‫قصة تستحق الرسد‬

‫عن خصخصة قطاع االتصاالت يف غواتيامال‬

‫كارلوس سابينو‬
‫وين الينت‬

‫المركز العلمي العربي لألبحاث‬
‫والدراسات االنسانية‬

‫«المركز العلمي العربي لألبحاث والدراسات اإلنسانية»‬

‫مؤسسة بحثية علمية عربية تأسست من طرف ثلة من الباحثني بغية املساهمة يف‬
‫إغناء الحركية البحثية يف العامل العريب‪ .‬ويأيت تأسيس هذا املركز يف سياق التحوالت‬
‫التي تشهدها البنى املجتمعية يف العامل العريب‪ ،‬وهي تحوالت تتطلب املواكبة‬
‫بالدرس والنقد والتحليل‪ .‬كام يهدف املركز إىل تطوير ونرش املعارف اإلنسانية‬
‫واالجتامعية يف العامل العريب‪ ،‬واملساهمة يف النقاش العام وتقديم أفكار جديدة‬
‫ومقرتحات لصناع القرار والباحثني‪ ،‬مستلهمني املعارف اإلنسانية والنامذج والتجارب‬
‫الناجحة عىل الصعيد العاملي‪.‬‬

‫املركز العلمي العريب لألبحاث والدراسات اإلنسانية‬
‫الرباط – املغرب‬
‫© جميع الحقوق محفوظة‬
‫الطبعة األوىل‬
‫الهاتف‪+ 212.5.37.70.79.71 :‬‬
‫املوقع االلكرتوين‪www.arab-csr.org :‬‬
‫الربيد االلكرتوين‪arabcenter@arab-csr.org :‬‬

‫قصة تستحق الرسد‬

‫عن خصخصة قطاع االتصاالت يف غواتيامال‬

‫كارلوس سابينو‬
‫وين الينت‬
‫ترجمة‬
‫عيل الحارس‬
‫مراجعة‬
‫رشيد أوراز‬

‫فهرس‬
‫تمهي د‬
‫مقدمة‪ ..‬مغامرات في مكان بعيد ‬
‫أوال‪ .‬القصة في سياقها ‬
‫أمريكا الالتينية‪ ..‬من األزمة إلى اإلصالح ‬
‫مجاالت اإلصالح والفرص املتاحة ‬
‫غواتيماال‪ ..‬رياح التغيير ‬
‫ثانيا‪ .‬الدفع باتجاه اإلصالح في غواتيماال ‬
‫أهمية قطاع االتصاالت ‬
‫الوضع في العام ‪ 1996‬‬
‫ثالثا‪ .‬االستراتيجية والتطبيق ‬
‫نشأة فريق ‬
‫الصلة مع كوز ‬
‫استراتيجية من مرحلتني ‬
‫النهج السياسي ‬
‫التكليف باملهام ‬
‫القسم األول‪ :‬إزالة الضوابط الحكومية في سبيل فتح السوق ‬
‫القسم الثاني‪ :‬خصخصة غواتيل ‬
‫رابعا‪ .‬النتائج ‬
‫النفاذ إلى طيف الترددات ‬
‫املزيد من التنافس ‬
‫األسعار األدنى ‬
‫ازدياد االستخدام ‬
‫التغطية الواسعة ‬
‫التشجيع على اإلصالح خارج غواتيماال ‬
‫التحديات ‬
‫خامسا‪ .‬الدروس ‬
‫السبيل إلى إصالح ناجح ‬
‫الدروس النهائية ‬
‫بيبليوغرافيا ‬
‫ملحق ‬

‫‪i‬‬
‫‪iii‬‬
‫‪1‬‬
‫‪1‬‬
‫‪4‬‬
‫‪6‬‬
‫‪15‬‬
‫‪15‬‬
‫‪16‬‬
‫‪21‬‬
‫‪21‬‬
‫‪23‬‬
‫‪27‬‬
‫‪28‬‬
‫‪30‬‬
‫‪31‬‬
‫‪43‬‬
‫‪54‬‬
‫‪55‬‬
‫‪56‬‬
‫‪58‬‬
‫‪58‬‬
‫‪60‬‬
‫‪63‬‬
‫‪63‬‬
‫‪65‬‬
‫‪65‬‬
‫‪69‬‬
‫‪70‬‬
‫‪73‬‬

‫‪i‬‬

‫تمهيد‬
‫هذا الكتاب هو عبارة عن دراسة حالة ضمن فعاليات (منتدى أنتيغوا ‪The‬‬
‫‪ ،)Antigua Forum‬وهو من مرشوعات جامعة فرانتشيسكو ماروكني؛ حيث‬
‫يسعى منتدى أنتيغوا إىل املناداة بإصالح نظام السوق الليربايل من أجل تحسني‬
‫الحالة املعيشية لإلنسان‪ ،‬وهو يقوم بذلك من خالل توفري “مكان للتعلم” لهؤالء‬
‫الذين يلتزمون بالدفع بعجلة هذا اإلصالح ومن هم يف موقع يخولهم فعل ذلك‪.‬‬
‫يتكون مرشوع (منتدى أنتيغوا) من مكونني أساسني‪ ،‬يتمثل األول يف اللقاء‬
‫السنوي ملجموعة صغرية من املصلحني الحاليني ذوي الخربة مع ثلة من املفكرين‬
‫املرموقني واملستثمرين الرياديني الذين تؤثر مرشوعاتهم عىل اإلصالح بسبب ما‬
‫تحدثه من اضطراب يف األمناط واملؤسسات القامئة غري الكفؤة‪ .‬ويف هذا اللقاء‬
‫تتم مناقشة عدة أسئلة حاسمة واستخراج الدروس من حاالت الفشل والنجاح‬
‫السابقة‪ ،‬وهو أمر من شأنه أن يزيد احتاملية تحقيق النجاح يف اإلصالحات‬
‫املستقبلية‪.‬‬
‫أما املكون الثاين‪ ،‬فهو مجموعة من املوارد التكميلية املصممة بهدف‬
‫مساعدة املصلحني يف دراستهم لتجارب معينة‪ ،‬ويف التواصل مع مصلحني آخرين‪،‬‬
‫ويف مساعدة اآلخرين يف جهودهم اإلصالحية‪ .‬وتعد دراسة الحالة إحدى هذه‬
‫املوارد‪ ،‬فهي مبنية عىل أساس التحليل العميق إلصالح شهده بلد بعينه يف لحظة‬
‫بعينها‪ ،‬وتسليط الضوء عىل العملية التي تلت ذلك‪ ،‬والعقبات التي تم تذليلها‪،‬‬
‫والقرارات األساسية التي تم اتخاذها‪ ،‬ويف النهاية‪ ،‬الدروس التي تم تعلمها‪.‬‬
‫وأول دراسة حالة يف هذا املرشوع هي الدراسة التي تركز عىل إصالح نظام‬
‫السوق الليربايل الذي شهدته غواتيامال يف قطاع االتصاالت؛ ففي سنة ‪1996‬‬
‫قامت غواتيامال بتنفيذ سياسة تعترب األكرث دعام للتنافس من بني سياسات‬
‫السوق الليربالية يف قطاع االتصاالت عىل امتداد العامل‪ ،‬وقد أدى ذلك إىل نتائج‬

‫‪ii‬‬

‫هائلة عىل صعيد اإلستهالك‪ ،‬لكن ذلك حدث يف وقت كانت الشكوك تنتاب‬
‫أي طرح إلحداث إصالح حقيقي يف غواتيامال‪ ،‬فام هي العملية التي أُنجز من‬
‫خاللها هذا اإلصالح؟ وما هي الدروس التي ميكن تعلمها؟ إن الصفحات القادمة‬
‫كفيلة بتقديم بعض اإلجابات‪.‬‬
‫وين الينت‬

‫‪iii‬‬

‫مقدمة‪ ..‬مغامرات في مكان بعيد‬
‫قبل قرن من الزمان‪ ،‬وتحديدا يف سنة ‪ ،1911‬وصل املستكشف الرنويجي‬
‫روالد أمندسن وث ُلة من رفاقه إىل القطب الجنويب‪ ،‬فحقق بذلك آخر هدف‬
‫عظيم فنت ألباب املستكشفني عىل امتداد العصور‪ .‬وبذلك‪ ،‬تكون البرشية قد‬
‫انترصت يف آخر الجبهات العظيمة عىل سطح األرض‪ ،‬ودلفت إىل بيئة ميكن‬
‫اعتبارها األقىس واألصعب من بني جميع البيئات‪ .‬وقد كتب أمندسن بعد عدة‬
‫أشهر يف وصف رحلته هذه نصا يطبعه املرح والتفاؤل‪ ،‬أعاد عىل إثره تعريف‬
‫«الحظ» ليوضح أنه ال يزيد عن كونه وليدا للخربة والتخطيط ال َج ِّي َدين باإلضافة‬
‫إىل التفكري شجاعة الترصف‪ 1.‬وبالرغم من أن نجاح أمندسن كان يعود باألساس‬
‫إىل مجموعة من األسباب يتصدرها اإلبداع واالستعداد وروح الفريق وصالبة‬
‫اإلرصار‪ ،‬إال أن ذلك تطلب أيضا تزامنا ال ميكن التكهن بحدوثه‪ ،‬وعندما تجري‬
‫الخية تخرج عن‬
‫الرياح كام نشتهي فإننا ندعو ذلك بـ»الحظ»‪ ،‬أي تلك القوة رّ‬
‫إطار سيطرتنا وتوجه األمور لصالحنا‪.‬‬
‫مل يكن هذا الحظ نفسه حليفا للمستكشف الربيطاين روبرت فالكون‬
‫سكوت الذي قاد بعثة استكشافية أكرب حجام وأفضل متويال‪ ،‬إذ وصل إىل القطب‬
‫الجنويب بعد بضعة أسابيع من وصول أمندسن (يناير ‪ ،)1912‬ولنا أن نتخيل‬
‫خيبة أمل سكوت وهو يشاهد العلم الرنويجي مغروسا يف ذلك املكان املوحش‪.‬‬
‫فعىل الرغم من أن النتيجة التي وصل إليها سكوت كانت تعود باألساس إىل‬
‫قراراته الشخصية‪ ،‬حيث اختار طريقا أطول واستخدم وسائل نقل أقل كفاءة‪،‬‬
‫إال أن تعرضه أيضا لعواصف عنيفة تجاوزت قدرته عىل التحكم مبسار األمور‪،‬‬
‫قد حال دون عودته إىل القاعدة حيث ينتظره بقية الفريق‪ .‬ويف النهاية حدثت‬
‫املأساة‪ ،‬إذ سقط سكوت ورفاقه فريسة للجوع والربد ولقوا حتفهم جميعا عىل‬
‫‪  1‬القطب الجنويب‪ :‬روالد أمندسن (م‪.)1‬‬
‫ميكن االنتقال إىل املرسد البيبليوغرايف يف نهاية الكتاب لالطالع عىل تفاصيل بيبليوغرافية (باللغات األصلية) للمراجع‬
‫املذكورة‪ ،‬وذلك بحسب الرقم الذي ييل اسم املرجع بالعربية (م‪ 1‬مثال)‪[.‬املرتجم]‬

‫‪iv‬‬

‫أرض القارة املتجمدة‪ .‬إن هؤالء أيضا قد ساروا إىل مصريهم يحدوهم التصميم‬
‫املطلق‪ ،‬فقابلهم الفشل يف مسعاهم لرؤية علمهم يرفرف عىل األرض املتجمدة‬
‫قبل علم أمندسن‪ ،‬بل إنهم فشلوا حتى يف البقاء عىل قيد الحياة‪.‬‬
‫مل تكن البعثات االستكشافية يف ذلك الوقت تتمتع بتقنيات متطورة كام هو‬
‫الحال يف عرصنا الحايل‪ ،‬حيث كانت فعالية وسائل النقل جد محدودة‪ ،‬كام مل‬
‫تتوفر وسائل لالتصال بني املسافات البعيدة‪ ،‬وال أقامر صناعية لضبط املوقع‪،‬‬
‫وال أدوات إضاءة من مواد صناعية‪ .‬وعىل الرغم من أن املستكشف الربيطاين قد‬
‫اصطحب معه وسائل نقل تعمل مبحرك االحرتاق الداخيل وهواتف بدائية‪ ،‬إال‬
‫أن هذه التقنيات البسيطة مل تنفعه كثريا يف تلك البيئة القاسية‪ .‬لقد كانت حالة‬
‫الطقس ووعورة األرض تتغري عىل مدار الساعة‪ ،‬بحسب الريح ودرجة الحرارة‪،‬‬
‫وإذا أضفنا لذلك قرارا أو اثنني أخطأ فيهام سكوت فستكون النتيجة هي «الحظ‬
‫السيئ» الذي منعه من إكامل مهمته‪ .‬وتكشف مدونات سكوت عن مشاعر‬
‫ممتزجة بالفرح واملرارة يف آن واحد لدى وصوله ثانيا إىل القطب الجنويب‪ ،‬ثم‬
‫نقرأ يف الصفحات التالية عن املعاناة البطيئة لشخص أدرك بأنه لن ينجو حتى‬
‫‪2‬‬
‫يروي قصته عىل مسامع اآلخرين‪.‬‬
‫إن هاتني املغامرتني املتنافستني يف مكان بعيد من أصقاع األرض‪ ،‬واللتان‬
‫حدثتا قبل قرن من الزمان‪ ،‬ميكنهام مساعدتنا عىل فهم األحداث التي حصلت‬
‫يف نهاية القرن العرشين‪ ،‬وذلك حينام حاول املصلحون يف جميع أنحاء العامل أن‬
‫يغريوا ما كان سائدا من السياسات االقتصادية املحبطة‪ ،‬فنجح البعض‪ ،‬وحقق‬
‫آخرون أهدافهم عىل املدى القريب لكن جهودهم مل تصمد أمام اختبار الزمن‪،‬‬
‫وذلك فيام مل يتمكن غريهم من تجاوز الفكرة األولية ومراحل التخطيط‪ .‬وقد‬
‫كان الحظ‪ ،‬وهو يف حالة املصلحني يتعلق باملناخ السيايس ال املناخ الجوي‪ ،‬إىل‬
‫جانب البعض دون اآلخرين؛ أما العوامل الحاسمة األخرى فكانت تتمثل يف‬
‫اإلبداع الفكري‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬واالستعداد الكامل‪ ،‬والعمل الدؤوب سعيا خلف‬
‫أفكار جديدة ال تكف عن االنتشار‪.‬‬
‫إن القصة التي سرنويها يف الصفحات القادمة ال تحتوي عىل األبعاد املرعبة‬
‫واملغامراتية التي وردت يف رحلتي أمندسن وسكوت قبل قرن من الزمن‪ ،‬لكنها‬
‫‪  2‬اليوميات‪ ..‬البعثة االستكشافية األخرية للكابنت سكوت‪ :‬روبرت فالكون سكوت (م‪.)2‬‬

‫‪1‬‬

‫تشبههام يف أنها تبني لنا كيف أن الظروف املناسبة والتصميم والتفكري األصيل‬
‫ميكنها أن تتالقى سوية لتحقيق األهداف التي ميكنها أن تغري مجرى حياة‬
‫اإلنسان حتى وإن مل يكن يُؤمن بذلك‪.‬‬
‫كارلوس سابينو‬

‫‪1‬‬

‫أوال‪ .‬القصة في سياقها‬
‫شهدت غواتيامال يف نهاية القرن العرشين إصالحات اقتصادية مهمة‪ ،‬وقد‬
‫حدثت هذه اإلصالحات عىل أيدي أشخاص يتمتعون بنظرة ثاقبة وتصميم‬
‫ثابت عىل رؤية أفكارهم وهي تتحول إىل واقع؛ فباالستفادة من مناخ كان‬
‫ُمواتيا‪ ،‬استطاع هؤالء األشخاص أن يحطموا التقاليد الراسخة التي استمرت‬
‫أكرث من نصف قرن‪ .‬لقد أدرك هؤالء الدور الحاسم للحرية الفردية‪ ،‬فلسفيا‬
‫وعىل أرض الواقع‪ ،‬فقاموا بتطوير مرشوعات قابلة للتطبيق‪ ،‬ودافعوا عنها بعزم‪،‬‬
‫وقاموا بإنجازها‪ .‬كيف متكن هؤالء من فعل ذلك؟ وملاذا؟ وكيف متكنوا من‬
‫مواجهة منتقديهم وبناء بيئة جديدة‪ ،‬لبنة لبنة‪ ،‬مبا ميكنه أن يصب يف صالح‬
‫املاليني من الناس؟ إن العرض القادم يلخص العملية املعقدة التي تبني لنا كيفية‬
‫التعامل مع البيئات العدائية التي تتوجس دامئا من رياح التغيري‪.‬‬

‫أمريكا الالتينية‪ ..‬من األزمة إىل اإلصالح‬

‫من األسهل أن نفهم كيف متت هيكلة اإلصالحات يف قطاع االتصاالت يف‬
‫غواتيامال عرب قراءة التغريات التي حدثت يف أمريكا الالتينية خالل العقدين‬
‫األخريين من القرن العرشين‪ 3.‬فاملشاكل التي حدثت يف ذلك الحني والحلول‬
‫التي اقترُ ِحت (وتم تبنيها يف النهاية) للتعامل معها ما هي إال جزء من املناخ‬
‫العام الذي نحتاج إىل فهمه من أجل تحديد مفاتيح هذه العملية اإلصالحية‬
‫واستنباط العنارص املم ِّيزة لهذه التجربة‪ ،‬وفرزها عن باقي العنارص التي تشكل‬
‫أوجه تشابه مع تجارب أخرى‪.‬‬
‫إن املنطقة التي تعرف يف يومنا هذا باسم (أمريكا الالتينية) تتكون من‬
‫‪  3‬بسبب القرب الجغرايف والثقايف من غواتيامال‪ ،‬فإننا سنشري يف ما ييل إىل أوضاع وإصالحات حدثت يف أمريكا‬
‫الالتينية‪ ،‬علام أن معظم األفكار واملشاكل والحلول الواردة ميكن العثور عليها أيضا يف الكثري من الدول األخرى عىل‬
‫امتداد العامل‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫مجموعة من الدول التي استطاعت قبل قرنني من الزمن أن تحصل عىل‬
‫استقاللها عن اإلمرباطوريتني اإليبرييتني‪ :‬إسبانيا والربتغال؛ وقد عمدت هاتان‬
‫القوتان االستعامريتان حينها إىل وضع الكثري من القيود عىل التجارة وفرضت‬
‫سياسات مريكنتيلية‪ 4‬صارمة كانت تثبط‪ ،‬بل تحظر‪ ،‬التجارة مع املستوطنات‬
‫وإنشاء املرشوعات الصناعية بها‪.‬‬
‫وبعد االستقالل واجهت هذه الدول أزمة رضبت املؤسسات السياسية‬
‫املستقرة‪ ،‬فوجدت املنطقة نفسها تخوض حقبة مضطربة تطبعها الخالفات‬
‫والرصاعات‪ ،‬ومل تتمكن‪ ،‬إال يف النصف الثاين من القرن التاسع عرش‪ ،‬من الدخول‬
‫بشكل كامل يف السوق العاملي والبدء بتحقيق االزدهار االقتصادي‪ .‬لكن األزمة‬
‫االقتصادية العاملية التي عرفتها ثالثينيات القرن العرشين‪ ،‬باإلضافة إىل تأثري‬
‫الحرب العاملية الثانية‪ ،‬أديا إىل إنهاء االنفتاح االقتصادي والرجوع إىل تأميم‬
‫االقتصاد من أجل خلق قاعدة صناعية من خالل اتخاذ تدابري حامئية قوية‬
‫وتدخل حكومي واسع النطاق‪ .‬ومل متض إال بضع سنوات حتى برزت العواقب‬
‫الوخيمة لهذا النهج‪.‬‬
‫وجاءت الثامنينيات املاضية تحمل معها املزيد من األزمات ألمريكا الالتينية‪،‬‬
‫وتبني أن الضعف ينتاب كل ما أُنجِز سابقا‪ ،‬وأخذت املؤرشات االقتصادية تنذر‬
‫بالخطر‪ ،‬وبدأ التآكل ينخر ببطء مصداقية املعتقدات التي مل يشكك فيها أحد‬
‫طيلة عقود فبدت أقل متانة وأقل استحقاقا للثقة‪ .‬وعىل غفلة من الزمن‪ .‬ظهر‬
‫تح ٍّد غري متوقع يف جل دول املنطقة‪ ،‬دفع بها إىل بيئة جديدة‪ ،‬بيئة ملتبسة‬
‫تحفها املصائب‪ ،‬ومع ذلك فهي بيئة تقدم فرصا ملسا ٍع وتغيريات فكرية جديدة‪.‬‬
‫إن ما حصل يف واقع األمر‪ ،‬مل يكن أمرا مفاجئا غري متوقع‪ ،‬فحكومات‬
‫أمريكا الالتينية دأبت طيلة سنوات عىل النمو مبعدالت مفرطة وهي مقتنعة‬
‫بأن تدخلها يف االقتصاد كان أمرا رضوريا للتنمية وفتح املجال أمام اإلمكانيات‬
‫الواعدة التي من شأنها أن تؤدي يف نهاية املطاف إىل جعل دول أمريكا الالتينية‬
‫يف مصاف دول العامل األخرى التي تنعم بالتطور والصناعة والرثوة‪ .‬وتم تبني‬
‫ما يدعى «منوذج النمو» عىل درجات متباينة‪ ،‬وذلك بهدف إنشاء صناعات‬
‫يستعاض بها عن االسترياد؛ وألن هذه الصناعات كانت مصممة الستهداف‬
‫‪  4‬راجع نهاية هذا الفصل لالطالع عىل نبذة حول (املريكنتيلية)‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫السوق املحيل‪ ،‬فإن األمل كان يحدو القامئني عليها يف سبيل الوصول إىل مرتبة‬
‫منافسة للدول املتقدمة يف وقت قصري‪.‬‬
‫اتبعت هذه الدول توجيهات لجنة سيبال (‪ :CEPAL‬اللجنة االقتصادية التابعة لألمم‬
‫املتحدة لشؤون أمريكا الالتينية ومنطقة الكاريبي)‪ ،‬فطبقت إجراءات صارمة لحامية‬
‫الصناعات الناشئة‪ ،‬كام قامت الحكومات بتنظيم القطاعات االقتصادية األساسية بالتدخل‬
‫يف شؤونها‪ .‬لقد شهدت تلك الحقبة رسوما حامئية عالية‪ ،‬ودعام ومساعدات‬

‫حكومية‪ ،‬واستثناءات رضيبية‪ ،‬ورقابة عىل األسعار‪ ،‬وأسعار رصف اعتباطية‪،‬‬
‫وأسعار فائدة منظمة حكوميا‪ .‬وميكن القول بأن السياسات املتبعة بشكل عام‪،‬‬
‫كانت مألوفة لدى الحكومات املتتالية سواء كانت تنتمي لليمني أو لليسار‪،‬‬
‫مدنية كانت أو عسكرية‪ .‬أدت هذه اإلجراءات إىل وضع جزء كبري من االقتصاد‬
‫يف أيدي الدولة‪ ،‬وشيئا فشيئا قامت الرشكات التي متلكها الدولة بالسيطرة عىل‬
‫ما كان يعترب قطاعات اسرتاتيجية‪ ،‬كاملياه والكهرباء واالتصاالت والنقل واملناجم‬
‫والنفط والفوالذ؛ كام إن هناك العديد من النشاطات األخرى التي انتهى بها‬
‫الحال يف قبضة الدولة‪ ،‬مام أدى إىل خلق عدد ال حرص له من الرشكات يتم‬
‫تسيري إدارتها سياسيا دون أي اعتبار للكفاءة‪.‬‬
‫إن «منوذج النمو» هذا أطلق رشارة أزمة يف بداية الثامنينيات املاضية عندما‬
‫أثبت بأنه غري قابل للبقاء‪ ،‬فوجدت الدولة نفسها ُمجبرَ ة عىل إنفاق أكرث مام‬
‫ميكنها جبايته من خالل الرضائب؛ بل إن هذا النموذج فشل بعد عدة عقود‬
‫يف تحقيق أي نجاح حقيقي عىل صعيد إنشاء قاعدة صناعية متينة أو توليد‬
‫الرثوة‪ .‬وعندما ارتفعت أسعار الفائدة‪ ،‬حتى وإن كان االرتفاع ضئيال‪ ،‬عجزت‬
‫الحكومات عن تسديد ديونها وأغلقت األسواق العاملية‪ ،‬وأصبحت العجوزات‬
‫املالية خارجة عن السيطرة وحدثت عدة أزمات تضخمية شديدة يف خضم ركود‬
‫عميق‪.‬‬
‫وبعد مدة من الزمن حاولت فيها العديد من الدول أن تحل هذه األزمة من‬
‫خالل املزيد من التدخل‪ ،‬بدأ يظهر يف املنطقة تأييد لنهج جديد‪ ،‬نهج يتطلب‬
‫تعديالت مالية واقتصادية كبرية‪ .‬وتم التشجيع عىل إحداث تغيريات مهمة‬
‫قلصت دور الدولة وزادت الثقة يف نظام السوق‪ ،‬وذلك بفضل التشجيع الذي‬
‫نتج عن سياسات مارغريت ثاترش ورونالد ريغان‪ ،‬وانهيار االتحاد السوفييتي‬
‫(بدا ذلك وشيك الحدوث يف العام ‪ )1989‬والتقدم الثابت لالقتصاد التشييل‬

‫‪4‬‬

‫بعد قيام (فتيان تشيكاغو) بتطبيق إصالحاتهم يف البالد يف العام ‪ 5.1975‬لقد‬
‫أدى تضافر هذه العوامل إىل قيام عدد من الدول بالتخيل الجزيئ عن السياسة‬
‫التدخلية الصارمة التي استمرت حتى ذلك الحني‪ ،‬وكان ما يُصطلح عليه‬
‫ب»إجامع واشنطن» رمزا لهذه املوجة من اإلصالح التي امتدت بشكل يكاد‬
‫يشمل جميع دول املنطقة‪ ،‬عىل الرغم من اختالف وترية اإلصالحات املتحققة‬
‫وعمقها بشكل كبري من دولة ألخرى‪.‬‬
‫بدأ األمر يف بوليفيا سنة ‪ ،1985‬وتلتها املكسيك وفنزويال والبريو واألرجنتني‬
‫ودول أخرى‪ .‬وبدأت الحكومات تقلص إنفاقها يف محاولة منها لتحقيق التوازن‬
‫يف ميزانيات تعذرت السيطرة عليها‪ ،‬وتم يف الوقت نفسه تطوير كفاءة البنية‬
‫الرضيبية‪ ،‬والدعم املايل الحكومي‪ ،‬والبحث عن سبل لبيع الرشكات التي متلكها‬
‫الحكومة‪ ،‬والتي كان جلها يعاين من الخسارة‪ .‬وقد تم إلغاء الضوابط املفروضة‬
‫عىل أسعار رصف العمالت األجنبية وتحرير أسعار الفائدة بشكل عام‪ ،‬كام أُل ِغ َي‬
‫تحديد أسعار العديد من السلع والخدمات‪ ،‬وتم تخفيض رسوم االسترياد عىل‬
‫نحو كبري‪ .‬وزيادة عىل ذلك‪ ،‬أُزيلت القيود املفروضة عىل االستثامر األجنبي‪،‬‬
‫والذي كان ينظر إليه يف السابق بكثري من الريبة العدائية باعتباره استغالليا‬
‫و ُمه ِّددا للسيادة الوطنية‪ .‬ومع حلول النصف الثاين من الثامنينيات املاضية‪ ،‬ساد‬
‫مناخ جديد نتجت عنه حقبة إصالحية أدت إىل خفض العجز املايل‪ ،‬وتحسني‬
‫طريقة تدبري الدين األجنبي‪ ،‬وتقليص التضخم أو إنهائه‪ ،‬وبروز بيئة أصبحت‬
‫من جديد حاضنة للنمو االقتصادي‪.‬‬

‫مجاالت اإلصالح والفرص املتاحة‬

‫إن عملية التغيري يف العديد من دول أمريكا الالتينية يف نهاية القرن العرشين‬
‫مل يكن يقو ُدها برنامج أيديولوجي معني‪ ،‬ومل تكن نتيجة عزمية ابتَغَت إحداث‬
‫تعديل بنيوي يف االقتصادات الوطنية‪ .‬لقد قام معظم اليساريني‪ ،‬مبعية الرأي‬
‫العام مبهاجمة هذه اإلجراءات‪ ،‬ووصموها بأنها «نيوليربالية»‪ ،‬وصورها املنتقدون‬
‫‪  5‬أثناء فرتة حكم الرئيس التشييل أوغستو بينوشيه‪ ،‬قامت مجموعة من االقتصاديني من جامعة تشيكاغو باقرتاح‬
‫مجموعة من اإلصالحات االقتصادية يف تشييل أدت إىل تحرير االقتصاد االشرتايك القائم منذ العام ‪ 1973‬وشجعت‬
‫ما حدث بعد ذلك من استقرار‪ .‬وقد شملت هذه اإلصالحات‪ :‬إلغاء تحديد األسعار‪ ،‬وتخفيض الرسوم الحامئية‪،‬‬
‫والسامح باالستثامر األجنبي‪ ،‬وإلغاء الرسوم الحامئية‪ ،‬وإحداث تغيري جذري يف منظومة الرعاية االجتامعية‪ .‬وملزيد‬
‫من التفاصيل حول ذلك ميكن الرجوع إىل «رؤيتي» إرنيستو فونتاين (م‪.)3‬‬

‫‪5‬‬

‫عىل أنها محاولة متعمدة قام بها اليمني ومجموعات رجال األعامل لعكس‬
‫مسرية املكاسب االجتامعية‪ ،‬وفرض رأساملية متوحشة‪ ،‬وتقليص دور الدولة‬
‫إىل الحد األدىن‪ .‬لكن الواقع كان مختلفا متاما‪ ،‬ويستحق األمر أن نحلل حقيقة‬
‫األهداف وكيفية تحقق التغيري‪.‬‬
‫لقد نشأت اإلصالحات كحل عاجل و ُمؤقت تجاه أزمة فورية‪ ،‬وليس عن‬
‫قناعة فلسفية أو برنامج محدد بشكل منظم ودقيق‪ .‬فعندما تعجز الدولة عن‬
‫تسديد ديونها أو تقديم الدعم املايل عىل نطاق واسع‪ ،‬وعندما تصبح الرشكات‬
‫اململوكة للدولة عبئا ال ميكن تَ َح ُّملُه‪ ،‬وعندما ال ميكن توسيع القاعدة الرضيبية‬
‫أكرث‪ ،‬وعندما يؤدي املال الذي يطبع بعشوائية إىل تضخم هائل‪ ،‬فإن أي مسؤول‬
‫يتمتع بالحد األدىن من ِ‬
‫الح ِّس السليم سيدرك بأن هناك تدابري جديدة يجب‬
‫اتخاذها‪.‬‬
‫و ملعالجة وضع يُؤثر بصورة وحشية عىل الحياة اليومية ملواطني البالد‬
‫ويهدد بانحدارها إىل هاوية الفوىض‪ ،‬ينبغي عىل الحكومات أن تتبنى إجراءات‬
‫جذرية ينخفض عىل إثرها العجز املايل بشكل كبري‪ .‬وللوصول إىل هذه النتيجة‪،‬‬
‫يجب عليها أن تحد من اإلنفاق‪ ،‬وأن تحسن مصادر الدخل‪ ،‬وتتخلص من‬
‫النشاطات غري الرضورية‪ ،‬وتلغي الضوابط التي تشكل عبئا ثقيال عىل كاهل‬
‫الحسابات الحكومية‪ .‬إن هذا هو السبب الذي يدفع‪ ،‬يف األوقات الصعبة‪،‬‬
‫العديد من اإلدارات التي عارضت اقتصاد السوق يف املايض إىل تنفيذ إصالحات‬
‫ليربالية وت َ َب ِّني نظام السوق‪.‬‬
‫كان أول القادة الذين أدركوا الحاجة إىل هذا النوع من التغيري هو الرئيس‬
‫البوليفي فيكتور باز ايستينسورو (‪ 6،)Víctor Paz Estenssoro‬والذي طبق‬
‫إصالحات ليربالية مبنية عىل نظام السوق عىل الرغم من أنه قاد ثورة تكاد تكون‬
‫اشرتاكية يف خمسينيات القرن العرشين‪ ،‬وكان ممن يؤمن إميانا قويا بال ِقوى‬
‫التوجيهية للدولة عىل الصعيدين االقتصادي والاجتامعي‪ .‬وهناك قادة آخرون‬
‫أطلقوا إصالحات مشابهة خالل هذه الفرتة‪ ،‬وهم ألبريتو فوجيموري( (�‪Alber‬‬
‫‪ )to Fujimori‬يف البريو‪ ،‬وكارلوس منعم (‪ )Carlos Menem‬يف األرجنتني‪،‬‬
‫‪  6‬اإلصالحات التي حدثت يف تشييل قبل عقد من ذلك لن نعتربها ضمن التصنيف نفسه ألنها نبعت من ظروف‬
‫وأفكار تختلف كثريا عن مثيالتها يف بقية دول املنطقة‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫واالشرتايك الدميقراطي كارلوس أندريس برييز (‪ )Carlos Andrés Pérez‬يف‬
‫فنزويال‪ ،‬وهذا األخري هو من قام قبل خمسة عرش عاما غداة االرتفاع امل ُهول‬
‫ألسعار النفط‪ ،‬بإطالق أكرب برنامج لتوسيع الدولة يف تاريخ البالد‪ .‬وكام هو حال‬
‫كارلوس ساليناس دي غورتاري (‪ )Carlos Salinas de Gortari‬يف املكسيك‪،‬‬
‫وفرناندو إنريكه كاردوسو (‪ )Fernando Henrique Cardoso‬يف الربازيل‪ ،‬مل‬
‫يكن أحد من هؤالء السياسيني ذا قناعة ليربالية أو يؤمن مبزايا اقتصاد السوق‬
‫املتحرر من القيود والضوابط‪ .‬بل إن فوجيموري فاز يف االنتخابات ضد ماريو‬
‫فارغاس ليوسا الذي كان يعتنق هذه املبادئ فعال عرب املناداة بسياسات فاترة‬
‫ذات الطبيعة اليسارية الوسطية‪ ،‬كام كان منعم قائدا محليا من أنصار البريونية‪،‬‬
‫وهو الحزب الذي مل يكف عن مهاجمة الليربالية عىل الصعيدين االقتصادي‬
‫‪7‬‬
‫والسيايس‪.‬‬
‫إن هذه الحقيقة ال تنتقص أبدا من قيمة اإلصالحات املطبقة‪ ،‬كام إنها ال‬
‫تعني أيضا بأن املسؤولني الكبار الذين تولوا وضع السياسات وتطبيقها كانوا‬
‫جميعا من الشعبويني أو اليساريني أو الدميقراطيني االشرتاكيني‪ ،‬لكن من الواضح‬
‫أن يف صفوف هؤالء مفكرون عىل قدر كبري من الكفاءة يحملون أفكارا أو‬
‫ميوال ليربالية مؤيدة القتصاد السوق‪ .‬ومهام يكن األمر‪ ،‬فإن هذه اإلصالحات‪،‬‬
‫والتي كانت أمرا عظيام ظهرت مثاره فيام بعد‪ ،‬تعرضت للعرقلة بسبب األزمات‬
‫التي شهدتها هذه الدول وبسبب القيود السياسية التي فرضت عىل تطبيقها‪.‬‬
‫فالكثري من القادة السياسيني مل يكرتثوا ما إذا كان عجز امليزانية يتقلص بسبب‬
‫تخفيض اإلنفاق أو زيادة الرضائب‪ ،‬بل إن تعديل القوانني التي متنح سلطة‬
‫كبرية للنقابات‪ ،‬وإلغاء الضوابط بهدف تفضيل التنافس وإلغاء االحتكاريات‪،‬‬
‫كلها أمور كانت ال تدخل يف نطاق اهتامماتهم وال تخدم بالرضورة مصالحهم‬

‫غواتيامال‪ ..‬رياح التغيري‬

‫كام هو حال باقي دول املنطقة‪ ،‬كان االقتصاد الغواتياميل حتى الثامنينيات‬
‫املاضية يتميز بالتدخل الحكومي املر ِهق‪ ،‬وكان هذا التدخل يعترب حينها السبيل‬
‫الوحيد لتحقيق النمو االقتصادي‪ ،‬فتم تطبيق عدد ال حرص له من الضوابط‪،‬‬
‫‪  7‬راجع‪ :‬فشل التدخلية‪ ..‬فتح وتحرير السوق يف أمريكا الالتينية‪ :‬كارلوس سابينو (م‪ .)4‬السمكة يف املاء‪ ..‬مذكرات‪:‬‬
‫ماريو فارغاس ليوسا (م‪.)5‬‬

‫‪7‬‬

‫وقامت العديد من الرشكات اململوكة للدولة بإدارة احتكارية للصناعات‬
‫الحيوية‪ ،‬مبا يف ذلك السكك الحديدية والنقل الجوي والكهرباء والنفط والفوالذ‬
‫واالتصاالت‪.‬‬
‫لكن غواتيامال كانت واحدة من الدول القليلة يف أمريكا الالتينية التي‬
‫تعاملت عىل نحو جيد نسبيا مع أزمة الثامنينيات املاضية؛ حيث متت إدارة‬
‫املوارد املالية العمومية مبا يكفي من التدبري امل ُ َعقلَن‪ ،‬وتالفت التورط بدين‬
‫أجنبي باهظ‪ ،‬وتجنبت الوقوع يف هاوية الكساد االقتصادي الشديد‪ .‬وعىل‬
‫الرغم من أن إجاميل الناتج الوطني قد انخفض يف املدة (‪ ،)1982-1985‬فإنه‬
‫بدأ يلتقط أنفاسه ببطء سنة ‪ .1987‬كام ارتفع التضخم يف املدة (‪)1985-1990‬‬
‫ووصل ذروته (‪ )60%‬كمعدل سنوي سنة ‪ ،1990‬ومع أن هذه الذروة عالية‬
‫عىل نحو مل تعتده غواتيامال من قبل‪ ،‬فإن التضخم فيها كان أقل بكثري من‬
‫املعدل املنفلت الذي شهدته الدول األخرى يف املنطقة خالل العقد نفسه‪ ،‬مبا‬
‫فيها األرجنتني (‪ ،)4,923%‬وبوليفيا (‪ ،)8,170%‬والربازيل (اقرتب من ‪،)2,000%‬‬
‫والبريو (أكرث من ‪ ،)3,000%‬ونيكاراغوا (حوايل ‪.)17,000%‬‬
‫وبعد عقود من الرصاع ال َّدامي بني املقاتلني املاركسيني وبني القوات الحكومية‪،‬‬
‫بدأت غواتيامال تعود إىل وضعها الطبيعي خالل الثامنينيات املاضية‪ .‬ومع‬
‫نهاية العقد‪ ،‬ت َ َّم إقصاء املجموعات املتمردة القليلة امل ُتبقِّية إىل مناطق معزولة‬
‫وحرمانُها من الدعم الواسع‪ .‬وبعد انقاليب ‪ 1982‬و‪ ،1983‬رجعت غواتيامال إىل‬
‫املسار الدميقراطي بدستور جديد وبانتخاب فينيسيو سرييزو آريفالو (‪Vinicio‬‬
‫‪ )Cerezo Arévalo‬الذي تسلم منصبه يف يناير ‪ .1986‬كان سرييزو‪ ،‬شأنه يف‬
‫ذلك شأن قياديي باقي دول املنطقة‪ ،‬من الحزب املسيحي الدميقراطي الذي‬
‫بقي شديد التأثر باملخططات التدخلية للحقبة السابقة‪ ،‬فلم يتعامل مع األزمة‬
‫بروح جديدة يطبعها األداء الجيد‪ ،‬لكنه استطاع أن يقدم يف نهاية واليته عدة‬
‫إجراءات مالية ونقدية أثبتت فائدتها‪ :‬كإلغاء تحديد األسعار والقيود الصارمة‬
‫‪8‬‬
‫املفروضة عىل أسعار رصف العملة‪.‬‬
‫وجاء جورج سريانو إلياس (‪ )Jorge Serrano Elías‬ليخلف سرييزو سنة‬
‫‪ ،1991‬وقد تسلم منصبه يف مناخ يختلف كثريا عن املناخ الذي تولىَّ فيه سلفه‬
‫‪  8‬راجع‪ :‬غواتيامال‪ ..‬تناقضان ومجهول‪ :‬كارلوس سابينو (م‪)6‬؛ ص‪.40-41‬‬

‫‪8‬‬

‫مقاليد الحكم‪ .‬فاالنهيار الذي حدث للمنظومة الشيوعية‪ ،‬والذي أدى بشكل‬
‫غري مبارش إىل إنهاء التجربة الساندينية يف نيكارغوا‪ ،‬والفشل الواضح للسياسات‬
‫الدوالنية أجربا دول أمريكا الوسطى‪ ،‬ودول أمريكا الالتينية عموما‪ ،‬عىل التفكري‬
‫يف اإلصالحات التي تؤدي إىل انفتاح اقتصاداتها‪ ،‬والحصول عىل متويل يرتكز عىل‬
‫أسس سليمة‪ ،‬وتتخلص من الرشكات العمومية غري الرضورية التي تفتقر إىل‬
‫الكفاءة‪ .‬ويف هذه الحقبة‪ ،‬بدأت اإلصالحات تشق طريقها يف بوليفيا واملكسيك‬
‫والبريو وفنزويال واألرجنتني‪ ،‬وعىل الرغم من أنها اتبعت خطى تشييل إىل مدى‬
‫بعيد‪ ،‬فإن االختالف بدا واضحا يف مجاالت تركيزها ووترية عملها‪.‬‬
‫ركز سريانو يف بداية واليته عىل تخفيض عجز امليزانية من خالل تخفيض‬
‫عدد موظفي القطاع العمومي عىل سبيل املثال‪ ،‬مام أدى إىل تخفيض التضخم‬
‫بشكل كبري خالل السنة األوىل من واليته‪ .‬ومع ازدياد االستقرار االقتصادي‪،‬‬
‫رصف انتباهه بعدها إىل تخفيض رسوم االسترياد والدين األجنبي‪ ،‬فانخفض‬
‫خالل واليته من حوايل ‪ 2.5‬مليار دوالر إىل أقل من ‪ 2.2‬مليار دوالر‪ .‬وبدأ جهود‬
‫الخصخصة يف قطاع الكهرباء الذي كان يف قبضة الدولة قبل ذلك‪ ،‬ليخطط‬
‫للخصخصة التدريجية يف قطاعات أخرى‪ .‬لكن إدارة سريانو انتهت فجأة يف مايو‬
‫‪ 1993‬عندما حاول تركيز السلطة السياسية يف قبضته من خالل انقالب ينظمه‬
‫بنفسه عىل النحو الذي قام به فوجيموري يف البريو سنة ‪ ،1992‬حيث كانت‬
‫األغلبية الساحقة للرأي العام يف غواتيامال تعارض هذه املحاولة لكونها ت ُشكِّل‬
‫انتهاكا للدستور‪ ،‬زيادة عىل افتقاره للدعم العسكري واملعارضة العملية للبالد‬
‫بأكملها‪ ،‬أُجرب سريانو عىل االستقالة والتوجه إىل املنفى‪ .‬وقد كان الحل السلمي‬
‫الذي وصلت إليه األزمة دليال عىل األدوار الحاسمة التي لعبها الجيش والقوى‬
‫السياسية واالجتامعية األساسية يف التمسك بالدستور‪ ،‬واإلبقاء عىل املنظومة‬
‫الدميقراطية‪ ،‬وتعزيز مؤسسات البالد وتطهريها‪.‬‬
‫تلت سريانو حكومة انتقالية برئاسة رامريو دي ليون كاربيو (‪Ramiro de‬‬
‫‪ ،)León Carpio‬وركزت هذه الحكومة جهودها عىل استعادة النظام داخل‬
‫املؤسسات ومل تفعل إال القليل يف املجال االقتصادي‪ .‬وقد قام كاربيو بتعيني‬
‫مانويل آياو (‪ ،)Manuel Ayau‬وهو رجل أعامل ومفكر يعرف مبناداته مببادئ‬
‫السوق الحر‪ ،‬مفوضا رئاسيا لشؤون الخصخصة‪ ،‬لكنه مل مينح آياو مكتبا أو‬
‫ميزانية ملامرسة عمله‪ .‬قام آياو‪ ،‬مع ادواردو مايورا (‪)Eduardo Mayora‬‬

‫‪9‬‬

‫وعدة أشخاص آخرين‪ ،‬باستكشاف سبل خصخصة الرشكات التي متلكها الدولة‪،‬‬
‫وعندما اصطدم ِب ِقلَّة االهتامم والتعاون من جانب الحكومة‪ ،‬قدم آياو استقالته‬
‫ُمت َخلِّيا بذلك عن منصب مرموق‪ .‬لكن بذور التغيري كانت قد نرثت يف األرض‪،‬‬
‫وكان من الرضوري إحداث تغيري عام يف السياسة االقتصادية‪ .‬إن هذه املحاولة‬
‫املرتددة لخصخصة الرشكات اململوكة للدولة دفعت بالقضية إىل ميدان الرأي‬
‫العام‪ ،‬كام سرنى الحقا‪ ،‬وشجعت عمل آياو وغريه ممن يقرتحون حلوال ملموسة‬
‫إلنهاء تدخل الدولة‪.‬‬
‫فاز ألفارو آرزو (‪ ،)Álvaro Arzú‬محافظ مدينة غواتيامال يف الفرتة ما بني‬
‫‪1986‬و‪ ،1990‬مبنصب الرئاسة يف يناير ‪ .1996‬وكان حزبه‪ ،‬وهو حزب التقدم‬
‫الوطني ‪ ،PAN‬قد تشكل يف منتصف الثامنينيات املاضية ومتتع بوجود قوي يف‬
‫العاصمة‪ ،‬حيث ازداد يف السنوات األخرية عدد املقاعد التي يشغلها يف الربملان‬
‫من ‪ 12‬عضوا إىل حوايل ‪ 10%‬من املقاعد سنة ‪ 1990‬ليصل إىل ‪ 24‬عضوا يف‬
‫الدورة االنتخابية التي تلتها (‪ ،)1994‬وهي دورة شهدت تقليص مقاعد الربملان‬
‫إىل ‪ 80‬مقعدا فقط‪ ،‬تتمركز جمي ُعها يف املجلس الترشيعي األحادي لغواتيامال‪.‬‬
‫كان الحزب يحمل رؤية وسطية مبهمة‪ ،‬وكان آرزو من قياديي الحزب منذ‬
‫تأسيسه‪ ،‬وقد كان هذا الحزب متحالفا مع جورج سريانو أثناء واليته الرئاسية‬
‫القصرية‪ ،‬حيث كان آرزو وزيرا للشؤون الخارجية آنذاك يف الفرتة ما بني ‪1991‬‬
‫و‪.1992‬‬
‫مل يتمكن آرزو من الفوز يف االنتخابات بأكرثية ساحقة من األصوات‪ ،‬ومل يكن‬
‫لحزبه إال أغلبية بسيطة يف الربملان‪ ،‬وكام هو الحال يف العديد من دول أمريكا‬
‫الالتينية‪ ،‬كان ينبغي عىل الرئيس يف غواتيامال أن يفوز بأكرثية األصوات‪ .‬وبفعل‬
‫ش َّدة التنافس يف إطار التعددية الحزبية‪ ،‬فإن من املعتاد أن يؤدي ذلك إىل جولة‬
‫أخرى لالنتخابات تقترص عىل الفائزين األول والثاين‪ .‬ويف سنة ‪ ،1995‬توجب عىل‬
‫آرزو أن يواجه عدة مرشحني يف الجولة األوىل‪ ،‬حيث حصل عىل (‪ )36.5%‬من‬
‫األصوات‪ ،‬بينام فاز حزبه بـ ‪ 43‬مقعدا من املقاعد الثامنني يف الربملان‪ ،‬واستأنف‬
‫آرزو واليته الرئاسية يف يناير ‪ 1996‬بعد فوزه بهامش بسيط يف الجولة الثانية‬
‫من االنتخابات (‪ )51.2%‬ضد املرشح ألفونسو بورتيلو (‪ )Alfonso Portillo‬من‬
‫حزب الجبهة الجمهورية الغواتياملية (‪ )FRG‬وقد كان منافسا قويا يتمتع بشعبية‬
‫ملحوظة‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫كان آرزو يعترب نفسه براغامتيا باألساس‪ ،‬وهذا ما عرب عنه بعد وقت قصري‬
‫من استالمه الرئاسة‪ ،‬وابتعد عن املتطرفني ومل يكن يُؤمن بالصور النمطية‬
‫السياسية‪ ،‬بل إنه رصح قائال يف إحدى املناسبات‪« :‬اليسار ال يحبني‪ ،‬واليمني ال‬
‫يفهمني»‪ .‬إن سجل آرزو ال يضعه يف املعسكر نفسه مع السياسيني اليساريني‬
‫أو الشعبويني الذين طبقوا إصالحات يف دول أخرى‪ ،‬كام ال يمُ كن أن نعتربه ذا‬
‫قناعات ليربالية كالسيكية قوية ويؤمن إميانا عميقا بالسوق الحر‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فقد فهم الرئيس الجديد أن البالد ال ميكنها تحقيق االزدهار من‬
‫دون تحقيق رشطني أساسيني‪ .‬يتَّ ِسم الرشط األول بطابع سيايس‪ ،‬إذ يهم َعقد‬
‫اتفاقية سالم مع من تبقى من حركة حرب العصابات التي أنهكت غواتيامال‬
‫طيلة عقود‪ ،‬فعىل الرغم من أن املتمردين تعرضوا للعزل والهزمية السياسية فقد‬
‫استمروا يف السيطرة عىل مناطق نائية من البالد واحتفظوا بقدرتهم عىل تنفيذ‬
‫عملياتهم عىل نحو فعال‪ ،‬وكان آرزو يعتقد بأن من املستحيل هزميتهم بشكل‬
‫كامل وقرر بدال من ذلك أن يرسع املفاوضات للتوصل إىل اتفاقية سالم ضمن‬
‫املحادثات التي استمرت لعدة سنوات‪ ،‬واستطاع آرزو يف نهاية سنته الرئاسية‬
‫األوىل أن يتوصل يف ‪ 29‬ديسمرب ‪ 1996‬إىل توقيع اتفاقية سالم «آمن ودائم»‬
‫أنهت رسميا الرصاع الداخيل الذي ابتليت به غواتيامال لزمن طويل‪.‬‬
‫أما الرشط الثاين فقد كان يهم الشأن االقتصادي‪ ،‬وقد كان عىل الدرجة‬
‫نفسها من األهمية‪ ،‬ويتعلق األمر بتحديث وتوسيع البنية التحتية التي كانت‬
‫غري ُمالمئة‪ .‬وقد تطلب تحقيق هذا الرشط أمواال طائلة كان من الواضح أن‬
‫غواتيامال ال متلكها‪ ،‬ومن هنا جاء الدافع لخصخصة الرشكات اململوكة للدولة‬
‫والتي كانت تقدم الخدمات األساسية كاالتصاالت الهاتفية السلكية والكهرباء‬
‫والسكك الحديدية والربيد‪ ،‬وكان من امل ُنتظَر أن يقوم االستثامر عرب الرشكات‬
‫الخاصة بتمويل عملية تحديث البنية التحتية يف غواتيامال‪.‬‬
‫ومبا أن حزب التقدم الوطني (‪ )PAN‬كان مصمام عىل البدء بجهود‬
‫الخصخصة فور تسلمه السلطة‪ ،‬فقد عمل مسبقا بكثافة عىل تطوير خطط‬
‫وإنشاء فرق لتطبيق برنامج معقد من شأنه أن يؤدي إىل تدفق رأس املال‬
‫األجنبي الالزم لتحديث البنية التحتية التي تعترب أساس التنمية االقتصادية‬
‫بشكل عام‪ .‬كان الربنامج طموحا‪ ،‬وقد سعى نائب الرئيس لويس فلوريس‬

‫‪11‬‬

‫أستورياس (‪ ،)Luis Flores Asturias‬والذي أرشف عىل عملية الخصخصة‪ ،‬إىل‬
‫بيع خدمة الربيد ورشكة الكهرباء والسكك الحديدية والرشكة الوطنية املحتكرة‬
‫لخدمات االتصاالت السلكية (‪ )GUATEL‬وعدة رشكات أخرى صغرية‪.‬‬
‫وباستثناء اإلصالح الذي حصل يف قطاع االتصاالت‪ ،‬كانت اإلصالحات األخرى‬
‫محدودة النطاق وتعرضت للفشل بسبب االمتيازات السياسية ومل تصل إىل‬
‫مستوى التحرير الحقيقي القائم عىل أساس السوق‪ ،‬وليس من امل ُستغ َرب أن‬
‫نجد حاالت الخصخصة الفاترة هذه وقد عجزت عن تحقيق تأثري إيجايب فيام‬
‫يتعلق مبصلحة املستهلك عىل نحو ما حصل يف قطاع االتصاالت‪.‬‬
‫هامش‪ :‬املريكنتيلية والنيومريكنتيلية‬

‫[بعد اختفاء اإلقطاع كمنظومة اقتصادية‪ ،‬أصبحت املريكنتيلية من املامرسات‬
‫الشائعة جدا يف أوروبا خالل املدة ما بني القرن ‪ 61‬والقرن ‪ ،81‬حينام أدت‬
‫الرحالت واالكتشافات الجديدة إىل قدح رشارة التوسع االستيطاين األول‪.‬‬
‫وكانت الفلسفة املريكنتيلية تنص عىل أن الفائض املتحقق بفضل التجارة‬
‫الخارجية (عىل هيئة كميات من الذهب والفضة) يجب أن يكون املقياس‬
‫األول للرثوة‪ .‬وقد أدى هذا األمر إىل منو الحكومات بهدف حامية تجارة‬
‫البالد يك تتمكن من بلوغ أعىل مستوى من التصدير مع املحافظة عىل‬
‫انخفاض مستوى االسترياد؛ وتضمنت هذه املامرسات حينها التقليص من‬
‫التجارة الخارجية ومنح االمتيازات والتفضيالت االحتكارية للرشكات التجارية‬
‫الخاصة‪ .‬ومع وفرة املعادن الثمينة كان من املمكن توسيع حجم الدولة‬
‫ونفقاتها‪ ،‬وكان ذلك يهدف يف املقام األول إىل توسيع القطاع العسكري‪.‬‬
‫أما اليوم‪ ،‬فقد ظهر مصطلح “النيومريكنتيلية” أو “املريكنتيلية الجديدة”‪،‬‬
‫عىل الرغم من أن بعض املؤلفني يغفل السابقة (نيو) مام يخلق تشوشا‬
‫واضحا‪ .‬يُستخدم هذا املصطلح الجديد لإلشارة إىل املامرسات التي تشجع‬
‫االحتكاريات واملعاملة التفضيلية لرشكات محلية معينة‪ .‬وهذه املامرسات‬
‫مصممة لتعزيز التصنيع من خالل الحامئية‪ ،‬كام إنها تشجع عىل منو‬
‫الحكومة وتدخلها يف شؤون االقتصاد‪ .‬إن مثل هذه السياسات‪ ،‬وباألخص يف‬
‫أمريكا الالتينية والدول النامية‪ ،‬ترتافق مع فرض القيود عىل أسعار الرصف‪،‬‬
‫وعىل األسعار واألجور‪ ،‬كام ترتافق مع مختلف أنواع الدعم املايل الحكومي‪].‬‬

‫‪12‬‬

‫هامش‪ :‬الخصخصة عند األزمات‬

‫[إن خصخصة االستثامرات اململوكة للدولة عند األزمات تقدم منافع عىل‬
‫املدى القريب وعىل املدى البعيد يف آن واحد‪ ،‬سواء كان ذلك يف قطاع‬
‫‪9‬‬
‫االتصاالت أو السكك الحديدية أو الخطوط الجوية أم غريها من املجاالت‪.‬‬
‫وميكن القول بأن الخصخصة تعد من األدوات القيمة يف تخفيض العجز املايل‬
‫عىل وجه التحديد‪ .‬فهي تلغي النفقات الجارية للرشكة العمومية‪ ،‬كام ت ُولِّد‬
‫إيرادات ذات منفعة كبرية عندما متر البالد بصعوبات مالية‪ .‬وعندما يقترص‬
‫بيع األصول اململوكة للدولة حرصيا عىل هذه األسباب‪ ،‬فإن الخصخصة ال‬
‫تكون سوى «الخصخصة املالية» ألن الهدف من ورائها يتمثل يف تحسني‬
‫األرصدة املالية للبالد‪ ،‬ويف مثل هذه الحاالت‪ ،‬يتمثل الهاجس األسايس‬
‫للحكومة يف الحصول عىل أعىل سعر ممكن لألمالك التي تتم تصفيتها‪،‬‬
‫وعادة ما يكون هذا الهاجس استجابة للرأي العام أو املعارضة السياسية‬
‫اللذان مييالن إىل االعتقاد بأن الرشكات املخصخصة تستحق أسعارا أكرب من‬
‫التي يقرتحها الواقع املايل‪.‬‬
‫لكن الخصخصة تخدم هدفا آخر أوسع مام سبق يتعدى قضية تحسني‬
‫الشؤون املالية‪ .‬فبيع األمالك العمومية ميثل أسلوبا بسيطا لتقليص الدور‬
‫الذي تلعبه الدولة يف املجتمع املدين‪ .‬إنها تعني فتح االقتصاد أمام األسواق‬
‫من أجل إعطاء األشخاص دورا أكرب يف القرارات االقتصادية‪ ،‬واجتذاب رأس‬
‫املال األجنبي‪ ،‬وتقليص إمكانية التالعب بأسعار السلع والخدمات األساسية‪.‬‬
‫لكن إنجاز هذه األهداف يقتيض أن تراعي عملية التنفيذ حامية بعض األمور‬
‫التي قَلَّام تُؤخَذ بعني االعتبار يف حالة الخصخصة املالية‪.‬‬
‫إذا كان الهدف هو توزيع امللكية وتحقيق املنفعة الحقيقية للمستهلك فإن‬
‫سعر البيع لن يكون إال عامال واحدا من العوامل التي ينبغي النظر فيها‪،‬‬
‫فخصائص السوق التي ستلعب دورها بعد الخصخصة هي أهم من ذلك‪.‬‬
‫إن الرشكات العمومية تعمل يف العادة كاحتكاريات ألن الدولة متنع دخول‬
‫املنافسني‪ ،‬وقبل خصخصتها يتم يف كثري من األحيان توسيعها أو منحها الصفة‬
‫االحتكارية قانونيا من أجل تحصيل سعر أعىل عرب زيادة أرباحها املتوقعة‬
‫يف املستقبل‪.‬‬
‫إن هذه السياسة تقدم مكاسب قصرية األمد لخزينة الدولة وتقلص التكاليف‬
‫السياسية التي تتكبدها الحكومة بسبب نداءات منتقدي الخصخصة‪ ،‬لكنها‬
‫مشاكل عىل املدى‬
‫َ‬
‫سياسة تأيت بنتائج عكسية عىل املدى املتوسط‪ ،‬وت َخلُق‬
‫البعيد‪ .‬فأوال‪ ،‬ال تؤدي هذه السياسة إىل تغيريات تذكر بالنسبة للمستهلك‬
‫‪  9‬راجع‪ :‬فشل التدخلية (م‪)4‬؛ ص‪.285-288‬‬

‫‪13‬‬

‫الذي يستمر يف املعاناة من االحتكار‪ .‬كام إن االحتكاريات‪ ،‬كام تُؤكِّد النظرية‬
‫االقتصادية‪ ،‬تحصل يف العادة عىل منافع إضافية من وضعها االحتكاري‪،‬‬
‫فام تقدمه من سلع وخدمات ستكون أغىل مثنا‪ ،‬وسيؤدي غياب التنافس‬
‫إىل دحض االبتكار‪ ،‬ويف نهاية املطاف‪ ،‬لن تؤدي الخصخصة إال إىل تحسن‬
‫مؤقت يف خزينة الدولة‪ .‬وثانيا‪ ،‬إن اإلبقاء عىل االحتكاريات أو خلقها يجعل‬
‫الرشكات التي كانت لتتنافس مع الرشكة املخصخصة ممنوعة من دخول‬
‫السوق‪ ،‬وهكذا ينخفض االستثامر األجنبي ‪ ،‬اليشء الذي ال يعود بالنفع‬
‫عىل البالد‪.‬‬
‫إذا كان الهدف هو تقليص دور الدولة يف االقتصاد‪ ،‬فإن الخصخصة ميكن‬
‫تطبيقها أيضا عىل الرشكات اململوكة للدولة القادرة عىل أن ت ُِد َّر ربحا‪ .‬فهذه‬
‫الرشكات تكاد ال تتواجد إال يف السوق االحتكارية التي تحد من االبتكار‪ ،‬وال‬
‫تستجيب إال قليال ملتطالبات السوق‪ ،‬ومتيل مع مرور الوقت إىل التسبب‬
‫بخسائر ِفعلية‪ .‬إن بعض هذه الرشكات‪ ،‬كرشكات إنتاج النفط‪ ،‬تحقق أرباحا‬
‫عالية يف حني ال تتوفر عىل سلطة احتكارية كبرية‪ ،‬عىل األقل يف السياق‬
‫الدويل‪ ،‬وتعمل عىل نحو من الكفاءة يكاد يُضاهي نظرياتها يف القطاع الخاص‬
‫عىل امتداد العامل‪ .‬إن املشكلة يف هذه الحالة ليست الخسارة املحتملة جراء‬
‫التنافس‪ ،‬وإمنا هي الرتهل الحاصل يف أحجام الرشكات عىل صعيد االقتصاد‬
‫املحيل والسلطة التي يضعها ذلك يف يد الحكومة القامئة‪.‬‬
‫إذا جمعنا األسباب السابقة جميعها فإنها كافية لدعم الفرضية املضادة ألي‬
‫‪10‬‬
‫شكل من أشكال “مرشوعات الدولة”‪.‬‬
‫إن الخصخصة يجب أن تُؤخذ بِحذ ٍر يك ال تتسبب بعواقب اقتصادية‬
‫واجتامعية غري مرغوب فيها‪ ،‬ولهذا فإن سعر البيع ليس أكرب املشاكل‪،‬‬
‫فاملشكلة الكربى‪ ،‬ت َكمن يف كون املشرتين ليسوا سوى مجموعة محدودة‬
‫العدد وذات صلة وثيقة بالسلطة‪ ،‬لذا فهم يحصلون يف العادة عىل تفضيل‬
‫خاص ميكّنهم من رشاء الرشكات املعروضة للبيع‪ .‬وكثريا ما تتضمن هذه‬
‫العملية مامرسات فاسدة تعزز العالقات النيومريكنتيلية التي يجب القضاء‬
‫عليها من أجل تحقيق انفتاح حقيقي يف السوق‪.‬‬
‫إن أية عملية خصخصة تهدف إىل املساهمة يف توسيع اقتصاد السوق ال‬
‫بد أن تعمل عىل توزيع املمتلكات عىل نطاق واسع‪ ،‬وأن تجتذب األسواق‬
‫املفتوحة لرؤوس األموال إىل أقىص مدى ممكن‪ ،‬وأن تتجنب التسبب بأي‬
‫اضطراب اجتامعي غري رضوري‪ .‬والعنرص األخري يجعل من املعقول منح‬
‫عامل الرشكات حزم أسهم منخفضة التكلفة‪ ،‬والتخيل تدريجيا عن فائض‬
‫‪  10‬راجع‪ :‬الخصخصة نظريا وعمليا‪ :‬مادسني بريي (م‪ .)7‬من الرابح؟ ومن الخارس؟‪ ..‬الخصخصة يف فنزويال‪ :‬غريفري‬
‫توريس (م‪.)8‬‬

‫‪14‬‬

‫املوظفني‪ ،‬واالهتامم املستمر لضامن عدم انتهاك حقوق اآلخرين ولئال يتولد‬
‫لديهم اإلحساس بأنهم ضحية لسوء املعاملة‪.‬‬
‫كثريا ما يتم إغفال مشكلة مفاهيمية مرتبطة مبصطلح «الخصخصة»‪ .‬فهذا‬
‫املصطلح يعني بأن ما يجري هو الحيازة الفعلية ملمتلكات عمومية إىل أيدي‬
‫القطاع الخاص‪ ،‬وهذا التعريف ال يشمل نقل األمالك من نطاق الحكومة‬
‫املركزية إىل نطاق الحكومة املحلية‪ ،‬أو التغيريات اإلدارية التي تتطلب أن‬
‫يقوم املرء بالدفع مقابل خدمات كانت الرشكات العمومية توفرها سابقا‬
‫بشكل مجاين‪ .‬فعىل سبيل املثال‪ ،‬ال تعترب الجامعة الحكومية مخصخصة إذا‬
‫تقاضت رسوما تعليمية‪ ،‬كام إن رشكة الطاقة الحكومية ال تعترب مخصخصة‬
‫إذا انتقلت ملكيتها من النطاق الفيدرايل إىل النطاق املحيل‪ .‬ويف نفس‬
‫السياق‪ ،‬يجب أن منيز بشكل دقيق بني خصخصة األمالك العمومية وبني منح‬
‫امتياز لتقديم الخدمات‪ ،‬حيث ال تقوم األطراف الخاصة إال بإدارة األمالك‬
‫التي تبقى ملكا للدولة‪.‬‬
‫إن خصخصة خط السكك الحديدية أو الطرق (نقل امللكية الفعلية لألرض‬
‫والتحسينات والحقوق املتعلقة بها إىل رشكة خاصة) ليس مرادفا ملنح امتياز‬
‫بإدارة مثل هذه األمالك مقابل رسوم محددة وخالل مدة محددة‪ 11.‬ففي‬
‫الحالة األوىل يكون املشرتي مسؤوال عن التشغيل الفعيل ملرشوعه وتحمل‬
‫كافة املخاطر وااللتزامات التي يتطلبها أي نشاط اقتصادي‪ .‬أما يف الحالة‬
‫الثانية فإن صاحب االمتياز ال يتحمل إال مخاطر ومسؤوليات محدودة جدا‪،‬‬
‫متاما كام يحدث حني يقوم أحدهم باستئجار أحد األبنية‪ .‬إن هذا االختالف‬
‫ال يستمد أهميته فحسب من مجرد أن السيناريو الثاين يكون فيه صاحب‬
‫االمتياز أقل ميال بكثري إىل استخدام تكنولوجيا جديدة أو القيام باستثامرات‬
‫رأساملية جديدة‪ ،‬وإمنا تأيت أهميته أيضا من أن الدولة ستحتفظ أيضا‬
‫بحقوق معينة تطيل حيازتها للملكية‪ ،‬وهذا األمر يؤدي يف نهاية املطاف إىل‬
‫ضامن الدور الحاسم للدولة للتحكم يف املجال االقتصادي‪ .‬وتجدر اإلشارة إىل‬
‫أن النقطة األخرية ال تقل أهمية عام سبق ذكره‪ ،‬إذ أن عقود االمتيازات هذه‬
‫يصحبها رضر أخالقي كبري ينبع من التواطؤ املمكن بني الحكومة وبني من‬
‫يشرتي الحقوق االمتيازية‪ ،‬مام يفتح الباب عىل مرصاعيه أمام فساد ُمؤكَّد‪].‬‬

‫‪  11‬راجع‪ :‬خطط ملجتمع مفتوح‪ :‬ألبريتو بينيغاس لينتش ومارتني كراوس (م‪.)9‬‬

‫‪15‬‬

‫ثانيا‪ .‬الدفع باتجاه اإلصالح في غواتيماال‬

‫أهمية قطاع االتصاالت‬

‫سبق آرزو معارصيه يف إدراكه بأن تطوير البنية التحتية يتعدى التفكري‬
‫املنحرص يف نطاق الطرق والجسور‪ ،‬وأن أحد أهم القطاعات التي ينبغي تطويرها‬
‫هو سوق االتصاالت‪ .‬لقد كانت هذه النظرة الثاقبة نادرة بني القادة السياسيني‬
‫يف أمريكا الالتينية‪ ،‬ويف الدول النامية بشكل عام‪ ،‬يف ذلك الوقت‪ ،‬لكنها أصبحت‬
‫منذ ذلك الحني أمرا شائعا بني السياسيني واالقتصاديني‪.‬‬
‫لتحسن قطاع االتصاالت لها َوقع كبري وخصوصا يف‬
‫إن املنافع االقتصادية ُّ‬
‫الدول النامية‪ .‬فقد أظهرت عدة دراسات األثر اإليجايب بعد عقد ونصف من‬
‫اإلصالحات يف قطاع االتصاالت يف غواتيامال كام هو الحال يف إفريقيا والهند‪.‬‬
‫فعىل سبيل املثال‪ ،‬هناك دراسة شهرية قام بها ليونارد وايفرمان (‪Leonard‬‬
‫‪ )Waverman‬وزمالؤه لتحليل أوضاع ‪ 92‬دولة عىل امتداد العامل‪ ،‬املتقدم‬
‫والنامي‪ ،‬وخلصت الدراسة إىل أن زيادة استخدام الهاتف النقال أدت إىل خلق‬
‫منافع هائلة للدول النامية‪ 12.‬أما بالنسبة للدول املتقدمة فإن معظم هذه‬
‫املنافع كانت موجودة أصال بفضل املنظومات القامئة سابقا من شبكات الهاتف‬
‫الثابت‪.‬‬
‫ويف ما يخص الدول النامية‪ ،‬تتجىل أوىل هذه املنافع يف زيادة االشرتاك يف‬
‫شبكات االتصاالت‪ .‬فبحسب البحث الذي قام به وايفرمان وزمالؤه‪ ،‬عىل سبيل‬
‫املثال‪ ،‬إن كل زيادة مبقدار (‪ )10%‬يف االشرتاك بالخدمات الهاتفية (مثال‪ :‬زيادة‬
‫نسبة السكان املشرتكني يف الخدمات الهاتفية من ‪ 5%‬إىل ‪ )15%‬أدت إىل زيادة‬
‫منو إجاميل الناتج املحيل مبقدار (أكرث من ‪ ،)0.5%‬ويكتسب هذا النمو أهمية‬
‫خاصة يف االقتصادات التي ال تتعدى نسبة النمو فيها ‪ 1‬أو ‪ 2%‬سنويا‪.‬‬
‫‪  12‬التأثري االقتصادي لرشكات الهاتف النقال عىل النمو يف الدول النامية‪ :‬وايفرمان وآخرون (م‪.)10‬‬

‫‪16‬‬

‫ثم جاءت دراسة أخرى لرتكز عىل املكاسب اإلنتاجية اإلجاملية املتحققة‬
‫بفضل تحسني خدمات االتصاالت يف عدة دول أفريقية‪ 13،‬واملكاسب املتحققة يف‬
‫مجاالت محددة كالزراعة وصيد السمك يف الهند‪ 14.‬ومل تكن هذه النتائج مفاجئة‪،‬‬
‫فالنظرية االقتصادية تتنبأ بأن منافع زيادة االشرتاكات الهاتفية‪ ،‬كانخفاض‬
‫تكاليف البحث عن املستهلكني وتحسني الكفاءات التشغيلية لدى املنتجني‪،‬‬
‫تؤدي إىل إحداث زيادات يف النمو االقتصادي‪ .‬وقد اهتمت بعض الدراسات‬
‫بالبحث يف مجاالت معينة‪ ،‬كدراسة روبرت جنسن (‪ )Robert Jensen‬لصيد‬
‫األسامك يف السواحل الهندية‪ ،‬حيث تسمح الهواتف النقالة للصيادين باالتصال‬
‫مسبقا بعدة موانئ وتتمكن من املطابقة األفضل بني العرض والطلب وكسب‬
‫دخل أعىل نتيجة لذلك‪ ،‬وهي تقدم لنا صورة واضحة لهذه الصلة بني تحسني‬
‫‪15‬‬
‫خدمات االتصاالت الهاتفية وارتفاع مستويات املعيشة‪.‬‬
‫وعىل الرغم من أن آرزو الحظ بأن االقتصاد الغواتياميل كان يحتاج إىل‬
‫تحسني البنية التحتية يف عدد كبري من القطاعات‪ ،‬إال أنه كان يدرك بأن االستثامر‬
‫يف قطاع االتصاالت بالخصوص من شأنه أن يجلب منافع هائلة؛ وهكذا سعى‬
‫آرزو بكل تصميم لتحقيق إصالحات تؤدي إىل اجتذاب استثامرات كبرية يف هذا‬
‫القطاع الحيوي‪.‬‬

‫الوضع يف العام ‪1996‬‬

‫عندما تسلم آرزو منصبه كان لدى غواتيامال أكرث من قرن من الخربة يف‬
‫مجال الخدمات الهاتفية‪ ،‬لكن التغطية كانت ضئيلة وتكاد تنحرص بالعاصمة‬
‫وبعض املدن‪ .‬ففي العام ‪ 1890‬تأسست رشكة خاصة يف هذا املجال تدعى‬
‫اتصاالت غواتيامال‪ ،‬ثم جرى تأميمها الحقا وشطرها إىل رشكتني‪ :‬اإلدارة العامة‬
‫لالتصاالت ورشكة مرشوعات االتصاالت‪ .‬ويف العام ‪ 1926‬دخلت إىل السوق‬
‫رشكة الراديو واالتصاالت االستوائية‪ ،‬وهي مشغّل أجنبي يقدم خدمات محلية‬
‫ودولية‪ ،‬ثم جرى تأميمها يف العام ‪ .1966‬وأقدمت الحكومة يف العام ‪ 1971‬عىل‬
‫دمج الرشكات الثالث اململوكة للدولة يف كيان واحد‪ ،‬ودعيت الرشكة الجديدة‬
‫‪  13‬الهواتف النقالة والتنمية االقتصادية يف أفريقيا‪ :‬جيني آكري وإسحاق إمبيتي (م‪.)11‬‬
‫‪  14‬الهند‪ ..‬تأثري الهواتف النقالة‪ :‬راجات كاثوريا وآخرون (م‪.)12‬‬
‫‪  15‬التكنولوجيا الرقمية تؤ ّمن املعيشة‪( ..‬تكنولوجيا) املعلومات واألداء السوقي والرخاء يف قطاع صيد السمك يف‬
‫جنوب الهند‪ :‬روبرت جنسن (م‪.)13‬‬

‫‪17‬‬

‫باسم غواتيل (‪.)GUATEL‬‬
‫مل يشهد قطاع االتصاالت يف غواتيامال إال منوا ضئيال يف الخدمات خالل ربع‬
‫القرن التايل‪ ،‬إذ قامت غواتيل برتكيب أقل من ‪ 12,000‬خط يف السنة خالل هذه‬
‫املدة‪ ،‬وبحلول العام ‪ 1971‬كانت الرشكة قد أنجزت تركيب وتشغيل ‪60,000‬‬
‫خط‪ ،‬وبحلول العام ‪ 1996‬مل يكن عدد الخطوط الهاتفية يتجاوز ‪ 290,000‬خط‬
‫هاتفي يف بلد يبلغ تعداد سكانه ‪ 12‬مليون نسمة‪.‬‬
‫ورثت إدارة آرزو رشكة غواتيل وهي مثقلة باملوظفني نتيجة لنفوذ السياسيني‬
‫والنقابات‪ .‬ويف الحقيقة‪ ،‬كان هناك ‪ 56‬خطا لكل موظف‪ ،‬أي‪ :‬ثلث املعدل يف‬
‫أمريكا الالتينية‪ .‬كام كانت الشبكة الهاتفية مركزة بشكل هائل يف العاصمة‪،‬‬
‫حيث كانت غواتيامال العاصمة تحتوي ‪ 80%‬من الخطوط‪ ،‬ومراكز املحافظات‬
‫تحتوي ‪ 19%‬منها‪ ،‬فلم يتبق للريف إال ‪ ،1%‬وحتى هذه النسبة ال ميكن اعتبارها‬
‫من حصة الريف فعليا‪ ،‬ألنها كانت يف مناطق حرضية أقل حجام وأهمية من‬
‫عاصمة الدولة ومراكز املحافظات‪.‬‬
‫وما كان يزيد الوضع تفاقام هو حقيقة أن غواتيامال كانت ال تزال دولة‬
‫يشكل الريف معظم أرجائها‪ ،‬فلم يكن يسكن املناطق الحرضية إال أقل من‬
‫‪ 40%‬من السكان‪ .‬ويف ذلك الوقت كانت الهواتف من األمور النادرة يف معظم‬
‫مناطق غواتيامال‪ ،‬وبينام كانت التجمعات البرشية الكبرية قد ال تحتوي إال عىل‬
‫هاتف أو هاتفني‪ ،‬فإن سكان األرياف كان يتوجب عليهم يف العادة أن يسافروا‬
‫ملسافات طويلة من أجل الوصول إىل منطقة تحتوي هاتفا‪ ،‬ثم كان عليهم‬
‫أن ينتظروا ساعات يف الطابور من أجل القيام مبكاملة‪ ،‬ولذلك مل يكن أي أحد‬
‫ليعتمد عىل الهاتف لحل املشاكل العاجلة‪.‬‬
‫ومل يكن الوضع يف العاصمة أفضل حاال‪ ،‬حيث تشري التقديرات األكرث تفاؤال‬
‫إىل أن رشاء الخط الهاتفي وتركيبه كان يستغرق ثالثة أعوام‪ ،‬وكانت البيوت إذا‬
‫ُعرضت للبيع أو اإليجار وهي تحتوي عىل خط هاتفي فإنها كانت تحرص عىل‬
‫إعالن ذلك ألنه يزيد من قيمتها يف السوق‪ .‬وإذا أراد أحدهم تركيب خط هاتفي‬
‫فلم يكن من الغريب حينها أن يستلزم ذلك دفع رىش كبرية ملوظفي غواتيل قد‬
‫تصل إىل ‪ 3,000‬دوالر‪ ،‬أي ما يفوق الدخل السنوي للمواطن الغواتياميل العادي‬
‫يف ذلك الوقت‪ .‬وإذا استطاع أحدهم أن يتدبر أمر تركيب خطه الهاتفي خالل‬

‫‪18‬‬

‫أعوام قليلة فإنه يعترب من املحظوظني جدا‪ ،‬وكان التمكن أخريا من التواصل عرب‬
‫الهاتف أمرا يدفع الكثري من األرس إىل حد إقامة الحفالت ابتهاجا بقدوم الخط‬
‫الجديد‪.‬‬
‫لكن امتالك الخط الهاتفي مل يكن يعني بالرضورة القدرة عىل استخدامه‬
‫للتواصل‪ ،‬فقد كان من الطبيعي أن يضطر املتصل إىل االنتظار ملدة تصل إىل‬
‫عرش دقائق قبل مجيء إشارة االتصال (الحرارة)‪ ،‬بل إن الحصول عىل هذه‬
‫اإلشارة مل يكن يضمن نجاح محاولة إجراء مكاملة‪ ،‬وكان من الشائع جدا أن‬
‫املكاملة ال تصل إىل الرقم اآلخر أو أن املتصل يتم ربطه برقم آخر يختلف عن‬
‫الذي طلبه‪ .‬أما املكاملات الدولية فكانت كابوسا حقيقيا‪ ،‬حيث ال يتوقف األمر‬
‫عند تكاليفها الباهظة جدا التي تصل إىل بضعة دوالرات للدقيقة الواحدة‪ ،‬وإمنا‬
‫كان التمكن من االتصال برقم خارجي يستغرق ساعات من محاوالت االتصال‪.‬‬
‫وكان يتوجب عىل الرشكات ذات الصالت الوثيقة بالخارج أن تشرتي خطوطا‬
‫مخصصة عرب األقامر الصناعية إذا أرادت البقاء عىل اتصال دائم مع العامل‬
‫الخارجي (أوىل هذه الخطوط كانت تكلف ‪ 10,000‬دوالر)‪.‬‬
‫وبحلول العام ‪ 1996‬مل يكن هناك يف غواتيامال إال ‪ 3.4‬خط هاتفي لكل مئة‬
‫نسمة‪ ،‬وهو معدل يقل عن املعدل الوسطي يف أمريكا الالتينية ‪ ،10%‬ويقل‬
‫‪16‬‬
‫كثريا عن املعدل الوسطي يف الدول املتقدمة أكرث من ‪.50%‬‬
‫لكن‪ ،‬وبخالف الرشكات األخرى اململوكة للدولة‪ ،‬وعىل الرغم من العدد‬
‫املفرط للموظفني‪ ،‬مل تكن غواتيل تعاين من الخسائر‪ ،‬بل إنها كانت تدر أرباحاً‪،‬‬
‫وكان هذا يعود جزئياً إىل بنيتها التسعريية الخاصة وإىل ضآلة استثامراتها يف‬
‫مجال توسيع الخدمات وتحديثها‪ .‬لقد كانت أسعار املكاملات املحلية رخيصة‪،‬‬
‫أما املكاملات الدولية فكانت باهظة الثمن‪ .‬وكانت املكاملات البعيدة متول‬
‫املكاملات املحلية‪ ،‬مام سمح لرشكة غواتيل بتوفري تكلفة رواتبها‪ ،‬وبدا كام لو أنها‬
‫تفضل املستهلكني ذوي الدخل املنخفض الذين كان بإمكانهم القيام مبكاملات‬
‫ضمن املناطق الحرضية بصفة تكاد تكون مجانية‪.‬‬
‫أما إذا نظرنا إىل هذا الدخل وهذه البنية اإلنفاقية من وجهة نظر اجتامعية‬
‫فسنجد بأن التأثري الحاصل هو عىل العكس متاما‪ .‬فأوال‪ ،‬كان لساكني املناطق‬
‫‪  16‬االتصاالت‪ ..‬البنية التحتية يف األلفية الثالثة‪ :‬مركز البحوث االقتصادية الوطنية (‪( )CIEN‬م‪.)14‬‬

‫‪19‬‬

‫الحرضية‪ ،‬والذين يتمتعون عموماً مبستويات أعىل من الدخل‪ ،‬أفضلية عىل‬
‫باقي سكان البالد‪ ،‬والذين كانوا يضطرون إما إىل املعاناة تحت وطأة خدمة‬
‫محدودة جدا وإما إىل الحرمان منها كليا‪ .‬وثانيا‪ ،‬فعىل الرغم مام قد يتبادر‬
‫إىل الذهن ألول وهلة‪ ،‬فإن الطلب عىل املكاملات الدولية مل يكن يقترص عىل‬
‫املستهلكني ذوي الدخل العايل‪ ،‬وإمنا جاء أيضا من جزء كبري من السكان الذين‬
‫كان لديهم أقرباء يعيشون يف الخارج‪ .‬ففي ذلك الوقت كان هناك أعداد كبرية‬
‫من املهاجرين من العائالت ذات الدخل املحدود يعملون يف الواليات املتحدة‬
‫ويف غريها من الدول‪ .‬وهكذا فإن البنية التسعريية يف غواتيل أرضت بعائالت‬
‫املهاجرين يف الوقت نفسه الذي عجزت فيه تغطيتها عن تقديم الخدمة‬
‫للمستهلكني يف املناطق الريفية‪.‬‬
‫ومل يكن سوق خدمة الهاتف النقال (الالسليك) يف العام ‪ 1996‬بأحسن حاال‪.‬‬

‫ففي سنة ‪ 1989‬طرحت الحكومة مزايدة لرتخيص وحيد لتقديم هذه الخدمة‪،‬‬
‫وقامت الرشكة الفائزة (كومسيل ‪ )COMCEL‬بالعمل كرشكة احتكارية مملوكة‬
‫لجهات خاصة‪ ،‬وكان لها عالقة وثيقة برشكة غواتيل‪ ،‬حيث كان من الرشوط أن‬
‫تدفع كومسيل نسبة من أرباحها لغواتيل (كانت تدفع رسميا ‪ 10%‬من إجاميل‬
‫قيمة الفواتري‪ ،‬لكن املبلغ الذي يجري تحويله فعليا كان أقل من ذلك)‪ ،‬وذلك‬
‫يف مقابل أن تبقى غواتيل خارج سوق الهاتف النقال‪.‬‬
‫مل يقم أي مزود آخر بالدخول إىل سوق النقال ألن قواعد الحصول عىل حقوق‬
‫استخدام طيف ترددات البث كانت متنع ذلك من األساس‪ .‬فقبل ثالثني عاما‬
‫من ذلك أقدمت الحكومة الغواتياملية عىل شطر مسؤولياتها التنظيمية يف ما‬
‫يخص طيف الرتددات التي ميكن استخدامها لالتصاالت ضمن قانون االتصاالت‬
‫الالسلكية يف العام ‪ 17،1966‬والذي نص عىل أن يكون تنظيم الرتددات أقل‬
‫من ‪ 800‬ميغاهريتز‪ ،‬وهي أمواج تستخدم يف العادة للبث اإلذاعي والتلفزيوين‪،‬‬
‫ضمن مسؤولية اإلدارة العامة للبث اإلذاعي والتلفزيوين الوطني‪ ،‬عىل أن يكون‬
‫منح الرتاخيص وتجديدها بيد مكتب يتبع وزارة الدفاع‪ .‬أما النطاق الذي يتجاوز‬
‫‪ 800‬ميغاهريتز‪ ،‬ويتضمن املوجات املستخدمة لتوليد خدمات صوتية نقالة‪،‬‬
‫فكان تنظيمها من مسؤولية مكتب تابعٍ لرشكة غواتيل‪ .‬وليس من املفاجئ أن‬
‫ال نجد أي رشكة جديدة لتقديم خدمات االتصاالت النقالة وقد حصلت عىل‬
‫‪  17‬راجع قانون االتصاالت الالسلكية؛ القانون الربملاين رقم ‪( 433‬بتاريخ ‪ 10‬مارس ‪( )1966‬م‪.)15‬‬

‫‪20‬‬

‫حقوق التشغيل يف هذا النطاق خالل السنوات التي سبقت اإلصالحات‪.‬‬
‫وكام هو حال نظريتها اململوكة للدولة يف سوق الهاتف السليك‪ ،‬وبشكل‬
‫مشابه ملشغالت الهاتف النقال يف العديد من الدول النامية يف ذلك الحني‪،‬‬
‫فشلت كومسيل يف توسيع شبكة مشرتكيها بشكل يكفي إلرضاء الطلب‪ ،‬ومل‬
‫تتمكن يف املدة ما بني ‪1989‬و ‪ 1996‬إال من اجتذاب خمسني ألف مشرتك فقط‪.‬‬
‫وميكن القول باختصار أن سوق االتصاالت يف املدة التي سبقت اإلصالحات‬
‫كانت متر بظروف سيئة وأنها شكلت عقبة يف طريق التنمية االقتصادية للبالد‪،‬‬
‫فالطلب غري امللبى املقدر بحوايل مليون خط هاتفي أدى إىل تثبيط التعامالت‬
‫التجارية‪ ،‬وأدى عىل أرض الواقع إىل عزل كل محافظات البالد عن بعضها‬
‫البعض‪ ،‬وتسبب يف عرقلة النمو‪ .‬وعندما جاءت اإلدارة الجديدة كانت تعي‬
‫جيدا بأنه ينبغي إيجاد حل ناجع وعاجل لتصحيح هذا الوضع‪ ،‬وأن الفشل يف‬
‫ذلك سيؤدي إىل صعوبات خطرية تنعكس سلبا عىل النمو االقتصادي‪ .‬إن برنامج‬
‫التحرير ونزع االحتكارية يف هذا القطاع كان يهدف إىل اجتذاب رأس املال‬
‫الخاص الالزم لتوسيع خدمة االتصاالت عىل نحو رسيع ومؤثر‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫ثالثا‪ .‬االستراتيجية والتطبيق‬

‫نشأة فريق‬

‫إن املقاربة اإلصالحية التقليدية التي تنصح بها معظ ُم املنظامت الدولية‬
‫املرموقة تدعو البلدان النامية إىل بيع االحتكارات اململوكة لها لتصبح احتكارات‬
‫تابعة للقطاع الخاص‪ .‬وهكذا ميكن للحكومة أن تحصل عىل املال الذي تحتاجه‬
‫بشدة ويحصل املشرتي عىل حق احتكاري يُفرتض بأنه مؤقت ويتم تنظيمه من‬
‫ِق َبل السلطات الوطنية‪ .‬ولقد كانت هذه املقاربة املتمحورة حول الدولة تعكس‬
‫العقلية السائدة يف املنطقة خالل العقود السابقة‪.‬‬
‫لقد أدرك القامئون عىل اإلصالح يف قطاع االتصاالت السلكية والالسلكية‬
‫الغواتياميل بأن هذه املقاربة التقليدية من شأنها تحقيق الحد األقىص من‬
‫اإليرادات لخزينة الدولة‪ ،‬لكنها لن تحل املشكلة األساسية‪ ،‬وهي الحاجة إىل‬
‫التوسيع الرسيع لخدمة االتصاالت وضامن أسعار تنافسية للمستهلك‪ .‬إن‬
‫تحقيق هاتني الحاجتني كان يتطلب زيادة التنافس‪ ،‬لكن الوضع مل يكن سهال‪،‬‬
‫إذ كان ينبغي أن يَتَّسم اإلجراء املُتَّ َخذ من أجل فتح السوق والتعزيز الفوري‬
‫للتنافس بيشء من الجرأة‪.‬‬
‫أنيطت مهمة تفكيك االحتكارية وتحرير قطاع االتصاالت الغواتياميل مبهندس‬
‫يدعى ألفريدو غوزمان (‪ ،)Alfredo Guzmán‬وكان من الربملانيني الشباب ومن‬
‫رشعا‪ ،‬ركز غوزمان‬
‫خريجي جامعة فرانتشيسكو ماروكني (‪ .)UFM‬وباعتباره م ّ‬
‫جهوده عىل السياسة اإلسكانية‪ ،‬لكنه مل يتلكأ عن الخوض يف قضايا اإلصالح يف‬
‫قطاع االتصاالت‪ ،‬باعتباره كذلك حائزا عىل شهادة جامعية يف مجال هندسة‬
‫املنظومات‪ .‬وكانت إحدى الخطوات األوىل التي اتخذها يف إطار مسؤولياته‬
‫الجديدة أنه استند إىل أفكار غريه ممن يشاركونه مبادئه وتعاملوا سابقا مع‬
‫قضايا مشابهة؛ ومن بني هؤالء كان جيانكارلو إيبارغوين( (�‪Giancarlo Ibár‬‬
‫‪ ،)güen‬وهو مهندس اتصاالت يف رشكة (تكساس إيه أند أم ‪)Texas A&M‬‬
‫ورئيس جامعة (‪.)UFM‬‬

‫‪22‬‬

‫هامش‪ :‬جامعة فرانتشيسكو ماروكني‬

‫[قامت مجموعة من املستثمرين واملفكرين الغواتيامليني بتأسيس مركز‬
‫الدراسات االجتامعية واالقتصادية (‪ ،)SEEC‬وهو مركز دراسات متخصص‬
‫يف الفكر الليربايل الكالسييك وعلم االقتصاد القائم عىل السوق‪ ،‬وذلك سنة‬
‫‪ ،9591‬وقد كانت حينها تدخل الدولة يف االقتصاد يف أعىل مستوياتها يف‬
‫بلدان أمريكا الالتينية‪ .‬وكان مانويل آياو (‪ )uayA leunaM‬أكرث املؤسسني‬
‫تحمسا‪ ،‬وقد نال مكانة مرموقة خالل العقود التالية مع النمو التدريجي‬
‫للمركز وتوليه مسؤوليات وفعاليات جديدة‪.‬‬
‫أصبح آياو يف ما بعد الرئيس املؤسس لجامعة فرانتشيسكو ماروكني (‪�inU‬‬
‫‪ ،)níuqorraM ocsicnarF dadisrev‬وهي مؤسسة تعليمية فريدة أخذت‬
‫عىل عاتقها مهمة “تعليم ونرش املبادئ األخالقية والقانونية واالقتصادية‬
‫ملجتمع يتكون من أفراد يجمعون بني الحرية واملسؤولية”‪ .‬ثم توىل رئاسة‬
‫الجامعة بعد آياو صديقه وتلميذه جيانكارلو إيبارغوين‪ .‬كام تسلم إدواردو‬
‫مايورا‪ ،‬وهو من األسامء األساسية يف عملية اإلصالح‪ ،‬عامدة كلية القانون‬
‫يف الجامعة‪ .‬ولقد تخرج من قاعات هذه الجامعة جيل كامل من املحرتفني‬
‫الشباب ذوي الثقافة األكادميية العالية‪ ،‬وكان من بينهم ألفريدو غوزمان‬
‫وغريه ممن لعبوا دورا أساسيا يف إصالح قطاع االتصاالت يف غواتيامال‪ ،‬وكلهم‬
‫كان مخلصا ملبادئ الحرية الفردية‪].‬‬

‫طرح إيبارغوين فكرة أدت إىل تغيري حاسم يف اسرتاتيجية اإلصالح‬
‫يف قطاع االتصاالت الغواتياميل‪ .‬فعندما كان يدرس طيف الرتددات‬
‫الالسلكية خالل النصف األول من التسعينيات املاضية‪ ،‬وصل إىل نتيجة‬
‫مفادها أن هذا املورد الهام يجب أن يدار من خالل نظام السوق‪،‬‬
‫وأن ال يكون عرضة لضوابط حكومية اعتباطية أو ثقيلة‪ ،‬وذلك من‬
‫أجل تعزيز التقنيات الجديدة‪ ،‬كالهواتف النقالة واالنرتنت‪ ،‬والتي من‬
‫ُحسن بشكل كبري حياة الغواتيامليني‪ .‬إن الشبكات السلكية‬
‫شأنها أن ت ِّ‬
‫التي تستخدم األسالك النحاسية لربط الهواتف واألجهزة رسعان ما‬
‫تُصبح ُمتَجا َوزة ويَطالها التقا ُدم‪ .‬وقد انطبق هذا بشكل خاص عىل‬
‫الدول النامية بسبب التكاليف الباهظة لنرش خدمات االتصال السلكية‬
‫(الثابتة) والتكاليف املنخفضة نسبيا لنرش خدمات االتصال الالسلكية‬
‫(الهواتف النقالة) ‪ .‬ولهذا أصبح من الرضوري إنشاء منظومة مرنة‬
‫مفتوحة تسمح لكل من ميتلك جزءا من طيف الرتددات أن يستخدمه‬
‫يك تتمكن البالد من تطوير بيئة اتصاالت حديثة متاحة للجميع‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫الصلة مع كوز‬

‫إن فكرة تطوير آليات سوقية لتعيني طيف الرتددات كانت فكرة ثورية‪،‬‬
‫لكنها مل تكن جديدة؛ حيث استند إيبارغوين إىل أدبيات بدأت بالظهور قبل‬
‫أربعة عقود من ذلك الحني مع دراسات االقتصادي رونالد كوز (‪Ronald‬‬
‫‪ )Coase‬الذي كتب بحثا شهريا عن تنظيم ترددات طيف الالسليك‪ 18.‬وكانت‬
‫اإلشكالية التي عالجها سنة ‪ 1959‬تدور حول تحديد السبيل األمثل لتعيني‬
‫حقوق استخدام طيف الرتددات باعتباره موردا من املوارد‪ ،‬وذلك مع األخذ بعني‬
‫االعتبار أن هذا املورد يتصف بالنفع والندرة وإمكانية الخالف بني املستخدمني‪.‬‬
‫وكان الرأي السائد حينها يتمثل يف أن الحكومة (يف الواليات املتحدة‪ :‬لجنة‬
‫االتصاالت الفيدرالية ‪ )FCC‬ينبغي أن تتحكم بالنفاذ إىل هذا املورد واستخدامه‬
‫عىل نحو يَحرص التداخالت الضارة يف حدها األدىن‪.‬‬
‫تحدى كوز هذا الرأي السائد‪ ،‬وتساءل حول السبب الذي يحول دون إدارة‬
‫طيف الرتددات بالطريقة نفسها التي ت ُدار بها املوارد النادرة القيمة‪ ،‬أي عرب‬
‫حقوق امللكية ومنظومة األسعار‪ .‬ففي ظل مثل هذه املنظومة ميكن ملن يقيّم‬
‫نطاقا بعينه من طيف الرتددات أكرث من غريه أن يدفع املبلغ الالزم لحيازة حقوق‬
‫استخدامه‪ ،‬كام إن املشاكل التي يعانيها املستخدمون يف النطاقات املجاورة التي‬
‫تتداخل مع بعضها ستكون مامثلة لتلك التي يواجهها أصحاب األمالك امل ُجاورة‪.‬‬
‫ويف الواقع‪ ،‬إن اهتامم كوز مبشكلة التداخل هذه دفعته إىل التحري بشأن قضايا‬
‫أخرى تتعلق باالستخدامات التنافسية للملكية‪ ،‬كالتلوث مثال‪ .‬وقد أدى هذا‬
‫البحث إىل دراسة نُرشت سنة ‪ 1960‬حول العوامل الخارجية (‪،)Externalities‬‬
‫وهي من أكرث الدراسات التي يرجع إليها الباحثون يف االقتصاد‪ ،‬وبفضلها تم منح‬
‫‪19‬‬
‫كوز جائزة نوبل‪.‬‬
‫إن التامثل الذي افرتض كوز إمكانية وجوده بني تدبري طيف الرتددات‬
‫وتدبري امللكية العقارية أفىض إىل تغيري جذري يف األفكار املتعلقة بقواعد تنظيم‬
‫استخدام هذا الطيف‪ .‬وقد أقدم عىل اختبار هذه الفرضية ثلة من املصلحني يف عدد‬
‫من الدول كأسرتاليا والسلفادور وغواتيامال ونيوزيلندا‪ ،‬ويف بعض الحاالت مل يكن هؤالء‬
‫املصلحون قد ت َع َّرفوا بع ُد عىل أعامل كوز‪ ،‬لكنهم كانوا متحفزين بالرغم من ذلك بدافع‬

‫‪  18‬لجنة االتصاالت الفيدرالية‪ :‬رونالد كوز (م‪.)16‬‬
‫‪  19‬مشكلة التكلفة االجتامعية‪ :‬رونالد كوز (م‪.)17‬‬

‫‪24‬‬

‫احرتام نظام السوق والحاجة إىل اإلصالح‪ ،‬ورمبا تعترب غواتيامال املثال األوضح عىل إمكانية‬
‫نجاح هذا النوع من اإلصالح‪.‬‬

‫قبل إصالحات سنة ‪ 1996‬يف غواتيامال كانت املقاربة املتبعة يف تنظيم طيف‬
‫الرتددات‪ ،‬والتي نتجت عنها رشكة كومسيل‪ ،‬مشابهة للسياسات التنظيمية‬
‫السائدة يف الواليات املتحدة وبريطانيا والكثري من دول العامل األخرى‪ ،‬حيث‬
‫مينح حق االمتياز وعادة ما يحدد كال من منط الخدمة املقدمة‪ ،‬ومنط التقنية‬
‫‪20‬‬
‫املستخدمة يف نطاق طيف معني من الرتددات‪.‬‬
‫وبدأت إصالحات مهمة تحصل يف دول أخرى خالل الحقبة نفسها تقريبا‪،‬‬
‫غري أن نطاقها كان محدودا‪ .‬ففي الواليات املتحدة حاولت لجنة االتصاالت‬
‫الفيدرالية (‪ )FCC‬طيلة سنني أن تعني الرتاخيص من خالل جلسات استامع‬
‫إدارية (يشء أشبه مبسابقات ملكات الجامل) ثم استخدمت القرعة يف ما‬
‫بعد‪ ،‬ويف نهاية املطاف‪ ،‬منح قانون امليزانية والتسوية املتنوع سنة ‪ 1993‬لجنة‬
‫االتصاالت الفيدرالية (‪ )FCC‬سلطة استخدام املزادات لتعيني تراخيص خدمات‬
‫بعينها‪ ،‬كخدمة الهاتف النقال‪ 21،‬وكانت تلك خطوة مصريية‪ ،‬وإن كانت غري‬
‫مكتملة‪ ،‬نحو تطبيق رؤية كوز لتخصيص حقوق استخدام طيف الرتددات من‬
‫خالل عمليات نظام السوق‪.‬‬
‫لقد ساعدت املزادات عىل التخلص من بعض أوجه القُصور يف هذه املقاربات‪،‬‬
‫ففي مجال تحديد « َمن» سيحصل عىل الرتاخيص يجب أن ت ُحال الرتاخيص إىل‬
‫املستخدم األكرث تقييام لها منذ البداية‪ ،‬ومع ذلك فإن الحكومة األمريكية ال‬
‫تزال حتى يومنا هذا تمُ يل كيفية االستخدام امل ُنتظَر لطيف الرتددات‪ ،‬سواء كان‬
‫يخص الهواتف النقالة التجارية‪ ،‬أو البث التلفزيوين‪ ،‬أو غري ذلك من الخدمات‪.‬‬
‫وهذا يعني بأن طيف الرتددات رمبا لن يجد طريقه إىل االستخدام األكرث فعالية‪،‬‬
‫مام يجعل املستهلك أسوأ حاال‪ .‬ولهذا برزت الحاجة إىل مرونة كبرية يف كيفية‬
‫استخدام طيف الرتددات بُغية تحقيق القيمة القصوى لصالح املستهلك‪.‬‬
‫‪  20‬الستعراض هذه املامرسات وما رافقها من أوجه انعدام كفاءة ناتجة عن التخصيص اإلداري‪ ،‬راجع‪ :‬بدعة‬
‫الالسليك وخرافة الحزمة العريضة غري املحدودة وزلة مزاد طيف الرتددات والهزل يف «النكتة الكربى» لرونالد كوز‪..‬‬
‫مقالة حول سياسة تخصيص املوجات الهوائية‪ :‬توماس هازليت (م‪.)18‬‬
‫تعيني حقوق امللكية ملستخدمي طيف الرتددات الالسليك‪ ..‬ملاذا استغرقت مزادات تراخيص لجنة االتصاالت‬
‫الفيدرالية سبعة وستني عاما؟‪ :‬توماس هازليت (م‪.)19‬‬
‫‪  21‬راجع قانون امليزانية والتسوية املتنوع للعام ‪( 1993‬م‪.)20‬‬

‫‪25‬‬

‫مل يكن إيبارغوين مطلعا عىل إسهامات كوز يف ذلك الوقت‪ ،‬لكنه أدرك مع‬
‫ذلك قيمة تخصيص حقوق امللكية يف ما يخص طيف الرتددات‪ .‬وباعتباره يحمل‬
‫إميانا قويا مبحدودية الحكومة‪ ،‬فقد كان مهتام بخصخصة مجموعة من األصول‬
‫اململوكة للدولة‪ .‬وباعتباره مهندسا كهربائيا‪ ،‬فقد رأى يف طيف الرتددات املرشح‬
‫األمثل لتحقيق رؤيته‪.‬‬
‫كانت املنظومة التي تخيلها إيبارغوين تختلف جدا عن املقاربة التنظيمية‬
‫القياسية يف كل الدول األخرى تقريبا‪ ،‬فمن شأنها توفري الحرية واملرونة نفسها‬
‫التي تتوفر يف ملكية األرض والسلع األخرى‪ .‬لكن الدستور الغواتياميل مل يكن‬
‫يسمح للحكومة مبنح تخويالت كاملة بشأن طيف الرتددات‪ ،‬حيث نصت إحدى‬
‫مواده عىل أن «ملكية الدولة تتضمن‪ ...‬الرتددات الالسلكية»‪ 22.‬وشعر إيبارغوين‬
‫بأن الحل األنسب واألسهل يتمثل يف منح «حقوق انتفاع» دعيت حقوق االنتفاع‬
‫بالرتددات (‪ ،)TUF‬وهي مشابهة للمفهوم القانوين للملكية االنتفاعية‪ .‬وكانت‬
‫حقوق االنتفاع هذه تقدم لحائزها حقوق ملكية كاملة تقريبا‪ ،‬بشكل مشابه‬
‫ألي سلعة اقتصادية أخرى‪.‬‬
‫املهندسني عىل بعضهام البعض حول مائدة‬
‫كان مانويل آياو هو من ع ّرف‬
‫َ‬
‫فطور ال تنىس‪ .‬ومل يكن إيبارغوين قد درس االتصاالت فحسب‪ ،‬وإمنا كان خبريا‬
‫يف النظريات االقتصادية أيضا‪ ،‬أما غوزمان فكان قد درس أساسيات اقتصاد‬
‫السوق يف جامعة (‪ ،)UFM‬وكان عىل إملام بالقضايا التقنية كام هو حال‬
‫إيبارغوين‪ ،‬وهو أمر ال غنى عنه يف مواجهة تحديات اإلصالح‪ .‬كتب إيبارغوين‬
‫مسودة “قانون الرتددات الالسلكية” وأعطاه لغوزمان يف األسبوع املوايل خالل‬
‫ربيع ‪ ،1995‬ثم التقيا عدة مرات بعدها ملناقشة أفكار القانون بعمق‪ ،‬وكانت‬
‫األفكار األولية واضحة ومبتكرة إىل درجة جعلتها تستحوذ عىل انتباه غوزمان‪،‬‬
‫فتبناها كأساس ملواقفه السياسية‪.‬‬
‫هامش‪ :‬الطيف الكهرومغناطييس الغامض‬

‫[تعترب املوجات الكهرومغناطيسية من األمور املألوفة لنا‪ ،‬فالضوء‪ ،‬مثال‪ ،‬هو‬
‫مجرد شعاع من املوجات الكهرومغناطيسية‪ ،‬أي انتشار لحقول كهربائية‬
‫ومغناطيسية عرب الفضاء‪ .‬وهذه الحقول ميكنها االستمرار يف االنتشار دون‬
‫‪  22‬دستور جمهورية غواتيامال (م‪)21‬؛ املادة ‪.121‬‬

‫‪26‬‬

‫توقف‪ ،‬فتنتقل يف الفراغ أو أي وسط مادي مالئم‪ ،‬وهذا هو السبب يف أننا‬
‫نستطيع مشاهدة ضوء النجوم وإن كانت تبعد عنا مسافات شاسعة يفصلها‬
‫عنا الفراغ الكوين الهائل‪ .‬وهذه املوجات (االهتزازات الكهرومغناطيسية)‬
‫تتذبذب كالنبض مبعدل يفوق الخيال (الضوء املريئ عىل سبيل املثال‪،‬‬
‫يتذبذب مليون مرة يف الثانية‪ ،‬والرتددات التي يتذبذب وفقها منيزها نحن‬
‫كألوان)‪.‬‬
‫أما خارج الطيف املريئ فإن األمواج الكهرومغناطيسية ميكنها أيضا أن تهتز‬
‫برتددات أدىن‪ ،‬وميكن ضبط هذه الرتددات بحيث ت ُ َبثُّ من خاللها أصواتا‬
‫وصورا ومعلومات رقمية ومن ثم تحول هذه املوجات إىل أصوات وصور‬
‫مرة أخرى بواسطة الجهاز الذي يستقبلها‪ .‬وعىل سبيل املثال‪ ،‬ميكن للمحطة‬
‫اإلذاعية أن تستخدم ترددات بث تتفاوت ما بني ‪ 01.001‬و‪ 51.001‬مليون‬
‫هزة أو دورة يف الثانية‪ ،‬أي (‪ 01.001‬إىل ‪ )51.001‬ميغاهريتز‪ ،‬ويدعى هذا‬
‫املجال “نطاقا”‪ ،‬وهو قسم معني من الطيف يستخدمه جهاز البث‪ ،‬كام هو‬
‫الحال يف املحطات اإلذاعية أو التلفزيونية أو أبراج االتصاالت عرب الهواتف‬
‫النقالة‪].‬‬

‫كان القانون الذي اقرتحه إيبارغوين يهدف إىل تحرير طيف البث من خالل‬
‫حقوق (‪ )TUF‬تعطى ملن يرغب مقابل إجراءات رسمية موجزة‪ ،‬عىل أن تستمر‬
‫هذه الحقوق ملدة ‪ 15‬عاما قابلة للتجديد دون رسوم إضافية وأن تكون قابلة‬
‫للتداول دون قيود‪ .‬كام كان القانون املقرتح ينص عىل أن هذه الحقوق تقترص‬
‫عىل تحديد الرتدد املستخدم‪ ،‬واملوقع الجغرايف‪ ،‬ومنطقة التغطية‪ ،‬وساعات‬
‫التشغيل‪ .‬وأنه إذا كانت هناك عدة أطراف مهتمة بالحصول عىل الرتدد نفسه‬
‫فيستعان حينها بعملية املزادية‪ ،‬عىل أن يتم إنشاء كيان عمومي إلدارة هذه‬
‫املنظومة‪ .‬وكان القانون املقرتح يعالج املشكلة األساسية املتمثلة يف “التداخل”‪،‬‬
‫أي دخول مستخدمني اثنني عىل تردد واحد‪ ،‬عرب الحامية املبارشة للحائز األول‬
‫للحقوق من مزاحمة األطراف األخرى‪.‬‬
‫ومن املهم اإلشارة إىل أنه بدال من وجود جهاز تنظيمي يتحكم بكل الرتددات‬
‫املمكنة‪ ،‬اقرتح القانون إنشاء منظومة عكسية تتمحور حول مبدأ يقول بأنه ما‬
‫رصح بحظره فهو مجال ُمتاح لألفراد‪ ،‬وورد هذا األمر بوضوح تام يف املادة‬
‫مل يُ َّ‬
‫التاسعة من القانون املقرتح‪ ،‬والتي نصت عىل أنه‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫«ليست هناك حاجة لرتخيص من أجل إنشاء أو استخدام الرتددات الالسلكية‬
‫بقصد استخدامها يف االتصاالت الداخلية أو االتصاالت الالسلكية أو بث‬
‫البيانات أو الرسائل الالسلكية سواء كانت رقمية أو متاثلية أو تكتيس طابعا‬
‫آخر‪ ،‬وذلك داخل وخارج املساكن واألبنية وامللكيات العمومية والخاصة وكل‬
‫املنشآت األخرى عىل أن تكون بيئاتها معزولة كليا تجاه الرتددات الالسلكية‬
‫وأن ال يؤدي ذلك إىل اعرتاض وحدات الطيف الالسليك املمنوحة من خالل‬
‫حقوق امللكية االنتفاعية (‪ )FTU‬أو التداخل معها”‪.‬‬

‫وعىل الرغم من أن العبارة السابقة مل تندرج يف القانون عند إقراره بصيغته‬
‫النهائية‪ ،‬إال أنها كانت مبثابة اإلطار املرجعي لالنفتاح عىل السوق بشكل واسع‬
‫وتكريس املامرسات األفضل يف الترشيع الجديد‪.‬‬

‫اسرتاتيجية من مرحلتني‬

‫منذ املرحلة األوىل من املحادثات وتبادل اآلراء‪ ،‬كانت االسرتاتيجية العامة‬
‫تتجسد يف خطة من مرحلتني متكنت من أن تجعل اإلصالحات الغواتياملية‬
‫أمرا فريدا متميزا عن غريه‪ .‬وكانت املرحلة األوىل تقتيض السعي إىل قانون‬
‫جديد لالتصاالت يجعل طيف الرتددات متاحا بسهولة‪ ،‬مام يسمح بإنشاء سوق‬
‫اتصاالت تنافسية غري احتكارية‪ ،‬أما املرحلة الثانية فكانت تقتيض السعي إىل‬
‫خصخصة غواتيل بطريقة أكرث تقليدية‪ ،‬عىل أن يحدث ذلك بعد إقرار قانون‬
‫يجعل طيف الرتددات متاحا يف إطار فتح سوق االتصاالت‪.‬‬
‫لكن تحقيق التنافس كان ال بد من أن تُرافقه اإلتاحة السهلة للرتددات يف‬
‫ظل أجرأة يعزز االتصاالت يف الشبكة ومينع غواتيل من استغالل موقعها يف‬
‫السوق عندما تصبح مملوكة بأكملها للقطاع الخاص‪ .‬وكان غوزمان شديد القلق‬
‫بخصوص سيناريو تتمكن فيه غواتيل‪ ،‬وهي الرشكة الوحيدة يف ذلك الوقت‪،‬‬
‫من استغالل ملكيتها للشبكة الوحيدة املتواجدة يف السوق وإغالق الباب أمام‬
‫املنافسني القادمني‪ ،‬ألن ذلك من شأنه أن يؤدي إىل كبح قدرة املنافسني عىل‬
‫التوسع‪ ،‬فينحرص بالتايل عملهم يف األسواق املربحة أكرث‪ ،‬والتي ترتكز يف العاصمة‬
‫بشكل رئييس‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫كان التحدي يتمثل يف التعامل مع هذه القضية دون السقوط يف فخ املقاربة‬
‫التقليدية املشبعة بالضوابط التنظيمية‪ ،‬فتم تصميم آلية مرنة أسست رشطا‬
‫بسيطا واحدا‪ ،‬حيث طُلِب من جميع املشاركني أن يدخلوا يف اتفاقيات الربط‬
‫بالشبكة عند الطلب من قبل املزودين اآلخرين‪ ،‬وأن تتضمن هذه االتفاقيات‬
‫حق النفاذ إىل املوارد األساسية الرضورية لتطبيقها؛ وهذا الرشط من شأنه أن‬
‫مينع غواتيل‪ ،‬أو أي طرف من املشاركني الجدد‪ ،‬من إغالق الباب بوجه اآلخرين‪.‬‬
‫وما يجعل القصة الغواتياملية مختلفة عن غريها هو أن الرشكات ينبغي عليها‬
‫أن تتفاوض بحرية يف اتفاقيات الربط بالشبكة‪ ،‬فإذا مل تتوصل األطراف إىل‬
‫اتفاق من تلقاء نفسها فسيكون من املفروض عليها التوصل إىل اتفاق عرب آلية‬
‫التحكيم‪ .‬ولن يكون هناك مجموعة مفصلة من األحكام والرشوط التي تحددها‬
‫جهة تنظيمية ما‪ ،‬باستثناء رشط وحيد يقتيض التزام الجميع مبنح حق النفاذ إىل‬
‫شبكاتهم‪ ،‬وفرض التحكيم اإلجباري عند تعذر الوصول إىل اتفاق‪.‬‬
‫وهكذا تم تحديد اسرتاتيجية واضحة لتسلسل الخطوات التي يجب اتباعها‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬حيث كان يتوجب عىل أولئك املصلحني الطموحني أن يفوزوا يف‬
‫االنتخابات‪ ،‬ويواجهوا املعارضة بالكثري من الخرباء‪ ،‬ويقنعوا الرأي العام املتشكك‬
‫الذي تنتابه الهواجس دامئا إزاء مبادرات الخصخصة‪.‬‬

‫النهج السيايس‬

‫فاز حزب التقدم الوطني (‪ )PAN‬يف االنتخابات بهامش ضئيل‪ ،‬وكان قد‬
‫استعد لإلصالحات بشكل فعال قبل تويل السلطة‪ ،‬فجاءت الحكومة الجديدة يف‬
‫‪ 14‬يناير ‪ 1996‬ويف جعبتها خطة مدروسة بعناية‪ ،‬لكنها رسعان ما اكتشفت بأن‬
‫الخزينة تخلو من األموال الالزمة لتلبية االحتياجات حتى األساسية منها‪ .‬فتقدم‬
‫الرئيس آرزو بطلب قرض شخيص من أجل حل هذه املشكلة غري املتوقعة‪،‬‬
‫وعىل الرغم من أن بعض الخطط كان يجب تأجيلها‪ ،‬فإن ذلك مل يقف حجر‬
‫عرثة يف طريق تنفيذ خطة إصالح قطاع االتصاالت السلكية والالسلكية‪.‬‬
‫و مبارشة بعد الفوز يف االنتخابات‪ ،‬طلب غوزمان أن يلتقي مع الرئيس‬
‫املنتخب إلعادة تأكيد طلبه لإلصالح‪ .‬فقابله آرزو بطريقته املستعجلة التي‬
‫عرف بها‪ ،‬وخالل اللقاء الذي مل يدم إال دقائق معدودة عرض عليه آرزو منصب‬

‫‪29‬‬

‫مدير (غواتيل)‪ .‬سأل غوزمان عن إمكانية إعطائه الضوء األخرض للقيام بكافة‬
‫التغيريات التي نوقشت قبل أشهر‪ ،‬فرد عليه الرئيس الجديد ببساطة‪« :‬بالتأكيد‪،‬‬
‫افعل ما تشاء»‪ .‬ومل يغفل الرئيس تنبيه آرزو برضورة امليض قُ ُدما‪ ،‬مع توخي‬
‫الحذر لتفادي حصول انتكاسة‪ .‬وعىل الرغم من أن آرزو كان منشغال مبسؤوليات‬
‫منصبه كرئيس فقد أدرك بأن تحسني البنية التحتية لالتصاالت سيؤثر بطريقة‬
‫إيجابية وفعالة لتحسني االقتصاد ككل‪ ،‬فأعطى تعليامت مخترصة وواضحة‬
‫لغوزمان بقوله‪« :‬أريد الكثري من الخطوط‪ ،‬يف كل مكان‪ ،‬وبرسعة»‪.‬‬
‫بدأ غوزمان بالعمل عىل هذه املهمة الشاقة وعمره مل يتجاوز حينها الحادية‬
‫والثالثني‪ ،‬فأحكم قبضته عىل رشكة االتصاالت العمومية بحامس كبري وبثقة‬
‫شخص عىل أتم االستعداد إلنجاز املهام املنوطة به يف إطار وظيفته الجديدة‪،‬‬
‫فاستقال من مقعده الربملاين يف ‪ 16‬يناير وركز جهوده فورا عىل بناء فريق من‬
‫امل ُؤيِّدين لخطته من شأنهم مساعدته يف نهجه ذاك‪.‬‬
‫كان غوزمان يأمل يف القضاء عىل االعتقاد السائد باستحالة تغيري األوضاع‬
‫يف غواتيامال‪ ،‬وحتى وإن حدث فلن يكون تغيريا ً حقيقياً وجوهرياً‪ .‬وبدت كل‬
‫الجهود الرامية لإلصالح وكأنها حبيسة ما بني الالمباالة وبني اإللغاء من ِق َبل‬
‫أصحاب املصالح الخاصة‪ ،‬وقد زاد الطِّني بلَّ ًة سلسل ٌة من املحاوالت الفاشلة التي‬
‫قامت بها الحكومات املتعاقبة إلعادة هيكلة هذه الرشكة اململوكة للدولة أو‬
‫تصفيتها يف ظل تاريخ تطبعه الحاجة إلصالحات جذرية ومستدامة‪.‬‬
‫و سواء كان ذلك يف مجال االتصاالت أو غريه من املجاالت‪ ،‬فإن األصل يف‬
‫هذا االعتقاد السلبي كان يرجع إىل تعدد التجارب التي عرفتها هذه البالد يف‬
‫عهد الرؤساء الثالثة السابقني وكان من جملتها تعيني شخص من خارج غواتيل‬
‫لقيادة عملية اإلصالح‪ .‬لكن االختالف هذه املرة يكمن يف كون الشخص الذي‬
‫يقود محاولته اإلصالحية سيقوم بذلك من داخل هذه الرشكة كرئيس لها‪ ،‬وقد‬
‫رصح غوزمان يف ما بعد بأن هذا العنرص قد لعب دورا حاسام‪.‬‬
‫ّ‬
‫مل يغب عن بال غوزمان أنه سيالقي معارضة رشسة بسبب تشبث البعض‬
‫مبصالحهم الخاصة وأحكامهم املسبقة‪ ،‬لكنه كان عازما عىل املواصلة متسلحا‬
‫بإرصاره‪ ،‬ومبستشارين أكفاء‪ ،‬لتحقيق تغيري مستدام؛ فتوجب عليه أن يواجه‬
‫النقابات القوية يف غواتيل وأن يعمل بصرب إلقناع كادر الرشكة بأفكار عبقرية‬

‫‪30‬‬

‫مالمئة‪ ،‬وركز جهوده عىل خلق فريق جيد من األشخاص ممن يتصفون بالوالء‬
‫له واالقتدار التقني وااللتزام بأفكاره (باسرتاتيجيته األصيلة) التي استطاعت‬
‫حينها أن تحصل عىل فرصة حقيقية لتأخذ طريقها يف التطبيق عىل أرض الواقع‪.‬‬

‫التكليف باملهام‬

‫دومنا إغفال للهدف األسمى من اإلصالح الكبري الذي يعود عىل املستهلك‬
‫بالنفع‪ ،‬قام غوزمان بتشكيل ثالثة فرق من شأنها التعامل مع تحديات عديدة‪.‬‬
‫حيث كلف الفريق األول بفتح السوق‪ ،‬وتتمثل مهمته يف أن يركز جهوده عىل‬
‫العمل مع الربملان لصياغة مسودة قانون لالتصاالت يكفل هذه الغاية‪ ،‬وال‬
‫تقبل باالحتكارية‪ .‬وكان الهدف املنشود هو سهولة النفاذ إىل سوق االتصاالت‪،‬‬
‫باإلضافة إىل ضامن حقوق املستخدم من حيث الجودة والكفاءة‪ ،‬عىل أن يتم يف‬
‫نهاية املطاف صياغة هذه الخطوط العريضة للسياسة اإلجاملية يف إطار قانون‬
‫يقره الربملان‪.‬‬
‫أما الفريق الثاين فقد توىل مهمة تحديد كيفية خصخصة غواتيل‪ .‬فبينام كان‬
‫بيع طيف الرتددات اململوك للدولة يحتاج إىل انتظار القانون الذي يفتح سوق‬
‫االتصاالت‪ ،‬كان ينبغي الرد عىل الكثري من التساؤالت املطروحة سلفا‪ .‬وكانت‬
‫مهمة هذا الفريق تتمثل يف تحقيق ذلك من خالل العمل مع مجموعة من‬
‫الخرباء‪ ،‬ومن ضمهم مديرو املصارف االستثامرية واملستشارون املاليون‪.‬‬
‫وكان الفريق الثالث مسؤوال عن إدارة العمليات اليومية لغواتيل‪ ،‬ولذلك‬
‫قام غوزمان بتعيني جيوفاين موسيال (‪ )Giovanni Musella‬يف منصب املدير‬
‫املساعد يف هذه الرشكة‪ ،‬وهو املنصب الثاين لقيادة التنظيم اإلداري‪ .‬وكان‬
‫موسيال قد درس املنظومات الهندسية مع غوزمان يف جامعة (‪ ،)UFM‬حيث‬
‫كان من أصدقائه املقربني‪ ،‬وكانت لهذه العالقة الوثيقة أهمية كبرية‪ ،‬حيث‬
‫حرص موسيال عىل قراءة كل مذكرة أو عقد أو وثيقة استثامرية فأزاح عن كاهل‬
‫غوزمان هذا العبء ليتمكن من تركيز طاقاته عىل العمل مع الفريقني األولني‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫القسم األول‪ :‬إزالة الضوابط الحكومية يف سبيل فتح السوق‬

‫يف سنة ‪ ،1995‬وقبل انتخاب آرزو‪ ،‬انضمت أطراف جديدة إىل جهود التعامل‬
‫مع مشاكل كانت تحتاج إىل أن تحل قبل تحقيق اإلصالحات عىل أرض الواقع‪.‬‬
‫ولعب مركز األبحاث االقتصادية الوطنية (‪ )CIEN‬دورا مهام جدا يف هذا‬
‫املرشوع‪ ،‬حيث ركز جهوده عىل اإلمكانية الفعلية لتطبيق الخطة املعدة لتحرير‬
‫سوق االتصاالت‪ .‬ويعترب هذا املركز من مراكز الدراسات التي تتمتع بشهرة‬
‫واسعة وبعدم تحزبه‪ ،‬فقد أنشئ سنة ‪ 1981‬وأجرى أبحاثه يف مجال السياسات‬
‫العمومية‪ ،‬وكانت مواقفه واضحة يف تأييدها الدائم للسياسات القامئة عىل‬
‫اقتصاد السوق‪ .‬لقد تشكل فريق عمل هذا املركز من مجموعة من الكفاءات‬
‫عالية التأهيل‪ ،‬دأبت عىل اإلملام بكل ما هو جديد يف مجال اختصاصها‪.‬‬
‫وقد عمل مركز (‪ )CIEN‬خالل سنة ‪ 1995‬يف مجال اإلصالحات االقتصادية‬
‫التي كانت تحتاجها غواتيامال للسري يف طريق النمو‪ ،‬وكان هدف املركز يتمثل‬
‫يف تقديم مقرتحات محددة عملية متينة ميكن تطبيقها عىل يد اإلدارة الجديدة‬
‫التي تسلمت السلطة يف يناير ‪.1996‬‬
‫انضمت كارمني أوريزار (‪ )Carmen Urízar‬إىل فريق مركز (‪ )CIEN‬يف بداية‬
‫‪ ،1995‬وهي أيضا من خريجي جامعة (‪ )UFM‬حيث نالت شهادة البكالوريوس‬
‫يف االقتصاد‪ ،‬وكانت قد حصلت لتوها عىل شهادة املاجستري يف االختصاص نفسه‬
‫من جامعة كليمسون يف الواليات املتحدة األمريكية حيث تخصصت يف مجال‬
‫السياسات العمومية يف قطاعي الكهرباء واالتصاالت‪ .‬ورغم تلقيها لعرض عملٍ‬
‫ينص ُّب نحو مركز (‪،)CIEN‬‬
‫ُمغ ٍر يف رشكة دولية مهمة‪ ،‬إلاَ أن اهتاممها كان َ‬
‫فقررت أن تقبل عرضه بالعمل لعدة أشهر يف مجال اإلصالح يف قطاع االتصاالت‪،‬‬
‫ورسعان ما استحوذ هذا املجال عىل تفكريها واتخذت قرارا باستثامر كامل وقتها‬
‫لفهم املشكلة وإيجاد الحل املناسب لها‪.‬‬
‫بدأت أوريزار عملها بالتواصل مع آياو وإيبارغوين يف مركز الدراسات‬
‫االجتامعية واالقتصادية (‪ ،)CEES‬ومع غوزمان الذي كان ال يزال حينها برملانيا‬
‫يتبوأ أيضا عضوية اللجنة الربملانية لشؤون االتصاالت‪ .‬كام قامت أوريزار أيضا‬
‫بدراسة قوانني رشكات االتصاالت يف دول أخرى كتشييل وبريطانيا ونيوزيلندا‪.‬‬
‫ويف مارس ساعدتها (‪ ،)Ileana Pinto‬خريجة جامعة (‪ ،)UFM‬وتعمل يف‬

‫‪32‬‬

‫املرصف األمرييك للتنمية (‪ ،)Inter-American Development Bank‬عىل‬
‫اللقاء مع خوان بيلت (‪ )Juan Belt‬الذي كان يعمل يف الفرع الغواتياميل من‬
‫الوكالة األمريكية للتنمية الدولية (‪ .)USAID‬كان بيلت من خريجي جامعة‬
‫تشيكاغو‪ ،‬خبريا يف مجال الخصخصة ومنفتحا عىل األفكار الجديدة التي ميكنها‬
‫تحسني األداء يف العديد من الدول يف ذلك الوقت‪ .‬أصبحت صيغة االسرتاتيجية‬
‫الواجب اتباعها واضحة املعامل يف منتصف سنة ‪ ،1995‬إال أنه كان من الرضوري‬
‫إنهاء القانون املقرتح‪ ،‬كام كان يجب حتامً الحصول عىل تأييد رصيح من طرف‬
‫خرباء عامليني‪ ،‬حيث كان هذا التأييد رضوريا للحصول عىل الدعم املحيل‪ .‬ومن‬
‫مثة‪ ،‬بدأ النقاش حول هذه األفكار الجديدة مع خرباء مرموقني يف الواليات‬
‫املتحدة‪.‬‬
‫تدبر بيلت أمر سفر أوريزار وغوزمان إىل جامعة كاليفورنيا باركيل يف نوفمرب‬
‫‪ 1995‬ملناقشة أفكارهام اإلصالحية مع بروفيسور االقتصاد األورغوياين بابلو‬
‫سبيلر (‪ ،)Pablo Spiller‬وهو يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة تشيكاغو‪،‬‬
‫وكان من الخرباء ذوي املكانة والخربة العالية عىل مستوى العامل يف مجال سياسة‬
‫االتصاالت‪ .‬وكانت مواقفه األوىل إزاء مقرتحات أوريزار وغوزمان شبه تقليدية‬
‫وتتصف بالحذر‪ ،‬إذ كان سبيلر قلقا بالخصوص من الحاجة إىل قواعد واضحة‬
‫تسمح للمتنافسني بالتواصل املتبادل مع رشكة االتصاالت اململوكة للدولة‪ .‬كام‬
‫إن فكرة اإلصالح عىل أساس الفتح الكامل لحق النفاذ (من دون أية امتيازات‬
‫لالحتكارية السابقة ودون تقييد لقدرة الرشكات الجديدة عىل دخول السوق)‬
‫مل تكن من األفكار املألوفة أو املجربة‪ .‬لكن النقاش الحيوي مع زائريه من‬
‫غواتيامال مل يلبث أن أقنع سبيلر بأن هذه الفكرة الجديدة لإلصالح جديرة‬
‫باالهتامم‪ .‬وأدى دعمه الفكري إىل وضع املرشوع يف موقع جيد يؤهله للميض‬
‫قدما‪ ،‬فتعاقدت غواتيل مع سبيلر عىل أن تقوم وكالة (‪ )USAID‬بدفع قسم‬
‫من األجور االستشارية‪ .‬وبعد انطالق العملية اإلصالحية الحقا‪ ،‬وبعد إقرار قانون‬
‫االتصاالت الجديد وانتقال الفريق إىل خصخصة الرشكة االحتكارية اململوكة‬
‫للدولة‪ ،‬تم التعاقد مع توماس هازليت (‪ ،)Thomas Hazlett‬وهو من الخرباء‬
‫املرموقني أيضا وقد عمل يف ما سبق كبريا للخرباء االقتصاديني يف لجنة االتصاالت‬
‫الفيدرالية يف الواليات املتحدة‪ ،‬وكان حينها أستاذا يف جامعة كاليفورنيا دافيس‪.‬‬
‫وباعتباره من أشد املؤيدين لتحرير طيف الرتددات‪ ،‬قام هازليت بتقديم دعم‬

‫‪33‬‬

‫فكري إضايف لهذه املجهودات التي اتسمت بالجرأة‪.‬‬
‫وبعد اللقاء مع سبيلر يف كاليفورنيا‪ ،‬انعقدت لقاءات أخرى يف غواتيامال‬
‫ملناقشة القضايا التقنية والقانونية‪ .‬وقد حصل الفريق عىل دعم ألفارو‬
‫كاستيالنوس (‪ ،)Álvaro Castellanos‬الخبري القانوين املرموق‪ ،‬صاحب‬
‫العالقات داخل غرفة التجارة‪ ،‬الذي كان من أنصار أفكار الليربالية الكالسيكية‪،‬‬
‫َ‬
‫املسؤول عن وضع الصيغة القانونية للقانون الذي أصبح يف ما بعد‬
‫وقد كان‬
‫يُدعى «القانون العام لالتصاالت»‪.‬‬
‫حني َع َرض غوزمان حول املقرتح املبتكر عىل أهم الوكاالت يف املجتمع‬
‫الدويل‪َ ،‬خلُص أن دعم خوان بيلت ووكالة (‪ )USAID‬كانا يُشكالن استثنا ًء‪.‬‬
‫لقد كانت الجهات األخرى قلق ًة إزاء املقرتحات‪ ،‬ودفعت باتجاه بيع غواتيل‬
‫كرشكة احتكارية خاصة ميكن تنظيمها بحذر‪ .‬وقد فضل خرباء البنك الدويل‬
‫اتباع النموذج الكوستارييك‪ ،‬حيث كانت خدمات االتصاالت يف كوستاريكا حينها‬
‫أفضل من مثيالتها يف غواتيامال يف ظل التسيري من طرف رشكة احتكارية مملوكة‬
‫للدولة‪ .‬وكان خرباء املرصف الدويل للتنمية أقل ُمعارضة لإلصالح الجديد‪ ،‬إال‬
‫أنهم نظروا إليه عىل أنه أمر غري مألوف مل يُ َج َّرب قَطّ‪ .‬ويف امل ُ َح ّصلة‪ ،‬مل يكن‬
‫هناك تأثري لرأي الوكاالت الدولية‪ ،‬فقد أوضح غوزمان بأنه مل يَعرِض األمر عىل‬
‫أنظارها إال من باب اإلخبار فقط‪ ،‬وأن بالده ال تسعى للحصول عىل موافقتها‬
‫أو دعمها املايل‪.‬‬

‫التفاصيل التقنية‬

‫إن االنتقال من النمط املفاهيمي لإلصالح (خلق حقوق ملكية لطيف‬
‫الرتددات) إىل قانون قابل للتطبيق كان ينطوي عىل تحديات تثبط الهمم‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫االعتبارات التقنية‪ ،‬والتي تتضمن كيفية تحديد وقياس كل من استخدام طيف‬
‫الرتددات والتداخل الحاصل مع املستخدمني اآلخرين‪ ،‬وذلك باإلضافة إىل كيفية‬
‫التعامل مع التزامات املعاهدات الدولية‪ .‬كام كان هناك أيضا قضية معقدة‬
‫سياسيا تتمثل يف كيفية التعامل مع املستخدمني الحاليني لطيف الرتددات‪.‬‬
‫كان غوزمان يعلم بأن العديد من مستخدمي طيف الرتددات يتوزعون عىل‬
‫امتداد ترددات البث اإلذاعي‪ ،‬حيث يحصل مستخدمو الرتددات التي تتجاوز‬

‫‪34‬‬

‫‪ 800‬ميغاهريتز عىل ترخيص من غواتيل‪ ،‬أما مستخدمو الرتددات التي تقل عن‬
‫ذلك‪ ،‬وهو نطاق ذو قيمة كبرية يستخدم للبث اإلذاعي والتلفزيوين والكثري‬
‫من االتصاالت الالسلكية األخرى‪ ،‬فقد كان الرتخيص يُ َسلَّم لهم من طرف وزارة‬
‫الدفاع‪ ،‬األمر الذي يجعل هذه األخرية تتحكم يف العدد األكرب من املستخدمني‪.‬‬
‫إن سيطرة الجيش عىل الرتددات الق ّيمة يرجع تاريخه إىل زمن طويل‪ .‬كانت‬
‫غواتيامال تضع سنة ‪ 1996‬اللمسات الرسمية األخرية إلنهاء رصاع داخيل دموي‬
‫بدأ قبل ثالثة عقود ونصف‪ ،‬رصا ٌع كان يُنظَر من خالله إىل مسألة التحكم‬
‫باالتصاالت العمومية عىل أنها رضورة سياسية‪ .‬وعليه‪ ،‬فإن من ُمق ِّومات العهد‬
‫الجديد للسالم‪ ،‬أن تُزاح سيطرة الجيش عىل الرتددات لئال تشكل عقبة يف طريق‬
‫اإلصالح‪.‬‬
‫وما حدث بعد ذلك يصور لنا الدور املحوري الذي لعبه رئيس دولة يلتزم‬
‫بعمله‪ .‬فعندما رشح غوزمان هذا الوضع يف لقاء مع آرزو‪ ،‬أجرى الرئيس اتصاال‬
‫بوزير الدفاع ليأمره بنقل سجل مستخدمي الرتددات إىل غواتيل‪ ،‬فأصبحت‬
‫بذلك ت ُرشف عىل السجل وعىل الرتخيص يف ما يخص طيف الرتددات ِب ُر َّمته‪ .‬ويف‬
‫اليوم التايل‪ ،‬وصل غوزمان وفريق من غواتيل إىل وزارة الدفاع‪ ،‬فهرع املرشف‬
‫املنذهل إىل رؤسائه ليتحقق من صحة األمر ورسعان ما علم باألمر الرئايس‪،‬‬
‫وانهمرت دموع السكرتريات وهن يشاهدن موظفي غواتيل يعبئون شاحنتهم‬
‫بالصناديق ثم ينقلونها تحت حراسة مشددة إىل مقر الرشكة‪.‬‬
‫كانت أكوام الصناديق املليئة بالرتاخيص ت ُشَ كِّل مهمة شاقة‪ ،‬فقام غوزمان‬
‫بتجنيد موظف خبري ودقيق ملراجعة الرتاخيص واحدا واحدا‪َ .‬خلُص هذا‬
‫املوظف إىل أن األغلبية الساحقة من الوثائق مل تَرت َكز عىل أي ٍ‬
‫سند قانوين‪ ،‬أما‬
‫الرتاخيص املقبولة فهي بالكاد متأل مكتباً صغريا ً‪ .‬لقد دأب معظم مستخدمي‬
‫طيف الرتددات طيلة سنني‪ ،‬يف غفلة من اآلخرين‪ ،‬عىل العمل دون استيفاء‬
‫الرشوط القانونية‪ ،‬لكن القانون الجديد من شأنه قلب املوازين‪.‬‬
‫استقبل كل من غوزمان وآرزو العديد من املستخدمني عىل إثر ذلك‪ ،‬إال‬
‫أن ردهام كان واحدا ً‪ ،‬فمن مل يكن قد استوىف الرشوط القانونية الستخدام‬
‫طيف الرتددات يتوجب عليه اآلن أن يستوفيها يف ظل القواعد الجديدة‪ ،‬فالحق‬
‫باستخدام طيف الرتددات متاح مجانا لكل من يطلبه‪ ،‬أما إذا أراد أكرث من طرف‬

‫‪35‬‬

‫واحد أن يستخدم النطاق نفسه ألغراض تجارية‪ ،‬فسيكون تخصيص الحق عرب‬
‫مزا ٍد يفوز به من يقيّم هذا النطاق بقيمة تتجاوز تقييامت اآلخرين‪.‬‬

‫القانون العام لالتصاالت‬

‫كان مرشوع قانون االتصاالت الجديد جاهزا منذ اليوم الذي تسلم فيه آرزو‬
‫منصب الرئاسة‪ ،‬ومع ذلك فإن العمل عىل مترير املقرتح يف الربملان استلزم قيادة‬
‫وتعاونا مع الربملان‪ .‬وقعت هذه املهمة عىل عاتق ماريو روبرتو باز (‪Mario‬‬
‫‪ ،)Roberto Paz‬وهو عضو يف الربملان عن حزب (‪ )PAN‬وكان ميتهن الهندسة‬
‫قبل ذلك‪ ،‬واألهم من ذلك أنه كان يشغل منصب رئيس لجنة االتصاالت يف‬
‫الربملان‪ .‬وكان باز هو من استثار اهتامم زمالئه بالقانون املقرتح‪ ،‬ومن استطاع‬
‫يف النهاية حثهم عىل التصويت لصالحه‪.‬‬
‫استفاد باز من عاملَني صبا يف مصلحته‪ .‬يتمثل األول يف أن حزبه حصل عىل‬
‫الرئاسة وعىل أغلبية نسبية يف الربملان‪ ،‬ولهذا مل يكن يحتاج إال إىل القليل من‬
‫العمل الحزيب يك مينح آرزو انتصارا برملانيا يف فقرات القانون التي يحتاج إقرارها‬
‫أكرثية بسيطة‪ ،‬والثاين أن طبيعة القانون املقرتح مل ترث الهواجس التي تثريها‬
‫مناقشة قضايا الرضائب أو امليزانية‪ .‬فاإلصالح يف مجال االتصاالت بطبيعته‬
‫تعامل مع موضوعات مجردة كرتددات البث وهو ما مل يكن يشغل بال معظم‬
‫الربملانيني‪ .‬وهكذا نجح باز يف مهمته‪ ،‬وتم مترير القانون يف الربملان تحت اسم «‬
‫القانون ‪ »94-96‬يف ‪ 17‬أكتوبر ‪ .1996‬وأجريت عليه تعديالت الحقة يف العامني‬
‫‪ 1998‬و‪.2004‬‬
‫احتوى القانون ‪ ،94-96‬أو قانون االتصاالت العام‪ ،‬عىل فقرات وصل عددها‬
‫إىل ‪ ،101‬وجاء يف مقدمته‪:‬‬
‫«من الرضوري خلق إطار قانوين يتكون من ضوابط عامة تسمح باالستغالل‬
‫الكفء لِطَيف الرتددات الالسلكية‪ ،‬ومنع االستغالل واالستخدام االجتهادي‪،‬‬
‫وتفضيل التزويد بالخدمات عرب التنافس الحر»‪.‬‬

‫وأوردت الفقرة األوىل من القانون تفاصيل ذلك‪:‬‬
‫«من أجل دعم وتعزيز التطوير الكفؤ لالتصاالت‪ ،‬وتحفيز االستثامر يف‬

‫‪36‬‬

‫هذا القطاع‪ ،‬وتشجيع التنافس بني مختلف املجموعات أو األشخاص ممن‬
‫يقدمون خدمات االتصاالت‪ ،‬وحامية حقوق املستخدمني والرشكات التي‬
‫تقدم خدمات االتصاالت‪ ،‬ودعم االستخدام العقالين الكفؤ لطيف الرتددات‬
‫‪23‬‬
‫الالسلكية»‪.‬‬

‫واحتوت هذه الفقرة عىل املبادئ التوجيهية العامة لفتح هذا القطاع بشكل حقيقي‪،‬‬
‫ومنها التسليم بأهمية الضوابط العامة يف مداها‪ ،‬وبالحاجة إىل إنشاء قواعد ت ُ َحبِّذ املنافسة‪،‬‬
‫وبقيمة السوق كوسيلة لضامن الكفاءة ورفاهية املستهلك‪ .‬وجاءت الفقرات التالية‬
‫لتتعامل مع نقاط معينة تضمن التطبيق الفعيل لهذه املبادئ‪.‬‬
‫وقد دعا القانون إىل إنشاء مكتب اإلرشاف عىل قطاع االتصاالت (‪،)SIT‬‬

‫‪24‬‬

‫ِ‬
‫املستخدمني للشبكة‪،‬‬
‫وح ّدد اإلجراءات املتبعة لتبادل االتصاالت بني مختلف‬
‫كام حدد حق الوصول إىل املوارد الرضورية لفعل ذلك‪ 25،‬وح ّرر طيف الرتددات‬
‫وأسس لعمليات‬
‫الالسلكية عرب منظومة من حقوق االنتفاع امل ُشار إليها سابقا‪ّ 26،‬‬
‫ت َ ُحل إشكالية التداخل يف استعامل طيف الرتددات‪ 27،‬وأنشأ صندوقا لتمويل‬
‫‪28‬‬
‫الخدمات يف املناطق الريفية‪.‬‬

‫إنشاء جهاز تنظيمي جديد لقطاع التصاالت‬

‫يحدد القانون الجديد مكتب اإلرشاف عىل قطاع االتصاالت (‪ )SIT‬ككيان‬
‫منفصل داخل وزارة االتصاالت‪ .‬فعىل الرغم من أنها مستقلة إداريا‪ ،‬إال أن‬
‫هذه الوكالة التنظيمية ال تتمتع باالستقالل الذايت الكامل‪ ،‬وكان غوزمان وفريقه‬
‫يرغبان بأن يتمتع مكتب (‪ )SIT‬بهذه االستقاللية‪ ،‬لكن رغبته كانت تحتاج إىل‬
‫موافقة أكرثية الثلثني يف الربملان‪ ،‬وهو مستوى من التأييد السيايس مل يكن من‬
‫املستطاع الوصول إليه حينها‪ ،‬أما الرتكيبة البديلة ملكتب (‪ )SIT‬فكانت تحتاج‬
‫إىل األكرثية البسيطة فقط‪ ،‬وهو ما أمكن تحقيقه من أجل مترير القانون الجديد‬
‫عمل غوزمان وفريقه خارج أوقات العمل الرسمية ليضمن أنه يف حال‬
‫‪  23‬النصان السابقان مجتزآن من قانون االتصاالت العام (القانون ‪( )94-96‬م‪.)22‬‬
‫‪  24‬قانون االتصاالت العام؛ املادة الثانية‪ ،‬الفقرات ‪.5-21‬‬
‫‪  25‬املصدر السابق؛ املادة الثالثة‪ ،‬الفقرات ‪.26-40‬‬
‫‪  26‬املصدر السابق؛ املادة الرابعة؛ الفقرات ‪.50-70‬‬
‫‪  27‬املصدر السابق؛ املادة الرابعة‪ ،‬الفقرة ‪.53‬‬
‫‪  28‬املصدر السابق؛ املادة الخامسة‪ ،‬الفقرات ‪.71-77‬‬

‫‪37‬‬

‫مل تتمكن الوكالة من الحصول عىل االستقالل الذايت‪ ،‬فإن صالحيتها يجب أن‬
‫ت ُح َّدد بعناية‪ ،‬وخاصة أن تكون سلطاتُها محدودة‪ ،‬والنقطة األخرية ذات أهمية‬
‫مصريية‪ .‬وكان غوزمان وزمالئه عىل اطالع كبري بالسلطة التي تعطيها معظم‬
‫الدول ألجهزة تنظيم قطاع االتصاالت‪ ،‬حيث يستطيع القامئون عليها أن يتصلوا‬
‫مبارشة بأي من رؤساء أكرب وأقوى رشكات الخدمات الهاتفية يف هذه الدول‪،‬‬
‫لكنهم أرادوا أن يكون الوضع يف غواتيامال مختلفا عن ذلك‪.‬‬

‫اشرتاط الرتابط بني الشبكات‬

‫نص القانون أيضا عىل إنشاء سياسة واضحة يف ما يتعلق بتعزيز الرتابط بني‬
‫الشبكات‪ .‬وكان هذا األمر مهام لتشجيع التنافس املكثف يف هذا القطاع منذ‬
‫البداية‪ ،‬وبخالف ذلك سيتوجب عىل كل قادم جديد أن يبني شبكته من الصفر‪،‬‬
‫وكان يُعتقد بأن هذا سيؤدي إىل زيادة كبرية يف االستثامرات التأسيسية الالزمة‪،‬‬
‫وإعاقة توسع خدمات االتصاالت‪ ،‬والسامح لغواتيل باستغالل موقعها يف السوق‪.‬‬
‫ووفقا لذلك‪ ،‬فقد اشرتط القانون التفاوض بحرية عىل الرتابط بني الشبكات‪ ،‬وإذا‬
‫مل يُ ِ‬
‫فض التفاوض إىل نتيجة فقد تُرك الحكم ملنظومة تحكيم بارعة‪ .‬وهكذا يقوم‬
‫كال الطرفني‪ ،‬مالك الشبكة واملتقدم بالطلب‪ ،‬بطرح عروضهام‪ ،‬ويتم تعيني خبري‬
‫إلعطاء رأي مستقل حول السعر املنصف للرتابط ويتم اختيار العرض األقرب‬
‫إىل رأي الخبري‪ .‬إن عدم تعديل العروض بغية الوصول إىل حل وسط من شأنه‬
‫أن يجرب الطرفني ضمنا عىل تقديم عروض معقولة بدال من عروض متطرفة‪،‬‬
‫فالعروض املتطرفة تعود عىل صاحب العرض باملنفعة حني تعديلها للوصول إىل‬
‫حل وسط‪ 29،‬وهذه العملية تدعى يف الواليات املتحدة حاليا «تحكيم البيسبول»‪.‬‬

‫فتح السوق‬

‫من العنارص األكرث أهمية يف القانون الجديد احتواؤه عىل بنية سوق مفتوح‬
‫تبذل كل جهد ممكن للقضاء عىل معوقات الدخول إىل الخدمات املختلفة‪،‬‬
‫حيث يُشكِّل التنافس الحر النقطة األساسية‪ .‬وقد ذُكر ذلك بوضوح يف فقرة‬
‫«قواعد التشغيل» الذي جاء فيه‪:‬‬
‫‪  29‬املصدر السابق؛ الفقرات ‪.33-38‬‬

‫‪38‬‬

‫«حرية التنافس‪ :‬إن رشوط التعاقد وأسعار أي نوع من خدمات االتصال‬
‫التجارية يتم تحديدها بحرية من قبل األطراف‪ ،‬ولن تكون عرضة ألي‬
‫ضوابط أو موافقات من سلطات الدولة‪ ،‬إال يف ما يتعلق بحق الوصول إىل‬
‫‪30‬‬
‫املوارد األساسية‪ ،‬والتي تعترب عرضة للتعاقد بحسب هذا القانون»‪.‬‬

‫والعنرص الحاسم الذي يتيح حرية التنافس هو إنشاء حقوق انتفاع (‪)TUF‬‬
‫متنح حاملها حق استخدام طيف الرتددات‪ .‬وعندما تكون هذه الحقوق جاهزة‬
‫عند الطلب (أو يجرى عليها مزاد علني يف حالة تعدد الطلبات) فإنها تتيح‬
‫معاملة طيف الرتددات كمعاملة أي سلعة اقتصادية‪ ،‬أي أن يكون قابال للبيع‬
‫والرشاء واإليجار والتقسيم واالرتهان ‪...‬إلخ‪ 31.‬ولن يصبح بعدها من الرضوري‬
‫أن تقوم الحكومة بتقرير من يحصل عىل نطاقات طيف الرتددات أو كيفية‬
‫استخدامها باستثناء مجموعة صغرية من القواعد شديدة التعميم ملنع التداخل‪،‬‬
‫وبدال من ذلك ميكن طلب وتحصيل حق الحصول عىل هذه النطاقات برسعة‬
‫وبساطة وبشكل مبارش‪.‬‬

‫إنشاء حقوق امللكية املتعلقة بطيف الرتددات‬

‫يف ما يتعلق بتنظيم استخدام طيف الرتددات‪ ،‬يتميز قانون االتصاالت‬
‫الغواتياميل عن نظرائه يف معظم الدول األخرى بهذا اإلنشاء لشبه حقوق ملكية‬
‫لهذا املورد من خالل استخدام أسلوب حقوق االنتفاع (‪ .)UTF‬ففي الواليات‬
‫املتحدة األمريكية وعدد من الدول األخرى تقوم الحكومة مبنح حقوق أضعف‬
‫بكثري يف ما يخص طيف الرتددات‪ .‬ومبوجب ذلك‪ ،‬تقرر الحكومات وفق النمط‬
‫التقليدي متى تكون الحقوق املتعلقة بنطاقات معينة متاحة باإلضافة إىل كيفية‬
‫استخدام هذه النطاقات‪ ،‬لكن األمر يف غواتيامال يختلف عن ذلك‪.‬‬
‫ينقسم طيف الرتددات يف غواتيامال إىل ثالثة أصناف من النطاقات‪ :‬األول‬
‫مخصص للمشغلني الهواة‪ ،‬والثاين “محجوز” لالستخدامات الحكومية‪ ،‬والثالث‬
‫يحدد نطاقات “منظمة” لالستخدام التجاري‪ 32.‬ويجب عىل املستخدمني‬
‫التجاريني الذين يشغلون خدماتهم عىل النطاقات املنظمة‪ ،‬كمقدمي خدمات‬
‫‪  30‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.22‬‬
‫‪  31‬إطار مفاهيمي للتنظيم االقتصادي يف غواتيامال‪ :‬كارمني أوريزار (م‪.)23‬‬
‫‪  32‬قانون االتصاالت العام؛ الفقرة ‪.51‬‬

‫‪39‬‬

‫اإلذاعة والتلفزيون والهاتف النقال واالنرتنت النقال واالتصال عرب األقامر‬
‫الصناعية‪ ،‬أن يحمل كل مستخدم منهم حق انتفاع (‪ )TUF‬يصدره مكتب‬
‫اإلرشاف عىل قطاع االتصاالت (‪.)SIT‬‬
‫وكانت املتطلبات الالزمة للحصول عىل حقوق االنتفاع بسيطة‪ ،‬تتمثل‬
‫يف تقديم طلب إىل مكتب (‪ )SIT‬يح َّدد فيه مدى أو نطاق معني من طيف‬
‫الرتددات‪ ،‬وساعات التشغيل‪ ،‬واملنطقة الجغرافية التي يجري فيها التشغيل‪،‬‬
‫وقوة البث‪ .‬وإذا كان هناك طرفان أو أكرث يرغبان يف الحصول عىل حق انتفاع‬
‫للموجة نفسها فسيقوم مكتب (‪ )SIT‬بدعوة كافة األطراف املهتمة إىل املشاركة‬
‫يف “مزاد علني للموجة املطلوبة‪ ،‬ورمبا يلجأ إىل تقسيمها يف سبيل تعزيز التنافس‬
‫‪33‬‬
‫يف سوق االتصاالت”‪.‬‬
‫إن حقوق االنتفاع نفسها تتسم بالبساطة‪ ،‬فهي وثيقة تتكون من صفحة‬
‫واحدة تحتوي عىل‪ :‬تاريخ اإلصدار‪ ،‬واسم صاحب الحق‪ ،‬ومساحة فارغة‬
‫للموافقات‪ ،‬ومعلومات تقنية أساسية كساعات االستخدام‪ ،‬والنطاق الجغرايف‬
‫للتشغيل‪ ،‬وقوة البث‪ 34.‬ويتم منح الحقوق ملدة خمسة عرش سنة قابلة للتجديد‬
‫دون تكاليف إضافية‪ ،‬إال إذا كان مكتب (‪ )SIT‬ميتلك إثباتا عىل أن “الحق مل‬
‫يتم استخدامه بأي شكل من األشكال خالل املدة التي مارس فيها املالك حق‬
‫االنتفاع”‪ 35.‬وأخريا‪ ،‬وعىل القدر نفسه من األهمية يف ظهور سوق تنافيس‪ ،‬فإن‬
‫الوثيقة ما إن تصدر حتى يصبح كل حق انتفاع قابال للتأجري أو نقل امللكية‬
‫‪36‬‬
‫بشكل جزيئ أو كيل‪.‬‬

‫حل الخالفات التي تنشأ حول استخدام طيف الرتددات‬

‫ينص القانون عىل أن مكتب اإلرشاف عىل قطاع االتصاالت (‪ )SIT‬يجب‬
‫عليه أن يستجيب فور استالم شكوى من مستخدم رشعي تتعلق بحاالت‬
‫التداخل‪ .‬حيث يُق ِّدم حامل حق االنتفاع شكوى بالتداخل‪ ،‬عىل أن تكون هذه‬
‫‪  33‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.61‬‬
‫‪  34‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪ .57‬انظر‪ :‬صورة وثيقة حقوق االنتفاع يف ملحق الكتاب‪.‬‬
‫‪  35‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.58‬‬
‫‪  36‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.55‬‬

‫‪40‬‬

‫الشكوى ُمه َّيئَة عىل يد خبري تقني موثوق‪ 37،‬ثم يقوم املكتب بإعالم الطرف‬
‫املتهم بالتداخل‪ ،‬ويعطى مهلة عرشة أيام لالستجابة للشكوى بتهييء تقريره‬
‫التقني‪ ،‬وعند استالم الرد يجب عىل املكتب أن يصدر النتيجة خالل عرشة أيام‪،‬‬
‫وإذا وجد بأن أحد األطراف قد انتهك حقوق حامل حق االنتفاع‪ ،‬فعندها يطلب‬
‫‪38‬‬
‫منه التوقف عن البث ويُطالبه بدفع غرامة‪.‬‬

‫استثناء بعض املستخدمني‬

‫تم التوصل يف حالة جهات البث اإلذاعي والتلفزيوين التي تستخدم فعال‬
‫ترددات مرشوعة وفقا للمنظومة القدمية‪ ،‬إىل قرار يقيض بتحويل حقوقها إىل‬
‫حقوق انتفاع عند انتهاء صالحية الحقوق الحالية؛ فنظرا للسلطة السياسية التي‬
‫ميتع بها بعض مستخدمي طيف الرتددات ورفضهم القاطع للمشاركة يف املزادات‬
‫من أجل الحصول عىل حقوق االنتفاع بشأن املوجات التي يستخدمونها‪ ،‬صيغ‬
‫قرار سيايس يقبل طلب هؤالء املستخدمني بأن يحصلوا عىل حقوق راسخة‬
‫باستخدام طيف الرتددات‪.‬‬
‫هامش‪ :‬خمس حريات والتزام واحد‬

‫[بعد مدة من الزمن وعدة نقاشات‪ ،‬جاء اإلطار الجديد ليشمل ما وصفه‬
‫ألفريدو غوزمان بأنه «خمسة حريات والتزام واحد»‪ ،‬وهو يقبل التطبيق‬
‫عىل كافة املزودين يف السوق‪ ،‬وانعكس يف النهاية عىل قانون االتصاالت‬
‫الجديد‪:‬‬

‫الحريات‪:‬‬

‫حرية الدخول والخروج‪ :‬يجب أن ال تكون هناك أية رشوط تفرض عىل‬
‫املستخدمني يف ما يتعلق بالدخول إىل سوق بعينه‪ ،‬كام ال ميكن االشرتاط‬
‫عليهم بأن يبقوا يف السوق ملدة معينة‪.‬‬
‫التسعري‪ :‬أسعار الخدمة يجب أن ال تكون عرضة للتنظيم الحكومي‪.‬‬
‫التكنولوجيا‪ :‬يجب أن يكون املزود حرا يف استخدام التكنولوجيا التي‬
‫يرغب بها (أقدمت الواليات املتحدة عىل تحديد التكنولوجيا املستخدمة يف‬
‫‪  37‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.53‬‬
‫‪  38‬املصدر السابق؛ الفقرات ‪.81-84‬‬

‫‪41‬‬

‫االتصاالت النقالة قبل عقد من الزمن عىل هذا املنوال)‪.‬‬
‫التغطية الجغرافية‪ :‬يسمح للمزود بأن يشغل الخدمة يف أي منطقة يختارها‬
‫(يف ذلك الوقت كانت العديد من الدول تحاول توسيع التغطية عرب اشرتاط‬
‫تقديم الخدمات يف مناطق ال تعود بالربح عىل مزودي الخدمة)‪.‬‬
‫اسرتاتيجية السوق والرشكة‪ :‬لن يكون هناك أي ضوابط حكومية تحدد منط‬
‫العمل الذي يتبعه مزود الخدمة‪.‬‬

‫االلتزام‪:‬‬

‫يشرتط عىل املزود أن يقدم إمكانية الربط مع شبكته‪ ،‬وذلك للحيلولة دون‬
‫حدوث أي سلوك مضاد للتنافس من قبل رشكة غواتيل الحالية‪].‬‬

‫إنشاء صندوق متويل لتزويد الخدمات يف املناطق الريفية‬

‫يجب التنويه يف النهاية إىل أن القانون الجديد قد حاول التعامل مع التخوف‬
‫من إمكانية عدم استفادة املناطق الريفية أو مجموعات بعينها من خدمات‬
‫االتصال يف ظل نظام السوق ذي التنافسية العالية‪ .‬وقد استجاب القانون الجديد‬
‫لهذه الهواجس من خالل إنشاء صندوق تطوير االتصاالت (فونديتي ل �‪FON‬‬
‫‪ )DETEL‬من أجل “تعزيز تطوير الخدمات الهاتفية يف املناطق الريفية و‪/‬أو‬
‫املناطق الحرضية ذات الدخل املنخفض”‪ 39.‬شكَّل مردود مزاد حقوق االنتفاع‬
‫بطيف الرتددات» خالل السنوات الثامنية األوىل من إقرار القانون نسبة ‪70‬‬
‫‪ %‬من مصادر التمويل‪ 40،‬حيث تم إنفاق هذا املال عىل مرشوعات تقرتحها‬
‫جهات عمومية أو خاصة مصممة خصيصا لتقديم الخدمات الهاتفية يف املناطق‬
‫الريفية واملناطق ذات الدخل املنخفض‪ ،‬وتطلب هذا األمر خلق آلية للتقييم‬
‫‪41‬‬
‫والتطبيق الفعال للمرشوعات املمولة من املزادات العمومية‪.‬‬
‫كانت رشكة سريفيسيوس ساتياليتاليس (‪ )Servicios Satelitales‬من بني‬
‫الجهات التي حصلت عىل دعم صندوق (فونديتيل)‪ ،‬وهي رشكة خاصة ربحت‬
‫مناقصة إلنشاء خدمة اتصاالت هاتفية يف مناطق نائية منخفضة الدخل يف‬
‫‪  39‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.71‬‬
‫‪  40‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.72‬‬
‫‪  41‬املصدر السابق؛ الفقرة ‪.77‬‬

‫‪42‬‬

‫مختلف املحافظات باستخدام منظومة االتصال باألقامر الصناعية‪ .‬الطلب‬
‫عىل هذه الخدمات كان يتم تلبيته بشكل متنام عرب التوسع الرسيع لخدمة‬
‫االتصاالت النقالة التي يقدمها املشغلون الحاليون يف السوق‪ ،‬حتى أصبح هؤالء‬
‫يقدمون تغطية محلية واسعة تصل إىل أبعد املناطق‪ ،‬وأصبح صندوق فونديتيل‬
‫يركز اليوم جهوده عىل تقديم خدمة انرتنت ذات النطاق العريض( (�‪Broad‬‬
‫‪ )band‬للمستخدمني يف املحافظات التي ال متتلك حتى اآلن منفذا إىل خدمات‬
‫كافية لألغراض التجارية‪.‬‬
‫هامش‪ :‬مقاربات أخرى تقوم عىل مبدأ السوق تم اقرتاحها أيضا‬

‫[زيادة عىل ما سبق‪ ،‬هناك مقاربتان تم اقرتاحهام أيضا إلجراء إصالح يقوم‬
‫عىل مبدأ السوق‪ ،‬لكنهام مل تجدا طريقهام إىل نص قانون االتصاالت الجديد‬
‫يف غواتيامال‪.‬‬
‫كان املقرتح األول الذي تقدم به جيانكارلو إيبارغوين يعزز حق عدم‬
‫التداخل‪ .‬فعىل العكس حقوق االنتفاع (‪ )FUT‬الشبيهة بحقوق امللكية‪ ،‬ال‬
‫يعطي حق عدم التداخل ألي طرف حقا حرصيا يف استخدام موجة بعينها‬
‫من موجات طيف الرتددات‪ ،‬وإمنا ميلك كل طرف مجرد الحق باستخدام‬
‫موجة بعينها دون التسبب بتداخل ضار‪.‬‬
‫وكام الحظ إيبارغوين الحقا‪ ،‬فإن هذا املقرتح من شأنه أن يتيح املجال أكرث‬
‫إلمكانية االبتكار يف استخدام طيف الرتددات‪ ،‬حيث ميكن للمستخدم املبتكر‬
‫أن يطور تقنيات جديدة الستخدام املوجات “اململوكة” ألطراف أخرى‪ ،‬عىل‬
‫أساس حق عدم التداخل‪ ،‬بدال من انتظار اإلذن من صاحب حق االنتفاع‬
‫(‪ .)FUT‬ولكن هذا املقرتح اعتُرب بأنه يختلف كثريا عن أي منوذج معروف‪،‬‬
‫ولذلك مل يتم القبول به‪.‬‬
‫وفيام يخص فرض حقوق استخدام طيف الرتددات أشار توماس هازليت إىل‬
‫أن قانون االتصاالت الجديد كان مصمام للتخلص إىل أقىص حد ممكن من‬
‫احتامل الرجوع إىل اجتهاد املرشعني‪ ،‬والذين يتعرضون إىل مراقبة السياسيني‪.‬‬
‫وأشار هازليت إىل أن تطبيق القواعد مبقدار ضئيل أو معدوم من االجتهاد‬
‫سيحدث عىل النحو األفضل إذا كان القانون يحتوي عىل دور ملحكمة وليس‬
‫لوكالة تنظيمية‪ ،‬ولذلك فقد تساءل عام إذا كان من األفضل تكليف محكمة‬
‫مختصة بهذه املهمة‪ .‬وقد اعتُرب مقرتح هازليت أيضا بأنه يختلف كثريا وأنه‬
‫غري عميل يف نهاية املطاف‪ ،‬فهو يستلزم وجود منظومة قضائية تعمل عىل‬
‫قدر مقبول من الكفاءة‪ ،‬وهو ما كانت غواتيامال تفتقر إليه‪].‬‬

‫‪43‬‬

‫القسم الثاين‪ :‬خصخصة غواتيل‬

‫عندما تم مترير قانون االتصاالت العام يف نهاية السنة األوىل من عمر إدارة‬
‫آرزو‪ ،‬كان من الواضح أن تقدما عظيام قد أحرز يف مجال تأسيس إطار تنظيمي‬
‫يسمح بظهور سوق مزدهر‪ .‬وكان هذا األمر صحيحا بالخصوص يف سوق‬
‫االتصاالت النقالة‪ ،‬والذي كان يف طريقه لفتح أبوابه أمام التنافس املحتدم الذي‬
‫يتيح التوسع الرسيع يف التغطية وانخفاض األسعار‪ ،‬ومن هذه الناحية كانت‬
‫األرضية الالزمة ُم َه َّيأة‪ ،‬لكن القسم الثاين من االسرتاتيجية كان يجب تطبيقه من‬
‫أجل فتح السوق بشكل حقيقي‪ ،‬فخصخصة رشكة غواتيل باتت رضورة ُملِ َّحة‪.‬‬
‫واجه غوزمان‪ ،‬باعتباره املدير العام لغواتيل‪ ،‬مهمة شاقة‪ .‬فمن أجل‬
‫خصخصة هذه الرشكة توجب عليه أن يتوصل إىل أوسع توافق ممكن‪ ،‬وإال‬
‫فإن عقبات سياسية خطرية ستهدد عملية بيعها‪ ،‬ولذلك ركز غوزمان يف عمله‬
‫عىل هدفني أساسيني‪ .‬تجىل أولهام يف إقناع موظفي الرشكة بأن الخصخصة أمر‬
‫رضوري وأن حقوقهم الوظيفية مكفولة‪ ،‬أما ثانيهام فكان استاملة الرأي العام‬
‫وتحصيل الدعم للفكرة‪ .‬وقد أدى ذلك إىل ت َولُّد مناخ سيايس استطاع منع أي‬
‫صوت معارض من تغيري مجرى األحداث‪.‬‬

‫الرتويج لإلصالح بني النقابات‬

‫عىل الرغم من أن غوزمان كان ميتلك كال من الدعم القانوين والحجج‬
‫االقتصادية التي يحتاجها للنجاح يف مهمته‪ ،‬فإن مفاوضاته مع كوادر غواتيل مل‬
‫تكن سهلة‪ .‬فقد كان الدعم القانوين متوفرا بفضل قانون أقرته أكرثية األصوات‬
‫يف الربملان مع بداية والية آرزو‪ .‬كان هذا القانون يفرض عىل موظفي القطاع‬
‫العام مراعاة الرشوط القانونية الرسمية قبل الدخول يف أي إرضاب‪ ،‬بل إن‬
‫املراجعة القانونية كانت رشطا مسبقا إلرضابات القطاع العام‪ .‬ولذلك فإن‬
‫قادة نقابات عامل القطاع العام ممن مل يستطيعوا تحقيق هذا الرشط‪ ،‬كانوا‬
‫يخاطرون بالتعرض للمالحقة القانونية‪ ،‬وهذا يعني عقوبة السجن يف حال‬
‫اإلدانة‪ .‬فاحتفظ املوظفون بحقهم يف اإلرضاب مبوجب القانون الجديد وحصل‬
‫مديرو الرشكات العمومية‪ ،‬من أمثال غواتيل‪ ،‬عىل مجال للتفاوض‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫استخدم غوزمان هذا القانون يف اإلعداد بعناية لحجج اقتصادية يطرحها‬
‫أمام كوادر غواتيل ومن ميثل العاملني من قادة النقابات‪ ،‬وبدأ أوال بطلب‬
‫مساعدتهم يف إجراء حسابات أساسية اعتامدا عىل ما ميتلكه هؤالء الكوادر من‬
‫خربات وبيانات‪ ،‬فالبيانات املقدمة كانت دليال قويا ت ُؤيِّد حجج غوزمان‪.‬‬
‫كان الهدف األسمى إلدارة آرزو يتمثل يف التلبية الرسيعة لِطَلَبات ُمرتاكمة‬
‫يصل حجمها ملليون خط هاتفي عىل امتداد البالد‪ ،‬وكان من الواضح أن من‬
‫املستحيل القيام بذلك عرب رشكة احتكارية مملوكة للدولة استطاعت بالكاد‬
‫إنشاء ‪ 290,000‬خط هاتفي خالل خمسة وعرشين سنة‪ .‬ناهيك عىل أن ‪80%‬‬
‫من هذه الخطوط متركزت يف العاصمة‪ ،‬ويضاف إىل هذا عامل أكرث يبعث عىل‬
‫الدهشة‪ ،‬إذ وصلت تكلفة تركيب الخط الجديد إىل ‪ 2,000‬دوالر‪ ،‬أي أن تكلفة‬
‫تركيب الخطوط املليون اإلضافية ستصل إىل حوايل امللياري دوالر كرأسامل‬
‫ُمستَث َمر‪ ،‬وهو ما يكاد يساوي امليزانية السنوية للحكومة‪ .‬وال شك يف أن غواتيل‬
‫مل تكن متتلك هذه املبالغ امل ُهوِلة‪ ،‬ومل تكن تنتظر من الحكومة أن تخصص لها‬
‫ميزانية بهذا الحجم‪ ،‬ولذلك مل يكن هناك‪ ،‬ببساطة‪ ،‬أي سبيل لتحقيق هدف‬
‫مليون خط هاتفي جديد من دون االستعانة باستثامر رأساميل تقوم به الرشكات‬
‫الخاصة‪.‬‬
‫حاجج غوزمان بوضوح ودقة بأن بقاء الرشكة يقتيض تحقيقها ألرباح ت ُغطِّي‬
‫معظم األموال الالزمة للوصول إىل هدف تركيب مليون خط هاتفي جديد‪،‬‬
‫وأنه إذا أرادت كسب الرهان‪ ،‬يتوجب عىل الكوادر وممثيل النقابات أن يجعلوا‬
‫نجاح الرشكة أولوية مشرتكة بينهم جميعا‪ .‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬تعامل غوزمان‬
‫مع مخاوف املوظفني وقادتهم النقابيني بكثري من الحكمة عرب خلق محفزات‬
‫لدعم الخصخصة‪ ،‬فمصلحة االمتالك لدى املوظفني من شأنها أن تلعب عامال‬
‫أساسيا يف ترتيب املحفزات بني غواتيل وموظفيها‪.‬‬

‫الرتويج لإلصالح بني العموم‬

‫استمرت غواتيامال خالل سنة ‪ 1996‬سوقا تهيمن عليه غواتيل كبائع‬
‫وحيد للخدمات الهاتفية السلكية‪ ،‬وكومسيل كبائع وحيد للخدمات الهاتفية‬
‫الالسلكية‪ .‬وقد حاولت إدارة الرئيس السابق ليون كاربيو أن تعني رخصة ثانية‬

‫‪45‬‬

‫الستخدامها يف مجال االتصاالت الالسلكية (التقنية الخلوية يب بلوك ‪،)B Block‬‬
‫بفتح باب التنافس مع كومسيل‪ ،‬فاختارت لجنة االختيار أحد الجهات التي‬
‫تقدمت بعروضها‪ ،‬لكن مجلس إدارة غواتيل‪ ،‬والذي كان يسيطر عىل العملية‬
‫بشكل كامل‪ ،‬رفض هذا االختيار‪.‬‬
‫وادعى املتقدم الثاين يف ترتيب العروض بأن القانون ينص عىل أنه يحق له‬
‫الحصول عىل الرخصة بعد استبعاد العرض األول‪ ،‬لكن مجلس إدارة غواتيل أعاد‬
‫عملية االختيار ومنح الرخصة ملتقدم آخر‪ .‬وعندما أصبح غوزمان رئيسا لغواتيل‪،‬‬
‫اكتشف بأن املتقدمني الثالثة قد رفعوا دعاوى للحصول عىل الرخصة التي مل‬
‫يحصل أحد عليها‪ ،‬وبالتايل فقد بقي السوق دون متنافسني‪.‬‬
‫وعىل الرغم من أن املعركة القضائية عىل الرخصة الوحيدة أدت إىل تأخري‬
‫التنافس‪ ،‬فقد وفرت فرصة لدعم من يدعو لإلصالح‪ .‬فسوق االتصاالت يف‬
‫غواتيامال يفتقر إىل التنافس‪ ،‬وهي نقطة ذكرها غوزمان وفريقه مرارا وتكرارا يف‬
‫حملتهام الرتويجية‪ ،‬وأدت إىل تأثري كبري‪.‬‬
‫وعىل الرغم من أن الحال املؤسف لالتصاالت يف غواتيامال وفر مناخا مالمئا‬
‫للحجج املطروحة يف تأييد اإلصالح‪ ،‬فإن املعارضة كانت عنيفة‪ .‬حيث كان‬
‫نفسه ال يحظى بالشعبية بني الناس‪ ،‬وكان الرئيس آرزو‬
‫مصطلح «الخصخصة» ُ‬
‫يعلم جيدا بأن استخدام َسلَ ِفه للمصطلح يفرس الكثري من اإلخفاقات السابقة‬
‫يف اإلصالح‪ ،‬إذ كان هناك اعتقاد سائد بأن غواتيل ملك لغواتيامال‪ ،‬أي بأنها ملك‬
‫«للشعب»‪ ،‬وبيعها سيكون مبثابة بيع مجوهرات الج ّدة‪ ،‬وبكل بساطة‪ ،‬فإن هذا‬
‫أمر ال ميكن القبول به بتاتا‪.‬‬
‫قام غوزمان بتغيري الرسالة املو َّجهة للعموم‪ ،‬وبدال من التأكيد عىل منافع‬
‫الخصخصة أطلق هو وفريقه سلسلة من اإلعالنات لتثقيف «الشعب» حول‬
‫تكاليف اإلبقاء عىل االحتكار يف مجال االتصاالت‪ ،‬واستخدمت هذه اإلعالنات‬
‫حوارا بسيطا لتوضيح نقطة بسيطة تتلخص يف أن غواتيامال ليس فيها خدمات‬
‫هاتفية‪ ،‬ذلك أن هناك رشكة تحتكر هذا املجال بتخويل من الحكومة‪ .‬وبعد‬
‫أعوام وأعوام من مشاهدة املواطنني للقادة السياسيني وهم يعطون االحتكاريات‬
‫والتمويل وغريها من االمتيازات ألصدقائهم‪ ،‬كان معظمهم يعلم بأن االحتكارية‬
‫تؤول إىل انعدام الكفاءة ويعرتيها الفساد غالبا‪ .‬كام كانوا يعلمون أيضا حدود‬

‫‪46‬‬

‫الخدمة الحالية‪ ،‬والتي كانت تتصف باالنتظار ملدد طويلة قبل تركيب أي خط‬
‫هاتفي‪ ،‬ومحدودية أو انعدام النفاذ إىل الخدمات الهاتفية يف املناطق الريفية‪،‬‬
‫والتكاليف العالية للمكاملات الدولية‪.‬‬
‫كانت الحملة اإلعالنية شاملة‪ ،‬واستخدمت وسائل اإلعالم األساسية يف البالد‪،‬‬
‫مبا فيها‪ :‬الصحف واإلذاعة والتلفزيون‪ .‬ورسعان ما أصبحت الخصخصة ينظر‬
‫إليها كفرصة ستؤدي إىل تحرير املستهلك‪ ،‬وكَأَملٍ يَ ِعد بتقديم خدمة أكرثَ جودة‪،‬‬
‫بدل أن يُنظَر إليها عىل أنها خسارة ألمالك الدولة‪ .‬إن هذه الرسائل البسيطة‬
‫املبارشة املنفذة بشكل جيد ساعدت يف التغلب عىل حالة الرتدد التي كان يشعر‬
‫بها الكثريون بني صفوف الناس إزاء الخصخصة‪ ،‬مام مهد الطريق لعملية بيع‬
‫غواتيل‪.‬‬

‫تأسيس كيان جديد‬

‫ِ‬
‫تختف بَع ُد مع اتجاه‬
‫حان الوقت لخصخصة غواتيل‪ ،‬لكن الصعوبات مل‬
‫رياح املناخ السيايس نحو البيع‪ .‬فعىل سبيل املثال‪ ،‬مل تكن غواتيل لتباع باعتبارها‬
‫احتكارية محمية‪ ،‬وهو أمر من شأنه أن يغري مسار األمور عىل صعيد اجتذاب‬
‫املستثمرين‪ ،‬بل إن هناك تح ٍّد أكرب يتمثل يف العجز عن بيع غواتيل بشكل‬
‫مبارش‪ ،‬ويعود ذلك يف األساس إىل أن الدستور ال يسمح ببيع رشكة عمومية غري‬
‫مركزية باستخدام أمر إداري بسيط‪ ،‬وإمنا ينبغي اتباع مسطرة قانونية طويلة‬
‫قبل إمتام عملية البيع‪.‬‬
‫متثلت الخطوة األوىل يف تحويل غواتيل إىل كيان جديد لتصبح رشكة مساهمة‪،‬‬
‫وعندها ميكن نقل امللكية ببيع أو منح الحصص يف الكيان الجديد‪ .‬وعىل الرغم‬
‫من غياب أي مانع قانوين يقف بوجه هذه املقاربة‪ ،‬فقد كانت هناك عقبة‬
‫يف هذا الطريق‪ ،‬وهي ليست عقبة قانونية مجردة وإمنا عقبة ذات أهمية‬
‫سياسية حاسمة‪ ،‬فاملادة (‪ )134‬من الدستور الغواتياميل تنص عىل أنه يجب‬
‫الحصول عىل أكرثية الثلثني يف الربملان إلنشاء كيانات مستقلة غري مركزية‪ ،‬وليس‬
‫هناك يف الدستور ما يشري إىل تحويلها أو بيعها أو تصفيتها‪ .‬لكن هذه املادة قد‬
‫تُفسرَّ عىل أنه يحظر تحويل أمالك الرشكات اململوكة للعموم من دون الحصول‬
‫أوال عىل أكرثية الثلثني‪ ،‬وعىل الرغم من أن الدستور ال ينص عىل ذلك رصاحة‬

‫‪47‬‬

‫فإن من املمكن تفسريه بهذه الطريقة اعتامدا عىل كيفية فهم املرء لـ»روح‬
‫القانون» سواء إذا كانت هناك‪ ،‬أم مل تكن‪ ،‬إمكانية للموازاة بني اإلنشاء والبيع‪.‬‬
‫ومل يكن حزب التقدم الوطني (‪ )PAN‬ميتلك أكرثية الثلثني املطلوبة‪ ،‬ولذلك‬
‫بدأت سلسلة من اللقاءات مع ثاين أكرب مجموعة يف الربملان‪ ،‬وهي الجبهة‬
‫الجمهورية الغواتياملية (‪ ،)FRG‬وذلك للبحث يف إمكانية دعم هذه املجموعة‬
‫لجهود تحويل ملكية غواتيل‪ ،‬لكن املباحثات باءت بالفشل بسبب التأجيالت‬
‫وتغيري الخطط بشكل مستمر‪ ،‬مام جعل الرئيس يحتاج إىل إيجاد آلية قانونية‬
‫ال تستلزم املوافقة عليها إال أكرثي ًة بسيطة يف الربملان‪.‬‬
‫محام كان يعمل مستشارا قانونيا لدى غوزمان‬
‫ثم جاء إدواردو مايورا‪ ،‬وهو ٍ‬
‫ومن املتبحرين يف القانون التجاري‪ ،‬ليجد مخرجا من هذه املعضلة‪ ،‬فقد عرث‬
‫بالصدفة عىل مفهوم يف القانون املدين يدعى “ال َوحدة االقتصادية ‪Economic‬‬
‫‪ ”Unit‬يف املنظومات القانونية للدول األخرى‪ ،‬فاستعان بهذا املفهوم ليقرتح‬
‫إنشاء وحدة من “حزم األمالك الصافية” التي ميكنها أن متثل كل أو بعض‬
‫األمالك التي تعود لرشكة االتصاالت العمومية‪ ،‬ثم قام مايورا بصياغة مقرتح‬
‫قانون لتصفية أمالك الدولة‪ ،‬وتم متريره بأغلبية بسيطة‪ ،‬ومل تنطبق عليه قاعدة‬
‫الحاجة إىل أكرثية الثلثني يف إنشاء كيانات مستقلة غري مركزية‪ ،‬وهكذا أصبح‬
‫القانون املعروف باسم “قانون إصالحات عقود الدولة” أو “القانون ‪»20-97‬‬
‫‪42‬‬
‫قانونا ساري املفعول يف ‪ 3‬مايو ‪.1997‬‬
‫نص القانون الجديد عىل أن «بيع أمالك الدولة أو كياناتها املستقلة أو غري‬
‫املركزية يجب أن يتبع عملية العروض العلنية الشفافة»‪ ،‬وهذا يعني منحها‬
‫ألعىل املزايدين‪ .‬كام قدم القانون تحديدا واضحا ملفهوم «حزم األمالك الصافية»‬
‫وكيف ميكن «التخلص» منها‪ ،‬وذكر القانون تفاصيل ال تنحرص يف بيع رشكة‬
‫االتصاالت اململوكة للدولة‪ ،‬وإمنا تنطبق أيضا عىل الرشكات أو الكيانات املستقلة‬
‫األخرى التي ترغب الحكومة بخصخصتها‪ .‬وبإقرار هذا القانون‪ ،‬أصبح الطريق‬
‫ممهدا لتحويل أمالك غواتيل إىل «حزمة أمالك صافية» ثم االنتقال بعد ذلك إىل‬
‫إنشاء رشكة مساهمة‪ ،‬وهكذا ظهرت إىل الوجود مبوجب هذه التعليامت رشكة‬
‫خاصة جديدة تحمل اسم غواتيل أس إيه (‪.).GUATEL, S.A‬‬
‫‪  42‬القانون (‪ )20-97‬يعدل القانون (‪ )57-92‬يف قانون عقود الدولة (م‪.)24‬‬

‫‪48‬‬

‫مل تكد تولد الرشكة الجديدة حتى واجهتها املشاكل‪ ،‬حيث اعرتض مكتب‬
‫املدعي العام عىل تحويل غواتيل إىل رشكة خاصة بحجة أنها قامت بالتحايل‬
‫ببساطة عىل الضوابط القانونية من أجل خصخصة رشكة االتصاالت دون االلتزام‬
‫باإلجراءات الواجب مراعاتها‪ .‬ومن خالل االحتجاج بأن غواتيل أس إيه ال تختلف‬
‫عن غواتيل‪ ،‬استطاع املدعي العام أن يستحصل أمرا قضائيا بإيقاف العملية‪.‬‬
‫كام برزت اعرتاضات قانونية من عدة نقابات وحتى من جامعة سان‬
‫كارلوس‪ ،‬املؤسسة العمومية الوحيدة للتعليم العايل يف غواتيامال‪ .‬ومل تكن‬
‫بعض املجموعات من اليسار‪ ،‬والتي كانت تتمسك بذهنية تنتقد كل ما له‬
‫عالقة باقتصاد السوق‪ ،‬مقتنعة بحمالت العالقات العامة ووجهت سهام االنتقاد‬
‫إىل جهود الخصخصة‪ ،‬حيث قامت حججها ذات ال ُبعد اإليديولوجي مبهاجمة‬
‫«النيوليربالية» باعتبارها محاولة لتفكيك الدولة الغواتياملية وتقليصها إىل الحد‬
‫األدىن‪ .‬كام طرح البعض حججا مالية‪ ،‬إذ تخوفوا من إمكانية تراجع ثروة البالد‪،‬‬
‫فحاججوا بأن «املجوهرات الثمينة للج ّدة» تباع بسعر بخس وأن الحال قد‬
‫ينتهي بها يف أيدي مجموعة من أصدقاء السياسيني الذين يرتبعون عىل املناصب‬
‫الحكومية‪ ،‬وكانت هناك الكثري من األمثلة يف املنطقة ويف أوروبا الرشقية تغذي‬
‫هذه املخاوف‪.‬‬
‫اضطر غوزمان وفريق الخصخصة إىل القبول بحكم املحكمة الذي أوقف‬
‫قانونيا وجود غواتيل أس إيه‪ ،‬فقاموا بحل هذه الرشكة‪ ،‬وأنشؤوا رشكة أخرى‬
‫باستخدام حزمة األمالك الصافية نفسها وأسموها تيلغوا أس إيه (‪TELGUA,‬‬
‫‪ ،).S.A‬وهي رشكة غواتيل ذاتها لكن يف ٍ‬
‫أيد خاصة وال متلكها الجهات عمومية‪.‬‬
‫واستمرت االعرتاضات‪ ،‬لكن دون أن ت َص ُدر املزيد من األحكام القضائية‪ ،‬وهكذا‬
‫أمكن للعملية أن تستمر‪.‬‬
‫وبهدف تهدئة اعرتاضات النقابات‪ ،‬أوضح غوزمان وفريقُه بأن ‪ 95%‬من‬
‫األسهم ستباع وأن الـ‪ 5%‬املتبقية ستمتلكها النقابات‪ ،‬ومل يكن هذا األمر ليغري‬
‫شيئا عىل أرض الواقع‪ ،‬فعقود املوظفني تقيض بأحقيتهم يف ‪ 5%‬من أرباح غواتيل‪،‬‬
‫لكن هذه االلتفاتة أكدت لقادة النقابات وللموظفني بأنهم لن يخرسوا شيئا جراء‬
‫البيع‪ .‬وكان حامال األسهم األساسيني يف غواتيل هام قائدا أهم نقابتني يف غواتيل‪:‬‬
‫إيرنيستو فاسكيز (‪ )Ernesto Vásquez‬وفيكتور دوران (‪.)Victor Durán‬‬

‫‪49‬‬

‫وقام هذان القياديان بتسجيل أسهم الرشكة الجديدة باسميهام الشخصيني‪،‬‬
‫وذلك لحامية األسهم من أية دعاوى قضائية مستقبلية تستهدف منصبهام يف‬
‫النقابات‪ .‬ومل يكن هناك خوف من فرار فاسكيز ودوران من غواتيامال بحقائب‬
‫مليئة مباليني الدوالرات ألن كل ما كانا ميلكانه هو أمالك ورقية‪ ،‬بل إنهام كانا‬
‫يعمالن بجد عىل إنشاء رشكة جديدة لزمالئهام من املوظفني‪ .‬مل تكن هذه‬
‫الرشكة حينها سوى كيان عىل ورق‪ ،‬لكنها تحولت إىل واقع ملموس يف ما بعد‪.‬‬
‫ويف ‪ 31‬أغسطس ‪ ،1996‬تم تحويل حزمة األمالك الصافية من غواتيل إىل‬
‫تيلغوا‪ ،‬ويف اليوم نفسه استقال أكرث من ‪ 6,500‬موظف طوعا من غواتيل ووقعوا‬
‫عقدا توظيفيا جديدا مع تيلغوا‪.‬‬

‫االستعداد للبيع‬

‫أصبح الهاجس يف ظل األوضاع الجديدة هو بيع رشكة تيلغوا يف أرسع وقت‬
‫ممكن‪ ،‬وكان من املتوقع تَدنيِّ قيمتها يف السوق بشكل كبري ألن قانون االتصاالت‬
‫العام الجديد يسمح للرشكات الجديدة بالدخول إىل السوق والتنافس فيه‪ .‬وركز‬
‫الفريق جهوده عىل جبهتني‪ ،‬فشن عىل الجبهة األوىل حملة ترويجية مكثفة‬
‫بهدف إقناع العموم مبنافع الخصخصة‪ ،‬ويف الجبهة الثانية قام يف يناير ‪1997‬‬
‫بتوظيف رشكة محاسبة عاملية تدعى رشكة آرثر أندرسون( (�‪Arthur Ander‬‬
‫‪ ،)sen LLP‬وهي من خمس أكرب رشكات يف هذا املجال عىل مستوى العامل‪،‬‬
‫وذلك لتقديم املشورة لغواتيل يف اختيار مرصف استثامري يتوىل مسؤولية إجراء‬
‫املفاوضات املتعلقة بالخصخصة‪ .‬ويف مارس من السنة نفسها‪ ،‬وقع االختيار عىل‬
‫مرصف جيه يب مورغان (‪.)J.P. Morgan‬‬
‫ويف خضم الحملة الرتويجية الضخمة‪ ،‬بدأت غواتيل بتعديل أسعارها من‬
‫أجل ترتيب أوضاع حساباتها وتهيئة العموم ملا ميكن أن يحدث يف السوق‬
‫املفتوحة‪ .‬فخفضت أسعار املكاملات الدولية‪ ،‬وزادت يف الوقت نفسه أسعار‬
‫املكاملات املحلية‪ .‬وقد كانت هذه الخطوة التمهيدية عىل قدر كبري من األهمية‪،‬‬
‫ألن بنية السعر الجديدة مل تكن تجتذب املشرتين املحتملني وكانت سترتك عىل‬
‫عاتقهم أداء مهمة تعديل األسعار‪ ،‬وهي مهمة تحتاج إىل خطوات سياسية‬
‫صعبة‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫احتج مكتب االدعاء لشؤون حقوق اإلنسان عىل تغيري األسعار وقام مبقاضاة‬
‫الرشكة أمام املحكمة‪ ،‬وما إن وقفت املحكمة عىل األسباب التي تقف وراء‬
‫هذا التعديل حتى أصدرت حكمها لصالح غواتيل ووافقت عىل ما اتخذته من‬
‫إجراءات‪.‬‬

‫املزاد‪ ..‬الجولة األوىل‬

‫أعد الفريق املعلومات التقنية التي قد تحتاجها رشكات تشغيل خدمات‬
‫االتصاالت العاملية من أجل االشرتاك يف املزاد‪ .‬وما إن اكتملت هذه املرحلة‬
‫التحضريية‪ ،‬مبا فيها من حمالت لحشد الرأي العام وتحديد الجوانب التقنية من‬
‫العملية‪ ،‬حتى أُعلن بشكل رسمي عن قبول املزايدات‪ ،‬عىل أن يتم فتح مغلفات‬
‫العروض يف ديسمرب ‪.1997‬‬
‫قام غوزمان وفريقه‪ ،‬وبالعمل مع خرباء املرصف االستثامري‪ ،‬بتأسيس ما تم‬
‫اعتباره مواصفات قياسية ألصحاب العروض املشرتكني يف املزاد‪ ،‬حيث ال ميكن إال‬
‫لرشكات االتصاالت الكربى أن تشرتك يف التنافس‪ ،‬وأن يكون املشرتي املستقبيل‬
‫لغواتيل مشغال عامليا لخدمات االتصاالت ال يقل عدد خطوطه التي تم تركيبها‬
‫وتشغيلها عن مليون خط‪ ،‬أو أن ال تقل قيمة أسهم الرشكة املشرتية يف السوق‬
‫عن مليار دوالر‪.‬‬
‫يف بداية األمر‪ ،‬أعربت عدة رشكات عاملية كربى عن اهتاممها بالعرض‪ ،‬لكن‬
‫مناخ التذبذب القانوين‪ ،‬مبا يف ذلك القرارات والدعاوى القانونية التي تشن يوميا‬
‫ضد العملية‪ ،‬جعل بعضها يفقد هذا االهتامم‪ .‬فقد كانت الدعاوى القانونية‬
‫والتي وصلت إىل ‪ 40‬دعوى تقريبا‪ ،‬تعرتض عىل البيع‪ ،‬وعىل تعديل األسعار‪،‬‬
‫وعىل الجوانب التقنية‪ ،‬وحتى عىل اإلطار الفلسفي للعملية‪ .‬وعىل الرغم من‬
‫أنه مل تصدر اعرتاضات قانونية عىل املزاد‪ ،‬فقد كان معظم املستثمرين ينفرون‬
‫أوضاعا كهاته‪ ،‬ألنهم يخشون إبطال العملية يف اللحظة األخرية لسبب أو آلخر‪.‬‬
‫ويف النهاية‪ ،‬استطاعت خمس رشكات أن تستويف رشوط االشرتاك‪ ،‬وهي جي‬
‫يت إي (‪ ،)GTE‬وأم يس آي (‪ ،)MCI‬وفرانس تيليكوم (‪،)France Telecom‬‬
‫وساوث ويسرتن بيل (‪ ،)Southwestern Bell‬وتيلميكس (‪.)TELMEX‬‬

‫‪51‬‬

‫أُقيم املزاد يف ‪ 16‬ديسمرب ‪ ،1997‬وعىل الرغم من الحامس الكبري الذي‬
‫شهدته البالد‪ ،‬إال أن املشاعر كانت منقسمة‪ ،‬إذ كان البعض ال يزال يعتقد‬
‫بأن العملية ستؤدي إىل التخيل ُمقابل حفنة من الدوالرات عىل رشكة مملوكة‬
‫للحكومة منذ وقت طويل رغم أنها مل تُحقق سوى قدر ضئيل من األرباح‪،‬‬
‫بينام كان البعض اآلخر يتطلع بلهفة إىل التمكن أخريا من إنهاء رشكة احتكارية‪.‬‬
‫وللتأكيد عىل شفافية وعلنية العملية‪ ،‬فقد حصل تقديم العروض وفضها يف‬
‫املرسح الوطني ملدينة غواتيامال‪ ،‬والذي يشتهر بعامرته الرفيعة‪ ،‬وجلس عىل‬
‫املنصة أمام الحشد املرتقب مجموعة كبرية من املسؤولني الحكوميني يتقدمهم‬
‫وزير االتصاالت فريتز غارسيا غالونت (‪.)Fritz García Gallont‬‬
‫وجاءت نهاية املزاد ُمخ ِّيبة لآلمال‪ ،‬فلم تكن هناك إال رشكة واحدة قررت أن‬
‫تقدم عرضا معقوال‪ ،‬وهي رشكة تيلميكس املكسيكية التابعة للملياردير كارلوس‬
‫سليم (‪ ،)Carlos Slim‬وازدادت األمور سوءا بالنظر للقيمة املحبطة التي وصل‬
‫إليها املزاد‪ ،‬فالحكومة كانت تتوقع ‪ 700‬مليون دوالر لكن تيلميكس مل تعرض‬
‫سوى ‪ 529‬مليون دوالر‪ ،‬فكان الفارق كبريا جدا اضطر معه املسؤولون إىل‬
‫الذهاب للكواليس الستشارة الرئيس آرزو‪ .‬استشاط آرزو غضبا ومل يطل به األمر‬
‫سوى دقائق معدودة قبل أن يتخذ قرارا نهائيا يقيض برفض العرض‪ ،‬وكانت‬
‫حجته مقبولة من الناحية السياسية‪ ،‬ألنه كان يعتقد بأن العموم سيتهمونه‬
‫بتقديم الرشكة كهدية‪ ،‬مام سيؤدي إىل تدمري صورته يف غواتيامال‪ .‬وتوجب عىل‬
‫غارسيا غالونت وغوزمان ومايورا واآلخرين أن يبلغوا قرار الرئيس للحارضين‪،‬‬
‫فانسحبوا من املنصة ميلؤهم اإلحباط وتعلو وجو َههم عالمات الهزمية‪.‬‬
‫وبعدها بأيام قالئل‪ ،‬التقى الفريق مجددا لرسم خطة جديدة‪ ،‬حيث كانوا‬
‫يحتاجون إىل إضافة بعض امل ُح ِّفزات إىل الصفقة‪ .‬ومن الحلول الواضحة أن يتم‬
‫تقديم بعض امليزات االحتكارية للمزايدين‪ ،‬وهي توصية مل يسأم من تكرارها‬
‫القامئون عىل مجموعة من املؤسسات املتنوعة عىل امتداد العامل‪ .‬لقد أرص الكثري‬
‫من املروجني لهذه املقاربة‪ ،‬والتي طبقت فعال يف الكثري من عمليات الخصخصة‬
‫داخل أمريكا الالتينية وخارجها‪ ،‬عىل أنها متثل السبيل األمثل لتحقيق عائدات‬
‫أعىل‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫رفض غوزمان وفريقه حتى مجرد التفكري بهذا الطرح‪ ،‬و َمر ُّد ذلك ليس فقط‬
‫كون الحملة الرتويجية تتمحور حول نية إنهاء االحتكار وتحفيز التنافس‪ ،‬بل‬
‫زيادة عىل ذلك فإن غوزمان وفريقه هم أشخاص تقوم قراراتهم عىل أساس‬
‫مبدأ الحرية الفردية الذي يطبقونه عىل املجالني االقتصادي واالجتامعي يف آن‬
‫واحد‪ .‬فحاول الفريق‪ ،‬مبا له من فهم واضح للمبادئ املهددة‪ ،‬أن يتوصل إىل‬
‫سبل واقعية لزيادة االهتامم برشاء رشكة غري تنافسية ستجد نفسها الحقا يف‬
‫خضم سوق شديد التنافسية‪.‬‬

‫املزاد‪ ..‬الجولة الثانية‬

‫يف يناير ‪ ،1998‬أعد الفريق حال قابال للتطبيق‪ ،‬وال يحتاج إال لبعض التعديالت‬
‫يف القواعد‪ .‬نال هذا الحل موافقة الرئيس آرزو يف فرباير‪ ،‬ونُرش بعد ذلك بشهر‬
‫باعتباره تعديالت قانونية لعملية املزايدة‪ .‬فأوال‪ ،‬لن يقترص املزاد عىل الرشكات‬
‫العاملة‪ ،‬وإمنا سينفتح عىل املستثمرين عىل تنوع أصنافهم‪ ،‬برشط يلزم األطراف‬
‫التي ليست رشكات عاملية كبرية لتشغيل خدمات االتصاالت بتوقيع اتفاق مع‬
‫مشغل ميلك القدرة عىل توفري هذه الخدمات‪ .‬وثانيا‪ ،‬مل يعد الفائز يف املزاد‬
‫ملزما برشاء رشكة غواتيل بأجمعها مسبقا‪ ،‬األمر الذي أدى إىل بعض املرونة يف‬
‫تأخري الدفع‪.‬‬
‫وقعت عىل كاهل غوزمان مهمة حشد املستثمرين املحتملني‪ ،‬والتأكد من‬
‫أنهم قد استوعبوا أن عروضهم يجب أن ال تقل عن ‪ 700‬مليون دوالر‪ ،‬وإال‬
‫فإنها لن ت ُق َبل‪ .‬وجاء االهتامم األكرب باملزاد من مجموعة مستثمرين يف أمريكا‬
‫الوسطى يقودهم ريكاردو بويسو (‪ ،)Ricardo Bueso‬والذين أدركوا بأن‬
‫عليهم أن ميتثلوا لرشط الرئيس‪ .‬لقد قاموا بإنفاق الكثري من الوقت واملال يف‬
‫عملية املزايدة‪ ،‬ومل يكن من املعقول تجاهلهم ملجريات الواقع السيايس‪ .‬رغم‬
‫كون بويسو رئيسا ملجلس إدارة الرشكة التي أسسها هؤالء املستثمرون تحت‬
‫اسم لوكا أس إيه (‪ ،).Luca S.A‬إال أنه مل يكن ميتلك‪ ،‬وكذلك باقي رشكائه‪ ،‬حصة‬
‫تجعله مهيمنا عىل قرارات الرشكة‪ ،‬إذ مل يكن أي منهم يسيطر عىل أكرث من ‪5‬‬
‫أو ‪ 6%‬من إجاميل رأس املال‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫كان من املقرر أن يجري املزاد يف يوليو‪ ،‬لكن املوعد تم تأجيله إىل أغسطس‪،‬‬
‫وكان من أسباب التأجيل ظروف مل يكن أي أحد يستطيع السيطرة عليها يف‬
‫غواتيامال‪ .‬فروسيا أعلنت عجزها عن تسديد دينها‪ ،‬واجتاحت املشاكل فجأة‬
‫أسواق آسيا‪ .‬ومع انتشار الشعور بالخوف كان املستثمرون مرتددين إزاء‬
‫االنخراط يف مرشوعات أي دولة من الدول النامية‪ ،‬ونصح مرصف جيه يب‬
‫مورغان بالرتيث قليال يف عقد املزاد‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬مل يتأخر املزاد كثريا‪.‬‬
‫جرى املزاد الثاين يف األول من سبتمرب ‪ ،1998‬وكان النجاح نصيبه هذه املرة‪،‬‬
‫ومل يكن هناك إال عرض واحد تقدمت به مجموعة بويسو‪ ،‬لكن هذا العرض‬
‫وصل إىل الحد األدىن من السعر‪ ،‬مام لبى الحاجة السياسية إىل اإلعالن للناس‬
‫بأن ممتلكات الدولة لن تهدى ألحد؛ وهكذا اشرتت رشكة لوكا أس إيه ‪ 95%‬من‬
‫أسهم تيلغوا أس إيه بسعر يتجاوز قليال ‪ 700‬مليون دوالر‪ ،‬أما الـ‪ 5%‬الباقية‬
‫فاحتُفظ بها ملوظفي الرشكة‪ ،‬وباإلضافة لذلك فقد تحمل املشرتون ‪ 240‬مليون‬
‫دوالر من ديون الرشكة‪.‬‬
‫وبفوز رشكة لوكا باملزاد كان أمامها ثالثون يوما لتحقيق رشوط البيع‪ ،‬ومنها‬
‫إبالغ الحكومة بهوية املشغل العاملي الذي سيكون رشيكها يف تقديم خدمات‬
‫االتصاالت يف غواتيامال‪ .‬لكن ذلك مل يكن أمرا سهال ينتهي عند إيراد اسم معني‬
‫فحسب‪ ،‬ففي ذلك الوقت كانت لوكا ورشيكتها املشغلة عىل خالف بشأن العقد‪،‬‬
‫واستمرت الرشكتان بالتفاوض رسا بينام كانت وسائل اإلعالم تطالب مبعرفة‬
‫الرشيك الذي ستعهد إليه لوكا بتقديم الخدمات‪ ،‬وتتذمر من غياب الشفافية‪،‬‬
‫وتحلل اآلراء املتعلقة مبا إذا كان آرزو وغوزمان قد نجحا بالفعل يف هذا املزاد‪.‬‬
‫كان الحظ حليفا آلرزو وغوزمان‪ ،‬إذ أجرت لوكا مفاوضات جيدة‪ ،‬حيث‬
‫أعربت رشكة تيلميكس عن رغبتها باالشرتاك مع املالك الجديد لتيلغوا‪ ،‬ورسعان‬
‫ما تم التوقيع عىل اتفاقية بني لوكا وبني هذه الرشكة املكسيكية العمالقة‬
‫لخدمات االتصاالت‪ .‬وهكذا وقعت الحكومة الغواتياملية عىل عقد البيع يف ‪5‬‬
‫نوفمرب ‪ ،1998‬وقد نص العقد عىل الدفع الفوري ملبلغ ‪ 200‬مليون دوالر‪ ،‬ثم‬
‫مبلغ ‪ 150‬مليون دوالر خالل ‪ 18‬شهرا‪ ،‬ثم ت ُدفع الـ‪ 350‬مليون دوالر املتبقية‬
‫خالل السنوات الثالث التالية مع الفائدة املرصفية‪ ،‬وإذا جمعنا املبلغ اإلجاميل‬
‫مع الفائدة املرصفية فسنجد بأنه يتجاوز ‪ 1.1‬مليار دوالر‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫رابعا‪ .‬النتائج‬
‫هل كان األمر يستحق كل ذلك الجهد املبذول؟ وهل انتهى الحال إىل‬
‫فتح سوق االتصاالت يف غواتيامال وإىل تلبية الطلب بتكلفة معقولة‪ ،‬خاصة‬
‫يف املناطق الريفية وضمن الرشائح السكانية ذات الدخل املنخفض؟ هل كان‬
‫من املمكن الوصول إىل النتائج نفسها لو كان املشرتي قد منح حق االستمرار‬
‫باالحتكار كام حدث يف الدول األخرى يف املنطقة؟‬
‫تشري البيانات املتوفرة بشكل ال يرتك مجاال للشك إىل أن اإلصالح يف قطاع‬
‫االتصاالت الغواتياميل كان عملية ناجحة‪ ،‬حققت الهدف الذي رسمه الرئيس آرزو‬
‫عندما طلب «الكثري من الخطوط‪ ،‬ويف كل مكان‪ ،‬وبرسعة»‪ ،‬ولبت احتياجات‬
‫املستهلكني‪ .‬ويف مدة قياسية‪ ،‬أدت العملية اإلصالحية إىل فتح وتوسيع سوق‬
‫أصبح اآلن ميتد عىل نطاق وطني‪ .‬وعالوة عىل ذلك‪ ،‬تشري البيانات إىل أن هذه‬
‫املقاربة املوجهة نحو نظام السوق هي مقاربة قليلة التكاليف‪ .‬كام إن النتيجة‬
‫النهائية مل تكن الوقوع يف الفوىض كام توقع البعض‪ ،‬وإمنا كانت تتمثل يف‬
‫تشكيل بيئة تنافسية أدت إىل منفعة املستهلك يف نهاية املطاف‪.‬‬
‫ويف دراسة نرشتها إحدى املجالت األكادميية سنة ‪ ،2007‬قام توماس هازليت‬
‫وجيانكارلو إيبارغوين ووين الينت بتحليل التأثريات االقتصادية لإلصالح الذي‬
‫شهده قطاع االتصاالت يف غواتيامال‪ 43.‬فوضحوا الصلة بني التحرير الكبري للسوق‬
‫وبني املنافع الكبرية التي صبت يف صالح املستهلكني يف نهاية املطاف‪ ،‬فبالبناء‬
‫عىل احتجاجاتهم املنطقية‪ ،‬وبالنظر إىل الخلفية التاريخية التي استعرضناها يف‬
‫ما سبق‪ ،‬ميكن تلخيص املنافع املتحققة كام ييل‪:‬‬
‫ •أصبح النفاذ إىل طيف الرتددات ممكنا عند الطلب‪ ،‬وذلك من‬
‫خالل حقوق االنتفاع (‪ )TUF‬الشبيهة بأي نوع من املمتلكات‪،‬‬
‫‪  43‬حقوق امللكية املتعلقة بطيف الرتددات يف غواتيامال والسلفادور‪ ..‬تجربة يف التحرير‪ :‬هازليت وآخرون (م‪.)25‬‬

‫‪55‬‬

‫ ‬
‫ ‬
‫ ‬
‫ ‬

‫•أدى توفر طيف الرتددات إىل تشجيع دخول املنافسني الجدد‪،‬‬
‫•أدى التنافس إىل خفض األسعار بشكل غري مسبوق يف املنطقة‪،‬‬
‫•أدت األسعار املنخفضة إىل توسيع االستخدام بني املستهلكني (وإىل‬
‫منافع أخرى لصالحهم) ‪،‬‬
‫•وتسبب التنافس أيضا بظهور شبكة واسعة من التغطية عىل‬
‫امتداد البالد‪.‬‬

‫النفاذ إىل طيف الرتددات‬

‫ن ََّصت القواعد الجديدة عىل أن أي كيان‪ ،‬سواء كان وطنيا أو محليا‪ ،‬ميكنه‬
‫الحصول عىل حق انتفاع (‪ )TUF‬من دون صعوبات كبرية‪ ،‬فأُصدر خالل العقد‬
‫األول من إقرار القانون ‪ 3,985‬حقا من هذه الحقوق لصالح مستخدمني تجاريني‪،‬‬
‫مبن فيهم أصحاب محطات البث اإلذاعي والتلفزيوين‪ ،‬واملزودون بخدمات‬
‫اتصال ثابتة‪ ،‬ومشغلو خدمات االتصاالت الهاتفية النقالة‪ .‬وتم إصدار ‪290‬‬
‫ترخيصا آخر ألشكال مختلفة من الوكاالت الحكومية‪ ،‬و‪ 590‬ترخيصا للهواة من‬
‫مشغيل االتصاالت الالسلكية‪ ،‬وحوايل ‪ 1,000‬ترخيص يف مجال األقامر الصناعية‬
‫واالستخدامات األخرى‪.‬‬
‫ومن بني حقوق االنتفاع الـ‪ 3,985‬هذه‪ ،‬تم منح ‪ 2,137‬منها عرب املزادات‬
‫التي حدثت خالل األعوام الثالثة األوىل من إقرار القانون‪ 44،‬ومنذ ذلك الحني‬
‫تم الحصول عىل معظم حقوق االنتفاع عرب تعامالت خاصة يف سوق ثانوي حر‪.‬‬
‫وقد أصدر إيبارغوين دراسة سنة ‪ 2008‬حول هذا السوق الثانوي املزدهر‪45،‬‬
‫فأشار إىل أنه يف املدة بني ‪1997‬و‪ 2001‬صدرت أكرث من ‪ 1,300‬موافقة يف هذا‬
‫املجال‪ ،‬وميكننا أن نتبني يف الشكل التايل مدى السهولة التي ميكن بها الحصول‬
‫عىل شهادات حقوق االنتفاع‪ ،‬والرسعة النسبية التي أصبحت تصدر بها بعد‬
‫اإلصالح‪:‬‬

‫‪  44‬املصدر السابق؛ ص‪.448-449‬‬
‫‪  45‬تحرير طيف الرتددات الالسلكية يف غواتيامال‪ :‬إيبارغوين (م‪)26‬؛ ص‪.235‬‬

‫‪56‬‬

‫الشكل (‪ :)1‬عدد حقوق االنتفاع املتوفرة يف غواتيامال (بحسب األعوام)‬

‫املزيد من التنافس‬

‫بفضل العملية الرسيعة غري املسيسة للنفاذ إىل طيف الرتددات‪ ،‬وبالتوازي‬
‫مع العملية املبارشة لرتتيبات االتصال املرتابط بني الشبكات‪ ،‬فقد ازدهر التنافس‬
‫يف السوق الغواتياميل‪ ،‬وخالل األعوام األوىل من اإلصالح قامت أربع عرشة رشكة‬
‫تعمل يف مجال االتصاالت واالنرتنت وتلفزيون الكابل بتوقيع عقود ترابط يف‬
‫االتصال مع تيلغوا‪ ،‬مام أدى إىل تنوع فعيل يف سوق كان حتى ذلك الحني يعاين‬
‫من االحتكار والقصور الكاملني‪.‬‬
‫وعىل الرغم من أن التنافس يف سوق الهاتف الثابت قد تطور عىل نحو أبطأ‬
‫بكثري باملقارنة مع سوق االتصاالت النقالة‪ ،‬فإن هناك عددا من املخدمني دخلوا‬
‫فعال إىل هذا املجال‪ ،‬مبن فيهم‪ :‬رشكة الكابل كابلنيت (‪ ،)CableNet‬واثنتان من‬
‫رشكات االتصاالت النقالة هام كومسيل( (‪ )COMCEL‬وتيليفونيكا (�‪Telefóni‬‬
‫‪ ،)ca‬وعدد من الرشكات الصغرية األخرى؛ فأصبح املنافسون لرشكة تيلغوا يف هذا‬
‫املجال يشكلون حوايل (‪ )30%‬من سوق خدمات االتصاالت الثابتة (السلكية)‪.‬‬
‫و كام كان ُمنتظَرا ً‪ ،‬احتدم التنافس يف قطاع االتصاالت النقالة (الالسلكية)‪،‬‬
‫حيث قدمت خمس رشكات عاملية هذه الخدمة يف غواتيامال‪ ،‬وقد انخفض‬
‫هذا العدد يف أيامنا هذه إىل ثالثة رشكات‪ ،‬ومع ذلك فإن هذه الرشكات الثالث‬

‫‪57‬‬

‫تكاد تتساوى يف حصتها من السوق ويحتدم التنافس بينها بشكل شديد‪ .‬ويف‬
‫هذا يقول أحد املنخرطني يف عملية اإلصالح بشكل مبارش‪« :‬إن شدة التنافس‬
‫أمر جليِّ ‪ ،‬إذ يكفي النظر إىل الكم الهائل من اإلعالنات يف الصحافة واإلذاعة‬
‫والتلفزيون واللوحات اإلعالنية‪ ،‬تُصاحبه استجابة فورية من قبل املشغلني تجاه‬
‫‪46‬‬
‫املنافسة تتمثل يف اللجوء إىل تخفيض األسعار»‪.‬‬
‫إن السهولة التي أمكن من خاللها للمنافسني املحتملني أن يدخلوا إىل سوق‬
‫االتصاالت الالسلكية‪ ،‬وتأثريهم عىل املستهلكني يف نهاية املطاف‪ ،‬تعود بشكل‬
‫مبارش إىل اإلصالح الذي شهدته البالد‪ .‬وقد قام توماس هازليت بتناول هذه‬
‫القضية يف دراسة أصدرها سنة ‪ 47،2008‬حيث الحظ بأن التحرير يتيح ملقدمي‬
‫الخدمات استخدام طيف الرتددات عىل النحو الذي يرونه مناسبا‪ ،‬مام يؤدي‬
‫إىل تحسني إنتاجيتهم ورمبا إىل زيادة أرباحهم‪ .‬ويف الوقت نفسه‪ ،‬هناك تأثري‬
‫معاكس يتمثل يف التحرير الذي يسهل عىل املزودين الجدد دخول السوق‬
‫والتنافس فيه‪ ،‬وهو أمر من شأنه تخفيض األرباح‪ .‬لذلك أراد هازليت أن يتحقق‬
‫مام إذا كان التحرير يؤدي إىل ارتفاع أو انخفاض األسعار املعروضة لرشاء حقوق‬
‫استخدام طيف الرتددات يف املزاد‪ ،‬فهذه األسعار تعكس ما يتوقع املزودون‬
‫تحقيقه من أرباح يف املستقبل‪ ،‬فقام بتحليل عمليات منح ‪ 1,400‬ترخيص يف‬
‫سبع وعرشين دولة‪ ،‬مبا فيها غواتيامال‪ ،‬منذ أواسط التسعينات املاضية‪ ،‬وتوصل‬
‫إىل نتيجة مفادها أن التحرير يؤدي إىل أسعار يف املزاد تقل بـ‪ 38%‬عن األسعار‬
‫يف ظل املنظومات القياسية التي تعتمد أسلوب الضوابط الثابتة‪.‬‬
‫وبشكل يتطابق مع النتائج التي توصل إليها هازليت‪ ،‬فقد أدت اإلصالحات‬
‫الغواتياملية إىل خلق منفذ سهل إىل طيف الرتددات‪ ،‬وهذا يعني بأن املزودين‬
‫ال ميكنهم الحصول عىل أرباح احتكارية‪ ،‬أي أن املزودين ميكنهم النفاذ بسهولة‬
‫إىل طيف الرتددات‪ ،‬لكن منافسيهم قادرون عىل ذلك أيضا‪ ،‬وهذا التأثري يحول‬
‫دون فرض أسعار مرتفعة أو تحقيق أرباح عالية‪ ،‬بل إن الواقع يؤكد بأن األسعار‬
‫دأبت عىل االنخفاض بشكل ملحوظ‪.‬‬

‫‪  46‬التنافس والتنظيم يف قطاع االتصاالت‪ ..‬حالة غواتيامال‪ :‬أوريزار (م‪)27‬؛ ص‪.19‬‬
‫‪  47‬حقوق امللكية وقيم تراخيص االتصاالت الالسلكية‪ :‬هازليت (م‪)28‬؛ ص‪..563-598‬‬

‫‪58‬‬

‫األسعار األدىن‬

‫تعترب أسعار الخدمات الهاتفية يف غواتيامال من بني أقل األسعار يف املنطقة‪،‬‬
‫وهناك من يعتربها األقل باالستناد إىل بعض املعايري‪ .‬وقد أراد هازليت‬
‫وإيبارغوين والينت اختبار صحة الفرضية القائلة بأن التحرير الكبري لسوق طيف‬
‫الرتددات يف غواتيامال قد أدى إىل انخفاض األسعار بالنسبة للمستهلكني‪ .‬وقد‬
‫استعان الباحثون ببيانات البنك الدويل واالتحاد الدويل لالتصاالت (‪ )ITU‬ومركز‬
‫فريزر (‪ )Fraser Institute‬ووكاالت تنظيمية رسمية يف ست عرشة دولة من‬
‫دول أمريكا الالتينية التي تناولتها الدراسة‪ ،‬ووظفوا طريقة التحليل االرتدادي‬
‫(‪ )Regression Analysis‬لدراسة الصالت‪ .‬واستطاعوا التوصل إىل نتيجة‬
‫مفادها أن البيانات تدعم الفرضية السابقة‪ .‬متثلت أبرز النتائج يف كون تحرير‬
‫طيف الرتددات أدى إىل زيادة عرض النطاق الرتددي املتاح ملزودي خدمات‬
‫االتصاالت النقالة‪ ،‬وأن شدة التنافس قد ارتفعت بني املزودين‪ 48،‬وأن األسعار‬
‫التي يدفعها املستهلك الغواتياميل تقل عام يدفعه املستهلك يف باقي دول العينة‬
‫املختارة (جاءت غواتيامال متساوية مع دولة أخرى يف منزلة أدىن األسعار)‪ ،‬وقد‬
‫‪49‬‬
‫كانت النتائج واضحة إحصائيا‪.‬‬

‫ازدياد االستخدام‬

‫ومع انخفاض أسعار خدمات االتصاالت يف غواتيامال‪ ،‬ازداد االستخدام بشكل‬
‫كبرية‪ ،‬مام يصب مبارشة يف مصلحة املستخدمني‪ .‬ويبني الرسم املبياين التايل‪،‬‬
‫الذي يحتوي عىل أرقام رسمية من مكتب اإلرشاف عىل قطاع االتصاالت (‪،)SIT‬‬
‫النمو الرسيع يف عدد مشرتيك كل من نوعي خدمات االتصاالت‪ ،‬النقالة والثابتة‪،‬‬
‫منذ اإلصالح‪ ،‬مام ال يرتك مجاال للشك يف حدوث توسع هائل يف الخدمة منذ‬
‫ذلك الحني‪.‬‬

‫‪  48‬حقوق امللكية املتعلقة بطيف الرتددات يف غواتيامال والسلفادور (م‪)25‬؛ ص‪.457-459‬‬
‫‪  49‬املصدر السابق؛ ص‪.460-464‬‬

‫‪59‬‬

‫الشكل (‪ :)2‬عدد الخطوط الهاتفية (الثابتة والنقالة) يف غواتيامال (بحسب األعوام)‬

‫حيث يشري الرسم املبياين إىل حدوث منو ملحوظ يف عدد مشرتيك االتصاالت‬
‫النقالة‪ ،‬فقد ارتفع هذا العدد مبقدار ال يقل عن عرشة أضعاف خالل مدة قصرية‬
‫ال تتعدى ثالثة أعوام (‪ ،)1998-2001‬وهي املدة التي دخلت فيها أكرب رشكات‬
‫تشغيل الخدمات النقالة إىل غواتيامال‪ ،‬وبعد سبعة أعوام من اإلصالح تجاوز‬
‫عدد الخطوط النقالة عدد سكان البالد‪ .‬وإذا ما قارنا بني العامني ‪ 1996‬و‪2010‬‬
‫فسنجد بأن عدد الخطوط النقالة قد ارتفع مبقدار ‪ 275‬ضعفا‪ ،‬وهذا له داللة‬
‫عميقة تعرب بصدق عن التطور الحاصل‪.‬‬
‫وقد توصل هازليت وإيبارغوين والينت إىل أن استخدام الخدمات النقالة كان‬
‫أعىل بشكل خاص يف غواتيامال بسبب اإلصالح‪ ،‬وأن هذه النتيجة كانت واضحة‬
‫إحصائيا‪ .‬كام بينّ إيبارغوين بأنه سنة ‪ ،2001‬كان معدل االستخدام الشهري‬
‫لدقائق الخدمات النقالة يف غواتيامال أكرب بكثري من املعدل الوسطي يف أمريكا‬
‫الالتينية‪ 50،‬وكان الفارق يرتاوح بني ‪10‬و ‪ 60%‬بحسب ما إذا كانت الخدمة‬
‫مسبقة الدفع أو الحقة الدفع‪.‬‬
‫و قد ارتفع أيضا عدد الخطوط الثابتة حينام كانت غواتيل يف يد الدولة‪،‬‬
‫وذلك ألن الرشكة كانت متر مبرحلة من إعادة الهيكلة واالستثامر بهدف جعلها‬
‫جذابة يف أعني املستثمرين‪ .‬إال أن هذا النمو تباطأ‪ ،‬ليتوقف عند معدل ثابت‬
‫‪  50‬تحرير طيف الرتددات الالسلكية يف غواتيامال (م‪)26‬؛ ص‪.240‬‬

‫‪60‬‬

‫منذ سنة ‪ ،2007‬ومع ذلك فإن هدف تقديم مليون خط جديد (جاء تحديد‬
‫هذا الرقم بناء عىل حجم الطلب سنة ‪ ،)1996‬كان قد أنجز خالل عرشة أعوام‪،‬‬
‫وهي رسعة يف اإلنجاز مل يكن بإمكان غواتيل اململوكة للدولة أن تبلغها أبدا‪ .‬ويف‬
‫املدة ما بني ‪ 1996‬و‪ ،2010‬منا عدد خطوط الهاتف الثابت الفعلية مبقدار (‪)3.3‬‬
‫أضعاف وهي نتيجة مبهرة باملقارنة مع ما أنجز من تَق ُّدم يف األعوام السابقة‪.‬‬
‫ويضاف إىل ذلك‪ ،‬كام يشري الشكل التايل الذي يستخدم بيانات (‪ ،)SIT‬أنه‬
‫ال يوجد أي تركيز احتكاري يف قطاع الخدمات النقالة‪ ،‬ويكاد يكون هناك تسا ٍو‬
‫تقريبي يف توزيع حصص السوق بني الرشكات الثالث الكربى لتقديم الخدمات‬
‫النقالة‪ ،‬وهي‪ :‬كومسيل (‪ ،)COMCEL‬وتيليفونيكا (‪ ،)Telefónica‬وتيلغوا‬
‫(‪.)TELGUA‬‬

‫الشكل (‪ )3‬حصص ُمق ِّدمي خدمات الهواتف النقالة من السوق‬

‫التغطية الواسعة‬

‫إن منافع اإلصالح مل تكن محصورة باملدن الغواتياملية الكربى فحسب‪،‬‬
‫فعندما احتدم التنافس قام املزودون بتوسيع التغطية لتشمل املناطق الريفية‬
‫عىل امتداد البالد‪ ،‬ونتيجة لذلك أصبحت خدمات االتصاالت متاحة للمستخدم‬
‫مهام كان دخله وأينام كانت املنطقة التي يقطنها‪.‬‬
‫وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬فإن هذه التغطية الواسعة التي تشمل جميع أرجاء‬

‫‪61‬‬

‫غواتيامال تضمنت بشكل عام خدمات متقدمة (كشبكات الجيل الثالث ‪)3G‬‬
‫لتقديم إمكانية النفاذ إىل شبكة االنرتنت ذات النطاق العريض‪ .‬وعىل سبيل‬
‫املثال‪ ،‬نعرض تغطية شبكة (‪ )3G‬عرب خدمة كيندل (‪ )Kindle‬من موقع أمازون‬
‫(‪ ،)Amazon‬حيث ترينا الخريطة التالية للقارتني األمريكانيتني أماكن توفر هذه‬
‫الخدمة املتقدمة من جنوب كندا إىل األرجنتني وتشييل‪ ،‬ف ُيال َحظ أن التغطية يف‬
‫غواتيامال تفوق التغطية يف الدول املجاورة لها‪ ،‬مبا يف ذلك املكسيك التي تعترب‬
‫أكرث ثراء منها بكثري‪ ،‬كام هو الشأن بالنسبة لكل دول أمريكا الوسطى‪ .‬كام ميكن‬
‫مقارنة التغطية يف غواتيامال مع التغطية يف أكرث املناطق اكتظاظا بالسكان يف‬
‫الواليات املتحدة األمريكية‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫الشكل (‪ :)4‬التغطية املقدرة لخدمة الجيل الثالث (‪ )3G‬يف القارتني األمريكانيتني‬

‫‪63‬‬

‫التشجيع عىل اإلصالح خارج غواتيامال‬

‫مل يؤ ّد اإلصالح يف قطاع االتصاالت يف غواتيامال إىل تطور كبري يف معيشة‬
‫املواطنني هناك وحسب‪ ،‬وإمنا أدى أيضا إىل تقديم دليل ملموس للدول األخرى‬
‫بأن اإلصالح املهم القائم عىل أساس اقتصاد السوق هو من األمور املمكنة‪.‬‬
‫وبعد ميض فرتة وجيزة من اإلصالح الذي حدث يف غواتيامال سنة ‪،1996‬‬
‫قدم خوان بيلت توصياته باتباع املقاربة الغواتياملية يف السلفادور‪ .‬وبيلت‬
‫هو املسؤول عن فرع غواتيامال لوكالة (‪ )USAID‬الذي لعب دورا جوهريا‬
‫يف ترتيب اللقاء بني ألفريدو غوزمان وكارمني أوريزار وبني بابلو سبيلر‪ .‬كام إن‬
‫سبيلر وهازليت سافرا إىل السلفادور لتقديم املشورة‪ ،‬ويف الوقت نفسه‪ ،‬تواصل‬
‫آياو مع معارفه يف الدول املجاورة لرشح اإلصالح الناجح الذي شهده قطاع‬
‫االتصاالت يف غواتيامال‪.‬‬
‫كان التوقيت مناسبا‪ ،‬ففي السلفادور كان هناك قادة سياسيون يؤمنون‬
‫باإلصالح ويشغلون بالفعل أعىل املناصب الحكومية ويعملون عىل إصالح قطاع‬
‫االتصاالت‪ .‬ومن بني هؤالء القادة نذكر الرئيس السابق آرماندو كالديرون سول‬
‫(‪ ،)Armando Calderón Sol‬وخوان خوزيه دابوب (‪)Juan José Daboub‬‬
‫رئيس رشكة االتصاالت االحتكارية اململوكة للدولة (آنتيل ‪ )Antel‬الذي قاد‬
‫جهود اإلصالح يف ما بعد‪ .‬ويف سنة ‪ ،1997‬تبنت السلفادور قانونا لالتصاالت‬
‫يشبه نظريه الغواتياميل يف كونه يخلق أحد أكرث األسواق انفتاحا يف العامل‪ .‬ويف‬
‫سنة ‪ 1998‬متت خصخصة آنتيل‪ ،‬ويف نهاية تسعينيات القرن العرشين برزت‬
‫أربعة دول باعتبارها متتلك أكرث أسواق االتصاالت تحررا يف العامل‪ ،‬وهي أسرتاليا‪،‬‬
‫‪51‬‬
‫والسلفادور‪ ،‬وغواتيامال‪ ،‬ونيوزيلندا‪.‬‬

‫التحديات‬

‫كام هو حال أي مسعى سيايس‪ ،‬مل يكن اإلصالح يف قطاع االتصاالت يف‬
‫غواتيامال خاليا من النواقص‪ .‬ورمبا ميكن القول بأن التحدي األكرب الذي واجهه‬
‫كان يتمثل يف عملية فرض حقوق حاميل صكوك االنتفاع (‪ ،)TUF‬وباألخص‬
‫يف مجال املوجات التي تستخدمها إذاعات موجة (‪ .)FM‬فقبل اإلصالح مبدة‬
‫‪  51‬حقوق امللكية املتعلقة بطيف الرتددات يف غواتيامال والسلفادور (م‪)25‬؛ ص‪.563-598‬‬

‫‪64‬‬

‫طويلة‪ ،‬كانت قرصنة البث اإلذاعي تعترب من املشاكل التي تعاين منها غواتيامال‪،‬‬
‫وبعد اإلصالح مل تكن الجهود الحكومية فعالة يف حامية حقوق حاميل صكوك‬
‫االنتفاع (‪ )TUF‬من القراصنة الذين يقومون بالبث املتعمد عىل موجات‬
‫تستخدمها محطات البث (‪ .)FM‬إن قانون االتصاالت العام ينص بوضوح عىل‬
‫أن مكتب اإلرشاف عىل قطاع االتصاالت (‪ )SIT‬يتوىل مسؤولية حامية حقوق‬
‫حاميل صكوك االنتفاع (‪ ،)TUF‬لكن هذا املكتب هو يف الوقت نفسه مجرد‬
‫وكالة حكومية تتبع لوزارة االتصاالت ويقع تحل وطأة الضغط السيايس‪ ،‬وإذا‬
‫أخذنا بالحسبان أن بعض أعضاء الربملان يتعاطفون مع االستخدام غري القانوين‬
‫لطيف الرتددات من قبل أطراف بعينها (بعض املجموعات الدينية تبث عىل‬
‫ترددات إذاعية دون أن متلك صكوك انتفاع بها) فليس من املفاجئ أن نرى بأن‬
‫الضغط عىل مكتب (‪ )SIT‬مل ِ‬
‫يجد نفعا‪.‬‬
‫لكنه من املثري لالهتامم أيضا مام يثري القدر نفسه من االهتامم أن نجد‬
‫تحديات إصالحات قطاع االتصاالت يف غواتيامال وهي تقترص عىل املشكلة‬
‫السابقة فحسب‪ ،‬وهي مشكلة تسبق جهود اإلصالح؛ وهذه النتيجة (ال تتوافق)‬
‫مع ما توقعه العديد من الخرباء قبل اإلصالح‪ ،‬حيث كان الكثري منهم يرى بأن من‬
‫الخطأ منح حق النفاذ إىل طيف الرتددات لكل من يطلبه‪ ،‬أو تأسيس قواعد حد‬
‫أدىن يف كيفية استخدام طيف الرتددات‪ ،‬أو االمتناع إجامال عن استخدام وكالة‬
‫تنظيمية «إلدارة» استخدام طيف الرتددات‪ ،‬بل إن هناك من الخرباء الدوليني‬
‫من كان يرى بأن مثل هذه املقاربة من شأنها التسبب بتكاليف تعامل عالية‪،‬‬
‫وهذا إن مل تتسب أصال «بفوىض» عارمة يف السوق‪ .‬لكن‪ ،‬وكام الحظنا‪ ،‬جاءت‬
‫النتيجة مختلفة بشكل كامل‪ ،‬وصبت يف صالح املستهلك عىل وجه التحديِد‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫خامسا‪ .‬الدروس‬

‫السبيل إىل إصالح ناجح‬

‫تشري النتائج إىل أن عملية اإلصالح يف قطاع االتصاالت يف غواتيامال قد‬
‫أحرزت نجاحا عظيام‪ .‬فالنفاذ السهل إىل طيف الرتددات خلق سوقا تنافسيا‪،‬‬
‫والتنافس أدى إىل خفض األسعار‪ ،‬واألسعار املنخفضة أتاحت خدمات االتصاالت‬
‫لجميع املستخدمني عىل امتداد البالد حتى يف صفوف أقل الرشائح دخال‪ ،‬بل إن‬
‫هذه الخدمات بأسعارها املتاحة للجميع‪ ،‬وصلت إىل الكثريين ممن يعيشون يف‬
‫املناطق الريفية النائية ألن التنافس حفز مزودي الخدمات عىل توسيع التغطية‬
‫بحثا عن املزيد من الزبائن‪ .‬لقد أدت هذه املنافع إىل تغيري حياة املاليني التي‬
‫كان فقرها أو بعدها مينعها من الحصول عىل النفاذ إىل خدمات اتصال أساسية‪،‬‬
‫وخلقت فرصا اقتصادية وغري اقتصادية مل تكن‪ ،‬بكل بساطة‪ ،‬موجودة من قبل‪.‬‬
‫ويضاف إىل ذلك أمر آخر‪ ،‬وإن كان من السهل أن يغيب عن األذهان‪ ،‬وهو أنه‬
‫يكاد ال يوجد أي صوت ينادي بالعودة إىل املنظومة القدمية‪.‬‬
‫إن األشخاص الذين جعلوا هذا اإلصالح حقيقة واقعة قد ترصفوا كام يترصف‬
‫املستثمر الريادي‪ ،‬حيث بحثوا عن سبل لخلق القيمة للمستهلك‪ ،‬وبدال من‬
‫خدمة املستهلك عرب االبتكار يف مجال تقديم سلع أو خدمات أفضل يف السوق‬
‫فقد بحث هؤالء عن سبل مبتكرة إلصالح البيئة السياسية والتنظيمية لتوفري‬
‫االتصاالت يف غواتيامال‪ ،‬وقد أدى هذا اإلصالح بدوره إىل خلق الظروف املالمئة‬
‫الزدهار التنافس وجعل املستهلك يتمتع مبنافع هائلة‪.‬‬
‫لقد أسهمت أربعة عنارص توعوية يف نجاح هذا اإلصالح‪ ،‬ورمبا ميكننا أن‬
‫نستمد منها دروسا ملن يرغب يف السعي خلف مغامرات مامثلة يف املستقبل‪،‬‬
‫وهي‪:‬‬

‫‪66‬‬

‫‪.1‬‬
‫‪.2‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪.4‬‬

‫‪1‬تشارك املصلحون مبادئ يؤمنون بها بشدة‪ ،‬ومحاولة تطبيقها‪.‬‬
‫‪2‬امتلك املصلحون اسرتاتيجية فعالة يف التعامل مع التحديات‬
‫السياسية والقانونية والتقنية‪.‬‬
‫‪3‬كان هناك درجة عالية من الثقة بني املنخرطني يف املجهود‬
‫اإلصالحي‪.‬‬
‫‪4‬كانت هناك عزمية سياسية لتحقيق التغيري‪.‬‬

‫‪ .1‬املبادئ‬

‫بدأ املصلحون يف غواتيامال عملهم عىل أساس مجموعة واضحة من املبادئ‬
‫الفلسفية ومع فهم محدد لالقتصاد‪ ،‬وقد شكلت هذه املبادئ األساس الذي قام‬
‫عليه اإلصالح يف ما بعد‪ ،‬كام جعلتهم هذه املبادئ يتخطون الحدود القانونية‬
‫القامئة والحلول الروتينية التي تفضلها الدول األغنى أو املنظامت الدولية‪ ،‬وهي‬
‫التي يفرتض بها أن متتلك أحدث الحلول السياسية‪ ،‬أو السياسيون الذين مل‬
‫يقوموا إال بإضافة بعض التفاصيل الصغرية لِام دأبوا عىل فعله يف السابق‪.‬‬
‫لكن هذه املبادئ مل تكن مجدية يف حال عدم شق طريقها نحو التطبيق‪.‬‬
‫ومن حسن الحظ أن شخصني كجيانكارلو إيبارغوين وألفريدو غوزمان اجتمعا‬
‫سوية لصياغة اإلصالح‪ ،‬حيث ك ّون إيبارغوين فكرة اإلصالح بعد الكثري من‬
‫البحث وضمن البيئة التي صقلها مانويل آياو يف مركز الدراسات االجتامعية‬
‫واالقتصادية (‪ ،)CEES‬وانطلق إىل وضع الخطوط العريضة لخطته ثم عرضها‬
‫كمقرتح أويل‪ ،‬أما غوزمان الذي كان يشغل منصبا ميكّنه من تنفيذ اإلصالح‬
‫فقد استلم الفكرة وصقلها وقدمها للجهات القادرة عىل تقييمها تقنيا ووضع‬
‫الصياغة النهائية لها‪.‬‬
‫ومن الجدير بالذكر أن غوزمان وفريقه مل يكتفوا بتشارك املبادئ التي تأسس‬
‫عليها اإلصالح‪ ،‬وإمنا كانوا يعرفون أيضا تأثريات تطبيق اإلصالح عىل سياسة‬
‫قطاع االتصاالت‪ :‬كالنفاذ السهل إىل طيف الرتددات‪ ،‬واالكتفاء بأدىن حد ممكن‬
‫من القيود عىل عمل الجهات املشغلة للخدمات‪ ،‬وعدم تقديم الحامية للمزود‬
‫القائم عىل عمله والحرص عىل َخوضه للتنافس الفوري بدال من تأجيل ذلك إىل‬
‫أجل غري مسمى‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫‪ .2‬االسرتاتيجية‬

‫فكر املصلحون يف غواتيامال بشكل مبتكر يف ربط مبادئهم بالسياسات من‬
‫خالل ترجمة أفكارهم إىل معادلة متينة ميكن تطبيقها ضمن الظروف الخاصة‬
‫التي كانت تعيشها البالد يف ذلك الوقت؛ فعملوا مع مركز دراسات آخر‪ ،‬وهو‬
‫مركز األبحاث االقتصادية الوطنية (‪ ،)CIEN‬عىل تفاصيل القضايا التقنية وصياغة‬
‫حلول دقيقة من أجل إصالح قطاع االتصاالت بفعالية‪ .‬ويف هذه املرحلة عمل‬
‫غوزمان وأوريزار مع خرباء فنيني وقانونيني كانوا عىل اطالع بتفاصيل القضية‪،‬‬
‫كام عملوا مع عدة مسؤولني من الوكاالت الدولية‪ ،‬لكن املقرتح اإلصالحي ُولِد‬
‫يف غواتيامال وشهد فيها كل مراحل منوه تقريبا‪ ،‬ومل يستَعن املصلحون بوكاالت‬
‫دولية أو خرباء أجانب يسألونهم عام يجدر بهم فعله‪.‬‬
‫لقد كانت اسرتاتيجية تطبيق اإلصالح ذات أهمية فائقة‪ ،‬فقد تم أوال إلغاء‬
‫الضوابط املفروضة عىل السوق‪ ،‬ثم انتقلوا إىل خصخصة الرشكة اململوكة للدولة‪،‬‬
‫وهذا الرتتيب له أهميته‪ ،‬فخصخصة الرشكة االحتكارية اململوكة للدولة قبل‬
‫إلغاء ضوابط السوق من شأنه أن يخلق محفزات لدى الرشكة االحتكارية‬
‫الناشئة بأن تحشد الدعم ضد عملية إلغاء الضوابط‪ ،‬وهي عملية تقوم عىل‬
‫أساس السوق وتصب يف صالح املستهلك‪.‬‬
‫إن اسرتاتيجية تبادل األفكار بشأن هذا اإلصالح ال تقل أهمية عن النقطة‬
‫السابقة‪ ،‬فوسائل اإلعالم والعموم كانا يشعران بالشك إزاء األسواق والخصخصة‪،‬‬
‫ومل يكن لديهم اهتامم كبري بالرشح ذي املراحل املتعددة للكيفية التي‬
‫سيستفيدون بها من اإلصالح‪ .‬لكن العموم كانوا يف الوقت نفسه يكرهون الرشكة‬
‫االحتكارية اململوكة للدولة‪ ،‬والتي كانت تشكل عبئا يعاين منه الجميع يف كافة‬
‫أنحاء البالد‪ ،‬وقد أدى هذا التذمر من الوضع السائد إىل توفري الفرصة لرسد قصة‬
‫مل يكن أحد ليسمعها لوال ذلك‪ ،‬وقد أحسن املصلحون يف رسدها‪.‬‬

‫‪ .3‬الثقة‬

‫من السهل إغفال قيمة الفريق الذي تسوده الثقة‪ ،‬أما غوزمان فقد كان يرى‬
‫أن من الرضوري أن يكون إىل جانبه نائب يشاركه مبادئه وميكن االعتامد عليه‪،‬‬
‫وكان هذا الشخص هو جيوفاين موسيال‪ ،‬وهو صديق لغوزمان يحظى بثقته‬

‫‪68‬‬

‫وميلك اطالعا عاليا‪ ،‬فوقعت عىل عاتقه مسؤولية إدارة الشؤون اليومية لعمل‬
‫رشكة االتصاالت بينام كان غوزمان منشغال مبعاركه السياسية‪ .‬ثم ساند غوزمان‬
‫يف إدارة األمالك املتبقية من غواتيل عندما أصبح غوزمان رئيس تيلغوا ومديرها‬
‫العام‪ ،‬وذلك من أجل تسهيل عملية التحويل والحد من خطر اإلخفاق السيايس‬
‫بسبب هذا الكيان الذي كان يف السابق احتكارية مملوكة للدولة‪.‬‬
‫وبشكل مشابه‪ ،‬كان آياو وإيبارغوين ومايورا وأوريزار يتشاطرون مبادئ‬
‫تعزيز األسواق لخدمة املستهلك‪ ،‬والتزموا بإرساء محور العملية اإلصالحية عىل‬
‫أساس هذه املبادئ‪ ،‬وهذا يعني بأن غوزمان كان يستطيع التوجه إليهم طلبا‬
‫للنصيحة يف اللحظات الحرجة‪.‬‬

‫‪ .4‬العزمية‬

‫أخريا‪ ،‬مل يكن النجاح ليكون ممكنا لوال عزمية تنفيذ هذا املرشوع املبتكر‬
‫ومواجهة الصعوبات واألصوات املعارضة يف تلك األثناء‪ .‬وأكرث ما يالحظ يف هذا‬
‫السياق هو إميان ألفريدو غوزمان بأنه يف نهاية املطاف «سيحدث أمر ما» يف‬
‫غواتيامال‪ ،‬ومل يتزحزح أبدا عن هذا اإلميان‪ ،‬واستطاع االعتامد عىل الدعم الكامل‬
‫من الرئيس آرزو‪ ،‬ونائب الرئيس لويس فلوريس أستورياس‪ ،‬وحزبهام طول تلك‬
‫‪52‬‬
‫املدة‪.‬‬
‫لقد لعب هذا الدعم السيايس دورا حاسام يف حاالت عديدة‪ ،‬ومنها عندما‬
‫قام الرئيس آرزو املنتخب حديثا بتعيني غوزمان عىل رأس رشكة غواتيل‪ ،‬وعندما‬
‫قامت رشكة االتصاالت الجديدة بإنشاء حقوق شبيهة بحقوق امللكية يف ما يخص‬
‫طيف الرتددات وأرص غوزمان عىل أن يقوم املشغلون التجاريون بالحصول عىل‬
‫هذه الحقوق عرب املزاد‪ ،‬وعندما حان الوقت لخصخصة الرشكة املزودة اململوكة‬
‫للدولة وكان هناك ضغط لخلق احتكارية خاصة بدال من السوق املفتوحة‪،‬‬
‫وعندما مل تكن نتيجة املزاد األول مقبولة‪.‬‬

‫‪  52‬يجب توجيه الشكر هنا إىل كارمني أوريزار ملساعدتها يف هذا التحليل أثناء املقابلة التي أجريناها معها يف ‪2‬‬
‫مارس ‪.2011‬‬

‫‪69‬‬

‫الدروس النهائية‬

‫ويف النهاية‪ ،‬وعىل مستوى أكرث شمولية‪ ،‬ميكن القول بأن تجربة اإلصالح‬
‫يف قطاع االتصاالت يف غواتيامال تقدم درسا بسيطا ومهام يف الوقت نفسه ملن‬
‫يسعى إىل تحسني الظروف يف أي مكان‪ .‬فاإلصالح القائم عىل أساس السوق‬
‫ميكنه أن يقدم منافع هائلة للمستهلكني‪ ،‬وإن كيفية إنجاز هذا اإلصالح تختلف‬
‫باختالف املكان والزمان‪ ،‬ويف معظم األحيان سيتحقق النجاح بسبب تظافر عدة‬
‫عنارص‪ ،‬منها‪ :‬املبادئ الهادية‪ ،‬واألفكار الجيدة‪ ،‬والتحضري الجاد‪ ،‬والتنبه للفرص‪،‬‬
‫والعمل مع فريق جدير بالثقة‪.‬‬
‫ويف نهاية املطاف‪ ،‬يعتمد النجاح عموما عىل مزيج سعيد من هذه العنارص‬
‫ومن التواجد يف املكان املناسب ويف الوقت املناسب‪ ،‬وهذا ما دعوناه “الحظ”‬
‫يف بداية الكتاب حني تكلمنا عن مستكشفي القطب الجنويب‪ .‬وكام حدث مع‬
‫هؤالء املستكشفني‪ ،‬فإن القامئني عىل اإلصالح يف غواتيامال فعلوا كل ما بوسعهم‬
‫لزيادة فرص النجاح‪ ،‬أمال منهم يف تحقيق إصالحات تحسن حياة مواطنيهم‪ .‬إنها‬
‫قصة تستحق الرسد‪ ،‬وهي يف الوقت نفسه تجربة تستحق االستنساخ‪.‬‬

70

‫بيبليوغرافيا‬
Aker, Jenny, and Isaac Mbiti. “Mobile Phones and Economic Development in Africa.” Journal of Economic Perspectives 24, no. 3
(Summer 2010): pp. 207–32.
Amundsen, Roald. The South Pole. Adelaide, Australia: University
of Adelaide, 2006. eBooks@Adelaide. First published 1912.
Benegas Lynch (h), Alberto, and Martin Krause. Proyectos para
una sociedad abierta. Buenos Aires: Abeledo Perrot, 1993.
Centro de Investigaciones Económicas Nacionales (CIEN). “Comunicaciones.” Infraestructura para el tercer milenio (Guatemala)
año 1, edición 3 (1999).
Coase, Ronald. “The Federal Communications Commission.” Journal of Law and Economics 2 (October 1959): pp. 1–40.
———. “The Problem of Social Cost.” Journal of Law and Economics 3 (October 1960): pp. 1–44.
Fontaine, Ernesto. Mi visión. Prologue by Arnold Harberger. Santiago, Chile: Instituto Democracia y Mercado / Universidad del
Desarrollo, 2009.
Hazlett, Thomas W. “Assigning Property Rights to Radio
Spectrum Users: Why Did FCC License Auctions Take 67
Years?” Journal of Law and Economics 41, no. 2 (1998): pp.
529–76.
———. “Property Rights and Wireless License Values.” Journal of
Law and Economics 51, no. 3 (August 2008): pp. 563–98.
———. “The Wireless Craze, the Unlimited Bandwidth Myth, the
Spectrum Auction Faux Pas, and the Punchline to Ronald Coase’s
‘Big Joke’: An Essay on Airwave Allocation Policy.” Harvard
Journal of Law and Technology Policy 14, no. 2 (Spring 2001): pp.
335–567.

71

Hazlett, Thomas W., Giancarlo Ibárgüen, and Wayne Leighton.
“Property Rights to Radio Spectrum in Guatemala and El Salvador:
An Experiment in Liberalization.” Review of Law & Economics 3,
no. 2 (2007): pp. 437–84.
Ibárgüen S., Giancarlo. “La liberalización del espectro radioeléctrico en Guatemala.” In Constitución, socialismo y mercantilismo
en América Latina. Ensayos en honor a Nicomedes Zuloaga, edited
by Hugo Faría B. and Leonor Filardo. Caracas: CEDICE, 2008.
———. [Legislative bill proposal] “Ley de Radiofrecuencias.”
Guatemala, n.d.
———. “Liberating the Radio Spectrum in Guatemala.” Telecommunications Policy 27, no. 7 (2003): pp. 543–54.
Jensen, Robert. “The Digital Provide: Information (Technology),
Market Performance, and Welfare in the South Indian Fisheries
Sector.” Quarterly Journal of Economics 122, no. 3 (August 2007):
pp. 879–924.
Kathuria, Rajat, Mahesh Uppal, Mamta, et al. “India: The Impact of Mobile Phones.” Vodafone Policy Paper Series, no.
9 (January 2009). Available at www.vodafone.com/publicpolicyseries.
Pirie, Madsen. Teoría y práctica de la privatización. Guatemala:
CEES, 1997.
Sabino, Carlos. El fracaso del intervencionismo: Apertura y libre
mercado en América Latina. Caracas: Editorial Panapo, 1999.
———. Guatemala: Dos paradojas y una incógnita. Guatemala:
CIEN-ATLAS, 1999.
Scott, Robert Falcon. Journals: Captain Scott’s Last Expedition.
New York: Oxford University Press, 2005.
Torres, Gerver. ¿Quiénes ganan? ¿Quiénes pierden? La privatización en Venezuela. Caracas: Artes Gráficas Consolidado, 1994.
Urízar, Carmen. “Competencia y regulación en las telecomunicaciones: El caso de Guatemala.” Paper presented at IDRC (CDRI)
and CEPAL, 2007.

72

———. “Un marco conceptual para la regulación económica en
Guatemala (telecomunicaciones y electricidad).” Revista de Estudios Sociales (Universidad Rafael Landívar, Guatemala), no. 69
(2003). Vargas Llosa, Mario. El pez en el agua: Memorias. Barcelona: Seix Barral, 1993.
Waverman, Leonard, Meloria Meschi, and Melvyn Fuss. “The Economic Impact of Telecoms on Growth in Developing Countries.”
Vodafone Policy Paper Series, no. 3 (March 2005).
Interviews

Those interviewed for this project include Álvaro Arzú, Alfredo Guzmán, Thomas Hazlett, Giancarlo Ibárgüen, Eduardo
Mayora, and Carmen Urízar.

‫‪73‬‬

‫ملحق‬
‫مثال عن صك لحقوق االنتفاع يف غواتيامال‪.‬‬

‫ملا يستحق إصالح قطاع االتصاالت يف غوتيامال الدراسة؟‬

‫اعتمدت غوتيامال سنة ‪ 6991‬أحد قوانني االتصاالت األكرث دعام للتنافسية وحرية السوق يف العامل‪ ،‬حيث تم‬
‫تحرير حقوق امللكية وفتح السوق بشكل كامل أمام املنافسة‪ .‬قال النقاد حينها أن هذا النهج «الراديكايل» يف‬
‫اإلصالح سيؤدي بالسوق إىل «الفوىض»‪ ،‬لكن شيئا من ذلك مل يحدث وباملقابل اشتدت املنافسة وانخفضت‬
‫األسعار واستفاد املستهلكون من األمر‪ .‬تحيك دراسة الحالة هذه عن مآالت هذا اإلصالح الذي ُووجه بالشك‬
‫الفعيل واملعارضة الكبرية‪.‬‬

‫عن منتدى أنتيغوا‬

‫منتدى أنتيغوا هو مرشوع يف جامعة فرانسيسكو ماروكني‪ ،‬يهدف إىل تعزيز اإلصالحات الليربالية للسوق‬
‫التي تهدف إىل تحسني مستوى العيش‪ .‬يحتوي املرشوع مكونيني أساسيني‪ ،‬األول هو املنتدى السنوي‬
‫لإلصالحيني واملثقفني ورجال األعامل أصحاب املشاريع التي تُعطّل النامذج واملؤسسات املتواجدة وغري‬
‫الفعالة‪ ،‬والثاين يتشكل من مجموعة من املوارد التكميلية‪ ،‬مبا يف ذلك عدد من دراسات الحالة‪.‬‬

‫وين الينت‬

‫ ‬
‫ ‬
‫ ‬

‫ ‬

‫•أستاذ علم االقتصاد يف‬
‫جامعة فرانتشيسكو‬
‫ماروكني (‪.)UFM‬‬
‫•املدير التنفيذي ملنتدى‬
‫أنتيغوا‪.‬‬
‫•أمىض عرش سنوات يف مواقع استشارية مرموقة‬
‫لدى‪ :‬مفوضية االتصاالت الفيدرالية األمريكية‪،‬‬
‫لجنة مجلس الشيوخ األمرييك للمصارف‬
‫واإلسكان والشؤون الحرضية‪.‬‬
‫•اشرتك مع إدوارد لوبيز يف تأليف كتاب بعنوان‪:‬‬
‫(مجانني ومفكرون وأكادمييون مغمورون‪..‬‬
‫املحرك االقتصادي للتغيري السيايس)‪.‬‬

‫المركز العلمي العربي لألبحاث‬
‫والدراسات االنسانية‬

‫‪www.arab-csr.org‬‬

‫كارلوس سابينو‬
‫ ‬

‫ ‬
‫ ‬
‫ ‬

‫•أستاذ علم االجتامع‬
‫والتاريخ يف جامعة‬
‫فرانتشيسكو ماروكني‬
‫(‪.)UFM‬‬
‫•أمىض عقودا يف دراسة‬
‫•قضايا اقتصادية وسياسية يف أمريكا الالتينية‪.‬‬
‫•من بني كتبه املرموقة‪( :‬إخفاق التدخلية)‪،‬‬
‫و(بناء اإلجامع عىل فنزويال حرة)‪،‬‬
‫و(غواتيامال‪ ..‬التاريخ الذي أسكتوه) وهو‬
‫دراسة يف جزأين للحرب األهلية الغواتياملية‪.‬‬