
‫ذكا ًة شرعّيةً ‪ .‬وإن خرج من مذكّا ٍة ذكا ًة شرعّيةً اختياريّ ًة أو اضطراريّةً فهناك حالتان ‪:‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬أن يخرج قبل نفخ الرّوح فيه ‪ ،‬بأن يكون علق ًة أو مضغةً أو جنينا غير كامل‬
‫الخلقة فل يحلّ عند الجمهور ‪ ،‬لنّه ميتةٌ ‪ ،‬إذ ل يشترط في الموت تقدّم الحياة ‪ .‬قال تعالى ‪:‬‬
‫{ وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم } ‪ .‬فمعنى قوله ‪ ( :‬كنتم أمواتا ) كنتم مخلوقين بل‬
‫حياةٍ ‪ ،‬وذلك قبل أن تنفخ فيهم الرّوح ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬أن يخرج بعد نفخ الرّوح فيه بأن يكون جنينا كامل الخلقة ‪ -‬أشعر أو لم يشعر‬
‫‪ -‬ولهذه الحالة صورٌ ‪:‬‬
‫الصّورة الولى ‪ :‬أن يخرج حيّا حياةً مستقرّةً فتجب تذكيته ‪ ،‬فإن مات قبل التّذكية فهو ميتةٌ‬
‫اتّفاقا ‪.‬‬
‫الصّورة الثّانية ‪ :‬أن يخرج حيّا حياة مذبوحٍ ‪ ،‬فإن أدركنا ذكاته وذكّيناه حلّ اتّفاقا ‪ ،‬وإن لم‬
‫ل أيضا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّ حياة المذبوح كل حيا ٍة ‪ ،‬فكأنّه مات بتذكية أمّه ‪.‬‬
‫يذكّ ح ّ‬
‫وعند أبي يوسف ومح ّمدٍ أنّه إذا خرج حيّا ‪ ،‬ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه‬
‫فمات يؤكل ‪ ،‬وهو تفري ٌع على قولهما ‪ :‬إنّ ذكاة الجنين بذكاة أمّه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة إن سارعنا إليه بالذّكاة فمات قبلها حلّ ‪ ،‬لنّ حياته حينئذٍ كل حياةٍ ‪ ،‬وكأنّه‬
‫خرج ميّتا بذكاة أمّه ‪ ،‬لكنّهم اشترطوا في حلّه حينئذٍ أن ينبت شعر جسده ‪ ،‬وإن لم يتكامل ‪،‬‬
‫ول يكفي شعر رأسه أو عينه ‪.‬‬
‫ل اتّفاقا ‪،‬‬
‫الصّورة الثّالثة ‪ :‬أن يخرج ميّتا ‪ ،‬ويعلم أنّ موته كان قبل تذكية أمّه ‪ ،‬فل يح ّ‬
‫ويعرف موته قبل ذكاة أمّه بأمورٍ ‪ ،‬منها ‪ :‬أن يكون متحرّكا في بطنها فتضرب فتسكن حركته‬
‫‪ ،‬ثمّ تذكّى ‪ ،‬فيخرج ميّتا ‪ ،‬ومنها ‪ :‬أن يخرج رأسه ميّتا ثمّ تذكّى ‪.‬‬
‫الصّورة الرّابعة ‪ :‬أن يخرج ميّتا بعد تذكية أمّه بمدّةٍ لتواني المذكّي في إخراجه فل يحلّ اتّفاقا‬
‫ن موته كان بتذكية أمّه أو بالنخناق للتّواني في إخراجه ‪.‬‬
‫شكّ في أ ّ‬
‫لل ّ‬
‫الصّورة الخامسة ‪ :‬أن يخرج ميّتا عقب تذكية أمّه من غير أن يعلم موته قبل التّذكية ‪ ،‬فيغلب‬
‫ب آخر ‪ .‬وهذه الصّورة هي محلّ الخلف بين الفقهاء‬
‫على الظّنّ أنّ موته بسبب التّذكية ل بسب ٍ‬
‫‪ .‬فأبو حنيفة وزفر والحسن بن زيادٍ يرون أنّه ل يحلّ ‪ ،‬وأبو يوسف ومح ّمدٌ والمالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة وجمهور الفقهاء من الصّحابة وغيرهم يقولون ‪ :‬إنّه ل بأس بأكله ‪ .‬غير‬
‫أنّ المالكيّة اشترطوا الشعار ‪ .‬وهو مذهب كثيرٍ من الصّحابة ‪.‬‬
‫وحجّة أبي حنيفة ومن معه قوله تعالى ‪ { :‬حرّمت عليكم الميتة } والجنين الّذي لم يدرك حيّا‬
‫بعد تذكية أمّه ميت ٌة ‪ ،‬وممّا يؤكّد ذلك أنّ حياة الجنين مستقلّ ٌة ‪ ،‬إذ يتصوّر بقاؤها بعد موت أمّه‬
‫فتكون تذكيته مستقلّةً ‪.‬‬
‫وحجّة أبي يوسف ومح ّمدٍ والجمهور قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ذكاة الجنين ذكاة‬
‫أمّه » وهذا يقتضي أنّه يتذكّى بذكاة أمّه ‪ ،‬واحتجّوا أيضا بأنّه تب ٌع لمّه حقيق ًة وحكما ‪ ،‬أمّا‬
‫ن جنين المّ يعتق بعتقها ‪ ،‬والحكم في‬
‫حقيقةٌ فظاهرٌ ‪ ،‬وأمّا حكما فلنّه يباع ببيع المّ ‪ ،‬ول ّ‬
‫ل ينقلب التّبع أصلً ‪.‬‬
‫التّبع يثبت بعلّة الصل ‪ ،‬ول تشترط له علّ ٌة على حدةٍ ‪ ،‬لئ ّ‬
‫تناول المضط ّر للميتة ونحوها ‪:‬‬
‫‪ - 87‬أجمع المسلمون على إباحة أكل الميتة ونحوها للمضطرّ ‪ ،‬وقد ذكر اللّه عزّ وجلّ‬
‫الضطرار إلى المحرّمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم ‪:‬‬
‫الوّل ‪ - :‬الية ‪/ 173/‬من سورة البقرة ‪ ،‬وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها ‪ { :‬فمن‬
‫ن اللّه غفورٌ رحيمٌ } ‪.‬‬
‫اضطرّ غير باغٍ ول عادٍ فل إثم عليه إ ّ‬
‫الثّاني ‪ - :‬الية الثّالثة من سورة المائدة ‪ ،‬وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها ‪ { :‬فمن‬
‫اضطرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لثمٍ فإنّ اللّه غفو ٌر رحيمٌ } ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ - :‬الية‪ /145/‬من سورة النعام ‪ ،‬وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها { فمن اضطرّ‬
‫ن ربّك غفو ٌر رحيمٌ } ‪.‬‬
‫غير باغٍ ول عادٍ فإ ّ‬
‫الرّابع ‪ - :‬الية ‪/119/‬من سورة النعام ‪ ،‬وقد جاء فيها ‪ { :‬وما لكم ألّ تأكلوا ممّا ذكر اسم‬
‫اللّه عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلّ ما اضطررتم إليه } ‪.‬‬
‫الخامس ‪ - :‬الية‪ /115/‬من سورة النّحل ‪ ،‬وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها ‪ { :‬فمن‬
‫ن اللّه غفورٌ رحيمٌ } ‪.‬‬
‫اضطرّ غير باغٍ ول عادٍ فإ ّ‬
‫‪ - 88‬فقوله تعالى ‪ { :‬فمن اضطرّ } معناه ‪ :‬فمن دفعته الضّرورة وألجأته إلى تناول الميتة‬
‫ونحوها ‪ ،‬بأن يخاف عند ترك تناولها ضررا على نفسه أو بعض أعضائه مثلً ‪.‬‬
‫( والباغي ) ‪ ،‬هو الّذي يبغي على غيره في تناول الميتة ‪ ،‬بأن يؤثر نفسه على مضطرّ آخر ‪،‬‬
‫فينفرد بتناول الميتة ونحوها فيهلك الخر من الجوع ‪ .‬وقيل ‪ :‬الباغي هو العاصي بالسّفر‬
‫ونحوه ‪ ،‬وسيأتي الخلف فيه ( ف‪. ) 100/‬‬
‫( والعادي ) ‪ :‬هو الّذي يتجاوز ما يسدّ الرّمق ويندفع به الضّرر ‪ ،‬أو يتجاوز حدّ الشّبع ‪ ،‬على‬
‫الخلف التي ‪.‬‬
‫( والمخمصة ) ‪ :‬المجاعة ‪ ،‬والتّقييد بقوله تعالى ‪ { :‬في مخمص ٍة } ‪ .‬إنّما هو لبيان الحالة‬
‫الّتي يكثر فيها وقوع الضطرار ‪ ،‬وليس المقصود به الحتراز عن الحالة الّتي ل مجاعة فيها‬
‫‪ ،‬فإنّ المضط ّر في غير المجاعة يباح له التّناول كالمضطرّ في المجاعة ‪.‬‬
‫( والمتجانف للثم ) هو المنحرف المائل إليه ‪ ،‬أي الّذي يقصد الوقوع في الحرام ‪ ،‬وهو‬
‫البغي والعدوان المذكوران في اليات الخرى ‪.‬‬
‫سنّة النّبويّة ما رواه أبو واقدٍ اللّيثيّ رضي ال عنه قال ‪ :‬قلت ‪ « :‬يا‬
‫‪ - 89‬وممّا ورد في ال ّ‬
‫ض تصيبنا مخمصةٌ ‪ ،‬فما يحلّ لنا من الميتة ؟ فقال ‪ :‬إذا لم تصطبحوا ‪،‬‬
‫رسول اللّه إنّا بأر ٍ‬
‫ل فشأنكم بها » ‪.‬‬
‫ولم تغتبقوا ‪ ،‬ولم تحتفئوا بق ً‬
‫غير أنّهم اختلفوا في المقصود بالباحة ‪ ،‬وفي حدّ الضّرورة المبيحة ‪ ،‬وفي تفصيل‬
‫المحرّمات الّتي يبيحها الضطرار ‪ ،‬وترتيبها عند التّعدّد ‪ ،‬وفي الشّبع أو التّزوّد منها ‪ ،‬وغير‬
‫ذلك من المسائل ‪ .‬وبيان ذلك ما يأتي ‪.‬‬
‫المقصود بإباحة الميتة ونحوها ‪:‬‬
‫‪ - 90‬اختلف الفقهاء في المقصود بإباحة الميتة ونحوها ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬المقصود جواز‬
‫التّناول وعدمه ‪ ،‬لظاهر قوله تعالى ‪ { :‬فل إثم عليه } ‪ .‬وهذا القول ذهب إليه بعض المالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬إنّ المقصود بإباحة الميتة ونحوها للمضطرّ وجوب تناولها ‪ .‬وإلى هذا ذهب‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وهو الرّاجح عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬ودليله قوله تعالى ‪ { :‬ول تقتلوا‬
‫ن الّذي يترك تناول‬
‫ل ‪ { :‬ول تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } ‪ .‬ول شكّ أ ّ‬
‫أنفسكم } وقوله عزّ وج ّ‬
‫ن الكفّ عن التّناول‬
‫الميتة ونحوها حتّى يموت يعتبر قاتلً لنفسه ‪ ،‬وملقيا بنفسه إلى التّهلكة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب للنسان ‪.‬‬
‫فعلٌ منسو ٌ‬
‫‪ - 91‬ول يتنافى القول بالوجوب عند القائلين به مع قوله تعالى ‪ { :‬فل إثم عليه } لنّ نفي‬
‫الثم في الكل عا ّم يشمل حالتي الجواز والوجوب ‪ ،‬فإذا وجدت قرينةٌ على تخصيصه‬
‫ج البيت أو‬
‫ن الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن ح ّ‬
‫بالوجوب عمل بها كما في قوله تعالى ‪ { :‬إ ّ‬
‫اعتمر فل جناح عليه أن يطّوّف بهما } فنفي الجناح عن التّطوّف ‪ ،‬أي السّعي بين الصّفا‬
‫والمروة ‪ ،‬مفهومٌ عامّ قد خصّص بما دلّ على وجوبه أو فرضيّته ‪.‬‬
‫حدّ الضّرورة المبيحة ‪:‬‬
‫‪ - 92‬قال أبو بك ٍر الجصّاص ‪ :‬معنى الضّرورة في اليات خوف الضّرر على نفسه أو بعض‬
‫أعضائه بتركه الكل ‪ .‬وقد انطوى تحته معنيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يحصل في وض ٍع ل يجد غير الميتة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أن يكون غيرها موجودا ‪ ،‬ولكنّه أكره على أكلها بوعيدٍ يخاف منه تلف نفسه أو‬
‫تلف بعض أعضائه ‪ .‬وكل المعنيين مرادٌ بالية عندنا لحتمالهما ‪.‬‬
‫وحالة الكراه يؤيّد دخولها في معنى الضطرار قول الرّسول عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إنّ‬
‫اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪ .‬ويؤخذ من " ال ّدرّ المختار " أنّ‬
‫الضّرورة تشمل خوف الهلك ‪ ،‬وخوف العجز عن الصّلة قائما أو عن الصّيام ‪.‬‬
‫وفسّر " الشّرح الصّغير " للمالكيّة الضّرورة بخوف الهلك أو شدّة الضّرر ‪.‬‬
‫وفسّرها الرّمليّ الشّافعيّ في " نهاية المحتاج " بخوف الموت أو المرض أو غيرهما من كلّ‬
‫محذورٍ يبيح التّيمّم ‪ ،‬وكذا خوف العجز عن المشي ‪ ،‬أو التّخلّف عن الرّفقة إن حصل له به‬
‫ضررٌ ‪ ،‬وكذا إجهاد الجوع إيّاه بحيث ل يستطيع معه الصّبر ‪ .‬والمحذور الّذي يبيح التّيمّم عند‬
‫ن فاحشٍ‬
‫الشّافعيّة هو حدوث مرضٍ أو زيادته أو استحكامه ‪ ،‬أو زيادة مدّته ‪ ،‬أو حصول شي ٍ‬
‫في عض ٍو ظاهرٍ ‪ ،‬بخلف الشّين الفاحش في عض ٍو باطنٍ ‪ .‬والظّاهر ‪ :‬ما يبدو عند المهنة‬
‫كالوجه واليدين ‪ ،‬والباطن ‪ :‬بخلفه ‪.‬‬
‫ويعتمد في ذلك قول الطّبيب العدل في الرّواية ‪ .‬وإذا كان المضطرّ عارفا في الطّبّ عمل‬
‫بمقتضى معرفته ‪ ،‬ول يعمل بتجربته إن كان مجرّبا ‪ ،‬على ما قاله الرّمليّ ‪ .‬وقال ابن حجرٍ ‪:‬‬
‫يعمل بها ‪ ،‬ول سيّما عند فقد الطّبيب ‪.‬‬
‫ن الضّرورة أن يخاف التّلف فقط ل ما دونه ‪ ،‬هذا هو الصّحيح من‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫المذهب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّها تشمل خوف التّلف أو الضّرر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أن يخاف تلفا أو ضررا أو‬
‫مرضا أو انقطاعا عن الرّفقة يخشى معه الهلك ‪.‬‬
‫تفصيل المحرمات التي تبيحها الضرورة ‪:‬‬
‫‪ -93‬ذكر في اليات السابقة تحريم الميتة ‪ ،‬والدم ‪ ،‬ولم الخنزير‪ ،‬وما أهل لغير ال به‪،‬‬
‫والنخنقة ‪ ،‬والموقوذة‪ ،‬والمتردية‪ ،‬والنطيحة‪ ،‬وما أكل السبع‪ ،‬وما ذبح على النصب‪ ،‬فهذه كلها‬
‫تبيحها الضرورة بل خلف ‪.‬‬
‫وكذا كل حيوان حي من الحيونات التي ل تؤكل يحل للمضطر قتله بذبح أو بغير ذبح للتوصل‬
‫إلى أكله ‪ .‬وكذاما حرم من غير الحيونات لنجاسته‪ ،‬ويمثلون له بالترياق المشتمل على خمر‬
‫ولحوم حيات ‪.‬‬
‫أما ما حرم لكونه يقتل النسان إذا تناوله‪ ،‬كالسموم ‪ ،‬فإن ل تبيحه الضرورة‪ ،‬لن تناوله‬
‫استعجال للموت وقتل للنفس‪ ،‬وهو من أكبر الكبائر‪.‬وهذا متفق عليه بين المذهب ‪.‬‬
‫‪-94‬واختلفت الجتهادات في الخمر فقال الحنفية ‪:‬يشربها من خاف العطش ولم يجد غيرها‪،‬‬
‫وليشرب إل قدر ما يدفع العطش‪ ،‬إن علم أنها تدفعه ‪.‬‬
‫وقال المالكية والشافعية والحنابلة‪ :‬ليشرب المضطر الخمر الصرفة للعطش‪ ،‬وإنما يشربها من‬
‫غص بلقمة أو غيرها‪ ،‬فلم يجد ما يزيل الغصة سوى الخمر ‪.‬‬
‫شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إنّ الفقهاء في كلمهم عن الضطرار وأحكامه الستثنائيّة لم يجمعوا شروط إباحة الميتة‬ ‫‪95‬‬

‫ن خا صّ بالشّروط ‪ ،‬بل يجد ها المتتبّع مفرّقةً في‬


‫وغير ها من المحرّمات لمضط ّر ت حت عنوا ٍ‬
‫خلل المسائل والحكام ‪.‬‬
‫ويستخلص من كلمهم عن حالت الضطرار وأحكامها أ نّ الشّروط الشّرعيّة الّتي يشترطها‬
‫فقهاء المذاهب لباحة المحرّمات للمضطرّ نوعان ‪:‬‬
‫‪ - 1‬شروطٌ عا ّمةٌ متّفقٌ عليها بين المذاهب لجميع أحوال الضطرار ‪.‬‬
‫‪ - 2‬شروطٌ عا ّمةٌ اشترطتها بعض المذاهب دون سواها ‪.‬‬
‫وفيما يلي بيان ذلك ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ - :‬الشّروط العامّة المتّفق عليها ‪:‬‬
‫‪ - 96‬يشترط في إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ بوجهٍ عا ّم ثلثة شروطٍ ‪:‬‬
‫ل يجد طعاما حللً ولو لقمةً ‪ ،‬فإن وجدها وجب تقديمها ‪ ،‬فإن لم تغنه حلّ له‬
‫الوّل ‪ - :‬أ ّ‬
‫المحرّم ‪.‬‬
‫ل يكون قد أشرف على الموت بحيث ل ينفعه تناول الطّعام ‪ ،‬فإن انتهى إلى هذه‬
‫الثّاني ‪ - :‬أ ّ‬
‫ل له المحرّم ‪.‬‬
‫الحالة لم يح ّ‬
‫ي من الطعمة الحلل ‪ ،‬وفي هذا الشّرط بعض تفصيلٍ‬
‫ل يجد مال مسلمٍ أو ذمّ ّ‬
‫الثّالث ‪ - :‬أ ّ‬
‫بيانه فيما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 97‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو خاف المضطرّ الموت جوعا ‪ ،‬ومع رفيقه طعامٌ ليس مضطرّا إليه‬
‫فللمضطرّ أن يأخذ بالقيمة منه قدر ما يسدّ جوعته ‪ ،‬فإن لم يكن معه ما يؤدّي به القيمة حالً‬
‫ن"‬
‫لزمته دينا في ذمّته ‪ .‬وإنّما تلزمه القيمة لنّ من القواعد العامّة المقرّرة عندهم أ ّ‬
‫الضطرار ل يبطل حقّ الغير " ‪ .‬وكذا يأخذ من الماء الّذي لغيره ما يدفع العطش ‪ ،‬فإن منعه‬
‫ن الرّفيق المانع في هذه الحال ظالمٌ ‪ .‬فإن خاف الرّفيق‬
‫صاحبه قاتله المضطرّ بل سلحٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫جوعا أو عطشا ترك له بعضه ‪ .‬ول يحلّ له أن يدفع الجوع أو العطش بالمحرّمات كالميتة‬
‫والخمر مع وجود حلل مملوكٍ لغيره ليس مضطرّا إليه ‪ ،‬والمضطرّ قادرٌ على أخذه ولو‬
‫بالقوّة ‪ .‬وجوّز المالكيّة في هذه الحال مقاتلة صاحب الطّعام بالسّلح بعد النذار ‪ ،‬بأن يعلمه‬
‫المضطرّ أنّه مضطرّ ‪ ،‬وأنّه إن لم يعطه قاتله ‪ ،‬فإن قتله بعد ذلك فدمه هدرٌ ‪ ،‬لوجوب بذل‬
‫طعامه للمضطرّ ‪ ،‬وإن قتله الخر فعليه القصاص ‪.‬‬
‫‪ - 98‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬لو وجد المضطرّ طعاما لغيره ‪ .‬فإن كان صاحبه غائبا ولم‬
‫يجد المضطرّ سواه ‪ ،‬أكل منه وغرم عند قدرته مثله إن كان مثليّا ‪ ،‬وقيمته إن كان قيميّا ‪،‬‬
‫حفظا لحقّ المالك ‪ .‬فإن كان صاحبه حاضرا ‪ ،‬فإن كان ذلك الحاضر مضطرّا أيضا لم يلزمه‬
‫بذله للوّل إن لم يفضل عنه ‪ ،‬بل هو أولى ‪ ،‬لحديثٍ ‪ « :‬ابدأ بنفسك ‪» ...‬‬
‫لكن يجوز له إيثاره على نفسه إن كان الوّل مسلما معصوما ‪ ،‬واستطاع الثّاني الصّبر على‬
‫التّضييق على نفسه ‪ .‬فإن فضل بعد سدّ رمقه شي ٌء لزمه بذله للوّل ‪ .‬وإن لم يكن صاحب‬
‫الطّعام الحاضر مضطرّا لزمه إطعام المضطرّ ‪ .‬فإن منعه ‪ ،‬أو طلب زيادةً على ثمن المثل‬
‫بمقدا ٍر كثيرٍ جاز للمضطرّ قهره ‪ ،‬وإن أدّى إلى قتله ‪ ،‬ويكون دم المانع حينئ ٍذ مهدرا ‪ .‬وإن‬
‫قتل المالك المضطرّ في الدّفع عن طعامه لزمه القصاص ‪.‬‬
‫ص ول ديةٍ ‪،‬‬
‫وإن منع المالك الطّعام عن المضطرّ فمات هذا جوعا لم يضمنه المانع بقصا ٍ‬
‫لنّه لم يحدث فعلً مهلكا ‪ .‬فإن لم يمنع المالك الطّعام ‪ ،‬ولكن طلب ثمنا ‪ ،‬ولو بزيادةٍ على ثمن‬
‫المثل بمقدارٍ يسيرٍ ‪ ،‬لزم المضطرّ قبوله به ‪ ،‬ولم يجز له قهره ‪ .‬ولو أطعمه ولم يذكر عوضا‬
‫فل عوض له على الرجح ‪ ،‬حملً له على المسامحة المعتادة في الطّعام ‪ ،‬ول سيّما في حقّ‬
‫المضطرّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬يلزمه ثمن المثل ‪ ،‬لنّه خلص من الهلك بذلك فيرجع عليه بالبدل ‪ ،‬فإن‬
‫اختلفا في ذكر العوض صدّق المالك بيمينه ‪ ،‬إذ لو لم يصدّق لرغب النّاس عن إطعام‬
‫المضطرّ ‪ ،‬وأفضى ذلك إلى الضّرر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ - :‬الشّروط العامّة المختلف فيها ‪:‬‬
‫‪ - 99‬اختلف فقهاء المذاهب في بعض الشّرائط المبيحة لكل الميتة ونحوها من المحرّمات‬
‫للمضطرّ ‪:‬‬
‫فاشترط الشّافعيّة أن يكون المضطرّ نفسه معصوم الدّم ‪ .‬فإن كان المضطرّ مهدر الدّم شرعا‬
‫كالحربيّ ‪ ،‬والمرتدّ ‪ ،‬وتارك الصّلة الّذي استوجب القتل ‪ ،‬لم يجز له أكل المحرّمات من ميتةٍ‬
‫أو غيرها إلّ إذا تاب ‪.‬‬
‫أمّا مهدر الدّم الّذي ل تفيد توبته عصمة دمه ‪ ،‬كالزّاني المحصن ‪ ،‬والقاتل في قطع الطّريق‬
‫الّذي قدر عليه الحاكم ‪ ،‬فقيل ‪ :‬ل يأكل الميتة حتّى يتوب وإن لم تكن توبته مفيد ًة لعصمته ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل يتوقّف حلّ الميتة له على توبته ‪.‬‬
‫ل يكون المضطرّ عاصيا بسفره أو بإقامته ‪ .‬فإن كان‬
‫‪ - 100‬واشترط الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫ل له تناول الميتة ونحوها حتّى يتوب ‪.‬‬
‫كذلك لم يح ّ‬
‫والعاصي بسفره أو بإقامته هو الّذي نوى بسفره أو إقامته المعصية ‪ ،‬أي هو الّذي سافر أو‬
‫أقام لجل المعصية ‪ ،‬كمن خرج من بلده ناويا قطع الطّريق ‪ ،‬وكذا الّذي قصد بسفره أو إقامته‬
‫أمورا مباحةً ثمّ قلبه معصي ًة ‪ ،‬كمن سافر أو أقام للتّجارة ثمّ بدا له أن يجعل السّفر أو القامة‬
‫لقطع الطّريق ‪.‬‬
‫وأمّا العاصي في أثناء السّفر ‪ -‬وهو من سافر سفرا مباحا ‪ ،‬وفي أثناء سفره عصى بتأخير‬
‫ن ‪ ،‬أو بالسّرقة أو نحو ذلك ‪ -‬فل يتوقّف حلّ‬
‫الصّلة عن وقتها ‪ ،‬أو بالزّنى وهو غير محص ٍ‬
‫أكله للميتة ونحوها على توبته ‪ .‬ومثله العاصي في إقامته ‪ ،‬كمن كان مقيما في بلده لغرضٍ‬
‫مباحٍ ‪ ،‬وعصى فيها بنحو ما سبق ‪ ،‬فإنّه يباح له الكل من المحرّم إن اضطرّ إليه من غير‬
‫توقّفٍ على التّوبة ‪.‬‬
‫والوجه لمنع المسافر سفر معصيةٍ أنّ أكل الميتة رخصةٌ ‪ ،‬والعاصي بسفره أو إقامته ليس‬
‫ن على المعصية فل يجوز ‪.‬‬
‫من أهلها ‪ ،‬وأيضا في الكل المذكور عو ٌ‬
‫‪ - 101‬أمّا الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ل يشترط في المضطرّ عدم المعصية ‪ ،‬لطلق‬
‫النّصوص وعمومها ‪.‬‬
‫إطلقٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫ل والرسال ‪ ،‬وعدم التّقييد ‪.‬‬
‫‪ - 1‬من معاني الطلق في اللّغة ‪ :‬التّخلية ‪ ،‬والح ّ‬
‫ل من‬
‫وعند الفقهاء والصوليّين يؤخذ تعريف الطلق من بيان المطلق ‪ ،‬فالمطلق اسم مفعو ٍ‬
‫ل على فردٍ شائعٍ ‪ ،‬أو هو ‪ :‬ما دلّ على الماهيّة بل قيدٍ ‪ .‬أو هو ‪ :‬ما‬
‫أطلق ‪ ،‬والمطلق ‪ :‬ما د ّ‬
‫لم يقيّد بصفةٍ تمنعه أن يتعدّاها إلى غيرها ‪.‬‬
‫كما يراد بالطلق ‪ :‬استعمال اللّفظ في معناه حقيقةً كان أو مجازا ‪ .‬كما يأتي أيضا بمعنى‬
‫النّفاذ ‪ ،‬فإطلق التّصرّف نفاذه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬العموم ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تظهر صلة الطلق بالعموم من بيان العلقة بين المطلق والعامّ ‪ ،‬فالمطلق يشابه العامّ‬
‫من حيث الشّيوع حتّى ظنّ أنّه عامّ ‪ .‬لكن هناك فرقا بين العامّ والمطلق ‪ ،‬فالعامّ عمومه‬
‫شموليّ ‪ ،‬وعموم المطلق بدليّ ‪ .‬فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أنّ موارده‬
‫غير منحصرةٍ ‪.‬‬
‫والفرق بينهما ‪ :‬أنّ عموم الشّموليّ كّليّ يحكم فيه على كلّ فردٍ فردٍ ‪ .‬وعموم البدل كّليّ من‬
‫حيث إنّه ل يمنع نفس تصوّر مفهومه من وقوع الشّركة فيه ‪ ،‬ولكن ل يحكم فيه على كلّ‬
‫فردٍ ‪ ،‬بل على فردٍ شائعٍ في أفراده ‪ ،‬يتناولها على سبيل البدل ‪ ،‬ول يتناول أكثر من واحدٍ‬
‫ل عن النبابيّ ‪ :‬عموم العامّ شموليّ ‪ ،‬بخلف عموم المطلق ‪،‬‬
‫دفعةً ‪ .‬وفي تهذيب الفروق نق ً‬
‫نحو رجلٍ وأسدٍ وإنسانٍ ‪ ،‬فإنّه بدليّ ‪ ،‬حتّى إذا دخلت عليه أداة النّفي أو أل الستغراقيّة صار‬
‫عامّا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّنكير ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يتّضح الفرق بين الطلق والتّنكير من بيان الفرق بين المطلق والنّكرة ‪ ،‬فيرى بعض‬
‫ن تمثيل جميع العلماء المطلق بالنّكرة في‬
‫الصوليّين ‪ ،‬أنّه ل فرق بين النّكرة والمطلق ‪ ،‬ل ّ‬
‫كتبهم يشعر بعدم الفرق ‪ .‬وفي تيسير التّحرير ‪ :‬المطلق والنّكرة بينهما عمو ٌم من وجهٍ ‪،‬‬
‫لصدقهما في نحو ‪ :‬تحرير رقب ٍة ‪ ،‬وانفراد النّكرة عنه إذا كانت عامّةً ‪ ،‬كما إذا وقعت في‬
‫سياق النّفي ‪ ،‬وانفراد المطلق عنها في نحو اشتر اللّحم ‪ .‬هذا عند الطلق ‪ ،‬فإن قيّدت النّكرة‬
‫كانت مباين ًة للمطلق ‪.‬‬
‫الشّيء المطلق ومطلق الشّيء ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الشّيء المطلق عبارةٌ عن الشّيء من حيث الطلق ‪ ،‬وهو ما صدق عليه اسم الشّيء بل‬
‫قيدٍ لزمٍ ‪ ،‬ومنه قول الفقهاء ‪ :‬يرفع الحدث بالماء المطلق أي غير المقيّد بقيدٍ ‪ ،‬فخرج به ماء‬
‫الورد ‪ ،‬وماء الزّعفران ‪ ،‬والماء المعتصر من شجرٍ أو ثمرٍ ‪ ،‬وكذلك الماء المستعمل عند‬
‫أكثر الفقهاء ‪ ،‬لنّها مياهٌ مقيّدةٌ بقيدٍ لزمٍ ل يطلق الماء عليه بدونه ‪ ،‬بخلف ماء البحر وماء‬
‫ن القيود فيها غير لزمةٍ ‪ ،‬وتستعمل بدونها ‪ ،‬فهي ميا ٌه مطلقةٌ ‪.‬‬
‫البئر وماء السّماء ونحوها ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا مطلق الشّيء فهو عبارةٌ عن الشّيء من حيث هو من غير أن يلحظ معه الطلق أو‬
‫التّقييد ‪ ،‬فيصدق على أيّ شيءٍ مطلقا كان أو مقيّدا ‪ .‬ومنه قولهم ‪ :‬مطلق الماء ‪ ،‬فيدخل فيه‬
‫الماء الطّاهر والطّهور والنّجس وغيرها من أنواع المياه المقيّدة ( كماء الورد والزّعفران )‬
‫والمطلقة ‪ .‬فالشّيء المطلق أخصّ من مطلق الشّيء ( الشّامل للمقيّد ) ‪ .‬ومثل ذلك ما يقال في‬
‫البيع المطلق ‪ ،‬ومطلق البيع ‪ ،‬والطّهارة المطلقة ‪ ،‬ومطلق الطّهارة وأمثالها ‪.‬‬
‫مواطن الطلق ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يتناول الصوليّون الطلق في عدّة مواضع منها ‪ :‬مسألة حمل المطلق على المقيّد ‪،‬‬
‫ومنها ‪ :‬مقتضى المر هل هو للتّكرار أو ل ؟ وهل هو للفور أو ل ؟ وتفصيل ذلك في‬
‫الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫مواطن الطلق عند الفقهاء ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬إطلق ال ّنيّة في الطّهارة ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫أ ‪ -‬الوضوء والغسل ‪:‬‬
‫‪ - 6‬لو نوى المتوضّئ مطلق ( الطّهارة ) أو مطلق ( الوضوء ) ‪ ،‬ل لرفع حدثٍ ‪ ،‬ول‬
‫لستباحة صلةٍ ‪ ،‬أو نحوها ‪ ،‬ففي ارتفاع الحدث وعدمه رأيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه ل يرتفع ‪ ،‬لعدم نيّته له ‪ .‬وهذا أحد الرّأيين عند الجمهور ‪ ،‬وهم الّذين يشترطون‬
‫ن الطّهارة قسمان ‪ :‬طهارة حدثٍ ‪ ،‬وطهارة نجسٍ ‪ ،‬فإذا‬
‫ال ّنيّة لصحّة الطّهارة ‪ .‬وعلّلوا لذلك بأ ّ‬
‫قصد الطّهارة المطلقة ‪ ،‬فإنّ ذلك ل يرفع الحدث ‪.‬‬
‫والرّأي الصحّ للجمهور أنّه يرتفع ‪ ،‬لنّ الطّهارة والوضوء إنّما ينصرف إطلقهما إلى‬
‫المشروع ‪ ،‬فيكون ناويا لوضو ٍء شرعيّ ‪ .‬ول دخل لمذهب الحنفيّة في هذه المسألة ‪ ،‬فال ّنيّة‬
‫سنّ ٌة عندهم وليست شرطا في الوضوء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ - 7‬جمهور الفقهاء على أنّ المتيمّم لو نوى استباحة الصّلة ‪ ،‬وأطلق ولم يقيّد تلك الصّلة‬
‫بفرضٍ أو نفلٍ ‪ ،‬صلّى النّافلة مع هذا الطلق ‪ .‬وللشّافعيّة وجهٌ ضعيفٌ أنّه ل يستبيح به النّفل‬
‫‪ .‬وللفقهاء في صلة الفرض بهذا التّيمّم رأيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬صحّة صلة الفرض ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة ‪ ،‬وقولٌ عند الشّافعيّة اختاره إمام الحرمين‬
‫والغزاليّ ‪ ،‬لنّها طهارةٌ يصحّ بها النّفل ‪ ،‬فصحّ بها الفرض كطهارة الماء ‪ ،‬ولنّ الصّلة اسم‬
‫جنسٍ تتناول الفرض والنّفل ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه ل يستبيح به الفرض ‪ ،‬وهو قول المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو أحد قولي الشّافعيّة ‪.‬‬
‫إطلق ال ّنيّة في الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬صلة الفرض ‪:‬‬
‫ن الطلق ل يكفي ‪ .‬قال‬
‫‪ - 8‬جمهور الفقهاء على أنّه يشترط التّعيين في نيّة الفرض وأ ّ‬
‫الحنفيّة ‪ :‬وكذا الواجب من وترٍ أو نذرٍ أو سجود تلو ٍة ‪ ،‬وكذا يشترط التّعيين في نيّة سجدة‬
‫الشّكر ‪ ،‬بخلف سجود السّهو ‪ .‬وفي روايةٍ عن أحمد أنّه ل يشترط التّعيين في نيّة صلة‬
‫الفرض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّفل المطلق ‪:‬‬
‫ن الطلق يكفي في نيّة صلة النّفل المطلق ‪ ،‬وألحق بعض الشّافعيّة‬
‫‪ - 9‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫بالنّفل المطلق تحيّة المسجد ‪ ،‬وركعتي الوضوء ‪ ،‬وركعتي الحرام ‪ ،‬وركعتي الطّواف ‪،‬‬
‫وصلة الحاجة ‪ ،‬وصلة الغفلة بين المغرب والعشاء ‪ ،‬والصّلة في بيته إذا أراد الخروج‬
‫للسّفر ‪ ،‬والمسافر إذا نزل منزلً وأراد مفارقته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّنن الرّواتب ‪ ،‬والمؤقّتة ‪:‬‬
‫سنّة الرّاتبة ‪ ،‬والمؤقّتة رأيان ‪:‬‬
‫‪ - 10‬للفقهاء في إطلق ال ّنيّة في صلة ال ّ‬
‫سنّة الرّاتبة ‪ .‬وهو قول المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه ل يكفي الطلق لحصول تلك ال ّ‬
‫والحنابلة باستثناء النّوافل الّتي ألحقت بالنّفل المطلق عند البعض والّتي سبق ذكرها ‪ .‬وهو قول‬
‫سنّة وصفٌ زائدٌ على أصل الصّلة ‪ ،‬كوصف الفرضيّة ‪،‬‬
‫ن ال ّ‬
‫جماعةٍ من الحنفيّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫فل تحصل بمطلق نيّة الصّلة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬صحّة ال ّنيّة مع الطلق ‪ ،‬وهو أحد قولين للحنفيّة مصحّحين ‪ ،‬واعتمده بعضهم ‪.‬‬
‫وفي المحيط أنّه قول عامّة المشايخ ‪ ،‬ورجّحه في الفتح ‪ ،‬ونسبه إلى المحقّقين ‪.‬‬
‫إطلق ال ّنيّة في الصّوم ‪:‬‬
‫‪ - 11‬للفقهاء في إطلق نيّة الصّوم رأيان ‪:‬‬
‫صحّة مع الطلق ‪ ،‬وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬واستدلّوا له بأنّه‬
‫الوّل ‪ :‬عدم ال ّ‬
‫ب فوجب تعيين ال ّنيّة له ‪.‬‬
‫صومٌ واج ٌ‬
‫والثّاني ‪ :‬صحّة الصّوم ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة ‪ ،‬ورواي ٌة عن أحمد ‪ ،‬ووجهٌ شاذّ للشّافعيّة حكاه‬
‫ن بعينه ‪ ،‬فل يجب‬
‫صاحب التّتمّة عن الحليميّ ‪ ،‬واستدلّوا لذلك بأنّه فرضٌ مستحقّ في زم ٍ‬
‫تعيين ال ّنيّة له ‪.‬‬
‫إطلق نيّة الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 12‬إذا نوى مريد النّسك نفس الحرام ‪ ،‬وأطلق بأن لم يقصد القران ‪ ،‬ول التّمتّع ول الفراد‬
‫ح مع الطلق ‪ .‬وله صرفه إلى أيّ نوعٍ‬
‫ح مع البهام فيص ّ‬
‫ن الحرام يص ّ‬
‫جاز بل خلفٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫شاء من أنواع الحرام الثّلثة ‪ ،‬إن كان ذلك قبل الشّروع في أعمال الحرام ‪ ،‬وكان في أشهر‬
‫ج ‪ ،‬غير أنّ المالكيّة والحنابلة قالوا ‪ :‬الولى الصّرف إلى العمرة ‪ ،‬لنّ التّمتّع أفضل ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫وما عمله قبل التّعيين فلغ ٌو عند الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وعند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬يعتدّ بما أتى‬
‫به من الشّعائر ‪ ،‬غير أنّهم يختلفون فيما تصرف ال ّنيّة له ‪ ،‬فقال الحنفيّة ‪ :‬تصرف إلى العمرة‬
‫إن لم يعيّن ‪ ،‬وقد طاف ‪ ،‬لكن في اللّباب وشرحه لو وقف بعرفة قبل الطّواف تعيّن إحرامه‬
‫ج في وقوفه ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يجب صرفه إلى الحجّ إن وقع الصّرف‬
‫للحجّ ‪ ،‬ولو لم يقصد الح ّ‬
‫بعد طواف قدومٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬على كراهته أو امتناعه‬
‫‪ - 13‬وإن كان الحرام بنسكٍ ولم يعيّن وذلك في غير أشهر الح ّ‬
‫ن الولى صرف ال ّنيّة إلى العمرة ‪.‬‬
‫عند الحنابلة ‪ -‬فالحكم ل يختلف عندهم في أ ّ‬
‫ج إن كان طاف قبل‬
‫وكذا ل يختلف الحكم عند المالكيّة في غير أشهر الحجّ عن أشهر الح ّ‬
‫التّعيين ‪ -‬يجب صرف ال ّنيّة للحجّ ‪ -‬ويؤخّر سعيه لفاضته ‪ ،‬فإن لم يكن قد طاف كره صرف‬
‫ج ‪ ،‬لنّه أحرم به قبل وقته ‪ .‬وفصّل الشّافعيّة في ذلك فقالوا ‪ :‬إن أحرم قبل‬
‫ال ّنيّة إلى الح ّ‬
‫ج بعد دخول الشهر فوجهان ‪،‬‬
‫الشهر ‪ ،‬فإن صرفه إلى العمرة صحّ ‪ ،‬وإن صرفه إلى الح ّ‬
‫الصّحيح ‪ :‬ل يجوز بل انعقد إحرامه ‪ ( ،‬أي عمرةً ) ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ينعقد مبهما ‪ ،‬وله صرفه بعد دخول أشهر الحجّ إلى حجّ أو قرانٍ ‪ ،‬فإن صرفه إلى‬
‫ج قبل الشهر كان كمن أحرم بالحجّ قبل الشهر ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫‪ - 14‬وهل الطلق أفضل أم التّعيين ؟ رأيان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّ التّعيين أفضل ‪ ،‬وهو قول‬
‫الحنابلة ‪ ،‬فقد صرّحوا باستحباب التّعيين ‪ ،‬وبه قال مالكٌ ‪ ،‬وهو قول بعض الشّافعيّة ‪ .‬ثانيهما‬
‫‪ :‬الطلق أفضل ‪ ،‬وهو الظهر ند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 15‬بالضافة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء والصوليّون عن الطلق في المواطن التية ‪:‬‬
‫‪--‬الملك المطلق ‪ ،‬والملك المقيّد ‪.‬‬
‫ح أم ل ؟‬
‫‪ - -‬العقود إذا وقعت على اسمٍ مطلقٍ ‪ ،‬هل تص ّ‬
‫‪ - -‬في المضاربة والوكالة ‪-‬اختلف العامل ‪ ،‬والمالك والوكيل ‪ ،‬والموكّل ‪ ،‬في الطلق‬
‫‪ ،‬والتّقييد ‪.‬‬
‫‪ - -‬القرار المطلق ‪.‬‬
‫‪ - -‬الوقف المطلق ‪.‬‬
‫‪ - -‬وفي الظّهار والطّلق ‪.‬‬
‫‪ - -‬الطلق في الجارة ‪.‬‬
‫‪ - -‬الطلق في الوصيّة والوقف ‪.‬‬
‫‪ - -‬القضاء ‪ -‬في تعريف الحكم ‪ ،‬وهل هو إنشاء إلزامٍ أم إطلقٌ ؟‬
‫‪ - -‬الطلق في التّصرّفات عن الغير ‪.‬‬
‫‪ - -‬تقييد المطلق بالعرف ‪ ،‬وقد أفرد السّيوطيّ المبحث الخامس من كتاب الشباه‬
‫والنّظائر في كلّ ما جاء به الشّرع مطلقا ‪ ،‬ول ضابط له فيه ول في اللّغة ‪.‬‬
‫‪ - -‬حمل المطلق على المقيّد ‪.‬‬
‫‪ - -‬تقييد المطلق بما يخصّص به العامّ ‪.‬‬
‫‪ - -‬النّذر المطلق والتّحلّل منه ‪.‬‬
‫ل مسألةٍ من هذه المسائل في بابها ‪.‬‬
‫‪ -‬وتفصيل ك ّ‬
‫اطمئنانٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫ن في‬
‫‪ - 1‬الطمئنان في اللّغة ‪ :‬السّكون ‪ ،‬يقال ‪ :‬اطمأنّ القلب ‪ :‬سكن ولم يقلق ‪ ،‬واطمأ ّ‬
‫المكان ‪ :‬أقام به ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذين الطلقين ‪ ،‬فإنّ الطمئنان في الرّكوع والسّجود بمعنى‬
‫استقرار العضاء في أماكنها عن الحركة ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬


‫أ ‪ -‬العلم ‪:‬‬
‫‪ – 2‬العلم ‪ :‬هو اعتقاد الشّيء على ما هو عليه على سبيل الثّقة ‪ ،‬أمّا الطمئنان فهو سكون‬
‫النّفس إلى هذا العلم ‪ .‬وعلى هذا فقد يوجد العلم ول يوجد الطمئنان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اليقين ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اليقين ‪ :‬هو سكون النّفس المستند إلى اعتقاد الشّيء بأنّه ل يمكن أن يكون إلّ كذا ‪ .‬أمّا‬
‫الطمئنان فهو سكون النّفس المستند إلى غلبة الظّنّ ‪ ،‬وعلى هذا فإنّ اليقين أقوى من‬
‫الطمئنان ‪.‬‬
‫اطمئنان النّفس ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اطمئنان النّفس أمرٌ غير مقدورٍ للنسان ‪ ،‬لنّه من أعمال القلب الّتي ل سلطان له عليها ‪،‬‬
‫ولكن يطالب النسان بتحصيل أسبابه ‪.‬‬
‫ما يحصل به الطمئنان ‪:‬‬
‫ن الطمئنان يحصل شرعا بما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 5‬بالستقراء يتبيّن أ ّ‬
‫ن القلوب } ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ذكر اللّه تعالى ‪ ،‬لقوله سبحانه { أل بذكر اللّه تطمئ ّ‬
‫ن أو سنّةٍ ‪ ،‬وقد يكون عقليّا من قياسٍ على علّةٍ‬
‫ب ‪ -‬الدّليل ‪ :‬والدّليل قد يكون شرعيّا من قرآ ٍ‬
‫مستنبط ٍة ‪ ،‬أو قرين ٍة قويّ ٍة من قرائن الحوال ‪ ،‬وقد يكون خبرا من مخبرٍ صادقٍ ‪.‬‬
‫ن الصل في المسلمين‬
‫ج ‪ -‬استصحاب الحال ‪ :‬ومن هنا قبلت شهادة مستور الحال ‪ ،‬ل ّ‬
‫العدالة ‪ .‬كما هو مفصّلٌ في كتاب الشّهادات من كتب الفقه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬مضيّ مدّ ٍة معيّنةٍ ‪ :‬إذ أنّ مضيّ سن ٍة على العنّين دون أن يستطيع أن يأتي أهله يوجد‬
‫طمأنين ًة حكميّةً بعجزه عن المعاشرة عجزا دائما ‪ .‬ومضيّ مدّة النتظار في المفقود ‪ -‬عند من‬
‫يقول بها ‪ -‬يوجد طمأنين ًة حكميّةً أنّه لن يعود ‪ ،‬وتأخير أداء الشّهادة في الحدود يوجد طمأنينةً‬
‫ن ( أي حقدٍ ) ‪.‬‬
‫حكميّ ًة بأنّ الشّاهد إنّما شهد عن ضغ ٍ‬
‫هـ – القرعة ‪ :‬وهي عند من يقول بها توجد طمأنين ًة حكميّةً بأنّه لم يحدث جورٌ أو هوًى ‪،‬‬
‫لنّها لتطييب القلوب ‪ ،‬كما في القسمة ونحوها ‪.‬‬
‫سيّ ‪:‬‬
‫الطمئنان الح ّ‬
‫‪ - 6‬يكون ذلك في الصّلة ‪ :‬وحده في الرّكوع والسّجود والقيام ‪ -‬فهو سكون الجوارح‬
‫واستقرار كلّ عض ٍو في محلّه ‪ -‬بقدر تسبيحةٍ ‪.‬‬
‫وحكمه الوجوب عند الجمهور ‪ ،‬وعند بعض الحنفيّة سنّةٌ ‪ .‬وتفصيل ذلك في كتاب الصّلة‬
‫من كتب الفقه ‪.‬‬
‫ن ذلك دليل إزهاق‬
‫والذّبيحة ل يجوز تقطيع أوصالها بعد ذبحها حتّى تسكن حركتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫روحها ‪ ،‬كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الذّبائح ‪.‬‬
‫آثار الطمئنان ‪:‬‬
‫‪ - 7‬يترتّب على الطمئنان أثران ‪:‬‬
‫أوّلهما ‪ :‬وقوع العمل المبنيّ على الطمئنان صحيحا في الشّرع ‪ .‬فمن تحرّى الواني الّتي‬
‫ن قلبه إلى هذا الناء منها طاهرٌ ‪ ،‬فتوضّأ منه ‪ ،‬وقع‬
‫بعضها طاهرٌ وبعضها نجسٌ ‪ ،‬فاطمأ ّ‬
‫وضوءه صحيحا ‪ ،‬كما فصّل ذلك الفقهاء في كتاب الطّهارة ‪.‬‬
‫ثانيهما ‪ :‬أنّ ما خالف هذا الطمئنان هو هدرٌ ول قيمة له ‪ ،‬وكلّ ما بني عليه من التّصرّفات‬
‫ن قلبه إلى جهةٍ ما أنّ القبلة نحوها ‪ ،‬فصلّى إلى غير‬
‫باطلٌ ‪ ،‬فمن تحرّى جهة القبلة حتّى اطمأ ّ‬
‫هذه الجهة فصلته باطل ٌة ‪ ،‬كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الصّلة ‪ .‬وإذا اطمأنّ قلب إنسانٍ‬
‫باليمان ‪ ،‬ثمّ أكره على إتيان ما يخالف هذا اليمان ل يضرّه ذلك شيئا ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬من‬
‫ل من أكره وقلبه مطمئنّ باليمان ‪ ،‬ولكن من شرح بالكفر صدرا‬
‫كفر باللّه من بعد إيمانه إ ّ‬
‫ب عظيمٌ } ‪.‬‬
‫فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذا ٌ‬
‫ن من أكره على الكفر ‪ ،‬حتّى خشي على نفسه القتل ‪،‬‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫أنّه ل إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئنّ باليمان ‪ ،‬ول تبين منه زوجته ‪ ،‬ول يحكم عليه بحكم‬
‫الكفر ‪.‬‬
‫أظفارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الظفار جمع ظفرٍ ‪ ،‬ويجمع أيضا على أظفرٍ ‪ ،‬وأظافير ‪ .‬والظّفر معروفٌ ‪ ،‬يكون‬
‫للنسان وغيره ‪ .‬وقيل ‪ :‬الظّفر لما ل يصيد ‪ ،‬والمخلب لما يصيد ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالظفار ‪:‬‬
‫تقليم الظفار ‪:‬‬
‫‪ - 2‬تقليم الظفار سنّةٌ عند الفقهاء للرّجل والمرأة ‪ ،‬لليدين والرّجلين ‪ ،‬لما روى أبو هريرة‬
‫س من الفطرة ‪ :‬الستحداد ‪ ،‬والختان ‪،‬‬
‫قال ‪ « :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬خم ٌ‬
‫ص الشّارب ‪ ،‬ونتف البط ‪ ،‬وتقليم الظفار » ‪ .‬والمراد بالتّقليم إزالة ما زيد على ما‬
‫وق ّ‬
‫ب أن يبدأ باليد اليمنى ثمّ اليسرى ‪ ،‬ثمّ الرّجل اليمنى ث ّم اليسرى‬
‫يلمس رأس الصبع ‪ ،‬ويستح ّ‬
‫ص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا » ‪.‬‬
‫‪ .‬وقال ابن قدامة ‪ :‬روي في حديث ‪ « :‬من ق ّ‬
‫سبّابة ‪.‬‬
‫وفسّره ابن بطّة ‪ ،‬بأن يبدأ بخنصر اليمنى ‪ ،‬ثمّ الوسطى ثمّ البهام ‪ ،‬ثمّ البنصر ثمّ ال ّ‬
‫أمّا التّوقيت في تقليم الظفار فهو معتبرٌ بطولها ‪ :‬فمتى طالت قلّمها ‪ ،‬ويختلف ذلك باختلف‬
‫الشخاص والحوال ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يستحبّ تقليم الظفار كلّ يوم جمعةٍ ‪ ،‬لما روي عن أنس بن‬
‫مالكٍ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه وقّت لهم في كلّ أربعين ليلةً تقليم الظفار ‪ ،‬وأخذ‬
‫ص الشّارب وتقليم‬
‫س أيضا « وقّت لنا في ق ّ‬
‫الشّارب ‪ ،‬وحلق العانة » وفي رواي ٍة عن أن ٍ‬
‫الظفار ‪ ،‬وحلق العانة ‪ ،‬ونتف البط ألّ نترك أكثر من أربعين يوما » ‪.‬‬
‫قال السّخاويّ ‪ :‬لم يثبت في كيفيّة قصّ الظفار ول في تعيين يومٍ له شيءٌ عن النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫توفير الظفار للمجاهدين في بلد العدوّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ينبغي للمجاهدين أن يوفّروا أظفارهم في أرض العدوّ فإنّه سلحٌ ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬يحتاج‬
‫ل الحبل أو الشّيء فإذا لم يكن له أظفارٌ لم‬
‫إليها في أرض العدوّ ‪ ،‬أل ترى أنّه إذا أراد أن يح ّ‬
‫ل نحفي‬
‫يستطع ‪ .‬وقال عن الحكم بن عمرٍو ‪ « :‬أمرنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أ ّ‬
‫الظفار في الجهاد ‪ ،‬فإنّ القوّة في الظفار » ‪.‬‬
‫قصّ الظفار في الحجّ وما يجب فيه ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ممّا يندب لمن يريد الحرام تقليم الظفار ‪ ،‬فإذا دخل في الحرام فقد أجمع أهل العلم‬
‫ن قطع الظفار إزالة جزءٍ يترفّه به ‪،‬‬
‫على أنّه ممنوعٌ من قصّ أظفاره إلّ من عذرٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫فحرم ‪ ،‬كإزالة الشّعر ‪ ،‬وتفصيل حكمه إذا قصّه ينظر في مصطلح إحرامٌ ‪.‬‬
‫إمساك المضحّي عن قصّ أظفاره ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذهب بعض الحنابلة وبعض الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّ من أراد أن يضحّي فدخل العشر من ذي‬
‫الحجّة يجب عليه أن يمسك عن قصّ الشّعر والظفار ‪ ،‬وهو قول إسحاق وسعيد بن المسيّب ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وهو قول بعض الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يسنّ له أن يمسك عن قصّ‬
‫الشّعر والظفار ‪ .‬لما روت أمّ سلمة عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا دخل‬
‫العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فل يأخذ من شعره ‪ ،‬ول من أظفاره شيئا حتّى يضحّي » ‪.‬‬
‫ح يذبحه ‪ ،‬فإذا أهلّ هلل ذي الحجّة‬
‫وفي روايةٍ أخرى عن أمّ سلمة مرفوعا ‪ « :‬من كان له ذب ٌ‬
‫‪ ،‬فل يأخذن من شعره ول من أظفاره شيئا حتّى يضحّي » ‪.‬‬
‫والحكمة في ذلك بقاؤه كامل الجزاء ‪ ،‬لتشملها المغفرة والعتق من النّار ‪ .‬ويفهم من كلم‬
‫الشّافعيّة والحنابلة أنّهم أطلقوا طلب ترك الظفار والشّعر في عشرٍ من ذي الحجّة لمن أراد‬
‫التّضحية مطلقا ‪ ،‬سواءٌ أكان يملك الضحيّة أم ل ‪.‬‬
‫دفن قلمة الظّفر ‪:‬‬
‫ب دفن الظّفر ‪ ،‬إكراما لصاحبه ‪ .‬وكان ابن عمر يدفن الظفار ‪.‬‬
‫‪ - 6‬يستح ّ‬
‫الذّبح بالظفار ‪:‬‬
‫ن مطلقا ‪ ،‬وقالوا‬
‫‪ - 7‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو رأيٌ للمالكيّة إلى تحريم الذّبح بالظّفر والسّ ّ‬
‫ل أكلها ‪ ،‬لنّه قاتلٌ وليس بذابحٍ ‪ .‬ولقول رسول اللّه‬
‫‪ :‬إنّ المذبوح بهذه الشياء ميت ٌة ل يح ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما أنهر الدّم وذكر اسم اللّه فكل ‪ ،‬ليس الظّفر والسّنّ ‪. » ...‬‬
‫ن قائمين غير‬
‫ووافقهم الحنفيّة ‪ ،‬وكذلك المالكيّة في أحد أقوالٍ عندهم إذا كان الظّفر والسّ ّ‬
‫منزوعين ‪ ،‬لقول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنهر الدّم » ‪ ،‬وما رواه الشّافعيّة‬
‫ل على غير المنزوع ‪ ،‬فإنّ الحبشة كانوا يفعلون ذلك إظهارا للجلد ‪ .‬ولنّها إذا انفصلت‬
‫محمو ٌ‬
‫كانت آل ًة جارح ًة ‪ ،‬فيحصل بها المقصود ‪ ،‬وهو إخراج الدّم ‪ ،‬فصار كالحجر والحديد ‪،‬‬
‫بخلف غير المنزوع فإنّه يقتل بالثّقل ‪ ،‬فيكون في معنى الموقوذة ‪.‬‬
‫ن مطلقا سواءٌ أكانا قائمين أم منفصلين ‪.‬‬
‫وفي رأيٍ للمالكيّة يجوز الذّبح بالظّفر والسّ ّ‬
‫طلء الظفار ‪:‬‬
‫‪ - 8‬الطّهارة من الحدث تقتضي تعميم الماء على أعضاء الوضوء في الحدث الصغر ‪،‬‬
‫وعلى الجسم في الحدث الكبر ‪ ،‬وإزالة كلّ ما يمنع وصول الماء إلى تلك العضاء ‪ ،‬ومنها‬
‫الظفار ‪ ،‬فإذا منع مانعٌ من وصول الماء إليها من طلءٍ وغيره ‪ -‬من غير عذ ٍر ‪ -‬لم يصحّ‬
‫الوضوء ‪ ،‬وكذلك الغسل ‪ ،‬لما روى عليّ رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫من ترك موضع شعرةٍ من جناب ٍة لم يصبها الماء ‪ ،‬فعل به من النّار كذا وكذا » ‪ .‬وعن عمر‬
‫رضي ال عنه « أنّ رجلً توضّأ فترك موضع ظفرٍ على قدميه ‪ ،‬فأبصره النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم فقال ‪ :‬ارجع فأحسن وضوءك » ‪ .‬ر ‪ ( :‬وضوءٌ ‪ -‬غسلٌ ) ‪.‬‬
‫أثر الوسخ المتجمّع تحت الظفار في الطّهارة ‪:‬‬
‫خ يمنع وصول الماء إلى ما تحته ‪ ،‬فقد ذهب المالكيّة ‪ ،‬والحنفيّة‬
‫‪ - 9‬إذا كان تحت الظفار وس ٌ‬
‫في الصحّ عندهم ‪ ،‬إلى أنّه ل يمنع الطّهارة ‪ ،‬وعلّلوا ذلك بالضّرورة ‪ ،‬وبأنّه لو كان غسله‬
‫واجبا لبيّنه النّبيّ صلى ال عليه وسلم « وقد عاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم كونهم يدخلون‬
‫عليه قلحا ورفغ أحدهم بين أنمله وظفره » ‪ .‬يعني أنّ وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه‬
‫رائحة نتنها ‪ ،‬فعاب عليهم نتن ريحها ل بطلن طهارتهم ‪ ،‬ولو كان مبطلً للطّهارة لكان ذلك‬
‫أهمّ فكان أحقّ بالبيان ‪.‬‬
‫ح الطّهارة حتّى‬
‫وقال الحنابلة ‪ ،‬وهو رأيٌ للحنفيّة ‪ ،‬والمفهوم من مذهب الشّافعيّة ‪ :‬ل تص ّ‬
‫يزيل ما تحت الظفار من وسخٍ ‪ ،‬لنّه محلّ من اليد استتر بما ليس من خلقه ‪ ،‬وقد منع‬
‫إيصال الماء إليه مع إمكان إيصاله ‪.‬‬
‫الجناية على الظّفر ‪:‬‬
‫‪ - 10‬لو جني على الظّفر في غير العمد ‪ ،‬فقلع ونبت غيره ‪ ،‬قال المالكيّة ومح ّمدٌ وأبو يوسف‬
‫ل ‪ ،‬بقدر ما لحقه إلى أن‬
‫من الحنفيّة ‪ ،‬وهو رأيٌ للشّافعيّة ‪ :‬فيه أرش اللم ‪ ،‬وهو حكومة عد ٍ‬
‫يبرأ ‪ ،‬من النّفقة من أجرة الطّبيب وثمن الدّواء ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة وهو رأيٌ آخر للشّافعيّة ‪ :‬ليس فيه شيءٌ ‪ .‬أمّا إذا لم ينبت غيره ففيه الرش ‪،‬‬
‫وقدّر بخمسٍ من البل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا جني على الظّفر ولم يعد ‪ ،‬أو عاد أسود ففيه خمس دية الصبع ‪ ،‬وهو‬
‫منقولٌ عن ابن عبّاسٍ ‪ ،‬وفي ظفرٍ عاد قصيرا أو عاد متغيّرا أو أبيض ثمّ أسود لعّلةٍ حكومة‬
‫ص ‪ -‬أرشٌ ) ‪.‬‬
‫ل ‪ .‬وهذا في غير العمد ‪ ،‬أمّا في العمد ففيه القصاص ‪ .‬ر ‪ ( :‬قصا ٌ‬
‫عد ٍ‬
‫الجناية بالظّفر ‪:‬‬
‫‪ - 11‬لمّا كان تعمّد القتل أمرا خفيّا ‪ ،‬نظر الفقهاء إلى اللة المستعملة في القتل ‪ ،‬فذهب أبو‬
‫حنيفة إلى أنّه ل قصاص في القتل العمد إلّ إذا كان بسلحٍ أو ما جرى مجراه ‪ ،‬من مح ّددٍ من‬
‫الخشب أو الحجر العظيم أو غيرهما ‪ ،‬وذهب جمهور الفقهاء ‪ ،‬ومنهم أبو يوسف ومح ّمدٌ إلى‬
‫ل ما يقتل ‪ ،‬على‬
‫أنّ آلة العمد هي ما تقتل غالبا ‪ ،‬مثل الحجر العظيم والخشبة الكبيرة وك ّ‬
‫تفصيلٍ وخلفٍ بينهم في الضّوابط المعتبرة في ذلك يرجع إليها في ‪ ( :‬مسائل الجنايات‬
‫ل معدّا للقتل والجناية فهو ممّا يقتل‬
‫ل أو منفص ً‬
‫والقصاص ) وعلى هذا فإذا كان الظّفر متّص ً‬
‫غالبا ويثبت به العمد عندهم ‪ ،‬خلفا لبي حنيفة ‪ ،‬وأمّا إذا لم يكن معدّا لذلك ‪ ،‬وتعمّد الضّرب‬
‫به فهو شبه عم ٍد ‪ ،‬ول قصاص فيه ‪ ،‬بل يكون فيه الدّية المغلّظة ‪.‬‬
‫طهارة الظّفر ونجاسته ‪:‬‬
‫ن ظفر النسان طاهرٌ ‪ ،‬حيّا كان النسان أو ميّتا ‪ ،‬وسواءٌ‬
‫‪ - 12‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ح إلى نجاسة‬
‫ل به ‪ ،‬أم منفصلً عنه ‪ ،‬وذهب بعض الحنابلة في قولٍ مرجو ٍ‬
‫أكان الظّفر متّص ً‬
‫أجزاء الدميّ ‪ ،‬وبعضهم إلى نجاسة الكافر بالموت دون المسلم ‪ ،‬وهذا الخلف عندهم في‬
‫ي صلى ال عليه وسلم والصّحيح عندهم ما وافق الجمهور ‪.‬‬
‫غير النّب ّ‬
‫أمّا الحيوان ‪ ،‬فإن كان نجس العين ( الذّات ) ‪ ،‬كالخنزير ‪ ،‬فإنّ ظفره نجسٌ ‪ ،‬وأمّا إذا كان‬
‫الحيوان طاهر العين ‪ ،‬فظفره المتّصل به حال حياته طاهرٌ ‪ .‬فإن ذكّي فهو طاهرٌ أيضا ‪ ،‬أمّا‬
‫س أيضا ‪ ،‬لقوله‬
‫إذا مات فظفره نجسٌ كميتته ‪ ،‬وكذا إذا انفصل الظّفر حال حياته فإنّه نج ٌ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما أبين من حيّ فهو ميتٌ » ‪.‬‬
‫ن الظّفر من غير الخنزير طاهرٌ مطلقا ‪ ،‬سوا ٌء كان من مأكولٍ أو غير‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن الحياة ل تحلّه ‪ ،‬والّذي ينجس بالموت إنّما هو ما حلّته الحياة‬
‫ل ‪ ،‬من حيّ أو ميّتٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫مأكو ٍ‬
‫دون غيره ‪.‬‬
‫إظهارٌ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الظهار في اللّغة ‪ :‬التّبيين ‪ ،‬والبراز بعد الخفاء ‪ ،‬بقطع النّظر عمّا إذا علم بالتّصرّف‬
‫المظهر أحدٌ أو لم يعلم ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عمّا ذكر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الفشاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬إذا كان الظهار ‪ :‬البراز بعد الخفاء ‪ ،‬فإنّ الفشاء هو كثرة الظهار ‪ ،‬في أماكن‬
‫ومناسباتٍ كثيرةٍ قال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬أل أدلّكم على شي ٍء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا‬
‫ص من الظهار ‪.‬‬
‫السّلم بينكم » أي أكثروا من التّسليم على بعضكم ‪ .‬فالفشاء أخ ّ‬
‫ب ‪ -‬الجهر ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الجهر هو‪ :‬المبالغة في الظهار وعمومه ‪ ،‬أل ترى أنّك إذا كشفت المر للرّجل‬
‫ل إذا أظهرته للجماعة الكثيرة ‪ ،‬ومن هنا‬
‫والرّجلين قلت ‪ :‬أظهرته لهما ‪ ،‬ول تقول جهرت به إ ّ‬
‫ص من الظهار ‪ ،‬فإنّ‬
‫يقول العلماء ‪ :‬الجهر بالدّعوة ‪ ،‬ويعنون إعلنها للمل ‪ .‬فالجهر أخ ّ‬
‫الجهر هو المبالغة في الظهار ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العلن ‪:‬‬
‫‪ - 4‬العلن ضدّ السرار ‪ ،‬وهو المبالغة في الظهار ‪ ،‬ومن هنا قالوا ‪ :‬يستحبّ إعلن‬
‫النّكاح ‪ ،‬ولم يقولوا إظهاره ‪ ،‬لنّ إظهاره يكون بالشهاد عليه ‪ ،‬أمّا إعلنه فإعلم المل به ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬


‫يختلف حكم الظهار باختلف متعلّقه على ما سيأتي ‪:‬‬
‫الظهار عند علماء التّجويد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يطلق علماء التّجويد كلمة إظهارٍ ‪ ،‬ويريدون بها ‪ :‬إخراج الحرف من مخرجه بغير غّنةٍ‬
‫ول إدغامٍ ‪ .‬وهم يقسّمون الظهار إلى قسمين ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬ويكون الظهار الحلقيّ عندما يأتي بعد النّون السّاكنة أو التّنوين‬
‫القسم الوّل ‪ :‬إظهارٌ حلق ّ‬
‫‪ ،‬أحد الحروف التّالية ( أ ‪ -‬هـ ‪-‬ع ‪-‬غ ‪-‬ح ‪-‬خ )‬
‫ي حرفٍ من‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬إظهارٌ شفويّ ‪ :‬ويكون الظهار شفويّا إذا جاء بعد الميم السّاكنة أ ّ‬
‫حروف الهجاء عدا ( م ‪ -‬ب ) والصل في حروف الهجاء الظهار ‪ ،‬ولكنّ بعض الحروف‬
‫‪ -‬ول سيّما النّون والميم ‪ -‬قد تدغم أحيانا ‪ ،‬ولهذا عني ببيان أحكامها من حيث الظهار‬
‫والدغام ‪ .‬وتفصيل ذلك في علم التّجويد ‪.‬‬
‫إظهار نعم اللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ - 6‬إذا أنعم اللّه تعالى على امرئٍ نعم ًة فينبغي أن يظهر أثرها عليه ‪ ،‬لقوله تعالى في سورة‬
‫الضّحى ‪ { :‬وأمّا بنعمة ربّك فحدّث } ولما رواه النّسائيّ عن مالك بن نضلة الجشميّ قال ‪« :‬‬
‫دخلت على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فرآني سيّئ الهيئة ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬هل لك من شي ٍء ؟ قال ‪ :‬نعم من كلّ المال قد آتاني اللّه ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا كان لك مالٌ فلير‬
‫عليك » وروى البيهقيّ عن أبي سعيدٍ الخدريّ « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬إنّ‬
‫ب أن يرى أثر نعمته على عبده » ‪.‬‬
‫ب الجمال ‪ ،‬ويح ّ‬
‫اللّه جميلٌ يح ّ‬
‫إظهار المرء غير ما يبطن في العقائد ‪:‬‬
‫ن إظهار المرء غير ما يبطن من أصول اليمان ‪ ،‬كاليمان باللّه وملئكته وكتبه ورسله‬
‫‪-7‬إّ‬
‫واليوم الخر والقدر ‪ ،‬ل يخرج عن حالين ‪ :‬فهو إمّا أن يظهر اليمان بها ويبطن الكفر ‪ ،‬أو‬
‫يظهر الكفر بها ويبطن اليمان ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فإن أظهر اليمان بها وأبطن الكفر فهو نفاقٌ مخّلدٌ لصاحبه في النّار ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬إذا‬
‫ن المنافقين‬
‫جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول اللّه ‪ ،‬واللّه يعلم إنّك لرسوله ‪ ،‬واللّه يشهد إ ّ‬
‫لكاذبون } ‪ .‬وسيأتي تفصيل ذلك تحت مصطلح " نفاقٌ " إن شاء اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ن ذلك ل يخلو من حالين ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬أمّا إن أظهر الكفر بهذه الصول وأبطن اليمان فإ ّ‬
‫الحال الوّل ‪ :‬أن يظهر ما أظهره طواعيةً ‪ ،‬فيحكم عليه بالظّاهر من حاله ‪ ،‬لنّ الحكام‬
‫الفقهيّة تجري على الظّاهر ‪.‬‬
‫الحال الثّاني ‪ :‬أن يظهر ما أظهره مكرها وقلبه مطمئنّ باليمان ‪ ،‬وعندئذٍ تبقى أحكام‬
‫اليمان جاري ًة عليه ‪ .‬كما فصّل الفقهاء ذلك في بحثهم في ال ّردّة وفي الكراه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ن باليمان ‪ ،‬ولكن من شرح بالكفر‬
‫{ من كفر باللّه من بعد إيمانه إلّ من أكره وقلبه مطمئ ّ‬
‫ب عظيمٌ } ‪.‬‬
‫ب من اللّه ‪ ،‬ولهم عذا ٌ‬
‫صدرا فعليهم غض ٌ‬
‫إظهار المتعاقدين خلف قصدهما ‪:‬‬
‫‪ - 8‬إذا أظهر العاقدان عقدا في الموال ‪ ،‬وهما ل يريدانه ‪ ،‬أو ثمنا لمبيعٍ وهما يريدان‬
‫غيره ‪ ،‬أو أقرّ أحدٌ لخر بحقّ وقد اتّفقا سرّا على بطلن ذلك القرار الظّاهر ‪ ،‬فقد قال بعض‬
‫الفقهاء ‪ ،‬كالحنابلة وأبي يوسف ومحمّد بن الحسن ‪ :‬الظّاهر باطلٌ ‪ .‬وقال بعضهم كأبي حنيفة‬
‫والشّافعيّ ‪ :‬الظّاهر صحيح ‪ ،‬وقد فصّل ذلك الفقهاء في كتاب البيوع عند كلمهم على بيع‬
‫التّلجئة ‪ ،‬وسمّى المعاصرون هذا العقد الظّاهر بالعقد الصّوريّ ‪.‬‬
‫إظهار خلف قصد الشّارع بالحيلة ‪:‬‬
‫ل كلّ تصرّفٍ مهما كان ظاهره ‪ ،‬إذا كان القصد منه إبطال حقّ‬
‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على عدم ح ّ‬
‫الغير أو إدخال شبه ٍة فيه ‪ ،‬أو تمويه باطلٍ ‪.‬‬
‫أمّا ما عدا ذلك من التّصرّفات الظّاهرة الّتي تهدف إلى غير ما قصده الشّارع منها ‪ ،‬فقد‬
‫اختلف في جوازها ‪ ،‬فرأى بعض الفقهاء حلّها ‪ ،‬ورأى آخرون حرمتها ‪ ،‬ونجد ذلك مفصّلً‬
‫في كتاب الحظر والباحة عند الحنفيّة ‪ ،‬وفي ثنايا البحاث عند غيرهم ‪ ،‬وسيأتي ذلك مفصّلً‬
‫إن شاء اللّه في مصطلح ( حيلةٌ ) ‪.‬‬
‫ما يشرع فيه الظهار ‪:‬‬
‫ل مفسّرا ‪ ،‬وهذه مسألةٌ‬
‫‪ - 10‬من ذلك إظهار سبب الجرح للشّاهد ‪ ،‬لنّ الجرح ل يقبل إ ّ‬
‫اجتهاديّةٌ ‪ ،‬كما فصّل الفقهاء ذلك في كتاب القضاء ‪.‬‬
‫ومن ذلك إظهار إقامة الحدود ليتحقّق فيها الرّدع والمنع ‪ ،‬وعملً بقوله تعالى ‪ { :‬وليشهد‬
‫عذابهما طائف ٌة من المؤمنين } ‪.‬‬
‫ومن ذلك إظهار الستثناء والقيود والتّعليقات ‪ ،‬كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب القرار‬
‫واليمان ‪.‬‬
‫ومن ذلك إظهار طلب الشّفعة بالشهاد عليه ‪ ،‬ونحوه ممّا يستوجب الشهاد ( ر ‪ :‬إشهادٌ ) ‪.‬‬
‫ص معيّنٍ ليتحاشى النّاس التّعامل معه ‪ ،‬كما ذكر ذلك‬
‫ومن ذلك إظهار الحكم بالحجر على شخ ٍ‬
‫الفقهاء في كتاب القضاء ‪ ،‬وفي كتاب الحجر ‪.‬‬
‫ومن ذلك إظهار المؤمن الفقير الستغناء ‪ ،‬لقوله تعالى في وصف المؤمنين ‪ { :‬يحسبهم‬
‫الجاهل أغنياء من التّعفّف } ‪ ،‬وإظهار المتصدّق الصّدقة إن كان ممّن يقتدى به ‪ ،‬أو كان في‬
‫إظهارها تشجيعا للغير على الصّدقة ونحوها من عمل الخير ‪ .‬كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب‬
‫الصّدقات ‪ ،‬وكما هو مذكورٌ في كتب الداب الشّرعيّة ‪.‬‬
‫ومن ذلك إظهار البهجة والسّرور في المواسم والعياد ‪ ،‬والختان ‪ ،‬والعراس ‪ ،‬وولدة‬
‫مولودٍ ‪ ،‬وإظهار البشر عند لقاء الضّيف ‪ ،‬ولقاء الخوان ‪ ،‬وإظهار الدب عند زيارة قبر‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما ذكر ذلك في كتب الداب الشّرعيّة ‪ ،‬وإظهار التّذلّل عند‬
‫الخروج إلى الستسقاء ‪ ،‬كما ذكر الفقهاء ذلك في باب صلة الستسقاء ‪ ،‬وإظهار المجاهد‬
‫ن في كتاب الجهاد من كتب‬
‫قوّته وبأسه للعد ّو ‪ ،‬كتبختره بين الصّفّين ونحو ذلك ‪ ،‬كما هو مبيّ ٌ‬
‫الفقه ‪ .‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫ما يجوز إظهاره ‪:‬‬
‫ت ‪ ،‬وبالحداد مدّة ثلثة أيّامٍ إن لم‬
‫‪ - 11‬من ذلك إظهار الحزن على الميّت بالبكاء بدون صو ٍ‬
‫يكن الميّت زوجا ‪ ،‬فإن كان الميّت زوجا فالحداد واجبٌ على الزّوجة كما تقدّم ‪.‬‬
‫ما ل يجوز إظهاره ‪:‬‬
‫‪ - 12‬من ذلك إظهار المنكرات كلّها ‪ ،‬وإظهار العورة ‪ ،‬ول يجوز لهل ال ّذمّة إظهار شيءٍ‬
‫من صلبانهم ونواقيسهم وخمرهم كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الجزية ‪ .‬ول يجوز إظهار ما‬
‫يجب إخفاؤه ممّا يكون بين الزّوجين كما ذكر ذلك الفقهاء في باب المعاشرة ‪ .‬ول يجوز‬
‫إظهار خطبة المعتدّة ما دامت في عدّتها كما ذكر ذلك الفقهاء في باب العدّة ‪.‬‬
‫إعادةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العادة تطلق في اللّغة على ‪ :‬إرجاع الشّيء إلى حاله الوّل ‪ ،‬كما تطلق على فعل الشّيء‬
‫مرّ ًة ثانيةً ‪ ،‬فمن أسماء اللّه تعالى " المعيد " ‪ -‬أي الّذي يعيد الخلق بعد الفناء ‪ ،‬وقوله تعالى {‬
‫كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده } بهذا المعنى أيضا ‪.‬‬
‫والفقهاء غالبا ما يطلقون على إرجاع الشّيء إلى مكانه الوّل لفظ ( ال ّردّ ) فيقولون ‪ :‬ردّ‬
‫الشّيء المسروق ‪ ،‬وردّ المغصوب ‪ ،‬وقد يقولون أيضا ‪ :‬إعادة المسروق ‪.‬‬
‫أمّا العادة بالمعنى الثّاني ‪ -‬وهو فعل الشّيء ثانيةً ‪ -‬فقد عرّفها الغزاليّ من الشّافعيّة ‪ :‬بأنّها‬
‫ل في الوّل " ‪.‬‬
‫" ما فعل في وقت الداء ثانيا لخل ٍ‬
‫وتعريف الحنفيّة كما ذكر ابن عابدين " العادة ‪ :‬فعل مثل الواجب في وقته لخللٍ غير الفساد‬
‫" ‪ .‬أمّا الحنابلة فهي عندهم ‪ :‬فعل الشّيء مرّ ًة أخرى ‪.‬‬
‫ل في‬
‫وقد عرّفها القرافيّ من المالكيّة بأنّها ‪ :‬إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدّم إيقاعها على خل ٍ‬
‫الجزاء ‪ ،‬كمن صلّى بدون ركنٍ ‪ ،‬أو في الكمال كمن صلّى منفردا ‪.‬‬
‫ل الحسن من هذا ما عرّفها به بعضهم حيث قال ‪ :‬العادة فعل مثل الواجب في وقته‬
‫ولع ّ‬
‫لعذرٍ ليشمل نحو إعادة من صلّى منفردا صلته مع الجماعة ‪ .‬والكلم في هذا البحث ملحوظٌ‬
‫فيه التعريف العمّ للعادة وهو تعريف الحنابلة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّكرار ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الفقهاء يستعملون كلمة " إعادةٌ " في إعادة التّصرّف مرّةً واحدةً ‪ ،‬ويستعملون كلمة "‬
‫تكرارٌ " عندما تكون العادة مرارا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القضاء ‪:‬‬
‫ج ونحو ذلك ‪ ،‬وإمّا ألّ يكون‬
‫ت مح ّددٌ ‪ ،‬كالصّلة والح ّ‬
‫‪ - 3‬المأمور به إمّا أن يكون لدائه وق ٌ‬
‫ت مح ّددٌ ‪ ،‬فالقضاء هو فعل المأمور به بعد خروج وقته المحدّد ‪ ،‬أمّا العادة ‪ :‬فهي فعل‬
‫له وق ٌ‬
‫ي وقتٍ كان إن لم يكن له وقتٌ‬
‫ت مح ّددٌ ‪ ،‬أو في أ ّ‬
‫المأمور به ثاني ًة في وقته إن كان له وق ٌ‬
‫مح ّددٌ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الستئناف ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الستئناف ل يستعمل إلّ في إعادة العمل أو التّصرّف من أوّله ‪ ،‬كاستئناف الوضوء ‪ ،‬أمّا‬
‫العادة فإنّها تستعمل في إعادة التّصرّف من أوّله أو إعادة جزءٍ من أجزائه ‪ ،‬كإعادة غسل‬
‫عضوٍ من أعضاء الوضوء ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل في الفعل الوّل ‪ ،‬أو لغير خللٍ فيه ‪:‬‬
‫‪ - 5‬العادة إمّا أن تكون لخل ٍ‬
‫ن حكمها يختلف باختلف هذا الخلل ‪ .‬فإن كان الخلل‬
‫ل في الفعل الوّل ‪ :‬فإ ّ‬
‫أ ‪ -‬فإن كانت لخل ٍ‬
‫مفسدا للتّصرّف ‪ ،‬وكان التّصرّف واجبا وجبت إعادة هذا التّصرّف ‪ .‬كما إذا توضّأ وصلّى ثمّ‬
‫س أعاد الوضوء والصّلة ‪.‬‬
‫ن الماء نج ٌ‬
‫علم أ ّ‬
‫ط من شروط‬
‫أمّا إن كان التّصرّف غير واجبٍ ‪ ،‬وكان الخلل يمنع انعقاده أصلً ‪ ،‬كفقد شر ٍ‬
‫النعقاد ‪ ،‬فل يسمّى فعله مرّ ًة أخرى ( إعادةٌ ) لنّه لم يوجد في العتبار الشّرعيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ ،‬وكان الشّروع فيه صحيحا ‪ ،‬ث ّم طرأ عليه الخلل فأفسده ‪ ،‬فقد‬
‫أمّا إن كان الفعل غير واج ٍ‬
‫اختلف الفقهاء في وجوب إعادته ‪ ،‬بنا ًء على اختلفهم في اعتبار الشّروع ملزما أو غير ملزمٍ‬
‫‪ .‬فمن قال ‪ :‬إنّ الشّروع ملزمٌ ‪ -‬كالحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬فقد أوجب العادة ‪ ،‬ومن قال ‪ :‬إنّ‬
‫الشّروع غير ملزمٍ ‪ -‬كالشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬لم يوجب العادة ‪ ،‬كمن شرع في الصّلة ثمّ ترك‬
‫إحدى السّجدتين ‪ ،‬أو شرع في الصّيام ثمّ أفطر لعذرٍ أو لغير عذرٍ ‪ ،‬فقال الحنفيّة والمالكيّة ‪:‬‬
‫يعيد ‪ ،‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل إعادة عليه ‪.‬‬
‫ومن استحبّ العادة منهم استحبّها للخروج من خلف العلماء ‪ .‬وإن كان الخلل غير مفسدٍ‬
‫للفعل ‪ ،‬وكان هذا الخلل يوجب الكراهة التّحريميّة ‪ ،‬فإعادة التّصرّف واجبةٌ ‪ ،‬وإن كان يوجب‬
‫الكراهة التّنزيهيّة فإعادة التّصرّف مستحبّةٌ ‪ .‬فمن ترك الموالة أو التّرتيب في الوضوء ‪،‬‬
‫سنّة أن يعيد عند من يقول ‪ :‬إنّهما سنّةٌ ‪.‬‬
‫فال ّ‬
‫ع أو غير مشروعٍ‬
‫ل ‪ ،‬فهي ل تخلو من أن تكون لسببٍ مشرو ٍ‬
‫ب ‪ -‬وإن كانت العادة لغير خل ٍ‬
‫‪ .‬فإن كانت لسببٍ مشروعٍ كتحصيل الثّواب كانت مستحبّ ًة ‪ ،‬إن كانت العادة في ذلك‬
‫مشروعةً ‪ ،‬كإعادة الوضوء الّذي تعبّد به لصل ٍة يريد أداءها وإعادة الصّلة الّتي صلّها‬
‫منفردا بجماعةٍ ‪.‬‬
‫وكما لو صلّى جماعةً في بيته ثمّ خرج إلى أحد المساجد الثّلثة ( المسجد الحرام ‪ ،‬ومسجد‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم والمسجد القصى ) فوجد النّاس يصلّونها جماع ًة فأعادها معهم ‪.‬‬
‫أمّا إن صلّها بجماعةٍ ‪ ،‬ثمّ رأى جماع ًة أخرى يصلّونها في غير المساجد الثّلثة ‪ ،‬ففي‬
‫إعادتها معهم خلفٌ بين العلماء ‪.‬‬
‫ب غير مشروعٍ فتكره العادة ‪ ،‬كالذان والقامة فإنّهما ل يعادان بإعادة‬
‫أمّا إن كانت لسب ٍ‬
‫الصّلة عند الحنفيّة وبعض المالكيّة وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫أسباب العادة ‪:‬‬
‫من أسباب العادة ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬وقوع الفعل غير صحيحٍ لعدم توفّر شروط صحّته ‪:‬‬
‫‪ - 6‬كمن توضّأ وترك جزءا يجب غسله من أعضاء الوضوء ‪.‬‬
‫ومن توضّأ أو اغتسل بغير نيّةٍ عند من يشترط ال ّنيّة لهما ‪.‬‬
‫ومن رأوا أسود ًة فظنّوها عدوّا ‪ ،‬فصلّوا صلة الخوف ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّها غير عدوّ ‪.‬‬
‫شكّ في وقوع الفعل ‪:‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّ‬
‫‪ - 7‬كمن نسي صل ًة من خمس صلواتٍ ‪ ،‬ول يدري ما هي ‪ ،‬فإنّه يعيد الصّلوات الخمس‬
‫شكّ قد طرأ على أداء كلّ واحد ٍة منها ‪.‬‬
‫احتياطا ‪ ،‬لنّ ال ّ‬
‫ج ‪ -‬البطال بعد الوقوع ‪:‬‬
‫‪ - 8‬كإعادة ما أبطلته ال ّردّة من العبادات ما دام سببها ‪ -‬أي سبب العبادة ‪ -‬باقيا عند المالكيّة‬
‫والحنفيّة ‪ ،‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬الرّدّة ل تبطل العمال أبدا إلّ إذا اتّصلت بالموت ‪.‬‬
‫ن من صلّى الظّهر ‪ ،‬ثمّ ارتدّ ‪ ،‬ث ّم أسلم قبل العصر ‪ ،‬وجب عليه إعادة الظّهر‬
‫وعلى هذا فإ ّ‬
‫ج ث ّم ارتدّ ‪ ،‬ثمّ أسلم في العام نفسه ‪ ،‬أو بعد‬
‫ن سببه ‪ -‬وهو الوقت ‪ -‬ما زال باقيا ‪ ،‬ومن ح ّ‬
‫لّ‬
‫أعوامٍ وجب عليه إعادة الحجّ ‪ ،‬لنّ سببه باقٍ وهو " البيت " ‪.‬‬
‫د ‪ -‬زوال المانع ‪:‬‬
‫‪ - 9‬كإعادة الصّلة بالوضوء لمن تيمّم ‪ -‬لوجود عد ّو يحول بينه وبين الماء ‪ -‬وجوبا عند‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وكإعادة المتيمّم الصّلة استحبابا إذا وجد الماء في الوقت عند الحنابلة ‪ .‬وانظر‬
‫( التّيمّم ) ‪.‬‬
‫وإذا كان المانع من أمرٍ ليس له بدلٌ ‪ ،‬كمن كان على بدنه نجاسةٌ ‪ ،‬وليس عنده ما يزيلها به ‪،‬‬
‫أو كان في ثوبه نجاسةٌ وليس عنده غيره ‪ ،‬ول ما يزيلها به ‪ ،‬فإنّه يصلّي فيه ول إعادة عليه‬
‫في الوقت ول في غيره عند الحنفيّة ‪ ،‬وقال غيرهم يعيد مطلقا إذا زال المانع كما فصّل ذلك‬
‫الفقهاء في كتاب الصّلة عند كلمهم على شروط الصّلة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الفتيات على صاحب الحقّ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬إذا كان لمسجدٍ أهلٌ معلومون ‪ ،‬فصلّى فيه غرباء بأذانٍ وإقام ٍة ‪ ،‬فل يكره لهله إعادة‬
‫الذان ‪ ،‬وإن صلّى فيه أهله بأذانٍ وإقام ٍة يكره لغير أهله إعادة الذان فيه ‪ ،‬وإذا أذّن غير‬
‫المؤذّن الرّاتب ث ّم حضر المؤذّن الرّاتب فله إعادة الذان ‪.‬‬
‫سقوط الواجب ‪:‬‬
‫ل غير مفسدٍ ‪ ،‬فهل يسقط ذلك الواجب بالفعل الوّل أم بالفعل الثّاني ؟‬
‫‪ - 11‬إذا أعيد عملٌ لخل ٍ‬
‫ن الواجب يسقط بالفعل الثّاني ‪ ،‬لنّه الفعل الكامل الخالي من الخلل ‪.‬‬
‫‪ .‬من الفقهاء من قال ‪ :‬إ ّ‬
‫وهذا قول الشّعبيّ وسعيد بن المسيّب وعطا ٍء ومذهب الحنفيّة ‪ ،‬كما قال ابن عابدين ‪ .‬واستدلّوا‬
‫بحديث يزيد بن السود مرفوعا ‪ « :‬إذا جئت إلى الصّلة فوجدت النّاس فصلّ معهم ‪ ،‬وإن‬
‫كنت قد صلّيت تكن لك نافلةً وهذه مكتوبةٌ » ‪.‬‬
‫ن فيه شيئا‬
‫ن الواجب يسقط بالفعل الوّل لنّه وقع صحيحا غير باطلٍ ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ومنهم من قال ‪ :‬إ ّ‬
‫من الخلل ‪ ،‬والعادة شرعت لجبر هذا الخلل فيه ‪ .‬وهذا مرويّ عن عليّ ‪ ،‬وقول الثّوريّ‬
‫وإسحاق والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬واستدلّوا برواي ٍة أخرى للحديث السّابق فيها ‪ « :‬إذا صلّيتما في‬
‫رحالكما ‪ ،‬ث ّم أتيتما مسجد جماع ٍة ‪ ،‬فصلّيا معهم ‪ ،‬فإنّها لكم نافل ٌة » ‪.‬‬
‫أمّا ال ّنيّة في العادة ‪ :‬فقد قال ابن عابدين ‪ :‬ينوي بالفعل الثّاني الفرض ‪ -‬إن كان المعاد‬
‫ن ما فعله أ ّولً هو الفرض ‪ ،‬فإعادته ‪ :‬فعله ثانيةً على الوجه نفسه ‪.‬‬
‫فرضا ل ّ‬
‫ن الفرض يسقط بالفعل الثّاني فظاهرٌ ‪.‬‬
‫أمّا على القول بأ ّ‬
‫ن المقصود من تكرار الفعل ثانيةً هو‬
‫وأمّا على القول بأنّ الفرض يسقط بالفعل الوّل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ض ناقصٌ ‪ ،‬والثّاني فرضٌ كاملٌ ‪ ،‬مثل الفعل الوّل‬
‫جبران نقصان الفعل الوّل ‪ ،‬فالوّل فر ٌ‬
‫ذاتا مع وصف الكمال ‪ ،‬ولو كان الفعل الثّاني نفلً للزم أن تجب القراءة في الرّكعات الربع‬
‫ل تشرع الجماعة فيها ‪ ،‬ولم يذكر الفقهاء شيئا من هذا ‪.‬‬
‫للصّلة المعادة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ول يلزم من كون الصّلة الثّانية فرضا عدم سقوط الفرض بالولى ‪ ،‬لنّ المراد أنّها تكون‬
‫فرضا بعد الوقوع ‪ ،‬أمّا قبله فالفرض هو الولى ‪ ،‬وحاصله توقّف الحكم بفرضيّة الولى على‬
‫عدم العادة ‪ ،‬وله نظائر ‪ :‬كسلم من عليه سجود السّهو يخرجه خروجا موقوفا ‪ ،‬وكفساد‬
‫الصّلة الوقتيّة مع تذكّر صل ٍة فائتةٍ ‪.‬‬
‫إعارةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العارة في اللّغة ‪ :‬من التّعاور ‪ ،‬وهو التّداول والتّناوب مع ال ّردّ ‪ .‬والعارة مصدر أعار‬
‫‪ ،‬والسم منه العاريّة ‪ ،‬وتطلق على الفعل ‪ ،‬وعلى الشّيء المعار ‪ ،‬والستعارة طلب العارة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح عرّفها الفقهاء بتعاريف متقاربةٍ ‪.‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬إنّها تمليك المنافع مجّانا ‪.‬‬
‫وعرّفها المالكيّة ‪ :‬بأنّها تمليك منفع ٍة مؤقّت ٍة بل عوضٍ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّها شرعا إباحة النتفاع بالشّيء مع بقاء عينه ‪.‬‬
‫وعرّفها الحنابلة ‪ :‬بأنّها إباحة النتفاع بعينٍ من أعيان المال ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬العمرى ‪:‬‬
‫ض ‪ ،‬فهي أخصّ ‪.‬‬
‫‪ - 2‬العمرى ‪ :‬تمليك المنفعة طول حياة المستعير بغير عو ٍ‬
‫ب ‪ -‬الجارة ‪:‬‬
‫ض ‪ ،‬فتجتمع مع العارة في تمليك المنفعة عند القائلين‬
‫‪ - 3‬الجارة ‪ :‬تمليك منفعةٍ بعو ٍ‬
‫بالتّمليك ‪ ،‬وتنفرد الجارة بأنّها بعوضٍ ‪ ،‬والعارة بأنّها بغير عوضٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النتفاع ‪:‬‬
‫‪ - 4‬النتفاع ‪ :‬هو حقّ المنتفع في استعمال العين واستغللها ‪ ،‬وليس له أن يؤاجره ‪ ،‬ول أن‬
‫يعيره لغيره والمنفعة أع ّم من النتفاع ‪ ،‬لنّ له فيها النتفاع بنفسه وبغيره ‪ ،‬كأن يعيره أو‬
‫يؤاجره ‪.‬‬
‫دليل مشروعيّتها ‪:‬‬
‫سنّة والجماع والمعقول ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الصل في مشروعيّة العارة الكتاب وال ّ‬
‫س وابن مسعودٍ أنّهما‬
‫أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬ويمنعون الماعون } فقد روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫سنّة‬
‫ي بأنّها القدر والميزان والدّلو ‪ .‬وأمّا ال ّ‬
‫قال ‪ :‬الماعون العواريّ ‪ .‬وفسّر ابن مسعودٍ العوار ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال في خطبة حجّة الوداع ‪ « :‬والعاريّة مؤدّاةٌ‬
‫‪ :‬فما روي عن النّب ّ‬
‫‪ .‬والدّين مقضيّ ‪ .‬والمنحة مردودةٌ ‪ .‬والزّعيم غارمٌ » ‪ .‬وروى « صفوان بن أميّة أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنينٍ ‪ ،‬فقال ‪ :‬أغصبا يا محمّد ؟ قال بل عاريّةٌ‬
‫مضمون ٌة » ‪.‬‬
‫وأجمع المسلمون على جواز العاريّة ‪ .‬ومن المعقول ‪ :‬أنّه لمّا جازت هبة العيان جازت هبة‬
‫المنافع ‪ ،‬ولذلك صحّت الوصيّة بالعيان والمنافع جميعا ‪.‬‬
‫حكمها التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اختلف الفقهاء في حكم العارة بعد إجماعهم على جوازها ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء من‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حكمها في الصل النّدب ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ف صدقةٌ » وليست واجبةً‬
‫ل معرو ٍ‬
‫{ وافعلوا الخير } وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم « ك ّ‬
‫ع من الحسان لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا أدّيت زكاة مالكٍ فقد قضيت ما‬
‫لنّها نو ٌ‬
‫عليك » ‪ ،‬وقوله ‪ « :‬ليس في المال حقّ سوى الزّكاة » ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هي واجبةٌ ‪ .‬واستدلّ القائلون بالوجوب بقوله تعالى ‪ { :‬فويلٌ للمصلّين الّذين هم عن‬
‫صلتهم ساهون الّذين هم يراءون ويمنعون الماعون } نقل عن كثيرٍ من الصّحابة أنّها عاريّة‬
‫القدر والدّلو ونحوهما ‪.‬‬
‫ل ما‬
‫قال صاحب الشّرح الصّغير ‪ :‬وقد يعرض لها الوجوب ‪ ،‬كغنيّ عنها ‪ ،‬فيجب إعارة ك ّ‬
‫فيه إحياء مهج ٍة محترم ٍة ل أجرة لمثله ‪ ،‬وكذا إعارة سكّينٍ لذبح مأكولٍ يخشى موته ‪ ،‬وهذا‬
‫المنقول عن المالكيّة ل تأباه قواعد المذاهب الخرى ‪.‬‬
‫وقد تكون حراما كإعطائها لمن تعينه على معصيةٍ ‪.‬‬
‫ل مكروهٍ ‪.‬‬
‫وقد تكون مكروهةً كإعطائها لمن تعينه على فع ٍ‬
‫أركان العارة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إنّ أركان العاريّة أربعةٌ هي ‪ :‬المعير ‪ ،‬والمستعير ‪،‬‬
‫والمعار ‪ ،‬والصّيغة ‪ ،‬وذهب الحنفيّة ‪ -‬كما في سائر العقود ‪ -‬إلى أنّ ركنها هو الصّيغة‬
‫فقط ‪ ،‬وما عداه يسمّى أطراف العقد ‪ ،‬كما يسمّى المعار محلّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬المعير ‪ :‬ويشترط فيه أن يكون مالكا للتّصرّف في الشّيء المعار ‪ ،‬مختارا يصحّ‬
‫تبرّعه ‪ ،‬فل تصحّ إعارة مكرهٍ ‪ ،‬ول محجورٍ عليه ‪ ،‬ول إعارة من يملك النتفاع دون المنفعة‬
‫ن الصّبيّ المأذون إذا أعار ماله صحّت العارة‬
‫كسكّان مدرسةٍ موقوفةٍ ‪ .‬وقد صرّح الحنفيّة بأ ّ‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المستعير ‪ :‬وهو طالب العارة ‪ ،‬ويشترط فيه أن يكون أهلً للتّبرّع عليه بالشّيء‬
‫المعار ‪ ،‬وأن يكون معيّنا ‪ ،‬فلو فرش بساطه لمن يجلس عليه لم يكن عاريّةً ‪ ،‬بل مجرّد إباحةٍ‬
‫‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المستعار ( المحلّ ) ‪ :‬هو الّذي يمنحه المعير للمستعير للنتفاع به ‪ .‬ويشترط فيه أن‬
‫يكون منتفعا به انتفاعا مباحا مقصودا مع بقاء عينه ‪ .‬أمّا ما تذهب عينه بالنتفاع به كالطّعام‬
‫ل إذا كانت العارة لنتفاعٍ مح ّرمٍ ‪ ،‬كإعارة السّلح لهل البغي أو‬
‫فليس إعار ًة ‪ ،‬كما ل تح ّ‬
‫الفساد ‪ ،‬ول يعار ما ل نفع فيه ‪.‬‬
‫ل على العارة من لفظٍ أو إشار ٍة أو فعلٍ ‪ ،‬وهذا عند المالكيّة‬
‫د ‪ -‬الصّيغة ‪ :‬وهي كلّ ما يد ّ‬
‫والحنابلة ‪ .‬والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه ل ب ّد من اللّفظ للقادر عليه ‪ .‬أو الكتابة مع ال ّنيّة ‪ ،‬وفي‬
‫غير الصّحيح أنّها تجوز بالفعل ‪.‬‬
‫ن ركن العارة اليجاب بالقول من المعير ‪ ،‬ول يشترط القول في القبول ‪،‬‬
‫وعند الحنفيّة أ ّ‬
‫ل عليها ولو مجازا ‪.‬‬
‫خلفا لزفر فإنّه ركنٌ عنده ‪ ،‬وهو القياس ‪ ،‬وتنعقد عندهم بكلّ لفظٍ يد ّ‬
‫ما تجوز إعارته ‪:‬‬
‫ن ينتفع بها منفع ًة مباحةً مع بقائها ‪ ،‬كالدّور والعقار والدّوابّ والثّياب‬
‫‪ - 8‬تجوز إعارة كلّ عي ٍ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن « النّب ّ‬
‫والحليّ للّبس ‪ ،‬والفحل للضّراب ‪ ،‬والكلب للصّيد ‪ ،‬وغير ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم استعار أدرعا من صفوان » ‪ .‬وذكر إعارة الدّلو والفحل ‪ .‬وذكر ابن مسعو ٍد عاريّة‬
‫القدر والميزان ‪ ،‬فيثبت الحكم في هذه الشياء ‪ .‬وما عداها مقيسٌ عليها إذا كان في معناها ‪.‬‬
‫ن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إعارته إذا لم يمنع منه مانعٌ ‪ ،‬ولنّها أعيانٌ‬
‫ول ّ‬
‫تجوز إجارتها فجازت إعارتها ‪ .‬ويجوز استعارة الدّراهم والدّنانير ليزن بها أو للتّزيّن ‪ ،‬فإن‬
‫استعارها لينفقها فهذا قرضٌ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ليس هذا جائزا ول تكون العاريّة في الدّنانير ‪ .‬وقال‬
‫الحنفيّة ‪ :‬إنّه تجوز أيضا إعارة المشاع سوا ٌء أكان قابلً للقسمة أم ل ‪ .‬وسوا ٌء أكان الجزء‬
‫المشاع مع شريكٍ أم مع أجنبيّ ‪ ،‬وسوا ٌء أكانت العاريّة من واح ٍد أم من أكثر ‪ ،‬لنّ جهالة‬
‫المنفعة ل تفسد العارة ‪ .‬ولم نعثر على حكم ذلك عند غير الحنفيّة ‪.‬‬
‫طبيعتها من حيث اللّزوم وعدمه ‪:‬‬
‫‪ - 9‬إذا تمّت العارة بتحقّق أركانها وشروطها ‪ ،‬فهل تلزم بحيث ل يصحّ الرّجوع فيها من‬
‫المعير أو ل تلزم ؟‬
‫ن للمعير أن يرجع في‬
‫ن الصل أ ّ‬
‫ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أ ّ‬
‫ت ‪ ،‬إلّ أنّ الحنابلة قالوا ‪:‬‬
‫إعارته متى شاء ‪ ،‬سواءٌ أكانت العارة مطلق ًة أم مقيّد ًة بعملٍ أو وق ٍ‬
‫إن أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرّجوع في العاريّة في أثنائه ضررٌ بالمستعير لم يجز‬
‫له الرّجوع ‪ ،‬لنّ الرّجوع يضرّ بالمستعير ‪ ،‬فلم يجز له الضرار به ‪ ،‬مثل أن يعيره لوحا‬
‫يرقّع به سفينته ‪ ،‬فرقّعها به ولجّج بها في البحر ‪ ،‬لم يجز له الرّجوع ما دامت في البحر ‪ ،‬وله‬
‫الرّجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه ‪ ،‬لعدم الضّرر فيه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا رجع المعير في إعارته بطلت ‪ ،‬وتبقى العين في يد‬
‫المستعير بأجر المثل إذا حصل ضررٌ ‪ ،‬كمن استعار جدار غيره لوضع جذوعه فوضعها ‪ ،‬ثمّ‬
‫باع المعير الجدار ‪ ،‬ليس للمشتري رفعها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬له رفعها إلّ إذا شرط البائع وقت البيع‬
‫بقاء الجذوع ‪ .‬وقد ارتضى القول بالرّفع صاحب الخلصة والبزّازيّة وغيرهما ‪ ،‬واعتمده في‬
‫ن للوارث أن يأمر الجار برفع الجذوع على أيّ حالٍ ‪.‬‬
‫تنوير البصائر ‪ ،‬وقالوا أيضا ‪ :‬إ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن أعار المعير أرضا للبناء أو الغراس إعار ًة مطلقةً ‪ ،‬ولم يحصل غرسٌ ول‬
‫بنا ٌء فللمعير الرّجوع في العارة ول شيء عليه على المعتمد ‪ ،‬وعلى غير المعتمد يلزمه بقاء‬
‫الرض في يد المستعير المدّة المعتادة ‪ ،‬وإن رجع المعير بعد حصول الغراس والبناء فله ذلك‬
‫أيضا ‪ ،‬ويترتّب عليه إخراج المستعير من الرض ولو كانت العارة قريبةً ‪ ،‬لتفريط المستعير‬
‫ل أنّه يلزمه دفع ما أنفق المستعير‬
‫بتركه اشتراط الجل ‪ ،‬لكن ماذا يلزم المعير حينئذٍ ؟ في قو ٍ‬
‫من ثمن العيان الّتي بنى بها أو غرسها من أجرة النّقلة ‪ .‬وفي قولٍ إنّ عليه دفع القيمة إن‬
‫ن محلّ دفع القيمة‬
‫طال زمن البناء والغرس لتغيّر الغرس والبناء بطول الزّمان ‪ .‬وفي قولٍ إ ّ‬
‫إذا كانت العيان الّتي بنى بها المستعير هي في ملكه ولم يشترها أو كانت من المباحات ‪.‬‬
‫ل ذلك في العارة الصّحيحة ‪ ،‬فإن وقعت فاسدةً‬
‫ومحلّ دفع ما أنفق إن اشتراه للعمارة ‪ .‬وك ّ‬
‫فعلى المستعير أجرة المثل ‪ ،‬ويدفع له المعير في بنائه وغرسه قيمته ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العارة إن قيّدت بعملٍ أو أج ٍل لزمت ‪ ،‬ول يجوز الرّجوع قبل انتهاء‬
‫العمل أو الجل أيّا كان المستعار ‪ ،‬أرضا لزراعةٍ أو لسكنى أو لوضع شي ٍء بها ‪ ،‬أو كان‬
‫ل أو غير ذلك ‪ ،‬أو عرضا ‪.‬‬
‫حيوانا لركوبٍ أو حم ٍ‬
‫ل بأن أطلقت فل تلزم ‪ ،‬ولربّها أخذها متى شاء ‪ ،‬ول يلزم قدر ما‬
‫وإن لم تقيّد بعملٍ أو أج ٍ‬
‫تقصد العارة لمثله عاد ًة على المعتمد ‪ .‬وفي غير المعتمد أنّه يلزم بقاؤه في يد المستعير لما‬
‫يعار لمثله عاد ًة ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّه تلزم إذا أعيرت الرض للبناء والغرس وحصل ‪.‬‬
‫ن العارة مبرّ ٌة من المعير ‪ ،‬وارتفاقٌ من المستعير ‪،‬‬
‫ل فيما استثني أ ّ‬
‫ودليل جواز الرّجوع إ ّ‬
‫فاللزام غير لئقٍ بها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا أذن أحدٌ لبعض ورثته ببناء محلّ في داره ‪ ،‬ثمّ مات ‪ ،‬فلباقي الورثة‬
‫مطالبته برفعه إن لم تقع القسمة ‪ ،‬أو لم يخرج في قسمه ‪ .‬وإذا استعار أحدٌ دارا ‪ ،‬فبنى فيها‬
‫بل إذن المالك ‪ .‬أو قال له صاحب الدّار ‪ :‬ابن لنفسك ‪ ،‬ثمّ باع المعير الدّار بحقوقها يؤمر‬
‫الباني بهدم بنائه ‪.‬‬
‫وذكر الشّافعيّة والحنابلة أنّه لو أعار إنسانٌ مدفنا لدفن ميّتٍ ‪ ،‬فل يجوز له الرّجوع حتّى‬
‫يندرس أثر المدفون بحيث ل يبقى منه شيءٌ ‪ ،‬فيرجع حينئذٍ وتنتهي العاريّة ‪.‬‬
‫وحكم الورثة حكم مورّثهم في عدم الرّجوع ‪ ،‬ول أجرة لذلك ‪ ،‬محافظ ًة على كرامة الميّت ‪،‬‬
‫ولقضاء العرف بعدم الجرة ‪ ،‬والميّت ل مال له ‪ .‬وقواعد المذاهب الخرى ل تأبى هذا الحكم‬
‫‪.‬‬
‫آثار الرّجوع ‪:‬‬
‫ن المعير إذا رجع في إعارته بطلت العارة ‪ ،‬ويبقى المعار في يد‬
‫‪ - 10‬قال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫المستعير بأجر المثل كما مرّ إن حصل ضررٌ للمستعير بأخذ المعار منه ‪ .‬وأوردوا الحكام‬
‫ع ممّا يعار ‪ .‬فقالوا في إعارة الرض للبناء والغرس ‪ :‬لو أعار أرضا إعارةً‬
‫ل نو ٍ‬
‫الخاصّة بك ّ‬
‫مطلق ًة للبناء والغرس صحّ للعلم بالمنفعة ‪ ،‬وله أن يرجع متى شاء ‪ ،‬ويكلّف المعير المستعير‬
‫ل تتلف‬
‫قلع الزّرع والبناء إلّ إذا كان فيه مضرّ ٌة بالرض ‪ ،‬فيتركان بالقيمة مقلوعين ‪ ،‬لئ ّ‬
‫أرضه ‪ ،‬أو يأخذ المستعير غراسه وبناءه بل تضمين المعير ‪ .‬وذكر الحاكم الشّهيد أنّ‬
‫للمستعير أن يضمّن المعير قيمتهما قائمين في الحال ويكونان له وأن يرفعها ‪ ،‬إلّ إذا كان‬
‫الرّفع مضرّا بالرض فحينئذٍ يكون الخيار للمعير ‪ .‬وفيه رمزٌ إلى أنّه ل ضمان في العاريّة‬
‫المطلقة ‪ .‬وعنه أنّ عليه القيمة ‪ .‬وأشار أيضا إلى أنّه ل ضمان في المؤقّتة بعد انقضاء الوقت‬
‫فيقلع المعير البناء والغرس إلّ أن يضرّ القلع بالرض ‪ ،‬فحينئذٍ يضمن قيمتهما مقلوعين ل‬
‫قائمين ‪.‬‬
‫وإن وقّت المعير العارة فرجع عنها قبل الوقت كلّف المستعير قلعها ‪ ،‬وضمن المعير له ما‬
‫نقص البناء والغرس ‪ ،‬لكن هل يضمنهما قائمين أو مقلوعين ؟ ‪.‬‬
‫ما مشى عليه الكنز والهداية أنّه يضمنهما مقلوعين ‪ ،‬وذكر في البحر عن المحيط ضمان‬
‫القيمة قائما إلّ أن يقلعه المستعير ول ضرر ‪ ،‬فإن ضمن فضمان القيمة مقلوعا ‪ .‬وعبارة‬
‫المجمع ‪ :‬وألزمناه الضّمان فقيل ‪ :‬ما نقصهما القلع ‪ ،‬وقيل ‪ :‬قيمتهما ويملكهما ‪ .‬وقيل ‪ :‬إن‬
‫ضرّ يخيّر المالك بين ضمان ما نقص ‪ ،‬وضمان القيمة ‪ ،‬ومثله في درر البحار والمواهب‬
‫والملتقى وكلّهم قدّموا الوّل ‪ ،‬وبعضهم جزم به وعبّر عن غيره بقيل فلذا اختاره المصنّف ابن‬
‫عابدين وهو رواية القدوريّ ‪ ،‬والثّاني رواية الحاكم الشّهيد ‪.‬‬
‫وقال القاضي زكريّا النصاريّ في المنهج ‪ :‬إذا أعار لبناءٍ أو غرسٍ ‪ ،‬ولو إلى مدّةٍ ‪ ،‬ثمّ‬
‫رجع بعد أن بنى المستعير أو غرس ‪ ،‬فإن شرط عليه قلعه لزمه ‪ ،‬وإن لم يشرط فإن اختار‬
‫المستعير القلع قلع مجّانا ولزمه تسوية الرض ‪ ،‬لنّه قلع باختياره ‪ ،‬وإن لم يختر قلعه خيّر‬
‫المعير بين تملّكه بقيمته مستحقّ القلع حين التّملّك ‪ ،‬وبين قلعه مع ضمان نقصه ‪ ،‬وهو قدر‬
‫التّفاوت بين قيمته قائما وقيمته مقلوعا وبين تبقيته بأجرةٍ ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن أعاره أرضا للغراس والبناء ‪ ،‬وشرط عليه القلع في وقتٍ أو عند‬
‫رجوعه ‪ ،‬ثمّ رجع لزم المستعير القلع ‪ ،‬وإن لم يشترط لم يلزمه إلّ أن يضمن له المعير‬
‫النّقص ‪ ،‬فإن أبى القلع في الحال الّتي ل يجبر عليه فيها ‪ ،‬فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء‬
‫ليملكه أجبر المستعير عليه ‪ ،‬فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النّقص ‪ ،‬وامتنع المستعير‬
‫من القلع ودفع الجر لم يقلع ‪ ،‬وإن أبيا البيع ترك بحاله وللمعير التّصرّف بأرضه على وجهٍ‬
‫ل يضرّ بالشّجر ‪.‬‬
‫إعارة الرض للزّرع ‪:‬‬
‫ل في الحكم الّذي يترتّب على الرّجوع في إعارة الرض‬
‫‪ - 11‬للفقهاء اختلفٌ وتفصي ٌ‬
‫للزّراعة قبل تمام الزّرع ‪.‬‬
‫فمذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو الوجه المقدّم عند الحنابلة ‪ ،‬وعليه المذهب‬
‫‪ ،‬وهو القول غير المعتمد عند المالكيّة أنّ معير الرض للزّراعة إذا رجع قبل تمام الزّرع‬
‫وحصاده فليس له أخذها من المستعير ‪ ،‬بل تبقى في يده بأجر المثل ‪ .‬وهذا الحكم عند الحنفيّة‬
‫استحسانٌ سوا ٌء أكانت العارة مطلق ًة أم مقيّدةً ‪.‬‬
‫وحجّتهم في ذلك ‪ :‬أنّه يمكن الجمع بين مصلحة المعير والمستعير ‪ ،‬بأن يأخذ المعير أجر‬
‫مثل الرض من تاريخ رجوعه حتّى حصاد الزّرع ‪ ،‬فينتفي ضرره بذلك ‪ ،‬ويبقى الزّرع في‬
‫الرض حتّى يحصد ‪ .‬وفي ذلك مصلحة المستعير ‪ ،‬فل يضرّ بالقلع قبل الحصاد ‪ ،‬وهذا هو‬
‫ح عند الشّافعيّة في العارة المطلقة إن نقص الزّرع بالقلع ‪ ،‬لنّه محترمٌ ‪ ،‬وله أمدٌ ينتهي‬
‫الص ّ‬
‫إليه ‪ ،‬وتبقى بأجر المثل ‪.‬‬
‫ل في العارة المطلقة ‪:‬‬
‫وللمالكيّة ثلثة أقوا ٍ‬
‫أحدها ‪ :‬هذا ‪.‬‬
‫ن الرض تبقى في يد المستعير المدّة الّتي تراد الرض لمثلها عادةً ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫والثّالث ‪ :‬ل تبقى ‪ ،‬وهو قول أشهب ‪ .‬أمّا المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ فل يرجع قبل انقضاء العمل‬
‫أو الجل ‪.‬‬
‫ل أجرة على المستعير ‪ ،‬بل تبقى الرض في يده حتّى الحصاد‬
‫ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫ن للمعير القلع لنقطاع الباحة ‪.‬‬
‫بل أجرٍ ‪ ،‬لنّ منفعة الرض إلى الحصاد ‪ .‬والثّالث أ ّ‬
‫ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفيّة في عدم جواز الرّجوع ‪ ،‬لكنّهم قالوا ‪ :‬إن كان الزّرع ممّا‬
‫يحصد قصيلً فله الرّجوع في وقت إمكان حصاده ‪ ،‬ولم يتعرّض الحنفيّة لهذا النّوع من الزّرع‬
‫‪ ،‬كالبرسيم والشّعير الخضر ‪.‬‬
‫إعارة الدّوابّ وما في معناها ‪:‬‬
‫‪ - 12‬قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ إعارة الدّوابّ إمّا أن تكون مطلق ًة أو مقيّدةً ‪ ،‬فإن كانت مطلقةً ‪ ،‬بأن‬
‫أعار دابّته مثلً ولم يسمّ مكانا ول زمانا ول ركوبا ول حملً معيّنا فللمستعير أن يستعملها في‬
‫ن الصل في المطلق أن يجري على‬
‫ن شاء ‪ ،‬وله أن يحمل أو يركب ‪ ،‬ل ّ‬
‫أيّ زمانٍ ومكا ٍ‬
‫إطلقه ‪ ،‬وقد ملّكه منافع العاريّة مطلقا فكان له أن يستوفيها على الوجه الّذي ملكها ‪ .‬إلّ أنّه‬
‫ل يحمل عليها ما يضرّها ‪ ،‬ول يستعملها أكثر ممّا جرى به العرف ‪ ،‬حتّى لو فعل فعطبت‬
‫ن المطلق يتقيّد بالعرف والعادة دللةً ‪ ،‬كما‬
‫ضمن ‪ ،‬لنّ العقد وإن خرج مخرج الطلق لك ّ‬
‫يتقيّد نصّا ‪.‬‬
‫ول يملك المستعير تأجير العاريّة ‪ ،‬فإن أجّرها وسلّمها إلى المستأجر فهلكت عنده ضمن‬
‫المستعير أو المستأجر ‪ ،‬لكن إذا ضمن المستأجر رجع على المستعير ‪.‬‬
‫وإذا قيّد المعير العارة تقيّدت بما قيّدها به ‪ .‬فإن خالف المستعير ‪ ،‬وعطبت الدّابّة ضمن‬
‫ن المستعير‬
‫بالتّفاق ‪ .‬وإن خالف وسلّمت فهناك اتّجاهان ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون أ ّ‬
‫يضمن أجر ما زاد في المسافة أو الحمل وتقدير ذلك يرجع فيه إلى أهل الخبرة ‪ .‬ولم يتعرّض‬
‫الحنفيّة لهذا الفرع في كتاب العارة ولكن تعرّضوا لهذه المسألة في كتاب الجارة فقالوا ‪:‬‬
‫( إذا زاد على الدّابّة شيئا غير متّفقٍ عليه وسلّمت يجب عليه المسمّى فقط ‪ ،‬وإن كان ل يحلّ‬
‫ل برضى المكاري ) ‪.‬‬
‫له الزّيادة إ ّ‬
‫ولمّا كان كلّ من العارة والجارة فيه تمليك المنفعة وكان أخذ الجر في الجارة مسلّما وفي‬
‫ن عدم وجوب أجرٍ في مقابلة الزّيادة‬
‫العارة غير مسّلمٍ ‪ ،‬لنّها من باب الحسان والتّبرّع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يكون في العارة من بابٍ أولى ‪.‬‬
‫فإذا أعار إنسانا داّبةً على أن يركبها المستعير بنفسه فليس له أن يعيرها غيره ‪ .‬لنّ الصل‬
‫ل إذا تعذّر اعتباره ‪ .‬والعتبار في هذا القيد ممكنٌ ‪ ،‬لنّه مق ّيدٌ‬
‫في المقيّد اعتبار القيد فيه إ ّ‬
‫ب ‪ ،‬فإن خالف المستعير وأعار الدّابّة فهلكت ضمن ‪.‬‬
‫لتفاوت النّاس في استعمال الدّوا ّ‬
‫تعليقها وإضافتها ‪:‬‬
‫ي ‪ -‬وفي قولٍ للحنفيّة أنّه ل يجوز‬
‫‪ - 13‬جمهور الفقهاء المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬ما عدا الزّركش ّ‬
‫إضافتها ‪ ،‬ول تعليقها ‪ ،‬لنّها عق ٌد غير لزمٍ فله الرّجوع متى شاء ‪.‬‬
‫ل آخر للحنفيّة جواز إضافتها دون تعليقها ‪.‬‬
‫وفي قو ٍ‬
‫وقد ذكر بعض المالكيّة والشّافعيّة فروعا ظاهرها أنّها تعليقٌ أو إضاف ٌة كقولهم ‪ :‬أعرني دابّتك‬
‫اليوم أعيرك دابّتي غدا ‪ ،‬والواقع أنّها إجار ٌة ل إعارةٌ ‪ .‬ولم نطّلع على تصريحٍ للحنابلة بحكم‬
‫إضافة العارة أو تعليقها ‪ .‬وإن كانوا قد صرّحوا بأنّ الصل في العارة عدم لزومها ‪.‬‬
‫حكم العارة وأثرها ‪:‬‬
‫‪ - 14‬مذهب الحنفيّة ‪ -‬عدا الكرخيّ ‪ -‬ومذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو وجهٌ للحنابلة ‪ ،‬وهو المرويّ‬
‫عن الحسن والنّخعيّ والشّعبيّ وعمر بن عبد العزيز والثّوريّ والوزاعيّ وابن شبرمة أنّ‬
‫العارة تفيد تمليك المنفعة ‪ ،‬والدّليل على ذلك أنّ المعير سلّط المستعير على تحصيل المنافع ‪،‬‬
‫وصرفها إلى نفسه على وج ٍه زالت يده عنها ‪ ،‬والتّسليط على هذا الوجه يكون تمليكا ل‬
‫إباح ًة ‪ ،‬كما في العيان ‪.‬‬
‫س وأبي هريرة‬
‫ومذهب الشّافعيّة والحنابلة والكرخيّ من الحنفيّة وهو المرويّ عن ابن عبّا ٍ‬
‫وذهب إليه إسحاق أنّها تفيد إباحة المنفعة ‪ ،‬وذلك لجواز العقد من غير أجلٍ ‪ ،‬ولو كان تمليك‬
‫ل كالجارة ‪.‬‬
‫المنفعة لما جاز من غير أج ٍ‬
‫وكذلك العارة تصحّ بلفظ الباحة ‪ ،‬والتّمليك ل ينعقد بلفظ الباحة ‪.‬‬
‫وثمرة الخلف تظهر فيما لو أعار المستعير الشّيء المستعار إلى من يستعمله كاستعماله ‪،‬‬
‫فهل تصحّ إعارته أو ل تصحّ ؟ مذهب المالكيّة والمختار من مذهب الحنفيّة أنّ إعارته‬
‫ن التّقييد بما ل يختلف‬
‫صحيحةٌ ‪ ،‬حتّى ولو قيّد المعير العارة باستعمال المستعير بنفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫غير مفيدٍ ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة ل يجوز ‪.‬‬
‫وفي البحر ‪ :‬وللمستعير أن يودع ‪ ،‬على المفتى به ‪ ،‬وهو المختار ‪ ،‬وصحّح بعضهم عدمه ‪،‬‬
‫ويتفرّع عليه ما لو أرسلها على يد أجنبيّ فهلكت ضمن على القول الثّاني ل الوّل ‪ .‬فللمعير‬
‫أجر المثل ‪ .‬ويترتّب على مذهب القائلين بالباحة ‪ ،‬وهم الشّافعيّة والحنابلة والكرخيّ من‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬أنّه لو أعار المستعير الشّيء فلمالك العاريّة أجر المثل ‪ ،‬ويطالب المستعير الوّل أو‬
‫ن المستعير الوّل سلّط غيره على أخذ مال المعير بغير إذنه ‪ .‬ولنّ‬
‫الثّاني أيّهما شاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫المستعير الثّاني استوفى المنفعة بغير إذن مالكها ‪ .‬فإن ضمّن المالك المستعير الوّل رجع على‬
‫ن الستيفاء حصل منه فاستقرّ الضّمان عليه ‪ .‬وإن ضمّن الثّاني لم يرجع‬
‫المستعير الثّاني ‪ ،‬ل ّ‬
‫على الوّل ‪ .‬إلّ أن يكون الثّاني لم يعلم بحقيقة الحال ‪ ،‬فيحتمل أن يستقرّ الضّمان على‬
‫الوّل ‪ ،‬لنّه غرّ الثّاني ودفع العين إليه على أنّه يستوفي منافعها بدون عوضٍ ‪ .‬وإن تلفت‬
‫العين في يد الثّاني ‪ ،‬استقرّ الضّمان عليه بكلّ حالٍ ‪ ،‬لنّه قبضها على أن تكون مضمونةً عليه‬
‫‪ .‬فإن رجع على الوّل رجع الوّل على الثّاني ‪ .‬وإن رجع على الثّاني لم يرجع على أحدٍ ‪.‬‬
‫ضمان العارة ‪:‬‬
‫ن العاريّة إن تلفت بالتّعدّي من المستعير فإنّه يضمنها ‪ ،‬لنّها‬
‫‪ - 15‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫إن كانت أمان ًة كما يقول الحنفيّة ‪ :‬فالمانات تضمن بالتّعدّي ‪ .‬ومذهب المالكيّة كذلك فيما ل‬
‫يغاب عليه ‪ ،‬أي ل يمكن إخفاؤه ‪ ،‬كالعقار والحيوان ‪ ،‬بخلف ما يمكن إخفاؤه ‪ ،‬كالثّياب‬
‫والحليّ فإنّه يضمنه ‪ ،‬إلّ إذا أقام بيّن ًة على أنّه تلف أو ضاع بل سببٍ منه ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّه ل‬
‫ضمان في غير ما ذكر ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة يضمن المستعير بهلك الشّيء المعار ‪ ،‬ولو كان الهلك بآفةٍ سماويّةٍ‬
‫ن فيه ‪ ،‬كاللّبس‬
‫‪ ،‬أو أتلفها هو أو غيره ولو بل تقصيرٍ ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إن تلفت باستعمالٍ مأذو ٍ‬
‫ن فيه ‪.‬‬
‫والرّكوب المعتاد لم يضمن شيئا ‪ ،‬لحصول التّلف بسببٍ مأذو ٍ‬
‫ن » والمغلّ هو الخائن ‪ .‬ولنّ‬
‫ل ضما ٌ‬
‫وحجّة الحنفيّة حديث ‪ « :‬ليس على المستعير غير المغ ّ‬
‫الضّمان إمّا أن يجب بالعقد أو بالقبض أو بالذن ‪ ،‬وليس هنا شيءٌ من ذلك ‪ .‬أمّا العقد فلنّ‬
‫اللّفظ الّذي تنعقد به العاريّة ل ينبئ عن التزام الضّمان ‪ ،‬لنّه لتمليك المنافع بغير عوضٍ أو‬
‫لباحتها على الختلف ‪ .‬وما وضع لتمليك المنافع ل يتعرّض فيه للعين حتّى يوجب الضّمان‬
‫عند هلكه ‪.‬‬
‫وأمّا القبض فإنّما يوجب الضّمان إذا وقع بطريق التّعدّي ‪ ،‬وما هنا ليس كذلك ‪ ،‬لكونه مأذونا‬
‫ن إذن المالك في قبض الشّيء‬
‫فيه ‪ .‬وأمّا الذن فلنّ إضافة الضّمان إليه فسادٌ في الوضع ‪ ،‬ل ّ‬
‫ينفي الضّمان فكيف يضاف إليه ‪ .‬واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫في حديث صفوان « بل عاريّةٌ مضمون ٌة » وبقوله صلى ال عليه وسلم « على اليد ما أخذت‬
‫حتّى تؤدّي » ‪ .‬ولنّه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غير استحقاقٍ ‪ ،‬ول إذنٍ في‬
‫التلف ‪ ،‬فكان مضمونا كالغاصب والمأخوذ على وجه العموم ‪ .‬واستدلّ المالكيّة في التّفرقة‬
‫بين ما يمكن إخفاؤه وما ل يمكن بحمل أحاديث الضّمان ‪ ،‬على ما يمكن إخفاؤه ‪ ،‬والحاديث‬
‫الخرى على ما ل يمكن إخفاؤه ‪.‬‬
‫ن التلف يكون حقيق ًة ‪ ،‬ويكون معنًى ‪ .‬فالتلف حقيقةً بإتلف العين ‪،‬‬
‫ثمّ قال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫كعطب الدّابّة بتحميلها ما ل يحمله مثلها ‪ ،‬أو استعمالها فيما ل يستعمل مثلها فيه ‪ ،‬والتلف‬
‫معنًى بالمنع بعد الطّلب ‪ ،‬أو بعد انقضاء المدّة ‪ ،‬أو بجحود العارة أو بترك الحفظ ‪ ،‬أو‬
‫بمخالفة الشّروط في استعمالها ‪ ،‬فلو حبس العاريّة بعد انقضاء المدّة أو بعد الطّلب قبل انقضاء‬
‫المدّة يضمن لنّها واجبة ال ّردّ في هاتين الحالتين ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬العاريّة‬
‫ن حكم العقد‬
‫مؤدّاةٌ » وقوله عليه الصلة والسلم « على اليد ما أخذت حتّى تردّه » ‪ .‬ول ّ‬
‫انتهى بانقضاء المدّة أو الطّلب ‪ ،‬فصارت العين في يده كالمغصوب ‪ .‬والمغصوب مضمون‬
‫ال ّردّ حال قيامه ‪ ،‬ومضمون القيمة حال هلكه ‪.‬‬
‫ولم ينصّ المالكيّة على المراد بالهلك عندهم ‪ ،‬ولكن يفهم من كلمهم السّابق في إعارة‬
‫ن الهلك أو الضّياع ليس‬
‫الدّوابّ أنّ المراد به تلف العين ‪ .‬قالوا ‪ :‬وإن ادّعى المستعير أ ّ‬
‫ق في ذلك بيمينه ‪ ،‬إلّ أن تقوم بيّنةٌ أو قرينةٌ على‬
‫بسبب تعدّيه أو تفريطه في الحفظ فهو مصدّ ٌ‬
‫كذبه ‪ ،‬وسواءٌ في ذلك ما يغاب عليه وما ل يغاب ‪.‬‬
‫شرط نفي الضّمان ‪:‬‬
‫ن شرط نفي‬
‫‪ - 16‬قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو أحد وجهين عند المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ص العكبريّ من الحنابلة ‪ :‬يسقط ‪ ،‬وقال‬
‫الضّمان فيما يجب ضمانه ل يسقطه ‪ ،‬وقال أبو حف ٍ‬
‫أبو الخطّاب ‪ :‬أومأ إليه أحمد ‪ ،‬وهو قول قتادة والعنبريّ ‪ ،‬لنّه لو أذن في إتلف العين‬
‫المعارة لم يجب ضمانها ‪ ،‬فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها ‪ .‬وقيل ‪ :‬بل مذهب قتادة والعنبريّ‬
‫أنّها ل تضمن إلّ أن يشترط ضمانها ‪ ،‬فيجب ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لصفوان « بل‬
‫عاريّ ٌة مضمون ٌة » ‪.‬‬
‫واستدلّ لعدم سقوط الضّمان بأنّ كلّ عق ٍد اقتضى الضّمان لم يغيّره الشّرط ‪ ،‬كالمقبوض ببيعٍ‬
‫صحيحٍ أو فاسدٍ ‪ ،‬وما اقتضى المانة فكذلك ‪ ،‬كالوديعة والشّركة والمضاربة ‪.‬‬
‫والوجه الخر عند المالكيّة أنّه ل يضمن بشرط السّقوط ‪ ،‬لنّه معروفٌ من وجهين ‪ :‬العاريّة‬
‫ن شرط‬
‫ص الحنفيّة أ ّ‬
‫ف آخر ‪ ،‬ولنّ المؤمن عند شرطه ‪ .‬ون ّ‬
‫معروفٌ ‪ ،‬وإسقاط الضّمان معرو ٌ‬
‫الضّمان باطلٌ كشرط عدمه ‪ ،‬خلفا للجوهرة ‪ ،‬حيث جزم فيها بصيرورتها مضمونةً بشرط‬
‫الضّمان ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في المعتمد عندهم ‪ -‬وهو قول أكثر الحنفيّة ‪ -‬إلى أنّه لو أعار عينا بشرط‬
‫ن فسد الشّرط دون العاريّة ‪ .‬قال الذرعيّ من الشّافعيّة وفيه وقفةٌ‬
‫ضمانها عند تلفها بقدرٍ معيّ ٍ‬
‫‪ .‬ول يرد هنا مذهب الحنابلة لنّهم يقولون بالضّمان مطلقا ‪.‬‬
‫كيفيّة التّضمين ‪:‬‬
‫‪ - 17‬مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مقابل المعتمد عند الشّافعيّة أنّه يجب ضمان‬
‫العين بمثلها إن كانت مثليّةً ‪ ،‬وإلّ فبقيمتها يوم التّلف ‪.‬‬
‫ح عند الشّافعيّة أنّه إذا وجب الضّمان في العاريّة فإنّها تضمن بقيمتها يوم التّلف ‪،‬‬
‫والص ّ‬
‫متقوّم ًة كانت أو مثليّةً ‪ ،‬لنّ ردّ مثل العين مع استعمال جزءٍ منها متع ّذرٌ ‪ ،‬فصار بمنزلة فقد‬
‫المثل ‪ ،‬فيرجع للقيمة ‪ ،‬ول تضمن العاريّة بأقصى القيمة ‪ ،‬ول بيوم القبض ‪.‬‬
‫الختلف بين المعير والمستعير ‪:‬‬
‫ن العاريّة من المانات فل تضمن ‪ .‬وكذلك المالكيّة فيما ل‬
‫ن الحنفيّة يقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ - 18‬تقدّم أ ّ‬
‫ن المين يصدّق فيما يدّعيه بيمينه‬
‫يخفى ‪ .‬وفرّعوا على ذلك أنّها ل تضمن ‪ ،‬إلّ بالتّعدّي ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ .‬واعتبار المقبوض عاريّ ًة أو غير عاريّةٍ ‪ ،‬وأنّ هناك تعدّيا أم ل ‪ ،‬يرجع فيه للعرف والعادة‬
‫‪ .‬فقد قال الحنفيّة ‪ :‬إنّه إذا اختلف ربّ الدّابّة والمستعير فيما أعارها له ‪ ،‬وقد عقرها الرّكوب‬
‫أو الحمولة ‪ ،‬فالقول قول ربّ الدّابّة ‪ .‬وقال ابن أبي ليلى ‪ :‬القول قول المستعير ‪ .‬وحجّته أنّ‬
‫ب الدّابّة يدّعي على المستعير سبب الضّمان ‪ ،‬وهو المخالفة في الستعمال ‪ ،‬وهو منكرٌ لذلك‬
‫ر ّ‬
‫ن الذن في الستعمال يستفاد من جهة صاحب الدّابّة ‪ ،‬ولو‬
‫فالقول قوله ‪ .‬واحتجّ الحنفيّة بأ ّ‬
‫أنكر أصل الذن كان القول قوله ‪ ،‬فكذلك إذا أنكر الذن على الوجه الّذي انتفع به المستعير ‪.‬‬
‫وفي الولوالجية ‪ :‬إذا جهّز الب ابنته ث ّم مات فجاء ورثته يطلبون قسمة الجهاز بينهم ‪ ،‬فإن‬
‫كان الب اشترى لها الجهاز في صغرها أو بعدما كبرت ‪ ،‬وسلّمه إليها في حال صحّته ‪،‬‬
‫فليس للورثة حقّ فيه بل هو للبنت خاصّةً ‪.‬‬
‫ل على أنّ قبول قول المالك أنّها عاريّةٌ بيمينه ليس على إطلقه ‪ ،‬بل ذلك إذا صدّقه‬
‫فهذا يد ّ‬
‫ن ادّعى إيصال المانة إلى مستحقّها قبل قوله بيمينه ‪ ،‬كالمودع إذا‬
‫العرف ‪ .‬وقالوا ‪ :‬كلّ أمي ٍ‬
‫ل في الوكيل‬
‫ادّعى الرّدّ والوكيل والنّاظر ‪ ،‬وسواءٌ كان ذلك في حياة مستحقّها أو بعد موته ‪ ،‬إ ّ‬
‫بقبض الدّين ‪ ،‬إذا ادّعى بعد موت الموكّل أنّه قبضه ودفعه له في حياته لم يقبل قوله ‪ ،‬إلّ‬
‫ببيّنةٍ ‪.‬‬
‫ولو جهّز ابنته بما يجهّز به مثلها ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬كنت أعرتها المتعة ‪ .‬إن كان العرف مستمرّا‬
‫ن الظّاهر يكذّبه ‪.‬‬
‫بين النّاس أنّ الب يدفع الجهاز ملكا ل إعارةً ‪ ،‬ل يقبل قوله إنّه إعارةٌ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن لم يكن العرف كذلك أو تارةً وتارةً فالقول له في جميع الجهاز ‪ ،‬ل في الزّائد على جهاز‬
‫مثلها ‪ ،‬والفتوى على ذلك ‪ .‬وإن كان الجهاز أكثر ممّا يجهّز به مثلها فالقول له اتّفاقا ‪.‬‬
‫والمالكيّة كالحنفيّة في أنّ المستعير يصدّق بيمينه ‪ ،‬إذ قالوا ‪ :‬إذا هلكت العين المعارة واختلف‬
‫المعير والمستعير في سبب هلكها أو تعيّبها ‪ ،‬فقال المعير ‪ :‬هلكت أو تعيّبت بسبب تفريطك ‪،‬‬
‫وقال المستعير ‪ :‬ما فرّطت ‪ ،‬فإنّه يصدّق بيمينه أنّها ما هلكت أو تعيّبت بسبب تفريطه ‪ .‬فإن‬
‫نكل غرم بنكوله ‪ .‬ول تردّ اليمين على المدّعي لنّها يمين تهمةٍ ‪.‬‬
‫وإذا وجب الضّمان على المستعير فعليه جميع قيمته في حالة الهلك ‪ ،‬أو عليه الفرق بين‬
‫س ونحوه ‪ ،‬وأتى به إلى المعير‬
‫قيمته سليما ومتعيّبا ‪ .‬وإن كان المستعار غير آلة حربٍ كفأ ٍ‬
‫ل معهودا في مثله ‪،‬‬
‫ل أن تشهد البيّنة أنّه استعمله استعما ً‬
‫مكسورا فل يخرجه من الضّمان ‪ ،‬إ ّ‬
‫فإن شهدت البيّنة بعكسه فكسر لزمه الضّمان ‪.‬‬
‫وإذا اختلف المالك والمنتفع في كون العين عاريّ ًة أو مستأجر ًة ينظر ‪ :‬فإن كان الختلف قبل‬
‫مضيّ مدّةٍ لمثلها أجرٌ ‪ ،‬ردّت العين إلى مالكها ‪ ،‬وصرّح الحنابلة هنا بتحليف مدّعي العارة ‪.‬‬
‫ي مدّةٍ لمثلها أجرٌ ‪ ،‬فقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ‬
‫وإن كان الختلف بعد مض ّ‬
‫ن المنتفع يستفيد من المالك ملك النتفاع ‪ ،‬ولنّ الظّاهر يشهد‬
‫القول قول المالك مع يمينه ‪ ،‬ل ّ‬
‫له فكان القول قول المالك في التّعيين ‪ ،‬لكن مع اليمين ‪ ،‬دفعا للتّهمة ‪.‬‬
‫‪ - 19‬وإن اختلفا في كونها عاريّ ًة أو مستأجرةً بعد تلف العين ‪ :‬فمذهب الشّافعيّة والحنابلة كما‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬إن اختلفا في ذلك بعد مضيّ مدّ ٍة لمثلها أجرٌ وتلفت البهيمة ‪ ،‬وكان الجر بقدر‬
‫قيمتها ‪ ،‬أو كان ما يدّعيه المالك منهما أقلّ ممّا يعترف به الرّاكب ‪ ،‬فالقول قول المالك بغير‬
‫يمينٍ ‪ .‬سوا ٌء ادّعى الجارة أو العارة ‪ ،‬إذ ل فائدة في اليمين على شي ٍء يعترف له به ‪.‬‬
‫ل بيمينٍ ‪ ،‬لنّه يدّعي شيئا ل يصدّق فيه ‪ ،‬ويعترف له الرّاكب بما يدّعيه‬
‫ويحتمل ألّ يأخذه إ ّ‬
‫فيحلف على ما يدّعيه ‪ ،‬وإن كان ما يدّعيه المالك أكثر ‪ ،‬مثل إن كانت قيمة البهيمة أكثر من‬
‫أجرها فادّعى المالك أنّها عاريّ ٌة لتجب له القيمة ‪ ،‬وأنكر استحقاق الجرة ‪ ،‬وادّعى الرّاكب‬
‫أنّها مكتراةٌ ‪ ،‬أو كان الكراء أكثر من قيمتها ‪ ،‬فادّعى المالك أنّه أجّرها ليجب له الكراء ‪،‬‬
‫وادّعى الرّاكب أنّها عاريّةٌ ‪ ،‬فالقول قول المالك في الصّورتين ‪ ،‬فإذا حلف استحقّ ما حلف‬
‫عليه ‪.‬‬
‫وقواعد الحنفيّة والمالكيّة تقتضي أنّ القول حينئ ٍذ قول من يدّعي العارة ‪ ،‬لنّه ينفي الجرة ‪.‬‬
‫ل في الجارة والعارة ‪.‬‬
‫وأمّا الضّمان فل ضمان على كلّ حا ٍ‬
‫ل من‬
‫فإن تلفت العين قبل ردّها تلفا تضمن به العاريّة فقد اتّفقا على الضّمان لها ‪ ،‬لضمان ك ّ‬
‫العاريّة والمغصوب ‪.‬‬
‫وإذا اختلفا ‪ ،‬فادّعى المالك الغصب ‪ ،‬وادّعى المنتفع العارة ‪ ،‬فإن كان قبل الستعمال‬
‫والدّابّة تالفةٌ فالقول قول المنتفع ‪ ،‬لنّه ينفي الضّمان ‪ ،‬والصل براءة ال ّذمّة ‪ ،‬وإن كان بعد‬
‫ن الظّاهر أنّ الهلك جاء من الستعمال ‪.‬‬
‫الستعمال فالقول قول المالك مع يمينه ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن كان الختلف عقيب العقد ‪ ،‬والدّابّة قائم ٌة لم يتلف منها شيءٌ ‪،‬‬
‫فل معنى للختلف ‪ ،‬ويأخذ المالك بهيمته ‪ .‬وكذلك إن كانت الدّابّة تالفةً ‪ ،‬لنّ القيمة تجب‬
‫على المستعير كوجوبها على الغاصب ‪.‬‬
‫وإن كان الختلف بعد مضيّ مدّ ٍة لمثلها أجرٌ فالختلف في وجوبه ‪ ،‬والقول قول المالك ‪،‬‬
‫لنّه ينكر انتقال الملك إلى الرّاكب ‪ ،‬والرّاكب يدّعيه والقول قول المنكر ‪ ،‬لنّ الصل عدم‬
‫ق الجرة ‪.‬‬
‫النتقال ‪ ،‬فيحلف ويستح ّ‬
‫نفقة العاريّة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬ذهب الشّافعيّة ‪ -‬ما عدا القاضي حسينٍ ‪ -‬والحنابلة ‪ ،‬وهو المعتمد عند المالكيّة إلى أنّ‬
‫نفقة العاريّة الّتي بها بقاؤها كالطّعام مدّة العارة على مالكها ‪ ،‬لنّها لو كانت على المستعير‬
‫لكان كراءً ‪ ،‬وربّما كان ذلك أكثر من الكراء فتخرج العاريّة عن المعروف إلى الكراء ‪ ،‬ولنّ‬
‫تلك النّفقة من حقوق الملك ‪.‬‬
‫ومذهب الحنفيّة ‪ ،‬وغير المعتمد عند المالكيّة ‪ ،‬وهو ما اختاره القاضي حسينٌ من الشّافعيّة أنّ‬
‫ن مالك الدّابّة فعل معروفا فل يليق أن يشدّد عليه ‪.‬‬
‫ذلك على المستعير ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّها على المستعير في اللّيلة واللّيلتين ‪ ،‬وعلى المعير في المدّة الطّويلة كما‬
‫في الموّاق ‪ ،‬وقد عكس عبد الباقي الزّرقانيّ ‪.‬‬
‫مئونة ردّ العاريّة ‪:‬‬
‫ن مئونة ردّ العاريّة على‬
‫‪ - 21‬فقهاء المذاهب الثّلثة ‪ ،‬وهو الظهر عند المالكيّة على أ ّ‬
‫ن العارة مكرم ٌة فلو لم تجعل‬
‫المستعير ‪ ،‬لخبر « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » ‪ ،‬ول ّ‬
‫المئونة على المستعير لمتنع النّاس منها ‪ .‬وهذا تطبيقٌ لقاعدة " كلّ ما كان مضمون العين‬
‫فهو مضمون ال ّردّ " ‪.‬‬
‫ل أن يتّفقا على ردّها إلى مكان غيره ‪،‬‬
‫وعلى المستعير ردّها إلى الموضع الّذي أخذها منه ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن ما لزم ردّه وجب ردّه إلى موضعه كالمغصوب ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ما يبرأ به المستعير ‪:‬‬
‫ن المستعير لو ردّ الدّابّة إلى مالكها أو وكيله في قبضها فإنّه‬
‫‪ - 22‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫يبرأ منها ‪ .‬أمّا إن ردّها بواسطة آخرين وإلى غير المالك والوكيل ففي ذلك خلفٌ وتفصيلٌ ‪:‬‬
‫قال الحنفيّة في الستحسان والمالكيّة ‪ :‬إن ردّ المستعير الدّابّة مع خادمه أو بعض من هو في‬
‫عياله فل ضمان عليه إن عطبت ‪ ،‬لنّ يد من هو في عياله في ال ّردّ كيده ‪ ،‬كما أنّ يد من في‬
‫عياله في الحفظ كيده ‪ .‬والعرف الظّاهر أنّ المستعير يردّ المستعار بيد من في عياله ولهذا‬
‫يعولهم ‪ ،‬فكان مأذونا فيه من جهة صاحبها دلل ًة ‪ .‬وكذلك إن ردّها إلى خادم صاحب الدّابّة ‪،‬‬
‫ل يبرأ ما لم تصل إلى صاحبها ‪،‬‬
‫وهو الّذي يقوم عليها ‪ ،‬فهو بريءٌ استحسانا ‪ .‬والقياس أ ّ‬
‫كالمودع إذا ردّ الوديعة ل يبرأ عن الضّمان ما لم تصل إلى يد صاحبها ‪.‬‬
‫ن صاحبها إنّما يحفظ الدّابّة بسائسها ‪ .‬ولو دفع المستعير الدّابّة إلى مالكها‬
‫وجه الستحسان أ ّ‬
‫ن صاحب الدّابّة‬
‫فهذا يدفعها إلى السّائس ‪ ،‬فكذلك إذا ردّها على السّائس ‪ .‬والعرف الظّاهر أ ّ‬
‫يأمر السّائس بدفعها إلى المستعير ‪ ،‬وباستردادها منه إذا فرغت ‪ ،‬فيصير مأذونا في دفعها إليه‬
‫ل لم يبرأ ‪ .‬وعند‬
‫دلل ًة ‪ .‬وهذا في غير المعار النّفيس ‪ ،‬إذ فيه ل بدّ من التّسليم للمالك ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الشّافعيّة أنّه يجوز ال ّردّ إلى الحاكم عند غيبة المعير أو الحجر عليه بسف ٍه أو فلسٍ ‪ ،‬فلو ردّ‬
‫الدّابّة إلى السطبل ‪ ،‬والثّوب ونحوه للبيت الّذي أخذه منه لم يبرأ ‪ ،‬إلّ أن يعلم به المالك أو‬
‫يخبره به ثقةٌ ‪ .‬وكذلك ل يبرأ عندهم بال ّردّ إلى ولده أو زوجته ‪ ،‬حتّى ولو لم يجد المالك أو‬
‫وكيله ‪ ،‬بل يجب الضّمان عليهما بالرّدّ إليها ‪ ،‬فإن أرسلها إلى المرعى وتلفت فالضّمان‬
‫عليهما ‪ ،‬لحصول التّلف في يدهما ‪ ،‬حتّى لو غرما لم يرجعا على المستعير ‪ ،‬ولو غرم‬
‫المستعير رجع عليهما ‪.‬‬
‫والحنابلة كالشّافعيّة في أنّه إذا ردّها إلى المكان الّذي أخذها منه ‪ ،‬أو إلى ملك صاحبها لم‬
‫يبرأ ‪ ،‬لنّه لم يردّها إلى مالكها ول نائبه فيها ‪ ،‬كما لو دفعها إلى أجنبيّ ‪.‬‬
‫وإن ردّها إلى من جرت عادته بحصول ذلك على يديه ‪ ،‬كزوجته المتصرّفة في ماله ‪ ،‬أو ردّ‬
‫الدّابّة إلى سائسها ‪ ،‬فقياس المذهب أنّه يبرأ ‪ ،‬قاله القاضي ‪ .‬وقاس ذلك على الوديعة ‪ ،‬وقد‬
‫ن في ذلك عرفا‬
‫قال المام أحمد فيها ‪ :‬إذا سلّمها المودع إلى امرأته لم يضمنها ‪ ،‬لنّه مأذو ٌ‬
‫أشبه ما لو أذن فيه نطقا ‪.‬‬
‫ما تنتهي به العارة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬تنتهي العارة بأحد السباب التية ‪:‬‬
‫أ‪ -‬انتهاء المدّة في العارة المؤقّتة ‪.‬‬
‫ب‪ -‬رجوع المعير في الحالت الّتي يجوز فيها الرّجوع ‪.‬‬
‫ت‪ -‬جنون أحد المتعاقدين ‪.‬‬
‫ث‪ -‬الحجر عليه لسفهٍ أو فلسٍ ‪.‬‬
‫ج‪ -‬موت أحد المتعاقدين ‪.‬‬
‫ح‪ -‬هلك العين المعارة ‪.‬‬
‫خ‪ -‬استحقاقها للغير ‪.‬‬
‫استحقاق العاريّة ‪ ،‬وتلف المستعار المستحقّ ‪ ،‬ونقصانه ‪:‬‬
‫‪ - 24‬يختلف الفقهاء في رجوع المستحقّ على المعير أو المستعير عند تلف المستعار‬
‫ق أو نقصانه ‪ ،‬وفيمن يكون عليه قرار الضّمان ‪ ،‬ولهم في ذلك رأيان ‪:‬‬
‫المستح ّ‬
‫الوّل ‪ :‬يرجع المستحقّ على المستعير ‪ ،‬وليس له أن يرجع على المعير ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة‬
‫والمالكيّة ‪ .‬وقد علّل الحنفيّة لذلك بأنّ المستعير يأخذ لنفسه ‪ ،‬ولنّها عقد تب ّرعٍ ‪ ،‬والمعير غير‬
‫ل له ‪ ،‬فل يستحقّ السّلمة ‪ ،‬ول يثبت به الغرور ‪.‬‬
‫عام ٍ‬
‫الثّانـي ‪ :‬الرّجوع على المعيـر أو المسـتعير ‪ ،‬وهـو قول الشّافعي ّة والحنابلة ‪ ،‬فالرّجوع على‬
‫المعير لتعدّيه بالدّفع للغير ‪ ،‬وأمّا على المستعير فلقبضه مال غيره ‪ -‬وهو المستحقّ ‪ -‬بغير‬
‫إذ نه ‪ ،‬غ ير أنّ هم يختلفون في الّذي يكون عل يه قرار الضّمان ‪ ،‬فقال الشّافعيّة ‪ :‬إن ر جع على‬
‫المستعير فل يرجع على من أعاره ‪ ،‬ل نّ التّلف أو النّقص كان من فعله ‪ ،‬ولم يغرّ بشي ٍء من‬
‫ماله فيرجع به ‪ ،‬وإن ضمنه المعير فمن اعتبر العاريّة مضمون ًة قال ‪ :‬للمعير أن يرجع على‬
‫الم ستعير ‪ ،‬لنّه كان ضامنا ‪ ،‬و من اع تبر العاريّة غ ير مضمون ٍة لم يج عل له أن ير جع عل يه‬
‫بشيءٍ ‪ ،‬لنّه سلّطه على الستعمال ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم ‪ ،‬لنّه غرّه وغرمه ‪ ،‬ما لم‬
‫يكن المستعير عالما بالحال فيستقرّ عليه الضّمان ‪ ،‬لنّه دخل على بصيرةٍ ‪ ،‬وإن ضمّن المالك‬
‫المعير لم يرجع بها على أحدٍ إن لم يكن المستعير عالما ‪ ،‬وإلّ رجع عليه ‪.‬‬
‫أثر استحقاق العاريّة على النتفاع ‪:‬‬
‫ص شيئا فانتفع به ثمّ ظهر مستحقّا ‪ ،‬فلمالكه أجر مثله‬
‫‪ - 25‬صرّح الحنابلة بأنّه إذا استعار شخ ٌ‬
‫‪ ،‬يطالب به المعير أو المستعير ‪ .‬فإن ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم ‪ ،‬لنّه غرّه‬
‫وغرمه ‪ ،‬لنّ المستعير استعار على ألّ أجر عليه ‪ .‬وإن رجع على المعير لم يرجع على أحدٍ‬
‫‪ .‬وقواعد المذاهب الخرى ل تأبى ذلك ‪.‬‬
‫الوصيّة بالعارة ‪:‬‬
‫‪ - 26‬ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة الوصيّة بالعارة إذا خرج مقابل المنفعة من الثّلث‬
‫باعتبارها وصيّ ًة بالمنفعة ‪ .‬وخالف في ذلك ابن أبي ليلى وابن شبرمة ‪.‬‬

‫إعانةٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العانة لغةً ‪ :‬من العون ‪ ،‬وهو اسمٌ بمعنى المساعدة على المر ‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬أعنته إعان ًة ‪ ،‬واستعنته ‪ ،‬واستعنت به فأعانني ‪ .‬كما يقال ‪ :‬رجلٌ معوانٌ ‪ ،‬وهو‬
‫الحسن المعونة ‪ ،‬وكثير المعونة للنّاس ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الغاثة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الغاثة ‪ :‬هي العانة والنّصرة في حال شدّ ٍة أو ضيقٍ ‪ .‬أمّا العانة فل يشترط أن تكون‬
‫في شدّةٍ أو ضيقٍ ‪.‬‬
‫ن فأعانني وعاونني ‪ ،‬وفي الحديث ‪« :‬‬
‫‪ - 3‬الستعانة ‪ :‬هي طلب العون ‪ .‬يقال ‪ :‬استعنت بفل ٍ‬
‫اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك » ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يختلف الحكم التّكليفيّ للعانة بحسب أحوالها ‪ ،‬فقد تكون واجبةً ‪ ،‬وقد تكون مندوبةً ‪،‬‬
‫وقد تكون مباحةً أو مكروه ًة أو محرّمةً ‪.‬‬
‫العانة الواجبة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إعانة المضطرّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على وجوب إعانة المضط ّر إلى الطّعام والشّراب بإعطائه ما يحفظ عليه‬
‫ل ما يعرّضه للهلك من غرقٍ أو حرقٍ ‪ ،‬فإن كان قادرا على ذلك‬
‫حياته ‪ ،‬وكذلك بإنقاذه من ك ّ‬
‫دون غيره وجبت العانة عليه وجوبا عينيّا ‪ ،‬وإن كان ثمّ غيره كان ذلك واجبا كفائيّا على‬
‫القادرين ‪ ،‬فإن قام به أحدهم سقط عن الباقين ‪ ،‬وإلّ أثموا جميعا ‪ ،‬لما روي أنّ قوما وردوا‬
‫ما ًء فسألوا أهله أن يدلّوهم على البئر فأبوا ‪ ،‬فسألوهم أن يعطوهم دلوا ‪ ،‬فأبوا أن يعطوهم ‪،‬‬
‫ن أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت أن تقطّع ‪ ،‬فأبوا أن يعطوهم ‪ ،‬فذكروا ذلك‬
‫فقالوا لهم ‪ :‬إ ّ‬
‫لعمر رضي ال عنه ‪ ،‬فقال لهم ‪ :‬فهلّ وضعتم فيهم السّلح ‪ .‬؟‬
‫ومثل ذلك إعانة العمى إذا تعرّض لهلكٍ ‪ ،‬وإعانة الصّغير لنقاذه من عقربٍ ونحوه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العانة لنقاذ المال ‪:‬‬
‫‪ - 6‬تجب العانة لتخليص مال الغير من الضّياع قليلً كان المال أو كثيرا ‪ ،‬حتّى أنّه تقطع‬
‫الصّلة لذلك ‪ .‬وفي بناء المصلّي على صلته أو استئنافها خلفٌ يرجع إليه في مبطلت‬
‫الصّلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العانة في دفع الضّرر عن المسلمين ‪:‬‬
‫ص عنهم ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وتعاونوا‬
‫‪ - 7‬يجب إعانة المسلمين بدفع الضّرر العامّ أو الخا ّ‬
‫على البرّ والتّقوى ‪ ،‬ول تعاونوا على الثم والعدوان } ‪ .‬ولقول رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬المسلم أخو المسلم ل يظلمه ول يسلمه ‪ ،‬ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في‬
‫حاجته » ‪.‬‬
‫وكلّما كان هناك رابطة قرابةٍ أو حرفةٍ كان التّعاون بينهم أوجب ‪ ( .‬ر ‪ :‬عاقلةٌ ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إعانة البهائم ‪:‬‬
‫‪ - 8‬صرّح الفقهاء بوجوب إعانة البهائم بالنفاق عليها فيما تحتاج إليه من علفٍ وإقامةٍ‬
‫ورعايةٍ ‪ ،‬لما روى ابن عمر رضي ال عنهما أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬عذّبت‬
‫امرأ ٌة في ه ّرةٍ سجنتها حتّى ماتت ‪ ،‬فدخلت فيها النّار ‪ ،‬ل هي أطعمتها وسقتها ‪ ،‬إذ حبستها ‪،‬‬
‫ن رسول اللّه‬
‫ول هي تركتها تأكل من خشاش الرض » وعن أبي هريرة رضي ال عنه « أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدّ عليه العطش وجد بئرا ‪ ،‬فنزل فيها‬
‫فشرب ‪ ،‬ثمّ خرج فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثّرى من العطش ‪ ،‬فقال الرّجل ‪ :‬لقد بلغ هذا الكلب‬
‫من العطش مثل الّذي بلغ بي ‪ ،‬فنزل البئر فمل خفّه ‪ ،‬ثمّ أمسكه بفيه فسقى الكلب ‪ ،‬فشكر اللّه‬
‫ن لنا في البهائم أجرا ‪ ،‬فقال ‪ :‬في كلّ ذات كبدٍ رطبةٍ‬
‫له ‪ ،‬فغفر له ‪ .‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه وإ ّ‬
‫أجرٌ » ‪.‬‬
‫العانة المندوبة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬وتكون العانة مندوبةً إذا كانت في خيرٍ لم يجب ‪.‬‬
‫العانة المكروهة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬العانة على فعل المكروه تأخذ حكمه فتكون مكروهةً ‪ ،‬مثل العانة على السراف في‬
‫الماء ‪ ،‬أو الستنجاء بماء زمزم ‪ ،‬أو على السراف في المباح بأن يستعمله فوق المقدّر شرعا‬
‫‪ .‬مثل إعطاء السّفيه المال الكثير ‪ ،‬وإعطاء الصّبيّ غير الرّاشد ما ل يحسن التّصرّف فيه ‪.‬‬
‫العانة على الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 11‬تأخذ العانة على الحرام حكمه ‪ ،‬مثل العانة على شرب الخمر ‪ ،‬وإعانة الظّالم على‬
‫ظلمه ‪ ،‬لحديث ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ل لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها‬
‫ن اللّه عزّ وج ّ‬
‫يقول ‪ « :‬أتاني جبريل فقال ‪ :‬يا محمّد إ ّ‬
‫وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستقيها » ‪ .‬وعن ابن عمر ‪ -‬في‬
‫إعانة الظّالم ‪ -‬عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من أعان على خصومةٍ بظلمٍ‬
‫أو يعين على ظلمٍ لم يزل في سخط اللّه حتّى ينزع » ‪ .‬وعن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬مثل الّذي يعين‬
‫مسعودٍ عن أبيه رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫قومه على غير الحقّ كمثل بعي ٍر تردّى في بئرٍ فهو ينزع منها بذنبه » ‪ .‬ولحديث « من أعان‬
‫س من رحمة اللّه » ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬مكتوبٌ بين عينيه ‪ :‬آي ٌ‬
‫على قتل مسلمٍ بشطر كلم ٍة لقي اللّه عزّ وج ّ‬
‫وحديث « انصر أخاك ظالما أو مظلوما ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬هذا ننصره مظلوما فكيف‬
‫ننصره ظالما ؟ قال ‪ :‬تأخذ فوق يديه » ‪.‬‬
‫إعانة الكافر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العانة بصدقة التّطوّع ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يجوز دفع صدقات التّطوّع للكافر غير الحربيّ ‪ .‬انظر مصطلح ( صدقةٌ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العانة بالنّفقة ‪:‬‬
‫‪ - 13‬صرّح الفقهاء بوجوب النّفقة ‪ -‬مع اختلف الّذي ‪ -‬للزّوجة وقرابة الولد أعلى وأسفل ‪،‬‬
‫ن نفقة الزّوجة جزاء الحتباس ‪ ،‬وذلك ل يختلف باختلف الدّين ‪.‬‬
‫لطلق النّصوص ‪ ،‬ول ّ‬
‫وأمّا قرابة الولد فلمكان الجزئيّة ‪ ،‬إذ الجزئيّة في معنى النّفس ‪ ،‬ونفقة النّفس تجب مع الكفر‬
‫فكذا الجزء ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ( نفقةٌ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العانة في حالة الضطرار ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يجب إعانة المضطرّ ببذل الطّعام والشّراب إليه إذا كان معصوما ‪ ،‬مسلما كان أو ذ ّميّا‬
‫ب من دفعه للمضطرّ إليه ‪ -‬ولو كافرا ‪-‬‬
‫أو معاهدا ‪ ،‬فإن امتنع من له فضل طعا ٍم أو شرا ٍ‬
‫ل في المذاهب يرجع إليه في‬
‫جاز له قتاله بالسّلح أو بغير السّلح ‪ .‬على خلفٍ وتفصي ٍ‬
‫مصطلح ( اضطرارٌ ) ‪.‬‬
‫آثار العانة ‪:‬‬
‫يترتّب على العانة آثارٌ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجر على العانة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬الجر على العانة إمّا أخرويّ ‪ ،‬وهو على الواجب والمستحبّ منها ‪ ،‬وإمّا دنيويّ ‪.‬‬
‫فإنّ العانة من التّبرّعات ‪ ،‬والصل أنّه ل يستحقّ عليها أجرٌ ‪ ،‬سواءٌ أكانت برّا للوالدين مثل‬
‫إعانة الولد لوالده ‪ ،‬أم للنّاس مثل إعانة المحتاج بالقرض والصّدقة والكفالة ‪.‬‬
‫وقد يأخذ المعين أجرا على بعض العمال الّتي يؤدّي فيها فعلً معيّنا مثل الوكالة ‪ ،‬وهي‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫مشروعةٌ بالكتاب وال ّ‬
‫ولتفصيل ذلك يرجع إلى تلك البواب في كتب الفقه وفي مصطلحاتها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العقاب على العانة ‪:‬‬
‫ت معيّن ًة للعانة على المحرّم ‪ ،‬غير أنّهم قالوا بالتّعزير على‬
‫‪ - 16‬لم يذكر العلماء عقوبا ٍ‬
‫ن درء المفسدين مستحبّ في العقول ‪ ،‬فيجب على‬
‫الذّنوب الّتي لم تشرع فيها الحدود ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحاكم درء الفساد بردع المفسدين ومن يعينهم على ذلك بتعزيرهم بما يتناسب مع تلك العانة‬
‫المحرّمة ‪ .‬أمّا عن الثم الخرويّ المترتّب على العانة في الحرام ‪ ،‬فقد وردت في ذلك آثارٌ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال‬
‫كثيرةٌ ‪ :‬منها ما روى جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما أ ّ‬
‫لكعب بن عجرة رضي ال عنه ‪ « :‬أعاذك اللّه من إمارة السّفهاء ‪ .‬قال ‪ :‬وما إمارة السّفهاء ؟‬
‫قال ‪ :‬أمراء يكونون بعدي ‪ ،‬ل يهتدون بهديي ‪ ،‬ول يستنّون بسنّتي ‪ ،‬فمن صدّقهم بكذبهم ‪،‬‬
‫وأعانهم على ظلمهم ‪ ،‬فأولئك ليسوا منّي ولست منهم ‪ ،‬ول يردون عليّ حوضي ‪ ،‬ومن لم‬
‫يصدّقهم بكذبهم ‪ ،‬ولم يعنهم على ظلمهم ‪ ،‬فأولئك منّي وأنا منهم ‪ ،‬وسيردون عليّ حوضي ‪،‬‬
‫يا كعب بن عجرة ‪ :‬إنّه ل يدخل الجنّة لحمٌ نبت من سحتٍ ‪ ،‬النّار أولى به ‪ .‬يا كعب بن‬
‫عجرة ‪ :‬النّاس غاديان ‪ ،‬فمبتاعٌ نفسه فمعتقها ‪ ،‬وبائعٌ نفسه فموبقها » ‪.‬‬
‫ن المعين على الجريمة يأخذ حكم الصيل في بعض الحوال ‪،‬‬
‫‪ - 17‬نصّ بعض الفقهاء على أ ّ‬
‫كالرّبيئة ‪ ،‬ومقدّم السّلح ‪ ،‬والممسك للقتل ‪ ،‬والرّدء ونحوهم ‪ .‬ويرجع إلى ذلك في مباحث‬
‫الجنايات والميراث وغيرها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الضّمان ‪:‬‬
‫‪ - 18‬من ترك العانة الواجبة قد يلحقه الضّمان ‪ .‬قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا ترك‬
‫ن إعانة مضطرّ فمنع عنه الطّعام حتّى مات ‪ ،‬فإذا لم يقصد ذلك فعليه الضّمان ‪ ،‬وإن‬
‫إنسا ٌ‬
‫قصده فعم ٌد عند الشّافعيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬بجواز قتال المانعين للطّعام والشّراب ‪ -‬غير المحوز ‪ -‬عن‬
‫ن قوما وردوا ما ًء فسألوا أهله أن يدلّوهم‬
‫المضطرّين له والمشرفين على الهلك ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫على البئر فأبوا ‪ ،‬فسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا أن يعطوهم ‪ ،‬فقالوا لهم ‪ :‬إنّ أعناقنا وأعناق‬
‫مطايانا قد كادت أن تقطّع فأبوا أن يعطوهم ‪ .‬فذكروا ذلك لعمر رضي ال عنه ‪ .‬فقال لهم‬
‫ن المضطرّ إذا منع من الماء ‪ ،‬له أن يقاتل‬
‫عمر ‪ :‬فهلّ وضعتم فيهم السّلح ‪ .‬وفيه دليلٌ على أ ّ‬
‫بالسّلح عليه ‪ .‬على أنّ الحنفيّة لم يصرّحوا بضمان المتسبّب في هلك العطشان والجائع ‪،‬‬
‫ل على ذلك ( ر ‪ :‬صيالٌ ) ‪.‬‬
‫وإن كانت قواعدهم تد ّ‬
‫ن ‪ ،‬أو علم بذلك وكان قادرا على إنقاذه فلم يفعل ‪ ،‬فقد ذهب أبو‬
‫ومن رأى خطرا محدقا بإنسا ٍ‬
‫الخطّاب من الحنابلة إلى أنّه يضمن ‪ ،‬خلفا للجمهور الّذين ربطوا الضّمان بالمباشرة أو‬
‫التّسبّب ‪.‬‬
‫كما يضمن ‪ ،‬حامل الحطب عند الشّافعيّة إذا ترك تنبيه العمى ومن في معناه حتّى ترتّب‬
‫على ذلك ضررٌ له أو لثيابه ‪.‬‬
‫هذا وقد يجب الضّمان في بعض عقود التّبرّعات مثل الكفالة بأمر المكفول ‪ ،‬فيضمن عند‬
‫عجز المكفول المدين ‪ .‬وفي الوكالة عند التّفريط أو التّعدّي ‪ ،‬وهي من العانات ‪ .‬ر ‪ ( :‬كفالةٌ‬
‫‪ ،‬وكالةٌ ) ‪.‬‬
‫إعتاق*ٌ‬
‫انظر ‪ :‬عتقٌ ‪.‬‬
‫اعتبارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العتبار لغ ًة بمعنى التّعاظ كما في قوله تعالى ‪ { :‬فاعتبروا يا أولي البصار } ‪ .‬قال‬
‫الخليل ‪ :‬العبرة العتبار بما مضى أي التّعاظ والتّذكّر ‪ .‬ويكون العتبار بمعنى العتداد‬
‫بالشّيء في ترتّب الحكم ‪ ،‬وكثيرا ما يستعمله الفقهاء بهذا المعنى ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عرّفه الجرجانيّ فقال ‪ :‬هو النّظر في الحكم الثّابت أنّه ليّ معنًى ثبت‬
‫وإلحاق نظيره به ‪ .‬وهذا عين القياس ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العتبار بمعنى القياس مأمورٌ به شرعا ‪ ،‬فقد استدلّ القائلون بثبوت التّعبّد بالقياس‬
‫الشّرعيّ بقوله تعالى ‪ { :‬فاعتبروا يا أولي البصار } فقد أمرنا اللّه بالعتبار ‪ ،‬والعتبار ردّ‬
‫ص ‪ ،‬وهناك أدّلةٌ كثيرةٌ على‬
‫الشّيء إلى نظيره وهذا هو القياس ‪ ،‬فكان مأمورا به بهذا النّ ّ‬
‫جيّة القياس يرجع في بيانها وتفصيلها والعتراضات عليها إلى الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫حّ‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اعتبارات الشّارع في الحكام لها مجالتٌ يذكرها الصوليّون بالتّفصيل في ‪ :‬أبحاث‬
‫تعريف القياس وحكمه ‪ ،‬وفي مسالك العلّة ‪ ،‬وفي المصالح المرسلة وفي السّببيّة في الحكم‬
‫الوضعيّ ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫اعتجارٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العتجار في اللّغة ‪ :‬لفّ العمامة على الرّأس من غير إدارةٍ تحت الحنك ‪ .‬سوا ٌء أأبقى‬
‫طرفها على وجهه أم لم يبقه ؟ ‪.‬‬
‫وعرّفه صاحب مراقي الفلح من الحنفيّة بقوله ‪ :‬هو شدّ الرّأس بالمنديل ‪ ،‬أو تكوير عمامته‬
‫على رأسه وترك وسطه مكشوفا – أي مكشوفا عن العمامة ‪ ،-‬ل مكشوف الرّأس ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫أن ينتقب بعمامته فيغطّي أنفه ‪.‬‬
‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬نصّ الحنفيّة صراحةً على كراهة العتجار في الصّلة كراهةً تحريميّةً ‪ ،‬وعلّلوا ذلك بأنّه‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن العتجار‬
‫فعلٌ ما لم يرد عن الشّرع ‪ ،‬وقالوا ‪ «:‬إ ّ‬
‫في الصّلة »‪ .‬وورد عن الحنابلة أنّه يكره تنزيها لبس ما لم يعتد لبسه في الصّلة ‪ ،‬أو ما فيه‬
‫خلف زيّ البلد الّذي هو فيه ‪ .‬فإن كان العتجار غير معتا ٍد فيكون عندهم مكروها في‬
‫الصّلة كراهةً تنزيهيّةً ‪.‬‬
‫ي أو للميّت ‪ ،‬فلم يتعرّض الفقهاء ‪ -‬فيما نعلمه ‪ -‬لذلك‬
‫‪ - 3‬أمّا العتجار خارج الصّلة للح ّ‬
‫بصراح ٍة ولكن الّذين كرهوا العمامة للميّت ‪ -‬كما هو الرّاجح عند الحنفيّة ‪ -‬فإنّهم يكرهون له‬
‫العتجار بالعمامة من بابٍ أولى ‪ ،‬وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الجنائز ‪ ،‬عند كلمهم على‬
‫كفن الميّت ‪.‬‬
‫اعتداءٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العتداء في اللّغة وفي الصطلح ‪ :‬الظّلم وتجاوز الحدّ ‪ .‬يقال ‪ :‬اعتدى عليه إذا ظلمه ‪،‬‬
‫واعتدى على حقّه أي جاوز إليه بغير حقّ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن اللّه ل يحبّ المعتدين } ‪.‬‬
‫‪ - 2‬العتداء حرامٌ ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تعتدوا إ ّ‬
‫أمّا ما يترتّب على العتداء من أثرٍ ‪ ،‬فيختلف ‪ :‬فإذا كان المعتدي حيوانا ل يثبت على‬
‫صاحبه عقوبةٌ ول ضمانٌ لقوله عليه الصلة والسلم « جرح العجماء جبارٌ » ‪ ،‬وهذا ‪ -‬ما لم‬
‫يكن صاحبه متهاونا أو معتديا بتحريضه وإغرائه ‪.‬‬
‫أمّا النسان ‪ :‬فإنّه يفرّق فيه بين الكبير والصّغير ‪ ،‬إذ الكبير يثبت عليه العقوبة والضّمان ‪،‬‬
‫أمّا الصّغير فإنّه يثبت عليه الضّمان دون العقوبة ‪ ،‬وكلّ ذلك مفصّلٌ في كتاب الجنايات من‬
‫كتب الفقه ‪ .‬هذا ‪ ،‬ويختلف الحكم بحسب ما يقع عليه العتداء ‪.‬‬
‫فإن وقع على نفس النسان أو ما دونها من جسده ‪ ،‬فعندئذٍ يجب في عمده القصاص إذا‬
‫توفّرت شروطه ‪ ،‬وفي خطئه الضّمان بالمال كما هو مفصّلٌ في كتاب الجنايات ‪.‬‬
‫وإن وقع على المال ‪ ،‬فعندئذٍ ل يخلو المر من أن يكون بطريق السّرقة ‪ ،‬وعندئذٍ يجب قطع‬
‫اليد ( ر ‪ :‬سرقةٌ ) ‪ .‬أو يكون بطريق الغصب ‪ ،‬وعندئذٍ يجب الضّمان والتّعزير ‪ ،‬كما هو‬
‫مفصّلٌ في كتب الفقه في مباحث ‪ :‬الغصب ‪ ،‬والضّمان ‪ ،‬والتّعزير ‪.‬‬
‫وإن وقع العتداء على حقّ من الحقوق ‪ ،‬فإمّا أن يكون حقّا للّه تعالى كحفظ العقيدة ‪،‬‬
‫والعقل ‪ ،‬والعرض ‪ ،‬وأرض السلم ‪ ،‬وغير ذلك ‪ ،‬فعقوبته الح ّد أو التّعزير ما هو مفصّلٌ في‬
‫أبوابه ‪ .‬وإمّا أن يكون حقّا للعبد كعدم تسليم الب ابنه الصّغير إلى أمّه المطلّقة ‪ ،‬لتقوم‬
‫بحضانته ‪ ،‬ونحو ذلك فيترتّب على ذلك الجبار على أداء الحقّ أو ضمانه مع التّعزير إن‬
‫رأى الحاكم ذلك ‪.‬‬
‫دفع العتداء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬إذا وقع العتداء فللمعتدى عليه أن يدفعه ما استطاع إلى ذلك سبيلً سوا ٌء أكان هذا الدّفع‬
‫ببدنه كما فصّل الفقهاء ذلك في كتاب ‪ ( :‬الصّيال ) والجهاد ) من كتب الفقه ‪ ،‬أو بماله كما إذا‬
‫صالح المسلمون الكفّار بدفع شيءٍ من أموالهم لئلّ يحتلّوا بلد السلم ‪ ،‬كما هو مذكورٌ في‬
‫كتاب الجهاد من كتب الفقه ‪ ،‬وكما إذا أعطى رجلٌ لخر شيئا من ماله ليدفعه عن عرضه ‪.‬‬
‫كما ذكر ذلك الفقهاء أثناء كلمهم عن الرّشوة ‪.‬‬
‫ل مسلمٍ قادرٍ عليه كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب‬
‫ودفع العتداء عن المسلمين واجبٌ على ك ّ‬
‫الجهاد ‪.‬‬
‫اعتداد*ٌ‬
‫انظر ‪ :‬عدّةٌ ‪.‬‬
‫اعتدالٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العتدال في اللّغة كون الشّيء متناسبا ‪ ،‬أو صيرورته كذلك ‪ ،‬فإذا مال شي ٌء فأقمته تقول‬
‫‪ :‬عدلته فاعتدل ‪.‬‬
‫ول يفرّق أهل اللّغة بين العتدال والستقامة ‪ ،‬والستواء ‪ ،‬فهم يقولون ‪ :‬استقام الشّيء إذا‬
‫استوى واعتدل ‪ ،‬ويقولون أيضا استوى الشّيء إذا استقام واعتدل ‪.‬‬
‫ويطلق الفقهاء كلمة العتدال على أثر الرّفع من الرّكوع أو السّجود ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ن العتدال من الرّكوع والسّجود فرضٌ ‪،‬‬
‫‪ - 2‬ذهب الجمهور وهو رواي ٌة عن أبي حنيفة إلى أ ّ‬
‫والصّحيح عند الحنفيّة أنّه سنّةٌ ‪.‬‬
‫ت تتعلّق بما يتحقّق به العتدال ‪ ،‬ووجوب الطمئنان في‬
‫وقد تكلّم الفقهاء عن تفصيل ٍ‬
‫العتدال ‪ ،‬وسنّة رفع اليدين في العتدال ‪ ،‬والدّعاء فيه دعاء قنوتٍ أو غيره ‪ ،‬كما تحدّثوا عن‬
‫شكّ في تمام العتدال ‪ ،‬والعتدال بغير نيّة العتدال ‪ ،‬كاعتدال المصلّي خوفا من سبعٍ ونحو‬
‫ال ّ‬
‫ذلك ‪ ،‬وعن العجز عن العتدال ‪ ،‬وعن تعمّد ترك العتدال ‪ ،‬وتجد ذلك كلّه مبسوطا في‬
‫كتاب الصّلة من كتب الفقه ‪.‬‬
‫اعتراف*ٌ‬
‫انظر ‪ :‬إقرارٌ ‪.‬‬
‫اعتصار*ٌ‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العتصار افتعالٌ من العصر ‪ ،‬ومن معانيه المنع والحبس ‪ ،‬ومنها استخراج عصير‬
‫العنب ونحوه ‪ .‬واعتصر العطيّة ‪ :‬ارتجعها ‪ .‬ومنه قول عمر بن الخطّاب ( رضي ال عنه )‬
‫ن الوالد يعتصر ولده فيما أعطاه ‪ ،‬وليس للولد أن يعتصر من والده )‪ ،‬فشبّه أخذ المال‬
‫‪(:‬إّ‬
‫منه باستخراجه من يده بالعتصار ‪.‬‬
‫أمّا استعمال الفقهاء ‪ ،‬فهو كما ذكره ابن عرفة من المالكيّة ‪ :‬ارتجاع المعطي عطيّته دون‬
‫ض ل بطوع المعطي ‪ ،‬أي بغير رضى الموهوب له ‪ .‬والعتصار شائعٌ في عبارات‬
‫عو ٍ‬
‫المالكيّة ‪ ،‬أمّا غيرهم فيعبّرون عنه بالرّجوع في الهبة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫ن العتصار ( الرّجوع في الهبة ) ليس من حقّ الواهب بعد القبض‬
‫‪ - 2‬جمهور الفقهاء على أ ّ‬
‫ل للوالدين في الجملة عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬ولهما وللصول عند الشّافعيّة ‪ .‬واستدلّ من‬
‫إّ‬
‫منع الرّجوع بالحديث الثّابت ‪ ،‬وهو قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬العائد في هبته كالكلب يعود‬
‫في قيئه » واستدلّ للستثناء بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو‬
‫ل الوالد فيما يعطي ولده ‪ ،‬ومثل الّذي يعطي العطيّة ثمّ يرجع فيها كمثل‬
‫يهب هب ًة فيرجع فيها إ ّ‬
‫الكلب يأكل ‪ ،‬فإذا شبع قاء ‪ ،‬ثمّ عاد في قيئه » وما عدا الوالد ملحقٌ به عند الشّافعيّة ‪ ،‬وأمّا‬
‫الحنفيّة فيرون الرّجوع للواهب ‪ -‬مع الكراهة التّحريميّة ‪ -‬في الهبة قبل القبض وبعده إلّ‬
‫لمانعٍ ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( هبةٌ ) ‪.‬‬

‫اعتقادٌ *‬
‫التعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العتقاد لغةً ‪ :‬مصدر اعتقد ‪ .‬واعتقدت كذا ‪ :‬عقدت عليه القلب والضّمير ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫العقيدة ‪ ،‬ما يدين النسان به ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬يطلق العتقاد على معنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬التّصديق مطلقا ‪ ،‬أعمّ من أن يكون جازما أو غير جازمٍ ‪ ،‬مطابقا أو غير مطابقٍ ‪،‬‬
‫ثابتا أو غير ثابتٍ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أحد أقسام العلم ‪ ،‬وهو اليقين ‪ ،‬وسيأتي تعريفه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬